{"ً":{"ٌ":151008,"ٍ":"الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية\nالمؤلف: د. عبد الله خضر حمد\nالناشر: دار القلم، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nعدد الأجزاء: ٨\n[منشور إلكترونيا فقط]","ْ":"[الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية - عبد الله خضر]\n\nتفسير للقرآن الكريم، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والآثار الغالب عليها الصحة.\n\n• يعتمد على التفسير بالمأثور الثابت عن رسول الله ﷺ أو صحابته الكرام، أو التابعين.\n• يضيف الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله.\n• يعرض عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين.\n• يهتم باللغة وعلومها ويحتكم كثيرًا عند الترجيح والاختيار إلى المعروف من كلام العرب ويعتمد على أشعارهم ويرجع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية.\n• يقدر الإجماع ويعطيه اعتبارا كبيرًا في اختيار ما يذهب إليه ويرتضيه.\n• يتبع مذهب السلف في إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه ولا تعطيل.","ٓ":"1.0","ٔ":3037,"ٕ":3,"ٖ":1770156244,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"المنهج في التفسير","level":2,"page":5},{"title":"الفصل الأول مهاد عام حول علوم القرآن","level":2,"page":17},{"title":"توطئة","level":3,"page":17},{"title":"القرآن في اللغة","level":4,"page":17},{"title":"فوائد معرفة علوم القرآن","level":4,"page":18},{"title":"القرآن لغة واصطلاحا","level":4,"page":19},{"title":"١ - تعريف القرآن لغة","level":5,"page":19},{"title":"٢ - تعريف القرآن في الاصطلاح","level":5,"page":21},{"title":"شرح محترزات وقيود التعريف","level":5,"page":23},{"title":"أولا: - مفهوم الوحي","level":3,"page":24},{"title":"الوحي لغة","level":4,"page":24},{"title":"الوحي في الاصطلاح الشرعي","level":4,"page":28},{"title":"أنواع الوحي الإلهي","level":4,"page":28},{"title":"أنواع الوحي","level":4,"page":28},{"title":"الفرق بين الوحي والإلهام","level":4,"page":29},{"title":"النبي والرسول والفرق بينهما","level":4,"page":30},{"title":"شبه الجاحدين للوحي والرد عليها","level":4,"page":31},{"title":"ثانيا: - نزول القرآن","level":3,"page":32},{"title":"يطلق الإنزال في اللغة على معنيين","level":4,"page":32},{"title":"إنزال القرآن فيها توجيهان","level":4,"page":32},{"title":"تنزلات القرآن الكريم","level":4,"page":33},{"title":"الحكمة من تنجيم القرآن","level":4,"page":42},{"title":"الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي","level":5,"page":42},{"title":"الحكمة الثانية: التدرج في التشريع","level":5,"page":45},{"title":"الحكمة الثالثة: بيان بلاغة القرآن الكريم فقد نزل مفرقا في ثلاثة وعشرين عاما","level":5,"page":46},{"title":"الحكمة الرابعة: مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها","level":5,"page":46},{"title":"الحكمة الخامسة:: تنبيه المسلمين من وقت لآخر لأخطائهم التي وقعوا فيها وكيفية تصحيحها","level":5,"page":47},{"title":"الحكمة السادسة: توثيق وقائع السيرة النبوية المباركة والتاريخ","level":5,"page":48},{"title":"الحكمة السابعة: معرفة الناسخ والمنسوخ","level":5,"page":48},{"title":"الحكمة الثامنة: تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية","level":5,"page":48},{"title":"وقت نزول القرآن الكريم","level":4,"page":49},{"title":"١ - الآيات والسور المتفق على نزولها ليلا","level":5,"page":49},{"title":"أولا: أواخر آل عمران","level":6,"page":49},{"title":"ثانيا: آيات الثلاثة الذين خلفوا من سورة التوبة","level":6,"page":49},{"title":"ثالثا: أول سورة الفتح","level":6,"page":50},{"title":"رابعا: صدر سورة العلق","level":6,"page":50},{"title":"خامسا وسادسا: المعوذتان","level":6,"page":51},{"title":"٢ - الآيات والسور المختلف في نزولها ليلا","level":5,"page":52},{"title":"أولا: آيات تحويل القبلة","level":6,"page":52},{"title":"ثانيا: آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾","level":6,"page":53},{"title":"ثالثا: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ من سورة المائدة","level":6,"page":54},{"title":"رابعا: سورة الأنعام","level":6,"page":54},{"title":"خامسا: سورة مريم","level":6,"page":54},{"title":"سادسا: أول الحج","level":6,"page":55},{"title":"سابعا: آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب","level":6,"page":55},{"title":"ثامنا: قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾","level":6,"page":56},{"title":"تاسعا: سورة المنافقون","level":6,"page":56},{"title":"عاشرا: سورة المرسلات","level":6,"page":57},{"title":"مدة نزول القرآن الكريم","level":4,"page":58},{"title":"يوم إنزال القرآن","level":4,"page":61},{"title":"شهر إنزال القرآن الكريم","level":4,"page":61},{"title":"مقدار التنزيل","level":4,"page":65},{"title":"ثالثا: - مراحل جمع القرآن الكريم وترتيبه","level":3,"page":66},{"title":"جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -﵁-","level":4,"page":68},{"title":"جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁","level":4,"page":69},{"title":"رابعا: - المكي والمدني","level":3,"page":69},{"title":"للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات","level":4,"page":69},{"title":"الاصطلاح الأول: باعتبار المكان","level":5,"page":69},{"title":"الاصطلاح الثاني: باعتبار المخاطب","level":5,"page":70},{"title":"الاصطلاح الثالث: باعتبار زمن النزول","level":5,"page":70},{"title":"الطريق إلى معرفة المكي والمدني","level":4,"page":70},{"title":"المنهج الأول: السماعي النقلي","level":5,"page":70},{"title":"المنهج الثاني: القياس الاجتهادي","level":5,"page":71},{"title":"أولا: ضوابط القرآن المكي هي","level":6,"page":71},{"title":"ثانيا: مميزات القرآن المكي","level":6,"page":71},{"title":"ثالثا: ضوابط القرآن المدني","level":6,"page":72},{"title":"رابعا: - مميزان القرآن المدني","level":6,"page":72},{"title":"وللسور المدنية مميزات، منها","level":7,"page":72},{"title":"فوائد معرفة المكي والمدني","level":7,"page":72},{"title":"خامسا: - أسباب النزول","level":5,"page":73},{"title":"طريق معرفة سبب النزول","level":6,"page":74},{"title":"أقسام أسباب النزول","level":6,"page":74},{"title":"فوائد معرفة سبب النزول","level":6,"page":75},{"title":"١ - الاستعانة على فهم الآية وإزالة الإشكال عنها","level":7,"page":75},{"title":"٢ - معرفة الحكمة من تدرج التشريع","level":7,"page":77},{"title":"٣ - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب","level":7,"page":77},{"title":"سادسا: - المحكم والمتشابه في القرآن الكريم","level":5,"page":77},{"title":"سابعا- الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم","level":5,"page":79},{"title":"أهمية النسخ في التفسير","level":6,"page":80},{"title":"ثامنا: - القراءات","level":5,"page":81},{"title":"القراءات لغة واصطلاحا","level":6,"page":82},{"title":"نشأة القراءات","level":6,"page":82},{"title":"والأحاديث المتواترة الواردة حول نزول القرآن على سبعة أحرف تدل على ذلك","level":6,"page":82},{"title":"أقسام القراءات وبيان ما يقبل منها ومالا يقبل","level":6,"page":83},{"title":"فوائد اختلاف القراءات","level":6,"page":85},{"title":"التعريف بالقراء الأربعة عشر ورواتهم","level":6,"page":86},{"title":"أولا: القراء العشرة ورواتهم","level":7,"page":86},{"title":"١ - ابن عامر","level":8,"page":86},{"title":"٢ - ابن كثير","level":8,"page":87},{"title":"٣ - عاصم","level":8,"page":88},{"title":"٤ - أبو عمرو","level":8,"page":88},{"title":"٥ - حمزة","level":8,"page":89},{"title":"٦ - نافع","level":8,"page":89},{"title":"٧ - الكسائى","level":8,"page":90},{"title":"٨ - أبو جعفر","level":8,"page":91},{"title":"٩ - يعقوب","level":8,"page":91},{"title":"١٠ - خلف","level":8,"page":91},{"title":"السبب الداعى للاقتصار على القراء المشهورين","level":8,"page":92},{"title":"ثانيا: القراء الأربعة تتمة الأربعة عشر","level":7,"page":92},{"title":"١ - أبو الحسن البصرى","level":8,"page":92},{"title":"٢ - ابن محيصن","level":8,"page":93},{"title":"٣ - يحيى اليزيدى","level":8,"page":93},{"title":"٤ - الأعمش","level":8,"page":93},{"title":"حكم ما وراء القراءات العشر","level":8,"page":93},{"title":"تاسعا: - الإسرائيليات","level":5,"page":94},{"title":"أسباب دخول الإسرائيليات في المجتمع الإسلامي","level":6,"page":95},{"title":"حكم الإسرائيليات","level":6,"page":95},{"title":"عاشرا: تفسير القرآن وشرفه","level":5,"page":95},{"title":"المنهج الأمثل في تفسير القرآن","level":6,"page":96},{"title":"١ - تفسير القرآن بالقرآن","level":7,"page":96},{"title":"٢ - تفسير القرآن بالسنة","level":7,"page":97},{"title":"٣ - الانتفاع بتفسير الصحابة والتابعين","level":7,"page":97},{"title":"٤ - الأخذ بمطلق اللغة","level":7,"page":97},{"title":"٥ - مراعاة السياق","level":7,"page":98},{"title":"٦ - الاهتمام بعلوم القرآن إجمالا وخاصة سبب النزول","level":7,"page":98},{"title":"٧ - اعتبار القرآن أصلا يرجع إليه","level":7,"page":98},{"title":"حادي عشر: - إعجاز القرآن","level":5,"page":98},{"title":"أ- الإعجاز البياني","level":6,"page":99},{"title":"ب- الإعجاز التشريعي","level":6,"page":99},{"title":"ومن نماذج من الإعجاز التشريعي","level":7,"page":99},{"title":"ت- الإعجاز العلمي","level":6,"page":100},{"title":"الثاني عشر: ترجمة القرآن الكريم بغير لغته","level":5,"page":104},{"title":"أقسام الترجمة","level":6,"page":104},{"title":"أولا: الترجمة الحرفية","level":7,"page":104},{"title":"ثانيا: الترجمة المعنوية والتفسيرية","level":7,"page":104},{"title":"موقف العلماء من ترجمة القرآن الكريم","level":6,"page":104},{"title":"أولا: الترجمة الحرفية لا تجوز وذلك","level":7,"page":104},{"title":"ثانيا: الترجمة التفسيرية أو المعنوية","level":7,"page":105},{"title":"شروط الترجمة","level":6,"page":105},{"title":"الثالث عشر: فضائل القرآن","level":5,"page":106},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":110},{"title":"أولا: - أنواع التفسير","level":3,"page":110},{"title":"١ - التفسير بالمأثور (بالرواية)، وأقسامه","level":4,"page":112},{"title":"أقسام التفسير بالرواية","level":5,"page":114},{"title":"أ- تفسير القرآن بالقرآن","level":6,"page":114},{"title":"ب- تفسير القرآن بالسنة","level":6,"page":114},{"title":"ت- تفسير القرآن بقول الصحابي","level":6,"page":115},{"title":"ث- تفسير القرآن بقول التابعي","level":6,"page":115},{"title":"أشهر تفاسير القرن الثالث والرابع","level":5,"page":118},{"title":"ومن هذه التفاسير الموسوعية أيضا","level":6,"page":119},{"title":"٢ - التفسير بالدراية","level":4,"page":123},{"title":"٣ - التفسير الإشاري","level":4,"page":127},{"title":"آراء العلماء التي نسترشد بها في تحديد شروط قبول التفسير الإشاري","level":5,"page":131},{"title":"١ - رأى ابن الصلاح","level":6,"page":131},{"title":"٢ - رأى الشاطبى","level":6,"page":132},{"title":"٣ - رأى تاج الدين بن عطاء الله","level":6,"page":132},{"title":"٤ - رأى حاجى خليفة","level":6,"page":132},{"title":"٥ - رأى سعد الدين التفتازانى","level":6,"page":132},{"title":"٦ - رأى محى الدين ابن عربي","level":6,"page":133},{"title":"٧ - رأي أبي حامد الغزالي","level":6,"page":133},{"title":"٨ - رأي الأستاذ محمد عبد العظيم الرزقانى","level":6,"page":133},{"title":"٩ - رأي الأستاذ محمد حسين الذهبي","level":6,"page":134},{"title":"١٠ - رأي الدكتور محمد كمال جعفر","level":6,"page":134},{"title":"أمثلة على التفسير الإشاري","level":5,"page":137},{"title":"ثانيا: - اتجاهات التفسير","level":3,"page":138},{"title":"١ - الاتجاه اللغوي","level":4,"page":138},{"title":"٢ - الاتجاه العلمي","level":4,"page":139},{"title":"٣ - الاتجاه الموضوعي","level":4,"page":140},{"title":"٤ - الاتجاه الفقهي","level":4,"page":140},{"title":"٥ - الاتجاه البلاغي","level":4,"page":140},{"title":"أهمية التفسير البلاغي","level":5,"page":141},{"title":"١ - الوقوف على معجزة القرآن الكريم البلاغية التي تحدى بها الله تعالى العرب","level":6,"page":141},{"title":"٢ - توجيه التفسير للألفاظ والجمل القرآنية بما يرفع الإشكال ويوضح المعنى","level":6,"page":141},{"title":"٣ - فهم المعاني القرآنية من خلال معرفة القرائن وسياق النص ولهجات العرب","level":6,"page":141},{"title":"٤ - إثراء المعاني للألفاظ والجمل التي ظاهرها التماثل والتشابه","level":6,"page":142},{"title":"خاتمة التمهيد","level":2,"page":142},{"title":"أهم النتائج التي توصلنا إليها من هذا التمهيد","level":3,"page":143},{"title":"تفسير سورة الفاتحة","level":1,"page":146},{"title":"لهذه السورة أسماء متعددة","level":2,"page":147},{"title":"أولا: - فاتحة الكتاب","level":3,"page":147},{"title":"ثانيا: - أم الكتاب","level":3,"page":151},{"title":"ثالثا: - أم القرآن","level":3,"page":153},{"title":"الرابع: - السبع المثاني","level":3,"page":153},{"title":"الخامس: القرآن العظيم","level":3,"page":159},{"title":"السادس: الصلاة","level":3,"page":160},{"title":"السابع: - رقية الحق","level":3,"page":160},{"title":"الثامن: - سورة الحمد","level":3,"page":160},{"title":"التاسع: - الشفاء","level":3,"page":161},{"title":"العاشر: - الوافية","level":3,"page":161},{"title":"الحادي عشر: - الأساس","level":3,"page":162},{"title":"الثاني عشر: - الكنز","level":3,"page":162},{"title":"الثالثة عشر: - الشكر","level":3,"page":162},{"title":"الرابعة عشر: - الثناء","level":3,"page":163},{"title":"الخامسة عشر: -المناجاة","level":3,"page":163},{"title":"السادسة عشر- التفويض","level":3,"page":163},{"title":"السابعة عشر: - الدعاء","level":3,"page":163},{"title":"الثامنة عشر: - النور","level":3,"page":164},{"title":"التاسعة عشر: - تعليم المسألة","level":3,"page":164},{"title":"العشرون: - السؤال","level":3,"page":164},{"title":"اختلف العلماء في مواضع نزولها","level":2,"page":165},{"title":"القول الأول: أنها نزلت بمكة","level":3,"page":165},{"title":"القول الثاني: أنها أنزلت بالمدينة","level":3,"page":168},{"title":"القول الثالث: أنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة","level":3,"page":168},{"title":"تفسير سورة البقرة","level":1,"page":269},{"title":"أسماءها التوقيفية","level":2,"page":270},{"title":"١ - البقرة","level":3,"page":270},{"title":"٢ - الزهراء","level":3,"page":271},{"title":"أسماءها الاجتهادية","level":2,"page":272},{"title":"١ - سنام القرآن","level":3,"page":272},{"title":"٢ - ذروة القرآن","level":3,"page":272},{"title":"٣ - فسطاط القرآن","level":3,"page":273},{"title":"٤ - سيدة سور القرآن","level":3,"page":273},{"title":"٥ - كرسي القرآن","level":3,"page":274},{"title":"فضائل سورة البقرة","level":2,"page":274},{"title":"١ - أن فيها أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي","level":3,"page":274},{"title":"٢ - وهي حافظة وكافية من شياطين الأنس والجن ودليل ذلك","level":3,"page":274},{"title":"٣ - سورة البقرة وآياتها تطرد الشياطين من البيوت عند سماعها لأن وقعها عليهم شديدا ودليل ذلك","level":3,"page":274},{"title":"٤ - أنها تشفع للعبد يوم لا ينفع مال ولا بنون","level":3,"page":274},{"title":"٥ - المواظبة علي قراءة أية الكرسي بعد الصلوات سببا لدخول الجنة","level":3,"page":275},{"title":"أسباب النزول","level":2,"page":275},{"title":"تفسير سورة آل عمران","level":1,"page":2229},{"title":"سبب النزول","level":2,"page":2229},{"title":"تفسير سورة النساء","level":1,"page":2685},{"title":"أسماء السورة","level":2,"page":2685},{"title":"١ - سورة النساء","level":3,"page":2685},{"title":"٢ - سورة النساء الطولى أو الكبرى","level":3,"page":2685},{"title":"مكان نزول السورة","level":2,"page":2686},{"title":"مقاصد السورة","level":2,"page":2687},{"title":"وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها","level":2,"page":2687},{"title":"فضائل السورة","level":2,"page":2688},{"title":"تفسير سورة المائدة","level":1,"page":3214},{"title":"أسماء السورة","level":2,"page":3214},{"title":"١ - المائدة","level":3,"page":3214},{"title":"٢ - سورة العقود","level":3,"page":3215},{"title":"٣ - سورة المنقذة","level":3,"page":3215},{"title":"٤ - سورة الأحبار","level":3,"page":3215},{"title":"٥ - تسميات أخرى","level":3,"page":3215},{"title":"أولا: - سورة الأخيار","level":4,"page":3215},{"title":"ثانيا: سورة المبعثرة","level":4,"page":3216},{"title":"ثالثا: -سورة المائة وعشرون آية","level":4,"page":3216},{"title":"مكان نزول السورة","level":2,"page":3216},{"title":"أغراض السورة ومقاصدها","level":2,"page":3218},{"title":"وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها","level":2,"page":3218},{"title":"فضائل السورة","level":2,"page":3219}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,104":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"2,1":267,"2,2":268,"2,3":269,"2,4":270,"2,5":271,"2,7":272,"2,8":273,"2,9":274,"2,10":275,"2,11":276,"2,12":277,"2,13":278,"2,14":279,"2,15":280,"2,16":281,"2,17":282,"2,18":283,"2,19":284,"2,20":285,"2,21":286,"2,22":287,"2,23":288,"2,24":289,"2,25":290,"2,26":291,"2,27":292,"2,28":293,"2,29":294,"2,30":295,"2,31":296,"2,32":297,"2,33":298,"2,34":299,"2,35":300,"2,36":301,"2,37":302,"2,38":303,"2,39":304,"2,40":305,"2,41":306,"2,42":307,"2,43":308,"2,44":309,"2,45":310,"2,46":311,"2,47":312,"2,48":313,"2,49":314,"2,50":315,"2,51":316,"2,52":317,"2,53":318,"2,54":319,"2,55":320,"2,56":321,"2,57":322,"2,58":323,"2,59":324,"2,60":325,"2,61":326,"2,62":327,"2,63":328,"2,64":329,"2,65":330,"2,66":331,"2,67":332,"2,68":333,"2,69":334,"2,70":335,"2,71":336,"2,72":337,"2,73":338,"2,74":339,"2,75":340,"2,76":341,"2,77":342,"2,78":343,"2,79":344,"2,81":345,"2,82":346,"2,83":347,"2,84":348,"2,85":349,"2,86":350,"2,87":351,"2,88":352,"2,89":353,"2,90":354,"2,91":355,"2,92":356,"2,93":357,"2,94":358,"2,95":359,"2,96":360,"2,97":361,"2,98":362,"2,99":363,"2,100":364,"2,101":365,"2,102":366,"2,103":367,"2,104":368,"2,105":369,"2,106":370,"2,107":371,"2,109":372,"2,110":373,"2,111":374,"2,112":375,"2,113":376,"2,114":377,"2,115":378,"2,116":379,"2,117":380,"2,118":381,"2,119":382,"2,121":383,"2,123":384,"2,124":385,"2,126":386,"2,127":387,"2,128":388,"2,129":389,"2,130":390,"2,131":391,"2,132":392,"2,133":393,"2,134":394,"2,135":395,"2,136":396,"2,137":397,"2,138":398,"2,139":399,"2,140":400,"2,141":401,"2,142":402,"2,143":403,"2,145":404,"2,146":405,"2,147":406,"2,148":407,"2,149":408,"2,150":409,"2,151":410,"2,152":411,"2,153":412,"2,154":413,"2,155":414,"2,156":415,"2,157":416,"2,158":417,"2,159":418,"2,160":419,"2,161":420,"2,162":421,"2,163":422,"2,164":423,"2,165":424,"2,166":425,"2,167":426,"2,168":427,"2,169":428,"2,170":429,"2,172":430,"2,173":431,"2,174":432,"2,175":433,"2,176":434,"2,177":435,"2,178":436,"2,179":437,"2,180":438,"2,181":439,"2,182":440,"2,183":441,"2,184":442,"2,185":443,"2,186":444,"2,187":445,"2,188":446,"2,189":447,"2,190":448,"2,191":449,"2,192":450,"2,193":451,"2,194":452,"2,195":453,"2,196":454,"2,197":455,"2,198":456,"2,199":457,"2,200":458,"2,201":459,"2,202":460,"2,203":461,"2,204":462,"2,205":463,"2,206":464,"2,207":465,"2,209":466,"2,210":467,"2,211":468,"2,212":469,"2,213":470,"2,214":471,"2,215":472,"2,216":473,"2,217":474,"2,218":475,"2,219":476,"2,220":477,"2,221":478,"2,222":479,"2,223":480,"2,224":481,"2,225":482,"2,226":483,"2,227":484,"2,228":485,"2,229":486,"2,230":487,"2,231":488,"2,232":489,"2,233":490,"2,234":491,"2,235":492,"2,236":493,"2,237":494,"2,238":495,"2,239":496,"2,240":497,"2,241":498,"2,242":499,"2,243":500,"2,244":501,"2,245":502,"2,246":503,"2,247":504,"2,248":505,"2,249":506,"2,250":507,"2,251":508,"2,252":509,"2,253":510,"2,254":511,"2,255":512,"2,256":513,"2,257":514,"2,258":515,"2,259":516,"2,260":517,"2,261":518,"2,262":519,"2,263":520,"2,264":521,"2,265":522,"2,266":523,"2,267":524,"2,268":525,"2,269":526,"2,270":527,"2,271":528,"2,272":529,"2,273":530,"2,274":531,"2,275":532,"2,277":533,"2,278":534,"2,279":535,"2,280":536,"2,282":537,"2,283":538,"2,284":539,"2,285":540,"2,286":541,"2,287":542,"2,288":543,"2,289":544,"2,290":545,"2,291":546,"2,292":547,"2,293":548,"2,294":549,"2,295":550,"2,296":551,"2,297":552,"2,299":553,"2,300":554,"2,301":555,"2,302":556,"2,303":557,"2,304":558,"2,305":559,"2,306":560,"2,307":561,"2,308":562,"2,309":563,"2,310":564,"2,311":565,"2,312":566,"2,313":567,"2,314":568,"2,315":569,"2,317":570,"2,318":571,"2,319":572,"2,320":573,"2,321":574,"2,322":575,"2,323":576,"2,324":577,"2,325":578,"2,326":579,"2,327":580,"2,328":581,"2,329":582,"2,330":583,"2,331":584,"2,332":585,"2,333":586,"2,334":587,"2,335":588,"2,336":589,"2,337":590,"2,339":591,"2,340":592,"2,341":593,"2,342":594,"2,343":595,"2,344":596,"2,345":597,"2,346":598,"2,347":599,"2,348":600,"2,349":601,"2,350":602,"2,351":603,"2,352":604,"2,353":605,"2,354":606,"2,355":607,"2,356":608,"2,357":609,"2,358":610,"2,359":611,"2,360":612,"2,361":613,"2,362":614,"2,363":615,"2,364":616,"2,365":617,"2,366":618,"2,367":619,"2,368":620,"2,369":621,"2,370":622,"2,371":623,"2,372":624,"2,373":625,"2,374":626,"2,375":627,"2,376":628,"2,377":629,"2,378":630,"2,379":631,"2,380":632,"2,381":633,"2,382":634,"2,383":635,"2,384":636,"2,385":637,"2,386":638,"2,387":639,"2,388":640,"2,389":641,"2,390":642,"2,391":643,"2,392":644,"2,393":645,"2,394":646,"2,395":647,"2,396":648,"2,397":649,"2,398":650,"2,399":651,"2,400":652,"2,401":653,"2,402":654,"2,403":655,"2,404":656,"2,405":657,"2,406":658,"2,407":659,"2,408":660,"2,409":661,"2,410":662,"2,411":663,"2,412":664,"2,413":665,"2,414":666,"2,415":667,"2,416":668,"2,418":669,"2,420":670,"2,421":671,"2,422":672,"2,423":673,"2,424":674,"2,425":675,"2,426":676,"2,427":677,"2,429":678,"2,430":679,"2,431":680,"2,432":681,"2,433":682,"2,434":683,"2,435":684,"2,436":685,"2,437":686,"2,438":687,"2,439":688,"2,440":689,"2,441":690,"2,442":691,"2,443":692,"2,444":693,"2,445":694,"2,446":695,"2,447":696,"2,448":697,"2,449":698,"2,450":699,"2,452":700,"2,453":701,"2,455":702,"2,456":703,"2,457":704,"2,458":705,"2,459":706,"2,460":707,"2,461":708,"2,462":709,"2,463":710,"2,464":711,"2,465":712,"2,466":713,"2,467":714,"2,468":715,"2,469":716,"2,470":717,"2,471":718,"2,472":719,"2,473":720,"2,474":721,"2,475":722,"2,476":723,"2,477":724,"2,478":725,"2,479":726,"2,481":727,"2,482":728,"2,483":729,"2,484":730,"2,485":731,"2,486":732,"2,487":733,"2,488":734,"2,489":735,"2,490":736,"2,491":737,"2,492":738,"2,493":739,"2,494":740,"2,495":741,"2,496":742,"3,1":743,"3,2":744,"3,3":745,"3,4":746,"3,5":747,"3,6":748,"3,7":749,"3,8":750,"3,9":751,"3,10":752,"3,11":753,"3,12":754,"3,13":755,"3,14":756,"3,15":757,"3,16":758,"3,17":759,"3,18":760,"3,19":761,"3,20":762,"3,21":763,"3,22":764,"3,23":765,"3,24":766,"3,26":767,"3,27":768,"3,28":769,"3,29":770,"3,30":771,"3,31":772,"3,33":773,"3,34":774,"3,35":775,"3,36":776,"3,37":777,"3,39":778,"3,40":779,"3,41":780,"3,42":781,"3,43":782,"3,44":783,"3,45":784,"3,46":785,"3,47":786,"3,48":787,"3,49":788,"3,50":789,"3,51":790,"3,52":791,"3,53":792,"3,54":793,"3,55":794,"3,56":795,"3,57":796,"3,58":797,"3,60":798,"3,61":799,"3,62":800,"3,63":801,"3,64":802,"3,65":803,"3,66":804,"3,67":805,"3,68":806,"3,69":807,"3,70":808,"3,71":809,"3,72":810,"3,73":811,"3,74":812,"3,75":813,"3,76":814,"3,77":815,"3,78":816,"3,79":817,"3,80":818,"3,81":819,"3,83":820,"3,84":821,"3,85":822,"3,86":823,"3,87":824,"3,88":825,"3,89":826,"3,90":827,"3,91":828,"3,92":829,"3,93":830,"3,94":831,"3,95":832,"3,96":833,"3,97":834,"3,98":835,"3,99":836,"3,100":837,"3,101":838,"3,102":839,"3,103":840,"3,104":841,"3,105":842,"3,106":843,"3,107":844,"3,108":845,"3,109":846,"3,110":847,"3,111":848,"3,112":849,"3,113":850,"3,114":851,"3,115":852,"3,116":853,"3,117":854,"3,118":855,"3,119":856,"3,120":857,"3,121":858,"3,122":859,"3,123":860,"3,124":861,"3,125":862,"3,126":863,"3,127":864,"3,128":865,"3,129":866,"3,130":867,"3,131":868,"3,132":869,"3,133":870,"3,134":871,"3,135":872,"3,136":873,"3,137":874,"3,138":875,"3,139":876,"3,140":877,"3,141":878,"3,142":879,"3,143":880,"3,144":881,"3,145":882,"3,146":883,"3,147":884,"3,148":885,"3,149":886,"3,150":887,"3,151":888,"3,153":889,"3,154":890,"3,155":891,"3,157":892,"3,158":893,"3,159":894,"3,160":895,"3,161":896,"3,162":897,"3,163":898,"3,164":899,"3,165":900,"3,166":901,"3,167":902,"3,168":903,"3,169":904,"3,170":905,"3,171":906,"3,172":907,"3,173":908,"3,174":909,"3,175":910,"3,176":911,"3,177":912,"3,178":913,"3,179":914,"3,180":915,"3,181":916,"3,182":917,"3,183":918,"3,184":919,"3,185":920,"3,186":921,"3,187":922,"3,188":923,"3,189":924,"3,190":925,"3,191":926,"3,192":927,"3,193":928,"3,194":929,"3,195":930,"3,196":931,"3,197":932,"3,198":933,"3,199":934,"3,200":935,"3,201":936,"3,202":937,"3,203":938,"3,204":939,"3,205":940,"3,206":941,"3,207":942,"3,208":943,"3,209":944,"3,210":945,"3,211":946,"3,212":947,"3,213":948,"3,214":949,"3,215":950,"3,216":951,"3,217":952,"3,218":953,"3,219":954,"3,220":955,"3,222":956,"3,223":957,"3,224":958,"3,225":959,"3,226":960,"3,227":961,"3,228":962,"3,229":963,"3,230":964,"3,231":965,"3,232":966,"3,233":967,"3,234":968,"3,235":969,"3,236":970,"3,237":971,"3,238":972,"3,239":973,"3,240":974,"3,241":975,"3,242":976,"3,243":977,"3,245":978,"3,246":979,"3,247":980,"3,248":981,"3,249":982,"3,250":983,"3,251":984,"3,252":985,"3,253":986,"3,254":987,"3,255":988,"3,256":989,"3,257":990,"3,258":991,"3,259":992,"3,260":993,"3,261":994,"3,262":995,"3,263":996,"3,264":997,"3,265":998,"3,266":999,"3,267":1000,"3,268":1001,"3,269":1002,"3,270":1003,"3,271":1004,"3,272":1005,"3,273":1006,"3,274":1007,"3,275":1008,"3,276":1009,"3,277":1010,"3,278":1011,"3,279":1012,"3,280":1013,"3,281":1014,"3,282":1015,"3,283":1016,"3,284":1017,"3,285":1018,"3,286":1019,"3,287":1020,"3,288":1021,"3,289":1022,"3,290":1023,"3,291":1024,"3,292":1025,"3,293":1026,"3,294":1027,"3,295":1028,"3,296":1029,"3,297":1030,"3,298":1031,"3,299":1032,"3,300":1033,"3,301":1034,"3,302":1035,"3,303":1036,"3,304":1037,"3,305":1038,"3,306":1039,"3,307":1040,"3,308":1041,"3,309":1042,"3,310":1043,"3,311":1044,"3,312":1045,"3,313":1046,"3,314":1047,"3,315":1048,"3,316":1049,"3,317":1050,"3,318":1051,"3,319":1052,"3,320":1053,"3,321":1054,"3,322":1055,"3,323":1056,"3,324":1057,"3,325":1058,"3,326":1059,"3,327":1060,"3,328":1061,"3,329":1062,"3,330":1063,"3,331":1064,"3,332":1065,"3,333":1066,"3,334":1067,"3,335":1068,"3,336":1069,"3,337":1070,"3,338":1071,"3,339":1072,"3,340":1073,"3,341":1074,"3,342":1075,"3,343":1076,"3,345":1077,"3,346":1078,"3,347":1079,"3,348":1080,"3,349":1081,"3,350":1082,"3,351":1083,"3,352":1084,"3,353":1085,"3,354":1086,"3,355":1087,"3,356":1088,"3,357":1089,"3,358":1090,"3,359":1091,"3,360":1092,"3,361":1093,"3,362":1094,"3,363":1095,"3,364":1096,"3,365":1097,"3,366":1098,"3,367":1099,"3,368":1100,"3,370":1101,"3,371":1102,"3,372":1103,"3,374":1104,"3,375":1105,"3,376":1106,"3,377":1107,"3,378":1108,"3,379":1109,"3,380":1110,"3,381":1111,"3,382":1112,"3,383":1113,"3,384":1114,"3,385":1115,"3,386":1116,"3,387":1117,"3,388":1118,"3,389":1119,"3,390":1120,"3,391":1121,"3,392":1122,"3,393":1123,"3,394":1124,"3,395":1125,"3,396":1126,"3,398":1127,"3,399":1128,"3,400":1129,"3,401":1130,"3,402":1131,"3,403":1132,"3,404":1133,"3,405":1134,"3,406":1135,"3,407":1136,"3,408":1137,"3,409":1138,"3,410":1139,"3,411":1140,"3,412":1141,"3,413":1142,"3,414":1143,"3,415":1144,"3,416":1145,"3,417":1146,"3,418":1147,"3,419":1148,"3,420":1149,"3,421":1150,"3,423":1151,"3,424":1152,"3,425":1153,"3,426":1154,"3,427":1155,"3,428":1156,"3,429":1157,"3,430":1158,"3,431":1159,"3,432":1160,"3,433":1161,"3,434":1162,"3,435":1163,"3,437":1164,"3,438":1165,"3,439":1166,"3,440":1167,"3,441":1168,"3,442":1169,"3,443":1170,"3,444":1171,"3,445":1172,"3,446":1173,"3,447":1174,"3,448":1175,"3,449":1176,"3,450":1177,"3,451":1178,"3,452":1179,"3,454":1180,"3,455":1181,"3,456":1182,"3,457":1183,"3,458":1184,"3,459":1185,"3,460":1186,"3,461":1187,"3,462":1188,"3,463":1189,"3,464":1190,"3,465":1191,"3,466":1192,"3,467":1193,"3,468":1194,"3,469":1195,"3,470":1196,"3,471":1197,"3,472":1198,"3,473":1199,"3,474":1200,"3,475":1201,"3,476":1202,"3,477":1203,"3,478":1204,"3,479":1205,"3,480":1206,"3,481":1207,"3,482":1208,"3,483":1209,"3,485":1210,"3,486":1211,"3,487":1212,"3,488":1213,"3,489":1214,"3,490":1215,"3,491":1216,"3,492":1217,"3,493":1218,"3,494":1219,"3,495":1220,"3,496":1221,"3,497":1222,"3,498":1223,"3,499":1224,"3,500":1225,"3,501":1226,"3,502":1227,"4,1":1228,"4,2":1229,"4,3":1230,"4,4":1231,"4,5":1232,"4,6":1233,"4,7":1234,"4,8":1235,"4,9":1236,"4,10":1237,"4,11":1238,"4,12":1239,"4,13":1240,"4,14":1241,"4,15":1242,"4,16":1243,"4,17":1244,"4,18":1245,"4,19":1246,"4,20":1247,"4,22":1248,"4,23":1249,"4,24":1250,"4,25":1251,"4,26":1252,"4,27":1253,"4,28":1254,"4,29":1255,"4,30":1256,"4,31":1257,"4,32":1258,"4,33":1259,"4,34":1260,"4,35":1261,"4,36":1262,"4,37":1263,"4,38":1264,"4,39":1265,"4,40":1266,"4,41":1267,"4,43":1268,"4,44":1269,"4,45":1270,"4,46":1271,"4,47":1272,"4,48":1273,"4,50":1274,"4,51":1275,"4,52":1276,"4,53":1277,"4,54":1278,"4,55":1279,"4,56":1280,"4,57":1281,"4,58":1282,"4,59":1283,"4,60":1284,"4,61":1285,"4,62":1286,"4,63":1287,"4,64":1288,"4,65":1289,"4,66":1290,"4,67":1291,"4,68":1292,"4,70":1293,"4,71":1294,"4,72":1295,"4,73":1296,"4,74":1297,"4,75":1298,"4,76":1299,"4,77":1300,"4,78":1301,"4,79":1302,"4,80":1303,"4,81":1304,"4,82":1305,"4,83":1306,"4,84":1307,"4,85":1308,"4,87":1309,"4,88":1310,"4,89":1311,"4,90":1312,"4,91":1313,"4,92":1314,"4,93":1315,"4,94":1316,"4,95":1317,"4,96":1318,"4,97":1319,"4,98":1320,"4,99":1321,"4,100":1322,"4,101":1323,"4,102":1324,"4,103":1325,"4,104":1326,"4,105":1327,"4,106":1328,"4,107":1329,"4,108":1330,"4,109":1331,"4,110":1332,"4,111":1333,"4,112":1334,"4,113":1335,"4,114":1336,"4,115":1337,"4,116":1338,"4,117":1339,"4,118":1340,"4,119":1341,"4,120":1342,"4,122":1343,"4,123":1344,"4,125":1345,"4,126":1346,"4,127":1347,"4,128":1348,"4,129":1349,"4,130":1350,"4,131":1351,"4,132":1352,"4,133":1353,"4,134":1354,"4,135":1355,"4,136":1356,"4,137":1357,"4,138":1358,"4,139":1359,"4,140":1360,"4,141":1361,"4,142":1362,"4,143":1363,"4,144":1364,"4,145":1365,"4,146":1366,"4,147":1367,"4,148":1368,"4,149":1369,"4,150":1370,"4,151":1371,"4,152":1372,"4,153":1373,"4,154":1374,"4,155":1375,"4,156":1376,"4,157":1377,"4,158":1378,"4,159":1379,"4,160":1380,"4,161":1381,"4,162":1382,"4,163":1383,"4,164":1384,"4,166":1385,"4,167":1386,"4,168":1387,"4,169":1388,"4,170":1389,"4,171":1390,"4,172":1391,"4,173":1392,"4,174":1393,"4,175":1394,"4,176":1395,"4,177":1396,"4,178":1397,"4,179":1398,"4,180":1399,"4,181":1400,"4,182":1401,"4,183":1402,"4,184":1403,"4,185":1404,"4,186":1405,"4,187":1406,"4,188":1407,"4,189":1408,"4,190":1409,"4,191":1410,"4,192":1411,"4,193":1412,"4,194":1413,"4,195":1414,"4,196":1415,"4,197":1416,"4,198":1417,"4,199":1418,"4,200":1419,"4,201":1420,"4,202":1421,"4,203":1422,"4,204":1423,"4,205":1424,"4,206":1425,"4,207":1426,"4,208":1427,"4,209":1428,"4,210":1429,"4,211":1430,"4,213":1431,"4,214":1432,"4,215":1433,"4,216":1434,"4,217":1435,"4,219":1436,"4,220":1437,"4,221":1438,"4,222":1439,"4,223":1440,"4,224":1441,"4,225":1442,"4,226":1443,"4,227":1444,"4,228":1445,"4,229":1446,"4,230":1447,"4,231":1448,"4,232":1449,"4,233":1450,"4,234":1451,"4,235":1452,"4,236":1453,"4,237":1454,"4,238":1455,"4,239":1456,"4,240":1457,"4,241":1458,"4,242":1459,"4,243":1460,"4,244":1461,"4,245":1462,"4,246":1463,"4,247":1464,"4,248":1465,"4,249":1466,"4,250":1467,"4,251":1468,"4,252":1469,"4,253":1470,"4,254":1471,"4,255":1472,"4,256":1473,"4,257":1474,"4,258":1475,"4,259":1476,"4,260":1477,"4,261":1478,"4,262":1479,"4,263":1480,"4,264":1481,"4,265":1482,"4,266":1483,"4,267":1484,"4,268":1485,"4,269":1486,"4,270":1487,"4,271":1488,"4,272":1489,"4,273":1490,"4,274":1491,"4,275":1492,"4,276":1493,"4,277":1494,"4,278":1495,"4,279":1496,"4,280":1497,"4,281":1498,"4,282":1499,"4,283":1500,"4,284":1501,"4,285":1502,"4,286":1503,"4,287":1504,"4,288":1505,"4,290":1506,"4,291":1507,"4,292":1508,"4,294":1509,"4,295":1510,"4,296":1511,"4,297":1512,"4,298":1513,"4,299":1514,"4,300":1515,"4,301":1516,"4,302":1517,"4,303":1518,"4,304":1519,"4,305":1520,"4,306":1521,"4,307":1522,"4,308":1523,"4,309":1524,"4,310":1525,"4,311":1526,"4,313":1527,"4,314":1528,"4,315":1529,"4,316":1530,"4,317":1531,"4,318":1532,"4,320":1533,"4,322":1534,"4,323":1535,"4,324":1536,"4,325":1537,"4,326":1538,"4,327":1539,"4,328":1540,"4,329":1541,"4,330":1542,"4,331":1543,"4,332":1544,"4,333":1545,"4,334":1546,"4,335":1547,"4,336":1548,"4,337":1549,"4,338":1550,"4,339":1551,"4,340":1552,"4,341":1553,"4,342":1554,"4,343":1555,"4,344":1556,"4,345":1557,"4,346":1558,"4,347":1559,"4,348":1560,"4,349":1561,"4,350":1562,"4,351":1563,"4,352":1564,"4,353":1565,"4,354":1566,"4,355":1567,"4,356":1568,"4,357":1569,"4,358":1570,"4,359":1571,"4,360":1572,"4,361":1573,"4,362":1574,"4,363":1575,"4,364":1576,"4,365":1577,"4,366":1578,"4,367":1579,"4,368":1580,"4,369":1581,"4,370":1582,"4,371":1583,"4,372":1584,"4,373":1585,"4,374":1586,"4,375":1587,"4,376":1588,"4,377":1589,"4,378":1590,"4,379":1591,"4,380":1592,"4,381":1593,"4,382":1594,"4,383":1595,"4,384":1596,"4,385":1597,"4,386":1598,"4,387":1599,"4,389":1600,"4,390":1601,"4,391":1602,"4,393":1603,"4,394":1604,"4,395":1605,"4,396":1606,"4,397":1607,"4,398":1608,"4,399":1609,"4,400":1610,"4,401":1611,"4,402":1612,"4,403":1613,"4,404":1614,"4,405":1615,"4,406":1616,"4,407":1617,"4,408":1618,"4,409":1619,"4,410":1620,"4,411":1621,"4,412":1622,"4,413":1623,"4,414":1624,"4,416":1625,"4,417":1626,"4,418":1627,"4,419":1628,"4,420":1629,"4,421":1630,"4,422":1631,"4,423":1632,"4,424":1633,"4,425":1634,"4,426":1635,"4,427":1636,"4,428":1637,"4,429":1638,"4,430":1639,"4,431":1640,"4,432":1641,"4,433":1642,"4,434":1643,"4,435":1644,"4,436":1645,"4,437":1646,"4,438":1647,"4,439":1648,"4,440":1649,"4,441":1650,"4,442":1651,"4,443":1652,"4,444":1653,"4,445":1654,"4,446":1655,"4,447":1656,"4,448":1657,"4,449":1658,"4,450":1659,"4,451":1660,"4,452":1661,"4,453":1662,"4,454":1663,"4,455":1664,"4,456":1665,"4,457":1666,"4,458":1667,"4,459":1668,"4,460":1669,"4,461":1670,"4,462":1671,"4,463":1672,"4,464":1673,"4,465":1674,"4,466":1675,"4,467":1676,"4,468":1677,"4,469":1678,"4,470":1679,"4,471":1680,"4,472":1681,"4,473":1682,"4,474":1683,"4,476":1684,"4,477":1685,"4,478":1686,"4,479":1687,"4,480":1688,"4,481":1689,"4,482":1690,"4,483":1691,"4,484":1692,"4,485":1693,"4,486":1694,"4,487":1695,"4,488":1696,"4,489":1697,"4,490":1698,"4,492":1699,"4,493":1700,"4,494":1701,"4,495":1702,"4,496":1703,"4,497":1704,"4,498":1705,"4,499":1706,"4,501":1707,"4,502":1708,"4,503":1709,"4,505":1710,"4,506":1711,"4,507":1712,"4,508":1713,"5,1":1714,"5,2":1715,"5,3":1716,"5,4":1717,"5,5":1718,"5,6":1719,"5,7":1720,"5,8":1721,"5,9":1722,"5,10":1723,"5,11":1724,"5,12":1725,"5,13":1726,"5,14":1727,"5,15":1728,"5,16":1729,"5,17":1730,"5,18":1731,"5,19":1732,"5,20":1733,"5,21":1734,"5,22":1735,"5,23":1736,"5,24":1737,"5,25":1738,"5,26":1739,"5,27":1740,"5,28":1741,"5,29":1742,"5,30":1743,"5,31":1744,"5,32":1745,"5,33":1746,"5,34":1747,"5,35":1748,"5,36":1749,"5,37":1750,"5,38":1751,"5,39":1752,"5,41":1753,"5,42":1754,"5,43":1755,"5,44":1756,"5,45":1757,"5,46":1758,"5,47":1759,"5,48":1760,"5,49":1761,"5,50":1762,"5,51":1763,"5,52":1764,"5,54":1765,"5,55":1766,"5,56":1767,"5,57":1768,"5,58":1769,"5,59":1770,"5,60":1771,"5,61":1772,"5,62":1773,"5,63":1774,"5,64":1775,"5,65":1776,"5,66":1777,"5,67":1778,"5,68":1779,"5,69":1780,"5,70":1781,"5,71":1782,"5,72":1783,"5,73":1784,"5,74":1785,"5,75":1786,"5,76":1787,"5,77":1788,"5,78":1789,"5,79":1790,"5,80":1791,"5,81":1792,"5,82":1793,"5,83":1794,"5,84":1795,"5,85":1796,"5,86":1797,"5,87":1798,"5,88":1799,"5,89":1800,"5,90":1801,"5,91":1802,"5,92":1803,"5,93":1804,"5,94":1805,"5,95":1806,"5,96":1807,"5,97":1808,"5,98":1809,"5,99":1810,"5,100":1811,"5,101":1812,"5,102":1813,"5,103":1814,"5,104":1815,"5,105":1816,"5,106":1817,"5,107":1818,"5,109":1819,"5,110":1820,"5,111":1821,"5,112":1822,"5,113":1823,"5,114":1824,"5,115":1825,"5,116":1826,"5,117":1827,"5,118":1828,"5,119":1829,"5,120":1830,"5,121":1831,"5,122":1832,"5,123":1833,"5,124":1834,"5,125":1835,"5,127":1836,"5,128":1837,"5,129":1838,"5,131":1839,"5,132":1840,"5,133":1841,"5,134":1842,"5,135":1843,"5,136":1844,"5,137":1845,"5,138":1846,"5,139":1847,"5,140":1848,"5,141":1849,"5,142":1850,"5,143":1851,"5,144":1852,"5,146":1853,"5,147":1854,"5,148":1855,"5,149":1856,"5,150":1857,"5,151":1858,"5,152":1859,"5,153":1860,"5,154":1861,"5,155":1862,"5,156":1863,"5,157":1864,"5,158":1865,"5,159":1866,"5,160":1867,"5,161":1868,"5,162":1869,"5,163":1870,"5,164":1871,"5,165":1872,"5,166":1873,"5,167":1874,"5,168":1875,"5,169":1876,"5,170":1877,"5,172":1878,"5,173":1879,"5,174":1880,"5,175":1881,"5,176":1882,"5,177":1883,"5,178":1884,"5,179":1885,"5,180":1886,"5,181":1887,"5,182":1888,"5,183":1889,"5,184":1890,"5,185":1891,"5,186":1892,"5,187":1893,"5,188":1894,"5,189":1895,"5,190":1896,"5,191":1897,"5,192":1898,"5,193":1899,"5,194":1900,"5,195":1901,"5,196":1902,"5,197":1903,"5,198":1904,"5,199":1905,"5,200":1906,"5,201":1907,"5,202":1908,"5,203":1909,"5,204":1910,"5,205":1911,"5,206":1912,"5,207":1913,"5,208":1914,"5,209":1915,"5,210":1916,"5,211":1917,"5,212":1918,"5,213":1919,"5,214":1920,"5,215":1921,"5,216":1922,"5,217":1923,"5,218":1924,"5,219":1925,"5,220":1926,"5,221":1927,"5,222":1928,"5,223":1929,"5,225":1930,"5,226":1931,"5,227":1932,"5,228":1933,"5,229":1934,"5,230":1935,"5,231":1936,"5,232":1937,"5,233":1938,"5,234":1939,"5,235":1940,"5,237":1941,"5,238":1942,"5,239":1943,"5,240":1944,"5,241":1945,"5,242":1946,"5,243":1947,"5,244":1948,"5,245":1949,"5,246":1950,"5,247":1951,"5,248":1952,"5,249":1953,"5,250":1954,"5,251":1955,"5,252":1956,"5,253":1957,"5,254":1958,"5,255":1959,"5,256":1960,"5,257":1961,"5,258":1962,"5,259":1963,"5,260":1964,"5,261":1965,"5,262":1966,"5,263":1967,"5,264":1968,"5,265":1969,"5,266":1970,"5,267":1971,"5,268":1972,"5,269":1973,"5,270":1974,"5,271":1975,"5,272":1976,"5,273":1977,"5,274":1978,"5,275":1979,"5,276":1980,"5,277":1981,"5,278":1982,"5,279":1983,"5,280":1984,"5,281":1985,"5,282":1986,"5,283":1987,"5,284":1988,"5,285":1989,"5,286":1990,"5,287":1991,"5,288":1992,"5,289":1993,"5,290":1994,"5,291":1995,"5,292":1996,"5,293":1997,"5,294":1998,"5,295":1999,"5,296":2000,"5,297":2001,"5,298":2002,"5,299":2003,"5,300":2004,"5,301":2005,"5,302":2006,"5,303":2007,"5,304":2008,"5,305":2009,"5,307":2010,"5,308":2011,"5,309":2012,"5,310":2013,"5,311":2014,"5,312":2015,"5,313":2016,"5,314":2017,"5,315":2018,"5,316":2019,"5,317":2020,"5,318":2021,"5,319":2022,"5,320":2023,"5,321":2024,"5,322":2025,"5,323":2026,"5,324":2027,"5,325":2028,"5,326":2029,"5,327":2030,"5,328":2031,"5,329":2032,"5,330":2033,"5,331":2034,"5,332":2035,"5,333":2036,"5,334":2037,"5,335":2038,"5,336":2039,"5,337":2040,"5,338":2041,"5,339":2042,"5,340":2043,"5,341":2044,"5,342":2045,"5,343":2046,"5,344":2047,"5,345":2048,"5,346":2049,"5,347":2050,"5,348":2051,"5,349":2052,"5,350":2053,"5,351":2054,"5,352":2055,"5,353":2056,"5,354":2057,"5,355":2058,"5,356":2059,"5,357":2060,"5,358":2061,"5,359":2062,"5,360":2063,"5,362":2064,"5,363":2065,"5,364":2066,"5,365":2067,"5,366":2068,"5,367":2069,"5,368":2070,"5,369":2071,"5,370":2072,"5,371":2073,"5,372":2074,"5,373":2075,"5,374":2076,"5,375":2077,"5,376":2078,"5,377":2079,"5,378":2080,"5,379":2081,"5,380":2082,"5,381":2083,"5,382":2084,"5,383":2085,"5,384":2086,"5,385":2087,"5,386":2088,"5,387":2089,"5,388":2090,"5,389":2091,"5,390":2092,"5,391":2093,"5,392":2094,"5,393":2095,"5,394":2096,"5,395":2097,"5,396":2098,"5,397":2099,"5,398":2100,"5,399":2101,"5,400":2102,"5,401":2103,"5,402":2104,"5,403":2105,"5,404":2106,"5,405":2107,"5,406":2108,"5,407":2109,"5,408":2110,"5,409":2111,"5,410":2112,"5,411":2113,"5,412":2114,"5,413":2115,"5,414":2116,"5,415":2117,"5,416":2118,"5,417":2119,"5,418":2120,"5,419":2121,"5,420":2122,"5,421":2123,"5,422":2124,"5,423":2125,"5,424":2126,"5,425":2127,"5,426":2128,"5,427":2129,"5,428":2130,"5,429":2131,"5,430":2132,"5,431":2133,"5,432":2134,"5,433":2135,"5,435":2136,"5,436":2137,"5,437":2138,"5,438":2139,"5,439":2140,"5,440":2141,"5,441":2142,"5,442":2143,"5,443":2144,"5,444":2145,"5,445":2146,"5,446":2147,"5,447":2148,"5,448":2149,"5,449":2150,"5,450":2151,"5,451":2152,"5,452":2153,"5,453":2154,"5,454":2155,"5,455":2156,"5,456":2157,"5,457":2158,"5,458":2159,"5,459":2160,"5,460":2161,"5,461":2162,"5,462":2163,"5,463":2164,"5,464":2165,"5,465":2166,"5,466":2167,"5,467":2168,"5,468":2169,"5,469":2170,"5,470":2171,"5,471":2172,"5,472":2173,"5,473":2174,"5,474":2175,"5,475":2176,"5,476":2177,"5,477":2178,"5,478":2179,"5,479":2180,"5,480":2181,"5,481":2182,"5,482":2183,"5,483":2184,"5,484":2185,"5,485":2186,"5,486":2187,"5,487":2188,"5,488":2189,"5,489":2190,"5,490":2191,"5,491":2192,"5,492":2193,"5,493":2194,"5,494":2195,"5,495":2196,"5,496":2197,"5,497":2198,"5,498":2199,"5,500":2200,"5,501":2201,"5,502":2202,"5,503":2203,"5,504":2204,"5,505":2205,"5,506":2206,"5,507":2207,"5,508":2208,"5,509":2209,"5,510":2210,"5,511":2211,"5,512":2212,"5,513":2213,"5,514":2214,"5,515":2215,"5,516":2216,"5,517":2217,"5,518":2218,"5,519":2219,"5,520":2220,"5,521":2221,"5,522":2222,"5,523":2223,"5,524":2224,"5,525":2225,"6,1":2226,"6,2":2227,"6,3":2228,"6,4":2229,"6,5":2230,"6,6":2231,"6,7":2232,"6,8":2233,"6,9":2234,"6,10":2235,"6,11":2236,"6,12":2237,"6,13":2238,"6,14":2239,"6,15":2240,"6,16":2241,"6,17":2242,"6,18":2243,"6,19":2244,"6,20":2245,"6,22":2246,"6,23":2247,"6,24":2248,"6,25":2249,"6,26":2250,"6,27":2251,"6,28":2252,"6,29":2253,"6,30":2254,"6,31":2255,"6,32":2256,"6,33":2257,"6,34":2258,"6,35":2259,"6,36":2260,"6,37":2261,"6,38":2262,"6,39":2263,"6,40":2264,"6,41":2265,"6,42":2266,"6,43":2267,"6,44":2268,"6,46":2269,"6,47":2270,"6,48":2271,"6,49":2272,"6,50":2273,"6,51":2274,"6,52":2275,"6,53":2276,"6,54":2277,"6,55":2278,"6,56":2279,"6,57":2280,"6,58":2281,"6,59":2282,"6,60":2283,"6,61":2284,"6,62":2285,"6,63":2286,"6,64":2287,"6,65":2288,"6,66":2289,"6,67":2290,"6,68":2291,"6,70":2292,"6,71":2293,"6,72":2294,"6,73":2295,"6,74":2296,"6,76":2297,"6,77":2298,"6,78":2299,"6,79":2300,"6,80":2301,"6,81":2302,"6,82":2303,"6,83":2304,"6,84":2305,"6,85":2306,"6,86":2307,"6,87":2308,"6,88":2309,"6,89":2310,"6,90":2311,"6,91":2312,"6,92":2313,"6,93":2314,"6,94":2315,"6,95":2316,"6,96":2317,"6,97":2318,"6,98":2319,"6,99":2320,"6,100":2321,"6,101":2322,"6,102":2323,"6,103":2324,"6,104":2325,"6,105":2326,"6,106":2327,"6,107":2328,"6,108":2329,"6,109":2330,"6,111":2331,"6,112":2332,"6,113":2333,"6,114":2334,"6,115":2335,"6,116":2336,"6,117":2337,"6,118":2338,"6,119":2339,"6,120":2340,"6,121":2341,"6,122":2342,"6,124":2343,"6,125":2344,"6,126":2345,"6,127":2346,"6,128":2347,"6,129":2348,"6,130":2349,"6,131":2350,"6,133":2351,"6,134":2352,"6,135":2353,"6,136":2354,"6,137":2355,"6,138":2356,"6,139":2357,"6,140":2358,"6,141":2359,"6,142":2360,"6,143":2361,"6,144":2362,"6,145":2363,"6,147":2364,"6,148":2365,"6,149":2366,"6,150":2367,"6,151":2368,"6,152":2369,"6,153":2370,"6,154":2371,"6,155":2372,"6,156":2373,"6,157":2374,"6,158":2375,"6,159":2376,"6,160":2377,"6,161":2378,"6,162":2379,"6,163":2380,"6,164":2381,"6,165":2382,"6,166":2383,"6,167":2384,"6,168":2385,"6,169":2386,"6,170":2387,"6,171":2388,"6,172":2389,"6,173":2390,"6,174":2391,"6,175":2392,"6,176":2393,"6,177":2394,"6,178":2395,"6,179":2396,"6,180":2397,"6,181":2398,"6,182":2399,"6,183":2400,"6,184":2401,"6,185":2402,"6,186":2403,"6,187":2404,"6,188":2405,"6,189":2406,"6,190":2407,"6,191":2408,"6,192":2409,"6,193":2410,"6,194":2411,"6,195":2412,"6,196":2413,"6,197":2414,"6,198":2415,"6,199":2416,"6,200":2417,"6,201":2418,"6,202":2419,"6,203":2420,"6,204":2421,"6,205":2422,"6,206":2423,"6,207":2424,"6,208":2425,"6,210":2426,"6,212":2427,"6,213":2428,"6,214":2429,"6,215":2430,"6,216":2431,"6,217":2432,"6,218":2433,"6,219":2434,"6,220":2435,"6,222":2436,"6,223":2437,"6,224":2438,"6,225":2439,"6,226":2440,"6,227":2441,"6,228":2442,"6,229":2443,"6,230":2444,"6,231":2445,"6,232":2446,"6,233":2447,"6,234":2448,"6,235":2449,"6,236":2450,"6,237":2451,"6,238":2452,"6,239":2453,"6,240":2454,"6,241":2455,"6,242":2456,"6,243":2457,"6,244":2458,"6,245":2459,"6,246":2460,"6,247":2461,"6,248":2462,"6,249":2463,"6,250":2464,"6,251":2465,"6,252":2466,"6,253":2467,"6,254":2468,"6,255":2469,"6,256":2470,"6,257":2471,"6,258":2472,"6,259":2473,"6,260":2474,"6,261":2475,"6,262":2476,"6,263":2477,"6,264":2478,"6,265":2479,"6,266":2480,"6,267":2481,"6,268":2482,"6,269":2483,"6,270":2484,"6,272":2485,"6,273":2486,"6,274":2487,"6,275":2488,"6,276":2489,"6,277":2490,"6,278":2491,"6,279":2492,"6,280":2493,"6,281":2494,"6,282":2495,"6,283":2496,"6,284":2497,"6,285":2498,"6,286":2499,"6,287":2500,"6,288":2501,"6,289":2502,"6,290":2503,"6,291":2504,"6,292":2505,"6,293":2506,"6,294":2507,"6,295":2508,"6,296":2509,"6,297":2510,"6,298":2511,"6,299":2512,"6,300":2513,"6,301":2514,"6,302":2515,"6,304":2516,"6,305":2517,"6,306":2518,"6,308":2519,"6,309":2520,"6,310":2521,"6,311":2522,"6,312":2523,"6,313":2524,"6,314":2525,"6,315":2526,"6,316":2527,"6,317":2528,"6,318":2529,"6,319":2530,"6,320":2531,"6,321":2532,"6,322":2533,"6,323":2534,"6,324":2535,"6,325":2536,"6,326":2537,"6,327":2538,"6,328":2539,"6,329":2540,"6,330":2541,"6,331":2542,"6,332":2543,"6,333":2544,"6,334":2545,"6,335":2546,"6,336":2547,"6,337":2548,"6,338":2549,"6,339":2550,"6,340":2551,"6,341":2552,"6,342":2553,"6,343":2554,"6,344":2555,"6,345":2556,"6,346":2557,"6,347":2558,"6,349":2559,"6,350":2560,"6,351":2561,"6,353":2562,"6,354":2563,"6,355":2564,"6,356":2565,"6,357":2566,"6,358":2567,"6,359":2568,"6,360":2569,"6,361":2570,"6,362":2571,"6,363":2572,"6,364":2573,"6,365":2574,"6,366":2575,"6,367":2576,"6,368":2577,"6,369":2578,"6,370":2579,"6,371":2580,"6,372":2581,"6,373":2582,"6,374":2583,"6,375":2584,"6,376":2585,"6,377":2586,"6,378":2587,"6,379":2588,"6,380":2589,"6,381":2590,"6,382":2591,"6,383":2592,"6,384":2593,"6,385":2594,"6,386":2595,"6,387":2596,"6,388":2597,"6,389":2598,"6,390":2599,"6,391":2600,"6,392":2601,"6,393":2602,"6,394":2603,"6,395":2604,"6,396":2605,"6,397":2606,"6,398":2607,"6,399":2608,"6,400":2609,"6,401":2610,"6,402":2611,"6,403":2612,"6,404":2613,"6,405":2614,"6,406":2615,"6,407":2616,"6,408":2617,"6,409":2618,"6,410":2619,"6,411":2620,"6,412":2621,"6,413":2622,"6,414":2623,"6,415":2624,"6,416":2625,"6,417":2626,"6,418":2627,"6,419":2628,"6,420":2629,"6,421":2630,"6,422":2631,"6,423":2632,"6,424":2633,"6,425":2634,"6,426":2635,"6,427":2636,"6,428":2637,"6,429":2638,"6,431":2639,"6,432":2640,"6,433":2641,"6,434":2642,"6,435":2643,"6,436":2644,"6,437":2645,"6,438":2646,"6,439":2647,"6,440":2648,"6,441":2649,"6,442":2650,"6,443":2651,"6,444":2652,"6,445":2653,"6,446":2654,"6,447":2655,"6,448":2656,"6,449":2657,"6,450":2658,"6,451":2659,"6,452":2660,"6,453":2661,"6,454":2662,"6,455":2663,"6,456":2664,"6,457":2665,"6,458":2666,"6,459":2667,"6,460":2668,"6,461":2669,"6,462":2670,"6,463":2671,"6,465":2672,"6,466":2673,"6,468":2674,"6,469":2675,"6,470":2676,"6,471":2677,"6,472":2678,"6,473":2679,"6,474":2680,"6,475":2681,"7,1":2682,"7,2":2683,"7,3":2684,"7,4":2685,"7,5":2686,"7,6":2687,"7,7":2688,"7,8":2689,"7,9":2690,"7,10":2691,"7,11":2692,"7,12":2693,"7,13":2694,"7,14":2695,"7,15":2696,"7,16":2697,"7,17":2698,"7,18":2699,"7,19":2700,"7,20":2701,"7,22":2702,"7,23":2703,"7,24":2704,"7,25":2705,"7,26":2706,"7,27":2707,"7,28":2708,"7,29":2709,"7,30":2710,"7,31":2711,"7,32":2712,"7,33":2713,"7,34":2714,"7,35":2715,"7,36":2716,"7,37":2717,"7,38":2718,"7,39":2719,"7,40":2720,"7,41":2721,"7,42":2722,"7,43":2723,"7,44":2724,"7,45":2725,"7,47":2726,"7,48":2727,"7,50":2728,"7,51":2729,"7,52":2730,"7,53":2731,"7,54":2732,"7,55":2733,"7,56":2734,"7,57":2735,"7,58":2736,"7,59":2737,"7,60":2738,"7,61":2739,"7,62":2740,"7,63":2741,"7,64":2742,"7,65":2743,"7,66":2744,"7,67":2745,"7,68":2746,"7,69":2747,"7,70":2748,"7,71":2749,"7,72":2750,"7,73":2751,"7,74":2752,"7,75":2753,"7,76":2754,"7,78":2755,"7,79":2756,"7,80":2757,"7,81":2758,"7,82":2759,"7,83":2760,"7,84":2761,"7,85":2762,"7,87":2763,"7,88":2764,"7,89":2765,"7,90":2766,"7,91":2767,"7,92":2768,"7,93":2769,"7,94":2770,"7,95":2771,"7,96":2772,"7,97":2773,"7,98":2774,"7,99":2775,"7,101":2776,"7,102":2777,"7,103":2778,"7,104":2779,"7,105":2780,"7,106":2781,"7,107":2782,"7,108":2783,"7,109":2784,"7,110":2785,"7,111":2786,"7,112":2787,"7,113":2788,"7,114":2789,"7,115":2790,"7,116":2791,"7,117":2792,"7,118":2793,"7,119":2794,"7,120":2795,"7,121":2796,"7,122":2797,"7,123":2798,"7,124":2799,"7,125":2800,"7,126":2801,"7,127":2802,"7,128":2803,"7,129":2804,"7,130":2805,"7,131":2806,"7,132":2807,"7,133":2808,"7,134":2809,"7,135":2810,"7,136":2811,"7,137":2812,"7,138":2813,"7,140":2814,"7,142":2815,"7,143":2816,"7,144":2817,"7,145":2818,"7,146":2819,"7,147":2820,"7,148":2821,"7,149":2822,"7,150":2823,"7,151":2824,"7,152":2825,"7,153":2826,"7,154":2827,"7,155":2828,"7,156":2829,"7,157":2830,"7,158":2831,"7,159":2832,"7,160":2833,"7,161":2834,"7,162":2835,"7,163":2836,"7,164":2837,"7,165":2838,"7,166":2839,"7,167":2840,"7,168":2841,"7,169":2842,"7,170":2843,"7,171":2844,"7,172":2845,"7,173":2846,"7,175":2847,"7,176":2848,"7,177":2849,"7,178":2850,"7,179":2851,"7,180":2852,"7,181":2853,"7,182":2854,"7,183":2855,"7,184":2856,"7,185":2857,"7,186":2858,"7,187":2859,"7,188":2860,"7,189":2861,"7,190":2862,"7,191":2863,"7,192":2864,"7,193":2865,"7,194":2866,"7,195":2867,"7,196":2868,"7,197":2869,"7,198":2870,"7,199":2871,"7,200":2872,"7,202":2873,"7,204":2874,"7,205":2875,"7,207":2876,"7,209":2877,"7,210":2878,"7,211":2879,"7,212":2880,"7,213":2881,"7,214":2882,"7,215":2883,"7,216":2884,"7,217":2885,"7,218":2886,"7,219":2887,"7,220":2888,"7,221":2889,"7,222":2890,"7,223":2891,"7,224":2892,"7,225":2893,"7,226":2894,"7,227":2895,"7,228":2896,"7,229":2897,"7,230":2898,"7,231":2899,"7,232":2900,"7,233":2901,"7,234":2902,"7,235":2903,"7,236":2904,"7,237":2905,"7,238":2906,"7,239":2907,"7,240":2908,"7,241":2909,"7,242":2910,"7,244":2911,"7,245":2912,"7,246":2913,"7,247":2914,"7,248":2915,"7,249":2916,"7,250":2917,"7,251":2918,"7,252":2919,"7,253":2920,"7,254":2921,"7,255":2922,"7,256":2923,"7,257":2924,"7,258":2925,"7,259":2926,"7,260":2927,"7,261":2928,"7,263":2929,"7,264":2930,"7,265":2931,"7,266":2932,"7,267":2933,"7,268":2934,"7,269":2935,"7,270":2936,"7,271":2937,"7,272":2938,"7,273":2939,"7,274":2940,"7,275":2941,"7,276":2942,"7,277":2943,"7,279":2944,"7,280":2945,"7,281":2946,"7,282":2947,"7,283":2948,"7,284":2949,"7,285":2950,"7,286":2951,"7,287":2952,"7,288":2953,"7,289":2954,"7,290":2955,"7,291":2956,"7,292":2957,"7,293":2958,"7,294":2959,"7,295":2960,"7,296":2961,"7,297":2962,"7,298":2963,"7,299":2964,"7,300":2965,"7,301":2966,"7,302":2967,"7,303":2968,"7,304":2969,"7,305":2970,"7,306":2971,"7,307":2972,"7,308":2973,"7,310":2974,"7,311":2975,"7,312":2976,"7,313":2977,"7,314":2978,"7,315":2979,"7,316":2980,"7,317":2981,"7,318":2982,"7,319":2983,"7,320":2984,"7,321":2985,"7,322":2986,"7,323":2987,"7,324":2988,"7,326":2989,"7,327":2990,"7,328":2991,"7,329":2992,"7,330":2993,"7,331":2994,"7,332":2995,"7,333":2996,"7,334":2997,"7,335":2998,"7,336":2999,"7,337":3000,"7,338":3001,"7,339":3002,"7,340":3003,"7,341":3004,"7,342":3005,"7,343":3006,"7,344":3007,"7,345":3008,"7,346":3009,"7,347":3010,"7,348":3011,"7,349":3012,"7,350":3013,"7,351":3014,"7,352":3015,"7,353":3016,"7,354":3017,"7,355":3018,"7,356":3019,"7,357":3020,"7,358":3021,"7,359":3022,"7,360":3023,"7,361":3024,"7,362":3025,"7,363":3026,"7,364":3027,"7,365":3028,"7,366":3029,"7,367":3030,"7,368":3031,"7,369":3032,"7,370":3033,"7,372":3034,"7,373":3035,"7,374":3036,"7,375":3037,"7,376":3038,"7,377":3039,"7,378":3040,"7,379":3041,"7,380":3042,"7,381":3043,"7,382":3044,"7,383":3045,"7,384":3046,"7,385":3047,"7,386":3048,"7,387":3049,"7,388":3050,"7,389":3051,"7,390":3052,"7,391":3053,"7,392":3054,"7,393":3055,"7,394":3056,"7,395":3057,"7,396":3058,"7,397":3059,"7,398":3060,"7,399":3061,"7,400":3062,"7,401":3063,"7,402":3064,"7,403":3065,"7,404":3066,"7,405":3067,"7,406":3068,"7,408":3069,"7,409":3070,"7,410":3071,"7,411":3072,"7,413":3073,"7,414":3074,"7,415":3075,"7,416":3076,"7,417":3077,"7,418":3078,"7,419":3079,"7,420":3080,"7,421":3081,"7,422":3082,"7,423":3083,"7,424":3084,"7,425":3085,"7,426":3086,"7,427":3087,"7,428":3088,"7,429":3089,"7,430":3090,"7,431":3091,"7,432":3092,"7,433":3093,"7,434":3094,"7,435":3095,"7,436":3096,"7,437":3097,"7,438":3098,"7,440":3099,"7,441":3100,"7,442":3101,"7,443":3102,"7,444":3103,"7,445":3104,"7,446":3105,"7,447":3106,"7,448":3107,"7,450":3108,"7,451":3109,"7,452":3110,"7,453":3111,"7,454":3112,"7,455":3113,"7,456":3114,"7,457":3115,"7,459":3116,"7,460":3117,"7,461":3118,"7,462":3119,"7,464":3120,"7,465":3121,"7,466":3122,"7,467":3123,"7,468":3124,"7,469":3125,"7,470":3126,"7,471":3127,"7,472":3128,"7,473":3129,"7,474":3130,"7,475":3131,"7,476":3132,"7,477":3133,"7,478":3134,"7,479":3135,"7,480":3136,"7,481":3137,"7,482":3138,"7,484":3139,"7,485":3140,"7,486":3141,"7,487":3142,"7,488":3143,"7,489":3144,"7,490":3145,"7,491":3146,"7,492":3147,"7,493":3148,"7,494":3149,"7,495":3150,"7,496":3151,"7,497":3152,"7,498":3153,"7,499":3154,"7,500":3155,"7,501":3156,"7,502":3157,"7,503":3158,"7,504":3159,"7,505":3160,"7,506":3161,"7,508":3162,"7,509":3163,"7,510":3164,"7,511":3165,"7,512":3166,"7,513":3167,"7,514":3168,"7,515":3169,"7,516":3170,"7,517":3171,"7,518":3172,"7,519":3173,"7,520":3174,"7,521":3175,"7,522":3176,"7,523":3177,"7,524":3178,"7,525":3179,"7,526":3180,"7,527":3181,"7,528":3182,"7,529":3183,"7,530":3184,"7,531":3185,"7,532":3186,"7,533":3187,"7,534":3188,"7,535":3189,"7,536":3190,"7,537":3191,"7,538":3192,"7,539":3193,"7,540":3194,"7,541":3195,"7,542":3196,"7,543":3197,"7,544":3198,"7,545":3199,"7,546":3200,"7,547":3201,"7,548":3202,"7,549":3203,"7,550":3204,"7,551":3205,"7,552":3206,"7,553":3207,"7,555":3208,"7,556":3209,"7,557":3210,"8,1":3211,"8,2":3212,"8,3":3213,"8,4":3214,"8,5":3215,"8,6":3216,"8,7":3217,"8,8":3218,"8,9":3219,"8,10":3220,"8,11":3221,"8,12":3222,"8,13":3223,"8,14":3224,"8,15":3225,"8,16":3226,"8,17":3227,"8,18":3228,"8,19":3229,"8,20":3230,"8,21":3231,"8,22":3232,"8,23":3233,"8,24":3234,"8,25":3235,"8,26":3236,"8,27":3237,"8,28":3238,"8,29":3239,"8,30":3240,"8,31":3241,"8,32":3242,"8,33":3243,"8,34":3244,"8,35":3245,"8,36":3246,"8,37":3247,"8,38":3248,"8,39":3249,"8,40":3250,"8,41":3251,"8,42":3252,"8,43":3253,"8,44":3254,"8,45":3255,"8,46":3256,"8,47":3257,"8,48":3258,"8,49":3259,"8,50":3260,"8,51":3261,"8,52":3262,"8,53":3263,"8,54":3264,"8,55":3265,"8,56":3266,"8,57":3267,"8,58":3268,"8,59":3269,"8,60":3270,"8,61":3271,"8,62":3272,"8,63":3273,"8,64":3274,"8,65":3275,"8,66":3276,"8,67":3277,"8,68":3278,"8,69":3279,"8,70":3280,"8,71":3281,"8,72":3282,"8,73":3283,"8,74":3284,"8,75":3285,"8,76":3286,"8,77":3287,"8,78":3288,"8,79":3289,"8,80":3290,"8,81":3291,"8,82":3292,"8,83":3293,"8,84":3294,"8,85":3295,"8,86":3296,"8,87":3297,"8,88":3298,"8,89":3299,"8,90":3300,"8,91":3301,"8,92":3302,"8,93":3303,"8,94":3304,"8,95":3305,"8,96":3306,"8,97":3307,"8,98":3308,"8,99":3309,"8,100":3310,"8,101":3311,"8,102":3312,"8,103":3313,"8,104":3314,"8,105":3315,"8,106":3316,"8,107":3317,"8,108":3318,"8,109":3319,"8,110":3320,"8,111":3321,"8,112":3322,"8,113":3323,"8,114":3324,"8,115":3325,"8,116":3326,"8,117":3327,"8,118":3328,"8,119":3329,"8,120":3330,"8,121":3331,"8,122":3332,"8,123":3333,"8,124":3334,"8,125":3335,"8,126":3336,"8,127":3337,"8,128":3338,"8,129":3339,"8,130":3340,"8,131":3341,"8,132":3342,"8,133":3343,"8,134":3344,"8,135":3345,"8,136":3346,"8,137":3347,"8,138":3348,"8,139":3349,"8,140":3350,"8,141":3351,"8,142":3352,"8,143":3353,"8,144":3354,"8,145":3355,"8,146":3356,"8,147":3357,"8,148":3358,"8,149":3359,"8,150":3360,"8,151":3361,"8,152":3362,"8,153":3363,"8,154":3364,"8,155":3365,"8,156":3366,"8,157":3367,"8,158":3368,"8,159":3369,"8,160":3370,"8,161":3371,"8,162":3372,"8,163":3373,"8,164":3374,"8,165":3375,"8,166":3376,"8,167":3377,"8,168":3378,"8,169":3379,"8,170":3380,"8,171":3381,"8,172":3382,"8,173":3383,"8,174":3384,"8,175":3385,"8,176":3386,"8,177":3387,"8,178":3388,"8,179":3389,"8,180":3390,"8,181":3391,"8,182":3392,"8,183":3393,"8,184":3394,"8,185":3395,"8,186":3396,"8,187":3397,"8,188":3398,"8,189":3399,"8,190":3400,"8,191":3401,"8,192":3402,"8,193":3403,"8,194":3404,"8,195":3405,"8,196":3406,"8,197":3407,"8,198":3408,"8,199":3409,"8,200":3410,"8,201":3411,"8,202":3412,"8,203":3413,"8,204":3414,"8,205":3415,"8,206":3416,"8,207":3417,"8,208":3418,"8,209":3419,"8,210":3420,"8,211":3421,"8,212":3422,"8,213":3423,"8,214":3424,"8,215":3425,"8,216":3426,"8,217":3427,"8,218":3428,"8,219":3429,"8,220":3430,"8,221":3431,"8,222":3432,"8,223":3433,"8,224":3434,"8,225":3435,"8,226":3436,"8,227":3437,"8,228":3438,"8,229":3439,"8,230":3440,"8,231":3441,"8,232":3442,"8,233":3443,"8,234":3444,"8,235":3445,"8,236":3446,"8,237":3447,"8,238":3448,"8,239":3449,"8,240":3450,"8,241":3451,"8,242":3452,"8,243":3453,"8,244":3454,"8,245":3455,"8,246":3456,"8,247":3457,"8,248":3458,"8,249":3459,"8,250":3460,"8,251":3461,"8,252":3462,"8,253":3463,"8,254":3464,"8,255":3465,"8,256":3466,"8,257":3467,"8,258":3468,"8,259":3469,"8,260":3470,"8,261":3471,"8,262":3472,"8,263":3473,"8,264":3474,"8,265":3475,"8,266":3476,"8,267":3477,"8,268":3478,"8,269":3479,"8,270":3480,"8,271":3481,"8,272":3482,"8,273":3483,"8,274":3484,"8,275":3485,"8,276":3486,"8,277":3487,"8,278":3488,"8,279":3489,"8,280":3490,"8,281":3491,"8,282":3492,"8,283":3493,"8,284":3494,"8,285":3495,"8,286":3496,"8,287":3497,"8,288":3498,"8,289":3499,"8,290":3500,"8,291":3501,"8,292":3502,"8,293":3503,"8,294":3504,"8,295":3505,"8,296":3506,"8,297":3507,"8,298":3508,"8,299":3509,"8,300":3510,"8,301":3511,"8,302":3512,"8,303":3513,"8,304":3514,"8,305":3515,"8,306":3516,"8,307":3517,"8,308":3518,"8,309":3519,"8,310":3520,"8,311":3521,"8,312":3522,"8,313":3523,"8,314":3524,"8,315":3525,"8,316":3526,"8,317":3527,"8,318":3528,"8,319":3529,"8,320":3530,"8,321":3531,"8,322":3532,"8,323":3533,"8,324":3534,"8,325":3535,"8,326":3536,"8,327":3537,"8,328":3538,"8,329":3539,"8,330":3540,"8,331":3541,"8,332":3542,"8,333":3543,"8,334":3544,"8,335":3545,"8,336":3546,"8,337":3547,"8,338":3548,"8,339":3549,"8,340":3550,"8,341":3551,"8,342":3552,"8,343":3553,"8,344":3554,"8,345":3555,"8,346":3556,"8,347":3557,"8,348":3558,"8,349":3559,"8,350":3560,"8,351":3561,"8,352":3562,"8,353":3563,"8,354":3564,"8,355":3565,"8,356":3566,"8,357":3567,"8,358":3568,"8,359":3569,"8,360":3570,"8,361":3571,"8,362":3572,"8,363":3573,"8,364":3574,"8,365":3575,"8,366":3576,"8,367":3577,"8,368":3578,"8,369":3579,"8,370":3580,"8,371":3581,"8,372":3582,"8,373":3583,"8,374":3584,"8,375":3585,"8,376":3586,"8,377":3587,"8,378":3588,"8,379":3589,"8,380":3590,"8,381":3591,"8,382":3592,"8,383":3593,"8,384":3594,"8,385":3595,"8,386":3596,"8,387":3597,"8,388":3598,"8,389":3599,"8,390":3600,"8,391":3601,"8,392":3602,"8,393":3603,"8,394":3604,"8,395":3605,"8,396":3606,"8,397":3607,"8,398":3608,"8,399":3609,"8,400":3610,"8,401":3611,"8,402":3612,"8,403":3613,"8,404":3614,"8,405":3615,"8,406":3616,"8,407":3617,"8,408":3618,"8,409":3619,"8,410":3620,"8,411":3621,"8,412":3622,"8,413":3623,"8,414":3624,"8,415":3625,"8,416":3626,"8,417":3627,"8,418":3628,"8,419":3629,"8,420":3630,"8,421":3631,"8,422":3632,"8,423":3633,"8,424":3634,"8,425":3635,"8,426":3636,"8,427":3637,"8,428":3638,"8,429":3639,"8,430":3640,"8,431":3641,"8,432":3642,"8,433":3643,"8,434":3644,"8,435":3645,"8,436":3646,"8,437":3647,"8,438":3648,"8,439":3649,"8,440":3650,"8,441":3651,"8,442":3652,"8,443":3653,"8,444":3654,"8,445":3655,"8,446":3656,"8,447":3657,"8,448":3658,"8,449":3659,"8,450":3660,"8,451":3661,"8,452":3662,"8,453":3663,"8,454":3664,"8,455":3665,"8,456":3666,"8,457":3667,"8,458":3668,"8,459":3669,"8,460":3670,"8,461":3671,"8,462":3672,"8,463":3673,"8,464":3674,"8,465":3675,"8,466":3676,"8,467":3677,"8,468":3678,"8,469":3679,"8,470":3680,"8,471":3681,"8,472":3682,"8,473":3683,"8,474":3684,"8,475":3685,"8,476":3686,"8,477":3687,"8,478":3688,"8,479":3689,"8,480":3690,"8,481":3691,"8,482":3692,"8,483":3693,"8,484":3694,"8,485":3695,"8,486":3696,"8,487":3697,"8,488":3698,"8,489":3699,"8,490":3700,"8,491":3701,"8,492":3702,"8,493":3703,"8,494":3704,"8,495":3705,"8,496":3706,"8,497":3707,"8,498":3708,"8,499":3709,"8,500":3710,"8,501":3711,"8,502":3712,"8,503":3713,"8,504":3714,"8,505":3715,"8,506":3716,"8,507":3717,"8,508":3718,"8,509":3719,"8,510":3720,"8,511":3721,"8,512":3722,"8,513":3723,"8,514":3724,"8,515":3725,"8,516":3726,"8,517":3727,"8,518":3728,"8,519":3729,"8,520":3730,"8,521":3731,"8,522":3732,"8,523":3733,"8,524":3734,"8,525":3735,"8,526":3736,"8,527":3737,"8,528":3738,"8,529":3739,"8,530":3740,"8,531":3741,"8,532":3742,"8,533":3743,"8,534":3744,"8,535":3745,"8,536":3746,"8,537":3747,"8,538":3748,"8,539":3749,"8,540":3750,"8,541":3751,"8,542":3752,"8,543":3753,"8,544":3754,"8,545":3755,"8,546":3756,"8,547":3757,"8,548":3758,"8,549":3759,"8,550":3760,"8,551":3761,"8,552":3762,"8,553":3763,"8,554":3764,"8,555":3765,"8,556":3766,"8,557":3767,"8,558":3768,"8,559":3769,"8,560":3770,"8,561":3771,"8,562":3772,"8,563":3773,"8,564":3774,"8,565":3775,"8,566":3776,"8,567":3777,"8,568":3778,"8,569":3779,"8,570":3780,"8,571":3781,"8,572":3782,"8,573":3783,"8,574":3784,"8,575":3785,"8,576":3786,"8,577":3787,"8,578":3788,"8,579":3789,"8,580":3790,"8,581":3791,"8,582":3792,"8,583":3793,"8,584":3794,"8,585":3795,"8,586":3796,"8,587":3797,"8,588":3798,"8,589":3799,"8,590":3800,"8,591":3801,"8,592":3802,"8,593":3803,"8,594":3804,"8,595":3805,"8,596":3806,"8,597":3807,"8,598":3808,"8,599":3809,"8,600":3810,"8,601":3811,"8,602":3812,"8,603":3813,"8,604":3814,"8,605":3815,"8,606":3816,"8,607":3817,"8,608":3818,"8,609":3819,"8,610":3820,"8,611":3821,"8,612":3822,"8,613":3823,"8,614":3824,"8,615":3825,"8,616":3826,"8,617":3827,"8,618":3828,"8,619":3829,"8,620":3830,"8,621":3831,"8,622":3832,"8,623":3833,"8,624":3834,"8,625":3835,"8,626":3836,"8,627":3837,"8,628":3838,"8,629":3839,"8,630":3840,"8,631":3841,"8,632":3842,"8,633":3843,"8,634":3844,"8,635":3845,"8,636":3846,"8,637":3847,"8,638":3848,"8,639":3849,"8,640":3850,"8,641":3851,"8,642":3852,"8,643":3853,"8,644":3854,"8,645":3855,"8,646":3856,"8,647":3857,"8,648":3858,"8,649":3859,"8,650":3860,"8,651":3861,"8,652":3862,"8,653":3863,"8,654":3864,"8,655":3865,"8,656":3866,"8,657":3867,"8,658":3868,"8,659":3869,"8,660":3870,"8,661":3871,"8,662":3872,"8,663":3873,"8,664":3874,"8,665":3875,"8,666":3876,"8,667":3877,"8,668":3878,"8,669":3879,"8,670":3880,"8,671":3881,"8,672":3882,"8,673":3883,"8,674":3884,"8,675":3885,"8,676":3886,"8,677":3887,"8,678":3888,"8,679":3889,"8,680":3890,"8,681":3891,"8,682":3892,"8,683":3893,"8,684":3894,"8,685":3895,"8,686":3896,"8,687":3897,"8,688":3898,"8,689":3899,"8,690":3900,"8,691":3901,"8,692":3902,"8,693":3903,"8,694":3904,"8,695":3905,"8,696":3906,"8,697":3907,"8,698":3908,"8,699":3909,"8,700":3910,"8,701":3911,"8,702":3912,"8,703":3913,"8,704":3914,"8,705":3915,"8,706":3916,"8,707":3917,"8,708":3918,"8,709":3919,"8,710":3920,"8,711":3921,"8,712":3922,"8,713":3923,"8,714":3924,"8,715":3925,"8,716":3926,"8,717":3927,"8,718":3928,"8,719":3929,"8,720":3930,"8,721":3931},"ٜ":{"1":[1,274],"2":[1,496],"3":[1,502],"4":[1,508],"5":[1,525],"6":[1,475],"7":[1,557],"8":[1,721]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,104","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,121","2,123","2,124","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,277","2,278","2,279","2,280","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,418","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,452","2,453","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,153","3,154","3,155","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,370","3,371","3,372","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,122","4,123","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,290","4,291","4,292","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,320","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,389","4,390","4,391","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,501","4,502","4,503","4,505","4,506","4,507","4,508","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,127","5,128","5,129","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,210","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,304","6,305","6,306","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,349","6,350","6,351","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,465","6,466","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,47","7,48","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,140","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,202","7,204","7,205","7,207","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,408","7,409","7,410","7,411","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,459","7,460","7,461","7,462","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,555","7,556","7,557","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","8,715","8,716","8,717","8,718","8,719","8,720","8,721"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"17":[3,4,5],"18":[6],"19":[7,8],"21":[9],"23":[10],"24":[11,12],"28":[13,14,15],"29":[16],"30":[17],"31":[18],"32":[19,20,21],"33":[22],"42":[23,24],"45":[25],"46":[26,27],"47":[28],"48":[29,30,31],"49":[32,33,34,35],"50":[36,37],"51":[38],"52":[39,40],"53":[41],"54":[42,43,44],"55":[45,46],"56":[47,48],"57":[49],"58":[50],"61":[51,52],"65":[53],"66":[54],"68":[55],"69":[56,57,58,59],"70":[60,61,62,63],"71":[64,65,66],"72":[67,68,69,70],"73":[71],"74":[72,73],"75":[74,75],"77":[76,77,78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82,83,84],"83":[85],"85":[86],"86":[87,88,89],"87":[90],"88":[91,92],"89":[93,94],"90":[95],"91":[96,97,98],"92":[99,100,101],"93":[102,103,104,105],"94":[106],"95":[107,108,109],"96":[110,111],"97":[112,113,114],"98":[115,116,117,118],"99":[119,120,121],"100":[122],"104":[123,124,125,126,127,128],"105":[129,130],"106":[131],"110":[132,133],"112":[134],"114":[135,136,137],"115":[138,139],"118":[140],"119":[141],"123":[142],"127":[143],"131":[144,145],"132":[146,147,148,149],"133":[150,151,152],"134":[153,154],"137":[155],"138":[156,157],"139":[158],"140":[159,160,161],"141":[162,163,164,165],"142":[166,167],"143":[168],"146":[169],"147":[170,171],"151":[172],"153":[173,174],"159":[175],"160":[176,177,178],"161":[179,180],"162":[181,182,183],"163":[184,185,186,187],"164":[188,189,190],"165":[191,192],"168":[193,194],"269":[195],"270":[196,197],"271":[198],"272":[199,200,201],"273":[202,203],"274":[204,205,206,207,208,209],"275":[210,211],"2229":[212,213],"2685":[214,215,216,217],"2686":[218],"2687":[219,220],"2688":[221],"3214":[222,223,224],"3215":[225,226,227,228,229],"3216":[230,231,232],"3218":[233,234],"3219":[235]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\n\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء الأول\nالمقدمة والتمهيد وتفسير سورة الفاتحة\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\n\nحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي ISBN: ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥","vol":"1","page":1},{"text":"الطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان\n\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nيعد تفسير القرآن الكريم الركيزة المهمة لدارسي العلوم الإسلامية، والدراسات المرتكزة عليها، كالدراسات الاسلامية، والثقافة الإسلامية ... الخ، والتفسير هو فهم القرآن الكريم، وفق إحدى مدارس المفسرين، كالمدرسة اللغوية، والمدرسة الموضوعية، والمدرسة اإلعجازية، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنّة النبوية، إلى غيرها من المدارس الأخرى، وتؤكد نتائج الدراسات التي أجريت أخيرًا حول موضوع تفسير القرآن ومصادره، كدراسة عبد العليم صبّاح (١٩٩٩)، ودراسة محمد عبد النبي محمود (٢٠٠٤)، وغيرها من الدراسات بأن دراسة التفسير لها أهمية كبيرة للطلبة في كافة مراحل التعليم، سواء على الصعيد الجامعي، أو التعليم في الدراسات العليا، وأكدّت هذه الدراسات على أن للتفسير دورًا كبيرًا في فهم مقصود المولى - ﷿ - في آياته في كافة الوقائع واألحداث، كما أشارت دراسة عبد الوافي المعلم (١٩٩٧)، بأن عن طريق دراسة تفسير القرآن الكريم يمكن الوقوف على بعض الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، ومعرفة أسباب نزول الآيات القرآنية الكريمة.\nوقد أفرد الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره بابًا سمّاه: \" باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معربًا\" (١)، ضمنه مجموعة من الأحاديث والأخبار التي تدل في مجموعها على تفضيل من قرأ القرآن معربًا وذم اللحن فيه وذلك \"صونًا من تحريف الكلم عن مواضعه ودرءًا للخروج على مراد اهلل ﵎\" (٢).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ١/ ٢٣.\n(٢) مدرسة التفسير في الأندس، مصطفى إبراهيم المشني، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط ١، ١٩٨٦، ص: ٣٩٣.","vol":"1","page":3},{"text":"ومن الأحاديث والأخبار في هذا الشأن ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه\" (١).\nوقال عبد الله بن مسعود ﵄: \" جوّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب به\" (٢).\nوقال أبو بكر (٣)، وعمر (٤) ﵄: \" لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه\" (٥).\nوقال ابن عمر: \"أعربوا القرآن\" (٦).\nقال السيوطي: \"والمقصود من الإعراب في هذه النصوص ليس ما اطلع به علماء النحو، وإنما المقصود تفسير ألفاظه وتوضيح معانيه وبيان غريبه\" (٧).\nفالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] [آل عمران: ١٨٧]، وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [آل عمران: ٧٧].\nفذمّ الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله إليهم، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله، فعلينا أن ننتهي عما ذمَّهم الله تعالى\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١١٦)، وأبو يعلى الموصلي (٦٥٦٠): ص ١١/ ٤٣٦، والحاكم: ٢/ ٤٧٧، والبيهقي في شعب الإيمان: ٣/ ٥٤٨. وإسناده ضعيف.\n(٢) النشر ١/ ٢١٠، وانظره في \"الوجيز\" للقرطبي ص ٨٨، ويؤيده ما رُوي عن البراء بن عازب من قول الرسول ﷺ: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" وهو صحيح الإسناد. أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، وأبو داود ٢/ ٧٤، برقم: ١٤٦٨، والنسائي ٢/ ١٧٩، ١٨٠، برقم: ١٠١٥، ١٠١٦، وابن ماجه ١/ ٤٢٦، برقم: ١٣٤٢، والدارمي ٢/ ٥٦٥، برقم: ٣٥٠٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٧١ - ٥٧٥، والطيالسي في مسنده، انظر: منحة المعبود ٢/ ٣، برقم: ١٨٨٦.\n(٣) هو: أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة بن عامر، خليفة رسول الله -ﷺ- وأفضل الأمة، وأحد المبشرين بالجنة، هو أشهر من أن يعرف. توفي سنة (١٣ هـ) وله (٦٣) سنة. وسيرته ومناقبه في أغلب كتب التاريخ، أفرد له المحب الطبري مجلدا خاصا من أربعة مجلدات في ترجمته للعشرة المبشرين بالجنة في كتابه المسمى (الرياض النضرة). [انظر: تذكرة الحفاظ: ١\\ ٤، وشذرات الذهب: ١\\ ٢٤].\n(٤) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح. لقبه رسول الله -ﷺ- بالفاروق، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق، ولقب بأمير المؤمنين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قتله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة سنة ٢٣ هـ، وعمره (٦٣) سنة. [انظر: تذكرة الحفاظ: ١\\ ٨، وشذرات الذهب: ١\\ ٣٣].\n(٥) حكاه عنهما القرطبي في تفسيره: ١/ ٢٣، ولم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري فقال: ''أما بعد: فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي فتمعددوا فإنكم معديون''. أ. هـ. أي تشبهوا بجدكم معد بن عدنان، انظر: المصنف (١٠\\ ٤٥٦).\n(٦) أخرجه أبو علي الصواف في \" الفوائد \" (٣/ ١٦١/٢) وأبو علي الهروي في \" الأول من الثاني من الفوائد \" (١٨/ ٢) عن ليث عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مرفوعا وإسناده ضعيف. انظر: السلسلة الضعيفة والموضوعة، للألباني: ٣/ ٥٢١.\n(٧) الإتقان، السيوطي: ٢/ ٢٢٤.","vol":"1","page":4},{"text":"به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تَعَلُّم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [الحديد: ١٦، ١٧]. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها، كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك، إنه جواد كريم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المنهج في التفسير</span>\nالمنهج لغة: نَهَجَ: الطريق الواضح و(المَنْهَجُ) و(المِنْهَاجُ) مثله و(نَهَجَ) الطريق (يَنْهَجُ) بفتحتين (نُهُوجًا) وضح واستبان و(أَنْهَجَ) بالألف مثله و(نَهَجْتُهُ) و(أَنْهَجْتُهُ) أوضحته يستعملان لازمين ومتعديين (١) نهج النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج. وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجا واضحا بينا، قال يزيد بن الخذاق العبدى (٢):\nولَقَدْ أَضَاءَ لَكَ الطَّرِيقُ وأَنْهجَتْ ... سُبُلُ المَسَالكِ والهُدَى يُعْدِي\nونهجت الطريق، إذا أبنته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق أيضا، إذا سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان، أي يسلك مسلكه (٣)، وفي التنزيل ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨) (٤).\nوالمنهج اصطلاحًا: هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن حقيقة حين نكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين \" (٥) وهذا تعريف عام لمنهج البحث العلمي والتعريف الاصطلاحي العام هو قريب من التعريف اللغوي لأن كليهما يعتمد على التوضيح والاستبانة للطريق.\nويعرف المنهج بأنه \"أداة التربية ووسيلتها، وهو ذلك الطريق الواضح الذي يسلكه المربي أو المدرس مع مَنْ يربيهم لتنمية معارفهم، ومهاراتهم، واتجاهاتهم، أو هو مجموع الخبرات التربويّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة، والرياضيّة، والفنيّة، التي يهيئها المدرس لتلاميذه داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النّمو الشامل في جميع النواحي وتعديل سلوكهم طبقًا لأهدافها التربويّة\" (٦).\n_________\n(١) مصباح المنير ٢/ ٦٢٧.\n(٢) ديوان المفضليات، المفضل الضبي، تحقيق: احمد شاكر وعبدالسلام محمد هارون، دار المعرف، ط ٦: ١/ ٢٩٦.\n(٣) صحاح تاج اللغة وصحاح العربية. تأليف: إسماعيل بن حماد الجوهري. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. الناشر: دار العلم للملايين - بيروت. الطبعة: الرابعة ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م. ١/ ٣٤٦، وابن منظور، لسان العرب (٢/ ٣٨٣).\n(٤) ابن منظور، لسان العرب (٢/ ٣٨٣).\n(٥) عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي ص ١٢.\n(٦) فلسفة التّربية: د. الدمرداش ود. منير، ١/ ٣٠١.","vol":"1","page":5},{"text":"وانطلاقًا من هذا المفهوم الشامل للمنهج الدراسيّ المعاصر؛ فإنَّ للمنهج أربعة أركان رئيسية:\nأولها: الأهداف التربويّة.\nثانيها: المادة العلميّة الشاملة للمعارف، وأوجه النشاط والخبرات التي تتكوّن منها مادة المنهج.\nثالثها: طُرق وأساليب التدريس المتبعة مع التلاميذ لدفعهم إلى التعلُّم وتحقيق أهدافه المرسومة.\nرابعها: طُرق التقويم والقياس (١).\nأمَّا المنهج الإسلاميّ فإنَّه يعرف بأنَّه قانون الحياة الذي أنزله الله سبحانه إلى الجنس الإنسانيّ ليحكّموه في حياتهم وشؤونهم المختلفة، وهو منهج يتجاوب مع الفطرة الإنسانيّة التي فطر الله تعالى الناس عليها، والله أعلم بها؛ لأنَّه خالقها، قال تعالى: [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ذلك أنَّ الخالق أعلم بتصميم منهاج الحياة من الإنسان الذي يجهل طبيعة نفسه وطبيعة عقله، قال تعالى: [مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١].\nإنَّ الإنسان يعلم ما يبدو له من ظاهر الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].\nومن هنا؛ فإنَّ الإطار العام لهذا المنهج التربويّ الربانيّ المُنْزَل في جميع الأديان متفق في تجاوبه مع الفطرة الإنسانيّة الكامنة في كل إنسان؛ لأنَّ الناس جميعًا صفتهم الفطرة مشتركة عقلًا، ونفسًا، وروحًا، وقلبًا، وجسمًا، فهو منهاج متكامل للإنسان في هذه المجالات الخمسة، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].\nوبناءً على ما تقدّم؛ فإنَّا نقصد بـ \"مناهج المفسّرين\": \"الطُرق التي يتبعها المفسِّرون في تفسير كتاب الله تعالى\". ذلك أنَّ منهم الذي يعتمد على الرواية، ومنهم مَنْ يعتمد على الدّراية، ومنهم مَنْ يجمع بين الرواية والدّراية، ومنهم مَنْ يعتمد على الفهم الشَّخصيّ والمجال الذي تخصَّص فيه.\nومن هنا برزت عدّة مسمّيات، منها: \"التَّفسير بالمأثور\"، \"التَّفسير الموضوعيّ\"، \"التَّفسير الصوفيّ الإشاريّ\"، \"التَّفسير الصوفيّ النَّظريّ\"، \"التفسير العلميّ\"، و\"التَّفسير البدعيّ\" الذي يؤول كلام الله ويحمّله معاني فاسدة وبعيدة عن النَّص القرآنيّ الكريم.\nإن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، ومن ثم بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، كما قال الشافعي﵀-: \"كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] \" (٢).\n_________\n(١) مناهج الدّراسات الإسلامية: د. عابدين توفيق، ١/ ٣٢.\n(٢) مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣/ ٣٦٣، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤.","vol":"1","page":6},{"text":"وعن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير -وهو من كبار التابعين (ت ٩٥ هـ): لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: \"والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا\" (١).\nوقال مكحول الشامي -وهو من ثقات التابعين وفقهائهم- (ت ١١٣ هـ): \"القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن\" (٢).\nوعن حسان بن عطية -وهو أحد ثقات التابعين، مات بعد سنة ١٢٠ هـ- قال: \"كان الوحي ينزل على رسول الله -ﷺ-، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك\" (٣).\nوقال يحيى بن أبي كثير -وهو من صغار التابعين الثقات الأثبات، ت ١٢٩ هـ-: \"السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو خيثمة في (كتاب العلم) ص ٤١ رقم (٩٧)، وابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٣.\n(٢) أخرجه المروزي في (السنة) رقم (١٠٤)، وابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) رقم (٤٨)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٨٩)، والخطيب في (الكفاية) ص ١٤، وأورده ابن عبد البر في (جامع ببان العلم) ص ٥٦٣، وعزاه إلى سعيد بن منصور.\nوجاء هذا عن الإمام الأوزاعي -راويه عن مكحول، وهو من كبار أتباع التابعين، وأئمة الفقه المشهورين، ت ١٥٧ هـ- أنه قال: \"الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب\". أورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) ص ٥٦٣، وعلق عليه فقال: \"يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه، وهذا نحو قولهم: ترك الكتاب موضعا للسنة، وتركت السنة موضعا للرأي\".\nوجاء أيضا عن حماد بن زيد -وهو من أتباع التابعين، مات سنة ١٧٩ هـ- قال: \" إنما هو الكتاب والسنة، والكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب\" أخرجه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٣١ رقم (٢٣١).\n(٣) أخرجه بهذا اللفظ: ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٣، وذكره القرطبي في تفسيره ١: ٣٩.\nوأخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ١٥، ولفظه: (كان جبرائيل ينزل على النبي -ﷺ- بالقرآن، والسنة تفسر القرآن).\nوأخرجه الدارمي رقم (٥٨٨) في المقدمة: باب السنة قاضية على كتاب الله، والمروزي في (السنة) رقم (١٠٢) (٤٠٢)، ونعيم بن حماد في زوائده على (الزهد) ص ٤٣٩ رقم (٩١)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٩٢)، واللالكائى في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ١: ٨٣ رقم (٩٩) والخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٦٦ - ٢٦٧ رقم (٢٦٨) (٢٦٩) (٢٧٠)، وفي (الكفاية) ص ١٢ بنحوه. وصحح إسناده ابنُ حجر في (فتح الباري) ١٣: ٣٠٥.\n(٤) أخرجه الدارمي رقم (٥٨٧) في المقدمة: باب السنة قاضية على كتاب الله، والمروزي في (السنة) رقم (١٠٣)، وابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) رقم (٤٧)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٩٠) (٩١)، والخطيب في (الكفاية) ص ١٤. وأورده ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) ص ٣٨٠ وعلق عليه فقال: \"أراد أنها مبينة للكتاب، منبئة عما أراد الله تعالى فيه\". وأورده السيوطي في (مفتاح الجنة) ص ٩١، وعقب عليه فقال: \"قال البيهقي: ومعنى ذلك أن السنة مع الكتاب أقيمت مقام البيان عن الله،كما قال الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، لا أن شيئًا من السنن يخالف الكتاب\".\nقلت -القائل السيوطي-: \"والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة؛ أنها مبينة له، ومفصلة لمجملاته، لأن في لِوَجازته كنوز تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه -ﷺ-، وهو معنى كون السنة قاضية عليه، وليس القرآن مبينا للسنة ولا قاضيا عليها، لأنها بينة بنفسها إذ لم تصل إلى حد القرآن في الاعجاز والإيجاز، لأنها شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح، والله أعلم\".\nوجاء هذا عن الأوزاعي قال: \"إن السنة جاءت قاضية على الكتاب، ولم يجيء الكتاب قاضيا على السنة\". أخرجه الحاكم في (معرفة علوم الحديث) ص ٦٥.\nوقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل -وسئل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب- قال: \"ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب، وتبينه). أخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ١٤ - ١٥، وأورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٤، والقرطبي في تفسيره ١: ٣٩.\nوجاء في (مسائل الإمام أحمد) رواية ابنه عبد الله رقم (١٥٨٦): \"قال عبد الله: سألت أبي، قلت: ما تقول في السنة تقضي على الكتاب؟ قال: قد قال ذلك قوم منهم مكحول والزهري. قلت: فما تقول أنت؟ قال: أقول: السنة تدل على معنى الكتاب\". وأخرجه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٣٠ - ٢٣١.\nوفهم ابن القيم من عبارة الإمام أحمد معنى الإنكار، فقال في (الطرق الحكمية) ص ١٠٧: \"وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: السنة تقضي على الكتاب، فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه\".","vol":"1","page":7},{"text":"وقال الإمام الطبري -﵀-: \"تأويلُ القرآن غيرُ مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن\" (١).\nوقال ابن تيمية -﵀-: \"اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين؛ أن السنة تُفَسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مجمله\" (٢).\nوقال الشاطبي -﵀-: \"لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو: السنة\" (٣).\nولهذا قال رسول الله ﷺ: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\" (٤)، قال ابن القيم -﵀- معلقا على الحديث: \"هذا هو السنة بلا شك\" (٥)، وقال ابن كثير: \"يعني: السنة، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن\" (٦)، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي، ﵀ وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.\nوالغرض أنك تطلب تفسيرَ القرآن منه، فإن لم تجدْه فمن السنة، كما قال رسولُ الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"بم تحكم؟ \". قال: بكتاب الله. قال: \"فإن لم تجد؟ \". قال: بسنة رسول الله. قال: \"فإن لم تجد؟ \". قال: أجتهد برأيى. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: \"الحمد لله الذي وفَّق رَسُولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله\" (٧)، وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه، وحينئذ،\n_________\n(١) تفسير الطبري ٢: ١٨١.\n(٢) مجموع الفتاوى ١٧: ٤٣٢.\n(٣) الموافقات ٣: ٣٦٩.\n(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣١)، وأبو داود في السنن برقم (٤٦٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٣٣٢، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٨٣)، والمروزي في السنة (٤٠٣، ٢٤٤)؛ والخطيب في الكفاية (١/ ٨٠)؛ وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٩ - ١٥٠)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١/ ١٨٨ رقم (١٢)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) ٤/ ٢٠٩، من حديث المقدام بن معدى كرب، ﵁، وصححه العلامة الألباني في \"مشكاة المصابيح\" (١/ ٥٧/ ١٦٣).\n(٥) التبيان في أقسام القرآن ص ١٥٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٧.\n(٧) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٠) وأبو داود في السنن برقم (٣٥٩٢) والترمذي في السنن برقم (١٣٢٨) من طرق عن شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ به، وقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل، وأبو عون الثقفي اسمه محمد بن عبيد الله\". وللشيخ ناصر الألباني مبحث ماتع بين فيه كلام العلماء في نقد الحديث. انظر: السلسلة الضعيفة برقم (٨٨١).","vol":"1","page":8},{"text":"إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود، ﵁، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم، بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته (١).\nوقال الأعمش أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: \"كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن\" (٢).\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي: \"حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا\" (٣).\nومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله ﷺ، وترجمان القرآن وببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: \"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل\" (٤).\nقال ابن مسعود: \"نعْم ترجمان القرآن ابنُ عباس\" (٥).\nفهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود: أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود، ﵁، في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّر بعده ابن عباس ستًا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ .\nوقال الأعمش عن أبي وائل: \"استخلف علِيّ عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، [وفي رواية: سورة النور]، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا\" (٦).\nولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره، عن هذين الرجلين: عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: \"بَلِّغوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومن كذب عَلَىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" رواه\n_________\n(١) تفسير الطبري (١/ ٨٠) وجابر بن نوح ضعيف لكنه توبع، فرواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٠٢) عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش به.\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٨٠) من طريق الحسين بن واقد عن الأعمش به.\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (٨٢): ص ١/ ٨٠، إسناده صحيح.\n(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٧) وأصله في صحيح البخاري برقم (٧٥).\n(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠٥): ص ١/ ٩٠.\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٨٥)، و(٨٦): ص ١/ ٨١، والفسوي في تاريخه: ١/ ٤٩٥، من طريق الأعمش به.","vol":"1","page":9},{"text":"البخاري عن عبد الله (١)، ولهذا كان عبد الله بن عمرو يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.\nوتجدر الإشارة بأن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، كما أنها على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.\nوالثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.\nوالثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدّتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نَقْلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث، فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته، لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا. فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.\nقال سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد: \"كان ابن عباس إذا سئل عن الآية في القرآن قال به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، ﵄، فإن لم يكن اجتهد برأيه\" (٢).\nإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جَبْر، فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد\n_________\n(١) صحيح البخاري (٣٢٧٤): ص ٣/ ١٢٧٥، ومسند الإمام احمد (٦٤٥٠): ص ٢/ ١٥٩.\n(٢) سنن الدارمي (١٦٨): ص ١/ ٢٦٥.","vol":"1","page":10},{"text":"بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عَرضْتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها\" (١).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا طَلْق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: \"رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله\" (٢).\nولهذا كان سفيان الثوري يقول: \"إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به\" (٣).\nوكسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق ابن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مُزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالا وليس كذلك، فإن منهم من يعبّر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.\nوقال شعبة بن الحجاج وغيره: \"أقوال التابعين في الفروع ليست حجة؟ فكيف تكون حجة في التفسير؟، يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك \" (٤).\nفأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام (٥)، لما رواه محمد بن جرير، ﵀، بسنده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \" من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار \" (٦).\nوفي رواية أخرى: \"من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ \" (٧).\nلأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ، لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم، وهكذا سمى الله القَذَفة كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر، لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم، لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١٠٨) (ص ١/ ٩٠).\n(٢) تفسير الطبري (١٠٧) ص ١/ ٩٠.\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠٩): ص ١/ ٩١ من طريق أبي بكر الحنفي سمعت سفيان فذكره.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ١٠، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ١٧، ومقدمة في أصول التفسير ص: ٥٠،\n(٥) انظر: شرح مقدمة التفسير: لابن تيمية: ١/ ١٣٩.\n(٦) تفسير الطبري (٧٤) ص ١/ ٧٧، وأخرجه الترمذي في سننه: (٢٩٥٢)، وقال حديث حسن، والنسائي في سنن النسائي الكبرى (٨٤ ٨٠)، وأبو داود في سننه (٣٦٥٢)، والحديث مداره على عبد الأعلى بن عامر قال أبو زرعة: ضعيف، وتركه ابن مهدي.\n(٧) تفسير الطبري (٨٠) ص ١/ ٧٩. وانظر: سنن أبي داود برقم (٣٦٥٢) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٣)، قال الترمذي: غريب، وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٨٦).","vol":"1","page":11},{"text":"ولهذا تَحَرَّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي مَعْمَر، قال: قال أبو بكر الصديق، ﵁: أيّ أرض تقلّني وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب\" الله ما لا أعلم\" (١).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، عن العَوَّام بن حَوْشَب، عن إبراهيم التَّيْمِي، أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. منقطع (٢).\nوقال أبو عبيد أيضًا: \"حدثنا يزيد، عن حميد، عن أنس، أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر\" (٣).\nوقال عَبْد بن حُمَيْد: \"حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كنا عند عمر بن الخطاب، ﵁، وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك ألا تدريه\" (٤).\nوهذا كله محمول على أنهما، ﵄، إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل، لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٧، ٢٨].\nوأخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن أبي مُلَيْكَة: \"أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها\" (٥).\nوقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: \"سأل رجل ابن عباس عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]؟ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم\" (٦).\nوأخرج - أيضًا - ابن جرير الطبري: عن مَهْدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: \"جاء طَلْق بن حبيب إلى جُنْدُب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرِّج عليك إن كنت مسلمًا إلا ما قمتَ عني، أو قال: أن تجالسني\" (٧).\nوقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: \"إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن، قال: لا أقول في القرآن شيئًا\" (٨).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٧٩): ص (١/ ٧٨).\n(٢) فضائل القرآن (ص ٢٢٧) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١٣) عن محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب به.\n(٣) فضائل القرآن (ص ٢٢٧) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١٢) عن يزيد به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٤) من طريق يزيد عن حميد به، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\n(٤) ورواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٢٧)، ورواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٩٣) عن سليمان بن حرب به مختصرًا ولفظه: \"نهينا عن التكلف\".\n(٥) تفسير الطبري (٩٨): ص ١/ ٨٦.\n(٦) فضائل القرآن: ٢٢٨.\n(٧) تفسير الطبري (٩٩): ص ١/ ٨٦.\n(٨) رواه الطبري في تفسيره (٩٣): ص ١/ ٨٥، من طريق ابن وهب عن مالك به.","vol":"1","page":12},{"text":"وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: \"إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن\" (١).\nوقال شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، قال: \"سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء، يعني: عكرمة\" (٢).\nوقال ابن شَوْذَب: حدثني يزيد بن أبي يزيد، قال: \"كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع\" (٣).\nوأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن عبيد الله بن عمر، قال: \"لقد أدركتُ فقهاء المدينة، وإنهم ليعظِّمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع\" (٤).\nوقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن هشام بن عُرْوَة، قال: \"ما سمعت أبي تَأوَّل آية من كتاب الله قط\" (٥).\nوقال أيوب، وابن عَوْن، وهشام الدَّسْتوائِي، عن محمد بن سيرين: \"سألت عبَيدة السلماني، عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن؟ فاتَّق الله، وعليك بالسداد\" (٦).\nوقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: \"إذا حدثت عن الله فقف، حتى تنظر ما قبله وما بعده\" (٧).\nحدثنا هُشَيْم، عن مُغيرة، عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه (٨).\nوقال شعبة عن عبد الله بن أبي السَّفْر، قال: \"قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله ﷿\" (٩).\nوقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، حدثنا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق، قال: \"اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله\" (١٠).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٩٥): ص ١/ ٨٦، من طريق ابن وهب عن مالك به.\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٠١): ص ١/ ٨٧، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١١) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٠٠): ص (١/ ٨٦) عن العباس بن الوليد عن أبيه عن ابن شوذب به.\n(٤) تفسير الطبري (٩٢): ص ١/ ٨٥.\n(٥) فضائل القرآن: ٢٢٩.\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٩٧): ص ١/ ٨٦، من طريق ابن علية عن أيوب وابن عون به.\n(٧) فضائل القرآن: ٢٢٩.\n(٨) فضائل القرآن (ص ٢٢٩) ورواه أبو نعيم (٤/ ٢٢٢) من طريق جرير عن المغيرة به.\n(٩) فضائل القرآن (ص ٢٢٩).\n(١٠) جاء من حديث أبي هريرة، ومن حديث أنس، وأبي سعيد الخدري، ﵃. أما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند (٢/ ٢٦٣) وأبو داود في السنن برقم (٣٦٥٨) والترمذي في السنن برقم (٢٦٤٩) وابن ماجة في السنن برقم (٢٦١) من طريق علي ابن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة، وقال الترمذي: \"حديث حسن\". وأما حديث أنس، فرواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٤) من طريق يوسف بن إبراهيم عن أنس، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١١٧): \"هذا إسناد ضعيف\". وأما حديث أبي سعيد، فرواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٥) من طريق محمد بن داب عن صفوان بن سليم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي سعيد، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١١٨): \"هذا إسناد ضعيف\".","vol":"1","page":13},{"text":"فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا، فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ولما جاء في الحديث المروى من طرق: \"من سئل عن علم فكتمه، ألْجِم يوم القيامة بلجام من نار\" (١).\nفأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير بسنده عن عائشة، قالت: لم يكن النبيُّ ﷺ يفسر شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعَددٍ، علمهنّ إياه جبريل ﵇\" (٢). فإنه حديث منكر غريب (٣).\nوتكلَّم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى، مما وقفه عليها جبريل. وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله، كما صرح بذلك ابن عباس في رواية الأعرج عنه: \" التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله\" (٤).\nقال ابن جرير: \"وقد روى نحوه في حديث في إسناده نظر: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنبأنا ابن وهب قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام، لا يعذر أحد بالجهالة به. وتفسير تفسره [العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ﷿، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب\" (٥).\nوالنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه متروك الحديث؛ لكن قد يكون إنما وهم في رفعه. ولعله من كلام ابن عباس، كما تقدم، والله أعلم بالصواب.\nوالطَّرِيقةُ التي اتَّبعها في التفسير:\nأولا: ذكر الروايات حول اسم السورة.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢٣٧٥): ص ١/ ٨٤، ورواه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٢٣) من طريق معن القزاز عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة به، ورواه البزار في مسنده برقم (٢١٨٥) \"كشف الأستار\" عن محمد بن المثنى، عن محمد بن خالد بن عثمة، عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن هشام عن أبيه به.\n(٢) تفسير الطبري (٩١): ص ١/ ٨٤.\n(٣) انظر: حاشية تفسير الطبري: ١/ ٨٤.\n(٤) تفسير الطبري (٧١): ص ١/ ٧٥.\n(٥) تفسير الطبري (٧٢): ص ١/ ٧٦.","vol":"1","page":14},{"text":"ثانيا: ذكر مكان نزولها وعدد آياتها، وسبب نزولها -إن وجد-.\nثالثا: أغراض السورة ومحتويات السورة وفضائلها-إن وجد-.\nرابعا: تفسير السورة: أذكر الآيةَ، ثم أذكر مَعْناها العام (١)، ثم أقوم بتَفْسيرَها من القُرْآن أو من السُّنَّة أو من أقوال الصحابة والتَّابعين، وأحْيانًا أذكر كل ما يتعلَّق بالآية من قضايا أو أحْكام، مع ذكر الأدِلةَ من الكِتَاب والسُّنة، وأقْوَال المذاهب الفِقْهِيَّة وأدِلتَهَا والتَّرْجِيحَ بَيْنَها.\nخامسا: الاهتمام باللغة وعلومها، والإحتكام كثيرًا عند الترجيح والاختيار إلى المعروف من كلام العرب، والإعتماد على أشعارهم، والرجوع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية.\nسادسا: إختيار مذهب السلف في إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل.\nسابعا: إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله.\nثامنا: الإضراب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين.\nتاسعا: تقدير الإجماع وإعطائه اعتبارا كبيرًا في الإختيار والترجيح.\nعاشرا: بيان أوجه القراءات السورة.\nالحادي عشر: ذكر فوائد كل آية (٢).\nالثاني عشر: الإعجاز البياني والدراسة الأسلوبية للسورة: إذ خصصت مبحثا للدراسة الأسلوبية لكل سورة، مبينا الظواهر الأسلوبية في المستويات (التركيبية والدلالية والصوتية). وذلك في مجلد خاص نهاية التفسير.\nكما تولدت رغبتنا في تخصيص مهاد عام حول (علوم القرآن واتجاهات التفسير)، وذلك من خلال فصلين:\nالفصل الأول: مهاد عام حول علوم القرآن، وقد اختص بشرح مفاهيم مفردات علوم القرآن الكريم، وبعد تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحا تناول البحث المواضيع الآتية:\n(أولا: - مفهوم الوحي، ثانيا: - نزول القرآن، ثالثا: - مراحل جمع القرآن الكريم وترتيبه، رابعا: - المكي والمدني، خامسا: - أسباب النزول، سادسا: - المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، سابعا: -الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ثامنا: - القراءات، تاسعا: - الإسرائيليات، عاشرا: - تفسير القرآن وشرفه، حادي عشر: إعجاز القرآن، ثاني عشر: - ترجمة القرآن الكريم بغير لغته، الثالث عشر: - فضائل القرآن).\nالفصل الثاني: فقد اختص بعلوم التفسير واتجاهاته، وذلك من خلال محورين:\nالمحور الأول: تناولنا فيه أنواع التفسير وذلك من خلال محاور:\n(١ - التفسير بالمأثور، ٢ - التفسير بالدراية، ٣ - التفسير الإشاري).\nفي حين تطرقنا في المحور الثاني الى: اتجاهات التفسير، وذلك من خلال العناوين الآتية:\n_________\n(١) وذلك معتمدا على كتاب: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - السعودية، الطبعة: الثانية، مزيدة ومنقحة، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n(٢) أخذت جلّها من تفسير ابن عثيمين، مع تصرف بسيط وبعض الإضافات فيها.","vol":"1","page":15},{"text":"(١ - الاتجاه اللغوي، ٢ - الاتجاه العلمي، ٣ - الاتجاه الموضوعي، ٤ - الاتجاه الفقهي، ٥ - الاتجاه البلاغي).\nوفي الخاتمة: استظهرنا أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا التمهيد.\nأقولُ ذلك ملتمِسًا العُذْرَ مِنْ عالِمٍ سَقَط عَلَى زَلَل، أو قارئ وَقَعَ على خَطَأ، فَمِثْل هذَا العَمَلِ الكبِير لا بُدَّ أنْ تَظْهرَ فيهِ بَعْض الأخطاءِ المطبعيةِ، والأوْهامِ الْيَسِيرةِ، وصَدَقَ المُزَنيُّ - ﵀ - حين قال: \"لَوْ عُورضَ كتابٌ سَبْعينَ مرةً لَوُجِدَ فيه خَطَأ، أبَى اللهُ أن يكون صَحِيحًا غَيْر كِتابِهِ\"، فالمرْجُو من أهْلِ العِلْمِ أن يُرْسِلُوا لِي ما لَدَيْهِم من مُلاحظاتٍ أو اسْتِدْراكٍ أو تَعْقِيبٍ حتى أتدَاركَ ذلك في الطبعةِ اللاحقةِ إن شَاءَ اللهُ.\nولا أنْسَى في خِتَامِ كَلِمَتي أنْ أرْفَعَ شُكْرِي إلى مَقَامِ والديَّ الَّلذَيْنِ كان لهما الفَضْلُ في تَنْشِئَتِي، وإرْشَادِي إلى العِلْمِ وحُبِّهِ، والاجْتِهادِ فِي طَلَبِهِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].\nواللهَ أسْألُ أنْ يَنْفعَ به الجميعَ، وأنْ يجْعَلَهُ خالصًا لِوجْهِهِ الْكَرِيم، وأنْ يَكُونَ من الثَّلاث التي يَنْقطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدمَ إذا مات إلا مِنْها، وأنْ يكْتُبَ لجميع من أسْهَمَ فيه الأجْرَ والمثوبَةَ، إنه وَلِيُّ ذلك والقادِرُ عليه، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه أجْمَعينَ. وكتبه:\nعبدالله بن خضر بن حمد بن بيرداود\nالعراق/ أربيل: ٢/ شعبان/ ١٤٣٨ هـ","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول\nمهاد عام حول علوم القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>توطئة</span>\nلقد فصل أبو شهبة في كتابه، المدخل لدراسة القرآن الكريم، المعنى المقصود بعلوم القرآن (١)، إذ بدأ أولا بكلمة علوم، فذكر أن معنى العلم _مفرد علوم_ في اصطلاح أهل التدوين، \"جمله من المسائل المضبوطة بجهة واحدة\" (٢)، والعلم في اللغة نقيض الجهل، وهو مصدر مرادف للفهم والمعرفة والإدراك، ويراد به إدراك الشيء على حقيقته، ثم نُقل بمعنى المسائل المختلفة المضبوطة ضبطًا علميًا والمتعلقة بعلم ما، ومن أحسن ما قيل في كلمة العلم أنها أشهر من أن تعرف.\nوإن تعريف القرآن عند الأصوليين والفقهاء \"هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس\" (٣). تخصيص التعريف بهذا الشكل يخرج منه الكتب السماوية الأخرى _التي لم تنزل على محمد ﷺ، وتخرج أيضا الأحاديث القدسية التي هي أيضا لفظا من الله تعالى، لكنها غير معجزة ولا يتعبد بتلاوتها (٤).\nأما المركب الإضافي، علوم القرآن، فمكون من كلمتين، كلمة علوم وقرآن.\nوقد عرف الكفافي والشريف علوم القرآن بأنه (٥): علم أو دراسة تدور حول أي جانب من جوانب القرآن الكريم، وهذا يتضمن علوم كثيرة مثل علم: رسم القرآن، إعراب القرآن، تفسير القرآن، أسباب النزول، المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، غريب القرآن، القراءات، فضل القرآن، الأحرف السبعة، مجاز القرآن، أقسام القرآن، أمثال القرآن، حجج القرآن، نزول القرآن وتنجيمه، جمع القرآن وكتابته، المصاحف العثمانية، فواتح السور، المحكم والمتشابه، إعجاز القرآن، تشبيه القرآن واستعاراته، الإعجاز في نغم القرآن، ترجمة القرآن، ترتيب القرآن، العام والخاص، المطلق والمقيد، المنطوق والمفهوم، جدل القرآن، قصص القرآن، وغيرها (٧).\nوأوضح الدكتور زرزور (٦) أن هذه العلوم من الأجدر أن تسمى\"علوم التفسير\" أو \"علوم تفسير القرآن\"، لأن غرضها الرئيسي إنما هو لتسهيل فهم وتفسير القرآن. وقد دعم رأيه هذا بأن كتب التفسير الكبيرة عادة ما تشتمل على مقدمة تذكر فيها أهم هذه العلوم قبل البدء بالتفسير، أمثال كتاب الطبراني والأصفهاني. وأفضل كما ذكرت بالمقدمة، تقسيم محاور هذه العلوم الى: العلوم للمحافظة على المحتوى، العلوم للمحافظة على القراءة، والعلوم للمحافظة على التفسير، والعلوم لإظهار الإبداع القرآني.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-5>القرآن في اللغة: </span>اختلفت فيه أقوال العلماء هل هو مصدر أم وصف؟ ثم هل هو مهموز أم غير مهموز؟\nوالذي نختاره أنه مصدر مهموز على وزن فُعلان بالضم كالغفران، والشكران، من قرأ يقرأ قراءةً، وقرآنًا، ويشهد لهذا الاختيار ورود القرآن بمعنى القراءة في قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٧ - ١٨] أي: قراءته عليك حتى تعييه (٨).\n_________\n(١) أبو شهبة، محمد بن محمد، المدخل لدراسة القرآن الكريم،بيروت، دار الجيل، ص ١٨.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المدخل لدراسة القرآن الكريم. أبو شهبة، مرجع سابق، ص ٢٠.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) الكفافي، د. محمد عبد السلام والأستاذ الشريف، عبد الله، في علوم القرآن دراسات ومحاضرات، بيروت_لبنان، دار النهضة العربية،١٩٧٢،ص ٢٧.\n(٦) د. الصالح، صبحي، مباحث في علوم القرآن، الطبعة الخامسة والعشرون، بيروت_لبنان، دار العلم للملايين،٢٠٠٢ م، والقطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، الطبعة الثانية، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع،١٤١٧ هـ/١٩٩٦ م.\n(٧) د. زرزور، عدنان محمد، فصول في علوم القرآن، الطبعة الأولى، بيروت_لبنان، المكتب الإسلامي،١٤١٩ هـ/١٩٩٨ م، ص ١٠.\n(٨) انظر: تفسير السمعاني: ١١٥٥، وتفسير الطبري: ٢٣/ ٤٩٩.","vol":"1","page":17},{"text":"فـ\"قرأ\": تأتي بمعنى الجمع والضم والتلاوة، والقراءة: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، وقد نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسمًا للكلام المعجز، المنزل على محمد - ﷺ - من باب إطلاق المصدر على مفعوله، فأصبح كالعلم الشخصي له، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧].\nولعلوم القرآن معنيان:\nأحدهما: معنى عام: وهوأنواع المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن الكريم، سواء كانت خادمة له، أو دل القرآن على مسائلها وأحكامها (١).\nفعلوم خادمة للقرآن كعلم التجويد، وعلم التفسير، وعلوم اللغة العربية، وعلم الناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك، وعلوم دل القرآن على مسائلها وأحكامها، كعلم الفقه، وعلم التوحيد، وعلم الفرائض، وعلم التاريخ، ونحو ذلك.\nوقد توسع بعض العلماء في ذلك حتى أدخلوا علم الطب، وعلم الفلك، والجبر، والهندسة، وغيرها.\nولكن ليس هنالك شك أن كل العلوم الدينية والعربية داخلة في معنى علوم القرآن في معناه العام.\nوالثاني: ومعنى خاص باعتباره علما مدونا:\nإن علوم القرآن باعتباره فنًا مدونًا عبارة عن مباحث أساسية ينبغي الإلمام بها لكل مقبل على فهم ودراسة القرآن الكريم وإلا ضل عن سواء السبيل، لذا يمكن تعريفه بأنه: \"أنواع المعارف والعلوم الخادمة للقرآن الكريم كعلم النزول، وعلم الرسم، وعلم التجويد والقراءات، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم التفسير ونحو ذلك\" (٢).\nوفي القرن الثاني بدأ تدوين هذه العلوم في كتب منفصلة، كل علم يدرس ويدون على حده، ثم جمعت هذه العلوم في كتاب واحد لتأخذ الشكل المسمى بعلوم القرآن المتعارف عليه الآن. وقد ذكر الدكتور صبحي الصالح (٣) أن بداية ظهور الشكل المعاصر لعلوم القرآن إنما بدأ في كتاب \"البرهان في علوم القرآن\" للحوفي (ت ٤٣٠ هـ). بينما حدد كفافي والشريف بداية بلورة المفهوم المعاصرلعلوم القرآن في القرن الثامن على يد الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>فوائد معرفة علوم القرآن:</span>\nولمعرفة علوم القرآن فوائد جمة، منها (٥):\n١ - أن دراسة القرآن الكريم وفهمه وتفسيره إنما تتطلب معرفة المفسر لهذه العلوم، لمعرفة أسباب النزول، لمعرفة الناسخ والمنسوخ وغيرها من علوم القرآن حتى يتفادى الخطا والزلل، والإسلام يحث على العلم والمعرفة، وبالعلم ترقى الأمم، فكيف إذا تكون ثقافة الدارس لعلوم القرآن، فهي أشرف الثقافات والعلوم.\n_________\n(١) انظر: مناهل العرفان: ٢٣، ودراسات في علوم القرآن الكريم، فهد الرومي: ٣٢.\n(٢) مناهل العرفان: ٢٣.\n(٣) مباحث في علوم القرآن، د الصالح: ص ١٢٤.\n(٤) في علوم القرآن، الكفافي والشريف، مرجع سابق، ص ٣٣.\n(٥) انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم. أبو شهبة، مرجع سابق، ص ٢٦.","vol":"1","page":18},{"text":"علوم القرآن من أهم العلوم، وأعلاها، وأنفعها، إذ هو السبيل لفهم كتاب الله، ومعرفة أحكامه، وحكمه، ولذا تظهر علوم القرآن الكريم من جوانب عديدة أبرزها ما يأتي:\n٢ - يساعد على فهم وتدبر القرآن الكريم، واستنباط أحكامه، ومعرفة حكمه، وحل مشكله، وفهم متشابهه، بصورة صحيحة دقيقة، لأنه لا يمكن أن يفهم القرآن ويفسره من لا يعرف نطقه، ورسمه، وأوجه قراءته، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ونحو ذلك، فهو الأساس، والمفتاح لفهم القرآن الكريم.\n٣ - زيادة الثقة واليقين بهذا القرآن العظيم، خاصة لمن يتعمق في معرفة إعجازه، وأحكامه، وحكمه، ويقف على دقيق أسراره، إذ الجهل بمثل هذه العلوم يجعل المسلم عرضة للشبهات التي يقصد من ورائها زعزعة اليقين.\n٤ - معرفة الجهود العظيمة - الممتدة عبر التاريخ وفي كل القرون - التي بذلها العلماء لخدمة هذا الكتاب، ودور هذه الجهود في حفظه من التغيير والتبديل، وفي تيسير فهمه.\n٥ - التسلح بعلوم قيمة تمكن من الدفاع عن هذا الكتاب العزيز ضد من يتعرض له من أعداء الإسلام، ويبث الشكوك والشبهات في عقائده وأحكامه، وتعاليمه، وهو من أعظم الواجبات.\n٦ - زيادة ثقافة الفرد المسلم بالمصدر الأول لدينه، وأعظم ما يملكه في وجوده، إذ ينبغي لكل مسلم أن يأخذ حظه من القرآن مهما كان تخصصه، ومهنته، وحرفته.\n٧ - نيل الأجر والثواب، إذ تعلم مثل هذه العلوم من أوسع أبواب العبودية لله - ﷿ -.\n٨ - تطهير القلب، وتهذيب النفس، وزيادة الإيمان، إذ تعلم علوم القرآن يربط المسلم بصورة قوية بكتاب الله الذي أنزله الله شفاء للناس ورحمة.\nوبعد هذه التوطئة لعلوم القرآن سوف نتناول<span data-type=\"title\" id=toc-7> القرآن لغة واصطلاحا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>١ - تعريف القرآن لغة</span>\nاختلف العلماء في تعريف القرآن لغة، على أقوال:\nالقول الأول: أن كلمة القرآن مهموزة على وزن فُعلان، مشتق من (القرء) بمعنى الجمع. وهذا قول قتادة (١)، والزجاج (٢)، وأبو عبيدة (٣).\nوفي سبب تسميته بالقرآن وجهان:\nأحدهما: أنه سمّى قرآنا، لأنه يجمع السور فيضمها، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، أي: \"تأليف بعضه إلى بعض، ثم قال ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: فإذا ألّفنا منه شيئا، فضممناه إليك فخذ به، واعمل به وضمّه إليك، وقال عمرو ابن كلثوم في هذا المعنى (٤):\nذراعى حرّة أدماء بكر ... هجان اللّون لم تقرأ جنينا\n_________\n(١) حكاه عنه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٤.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٠٥، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٩١٣.\n(٣) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١، والبرهان للزركشي: ٣/ ٥٧٦.\n(٤) البيت من معلقته، وانفرد أبو عبيدة بهذه الرواية، أنظر شرح العشر للتبريزى ١١١، وهو فى جمهرة الأشعار ٧٦، والأضداد للأصمعى ٦، والطبري ٢٩/ ١٠٢، والجمهرة ١/ ٢٢٨، والقرطبي ٣/ ١١٤، واللسان والتاج (قرأ).","vol":"1","page":19},{"text":"أي لم تضمّ فى رحمها ولدا قط، (١) ... وفى آية أخرى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا تلوت بعضه فى إثر بعض، حتى يجتمع وينضمّ بعضه إلى بعض ومعناه يصير إلى معنى التأليف والجمع\" (٢).\nوالثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد. حكاه قطْرب (٣)، وأبو هيثم (٤)، واللحياني (٥)، واستشهدوا بقول الشاعر (٦):\nأَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ... مرَاحًا ولم يقرأ جنينًا ولا دمَا\nمعناه: \"لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا\" (٧).\nقال أبو إسحاق: \"وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه، أي: جَمَعْتُه\" (٨).\nوذكر الأشعري (٩) -﵀- هذا المعنى في بعض كتبه فقال: \"إن كلام الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض\" (١٠).\nقال الفراء: \"ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز\" (١١).\nالقول الثاني: أن كلمة القرآن مشتقة من (قرأ) بمعنى ألقى وأظهر. وهذا قول ابن عباس (١٢).\n_________\n(١) «أي لم تضم ... قط»: رواه أبو الطيب اللغوي عن أبى عبيدة (الأضداد ٨٠ ب)، وهو فى الأضداد للاصمعى ٦، وأخذه البخاري، وقال ابن حجر: هو قول أبى عبيدة أيضا قاله فى المجاز رواية أبى جعفر المصادرى عنه، وأنشد قول الشاعر: «هجان» البيت.\nوالسلى بفتح المهملة وتخفيف اللام. وحاصله أن القرآن عنده من «قرأ» بمعنى جمع، لا من «قرأ» بمعنى تلا. (فتح الباري ٨/ ٣٤٠)\n(٢) مجاز القرآن: ١/ ٢ - ٣.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦.\n(٤) تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٥.\n(٥) تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٥.\n(٦) البيت لحميد بن ثور في \"ديوانه\" ص ٢١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٦٥ (قرأ).\n(٧) تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٥.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢.\n(٩) هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن تتلمذ في العقائد على الجبائي زوج أمه، وبرع في علمي الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم رجع فرد عليهم، وشُهر بمذهب ينسب إليه، وقيل إنه رجع بعده إلى مذهب السلف، له: \"مقالات الإسلاميين\"، و\"الإبانة\"، توفي سنة ٣٢٤ هـ. انظر: \"شذرات الذهب\" ٢/ ٣٠٣، \"الأعلام\" ٤/ ٢٦٣.\n(٤) في (م): (كتاب).\n(١٠) البرهان، للزركشي: ١/ ٢٧٨. ونقله الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ٥٧٦، وهذا مذهب الأشاعرة واعتقاد السلف إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n(١١) نقلا عن التفسير البسيط: ٣/ ٥٧٧، والتفسير الكبير: ٥/ ٨٦.\n(١٢) حكاه عنه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٣.","vol":"1","page":20},{"text":"وذلك استشهادًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، يعني إذا بيناه فاعمل به (١).\nوعلى هذا القول فإن: \"القرآن مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا، وهو مصدر مرادف للقراءة، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ] ﴿القيامة: ١٧ - ١٨﴾، أي: قراءته، ومنه قول حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- في رثاء عثمان بن عفان-رضي الله تعالى عنه- (٢):\nضَحَّوْا بِأَشْمَطَ (٣) عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ ... يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا (٤)\nأي: قراءة\" (٥).\nفإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى \"قرآنًا\" بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟\nقيل: كما جاز أن يسمى المكتوب: كتابًا، بمعنى: كتاب الكاتب (٦)، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته (٧):\nتُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى، وفيها ... كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاء\nالقول الثالث: أن \"لفظ القرآن ليس مشتقًا، ولا مهموزًا، وأنه قد ارتجل وجعل عَلَمًَا للكتاب المنزل، كما أطلق اسم التوراة على كتاب موسى، والإنجيل على كتاب عيسى صلى الله عليهما وسلم\". وها قول الإمام الشافعي﵀- (٨).\nوالقول الراجح هو أن القرآن مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا، وهو مصدر مرادف للقراءة يدل على ذلك الآية السابقة:: [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ] ﴿القيامة: ١٧ - ١٨﴾ أي قراءته - وقوله: [وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ﴿الإسراء: ٧٨﴾، أي: قراءة الفجر (٩). والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٢ - تعريف القرآن في الاصطلاح:</span>\nإن القرآن الكريم مصدر العلوم وأصل الحقائق الثابتة ومرجع العلماء يرجع إليه الفقهاء والأصوليون لمعرفة الأحكام الشرعية إجمالًا وتفصيلًا ويرجع إليه علماء اللغة لإظهار إعجازه\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣.\n(٢) البيت لحسان بن ثابت، ديوانه: ٤١٠، وضحى: ذبح شاته ضحى النحر، وهي الأضحية. واستعاره حسان لمقتل عثمان في ذي الحجة سنة ٣٥، ﵄، انظر: \"المغني\" ١/ ٢١٨، رقم ٣٦٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢، والعنوان: الأثر الذي يظهر فتستدل به على الشيء.\n(٣) الشمط: في الرَّجُل شيب اللحية. انظر: لسان العرب، مادة (شمط): ٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٤) البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ص ١٣٤، تحقيق: فوزي عطوى، دار صعب- بيروت، ط/الأولى ١٩٦٨ م.\n(٥) لسان العرب لابن منظور ١/ ٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٩٧.\n(٧) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ١/ ٩٧، ولم أتعرف على قائله.\n(٨) مناقب الشافعي، أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ١/ ٢٧٦، تحقيق أحمد صقر، مكتبة دار التراث - القاهرة، ط/ ١٩٧١ م.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي ٢/ ٢٩٨، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط/ الثانية ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.","vol":"1","page":21},{"text":"والإفادة من أسلوبه ومعاني كلماته الإفرادية والتركيبية، ويرجع إليه علماء القراءات لتحقيق هدفهم في معرفة كيفية النطق بألفاظه الكريمة.\nذكر الإمام السيوطي في الإتقان: \"أن القرآن كلام الله المنزل، ثم أخذ في تفصيل معنى الكلام وكيفية التنزيل، وعقد بعد ذلك فصلًا في تواتر نقل القرآن وذكر أن الأمة متعبدة بفهم معانيه، وإقامة حدوده، وحروفه على الصفة المتلقاه، ثم ذكر أن القرآن معجز، وأخذ في تفصيل القدر المعجز منه\" (١)، وعليه فيمكن تلخيص كلامه على مقتضى الحد الجامع المانع فيقال: هو كلام الله المنزل على محمد -ﷺ- بواسطة جبريل، المتواتر، المعجز، المتعبد بتلاوته وتطبيق أحكامه.\nوقال الشوكاني (٢): \"القرآن كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد -ﷺ-، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه\" (٣)، وهذا التعريف مزيد فيه على ما سبق قوله: \"المكتوب في المصاحف\" وهذا قيد غير لازم، ولا يشترط في إثبات القرآن أن يكون في المصاحف؛ لأن هذا القيد لا يشمل ما كان محفوظًا في الصدور، والكل يسمى قرآنًا سواء كان مكتوبًا أو محفوظًا.\nوقيل القرآن: \"هو الكلام المعجز، المنزل على النبي -ﷺ- المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته\" (٤).\nوقيل القرآن: \"هو كلام الله المعجز المنزل على خاتم الأنبياء، والمرسلين محمد -ﷺ- بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه\" (٥).\nوقولهم في التعريف: \"كلام\" جنس يشمل كل كلام، خصص هذا الجنس بالإضافة إلى لفظ الجلالة ليخرج كل كلام سوى كلام الله، بيد أن كلام الله منه ما هو متعبد بتلاوته، ومنه غير ذلك، فتكون نسبة التخصيص هنا نسبية بالنسبة لما سوى كلام الله، والكلام صفة لله قائمة به، أثبتها ربنا ﷿ لنفسه، بدون تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، وعُرِّف القرآن في العقيدة الطحاوية بأنه: \"كلام الله، منه بدا، بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر\" (٦).\nوهذا التعريف فيه زيادة تفصيل في جانب، وخلا من قيود مهمة في جانب آخر، فمثلا قوله: \"بالحقيقة\": إما أن تكون صفة كاشفة، أو تأكيدًا معنويًا وعلى كلا التقديرين دخولها في\n_________\n(١) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٥٨ - ١٧٠، بتصرف.\n(٢) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الإمام العلامة الرباني، ولد في هجرة شوكان سنة ثلاث ... وسبعين ومائة وألف من الهجرة، تولى منصب قاضي قضاة القطر اليماني، وكان نابذا للتقليد داعيًا للاجتهاد، صاحب التصانيف، توفى عام خمسين ومأتين وألف، انظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني ٢/ ٢٠٧، دار المعرفة- بيروت، (بدون). والأعلام للزركلي ٦/ ٢٩٨.\n(٣) إرشاد الفحول، محمد بن على الشوكاني ١/ ٨٦، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، ط/الأولى ١٤١٩ هـ- ١٩٩٩ م (بتصرف بسيط).\n(٤) مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني ١/ ١٥.\n(٥) نفحات من علوم القرآن، محمد أحمد معبد ص ١٣، مكتبة طيبة- المدينة المنورة، ط/ الأولى ١٩٨٦ م.\n(٦) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٢٥٤، القاضي علي بن علي أبي العز الدمشقي، تحقيق عبدالله عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط/ الثانية ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":22},{"text":"التعريف معيب، كما يلاحظ الباحث أن هذا التعريف خلا من وصف القرآن بالمعجز؛ فهل الإعجاز صفة مختصة بكلام الله؟ وهل في الحديث القدسي أو النبوي شيء من الإعجاز فتدخل في التعريف؟ على كلا الأمرين سيخرج غير القرآن من التعريف بقولهم: \"المتعبد بتلاوته\" أي: بإقامة حروفه وألفاظه، وبأنه لا يجزئ في الصلاة غيره.\nوعُرِّف كذلك بأنه: \"كلام الله تعالى المنزل على محمد -ﷺ- للبيان، والإعجاز، المجموع بين دفتي المصحف، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر\" (١).\nنستنتج مما سبق أن كل التعريفات تدور في الجملة حول معنى واحد غير أن في بعضها زيادة قيود، وإسهاب، والأصل في الحدود أن تكون جامعة مانعة، وعليه فإن الباحث يرى أن التعريف المختار هو: أن القرآن كلام الله المنزل على محمد -ﷺ- لفظًا، للبيان، والتحدي، والإعجاز، المتعبد بتلاوته، وبأحكامه، المنقول بالتواتر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>شرح محترزات وقيود التعريف:</span>\nقوله: كلام الله: الكلام صفة من صفات الله أثبتها سبحانه لنفسه، وأثبتها له رسوله -ﷺ-، وقولنا كلام الله الكلام جنس في التعريف يشمل كل كلام وإضافته إلى (الله) يخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة، \"فقد كلم سبحانه عبده ورسوله موسى بلا واسطة، بل أسمعه كلامه الذي هو صفته اللائقة بذاته كما شاء وعلى ما أراد، قال الله ﷿: [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] ﴿البقرة: ٢٥٣﴾ [وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا] ﴿النساء: ١٦٤﴾، فأكده بالمصدر مبالغة في البيان والتوضيح\" (٢).\nوقوله: \"المنزل على محمد -ﷺ-\": خرج بقوله المنزل: كلام الله الذي استأثر به نفسه سبحانه: قال تعالى: [قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] ﴿الكهف: ١٠٩﴾، وخرج بقوله على محمد -ﷺ- الكتب السماوية السابقة لنزول القرآن كالتوراة والانجيل وغيرها، قال تعالى: [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ] ﴿الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤﴾.\nوقوله: \"لفظًا\": قيدٌ خرج به الحديث القدسي والنبوي، إذ لم ينزل كل واحد منهما لفظًا، وإنما نزل الحديث النبوي معنى على الصحيح، وفي الحديث القدسي خلاف مشهور.\nوقوله: \"للبيان\": أي: للبيان التشريعي وغيره، وهو من مهام محمد -ﷺ-، قال تعالى: [بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] ﴿النحل: ٤٤﴾.\nوقوله: \"والتحدي\": \"إن القرآن قد تحدى الإنس والجن جميعًا، مكيهم، ومدنيهم، وعربيهم، وعجميهم، أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة من سور القرآن فعجزوا أجمعين \" (٣)، قال تعالى:\n_________\n(١) اللآليء الحسان في علوم القرآن ص ٩، د/ موسى شاهين لاشين، مطبعة الفجر الجديد، (بدون).\n(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول حافظ بن أحمد بن علي الحكمي ١/ ٢٤٧، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم - الدمام، ط/الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n(٣) مناهل العرفان في علوم القرآن ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":23},{"text":"[قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا] ﴿الإسراء:﴾، وقال تعالى:\n[وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ﴿البقرة: ٢٣﴾.\nوقوله: \"والاعجاز\": \"فالقرآن كتاب معجز بكليته وبجزئيته بكل وجوه الإعجاز، وهذا الإعجاز للبشرية كلها هو مقصد من مقاصد إنزال القرآن، إثباتًا لرسالة ونبوة محمد -ﷺ-، كما أن إعجازه \"في فصاحته وبلاغته، وأنباء الغيب، وأخبار الأمم السابقة، وما حواه القرآن من إعجاز علمي، وتشريعي محكم دقيق صالح لكل زمان ومكان\" (١).\nوقوله: \"المتعبد بتلاوته\": المأمور بقراءته في الصلاة، وغيرها، ومتعبد بإقامة ألفاظه، وهذا قيد خرجت به الأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله ﷿ إن قلنا أنها منزلة من عند الله بألفاظها، والأحاديث النبوية، وإن كانت مما نؤجر على قرأتها، واستخراج الأحكام الشرعية منها؛ ولكن لا يصح القراءة بها في الصلاة، ولا متعبدون بإقامة ألفاظها على الصحيح.\nوقوله: \"المنقول بالتواتر\": \"المتواتر هو: ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه\" (٢)، أي: من النبي -ﷺ- إلى أصحابه إلى التابعين وهكذا حتى وصل إلينا دون نقص أو تحريف مصداقًا لقول الله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] ﴿الحجر: ٩﴾، وهذا قيد خرجت به القراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، والأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله ﷿ إن قلنا إنها منزلة من عند الله بألفاظها.\nوسوف يتناول البحث في هذا المبحث المحاور الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أولا: - مفهوم الوحي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الوحي لغة: </span>مصدر وحيْتُ، وأوحيت وحيًا، ومعناه الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخطي، وكل ما ألقيته إلى غيرك (٣).\nقال الزبيدي: \"أوحى إليه: كلمه بكلام يخفيه\" (٤).\nقال في (المصباح): \" الوحي الإشارة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليَعْلمه وَحْي كيف كان قاله ابن فارس وهو مصدر وَحَى إليه يَحِي من باب وعد وأوحى إليه بالألف مثله، وجمعه وُحِيّ، والأصل فُعول مثل فلوس وبعض العرب يقول وحيت إليه ووحيت له، وأوحيت إليه وله ثم غلب استعمال الوحي فيما يُلقى إلى الأنبياء من عندالله تعالى ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف والوَحَا السرعة وَحِيّ مثل سريع وزنًا ومعنىً، فعيل بمعنى فاعل، وذكاةٌ وُحِيّةٌ أي سريعة أيضا ويقال وحيت الذبيحة أحيها من باب وعد أيضا ذبحتها ذبحًا وَحِيًّا، ووحّى الدواء الموت توحية عجّله، وأوحاه بالألف مثله، واستوحيت فلانًا استصرخته\" (٥).\n_________\n(١) الواضح في علوم القرآن: ١٦٧، د/ مصطفى ديب البغا ومحي الدين ديب مستو، دار الكلم الطيب ودار العلوم الإنسانية - دمشق، ط الأولى ١٤١٧ هـ.\n(٢) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ٢٦٤.\n(٣) انظر: اللسان مادة (وحي) ومختار الصحاح، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٦/ ٩٣، مادة (وحي)، ومشكل القرآن وغريبه لابن قتيبة ٢/ ١١٢، والمفردات للراغب الأصفهاني (وحي) ٨٥٨ - ٨٥٩، والبرهان: ١/ ٢٨٠، وفتح الباري ١/ ٩، ١/ ١٤.\n(٤) تاج العروس: الزبيدي ١٠/ ٣٥٨، مادة: (وحي).\n(٥) المصباح المنير، أحمد بن محمد بن علي الفيومي المصري، مكتبة لبنان، ١٩٨٧ م، ص ٢٥٠.","vol":"1","page":24},{"text":"قال في (الأساس): \"وَحَى إليه، وأوحى إليه بمعنى، ووحيت إليه، وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه. ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨] \" (١).\nقال الراغب: \"أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: \" أمر وُحِيٌّ \" وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] \" (٢).\nقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"الوحي الإعلام السريع الخفي إما في اليقظة وإما في المنام\" (٣).\nبهذا يظهر أن الوحي في الأصل: الخفاء والسرعة، وعلى هذا فالوحي في اللغة: \"الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره\" (٤).\nجاء في بيان المعاني: \" واعلم أن معنى الوحي الإيماء بالتكليم خفية عن أن يفهمه الغير، وأصله الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وباشارة بعض الجوارح وبالكتابة، وحمل عليه قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇ ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [المريم: ١١]، ولم يتكلم، وحمل على الإيماء قول الشاعر (٥):\nنظرت إليْها نظرةً فَتَحَيَّرَتْ ... دَقَائِق فِكْري فِى بَدِيْع صِفَاتِهَا\nفَأوحَى إِلَيْهَا الطرفُ أنَّي أحبّهَا ... فأثَّر ذَاكَ الوَحيُ في وَجنَاتِهَا\nوقول الآخر (٦):\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها ... اشارة محزون ولم تتكلم\nفأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالجبيب المتيم\nوحمل على الاشارة قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].\nهذا وقد اتخذت الملوك والأمراء حروفا وكلمات بأرقام اصطلحوا عليها وعبروا عنها باسم شفره، كناية عن هذا المعنى، واستنباطا منه، منعا من أن يفهم الغير ما يتخابرون به، لأن الله تعالى علم البشر كيف يتخاطبون، وكيف يتنعمون، وكيف يعذبون ويعذبون، مما وصفه من أحوال أهل الجنة والنار، وقصه في كتابه المنزل هذا وكتبه السابقة أيضا، وجعل أوائل السور رموزا بينه وبين حبيبه، فلا يعرف معناها إلا هما كما سنبينه في مواضعه إن شاء الله، هذا وان القول الجامع في معنى وحي الله لأنبيائه، هو إعلام خفي سريع خاص بمن بوحيه اليه، بحيث يخفي عن غيره الملاحق له، كما كان يوحي اليه في فراش عائشة فيعلم ما هو المراد وهي لا\n_________\n(١) أساس البلاغة: ٢/ ٣٢٤، مادة: (وحي).\n(٢) الفمردات في غريب القرآن: ٨٥٨، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: ٥٠٢ هـ)، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٢ هـ.\n(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ج ١٢ ص ٣٩٨.\n(٤) الوحي المحمدي: محمد رشيد رضا ص ٣٧.\n(٥) البيتان دون نسبة في منار القاري: ١/ ٢٤، وبيان المعاني: ١/ ٥٤.\n(٦) البيت لعمر بن أبي ربيعة في شرح ابيات مغني اللبيب: ١/ ٤٧٦، والأغاني: ١/ ٣٥٦، وشرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية، محمد بن محمد حسن شُرَّاب: ٣/ ٢٧، وغير منسوب في شرح شذور الذهب: ٣٦، والخزانة: ١/ ٢٢٦. وفيهما أن الإشارة نوع من الكلام، أو أن الكلام قد يكون بالإشارة.","vol":"1","page":25},{"text":"تدري ما هو، وكذلك كان يوحي اليه بمحضر من أصحابه فيعي ما يتلقاه، وهم لا يعلمون شيئا منه إلا تغيّر حال الرسول عما كان عليه قبل الوحي لأنه ﵇ كان يعتريه ثقل وشدة حال نزوله حتى أنه ليعرق في الوقت البارد، من عظم ما يلاقي من هيبة كلام الرب ﷻ (١).\nوالوحي بمعناه اللغوي يتناول:\n١ - الأوامر الإلهية للملائكة، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ﴾ [الأنفال: ١٢].\n٢ - تبليغ الملائكة للأنبياء، ومنه تبليغ الآيات إلى رسول الله - ﷺبواسطة ملك الوحي جبريل ﵇ الموكل بالوحي كما ورد في قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢). وهذان الجنسان من أعلى وأعظم درجات الوحي.\n٣ - الإلهام الفطري للإنسان، كالوحي إلى أُم موسى، والوحي للحواريين كما ورد في الآيات التاليات:: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] (٣).\n٤ - الإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] (٤). أي: \" أنَّ الله سخرها عن طريق الغريزة أنْ تصنع هذه الأشياء العجيبة\" (٥).\n٥ - الإشارة السريعة برمز أو إيماء كما ورد رمزًا قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، فقد ذكر ابن كثير أن زكريا أشار إلى قومه إشارة سريعة ولم يتكلم (٦).\nوأما الإيماء، فمثاله قول الشاعر (٧):\nنظرت إليها نظرةً فتحيرت ... دقائق فكري في بديع صفاتها\nفأوحى إِليها الطرف أني أحبها ... فأثر ذاك الوحي في وجناتها\n٦ - الكتابة، ومن ذلك قول لبيد (٨):\nفمدافعُ الرَّيَّان عُرِّي رَسْمُها ... خَلَقًا كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها\n_________\n(١) انظر: بيان المعاني، عبد القادر بن ملّا حويش السيد محمود آل غازي العاني (المتوفى: ١٣٩٨ هـ)، مطبعة الترقي - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٥ م: ص ١/ ٥٤.\n(٢) للتفصيل أنظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٩٨.\n(٣) انظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢١ هـ: ص: ١/ ١٢٣.\n(٤) انظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢١ هـ: ص: ١/ ١٢٣.\n(٥) منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري: حمزة محمد قاسم: ١/ ٢٤.\n(٦) مختصر تفسير ابن كثير، محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، ١٤٠٢ هـ/١٩٨١ م، م ٢، ص ٤٤٤.\n(٧) البيتان دون نسبة في منار القاري: ١/ ٢٤، وبيان المعاني: ١/ ٥٤.\n(٨) ديوانه: ٢٩٧.","vol":"1","page":26},{"text":"فالْوُحِىُّ جمع وَحْيٍ وهو الكتابة، وإنما سميت الإِشارة والكتابة وحيًا لدلالتهما على المعنى بسرعة لا يدانيهما فيها غيرهما. والعرب تسمي السرعة وحيًا، فيقولون: تَوَحَّى الرجل إذا جاء بسرعة، فهما يرجعان إلى أصل واحد وهو السرعة (١).\n٧ - وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] (٢).\nوإنما سمي \" الإلهام \" و\" التسخير الغرْيزي \" و\" الوسوسة الشيطانية \" وحيًا، لأنّها إعلام في خفاء، والعرب تسمي الإعلام الخفي وَحْيًا (٣).\nقال الكسائي: \"تقول: وحيت إليه، إذا كلمته بكلام تخفيه عن غيره\" (٤).\nولغة القرآن: (أوحى)، بالألف -ولم يستعمل مصدرها- وإنما جاء فيه مصدر الثلاثي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].\nوعليه فان المعنى المستفاد من مادة الكلمة يشتمل على السرعة والخفاء ولو نظرنا لما استخدم هذه الأيام من وسائل الاتصال الحديثة فان فيها السرعة والخفاء، وسترى ذلك واضحًا في معنى الوحي في نظر العلم.\nفي العلم: وهو ما توصل إليه علماء الصناعة من اكتشافات، وما فيه من الدقة، وما اكتشف من معلومات حو ل النمل والنحل والمخلوقات. فمن ذلك:\nالتنويم المغناطيسي.\nالهاتف واللاسلكي، والراديو، والفاكس، والإنترنت وغيرها.\nالتسجيلات الإلكترونية على أشرطة التسجيل وأسطواناته فتنقل صوت الغائب والميت وهكذا.\nأعمال النمل، والنحل وحشرات الإكسيكلوب وما فيه من الدقة والإتقان.\nالعبقرية: ويعرِّفُها أفلاطون بأنها حال إلهية مولدة للإلهامات العلوية للبشر. ويقرر الفلاسفة بأنها حال علوية لا شأن للعقل بها. ويقول عباد الطبيعة بأنها هبة من الطبيعة نفسها لا تحصلها دراسة، ولا يوجدها تفكير.\nالحالات الروحانية التي يفتح على الإنسان بها بما لا مقدور له عليه (٥).\nفي العقل: \"ما جرى للنبي محمدﷺ- وما أخبر به. ويشهد له المعجزات التي أظهرها أو خبَّر بها. وقد اعترف العقلاء بما أخبر به في زمانه وبعده، وما زال العقل مستسلما. والعقل هو مناط التكليف\" (٦).\n_________\n(١) انظر: منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، حمزة محمد قاسم: ١/ ٢٤\n(٢) انظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢١ هـ: ص: ١/ ١٢٣.\n(٣) انظر: منار القاري: ١/ ٢٤ - ٢٥.\n(٤) لسان العرب (وحي).\n(٥) مناهل العرفان، محمد عبدالعظيم الزرقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ج ١، ص ٦٣ - ٧٣.\n(٦) الوحي في القرآن الكريم، د. أمين محمد سلام المناسية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، مجلد ٢٠، ع ٢ - ٢٠٠٤: ص: ٣٥٨.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الوحي في الاصطلاح الشرعي:</span>\nهو إعلام الله نبيًا من أنبيائه أو رسولًا من رسله ما يشاء من كلام أو معنى بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به، على وجه الخفية والسرعة (١). وهذا ما يسمى بالناموس وهو الوسيلة للإعلام الربّاني لإبلاغ خلقه من البشر والمتمثل بملك الوحي جبريل ﵇ (٢).\nأو أن يُعلِم الله تعالى مصطفاه من عباده بما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، بطريقة سرّية سريعة غير معتادة للبشر (٣).\nأو إعلام الله تعالى النبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه (٤).\nأو عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. والفرق بينه وبين الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-14><span data-type=\"title\" id=toc-15>أنواع الوحي </span>الإلهي:</span>\nتكرر وورود كلمة (الوحي) في القرآن الكريم كثيرًا، فبلغ ثمانيًا وسبعين مرة (٦)، والوحي جنس ونوع وصورة. فأجناسه اثنان، وأنواعه ثلاثة، وصوره أكثر من ذلك. وقد كشف، قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]، أن أنواع الوحي متنوعة، فهذا ما يخص البشر دون غيره، فيتنوع الوحي بتنوع الموحى إليهم، وأما الصور فهي تنوع المثال في طريقة الوحي للنوع الواحد، فيمكن القول: بأن الوحي منه ظاهر، وخفي. ومنه متلو، وغير متلو؛ فالقرآن متلو، والسنة غير متلوة.\nوإذا قلنا بالتعميم فإن أنواع الوحي هي:\nالإلهام الفطري للإنسان. يقذفه الله تعالى في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري.\nالإلهام الغريزي للحيوان.\nوالإشارة السريعة من الإنسان.\nالوحي النفسي (٧).\nوالتبليغ بطرقه المختلفة منامًا ويقظةً.\nوأما صور الوحي الإلهي إلى نبيناﷺ- فهي:\nالرؤيا الصادقة.\nما يلقيه الملك في روعه.\n_________\n(١) عبد الرحمن حسن حبنكة ١ الميداني، العقيدة الإسلامية وأسسها، ط ٣، دار القلم، دمشق، ١٤٠٣ هـ/١٩٨٣ م، ص ٥٢٨ بتصرف فقد قدمت النبي على الرسول لسبق النبوة للرسالة.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) مناهل العرفان، محمد عبدالعظيم الزرقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ج ١، ص ٦٣.\n(٤) ذكره محمد رشيد رضا بأنه تعريف أستاذه للوحي. الوحي المحمدي، ص ٤٥ ..\n(٥) الوحي المحمدي، ص ٤٥ ..\n(٦) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر- بيروت، ١٩٧٢ م.\n(٧) وقد تكلم عليه محمد رشيد رضا في كتابه الوحي المحمدي بما لا مزيد عليه.","vol":"1","page":28},{"text":"أن يسمع كصلصلة الجرس.\nمثل دوي النحل.\nالملك بصورته الملائكية.\nالملك بصورة بشرية معروفة.\nالملك بصورة بشرية غير معروفة.\nأن يأتيه الملك منامًا.\nالتكليم الإلهي يقظة (خلاف النوم). كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].\nومن أدلته النقلية:\nقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].\nومن الحديث:\nما ورد عن رسول اللهﷺ- فيما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول اللهﷺ- فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللهﷺ-: \"أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس- وهو أشده علي- فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول\" (١).\nوقد روى الحديث أيضا الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة ﵂ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفرق بين الوحي والإلهام</span>\nمن المعلوم عند المسلمين أن الوحي الذي هو أساس الأحكام قسمان: متلو وهو القرآن الكريم، وغير متلو وهو السنة النبوية الشريفة، وأما الإلهام فهو نوع من أنواع الوحي لكنه لا تنبني عليه الأحكام الشرعية وإليك بيان ذلك.\nإن القرآن الكريم هو الأساس الذي بني عليه دين الإسلام، فهو المعجزة الخالدة، به نزل جبريل ﵇ على رسول الله محمد ﷺ ليبلغه الناس، وكونه أساس حجية الأحكام عند المسلمين أمر مسلم لا يحتاج إلى تبيين.\nوأما السنة النبوية الشريفة وأنها من أسس حجية الأحكام فتدل عليه الأدلة التالية:\nثبوت عصمة النبي ﷺ في التبليغ عن ربه في الكتاب والسنة.\nتقرير الله تمسك الصحابة بالسنة، في عصره ﷺ (٣).\nالكتاب الكريم لقوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n_________\n(١) البخاري حديث رقم (٢) وطرفه (رواية بلفظ آخر) رقم (٣٢١٥).\n(٢) الجامع الصحيح (مسند الربيع بن حبيب)، ضبط وتخريج مجمد إدريس، مراجعة وتقديم عاشور بن يوسف، دار الحكمة، بيروت، ومكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط ١، ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م، حديث رقم ٢، واللفظ الأول للبخاري حديث رقم (٢).\n(٣) أنظر حجية السنة، عبدالغني عبدالخالق، (من منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي)، ط ١، دار القرآن الكريم: بيروت، ١٤٠٧ هـ/١٩٨٦ م، ص ٢٨٢ وما بعدها.","vol":"1","page":29},{"text":"السنة الشريفة نفسها كإخبارهﷺوهو المعصوم من الكذب -بأنه قد أوحي إليه القرآن وغيره؛ وأن ما بينه وشرعه-من الأحكام-فإنما هو؛ بتشريع الله تعالى ومن عنده؛ وليس من عنده ﷺ.\nتعذر العمل بالقرآن وحده، إذ لا بد أن تبينه السنة.\nالسنة نفسها فإن منها ما يقصد به تشريع الأحكام ومنها ما لا يقصد به ذلك.\nالإجماع (١).\nوأما بالنسبة للإلهام فإنه وإن كان نوعًا من أنواع الوحي فليس له حجة في بناء الأحكام عليه. وذلك لعدة أمور:\n١ - لم نجد في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ما يشير إلى أنه حجة.\n٢ - لم يرد عن سلف الأمة الصالح من اعتمده حجة.\n٣ - إجماع أمة الإسلام على عدم حجيته.\n٤ - لو قبل الناس الإلهام حجة لفتح باب لا يمكن إغلاقه لأن الكمال في الناس مستحيل، كما أن دعوى الإلهام دعوى واسعة تفتح باب الكذب والتزوير.\n٥ - قبول الإلهام يفتح بابا للشيطان على الناس.\nوهكذا فإن الإلهام ليس حجة في بناء الأحكام عليه، لكن إذا صح الإلهام مع عدم المخالفة للشرع فقد يستفاد منه في بعض الهدايات والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>النبي والرسول والفرق بينهما</span>\nالنبوة لغة: من النبأ، وهو الإخبار؛ وأيضًا هي بمعنى العلو والارتفاع (٢)، وكلُّ رسولٍ نبيّ (٣)؛ والرسول لفظةٌ مشتقّةٌ من الإرسال، وتعني التوجيه والبعث (٤).\nأما اصطلاحا: فقد اختلف أهل العلم فيها، وافترقوا على مذاهب:\nأولاها: أنه لا فرق بين النبي والرسول، بل هو من قبيل الترادف، فيطلق النبي على الشخص الذي اصطفاه الله لإنذار قومه، والرسول تطلق عليه من جهلة تكليفه بمهمة التبليغ والإرسال. وهو مذهبٌ ضعيف كما نصّ عليه القاضي عياض وبيّنه ﵀ (٥).\nثانيهما: أن النبي لم يؤمر بالتبليغ، في حين أن الرسول هو المأمور بتبليغ شرعه، وهو قولٌ مخالفٌ للأدلة أيضا، فكلاهما مبلّغٌ عن الله تعالى.\nثالثهما: وهو مذهب جمهور أهل العلم، والذي نرجّحه، أن الرّسول هو المبعوث إلى قومٍ برسالة جديدة وشرعٍ جديد، في حين أن النبيّ هو مذَكِّرٌ لقومه برسالةٍ سابقةٍ، فيكون كلّ رسولٍ نبيًّا، وليس كلُّ نبيٍّ رسولا (٦).\n_________\n(١) مختصرًا من كتاب حجية السنة، عبدالغني عبدالخالق، ص ٢٤٣ - ٣٨٢.\n(٢) لسان العرب لابن منظور، الجزء ٧، مادة نبأ.\n(٣) فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس. فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها\"٢٤ ولننتقل الآن لبيان أجناس وأنواع وصور الوحي.\n(٤) كتاب الشفا للقاضي عياض، ٢/ ٧٢٦.\n(٥) المرجع السابق: ٢/ ٧٢٩ فما فوقها.\n(٦) انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني، المجلد الأول، ص: ٤٩.","vol":"1","page":30},{"text":"و(الأنبياء) جمع نبي ويمد مهموزًا فيقال: نبيء، كما هي قراءة ورش عن نافع في جميع القرآن أو في غالبه، وهو عائد إلى الاشتقاق الأول الذي تقدم في كلمة النبوَّة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>شبه الجاحدين للوحي والرد عليها </span>(٢):\nلقد تفنن الحاقدون من أعداء الإسلام. وما زالوا يخططون ويجددون وضع الشبه واختلاقها، وهذا لا يؤثر على عظمة دين الإسلام فتنبه! ومن ذلك قولهم:\n١ - لو كان الوحي ممكنا لأوحى الله إلى أفراد البشر عامة، ولم يخص به عددًا قليلًا ... ورده أن هذا من سذاجة القول فان الأعمال العادية التي يتفاوت الناس في إنجازها لا توكل أحيانًا لكل الأفراد فكيف بالوحي وهو شديد الخطورة يحتاج إلى مؤهلات لا تتوفر إلا في نوادر البشر.\n٢ - إن الوحي الذي تدعونه، وتدّعون تنجيمه جاء بهذا القرآن غير مرتب، ولا منظم، فلم يفرد كل غرض من أغراضه بفصل أو باب ... وهذا كلام من لا يعرف حقيقة القرآن الذي بهر نظمه وتنسيقه أصحاب الاختصاصات والفنون المختلفة في اللغة والحساب مع أن القرآن ليس كتاب تأليف، بل كتاب وحي ومنهج حياة، وأين موقعه إذا ما قورن بالكتب السماوية التي بين أيدي المدعين عليه.\n٣ - اتهام النبي ﷺ بمرض الهستريا والهلوسة ... ورده أن صاحب الهستريا والهلوسة لا يستطيع أن يحل مشاكله، ولا أن يقود نفسه! ! والنبي -ﷺ- قاد أمة ونظم شعوبا وقضى على إمبراطوريات، وتحدى العباقرة الأصحاء.\n٤ - إنكم تستدلون على الوحي بإعجاز القرآن، وتستدلون على إعجاز القرآن بما فيه من أسرار، ونحن لا ندرك الإعجاز ولا تلك الأسرار ٠٠٠ وجوابه إنّ قِصَر أفهامكم، وضعف عقولكم حجة عليكم لا لكم. وقد أدرك ذلك أهل الاختصاص واعترفوا به. كما أن في القرآن ما تعرفون من أنواع الإعجاز ولا قدرة لكم على الوقوف أمامه. ٥ - إعجاز القرآن بالعربية للعرب لا يدل على أنه وحي الله بل كلام محمد نسبه إلى ربه ٠٠٠ والرد على هذه الفرية كذبها القرآن بأسلوبه المتنوع؛ فمرة بألفاظ (قُل)، وأخرى بآيات العتاب، وأخرى بالنهي. ومن غير المعقول أن يأمر الإنسان نفسه وينتقدها ويفضحها أمام الناس، بل المعروف أن الإنسان يتستر على عيوبه ونقائصه ولا يكشفها للآخرين هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن محمدًا - ﷺ- معروف للعرب الذين نشأ بينهم وتربى عندهم، وقام بخدمتهم فلِمَ لم يشهر كتابه ومؤلفه إلا بعد هذه المدة المديدة من الزمان وكذلك إن محمدًا ﷺ ما كان يجيب على التساؤلات حتى يأتيه الوحي ويخبره بجواب الله عن تلك الأمور. كما أن أخبار القرآن فيها من أنواع الغيب المستقبلي فكيف يؤلف هذا؟ ! ومزيدًا على ذلك إعجاز الائتلاف الموجود في القرآن لم يشتمل عليه مؤلف لا قديمًا ولا حديثًا ولا يمكن أن يحصل له مثيل في المستقبل. ألا تراه جمع في ثلاث وعشرين سنة دون أن يكون فيه اختلاف أو تعارض فافهم؟ ! ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وأين أنت من محمد ﷺ الذي اعترف بأمانته وطهره من عاصره وشب معه، فهو حرب على الكذب والخنا والفساد والجهالة.\n_________\n(١) عقيدة المؤمن: أبو بكر الجزائري، ص ٢٥٨.\n(٢) انظر: مناهل العرفان للزرقاني: ١/ ٧٦، وما بعدها بتصرف بسيط، وللتوسع: اقرأ في المجلد العاشر من مجلة الأزهر عام ١٣٥٨ هـ ما كتبه محمد فريد وجدي، وما كتبه الزرقاني في المجلد الخامس من مجلة الهدية الإسلامية عام ١٣٥١ هـ وما كتبه محمد عبدالله دراز في كتابه النبأ العظيم.","vol":"1","page":31},{"text":"من خلال ما تقدم يمكن استخلاص أنَّ الحاجة الماسة لوجود الوحي ملحة جدًا لقطع الطريق على المعترضين من المغرضين. وذلك أن الوحي يعطي القول الفصل والحجة التي لا مزيد عليها لبيان الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة، وبيان الحلال والحرام وما يحتاج إليه الناس في جميع شؤونهم دون الشعور بالظلم والتحيز والكيل بأكثر من مكيال. يضاف إلى ذلك حصول القناعة والرضا المترتبة حينما يثق الإنسان بأن هذا هو حكم الله تعالى، وليس حكمًا قابلًا للنقض صدر من إنسان يعتوره الهوى وحب المصالح. فالله تعالى مبرأ من التحيز والظلم بخلاف البشر.\nوالقيام بأمر النبوة والرسالة وظيفة ثقيلة تحتاج إلى من يقدر على حملها، ومصداق ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، والنبوة والرسالة يقدر عليها الرجال بصفة عامة أكثر من النساء لما يكتنفها من ظروف وأخطار المرأة في منأى عنها. وما ورد من أقوال بأن النبوة قد حصلت للنساء فأقوال فيها نظر لضعف المرأة عن هذه المهام الجسام إلا إذا اعتبرنا ذلك مقصورًا عليها وحدها. وعدم وقوعه هو الراجح عند جمهور العلماء، فالوحي إذن وظيفة شريفة يستحق من يتميز بها الطاعة والاحترام والتقدير والإجلال والنصرة والمتابعة. وهذا لايقدره إلا من خالطت بشاشة الإيمان قلبه فاستحق بذلك المغفرة والرحمة من الله تعالى. وبعكسه من أنكر الوحي وكذب الأنبياء فعوقب بالنار والخلود الأبدي فيها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثانيا: - نزول القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>يطلق الإنزال في اللغة على معنيين: </span>-\nأحدهما: الهبوط من علو: يقال: نزل فلان من الجبل، ومنه قوله تعالى ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].\nالثاني: الحلول: يقال: (نزل فلان بالمدينة)، أي: حلَّ بها (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩].\nوكلا المعنيين يشعر بالمكانية والجسمية فلا مجال لتحققهما في كلام الله ووحيه فالتعبير إذن هو من قبيل المجاز ولا يمكن حمله على الحقيقة وقد ذهب العلماء إلى أن<span data-type=\"title\" id=toc-21> إنزال القرآن فيها توجيهان:</span>\nأ- أن يقصد من إنزال القرآن إنزال حامله وهو الروح الأمين جبريل ﵇.\nب- أن يقصد من الإنزال لازمة وهو الإعلام فمعنى إنزال القرآن على النبي -ﷺ- إيصاله إليه وإعلامه به.\nواختير لفظ الإنزال أيضًا لحكمة عظيمة وهي بيان شرف هذا القرآن وعلو منزلته وأنه من العالم العلوي ومن هنا اختيرت لفظة الإنزال على لفظة الإعلام والإيصال قال تعالى ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] (٣).\n_________\n(١) انظر: مَنْهَجِيَّةُ البَحْثِ في التَّفْسِيرُ المَوْضُوعِي للكلمة، والآية، والسورة القرآنية، د. أمين محمد سلام المناسية البطوش (بحث منشور في الشبكة الالكترونية (بتصرف بسيط).\n(٢) المعجم الوسيط - د. إبراهيم أنيس - ٢/ ٩٥١.\n(٣) انظر: إتقان البرهان: ص ١٤٦ وما بعدها.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>تنزلات القرآن الكريم:</span>\nفي هذه المسألة طرفان، أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه، أما الطرف المتفق عليه، فهو أن القرآن لم ينزل على رسول الله ﷺ من السماء جملة واحدة، بل كان ينزل الوحي به من عند الله، مفرقا حسب الحوادث والأحوال.\nوقد جاءت الآيات تقرر ذلك بوضوح تام لا لبس فيه، وتقرر حكمة النزول على تلك الصفة:\n١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: \" لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد طمأنينةً وثباتًا، وخصوصًا عند ورود أسباب القلق؛ فإن نزول القرآن عند حدوث السبب، يكون له موقع عظيم، وتثبيت كثير، أبلغ مما لو كان نازلًا قبل ذلك ثم تذكره عند حلول سببه.\n﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا﴾، أي: مهلناه ودرجناك فيه تدريجًا، وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن، وبرسوله محمد ﷺ، حيث جعل إنزال كتابه جاريًا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية \" (١).\n٢ - قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: \" ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه ويستخرجوا علومه، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزيلًا﴾، شيئًا فشيئًا مفرَّقًا في ثلاث وعشرين سنَة\" (٢).\nومما يؤكد نزول القرآن مفرَّقًا: انقطاع الوحي في حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة ﵂ بالزنى، وقد انتظر النبي ﷺ نزول القرآن؛ لعظيم وقع المصيبة بتهمة زوجه حتى نزل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١].\nومما يؤكد نزول القرآن مفرَّقًا - أيضًا -: الآيات الأولى من سورة \" عبس \"؛ وذلك عندما أعرض النبي ﷺ عن تعليم ابن أم مكتوم الأعمى طمعًا في إسلام كبار قريش.\nوأما الذي وقع الخلاف فيه، فهو أول وأصل نزول القرآن: هل نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل على الرسول ﷺ مفرقا، أو كان نزوله على صفة واحدة، مفرقا حسب الوقائع، كما سبق.\nوسبب ذلك الخلاف هو فهم بعض الآيات التي تدل على نزول القرآن في وقت واحد، مثل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، مع تصريح ابن عباس ﵁ بذلك الفهم.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٥٨٢.\n(٢) تفسير السعدي: ٤٦٨.","vol":"1","page":33},{"text":"وقد اختلف العلماء في هذا النزول على أقوال:\nأولها: أن القرآن قد نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملةً واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجَّمًا في ثلاث وعشرين سنة. قاله ابن عباس وهو قول الأكثرين. وهو الراجح.\nقال عنه الزركشي\" إنه أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون\" (١).\nووصفه ابن حجر بأنه: \"الصحيح المعتمد\" (٢). وقال ذلك عنه -أيضا- القسطلاني في لطائف الإشارات (٣).\nوذكر السيوطي أن القرطبي حكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا (٤).\nوحكاية الإجماع في ذلك لا تصح لوجود المخالف في ذلك وتعدد المذاهب فيه.\nوأدلة هذا القول:\n١ - أنه ظاهر الآيات الثلاث في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقوله جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفقد دل ظاهر هذه الآيات الثلاث أن القرآن الكريم أنزل جملة في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة من شهر رمضان. وهذا وصف مغاير لصفة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ حيث إنه من المعلوم المقطوع به أن القرآن نزل على الرسول ﷺ منجما مفرقا في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث.\nفتعين أن يكون هذا النزول الذي دل عليه ظاهر الآيات نزولا آخر غير النزول المباشر على النبي ﷺ.\n٢ - أنه صريح الآثار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ، ومن الأخبار التي استند إليها أصحاب هذا المذهب:\nعن ابن عباس ﵄ قال: \"أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة\". ثم قرأ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] \" (٥).\n_________\n(١) البرهان: ١/ ٢٢٨.\n(٢) فتح الباي: ٩/ ٤.\n(٣) انظر: لطائف الإشارات: ٢٢.\n(٤) الإتقان (١/ ١٤٨)، ومناهل العرفان (١/ ٣٩)، تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٧).\n(٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٦٨)، وانظر طبعة المغرب بتحقيق أحمد الخياطي (٢/ ٢٠٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) و(٢/ ٣٦٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٨) وشعب الإيمان (٢/ ٤١٥) رقم ٢٢٤٩، والنسائي في التفسير (٢/ ١٣١) رقم ٣٩٢ وقال المحقق صحيح. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٧٨) و(٣٠/ ٢٥٨). وانظر: فضائل القرآن للنسائي (٥٩)، وابن الضريس (٧٢). والمرشد الوجيز (١٤ -) وذكره ابن كثير في فضائل القرآن (٦) عن أبي عبيد ثم قال: هذا إسناد صحيح.\nوقال أبو عبيد: ولا أدري كيف قرأ يزيد في حديثه \"فرقناه\" مشددة أم لا؟ إلا أنه لا ينبغي أن تكون على هذا التفسير إلا بالتشديد \"فرقناه\".\nوقراءة الجمهور بالتخفيف، وقرأ بالتشديد أبي، وعبد الله بن مسعود وعلي وابن عباس، وأبو رجاء وغيرهم. انظر تفسير ابن جرير (١٥/ ١٧٨)، والبحر المحيط (٦/ ٨٧). ومعجم القراءات القرآنية (٣/ ٣٤٢).","vol":"1","page":34},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: \" فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلا \" (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \"أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم\" (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] \" (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \" أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ نُجُومًا\" (٤).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"أنزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه أو أن يحدث منه شيئا أحدثه\" (٥).\nوعن مقسم عن ابن عباس - ﵄ - قال: سأله عطيه بن الأسود فقال: إنه وقع في قلبي الشك في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول؟ فقال ابن عباس -\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٦) رقم ١٢٣٨١، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩ - ٦٠) وزاد في آخره: قال سفيان: خمس آيات، ونحوها. وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة (٢٠). وذكره السيوطي في الدر المنثور بنحوه (١/ ٤٥٧) وزاد نسبته للفريابي وابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٧) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٦) رقم (١٢٣٨٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٠) وقال عنه: رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٦٧) وزاد نسبته لابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.\n(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٧) وفي شعب الإيمان (٣/ ٣٢٠) رقم (٣٦٥٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢). وذكره أبو شامة في المرشد الوجيز (١٧) وذكر السيوطي -نحوه- في الدر المنثور وزاد نسبته لابن جرير وابن مردويه ومحمد بن نصر والطبراني وأخرجه النسائي في تفسيره (٢/ ٥٣٩) رقم (٧٠٩) وقال المحقق: صحيح\n(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٤٧) رقم (١١٨٣٩) والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(٥) أخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه ابن الضريس بنحوه في فضائل القرآن (٧١ -).","vol":"1","page":35},{"text":"﵄-: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة؛ جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا (١) في الشهور والأيام\" (٢).\nوعن سعيد بن جبير قال: \"نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس\" (٣).\nوعن سعيد بن جبير أيضا قال: \"نزل القرآن جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل مفصلا\" (٤).\nوعن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ قال: \"أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله\" (٥).\nوعن إبراهيم النخعي في قوله ﷿: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ قال: \"أنزل جملة على جبريل ﵇، وكان جبريل يجيء بعد إلى محمد ﷺ\" (٦).\nووجه الاستدلال بهذه الأحاديث والآثار التي أخرجها الأئمة وصححوا بعضها، والتي يعضد بعضها بعضا أنها وإن كانت موقوفة في جملتها على ابن عباس ﵄ فإن لها حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي الذي لا يأخذ عن الإسرائيليات، فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وابن عباس لن يقول ما قال من هذا التفصيل والتحديد بمحض رأيه ومن عند نفسه فهو إذا محمول على سماعه من النبي ﷺ أو ممن سمعه منه من الصحابة والصحابة كلهم عدول.\n٣ - عدم معارضته للقول الثاني مع توجيه أدلة هذا القول والرد عليها.\n٤ - ضعف الأقوال الأخرى.\n٥ - انتفاء المحذور العقدي بالتصريح بسماع جبريل للقرآن من الله ﷿ دون واسطة.\n٦ - شهرة القول وكثرة القائلين به، والمصححين له، حتى حكى القرطبي (٧) الإجماع عليه.\nالقول الثاني: أنه ابتُدئ إنزال القرآن في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجَّما في أوقات مختلفة حسب الحوادث والوقائع وحاجات الناس، وهذ قول التابعي الجليل الشعبي (٨)، ومحمد ابن إسحاق (٩)، واختاره النسفي (١٠).\n_________\n(١) رسلا: قطعة قطعة وفرقة فرقة. انظر: حاشية تفسير الطبري (٣/ ٤٤٦).\n(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٩ -) وأخرجه الطبري في تفسيره بسنده (٣/ ٤٤٨) ولم يسم فيه السائل. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٠٩) رقم (١٢٠٩٥) والهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٦) وقال عنه: وفيه سعد بن طريف وهو متروك. وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٥٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.\n(٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢). وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٥٧) ولم ينسبه لغير ابن الضريس.\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/ ٢٩٤) رقم (٧٩) وفيه حكيم بن جبير ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.\n(٥) أخرجه عبد بن حميد كما ذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٦٧).\n(٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/ ٢٩٢) رقم (٧٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.\n(٧) الإتقان (١/ ١٤٨)، ومناهل العرفان (١/ ٣٩)، تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٧).\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٥٣١.\n(٩) نسبه له الفخر الرازي في تفسيره: ٥/ ٨٥.\n(١٠) انظر تفسيره: ١/ ٩٤، حيث قال: \" ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾: أي ابتدئ فيه إنزاله وكان في ليلة القدر .. \"، وأشار إلى الإنزال جملة بصيغة التضعيف في تفسير سورة القدر (٤/ ٣٧٠) فقال: \"روي أنه أنزل جملة\".","vol":"1","page":36},{"text":"وأدلتهم (١):\n١ - الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة.\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه.\n٣ - أن الآيات الثلاث الواردة في وصف نزول القرآن المراد بها ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة وفي هذا جمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].\n٤ - أن ما جاء من الآثار الدالة على نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإن كانت صحيحة الإسناد فهي موقوفة على ابن عباس وغير متواترة. وهذه مسألة غيبية عقدية ولا يؤخذ في الغيبيات إلا بما تواتر يقينا في الكتاب والسنة فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده. فكيف وقد نطق القرآن بخلافه.\nوهذا القول قول قويّ، إلاّ أنّه يُردّ من أوجه ثلاثة:\nالأوّل: أنّ أثر الشّعبي ﵀ رواه عنه الطّبري (٢)، بإسناد ضعيف، ففيه:\nأ- عمران أبو العوّام، وهو صدوق يهم (٣).\nب- وفيه عمرو بن عاصم الكلابي، فهو صدوق في حفظه شيء (٤).\nالثّاني: أنّ الثّابت عن الشّعبي هو ما يوافق الجمهور، رواه عنه الطّبري بإسناد صحيح (٥).\nالثّالث: أنّه مخالف لما ذكره ابن عبّاس ﵁، وأقوال الصّحابة هي الحجّة في كلّ باب عند انعدام النّصوص.\nالرابع: كما يجاب على أدلة القول الثاني - على سبيل الإيجاز - بما يأتي:\n١ - أن صفة نزول القرآن المباشر على الرسول ﷺ وكونه نزل عليه مفرقا، وكونه صريح قوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ هو محل إجماع ولا خلاف حوله ولا يعارض النزول جملة.\n٢ - القول بأن المراد بالآيات الثلاث من سور البقرة، والدخان، والقدر، هو ابتداء النزول؛ هو صرف لها عن ظاهرها بغير صارف ويجعلها تحتاج إلى تقدير محذوف.\n_________\n(١) انظر: مباحث في علوم القرآن. د. صبحي الصالح. (٥١) وتفسير جزء «عم» للشيخ محمد عبده ص (١٢٢) ط. بولاق.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٥٣١.\n(٣) كما في \"التّقريب\" (٢/ ٨٣).\n(٤) كما في \"التّقريب\" (٢/ ٧٢).\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٨٢٠): ص ٣/ ٤٤٧، و: ص ٢٤/ ٥٣٢، ولفظه: \" \"بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا\". كما عد السخاوي في جمال القراء: ١/ ٢٠، الشعبي من القائلين بالقول الأول مع ابن عباس وابن جبير.","vol":"1","page":37},{"text":"فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي ابتدأنا إنزاله. وهو يقتضي حمل القرآن على أن المراد به بعض أجزائه وأقسامه (١) فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي أنزلنا بعضه.\n٣ - أن القول بأن المسألة عقدية لا بد لها من أدلة متواترة قطعية الثبوت لإفادة العلم اليقيني ولا يكفي فيها الآثار الموقوفة؛ قول غير مسلم. واستبعاد الاستدلال بأحاديث الآحاد على العقائد غير صحيح فالعبرة بصحة الحديث فمتى صح الحديث احتج به سواء كان آحادا أم متواترا وسواء كان في الأحكام أم العقائد (٢).\nالقول الثالث: أنّه نزل إلى السماء الدّنيا في ثلاث وعشرين ليلةِ قدر، في كلّ ليلة ينزل ما يقدّر الله إنزاله تلك السّنة.\nوهذا قول ابن جريج (٣)، وأبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥)، وقال بنحوه مقاتل بن سليمان (٦)، ونسبه السيوطي للفخر الرازي (٧)،\nكما ينسب هذا القول في كثير من كتب علوم القرآن للماوردي (٨).\nوهذا القول ضعيف مدفوع أيضا بمذهب الصّحابيّ.\nقال عنه ابن حجر: \"وهذا أورده ابن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا\" (٩).\nوقال عنه القرطبي: \"قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع \"أن القرآن أنزل جملة واحدة\" (١٠).\nوحكاية القرطبي للإجماع هنا غير مسلمة لما علمته من الأقوال في ذلك.\n_________\n(١) انظر: مفاتبح الغيب: ٥/ ٨٥.\n(٢) انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم (٥٢).\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣/ ٤٤٧). وتفسير أبي الليث السمرقندي (١/ ٥٦٣) والدر المنثور للسيوطي (١/ ٤٥٧).\n(٤) قاله في كتابه المنهاج (٢/ ٢٣٤ -)، وانظر: البرهان (١، ٢٢٩)، ولطائف الإشارات للقسطلاني (١/ ٢٢)، والمرشد الوجيز (١٩).\n(٥) انظر: الإتقان للسيوطي (١/ ١٤٨)، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/ ٢١٥) بتحقيق د. محمد صفاء حقي. رسالة ماجستير غير منشورة. قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين. الرياض.\n(٦) انظر: حاشية المرشد الوجيز بتحقيق طيار آلتي قولاج (١٨). وتفسير مقاتل بن سليمان (١/ ٢٢ خ)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (١/ ٥٦٢).\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٨٥. وهي نسبة غير محررة فقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره هذا القول وجعله محتملا، وتوقف في الترجيح بينه وبين القول بنزوله جملة واحدة من اللوح المحفوظ ثم نزوله منجما بعد ذلك. لكنه في موضع آخر وبعد صفحة واحدة رجح القول الثاني. فقال: \" .. التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد ههنا من قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال\".\n(٨) انظر: المرشد الوجيز لأبي شامة (١٨، ١٩)، والبرهان (١/ ٢٢٩)، والإتقان (١/ ١٤٨)، والزيادة والإحسان لابن عقيلة (١/ ٢١٥)، وهي نسبة غير محررة من حيث تحديد القول، وتعيين القائل.\n(٩) فتح الباري (٩/ ٤)، ونقله القسطلاني في لطائف الإشارات (١/ ٢٢).\n(١٠) تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٨)، وانظر الإتقان (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":38},{"text":"القول الرابع: أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة. حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس (١).\nقال ابن حجر: \" وهذا -أيضا- غريب\" (٢).\nوقال أبو شامة: \" وهو قول مردود لأنه ليس بين الله وجبريل واسطة في تلقي القرآن الكريم\" (٣).\nوقال ابن العربي متعقبا هذا القول: \"ومن جهلة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة وألقاه جبريل إلى محمد - ﵉ - في عشرين سنة وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة\" (٤).\nوقد نقل أبو شامة في المرشد الوجيز عن تفسير علي بن سهل النيسابوري عن جماعة من العلماء أن جبريل هو من أملاه على السفرة. قال: \"قال جماعة من العلماء: تنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇، وغشى على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سبأ: ٢٣] يعني القرآن وهو معنى قوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣] فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه جبريل على السفرة الكتبة. يعني الملائكة وهو قوله تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] \" (٥).\nوذهب إلى هذا المعنى من إملاء جبريل القرآن على السفرة علم الدين السخاوي في جمال القرآن في معرض حديثه عن حكمة إنزاله جملة فقال: \" .. وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة -﵈- وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له\" (٦) فيكون قولا خامسا.\nوقد حاول ابن عقيلة المكي الإجابة عما تضمنه ذلك الخبر من عدم أخذ جبريل للقرآن من الله. فقال بعد أن ساق الخبر: \"فهذا يقضي أن جبريل ما أخذه إلا عن السفرة. قلت: لا تنافي، لاحتمال أن جبريل -﵇- سمعه من الله ﷾ كما تقدم بصفة التجلي فعلمه جميعه ثم أمره الله أن يأخذه من اللوح المحفوظ فيضعه في بيت العزة عند السفرة، ثم أمر الله ﷾ السفرة أن تنجمه على جبريل ﵇ في عشرين ليلة لكل سنة ليلة وإنما كان التنجيم من السفرة على جبريل لما ذكره الحكيم الترمذي: إن سر وضع القرآن في السماء الدنيا ليدخل في حدها لأنه رحمة لأهلها. فأخذ جبريل عن السفرة إشارة إلى أنه صار مخصوصا بهم فلا يؤخذ إلا عنهم\" (٧).\n_________\n(١) انظر: الدر المنثور: ٥/ ٣٤٥، وحكاه الماوردي عن ابن عباس في النكت والعيون (٦/ ٣١١)، وابن كثير في تفسيره: ٧/ ٥٤٤، الإتقان: السيوطي: ج ١ ص ٥٤. وأخرجه - بنحوه - ابن أبي حاتم، وانظر الزيادة والإحسان (١/ ١٧٢، ٢١٨).\n(٢) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٤ -)، ونقل القسطلاني كلام ابن حجر في كتابه لطائف الإشارات (١/ ٢٢).\n(٣) المرشد الوجيز: ١٩.\n(٤) أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٩٦١ -) وانظر تفسير القرطبي (٢٠/ ١٣٠).\n(٥)؟ المرشد الوجيز (٢٣)، وانظر تفسير القرطبي (٢٠/ ١٣٠).\n(٦) جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (١/ ٢٠).\n(٧)؟ الزيادة والإحسان لابن عقيلة (١/ ١٧٢) بتحقيق: د. محمد صفاء حقي","vol":"1","page":39},{"text":"ولا يخفى ما في هذا القول الأخير من ضعف، في كون جبريل ﵇ يأخذ القرآن إلى السفرة ثم يأخذه منهم؛، دون إنكار صلة السفرة بالقرآن، قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].\nوالاتفاق حاصل والإجماع قائم على صفة نزول القرآن الكريم المباشر على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا من بعثته ﷺ إلى قرب وفاته ينزل أحيانا ابتداء بغير سبب وهو أكثر القرآن الكريم وأحيانا أخرى ينزل مرتبطا بالأحداث والوقائع والأسباب.\nوأما نزوله جملة فهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فهو أنزل في ليلة اسمها ليلة القدر، وصفتها أنها مباركة، وشهرها شهر رمضان. وهو صريح الأخبار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ.\nوما دام أن النزول جملة لا يعارض صراحة النزول السابق، ولا يرتبط به من خلال تلك النصوص. بل هو نزول خاص، ووجود معين حيث القرآن الكريم كلام الله ومنزل من عند الله يتلقاه جبريل ﵇ من الله بلا واسطة عند نزوله به على الرسول ﷺ مباشرة.\nوإن كان قد نزل به إلى بيت العزة فذلك نزول خاص. وأحد وجودات القرآن الكريم المتعددة. حيث يوجد القرآن الكريم في اللوح المحفوظ (١).\nويوجد - أيضا - في الصحف المطهرة الموجودة في أيدي الكرام البررة من الملائكة كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦].\nويوجد - كذلك - في بيت العزة من السماء الدنيا كما دلت على ذلك الأخبار عن ابن عباس. وجائز أن يكون الوجودان الأخيران مختلفين متغايرين وجائز أن يكونا وجودا واحدا بأن يكون القرآن الكريم في تلك الصحف في بيت العزة وبأيدي أولئك الملائكة الكرام كما يوجد في الأرض بنزوله على الرسول ﷺ والنزول مقترن بما عدا الأول من الوجودات المذكورة.\nيقول البيهقي - ﵀ -: \"وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يريد به والله أعلم إنا أسمعناه الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل\" (٢).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بعد عرض قرر فيه أن القرآن الكريم كلام الله منزل من عند الله كما هو صريح القرآن، قال: \"فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد، ولا غيرهما، وإذا كان\n_________\n(١) عد الشيخ عبد العظيم الزرقاني هذا الوجود تنزلا. وجعله التنزل الأول والصواب أنه وجود إذ لم يرد لفظ النزول مقترنا به فلا يصح أن يعد نزولا أو تنزلا. وانظر: المدخل لدراسة القرآن للشيخ محمد أبو شهبة (٤٧).\n(٢) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":40},{"text":"أهل الكتاب يعلمون ذلك (١) فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه.\nثم قال: \"وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث. ولا يتنافى أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾ ﴿في لوح محفوظ﴾ وقال تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم﴾ ﴿في كتاب مكنون﴾ ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ وقال تعالى: ﴿كلا إنها تذكرة﴾ ﴿فمن شاء ذكره﴾ ﴿في صحف مكرمة﴾ ﴿مرفوعة مطهرة﴾ ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾. وقال تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾. فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذ كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله ... \" (٢).\nفعلى هذا الوجه لا إشكال في القول بأن للقرآن تنزلين: نزول جملة، ونزول مفرق، ولا يترتب عليه محذور. وإنما يقع المحذور ويحصل الإشكال في القول بأن جبريل يأخذ القرآن من الكتاب أو من بيت العزة عند نزوله به على الرسول ﷺ من دون سماع من الله تعالى. كما نقل أبو شامة عن الحكيم الترمذي - في معرض حديثه عن حكمة نزول القرآن جملة - قوله: \"ثم أجرى من السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب .. \" (٣).\nوكما قد يفهم من ظاهر بعض الآثار فمثل هذا القول، ومثل هذا الفهم للقول بأن للقرآن تنزلين؛ لا يصح. فهو أولا لم يرد في تلك النصوص المفسرة والمفصلة لنزول القرآن جملة. وثانيا أنه يلزم منه أن جبريل ﵇ لم يسمع القرآن من الله ﷿ وأن القرآن نزل من مخلوق لا من الله وهذا باطل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: \"والنبي ﷺ سمعه من جبريل، وهو الذي نزل عليه به، وجبريل سمعه من الله تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة. قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين، وهو جبريل من الله بالحق .. \" (٤).\nوذكر ابن تيمية عن أبي حامد الإسفرائيني قوله: \"مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا: مسموعا، ومكتوبا، ومحفوظا .. \" (٥).\n_________\n(١) إشارة إلى قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين الأنعام، من الآية / ١١٤.\n(٢) الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ١٢٦ -)\n(٣)؟ المرشد الوجيز (٢٦).\n(٤) الفتاوى (١٢/ ٢٩٨) باختصار.\n(٥) الفتاوى (١٢/ ٣٠٦).","vol":"1","page":41},{"text":"فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد، ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سمع، وكتب، وقرئ، كما قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ (١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أيضا: \"ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا من وجوه: منها أن يقال إن الله ﷾ قد كتب التوراة لموسى بيده فبنو إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو ﷾ فيه فإن كان محمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلى من محمد بدرجة\" (٢).\nوقد أبان الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ - مذهب أهل السنة فقال: \"فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأن جبريل ﵇، سمع القرآن الكريم من الله تعالى وبلغه محمد ﷺ\" (٣).\nوهذا الخلاف - كما ترى - ليس له كبير أثر في واقع تنزيل القرآن على النبي ﷺ، وقد قيل إن هذا التنزيل سببه إظهار كرامة القرآن وعظيم منزلته في العالَم العلو.\nقال بدر الدين الزركشي - ﵀ -: \" فإن قيل: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء؟\nقيل: فيه تفخيم لأمره وأمر مَن نزل عليه، وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم\" (٤).\nوالراجح أن القرآن الكريم له تنزلان: -\nالأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا.\nالثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقًا منجمًا في نيف وعشرين سنة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحكمة من تنجيم القرآن:</span>\nإن لتنجيم القرآن الكريم حكم، نذكر منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي</span>؟ وذلك من خلال الآتي: -\nأ- أن في تجدد الوحي، وتكرار نزوله من جانب الحق إلى رسوله؟ يملأ قلب الرسول الكريم سرورًا، ويشعر بالعناية الإلهية.\nومما لا شك فيه أن كثرة نزول الوحي أقوى بالقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، فيحصل للنبي - ﷺ - الأُنْس والارتباط بالله تعالى يقول الإمام أبو شامة (٦): كك \"فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى بالقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجدد\n_________\n(١) المصدر السابق (١٢/ ٥٦٦).\n(٢)؟ الفتاوى (١٢/ ١٢٧ -)\n(٣) الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم للعلامة الشيخ محمد بن إبراهيم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، عام ١٣٦٩ هـ: ص ٣.\n(٤) البرهان في علوم القرآن: ١/ ٢٣٠.\n(٥) مباحث في علوم القرآن - مناع القطان - ص ١٠٤.\n(٦) أبو شامة هو العلامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي أبو القاسم شهاب الدين، فقيه شافعي له كتاب (المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز)، وكتب أخرى، توفي سنة ٦٦٥ هـ، انظر الأعلام ٢٩٩.","vol":"1","page":42},{"text":"العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل\" (١).\nومنها تسليته - ﷺ - ببيان ما يثبت قلبه على الحق ويشحذ عزمه للمضي قدمًا في طريق دعوته لا يبالي بظلمات الجهالة التي يواجهها من قومه، فما حصل للنبي محمد - ﷺ - قد حصل للأنبياء السابقين قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤]، وكلما اشتد أذى المشركين للرسول - ﷺ - نزلت الآيات لطمأنة الرسول - ﷺ - وتسليته، وتهديد المشركين والمكذبين بأن الله يعلم أحوالهم وسيجازيهم على ذلك أشد الجزاء، قال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥]، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، فكان لاتصال الوحي بالرسول - ﷺ - وتتابع نزول الآيات عليه تسليةً له بعد تسلية تشد من أزره وتحمله على الصبر والمصابرة، وكان لذلك أبلغ الأثر في مواساته والتخفيف عنه، ولو أن القرآن نزل جملةً واحدة لكان لانقطاع الوحي بعد ذلك أثر كبير في استشعار الوحشة والغربة.\nب- ومنها تسليته - ﷺ - بذكر قصص الأنبياء السابقين، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].\nج- أن في التنجيم تيسيرًا عليه من الله في حفظه وفهمه ومعرفة أحكامه وحكمه.\nفقد نزل القرآن مفرقًا لكي يسهل حفظه وفهمه، فكانت الآيات تنزل على النبي محمد - ﷺ - وكان النبي يعلمها أصحابه فكلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا معانيها، ووقفوا عند أحكامها (٢) بل صار الصحابة والتابعون يعلمون من بعدهم بنفس الطريقة فصارت سنة متبعة فعن أبي العالية الرِّياحي (٣) أنه قال \"تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن رسول الله - ﷺ - كان يأخذه خمسًا خمسًا \" (٤).\n_________\n(١) انظر البرهان ١ ٢٣١، الإتقان ١ ١٢١.\n(٢) المدخل لدراسة القرآن الكريم ٧١، مباحث في علوم القرآن ٩٥.\n(٣) اسمه رُفَيْع بن مهران، من رواة الحديث، ثقة كثير الارسال، التقريب ٢١٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب فضائل القرآن، في تعليم القرآن كم آية ١٠ ٤٦١، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢ ٢١٩، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٩٥٩).","vol":"1","page":43},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود \"كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن\" (١).\nوفي بعض الروايات أن أبا عبد الرحمن السلمي (٢) قال حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا يستقرئون من النبي - ﷺ - وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا (٣).\nثم إن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة للكُتَّاب على ندرتهم، فلو أنزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه وكتابته، فاقتضت حكمة الله العليا أن ينزله إليهم مفرقًا ليسهل عليهم حفظه ويتهيأ لهم استظهاره (٤).\nد- أن هذا التنزيل فيه نوع من الإعجاز، حيث تحدى كفار قريش في كل مرة أن يأتوا بمثل هذا التنزيل - ولا شك أن هذه المعجزة تقوي أزر الرسول الكريم؟ .\nقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\nهـ- أن في هذا النزول دحض شبهات كفار قريش وردًا على أسئلتهم، وتسلية للرسول الكريم؟ وتأييدًا له.\nفالمشركين تمادَوا في غيهم وأسئلتهم للرسول - ﷺ - فكانوا يسألون الرسول - ﷺ - أسئلة تعجيز وتحد ومبالغة مثل متى الساعة، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، فينزل الجواب من الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nومثل ما المراد بالروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، فيقول القرآن: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]\nفرد الله عليهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، وحيث عجبوا من نزول القرآن منجمًا بين الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقًا مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم: جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، أي: لا يأتونك بصفة عجيبة\n_________\n(١) المصنف ٣ ٣٨٠.\n(٢) هو عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَة الكوفي المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، التقريب ٢٩٩.\n(٣) انظر المصنف للصنعاني ٣ ٣٨٠، والمصنف لابن أبي شيبة، كتاب فضائل القرآن، في تعليم القرآن كم آية ١٠ ٤٦٠، وقال الهيثمي في المجمع، باب السؤال عن الفقه، رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره. مجمع الزوائد ١ ١٦٥ وأخرجه الصنعاني في المصنف بنحوه، كتاب فضائل القرآن، باب تعليم القرآن وفضله ٣ ٣٨٠.\n(٤) مناهل العرفان ١ ٥٦.","vol":"1","page":44},{"text":"يطلبونها كنزول القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وبما هو أبين معنى في إعجازهم وذلك بنزوله مفرقًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الحكمة الثانية: التدرج في التشريع</span>، وذلك من خلال:\nأ- التدرج في انتزاع العادات الضارة، وذلك بالتخلي عنها شيئًا فشيئًا والتدرج في نقل الناس من حياة الفوضى والتفلت إلى حياة النظام والتقييد بالمعايير الإسلامية الصحيحة، فقد بُعث النبي - ﷺ - إليهم وهم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله ومع الله، ويسفكون الدماء ويشربون الخمر ويزنون، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويتعاملون بالربا الفاحش، ويلعبون الميسر، ويستقسمون بالأزلام، وينكحون نساء الآباء ويجمعون بين الأختين ويكرهون الفتيات على البغاء، وذكر العلماء في كتب التاريخ أن الحروب كانت تقع بين القبائل العربية لأوهى الأسباب ومجرد حب الانتقام، حتى أدى هذا إلى قطع حبال المودة بينهم وجعلهم شيعًا متباغضة يتربص كل فريق منهم بغيره الدوائر، واعتادوا على كثير من هذه الأخلاق المنحطة وتغلغلت فيهم حتى صارت جزءًا لا يتجزأ منهم ومن المعلوم أنه يصعب على المرء والمجتمع ترك هذه الأمور مرة واحدة لأن للعقائد حتى ولو كانت باطلة وللعادات ولو كانت مستهجنة سلطانًا على النفوس، والناس أَسْرى ما أَلفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة وطالبهم بالتخلي عما هم منغمسون فيه من كفر وجهل وشرك مرة واحدة لما استجاب إليه أحد ولكن القرآن نجح معهم في هدم العادات الباطلة وانتزاعها بالتدريج بسبب نزول القرآن عليهم شيئًا فشيئًا (٢).\nوأبلغ دليل على ذلك هو انتزاع الخمر من ذلك المجتمع الذي كان يشربه كالماء، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر، فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله - ﷿ - على نبيه - ﷺ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خَلَط في قراءته فأنزل الله فيها آية أغلظ منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقالوا: انتهينا يا رب، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، فقال النبي - ﷺ - لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم \" (٣).\n_________\n(١) انظر مباحث في علوم القرآن ٩٤.\n(٢) انظر مناهل العرفان ١ ٥٦، المدخل لدراسة القرآن الكريم ٧٢.\n(٣) أخرجه الإمام احمد في المسند، انظر الفتح الرباني، كتاب التفسير، باب قول الله (يسألونك عن الخمر والميسر) ١٨ ٨٥، ٨٦ وإسناده ضعيف، وله شواهد تقويه منها حديث عمر بن الخطاب (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًّا) فنزلت الآيات الثلاثة بالتدريج، حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٨ ٨٦، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب في تحريم الخمر ٣ ٣٢٥، وأخرجه الترمذي في سننه كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة ٥ ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥ وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ٢ ٢٧٨.","vol":"1","page":45},{"text":"ومن هذا الحديث نستنبط أن الخمر حرمت على مراحل فتاب الناس والصحابة منها حتى جرت في سكك المدينة، ولو حرمت دفعة واحدة لاستمروا عليها، ولذلك تقول عائشة ﵂ \"إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل (١) فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا أبدًا \" (٢).\nب-التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، فبدأت الآيات تنزل على النبي - ﷺ - سالكة التدرج في تربية الأمة، فأول ما نزلت الآيات المتعلقة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره والتوحيد وما يتعلق بذلك من أمور العقيدة، بدأت الآيات أولًا بفطامهم عن الشرك والإباحية وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، فإذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه انتقل بهم بعد ذلك إلى العبادات فبدأهم بالصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الأمور الأخرى، ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع، بخلاف القسم المدني فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية وتفصيل ما أجمل قبل ذلك (٣).\nلذا أنزل القرآن مفرقًا فحصلت النتيجة المطلوبة وهي التغير في العادات من حسن إلى أحسن ومن شر إلى خير ومن تفرق في الكلمة إلى اتحاد واعتصام بحبل الله المتين فكانت خير الأمم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الحكمة الثالثة: بيان بلاغة القرآن الكريم فقد نزل مفرقًا في ثلاثة وعشرين عامًا</span>، وكلما نزلت آية أو آيات قال لهم الرسول - ﷺ - \" ضعوا هذه الآيات في موضع كذا من سورة كذا \" (٤)، ومع ذلك فهو مترابط في الألفاظ والمعاني، حسن التنسيق، محكم النسج، دقيق السبك، متناسق الآيات والسور، متين الأسلوب، قوي الاتصال، لا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك كأنه عِقْدٌ فريد نظمت حباته بما لم يعهد له مثيل في كلام البشر ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\nوكل ذلك فيه دلالة على أن القرآن مُنَزَّلٌ من الله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأنه كلام الله تعالى ولا يمكن أن يكون كلام محمد - ﷺ - ولا كلام مخلوق سواه، وصدق الله إذ يقول: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦].\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الحكمة الرابعة: مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها:</span>\nفكانت تحدث حوادث لم يكن لها حكم معروف في الشريعة الإسلامية، فيحتاج المسلمون إلى معرفة ذلك فتنزل الآية من الله ﵎ لحكم تلك الحوادث، ومن ذلك حادثة\n_________\n(١) سور القرآن على أربع أقسام وأنواع فمنها السبع الطوال أولها البقرة، ومنها المئون، والمثاني، والمفصل: ما وَلِيَ المثاني من قصار السور، وسمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة، انظر الإتقان ١ ١٧٩، ١٨٠.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ص ١٠٨٧ (٤٩٩٣).\n(٣) المدخل لدراسة القرآن ٧٤.\n(٤) الترمذي تفسير القرآن (٣٠٨٦)، أبو داود الصلاة (٧٨٦)، أحمد (١/ ٦٩).","vol":"1","page":46},{"text":"خولة بنت ثعلبة (١)، حين ما جاءت إلى رسول الله - ﷺ - تشتكي زوجها، وتصف لنا ذلك عائشة ﵂ ذلك فتقول \"تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهِيَ تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] \" (٢).\nوكذلك حادثة الإفك فعندما حصل ما حصل من المنافقين والمشركين واتهموا السيدة عائشة ﵂ أنزل الله تعالى براءتها من فوق سبع سماوات وأدان الذين رموها بدون شهود ولا بينة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١١ - ١٢]، إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النور: ٢٠] (٣).\nوالقرآن مليء بتلك القصص والمواقف المشابهة، ومما هو طبيعي ومعروف أن هذه الحوادث لم تكن لتقع في وقت واحد فنزل القرآن في هذه الحوادث مفرقًا لذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الحكمة الخامسة:: تنبيه المسلمين من وقت لآخر لأخطائهم التي وقعوا فيها وكيفية تصحيحها</span>، وتحذيرهم من عواقب المخالفة وبيان الامتنان عليهم بالنصر مع القلة، ولنقرأ ما قصه الله تعالى في سورة آل عمران بشأن غزوة بدر وأحد من الامتنان والتنبيه والتحذير، ففي غزوة أحد خالف الرُّماة نصيحة رسول الله - ﷺ - متأولين فكانت النتيجة أن أوتي المسلمون من جهتهم وأن شاعت الهزيمة بينهم وشُجَّ وجه النبي - ﷺ - وكسرت رُباعيته فأنزل الله تعالى الآيات محذرًا المخالفين: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (٤).\nوكذلك في غزوة حنين والأحزاب وغير ذلك كثير، ففي يوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فكانت الهزيمة فقال تعالى لهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٤ - ٢٦]،\n_________\n(١) خولة بنت ثعلبة الأنصارية الخزرجية، صحابية، وهي التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، فنزلت فيها سورة قد سمع، الإصابة ٤ ٢٨٩، أسد الغابة ٥ ٤٤٢.\n(٢) انظر ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب الظهار ١ ١٦٦ (٢٠٦٣)، والنسائي في كتاب الطلاق، باب الظهار ٦ ١٨٦ (٣٤٦٠)، والحديث صحيح.\n(٣) انظر الحديث في البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا ص ٥٣٠ (٢٦٦١)، وانظر مسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (٢٧٧٠).\n(٤) وانظر القصة في البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد ص ٨٣٢ (٤٠٤٣).","vol":"1","page":47},{"text":"وتعلم المسلمون من ذلك أن النصر ليس بالعدد والعُدَّة فحسب، وإنما هو من عند الله ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الحكمة السادسة: توثيق وقائع السيرة النبوية المباركة والتاريخ</span>، وذلك عن طريق معرفة الحادثة ووقتها وأين كانت ومتى، فنستطيع أن نرتب السيرة النبوية من خلال الحوادث وضمها إلى قصص الأنبياء وسير المرسلين وحياة الأمم السابقين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الحكمة السابعة: معرفة الناسخ والمنسوخ:</span>\nإن في القرآن الكريم ناسخًا ومنسوخًا ولا يمكن أن يكون ذلك إذا نزل القرآن جملةً على المصطفى ﵊، إذ لا يُتصور النسخ إلا مع التفريق ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا على تباعد الزمن فإن حكمة التربية الانتقالية قد تقتضي تشريعًا تجيء به آية إلى أجل مسمى ثم تجيء آية أخرى بتشريع آخر، ولا يكون هذا إلا مع تنجيم النزول (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الحكمة الثامنة: تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية:</span>\nلقد جمع الله له النزولين: النزول جملة واحدة، والنزول مفرقًا وبذلك شارك الكتب السماوية في الأولى، وانفرد في الفضل بالثانية، وهذا يعود بالتفضيل لنبينا محمد؟ على سائر إخوانه من الأنبياء - ﵈ - وإن الله جمع له من الخصائص ما لغيره، وزاد عليها (٤)، وكذلك تفخيم المنزل وهو القرآن الكريم، وتعظيم قدر من سوف ينزل عليه وهو الرسول ﷺ، وتكريم من سوف ينزل إليهم وهم المسلمون. وذلك بإعلام سكان السماوات بأن هذا القرآن آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم (٥).\nيقول السخاوي في جمال القراء: \"فإن قيل: ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا؟ قلت: في ذلك تكريم بني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله ﷿ بهم، ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها (٦).\nوزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة - ﵈ - وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له وفيه أيضا إعلام عباده من الملائكة وغيرهم أنه علام الغيوب لا يغرب عنه شيء إذ كان في هذا الكتاب العزيز ذكر الأشياء قبل وقوعها\" (٧).\n_________\n(١) وانظر منهج الفرقان ٢٦، ٢٧.\n(٢) الواضح في أصول القرآن ٥٢.\n(٣) القرآن الكريم إبراهيم أبو الخشب ٤٤.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) انظر: المرشد الوجيز: ٢٤.\n(٦)؟ قال ابن الصلاح في الخبر الوارد بذلك: وفي إسناده ضعف ولم نر له إسنادا صحيحا ..) فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٤٨).\n(٧) جمال القراء للسخاوي (١/ ٢٠)، وانظر: المرشد الوجيز (٢٧) والإتقان للسيوطي ٠١/ ١٤٩).","vol":"1","page":48},{"text":"يقول السخاوي: \"وفيه أيضا التسوية بينه وبين موسى ﵇ في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه منجما ليحفظه. قال الله ﷿: ﴿كذلك لنثبت به فؤادك﴾ [الفرقان: ٣٢] وقال ﷿: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>وقت نزول القرآن الكريم:</span>\nأكثر نزول القرآن الكريم نهارا حضرا، وقد نزل يسير منه في السفر وقليل منه في الليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>١ - الآيات والسور المتفق على نزولها ليلًا:</span>\nلقد تتبع العلماء ذلك فذكروا ما وقفوا عليه منه، فمن ذلك:\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>أولًا: أواخرُ آلِ عمران:</span>\nعن عائشةَ ﵂ أنَّ بلالًا أتى النبيَّ - ﷺ - يُؤْذِنه لصلاةِ الصبح فوجده يبكي فقال: يا رسول الله ما يُبكيك؟ قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قوله: ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾. ثم قال: ﴿وَيْلٌ لمن قَرَأَهَا ولَمْ يَتَفَكَرْ فِيْهَا﴾ \" (٢).\nوعن إبراهيم بن سويد النخعي حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد ابن عمير على عائشة ﵂ فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله - ﷺ -؟ فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: \" يا عائشة! ذريني أتعبد لربي \"، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ! قال: \" أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] \" (٣).\nفهذه الروايات الصحيحة تؤكد نزول هذه الآيات ليلًا على النبي - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>ثانيًا: آيات الثلاثة الذين خلفوا من سورة التوبة:</span>\nفقد جاء عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ - وَهُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ - قال: \" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي، مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \" يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟\n_________\n(١)؟ جمال القراء للسخاوي (١/ ٢٠). وانظر ما استحسنه أبو شامة فنقله من كلام للحكيم الترمذي في تفسيره بهذا الشأن. المرشد الوجيز (٢٦).\n(٢) أخرجه ابن حبَّان في صحيحه ح رقم ٦٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٧٦) \"لعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في التفكر، وابن المنذر، وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه، والأصبهاني في الترغيب، وابن عساكر، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. انظر: صحيح ابن حبان بأحكام الأرناؤوط (٢/ ١٣١).\n(٣) رواه ابن حبان في صحيحه ح رقم ٦٢٠، والمنذري في الترغيب والترهيب، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ح رقم ١٤٦٨، وفي السلسلة الصحيحة ح رقم ٦٨.","vol":"1","page":49},{"text":"قَالَ: \" إِذًا يَحْطِمَكُمْ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْقَمَرِ \" (١).\nفهذه الروايات الصحيحة التي هي في البخاري ومسلم من رواية كعب ابن مالك تؤكد نزول هذه الآيات ليلًا بما لا يجعل مجالًا للاختلاف في ذلك، بل نزلت ليلًا في الثلث الأخير كما قال كعب بن مالك: \" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ \" (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثالثًا: أول سورة الفتح:</span>\nعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي، قَالَ: فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ وَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: \" لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا\" (٣).\nفهذه الرواية الصحيحة تؤكد أنها نزلت ليلًا بعد صلح الحديبية بين مكة والمدينة، كما جاء في الحديث: \" لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وليس في ذلك خلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>رابعًا: صدر سورة العلق:</span>\nلا شك أن الآيات الأولى من القرآن نزلت ليلًا، وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان ليلًا، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥] البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ [الدخان: ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ١ - ٣]، فبركة تلك الليلة، وشرفها وسمو قدرها؛ لأن الله تعالى جعلها مبدأ الوحي إلى رسوله الكريم.\nقال ابن عاشور: \" فيجوز أن يراد به القرآنُ كلُّه فيكون فعل: (أنزلنا) مستعملًا في ابتداء الإِنزال لأن الذي أُنزل في تلك الليلة خمس الآيات الأول من سورة العلق ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجمًا ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة، ولكن لما كان جميع\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير، باب: \" وعلى الثلاثة الذين خلفوا \" ح رقم ٤٦٧٧، ومسلم كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ح رقم ٢٧٦٩.\n(٢) من حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى لقد تاب الله على النبي .. ٦/ ٢٠٩، وفي المغازي باب حديث كعب بن مالك، ٥/ ١٣٠ وأخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب، ٤/ ٢١٢٠ رقم ٢٧٦٩.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير، باب: سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) ح رقم ٤٨٣٣.","vol":"1","page":50},{"text":"القرآن مقررًا في علم الله تعالى مقدارُه وأنه ينزل على النبي - ﷺ - منجَّمًا حتى يتم، كان إنزاله بإنزال الآيات الأُول منه لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله \" (١).\nوهذا هو الذي يقتضيه حديث بَدْء الوحي كما جاء عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ - قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: \" مَا أَنَا بِقَارِئٍ \"، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: \" مَا أَنَا بِقَارِئٍ \"، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: \" مَا أَنَا بِقَارِئٍ \" فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ... \" (٢).\nفهو يدل على نزول الوحي عليه في وقت تعبده ليلًا.\nوقد جاء عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْقُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ \" (٣).\nقال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ): \" فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول اقرأ باسم ربك\" (٤).\nفهذه الروايات المختلفة تشير إلى أن ابتداء نزول القرآن كان ليلًا، ولا شك أن أول ما نزل من القرآن هو صدر سورة العلق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>خامسًا وسادسًا: المعوذتان:</span>\nعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ \". وفي رواية أخرى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \" أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) \" (٥).\n_________\n(١) التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٥٦) اعتنى به وخرج أحاديث عبد الحميد الدخاخني، ط: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: بدء الوحي، باب: بدء الوحي ح رقم ٣، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - ح رقم ٢٣٠.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند ح رقم ١٦٩٨٤، والبيهقي في سننه ح رقم ١٨٤٢٩، وأبو يعلى في مسنده ح رقم ٢١٩٠، والهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ح رقم ٩٥٩، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن داود القطان ضعفه يحيى ووثقه ابن حبان. وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة إسناده حسن ورجاله ثقات ح رقم ١٥٧٥.\n(٤) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٥) تحقيق على بن عبد العزيز الشبل، ورقم وكتبها وأبوابها وأحاديثها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار السلام، الرياض، ط ١/ ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة المعوذتين، ح رقم ٨١٤.","vol":"1","page":51},{"text":"فهذه الروايات الصحيحة تؤكد نزولهما ليلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢ - الآيات والسور المختلف في نزولها ليلًا:</span>\nهنالك آيات تكلم العلماء في نزولها ليلًا؛ ولكن اختلفت فيها أقوالهم بسبب ضعف الرواية وعدم صحتها، أو لأنها محتملة، أو لتعارضها مع روايات أخرى، وهي على النحو التالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أولًا: آيات تحويل القبلة:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: \" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ\" (١).\nوعنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلاةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ \" (٢).\nوعَنْ الْبَرَاءِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلَّاهَا صَلاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ \" (٣).\nقال ابن حجر: \" الأقوى أن نزولها كان نهارا، والجواب عن حديث ابن عمر أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وقوله قد أنزل عليه الليلة مجاز من إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والذي يليه \"، وقال السيوطي بعد نقله لكلام ابن حجر \" فهذا يقتضي أنها نزلت نهارا بين الظهر والعصر\" (٤).\nوالأرجح أنها نزلت ليلًا؛ لأن حديث أنس لا يعارض رواية ابن عمر، لأن حديث أنس في وقت بلوغ الخبر لبني سلمة كما في قوله: \"فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلاةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ \"، وابن عمر يتحدث عن وقت نزولها، وقرينة النص تدل على ذلك: \" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا \" فهو يتحدث عن نفس الليلة، وهو يؤكد أنها نزلت ليلًا، وهي\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير باب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ﴾ ح رقم ٤٤٩٠، ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة باب: تحويلة القبلة من القدس إلى الكعبة ح رقم ٥٢٦.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة باب: تحويلة القبلة من القدس إلى الكعبة ح رقم ٥٢٧.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير باب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ح رقم ٤٤٨٦، ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة ح رقم ٥٢٥.\n(٤) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٤٩).","vol":"1","page":52},{"text":"الرواية الوحيدة التي تنص على زمان النزول، وحديث البراء لا يتحدث عن وقت النزول، وإنما يتحدث عن أول صلاة صلاها، وقد تكون هي أول صلاة لراوي الحديث، ودائمًا تقليب النظر والتأمل والتفكر في السماء يكون بالليل أكثر من النهار، كما أن نزولها ليلًا يواكب مقتضيات التحول؛ إذ الفجر بداية يوم جديد وهو بداية تحول لعهد جديد، وهو التحول من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام؛ ولهذا قال القاضي جلال الدين البلقيني (ت: ٨٢٤): \" والأرجح بمقتضى الاستدلال نزولها بالليل لأن قضية أهل قباء كانت في الصبح وقباء قريبة من المدينة فيبعد أن يكون رسول الله أخر البيان لهم من العصر إلى الصبح \" (١). والله أعلم\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثانيًا: آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾:</span>\nعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: \"قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذي أُنْزِلَتْ فِيهِ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: \" فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالسَّاعَةَ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ نَزَلَتْ. نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ \" (٢).\nوفي رواية أخرى \"أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) \" (٣). وفي رواية: (نزلت عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ\" (٤).\nفالرواية الأولى أنها \"نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ\"، والرواية الثانية أنها \"أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ\"، والرواية الثالثة أنها\" نزلت عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ\" فهنالك اتفاق في المكان في عرفات، واليوم وهو يوم الجمعة، وهنالك اختلاف في الزمان الذي نزلت فيه، والراجح أنها نزلت يوم عرفة عشية والرسول - ﷺ - واقف على الموقف لم يدفع، وكان يوم جمعة، وهذا ما نص عليه عدد من أهل العلم منهم ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وابن كثير (ت: ٧٧١ هـ) () (٧)، والسيوطي (٨).\nقال ابن جرير بعد أن سرد جميع الروايات التي ذكرت في سبب نزولها: \" وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره \" (٩).\nوقال القرطبي \" أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ورسول الله - ﷺ - واقف بعرفة على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت \" (١٠).\n_________\n(١) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٤٩).\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب: التفسير، باب (١) ح رقم ٧٧١١.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب التفسير، باب (١) ح رقم ٧٧١٠.\n(٤) مسند أحمد بن حنبل ح رقم ١٨٨، والواحدي في أسباب نزول القرآن الكريم (١/ ١٨٢، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. انظر: مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٨).\n(٥) جامع البيان في تأويل آي القرآن (٤/. ٢٦٩٨).\n(٦) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٥٢).\n(٧) تفسير القرآن العظيم ابن كثير (٣/ ٢٨).\n(٨) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٤٤).\n(٩) جامع البيان (٤/ ٢٧٠٣)\n(١٠) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٦١).","vol":"1","page":53},{"text":"وما جاء أنها نزلت ليلة جمع مراد بها عشية عرفة لأن النبي - ﷺ - دفع بعد المغيب، كما جاء في الحديث: \" فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ \" (١). والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>ثالثًا: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ من سورة المائدة:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]، فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ: \" يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ \" (٢).\nفهذه الرواية وإن لم تنص على وقت النزول ولكن يفهم من دلالات النص أنها نزلت ليلًا؛ لأن النبي - ﷺ - كان يحرس ليلًا، قال السيوطي: \"فأخرج رأسه من القبة فقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. في هذا الحديث دليل على أنها - أي الآية - ليلية نزلت ليلا فراشية - والرسول في فراشه \" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>رابعًا: سورة الأنعام:</span>\nعن ابن عباس -﵄قال: \" نزلتْ سورةُ الأنعامِ بمكةَ ليلا جملةً، حولَها سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يجأَرون بالتسبيحِ \" (٤)،\nفإن صحت هذه الرواية تكون نزلت هذه السورة جملة ليلًا. والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>خامسًا: سورة مريم:</span>\nروى الطبراني عن أبي مريم الغساني قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: ولدت لي الليلة جارية فقال: \" والليلة نزلت عليّ سورة مريم سمها مريم \" (٥) فالحديث ضعيف لم يصح في سنده، ولذا لم يثبت في وقت نزولها شيء.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ - ح رقم ٣٠٠٩.\n(٢) أخرجه الترمذي ح رقم ٣٠٤٦، وقال: حديث غريب، والبيهقي في السنن الكبرى ح رقم ١٨١٨٦، والحاكم في المستدرك ح رقم ٣٢٢١، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في التلخيص: صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.\n(٣) تفسير الجلالين (٢/ ٣٣٣)، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (١/ ٨٢).\n(٤) أخرجه أبو عبيدة في فضائل القرآن ص ١٢٩ ح رقم ٣٧٢، والطبراني في المعجم الكبير ح رقم ١٢٩٣٠، ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن ص ١٥٧، والسيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ٢٤٣) وزاد نسبته لابن مردويه، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٧) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما في التقريب ص ٦٩٦ برقم ٤٧٦٨، وله شاهد من حديث ابن عمر وأنس ﵃ أخرجهما الطبراني في الصغير (١/ ٨١) والأوسط كما في مجمع البحرين (٦/ ٢٢) ح رقم ٣٣١٦، ٣٣١٧، وضعف الهيثمي في الزوائد إسناده حيث قال: رواه الطبراني في الصغير وفيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف جدا (٧/ ٢٠)، وقد جاء في الضعفاء الكبير للعقيلي (٩/ ٤٢٢) قال البخاري: يوسف بن عطية منكر الحديث، وقال محققو كتاب الإتقان في مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية: \" ولعله يتقوى بشواهده، وانظر شواهده في مجمع الزوائد (٧/ ١٩، ٢٠) من حديث ابن عمر وأنس وأسماء بنت يزيد مع بعض الاختلاف\".\n(٥) رواه الطبراني في المعجم الكبير ح رقم ٨٣٤ وهو ضعيف جدا مداره على سليمان بن سلمة الخبائري، متروك كما في المغني في الضعفاء للذهبي (١/ ٢٨٠) وبه ضعفه الهيثمي في المجمع (٨/ ٥٥)، وفيه أيضًا: أبو بكر بن أبي مريم ضعيف كما في التقريب ص ١١١٦ برقم ٨٠٣١. وانظر: الإتقان للسيوطي (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>سادسًا: أول الحج:</span>\nذكره ابن حبيب ومحمد بن بركات السعدي في كتابه الناسخ والمنسوخ، وجزم به السخاوي (ت: ٦٤٣) (١).\nقال السيوطي في الإتقان: \"وقد يستدل له بما أخرجه ابن مردويه عن عمران بن حصين أنها نزلت على النبي - ﷺ - وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها صوته الحديث \" (٢)، والحديث جاء عن عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، قَالَ: \"نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١] (الحج آية ١) وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ وَقَدْ نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، وَتَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ، فَرَفَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَوْتَهُ ... \" (٣) الحديث.\nفلم تنص أي رواية على أن ذلك كان ليلًا إلا رواية الطبراني حيث جاء فيها: \"نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١] ونحن مع رسول الله - ﷺ - في سفر وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها رسول الله - ﷺ - صوته \" علمًا بأن جميع الروايات تثبت أنها نزلت في سفر، وما جاء فيها من قول الراوي \" وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها رسول الله - ﷺ - صوته\" فقط هو الذي يشير للنزول الليلي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>سابعًا: آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب:</span>\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \"خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَأَىهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا ... وَكَذَا، قَالَتْ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: \" إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ \" (٤).\nوعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُ فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الْحِجَابَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ الْحِجَابَ \" (٥).\n_________\n(١) جمال القراء وكمال الإقراء (١/ ١٤).\n(٢) الإتقان في علوم القرآن (١/ ١٤٢).\n(٣) الحديث أخرجه أحمد في المسند ح رقم ١٩٩١٥، النسائي ح رقم ع ٦٠، والترمذي ح رقم ٣١٦٨، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٦)، الطبراني في المعجم الكبير ح رقم ٣٤٠، وقال الترمذي صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعا ولم يخرجاه ولا واحد منهما، وقال الذهبي: صحيح الإسناد.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير، باب: سورة الأحزاب ح رقم ٤٥١٦، ومسلم كتاب: السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء الحاجة ح رقم ٥٧٩٦.\n(٥) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: السلام، باب: إِبَاحَةُ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ ح رقم ٥٧٩٩.","vol":"1","page":55},{"text":"قال القاضي جلال الدين البلقيني: \" وإنما قلنا أن ذلك كان ليلا لأنهن إنما كن يخرجن للحاجة ليلا كما في الصحيح عن عائشة في حديث الإفك \" (١).\nفهذه الروايات ليس فيها ما ينص على نزولها في الليل ولكنها محتملة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثامنًا: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] (٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَلا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ ﷿ أَوْ ضَحِكَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] \" (٣).\nفليس فيها ما هو صريح في وقت نزولها على أنها نزلت ليلًا، ولكنها محتملة، لأنه قد يكون هنالك تراخٍ بين سبب النزول ووقت النزول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>تاسعًا: سورة المنافقون:</span>\nعَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ: \"غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ فَكُنَّا نَبْتَدِرُ الْمَاءَ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَّا إِلَيْهِ، فَسَبَقَ أَعْرَابِيٌّ أَصْحَابَهُ فَيَسْبَقُ الْأَعْرَابِيُّ فَيَمْلَأُ الْحَوْضَ وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً وَيَجْعَلُ النِّطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْرَابِيًّا فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ فَانْتَزَعَ قِبَاضَ الْمَاءِ فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَتَهُ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيّ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ فَأَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيّ ثُمَّ قَالَ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ. يَعْنِي الْأَعْرَابَ، وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَ الطَّعَامِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعَامِ فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ زَيْدٌ: وَأَنَا رِدْفُ رَسُولِ اللَّهِ\n_________\n(١) إتمام الدراية لقراء النقاية، للسيوطي (١/ ٢٤)، والإتقان في علوم القرآن (١/ ١٤٤).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب: مناقب الأنصار، باب: قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ح رقم ٣٧٩٨.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب: مناقب الأنصار، باب: قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ح رقم ٤٨٨٩.","vol":"1","page":56},{"text":"- ﷺ - فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَأَخْبَرْتُ عَمِّي فَانْطَلَقَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَحَلَفَ وَجَحَدَ قَالَ: فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَكَذَّبَنِي، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي إِلَيَّ فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَكَذَّبَكَ وَالْمُسْلِمُونَ، قَالَ: فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنْ الْهَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ قَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنْ الْهَمِّ إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَعَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قُلْتُ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ \" (١).\nوفي ذلك دليل على نزولها ليلًا وتلاوتها للناس بعد أن أصبحوا. والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>عاشرًا: سورة المرسلات:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - ﵁ - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَارٍ فَنَزَلَتْ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقَال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا \" (٢).\nوفي رواية أخرى له في البخاري: \"قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَارٍ بِمِنًى إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ وَالْمُرْسَلاتِ وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لَأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اقْتُلُوهَا فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا\" (٣).\nقال السخاوي في جمال القراء: \" روي عن ابن مسعود أنها نزلت على رسول الله - ﷺ - ليلة الجن بحراء \" (٤).\nقال السيوطي: \" قلت هذا أثر لا يعرف ثم رأيت في صحيح الإسماعيلي وهو مستخرجه على البخاري أنها نزلت ليلة عرفة بغار منى، وهو في الصحيحين بدون قوله ليلة عرفة، والمراد بها ليلة التاسع من ذي الحجة فإنها التي كان النبي - ﷺ - يبيتها بمنى \" (٥).\nفإن صحت هذه الرواية تكون دليلًا على نزولها ليلًا. والله أعلم.\nوقد ذكر أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري (ت ٤٠٦) في كتابه التنبيه على فضل علوم القرآن من وجوه شرف علوم القرآن؛ معرفة تفصيل نزول القرآن الكريم زمانا، ومكانا، وأوصافا. فقال:\n\"من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدنية، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل مشيعا، وما نزل مفردا، والآيات المدنيات، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما\n_________\n(١) أخرجه الترمذي ح رقم ٣٣١٣، والطبراني في المعجم الكبير ح ٥٠٤١، وابن أبي شيبة في مسنده ح رقم ٥٢١ وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الألباني في حكمه على أحاديثه: صحيح الإسناد.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الحج، باب: خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ ح رقم ٣٣١٧.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ ح رقم ١٨٣٠.\n(٤) جمال القراء وكمال الإقراء (١/ ١٤٦).\n(٥) الإتقان في علوم القرآن (١/ ٥١).","vol":"1","page":57},{"text":"حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى الحبشة، وما نزل مجملا، وما نزل مفسرا، وما اختلف فيه فقال بعضهم: مدني، وقال بعضهم: مكي، فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها، ويميز بينها، لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى\" (١).\nوقد فسرت وفصلت هذه الأنواع مع التمثيل لها بما وردت به الروايات في البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي مما لا حاجة معه لزيادة الكلام في بسطه ونقله\" (٢).\nوما ذكره النيسابوري هنا من وجوب معرفة هذه الأنواع والتمييز بينها وجعل ذلك شرطا للتفسير لا يسلم له وفيه نظر. فليس كله مما له أثر في التفسير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>مدة نزول القرآن الكريم:</span>\nاختلف العلماء في تحديد؟ مدة نزول القرآن الكريم؟ على الرسول ﷺ على أقوال:\nأحدها: أنها ثماني عشرة سنة. روي هذا القول غير المشتهر عن الحسن. وأنه كان يقول ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، وأنه أنزل على الرسول ﷺ ثماني سنين في مكة قبل الهجرة وعشر سنين بعدها (٣).\nوهو قول ضعيف ينتج عنه أن الرسول ﷺ توفي عن ثمان وخمسين سنة وهو ما لم يقل به أحد.\nقال ابن عطية: \"وهذا قول مختل لا يصح عن الحسن والله أعلم\" (٤).\nوالثاني: أنها عشرون سنة: روي عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، واختاره ابن جزي الكلبي (٥).\nوالثالث: أنها ثلاث وعشرون سنة. وهو قول الجمهور (٦).\nوالرابع: أنها خمس وعشرون سنة. وهو قول من يذهب إلى أن الرسول ﷺ عاش خمسا وستين سنة خلافا للمشهور (٧).\nوتجدر الإشارة بأن منشأ هذا الاختلاف يعود إلى عدة أسباب:\nأحدها: الخلاف في مدة إقامته﵊- بمكة بعد البعثة، فقيل: ثمان، وقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة سنة. بناء على اختلاف الروايات في ذلك. فإذا أضيف إليها عشر سنين وهي مدة إقامته﵊بالمدينة بعد الهجرة المتفق عليها كما\n_________\n(١) التنبيه على فضل علوم القرآن. لأبي القاسم النيسابوري. منشور في مجلة المورد العراقية. بتحقيق محمد عبد الكريم كاظم. عدد (٤)، مجلد (١٧)، عام ١٤٠٩ هـ. الصفحات (٣٠٥ - ٣٢٢).\n(٢)؟ انظر البرهان للزركشي (١/ ١٩٢)، والإتقان للسيوطي (١/ ٣٦ -) والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/ ٢٦٣).\n(٣) انظر: تفسير الطبري: (١٥/ ١٧٩ - ١٨٠)، والمحرر الوجيز: (١٠/ ٣٧٥)، وزاد المسير: (١/ ٥)، والبحر المحيط: (٦/ ٨٧)، وفضائل القرآن، لابن الضريس: (٧٤).\n(٤) المحرر الوجيز: ١٠/ ٣٥٧.\n(٥) تفسير ابن جزي الكلبي (١/ ٦، ٤/ ٢١٠).\n(٦) انظر البرهان (١/ ٢٢٨)، والإتقان ١/ ١٤٦ وانظر علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، رسالة دكتوراه، د. محمد صفاء حقي، ٢/ ٤١٢.\n(٧) انظر البرهان (١/ ٢٢٨)، والإتقان ١/ ١٤٦ وانظر علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، رسالة دكتوراه، د. محمد صفاء حقي، ٢/ ٤١٢.","vol":"1","page":58},{"text":"نص على ذلك ابن كثير حيث قال: \"أما إقامته بالمدينة عشرا فهذا مما لا خلاف فيه .. \" (١)، فينتج عن ذلك الأقوال السابقة.\nوالثاني: ومن الأسباب كذلك: اختلاف الاعتبار الذي يبدأ منه حساب تلك المدة، هل هو من بداية الرؤيا الصادقة، أو من البعثة التي تلاها فتور في نزول الوحي، أو من الرسالة وتتابع الوحي بعد ذلك.\nوالثالث: ومنها ايضا: التسامح والتساهل في تحديد الوقت، وجبر الكسور في حساب السنوات اختصارا وعادة، يقول ابن كثير: \"إن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور من كلامهم\" (٢).\nوالرابع: ومنها: الخلاف في عمره -﵊-. حيث قيل إنه ستون سنة، وقيل ثلاث وستون، وقيل خمس وستون.\nوالمعتمد كما يقول ابن حجر أنه ﷺ عاش ثلاثا وستين سنة وأن ما ورد مما يخالف ذلك فهو محمول إما على إلغاء الكسر في السنين أو جبر الكسر في الشهور (٣).\nوأضاف ابن كثير معنى جديدا في الجمع وهو: اعتبار قرن جبريل بالرسول ﷺ في نزول الوحي حيث روي أنه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر. يلقي إليه الكلمة والشيء ثم قرن به جبريل (٤).\nكما أنه بعث ﷺ على رأس أربعين سنة. كما قال النووي: \"واتفقوا أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة. والصحيح أنها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثا وستين وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء\" (٥).\nوقد حاول الشيخ محمد الخضري اختيار تحديد دقيق للمدة فذكر أن مدة مقامه ﷺ بمكة هي اثنتا عشرة سنة، وخمسة أشهر، وثلاثة عشر يوما من يوم ١٧ رمضان سنة ٤١ من ميلاده الشريف إلى أول ربيع الأول سنة ٥٤ منه.\nومدة إقامته بالمدينة بعد الهجرة هي تسع سنوات، وتسعة أشهر، وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة ٤٥ إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ من ميلاده الشريف، وهي سنة عشر من هجرته ﷺ (٦).\nفصارت المدة بين مبتدأ التنزيل ومختتمه اثنتان وعشرون سنة وشهران واثنان وعشرون يوما (٧).\nوهذا التحديد هو ما أشار إليه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه مناهل العرفان حيث ذكره وتعقبه فقال: \"لكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاث: ذلك لأنه أهمل\n_________\n(١) فضائل القرآن لابن كثير. بتحقيق: ابن إسحاق الحويني الأثري: ٣٦.\n(٢) فضائل القرآن لابن كثير: ٣٦.\n(٣) انظر: فتح الباري: ٩/ ٤.\n(٤) فضائل القرآن الكريم لابن كثير: ٣٦\n(٥) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٩٩)، وانظر الزيادة والإحسان (١/ ٢٥٢).\n(٦) انظر تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري بك. ص ٨ وتاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني ص ٧١. فقد ذكر تحديد الفترة المكية كما هنا.\n(٧) انظر: تاريخ التشريع: ٥.","vol":"1","page":59},{"text":"من حسابه باكورة الوحي إليه ﷺ عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر على أنها ثابتة في الصحيح. ثم جرى فيه على أنه ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء، غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح.\nثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة، وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح (١) \" (٢).\nومما يعترض به على هذا التحديد أن يوم الفرقان ١٧ رمضان هو يوم الجمعة يقول الخضري عن يوم الفرقان، ويوم ابتداء إنزال القرآن الكريم: \" ... فهما متحدان في الوصف، وهو أنهما جميعا يوافقان الجمعة ١٧ رمضان وإن لم يكونا في سنة واحدة\" (٣).\nوالقول بأن يوم ابتداء إنزال القرآن يوافق يوم الجمعة معارض لما ثبت في صحيح مسلم عن يوم الاثنين وقوله ﷺ حين سئل عنه: \" ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه \" (٤).\nكما حدد الشيخ محمد محمد أبو شهبة مدة نزول القرآن الكريم بأنها اثنتان وعشرون سنة وخمسة أشهر، ونصف الشهر. راعى في هذا التحديد ما ذهب إليه الجمهور من أنه ﷺ ولد في الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وتوفي في الثاني عشر أيضا من ربيع الأول عام إحدى عشرة من الهجرة.\nوبين ذلك بأن النبي ﷺ نبئ على رأس الأربعين من ميلاده الشريف وذلك من الثاني عشر من ربيع الأول وقد بدئ الوحي إليه بالرؤيا الصادقة ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان وجملة ذلك ستة أشهر وخمسة أيام حين نزل عليه صدر سورة اقرأ. وآخر آية نزلت عليه من القرآن هي قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وقد روي أن ذلك قبل وفاة النبي ﷺ بتسعة أيام، وقيل بأحد عشر يوما، وقيل بواحد وعشرين يوما فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التي لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يوما. وجملة عمر ﷺ ثلاث وستون عاما، ومدة نبوته ثلاث وعشرون سنة فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يوما يكون الباقي اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما.\nثم قال أبو شهبة بعد هذا معبرا عن فرحه به: \"والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم انتقد حساب الخضري السابق بأنه بني على أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣ [\" (٥).\nوما ذكره أبو شهبة - ﵀ - من تحديد فيه نظر كذلك. إذ جعل يوم السابع عشر من رمضان بداية إنزال القرآن على الرسول ﷺ وقد تقدم أنه يوافق يوم الجمعة - على قول الخضري - وأنه بهذا يعارض ما ثبت في الصحيح؟\n_________\n(١) الصواب في آخر ما نزل، قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [البقرة / ٢٨١]\n(٢) مناهل العرفان: ١/ ٤٥.\n(٣) تاريخ التشريع ص: ٦، ٧\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل (٢/ ٨١٩) رقم (١١٦٢). وراجع ص (٤٩).\n(٥)؟ المدخل لدراسة القرآن الكريم: ٥٥، ٥٦.","vol":"1","page":60},{"text":"وكذلك أنه بناه على الأخذ بأحد الأقوال في مدة بقاء الرسول ﷺ بعد آخر آية نزلت عليه دون دراسة ترجيحية له. فيبقى ملخص القول أن المدة نحوا من ثلاث وعشرين سنة تقريبا لا تحديدا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>يوم إنزال القرآن:</span>\nالصحيح أن أول يوم أنزل فيه القرآن هو يوم الاثنين. لحديث أبي قتادة الأنصاري الصحيح، وفيه: وسئل عن صوم يوم الاثنين. قال: \" ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه \" (٢).\nوفي رواية أخرى: .. فقال: \" فيه ولدت، وفيه أنزل علي\" (٣).\nوأخرج الواحدي عن أبي قتادة: \" أن رجلا قال لرسول الله: أرأيت صوم يوم الإثنين: \"قال فيه أنزل علي القرآن \" (٤).\nوقد ذكر ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال: \"نبئ نبيكم ﷺ يوم الاثنين\" (٥).\nوعن أنس قال: استنبأ النبي ﷺ يوم الاثنين (٦).\nقال الواحدي: \"وأول يوم أنزل القرآن فيه يوم الاثنين\" (٧).\nوذكر البلقيني أنه يوم الاثنين نهارا (٨).\nولذا قال ابن القيم: \" ولا خلاف أن مبعثه -ﷺ- كان يوم الاثنين\" (٩).\nوقال ابن كثير: \"وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه -﵊- أوحي إليه يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه بينهم\" (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>شهر إنزال القرآن الكريم:</span>\nاختلف في شهر إنزال القرآن الكريم على الرسول ﷺ، على أقوال:\nالأول: أنه شهر رجب، في السابع عشر منه. وهو قول غير مشهور لكنه مذكور (١١).\nالثاني: أنه في شهر ربيع الأول. قيل في أوله، والمشهور في ثامنه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. وقد جعله ابن القيم قول الأكثرين (١٢).\n_________\n(١) انظر: نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبيﷺ-، عبدالودود مقبول حنيف (بحث منشور في الشبكة الالكترونية). (بتصرف بسيط).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل. كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام، حديث ١١٦٢، (٢/ ٨١٩).\n(٣) صحيح مسلم (٢/ ٨٢٠).\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ١٣ - ١٤.\n(٥) طبقات ابن سعد: ١/ ١٩٣.\n(٦) طبقات ابن سعد: ١/ ١٩٤.\n(٧) أسباب النزول للواحدي. تحقيق السيد أحمد صقر: ١٣.\n(٨) فتح الباري: ١٢/ ٣٥٦.\n(٩) زاد المعاد: ١/ ١٨\n(١٠) السيرة النبوية لابن كثير: ١/ ٣٩٢.\n(١١) انظر: فتح الباري - كتاب التعبير (١٢/ ٣٥٧). وزاد المعاد لابن القيم (١/ ١٨). والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/ ٢٥٠).\n(١٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"1","page":61},{"text":"وقيل في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين كما روي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات (١).\nوعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر بيع الأول وأنزلت عليه البقرة في ربيع الأول (٢).\nالثالث: أنه في شهر رمضان، قال الواحدي: \"وأول شهر أنزل فيه القرآن شهر رمضان\" (٣)، قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوجعله ابن كثير: المشهور. فقال: والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما\" (٤).\nقال ابن القيم: \"وإليه ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته: شمس النبوة منه في رمضان، وأتت عليه أربعون فأشرقت\" (٥).\nوقال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في رمضان - ثم استدل له فقال- قال الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] (٦).\nواختلف في أي الأوقات من رمضان: فقيل في سابعه (٧)، وقيل في الرابع عشر (٨)، وقيل في السابع عشر منه.\nفقد أخرج ابن سعد عن الواقدي عن أبي جعفر الباقر، قال نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. ورسول الله يوميئذ ابن أربعين سنة. وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي (٩).\nوقيل في الرابع والعشرين من رمضان، قال أبو عبد الله الحليمي: \"يريد ليلة خمس وعشرين\" (١٠).\nوقال ابن كثير: \"ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين\" (١١).\n_________\n(١) انظر السيرة النبوية لابن كثير (١/ ١٩٩)، و(١/ ٣٩٢). وقال: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن ميناء عنهما.\n(٢) ذكره ابن كثير في السيرة النبوية (١/ ٢٠٠) بسنده وقال عنه: وهذا غريب جدا، رواه ابن عساكر.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ١٤.\n(٤) انظر السيرة النبوية: ١/ ٣٩٢.\n(٥) زاد المعاد: ١/ ١٨.\n(٦) انظر: مختصر السيرة لابن هشام (٣٩) والسيرة النبوية للذهبي (٧٥).\n(٧) انظر فتح الباري (١٢/ ٣٥٦)\n(٨) انظر فتح الباري (١٢/ ٣٥٦)\n(٩) أخرجه ابن سعد في الطبقات بسنده (١/ ١٩٤). وانظر: السيرة النبوية لابن كثير (١/ ٣٩٢) والزيادة والإحسان في علوم القرآن لابن عقيلة المكي (١/ ٢٥٠ - ٢٥١). وانظر: تاريخ التشريع للخضري (٦، ٧). فقد ذكر هذا التاريخ لكن جعله يوم الجمعة.\n(١٠) المرشد الوجيز لأبي شامة (١٣).\n(١١) السيرة النبوية لابن كثير (١/ ٣٩٢).","vol":"1","page":62},{"text":"واستدل لهذا بحديث واثلة بن الأسقع (١).\nوجعله السخاوي في النزول المباشر على الرسول ﷺ فقال بعد أن ساقه بنحوه: \"فهذا الإنزال يريد به - ﷺ أول نزول القرآن عليه- ثم قال: وقوله ﷿: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يشمل الإنزالين\" (٢).\nأما البيهقي فقد حمل حديث واثلة بن الأسقع على أن المراد به الإنزال جملة فقال: \"قلت: وإنما أراد - والله أعلم - نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا\" (٣).\nويشهد لهذا المعنى ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: \" .. أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان .. \" (٤).\nوقد ذهب صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم إلى تحديد دقيق، ورأي جديد وهو أن يوم نزول القرآن وشهره كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلا. الموافق عشرة أغسطس سنة ٦١٠ م، وكان عمره ﷺ إذ ذاك أربعون سنة قمرية وستة أشهر و١٢ يوما، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر و٢٢ يوما.\nوهو قول لم يقل به أحد قبله وقد بناه على ما يأتي (٥):\nأولا: كونه يوم الاثنين بناء على ما صح من حديث أبي قتادة الأنصاري وفيه ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه، وهو ما اتفق عليه أهل السير.\nثانيا: وكونه شهر رمضان عملا بالآيات الثلاث في سور: البقرة، الدخان، والقدر. وكونه شهر الجوار والتحنث بحراء.\nثالثا: كونه لإحدى وعشرين مضت من رمضان. بناء على أن حساب التقويم العلمي لذلك الشهر في تلك السنة لا يوافق يوم الاثنين إلا يوم السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والثامن والعشرين. ولأن ليلة القدر إنما تقع في الوتر من ليالي العشر من شهر رمضان، تعين كون ذلك يوم واحد وعشرين (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٠٧) وأبو عبيد في فضائل القرآن (٣٦٨) وأخرجه ابن الضريس بسنده عن أبي الخلد (٧٤) بزيادة في آخره. وابن جرير في تفسيره (٢/ ١٤٥). والواحدي في أسباب النزول (١٤). والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٧٥) حديث (١٨٥). غير أنه وقع في النسخة: «وأنزل القرآن لأربع عشرة» بدلا من أربع وعشرين. فلعله خطأ. وذكره الألباني في الصحيح رقم (١٥٧٥) وقال عنه: «هذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي القطان كلام يسير، وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعا نحوه، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١، ٣٦٧)، وقال عنه: خالفه عبيد الله بن أبي حميد وليس بالقوي فرواه عن أبي المليح عن جابر بن عبد الله من قوله. ورواه إبراهيم بن طهمان عن قتادة من قوله لم يجاوز به إلا أنه قال: لاثنتي عشرة» وكذلك وجده جرير بن حازم في كتاب أبي قلابة دون ذكر صحف إبراهيم. وانظر السيرة النبوية لابن كثير (١/ ٣٩٣). وتفسير الماوردي بتحقيق الباحث (٢/ ٥٦٩) والمرشد الوجيز (١٢) والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/ ٢٥٢).\n(٢) جمال القراء: (١/ ٢٢)\n(٣) الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٣٦٧)، والمرشد الوجيز (١٤).\n(٤) المرشد الوجيز: ١٣.\n(٥) انظر: نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد لرسولﷺ-: ٦٤.\n(٦) انظر: الرحيق المختوم ص (٦٦) وحاشيته (٢).","vol":"1","page":63},{"text":"وهذا جهد طيب ومنهج جيد في التحديد إلا أنه يرد عليه ما يأتي (١):\nأولا: أن كون ذلك يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلا. يجعل تلك الليلة هي ليلة الثلاثاء اثنتين وعشرين فلا تصير بذلك من ليالي الوتر التي تتحرى بها ليلة القدر. (٢).\nثانيا: أن الاستدلال بالآيات الثلاث في سور: البقرة، والدخان، والقدر. على ابتداء النزول ليس صريحا، وقد فسرت بأن المراد بها النزول جملة إلى السماء الدنيا. وهو ما يتفق مع الروايات الأخرى الواردة عن ابن عباس وغيره في ذلك.\nثالثا: أن حمله تلك الآيات على ابتداء النزول يعني أن ليلة القدر صارت معروفة على وجه اليقين لأن معرفة ابتداء نزول القرآن ميسور للصحابة ﵃ لو تعلق به أمر تعيين ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ومعلوم أنها قد أخفيت عينها. فاختلف في تحديدها. وإذا سلم هذا الإيراد كان دليلا على نزول القرآن في غير شهر رمضان. وكان ترجيحا للقول بنزوله في شهر ربيع الأول إلا أن تكون ليلة تسع وعشرين على ما ذكر من الحساب.\nوقد رجح ابن حجر كون ابتداء النزول في رمضان فقال: \"قلت: ورمضان هو الراجح لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه الرسول ﷺ حراء فجاءه الملك وعلى هذا يكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر\" (٣).\nكما رجح في موضع آخر أنه في آخر شهر رمضان ولم يحدده بتاريخ فقال: \" .. فيستفاد من ذلك أن يكون آخر شهر رمضان، وهو قول آخر يضاف لما تقدم ولعله أرجحها\" (٤).\nوجعل ابن حجر شهر رمضان زمانا لنزول القرآن جملة، ونزوله مفرقا أيضا، فقال عن حديث مدارسة جبريل ﵇ للرسول ﷺ للقرآن \" .. وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس\" (٥).\nوذكر ابن عرفة في تفسيره مثل هذا التوجيه بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى قوله تعالى: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ قال: \"قال الضحاك: أنزل القرآن في فرضه وتعظيمه، والحض عليه. وقيل: الذي أنزل القرآن فيه. قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيما له وتشريفا .. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا. قال ابن عرفة فالقرآن على هذا الاسم للكل، وعلى القول الثاني: بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير\" (٦).\nوإلى مثل ذلك ذهب أبو شامة في تعليقه على ما نسب للشعبي من أن الله ﷿ ابتدأ إنزال القرآن في ليلة القدر فقال: \"هو إشارة إلى ابتداء إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه\n_________\n(١) انظر: نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد لرسولﷺ-: ٦٤.\n(٢) يصدق تعليله على ما ذكره من موافقة يوم الاثنين لثمان وعشرين من رمضان حيث تكون ليلة تسع وعشرين. وهي من ليالي الوتر، ولكنه لم يذكره ولم يختره.\n(٣)؟ فتح الباري، كتاب التعبير: ١٢/ ٣٥٦.\n(٤)؟ فتح الباري، كتاب التعبير: ١٢/ ٣٥٧.\n(٥)؟ فتح الباري، كتاب بدء الوحي: ١/ ٣١.\n(٦) تفسير ابن عرفة برواية تلميذه الأبي: ٢/ ٥٣٩.","vol":"1","page":64},{"text":"وسلم فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان - ثم قال - وقد بينت ذلك في شرح حديث المبعث وغيره (١).\nوهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا\" (٢)، ففرق أبو شامة بهذا بين جعل رمضان شهر نزول القرآن والاستدلال له بالآيات.\nوقال في موضع آخر مبينا صلة شهر رمضان بالقرآن: \" ... ويجوز أن يكون قوله: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأول نزوله إلى الأرض، وعرضه وإحكامه في شهر رمضان. فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن: إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان فلمجموع هذه المعاني قيل: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>مقدار التنزيل:</span>\nلقد ثبت نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ منجما مفرقا ابتداء أو حسب الحاجة والوقائع. وغالب القرآن الكريم نزل آيات مفرقات وبعضه نزل سورا كاملة، ونزلت سورتان من قصار السور معا هما المعوذتان.\nفأول ما نزل من القرآن الكريم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. وهي قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ ﴿خلق الإنسان من علق﴾ ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ ﴿الذي علم بالقلم﴾ ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ ثم نزل باقيها بعد نزول سورة المدثر.\nكما نزلت الخمس الآيات الأولى من سورة الضحى إلى قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ وصح نزول عشر آيات من قصة الإفك جملة واحدة من سورة النور. وصح كذلك نزول عشر آيات جملة من أول سورة المؤمنون. ونزلت آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (المائدة: ٣) في عرفة في يوم جمعة.\nوصح نزول قوله ﴿غير أولي الضرر﴾ وحدها، وهي بعض آية. فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ (النساء: ٩٥) دعا رسول الله ﷺ زيدا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته: فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾ (٤).\nوكذا قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم﴾ (التوبة: ٢٨) نزلت بعد نزول أول الآية، فهي بعض آية (٥).\nوقد تنزل السورة كاملة ومن ذلك سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، والمسد، والنصر، والمرسلات، والصف .. وغيرها (٦).\n_________\n(١) كتاب للمؤلف سماه في كتابه الذيل على الروضتين: شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى. انظر المرشد الوجيز (٢٠) حاشية (٢).\n(٢) المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي: ٢٠.\n(٣) المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي: ٢٤.\n(٤) أخرجه البخاري. كتاب التفسير، باب ١٨ لا يستوي القاعدون من المؤمنين .. (٥/ ١٨٢ -) وانظر: سنن أبي داود (٣/ ١٧) والمرشد الوجيز (٣٤ -) وأسباب النزول للواحدي (١٦٨ -) وانظر الإتقان (١/ ١٥٥).\n(٥) انظر تفسير الطبري (١٤/ ١٩٤). والتبيان للشيخ طاهر الجزائري (٥٩).\n(٦) انظر: الإتقان (١/ ١٣٦). والزيادة والإحسان (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":65},{"text":"وأما ما ورد من نزول سورة الأنعام جملة يشيعها سبعون ألف ملك. فلم يخل من خلاف. فقد قال ابن الصلاح في فتاويه: \"الحديث الوارد في أنها نزلت جملة رويناه من طريق أبي بن كعب وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسنادا صحيحا. وقد روي ما يخالفه فروي أنها لم تنزل جملة واحدة بل نزلت آيات منها بالمدينة اختلفوا في عددها، فقيل ثلاث، وقيل: ست، وقيل غير ذلك (١).\nوقد قال ابن عقيلة المكي في توجيه هذا الاعتراض. بأن نزول غالبها في حكم نزولها كلها. قال: \"أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها فإنما يعني - والله أعلم- الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما ينزل مفرقا آيات. ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع\" (٢).\nوقد نزلت سورتا المعوذتين معا بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ فأنزل الله جل شأنه المعوذتين فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر (٣).\nفتبين مما سبق أن القرآن نزل مفرقا: الآية، والآيتان، والخمس، والعشر، وأقل وأكثر. كما نزل جزء الآية. ونزلت سورة كاملة، ونزلت سورتا المعوذتين معا.\nولا شك أن هذه المتابعة الدقيقة من قبل العلماء لجزئيات نزول القرآن الكريم في وقته، وصفته، ومقداره، ويوم إنزاله، وشهره، وكون ذلك ليلا ونهارا، حضرا وسفرا؛ دليل عناية الأمة البالغة بالقرآن الكريم التي ميز الله بها كتابه فصارت من خصائصه التي تفرد بها، وجعلها الله وسيلة حفظ كتابه الذي تكفل به في قوله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].\nكما كان الرسول ﷺ يتلقى القرآن من جبريل فيحفظه ولا ينساه ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ فيبلغه أصحابه، ويحفظهم إياه، ويأمرهم بكتابته. فتوفر للقرآن الكريم بالغ العناية به، وكامل وسائل حفظه، والمحافظة عليه. وتلك نعمة ومنة من الله تعالى على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يشكرون (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثالثا: - مراحل جمع القرآن الكريم وترتيبه</span>\nالمراد بجمع القرآن عند العلماء أحد معنيين: أولهما الحفظ، وهذا المعنى هو الذي ورد في قوله ﷿ في خطابه لنبيه ﷺ «لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه» (٥).\nوثانيهما: الكتابة والتدوين، أي كتابة القرآن كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا (٦).\n_________\n(١) فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٤٨)، والبرهان (١/ ١٩٩)، والإتقان (١/ ١٣٧).\n(٢) الزيادة والإحسان (١/ ٤٠١).\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي. (٥١٥) والجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٥٤)، والزيادة والإحسان (١/ ٤٠٥).\n(٤) انظر: نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد لرسولﷺ-: ٦٨ - ٧١، والزيادة والإحسان: ١/ ٤٠٥.\n(٥): القيامة الآيات: ١٦ - ١٧ - ١٨.\n(٦): أنظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ١١٩ وكذلك الإتقان للسيوطي.","vol":"1","page":66},{"text":"وقد اجتمع للقرآن الكريم ما لم يجتمع لغيره من الكتب السابقة فاعتمد في طريقة نقله المشافهة والحفظ والكتابة والتدوين، وتعتبر مسألة المشافهة والحفظ وهي أولى مراحل الجمع، من أعظم خصيصة شرفت بها الأمة الإسلامية دون سائر الملل والنحل.\nجمع القرآن في عهد النبي ﷺ.\nاعتبرت طريقة الحفظ (١) والمشافهة الوسيلة الوحيدة التي اعتمد عليها في جمع القرآن الكريم في العهد النبوي، فالقرآن الكريم لما نزل بروعة نظمه ونقاء ألفاظه وشدة تأثيره على العقول والمشاعر اشتد اهتمام العرب به، وخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به، وكانوا يترقبون كل جديد ينزل به الوحي يجمعون بين حفظه والعمل به، وهكذا اهتم جم غفير من الصحابة كالخلفاء الأربعة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ... بجمع القرآن الكريم وحفظه، وكان النبي ﷺ كلما نزل عليه شيء من الوحي أمر كتبة الوحي بكتابته فورا، سماعا من فمه ثم ينتشر ما نزل بين الناس، فكانت العلاقة بين المسلمين وكتاب ربهم هي الحفظ استنادا لما سمعوه من في رسول الله ﷺ، وهذه خصيصة خص الله بها الأمة المحمدية. قال بن الجزري: «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة» (٢).\nومع حرص الصحابة على مدارسة القرآن واستظهاره، فإن رسول الله ﷺ كان يشجعهم على ذلك، ويختار لهم من يعلمهم القرآن، عن عبادة بن الصامت قال: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا» (٣).\nوكان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظا وكتابة، ولم تكن الوثائق (٤) التي كتبوها في العهد النبوي مجتمعة في مصحف عام بل عند هذا ما ليس عند ذاك، وهذا يعزى إلى اختلاف قراءات الصحابة لكون القرآن أنزل على سبعة أحرف.\nوقبض النبي ﵊ والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب في الصحف، مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة على حدة، بالأحرف السبعة الواردة، ولم يجمع في مصحف عام، حيث كان القرآن ينزل فيحفظه القراء ويكتبه الكتبه، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، لأنه ﵊ كان يترقب نزول الوحي من حين لآخر، وقد يكون منه الناسخ لشيء نزل من قبل، وكتابة القرآن لم يكن ترتيبها بترتيب النزول بل تكتب الآية بعد نزولها حيث يشير ﷺ إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا في سورة كذا قال الزركشي: «وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلا يقضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن\n_________\n(١) (: المقصود به الحفظ في الصدور والسطور.\n(٢): مباحث في ع. القرآن ص ١٢٣.\n(٣): نفسه، ص ١٢١.\n(٤) (: المقصود بها العسب والرقاع واللخاف ... التي كان يدون فيها القرآن.","vol":"1","page":67},{"text":"بموته ﷺ» (١)، وبهذا يفسر ما روي عن زيد بن ثابت قال: «قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء» (٢).\nوقال الخطابي: \" إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة (٣) فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر \" (٤).\nخلاصة القول أن الهدف من الجمع الأول كان هو حفظ القرآن واستظهاره خشية أن يفلت منه شيء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -﵁</span>-\nبعد وفاة النبي ﷺ واستقرار نصوص الوحي دعت الضرورة إلى كتابة القرآن الكريم وترتيبه بمحضر من حفظته لاسيما بعد استشهاد كثير من حملته وظهور حركة الردة من جهة، ومن جهة أخرى دخول الناس في دين الله أفواجا وهم لا يعرفون من القرآن شيئا.\nوبعد أن استحر القتل بالقراء في معركة اليمامة وخشية أن يضيع القرآن أو يلتبس الأمر على المسلمين في شأن من آياته أشار عمر بن الخطاب -﵁- على الخليفة أبو بكر الصديق بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فتردد أبو بكر في قبول ذلك خشية أن يفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ وبعد تردد شرح الله صدره لذلك، فكلف زيد بن ثابت -وهو ممن شهد العرضة الأخيرة مع النبي ﷺ- بجمع القرآن ولا يخفى ما في هذا التكليف من مشقة قال زيد \" والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أتقل مما أمرت به من جمع القرآن \" (٥).\nويتجلى جمع أبي بكر في جمع الوثائق التي كتبها كتبة الوحي في حضرة رسول الله، بمعنى تنسيق وثائق كل سورة مرتبة آياتها على نسق نزولها، ولا معنى لهذا الجمع الاما تم ذكره، وإطلاق وصف المصحف عليه إطلاق مجازي القصد منه أن يكون مرجعا موثوقا به عند اختلاف الحفاظ.\nومما يجب التنبيه إليه أن الجمع في هذه المرحلة لم يضف شيئا أو يحذفه من تلك الوثائق الخطية التي تم تدوينها في حياة النبي ﷺ وإملاء منه على كتبة وحيه الأمناء الصادقين.\nوكان عمل الصديق ﵁ محل إكبار الصحابة كما قال علي بن أبي طالب ﵁ \" أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله \" (٦).\n_________\n(١) مباحث في علوم القرآن ص ١٢٥.\n(٢) المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٣) (إشارة إلى قوله ﷿: \" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون \".\n(٤) مباحث في علوم القرآن ص ١٢٥.\n(٥) مباحث في علوم القرآن ص ١٢٧.\n(٦) www.al-islam.com/articles/articles.asp؟ fname=ALISLAM_L ١١_A","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁</span>.\nفي عهد الخليفة عثمان بن عفان ﵁ اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وامتد سلطانها واختلطت شعوبها، وتداخلت لغاتها وأخذ كل إقليم يلتفت حول صحابي ليعلمه القرآن، فكان من الطبيعي أن تتعدد القراءات وتتباعد اللهجات ويقع الاختلاف في القرآن خاصة في وجود مصاحف الصحابة التي لم يمكن ترتيبها وضبط تلاوتها ورسمها لتباعد الأمصار الإسلامية عن المدينة، وخشي بعض الصحابة أن تتسع دائرة الخلاف فطلبوا من الخليفة أن يوحد الناس على مصحف واحد قال حذيفة ابن اليمان لعثمان: \" يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى \" (١).\nفأدرك عثمان عظم الأمر وقال للصحابة، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إماما. فأرسل إلى حفصة أن إرسل إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأمر طائفة من الصحابة (كزيد بن ثابت، عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص ...) فنسخوها في المصاحف وقام عثمان بإرسال نسخ منها إلى كل الأمصار (٢).\nواتفق الصحابة ﵃ على هذا العمل وعدوه من مفاخر عثمان وحسناته، من ذلك قول الإمام علي -﵁- \" لا تقولوا في عثمان إلا خيرا فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملإ منا \" (٣).\nوكان هدف عثمان من هذا الجمع هو توحيد الأمة على القراءات الصحيحة التي قرأها النبي ﵊ في العرضة الأخيرة على جبريل، وهذا ما يؤكده الباقلاني من أن ما قصد عثمان هو جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير (٤).\nوهكذا عمل الخليفة عثمان على \" حمل الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات \" (٥).\nوبهذا قطع عثمان دائرة الفتنة وحسم مصدر الاختلاف، وحض القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>رابعا: - المكي والمدني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات </span>(٦):\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الاصطلاح الأول: باعتبار المكان:</span>\nإن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويرد على هذا التعريف أنه غير ضابط ولا حاصر، لأنه يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيها، كقوله\n_________\n(١) مباحث في علوم القرآن ص ١٣٠.\n(٢) أنظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان وصبحي الصالحي، والإتقان للسيوطي.\n(٣) www.al-islam.com/articles/articles.asp؟ fname=ALISLAM_L ١١_A\n(٤) أنظر: إعجاز القرآن للباقلاني.\n(٥) أنظر: مباحث في علوم القرآن ص ١٢٩ - ١٣٠.\n(٦) انظر: هذه الآراء بالتفصيل في الإتقان للسيوطي - ج ١ ص ٦ وما بعدها، البرهان للزركشي - ج ٢ ص ٢٤٤ - ٢٤٥، مناهل العرفان للزرقاني - ج ١ ص ١٩٣ - ١٩٤، المدخل لدراسة القرآن لأبي شهبة - ص ٢٢١ - ٢٢٢","vol":"1","page":69},{"text":"تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوك ... َ﴾ [التوبة: ٤٢]، فإنها نزلت بتبوك، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ...﴾ [الزخرف: ٤٥]، نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الاصطلاح الثاني: باعتبار المخاطب:</span>\nأن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة، ويحمل على هذا ما نقل عن ابن مسعود أنه قال: \"ما كان في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) أنزل بالمدينة أي مدني، وما كان من القرآن بلفظ (يا أيها الناس) و(يا بني آدم) فهو مكي، وذلك أن الإيمان كان غالبًا على أهل المدينة، فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا، وكذلك خطاب الكافرين بيا أيها الناس، لأن الكفر كان غالبًا على أهل مكة.\nوهذا التقسيم لوحظ فيه المخاطبون، لكنه غير ضابط ولا حاصر لجميع آيات القرآن الكريم لأمرين: -\nالأمر الأول: إنه يوجد آيات مدنية صُدِّرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مثل ما جاء في سورة النساء التي اتفق على أنها مدنية، ولكنها تبدأ بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١]، وكذلك هناك آيات مكية صدرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ١]، وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...﴾ [البقرة: ٢١]، وأيضًا ما جاء في سورة الحج المكية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا ...﴾ [الحج: ٧٧].\nالأمر الثاني: يوجد سور كثيرة في القرآن الكريم ليس فيها الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فعلى هذا الاعتبار فهي غير مكية ولا مدنية، مثال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ...﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقين: ١].\nوعلى هذا فإن هذا التقسيم غير ضابط ولا حاصر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>الاصطلاح الثالث: باعتبار زمن النزول:</span>\nوهو ما عليه جمهور العلماء أن المكي ما نزل قبل هجرة الرسول؟ إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة.\nوهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول، هو تقسيم صحيح سليم لأنه ضابط حاصر لجميع آيات القرآن الكريم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الطريق إلى معرفة المكي والمدني:</span>\nلقد اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين هما: -\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المنهج الأول: السماعي النقلي:</span>\nالعمدة في معرفة المكي والمدني النقل الصحيح عن الصحابة - ﵃ - الذين شاهدوا أحوال الوحي والتنزيل، والتابعين الآخذين عنهم، ولم يرد عن النبي؟ في ذلك قول، ويؤيد ذلك ما نقله السيوطي عن القاضي أبي بكر في الانتصار حيث قال: \"إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين ولم يرد عن النبي؟ في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعض أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، وقد يعرف ذلك بغير نص عن الرسول؟ \" (١).\n_________\n(١) الإتقان للسيوطي - ج ١ ص ١٦.","vol":"1","page":70},{"text":"وقد اشتهر بمعرفة المكي والمدني من الصحابة - ﵃ - عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: \"والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المنهج الثاني: القياس الاجتهادي:</span>\nعرفنا فيما مضى أن مرد العلم بالمكي والمدني هو السماع عن طريق الصحابة والتابعين، ولكن هناك علامات وضوابط ومميزات وضعها العلماء يُعرف بها المكي والمدني هي: -\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>أولًا: ضوابط القرآن المكي هي </span>(٢):\n١ - كل سورة فيها لفظ (كلا) وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة، كلها في النصف الأخير من القرآن، قال العماني: \"وحكمة ذلك إن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم، بخلال النصف الأول، وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه، لذلتهم وضعفهم\" (٣).\n٢ - كل سورة في أولها حرف تهجي غير سورة البقرة وآل عمران فهما مدنيتان.\n٣ - كل سورة فيها سجدة أو مبدوءة بقسم.\n٤ - كل سورة فيها تفصيل لقصص الأنبياء وللأمم الغابرة فهي مكية سوى البقرة، وفيها ذكر - تعالى - تلك القصص لأخذ العبرة والعظة بسنته - تعالى - في هلاك أهل الكفر والطغيان وانتصار أهل الإيمان.\n٥ - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>ثانيًا: مميزات القرآن المكي:</span>\n١ - الدعوة إلى أصول الإيمان الاعتقادية من الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من البعث والحشر والجزاء، والإيمان بالرسالة، وذلك لأن أهل مكة كانوا منغمسين في الشرك والوثنية، كذلك ناقشهم بالأدلة العقلية والكونية في عقائدهم الضالة.\n٢ - محاجة المشركين ومجادلتهم وإقامة الحجة عليهم في بطلان عبادتهم للأصنام، وبيان أنها لا تنفع ولا تضر.\n٣ - إنه تحدث عن عاداتهم القبيحة، كالقتل وسفك الدماء، ووأد البنات واستباحة الأعراض، وأكل مال اليتيم، للفت أنظارهم إلى ما في ذلك من أخطار.\n٤ - الدعوة إلى أصول التشريعات العامة والآداب والعقائد الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا سيما التي يتعلق منها بحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسب، وأيضًا أمرهم بالصدق والعفاف وبر الوالدين وصلة الرحم والعفو والعدل وغير ذلك.\n_________\n(١) انظر: مناهل العرفان - الزرقاني - ج ١٢ ص ١٩٦.\n(٢) الإتقان للسيوطي - ج ١ ص ٩ بتصرف، وانظر بالتفصيل مناهل العرفان للزرقاني ج ١ ص ٢٠٢، ٢٠٣.\n(٣) نقلا عن: مناهل العرفان للزرقاني ج ١ ص ٢٠٢.","vol":"1","page":71},{"text":"٥ - قصر أكثر آياته وسوره، فقد سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه لهم، وذلك لأنهم كانوا أهل البلاغة والبيان، صناعتهم الكلام، فيناسبهم الإيجاز والإقلال دون الإسهاب والإطناب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثالثًا: ضوابط القرآن المدني:</span>\n١ - تتميز الآيات المدنية بذكر وبيان الحدود والفرائض، وذلك لأنها شرعت بعد إقامة المجتمع الإسلامي.\n٢ - كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد والصلح والمعاهدات فهي مدنية سوى سورة الحج.\n٣ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت مكية الآيات الإحدى عشرة الأولى، وذلك لأن ظاهرة النفاق بدت تظهر في المدينة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>رابعا: - مميزان القرآن المدني </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>وللسور المدنية مميزات، منها:</span>\n١ - التحدث عن دقائق التشريع، وتفاصيل الأحكام في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة والصيام والزكاة ... وكذلك البيوع والربا والسرقة والكفارات كما في سورة البقرة والنساء والمائدة والنور، وذلك أن حياة المسلمين بدأت تستقر وأصبح لهم كيان ودولة وسلطان.\n٢ - محاجة أهل الكتاب وبيان ضلالهم في عقائدهم، وبيان تحريفهم لكتب الله وهذا ما توضحه سورة البقرة والمائدة والفتح.\n٣ - تمتاز آيات القرآن المدني بطول المقاطع، وذلك لأنها تتحدث عن التشريعات ومخاطبة أهل الكتاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>فوائد معرفة المكي والمدني </span>(٢):\n١ - معرفة المكي والمدني يساعد على تمييز الناسخ من المنسوخ فيما لو وردت آيتان متعارضتان وإحداهما مكية والأخرى مدنية، فإننا نحكم بنسخ المدنية للمكية لتأخرها عنها.\n٢ - أنه يعين على معرفة تاريخ التشريع، والوقوف على سنة الله الحكيمة في تشريعه، وهي التدرج في التشريعات بتقديم الأصول على الفروع والإجمال في التفصيل، وبذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد.\n٣ - معرفة هذا العلم يزيد الثقة بهذا القرآن العظيم، وبوصوله إلينا سالمًا من التغيير والتحريف، ويدل على ذلك اهتمام المسلمين بهذا العلم عن طريق تناقلهم لهم وما نزل من قبل الهجرة وبعدها في السفر والحضر وفي الليل والنهار.\n٤ - معرفة هذا العلم يفيد ويساعد على تفسير القرآن الكريم، فإن معرفة مكان النزول وزمنه يعين على فهم وتفسير القرآن العظيم.\n٥ - أيضًا يفيدنا في معرفة أحداث السيرة النبوية من خلال متابعة أحوال النبي؟ وموقف المشركين من دعوته في العصر المكي والعصر المدني، والوقوف على الغزوات التي غزاها الرسول؟ كغزوة بدر وأحد وبني قريظة والفتح وحنين وغير ذلك.\n_________\n(١) الإتقان للسيوطي - ج ١ ص ٩ بتصرف، وانظر بالتفصيل مناهل العرفان - ج ١ ص ٢٠٢ - ٢٠٣، وانظر المدخل لدراسة القرآن الكريم لأبي شهبة - ص ٢٢٨ - ٢٣٣.\n(٢) بالتفصيل مناهل العرفان - ج ١ ص ١٩٥، وانظر المدخل لدراسة القرآن الكريم، ص ٢٢٠.","vol":"1","page":72},{"text":"٦ - تذوق أساليب القرآن المتنوعة في خطابه لخصومه والاستفادة منها في الدعوة إلى الله، فمخاطبة الكفار يحتاج إلى الأسلوب الخطابي في العهد المكي عن طريق التركيز على إثبات وجود الله والبعث والعقيدة، ومخاطبة أهل الكتاب والمنافقين يحتاج إلى أسلوب الخطابة في العهد المدني عن طرق مناقشتهم في عقيدتهم المنحرفة وبيان التحريف في كتبهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>خامسا: - أسباب النزول</span>\nإن سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه، أو مبينة لحكمةٍ أيام وقوعه (١)، والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي؟ أو سؤال وجه إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله - تعالى - ببيان ما يتصل بتلك الحادثة أو بجواب هذا السؤال.\nوذلك مثل حادثة خولة بنت ثعلبة، التي ظاهر منها زوجها \"أوس بن الصامت\" فنزلت آيات الظهار: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ*الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤].\nومثل ما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة، بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما، فقد نزل بحقها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٣].\nومثل ما نزل إجابة لسؤال وجه إلى النبي؟ قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [البقرة: ١٨٥].\nومثل ما نزل إرشادًا وهداية وتعليمًا للرسول؟ كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، والأمثلة كثيرة على ذلك.\nوعندما نقول بأن سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه، فذا يعني أن هناك ارتباطا بين وقوع الحدث والآية التي نزلت مبينة لحكم هذا أو هذه الحال، هذا احترز به عمَّا شاع وذاع عند بعض المفسرين حينما يذكرون مثلًا سورة الفيل نزلت قصة الفيل هل هناك ارتباط بين الحادثة والآيات؟ الجواب: لا، نقول: سبب النزول أن تكون الآية نزلت مبينةً لحكم الحادثة، وهذه الحادثة سبقت بزمنٍ يسير نزول الآيات حينئذٍ لا بد من ارتباطٍ بين الآيات وبين الواقع، فإذا كانت الواقعة قد خلا عليها الدهر كقصة أصحاب الفيل\n_________\n(١) أسباب النزول - الواحدي - ص ٦٦.","vol":"1","page":73},{"text":"ثم نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. لا نقول: هذه الآيات أو هذه السورة سبب نزولها ماذا؟ قصة أصحاب الفيل نقول: لا، قصة أصحاب الفيل تضمنت السورة بيانًا لحادثةٍ قد وقعت ومضى عليها الزمان الطويل حينئذٍ ليس ثم ارتباط بين السورة وبين هذه القصة، إذًا ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه هذا فيه ردٌ على كل من وضع أمام قصةٍ من قصص الأنبياء أو سورةٍ تضمنت حادثة سابقة ربطها بماذا؟ بتلك الحادثة نقول: لا، جاءت هذه الآيات مبينة لحادثةٍ واقعةٍ في زمنٍ قد مضى، تحدثت كما تتحدث الآيات عن نوحٍ مع قومه، أو عن هودٍ مع قومه، أو عن صالحٍ، أو شعيب مع قومه هل نزلت هذه الآيات بسبب قوم نوح؟ لا، سورة نوح نقول: نزلت بسبب قوم نوح؟ الجواب: لا، وإنما تضمنت حادثة وواقعة وحكايةً لحالة أممٍ قد خلت في هذه السورة وليس ثَمَّ ارتباط من حيث النزول، يعني لم يكن سبب نزول الآيات هو تلك الحادثة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>طريق معرفة سبب النزول </span>(٢):\nلا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح، ولا مجال للعقل فيه إلا بالتمحيص والترجيح، قال الواحدي: \"لا يحل القول في أسباب نزول القرآن بالرواية والسماع، إلا ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن عللها\" (٣).\nوعلى هذا فإن رُوي سبب النزول عن صحابي فهو مقبول، وإن لم يعزز برواية أخرى، لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه حكمه المرفوع إلى النبي.\nوأما ما روي من سبب النزول بحديث مرسل، أي سقط من سنده الصحابي وانتهى إلى التابعي، ففي حكمه قولان:\nالأول: تقبل بأربعة شروط:\n١ - التصريح بالسبب.\n٢ - صحة الإسناد.\n٣ - أن يكون من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة.\n٤ - أن يعتضد برواية تابعي آخر تتوفر فيه هذه الشروط. وهو قول السيوطي وجماعة.\nالثاني: لا تُقبل لأنها في حكم الحديث المرفوع وهو مرسل من التابعي، والمرسل لون من ألوان الحديث الضعيف وبالتالي فهو غير مقبول، والله أعلم.\nإذن لاتقبل رواية التابعي إلا إذا صح سنده، واعتضد بمرسل آخر، وكان الراوي له من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة مباشرة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>أقسام أسباب النزول:</span>\nينقسم القرآن الكريم من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين:\nالقسم الأول: قسم نزل من الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق، وإرشادهم على الأفضل في هذه الحياة، وهو كثير ظاهر في القرآن الكريم.\nالقسم الثاني: قسم نزل مرتبطًا بسبب من الأسباب الخاصة وهو موضوع البحث، وهو كثير في القرآن الكريم، مثل حديث الإفك، أو إجابة عن سؤال، أو بيان لأمر يتعلق بحادثة معينة (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح منظومة التفسير، الشيخ عبد العزيز الزمزمي، شرحه وعلق عليه الشيخ أحمد بن عمر الحازمي (الشريط السادس).\n(٢) مناهل العرفان - الزرقاني - ج ١ ص ١٠٦.\n(٣) المدخل لدراسة القرآن - ص ١٣٤ - ١٣٥، مناهل العرفان - ج ١ ص ١١٤.\n(٤) الإتقان - السيوطي - ج ١ ص ٢٩ بتصريف، مناهل العرفان - الزرقاني - ج ١ ص ١٠٦.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>فوائد معرفة سبب النزول </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١ - الاستعانة على فهم الآية وإزالة الإشكال عنها: </span>مثاله:\nأنه أشكل على عروة بن الزبير - ﵄ - أن يفهم فريضة السعي بين الصفا والمروة من قوله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وذلك لأن الآية نفت الجُناح، ونفي الجناح لا يدل على الفرضية، حتى سأل خالته السيدة عائشة - ﵂ - عن ذلك، فأفهمته أن نفي الجُناح ليس نفيًا للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذٍ من التحرج والتأثم من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه من عمل الجاهلية (٢).\nوقد اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على أقوال (٣):\nأحدها: قالت: عائشة﵂-: \"أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٤).\nالثاني: قال الشعبي: \"أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى (إسافًا)، ووثنًا على المرْوة يسمى (نائلة)، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان، قال المسلمون: إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر، \" فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما \" (٥).\nوروي عن عامر (٦)، ويزيد (٧)، وأنس بن مالك (٨)، وابن عمر (٩)، ومجاهد (١٠)، وابن زيد (١١)، نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر بالتفصيل الإتقان - السيوطي - ج ١ ص ٢٩ بتصرف، وانظر المدخل لدراسة القرآن الكريم - أ. د. محمد أبو شهبة - ص ١٣٦ - ١٣٧.\n(٢) مناهل العرفان - الزرقاني - ج ١ ص ١٠٩.\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٤٤ - ٤٧، والعجاب: ١/ ٤٠٦ - ٤١١.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ٤٤ - ٤٥. وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٦١٤ - ح: ١٧٩٠ ٣/ ٤٩٧ - ح: ١٦٤٣) ومسلم (٢/ ٩٢٨ - ح: ٢٦٠ ٢/ ٩٢٩ - ح: ٢٦١، ٢/ ٩٣٠ - ح: ٢٦٣) والإمام مالك (الموطأ: ٢٥٧ - ح: ٨٣٥ رواية يحيى الليثي) والإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٧٨ - ح: ١٧٣، ١٨/ ٧٩ - ح: ٧٤) وأبو داود (٢/ ٤٥٣ - ح: ١٩٠١) والترمذي (٥/ ٢٠٨ - ح: ٢٩٦٥) والنسائي (جامع الأصول: ٢/ ١٨) وابن ماجه (٢/ ٩٩٤ - ح: ٢٩٨٦) وابن جرير (٢/ ٢٩، ٣١) كلهم عن عائشة ﵂ به.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٣٣٥): ص ٣/ ٣٣١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٦): ص ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٧): ص ٣/ ٢٣٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٨)، و(٢٣٣٩): ص ٣/ ٢٣٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤٠): ص ٣/ ٢٣٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤٣)، و(٢٣٤٤): ص ٣/ ٢٣٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤٥): ص ٣/ ٢٣٥.","vol":"1","page":75},{"text":"وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قُريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب، في قصيدته المشهورة:\nوحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل (١)\nالثالث: وقال قتادة: \"قوله: ﴿إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله﴾، الآية، فكان حَيٌّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله، وكانَ من سُنة إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما\" (٢).\nوروي عن عائشة (٣)، نحو ذلك.\nالرابع: وقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن الخمس: وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، قالوا: ليست الصفا والمروة من شعائر الله، وكان على الصفا صنم يقال له نائلة، وعلى المروة صنم يقال له يساف في الجاهلية. قالوا، إنه حرج علينا في الطواف بينهما، فكانوا لا يطوفون بينهما فأنزل الله﷿- ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ \" (٤).\nالخامس: وقال ابن كثير: \"قال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٥).\nالسادس: قال ابن عباس: \" أنه كانَ في الجاهلية شَياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة، وكانت بَينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظَهر، قال المسلمون: يا رَسولَ الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شركٌ كنا نفعله في الجاهلية! فأنزل الله: ﴿فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ \" (٦).\nومن هذا قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٣]، فهذا اللفظ الكريم يدل بظاهره على أن للإنسان أن يصلي إلى أي جهة شاء، ولا يجب عليه أن يولي وجهه شطر البيت الحرام لا في سفر ولا في حضر، لكن إذا علم أن هذه الآية نازلة في نافلة السفر خاصة، أو فيمن صلى باجتهاده ثم ظهر له خطأ ذلك (٧) فلا بد أن يقصرها على هذا السبب ويعلم أنه في صلاة الفرض لا بد من التوجه قِبَل الكعبة المشرفة.\n_________\n(١) السيرة النبوية لابن إسحاق (رقم النص ٤) ط، حميد الله، المغرب.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٣٤٩): ص ٣/ ٢٣٦، و(٢٣٥٢): ص ٣/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٠)، و(٢٣٥١): ص ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٠.\n(٦) أخرجه الطبري (٢٣٤٢): ص ٣/ ٢٣٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٩، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٤٦، حكاه عن السدي.\n(٧) الإتقان - السيوطي - ج ١ ص ٢٩، وانظر البرهان - الزركشي - ج ١ ص ٥٢ - ٥٣","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>٢ - معرفة الحكمة من تدرج التشريع:</span>\nإن الشريعة الإسلامية قائمة على رعاية المصالح ودفع الضرر، خصوصًا إذا لاحظ الإنسان تدرج التشريع في موضوع واحد، ويكفي شاهدًا على ذلك تحريم الخمر، وما نزل فيه، أيضًا تشريع الكفارات لمن حنث في اليمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٣ - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:</span>\nآيات الظهار في مفتتح سورة المجادلة سببها أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت ثعلبة والحكم الذي تضمنته هذه الآيات خاص بهما وحدهما على هذا الرأي، أما غيرهما فيعلم بدليل آخر قياسًا، وبدهي أنه لا يمكن معرفة المقصود بهذا الحكم والقياس عليه إلا إذا علم السبب، وبدون معرفة السبب تصير الآيات معطلة خالية الفائدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>سادسا: - المحكم والمتشابه في القرآن الكريم</span>\nالمحكم لغة: الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو\"المنع\" (١)، و\"المحكم\": ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى\" (٢).\nقال ابن منظور: \" فالمحكم من أصل حكم والمُحْكَمُ الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب، أُحْكِمَ فهو مُحْكَمٌ\" (٣).\nقال الفيروز آبادي: \"وسُورَةٌ مُحْكَمَةٌ: غَيْرُ مَنْسوخَةٍ، والآياتُ المُحْكَماتُ مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام /١٥١.]، إلى آخِرِ الآية، أو التي أُحْكِمَتْ فلا يَحْتاجُ سامِعُها إلى تأوِيلِها لِبيانِها، كأَقاصِيصِ الأَنْبِياءِ\" (٤).\nقال الزركشي: فأما (المحكم)، فأصله لغة: المنع، تقول: أحكمت بمعنى رددت، والحاكم لمنعه الظالم من الظلم، حكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب (٥).\nوعليه، فالمحكم هو ما كان ذا دلالة واضحة، بحيث لا يحتمل وجوهًا من المعاني.\nالمعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت للمحكم تحديدات عدّة، منها (٦):\n١ - ما أنبأ لفظه عن معناه من غير أن ينضم إليه أمر لفظ يبيّن معناه، سواء أكان اللفظ لغويًا أم عرفيًا، ولا يحتاج إلى ضرب من ضروب التأويل.\n٢ - المحكم: ما استقلّ بنفسه، ولم يفتقر إلى غيره.\n٣ - المحكمات: هي آيات واضحة المُراد، لا اختلاف فيها ولا اضطراب.\nقال ابن عباس: \"قرأت المحكم على عهد رسول الله -ﷺ- \" (٧)، يريد المفصل من القرآن لأنه لم ينسخ منه شيء.\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج ٢، مادّة\"حكم\"، ص ٩١.\n(٢) مفردات ألفاظ القرأن، راغب الأصفهاني، مادّة\"حكم\"، ص ٢٥١.\n(٣) لسان العرب: (حكم): ٢/ ٩٥٢.\n(٤) القاموس المحيط (الحكم).\n(٥) البرهان في علوم القرآن، الزركشي: ٢/ ٦٨ وانظر: مناهل العرفان - الزرقاني: ٢/ ١٦٦\n(٦) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي: ٢/ ٦٨، ومناهل العرفان، الزرقاني: ٢/ ١٦٦، والإتقان في علوم القرآن، السيوطي: ٢/ ٦، ولسان العرب ١٢/ ١٤١.\n(٧) أخرجه البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: وقال ابن عباس: (ثم توفي رسول الله S وأنا بن عشر سنين وقد قرأت المحكم) (٤٧٤٨) ٤/ ١٩٢٢.","vol":"1","page":77},{"text":"والمتشابه لغة: \"الشين والباء والهاء أصل واحد يدلّ على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا ... والمشبّهات من الأمور المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا\" (١).\nوالْمُتَشَابِه من القرآن: \"ما أُشكِلَ تفسيره لمشابهته بغيره، إمّا من حيث اللَّفظ، وإمّا من حيث المعنى\" (٢).\n\nقال الفيروز آبادي: \"والمُشْتَبِهَات من الأُمور: المُشْكِلاتُ: والمُتشابِهَاتُ: المُتَماثِلات، وأُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ ومُشَبَّهَةٌ، كَمُعْظَّمَةٍ: مُشْكِلَةٌ. والشُّبْهَةُ، بالضم: الالْتَبِاس، والمِثْلُ. وشُبِّهَ عليه الأَمْرُ تَشْبيهًا: لُبِّسَ عليه\" (٣).\nقال ابن منظور: \" وشَبَّهَ عليه: خَلَّطَ عليه الأَمر حتى اشْتَبَه بغيره\" (٤).\nقال الخليل: \"والشبه ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر، وسمي شبها لأنه شبه بالذهب، وفي فلان شبة من فلان أي شبيهه، وتقول: شبهت هذا بهذا، وأشبه فلان فلانا، وأشبه الشيء الشيء ماثله، والمشبهات من الأمور المشكلات، تشابه الشيئان أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، وشبه فلان علي إذا خلط، واشتبه الأمر\" (٥).\nقال الزركشي: \"أما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني، ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه، والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل ودخل في شكل غير شكله \" (٦).\nالمعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت للمتشابه تحديدات عدّة، منها (٧):\n١ - ما كان المراد به لا يُعرَف بظاهره، بل يحتاج إلى دليل، وهو ما كان محتملًا لأمور كثيرة أو أمرين، ولا يجوز أن يكون الجميع مرادًا، فإنّه من باب المتشابه.\n٢ - المتشابه: ما لا يستقلّ بنفسه إلا بردّه إلى غيره.\n٣ - الآيات المتشابهة: هي آيات ظاهرها ليس مُرادًا، ومُرادها الواقعي الذي هو تأويلها لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، ويجب الإيمان بها، والتوقّف عن اتّباعها، والامتناع عن العمل بها ... والآيات المتشابهة منجهة المدلول والمُراد ترجع للآيات المحكمة، وبمعرفة المحكمات يُعرَف معناها الواقعي ... فالمتشابه هو الآية التي لا استقلال لها في إفادة مدلولها، ويظهر بواسطة الردّ إلى المحكمات، لا أنّه ما لا سبيل إلى فهم مدلوله.\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة، م. س، ج ٣، مادّة\"شبه\"، ص ٢٤٣.\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن، م. س، مادّة\"شبه\"، ص ٤٤٣.\n(٣) القاموس المحيط (ش) (الشِّبْهُ).\n(٤) لسان العرب (شبه): ٤/ ٢١٩٠.\n(٥) كتاب العين، الفراهيدي: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، نشر دار ومكتبة الهلال ٣/ ٤٠٤، والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، نشر دار المعارف، ط ٣، ١/ ٤٩٠.\n(٦) البرهان، الزركشي: ٢/ ٦٩.\n(٧) انظر: البرهان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٦٩ - ٧١، الإتقان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٥ - ٧، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٢١٥ - ٢١٩.","vol":"1","page":78},{"text":"ورد في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر بأن المُتَشَابه: ما لم يُتَلَقَّ معناه من لَفْظِه، وهو على ضربين: أحدُهُما إذا رُدَّ إلى المُحْكَم عُرِف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته. فالمُتَتَبِّع له مُبْتَغ لِلْفتنَة، لأنه لا يكادُ ينتهي إلى شيءٍ تسكن نَفْسُه إليه\" (١).\nوفي حديث حذيفة (٢): وذكر فتنةً فقال: \"تُشَبِّهُ مُقْبِلَةً وتُبَيِّنُ مُدْبِرَةً\" (٣)، قال شمر (٤): \"معناه أَنَّ الفتنة إِذا أَقْبلت شَبَّهَتْ على القوم وأَرَتْهُم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويَرْكَبُوا منها ما لا يحل، فإِذا أَدْبرت وانقضت بانَ أَمرها، فعَلِمَ مَنْ دخل فيها إِنه كان على الخطأ\" (٥).\nوقد اختلف العلماء في وجود المتشابهات في القرآن الكريم، وفيه قولان:\nأحدهما: أنه لا وجود للمتشابهات في القرآن، لأن القرآن كتاب هداية عامّة لكلّ الناس.\nودليهم قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فلا وجود فيه لآيٍ متشابهة بالذات، وأمّا التعبير بالتشابه في آيِ القرآن، فهو بمعنى التشابه بالنسبة إلى أُولئك الزائغين الذين يحاولون تحريف الكلِم عن مواضعه.\nوالثاني: القول بوجود المتشابهات في القرآن: إذ يشتمل القرآن الكريم على آيات متشابهات، كما هو مشتمل على آيات محكَمات، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فيشتمل على تقسيم آيات القرآن إلى المحكم والمتشابه.\nوالراجح هو القول الثاني، إذ أن المراد بالإحكام في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، غير الإحكام الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>سابعا- الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم</span>\nيعد الناسخ والمنسوخ في القرآن من المسائل التي كثر فيها الجدل بين المؤيدين والمعارضين، فيعرض البحث تعريف هذا الفن ومنشأه وأدلة القائلين به وأنواعه وشروطه.\nويتناول البحث حجج المعارضين التي تدحض النسخ أساسا وشكلا ثم يعرض بعض القضايا التي ذُكرت في الآيات الشريفة وادعى البعض أنها منسوخة. ويتم تفنيدها من خلال حجج معارضي النسخ ويتبين أن كل قضية من تلك القضايا يمكن معالجتها علي حدة وان كل آية شريفة تعبر عن قضية مختلفة أو أنها متناسجة مع بعضها البعض. يستتبع ذلك تأمل في دلالات نسخ الآية بما يتعلق بقضية تطور الإنسان عندما يقرأ الإنسان آيات الله في الأفاق وفي نفسه. وبقدر صدق الإنسان في قراءته لآيات الله، يكتب بالله في نسخة كتابه ويثبت الفعل الحسن ويمحو منها السيئ ليأخذ كتابه بيمينه فيكون بذلك آية ومثل أفضل من قديمه. إن نسخ الآية لجديد أفضل هو تعبير عما هو أفضل للإنسان فلا ينبغي التشبث بالألفاظ ونسيان ما فيها من دلالات. ويعرض الباحث رؤيته في تلك القضايا التي تتعلق بما يجب أن يكون عليه الإنسان. فجميع القضايا المذكورة في القرآن ليست بمنأى عن الإنسان فجميعها وجوه للحقيقة لتشخص للإنسان داءه وتصف دواءه فمن أحصى منها شيئًا ارتقى.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (شبه). ٢/ ٤٤٢\n(٢) حذيفة بن اليَمان حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين. أنظر: تقريب التهذيب ١/ ١٥٤\n(٣) وتمامه عن حذيفة قال: (إياك والفتن لا يشخص لها أحد فوالله ما شخص منها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل هذه تشبه مقبلة وتتبين مدبرة، فإذا رأيتموها فاجتمعوا في بيوتكم واكسروا سيوفكم وقطعوا أوتاركم وغطوا وجوهكم) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين، ٤/ ٤٩٥.\n(٤) لعله شِمْرُ بنُ عَطِيَّة الأسَدِي الكَاهِلِي الكُوْفِي. وقال النَّسائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب «الثِّقات». تهذيب الكمال - المزي ترجمة (٣١٠١) قال ابن حجر: صدوق، من السادسة. تقريب التهذيب: ١/ ٢٦٨.\n(٥) أنظر: غريب الحديث (حكم). ١/ ٤١٩.","vol":"1","page":79},{"text":"لقد اهتم المفسرون، وعلماء القرآن منذ القدم بالناسخ والمنسوخ حتى ألًفوا في ذلك مصنفات كثيرة منهم أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنبا ري، ومكي بن أبي طالب القيسي، وابن العربي وآخرون (١).\nوقيل أن بدء التدوين فيه يرجع إلى القرن الثاني الهجري، وكتب فيه: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأصمعي،، وكان الصحابة وعلى رأسهم الإمام علي (﵇) يرون أن معرفة الناسخ والمنسوخ شرطا في أهلية المفسر للتفسير والمحدث للحديث.\nقال الأئمة: \"ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، وقد قال علي بن أبي طالب لقاص: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: الله أعلم، قال هلكت وأهلكت\" (٢).\nوللمفسرين في الآيات المنسوخة آراء مختلفة تداخلت مع غيرها واشتبهت على كثير منهم. فظن بعض منهم أنه نسخ، ولو تمعنوا جيدا لوجدوها أنه ليس بنسخ، قال الزركشي: \"إنما نسأ وتأخير، أو مجمل أُخِر بيان لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوَله خطاب آخر غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاص، أو لمداخلة معنى في معنى، وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به ... \" (٣).\nوللناسخ والمنسوخ الدور الكبير في استنباط الأحكام الشرعية، إذ به يعرف الحكم الثابت الباقي الذي يعمل به عن الحكم الزائل المتروك.\nتعريف النسخ\nالنسخ لغة: رفع شيء وإثبات غيره مكانه، أو تحويل شيء إلى غيره، ومنه نسخ الكتاب ومنه: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره ٠٠ وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه، فيقال: انتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب ٠٠ ومنه نسخ الكتاب (٤).\nوقيل النسخ في اللغة يطلق على معنيين (٥):\nالأول: بمعنى الإزالة ومنه قوله تعالى ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ (الحج: ٥٢)، تقول العرب: نسخت الشمس الظل، أي أزالته حلت محله.\nوالثاني: نقل الشيء من كان إلى مكان دون تغير، ومنه نسخ الكتاب أي تكتب كتابا عن كتاب حرفا بحرف وكلمة بكلمة.\nوبمعنى التبديل، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١].\nوبمعنى التحويل، كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.\nوبمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب، إذ نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه (٦).\nوالنسخ في الشرع (الاصطلاح): - أجمع العلماء والمفسرون وكل من بحث في علوم القرآن أنً اختصاص النسخ في العلوم القرآنية هو إبطال حكم آية قرآنية بآية قرآنية أخرى.\nفقيل النسخ في الشرع: \"إزالة ما كان ثابتا بنص شرعي، سواء عمل به أم لم يعمل به\" (٧).\nوعرفه الراغب بأنه: \"إزالة مثل الحكم الثابت بالشرع بشرع آخر مع التراخي\" (٨).\nوهناك تعريف للنسخ في اصطلاح الشريعة جامع مانع وكل التعاريف التي قيلت تنصب فيه هو \"رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه\" (٩).\nوهذا المعنى الشرعي يتصل بالمعنى اللغوي الأول للنسخ (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>أهمية النسخ في التفسير</span>\nمن أساسات علوم التفسير علم الناسخ والمنسوخ وهو من العلوم التي لا يقوم إلا بها وكذلك لا يمكن معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة وتفسير تعارض النصوص إلا بمعرفته، ولذلك أفرد له علماء أصول التفسير وعلماء أصول الفقه مصنفات قديما وحديثا.\nقال القرطبي: \" معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته كبيرة، لا يستغنى عنه معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة أنصاف المتعلمين، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال والحرام روى البختري قال: دخل علي ﵁ المسجد، فإذا رجل يخوف الناس، قال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس. فقال: ليس برجل يذكر الناس، لكنه يقول: أنا فلان بن فلان اعرفوني. فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه، وفي رواية: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. ومثله عن ابن عباس ﵄\" (١١).\nاهتم العلماء والمفسرون والباحثون منذ القدم بموضع الناسخ والمنسوخ، وهي من الأمور التي يسر الله تعالى بها على المؤمنين وقت تنزيل القرآن في تطبيق الأحكام والوقوف على الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم من الأمور الواجب معرفتها عند كل من يريد أن\n_________\n(١) انظر: الإتقان / السيوطي / ٣/ ٥١.\n(٢) البرهان / الزركشي / ٢/ ٣٤.\n(٣) المصدر نفسه: والصحيفة نفسها.\n(٤) معجم مقاييس اللغة، مادة نسخ.\n(٥) لسان العرب، ابن منظور: مادة (نسخ.٩\n(٦) الإتقان: ٣/ ٥١.\n(٧) المصباح المنير، أحمد بن محمد الفيومي، مادة (نسخ) ص ٦٠٢.\n(٨) مقدمة جامع التفاسير، الراغب: ص ٨٢.\n(٩) انظر: النسخ في القرآن، مصطفى زيد: ١/ ١٠٥ ظ، الإحكام في أصول الأحكام/ الآمدي ٣/ ٩٨، الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان ص ٩٣٢.\n(١٠) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، مكي ابن أبي طالب: ص ٤٣.\n(١١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ٢/ ٦٢.","vol":"1","page":80},{"text":"يتصدى للتفسير القرآني، إذ يدخل في تحديد المراد من النصوص القرآنية وهذا ما أكده العلماء وقالوا \"لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف من الناسخ والمنسوخ وقد رويت كثير من الأخبار عن الصحابة\" (١).\nومن الكثيرين الذين بحثوا في الناسخ والمنسوخ أكدوا على أهمية هذا العلم في فهم مراد الله تعالى من نصوص القرآن الكريم وهو يعد علما من الواجب على العالم معرفته حتى يكون بحثه في هذا العلم رصينا وموافقا لما أمر به ﷾.\nيقول مكي بن أبي طالب بهذا الخصوص: \"وأن من أكد ما عني أهل العلم والقرآن بفهمه، وحفظه والنظر فيه من علوم القرآن وسارعوا إلى البحث عن فهمه وعلم أصوله، علم ناسخ القرآن ومنسوخه فهو علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهله\" (٢).\nوللنسخ أهمية كبيرة في مجال العرض على القرآن الكريم فمع ثبوت النسخ في بعض من الآيات القرآنية لا يمكن الرجوع إليها في تفسير الآيات الكريمة الأخرى.\nفالزركشي يقول في هذا الشأن: \"إن العلم بالناسخ والمنسوخ عظيم الشأن وقد صنف به جماعة كثيرون\" (٣).\nوقال الزرقاني: \"أنه طويل الذيل، كثير التفاريع، متشعب المسالك .. المسائل التي يتناوله دقيقة، إذن على الباحث الذي يتناول النسخ أن يكون يقضا ودقيقا وأن يتصف بحسن الاختيار .. والنسخ يكشف النقاب عن مسيرة التشريع الإسلامي، ويصبح الإنسان مطلعا على حكمة الله تعالى في تربيته للخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس وهذا ما يدل باليقين والتواتر على أن الرسالة الإسلامية هي من الله تعالى العزيز الحكيم .... إن معرفة الناسخ والمنسوخ يعد ركنا مهما وعظيما في فهم الإسلام، وفي الاهتداء إلى صحيح الإسلام\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>ثامنا: - القراءات</span>\nفالقرآن الكريم، كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله محمد ﷺ، التى لا تفنى إلى الأبد. وهو كتاب منتظم الآيات، متعاضد الكلمات، لا نفور فيه ولا تعارض، ولا تضاد ولا تناقض، صدق كلها أخباره، عدل كلها أحكامه، وصدق الله إذا يقول: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، هذه الآية تنفى عن القرآن الكريم التناقض فى معانيه ومبانيه، أما من جهة المعنى، فلا تجد آية تثبت معنى تنقضه آية سواها، ولا يَرِد على ذلك الناسخ والمنسوخ، فإن ذلك ليس من التناقض ولا من الاختلاف فى شئ، لأن النسخ رفع لحكم، وإثبات لآخر، فالباقى إذن حكم واحد هو المحصلة النهائية، فليس ثمت ما يعارضه، ولا يرد على ذلك أيضًا موهم الاختلاف، فإنه متناقض فى نظر من لا نظر له، لكن عند التدبر يتم التوفيق والالتئام، ولا يرد على ذلك أيضًا الاختلاف بين قراءاته، فهو اختلاف تلازم وتنوع، وليس اختلاف تضاد وتناقض، ولذلك فإن القراء لم يعترض بعضهم على بعض، فالكل صحيح ما دام مستوفيًا لشروطه، كما سيأتى ذلك فى محله إن شاء الله تعالى، ولا يرد على ذلك الاختلاف حول تفسيره، أو وجوه إعرابه، أو معانى لغاته، لأن ذلك ليس اختلاف\n_________\n(١) انظر: فهم القرآن، الحارث المحاسبي ص ٣٢٧ ظ، الناسخ والمنسوخ النحاس ص ٥٠٤ ظ، تلخيص التمهيد/ محمد هادي معرفة: ١/ ٤١٧.\n(٢) الإيضاح، مكي طالب: ٤٥ - ٤٦.\n(٣) البرهان / الزركشي/ ٢/ ٣٣.\n(٤) مناهل العرفان في تفسير القرآن / الزر قاني ٢/ ٦٩ - ٧٠.","vol":"1","page":81},{"text":"فى القرآن، بل هو اختلاف فى كلام البشر عن القرآن، والفرق بين القرآن والتفسير، تمامًا كالفرق بين الخالق والمخلوق (١).\nوقد سئل الإمام الغزالى عن معنى قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) فأجاب بما صورته: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفى اختلاف والناس فيه، بل نفى الاختلاف عن ذات القرآن. يقال هذا كلام مختلف فيه، أى: لا يشبه أوله آخره فى الفصاحة، إذ هو مختلف، أى: بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا، أو هو مختلف النظم فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص فى الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منزه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد فى النظم مناسب أوله آخره، وعلى مرتبة واحدة فى غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين (٢).\nوقريب من هذا ما نقل عن ابن مسعود ﵁: \" لا تنازعوا فى القرآن فإنه لا يختلف ولا يتلاشى، ولا ينفد لكثرة الرد، وإنه شريعة الإسلام وحدوده وفرائضه، ولو كان شئ من الحرفين -أى القراءتين - ينهى عن شئ يأمر به الآخر، كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض، ولا شئ من شرائع الإسلام ولقد رأيتنا نتنازع عند رسول - ﷺ -، فيأمرنا فنقرأ فيخبرنا أن كلنا محسن ... .. \" (٣).\nومن الأسباب التى كانت وراء هذه الآراء الكثيرة المتناثرة فى كتب التفسير، ولاسيّما المعنيّ منها بالتفسير المأثور والسبب المختار هو \"اختلاف القراءات\" إذ أن اختلاف القراءات كان سببًا فى اختلاف المفسرين حول بيان المعنى المقصود من النص القرآنى، وعليه قام العلماء بوضع ضوابط وقواعد كلية تساعد على حسم هذا الخلاف، والوصول إلى المعنى الراجح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>القراءات لغة واصطلاحا</span>\nالقراءات: جمع قراءة، والقراءة فى اللغة مصدر قرأ، وفى الاصطلاح: مذهب من مذاهب النطق فى القرآن، يذهب إليه إمام من الأئمة مخالفًا به غيره، سواء أكانت هذه المخالفة فى نطق الحروف، أو فى نطق هيئاتها (٤).\nوعلم القراءات: هو علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا، مع عزو كل وجه لناقله. فموضوع علم القراءات إذن، كلمات القرآن الكريم من حيث أحوال النطق بها، وكيفية أدائها (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>نشأة القراءات:</span>\nإن الزمن الذى نشأت فيه القراءات القرآنية، هو زمن نزول القرآن الكريم نفسه، ضرورة أن هذه القراءات، قرآن نزل من عند الله فلم تكن من اجتهاد أحد، بل هى وحى أوحاه الله تعالى إلى نبيه ﷺ، وقد نقلها عنه أصحابه الكرام - ﵃ - حتى وصلت إلى الأئمة القراء، فوضعوا أصولها، وقعدوا قواعدها، فى ضوء ما وصل إليهم، منقولًا عن النبى -ﷺ - وعلى ذلك، فالمعول عليه فى القراءات، إنما هو التلقى بطريق التواتر، جمع عن جمع يؤمن عدم تواطؤهم على الكذب، وصولًا إلى النبى ﷺ. أو التلقى عن طريق نقل الثقة عن الثقة وصولًا كذلك إلى النبى ﷺ، ويضاف إلى هذا القيد قيدان آخران سيذكران فى محلهما عند الحديث عن شروط القراءة الصحيحة، أو ضوابط قبول القراءة.\nوانطلاقًا من ذلك وبناءً عليه، فإن إضافة هذه القراءات إلى أفراد معينين، هم القراء الذين قرأوا بها، ليس لأنهم هم الذين أنشأوها أو اجتهدوا فى تأليفها، بل هم حلقة فى سلسلة من الرجال الثقات الذين رووا هذه الروايات ونقلوها عن أسلافهم، انتهاءً بالنبى ﷺ، الذى تلقى هذه القراءات وحيًا عن ربه - جل وعلا. وإنما نسبت القراءات إلى القراء لأنهم هم الذين اعتنوا بها وضبطوها ووضعوا لها القواعد والأصول.\nأما سبب اختلاف القراءات، ذلك أن الصحابة - ﵃ - كانوا من قبائل عديدة، وأماكن مختلفة، وكما هو معروف أنه كما تختلف العادات والطباع باختلاف البيئات، فهكذا اللغة أيضًا، إذ تنفرد كل بيئة ببعض الألفاظ التى قد لا تتوارد على لهجات بيئات أخرى، مع أن هذه البيئات جميعها تنضوى داخل إطار لغة واحدة، وهكذا كان الأمر، الصحابة عرب خلص بيد أن اختلاف قبائلهم ومواطنهم أدى إلى انفراد كل قبيلة ببعض الألفاظ التى قد لا تعرفها القبائل الأخرى مع أن الجميع عرب، والقرآن الكريم جاء يخاطب الجميع، لذلك راعى القرآن الكريم هذا الأمر، فجاءت قراءاته المتعددة موائمة لمجموع من يتلقون القرآن، فالتيسير على الأمة، والتهوين عليها هو السبب فى تعدد القراءات.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-84> والأحاديث المتواترة الواردة حول نزول القرآن على سبعة أحرف تدل على ذلك:</span>\n-جاء فى الصحيحين: عن ابن عباس ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" أقرأنى جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف\" (٦)، وزاد مسلم: \" قال ابن شهاب: بلغنى أن تلك السبعة فى الأمر الذى يكون واحدًا لا يختلف فى حلال ولا حرام\" (٧).\n- وأخرج مسلم بسنده عن أبى بن كعب، أن النبى - ﷺ - كان عند أَضَاة بنى غفار (٨) قال: \" فأتاه جبريل - ﵇ - فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله\n_________\n(١) بين القراءات والتفسيرتأصيل وتطبيق، أ ٠ د/أحمد سعد الخطيب، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر (بحث منشور بتصرف بسيط).\n(٢) انظر: البرهان فى علوم القرآن ١/ ٤٦، معترك الأقران ١/ ٩\n(٣) أخرجه الطبري (١٨): ص ١/ ٢٨. إسناده ضعيف جدا.\n(٤) المهذب فى القراءات العشر ١/ ٦\n(٥) المهذب فى القراءات العشر: ١/ ٦\n(٦) انظر صحيح البخارى، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف\n(٧) انظر: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسفرين، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف\n(٨) مستنقع ماء كالغدير، كان بموضع بالمدينة نزل عنده بنو غفار فنسب إليهم","vol":"1","page":83},{"text":"معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف. فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا\" (١).\nوالأحاديث الواردة فى هذا المقام كثيرة، لكنى أكتفى بما ذكرت، والمزيد فى مظانه، ويؤخذ من ذلك ما يلى:\n١ - إن الأحرف السبعة جميعها قرآن نزل من عند الله، لا مجال للاجتهاد فيها.\n٢ - أن السبب فى هذه التوسعة هو التهوين على الأمة، والتيسير عليها فى قراءة القرآن الكريم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>أقسام القراءات وبيان ما يقبل منها ومالا يقبل</span>\nنقل السيوطى عن ابن الجرزى أن أنواع القراءات ستة:\nالأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى منتهاه، حتى يبلغوا به النبى - ﷺ -، ومثاله ما اتفقت الطرق على نقله عن السبعة - أو غيرهم - وهذا هو الغالب فى القراءات.\nالثانى: المشهور: وهو ما صح سنده بأن رواه العدل الضابط عن مثله، وهكذا ووافق العربية ولو بوجه، ووافق رسم المصحف العثمانى، واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، إلا أنه لم يبلغ درجة المتواتر. ومثاله ما اختلفت الطرق فى نقله عن السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، وقد ذكر كثيرًا من هذا النوع الدانى فى التيسير والشاطبى فى الشاطبية، وغيرهما. وهذان النوعان، هما اللذان يقرأ بهما، مع وجوب اعتقادهما ولا يجوز إنكار شئ منهما.\nالثالث: ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، وهذا النوع لا يقرأ به ولا يجب اعتقاده، ومثاله قراءة (متكئين على رفارف خضر وعباقرى حسان) وقراءة (لقد جاءكم رسول من أنفَسِكم) بفتح الفاء.\nالرابع: الشاذ، وهو ما لم يصح سنده، قراءة ابن السَّميفع (فاليوم ننحيك ببدنك) بالحاء المهملة (لتكون لمن خَلَفك آية) بفتح اللام من كلمة (خَلَفك).\nالخامس: الموضوع، وهو ما نسب إلى قائله من غير أصل، مثل القراءات التى جمعها محمد بن جعفر الخزاعى، ونسبها إلى أبى حنيفة.\nالسادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث، وهو ما زيد فى القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعد بن أبى وقاص (وله أخ أو أخت من أم) بزيادة لفظ (من أم).\nقال ابن الجزرى: \"وربما كانوا يدخلون التفسير فى القراءات إيضاحًا وبيانًا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبى - ﷺ - قرآنًا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه\" (٢).\nومن خلال هذا النقل خلصنا إلى أن النوعين الأولين هما اللذان يقرأ بهما وأما غيرهما، فلا. والنوع الأول، وهو المتواتر مقطوع بقرآنيته بلا نزاع. وأما النوع الثانى وهو المشهور\n_________\n(١) انظر صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف\n(٢) انظر الإتقان ١/ ٧٩، مناهل العرفان ١/ ٤٢٩، وما بعدها","vol":"1","page":84},{"text":"الذى اتفقت فيه الضوابط الثلاثة المذكورة، وهى صحة السند، وموافقة اللغة العربية ولو بوجه، وموافقة الرسم العثمانى ولو احتمالًا، أقول:\nهذا النوع لم يوافق عليه بعض العلماء، بل اشترطوا التواتر دون صحة السند - أى لم يكتفوا بصحة السند- جاء فى الإتقان تعليقًا على ذلك.\nوهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت، لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من العربية والرسم، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبى - ﷺ - وجب قبوله والقطع بكونه قرآنًا سواء وافق الرسم أو لا. ا. هـ (١)\nومن ثم قال بعض العلماء تعليقًا على هذا الرأى فى محاولة لتقريب وجهة النظر حول قبول هذه القراءة، أو عدم قبولها، قال: إن هذا القسم - يعنى الذى استجمع الأركان الثلاثة المذكورة - يتنوع إلى نوعين:\nالأول: ضرب أو نوع، استفاض نقله وتلقته الأمة بالقبول، وهو يلحق بالمتواتر من حيث قبوله والعمل بمقتضاه، لأنه وإن كان من قبيل الآحاد إلا أنه احتفت به قرائن جعلته يفيد العلم لا الظن.\nقال صاحب المناهل: إن ركن الصحة فى ضابط القرآن المشهور، لا يراد بالصحة فيه مطلق صحة، بل المراد صحة ممتازة، تصل بالقراءة إلى حد الاستفاضة والشهرة، وتلقى الأمة لها بالقبول حتى يكون هذا الركن بقرينة الركنين الآخرين فى قوة التواتر الذى لابد منه فى تحقق القرآنية (٢).\nوالنوع الثانى: وهو ما لم تتلقه الأمة بالقبول ولم يستفض، وهذا فيه خلاف بين العلماء، من حيث قبوله، والقراءة به، أو عدم ذلك والأكثرون على قبوله (٣).\nأوجه الاختلاف بين القراءات الثابتة\nسبق أن علمنا بأن القراءات مرجعها النقل الثابت عن النبى -ﷺ - ولذلك، لم يكن الاختلاف بينها على سبيل التضاد فى المعانى، بل القراءة إما مؤكدة لغيرها، أو موضحة، أو مضيفة إليها معنى جديدًا، فتكون كل قراءة بالنسبة للأخرى، بمنزلة الآية مع الآية، وكما أن الاختلاف بين هذه القراءات لم يكن على سبيل التضاد فى المعانى، فإنه كذلك لم يكن على سبيل التباين فى الألفاظ، وقد حصر بعضهم أوجه الاختلاف بين القراءات فى الوجوه الآتية:\nالأول: الاختلاف فى شكل آخر الكلمات، أو بنيتها، مما يجعلها جميعًا فى دائرة العربية الفصحى، بل أفصح هذه اللغة، المتسقة فى ألفاظها، وتآخى عباراتها، ورنة موسيقاها، والتواؤم بين ألفاظها ومعانيها.\nالثاني: الاختلاف فى المد فى الحروف، من حيث الطول والقصر، وكون المد لازمًا أو غير لازم، وكل ذلك مع التآخى فى النطق فى القراءة الواحدة، فكل قراءة متناسقة فى ألفاظها من حيث البنية للكلمة، ومن حيث طول المد أو قصره.\n_________\n(١) الإتقان: ١/ ٧٨\n(٢) انظر مناهل العرفان: ١/ ٤٧٠\n(٣) انظر: مناهل العرفان: ١/ ٤٦٧، الرقاءات القرآنية - تاريخ وتعريف ص ٦٦","vol":"1","page":86},{"text":"الثالث: الاختلاف من حيث الإمالة، أو عدمها فى الحروف، كالوقوف بالإمالة فى التاء المربوطة، أو عدم الإمالة فيها.\nالرابع: الاختلاف من حيث النقط ومن حيث شكل البنية فى مثل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (الحجرات: ٦) حيث قرئ متواترًا كذلك (فتثبتوا) ومع ذلك فالقراءتان متلاقتيان فى المعنى، فالأولى طالبت بالتبين المطلق، والأخرى بينت طريق التبين، وهو التثبت بتحرى الإثبات.\nالخامس: زيادة بعض الحروف فى قراءة، ونقصها فى أخرى، مثل قراءة ابن عامر - وهو أحد القراء السبعة- (قالوا اتخذ الله ولدا) [البقرة: ١١٦] بدون (واو) قبل (قالوا) بينما قرأ غيره بالواو هكذا (وقالوا اتخذ الله ولدا) (البقرة: ١١٦)، ومثل ذلك قراءة ابن كثير - وهو أحد القراء السبعة كذلك - (تجرى من تحتها الأنهار) بزيادة (من) بينما قرأ غيره (تجرى تحتها الأنهار) [التوبة: ١٠٠].\nوتجدر الإشارة بأن المصاحف العثمانية - وعددها ستة أو سبعة - أثبت فيها كل ما يحتمله الرسم بطريقة واحدة (١)، وأما ما لا يحتمله الرسم كالزيادة والنقصان فى حالتنا هذه، فإنه كان يثبت فى بعض المصاحف بقراءة، وفى بعضها بقراءة أخرى.\nوقد قال القرطبى فى ذلك: \"وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف فى حروف يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلًا منهم اعتمد على ما بلغه فى مصحفه ورواه، إذ كان عثمان كتب تلك المواضع فى بعض النسخ، ولم يكتبها فى بعض، إشعارًا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>فوائد اختلاف القراءات</span>\nمسألة اختلاف القراءات وتعددها، كانت ولا زالت محل اهتمام العلماء، ومن اهتمامهم بها بحثهم عن الحكم والفوائد المترتبة عليها، وهى عديدة نذكر الآن بعضًا منها، فأقول - وبالله التوفيق-: إن من الحكم المترتبة على اختلاف القراءات ما يلى: -\n١ - التيسير على الأمة الإسلامية، ونخص منها الأمة العربية التى شوفهت بالقرآن، فقد نزل القرآن الكريم باللسان العربى، والعرب يومئذٍ قبائل كثيرة، مختلفة اللهجات، فراعى القرآن الكريم ذلك، فيما تختلف فيه لهجات هذه القبائل، فأنزل فيه - أى بين قراءاته - ما يواكب هذه القبائل -على تعددها - دفعًا للمشقة عنهم، وبذلًا لليسر والتهوين عليهم.\n٢ - الجمع بين حكمين مختلفين مثل قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (البقرة: ٢٢٢)، حيث قرئ (يطهرن) بتخفيف الطاء وتشديدها، ومجوع القراءتين يفيد أن الحائض، لا يجوز أن يقربها زوجها إلا إذا طهرت بأمرين: أ- انقطاع الدم، ب- الاغتسال.\n٣ - الدلالة على حكمين شرعيين فى حالين مختلفين، ومثال ذلك قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦] إذ قرئ (وأرجلكم)\n_________\n(١) أعنى طريقة واحدة تجمع القراءات الواردة فى الكلمة مثل قوله تعالى: ﴿ملك يوم الدين﴾ فإن كلمة ﴿ملك﴾ كتبت بهذه الطريقة لتشمل قراءتى ﴿مالك﴾ و﴿ملك﴾ وهكذا كلمة ﴿فتبينوا﴾ الحجرات: ٦ ٠ حيث كتبت هكذا لتشمل قراءتى ﴿فتثبتوا﴾ و﴿فتبينوا﴾ حيث كان الرسم خاليا من النقط والشكل ٠ ـ\n(٢) انظر: القرطبى ١/ ٤٧، كتاب المعجزة الكبرى ص ٤٨ - ٥٠ بتصرف ٠","vol":"1","page":87},{"text":"بالنصب عطفًا على (وجوهكم) وهى تقتضى غسل الأرجل، لعطفها على مغسول وهى الوجوه. وقرئ (وأرجِلكم) بالجر عطفًا على (رءوسكم) وهذه القراءة تقتضى مسح الأرجل، لعطفها على ممسوح وهو الرءوس. وفى ذلك إقرار لحكم المسح على الخفين.\n٤ - دفع توهم ما ليس مرادًا: ومثال ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩]، إذ قرئ (فامضوا إلى ذكر الله)، وفى ذلك دفع لتوهم وجوب السرعة فى المشى إلى صلاة الجمعة المفهوم من القراءة الأولى، حيث بينت القراءة الثانية أن المراد مجرد الذهاب (١).\n٥ - إظهار كمال الإعجاز بغاية الإيجاز، حيث إن كل قراءة مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، وذلك من دلائل الإعجاز فى القرآن الكريم، حيث دلت كل قراءة على ما تدل عليه آية مستقلة.\n٦ - اتصال سند هذه القراءات علامة على اتصال الأمة بالسند الإلهى، فإن قراءة اللفظ الواحد بقراءات مختلفة، مع اتحاد خطه وخلوه من النقط والشكل، إنما يتوقف على السماع والتلقى والرواية، بل بعد نقط المصحف وشكله، لأن الألفاظ إنما نقطت وشكلت فى المصحف على وجه واحد فقط، وباقى الأوجه متوقف على السند والرواية إلى يومنا هذا. وفى ذلك منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية بسبب إسنادها كتاب ربها، واتصال هذا السند بالسند الإلهى، فكان ذلك تخصيصًا بالفضل لهذه الأمة (٢).\n٧ - فى تعدد القراءات تعظيم لأجر الأمة فى حفظها والعناية بجمعها ونقلها بأمانة إلى غيرهم، ونقلها بضبطها مع كمال العناية بهذا الضبط إلى الحد الذى حاز الإعجاب (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>التعريف بالقراء الأربعة عشر ورواتهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أولًا: القراء العشرة ورواتهم:</span>\nالقراء جمع قارئ، اسم فاعل من قرأ، والمراد به فى اصطلاح أهل الفن: الإمام الذى تنسب إليه قراءة (٤)، والمراد بقولنا العشرة: القراء الذين تنسب إليهم القراءات العشر التى وصفها العلماء بأنها متواترة جميعها، وتشمل القراءات السبع وتواترها مجمع عليه ثم الثلاث تتمة العشر، وقد حقق العلماء كونها متواترة كما ذكر فى ثنايا هذا البحث فى غير ما موضع.\nوالقراء السبعة هم:\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>١ - ابن عامر </span>(٥)\nواسمه عبدالله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة بن عامر بن عبدالله اليحصبى. ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة وقيل سنة ثمان وعشرين منها وتوفى سنة ثمان عشرة ومائة من الهجرة النبوية المباركة، وهو تابعى جليل لقى واثلة بن الأسقع والنعمان بن بشير وقد أخذ\n_________\n(١) انظر: مناهل العرفان ١/ ١٤٧، ١٤٨\n(٢) انظر: جواهر البين فى علوم القرآن د ٠ محمد العسال ص ٩٤ ٠\n(٣) انظر: دراسات فى علوم القرآن د ٠ محمد بكر إسماعيل\n(٤) القارئ المبتدئ من أفرد إلى ثلاث روايات، والمتوسط إلى أربع أو خمس، والمنتهى من عرف من القراءات أكثرها واشهرها.\n(٥) ترجمته فى غاية النهاية - ١/ ٤٠٤ لابن الجوزى، معرفة القراء الكبار للذهبى - ١/ ٨٢، البحث والاستقراء فى تراجم القراء -ص ٣٠، وأنظر أيضًا: مناهل العرفان -١/ ٤٥٦، وقد أخطأ صاحب إعراب القرآن الكريم وبيانه ٣/ ٢٤٣ فترجم له على أنه الصحابى الجليل عقبة بن عامر.","vol":"1","page":88},{"text":"عن المغيرة بن أبى شهاب المخزومى عن عثمان بن عفان عن رسول الله - ﷺ.\nوقيل: إنه قرأ على عثمان - ﵁ - مباشرة بلا واسطة، وقد أخذ عنه أهل الشام قراءته واشتهر برواية قراءته:\nأ- هشام وهو أبو الوليد بن عمار بن نصير السليمى الدمشقى. ت [٢٤٥ هـ] (١)\nب- ابن ذكوان وهو أبو محمد عبدالله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشى الدمشقى ت [٢٤٢ هـ] (٢)، ورواية هذين لقراءة ابن عامر هى بالواسطة.\nوقد قال صاحب الشاطبية فى ابن عامر وراوييه:\nوأما دمشق الشام دار ابن عامر ... فتلك بعبدالله طابت محللا\nهشام وعبدالله وهو انتسابه ... لذكوان بالإسناد عنه تنقلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٢ - ابن كثير </span>(٣)\nهو أبو محمد أو أبو معبد عبدالله بن كثير الدارى، ولد بمكة سنة خمس وأربعين للهجرة، وتوفى سنة عشرين ومائة. تابعى جليل وإمام فى القراءة، لقى من الصحابة عبدالله بن الزبير وأبا أيوب الأنصارى، وأنس بن مالك. وقد كان ﵀ إمام الناس بمكة لم ينازع فى ذلك، ولذلك روى عنه الخليل بن أحمد ونقل عنه.\nروى ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن رسول الله - ﷺ -، وقرأ على عبدالله بن السائب المخزومى، وقرأ عبدالله هذا على أبى ابن كعب، وعمر بن الخطاب، وقرأ كلاهما على رسول الله - ﷺ -، وقد اشتهر بالرواية عنه بواسطة أصحابه:\nأ- البزِّى: وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدالله بن القاسم ابن أبى بزة (٤)\nب- وقنبل: وهو محمد بن عبدالرحمن بن خالد المخزومى المكى ت [٢٩١ هـ] (٥)، وقد لقب بقنبل لشدته، فالقنبل هو الغلام الحادُّ الرأس الخفيف الروح.\nوقد قال صاحب الشاطبية فيه وفى راوييه:\nومكة عبدالله فيها مقامه ... هو ابن كثير كاثر القوم مُعتلا\nروى أحمد البزِّى له ومحمد ... على سند وهو الملقب قنبلا\n_________\n(١) غاية النهاية - ٢/ ٣٥٥، معرفة القراء - ١/ ١٩٥.\n(٢) غاية النهاية - ١/ ٤٠٤، معرفة القراء - ١/ ١٩٨.\n(٣) ترجمته فى غاية النهاية ٢/ ٣٣٠، ومعرفة القراء ١/ ٨٦، البحث بالاستقراء - ص ١٥، وأنظر: مناهل العرفان ١/ ٤٥٧.\n(٤) ت سنة [٢٥٠]- أنظر غاية النهاية - ١/ ١٤٦.\n(٥) غاية النهاية - ٢/ ١٦٥، معرفة القراء - ١/ ٢٣٠.\n(٦) ترجمته فى غاية النهاية ١/ ٣٤٦، ومعرفة القراء ١/ ٨٨، البحث بالاستقراء - ص ٤٠، ٤١، وأنظر: مناهل العرفان ١/ ٤٥٨.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>٣ - عاصم </span>(٦)\nهو عاصم بن أبى النجود الأسدى، توفى سنة سبع وعشرين ومائة، كان قارئًا متقنًا، آية فى التحرير والإتقان والفصاحة.\nقال عبدالله بن أحمد: سألت أبى عن عاصم فقال: رجل صالح خير ثقة، فسألته: أى القراء أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم.\nوقد أخذ عاصم قراءته عن ثلاثة من الصحابة هم على بن أبى طالب، وعبدالله بن مسعود، وأبى ين كعب. فقرأ عاصم على أبى عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمىّ معلم الحسن والحسين وأبو عبدالرحمن قرأ على على بن أبى طالب عن النبى -ﷺ.\nوقرأ كذلك على أبى عبدالرحمن السلمى وزر بن حبيش الأسدى على على أيضًا. وقرأ عليهما ومعهما أبو عمرو الشيبانى ثلاثتهم على عبدالله بن مسعود.\nوقرأ قراءة أبى بن كعب بطريق واحد هو طريق أبى عبدالرحمن السلمىّ وراوياه هما:\nأ- شعبة: وهو أبو بكر بن عياش الأسدى. ت سنة [١٩٣ هـ] (١)\nب- حفص: وهو أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة البزار، كان ربيب عاصم تربى فى حجره، وتعلم منه، لذا كان أدق إتقانًا من شعبة. ت [١٨٠ هـ] (٢)\nوقد قال صاحب الشاطبية فى عاصم وراوييه:\nوبالكوفة الغراء منهم ثلاثة ... أذاعوا فقد ضاعت شذى وقرنفلا\nفأما أبو بكر وعاصم اسمه ... فشعبة راويه المبرز أفضلا\nوذاك ابن عيّاش أبو بكر الرضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضّلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٤ - أبو عمرو </span>(٣)\nهو أبو عمرو زبان بن العلاء البصرى، كان مولده سنة ثمان وستين من الهجرة المباركة، وهو من أعلم الناس بالقراءة، وكان والده قد أخذه مغه حينما هرب من الحجاج إلى كثير من البلدان، وقد قرأ القرآن بمكة والمدينة، وقرأ أيضًا بالكوفة والبصرة على جماعات كثيرة، وليس من علماء القراءات من هو أكثر شيوخًا منه، ومرجع ذلك إلى كثرة تنقله إلى أماكن عديدة، حيث لم يستقر فى مكان واحد.\nجاء فى التهذيب عن أبى معاوية الأزهرى: كان أعلم الناس بوجوه القراءات وألفاظ العرب ونوادر كلامهم وفصيح أشعارهم (٤).\nوقد أخذ أبو عمرو قراءته عن ثلاثة من الصحابة هم:\n١ - عمر بن الخطاب: من طريق أبى جعفر يزيد بن القعقاع والحسن البصرى عن حطّان وأبى العالية عن عمر بن الخطاب.\n٢ - وعلى بن أبى طالب: أخذها عنه من ست طرق.\n٣ - وأبى بن كعب: أخذها عنه من أحد عشر طريقًا.\nوكانت وفاته ﵀ سنة أربع وخمسين من الهجرة المباركة وراوياه هما:\n_________\n(١) غاية النهاية - ١/ ٣٢٥، معرفة القراء - ١/ ١٣٤.\n(٢) غاية النهاية - ١/ ٣٢٥، معرفة القراء - ١/ ١٣٤.\n(٣) ترجمته فى غاية النهاية -١/ ٢٨٨، معرفة القراء - ١/ ١٠٠، وأنظر: مناهل العرفان - ١/ ٤٥٩.\n(٤) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى - ٢/ ١٧٨.","vol":"1","page":90},{"text":"١ - الدورى: وهو أبو عمرو حفص بن عمر المقرى الضرير، ولقب بالدورى نسبة إلى الدور وهو موضع بالجانب الشرقى من بغداد. ت [٢٤٦] (١)\n٢ - السوسى: وهو أبو شعيب صالح بن زياد وكان ثقة ضابطات [٢٦١] (٢)\nوقد قال صاحب الشاطبية:\nوأما الإمام المازنى صريحهم ... أبو عمرو البصرى فوالده العلا\nأفاض على يحيى اليزيد سيبه ... فأصبح بالعذب الفرات معللا\nأبو عمرو الدورى وصالحهم أبو ... شعيب هو السوسى عنه تقبلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٥ - حمزة </span>(٣)\nهو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفى التيمى، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفى سنة ست وخمسين ومائة، وقد أخذ القراءة عن أبى محمد سليمان بن مهران الأعمش عن يحيى بن وثاب عن زر بن حبيش عن عثمان وعلى وابن مسعود عن الرسول - ﷺ. قال له الإمام أبو حنيفة: شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيها القرآن والفرائض.\nوراوياه هما:\n١ - خلف: وهو أبو محمد الأسدى بن هشام بن ثعلب البزار البغدادى. ت [٢٢٩] (٤)\n٢ - خلاد: وهو أبو عيسى خلاد بن خالد الأحول الصيرفى. ت [٢٢٠] (٥)\nقال صاحب الشاطبية:\nوحمزة ما أزكاه من متورع ... إمامًا صبورًا للقرآن مرتلا\nروى خلف عنه وخلاد الذى ... رواه سليم متقنًا ومحصلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٦ - نافع </span>(٦)\nهو أبو رُوَيْم نافع بن عبدالرحمن بن أبى نعيم المدنى. ولد سنة سبعين من الهجرة، وتوفى سنة تسع وستين ومائة.\nقيل: إنه كان إذا قرأ القرآن كانت تشم منه رائحة المسك، وقد أخذ القراءة عن أبى جعفر القارئ وعن سبعين من التابعين عن عبدالله بن عباس وأبى هريرة عن أبى بن كعب عن رسول الله - ﷺ - وقد انتهت إليه رياسة الإقراء بالمدينة المنورة.\nقال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنسرضي الله عنه - يقول: قراءة أهل المدينة سنة، قيل له: يعنى قراءة نافع؟ قال: نعم. وأما راوياه فهما:\nأ- قالون: وهو أبو موسى عيسى بن ميناء بن وردان النحوى. ت [٢٢٠]، وقالون هذا لقبه ومعناه بالرومية الجيد ولقب به لجودة قراءته (٧)\n_________\n(١) غاية النهاية - ١/ ٢٥٥، معرفة القراء - ١/ ١٩١.\n(٢) غاية النهاية - ١/ ٣٣٢، معرفة القراء - ١/ ١٩٣.\n(٣) ترجمته فى غاية النهاية - ١/ ٢٦١، ومعرفة القراء - ١/ ١١١، والبحث والاستقراء -ص ٤٦.\n(٤) غاية النهاية - ١/ ٢٧٢، ومعرفة القراء - ١/ ٢٠٨ وخلف هذا أحد الثلاثة تتمة العشرة.\n(٥) غاية النهاية - ١/ ٢٧٤، ومعرفة القراء - ١/ ٢١٠.\n(٦) ترجمته فى غاية النهاية - ٢/ ٣٣٠، معرفة القراء - ١/ ١٠٧، البحث والاستقراء - ص ٧.\n(٧) غاية النهاية - ١/ ٦١٥، معرفة القراء - ١/ ١٥٥.","vol":"1","page":91},{"text":"ب- ورش: وهو عثمان بن سعيد المصرى، وورش هذا لقبه ومعناه شديد البياض، رحل إلى المدينة فقرأ على نافع ثم عاد إلى مصر. ت [١٩٧] (١)\nقال صاحب الشاطبية:\nفأما الكريم السر فى الطيب نافع ... فذاك الذى اختار المدينة منزلا\nوقالون عيسى ثم عثمان ورشهم ... بصحبته المجد الرفيع تأشَّلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٧ - الكسائى </span>(٢)\nهو على بن حمزة بن عبدالله بن بهمن بن فيروز الأسدى النحوى، توفى سنة تسع وثمانين ومائة، وقد لقب بالكسائى لأنه كان محرمًا فى كساء، وقيل: لأنه كان يلبس كساء له طابع خاص مميز، وكان يجلس فى مجلس حمزة، وكان حمزة يقول: اعرضوا على صاحب الكساء أى اعرضوا عليه الرأى. قال الأهوازى: وهذا القول أشبه بالصواب (٣).\nقال عنه أبو بكر الأنبارى: اجتمعت فى الكسائى أمور، كان أعلم الناس بالنحو وأوحدهم بالغريب، وكان أوحد الناس بالقرآن، فكانوا يكثرون عليه، حتى يضطر أن يجلس على الكرسى ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون منه ويضبطون عنه (٤).\nأخذ عن أربعة من الصحابة قراءته وهم:\nعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعبدالله بن مسعود، وأبى بن كعب عن النبى - ﷺ - وقد أخذ عن هؤلاء الصحابة بخمسة عشر طريقًا.\nوراوياه هما:\nأ- أبو الحارث: وهو الليث بن خالد المروزى، كان من أجل أصحاب الكسائى، ثقة وضبطًا. ت [٢٤٠] (٥)\nب- الدورى: وهو أبو عمر حفص بن عمر الدورى، وقد مر الحديث عنه فهو أحد راويى أبى عمرو.\nقال صاحب الشاطبية:\nوأما على فالكسائى نعته ... لما كان فى الإحرام تسربلا\nروى ليثهم عنه أبو الحارث الرضا ... حفص هو الدورى وفى الذكر قد خلا\n\nوإلى هنا نكون قد انتهينا من الترجمة الموجزة للقراء السبعة المجمع على تواتر قراءتهم، وقد عرفنا بإيجاز كذلك براويى كل واحد منهم، ثم ننتقل بعد ذلك إلى التعريف بالثلاثة تتمة العشرة الذين حقق العلماء تواتر قراءتهم كذلك، ونعرف موجزين برواتهم أيضًا\n_________\n(١) غاية النهاية ١/ ٥٠٢، معرفة القراء - ١/ ١٥٢.\n(٢) ترجمته فى غاية النهاية - ١/ ٥٣٥، معرفة القراء - ١/ ١٢٠، البحث والاستقراء - ص ٥٣.\n(٣) البحث والاستقراء ص ٥٣.\n(٤) مناهل العرفان - ١/ ٤٦٢.\n(٥) غاية النهاية - ٢/ ٣٤، معرفة القراء - ١/ ٢١١.\n(٦) ترجمته فى غاية النهاية - ٢/ ٣٨٢، وأنظر: مناهل العرفان - ١/ ٤٦٣.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٨ - أبو جعفر </span>(٦)\nهو: يزيد بن القعقاع أبو جعفر المخزومى المدنى القارئ ت [١٣٠ هـ] تابعى جليل القدر، تام الضبط، رفيع المنزلة أخذ قراءته عن عبدالله ابن عباس وأبى هريرة عن أبى بن كعب عن رسول الله - ﷺ.\nوراوياه هما:\nأ- ابن وردان: وهو أبو موسى عيسى بن وردان الخداء المدنى، من أصحاب نافع فى القراءة على أبى جعفر وكان مقرئًا ضابطًا ثقة ت [١٦٠ هـ]\nب- ابن جماز: (١) وهو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز ت [١٧٠ هـ]\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٩ - يعقوب </span>(٢)\nهو يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبدالله بن إسحاق أبو محمد الحضرمى، أحد القراء العشرة وإمام أهل البصرة، انتهت إليه رياسة القراءة بعد أبى عمر الدانى توفى سنة خمس ومائتين.\nقرأ على أبى المنذر سلام بن سليمان الطويل وقرأ سلام هذا على عاصم وعلى أبى عمرو.\nوراوياه هما:\nأ- روح: (٣) وهو أبو الحسن روح بن عبدالمؤمن بن عبدة الهذلى النحوى ت [٢٣٤]\nب- رويس: (٤) وهو أبو عبدالله محمد بن المتوكل اللؤلؤى البصرى ت [٢٣٨]\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>١٠ - خلف </span>(٥)\nهو أبو محمد خلف بن هشام ابن ثعلب بن خلف بن ثعلب الأسدى أحد القراء العشرة، وأحد راويى حمزة كما مر ت [٢٢٩]، قرأ على سليم عن حمزة، وعلى يعقوب بن خليفة الأعشى، وعلى أبى زيد سعيد بن اوس الأنصارى صاحب الفضل الضبى، وعلى أبن العطار وهم أخذوا عن عاصم.\nوراوياه هما:\nأ- أبو يعقوب (٦) إسحاق بن إبراهيم بن عثمان المروزى ت [٢٨٦] هـ.\nب- أبو الحسن (٧) إدريس عبدالكريم الحداد البغدادى ت [٢٩٢] هـ.\nوبعد، فهؤلاء هم القراء العشرة ورواتهم الذين تلقت الأمة قراءتهم بالقبول، وقد قلت سابقًا: إن المحققين من العلماء قد حكموا بتواترها جميعًا بما فيها القراءات الثلاث المتممة للعشر، ومن ثم يلزم قبولها جميعًا، ولا يجوز رد شى منها. والله أعلم.\nوقد اعترض بعضهم على تواتر هذه القراءات بحجة أن الأسانيد إلى هؤلاء الأئمة القراء وأسانيدهم هم إلى النبى - ﷺ - هى آحاد ولا تبلغ حد التواتر.\nويجاب عن ذلك بان انحصار الأسانيد المذكورة فى طائفة لا يمنع مجئ القراءات عن غيرهم، وإنما نسبت القراءات إلى الأئمة ومن ذكر فى أسانيدهم، والأسانيد إليهم، لتصديهم\n_________\n(١) غاية النهاية - ١/ ٣١٥.\n(٢) غاية النهاية - ٢/ ٣٨٦، ومعرفة القراء - ١/ ١٥٧.\n(٣) غاية النهاية - ١/ ٣١٥.\n(٤) غاية النهاية - ١/ ٢٧٢، معرفة القراء - ١/ ٢١٨.\n(٥) غاية النهاية - ١/ ٢٧٢، معرفة القراء - ١/ ٢٠٨.\n(٦) غاية النهاية - ١/ ١٥٥.\n(٧) غاية النهاية - ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":93},{"text":"لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها، ومع كل واحد منهم فى طبقته ما يبلغها عدد التواتر، لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم، وكذلك دائمًا مع تلقى الأمة لقراءة كل منهم بالقبول.\nقال السخاوى: \"ولا يقدح فى تواتر القراءات السبع (١) إذا أسندت من طريق الآحاد، كما لو قلت: أخبرنى فلان عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند - مثلًا - وقد عُلم وجودها بطريق التواتر لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها \" (٢).\nوهذا التواتر المذكور شامل للأصول والفرش وهذا هو الذى عليه المحققون (٣).\nوالمراد بالأصول الأحكام الكلية المطردة الجارية فى كل ما تحقق فيه شرط ذلك الحكم كالمد والقصر والإظهار والإدغام والإقلاب وغيرها، والمراد بالفرش ما يذكر فى السورة من كيفية قراءة كل كلمة قرآنية مختلف فيها بين القراء مع عزو كل قراءة إلى صاحبها، ويسمى فرش الحروف وسماه بعضهم بالفروع مقابلة للأصول وذلك كاختلافهم فى قراءة \" يخدعون، ننسخ، ننشزها، فتبينوا\" وهذا هو الذى يؤثر فى المعنى دون الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>السبب الداعى للاقتصار على القراء المشهورين</span>\nقال الدمياطى: \"ليعلم أن السبب الداعى إلى أخذ القراءة عن القراء المشهورين دون غيرهم، أنه لما كثر الاختلاف فيما يحتمله رسم المصاحف العثمانية التى وجه بها عثمان - ﵁ - إلى الأمصار، وحبس بالمدينة واحدًا وأمسك لنفسه واحدًا الذى يقال له: الإمام، فصار أهل الأهواء والبدع يقرأون بما لا يحل تلاوته وفاقًا لبدعتهم، أجمع رأى المسلمين أن يتفقوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مصر وجه إليه مصحف - اختاروا - أئمة مشهورين بالثقة والأمانة فى النقل وحسن الدراية وكمال العلم أفنوا عمرهم فى القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم ولم تخرج قراءتهم عن خط وصحفهم، ثم إن القراء الموصوفين بما ذكر بعد ذلك تفرقوا فى البلاد وخلفهم الأئمة لذلك ميزانًا يرجع إليه وهو السند والرسم والعربية \" (٤)\nيقصد بذلك الضوابط الثلاثة الموضوعة لقبول القراءة والمذكورة فى هذا البحث فى مواضع متعددة. ومن خلال هذا النقل النفيس عن الدمياطى نتيقن من أن انحصار أخذ القراءة عن هؤلاء الأئمة المشهورين لا يعنى بحال من الأحوال ألا يكون أحد عليمًا بالقراءات سواهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>ثانيًا: القراء الأربعة تتمة الأربعة عشر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>١ - أبو الحسن البصرى </span>(٥)\nهو الإمام أبو سعيد الحسن بن الحسن يسار البصرى، تابعى جليل، ولد فى خلافة عمر سنة إحدى وعشرين، وتوفى سنة عشر ومائة من الهجرة المباركة.\nلقى من الصحابة على بن أبى طالب وأم سلمة أم المؤمنين - ﵂ - وأخذ عن سمرة بن جندب، يُشهد له بالورع والزهد، وكان إمامًا فى القراءات والتفسير والفقه وغير ذلك من العلوم الإسلامية.\n_________\n(١) قلت: بل العشر على التحقيق.\n(٢) نقله القاسمى فى مقدمة محاسن التأويل - ١/ ٣٠٤.\n(٣) إتحاف فضلاء البشر - ص ٩.\n(٤) إتحاف فضلاء البشر - ص ٧، ٨.\n(٥) معرفة القراء ١/ ٦٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>٢ - ابن محيصن </span>(١)\nهو أبو عبدالله بن عبدالرحمن بن محيصن السهمى المكى توفى سنة ثلاث وعشرين ومائة. شهد له بالعلم فى الأثر والعربية والقراءات فهو مقرئ أهل مكة مع ابن كثير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٣ - يحيى اليزيدى </span>(٢)\nهو أبو محمد بن المبارك بن المغيرة اليزيدى المتوفى سنة اثنتين ومائتين كان فصيحًا مفوهًا، إمامًا فى اللغة والأدب والقراءات، وهو أمثل أصحاب أبى عمرو، وقد قام بعده بالقراءة ففاق نظراءه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٤ - الأعمش </span>(٣)\nهو أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش الأسدى المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان إمامًا فى القراءات، لا يلحن فى كلامه، لقى من الصحابة عبدالله بن أبى أوفى، وأنس بن مالك - ﵄. لكن لم يثبت له سماع من أحدهما، وكان شعبة يقول عنه: المصحف المصحف لصدقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>حكم ما وراء القراءات العشر</span>\nاختلف العلماء فيما زاد عن العشر من القراءات هل يحكم عليه جميعًا بحكم واحد أم لا؟\nفاتجه فريق منهم إلى أن جميع القراءات الأربع عشرة صحيحة هكذا بإطلاق الحكم بالصحة.\nواتجه فريق آخر إلى أن الأربع الزائدة على العشر شاذة، هكذا بإطلاق الحكم بالشذوذ كذلك (٤).\nوتوسط بين هذين الفريقين فريق ثالث، نظروا إلى القراءات لا من حيث أعدادها ولا أشخاصها، ولكن من حيث هى قواعد ومبادئ وضوابط، ويعنون ضوابط القراءة المقبولة الثلاثة وهى:\n١ - صحة السند.\n٢ - موافقة اللغة ولو بوجه.\n٣ - موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.\nفحيث تحققت هذه الضوابط فى قراءة فهى صحيحة مقبولة، وإلا كانت مردودة أو شاذة بقطع النظر عمن نسبت إليه هذه القراءة.\nمن صور اختلاف المعنى والتفسير بسبب القراءات وضوابط الخروج منه\nأولا: - الخلاف بين قراءة متواترة وأخرى شاذة\nقد ترد أحيانًا آية بقراءتين، إحداهما متواترة، والأخرى شاذة، فيختلف تفسيرها عند المفسرين بسبب ذلك، حيث يفسرها بعضهم، معتمدًا على القراءة المتواترة، بينما ينحاز بعضهم إلى القراءة الشاذة، فيقع التعارض، أو الخلاف.\n_________\n(١) غاية النهاية - ٢/ ١٦٧.\n(٢) غاية النهاية - ٢/ ٣٧٥.\n(٣) غاية النهاية - ١/ ٣١٥، معرفة القراء - ١/ ٩٤.\n(٤) قال الدمياطى: أخذنا عن شيوخنا أن الأربعة - بعد العشرة - وهم ابن محيصن واليزيدى والحسن والأعمش قراءتهم شاذة اتفاقًا. أنظر: الإتحاف - ص ٩.","vol":"1","page":95},{"text":"والقاعدة الحاسمة للخروج من هذا الخلاف: القراءة المتواترة هى الأصل، لأنها قرآن مقطوع به، فلا تقوى على معارضتها قراءة شاذة، ولايخفى بأن التواتر أقوى طرق الإثبات، ولذلك فإنه يفيد اليقين والقطع، والمتواتر: هو ما رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأما القراءة الشاذة فهى التى اختل فيها ركن من أركان القراءة الصحيحة التى سبق ذكرها وهى:\n١ - صحة السند.\n٢ - موافقة اللغة العربية، ولو بوجه.\n٣ - موافقة أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا.\nفمتى اختل ركن من هذه الأركان، فهى القراءة الشاذة.\nوقيل: الشاذ هو ما صح سنده، وخالف الرسم والعربية مخالفة تضر، أو لم تشتهر عند القراء. (١) وقد يطلق الشاذ ويراد به كل ما لا يقرأ به من أنواع القراءات.\nوقولنا فى القاعدة: \"فلا تقوى على معارضتها قراءة شاذة\" يخرج ما إذا كانت الشاذة، مؤيدة للمتواترة، فإنه يجوز ذكرها على سبيل الاستشهاد والبيان للقراءة المتواترة (٢)، وكون القراءة الشاذة، لا تقوى على معارضة المتواترة، مما لا يمارى فيه، بل إن كثيرًا من الأصوليين، لم يعتبرها حجة حتى فى مقام عدم المعارضة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>تاسعا: - الإسرائيليات</span>\nهي القصص والأخبار اليهودية والنصرانية التي تسربت إلى المجتمع الإسلامي عن طريق من أسلم من أهل الكتاب حقيقة أو تظاهر بالدخول في الإسلام وسميت بالإسرائيليات لتغليب اللون اليهودي فيها حيث إن أكثرها جاء عن اليهود ولتخالطهم بالمسلمين في المجتمع المدني أكثر من النصارى ولأن النصارى يُعتبروا تبعًا لليهود، لذلك سميت بالإسرائيليات.\nوقد بدأ اليهود بالدس منذ الأيام الأولى لدخول الإسلام في المدينة المنورة فأدخلوا ثقافتهم وثقافات أخرى وظهر أثر هذه الثقافات في العقلية المسلمة مع بقاء الروايات الإسرائيلية هي الظاهرة وخاصة فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم.\nوكانت الثقافة اليهودية تتمثل في التوراة وبما تحويه من الأسفار الموسوية وتسمى بالعهد القديم وهذه حُرفت وتمّ فيها التغيير والتبديل والقرآن الكريم يشهد بذلك قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].\nوكان لليهود بجانب التوراة سنن ونصائح وشروح لم تؤخذ عن موسى - ﵇ - بطريق الكتابة وإنما أُخذت بطريق المشافهة إلا أنها حُرفت بالزيادة عليها والنقص منها، مثلها مثل التوراة في ذلك، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، ثم دونت مع الزمن وعرفت بالتلمود، وكان يوجد بجانب ذلك الكثير من الأدب والقصص والتاريخ والتشريع والأساطير اليهودية.\n_________\n(١) التحبير للسيوطى: ص ٦٩.\n(٢) أنظر: أضواء البيان: ١/ ٧، معترك الأقران - ١/ ١٢٧، ١٢٨.","vol":"1","page":96},{"text":"أما النصارى فتتمثل ثقافتهم في الأناجيل المعتبرة عندهم ورسائل الرسل وتسمى جميعًا بالعهد الجديد، أما الكتاب المقدس فهو يعني عندهم التوراة والإنجيل ويسمى بالعهد القديم والعهد الجديد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>أسباب دخول الإسرائيليات في المجتمع الإسلامي:</span>\n١ - لقد تناول القرآن الكريم العديد من قصص الأنبياء والأمم السابقة والحوادث التي مرّت في الأزمنة الغابرة بصورة من الإيجاز مع التركيز على جانب الموعظة والعبرة من ذلك القصص دون أن يذكر التفاصيل ودقائق القصة، والنفس البشرية تميل دائمًا إلى معرفة التفاصيل ودقائق تتعلق بالقصص القرآني، لذلك عندما سألوا أهل الكتاب فأجابوهم بما هو موجود في التوراة والإنجيل.\n٢ - إسلام العديد من أهل الكتاب ودخول في الدين الإسلامي ساهم مساهمة حقيقية في إدخال الكثير من الروايات الإسرائيلية إلى المجتمع الإسلامي وخاصة أنه؟ أمر بالحديث عنهم فقال: \"بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" أي حدثوا عنهم بما يتفق وحدود الشريعة الإسلامية وضمن الشروط الواجبة في الأخذ عن أهل الكتاب.\nومرت فترة على المجتمع الإسلامي دخل فيها كثير من المرويات الإسرائيلية دون التقيد بالقيود التي وضعها الإسلام فتسرب الضعيف والمكذوب والمخالف لشرعنا الإسلامي وغيره وخاصة في أواخر عهد التابعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>حكم الإسرائيليات:</span>\nيأخذ ما ورد عن أهل الكتاب من إسرائيليات حكمًا من الأحكام الثلاثة الآتية: -\n١ - إن كانت الرواية عن أهل الكتاب مصدقة لما عندنا فنصدقها ونأخذها للاستئناس لا للاستدلال ونعتبرها من الثقافة الإسلامية.\n٢ - وإن كانت الرواية الإسرائيلية تُكذب ما عندنا فنكذبها ونضرب بها عرض الحائط لأنها مخالفة لما جاء في شريعتنا الإسلامية.\n٣ - أما إذا كانت الرواية الإسرائيلية لا توافق ولا تعارض ما عندنا فنتوقف حينئذٍ فلا نصدقها ولا نكذبها خوفًا من أن نصدق بكذب وباطل ولا نكذبها خوفًا من أن نكذب بصدق وحق عملًا بقول الرسولﷺ-: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>عاشرا: تفسير القرآن وشرفه</span>\nالتفسير كشف معاني القرآن وبيان المراد منه وهو أجل العلوم الشرعية وأشرف صناعة يتعاطاها الإنسان وأرفعها قدرا وهو أشرف العلوم موضوعا وغرضا وحاجة إليه لأن موضوعه كلام الله الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة، ولأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية وإنما اشتدت الحاجة إليه لأن كل كمال ديني أو دنيوي لا بد وأن يكون موافقا للشرع وموافقته تتوقف على العلم بكتاب الله تعالى ويجب أن يعلم أن النبي - ﷺ - بين للأمة معاني القرآن كما بين ألفاظه كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾\n_________\n(١) فتح الباري - ج ٨ ص ١٢٠.","vol":"1","page":97},{"text":"[النحل: ٤٤] وكانوا إذا تعلموا عشر آيات من النبي - ﷺ - لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا.\nوالعادة تمنع من أن يقرأ قوم كتابا في فن من الفنون كالطب والحساب ولا يعرفون معناه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم، وعن سعيد بن جبيرن قال: \"من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو الأعرابي\" (١)، وحاجة المسلم ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم.\nومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك (٢).\nوقال القرطبي: \" ينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فما أقبح بحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه وهو لا يفهم معنى ما يتلوه، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه، ما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه وهو لا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا \" (٣) وقد ذم الله من هذه حاله بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].\nوأقرب التفاسير تناولا: تفسير الجلالين، حيث يذكر معنى الكلمة وأسباب النزول والقراءات باختصار، إلا أنه قد يخطئ في تفسير صفات الله تعالى مثل المجيء والنزول وغيرهما حيث يفسرها على طريقة الأشاعرة، ومن أراد التوسع والتحقيق فعليه بتفسير الإمام ابن كثير فإنه تفسير سلفي ممتاز، وتفسير ابن سعدي (٤) ثم تفسير الطبري، والقرطبي، فإنهما من أمهات التفاسير الصحيحة المعتبرة، وكذلك تفسير البغوي وابن الجوزي وفتح القدير للشوكاني، وحاشية الجمل على الجلالين فإنه مجموع من عدة تفاسير، وأيسر التفاسير للجزائري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المنهج الأمثل في تفسير القرآن</span>\nإن منهج القرآن الكريم يُقرر أن الفهم السليم هو غاية كل مسلم، وهو الثمرة العلمية المرجوة من تدبره، كما أن الثمرة العلمية هي الالتزام بأحكامه وتوجيهاته إيمانًا وعملًا ودعوة.\nوالذي يساعد على الفهم الصحيح للقرآن هو حسن تفسيره بما يبين مقاصده، ويوضح معانيه، ويكشف اللثام عما فيه من كنوز وأسرار ويفتح مغالقه للعقول والقلوب.\nإن المنهج الأمثل في تفسير القرآن يقوم على أصول راسخة وخطوات معلومة ومعالم مرسومة يجب مراعاتها والالتزام بها حتى تتضح من خلال إتباع المفسر الخطوات التالية: -\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>١ - تفسير القرآن بالقرآن:</span>\nأول هذه المعالم هو تفسير القرآن بالقرآن وذلك لأن القرآن الكريم يصدق بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا، وذلك فما أُجمل في موضع فُصّل في موضع آخر وما جاء عامًا في سياق خُصِّص في سياق آخر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٧): ص ١/ ٨١.\n(٢) ينظر: مقدمة أصول التفسير لابن تيمية ٦، ٧.\n(٣) تفسير القرطبي (١/ ٢١)\n(٤) فإنه تفسير سلفي عصري واضح جلي يعني بالمعاني والأحكام.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>٢ - تفسير القرآن بالسنة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: \"إن أصح طرق التفسير يُفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد يفسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن موضحة له\" (١).\nوقد فسر الرسول -ﷺ- ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها النخلة.\nوكما فسر الزيادة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، بأنها النظر إلى وجه الله الكريم.\nوقال الزركشي: \"لطالب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة: الأول: النقل عن رسول الله ﷺ وهذا هو الطراز الأول، ولكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع؛ فإنه كثير. وإن سواد الأوراق سواد في القلب\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٣ - الانتفاع بتفسير الصحابة والتابعين:</span>\nالصحابة هم تلاميذ المدرسة النبوية، تربوا في حجر الرسول؟ وسمعوا منه وشاهدوا التنزيل، هذا مع كونهم أصحاب اللغة والبيان، فإذا صح عنهم التفسير أخذنا به خاصة إن أجمعوا عليه، وإن اختلفوا فقد أتاحوا لنا أن نتخير من بين آرائهم ما نراه أقرب إلى السداد.\nقال ابن تيمية: \"إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ولِمَا هم عليه من الفهم التام والعلم الصحيح ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم وكالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود الذي قال: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، وفيم نزلت، وكان الرجل منهم إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، وهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس، ترجمان القرآن ببركة دعاء رسول اللهﷺ- اللهم فقهه في الدين وعلَّمه التأويل\" (٣).\nقال الزركشي: \" الثاني: الأخذ بقول الصحابي؛ فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ، كما قاله الحاكم في تفسيره ... إلى أن قال: وفي الرجوع إلى أقوال التابعين روايتان عن أحمد، واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه، وقد حكوا في كتبهم أقوالهم ... وغالب أقوالهم تلقوها من الصحابة، ولعل اختلاف الرواية عن أحمد إنما هو فيما كان من أقوالهم وآرائهم\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٤ - الأخذ بمطلق اللغة:</span>\nإن القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥ [، فيجب أن يُفسر اللفظ بحسب ما تدل عليه اللغة العربية واستعمالاتها وما يوافق قواعدها ويناسب بلاغة القرآن المعجز، هذا مع أن الألفاظ منها ما جاء على سبيل المجاز ومنها ما هو مشترك يدل على أكثر من معنى،\n_________\n(١) مقدمة في أصول التفسير: ٩٣.\n(٢) البرهان: ١٥٦.\n(٣) مقدمة في أصول التفسير: ٩٤.\n(٤) البرهان في علوم القرآن: ١/ ١٥٦ - ١٦٠.","vol":"1","page":99},{"text":"وينبغي أن يعلم أن الأصل حمل الكلام على الحقيقة، ولا يعدل عنها إلى المجاز إلا بقرينة (تدل دلالة معتبرة على المعنى)، ومما يعين المفسر للقرآن على حسن الفهم أن يتتبع الكلمة القرآنية في مواردها المختلفة في القرآن حتى يتبين له حقيقة معناها مثل كلمة (عين) لها عدة معانٍ حسب موقعها في الجملة، تأتي بمعنى عين الماء - والجاسوس - والعين المبصرة، فكل مفردة في القرآن تؤدي معنى تام حسب السياق الذي وضعت فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٥ - مراعاة السياق:</span>\nومن الضوابط الهامة في حسن فهم القرآن وصحة تفسيره مراعاة سياق الآية في موقعها من السورة وسياق الجملة في موقعها من الآية، فيجب أن تُربط الآية بالسياق الذي وردت فيه ولا تُقطع عما قبلها وما بعدها.\nفالكلمة الواحدة قد ترد في القرآن لعدة معانٍ مختلفة وإنما يتحدد المعنى المراد منها في كل موقع بالسياق، والمقصود بالسياق ما قبل الكلمة وما بعدها فمثلًا: كلمة الكتاب تأتي بمعنى القرآن، وتأتي بمعنى النص القرآني، وتأتي بمعنى اللوح المحفوظ.\nوكذلك معنى كلمة (آية) تأتي بمعنى العلامة أو الآية المنزلة أو المعجزة والآية الدالة على صدق رسول الله -ﷺ-، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد من كلمة آية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>٦ - الاهتمام بعلوم القرآن إجمالًا وخاصة سبب النزول:</span>\nمن المعالم المهمة في فهم القرآن وتفسيره ملاحظة أسباب النزول فمن المقرر لدى العلماء أن القرآن نزل على قسمين: قسم نزل ابتداء بدون سبب خاص، وإنما لتوضيح معنى الهداية في حياة الناس وقسم نزل لسبب خاص وهذا القسم الأخير هو الذي يبحث عن سبب نزوله، لأن معرفة الأسباب والملابسات المحيطة بالنص تساعد على فهم المراد منه، يقول ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>٧ - اعتبار القرآن أصلًا يرجع إليه:</span>\nإن الله ﵎ أنزل القرآن الكريم ليكون متبوعًا لا تابعًا وينبغي على من يريد فهم القرآن وتفسيره أن يتحرر من اعتقاداته وأفكاره وأهوائه، بل يجب أن يكون موقفه من القرآن موقف المتلقي الذي يهتدي بهداه، وينظر إليه على أنه الأصل الذي يرجع إليه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>حادي عشر: - إعجاز القرآن</span>\nالإعجاز لغة: أصله التأخر عن الشيء، وهو ضد القدرة، بمعنى الضعف، يقال: أعجزه الأمر إذا حاوله فلم يستطعه ولم تتسع له قدرته وجهده (٢) يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [سبأ: ٥].\n_________\n(١) انظر هذا الموضوع بالتفصيل في كتاب: كيف نتعامل مع القرآن الكريم - أ. د. يوسف القرضاوي من ص ٢٥٠ - ٣٠٠.\n(٢) لسان العرب لابن منظور - ح ٧/ ٢٣٦.","vol":"1","page":100},{"text":"الإعجاز اصطلاحًا: كون القرآن الكريم أمرًا خارقًا للعادة لم يستطع أحدًا معارضته برغم تصدي الناس له (١)، أو هو ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>أ- الإعجاز البياني:</span>\nيعدّ الإعجاز البياني من أعظم وجوه الإعجاز لأنه ينتظم في القرآن كله، فلا تخلو منه سورة على قصرها أو على طولها، بل هو في كل آية من آيات القرآن الكريم، وقد تحدث العلماء والمفسرون عن الإعجاز القرآني قديمًا وحديثًا حيث أجمع هؤلاء أن القرآن الكريم معجزة بيانية تحدى الله بها العرب وغيرهم فثبت عجز البشر جميعًا أمام إعجازه (٣)، وقد سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله: ﴿﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].\nوالاعجاز البياني هو بيان القرآن وفصاحته وبلاغته، وفي أسلوبه المتميز عن باقي أساليب العرب حيث جاء القرآن الكريم بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، متضمنًا أصح المعاني، كذلك ترتيب ألفاظ القرآن الكريم في آياته وجمله، ثم ترتيب هذه الجمل للآيات في السورة (٤).\nويمثل الإعجاز البياني في حروف القرآن وأصواتها، والكلمات ومخارجها (٥)، يقول ابن عطية: \"وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة في أدير لسان العرب على لفظة غيرها لم يوجد\" (٦).\nوكذلك يمثل الإعجاز البياني في طريقة التعبير التي انفرد بها القرآن الكريم، وأيضًا يتمثل في وجود الفاصلة القرآنية التي تعني مناسبة ختم الآية لما سبق (٧).\nونزل القرآن الكريم على العرب وكانوا أصحاب وأرباب البلاغة والبيان وذلك لأنهم تميزوا بسلامة السليقة وسرعة البديهة، فعندما تحداهم القرآن على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا ووقفوا عاجزين حائرين لا يستطيعون ذلك على الرغم من أن القرآن الكريم نزل باللغة التي يعرفونها ويتكلمون بها، لذا نجد أن القرآن تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، يقول تعالى ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤].\nثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤].\nفلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].\nثم أخيرًا تحداهم أن يأتوا بسورة تشبه القرآن فقال ﷾: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>ب- الإعجاز التشريعي:</span>\n- التشريع لغة: مصدر شرّع: بمعنى سنَّ، وقد سمي ما شرع الله لعباده شريعة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك (٩).\n- التشريع اصطلاحًا: هو شرعة الله لعباده من أحكام اعتقادية أو عملية أو خُلقية (١٠).\n- الإعجاز التشريعي: هو سمو التشريعات القرآنية وشمولها وكمالها إلى الحد الذي تعجز عنه كل القوانين البشرية مهما بلغت على أن تأتي بمثل تشريعات القرآن الكريم (١١).\nأو هو عجز البشر محاكاة التشريع القرآني، وإداراكهم كل ما فيه من أسرار تشريعية (١٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>ومن نماذج من الإعجاز التشريعي:</span>\n١ - في العبادات: الوضوء والتيمم والغسل: أمر الله ﷾ المسلمين بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، وجعل الوضوء شرطًا للصلاة، فإذا لم يتمكنوا من استعمال الماء فعليهم بالتيمم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ .............﴾ [المائدة: ٦].\nوتشير الآية إلى الحكمة من هذا التشريع يقول تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ .....﴾ [المائدة: ٦].\nإن اشتراط الاغتسال للجنب هو تطهيره وليتم نعمته عليه، وحتى يشكره على نعمه الكثيرة، والحكمة من الوضوء والتيمم والغسل ليس النظافة فحسب بل العبادة (١٣)، يقول سيد قطب: \"يبدو أن حكمة الوضوء أو الغسل ليست هي مجرد النظافة، وإلا فإن البديل من أحدهما أو من كليهما لا يحقق هذه الحكمة فلا بد إذن من حكمة أخرى للوضوء أو الغسل تكون متحققة\nكذلك في التيمم، وأما حكمة الاغتسال من الجنابة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ...﴾] المائدة: ٦]، فهي حركة عملية عن معنى نفسي، إن الإنسان عندما يقضي شهوته فإنه يحقق حاجة فطرية ونفسية أصيلة في كيانه، ثم إن كل جزء من أعضاء جسمه متلذذ من قضاء الشهوة ويشارك في هذه العملية الجنسية، لذا كان الاغتسال شكر لله الذي يسر له قضاء شهوته، شكر لله، لأن كل جزء شارك في الاستمتاع والتلذذ عند قضاء الشهوة، لذلك ختمت الآية بقوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ \" (١٤).\n٢ - في المعاملات: تحريم الربا: حرم الله الربا في آيات صريحة وأعلن الحرب على المرابين، وتوعد بمحق الربا يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا\n_________\n(١) فكرة الإعجاز - نعيم الحمصي - ص ٩.\n(٢) إعجاز القرآن للرافعي - ص ١٣٩.\n(٣) مباحث في إعجاز القرآن الكريم- ص ١٦٥ بتصرف، أ. د. مصطفى مسلم ص ١٥٤.\n(٤) موجز في إعجاز القرآن - المرجع السابق ص ١٥٤.\n(٥) موجز في إعجاز القرآن - أ. د. مصطفى مسلم ص ١٥٤.\n(٦) فكرة الإعجاز - نعيم الحمص - ص ٩٥.\n(٧) إعجاز القرآن - د. فضل عباس - ص ٦٥ وما بعدها.\n(٨) إعجاز القرآن - د. فضل عباس - ص ٣١ - ٣٢.\n(٩) لسان العرب - ح ٣/ ٢٣٨.\n(١٠) التشريع الإسلامي - مصادره وأدواته - د. سفيان إسماعيل - ص ٧.\n(١١) الإعجاز التشريعي في معالجة مشكلة الفقر - ص ٦.\n(١٢) القرآن وإعجازه - ص ١٠٢.\n(١٣) مباحث في إعجاز القرآن - أ. د. مصطفى السباعي - ص ١٥٥.\n(١٤) في ظلال القرآن، سيد قطب: ٥/ ٢٢٥٢١.","vol":"1","page":101},{"text":"﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] على الرغم أن الربا هو السمة البارزة للاقتصاد العالمي المعاصر، وقاعدة التعامل الاقتصادي بين الدول، إلا أن التشريع الإسلامي هو الحق والصواب في تحريم الربا ومحاربته وتحريمه ....، فالربا بلاء وآفة، يدمر الاقتصاد ويقطع الروابط، ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، والربا يقضي على إنسانية الإنسان وقلبه ودينه وإيمانه، والمرابون مصاصي الدماء والأموال (١).\nيقول سيد قطب: \"إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة ... \" (٢).\n٣ - في الحدود: شرع الله ﵎ الحدود حتى يعيش الإنسان المسلم وغير المسلم أمينًا على نفسه وماله وعرضه وعقله، لذلك حرم على المسلم قتل أخيه المسلم، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ....................﴾ [النساء: ٩٢]. فإذا اعتقد القاتل بأنه سيُقتل فإنه لا يقدم على القتل، وكذلك عندما حرّم السرقة، فإنه حفظ للناس أموالهم، فعندما يعتقد المؤمن أنه إذا سرق سوف تقطع يده، فإنه لا يسرق وبذلك حفظ للناس أموالهم. وكذلك عندما شرع عقوبة الزنا مائة جلدة لغير المتزوج كما قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ....﴾ [النور: ٢]، والرجم حتى الموت للمتزوج رجلًا كان أو أنثى.\nوكذلك عندما شرع عقوبة الخمر الجلد ثمانين جلدة ليحفظ العقل (٣)، يقول الرسول؟: \"إذا شرب إنسان الخمر فاجلدوه ثمانين جلدة، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون\" (٤).\nيقول الأستاذ رشيد رضا: \"يشتمل القرآن الكريم على العلوم الإلهية وأصول القواعد الدينية، وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والآداب وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي الموافقة لكل زمان ومكان، وبذلك يفضل على كل ما سبقه من الكتب السماوية والشرائع الأرضية والآداب الفلسفية\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>ت- الإعجاز العلمي:</span>\nلقد حث الإسلام على العلم والتعلم، فآيات القرآن الأولى في النزول تأمر باستخدام القلم وتشجع على القراءة وذلك لما للقلم والقراءة من أهمية في حياة الأمم والشعوب. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].\nالأمة الإسلامية منوط بها قيادة البشرية بأسرها في جميع مناحي الحياة، لذلك ينبغي أن تتصدر الأمم والشعوب في مجال العلم والإيمان والأخلاق حتى تصل إلى ذلك المركز القيادي الذي أُعدّت له.\nلذلك جاءت التوجيهات القرآنية في العديد من الآيات تشجع الأمة كل الأمة على العلم والبحث والتحري عن المجهول في هذا الكون الفسيح. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون﴾ [الزمر: ٩].\nوجعل الحق ﵎ شهادة العلماء مع شهادته وشهادة الملائكة الملائكة في الإقرار بالوحدانية لله في الألوهية والربوبية، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آلأ عمران: ١٨]، وأمر -ﷺ- بطلب العلم النافع للبشرية وشجع على تحصيله، قال -ﷺ-: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة\"، وجاء عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة\" (٦).\nوالاعجاز العلمي: هو ما يتعلق بإشارة القرآن في كثير من آياته إلى حقائق علمية ثابتة كشف عنها العلم الحديث، ووافقت أحدث ما انتهى إليه الكشف العلمي في هذا العصر، مع أنها كانت مجهولة في عصرة النبوة وما بعده لقرون عديدة (٧).\nوقد ذكر د. عبد السلام تعريفًا فقال: \"تلك الموافقة بين المكتشفات الحديثة للسنن الإلهية، وبين ما أشار إليه القرآن مع تمام المطابقة بينهما\" (٨).\nب- الضوابط العلمية المنهجية للإعجاز العلمي:\n١ - اعتقاد أن القرآن كتاب هداية وإرشاد أولًا وليس كتاب علوم وكونيات.\n٢ - عدم الإفراط والتفريط عند النظر في الآيات الكونية، والاكتفاء بالحقائق العلمية في الاستدلال وعدم الاستدلال بالنظريات والفرضيات العلمية.\n٣ - الوقوف على مرونة الأسلوب القرآني في توضيح المضامين العلمية بحيث يحتمل ذلك الأسلوب وجوهًا من التأويل.\n٤ - عدم حصر دلالة الآية القرآنية على الحقيقة الواحدة، بل إبقاء الآية مفتوحة الدلالة بحيث تحتمل كل ما يتفق مع معناها.\n٥ - اليقين باستحالة التصادم بين الحقائق القرآنية والحقائق العلمية.\n٦ - اتباع المنهج القرآني في طلب المعرفة من خلال النظر في الآيات الربانية في الكون والنفس والآفاق والتعرف على سنن الله في هذا الوجود.\n٧ - الإعجاز العلمي يُثبت عالمية رسالة القرآن الكريم، وذلك لأن القرآن يدعو الناس في كل عصر لدين الله (٩).\nأمثلة على الإشارات العلمية في القرآن:\nأ- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، هذه الآية فيها من التهديد والوعيد\n_________\n(١) مباحث في إعجاز القرآن - أ. د. مصطفى السباعي - ص ١٦٢.\n(٢) الظلال ح ٥/ ٢٢٥٢.\n(٣) الإعجاز القرآني في تشريع الحدود.\n(٤) الموطأ للإمام مالك - ح ٢/ ٦٤٢ كتاب الأشربة باب حد الخمر - ص ٢٥.\n(٥) تفسير المنار - ح ١/ ٢٠٦، ٢٠٧.\n(٦) رواه الترمذي (جزء من حديث طويل) وقال عنه: حديث حسن.\n(٧) انظر ثقافة الداعية للقرضاوي - ص ١٥.\n(٨) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - ص ١٤.\n(٩) انظر هذه الضوابط بالتفصيل - الإعجاز العلمي - د. عبد السلام اللوح - ص ١٦٢ - ١٦٥.","vol":"1","page":102},{"text":"بعذاب أليم للكافرين يوم القيامة وجاء هذا العذاب في صورة تعذيب للجلود، فلماذا اختار الله سبحانه التعبير بعذاب الجلود دون غيره من ألوان العذاب، إن في ذلك لحكمة حيث استطاع العلم التوصل إلى وجود أوعية ناقلة للإحساس وهي تحت الجلد مباشرة وتصل على خمسة عشر نوعًا كل نوع له وظيفته وطبيعته، لهذا فإن الألم الذي يحصل لجسم الإنسان يذوقه كل الجسم.\nب قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥]، بفضل الطيران والبالونات استطاع الإنسان التعرف على ظاهرة طبيعية وهي نقص أوكسجين الهواء في طبقات الجو العليا حيث إن الصاعد يشعر بصعوبة وضيق في التنفس والآية القرآنية صرحت بهذه الظاهرة منذ زمن بعيد، وهذا يدعونا إلى الإيمان الراسخ بأن ما جاء به محمدٌ إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى (١).\nت- قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، فالرضاعة أوجبها الله سبحانه على الأم لأطفالها حفاظًا على الأطفال من الناحية الجسدية والنفسية والعقلية فقد تحدث الطب الحديث عن مقارنة بين الإرضاع الطبيعي والحليب الصناعي وذكر الآتي: -\n١ - أن مميزات اللبن الطبيعي أنه يتناسب من يوم لآخر عند الأم مع حاجة الطفل على مدار العامين الذي يرضع فيها الطفل.\n٢ - أما الإرضاع الصناعي فهو ثابت التركيز ولا يتناسب مع نمو الطفل، لذلك أشار الأطباء إلى أهمية إرضاع الطفل من أمه وخاصة في الأيام الأولى من ولادته لأن اللبن في هذه الفترة يحتوي على عناصر ومواد لها دخل كبير في تكوين المناعة من الأمراض عند الطفل.\n٣ - إن حليب الأم لا يحتاج إلى تعقيم ولا تعلق به الجراثيم بينما الحليب الصناعي فهو عرضة من خلال أي إساءة في استعمال الأدوات.\n٤ - لبن الأم أسهل في الهضم على الطفل من اللبن الصناعي حيث إن اللبن الصناعي يحتاج هضمه من ثلاث إلى أربع ساعات (٢).\nهذا بالإضافة لهذه الأنواع من الإعجاز يوجد أنواع أخرى منها: الإعجاز التاريخي، والإعجاز الأخلاقي، والإعجاز النفسي والروحي، والإعجاز التربوي، والإعجاز بأخبار الغيب والمستقبل وغير ذلك (٣).\nفيمكن القول بأن أوجه إعجاز القرآن هي:\n١ - النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب.\n٢ - الأسلوب العجيب المخالف لجميع الأساليب العربية.\n_________\n(١) انظر روح الدين الإسلامي - ص ٥٤، وانظر بالتفصيل أمثلة متنوعة - الإعجاز العلمي - د. عبد السلام اللوح - ص ١٦٦ - ٢٣٤.\n(٢) انظر لمحات في إعجاز القرآن - ص ٤٤ - ٤٥.\n(٣) إعجاز القرآن - أ. د. فضل عباس - ص ٢٥٠.","vol":"1","page":104},{"text":"٣ - الجزالة التي لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثلها.\n٤ - التشريع الدقيق الكامل الذي يفي بحاجات البشر.\n٥ - الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، التي لا تعرف إلا بالوحي.\n٦ - الوفاء بكل ما أخبر عنه القرآن من وعد ووعيد.\n٧ - عجز المخلوقين عن أن يأتوا بمثله.\n٨ - كونه محفوظًا من الزيادة والنقصان ومن التبديل والتغيير ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\n٩ - تيسيره للحفظ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\n١٠ - تأثيره في قلوب الأتباع والأعداء حتى قال قائلهم (١)، «والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وإنه ليعلو وما يعلى عليه وما تقوله بشر».\n١١ - كونه لا يمله قارئه ولا سامعه على كثرة الترديد بخلاف سائر الكلام (٢).\nوالقرآن أولًا وآخرًا هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم، وهذا وحده إعجاز، والقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، بلغه رسول الله لأمته امتثالًا لأمر ربه واحتوى القرآن على الأمر الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من الأحكام في غير موضع وبغير أسلوب ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\nكما وقد احتوى القرآن الكريم على كثير من نواحي الحياة المختلفة من ذلك ما يأتي:\n١ - العقائد التي يجب الإيمان بها في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر.\n٢ - الإرشاد إلى النظر والتفكر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء لتعرف أسرار الله في كونه وإبداعه في خلقه فتمتلئ القلوب إيمانا بعظمته عن نظر واستدلال لا عن تقليد ومجاورة.\n٣ - قصص الأولين أفرادا وأمما، فقد ورد في القرآن كثير من القصص الذي يثير الاعتبار والاتعاظ ويرشد إلى سنن الله في خلقه نجاة للصالحين وهلاكا للمفسدين.\n٤ - الأخلاق الفاضلة التي تهذب النفوس وتصلح من شأن الفرد والجماعة كالصبر والصدق والوفاء وأداء الأمانة مع التحذير من الأخلاق السيئة التي تودي بمعاني الحياة الإنسانية الفاضلة وتسبب لها الشقاء كالكذب والخيانة وإخلاف الوعد ونقض العهد.\n٥ - العبادات على اختلاف أنواعها من صلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد وجاء في ذلك ما يقرب من مائة وأربعين آية.\n٦ - نظام الأسرة كأحكام الزواج والطلاق وما يتبعها من مهر ونفقة وحضانة ورضاع ونسب وعدة ووصية وإرث، وجاء في ذلك ما يقرب من سبعين آية.\n_________\n(١) هو: الوليد بن المغيرة المخزومي، انظر: \"شعب الإيمان\" للبيهقي (١٣٤)، و\"تفسير البغوي\" (٢/ ٦٣٢).\n(٢) التبيان في علوم القرآن للصابوني (١٠٣) وانظر: البيان في إعجاز القرآن ومقدمة تفسير ابن جزي (١/ ٢٣).","vol":"1","page":106},{"text":"٧ - أحكام المعاملات المالية كالبيع والإجارة والرهن والمداينة والتجارة، جاء في ذلك ما يقرب من سبعين آية أيضا.\n٨ - أحكام الجنايات والحدود والسرقة والزنا والقذف ومحاربة الله في أرضه وجاء في ذلك ما يقرب من ثلاثين آية.\n٩ - أحكام الحرب والسلم وما يتبع ذلك من جهاد وغنيمة وأسر وعهود وجزية.\n١٠ - نظام الحكم فيما يجب على الحكام من الشورى والعدل والمساواة والحكم بما أنزل الله وما يجب على الناس لهم من طاعة.\n١١ - تنظيم الحياة الاجتماعية في علاقة الأغنياء بالفقراء فيما يحقق العدل الاجتماعي بين الناس، ولم يتفق العلماء على عدد آيات الأحكام وقيل إنها: خمس مائة آية أو قريب منها (١) والله ﷾ أعلم.\nوقد قال - ﷺ - «إنها ستكون فتنة» قيل: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم» (٢)، وورد في الحديث ما معناه: أن القرآن اشتمل على ذكر الحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه واعتبروا بأمثاله، وقال بعضهم: اشتمل القرآن على تسعة أشياء (٣):\nفقال: لا إنما القرآن تسعة أحرف ... سأنبئكما في بيت شعر بلا خلل\nحلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير عظة قصة مثل\nوأصل علوم القرآن ثلاثة: توحيد وتذكير وأحكام، فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير منه الوعد والوعيد والجنة والنار.\nوالأحكام منها التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار والأمر والنهي والندب، ولهذا كانت الفاتحة أم القرآن لأن فيها الأقسام الثلاثة، وسورة الإخلاص ثلثه لأن فيها أحد الأقسام وهو التوحيد (٤).\nوقال ابن جزي في مقدمة تفسيره: \"معاني القرآن سبعة:\n١ - علم الربوبية، ومنه إثبات وجود الباري ﷻ\nوالاستدلال عليه بمخلوقاته.\n٢ - والنبوة وإثبات نبوة الأنبياء ﵈ على العموم وإثبات نبوة نبينا محمد على الخصوص وإثبات الكتب التي أنزلها الله عليهم ووجود الملائكة الذين كانوا وسائط بين الله وبينهم.\n٣ - المعاد: وهو إثبات الحشر وذكر ما في الآخرة من الحساب والجزاء وصحائف الأعمال وكثرة الأهوال والجنة والنار.\n_________\n(١) تاريخ التشريع والفقه الإسلامي للشيخ مناع خليل القطان «(٦٧، ٦٨)».\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٠٦): ص ٥/ ٢٢،.\n(٣) نقلا عن: فضائل القرآن، عبد الله بن جار الله بن إبراهيم آل جار الله: ٣٢.\n(٤) «مختصر الإتقان في علوم القرآن» (٩٦ - ٩٨).","vol":"1","page":107},{"text":"٤ - الأحكام: وهي الأوامر والنواهي وتنقسم خمسة أنواع، واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح، ومنها ما يتعلق بالأبدان كالصلاة والصيام، وما يتعلق بالأموال كالزكاة وما يتعلق بالقلوب كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك.\n٥ - الوعد: ومنه وعد بخير الدنيا كالنصر على الأعداء والحياة الطيبة والأمن والاستقرار ومنه وعد بخير الآخرة كأوصاف الجنة ونعيمها.\n٦ - الوعيد: ومنه تخويف بالعقاب في الدنيا كالخوف والمرض والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ومنه وعيد، بعقاب الآخرة كعذاب القبر، وأهوال يوم القيامة، وشدة الحساب، ودخول النار، وتأمل القرآن تجد الوعد مقرونا بالوعيد كقوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] ليبعث على الخوف والرجاء.\n٧ - القصص: وذكر أخبار الأنبياء مع قومهم وماجرى لهم من نجاة المصدقين وهلاك المكذبين ليعتبر اللاحقون بالسابقين فلا يعملون مثل عملهم فيصيبهم ما أصابهم\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الثاني عشر: ترجمة القرآن الكريم بغير لغته</span>\nتطلق الترجمة في اللغة على: نقل الكلام من لغة إلى أخرى، جاء في لسان العرب: الترجمان بالضم والفتح هو الذي يترجم الكلام أي ينقله إلى لغة أخرى (٢).\nوالترجمة اصطلاحًا: تفسير الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، قال الجوهري: \"وقد ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>أقسام الترجمة </span>(٤):\nتنقسم الترجمة إلى قسمين: -\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>أولًا: الترجمة الحرفية:</span>\nوهي نقل الكلام من لغة إلى أخرى مع مراعاة الموافقة في النظم والترتيب، والمحافظة على جميع معاني الأصل المترجم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>ثانيًا: الترجمة المعنوية والتفسيرية:</span>\nوتعني شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع معاني الأصل المترجم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>موقف العلماء من ترجمة القرآن الكريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أولًا: الترجمة الحرفية لا تجوز وذلك:</span>\nلا يمكن ترجمة القرآن ترجمة تماثله في دقة تعبيره وعلو أسلوبه وجمال سبكه وإحكام نظمه وتقوم مقامه في إعجازه وتحقيق جميع مقاصده من إفادة الأحكام والآداب والإبانة عن العبر والمعاني الأصلية والثانوية ونحو ذلك مما هو من خواص مزاياه المستمدة من كمال\n_________\n(١) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٩).\n(٢) لسان العرب لابن منظور - ج ١٦ ص ١٤٠.\n(٣) القاموس المحيط - ج ٨ ص ٢١١.\n(٤) التفسير والمفسرون للذهبي - ج ١ ص ٢٤.","vol":"1","page":108},{"text":"بلاغته وفصاحته ومن حاول ذلك فمثله كمثل من يحاول أن يصعد إلى السماء بلا أجهزة ولا سلم أو يحاول أن يطير في الجو بلا أجنحة ولا آلات.\nلأن القرآن الكريم أنزله الله على العرب وهم أرباب اللغة والبيان فلم يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله، وهذا دليل واضح على إعجازه، فلو تُرجم القرآن ترجمة حرفية لضاعت خواص القرآن البلاغية ولنزل عن مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر والدليل على ذلك إذا أراد المترجم أن يترجم قوله تعالى ترجمة حرفية: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، أتى المترجم بكلام يدل على النهي عن ربط اليد في العنق وعن مدها غاية المد، مع مراعاة الترتيب في الأصل، ولكن هذه الترجمة لا توضح المقصد والمعنى الحقيقي لهذه الآية الكريمة، وعلى هذا: فالترجمة الحرفية لا يمكن أن تقوم مقام الأصل في تحصيل كل ما يقصد منه لما يترتب عليها من ضياع هذا الغرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>ثانيًا: الترجمة التفسيرية أو المعنوية:</span>\nأجازها العلماء وذلك لأن المترجم إذا أراد أن يترجم هذه الآية ترجمة تفسيرية، فإنه يأتي بالنهي عن التبذير والتقتير في أبشع صورة منفرة فتأتي منها بعبارة تدل على هذا النهي المراد في أسلوب يترك في نفس المترجم لهم أكثر الأثر في استبشاع التقتير والتبذير دون رعاية الأصل في نظم وترتيب الآية.\nإذن يمكن أن يعبر العالم عما فهمه من معاني القرآن حسب وسعه وطاقته بلغة أخرى ليبين لأهلها ما ما أدركه فكره من هداية القرآن وما استنبطه من أحكامه أو وقف عليه من عبره ومواعظه لكن لا يعتبر شرحه لتلك غير اللغة العربية قرآنًا ولا ينزل منزلته من جميع النواحي، بل هو نظير تفسير القرآن باللغة العربية في تقريب المعاني والمساعدة على الاعتبار واستنباط الأحكام، ولا يسمى ذلك التفسير قرآنًا، وعلى هذا يجوز للجنب والكفار مس ترجمة معاني القرآن بغير اللغة العربية، كما يجوز مسهم تفسيره باللغة العربية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>شروط الترجمة:</span>\nأولًا: أن تكون الترجمة على شاكلة التفسير، لا يعول عليها إلا إذا كانت معتمدة على علوم اللغة، وعلوم القرآن.\nثانيًا: معرفة المترجم لأوضاع اللغتين لغة الأصل ولغة الترجمة.\nثالثًا: معرفة أساليب وخصائص اللغتين.\nرابعًا: وفاء الترجمة بجميع معاني الأصل ومقاصده.\nخامسًا: أن يكتب القرآن أولًا، ثم يؤتى بعده بتفسيره، ثم يتبع هذا بترجمته التفسيرية حتى لا يتوهم متوهم أن هذه الترجمة ترجمة حرفية للقرآن\nسادسًا: أن يكون المترجم بعيدًا عن الميل إلى عقيدة زائفة تخالف ما جاء به القرآن، وهذا شرط في المفسر أيضًا.\nملاحظة: إن الكتابة للآيات بالحروف اللاتينية أو الإنجليزية التي تبقي الكلام القرآني كما هو لا يدخل في موضوع الترجمة وإنما هو كتابة خطية بحروف غير عربية.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الثالث عشر: فضائل القرآن</span>\nإن قراءة القرآن وتلاوته عبادة من العبادات مثلها مثل سائر العبادات، وهي من الذكر يؤجر القارئ على قرأته له، ولذلك حثنا رسول الله ﷺ على تلاوته ودلنا على عظيم أجره، وكثرة القراءة للقرآن تولد عند المسلم الذي يَستمتع بقراءته لذة بتلاوته، وراحة نفسية واطمئنان في القلب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وبتكرار القراءة بتلذذ فإن القارئ سوف يحاول أن يفهم ما يقرأ من القرآن بوعي وبصيرة .. فإذا فهم ما يقرؤه بوعي وبصيرة فإنه لاشك سوف يدخل إلى محراب التفكر والتدبر، ويبدأ بالتدبر لآيات الله في القرآن وعندها يكون عمل بمقتضاها عن علم ووعي وبصيرة.\nوللقرآن صفات عظيمة يعجز البشر عن حصرها، ولكن منها الصفات الآتية (١):\n١ - كتاب عام للعالمين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\n٢ - المعجزة العظمى، الذي تحدَّى الله به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو سورة واحدة، فعجزوا مجتمعين ومتفرقين عن الإتيان بشيء من ذلك، قال الله ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقوله تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]، وبعد هذا التحدّي عجزوا أن يأتوا بمثله، فمدَّ لهم في الحبل وتحدَّاهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، فعجزوا، فأرخى لهم في الحبل، وتحدّاهم بسورة مثله، قال الله تعالى: ﴿﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].\nوقد سمع هذا التحدِّي من سمع القرآن وعرفه الخاص والعام، ولم يتقدم أحد على أن يأتي بسورة مثله من حين بعث النبي - ﷺ - إلى هذا اليوم (٢) وإلى قيام الساعة، والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف آية ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز؛ ولهذا كان القرآن يُغني عن جميع المعجزات الحسِّية والمعنوية؛ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإعجازه في وجوه كثيرة: الإعجاز البلاغي والبياني، والإخبار عن الغيوب بأنواعها، والإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي الحديث؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر،\n_________\n(١) ينظر: عظمة القرآن وتعظيمه وأثره في النفوس في ضوء الكتاب والسنة، د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني (كتاب منشور في الشبكة الالكترونية). (بتصرف بسيط).\n(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، ٤/ ٧١ - ٧٧، والبداية والنهاية لابن كثير، ٦/ ٩٥.","vol":"1","page":110},{"text":"وإنما كان الذي أُتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" (١).\n٣ - هدى للمتقين: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].\n٤ - هدى للناس جميعًا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n٥ - يهدي للتي هي أقوم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠].\n٦ - روحٌ وحياةٌ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\n٧ - نور: يهدي به الله من يشاء من عباده: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].\n٨ - فرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\n٩ - شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين﴾ [يونس: ٥٧]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيد﴾ [فصلت: ٤٤].\n١٠ - القرآن تبيانٌ لكل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ [النحل: ٨٩].\n١١ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت: ١].\n١٢ - تكفَّل الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ [الحجر: ٩].\n١٣ - كتابٌ واضحٌ مبين: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ [المائدة: ١٦].\n١٤ - أُحْكِمَتْ آياته: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ (٢).\n١٥ - فُصِّلت آياته: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون﴾ [فصلت: ٢ - ٤].\n١٦ - تذكرةٌ لمن يخشى: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلًا مِّمَّنْ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، برقم ٤٩٨١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس، برقم ١٥٢.\n(٢) سورة هود، الآية: ١.","vol":"1","page":111},{"text":"خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٢ - ٤].\n١٧ - ما تَنَزَّلت به الشياطين: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُون * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُون﴾ [الشعراء: ٢٠٩ - ٢١٢].\n١٨ - آياتٌ بيِّناتٌ في صدور أهل العلم: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].\n١٩ - ذِكْرٌ وقرآنٌ مبين: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِين * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِين﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠].\n٢٠ - أحسن الحديث: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَاد﴾ [الزمر: ٢٣].\n٢١ - عليٌّ حكيم: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيم﴾ [الزخرف: ٤].\n٢٢ - بصائرُ للناس: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُون﴾ [الجاثية: ٢٠].\n٢٣ - قرآنٌ مجيدٌ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ [ق: ٢].\n٢٤ - قرآنٌ كريمٌ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم*فِي كِتَابٍ مَّكْنُون * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون*تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠].\n٢٥ - لو أنزله الله على الجبال لخشعت، وتصدَّعت من خشيته تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ [الحشر: ٢١].\n٢٦ - يهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيم، ومصدِّقٌ لما بين يديه: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم﴾ [الأحقاف: ٣٠].\n٢٧ - يهدي إلى الرُّشد: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا*يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ الجن: ١ - ٢].\n٢٨ - في لوحٍ محفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيد * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢].\n٢٩ - القرآن وصيَّة رسول الله - ﷺ -، فقد أوصى به في عدة أحاديث منها الأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -، فقد سُئل: هل أوصى رسول لله - ﷺ -؛ قال: \"أوصى بكتاب الله - ﷿ - \" (١).\nوالمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حِسًَّا ومعنىً، فيُكرم، ويُصان، ويُتّبع ما فيه، فَيُعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلُّمه، وتعليمه، ونحو ذلك (٢).\nالحديث الثاني: حديث جابر ﵄ في صفة حجة النبي - ﷺ -، وفيه أن النبي - ﷺ - قال في خطبته في عرفات: \" ... وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم ٢٧٤٠، ومسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، برقم ١٦٣٤.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٩/ ٦٧.","vol":"1","page":112},{"text":"السماء وينكتها إلى الناس: \"اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد ... \" (١).\nالحديث الثالث: حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع فقال: \"إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه ... \" (٢).\nالحديث الرابع: حديث زيد بن أرقم - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لهم في غدير خم [بين مكة والمدينة] (٣)، وفيه: \" ... وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور [هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\"، فحث على كتاب الله، ورغَّب فيه ... \" (٤).\nالحديث الخامس: حديث أبي ذر - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال: \"أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس الأمر كلِّه\"، \"قلت: يا رسول الله زدني، قال: \"عليك بتلاوة القرآن وذكر الله؛ فإنه نورٌ لك في الأرض وذخرٌ لك في السماء\" (٥).\nفقد جاءت هذه الأحاديث تدل على أن رسول الله - ﷺ - أوصى بكتاب الله تعالى في عِدَّةِ مواقف: في خطبة عرفات، وفي خطبة أيام منى، وفي خطبته في غدير خم بين مكة والمدينة، وعند موته - ﷺ -، وهذا يدل على أهمية كتاب الله - ﷿ -.\n٣٠ - والقرآن العظيم: من ابتغى الهُدى من غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، من عَلِم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم (٦).\n٣١ - وقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل القرآن على سائر كلام البشر، وهو كلام الله فمنها:\nمن فضائل القرآن أنه يشفع يوم القيامة لمن قرأه وعمل به في الدنيا، قال - ﷺ - \"اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه\" (٧).\nوقال - ﷺ -: \"يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا\" (٨).\nوخير الناس هم الذين تعلموا القرآن وعلموه لوجه الله قال - ﷺ -: \" خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ\" (٩).\nوعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"يجيء القرآن يوم القيامة يقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارق فيزاد بكل آية حسنة\" (١٠).\nوعن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه؛ أدخله الله به الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار» (١١).\nعن سهل بن معاذ الجهني أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا» (١٢).\nوروى البخاري عَنْ عَائِشَةَ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ\" (١٣).\nوعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران\" (١٤).\nوروى النسائي وابن ماجة والحاكم بإسناد صحيح عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ\"، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: \"هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ\" (١٥).\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: \"مَنْ إِذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) الحاكم، ١/ ٩٣، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٢٤، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٧٢.\n(٣) اسم لفيضة على ثلاثة أميال من الجحفة، غدير يقال له: غدير خم. [شرح النووي على صحيح مسلم].\n(٤) مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، برقم ٢٤٠٨.\n(٥) ابن حبان في صحيحه مطولًا، برقم ٣٦١، ٢/ ٧٨، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٦٤، برقم ١٤٢٢.\n(٦) انظر: الترمذي، برقم ٢٩٠٦، وكل ما جاء في هذا الأثر فمعناه صحيح حتى ولو لم يأتِ في حديث، لكن المعنى تدل عليه عموم الأدلة من الكتاب والسنة.\n(٧) صحيح مسلم (١/ ٥٥٣) برقم (٨٠٤)\n(٨) رَوَاه مُسْلِم (١/ ٨٠٥)، والتِّرمِذِي (٥/ ٢٨٨٣)\n(٩) رَوَاه البُخَارِي (٦/ ٥٠٢٧)، وأَبُو دَاوُد (٢/ ١٤٥٢).\n(١٠) صحيح الجامع (٨٠٣٠) (حديث حسن).\n(١١) أخرجه الترمذي، ومعنى استظهره، حفظه عن ظهر قلب.\n(١٢) أخرجه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد.\n(١٣) البخاري، ٤/ ١٨٨٢ رقم ٤٦٥٣.\n(١٤) مسلم ١/ ٥٤٩ رقم ٧٩٨.\n(١٥) ابن ماجة ١/ ٧٨ رقم ٢١٥. قال عنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح. المستدرك ١/ ٧٤٣ رقم ٢٠٤٦.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>أولا: - أنواع التفسير</span>\nالتفسير لغة واصطلاحا\nتدور معاني التفسير في اللغة حول الكشف، والإيضاح، والبيان للشيء.\nقال ابن فارس (١): \" (فَسَرَ) الفاء، والسين، والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه\" (٢).\nوقال ابن منظور (٣): \" (فسر) الفَسْرُ: البيان، فَسَر الشيءَ يفسِرُه بالكَسر وتَفْسُرُه بالضم فَسْرًا وفَسَّرَهُ: أَبانه ... وقوله ﷿: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، الفَسْرُ: كشف المُغَطّى والتَّفْسير كَشف المُراد عن اللفظ المُشْكِل، واسْتَفْسَرْتُه كذا، أَي سأَلته أَن يُفَسِّره لي\" (٤).\nوعُرِّف التفسير بأنه: \"الاستبانة، والكشف، والعبارة عن الشيء بلفظ أسهل وأيسر من لفظ الأصل\" (٥).\nوخلاصة القول أن معنى التفسير في اللغة: هو البيان، والإيضاح، والكشف بلفظ أسهل وأيسر.\nويعرف الإمام الزركشي (٦)، التفسير اصطلاحا بقوله: \"التفسير: هو علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد -ﷺ-، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه،\n_________\n(١) هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي، ولد في قرية كرسفة، منطقة رستاق الزهراء، كان أحد أئمة اللغة الأعلام نزيل همذان، كان من الرحالة في طلب العلم، توفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة للهجرة بالري ودفن بها، انظر: سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد الذهبي ١٧/ ١٠٣، تحقيق: مجموعة بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، (بدون).\n(٢) معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس ٤/ ٤٠٢، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\n(٣) هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي ثم المصري أبو الفضل يعرف بابن منظور، ولد سنة ثلاثين وستمائة، بمصر وقيل في طرابلس، خدم في ديوان الآثار بالقاهرة ثم ولي القضاء في طرابلس ثم رجع إلى مصر ومات فيها سنة إحدى عشرة وسبعمائة وترك من مختصراته بخطه خمسمائة مجلد، انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر، أبي الفضل أحمد بن علي العسقلاني الشافعي ٢/ ١٠٧، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد- الهند، ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م، ط/الثانية، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان.\n(٤) لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي ١١/ ١٢٨، دار صادر - بيروت، ط/الأولى.\n(٥) لسان العرب لابن منظور ١١/ ١٢٨.\n(٦) هو بدر الدين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي الإمام المصنف، ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخين: جمال الدين الأسنوي، وسراج الدين البلقيني وكان رحالة في طلب العلم، وكثير التصانيف، توفي بمصر ودفن بالقرافة، سنة أربع وتسعين وسبعمائة، انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٤٧٩، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن أحمد ابن العماد العكري الحنبلي ٦/ ٣٣٤، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير- دمشق، ط/١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":114},{"text":"وحِكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ\" (١).\nويرى الباحث أن الزركشي أطلق الفهم ولم يبين ضوابطه، ولم يصرح بأن السنة مفسرة لا في القول، ولا في الفعل، ولا في التقرير، وكرر بعض المعاني فالنحو والتصريف وعلم البيان كلها داخلة في علم اللغة.\nويقول الإمام السيوطي (٢): التفسير: \"علم نزول الآيات، وشؤونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها، ومدنيها، ومحكمها، ومتشابهها وناسخها، ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ومطلقها، ومقيدها، ومجملها، ومفسرها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وأمرها، ونهيها، وعِبرها، وأمثالها\" (٣)، ويبدو أن الإمام السيوطي ركز على أسباب النزول، وترتيب فروع القرآن من مدني، ومكي، ومحكم، ومتشابه ... الخ، ولم يهتم بجانب التفسير المشتمل على الفهم والبيان.\nوعُرَّف علم التفسير أيضًا بأنه: \"علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها، الإفرادية، ومعانيها التركيبية، وتفسير الشيء لاحق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه، قال أهل البيان: التفسير هو أن يكون في الكلام لبس، وخفاء فيؤتى بما يزيله ويفسره\" (٤).\nوهذا التعريف ركز على القراءات بشكل جوهري لكنه أشار إلى إيضاح تلك المدلولات بشكل إفرادي، وتركيبي، فهو قد تناول نوعين من التفسير: تفسير مفردات، وتفسير تراكيب، وعليه فإن هذا التعريف أقرب إلى الصواب من حيث استيعاب معنى التفسير عند أهله.\nوقال أبو حيان (٥): \"التفسير: علم يُبحثُ فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك\" (٦).\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ١/ ١٣، دار إحياء الكتب العربية\nط/ الأولى ١٣٧٦ هـ.\n(٢) هو عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان الخضيري الأسيوطي ولد في رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ونشأ في القاهرة يتيما، اشتغل بالعلوم وكان علما، توفى ليلة الجمعة لتسعة عشر يومًا خلت من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسعمائة للهجرة، وكان عمره إحدى وستين سنة، انظر: حسن المحاضرة في تأريخ مصر والقاهرة ص ١١٠، (بدون)، وطبقات المفسرين، أحمد بن محمد الأدنروي ص ٣٦٥ - تحقيق: سليمان بن صالح الخزي، مكتبة العلوم والحكم- المدينة المنورة، ط/الأولى ١٩٩٧ م.\n(٣) الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي ص ٤٣٥، تحقيق: سعيد المندوب، دار الفكر- لبنان ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n(٤) كتاب الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفومي ص ٢٦٠، تحقيق: عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة - بيروت- ط/ ١٤١٩ هـ.\n(٥) محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان، الإمام أثير الدين الأندلسي الغرناطي، النّفزي، نحويّ عصره ولغويّه ومفسّره، ولد بمطخشارس، مدينة من حاضرة غرناطة سنة أربع وخمسين، وستمائة للهجرة، من تصانيفه: البحر المحيط في التفسير، وغيره، توفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة، انظر: معجم الشيوخ، تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي ص ٤٧٢، تخريج: شمس الدين أبي عبد الله ابن سعد الصالحي الحنبلي، تحقيق: الدكتور بشار عواد- رائد يوسف العنبكي- مصطفى إسماعيل الأعظمي، دار الغرب الإسلامي، ط/ الأولى ٢٠٠٤ م.\n(٦) البحر المحيط، محمد بن يوسف أبوحيان الأندلسي ١/ ١٢١، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي معوض، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، ط/الأولى ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.","vol":"1","page":116},{"text":"والظاهر أن أبا حيان أورد نفس التعريف الذي سبقه، بدون زيادة، ثم قام بشرحه فقال: \"فقولنا: علم هو جنس يشمل سائر العلوم، وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءات، وقولنا: ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم، وقولنا: وأحكامها الإفرادية، والتركيبية هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، وقولنا: ومعانيها التي تحمل بها حالة التركيب: شمل بقوله التي تحمل عليها ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل على الظاهر صاد فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على الظاهر وهو المجاز، وقولنا: وتتمات لذلك، هو معرفة النسخ، وسبب النزول وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن ونحو ذلك\" (١).\nوخلاصة القول في تعريف التفسير اصطلاحًا: أنه علم يفهم به مراد الله في كتابه المنزل على محمد -ﷺ- من بيان لمعانيه، واستخراجٍ للحِكَم والأَحكَام عبر علوم وضوابط حددها العلماء سيأتي بيانها في أنواع التفسير.\nوهذا التعريف تحاشى فيه الباحث من الفهم بدون ضوابط، وعن التكرار الذي انتقدناه في تعريف الزركشي، وذِكْرِ جانبِ الفهم والبيان للألفاظ والتراكيب الذي أغفله السيوطي، وذكر العلوم والضوابط التي حددها العلماء إيضاحًا للتعريفين الأخيرين، والله أعلم.\nأنواع التفسير\nروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: \"التفسير أربعة: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تقره العرب بألسنتها، وتفسير تفسّره العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى\" (٢).\nوقال آخرون: التفسير ثلاثة أقسام: تفسير بالرواية، ويسمى التفسير بالمأثور، وتفسير بالدراية، ويسمى التفسير بالرأي. وتفسير الإشارة، ويسمى التفسير الإشاري، ويضيف بعضهم قسما رابعا، وهو تفسير باطني، ويسمى التفسير الباطني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>١ - التفسير بالمأثور (بالرواية)، وأقسامه:</span>\nوهو تفسير القرآن بالمنقول سواء كان قرآنًا أو مأثورًا عن النبي -ﷺ-، أو عن الصحابة، ومعتمد هذا التفسير هو النقل كتفسير ابن جرير الطبري (٣)، وغيره، وهذه هي إحدى طرق التفسير، قال ابن تيمية: \"فإن قال قائل: فما أحسن طرقُ التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أُجمِل في مكان فإنه قد فُسِرَ في موضع آخر،\n_________\n(١) المصدر نفسه ١/ ١٢٢.\n(٢) تفسير الطبري: (١: ٣٤)، وإيضاح الوقف والابتداء (١: ١٠١)، وقد اعتمد الطبري (ت: ٣١٠) على هذا الأثر في ذكر الوجوه التي من قِبَلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن.\n(٣) هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري الإمام الجامع للعلوم المجتهد، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين للهجرة في آمل طبرستان، ورحل إلى بغداد واستقربه المقام بها حتى توفى سنة عشر وثلاثمائة، انظر: طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي ٣/ ١٢٠، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي ود. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط/الثانية ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":117},{"text":"وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له .. وإذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن .. ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح والعمل الصالح ...، وإذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة\" (١).\nفقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين\" (٢)، وقال الإمام الزركشي: \"للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة:\nالأول: النقل عن النبي -ﷺ-، وهذا هو الطراز المعلم لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع فإنه كثير.\nالثاني: الأخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي -ﷺ- وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان.\nالثالث: الأخذ بمطلق اللغة؛ فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة منهم: أنس بن مالك، وأحمد بن حنبل.\nالرابع: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضب من قوة الشرع، وهذا هو الذي دعا به النبي -ﷺ- لابن عباس ﵄ في قوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" (٣) \" (٤).\nومن خلال كلام ابن تيمية يتضح أن التفسير لكتاب الله تعالى يكون بتفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ثم يرجع إلى أقوال كبار التابعين\nكمجاهد بن جبر (٥)، وهذا هو الذي يسمى بتفسير الرواية.\nومن كلام الزركشي يتبين أن التفسير عنده هو ما جاء تفسيره عن النبي -ﷺ-، أو نُقل تفسيره عن أحد الصحابة، أو عن تابعي إذا رفعه إلى الصحابي آخذًا بمطلق\n_________\n(١) هو أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، ولد بحرَّان سنة إحدى وستين وستمائة للهجرة، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربًا من غزو التتار، تلقى العلم حتى آلت إليه الإمامة، وتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، انظر: معجم المحدثين للذهبي محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله ص ١١، تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة، مكتبة الصديق- الطائف، ط/ الأولى ١٤٠٨ هـ.\n(٢) مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني ١٣/ ٣٦٣ - ٣٦٨، تحقيق: أنور الباز، وعامر الجزار، دار الوفاء، ط/ الثانية ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٥ م بتصرف.\n(٣) قوله - ﷺ -: (اللهم فقه في الدين) متفق عليه، في البخاري، باب: وضع الماء عند الخلاء ١/ ١٤٩، وفي مسلم باب: فضائل الصحابة ٧/ ١٥٨، وأما قوله: (وعلمه التأويل) فقد أخرجه أحمد في مسند ابن عباس ١/ ٢٣٥، أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، مؤسسة قرطبة - القاهرة، (بدون)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم، ومصنف ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي ٢/ ٥٢٠، تحقيق: محمد عوامة، دار القبلة (بدون).\n(٤) البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ١٥٦ - ١٦١، بتصرف يسير.\n(٥) هو مجاهد بن جبر الإمام أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي المقري المفسر الحافظ سمع سعدًا وعائشة، وأبا هريرة، وأم هانئ، وعبد الله بن عمر وابن عباس ولزمه مدة، وقرأ عليه القرآن وكان أحد أوعية العلم، روى عنه جمع غفير من التابعين وغيرهم، توفى سنة ثلاث ومائة وقد بلغ ثلاثًا وثمانين سنة، انظر: تذكرة الحفاظ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ١/ ٩٣، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية- بيروت ط/ الأولى ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":118},{"text":"اللغة، وبمقتضى معنى الكلام، وهذا شامل للتفسير عمومًا إلا أنه بَيَّنَ في الفقرتين الأولى والثانية سبيل التفسير بالرواية.\nويرى الباحث من كلام الزركشي أيضًا أن معتمد التفسير بالمأثور هو النقل، ويجب أن يكون هذا النقل صحيحًا؛ لأنه حذر من الضعيف، والموضوع إذ لا عبرة به عند جميع المفسرين.\nوقد عَرَّف بعضُ المعاصرين التفسير بالرواية فقال: \"هو ما جاء في القرآن، أو السنة، أو كلام الصحابة، بيانًا لمراد الله تعالى\" (١).\nوقيل: \"هو ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل، وما نقل عن الرسولﷺ-، وأصحابه، والتابعين مسندًا إلى من قبلهم على الصحيح\" (٢).\nوهذان التعريفان الأخيران هما خلاصة كلام الإمام ابن تيمية، وهو الراجح وهو ما سيقوم الباحث بشرحه في<span data-type=\"title\" id=toc-135> أقسام التفسير بالرواية</span>.\nأقسام التفسير بالرواية:\nمما سبق يمكننا أن نقسِّم التفسير بالرواية إلى الأقسام الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>أ- تفسير القرآن بالقرآن:</span>\nومثال هذا القِسْم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ] ﴿المائدة: ١﴾، جاء مفسرًا في قوله تعالى: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ﴿المائدة: ٣﴾\nوكذلك قوله تعالى: [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ] ﴿الدُخان: ٣﴾، جاء مفسرًا في قوله تعالى: [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ] ﴿القدر: ١﴾\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>ب- تفسير القرآن بالسنة:</span>\nومثال ذلك ما ورد عن ابن مسعود - (رضي الله تعالى عنه- قال: \"لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُّهتَدُونَ ﴿[الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ- وقالوا: يا رسول الله: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله -ﷺ-: \"ليس ذاك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قولَ لقمان لابنه: [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] ﴿لقمان: ١٣﴾ \" (٣).\nوفسر النبي -ﷺ- الصلاة الوسطى بصلاة العصر، فعن عبد اللَّه بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ\n_________\n(١) التبيان في علوم القرآن، محمد بن علي الصابوني ص ٧٥، دار الإرشاد- بيروت، ط/الأولى ١٣٩٠ هـ.\n(٢) علوم القرآن الكريم ص ٧٥، د/ نور الدين عترة، دمشق- الصباح، ط/ السادسة ١٤١٦ هـ.\n(٣) البخاري مع الفتح، باب: لا تشرك بالله ٨/ ٦٥١، مكتبة دار السلام، ط/الأولى ١٤١٨ هـ، ومسلم مع شرح النووي، باب: صدق الإيمان ١/ ٨٠، برقم (٣٢٣)، دار المعرفة، ط/ الثانية ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":119},{"text":"صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَوِ اصْفَرَّتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةِ الْعَصْرِ مَلأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>ت- تفسير القرآن بقول الصحابي:</span>\nإن الصحابة رضوان الله عليهم عايشوا التنزيل، وعرفوا بجملتهم في ماذا أنزلت الآيات، وأعانهم على ذلك أن القرآن نزل إليهم منجمًا، ولم ينزل دفعة واحدة، ليكون أرسخ للفهم، وأسهل في الامتثال والتطبيق.\nومثال ذلك تفسير ابن عباس لسورة النصر، وأنها علامةُ أجلِ النبي -ﷺ-، فعن ابن عباس قال: \"كان عمر يُدْخِلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدْخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممَّن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا لِيُرِيَهم مني، فقال: ما تقولون في قوله تعالى:: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ] ﴿النَّصر: ١﴾، حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفُتِحَ علينا، وقال بعضهم: لا ندري، فقال لي: يا ابن عباس أكذلك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه به: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ] ﴿النَّصر: ١﴾، فتح مكة، فذلك علامة أجلك [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ﴿النَّصر: ٣﴾، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>ث- تفسير القرآن بقول التابعي:</span>\nقد اختلف العلماء في تفسير التابعي هل هو من المأثور أم من التفسير بالرأي؟ بمعنى هل نحمله على أنه منقول عن الصحابة رضوان الله عليهم اللذين- عايشوا التنزيل- أم باجتهادٍ منهم.\nقال ابن تيمية: \"وقال شعبة بن الحجاج (٣): أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ ! يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يُرتَاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك\" (٤).\nولو رتب ابن تيمية الرجوع إلى لغة القرآن، والسنة، ثم إلى أقوال الصحابة، ثم إلى عموم لغة العرب لكان خيرًا من التخيير في الرجوع عند اختلاف أقوال التابعين.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة ٦/ ٨٩، برقم (٢٩٣١)، ومسلم مع شرح النووي باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ٥/ ١٢٩، برقم (١٤٥٨).\n(٢) البخاري مع الفتح، باب قوله: [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ﴿النَّصر: ٣﴾: ٨/ ٩١٩.\n(٣) هو شعبة بن الحجاج بن الورد الواسطي، أبو بسطام الأزدي العتكي، مولاهم، عالم أهل البصرة في زمانه، وأمير المؤمنين في الحديث، سكن البصرة، ورأى الحسن وسمع منه مسائل، وروى عن أنس وابن سيرين وغيرهم، ولد سنة اثنتين وثمانين، وتوفي سنة ستين ومائة للهجرة، وروى له الجماعة، انظر: الوافي بالوفيات، أبي الصفاء صلاح الدين خليل بن أيبك الألبكي الصفدي ٥/ ٢٠٦، تحقيق: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث- بيروت ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n(٤) مقدمة التفسير، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ص ٤٢، دار مكتبة الحياة-لبنان، ط/١٤٩٠ هـ.","vol":"1","page":120},{"text":"قال محمد الزرقاني (١): \"أما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء: منهم من اعتبره من المأثور؛ لأنهم تلقوه من الصحابة غالبًا، ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي، وفي تفسير ابن جرير الطبري كثيرٌ من النقول عن الصحابة والتابعين في بيان القرآن الكريم\" (٢).\nوقيل: \"وإنما أدرجنا في التفسير بالمأثور ما رُوِىَ عن التابعين- وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي- لأننا وجدنا كتب التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير الطبري وغيره، لم تقتصر على ما رُوِىَ عن النبي -ﷺ- وما رُوِىَ عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما نُقِل عن التابعين في التفسير\" (٣).\nومن خلال صنيع ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين، يتبين أن قول التابعين يعتبر من التفسير بالمأثور لقربهم من الذين شهدوا الوحي وتلقوا عنهم، خلافا لقول ابن تيمية، ومن أهم مؤلفات التفسير بالمأثور:\n-جامع البيان في تأويل آي القرآن، للإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري.\n- تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ ابن كثير البصري (٤).\n-الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي.\nومن أبرز جماعة التابعين ممن اشتهروا بمعرفة التفسير فبرعوا ونبغوا فيه:\n١ - سعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ)\n٢ - عكرمة (ت ١٠٧ هـ)\n٣ - مجاهد (ت ١٠١ أو ١٠٢ أو ١٠٣ أو ١٠٤ هـ)\n٤ - أبو العالية (ت ٩٠ هـ)\n٥ - قتادة (ت ١١٠ هـ)\n٦ - عامر الشعبي (ت ١٠٥ هـ)\n٧ - مسروق (ت ٦٣ هـ)\n٨ - الحسن البصري (ت ١١٠ هـ)\n٩ - الضحاك بن مزاحم (ت ١٠٥ أو ١٠٦ هـ).\nوقد استفادوا من تلك المنهجية العلمية الدقيقة التي بوأتهم مكانة مرموقة، فتصدروا مجالس العلم وبدأ بعضهم بتدوين التفسير فكانوا طليعة الفرسان في هذا الميدان، ففي عصرهم بدأ تدوين التفسير، وأول من قام بذلك سعيد ابن جبير الأسدي (ت ٩٥ هـ) عندما كتب الخليفة\n_________\n(١) هو محمد عبد العظيم الزرقاني، من علماء الأزهر بمصر، تخرج بكلية أصول الدين، وعمل بها مدرسًا لعلوم القرآن والحديث، وتوفي بالقاهرة عام سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة- الموافق ثمان وأربعين وتسعمائة وألف ميلادية، انظر: الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي ٦/ ٢١٠، دار العلم للملايين، ط/ الخامسة عشر ٢٠٠٢ م.\n(٢) مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد الزرقاني ٢/ ١٢، دار الفكر- بيروت، ط/الأولى ١٩٩٦ م.\n(٣) التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي ١/ ١٣٩، مكتبة وهبة- مصر، ط/ الأولى ١٤٠٩ هـ.\n(٤) هو الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء البصري ثم الدمشقي، فقيه مفسر مؤرخ، ولد سنة سبعمائة للهجرة، وتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، انظر: معجم المحدثين للذهبي ص ٤١، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، جمال الدين يوسف بن عبدالله، الملقب ابن تغري بردي ١/ ١٧٧، (بدون).","vol":"1","page":121},{"text":"الأموي عبد الملك بن مروان يسأل سعيد ابن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن وقد استجاب له فصنف التفسير وقد وجد عطاء بن دينار هذا التفسير في الديوان، فرواه عن سعيد وجادة (١).\nوفي هذا العصر انتشرت كتابة التفسير، روى الدارمي عن عمرو بن عون، أنا فضيل، عن عبيد المكتب قال: \" رأيتهم يكتبون التفسير عن مجاهد\" (٢).\nوأخرجه الخطيب البغدادي من طريق وكيع بن فضيل ابن عياض به (٣).\nوأخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أبي يحيى الكناسي قال: \"كان مجاهد يصعد بي إلى غرفته فيخرج إليّ كتبه فأنسخ منها\" (٤).\nأشهر تفاسير أتباع التابعين وما بعدهم\nوقد واكب هذا التدوينُ الفتحَ الإسلامي الذي امتدت أطرافه شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا مما أدى إلى اتساع انتشار هذا العلم إضافة إلى ذلك ازدياد الرحلات العلمية، وكان لتدوينه أيضًا أثر كبير في انتشاره وتداوله عند أهل العلم من صغار التابعين وأتباع التابعين مثل:\n١ - الضحاك بن مزاحم الهلالي (ت ١٠٥ هـ أو ١٠٦ هـ)\n٢ - ومقاتل بن سليمان البلخي (ت ١٠٥ هـ وقد طبع تفسيره (٥).\n٣ - وطاوس بن كيسان اليماني (ت ١٠٦ هـ)\n٤ - وقتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٠ هـ)\n٥ - ومحمد بن كعب القرظي (ت ١١٨ هـ)\n٦ - والسدي الكبير (ت ١٢٧ هـ)\n٧ - وعبد الله بن يسار المعروف بابن أبي نجيح (ت ١٣١ هـ)\n٨ - وعطاء الخراساني (ت ١٣٥ هـ وقد حققتُ قطعة من تفسيره (٦).\n٩ - وزيد بن أسلم العدوي (ت ١٣٦ هـ)\n١٠ - والربيع بن أنس البكري (ت ١٤٠ هـ)\n١١ - وعلي بن أبي طلحة (ت ١٤٣ هـ استخرج السيوطي أغلب صحيفة علي بن أبي طلحة من تفسيري الطبري وابن أبي حاتم (٧).\n١٢ - والأعمش سليمان بن مهران (ت ١٤٧ هـ أو ١٤٨ هـ) (٨).\nوكل هذه التفاسير قد أفرد لكل تفسير مؤلف جمعت في مرويات كل مفسر، وأغلبها رسائل جامعية.\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم عن أبيه في الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٢.\n(٢) السنن - باب من رخص في كتابة العلم ١/ ١٢٨.\n(٣) تقييد العلم ص ١٠٥.\n(٤) تقييد العلم ص ١٠٥.\n(٥) حققه د. عبد الله محمود شحاتة وطبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة. .\n(٦) نشرته مكتبة الدار بالمدينة المنورة.\n(٧) انظر الإتقان ٢/ ٦ - ٤٦، والصحيح المسبور في التفسير بالمنثور: ١/ ١٧.\n(٨) كل هؤلاء المفسرين لهم تفاسير ذكرت في كتب طبقات المفسرين للسيوطي والداوودي وعمر نزيه التركي -باللغة التركية- ومعجم المفسرين لعادل نوهيض، وكتب فهارس التراث مثل كشف الظنون وفهرست ابن النديم وتاريخ التراث لسزكين وكتب الإجازات مثل المعجم المفهرس لابن حجر.","vol":"1","page":122},{"text":"وغيرهم من المفسرين المتقدمين فقام هؤلاء بجمع نسخ وروايات وصحف كبار التابعين وتدوينها فسطع قبس التفسير في أرجاء العالم الإسلامي آنذاك ثم أزداد تألقًا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري حيث استنار العلماء الذين تلقوا هذا العلم من شيوخهم واعتنوا به فحفظوه أو كتبوه ثم رووه لتلاميذهم فتوسعت حركة تدوين التفسير وظهرت تفاسير مشابهة للتفاسير المتقدمة وقد تكون أوسع منها مثل: تفسير سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) (١).\n١٣ - وتفسير معاوية بن صالح (ت ١٥٨ هـ أو ت ١٧٢ هـ) وهو الراوي لصحيفة علي بن أبي طلحة.\n١٤ - وتفسير شيبان بن عبد الرحمن النحوي (ت ١٦٤ هـ) وهو راوي التفسير عن قتادة.\n١٥ - وتفسير نافع بن أبي نعيم القارئ (ت ١٦٧ هـ أو ١٦٩ هـ) (٢).\n١٦ - وتفسير أسباط بن نصر الهمداني (ت ١٧٠ هـ) وهو الراوي لتفسير السدي.\n١٧ - وتفسير مالك بن أنس إمام دار الهجرة (ت ١٧٩ هـ).\n١٨ - وتفسير مسلم بن خالد الزنجي (ت ١٧٩ هـ) (٣).\n١٩ - وتفسير عبد الله بن المبارك المروزي (ت ١٨١ هـ).\n٢٠ - وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت ١٨٢ هـ).\n٢١ - وتفسير هشيم بن بشير السلمي (ت ١٨٣ هـ).\n٢٢ - وتفسير يحيى بن يمان العجلي (ت ١٨٩ هـ)، وقد حققتُ قطعة من تفسيره (٤).\n٢٣ - وتفسير إسماعيل بن علية (ت ١٩٣ هـ).\n٢٤ - وتفسير يحيى بن سلام البصري (ت ٢٠٠ هـ) (٥).\nوفي هذا العصر ازدادت كتب التفسير وبقيت على هيئة أجزاء ونسخ كتفسير الإمام مالك بن أنس فقد وصفه ابن كثير (٦) والذهبي (٧) وابن حجر (٨) والروداني (٩) بأنه جزء وكذلك التفاسير التي تقدمت في القائمة السابقة حيث ذكرت الموجودة منها وكلها على هيئة أجزاء ونسخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>أشهر تفاسير القرن الثالث والرابع</span>\nوفي القرن الثالث والرابع الهجري دخل التفسير في مرحلة جديدة وهي مرحلة الموسوعات الجامعة في التفسير، فظهرت تفاسير ضخمة مروية ومستوعبة لكثير من الأجزاء والنسخ المبثوثة في رحاب العالم الإسلامي آنذاك ذلك العالم الذي استطاعت حضارته أن تجمع وتؤلف بين العرب والعجم والبربر تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول\n_________\n(١) مطبوع في جزء واحد.\n(٢) نشرت مكتبة الدار بالمدينة المنورة.\n(٣) نشرت مكتبة الدار بالمدينة المنورة.\n(٤) نشرته مكتبة الدار بالمدينة المنورة.\n(٥) توجد منه أجزاء مخطوطة في المغرب وقد حققتْ في تونس.\n(٦) انظر التفسير ٢/ ١٩٢.\n(٧) انظر سير أعلام النبلاء ٨/ ٨٠.\n(٨) المعجم المفهرس ل ٤٤ ب.\n(٩) صلة الخلف بموصول السلف ص ٤٣، ٤٤.","vol":"1","page":123},{"text":"الله، ولهذا جاءت بعض تفاسير العلماء حافلة بتفاسير السابقين وشاملة للقرآن كله وذلك بسبب انتشار العجمى ومن هذه التفاسير:\n١ - تفسير عبد بن حميد الكشي (ت ٢٤٠ هـ) (١).\n٢ - تفسير ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ).\n٣ - تفسير ابن المنذر النيسابوري (ت ٣١٨ هـ) (٢)\n٤ - تفسير ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧ هـ) (٣).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه التفاسير عند كلامه عن الذين اعتنوا بجمع التفسير المسند من طبقة الأئمة الستة فساق أسماءهم -وذكر أولهم بأنه من طبقة شيوخهم- ثم قال: فهذه التفاسير الأربعة قل أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين، وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها ... (٤).\nوكذلك ابن أبي حاتم فقد حاول أن يفسر كل آية بل كل كلمة وحرف وقد يسوق أكثر من عشرة أوجه في الكلمة الواحدة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>ومن هذه التفاسير الموسوعية أيضًا:</span>\n١ - تفسير الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١ هـ).\nوتفسيره ضخم حافل بمائة وعشرين ألف رواية، صرح بهذا الرقم أبو الحسين بن المنادي في تأريخه فيما رواه عنه القاضي أبو الحسين أبو يعلى حيث ذكر عبد الله وصالح ابني الإمام أحمد فقال: كان صالح قليل الكتاب عن أبيه، فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه أكثر منه لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفًا، والتفسير وهو مئة ألف وعشرون ألفًا سمع منها ثمانين ألفًا والباقي وجادة ... (٦) ونقله أيضًا الخطيب البغدادي (٧) والذهبي (٨)، وأبو موسى المديني في خصائص المسند (٩)، وصرح بهذا الرقم ابن الجوزي (١٠).\nوقد ذكر هذا التفسير ابن النديم (١١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (١٢)، والداوودي (١٣)، ومحمد السعدي الحنبلي (ت ٩٠٠ هـ) (١٤)، وحصل الروداني المغربي على إجازة روايته\n_________\n(١) توجد منه قطعة في حواشي تفسير ابن أبي حاتم في المجلد الثاني.\n(٢) توجد منه قطعة في ألمانيا الشرقية - مكتبة جوتا.\n(٣) يوجد نصفه تقريبًا وقد حقق في جامعة أم القرى.\n(٤) العجاب في بيان الأسباب د-٣.\n(٥) انظر تفسير سورة آل عمران رقم ١٨١ - ١٩٨ عند قوله تعالى (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَة).\n(٦) طبقات الحنابلة ١/ ١٨٣.\n(٧) تاريخ بغداد ٩/ ٣٧٥.\n(٨) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٢٨، ٣٢٩.\n(٩) ص ٢٣ من مقدمة أحمد شاكر لمسند أحمد.\n(١٠) مناقب الإمام أحمد ص ٢٤٨.\n(١١) لفهرست ص ٢٨٥.\n(١٢) الفتاوي ٦/ ٣٨٩، ١٣/ ٣٥٥ ودرء تعارض العقل والنقل ٤/ ٢٢٨.\n(١٣) طبقات المفسرين ٢/ ٢٢.\n(١٤) الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد في بداية عرضه لمؤلفات الإمام أحمد.","vol":"1","page":124},{"text":"فذكره في ثبته ثم ساق إسناده إلى الإمام أحمد بن جعفر القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه (١).\nولكن الإمام الذهبي أنكر وجود هذا التفسير، فبعد أن ذكر قول ابن المنادي قال: لكن ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا التفسير ولا بعضه ولا كراسة منه ولو كان له وجود أو لشيء منه لنسخوه ... (٢).\nويبدو أن الإمام الذهبي لم يحظ بجزء أو كراسة من تفسير الإمام أحمد علما بأن جزءا من تفسير أحمد كان موجودا في زمنه حيث نقله بنصه وفصه الإمام ابن قيم الجوزية -وهو معاصر للذهبي وتوفي ابن القيم سنة (٧٥١ هـ) أي بعد وفاة الذهبي بثلاث سنوات- فقال ابن القيم بدائع الفوائد: \"ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد. ثم ساقه بأكمله في تسع صفحات\" (٣) إضافة إلى ذلك أن الحافظ ابن حجر أفاد من تفسير أحمد وصرح بنقله منه (٤).\nوالحق أن تفسير الإمام أحمد لم يشتهر كشهرة مسنده الذي ذاع صيته في الآفاق وكثر قصاده إلى العراق (٥).\n٢ - التفسير الكبير لأمير المؤمنين محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح (ت ٢٥٦ هـ).\nذكر بروكلمان نسخة منه في باريس -المكتبة الوطنية- وقطعة منه في الجزائر في المكتبة الوطنية أيضًا (٦). ولعلها من صحيح البخاري.\nوقد سألت عن هاتين النسختين فلم أجد أحدا رآهما! ! ويبدو من عنوانه أنه تفسير كبير.\n٣ - تفسير أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازى (ت ٢٥٨ هـ).\nقال إبراهيم بن محمد الطيان: سمعت أبا مسعود يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة وخمسين رجلا أدخلت في تصنيفي ثلاث مئة وعشرة وعطلت سائر ذلك وكتبت ألف ألف حديث وخمس مئة ألف حديث فأخذت من ذلك ثلاث مئة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيره (٧).\n٤ - تفسير القرآن الكريم لابن ماجة القزويني (ت ٢٧٣ هـ).\nوصفه ابن كثير بالحافل فقال: ولابن ماجة تفسير حافل (٨).والحافل الكثير الممتلئ (٩).\nوذكره ابن خلكان والمزي والذهبي والداوودي (١٠).\n_________\n(١) صلة الخلف ص ٣٩.\n(٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٢٢ وانظر ١١/ ٣٢٨، ٣٢٩.\n(٣) بدائع الفوائد: ٣/ ١٠٨ - ١١٦.\n(٤) انظر مثلا تغليق التعليق ٤/ ٢٢٨.\n(٥) انظر: الصحيح المسبور في التفسير بالمأثور: ١/ ٢٠ - ٢١.\n(٦) تاريخ الأدب العربي ٣/ ١٧٩.\n(٧) انظر تهذيب الكمال ١/ ٤٢٥.\n(٨) البداية والنهاية ١١/ ٥٢.\n(٩) الصحاح ٤/ ١٦٧٠ والنهاية ١/ ٤٠٩.\n(١٠) انظر وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٩ وتهذيب الكمال ٤/ ٩٠، ٧/ ٤١٣ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٧ وطبقات المفسرين ٢/ ٢٧٤.","vol":"1","page":125},{"text":"٥ - التفسير الكبير لإسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المشهور بابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ).\nويبدو أنه كبير من عنوانه. ذكره ابن النديم والخطيب البغدادي والسمعاني والداوودي (١).\n٦ - التفسير لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥ هـ)، قال الذهبي في ترجمته: \"مصنف التفسير الكبير\" (٢). وهو كسابقه وذكره ابن حجر والداوودي (٣).\n٧ - التفسير لابن أبي داود عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني ت ٣١٦ هـ. روى المفسر أبو بكر النقاش أنه سمع أبا بكر بن أبي داود يقول: \"إن في تفسيره مائة ألف وعشرين ألف حديث\" (٤).\nوذكر هذا التفسير الخطيب البغدادي والعليمي والداوودي (٥).\n٨ - التفسير لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (ت ٣٦٠ هـ).\nقال الداوودي في طبقات المفسرين: وله تفسير كبير. ا. هـ.\nوقد جمعت روايات تفسيرية من معاجمه الثلاثة وكتاب الدعاء، ومكارم الأخلاق، وجزء من سمع من عطاء. كلها للطبراني المذكور.\n٩ - تفسير القاضي أبي محمد إسحاق بن إبراهيم بن إسحاق البستي (ت ٣٠٧ هـ).\nولهذا التفسير مزايا كبرى (٦):\nأولها: أن أغلب أسانيده على شرط الصحيحين.\nثانيها: أن مؤلفه طويل النفس في إيراد الأحاديث والآثار وعمله كصنيع ابن أبي حاتم في التفسير بالمأثور المجرد من أي قول آخر.\n١٠ - تفسير عمر بن أحمد بن عثمان المشهور بابن شاهين ت ٣٨٥ هـ.\nقال الخطيب البغدادي في ترجمته: له التفسير الكبير. ا. هـ.\nوتفسيره كبير كما وصف حيث احتوى على تفاسير منها تفسير أبي الجارود (٧).\nوقال الكتاني: وهو في ألف جزء ووجد بواسط في نحو من ثلاثين مجلدا\" (٨).\nفهذه نماذج من كتب التفسير في ذلك العصر الذي برز فيه صرح التفسير بالمأثور شامخا مسندا كاملا للقرآن الكريم، فقد تكاملت أسسه التي أرسيت بثمار تلك الجهود المباركة السابقة، فاجتمعت مع جهود المتقدمين عنايةُ اللاحقين حيث جمعوا وأضافوا ونقدوا، وكان جميعهم عاكفين على هذا العلم، وعضوا عليه بالنواجذ لأنه جمع بين القرآن والسنة، وقد زاد\n_________\n(١) انظر الفهرست ص ٢٦٨، وتاريخ بغداد ٨/ ٣٦٩، والتحبير في المعجم الكبير ٢/ ١٩٠، وطبقات المفسرين ١/ ١٠٣.\n(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠١.\n(٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٨١ وطبقات المفسرين ١/ ٧.\n(٤) انظر سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٨١ ولسان الميزان ٣/ ٢٩٥.\n(٥) انظر تاريخ بغداد ٩/ ٤٦٤ والمنهج الأحمد ٢/ ١٥ وطبقات المفسرين ١/ ٣٣٦، ٣٣٧.\n(٦) انظر: الصحيح المسبور في التفسير بالمنثور: ١/ ٢٤.\n(٧) انظر تاريخ بغداد ١١/ ٢٦٧.\n(٨) الرسالة المستطرفة ص ٧٦، ٧٧.","vol":"1","page":126},{"text":"اهتمامهم عندما تلوث هذا العلم بالدخيل بسبب تساهل بعض العلماء في إيرادهم الإسرائيليات بأنواعها، وبسبب صنيع الزنادقة والقصاص والكذابين وأهل الأهواء فوقع التحريف والتأويل والوضع.\nأخرج ابن عساكر عن ابن علية قال: \"أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله ﵌ كلها ما فيها حرف نطق به؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا؟ \" (١).\nولهذا انبرى جهابذة السلف إلى نقد الروايات والتفتيش عن الأسانيد، وقد بدأ هذا التحري بعد اندلاع الفتنة في خلافة عثمان - ﵁ - أو في زمن ابن الزبير وقد رجح الرأي الأخير مؤرخ السيرة أ. د. أكرم ضياء العمري (٢).\nأخرج مسلم في صحيحه بسنده عن محمد بن سيرين: قال: \"لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم\" (٣).\nفكان أهل السنة بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أن يأتي بدخيل ولهذا وضعوا ضوابط محكمة وقواعد دقيقة للرواية.\nقال محمد بن حاتم بن المظفر: ... وهذه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تناهى أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأضبط فالأضبط والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطون حروفه ويعدوه عدا ... \" (٤).\nهكذا كان منهجهم في الرواية والتصنيف واستمر الحال على ذلك إلى القرن الثالث والرابع الهجري وكان أكثر المفسرين المصنفين يروون بالإسناد، فبرأوا ذمتهم لأنهم سموا شيوخهم ورواتهم وكانوا يميزون بين الصحيح والسقيم، وبعضهم يرى وجوب هذا التمييز بل وجوب نقد الرواة لمعرفة الثقة من الضعيف مثل ابن أبي حاتم وهو الذي صنف موسوعته في الجرح والتعديل من أجل بيان الثابت من التفسير ومن سنن البشير النذير ﷺ التي تبين القرآن الكريم، فها هو يقول في تقدمة الجرح والتعديل: \" فلما لم نجد سبيلا إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله ﷺ إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة\" (٥).\n_________\n(١) انظر تاريخ الخلفاء ص ٢٩٣.\n(٢) انظر بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص ٤٨ - ٥٠.\n(٣) المقدمة - باب بيان أن الإسناد من الدين ١/ ١٥.\n(٤) رواه السخاوي من طريق أبي العباس الدغولي عنه (فتح المغيث ٣/ ٣).\n(٥) مقدمة الجرح والتعديل ص ٥ ..","vol":"1","page":127},{"text":"إن هذا المنهج الدقيق وتلك الحلقات التفسيرية كانت متصلة من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع الهجري، وبدخول القرن الخامس الهجري بدأ تدريجيا إهمال الأسانيد بحذفها أو باختصارها مما ساعد على شيوع الإسرائيليات ورواج الأحاديث الواهية والموضوعة ونسب الأقوال الباطلة إلى الصحابة والتابعين، وهم برآء منها، وكانت فرصة سانحة للكذابين والوضاعين والزنادقة وأهل الأهواء، فاختلط الصحيح بالسقيم والحق بالباطل وانتشر ذلك في كتب لتفسير بالمأثور، ولم يسلم منها إلا القليل كتفسير البغوي (١) وابن كثير وعبد الرزاق بن رزق الرسعني (ت ٦٦١ هـ) (٢) الذي روى أغلب تفسيره بإسناده واستمر الحال على ذلك إلى يومنا هذا (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>٢ - التفسير بالدراية:</span>\nإن هذا النوع من التفسير يقوم على الاجتهاد، وإعمال النظر اعتمادًا على علوم اللغة، وأصول الدين، والفقه ما لم يعارض المأثور وإلا اعتبر فاسدًا، قال أبو محمد البغوي (٤): \"هو صرف الآية إلى معنى محتملٍ موافق لما قبلها، وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط\" (٥).\nوقال الزركشي بعد أن ساق كلام البغوي: \"قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير وقد رخص فيه أهل العلم؛ وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: (١٩٥)]، قيل: هو الرجل يحمل في الحرب على مائة رجل، وقيل: هو الذي يقنط من رحمة الله، وقيل: الذي يمسك عن النفقة، وقيل: هو الذي ينفق الخبيث من ماله، وقيل: الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس، ولكلٍ منه مخرج\" (٦).\nوأما المراد بالدراية في التفسير، فهو: \"المراد بالرأي هنا الاجتهاد، فإن كان الاجتهاد مُوَفَّقًا- أي مستندًا إلى ما يجب الاستناد إليه- بعيدًا عن الجهالة والضلالة فالتفسير به محمود، وإلا فمذموم\" (٧)، وقيل: \"هو القول في القرآن بالاجتهاد المبني على أصول صحيحة، وقواعد سليمة متبعة يجب أن يأخذ بها من أراد الخوض في تفسير الكتاب، أو التصدي لبيان معانيه\" (٨).\nوقيل: \"هو تفسير القرآن بالاجتهاد اعتمادًا على الأدوات التي يحتاج إليها المفسر، وهي علم اللغة العربية، وعلم النحو، والصرف، والاشتقاق، وعلوم البلاغة وعلم القراءات،\n_________\n(١) ساق أغلب أسانيده في مقدمة كتابه.\n(٢) انظر الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٦ والأعلام ٣/ ٢٩٢.\n(٣) انظر: الصحيح المسبور في التفسير بالمأثور: ١/ ٢٨.\n(٤) أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، البغوي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وأربعمائة للهجرة صاحب التصانيف، محيي السنة، محدِّث فقيه مفسر، كان سيدًا إمامًا، زاهدًا، من مصنفاته: شرح السنّة، ومعالم التنزيل، والمصابيح، وغيرها، توفى سنة عشر وخمسمائة للهجرة، انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، ط/ الأولى ١٩٩٤ م.\n(٥) معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ١/ ٤٦، تحقيق: محمد النمر، وعثمان جمعة، وسليمان الحرش، دار طيبة، ط/ الرابعة، ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م.\n(٦) البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ١٥٠.\n(٧) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ٢/ ٤٩.\n(٨) التبيان في علوم القرآن للصابوني: ٧٨.","vol":"1","page":128},{"text":"وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلم القصص، وعلم الموهبة (١)، والأحاديث المبينة للتفسير، مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ\" (٢).\nنستنتج مما سبق بأن تفسير الدراية: هو تفسير القرآن وفقًا لقواعد صحيحة من اللغة، بحيث لا يخالف نصًا من الرواية الصحيحة، ولا أصلًا من الأصول الشرعية، وعليه فإن تفسير الدراية يشمل عدة اتجاهات، سأذكر بعضها في المطلب التالي مع التركيز على التفسير البلاغي، وأهميته؛ لأن موضوعنا في هذه الدراسة متعلق به، كونها ستتناول الجملة القرآنية من ناحية التأسيس والتأكيد، وأثر ذلك على معنى الآية القرآنية.\nوقد اختلف العلماء في جواز التفسير بالدراية إلى قولين:\nالأول: عدم جواز تعاطي تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له أن ينتهي إلا إلى ما روي عن النبي -ﷺ-، أو إلى صحابته الآخذين عنه، ومن أخذ عنهم من التابعين.\nالثاني: جواز تفسير القرآن بالدراية، ولكن بشروط كما سيأتي.\nفمن ذهب إلى عدم جواز التفسير بالرأي استدل بالآتي:\nعن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ\" (٣).\nوفي رواية أخرى: \"ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" (٤).\nما روي عن بعض الصحابة، وبعض التابعين من التحرج في تفسير القرآن، فمن ذلك ما ورد عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- أنه سُئِلَ عن تفسير حرف من القرآن فقال: \"أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله؟ ! وفي رواية: \"إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم\" (٥).\nما ورد عن عدد من التابعين التمنع من التفسير بالرأي (٦).\n_________\n(١) الموهبة: غديرُ ماءٍ صغيرٌ وقيل نُقْرة في الجبل يستَنقِع فيها الماءُ، وتطلق على العطيَّةُ والهبة، انظر: ... لسان العرب ١/ ٨٠٣. والمراد بالموهبة هنا من أعطاه الله ملكة يتذوق بها الألفاظ والمعاني فيفسرها.\n(٢) علوم القرآن الكريم لنور الدين عترة ص ٧٥.\n(٣) سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي السلمي ٥/ ٢٠٠، باب: الذي يفسر القرآن برأيه، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي- بيروت، وسنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني ٣/ ٢٥٨، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم، دار الكتاب العربي- بيروت، (بدون).\n(٤) رواه الترمذي ٥/ ١٩٩، وقال: حديث حسن، قال الألباني: وفيه نظر، ففي سنده عبد الأعلى أبو عامر الثعلبي فقد أورده الذهبي في \"الضعفاء\"، وقال: \"ضعفه أحمد وأبو زرعة\"، وقال الحافظ في التقريب: \"صدوق، يهم\"، وفي سند الترمذي سفيان بن وكيع، لكنه قد توبع من جماعة، ولذلك قال المناوي: \"رمز المصنف لحسنه، اغترارًا بالترمذي، قال ابن القطان: ينبغي أن يضعف، إذ فيه سفيان بن وكيع، وقال أبو زرعة: متهم بالكذب، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني ٤/ ٢٦٥، دار المعارف- الرياض، ط/الأولى ١٤١٢ هـ- ١٩٩٢ م، وأخرجه أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني في المسند ١/ ٢٦٩ و٢٩٣، وأخرجه أبو يعلى في مسنده، أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي ٢/ ١٢٦، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، ط/ الأولى ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n(٥) المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، باب: من كره أن يفسر القرآن ٦/ ١٢٦، تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد- الرياض، ط/ الأولى ١٤٠٩ هـ.\n(٦) منهم:\nأ- سعيد بن المسيب وقد كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: \"أنا لا أقول في القرآن شيئا\"، وكان سعيد إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت، وكأن لم يسمع شيئا. انظر: فضائل القرآن للقاسم بن سلام، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم البغدادي ٢/ ٢٥٧، تحقيق: مروان العطية - محسن خرابة - وفاء تقي الدين، دار ابن كثير- دمشق، ط/ ١٤٢٠ هـ.\nب- الإمام الشعبي قال: (ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت): القرآن والروح والرؤى، انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري ١/ ٨٧، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط/ الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\nج- محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة: يعني السلماني عن آية من القرآن فقال: \"ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد\"، انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ١٧٩.\nد- ما روي عن مسروق: أنه قال: \"اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله\"، انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ٢/ ٣٢٠، تحقيق: أنور الباز- عامر الجزار، دار الوفاء، ط/ الثالثة ١٤٢٦ هـ / ٢٠٠٥ م.","vol":"1","page":129},{"text":"وقد ناقش المجيزون للتفسير بالرأي هذه الأدلة فقالوا:\nأما الحديث: ففي صحته وثبوته نظر؛ فقد قال الترمذي (١) بعد أن رواه: هكذا رُوِي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-، وغيرهم أنهم شددوا في أن يُفَسرَ القرآنُ بغير علم، وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة (٢) وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد رُوِي عنهم ما يدل على ما قلنا - أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم - وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم (٣) \" (٤).\nوقد ذكر الإمام السيوطي التفسير بالرأي المحرم بقوله: \"وجملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال:\nأحدها: التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير.\nالثاني: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.\nالثالث: التفسير المقَرِر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تابعًا.\nالرابع: التفسير بأن مراد الله كذا على القطع من غير دليل.\nالخامس: التفسير بالاستحسان والهوى\" (٥).\n_________\n(١) هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي الحافظ أبو عيسى الترمذي الضرير مصنف الكتاب الجامع، ولد سنة بضع ومائتين، أخذ علم الحديث عن أبي عبد الله البخاري، وروى عنه حماد بن شاكر وآخرون، وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، توفي ثالث عشر رجب بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين وقيل: خمس وسبعين، انظر: الوافي بالوفيات ٢/ ٥٤، وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٨.\n(٢) هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز البصري، حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه، مات بواسط في الطاعون، سنة ثماني عشرة ومائة للهجرة، انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩.\n(٣) هو سهيل بن أبي حزم القطيعي ضعيف، و\"قد ضعفه الجمهور، قال ابن حبان: يتفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات\"، انظر: المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبان ابن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي ١/ ٣٩٠، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي- حلب، ط/الأولى ١٣٩٦ هـ.\n(٤) سنن الترمذي ٥/ ٢٠، تحقيق: أحمد شاكر، ومذيل بحكم الألباني على الأحاديث، دار الكتاب العربي- بيروت، (بدون).\n(٥) الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي ص ٢٢٠، بتصرف.","vol":"1","page":130},{"text":"وعليه فإن التفسير المذموم المردود هو التفسير بالرأي المحرم الذي ذكره الإمام السيوطي، وهذا النوع من التفسير كثيرًا ما يشتمل على المرويات الواهية، والباطلة، و\"أما التفسير المقبول فهو التفسير المبني على المعرفة بالعلوم اللغوية، والقواعد الشرعية، والأصولية، وعلم السنن، والأحاديث، ولا يعارض نقلا صحيحًا، ولا عقلا سليمًا، ولا علمًا يقينًا ثابتًا مستقرًا، مع بذل غاية الوسع في البحث، والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب، وتجريد النفس من الهوى\" (١)، وهو الحق وعليه أكثر السلف (٢)؛ لأن ما كان مخالفًا لنص من الكتاب أو السنة فهو فاسد الاعتبار، كما أن ما كان متكلفًا غير مبنى على الاجتهاد المستكمل للشروط يُعد عبثًا.\nواختلف العلماء في تسمية التفسير بالرأي، هل يسمى تفسيرًا أم يسمى تأويلًا (٣)؟\nوالذي رجحه الزركشي أن هناك فرقًا بين التأويل والتفسير وأنهما ليسا بمعنى واحد، فقال: \"ثم قيل التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال والصحيح تغايرهما\" (٤).\nوقال في موضع آخر: \"وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل التمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط تجويزًا له وازديادًا\" (٥).\nوقال محمد حسين الذهبي: \" والذي تميل إليه النفس أن التفسير ما كان راجعًا إلى الرواية، والتأويل ما كان راجعًا إلى الدراية؛ وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان عن مراد الله تعالى لا يجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله -ﷺ- أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع وخالطوا رسول الله -ﷺ- ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.\n_________\n(١) الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، د/ محمد بن محمد أبو شهبة ص ٩٨، مكتبة السنة، ط/ الرابعة ١٤٠٨ هـ، بتصرف يسير.\n(٢) منهم كثير من الصحابة ﵃ كالإمام علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، فلولا أن تفسير القرآن جائز لمن تأهل له لما فعلوه، لأنهم كانوا أشد الناس ورعا، وتقوى، ووقوفا عند حدود الله، كما ورد تفسير القرآن عن كثير من خيار التابعين، كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وقتادة والحسن البصري، ومسروق، والشعبي، وغيرهم، مما يدل على أن من امتنع منهم من تفسير القرآن إنما كان زيادة احتياط، ومبالغة في التورع، انظر: أبجد العلوم الوشي المرقوم لصديق بن حسن القنوجي ٢/ ١٤١، تحقيق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٩٧٨ م.\n(٣) قال صديق حسن خان: واختلف في التفسير والتأويل فقال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى وقد أنكر ذلك قوم، وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وقيل: التفسير: بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والتأويل: توجيهُ لفظ متوجهٍ إلى معانٍ مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة، وقال الماتريدي: التفسير: القطعُ على أن المرادَ من اللفظ هذا، والشهادةُ على الله ﷾ أنه عنَى باللَّفظِ هذا، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع، وقال أبو طالب الثعلبي: التأويلُ: إخبارٌ عن حقيقةِ المرادِ، والتفسيرُ إخبارٌ عن دليلِ المرادِ، وقال البغوي: التفسير بالرأي: هو صرف الآيةِ إلى معنى موافقٍ لما قبلها وبعدها، تحتملُه الآية، غيرِ مخالف للكتابِ والسنةِ، من طريقِ الاستنباطِ. انظر: أبجد العلوم ٢/ ١٤١، ١٤٢.\n(٤) البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ١٤٩.\n(٥) المصدر نفسه ٢/ ١٧٢.","vol":"1","page":131},{"text":"وأما التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد، ويتوصل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لغة العرب واستنباط المعاني من كل ذلك\" (١).\nوالذي يراه الباحث هو ما رجحه الأكثر (٢) أن التفسير مغاير للتأويل، وأن تفسير الدراية \"الرأي\" هو التأويل؛ وذلك ليحصل التمييز في التفسير بالمأثور، والاجتهاد في التفسير بالرأي، ويكون الاعتماد على التفسير بالمأثور، والنظر في المستنبط، ثم إن التفسير بالمأثور مقدم على التفسير بالرأي عند التعارض، بل يعد التفسير بالرأي في مقابل النص فاسد الاعتبار، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عرف المعنى، ومن أهم كتب التفسير بالرأي:\nأ- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (٣).\nب- مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (٤).\nج- لباب التأويل في معاني التنزيل للعلامة علاء الدين البغدادي الملقب بالخازن (٥).\nد- البحر المحيط لأبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٣ - التفسير الإشاري</span>\nهو تفسير القرآن بغير ظاهره لإشارة تظهر لأرباب الصفاء، مع عدم إبطال الظاهر، قال الزرقاني: \"التفسير الإشاري: هو تأويل القرآن بغيرظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف ويمكن الجمع بينها وبين الظاهرالمراد أيضا\" (٦).\nوقال الصابوني: \"التفسيرالإشاري: هو تأويل القرآن على خلاف ظاهره، لإشارات خفية تظهر لبعض أولي العلم، أوتظهر للعارفين بالله من أرباب السلوك والمجاهدة للنفس، ممن نور الله بصائرهمفأدركوا أسرار القرآن العظيم، أو انقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة، بواسطةالإلهام الإلهي أو الفتح الرباني، مع إمكان الجمع بينهما وبين الظاهر المراد من الآيات الكريمة\" (٧) ..\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ١٦.\n(٢) منهم: الحسين بن مسعود البغوي في معالم التنزيل ١/ ٤٦، والزركشي ٢/ ١٤٩، والأصفهاني في مفردات القرآن ٢/ ١٩٢، ومحمد الذهبي في التفسير والمفسرون ١/ ١٦.\n(٣) - هو قاضي القضاة أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشافعي، من بلاد فارس صاحب المصنفات وعالم أذربجان، ولي قضاء شيراز، وكان إمامًا بارعًا مصنفًا، فريد عصره، ووحيد دهر، أثنى على علمه وفضله غير واحد، من مصنفاته: أنوار التنزيل وأسرار التأويل في التفسير، توفى سنة إحدى وتسعين وستمائة، وقيل: خمس وثمانين، انظر: طبقات المفسرين للسبكي ٨/ ١٥٥، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ٢/ ٨٣.\n(٤) - هو أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي أحد الزهاد والأئمة المعتبرين، وصاحب التصانيف المعتبرة في الفقه، والأصول، وغيرهما، منها: مدارك التنزيل في تفسير القرآن، وكنز الدقائق، توفى سنة إحدى وسبعمائة، انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ١٦٨.\n(٥) - هو العلامة علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي البغدادي الشافعي عرف بالخازن، ولد في بغداد سنة ثمان وسبعين وستمائة، سمع من علمائها ثم انتقل إلى دمشق واستقر بها متعلمًا ثم معلمًا ومات بها سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. انظر: الوافي بالوفيات ١/ ٣٤.\n(٦) مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٥٦\n(٧) التبيان في علوم القرآن للصابوني ص ١٩١","vol":"1","page":132},{"text":"وقد عرف التفسير الصوفي بالتفسير الإشاري، ويتمثل على زعمهم في أن يرى المفسر معنى آخر غير المعنى الظاهر، ربما تحتمله الآية الكريمة ولكنه لا يظهر للعامة من الناس، وإنما يظهر لخاصتهم ومن فتح الله قلبه وأنار بصيرته وسلكه ضمن عباده الصالحين، الذين منحهم الله الفهم والإدراك، وهذا النوع من العلم ليس من العلم الكسبى الذي ينال بالبحث والمذاكرة وإنما هو من العلم الوهبى الذي هو أثر التقى والاستقامة والصلاح، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢].\nوالتفسير الصوفي يعتمد أساسا على أن للقرآن ظاهرا وباطنا، ويقصد بالظاهر الشريعة وبالباطن الحقيقة، وعلم الشريعة علم المجاهدة، وعلم الحقيقة علم الهداية، وعلم الشريعة علم الآداب وعلم الحقيقة علم الأحوال، وعلم الشريعة يعلمه علماء الشريعة وعلم الحقيقة يعلمه العلماء بالله، يقول السلمى في مقدمة تفسيره عن الباعث لإقدامه على كتابة تفسير القرآن: \"لما رأيت المتوسمين بعلوم الظاهر قد سبقوا في أنواع فرائد القرآن، من قراءات وتفاسير ومشكلات وأحكام وإعراب ولغة ومجمل ومفصل وناسخ ومنسوخ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم الخطاب على لسان أهل الحقيقة إلا آيات متفرقة، أحببت أن أجمع حروفا أستحسنها من ذلك وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك وأرتبه على السور حسب وسعى وطاقتى (١).\nويقول سهل بن عبد الله التسترى في تفسيره، وهو أول ما ظهر للصوفية من تفسير للقرآن: \"ما من آية في القرآن إلا ولها أربعة معان، ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم والحد حلالها وحرامها والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقها من الله ﷿، فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه والمراد به خاص\" (٢).\nوقد ظهر أيضا تفسير ثالث لعبد الكريم القشيرى سلك فيه مسلك الصوفية في إدراك الإشارات التي يراها الصوفي خلف آيات القرآن، وسماه لطائف الإشارات، قال عن الباعث لتأليفه: \"وكتابنا هذا يأتى على طرف من إشارات القرآن على لسان أهل المعرفة إما من معاني قولهم أو قضايا أصولهم، سلكنا فيه طريق الإقلال خشية الملال مستمدين من الله تعالى عوائد المنة، متبرئين من الحول والمنة مستعصمين من الخطأ والخلل، مستوثقين لأصوب القول والعمل (٣).\nولم يظهر في تاريخ التفسير الإشاري حتى القرن الخامس، أهم من حقائق التفسير للسلمى، ولطائف الإشارات للقشيري وإن كان القشيري قد استفاد من السلمى فائدة كبرى واقتبس منه كثيرا من آرائه (٤).\nوقد ظهر تفسير القرآن المنسوب لابن عربي، ولكنه في الحقيقة للكاشاني السمرقندي، ويعد هذا التفسير أهم تفسير إشارى بعد اللطائف، قال مؤلفه في مقدمته: \"ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ومطلع، فالظهر هو التفسير، والبطن هو التأويل، والحد\n_________\n(١) تفسير القران الكريم على الطريقة الصوفية، دراسة وتحقيق حقائق التفسير لأبي عبدالرحمن بن محمد بن الحسين الأزدي السلمي، رسالة ماجستير، سلمان نصيف جاسم التكريتي، مكتبة كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ١٩٧٥: ٢٢.\n(٢) تفسير القران العظيم، سهل بن عبدالله، مطبعة السعادة، ١٩٠٨: ٦١.\n(٣) لطائف الإشارات، القشيري، تحقيق: د. ابراهيم بسيوني، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ٣، القاهرة، ١٩٨١: ١/ ٤١.\n(٤) تاريخ أدبيات در ايران، ذبيح الله صفا، ط ٣، ١٣٣٩ هـ: ٢/ ٢٥٧.","vol":"1","page":133},{"text":"هو ما تتناهي إليه الفهوم من معنى الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام\" (١).\nويمكن القول باستقراء التفسيرات الصوفية السابقة أن السمة الغالبة في التفسير الإشاري لدى الصوفية تتمثل فيما يأتي:\n١ - أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وأن الظاهر للعوام والباطن لا يدركه إلا الخواص وإدراك الخواص مستمد من فيض إلهي ينير بصائرهم، ويكشف لهم على زعمهم عن معارف لدنية مباشرة.\n٢ - أن العلم بالقرآن على هذا النحو يفترق عن العلوم القرآنية الأخرى في بدايته وفى طرائقه وفي غاياته، فضلا عن أنه يفترق عن سائر العلوم بضرورة العمل، فالعالم لابد أن يكون عاملا وعمله هو جهاده ورياضاته التي تؤدى إلى صقل إرادته وشحذ همته وتنقية مرآته الباطنية من كل شائبة، فالتفسير عموما ليس تفسيرا مباشرا، بل يسلك تزكية النفوس وتطهير القلوب والحث على التحلى بالأخلاق الفاضلة.\n٣ - أن التفسير الإشاري وإن كان يعتمد على ما وراء العبارة الظاهرية إلا أنه لم تخل من بعض ما نقل من الآثار على النحو المذكور في التفسير بالمأثور أو التفسير بالرأي بالطريقة الاستنباطية، أو تفسيرات تعتمد على معاني الألفاظ والتفسيرات البلاغية.\n٤ - تتعرض هذه التفسيرات لكثير من المعاني والمصطلحات الصوفية التي تكشف عن طريقتهم وتجربتهم، لا سيما أنهم يوجهون الآيات كشواهد لهذه الرموز والمصطلحات.\n٥ - ومع ما فيها من معاني تقبل بصعوبة، أو يلتمس لها وجها تحمل عليه بمشقة.\n٦ - لم تسلم هذه التفسيرات من الإسرائيليات، والاستشهاد بغير القرآن والسنة، ولم تتبع الدقة في تحري ثبوت الحديث، أو مراعاة التعليق على الأسانيد، وكذلك لم تخل من فكر باطني (٢).\nوقد استدل الصوفية بكثير من الآيات القرآنية العامة، التي تدعو إلى التدبر وفهم كتاب الله بالتأمل وحسن الاستماع، كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، وكقوله: ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام وكقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، حيث دل على أن ظاهر المعنى شيء وهم عارفون به لأنهم عرب، والمراد هو شيء آخر وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله، والتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد، وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن، فلم يحصل منهم تدبر، وكقوله تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقال أبو سعيد الخراز: \"أول الفهم لكتاب الله ﷿ العمل به، لأن فيه العلم والفهم والاستنباط، وأول الفهم إلقاء السمع والمشاهدة لقوله ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] \" (٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عربي: ٤/ ١، وانظر تحقيق نسبته في: تفسير المنار: ١/ ١٨، ومحي الدين بن عربي مفسرا، حامد محمود الزفري، رسالة دكتوراه بمكتبة كلية أصول الدين جامعة الأزهر، القاهرة، سنة ١٩٧٢: ص ١٧٤.\n(٢) انظر: الموافقات: ٣/ ٤٠٣.\n(٣) اللمع في التصوغ، سراج الطوسي: ١١٣.","vol":"1","page":134},{"text":"ويواصل السراج الطوسي استدلاله على التفسير الإشاري فيقول: \"وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، فالقرآن كله حسن ومعنى اتباع الأحسن، ما يكشف للقلوب من العجائب عند الاستماع وإلقاء السمع من طريق الفهم والاستنباط\" (١).\nومن السنة يستدلون بقوله: \" لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ومطلع\" (٢)، فلفظ الظاهر والباطن على زعمهم قرآنيان، ولا يمكن الاعتراض على الفكرة القائلة بأن في القرآن ناحية واضحة تدرك في ضوء الاشتقاق، وأن به ناحية أخرى ربما كانت أخفق وأعمق بالنسبة للأولى، لأن هذه الفكرة يمكن أن تطبق في الواقع على أي نص فكل نص له ناحية قريبة مباشرة تدرك بلا عناء، وناحية أخرى تحتاج إلى عمل وجهد في استيعابها وفهمها، كما لا يمكننا أن ننكر أن الحقيقة الإنسانية الثابتة تشير إلى عدم تساوي الناس في الفهم والإدراك، وقد ظهرت تلك الحقيقة في حياة الرسول وصحابته ﵃ الذين تفاوتت أقدارهم في سرعة ومدى فهمهم للقرآن، وهذا يفسر ما أثر عنهم من تفسيرات مختلفة (٣).\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: \" كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢ - ١]، حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله أعلمه الله له: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، فتح مكة، فذاك علامة أجلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٤ - ٣]، قال عمر ﵁: ما أعلم منها إلا ما تعلم \" (٤).\nوالشاهد هنا أن ابن عباس ﵁ فهم من خطاب الله معنى خفيا وراء ظاهر الألفاظ لم يدركه عامة الصحابة في مجلسهم، وهذا يشبه عمل الصوفية في التفسير الإشاري.\nومثله أيضا ما روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله جلس على المنبر فقال: \" إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به.\nوقال رسول الله ﷺ: \"إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر\" (٥).\n_________\n(١) اللمع في التصوف، سراج الطوسي: ١١٣.\n(٢) لا أصل له ولم أجده في كتب السنة مرفوعا إلى النبي، ولكنه أثر موقوف على عبدالله بن مسعود، ولفظه: \"إن القرآن ليس منه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع\". انظر: معجم الطبراني الكبير: رقم (٨٦٦٧) (٩/ ١٣٦.\n(٣) انظر: التصوف طريقا وتجربة ومذهبا، محمد كمال جعفر: ١٥٧.\n(٤) رواه البخاري (٤٢٩٤).\n(٥) رواه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢).","vol":"1","page":135},{"text":"فأبو بكر الصديق فهم بطريق الإشارة ما لم يفهمه عامة الصحابة وأسعد بذلك رسول الله وكان الأمر كما قال.\nوعن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَيَتوَلاهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: يَا أهل الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، فَالْقُوا اللهَ بِالْمَصَاحِفِ (١).\nفالغلول، وهو إخفاء الغنائم طمعا قبل تقسيمها فعل المجرمين، وظاهر الآية ورد في عقابهم وفضحهم يوم القيامة، وقد استخدمها ابن مسعود ﵁ بطريق الإشارة فيمن غل القرآن وأخفاه، ويرد عليهم بأن الصحابة انكروا عليه ذلك، فقَالَ الزُّهْرِيُّ: \"فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ\" (٢).\nوقداختلف العلماء في التفسير الإشاري، وتباينت فيه أراؤهم فمنهم من أجازه ومنهم من منعه، ومنهم من عده من كمال الإيمان ومحض العرفان، ومنهم من اعتبره زيغا وضلالا وانحرافا عن دين الله ﵎، والواقع أن الموضوع دقيق يحتاج إلى بصيرة وروية ونظرة إلى أعماق الحقيقة ليظهر ما إذا كان الغرض من هذا النوع من التفسير هو اتباع الهوى والتلاعب في آيات الله كما فعل الباطنية والشيعة، فيكون ذلك من قبيل الزندقة والإلحاد، أو الغرض منه الإشارة إلى أن كلام الله تعالى يعز أن يحيط به بشر إحاطة تامة، وأن كلامه تعالى وضعت فيه مفاهيم وأسرار ودقائق وعجائب لا تنقضى على مدار الأزمان، ويتوالى إعجازه مرة بعد أخرى، فيكون ذلك من محض العرفان وكمال الإيمان، كما نسب السيوطي إلى ابن عباس ﵄: \" إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضى عجائبه ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء\" (٣).\nويمكن أن نعرض أهم<span data-type=\"title\" id=toc-144> آراء العلماء التي نسترشد بها في تحديد شروط قبول التفسير الإشاري </span>فمن ذلك:\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١ - رأى ابن الصلاح:</span>\nينقل ابن الصلاح عن الإمام أبي الحسن الواحدى المفسر أنه قال: \"صنف أبو عبد الرحمن السلمى حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن هذا تفسير فقد كفر) ثم يعقب على ذلك بقوله: (وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيء من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير ومن ذلك، قتال النفس في الآية المذكورة في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ\n_________\n(١) انظر: الفكر السياسي عند الباطنية وموقق الغزالي منه، احمد عرفات، رسالة ماجستير، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ١٩٨٨: ٢١٧.\n(٢) المعجم الصوفي، محمود عبدالرزاق: ١/ ١٢٠ - ١٢٣.\n(٣) الاتقان في علوم القرآن: ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":136},{"text":"الْكُفَّارِ [التوبة: ١٢٣] فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك لما فيه من الإلهام والإلباس\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>٢ - رأى الشاطبى:</span>\nيقسم الشاطبى الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الطاهرة وأصحاب البصائر إذا صحت على كمال شروطها على ضربين:\nأ- ما يكون أصل انفجاره من القرآن ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق من البصيرة في حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح حسبما بينه أهل التحقيق بالسلوك.\nب- ما يكون انفجاره من الموجودات كليا أو جزئيا ويتبعه الاعتبار في القرآن.\nفإن كان الأول فهذا الاعتبار صحيح وهو معتمد على فهم باطن القرآن من غير إشكال، وإن كان الثاني فالتوقف على اعتباره في فهم باطن القرآن لازم وأخذه على إطلاقه ممتنع لأنه بخلاف الأول (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٣ - رأى تاج الدين بن عطاء الله:</span>\nويعدّ ابن عطاء الله تفسير الصوفية لكلام الله ورسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان، وثمة أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث لكل آية ظهر وبطن، فلا يصدنك عن تلقى هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة هذا إحالة لكلام الله ورسوله، فليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك بل يقرون بالظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله ما أفهمهم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>٤ - رأى حاجى خليفة:</span>\nيرى حاجى خليفة أن التصوف علم كيفية رقي أهل الكمال من النوع الانساني في مدارج سعادتهم، والأمور العارضة لهم في درجاتهم، بقدر الطاقة البشرية، وأما التعبير عن هذه الدرجات والمقامات كما هو حقه، فغير ممكن لأن العبارات إنما وضعت للمعاني التي وصل إليها فهم أهل اللغات، وأما المعاني التي لا يصل إليها إلا غائب عن ذاته فضلا عن قوى بدنه، فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ، فضلا عن أن يعبر عنه بألفاظ، فكما أن المعقولات لا تدرك بالأوهام والموهومات، لا تدرك بالخياليات، والتخيلات لا تدرك بالحواس، كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين لا يمكن أن يدرك بعلم اليقين، فالواجب على من يرد ذلك أن يجتهد في الوصول إليه، بالعين دون أن يطلبه بالبيان والعقل (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>٥ - رأى سعد الدين التفتازانى:</span>\nفي شرحه للعقائد النسفية وتحت قول النسفى: \"النصوص على ظاهرها والعدول عنها إلى معان يدعها أهل الباطن إلحاد\" علق سعد الدين التفتازانى بقوله: \"سميت الملاحدة باطنية\n_________\n(١) الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي، المطبعة التجارية، بمصر: ٣/ ٢٧٢.\n(٢) الموافقات:: ٣/ ٢٧٢.\n(٣) الموافقات: ٣/ ٢٧٢.\n(٤) كشف الظنون عن أسامي كتب الفنون، مصطفى بن عبدالله المشهور بحاجي خليفة، نشره المستشرق جوستاف فلويجل، طبعة مكتبة المثنى، بغداد: ١/ ٤١٣.","vol":"1","page":137},{"text":"لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم في ذلك نفى الشريعة بالكلية، وأما ما يذهب إليه بعض المحققين بأن النصوص على ظاهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تكشف عن أرباب السلوك، يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهي من كمال الإيمان ومحض العرفان\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>٦ - رأى محى الدين ابن عربي:</span>\nيقول: \"وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيلا للفهم على قلوب بعض المؤمنين، والأنبياء ما قالت على الله مالم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا أفكارها، ولا تعملت فيها، بل جاءت من عند الله، قال تعالى: تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وقال فيه: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢]، وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله لا من فكر الإنسان ورؤيته، وعلماء الرسوم يعلمون ذلك، فينبغى أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه، وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند الله على قلوب أهل العلم كما كان الأصل\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٧ - رأي أبي حامد الغزالي:</span>\nيقول الغزالي: \"لا تظنن في ضرب الأمثال، فرصة منى في رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان ولم يسمع الخطاب بقوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: ١٢]] حاشا لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بعين عوراء إلى أحد العالمين، وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما، فلم يفقهوا وجهه، كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية، فالذى يجرد الظاهر حشوى، والذى يجرد الباطن باطنى، والذى يجمع بينهما كامل، بل أقول: موسى فهم من خلع النعلين اطرح الكونين، فامتثل الأمر ظاهرا بخلع النعلين وباطنا بخلع الكونين\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>٨ - رأي الأستاذ محمد عبد العظيم الرزقانى:</span>\nيرى الزرقانى \"أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر، فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة بل والإسلام كله ما هو إلا سوانح وواردات على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات، وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات، وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح فلم يتقيدوا بتكاليف الشريعة، ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية، كتاب الله وسنة رسوله والأدهي من ذلك أنهم يتخيلون ويخيلون للناس أنهم هم أهل الحقيقة، الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله اتصالا أسقط عنهم التكليف، وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب ما دموا في زعمهم مع رب الأرباب، وهذا لعمر الله هو المصاب العظيم الذي عمل له الباطنية، كيما يهدموا التشريع من أصوله ويأتوا بنيانه من قواعده، فواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذرهم الوقوع في هذه الشباك، ونشير عليهم أن ينفضوا من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوية، لإنها كلها أذواق ومواجيد خارجة عن حدود الضبط والتقييد، وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة والحق بالباطل فالأحرى بالفطن العاقل أن ينأى\n_________\n(١) العقائد النسفية وشرحها، سعدالدين التفتازاني: ١٤٣.\n(٢) الفتوحات المكية: ١/ ٢٨٠.\n(٣) مشكاة الأنوار، ابو حامد الغزالي، تحقيق: ابي العلاء عفيفي، الدار القومية، القاهرة، ١٩٦٤: ٣٣.","vol":"1","page":138},{"text":"بنفسه عن هذه المزالق وأن يفر بدينه من هذه الشبهات، وأمامه في الكتاب والسنة وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة رياض وجنات\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>٩ - رأي الأستاذ محمد حسين الذهبي:</span>\nيقرر الذهبي أن الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له ظهر وبطن، ظهر يفهمه كل من يعرف اللسان العربي، وبطن يفهمه أصحاب الموهبة وأرباب البصائر، غير أن المعاني الباطنية للقرآن، لا تقف عند الحد الذي تصل إليه مداركنا القاصرة بل هي أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور (٢).\nيقول: \"أما المعنى الباطن فلا يقف على جريانه على اللسان وحده بل لا بد فيه مع ذلك إلى نور يقذفه الله تعالى في قلب الإنسان، يصير به نافذ البصيرة سليم التفكير، ومعنى هذا أن التفسير الباطن ليس أمرا خارجا عن مدلول اللفظ القرآنى\" (٣)، ويقول أيضا: (أما الصوفية أهل الحقيقة وأصحاب الإشارة فقد اعترفوا بظاهر القرآن ولم يجحدوه كما اعترفوا بباطنه ولكنهم حين فسروا المعاني الباطنية خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فبينما تجد لهم أفهاما مقبولة تجد لهم بجوارها أفهاما لا يمكن أن يقبلها العقل أو يرضى بها الشرع\" (٤).\nوالخلاصة في رأي الذهبي أن مثل هذه التفاسير الغريبة للقرآن مزلة قدم لمن يعرف مقاصد القوم، وليتهم احتفظوا بها عند أنفسهم ولم يذيعوها على الناس فيوقعهم في حيرة واختلاف، منهم من يأخذها على ظاهرها ويعتقد أن ذلك هو مراد الله من كلامه، وإذا عارضه ما ينقل في كتب التفسير على خلافها ربما كذب بها أو أشكل عليه ومنهم من يكذبها على الإطلاق ويرى أنها تقول على الله وبهتان، إذن ليتهم ما فعلوا ذلك، إذن لأراحونا من هذه الحيرة وأراحوا أنفسهم من كلام الناس فيهم وقذف البعض لهم بالكفر والإلحاد في آيات الله (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١٠ - رأي الدكتور محمد كمال جعفر:</span>\nويرى الدكتور جعفر أنه يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أنه من الطبيعي أن لا يقف الصوفي عند المعاني التقليدية في أي من القرآن أو السنة قولا وعملا، لأنه ليس كالفقيه أو العالم الذي يعتمد على النظر العقلى فحسب، لأن ذلك لا يشبع رغبته ولا يمد روحه بالزاد الضرورى، بل إنه يتعمق إلى معان وراء المعنى الظاهر المباشر، وإن لم يكن من الضرورى أن تكون هذه المعاني العميقة متناقضة مع تلك المعاني الظاهرية، ويشير الدكتور جعفر إلى نقطة هامة، وهي أن القرآن بالنسبة للصوفى يحمل حقيقتين متساويتين في الأهمية، فهو من جهة وحى تاريخى اتخذ وضعه في الزمان والمكان المحددين، وهو من جهة أخرى النبع الفياض الذي لا تنفد حقائقه الإلهية الصادرة عن الله ﷻ، وهو لا متناه لأنه كلام الموجود الذي لا يتناهي، والمعاني الباطنية لكلماته غير متناهية كذلك أيضا (٦).\nكما أن الصوفي المتأمل قد يصل إلى مرحلة يدرك فيها أعمق المعاني الروحية في القرآن، وهذه الفكرة في حد ذاتها بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى قد تثير صعوبات،\n_________\n(١) مناهل العرفان في علوم القران، الزرقاني، طبعة عيسى البابي، ١٩٥٣: ١/ ٥٥٨.\n(٢) التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، دارالكتب الحديثة: ٣/ ٢٢.\n(٣) التفسير والمفسرون: ٣/ ٢٢.\n(٤) التفسير والمفسرون: ٣/ ٢٢.\n(٥) التفسير والمفسرون: ٣/ ٤٢.\n(٦) التصوف طريقا وتجربة ومذهبا: ١٥٧.","vol":"1","page":139},{"text":"بحيث أنها تؤدى إلى أن يكون تفسير القرآن مختلفا باختلاف الذوات المشتركة فيها أي أن يكون الموقف موقفا ذاتيا مما ينتج بدوره تفسيرات متعارضة ويؤدى إلى اضطرار كبير، ولكن الحقيقة أن الصوفية فعلا يرون أن تعدد التفسيرات أمر حتمى، لأن معاني القرآن لا نهائية وتتكشف لكل صوفى حسب طاقته الروحية وحسب فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس في ذلك أي ضير ما دام هذا متصلا بالمعاني الكمالية التي لا تتجاوز حدود المعاني المباشرة المتفق عليها (١).\nوقبل النظر والتعقيب على الآراء السابقة في التفسير الإشار لنستخلص منها ما يمكن أن نصل إليه في تقرير شروط التفسير الإشاري، تجدر الإشارة إلى رأي بعض المستشرقين الغربيين من قبيل المقارنة المؤثرة في توجيه الآراء إلى الأفضل، فنرى المستشرق نكلسون أستاذ مدرسة كمبردج الاستشراقية يصرح بأن التفسير الصوفي يشابه التفسير الشيعي وكلاهما عنده من التأويلات المغرضة التي تتلاعب بالنصوص، فيقول: \"استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة، أن يبرهنوا بطريقة تأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلا يلائم أغراضهم على أن كل آية بل كل كلمة من القرآن تخفى وراءها معنى باطنيا لا يكشفه الله إلا لخاصة العباد، الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم وفى أوقات وجدهم، واعتبروا أنفسهم خاصة أهل الله الذين منحهم الله أسرار علم الباطن المودعة في القرآن والحديث، وأنهم استعملوا في التعبير عن هذا العلم لغة الرمز والإشارة، التي لا يقوى على فهمها غيرهم من المسلمين\" (٢)، وربما كان هذا الموقف للمستشرق نيكلسون بسبب ما أشارت إليه الباحثة ﷺ أن المستشرقين في القرن التاسع عشر قد عرفوا المصادر الصوفية المتأخرة والتي لا تصور التصوف في مراحله الأولى.\nفحكم نيكلسون على جميع الصوفية في تفسيرهم للقرآن بما رآه من الغلو في التفسير الإشاري عند المتأخرين، ولذا أدرك نيكلسون بعد ذلك استحالة وضع حكم منصف للتصوف قبل أن تعد مصادره الأولى إعدادا علميا دقيقا، وقد تولى هو زمام المبادرة في نشر المخطوطات وتحقيقها والتعليق عليها وترجمتها وتحليل مادتها (٣).\nويرى المستشرق جولد تسهير أن العمل بما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁: \"من أراد علم الأولين والآخرين فليتثور القرآن\" لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر، فالأمور كلها داخلة في أفعال الله ﷿ وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفى القرآن إشارة إلى مجامعها، وفيه رموز ودلالات لكل ما أشكل من ذلك على النظار، ومهمة التفسير هي استخراج كل ذلك العلم من الكتاب والتعمق في تفصيله، ووراء هذه المعاني الظاهرة يحتجب المعنى الباطن وتسكن أسرار القرآن التي ينبغى البحث عنها بتغلغل ونفاذ أعمق من ذلك، ولن يترتب على ذلك القضاء على ظاهر التفسير بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه، وإذا كان التفسير الصوفي فيه تجاوز للتفسير المنقول المحدود في حرية لا توقفها قيود، ومع استخدام أمثلة بعيدة المدرك والمورد في الغالب في الكشف عن أفكار الورى إلا أن أثرت في\n_________\n(١) من التراث الصوفي، سهل بن عبدالله التستري: ١٠٩.\n(٢) التصوف الاسلامي وتاريخه: ٧٦.\n(٣) الإتجاهات الحديثة في دراسة التصوف الاسلامي، محمد عبدالله الشرقاوي: ١٩ وما بعدها.","vol":"1","page":140},{"text":"التغلغل إلى ما وراء المسموع والمنقول من المعاني المقصودة في كلام الله والمكنونة في حجبها والتي لا يعقلها إلا العالمون (١).\nويرى المستشرق هنرى كوربان أن المستمع للكلام الإلهي يحق له أن يفهم منه كل شيء، وفى أي حقل من المعرفة وفى أي درجة من العمق والخفاء شرط ألا يتجاوز فهم السامع، ولا يتعدى التفسير من محتوى الكلام ودلالاته الوصفية حقيقة ومجازا وكناية حيث أن علم الله عين ذاته ولا حد له وسع كل شيء علما (٢).\nويرى الدكتور محمد كمال جعفر أنه لا بد قبل تقرير شروط قبول التفسير الصوفي التنبه إلى أن التفسير الصوفي يرتبط بنوعية اعتقاد المفسر، ويمكن إجمال تفسيراتهم في نوعين (٣):\nأ- التفسير النظرى: وهو التفسير المبنى على نزعة فلسفية حيث تتوجه الآيات القرانية لديهم وفق نظرياتهم وتتفق مع تعاليمهم.\nب- التفسير الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ولا يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.\nوالفرق بين التفسير النظرى والتفسير الإشاري في أثرهما على تفسير القرآن أن التفسير النظرى يبنى على مقدمة علمية تنقدح في ذهن الصوفي أولا ثم ينزل القرآن عليها بعد ذلك، أما التفسير الإشاري فلا يرتكز على مقدمات علمية بل يرتكز على مجاهدات رياضية، يأخذ الصوفي نفسه بها حتى يصل إلى درجة إيمانية تنكشف له فيها من سبل العبارات هذه الإشارات، وتتوالى على قلبه تحليل الآيات من المعاني الربانية.\nكما أن التفسير الصوفي النظرى يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من معاني وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل عليه إلا هذا، على حسب طاقته أما التفسير الإشاري فلا يرى الصوفي أن كل ما يراد من الآية بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويراد منها أولا وقبل كل شيء ذلك المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره.\nويرى الدكتور جعفر في شرطه لقبول التفسير الصوفي أن تأويل الصوفية للقرآن أو الفهم الخاص له إذا خلا من أي هدف سياسي أو اجتماعى، سواء كان لرد اعتبار أو كوثيقة أمن أو بسط سلطان أو كسب ثروة أو احتفاظ بمراكز نفوذ تتعلق بأشخاص أو بجماعات، إذا لم يكن له مثل هذا الهدف وإذا كان لا يعارض نصا قرآنيا آخر، ولا يعارض الاستعمال العربي، ولا يؤدى إلى تحريف أو انحراف، وإذا كان وجوده يضيف ثروة روحية أو عقلية، وإذا كان لا يدعى من السلطة ما يجعله أمرا ملزما، بفرض واحديته في الأحقية، إذ كان كذلك فهو تأويل مقبول، ليست له غاية إلا تعميق الفهم عن الله الذي ما زال كتابه منبعا لا يغيض ومعينا لا ينضب للحقائق والأسرار (٤).\n_________\n(١) مذاهب التفسير الاسلامي، إجناز جولد تسهير، ترجمة: محمد يوسف موسى وآخرون، طبعة دار الكتاب العربي، ١٩٥٩: ٢٠٧.\n(٢) تاريخ الفلسفة الاسلامية، هنري كوربان، ترجمة: قيسي وزميله، بيروت، ط ١، ١٩٦٦: ١٠.\n(٣) انظر: التصوف، د. محمد كمال جعفر: ٢٦.\n(٤) التصوف، د. محمد كمال جعفر: ٢٦.","vol":"1","page":141},{"text":"ومن ثم وبناء على ما سبق من الآراء يمكن تقرير الشروط التي يقبل بها التفسير الصوفي في العناصر الآتية:\n١ - ألا يكون التفسير الصوفي منافيا للظاهر من النظم القرآنى الكريم ..\n٢ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.\n٣ - ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.\n٤ - ألا يدعي أن التفسير الصوفي هو المراد وحده من الظاهر.\n٥ - ألا يكون التأويل بعيدا لا يحتمله اللفظ فيه تلبيس على أفهام الناس.\nفإذا توفرت هذه الشروط، وليس للتفسير ما ينافيه أو يعارضه من الأدلة الشرعية، جاز الأخذ به أو تركه، لأنه من قبيل الوجدانيات، والوجدانيات لا تقوم على دليل نظري، وإنما هو أمر يبعث على تنمية المشاعر وتحصيل مكارم الأخلاق، فيجده الصوفي من نفسه ويسره بينه وبين ربه، فله أن يأخذ به أو يعمل بمقتضاه دون أن يلزم به أحدا من الناس، والأحرى ألا يسمى هذا اللون من الفهم تفسيرا وإنما يسمى ذكر النظير بالنظير الذي يعتبر صحيح (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>أمثلة على التفسير الإشاري:</span>\nما ذكره سهل بن عبد الله التسترى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء ٨٠ - ٨١]، قال: \"يعنى إذ تحركت بغيره لغيره عصمنى، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منعها عنى، وقوله والذى يميتنى ثم يحين أي الذي يميتنى بالغفلة ثم يحينى بالذكر\"، وفي قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]، قال: \"الإشارة في البيوت إلى القلب فمنها ما هو عامر بالذكر، ومنها ما هو خرب بالغفلة ومن ألهمه الله ﷿ بالذكر فقد خلصه من الظلم\" (٢).\nوقال في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ظاهرهما ما عليه من أهل التفسير، وباطنها هو الروح والعقل والقلب والطبع والهوى والشهوة، فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على القلب والعقل والروح، فليتقاتل العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة ليكون الروح والعقل غالبا والهوى والشهوة مغلوبا (٣).\nوأورد أبو نصر السراج الطوسي بعض الأمثلة التي ذكرها الصوفية من طريق الإشارة والاستنباط والفهم الصحيح، وبين أنهم لم يقدموا فيها ما أخر الله تعالى ولا أخروا ما قدم الله، ولا نازعوا الربوبية ولا خرجوا عن العبودية ولا يكون فيه تحريف الكلم، منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٨٨ - ٨٩)، سئل عنه أبو بكر الكتانى فقال: القلب السليم على ثلاثة أوجه من طريق الفهم:\nأحدها: هو الذي يلقى الله تعالى ﷿ وليس في قلبه مع الله شريك.\nوالثاني: هو الذي يلقى الله تعالى وليس في قلبه شغل مع الله ﷿ ولا يريد غير الله تعالى.\nوالثالث: الذي يلقى الله ﷿ ولا يقوم به غير الله ﷿، فنى عن الأشياء بالله، ثم فنى عن الله بالله (٤).\n_________\n(١) التصوف، محمد كمال جعفر: ١٦٠.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، سهل التستري: ٧٠.\n(٣) تفسير القرآن العظيم: ٩١.\n(٤) تفسير القرآن العظي: ٩١.","vol":"1","page":142},{"text":"ويعقب السراج الطوسي بقوله: \"معنى قوله: فنى عن الله بالله، يعنى يذهب عن رؤية طاعة الله ﷿ ورؤية ذكر الله ورؤية محبة الله، بذكر الله له ومحبته قبل الخلق، لأن الخلق بذكره لهم ذكروه، وبمحبته لهم احبوه، وبقديم عنايته بهم أطاعوه (١).\nومثل ما أشار الجنيد بن محمد سيد الصوفية في عصره بقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، إلى سكونه وقلة اضطراب جوارحه عند السماع، وكذلك ما كان يشير به أبو علي الروذبارى إذا رأي أصحابه مجتمعين فيقرأ: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] (٢).\nوقال أبو القاسم القشيرى في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، لا يجوز قتل نفس الغير بغير الحق، ولا للمرء أن يقتل نفسه أيضا بغير الحق، وكما أن قتل النفس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات محرم، فكذلك القصد إلى هلاك المرأ محرم، ومن انهمك في مخالفة ربه فقد سعى في هلاك نفسه، وقوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، أى تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه، وعلى معنى الإشارة إن النصرة من قبل الله ومنصور الحق لا تنكسر سنانه ولا تطيش سهامه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>ثانيا: - اتجاهات التفسير</span>\nللتفسير اتجاهات وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>١ - الاتجاه اللغوي:</span>\nوهو \"التفسير الذي يبُنى على قواعد نحوية أو بلاغية، فإن ساعده السياق قُبِل، وإلا أعرضنا عنه، وأخذنا بما يصححه النظر، ويقويه الدليل\" (٤).\nويمكن أن نعرِّفه بأنه: الرجوع في تفسير القرآن إلى المعنى العربي الذي استعملته العرب، ويكون ذلك عند عدم النص الشرعي الذي ينقل المعنى اللغوي إلى معنىً آخر.\nوالتفسير اللغوي على قسمين:\n\"الأول: أن لا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدًا، وهذا ما لا يقع فيه خلاف، وهو أشبه بأن يجعل من القسم الذي طريقه السماع لا الاجتهاد، لعدم الحاجة لإعمال الرأي فيه مطلقًا.\nالثاني: ما يحتمل أكثر من معنى، والسياق محتمل لها جميعها، ففي مثل هذا يكون التّميّزُ وإعمال الرأي اعتمادًا على المعنى اللغوي، ومثال ذلك: تفسير قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ [المطَّففين: ٢٦]، قال الطبري: \"فقال بعضهم: ممزوج مخلوط، مزاجه وخِلطه مسك، وعن عبد الله ﴿مَخْتُوم﴾ قال: ممزوج، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: طعمه وريحه، وقيل: أن آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه\" (٥) \" (٦).\nولعله يقصد بالتميز أي: بالاجتهاد، وإعمال الرأي اعتمادًا على المعنى اللغوي.\n_________\n(١) اللمع في التصوف: ١٢٦.\n(٢) اللمع في التصوف: ١٢٦.\n(٣) لطائف الإشارات، القشيري: ٢/ ٣٤٦.\n(٤) التفسير والمفسرون للذهبي ٢/ ٣٩٨.\n(٥) جامع البيان للطبري ٢٤/ ٢٩٦.\n(٦) مصادر التفسير، مساعد الطيار ص ٢.","vol":"1","page":143},{"text":"ووجه الاستشهاد هنا إعمال الرأي، وفقًا للمعنى اللغوي لقوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ فكان في اللغة ثلاثة معانٍ هي:\n١ - خِلطه مسك (١).\n٢ - طعمه وريحه مسك (٢).\n٣ - آخره يختم بمسك يجعل فيه (٣).\nوفي هذا المثال، وكل ما هو على شاكلته يمكن إعمال الرأي في اختيار أحد المعاني، ويمكن حمل اللفظ أو الجملة على جميع المعاني إن كانت اللغة والسياق يحتمله، والله الموفق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>٢ - الاتجاه العلمي:</span>\nوهو \"التفسير الذي يُحَكِّم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها\" (٤)، ولعل الإمام الغزالي (٥) أكثر من تحدث عن هذا النوع من التفسير بمعلومات عصره، وما حصل عليه من كتب الفلسفة، وأحيانًا بلفتاتٍ تأمليه وفقًا للآيات، وعندما عقد أول مؤتمر للإعجاز العلمي في إسلام أباد عام ١٩٨٧ م، عرف التفسير العلمي بأنه: \"الكشف عن معاني الآية أو الحديث في ضوء ما ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية\" (٦).\n\"والتفسير العلمي يختلف عن الإعجاز العلمي؛ لأن الإعجاز لا يكون إلا فيما تحقق ثبوته، ولذلك يعَرَّف الإعجاز بأنه: إخبار القرآن الكريم، أو السنة النبوية، بحقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيرًا، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول -ﷺ-، وهكذا يظهر اشتمال القرآن، أو الحديث على الحقيقة الكونية، التي يؤول إليها معنى الآية أو الحديث، ويشاهد الناس مصداقها في الكون، فيستقر عندها التفسير، ويعلم بها التأويل، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧]، وقد تتجلى مشاهد أخرى كونية عبر القرون، تزيد المعنى المستقر وضوحًا، وعمقًا، وشمولًا؛ لأن الرسول -ﷺ- قد أوتى جوامع الكلم\" (٧).\nوتكمن أهمية التفسير العلمي المتثبت من الحقائق التي أثبتها العلم التجريبي بالآتي:\nأ- تفسير القرآن للمسلمين تفسيرًا يشبع حاجتهم من الثقافة الكونية، ويغرس اليقين في قلوبهم بصدق ما أخبرهم به القرآن الكريم.\nب- إدراك وجوه جديدة للإعجاز في القرآن من ناحية ما يحويه أو يرمز إليه من علوم الكون والاجتماع.\nج- دفع مزاعم القائلين بأن هناك عداوة بين العلم والدين.\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور ١٢/ ١٦٣.\n(٢) المصدر نفسه ١٢/ ١٦٣.\n(٣) المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيدة المرسي ٥/ ١٥٦، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية- بيروت، ط/٢٠٠٠ م.\n(٤) التفسير والمفسرون للذهبي ٣/ ٢٨، ٢٩.\n(٥) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي حجة الإسلام الفقيه الشافعي، لم يكن في آخر عصره مثله، اختلف إلى دروس العلم وجدَّ في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة وصار من الأعيان واشتهر اسمه وسار بذكره الركبان، وكانت ولادته في سنة خمسين وأربع مائة بالطابران وتوفي رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٢٣، والوافي بالوفيات ١/ ١١٩، ١٢٠.\n(٦) تأصيل الإعجاز العلمي، عبد المجيد بن عزيز الزنداني ص ١٤، مطبوعات هيئة الإعجاز العلمي- مكة المكرمة (بدون).\n(٧) تأصيل الإعجاز العلمي للزنداني ص ١٥.","vol":"1","page":144},{"text":"د- استمالة غير المسلمين إلى الإسلام من هذا الطريق العلمي الذي يخضعون له دون سواه في هذه الأيام\" (١)؛ ولكن شريطة أن يكون بدون تعسف للآيات والمعاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٣ - الاتجاه الموضوعي:</span>\nإن هذا النوع من التفسير\"يتناول موضوعًا واحدًا في القرآن، يعمد المفسر فيه إلى ذكر الآيات المتعلقة بهذا الموضوع، ويشرحها ويفصل القول فيها\" (٢).\nومثال ذلك أن يعمد المفسر إلى جمع آيات التقوى من جميع سور القرآن ثم يقوم بتفسيرها في منظومة واحدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>٤ - الاتجاه الفقهي:</span>\nوهو \"التفسير الذي يولي موضوع الأحكام الفقهية عناية خاصة\" (٣)، ومن الأمثلة على ذلك:\nمن الحنفية: ألَّف أبو بكر أحمد بن علىّ الرازي المعروف بالجصَّاص والمتوفى سنة سبعين وثلاثمائة من الهجرة كتابًا سماه أحكام القرآن تناول فيه الأحكام الفقهية مرجحًا مذهب الحنفية.\nومن المالكية: ألَّف أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله الملقب بابن العربي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة كتابه أحكام القرآن، معتمدًا على المذهب المالكي، وكان متحررًا قد بلغ رتبة الاجتهاد كما في ترجمته.\nومن الشافعية: ألَّف أبو الحسن عماد الدين، علىّ بن محمد بن علىّ الطبرى المعروف بالكيا الهراسي المتوفى سنة أربع وخمسمائة كتابه أحكام القرآن، وهو كسابقه يخرج عن المذهب إذا لاح له الدليل.\nوهكذا بقية المذاهب حتى مذاهب الفرق المنحرفة التي تتعسف أحكام القرآن للتدليل على مذاهبها الباطلة، كالشيعة الاثناعشرية، والباطنية، وغيرها، فكل طائفة جعلت لها تفسيرًا يتماشى مع مذهبها، وفكرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٥ - الاتجاه البلاغي:</span>\nوهو \"علم يعرف به أحوال الألفاظ، والجمل القرآنية التي بها يطابق مقتضى الحال، وفقًا للغرض الذي سيق له، مع إبراز سهولة المعنى، ومحاسن الألفاظ؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في فهم كلام الله، وهو: \" القول في القرآن بالاجتهاد المبني على أصول صحيحة، وقواعد سليمة متبعة تعنى بأسرار التراكيب لنظم القرآن بما يبين المعنى بحسب مقتضى الحال، وتظهر من خلاله فصاحة القرآن التي تحدى الله بها العرب\" (٤).\nومن أعلام هذا الفن الإمام عبد القاهر الجرجاني (٥)، فقد ألف كتابًا سماه إعجاز القرآن الصغير، وكتابًا آخر سماه إعجاز القرآن الكبير، وغيرها من المؤلفات، والعلامة محمود\n_________\n(١) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ٢/ ١٠٠.\n(٢) لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير، محمد بن لطف الصباغ ٢/ ١٥، رسالة دكتوراه.\n(٣) لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير، محمد بن لطف الصباغ ٢/ ١٥.\n(٤) هذان التعريفان استنبطهما الباحث من خلال تعريف علم البلاغة، ومعنى الفصاحة، ومن خلال علوم البلاغة الثلاثة: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، لأني لم أجد من عرفه على رغم طول فترة البحث، انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، أبو عبدالله محمد بن سعدالدين بن عمر القزويني ص ٤٩، تحقيق الخفاجي، دار إحياء العلوم - بيروت، ط/ الرابعة، ١٩٩٨ م.\n(٥) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر، واضع أصول البلاغة، كان من أئمة اللغة، من أهل جرجان (بين طبرستان وخراسان) له شعر رقيق، من كتبه: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، والجمل في النحو، وغيرها، ولد عام أربعمائة للهجرة وتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ١٤٩، وشذرات الذهب ٣/ ٢٤٠.","vol":"1","page":145},{"text":"الزمخشري في تفسيره المسمى بالكشاف، ولولا اعتزاله وانتصاره في كتابه للمعتزلة لكان كتابًا حافلًا، ومن المعاصرين الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير فقد جمع ما لم يجمعه غيره مستفيدًا مِنْ مَنْ سبقه كثيرًا، وهذا الاتجاه في التفسير تابع للتفسير بالدراية وسيسلط الباحث الأضواء عليه؛ كون هذه الدراسة التي نحن بصددها هي في التفسير البلاغي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>أهمية التفسير البلاغي:</span>\nوللتفسير البلاغي أهمية كبيرة نذكر منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>١ - الوقوف على معجزة القرآن الكريم البلاغية التي تحدى بها الله تعالى العرب</span>.\nقال ابن عاشور: \"فإعجاز القرآن متوجه إلى العرب إذ هو معجز لفصحائهم، وخطبائهم، وشعرائهم، مباشرة، ومعجز لعامتهم بواسطة إدراكهم أن عجز مقارعيه عن معارضته مع توفر الدواعي عليه، فهذا برهان ساطع على أنه تجاوز طاقة جميعهم، ثم هو بذلك دليل على صدق المُنَزَّلِ عليه لدى بقية البشر الذين بلغ إليهم صدى عجز العرب بلوغا لا يستطاع إنكاره لمعاصريه بتواتر الأخبار، ولمن جاء بعدهم بشواهد التأريخ، كما أنه معجزة مستمرة على تعاقب السنين؛ لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية، والحكمية والعلمية، والأخلاقية، وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني، وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>٢ - توجيه التفسير للألفاظ والجمل القرآنية بما يرفع الإشكال ويوضح المعنى</span>.\nومثال ذلك: \"لما جلس أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢) لدروس العلم في المسجد جاءه رجل يقول له: إن العرب حين تستعمل أسلوب التشبيه فإنها تشبه مجهولًا بمعلوم حتى يتضح المجهول فما بال القرآن يشبه مجهولًا بمجهول في قوله تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصَّفات: ٦٥]، فنحن لم نر طلع الشجرة فهي مجهولة لدينا، ورؤوس الشياطين أيضًا مجهولة لنا حيث لم نر شيطانًا، فكيف وقع هذا في القرآن؟\nفرد عليه معمر بأن العرب تكتفي بالصورة الذهنية عن الصورة المشاهدة، ورأس الشيطان صورته في الذهن العربي صورة كريهة مخيفة مرعبة، فشبه به شجرة الزقوم، ومن هنا نشأ علم البلاغة لخدمة أساليب القرآن الكريم\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>٣ - فهم المعاني القرآنية من خلال معرفة القرائن وسياق النص ولهجات العرب</span>.\nفالكلمة الواحدة والجملة الواحدة قد تحمل مدلولين متناقضين تمامًا، دون أن تختلف الكلمة في بنائها الداخلي، وإنما الذي تغير هو (السياق) والقرائن المحيطة، فقد يقول الأب لابنه:\n_________\n(١) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن عاشور التونسي ١/ ٥٩، مؤسسة التأريخ العربي، بيروت- لبنان، ط/ الأولى ١٤٢٠ هـ ٢٠٠٠ م.\n(٢) معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم باللغة والأدب، ولد بالبصرة سنة عشر ومائة، استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد، وقرأ عليه أشياء من كتبه، وكان إباضيًّا، شعوبيًّا من =حفاظ الحديث، توفي سنة تسع ومأتين للهجرة، انظر: العبر في خبر من غبر، أبو عبدالله محمد بن أحمد بن قايماز الذهبي ١/ ٢٥٩، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية - بيروت، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، محمد بن يعقوب الفيروزأبادي ١/ ٧٦، تحقيق: محمد المصري، جمعية إحياء التراث الإسلامي- الكويت، ط/ الأولى ١٤٠٧ هـ.\n(٣) أثر الدرس اللغوي في فهم النص الشرعي، محمد المختار محمد المهدي ص ٧.","vol":"1","page":146},{"text":"(افعل كذا) وهو يقصد المعنى الظاهري لهذه الكلمة، وقد يستخدم نفس الكلمة ويقصد بها التهديد، الذي يستطيع اكتشافه من خلال القرائن، وهنا ينقلب معنى (افعل) إلى معنى مناقض تمامًا هو (لا تفعل)!، وهذا هو بالضبط ما ينطبق على القرآن الكريم، فقد يستخدم القرآن صيغة الأمر ويقصد بها مدلولها الظاهري، عندما يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد يقصد بها الإباحة عندما يقول: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿المائدة: ٢﴾، عقيب الحظر في قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ] ﴿المائدة: ٩٥﴾، وقد يقصد التهديد عندما يقول: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزُّمر: ١٥]، وقد يقصد التعجيز والتحدي عندما يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، أو عندما يقول على لسان نبي الله هود -ﷺ- مخاطبًا قومه الكافرين: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]، وقد يقصد الاستهزاء عندما يقول الله تعالى في خطابة لبعض أهل جهنم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُخان: ٤٩]، وهكذا وهلم جرًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>٤ - إثراء المعاني للألفاظ والجمل التي ظاهرها التماثل والتشابه</span>.\nوتعنى بهذا كتب البلاغة التي تعنى بمقتضيات الأحوال وأسرار التراكيب ومثال ذلك ورود اليأس في القرآن الكريم بمعنى: الإحباط، والقنوط، وعدم الرجاء، مثل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [﴿يوسف: ٨٧]، أي: لا يقنط من رحمة الله ... وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَلِقَاءِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣]، وقوله: [لَا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصِّلت: ٤٩]، لكنه قد وردت آية فيها اليأس بمعنى العلم على لهجةٍ من لهجات العرب، دل عليها سياق النص، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، ومعناها: أفلم يعلم (٢)، فدل ذلك على أهمية معرفة سياق النص، ولهجات العرب، لتفسير كتاب الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>خاتمة التمهيد</span>\nإن النص القرآني ينأى عن النص البشري بكل أجناسه، فهو فمعجزة، ثابتة الألفاظ متحركة المعاني تصلح لكل متلقٍ في كل زمان ومكان، تحمل دلالات بعضها فوق طاقة العقل الإنساني واستيعابه، أقبل العلماء على هذا الكتاب المجيد مشغوفين بكل ما يتعلق به: حتى أحصوا عدد آياته وحروفه، وعدد ألفاظه المعجمة والمهملة، وأطول كلمة فيه وأقصرها، وأكثر\n_________\n(١) الإيضاح في علوم البلاغة، جلال الدين أبو عبدالله محمد بن سعدالدين بن عمر القزويني ص ٤٩، دار إحياء العلوم - بيروت، ط/ الرابعة ١٩٩٨ م.\n(٢) أثر الدرس اللغوي: ١٣، بتصرف.","vol":"1","page":147},{"text":"ما اجتمع فيه من الحروف المتحركة، واشتغلوا منه بأبحاث دون تلك وزنا معتقدين أن لهم في هذا كله ثوابا عند الله وأجرا، إذ حققوا إرادته الأزلية في حفظ كلامه المبين من عبث السنين.\nويمكن تحديد<span data-type=\"title\" id=toc-168> أهم النتائج التي توصلنا إليها من هذا التمهيد </span>كما يأتي:\n١ - القرآن الكريم: هو كتاب الله تعالى الذي أنزله على خاتم المرسلين محمد -ﷺ- لهداية البشر، وهو دستور الحق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أودعه ربنا تعالى كل تشريع، وضمنه كل موعظة من شأنها تحقيق السعادة للبشرية جمعاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨]\n٢ - لم تكن كتب علوم القرآن -في القرن الأول- قد انفردت واستقلّت بالتأليف؛ بل نرى بعض الموضوعات كُتِبَتْ على وجه الاستقلال في القرون الأولى؛ كعلمِ القراءاتِ، وعلمِ الرسمِ، والناسخِ والمنسوخِ، وإعجاز القرآن، وبعض الكتب جمعت أكثر من نوع من هذه الأنواع.\n٣ - كان القرآن الكريم موضع اهتمام المسلمين من أول يوم تنزل فيه على رسول الله ﷺ، فوعاه الصحابة وحفظوه، وكتبوه، وطبقوا ما فيه، وكان ما قام به أبوبكر الصديق بمشورة عمر ﵄ من جمع القرآن مما هو مكتوب أو محفوظ في عهده ﷺ عملا عظيمًا حُفظ به القرآن، وسار على نهجه عثمان بن عفان ﵁ عندما جمع الناس على مصحف واحد ومنع الاختلاف بين المسلمين، وقد نال زيد بن ثابت ﵁ شرف تحمل مسؤولية جمع القرآن في عهد أبي بكر، وكتابته في عهد عثمان.\n٤ - الوحي عملية مرتبطة بحوار ثنائي: بين ذات أمرة، وذات متلقية، ورأينا ظاهرة الوحي مرئية ومسموعة، ولكنها خاصة بالنبي ﵌ وحده، ولم يكن الوحي ظاهرة ذاتية عند النبي ﵌ إطلاقًا، بل كانت منفصلة عنه انفصالًا تامًا، ربما صاحبه من خلالها إمارات خارجية في شحوب الوجه أو تصبب الجبين عرقا، ولكنها إمارات لم تكن لتمتلك عليه وعيه نهائيًا، وكان الداعي لبحث ذلك هو الرد على هجمات طائفة من المستشرقين الذين يرون الوحي نوعا من الإغماء، أو مثلًا من التشنج، والأمر ليس كذلك، بل هو استقبال لظاهرة، أعقبه هذا الوقع، استعداد للنشر والتبليغ. بعد هذا أرسينا مصطلح الوحي على قاعدة من الفهم القرآني.\n٥ - تناول البحث تحديد بداية نزول القرآن زمنيًا، وتعيين ما نزل منه أول مرة، ثم أشرنا للنزول التدريجي، وضرورة تنجيم القرآن، وعالجنا هذه الظاهرة بما نمتلك من تقليل لأسرارها، وتقييم لأبعادها، وأوضحنا إيمان القرآن بمرحلية النزول، وتعقبنا ذلك بتأريخية ما انقسم منه إلى مكي ومدني، وسلطنا الضوء على ضوابط السور المكية والمدنية، وحمنا حول أسباب النزول وقيمتها الفنية، وما يستأنس منه بجذورها في تعيين النزول زمانيًا ومكانيًا، وتتبعنا ما نزل من القرآن بمكة أولًا بأول، وما نزل بالمدينة أولًا بأول، معتمدين على أصح الروايات وأشهرها، أو بما يساعد عليه نظم القرآن وسياقه، وختمنا الفصل بجدول إحصائي إستقرائي لسور القرآن كافة بترتيبها العددي والمصحفي والزماني والمكاني.\n٦ - إن للآيات القرآنية قصة تعين على الفهم السديد وتلهم أرجح التأويل وأصح التفسير وهو ما يسمى بأسباب النزول، وحين وصفنا مقاييس المفسرين المحققين في ترجيح الروايات المنبئة عن تلك الأسباب بمصطلحها الدقيق وتخريجها الذكي ونقدها الحصيف، وجمعها بين السبب","vol":"1","page":148},{"text":"التاريخي والسياق الأدبي في الآيات التي وضعت في السطور على حسب الحكمة ترتيبا وحفظت في الصدور على حسب الوقائع تنزيلا، وحين تحدثنا عن ألوان من التناسق الفني يعوض بها القرآن أسباب النزول إذا لم تعرف، أو يؤكد مدلولاتها \"بالنماذج\" الحية إذا عرفت ولم تحفظ، أو حفظت ولم تشتهر.\n٧ - إن في اعتبار الشكل المصحفي، وطريق الرواية إلى النبي ﵌، وتعدد لهجات القبائل، مضافًا إلى المناخ الإقليمي القائم بين مدرستي الكوفة والبصرة، أسسا قابلة للاجتهاد والأثر في تعدد القراءات القرآنية، وانتهينا إلى أن الاختلاف كان في الأقل، والاتفاق في الأكثر، وحددنا وجهة النظر العلمية تجاه القراء السبعة والقراءات السبع، وأعطينا الفروق المميزة بين القراءة والاختيار، وأوردنا مقاييس القراءة المعتبرة\n٨ - وقد تقصينا الخطوات التي مر بها التفسير حتى اتخذ الصورة التي نجده عليها في بطون المؤلفات، وأن نفرق بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، وأن نتبين كيف يفسر القرآن بالقرآن لما في دلالته من الإحاطة والشمول، في منطوقه ومفهومه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومجمله ومفصله، ونصه وظاهره.\n٩ - إن القرآن كله محكم بمعنى أنه متقن غاية الإتقان، وهو أيضًا متشابه، بمعنى أنه يصدق بعضه بعضًا؛ أما من جهة الاصطلاح، فالمحكم ما عُرف المقصود منه، والمتشابه ما غَمُض المقصود منه. وظهر لنا أيضًا الموقف السليم من النصوص الواردة في باب الصفات، وأن القول الصواب فيها ما ذهب إليه السلف من إجراء تلك النصوص على ظاهرها، دون أن يقتضي ظاهر تلك النصوص تمثيل الخالق بالمخلوق.\n١٠ - وتبين لنا بعد التجوال في ميدان علوم القرآن الكريم أن (الناسخ والمنسوخ) علم من آكد العلوم وأوجبها تعلما وحفظا وبحثا وفهما وخاصة لمن أراد أن يخوض غمار تفسير كتاب الله تعالى وأن يغوص في لجته لاستخراج الدرر الثمينة والجواهر النفيسة. بل إنه علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهله كما قال ذلك؟ مكي بن أبي طالب القيسي؟؟ رحمه الله تعالى، وإن مما يدل على عظم شأن هذا العلم وجليل خطره أن؟ الإمام أحمد؟ وإسحاق بن راهويه؟ عداه شرطا لكون الإنسان عالما. وأن؟ أبا يوسف؟ صاحب؟ أبي حنيفة؟ اعتبره شرطا للإفتاء بل قال: إنه لا يحل؟ لأحد أن يفتي حتى يعرفه.\n١١ - إن الترجمة عامل آخر يسير موازيًا لتعلم لغة القرآن الكريم في نشر دعوته، وتبليغ هدايته للعالمين، وليس بالضرورة أن يتحول المسلمون جميعًا إلى عرب، فأكثر المسلمين في أرض الله اليوم من العجم، وها نحن نراهم أشد نصرة لدين الله، وأكثر حرصًا على طلب العلم، وأكثر الأئمة الأعلام كانوا من غير العرب، وقد سجل القرآن الكريم، أن من آيات الله العظمية، وآيات القدرة: اختلاف الألسنة واللهجات.\nفلا مانع أن يُترجم القرآن الكريم لغير العرب، وأن يدخل غير العرب في دين الإسلام، ويتعلمون اللغة العربية.\n١٢ - وننتهي إلى إعجاز القرآن، فإذا نحن نرد سحره إلى نسقه الذي يجمع بين مزايا النثر والشعر جميعا، بموسيقاه الداخلية، وفواصله المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل، وتقفيته التي تغني عن القوافي، ورأينا كيف تم للقرآن من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم للفنان من الإبداع بالريشة والألوان، وحاولنا في تصور التشبيه والاستعارة والكناية وأنواع المجاز أن نبث الحياة في اصطلاحات القدامى، فكان القرآن -في هذا كله- نسيجا واحدا في بلاغته وسحر بيانه،","vol":"1","page":149},{"text":"إلا أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه\nفذلك هو القرآن: إن نطق لم ينطق إلا بالحق، وإن علم لم يعلم إلا الهدى والرشاد، وإن صور لم يصور إلا أجمل لوحات الحياة، وإن رتل ترتيلا لم يسمع بعده لحن في الوجود ذلك كتاب الله المجيد (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).\nوأخيرا فالقرآن الكريم، هو مرجع الإسلام الأول، ودليله الأعظم، إليه المستند في العقائد، والعبادات، والحكم، والأحكام، والآداب، والأخلاق، وفيه القصص، والمواعظ، والعلوم، والمعارف، لذلك كله، كان القرآن الكريم، موضع العناية الكبرى من الرسول؟ ومن صحابته، والتابعين، ومن سلف الأمة، وخلفها جميعًا، منذ القرن الأول إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسيبقى كتاب الله هذا محفوظًا بحفظ الله؛ مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].\nوقد تبيّن لنا من خلال البحث أن العناية بالقرآن اتخذت أشكالًا مختلفة؛ فتارةً تتوجّه إلى لفظه وأسلوبه، وأخرى إلى كتابته ورسمه، وثالثة إلى إعجازه وتفسيره.\nويمكننا أن نقول: إن كتاب الله تعالى -الذي حظي من عناية العلماء بالجهد الموفور، لشرحه وتفسيره، وبيان علومه، وهداياته- قد شمل عدة أنواع من المؤلفات، ككُتب التفسير، وكتب علوم القرآن، وكتب المناهج، وكتب الدخيل، فضلًا عن الموضوعات الخاصة في مؤلفاتها الموجزة في العقيدة، والأخلاق، والمعاملات ... ونحو ذلك، ولقد رأينا علماءنا سلفًا، وخلفًا قد ألَّفُوا الكُتُبَ، وتباروْا في هذا الميدان؛ حتى زخرت المكتبة الإسلامية، بثروةٍ لا نظيرَ لَهَا، وتراث عظيم، من المصنفات المتنوعة، والموسوعات القيمة.\nوبعد كان هذا إيذانا بجملة من نتائج البحث، الذي وقفنا عنده، فتلك مباحث في علوم القرآن لا ننمي إليها السعة والشمول، ولا ندعي لها التفصيل والاستيعاب، إنما هي طائفة من المسائل المهمة التي نرجو ألا يجهلها أو يتجاهلها عربي ينطق بالضاد أو مسلم يهتف بهذا الدين الحنيف، وها نحن أولاء نتركها بين أيدي القراء سائلين الله أن يشوقهم بها إلى تلاوة كتابه، فتدبر أحكامه، فالعمل بتعاليمه، لعل التاريخ يعيد نفسه، ولعلنا نرجع بهذا الكتاب كما كنا خير أمة أخرجت للناس، ونسأل الله تعالى أن يتقبله منا بأحسن قبوله، وأن ينفع به الباحثين والدارسين، وأن يجعله ذخيرة لنا يوم الدين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nالمؤلف\nانتهى المقدمة والتمهيد، ويليه تفسير سورة الفاتحة.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>تفسير سورة الفاتحة</span>\nوهي السورة الأولى من حيث الترتيب في المصحف الشريف، التي جمع الله فيها كل مقاصد القرآن، وأجمل معانيه في تلك الآيات السبع المثاني، بالأسلوب المعجز؛ واللفظ الموجز، والقول السلس الذي لا يحتاج إلى كثير معاناة بحث، ولا يستدعي عميق فهم وعويص تفكير؛","vol":"1","page":151},{"text":"فهي نموذج القرآن الذي يرسم أسسه وحقائقه في كل نفس، ويصور معانيه في كل قلب: العلماء والدهماء على اختلاف منازلهم، وتباين درجاتهم، إذا ما لفتوا أفهامهم بعض اللفت، ووجهوا قلوبهم نوع توجيه، آتتهم هذه الفاتحة المباركة ذلك النموذج القرآني، وتلك الصورة الحقة لمقاصد الكتاب الحكيم.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-170>لهذه السورة أسماءٌ متعددةٌ</span>، نذكر منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>أولا: - فاتحةُ الكتابِ </span>(١):\nورد في \"الصَّحيحين\" عن عُبادة بنِ الصَّامِت أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \" لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ \" (٢)، وإنَّما سُمِّيت \"فاتحة الكتاب\" لافتتاح سُور القرآن بها كتابةً، وقراءةً في\n_________\n(١) لقد اشتملت السورة على كل معاني القرآن وهذا هو سر الفاتحة. فمعاني القرآن ثلاثة: (١ - العقيدة: \" الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم\" ٢ - العبادة: \" إياك نعبد وإياك نستعين\" ٣ - مناهج الحياة: \" اهدنا الصراط المستقيم، صراط اللذين أنعمت عليهم\"، وكل ما بعد الفاتحة من قرآن يشرح هذه المحاور الثلاثة، والفانحة تذكرنا بكل أساسيات الدين:\n١ - نعم الله: \" الحمد لله رب العالمين\" ٢ - الإخلاص: \" إياك نعبد وإياك نستعين\"٣ - الصحبة الصالحة\" صراط اللذين أنعمت عليهم\"٤ - التحذير من صحبه السوء: \" غير المغضوب عليهم\" ٥ - أسماء الله الحسنى: \" الرحمن الرحيم\" ٦ - أصل صلة الله بك: \" الرحمن الرحيم\" ٧ - الاستقامة: \" اهدنا الصراط المستقيم\" ٨ - الآخرة: \" الصراط\" ٩ - أهمية الدعاء.١٠ - وحدة الأمة: \" نعبد ...... نستعين\" فجاءت الصيغة هنا جماعة وليست مفردا للتأكيد على وحدة الأمة.\nوالفانحة تعلمنا كيف نتعامل مع الله: فجاءت نصفها ثناء والنصف الآخر دعاء، فحتى لو قسمت حروفها لوجدت أن نصف الحروف ثناء والنصف الثاني دعاء. فعند دعائنا لله تعالى يجب أن نبدأه بالثناء على الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته ثم نتوجه بما نريد من الدعاء.\nومن جماليات الأسلوب القرآني: علاقة أول الفاتحة بنهاية المصحف، إذ ترى في سورة الفاتحة \" الحمد الله رب العالمين\" وفي سورة الناس \" قل أعوذ برب الناس\" فقد بدأ المصحف برب العالمين واختتم المصحف برب الناس.\n(٢) صحيح البخاري: (٧٥٦)، وصحيح مسلم: (٣٩٤). وقد احتج العلماء بهذا الحديث على أن الفاتحة ركن في الصلاة لابد منها في حق الإمام والمنفرد، وحاصل المسألة أن المنفرد والإمام يجب عليهما قراءة الفاتحة مطلقا في الصلاة السرية والجهرية، أما المأموم فيجب عليه أن يقرأ حال الركعات السرية كالظهر والعصر والأخيرتين من العشاء وثالثة المغرب، أما في الركعات التي يجهر فيها الإمام فلا يجب عليه القراءة ولا يجب عليه السكوت، ولكن المستحب المتأكد في حقه الإنصات والاستماع إلى قراءة الإمام، فإن لم يسمع قراءة الإمام لبُعْد المكان أو لتَعَطُّل مُكَبِّر الصوت أو لصَمَمٍ فيجب عليه قراءة الفاتحة عملا بالأصل.\nوتجدر الإشارة بأن قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر للعلماء فيها ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ليس للمأموم أن يقرأ في الصلاة الجهرية إذا كان يسمع الإمام لا بالفاتحة ولا بغيرها وهذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي، وممن قال بهذا القول من المعاصرين العلامة الألباني والشيخ أبو بكر الجزائري والشيخ سيد سابق والشيخ محمود المصري.\nالقول الثاني: يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية كالسرية وهو المذهب عند الشافعية وقول البخاري وابن حزم من الظاهرية، وقال بصحته القرطبي، وممن قال بهذا القول من المعاصرين: العلامة ابن باز وابن عثيمين، والشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ محمد بن عبد المقصود.\nالقول الثالث: يستحب للمأموم قراءتها وهو قول جماعة من أهل العلم منهم الأوزاعي.\nوالذي يبدو لي أن أعدل الأقوال وأقربها للصواب هو القول الأول قول الجمهور وأن المأموم لا يقرأ في حال الجهر لا بالفاتحة ولا بغيرها إذا كان يسمع قراءة الإمام هذا ما يدل عليه عمل أكثر الصحابة ﵃ وتتفق عليه أكثر الأحاديث ولأن الله تعالى أمر بالإنصات لقراءة الإمام في الصلاة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ويؤيد دلالة الآية على وجوب الإنصات لقراءة الإمام ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: \"إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا .. وذكر الحديث الطويل\" وزاد بعض رواته: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" وقد ذكرها في صحيحه. وقد رواها أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا\" وقد سئل مسلم بن الحجاج عن حديث أبي هريرة هذا فقال: هو عندي صحيح. ومما يدل على منع المأموم من القراءة حال جهر الإمام ما رواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ \"أن النبي ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم يارسول الله. فقال: إني أقول: مالي أنازع القرآن قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ\"، وقد تكلم في هذا الحديث بعض أهل العلم من جهة ابن أكيمة الراوي عن أبي هريرة وليس ذلك بشيء فقد قال عنه يحيى بن سعيد عمرو بن أكيمة ثقة ووثقه غير واحد من أهل العلم. كما أنه طعن في الحديث من جهة أن قوله في الحديث: \"فانتهى الناس ... \"مدرج من كلام الزهري كما قاله البخاري والذهلي وأبو داود وغيرهم والجواب عن هذا أن ذلك لا يسقط الاحتجاج بالحديث سواء كان ذلك من قول أبي هريرة أو من قول الزهري، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٧٤): \"وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي ﷺ فإن الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل زمانه بالسنة وقراءة الصحابة خلف النبي ﷺ إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان فيكون الزهري من أعلم الناس بها فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي في الجهر\" انتهى كلامه ﵀.\nومما يستأنس به في عدم وجوب القراءة على المأموم في الجهرية الحديث المشهور \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" وهذا الحديث أخرجه جمع من الأئمة بطرق متعددة مسندًا ومرسلًا عن جماعة من الصحابة أمثلها حديث جابر على ضعف فيه وكثرة كلام النقاد فيه ومع ذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله في مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٧١ - ٢٧٢): \"وهذا الحديث روي مرسلًا ومسندًا لكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلًا عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ وأسنده بعضهم ورواه ابن ماجه سندا وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم\". وممن استوعب الكلام في الحديث وطرقه الدارقطني ﵀ في علله ومما تقدم يتبين أن ما رواه البخاري ومسلم وغيرها من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" ليس على عمومه بل هو مخصوص بما تقدم من النصوص ومثله ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القران فهي خداج ثلاثًا غير تمام\" فكل هذا وأمثاله محمول على غير المأموم جمعًا بين الأحاديث ومما يؤيد عدم العموم فيها ما حكاه الإمام أحمد ﵀ من إجماع. قال ﵀: \"ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ\".\nأما حديث عبادة بن الصامت \"أن النبي ﷺ صلى الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم قلنا: يا رسول الله إي والله. قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\" وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه وفيه محمد بن إسحاق وقال عنه أحمد: لم يرفعه إلا ابن إسحاق. وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٦): \"هذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة ضعفه أحمد وغيره من الأئمة\". وقال بعد ذكر من صحّح الحديث وحسنه (٢٣/ ٣١٥): \" ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يعلم هل يقرؤون وراءه بشيء أم لا؟ ومعلوم أنه لو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرهم بذلك وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولو بيّن ذلك لهم لفعله عامتهم ولم يكن يفعله الواحد أو الاثنان منهم. ولم يكن يحتاج إلى استفهامه فهذا دليل على أنه لم يوجب عليهم القراءة خلفه حال الجهر ثم إنه لما علم أنهم يقرؤون نهاهم عن القراءة بغير أم الكتاب وما ذكر من التباس القراءة عليه تكون بالقراءة معه حال الجهر سواء كان بالفاتحة أو غيرها فالعلة متناولة للأمرين فإن ما يوجب ثقل القراءة والتباسها على الإمام منهي عنه\".\nولذلك فالذي يظهر لي أن المأموم لا يجوز له القراءة حال جهر الإمام بالقراءة لما تقدم من الأدلة ولما في حديث عبادة من معنى النهي لكن إن تمكن المأموم من القراءة في سكتات الإمام فهذا المطلوب وإلا فلا شيء عليه لتركه القراءة أخذ بما نهى عنه رسول الله ﷺ وقد قال النبي ﷺ: \"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\" وهذا الحديث أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، والله تعالى أعلم.\n(انظر في هذه المسألة: مجموع الفتاوى لابن تيمية مجلد ٢ ص ١٤١ - ١٥٠ مسألة القراءة خلف الإمام دار الفكر ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م، ومجموع فتاوى ورسائل العثيمين: ١٣/ ١٣١، انظر مبحث ألفاظ العموم ودلالة العام في علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف ٢١٠ - ٢١٢ دار الحديث ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٣ م، وفي الوجيز في أصول الفقه د. عبد الكريم زيدان ٣٠٥ - ٣١٠ مؤسسة الرسالة الطبعة السابعة ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠، وفي علم أصول الفقه د. محمد الزحيلي ٢٥٦ - ٢٦١ دارالقلم الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م وفي شرح الأصول من علم الأصول لابن عثيمين ١٩٠ - ٢٠٥ المكتبة التوفيقية وفي مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ١٩٥ - ١٩٨ مكتبة العلوم والحكم الطبعة الرابعة ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م).\nوينبغي أن يتنبه أن هذه المسألة هي من مسائل الاجتهاد، فمن كان عنده القدرة على النظر في الأدلة والترجيح بينها: فإنه يعمل بما ترجح لديه، ومن لم يكن عنده القدرة على ذلك فإنه يقلد عالما يثق في دينه وعلمه، ولا يجوز أن تُتخذ هذه المسألة الاجتهادية مثارا للطعن في العلماء، أو الجدال المؤدي إلى التعصب والتفرق واختلاف القلوب. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":152},{"text":"الصلاة، وهذا ممَّا استدلَّ به من قال: إن ترتيب سُور القرآن منصوصٌ عليه كترتيب الآيات إجماعًا.\nوفي سبب تسميتها بـ (فاتحة الكتاب) أقوال (١):\nأحدها: أنها سمّيت بذلك، لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم والقراءة في الصلاة، وهي مفتتحة بالآية التي تفتتح بها الأمور تيمّنا وتبرّكا وهي التسمية.\nقال الطبري: \"، فهي فَواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة\" (٢).\nوالثاني: أنها سمّيت بذلك، لأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن.\nوالثالث: أنها سميت بذلك، لأنها أول سورة نزلت من السماء. قاله الحسين بن الفضل (٣).\nوتجدر الإشارة بأن الأمة الإسلامية أجمعت على أن ترتيب الآيات في سورها على ما هو عليه المصحف اليوم توقيفي بأمر من النبيﷺ-، فقد كانت الآيات تنزل عليه، وجبريل يدله على مواضعها، ويبلغها رسول الله صحابته، ويأمر كتاب الوحي بنسخها في مواضعها، وكان جبريل يعارضه بالقرآن في رمضان كل عام مرة، حتى عارضه في السنة التي توفي فيها رسول الله مرتين مرتبا الآيات كما هي عليه الآن، وقد حفظه الصحابة بعده وأجمعوا على هذا الترتيب (٤).\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: ٤٢٧ هـ)، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي/ دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٢٢، هـ - ٢٠٠٢ م: ١/ ١٢٦، وتفسير الطبري: ١/ ١٠٧.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ١٠٧.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٦.\n(٤) الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن وسوره، محمد أحمد القاسمي، ط ١، ١٩٧٩ م، مصر، ص: ٢٤٤.","vol":"1","page":154},{"text":"ولقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع في ذلك، فلقد جاء في البرهان للزركشي قوله: \"فأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها، فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها\" (١)، وممن نقل الإجماع أيضا حول هذه المسألة أبو جعفر ابن الزبير الغرناطي، حيث قال: \"ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ، وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين\" (٢).\nفالإجماع والنصوص المترادفة كلها على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، قال مكي (٣) وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر النبيﷺ-، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بدون بسملة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: \"ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان الرسول بأمر من جبريل﵇- يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا\" (٤).\nويقول السيوطي: \"والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيئا، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه، ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر مقدم، وأن الأمة ضبطت على النبي r ترتيب آي كل سورة وموضعها وعرفت موقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات، وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسولﷺ- قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه\" (٥).\nكما أن ترتيب السور في القرآن فيه خلاف بين أهل العلم على خلاف ترتيب الآيات، فيقول: \" ... وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه، وكما ثبت في مصحف عثمان بن عفان الذي بعث بنسخه (٦) إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن، الزركشي، دار النشر بيروت، (د، ط)، ج ١، ص: ٢٥٦.\n(٢) البرهان في ترتيب سور القرآن، ابن الزبير الغرناطي، تحقيق: محمد شعباني، طبعة وزارة الأوقاف المغربية، سنة: (١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م)، ص: ١٨٢.\n(٣) هو مكي بن أبي طالب حمش بن محمد بن مختار، أبو سمر القيسي، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، حسن الفهم، كثير التأليف في علوم القرآن، محسنا لذلك، توفي سنة: ٤٧٣ هـ، أنظر ابن بشكوال، الصلة: ق ٢، ص: ٦٣١.\n(٤) الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تحقيق: فؤاد أحمد زمولي، دار الكتاب العربي، ٢٠٠٤ م، بيروت، ص: ١٦٣.\n(٥) الإتقان في علوم القرآن: ١٦٣\n(٦) والراجح أنها أربع نسخ، وقال أبو عمر الداني في: \"المقنع في رسم القرآن، ص: ١٠: «قيل أربع وقيل خمس، والأول أصح، وعليه الأمة».أنظر: السيوطي الإتقان، ص: ١٥٩، و-الزركشي: البرهان، ج ١، ص: ٢٤٠. والداني هو: الحافظ الإمام شيخ الإسلام، أبو عمر عثمان بن سعيد الأموي، مولاهم القرطبي المقرئ، صاحب التصانيف، عُرف بالداني لمسكنه بدانية، قال: «ولدت سنة: ٣٧١ هـ، وبدأت طلب العلم سنة: ٣٨٦ هـ، ورحلت إلى المشرق سنة: ٣٩٧ هـ، وسكنت القيروان أربعة أشهر، ودخلت مصر في شوال فمكثت بها سنة، ثم حججت، ورجعت إلى الأندلس في ذي القعدة سنة: ٣٩٩ هـ»، قرأ على عبد العزيز بن جعفر الفارسي، وابن غلبون، وسمع من أبي مسلم، والبزار، وابن النحاس، كان أحد الأئمة في القرآءات، ورواية الحديث والتفسير، كان مالكي المذهب، له ١٢٠ مصنف، كانت وفاته بدانية في النصف من شوال، سنة ٤٤٤ هـ. مقدمة كتاب التيسير.","vol":"1","page":155},{"text":"فيه\" (١)، ثم قال: \"فكيفما دار الأمر فمنه ﷺ عُرفَ ترتيب السور، وعلى ما سمعوه منه بنوا جليل ذلك النظر\" (٢)، وإنما الخلاف وقع في فعلهم في ترتيب السور هل كان بتوقيف قولي، أو بمجرد استناد فعلي حيث بقي لهم فيه مجال نظر؟ وحتى لو كان هذا الأمر اجتهادا من الصحابة، فإن الأمر مسلم فيه أيضا، لأنه لا يوجد من هو أفصح، وأعلم بكتاب الله، وبآياته، وسوره، ونزوله من الصحابة ﵃، كما أنهم أعملوا في ذلك اجتهادهم الأقصى، وهم الأعلياء بعلمه، والمسلم لهم في وعيه، وفهمه، وهم العارفون بأسباب النزول، ومواقع الكلمات، وإنما ألفوه على ما كانوا يسمعون منه، وهو رسول اللهﷺ-، وقد كان نظرهم هذا في ما استقر عليه النبيﷺ- من كان فعله الأكثر، والسند في ذلك بان الترتيب في السور قد روعي فيه التناسب، وإن كان لم يُراعى فيه أسباب النزول، وزمانه ومكانه، بأدلة، وأحاديث رويت منها في صحيح مسلم (٣)، وما روى في مصنف ابن أبي شيبة (٤)، وما نُقل عن الخطابي (٥) والقاضي ابن العربي (٦)، والتأمل بالعقل في ذلك التناسب\n_________\n(١) البرهان في ترتيب سور القرآن، ابن الزبير الغرناطي: ١٨٢.\n(٢) المصدر نفسه: ١٨٣.\n(٣) إشارة إلى حديث حذيفة في صلاة القيام: عن حُذَيْفَةَ ﵁ قال: (صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فقلت يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فقلت يُصَلِّي بها في رَكْعَةٍ فَمَضَى فقلت يَرْكَعُ بها ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إذا مَرَّ بِآيَةٍ فيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وإذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يقول سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا من قِيَامِهِ ثُمَّ قال سمع الله لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قام طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فقال سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعلى فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا من قِيَامِهِ ...) رواه مسلم (٧٧٢).\n(٤) عن ابن عباسٍ ﵄ أَنّ النبيَّ ﷺ: \"كَانَ يَقْرَأُ فِى صَلاةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ وَالمُنَافِقِينَ\" (أخرجه مسلم: ٨٩٧).\nوقد روى محمد بن أحمد بن حبان البستي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط ٢، ٥ (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤١٤ هـ)، ح ١٨٤١، كتاب الصلاة باب صفة الصلاة، ذكر ما يستحب أن يقرأ به من السور ليلة الجمعة في صلاة المغرب والعشاء، ١٤٩، من حديث جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله ﷺ: يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة، الجمعة، والمنافقين). والحديث ضعفه الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة، ح ٥٥٩، والأرنؤوط في تعليقه على ابن حبان.\n(٥) هو الإمام أحمد بن إبراهيم ابن الخطاب السبتي، أبو سليمان الفقيه، المحدث اللغوي، وله عدة مصنفات، من آثاره: \"معالم السنن\"، و\"إصلاح غلط المحدثين\"، و\"غريب الحديث\" وله شرح على البخاري، توفي سنة: ٣٨٨ هـ. أنظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج ٣، ص: ١٠١٨، حيث نُقل عنه قوله: «أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن وضعوا سورة القدر عقب العلق، واستدلوا بذلك على أن المراد بها الكتابة في قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ القدر آية ١، إشارة إلى قوله: إقرأ\".\n(٦) ابن العربي هو محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي الإشبيلي، المالكي، ولد بالأندلس، ورحل إلى المشرق، وعاد إلى وطنه سنة ٤٩١ هـ، وتولى القضاء، وذكر ابن بشكوال في الصلة أن له مصنفات عديدة منها: \"عارضة الأحوذي\" و\"أحكام القرآن\" و\" العواصم، وشرح موطأ مالك، و\"قانون التأويل\"، توفي سنة: ٥٤٣ هـ بفاس، ونُقل عنه قوله: «.. وهذا بديع جدا، قلت ومن ظن ممن اعتمد القول بأن ترتيب السور إجتهاد من الصحابة، أنهم لم يراعوا في ذلك التناسب، والإشتباه، فقد سقطت مخاطبته، وإلا فما المراعى في ترتيب النزول؟ وهو غير واضح في ذلك بالقطع، بل هذا معلوم في ترتيب آي القرآن الواقع ترتيبه بأمره ﵊، وتوقيفه بغير خلاف ...». (أنظر ابن الزبير، البرهان، ص: ١٨٤.وتاربخ قضاة الأندلس، ص: ١٠٥. ونفح الطيب، ج ٢، ص: ١٩٩. والأعلام، ج ٦، ص: ٢٣٠).","vol":"1","page":156},{"text":"الموجود بين عدة سور كالأنفال، وبراءة، والتناسب الموجود بين الطلاق، والتحريم، والضحى، والشرح ... مما لا يتوقف في وضوحه من له أدنى نظر، كما نقل عن أبي محمد بن عطية (١) قوله بتفصيل في المسألة، وساق له ابن الزبير في كتابه البرهان بعض ما يؤيد هذا الرأي، منه قول رسول اللهﷺ-: \"إقرأوا الزهروان البقرة، وآل عمران\" (٢)، وحديث يؤتى بالقرآن يوم القيامة تقدمه سورة البقرة (٣)، وحديث: صلى رسول اللهﷺ- بالسبع الطوال في ركعة (٤)، وحديث كان يجمع المفصل في ركعة (٥)، وحديث رواه البخاري من طريق عائشة: \"أن النبي كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة قرأ المعوذتين .. \" (٦)، وكأنه يؤيد الرأي القائل بأن ترتيب السور، إن لم يكن رسول اللهﷺ-، قد أمر به بلسان المقال، فإنه قد أشار إليه بلسان الحال، وهو ما كان عليه أكثر عمله، وأن العبرة بما ورد على الأكثر والإجمال، لا على القلة والتفصيل، وقليل بقي فيه الخلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>ثانيا: - أم الكتاب:</span>\nجاء في \"المسند\" و\"سنن ابن ماجه\" عن عائشةَ ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: \"مَنْ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأ فيها بأمِّ الكتابِ فهي خِدَاجٌ\" (٧).\nوفي \"سنن أبي داود\" من حديث أبي هريرة: \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني\" (٨).\nوفي هذا الغسم خلاف، جوّزه الجمهور (٩)، وقد سمَّاها ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: أمَّ الكتاب.\nوكرهه أنس والحسن، وابن سيرين (١٠)، قل الحسن: \"أمُّ الكتاب الحلال والحرام\" (١١).\n_________\n(١) هو عبد الحق بن غالب ابن عبد الرحمن ابن عطية الأندلسي المحاربي الغرناطي، كان فقيها نبيها مفسرا أديبا شاعرا ذكره صاحب الصلة، وقال: كان مولده سنة: ٤٨١ هـ، وتوفي في ٢٥ رمضان، سنة ٥٤١ هـ، بمدينة يورقة، من أشهر مصنفاته: \"المحرر الوجيز\" أنظر: تاريخ قضاة الأندلس، ص: ١٠٩. و- الأعلام، ج ٣، ص: ٢٨٢.\n(٢) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، باب: فضل قرآءة القرآن، وسورة البقرة، برقم: (٨٠٤) من حديث معاوية بن سلام عن أخيه زيد، ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب: فضائل القرآن، أخبار في فضل سورة البقرة، برقم: (٢٠٧١)، ورواه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة البهلي، برقم: (٢١٧١٠/ ٢١٦٤٢/٢١٦٥٣)، و- في شعب الإيمان فصل في إدمان تلاوة القرآن برقم: (١٩٨٠).\n(٣) رواه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين باب فضل قرآءة القرآن الكريم، برقم: (٨٠٥)، ورواه أحمد في المسند من حديث النواس بن سمعان، برقم: (١٧١٨٥)، ورواه في الشعب، الكتاب: التاسع عشر، باب: تعظيم القرآن برقم: (٢٣٧٣).\n(٤) المصنف في الأحاديث والآثار، ابن أبي شيبة، تحقيق: عامر العمري الأعظمي، الدار السلفية بندي بازار بومباي، الهند، في كتاب: الصلوات في الرجل يقرن السورة في الركعة: ١/ ٣٦٧.\n(٥) المصدر نفسه: ١/ ٣٦٨.\n(٦) أخرجه البخاري، ج ٩، ص: ٦٢، وأبو داود في سننه برقم: (٥٠٥٦)، والترمذي في الجامع ج ٤، ص: ٢٣١، والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم: (٧٨٨)، وابن ماجة برقم: (٣٨٧٥)، وأخرجه الإمام أحمد ج ٦، ص: ١١٦ - ١٥٤، وابن حبان برقم: (٥٥٤٣ - ٥٥٤٤).\n(٧) المسند: (٦/ ١٤٣)، وسنن ابن ماجه: (٨٤٠).\n(٨) سنن أبي داود: (١٤٥٢).\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١١١.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦، وتفسير القرطبي: ١/ ١١١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦، وتفسير القرطبي: ١/ ١١١.","vol":"1","page":157},{"text":"قال القرطبي: \"يشيرُ إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾] آل عمران: ٧]، وربما وجه بأنَّ أمَّ الكتاب هو اللوحُ المحفوظ، كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾] الرعد: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾] الزخرف: ٤] \" (١).\nوقال أنس وابن سيرين: \"أم الكتاب: اسم اللوح المحفوظ. قال الله تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب﴾ [الزخرف: ٤] \" (٢).\nوهذا لا يدلُّ على مَنْعِ تسمية الفاتحة بذلك. والله أعلم.\nوقد اختلف في معنى تسميتها بأمِّ الكتاب، على ثلاثة أقوال (٣):\nأحدهما: أنها سميت بذلك، لأنَّها تتقدم على بقيَّة سُورِ الكتاب في الخطِّ، فهي تؤمُّ السور بتقدمها عليها، فالكتاب كله راجع إلى معانيها، فهي كالأصل له، كما سُمِّيت مكَّة أمّ القرى، لأن البلدان دُحِيت من تحتها.\nوالقرآن سمّيت بذلك لأنها أوّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة فهي أصل لها كالأم للطفل.\nوالثاني: أنها سمّيت بذلك، لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أشرف البلدان.\nوالثالث: أنها سمّيت بذلك، لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يسمى أمّ الرأس لأنها مجمع الحواس والمنافع.\nيقول أبو بكر البريدي: \"الأم في كلام العرب: الراية ينصبها العسكر، قال قيس بن الخطيم:\nنصبنا أمّنا حتى ابذعرّوا ... وصاروا بعد إلفتهم شلالا\nفسمّيت أم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إليها كمفزع العسكر إلى الراية.\nومنه قول ذي الرمة (٤):\nوَأَسَمْرَ، قَوَّامٍ إذَا نَام صُحْبَتِي، ... خَفِيفِ الثِّيابِ لا تُوَارِي لَهُ أَزْرَا\nعَلَى رَأْسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بِهَا، ... جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لَهَا أمْرَا\nإذَا نزلتْ قِيلَ: انزلُوا، وإذا غدَتْ ... غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهَا فَخْرَا\nيعني بقوله: على رأسه أمٌّ لنا، أي على رأس الرمح رايةٌ يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدوّ (٥).\nوالعرب تسمي الأرض: أمّا، لأنّ معاد الخلق إليها في حياتهم وبعد مماتهم، قال أمية بن أبي الصلت (٦):\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١١١.\n(٢) تفسير القرطبي: ١/ ١١١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٥ - ٤٦، وتفسير الطبري: ١/ ١٠٧.\n(٤) ديوانه: ١٨٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٦) ديوان أمية بن أبي الصلت ٣٥٦، والأول في اللسان والتاج (سفد)، والثاني في المخصص ١٣/ ١٨٠، وبلا نسبة في المذكر والمؤنث للأنباري ١٨٧، في ديوانه: (نوّخها: أبركها. والطروقة: أنثى الفحل، شبه الماء والأرض بالأنثى والفحل) والبيت الثاني ذكره القرطبي في تفسيره، انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١١٢.","vol":"1","page":158},{"text":"والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتّى كلّ زند مسفد\nوالأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد\nوأنشد أحمد بن عبيدة (١):\nنأوي إلى أمّ لنا تعتصب ... كما ولها أنف عزيز وذنب\nوحاجب ما إن نواريها الغصب ... من السحاب ترتدي وتنتقب\nيعني: نصبه كما وصف لها. وسميت الفاتحة أمّا لهذه المعاني.\nوقال الحسين بن الفضل: \"سميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن تقرأ في كل صلاة وتقدم على كل سورة، كما أن أمّ القرى إمام لأهل الإسلام، وقال ابن كيسان: سميت بذلك لأنها تامة في الفضل\" (٢).\nوقيل: أصالتها من حيث أنَّها محكمةٌ لم يتطرَّق إليها نسخٌ، من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾] آل عمران: ٧] (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثالثا: - أمُّ القرآن:</span>\nواختلف فيه أيضا، فجوزه الجمهور ومنهم الحسن الذي كره تسميتها بأمِّ الكتاب، وكرهه أنس وابن سيرين، والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين (٤).\nوقد ورد تسميتُها بذلك في أحاديث كثيرة:\nمنها حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"كلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ\" خرَّجه مُسْلِمٌ (٥).\nوخرَّج من حديث عُبادة أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن\" (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الرابع: - السبع المثاني:</span>\nوقد فسَّرها النبيُّ - ﷺ - بالفاتحة كما سيأتي ذكره، وذكر وكيع في \"كتابه\" عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود الأنصاريِّ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \" ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾] الحجر: ٨٧ [قال: فاتحة الكتاب\".\nوممن قال (الفاتحة هي السبع المثاني): ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمر والحسن ومجاهدٌ وعكرمةُ وخلقٌ كثيرٌ.\nواختلف في سبب تسميتها بالمثاني على أقوال:\nأحدها: إذ هي سبع آياتٍ اتِّفاقًا (٧)، وليس في القرآن ما هو كذلك سواها (٨)، إنْ غَيَّر بعضُهم عَدّ التَّسمية آية دون ﴿صراط الذين أنعمتَ عليهم﴾، وبعضُهم عَكَس (٩)، وهذا القول هو المشهور (١٠).\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ١٦٨\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٧.\n(٣) انظر: تفسير الفاتحة، الحافظ أبو الفرج عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الدمشقي الحنبلي: ١٦.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١١٢.\n(٥) صحيح مسلم: (٣٩٥).\n(٦) صحيح مسلم: (٣٩٤).\n(٧) اتفق القراء والمفسرون بأنها سبع آيات، ولم يشذ عن ذلك إلا الحسن البصري فقال هي ثمان آيات، وإلا الحسين الجعفي فقال هي ست آيات، وقال البعض أنها تسع آيات، ويتعين حينئذ كون البسملة ليست من الفاتحة لتكون سبع آيات ومن عدّ البسملة أدمج الآيتين. (انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور: ١/ ١٣٥).\n(٨) ليس في القرآن سورة هي سبع آيات سوى \" الفاتحة \"، و\" أرأيت \" ولا ثالث لهما.\nقال جعفر بن أحمد بن الحسين السرّاج البغدادي في أرجوزته التي نظم فيها النظائر:\nفَسُوْرَةُ الحَمْدِ لَهَا نَظِيْرَهْ ... أَرَأَيْتَ إِنْ أَنْتَ قَرَأْتَ السُّوْرَه\nكلاهما إذا عددتَّ سبعُ. ... وليس للحق اليقين دفعُ\n(انظر: أرجوزة في نظائر القرآن العظيم ل ٢٠ نسخة مكتبة بلدية الإسكندرية، ومنها نسخة مصورة بمعهد البحوث العلمية برقم ١١٤٣) وهو جعفر بن أحمد بن الحسين أبو محمد السراج البغدادي القارئ، كان عالما بالقراءات والنحو واللغة، كثير التصنيف، توفي سنة خمسمائة. سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٨٨ وبغية الوعاة ١/ ٤٨٥.\n(٩) انظر في: البيان في عد آي القرآن، لأبي عمرو الداني ١٣٩.\n(١٠) وأما تأويل اسمها أنها \" السَّبْعُ \"، فإنها سبعُ آيات، لا خلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات:\nالقول الأول: فقال معظم أهل الكوفة ومكة: صارت سبع آيات بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله -ﷺ- والتابعين والشافعي يعد البسملة آية منها.\nالقول الثاني: قالوا هي سبع آيات، وليس منهن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ولكن السابعة (أنعمت عليهم)، وذلك قول معظم قَرَأةِ أهل المدينة والبصرة والشام ومُتْقنيهم ومنهم الإمام مالك.\nقال الطيبي: وعدّ التسمية أولى؛ لأن (أنعمت عليهم) لا يناسب وزانه وزان فواصل السور، ولما روى البغوي (هو الحسن بن مسعود بن محمد محيي السنة أبو محمد البغوي الشافعي المفسر، كان سيدا إماما، عالما علامة، زاهدا قانعا بالسير، توفي سنة ست عشرة وخمسمائة. سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٣٩ وطبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٧٥.) في \" شرح السنة \" عن ابن عباس أنه قال: \" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الآية السابعة \" (رواه الشافعي في المسند ٧٩ ومن طريقه البغوي في شرح السنة ٣/ ٥٠ من طريق عبد المجيد، والطبري في تفسير الطبري ١٤/ ٥٥ من طريق يحيى الأموي، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٥٧ من طريق حفص بن غياث، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٤ من طريق حجاج بن محمد الأعور، وحفص بن غياث، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠٠ من طريق أبي عاصم كلهم (عبد المجيد، ويحيى وحفص، وحجاج، وأبو عاصم) عن ابن جريح عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nوصحح السيوطي سنده في الإتقان ١/ ٢٤٦ وفي التصحيح نظر، فإن في سنده عبد العزيز بن جريج، قال الحافظ بن حجر عنه: لين، التقريب ٦١١).","vol":"1","page":159},{"text":"وتجدر الإشارة بأن الإمام أبو عمر ابن عبد البر قد ألف رسالة في البسملة سماها \"الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب من الاختلاف\" سرد فيها مذاهب العلماء في البسملة، في قرآنيتها وعدم قرآنيتها، في الجهر بها والإسرار بها، وساق فيها ما استدل به كل على مذهبه، ولم يمل فيها إلى مذهب الشافعي كما قاله المؤلف، وسبقه إليه عبد الرحمن بن إسماعيل شهاب الدين أبو محمد المشهور بأبي شامة في كتاب البسملة ل ٢ - بل مال إلى مذهب إمامه مالك بن أنس، فإنه قال فيها ١٩٢: أجمع علماء المسلمين على أنها سبع آيات، فدل هذا الحديث على أن أنعمت عليهم آية، وبسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من أول السورة، وهذا عد أهل المدينة والشام والبصرة، وأما أهل مكة وأهل الكوفة من العلماء والقراء فيعدون بسم الله الرحمن الرحيم أول آية من أم القرآن، وليست أنعمت عليهم بآية عندهم، فهذا حديث قد رفع الإشكال في سقوط: بسم الله الرحمن الرحيم، ورجاله","vol":"1","page":160},{"text":"ثقات: أبو حامد الغزالي (١)، والفقيه سلطان بن إبراهيم المقدسي (٢)، وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، وأبو المعالي مُجَلِّي صاحب (٣) \" الذخائر \"، والحافظ أبو شامة (٤).\nوعليه قراء مكة، كابن كثير (٥) (والكوفة) كعاصم (٦) حمزة (٧) والكسائي (٨).\nوممن خالفهم من قراء المدينة: كنافع (٩) والبصرة: كأبي عمرو (١٠)، والشام كابن عامر (١١).\nأما سبب الإختلاف في البسملة فمرده\" أنه قد وقع الإجماع على استحباب ذكر الله تعالى عند ابتداء كل أمر له بال حين الشروع فيه، وقد ورد فيه خبر عن النبي ﷺ.\nوقد كانت العرب في الجاهلية تفعل ذلك فيقولون: باسمك اللهم، ويدلّ عليه ما في قصة هدنة الحديبية (١٢)، ثم إنه شرع للنبي ﷺ في ذلك لفظ البسملة. وذكر الله تعالى\n_________\n(١) سرد العلامة محمد بن محمد الحسيني الزبيدي في مقدمة شرح إحياء علوم الدين \"إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين\" مؤلفات الغزالي، ثم ألف عبد الرحمن بدوي كتابا حافلا في مؤلفات الغزالي، ولم يرد في واحد من الكتابين كتاب مفرد للغزالي في البسملة، بيد أن الغزالي تعرض لمسألة البسملة في كتابه \"المستصفى\" ٢/ ١٣ - ٢٣ وذكر أنه أورد أدلة كون البسملة من القرآن في كتاب حقيقة القولين، فلعله التصنيف الذي عناه السيوطي.\n(٢) هو سلطان بن إبراهيم بن المسلم أبو الفتح المقدسي، كان من أفقه الفقهاء بمصر، تفقه عليه صاحب الذخائر، توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. طبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٩٤ وحسن الخاضرة في أخبار مصر والقاهرة ١/ ٤٠٥.\n(٣) هو مُجَلِّي بن جميع بضم الجيم بن نجا أبو المعالي المخزومي، صاحب الذخائر وغيره من المصنفات، له إثبات الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، توفي سنة خمسين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٢٥ وطبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٢٧٧.\n(٤) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم شهاب الدين أبو شامة الدمشقي، كان أحد الأئمة، برع في فنون العلم، توفي سنة خمس وستين وستمائة. طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٦٥ وبغية الوعاة ٢/ ٧٧.\n(٥) هو عبد الله بن كثير بن عمرو أبو معبد الكناني المكي المقرئ، انتهت إليه الإمامة بمكة في تجويد الأداء، توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة. معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار ١/ ١٩٧ وغاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٤٤٣.\n(٦) هو عاصم بن أبي النجود بهدلة أبو بكر الأسدي الكوفي المقرئ، واسم أبيه بهدلة على الصحيح، وقيل هي أمه، وليس ذا بشيء، انتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة، توفي سنة سبع وعشرين ومائة. معرفة القراء الكبار ١/ ٢٠٤ وغاية النهاية ١/ ٣٤٦.\n(٧) هو حمزة بن حبيب بن عمارة أبو عمارة القارئ، كان إماما حجة، قيما بحفظ كتاب الله، توفي سنة ست وخمسين ومائة. معرفة القراء ١/ ٢٥٠ وغاية النهاية ١/ ٢٦١.\n(٨) هو علي بن حمزة بن عبد الله أبو الحسن الكسائي الكوفي المقرئ النحوي، انتهت إليه الإمامة في القراءة والعربية، توفي سنة تسع وثمانين ومائة. معرفة القراء ١/ ٢٦٩ وغاية النهاية ١/ ٥٣٥.\n(٩) هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقرئ المدني، قرأ على سبعين من التابعين، توفي سنة تسع وستين ومائة. معرفة القراء /٢٤١ وغاية النهاية ٢/ ٣٣٠.\n(١٠) هو زبان بن العلاء بن عمار أبو عمرو البصري المقرئ النحوي، شيخ القراء بالبصرة، توفي سنة أربع وخمسين ومائة. معرفة القراء ١/ ٢٢٣ وغاية النهاية ١/ ٢٨٨.\n(١١) هو عبد الله بن عامر بن يزيد أبو عمران اليحصبي الدمشقي، إمام الشاميين في القراءة، توفي سنة ثماني عشرة ومائة. معرفة القراء ١/ ١٨٦ وغاية النهاية ١/ ٤٢٣.\n(١٢) بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء اختلفو فيها، فمنهم من شددها، ومنهم من خففها، قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله - ﷺ - تحتها، وبين الحديبية ومكة مرحلة، ويقال لها اليوم: الشميسي. معجم البلدان ٢/ ٢٢٩ وصحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار ٢/ ١٣٩ وانظر هدنة الحديبية في صحيح البخاري ٤/ ١٥٢٤ وصحيح مسلم ٣/ ١٤١٠.","vol":"1","page":161},{"text":"في كتابه حكاية عن كتاب سليمان ﵇ أنها كانت في أوله. ثم أثبتها الصحابة في المصحف خطًّا في أوّل كل سورة سوى براءة، فاختلف العلماء هل كان ذلك لأنها أنزلت حيث كتبت، أو فعل ذلك للتبرك كما في غيره، ولم يكتف بها في أول الفاتحة، بل أعطيت كل سورة حكم الاستقلال إرشادا لمن أراد افتتاح أيّ سورة منها إلى البسملة في أولها، ولما فقد هذا المعنى حين التلاوة بوصل السورة اختلف القراء فيه: فمنهم من اتبع المصحف فبسمل مستمرا على ذلك، إذ القراءة في اتباع الرسم شأن يُخَالَفُ لأجله قياس اللغة، على ما قد عرف في علم القراءة، فما الظن بهذا؟ وقد كان تقرر عندهم أن المصحف لم تكتبه الصحابة إلاّ ليرجع إليه فيما كانوا اختلفوا فيه، ومنهم من فهم المعنى فلم يبسمل إلاّ في أوّل سورة يبتدئ بها (١)، وقد صحّ أن النبي ﷺ لما أنزلت الكوثر وتلاها على الناس بسمل في أوّلها (٢)، وكذا لما قرأ سورة حم السجدة على عتبة بن ربيعة (٣)، ولما تلا سورة المجادلة على امرأة (٤) أوس بن الصامت (٥)، ولما قرأ سورة الروم على المشركين (٦)، ولإيلاف قريش -أخرج البيهقي حديثهما في \" الخلافيات \" (٧) - ولما قرأ سورة الحجر أخرجه ابن أبي هاشم (٨) بسنده (٩).\n_________\n(١) قال أبو شامة في إبراز المعاني من حرز الأماني ١/ ٢٢٧ في شرح بيت:\nوبسمل بين السورتين بسنة ... رجال نموها درية وتحملا\nلمبسملون من القراء هم الذين رمز لهم في هذا البيت من قوله: بسنة، رجال، نموها، درية [وهم قالون والكسائي، وعاصم، وابن كثير] وعلم من ذلك أن الباقين لا يبسملون، لأن هذا من قبيل الإثبات والحذف.\n(٢) رواه مسلم ١/ ٣٠٠ ح ٥٤ وأبو داود ١/ ٥٠٧ ح ٧٨٠ والنسائي ٢/ ١٣٤ ح ٩٠٤ من حديث أنس.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٤/ ٢٩٥ وعنه عبد بن حميد في مسنده (المنتخب ٣/ ٦٢) وأبو يعلى في مسنده ٣/ ٣٤٩ من طريق علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله قال. فذكره.\nورواه أبو نعيم في دلائل النبوة ١/ ٢٩٩ من طريق منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر، ورواه البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٢٠٢ وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٨/ ٢٤٢ من طريق يحيى بن معين، عن محمد بن فضيل، عن الأجلح، ورواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٥٣ من طريق جعفر بن العون، عن الأجلح. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٦/ ١٧ فيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق شيعي. التقريب ١٢٠ قلت: الحديث حسن إذن.\n(٤) هي: خولة بنت ثعلبة، ويقال: خويلة، وخولة أكثر، وقيل: خولة بنت حكيم، وقيل: خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقيل: جميلة، وقيل: بل هي خولة بنت دليج، ولا يثبت شيء من ذلك، والله أعلم، والذي قدمنا أثبت وأصح إن شاء الله. الاستيعاب ٤/ ١٨٣٠ والإصابة ٧/ ٦١٨.\n(٥) هو أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري، أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وهو الذي ظاهر من امرأته فوطئها قبل أن يكفر، مات في أيام عثمان، وله خمس وثمانون سنة. الاستيعاب ١/ ١١٨ والإصابة ١/ ١٥٦. وقصة ظهاره من امرأته رواها أحمد ٤٥/ ٣٠٠ وأبو داود ٣/ ٨٣ ح ٢٢٠٩ وابن حبان (الإحسان ١٠/ ١٠٧) والطبري في تفسير الطبري ٢٨/ ٥ من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة. وليس فيها البسملة، ورواها ابن أبي حاتم -وفيها البسملة- في تفسير القرآن العظيم (تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/ ٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٨٥ عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية مرسلًا. وزاد السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٧٧ نسبته إلى عبد بن حميد -ولم أرها في المسند المنتخب- وابن مردويه.\n(٦) رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد ١/ ٤٠٤ ومن طريقه البيهقي في الخلافيات ل ٤٤ وأبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة ١/ ٢٩١ من طريق محمد بن يحيى، عن سريج بن النعمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم مرفوعًا. وفيه البسملة.\nورواه البخاري في كتاب التاريخ الكبير ٨/ ١٣٩ من طريق إسماعيل بن أبي أويس، وأبو الحسن بن قانع في معجم الصحابة ٣/ ١٧٢ والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٤٢ من طريق محمد بن سليمان لوين، والطبراني في المعجم الأوسط ٧/ ٢٠٠ من طريق ابن جريج، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة ١/ ١٤٣ ومن طريقه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات ١/ ٥٨٥ وفي الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ١٠/ ١٠٨ من طريق أبي معمر الهذلي، عن سريج بن النعمان، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٧٠٤ من طريق محمد بن العباس المؤدب، عن سريج بن النعمان كلهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه به، وليس في هذه الطرق البسملة، وهي المحفوظة.\n(٧) رواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٣٦ وعنه البيهقي في الخلافيات ل ٤٤ من طريق يعقوب بن محمد الزهري والبسملة في روايته والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ٣٢١ والطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ٤٠٩ وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٦٠ من طريق أبي مصعب الزهري، كلاهما (يعقوب بن محمد، وأبو مصعب الزهري) عن إبراهيم بن محمد، عن عثمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: يعقوب ضعيف، وإبراهيم صاحب مناكير، هذا أنكرها. تلخيص المستدرك.\nوخالفه سليمان بن بلال فروى البخاري في التاريخ الكبير من طريق سليمان بن بلال، عن عثمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن ابن جعدة المخزومي، عن ابن شهاب عن النبي - ﷺ - نحوه. قال أبو عبد الله: هذا بإرساله أشبه.\nقال الحافظ العراقي في محجة القرب إلى محبة العرب ٢٣٣: هذا حديث حسن، ورجاله كلهم ثقات معروفون إلا عمرو بن جعدة بن هبيرة فلم أجد فيه تعديلًا ولا جرحًا، وهو ابن ابن أخت علي بن أبي طالب، وهو أخو يحيى بن جعدة بن هبيرة أحد الثقات.\nوهنا وقفات:\nالأولى: إن رواية البسملة في الحديث ضعيفة، تفرد بها يعقوب بن محمد الزهري، قال الحافظ ابن حجر عنه: صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء. التقريب ١٠٩٠.\nالثانية: إن إبراهيم بن محمد اختلف فيه، فقال عنه ابن عدي في الكامل: مدني، روى عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره مناكير، وقال أيضًا: وأحاديثه صالحة محتملة، ولعله أتي ممن قد روى عنه. وقال عنه الذهبي: ذو مناكير. الميزان ١/ ٥٦ وسبق قوله فيه في تلخيص المستدرك. ثم إنه خالف سليمان بن بلال الثقة، فروايته حينئذٍ منكرة، ورواية سليمان معروفة، ولهذا رجح البخاري رواية سليمان فقال: هذا بإرساله أشبه.\nالثالثة: قول الحافظ العراقي: هذا حديث حسن ورجاله كلهم ثقات معروفون. فيه نظر يعرف مما سبق، لكن يشهد لمرسل ابن شهاب هذا حديث الزبير الذي رواه الطبراني في المعجم الأوسط ٩/ ٧٦ من طريق عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير نحوه. قال الحافظ العراقي فيه: هذا حديث يصلح أن يخرج للاعتبار والاستشهاد، فإن عبد الله بن مصعب بن ثابت ذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن معين.\nقلت: وخلاصة القول أن رواية البسملة في حديث أم هانئ ضعيفة، وباقي الحديث حسن لغيره. (نواهد الأبكار وشوارد الأفكار: ١/ ٥٦).\n(٨) هو عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم أبو طاهر البغدادي المقرئ، انتهى إليه الحذق بأداء القرآن، قرأ بالروايات على ابن مجاهد، له كتاب البيان، وكتاب الفصل بين أبي عمرو والكسائي، ورسالة في الجهر بالبسملة، توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٠٣ وغاية النهاية ١/ ٤٧٥ وإيضاح المكنون ٥/ ٥٦٢.\n(٩) رواه الطبري في تفسير الطبري ١٤/ ٢ من طريق علي بن سعيد بن مسروق الكندي، وأبو بكر ابن أبي عاصم في السنة ١/ ٥٨٢ والطبراني في المعجم الكبير (تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ٥٢٥) والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٤٢ وعنه البيهقي في كتاب البعث والنشور القسم الثاني ١/ ٢٠٧ من طريق أبي الشعثاء علي بن الحسن كلاهما عن خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى مرفوعًا، وليس فيه البسملة قال الحافظ ابن كثير: ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.\nقال الهيثمي: وفيه خالد بن نافع الأشعري، قال أبو داود: متروك. مجمع الزوائد ٧/ ١٣١.\nقال الذهبي: وهذا تجاوز في الحد، فإن الرجل قد حدث عنه أحمد بن حنبل، ومسدد، فلا يستحق الترك، ميزان الاعتدال ١/ ٦٤٤.","vol":"1","page":162},{"text":"الثاني: أن تلك الآيات تثنى في كل ركعة أي تضم إليها السورة في كل ركعة. اختاره ابن عاشور قائلا: \"ووجه الوصف به أن تلك الآيات تثنى في كل ركعة كذا في الكشاف (١) قيل وهو مأثور عن عمر بن الخطاب (٢)، وهو مستقيم لأن معناه أنها تضم إليها السورة في كل ركعة\" (٣) (٤).\nالثالث: وإمَّا لأنَّها تَثنَّى نزولها، فَمَرَّة بِمكَّة حين فُرِضَت الصَّلاة وأخرى بالمدينة حين حُوِّلَت القِبلة (٥)، قال ابن عاشور: \" وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ جِدًّا وَتَكَرُّرُ النُّزُولِ لَا يُعْتَبَرُ قَائِلُهُ، وَقَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ فَأَيُّ مَعْنًى لِإِعَادَةِ نُزُولِهَا بِالْمَدِينَةِ\" (٦).\nالرابع: وإمَّا لاشتمال كلٍّ مِن آياتها السَّبع على الثّناء عليه جلَّ شأنُه؛ إمّا تصريحًا أو تلويحًا، وهو مبنيٌّ على ما هو الصَّحيح مِن عَدِّ التَّسمية آية منها، وعَدِّ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ بعضًا من السَّابعة، وإلَّا فتَضمُّنها الثّناء غير ظاهر.\nالخامس: وإمّا لتكرُّر ما تضمَّنته من المقاصد: فالثَّناء عليه سبحانه قد تَكَرَّر في جُملتَي البسملة والحمدِ لَه. وتخصيصُه عزَّ وعلا بالإقبال عليه وحده والإعراض عمَّا سواه قد تكرَّر في جملَتَي\n_________\n(١) يقول الامام الزمخشري: \" وسورة الحمد والمثاني لأنها تثنى في كل ركعة\" (عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، العلامة جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ)،: دار الكتاب العربي - بيروت، ١٤٠٧ م: ص ١/ ١).\n(٢) قال السيوطي في حاشيته على تفسير البيضاوي: \" أخرجه ابن جرير في تفسيره بسند حسن عنه قال: \" السبع المثاني فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة\"، ولم أر هذا اللفظ في تفسير الطبري عن عمر، ولكن رأيت فيه: ما لهم رغبة عن فاتحة الكتاب، وما يبتغي بعد المثاني: ١٤/ ٥٤. (انظر: نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين، المملكة العربية السعودية (٣ رسائل دكتوراة)، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٥ م: ص ١/ ٤٩.\n(٣) تفسير التحرير والتنوير، الشيخ محمد بن الطاهر ابن عاشو، دار التنوسية للنشر، التونس، ١٩٨٤: ص ١/ ١٣٥.\n(٤) وقيل أن في كلام صاحب (الكشّاف): \"لأنّها تُثنَّى في كلِّ ركعة\"، وهو بظاهره غير صحيح، ووجوه التَّكلُّف لتوجيهه مشهورة، أجودُها حمل الرَّكعة على الصّلاة تسمية لِلكلّ باسم الجزء، ولا يرِدُ عليه الوِتْر إذ ليست في مذهبه، ولا صلاة الجنازة، وإنْ جُعِلت صلاة حقيقة لعدم إطلاقه الرَّكعة عليها.\n(٥) قال السيوطي في الإتقان: الأكثرون على أنها مكية ... واستدل لذلك بقوله تعالى \"ولقد آتيناك سبعا من المثاني\" وفسرها - ﷺ - بالفاتحة كما في الصحيح، وسورة الحجر مكية بالإتقان، وقد امتن على رسوله فيها بها، فتدل على تقدم نزول الفاتحة عليها، إذ يبعد أن يمتن عليه بما لم ينزل بعد.\nوانظر في: صحيح البخاري ٤/ ١٥٢٥ ح ٣٩١٩ وتفسير الطبري ٢٦/ ٦٩ والمحرر الوجيز ١٣/ ٤٢٧ وزاد المسير ٧/ ٤١٨ والتفسير الكبير ١/ ١٧٧ وتفسير القرآن العظيم ٧/ ٣٢٥ والإتقان في علوم القرآن ١/ ٣٤.\n(٦) تفسير التحرير والتنوير، الشيخ محمد بن الطاهر ابن عاشو، دار التنوسية للنشر، التونس، ١٩٨٤: ص ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":164},{"text":"العبادة والإستعانة. وطلبُ الهداية إلى الصِّراط المُستقيم مُكرَّر بـ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، كما أنَّ سؤال البُعد عن الطَّريق غير القويم مُكرَّر بِذِكر ﴿المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (١).\nفهذه وجوه خمسة في تسميتها بالسَّبع المثاني.\nوالمثاني تحتمل واحدا من ستة معان:\nأحدها: المثاني من الثناء، والثناء لا يكون إلا على الله.\nوالثاني: المثاني من الثنيّ والإنثناء، وهذه لا تكون إلا في أطراف الأشياء، وأيضا تعني المعاني الخفية أو المتخفية في الإنثناءات، أو المعاني الباطنة، أوالمعاني غير الظاهرة للعيان آنيا، أو هي تلك التي لم يأن آوان ظهورها بعد، والتي سوف تظهر تباعا في القادم من الأزمنة.\nوالثالث: المثاني من الإزدواجية، أي ثنائية التكوين.\nوالرابع: المثاني من التثنية، أي العد مثنى مثنى، أو إثنتين إثنتين.\nوالخامس: وهو امتداد أو هو تفصيل للمعنى الثاني (من الإنثناء)، وحيث تكون المثاني من ظهور معنى ثان لها، وهذا المعنى بدوره يظهر له معنى جديد وهكذا، إلى سبعة أعماق، أو سبعة أبعاد، أو سبعة معاني وكلها صحيح، مما يشير إلى معني المتشابه من الآيات.\nوالسادس: وهو معنى لا يخص المثاني بذاتها، لكنه يخص العددية الدالة عليها (سبعة)، مما يعني أن مجرد ظهور خاصية معينة متميزة في آيات وسور كتاب الله، في سبعة أشكال أو سبعة تكرارات، أو سبعة سور، أو سبعة آيات، أو سبعة خصال، يصون لها إحتمال كونها من السبع المثاني.\nوقيل \"أنَّ المثاني تُطلَقُ باعتبار معنيين:\nأحدهما: باعتبار ما ثُنِّي لفظُه وكرِّرَ.\nوالثاني: باعتبار ما ثُنِّيَتْ أنواعُه وأقسامُه، وكرِّرَتْ، فإنَّ التثنية يُرَادُ بها مطلقُ العدد مِنْ غير تخصيصٍ بعدد الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾] الملك: ٤]، أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ\" (٢).\nوالقرآن نوعان:\nأحدُهما: ما كُرِّر لفظُه لفائدةٍ مجدَّدةٍ، فهذا هو المتشابه.\nوالثاني: ما نُوِّع وقُسِم ولم يُكرّر لفظُه، فهذا المثاني، وقد جَمَعَ اللهُ بين هذين الوصفين في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾] الزمر: ٢٣]، فوصف الكتاب كلَّه بأنَّه متشابهٌ ومثاني، فإمَّا أن يكون تنويعًا إلى هذين النوعين، وهما: النظائر المتماثلة، والمثاني في الأنواع، وإمَّا أن يكون المراد أنَّ آياته المتماثلة ثُنِّيَتْ فيه في مواضع لحِكَمٍ وفوائد متجدّدةٍ، وسورةُ الفاتحة على المثاني بهذين التفسيرين، لأنَّها تضمنت الأنواع والأقسام المعدّدة وذكر العبادة والاستعانة، وذكر المغضوب عليهم والضالين، وتضمنت ذكر النظائر المتماثلة، وثُنِّيت فيها كتكرير ﴿إِيَّاكَ﴾، و﴿الصِّرَاطَ﴾، و﴿عَلَيْهِمْ﴾، وتكرير: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على قول من يقول إنَّ\n_________\n(١) انظر: الاتقان في علوم القرآن: ١/ ١٥٠.\n(٢) تفسير الفاتحة، ابن رجب: ١٨.","vol":"1","page":165},{"text":"البسملة منها، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾] الحجر: ٨٧ [يدلُّ على أنَّها من جملة المثاني لا كلّها، وفي الحديث: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في الفاتحة: \"هي السبع المثاني\" (١).\nفالجواب: أنَّ القرآنَ كلَّه أربعةُ أقسامٍ: السبع الطُوَل، والمئون، والمثاني، والمفصّل، كما في \"المسند\" وغيرِه عن واثلة بن الأسقع أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"أُعطيتُ مكان التوراةِ السَّبعَ الطُوَلَ، وأُعطيتُ مكان الزَّبورِ المئين، وأُعطيتُ مكان الإنجيلِ المثانيَ، وفُضِّلتُ بالمفصّلِ\" (٢)، وقد رُوي نحو ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (٣).\nوالسَّبع الطُوَلُ هي: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، كذا قال ابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وقيل: إنَّ السابعة: الأنفال وبراءة.\nوالمئون: ما كان بعد ذلك من السُّور يبلغُ عددُه مائةً، مائةً، أو يزيدُ عليها قليلًا أو ينقصُّ قليلًا.\nوالمثاني: ما سوى ذلك، وسوى المفصل، وسُمِّي مثاني قيل: لأنَّه يتلوُ المئين، فكأنَّ المئين أوائل وهذه ثواني، وقيل: لأنَّه تُثنَّى فيه القَصَصُ والأمثالُ والفرائضُ والحدودُ، ونُقل عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ.\nفالفاتحة من قِسْمِ المثاني، لأنَّها ليست من السَّبْعِ الطِّوالِ، وليست من المئين، ولا من المفصَّل، فتعيَّن أنَّها من المثاني، وإنَّما سمَّاها النبيُّ - ﷺ - السبع المثاني لاختصاصها من بين بقيَّة سُور المثاني بمعاني أخر تقتضي أنَّها أحَقّ بهذا الاسم من غيرِها من السُّور كتثنيتِها في الصلاة وغير ذلك، فصارت نوعًا مستقلًا بنفسِه فلذلك سُمِّيت: \"السبع المثاني\"، مع أنَّ في لفظ التِّرمذيِّ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"إنَّها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيتُه\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الخامس: القرآنُ العظيم:</span>\nوذلك لقولُ النبيِّ - ﷺ - في الفاتحة: \"هي السَّبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه\" (٥)، ففسَّر السَّبعَ المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، فيكونُ هذا العطفُ حينئذٍ من بابِ: عطفِ الصِّفاتِ على الصِّفاتِ، لا من: عطفِ الموصوفاتِ على الموصوفاتِ، ونظيرُه قولُه ﷾: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾] الأعلى: ١ - ٤]، وكذلك قراءةُ عائشةَ وغيرِها من الصحابةِ: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاةِ الوُسطى وصلاةِ العصرِ)، ومن المفسِّرين من قال: إنَّ القرآن العظيم المرادُ به بقيةُ القرآن، فجعله من باب ذكر الخاص قبل العام وهو قليلٌ، والمعروف عكسُه، وهو ذكر الخاصِّ بعد العامِّ.\n_________\n(١) عن أبي سعيد بن المعلى ... \"الحمد لله رب العالمين هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته\" رواه البخاري ٤/ ١٦٢٣ ح ٤٢٠٤ وأبو داود ٢/ ٢٧٠ ح ١٤٥٢ والنسائي ٢/ ١٣٩ ح ٩١٣ وابن ماجة ٣/ ٥٨٧ ح ٣٨٥٣.\n(٢) المسند: (٤/ ١٠٧).\n(٣) تفسير سورة الفاتحة، ابن رجب: ١٩.\n(٤) الجامع: (٢٨٧٥).\n(٥) صحيح البخاري: (٤٤٧٤).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>السادس: الصَّلاة:</span>\nفقد ثبت في حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"قال الله تعالى: قُسمت الصَّلاةُ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفُها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل\" خرَّجه مسلمٌ (١).\nوإنَّما سُمِّيت \"صلاةً\" لأنَّ الصلاةَ لا تخلوُ عنها، ولا تصحُّ إلاَّ بها، فسُمِّيت \"صلاةً\"، كما تسمَّى الصلاةُ \"قرآنًا\"، كما في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾] لإسراء: ٧٨].\nوقد سمَّاها بهذا الاسم جماعةٌ من الأئمةِ.\nقال أبو شَامَة في أثناء كلامٍ له: \"هذا إذا سلَّمنا توجَّه التنصيف إلى آيات الفاتحة، وذلك ممنوعٌ من أصلِه، وإنَّما التنصيف متوجِّهٌ إلى الصلاة بنصِّ الحديث، فإن قيل: المرادُ قراءة الصلاةِ، قلنا: بل المراد قسمةُ ذِكْرَ الصلاةِ، أي: الذِّكْرُ المشروعِ فيها وهو ثناءٌ ودعاءٌ، فالثناءُ: منصرفٌ إلى الله تعالى، سواء ما وقع منه في القراءةِ، وما وقع منه في الركوعِ والسجودِ، وغيرهِما، والدعاءُ منصرفٌ إلى العبدِ، سواء ما وقع منه في القراءة والسجود وغيرِهما.\nوأقرّه عليه النوويُّ مع تسميته الفاتحة بـ (الصلاة) \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>السابع: - رقية الحقِّ:</span>\nوقد ثبت عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قال للذي رَقَى بالفاتحة: \"وما يدريك أنَّها رقيةٌ\"، وثبت أنَّه قال: \"لقد أكلتَ برقيةِ حقٍّ\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الثامن: - سورة الحمد:</span>\nوقد اشتهر تسميتُها بذلك، وحَمَلَ كثيرٌ من النَّاس حديثَ: (كان يفتتحُ الصَّلاة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ على أنَّه أُريد ذكر اسم السُّورة.\nفإن قيل: ففي القرآن سُورٌ كثيرةٌ أوَّلُها: ﴿الحمد لله﴾، فما وجهُ تسمية الفاتحة بـ \"سورة الحمد\" دون غيرها؟\nفالجواب: أنَّ الثناء على الله سبحانه في هذه السُّورة هو المقصودُ الأعظم من سائرِ معانيها، وقد استوعب نحو شطرها، فهو الغالب عليها، فسمِّيت بما غَلَبَ عليها، بخلافِ غيرِها.\n_________\n(١) صحيح مسلم: (٣٩٥).\n(٢) \"المجموع\"، وقد نقل كلام أبي شامة (٣/ ٣٣٩)، وانظر تسميته الفاتحة بـ \"الصلاة\" فيه (٣/ ٣٣١)، وفي \"شرح مسلم\" (٤/ ١٠٣).\n(٣) أخرجه أبو داود (٣٤٢٠، ٣٨٩٦، ٣٨٩٧) والنسائي في \" عمل اليوم والليلة \" (\n١٠٣٢) وعنه ابن السني (رقم ٦٢٤) والطحاوي في \" شرح المعاني \" (٢/ ٢٦٩)\nوالحاكم (١/ ٥٥٩ - ٥٦٠) والطيالسي (١٣٦٢) وأحمد (٥/ ٢١٠ - ٢١١) من\nطريق الشعبي نْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثُمَّ تَفَلَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَهُ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كُلْ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ\" وقال الحاكم: \" صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قال الألباني: وهو كما قالا إن شاء الله، فإن رجاله ثقات رجال الشيخين غير خارجة بن الصلت، فروى عنه مع الشعبي عبد الأعلى بن الحكم الكلبي، وذكره ابن حبان في\" الثقات \"، لكن قال ابن أبي خيثمة: \" إذا روى الشعبي عن رجل وسماه فهو ثقة، يحتج بحديثه \". ذكره الحافظ في \" التهذيب \" وأقره، وكأنه لذلك قال الذهبي في \" الكاشف \": \" ثقة \". (قاله الألباني في: \" السلسلة الصحيحة \" ٥/ ٤٤).","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>التاسع: - الشفاء:</span>\nذكره غيرُ واحدٍ، وذكروا من حديث ابنِ سيرين عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: \"فاتحةُ الكتابِ شفاءٌ من كلِّ داءِ\" (١)، وفي رواية: \"من كل شيء إلا السَّامَ\" (٢)، وهو الموت، وقيل: إن الدارمي خرَّجه (٣)، وروي مرسلا عن عبد الملك بن عمير أن النبي - ﷺ - قال: \"في فاتحة الكتاب: شفاء من كل داء\" (٤)، وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري: \"فاتحة الكتاب شفاء من السم\" (٥).\nوتُسمَّى \"الشافية\" أيضًا.\nقال الرَّازيُّ: \"وأقول: الأمراضُ منها ما هو روحانيَّة، ومنها ما هو جسمانيَّة، بدليل تسميتِه تعالى الكفرَ مرضًا، في قولِه تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾] البقرة: ١٠]، وهذه السورة مشتملةٌ على معرفةِ الأصول والفروع والمكاشفات، فهي في الحقيقة شفاءٌ، بل الشفاءُ (٦) في هذه المقامات الثلاثة\" (٧).\nوقال ابن القيم: \"فقد أثر هنا الدواء في هذا الداء وأزاله، حتى كأنه لم يكن، وهو أسهل دواء وأيسَره، ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفا، ومكثت بمكة مدة تعتريني أدواء، ولا أجد طبيبًا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا، فكان كثير منهم يبرأ سريعًا\" (٨).\nولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات أو الأدعية التي يُستشفى بها، ويُرقى بها هي نفسها نافعة شافعة، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل، وتأثيرَه، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجح فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة (أي طبيعة البدن) لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة (أي الأجسام) إذا أخذت الدواء لقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفسٌ فعالة، وهمة مؤثرة في إزالة الداء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>العاشر: - الوافية:</span>\nحُكِي عن سفيان بنِ عُيينَةَ، لأنَّها لا تقبلُ الحذف، فلا بدَّ من الإتيان بها وافيةً تامَّةً، وقال الزَّمخشريُّ: إنَّما سُمِّيت وافيةً لاشتمالِها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله ﷿ بما هو أهلُه، ومن التعبُّد بالأمرِ والنَّهي، ومن الوعد والوعيد (٩).\n_________\n(١) حديث ضعيف: ضعيف الجامع الصغير: ٣٩٤٩.\n(٢) أخرجه الخلعي في فوائده، من حديث جابر بن عبدالله: (تهذيب وترتيب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، محمد بن عمر بن سالم بازمول، دار الهجرة للنشر والتوزيع، ٤٠).\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي (١/ ٨٠).\n(٤) سنن الدارمي من كتاب فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب، رقم الحديث (٣٢٤٧): (٢/ ٤٤٥).أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٢٣٧٠)، وحكم الألباني بضعفه في ضعيف الجامع الصغير: ٤/ ٨٨.\n(٥) حديث موضوع (ضعيف الجامع الصغير: ٤/ ٨٨).\n(٦) في التفسير الكبير:: (فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء)\n(٧) التفسير الكبير: (١/ ١٤٧).\n(٨) الجواب الكافي: ٣\n(٩) الكشاف: (١/ ٤٥).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الحادي عشر: - الأساس:</span>\nرُوي عن الشَّعبيِّ أنَّه سمَّاها: الأساس، وأنَّه قال: \"سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول: أساسُ الكُتُبِ القرآن، وأساسُ القرآن الفاتحة، وأساسُ الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم\" (١).\nقال الرَّازيُّ: وسُمِّيت أساسًا لوجهين: أحدُهما: أنَّها أوّلُ سورةٍ من القرآن، فهي كالأساس، والثاني:] أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة [(٢)، وهذه السورة مشتملة على (٣) ما لا بد منه في الإيمان، والصلاة لا تتم إلا بها (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>الثاني عشر: - الكنز</span>\nواستدل بذلك بما رواه أنس بن مالك﵁- عن النبيﷺ قال: \"إن الله أعطاني فيما منّ به عليّ، أني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبين عبدي نصفين\" (٥).\nوأخرج الواحدي في أسباب النزول عن علي قال: \"نزلت فاتحة الكتاب بمكة عن كنز تحت العرش\" (٦)، وعنه -﵁- أنه سئل عن فاتحة الكتاب، فقال: \"حدثنا نبي اللهﷺ- أنها أنزلت من كنز تحت العرش\" (٧).\nوقد ذكرت هذا التسمية في بعض كتب التفاسير وعلوم القرآن (٨).\nوقيل سميت بذلك لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وهي بمثابة الجواهر المكنوزة فيه (٩).\nوهذه الأحاديث التي وردت في التسمية لم يصرح فيها رسول الله -ﷺ- بتسميتها بالكنز، إنما ذكر أنها نزلت من كنوز العرش، فهي وصف للسورة وليست اسما لها (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الثالثة عشر: - الشكر</span>\nذكر هذه التسمية بعض المفسرين كالرازي (١١)، وأبي مسعود (١٢)، والألوسي (١٣)، كما ذكرها السيوطي (١٤)، والبقاعي (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١١٣، والدر المنثور: ١/ ٣، ونسبه للثعلبي، قال ابن كير: إن في كتب الثعلبي من الغرائب الشيء الكثير\". [البداية والنهاية: ١٢/ ٤٠].\n(٢) ما بين المعكوفتين بياض بالأصل، واستدرك من التفسير الكبير:، وقد ذكر الرازي وجها ثالثا أيضا، ولكنه ذكره بعد الوجه الأول، فقال: (الثاني: أنها مشتملة على أشرف المطالب) ثم ذكر هذا الوجه، والله أعلم.\nوجاء في هامش الأصل: (الثالث عشر: الكافية، سمّاها به لأنها تكفي عن غيرها، فإن أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوضا) ا. هـ ولا أدري هل هذا الهامش من إلحاقات المصنف، أم أنه من الناسخ؟\n(٣) في التفسير الكبير:: (على كل).\n(٤) التفسير الكبير: (١/ ١٤٧).\n(٥) أخرجه البيهقي في الشعب، باب تعظيم القرآن، فصل (في فضائل السور والآيات) حديث رقم (٢٣٦٣): ٢/ ٦٤٨)، وابن الضريس في فضائله، باب (في فضائل فاتحة الكتاب)، حديث رقم (١٤٣): ص ٧٩، وانظر: كنز العمال حديث رقم (٢٥٢١): ص ١/ ٥٦٠.\n(٦) أخرجه الثعلبي في تفسيره، مخطوطة-الكشف والبيان-: ١/ ٣٥، والواحدي في أسباب النزول: ١٩.\n(٧) أورده السيوطي في الدر: ١/ ١٦، وعزاه إلى إسحاق بن راهويه في مسنده.\n(٨) انظر في هذه التسميات في كتب التفاسير وعلوم القرآن كتفسير: الزمخشري: ١/ ٤، والنسفي: ١/ ٣، وابن كثير: ١/ ١٥، والبيضاوي: ١/ ٥، والشوكاني: ١/ ٢٣، والآلوسي: ١/ ٣٨، وذكرها السيوطي في الإتقان: ١/ ١٧٠، والبقاعي في نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: ١/ ١٩، والزركشي في البرهان: ١/ ٢٧٠.\n(٩) انظر: الإتقان في علوم القرأن: ١/ ١٧٠، وتفسير الألوسي: ١/ ٣٨.\n(١٠) انظر: أسماء سور القرآن وفضائلها، د. منيرة محمد ناصر الدوسري، دار ابن الجوزي، رسائل جامعية (٤٧)، ط ١، ١٤٢٦ هـ: ص ١٤١.\n(١١) انظر تفسيره: ١/ ٤٧.\n(١٢) انظر نفسيره: ١/ ٨١.\n(١٣) انظر تفسيره: ١/ ٣٨.\n(١٤) انظر الإتقان: ١/ ١٧٠.\n(١٥) انظر تفسيره: ١/ ١٩.","vol":"1","page":169},{"text":"ووجه التسمية بذلك لاشتمالها على الشكر، قال الرازي: وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإحسان\" (١).\nوتجدر الإشارة بأن هذه التسمية مجرد أجتهاد من السادة المفسرين لما تضمنته االسورة من معاني الشكر والثناء لله، دون الإستناد في تسميتها إلى حديث أو أثر صحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الرابعة عشر: - الثناء:</span>\nقال بهذه التسمية الفيروزآبادي (٢)، ولك لاشتمال السورة على الثناء على الله تعالى في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]، دون أن يذكر مستنده في ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>الخامسة عشر: -المناجاة:</span>\nذكر هذا الاسم كل من السيوطي (٣)، والآلوسي (٤)، وعللا بأن العبد يناجي فيها ربه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وهذه التسمية من باب الإجتهاد ولم يثبت ذلك عن الرسولﷺ- ولا صحابته الكرام-رضي الله تعالى عنهم-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>السادسة عشر- التفويض:</span>\nذكره كل من السيوطي (٥) والألوسي (٦)، فقالوا أنها سميت بذلك، لأنه يحصل بها التفويض (٧) فهي مشتملة عليه في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وها أيضا اجتهاد منها -رحمهما الله- دون استناد على دليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>السابعة عشر: - الدعاء:</span>\nوردت هذه التسمية في بعض كتب التفسير: كتفسير الرازي (٨)، والبيضاوي (٩)، وأبي مسعود (١٠)، والألوسي (١١)، كما ذكرها البقاعي في نظمه (١٢)، والسيوطي في الإتقان (١٣)، وعللوا\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١/ ١٤٧.\n(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، فيروزآبادي: ١/ ١٢٩.\n(٣) انظر: الإتقان في علوم القرآن: ١/ ١٧١.\n(٤) تفسير الألوسي: ١/ ٣٨.\n(٥) انظر: الإتقان في علوم القرآن: ١/ ١٧١\n(٦) تفسير الألوسي: ١/ ٣٨.\n(٧) جاء في الصحاح: \"فوض إليه الأمر، أي ردّه إلبه\". (مادة: \"ف وض\": ٣/ ١٠٩٩).\n(٨) انظر تفسيره: ١/ ١٤٧.\n(٩) انظر تفسيره: ١/ ٥.\n(١٠) انظر تفسيره: ١/ ٨.\n(١١) انظر تفسيره: ١/ ٣٨.\n(١٢) انظر: الإتقان: ١/ ١٩.\n(١٣) انظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: ١/ ١٧١.","vol":"1","page":170},{"text":"في وجه تسميتها: \" لاشتمالها عليه في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وأخرج أبو عبيد عن مكحول: \"أم القرآن قراءة ومسألة ودعاء\" (١).\nقلت: لا شك بأن الدعاء من المعاني التي اشتملت عليها سورة الفاتحة، أما كون الدعاء اسما لها، فلم يثبت ذلك عن الرسول -ﷺ-، بل مجرد اجتهاد واستنباط من السادة العلماء-رحمهم الله تعالى-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>الثامنة عشر: - النور</span>\nذكرها كل من السيوطي (٢)، والألوسي (٣)، وعلل هذا الأخير سبب تسميتها بذلك، لظهورها بكثرة استعمالها أو لتنويرها القلوب لجلالة قدرها، أو لأنها لما اشتملت عليه من المعاني عبارة عن النور بمعنى القرآن.\nوهذا اجتهاد، إلم لم أحد سندا صحيحا في تسميتها بالنور، إنما هو وصف للسورة كما في حديث ابن عباس: \"قال فيه جبريل: أبشر بنورين أوتيتها لم يؤتها نبي قبلك: فتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة .. \" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>التاسعة عشر: - تعليم المسألة:</span>\nأوردت هذه التسمية، كل من: البيضاوي (٥)، وأبي مسعود (٦)، والألوسي (٧)، كما ذكرها السيوطي في الإتقان (٨)، ونسب إلى المرسي قوله في وجه التسمية: \"لأن فيها آداب السؤال، لأنها بدئت بالثناء قبله\" (٩).\nوقد أخرج أبو عبيد عن مكحول قوله: \"أم القرآن قراءة ومسألة ودعاء\" (١٠).\nقلت: وهذه التسمية أيضا من باب الإجتهاد، لأن تعليم المسألة هو من المعاني التي تضمنتها السورة، ولم يرد حديث عن الرسول -ﷺ- في ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>العشرون: - السؤال:</span>\nسماها بذلك كل من: الرازي (١١)، والسيوطي (١٢)، والألوسي (١٣)، ووجه التسمية بلك لكونها اشتملت على الدعاء الذي هو السؤال لله تعالى.\nقال الرازي: \" روي أن رسول الله -ﷺ- حكي عن رب العزة﷾- أنه قال: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" (١٤)، وقد فعل\n_________\n(١) باب (فضل فاتحة الكتاب): ١١٨.\n(٢) انظر تفسيره: ١/ ١٧٠.\n(٣) انظر تفسيره: ١/ ٣٨.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها - باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة (٨٠٦) (ج ١ / ص ٥٥٤).\n(٥) انظر تفسيره: ١/ ٥\n(٦) انظر تفسيره: ١/ ٨.\n(٧) انظر تفسيره: ١/ ٣٨.\n(٨) انظر الإتقان: ١/ ٧٠.\n(٩) اسماء سور القرآن وفضائلها: ١٤٥.\n(١٠) باب (فضل فاتحة الكتاب): ١١٨.\n(١١) انظر: تفسيره: ١/ ١٤٧.\n(١٢) انظر: الإتقان: ١/ ١٧١.\n(١٣) انظر: نفسيره: ١/ ٣٨.\n(١٤) حديث ضعيف، أخرجه البخاري في \"التاريخ\" (١/ ٢/ ١١٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (١/ ٣٣٧) من طريقين عن صفوان بن أبي الصهباء، عن بكير بن عتيق عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده. (الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، الألباني: (٤٩٨٩).","vol":"1","page":171},{"text":"الخليل﵇- ذلك حيث قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، إلى أن قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]، ففي هذه السورة أيضا وقعت البداءة بالثناء عليه ﷾، وهو قوله: ﴿الحمد لله﴾ إلى قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾، ثم ذكر العبودية وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين .. \" (١).\nقلت وهذه التسمية أيضا من اجتهاد العلماء﵏- وهو مشابه للاسم الذي قبله.\nهذه كانت أسماء سورة الفاتحة التي ذكرها المفسرون التوفيقية والاجتهادية وأشهرها وأكثرها تداولا هي: (فاتحة الكتاب، والسبع المثاني، وأم الكتاب، وأم القرآن، وأشهر هذه الأسماء هي \"الفاتحة\")، أما باقي التسميات فهي من باب الإجتهاد لطون السورة تضمنت لمعانيها. والله تعالى أعلم.\nوقد<span data-type=\"title\" id=toc-191> اختلف العلماء في مواضع نزولها</span>، وفيه ثلاثة أقوال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>القول الأول: أنَّها نزلت بمكَّة</span>.\nنُقل عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأبي هريرة والأكثرين، حتى قال أبو ميسرة: \"هي أوَّل سورة نزلت من القرآن بمكَّة، وأنَّها ابتدئت بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ \". أخرجه البيهقي (٢)، وهذا قول جمهور العلماء، ودليلهم (٣):\nأولا: ما أخرجه أبو بكر بن الأنباري في المصاحف عن عبادة قال: \"فاتحة الكتاب نزلت بمكة\" (٤).\nثانيا: أخرج الواحدي في أسباب النزول عن عليّ، قال: \"نزلت فاتحة الكتاب بمكة عن كنز تحت العرش\" (٥)، وعنه -﵁- أنه سئل عن فاتحة الكتاب، فقال: \"حدثنا نبي اللهﷺ- أنها أنزلت من كنز تحت العرش\" (٦).\nالثالث: أخرج أبو نعيم في الدلائل عن رجل من بني سلمة قال: \"لما أسلمت فتيان بني سلمة ... فسأله فقرأ عليه: الحمد لله رب العالمين، وكان ذلك قبل الهجرة (٧) \".\n_________\n(١) انظر: تفسيرخ: ١/ ١٤٧.\n(٢) انظر: دلائل النبوة: (٢/ ١٥٨).\n(٣) انظر: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني: ١/ ١٥.\n(٤) فتح القدير: ١/ ١٥.\n(٥) أخرجه الثعلبي في تفسيره، مخطوطة-الكشف والبيان-: ١/ ٣٥، والواحدي في أسباب النزول: ١٩، وانظر: الإتقان: ١/ ١٢.\n(٦) أورده السيوطي في الدر: ١/ ١٦، وعزاه إلى إسحاق بن راهويه في مسنده.\n(٧) فتح القدير: ١/ ١٥.","vol":"1","page":172},{"text":"الرابع: وقالوا: لم تكن صلاة في الإسلام بدون فاتحة الكتاب، ومن المعلوم أن الصلاة شرعت في الأيام الأولى من البعثة، وفرضت الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج، وكانت قبل الهجرة بثلاث سنوات.\nقال جلال الدين: \"ولم يحفظ صلاة بغير فاتحة الكتاب\" (١).\nقال ابن كثير: \"وهي مكية قاله ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وقتادة، وأبو العالية، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] (٢).\nووجه الاستدلال بهذه الآية على أن سورة الفاتحة مكية، هو أن هذه الآية من سورة الحجر، وسورة الحجر سورة مكية، فهي تتحدث عن الفاتحة، فهذا دليلٌ من القرآن على أن سورة الفاتحة نازلة بمكة، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، ولا يلتفت إلى غيره.\nواختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال:\nأحدها: أن أول ما نزل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ منفردة.\nقال الفخر الخطيب (٣): \"وهو قول الأكثرين من الذين قالوا: لم تنزل (المدثر) و(اقرأ) أولا\" (٤). ونقله في موضع آخر عن ابن عبَّاسٍ (٥).\nالثاني: ان أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، كما جاء في حديث جابر الصحيح (٦).\nوالثالث: وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الصحيح، فإنه لما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ رجع فتدثر، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٧).\nواتفق العلماء أن أول ما نزل القرآن على وجه الإطلاق قطعا ً الآيات الخمس الأولي من سورة العلق، وهي قوله تعالي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]، ففي الصحيحين: عن عائشة ﵂ في بدء الوحي قالت: \"أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي هو الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِب إليه الخلوة، وكان يخلو في غار حراء، يتحنث [يتعبد] فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطنى الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق ١ - ٣]، فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على زوجته خديجة بنت خويلد - رضي الله\n_________\n(١) الإتقان: ١/ ١٢.\n(٢) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٣) هو الرازي، والمعروف أنه يلقب: (بابن الخطيب) أو (ابن خطيب الري).\n(٤) مفاتيح الغيب: ١/ ١٤٧.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ١/ ١٤٧.\n(٦) صحيح البخاري: (٨/ ٦٧٦ - ٦٧٧ - رقم: ٤٩٢٢).\n(٧) انظر: تفسير الخطيب الشربيني: ٤/ ٤٢٥.","vol":"1","page":173},{"text":"عنها ـ، فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكَسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عمها، وكان امرًأً تنصر بالجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله له أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (جبريل ﵇) الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا (شابا)، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال: أَوَ مُخرجي هم؟، قال نعم، لم يأت رجل قَط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب (يلبث) ورقة أن توفي، وفتر الوحي (١).\nوفيهما عن جابر ﵁، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال وهو يحدث عن فترة الوحي: \"بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي \" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إِلَى ⦗٨⦘ قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ\" (٢)، وفيه، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) إلى (وَالرُّجْزَ فَاهْجُر (٥ ْ) (المدثر: ١ - ٥).\nوثمت آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولية مقيدة مثل: حديث جابر ﵁ في الصحيحين، إن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) قال أبو سلمة: أنبئت أنه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: ١) فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ: قال رسول الله ﷺ: \" جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت ... \" فذكر الحديث وفيه: \"فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء باردًا، وأنزل علي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) إلى قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر: ١ - ٥) \" (٣).\nفهذه الأولية التي ذكرها جابر ﵁ باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة اقرأ ثبتت نبوة النبي ﷺ، وما نزل من سورة المدثر ثبتت به الرسالة في قوله ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢].\nولهذا قال أهل العلم: إن النبي ﷺ نبئ بـ (اقْرَأْ) [العلق: ١]، وأرسل بـ (الْمُدَّثِّرُ) [المدثر: ١].\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ١: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ...، أصول في التفسير، حديث رقم ٣؛ ومسلم كتاب الإيمان باب ٧٣: بدء الوحي إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، حديث رقم ٤٠٣ (٢٥٢) ١٦٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ١: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، حديث رقم ٤؛ ومسلم كتاب الإيمان باب ٧٣: بدء الوحي إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، حديث رقم ٤٠٦ ﴿٢٥٥﴾ ١٦١.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ٣ قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) حديث رقم ٤٩٢٤؛ ومسلم كتاب الإيمان باب ٧٣: بدء الوحي إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، حديث رقم ٤٠٩ ﴿٢٥٧﴾ ١٦١","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>القول الثاني: أنها أُنزلت بالمدينة</span>.\nقاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري (١)، روى منصور عن مجاهد قال: \"إن إبليس رنَّ أربعَ رنَّاتٍ: حين لُعِنَ، وحين أُهبط من الجنَّة، وحين بُعث النبيُّ - ﷺ -، وحين أُنزلت فاتحة الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة\" (٢).\nقال الحسين بن الفضل: \"هذه هفوة من مجاهد، لأنّ العلماء على خلاف قوله\" (٣).\nوروى الطَّبرانيُّ في \"الأوسط\": \"حدثنا عُبيد بن غنَّام ثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ثنا أبو الأَحْوَصِ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة: أنَّ إبليسَ رنَّ حين أُنزلت فاتحةُ الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة، وقال: لم يروه عن منصور إلا أبو الأحوص، تفرّد به أبو بكر بن أبي شيبة\" (٤)، ورواه سفيان وغيره عن منصور ووقفُوه على مجاهدٍ.\nواستدلوا على هذا بحديث مشهور في صحيح مسلم: \"بينما جبريل قاعد عند النبي -ﷺ- سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة\" (٥).\nفإن قيل: هذا كان في المدينة، فكيف جاء بفاتحة الكتاب وهي نزلت بمكة؟\nيقال: هو لم يأتِ بها أصلًا، وإنما بشر النبي -ﷺ- بذلك، والبشارة يمكن أن تكون أيضًا على أمرٍ قد مضى، فبين له المزية لسورة الفاتحة وآخر آيتين أوتيهما -ﷺ- من سورة البقرة، فالبشارة يمكن أن تكون عن شيء كان في الماضي، وهو كذلك، فلا يفهم منه أنه هو الذي نزل بها كما قال بعض المعاصرين: إن بعض القرآن قد ينزل به غير جبريل، فالأمر واضح أن جبريل هو الذي نزل به كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، فالقول بأن هذا في الجملة ولا يؤثر على ذلك أن ينزل غيره بآيةٍ أو نحو هذا، فهذا قول غير صحيح.\nومعروف قطعًا أن النبي -ﷺ- كان يصلي بمكة، وكان يقرأ الفاتحة، وآية الحجر تدل على نزولها بمكة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>القول الثالث: أنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة:</span>\nأراد بعض أهل العلم أن يوفق وأن يجمع فقال: نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة.\nقال الشوكاني: \"وقيل: إنّها نزلت مرّتين مرّةً بمكّة ومرّةً بالمدينة جمعًا بين هذه الرّوايات\" (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٠١، ومجمع البيان: ١/ ١٧.\n(٢) انظر: الدر المنثور، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، ار الفكر - بيروت: ١/ ١١.\n(٣) الإتقان: ١/ ١٢.\n(٤) المعجم الأوسط: (٥/ ١٠٠ - رقم: ٤٧٨٨).\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها - باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة (٨٠٦) (ج ١ / ص ٥٥٤).\n(٦) فتح القدير: ١/ ٧٣ - ٧٤.","vol":"1","page":175},{"text":"قال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): \" وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين، مرة بمكة، وأخرى بالمدينة\" (١).\nقال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت: ق ١١ هـ): \"مكية مدنية؛ لأنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة.\" (٢).\nالقول الرابع: أن نصفها الأول نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة:\nوحكى أبو اللّيث السّمرقنديّ: \" أنّ نصفها نزل بمكّة ونصفها الآخر نزل بالمدينة\" (٣).\nقال ابن كثير: \"وهو غريبٌ جدًّا، نقله القرطبيّ عنه (٤) \" (٥).\nوالصحيح أنَّها أُنزلت بمكَّة، وذلك لأمرين (٦):\nأحدهما: فإنَّ سورة (الحِجْر) مكِّيَّةٌ بالإجماع، وقد أنزل الله فيها: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾] الحجر: ٨٧]، وقد فسَّرها النبيُّ - ﷺ - بالفاتحة، فعُلم أنَّ نزولهَا متقدمٌ على نزول (الحِجْر).\nوالثاني: وأيضًا فإنَّ الصَّلاةَ فُرضت بمكَّة، ولم يُنقل أنَّ النبيَّ - ﷺ - وأصحابَه صلَّوا صلاةً بغير فاتحة الكتاب أصلًا، فدلَّ على أنَّ نزولهَا كان بمكَّةَ.\nقال ابن رجب: \"وأمَّا الرِّواية بأنَّها أوَّل سورة أُنزلت من القرآن فالأحاديث الصَّحيحة تردُّه\" (٧).\nوأما عدد آياتها، \"فهي سبعُ آياتٍ كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الحجر: ٨٧]، وفسَّرها النبيُّ - ﷺ - بالفاتحة، ونقل غيرُ واحدٍ الاتفاق على أنَّها سبعٌ، منهم ابنُ جرير (٨) وغيرُه\" (٩).\nواختلف أهل العلم في الآي التي صارت بها سبع آيات، وفيه قولان (١٠):\nأحدهما: أنها صارت سبع آيات بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وها قول عظم أهل الكوفة.\nقال الطبري: \"وقد رُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين\" (١١).\nوالثاني: أنها سبع آيات، وليس منهن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولكن السابعة ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وذلك قول عُظْم قَرَأةِ أهل المدينة ومُتْقنيهم.\nوفي عددها قولان شاذّان (١٢):\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن: ١/ ٢٧.\n(٢) منار الهدى: ٢٧.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٠١، وتفسير القرطبي: ١/ ١١٥.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١١٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ١٠١.\n(٦) انظر: أسباب النول للواحدي: ٢١.\n(٧) تفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٠٩ - ١١٠.تفسير الطبري: ١/ ٤٨.\n(٩) تفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٠٩.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ١٠٩.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٦١ - ٦٢، والبحر المحيط: ١/ ١٧، وتفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩ - ٢٠.","vol":"1","page":176},{"text":"أحدُهما: أنَّها ستُّ آياتٍ، حُكي عن حسين الجُعْفِيِّ (١).\nوالثاني: أنَّها ثمانُ آياتٍ، وأنَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ آيةٌ. قاله عمرو بن عبيد (٢).\nقال ابن رجب: \" نُقل عن عمرو بن عبيد أنَّها ثمانُ آياتٍ، ولا يعبأُ به\" (٣).\nقال أبو حيان: \" وشذ عمرو بن عبيد، فجعل آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهي على عده ثمان آيات\" (٤).\nقال ابن عطية: \" وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفصل في ذلك\" (٥).\nوأمَّا كلماتُها: فهي خمسٌ وعشرون كلمةً (٦).\nوأمَّا حروفُها: فمائةٌ وثلاثة عشر حرفًا (٧).\nوإن هذه السُّورة العظيمة لها فضائلٌ وخصائصٌ عديدةٌ، قال ابن رجب: \"ولم يثبت في فضائلِ شيءٍ من السُّور أكثر مما ثبت في فضلِها، وفضلِ سورة (الإخلاص) \" (٨).\nثم سرد مجموعة من فضائلِها (٩).\n(أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)\nشرع الله تعالى لكل قارئ للقرآن العظيم، أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ ذلك لأن القرآن الكريم هداية للناس وشفاء لما في الصدور، والشيطان سبب الشرور والضلالات، فأمر الله سبحانه كل قارئ للقرآن أن يتحصن به سبحانه من الشيطان الرجيم، ووساوسه، وحزبه.\nوأجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست من القرآن الكريم، ولهذا لم تكتب في المصاحف (١٠).\nقوله: (أَعُوذُ بِاللهِ)، أي: \" أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: أستجير بجناب الله\" (١٢).\nقوله: (مِنَ الشَّيْطَانِ)، أي: \"من الشيطان أن يضرَّني في ديني، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي\" (١٣).\nقال ابن كثير: أي: \"من الشيطان أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٦١ - ٦٢، والبحر المحيط: ١/ ١٧، وتفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩ - ٢٠.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٦١ - ٦٢، والبحر المحيط: ١/ ١٧، وتفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩ - ٢٠.\n(٣) انظر: تفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩ - ٢٠.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ١٧.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٦١ - ٦٢.\n(٦) انظر: تفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩ - ٢٠.\n(٧) انظر: تفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ١٩ - ٢٠.\n(٨) تفسير سورة الفاتحة: ٣٥.\n(٩) انظر: تفسير سورة الفاتحة لابن رجب: ٣٥ وما بعدها.\n(١٠) انظر: التفسير الميسر: ١٥.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ١١١.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١١٤.\n(١٣) تفسير الطبري: ١/ ١١١.","vol":"1","page":177},{"text":"أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وقال تعالى في سورة \" قد أفلح المؤمنون \": ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]، وقال تعالى في سورة \" حم السجدة \": ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦] [فصلت: ٣٤ - ٣٦] \" (١).\nوفي المراد بـ (الشيطان) قولان:\nأحدهما: أن المراد به: الشيطان المخصوص وهو إبليس الذي كانت قصته مع أبينا آدم﵇-.\nوالثاني: أن المراد به كل شيطان، أي: كل ما يصدق عليه هذا الاسم أو الوصف.\nوالقول الثاني أصح، لأنه يدخل فيه الأول ويدخل فيه سائر الشياطين، ومن المعلوم أن سائر الشياطين يصدون الإنسان عن طاعة الله.\nوقد اختُلف في معنى (الشيطان) من ناحية اللغة، بناء على الاختلاف في اشتقاقه وأصالة النون في بنائه، وفيه وجهان:\nأحدهما: أن (الشيطان) نونه أصلية على وزن \"فيعال\" مشتق من (شطن)، بمعنى: بَعُد عن الحقِّ،، فسمي الشيطان شيطانا، لتباعده من الخير، فهو من: شطنه يشطنه شطنًا: إذا خالفه عن وجهته ونيَّته، وشَطَّت الدار: بَعُدَت، والشاطن: الخبيث، وتشيطن الرجل: إذا صار كالشيطان وفعل فعله، ومنه الشيطنة: التي هي مرتبة كلية عامَّة لمظاهر الاسم المضل (٢)، قال أمية بن أبي الصلت يصف سليمان بن داود -﵉- (٣):\nأيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال\n\nفقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط.\nوقال نابغة بني شيبان (٤):\nفأضحت بعدما وصلت بدار ... شطون لا تعاد ولا تعود\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١١٤.\n(٢) انظر: قاموس العين - الفراهيدي ج (٦)، ص (٢٣٦)، وأساس البلاغة، ص (٣٢٩)، القاموس المحيط ج (١)، ص (٨٧٠)، والمصباح المنير ج (١)، ص (٣١٣)، والمعجم الوسيط ج (١)، ص (٤٨٣)، وتهذيب اللغة ج (١١)، ص (٢١٣)، وجمهرة اللغة ج (٢)، ص (٨٦٧)، ومختار الصحاح، ص (١٤٢).\n(٣) دبوانه ص ٤٤٥ وانظر: «لسان العرب» مادة «شطن». ومعنى عكاه: شده، وأوثقه، والأكبال: القيود.\n(٤) ديوانه ٣٤.","vol":"1","page":178},{"text":"والثاني: أن (الشيطان) مأخوذ من الفعل (شاط)، وعلى هذا الاشتقاق يكون على وزن فعلان، والنون فيه زائدة، بمعنى: احترق من الغضب، فهو من: شاط يشيط، وتشيط: إذا لفحَته النار فاحترق أو هلك، مثل هيمان وغيمان، مِن هام وغام (١)، فسمي الشيطان سمي شيطانا، لغيه وهلاكه (٢)، قال الأعشى (٣):\nوَنَطْعَنُ الْعَيْرَ فِي مَكْنُونِ فَائِلِهِ ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ\nأراد: وقد يهلك على أرماحنا (٤).\nوذكر ابن الأثير أن نون (الشيطان) إذا جعلت أصلية كان من الشطن وهو: البعد عن الخير، أو الحبل الطويل، كأنه طال في الشر، وإن جعلت زائدة كان من شاط يشيط: إذا هلك، أو من استشاط غضبًا، إذا احتد في غضبه والتهب، قال: والأول أصح (٥)، وذكر ابن كثير أن من العلماء من صحح المعنيين مع قولهم بأن الأول أصح (٦).\nوالشطن: البعد، ومنه شطنت داره، أي بعدت، ويقال: نوى شطون أي بعيدة، وبئر شطون: أي بعيدة القعر، ويقال للحبل شطن سمي بذلك لطوله، وجمعه أشطان، وفي الحديث: «كُلُّ هَوىً شَاطِنٌ فِي النَّارِ» (٧) (٨).\nقال ابن قتيبة: \"الشاطن البعيد عن الحق\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" إِنَّمَا سمي شَيْطَانا لِأَنَّهُ شطن عَن أَمر ربه. والشطون: الْبعيد النازح \" (١٠).\nوقال أبو عبيد: \"الشيطان كل عات متمرد من إنس، أو جن\" (١١)، أو دابة، قال جرير (١٢):\nأيامَ يدعُونني الشَيْطانَ من غَزَلٍ ... وهُنَّ يَهْوَيْنَني إذْ كنتُ شَيْطانا\nويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيا عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وكذا قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، أي أصحابهم من الجن والإنس، وقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ [الأنعام:\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللغة ٣/ ١٨٤ - ١٨٥)، ولسان العرب ١٧/ ١٠٥)، والمفردات - الراغب الأصفهاني: ٢٦١.\n(٢) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، أبو بكر الأنباري: ١/ ٥٦.\n(٣) ديوانه: ٤٧، وانظر: المنجد في اللغة: ٢٣١، والفائل: عرق في الفخذين يكون في خربة الورك ينحدر في الرجلين.\n(٤) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، أبو بكر الأنباري: ١/ ٥٦.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ١١٦٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ١٥.\n(٧) غريب الحديث لابن قتيبة: ٣/ ٧٥٩، والفائق في غريب الحديث: ٢/ ٢٤٦، والنهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٧٥\n(٨) لسان العرب: ١٣/ ٢٣٧.\n(٩) غريب الحديث: ٣/ ٧٥٩.\n(١٠) غريب الحديث لابن قتيبة: ٣/ ٧٥٩.\n(١١) انظر: بحر العلوم، السرمقندي: ١/ ٢٧٧.\n(١٢) ديوانه: ١٦٥.","vol":"1","page":179},{"text":"١٢١]، وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، قيل مردة الجن وقيل مردة الإنس (١) (٢).\nواشتقاقه من (شطن) هو القول الراجح، وذلك لأنَّها أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تَهدف إلى إبعاد الناس عن عمَل الخير واتِّباع الحق، \"لأنَّ اشتقاق الشيطان من شطن، بمعنى: بَعُد عن الخير ومال عن الحقِّ - أقرب إلى الحقيقة من اشتقاقه من شاط، بمعنى: احترق، ذلك أنَّ عمل الشيطان هو إبعاد الناس عن الحقِّ، والذي يبعد الناس عن الحقِّ والخير يكون هو بعيدًا عنه\" (٣).\nوالجن لغة: اسم جنس جمعي، واحده جني، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون (٤)، والجمع جنان، وهم الجنة (٥).\nوكل شيء وقيت به نفسك، واستترت به فهو جنة، ومنه قول النبي - ﷺ - فيما أخرجه البخاري في كتاب الصوم: \"والصيام جنة\" أي وقاية، حيث يقي صاحبه من المعاصي.\nوسمي الجنين جنينًا لاستتاره في بطن أمه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (٦).\nوسميت الجنة – بفتح الجيم – بذلك لكثرة شجرها، بحيث يستر بعضها بعضًا (٧).\nوأما الجن اصطلاحًا فهم: نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم وصورتهم الحقيقية، يأكلون ويشربون ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة (٨).\nفإن قال قائل: وما الفرق بين الجن والشياطين؟\nفالجواب: أن الشياطين هم مردة الجن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ...﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية.\nوواحد الشياطين: شيطان، مأخوذ من شطن بمعنى بعد ولا يقتصر هذا اللفظ على مردة الجن فقط، بل يطلق كذلك على كل عارم ومؤذ من الجن والإنس، قال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ\n_________\n(١) مفردات غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: ٢٦١.\n(٢) عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة، عبدالكريم عبيدات: ٤٦٢.\n(٣) التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن - د. عودة خليل أبو عودة - مكتبة المنار - الأردن، ص (٤٧٨).\n(٤) أي لا يرون على طبيعتهم وصورتهم الحقيقة كما سيأتي في تعريفهم، وبذلك يعلم عدم التعارض بين هذا القول، وما ورد أنهم يتشكلون في صور البشر، والحيات والكلاب وغير ذلك وبذلك يفهم قول الشافعي: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته: أخرجه أبو نعيم في الحلية: (٩/ ١٤١) فإنه يريد على طبيعتهم وصورتهم الحقيقية.\n(٥) انظر القاموس المحيط: ص ١٥٣٢، مادة (جنن)، ولسان العرب: (١٣/ ٩٥).\n(٦) انظر المفردات: ص ٩٨.\n(٧) انظر تهذيب اللغة: للأزهري (١٠/ ٤٩٩).\n(٨) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم (٥/ ١٢)، وفتح الباري: (٦/ ٣٤٤)، وفيض القدير: (١/ ١١٣)","vol":"1","page":180},{"text":"الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (١)، وقال سبحانه عن المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (٢) أي إلى أصحابهم من الجن والإنس (٣).\nوإذا كان الجن ممن يساكن الناس، قالوا: عامر، جمع عمار، وإذا كان مما يعرض للصبيان، قالوا: أرواح، والخبيث من الجن هو الشيطان، والأشد خبثًا مارد. ومن اشتد أمره من المردة: عفريت، وجمعه عفاريت (٤)\nوالجن ثلاثة أصناف كما قال رسول الله -ﷺ-: \"صنف يطير في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون\" (٥)\nوردت آيات قرآنية كثيرة في الجن، وسميت السورة الثانية والسبعون من كتاب الله تعالى باسمهم: (سورة الجن).\nوقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجود الجن ودل عليه كذلك الإجماع، وعليه فإنه لا يجوز لأي أحد من الناس إنكارهم، ولذا قال جمع من أهل العلم: إنه يكفر من أنكرهم، ففي كتاب \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" (٦) لابن حزم قوله: \"وأجمع المسلمون كلهم على ذلك – أي على وجود الجن وأنهم خلق من خلق الله – نعم والنصارى والمجوس والصابئون وأكثر اليهود حاشا السامرة فقط، فمن أنكر الجن أو تأول فيهم تأويلًا يخرجهم به عن هذا الظاهر، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا - ﷺ - إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك كما يوجد في طوائف المسلمين كالجمهية والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك، وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بالإنسان أو غيره كما يزعم بعض الملاحدة، فلما كان أمر الجن متواترًا عن الأنبياء تواترًا ظاهرًا، تعرفه العامة والخاصة لم يمكن طائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل أن تنكرهم، كما لم يمكن لطائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل إنكار الملائكة، ولا إنكار معاد الأبدان، ولا إنكار عبادة الله وحده لا شريك له، ولا إنكار أن يرسل الله رسولًا من الإنس إلى خلقه، ونحو ذلك مما تواترت به الأخبار عن الأنبياء تواترًا تعرفه العامة والخاصة، كما تواتر عند العامة والخاصة مجيء موسى إلى فرعون، وغرق فرعون، ومجيء المسيح إلى اليهود وعداوتهم له، وظهور محمد - ﷺ - بمكة وهجرته إلى المدينة، ومجيئه بالقرآن والشرائع الظاهرة، وجنس الآيات الخارقة التي ظهرت على يديه، كتكثير الطعام والشراب، والإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة التي لا يعلمها بشر إلا بإعلام الله وغير ذلك (٧).\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١١٢.\n(٢) سورة البقرة: ١٤.\n(٣) المفردات للراغب الأصفهاني، وانظر فتح الباري: (٦/ ٣٤٤).\n(٤) آكام المرجان ص ٨.\n(٥) أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي، وإسناده صحيح. صحيح الجامع ٣/ ٨٥.\n(٦) (٥/ ١٢).\n(٧) مجموع الفتاوى: (١٩/ ١٠، ١١).","vol":"1","page":181},{"text":"كما أجمعوا على الاستعاذة بالله العظيم من شرورهم، ومن يعرف عجائب خلق الله ﷿ وعظمته وقدرته لن يستغرب وجود عالم الجن غير المرئي، ووجود عالم الإنس المرئي، فكلاهما من مخلوقات الله تعالى العقلاء.\nوكان لبعض القدامى اعتقادات عجيبة في الجن، حتى إن بعضهم جعل الجن شركاء لله ﷿، فأبطل القرآن هذا كله، فقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾] الصافات ١٥٨].\nتعريف إبليس لغة:\nاختلف أهل العلم في تعريف كلمة (إبليس)، على أقوال:\nأحدها: أن إبليس اسم عربي، على وزن إفعيل، مشتق من الإبلاس، وهو الإبعاد من الخير، أو اليأس من رحمة الله (١)، يقال أَبلَس الرجل: إذا انقطع ولم تكن له حجَّة، وأَبلَس الرجل: قُطِع به، وأبلس أيضًا: سكَتَ، وأبلس مِن رحمة الله: يئس، والإبلاس: الحزن المعترض من شدَّة البأس، وقد استخدم العربُ هذه المعاني فقالوا: ناقة مِبلاس: إذا كانت لا تَرغو من الخوف، وفلان أبلس: إذا سكَت من شدَّة الخوف (٢)، والقرآن الكريم استخدم هذه المعاني اللغويَّة لكلمة أبلس، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nوالثاني: وقال الأكثرون: إن إبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية (٣)، وقد ذكر ابن الأنباري أن إبليس لو كان اسمًا عربيًا لم يصرف كإكليل وإحليل (٤)، قال أبو إسحاق: أن إبليس أعجمي معرفة، وذكر الزبيدي أن إبليس لا يصح أن يشتق وإن وافق معنى إبليس لفظًا ومعنى، وقد غلط العلماء الذين قالوا باشتقاقه.\nوذكر الطبري بأنه: \"لم يصرف استثقالًا، إذ كان اسمًا لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجري كما في إسحاق حيث لم يجروه، وهو مشتق من أسحقه الله إسحاقًا، إذ وقع ابتداء اسمًا لغير العرب التي تسمت به العرب، فجري مجراه، وهو من أسماء العجم في الإعراب فلم يصرف، وكذلك أيوب إنما هو من آب يئوب\" (٥).\nوقال ابن حجر: \"وقد تعقب بأنه لو كان اسمًا عربيًا مشتقًا من الإبلاس لكان قد سمي به بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه\" (٦).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب: ٦/ ٢٩، وتفسير الطبري: ١/ ٥٠٩، وتفسير روح المعاني: ١/ ٢٢٩.\n(٢) انظر: مقاييس اللغة ج (١)، ص (٢٩٩، ٣٠٠)، والمفردات - الراغب الأصفهاني، ص (٦٠)، وانظر: التبيان في تفسير غريب القرآن - شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري - دار الصحابة للطباعة ط ١ ١٩٩٢ م، ج (١)، ص (٧٦).\n(٣) انظر: القاموس المحيط ج (١)، ص (٦٨٧)، والمعجم الوسيط ج (١)، ص (٣)، والمفردات - الأصفهاني، ص (٦٠).\n(٤) انظر: تفسير روح المعاني: ١/ ٢٢٩، وفتح الباري: ٦/ ٣٣٩.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ٢٢٧.\n(٦) فتح الباري: ١/ ٣٣٩.","vol":"1","page":182},{"text":"وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، وكذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري عن ابن عباس قال: \"كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد\" (١)، وهذا يؤيد القول (٢).\nوالثالث: وذهب بعض الدَّارسين إلى أنَّها كلمة يونانية الأصل هي (ديا بولس)، جرى عليها بعضُ التغيير والتحريف حتى صارت كذلك (٣).\nوالراجح عندي أنها مشتقة من أبلس الرجل: إذا انقطع، والله تعالى أعلم.\nالشيطان وإبليس اصطلاحًا:\nتردد لفظ (إبليس) و(الشيطان) في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فقد ورد لفظ إبليس في أحد عشر موضعًا، ولم يرد هذا اللفظ إلا مفردًا في هذه المواضع جميعًا.\nأما لفظ الشيطان فقد جاء مفردًا ومجموعًا، فقد ورد مفردًا في سبعين موضعًا، وأما بلفظ الجمع فقد ورد في ثمانية عشر موضعًا، عدا من المواضيع التي ورد فيها لفظ الجن والجِنَّة، التي يراد في كثير منها الشيطان مفردًا ومجموعًا.\nالشيطان: في الإصطلاح هو: كلِّ متمرِّد من الجنِّ والإنس والدواب (٤)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \" يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] \" (٥).\nوقد يطلق لفظ الشيطان كذلك على المتميز بالخبث والأذى من الحيوان، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: \"ركب عمر برذونًا، فجعل يتبختر به، فضربه فلم يزدد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، لقد أنكرت نفسي (٦)، وعلى هذا فإن الشيطان إذا أريد به الجنس فله معنيان: معنى خاص، ومعنى عام.\nأولا: - المعنى الخاص:\nويراد به إبليس وذريته المخلوقون من النار، والذين لهم القدرة على التشكل، وهم يتناكحون، ويتناسلون، ويأكلون، ويشربون، وهم محاسبون على أعمالهم في الآخرة، مطبوعون بفطرتهم على الوسوسة والإغواء، وهم بهذا عاملون على التفريق والخراب، جاهدون لفصل ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يفصل، وإبرام ما يجب فصمه، وفصم ما يجب إبرامه، فهم والملائكة على طرفي نقيض (٧).\nثانيا: - المعنى العام:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٢٢٤.\n(٢) فتح الباري: ٦/ ٣٣٩.\n(٣) انظر: إبليس - عباس محمود العقاد - نشر المكتبة العصرية - صيدا - بيروت - ص (٤٧).\n(٤) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص (٢٦١)، وانظر: روح المعاني - الآلوسي ج (١)، ص (١٥٧)، وقد نسب الآلوسي هذا التعريف لابن عباس ﵄.\n(٥) مسند أحمد حديث (١٢٥٧)، ومجمع الزوائد ١/ ٩٤.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ١١١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣١ وقال اسناده صحيح.\n(٧) انظر: دائرة معارف القرن العشرين: ٢/ ٣٣٢.","vol":"1","page":183},{"text":"وأما المعنى العام فيراد به كل مخلوق عات متمرد من الإنس، والجن، والدواب، فأما من جانب الجن والإنس فهو التمرد والعصيان لأمر الله، ومحاولة بذر الفساد في الأرض بشتى صوره وأشكاله قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وأما من جانب الدواب فهو الخبث والأذى الذي تميزت به عن جنسها ..\nوأمَّا (إبليس): فهو ذلك المخلوق من النار، والذي كان يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثمَّ نازع ربَّه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته، وعصى ربَّه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط إلى الأرض، وأصبحت الشيطنة صفة له (١).\nأخرج الطبري بسنده الصحيح عن الإمام الفاروق عمر﵁-: \" قال عمر بن الخطاب -رحمة الله عليه-، وركب بِرذَوْنًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطانٍ! ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نَفسي\" (٢).\nوإبليس له ذريَّة بصريح القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، فإبليس من الجنِّ المخلوقين من نار السَّموم، وإنَّه ليرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، وقد فسَق عن أمر ربِّه، وهو رأس الشياطين والمتمرِّدين، وجمعه: أباليس وأبالسة (٣).\nإذًا، إبليس هو الاسم العَلَم لهذا المخلوق المتمرِّد، والشيطان صِفة له ولغيره.\nوكان إبليس يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، فلما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم خالف أمر ربه بتكبره على آدم لادعائه أن النار التي خلق منها خير من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، فكان جزاء هذه المخالفة أن طرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلامًا له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى (٤)، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، وكما قال ﷿ عنه: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وهؤلاء هم المستثنون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].\nوإبليس واحد من الجن، وهو أبو الشياطين والمحرك لهم لفتنة الناس وإغوائهم، وقد ذكره الله في قصة امتناعه من السجود لآدم وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقد أطلق عليه القرآن اسم الشيطان في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري - الطبري ج (١)، ص (٢٢٦)، ومختصر تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٩، والمفردات - الأصفهاني، ص (٦٠)، وانظر: شواهد في الإعجاز القرآني - د. عودة أبو عودة، ص (٢٢٧).\n(٢) تفسير الطبري (١٣٦): ص ١/ ١١١.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط ج (١)، ص (٣).\n(٤) مختصر تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٩.","vol":"1","page":184},{"text":"لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فالشيطان في هذه الآيات مراد به إبليس، لأن القرآن يتحدث عن قصة إغوائه لآدم وحواء ﵉.\nوالذي يتأمل القرآن يرى أن إطلاق لفظ إبليس لم يرد إلا في معرض الحديث عن إباء إبليس من السجود لآدم، ولم يرد هذا الإطلاق خارج الحديث عن إبائه من السجود إلا في موضعين:\nالأول: في سورة الشعراء وهو قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]، وفي هذا الموضع يكون مرادًا به جمع إبليس وجنوده من الجن والإنس في نار جهنم، باعتبار الرئيس والأتباع.\nالثاني: في سورة سبأ في قوله تعالى ﴿: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]، وهذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ إبليس في معرض الحديث عن ممارسة غوايته وإفساده للناس.\nقوله: (الرَّجِيمِ)، أي: \" الملعون المشتوم\" (١).\nقال الطبري: \" وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم الرَّميُ، بقول كان أو بفعل. ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم -صلوات الله عليه-: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ [سورة مريم: ٤٦].\nوقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان «رجيم»، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب\" (٢).\nو(الرجيم): صفة للشيطان، وهو مفعول في معناه على وزن فعيل، وفي سبب تسميته بذلك أقوال (٣):\nأحدها: أنه سُمِّي بالرجيم، لأنه أتى إبراهيم ﵇ وهاجر وإسماعيل في منى، فاستعطف إبراهيمَ حتى لا يذبح ولده، فقال: أعوذ بالله منك فرجمه، ثم استعطف هاجر على ولدها فقالت: أعوذ بالله منك فرجمته، ثم استعطف إسماعيل ﵇ على نفسه، فقال: أعوذ بالله منك فرجمه\"، فصار الرجم من مناسك الحج إلى يوم القيامة.\nوعلى هذا القول فإن \"الرجيم\" بمعنى: المرجوم الملعون والملعون المطرود\" (٤)، وهو مذهب أهل التفسير، والملعون عند العرب: المطرود، إذا قالت العرب: لعن الله فلانا، فمعناه: طرده الله. وكذلك: على الكافر لعنة الله، فمعناه: عليه طرد الله، قال الشماخ (٥):\nوماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين\nذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين\nمعناه: كالرجل المطرود (٦).\nوالثاني: وقيل: سُمِّي بالرجيم، لأنه يسترق السمع في السماء فترجُمُه الملائكة، قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨].\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١١٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ١١٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١١٦.\n(٤) النكت والعيون، الماوردي: ١/ ٤٣.\n(٥) ديوانه: ٣٢٠.\n(٦) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٨.","vol":"1","page":185},{"text":"وعلى هذا القول فإن معنى الرجيم: أي: المرجوم بالنجوم؛ فصرف عن المرجوم إلى الرجيم، كما تقول العرب: طبيخ وقدير، والأصل: مطبوخ ومقدور؛ وكذلك: جريح وقتيل، أصلهما: مقتول ومجروح، فصرفا من مفعول إلى فعيل. قال امرؤ القيس (١):\nفظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل\nأراد: مقدور معجل، فصرف عن مفعول إلى فعيل\" (٢).\nوالثالث: وقيل: رجيم بمعنى راجم، لأنه يرجم الناس بالوساوس (٣).\nوالرابع: وقيل: أن الرجيم: المرجوم، أي المشئوم المسبوب (٤)، فيكون من قول الله ﷿ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]، معناه: لأشتمنك ولأسبنك (٥).\nومنه الحديث الذي يروى عن عبد الله بن مغفل أنه أوصى بنيه عند موته، فقال: \"لا ترجموا قبري\" (٦)، فمعناه: لا تنوحوا عند قبري. أي: لا تقولوا عنده كلاما سيئا سمجا (٧).\nوقيل: وُصف الشيطان بذلك لأن أتباعه يرجمونه في النار، والرجم أصله الرمي بالحجارة، والشيطان مرجوم بالقول وبالفعل:\nبالقول: بالسب والشتم والذم ويلحق به كل قول قبيح.\nوبالفعل: أن رجمه الله أي طرده وأبعده من رحمته، ويرجم بالشهب كما قال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [٦ - ١٠ الصافات].\nقال ابن كثير: \"والأول أشهر وأصح\" (٨).\nوفي حكم (الإستعاذة) قولان:\nأحدهما: أنها مستحبة: يرى أهل العلم بأن حكم الإستعاذة مستحبة قبل قراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\nوالثاني: أنها واجبة: وذلك، أخذًا بظاهر الأمر في الآية. عطاء بن أبي رباح، وابن حزم (٩).\nوالصحيح أنها مستحبة، فلا يضر تركها في الصلاة عمدًا أو نسيانيًا، وهو قول جمهور العلماء (١٠).\nقال الشافعي: \" وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أم القرآن، وبذلك أقول، وأحبّ أن\nيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه، ويقوله في أول ركعة.\n_________\n(١) ديوانه: ٢٢.\n(٢) الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٧.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣.\n(٤) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٧، والنكت والعيون: ١/ ٤٣.\n(٥) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٧.\n(٦) غريب الحديث ٤/ ٢٩٠ وفيه: (والمحدثون يقولون: لا ترجموا قبري، قال أبو عبيد: إنما هو: لا ترجموا). وكذا في الصحاح (رجم). وينظر: النهاية ٢/ ٢٠٥.\n(٧) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ١١٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١١٦.\n(١٠) انظر: المغني: ٢/ ١٤٥.","vol":"1","page":186},{"text":"وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحَسَن، ولا آمر به في\nشيء من الصلاة، أمرتُ به في أول ركعة.\nوإن تركه – [قول: الاستعاذة]- ناسيًا أو جاهلًا أو عامدًا، لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو. وأكره له تركه عامدًا، وأحب إذا تركه في أول ركعة أن يقوله في غيرها [من الركعات]، وإنَّما منعني أن آمره أن يعيد؛ أن النبي - ﷺ - علم رجلًا ما يكفيه في الصلاة فقال: \"كبر ثم اقرأ بأم القرآن\" الحديث (١).\nقال الشَّافِعِي ﵀: ولم يُروَ عنه أنه - ﷺ - أمره بتعوذ ولا افتتاح. فدل على أن افتتاح رسول الله - ﷺ - اختيار، وأن التعوذ مما لا يفسد الصلاة إن تركه\" (٢).\nقال ابن كثير: \"وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها، وقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها\" (٣).\nويدل على عدم الوجوب:\nأولا: حديث أنس قال النبي - ﷺ - \"أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ \" (٤)، ولم يذكر الاستعاذة.\nثانيا: ولأن النبي - ﷺ - لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة (٥).\nقال الإمام الجصاص (٦): \"والاستعاذة ليست بفرض، لأنَّ النبي -ﷺ- لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة، ولو كانت فرضًا لم يخله من تعليمها\" (٧)، وقال الإمام ابن الجزري - ﵀ (٨) -:\n_________\n(١) الحديث تمامه: عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: \"وكان من أصحاب النبي ﷺ، قال: جاء رجل ورسول الله ﷺ، في المسجد، فصلى قريبا منه، ثم انصرف إليه، فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: أعد صلاتك، فإنك لم تصل، قال: فرجع فصلى نحوا مما صلى، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: أعد صلاتك، فإنك لم تصل، فقال: يا رسول الله، كيف أصنع؟ فقال: إذا استقبلت القبلة، فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ومكن لركوعك، فإذا رفعت رأسك، فأقم صلبك، حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت، فمكن لسجودك، فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة\". [أخرجه أحمد: (١٩٢٠٦): ص ٤/ ٣٤٠، وأبو داود (٨٥٧)، و(٨٥٩)].\n(٢) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ١٨٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١١٣.\n(٤) أخرجه المسلم في الصلاة: ١/ ٣٠٠.\n(٥) أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٩١. والحديث أخرجه البخاري (١٠): ص ١/ ٢٠٧، ٢١٦، والمسلم (٤): ص ١/ ٢٩٨.\n(٦) انظر: أحكام القرآن: ٥/ ١٣.\n(٧) يعني حديث المسيء صلاته، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا دخل المسجد ورسولُ الله - ﷺ - جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: (وعليك السلام، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)، فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: (وعليك السلام، فارجع فصل، فإنك لم تصل)، فقال في الثانية أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله فقال: (إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)؛ صحيح رواه البخاري (٥٨٩٧) (٥/ ٢٣٠٧)، (٧٦٠) (١/ ٢٧٤)، (٧٢٤) (١/ ٢٦٣)، (٦٢٩٠) (٦/ ٢٤٥٥)، ومسلم (٣٩٧) (١/ ٢٩٨).\n(٨) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ١/ ٢٥٣.","vol":"1","page":187},{"text":"وَاسْتُحِبَّ تَعَوُّذٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبْ\nأخرج الطبري بسنده عن عبد الله بن عباس، قال: أول ما نزل جبريلُ على محمد قال: \" يا محمد استعذ، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم \"، ثم قال: قل: \" بسم الله الرحمن الرحيم \"، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل\" (١).\nوللإستعاذة مجموعة صيغ، منها:\nالصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nوعلى هذا اللفظ دل الكتاب والسنة. وسوف نسرد الأدلة في الترجيح.\nالصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.\nيدل على هذا اللفظ، ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في دعاء الرسول - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة في الليل، وفيه: ثم يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم \" (٢).\nكما استدل له بقوله - تعالى -: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وبقوله- تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [فصلت: ٤٦].\nوهي اختيار طائفة من القراء (٣) منهم حمزة (٤)، وسهل بن أبي حاتم (٥)، وهي مروية عن عمر بن الخطاب - ﵁ - (٦) - وبها يقول الحسن البصري (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٣٧): ص ١/ ١١٣.\n(٢) أخرجه أحمد (٣): (٥٠)، وأبو داود - في الصلاة - باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك - حديث ٧٧٥، والترمذي- في أبواب الصلاة- باب ما يقول عند افتتاح الصلاة - حديث (٢٤٢) - قال الترمذي «وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب» والنسائي في الصلاة - باب نوع آخر من الذكر بعد افتتاح الصلاة ٢: ١٣٢، وابن ماجه في الإقامة الحديث (٨٠٤). وصححه أحمد شاكر في تحقيق سنن الترمذي ١١: ٢، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» حديث (٧٠١)، وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد (١): (٢٠٥). وقد أخرج هذا الحديث من حديث عائشة أبو داود - الحديث (٧٧٦)، والترمذي - الحديث ٢٤٣، وابن ماجه في الإقامة الحديث (٨٠٦)، والدارقطني (١): (١١٢)، والحاكم ١: (٢٣٥) ورجاله ثقات فالحديث صحيح.\n(٣) انظر: التبيان: ٦٤.\n(٤) انظر «الإقناع في القراءات» (١): (١٥٠) - (١٥١)، «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٣.\n(٥) انظر «غرائب القرآن» (١): (١٥)، «النشر» (١): (٢٤٩).\n(٦) أخرجها عن عمر ابن أبي شيبة - في الصلاة - التعوذ كيف هو (١): (٢٣٧).\n(٧) أخرجها عن الحسن عبد الرزاق - في الصلاة - متى يستعيذ، الأثر (٢٥٩١)،  ́ وابن حزم\nفي «المحلى» (٣): (٢٤٩).","vol":"1","page":188},{"text":"ومحمد بن سيرين (١)، والحسن بن صالح (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل، في رواية النيسابوري (٤).\nالصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه.\nيدل على هذا اللفظ، ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه\" (٥).\nالصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه.\nيدل على ما راوه عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه\" (٦).\nوهي مروية عن بعض أهل العلم، منهم الحسن البصري (٧)، وإسحاق بن راهويه (٨).\nالصيغة الخامس: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (٩).\nجمعًا بين أدلة الصيغة الأولى، وأدلة الصيغة الثانية والثالثة.\nوبها قرأ نافع وابن عامر والكسائي (١٠)، وهي مروية عن حمزة وعن أبي عمرو (١١) وقد رُويت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - ومحمد بن سيرين (١٢).\nوهي اختيار سفيان الثوري (١٣)، والأوزاعي (١٤)، ومسلم بن يسار (١٥)، وأحمد في رواية، اختارها القاضي أبو يعلى، وابن عقيل (١٦).\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان: ١/ ١٥٣.\n(٢) المجموع: ٣/ ٣٢٥.\n(٣) انظر «أحكام القرآن» للشافعي (١): (٦٢)، «المجموع» ٣: ٣٢٣.\n(٤) انظر «مسائل الإمام أحمد» للنيسابوري ص ٥٠ فقرة (٢٣٨)، «المغني» (٢): (١٤٦)، «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٣.\n(٥) أخرجه أحمد (٣): (٥٠)، وأبو داود - في الصلاة - باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك - حديث ٧٧٥، والترمذي- في أبواب الصلاة- باب ما يقول عند افتتاح الصلاة - حديث (٢٤٢) - قال الترمذي «وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب» والنسائي في الصلاة - باب نوع آخر من الذكر بعد افتتاح الصلاة ٢: ١٣٢، وابن ماجه في الإقامة الحديث (٨٠٤). وصححه أحمد شاكر في تحقيق سنن الترمذي ١١: ٢، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» حديث (٧٠١)، وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد (١): (٢٠٥). وقد أخرج هذا الحديث من حديث عائشة أبو داود - الحديث (٧٧٦)، والترمذي - الحديث ٢٤٣، وابن ماجه في الإقامة الحديث (٨٠٦)، والدارقطني (١): (١١٢)، والحاكم ١: (٢٣٥) ورجاله ثقات فالحديث صحيح.\n(٦) أخرجه ابن ماجه - في إقامة الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة - حديث (٨٠٨)، وأبن خزيمة- في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة قبل القراءة حديث (٤٧٢). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» حديث (٦٥٨). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف - في الصلاة - التعوذ كيف هو (١): (٢٣٨).\n(٧) أخرجها عن الحسن عبد الرزاق في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة، الأثر ٢٥٨٠.\n(٨) انظر: إغاثة اللهفان: ١/ ١٥٤. وقد أخرج عبد الرزاق في الموضع السابق، الأثر ٢٥٧٧، وابن حزم في «المحلي» ٢٤٩: ٣ عن ابن عمر أنه كان يقول: «للهم أعوذ بك من الشيطان الرجيم».\n(٩) انظر «غرائب القرآن» (١): (١٥)، «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٤).\n(١٠) انظر «الإقناع في القراءات السبع» (١): (١٥٠)، «المبسوط» (١): (١٣).\n(١١) انظر: النشر: ١/ ٢٥١.\n(١٢) انظر: النشر: ١/ ١٠.\n(١٣) انظر «التفسير الكبير» ١: (٦١)، «المجموع» ٣: ٣٣٥، «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٤)، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢، «النشر» ١: (٢٥٠).\n(١٤) انظر «التفسير الكبير» ٦١: ١، «لباب التأويل» ١: (١٠)، «تفسير ابن كثير» ١: (٣٢).\n(١٥) أخرجها عنه ابن أبي شيبة في المصنف في الصلاة- في التعوذ كيف هو (١): ٢٣٧، وانظر «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٤)، «النشر» (٢) ٥٠.\n(١٦) انظر «المغني» (٢): (١٤٦)، «إغاثة اللهفان» ١٥٢: ١، ١٥٤.","vol":"1","page":189},{"text":"الصيغة السادسة: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم.\nلما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم\" (١).\nوهناك ألفاظ أخرى (٢)، واللفظ الأول مقدم واختار هذه الصيغة أكثر العلماء، لثلاثة أسباب:\nأحدها: لأنها الصيغة التي جاءت بالقرآن (٣).\nوالثاني: وهو الذي ورد في السنة كما في حديث سليمان بن صُرد قال \"اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الصلاة - الحديث ٤٤١ وصححه الألباني. وانظر «النشر» ٢٥١: ١.\n(٢) وهناك صيغ أخرى رويت عن بعض القراء، وبعض أهل العلم.\n- منها: أعوذ بالله العظيم، من الشيطان الرجيم [ذكرها ابن الباذش في «لإقناع في القراءات السبع» ١٤٩: ١، وقال: «هي رواية أهل مصر عن ورش فيما ذكر الأهوازي». وانظر «النشر» ٢٤٩:] ..\n- ومنها: أعوذ بالله العظيم، السميع العليم، من الشيطان الرجيم [رواها هبيرة عن حفص فيما ذكر ابن الباذش في «الإقناع» ١٥٠: ١، وانظر «المبسوط» ١٣: ١].\n- ومنها: أعوذ بالله العظيم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم. [انظر «النشر» ٢٥٠: ١].\n-ومنها: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم [انظر «المجموع» ٣٢٥: ٣].\n-ومنها: أستعيذ بالله، أو نستعيذ بالله، من الشيطان الرجيم [نسبت لحمزة الزيات ومحمد بن سيرين. انظر «المبسوط» ١٣: ١، «مجمع البيان» ١٨: ١، «غرائب القرآن» للنيسابوري ١٥: ١، وقد نفى ابن الجزري صحتها عن حمزة. انظر «النشر» ٢٤٦: ١].\n-ومنها: أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي. [قال ابن الباذش في «الإقناع» ١٥١: ١ «اختارها بعضهم لجميع القراء»].\n-ومنها: أعوذ بالله المجيد، من الشيطان المريد. [انظر «تفسير ابن عطية» ٤٩: ١].\n-ومنها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأستفتح الله وهو خير الفاتحين. [انظر «النشر» ٢٥١: ١].\n-ومنها أعوذ بالله السميع، الرحمن الرحيم، من الشيطان الرجيم، وأعوذ بك رب أن يحضرون، أو يدخلوا بيتي الذي يؤويني. [أخرجها عبد الرازق عن عطاء- في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة- حديث ٢٥٧٤].\n-ومنها: رب أعوذ بك من همزات الشيطان، وأعوذ بك رب أن يحضرون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم [أخرجها عبد الرزاق - في الصلاة - باب الاستعاذة في الصلاة - حديث ٢٥٧٨ من طاووس].\n-ومنها: أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون. [أخرجها ابن أبي شيبة في الصلاة - في التعوذ كيف هو، ٢٣٨: ١ عن محمد بن سيرين].\nوهذه الصيغ وإن رويت عن بعض السلف، فإن أقل أحوالها الجواز، وما صح عن المصطفى - ﷺ - هو الأولى بالأتباع. [انظر: اللباب في تفسير الإستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب: ٢١].\n(٣) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٦٢","vol":"1","page":190},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ \" (١).\nوالثالث: أن هذه الصيغة هي المختارة عند أكثر القراء (٢)، منهم: أبو عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وعبد الله ابن كثير المكي (٣) وبها كان يتعوذ جمهور السلف من الصحابة والتابعين منهم: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر (٤) -﵄-، وهي اختيار: أبي حنيفة (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد بن حنبل (٧) - ﵏.\nقال ابن عطية: \"وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله تعالى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) \" (٨).\nقال مكي: \" الذي عليه العمل وهو الاختيار أن يقول القراء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. للآية\" (٩).\nويُسَرُّ بالاستعاذة في الحالات الآتية:\n١ - عند القراءة سرًّا، سواء كان القاراء منفردا أم في مجلس.\nوعند القراءة خاليًا، سواء أَقَرَأَ القارئ سرًّا أم جهرًا.\n٢ - وفي الصلاة سريةً كانت أم جهرية.\n٣ - وإن كان القارئ وسط قوم يتدارسون القرآن ولم يكن القارئُ المبتدئَ بالقراءة.\nويستحب الجهر بالاستعاذة إذا كان القارئ يقرأ جهرًا، وكان هناك من يستمع إليه، وفي حالة التعليم والمدارسة عندما يكون القارئ المبتدئَ بالقراءة (١٠).\nوتشرع الاستعاذة في مواضع، منها:\n١ - عند قراءة القرآن:\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\n٢ - عند حصول نزغ من الشيطان ووسوسة.\nقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\n٣ - عند ما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١١٥)، ومسلم (٢٦١٠).\n(٢) انظر: النشر: ١/ ٢٤٣، واللباب في تفسير الإستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب: ١٤.\n(٣) انظر «المبسوط» ١: ١٣، «غرائب القرآن» للنيسابوري ١: ١٥، «مجمع البيان» ١: ١٨\n(٤) أخرجها عن عمر- ابن أبي شيبة - في الصلاة - في التعوذ كيف هو قبل القراءة أو بعدها (١): (٢٣٧)، والبيهقي في الصلاة، باب التعوذ بعد الافتتاح (٢): ٣٦. وأخرجها عن عبد الله ابن عمر ابن أبي شيبة في الموضع نفسه.\n(٥) انظر «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩١، «النشر» ١: (٢٤٣).\n(٦) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «أحكام القرآن» للشافعي (١): (٦٢)، «المهذب» للشيرازي ا: (٧٩)، «التبيان» للنووي ص ٦٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٤٣.\n(٧) انظر «المغني» (٢): (١٤٦)، «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٣)، «النشر» (١): (٢٤٣).\n(٨) تفسير ابن عطية: ١/ ٥٥.\n(٩) الكشف عن وجوه القراءات السبع: ١/ ٨، وانظر أيضًا «التبصرة» لمكي ص ٢٤٦، «الإقناع في القراءات السبع» ١٥١: ١.\n(١٠) انظر: البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، عبدالفتاح القاضي، دار الكتاب العالمي: ١٢.","vol":"1","page":191},{"text":"لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله\" (١).\nوقال رسول الله ﷺ: \" يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، - ثم ذكر بمثله - وزاد: \" ورسله \".\nوقال رسول الله ﷺ: \" يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له من خلق ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته \".\nوقال رسول الله ﷺ: \" يأتي العبد الشيطان فيقول من خلق كذا وكذا؟ \" (٢).\n٤ - ومنها: عند ما يُلبس الشيطان على الإنسان في صلاته.\nلحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: \" يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا\" قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي \" (٣).\n٥ - ومنها: عند الغضب.\nلحديث سليمان بن صُرد قال \"اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \" إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ \" (٤).\n٦ - ومنها: عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها.\nلحديث أبي قتادة. قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ \" (٥).\n٧ - ومنها: عند نزول منزل.\nلحديث خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ \" (٦).\n٨ - ومنها: عند دخول الخلاء.\nلحديث أنس \"أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء، قال: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُثِ\" (٧).\nوأما الحكمة من الاستعاذة قبل القراءة، فنقول (٨):\nأولًا: أن القرآن شفاء لما في الصدور يُذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات.\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٣٤): ص ١/ ١٢٠.\n(٢) الأحاديث رواها جميعا الامام مسلم: ١٣٤.\n(٣) رواه مسلم: ٢٢٠٣.\n(٤) رواه البخاري (٦١١٥)، ومسلم (٢٦١٠).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٦١).\n(٦) رواه مسلم: (٢٧٠٨).\n(٧) رواه البخاري (٦٣٢٢)، اللفظ له ومسلم: ٣٧٥.\n(٨) انظر: إغاثة اللهفان: ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":192},{"text":"ثانيًا: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه.\nثالثًا: أن الشيطان يُجلب بخيله ورجله على القارئ حتى يشغله عن المقصود بالقرآن.\nرابعًا: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه.\nالفوائد:\n١ - مشروعية الاستعاذة دائمًا من الشيطان.\n٢ - فيه دليل على أن الإنسان ينبغي أن يطلب العون من الله على الطاعة وعلى مجاهدة عدوه\n٣ - وفيه دليل على اعتراف العبد بالعجز وقدرة الرب.\n٤ - وفيه أنه لا وسيلة إلى القرب من الله إلا بالعجز والانكسار.\n٥ - وفيه الإقرار بالفقر التام للعبد، والغنى التام لله ﷾.\nالقرآن\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة: ١]\nالتفسير:\nأبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، اللهِ علم على الرب -﵎- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه. الرَّحْمَنِ ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، الرَّحِيمِ بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله.\nقال الماوردي: \" أجمعوا أنها من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في إثباتها في فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة، فأثبتها الشافعي في طائفة (١)، ونفاها أبو حنيفة في آخرين\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١]، أي: \" أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء\" (٣).\nقال الثعلبي: \" وفي الكلام إضمار واختصار تقديره: قل، أو ابدأ بسم الله\" (٤).\nقال ابن عباس: \" أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ \". قال ابن عباس: \" ﴿بسم الله﴾، يقول له جبريلُ: يا محمد، اقرأ بذكر الله ربِّك، وقم واقعد بذكر الله \" (٥).\nواختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿بِسْم﴾ [الفاتحة: ١]، على قولين (٦):\nالقول الأول: أنها صلة زائدة، وأن الاسم هو المسمى، وإنما هو: اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، قاله أبو عبيدة (٧) وآخرون (٨)، واستشهدوا بقول لبيد (٩):\n_________\n(١) قال الشافعي: \" قال الشَّافِعِي: ثم بعد قول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يقرًا\nمرتلا بأم القرآن ويبتدئها ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أن النبي - ﷺ - قرأ بأم القرآن وعدَّها - أي: البسملة - آية.\" [تفسير الإمام الشافعي: ١/ ١٩٢].\n(٢) النكت والعيون: ٤٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ١١٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٩٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٣٩): ص ١/ ١١٧.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٤٧.\n(٧) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٦.\n(٨) منهم الثعلبي في تفسيره \"الكشف والبيان\" ١/ ٩٢، وقرره أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢. وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه \"الخصائص\" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: \"فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى\". [الخصائص: ٣/ ٢٤].\n(٩) ديوانه، القصيدة رقم: ٢١، والخزانة ٢: ٢١٧، ثم يأتي في تفسير آية سورة التوبة: ٩٠ (١٠: ١٤٤ بولاق)، وآية سورة الرعد: ٣٥ (١٣: ١٠٩) والشعر يقوله لابنتيه، إذ قال: تَمَنَّى ابنتَايَ أن يعيشَ أبُوهما ... وهَلْ أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ!\nثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد: فقُومَا فقولا بالذي قد علمتُما ... ولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تَحْلِقا شَعَرْ\nوقولا: هو المرءُ الّذي لا خليلَه ... أَضاعَ، ولا خانَ الصديقَ، ولا غَدَرْ\nفقوله \" إلى الحول. . \" أي افعلا ذلك إلى أن يحول الحول. والحول: السنة كاملة بأسرها. وقوله \" اعتذر \" هنا بمعنى أعذر: أي بلغ أقصى الغاية في العذر.","vol":"1","page":193},{"text":"إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ\nفذكر اسم السلام زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما.\nقال الثعلبي: \" والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧]، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال: ﴿يا يَحْيى﴾ [مريم ١٣]، فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى، وقوله تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٨]، وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقوله ﷺ: \"لتضربنّ مضر عباد الله حتّى لا يعبد له اسم\" (١). أي حتى لا يعبد هو\" (٢).\nواختلف من قال بهذا في معنى زيادته على قولين (٣):\nأحدهما: لإجلال ذكره وتعظيمه، ليقع الفرق به بين ذكره وذكر غيره من المخلوقين، وهذا قول قطرب.\nوالثاني: ليخرج به من حكم القسم إلى قصد التبرُّك، وهذا قول الأخفش.\nوالقول الثاني: وذهب الجمهور إلى أن (بسم) أصل مقصود، واختلفوا في معنى دخول الباء عليه، فهل دخلت على معنى الأمر أو على معنى الخبر على قولين:\nأحدهما: دخلت على معنى الأمر وتقديره: ابدؤوا بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا قول الفراء (٤).\nوالثاني: على معنى الإخبار وتقديره: بدأت بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا قولُ الزجَّاج (٥).\nوالصحيح من القولين: أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر.\nوقد أوضح العلامة ابن أبي العزّ في شرح \"العقيدة الطحاوية\" المنهج الصحيح في هذا حيث، فقال: \"قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٧/ ٣١٣.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٩٣.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٤٧.\n(٤) نسبه إليه الماوردي في: النكت والعيون: ٤٧، ولم أجد رأيه في معاني القرآن.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٩.","vol":"1","page":194},{"text":"كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال .. \" (١).\nوقد ذكر ابن عطية في \"تفسيره\" أن مالكا ﵀ سئل عن الاسم أهو المسمى؟ فقال: \"ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع\" (٢).\nو(الاسم): \"كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ، والصفة كلمة تدل على الموصُوف دلالة إفادة، فإن جعلت الصفة اسمًا، دلَّت على الأمرين: على الإشارة والإفادة\" (٣).\nقال الماوردي: \" وزعم قوم أن الاسم ذاتُ المسمى، واللفظ هو التسمية دون الاسم، وهذا فاسد، لأنه لو كان أسماءُ الذواتِ هي الذواتُ، لكان أسماءُ الأفعال هي الأفعال، وهذا ممتنع في الأفعال فامتنع في الذوات\" (٤).\nواختلفوا في اشتقاق (الاسم) على وجهين (٥):\nأحدهما: أنه مشتق من السمة، وهي العلامة، لما في الاسم من تمييز المسمى، وهذا قول الفرَّاء (٦).\nوالثاني: أنه مشتق من (السمو)، وهي الرفعة لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه من غيره، وهذا قول الخليل والزجَّاج (٧).\nوأنشد قول عمرو بن معدي كرب (٨):\nإِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْرًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ\nوَصِلْهُ بِالدُّعَاءِ فَكُلُّ أَمْرٍ ... سَمَا لَكَ أَوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ\nثم ذكروا في سبب اشتقاق (الاسم) من (السمو)، قولين (٩):\nأحدهما: أنه مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى. قاله الزجاج (١٠).\nوالثاني: وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا\n_________\n(١) شرح الطحاوية\" ص ٨٢.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٦٣.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٤٨.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٤٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٤٨ - ٤٩، ومعاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٨٤، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٤، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٣٢، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦.\n(٦) حكاه عنه الماوردي: ١/ ٤٩، ولم اجده في معاني القرآن.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٠.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩، وتاج العروس: ٢١/ ١٥٩، والعين: ١/ ٣٦٨، البيت الأول فقط، ولم ينسبه.\n(٩) انظر: ومعاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٠، والمحرر الوجيز: ١/ ٨٤،، والتفسير البسيط: ١/ ٤٤٠، والإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٤، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٣٢، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٠ ن والإنصاف: ٥.","vol":"1","page":195},{"text":"يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (١).\nقال الواحدي: \"وعند المتكلمين أنه اشتق من (السمو)؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (٢)، وقالوا: أصله (سِمْو)، [أو «سُمو) بالضم] وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي تلزم أبدا\" (٣).\nقال الماوردي: \" وحُذِفت ألف الوصل، بالإلصاق في اللفظ والخط، لكثرة الاستعمال كما حُذفت من الرحمن، ولم تحذف من الخط في قوله: ﴿إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ﴾ [العلق: آية ١] لقلَّة استعماله \" (٤).\nوتكلف من رَاعَى معاني الحروف ببسم الله تأويلًا، أجرى عليه أحكام الحروف المعنوية، حتى صار مقصودًا عند ذكر الله في كل تسمية، ولهم فيه ثلاثة أقاويل (٥):\nأحدها: أن الباء بهاؤه وبركته، وبره وبصيرته، والسين سناؤه وسموُّه وسيادته، والميم مجده ومملكته ومَنُّه، وهذا قول الكلبي (٦)، والضحاك (٧).\nقال ابن كثير: \" هذا غريب جدا\" (٨).\nوالثاني: أن الباء بريء من الأولاد، والسين سميع الأصوات والميم مجيب الدعوات، وهذا قول سليمان بن يسار.\nوالثالث: أن الباء بارئ الخلق، والسين ساتر العيوب، والميم المنان، وهذا قول أبي روق.\nقال الماوردي: \" ولو أن هذا الاستنباط يحكي عمَّن يُقْتدى به في علم التفسير لرغب عن ذكره، لخروجه عما اختص الله تعالى به من أسمائه، لكن قاله متبوع فذكرتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكيًا، لا محققًا ليكون الكتاب جامعًا لما قيل\" (٩).\nويقال لمن قال: بسم الله: بَسْمَلَ، على لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ (١٠)، وقد جاءت في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة (١١):\nلَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا ... فَيَا حَبَّذا ذَاكَ الْحَبِيبُ المُبَسْمِلُ\n_________\n(١) انظر: \"الإيضاح في علل النحو\" ص ٤٩، \"الإنصاف\" ص ٦.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٩٢، والتفسير البسيط: ١/ ٤٤٠.\n(٣) التفسير البسيط: ١/ ٤٤٠، وانظر: انظر: \"المقتضب\" ١/ ٢٢٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦، اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٥٦، ٢٥٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١١٧، \"الكشاف\" ١/ ٣٤، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و(سم).\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٤٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٤٩ - ٥٠، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٤ - ٩٥.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٤٩ - ٥٠، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٤ - ٩٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢): ص ١/ ٢٥.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠.\n(١٠) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ١٠.\n(١١) ديوانه: ٤٩٨.","vol":"1","page":196},{"text":"وأما قوله: ﴿الله﴾، فهو أخص أسمائه به، لأنه لم يتسَمَّ باسمه الذي هو (الله) غيره.\nوحُكي عن أبي حنيفة أنه الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، لأن غيره لا يشاركه فيه (١).\nواختلفوا في هذا الاسم ﴿الله﴾، هل هو اسم عَلَمٍ للذات أو اسم مُشْتَقٌّ من صفةٍ، على قولين (٢):\nأحدهما: أنه اسم علم لذاته، غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يكن بُدٌّ من أن يختص باسم ذاتٍ، يكون علمًا لتكون أسماء الصفات والنعوت تبعًا، تفرد به الباري ﷾، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله ﷿: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وهذا مذهب الخليل (٣)، وابن كيسان (٤)، وأبي بكر القفال (٥)، والحسين بن الفضل (٦) (٧).\nوالقول الثاني: أنه مشتق من (أَلَهَ)، صار باشتقاقه عند حذف همزِهِ، وتفخيم لفظه الله.\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده عن أبي الشعثاء جابر بن زيد في قوله: ﴿بسم الله﴾، قال: اسم الله الأعظم هو «الله». ألا ترى أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم\" (٨).\nواختلفوا فيما اشْتُقَ منه إله على قولين (٩):\nأحدهما: أنه مشتق من الَولَه، وفي سبب اشتقاقه من ذلك، أقوال:\nأحدها: لأن العباد يألهون إليه، أي يفزعون إليه في أمورهم، فقيل للمألوه إليه: (إله)، كما قيل للمؤتمِّ به: (إمام).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠ - ٥١، واشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢٥، \"الخزانة\" ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧، والكتاب\" ٣/ ٤٩٨، والإغفال\" ص ٢٦، والمخصص\" ١٧/ ١٤٣، والمسائل الحلبيات\" للفارسي ص ١٠١، والمسائل البصريات\" للفارسي ٢/ ٩٠٩.\n(٣) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (١٠٠ - ١٧٥ هـ). انظر ترجمته في: \"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٠٠، \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي ص ٤٧، \"إنباه الرواة\" ١/ ٣٧٦، \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٢٤٤، ومقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢، \"إشارة التعيين\" ص ١١٤.\n(٤) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.\nانظر ترجمته في \"طبقات النحويين\" للزبيدي ص ١٣٩، \"تاريخ بغداد\" ١/ ٣٣٥، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٥٧.\n(٥) هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح.\nانظر ترجمته في \"الأنساب\" ٧/ ٢٤٤، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٢٠٠، \"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ١٤٨.\n(٦) الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.\nانظر ترجمته في: \"العبر\" ١/ ٤٠٦، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٥٩.\n(٧) انظر: \"تفسير أسماء الله\" للزجاجي، اشتقاق اسماء الله\" للزجاجي: ص ٢٨، وتفسير الثعلبي\" ١/ ٩٢، والزينة\" ٢/ ١٢.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٣): ص ١/ ٢٥.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١.","vol":"1","page":197},{"text":"قال أبو الهيثم: \" وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه\" (١).\nوالثاني: وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من: أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (٢)، وتسمى المفازة ميلها، وقال الأعشى (٣) (٤):\nوَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا\nومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (٥).\nوالثالث: وقال المبرّد: \"هو من قول العرب: (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، قال الشاعر (٦):\nأَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ\nوقال الشَّاعِرُ (٧):\nأَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ\nفكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] \" (٨).\nوالرابع: وعند الأشاعرة: \"أن (الإله) من (الإلَهية)، و(الإلَهِية): القدرة على اختراع الأعيان (٩).\nوالخامس: وقال الحسن علي بن عبد الرحيم القناد: \" من (الوله)، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعزّ عليك، وأصله (أله) - بالهمزة- فأبدل من الألف واو فقيل الوله، مثل (إشاح، ووشاح) و(وكاف، وإكاف) و(أرّخت الكتاب، وورّخته) و(ووقّتت، وأقّتت). قال الكميت (١٠):\nولهت نفسي الطروب إليهم ... ولها حال دون طعم الطعام\nفكأنه سمّي بذلك لأن القلوب تولّه لمحبّته وتضطرب وتشتاق عند ذكره\" (١١).\n_________\n(١) \"التهذيب\" (الله والإله) ١/ ١٨٩، وانظر: \"اللسان\" (أله) ١/ ١١٤.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٩٧.\n(٣) هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٥٤، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٩٦، \"خزانة الأدب\" ١/ ١٧٥.\n(٤) البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا. وعليه فلا شاهد في البيت هنا. (الديوان) ص ١٣٠، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير:\nوَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا ... مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ\nانظر: تفسير الثعلبي ١/ ٩٧، وكذا في \"الزينة\" ٢/ ١٩.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٩٧، والتفسير البسيط: ١/ ٤٥٣.\n(٦) ذكره ابن منظور في اللسان (أله): ص ١٣/ ٤٦٩، والثعلبي في تفسير: ١/ ٩٧، والبغوي: ١/ ٧١. ولم ينسبه احدهم.\n(٧) اللسان (أله): ص ١٣/ ٤٦٩، وتفسير البغوي: ١/ ٧١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٩٧.\n(٩) هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة. قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين .. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله ..)، \"الرسالة التدمرية\" ص ١٨٦.\n(١٠) البيت في اللسان: ١٣/ ٥٦١، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٩٧ - ٩٨.","vol":"1","page":198},{"text":"والسادس: وقيل: معناه: محتجب لأن العرب إذا عرفت شيئا، ثم حجب عن أبصارها سمّته إلها، قال: لاهت العروس تلوه لوها، إذ حجبت. قال الشاعر (١):\nلاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يا ليتها خرجت حتّى رأيناها\nوالله تعالى هو الظاهر بالربوبيّة [بالدلائل والأعلام] وهو المحتجب من جهة الكيفيّة عن الأوهام (٢).\nوالسابع: وقيل: معناه المتعالي، يقال: (لاه) أي: ارتفع (٣).\nوالثامن: وقد قيل: من [إلا هتك]، فهو كما قال الشاعر (٤):\nتروّحنا من اللعباء قصرا (٥) ... وأعجلنا الألاهة أن تؤوبا (٦)\nوالتاسع: وقيل: هو مأخوذ من قول العرب: ألهت بالمكان، إذا أقمت فيه، قال الشاعر:\nألهنا بدار ما تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد\nفكأن معناه: الدائم الثابت الباقي (٧).\nوالقول الثاني: أن لفظ الجلالة (الله) مشتق من (الألوهية)، وهي العبادة، من قولهم: فلان يتألَّه، أي يتعبد.\nقال أبو زيد (٨): \"تَأله الرجل، إذا نسك\" (٩)، وأنشد (١٠):\nلِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ المُدَّهِ ... لَمَّا رَأَيْنَ خَلِقَ الْمُمَوَّهِ\nسَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألهِي\nأي من تعبد (١١).\nوقد رُوي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وءالِهَتَكَ﴾، قال: \"معناه: عبادتك\" (١٢). وروي عن مجاهد مثل ذلك (١٣).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٩٨، وتفسير القرطبي: ١٧/ ١٠١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٩٨.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٩٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٨، ولسان العرب: ١/ ٢١٩.\n(٥) في اللسان: عصرا.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٩٨.\n(٧) انظر: تاج العروس: ٩/ ٣٧٥، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٨.\n(٨) هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين.\nانظر ترجمته في مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤ - ٣٥، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٧٧، \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٦٥، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٠.\n(٩) الإغفال: ٦، والمخصص: ١٧/ ١٣٦.\n(١٠) البيت لرؤبة، انظر: ديوانه: ١٦٥، (المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا.\nورد البيت في \"الطبري\" ١/ ٥٤، \"الإغفال\" ص ٦، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، \"المحتسب\" ١/ ٢٥٦، \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٢٦، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٤، \"التهذيب\" (الله) ١/ ١٨٩، \"شرح المفصل\" ١/ ٣، \"زاد المسير\" ١/ ٩، وابن عطية ١/ ٥٧.\n(١١) انظر: المخصص: ١٧/ ١٣٦، واللسان (أله): ص ١٣/ ٤٦٩.\n(١٢) أخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد، من طرق، ١/ ٨٤، ٩/ ٢٥ - ٢٦، وذكره ابن خالويه في \"الشواذ\" ص ٥٠، وابن جني في \"المحتسب\" وعزاه كذلك إلى علي وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة الجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء، ١/ ٢٥٦، والفارسي في \"الإغفال\" ص ٥، وانظر: \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٤٨، \"تهذيب اللغة\" (الله) ١/ ١٩٠، \"البحر\" ٤/ ٣٦٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٤): ص ١/ ١٢٤.","vol":"1","page":199},{"text":"وروي عن ابن عباس أيضا، قال: \" الله: ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين\" (١).\nوعن ابن عباس كذلك: \" ﴿وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك﴾، قال: إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد\" (٢).\nقال الطبري: \"وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد\" (٣).\nوقد سَمَّت العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و(الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي (٤):\nتَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا\nوإنما سموها (الإلاهَة)، على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا، وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ [فصلت: ٣٧] [فصلت: ٣٧] الآية، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) كإزار وآزرة، وإناء وآنية، قال الله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، وهي أصنام كان يعبدها قوم فرعون معه، وعلى هذا قال قائلهم (٥):\nكَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاهُهُ الكُبارُ\nيريد: الصنم، وهذا البيت حجة لمن يقول يأن أصل (الله) من (لاه).\nثم اختلفوا، هل اشتق اسم (الإله) من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين (٦):\nأحدهما: أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلق خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهًا لم يزل، لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود.\nوالقول الثاني: أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون ذلك صفة لازمة لذاته، لأنه لم يزل مستحقًّا للعبادة، فلم يزل إلهًا (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٤١): ص ١/ ١٢٣.\n(٢) تفسير الطبري (١٤٣): ص ١/ ١٢٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ١٢٤.\n(٤) نسبه الطبري لبنت عتيبة ٩/ ٢٦، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في \"معجم البلدان\" ٥/ ١٨.\n(٥) من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و(أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و(لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة).\nانظر: \"ديوان الأعشى\" ص ٧٢، \"الجمهرة\" ١/ ٣٢٧، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٧ ب، \"الزينة\" ٢/ ١٨، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٠٧، والقرطبي ٤/ ٥٣، \"اللسان: (لوه) ١٣/ ٥٣٩، و(أله): ١٣/ ٤٦٩، وشرح المفصل\" ١/ ٣، \"الخزانة\" ٧/ ١٧٦.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١، والإغفال\" ص ٥، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٢ - ٩٣، وتفسير أسماء الله\" ص ٢٦، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٠٢٣، \"تهذيب اللغة\" (الله) ١/ ١٨٩.\n(٧) انظر: \"الإغفال\" ص ٥، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ٩٢ - ٩٣، \"تفسير أسماء الله\" ص ٢٦، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٠٢٣، \"تهذيب اللغة\" (الله) ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":200},{"text":"قال الماوردي: \" وهذا أصح القولين، لأنه لو كان مشتقًّا من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى ﵇ إلهًا، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا دليل، على اشتقاقه من استحقاق العبادة، لا من فعلها، فصار قولنا (إله) على هذا القول صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل\" (١).\nقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [الفاتحة: ١]، أي: \" ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق\" (٢).\nقال ابن عباس: \" الرحمن: الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب ... «الرحمن»: الرقيق الرفيق لمن أحب أن يرحمه\" (٣).\nوعن ابن عباس أيضا، \"أن عثمان بن عفان سأل رسول اللهﷺ- عن «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم «الله» إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب\" (٤).\nوروي عن الحسن قال: \" الرحمن: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎\" (٥).\nوعن أبي سعيد الخدريّ، قال: \"قال رسول الله -ﷺ-: «إنّ عيسى ابن مريم قال: الرحمن: رَحمنُ الآخرة والدنيا» \" (٦).\nوقال العَرْزَمي: \"الرحمن: بجميع الخلق \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، أي: \"الرحيم بالمؤمنين\" (٨).\nقال ابن عباس: \" الرحيم: البعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه العذاب\" (٩).\nوقال العَرْزَمي: \" الرّحيم: بالمؤمنين \" (١٠).\nوقد روي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «الرحيم: رحيمُ الآخرة» \" (١١).\nوأخرج البهقي عن ابن عباس -﵄-، قال: \"الرحمن: وهو الرقيق، الرحيم: وهو العاطف على خلقه بالرزق، وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر\" (١٢).\nقال الطبري: \" أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن، دون الذي في تسميته بالرحيم: هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال. فلا شك - إذا كان\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١.\n(٢) التفسير الميسر: ١.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٤): ص ١/ ٢٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥): ص ١/ ٢٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٧): ص ١/ ٢٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١٤٧): ص ١/ ١٢٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١٤٦): ص ١/ ١٢٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦): ص ١/ ٢٦.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٤٦): ص ١/ ١٢٧.\n(١١) أخرجه الطبري (١٤٧): ص ١/ ١٢٧.\n(١٢) الأسماء والصفات للبيهقي (٨٢): ص ١/ ١٣٩.","vol":"1","page":201},{"text":"ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا\" (١).\nوقال عطاء الخراساني: \": كان الرحمن، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ\" (٢).\nأراد عطاء أنه لما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه \" الرحمنُ الرحيمُ \" ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه، إذ كان لا يسمَّى أحد \" الرحمن الرحيم \"، فيجمع له هذان الاسمان، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما، أو يتسمَّى رَحمن. فأما \" رحمن رحيم \"، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ، ولا يجمعان لأحد غيره، فكأنّ معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن، بين اسمه واسم غيره من خلقِه، اختلف معناهما أو اتفقا.\nوالذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين، إبانةً لها من خلقه، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما (٣).\nالفوائد:\n١ - إثبات اسم من أسماء الله وهو الرحمن المتضمن للرحمة الواسعة: كما قال تعالى ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧].\nوقال تعالى ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\n٢ - رحمته سبقت غضبه: كما قال - ﷺ -: \"إن الله كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي\" (٤).\n٣ - والله أرحم بعباده من الأم بولدها. كما في حديث عمر أنه قال: \"قُدِم رسول الله -ﷺ- بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذْ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله -ﷺ-: أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟، قلنا: لا والله، فقال: (الله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (٥).\n٤ - وقد ذهب أكثر العلماء إلى استحبابها قبل الأقوال والأفعال، فبِها بدأ الله كلامه، وكان يبدأ بها النبي ﷺ قبل أكله وشربه وجِماعه ودخوله إلى الخلاء ودخوله إلى البيت وخروجه منه، وغير ذلك.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٢٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١٤٩): ص ١/ ١٣٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٣٠.\n(٤) رواه البخاري: كتاب التوحيد: (٦٨٧٢).\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم: (٥٩٩٩)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم: (٢٧٥٤).","vol":"1","page":202},{"text":"قال الطبري: \"إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: \" بسم الله \"، على من بطن من مراده الذي هو محذوف\" (١).\n٥ - واتفق العلماء أنها جزء آية من سورة النمل: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٠]، وأنها ليست في أول سورة التوبة التي فُضح فيها المنافقون ووُعدوا فيها بأشد العذاب، فلا يليق أن تُبدأ برحمة الله.\n٦ - ومنها أن لفظ الجلالة ﴿الله﴾: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، قد ورد في اسم الله الأعظم من الأحاديث والآثار والأقوال، نذطر منها (٢):\n١ - لاوجود لاسم الله الأعظم لأن اسماءه تعالى كلها عظيمة:\nيرى البعض أنه لا وجود لاسم الله الأعظم، بمعنى أن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض، ذهب إلى ذلك قوم منهم أبو جعفر الطبري (٣) وأبو الحسن الأشعري وأبو حاتم [بن حبان (٤) والقاضي أبو بكر الباقلاني، ونحوه قول مالك وغيره، لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض وحمل هؤلاء ما ورد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم (٥)، وعبارة الطبري اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم.\nويرى الامام السيوطي أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه فكأنه تعالى يقول [كل اسم من أسمائي يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم (٦).\nوقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب الداعي والقارئ (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١١٤.\n(٢) انظر: للفتاوى للسيوطي ٣٩٤/ ١.\n(٣) أبو جعفر الطبري هومحمد بن جرير الطبري ولد سنة ٢٢٥ هـ وتوفي ٣١٠ هـ (انظر طبقات المفسرين ص ٣٠).\n(٤) وابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي الحافظ العلامة صاحب المسند الصحيح توفي ٣٥٤ (الوافي بالوفيات ١/ ٢٧٨)، وهي إحدي الروايات.\n(٥) قال المناوي: قيل الاسم الأعظم بمعني العظيم، وليس أفعل التفضيل؛ لان كل اسم من أسمائه عظيم، وليس بعضها أعظم من بعض وقيل هو للتفضيل، لأن كل اسم فيه أكثر تعظيمًا لله فهو أعظم من الرب فإنه لا شريك له في تسميته به لا بالإضافة ولابدونها وأما الرب فيضاف للمخلوق) فيض القدير ١/ ٥١٠ رقم ١٠٣١، تفسير بن كثير ١/ ١١ وانظر علوم القران للزركشي ١/ ٤٣٨ وايثار الحق: ٣٢٩ ٍ.\n(٦) أنظر: فيض القدير ١/ ٥١٠ والسر القدسي في تفسير آية الكرسي (خطوط) وانظر المقصد الاسني للغزالي ص ١٦٩ والثابت عند استقراء الأحاديث أن النبي - ﷺ - قد أشار إلي مجموعة من الأسماء الحسني أنها متعينة لتكون اسم الله الأعظم ومن قرأ هذه المخطوطة تأكد له ذلك وأكثر هذه الأحاديث صحيحة فكيف يقول السيوطي بعد ذلك، (غذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم) ويؤكد علي أنها التساوي في العظمة.\n(٧) انظر فيض القدير ١/ ٥١٠، البرهان في علوم القران ١/ ٤٣٨، وشرح صحيح مسلم ٦/ ٩٣ ونقل عن ابن حبان قوله: أعظم سورة أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض) البرهان في علوم القران ١/ ٤٣٨ وأجود من هذا ما قاله الزركشي من أن التفاضل واقع بين الآيات والسور والأسماء لنا تضمنته من المعاني\n(فالتفضيل إنما هو بالمعاني وكثرتها؛ لا من حيث الصفة وهذا هو الحق) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٩ ونقل بن العربي التفضيل•إنما صارت آية الكرسي عظم لعظم مقتضاها فإن الشيء إنما بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته البرهان ١/ ٤٤٢ وانظر مجموع الفتاوى ١٧/ ١٠٦٧ وشفاء العليل ص ٥٨٤","vol":"1","page":203},{"text":"٢ - لم يطلع عليه أحد:\nويرى آخرون أنه مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه كما قبل بذلك في ليلة القدر وفي ساعة الإجابة وفي الصلاة الوسطى (١).\n٣ - (هو):\nوقيل أن (هو) هو اسم الله الأعظم، نقله الإمام فخر الدين عن بعض أهل الكشف واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلام عظيم بحضرته لم يقل أنت قلت كذا وإنما يقول هو تأدبا معه (٢).\n٤ - (الله)\nوقيل أن (الله) هو اسم الله الأعظم، لأنه اسم لم يطلق على غيره ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه (٣) قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء حدثني رجل عن جابر بن عبد الله بن زيد أنه قال: اسم الله الأعظم هو الله ألم تسمع أنه يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء حدثنا إسحاق بن إسماعيل عن سفيان بن عيينة عن مسعر قال قال الشعبي اسم الله الأعظم يا الله (٤).\n٥ - (الله الرحمن الرحيم):\nقال الحافظ ابن حجر (٥) في شرح البخاري (٦) ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه (٧) عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل فصلت ودعت اللهم إني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم- الحديث، وفيه أنه ﷺ قال لها إنه لفيٍ الأسماء التي دعوت بها.\nقال وسنده ضعيف وفي الاستدلال به نظر انتهى، قلت أقوى منه في الاستدلال ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله\n_________\n(١) ويبدو أن هذا القول جانب الصواب لعدم توفر أدلته عليه وأيضًا: يتوفر الأدلة علي معرفته كما هو ظاهر.\n(٢) انظر لوامع البينات ص، والمقصد الاسني ص ١٦٩ وتفسير أسماء الله الحسني ص ٢٤، ٢٦\n(٣) قال الزجاج: الاسم الأعظم هو قولنا الله ويعد الأسماء الاخري مضافة غليه تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٢٤.\n(٤) مصنف بن أبي شيبة ٧/ ٢٣٤ رقم ٣٥٦١٢ ورقم ٣٥٦١٣ عن جابر بن زيد والدر المنثور ٨/ ١٢٢ ومعني لا إله إلا الله للزركشي ص ١٢٣ ونقض الدارمي ١/ ١٦٨، ١٦٩ وقال الزركشي وقد تكلم كل ذي فن من العلوم علي هذا الاسم بما لو جمع لبلغ مالا تحصره دواوين. وما بلغت نفس امرئ قال مبلغًا ... من القول غلا والذي فيه أعظم) معني لا إله إلا الله ص ١٢٣\n(٥) رواه ابن ماجه في سننه ٢/ ٣٢٩ رقم ٣١١٠، والألوسي في تفسيره ٣/ ٧٥ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٧٤٦.\n(٦) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ١١/ ٢٢٤، وشرح النووي ١٧/ ١٨.\n(٧) سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٦٧ رقم ٣٨٥٩ وضعفه ابن حجر في فتحه ١١/ ٢٢٤.","vol":"1","page":204},{"text":"عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال هو اسم من أسماء الله تعالى وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب (١)، وفي الفردوس للديلمي من حديث ابن عباس مرفوعا اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر (٢).\n٦ - [الرحمن الرحيم] (٣)\nوقيل أن (الحي القيوم) هو اسم الله الأعظم، ولك لحديث الترمذي وغيره عن أسماء بنت يزيد أنه ﵇ قال اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، وفاتحه سورة آل عمران ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] (٤).\n٧ - (الحي القيوم)، وذلك لحديث ابن ماجه والحاكم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه رفعه الاسم الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه، قال القاسم الراوي عن أبي أمامه التمسته فيها فعرفت أنه الحي القيوم، وقواه الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان على صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما (٥).\n٨ - (الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام)\nوذلك لحديث أحمد وأبي داود وابن حبان والحاكم عن أنس \"أنه كان مع رسول اللهﷺجالسا ورجل يصلي ثم دعا اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، فقالﷺ- لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى\" (٦).\n٩ - (بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام)\nأخرج أبو يعلى من طريق السرى بن يحيى عن رجل من طيء وأثنى عليه خيرا قال كنت أسال الله تعالى أن يريني الاسم الأعظم فرأيت مكتوبا في الكواكب في السماء يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام\" (٧).\n١٠ - (ذو الجلال والإكرام)\n_________\n(١) المستدرك ١/ ٧٣٨ رقم ٢٠٢٧ قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وشعب الإيمان ٢/ ٤٣٧.\n(٢) روح المعاني ٢٨/ ٦٤، الدر المنثور ٨/ ١٢٣، ٥/ ٤٧٨ عن ابن عباس.\n(٣) الرحمن الرحيم وفاتحة سورة آل عمران \" الله لا إله إلا هو الحي القيوم \" في (ب)\n(٤) رواه الترمذي في سننه ٥/ ٥١٧ حديث رقم ٣٤٧٨ وأبو داود في سننه ١/ ٤٧٠ قال الألباني حسن\n(٥) ومنهم من قال الاسم الأعظم الحي القيوم ويدل عليه وجهان: أحدهما أن أبي بن كعب طلب من المصطفي - ﷺ - انه يعلمه الاسم الأعظم فقال هو في قوله تعالي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وفي ألم الله لا غله إلا هو الحي القيوم) قالوا وليس ذلك في قولنا الله لا إله إلا هو لأن هذه الكلمة موجودة في آيات كثيرة فلما خص الاسم الأعظم بهاتين الآيتين علمنا أنه الحي القيوم الثاني أن الحي يدل علي كونه سبحانه عالمًا متكلمًا قادرًا سميعًا بصيرًا والقيوم يدل علي أنه قائم بذاته مقوم لغيره ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد ..) لوامع البينات ص، فيض القدير ١/ ٥١٠ وتفسير الثعالبي ١/ ٢٤١، ٢٠٢ -\n(٦) رواه أبو داود في سننه ١/ ٤٧٠ حديث رقم ١٤٩٥ والنسائي ٣/ ٥٢٠ حديث رقم ١٣٠٠ وابن ماجه ٢/ ١٢٦٨ حديث رقم ٣٨٥٨ واحمد في مسنده ٢/ ١٢٠ رقم ٢٢٢٦، الترغيب والترهيب ٢/ ٣١٨، وجلاء الإفهام لابن القيم ص ١٨٧ وفي كتاب الدعاء للطبراني ١/ ٥٢ قال الحاكم: صحيح علي شرط مسلم وقال الألباني حسن صحيح.\n(٧) رواه أبو يعلي في مسنده ورواته ثقات وذكره صاحب الترغيب والترهيب ٢/ ٣١٨ رقم ٢٥٤٠ وهو عن بعض الصحابة انظر جلاء الإفهام لابن القيم ص ١٨٧ وأخرجه الطبراني في الدعاء ١/ ٥٢","vol":"1","page":205},{"text":"وذلك لحديث الترمذي عن معاذ سمع النبيﷺ- رجلا يقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال قد استجيب لك فسل (١)، وأخرج ابن جرير في تفسير سورة النمل عن مجاهد قال: الاسم الذي إذا دعى به أجاب يا ذا الجلال والإكرام (٢) واحتج له الفخر الرازي بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية، لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب وفي الإكرام إشارة إلى جميع الإضافات (٣).\n١١ - (الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)\nوذلك بدليل حديث أبي داود والترمذي وابن حبانوالحاكم عن بريدة: \"أن رسول اللهﷺ- سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب\" (٤)، وفي لفظ عند أبي داود: \"لقد سألت الله باسمه الأعظم\"، قال الحافظ ابن حجر: وهو أرجح من حديث السند [عن] جميع ما ورد في ذلك (٥).\n١٢ - (ربّ ربّ)\nأخرج الحاكم عن أبي الدر داء وابن عباس قالا: اسم الله الأكبر رب رب (٦)، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة مرفوعا وموقوفا إذا قال العبد: \"يا رب يا رب\" قال الله: \"تعالى لبيك عبدي سل تعط\" (٧).\n١٣ - وقد قيل (مالك الملك)\nأخرج الطبراني في الكبير بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول اللهﷺ-\" اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) إلى قوله: (وترزق من تشاء بغير حساب\" (٨).\n١٤ - (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه وقال حسن حديث رقم ٢٥٣٧ وفي الترغيب والترهيب والمعجم الكبير ٢/ ٥٦ رقم ٩٨ ومسند بن حميد ١/ ٦٦ رقم ١٠٧\n(٢) الدر المنثور ٣/ ٣٤\n(٣) كرامات الأولياء للالكائي ص ٧٢، ٨٠ انظر الرازي الآيات البينات ص\n(٤) رواه أبو داود في سننه ١/ ٤٦٩ رقم ١٤٩٣ والترمذي ٥/ ٥١٥ رقم ٣٤٧٥ الحاكم في مستدركه ١/ ٦٣٨ رقم ٨٥٨ وقال هذا حديث صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه\n(٥) قال في الترغيب ٢/ ٣١٧ رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم قال صحيح علي شرطيهما .. وقال ابو الحسن المقدسي وغسناده لا مطعن فيه ولم يرد في هذا الباب حديث أجود اسنادًا وصححه الالباني: في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ١٢٩ رقم ١٦٤٠ منه.\n(٦) أخرجه الطبراني في الدعاء ١/ ٥٤ رقم ١١٩ عن أبي الدر داء وابن عباس ﵄ والحاكم في مستدركه ١/ ٦٨٤ رقم ١٨٦٠ ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٤٧، ٢٣٣ رقم ٢٩٣٦٥، ٣٥٦١٠.\n(٧) ضعيف انظر فيض القدير ١/ ٤١١ رقم ٧٧٧ وقال احتج بهذا الحديث من ذهب غلي ان اسم الله الاعظم هو الرب قال ابن تيمية •اسمه الرب، ولهذا يقال في الدعاء يارب كما قال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا (مجموع الفتاوى ١/ ٢٠٧\n(٨) قال المناوي: قال الهيثمي: فيه جسر بن فرقد وهو ضعيف وأقول فيه أيضًا محمد بن زكريا الغلابي أورده الذهبي في الضعفاء ايضًاوقال وثقه ابن معين وقال أحمد ليس بقوي والنسائي والطبراني والدارقطني: ضعيف) فيض القدير ١/ ٥١١ اخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ١٧١ رقم ١٢٧٩٢ عن ابن عباس","vol":"1","page":206},{"text":"قال المناوي: اسم الله الاعظم الذي إذا دعي به أجاب ... دعوة يونس بن متي (١)، وذلك لحديث النسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد رفعه \"دعوة ذي النون في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له\" (٢)، أخرج ابن جرير من حديث معبد مرفوعا \"اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى\" (٣)، أخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا\" ألا أدلكم على اسم الله الأعظم دعاء يونس فقال: رجل هل كانت ليونس خاصة؟ فقال ألا تسمع قوله: (ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) \" (٤) وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير ابن سعيد معبد قال سألت الحسن عن اسم الله الأعظم قال: أما تقرأ القرآن؟ قول ذي النون (٥): [لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين] (٦).\n١٥ - (كلمة التوحيد: لا إلاه إلا الله)\nقال به القاضي عياض (٧) (٨).\n١٦ - (الله. الله .. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)\nما نقله الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فرأى في النوم هو الله. الله .. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (٩).\n١٧ - وقيل هو مخفي في الأسماء الحسنى\nويؤيده حديث عائشة المتقدم لما دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى فقال لها\" إنه لفي الأسماء التي دعوت بها\" (١٠).\n١٨ - أنه كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقا\n_________\n(١) فيض القدير ١/ ٥١٢.\n(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٦٨٥ رقم ١٨٦٢ وقال هذا حديث صحيح الإسناد\n(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٩/ ٧٨، والسيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٩٩\n(٤) اخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٦٨٥ رقم ١٨٦٥\n(٥) قال ابن القيم) اما دعوة ذى النون: فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب، واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو أبلغ أدوية الكرب والهم زاد المعاد ٤/ ١٨٥\n(٦) الدر النثور ٥/ ٦٦٩\n(٧) القاضي عياض بن موسي بن عياض العلامة صاحب التصانيف المالكي المذهب ولد سنة ٤٧٦ العبر ١/ ٢٦١\n(٨) انظر فتح الباري ١١/ ٢٠٧\n(٩) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٤، معارج القبول ٢/ ٣٩٤، لوامع البينات ص\n(١٠) سنن ابن ماجة: ١١/ ٣١٨. (صحيح وضعيف سنن ابن ماجة: ٣٨٥٩). عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الطَّاهِرِ الطَّيِّبِ الْمُبَارَكِ الْأَحَبِّ إِلَيْكَ، الَّذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ، وَإِذَا اسْتُرْحِمْتَ بِهِ رَحِمْتَ، وَإِذَا اسْتُفْرِجَتَ بِهِ فَرَّجْتَ» قَالَتْ: وَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ هَلْ عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَلَّنِي عَلَى الِاسْمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَعَلِّمْنِيهِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَكِ يَا عَائِشَةُ»، قَالَتْ: فَتَنَحَّيْتُ وَجَلَسْتُ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِيهِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَكِ يَا عَائِشَةُ أَنْ أُعَلِّمَكِ، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَكِ أَنْ تَسْأَلِي بِهِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا»، قَالَتْ: فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ، وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ، وَأَدْعُوكَ الْبَرَّ الرَّحِيمَ، وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى كُلِّهَا، مَا عَلِمْتُ مِنْهَا، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، قَالَتْ: فَاسْتَضْحَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَفِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي دَعَوْتِ بِهَا\". ضعيف التعليق على ابن ماجة، التعليق الرغيب (٢/ ٢٧٥).","vol":"1","page":207},{"text":"وقيل أنه كل اسم من أسمائه تعالى دعا العبد به ربه مستغرقا بحيث لا يكون في فكره حالة إذ غير الله فإن من دعا الله تعالى بهذه الحالة كان قريب الإجابة وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي يزيد البسطامي (١) أنه سأله رجل عن الاسم الأعظم فقال: ليس له حد محدود إنما هو فراغ قلبك بوحدانيته [فإذا كنت كذلك فافرغ إلى أي اسم شئت فإنك تسير به إلى المشرق والمغرب (٢).\nوأخرج أبو نعيم أيضا عن أبي سليمان الداراني (٣) قال: سألت بعض المشايخ عن اسم الله الأعظم قال: تعرف قلبك قلت نعم قال فإذا رأيته قد أقبل ورق فسل الله حاجتك فذاك اسم الله الأعظم (٤).\nوأخرج أبو نعيم أيضا عن ابن الربيع السائح أن رجلا قال: له علمني الاسم الأعظم فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أطع الله [يطعك كل شيء.\n١٩ - (اللهمّ)\nحكاه الزركشي في شرح جمع الجوامع (٥) واستدل لذلك بأن الله دال على الذات والميم دالة على الصفات التسعة والتسعين ذكره أبو المظفر وهذا قال الحسن البصري اللهم مجمع الدعاء (٦) وقال النصر بن شميلمن قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه.\n٢٠ - (ألم)\nأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (آلم) اسم من أسماء الله الأعظم (٧)، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (آلم) قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى (٨).\nمسألة:\nاختلف العلماء هل البسملة آية قرآنية؟ وهل تقرأ في الصلاة؟، وفي ذلك أقوال:\nأحدها: ذهب مالك والأوزاعي إلى أنها ليست من القرآن، ومنعا من قراءتها في الفرائض مطلقًا، وأجازا قراءتها في النافلة\" (٩).\n_________\n(١) أبو يزيد البسطامي: اسمه: هو أبو يزيد طيفور بن عيسى مروشان البسطامي، أحد الزهاد، أخو الزاهدين: آدم وعلي، وكان جدهم شروسان مجوسيًا، فأسلم يقال: إنه روى عن إسماعيل السدي، وجعفر الصادق، وقد ولد العارف أبو يزيد سنة ١٨٨ هـ ببسطام في بلاد خرسان في مجلة يقال لها محلة موبدان، وتوفي سنة ٢٦١ هـ عن ثلاث وسبعين سنة. (انظر سير أعلام النبلاء، ١٣/ ٨٦، وانظر وفيات الأعيان ٢/ ٥٣١، وانظر طبقات الصوفية للسلمي ص ١٨ – ١٩. وانظر الطبقات الكبرى ١/ ٧٦.)\n(٢) حلية الأولياء ١٠/ ٣٩\n(٣) أبو سليمان الداني: أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف السني في القرن الثالث الهجري، من أهل داريّا، قرية من قرى دمشق في سوريا. وصفه الذهبي بـ \"الإمام الكبير، زاهد العصر\"، ولد سنة ١٤٠ هـ، وتوفي سنة ٢١٥ هـ. (انظر: بقات الصوفية، تأليف: أبو عبد الرحمن السلمي، ص ٧٤ - ٧٩، دار الكتب العلمية، ط ٢٠٠٣، وسير أعلام النبلاء: ١٠/ ١٨٣ وما بعدها)،\n(٤) حلية الأولياء ١٠/ ١٦٣\n(٥) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ١٤٦: (انطلقوا علي اسم الله \"اللهم \"أعنهم ثم رجع رسول الله - ﷺ - ...).\n(٦) انظر تفسير البغوي ١/ ٣٠٤، والدر المنثور ٢/ ١٧٢ والإتقان للسيوطي ٢/ ٢٤.\n(٧) تفسير الطبري ١/ ١١٨، تفسير بن كثير ١/ ٦١.\n(٨) تفسير الطبري ١/ ١١٨، وزاد الميسر ٦/ ١٥٣، وتفسير الثعالبي ١/ ٣٠.\n(٩) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد - ج ١ - ص ٩٦، و\"التفسير الكبير\" للفخر الرازي - ج ١ - ص ١٠٠","vol":"1","page":208},{"text":"والثاني: أما أبو حنيفة والثوري وأتباعهم فقرأوها في افتتاح \"الحمد\" ولكن أوجبوا إخفاتها.\nوالثالث: في حين أن الإمام الشافعي قرأها في الجهريات جهرًا وفي الإخفاتيات إخفاتًا، وعدها آية من \"الفاتحة\"، وهذا هو قول أحمد بن حنبل أيضًا، واختلف المنقول عن الشافعي في أنها آية من كل سورة أم أنها ليست باية في غير \"الفاتحة\" (١).\nويترتب على القول بأن البسملة آية من الفاتحة أو ليست آية منها من حيث قراءة البسملة في الصلاة: أن من يقول أن البسملة آية من الفاتحة يقول بوجوب ويترتب على القول قرائتها في الصلاة (٢)، ولا تصح الصلاة إلا بقرائتها؛ لأنها من الفاتحة؛ لقوله - ﷺ -: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \" (٣)؛ ومن يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله يقول قرائتها جائزة (٤)، ومن يقول ليست البسملة من الفاتحة ولا من غيرها يقول تكره قراءة البسملة في الصلاة فلا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا (٥)، ويترتب على كون البسملة آية أو بعض آية حرمة مس المحدث حدثا أكبر أو أصغر ورقة مكتوب فيها البسملة عند القائلين بحرمة مس المحدث المصحف، وهم جهور العلماء؛ لأن البسملة ما دامت آية أو بعض آية فهي من المصحف فتأخذ حكمه.\nوالنصوص في ذلك متواترة، أما عن طريق العامة فهنالك روايات كثيرة تدل على ذلك:\n١. عن ابن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي)، قال: \" فاتحة الكتاب (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) \" - وقرأ السورة، قال ابن جريح: \"فقلت لأبي: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) آية؟ \" قال: \"نعم\" (٦).\n٢. ما صحَّ عن ابن عباس أيضًا قال: \"إن النبي (﵌) كان إذا جاءه جبرائيل فقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، علم أنها سورة\" (٧).\n٣. ما صح عن ابن عباس أيضًا قال: \"كان النبيُّ (﵌) لا يعلم ختم السورة حتى تنزل (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) \" (٨).\n٤. ما صح عنه أيضًا قال: \"كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، فإذا نزلت (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) علموا أن السورة قد انقضت.\" (٩).\n٥. ما صح عن أم سلمة قالت: \"كان النبي (﵌) يقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ ..) إلى آخرها - يقطعها حرفًا حرفًا\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" في تفسير البسملة.\n(٢) انظر تحفة الأحوذي ٢/ ٤٧ محمد عبد الرحمن المباركفوري أبو العلا دار الكتب العلمية - بيروت\n(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم ٧٥٦، ورواه مسلم في صحيحه رقم ٣٩٤\n(٤) انظر تحفة الأحوذي ٢/ ٤٧\n(٥) - تفسير القرطبي ١/ ١١١ دار الحديث الطبعة الثانية ١٤١٦ هـ ١٩٩٦ م، والاستذكار لابن عبد البر ١/ ٤٥٥ الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى، ١٤٢١ – ٢٠٠٠ تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي\n(٦) انظر: تفسير سورة الفاتحة من كتاب التفسير من المستدرك للحاكم ومن تلخيصه للذهبي - ص ٢٥٧ - ج ٢، وقد صرح الحاكم والذهبي بصحة إسناد الحديث.\n(٧) أخرجه الحاكم في كتاب الصلاة من مستدركه - ص ٢٣١ - ج ١\n(٨) مستدرك الحاكم في كتاب الصلاة من مستدركه - ص ٢٣١ - ج ١\n(٩) مستدرك الحاكم - ج ١ - ص ٢٣٢، قال: \"هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، \" وصححه الذهبي أيضًا في التلخيص\n(١٠) مستدرك الحاكم - ج ١ - ص ٢٣٢، والذهبي في تلخيصه، وقد صرحا بصحة الحديث","vol":"1","page":209},{"text":"وعن أم سلمة من طريق آخر إن رسول الله (﵌) قرأ في الصلاة (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وعدها آية، (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) آيتين، (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ثلاث آيات ... \" الحديث (١).\n٦. ما صح عن نعيم المجمر قال: \"كنت وراء أبي هريرة فقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ثم قرأ بأم الكتاب حتى بلغ (وَلا الضَّالِّينَ)، قال: 'آمين'، فقال الناس: 'آمين'، فلما سلم قال: 'والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﵌\" (٢).\nوعن أبي هريرة أيضًا، قال: \"كان رسول الله (﵌) يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم\" (٣).\n٧. ما صح عن أنس بن مالك قال: \"صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لأم القرآن، ولم يقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان: 'يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ ' فلما صلى بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) للسورة التي بعد أم القرآن.\" أخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم (٤)، وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد كالشافعي في مسنده (٥)، وعلق على ذلك بقوله: \"إن معاوية كان سلطانًا عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالبسملة كان كالأمر المقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية\" (٦).\n٨. ما صح - أيضًا - عن أنس بن، قال: \"سمعت رسول الله (﵌) يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم\" (٧).\n٩. ما صح عن محمد بن السري العسقلاني، قال: \"صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها للسورة. وسمعت المعتمر يقول: 'ما آلوا أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلوا أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك.' وقال أنس بن مالك: 'ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله (﵌) \" (٨).\n_________\n(١) المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٢) مستدرك الحاكم - ج ١ - ص ٢٣٢، والذهبي في تلخيصه وقد صرحا بصحة الحديث.\n(٣) مستدرك الحاكم - ج ١ - ص ٢٣٢، والذهبي في تلخيصه وقد صرحا بصحة الحديث، وأخرجه البيهقي في السنن الكبيرة، كما ذكره الرازي في تفسيره - ج ١ - ص ١٠٥\n(٤) ورواها الحاكم في المستدرك الجزء ١ ص ٢٣٣ وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.\n(٥) انظر: ترتيب مسند الإمام الشافعي: (١) / (٨٠)، وسنن البيهقي: (٢) / (٤٢) - (٤٤)، ومسائل فقهية: ص (١٦) - (٢٩)، وبحار الأنوار: (١٩) / (٥٩)، ومستدرك الحاكم: (٢٣١)، (٢٣٢)، وكنز العمال: (٤) / (٣٠)، وتفسير الزمخشري: تفسير سورة الحمد.\n(٦) كما نقله الرازي في التفسير الكبير - ج ١ - ١٠٥\n(٧) أخرجه الحاكم وأورده الذهبي في باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من كتابيهما وقالا: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات وجعلاه علة ونقيضا لحديث قتادة عن أنس.\n(٨) أخرجه الحاكم في المستدرك وأورده الذهبي في التلخيص ونصا على أن رواته عن آخرهم ثقات وجعلاه علة ونقيضًا لحديث قتادة عن أنس، الباطل.","vol":"1","page":210},{"text":"وعن قتادة قال: \"سئل أنس بن مالك كيف كانت قراءة رسول الله (﵌)؟ قال: 'كانت مدًا ثم قرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) يمد الرحمن ويمد الرحيم، \" (١).\nوعن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: \"صليت خلف النبي وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) \" (٢).\n١٠. وقد ذكر الرازي أن البيهقي روى الجهر بالبسملة في سننه عن عمر بن الخطاب وابن عمر وابن الزبير ثم قال الرازي: \"وأما علي بن أبي طالب (﵁) كان يجهر بالبسملة فقد ثبت بالتواتر ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قول رسول الله (﵌): 'اللهم أدر الحق مع علي حيث دار\" (٣).\nوهنالك حجة أخرى على أن البسملة آية في كل سورة وهي أن الصحابة كافة ومن بعدهم إلى يومنا هذا أجمعوا إجماعًا عمليًا على كتابة البسملة في بداية كل سورة عدا سورة براءة، كما كتبوا سائر الآيات بلا ميزة مع أنهم مطبقون على أن لا يكتبوا شيئًا من غير القرآن إلا بميزة عنه حرصًا منهم على أن لا يختلط فيه شيء من غيره، وقلَّ أن تجتمع الأمة على أمر كاجتماعها على ذلك، وهذا دليل على أن البسملة أية مستقلة في بداية كل سورة.\nدليل آخر: من المشهور المأثور عن رسول الله (﵌) قوله: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع (٤) أو أبتر أو أجذم\" (٥) فهل يمكن أن يكون\n_________\n(١) سنن البيهقي - باب افتتاح القراءة في الصلاة ببسم الله - الجزء ٢ ص ٤٦، والمستدرك، حديث الجهر ببسم الله الجزء ١ ص ٢٣٣ \".\n(٢) مستدرك الحاكم: ١/ ٢٣٢، والذهبي في تلخيصه وقد صرحا بصحة الحديث.\n(٣) الجامع الصغير للسيوطي - حرف الكاف: ٢/ ٩١، كنز العمال: ١/ ١٩٣.\n(٤) الجامع الصغير للسيوطي - حرف الكاف: ٢/ ٩١، كنز العمال: ١/ ١٩٣. وانظر: التفسير الكبير للرازي - ج ١ في تفسير البسملة. قال الإمام النووى فى \" الأذكار \" ١/ ٩٤: وقد روى موصولا كما ذكرنا وروى مرسلا ورواية الموصول جيدة الإسناد، وقال عبد القادر الأرناؤوط ١/ ٩٤: أخرجه ابن السنى فى عمل \" اليوم والليلة \" عن أبى هريرة وإسناده ضعيف. ورواه بنحوه الحاكم والترمذى والبيهقى فى \" شعب الإيمان \" عن ابن عباس ﵄ وفى سنده يمان بن المقبرة وهو ضعيف.\nأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ -) وقد روي الحديث بألفاظ أخرى نحو هذا.\nرواه الإمام أحمد في \" المسند \" (١٤/ ٣٢٩) طبعة مؤسسة الرسالة، وآخرون كثيرون من أصحاب السنن والمسانيد.\nوفيه علتان:\nالعلة الأولى: ضعف قرة بن عبد الرحمن، قال أحمد بن حنبل: منكر الحديث جدا. وقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التى يرويها مناكير. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٣)\nالعلة الثانية: أنه قد رجح بعض أهل العلم أن الصواب فيه: عن الزهري مرسلا، - والمرسل من أقسام الحديث الضعيف ـ.\nفقد أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٤٩٥، ٤٩٧) عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره.\nقال الدارقطني ﵀: \"والصحيح عن الزهري المرسل \" انتهى.\" العلل \" (٨/ ٣٠).\nوضعفه الزيلعي في \" تخريج الكشاف \" (١/ ٢٤)، وضعفه الشيخ الألباني في \" إرواء الغليل \" (١/ ٢٩ - ٣٢)، كما ضعفه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة. وقد حَسَّن الحديث أو صححه جماعة من العلماء، فقد حسنه النووي وابن حجر، وصححه ابن دقيق العبد وابن الملقن.\nوسئل عنه الشيخ ابن باز ﵀ فقال:\n\"جاء هذا الحديث من طريقين أو أكثر عند ابن حبان وغيره، وقد ضعفه بعض أهل العلم، والأقرب أنه من باب الحسن لغيره\" انتهى.\"مجموع فتاوى ابن باز\" (٢٥/ ١٣٥).\nوالحديث معناه مقبول ومعمول به، فقد افتتح الله تعالى كتابه بالبسملة، وافتتح سليمان ﵇ كتابه إلى ملكة سبأ بالبسملة، قال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) النمل/٣٠، وافتتح النبي ﷺ كتابه إلى هرقل بالبسملة، وكان ﷺ يفتتح خطبه بحمد الله والثناء عليه.\nوقد ذهب أكثر الفقهاء إلى مشروعية البسملة واستحبابها عند الأمور المهمة.\nوجاء في الموسوعة الفقهية (٨/ ٩٢): \"اتفق أكثر الفقهاء على أن التسمية مشروعة لكل أمر ذي بال، عبادة أو غيرها\" انتهى. والله أعلم.\n(٥) انظر: التفسير الكبير للرازي - ج ١ في تفسير البسملة.","vol":"1","page":211},{"text":"القرآن وهو أفضل ما أوحاه الله إلى أنبيائه أقطع؟ وهل يمكن أن تكون الصلاة وهي خير العمل بتراء جذماء؟\nنستنتج مما سبق بأنه قد اختلف في العلماء في البسملة فذهب البعض إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك. وذهب البعض إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور، وذهب آخرون إلى أنها آية مستقلة، وهذا هو الراجح لجمعه بين النصوص التي تثبتأن البسملة من كتاب الله وبين الأدلة التي تثبت أن البسملة ليست من السور إلا أنها بعض آية من سورة النمل. والله أعلم.\nالقرآن\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]\nالتفسير:\nالثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وفي ضمنه أَمْرٌ لعباده أن يحمدوه، فهو المستحق له وحده، وهو سبحانه المنشئ للخلق، القائم بأمورهم، المربي لجميع خلقه بنعمه، ولأوليائه بالإيمان والعمل الصالح.\nقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، أي: \" الشكر خالصًا لله\" (١).\nقال الصابوني: \" أي: قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمدلله\" (٢).\nقال القاسمي: \" أي: الثناء بالجميل، والمدح بالكمال ثابت لله دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه\" (٣).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني الشكر للَّه\" (٤).\nقال الواحدي: أي: \" الثَّناء لله والشُّكرُ له بإنعامه\" (٥).\nقال النسفي: أي: \" الوصف بالجميل على جهة التفضيل واجب لله\" (٦).\nقال السعدي: أي: \" الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٣٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٩.\n(٣) محاسن التأويل: ١/ ٢٢٦.\n(٤) تفسير مقاتل: ١/ ٣٦.\n(٥) الوجيز: ٨٨.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٣١. [بتصرف بسيط].\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٣٩.","vol":"1","page":212},{"text":"قال ابن عباس: \" ﴿الحمد لله﴾: كلمة الشكر، وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي\" (١).\nوعن ابن عباس أيضا: \" ﴿الحمد لله﴾: هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك\" (٢).\nقال كعب: \" ﴿الحمد لله﴾: ثناء على الله\" (٣).\nقال علي: \" كلمة رضيها الله لنفسه\" (٤).\nقال الأخفش: أي: \"الشكر لله، والحمد أيضًا: الثناء\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿الحمد﴾ وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله\" (٦).\nوفي نوع الالف واللام في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثلاثة أقوال (٧):\nأحدهما: للعَهدِ، أي: الحمدُ المعهودُ.\nوالثاني: لتعريف الجنس، أي: مُطلقُ الحمد، قال ابن رجب: \"وهو ضعيفٌ\" (٨).\nوالثالث: للاستغراق، قاله أبو جَعفر الباقِرُ (٩) وغيره.\nوالقول الأخير هو الأصحُّ، أي: استغراق جميع أجناس الحمد وثبوتها لله تعالى تعظيما وتمجيدا\" (١٠)، وفي الأثر: \"اللهمّ لك الحمدُ كلُّه\" (١١)، وفي دُعاءِ القنوت: \"ونثني عليك الخيرَ كلَّه\" (١٢)، وقوله: \"لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك\" (١٣).\nو(الحمد) في اللغة: حمِدَ يَحمَد، حَمْدًا، فهو حامد، والمفعول مَحْمود وحَميد، حمِد الشَّيءَ: رضي عنه وارتاح إليه، وحمِد اللهَ: أثنى عليه وشكرَ نعمتَه قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) قال الله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) (التوبة: ١١٢)، أي: الرَّاضون بقضاء الله، الشَّاكرون لأنعمه، ويقال حمِد فلانًا على أمر أي: أثنى عليه، وعكسه ذمَّه (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٨): ص ١/ ٢٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١٥١): ص ١/ ١٣٥. اساده ضعيف، والحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٠): ص ١/ ٢٦، وتفسير الطبري (١٥٣): ص ١/ ١٣٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١٢): ص ١/ ٢٧.\n(٥) تهذيب اللغة: (حمد): ص ١/ ٩١٣، واللسان (حمد): ص ٢/ ٩٨٧. ولم أجد القول في معاني القرآن.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩.\n(٧) انظر: تفسير الفاتحة لابن رجب: ٦٤.\n(٨) تفسير الفاتحة: ٦٤.\n(٩) انظر: تفسير الفاتحة لابن رجب: ٦٤.\n(١٠) محاسن التأويل: ١/ ٢٢٦.\n(١١) حديث حسن، رواه البيهقي: (٤٠٨٧).\n(١٢) البيهقي: ٢/ ٢١١.\n(١٣) عن على بن أبى طالب ﵁ أن رسول الله -ﷺ- كان يقول فى آخر وتره: \"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\". رواه أبو داود (١٤٢٧) والنسائي (١٧٤٧) والترمذي (٣٨٨٢) وابن ماجة (١١٧٩).\n(١٤) د أحمد مختار عبد الحميد عمر (٢٠٠٨)، معجم اللغة العربية المعاصرة (الطبعة الأولى)، بيروت: عالم الكتب، صفحة ٥٥٦، جزء ١١. بتصرّف.","vol":"1","page":213},{"text":"قال أحمد بن فارس في معجم مقاييس اللغة: (حمد) الحاء والميم والدال كلمة واحدة وأصل واحد يدلّ على خلاف الذم، يقال حمدت فلانًا أحمده، ورجل محمود ومحمد، إذا كثرت خصاله المحمودة غير المذمومة (١).\nويُعرّف (الحمد) في الاصطلاح بأنه: الثناء بالفضيلة (٢)، فيُقال: حمدتُ الرّجل، أي بمعنى: أثنيتُ عليه بفعلٍ جميلٍ قام به اختياره (٣)، وقيل إنّ الحمد هو: ثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، والحمد المطلق لا يكون إلاّ لله (٤).\nو(الحَمْدُ لِله)، فيه إخبارٌ من الله – تعالى - لعباده بأسمائه الحُسنى وصفاته العلا، وإرشادٌ لهم بأن يُثنوا عليه بها ثناءً يليق بجلاله – جلّ في علاه – كما أثنى - سبحانه - على نفسه، فهو حميد يحب الحمد، ويحبّ من يحمده، ويثني عليه، عن الأسوَد بن سريع - ﵁ - قال: \"كنت شاعِرًا، فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! إني مدحت ربي بمحامِد\"، قال: \"أما إن ربك يحب الحمد\" (٥).\nوقيل يُعرّف الحمد بأنه: الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره (٦)، مثاله القول: بأنّ فلان كريم أو شجاع، (على المنعم): الذي أعطى النعمة، وهو الله ﷿. يعّرف الحمد عند الأصوليين وغيرهم بأنه: ليس قول القائل: الحمد لله، إنما هو فعلٌ يُشعر بتعظيم المنعم، بسبب كونه منعمًا، وذلك الفعل إما فعل اعتقاد بصفات الجلال والكمال، أو فعل لسان ذَكَر ما يذكره القلب، أو فعل جوارح بالإتيان بأفعال دالة عليه (٧).\nو(الشكر) لغةً: الاعتراف بالإحسان، ونشره، وحمد موليه، وهو الشكور أيضًا (٨) وقيل: الشين والكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس. فالأول: الشكر: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه. ويقال: إن حقيقة الشكر الرضا باليسير، والأصل الثاني: الامتلاء والغزر في الشيء، الأصل الثالث: الشكير من النبات، وهو الذي ينبت من ساق الشجرة، الأصل الرابع: الشكر، وهو النكاح (٩)\nوالشكر يكون على ثلاث منازل (١٠):\nالأول: شكر القلب.\nقال الواحدي: \" وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] \" (١١).\n_________\n(١) أحمد بن فارس (١٩٧٩)، معجم مقايس اللغة، بيروت: دار الفكر، صفحة ١٠٠، جزء ٢. بتصرّف.\n(٢) عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، فقه الأدعية والأذكار (الطبعة الثانية)، صفحة ٢٦٤ - ٢٦٨. بتصرّف.\n(٣) عماد بن زهير حافظ (١٤٢٤ هـ/٢٠٠٤ م)، حمد الله ذاته الكريمه في آيات كتابه الحكيمة (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، صفحة ١٦، جزء ١١. بتصرّف.\n(٤) عطية بن محمد سالم، شرح بلوغ المرام، صفحة ٢ - ٦، جزء ٥٩. بتصرّف.\n(٥) رواه البخاري في الأدب المفرد (٨٥٩). وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٦٦٠).\n(٦) محمد بن محمد الشنقيطي، شرح زاد المستقنع، صفحة ٣، جزء ٢. بتصرّف.\n(٧) لمرداوي (٢٠٠٠)، التحبير شرح التحرير في أصول الفقه (الطبعة الأولى)، السعودية: مكتبة الرشيد، صفحة ٤٧ - ٤٩، جزء ١١. بتصرّف.\n(٨) كتاب العين، للفراهيدي: السعودية: دار ومكتبة الهلال، صفحة ٢٩٢، جزء ٥. بتصرّف.\n(٩) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ١٠٠.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٤٧٠.\n(١١) التفسير البسيط: ١/ ٤٧٠.","vol":"1","page":214},{"text":"الثاني: شكر اللسان، ويكون بإظهار النّعمة بالذكر لها والحديث عنها، والثناء على من أسداها، قال ﷾: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].\nالثالث: شكر العمل، وهو إخضاع النّفس بالطّاعة (١) قال الله ﷾: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [السبأ: ١٣]، وفي الحديث: \"قام النبيُّ -ﷺ- حتى تورَّمَتْ قدَماه، فقيل له: غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذَنْبِك وما تأخَّر، قال: أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا\" (٢).\nوقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال (٣):\nأَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّى ثلاثةً ... يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا\nوأما (الحمد): فيكون باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر (٤).\nواختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، على أقوال:\nأحدها: أنّ لفظ الحمد يُطلقُ للثناء على المحمود بجميل ما فيه من صفات وأفعال ونعم، أمّا الشكر فهو ثناء العبد على المحمود بنعمه فقط. وعلى هذا القول فالحمد أعمّ من الشكر، فكلّ شكر هو حمد، وليس كلّ حمد يُعتَبر شكرًا، ولذلك ورد حمد الله سبحانه نفسه ولم يرد شكره، وهو كما الحال في حالة التفرقة بين الحمد والمدح، فالمدحُ أعم من الحمد ذلك أنّ المدح يكون للعاقل ولغير العاقل، ولا يلزم في المدح كون الممدوح مُختارًا، ومن هنا كان وصف اللؤلؤة بصفائها ونقائها مدحًا لا حمدًا، أما الحمد فإنّه لا يُطلَق إلا للفاعل المُختار على اعتبار كون الصفات المُتّصف فيها والمحمودة له صفات كمال، ويكون الحمد صادرًا عن عِلم وليس عن ظنّ، فيمكن القول بأن: المدح يكون أعمّ من الحمد، والحمد يكون أعمّ من الشكر (٥).\nوالثاني: أن الحمد يكون أعمّ فيما يقع عليه، فالحمد يقع على الصّفات اللازمة والصّفات المُتعدّية، فيُقال: حمد فلانٌ فلانًا لفروسيته وشجاعته ولكرمه. فالحمد وصف المحمود بصفات الكمال اللازمة والمُتعدّية مع المحبة وتعظيم المحمود في القلب، ولا يخفى أنّ مدار الأعمال صلاحًا أو فسادًا ينبني على القلب. قال رسول الله -﵊-: \"إنّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيُبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه\" (٦) قال -﵊-: \"إنَّ الحَلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحَرامَ بيِّنٌ وبينَهمَا مشْتَبَهَاتٌ لا يعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من الناسِ، فمنْ اتَّقَى الشبهَاتِ استَبرَأَ لدينِهِ وعِرضِهِ، ومن وقعَ في الشبهَاتِ وقعَ في الحرامِ، كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيهِ، ألا وإنَّ لكلِ ملِكٍ حِمً، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محَارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَتْ، فسدَ الجَسدُ كُلُّهُ، ألا وهِيَ القَلبُ\" (٧).\n_________\n(١) التَّفْسِيرُ البَسِيْط، للواحدي: ١/ ٤٧٠.\n(٢) رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة (٤٨٣٦).\n(٣) يقول: إن نعمتكم علي أفادتكم مني يدي ولساني وجناني فهي وأعمالها لكم. ورد البيت بدون عزو في \"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٣٤٦، \" الكشاف\" ١/ ٤٧، \"الفائق\" ١/ ٣١٤، \"الدر المصون\" ١/ ٣٦، وانظر: \"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف\" ص ٧.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٩.\n(٥) عماد بن زهير حافظ (١٤٢٤ هـ/٢٠٠٤ م)، حمد الله ذاته الكريمه في آيات كتابه الحكيمة (الطبعة الأولى)، المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، صفحة ١٦، جزء ١١. بتصرّف.\n(٦) رواه البخاري عن عمر بن الخطاب (١).\n(٧) رواه مسلم عن النعمان بن بشير (١٥٩٩).","vol":"1","page":215},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀-: \"الحمد يكون بالقلب واللسان، وأما الشكر فهو أخص من حيث الوقوع، فالشكر لا يكون إلا مع الصفات المُتعدّية. يُقال: شكر فلانًا لكرمه، ولا يُقال: شكره لفروسيته وشجاعته، . فالشّكر يكون جزاءً على نعمة انتفع بها، بينما يأتي الحمد جزاءً كالشكر، ويأتي ابتداءً\" (١).\nوالثالث: أن الحمد ثناء العبد على الممدوح بصفاته من أن يسبق إحسان الممدوح، وأمّا الشكر فهو ثناء على المشكور بما قدّم وأجزل من الإحسان، وعلى هذا القول قال علماء الإسلام: الحمد أعم من الشكر.\nقال أحمد بن محمد الخطابي البستي: \"الحمد نوع والشكر جنس، وكل حمد شكر، وليس كل شكر حمدا\" (٢).\nوالرابع: وهناك من يقول بأنّ الحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّ، لأنَّ العبد حمَد الممدوح على صِفاته الذاتيَّة وعلى كثرة عطائه، ولا تَشْكُره بالتالي على صِفاته (٣).\nويقال: \" شكرته وشكرت له وباللام أفصح\" (٤) المشهور باللام وهو الأكثر استعمالًا، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ويأتي متعديًا بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [النحل: ١١٤].\nوفي قول الشاعر (٥):\nشَكرْتكَ إنَّ الشُّكْرَ حبلٌ من التقي ... وما كُلُّ من أوليته نعمةً يقضي\nفقال شكرتك، مع أن الغالب في الاستعمال أن يقول: شكرت لك.\nأما المدح: \"فهو أعم من الحمد، لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم\" (٦).\nوللحمد صيغ، منها:\n١ - الحمد لله: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي (٧) مما طلعت عليه الشمس\" (٨).\n_________\n(١) سليمان بن إبراهيم بن عبد الله اللاحم (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)، اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب (الطبعة الأولى)، الرياض - المملكة العربية السعودية: دار المسلم للنشر والتوزيع، صفحة ٢١٨، جزء ١١.\n(٢) غريب الحديث: ١/ ٣٤٦.\n(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م)، (الطبعة الثالثة)، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة ٢٣٧، جزء ٢٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤.\n(٥) البيت لأبي نُخَيلة، انظر: مروج الذهب: (٣/ ٢٨٧)، والأغاني: (٢٠/ ٣٩٢). وطبقات الشعراء: لابن المعتز ص (٦٤).\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤.\n(٧) وقد استشكل الكثيرون - كابن جرير الطبري، وابن العربي المالكي وغيرهما - كيف تتم المقارنة أصلًا بين الدنيا وما ذكر في الحديث؟ وكيف أطلق المفاضلة بين المنزلة التي أعطيها، وبين ما تطلع عليه الشمس، مع أن من شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى؟ ! ثم كيف يزيد أحدهما على الآخر، ولا استواء بين تلك المنزلة والدنيا بأسرها؟ !\nوجوابًا على ذلك - من وجوه - وباختصار نقول:\nأولًا: إن قوله ﵌: «أحب إليَّ من الدنيا»؛ أولًا: يفضي إلى درجات الآخرة، وكل ما كان مفضيًا إلى درجات الآخرة، يكون أفضل وأحب من الدنيا؛ لأن الدنيا مفضية إلى الهلاك.\nوثانيًا: كانت هي أحب إليه من كل شيء؛ لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا؛ إذ كان لا شيء سواها إلا الآخرة.\nوثالثًا: أن يكون خاطب أصحابه بذلك، على ما قد جرى من استعمال الناس بينهم في مخاطبتهم، من قولهم - إذا أراد أحدهم الخبر عن نهاية محبته للشيء -: هو أحب إليَّ من الدنيا، وما أعدل به من الدنيا شيئًا؛ كما قال - ﷿: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥٥]، ومعنى ذلك: لنهينَنَّه ولنُذلنَّه؛ لأن الذين خوطبوا بهذا الخطاب كان في إذلالِهم مَن أرادوا إذلالَه السَّفعُ بالناصية، فخاطبهم بالذي كانوا يتعارفون بينهم.\nورابعًا: أن أفعل قد لا يراد بها المفاضلة؛ كقوله - ﷿: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤٤]، ولا مفاضلة بين الجنة والنار.\nوخامسًا: أن يراد المفاضلة بين ما دلت عليه وبين ما دل عليه غيرُها من الآيات المتعلقة به، فرجحها، وجميع الآيات وإن لم تكن من أمور الدنيا فإنها أنزلت لأهل الدنيا، فدخلت كلها فيما طلعت عليه الشمس، والله أعلم.\n[انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ٢٤٩)، لابن بطال، وفتح الباري (٨/ ٥٨٣)، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٨/ ١٢٦)، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (١٠/ ٤٠)].\n(٨) رواه مسلم (٢٦٩٥).","vol":"1","page":216},{"text":"قال العلماء ﵏ - تعالى -: افتتحَ اللهُ كتابهُ العزيز بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاختار لفظ الجلالة (الله) ولم يقل: (الْحَمْدُ للكريم) ولا (للعظيم) وهو وإن كان حمدًا للعظيم والكريم، إلا أن تخصيص الاسم الدالّ على الذات أبلغ فيالحمد والثناء من ذكر الوصف، لأنك لو قلت: الحمدُ للكريم، لأشْعَرَ أنكَ حَمَدْتَهُ مِن أجْلِ كَرَمِه، فإن قلت: الحُمْدُ لله، أثبَتَّ لَهُ الحَمْدَ لذاته - ﷾ – كان ذلك أبلغ.\n٢ - الحمد لله رب العالمين: قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقوله - تعالى ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢].\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة - ﵁ - قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله - تعالى - اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال سبحان الله كتبت له عشرون حسنة وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال الله أكبر مثل ذلك، ومن قال لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قالالحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة وحط عنه ثلاثون خطيئة\" (١).\n٣ - لربي الحمد: عن حذيفة - ﵁ - أنه: \"صلى مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فسمعه حين كبر، قال: الله أكبرُ ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وكان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: لربي الحمد، لربي الحمد، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وبين السجدتين رب اغفر، لي رب اغفر لي، وكان قيامه وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما بين السجدتين قريبا من السواء\" (٢).\n_________\n(١) رواه: (أحمد والحاكم والضياء) انظر: (صحيح الجامع ١٧١٨)\n(٢) سنن النسائي ٢/ ١٩٩ رقم ١٠٦٩.","vol":"1","page":217},{"text":"٤ - له الحمد: اقتران الحمد بالكلمة الطيبة: شهادة التوحيد: عن أبي أيوب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ-: \"من قال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشرا، كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل\" (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك) (٢).\n٥ - لك الحمد: عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسا يعني ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه اللهم اني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك فقال النبي - ﷺ - لأصحابه تدرون بما دعا قالوا: الله ورسوله أعلم قال: \"والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى\" (٣).\nوقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الحمد عن الرسول -﵊-، منها:\n- روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ، ثقيلتانِ في الميزانِ، حبيبتانِ إلى الرحمنِ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ اللهِ العظيمِ\" (٤).\n- عن أبي مالك الأشعري قَالَ: \"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ-: الطَّهورُ شطرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ، وسبحان اللهِ والحمدُ للهِ تملآنِ [أو تملأُ] ما بين السماواتِ والأرضِ، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ، كل الناسِ يغدُو فبايِعٌ نفسَه فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها\" (٥).\n- قال رسول الله -﵊-: \"إنَّ اللهَ اصطفى مِنَ الكلامِ أربعًا: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ، فمَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً، ومَن قال اللهُ أكبَرُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ مِن قِبَلِ نفسِه كُتِبَتْ له ثلاثون حسنةً وحُطَّتْ عنه ثلاثون سيِّئةً، وفي روايةٍ: مَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً مِن غيرِ شكٍّ. وفي روايةٍ: فمَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَتْ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً، ومَن قال الحمدُ للهِ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال اللهُ أكبَرُ مِن قِبَلِ نفسِه كُتِبَ له ثلاثون حسنةً وحُطَّتْ عنه ثلاثون سيِّئةً\" (٦).\n_________\n(١) متفق عليه، ولفظ (الترمذي): (كانت له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل). (صحيح). (صحيح الجامع ٦٤٣٥).\n(٢) متفق عليه، (صحيح الجامع ٦٤٣٧)\n(٣) سنن النسائي: ٣/ ٥٢ رقم ١٣٠٠.\n(٤) رواه البخاري عن ابي هريرة (٦٦٨٢).\n(٥) رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري (٢٢٣).\n(٦) رواه الهيثمي، في مجمع الزوائد، عن أبي سعيد الخدري وأبو هريرة، الصفحة أو الرقم: ١٠/ ٩٠، خلاصة حكم المحدث: رجالهم رجال الصحيح.","vol":"1","page":218},{"text":"وفي رواية: ن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله ﵌: \"أحب الكلام (١) إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا يضرك بأيِّهن بدأت (٢)، ولا تسمين غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فلا يكون فيقول: لا، إنما هن أربع فلا تزيدن عليَّ\" (٣).\nوقد ثبت فضل الشكر في الشريعة من أوجهٍ كثيرةٍ، منها: (٤)\n١ - إنَّ الله ﷾ أثنى في كتابه العزيزعلى أهل الشكر، ووصف أفضل خلقه بذلك، فقال عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣].\n٢ - إنَّ الله ﷿ جعل الهدف من الشكّر تفضله بالنعم، قال ﷾: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\n٣ - إنَّ الله وعد الشاكرين من عباده بأحسن الجزاء، فقال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥].\n٤ - إنَّ الله ﷾ قد سمّى نفسه شاكرًا شكورًا، وذلك بأن يقبل العمل القليل من العبد ويثني على فاعله، قال ﷾: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\n٥ - قول الله ﷾: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي أنّ الله ﷾ أمر عباده المؤمنين بذكره وشكره، ونهاهم عن نسيانه وكفره، فذِكْر الله تعالى بأسمائه وصفاته من موجبات محبة الله للعبد، وفي شكره بإقامة الصلاة وأداء العبادات من مقتضيات رحمته وفضله (٥).\n٦ - قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [ابراهيم: ٧] فقد وعد الله تعالى لمن يشكر نعمه بزيادة تلك النعم (٦)\n٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا مات ولدُ العبدِ المؤمنِ قال اللهُ للملائكةِ: قبَضْتُم ولَد عبدي؟ قالوا: نَعم قال: قبَضْتُم ثمرةَ فؤادِه؟ قالوا: نَعم قال: فما قال؟ قالوا: استرجَع وحمِدك قال: ابنوا له بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوه بيتَ الحمدِ\" (٧).\n_________\n(١) قال النووي: \"هذا محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل، وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور في وقت أو حال ونحو ذلك فالاشتغال به أفضل، والله أعلم\"؛ شرح مسلم (٩/ ٩٥).\n(٢) قال الصنعاني: \"قوله ﵌: «لا يضرك بأيِّهن بدأت»: دل على أنه لا ترتيب بينها، ولكن تقديم التنزيه أولى؛ لأنه تقدم التخلية - بالخاء المعجمة - على التحلية - بالحاء المهملة - والتنزيه: تخلية عن كل قبيح، وإثبات الحمد والوحدانية والأكبرية: تحلية بكل صفات الكمال، لكنه لما كان تعالى منزَّهةً ذاتُه عن كل قبيح، لم تضرَّ البداءة بالتحلية وتقديمها على التخلية\"؛ سبل السلام (٤/ ٢٦).\n(٣) أخرجه مسلم رقم: (٢١٣٧).\n(٤) وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت (١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الأولى)، مصر: مطابع دار الصفوة، صفحة ١٧٥، جزء ٢٦٦.\n(٥) جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري (٢٠٠٣)، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير (الطبعة الخامسة)، السعودية: مكتبة العلوم والحكم، صفحة ١٣٢، جزء ١١. بتصرّف.\n(٦) المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٧) رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: ٢٩٤٨، أخرجه في صحيحه.","vol":"1","page":219},{"text":"٨ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن اللهَ ليرضى عن العبدِ أن يأكلَ الأكلةَ فيحمدَه عليها. أو يشربَ الشربةَ فيحمدَه عليها\" (١).\n٩ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدَأُ بالحمد للَّهِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: بالحمدِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: كل كلامٍ لا يُبدَأُ فيهِ بالحمد للَّهِ فَهوَ أجذَمُ، وفي رواية: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فَهوَ أقطعُ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، أي: \" مالك العالمين\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" مالك المخلوقات كلها\" (٤).\nقال التستري: أي: \" سيد الخلق المربي لهم، والقائم بأمرهم، المصلح المدبر لهم قبل كونهم، وكون فعلهم المتصرف بهم لسابق علمه فيهم، كيف شاء لما شاء، وأراد وحكم وقدر من أمر ونهي، لا رب لهم غيره\" (٥).\nو(الرب): \" هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور\" (٦).\nقال السعدي: \" (الرب): هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى، وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.\nفالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.\nوالخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة\" (٧).\nو﴿العالمين﴾: \"كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم ﷾؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته\" (٨).\nقال مقاتل: \" ﴿الْعَالَمِينَ﴾: \" عني: الجن والإنس مثل قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] \" (٩).\nواختُلف في اشتقاق (الرب) على أقوال (١٠):\n_________\n(١) رواه مسلم عن أنس بن مالك (٢٧٣٤).\n(٢) رواه النووي في الأذكار، عن أبي هريرة: ص ١٤٩. حديث حسن، روي موصولا ومرسلا ورواية.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٣١. [بتصرف بسيط].\n(٤) الوجيز: ٨٨.\n(٥) تفسير التستري: ٢٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠.\n(٧) تفسير السعدي: ٣٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠.\n(٩) تفسير مقاتل: ١/ ٣٦.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤.","vol":"1","page":220},{"text":"أحدها: أنه مشتق من المالك، كما يقال رب الدار أي مالكها، ومنه قول صفوان بن أمية (١): \" لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن، يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني\" (٢).\nومن ملك شيئا فهو ربّه، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (٣)، وقال النبي - ﷺ - لرجل: \"أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ \" (٤)، وقال النابغة (٥):\nفَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا\nفـ (الرب) (٦): بمعنى المالك للشيء، والأمثلة عليه كثيرة، نذكر منها قوله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، فهو سبحانه مالك كل شيء، ونحو هذا قوله ﷿: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، أي: إنه سبحانه هو مالك السماوات السبع والعرش العظيم وسيدهما، فلا مالك لهما سواه، ولا سيد لهما غيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال القرطبي: أي: \"مالكه\" (٧).\nوالثاني: أنه مشتق من السيد، لأن السيد يسمى ربًّا، قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] يعني سيده، وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. ومنه لَبِيد بن ربيعة (٨):\nوأَهْلكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَة وابنَه ... ورَبَّ مَعدٍّ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرِ\nيعني بربِّ كندة: سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان (٩):\nتَخُبُّ إلى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنالَهُ ... فِدًى لكَ من رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي\n_________\n(١) صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث وشهد اليرموك، توفي سنة إحدى وأربعين. انظر ترجمته في \"الإصابة\" ٢/ ١٨٧، \"تجريد أسماء الصحابة\" ١/ ٢٦٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٦٢، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٤٩.\n(٢) التفسير البسيط: ١/ ٤٨٧، وذكره الأزهري في \"التهذيب\"، وفيه: أن صفوان كان يرد بذلك على أبي سفيان\". التهذيب\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، وذكره ابن هشام في \"السيرة\"، وذكر عن ابن إسحاق أنه كان يرد به على (جبلة بن الحنبل) وقال ابن هشام (كلدة بن الحنبل) \"السيرة\" لابن هشام ٤/ ٧٢ - ٧٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، \" الزينة\" ٢/ ٢٧، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٢، والتفسير البسيط: ١/ ٤٨٧.\n(٤) أخرجه أحمد في (مسنده) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي - ﷺ - فصعد في النظر وصوَّب وقال: \"أَرَبُّ إبل .... \" الحديث ٤/ ١٣٦، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥/ ب، والرازي في \"الزينة\" ٢/ ٢٩.\n(٥) البيت في رواية الواحدي في تفسيره: ١/ ٤٨٧، وأما رواية البيت في \"الديوان\":\nفَإِنْ تَكُنِ الفَوَارِسُ يَوْمَ حِسْي ... أَصَابُوا مِنْ لِقَائِكَ مَا أَصَابُوا\n\"الديوان\" ص ٨٤، ونحو رواية الديوان في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١١، \"الزاهر\" ١/ ٥٧٥، \"الزينة\" ٢/ ٢٧، وبمثل رواية الواحدي ورد في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، ولعله أخذه عنه، و(حُزْوى) بضم الحاء موضع بنجد، انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٥٥.\n(٦) وورد ذكر (الرب) في القرآن في أكثر من (٩٧٨) موضع.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٣٧، ولسان العرب: ١/ ٣٩٩.\n(٨) ديوانه القصيدة: ١٥/ ٣٢. وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس. ورب معد: حذيفة بن بدر، كما يقول شارح ديوانه، وأنا في شك منه، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة. ولبيد يذكر خبتًا وعرعرًا، وهما موضعان غيره.\n(٩) ديوانه: ٨٩، والمخصص ٧: ١٥٤. الطريف والطارف: المال المستحدث، خلاف التليد والتالد: وهو العتيق الذي ولد عندك.","vol":"1","page":221},{"text":"فـ (الرب): بمعنى السيد المطاع، والرئيس وصاحب السلطة النافذ الحكم، والمعترف له بالرفعة والسيادة، والمالك لصلاحيات التصرف، ومنهقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقوله تعالى: [اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ] [يوسف: ٤٢] (١)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]، و(الربّ) بمعنى الملك والسيد، قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] (٢).\nوذهب ابن عاشور إلى أن \"الأكثر في كلام العرب ورود (الرب) بمعنى المالك والسيد (٣).\nوالثالث: أنه مشتق من (الصلح)، لأن الرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا، ومنه قول الفرزدق بن غالب (٤):\nكانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ ... سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ\nيعني بذلك: في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة (٥):\nفكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ رُبُوبُ\nيعنى بقوله: أفضتْ إليك، أي وصلتْ إليك رِبَابتي، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه (٦).\n_________\n(١) ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [لأنعام: ١٦٤]، أي: أغير الله أتخذ إلهًا أعبده. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، أي: إن المعبود الحق الذي ينبغي أن يُفرد بالعبادة هو الله دون سواه. ومنها قول الباري سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [يونس: ٣]، أي: إن الله سبحانه هو المعبود الحق الذي ينبغي أن تخلص له العبادة.\n(٢) هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أن لفظ (الرب) في القرآن جاء بمعنى كبير القوم، وتأول عليه قوله تعالى على لسان قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، وذلك أن هارون ﵇ كان أسن من موسى ﵇، وكان معظَّمًا في بني إسرائيل محبَّبًا، لسعة خُلُقه، ورحب صدره، فكأنهم قالوا: اذهب أنت وكبيرك. وقد ذكر هذا القول الدامغاني كأحد معنيين للفظ (الرب). قال ابن عطية معقبًا على هذا القول: \"وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيرًا لموسى، وتابعًا له في معنى الرسالة\". [المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥].\n(٣) انظر: التحرير والتنوير: ١/ ١٦٦ ومابعدها.\n(٤) ديوانه: ٢٥. سلأ السمن يسلؤه: طبخه وعالجه فأذاب زبده. والسلاء، بكسر السين: السمن. وحقن اللبن في الوطب، والماء في السقاء: حبسه فيه وعبأه. رب نحى السمن يربه: دهنه بالرب، وهو دبس كل ثمرة، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه، فتطيب رائحته، ويمنع السمن أن يرشح، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه. وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن. وأديم مربوب: جدا قد أصلح بالرب. يقول: فعلوا فعل هذه الحمقاء، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله.\n(٥) ديوانه: ٢٩، والمخصص ١٧: ١٥٤، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان، وهو الحارث الأعرج المشهور. قال ابن سيده: \" ربوب: جمع رب، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك، كأنه قال: الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه \". وقال الطبري فيما سيأتي: \" يعني بقوله: ربتني: ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعت \". والربابة: المملكة، وهي أيضًا الميثاق والعهد. وبها فسر هذا البيت، وأيدوه برواية من روى بدل \" ربابتي \"، \" أمانتي \". والأول أجود.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٤١ - ١٤٢.","vol":"1","page":222},{"text":"ومنه قول الشاعر (١):\nيَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا\nفالمعنى: على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم بما ينعم عليهم (٢).\nفالرب هو الكفيل والرقيب، والمتكفل بالتعهد وإصلاح الحال، ومنه قوله ﷿ على لسان إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقوله ﷿: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] (٣)، قال ابن كثير: \" أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا، تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها\" (٤). ونظيره قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب لا إله إلا هو.\nوالرابع: أن الرب: المدَبِّر، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ وهم العلماء، سموا ربَّانيِّين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم، وقيل: ربَّهُ البيت، لأنها تدبره.\nوالخامس: الرب مشتق من التربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فسمي ولد الزوجة ربيبة، لتربية الزوج لها، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] (٥)، ومنه قول الشاعر (٦):\nفَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ رُبَّتْ لَهُ الأَدَم\nقال الطبري: \" فربّنا جلّ ثناؤه: السيد الذي لا شِبْه لهُ، ولا مثل في سُؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر\" (٧).\n_________\n(١) ورد البيت بدون عزو في \"الزاهر\" ١/ ٥٧٦، \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ١٧، \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٤٧، ورواية البيت في غير الثعلبي (من العرف) بدل (من الخير)، (سئل) بدل (فعل).\n(٢) التفسير البسيط: ١/ ٤٨٦.\n(٣) انظر: المصطلحات الأربعة في القرآن، أبو الأعلى المودودي، هذه رساله ألفها الاستاذ السيد أبو الأعلى المودودي في سنة ١٣٦٠ هـ - ١٩٤١ م، ونشر فصولها تباعا في مجلته الشهرية \" ترجمان القرآن \" ثم جمعها ونشرها في رسالة سماها \" المصطلحات الأربعة في القرآن \": ص: ٢٨ ومابعدها.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٦/ ١٤٠.\n(٥) لا يذهبن بأحد الظن أن يوسف ﵊ أراد بكلمة (ربي) في الآية عزيز مصر، كما ذهب إليه بعض المفسرين، وإنما يرجع الضمير في (انه) إلى الله الذي قد استعاذ به يوسف ﵇ بقوله: (معاذ الله).\nولما كان المشار إليه قريبا من ضمير الاشارة فأي حاجة بنا إلى أن نلتمس له مشارا إليه آخر لم يذكر قريبا منه.\nونقول: ما نفاه الاستاذ المودودي من أن الضمير في (إنه) يعود على عزيز مصر رواه الطبري في التفسير ١٢/ ١٠٨ من وجوه عن مجاهد وابن اسحاق، ولم ينقل غيره. وقد روى الوجه الذي ذهب إاليه الاستاذ المودودي الطبرسي في (مجمع البيان) ٥/ ٢٢٣ مقال: \" .. وقيل: أن الهاء عائد إلى الله سبحانه، والمعنى أن الله ربي رفع من محلي وأحسن إلى وجعلني نبيًا فلا أعصيه أبدا \"\n(٦) البيت لعمرو بن شأس، كان له ابن يقال له (عرار) من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال قصيدة يخاطبها، ومنها هذا البيت، يقول: إن كنت تريدين مودتي، فأحسني إليه كما تستصلحين وعاء السمن حتى لا يفسد عليك، و(الأَدَم) جمع أَدِيم: الجلد المدبوغ، و(الرُّبُّ): خلاصة التمر بعد طبخه وعصره. ورد البيت في \"شعر عمرو\" ص ٧١، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٤، \"طبقات الشعراء\" للجمحي ص ٨٠، \"أمالي القالي\" ٢/ ١٨٩، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٣، \"الصحاح\" (ربب) ١/ ١٣١، \"اللسان\".\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ١٤٢.","vol":"1","page":223},{"text":"قال الماوردي: \"فعلى هذا، أن صفة الله تعالى بأنه رب، لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل لأنه مدبِّر لخلقه، ومُربِّيهم، فذلك صفة من صفات فعله، ومتى أدْخَلت عليه الألف واللام. اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركًا بين الله وبين عباده \" (١).\nقال ابن القيم: \" ربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه، وتدبيره له، ونفاذ أمره كل وقت فيه، وكونه معه كل ساعة في شأن، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته، وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه\" (٢).\nوقد ذهب الزمخشري ومن تابعه إلى أن لفظ (الرب) لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيدًا (٣)، وقد رد ابن عاشور قول الزمخشري بقوله: \"وجمعه على (أرباب) أدل دليل على إطلاقه على متعدد، فكيف تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم بالله تعالى؟ \" (٤)، واستدل ابن عاشور على إطلاقه غير مضاف على غيره سبحانه، بقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، فهذا إطلاق لـ (الرب) غير مضاف على غير الله تعالى.\nوأما (العالَمون): فـ\"جمع (عالَم)، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان\" (٥)، قال العجاج (٦):\nيا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ\nواختُلِف في (العالم)، على أقوال (٧):\nأحدها: أن العالم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهذا قول أبي إسحاق الزجَّاج (٨)، وقتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، وابن عباس (١١) في رواية الضحاك عنه.\nقال الثعلبي: \"واحتجوا بقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] \" (١٢).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٥٤.\n(٢) الصواعق المرسلة: ٤/ ١٢٢٣.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ١٠.\n(٤) التحرير والتنوير: ١/ ١٦٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ١٤٣، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٦، والنكت والعيون: ١/ ٥٤.\n(٦) ديوانه: ٦٠، وطبقات فحول الشعراء: ٦٤، وخندف: أم بني إلياس بن مضر، مدركة وطابخة، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤ - ٥٥.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٦.\n(٩) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ١/ ١١٢.\n(١٠) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ١/ ١١٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٥٦): ص ١/ ١٤٤.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٢.","vol":"1","page":224},{"text":"والثاني: أنّه الإنس، والجنِّ، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وابن جريج (٤)، ومقاتل بن سليمان (٥).\nودليلهم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، ولم يكن نذيرا للبهائم (٦).\nكما ويقوي هذا القول، جمع الكلمة على (عالمون)، وهو جمع لايكون إلا مع العاقل! فيكون هذا دليلا على أن الحديث عن عوالم عاقلة.\nوالثالث: أن العالم: الدنيا وما فيها (٧).\nوالرابع: أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل، لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]، أي من الناس (٨)، وقال العجّاج (٩):\nفَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ ... مبارك للأنبياء خاتم\nوقال جرير بن الخطفى (١٠):\nتنصفه (١١) البرية وهو سام ... ويضحي العالمون له عيالا\nوالخامس: أن العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم، لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة. وهذا قول الفراء وأبي عبيدة (١٢).\nوالسادس: أن العالمين، أي: المخلوقين. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول لبيد بن ربيعة (١٣):\nما إن رأيت ولا سمعـ ... تُ بمثلهم فى العالمينا\nوالسابع: أنهم المرتزقون، قاله زيد بن أسلم (١٤)، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء (١٥): هم الروحانيّون، وابن قتيبة (١٦)، وهو معنى قول ابن عباس كذلك: \"كل ذي روح دبّ على وجه الأرض\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٥٧)، و(١٥٨): ص ١/ ١٤٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٥٩)، و(١٦٠): ص ١/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦١)، و(١٦٢): ص ١/ ١٤٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٥): ص ١/ ١٤٦.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٢/ ٤١٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٤٤.\n(٩) هو عبدالله بن رؤبة أبو الشعثاء، اشتهر بالعجاج الراجز، لقي أبا هريرة، وسمع منه أحاديث، والبيت في ديوانه: ٦٠.\n(١٠) ديوانه: ٢/ ٧٥٠.\n(١١) تنصفه: أي تطلب فضله.\n(١٢) انظر: حكاه عنهما القرطبي في تفسيره: ١/ ٢١٣. وقول أبي عبيدة: أن العالمين: المخلوقين.\n(١٣) ديوانه: ١/ ١٢، والأغاني: ١٥/ ٣٧٩، ونسبه القرطبي للأعشى، ولم نقف عليه للأعشى.\n(١٤) حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ١/ ٢١٣.\n(١٥) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ١/ ١١٢.\n(١٦) انظر: غريب القرآن: ٣٨، قال: \" (العالَمُونَ): أصناف الخلق الرُّوحانِيِّين، وهم الإنس والجن والملائكة، كلُّ صِنْفٍ منهم عالَم\".\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٢، وزاد المسير: ١/ ١٢، وتفسير القرطبي: ١/ ٢١٣.","vol":"1","page":225},{"text":"والثامن: العالمون: أهل الجنة وأهل النار. حكاه الثعلبي عن جعفر الصادق (١).\nقال الشنقيطي: \" لم يبين هنا ما (العالمون)، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] \" (٢).\nوالظاهر أن ﴿العالَمين﴾: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله جل وعلا، و(العالَم) جمع لا واحدَ له من لفظه، و(العوالم) أصناف المخلوقات في السموات والأرض في البر والبحر، فالإنس عالَم، والجن عالَم، والملائكة عالَم (٣). والله أعلم.\nواختلفوا في اشتقاقه على وجهين (٤):\nأحدهما: أنه مشتق من العلم، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسمًا لما يعقل.\nوالثاني: أنه مشتق من العلامة، لأنه دلالة على خالقه، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسمًا لكُلِّ مخلوقٍ.\nقال الخليل: \"العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشيء، فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا\" (٥)، وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد (٦): الحمد لله فقال له: أتمها كما قال الله قل رب العالمين فقال الرجل: ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر (٧).\nواختلفوا في مبلغ (العالمين) وكيفيتهم، فقال: أبو العالية: \"الجن عالم والإنس عالم، وسوى ذلك للأرض أربع زوابا في كل زاوية ألف وخمس مئة عالم، خلقهم لعبادته\" (٨).\nوهذه الأخبار ليست دقيقة، قال ابن كثير بعد أن أورد قول أبي العالية: \" وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح\" (٩). وهذا حق.\nوقال كعب الأحبار: \"لا يحصي عدد العالمين إلّا الله، قال الله: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المثر: ٣١] \" (١٠).\nقال أبو حيان: \"ونقل عن المتقدمين أعداد مختلفة في العالمين وفي مقارها، الله أعلم بالصحيح\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثلاثة قراءات (١٢):\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٢.\n(٢) أضواء البيان: ١/ ٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٤٣، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٦.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٢، والنكت والعيون: ١/ ٥٥.\n(٥) العين: ٢/ ١٥٣ (علم).\n(٦) أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف السني في القرن الثالث الهجري، أصله نهاوند في همدان (مدينة اذرية)، ومولده ومنشؤه ببغداد. انظر: تاريخ بغداد\" (٨/ ١٦٨)، وسير أعلام النبلاء\" (١١/ ٤٣).\n(٧) تفسير القرطبي: ١/ ٢١٥.\n(٨) تفسير الطبري (١٦٤): ص ١/ ١٤٦، وابن ابي حاتم (١٥): ص ١/ ٢٧\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٢.\n(١١) البحر المحيط: ١/ ١٣.\n(١٢) انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، ابن جني: ١/ ٣٧.","vol":"1","page":226},{"text":"إحداهما: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\nقال الهمذاني: \" (الحمد) رفع بالابتداء، وخبره الظرف هو (الله)، متعلق بمحذوف، أي: الحمد ثابت أو مستقر لله\" (١)، وهو اجود القراءات، لما فيه من التعميم والدلالة على ثبات المعنى واستقراره.\nوالثانية: ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ﴾، قرأ بها الحسن البصري وابن عبلة، وزيد بن علي، وهي قراءة شاذة.\nوالثالثة: ﴿الْحَمْدُ لُله﴾. مضمومة الدال واللام، قرأ بها بعض أهل البادية.\nقال ابن جني: \" وكلاهما شاذ [أي: القراءة الثانية والثالثة] في القياس والاستعمال؛ إلا أن من وراء ذلك ما أذكره لك؛ وهو أن هذا اللفظ كثر في كلامهم، وشاع استعماله، وهم لِمَا كثر من استعمالهم أشد تغييرًا، كما جاء عنهم لذلك: لم يَكُ، ولا أَدْرِ، ولم أُبَلْ، وأَيْشٍ تقول، وجا يجي، وسا يسو، بحذف همزتيهما، فلما اطرد هذا ونحوه لكثرة استعماله أَتبعوا أحد الصوتين الآخر، وشبهوهما بالجزء الواحد وإن كانا جملة من مبتدأ وخبر؛ فصارت \"الْحَمْدُ لُله\" كعُنُق وطُنُب، و\"الْحَمْدِ لِله\" كإِبِل وإِطِل\" (٢).\nوفي ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثلاثة قراءات متواترة (٣):\nإحداها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،: قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\nفـ (رب العالمين) أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب: المالك (٤)، وجرّ على النعت لله ﷾ أو على البدل (٥).\nوالثانية: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وهي قراءة الكسائي.\nومن نصب (رب العالمين) فإنما ينصبه لى المدح والثناء، كأنه لما قال: (الحمد لله) استدل بهذا اللفظ على أنه ذاكر لله فكأنما قال: (أذكر رب العالمين)، فعلى هذا لو قراء في غير القرآن (رب العالمين) مرفوعا على المدح أيضا لكان جائزا على معنى (هور رب العالمين) (٦)، وقيل النصب -هنا- على النداء، ذكره الكسائي: أي الحمد لله ربًا وإلهًا (٧).\nوالثالثة: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: قرأ بها أبو جعفر.\nوالرفع على: (هو ربّ العالمين) (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات الحمد الكامل لله ﷿، وذلك من \"أل\" في قوله تعالى: ﴿الحمد﴾؛ لأنها دالة على الاستغراق.\n_________\n(١) الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، المنتجب الهمذاني، دار الزمان، المدينة المنورة: ١/ ٦٩.\n(٢) المحتسب: ١/ ٣٧.\n(٣) انظر: الكتاب الفريد في اعراب القران المجيد: ١/ ٧٣، ومجمع البيان، الطبرسي: ١/ ٢٩.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٣٦.\n(٥) انظر: الكتاب الفريد في اعراب القران المجيد: ١/ ٧٣\n(٦) مجمع البيان، الطبرسي: ١/ ٢٩.\n(٧) انظر: انظر: الكتاب الفريد في اعراب القران المجيد: ١/ ٧٣.\n(٨) انظر: الكتاب الفريد في اعراب القران المجيد: ١/ ٧٣، ومجمع البيان، الطبرسي: ١/ ٢٩.","vol":"1","page":227},{"text":"٢ - ومنها: أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي ﷺ إذا أصابه ما يسره قال: \"الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات\"؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: \"الحمد لله على كل حال\" (١).\n٣ - ومنها: تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية؛ وهذا إما لأن \"الله\" هو الاسم العَلَم الخاص به، والذي تتبعه جميع الأسماء؛ وإما لأن الذين جاءتهم الرسل ينكرون الألوهية فقط ..\n٤ - ومنها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى: ﴿العالمين﴾.\nالقرآن\n﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣]\nالتفسير:\nالرَّحْمَنِ الذي وسعت رحمته جميع الخلق، الرَّحِيمِ، بالمؤمنين، وهما اسمان من أسماء الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، \" أي: ذو الرحمة الواسعة، والموصل للرحمة من يشاء من عباده\" (٢).\nقال مقاتل: \" اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر الرحمن يعني المترحم، الرحيم يعني المتعطف بالرحمة\" (٣).\nقال المراغي: أي: \" المفيض للنعم المحسن على عباده بلا حصر ولا نهاية\" (٤).\nقال العز بن عبدالسلام: أي: \" الراحم، أو الرحمن أبلغ\" (٥).\nقال الشنقيطي (٦): \"هما وصفان لله - تعالى - واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء\" (٧).\nقال أبو السعود: \" صفتان لله فإن أريد بما فيهما من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يفيض على الكل بعد الخروج إلى طور الوجود من النعم فوجه تأخيرهما عن وصف الربوبية ظاهر وإن أريد ما يعم الكل في الأطوار كلها حسبما في قوله تعالى ورحمتى وسعت كل شاء فوجه الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة للرحمة فإيرادهما في عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضل فيها فاعل بقضية رحمته السابقة من غير وجوب عليه وبأنها واقعة\n_________\n(١) سنن ابن ماجة (٣٨٠٣): ص ٢/ ١٢٥٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٥.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٣١.\n(٥) تفسير العز بن عبدالسلام: ١/ ٨٩.\n(٦) هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي المدني، ولد بموريتانيا عام ١٣٢٥ هـ، حوالي ١٧ فبراير ١٩٠٥، بمدينة تنبه في موريتانيا، اجتهد في طلب العلم فأصبح من علماء موريتانيا، وتولى القضاء في بلده، فكان موضع ثقة حكَّامها ومحكوميها، وكان من أوائل المدرِّسين في الجامعة الإسلامية سنة ١٣٨١ هـ، ثم عيِّن عضوًا في مجلس الجامعة، كما عيِّن عضوًا في مجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في هيئة كبار العلماء ٨/ ٧ /١٣٩١ هـ، توفي بمكة بعد أدائه لفريضة الحج في السابع عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وصُلِّي عليه بالمسجد الحرام، ودفن بمقبرة المعلاة بمكة.\n(٧) انظر \"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ نشر مؤسسة الرسالة (ص/٣٩).","vol":"1","page":228},{"text":"على أحسن ما يكون والاقتصار على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه الأنسب بحال المتبرك المستعين باسمه الجليل والأوفق لمقاصده\" (١).\nقال السعدي: \"اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها، واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلًا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء\" (٢).\nقال الصابوني: \" صفتان مشتقتان من الرحمة، أي الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان\" (٣).\nقال ابن العثيمين: \" ﴿الرَّحْمَنِ﴾: صفة للفظ الجلالة، و﴿الرحيم﴾: صفة أخرى، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن وصفه، والرحيم فعلُه، ولو أنه جيء بـ\"الرحمن\" وحدَه، أو بـ\"الرحيم\" وحده، لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فسِّر (الرَّحْمَنِ) بالوصف، و(الرَّحِيم) بالفعل\" (٤).\nقال ابن القيم (٥): ﴿\"الرحمن﴾ فإن رحمته تمنعُ إهمالَ عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غايةَ كمالِهم، فمن أعطى اسم \"الرحمن\" حقه عَرَف أنه متضمِّن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظمَ من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحَب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك\" (٦).\nقال الماتريدي: \" اسمان مأخوذان من الرحمة، لكنه روى فيهما: «رقيقان أحدهما أرق من الآخر» (٧)، وكأن الذي روي عنه هذا أراد به: لطيفان أحدهما ألطف من الآخر، دليل ذلك وجهان:\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥ ..\n(٢) انظر \"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ نشر مؤسسة الرسالة (ص/٣٩).\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٩.\n(٤) تفسير العلامة محمد العثيمين (٢/ ٦).\n(٥) هو الفقيه، المفتي، الإمام الرباني شيخ الإسلام الثاني أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، ثم الدِّمشقي، الشهير بـ\"ابن قيم الجوزية\"، عاش في دمشق ودرس على يد ابن تيمية الدمشقي، ولازمه قرابة ١٦ عامًا، وتأثر به، وسجن في قلعة دمشق في أيام سجن ابن تيمية، وخرج بعد أن توفِّي شيخه عام ٧٢٨ هـ، ومن تلاميذه: ابن رجب الحنبلي، وابن كثير، والذهبي، وابن عبدالهادي، والفيروزآبادي صاحب \"القاموس المحيط\" - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، وتوفي - ﵀ - ليلة الخميس، ثالث عشرين من رجب الفرد سنة (٧٥١١ هـ)، ودفن بدمشق بمقبرة الباب الصغير.\n(٦) انظر: تفسير القرآن الكريم؛ لابن القيم - نشر دار ومكتبة الهلال - بيروت ص/١٢، وينتبه أن هذا التفسير ليس مَن جمع ابن القيم﵀ -؛ وإنما مِن صُنع بعض المعاصِرين في أوساط هذا القرنِ العشرين الذي جمعه من مؤلفات ابن القيم وقد أثنى عليه أهل العلم والله أعلم.\n(٧) القول لخالد بن صفوان التميمي كما سيأتي، انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١): ص ١/ ٢٨.","vol":"1","page":229},{"text":"أحدهما: مجيء الأثر في ذلك -اللطيف- في أسماء الله تعالى مع ما نطق به الكتاب، ولم يذكر في شيء من ذلك رقيق، ومعنى اللطيف: استخراج الأمور الخفية وظهورها له؛ كقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\nوالثاني: أن اللطيف حرف يدل على البر والعطف، والرقة على رقة الشيء التي هي نقيض الغلظ والكثافة، كما يقال: فلان رقيق القلب.\nوقوله: أحدهما أرق من الآخر، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين:\nأحدهما: التحقيق بأن اللطف بأحد الحرفين أخص وأليق، وأوفر وأكمل، فذلك رحمته بالمؤمنين أنه يقال: رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه؛ ولذا ذكر أمته وإن أشركهم في الرزق فيما يراهم غيرهم؛ ألا ترى أنه لا يقال: رحمن بالمؤمنين، وجائز القول: رحيم بهم، وكذلك لا يقال: رحيم بالكافرين، مطلقا؟ ! .\nووجه آخر: أن أحدهما ألطف من الآخر؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه كل حرف\" (١).\nقال القرطبي: \"إنما وصف نفسه بـ ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] \" (٢).\nوقال ابن عرفة: \"قدم أولا الوصف بـ ﴿رَبّ العَالمِينَ﴾، تنبيها على أصل النشأة، وأنه هو الخالق المبدئ، ثم ثنى بحال الإنسان في الدّنيا من النعم والإحسان، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك\" (٣).\nوفي اشتقاق ﴿الرحمن﴾، قولان (٤):\nأحدهما: أنه اسم عبراني معرب، وليس بعربي، كالفسطاط رومي معرب، والإستبرق فارسي معرب، لأن قريشًا وهم فَطَنَةُ العرب وفُصَحَاؤهم، لم يعرفوهُ حتى ذكر لهم، وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿. . . وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وهذا قول ثعلب (٥)، واستشهد بقول جرير (٦) (٧):\nأو تتركون إلى القسّين هجرتكم ... ومسحكم صلبهم رحمن قربانا\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ١/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١١.\n(٣) تفسير ابن عرفة: ١/ ٣٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢.\n(٥) انظر: \"الزينة\" ٢/ ٢٥، \"الزاهر\" ١/ ١٥٣، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٣، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٥٢ \"تفسير القرطبي\" ١/ ٩١، \"اللسان\" (رحم) ٣/ ١٦١٢.\n(٦) هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٣٠٤، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٢٩٧، \"الخزانة\" ١/ ٧٥.\n(٧) البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي \"الزينة\" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء. انظر: \"الزينة\" ٢/ ٢٥، \"الزاهر\" ١/ ١٥٣، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٣، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٥٢ \"تفسير القرطبي\" ١/ ٩١، \"اللسان\" (رحم) ٣/ ١٦١٢.","vol":"1","page":230},{"text":"قال: ولذلك جمع بين الرحمن والرحيم، ليزول الالتباس، فعلى هذا يكون الأصل فيه تقديم الرحيم على الرحمن لعربيته، لكن قدَّم الرحمن لمبالغته.\nوحكي عن ثعلب أنه قال: \"إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون \"الرحمن\" في الجاهلية، الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - ﷺ - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (١)، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ لقنه من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (٢)، وزيد بن عمرو (٣)، وورقة بن نوفل (٤)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم\" (٥).\nوأنكر ذلك الطبري فقال: \"وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها \" (٦). ثم أنشد لبعض الجاهلية (٧):\nأَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا ... أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا\nوقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي (٨):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٩/ ٢٩، وتفسير القرطبي: ١٣/ ٦٤.\n(٢) واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي - ﷺ - شعره فقال: \"آمن شعره وكفر قلبه\" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي - ﷺ - كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٠٠، \"طبقات فحول الشعراء\" ص ١٠١، \"الاشتقاق\" ص ١٤٣، \"الخزانة\" ١/ ٢٤٧.\n(٣) زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث. انظر: \"الإصابة\" ١/ ٥٦٩، \"تجريد أسماء الصحابة\" ١/ ٢٠٠.\n(٤) هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة ﵂، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في \"تجريد أسماء الصحابة\" ٢/ ١٢٨، وانظر: \"الإصابة\" ٣/ ٦٣٣، \"الخزانة\" ٣/ ٣٩١.\n(٥) حكاه عنه الواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في تفسيره\" ١/ ١٣١، وانظر: \"الاشتقاق\" ص ٥٨، والماوردي في \"تفسيره\" ١/ ٥٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٤.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ١٣١، كما انكر ذلك الزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٢، وابن سيده في \"المخصص\" ١٧/ ١٥١ وغيرهم.\n(٧) لم أتعرف على قائله، واستشهد به ابن سيده في المخصص ١٧: ١٥٢، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي، وادعى أن البيت مصنوع، وأن \" بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة، صنعه ولفقه، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى، وركاكته تنادي جهارًا بصحة وضعه وصنعته، والصواب وهو الحق المجمع عليه، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه، هو الشنفرى الأزدي، وهذا البيت ليس في شعره \"، وأنه ملفق من قول الشنفرى: أَلا لَيْتَ شِعْرِي، والتَلهُّفُ ضَلَّةٌ ... بما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَاةِ هَجِينَهَا\nوالشنقيطي ﵀ كان كثير الاستطالة، سريعًا إلى المباهاة بعلمه وروايته. والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم. وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته: إيجاد الشواهد المعدومة، لدعاوى مجردة. وليس في البيت ركاكة ولا صنعة. [حاضية الطبري: ١/ ١٣١].\n(٨) ديوانه: ١٩، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء: ١٣١ في نسب الشاعر: سلامة بن جندل بن عبد الرحمن \"، وهذه رواية ابن سلام، وغيره يقول: \" ابن عبد \"، فإن صحت رواية ابن سلام، فهي دليل آخر قوي على فساد دعوى الشنقيطي.","vol":"1","page":231},{"text":"عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ\nوقال الواحدي: \" ومراد أبي العباس (١) أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى بعده بالرحيم الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم\" (٢)\nالقول الثاني: أن (الرحمن) اسم عربي كالرحيم لامتزاج حروفهما، وقد ظهر ذلك في كلام العرب، وجاءت به أشعارهم، قال الشنفري (٣):\nأَلا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلا ضَرَبَ الرًّحْمنُ رَبِّي يَمِينَهَا\nوالراجح-والله أعلم-: \"أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان\" (٤).\nقال الليث: \" ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان، اشتقاقهما من (الرحمة) \" (٥).\nوقال أبو عبيدة: \"هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة\" (٦).\nقال الواحدي: \" وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة، وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم\" (٧).\nوقال ابن عطية: \"وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة\" (٨).\nقال الماوردي: \" فإذا كانا اسمين عربيين فهما مشتقان من (الرحمة)، والرحمة هي النعمة على المحتاج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، يعني نعمةً عليهم، وإنما سميت النعمةُ رحمةً لحدوثها عن الرحمة، والرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم، لأن الرحمن يتعدى لفظه ومعناه، والرحيم لا يتعدى لفظه، وإنما يتعدى معناه، ولذلك سمي قوم بالرحيم، ولم يتَسَمَّ أحدٌ بالرحمن، وكانت الجاهليةُ تُسمِّي اللهَ تعالى به وعليه بيت الشنفرى، ثم إن مسيلمة الكذاب تسمَّى بالرحمن، واقتطعه من أسماء الله تعالى، قال عطاء: فلذلك قرنه الله تعالى بالرحيم، لأن أحدًا لم يتسمَّ بالرحمن الرحيم ليفصل اسمه عن اسم غيره،\n_________\n(١) هو أبو العباس ثعلب.\n(٢) التفسير البسيط: ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.\n(٣) لم أتعرف على قائله، واستشهد به ابن سيده في المخصص ١٧/ ١٥٢، والواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٤٥٦، والطبري: ١/ ١٣١.\n(٤) التفسير البسيط: ١/ ٤٥٨، وانظر: انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٥، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٨، \"المخصص\" ١/ ١٣١.\n(٥) تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، والنص من \"التهذيب\"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة ..) الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٧) التفسير البسيط: ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩. وجعله الطبري من إنكار العناد والمكابرة، وإن كانوا عالمين بصحته، وليس ذلك منهم إنكارا لهذا الاسم، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٦٤، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٣/ ٦٧.","vol":"1","page":232},{"text":"فيكون الفرق في المبالغة، وفرَّق أبو عبيدة بينهما، فقال بأن الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم\" (١).\nواختلفوا في اشتقاق (الرحمن والرحيم)، على قولين (٢):\nأحدهما: أنهما مشتقان من رحمة واحدةٍ، جُعِل لفظ الرحمن أشدَّ مبالغة من الرحيم.\nقال وكيع: \" (الرحيم) أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة\" (٣).\nوقالوا: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ، وقول طَرْفَه (٤) (٥):\nمَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي وَيَبْعُدِ\nوقول عدي (٦) (٧):\nوَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا\nفي أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال: \" الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر\" (٨).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٥٢ - ٥٣.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣.\n(٣) حكاه عنه الواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٤٦٠، ولم أجده عن وكيع فيما اطلعت عليه. والله أعلم.\n(٤) هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين. ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٠٣، \"الخزانة\" ٢/ ٤١٩.\n(٥) البيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من جفوة وخصام، (ينأ عني) و(يبعد) معناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، والمعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك، وقيل: ينأ: بالفعل، ويبعد: بالنفس لشدة بغضه لي. أورد البيت الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩ أ، وانظر: \"ديوان طرفة\" ص ٣٤ تحقيق وتحليل د. علي الجندي.\n(٦) عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة. ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٠، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٣٢٥، \"الخزانة\" ١/ ٣٨١.\n(٧) من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب. ويروي (قدمت) و(الراهش) عرق في باطن الذراع و(المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٧، \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٩ أ، ٧٣ أ، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٨، \"المستقصى\" ١/ ٢٤٣، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٣٥٧، \"الهمع\" ٥/ ٢٢٦، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٣١٠، \"اللسان\" (مين) ٧/ ٤٣١١، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٨.\nوالشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٩، وابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٥٢، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، والواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٤٦١، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٢، وابن كثير عن القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٢، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه) في سنده ضعف. انظر الطبري ١/ ٥٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" (رسالة دكتوراه) ١/ ١٤٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٣، \"المفسر عبد الله بن عباس والمروي عنه\" (رسالة ماجستير) ١/ ١٣٠.","vol":"1","page":233},{"text":"قال الحسين بن الفضل: \"غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر\" (١).\nقال الواحدي: \"يدل على هذا ما روي في الخبر: \"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف\" (٢)، وسمعت من يقول: معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة\" (٣).\nوقد أخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن صفوان التميمي في قوله: \" ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال: هما رقيقان أحدهما أرق من الآخر\" (٤).\nوالقول الثاني: أنهما مشتقان من رحمتين، والرحمة التي اشتق منها الرحمن، غير الرحمة التي اشتق منها الرحيم، ليصح امتياز الاسمين، وتغاير الصفتين، ومن قال بهذا القول اختلفوا في الرحمتين على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الرحمن مشتق من رحمة الله لجميع خلقه، والرحيم مشتق من رحمة الله لأهل طاعته.\nقال الضحاك: \" الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة\" (٥).\nوالقول الثاني: أن الرحمن مشتق من رحمة الله تعالى لأهل الدنيا والآخرة، والرحيم مشتق من رحمتِهِ لأهل الدنيا دُون الآخرة.\nوالقول الثالث: أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص الله تعالى بها دون عباده، والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلُها.\nوقد اخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: \" الرحمن: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه\" (٦).\nقال الشيخ ابن عثيمين: وذكر هذين الاسمين الكريمين في البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد لا من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \" لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، ثلاثة أوجه للقراءة (٨):\nأحدها: ﴿الرَّحْمَن ِ الرَّحِيمِ﴾، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمر، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٤٦٢،\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (٤٨٠٧) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في \"مسنده\" عن علي ١/ ١١٢، وعن عبد الله بن مغفل ٤/ ٨٧، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (٦٩٢٧) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -.\n(٣) التفسير البسيط: ١/ ٤٦٢، والقرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي ١/ ٩٢، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" في القرطبي ١/ ٢٢.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢١): ص ١/ ٢٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٠): ص ١/ ٢٨.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٢٢): ص ١/ ٢٨.\n(٧) رواه البخاري في صحيحه ٨/ ٩٨، حديث رقم ٦٤٦٧، باب القصد والمداومة على العمل.\n(٨) انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي الغرناطي، دار الفكر، بيروت، ٢٠٠٥ م: ١/ ٣٥.","vol":"1","page":234},{"text":"وبالخفض صفات مدح، فالخفض على النعت، وقيل في الخفض إنه بدل أو عطف بيان (١).\nوالثاني: رالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قرأ بها عيسى وابن عمرو.\nوالثالث: ﴿الرَّحِيمِ مَّالك﴾، قرأ بها السوسي، وأبو عمرو، ويعقوب، المطوعي، وابن محيصن، الحسن، اليزيدي.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين. ﴿الرحمن الرحيم﴾ لله ﷿؛ وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، ومن الرحمة التي هي الفعل ..\n٢ - ومنها: أن ربوبية الله ﷿ مبنية على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿رب العالمين﴾ كأن سائلًا يسأل: \"ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ، وانتقام؛ أو ربوبية رحمة، وإنعام؟ \" قال تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد\" (٢) \".\nالقرآن\n﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]\nالتفسير:\nوهو سبحانه وحده مالك يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الأعمال. وفي قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعمل الصالح، والكف عن المعاصي والسيئات.\nقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، \"أي: هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرّف المالك في ملكه\" (٣).\nقال التستري: \" أي: يوم الحساب\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يقول: لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا\" (٥).\nقال مقاتل: \"يعنى: مالك يوم الحساب كقوله- سبحانه- ﴿إِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]، يعني لمحاسبون وذلك أن ملوك الدُّنْيَا يملكون فِي الدُّنْيَا فأخبر- سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ لا يَمْلك يوم الْقِيَامَة أحد غيره فذلك قوله- تعالى-: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] \" (٦).\nو(المالك) في اللغة: \" (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة، ومَمْلَكة ومَمْلَكة، ويقال: إنه لحسن الملْكَة والمِلْك، وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب التوبة - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٢٧٥٥) (ج ٤ / ص ٢١٠٩).\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٩.\n(٤) تفسير التستري: ٢٣.\n(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٦): ص ١/ ١٤٩، وابن أبي حاتم (٢٤): ص ١/ ٢٩.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦.","vol":"1","page":235},{"text":"واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم\" (١).\nومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، قال أوس بن حجر (٢) (٣):\nفملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ\nقوله: ملك: أي: شدد.\nومنه قول قيس بن الخطيم (٤) (٥):\nملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من خلفها ما وراءها\nأي: شددت بالطعنة كفي.\nويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه. قال الشاعر (٦):\nفلا تمالك (٧) عن أرض لها عمدوا\nوملاك الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب ملاك الجسد (٨).\nوأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب (٩)، قال الشاعر (١٠):\nأبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة: (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، والمحكم: (ملك) ٧/ ٤٥، والحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٣، ١٧، والمخصص\" لابن سيده ١٧/ ١٥٧، وتفسير أسماء الله للزجاج ص ٣٠، واشتقاق أسماء لله للزجاجي ص ٤٣، ٤٤، والتفسير البسيط: ١/ ٤٩٧.\n(٢) أوس بن حجر من شعراء الجاهلية وفحولها، وأحد شعراء تميم، انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١١٤، \"الخزانة\" ٤/ ٣٧٩، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٣٢.\n(٣) ديوان أوس: ٩٧، وانظر: الحجة للفارسي ١/ ١٧، وتهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٥٠، والخصائص\" ٢/ ٣٦٣، ٣/ ١٧٢، واشتقاق أسماء الله\" ص ٤٦، والصحاح\" (ملك) ٤/ ١٦١٠، والمحكم\" (ملك) ٧/ ٤٦، واللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨، والخزانة\" ٢/ ٣٩٦.\nوقوله (ملك): شدد، و(الليط): القشر، و(القيض): القشر الغليظ فوق البيضة، و(الغرقاء): القشر الرقيق للبيضة، وهو يصف قوسا يقول: إنه قواه وذلك حين قشره فترك القشر الرقيق ليقويه به.\n(٤) هو قيس بن الخطيم بن عدي بن الخزرج، شاعر فارس، لقي النبي - ﷺ - ومات كافرا، ترجمته في \"طبقات فحول الشعراء\" ٩١/ ٩٢، \"الإصابة\" ٣/ ٢٨١، \"الخزانة\" ٧/ ٣٤.\n(٥) انظر: \"ديوان قيس\" ص ٨، \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٥٠، \"الصحاح\" ٤/ ١٦٠٩، \"المحكم\" ٧/ ٤٦، \"تاج العروس\" ١٣/ ٦٥٣، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٦٨، (المعاني الكبير) ٢/ ٩٧٨، ٩٨٣، \"الحجة\" للفارسي ١/ ١٣، ١٧، \"الخزانة\" ٧/ ٣٥.\nوالبيت من قصيدة لقيس قالها حين أصاب بثأره من قاتلي أبيه وجده، يقول: شددت بهذِه الطعنة كفى ووسعت خرقها، حتى يرى القائم من دونها الشيء وراءها ..\n(٦) ورد في \"التهذيب\" (ملك) ١٠/ ٢٧١، غير منسوب، وكذا في \"اللسان\" (ملك) ١٠/ ٤٩٤.\n(٧) تمالُك) بضم اللام في \"تهذيب اللغة\" وفي الحاشية: (جـ)، (ل) بفتح اللام، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٧١، وبالفتح في \"اللسان\" ١٠/ ٤٩٤.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨، ولتهذيب\" (ملك) ٤/ ٢٤٥٠، وانظر: \"المحكم\" ٧/ ٤٦، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨.\n(٩) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٤٩٩، وذكر الأزهري نحوه في التهذيب عن ابن الأعرابي: ٤/ ٣٤٥١، وانظر: \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٩.\n(١٠) أورده الأزهري بدون نسبه في \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٥١ و(أبا) ١/ ١٠٤، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٩، وكذا الزمخشري في \"أساس البلاغة\" (ملك) ٢/ ٤٠١.","vol":"1","page":236},{"text":"ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج (١).\nو﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾: أي يوم الحساب، قال ابن عباس: \" الدين يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شر شرا إلا من عفا عنه\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٤]، تأويلان:\nأحدهما: أنه يوم الجزاء. يعني: يوم يدين الله العباد بأعمالهم. وهذا قول الضحاك (٣)، وقتادة (٤)، وحمبد الأعرج (٥).\nدليله قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]، أي \"مجرّبون\" (٦).\nوالثاني: أنه الحساب. ومعنى الآية: قاضي يوم الحساب، وهذا قول ابن عباس (٧)، والسدي (٨)، ومقاتل (٩)، وابن جريج (١٠)، واختاره أبو عبيد (١١).\nودليهم: قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، أي: \"الحساب المستقيم\" (١٢).\nومنه قوله ﷺ: \"الكيس من دان نفسه \" (١٣). أي حاسبها (١٤).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿الدِّينِ﴾ الحساب والجزاء، يقال فى المثل: «كما تدين تدان» (١٥) \" (١٦).\nقال الطبري: \": والدين في هذا الموضع، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جُعَيْل (١٧):\nإِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُم ... ودِنَّاهُمُ مِثْلَ ما يُقْرِضُونَا\nوكما قال الآخر (١٨):\n_________\n(١) انظر: \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، وانظر: \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨.، والتفسير البسيط: ١/ ٤٩٩.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥): ص ١/ ٢٩.\n(٣) ذكره الثعلبي في تفسيره: ١/ ١١٥.\n(٤) أخرجه الطبري (١٦٩): ص ١/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦): ص ١/ ٢٩.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٦٧): ص ١/ ١٥٦.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٥.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٧٠): ص ١/ ١٥٧.\n(١١) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٤٣٩.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٥.\n(١٣) الحديث أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، وقال: حديث حسن. الترمذي (٢٤٥٩)، أبواب صفة القيامة، وابن ماجه (٤٢٦٠) كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ١٢٢، وهو بنصه في \"تهذيب اللغة\" (دان) ٢/ ١١٣٦.\n(١٤) التفسير البسيط: ١/ ٥٠٥.\n(١٥) هذا المثل فى الكامل ١٨٥، الجمهرة ٢/ ٣٠٦، جمهرة الأمثال ٢/ ١٥٤، الميداني ٢/ ٢٧٣، اللسان، التاج (دين)، الفرائد ٢/ ١٢٢ ..\n(١٦) مجاز القرآن: ١/ ٢٣.\n(١٧) الكامل للمبرد ١: ١٩١، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ١: ٥٢، المخصص ١٧: ١٥٥.\n(١٨) الكامل للمبرد ١: ١٩٢ منسوبًا إلى يزيد بن أبي الصعق الكلابي، وكذلك في جمهرة الأمثال للعسكري: ١٩٦، والمخصص ١٧: ١٥٥، وفي اللسان (زنأ) و(دان) منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلابي، وفي الخزانة ٤: ٢٣٠ إلى بعض الكلابيين. يقولون: إن الحارث بن أبي شمر الغساني كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابي، وكان أبوها غائبًا، فلما قدم أخبر. فوفد إليه فوقف بين يديه وقال: يَا أَيُّهَا المَلِكُ المُقِيتُ! أمَا تَرى ... لَيْلًا وصُبْحًا كَيْف يَخْتَلِفَانِ؟\nهَلْ تَسْتَطِيعُ الشَّمْسَ أن تَأتِي بها ... لَيْلًا؟ وهل لَكَ بِالْمَلِيك يَدَانِ؟\nيَا حَارِ، أيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":237},{"text":"وَاعْلَمْ وأَيْقِنْ أنَّ مُلْككَ زائلٌ ... واعلمْ بأَنَّكَ مَا تدِينُ تُدَانُ\nيعني: ما تَجْزِي تُجازى.\nومن ذلك قول الله جل ثناؤه ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ - يعني: بالجزاء - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [سورة الانفطار: ٩، ١٠] يُحصون ما تعملون من الأعمال، وقوله تعالى ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٦]، يعني غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسَبين\" (١).\nوفي أصل (الدين) في اللغة، قولان (٢):\nأحدهما: العادة، ومنه قول المثقَّب العَبْدِي (٣):\nتَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدينِي\nأي عادته وعادتي.\nوالثاني: أنَّ أصل الدين الطاعة، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى (٤):\nلَئِن حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أَسَدٍ ... في دِينِ عَمْرٍو وَمَالتْ بَيْنَنَا فَدَكُ\nأي في طاعة عمرو.\nوفي هذا اليوم قولان (٥):\nأحدهما: أنه يوم، ابتداؤه طلوع الفجر، وانتهاؤه غروب الشمس.\nوالثاني: أنه ضياء، يستديم إلى أن يحاسب الله تعالى جميع خلقه، فيستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.\nوفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان (٦):\nأحدهما: أنه يوم ليس فيه ملك سواه، فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك، وهذا قوله الأصم (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٥٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٦ - ٥٧.\n(٣) ديوانه: ١٩٥، وانظر: الكامل ١/ ٣٢٩، الصناعتين ص ٨٦ \"اللسان\" (درأ) ١٣٤٩، الطبري ١/ ٥١١، \"تأويل مختلف الحديث\" ٨٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٦٦، \"تاج العروس\" (درأ) ١/ ١٥٠.\n(٤) البيت في \"شرح ديوانه\" ص ١٨٣، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٠٩.\nو\"جو\": موضع في ديار بني أسد، و\"عمرو\": هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، و\"فدك\": قرية معروفة شمال الحجاز.\nوالشاعر يخاطب الحارث بن ورقاء الأسدي، الذي أغار على إبل زهير، وأسر راعيه وكانت بنو أسد تحت نفوذ عمرو بن هند ملك العراق، فهدد زهير الحارث بهجاء لاذع إن لم يرد الإبل والراعي، يقول بعد البيت المذكور:\nليأتينك مني منطق قذع ... باق، كما دنس القبطية الودك\nانظر: \"شرح الديوان\" ص ١٦٤، ١٨٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٧.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٧.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٧.","vol":"1","page":238},{"text":"والثاني: أنه لما قال ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يريد به ملك الدنيا، قال بعده: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يريد به ملك الآخرة، ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة.\nقال الواحدي: \" وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه\" (١).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة، عن النبيﷺ- قال: \"قال الله تعالى: كتبت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: مالك يوم الدين قال: فوض عبدي وأثنى علي\" (٢).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، على ثلاثة قراءات متواترة (٣):\nالقراءة الأولى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بألف، قرأ بها عاصم والكسائي، ويعقوب.\nوحجتهم (٤):\nأولا: أن الملك داخل تحت المالك. والدّليل له: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ولم يقل: ملك الملك.\nوالثاني: ويعضده قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] (٥).\nوالثالث: أن ﴿مالك﴾ أمدح من ﴿ملك﴾، لأنه يجمع الاسم والفعل.\nوالرابع: ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر معناها الملك (٦).\nوأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك)، منهم: \"أبو عبيدة، وأبو حاتم (٧)، والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (٨) \" (٩).\nوقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد\n_________\n(١) التفسير البسيط: ١/ ٥٠٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣): ص ١/ ٢٩.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٠٤، والحجة للقراء السبعة: ٦٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ٢٨.\n(٤) انظر: السبعة في القراءات: ١٠٤، والحجة للقراء السبعة: ٦٢.\n(٥) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٢٨.\n(٦) انظر: الحجة: ١/ ١٩.\n(٧) أبو حاتم هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني. نزيل البصرة وعالمها، من أئمة اللغة والشعر، والنحو إلى أنه لم يكن فيه حاذقًا، تلقى على أبي زيد، وأبي عبيدة والأصمعي، توفي سنة (٢٥٥ هـ).\n(٨) احتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: \" (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) \". [التفسير البسيط: ١/ ٥٠١، وذكر الأزهري نحوه عن المنذري عن أبي العباس. \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، وانظر: \"الحجة\" ١/ ١٥].\n(٩) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٨/ أ، \"الزينة\" ١/ ١٠٠، ١٠١، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٠، \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، والتفسير البسيط: ١/ ٥٠١.","vol":"1","page":239},{"text":"يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (١)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (٢).\nالقراءة الثانية: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بغير ألف. قرأ بها الباقون.\nوحجتهم (٣):\nأولا: قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣، والجمعة: ١]، وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [طه: ١١٤، والمؤمنون: ١١٦].\nوالثاني: أن (الملك) أخص من (المالك) وأمدح؛ لأنه قد يكون المالك غير ملك، ولا يكون الملك إلا مالكا.\nقال أبوبكر البغدادي: \"قال أبو حمدون عن اليزيدي عن أبي عمرو: \" ﴿ملك﴾ يجمع مالكا، و﴿مالك﴾ لا يجمع ملكا\" (٤).\nوالثالث: أن قوله ﴿مالك يوم الدين﴾، إنما هو ذلك اليوم بعينه، في حين أن ﴿ملك يوم الدين﴾، ملك ذلك اليوم بما فيه.\nوتفسير الآية على هذا الوجه من القراءة: أن \"لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة، وأنّ له - من دُونهم، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: ١٦]. فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار\" (٥).\nواختار البيضاوي القراءة الثانية، حيث قال: \" وهو المختار، لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ولما فيه من التعظيم، والمالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء من الملك، والملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من الملك\" (٦).\nقال الواحدي: \" (الملك) أشمل وأتم؛ لأنه قد يكون مالك ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق\" (٧).\nكما وقد اختار الإمام الطبري القراءة الثانية، إذ يقول: وأولى التأويلين بالآية قراءةُ من قرأ ﴿مَلِكِ﴾ بمعنى (المُلك)، لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة\n_________\n(١) ذلك أن (مالكا) يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل فلذلك يعمل (فاعل) فينصب كما ينصب الفعل. انظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٦.\n(٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٢، ١٥، ١٦، \"الكشف\" ١/ ٢٥، ٢٦.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٠٤، والحجة للقراء السبعة: ٦٢.\n(٤) السبعة في القراءات: ١٠٤.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ١٤٩.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٢٨.\n(٧) التفسير البسيط: ١/ ٤٩٩، وانظر: حجة القراءات لابن زنجلة ص ٧٧ - ٧٩، والكشف\" ١/ ٢٦.","vol":"1","page":240},{"text":"زيادة المِلك على المالك، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا \" (١).\nثم ذكر الطبري بأن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فحمل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على وصف زائد أحسن (٢).\nومن نصر القراءة الأولى، أجاب ابن جرير الطبري بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. في أمثال كثيرة لهذا (٣).\nقال ابن كثير: قرأ بعض القراء (ملك يوم الدين) وقرأ آخرون (مالك) وكلاهما صحيح متواتر في السبع، ويقال (ملك) بكسر اللام وبإسكانها، ويقال: (مليك) أيضا، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ (ملكي يوم الدين)، وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى وكلتاهما صحيحة وحسنة (٤).\nقال ابن عثيمين: \" وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة؛ وهي أن ملكه جلّ وعلا ملك حقيقي؛ لأن مِن الخلق مَن يكون ملكًا، ولكن ليس بمالك: يسمى ملكًا اسمًا وليس له من التدبير شيء؛ ومِن الناس مَن يكون مالكًا، ولا يكون ملكًا: كعامة الناس؛ ولكن الرب ﷿ مالكٌ ملِك\" (٥).\nقلت: ولا وجه لتفضيل قراءة على أخرى -كما فعل بعض المفسرين-؛ إذ لا يظهر وجه للتفضيل هنا، وكل قراءة تدل على معنى جميل في ذاته. والله أعلم.\nالقراءة الثالثة: ﴿مَلِكَ﴾، على وزن ﴿فَعِلَ﴾، قرأ بها ابن كثير، أبو عمرو.\nوفي الآية قراءات شاذة، وهي (٦):\n١ - (مَلْكِ) على وزن (فَعْلِ)، قرأ بها عاصم الجحدي، وأبو عمرو.\n٢ - (مَلِكِي) بإشباع (الكاف)، وهي قراءة أحمد بن صالح عن ورش عن نافع.\n٣ - (مَلَكَ يومَ) بصيغة فعل الماض، قرأ بها عاصم بن ميمون الجحدي، والحسن، وعلي بن أبي طالب.\n٤ - (مالكَ): قرأ بها المطوعي، والأعمش.\n٥ - (مَلُكَ) على وزن (فَعُلَ): قرأ بها عاصم الجحدي، ورواها الجعفي وعبدالوارث عن أبي عمرو.\n٦ - (ملكًا): روى ابن أبي عاصم عن اليمان.\n٧ - (مالكٌ يومَ): قرأ بها خلف ابن هشام.\n٨ - (مليكِ) على وزن (فعيلِ): وهي قراءة أبي بن كعب\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٥٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٥٠.\n(٣) انظر: التفسيرالبسيط: ١/ ٥٠٢، والحجة: ١/ ١٨ - ١٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٤.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢.\n(٦) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٢٨، وتفسير القرطبي: ١/ ٣٦ - ٣٧، والكتاب الفريد في اعراب القران المجيد: ١/ ٧٦ - ٧٧، ومجمع البيان، الطبرسي: ١/ ٣٢، والبحر المحيط في التفسير: ١/ ٣٨ - ٣٩.","vol":"1","page":241},{"text":"٩ - (مالك) بالإمالة بين بين، وهي قراءة قتيبة بن مهران عن الكسائي.\n١٠ - وقرئ: ﴿مالكا﴾، بالنصب على المدح أو الحال.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات ملك الله ﷿، وملكوته يوم الدين؛ لأن في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات، والملوك.\nفإن قال قائل: أليس مالك يوم الدين، والدنيا؟\nفالجواب: بلى؛ لكن ظهور ملكوته، وملكه، وسلطانه، إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] فلا يجيب أحد؛ فيقول تعالى: ﴿لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]؛ في الدنيا يظهر ملوك؛ بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم؛ فالشيوعيون مثلًا لا يرون أن هناك ربًا للسموات، والأرض؛ يرون أن الحياة: أرحام تدفع، وأرض تبلع؛ وأن ربهم هو رئيسهم ..\n٢ - ومن فوائد الآية: إثبات البعث، والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾.\n٣ - ومنها: حث الإنسان على أن يعمل لذلك اليوم الذي يُدان فيه العاملون.\nالقرآن\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]\nالتفسير:\nإنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة. وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده، وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء.\nقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، \"أي: نخصَّك يا ألله بالعبادة\" (١).\nقال ابن عباس: \" إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك \" (٢).\nقال قتادة: يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أمركم\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: نوحّد، كقوله- سُبْحَانَهُ- فِي المفصل: ﴿عابِداتٍ﴾ [التحريم: ٣]، يعني: موحدات\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك\" (٥).\nقال ابن عطية: \" معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة\" (٦).\nقال الصابوني: أي: \" فلا نعبد أحدًا سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع\" (٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١٧١): ص ١/ ١٥٧، وابن أبي حاتم (٢٧): ص ١/ ٢٩.\n(٣) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٩): ص ١/ ٢٩.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦،\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ١٥٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٧٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٩.","vol":"1","page":242},{"text":"قال البيضاوي (١) والزمخشري (٢): أي: \" نخصك بالعبادة\".\nقال ابن كثير: \" أي: لا نعبد إلا إياك، وقدم المفعول وهو ﴿إياك﴾، وكرر؛ للاهتمام والحصر، وإنما قدم: ﴿إياك نعبد﴾ على ﴿وإياك نستعين﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أي: نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة\" (٤).\nقال التستري: \" أي نخضع ونذل ونعترف بربوبيتك ونوحدك ونخدمك، ومنه اشتق اسم العبد\" (٥).\nقال الخطيب المكي: أي: \" نفردك وحدك بالدعاء الذي هو مخ العبادة فلا ندعو غيرك ولا نؤمل في سواك لاعتقادنا الجازم بأنه ليس غيرك من يسمع النداء ويجيب الدعاء، أو يحقق الرغبات ويستحق العبادة. فأنت أنت الفعال لما تريد، المؤثر في كل شيء، المقصود قبل كل أحد، المعطي المانع لا شرك لك\" (٦).\nوفي: ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥]، قولان (٧):\nأحدهما: أنها اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف، وهذا قول الخليل (٨)، وأبي عثمان المازني (٩) (١٠).\nقال سيبويه: \"حدثني من لا أتهم عن الخليل: أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب\" (١١).\nوحكى سيبويه أيضا عن الخليل أنه قال: \"لو أن قائلا قال: إياك نفسك لم أُعَنَّفْه (١٢)، لأنَّ هذه الكاف مجرورة\" (١٣).\nواعترض ابن جني قائلا: \" أما قول الخليل إن إيا اسم مضمر مضاف، فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر، فلا سبيل إلى إضافته على وجه من الوجوه، لأن الغرض في\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ٢٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ١٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٤ - ١٣٥. [بتصرف بسيط]. وللرازي في هذا التقديم تعليلات يطول ذكرها. انظر (تفسيره) ١/ ٢٥٤.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٧.\n(٥) تفسير التستري: ١٢.\n(٦) تفسير الخطيب المكي: ١/ ١٣.\n(٧) انظر: سر صناعة الإعراب لابن جني: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١، والإغفال (رسالة ماجستير): ٥٢، والنكت والعيون: ١/ ٥٧، والتفسير البسيط: ١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.\n(٨) انظر: سر صناعة الإعراب لابن جني: ١/ ٣٢٠، والنكت والعيون: ١/ ٥٧، والتفسير البسيط: ١/ ٥٠٦.\n(٩) هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، النحوي المشهور، أستاذ أبى العباس المبرد، اختلف في سنة وفاته فقيل: (٢٣٦ هـ)، وقيل: (٢٤٨ هـ)، وقيل: غير ذلك. انظر ترجمته في \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٨٧، \"تاريخ بغداد\" ٧/ ٩٣، \"إنباه الرواة\" ١/ ٢٤٦، \"معجم الأدباء\" ٢/ ٣٤٥، \"نزهة الألباء\" ص ١٤٠.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٥٠٦.\n(١١) الكتاب: ١/ ٢٧٩، وانظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٣٢٠.\n(١٢) أعنفه: أعنف به وعليه أي أخذه بشدة وقسوة. مادة \"ع ن ف\" اللسان \"٤/ ٣١٣٢\".\n(١٣) الكتاب: ١/ ٢٧٩، وانظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٣٢٠.","vol":"1","page":243},{"text":"الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص، فلا حاجة به إلى الإضافة\" (١).\nوالثاني: أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف، وهذا قول الأخفش (٢)، وحكاه ابن كيسان عن بعض النحويين (٣)، واختاره ابن جني (٤).\nقال الزمخشري: \" وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون، وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب» فشيء شاذ لا يعوّل عليه\" (٥).\nقال الراغب الأصفهاني: \" والقولان لا تنافي بينهما في الحقيقة، لأن ذلك بنظرين مختلفين، وذاك أن الضمير المتصل إذا قدم أو فصل بينه وبين المتصل به لا يحسن النطق به مفردًا، فضم إليه: \" إيا \" ليصير بذلك كلامًا مستقلًا، فمن قال: الضمير هو الكاف، فإنما اعتبر بذلك بعد انضمام \" إيا \" إلى الضمير، والعرب كما أنهم يتحرون بالحروف المركبة إفادة المعنى، فقد يأتون ببعضها تهذيبًا للفظ وتحسينًا له، بدلالة إدخالهم الحروف بين الحرفين المتنافرين في التركيب، لئلا يقبح التفوه بهما\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ثلاثة تأويلات (٧):\nأحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى، لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا\nيستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر.\nوالثاني: أن العبادة الطاعة.\nوالثالث: أنها التقرب بالطاعة.\nقال الماوردي: \" والأول أظهرها، لأن النصارى عبدت عيسى ﵇، ولم تطعه بالعبادة، والنبيﷺ- مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة\" (٨).\nقال الراغب: \" إن قيل: كيف قال: \" إياك \" نعبد ولو قال: \" نعبدك \" كان أوجز منه لفظًا؟ قيل: إن عادتهم أن يقدموا من الفاعل والمفعول ما القصد الأول إليه، والاهتمام متوجه نحوه، وإن كان في ذكر الجملة القصدان جميعًا.\nتقول: بالأمير استخف الجند - إذا كان القصد الأول ذكر من وقع به استخفاف الجند - و\" الأمير أستخف بالجند - إذا كان القصد الأول إلى من أقدم على الاستخفاف بهم.\nولما كان القصد الأول - في هذا الموضع - ذكر المعبود دون الإخبار عن إتخاذ عبادتهم، كان تقديم ذكره أولى.\n_________\n(١) سر صناعة الإعراب: ١/ ٣٢١.\n(٢) انظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٣٢٠.\n(٣) انظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٣٢٠.\n(٤) انظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٣٢٠، حيث قال: \" وتأملنا هذِه الأقوال على اختلافها والاعتدال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما يصح مع الفحص والتنقيب غير قول أبي الحسن الأخفش\".\n(٥) الكشاف: ١/ ١٣.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٧ - ٥٨.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٧ - ٥٨.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٥٨.","vol":"1","page":244},{"text":"وعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ وأيضًا، ففي ذكر المفعول إشارة إلى إثبات الحكم المذكور ونفيه عن غيره تقول: إليك أفزع تنبيهًا أني لا أفزع إلا إليك.\nوإذا قال: أفزع إليك، فليس فيه المعنى وعلى هذا فسر ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما فقال: معناه: لا نوجد غيرك وقال بعضهم: إنما نبه تعالى بتقديم ذكر أن تكون نظر العباد من المعبود إلى عبادتهم له لا من العبادة إلى المعبود، وعلى ذلك فضل ما حكي الله عن نبينا - ﵇ - إذ قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فنظر من الله تعالى إلى نفسه على ما حكى عن موسى ﵇ حين قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ فقدم ذكر نفسه، ونظر منها إلى ربه\" (١).\nوالعبادة لغة: \"التذلل .. وبعير معبد: مذلل. وطريق معبد: مسلوك مذلل (٢).\nقال الزجاج: \" معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، يقال هذا طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء، وبعير معبد، إذا كان مطليا بالقطران\" (٣).\nقال ابن فارس: العين والباء والدال أصلان صحيحان. كأنهما متضادان، والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل. والآخر على شدة وغلظ. فالأول: العبد المملوك .. والمعبد: الذلول .. والطريق المعبد المسلوك المذلل، والأصل الآخر: العبدة وهي القوة والصلاة يقال: هذا ثواب له عبدة، إذا كان صفيقًا قويًا (٤).\nقال الطبري: \" وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة: معبَّدًا. ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد (٥):\nتُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت ... وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ\nيعني بالموْر: الطريق. وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء\" (٦).\nوالعبادة اصطلاحًا هو: \" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة\" (٧) (٨).\n_________\n(١) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٥٩.\n(٢) لسان العرب، مادة عبد ٣/ ٢٧٤.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٨.\n(٤) معجم مقاييس اللغة ٤/ ٢٠٥، ٢٠٦ باختصار.\n(٥) ديوان الستة الجاهليين: ٣١. يصف ناقته. تباري: تجاريها وتسابقها. والعتاق جمع عتيق: وهو الكريم المعرق في كرم الأصل. وناجيات: مسرعات في السير، من النجاء، وهو سرعة السير. والوظيف: من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه. وعنى بالوظيف هنا: الخف.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ١٦١.\n(٧) العبودية، ص ٣١.\n(٨) فالمراد بـ\"ما يحبه الله ويرضاه\": كل أمر يجري وفق شرع الله ﷾ من الواجبات والمندوبات والمباحات. وكذلك ترك المنهيات، فإن الله يحب أن نترك ما نهانا عنه، من الأقوال والأفعال: (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال) فمن ترك ذلك فقد أرضى ربه. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧٧]، ترك كل ذلك يرضي الله ﷾ ويحب الله تاركيه ما داموا قد تركوها من أجله.\nوالمراد بقوله: \"الباطنة والظاهرة\" فهناك أعمال للقلوب وهي باطنة لا يطلع عليها إلا الله ﷾، وقد نحس بآثارها على المتصف بها: فمما ورد في ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥٥).\nإن الاستسلام لأمر الله، والتصديق الجازم بما أنزله على رسوله، والإخبات لأمر الله والاستمرار عليه والخشوع بتدبر أوامر الله ونواهيه والتذلل لها، وصدق الحال والإخلاص في الأعمال .... كل هذه أعمال باطنة وصفات قلبية لا نحس إلا بآثارها على المتصف بها.\nأما الأقوال والأعمال الظاهرة فكل ما نقوله ضمن حدود الشرع وأحكامه وما نعمله من أعمال وفق أحكام الشرع وليست متناقضة معها فهو داخل في العبادة. فالأب عندما يؤدب أولاده قال قولًا ظاهرًا فهو في عبادة، والمدرس إذا ألقى درسًا في أي موضوع تجريبي تطبيقي- مسألة في الرياضيات، أو معادلة كيماوية، أو قانونًا طبيعيًا- أو في علم نظري: في التربية أو مهارة أدبية في التعبير فكأنما قال حكمًا شرعيًا في الفقه أو الحديث النبوي أو التفسير، فهو مأجور على كل ذلك لأنه أوصل منفعة لطلابه يستفيدون منها في حياتهم العلمية والعملية.\nوكذلك الأعمال التي يقوم بها الأفراد هي عبادة: عيادة المريض عبادة، صلة الرحم عبادة، وكما تقدم إماطة الأذى عن الطريق عبادة، إصلاح ذات البين عبادة، إكرام الضيف عبادة، إعانة الأخرق عبادة، .... وهكذا.\nيقول محمد قطب \"وهكذا يقضون الحياة كلها في عبادة ... عبادة تشمل نشاط الروح كله، ونشاط العقل كله، ونشاط الجسد كله، ما دام هذا كله متوجهًا به إلى الله، وملتزمًا فيه بما أنزل الله، وهذا هو المفهوم الصحيح للعبادة كما أنزله الله .. المفهوم الشامل الواسع العميق ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. [مفاهيم ينبغي أن تصحح، ص ٢٠٥، طبعة دار الشروق].\nولقد ضمر معنى العبادة في نفوس بعض المسلمين وعقولهم بحيث حصروها في الشعائر التعبدية: الصلاة، الزكاة الصوم، الحج، وربما أضاف بعضهم إليها الذكر، والجهاد ولكن دلالة العبادة أوسع بكثير من ذلك، فإنها تشمل الحياة كلها. وهذا ما تدل عليه نصوص الكتاب والسنة وفهم صحابة رسول الله ﷺ، فقد أطلق القرآن الكريم مصطلح (العمل الصالح) على كل ما يقوم به الإنسان من جهد بشري يبتغي به وجه الله تعالى، أو يقوم به نتيجة تكليف من الله تعالى، أو ما فيه منفعة لنفسه، ولمن حوله أو للمخلوقات عامة، ولو تتبعنا هذا المصطلح لوجدناه يشمل مجالات الحياة كلها:\n١ - في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، أي أقام حياته على الطاعة وعمل الخير.\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨]، حيث أطلق العمل الصالح على ما يقتضيه الإيمان من الواجبات، ومنها طاعة أولي الأمر والالتزام بأنظمة الدولة ومصالح المجتمع.\n٣ - في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].","vol":"1","page":245},{"text":"قال المراغي: \"العبادة: خضوع ينشأ عن استشعار القلب بعظمة المعبود اعتقادا بأن له سلطانا لا يدرك العقل حقيقته لأنه أعلى من أن يحيط به فكره، أو يرقى إليه إدراكه\" (١).\nقال ابن كثير: \"والعبادة في الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف\" (٢).\nقال الواحدي: \" معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله ﷿، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، \"أي ونخصّك بطلب شيئًا الإعانة\" (٤).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٣٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٤. وهذه تسمى أركان العبادة.\n(٣) التفسير البسيط: ١/ ٥١٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٩.","vol":"1","page":246},{"text":"قال مقاتل: \" عَلَى عبادتك\" (١).\nقال ابن عباس: \" على طاعتك وعلى أمورنا كلها\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" نستوفي ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمورنا كلّها\" (٣)\nقال الصابوني: أي: \" وإيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عون أحدٌ سواك\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \" ولا نتوكل إلا عليك\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" نخصك بطلب المعونة\" (٦).\nقال ابن عطية: \" معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرؤ من الأصنام\" (٧).\nقال الخطيب المكي: أي: \" نفردك وحدك بالاستعانة فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بما منحتنا من قوة الروح، وما أودعته إيانا من سائر القوى الخفية الكامنة في أجسامنا، ولولاك ما استطعنا تحمل المشاق ومكافحة الخطوب والأحداث، بل لم نذق لذة الحياة. ولذلك فإنا نفوض إليك كل أمورنا ونرجو عونك على بلوغ آمالنا ودفع الشر عنا بما لك من كامل العلم بما ينفعنا وما يرضيك عنا يا أكرم الأكرمين\" (٨).\nوقيل: (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك (٩).\nوالأصل في ﴿نستعين﴾: \"نستعون، لأنه إنما معناه من المعونة والعون، ولكن الواو قلبت ياء لثقل الكسرة فيها، ونقلت كسرتها إلى العين، وبقيت الياء ساكنة، لأن هذا من الإعلال الذي يتبع بعضه بعضا نحو أعان يعين وأقام يقيم\" (١٠).\nوفي تكرار ﴿إياك﴾، قولان:\nأحدهما: أن التكرار لغرض التوكيد، والإهتمام، والإختصاص.\nقال أبو بكر: \"وإنما كرر ﴿إياك﴾ للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) \" (١١).\nقال الثعلبي: \" وإنّما كرّر ﴿إِيَّاكَ﴾، ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبرا عن موسى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤]، ولم يقل: كي نسبحك ونذكرك كثيرا، وقال الشاعر (١٢):\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦،\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠): ص ١/ ٢٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٩ - ٢٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٤.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٣.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٧٢.\n(٨) تفسير الخطيب المكي: ١/ ١٣.\n(٩) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٣٠.\n(١٠) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩.\n(١١) حكاه عنه الواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٥١٧.\n(١٢) في اللسان (مصر) منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت. واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد، والبيت منسوب لعدي في تفسير الطبري: ١/ ١٦٥، والمصر: الحاجز والحد بين الشيئين. يقول: جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار.","vol":"1","page":247},{"text":"وجَاعِل الشَّمس مِصْرًا لا خَفَاءَ بِه ... بَيْن النَّهارِ وَبيْنَ اللَّيل قد فَصَلا\nولم يقل بين النهار والليل. وقال الآخر (١):\nبَيْنَ الأشَجِّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ ... بَخْ بَخْ لوَالِدِهِ وللمَولُودِ \" (٢).\nقال ابن عطية:: \" وتكررت ﴿إِيَّاكَ﴾، بحسب اختلاف الفعلين، فاحتاج كل واحد منهما إلى تأكيد واهتمام\" (٣).\nقال أبو حيان: \" كرر ﴿إياك﴾ ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه\" (٤).\nقال أبو السعود: \"تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة\" (٥).\nقال الراغب: \" وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لكان يصح أن يعتقد أن الاستعانة بغيره، وكان إعادته أبلغ\" (٦).\nوالثاني: أن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك، وإن كان ترك الإعادة جائزا. وهذا قول الطبري (٧).\nوالراجح أن الغرض من التكرار للتوكيد والتنصيص، والإهتمام، \" لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت، قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، أراد (وما قلاك) (٨) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني\" (٩). والله أعلم.\n_________\n(١) البيت لأعشى هَمْدان، انظر: ديوان الأعشين: ٣٢٣، والأغاني ٦/ ٤٦، ٦١، وتفسير الطبري: ١/ ١٦٥، وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح، كان أحد الفقهاء القراء، ثم ترك ذلك وقال الشعر. يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي، وكان خرج على الحجاج، فخرج معه الفقهاء والقراء، فلما أسر الحجاج الأعشى، قال له: ألست القائل: وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا! وقتله. الأشج: هو الأشعث والد عبد الحمن، وقيس جده. وبخ بخ: كلمة للتعظيم والتفخيم.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٨.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٧٢.\n(٤) البحر المحيط\" ١/ ٢٥.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(٨) قال أبو حيان: \"حذف المفعول اختصارا في (قلى) إذ يعلم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول - ﷺ -. \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٥.\nوقال الرازي في حذف الكاف وجوه:\n١ - اكتفاء بالكاف في (ودعك)، ولأن رؤوس الآيات بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف.\n٢ - الإطلاق، أنه ما قلاك، ولا أحدا من أصحابك، ولا أحدا ممن أحبك\". [انظر: مفاتيح الغيب: ٣١/ ٢٠٩، وانظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٩٤].\n(٩) التفسير البسيط: ١/ ٥١٧.","vol":"1","page":248},{"text":"وفي تقديم العبادة على الاستعانة، في الآية أقوال (١):\nأحدها: أنه على التقديم والتأخير.\nوالثاني: أن (الواو) لا تقتضي الترتيب.\nقال الراغب: والوجه - في ذلك - أن الله تعالى علم خلقه بذلك أن يقدموا حقه ثم يسألوه ليمونوا مستحقين للإجابة\" (٢).\nوالثالث: أن قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: في موضع الحال، أجازه الراغب (٣)، واستشهد بقول الشاعر (٤):\nبَأَيْدِيّ رِجَالٍ لَمْ يشُيِمُوا سُيُوفَهُمْ ... ولم يكْثُر الْقَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ\nفقوله: ولم يكثر القتلى بها، في موضع الحال.\n\nوالاستعانة لغة: مصدر استعان وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشيء، يقال: فلان عوني أي معيني وقد أعنته، والاستعانة طلب العون، قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، والعون: الظهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنث فيه سواء. وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السنة جاء معها أعوانها، يعنون بالسنة: الجدب. وبالأعوان: الجراد والذئاب والأمراض، وتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا على واعتونوا: أعان بعضهم بعضا، وتعاونا: أعان بعضنا بعضا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للناس وكل شيء أعانك فهو عون لك كالصوم عون على العبادة (٥).\nوالاستعانة اصطلاحا: \" طلب العون من الله والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه \". (٦).\nقال السعدي إن الاستعانة هي: \" الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع الثقة به في تحصيل ذلك \" (٧).\n_________\n(١) انظرك تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٥٩ - ٦٠.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٩.\n(٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٦٠.\n(٤) شرح ديوان الحماسة\" اللمرزوقي ص ١٢٢، \"لسان العرب\" (شيم) ٤/ ٢٣٨٠، \"المعاني الكبير\" ٣/ ١٢٦٥.\nوالبيت أنشده المبرد، ونسبه للفرزدق، وقال عنه المبرد: هذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله: لم يشيموا: أي: لم يُغمدوا، ولم تكثر القتلى، أي: لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت. الكامل ١/ ٤٠١، وقال المحقق: لم أجده في ديوان الفرزدق، ط: دار صادر. وبحثت عنه في ط: دار بيروت، فلم أجده أيضًا. وأنشده الزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ٧٧، ولم ينسبه. وفيه: ولم يكثروا. وأنشده ابن الأنباري، الإنصاف ٢/ ٦٦٧، ولم ينسبه، وفي الحاشية: وقد وجدته في ديوان الفرزدق بيتًا مفردًا.\n\n(٥) لسان العرب لابن منظور (١٣\\ ٢٩٨ - ٢٩٩)، وانظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، القاهرة ١٩٨٢ م (٦\\ ٢١٦٨ - ٢١٦٩)، والمفردات في غريب القرآن، الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق وضبط: محمد خليل عيتاني، دار المعرفة، بيروت، ط ٤، ١٤٢٦ هـ، ص (٣٥٦).\n(٦) مجموع الفتاوى: ١/ ١٠٣.\n(٧) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الصفا بالزقازيق (١\\ ١٥).","vol":"1","page":249},{"text":"والاستعانة تجمع بين أصلين (١):\nأحدهما: الثقة بالله.\nوالثاني: الإعتماد عليه.\nوالتوكل أيضا يلتئم من هذين الأصلين، لذلك قد سوى ابن القيم بين التوكل والاستعانة وقال في تعريفهما: \" التوكل والاستعانة، حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله تعالى، والإيمان بتفرده بالخلق، والتدبير والضرر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادا عليه (واستعانة به) وتفويضا إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقينا بكتابته لما توكل عليه فيه واستعان به عليه، وأنه ملي به، ولا يكون إلا بمشيئته شاء الناس ذلك أم أبوه\" (٢).\nوبعض أهل العلم مثل ابن القيم -﵀- يذكر أكثر من عشرة أوجه في وجه تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ويمكن أن تراجع في كتابه مدارج السالكين.\nكما وأن \"تحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى\" (٣)، وهذا التفات، والالتفات لا شك أنه تفننٌ في الخطاب، وله من الدلالات البلاغية في كل مقامٍ ما يناسبه، وهو في الجملة لا شك أنه أدعى إلى تنشيط السامع، وهو أدلُّ على الفصاحة والبلاغة والقدرة على التفنن بالكلام، فهذا الالتفات تارةً يكون من الغائب إلى المخاطب مثل هنا، فهو يتحدث عن الله -﷿- على سبيل الغيبة، الحمد لله هو رب العالمين، هو الرحمن الرحيم، ثم قال: إياك، فتوجه إلى المخاطب، وعلل ذلك هنا فقال: كأنه لما أثنى عليه اقترب منه فناسب أن يوجه الخطاب إليه، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) الفاتحة]، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [(٢٢) يونس]، فالكلام للمخاطب، ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [(٢٢) يونس] حيث تحول عكس ما عليه الحال هنا، أي تحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة، وعلى كل حال فالالتفات أنواع، والكلام عن هذا الموضوع يوجد في كتب البلاغة مفصلًا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] \"وفي هذا دليلٌ على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجمال صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك، ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (٤) (٥).\n_________\n(١) مدارج السالكين: ١/ ٧٥.\n(٢) مدارج السالكين: ١/ ٨٢.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٥\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت (٧٢٣) (ج ١ / ص ٢٦٣) ومسلم في كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٣٩٤) (ج ١ / ص ٢٩٥).\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٥.","vol":"1","page":250},{"text":"قال ابن كثير في تفسير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]: \"والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ﷿. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل: ٩]، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ \" (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\" (٢) \".\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، على أوجه (٣):\nأحدها: (إِيَّاكَ)، بتشديد (الياء)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\nقال القرطبيّ: \"الجمهورُ من القُرّاءِ والعلماءِ على شدِّ الياء من (إياك) في الموضعين\" (٤).\nفإن ﴿إيّاك﴾ منصوب بوقوع الفعل عليه، وهو (نعبد)، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص والاهتمام به، والمعنى: نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة (٥).\nوالثاني: (إِيَاكَ): في الموضعين، بتخفيف (الياء)، قراءة شاذة، لعمرو بن فائد (٦) عن أبيّ.\nقال ابنُ كثير: \"قرأَ السّبعةُ والجمهورُ بتشديد الياء من (إيّاك)، وقرأَ عَمرو بن فايد بتَخفيفها مع الكسر وهي قراءةٌ شاذّةٌ مردودةٌ؛ لأنّ (إيا) ضوءُ الشّمس\" (٧).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٣٩٥) (ج ١ / ص ٢٩٦).\n(٣) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، والبحر المحيط: ١/ ٢٣ - ٢٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ١/ ١٤٦.\n(٥) انظر: الكتاب الفريد في اعراب القران المجيد: ١/ ٨٠.\n(٦) وهذا الوجه من القراءة ليس بشيء؛ لأنّها قطعًا ليستْ ثابتة ولا هي قراءةٌ صحيحةٌ متواترةٌ، بل هي مثال لما لا ينبغي أن يُذكَرَ إلاّ لبيانه على سبيل الخطأ والشّذوذ في مثل تلك القراءة. فلا هي في القراءات العشر الصُّغرى ولا الكبرى ولا في الأربع الزّائدة، وقد انفردتْ المصادرُ بنسبتها في الشّواذّ لعَمرو بن فائد الإسواريّ المعتزليّ. ذكر ذلك الإمام ابنُ الجزريّ في غاية النّهاية ج ١ ص ٦٠٢ في ترجمته وكذا في كتاب الشّواذّ للكرمانيّ ص ٤٢، وبعضُ كتبِ التّفسير كما في معجم القراءات القرآنيّة للدكتور عبد العال ص ١٥٤ ج ١، ومعجم الدكتور الخطيب ص ١٤، وفي بعض المصادر أنّ عَمرًا هذا نسبَها لأُبَيّ، وحاشاهُ فهاهي القراءات المتواترة الّتي تنتهي إليه ليس فيها هذا الخطأ البَيِّن؛ فهي قراءةٌ مُنكَرَةٌ.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٤.","vol":"1","page":251},{"text":"قال القرطبيّ: \" وقرأ عَمرو بنُ فائد: (إِيَاكَ) بكسر الهمزة وتَخفيف الياء، وذلك أنّه كَرِهَ تضعيفَ الياء لِثقَلِها وكونِ الكسرة قبلَها. وهذه قراءةٌ مَرغوبٌ عنه، فإن المعنى يصير: شمسك نعبد أو ضوءك، إياةُ الشمس -بكسر الهمزة-: ضوءها \" (١).\nوالثالث: (أَيَّاك) بفتح الهمزة وتشديد الياء، قرا بها الفضلُ الرّقاشيّ، وهي لغةٌ مشهورةٌ.\nوالرابع: (هَيَّاكَ)، في الموضعين [بالهاء بدل الهمزة]، قرأ بها أبو السّوار الغنويّ، وهي لغة، قال الشّاعر (٢):\nفَهَيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَرَاحَبَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهُ\nنستنتج مما سبق بأن (إِيَاكَ)، بالتّخفيف تُفسِدُ المعنى. وعلى قولِ الشّافعيّ وجماعة إنْ قرأَها بدون تشديد بَطُلَتْ صلاتُهُ، وقالَ بعضُهم إن تعمّدَ فيُخشَى عليه الشِّركُ؛ لأنّ الإيا هو ضوءُ الشَّمس فيصيرُ معناها: نعبدُ ضوءَ شمسِكَ بدل نعبدُكَ. والعِياذُ باللَهِ.\nوالخامس: (نَعْبُدُ)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\nوالسادس: (يُعْبُدُ)، بالياء، مبنيا للمفعول، قرأ بها الحسن وأبو مجلز، وعلي بن داود (٣).\nقال أبو حيان: \" وقراءة من قرأ إياك (يُعبد) بالياء مبنيًا للمفعول مشكلة، لأن ﴿إياك﴾ ضمير نصب ولا ناصب له وتوجيهها إن فيها استعارة والتفاتًا، فالاستعارة إحلال الضمير المنصوب موضع الضمير المرفوع، فكأنه قال أنت، ثم التفت فأخبر عنه أخبار الغائب لما كان إياك هو الغائب من حيث المعنى فقال: يعبد، وغرابة هذا الالتفات كونه في جملة واحدة، وهو ينظر إلى قول الشاعر (٤):\nأَأَنْتَ الهِلالِيُّ الَّذي كُنْتَ مَرَّةً ... سَمِعْنَا بِهِ وَالأَرْحَبِيُّ المُغَلَّبُ\nوإلى قول أبي كثير الهذلي (٥):\nيا لَهْفَ نَفْسِي كانَ جِدّةُ خالِدٍ ... وبَياضُ وَجْهِكَ للتّرَابِ الأعْفَرِ\" (٦).\nومنه قول كثير (٧) (٨):\nأسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١٤٦.\n(٢) البيت لطفيل الغنويّ كما في أساس البلاغة (ص ١٥٧ رحب)، وشرح شافية ابن الحاجب: ٤/ ٤٧٤.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣.\n(٤) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة فى الدرر ١/ ٢٨٣، ورصف المبانى ص ٢٦، والمغرب ١/ ٦٣، وهمع الهوامع ١/ ٨٧.\n(٥) انظر: أمالي ابن الشجري: ١/ ١١٧ ن وديوان الهذليين: ٢/ ١٠١، ومجاز القرآن: ١/ ٢٤، وتفسير الطبري: ١/ ٦٧، والمحرر الوجيز: ١/ ١٠٤.\nوفي البيت يرثي الشاعر صديقا له اسمه خالد (جدة) يعني: شبابه، (الأعفر) يقول: دفن في أرض ترابها أعفر: أي: أبيض.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٢٤ - ٢٥.\n(٧) هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة من خزاعة، كان أحد العشاق المشهورين، وصاحبته (عزة) وهي من ضمرة، وإليها ينسب، كان كثير رافضيا توفي في اليوم الذي توفي فيه عكرمة مولى ابن عباس. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٣٤، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٣٤، \"الخزانة\" ٥/ ٢٢١.\n(٨) من قصيدة لكثير في ذكر (عزة) قوله (مقلية) من القلي وهو البغض، (تقلت) تبغضت، ورد البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٣، \"ديوان كثير\" ص ١٠١، نشر دار الثقافة بيروت، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٤٩، ١١٨، \"المحكم\" ٣/ ١٤٤، \"الخزانة\" ٥/ ٢١٩.","vol":"1","page":252},{"text":"والسابع: (نعبدْ)، حكاه أبو حيان عن بعض أهل مكة (١).\nوالثامن: (نِعْبُدُ)، بكسر النون، قرأ بها زيد بن علي، ويحيى بن وثاب، وعبيد بن عمير الليثي (٢).\nوالتاسع: (نعبُدو)، بإشباع الضمة، قراءة نافع برواية وَرْش.\nوالعاشر: (نَسْتَعِينُ)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\nوالحادي عشر: (نِسْتَعِينُ)، بكسر (النون)، قراءة، عبيد بن عمير الليثي، وزر بن حبيش، ويحيى بن وثاب، والنخعي، والأعمش، وهي لغة قيس، وتميم، وأسد، وربيعة (٣).\nقال القرطبي: \" (وإياك نِستعين) عطف ملة على جملة، أي نطلب العون والتأييد والتوفيق، هي لغة تميم وقيس وأسد وربيعة، ليدل على أنه من استعان، فكُسرت النون كما تُكسر ألف الوصل (٤).\nقال أبو حيان: \"إن فتح نون (نستعين) هي لغة الحجاز، وهي الفصحى، وقرأ بكسرها وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وكذلك حكم حرف المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول.\n٢ - ومنها: أن العبادة تطلق في المعنى الشرعي على أمرين، الأمر الأول: بالنظر إلى فعل العبد، والثاني: بالنظر إلى المفعولات والأعمال التي تعبَّد الله -﷿- الناس بها\n٣ - ومن الفوائد: أن العبادة اسمٌ جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فهذا بالاعتبار الثاني أي باعتبار المفعولات والأعمال التي شرعها الله -﷿- لعباده ليتقربوا بها إليه.\nوإذا نظرنا إلى العبادة بالاعتبار الأول، أي باعتبار أنها نفس فعل العبد الذي هو صفة من صفاته، نقول: إن العبادة هي الانقياد لله -﷿-، بمعنى الإسلام، أي إسلام الوجه لله -﵎- والخضوع له بالطاعة، يعني فعل العبد لا نفس العبادات التي شرعها الله -﷿-، لأن العبادة مصدر، تارةً يراد بها المفعول، وتارةً تطلق على نفس الفعل، كما تقول القرآن يطلق على نفس المقروء الذي هو الكتاب الذي بين أيدينا، ويطلق على القراءة، وكذلك الوحي يطلق على هذا القرآن أنه وحي، يعني ما نتج عن الإيحاء وهو هذا الكتاب، وتارةً يطلق على نفس العملية التي هي الإيحاء، فتارةً يطلق على هذا المعنى، وتارةً يطلق على المعنى الآخر، فهما إطلاقان معروفان، \"وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك\" (٦).\nقال ابن عاشور: \" ... وهو شرائع الإسلام\" (٧).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣.\n(٢) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ١/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٥) البحر المحيط في التفسير: ١/ ٤٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٤.\n(٧) انظر: التحرير والتنوير: ١٩/ ٧٦.","vol":"1","page":253},{"text":"وبنحو ذلك في حديث رسول الله ﷺ فمن ذلك قوله ﷺ: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" (١).\nوقد قال ﷺ: \"تبسمك في وجه أخيك صدقة\" (٢).\nوقد مر شاب على النبي ﷺ فرأى أصحاب النبي ﷺ جلدة ونشاطة فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: \"إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان\" (٣).\nوقال النبي ﷺ: \"بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا فقال: في كل كبد رطبة أجر\" (٤).\nوقال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة\" (٥).\nوعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: \"نزع رجل لم يعمل خير قط غصن شوك عن الطريق إما كان في شجرة فقطعه فألقاه وإما كان موضوعًا فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة\" (٦).\nهذا وغيره من الأعمال التي تنبع من نفس تحب الخير وترغب في العطاء، ويبتغي بذلك وجه الله، أي تقدم نفعًا للمجتمع فهو عبادة، لذلك قال العلماء النية تقلب العادة عبادة.\n٤ - ومنها أن المفهوم العام للعبادة له آثار إيجابية على سلوك الناس، ومن أبرز هذه الآثار: أن الإنسان العاقل عندما يقدم على عمل ويعتبره عبادة فإنه سيؤديه على أحسن وجه لأنه يرجو ثوابه عند الله على مقدار إخلاصه وصدقه في أدائه، سواء كان يؤدي حرفة أو تعليمًا أو أداء وظيفة إدارية، أو يقدم بحثًا علميًا فإنه في عبادة وبالتالي سيبذل أقصى ما يستطيع من جهد، لأن في حسه أنه يؤدي عبادة والله مطلع عليه \"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه\" (٧).\n٥ - ومنها ان الإحسان في العبادة \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (٨).\n_________\n(١) صحيح مسلم رقم ٣٥ باب عدد شعب الإيمان ١/ ٦٣.\n(٢) رواه الترمذي في جامعه عن أبي ذر رقم ١٩٥٦ باب ما جاء في صنائع المعروف ٤/ ٣٣٩.\n(٣) مجمع الزوائد ٤/ ٣٢٥، ورجال المعجم الكبير رجال الصحيح.\n(٤) متفق عليه: صحيح البخاري رقم ٢٣٣٤ باب الآبار ٢/ ٨٧٠، ورواه مسلم رقم ٢٢٤٤ باب فضل ساقي البهائم ٤/ ١٧٦١.\n(٥) متفق عليه واللفظ للبخاري رقم ٢١٩٥ باب فضل الزرع ٢/ ٨١٧، ومسلم رقم ١٥٥٢، ٣/ ١١٨٨.\n(٦) رواه ابن حبان في صحيحه رقم ٥٤٠ ٢/ ٢٩٧.\n(٧) مجمع الزوائد ٤/ ٩٨، وقال: رواه أبو يعلى، ورواه الطبراني في الأوسط رقم ٨٩٧.\n(٨) متفق عليه: رواه البخاري رقم ٥٠ باب سؤال جبريل ١/ ٢٧، ومسلم رقم ٩ كتاب الإيمان ١/ ٣٩.","vol":"1","page":254},{"text":"٦ - ومن الفوائد في مفهوم العبادة الشامل، هو أن الإنسان سيتجنب الكثير من الأعمال التي لا تدخل دائرة العبادة. أي الأعمال غير المشروعة أو المحرمة، لأن الأعمال كلها إما أن تكون في دائرة المشروع الجائز، أو في دائرة المنهي عنه فتركه للمنهي عنه أيضًا عبادة يؤجر عليها. قال رسول الله ﷺ: \" .. وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر\" (١).\n٧ - ومنها: إخلاص الاستعانة بالله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإياك نستعين﴾، حيث قدم المفعول.\nفإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢] إثبات المعونة من غير الله ﷿، وقال النبي ﷺ: \"تعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة\" (٢)؟\nفالجواب: أن الاستعانة نوعان: استعانة تفويض؛ بمعنى أنك تعتمد على الله ﷿، وتتبرأ من حولك، وقوتك؛ وهذا خاص بالله ﷿؛ واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به: فهذه جائزة إذا كان المستعان به حيًا قادرًا على الإعانة؛ لأنه ليس عبادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢].\nفيمكن القول بأن والاستعانة نوعان:\nاحدهما: نوع خاص بالله تعالى: لا يُطلب إلا منه ﷾، ولا يُقصد غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، كالاستعاذة، والمدد، وجلب الخير، ودفع الضر، وإجابة الدعاء، والاستغاثة، وطلب النجاح والشفاء، وطلب الولد والرزق.\nوالثاني: ونوع هو في مقدور الناس: كالاستعانة بشخص في حمل شيء لا يستطيع حمله، أو الاستعانة به في إنهاء معاملة أو مصلحة مشروعة، أو الاستعانة به في أن يشفع له شفاعة حسنة لدى مسئول للتوصل إلى حقه، أو لدفع الضرر عنه، كذلك كل ما يعجز عنه الإنسان في أمور الدنيا ويحتاج إلى مساعدة غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي تدخل في قدرة الإنسان وتصرفه، فهي استعانة جائزة مشروعة.\nفإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟\nفالجواب: لا؛ الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان به قادرًا عليها؛ وأما إذا لم يكن قادرًا فإنه لا يجوز أن تستعين به: كما لو استعان بصاحب قبر فهذا حرام؛ بل شرك أكبر؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئًا؛ فكيف يعينه! ! ! وكما لو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الوليّ الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده: فهذا أيضًا شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر أن يعينه وهو هناك.\nفإن قال قائل: هل يجوز أن يستعين المخلوقَ فيما تجوز استعانته به؟\nفالجواب: الأولى أن لا يستعين بأحد إلا عند الحاجة، أو إذا علم أن صاحبه يُسَر بذلك، فيستعين به من أجل إدخال السرور عليه؛ وينبغي لمن طلبت منه الإعانة على غير الإثم والعدوان أن يستجيب لذلك.\n_________\n(١) رواه مسلم رقم ١٠٠٦ باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ٢/ ٦٩٧.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد، باب ٧٢: فضل من حمل متاع صاحبه في السفر حديث رقم ٢٨٩١؛ وأخرجه مسلم ص ٨٣٧، كتاب الزكاة، باب ١٦: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم ٢٣٣٥ [٥٦] ١٠٠٩، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":255},{"text":"٨ - ومن الفوائد أن كلمة الاستعانة تُشعر بوجوب العمل، والأخذ بالأسباب، لأن الاستعانة طلب العون من الله تعالى على أداء عمل أو إتمامه، وذلك في كل ما للإنسان فيه كسب، كطلب الشفاء من الله تعالى مع بذل سبب العلاج وأخذ الدواء، وطلب الرزق مع بذل السبب، وطلب النصر على العدو مع مجاهدته وإعداد العدة، وطلب النجاح في الامتحان من الله تعالى مع الجد والاجتهاد في تحصيل الدروس، وهكذا.\nوكل من ترك الأخذ بالأسباب يكون قد جانب الصواب، وكل من اعتمد على الله تعالى دون أن يبذل الأسباب فقد أخطأ الاعتقاد، فإن العبد لا يستغني عن العون الإلهي مهما أوتي من قوة وحصافة، ولابد له من العمل والتوكل، ولا ينفع التوكل بدون عمل، ولا ينفع عمل بدون توكل واستعانة.\n٩ - ومن الفوائد اشتمال هذه الآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، على توحيد الربوبية والاستعانة به ﷾، وهي أفضل الوسائل للإعانة على العبادة، والتعبد يكون باسم الله، واسم الرحمن، واسم الرب، والمسلم يعبد الله تعالى بألوهيته، ويستعين بربوبيته.\nعن الحسن: أن الله تعالى أنزل مئة وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة هن: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١).\nوإذا قرأ العبد \"الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ\" وعند التلفظ بـ \"وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ\" تغمره السكينة والطمأنينة، لأنه قد توكل على الله، وألقى إليه مقاليد أموره في الدنيا والآخرة، لعينه سبحانه على الوصول إليها.\nالقرآن\n﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]\nالتفسير:\nدُلَّنا، وأرشدنا، ووفقنا إلى الطريق المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك، وهو الإسلام، الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته، الذي دلّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد ﷺ، فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه.\nقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، \" أي: دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم\" (٢).\nقال ابن أبي زمنين: \"اي أرشدنا الطريق\" (٣).\nقال النسفي: \" أي ثبتنا على المنهاج الواضح\" (٤).\nقال الزجاج: اي: ثبتنا على المنهاج الواضح\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني دين الإسلام، لأن غير دين الإسلام لَيْسَ بمستقيم\" (٦).\n_________\n(١) كتاب الصلاة ابن القيم وأخرجه البيهقي عن الحسن في \"شعب الإيمان\"، وذكره كل من ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ٢٢/ ٦٠٧، وابن قيم في مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٩٥).\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٠.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١١٩.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٣٢.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٩. [بتصرف بسيط].\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦.","vol":"1","page":256},{"text":"قال القاسمي: \" أي ألهمنا الطريق الهادي، وأرشدنا إليه، ووفقنا له\" (١).\nقال الخطيب المكي: أي: \" نور قلوبنا بهدايتك الربانية لنعرف السبل الموصلة إليك، فأنت وحدك الذي تنعم بالهداية وتوفق من أردت إلى اتباع أوامرك الإلهية\" (٢).\nقال البيضاوي: \" بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا اهْدِنَا. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم\" (٣).\nقال الطبري: \" وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بـ \"الهداية\" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ تسأل الله تعالى علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا\" (٥).\nقال الراغب: \"الهداية: دلالة بلطف\" (٦).\nوفي الصحاح: الهداية بمعنى الارشاد والدلالة (٧)، ويقال: هديتُهُ الطريقَ والبيتَ هداية، أي عَرَّفتُه به (٨).\nو﴿الصراط﴾: هو الطريق السهل (٩)، والسبيل الواضح (١٠).\nفـ\"الطريق: هو كل ما يطرقه طارقٌ، معتادًا كان أو غير معتادٍ، والسبيل من الطُّرق: ما هو مُعتادُ السلوكِ، والصراط من السبيل: ما لا التِواء فِيه ولا اعوِجاج، بل يكون على سبيلِ القَصْدِ، فهو أخصُّ منها\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، تأويلان (١٢):\nأحدهما: معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا. قاله علي بن أبي طالب (١٣)، وأبيّ بن كعب (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦).\nوالثاني: معناه ألهمنا (وفقنا)، وهذا قول ابن عباس (١٧).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٢٣٠.\n(٢) تفسير الخطيب المكي: ١/ ١٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٣٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ١٧٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦.\n(٦) المفردات في غريب القرآن: مادة هدى:، ص ٥٣٨.\n(٧) الصحاح: مادة: الهُدى:، ج ٦، ص ٢٥٣٣.\n(٨) المصباح المنير مادة (شَاءَ) و(هَدَى) ١/ ٣٣٤.\n(٩) والطريق عمومًا لا يقتضي السهولة؛ انظر الفروق اللغوية للعسكري (٢٩٨/ ١)، وقال في القاموس المحيط (ص ٦٧٥): \"الصِّراطُ - بالكسر -: الطريقُ، وجِسْرٌ مَمْدُودٌ على متْنِ جَهَنَّمَ\".\n(١٠) لسان العرب (٧/ ٣١٣).\n(١١) لكليات؛ لأبي البقاء الكفوي (ص ٥١٣).\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٨.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٨.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٨.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٩.\n(١٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ١١٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٧٣): ص ١/ ١٦٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٣١)، و(٣٦): ص ١/ ٣٠.","vol":"1","page":257},{"text":"والهداية قد يأتي في كلام العرب: بمعنى التوفيق (١)، فمن ذلك قول الشاعر (٢):\nلا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي ... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ\nيعنى به: وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر (٣):\nولا تُعْجِلَنِّي هدَاك المليكُ ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا\nفمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري.\nومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: \" لا يُوفِّقهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم\" (٤).\nوذكر السمين الحلبي وجوها في معنى (الهداية) (٥):\nأحدها: الإرشاد.\nوالثاني: الدلالة.\nوالثالث: التقدم، ومنه هوادي الخيل لتقدمها قال امرؤ القيس (٦):\nفألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل\nفقوله: الهاديات، أي: أوائل بقر الوحش.\nوالرابع: التبيين نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. أي بينا لهم.\nوالخامس: الإلهام، نحو: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي ألهمه لمصالحه.\nوالسادس: الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أي: داع.\nوالسابع: وقيل هو الميل، ومنه ﴿إنا هدنآ إليك﴾ [الأعراف: ٥٦]، والمعنى: مل بقلوبنا إليك، قال السمين الحلبي: \"وهذا غلط، فإن تيك مادة أخرى من هاد يهود\" (٧).\nقال الحسن بن الفضل: \" (الهدى) في القرآن على وجهين:\nالوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصّلت: ١٧].\nالوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] \" (٨).\nوأما ﴿الصراط﴾، ففيه ثلاثة أقوال (٩):\nأحدها: أنه السبيل المستقيم، ومنه قول جرير (١٠):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٦٧.\n(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري: ١/ ١٦٧، وفي أمالي المرتضى: ١/ ١٦٠، من ابيات لودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة.\n(٣) نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر: ٢٥٣، وقال: \" أول من قال ذلك طرفة بن العبد، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند \"، وليس في ديوانه، وانظر أمثال الميداني ٢/ ١٢٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ١٦٧.\n(٥) انظر: الدر المصون: ١/ ٦٣.\n(٦) ديوانه: ٢٢، وانظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ٣١، إذ الرواية فيه (فالحقنا). وجواحرها، أي: متخلفاتها. لم تزيل: لم تتفرق.\n(٧) الدر المصون: ١/ ٦٣.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٩.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٨.\n(١٠) ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.","vol":"1","page":258},{"text":"أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ ... إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم\nيريد على طريق الحق (١).\nومنه قول الهُذلي أبي ذُؤَيْب (٢):\nصَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بالخَيْلِ حَتّى ... تركْنَاها أَدَقَّ مِنَ الصِّرَاطِ\nوقال عامر بن الطفيل (٣):\nخشونا أرضهم بالخيل حتّى ... تركناهم أذل من الصراط\nوالثاني: أنه الطريق الواضح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقال الشاعر (٤):\nفَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ\nوالثالث: أن الصراط: الطريق، بلغة الروم. قاله النقاش (٥).\nقال ابن عطية: \" وهذا ضعيف جدا\" (٦).\nقال الماوردي: و﴿الصراط﴾: \" مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام، وهو ممره في الحلق\" (٧).\nقال الطبري: \"أجمعَت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ ﴿الصراطَ المستقيمَ﴾، هو: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب\" (٨).\nقال ابن القيم ﵀: \"و﴿الصراط﴾: ما جَمَع خمسةَ أوصاف: أنْ يكون طريقًا مستقيمًا، سهلًا، مسلوكًا، واسعًا، موصلًا إلى المقصود، فلا تُسمِّي العربُ الطريقَ المُعْوَجَّ: صراطًا، ولا الصعبَ المشق، ولا المسدود غير الموصل، ومَن تأمَّلَ مواردَ الصراط في لسانهم واستعمالهم، تبيَّن له ذلك ... ولا تكون الطريقُ صراطًا حتى تتضمَّن خمسةَ أمور: الاستقامةَ، والإيصالَ إلى المقصود، والقُرْبَ، وسعتَه للمارِّين عليه، وتعيُّنَه طريقًا للمقصود\" (٩).\nوفي الدعاء بهذه الهداية، ثلاثة تأويلات (١٠):\nأحدها: أنهم دعوا باستدامة الهداية، وإن كانوا قد هُدُوا.\nوالثاني: معناه زدنا هدايةً. وضعفه الطبري (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٧٠.\n(٢) نسبه إليه الطبري: ١/ ١٧٠، والبيت ليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره ١: ١٢٨ لعامر بن الطفيل، وليس في ديوانه، فإن يكن هذليا، فلعله من شعر المتنخل، وله قصيدة في ديوان الهذليين ٢/ ١٨ - ٢٨، على هذه القافية. ولعمرو بن معد يكرب أبيات مثلها رواها القالي في النوادر ٣/ ١٩١.\n(٣) انظر: الفروق اللغوية: ٣١٣، وتفسير الثعلبي: ١/ ١١٩.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١، ٥٨، وتفسير الطبري: ١/ ١٧٠، ومجاز القرآن: ١/ ٢٤، والمحرر الوجيز: ١/ ٧٤، وتفسير القرطبي: ١/ ١٢٨، وفيه: \"الصراط الواضح\". وهو بلا نسبة.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٧٤.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٥٨.\n(٨) تفسير الطبري (١/ ١٧٠).\n(٩) دائع الفوائد (٢/ ١٦).\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٨ - ٥٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٦٧ - ١٦٨.","vol":"1","page":259},{"text":"قال الزمخشري: \" ومعنى طلب الهداية- وهم مهتدون- طلب زيادة الهدى بمنح الإلطاف، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾، ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ \" (١).\nوالثالث: أنهم دعوا بها إخلاصًا للرغبة، ورجاءً لثواب الدعاء.\nواختلفوا في المراد بالصراط المستقيم، على أقوال (٢):\nأحدها: أنه كتاب الله تعالى، وهو قول علي (٣)، وعبد الله (٤)، ويُرْوَى عن النبي -ﷺ- (٥).\nوالثاني: أنه دين الله الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله (٦)، ومحمد بن الحنفية (٧)، وزيد بن أسلم (٨)، وابن عباس (٩) في رواية ميمون بن مهران عنه، ورواه نواس بن سمعان الأنصاري عن النبي -ﷺ- (١٠).\nوالثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الذي لا عوج فيه، وهو قول ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢).\nوالرابع: هو رسول اللهﷺ- وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهو قول الحسن البصري (١٣)، وأبي العالية الرياحي (١٤)، وأبي بريدة (١٥).\nوالخامس: أنه طريق السواد الأعظم. قاله عبدالعزيز بن يحيى (١٦).\nوالسادس: أنه يعني صراطا لا تزيغ به الأهواء يمينا وشمالا. قاله أبو بكر الورّاق (١٧).\nوالسابع: أنه يعني طريق الخوف والرجاء. قاله محمد بن علي النهدي (١٨).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٩، وتفسير الثعلبي: ١/ ١١٩ - ١٢٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٧٦): ص ١/ ١٧٣، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٧٧): ص ١/ ١٧٣، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢): ص ١/ ٣٠. قال ابن كثير: «وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين على ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ» ١/ ٢١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٧٨): ص ١/ ١٧٣، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٨١): ص ١/ ١٧٥، والنكت والعيون: ١/ ٥٩، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٥): ص ١/ ١٧٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٨٠): ص ١/ ١٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: (١٨٦)، و(١٨٧): ص ١/ ١٧٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٣): ص ١/ ٣٠. قال ابن كثير: وهو إسناد حسن صحيح\".١/ ٢١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٧٣): ص ١/ ١٦٦، و(١٧٩): ص ١/ ١٧٤ - ١٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٦): ص ١/ ٣٠.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥): ص ١/ ٣٠.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٩، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٤): ص ١/ ١٧٥، والنكت والعيون: ١/ ٥٩، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠، والكامل لابن عدي: ٣/ ١٦٣.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٠، وتفسير أبي حمزة الثمالي: ١٦٧، وشواهد التنزيل: ١/ ٧٤ ح ٨٦، ونهج الايمان لابن جبر عن كتاب ابن شاهين: ٥٤.\n(١٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢١.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢١.\n(١٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢١.","vol":"1","page":260},{"text":"والثامن: أنه طريق العبودية. قاله أبو عثمان الداراني (١).\nوالتاسع: أنه طريق السنّة والجماعة لأن البدعة لا تكون مستقيمة. قاله عبدالله التستري (٢).\nوالعاشر: أنه سؤال الجنة، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: ٤ - ٥]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [يونس: ٩] الآية (٣).\nالحادي عشر: أن المعنى: علمنا العلم الحقيقيّ فذلك سبب الخلاص، وهو المعبّر عنه بالنور في قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [النور: ٣٥] (٤).\nالثاني عشر: أن المراد: زدنا هدى استنجاحا لما وعدت بقولك: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن: ١١]. وقولك: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: ١٧] (٥).\nالثالث عشر: أن المراد: احرسنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات، واعصمنا من الشبهات (٦).\nالرابع عشر: أنه عنى الهداية العامة، وأمر أن ندعو بذلك- وإن كان هو قد فعله لا محالة- ليزيدنا ثوابا بالدعاء، كما أمرنا أن نقول: اللهم صلّ على محمد (٧).\nقال ابن كثير: \"وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى بالذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن\" (٨).\nوقال القاسمي: \" فهذه الأقاويل اختلفت باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مرادا بالآية- إذ لا تنافي بينها- وبالله التوفيق» كلام الراغب. وبه يعلم تحقيق معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم، وأن الوجوه المأثورة في آية ما- إذا لم تتناف- صح إرادتها كلها، ومثل هذا يسمى: اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ\" (٩).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، على وجوه (١٠):\nأحدها: (أرْشدنا)، قرأ بها عبدالله ابن مسعود (١١).\nوالثاني: (الصِّرَاطَ)، قرأ بها نافع، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، الكسائي، قالون، ورش، خلف، خلاد، قنبل.\nوالثالث: (الصّراط): بين الصاد والزاي، قرأ بها حمزة، وأبو عمرو، خلف، خلاد، الدوري، ابن سعدان.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢١.\n(٣) انظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٣٢.\n(٤) انظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٣٢.\n(٥) انظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٣٢.\n(٦) انظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٣٢.\n(٧) انظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٣٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١.\n(٩) محاسن التأويل: ١/ ١٣٢ - ٢٣٣.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١١٩، وتفسير القرطبي: ١/ ١٤٧ - ١٤٨، والبحر المحيط: ١/ ٤٥.\n(١١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦.","vol":"1","page":261},{"text":"والرابع: (الزراط)، قراءة حمزة برواية الأصمعي عن أبي عمرو.\nوالخامس: (السراط)، بالسين، قرأ بها ابن كثير برواية القواس، الكسائي، ابو عمرو، قنبل، ابن مجاهد، ويعقوب، رويس اللؤلوي، وابن محيصن.\nو(السراط): \"من الاتراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه (١).\nوالسادس: (صراطًا مستقيمًا)، بالتنوين من غير لام التعريف، قرأ بها نصر بن علي عن الحسن.\nقال الثعلبي: \" وكلّها لغات فصيحة صحيحة، إلّا إن الاختيار: (الصاد)، لموافقة المصحف لأنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد. ولأن آخرتها بالطاء لأنهما موافقتان في الاطباق والاستعلاء\" (٢).\nقال الفراء: \"اللغة الجيدة بالصاد، وهي لغة قريش الأول، وعامة العرب يجعلونها سينا، وبعض قيس يشمون الصاد، فيقول: (الصراط) بين الصاد والسين، وكان حمزة يقرأ (الزراط) بالزاي، وهي لغة لعذرة وكلب وبني القيْن\" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: لجوء الإنسان إلى الله ﷿ بعد استعانته به على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾؛ ومن استعانة يتقوى بها على العبادة؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإياك نستعين﴾؛ ومن اتباع للشريعة؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾؛ لأن ﴿الصراط المستقيم﴾ هو الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ.\n٢ - ومن فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث حذف حرف الجر من ﴿اهدنا﴾؛ والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب الهداية: التي هي هداية العلم، وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم، وإرشاد؛ وهداية توفيق، وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة؛ والله ﷿ قد هدى بهذا المعنى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ والثانية فيها التوفيق للهدى، واتباع الشريعة، كما في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] وهذه قد يحرمها بعض الناس، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]: ﴿فهديناهم﴾ أي بيّنّا لهم الحق، ودَلَلْناهم عليه؛ ولكنهم لم يوفقوا ..\n٣ - ومن فوائد الآية: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج؛ فما كان موافقًا للحق فهو مستقيم، كما قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ وما كان مخالفًا له فهو معوج.\nالقرآن\n﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٩.\n(٣) حكاه عنه ابن الجوزي: ١/ ٢٠، وقال بمعناه في (كتاب فيه لغات القرآن): \" و«الصراط» فيه لغات أربع: فاللغة الجيدة لغة قريش الأولى التي جاء بها الكتاب؛ بالصاد، وعامة العرب يجعلونها سينا، فيقولون: السراط، بالسين\". [كتاب فيه لغات القرآن، للفراء: ١٠]. نسخة مكتبة الشاملة، والكتاب غير مطبوع.\nونسبه أبو حيان: ١/ ٤٥، لأبي جعفر الطوسي، وكذا الهرري في الحدائق: ١/ ٧٥.","vol":"1","page":262},{"text":"طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، فهم أهل الهداية والاستقامة، ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، وهم اليهود، ومن كان على شاكلتهم، والضالين، وهم الذين لم يهتدوا، فضلوا الطريق، وهم النصارى، ومن اتبع سنتهم.\nقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، \" أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإنعام\" (١).\nقال ابن عباس: \" يقول: طريق من أنعمت عليهم\" (٢).\nقال الصابوني: أي\" من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولئك رفيقًا\" (٣).\nقال الثعلبي: \" يعني: طريق الذين أنعمت عليهم بالتوفيق والرعاية، والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] \" (٤).\nقال الطبري: \" وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم\" (٥).\nواختلف في المراد بالذين أنعم الله عليهم في الآية، على أقوال (٦):\nأحدها: أنهم المؤمنون، قاله ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، واختاره ابن كثير (٩).\nوالثاني: أنهم الأنبياء. قاله ربيع (١٠)، وقتادة (١١).\nوالثالث: أنهم الملائكة.\nوالرابع: أنهم المؤمنون بالكتب السالفة، قبل التحريف والنسخ، قاله ابن عباس (١٢)، وحكاه مكي (١٣).\nيدل عليه قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠، ٤٧، ١٢٢].\nوالخامس: أن \"المنعم عليهم محمد ﷺ وأبو بكر وعمر\". حكاه مكي عن ابي العالية (١٤).\nوالسادس: أنهم المسلمون. وهو قول وكيع (١٥).\nوالسابع: أنهم النبيﷺ-، ومَنْ معه مِنْ أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (١٦).\nوالثامن. أنهم أصحاب الرسول صلّى الله عليه ورضي عنهم وأهل بيته. قاله شهر بن حوشب (١٧).\nوالتاسع: أنه صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين\". قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه (١٨)، وهو قول جمهور المفسرين (١٩).\nقال ابن عطية: \" وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٩]، فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد\" (٢٠).\nوالقول الأول أشبه بالصواب، لكونه أعم وأشمل. والله أعلم.\nقال البيضاوي: \" الإنعام: إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله وإن كانت لا تحصى كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي.\nوالأول قسمان: موهبي وكسبي، والموهبي قسمان: روحاني كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء والكسبي تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه والمال.\nوالثاني: أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧): ص ١/ ٣١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٢٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٢١.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ١٧٩.\n(٦) اتظر: النكت والعيون: ٥٩ - ٦٠، وتفسير ابن كثير: ٢٢٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٩٠): ص ١/ ١٧٨، والحديث منقطع، لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩): ص ١/ ٣١، وانظر تفسير ابن كثير: ٢٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢٢٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٨٩): ص ١/ ١٧٨.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢، والمحرر الوجيز: ١/ ٧٥. ولفظه: \" «المنعم عليهم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا».\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٥، وتفسير البيضاوي: ١/ ٣٠، والنكت والعيون: ٥٩ - ٦٠، وتفسير ابن كثير: ٢٢٣.\n(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٩١): ص ١/ ١٧٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٢): ص ١/ ١٧٩.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٨): ص ١/ ١٧٨، وابن أبي حاتم (٣٨): ص ١/ ٣١، والضحاك لم يسمع من ابن عباس فهو ضعيف.\n(١٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٥.\n(٢٠) المحرر الوجيز: ١/ ٧٥.","vol":"1","page":263},{"text":"والمراد هو القسم الأخير وما يكون وصلة إلى نيله من الآخرة فإن ما عدا ذلك يشترك فيه المؤمن والكافر\" (١).\nوفي تفسير (الإنعام) في قوله ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتح: ٧]، وجوه:\nأحدها: بالثبات على الإيمان والاستقامة. قاله عكرمة (٢).\nوالثاني: أن المراد: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء. قاله علي بن الحسين بن داود (٣).\nوالثالث: أنه يعني: أتممت عليهم النعمة. قاله الحسين بن الفضل (٤).\nوالرابع: بخلقهم للسعادة.\nوالخامس: بأن نجاهم من الهلكة.\nوالسادس: بالهداية واتباع الرسول.\nقال أبو حيان: \" ولم يقيد الأنعام ليعم جميع الأنعام\" (٥).\nقال الثعلبي: \" وأصل (النعمة): المبالغة والزيادة، يقال: دققت الدواء فأنعمت دقّه أي بالغت في دقه، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وآله: \" إن أهل الجنة يتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب الدرّي الشرقي أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما\" (٦)، أي زادا عليه. وقال أبو عمرو: بالغا في الخير\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، أي: \" غير صراط الذين غضبت عليهم، ولا الضالين عن الهدى\" (٨).\nقال صديق خان: \" أي غير صراط الذين غضبت عليهم وهم اليهود، لقوله تعالى فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المادة: ٦٠]، ولا الضالين عن الهدى، وهم النصارى لقوله ﷿: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المادة: ٧٧] \" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني دلنا عَلَى دين غير اليهود الَّذِين غضب اللَّه عليهم، فجعل منهم القردة والخنازير، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يقول: ولا دين المشركين يعني النصارى\" (١٠).\nقال السعدي: أي: غير صراط \" الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم، وغير صراط الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ٣٠ - ٣١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢.\n(٥) البحر المحيط: ١/ ٢٨.\n(٦) الجامع الصغير: ٢/ ٢٠٣.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٧٦.\n(٩) فتح البيان في مقاصد القرآن: ١/ ٥٢.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦.\n(١١) تفسير السعدي: ٣٩.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٠.","vol":"1","page":264},{"text":"قال الراغب: \" أصل (الغضب): غليان دم القلب إرادة الانتقام، ومبدأ الغضب: انفعال مكروه، بدلالة قوله ﵇: \" إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار \" وقال ﵇: \" اتقوا الغضب، فإنها جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فمن وجد من ذلك شيئًا، فليلزم الأرض \" (١) \" (٢).\nقال ابن أبي زمنين: \" هذا دعاء أمر الله رسوله أن يدعو به، وجعله سنة له وللمؤمنين\" (٣).\nأخرج الطبري عن عدي بن حاتم، قال: \"قال لي رسول الله ﷺ: إنّ ﴿المغضوبَ عليهم﴾ اليهود\" (٤)، [و] \"إن ﴿الضَّالين﴾: النَّصارى\" (٥). وروي عن ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والربيع (٨)، وابن زيد (٩).\nوفي غضب الله عليهم، أربعة أقاويل (١٠):\nأحدها: أنه الغضب المعروف من العباد.\nقال الطبري: \" غير أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات (١١) - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم، لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها\" (١٢).\nوالثاني: أنه إرادة الانتقام، لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة، وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٥٥].\nوكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [سورة المائدة: ٦٠].\n_________\n(١) هذا طرف من خطبة النبي ﷺ من بعد صلاة العصر إلى مغيربان الشمس، أنظر: المصنف لابن أبي شيبة (٢٥٨٩٣): ص ١٣/ ٦٤ - ٦٥، كتاب الأدب، ورواه عبدالرزاق (٢٠٧٢٠)، من طريقة أحمد: ٣، ٦١، وحماد بن سلمة، والطيالسي (٢١٥٦)، وعبد بن حميد (٨٦٤)، وأحمد: ٣/ ١٩، وأبي يعلى (١٠٩٦، ١١٠١*ـ والحاكم: ٤/ ٥٠٥، وقال: لم يحتج الشيخان بابن جدعان، وعلّق عليه الذهبي بانه: صالح الحديث.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٦٦.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١١٩.\n(٤) تفسير الطبري (١٩٣) - (١٩٥): ص ١/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(٥) تفسير الطبري (٢٠٧) - (٢٠٩): ص ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠): ص ١/ ١٨٧، و(٢١٥)، و(٢١٧): ص ١/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢): ص ١/ ١٨٨، و(٢١٤): ص ١/ ١٩٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣): ص ١/ ١٨٨، و(٢١٨): ص ١/ ١٩٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٥)، و(٢٠٦): ص ١/ ١٨٨، و(٢١٩)، و(٢٢٠): ص ١/ ١٩٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٨٨ - ١٨٩، والنكت والعيون: ١/ ٦١.\n(١١) الإثبات: مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى كما وصف نفسه، وإثبات القدر بلا تأويل، خلافا لأهل القدر، وهم نفاته، وللجهمية والمعطلة للصفات.\n(١٢) تفسير الطبري: ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":266},{"text":"والثالث: أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم لأفعالهم.\nوالرابع: أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضبًا، كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً.\nقال الطبري: \" فكلّ حائدٍ عن قَصْد السبيل، وسالكٍ غيرَ المنهج القويم، فضَالٌّ عند العرب، لإضلاله وَجهَ الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارَى ضُلالا لخطئهم في الحقِّ مَنهجَ السبيل، وأخذهم من الدِّين في غير الطريق المستقيم.\nفإن قال قائل: أوَ ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟\nقيل: بلى!\nفإن قال: كيف خَصّ النصارَى بهذه الصفة، وَخصّ اليهودَ بما وصفَهم به من أنهم مغضوب عليهم؟\nقيل: كلا الفريقين ضُلال مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن الله جلّ ثناؤه وَسم كل فريق منهم من صِفَته لعباده بما يعرفونه به، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسمِّ واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفاتِ الذمّ زياداتٌ عليه\" (١).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧]، على وجوه (٢):\nأحدها: (سراط)، قراءة ابن كثير، وقنبل، وابن محيصن، والشنبوذي.\nوالثاني: (صراط): إشمام الصاد الزاي، قراءة حمزة، والمطوعي، وخلف.\nوالثالث: (صراطَ مَنْ)، قراءة شاذة لابن مسعود، وعمر، وابنالزبير، وزيد بن علي.\nوالرابع: (عليهِمْ)، بكسر الهاء وجزم الميم، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي، ورش، خلاد، قنبل، خلف.\nوالخامس: (عليْهُمْ)، بضم الهاء وجزم الميم، قرأ بها حمزة، ويعقوب، والطوعي، والشنبوذي، والأعمش.\nوالسادي: (عليْهُمُ)، بضم الهاء والميم من غير إلحاق واو، قرأ بها ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر.\nوالسابع: (عليْهُمُو)، بكسر الهاء وضم الميم وإلحاق الواو، قراءة ابن كثير، وقالون، والخفاف عن أبي عمرو، وأبو جعفر، وابن أبي إسحاق، الأعرج، وابن محيصن.\nوالثامن: (عليْهِمُو)، قرأ بها الأعرج، وعبدالله بن عطاء الخفاف عن أبي عمرو، والحسن البصري.\nوالتاسع: (عليْهِمِي)، قراءة شاذة للحسن البصري.\nوالعاشر: (غيرِ)، بالجر، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.\nالحادي عشر: (غيرَ)، بالنصب على الحال، قرأ بها أبي بن كعب، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وروى الخليل عن ابن كثير. وهي قراءة شاذة.\nالثاني عشر: (وغيْرِ)، قرأ بها أبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وهي قراءة شاذة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٩٥.\n(٢) انظر: السبعة في القراءات: ١٠٨، والحجة للقراء السبعة: ١/ ٥٨ وما بعدها، والدر المنثور: ١/ ٤١، والبحر المحيط: ١/ ١٤، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٢٢ - ١٢٣.","vol":"1","page":267},{"text":"ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين)، ويقال (أمين) بالقصر أيضًا، ومعناه اللهم استجب (١).\nوالدليل على استحباب التأمين:\nأولا: عن وائل بن حجر: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾ فقال: \" آمين \" ومد بها صوته (٢). وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم (٣).\nثانيا: عن أبي هريرة قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾ قال \" آمين \" حتى يسمع من يليه من الصف الأول\" (٤).\nثالثا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٥).\nرابعا: ولمسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا قال أحدكم في الصلاة آمين، والملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" قيل بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان، وقيل في الإجابة، وقيل في صفة الإخلاص\" (٧).\nخامسا: وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعًا: \"إذا قال - يعني الإمام - ولا الضالين، فقولوا آمين، يجبكم الله\" (٨).\nقال ابن كثير: \" قال أصحابنا وغيرهم ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٢٨، وتفسير ابن كثير: ٢٣٢.\n(٢) المسند: (١٨٨٩٥، ١٨٨٩٦): ٤/ ٣١٥ - ٣١٦. سنن الترمذي: الرقم (٢٤٨). (حديث حسن)، ولأبي داود رفع بها صوته (سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب التأمين وراء الإمام: ٢٤٨، ٢٤٩\"٢/ ٢٧\") زقال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن ورواه النسائي (٢/ ١٤٥)، وله في الكبرى (٩١٤)، وابن ماجة في سننه (٨٥٥): ١/ ٢٧٨ و(٣٨٠٢): ٢/ ١٢٤٩، ورواه الدارمي: (١٢٥٠)، والدارقطني (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، وقال أبو عيسى: سمعت محمدا يقول: وحديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال عن حجر أبي العنبس، وإنما هو خحر بن عنبس ويكنى أبا السكن، وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو: عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، وقال: وخفض بها صوته، وإنما هي ومد بها صوته.، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم.\n(٣) حديث علي رواه ابن ماجة (٨٥٤)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٥١)، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، وفيه مقال، وابن أبي ليلى وهو محمد بن عبدالرحمن ضعفه الجمهور، وله شاهد من حديث وائل بن حجر. وقال ابو حاتم: هذا عندي خطأ إنما هو سلمة، عن حجر أبي العنبس، عن وائل بن حجر، عن النبيﷺ-، ثم قال أبو حاتم: كان ابن أبي ليلى سيء الحفظ.\n(٤) رواه أبو داود (٩٣٤)، وابن ماجة (٨٥٣)، وابن عبد البر في التمهيد: ٧/ ١٣)، وأبو يعلى: ١١/ ٦٢٢٠، وقال البوصيري (١/ ٢٩٦): هذا إسناد ضعيف، أبو عبدالله لا يعرف حاله، وبشر ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات.\n(٥) رواه البخاري: (٧٨٠) (٧٨١) (٧٨٢) (٤٤٧٥) (٦٤٠٢)، ومسلم: (٤١٠).\n(٦) رواه مسلم: برقم (٧٤): ٤١٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٥.\n(٨) رواه مسلم: (٦٢) -٤٠٤، وأبو داود: (٩٧٢)، وأحمد: (١٩٦٤٩) - ٤/ ٤٠١).\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٥.","vol":"1","page":268},{"text":"واختلف في تشديد (الميم) في (آمين)، على قولين:\nأحدهما: روي عن الحسن وجعفر الصادق: أنهما شددا (الميم) من (آمين)، من (أمّ)، إذا قصد، أي نحن قاصدون نحوك (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري (٢).\nونسبه الإمام النووي للواحدي، واستغرب التشديد، وقال: \"عدّها كثير من أهل اللغة من لحن العوام، وقال جماعة من أصحابنا: من قالها في الصلاة، بطلت صلاته\" (٣).\nوالثاني: أن تشديد (الميم) خطأ. قاله الجوهري (٤).\nواختلف في معنى (آمين)، على أقوال (٥):\nأحدها: أن معناه: \"رب افعل\". رواه ابن عباس عن رسول اللهﷺ- (٦).\nوالثاني: أن المعنى: كذلك فليكن. قاله الجوهري (٧)، وحكاه الثعلبي عن ابن عباس وقتادة (٨).\nوالثالث: أن معناه: لا تخيب رجاءنا. قاله الترمذي (٩).\nوالرابع: أن معناه: اللهم استجب لنا. قاله الحسن (١٠)، وأحمد بن يحيى ثعلب (١١)، وهو قول الأكثرين (١٢).\nوالخامس: أن (آمين)، اسم من أسماء الله تعالى. قاله مجاهد (١٣)، وهلال بن يساف (١٤)، وجعفر الصادق (١٥).\nقال: ابن العربي\" ولم يصح\" (١٦).\nوالسادس: أن\" (آمين)، خاتم رب العالمين، يختم بها دعاء عبده المؤمن\". قاله علي بن أبي طالب (١٧).\nوالسابع: أن (آمين)، اسم خاتم يطبع به كتب أهل الجنة التي تؤخذ بالإيمان (١٨).\n_________\n(١) ذكره النووي في التبيان: ١٢٦، وانظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٢٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٤٥.\n(٢) هو ابن أبي قاسم القشيري، النيسابوري، مات (٥١٤ هـ)، انظر: سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٤٢٦.\n(٣) التبيان: ١٢٦.\n(٤) انظر: الصحاح (أمن)، وتفسير القرطبي: ١/ ١٢٨.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٥، وتفسير ابن كثير: ٢٣٢، والدرّ المنثور: ١/ ١٧، وفتح القدير: ١/ ٢٦.\n(٦) تفسير أبي الليث: ١/ ٨٤، حديث ضعيف جدا من أجل الكلبي وأبي صالح، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥، ونسبه للثعلبي. فيدخل في باب تفسير القرآن في الرأي.\n(٧) انظر: الصحاح (أمن)، وتفسير القرطبي: ١/ ١٢٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٤٥.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٥، ولفظه (كذلك ليكن).\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٥، وتفسير القرطبي: ١/ ١٢٨.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٩، والأضداد للأنباري: ٣٨٢.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٩.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٢٨، وتفسير ابن كثير: ١٤٥.\n(١٣) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٢٥، والقرطبي: في تفسيره: ١/ ١٢٨، وانظر: فيض القدير: ١/ ٨٠، ح ٢٠.\n(١٤) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٢٥، والقرطبي: في تفسيره: ١/ ١٢٨.\n(١٥) حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ١/ ١٢٨.\n(١٦) أحكام القرآن: ١/ ٦، وانظر: مصنف ابن ابي شيبة: ٢/ ٤٢٦، والمحرر الوجيز: ١/ ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٢٣٢.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٩.\n(١٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٩.","vol":"1","page":269},{"text":"قال ابن عطية: \" ومعنى (آمين) عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب، أو أجب يا رب، ونحو هذا\" (١).\nوفي (آمين)، لغتان (٢):\nإحداهما: (أمين) بقصر الألف، ومنه قول الشاعر (٣):\nتباعد منّي فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا\nوالثانية: (آمين)، بمد (الألف)، قال الشاعر (٤):\nيا ربّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَها أبدًا ... ويَرْحَمُ اللهُ مَنْ قال: آمينَا\nقال الثعلبي: \"وهو مبني على الفتح مثل (أين) (٥) \".\nوقد اتفق العلماء على أنه يسن للمنفرد والمأموم أن يقول: (آمين)، فالمنفرد يؤمِّن بعد قراءته للفاتحة، والمأموم يؤمن بعد قراءة الإمام (٦).\nواختلف أهل العلم في جهر الإمام: بـ (آمين)، على وجوه:\nأحدها: أن الإمام يجهر في ذلك. وهذا مذهب الشافعي (٧)، وأحمد (٨)، ومالك في رواية المدنيين (٩)، واختاره القرطبي (١٠).\nقال الربيع: \"سألت الشَّافِعِي عن الإمام إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الآية، هل يرفع صوته بآمين؛ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم\" (١١).\nوالثاني: أن الإمام لا يجهر بها. وهذا مذهب الحنفية وبعض المدنيين من أصحاب مالك، وهو قول الطبري (١٢)، وبه قال ابن حبيب (١٣)، وابن أبي قاسم (١٤)، والمصريين من أصحاب مالك (١٥).\nودليلهم ما رواه مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال \" وإذا قال - يعني الإمام - ﴿ولا الضالين﴾، فقولوا آمين\" (١٦).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٧٩.\n(٢) وفي تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٥، (فطحل): (فعطل).\n(٣) انظر: اللسان والصحاح، وتاج العروس، وإصلاح الكنطق، في مادتي: (فحطل وفطحل)، تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٥، وفي الصحاح: إذ دعوته، وبخطه في الهامش: إذ رأيته.\n(٤) البيت للمجنون في ديوانه ص ٢١٩؛ ولعمر بن أبي ربيعة في لسان العرب ١٣/ ٢٧ \"أمن\"، وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص ١٧٩؛ وإنباه الرواة ٣/ ٢٨٢؛ وشرح المفصل ٤/ ٣٤.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٢٥.\n(٦) انظر: الموسوعة الفقهية: ١١/ ١ - ١٢.\n(٧) تفسير الشافعي: ١/ ١٩٦.\n(٨) انظر: التمهيد: ١٥/ ٧.\n(٩) انظر: الإستذكار: ٤/ ٢٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ١٢٩.\n(١١) تفسير الشافعي: ١/ ١٩٦.\n(١٢) انظر: الإستذكار: ٤/ ٢٥٤، والتمهيد: ٧/ ١٣، وتفسير القرطبي: ١/ ١٢٨، ولم أقف على قوله تفسيره.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٩، وتفسير القرطبي: ١/ ١٢٩.\n(١٤) انظر: الإستذكار: ٤/ ٢٥٣.\n(١٥) انظر: الإستذكار: ٤/ ٢٥٣.\n(١٦) صحيح البخاري (٧٤٩): ص ١/ ٢٧١، ومسلم (٤١٥): ص ١/ ٣١٠.","vol":"1","page":270},{"text":"واستأنسوا أيضًا بحديث أبي موسى عند مسلم \" وإذا قرأ ﴿وَلا الضَّآلِّينَ﴾، فقالوا: آمين\" (١).\nوالثالث: أنه مخير. قاله ابن بكير (٢).\nقال ابن عطية: \" وقد روي عن مالك ﵁: أن الإمام يقولها أسرّ أم جهر\" (٣).\nوالصحيح هو القول الأول، وعليه تدل الأحاديث الصحيحة، والآثار الواردة عن الصحابة ﵃ (٤)، كما ويجب التنبه إلى أن هذه السنة من سنن الصلاة لا يجوز أن تكون سببا للشقاق والنزاع بين المسلمين والله أعلم.\nالفوائد:\n_________\n(١) الموطأ: ١/ ٨٧، رواه البخاري: (٧٩٨)، ومسلم: (٤٠٩) من طريق مالك، به.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٧٩.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٧٩.\n(٤) روى أبو داود (٧٩٩) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: \" تَرَكَ النَّاسُ التَّأْمِينَ!، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. رفع صوته فقال: آمِينَ \" قال الدارقطني: إسناده حسن، وقال البيهقي: حسن صحيح، وصححه الألباني فقال: \" معناه صحيح، فإن له شاهدا من حديث وائل بن حجر بسند صحيح\". انتهى من \" سلسلة الأحاديث الضعيفة \" (٢/ ٣٦٨). زاد ابن ماجة (٨٤٣) في روايته للحديث: (حَتَّى يَسْمَعَهَا أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ\". وهذه الزيادة ضعيفة لا تصح، انظر: \"تلخيص الحبير\" (١/ ٢٣٨)، \"الأحاديث الضعيفة \" (٩٥١)، (٩٥٢). وروى الترمذي من حديث سفيان الثوري بسنده عن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \" سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالَ: (آمِينَ) وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ\".قال النووي في المجموع (٣/ ٣٢٨): إسناده حسن، وصححه الألباني.\nوقال البيهقي (٢/ ٥٩) وروينا عن ابن عمر ﵁ \" أنه كان يرفع بها صوته، إماما كان أو مأموما \". وهذا الأثر رواه البخاري عن ابن عمر معلقا، بصيغة الجزم، ولفظه: وَقَالَ نَافِعٌ: \" كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ، وَيَحُضُّهُمْ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا \".قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢/ ٣٠٧). (وَيَحُضُّهُمْ)، أي: على قولها (آمين). (خَيْرًا)، أَي: فَضْلًا وَثَوَابًا. ووجه الاستدلال بأَثَرِ اِبْنِ عُمَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا خَتَمَ الْفَاتِحَةَ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا\" انتهى.\nوروى البيهقي (٢/ ٥٩)، وابن جبان في \"الثقات\" عن عَطَاء قَالَ: \" أَدْرَكْتُ مِائَتَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِآمِينَ \".\nوقال الإمام البخاري ﵀: بَاب جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ، وروى فيه قول الرسول ﷺ: \"إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴿فَقُولُوا: آمِينَ\". قال الحافظ ابن حجر: \"قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرَ بِقَوْلِ آمِينَ، وَالْقَوْلُ إِذَا وَقَعَ بِهِ الْخِطَابُ مُطْلَقًا، حُمِلَ عَلَى الْجَهْرِ، وَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الْإِسْرَارُ أَوْ حَدِيثُ النَّفْسِ: قُيِّدَ بِذَلِكَ. وَقَالَ اِبْنُ رُشيد: تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْهُ مِنْ جِهَاتٍ: مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ \" إِذَا قَالَ الْإِمَامُ، فَقُولُوا \" فَقَابَلَ الْقَوْلَ بِالْقَوْلِ، وَالْإِمَامُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ جَهْرًا، فَكَانَ الظَّاهِرُ الِاتِّفَاقَ فِي الصِّفَةِ ... \".انتهى من \" فتح الباري \" (٢/ ٣١١).\nوقال النووي في \" الأذكار\" (ص ٥١): \" ويجهر به (التأمين) الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح أن المأموم أيضا يجهر به، سواء كان الجمع قليلا أو كثيرا \" انتهى.\n... وقال ابن القيم ﵀: \"السنةُ المحكمةُ الصحيحةُ: الجهرُ بآمين في الصلاة، لقوله ﷺ في الصحيحين: \"إذا أمن الأمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\"؛ ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين، وأصرح من هذا حديث وائل بن حجر وحديث أبي هريرة ﵄ ... وذكر الحديثين المتقدمين، ثم قال: وسئل الشافعي عن الإمام هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم. فقيل له: وما الحجة؟ فقال: قول رسول الله ﷺ: (إذا أمن الإمام)؛ فيه دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين، لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه\". انتهى من \" إعلام الموقعين \" (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٨).","vol":"1","page":271},{"text":"١ - من الفوائد: إسناد النعمة إلى الله تعالى وحده في هداية الذين أنعم عليهم؛ لأنها فضل محض من الله.\n٢ - ومنها: ذكر التفصيل بعد الإجمال؛ لقوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾: وهذا مجمل؛ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾: وهذا مفصل؛ لأن الإجمال، ثم التفصيل فيه فائدة: فإن النفس إذا جاء المجمل تترقب، وتتشوف للتفصيل، والبيان؛ فإذا جاء التفصيل ورد على نفس مستعدة لقبوله متشوفة إليه؛ ثم فيه فائدة ثانية هنا: وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم.\n٣ - ومنها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم؛ وقسم مغضوب عليهم؛ وقسم ضالون؛ وقد سبق بيان هذه الأقسام ..\nوأسباب الخروج عن الصراط المستقيم: إما الجهل؛ أو العناد؛ والذين سببُ خروجهم العناد هم المغضوب عليهم. وعلى رأسهم اليهود؛ والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل كل من لا يعلم الحق. وعلى رأسهم النصارى؛ وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة. أعني النصارى؛ أما بعد البعثة فقد علموا الحق، وخالفوه؛ فصاروا هم، واليهود سواءً. كلهم مغضوب عليهم.\n٤ - ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعول الدال على أن الغضب عليهم حاصل من الله تعالى، ومن أوليائه.\n٥ - ومنها: أنه يقدم الأشد، فالأشد؛ لأنه تعالى قدم المغضوب عليهم على الضالين؛ لأنهم أشد مخالفة للحق من الضالين؛ فإن المخالف عن علم يصعب رجوعه. بخلاف المخالف عن جهل.\nوهذا الذي سردناه في تفسير السورة، قطرة من بحر؛ ومن أراد التوسع في ذلك فأنصحه بكتاب \"مدارج السالكين\" لابن القيم ﵀. والله الموفق.","vol":"1","page":272},{"text":"انتهى الجزء الأول من التفسير، ويليه الجزء الثاني بإذن الله،\nوبدايته تفسير الآية (١) من سورة البقرة.","vol":"1","page":273},{"text":"﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾\n﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾\n﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾\nالمحتويات","vol":"1","page":274},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\n\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء الثاني\nسورة البقرة الآية [١ - ٩٠]\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"2","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"2","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>تفسير سورة البقرة</span>\nوهي السورة الثانية من حيث الترتيب في المصحف الشريف، وعدد آياتها مائتان وست وثمانون آية، وعدد كلماتها ستَّة آلاف كلمة، ومائة وإِحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمس وعشرون أَلفًا وخَمْسمائة حرف، وبها أطول آية في القرآن وهي آية الدين رقم (٢٨٢)، مجموع فواصل (نهايات) آياتها (ق م ل ن د ب ر) ويجمعها (قم لندّبر)، وعلى اللاَّم آية واحدة: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ","vol":"2","page":3},{"text":"وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وعلى القاف آية واحدة ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاقٍ﴾ آخر الآية المائتين.\nواتفقوا على أنها مدنية (١)، وأنها أول سورة أنزلت بها (٢)، قالت عائشة (٣) -رضي الله تعالى عنها-: \"ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ﷺ\" (٤)، ولم يدخل عليها إلا بالمدينة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>أسماءها التوقيفية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>١ - البقرة:</span>\nوقد سميت سورة البقرة بهذا الاسم بسبب ما ورد فيها من قصة موسى ﵇ مع قومه، بشأن القتيل الذي لم يعرف قاتله، فأمر الله موسى أن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة أيًا كانت، ويبين ذلك القرآن الكريم في قوله تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧) ولكنهم كعادتهم في صد الحق شدّدوا في طلب أوصافها فشدّد الله عليهم وهذه القصة مما انفردت بها هذه السورة.\nومن السنة جاءت التسمية في أحاديث منها:\n- حديث أبي مسعود البدر (٦) ﵁ قال: \"قال رسول الله ﷺ\" الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه\" (٧).\n- وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ\" (٨).\n- وعن أبي أمامة (٩) تعالى قال: \" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا\n_________\n(١) ذكر الاتفاق على مدنيتها: الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٦٣، والعز بن عبد السلام في تفسير القرآن: ١/ ٩٣، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٤٩ و٥٠، وحكاه السيوطي في الإتقان: ١/ ١٤ - ١٥ عن أبي الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ، كما ذكر الاتفاق على مدنيتها القاسمي في محاسن التأويل: ٢/ ٣١، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٢٠١. والقول بمدنيتها قول ابن عباس وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير والحسن ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة ومقاتل. انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٥٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٩ - ٢٠، الدر المنثور للسيوطي: ١/ ٤٦ والإتقان له: ١/ ١٢ - ١٥. وقد قال بذلك أيضًا: ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٩٣، والزركشي في البرهان في علوم القرآن: ١/ ١٩٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٥٢، والألوسي في روح المعاني: ١/ ٩٨. واستثنى الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٦٣، والعز في تفسير القرآن: ١/ ٩٣ وقوم كما ذكر ذلك ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٠ قولَه﷿-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، قالوا: فإنها أنزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع. وليست بمستثناة على التعريف المختار، وهو: أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة، نبه على ذلك الزركشي في البرهان في علوم القرآن: ١/ ١٨٧، وانظر: الإتقان للسيوطي: ١/ ١١ - ١٢. وإنما يدل ذلك على أن سورة البقرة لم تنزل جملة واحدة بل في مدد شتى كما ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٩٣ والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٥٢. كما ذكر السيوطي في الإتقان: ١/ ١٩ أنه اُستثني منها آيتان: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم﴾ [البقرة: ٢٧٢] وهذا خلاف ما ذكره ابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٩ من أن سورة البقرة جميعها مدنية بلا خلاف. وعلى القول بعدم مدنية هاتين الآيتين فإن ذلك لا يخرج السورة عن كونها مدنية، انظر: روح المعاني للألوسي: ١/ ٩٨. وقد ذكر الصابوني في تعليقه على معاني القرآن للنحاس: ١/ ٧٣ أن القول بمدنيتها قول الجمهور، ولم يأت على ذكر مخالف.\n(٢) حكى الاتفاق على ذلك ابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٢٠١ وهو قول ابن عباس وعكرمة. انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٩، والدر المنثور للسيوطي: ١/ ٤٦، وقال به ابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٩، والزركشي في البرهان: ١/ ١٩٤.\n(٣) هي: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التيمية، أم عبد الله، تزوجها رسول الله ﷺ بمكة وبنى بها في المدينة، وكانت أحب أزواجه إليه، ولم يتزوج بكرًا غيرها، أعلم نساء الأمة وأفقههن على الإطلاق، توفيت عام: ٥٧ أو ٥٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٢/ ١٣٥، البداية والنهاية لابن كثير: ٨/ ٩١، الإصابة لابن حجر: ٤/ ٣٤٨.\n(٤) البخاري-فتح-: ٨/ ٦٥٥ رقم: ٤٩٩٣.\n(٥) ذكر ابن حجر في الفتح: ٨/ ٦٥٧ والسيوطي في الإتقان: ١/ ١٦ الاتفاق على ذلك، وكان بناء النبي ﷺ بعائشة بعد بدر في شوال من السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى. انظر: المصادر المذكورة في الهامش رقم: (١).\n(٦) قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء\" ولم يشهد بدرا على الصحيح، وإنما نزل ماء ببدر، فشهر بذلك. وكان ممن شهد بيعة العقبة، وكان شابا من أقران جابر في السن. روى أحاديث كثيرة. وهو معدود في علماء الصحابة. نزل الكوفة. واسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة الأنصاري. وقيل: يسيرة بن عسيرة - بضمهما - بن عطية بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج\n(٧) البخاري رقم/٣٧٠٧ - باب شهود الملائكة بدر، ومسلم رقم/ ١٣٤٠ - بَاب فَضْلِ الْفَاتِحَةِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.\n(٨) مسلم رقم (١٣٠٠): بَاب اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَجَوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ.\n(٩) أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله -ﷺ - ونزيل حمص. روى: علما كثيرا. وحدث عن: عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة. روى عنه: خالد بن معدان، والقاسم أبو عبد الرحمن، وسالم بن أبي الجعد، وشرحبيل بن مسلم، وسليمان بن حبيب المحاربي، ومحمد بن زياد الألهاني، وسليم بن عامر، وأبو غالب حزور، ورجاء بن حيوة، وآخرون. وروي: أنه بايع تحت الشجرة.-سير أعلام النبلاء للذهبي مختصرا (٣/ ٣٥٩) ..","vol":"2","page":4},{"text":"غَمَامَتَان (١) أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (٢) تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ \" (٣).\n- روي في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: \" هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>٢ - الزهراء:</span>\nكما واشتهرت تسمية السورة مع آل عمران بالزهراوين، والزهراوان أي: المضيئتان، واحدتها زهراء (٥)، ووجه تسميتهما بذلك لنورها وهدايتهما وعظيم أجرهما (٦).\nوقد وردت تسميتها بذلك في حديث النبي ﷺ، فيما رواه أبو أمامة الباهلي، إذ قال: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ .. الحديث \" (٧).\nوذكر القرطبي في وجه التسمية ثلاثة أقوال (٨):\nأحدها: إنهما النيرتان، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرة؛ فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما.\nوالثاني: وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة.\nوالثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم (٩)؛ كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ والتي في آل عمران ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \" (١٠) (١١).\n_________\n(١) قال أهل اللغة: الغمامة والغياية، كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين.\n(٢) قال النووي في شرح مسلم \" ومعناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقة أي جماعة \".\n(٣) أخرجه مسلم برقم/ ١٣٣٧ - بَاب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: (١٧٤٨): ٩/ ٨٧، والحديث بتمامه (عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ رَمَى الْجَمْرَة مِنْ بَطْن الْوَادِي فَجَعَلَ الْبَيْت عَنْ يَسَاره وَمِنًى عَنْ يَمِينه ثُمَّ قَالَ هَذَا مَقَام الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة).\n(٥) انظر: اللسان، مادة (ز هـ ر): ٤/ ٣٣٢.\n(٦) انظر: شرح الننوي لمسلم: ٦/ ٨٩.\n(٧) أخرجه مسلم برقم/ ١٣٣٧ - بَاب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ.\n(٨) أنظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٣.\n(٩) ورد في خصوص \" اسم الله الأعظم \" عدة أحاديث، أشهرها:\n١ - عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اسْمُ اللَّهِ الأَعظَمُ فِي سُوَرٍ مِنَ القُرآنِ ثَلَاثٍ: فِي \" البَقَرَةِ \" وَ\" آلِ عِمرَانَ \" وَ\" طَهَ). رواه ابن ماجه (٣٨٥٦) وحسَّنه الألباني في \" صحيح ابن ماجه\".\n٢ - عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ \"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى).رواه الترمذي (٣٥٤٤) وأبو داود (١٤٩٥) والنسائي (١٣٠٠) وابن ماجه (٣٨٥٨)، وصححه الألباني في \" صحيح أبي داود \").\n٣ - عن بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ \"، فَقَالَ: (لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ).رواه الترمذي (٣٤٧٥) وأبو داود (١٤٩٣) وابن ماجه (٣٨٥٧)، وصححه الألباني في \" صحيح أبي داود \". قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك. (فتح الباري: ١١/ ٢٢٥).\n٤ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).رواه الترمذي (٣٤٧٨) وأبو داود (١٤٩٦) وابن ماجه (٣٨٥٥).\nوالحديث ضعيف، فيه عبيد الله بن أبي زياد وشهر بن حوشب، وكلاهما ضعيف.\nثانيًا: قد اختلف أهل العلم في \" اسم الله الأعظم \" من حيث وجوده على أقوال:\nالقول الأول: إنكار وجوده أصلًا! لاعتقادهم بعدم تفضيل اسم من أسماء الله تعالى على آخر، وقد تأول هؤلاء الأحاديث الواردة السابقة فحملوها على وجوه:\nالوجه الأول: من قال بأن معنى \" الأعظم \" هو \" العظيم \" وأنه لا تفاضل بين أسماء الله تعالى.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وقد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضُهم لمالك؛ لكراهيته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور لئلا يُظن أن بعض القرآن أفضل من بعض فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله كلها عظيمة، وعبارة أبي جعفر الطبري: \" اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم والذي عندي: أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه \"، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم.\nالوجه الثاني: أن المراد بالأحاديث السابقة بيان مزيد ثواب من دعا بذلك الاسم.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار: إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به: مزيد ثواب القارئ.\nالوجه الثالث: أن المراد بالاسم الأعظم حالة يكون عليها الداعي، وهي تشمل كل من دعا الله تعالى بأي اسم من أسمائه، إن كان على تلك الحال.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتَّى له ذلك: استجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما.\nالقول الثاني: قول من قال بأن الله تعالى قد استأثر بعلم تحديد اسمه الأعظم، وأنه لم يُطلع عليه أحدًا من خلقه، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. ينظر: \" فتح الباري \"، للحافظ ابن حجر (١١/ ٢٢٤).\nالقول الثالث: قول من أثبت وجود اسم الله الأعظم وعيَّنه، وقد اختلف هؤلاء المعينون في الاسم الأعظم على أربعة عشر قولًا! وقد ساقها الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه \" فتح الباري \" (١١/ ٢٢٤، ٢٢٥) وهي:\n١. هو! ٢. الله ٣. الله الرحمن الرحيم ٤. الرحمن الرحيم الحي القيوم ٥. الحي القيوم ٦. الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والاكرام الحي القيوم ٧. بديع السماوات والأرض ذو الجلال والاكرام ٨. ذو الجلال والإكرام ٩. الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ١٠. رب رب ١١. دعوة ذي النون في بطن الحوت \" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين \" ١٢. هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم ١٣. هو مخفي في الأسماء الحسنى ١٤. كلمة التوحيد \" لا إله إلا الله \".\nقال الشيخ الألباني ﵀: واعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين اسم الله الأعظم على أربعة عشر قولًا، ساقها الحافظ في \" الفتح \"، وذكر لكل قول دليله، وأكثرها أدلتها من الأحاديث، وبعضها مجرد رأي لا يلتفت إليه، مثل القول الثاني عشر؛ فإن دليله: أن فلانًا سأل الله أن يعلِّمه الاسم الأعظم، فرأى في النوم؛ هو الله، الله، الله، الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم! ! .\nوتلك الأحاديث منها الصحيح، ولكنه ليس صريح الدلالة، ومنها الموقوف كهذا، ومنها الصريح الدلالة؛ وهو قسمان:\nقسم صحيح صريح، وهو حديث بريدة: (الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ...) إلخ، وقال الحافظ: \" وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك \"، وهو كما قال ﵀، وأقره الشوكاني في \" تحفة الذاكرين \" (ص ٥٢)، وهو مخرج في \" صحيح أبي داود \" (١٣٤١).\nوالقسم الآخر: صريح غير صحيح، بعضه مما صرح الحافظ بضعفه؛ كحديث القول الثالث عن عائشة في ابن ماجه (٣٨٥٩)، وهو في \" ضعيف ابن ماجه \" رقم (٨٤١)، وبعضه مما سكت عنه فلم يحسن! كحديث القول الثامن من حديث معاذ بن جبل في الترمذي، وهو مخرج في \" الضعيفة \" برقم (٤٥٢٠).\nوهناك أحاديث أخرى صريحة لم يتعرض الحافظ لذكرها، ولكنها واهية، وهي مخرجة هناك برقم (٢٧٧٢ و٢٧٧٣ و٢٧٧٥).سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة \" (١٣/ ٢٧٩).\nثالثًا: لعل ألأقرب من تلك الأقوال أن الاسم الأعظم هو \" الله \"؛ فهو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى، وعلى هذا أكثر أهل العلم.\n١ - قال ابن القيم - ﵀ -: اسم \" الله \" دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث ... . (مدارج السالكين: ١/ ٣٢). والدلالات الثلاث هي: المطابقة والتضمن واللزوم.\n٢ - وقال ابن أمير حاج الحنفي - ﵀ -: عن محمد بن الحسن قال: سمعتُ أبا حنيفة ﵀ يقول: اسم الله الأعظم هو \" الله \"، وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء، وأكثر العارفين. \" التقرير والتحبير \" (١/ ٥)\n٣ - وقال أبو البقاء الفتوحي الحنبلي - ﵀ -: فائدتان:\nالأولى: أن اسم \" الله \" علم للذات، ومختص به، فيعم جميع أسمائه الحسنى.\nالثانية: أنه اسم الله الأعظم عند أكثر أهل العلم الذي هو متصف بجميع المحامد. (شرح الكوكب المنير: ٤)\n٤ - وقال الشربيني الشافعي - ﵀ -: وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن العزيز في ألفين وثلثمائة وستين موضعًا. \"مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج \" (١/ ٨٨، ٨٩).\n٥ - وقال الشيخ عمر الأشقر - ﵀ -: والذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنّه: (الله)، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول ﷺ إنّ اسم الله الأعظم ورد فيها.\nومما يُرجِّح أن (الله) هو الاسم الأعظم أنه تكرر في القرآن الكريم (٢٦٩٧) سبعًا وتسعين وستمائة وألفين - حسب إحصاء المعجم المفهرس - وورد بلفظ (اللهم) خمس مرات، في حين أنّ اسمًا آخر مما يختص بالله تعالى وهو (الرحمن) لم يرد ذكره إلا سبعًا وخمسين مرة، ويرجحه أيضًا: ما تضمنه هذا الاسم من المعاني العظيمة الكثيرة.\" العقيدة في الله \" (ص ٢١٣).\nويأتي في الدرجة الثانية من القوة في كونه اسم الله الأعظم \" الحي القيوم \"، وهو قول طائفة من العلماء، ومنهم النووي، ورجحه الشيخ العثيمين ﵀. والله أعلم\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٤.\n(١١) رواه الترمذي (٣٤٧٨) وأبو داود (١٤٩٦) وابن ماجه (٣٨٥٥)","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>أسماءها الاجتهادية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>١ - سنام القرآن:</span>\nسنام كل شيء أعلاه، والجمع أسنة (١).وردت تسميتها بـ (سنام القراآن)، لدى بعض العلماء كالألوسي (٢) والسيوطي (٣)، ولعل وجه التسمية تعود إلى كون سورة البقرة أطول سور القرآن، ومن أوله، وهي تشمل على العديد من الأمقاصد والأحكام الشعرعية والمواعظ والعبر والله أعلم، وهو بذلك وصف تشريفي للسورة.\nواستدلوا بما ورد عن رسول الله ﷺ من أحاديث منها:\n- عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن لكل شيء سنامًا وإن سنام القرآن البقرة وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام\" (٤).\n-عن معقل بن يسار ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \" البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا، واستخرجت \" اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ \" [آل عمران: ٢] من تحت العرش فوصلت بها - أو فوصلت بسورة البقرة - ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم \" (٥).\n- روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير وفيه ضعف عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" لكل شيءٍ سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي\" (٦).\n- عنْ عبدِاللَّهِ بن مسعود: \" أنَّهُ قالَ: إنَّ لكلّ شيءٍ سَنامًا، وإنَّ سنامَ القرآنِ سورةُ البقرةِ، وإنَّ لكلّ شيءٍ لُبابًا، وإنَّ لبابَ القرآنَ المفصَّلُ\" (٧).\nقال ابن منظور: \" سنام كل شيء أَعلاه؛ وفي شعر حسَّان (٨):\nوإِن سَنامَ المَجْدِ من آلِ هاشِمٍ ... بَنُو بِنتِ مَخْزومٍ ووالدُك العَبْدُ\nأَي: أَعلى المجد، وقوله أَنشده ابن الأَعرابي: \"قَضى القُضاة أَنها سَنامُها \" فسَّره فقال معناه خِيارُها لأَن السَّنام خِيارُ ما في البعير سَنَّم الشيءَ رَفَعَه \" (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>٢ - ذروة القرآن:</span>\nلحديث معقل بن يسار سبق ذكره: \" البقرة سنام القرآن وذروته .. \" (١٠).\n_________\n(١) اللسان: مادة (س ن م): ١٢/ ٣٠٦).\n(٢) ينظر تفسيره: ١/ ٩٨.\n(٣) ينظر: الإتقان في علوم القرآن: ١/ ١٧١، والبصائر: ١/ ١٣٤.\n(٤) رواه ابن حبان في صحيحه (١/ ١٨٨).\n(٥) رواه النسائي في اليوم والليلة ص: ٢٠١.\n(٦) سنن الترمذي الحديث رقم (٢٨٧٨).\n(٧) رواه الدارمي رقم الحديث (٣٣٧٢).\n(٨) ديوانه ط بيروت: ٨٩، ولسان العرب: ١٢/ ٣٠٦.\n(٩) لسان العرب (١٢/ ٣٠٦) النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٢/ ٤٠٩).\n(١٠) رواه النسائي في اليوم والليلة ص: ٢٠١.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>٣ - فسطاط القرآن:</span>\nالفسطاس- بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاس (١)، وسميت هذه السورة بفسطاس القرآن، وذلك لعظمها وبهائها، ولإحاطتها بأحكام ومواعظ كثيرة لم تذكر في غيرها (٢)، ولهذا قيل بأن \" ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين\" (٣).\nوقد ذكر هذا الاسم جماعة من المفسرين مثل: ابن عطية (٤) والقرطبي (٥)، والثعالبي (٦)، والألوسي (٧)، كما ذكره الكرماني (٨) في العجائب، والسيوطي في الإتقان. واستدلوا في قولهم على:\n- ما رواه الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: \" السورة التي تذ كر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها؛ فإن تعلمها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة\" (٩).\n- وما روى الدارمي عَنْ خالدِ بنِ معدانَ قالَ: \"سورةُ البقرةِ تعليمُهَا بركَةٌ وتركُهَا حسرةٌ، وَلا يستطيعُهَا البَطَلَةُ وهِيَ فُسطاطُ القرآنِ\" (١٠).\nو(الفُسْطاط) بالضم والكسر: \"المدينة التي فيها مُجْتَمَع الناس. وكل مدينة فُسْطاط، وقال الزمخشري: هو ضَرْب من الابنْيِةَ في السَّفر دون السُّرادِق وبه سُمِّيت المدينه. ويقال لمِصْروالبَصْرة: الفُسْطاط \" (١١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٤ - سيدة سور القرآن:</span>\nروي عن علي مرفوعا: \" سيدُ البشر آدمُ وسيد العربِ محمدٌ ولا فخرٌ وسيدُ الفُرس سلمانُ وسيدُ الرومِ صُهيبٌ وسيدُ الحبشةِ بلالٌ وسيد الجبال الطورُ وسيدُ الأيام يومُ الجمعة وسيدُ القرآنِ سورةُ البقرة وسيدُ البقرةِ آيةُ الكرسي \" (١٢).\n_________\n(١) انظر: النهاية: ٣/ ٤٤٥. وفي الفائق: \"الفسطاس ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق\". (٣/ ١١٦).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٨١، تفسير القرطبي: ١/ ١٥٢، الإتقان: ١/ ١٧١.\n(٣) قاله ابن سعد في الطبقات، طبعة دار صادر: ٤/ ١٦٤. وهنا تجب الاشارة إلى أمرين:\n١ - أن الخبر المشهور أن عمر تعلم البقرة في اثنتي عشرة سنة: وهذا الخبر مشهور جدًا وتتداوله الألسنة والأقلام والصحيح أنه لا يثبت؛ فقد روى البيهقي في الشعب (٤/ ١٣١ ط. وزاة الأوقاف القطرية ٨٠٥):)، وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، حدثنا بشر بن موسى حدثنا أبو بلال الأشعري، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: (تعلم عمر بن الخطاب ﵁ البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا). أقول: إسناده ضعيف بسبب أبي بلال الأشعري فقد نص على ضعفه الدارقطني في سننه (حديث رقم ٨٤٦ ط. دار الفكر)، وقد سقطت في نسخة المكتبة الشاملة الموافقة للمطبوع كلمة حدثنا بين بشر بن موسى الأسدي وأبي بلال الأشعري- والتصحيح من المطبوع- فلينتبه لهذا. فعليه الأثر لا يثبت.\n٢ - أثر تعلم عبد الله بن عمر البقرة في ثماني سنين قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمة التفسير (ص ٣١ تحقيق عدنان زرزور): \"وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين قيل ثمان سنين ذكره مالك\". أقول: الخبر الذي فيه أن ابن عمر ﵁ حفظها في ثمان سنين جاء بلاغًا في موطأ مالك؛ فعن مالك (٤٨٨ تحقيق خليل مأمون) أنه بلغه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها\nوهذا لا يثبت من وجه مسند-بحسب بحثي وتصدير ابن تيمية له بقيل يُشعر أنه لا يثبت عنده-وقد أشار السيوطي في تنوير الحوالك (١/ ١٦٢) إلى خبر موصول عند ابن سعد في الطبقات حيث قال ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٤ ط دار صادر): أخبرنا أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا أبو المليح، عن ميمون أن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين. أقول: وهذا إسناد صحيح ولا يضر الكلام عن اختلاط عبد الله بن جعفر الرقي فقد نص ابن حبان أنه كان يسيرًا. والله أعلم.\nوالعلة في أنه حفظها في أربع سنين ليس لبطء حفظ فهو أحد الحفاظ المكثرين من حديث المطصفى ﷺ لكن كما قال الباجي فيما نقل عنه السيوطي في التنوير: \" ليس ذلك لبطء حفظه معاذ الله بل لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها\" ولهذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في المقدمة فبعدما قال ما نقلته عنه أولًا قال (ص ٣١ - ٣٢): \" وذلك أن الله تعالى قال: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته) وقال: (أفلا يتدبرون القرآن) وقال: (أفلم يدبروا القول) وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن\"اهـ كلامه ﵀، فهو يشير ﵀ أن هذه المدة التي قضاها ابن عمر في حفظ القرآن كان يحفظ ألفاظها ويتعلم أحكامها ويعمل بما فيها لا كما يفعل كثير من الجهلة اليوم الذين يتعاملون مع مسألة حفظ القرأن وكأنه لعبة من الألعاب من ينتهي قبل الثاني في أسرع وقت ممكن! ! ! فيخرج هذا الجاهل حافظًا للألفاظ فقط فلا علم ولا عمل فلم يزد إلا أن أقام حججًا عليه بعدد الآيات التي حفظها والله المستعان.\n(٤) انظر: تفسيره: ١/ ٨١.\n(٥) انظر: تفسيره: ١/ ١٥٢.\n(٦) انظر: تفسيره الجواهر الحسان: ١/ ٢٨.\n(٧) انظر تفسيره: ١/ ٩٨.\n(٨) انظر غرائب التفسير وعجائب التأويل: ١/ ١٠٧.:\n(٩) في مسند الفردوس ص: ٥٥.\n(١٠) سنن الدارمي رقم الحديث (٣٣٧١).\n(١١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٤٤٥) لسان العرب (٧/ ٣٧٢).\n(١٢) مفاتيح الغيب للرازي (٢/ ٥٦).","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>٥ - كرسي القرآن</span>\nتفرد بهذا الاسم الفيروزآبادي (١)، وعلل في تسميتها بهذا الاسم لاشتمالها على آية الكرسي وهي أعظم آيات القرآن، دون أن يذكر مستنده في ذلك.\nنستنتج مما سبق بأن الأسماء التوفيقية للسورة هي (البقرة والزهراء)، أما بقية الأسماء فهي اجتهادية ومستنبطة من الأحاديث التي وردت فيها.\nولسورة البقرة فضائل كثيرة وردت في القرآن والسنة الصحيحة منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>١ - أن فيها أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي </span>قال تعالي:\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوعن أبي بن كعب (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \" يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \". قال: قلت الله ورسوله أعلم قال: \"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \". قال: قلت ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، قال فضرب في صدري وقال: \" والله ليهنك العلم أبا المنذر\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>٢ - وهي حافظة وكافية من شياطين الأنس والجن ودليل ذلك:</span>\nحديث أبي هريرة ﵁ قال \"وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فقص الحديث فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وقال النبي ﷺ صدقك وهو كذوب ذاك شيطان (٤).\n• وحديث أبي مسعود -﵁- قال: قال النبي ﷺ: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>٣ - سورة البقرة وآياتها تطرد الشياطين من البيوت عند سماعها لأن وقعها عليهم شديدًا ودليل ذلك:</span>\nحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ\" (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>٤ - أنها تشفع للعبد يوم لا ينفع مال ولا بنون</span>، إذ ثبت في السنة الصحيحة أنها تشفع للمسلم يوم القيامة لمن قرأها لبركتها ودليل ذلك:\nحديث أبي أمامة (٧) تعالى قال: \" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا\n_________\n(١) انظر: البصائر: ١/ ١٣٤.\n(٢) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، من بني النجار، من الخزرج، أبو المنذر: صح أبي أنصاري.\nكان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، مطلعا على الكتب القديمة، يكتب ويقرأ - على قلة العارفين بالكتابة في عصره - ولما أسلم كان من كتاب الوحي. وشهد بدرا واحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان يفتي على عهده. وشهد مع عمر بن الخطاب وقعة الجابية، وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس. وأمره عثمان بجمع القرآن، فاشترك في جمعه. وله في الصحيحين وغيرهما ١٦٤ حديثا. وكان نحيفا قصيرا أبيض الرأس واللحية. مات بالمدينة - الأعلام للزركلي بتصرف يسير.\n(٣) أخرجه مسلم برقم (١٣٤٣) بَاب فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وصححها الألباني في الصحيحة برقم (٣٤١٠).\n(٤) أخرجه البخاري برقم/ ١٠٢ - باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل.\n(٥) البخاري رقم/٣٧٠٧ - باب شهود الملائكة بدر، ومسلم رقم/ ١٣٤٠ - بَاب فَضْلِ الْفَاتِحَةِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.\n(٦) مسلم رقم (١٣٠٠) - بَاب اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَجَوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ.\n(٧) أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله -ﷺ - ونزيل حمص. روى: علما كثيرا. وحدث عن: عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة. روى عنه: خالد بن معدان، والقاسم أبو عبد الرحمن، وسالم بن أبي الجعد، وشرحبيل بن مسلم، وسليمان بن حبيب المحاربي، ومحمد بن زياد الألهاني، وسليم بن عامر، وأبو غالب حزور، ورجاء بن حيوة، وآخرون. وروي: أنه بايع تحت الشجرة.-سير أعلام النبلاء للذهبي مختصرا (٣/ ٣٥٩) ..","vol":"2","page":9},{"text":"غَمَامَتَان (١) أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (٢) تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ \" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٥ - المواظبة علي قراءة أية الكرسي بعد الصلوات سببًا لدخول الجنة</span>، قال النبي ﷺ: \"من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت\" (٤).\nوتجدر اللإشارة بأن هناك عدة أحاديث منتشرة علي ألسنة العامة وهي ضعيفة لا تصح.\nوأذكر منها هنا علي سبيل المثال لا الحصر ما يلي:\n- حديث \"آيتان هما قرآن، وهما يشفعان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان في آخر سورة البقرة\" (٥).\n- وحديث \"من قرأ سورة البقرة، توج بتاج في الجنة (٦).\n- وحديث \"إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن، سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام\" (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>أسباب النزول:</span>\nإن سورة البقرة قد استمر نزولها في العهد المدني، لذا لا يتصور إمكانية حصر أسباب نزولها في سبب واحد لتعدد الأسباب في نزول الآيات، وسوف نذكر أسباب النزول إن وجدت في سياق تفسير الآيات ومرجعيتنا في ذلك، والله المستعان.\nووجه مناسبة سورة (البقرة) لسورة (الفاتحة) قبلها، أن الفاتحة مشتملة على بيان وصوف الربوبية أولا، وأحكام العبودية ثانيا، وطلب الهداية في الدنيا والآخرة لسبيل الفالحين وصراط المهتدين ثالثا. وكذلك سورة البقرة مشتملة على بيان معرفة الرب؛ وأدب المعاملة معه سبحانه؛ والأمر بتوحيده والتحذير من الكفر به، وتشتمل على العبادات وتفصيلها وما يتعلق بها، وعلى بيان ما يحتاج العبد إليه في الدنيا والآخرة لهدايته الصراط المستقيم الذي يطلبه المؤمنون في آخر سورة الفاتحة، وفي أول البقرة يومئ السياق القرآني الحكيم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nولما افتتح سبحانه الفاتحة بالأمر الظاهر المحكم الذي يلتبس \" الحمد لله رب العالمين \"؛ وكان وراء كل ظاهرٍ في عالم الشهادة غيب وباطنٌ يجب على المتقين الإيمان به. افتتح الله تعالى هذه السورة بما بطن سره وخفي أمره إلا على من شاء الله تعالى فقال سبحانه: \" الم \" وهى الحروف المقطعة التي يجب الايمان بحكمتها وتفويض معانيها للرب العلى إيمانا بالغيب الذي امتحن الله تعالى المتقين به ومدحهم على الإيمان به وبأمثاله من الغيب .. ولهذا قال الشعبي: \" لكل كتاب سر، وسر القرآن: حروف التهجي في فواتح السور \" (٨)، وقال أيضا: \"سر الله تعالى فلا تطلبوه\" (٩).\n_________\n(١) قال أهل اللغة: الغمامة والغياية، كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين.\n(٢) قال النووي في شرح مسلم \" ومعناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقة أي جماعة \".\n(٣) أخرجه مسلم برقم/ ١٣٣٧ - بَاب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ.\n(٤) انظر حديث رقم: ٦٤٦٤ في صحيح الجامع للألباني﵀.\n(٥) (ضعيف جدا) انظر حديث رقم: ١٨ في ضعيف الجامع للألباني﵀.\n(٦) انظر حديث رقم: ١٠٦٩ في ضعيف الجامع للألباني﵀.\n(٧) أنظر: السلسلة الضعيفة والموضوعة \" (٣/ ٥٢٤)، أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٨٠) (ج ٣ / ص ٥٩)، والطبراني في الكبير (٥٨٦٤) (ج ٦ / ص ١٦٣) وأبو يعلى في مسنده (٧٥٥٤) (ج ١٣ / ص ٤٦٥)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج ٢ / ص ٨٧): حسن لغيره.\nوهذا الحديث أيضًا فيه ضعف في الإسناد، ولكن الجملة الأولى: «إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن البقرة» ورد فيه أيضًا روايات أخرى ضعيفة عن ابن مسعود وعن ثلاثة من الصحابة أو أربعة، وكلها لا يخلو من ضعف، ولكن بعض أهل العلم يري أن هذه الجملة تتقوى بغيرها من الروايات، وهذه الروايات الضعيفة يقوي بعضها بعضًا، فيرون أن هذه الجملة: «إن لكل شيء سنامًا وإن سنام القرآن البقرة» ترتقي إلى مرتبة الحسن.\n(٨) ذكره السمعاني في تفسيره: ٢/ ١٦٣، ونسبه إلى الشعبي، ونسبه البقاعي إلى أبي بكر الصديق، ولفظه: \" لكل كتاب سر وسر القرآن هذه الحروف، ولا يعلم ما هي إلا واضعها سبحانه\"، انظر: نظم الدرر: ٢٠/ ٢٧٤، وكذا الآلوسي نسبه إلى الصديق، انظر: روح المعاني: ١/ ١٠٣.وانظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٠٩، ولم ينسبه. وذكره القرطبي: ١٥٤/ ١، في تفسير سورة البقرة، عن أبي بكر وعلي﵂-، وفي هذا النسب ضعف، وذكره من أقوال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين فهو قول موقوف على هؤلاء العلماء إن صح عنهم.\n(٩) انظر: تفسير الألوسي ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":10},{"text":"يقول ابن عاشور: \" وَإِذا كَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ عَهْدٍ بِإِقَامَةِ الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ وَاسْتِقْلَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَتِهِمْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ هذه الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِعَنَاصِرَ مُفْسِدَةٍ فاسدة حاسدة. تفسد مَا أَقَامَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الصَّلَاحِ الذي تسعى فيه لِتَكْوِينِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الدَّجَلِ وَالدَّخَلِ\" (١)، ولعل هذا يدلك دلالة صريحة على اهمية ومكانة سورة البقرة ما يجعلها السورة الثانية بعد الفاتحة.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الم (١)﴾ [البقرة: ١]\nالتفسير:\nالله أعلم بمراده، والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها دون سند شرعي، واليقين بأن الله أنزلها لحكمة قد لا نعلمها.\nوهذه الحروف التي في بداية السور، فيها إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، فقد تَحَدَّى اللهُ به المشركين، فعجزوا عن مُعارَضَتِه، مع أنه مُرَكَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لُغَتُهُم، فدَلَّ عَجْزُ العرب عن الإتيان بمثله - مع أنهم أفصَحُ الناس - على أنّ القرآنَ وَحْيٌ من عند الله.\nولقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في تفسير الأحرف المقطعة في السور الفواتح ولم يجزموا بوجه من الوجوه، إذا لم يصح في تفسيرها شيء عن رسول الله (- ﷺ -).\nوتجدر الإشارة بأن هناك محل متفق عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة. يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور (٢):\nالأمر الأول: - أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا، قال الله - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقال - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] (٣).\nالأمر الثاني: أن الله تعالى قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و: ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] آيتان (٤).\nفلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من كلام آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (٥).\nالأمر الثالث: أن الله تعالى حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من حكيم،: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، فإذا كان قائل هذا القرآن حكيمًا حميدًا، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟،: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ﵀: ١/ ٢٠٢، [بتصرف يسير].\n(٢) ينظر: تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، د. محمد حسن أبو النجا (بحث منشور في شبكة الآلوكة).\n(٣) انظر مفاتيح الغيب - أو التفسير الكبير - لفخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي ٢/ ٢٥٠، ط دار الكتب العلمية - بيروت ـ، الأولى ١٤٢١ هـ.\n(٤) انظر البيان في عد آي القرآن لأبي عمرو عثمان بن سعد الأموي الداني ص ٥٩، ط مركز المخطوطات - الكويت ـ، الأولى ١٤١٤ هـ ١٩٩٤ م، بتحقيق/غانم قدري الحمد.\n(٥) انظر مفاتيح الغيب ٢/ ٢٥١.","vol":"2","page":11},{"text":"قال العلامة السعدي: \" وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله - تعالى - لم ينزلها عبثًا، بل لحكمة لا نعلمها\" (١).\nوبعد هذا الاتفاق حدث اختلاف في شيء آخر، وهو: هل هذه الحروف المقطعة - التي لها معنى ونزلت لحكمة - هل يُدْرَك معناها من جميع الوجوه، ونقف على الحكمة منها؟\nوينحصر الاختلاف بين أهل العلم في اتجاهين اثنين: -\nالاتجاه الأول: أن تلك الحروف هي من من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فنؤمن بها، ونقرأها كما جاءت، وممن قال ذلك:\nالشعبي (٢)، وسفيان الثوري (٣)، ومن المفسرين كل من: أبو حيان (٤) والآلوسي (٥)، وقاله زكريا الأنصاري في كتابيه فتح الرحمن (٦).\nيرى أصحاب هذا الإتجاه بأن هذه الحروف لها معنى ونزلت لحكمة، غير أننا لا ندرك هذا المعنى ولا تلك الحكمة، وإنما يقال: هذه الحروف من حروف المعجم، ذكرها الله في أوائل بعض سور كتابه، واختص الله بعلم المراد منها (٧).\nرُوِي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور (٨).\nوعن علي بن أبي طالب تعالى أنه قال: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي (٩).\nوقد اعترض بعض العلماء على هذا الإتجاه وساقوا الأدلة على أنه: لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهومًا للخلق، ومنهم الرازي، واحتج عليه بالآيات والأخبار والمعقول.\nأما الآيات:\nأحدها: قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّروُنَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوُب أقْفالها﴾ [محمد: ٢٤]، أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه.\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن بن ناصر السعدي ص ٤٠، ط مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م.\n(٢) عزاه إليه القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٥٤)، والشعبي هو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي من شعب همدان مولده في أثناء خلافة عمر كان إمامًا حافظًا فقيهًا روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وعبد االله بن عمر وغيرهم. أنظر الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تذكرة الحفاظ، (ط ١/ ١٤١٩ هـ – ١٩٩٨ م) (١: ٦٣).\n(٣) عزاه إليه ابن كثير في تفسير القرآن (١: ٣٦ (وسفيان هو أبو عبد االله سفيان ابن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي، كان إماما في علم الحديث وغيره من العلوم، ومولده في سنة سبع وتسعين للهجرة توفي بالبصرة سنة ١٦١ هـ، أنظر ابن خلكان، أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ٨ مج، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر – بيروت، لم تذكر الطبعة وسنة الطبع (٢: ٣٨٦ - ٣٨٩).\n(٤) ينظر: البحر المحيط في التفسير، محمد بن يوسف أبو حيان، ١١ مج، دار الفكر، بيروت – لبنان (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م) لم تذكر رقم الطبعة (١: ٦٠).\n(٥) ينظر: روح المعاني، الآلوسي: ١/ ١٠٠.\n(٦) ينظر: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، أبو يحيى زكريا الأنصاري، ١ مج، تحقيق محمد علي الصابوني، عالم الكتب، بيروت (ط ١/ ١٤٠٥ هـ – ١٩٨٥ م) (ص ١٩\n(٧) انظر جامع البيان في تفسير القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري ١/ ٦٨، ط دار الفكر - بيروت - ١٤٠٥ هـ، وتفسير السمعاني للإمام أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني ٢/ ١٦٣، ط دار الوطن - الرياض ـ، الأولى ١٤١٨ هـ ١٩٩٧ م، بتحقيق/ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس بن غنيم. ومعالم التنزيل للحسين بن مسعود بن محمد البغوي ١/ ٤٤، ط دار المعرفة - بيروت ـ، الثانية ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م، بتحقيق/خالد عبدالرحمن العك، والجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ١/ ١٥٤، ط دار الشعب - القاهرة - والبحر المحيط في التفسير للإمام أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي ١/ ١٥٧، ط دار الكتب العلمية - بيروت ـ، الأولى ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م، بتحقيق الشيخ/عادل أحمد عبدالموجود، والشيخ/علي محمد معوض.\n(٨) لم أجد هذا الأثر عن أبي بكر مسندًا، ولكن ذكره أبوالفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير ١/ ٢٠، ط المكتب الإسلامي - بيروت ـ، الثانية ١٤٠٤ هـ، والرازي في مفاتيح الغيب ٢/ ٢٤٩، وأبوحيان في البحر المحيط ١/ ١٥٧، وأبوالسعود محمد بن محمد العمادي في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الحكيم ١/ ٢١، ط دار إحياء التراث - بيروت ـ.\n(٩) انظر مفاتيح الغيب ٢/ ٢٤٩، والجامع لأحكام القرآن ١/ ١٥٤، وإرشاد العقل السليم ١/ ٢١.","vol":"2","page":12},{"text":"ثانيها: قوله تعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍ مُبِين﴾ [الشعراء: ٩٥]، يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهومًا.\nوأما الأخبار: فقوله ﵇: \"إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي\" (١) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم!\nما المعقول، فمن وجوه:\nأحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا.\nثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهومًا لكانت المخاطبة به عبثًا وسفها، وأنه لا يليق بالحكيم.\nوثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلومًا لا يجوز وقوع التحدي به (٢).\nوفي صدد رده على الإتجاه السابق يقول الرازي: إن \"الأفعال التي كلفنا بها قسمان: منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة.\nومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج، فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والاضطباع (٣).\nثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم.\nفإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز - أيضًا- أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمرنا الله - تعالى -تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر.\nبل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتًا إليه أبدًا، ومتفكرًا فيه أبدًا، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله - تعالى - أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدًا مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلًا لهذه المصلحة (٤) \": اهـ\nثم أوضح ذلك في موضع آخر قائلًا: \" وقد ذكرنا الحكمة فيه، وهي أن العبد إذا أتى بما أُمِر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون إلا آتيًا بمحض العبادة، بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي به للفائدة وإن لم يؤمن، كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من ههنا، ولم يعلمه بما في النقل، فنقلها؛ ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزًا هو لك ينقلها وإن لم يؤمن.\n_________\n(١) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين أنظر الحاكم محمد بن عبد االله أبو عبد االله النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، ٤ مج، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت (ط ١/ ١٤١١ هـ- ١٩٩٠ م) حديث رقم ٤٥٧٧) ٣: ١١٨ (وسأشير إليه فيما بعد: الحاكم، المستدرك ورواه الترمذي، سنن الترمذي، كتاب المناقب باب (٣١ (مناقب أهل بيت النبي صلى االله عليه وسلم حديث رقم (٣٨١١) (٥: ٤٣٣) وقال هذا حديث غريب حسنُ من هذا الوجه. وصححه الألباني أنظر الألباني صحيح الجامع الصغير حديث رقم (٢٧٤٨) (١: ٥٣٣).\n(٢) أنظر: الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، محمد الرازي فخر الدين، تفسير، ١٧ مج، دار الفكر، بيروت – لبنان (١٤١٥ هـ – ١٩٩٥ م) (د. ط) (٢/ ٥).\n(٣) الاضطباع في اللغة: افتعال من الضبع، وهو وسط العضد، وقيل: الإبط (للمجاورة). ومعنى الاضطباع المأمور به شرعًا: أن يُدْخَل الرجل رداءه الذي يلبسه تحت منكبه الأيمن فيلقيه على عاتقه الأيسر وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة، ويطلق عليه التأبط والتوشح. انظر لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري ١/ ١٥٨، ط دار صادر - بيروت ـ، الأولى، والموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، ٥/ ١٠٩.\n(٤) مفاتيح الغيب ٢/ ٢٥١ و٢٥٢، وانظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود بن عبدالله الحسيني الآلوسي ١/ ٩٩، ط دار إحياء التراث - بيروت ـ.","vol":"2","page":13},{"text":"إذا عُلِم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي، فإذا قال: ﴿حم﴾ [غافر: ١]، ﴿يس﴾ [يس: ١]، ﴿الم﴾ [البقرة: ١]، ﴿طس﴾ [النمل: ١]. علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو لا يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أُمِر به (١) \": اهـ\nومن ثم يُعْلَم أن في إيراد هذه الفواتح التي استأثر الله بعلمها امتحانًا واختبارًا من الله لعباده، وقصًا لجناح العقل، وكبحًا لجماح غروره، وردًا لدعواه استكناه كل شئ: \" فهذا يوضح أن حروفًا من القرآن سُتِرَت معانيها عن جميع العالم اختبارًا من الله ﷿، وامتحانًا، فمن آمن بها أُثِيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد (٢) \".\nيقول الزرقاني: \"يقولون بهذا الرأي أنها من الأسرار التي استأثر االله بعلمها ولم يطلع عليها أحدًا من خلقه وذلك لحكمة من حكمه تعالى السامية، وهي ابتلاؤه سبحانه وتمحيصه لعباده حتى يميز الخبيث من الطيب، وصادق الإيمان من المنافق، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه، ودلائل هدايته، وشواهد رحمته في غير تلك الفواتح من كتابه بين آيات وسور كثيرة، لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر أو غيضًا من فيض\" (٣).\nويقول مكي بن أبي طالب: \"وهذا يوضح أن حروفًا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم اختبارًا من االله ﷿ وامتحانًا فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد\" (٤).\nوممن ذهب هذا مذهب الإتجاه الأول الشوكاني حيث نصر هذا المذهب بشدة، وجعل هذه الأحرف متشابه المتشابه، وغلظ القول على من قال فيها برأيه فقال: \"إن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازمًا بأن ذلك هو ما أراده االله ﷿، فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط .. ثم قال: فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظًا عربية وتراكيب مفهومة، وقد جعل االله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده، فإنه ينبغي أن يقال فيه انه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلًا ولكلام العرب فيه مدخلًا فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير\" (٥).\nالاتجاه الثاني: أن هذه الحروف لها معنى ولها حكمة، وتلك الحكمة وهذا المعنى ندركهما عن طريق الاستنباط والاجتهاد، فتكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوهًا من التأويل.\nوقد تعددت أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور حتى وصل بها الحافظ ابن حجر - ﵀ - إلى ثلاثين قولًا (٦).\nوفيما يأتي نذكر أشهر تلك الأقوال مشفوعة بتوجيهها، والتدليل عليها:\nالقول الأول: أنها لبيان أعجاز القرآن\nذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف ذكرت في أوائل السور التي وردت فيها لبيان إعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ويؤلفون منها كلامهم.\nفهم يرون بأنها حروف وردت بأسمائها مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا لمن تُحِدِّى بالقرآن، وتنبيهًا على أن هذا المتلو عليهم - وقد عجزوا عنه عن آخرهم - كلام منظوم من عين ما ينظمون\n_________\n(١) مفاتيح الغيب ٢٦/ ٢٥٢ و٢٥٣.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٥٤.\n(٣) مناهل العرفان: ١/ ٢٢٧.\n(٤) العمدة في غريب القرآن، أبو محمد بن أبي طالب القيسي مكي: ١ مج، تحقيق الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشيلي، مؤسسة الرسالة، بيروت (ط ٢/ ١٤٠٤ هـ – ١٩٨٤ م)، (ص ٦٩ (\n(٥) فتح القدير، الشوكاني: ١/ ٤٨ - ٤٩.\n(٦) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٨/ ٥٥٤، ط دار المعرفة - بيروت ـ، بتحقيق/محب الدين الخطيب.","vol":"2","page":14},{"text":"منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أنه لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله - وهم أرباب الفصاحة وأمراء البيان - إلا لأنه ليس من كلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقُدَر (١).\nوممن قال بذلك: الباقلاني (٢) والزمخشري (٣) والرازي (٤) وابن كثير (٥) وسيد قطب (٦).\nوقد رد بعضهم أمثال الشيخ محمد شلتوت هذا القول ولم يعد الفواتح من باب التحدي أو الإعجاز فقال: \"إن القول بأنه للتنبيه على أن هذا القرآن من مادة الكلام الذي ألفوه وقد عجزوا مع ذلك عنه قول يعتمد على قضيتين يقصدهما القائلون به من الواقع التاريخي لموقف العرب من القرآن، ومن طبيعة هذه الحروف:\n١ - إحداهما: أن هذه من حروف التهجي المعروفة عند العرب التي يتركب منها كلامهم، وأن القرآن مؤلف منها.\n٢ - والأخرى: انهم مع ذلك قد عجزوا عن الإتيان بمثله.\nوما كان للعرب أن يجهلوا أو يغفلوا عن أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد صلى االله عليه وسلم هو من هذه الحروف، أما عجزهم عن الإتيان بمثله فهو أمر يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه التاريخ عنهم وقد سجله القرآن عليهم بالعبارة الواضحة البينة، فليس الأمر في القضيتين بمحتاج إلى استخدام رمز كهذا الرمز البعيد الذي لا يستند إلى نقل صحيح ولا فهم واضح\" (٧).\nوقيل أن هذا القول من القوة والخلافة بالقبول بمنزل ولا محذور فيه، وذلك من عدة وجوه منها (٨):\nالوجه الأول: استقراء القرآن الكريم يدل على أن هذه الحروف المقطعة ذُكِرَت للإشارة إلى إعجاز القرآن، وأنه من كلام الرحمن، وليس من كلام أحد من بني الإنسان.\nفقد ذهب بعض العلماء إلى أن المقصود من هذه الأحرف بيان نبوة محمد صلى االله عليه وسلم وذلك من ناحية انه ينطق بأسامي الحروف مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، والمعروف أن النطق بأسامي الحروف من شأن القارئ وحده، لا سبيل للأمي إلى معرفتها ولا النطق بها، فإتيانه بها وترديده لها دليل مادي أمامهم على أنه لا يأتي بهذا القرآن من تلقاء نفسه، إنما يتلقاه من لدن حكيم عليم.\nفالسور التي افتتحت بتلك الحروف المقطعة تسع وعشرون سورة، ذُكِر الانتصار للقرآن في خمس وعشرين منها، ففي سورة البقرة - مثلًا - يقول الله - تعالى -: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢]، فذلك الكتاب الذي ليس فيه ريب، وفيه هدى للمتقين مؤلف من الألف واللام والميم؛ وفي سورة يونس يقول تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وفي سورة طه يقول - تعالى -: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١، ٢]، وفي سورة الشعراء يقول تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ١، ٢]، وفي سورة ص يقول - تعالى -: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢]، وفي سورة: ق يقول - تعالى -: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١].\nوكون هذه الأحرف ذُكِرَت في السور المكية - إلا سورتي البقرة وآل عمران - مما يقرر أن المراد الإشارة إلى إعجاز القرآن، لأن المشركين كانوا يكثرون اللغط حول القرآن، فذُكِرَت هذه الأحرف في بداية\n_________\n(١) انظر الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ١/ ٦٩، ط دار لإحياء التراث - بيروت ـ، بتحقيق/عبدالرزاق المهدي، والبحر المحيط ١/ ١٥٧، وتفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ١/ ٣٩، ط دار الغد العربي - القاهرة ـ، الأولى ١٤١١ هـ ١٩٩١ م، بتحقيق الدكتور/سعد عبد المقصود ظلام، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل لعبدالله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي ١/ ٨٦، ط دار الفكر - بيروت - وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ٣/ ٦، ط دار الفكر - بيروت ـ، ١٤١٥ هـ، وانظر الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي ٣/ ٢٦، ط دار الفكر - بيروت ـ، الأولى ١٤١٦ هـ ١٩٩٦ م، بتحقيق/سعيد المندوب.\n(٢)، إعجاز القرآن، أبوبكر محمد بن الطيب الباقلاني: ١ مج، تحقيق الشيخ عماد الدين احمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت – لبنان، (ط ٤ (لم تذكر سنة الطبع (ص ٦٨ - ٦٩ (\n(٣) ينرظ: الكشاف: ١/ ٩٥ - ٩٧.\n(٤) ينظر: التفسير الكبير: ٢/ ٨.\n(٥) ينظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧ - ٣٨.\n(٦) ينظر: في ظلال القرآن، ٦ مج، دار الشروق (ط ٩/ ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م) (١: ٣٨ (.\n(٧) تفسير القرآن الكريم، شلتوت: ٥٦.\n(٨) ينظر: تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، د. محمد حسن أبو النجا (بحث منشور في شبكة الآلوكة).","vol":"2","page":15},{"text":"السور للصراخ عليهم بعجزهم عن أن يأتوا بمثله، مع أنه لم يأت إلا من تلك الحروف التي تتكون منها لغتهم التي ملكوا ناصيتها (١).\nوقد ذهب بعضهم إلى رد هذا القول، لأن الأمي لا يصعب عليه أن يأتي بمثل هذه الحروف، إذ لا دلالة بها على تعلم الأمي، وانتقاله من الأمية إلى العلم، قال ابن عاشور: \"وهذا بين البطلان لأن الأمي لا يتعسر عليه النطق بالحروف\" (٢).\nالوجه الثاني: واقع هذه الأحرف يقرر هذه القضية، فهي قد ذُكِرَت على خمس صور، فجاءت على حرف واحد مثل: (ص) و(ق)، وجاءت على حرفين مثل: (طس) و(حم)، وجاءت على ثلاثة أحرف مثل: (الم)، وجاءت على أربعة أحرف مثل: (المص)، ثم هي قد جاءت على خمسة أحرف مثل: (كهيعص).\nوكذلك كلام العرب لا يخرج عن هذه الأحوال الخمسة، فهو إما حرف أو اسم أو فعل.\nفالحرف يأتي على حرفين مثل: (مِنْ)، أو ثلاثة مثل: (على).\nوالاسم إما ثلاثة أحرف مثل: (حسن) وإما أربعة مثل: (حسين) وإما خمسة مثل: (حسناء)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي.\nوأفعال العرب إما ثلاثة أحرف مثل: (كتب) وإما أربعة مثل: (أكرم)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي.\nفما خرجت الحروف المقطعة في جميع صورها عن استعمالات العرب، وكأن الله يقول: هذه الأحرف كُرِّرت على حسب استعمالاتكم في لغتكم، فإن قلتم: هذه الأحرف قد سبقنا محمد إليها فاستعمل حروفنا؛ قلنا لكم: قد استعملنا نصفها في أوائل السور وتركنا لكم النصف الآخر فافتروا منها قرآنًا كما افترى محمد بزعمكم - حاشاه - (٣).\nالقول الثاني: أنها أسماء لله تعالى\nذهب بعض العلماء أن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور أسماء لله تعالى، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا:\nابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) وسالم بن عبدالله (٦)، والشعبي (٧)، وروي نحوه عن اسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير ونحوه عن عكرمة (٨).\nقال عبد الله بن عباس - ﵄ -: فواتح السور أسماء من أسماء الله (٩).\nوعن ابن عباس واين مسعود في قوله: \" (ألم)، و(المص)، و(الر)، و(المر)، و(كهيعص)، و(طه)، و(طسم)، و(طس)، و(يس)، و(ص)، و(حم)، و(ق)، و(ن)، قال: هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله\" (١٠).\nوعن فاطمة ابنة علي بن أبي طالب، قالت: \"كان علي يقول في دعائه: يا كهيعص اغفر لي\" (١١).\n_________\n(١) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٣٩، وأضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٦ و٧.\n(٢) التحرير والتنوير: ١/ ٢١٥.\n(٣) انظر الكشاف ١/ ٧٢، ومفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٧ وأنوار التنزيل ١/ ٨٦.\n(٤) عزاه إليه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٥٥ (والطبري في جامع البيان (١: ٦٧. (\n(٥) عزاه إليه النسفي في تفسير النسفي (١: ٣٩)، وابن مسعود هو عبد االله بن مسعود بن غافل كان إسلامه قديما في أول الإسلام مات بالمدينة سنة ٣٢ هـ ودفن بالبقيع، أنظر ابن عبد البر، أبا عمر يوسف بن عبد االله بن محمد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ٤ مج، تحقيق الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان (ط ١/ ١٤١٥ هـ – ١٩٩٥ م) (٣/ ١١٠ - ١١٦ (.\n(٦) عزاه إليه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (١: ٣٦ (وسالم هو سالم بن عبد االله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أحد فقهاء المدينة السبعة ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم توفي في المدينة سنة ١٠٦ هـ أنظر: تاريخ الأعلام، الزركلي: ٣/ ٧١.\n(٧) عزاه إليه الطبري في جامع البيان: ١/ ٦٧.\n(٨) انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لعبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي ٤/ ٣، ط دار الكتب العلمية - بيروت ـ، الأولى ١٤١٣ هـ ١٩٩٣ م، بتحقيق/عبدالسلام عبدالشافي محمد، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١١/ ٧٣، وفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني ٢/ ٤٢٤، ط دار الفكر - بيروت ـ.\n(٩) ذكره السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٤/ ٣٣٩، ط دار الفكر - بيروت - ١٩٩٣ م، وعزاه لابن مردويه، وانظر فتح القدير للشوكاني ٢/ ٤٢٤.\n(١٠) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير ١/ ٦٧، وعبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن أبي حاتم الرازي في تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٢، ط المكتبة العصرية - صيدا ـ، بتحقيق/أسعد محمد الطيب، وانظر الدر المنثور ١/ ٥٤.\n(١١) أخرجه ابن جرير الطبري ١٦/ ٣٤، وانظر تفسير ابن عطية ٤/ ٣، وابن الجوزي ٥/ ٢٠٥، والقرطبي ١١/ ٧٣، وفتح الباري ٨/ ٤٢٧.","vol":"2","page":16},{"text":"وهذا يدل على أن عليًا -﵁تعالى كان يميل إلى هذا القول، ويبعد أن يكون ذلك إلا بتوقيف من النبي - ﷺ-.\nوعن أشهب (١) قال: \"سالت مالك بن انس: أينبغي لأحد أن يتسمى بـ (يس)؟ فقال: ما أراه ينبغي لقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]، يقول هذا اسمي تسميت به\" (٢).\nوقد نقل القرطبي - بعد إيراد هذا الأثر - تعقيب أبي بكر بن العربي عليه حيث قال: \"هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم، وقادر، ومريد، ومتكلم، وإنما منع مالك من التسمية بـ (يس) لأنه أسم من أسماء الله لا يُدْرَى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب، فلا يجوز أن يُقْدِم عليه العبد، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] (٣)، قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجي هو الذي تكلم مالك عليه، لما فيه من الإشكال، والله أعلم\" (٤).\nويفهم من كلام الآلوسي أنه يميل إلى هذا القول، فقد قال: \"وعندي فيما نحن فيه لطائف، وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه، فقد أشار - سبحانه - بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحًا إلى اسمه الظاهر، وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن\" (٥).\nوهذا قول فيه نظر، وذلك لأن أسماء الله توقيفية لا تؤخذ إلا بنص من الكتاب العزيز أو الرواية الصحيحة عن المعصوم ﵇ وما سبق ذكره لا يعتمد عليه في إثبات أسماء االله تعالى.\nوقد قال محيي الدين شيخ زاده مبينًا بطلان هذا القول \"أن أسماء االله تعالى لا تخلو من أن تدل على تعظيم أو تنزيه أو على ما يرجع إليهما والفواتح ليست كذلك\" (٦).\nالقول الثالث: أنها فواتح لأسماء الله تعالى:\nويري البعض أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور فواتح لأسماء الله - ﵎، فكل حرف منها هو فاتحة لاسم محذوف من أسماء الله، جاء ذلك الحرف ليدل على ذلك الاسم المحذوف، فالألف من قوله تعالى: ﴿الم﴾ مثلًا ابتداء اسمه الله، واللام ابتداء اسمه لطيف، والميم ابتداء اسمه مجيد (٧).\nعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: \" ﴿كهيعص﴾ قال: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق\" (٨).\nوفي رواية أخرى عن بن عباس ﵄ في قوله ﷿: \" ﴿كهيعص﴾ قال: كاف هاد أمين عزيز صادق\" (٩).\n_________\n(١) هو أشهب بن عبد العزيز ابن داود بن إبراهيم، الإمام العلامة مفتي مصر أبو عمرو القيسي العامري المصري الفقيه، يقال: اسمه مسكين، وأشهب لقب له، مولده سنة أربعين ومائة، ويكفيه قول الشافعي فيه: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب. قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيهًا حسن الرأي والنظر. انظرالكاشف للإمام محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ١/ ٢٥٤، ط دار القبلة للثقافة - جدة ـ، الأولى، بتحقيق / محمد عوامة.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٠/ ٣١٨٨، وانظر الدر المنثور ٧/ ٤٢، وتفسير القرطبي ١٥/ ٤، والإتقان ٣/ ٢٥.\n(٣) وهي على قراءة نافع وابن عامر، وهما من القراء السبعة. انظر إبراز المعاني من حرز الأماتي في القراءات السبع لأبي شامة عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي ٢/ ٦٦٦، ط مكتبة مصطفى الحلبي - القاهرة ـ، بتحقيق/إبراهيم عطوة عوض، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر لشهاب الدين أحمد بن محمد بن عبدالغني الدمياطي ١/ ٤٧٥، ط دار الكتب العلمية - بيروت ـ، الأولى ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م، بتحقيق/أنس مهرة.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٤.\n(٥) روح المعاني ١/ ١٠٠.\n(٦) حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير البيضاوي، محمد بن مصلح الدين مصطفى القَوجَوي،، ٨ مج، تحقيق محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان (ط ١/ ١٤١٩ هـ – ١٩٩٩ م) (١: ١٤٢. (\n(٧) انظر تنوير المقباس من تفسير ابن عباس جمعه مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى ص ٣، ط دار الكتب العلمية - لبنان ـ.\n(٨) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٠٣ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٩) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٠٣ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وانظر تفسير البغوي ١/ ٤٤.","vol":"2","page":17},{"text":"ويدخل في هذا القول ما روي عن عبد الله بن عباس أيضًا وكذلك عبد الله بن مسعود أن هذه الأحرف هي اسم الله الأعظم (١).\nويقرر ذلك ابن عطية بأنه إذا أمكن تأليفه منها، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها (٢).\nأو أن هذه الحروف أبعاض أسماء لله - تعالى -، بعضها يُعْلَم كيفية تركيبه منها، وبعضها لا يُعْلَم، فعن ابن عباس أنه قال: \" (الر) و(حم) و(ن): الرحمن مُفَرَّقة\" (٣).\nكما نقل الفخر الرازي وأبو حيان عن سعيد بن جبير تعالى أنه قال: قوله (آلر، حم، ن) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي (٤).\nأو هي حروف يدل بعضها على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات والأفعال، على نحو ما رُوِي عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير: (الم) من قوله: أنا الله أعلم، وقوله في: (الر): أنا الله أرى، وفي: (المص): أن الله أفصل (٥).\nأو هي حروف يدل بعضها على أسماء الله - تعالى - وبعضها على أسماء غيره سبحانه، فعن ابن عباس في قوله تعالى: \" (الم) يقول: ألف الله، لام جبريل، ميم محمد\" (٦)، أي: أنزل الله هذا الكتاب الذي لا ريب فيه على لسان جبريل إلى محمد - ﷺ- (٧).\nوهذا القول له وجه، لأن العرب قد تُطْلِقُ الْحَرْفَ الواحد من الكلمة، وَتُرِيدُ به جميع الكلمة، كقول الراجز (٨):\nقلنا لها قفي فقالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف.\nفقوله: \"قاف\"، أي: وقفتُ (٩)، فدلت بإظهار القاف من «وقفت» على مرادها من تمام الكلمة التي هي «وقفت». فصرفوا قوله: (الم) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى.\nوكقول القائل (١٠):\nبالخير خيرات وإن شرًا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا\nيعني: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشرّ إلا أن تشاء، وبذلك اكتفى بالتاء والفاء عن بقية الكلمتين جميعًا عن سائر حروفهما (١١).\nوقد ورد في السنة ما يشير إلى هذا، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ-: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله ﷿ مكتوب بين - عينيه: آيس من رحمة الله (١٢).\nوعن بن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله (١٣).\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ١/ ٦٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢ والدر المنثور ١/ ٥٤، وانظر الإتقان ٣/ ٢٤ حيث حكم على الأثر بأنه صحيح.\n(٢) انظر المحرر الوجيز ١/ ٨٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢، وانظر الإتقان للسيوطي ٣/ ٢١.\n(٤) انظر مفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٢، والبحر المحيط ١/ ١٥٦.\n(٥) انظر تفسير ابن جرير الطبري ١/ ٦٧ و٦٨ وابن أبي حاتم ١/ ٣٢، والرازي ٢/ ٢٥٣، والبحر المحيط ١/ ١٥٧.\n(٦) انظر تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص ٣.\n(٧) انظر زاد المسير ١/ ٢٢، ومفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٣، والبحر المحيط ١/ ١٥٧، وإرشاد العقل السليم ١/ ٢١.\n(٨) البيت غير منسوب لأحد في لسان ٩/ ٣٥٩، وتهذيب اللغة لمحمد بن أحمد الأزهري ١٥/ ٦٧٩، ط دار المعارف - بيروت - ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م، بتحقيق الدكتور/رياض زكي فاسم، وانظر المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، إعداد الدكتور/إميل بديع يعقوب ٤/ ٢١٥، ط دار الكتب العلمية - بيروت ـ، الأولى ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.\n(٩) انظر معالم التنزيل للبغوي ١/ ٤٤، والمحرر الوجيز ١/ ٨٢ و٨٣.\n(١٠) البيت نسبه ابن منظور في لسان العرب ١٥/ ٢٨٨ إلى حكيم بن مَعْيَة التميمي، ونسبه بن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٨٣ والقرطبي في الجامع ١/ ١٥٥ إلى زهير بن أبي سلمى، وهو غير منسوب في شرح شواهد الشافية لعبدالقادر البغدادي ص ٢٦٢، ط مطبعة حجازي - القاهرة ـ.\n(١١) انظر جامع البيان ١/ ٧٠، والمحرر الوجيز ١/ ٨٣، والجامع لأحكام القرآن ١/ ١٥٥، والبحر المحيط ١/ ١٥٨.\n(١٢) أخرجه ابن ماجه في سننه ٢/ ٨٧٤، كتاب: الديات، باب: التغليظ في قتل مسلم ظلمًا، برقم (٣٦٢٠)، والربيع بن حبيب بن عمر الأزدي في مسنده ص ٢٩٢، وأبو يعلى في مسنده ١٠/ ٣٠٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٢، وهو حديث حسن بجموع طرقه.\n(١٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٤٦، وأبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان ١/ ١٨٨.","vol":"2","page":18},{"text":"وعن بن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ-: \"من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله\" (١).\nقال سفيان بن عيينة: \"هو أن يقول: أق، يعني: لا يتم كلمة (اقتل) \" (٢).\nفإن ثبت أن العرب كانت تأتي في كلامها بحرف وتريد به معنى كان في هذا القول قوة ووجاهة (٣).\nالقول الرابع: أن هذه الأحرف أسماء للسور التي جاءت فيها (٤)\nوذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها، وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز، فكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور عن غيرها.\nمن الذين قالوا بذلك: الزمخشري (٥)، والرازي (٦) واختاره سيبويه (٧).\nفعن أُبَي بن كعب تعالى أنه قال لماسُئِل عن هذه الحروف: إنما هي أسماء السور (٨).\nوقد نسب الزمخشري والبيضاوي هذا الوجه إلى أكثر العلماء (٩)، كما عزاه الفخر الرازي إلى أكثر المتكلمين والمحققين (١٠).\nوإن أشكل ذلك على أحد فقال: كيف يكون ذلك كذلك وقد افتتحت سور كثيرة بـ ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ والمقصود رفع الاشتباه، لأن الأسماء إنما تكون أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات؟ .\nفالجواب: أن بعض الأسماء - وإن كانت مشتركة - إلا أنها تميز ببعض النعوت الأخرى، فيقول المخبر عن نفسه: قرأت ﴿الم﴾ البقرة، أو قرأت ﴿الم﴾ آل عمران؛ كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو غير أن أحدهما عراقي والآخر مصري لزمه أن يقول: لقيت عمرًا العراقي، أو عمرًا المصري (١١).\nوقد استدل القائلون بهذا القول بأدلة منها:\nأولًا: ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم * تنزيل، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (١٢).\nثانيًا: أن ذلك أمر فاش في العرب الذين نزل القرآن بلغتهم وعلى لسانهم، فقد سَمَّت العرب بهذه الحروف أشياء وأشخاص، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نونًا (١٣).\nويعضد ذلك كون هذه الحروف واقعة في أوائل السور، فتكون هذه الحروف قد جعلت أسماءً بالعلامة على تلك السورة وسميت بها كما تقول الكراسة (ب) والرزمة (ج) (١٤).\nولقد اعترض بعضهم على هذا القول، وقالوا: إن هذه الألفاظ ليست أسماءً للسور وساقوا أدلة على ذلك وإليك أدلتهم:\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٧٩.\n(٢) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٣٨.\n(٣) انظر تفسير الطبري ١/ ٧٠، والسمعاني ١/ ٤١، والبغوي ١/ ٤٤، وابن عطية ١/ ٨٢، وابن الجوزي ١/ ٢١، والقرطبي ١/ ١٥٥.\n(٤) انظر جامع البيان ١/ ٦٧، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٣٧، وإرشاد العقل السليم ١/ ٢١.\n(٥) ينظر: الكشاف: ١/ ٨٣.\n(٦) التفسير الكبير: ٢/ ٧.\n(٧) ينظر: الكتاب، أبو بشر عمر بن عثمان سيبويه، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، ط ٢، ١٩٦٧: ٢/ ٣٤ - ٣٥.\n(٨) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٦٧.\n(٩) انظر الكشاف ١/ ٧٢، وأنوار التنزيل ١/ ٨٦ و٨٧.\n(١٠) انظر مفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٢ و٢٥٤.\n(١١) انظر جامع البيان ١/ ٧٠، وروح المعاني ١/ ٩٨.\n(١٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٣٠٣، كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة، برقم (٨٥١)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٥٩٩، كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة، برقم (٨٨٠)، وابن ماجة في سننه ١/ ٢٦٩، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة، برقم (٨٢٣).\n(١٣) انظر مفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٣، وروح المعاني ١/ ٩٨.\n(١٤) انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٢١٠.","vol":"2","page":19},{"text":"أولًا: لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوافر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلومًا بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور (١).\nثانيًا: ويرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل (الم) و(الر) و(حم) والمقصود ممن الاسم إزالة الاشتباه، والاشتباه حاصل.\nثالثًا: ويرده اشتهار السور بأسماء أخرى غير هذه الحروف، كسورة البقرة وسورة ال عمران وسورة الأعراف وسورة مريم وما إليها، ولو كانت أسماءً لاشتهرت بها.\nقلت: أن هذه الحروف لا تعد أسماءً للسور وذلك لأن أسماء السور توفيقية (٢)، ولا يجوز أن يطلق اسم على مسمى من غير أن يعرف المسمى به، وأما ما ورد في الحديث الشريف فإن جاز عدها اسمًا للسورة فتكون أسماءً للسور التي نصت الروايات عليها دون غيرها.\nالقول الخامس: أن هذه الفواتح أسماء للقرآن الكريم (٣)\nقال ابن كثير: \" ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم، من أسماء السور، فإن كل سورة يُطْلَق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون: ﴿المص﴾ اسمًا للقرآن كله، لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص﴾ إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن، والله أعلم (٤) \": اهـ\nوحمل ابن جرير الطبري هذا القول على ظاهره فقال: \"هي أسماء لكل القرآن، لا للسورة التي هي قطعة من القرآن، فـ ﴿﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢] على معنى القسم، كأنه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه\" (٥).\nالقول السادس: أنها نزلت ليستغربها المشركون فيسمعون القرآن\nذهب بعض العلماء إلى أن الحروف المقطعة نزلت لاستدراج نفوس المشركين ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعوا القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة، أي: أنها حروف لا معنى لها في الوضع، قُدِّمت على الكلام المقصود لحكمة تفريغ البال، ولفت الانتباه، وجذب الأذهان للإصغاء والسماع، ليحصل التدبر والفهم والاتعاظ بما بعد ذلك (٦).\nممن قال بذلك: الرازي (٧) والزرقاني (٨).\nوهذا التنبيه يكون للنبي - ﷺ-، وللمؤمنين، وللمشركين:\nأما للنبي - ﷺ-: \"فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونه - ﷺ- في عالم البشر مشغولًا، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: (الم) و(الر) و(حم)، ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه.\nوإنما لم تُسْتَعْمَل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ (ألا) و(أما) لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يُؤْتَى فيه بألفاظ تنبيه لم تُعْهَد لتكون أبلغ في قرع سمعه (٩) \":\nوهي تنبيه للمؤمنين أيضًا لئلا يستمعوا هذا القرآن وهم في غفلة ولهو.\nأما المشركون فقد حكى الله تعالى تنفير بعضهم لبعض عن القرآن في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، فكان إذا تكلم رسول الله - ﷺ-\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٢١٠.\n(٢) انظر: الإتقان: ١/ ٧٥.\n(٣) انظر جامع البيان ١/ ٦٩، والبحر المحيط ١/ ١٥٦.\n(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٣٧.\n(٥) جامع البيان ١/ ٦٩.\n(٦) انظر جامع البيان ١/ ٦٩، والمحرر الوجيز ١/ ٨٢، والبحر المحيط ١/ ١٥٧.\n(٧) ينظر: التفسير الكبير: ٢/ ٨.\n(٨) ينظر: مناهل العرفان: ١/ ٢٣٠.\n(٩) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٣/ ٢٧.","vol":"2","page":20},{"text":"في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئًا، والإنسان حريص على ما مُنِع، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ويوضح ذلك المشكل، فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سببًا لاستماعهم، واستماعهم له سببًا لاستماع ما بعده، فترق القلوب وتلين الأفئدة، ويؤكد هذا أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور (١).\nقال الفخر الرازي: \"إن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال يقدم على الكلام المقصود شيئًا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود، فقد يكون ذلك المقدم كلامًا له معنى مفهوم كقول القائل اسمع، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتًا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يضفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود اكثر، فاختار الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفًا هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم إسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المقدم كلامًا منظومًا وقولًا مفهومًا فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الإلتفات عنه، أما إذا سمع منه صوتًا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة\" (٢).\nإذا ثبت هذا فنقول: ذلك المُقَدَّم على المقصود قد يكون كلامًا له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع، واجعل بالك إلى، وكن لي. وقد يكون شيئًا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيد، ويا زيد، وألا يا زيد. وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتًا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه. وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود أكثر، ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال: أزيد. والبعيد بـ (يا) فيقال: يا زيد. والغافل يُنَبَّه أولًا فيقال: ألا يا زيد.\nإذا ثبت هذا فنقول: إن النبي - ﷺ- وإن كان يقظان الجَنَان (٣) لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفًا هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يُفْهَم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المُقَدَّم كلامًا منظومًا وقولًا مفهومًا فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه، أما إذا سمع منه صوتًا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود.\nفإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة\" (٤).\nوهذا القول -والله أعلم- ضعيف لا تسنده حجة ولا يقويه برهان، فلو كان المقصود من هذه الحروف تنبيه الغافل لكان من الأولى أن تفتتح بها كل سور القرآن إذ لا داعي لتخصيص بعضها دون بعض، ثم إن العرب لم يكونوا بحاجة لمن يوقظهم من غفلتهم، ذلك أن النبي صلى االله عليه وسلم أتاهم بكتاب قوض عبادتهم، وسفه أحلامهم، وكفى بذلك إثارة لأسماعهم لأن ينصتوا إلى ما جاءهم به مخالفهم، زد على ذلك أن أسلوب القرآن ونظمه فيه من جذب أسماعهم واستمالتهم ما يكفي، كيف لا وهم كانوا يستمعون للقرآن خلسة وقد كان يؤثر عليهم رغم كفرهم.\n_________\n(١) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٣/ ٢٧، وانظر معاني القرآن لأحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس ١/ ٧٦، ط جامعة أم القرى - مكة المكرمة ـ، الأولى ١٤٠٩ هـ، بتحقيق/محمد علي الصابوني، ومفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٤، وفتح القدير للشوكاني ١/ ٢٩.\n(٢) التفسير الكبير: ١٣/ ٢٧.\n(٣) الجَنَان: القلب. انظر لسان العرب ١٣/ ٩٣.\n(٤) مفاتيح الغيب ٢٥/ ٢٧.","vol":"2","page":21},{"text":"وقال ابن كثير مبينًا بطلان هذا القول: \"وهو ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور، لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك - أيضًا - لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، ثم إن هذين - يعني سورة البقرة وآل عمران - مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه\" (١) (٢).\nالقول السابع: - هذه الحروف أسماء، مسمياتها الحروف المبسوطة التي رُكِّبَت منها الكلمات، فقولك: (ضاد) اسم سُمِّي به الحرف (ضه) من كلمة (ضرب) إذا تهجيته، وكذلك (راء) و(باء) أسمان لقولك: (ره) و(به) (٣).\nقال الخليل يومًا وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في (لك) والباء التي في (ضرب)؟ فقيل: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: (كه) (به) (٤).\nفإن قيل: وما الفائدة التي تترتب على ذلك؟\nفالجواب: أن في ذلك فائدة عظيمة: \" فالتكلم بهذه الحروف - وإن كان معتادًا لكل أحد إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة، فلما أخبر الرسول - ﷺ- عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخبارًا عن الغيب، فلهذا السبب قَدَّم الله - تعالى - ذكرها ليكون أول ما يُسْمَع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه - ﷺ- (٥) \":\nويدخل في هذا القول ما رُوِي عن عكرمة أن هذه الحروف قسم (٦).\nأي أن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه.\nثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد هو الكل كما تقول: قرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].وتريد السورة كلها، فكأنه - تعالى - قال: أقسم بهذه الحروف، إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ (٧).\nالقول الثامن: أن هذه الحروف أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد - ﷺ- كتابًا في أول سور منه حروف مقطعة (٨).\nقلت: وكل هذه الأقوال فيها وجه من الوجاهة والقبول - على تفاوت في ذلك ـ، وليس فيها محذور أو محظور يتعارض مع النقل الصريح أو العقل الصحيح، فلو قُبِلَت كلها لم يزد بعضها بعضًا إلا قوة ورجاحة.\nقال أبو جعفر ابن جرير الطبري: \"ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك وجه معروف\" (٩).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٣٨ و٣٩.\n(٢) كما وأن وجوه هذا التضعيف فيها نظر:\nأما قوله: ينبغي ذكرها في جميع السور، فليس بلازم لأن هذه الأحرف لا يقتصر معناها ولا الحكمة منها على ما ذُكِر في هذا القول فقط، بل هو معنى من معانيها إلى جانب معان أخر.\nوأما قوله: ينبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، فليس بلازم - أيضًا - لأن التنبيه قد حصل في أول السورة وحصل المقصود. هذا فضلًا عن أن النبي - ﷺ- كان إذا خاطبهم بالقرآن كانوا يعرضون، أما إذا خاطبهم هو فليس الأمر كذلك.\nواعتراضه المتعلق بذكرها في البقرة وآل عمران المدنيتين فالجواب أن هذا التنبيه ليس للمشركين فقط، بل هو لهم ولغيرهم كما سبق تقريره آنفًا.\n(٣) انظر الكشاف ١/ ٦٣، وأنوار التنزيل للبيضاوي ١/ ٨٥.\n(٤) انظر الكشاف ١/ ٦٤.\n(٥) مفاتيح الغيب ٢/ ٢٥٤، وانظر أنوار التنزيل ١/ ٨٥، وإرشاد العقل السليم ١/ ٢٢.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣، والنحاس في معاني القرآن ١/ ٧٥.\n(٧) انظر تفسير السمعاني ١/ ٤١، والبغوي ١/ ٤٤، والرازي ٢/ ٢٥٤، وأبي حيان ١/ ١٥٦، وأبي السعود ١/ ٢١.\n(٨) انظر المحرر الوجيز ١/ ٨٢، والبحر المحيط ١/ ١٥٧، والإتقان ٣/ ٢٨.\n(٩) جامع البيان ١/ ٦٩.","vol":"2","page":22},{"text":"ثم قال -﵀-: \"والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور التي هي حروف المعجم أن الله - جل ثناؤه - جعلها حروفًا مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف لأنه - عز ذكره - أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد، .. والصواب في تأويل ذلك عندي أن كل حرف منه يحوي ما قاله سائر المفسرين.\nفإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملًا الدلالة على معان كثيرة مختلفة؟\nقيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة، كقولهم للجماعة من الناس: أمة، وللحين من الزمان: أمة، وللرجل المتعبد المطيع لله: أمة، وللدين والملة أمة.\nوكقولهم للجزاء والقصاص: دِيْن، وللسلطان والطاعة: دين، وللتذلل: دين، وللحساب: دين؛ في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها مما يكون من الكلام بلفظ واحد وهو مشتمل على معان كثيرة.\nوكذلك قول الله - جل ثناؤه ـ: (الم) و(المر) و(المص) وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور، كل حرف منها دال على معان شتى شامل جميعها، من أسماء الله ﷿ وصفاته مما قاله المفسرون من الأقوال التي ذكرناها عنهم، وهن مع ذلك فواتح السور كما قاله من قال ذلك.\nوليس كون ذلك من حروف أسماء الله - جل ثناؤه - وصفاته بمانعها أن تكون للسور فواتح، لأن الله - جل ثناؤه - قد افتتح كثيرًا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها.\nفالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم أحد معاني أوائلها أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن، وهن مما أقسم بهن، لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله - تعالى ذكره - وصفاته - على ما قدمنا البيان عنها ـ.\nفذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا مما بينا من وجوهه، لأن الله - جل ثناؤه - لو أراد بذلك أو بشيء منه الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك دون سائر المعاني غيره لأبان ذلك لهم رسول الله إبانة غير مشكلة، إذ كان - جل ثناؤه - إنما أنزل كتابه على رسوله ليبين لهم ما اختلفوا فيه.\nوفي تركه إبانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل، إذ لم يكن مستحيلًا في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه، كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة باللفظ الواحد في كلام واحد\" (١).\nوإن كانت هذه الأقوال مقبولة إلا أن ثمة أقوالًا أخرى هزيلة مردودة وجب ذكر بعضها للتنبيه عليها.\nالقول التاسع: ما رُوِي عن الربيع بن أنس أنه قال: هذه الأحرف من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم (٢).\nوهذا يشبه ما ذكره القرطبي عن محمد بن علي الحكيم الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس (٣).\nوهذا قول مردود، وتحميل لكلام الله ما لا يحتمل، إذ فيه ادعاء أن بعض آيات القرآن الكريم حكم الله ألا يعلمها إلا نبي أو ولي، فإن كان النبي - ﷺ- قد مات فقد بقي الأولياء الذين هم المؤمنون، فكل مؤمن ولي لله، وأعلى المؤمنين منزلة وأقربهم إلى الله تعالى هم العلماء، وما قاله العلماء بعيد كل البعد عن هذا القول، وهذا القول بعيد كل البعد عما قاله العلماء.\nثم أي فائدة في أن تكون هذه الأحرف دالة على مدة قوم وآجالهم، ومدد الأقوام وآجالهم غيب لم يطلع الله أحدًا من خلقه عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].\n_________\n(١) جامع البيان ١/ ٧٢ و٧٣، وانظر معاني القرآن للنحاس ١/ ٧٦\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير ١/ ٦٨ وابن أبي حاتم ١/ ٣٣.\n(٣) انظر تفسير القرطبي ١/ ١٥٦","vol":"2","page":23},{"text":"وعن بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ- قال: مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام (١) إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله (٢).\nفإذا كانت كل نفس لا تدري مكان أجلها فهي - من باب أولى - لا تدري زمان أجلها ولا أجل غيرها.\nالقول العاشر: أنها أقسام أقسم الله بها:\nقال بعض العلماء: إن االله أقسم بهذه الحروف لإظهار شرفها وفضلها، ممن قال ذلك ابن عباس (٣)، وعكرمة (٤) والأخفش (٥) والزركشي (٦).\nقال الزركشي: \"أن االله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما في كتب االله المنزلة باللغات المختلفة وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون، وقد أقسم االله تعالى بـ (الفجر، و(الطور) فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها\" (٧).\nومما استدل به بعضهم على هذا القول ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي االله عنهما انه قال في قوله تعالى: (كهيعص) و(طه) و(طسم) و(يس) و(ص) و(حم عسق) و(ق) ونحو ذلك قسم أقسمه االله تعالى وهي من أسماء الله ﷿ (٨).\nوهذ القول فيه نظر: إذ أن صيغة القسم معروفة وتأتي معتمدة على كلمات وحروف تفيد القسم نحو: اقسم أو الواو في (واالله) أو التاء وهكذا، أما أن تعد هذه الحروف قسمًا فهذا ما لم يعهده العرب، ولم يجر على ألسنتهم، ويدل على بطلان هذا القول أيضًا أنه لا يوجد ما يعضده ويشهد لصحته في القرآن أو السنة الصحيحة، وما نقل عن ابن عباس فهو ضعيف (٩)، قال القرطبي مبينًا فساد هذا القول: \"لا يصح أن يكون قسمًا لأن القسم معقود على حروف مثل: إن وقد ولقد وما، ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يمينًا\" (١٠).\nالقول العادي عشر: أنها جاءت للدلالة على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر:\n_________\n(١) ما تغيض الأرحام. معناه: ما نقص الحمل فيه عن تسعة أشهر، وما زاد على التسعة. وقيل: ما نقص عن أن يتم حتى يموت، وما زاد حتى يتم الحمل. انظر لسان العرب ٧/ ٢٠١، والمفردات في غريب القرآن لأبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ص ٣٦٨، ط دار المعرفة - بيروت ـ، بتحقيق/محمد سيد كيلاني.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٧٩٣، كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، برقم (٤٥٠٠)، والنسائي في السنن الكبرى ٦/ ٣٧٠، كتاب: التفسير، باب: قوله - تعالى ـ: ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ [الرعد: ٨] سورة الرعد (٧)، برقم (١١٢٥٨)، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤.\n(٣) انظر: عزاه إليه النسفي في تفسيره (١: ٣٩ (وابن عباس هو عبد االله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم الرسول صلى االله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات توفي سنة ٦٨ هـ_، أنظر ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل احمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، ٧ مج، مكتبة الكليات بالأزهر (ط ١/ ١٣٩٦ هـ – ١٩٧٦ م) (٥: ١٣٠ - ١٤٠).\n(٤) انظر: عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (١: ٥٤ (وهو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام أسلم بعد فتح مكة وحسن إسلامه فشهد الوقائع واستشهد في اليرموك سنة ١٣ هـ وعمره ٦٢ سنة، أنظر الزركلي، الأعلام (٤: ٢٤٤).\n(٥) انظر: لأخفش الأوسط، أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي معاني القرآن، ٢ جزء، تحقيق الدكتور فائز مسعد دار البشير، ط ٣/ ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م) (١: ٢٠).\n(٦) انظر: البرهان: ١/ ١٧٣.\n(٧) انظر: البرهان: ١/ ١٧٣.\n(٨) انظر: البحر المحيط: ١/ ٥٨.\n(٩) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، البيهقي، أبو بكر احمد بن الحسين، الأسماء والصفات، ٢ مج، تحقيق عبد االله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة (ط ١/ ١٤١٣ هـ – ١٩٩٣ م) (١: ٢٣٠ (وسأشير إليه فيما بعد: البيهقي، الأسماء والصفات والأثر إسناده ضعيف فهو من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكر ابن حجر أن علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره أنظر ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي، تقريب التهذيب، ١ مج، مؤسسة الرسالة – بيروت، (ط ١/ ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م) (ص ٣٤١).\n(١٠) انظر: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٥٦.","vol":"2","page":24},{"text":"ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، ومعنى ذلك أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما.\nمن الذين قالوا بذلك: مجاهد (١) وأبو عبيدة (٢) والأخفش (٣).\nوهذا الكلام ليس بشيء، فلا تُعد هذه الحروف دالة على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، فإن هذه الحروف لم تعهد مزيدة لهذه الدلالة، فقد صح الفصل بغيرها، ثم إن هذا غير مضطرد في جميع السور، فلماذا ذكرت هذه الحروف في سور ولم تذكر في أخرى. قال ابن كثير مبينًا بطلان هذا القول: \"وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة\" (٤).\nالقول الثاني عشر: أن هذه الحروف جاءت للدلالة على مدة بقاء هذه الأمة، وذلك بحساب الجمل - بضم الجيم وفتح الميم المشددة - ويُعْرَف بحساب (أبي جاد) (٥).\nوقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو عن عبدالله بن عباس عن جابر بن عبد الله أنه قال: \"مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢]، فأتى أخاه حُيَيّ بن أخطب في رجال من يهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل الله ﷿ عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢]. فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم.\nفمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله، فقالوا: يا محمد، ألم يُذْكَر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢]؟ فقال رسول الله: بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله - جل ثناؤه - قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب - وأقبل على من كان معه فقال لهم ـ: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. قال: فقال لهم: أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ! قال: ثم أقبل على رسول الله فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: ﴿المص﴾ قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، وللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستون سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: ﴿الر﴾، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: نعم ﴿الر﴾، قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة.\nثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلًا أُعْطِيت أم كثيرًا. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جُمِع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، ومائتان وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره\" (٦).\n_________\n(١) عزاه إليه الطبري في جامع البيان (١: ٦٧) وهو مجاهد بن جبير أبو الحجاج المكي مولى بني مخزوم تابعي مفسر من أهل مكة، شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس ولد سنة ٢١ هـ وتوفي سنة ١٠٤ هـ أنظر الزركلي، الأعلام: . (٢٧٨: ٥)\n(٢) انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة، معمر بن مثنى التيمي،، ٢ مج، مؤسسة الرسالة، بيروت (ط ٢/ ١٤٠١ هـ-١٩٨١ م): ١/ ٢٨١.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧.\n(٥) انظر تفسير الطبري ١/ ٦٨، والرازي ٢/ ٢٥٣، والتسهيل لعلوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن محمد بن جُزَيّ الغرناطي الكلبي ١/ ٣٥، ط دار الكتاب العربي - لبنان ـ، الرابعة ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م، والبحر المحيط ١/ ١٥٦، والإتقان ٣/ ٢٦.\n(٦) هذا حديث باطل أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٢٠٨، وأبو عمرو الداني في كتاب البيان في عد آي القرآن ص ٣٣٠، وابن جرير الطبري في تفسيره ١/ ٧١ و٧٢، كلهم من طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر .....\nومحمد بن السائب الكلبي متروك ومتهم بالكذب، كما في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٦/ ١١٤، والضعفاء والمتروكين للنسائي ص ٩١، والتقريب لابن حجر ص ٤٧٩.\nوأبو صالح هو باذام مولى أم هانئ، وهو ضعيف جدًا، ويُرْسِل، كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ٦٣١، والتاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١٤٤، والتقريب ص ١١٠. قال سفيان: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك به كذب. انظر سنن البيهقي الكبرى ٨/ ١٢٣، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ١١٧.\nوللحديث طريق أخرى في تاريخ البخاري الكبير ٢/ ٢٠٨ من طريق زياد بن عبد الله البكائي، وهو متروك الحديث كما في تهذيب الكمال ٩/ ٤٨٥، ولسان الميزان ٧/ ٥٠٥.","vol":"2","page":25},{"text":"قلت: وهذا القول مردود مرذول، والحديث الدال عليه باطل ولا يصح الاحتجاج به، وكون هذه الحروف تدل على أجل هذه الأمة ومدتها، أو على معرفة الحوادث يحتاج إلى توقيف من النبي - ﷺ- أن حرف كذا يدل على حادثة كذا وكذا، أو أن حادثة كذا يدل عليها الحرف كذا.\nومن العجيب أن أبا جعفر الطبري ضرب عن هذا القول صفحًا أول الأمر فقال: \"وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجُمَّل، كرهنا ذكر الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله\" (١).\nثم هو بعد عدة صفحات ألمح إلى أن هذا القول مُعْتَبَر، ثم ذكر هذا الحديث السابق (٢)، وهذا تناقض واضح.\nقال ابن كثير: \"وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدَد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته\" (٣).\nوأما الأخذ بحساب الجمل أو (أبي جاد) فهو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا يصح أن يكون مقصدًا من مقاصد الرب - سبحانه - الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به، وهو أقرب ما يكون إلى السحر والتنجيم.\nقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر هذا القول: \"الحمل على ذلك من هذه الحيثية باطل، وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عد (أبي جاد)، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة\" (٤).\nوابن حجر يشير إلى حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ-: رب مُعَلِّم حروف أبي جاد، دارس في النجوم ليس له عند الله خَلاق (٥) يوم القيامة (٦).\nأما سبب اختصاص كل سورة بالحروف التي افتتحت بها، فمرد ذلك أن هذه السور إنما جاء في أول كل سورة منها الحروف التي كثر تردادها فيما تركب من كلماتها.\nويوضح ذلك أننا إذا قارنا بين سورة من هذه السور التي افتتحت بهذه الحروف وبين سورة أخرى تماثلها أو تقاربها في الطول وعدد الكلمات لوجدنا أن الحروف المفتتح بها تلك السورة أكثر عددًا في كلماتها من السورة الأخرى.\nقال الزركشي في البرهان: \"ومن ذلك السور المفتتحة بالحروف المقطعة ووجه اختصاص كل واحدة بما بُدِئت به حتى لم تكن لترد ﴿الم﴾ في موضع ﴿الر﴾، أو ﴿حم﴾ في موضع ﴿طس﴾، وكذا وقع في كل سورة منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها، ويوضحه أنك إذا ناظرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلماتها وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السورة إفرادًا وتركيبًا أكثر عددً في كلماتها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها، وقد اطرد هذا في أكثرها، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الوارد فيها، فلو وضع موضع ﴿ق﴾ من سورة ﴿ن﴾ لم يمكن، لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله - تعالى-\" (٧).\n_________\n(١) جامع البيان ١/ ٦٨.\n(٢) انظر جامع البيان ١/ ٧١ و٧٢.\n(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٣٩.\n(٤) فتح الباري ١١/ ٣٥١.\n(٥) الخَلاق: الحظ والنصيب. انظر لسان العرب ١٠/ ٩٢، والنهاية في غريب الأثر لأبي السعدات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري ٢/ ٧٠، ط دار الفكر - بيروت - ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩ م، بتحقيق/طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.\n(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣١ إلى ابن مردويه. وهو موقوف على ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٠، والموقوف أصح إلا أن له حكم الرفع، والله أعلم.\n(٧) البرهان في علوم القرآن لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي ١/ ١٦٩، ط دار المعرفة - بيروت - ١٣٩١ هـ، بتحقيق/محمد أبوالفضل إبراهيم، وانظر الإتقان ٢/ ٣٣٤.","vol":"2","page":26},{"text":"فحروف الافتتاح ظاهرة التكرار في سورها أو على الأقل في الآيات التالية مباشرة لتلك الحروف، وذلك لإحداث الجرس الصوتي الجميل والمشاركة في نقل المعنى ورسم الصورة.\nولقد كثرت الألف واللام والميم في الفواتح دون غيرهن من الحروف لكثرتهن في الكلام (١).\nوسورة الأعراف زيد فيها الصاد على ﴿الم﴾ لما فيها من شرح القصص: قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢] (٢).\nوزيد في سورة الرعد (راء) فصارت ﴿المر﴾ لأجل قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢]، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرها من الكلمات التي تردد فيها حرف الراء بكثرة (٣).\nهذا فضلًا عما ورد فيها من الجمل المجتمع في تراكيبها الألف واللام والميم والراء في مثل قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الرعد: ٢]، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]، وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢].\nقال السيوطي: \"وقد تكرر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا كلمة أو أكثر، فلهذا افتتحت بـ: ﴿الم﴾ (٤) \".\nوقد\"اشتملت سورة (ص) على خصومات متعددة، فأولها خصومة النبي - ﷺ- مع الكفار وقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم (٥) \".\nوتجدر الإشارة بأن تكرار حرف الصاد في سورة (ص) يفوق كثيرًا معدل تكراره في السور الأخر المجاورة لها، سواء كانت في طولها أم أطول منها قليلًا، فقد تكرر حرف الصاد في سورة (ص) تسعًا وعشرين مرة - بما فيها حرف الافتتاح ـ، وتكرر في سورة الزمر التي تليها مباشرة اثنين وعشرين مرة، فإذا علمت أن سورة (ص) في المصحف خمس صفحات، في حين أن سورة الزمر ثمان صفحات، وإذا حسبنا الفارق بين تكرار الحرف في السورتين فوجدناه يزيد في سورة (ص) سبع مرات عن سورة الزمر، وإذا وضعنا هذا كله في الاعتبار قلنا: إن تكرار حرف الصاد في سورة (ص) يقارب ضعف تكراره في سورة الزمر، وهذا على وجه التقريب (٦).\nوإذا تأملنا سورة (ق) فسنجد حرف القاف مكررًا في أكثر آياتها مرة أو مرتين في كلمة قد تكون أهم كلمة في الآية.\nقال الزركشي: \"سورة (ق) بُدِئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن، والخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، وقول العتيد الرقيب، والسائق والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، والقلب والقرون والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وحقوق الوعيد، وغير ذلك\" (٧).\n_________\n(١) هكذا قال الزركشي في البرهان ١/ ١٦٨، وقال - أيضًا ـ: \"واعلم أن الأسماء المتهجاة في أول السور ثمانية وسبعون حرفًا: فالكاف والنون كل واحد في مكان واحد، والعين والياء والهاء والقاف كل واحد في مكانين، والصاد في ثلاثة، والطاء في أربعة، والسين في خمسة، والراء في ستة، والحاء في سبعة، والألف واللام في ثلاثة عشر، والميم في سبعة عشر\": اهـ البرهان ١/ ١٦٧.\n(٢) انظر الإتقان ٣/ ٣٣٥.\n(٣) انظر الإتقان ٣/ ٣٣٥.\n(٤) الإتقان ٣/ ٣٣٤.\n(٥) الإتقان ٣/ ٣٣٤.\n(٦) تفسير الحروف المقطعة، د. محمد حسن أبو النجا (مصدر سابق).\n(٧) البرهان للزركشي ١/ ١٦٩، وانظر الإتقان ٣/ ٣٣٤.","vol":"2","page":27},{"text":"وقد اطرد هذا في السور المفتتحة بحروف التهجي، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الحروف المفتتحة بها، فلو وقع: ﴿الم﴾ في موضع ﴿كهيعص﴾ مثلًا، أو ﴿طس﴾ في موضع ﴿حم﴾ أو غير ذلك لم يصح لانعدام المناسبة التي يجب مراعاتها في كتاب الله - تعالى - (١).\nوخلاصة القول أن عدم ورود النقل بأن لها معاني لا يدل على انتفاء ثبوت المعاني لها في نفس الأمر. فإن عدم الدليل في أذهاننا لا يلزم منه عدم المدلول في نفس الأمر، وهذا غاية في الوضوح؛ وأقرب دليل يذكر هو ما دل على أن كل ما في القرآن له معاني بالقطع واليقين، والحروف المقطعة من القرآن، فلها معاني قطعا ويقينا، والنقل يفتقر إليه في توضيح الغامضات، أما توضيح الجليات فلا يشترط في ذلك نقل، ومن الجليات أن جميع ما في القرآن له معاني في نفس الأمر.\nثم القول بأن للحروف المقطعة حكمة وسر، وبعد ذلك ننفي المعاني عنها كليا، ففيه من التناقض ما لا يخفى، إذ الحكمة والسر لا يكونان إلا في ضمن المعاني، فإثبات الحكمة والسر للحروف المقطعة هو عين إثبات المعاني لها، وجهلنا بالحكمة والسر هو جهل بالمعاني، والعكس صحيح.\nفيمكن القول بأن الحروف المقطعة لها معاني خاصة، سميت أسرارا وحكما أو غير ذلك، ومن رحمة الله تعالى بنا أنه لم يكلفنا بإدراكها، بل نؤمن بتنزيلها وكونها كلام الله تعالى، ونفوض له سبحانه العلم بحقيقة ما أراد من معانيها، دون أن نزيغ بها إلى معاني باطلة كما وقع لبعض الإشراقيين والفلاسفة الإسلاميين، ودون أن نسلبها معانيها في نفس الأمر بحيث يلزم من ذلك ثبوت كلام لله تعالى لا مدلول له في نفس الأمر، تعالى كلام ربنا عن ذلك.\nوهذا مرجع كلام الصحب الكرام رضوان الله تعالى عليهم (٢).\nولاشك بأن هذه الحروف للإعجاز، وإننا عندما نقول بذلك لا يعني أننا نقتصر على هذا القول، فقد يكون لنزولها حكم أخرى -كما أشرت اليه سابقا -وقد ذكر الذين ردوا هذا القول كالشيخ محمد شلتوت أن العرب قد عرفوا عجزهم عن الإتيان بمثله وسجله القرآن عليهم فليسوا بحاجة إلى مثل هذه الحروف. نقول: حقًا انهم قد عرفوا عجزهم عن ذلك ولكن ما المانع من تكرار تسجيل ذلك عليهم مرة تلو المرة حتى يستدعي ذلك انتباههم، وحتى يذكرهم بعجزهم وضعفهم، ثم إنك تجد من مدلولات هذا التكرار استمرارية التحدي، ألم تر أن االله تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، وكل ذلك لإظهار عجزهم مع انهم يعلمون من أنفسهم ذلك العجز. وهنا ضربٌ آخر لتبكيتهم وإظهار عجزهم، وهو أن يذكر هذه الحروف احتجاجًا عليهم، فإن فيها تنبيه على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، فهم قادرون عليها، فكان واجب عليهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فعجزهم دال على أنه من عند االله. والله أعلم، وله الحمد في الأولى والآخرة.\nجدول توزيع الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن الكريم:\n١ ... حروف ذات الحرف الواحد والتي لم تتكرر ... (ن)، (ق)، (ص).\n٢ ... حروف ذات الحرفين والتي لم تتكرر ... (طس)، (يس)، (طه).\n٣ ... حروف ذات الحرفين والتي تكررت ٧ مرات ... (حم).\n٤ ... حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت مرتان فقط ... (طسم)\n٥ ... حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت ٦ مرات ... (الم).\n٦ ... حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت ٥ مرات ... (الر).\n_________\n(١) تفسير الحروف المقطعة، د. محمد حسن أبو النجا (مصدر سابق).\n(٢) يقول الطبري: \"هي حروف يشتمل كل حرف منها على معاني شتى مختلفة\" (انظر: تفسيره: ١/ ٢٠٩).","vol":"2","page":28},{"text":"٧ ... حروف ذات أربعة أحرف ولم تتكرر ... (المر)، (المص).\n٨ ... حروف ذات الخمسة أحرف ولم تتكرر ... (كهيعص)، (حمعسق)\nالحروف بعد حذف المكرر منها (أربعة عشر حرفًا فقط)، وهي نصف عدد الحروف الأبجدية، وهي: ... (ال م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن)\n\nالقرآن\n[ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)] ﴿البقرة: ٢﴾\nالتفسير:\nذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه، ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله، ويتبعون أحكامه.\nقوله تعالى: [ذَلِكَ الْكِتَابُ]: أي \"هذا الكتاب\" (١)، وهو القرآن العظيم، قاله مجاهد (٢)، وعكرمة (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥)، وهذا قول عامة المفسرين (٦).\nقال السعدي: \" أي: هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم، والحق المبين\" (٧).\nو\"الكتاب\" من أسماء القرآن الأربعة: \"القرآن والكتاب، والذكر، والفرقان\" (٨)، وهذا هو التحقيق-وإن بقى اسم خامس ألا وهو التنزيل- لأن \"كل من ذكر هذا العدد الكثير قد خلط بينما هو اسم وما هو صفة. وهذا العدد إنما هو من قبيل الأوصاف التي لا ينبغي نظمها في سلك الأسماء كمن يعد كلا من (قُرْآنٌ كَرِيمٌ)، (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ)، (ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ) أسماء دون تفرقة بين ما هو موصوف، وما هو منها وصف، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١]، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] \" (٩).\nوتجدر الإشارة بأن أصل (الكتاب) في اللغة هو: الجمع والضم، وسمي بذلك كما يقول الإمام الزركشي –﵀-: \" لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة\" (١٠).\nويقول الإمام السيوطي – ﵀ -: \"فأما تسميته كتابا فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه والكتاب لغة الجمع\" (١١).\nوفي وجه تسمية القرآن بالـ (القرآن والكتاب)، يقول أحد الباحثين: \" وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، يعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٢٢٥.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٢٤٧): ص ١/ ٢٢٥.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٢٤٨): ص ١/ ٢٢٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٢٤٩): ص ١/ ٢٢٥.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٢٥٠): ص ١/ ٢٢٥.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٢٢٥، وتفسير ابن كثير: ١/ ٧٠، والدر المنثور: ١/ ٢٤، والشوكاني: ١/ ٢١.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٤٠.\n(٨) ذكر العلماء أسماء كثيرة للقرآن الكريم وصّلها البعض إلى نيّف وتسعين اسمًا. ثم إن كلًا من الإمام الزركشي والإمام السيوطي ذكرا خمسة وخمسين اسما؛ بل إن الإمام الفيروزبادي ذكر مائة اسم، وهذا تساهل منهم -رحمهم الله تعالى وقد فصلنا القول فيه في مقدمة التفسير. (للاستزادة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى: البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٧٣ الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٤٣، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ١/ ٨٨ - ٩٦).\n(٩) ينظر: منة المنان في علوم القرآن، إبراهيم خليفة: ١/ ٣٤.\n(١٠) البرهان في علوم القرآن: ١/ ٢٧٦.\n(١١) الإتقان في علوم القرآن: ١/ ١٤٣.","vol":"2","page":29},{"text":"عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر .. وبهذا بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] \" (١).\nكما ودلت على هذه التسمية نصوص الكتاب كقوله تعالى:\n- ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].\n- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].\n- ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧].\n- ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] (٢).\nقال الطاهر بن عاشور﵀-: \" وفي هذه التسمية -أي بالكتاب - معجزة للرسول ﷺ بأن ما أوحي إليه سيكتب في المصاحف\" (٣)، كما وأن أسلوب القرآن في استخدام كلمة (الكتاب)، تحددها السياق الذي وردت فيه الكلمة (٤).\nوالخطاب في قوله تعالى: ﴿ذلك﴾، لكل مخاطب يصح أن يوجه إليه الخطاب؛ والمعنى: ذلك أيها الإنسان المخاطَب (٥)، وقد اختلف في ذلك (الغائب) على عدة أقوال (٦):\nأحدها: يعني التوراة والإنجيل، ليكون إخبارًا عن ماضٍ.\nومن ثم اختلفوا في المخاطب به على قولين (٧):\n_________\n(١) النبأ العظيم، د. محمد دراز: ١٢.\n(٢) يراد بكلمة الكتاب في المرة الأولى (القرآن الكريم)، لأنه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله محمد -﵇-.\n(٣) التحرير والتنوير: ١/ ٧٣.\n(٤) نذكر منها على سبيل المثال:\n- الكتاب أي (التوراة):\nومن ذلك قوله تعالى: \"وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ\" (البقرة: ٥٣).\n- الكتاب أي (أسفار العهدين القديم والجديد)\nومن ذلك قوله تعالى: \" إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ\" (آل عمران: ١٩).\nفقوله: \"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ\" معناه الذين أوتوا الأسفار الدينية من يهود ونصارى.\nومنه قوله تعالى لأهل الكتاب: \"أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ\" (البقرة: ٤٤).\nفالكتاب هنا مراد به الأسفار الدينية التي يؤمنون بها، وهي أسفار العهد القديم المتكون من ٣٩ كتابا، وأسفار العهد الجديد المتكون من ٢٧ كتابا.\n- الكتاب أي الوحي المنزل على الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم﵉-:\nوذلك في قوله تعالى: \"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ؟ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ\" (الحديد: ٢٦).\n- الكتاب أي كتب (أهل الكتاب):\nقال تعالى: \"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ\" (المائدة: ٤٨).\nولا يخفى بأن ما قبْل القرآن من الكتاب هو كتب أهل الكتاب، من كتب قديمة يؤمن بها اليهود، وكتب جديدة يؤمن بها المسيحيون مع إيمانهم بالكتب القديمة. قال ابن عاشور (ت ١٩٧٣ م): \"والكتاب الأول القرآن، فتعريفه للعهد. والكتاب الثاني جنس يشمل الكتب المتقدمة، فتعريفه للجنس\" (التحرير والتنوير: ٦/ ٢٢١.)، فهيمنة القرآن على الكتاب معناها أنه مهيمن على الكتب الدينية السابقة.\n- الكتاب أي (العدة)\nووردت كلمة (الكتاب) في القرآن مرادا بها العِدَّة، وهو استخدام مجازي بإطلاق الكتاب وإرادة العِدَّة المذكورة فيه، وذلك في قوله تعالى: \"وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ\" (البقرة: ٢٣٥).\nفبلوغ الكتاب أجله معناه بلوغ العِدَّة المكتوبةِ أجلَها. وعدة المتوفى عنها زوجها هي أربعة أشهر وعشرة أيام.\nالكتاب أي (مجموع الواجبات)\nقد وردت كلمة (الكتاب) بمعنى مجموع ما كتبه الله على عباده من الواجبات والمحرمات، وهو استخدام مجازي بإطلاق الكتاب وإرادة المكتوب فيه، ومن ذلك قوله تعالى: \"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ\" (الجمعة: ٢).\n(٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٦٧، والمحرر الوجيز: ١/ ٨٣، وتفسير القرطبي: ١/ ١٥٦ وما بعدها بتصرف بسيط.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٦٧.","vol":"2","page":30},{"text":"القول الأول: أن المخاطب به النبيﷺ-، أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في\nالتوراة والإنجيل، هو الذي أنزلته عليك يا محمد.\nوالقول الثاني: أن المخاطب به اليهود والنصارى، وتقديره: أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب، الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام.\nوالثاني: يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة، وهذا قول الأصم.\nوالثالث: يعني هذا الكتاب، قاله الحسن (١) وابن عباس (٢)، مجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والسدي (٥)، وابن جريج (٦)، وهكذا فسره سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم (٧).\nوأصحّ الأقوال هو تفسير (ذلك الكتاب) بـ (هذا الكتاب)، وهو قول الطبري وعامة المفسرين، \"لأن ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في (ذلك)، وقد وَجَّه معنى (ذلك) بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ (٨):\nفَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا\nأقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ: ... تأمَّل خُفافًا، إنني أنا ذلِكَا (٩)\nكأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ \" ذلك الكتاب \" بمعنى \" هذا \"، نظيرُه، أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر (ذلك) بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد\" (١٠).\nوفي البخاريّ: \"وقال معمر ذلك الكتاب: هذا القرآن\" (١١)، قد ورد (هذا) بمعنى (ذلك) في الحديث الشريف، قال ﵇ في حديث أُمِّ حَرَام: \"ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي: \"لاشكّ فيه، ولا ارتياب به\" (١٣).\nقال أبو الدرداء: \"الريب- يعني الشك- من الكفر\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي\" لا شكّ فيه، إنّه من عند الله\" (١٥).\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤): ص ١/ ٣٤.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٢٤٧): ص ١/ ٢٢٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٢٤٨): ص ١/ ٢٢٥، وابن أبي حاتم (٥٣): ص ١/ ٣٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٢٤٩): ص ١/ ٢٢٥.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٢٥٠): ص ١/ ٢٢٥.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٣.\n(٨) الأغاني ٢: ٣٢٩/ ١٣: ١٣٤، ١٣٥/ ١٦: ١٣٤، والخزانة ٢: ٤٧٠، وغيرهما، ويأتي في الطبري ١: ٣١٤، ٤٣٧. يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء. ومالك، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري. والخيل هنا: هم فرسان الغارة، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة. والصميم: الخالص المحض من كل شيء. وأراد معاوية ومقتله يومئذ. ويقال: \" فعلت هذا الأمر عمد عين، وعمدًا على عين \"، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين. وتيمم: قصد وأمَّ.\n(٩) \" أقول له \"، يعني لمالك بن حِمَار. وأطر الشيء يأطره أطرًا: هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه. وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله. وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب، كأنه قال: \" أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه \". وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري. (تفسير الطبري: ١/ ٢٢٧).\n(١٠) تفسير الطبري: ١/ ٢٢٧.\n(١١) فتح الباري، كتاب التوحيد: ١٣/ ٥٠٣.\n(١٢): أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر، ٦/ ٤٩، حديث رقم: (٥٠٤٣)، بلفظه مطولًا.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٨٣.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥): ص ١/ ٣٤. قال ابن أبي حاتم: \" ولا أعلم في هذا الحرف [أي الريب]، اختلافا بين المفسرين، منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن أبي خالد\". [تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤].\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٢.","vol":"2","page":31},{"text":"قال ابن كثير: أي: \" لا شك فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى في السجدة: ﴿الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١، ٢] \" (١).\nقال البغوي: أي: \" لا شك فيه أنه من عند الله ﷿ وأنه الحق والصدق\" (٢).\nقال ابن عطية: \" والمعنى: أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار\" (٣).\nقال القاسمي: أي\" لا شك أنه [أي القرآن] من عند الله تعالى\" (٤).\nوقال الزمخشري: \"الريبة: قلق النفس وااضطرابها\" (٥).\nقال السعدي: \"ونفي الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة، أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" و\"الريب\" هو الشك؛ ولكن ليس مطلق الشك؛ بل الشك المصحوب بقلق لقوة الداعي الموجب للشك؛ أو لأن النفس لا تطمئن لهذا الشك؛ فهي قلقة منه. بخلاف مطلق الشك.؛ ولهذا من فسّر الريب بالشك فهذا تفسير تقريبي؛ لأن بينهما فرقًا\" (٧).\nوقرأ ابن كثير قوله تعالى: ﴿فيه﴾ [البقرة: ٢]، \"بالإشباع في الوصل، وكذلك كل (هاء) كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة (ياء) وإن كان غير (ياء) يشبعها بالضم (واوا)، ووافقه حفص في قوله \"فيه مهانا\"﴾ [الفرقان: ٦٩]، فيشبعه\" (٨).\nقال ابن كثير: \"ومن القراء من يقف على قوله: ﴿لا رَيْبَ﴾، ويبتدئ بقوله: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، والوقف على قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أولى للآية التي ذكرنا، ولأنه يصير قوله: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن، وذلك أبلغ من كون: ﴿فِيهِ هُدًى﴾ \" (٩).\nوقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن (الريب)، هو الشك، وهو قول ابن عباس (١٠)، فـ (الريب)، مصدر من (راب)، وهو أن تتوهم في الشيء أمرًا ما، ثم ينكشف عما توهمت فيه، والأرابة أن تتوهمه، فينكشف بخلاف ما توهمت، ولهذا قيل: \" القرآن فيه أرابة وليس فيه ريب\" (١١)، ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ (١٢):\nفقالوا: تَرَكْنَا الحَيَّ قد حَصِرُوا به ... فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثَمَّ لَحِيمُ\nومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى (١٣):\nلَيْسَ في الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ ... إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ\nفالقرآن لا شك ولا ريب أنه موحى من عند الله، كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢]، فهذا الكتاب \"مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه\" (١٤)، وأن\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٢.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٥٩.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٨٣.\n(٤) تفسير القاسمي: ١/ ٢٤٢.\n(٥) الكشاف: ١/ ٣٤.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٤٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٥٩.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٢.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٤.\n(١١) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١١٥.\n(١٢) ديوان الهذليين ١: ٢٣٢، واللسان (حصر)، ويروى: \" حَصَرُوا \" و\" حَصِرُوا \" والفتحُ أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله \" حصروا به \": أطافوا به. ويعني بقوله \" لا ريب \". لا شك فيه. وبقوله \" أن قد كان ثَمَّ لَحِيم \"، يعني قتيلا يقال: قد لُحِم، إذا قُتل.\n(١٣) من شواهد تفسير القرطبي: ١/ ١٥٩، والدر المصون: ١/ ٨٥، والبحر المحيط: ١/ ١٣٣، والنكت والعيون: ١/ ٦٧.\n(١٤) تفسير السعدي: ١/ ٤١.","vol":"2","page":32},{"text":"التنويه بهذا الكمال يستوجب حمد الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١].\nقال ابن الأثير: \"الريب هو بمعنى الشك .. يقال: رابني الشىء وأرابني، بمعنى: شككنى، وقيل: أرابني في كذا، أي: شككنى وأوهمني الريبة فيه، ومنه الحديث: \"دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ\" (١)، أَي دع ما تشك فيه إلى ما لا تشك فيه\" (٢)، ومنه \" ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه\" (٣).\nوتجدر الإشارة بأن شيخ الاسلام ابن تيمية قد فرّق بين الشك والريب، بأن الريب يكون في علم القلب، وفي عمل القلب، بخلاف الشك، لايكون إلا في العلم (٤).\nوالثاني: أن (الريب): التهمة، ومنه قول جميل (٥):\nبُثَيْنَةُ قالتْ: يا جَمِيلُ أَرَبْتَنِيُ ... فَقُلْتُ: كِلانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيب\nوالثالث: أن (الريب): هو الحاجة، قال ابن فارس: \"يقال: إن الريب الحاجة. وهذا ليس ببعيد؛ لأن طالب الحاجة شاك، على ما به من خوف الفوت\" (٦)، ومنه قول كعب بن مالك (٧):\nقَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... وخيبَر ثمَّ أَجْمَمْنَا السّيُوفا\nأي: انتهينا من الحاجات بالسيوف، ففتحنا نجد بالإسلام وفتحنا تهامة (٨).\nواختلف أهل العلم في الفرق بين (راب) و(أراب)، على قولين:\nأحدهما: أن الكلمتين مختلفتين في المعنى، قال: سيبويه: \" (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام، أي: استحق أن يلام، وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه\" (٩).\nوقال أبو زيد (١٠): \"قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه\" (١١).\nوالثاني: وقال آخرون (١٢) بأن: (راب) و(أراب) بمعنى واحد، وأنشدوا قول خالد بن زهير الهذلي (١٣):\n_________\n(١) ابن حنبل في مسنده ج ١/ ص ٢٠٠ حديث رقم: ١٧٢٧، رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (١٧٣٧).\n(٢) النهاية في غريب الحديث: والأثر: ٢/ ٢٨٦، وانظر اللسان: (ريب).\n(٣) الكشاف: ١/ ٣٤.\n(٤) أنظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٨١.\n(٥) ديوانه: ١٧، بتحقيق: فوزي عطوي، دار صعب، بيروت، ط ٢، ١٩٨٠.\n(٦) معجم مقاييس اللغة: (ريب): ٢/ ٣٨٥.\n(٧) أنظر: سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٧٩، وأسد الغابة: ٤/ ١٨٨، وروايته فيه:\nقضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثُمَّ أغمدنا السيوفا\nوأجممنا: أرحنا.\n(٨) وقد ورد لفظ (الريب) باشتقاقاته في سبعة وثلاثين موضعا في القرآن الكريم، على ثلاثة أوجه:\nأحدها: الشك: في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nوالثاني: الحوادث: ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].\nوالثالث: الحسرة: قال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠].\n(٩) الكتاب: ٤/ ٦٠.\n(١٠) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، صاحب النحو واللغة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين. انظر \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٥٦، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٧٧، \"إبناه الرواة\" ٢/ ٣٠.\n(١١) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ١٧٩، ونحوه عند الأزهري قال: هذا قول أبي زيد (راب) ١٥/ ٢٥٢، ولم أجده في \"نوادر أبي زيد\".\n(١٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (راب) ٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧، \"الصحاح\" (ريب) ١/ ١٤١، \"اللسان\" (ريب) ٣/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩.\n(١٣) انظر: شرح أشعار الهذليين: ١/ ٢٠٧، الحجة لأبي على: ١/ ١٨٠، وتهذيب اللغة (أتى) ١/ ١١٦ - ١١٧، \"المخصص\" ١٢/ ٣٠٣، ١٤/ ٢٤، ٢٨، والصحاح: ١/ ١٤١، واللسان: (ريب) ٣/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩، والخزانة: ٥/ ٨٤، وشرح أشعار الهذليين، للسكري ١/ ٢٠٧، والخزانة، للبغدادي ٥/ ٧٦ - ٨٦.\nوخالد بن زهير الهذلي أحد شعراء الهذليين المشهورين عشق امرأة كان يأتيها أبو ذؤيب الهذلي خاله، وجرت بينهما أشعار في ذلك منها، \"بيت الشاهد\" وقتل خالد بسبب تلك المرأة في قصة طويلة، وفي البيت يخاطب أبا ذؤيب، والأبيات في أشعار الهذليين وتمامه:\nيا قوم ما بال أبي ذؤيب ... كنت إذا أتوته من غيب\nيشم عطفي ويمس ثوبي ... كأنني قد ربته بريب\nانظر الهذليين ١/ ١٦٥. ورواية اللسان: (ريب):\nيا قوم ما لي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته من غيب\nيشم عطفي ويبزّ ثوبي ... كأنني أربته بريب\nوأتوته: لغة في أتيته.","vol":"2","page":33},{"text":"كأنّني أربته بريب\nقال الواحدي: \" والحذاق على الفرق بينهما\" (١).\nوقال الأزهري: \"والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد حسن\" (٢).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، على ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنها جملة خبرية تفيد النفي، والمعنى: \"ليس فيه ريب أبدًا\" (٣)،\nوالثاني: وقيل: أن الخبر هنا بمعنى النهي. أي \"لا ترتابوا فيه\" (٤)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: \"لا ترفثوا ولا تفسقوا\" (٥).\nوالذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى: ﴿فهم في ريبهم يترددون﴾ [التوبة: ٤٥]؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي (٦).\nوالثالث: وقيل: أنه مخصوص والمعنى: لا ريب فيه عند المؤمنين (٧). قال ابن عطية: \"وهذا ضعيف\" (٨).\nوالقول الأول أبلغ، ويدل عليه الظاهر (٩). والله أعلم.\nقال الراغب: \" إن قيل: كيف نفى الريب عنه، وقد علم تشكك كثير من الناس فيه؟ قيل: في ذلك أجوبة:\nالأول: إن ذلك نفي على معنى النهي نحو قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، بدلالة قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾\nفإن قيل: الشك لا يقصده الإنسان، فكيف ينهى عنه؟ قيل: اللفظ لذلك، والمعنى حث على التدبر والتفكر النافيين للشك.\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٣٨.\n(٢) التهذيب: ٢/ ١٣٠٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٢.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٥٩.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧.\n(٧) ينظر: المحرر الوجيز: ١/ ٨٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٨٣.\n(٩) قال الشيخ ابن عثيمين: \"فإن قال قائل: ما وجه رجحانه؟\nفالجواب: أن هذا ينبني على قاعدة هامة في فهم وتفسير القرآن: وهي أنه يجب علينا إجراء القرآن على ظاهره، وأن لا نصرفه عن الظاهر إلا بدليل، مثل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذه الآية ظاهرها خبر؛ لكن المراد بها الأمر؛ لأنه قد لا تتربص المطلقة؛ فما دمت تريد تفسير القرآن الكريم فيجب عليك أن تجريه على ظاهره إلا ما دلّ الدليل على خلافه؛ وذلك؛ لأن المفسر للقرآن شاهد على الله بأنه أراد به كذا، وكذا؛ وأنت لو فسّرت كلام بشر على خلاف ظاهره لَلامَكَ هذا المتكلم، وقال: \"لماذا تحمل كلامي على خلاف ظاهره! ليس لك إلا الظاهر\"؛ مع أنك لو فسرت كلام هذا الرجل على خلاف ظاهره لكان أهون لومًا مما لو فسرت كلام الله؛ لأن المتكلم. غير الله. ربما يخفى عليه المعنى، أو يعييه التعبير، أو يعبر بشيء ظاهره خلاف ما يريده، فتفسره أنت على ما تظن أنه يريده؛ أما كلام الله ﷿ فهو صادر عن علم، وبأبلغ كلام، وأفصحه؛ ولا يمكن أن يخفى على الله ﷿ ما يتضمنه كلامه؛ فيجب عليك أن تفسره بظاهره ..\nفقوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾: ظاهرها أنها جملة خبرية تفيد النفي؛ والمعنى: ليس فيه ريب أبدًا؛ وقيل: إن الخبر هنا بمعنى النهي؛ فمعنى: ﴿لا ريب فيه﴾: لا ترتابوا فيه؛ والذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى: ﴿فهم في ريبهم يترددون﴾ [التوبة: ٤٥]؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي؛ ولكننا نقول: إن الله تعالى يتحدث عن القرآن من حيث هو قرآن. لا باعتبار من يتلى عليهم القرآن.؛ والقرآن من حيث هو قرآن لا ريب فيه\". [تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧].","vol":"2","page":34},{"text":"والثاني: أنه يقال: رابني كذا، إذا تحققت منه الريبة، وأرابني: أوهمني الريبة.\nقال الشاعر (١):\nأَخُوكَ الَّذِي إِنْ رِبْتَهُ قَالَ إِنَّمَا ... أَرَبْتَ وَإِنْ عَاتَبْتَهُ لَانَ جَانِبُهُ\nفالقرآن لا ريب فيه، وإن كان فيه ارتياب من بعض الكفار.\nوالثالث: أنه يقال: هذا لا ريب فيه، والقصد إلى أنه حق، تنبيهًا أن الريب يرتفع عن عند التدبير والتأمل.\nوالرابع: أنه لا ريب في كونه مؤلفًا من حروف التهجي وقد عجزتم عن معارضته.\nوالخامس: لا ريب فيه للمتقين، ويكون خبر ﴿لا ريب فيه﴾ قوله تعالى: ﴿للمتقين﴾ و﴿هدى﴾، نصب على الحال أو خبر ابتداء مضمر في موضع الحال\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، \" أي هادٍ للمؤمنين المتقين\" (٣).\nقال البغوي: \" أي رشد وبيان لأهل التقوى\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي: هاد لهم ودالّ على الدين القويم المفضي إلى سعادتي الدارين\" (٥).\nقال الواحدي: \" ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله ﷿ ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: من قبل هداه\" (٦).\nوقال ابن عطية: \"و﴿هُدىً﴾، معناه رشاد وبيان\" (٧).\nوقال الآلوسي: \" وخص المتقين بالذكر تشريفًا لهم\" (٨).\nوقال ابن كثير: \" وخصّت الهداية للمتَّقين، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] \" (٩).\nوقال الشنقيطي: \" قوله تعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، صرح في هذه الآية بأن هذا القرءان ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويفهم من مفهوم الآية أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب أن غير المتقين ليس هذا القرءان هدى لهم وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]،\n_________\n(١) أَي إِن فعلت مَعَه مَا يُوجب شكه فِي مودتك رَاجع نَفسه. وَقَالَ: إِنَّمَا قربني من الشَّك وَلم أَشك فِيهِ. أَي التمس لَك الْعذر.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٧٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٢٦.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٦٠.\n(٥) محاسن التأويل: ١/ ٢٤٣.\n(٦) التفسير البسيط: ٢/ ٤٧، وانظر: الحجة للقراء السبعة: ١/ ١٨٦، وانظر: تفسير الطبري\" ١/ ٩٨، ومعاني القرآن للزجاج ١/ ٣٣، وتفسير أبي الليث: ١/ ٩٠.\nولـ (الهدى) معنايان:\n- الهدى العام (هداية بيان): وهو هدى الدلالة والدعوة والإرشاد، قال قال الله تعالى: \"ولكل قوم هاد\" [الرعد: ٧]. وقال: \"وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم\" [الشورى: ٥٢].فأثبت لهم الهدى الذي معناه بيان الطريق المستقيم، ومنه قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي بيّنا لهم الطريق على لسان صالح.\n- الهدى الخاص (هداية التوفيق): ومعناه التأييد والتوفيق الإلهي لهداية العبد إلى مرضاه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقال \"أولئك على هدى من ربهم\" [البقرة: ٥] وقوله: \"ويهدي من يشاء\" [فاطر: ٨].\nيتضح من المعنيين أن (هداية الدعوة والبيان) عامة للمؤمن والكافر، ويصح إسنادها إلى الله وغير الله، أما (هداية التوفيق) فهي خاصة فلا تسند إلا لله تعالى لأنها ليست من مقدور غير الله بل هي من مقدورات القادر ﷾.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٨٤.\n(٨) روح المعاني: ١/ ٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٣.","vol":"2","page":35},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] الآيتين (١)، ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق لا الهدى العام الذي هو إيضاح الحق\" (٢).\nوقال السعدي: \" والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، وقال ﴿هُدًى﴾ وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم، وقال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فعمم، وفي هذا الموضع وغيره ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر، لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه، بامتثال أوامره، واجتناب النواهي، فاهتدوا به، وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الكونية\" (٣).\nقال الناصر في الانتصاف: الهدى يطلق في القرآن على معنيين:\nأحدهما: الإرشاد وإيضاح سبيل الحق، ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: ١٧]. وعلى هذا يكون الهدى للضالّ باعتبار أنه رشد إلى الحق، سواء حصل له الاهتداء أو لا.\nوالآخر: خلق الله تعالى الاهتداء في قلب العبد، ومنه أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو في هذه الآية يحتمل أن يراد به المعنيان جميعا\" (٤).\nوعلى القول الأول، فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبيّن أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: ٤٥]، وقال إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: ١١]، وقد كان، ﵌، منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء لأجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنذاره. وهذه الآية نظير آية: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤]، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء: ٨٢]. وكقوله عالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]، إلى غير ذلك، مما دلّ على أن النفع به لا يناله إلا الإبرار. والمراد بالمتقين- هنا- من نعتهم الله تعالى بقوله (٥).\nواختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، على وجوه:\nأحدها: معناه: الهدى من الضلالة. قاله الشعبي (٦).\nوالثاني: نور للمتقين. قاله السدي (٧)، وابن مسعود (٨).\nوالثالث: تبيانا للمتقين. قاله سعيد بن جبير (٩).\nكما وتعددت أقوال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وذكروا وجوها:\n_________\n(١) الآيتين: ٦٤ - ٦٥ من سورة المائدة.\n(٢) أضواء البيان: ١/ ١٠.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ٤٠.\n(٤) الإنتصاف: ١/ ٣٥.\n(٥) أنظر محاسن التأويل: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧): ص ١/ ٣٤، وتفسير الطبري (٢٥٩): ص ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨): ص ١/ ٣٤.\n(٨) تفسير الطبري (٢٦٠): ص ١/ ٢٣٠.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٩): ص ١/ ٣٤.","vol":"2","page":36},{"text":"أحدها: المتقون: \" قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة\". قاله معاذ بن جبل (١)، وري عن ابن عباس (٢) مثل ذلك.\nالثاني: التقوى ترك ما لا بأس فيه حذرا لما به البأس. رواه عطية بن السعدي عن رسول الله -ﷺ- (٣).\nوالثالث: المتقون: \" أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه\". قاله ابن عباس (٤).\nالرابع: المتقون: \"هم المؤمنون\". قاله السدي (٥)، وابن مسعود (٦)، وروي عن قتادة (٧) مثل ذلك.\nوالخامس: هم الذين يجتنبون الكبائر. حكي ذلك عن الكلبي (٨).\nوالسادس: هم الذين \"اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم\". قاله الحسن (٩).\nوالسابع: وقيل معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد الفريقين من الآخر، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:] وقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] أراد وأخرى غير قائمة. وقال أبو ذؤيب (١٠):\nعصاني إليها القلب إني لأمره ... فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا\nوأراد: أم غيّ (١١).\nوالدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِّلنَّاسَ﴾ [آل عمران: ٤] (١٢)، فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه ﴿هُدًى للِمُتَّقِينَ﴾ ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم (١٣).\nوالراجح أن المراد عموم التقوى، فالمتقون هم \"الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله\" (١٤)، قال الطبري: \"وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه ﴿هدى للمتقين﴾، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ ﵎ في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها\" (١٥).\nقال ابن عاشور: \" في بيان كون القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة:\nالأول: أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق. والمتقون هم المتقون في الحال أيضا لأن اسم الفاعل حقيقة\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦١): ص ١/ ٣٥.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٢٦٦): ص ١/ ٢٣٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠): ص ١/ ٣٥. والترمذي، كتاب صفة القيامة ٤/ ٥٤٧، رقم (٢٤٥١)، وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢): ص ١/ ٣٥، وأخرجه الطبري في تفسيره (٢٦٢): ص ١/ ٢٣٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣): ص ١/ ٣٥.\n(٦) أنظر: تفسير ال\\بري (٢٦٣): ص ١/ ٢٣٣.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٤): ص ١/ ٣٥، والطبري (٢٦٥): ص ١/ ٢٣٣. ولفظه: \" الذين يؤمنون بالغيب\".\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٢٦٤): ص ١/ ٢٣٣.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٢٦١): ص ١/ ٢٣٢.\n(١٠) ورد البيت عند الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣٠، وابن قتيبة في \"المشكل\" ص ٢١٥، والسكري في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٤٣، وابن هشام في \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤، ٤٣، ٢/ ٦٢٨، والبغدادي في \"خزانة الأدب\" ١١/ ٢٥١.\nوهو خويلد بن خالد الهذلي، شاعر مجيد مخضرم، أدرك الإسلام وقدم المدينة عند وفاة النبي - ﷺ - وأسلم، توفي في غزوة افريقية مع ابن الزبير، انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٤٣٥، \"الاستيعاب\" ٤/ ٦٥، \"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٠٦، \"الخزانة\" ١/ ٤٢٢.\nقول: إن قلبه عصاه فلا يقبل منه، فيذهب إليها قلبه سفها، فأنا اتبع ما يأمرني به، فما أدرى أرشد أم غي.\n(١١) القول لأبن الأنباري، أنظر: مغني اللبيب: ١/ ١٤، ٤٣، ٢/ ٦٢٨، ونقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٢/ ٥٤ - ٥٥، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ولم ينسبه لابن الأنباري ١/ ٢٤.\n(١٢) كما ورد هذا في ذكر الكتاب الذي أنزل على موسى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١].\n(١٣) انظر: التفسير البسيط: ٢/ ٥٥.\n(١٤) المحرر الوجي: ١/ ٨٤.\n(١٥) تفسير الطبري: ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.","vol":"2","page":37},{"text":"في الحال كما قلنا، أي أن جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب، أو يزيده هدى كقوله تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [محمد: ١٧].\nالثاني: أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب، فيكون المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا وعليه فيكون مدحا للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى، وإن كان غير الغالب في الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب.\nالثالث: أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتعين عليه هنا قرينة الوصف بالمصدر في هدى لأن المصدر لا يدل على زمان معين.\nحصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل، لو وصف باسم الفاعل فقيل هاد للمتقين، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه، فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم، فمن منتفع بهديه في الدين، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة، ومن منتفع به في الأخلاق والفضائل، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم. وقد جعل أئمة الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: ١٦] فإن قصر بأحد سعيه عن كمال الانتفاع به، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية، ولا يزال أهل العلم والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن\" (١).\nو(الهُدَى) في اللغة: \"الرشاد والدلالة (٢).\nو(التقوى) لغة: قلة الكلام (٣)، وهو مأخوذ من: اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه (٤)، كما قال النابغة (٥):\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\nوقال آخر (٦):\nفألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم\nومنه قول خفاف بن ندبة (٧):\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٢) مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، طبعة دار الجبل، الجزء الرابع، مادة (الهدى) فصل الهاء باب الياء.\n(٣) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: مادة (وقى)، والأصل في التقوى: وَقْوَى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته، ورجل تقي أي خائف، أصله وقي، وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة، كما قالوا: تجاه وتراث، والأصل وجاه ووراث. (تفسير القرطبي: ١/ ١٦٢.\n(٤) ينظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٦١.\n(٥) ديوان النابغة الذبياني: ٣٨. النابغة الذبيانى: هو زياد بن معاوية، ويكى أبا أمامة، وهو من الطبقة الأولى المقدمين. وإنما لقب النابغة لنبوغه فى الشعر بعد أن كبر. وكان يضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان مقدما عند النعمان، ومن ندمائه. وانظر فى ترجمته إلى: طبقات الشعراء لابن سلام ٤٥ - ٥٠، والشعر والشعراء ١٠٨ - ١٢٨، والأغانى ٩ - ١٥٦، وديوانه.\nوالنصيف: الخمار. وقال أبو سعيد: النصيف ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها. (لسان \"نصف\"، والعنم: شجر لين الأغصان لطيفها، الواحدة عنمة. (ابن فارس: معجم مقاييس اللغة: \"عن\".\nوالبيت ضمن قصيدة يصف زوجة النعمان فيها، مطلعها:\nأمن آل مية رائح أو مغتد * عجلان ذا زاد وغير مزود\n(٦) البيت لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع، أنظر البيت في: شرح أدب الكاتب: ١/ ٩٤، وزهر الآداب وثمر الألباب: ١/ ٢٦٣، وشرح ديوان الحماسة: ١/ ٤١٩، وأضواء البيان: ٣/ ١٧٨.\n(٧) ورد البيت في (إصلاح المنطق) ص ٢٣، \"تهذيب اللغة\" (تقى) ١/ ٤٤٤، \"الصحاح\" (وقى) ٦/ ٢٥٢٧، \"معجم مقاييس اللغة\" (أثر) ١/ ٥٦، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٦، \"اللسان\" (أثر) ١/ ٢٦، (وقى) ٨/ ٤٩٠٢.\nوالصيقلون: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف، وجلاؤها، يقول: جلوا تلك السيوف حتى إذا انظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها، فكلها يستقبلك بفرنده، و(يتقى) مخفف (يتقى) وهذا مكان الشاهد من البيت.","vol":"2","page":38},{"text":"جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافًا كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ\nأي: كلها يستقبلك بفرنده (١).\nومنه قول أوس بن حجر (٢):\nتَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ\nأي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا، يصف رمحا، يقول: كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز كله (٣).\nومنه قول البراء: \" كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، يعني النبي ﷺ\" (٤).\nقال الواحدي: \" الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه\" (٥).\nوسأل عمر بن الخطاب ﵁ أُبيا عن التقوى، فقال: \"هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم: قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى\" (٦).\nوأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه (٧):\nخل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى\nواصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى\nو(التقوى) في اصطلاح الشرع هو: \"اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٨)، قال رسول الله -ﷺ: \"التقي مُلْجَم والمتقي فوق المؤمن والطائع\" (٩).\nقال الراغب: الوقاية: هي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، وهي بهذا المعنى مصدر مثل الوِقَاء، وعلى ذلك قوله ﷿: \" ووقاهم عذاب السعير\"، والتقوى: جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا تحقيقه، ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفًا، حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه، والمقتضي للشيء بمقتضاه\" (١٠).\nوقيل: التقوى في الطاعة، يراد بها الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر، وقيل: هي الإحتراز بطاعة الله عن عقوبته، وصيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك. وقيل: هي المحافظة على آداب الشريعة ومجانبة كل ما يبعد المرء عن الله تعالى، وقيل: ترك حظوظ النفس ومباينة الهوى (١١).\n_________\n(١) أنظر: إصلاح المنطق: ٤، والتهذيب: (تقى) ١/ ٤٤٤، وتفسير البسيط للواحدي: ٢/ ٥٢.\n(٢) ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٤، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٦، \"الصحاح\" (عسل) ٥/ ١٧٦٥، (وقى) ٥/ ٢٥٢٧، \"المحكم\" ١/ ١٧٠، \"اللسان\" (عسل) ٥/ ٢٩٤٦، (وقى) ١٥/ ٤٠٣، (أساس البلاغة) (كعب) ٢/ ٣١٢، \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٨. والشاعر يصف رمحًا يقول: اتقاك برمح تلذه يداك: أي لا يثقلهما، إذا هز بالكف يعسل أي. يضطرب ويهتز.\n(٣) أنظر: التفسير البسيط للواحدي: ٢/ ٥٢.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١، برقم ١٧٧٦. وقوله: \"إذا احمر البأس\": كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك؛ لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر: شرح النووي ١٢/ ٣٦٤.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ٤٨، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (تقي)، (وقى) ١/ ٤٤، \"الصحاح\" (وقى) ٦/ ٢٥٢٧، \"اللسان\" (وقى) ٨/ ٤٩٠٢، (لباب التفاسير) للكرماني ١/ ١١١، (رسالة دكتوراه).\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٢، وتفسير القرطبي: ١/ ١٦٢.\n(٧) ديوان عبدالله بن المعتو، تحقيق: د، عمر فاروق، دار الأرقم، يروت، لنان: ص ٣٤.\nيقول: لاتتقر صغيرا، لأن كل كبير يكون صغيرا، وقوله: إن الجبال من الحصى دليل صحة هذا المنطق، وهو منطق المعتزلة في عصره وفي هذا يقول الجاحظ\"اعلم أن الجبل ليس أدل على الله من الحصاة .. وأن صغير- مايشتمل عليه عالمنا- ودقيقه، كعظميمه وجليله ولم تفترق الأمور في حقائقها وإنّما افترق المفكّرون فيها\" (كتاب الحيوان: ١/ ٢٥٤)\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨.\n(٩) الفوائد: ٦٥ - ٦٦.\n(١٠) مفردات الراغب بتصرف (ص: ٨٨١).\n(١١) التعريفات للجرجاني (ج ١/ص ٩٠).","vol":"2","page":39},{"text":"وقال المباركفوري -رحمه االله-: \"المتقي: من يترك ما لا بأس به خوفًا مما فيه بأس\" (١).\nوقد يرد لفظ التقوى في القرآن الكريم على أوجه، منها:\n١ - الخوف والخشية، كما في قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١].\n٢ - ومنها: العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لاإله إلا أنا فاتقون﴾ [النحل: ٢].\n٣ - ومنها: ترك المعصية، كما في قوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي لا تعصوه.\n٤ - ومنها: التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ [الحجرات: ٣]، أي للتوحيد.\n٥ - ومنها: الإخلاص، كما في قوله سبحانه: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢].\nوعند ابن القيم، للتقوى ثلاثة مراتب (٢):\nإحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات.\nوالثانية: حميّتها عن المكروهات.\nوالثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.\nقال ابن القيم: \"فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته\" (٣).\nولا شك بأن التقوى من أوجب الواجبات وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة وكلام السلف الصالح، قال القرطبي: \"الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم\" (٤).\nقال ابن تيمية -﵀-: \"والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر االله بها ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده\" (٥).\nكما أن النبي ﷺ قد أمر بالتقوى، فعن أبي ذر﵁- قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اتَّقِ اللهَ حيثُ كنتَ \" (٦)، فاجتمع الكتاب والسنة على إيجاب التقوى والأمر بها.\nوذكر أبو إسحاق، بأن قوله تعالى ﴿هُدًى﴾، موضعه النصب من وجهين (٧):\nأحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك.\nوالثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب.\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ \"يدغم الغنة عند (اللام) و(الراء) أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد حمزة والكسائي عند (الياء)، وزاد حمزة عند (الواو)، والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر (النون) والتنوين عند (الخاء) و(الغين) \" (٨).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك﴾؛ فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله ﷾\n_________\n(١) تحفة الأحوذي: ٦/ ٢٠١.\n(٢) أنظر: الفوائد: ٤٥.\n(٣) الفوائد: ٤٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٩.\n(٥) شرح العمدة: ٣/ ٦٢٧.\n(٦) رواه الترمذي: (١٩٨٧)، وقال: حسن صحيح.\n(٧) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٧٠، وإعراب القرآن، للنحاس ١/ ١٨٠، وإملاء ما من به الرحمن، للعكبري ١/ ١٦، ومشكل إعراب القرآن، المكي: ١/ ١٧.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٥٩ - ٦٠.","vol":"2","page":40},{"text":"يقول: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة: ٣٣]؛ وكذلك ما وُصِف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضًا لمن تمسك به.\n٢ ومنها: رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنٍ به؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾؛ وقد بيّنّا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والصحف التي بأيدي الملائكة، والمصاحف التي بأيدي الناس.\n٣ ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن نزل من عند الله يقينًا؛ لقوله تعالى: (لا ريب فيه)\n٤ ومنها: أن المهتدي بهذا القرآن هم المتقون؛ فكل من كان أتقى لله كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنه عُلِّق الهدى بوصف؛ والحكم إذا عُلق بوصف كانت قوة الحكم بحسب ذلك الوصف المعلَّق عليه؛ لأن الوصف عبارة عن علة؛ وكلما قويت العلة قوي المعلول.\n٥ ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء بالقرآن، والاهتداء بالقرآن يشمل الهداية العلمية، والهداية العملية؛ أي هداية الإرشاد، والتوفيق.\nفإن قيل: ما الجمع بين قوله تعالى: ﴿هدًى للمتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾؟ (البقرة: ١٨٥).\nفالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛ أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن: ﴿هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى عن ثمود: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]؛ وأما الخاص فهو هداية التوفيق: أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى ﴿هدًى للمتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء﴾ [فصلت: ٤٤].\nالقرآن\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]\nالتفسير:\nوهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها؛ لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله، مثل الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد ﷺ، ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة.\nواختلف المفسرون، فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه، على ثلاثة أقوال (١):\nأحدها: أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم، لأنه قال بعد هذا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، يعني به أهْلَ الكتاب، وهذا قول ابن عباس (٢)، وروي عن ابن مسعود (٣)، مثل ذلك.\nوالثاني: أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لأنه ذكرهم في بعضها.\nوالثالث: أن الآيات الأربع من أول السورة، نزلت في جميع المؤمنين، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: \"نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثَلاث عَشْرَةَ في المُنافقين\" (٤). وروي عن الربيع (٥) مثل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، \"أي يقرون بما غاب عنهم مما أخبر الله به عن نفسه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وغير ذلك مما أخبر الله به من أمور الغيب\" (٦).\n_________\n(١) أنظر: أسباب النزول للواحدي: ٢١، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٢٨، والنكت والعيون: ١/ ٧٠.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٧): ص ١/ ٢٣٨.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٣): ص ١/ ٢٣٦\n(٤) أخرجه الطبري (٢٧٨)، و(٢٧٩)، و(٢٨٠)،: ص ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩. وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٢١، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٢٨، والخبر إسناده منقطع لعدم سماع ابن أبي نجيح من مجاهد. [أنظر: تهذيب التهذيب: ٦/ ٥٤].\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٢٨١): ص ١/ ٢٤٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠.","vol":"2","page":41},{"text":"وروي \" عن أبي العالية في قوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه. ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث. فهذا غيب كله\" (١).\nوقال السدي: \" أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن، لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبَ﴾ [البقرة: ٣]، فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: يصدقون بالغيب، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعبدالله (٤).\nوالثاني: يخشون بالغيب، وهذا قول الربيع بن أنس (٥).\nوالثالث: وقيل: الإيمان: العمل. قاله الربيع (٦).\nوقد ذكر أهل العلم في الأصل (الإيمان)، ثلاثة أقوال (٧):\nأحدها: أن أصله التصديق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، يعني: \"وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا\" (٨).\nقال الأزهري: اتفق العلماء (٩) من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [يوسف: ١٧] \" (١٠).\nثم قال: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على تلك الأمانة، فمن صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه، وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (١١).\nوأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (١٢) قول الشاعر (١٣):\nوَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا\nمعناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] فمحمدا منصوب بمعنى التصديق (١٤).\nوالثاني: أن أصله: (الأمان)، فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمِنُ لأوليائه من عقابه.\nقال أبو علي الفارسي: \"ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن]، مثل: أجدب، وأعاه، أي: صار ذا عاهة في ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧)، و(٦٥): ص ١/ ٣٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨): ص ١/ ٣٦.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٢٦٧)، و(٢٦٨): ص ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٢٧١): ص ١/ ٢٣٥.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٢٦٩): ص ١/ ٢٣٥.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٠): ص ١/ ٢٣٥\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٢٣٥.\n(٩) وقد اعترض بعض العلماء على دعوى الإجماع على أن الإيمان معناه في اللغة التصديق. قال ابن أبي العز في \"شرح العقيدة الطحاوية\": (وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أنه يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقا؟) \"شرح الطحاوية\" ص ٣٢١. وقال ابن تيمية في معرض رده على من ادعى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان معناه التصديق، قال: (... قوله إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ ...) ثم ذكر وجوها كثيرة في رد هذِه الدعوى. انظر كتاب الإيمان ضمن \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ١٢٣ - ١٣٠. وعلى فرض أن معنى الإيمان في اللغة (التصديق) فإن الشارع استعمله في معنى اصطلاحي خاص، كما استعمل الصلاة والزكاة في معان شرعية خاصة زائدة على المعنى اللغوي. انظر. \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ٢٩٨.\n(١٠) تهذيب اللغة: (أمن): ١/ ٢١٠.\n(١١) انظر: التهذيب (أمن): ١/ ٢١١.\n(١٢) تهذيب اللغة: (أمن): ١/ ٢١١، وانظر: الزاهر: ١/ ٢٠٣.\n(١٣) البيت أنشده ابن الأنباري في \"الزاهر\" بدون عزو ١/ ٢٠٣، وكذلك الأزهري في \"التهذيب\"، (أمن) ١/ ٢١٢، \"اللسان\" (أمن) ١/ ١٤٢.\n(١٤) انظر كلام ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٢٠٢، ٢٠٣.\n(١٥) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٢٠، وانظر بقية كلام أبي علي ص ٢٢٦ حيث أفاد أن الإيمان بمعنى التصديق ليس على إطلاقه في كل موضع.","vol":"2","page":42},{"text":"والثالث: أن أصله (الطمأنينة)، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن، لأنه مطمئن.\nقال الواحدي: \"وأصله [أي الإيمان] في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال الخوف عنه، وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا بذلك مطمئنا إليه\" (١).\nوقال البغوي: \" وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من المناسبة، لأنه من شرائعه، والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى \"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا\" (١٤ - الحجرات) وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن. وقد يكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر\" (٢).\nوفي (الإيمان) ثلاثة أقاويل (٣):\nأحدها: أنّ الإيمان اجتناب الكبائر.\nوالثاني: أن كل خصلة من الفرائض إيمان.\nوالثالث: أن كل طاعةٍ إيمان.\nوذكر أهل التفسير في معنى ﴿الغيب﴾ [البقرة: ٣]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: ما جاء من عند الله، وهو قول ابن عباس (٤)، وروي نحوه عن عطاء (٥)، واسماعيل بن أبي خالد (٦).\nوالثاني: أنه القرآن، وهو قول زر بن حبيش (٧).\nوالثالث: الإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور. قاله قتادة (٨)، والربيع (٩)، وأبي العالية (١٠)، والسدي (١١)، وروي عن زيد بن أسلم (١٢)، وإبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري (١٣)، مثل ذلك.\nقال ابن عطية: \" وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، \" أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها، وخشوعها وآدابها\" (١٥).\nقال البغوي: \" أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها\" (١٦).\nوروي عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿ويقيمون الصلاة﴾، قال: \"الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها\" (١٧).\nوأخرج الطبري بسنده \" عن الضحاك في قوله: ﴿الذين يقيمون الصلاة﴾: يعني الصلاة المفروضة\" (١٨).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٥٩.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٦٠ - ٦١.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٦٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٢): ص ١/ ٢٣٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي (٧٠): ص ١/ ٣٦. ولفظه: \"من آمن بالله، فقد آمن بالغيب\".\n(٦) أنظر تفسير ابن أبي حاتم (٧١): ص ١/ ٣٦. ولفظه: \" ﴿يؤمنون بالغيب﴾: بغيب الإسلام\".\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٤): ص ١/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم (٦٩): ص ١/ ٣٦.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٥): ص ١/ ٢٣٦.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٢٧٦): ص ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧): ص ١/ ٣٦.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٨): ص ١/ ٣٦.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٢): ص ١/ ٣٦. ولفظه: \" ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: بالقدر\".\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٣): ص ١/ ٣٧.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٨٤.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٢٦.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ٦٢.\n(١٧) أخرجه الطبري (٢٨٢): ص ١/ ٢٤١، وابن أبي حاتم (٧٤): ص ١/ ٣٧.\n(١٨) تفسير الطبري (٢٨٤): ص ١/ ٢٤٢.","vol":"2","page":43},{"text":"وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُون الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]، قولان (١):\nأحدهما: يؤدونها بفروضها. قاله ابن عباس (٢).\nوالثاني: أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها، قاله قتادة (٣)، ومقاتل بن حيان (٤)، وحكي عن ابن عباس مثل ذلك (٥).\nوقد اختلف في أصل (الصلاة)، على ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنها: الدُّعاءُ، كما قال الأعشى (٦):\nلَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا ... وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا\nيعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا (٧):\nوَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ\nقال الطبري: \" وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت \" صلاة \"، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ\" (٨).\nالثاني: أنها من الرحمة. قاله أبو عبية (٩)، واحتجّ بقول الأعشى (١٠):\nتقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا\nعليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا\nقال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت (١١).\nوالقولان: الأول والثاني: قريبان من البعض، \" لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه\" (١٢).\nوالثالث: أنها: مأخوذة من: الصّلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صلواه\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" والقول إنها من الدعاء أحسن (١٤).\nواختُلف لِمَ سُمِّي فعل (الصلاة) على هذا الوجه إقامةً لها، على قولين (١٥):\nأحدهما: من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه.\nقال الطبري: وإقامة الصلاة: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها (١٦)، وكما قال الشاعر (١٧):\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٦٩.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٢٨٢): ص ١/ ٢٤١.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٥): ص ١/ ٣٧.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٦): ص ١/ ٣٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٢٨٣): ص ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.\n(٦) ديوانه: ٢٠٠، يذكر الخمر في دنها. وزمزم العلج من الفرس: إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم. وفعلهم ذلك هو الزمزمة. \" ذبحت \" أي بزلت وأزيل ختمها. وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة، فيخسر.\n(٧) ديوان الأعشى: ٢٩. وقوله \" وقابلها الريح \" أي جعلها قبالة مهب الريح، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها. ويروى: \" فأقبلها الريح \" وهو مثله. وارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٣.\n(٩) انظر: مجاز القرآن: ٦١ - ٦٢.\n(١٠) ديوانه: ١٠٦، وانظر: الخزانة: ١/ ٣٥٩، ومراتب النحويين: ١٩٤.\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٣١.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٤٣١.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٨٥.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٨٥.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٦٩.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٤١.\n(١٧) البيت من شواهد الطبري: ١/ ٢٤١، ولم أتعرف على قائله.","vol":"2","page":44},{"text":"أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا\nوالثاني: أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها، لما فيها من القيام فلذلك قيل: قد قامت الصلاة.\nقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، \" أي: مما أعطيناهم من المال يخرجون\" (١).\nقال الصابوني: \"أي ومن الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون في وجوه البر والإِحسان\" (٢).\nقال ابن عطية: \" والرزق عند أهل السنة، ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق\" (٣).\nوقال البغوي: \" والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب\" (٤).\nوفي قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، ثلاثة تأويلات:\nأحدها: إيتاء الزكاة احتسابًا لها، وهذا قول ابن عباس (٥).\nوالثاني: نفقة الرجل على أهلِهِ، وهذا قول ابن مسعود (٦)، والسدي (٧).\nوالثالث: التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى، وهذا قول الضحاك (٨)، وري عن قتادة (٩) مثل ذلك.\nالثالث: وقيل: إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة (١٠).\nوالراجح أن الآية تعمّ الجميع، \"وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف\" (١١)، فالله تعالى \"لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ\" (١٢).\nورجح هذا القول ابن جرير الطبري (١٣) وابن عطية (١٤)، والقرطبي (١٥) والسعدي (١٦).\nوفي اعراب قوله تعالى ﴿مِن﴾ [البقرة: ٣]، هنا وجهان (١٧):\nأحدهما:، أن تكون للبيان.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٦.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٨٥. وفي الموضوع نفسه قال ابن عاشور: \" والرزق شرعا عند أهل السنة كالرزق لغة إذ الأصل عدم النقل إلا لدليل، فيصدق اسم الرزق على الحلال والحرام لأن صفة الحل والحرمة غير ملتفت إليها هنا فبيان الحلال من الحرام له مواقع أخرى ولا يقبل الله إلا طيبا وذلك يختلف باختلاف أحوال التشريع مثل الخمر والتجارة فيها قبل تحريمها، بل المقصود أنهم ينفقون مما في أيديهم.\nوخالفت المعتزلة في ذلك في جملة فروع مسألة خلق المفاسد والشرور وتقديرهما، ومسألة الرزق من المسائل التي جرت فيها المناظرة بين الأشاعرة والمعتزلة كمسألة الآجال، ومسألة السعر، وتمسك المعتزلة في مسألة الرزق بأدلة لا تنتج المطلوب\". [التحرير والتنوير: ١/ ٢٣٥].\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٦٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٢٨٥)، و(٢٨٦): ص ١/ ٢٤٣، وابن أبي حاتم (٧٧): ص ١/ ٣٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٢٨٨): ص ١/ ٢٤٣.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨): ص ١/ ٣٨.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٢٨٧): ص ١/ ٢٤٣.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٩): ص ١/ ٣٨.\n(١٠) لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها، (ينظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٧٩) ..\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٨٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٤.\n(١٣) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٤٣.\n(١٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٨٥.\n(١٥) ينظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٧٩.\n(١٦) ينظر: تفسير السعدي: ١/ ٤٠.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠.","vol":"2","page":45},{"text":"والثاني: أن تكون للتبعيض: وذلك لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءًا يسيرًا من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم (١).\nوكثيرًا ما يجمع تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال في القرآن الكريم، وذلك لأن \"الصّلاة حقّ الله وعبادته، وهي مشتملةٌ على توحيده والثّناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتّوكّل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنّفع المتعدّي إليهم، وأولى النّاس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثمّ الأجانب، فكلٌّ من النّفقات الواجبة والزّكاة المفروضة داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وممّا رزقناهم ينفقون﴾ ولهذا ثبت في الصّحيحين عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: \"بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلّا الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت\" (٢)، والأحاديث في هذا كثيرةٌ\" (٣).\nو(الرزق) لغة: قال ابن منظور: رزَق: الرازِق والرزَّاق: في صِفة الله -تعالى- لأنه يَرزُق الخَلق أجمَعين، وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصَلها إليهم، وفَعَّال مِن أبنيَة المبالَغة، والرِّزْق: مَعروف، والأرزاق نوعان: ظاهِرة للأبدان؛ كالأقوات، وباطِنة للقلوب والنفوس؛ كالمَعارِف والعُلوم؛ قال الله -تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (٤).\nوقال الراغِب: \"الرِّزْق يُقال للعَطاء الجاري تارةً، دُنيويًّا كان أم أُخرويًّا، وللنصيب تارةً، ولِما يَصِل إلى الجوف ويُتغذى به تارةً، يقال: أعطى السلطانُ رِزقَ الجند، ورُزقتُ عِلمًا\" (٥).\nوجاء في \"المعجم الوسيط: \" (الرزْق) بالفتح مصدر، وبالكَسر اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما يُنتفَع به، ويجوز أن يوضَع كل منهما مَوضِع الآخَر، وما يُنتفَع به مما يؤكَل ويُلبَس، وما يصل إلى الجوف ويُتغذَّى به، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، والمطرُ؛ لأنه سبب الرزق، والعطاءُ أو العطاء الجاري؛ يُقال: كم رِزقك في الشهر؟: كم راتبك؟ \" (٦).\n_________\n(١) وقوله تعالى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي أنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم الله به عليكم وواسوا إخوانكم المعدمين.\n(٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ\".\nحديث صحيح: أخرجه البُخاريُّ في «صحيحه» (٨، ٤٥١٥)، وفي «التاريخ الكبير» (٤/ ٢١٣)، (٨/ ٣١٩، ٣٢٢)، ومُسلِمٌ (١٦)، وفي «التمييز» (٤)، والنَّسائِيُّ (٨/ ١٠٧، ١٠٨)، والتِّرمِذِيُّ (٢٦٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٦، ٩٢، ٩٣، ١٢٠)، والحميدي (٧٠٣، ٧٠٤)، وعبد ابن حميد (٨٢٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في «الإيمان» (٢) بتحقيقي، وفي «الناسخ والمنسوخ» (٣٧٩)، وأبو الحسن الطوسي في «الأربعين» (١٤)، والعدني في «الإيمان» (١٨) بتحقيقي، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٤١١ - ٤١٧)، وابن خزيمة (٣٠٨، ٣٠٩، ١٨٨٠، ١٨٨١، ٢٥٠٥)، وأبو يعلى (٥٧٨٨)، والخلال في «السنة» (١٣٨٢، ١٣٨٣، ١١٨٤)، وابن حبان (١٥٨، ١٤٤٦)، والدولابي في «الكنى» (١/ ٨٠)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٢٤٣)، (٤/ ١٠٠)، والآجري في «الشريعة (٢٠١ - ٢٠٣)، وفي «الأربعين» (١٦)، وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٤٦٠)، والطَّبرانيُّ في «الكبير» (١٣٢٠٣، ١٣٥١٨)، وفي «الأوسط» (٢٩٣٠، ٦٢٦٤، ٦٥٣٣)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين» (٨٤٩)، والدارقطني في «الأفراد» - كما في «الأطراف» - (١٩١١، ٢٨٨٢، ٢٩٨٦)، وفي «المؤتلف والمختلف» (٢/ ٩٤٢)، (٣/ ١١٧٦)، وفي «العلل» = (١٣/ ١٣٠)، وابن المقرئ في «معجمه» (٥٧٧)، وأبو محمد الجوهري في «حديث أبي الفضل الزهري» (٥٥٤)، وابن منده في «الإيمان» (٤٠ - ٤٣)، (١٤٨ - ١٥٠)، وفي «التوحيد» (١٦٥)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١٤٩٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ١٦٠)، وأبو نعيم في «المستخرج» (٩٨ - ١٠٢)، وفي «الحلية» (٣/ ٦٢)، وفي «أخبار أصبهان» (١/ ١٨٢، ١٨٣)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (٧٣٥، ٨٧٢)، والبَيهَقِيُّ في «الاعتقاد» (ص ٢٨٧، ٢٨٨)، وفي «السنن الكبرى» (١/ ٣٥٨)، (٤/ ٨١، ١٩٩)، وفي «الصغير» (٢٤٩)، وفي «الشعب» (٢٠، ٢١، ٣٢٩١، ٣٥٦٧)، وفي «فضائل الأوقات» (٣١)، والخطيب في «الكفاية» (٥٣٣ - ٥٣٥)، وفي «الأسماء المبهمة» (ص ٣٣٦، ٣٣٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٦)، وفي «تفسيره» (١/ ٥١٢)، وابن بطة في «الإبانة» (٤٢٢، ٤٢٣)، والشجري في «أماليه» (١٣٠، ١٣٨)، والرافعي في «التدوين» (٢/ ٢٣٧)، وابن عساكر في «تاريخه» (٧/ ١٦١)، (١٥/ ٢١٤)، (٤٣/ ٨٦)، (٥٤/ ٥٣، ٥٤)، (٦١/ ٦٥)، (٦٣/ ٢٢٨٩، (٦٨/ ٢٣٤)، وفي «معجمه» (١٢/ ٤٢٣، ٩٩٤)، وبيبي في «جزئها» (٧٦)، والطحاوي في «أحكام القرآن» (١٥٩٨)، والنسوي في «الأربعين» (٤٠)، وغيرُهُم. من طرق عن ابن عمر به.\nوانظر «العلل» للدَّارَقُطنيِّ (١٣/ ١٢٩، ١٣٠، ٢١١، ٢١٢، ١٨٥، ٢٢١)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٩٦١)، و«إرواء الغليل» (٣/ ٢٤٩)، والله أعلم.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٤ - ١٦٩.\n(٤) لسان العرب: ١٠/ ١١٥.\n(٥) المفردات في غريب القرآن، الأصفهاني: ١/ ٣٥١.\n(٦) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة: (١: ٣٤٢).","vol":"2","page":46},{"text":"وقال ابن فارس\": فالرِّزق: عطاء الله - جل ثناؤه - ويُقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرِّزْق. [والرِّزق] بلغة أزد شَنُوءة: الشُّكر، مِن قوله - جل ثناؤه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢]، وفعلتُ ذلك لمَّا رزَقتَني؛ أي: لمَّا شَكرْتَني\" (١).\nنستنتج من المعنى اللغوي بأن معاني الرزق تدور ما بين العطاء وما يُنتفَع به مما يؤكَل.\nوالرزق اصطلاحا: لرزق: اسم لِما يَسوقه الله إلى الحيوان فيأكُله، فيكون متناولًا للحلال والحرام، وعند المعتزلة: عبارة عن مملوك يأكُله المالِك، فعلى هذا لا يكون الحَرام رزقًا.\nوالرِّزق الحسَن: هو ما يصل إلى صاحبه بلا كدٍّ في طلبه، وقيل: ما وُجد غير مُرتقَب، ولا محتسَب، ولا مُكتسَب (٢)، والرِّزق: مُتناوِل للحلال والحرام؛ لأنه اسم لِما يَسوقه الله -تعالى- إلى الحيوان في أكله، أي: يَتناوله، فيشمل المأكولات والمشروبات (٣).\nونلاحِظ ارتباط المعنى اللغوي والاصطلاحي للرِّزق؛ بحيث إنه في اللغة يكون بمعنى العطاء، وكذلك في الاصطِلاح هو الوصول، وكلاهما اسم لِما يَسوقه الله - تعالى.\nويكمن الفهم الخاطئ في قصر مفهوم الرزق على المعنى المادي المتمثل بالمال أو غيره، بينما الحقيقة التي تشير إليها النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، تؤكد شمول معنى الرزق في الإسلام الأمور المادية والمعنوية.\nلقد ذكر لفظ «الرزق» في القرآن الكريم (١٢٣) مرة، وكما جاء بمعنى الرزق المادي من مال وطعام ومطر، جاء بمعنى معنوي في أكثر من موضع، كمعنى الثواب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، أي: يثابون على ما قدموا من أعمال وتضحيات.\nكما فسر الشيخ السعدي مفهوم الرزق الوارد في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: ٢١٢)، برزق القلوب من العلم والإيمان وغير ذلك من الأمور المعنوية فقال في تفسير الآية: \"فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك: فلا يعطيها إلا من يحب\" (٤).\nوفي السنة النبوية ما يشير إلى أن مفهوم الرزق في الإسلام واسع ولا يقتصر على الأمور المادية فحسب، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ \" \"إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا\". \" (٥).\nقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - معلقا على كلمة: «رِزْقه» في الحديث: \"الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين، والرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك، والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم، والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث\" (٦).\n_________\n(١) مقاييس اللغة: ٢/ ٣٨٨.\n(٢) التعريفات، الباقلاني: ١/ ١١٠.\n(٣) القاضي عبدالنبي بن عبدالرسول الأحمد نكري، دستور العلماء: (٢: ٩٦).\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٩٥.\n(٥) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ٣٢٠٨)، وَمُسْلِمٌ (رقم: ٢٦٤٣)\n(٦) شرح الأربعين النووية ص ١٠١ - ١٠٢.","vol":"2","page":47},{"text":"وقال ابن عاشور: \" والرزق ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته وحاجاته وينال بها ملائمه، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة من الأطعمة والأنعام والحيوان والشجر المثمر والثياب وما يقتنى به ذلك من النقدين، قال تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨]، أي مما تركه الميت- وقال: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا﴾ [الرعد: ٢٦] وقال في قصة قارون: وآتيناه من الكنوز- إلى قوله- يكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر [القصص: ٧٦ - ٨٢] مرادا بالرزق كنوز قارون وقال: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض [الشورى: ٢٧] وأشهر استعماله بحسب ما رأيت من كلام العرب وموارد القرآن أنه ما يحصل من ذلك للإنسان، وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء فهو على المجاز، كما في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [هود: ٦] وقوله: وجد عندها رزقا [آل عمران: ٣٧] وقوله: لا يأتيكما طعام ترزقانه [يوسف: ٣٧] \" (١).\nإن المتبادر إلى ذهن كثير من المسلمين اليوم حين يسمعون عن توسعة الله تعالى على فلان أو غيره في الرزق، هو المعنى المادي فحسب، حيث لا يشكون لحظة أن المقصود هو كثرة المال والأمور المادية المشابهة، ولا يخطر ببال أحدهم غير هذا المعنى، إلا من رحم الله ممن آتاه الله علما وفهما وفقها في الدين، والحقيقة أنه قد يكون المقصود بهذه العبارة – بالإضافة لكثرة الرزق المادي - أمور أخرى معنوية هي أهم من المال والمتاع المادي، فقد يكون المقصود الإيمان الصحيح السليم من البدع والمنكرات والشبهات، والذي هو في الحقيقة سبيل النجاة يوم القيامة، أو العلم الذي يبصر الإنسان بحقائق الأشياء، ويرشده إلى ما فيه صلاحه في الدنيا وفلاحه في الآخرة، أو الزوجة الصالحة أو الولد الصالح .. أو غير ذلك من الأمور المعنوية.\nوإن من أهم آثار قصر مفهوم الرزق على الأمور المادية - والمال بشكل خاص - هو غفلة كثير من المسلمين عن ما رزقهم الله تعالى من أرزاق معنوية ظنوا بسبب فهمهم الخاطئ أنها لا تدخل في مفهوم الرزق، فظنوا أن الله حرمهم الرزق ومنحه لآخرين، بينما الحقيقة أن ما منّ الله به عليهم من رزق في الإيمان والعلم وغير ذلك مما هو باقٍ، يفوق بأضعاف مضاعفة ما رزق غيرهم من مال ومتاع مادي زائل، وبالمقابل فإن إدراك المسلمين للمفهوم الإسلامي الشامل للرزق له نتائجه وآثاره الإيجابية، حيث يسود الرضى عن الله تعالى، وتلهج الألسنة والأفئدة بشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، ورزقه الواسع في جميع المجالات المادية والمعنوية (٢).\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٢) إن الحديث عن الرزق حديث ذو أهمية بالغة، ولاسيما في هذا الوقت الذي ضعف فيه إيمان كثير من الناس بربهم، وأن الرزق بيده، وأنه المتكفّل بالأرزاق؛ ما جعل اعتمادهم وللأسف على خلق مثلهم، يرجونهم أو يخشونهم على أرزاقهم، وإن الإيمان بهذا الاسم سيحل الكثير من المشاكل كالقلق والخوف من المستقبل، والجرأة على أكل الحرام، والحسد، واستحلال الربا وتبرير الرشوة، وجرائم القتل والسرقة من أجل المال التي سببها عدم أو ضعف الإيمان باسم الله الرزاق.\nومعالجة قضية القلق على الرزق تكمن في الآتي:\nأولا: رزق جميع الكائنات على الله:\nفالله سبحانه تكفل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين وكافرين، إنسًا وجنا، طيرًا وحيوانا، وهو سبحانه كما يقول البلغاء يرزق النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.\nقال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) هود ٦.\nوقال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) الذاريات ٢٢، ٢٣.\nفالرزق ليس على فلان أو علان إنما هي أسباب هيأها الله في الكون لييسر على العباد معايشهم، فما يتحصله الناس من وظائف أو مهن؛ إنما هي أسباب لنيل رزق الله، بل إن ذكاء الإنسان لن يزيد في رزقه شيئا وقلة ذكائه لن تنقص من رزقه شيئا.\nثانيا: التوكل على الله في طلب الرزق:\nإذا أيقنا أن الرزق بيد الله وحده فعلينا الأخذ بالأسباب قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك: ١٥)، ويقول النبي ﷺ: \"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا\" ()، وللأسف فما أكثر الذين تغيرت قلوبهم فأصبحوا يتوكلون ويؤملون في دنياهم وأرزاقهم على خلق مثلهم، ونسوا الخلاّق الرزاق مدبر الأمور ومصرّف الدهور سبحانه، وهذا عمر﵁لما رأى أناسًا يسألون الناس في الحج قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله.\nوالحديث السابق ليس معناه أن الإنسان يقعد عن العمل والتسبب والاكتساب، ثم ينتظر من الله -﵎- أن يرزقه، فإن هذا ليس هو المراد، بل كما قال الإمام البيهقي -﵀-: هو أن الإنسان يبذل السبب، فهذه الطيور لا تبقى في أوكارها تنتظر رزق الله -﵎- فتمتلئ بطونها منه، وإنما هي تخرج في الصباح وتتسبب وتتكسب، ثم بعد ذلك ترجع إلى أوكارها في آخر النهار إذا كان الظلام. [أنظر: شعب الإيمان: ١١٣٥].\nفالإنسان الذي يتوكل على الله حق التوكل هو الإنسان الذي يرتبط قلبه بالله -﷿-، ويعلم أنه لا يكون في هذا الكون تحريكة أو تسكينة إلا بمشيئته وإرادته، وأن الاكتساب والغنى والتحصيل لا يكون بسبب ذكاء الإنسان، وما عنده من طاقة ومهارة وحرفة وصنعة، وما أشبه ذلك، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨]، فهذا لا شك أنه انحراف في التصور والفهم والاعتقاد، وإنما يعتقد الإنسان أن الله ... -﷿- هو مسبب الأسباب، وأن أزمّة الأمور في يده، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والله قد أجرى سنته بأن يتوكل الإنسان، وأن يتسبب والله -﵎- يقدر لمن شاء ما شاء.\nفالمقصود هو أن الإنسان يتوكل على الله، ويربط قلبه بالله، لكن يعلم أن ذلك ليس بمهارته ولا بذكائه، ثم لا يتهافت على الدنيا، فيتوجه قلبه إليها ويتعلق بها، ويركن إلى هذا الحطام الزائل، وإنما يعلم أن الأمور بيد الله -ﷻ-، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا يريح قلبه كثيرًا، فلا يتأسف على ما فاته منها، وما خسر من حطامها، أو ما لم يحصله من هذا المتاع الزائل، فإن الله -﵎- هو الذي يرزق عباده وفق علمه، وحكمته وبصره التام النافذ، والإنسان لا يدري أين الخير له، فما عليه إلا أن يبذل السبب والله -﷿- يرزق من شاء ما شاء.\nوها نحن نرى الناس، منهم مَن بعملٍ بسيط يحصّل أموالا طائلة بلحظات، ومنهم من يجلس طول العمر يشتغل ولا يحصل شيئًا يذكر، يتقلب بالفقر ظهرًا لبطن، مع أنه مفتول العضلات، ولربما كان كامل الذكاء، وعنده من القُدَر والمهارات، ويقوم بدراسات، ومع ذلك هو من خسارة إلى خسارة، ومن خيبة إلى خيبة، فالله -﷿- هو الذي يرزق.","vol":"2","page":48},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالمُشاهَد المحسوس ليس بإيمان؛ لأن المحسوس لا يمكن إنكاره.\n٢ ومنها: أن من أوصاف المتقين إقامة الصلاة؛ وهو عام لفرضها، ونفلها.\nويتفرع على ذلك: الترغيب في إقامة الصلاة؛ لأنها من صفات المتقين؛ وإقامتها أن يأتي بها مستقيمة على الوجه المطلوب في خشوعها، وقيامها، وقعودها، وركوعها، وسجودها، وغير ذلك.\n٣ ومن فوائد الآيات: أن من أوصاف المتقين الإنفاق مما رزقهم الله؛ وهذا يشمل الإنفاق الواجب كالزكاة، وإنفاقَ التطوع كالصدقات، والإنفاقِ في سبل الخير.\n٤ ومنها: أن صدقة الغاصب باطلة؛ لقوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم﴾؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به، فلا تقبل صدقته.\n٥ ومنها: أن الإنفاق غير الزكاة لا يتقدر بشيء معين؛ لإطلاق الآية، سواء قلنا: إن \"مِن\" للتبعيض؛ أو للبيان.\nويتفرع على هذا جواز إنفاق جميع المال في طرق الخير، كما فعل أبو بكر ﵁ حين تصدق بجميع ماله؛ لكن هذا مشروط بما إذا لم يترتب عليه ترك واجب من الإنفاق على الأهل، ونحوهم؛ فإن ترتب عليه ذلك فالواجب مقدم على التطوع.\n٦ ومن فوائد الآية: ذم البخل؛ ووجهه أن الله مدح المنفقين؛ فإذا لم يكن إنفاق فلا مدح؛ والبخل خلق ذميم حذر الله ﷾ منه في عدة آيات.\nتنبيه:\nلم يذكر الله مصرف الإنفاق أين يكون؛ لكنه تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنفاق الممدوح ما كان في سبيل الله من غير إسراف، ولا تقتير، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة: ٤].\nالتفسير:\nومن صفات هؤلاء المتقين أنهم يؤمنون بجميع الكتب المنزلة، فيؤمنون بالكتاب الذي أنزل إليك وهو القرآن، ويؤمنون إيمانًا مجملًا بما جاءت به الرسل من قبلك بالكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل والزبور","vol":"2","page":49},{"text":"وصحف إبراهيم وموسى وغيرها ..، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله، و\"بدأ بالقرآن مع أنه آخرها زمنًا، لأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها\" (١).\nاختلف العلماء في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] على قولين:\nأحدهما: أن الموصوفين أولًا مؤمنوا العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله ﴿والذين يؤمون بما أنزل إليك ..﴾، لمؤمني أهل الكتاب (٢)، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ﵀ (٣).\nوالثاني: وقيل: أن هؤلاء هم الموصوفون قبل هذه الآية، وهم مؤمنوا العرب ومؤمنوا أهل الكتاب، ورجح هذا ابن كثير (٤).\nويدل لصحة هذا القول أن الله أمر بذلك فقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وقال تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، \" أي يصدقونه بكل ما جئت به عن الله تعالى\" (٦).\nقال ابن عباس: \" أي: يصدقونك بما جئت من الله\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، [البقرة: ٤]، \"أي وبما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله\" (٨).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤١.\n(٢) وفيها فضل للكتابي الذي آمن بنبيه ثم آمن بمحمد - ﷺ -، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: \"\"ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ الله تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا. ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا. ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ\"، ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ. فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هذَا إِلَى الْمَدِينَةِ\". (أخرجه مسلم حديث (١٥٤)، وأخرجه البخاري في \" كتاب العلم\" \" باب تعليم الرجل أمته وأهله\" حديث (٩٧)، وأخرجه الترمذي في \" كتاب النكاح\" \" باب ما جاء في الفضل في ذلك \" حديث (١١١٦)، وأخرجه النسائي \" كتاب النكاح\" \" باب عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها \" حديث (٣٣٤٤) وابن ماجه: كتاب النكاح \" \" باب الرجل يعشق أمته ثم يتزوجها\" حديث (١٩٥٦).\nومن من فوائد الحديث:\nالفائدة الأولى: الحديث دليل على فضل من آمن من أهل الكتاب بنبيه ثم آمن بنبينا ﷺ فإن له أجرين، وذهب بعض أهل العلم ومنهم الكرماني إلى أن هذا الفضل خاص بمن آمن بالنبي ﷺ في زمن بعثته أما من آمن من أهل الكتاب بعد وفاة النبي ﷺ فلا يدخل في الفضل؛ لأن نبيهم بعد البعثة هو محمد ﷺ، والقول الثاني أنه يدخل لعدم المخصص واختاره ابن حجر ﵀. (انظر الفتح: ١/ ١٩١).\nوالحكمة من المضاعفة: أن الأجر الأول ترتب على إيمانه بنبيه قبل النسخ، والأجر الثاني لإيمانه بمحمد ﷺ.\nقال النووي ﵀: \" فيه فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبينا ﷺ، وأن له أجرين، لإيمانه بنبيه قبل النسخ، والثاني لإيمانه بنبينا ﷺ\". (شرح النووي لصحيح مسلم: ٢/ ٣٦٥).\nوظاهر الحديث أن من انتسب لأهل الكتاب ولم يكن انتماؤه للحق الذي جاء به نبيه وإنما على عقيدة محرمة فإنه لا يدخل في فضل الأجرين، وإن زعم أنه من أهل الكتاب، لقوله ﷺ \" رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب آمَنَ بِنَبِيِّهِ \" ومن لم يكن على ما جاء به نبيه فإنه لم يؤمن به.\nقال القرطبي ﵀: \" وأما من اعتقد الإلهية لغير الله تعالى كما تعتقده النصارى اليوم، أو مَن لم يكن على حق في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جبَّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حق يؤجر عليه إلا الإسلام خاصة والله أعلم\". (المفهم: ١/ ٣٦٩).\n(٣) انظر تفسيره: ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥، ذكرا خبرا عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، \" والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون \": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب. (تفسير الطبري: ١/ ٢٤٥).\n(٤) انظر تفسيره: ١/ ١٧٠.\n(٥) انظر تفسير ابن كثير: ١/ ١٧١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٠): ص ١/ ٣٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.","vol":"2","page":50},{"text":"قال ابن عباس: أي يصدقونك بما\"جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءوهم به من ربهم\" (١).\nوقال قتادة: \" فآمنوا بالفرقان وبالكتب التي قد خلت قبله من التوراة والزبور والإنجيل\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، \"أي وبالبعث والنشر هم عالمون\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: \"يعلمون ويتيقنون أنها كائنة\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي ويعتقدون اعتقادًا جازمًا لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا، بما فيها من بعثٍ وجزاءٍ، وجنةٍ، ونار، وحساب، وميزان\" (٥).\nقال ابن عباس: \" أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان\" (٦).\nوقال أهل العلم: \" ودخل (هُمْ) تأكيدا، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا\" (٧).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وجهين (٨):\nأحدهما: يعني الدار الآخرة.\nوالثاني: يعني النشأة الآخرة.\nقال الماوردي: وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي يعلمون، فسمي العلم يقينًا لوقوعه عن دليل صار به يقينًا\" (٩).\nو(اليقين): هو العِلم وإزاحة الشكِّ، وتحقيق الأمر (١٠). وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شي عليه، قال الشاعر (١١):\nتحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتد من واحد لا أغامره\nيقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته (١٢).\nوعرفه الأصفهاني بقوله: \"هو سكون الفهم مع ثبات الحكم\" (١٣).\nوقال ابن الجوزي: \"اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر وهو أبلغ علم مكتسب\" (١٤).\nقال الجرجاني في تعريف اليقين: هو\" طُمأنينة القَلْب، على حقيقة الشيءِ وتحقيق التصديق بالغَيْب، بإزالة كلِّ شكٍّ ورَيْب\" (١٥).\nوفي اليقين لابن أبي الدُّنيا من طِريق العلاء بن عُتْبة: أنَّ النبي ﷺ قال: \"اللهمَّ إني أسألك إيمانًا تباشِر به قلْبي، ويَقينًا حتى أعلمَ أنه لا يمنعني رِزقًا قسمتَه لي، ورِضًا من المعيشة بما قسمتَ لي\" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٠): ص ١/ ٣٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨١): ص ١/ ٣٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١/ ١٨٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢): ص ١/ ٣٨.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٩.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٠ - ٧١.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٧١.\n(١٠) أنظر: لسان العرب، وتاج العروس: (يقن).\n(١١) أنظر: شرح الرضي على الكافية: ١/ ٣٣٢، وتفسير القرطبي: ١/ ١٨٠، قال البغدادي نقلا عن الجرمي أنها لابي سدرة الاعرابي وهو شاعر اسلامي معاصر لجرير والفرزدق\nوهواس من أسماء الاسد، ومعناه أن هذا الاسد حسب أو أيقن أنني أتركه يفترس الناقة وأفتدي نفسي بها وأني لا أغامره ولا أقاتله.\nفاجبته داعيا عليه وقلت له انها ناقة انسان سيقربك ما تخشاه أي الموت.\n(١٢) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٨٠.\n(١٣) مفردات القرآن: ١/ ١٦٣٢.\n(١٤) زاد المسير: ١/ ٢٧.\n(١٥) التعريفات، باب الياء (اليقين) ١/ ٨٥.\n(١٦) ابن أبي الدنيا، اليقين ص: ٢٥.","vol":"2","page":51},{"text":"وقد وردتْ مادة (يَقِنَ) في القرآن الكريم في عِشرين آية باشتقاقات مختلِفة، موزَّعة على أرْبعَ عشرةَ سورة (١).\nقال ابن عثيمين: \" وإنما نص على الإيقان بالآخرة مع دخوله في الإيمان بالغيب لأهميته؛ لأن الإيمان بها يحمل على فعل المأمور، وترك المحظور؛ و\"الإيقان\" هو الإيمان الذي لا يتطرق إليه شك\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿اليوم الآخر﴾، هو يوم القيامة، و\"الآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، والموجب للعمل\" (٣).\nوفي تسميتها بـ (اليوم الآخر)، أقوال:\nأحدها: لأنه اليوم الذي لا يوم بعده (٤)، قال الطبري: قال أبو جعفرٍ: أمّا الآخرة، فإنّها صفةٌ للدّار، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ وإنّما وصفت بذلك لمصيرها آخرةً لأولى كانت قبلها كما تقول للرّجل: أنعمت عليك مرّةً بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة. وإنّما صارت الآخرة آخرةً للأولى، لتقدّم الأولى أمامها، فكذلك الدّار الآخرة سمّيت آخرةً لتقدّم الدّار الأولى أمامها، فصارت التّالية لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سمّيت آخرةً لتأخّرها عن الخلق، كما سمّيت الدّنيا دنيا لدنوّها من الخلق\" (٥).\nوالثاني: وقيل لتأخرها من الناس، قَالَ النحَّاسُ (ت: ٣٣٨ هـ: (\"ثم قال تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ سميت \"آخرة\" لأنها بعد \"أولى\"، وقيل: لتأخرها من الناس، وجمعها (أواخر) \" (٦).\nوالثالث: وقيل لأنها بعد الدنيا، قالَ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ: (\"وإنّما سمّيت الآخرة لأنّها بعد الدّنيا\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على الرسول ﷺ وما أنزل من قبله.\n٢ - ومنها: أن من أوصاف المتقين الإيقان بالآخرة على ما سبق بيانه في التفسير.\n٣ - ومنها: أهمية الإيمان بالآخرة؛ لأن الإيمان بها هو الذي يبعث على العمل؛ ولهذا يقرن الله تعالى دائمًا الإيمان به ﷿، وباليوم الآخر؛ أما من لم يؤمن بالآخرة فليس لديه باعث على العمل؛ إنما يعمل لدنياه فقط: يعتدي ما دام يرى أن ذلك مصلحة في دنياه: يسرق مثلًا؛ يتمتع بشهوته؛ يكذب؛ يغش ..؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة؛ فالإيمان بالآخرة حقيقة هو الباعث على العمل.\n٤ - قال أهل العلم: و\"اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب وعمل القلب، فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك، إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدا لأصل العلم، وأما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك\" (٨).\nوهذا اليقين يحصل بثلاثة أشياء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-:\nأحدها: تدبر القرآن الكريم.\n_________\n(١) أنظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد صدقي العطار، (حرف الياء).\nوعند التأمُّل في هذه الآيات نجد أنَّ مفهوم (اليقين) يختلِف معناه باختلاف مَظانِّه داخلَ النسق القرآني، فجاء اللفظ بمعنى:\nاولا: لعِلم الجازم الذي لا يَقبل التشكيك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، وقال أيضًا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١].\nثانيا: اليقين: الموت؛ قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ٣٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٤٥.\n(٥) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٨٥.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ١٧٠ - ١٧١.\n(٨) مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٢٩.","vol":"2","page":52},{"text":"والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق.\nوالثالث العمل بموجب العلم قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] (١).\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]\nالتفسير:\nأولئك المتقون وهم \"المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الاخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٥]، أي: \"المشار إليه ما تقدم ممن اتصفوا بالصفات الخمس؛ وأشار إليهم بصيغة البعد لعلوّ مرتبتهم\" (٢).\nقال الثعلبي: \" ﴿أُولئِكَ﴾: أهل هذه الصفة، و(أولاء): اسم مبني على الكسر، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤]، أي: على\" نور وبيان وبصيرة من الله تعالى\" (٤).\nقال ابن عباس: \" أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم\" (٥).\nوقال سعيد بن جبير: أي: \" على بينة من ربهم\" (٦).\nوعن قتادة: \" ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾، قال: قوم استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإيمان\" (٧).\nقال الطبري: أي\" أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم\" (٨).\nوقال الثعلبي: أي: على: رشد وبيان وصواب\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي على علم، وتوفيق من خالقهم المدبر لأمورهم\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي: \"أوتوه من عنده\" (١١).\nقال الزمخشري: \" والنون في: (من ربهم) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو، فقد روى عنه فيها روايتان\" (١٢).\nقال النسفي: \" ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضًا بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله ﷺ وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله، ومعنى الاستعلاء في \" على هدى \" مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه نحوه \" هو على الحق وعلى الباطل وقد صرحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركبًا، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى\" (١٣).\n_________\n(١) أنظر: مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٣١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٩٣): ص ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، وابن أبي حاتم (٨٤): ص ١/ ٣٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥): ص ١/ ٣٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠): ص ١/ ٤٠.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٩.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ٣٨.\n(١٢) تفسير الكشاف: ١/ ٤٥.\n(١٣) تفسير النسفي: ١/ ٣٨.","vol":"2","page":53},{"text":"وقوله تعالى: \" ﴿على﴾ للاستعلاء؛ وتفيد علوهم على هذا الهدى، وسيرهم عليه، كأنهم يسيرون على طريق واضح بيّن؛ فليس عندهم شك؛ تجدهم يُقبلون على الأعمال الصالحة وكأن سراجًا أمامهم يهتدون به: تجدهم مثلًا ينظرون في أسرار شريعة الله، وحِكَمها، فيعلمون منها ما يخفى على كثير من الناس؛ وتجدهم أيضًا عندما ينظرون إلى القضاء والقدر كأنما يشاهدون الأمر في مصلحتهم حتى وإن أصيبوا بما يضرهم أو يسوءهم، يرون أن ذلك من مصلحتهم؛ لأن الله قد أنار لهم الطريق؛ فهم على هدًى من ربهم وكأن الهدى مركب ينجون به من الهلاك، أو سفينة ينجون بها من الغرق؛ فهم متمكنون غاية التمكن من الهدى؛ لأنهم عليه، والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا، والآخرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٤]، \"أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات النعيم\" (٢).\nقال ابن عباس: \" أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: في الدنيا والآخرة\" (٤).\nقال الثعلبي: \" وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار\" (٥).\nقال البغوي: أي: فهم الناجون والفائزون، فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم (٦).\nقال الطبري: \" أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله ﵎ لأعدائه من العقاب\" (٧).\nقال الزمخشري: \" وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها\" (٨).\nوقال ابن عثيمين: \" وأعيد اسم الإشارة تأكيدًا لما يفيده اسم الإشارة الأول من علوّ المرتبة، والعناية التامة بهم كأنهم حضروا بين يدي المتكلم؛ وفيه الفصل بين الغاية، والوسيلة؛ فالغاية: الفلاح؛ ووسيلته: ما سبق، و\"الفلاح\" هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب؛ فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور، وحصول جميع الخير\" (٩).\nوالفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك (١٠).\nوأصل الفلاح: القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض، وقيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد، وفلاح الدهر: بقاؤه، يقال: لا أفعل ذلك فلاح الدهر (١١).\nواختلف في تفسير (الفلاح) في قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، على ثلاثة أقوال (١٢):\nأحدها: أن (الفلاح): هو الظفر بالبغية وإدراك الأمل، ومنه قول لبيد (١٣):\nاعْقِلِي، إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٢٩٤): ص ١/ ٢٥٠، وابن أبي حاتم (٨٨): ص ١/ ٣٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٤٩.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٦٣.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٠.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٥.\n(٩) تفسير الطبري: ١/ ٣٢.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ٤٠.\n(١١) ينظر: لسان العرب:: مادة (ف ل ح).\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٥٠، والمحرر الوجي: ١/ ٨٦.\n(١٣) ديوانه ٢: ١٢، والخطاب في البيت لصاحبته.","vol":"2","page":54},{"text":"يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا.\nومنه قول الراجز (١):\nعَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا ... جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا\nتَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا! ... أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا\nيعني: \"خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا\" (٢)، قال الزمخشري: \" والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم\" (٣).\nوالثاني: وقيل: الفلاح: هو البقاء، وقد ورد ذلك في كلام العرب أشعار، ومن ذلك قول لبيد (٤):\nنَحُلُّ بِلادًا، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ... وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ\nيريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد (٥):\nأَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ... ـعْفِ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ\nيريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان (٦):\nوَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ ... وَإِنْ أَثْرَى، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا\nأي نجاحًا بحاجته وبَقاءً (٧).\nومنه قول الأضبط (٨):\nلكلّ همّ من الهموم سعه ... والصّبح والمسى لا فلاح معه\nقال ابن عطية: \"والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه، وحكى الخليل (الفلاح) (٩) على المعنيين\" (١٠).\nالثالث: وقيل: المفلح: هو المقطوع له بالخير (١١)، لأن الفلح في كلامهم القطع (١٢)، وكذلك قيل للأكار فلاح، لأنه يشق الأرض، وقد قال الشاعر (١٣):\nلَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ ... أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ\nأَي: \"يُشَقُّ ويُقطع\" (١٤).\n_________\n(١) البيت الثاني في اللسان (فركح)، والبيتين من شواهد الطبري في تفسيره: ١/ ٢٥٠، والفركحة: تباعد ما بين الأليتين. والفركاح والمفركح منه، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٤٦.\n(٤) ديوانه القصيدة رقم: ١٤، يرثى من هلك من قومه.\n(٥) ديوانه: ٧، وفي المطبوعة والديوان \" فقد يبلغ \"، وهما روايتان مشهورتان.\n(٦) البيت ذكره الطبري في تفسيره: ١/ ٢٥٠، وهو من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة، ليس هذا أحدها. وشعوب: اسم للمنية والموت، غير مصروف، لأنها تشعب الناس، أي تصدعهم وتفرقهم. وشعبته شعوب: أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٥٠.\n(٨) أنظر: البيان والتبيين للجاحظ: ٣/ ٣٤١. لأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم\"، فهو من \"بني تميم\". وقد عدّ في المعمرين، والبيت من أبيات له، أوردها القالي في أماليه عن ابن دريد عن ابن الأنباري عن ثعلب، قال: قال ثعلب: بلغني أنها قيلت قبل الإسلام بدهر طويل. أنظر: السجستاني: \"٨\"، البيان والتبيين \"٣/ ٣٤١\"، الأغاني \"١٦/ ١٥٤ وما بعدها\"، الأمالي \"١/ ١٠٧\"، الخزانة \"٤/ ٥٨٩\"، المثل السائر \"١/ ٢٦\"، مجالس ثعلب \"٤٨٠\".\n(٩) قال الخليل: الفلاح والفلح لغة: البقاء في الخير، وفلاح الدهر: بقاؤه، وحيّ على الفلاح، أي: هلمّ على بقاء الخير، وفي الشعر فلح، قال [عمرو بن معد يكرب، ديوانه: ٤٧، وأنظر: التهذيب: ١٥/ ٥٨١، واللسان (فيص)]:\nأخبر المخبر عنكم أنكم يوم فيف الريح أبتم بالفلح\nأريد به الفلاح فقصر\". [العين: (فلح (: ص ٣/ ٣٣٦].\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٨٦.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧١.\n(١٢) أنظر: اللسان، وتاج العروس، ومختار الصحاح (فلح).\n(١٣) لم أتعرف على قائله، والبيت في اللسان، والعين، وشمس العلوم، للحميري، مادة (فلح)، وأنظر: النكت والعيون: ١/ ٧١، والبيت في المحكم: ٣/ ٢٦٦، بلا نسبة.\n(١٤) أنظر: اللسان (فلح).","vol":"2","page":55},{"text":"وتجدر الإشارة بأن الفلاح مرتب على الاتصاف بهذه الصفات، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص (١)، ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات.\nواختلف فيمن أُرِيدَ بهم، على أربعة أوجه (٢):\nأحدها: المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل على محمد، وعلى من قبله من\nسائر الأنبياء هم مؤمنوا أهل الكتاب. قاله ابن مسعود (٣).\nوالثاني: هم مؤمنو العرب وحدهم (٤).\nوالثالث: جميع المؤمنين. قاله أبو العالية (٥).\nوالرابع: وقيل: \"هم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد ﷺ وبما جاء به، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب\" (٦).\nوالراجح هو قول ابن مسعود: \" لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود، ثم أثنى عليهم، فلم يكن ﷿ ليخص أحد الفريقين بالثناء، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات. كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم الآخر جزاء عمله. فكذلك سبيل الثناء بالأعمال، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: سلامة هؤلاء في منهجهم؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك على هدًى من ربهم﴾.\n٢ - ومنها: أن ربوبية الله ﷿ تكون خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾ ﴿الأعراف: ١٢١، ١٢٢﴾.\n٣ - ومنها: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾.\n٤ - ومنها: أن الفلاح مرتب على الاتصاف بما ذُكر؛ فإن اختلَّت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات؛ لأن الصحيح من قول أهل السنة والجماعة، والذي دلّ عليه العقل والنقل، أن الإيمان يزيد، وينقص، ويتجزأ؛ ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات: هناك رتب كما جاء في الحديث: \"إن أهل الجنة ليتراءون أصحاب الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال ﷺ لا؛ والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين\" (٨)، أي ليست خاصة بالأنبياء\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦].\nالتفسير:\n_________\n(١) أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، ومن النصوص الصريحة التي استند إليها الإجماع في الحكم بزيادة الإيمان؛ قوله تعالى: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (التوبة: ١٢٤)، فهذه الآية من جملة أدلة صريحة في زيادة الإيمان، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن). متفق عليه: رواه البخاري: (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، فنفى عنه كمال الإيمان الواجب بفعل هذه الكبائر مما دل على نقص الإيمان بفعلها وهكذا كل ما ورد من نفي كمال الإيمان الواجب أو المستحب تدل على زيادته ومن ثمَّ نقصانه.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، والنكت والعيون: ١/ ٧١.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٢٦٢): ص ١/ ٢٤٧.\n(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧١.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٧): ص ١/ ٣٩. ولفظه: \" هذه الأربع الآيات من فاتحة السورة- في المؤمنين\".\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٨.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٩.\n(٨) أخرجه البخاري ص ٢٦٣، كتاب بدء الخلق، باب ٨: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم ٣٢٥٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٧٠، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ٣: ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء، حديث رقم ٧١٤٤ [١١] ٢٨٣١.","vol":"2","page":56},{"text":"إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع منهم الإيمان، سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم.\nاختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على أقوال (١):\nأحدها: أنها \"نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته\". قاله الضحاك (٢).\nوالثاني: وقيل نزلت في اليهود. قاله ابن عباس (٣)، والكلبي (٤)، واختاره الطبري (٥).\nوالثالث: وقيل: \"نزلت في أهل القليب (٦) قليب بدر. منهم أبو جهل، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة\" (٧)، حكي ذلك عن الربيع (٨).\nقال ابن حجر: \"وكذا حكاه أبو حيان ولم ينسبه لقائل (٩)، وأقره، وفيه خطأ لأن الوليد بن المغيرة مات بمكة قبل الهجرة (١٠)، وعقبة بن أبي معيط إنما قتل بعد رحيل المسلمين من بدر راجعين إلى المدينة قتل بأمر النبي ﷺ بالصفراء باتفاق أهل العلم بالمغازي\" (١١).\nالرابع: وقال أبو العالية: \"نزلت في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار﴾ \" (١٢).\nوالخامس: وقيل: أنها \"أنزلت في مشركي العرب من قريش وغيرهم\" (١٣).\nالسادس: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: \"كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا مَنْ سبقت له السعادة في الذّكْر الأول، ولا\n_________\n(١) نظر: أسباب النزول للواحدي: ٢١ - ٢٢، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر: ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢.\n(٢) أخرج ابن إسحاق ومن طريقه ابن جرير (١/ ٨٤) عن ابن عباس ﵄ قال: إن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج. وإسناد ابن إسحاق حسن.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٢٩٥)، و(٢٩٦): ص ١/ ٢٥١، وابن أبي حاتم (٩٤): ص ١/ ٤١، والخبر في سيرة ابن هشام القسم الأول: ٥٣١، في: فصل الأعداء من يهود، دون سند، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٥، والسيوطي في: الدر المنثور: ١/ ٢٩، والشوكاني في \"فتح الباري\" في \"فتح القدير: ١/ ٢٨.\n(٤) أنظر: اسباب النزول للواحدي: ٢١.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٥٢.\n(٦) في \"القاموس\" مادة قلب\" \"ص ١٦٣\": \"القليب: البئر، أو العادية القديمة منها، ويؤنث\".\n(٧) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٥٠.، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٢٩٨): ص ١/ ٢٢.\n(٩) أصل القول دون ذكر الأسماء مروي بالسند عن الربيع بن أنس كما فى تفسير الطبري \"٢٥٢/ ١\" ونصه: \"آيتان في قادة الأحزاب: إن الذين كفروا ... فهم الذين قتلوا يوم بدر\". قال ابن عطية في \"١٥٢/ ١\": هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ؛ لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما نزلت ترتيب الآية في أصحاب القلب ... \" وعلة تخطئته لهذا القول انصراف ذهنه إلى غزوة الخندق -والله أعلم- وليس هذا بلازم، فالمقصود من الأحزاب هنا المشركون الذين تحزبوا على المسلمين في بدر، وهذا قول أبي العالية، ويرويه عنه الربيع كما في \"تفسير ابن كثير\" \"١/ ٤٥\". [حاشية العجاب: ١/ ٢١٠].\n(١٠) قال ابن إسحاق في كلامه على كفاية الله نبيه أمر المستهزئين: \"حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ، وهم يطوفون بالبيت فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه فمر به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه فمات منه حبنا [هو انتفاخ البطن من داء]، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سَبَله [أي: فضول ثيابه] وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به [أي: تجدد] فقتله ... \" انظر \"سيرة ابن هشام\" \"١/ ٤١٠\".\n(١١) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٣٠. والذي في سيرة ابن هشام \"١/ ٦٤٤\" ما يلي: \"قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء قتل النضر بن الحارث، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط. قال ابن هشام: عرق الظنية عن غير ابن إسحاق\" ا. هـ باختصار.\nولا يمكن قبول هذا السبب لأن الآية تدل على أنها نزلت في كفار أحياء لا أموات!\n(١٢) ذكره أبو حيان في \"البحر\" \"١/ ٥٠\" وتسلسله عنده الثاني وهو نفس القول الماضي الذي ذكره برقم الرابع، وكل ما هنالك أنه قسمه إلى قسمين: قادة الأحزاب وأصحاب القليب، وفي هذا نظر. والآية من سورة إبراهيم \"٢٨\".\n(١٣) البحر المحيط: ١/ ٥٠، والعجاب: ١/ ٢٣١.","vol":"2","page":57},{"text":"يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول\" (١). قال ابن حجر: \"وحاصله أنها خاصة بمن قدر الله تعالى أنه لا يؤمن\" (٢).\nواختار القول الأخير القرطبي (٣)، وإليه مال ابن عطية، فقد حكاه أولًا ثم قال: \"والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدًا فإنما مثل بمن كشف الغيب -بموته على الكفر- أنه في ضمن الآية \" (٤)، وهذا يعني أن الآية هي عامة، ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره، أراد الله أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحدًا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦]، \" أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ\" (٥).\nقال ابن عباس: \" أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك\" (٦).\nوأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل \" كافرًا \"، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٧):\nفَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ\nوقال لبيدُ بن ربيعة (٨):\nيَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا\nيعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩]، وهم الذين أنزل الله ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩).\nقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، \"أي: سواءٌ أَحذرتهم يا محمد بن عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم، لا يصدقون بما جئتهم به\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" أي: أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢٩٧): ص ١/ ٢٥٢، وهو عند ابن كثير \"١/ ٤٥\" والسيوطي \"١/ ٢٨ - ٢٩\" والشوكاني \"١/ ٢٨\" ونسباه إلى ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي ولم أجده في \"تفسير ابن أبي حاتم\"، هذا، وقد تصرف ابن حجر في النقل بالاختصار.\n(٢) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٨٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٨٧. قال ابن عطية: واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها.\n- فقال قوم هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد.\n- وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم.\n- وقال الربيع بن أنس نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁ هكذا حكي هذا القول وهو خطأ لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه وكل من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية. (المحرر الوجيز: ١/ ٨٧).\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٢): ص ١/ ٤٠.\n(٧) الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات: ٢٥٧. والضمير في قوله \" فتذكرا \" للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.\n(٨) انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٠٠، ويروى \" ظلامها \". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.\n(٩) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٢): ص ١/ ٤٠.","vol":"2","page":58},{"text":"قال القرطبي: أي: \"معتدلٌ عندهم: الإنذار وتركه (١).\nقال الصابوني: \"أي يتساوى عندهم، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك تذهب نفسك عليهم حسرات، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ َ عن تكذيب قوله له\" (٢).\nقال الطبري: \"أيّ الأمرين كان منك إليهم [سواء]، الإنذار أم ترك الإنذار (٣)، ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات (٤):\nتُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍر ... سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا\nيعني بذلك: معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ، لأنه لا فُتُورَ فيه. ومنه قول الآخر (٥):\nوَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِه ... سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا\nلأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته.\nقال أبو حيان: \" فإن قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إشارة إلى أن السواء الذي أضيف إليهم وباله ونكاله عليهم ومستعل فوقهم، لأنه لو أراد بيان أن ذلك من وصفهم فحسب لقال: سواء عندهم، فلما قال: سواء عليهم، نبه على أنه مستعل عليهم\" (٦).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، على وجوه (٧):\nأحدها: قرأ الزهري، وابن محيصن: ﴿أنذرتهم﴾، بهمزة واحدة، حذف الهمزة الأولى لدلالة المعنى عليها، ولأجل ثبوت ما عادلها وهو ﴿أم﴾، وقرأ أبي أيضا بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم.\nوالثاني: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بهمزتين، وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بالمد وتليين الهمزة الثانية.\nوالثالث: وقرأ ابن عامر بألف بين همزتين.\nقال الثعلبي: \" وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، وظاهرها إنشاء ومعناها إخبار\" (٨).\nقال أبو العالية: \" آيتان في قادة الأحزاب: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾، قال: هم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ \" (٩).\nوعن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: \"قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نأيس. فقال: ألا أخبركم؟ ثم قال: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: أجل\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تسلية الرسول ﷺ حين يردُّه الكفار، ولا يَقبلون دعوته.\n٢ - ومنها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد. قد ختم الله على قلبه.، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا\n_________\n(١) ينظر: تفسير القرطبي: ١/ ١٨٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(٣) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٤) ديوانه: ١٦٣، والكامل للمبرد ١: ٣٩٨، ٣٩٩. يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. أغذ السير وأغذ فيه: أسرع. ورواية ديوانه، والكامل \" تقدت \". وتقدى به بعيره: أسرع على سنن الطريق. والشهباء: فرسه، للونها الأشهب، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة.\n(٥) البيت لمضرس بن ربعي الفقعسي. حماسة ابن الشجري: ٢٠٤.\n(٦) البرح المحيط: ١/ ٣٤.\n(٧) أنظر: السبعة في القراءات: ١٣٦ - ١٣٧، والحجة للقراء السبعة: ١/ ٢٢٤، والبحر المحيط: ١/ ٣١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣): ص ١/ ٤٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١): ص ١/ ٤٠.","vol":"2","page":59},{"text":"العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وقال تعالى: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار﴾ [الزمر: ١٩] يعني هؤلاء لهم النار؛ انتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم.\n٣ - ومنها: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى فإن فيه شبهًا من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ، ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله.\nالقرآن\n﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٧].\nالتفسير:\nطبع الله على قلوب هؤلاء وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غطاء؛ بسبب كفرهم وجحودهم وعنادهم مِن بعد ما تبيَّن لهم الحق، فلم يوفقهم للهدى، ولهم عذاب شديد في نار جهنم.\nقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، \" أي: طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور، ولا يشرق فيها إيمان\" (١).\nقال ابن عباس: \" أي: عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم. فهذا في الأحبار من يهود فيما كذبوا به من الحق بعد معرفته\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبرا ولا تفهمه. يدل عليه قوله: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] \" (٣).\nقال الماوردي: \" الختم الطبع، ومنه ختم الكتاب\" (٤).\nقال ابن عثيمين: أي: \" قلوبهم مختوم عليها لا يصدر منها خير، ولا يصل إليها خير\" (٥).\nقال سعيد المقبري: \"ختم الله على قلوبهم بالكفر\" (٦).\nوروي \"عن السدي: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، يقول: فلا يسمعون ولا يعقلون\" (٧).\nوقال أبو مالك: \" ﴿ختم الله﴾، يعني: طبع الله\" (٨).\nوعن مجاهد: \" ﴿ختم الله على قلوبهم﴾، قال: الطبع ثبتت الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه. فالتقاؤها عليه الطبع. والطبع الختم\" (٩).\nوعن مجاهد أيضا: \"الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع، والطَّبع أيسر من الأقْفَال، والأقفال أشدُّ ذلك كله\" (١٠).\nوسُمِّي القلب قلبًا لتقلُّبِهِ بالخواطر (١١)، وقد قيل (١٢):\nما سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ ... وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ، بالإنْسَانُ أَطْوَارا\nواختلف في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، على أقوال (١٣):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٤): ص ١/ ٤١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٠.\n(٤) النكت والعيون: ٧٢.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٦): ص ١/ ٤١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥): ص ١/ ٤١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حااتم (٩٧): ص ١/ ٤١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩): ص ١/ ٤١.\n(١٠) أخرجه الطبري (٣٠٣): ص ١/ ٢٥٩.\n(١١) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١١٤، والنكت والعيون: ١/ ٧٣.\n(١٢) البيت في \"التهذيب\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦، وكذا \"اللسان\" (قلب) ٦/ ٣٧١٤، بهذا النص، وورد في القرطبي ١/ ١٦٣، و\"الدر المصون\" ١/ ١١٤، \"روح المعاني\" ١/ ١٣٥، شطره الثاني: فاحذر على القلب من قلب وتحويل\nغير منسوب في جميع المصادر.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٧٢ - ٧٣، وتفسير الطبري: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.","vol":"2","page":60},{"text":"أحدها: أن القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبْدُ ذنبًا ضُمَّ منه كالإصبع، فإذا أذنب ثانيًا ضم منه كالإصبع الثانية، حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع. وهو قول مجاهد (١).\nوالثاني: أنها سمة تكون علامة فيهم، تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين.\nوالثالث: أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق، تشبيهًا بما قد انسدَّ وختم عليه، فلا يدخله خير.\nوالرابع: أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم، بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه، والغشاوة: تعاميهم عن الحق.\nوالصحيح هو القول الأول، وذلك لما صحّ بنظيره عن رسول اللهﷺ، أنه قال: \" إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك \" الرَّانُ \" الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٤] \" (٢).\nفيتبيّن لنا من الحديث: \" أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله ﷿ والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع. والختم الذي ذكره الله ﵎ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها\" (٣).\nوأصلُ الختم: الطَّبْع، والخاتَم هو الطَّابع. يقال منه: ختمتُ الكتابَ، إذا طبَعْتَه\" (٤).\nقال أبو حيان: \" وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾: وسمها سمة تدل على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع، قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع لى قلبه (٥)، وهذا باطل، لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته\" (٦).\nوقد خص القلب بالختم لأنه محل الفهم والعلم، كما أنه ذكر الاعضاء (السمع والبصر القلب)، لأنها طرق العلم، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية.\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، \" أي: وختم على سمعهم\" (٧).\nقال الثعلبي: \" فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" والختم على الأذن: أن لا تسمع خيرًا تنتفع به\" (٩).\nقال الواحدي: \" وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (١٠)، وقال ابن الأنباري: أراد: وعلى مواضع سمعهم، فحذف\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٣٠١): ص ١/ ٢٥٨. ولفظه: \" القلبُ مثلُ الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتى يقبض أصابعه كلها - وكان أصحابنا يُرون أنه الرَّان\".\nأي: إنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله ﷿ والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع، والختم الذي ذكره الله ﵎ في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها.\n(٢) رواه أحمد في المسند ٧٩٣٩ (٢: ٢٩٧ حلبي)، ورواه الحاكم ٢: ٥١٧، ورواه الترمذي ٤: ٢١٠، وابن ماجه ٢: ٢٩١.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ٢٦ - ٢٦١.\n(٤) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٦٥، والقول لحجاج ساقه ساقه ابن كثير في تفسيره ١: ٨٥، والشوكاني ١: ٢٨.\n(٥) ذكره أبو علي الفارسي في \"الحجة\" عن قوم من المتأولين، ١/ ٣٠١.\n(٦) التفسير البسيط: ٢/ ١١٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٠.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧، \"تهذيب اللغة\" (سمع) ٢/ ١٧٥٦، والثعلبي ١/ ٤٨/ب، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٣، \"زاد المسير\" ١/ ٢٨، والقرطبي ١/ ١٦٥. وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا ﴿وعلى أسماعهم﴾. انظر. \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ١٥.","vol":"2","page":61},{"text":"المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (١)، وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٢)، كما قال الراعي (٣):\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب\nوقال الله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وهو كثير جدًّا.\nوقال سيبويه (٤): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] \" (٥).\nوقوله تعالى ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، فيه قراءتان (٦):\nأحدهما: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾، وهي قراءة الجمهور.\nوالثاني: ﴿وعلى أسماعهم﴾، قرأ بها ابن أبي عبلة.\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، أي: \"وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى\" (٧).\nقال الثعلبي: \" أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق\" (٨).\nقال ابن عباس: \" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم\" (٩).\nوقال السدي: \"جعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فهم لا يبصرون\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي: غطاء يحول بينها وبين النظر إلى الحق؛ ولو نظرت لم تنتفع\" (١١).\nروي \"عن قتادة قال: \"استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، ف ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون، ولا يعقلون\" (١٢).\nقال أبو حيان: \" شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية بالوعاء المختوم عليه المسدود منافذة المغشي بغشاء يمنع أن يصل إليه ما يصلحه، لما كانت مع صحتها وقوة إدراكها ممنوعة عن قبول الخير وسماعه وتلمح نوره\" (١٣).\nوالأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (١٤)، ومنه قول زهير (١٥):\nتبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحملن بالعليا من فوق جرثم (١٦)\n_________\n(١) لم أجده منسوبا لابن الأنباري. وورد بمعناه في \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٣، والقرطبي ١/ ١٦٦، \"تهذيب اللغة\" (سمع) ٢/ ١٧٥٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧، والثعلبي ١/ ٤٨ ب، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٣، و\"تهذيب اللغة\" (سمع) ص ١٧٥٧.\n(٣) كذا نسبه الثعلبي ١/ ٤٨ ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في \"الكتاب\" وغيره.\nقاله يصف طريقًا شاقًّا، قطعه لممدوحه. الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ. الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٠٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ ب، والقرطبي ١/ ١٦٥، \"الخزانة\" ٧/ ٥٥٩، وفيها: (به جيف الحسرى ..)، \"الدر المصون\" ١/ ١١٤، والرازي ٢/ ٥٣، وفيه: (الحيدى) بدل (الحسرى).\n(٤) انظر. \"الكتاب\" ١/ ٢٠٩، والنص من الثعلبي ١/ ٤٨/ب.\n(٥) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١١٥ - ١١٦.\n(٦) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٨٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٠): ص ١/ ٤٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١): ص ١/ ٤٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٨): ص ١/ ٤١.\n(١٣) البحر المحيط: ١/ ٣٤.\n(١٤) تهذيب اللغة\" (بصر) ١/ ٣٤٠.\n(١٥) ديوان زهير: ٩. والظعائن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج تحمل على الإبل، بالعلياء: الأرض المرتفعة، جرثم: ماء معين.\n(١٦) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١١٦.","vol":"2","page":62},{"text":"والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، والغشاوة في كلام العرب: الغطاءُ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص (١):\nتَبِعْتُكَ إذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا\nومنه يقال: تغشَّاه الهم: إذا تجلَّله وركبه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (٢):\nهَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبيَان مَا حَسَبي ... إذَا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشمَط البَرَمَا\nيعني بذلك: تجلّله وَخالطه.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، على وجوه (٣):\nأحدها: قرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي (٤) عنه: ﴿غشاوة﴾، بالنصب (٥)، وله وجهان (٦):\nالأول: أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك تحمل على (ختم).\nوالوجه الثاني: ما قاله الفراء، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] (٧).\nوالثاني: وقرأ الباقون ﴿غشاوة﴾، بالرفع.\nقال أبو علي: والرفع أحسن والقراءة به أولى، لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه خَتَمَ تقديره وجعل على أبصارهم، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة (٨).\nوالثالث: وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين.\nقال ابن عطية: \" وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، \" أي ولهم في الآخِرة عذاب شديدٌ لا ينقطع، بسبب كفرهم وإجرامهم وتكذيبهم بآيات الله\" (١٠).\n_________\n(١) الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومي، ويأتي البيت في تفسير آية سورة الأعراف: ١٨ (٨: ١٠٣ بولاق)، وروايته هناك: \" صحبتك إذ عيني. . أذيمها \"، شاهدًا على \" الذام \"، وهو أبلغ في العيب من الذم، ثم قال أبو جعفر: \" وأكثر الرواة على إنشاده: ألومها \"، وخبر البيت: أن عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق، فظهرت له منه جفوة، وأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده: وما بِيَ إن أقصَيتنِي من ضَرَاعةٍ ... وَلا افْتَقَرَتْ نَفْسِي إلى مَنْ يَضِيمُها (انظر الأغاني ٣: ٣١٧)، وبلغ عبد الملك شعره، فأرسل إليه من رده إليه.\n(٢) ديوانه: ٥٢. والأشمط: الذي شاب رأسه من الكبر، والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير ٤١٠، ١٢٣٨: \" وإنما خص الأشمط، لأنه قد كبر وضعف، فهو يأتي مواضع اللحم \".\n(٣) أنظر: السبعة: ١٣٨، والحجة للقراء السبعة: ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.\n(٤) هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ١٢١، \"الأنساب\" ٨/ ٣٨٥، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٢٩٨، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٠٧.\n(٥) قال ابن مجاهد: \"قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل ابن محمد الضبي روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) نصبا\"، \"السبعة\" ص ١٤١، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣، \"الحجة\" ١/ ٢٩١ \"زاد المسير\" ١/ ٢٨.\n(٦) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ١/ ٣٠٩ - ٣١٠. والتفسير البسيط: ١١٨ - ١١٩.\n(٧) أنظر: معاني القرآن\" ١/ ١٣، ١٤، ونقل الواحدي بتصرف يسير.\n(٨) أنظر الحجة للقراء السبعة: ١/ ٣١٠ - ٣١١. وقال الواحدي: \"والأشهر في القراءة رفع الغشاوة، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، فلما لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة بـ (على) \". [التفسير البسيط: ٢/ ١١٨].\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٨٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.","vol":"2","page":63},{"text":"وروي \" عن ابن عباس في قوله: ﴿عذاب﴾، يقول: نكال\" (١).\nوعن مقاتل بن حيان، \"قوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، يعني عذاب وافر\" (٢).\nقال ابن عطية: \" معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" وعظمه الله تعالى؛ لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار\" (٤).\nقال أبو حيان: \" فإنه لو اقتصر على قوله عذاب ولم يقل عظيم لاحتمل القليل والكثير، فلما وصفه بالعظيم تمم المعنى وعلم أن العذاب الذي وعدوا به عظيم، إما في المقدار وإما في الإيلام والدوام\" (٥).\nقال ابن عباس: \"ولهم بما هُمْ عليه من خلافك ﴿عذابٌ عظيم﴾، قال: فهذا في الأحبار من يهود، فيما كذَّبوكِ به من الحق الذي جاءك من رّبك بعد معرفتهم\" (٦).\nقال الزجاج في هذه الآية: \"إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا هذه الحواس استعمالًا يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر\" (٧).\nقال الواحدي: \"ومعنى العذاب الأليم: الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم\" (٨).\nوأصل (العذاب) في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (٩)، فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب غيره من أرتكاب مثله (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿أَلِيمٌ﴾:، الأليم: بمعنى المؤلم (١١)، كالسميع: بمعنى المسمع، وقال ذو الرمة (١٢):\nوترفع من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ أليمُ\nوقال عمرو بن معد يكرب (١٣):\nأَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع ... يُؤْرِقُني وأَصْحابي هَجوع\nأي: المسمع (١٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن محل الوعي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ يعني لا يصل إليها الخير.\n٢ - ومنها: أن طرق الهدى إما بالسمع؛ وإما بالبصر: لأن الهدى قد يكون بالسمع، وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال؛ وبالبصر فيما يشاهد؛ وهكذا آيات الله ﷿ تكون مقروءة مسموعة؛ وتكون بيّنة مشهودة.\n٣ - ومنها: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢): ص ١/ ٤٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣): ص ١/ ٤٢.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٨٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧.\n(٥) البحر المحيط: ١/ ٣٤.\n(٦) أخرجه الطبري (٣١١): ص ١/ ٢٦٨.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٨٢.\n(٨) التفسير البسيط: ٢/ ١٥٣.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عذب) ٣/ ٢٣٦٤، \"الصحاح\" (عذب) ١/ ١٧٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ ب، \"الكشاف\" ١/ ١٦٤.\n(١٠) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥١ - ١٥٢.\n(١١) انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥١، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٥.\n(١٢) البيت في \"ديوانه\" ٢/ ٦٧٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢ و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، وفيه (يصد) بدل (يصك)، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٨، و\"الدر المصون\" ١/ ١٣٠. قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة\n(١٣) البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٣٥، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٠ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٥، \"الأصمعيات\" ص ١٧٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٩. وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها.\n(١٤) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٢ - ١٥٣.","vol":"2","page":64},{"text":"مسألة:\nإذا قال قائل: هل هذا الختم له سبب من عند أنفسهم، أو مجرد ابتلاء وامتحان من الله ﷿؟\nفالجواب: أن له سببًا؛ كما قال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣].\nالقرآن\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]\nالتفسير:\nومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر، وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال (١):\nأحدها: أنها نزلت في قوم معينين، لأن الله تعالى حكى عنهم أقوالا معينة، قالوها، فلايكون صادرا إلا من معين. قاله أبو حيان (٢)، والطبري (٣).\nوالثاني: أنها نزلت في منافقي الأوس والخزرج ومن كان على صفتهم، قاله ابن عباس (٤).\nوالثالث: أنها عامة في المنافقين، قاله مجاهد (٥)، الربيع (٦)، وابن جريج (٧)، وروي عن أبي العالية (٨) والحسن البصري، وقتادة والسدي مثل ذلك (٩).\nلما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات (١٠)، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧]، شرع تعالى في بيان حال المنافقين في ثلاثة عشرة آية، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٨]، \"أي: ومن الناس فريق\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي: وبعض الناس، ولم يصفهم الله تعالى بوصف. لا بإيمان، ولا بكفر.؛ لأنهم كما وصفهم الله تعالى في سورة النساء: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ [النساء: ١٤٣] \" (١٣).\nواختلف العلماء في أصل كلمة ﴿الناس﴾، وفيه وجهان (١٤):\n_________\n(١) أنظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٢) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٥٤، وقال: \" \"وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه، ومن وافقه من غير أصحابه ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر ... \" وهو في هذا يرد على أبي البقاء إذا استضعف أن تكون \"مَنْ\" موصولة بمعنى الذي قال: لأن \"الذي\" يتناول قومًا بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام.\n(٣) أنظر: تفسيره: ١/ ٢٦٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٣١٢) و(٣١٧): ص ١/ ٢٦٨ - ٢٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤): ص ١/ ٤٢، ولمعرفة أسماء المنافقين من الأوس والخرج، أنظر: سيرة ابن هشام: ٣٥٥ - ٣٦١.\n(٥) أخرجه الطبري (٣١٣)، و(٣١٤)، و(٣١٦): ص ١/ ٢٦٩، ولفظه: \" \"هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نَعت المنافقين\".\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٣١٨): ص ١/ ٢٧٠.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٣١٩): ص ١/ ٢٧٠.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥): ص ١/ ٤٢.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٢، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٧، والعجاب في أسباب: ١/ ٢٣٢.\n(١٠) وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢ - ٥]\n(١١) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٧٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٩.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٦٨، والتفسير البسيط: ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.","vol":"2","page":65},{"text":"أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و(نويس).\nفمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (١)، دل على أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك. ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: \"أناس من حلي أذني\" (٢).\nقال الأزهري: \" وسمي الناس ناسًا، لأن من شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه\" (٣).\nوالثاني: أن يكون أصله (أُناس) (٤)، أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان، فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون، كما قيل في ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [سورة الكهف: ٣٨]، وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال (٥):\nإن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا\nقال الأزهري: \"وهذا قول حذاق النحويين\" (٦).\nقال الأزهري: \"وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون\" (٧)، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنسانًا\" (٨)، قال الواحدي: \"وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة\" (٩)، ومنه قول الشاعر (١٠):\nلا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناسي\nوقال الآخر (١١):\n_________\n(١) قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر \"الكتاب\" ٣/ ٤٥٧، وانظر \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي الفارسي ص ١٧١، ١٧٢.\n(٢) قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا ...)، وفيه: (قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني .....). أخرجه البخاري (٥١٨٩) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (٢٤٤٨) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال: (قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله ...). (الفتح) ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٧. وقد ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\"، ١/ ٣٦٤ - ٣٧٦، وورد في \"الفائق\" ٣/ ٤٨، ٤٩، وذكر قطعة منه الأزهري في \"التهذيب\" ٣/ ٢٤٥١، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في \"المزهر\" ٢/ ٤٤٩.\n(٣) الهذيب: ١/ ٢١٦.\n(٤) أنظر: التهذيب: ١/ ٢١٧.\n(٥) البيت لذي جدن الحميري، ورد في \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٧٠، \"الخزانة\" ٢/ ٢٨٠، \"الخصائص\" ٣/ ١٥١، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٩٩، \"الدر المصون\" ١/ ١١٩، \"اللسان\" (نوس) ٨/ ٤٥٧٥.\n(٦) التهذيب: ١/ ٢١٧.\n(٧) التهذيب: ١/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٤٩ أ، والقرطبي ١/ ١٦٨.\n(٩) التفسير البسيط: ٢/ ١٢٦. قال الواحدي: \"وذكر أبو علي في [المسائل الحلبية: ٤٣] \": أن الكسائي قال: إن الأناس لغة، والناس لغة أخرى، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه [الكتاب: ٢/ ١٩٦]، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله، ولو جاز لقائل أن يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه) إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) \". التفسير البسيط: ٢/ ١٢٦ - ١٢٧].\n[ولم أجد هذا القول للكسائي في \"المسائل الحلبيات\". انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٦٨ - ١٧٣، وانظر \"تهذيب اللغة\" (أنس) ١/ ٢١٦ - ٢١٧].\n(١٠) هو أبو تمام: والبيت في ديوانه: ٢/ ٢٤٥.\n(١١) ذكره الرازي في تفسيره: ٢/ ٦١، ونسبه لأبي الفتح البستي، والشطر الاول عنده: نسيت عهدك والنسيان مغتفر. وأورده السمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ١٢٠، وابن عادل الحنبلي في اللباب: ١/ ٣٢٩.","vol":"2","page":66},{"text":"فإن نسيت عهودا منك سالفة ... فاغفر فأوّل ناس أوّل الناس\nقوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]، أي: \" يقولون بألسنتهم صدَّقنا بالله\" (١).\nقال الثعلبي: أي: صدّقنا\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي: يقول بلسانه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨]، \"أي وصدَّقنا بالبعث والنشور\" (٤).\nقال الثعلبي: أي: يوم القيامة\" (٥).\nوذكروا في سبب تسميته باليوم الآخر وجهان (٦):\nأحدهما: قيل: لأنه بعد أيام الدنيا.\nالثاني: وقيل: لأنه آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة.\nقال الطبري: \"وإنما سُمّى يومُ القيامة ﴿اليومَ الآخر﴾، لأنه آخر يوم، لا يومَ بعده سواه، فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام. ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه \" اليوم الآخر \"، ونعتَه بالعَقِيم. ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده\" (٧).\nقال الواحدي: و\" (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] \" أي: وما هم \"بمصدِّقين، فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون\" (٩).\nروي عن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾، قال: مصدقين\" (١٠).\nقال الصابوني: \"أي: وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين\" (١١).\nقال البيضاوي: \"هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلًا للتقسيم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعًا واستهزاءً، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المُصِّرِّينَ\" (١٢).\nواختلف أهل اللغة في أصل (النفاق) على قولين:\nأحدها: فقيل: مأخوذ من النفق، وهو السّرب في الأرض الذي يُستَتَر فيه، سمّي النفاق بذلك لأنّ المنافق يستر كفرَه. وبهذا قال أبو عبيد (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٢.\n(٦) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٢٨.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٢٧١ - ٢٧٢.\n(٨) التفسير البسيط: ٢/ ١٢٨.\n(٩) تفسير الطبري: ١/ ٢٧٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦): ص ١/ ٤٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٤٣.\n(١٣) ينظر: لسان العرب (١٤/ ٢٤٣)، مادة: (نفق).","vol":"2","page":67},{"text":"والثاني: وقيل: إنه مأخوذ من نافقاء، والنافقاء موضع يرقِّقه اليربوع من جحره، فإذا أتى من قِبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، ومنه اشتقاق النفاق؛ لأنّ صاحبه يكتم خلافَ ما يُظهر، فكأنَّ الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء.\nويمكن أنَّ الأصل في الباب واحد، وهو الخروج، والنفق المسلك النافذ الذي يمكن الخروج منه (١)، قال ابن رجب: \"والذي فسّره به أهل العلم المعتبرون أنّ النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه\" (٢)، قال تعالى: ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿الأنعام ٣٥].\nوالنفاق في الاصطلاح الشرعي: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وهو بهذا المعنى لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. ولكن الصلة قائمة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهرًا، وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان، ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك نافقًا عليه، لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول ﷺ، فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس لغيرها، وهو خطاب مقيِّد خاص لمطلق يحتمل أنواعا (٣).\nويعرف ابن كثير النفاق قائلا: \"النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، وهو أنواع: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعمليٌّ وهو أكبر من الذنوب، قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه\" (٤).\nوعن حذيفة قال: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ. قال: فقلنا يا أبا عبد الله وكيف ذلك؟ قال: إن أولائك كانوا يسرون نفاقهم وإن هؤلاء يعلنون (٥)، وسئل حذيفة عن النفاق فقال: \" أن تتكلم باللسان ولا تعمل به\" (٦).\nوالنفاق يطلق على النفاق الأكبر؛ الذي هو إضمار الكفر، وعلى النفاق الأصغر؛ الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات، وفي المحرمات ومثله أن النفاق الأكبر هو اختلاف السر والعلانية في الكفريات والشركيات (٧)، وقد أطلق النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية (٨).\nوالنفاق على دروب؛ نفاق كفر ونفاق قلب ولسان وأفعال وما هو دون ذلك (٩)، ورُوِي عن الحسن البصري وقتادة ﵄: أن صاحب الكبيرة منافق (١٠)، وروى الترمذي عن الحسن البصري شيئًا من هذا أنه قال: النفاق نفاقان؛ نفاق عمل ونفاق التكذيب (١١)، وإن النفاق قسمان: قسمًا لمن يُظهر الكفر ويبطن الإيمان، وقسم لمن يظهر غير ما يسر فيما سوى الدين وهو بذلك كافرًا، وقد قيل لابن عمر: \"إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال كنا نعدها نفاقا\" (١٢).\nوعند ابن القيم: \"النفاق نفاقان؛ نفاق اعتقاد ونفاق عمل\" (١٣)، و\"النفاق نوعان: أكبر وأصغر\" (١٤):\nأولًا: النفاق الأكبر:\n_________\n(١) مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ٤٥٥)، مادة: (نفق).\n(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٨١).\n(٣) كتاب الإيمان لابن تيمية ﵀ المجلد السابع (١٣٩/ ٦٤٥)\n(٤) تفسير ابن كثير، ١/ ٤٨ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري، ١/ ٢٦٨ - ٢٧٢.\n(٥) البخاري في كتاب الفتن /٦٥٨٠.\n(٦) الفريابي: في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ١/ ١٥٦.\n(٧) هامش بن تيمية في الفتاوى ١١/ ١٤٠\n(٨) الفتاوى ١١/ ١٤١\n(٩) ابن منده كتاب الإيمان ٢/ ٦٠٣\n(١٠) الملل ٣٣/ ١٢٨\n(١١) سنن الترمذي ٥/ ١٩\n(١٢) صحيح البخاري: (٦٧٥٦). وسنن ابن ماجة (٣٩٧٥)، ومسند احمد: ٥٧٩٥.\n(١٣) فقه الصلاة ابن القيم ١/ ٧٨.\n(١٤) المدارج ابن القيم ١/ ٣٤٨.","vol":"2","page":68},{"text":"وهو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلّه أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (١).\nقال ابن القيم: الحامل لهم على النفاق طلب العزّ والجاه بين الطائفتين، فيرضوا المؤمنين ليعزّوهم، ويرضوا الكفار ليعزّوهم أيضًا. ومن ها هنا دخل عليهم البلاء؛ فإنهم أرادوا العزّتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض في الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وصَغْوُهم ووجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذّل وهو أن جُعِلَ مستقرّهم في أسفل السافلين تحت الكفار. (٢)\nثانيا: - النفاق الأكبر:\nوهو كل ما جاء في النصوص تسمية فاعلها منافقًا مع إخراجه من الملة وتكفيره بذلك سواء كان قولًا أو عملًا أو اعتقادًا، فالنفاق: هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار (٣)، وهذا النوع من النفاق يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به لا يؤمن بأن الله أنزله على بشر وجعله رسولًا للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه. وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلي لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن؛ بل فصاحة القرآن في التقسيم؛ لأن الله ﷾ ابتدأ هذه السورة بالمؤمنين الخلَّص، ثم الكفار الخلَّص، ثم بالمنافقين؛ وذلك؛ لأن التقسيم مما يزيد الإنسان معرفة، وفهمًا.\n٢ - ومنها: أن القول باللسان لا ينفع الإنسان؛ لقوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)\n٣ - ومنها: أن المنافقين ليسوا بمؤمنين. وإن قالوا: إنهم مؤمنون.؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾؛ ولكن هل هم مسلمون؟ إن أريد بالإسلام الاستسلام الظاهر فهم مسلمون؛ وإن أريد بالإسلام إسلام القلب والبدن فليسوا بمسلمين.\n٤ - ومنها: أن الإيمان لا بد أن يتطابق عليه القلب، واللسان.\nووجه الدلالة: أن هؤلاء قالوا: \"آمنا\" بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم؛ فصح نفي الإيمان عنهم؛ لأن الإيمان باللسان ليس بشيء.\nالقرآن\n﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩].\nالتفسير:\nيعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، وما يخدعون إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم، ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك؛ لفساد قلوبهم.\nفإن المنافقين \"من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها. يخدعونها حين\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، ٢/ ٤٨٠، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص ٤.\n(٢) طريق الهجرتين (ص ٧١٣).\n(٣) ابن القيم في الصلاة ١/ ٧٨\n(٤) ابن القيم في المدارج ١/ ٣٤٨","vol":"2","page":69},{"text":"يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة. وينتهون بها إلى شر مصير! \" (١).\nقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ الله﴾ [البقرة: ٩]، \"أي يخالفون الله\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي: بإظهار إسلامهم الذي يعصمون به دماءهم، وأموالهم\" (٣).\nقال ابن جُرَيْج: يظهرون \"لا إله إلا الله\" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك\" (٤).\nوقال قتادة: \" نعت المنافق: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعلمه، ويصبح على حال ويسمى على غيره، ويسمى على حال ويصبح على غيره، يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿والذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، أي: \"ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" ويخدعون الذين آمنوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر، فيظن المؤمنون أنهم صادقون\" (٧).\nقال ابن زيد: \" هؤلاء المنافِقُون، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا\" (٨).\nقال الزجاج: \" يظهرون غير ما في نفوسهم، والتقية تسمى أيضا خداعا، فكأنهم لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعا\" (٩).\nقال الطبري: \" وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه من القول والتصديق، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه، حكمَ الله ﷿ - اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء. فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله\" (١٠).\nوقال أبو حيان: \" والله تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء. فمخادعة المنافقين الله هو من حيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر، قاله جماعة، أو من حيث عدم عرفانهم بالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه\" (١١).\nوقال القاشاني: \"المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: ٨٠]. فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان لكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأمول وغير ذلك، وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال- بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [آل عمران: ٥٤]، وهم- من غاية تعمقهم في جهلهم- لا يحسون بذلك الأمر الظاهر\" (١٢).\n_________\n(١) في ظلال القرآن (١/ ٤٢ - ٣)\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٦٥ - ٦٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٠.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٤٦) ز وتفسير ابن كثير: ١/ ١٧٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٨): ص ١/ ٤٣.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٦٥ - ٦٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٣٢٠): ص ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٨٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.\n(١١) البحر المحيط: ١/ ٣٩.\n(١٢) محاسن التأويل: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.","vol":"2","page":70},{"text":"قال الزمخشري: \"فان قلت: عم كانوا يخادعون؟\nقلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم. فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها\" (١).\nوالخداع في اللغة فهو: \"الإخفاء، جاء في معجم الأفعال: \"أخدعت الشيء: أخفيته، ومنه المخدع: وهي الخزانة، والأخدعان: العرقان في العنق لخفائهما\" (٢).\nوقال صاحب اللسان: \" الخدع: إظهار خلاف ما تخفيه ..، وخديعة وخدعة أي: أراد به المكروه وختله من حيث لا يعلم\" (٣).\nوفي الاصطلاح \": الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه\" (٤).\nوذكر الخداع في القرآن الكريم في خمسة مواضع، في ثلاث سور، في ثلاث آيات، ومن الملاحظ أن هذه السور كلها مدنية، وفي هذا إشارة إلى ظهور النفاق وفشوه بعد الهجرة إلى المدينة المنور ة؛ لتحذير المسلمين من هذا الداء الخطير؛ ولتو هين كيد هؤلاء المنافقين، والتأكيد على أن مكرهم وخداعهم إلى البوار (٥).\nوالخداع يلتقي مع المكر في إضمار الشر والمكروه إذا كان من البشر، باستثناء الخداع في الحرب، فهو من باب: التخطيط والتدبير الجائز؛ لقوله ﵇ في الحديث الذي رواه جابر بن عبد االله رضي االله عنهما: \"الحرب خدْعة\" (٦)، وهو من باب المقابلة والتدبير والجزاء، إذا كان من الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، قال الشوكاني: ومعنى كون الله خادعهم: أنه صنع بهم صنع من يخادِع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظاهر بالإسلام في الدنيا فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخَّر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعِهم بالدرك الأسفل من النار\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ [البقرة: ٩]، \"أي: وما يخدعون في الحقيقة إِلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي ما يخدع هؤلاء المنافقون إلا أنفسهم، حيث منَّوها الأماني الكاذبة\" (٩).\nوقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (وما يخادعون) بالألف (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: \"وما يَدْرُون\" (١١).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٨.\n(٢) الأفعال، أبو القاسم علي بن جعفر السعدي (ت ٥١٥ هـ)، عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٩٨٣: ١/ ٢٨٦.\n(٣) لسان العرب: ٨/ ٦٣.\n(٤) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: ١٤٣.\n(٥) ومن الآيات التي ورد فيها الخداع، قوله تعالى:\n- ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].\n- ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩].\n- ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\n- ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\n(٦) رواه البخاري في الجامع الصحيح المختصر (كتاب الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة): (٢٨٦٦): ٣/ ١١٠٢.\n(٧) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني (١٢٥٠ هـ)، دار الفكر، بيروت: ١/ ٥٢٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٠.\n(١٠) أنظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٤٩.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ٢٧٧.","vol":"2","page":71},{"text":"قال البغوي: \" أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم\" (١).\nقال الصابوني: أي: \"ولا يُحسّون بذلك ولا يفطنون إِليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم\" (٢).\nقال ابن عثيمن: \"أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه؛ ولكن لا يُحِسُّون به، كما تقول: \"مَرَّ بي فلان ولم أشعر به\" (٣).\nيقال: ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر، وهو لا يشعر به - إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم - شِعرًا وشعورًا. ومنه قول الشاعر (٤):\nعَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ ... ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا: حَبَّذَا الوَضَحُ\nيعني بقوله: لم يَشعر به، لم يدر به أحد ولم يعلم (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر، وخديعة؛ لقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤]؛ فحصر العداوة فيهم؛ لأنهم مخادعون.\n٢ - ومنها: التحفظ من المنافقين؛ لأنه إذا قيل لك: \"فلان يخدع\" فإنك تزداد تحفظًا منها؛ وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون يقظًا حذرًا، فلا ينخدع بمثل هؤلاء.\nفإن قال قائل: كيف نعرف المنافق حتى نكون حذرين منه؟\nفالجواب: نعرفه بأن نتتبع أقواله، وأفعاله: هل هي متطابقة، أو متناقضة؟ فإذا علمنا أن هذا الرجل يتملق لنا، ويظهر أنه يحب الإسلام، ويحب الدين، لكن إذا غاب عنا نسمع عنه بتأكد أنه يحارب الدين عرفنا أنه منافق؛ فيجب علينا أن نحذر منه.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن المكر السيئ لا يحيق إلّا بأهله؛ فهم يخادعون الله، ويظنون أنهم قد نجحوا، أو غلبوا؛ ولكن في الحقيقة أن الخداع عائد عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾: فالحصر هنا يدل على أن خداعهم هذا لا يضر الله تعالى شيئًا، ولا رسوله، ولا المؤمنين.\n٤ - ومنها: أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ أي ما يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم؛ و\"الشعور\" أخص من العلم؛ فهو العلم بأمور دقيقة خفية؛ ولهذا قيل: إنه مأخوذ من الشَّعر؛ والشعر دقيق؛ فهؤلاء الذين يخادعون الله، والرسول، والمؤمنين لو أنهم تأملوا حق التأمل لعرفوا أنهم يخدعون أنفسهم، لكن لا شعور عندهم في ذلك؛ لأن الله تعالى قد أعمى بصائرهم. والعياذ بالله.، فلا يشعرون بهذا الأمر.\nالقرآن\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠]\nالتفسير:\nفي قلوبهم شكٌّ وفساد فابْتُلوا بالمعاصي الموجبة لعقوبتهم، فزادهم الله شكًا، ولهم عقوبة موجعة بسبب كذبهم ونفاقهم.\nقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: في قلوبهم: \"شك ونفاق\" (٦).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٦٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٠.\n(٤) الشعر للمتنخل الهذلي، ديوان الهذليين ٢: ٣١، وأمالي القالي ١: ٢٤٨، وسمط اللآلئ ٥٦٣. عقى بالسهم: رمى به في السماء لا يريد به شيئًا، وأصله في الثأر والدية، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم قبول الدية. فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء، فإن عاد مضرجًا بدم، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية. وإن رجع كما صعد، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية. وكل ذلك أبطل الإسلام. وفاء واستفاء: رجع. والوضح: اللبن. يهجوهم بالذلة والدناءة، فأهدروا دم قتيلهم، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم، وقالوا في أنفسهم: اللبن أحب إلينا من القود وأنفع.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٤، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٦، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.","vol":"2","page":72},{"text":"قال الثعلبي: \"ومنه يقال: فلان يمرض في الوعد، إذا لم يصحّحه\" (١).\nو\" المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين، هو الشكُّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم، وما هم عليه - في أمر محمد رسول الله ﷺ، وأمر نبوته وما جاء به - مقيمون\" (٢).\nوأصل المرَض: السَّقم، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان. فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا، وإنما عنى ﵎ بخبره عن مرض قلوبهم، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد - استغنى بالخبَر عن القلب بذلك والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم كما قال عُمر بن لَجَأ (٣):\nوَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ، لا تَلُمْهَا، ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا\nيريد: وسبَّح أهل المدينة، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة، عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسي (٤):\nهَلا سَأَلتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ ... إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي\nيريد: هلا سألتِ أصحاب الخيل؟ (٥)\nوقول مهلهل بن ربيعة (٦):\nأُبئتُ أنّ النارَ بعدكَ أُوقدتْ ... واستبّ بعدكَ يا كُليبُ المجلسُ\nيعني أهل المجلس.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، على وجوه:\nأحدها: المرض: الزنا. قاله عكرمة (٧) وروي عن طاوس مثل ذلك (٨).\nالثاني: أنه: النفاق. قاله ابن عباس (٩).\nالثالث: أنه: الشكّ. قاله أبو العالية (١٠)، وابن عباس (١١)، وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس، والسدي، وقتادة (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، أي \": فزادهم الله رجسًا فوق رجسهم، وضلالًا فوق ضلالهم\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \" شكّا ونفاقا وهلاكا\" (١٤).\nوذكر السادة أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وجوها:\nأحدها: ﴿﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا﴾: \"أي: شكّا\". قاله ابن عباس (١٥)، وري عن أبي العالية مثل ذلك (١٦).\nوالثاني: أن: \" المرض مرضان: مرض زنا، ومرض نفاق\"قاله زيد بن علي (١٧)، وري عن عكرمة مثل ذلك (١٨).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٢٨١.\n(٣) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ١/ ٢٧٩.\n(٤) في معلقته المشهورة، أنظر: شرح المعلقات للنحاس: ٢/ ٣٠، وديوانه: ٢٥.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٦) ديوانه: ٢٨٠، وانظر: أمالي ابن الشجري: ١/ ٥٢، وتفسير القرطبي: ١/ ٣٢، و٢٣٩.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٩): ص ١/ ٤٣.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٠): ص ١/ ٤٣.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١١): ص ١/ ٤٣.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٣): ص ١/ ٤٣.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٢): ص ١/ ٤٣.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٤٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٤.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم: (١١٤): ص ١/ ٤٣ - ٤٤.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٥): ص ١/ ٤٤.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٦): ص ١/ ٤٤.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٧): ص ١/ ٤٤.","vol":"2","page":73},{"text":"والثالث: وقيل: \" ﴿فزادهم الله مرضا﴾، أي: نفاقا\". قاله سعيد بن جبير (١).\nقال الواحدي: \"أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد. بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٤] \" (٢).\nواختلف في قوله تعالى ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، على وجهين:\nأحدهما: قيل هو خبر، والفاء للسبية، أي: أن الله قد فعل بهم ذلك وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض (٣).\nوالثاني: وقيل هو دعاء، والفاء هنا للتفريغ، وتكون الجملة بعدها دعائية، أي: \" زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة\" (٤).\nكما قال الأخطل (٥):\nيا مرسل الريح جنوبا وصبا ... إذ غضبت زيد فزدها غضبا\nأي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه.\nقال القرطبي: \" وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ; لأنهم شر خلق الله \" (٦)، ولأن المنافقين يريدون الكفر، وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها؛ فإذا كان القلب يريد خيرًا فهو دليل على سلامته، وصحته؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته. وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم: ﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بـ ﴿إنا معكم﴾ [البقرة: ١٤] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة، فهذا مرض زادهم الله به مرضًا إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها (٧).\nوقرأ حمزة: ﴿فزادهم﴾، بكسر (الزاي)، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم (الزاي) إلى الكسر، وفتح الباقون (٨).\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، \"أي ولهم عذابٌ مؤلمٌ\" (٩).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن أبي العالية، في قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾، قال: الأليم الموجع في القرآن كله\" (١٠).\nقال ابن أبي حاتم: \" وكذلك فسره سعيد بن جعفر، والضحاك بن مزاحم، وقتادة وأبو مالك، وأبو عمران الجوني، ومقاتل بن حيان\" (١١).\nقال الثعلبي: أي: \"وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وهو بمعنى مؤلم\" (١٢).\nقال القرطبي: \" (أليم)، في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع، مثل السميع بمعنى المسمع، قال ذو الرمة يصف إبلا (١٣):\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨): ص ١/ ٤٤.\n(٢) البسيط: ٢/ ١٥٠ - ١٥١.\n(٣) ينظر: المحرر الوجيز، أبو محمد عبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي، دار الكتب العلية، لبنان، ط ١، ١٩٩٣: ١/ ٩٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ١/ ١٩٧.\n(٥) ديوانه: ٣١٩.\n(٦) تفسير القرطبي: ١/ ١٩٧.\n(٧) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٧.\n(٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٩٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٩): ص ١/ ٤٤.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ١/ ٤٤.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٤.\n(١٣) ديوانه: ٢/ ٦٧٧، قال الباهلي في شرحه: شمردلات: هي نوق طوال سراع، ويصكّ يضرب، ووهج، أي حرّ شديد.","vol":"2","page":74},{"text":"ونرفع من صدور شمردلات ... يصُك وجوهها وهج أليم (١)\nكما قال تعالى وصف عذاب المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، قال هنا في المنافقين (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، بينما قال في الكفار كما تقدم ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وذلك لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى.\nقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: \"بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، واستهزائهم بآيات الرحمن\" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن ابن عباس، في قوله: ﴿بما كانوا يكذبون، يقول: يبدلون ويحرفون\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أي بتكذيبهم على الله ورسوله في السرّ\" (٤).\nوحقيقة الكذب: \"الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة\" (٥)، كقول الأخطل (٦):\nذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ\nكأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٧).\nوالكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله ﷺ أن الكذب من خصال المنافقين، فقال ﷺ \"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب .. \" (٨) الحديث.\nومرض القلب نوعان (٩):\n١ - مرض شبهة وشك (١٠)، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى في حق من دعي\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١٩٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٠): ص ١/ ٤٤.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٤.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ١٥٣. قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق. والثالث: الخطأ. الرابع: البطول. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور. \"البحر المحيط\" ١/ ٦٠، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ١٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٢.\n(٦) البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. البيت من شواهد سيبويه ٣/ ١٧٤. وورد في \"المقتضب\" ٣/ ٢٩٥، \"تهذيب اللغة\" (الكذب) ٤/ ٣١١٤، \"مغنى اللبيب\" ١/ ٤٥.\n(٧) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٤.\n(٨) أخرجه البخاري ص ٥، كتاب الإيمان، باب ٢٤: علامات المنافق، حديث رقم ٣٣؛ وأخرجه مسلم ص ٦٩٠، كتاب الإيمان، باب ٢٥: خصال المنافق، حديث رقم ٢١١ [١٠٧] ٥٩.\n(٩) ينظر: زاد المعاد، ابن القيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٨: ٥/ ٤.\n(١٠) وهو كل داء يشتمل على شبهة وهو على أنواع كثيرة منها:\n(١) النفاق: وهو إظهار الخير وإبطان الشر وهو قسمان أكبر اعتقادي وأصغر عملي من التخلق بأخلاق المنافقين. وقد ذم الشارع التخلق بأخلاق المنافقين وأفعالهم لأنه يفضي بالإنسان إلى الوقوع في النفاق الأكبر.\n(٢) الشك: وهو التردد في ثبوت الحق الذي دل عليه الشرع من تفرد الله ووحدانيته في الربوبية والأسماء والصفات والألوهية وغير ذلك من القطعيات.\n(٣) سوء الظن: بأن يسيء العبد الظن بريه وأفعاله وأقداره وآياته ورسله وأولياءه.\n(٤) الرياء: بأن يظهر العبد عمل الآخرة مراءاة للناس وطمعا في الدنيا.\n(٥) الوساوس: بأن تستولي وساوس الكفر والشك والإلحاد على قلب العبد وفكره ويستجيب لها.\n(٦) موالاة الكفار: بأن يؤثر العبد محبة الكفار وموالاتهم ونصرتهم وإحسان الظن بهم والعياذ بالله.\n(٧) فتنة التكفير والتبديع: بأن يغلو العبد في تكفير المسلمين وتبديعهم لأدنى شبهة ويولع في الكلام في هذه المسائل.","vol":"2","page":75},{"text":"إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠].\n٢ - مرض الشهوات (١)، وأما مرض الشهوات فقال تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فهذا مرض شهوة الزنا، وقال عن مرض الشبهات: هو أصعبهما وأقتلهما للقلب.\nوإن مرض الشبهات أخطر بكثير على العبد من مرض الشهوات لأنه قد يفضي إلى الكفر وليس من السهولة التوبة منه والتخلص من تأثيره، ولذلك كثير من أصحابه ينافحون ويعتقدون أنهم على صواب خلافا لمرض الشهوة الذي يدرك العبد غالبا أنه مبتلى به وتنفع معه المواعظ والتذكير وقد يتخلص منه، والواجب على المؤمن أن يشخص قلبه ويطهر قلبه ويغسل باطنه من جميع هذه الأمراض بزيادة الإيمان والإكثار من العمل الصالح وطلب الهداية وصدق التوجه والبعد عن مواطن الفتنة وصحبة أرباب القلوب السليمة وإغلاق أبواب الشرور والفتنة عن قلبه. ومرض الشبهات شفاؤه يكون بالعلم والحجة ومرض الشهوات شفاؤه يكون بالمواعظ والإيمانيات.\nولا يكاد أحد يسلم من عارض وخاطر سوء ولكن المؤمن الحق هو الذي يكثر من تعاطي الدواء ويجتهد في التزكية والإصلاح لقلبه ويجاهد نفسه في ذلك بحيث لا يستقر فيه المرض ولا يكون ملازما له ومن كان كذلك كان حريا لنجاته وسلامته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وأما من أهمل قلبه وأعرض عن طلب الدواء عاقبه الله بالحرمان وزيادة المرض وأبعده عن روضة اليقين وساحة الرضا والاطمئنان.\nوقوله تعالى: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، فيه قراءتان:\nالقراءة الأولى: قرأ أهل الكوفة (٢) ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان\" (٣). ورجح الطبري هذه القراءة (٤).\nالقراءة الثانية: ﴿يُكْذِّبُونَ﴾، بضم الياء وتشديد الذال، رجحه مكي (٥)، قال الواحدي: \"ومن شدد فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ [يونس: ٤١] ونحوها من الآيات\" (٦).\n_________\n(١) وهو كل داء يشتمل على شهوة وهو على أنواع، منها:\n(١) حب الرئاسة: بأن يفتن العبد بحب الرئاسة والقيادة وتستشرف نفسه لذلك فيهلك.\n(٢) حب الشهرة: بأن يفتن العبد ويسعى بكل ما يملك في نيل الشهرة في الأعمال الخيرية.\n(٣) حب الدنيا: بأن يفتن العبد بحب الدنيا وتكون همه ومبلغ علمه وغاية مراده.\n(٤) فتنة النساء: بأن تستولي على القلب الفتنة بحب النساء والجنس ويوظف العبد كل طاقاته في هذا السبيل من غير وقوف عند حدود الشرع.\n(٥) حب الصور: بأن يفتن العبد بحب الصور الجميلة وعشقها والهيام بها.\n(٦) شهوة الكبر: بأن يصاب القلب بشهوة الترفع والتكبر على عباد الله.\n(٧) شهوة الحسد: بأن يمتلأ القلب بمرض تمني زوال النعمة من الغير وحب التفوق على الآخرين في الدنيا.\n(٨) شهوة الظلم: بأن يستلذ القلب ويستمتع بإيقاع الظلم بجميع صوره على الآخرين من سب وشتم وغيبة ونميمة وإفساد واستباحة للأموال المعصومة.\n(٢) عاصم وحمزة والكسائي انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤٣، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٢٩، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٢٧، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢١ - ١٢٣.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ١٥٤. قال الواحدي: \" وأيضا فإن قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعًا. فإن أراد المنافقين فقد قال فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]، وإن كانوا المشركين فقد قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩٠ - ٩١]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف\". [وانظر: الحجة: ١/ ٣٣٧].\n(٤) أنظر: تفسيره: ١/ ١٢٣.\n(٥) انظر: الكشف: ١/ ٢٢٨.\n(٦) التفسير البسيط: ٢/! ٥٥، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي: ١/ ٣٣٧. وانظر \"الكشف\" لمكي: ١/ ٢٢٨.","vol":"2","page":76},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضًا فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا﴾؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبه عليه؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقال تعالى في سورة المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣].\n٢ - ومن فوائد الآية: أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد؛ لقوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا﴾؛ ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ [المائدة: ٤٩].\n٣ - ومنها: أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله تعالى: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص.\n٤ - ومنها: الوعيد الشديد للمنافقين؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾.\n٥ - ومنها: أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب. أي أن الله لا يعذب أحدًا إلا بذنب.؛ لقوله تعالى: ﴿بما كانوا يكذبون﴾.\n٦ - ومنها: أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب؛ وهذا شر الأحوال.\n٧ - ومنها: ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة؛ فإن الكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله ﷺ أن الكذب من خصال المنافقين، فقال ﷺ \"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب .. \" (١) الحديث؛ والكذب مذموم شرعًا، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضًا.\nمسألة: -\nإن قيل: كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم؟\nفالجواب: أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله. ﵎. حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك.\nلقرآن\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ [البقرة: ١١]\nالتفسير:\nوإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي، وإفشاء أسرار المؤمنين، وموالاة الكافرين، قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح.\nاختلف أهل التفسير فِيمَنْ أُريدَ بهذا القول على ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: أنها نزلت في قوم، لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وإنما يجيئون بعد، وهو قول سلمان الفارسي (٣).\nوالثاني: أنها نزلت في المنافقين، الذين كانوا موجودين، وهو قول ابن مسعود (٤)، وابن عباس (٥) ومجاهد (٦)، وروي عن الربيع مثل ذلك (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥، كتاب الإيمان، باب ٢٤: علامات المنافق، حديث رقم ٣٣؛ وأخرجه مسلم ص ٦٩٠، كتاب الإيمان، باب ٢٥: خصال المنافق، حديث رقم ٢١١ [١٠٧] ٥٩.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٤.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٣٣٧)، و(٣٣٨): ص ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٩١، والسيوطي ١: ٣٠، ونسبه أيضًا لوكيع وابن أبي حاتم، وذكره الشوكاني ١: ٣١ ونسبه لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، ولم أجد نسبته لابن إسحاق عند غيره.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٣٣٩): ص ١/ ٢٨٨.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٣٣٩): ص ١/ ٢٨٨.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٣٣٩): ص ١/ ٢٨٨.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٣٤٠): ص ١/ ٢٨٨.","vol":"2","page":77},{"text":"والثالث: وقيل: أريد به \"اليهود، أي: قال لهم المؤمنون ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآ، وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فسادا في الدين\". حكاه البغوي (١).\nوالراجح-والله أعلم- أنها: \"نزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله ﷺ، وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة، وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية: \" ما جاء هؤلاء بعدُ \"، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله ﷺ، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ [البقرة: ١١]، \" أي: وإِذا قال لهم بعض المؤمنين\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" القائل هنا مبهم للعموم. أي ليعم أيَّ قائل كان\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأَرضِ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: \" لا تسعوا في الأرض بالإِفساد بإِثارة الفتن، والكفر والصَدِّ عن سبيل الله\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]: المراد الأرض نفسها؛ أو أهلها؛ أو كلاهما. وهو الأولى؛ أما إفساد الأرض نفسها: فإن المعاصي سبب للقحط، ونزع البركات، وحلول الآفات في الثمار، وغيرها، كما قال تعالى عن آل فرعون لما عصوا رسوله موسى ﵇: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فهذا فساد في الأرض، وأما الفساد في أهلها: فإن هؤلاء المنافقين يأتوا إلى اليهود، ويقولون لهم: ﴿لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ [الحشر: ١١]: فيزدادوا استعداءً للرسول ﷺ ومحاربة له؛ كذلك أيضًا من فسادهم في أهل الأرض: أنهم يعيشون بين المسلمين، ويأخذون أسرارهم، ويفشونها إلى أعدائهم؛ ومن فسادهم في أهل الأرض: أنهم يفتحون للناس باب الخيانة والتَقِيَّة، بحيث لا يكون الإنسان صريحًا واضحًا، وهذا من أخطر ما يكون في المجتمع (٦).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرضِ﴾، ثلاثة تأويلات (٧):\nأحدها: أنه الكفر، والعمل بالمعصية. قاله أبو العالية (٨) والسدي (٩).\nوالثاني: فعل ما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر بحفظه، قال ابن عثيمين: \" أن \"الإفساد في الأرض\" هو أن يسعى الإنسان فيها بالمعاصي، كما فسره بذلك السلف؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] \" (١٠)، لأنه \"من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة\" (١١).\nوالثالث: أنه موالاة الكفار.\nقيل: أن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (١٢).\nقال الماوردي: \"وكل هذه الثلاثة، فساد في الأرض، لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها\" (١٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾، قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد\" (١٤).\nوفي قراءة قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ١١]، وجهان (١٥):\nأحدهما: قرأ الكسائي: (قيل) و(غيض) و(جيء) و(حيل) و(سيق) و(سيئت)، بروم أوائلهن الضم، ووافق ابن عامر في: (سيق) و(حيل) و(سيء) و(سيئت) - ووافق أهل المدينة في: (سيء) و(سيئت).\nقال ابن خالويه: فالحجة لمن ضمّ أوله: \" أنه بقّى على فعل ما لم يسمّ فاعله دليلا في الضم، لئلا يزول بناؤه. وقد قرأ بعض القراء ذلك بكسر بعض، وضمّ بعض فالحجة له في ذلك: ما قدّمناه من إتيانه باللغتين معا\" (١٦).\nوالثاني: وقرأ الباقون: ﴿قِيلَ﴾، وقرأ الباقون بكسر أوله.\nقال ابن خالويه: فالحجة لمن كسر أوله: أنه استثقل الكسر على الواو التي كانت عين الفعل في الأصل، فنقلها إلى فاء الفعل بعد أن أزال حركة الفاء، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا: ميزان وميعاد\" (١٧).\nوهؤلاء جمعوا في قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلبًا للحقائق وجمعًا بين فعل الباطل واعتقاده حقًا.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]؛ \"أي ليس شأننا الإِفسادُ أبدًا، وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك\" (١٨).\nقال ابن عباس: \" أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون\" (١٩).\nوقوله تعالى: [إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، يحتمل تأويلين (٢٠):\nأحدهما: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. والثاني: أن الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا.\nو(الأرض): الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعة في القرآن ويعبر بها عن أسفل الشيء (٢١)، ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت (٢٢)، وتأرض النبت: تمكن على الأرض فكثر، وتأرض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأرضة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض (٢٣).\n_________\n(١) أنظر: تفسيره: ١/ ٦٦.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٦) ينظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٥٠.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٤.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢١): ص ١/ ٤٤ - ٤٥.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٢): ص ١/ ٤٥.\n(١٠) ينظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨١.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٧٤.\n(١٤) تفسير ابن أبي حاتم (١٢٣): ص ١/ ٤٥.\n(١٥) أنظر: الحجة في القراءات السبع: ابن خالويه: ٦٩.\n(١٦) الحجة في القراءات السبع: ٦٩.\n(١٧) الحجة في القراءات السبع: ٦٩.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤): ص ١/ ٤٥.\n(٢٠) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٨، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٥٢، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٦ - ١٢٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٧.\n(٢١) انظر: المجمل ٢/ ٩٢.\n(٢٢) انظر: انظر: المجمل ١/ ٩٢؛ والعين ٧/ ٥٥.\n(٢٣) اللسان (أرض): ٧/ ١١٣، والعين: ٧/ ٥٦. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، دار القلم، دمشق: ١/ ٢٢.","vol":"2","page":78},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن النفاق الذي هو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾؛ والنفاق من أعظم الفساد في الأرض.\n٢ ومنها: أن من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفساد حتى يَرى أنه مصلح؛ لقولهم: (إنما نحن مصلحون)\n٣ ومنها: أن غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أن يسير على شريعة الله واضحًا صريحًا.\n٤ ومنها: أنه ليس كل من ادعى شيئًا يصدق في دعواه؛ لأنهم قالوا: ﴿إنما نحن مصلحون﴾؛ فقال الله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ وليس كل ما زينته النفس يكون حسنًا، كما قال تعالى: ﴿أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [فاطر: ٨].\nالقرآن\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١٢]\nالتفسير:\nأَلا فانتبهوا أيها الناس، إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد (١)، وإِنهم هم المفسدون حقًا لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم، ولجهلهم وبلادتهم وعدم فهمهم للأمور.\nقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، \" أي: أَلا فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقًا لا غيرهم\" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم\"عن أبي العالية في قوله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾، قال: هم المنافقون\" (٣).\nوهذا كقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] أي هم لا غيرهم؛ فلا عداء أبلغ من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض (٤).\nقال الزجاج: \" (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها\" (٥).\nقال الواحدي: \"ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيمًا لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم، حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، أي: \" ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم\" (٧).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، ثلاثة أوجه (٨):\nأحدها: \"أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون.\nوالثاني: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم. قاله الثعلبي (٩).\n_________\n(١) ينظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٢٥): ص ١/ ٤٥.\n(٤) ينظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٥٠.\n(٥) معاني القرآن: ٤/ ٣٩٢.\n(٦) التفسير البسيط: ٢/ ١٥٩ - ١٦٠. ولهذا جاء في هذِه الجملة عدة مؤكدات منها: الاستفتاح، والتنبيه والتأكيد بإنّ وبضمير الفصل، وتعريف الخبر. انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"الكشاف\" ١/ ١٨١ \"الدر المصون\" ١/ ١٣٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٦١، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٩) انظر: تفسيره: ١/ ١٥٤.","vol":"2","page":79},{"text":"قال الواحدي: \"وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين\" (١).\nوالثالث: أنهم يعلمون الفساد سرا ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي - ﷺ - (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الإنسان قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليه فساده؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا يشعرون\n٢ - ومنها: قوة الرد على هؤلاء الذين ادعوا أنهم مصلحون، حيث قال الله ﷿: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ فأكد إفسادهم بثلاثة مؤكدات؛ وهي ﴿ألا﴾ و\"إن\"، و﴿هم﴾؛ بل حصر الإفساد فيهم عن طريق ضمير الفصل.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣]\nالتفسير:\nوإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، يعنون - لعنهم الله - أصحاب رسول الله - ﷺ -، ألا أنهم هم السفهاء ولكنهم من تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ [البقرة: ١٣]، أي \"وإِذا قيل للمنافقين: آمنوا إِيمانًا صادقًا لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء\" (٤).\nقال ابن عباس: \" وإذا قيل لهم صدقوا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كَمَآ آمَنَ الناس﴾ [البقرة: ١٣]، أي \" كما آمن أصحاب النبي ﵊ ُ، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله\" (٦).\nقال ابن عباس: \" صدقوا كما صدق أصحاب محمدﷺ- أنه نبي ورسول، وأن ما أنزل الله حق، وصدقوا بالآخرة وأنكم تبعثون من بعد الموت\" (٧).\nواختلف في ﴿الناس﴾ في هذه الآية على قولين:\nأحدهما: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد ﷺ. وهذا هو المشهور. وهو قول أبي العالية (٨) والسدي (٩)، وروية الضحاك عن ابن عباس (١٠)،\nوالثاني: أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه. ذكره أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (١١).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ١٦١.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٣) ينظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٢، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٠٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٦): ص ١/ ٤٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٦): ص ١/ ٤٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠): ص ١/ ٤٦.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٦.\n(١٠) أخرجه الطبري (٣٤٣): ص ١/ ٢٩٢. وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٧)، و(١٢٨): ص ١/ ٤٥ - ٤٦، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨ - ١٦٩، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٤\n(١١) \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٦.","vol":"2","page":81},{"text":"روي \" عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، يقول: وإذا قيل لهم صدِّقوا كما صدَّق أصحاب محمد، قولوا: إنَّه نبيٌّ ورسول، وإنّ ما أنزل عليه حقّ، وصدِّقوا بالآخرة، وأنَّكم مبعوثون من بعد الموت\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بـ ﴿الناس﴾ هنا الصحابة الذين كانوا في المدينة، وإمامهم النبي -ﷺ-\" (٢).\nقال الآلوسي: \"واستدل بالآية على أن الإقرار باللسان إيمان وإلا لم يفد التقييد، وكونه للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب، والجواب عنه بعد إمكان معارضته بقوله تعالى وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ أنه لا خلاف في جواز إطلاق الإيمان على التصديق اللساني لكن من حيث إنه ترجمة عما في القلب أقيم مقامه إنما النزاع في كونه مسمى الإيمان في نفسه ووضع الشارع إياه له مع قطع النظر عما في الضمير على ما بين لك في محله، ولما طلب من المنافق الإيمان دل ذلك على قبول توبة الزنديق.\nفإن لا يكُنْهَا أَوَ تَكُنْهُ فَإنَّهُ ... أخوهَا غذته أمه بِلِبَانها (٣)\nنعم إن كان معروفا بالزندقة داعيا إليها ولم يتب قبل الأخذ قتل كالساحر ولم تقبل توبته كما أفتى به جمع من المحققين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾: \"أي: قالوا أنؤمن كإِيمان هؤلاء الجهلة أمثال «صهيب، وعمار، وبلال» ناقصي العقل والتفكير؟ ! \" (٥).\nقال الثعلبي: السفهاء: الجهّأل\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" الاستفهام هنا للنفي، والتحقير؛ والمعنى: لا نؤمن كما آمن السفهاء؛ وربما يكون أيضًا مضمنًا معنى الإنكار. أي أنهم ينكرون على من قال: ﴿آمنوا كما آمن الناس﴾؛ وهذا أبلغ من النفي المحض\" (٧).\nقال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم، لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه\" (٨).\nوقال الآلوسي: \" وإنما سفهوهم جهلا منهم حيث اشتغلوا بما لا يجدي في زعمهم ويحتمل أن يكون ذلك من باب التجلد حذرا من الشماتة إن فسر الناس بمن آمن منهم، واليهود قوم بهت\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾ [البقرة: ١٢]، \" أي ألا إِنهم هم السفهاء حقًا\" (١٠).\nوعن ابن عباس، \"يقول الله: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾، يقول: الجهال\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣٤٣): ص ١/ ٢٩٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٩.\n(٣) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص ١٦٢، ٣٠٦؛ وانظر: أدب الكاتب ص ٤٠٧؛ وإصلاح المنطق ص ٢٩٧؛ وتخليص الشواهد ص ٩٢؛ وخزانة الأدب ٥/ ٣٢٧، ٣٣١؛ والرد على النحاة ص ١٠٠؛ وشرح المفصل ٣/ ١٠٧؛ والكتاب ١/ ٤٦؛ ولسان العرب ١٣/ ٣٧١ \"كنن\"، ٣٧٤ \"لبن\"؛ والمقاصد النحوية ١/ ٣١٠؛ وبلا نسبة في المقتضب ٣/ ٩٨؛ والمقرب ١/ ٩٦.\nوقبل البيت:\nالخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها\nفإن لا يكنها: أي فإلا يكن أخو الخمر هو الخمر. أو تكنه: أي أو تكن الخمر هي أخاها. فاسم \"يكن\" الأولى ضمير مستتر يعود على الأخ، والضمير البارز المنصوب العائد إلى الأخ هو خبرها.\nالمعنى: دعك من هذا الإثم يرتكبه السفهاء من الناس؛ فإني وجدت أخا الخمر، أي العنب أو الزبيب، مغنيا عنها وصالحا لأن تحل محلها، فإن لم يكونا شيئا واحدا فهما أخوان رضعا من ثدي أم واحدة.\n(٤) روح المعاني: ١/ ١٥٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٩.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٤٧.\n(٩) روح المعاني: ١/ ١٥٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١): ص ١/ ٤٦.","vol":"2","page":82},{"text":"وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: \" ﴿ألا﴾، و\"إن\"، وضمير الفصل: ﴿هم﴾، وهو أيضًا مفيد للحصر\" (١).\nقوله تعالى: ﴿ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، أي: \"ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ولكن لا يعقلون\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: لايعلمون\"بأنهم كذلك\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا يعلمون سفههم\" (٥).\nوإذا قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: ﴿ولكن لا يعلمون﴾، وقوله تعالى فيما سبق: ﴿ولكن لا يشعرون﴾؟\nفالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه (٦).\nو(السفه) لغة: خِفَّة الحِلْمِ أو نَقِيضُه أو الجَهْلُ، والسَّفَهُ نَقْصٌ في العَقل وأصله الخِفَّة، من سفه سفهًا من باب تعب، وسفه بالضم سفاهة وسَفاهًا، أي: صار سَفِيهًا، فهو سفيه، والأنثى سفيهة، والجمع سفهاء. وسفه الحق جهله، وسَفِهه تسفيهًا: نسبه إلى السَّفَه (٧).\nواصطلاحا: السَّفَه: نقيض الحِلْم وهو سرعة الغضب، والطَّيش مِن يسير الأمور، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسَّرف في العقوبة، وإظهار الجزع مِن أدنى ضررٍ، والسَّبُّ الفاحش (٨).\nوقال الجرجاني: \"السَّفَه: عبارة عن خِفَّة تعرض للإنسان مِن الفرح والغضب، فتحمله على العمل بخلاف طور العقل، وموجب الشَّرع\" (٩)، وقال ابن القيِّم: \"السَّفَه غاية الجهل، وهو مركَّبٌ مِن عدم العلم بما يُصْلِح معاشه ومعاده، وإرادته بخلافه\" (١٠).\nوفي اصطلاح الفقهاء السفه: خِفة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل والشرع، مع قيام العقل حقيقة؛ قال الحنفية: فالسفه لا يوجب خللًا، ولا يمنع شيئًا من أحكام الشرع (١١)، وقيل: السفه: صفة لا يكون الشخص معها مطلق التصرُّف، كأن يكون مبذرًا، يضيِّع المال في غير وجهه الجائز، وأما عُرفًا، فهو بذاءة اللسان، والنطق بما يُستحيى منه (١٢)، (١٣)، وفي جواهر الإكليل: السفيه: البالغ العاقل الذي لا يُحسن التصرف في المال، فهو خلاف الرشيد (١٤)، (١٥)، قال ابن كثير: \" والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١): ص ١/ ٤٦.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٥.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٩.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٩.\n(٧) انظر: لسان العرب: ١٣/ ٤٩٧، والصحاح للجوهري: ٦/ ٢٢٣٤ - ٢٢٣٥. والقاموس المحيط، الفيروزآبادي: ١٦٠٩. والمصباح المنير، الفيومي: ١/ ٢٨٠.\n(٨) تهذيب الأخلاق/ الجاحظ: ٢٩.\n(٩) التعريفات: ١١٩. وقال الراغب: \"السفه خفة البدن، ومنه قيل: زمام سفيه: كثير الاضطراب، وثوب سفيه: رديء النسج. واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنوية والأخروية\". (مفردات القرآن: ٤١٤).\nوالفرق بين السفيه والأحمق هو أن الحُمْق قلَّة العقل وفَسَادٌ فِيه، واصطلاحا هو: \" وضع الشَّيء في غير موضعه مع العلم بقُبْحه\" (النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير: ١/ ٤٤٢) وقيل أن \" حقيقة الأَحْمَق: مَن يعمل ما يضرُّه مع علمه بقُبْحه\" (شرح النووي على مسلم: ١٨/ ١٣٦).\n(١٠) بدائع الفوائد: ٥/ ١٨٣.\n(١١) ابن عابدين (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، ومجلة الأحكام، م (٩٤٥).\n(١٢) ابن عابدين (٢/ ٤٢٣)، وكشف الأسرار (٤/ ٣٦٩)، والمصباح المنير مادة: (سفه).\n(١٣) القليوبي (٣/ ٣٦٤).\n(١٤) جواهر الإكليل (١/ ١٦١)، ط دار المعرفة.\n(١٥) الموسوعة الفقهية الكويتية (١٦/ ١٠٠).","vol":"2","page":83},{"text":"المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء، في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان\" (١).\nوالسفيه مكلف رغم أنه يسيء التصرف، وقد يكون تصرفه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، ولعدم إيمانهم برسالة محمد - ﷺ - سماهم الله تعالى بالسفهاء؛ كما ردَّ الله تعالى اتهامهم المسلمين بالسفهاء بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].\nوأما سفه المشركين وترْكهم اتباعَ ملَّة إبراهيم - ﵇ - فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي: هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء مَن يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملَّة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد - ﷺ - وفي ذلك تعريض بمُعاندي أهل الكتاب والمشركين؛ أي: لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا مَن سَفِه نفسه؛ أي: حملها على السفه، وهو الجهل، وقال الراغب: وسفه نفسه أبلغ من جهلها؛ وذاك أن الجهل ضربان: جهل بسيط، وهو ألا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء، وجهل مركَّب، وهو أن يعتقد في الحق أنه الباطل، وفي الباطل أنه حق، والسفه: أن يعتقد ذلك ويتحرَّى بالفعل مقتضى ما اعتقده، فبيَّن تعالى أن مَن رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لِسَفه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة، وذاك أن من جهِل نفسه، جَهِل أنه مصنوع، وإذا جهِل كونه مصنوعًا، جهِل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعًا، فكيف يعرف أمره ونهْيه، وما حُسنه وقُبحه! ولكون معرفتها ذريعةً إلى معرفة الخالق - جل ثناؤه،، قال: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن المنافق لا تنفعه الدعوة إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ فهم لا ينتفعون إذا دعوا إلى الحق؛ بل يقولون: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء)\n٢ ومنها: إعجاب المنافقين بأنفسهم؛ لقولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء)\n٣ ومنها: شدة طغيان المنافقين؛ لأنهم أنكروا على الذين عرضوا عليهم الإيمان: ﴿قالوا أنؤمن﴾؛ وهذا غاية ما يكون من الطغيان؛ ولهذا قال الله تعالى في آخر الآية: ﴿في طغيانهم يعمهون﴾ [البقرة: ١٥].\n٤ ومنها: أن أعداء الله يصفون أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيرًا عنهم، كما قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ [الذاريات: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين﴾ [الفرقان: ٣١] وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن ﴿وكفى بربك هاديًا ونصيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإن الله تعالى إذا أراد هداية أحد فلا يمنعه إضلال هؤلاء؛ لأن أعداء الأنبياء يسلكون في إبطال دعوة الأنبياء مَسْلكين؛ مسلك الإضلال، والدعاية الباطلة في كل زمان، ومكان؛ ثم مسلك السلاح. أي المجابهة المسلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هاديًا﴾ [الفرقان: ٣١] في مقابل المسلك الأول الذي هو الإضلال. وهو الذي نسميه الآن بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقول أبنائها؛ وقال تعالى: ﴿ونصيرًا﴾ [الفرقان: ٣١] في مقابل المسلك الثاني. وهو المجابهة المسلحة.\n٥ ومن فوائد الآية: أن كل من لم يؤمن فهو سفيه، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠].\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٢.\n(٢) ينظر: محاسن التأويل؛ محمد جمال الدين القاسمي: ١/ ١٥٦ ..","vol":"2","page":84},{"text":"٦ ومنها: أن الحكمة كل الحكمة إنما هي الإيمان بالله، واتباع شريعته؛ لأن الكافر المخالف للشريعة سفيه؛ فيقتضي أن ضده يكون حكيمًا رشيدًا.\n٧ ومنها: تحقيق ما وعد الله به من الدفاع عن المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]؛ فإذا ذموا بالقول دافع الله عنهم بالقول؛ فهؤلاء قالوا: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾، والله ﷿ هو الذي جادل عن المؤمنين، فقال: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ يعني هم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعه عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قول الله تعالى: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢]: هذه مدافعة فعلية، حيث تنْزل جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]؛ ولكن الحقيقة أن هذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادق في وعده يحتاج إلى إيمان حتى نؤمن بالله ﷿، ولا نخشى أحدًا سواه، فإذا ضعف الإيمان أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دون أوامر الله فسنخشاهم أشد من خشية الله ﷿؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله ﷿، ولا نخشى إلا الله ﷾.\nفنحن لو آمنا حقيقة الإيمان بهذا الوعد الصادق الذي لا يُخلَف لكنا منصورين في كل حال؛ لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله ﷿؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛ ولذلك تجد كثيرًا من ولاة المسلمين. مع الأسف. لا يهتمون بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتمون بمراعاة فلان، وفلان؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية. ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذول؛ وهم لا يعرفون أن هذا هو الذي يبعدهم من نصر الله؛ فبدلًا من أن يكونوا عبيدًا لله أعزة صاروا عبيدًا للمخلوقين أذلة؛ لأن الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحدًا في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحائط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أن نطبق شريعة الله ﷾ على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقال: من خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء.\n٨. ومن فوائد الآية: الدلالة على جهل المنافقين؛ لأن الله ﷿ نفى العلم عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا يعلمون﴾؛ فالحقيقة أنهم من أجهل الناس. إن لم يكونوا أجهل الناس؛ لأن طريقهم إنما هو خداع، وانخداع، وتضليل؛ وهؤلاء المنافقون من أجهل الناس؛ لأنهم لم يعلموا حقيقة أنفسهم، وأنهم هم السفهاء.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤]\nالتفسير:\nوإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومصانعة وليشركوهم فيما أصابهم من خير ومغنم، وإذا خلوا إلى سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين، قالوا: إنا نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الإعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الذين آمَنُوا قالوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، أي \"وإِذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقًا ومصانعة\" (٢).\nقال ابن عباس: \" كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبيﷺ- أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم\" (٣).\nقال الثعلبي: \"أي رأوا، يعني المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه\" (٤).\n_________\n(١) ينظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٣): ص ١/ ٤٦.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٥.","vol":"2","page":85},{"text":"قال السعدي: \" إذا اجتمعوا بالمؤمنين، أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم\" (١).\nوقرأ محمد بن السميقع: \"وإذا لاقوا وهما بمعنى واحد\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، \"أي: وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم، أهلِ الضلالِ والنفاق\" (٣).\nقال السعدي: أي: إلى\"رؤسائهم وكبرائهم في الشر\" (٤).\nقال أبو مالك: قوله: ﴿خلوا﴾، يعني: مضوا\" (٥).\nواختلف في معنى ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، على أقاويل (٦):\nأحدها: قالوا: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾: أي: سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكُفر بالله وبكتابه ورسوله.\nوالثاني: وقيل: شياطينهم من اليهود. قاله ابن عباس (٧)، وروي عن السدي (٨)، وأبي العالية (٩) والربيع (١٠) مثل ذلك.\nوالثالث: وقيل: رءوسهم في الكُفر. وهذا قول ابن مسعود (١١).\nوالرابع: وقيل: أي رؤسائهم وقادتهم في الشرك والشرّ. قاله قتادة (١٢).\nوالخامس: وقيل: وهم المشركون. قاله قتادة (١٣).\nوالسادس: وقيل: أصحابِهم من المنافقين والمشركين. قاله مجاهد (١٤)، والربيع (١٥).\nقلت: وجميع آراء السابقة صحيحة، والقول الأول يجمع جميع الأقوال وهو الأقرب، وبه قال الإمام الطبري (١٦).\nوفي قوله: ﴿إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، ثلاثة أوجه (١٧):\nأحدها: معناه: مع شياطينهم، فجعل (إلى) موضع (مع)، كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، يريد: مع الله، وكما توضع (على) في موضع (من)، و(في) و(عن) و(الباء)، كما قال الشاعر (١٨):\nإِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا\nفقوله (رضيتْ عليّ) أريد به: (رضيتْ عَنِّي).\nوالثاني: وهو قول بعض البصريين: أنه يقال خلوت إلى فلان، إذا جعلته غايتك في حاجتك، وخلوت به يحتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخَر في السخرية به.\nوعلى القول الأخير: ايكون قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أفصح، وهو على حقيقته مستعمل.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٤٣.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٤٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٥): ص ١/ ٤٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٩٥ - ١٩٨.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٣٤٩)، و(٣٥٠): ص ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، وابن أبي حاتم (١٣٧): ص ١/ ٤٧.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٠): ص ١/ ٤٨.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٨.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٨.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٣٥١): ص ١/ ٢٩٧.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٨): ص ١/ ٤٧، ونحوه في تفسير الطبري (٣٥٢): ص ١/ ٢٩٧.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٣٥٣): ص ١/ ٢٩٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٣٥٤)، و(٣٥٥)، و(٣٥٨): ص ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨، وابن أبي حاتم (١٣٩): ص ١/ ٤٧.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٣٥٦): ص ١/ ٣٩٨.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٩٦.\n(١٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٦، وتفسير الطبري: ١/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(١٨) الشعر للعقيف العقيلي، يمدح حكيم بن المسيب القشيري. نوادر أبي زيد: ١٧٦، خزانة الأدب ٤: ٢٤٧، وغيرهما كثير.","vol":"2","page":86},{"text":"والثالث: وهو قول بعض الكوفيين: أن معناه: إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله: ﴿إلى﴾ مستعملًا في موضع لا يصح الكلام إلا به.\nقال الإمام الطبري: \"وهذا القول-أي الأخير- عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ (إلى) في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها\" (١).\nواختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه اشتقاق (الشيطان)، على قولين (٢):\nأحدهما: أنه مشتق من (شَطَنَ)، بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، وشَطَنَتْ دارُه، أي بعدت، فسمي شيطانًا، إما لبعده عن الخير، وإما لبعد مذهبه في الشر، فعلى هذا النون أصلية (٣).\nوالقول الثاني: أنه يرجع إلى الجذر (شَيَطَ)، مشتق من شاط يشيط، أي هلك يهلك، كما قال الأعشى (٤):\nقد نَخْضِبُ العَيْرَ من مَكْنُونِ فائلِه ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ\nأي يهلك، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة (٥).\nوالقول الأول هو الأرجح؛ أي: اشتقاقه من (شطن)؛ وذلك لأنَّها أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تَهدف إلى إبعاد الناس عن عمَل الخير واتِّباع الحق؛ \"لأنَّ اشتقاق الشيطان من شطن؛ بمعنى: بَعُد عن الخير ومال عن الحقِّ - أقرب إلى الحقيقة من اشتقاقه من شاط؛ بمعنى: احترق؛ ذلك أنَّ عمل الشيطان هو إبعاد الناس عن الحقِّ، والذي يبعد الناس عن الحقِّ والخير يكون هو بعيدًا عنه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿قالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، أي أي قالوا لهم نحن\"على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة\" (٧).\nقال ابن عباس: \" أي إنا على مثل ما أنتم عليه\" (٨).\nقال الثعلبي: \"أي: على دينكم وأنصاركم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، أي: \" وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \"إنما نحن ساخرون\" (١١).\nقال الثعلبي: أي: \"بمحمد وأصحابه\" (١٢).\nقال الماوردي: \" أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٩٩.\n(٢) أنظر: قاموس العين - الفراهيدي ج (٦)، ص (٢٣٦)، وأساس البلاغة، ص (٣٢٩)، القاموس المحيط ج (١)، ص (٨٧٠)، والمصباح المنير ج (١)، ص (٣١٣)، والمعجم الوسيط ج (١)، ص (٤٨٣)، وتهذيب اللغة ج (١١)، ص (٢١٣)، وجمهرة اللغة ج (٢)، ص (٨٦٧)، ومختار الصحاح، ص (١٤٢).\n(٣) انظر المعاجم التالية:\n* معجم العين – للخليل بن أحمد الفراهيدي – ص ٤٧٩، ٥٠٣.\n* مجمل اللغة – لابن فارس – ج ٢ – ص ٥٠٢، ٥١٨.\n* المحيط في اللغة – للصاحب بن عباد – ج ٧ – ص ٣٠٤، ٣٥٨.\n* لسان العرب – لابن منظور – ج ١٣ – ص ٢٣٧، ٣٣٧.، * مختار الصحاح – للفخر الرازي – ص ٣٣٨\n* المفردات في غريب القرآن – للراغب الاصفهاني – ص ٢٦١.، * المصباح المنير – للفيومي – ص ١٤٢\n(٤) ديوانه ص ١١٣؛ ولسان العرب ٧/ ٣٣٨ (شيط). نخضب: نصبغ بالخضاب وهو الحناء، وأراد به هنا الدماء. العير: الحمار الوحشي. الفائل: اللحم الذي على نقرة الورك، ومكنون فائله: دمه المستتر فيه. يشيط: يهلك، أو يذهب دمه هدرًا.\n(٥) أنظر: قاييس اللغة ج (٣)، ص (١٨٤ - ١٨٥)، ولسان العرب ج (١٧)، ص (١٠٥)، والمفردات - الراغب الأصفهاني، ص (٢٦١).\n(٦) التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن - د. عودة خليل أبو عودة - مكتبة المنار - الأردن، ص (٤٧٨).\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٧٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤١): ص ١/ ٤٨.\n(٩) تفسير اثعلبي: ١/ ١٥٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ٢٠٠.\n(١٢) تفسير اثعلبي: ١/ ١٥٧.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٧٧.","vol":"2","page":87},{"text":"روي \"عن ابن عباس: قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ساخرون بأصحاب محمد ﷺ\" (١). وفي رواية أخرى له: \" إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم\" (٢). وروي عن قتادة (٣) والربيع (٤) مثل ذلك.\nالفوائد:\nمن فوائد الآية ذلّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنه خائن؛ فهم ﴿إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ خوفًا من المؤمنين؛ و﴿إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ خوفًا منهم؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله؛ وهذا نوع من النفاق؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر\nالقرآن\n﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٥]\nالتفسير:\nالله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال، ويزيدهم -بطريق الإِمهال والترك -في ضلالهم وكفرهم وكذبهم يتخبطون ويتردّدون ويتحيرون (٥).\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، \" أي: الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال\" (٦)\nقال القرطبي: أي: الله \"ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم\" (٧).\nقال الثعلبي: \" أي يجازيهم جزاء استهزائهم\" (٨).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، على وجوه (٩):\nأحدها: معناه أنه يحاربهم على استهزائهم (١٠)، فسمي الجزاء باسم المجازى عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وليس الجزاء اعتداءً، قال عمرو بن كلثوم (١١):\nأَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا\nفسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة (١٢).\nوالثاني: أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين.\nوالثالث: أنه لما حسن أن يقال للمنافق: ﴿ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، صار القول كالاستهزاء به.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣٥٩): ص ١/ ٢٠٠.\n(٢) أخرجه الطبري (٣٦٠): ص ١/ ٢٠٠، وابن أبي حاتم (١٤٢): ص ١/ ٤٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٣٦١): ص ١/ ٢٠٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٣٦٢): ص ١/ ٢٠٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٨.\n(٥) ينظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٠.\n(٧) تفسير القرطبي: ١/ ٢٠٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٧.\n(٩) أنظر: النكت والعيون: ٧٧ - ٧٨.\n(١٠) ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] و﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جَزَاءَ الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما، وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.\n(١١) المعلقات السبع للزوزني: ١٢٠.\n(١٢) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٠٧.","vol":"2","page":88},{"text":"والرابع: ما حكي: أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم، فيرون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة، بمقامع النيران، حتى يرجعوا، وهذا نوع من العذاب، وإن كان كالاستهزاء.\nوالخامس:: أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة، وكانوا فيه اغترار به، صار كالاستهزاء [بهم] (١).\nوإلى هذا القول ذهب الطبري (٢) والسعدي (٣). وبنحو هذا المعنى روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: \" يسخر منهم للنقمة منهم\" (٤) (٥).\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، فسمى العقوبة باسم الذنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم.\nقوله ﷿: ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، أي: أن الله يبقيهم ضالين في طغيانهم\" (٦).\nقال القرطبي: \" أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] \" (٧).\nوفي ﴿َيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ثلاثة أقوال:\nأحدهما: يملي لهم، وهو قول ابن مسعود (٨)، والسدي (٩).\nوالثاني: يزيدهم، وهو قول مجاهد (١٠).\nوالثالث: وقيل: يَمُدُّ لَهُم \" (١١).\nوالراجح هو ما قاله مجاهد، بأن معنى ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم، كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١١٠]، يعني نذرُهم ونتركهم فيه، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم، ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى \" يَمُدُّ لهم \"، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل: \" مدَّ النهرَ نهرٌ آخر \"، بمعنى: اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل -\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣. وتفسير ابن كثير: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) أنظر: تفسيره: ١/ ٣٠٤. يقول الطبري: \" والصواب في ذلك أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهارُ المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يُرضيه، ظاهرًا، وهو بذلك من قِيله وفِعْله به مُورِثه مَساءة باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر، لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، ﷿، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك، وبنحو هذا المعنى روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: \"يسخر بهم للنقمة منهم\".\n(٣) أنظر: تفسيره: ١/ ٤٣. يقول السعدي: \" وهذا جزاء لهم، على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة، حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين، لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة، أنه يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا، فإذا مشى المؤمنون بنورهم، طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين، فما أعظم اليأس بعد الطمع، ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ الآية\".\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٣): ص ١/ ٤٨، والخبر ساقه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٩٤، والسيوطي: ١/ ٣١، والشوكاني: ١/ ٣٣.\n(٥) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٠٤.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٥٤.\n(٧) تفسير القرطبي: ١/ ٢٠٨.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٣٦٤): ص ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧، والخبر ساقه ابن كثير ١/ ٣١، والسيوطي ١/ ٣١، والشوكاني ١/ ٣٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٤): ص ١/ ٤٨.\n(١٠) أخرجه الطبري: (٣٦٥)، ص ١/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم (١٤٥): ص ١/ ٤٨، والخبر ساقه ابن كثير ١/ ٣١، والسيوطي ١/ ٣١، والشوكاني ١/ ٣٣.\n(١١) وهو قول بعض نحوييّ البصرة يتأوَّل ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لَهُم، ويزعم أن ذلك نظيرُ قول العرب: الغلامُ يلعَب الكِعَابَ، يراد به يَلعب بالكعاب. قال: وذلك أنهم قد يقولون: \" قد مَددت له وأمددتُ له \" في غير هذا المعنى، وهو قول الله تعالى ذكره: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ) [سورة الطور: ٢٢]، وهذا من: \" مددناهم \". قال: ويقال: قد \" مَدَّ البحر فهو مادٌّ \" و\" أَمَدَّ الجرح فهو مُمِدّ \". وحكي عن يونس الجَرْمِيّ أنه كان يقول: ما كان من الشر فهو \" مدَدْت \"، وما كان من الخير فهو \" أمْدَدت \". ثم قال: وهو كما فسرت لك، إذا أردت أنك تركته فهو \" مَدَدت له \"، وإذا أردت أنك أعطيته قلت: \" أمْددت \". وأما بعضُ نحويي الكوفة فإنه كان يقول: كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو \" مَدَدت \" بغير ألف، كما تقول: \" مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر غيره \"، إذا اتصل به فصار منه، وكلّ زيادة أحدِثتْ في الشيء من غيره فهو بألف، كقولك: \" أمدَّ الجرحُ \"، لأن المدّة من غير الجرح، وأمدَدتُ الجيش بمَدَدٍ. (تفسير الطبري: ١/ ٣٠٧).","vol":"2","page":89},{"text":"من غير تأوُّل منهم. ذلك أن معناه: مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك في قول الله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، يعني في: \"كفرهم وضلالهم\" (٢).\nقال ابن عباس: \" في كفرهم يترددون\" (٣). وروي عن ابن مسعود (٤) وقتادة (٥) والربيع (٦) وابن زيد (٧) مثل ذلك.\nو(الطُّغيان)، أصله مجاوزة الحد، من قولك: طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا، إذا تجاوز في الأمر حده فبغى، ومنه قوله الله: ﴿كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٦، ٧]، أي يتجاوز حدّه، وقوله في فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] أي أسرف في الدعوى حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] (٨)، ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت (٩):\nوَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا ... بَعْدَ طُغْيَانِه، فَظَلَّ مُشِيرَا\nوقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، فيه ثلاثة أقوال (١٠):\nأحدها: يترددون، قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع (١٣)، ومنه قول ابن بري (١٤):\nمَتى تَعْمَهْ إلى عُثْمانَ تَعْمَه ... إلى ضَخْم السُّرادِقِ والقِبابِ\nأَي تُرَدِّدُ النظرَ.\nوالثاني: معناه يتحيرون، قاله ابن عباس (١٥)، ومنه قول رؤية بن العجاج (١٦):\nومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه\nوالثالث: يعمهون عن رشدهم، فلا يبصرونه، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه، قال الأعشى (١٧):\nأراني قد عمهت وشاب رأسي ... وهذا اللعب شين للكبير\nوالرابع: يتمادَوْن. قاله ابن عباس (١٨).\nقال الثعلبي: ﴿يعمهون﴾، أي: \" يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين، يقال: عمه يعمه عمها وعموها، وعمها فهو عمه، وعامه: إذا كان جائرا عن الحق\" (١٩). ثم استشهد بقول رؤبة السابق.\nالفوائد:\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٢٠٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٣٦٦): ص ١/ ٣٠٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٣٦٧): ص ١/ ٣٠٩.\n(٥) أخرجه الطبري (٣٦٨): ص ١/ ٣٠٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٣٦٩): ص ١/ ٣٠٩.\n(٧) أخرجه الطبري (٣٧٠): ص ١/ ٣٠٩.\n(٨) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٠٨.\n(٩) ديوانه: ٣٤ مع اختلاف في الرواية. والضمير في قوله \" ودعا الله \" إلى فرعون حين أدركه الغرق. والهاء في قوله \" طغيانه \" إلى فرعون، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه. وقوله \" لات هنا \"، كلمة تدور في كلامهم يريدون بها: \" ليس هذا حين ذلك \"، والتاء في قولهم \" لات \" صلة وصلت بها \" لا \"، أصلها \" لا هنا \" أي ليس هنا ما أردت، أي مضى حين ذلك. و\" هنا \" مفتوحة الهاء مشددة النون، مثل \" هنا \" مضمومة الهاء مخففة النون. وقوله: \" مشيرًا \"، أي مشيرًا بيده في دعاء ربه أن ينجيه من الغرق.\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٩.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٣٧٣): ص ١/ ٣١٠. ولفظه: \" ﴿يَعْمَهُونَ﴾، قال: يتردَّدون\".\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٣٧٥)، و(٣٧٦)، و(٣٧٧)، و(٣٧٨): ص ١/ ٣١١.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٣٧٩): ص ١/ ٣١١.\n(١٤) البيت ورد في اللسان ١٨٩/ ١٠: مادة (ع م هـ).\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٣٧٤): ص ١/ ٣١٠. ولفظه: \" يَعْمَهُونَ \": المتلدِّد\".\nتلدد للرجل فهو متلدد: إذا لبث في مكانه حائرًا متبلدًا يتلفت يمينًا وشمالا.\n(١٦) ديوانه ص ١٦٦ واللسان والتهذيب والصحاح: (عنه).\n(١٧) البيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٧٩، والسيوطي في الإتقان: ١/ ١٧٤، والدر المنثور: ١/ ٨٠.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٣٧٢): ص ١/ ٣١٠.\n(١٩) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٨.","vol":"2","page":90},{"text":"من فوائد الآية: أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقًا؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام:\nالقسم الأول: قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص: هذا لا يسمى الله تعالى به؛ ولكن يوصف الله به، مثل \"المتكلم\"، و\"المريد\"؛ فـ\"المتكلم\"، و\"المريد\" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق؛ ولم تكن من أسمائه؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم؛ وكذلك الإرادة.\nالقسم الثاني: ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله به، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير .. وما أشبه ذلك؛ وهو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا: \"يسمى الله به\" أن نُحْدِث له اسمًا بذلك؛ لأن الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أن الله ﷾ تَسَمَّى به.\nالقسم الثالث: ما لا يكون كمالًا عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيدًا، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك.\nمسألة: -\nهل \"المنتقم\" من جنس الماكر، والمستهزئ؟\nالجواب: مسألة \"المنتقم\" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ\"العفوّ\"؛ فيقال: \"العفوُّ المنتقم\"؛ لأن \"المنتقم\" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ\"العفوّ\"؛ ومثله أيضًا المُذِل: قالوا: لا يوصف الله ﷾ به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ\"المُعِز\"؛ فيقال: \"المعزُّ المُذل\"؛ ومثله أيضًا \"الضار\": قالوا: لا يوصف الله ﷾ به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن \"النافع\"؛ فيقال: \"النافع الضار\"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة.\nويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقرونًا بما يقابله. أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله ﷾ \"المنتقم\"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول ﷿: ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال ﷿: ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ [آل عمران: ٤]؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ.\nالقسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق: فهذا لا يوصف الله ﷾ به أبدًا، ولا يسمى به، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور .. وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يوصف الله ﷾ بصفة عيب مطلقًا.\nوالاستهزاء هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى: ﴿إنهم يكيدون كيدًا * وأكيد كيدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦] أي أعظمَ منه كيدًا؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم؛ وكل من فسر شيئًا من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقيًا؛ لكن ليس كاستهزائنا؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء.\nوهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم: \"إنه حلال\"، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على","vol":"2","page":91},{"text":"ظاهرها، ولا نقول على الله ما لا نعلم؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].\nأما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقًا؛ لأن الخيانة صفة نقص مطلق؛ و\"الخيانة\" معناها: الخديعة في موضع الائتمان. وهذا نقص؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لكن لما قال تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ [النساء: ١٤٢] قال: ﴿وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]؛ لأن الخديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: \"الحرب خدعة\" (١)، وقال ﷺ: \"لا تخن من خانك\" (٢)؛ لأن الخيانة تكون في موضع الائتمان؛ أما الخداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان؛ والخيانة صفة نقص مطلق.\n٣ ومن فوائد الآيتين: أن الله ﷾ قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه.\nفيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي تحذير الإنسان الطاغي أن يغتر بنعم الله ﷿؛ فهذه النعم قد تكون استدراجًا من الله؛ فالله ﷾ يملي، كما قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه ﷾ يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. كما جاء في الحديث (٣).\nفإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟\nفالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيمًا على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيمًا على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج.\n٤ ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ [الحجرات: ١].\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]\nالتفسير:\nأولئك المنافقون باعوا أنفسهم في صفقة خاسرة، فأخذوا الكفر، وتركوا الإيمان، فما كسبوا شيئًا، بل خَسِروا الهداية، وهذا هو الخسران المبين.\nقلت: إن المنافقين الموصوفبن بتلك الصفات، بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة، فاختاروا واستحبوا الضلالة وهي الكفر والنفاق بالهدى الذي هو الإيمان بالله تعالى، وما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، \"أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى\" (٤).\nوقوله ﴿أُولَئِكَ﴾، اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقون\"الموصوفون بتلك الصفات\" (٥)؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولًا (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٤٣، كتاب الجها والسير، باب ١٥٧؛ الحرب خدعة، حديث رقم ٣٠٢٨؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٦، كتاب الجهاد والسير، باب ٥؛ جواز الخداع في الحرب، حديث رقم ٤٥٤٠ [١٨] ١٧٤٠.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤١٤؛ وأخرجه أبو داود في سننه ص ١٤٨٥، كتاب البيوع، باب ٧٩: في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، حديث رقم ٣٥٣٤؛ وأخرجه الترمذي ص ١٧٧٨، كتاب البيوع، باب ٣٨: أد الأمانة إلى من ائتمنك، حديث رقم ١٢٦٤؛ وأخرجه الدارمي في سننه ٢/ ٣٤٣، حديث رقم ٢٥٩٧، كتاب البيوع، باب ٥٧: في أداء الأمانة واجتناب الخيانة، قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/ ١٨، وقال عبد القادر الأرناؤوط في حاشية جامع الأصول: صحيح ٦/ ٣٢٣، حاشية رقم ١.\n(٣) راجع البخاري ص ٣٨٩، كتاب التفسيرن باب ٥: قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)، حديث رقم ٤٦٨٦؛ ومسلمًا ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة والأدب، باب ١٥: تحريم الظلم، حديث رقم ٦٥٨١ [٦١] ٢٥٨٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٤٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٠.","vol":"2","page":92},{"text":"قال السعدي: \" أي: رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة، التي هي غاية الشر، كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم، وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟ \" فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب في سافل الأمور عن عاليها\" (١).\nوقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، على أربعة أوجه (٢):\nأحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. قاله ابن عباس (٣).\nوالثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان. قاله قتادة (٤).\nإذ عّبر عنه بالشراء، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلًا، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم.\nوهؤلاء وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه ﴿اشْتَرَوا﴾ إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه (٥).\nومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (٦):\nفَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ... ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ\nيعني بالمستراة: المختارة.\nوقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار (٧):\nيَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا ... جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ\nيعني بالشَّراة: المختارة.\nوقال آخر في مثل ذلك (٨):\nإِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الأَمْوَالِ ... وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ\nوضعّف الطبري هذا القول، وذلك\" لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، فدل بذلك على أن معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض\" (٩).\nوالثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (١٠)، واختاره الطبري (١١).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٤٣.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٩.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٣٨٠): ص ١/ ٣١٢.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٣٨٢): ص ١/ ٣١٢.\n(٥) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٣١٣.\n(٦) ديوانه: ٣٥، وطبقات فحول الشعراء: ٣٦، واللسان (سرا). وفي المطبوعة: \" المشتراة \" في الموضعين، والصواب ما أثبتناه. والكاعب: التي كعب ثديها، أي نهد، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة. وخدر الجارية: سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ، وأشاع المال بين القوم: فرقه فيهم. وأراد بالقمار: لعب الميسر، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور، يفرقه في الناس من كرمه.\n(٧) ديوانه: ٦٢. والضمير في قوله \" يذب \" لفحل الإبل. ويذب: يدفع ويطرد. والقصايا، جمع قصية: وهي من الإبل رذالتها، ضعفت فتخلفت. وجماهير، جمع جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها، تراكم رملها وتعقد. والمدجنات، من قولهم \" سحابة داجنة ومدجنة \"، وهي: المطبقة الكثيفة المطر. والهواضب: التي دام مطرها وعظم قطرها. شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد\n(٨) البيت ورد في تفسير الطبري: ١/ ٣١٤.\n(٩) تفسير الطبري: ١/ ٣١٤ - ٣١٥.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٣٨١): ص ١/ ٣١٢.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ٣١٥. قال الطبري: \" وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه، بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [سورة البقرة: ١٠٨]؟ وذلك هو معنى الشراء، لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه. فكذلك المنافقُ والكافر، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق، فأضلهما الله، وسلبهما نورَ الهدى، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون\".","vol":"2","page":93},{"text":"والرابع: أنهم: آمنوا ثم كفروا. قاله مجاهد (١).\nوقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: ﴿اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ﴾، بكسر الواو، لأنّ الجزم يحرّك الى الكسرة العدوى بفتحها حركة إلى أخف الحركات (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، \"أي ما ربحت صفقتُهم في هذه المعارضةِ والبيع\" (٣).\nقال قتادة: \" قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفُرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنة إلى البدعة\" (٤).\nقال الثعلبي: أي: فما ربحوا في تجارتهم\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي ما زادت تجارتهم، وهي اشتراؤهم الضلالة بالهدى\" (٦).\nقال الطبري: \" بشرائهم الضلالةَ بالهدى - خسروا ولم يربحوا، لأن الرابح من التجّار: المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ. فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن\" (٧).\nوقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة: ﴿فما ربحت تجاراتهم﴾ بالجمع (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ \" أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين\" (٩).\nقال الثعلبي: يعني\" من الضلالة\" (١٠).\nقال الطبري: \" ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالهم الكفرَ بالإيمان، واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" أي ما كانوا متصفين بالاهتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل هم خاسرون في تجارتهم ضالون في منهجهم\" (١٢).\nقال السعدي: \" وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، تحقيق لضلالهم، وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء، فهذه أوصافهم القبيحة\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، ثلاثة أوجه (١٤):\nأحدها: وما كانوا مهتدين، في اشتراء الضلالة.\nوالثاني: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون.\nوالثالث: أنه لما كان التاجر قد لا يربح، ويكون على هدى في تجارته، نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء، مبالغة في ذمهم.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٣٨٣)، و(٣٨٤): ص ١/ ٣١٢.\n(٢) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٤) أخرجه الطبري (٣٨٥): ص ١: ٣١٦ - ٣١٧.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٠.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٨) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ١٥٩.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ٣١٧.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٠.\n(١٣) تفسير السعدي: ١/ ٤٣.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٩.","vol":"2","page":94},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان سفه هؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى.\n٢ ومنها: شغف المنافقين بالضلال؛ لأنه ﵎ عبر عن سلوكهم الضلال بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوف بالسلعة محب لها.\n٣ ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه أحسنَ عملًا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنًا منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾.\n٤ ومنها: خسران المنافقين فيما يطمعون فيه بالربح؛ لقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم).\n٥ ومنها: أن المدار في الربح، والخسران على اتباع الهدى؛ فمن اتبعه فهو الرابح؛ ومن خالفه فهو الخاسر؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: ١. ٣]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الصف: ١٠، ١١]: تقف على ﴿خير لكم﴾؛ لأن ﴿إن كنتم تعلمون﴾ إذا وصلناها بما قبلها صار الخير معلقًا بكوننا نعلم. وهو خير علمنا أم لم نعلم.\n٦. ومن فوائد الآية: أن هؤلاء لن يهتدوا؛ لقوله تعالى: ﴿وما كانوا مهتدين﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ ولذلك لا يرجعون؛ وهكذا كل فاسق، أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع؛ فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب. وليس على صواب.\nالقرآن\n﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨]\nالتفسير:\nإن مثل المنافقين في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يُبصر ولا يهتدي.\nقال ابن عباس: \" هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يتعزون بالإسلام فينا المسلمين ويقاسمونهم الفيء فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه\" (١). وروي عن أبي العالية (٢)، وعطاء الخراساني (٣) مثل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، \"أي مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد نارًا ليستدفئ بها ويستضيء\" (٤).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، أربعة أوجه (٥):\nأحدها: أنه أراد كمثل الذي أوقد، فدخلت السين زائدة في الكلام (٦)، وهو قول الأخفش (٧).\nومن ذلك قال الشاعر (٨):\nوَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ\nفقوله: لم يستجبه، أي: لم يجبه.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٨): ص ١/ ٥٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٩): ص ١/ ٥٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠): ص ١/ ٥٠ - ٥١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٩ - ٨٠.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٩ - ٨٠.\n(٧) انظر \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٠٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦٢، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"القرطبي\" ١/ ١٨٣، \"البحر\" ١/ ٧٥.\n(٨) الشعر لكعب بن سعد الغنوي. الأصمعيات: ١٤، وأمالي القالي ٢: ١٥١، وهي من حسان قصائد الرثاء.","vol":"2","page":95},{"text":"والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره نارًا للضياء (١).\nوالثالث: وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له (٢).\nوالرابع: وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها (٣).\nقال الواحدي: والأول الصحيح\" (٤). أي بمعنى (أوقد).\nو(النار) مشتقة من النور وجمعها نيران، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة (٥).\nوقوله ﴿الذي﴾ في قوله: ﴿الذي استوقد نارا﴾، المراد به الجماعة، وهو مذهب ابن قتيبة وابن الأنباري، واحتج ابن قتيبة بقول الشاعر (٦):\nفَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (٧)\nوقال ابن الأنباري: \" (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (٨)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]، \"أي فلما أنارتْ المكان الذي حوله فأبصر وأمِن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة\" (١٠).\nقال مجاهد: \" أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى\" (١١).\nوروي \"عن السدي: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾،: زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مقدم النبيﷺ- المدينة ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فلما أضاءت ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منها فبينما هو كذلك إذ أطفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر\" (١٢).\nقال أبو عبيد: \"أضاءت النار، وأضاءها غيرها\" (١٣).\nقال الواحدي: \"والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر (١٤):\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٧٩ - ٨٠.\n(٢) انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٤، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩.\n(٣) انظر: انظر: \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١١، \"تفسير أبي السعود\" ١/ ٥٠، وانظر. \"البحر\" ١/ ٧٨.\n(٤) التفسير البسيط: ٢/ ١٨٧.\n(٥) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٨٧.\n(٦) البيت للأشهب بن رميلة، وهو من \"شواهد سيبويه\"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة. \"الكتاب\" ١/ ١٨٧، وكذا في \"المقتضب\" ٤/ ١٤٦، وفي \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦١، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤١، \"المنصف\" ١/ ٦٧، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٢٩، (الخزانة) ٦/ ٢٥، (شرح المفصل) ٣/ ١٥٤ - ١٥٥، (همع الهوامع) ١/ ٦٨، ٤/ ٣٨٠، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٩٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٧٦، \"معجم البلدان\" ٤/ ٢٧٢، قال ياقوت: فلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة. وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم. فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد.\n(٧) انظر \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦١، وانظر \"الكشاف\" ١/ ١٩٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٠.\n(٨) ذكر نحوه الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٩، وانظر \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٦.\n(٩) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٩٣ - ١٩٤. وقد رد على ابن قتيبة \"الطبري\" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: ﴿كمثل الذي استوقد نارا﴾ بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ [الزمر: ٣٣]. وكما قال الشاعر: فإن الذي ... البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت .... وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها). \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤١، وانظر \"البحر\" ١/ ٧٧، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١): ص ١/ ٥١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢): ص ١/ ٥١.\n(١٣) \"تهذيب اللغة\" (ضاء) ٣/ ٢٠٧٧.\n(١٤) البيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في \"الكامل\" ٣/ ١٢٩، \"الحماسة بشرح المرزوقي\" ٤/ ١٥٩٨، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٧، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٧٥، \"الصناعتين\" ص ٣٦٠، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٩٥، \"اللسان\" (خضض) ٢/ ١١٨٦، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٥. [حاشية التفسير البسيط: ٢/ ١٨٧ - ١٨٨].","vol":"2","page":96},{"text":"أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه\nويقال: ضاءت النار، وأضاءت، لغتان (١)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (٢)، والذي في الآية واقع\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، \"أي أطفأهم الله بالكلية، فتلاشت النار وعُدم النور\" (٤).\nقال مجاهد: \"ذهاب نورهم: إقبالهم إلى الكفار والضلالة\" (٥).\nوقوله ﷿: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فيه وجهان (٦):\nأحدهما: نور المستوقِد، لأنه في معنى الجمع، وهذا قول الأخفش.\nوالثاني: بنور المنافقين، لأن المثل مضروب فيهم، قاله الزجاج (٧) والفراء (٨)، وإليه ذهب الطبري (٩)، وهو قول الجمهور.\nوفي ذهاب نورهم، وجوه:\nأحدها: إقبالهم إلى الكافرين والضلالة. قاله مجاهد (١٠)، والربيع (١١)، وابن زيد (١٢)، وروي عن ابن عباس (١٣) مثل ذلك.\nوالثاني: ذهب الله بنورهم عند الموت، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه. قاله قتادة (١٤)، وروي عن ابن عباس (١٥) مثلل ذلك.\nوفي المراد بـ ﴿نورهم﴾ وجهان (١٦)\nأحدهما: أنه عَنّى إيمانهم الذي تكلموا به وأظهروه للنبي -ﷺ-. قاله الضحاك (١٧).\nوالثاني: ذهب الله بنورهم في الآخرة، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها. وهو قول الأصم (١٨).\nقوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ \"أي: وأبقارهم في ظلماتٍ كثيفة وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون\" (١٩).\nروي عن ابن عباس: \" ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، يقول: في عذاب (٢٠) إذا ماتوا\" (٢١).\n_________\n(١) انظر \"الصحاح\" (ضوأ) ١/ ٦٠، \"تهذيب اللغة\" (ضاء) ٣/ ٢٠٧٧، \"اللسان\" (ضوأ) ٥/ ٢٦١٨.\n(٢) انظر: \"القرطبي\" في: \"تفسيره\" ١/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ١٨٧ - ١٨٨، وقوله واقع: أي متعد، وقيل: لازم، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٤، \"الكشاف\" ١/ ١٩٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٣): ص ١/ ٥١.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٠.\n(٧) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٥٩.\n(٨) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٥.\n(٩) أنظر: تفسيره: ١/ ٣٤٢. والمعنى عند \"الطبري\": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم) \". وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي). انظر: \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٣.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٣٩٣)، و(٣٩٤)، و(٣٩٥): ص ١/ ٣٢٤، وابن أبي حاتم (١٦٣): ص ١/ ٥١.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٣٩٦): ص ١/ ٣٢٤.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٣٩٧): ص ١/ ٣٢٤.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٣٨٦)، و(٣٨٨): ص ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٣٩٠)، و(٣٩١): ص ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣، وابن أبي حاتم (١٦٤): ص ١/ ٥١.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٣٨٧): ١/ ٣٢١.\n(١٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٠.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٥): ص ١/ ٥١.\n(١٨) نقله عنه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٨٠.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٢٠) أخرجه الطبري (٣٨٧): ص ١/ ٣٢١.\n(٢١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٧): ص ١/ ٥٢. بزيادة\"إذا ماتوا\".","vol":"2","page":97},{"text":"وعنه كذلك: \" ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾: أي لا يبصرون الحق يقولون\" (١).\nوفي قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، قولان (٢):\nأحدهما: معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به.\nوالثاني: أنه لم يخرجهم منه، كما يقال تركته في الدار، إذا لم تَخرجْهُ منها، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالًا، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة، فهو أقل بصرًا ممن لم يزل في الظلمة، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين.\nوفيما كانوا فيه من الضياء، وجعلوا فيه من الظلمة قولان (٣):\nأحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم. روي نحوه عن ابن مسعود (٤)، والضحاك (٥).\nوالثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة، وهذا قول ابنِ عباسٍ (٦) وقتادةَ (٧) وروي عن الحسن (٨) مثل لك.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾: إذ جمعها لتضمنها ظلمات عديدة (٩):\n١ - ظلمة الليل؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت نارًا بالنهار فإنها لا تضيء.\n٢ - ظلمة الجو إذا كان غائمًا.\n٣ - الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة؛ و(لَا يُبْصِرُونَ) تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى: (فِي ظُلُمَاتٍ) دال على شدة الظلمة (١٠).\nقال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، \"فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلى العمى، بمن استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله، فبينا هو كذلك إِذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغيَّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالةً على أنهم آمنوا ثم كفروا\" (١١)، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إِلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة (١٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالًا محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا، كما قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١): ص ١/ ٥٢.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٠.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٠.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٣٨٨): ص ١/ ٣٢٢.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٩): ص ١/ ٥٢، ونحوه في تفسير الطبري (٣٩٢): ص ١/ ٣٢٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٣٧٨): ص ١/ ٣٢١.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٣٩١): ص ١/ ٣٢٣.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٠): ص ١/ ٥٢.\n(٩) ينظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٥٦.\n(١٠) ينظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٥٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٧.\n(١٢) أنظر: صفوة التفاسير: ١/ ٣١.","vol":"2","page":98},{"text":"٢ ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس.\n٣ ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقًا، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول.\n٤ ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾: الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ [المنافقون: ٣].\n٥ ومنها: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات.\n٦ ومنها: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، كأنه أخذه قهرًا.\nفإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟\nفالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد ﷿ بسببهم؛ وتذكَّر دائمًا قول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]. حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه\n٧ ومن فوائد الآيتين: تخلي الله عن المنافقين؛ لقوله تعالى: [وتركهم]\nويتفرع على ذلك: أن من تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح؛ لقوله تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون)\nالقرآن\n﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨]\nالتفسير:\nهم صُمٌّ عن سماع الحق سماع تدبر، بُكْم عن النطق به، عُمْي عن إبصار نور الهداية؛ لذلك لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه، واستعاضوا عنه بالضلال.\nقوله تعالى: ﴿صُمٌّ﴾ [البقرة: ١٨]، \"أي هم كالصم لا يسمعون خيرًا\" (١).\nقال ابن عباس: \" لا يسمعون الهدى\" (٢). وروي نحوه عن السدي (٣)، وقتادة (٤)، وأبي مالك (٥).\nو(الصمم) في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، (٦) قال الشاعر (٧):\nفليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب\nقوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]، \" أي\" كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم\" (٨).\nقال قتادة: \" بكم عنه [أي الحق]، فهم لا ينطقون به\" (٩).\nوقال أبو مالك:، قوله: ﴿بكم﴾، يعني خرسا عن الكلام بالإيمان، فلا يستطيعون الكلام\" (١٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٢): ص ١/ ٥٢.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣): ص ١/ ٥٣.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤): ص ١/ ٥٣.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٥): ص ١/ ٥٣.\n(٦) انظر: اللسان معجم مقاييس اللغة مادة (بكم).\n(٧) البيت للحصين بن الحمام، ورد في معجم مقاييس اللغو: مادة (بكم)، وانظر: سيرة ابن هشام: ١/ ٩٢، وبكيم: أخرس. ومجرى الكواكب: فلكها الذي تدور فيه.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤): ص ١/ ٥٢.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٥): ص ١/ ٥٣.","vol":"2","page":99},{"text":"قوله تعالى: ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، \"أي: كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله\" (١).\nقال ابن عباس: \"لا يبصرونه\" (٢). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (٣)، وقتادة\" (٤).\nوالعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] (٥).\nوليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (٦):\nأصم عما ساءه سميع\nأي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره.\nوقال آخر (٧):\nوَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ\nوقال مسكين الدارمي (٨):\nأَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ\nوَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ\nفوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.\nقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، \"أي: لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \" عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية، أي: بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به\" (١١).\nوتعددت عبارات أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] على وجوه:\nأحدها: معناه: \" لا يرجعون إلى هدى\" قاله ابن عباس (١٢). وكذلك فسره الربيع بن أنس (١٣)، والسدي (١٤).\nوالثاني: معناه: \" أي لا يتوبون ولا يذكرون\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي لا يرجعون الى الهدى والاسلام (١٦)، لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال كالنصارى ونحوهم، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعًا منهم (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٢): ص ١/ ٥٢.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣): ص ١/ ٥٢.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤)، و(١٧٦): ص ١/ ٥٢. ولفظه: \" عمي عنه [أي الحق]، فهم لا يبصرونه\".\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢١٤.\n(٦) انظر: مجمع الأمثال، أبو هلال العسكري: ٧٦.\n(٧) حماسة البحترى: ١٧٢. (وعوراء الكلام)، وكانت في المخطوطة: و(عوراء اللام)، وكأن الصواب ما في الحماسة. و(العوراء)، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد.\n(٨) أمالي المرتضى ١: ٤٣: ٤٤ ثم ٤٧٤، من قصيدة رواها وشرحها، وخزانة الأدب ١: ٤٦٨، وصواب رواية البيت الأول: (جارتى الخدر)، لأن قبله: ما ضر جارى إذ أجاوره أن لا يكون لبيته ستر، ورواية الشطر الثاني: (سمعى، وما بى غيره وقر)، بغير إقواء.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ١٦١.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٦١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٧): ص ١/ ٥٣ ..\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ١/ ٥٣.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٨): ص ١/ ٥٣. ولفظه: \" فهم لا يرجعون إلى الإسلام\".\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٩): ص ١/ ٥٣.\n(١٦) ينظر تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.\n(١٧) تفسير السعدي: ١/ ٤٤.","vol":"2","page":100},{"text":"وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة: ﴿صمًا بكمًا عميًا﴾، فيجوز النصب على الذم، كما قال تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]، وكما قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، ومن ذلك قول عروة بن الورد (١):\nسقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور\nفنصب \"عداة الله\" على الذم. فالوقف على \"يبصرون\" على هذا المذهب صواب حسن. ويجوز أن ينصب صما بـ ﴿تركهم﴾، كأنه قال: وتركهم صما بكما عميا، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على \"يبصرون\" (٢).\nالفوائد:\n١ - ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: ٢١)\n٢ - ومنها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق. كالأبكم.\n٣ - ومنها: أنهم لا يبصرون الحق. كالأعمى.\n٤ - ومنها: أنهم لا يرجعون عن غيِّهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين، وأصحابًا للكافرين: هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن؛ ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه.\nالقرآن\n﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩]\nالتفسير:\nأو تُشْبه حالُ فريق آخر من المنافقين يظهر لهم الحق تارة، ويشكون فيه تارة أخرى، حالَ جماعة يمشون في العراء، فينصب عليهم مطر شديد، تصاحبه ظلمات بعضها فوق بعض، مع قصف الرعد، ولمعان البرق، والصواعق المحرقة، التي تجعلهم من شدة الهول يضعون أصابعهم في آذانهم؛ خوفًا من الهلاك، والله تعالى محيط بالكافرين لا يفوتونه ولا يعجزونه.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، \"أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قومٍ أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوبٍ بالبرق والرعد والصواعق\" (٣).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، على قولين:\nأحدهما: أنه المطر: قاله ابن عباس (٤). قال ابن أبي حاتم: \"وكذلك فسره أبو العالية والحسن وسعيد بن جبير (٥) ومجاهد (٦)، وعطاء وعطية العوفي، وقتادة (٧)، وعطاء الخراساني والسدي والربيع بن أنس\" (٨).\nوالثاني: أنه: السحاب. قاله الضحاك (٩)، ومنه قول علقمة بن عبدة (١٠):\nكَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ\nفَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ ... سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ\n_________\n(١) ديوانه ط بيروت ص ٣٢ برواية: \" سقوني النسء \" يقال لكل مسكر نسء.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢١٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٤) أنظر: ابن أبي حاتم (١٨٠): ص ١/ ٥٤.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٥٤.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٥٤.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٥٤.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حان: ص ١/ ٥٤.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨١): ص ١/ ٥٤.\n(١٠) ديوانه: ٢٩، ط. دار صادر، ١٩٩٦. أي أنّ الطير التي لم تستطع أن تطير فزعًا ورعبًا دبّت دبيبًا تطلب النجاة.","vol":"2","page":101},{"text":"و(السماء): كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر، سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت: (١)\nديار من بني الحَسْحَاس قَفْر ... تُعفِّيها الرَّوامِسُ والسماءُ\nفقوله: السماء: أي المطر.\nوقال معاوية بن مالك (٢):\nإذا سقط السماءُ بأرض قوم ... رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضابا\nأراد للسماء المطر، لقربه من السماء (٣).\nويسمى الطين والكلأ أيضا سماء، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والطين، ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه، وينسب لطفيل الغنوي (٤):\nوأحمرَ كالدِّيباج أما سماؤُه ... فرَيَّا وأما أرضه فمُحُولُ\nوالسماء: ما علا. والأرض: ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه.\nقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩]، \"أي في ذلك السحاب ظلماتٌ داجية\" (٥).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩]، على أوجه:\nأحدهما: فيه ابتلاء. قاله ابن عباس (٦).\nوالثاني: \"أي هم في ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل- على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب\". قاله ابن عباس (٧).\nوالثالث: الظلمة، والضلالة. قاله الضحاك (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: \" ورعدٌ قاصف\" (٩).\nوفي تفسير قوله تعالى ﴿وَرَعْدٌ﴾ [البقرة: ١٩] ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الرعد: التخويف. قاله. ابن عباس (١٠).\nوالثاني: إن الرعد ريح. قاله أبو الجلد (١١).\n_________\n(١) ديوان حسّان بن ثابت، وليد عرفات: ١/ ٨٠. بنو الحسحاس: قوم من العرب، أولاد الحسحاس بن مالك بن عدي بن النجار. قال ابن فارس: الحسحاس: الرجل الجواد، والروامس: الرياح التي ترمس الآثار فتسوي بها الأرض، والسماء: المطر.\n(٢) المفضليات، المفضل الضبي، تحقيق: احمد شاكر وعبدالسلام محمد هارون، دار المعارف/ مصر، ط ٦، ١٩٧٩: ص ٣٥٩.\n(٣) تكررت لفظة (السماء) بالإفراد في القرآن الكريم (١٢٠) مرة:\n١ - منها ثمان وثلاثون (٣٨) يفهم من مدلولها الغلاف الغازي للأرض بسحبه ورياحه وكسفه؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، علمًا بأن السحاب يتحرك في نطاق المناخ الذي لا يتعدي سمكه (١٦) كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر عند خط الاستواء، والذي يحوي أغلب مادة الغلاف الغازي للأرض (٧٥% بالكتلة) والقرآن الكريم يشير إلي إنزال الماء من السماء في أكثر من آية، وواضح أن المقصود بالسماء هنا هو السحاب أو النطاق المحتوي علي السحاب والمعروف علميا بنطاق المناخ.\n٢ - واثنتان وثمانون (٨٢) آية يفهم منها أن المراد السماء الدنيا غالبًا، التي تحوي النجوم والكواكب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]. [للاستزادة في الموضوع راجع: مقال (\"والسماء ذات الرجع\" في ضوء علوم الفضاء) للأستاذ الدكتور مسلم شلتوت أستاذ بحوث الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، ومقال \"والسماء ذات الرجع\" أ. د زغلول النجار].\n(٤) البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحقات شعره ص ٦٢؛ وشمس العلوم ١/ ٧٢. وعجزه في المجمل ٢/ ٩٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٢): ص ١/ ٥٤.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٣): ص ١/ ٥٤.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٤): ص ١/ ٥٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٦): ص ١/ ٥٥.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٧): ص ١/ ٥٥، وتفسير الطبري (٤٣٧)، و(٤٣٨): ص ١/ ٣٤١ - ٣٤٢.","vol":"2","page":102},{"text":"والثالث: أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه، فَسُمِّيَ الصوتُ رعدًا باسم ذلك المَلك، قاله أبو خطاب البصري (١)، وابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والخليل، وروي عن أبي صالح (٥) وقتادة (٦)، وعلي بن أبي طالب (٧)، مثل ذلك.\nو(الرعد) (٨): هو الصوت الذي يسمع من السحاب، وروي \"أنه ملك يسوق السّحاب\" (٩)، وقيل رَعَدَتِ السّماءُ وبرقت، وأَرْعَدَتْ وأبرقت، ويكنّى بهما عن التّهدّد. ويقال: صلف تحت رَاعِدَةٍ (١٠): لمن يقول ولا يحقّق. والرِّعْدِيدُ: المضطرب جبنا، وقيل: أُرْعِدَتْ فرائصه خوفا (١١).\nقوله تعالى: ﴿وبرقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: \" وبرقٌ خاطف\" (١٢).\nقال ابن زيد: \" هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنارَ هذا بنور هذا البرق\" (١٣).\nوقال عطاء: \" مثَل ضُرِبَ للكافر\" (١٤).\nقال الضحاك: \"البرق فالإيمان. عني بذلك أهل الكتاب\" (١٥).\nوفي تفسير (البرق) أقوال:\nأحدهما: أن البرق ماء. قاله ابن عباس (١٦).\nوالثاني: أن البرق مخاريق الملائكة. قاله. علي (١٧)، وابن عباس (١٨)، وروي عن أبي هريرة (١٩) والربيع (٢٠)، وكعب (٢١) ومجاهد (٢٢)، وابن جريج (٢٣)، مثل ذلك.\nوالثالث: وقيل: هو سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحابَ. قاله ابن عباس (٢٤).\nقال الطبري: \" وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد. وذلك أن تكون المخاريقُ التي ذكر عليّ ﵁ أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٤٢٣): ص ١/ ٣٣٩.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٤٢٤)، (٤٢٥)، و(٤٢٦)، و(٤٢٧)، و(٤٣٤)، و(٤٣٦): ص ١/ ٣٣٩ - ٣٤١.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٤١٩)، و(٤٢٠)، و(٤٢١)، و(٤٢٩)، و(٤٣٢): ص: ١/ ٣٣٨ - ٣٤٠.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٤٢٩)، و(٤٣١)، و(٤٣٥): ص ١/ ٣٤٠ - ٣٤١.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٤٢٢): ص ١/ ٣٣٨.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٤٣٠): ص ١/ ٣٤٠.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٤٣٣): ص ١/ ٣٤٠.\n(٨) ينظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب: ٣٥٧.\n(٩) أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء ... ثم قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكّل بالسحاب، بيده مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ... إلخ. انظر: الدر المنثور ٤/ ٦٢١، وعارضة الأحوذي ١١/ ٢٨٤ وقال الترمذي حسن غريب، ومسند أحمد ١/ ٢٧٤.\n(١٠) هذا مثل يقال للذي يكثر الكلام ولا خير عنده. انظر: المجمل ٢/ ٣٨٥، والمستقصى ٢/ ٩٦.\n(١١) ينظر: المجمل ٢/ ٣٨٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١٣) أخرجه الطبري (٤٦٢): ص ١/ ٣٥١.\n(١٤) أخرجه الطبري (٤٦٤): ص ١/ ٣٥١.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٥): ص ١/ ٥٥، وتفسير الطبري (٤٦٠): ص ١/ ٣٥٠.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٨): ص ١/ ٥٥. وتفسير الطبري (٤٤٣)، و(٤٤٤): ص ١/ ٣٤٣، وفي رواية اخرى عنه عند ابن أبي حاتم: (١٨٩): ص ١/ ٥٥: \" البرق من تلالؤ الماء\".\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠): ص ١/ ٥٥، وتفسير الطبري (٤٣٩): ص ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(١٨) تفسير الطبري (٤٤٠): ص ١/ ٣٤٣.\n(١٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩١): ص: ١/ ٥٦.\n(٢٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٢): ص: ١/ ٥٦.\n(٢١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٣): ص: ١/ ٥٦.\n(٢٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤): ص: ١/ ٥٦.\n(٢٣) أنظر: تفسير الطبري (٤٥٠): ص ١/ ٣٤٤.\n(٢٤) أنظر: تفسير الطبري (٤٤٢): ص ١/ ٣٤٣.","vol":"2","page":103},{"text":"بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه، وذلك أن المِصَاعَ عند العرب، أصله: المجالَدَةُ بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به في حرب وغير حرب، كما قال أعشى بني ثعلبة، وهو يصف جَواريَ يلعبن بِحلْيهنَّ ويُجالدْن به (١):\nإِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ ... وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ\nيقال منه: ماصَعه مصاعًا. وكأن مجاهدًا إنما قال: \" مَصْعُ ملك \"، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك، وإنما الرعد هو المماصع له، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا\" (٢).\nو(البرق): وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب (كصيب) الصيب المطر، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف قال ﷿: (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) [القيامة/ ٧]، وقرئ: (برق) (٣)، وتصوّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان، والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين بَرْقَاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبَرُوقَة: شجرة تخضر إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أشكر من بروقة (٤).\nوبَرَقَ طعامه بزيت: إذا جعل فيه قليلا يلمع منه، والبارقة والأُبَيْرِق: السيف، للمعانه، والبُرَاق، قيل: هو دابة ركبها النبيّ ﷺ لمّا عرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْريق معروف، وتصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد: إذا تهدّد (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق﴾ [البقرة: ١٩]، \"أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم\" (٦).\nقال ابن مسعود: \" وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي ﷺ، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيقتَلوا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الموت﴾ [البقرة: ١٩]، أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة\" (٨).\nقال الثعلبي: أي: مخافة الموت\" (٩).\nقال القاسمي: أي: خوف الموت من سماعها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ [البقرة: ١٩]، \"أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوتُ من أحاط به الأعداء من كل جانب\" (١١).\nقال القاسمي: \" علما وقدرة فلا يفوتونه\" (١٢).\nقال الواحدي: \" والله مهلكهم وجامعهم في النار\" (١٣).\n_________\n(١) ديوانه: ١٥، قال المحقق: \"وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جواري يلعبن بحليهن ويجالدن بها. وقد أخطأ المعنى. وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ. وذلك أن الأقران جمع قرن: وهو الذي يقارنك في القوة والشجاعة، وأراد به الرجال، وينازلن: أراد ما يكون منهن من المداعبة والممارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم. والجون، جمع جونة: وهي سلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب. ويقال أيضًا: \" جؤنة وجؤن \" بالهمز. وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء، يتخذن الزينة والطيب سلاحًا، فيتصدين للرجال ابتغاء الظفر والغلبة، والفتنة التي تصرع الألباب والعزائم، فيقع الرجال أسرى في أيديهن \". [حاشية تفسير الطبري: ١/ ٣٤٦].\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٣) وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيّين. انظر: الإتحاف ص ٤٢٨.\n(٤) انظر: المثل في المجمل ١/ ١٢١، وأساس البلاغة ص ٢٠، ومجمع الأمثال ١/ ٣٨٨.\n(٥) انظر: مفردات غريب القرآن، الراغب: ١١٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٧) أخرجه الطبري (٤٥٢): ص ١/ ٣٤٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ١٦٤.\n(١٠) محاسن التأويل: ١/ ٢٥٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١٢) محاسن التأويل: ١/ ٢٥٩.\n(١٣) التفسير البسيط: ٢/ ٢٠٩، وذكره \"الطبري\" عن مجاهد انظر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٥ أ، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٩٣، في تفسيره والبغوي ١/ ٧٠، (أضواء البيان) ١/ ١١٤.","vol":"2","page":104},{"text":"وقال الثعلبي: \" أي عالم بهم، يدل عليه قوله: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] \" (١).\nو(الإحاطة)، تستعمل بمعان عديدة، منها (٢):\nأحدها: العلم، كقوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: لم يشذ عن علمه شيء (٣).\nوالثاني: القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (٤)، فلا محيص لهم عنه.\nوالثالث: الهلاك، أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو محاط به، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (٥). ومنه قوله: وله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي تهلكوا جميعًا (٦).\nوفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل (٧):\nأحدها: أنه مَثَلٌ للقرآن، شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر، وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل، والدعاء إلى الجهاد في العاجل، وهذا المعنى عن ابن عباس (٨).\nوالثاني: أنه مَثَلٌ، لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل.\nوالثالث: أنه ضَرَبَ الصيِّب مَثَلًا بظاهر إيمان المنافق، ومثل ما فيه من الظلمات بضلالته، وما فيه من البرق بنور إيمانه، وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. قاله ابن عباس (٩).\nوقد اختلف العلماء في هذا المثل، هل هو لطائفتين من المنافقين أم لطائفة واحدة (١٠):\nالقول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا بمعنى الواو، فالمعنى على هذا أن للمنافقين مثلين، مثل الذي استوقد نارًا، ومثل أصحاب الصيب، وكون (أو) تأتي بمعنى (الواو) صحيح كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].\nالثول الثاني: وذهب البعض إلى أن (أو) هنا للتنويع، فمن المنافقين من مثله مثل الذي استوقد نارًا، ومنهم من مثله كمثل أصحاب الصيب، والذي يؤيد هذا القول أن المنافقين أصناف، والكفار أصناف.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، أي: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر (١١).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿والله محيط بالكافرين﴾.\n٢. إن عدم التفات الكفار للنفع الحقيقي، وهو منهج الله، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله ﷾ في الدنيا والآخرة.\nالقرآن\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ٢٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٦٤.\n(٢) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٣) انظر \"الصحاح\" (حوط) ٣/ ١١٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٠.\n(٤) انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٥ أ، و\"الطبري\" في تفسيره ١/ ١٥٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (حاط) ١/ ٧٠٧.\n(٦) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٥٥.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٢ - ٨٣.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٤٥٤): ص ١/ ٣٤٧، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٠، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٩٢.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٤٥٣): ص ١/ ٣٤٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ١/ ٣٣٦.\n(١١) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٦.","vol":"2","page":105},{"text":"يقارب البرق -من شدة لمعانه- أن يسلب أبصارهم، ومع ذلك فكلَّما أضاء لهم مشَوْا في ضوئه، وإذا ذهب أظلم الطريق عليهم فيقفون في أماكنهم. ولولا إمهال الله لهم لسلب سمعهم وأبصارهم، وهو قادر على ذلك في كل وقتٍ، إنه على كل شيء قدير.\nقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، \"أي يقارب البرقُ لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان\" (٢).\nوقال ابن عطية: \"كاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم\" (٤).\nوعنه أيضا: \": \"يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين\" (٥).\nو(الخطف): الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته، فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠]، فيه وجهان من القراءة (٧):\nأحدهما: ﴿يخْطَف﴾، بفتح الطاء، قرأ بها علي بن الحسين ويحيى بن وثاب والحسن، وهي اللغة الجيدة.\nوالثاني: ﴿يخْطِف﴾ بكسر الطاء، قرأ بها يونس، قال الأخفش: \" وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف\" (٨).\nقال أبو علي: \"حدثنا أحمد بن موسى: قال: اتفقوا على يَخْطَفُ [البقرة: ٢٠]، أنّ طاءه مفتوحة\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠]، \"أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه\" (١٠).\nقال الراغب: كلما\" رأوا لامعًا لهم إما راشدا تدركه بصائرهم وإما رفدًا ينفعهم اهتزوا له، فمضوا بنوره\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه\" (١٢).\nقال الواحدي: كلما\" كثرت الغنائم، وأصابوا الخير، رضوا به\" (١٣).\nقال ابن عباس: \"إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا\" (١٤).\nوعنه أيضا: \" كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًّا اطمأنوا\" (١٥).\nوروي عن ابن مسعود: \" فإذا كثرت أموالهم، ووُلد لهم الغلمان، وأصابوا غنيمةً أو فتحًا، مشوْا فيه، وقالوا: إن دين محمد ﷺ دينُ صدق. فاستقاموا عليه\" (١٦).\nوقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها\" (١٧).\nقال الواحدي: \" كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين\" (١٨).\nوقرأ ابن أبي عبلة: ﴿كلما ضاء﴾، بغير همز، وهي لغة (١٩)، وفي مصحف أُبيّ: ﴿مرّوا فيه﴾، وفي مصحف ابن مسعود: ﴿مضوا فيه﴾ (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]، \"أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم\" (٢١).\nقال الراغب: \"ثم بين أنه إن اعترض لهم شبهة أو عن لهم مصيبة تحيروا، فوقفوا\" (٢٢).\nقال ابن كثير: \" وتارة تعْرِض لهم الشكوك، أظلمت قلوبَهم، فوقفوا حائرين\" (٢٣).\nقال ابن عباس: \"وإذا سمعوا شيئًا من شرائع النبي ﷺ مما يكرهون وقفوا عنه\" (٢٤).\nوعنه أيضا: \" وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر\" (٢٥).\nقال الواحدي: \" ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم﴾: الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول\" (٢٦).\nقال ابن عطية: \" وقامُوا معناه ثبتوا، لأنهم كانوا قياما، ومنه قول الأعرابي: «وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره» يريد أثبت الدهر\" (٢٧).\nوقرأ يزيد بن قطيب والضحاك: ﴿وإذا أظلم﴾، بضم الهمزة وكسر اللام، مبنيًا للمفعول (٢٨).\nقال الراغب: \"والآية تأولت على وجهين:\nأحدهما: أنه شبه حال المتحرين الذين اشتروا الضلالة بالهدى بمن حصل في ليلة مطيرة ومظلمة راعدة بارقة يخاف من أهوالها وصاعقتها ويسد أذنه خوفًا من أن يصعق ويكون هذا في شغل الكلام بالمشبه به ووصفه بما يعظم من غير أن يكون في تفاصيل صفة المشبه به ما يرجع إلى المشبه طريقة العرب، على ذلك قول لبيد (٢٩):\nأَفَتِلْكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ... خَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَا\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٠.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٠٤.\n(٤) نقلا عن التفسير البسيط: ٢/ ٢١٢، ولم أجد هذِه الرواية عن ابن عباس، وفي \"الطبري\" عن الضحاك عن ابن عباس. قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل ١/ ١٥٨، \"وتفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٥٧، الدر\" ١/ ٧٣، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٥٧.\n(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٤٥٤): ص ١/ ٣٤٩.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٢.\n(٧) انظر: السبعة في القراءات: ١٤٨، والحجة للقراء السبعة: ١/ ٣٩٠، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٢٣.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٥٤.\n(٩) الحجة للقراء السبعة: ١/ ٣٩٠. وقد ذكر: في (يخطف) ستة أوجه موافقة للخط. أنظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ٥٤ - ٥٥، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٢٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٠٩.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٠.\n(١٣) التفسير البسيط: ٢/ ٢١٤. وذكر نحوه \"الطبري\"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا ....)، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٥٨، وانظر: \"تفسير الخازن\" ١/ ٧١، ٧٢، \"البحر\" ١/ ٩١.\n(١٤) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، \"زاد المسير\" ١/ ٤٦، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٩١، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه ١/ ١٩٥، وكذا \"القرطبي\" ١/ ١٩٣.\n(١٥) أخرجه الطبري (٤٥٤): ص ١/ ٣٤٧.\n(١٦) أخرجه الطبري (٤٥٢): ص ١/ ٣٤٦.\n(١٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٦ أ، وأخرجه \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٥، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير ١/ ٧٢، وقد ورد نحوه عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٥٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٥٩، \"الدر\" ١/ ٧٢.\n(١٨) التفسير البسيط: ٢/ ٢١٣.\n(١٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٠٤، والبحر المحيط: ١/ ٧١.\n(٢٠) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٠٤، والبحر المحيط: ١/ ٧١.\n(٢١) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٢٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٠٩.\n(٢٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٠.\n(٢٤) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، \"زاد المسير\" ١/ ٤٦، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٩١، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه ١/ ١٩٥، وكذا \"القرطبي\" ١/ ١٩٣.\n(٢٥) أخرجه الطبري (٤٥٤): ص ١/ ٣٤٧.\n(٢٦) التفسير البسيط: ٢/ ٢١٤. وذكر نحوه \"الطبري\"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا ....)، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٥٨، وانظر: \"تفسير الخازن\" ١/ ٧١، ٧٢، \"البحر\" ١/ ٩١.\n(٢٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٠٤.\n(٢٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٠٤، والبحر المحيط: ١/ ٧١.\n(٢٩) شرح المعلقات السبع: ٩٧.","vol":"2","page":106},{"text":"فشبه الناقة بالوحشية ثم ذكر أنها مسبوعة مخذولة، ولا اختصاص للناقة بهذا الوصف.\nوالثاني: أنه شبه ما أتى الله الإنسان من المعاون التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي فيه خياة كل ذي حياة، وما فيه من المشاق المبهمة والعوارض المشكلة بظلمات، وجمع الظلمات تنبيهًا على كثرة العوارض، وشبه ما فيه من الوعيد بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، ثم ذكر كل واحد من هذه الأشياء فقال: إذا سمعوا وعيدًا تصاموا عنه كحال من تهوله الرعد فيخاف من صواعقه، فيسد أذنه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهذا معنى قوله: \" ﴿الله محيط بالكافرين﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، أي: لو أراد الله\" لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم\" (٢).\nقال الشوكاني: ذهب بهما\" بالزيادة في الرعد والبرق\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق\" (٤).\nقال الصابوني: \"أي: لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم\" (٥).\nقال الراغب: تنبيه\" على أنهم يصرفون أسماعهم وأبصارهم عما فيه نجاتهم وتأمل ما فيه صلاحهم وإنما جعل الله لهم السمع والأبصار لينفعهم ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي أنفسهم عليها يسدهما وتعطيلهما، وذلك تنبيه على أنه إنما أعطاهم هذه الآلات لينتفعوا بها\" (٦).\nقال أبو العالية: \" ذكر أسماعهم وأبصارهم التي عاثوا بها في الناس\" (٧).\nقال القرطبي: \" ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان\" (٨).\nوقرى ﴿بأسماعهم﴾، على الجمع (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، \" أي: لا يعتريه عجز في كل شيء فعله\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير\" (١١).\nقال ابن عباس: \" أي لما تركوا من الحق بعد معرفته، إن الله على كل شيء قدير\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \"فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب: فيذهب السمع بدون صواعق، والبصر بدون برق\" (١٣).\nقال القرطبي: \" وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر\" (١٤).\nقال الطبري: \" وإنما وصف الله نفسه جل ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ثم قال: فاتقوني أيها المنافقون واحذروا خداعي وخداع رسولي وأهل الإيمان بي لا أحل بكم نقمتي فإني على ذلك وعلى غيره من\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٣٦٠.\n(٣) الفتح القدير: ١/ ٤٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٠٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢١٢): ص ١/ ٥٩.\n(٨) تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٤.\n(٩) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٤.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢١٤): ص ١/ ٥٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢١٣): ص ١/ ٥٩.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٩.\n(١٤) تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٤.","vol":"2","page":107},{"text":"الأشياء قدير. ومعنى قدير: قادر، كما معنى عليم: عالم، على ما وصفت فيما تقدم من نظائره من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم قَامُوا﴾، وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين، وفيه تأويلان (٢):\nأحدهما: معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه، وإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه.\nوالثاني: معناه كلما غنموا وأصابوا من الإسلام خيرًا، اتبعوا المسلمين، وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيرًا، قعدوا عن الجهاد.\nالفوائد:\n١ - ومنها: أن البرق الشديد يخطف البصر؛ ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره.\n٢ - ومنها: أن من طبيعة الإنسان اجتناب ما يهلكه؛ لقوله تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا)\n٣ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم)\n٤ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله ﷿ أن يمتعه بسمعه، وبصره؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾؛ وفي الدعاء المأثور: \"متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا\" (٣).\n٦ - ومنها: أن من أسماء الله أنه قدير على كل شيء.\n٧ - ومنها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهو جلّ وعلا قادر على إيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد، والفاسد إلى صالح، وغير ذلك\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]\nالتفسير:\nأيها الناس (الكفار والمؤمنون) اخضعوا وذلوا لله ﷾، الذي أوجدكم من العدم، وأوجد من قبلكم من الأمم الماضية، إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى.\nأخرج أبو الحسن الواحدي \" عن علقمة قال: كل شيء نزل فيه: ﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني يعني أن يا أيها الناس خطاب أهل مكة و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطاب أهل المدينة قوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ خطاب لمشركي مكة إلى قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا﴾، وهذه الآية نازلة في المؤمنين وذلك أن الله تعالى لما ذكر جزاء الكافرين بقوله: ﴿النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ ذكر جزاء المؤمنين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، أي: يا أيها الناس، تذللوا لربكم بالطاعة (٥).\nقال ابن عباس: \"أي: وحدوا ربكم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواهي ذلًا تامًا ناشئًا عن المحبة، والتعظيم؛ و\"الرب\" هو الخالق المالك المدبر لشؤون خلقه\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٣٨٣.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٣.\n(٣) أخرجه الترمذي ص ٢٠١٢، كتاب الدعوات، باب ٧٩: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ...، حديث رقم ٣٥٠٢، قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن [٣/ ١٦٨، حديث رقم ٢٧٨٣].\n(٤) أسباب نزول القرآن: ٢٣.\n(٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٦): ص ١/ ٦٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\nوفي هذه الآية وجوب عبادة الله ﷿، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١، ٢]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥]\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ [يونس: ٢٣]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾ [يونس: ١٠٤]\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ [يونس: ١٠٨]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾ [الحج: ٤٩]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣]\n﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]\nكانت هذه رسائل ونداءات ربانية عظيمة تنتظم النور الرباني للناس جميعا، ولكل الأمم في كل العصور، ترسم معالم الدين والحياة بالحقائق الكبرى عن هذا الوجود.","vol":"2","page":109},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] النداء هنا وجِّه لعموم الناس مع أن السورة مدنية؛ والغالب في السور المدنية أن النداء فيها يكون موجهًا للمؤمنين، والله أعلم بما أراد في كتابه؛ ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جعلت في السورة المدنية؟\nفالجواب: أن الأصل عدم ذلك - أي عدم إدخال الآية المكية في السور المدنية، أو العكس؛ ولا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح؛ وعلى هذا فما نراه في عناوين بعض السور أنها مدنية إلا آية كذا، أو مكية إلا آية كذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح؛ وإلا فالأصل أن السورة المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل ثابت (١).\nواختلف في ﴿الناس﴾، في قوله تعالى ﴿يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم﴾ [البقرة: ٢١]، على وجهين:\nأحدهما: أنه: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين (٢). قاله ابن عباس (٣).\nأي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم. قال الطبري: والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله- وحِّدوه، أي أفردُوا ربكم بالطاعة والعبادة دون سائر خلقه .. وكذا أمر سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراده بالربوبية والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة وسائر ما يُعبد من دونه وهو الراجح في تفسير الطاغوت في قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٦٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٩٥.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٥): ص ١/ ٦٠.","vol":"2","page":110},{"text":"﴾ [النحل: ٣٦] (١). يقول لهم: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفعٍ ولا ضرٍّ .. وإفراد الله تعالى بالعبادة من أجل تتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين ﵃. ﴿لعلكم تتقون﴾ (٢).\nوالثاني: وقيل المراد بالناس الكفار الذين لم يعبدوه، يدل عليه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] (٣).\nوالقول الأول أصح (٤)، لأنه هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، \"أي الذي \"أوجدكم من العدم\" (٦).\nوتجدر الإشارة بأن قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، صفة كاشفة تبين بعض معنى الربوبية؛ وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق، والثاني غير خالق؛ بل ربنا هو الخالق (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، \" يعني: وخلق الذين من قبلكم\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بـ \"من قبلنا\": سائر الأمم الماضية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، \"أي لأجل أن تتقوا الله ﷿\" (١٠).\nقال الضحاك: \" لعلكم تتقون النار بالصلوات الخمس\" (١١).\nواختلف في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] على وجهين (١٢):\nأحدهما: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة، لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. روي عن الضحاك (١٣) مثل ذلك.\nوالثاني: لغلكم تُطيعونه. قاله مجاهد (١٤).\nوقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، فيه ثلاثة تأويلات (١٥):\nأحدها: أن العرب استعملت \"لعل\" مجردة من الشك بمعنى لام كي (١٦)، فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، فـ (لعل) في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى بمعنى ترج وتوقع (١٧) والمعنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة، كما قال الشاعر (١٨):\nوَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ، لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ\n_________\n(١) قال السمرقندي في تفسيره: الشيطان والكاهن والصنم وكل من يدعو إلى ضلالة.\n(٢) [قال العلامة أحمد شاكر: يريد الطبري أن العرب تستعمل \"لعل\" أحيانا بغير معنى الشك، بمعنى لام الغاية = كي، كما قال ابن الشجري في أماليه]\n(٣) ينظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٥.\n(٤) وهو قول أكثر المفسرين: انظر تفسير الطبري: ١/ ٣٦٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٩٥.\n(٥) ينظر: تفسير السعدي: ١/ ٤٤.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(٧) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢١٩): ص ١/ ٦٠.\n(١٢) ينظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٦٤.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩): ص ١/ ٦٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٠): ص ١/ ٦٠.\n(١٥) ينظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(١٦) كما قال ابن الشجري في أماليه ١: ٥١.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٠٥.\n(١٨) لم أعرف قائلهما، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري، فيما أرجح، في أماليه ١: ٥١.","vol":"2","page":111},{"text":"فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ\nيريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن \" لعل \" في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق. وبه قال أكثر المفسرين.\nوالثاني: أن \"لعل\" على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا.\nوالثالث: أن تكون \"لعل\" بمعنى التعرض للشيء، كأنه قيل: افعلوا متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله \"لعلكم تتقون\" أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول العرب: اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول علي ﵁: كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي ﷺ، أي جعلناه وقاية لنا من العدو (١). وقال عنترة (٢):\nولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتقتني الخيل بابني حِذيم\nقال ابن عثيمين: \" \"لعل\" هنا للتعليل. أي لتصلوا إلى التقوى؛ ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله ﷿ في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤] \" (٣).\nوقد ذكر السمين الحلبي، إذا وردت (لعلّ)، في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال (٤):\nأحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه (٥).\nالثاني: للتعليل، قاله قطرب و\"الطبري\" وغيرهما (٦).\nوالثالث. أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء.\nوقال البعض: إن (لعل) إذا جاءت من الله فهي واجبة (٧).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: العناية بالعبادة؛ يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء؛ والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس مما يدل على أن العبادة أهم شيء؛ بل إنّ الناس ما خُلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: ٥٦)\n٢ ومنها: أن الإقرار بتوحيد الربوبية مستلزم للإقرار بتوحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾.\n٣ ومنها: وجوب عبادة الله ﷿ وحده. وهي التي خُلق لها الجن، والإنس؛ و\"العبادة\" تطلق على معنيين؛ أحدهما: التعبد. وهو فعل العابد؛ والثاني: المتعبَّد به. وهي كل قول، أو فعل ظاهر، أو باطن يقرب إلى الله ﷿.\n٤ ومنها: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾؛ فإن الرب ﷿ يستحق أن يُعبد وحده، ولا يعبد غيره؛ والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم ضراء، وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾ [لقمان: ٣٢]؛ لأن فطرهم تحملهم على ذلك ولابد.\n٥. ومن فوائد الآية: إثبات أن الله ﷿ هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: (الذي خلقكم والذين من قبلكم)\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٧.\n(٢) البيت لعنترة بن الشداد، انظر: شرح الديوان: ٢٢١.يصف الشاعر حسن بلائه في ساحة القتال إذ يضرب بسيفه اعداءه وخيولهم وهم مضرجون بالدم لشدة ما فعل بهم.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٣.\n(٤) أنظر: الدر المصون\" ١/ ١٨٩، وانظر \"تفسير الطبري: ١/ ١٦١، (الإملاء) ١/ ٢٣.\n(٥) أنظر: الكتاب: ٢/ ١٤٨، يقول: \"فإذا قلت: (لعل) فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهابه\". وقال: (لعل وعسى طمع واشفاق) ٤/ ٢٣٣. وانظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب.\n(٦) قال أبو حيان لا تكون بمعنى (كي) خلافا لقطرب وابن كيسان. \"البحر\" ١/ ٩٣.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب، \"وتفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٩.","vol":"2","page":112},{"text":"٦ ومنها: أن من طريق القرآن أنه إذا ذَكر الحكم غالبًا ذَكر العلة؛ الحكم: ﴿اعبدوا ربكم﴾؛ والعلة: كونه ربًا خالقًا لنا، ولمن قبلنا.\n٧ ومنها: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله ﷿؛ لقوله تعالى: (لعلكم تتقون).\n٨ وربما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعباد؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع: كيف نتوضأ، كيف نصلي .. يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد .. إلخ، إلا بعد الوحي.\n٩ ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. ﵀. على هذه المسألة بقوله: \"باب: العلم قبل القول، والعمل.\nالقرآن\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]\nالتفسير:\nجعل الله الأرض فراشًا موطئًا يستقر عليها استقرارًا كاملًا، وجعل السماء بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، وأنزل من السماء مطرًا عذبًا فراتًا أنزله سبحانه بقدرته، فأخرج بذلك المطر أنواع الثمر والفواكه والخضار، فلا تجعلوا لله أشباهًا ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون، وأنتم تعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في الألوهية والكمال.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: \" جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يُستقرّ عليها\" (١).\nعن قتادة: \" ﴿الذي جَعل لكم الأرض فراشًا﴾، قال: مهادًا لكم\" (٢). وروي عن الربيع بن أنس (٣) مثل ذلك.\nوقوله ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ معناه هنا (صير) لتعديه إلى مفعولين، ويأتي (جعل) بمعان أخرى منها (٤):\n١ - (جعل) يأتي معنى (خلق)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].\n٢ - ويأتي بمعنى (سمى)، ومنه قوله تعالى: ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ١ - ٣]. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] أي سموهم.\n٣ - ويأتي بمعنى (أخذ)، كما قال غلِّس بن لقيط الأسدي (٥):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٣٦٥.\n(٢) أخرجه الطبري (٤٧٦): ص ١/ ٣٦٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٤٧٧): ص ١/ ٣٦٦.\n(٤) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٨.\n(٥) البيت للشاعر مغلّس بن لقيط (جاهلي)، انظر: لخزانة/ ٥/ ٣٠١، وسيبويه/ ٢/ ٣٦٥، وشرح المفصل/ ٣/ ١٠٥، والأشموني/ ١/ ١٤١، والبيت من قصيدة يرثي بها أخاه، ويشتكي أخوين له وكان أخوه بارا به، واسمه أطيط، وكان الآخران يظهران له العداوة. والضغمة: العضة، يقول: جعلت نفسي تطيب لعضة أعضهما بها يقرع لها الناب العظم، والهاء في قوله: لضغمهماها عائدة على الضغمة. وجعل: فعل شروع، خبره جملة تطيب. والبيت استشهد به الرضي على أنّ الضمير الثاني إذا كان مساويا للأول شذّ وصله كما في البيت، فإنه جمع بين ضميري الغيبة في الاتصال، وكان القياس لضغمهما إياها. وقال سيبويه: إذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه، جاز وهو عربي، ولا عليك بأيهما بدأت .. وهذا ليس بالكثير في كلامهم والكثير في كلامهم أعطاه إياها. على أن الشاعر قال .. (البيت)، ولكن البيت يروى أيضا:\nوقد جعلت نفسي تهمّ بضغمة ... على علّ غيظ يقصم العظم نابها\nوهذه الرواية أولى بالاتباع، لأن قصيدة البيت فيها شكوى وألم ورقّة تعبير .. والبيت نفسه يمثل ذروة الانفعال العاطفي، ورواية النحويين فيها صناعة، تمنع من تدافع المعاني، وتعقّد الكلام.","vol":"2","page":113},{"text":"وقد جعلتْ نفسي تطيب لضَغْمَةٍ ... لضَغْمِهِماها يقرَعُ العظمُ نابُها\nضغمة: عضة، أراد بها الشدة.\n٤ - وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر:\nوقد جعلت أرى الاثنين أربعة ... والواحد اثنين لما هدني الكبر\nوقد قيل في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: إنها زائدة، وجعل واجتعل بمعنى واحد، قال بشر بن أبي خازم (١):\nناط أمر الضعاف واجتعل الليـ ... ـل كحبل العاديّة الممدود\nأي: يسير الليل كله لا ينثني.\nقال الواحدي: \" الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي: بسطت، وهذا كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته ﷿؛ جعل الله لنا الأرض فراشًا مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقرارًا كاملًا مهيأة له يستريح فيها. ليست نشَزًا؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿والسماء بِنَآءً﴾ [البقرة: ٢٢]، \" أي وسقفًا للأرض مرفوعًا فوقها كهيئة القبة\" (٤).\nقال ابن مسعود: \" فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض\" (٥).\nوقال قتادة: \" جعل السماء سَقفًا لكَ\" (٦).\nوإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ (١)، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق (٧):\nسَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ ... وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ\nوكما قال نابغة بني ذُبيانَ (٨):\nسَمَتْ لِي نَظْرَةٌ، فَرَأيتُ مِنْهَا ... تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ\nيريد بذلك: أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت، فكذلك السماء سُميت للأرض: سماءً، لعلوها وإشرافها عليها (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: \" أنزل من السماء مطرًا\" (١٠).\nقال الصابوني: \"أي: مطرًا عذبًا فراتًا أنزله بقدرته من السحاب\" (١١).\n_________\n(١) شرح المفضليات: ٦٤٢. ناط: حمل وكفى، العادية: البئر القديمة.\n(٢) التفسير البسيط: ٢/ ٢٢٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦١ - ١٦٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٤٧٨): ص ١/ ٣٦٧.\n(٦) أخرجه الطبري (٤٧٩): ص ١/ ٣٦٧.\n(٧) ديوانه: ٧٣٥، والنقائض: ٦٠٠. ونجران: أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة. وذكر نجران، على لفظه وأصل معناه، والنجران في كلام العرب: الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب. وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته. والمقاول: جمع مقول. والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير. يقول: هي أرض عز عزيز، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم.\n(٨) ديوانه: ٨٦، وروايته: \" صفحت بنظرة \". وقوله \" صفحت \"، أي تصفحت الوجوه بنظرة، أو رميت بنظرة متصفحًا. والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش. والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهو الهودج. ووضع الشيء: ألقاه. وتحيت: تصغير \" تحت \"، وصغر \" تحت \"، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده. وقبله: فَلَوْ كَانَتْ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَنَّتْ ... وَقَدْ رَفَعُوا الْخُدُورَ عَلَى الْخِيَامِ\nصَفَحْتُ بنظرةٍ. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nتَرَائِبَ يستضئُ الحليُ فيها ... كَجمْرِ النارِ بُذِّرَ فِي الظَّلامِ\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٦٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ١/ ٣٦٧.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.","vol":"2","page":114},{"text":"قال الواحدي: \"فإن قيل: كيف قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء، كقول الشاعر (١):\nأَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ ... كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ\nأي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) (٢) لم يكن من باب حذف المضاف\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: أي: \" فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات\" (٤).\nقال الصابوني: \"أي: فأخرج بذلك المطر أنواع الثمار والفواكه والخضار \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: \" عطاء لكم\" (٦).\nقال الصابوني: أي: \" غذاءً لكم\" (٧).\nقال الطبري: \"غذاءً وأقواتًا\" (٨).\nفنبههم الله تعالى بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة، ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: لا تُصَيِّروا لله نظراء ومشابهين في العبادة (١٠).\nقال الصابوني: \"أي فلا تتخذوا معه شركاء من الأصنام والبشر تشركونهم مع الله في العبادة\" (١١).\nقال أبو إسحاق: \"هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله أمثالًا وأنتم تعلمون أنهم لا يخلقون والله الخالق\" (١٢).\nوقال ابن زيد: \" الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له\" (١٣).\nروي عن عكرمة: \" ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك\" (١٤).\nوعن ابن عباس في قوله: فلا تجعلوا لله أندادا قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه:\nما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك\" (١٥).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ثلاثة تأويلات (١٦):\nأحدها: أنَّ الأنداد الأكْفَاءُ، وهذا قول ابن مسعود (١٧).\n_________\n(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، قوله: (أمنك برق) أي: من نحو منزلك، من الشق الذي أنت به، (عراض الشأم) نواحيها. انظر \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ١٦٧، \"شرح الأبيات المشكلة الإعراب\" الفارسي ص ٣٦٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب، \"تفسير ابن عطية\" ١٩٩، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١٤، والخازن ١/ ٧٦، \"تفسير أبي السعود\" ١/ ٦١، \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٢٦.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٢٢٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ٣٦٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٣٦٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(١٢) معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٤٨٣): ص ١/ ٣٦٩.\n(١٤) أخرجه الطبري (٤٨٥): ص ١/ ٣٦٩.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٩): ص ١/ ٦٢.\n(١٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٣.\n(١٧) أنظر: أنظر: تفسير الطبري (٤٨٢): ص ١/ ٣٨٦.","vol":"2","page":115},{"text":"والثاني: الأشباه، وهو قول ابن عباس (١)، وروي عن أبي العالية (٢)، والربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبي مالك وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك (٣).\nوالثالث: الأضداد، وهو قول المفضل (٤).\nوالأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت (٥):\nأَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ؟ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ\nيعني بقوله: \" ولستَ له بند \"، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند (٦).\nو(النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم: (ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة (٧)، قال جرير (٨):\nأتَيْمًا يَجْعَلُونَ إليَّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ\nأي مثل (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: \" وأنتم تعلمون أنها لا تَخْلُق شيئًا ولا تَرْزق، وأنَّ الله هو الخالق الرازق وحده، ذو القوة المتين\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقرارًا تامًا، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهًا آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب﴾؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء. ﵏: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ عني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ثلاثة تأويلات (١٢):\nأحدها: وأنتم تعلمون أن الله خلقكم، وهذا قول ابن عباس وقتادة (١٣).\nوالثاني: معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد، وهذا قول مجاهد (١٤).\nوالثالث: معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٤٨٤): ص ١/ ٣٨٦.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٠): ص ١/ ٦٢.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٦٢.\n(٤) أنظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٠.\n(٥) ديوانه: ٧٦، والبيت من قصيدة يهجو بها سفيان بن الحارث قبل فتح مكة، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ند) ٤/ ٣٥٤٠ \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"الأضداد\" لأبي حاتم ص ٧٤، \"مجاز القرآن\" ص ٣٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٦٣ \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٨، \"اللسان\" (ندد) ٧/ ٣٤٨٢.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٦٨.\n(٧) انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"مجاز القرآن\" ص ٣٤، \"الأضداد\" للصاغاني ص ٢٤٦، قال أبو حاتم: (زعم قوم أن بعض العرب يجعل (الضد) مثل (الند) ويقول: هو يضادني، ولا أعرف أنا ذلك ..) (الأضداد) لأبي حاتم السجستاني ص ٧٥.\n(٨) قاله يهجو تيما.\nانظر: \"ديوان جرير\" ص ١٢٩، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"الأضداد\" لأبي حاتم ص ٧٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٦، \"ومجالس العلماء\" للزجاجي ص ١١٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب.\n(٩) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٢٣٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٦.\n(١٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٣.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٤٨٧): ص ١/ ٣٧٠.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٤٨٨)، (٤٨٩)، و(٤٩٠): ص ١/ ٣٧١.","vol":"2","page":116},{"text":"واختلف في الذين عُنُوا بهذه الآية، على قولين (١):\nأحدهما: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب. قاله ابن عباس (٢)، وقتادة (٣).\nوقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل. قاله مجاهد (٤).\nوقال ابن الأنباري: قوله: ﴿وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾، لا تتنافى مع قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا بشىء يعلمون أن الحق فى سواه\" (٥).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشًا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشًا.\n٢ ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله ﷿؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جدًا، وواسعة، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ (الذاريات: ٤٧).\n٣ ومنها: بيان قدرة الله ﷿ بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع (ﷺ يديه، وقال: \"اللهم أغثنا\" (٦)، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته.\n٤ ومنها: حكمة الله ﷾، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضًا: أنه ينزل رذاذًا. يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس.\n٥ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم).\n٦ ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله ﷿؛ لقوله تعالى: (فأخرج به).\n٧ ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقرونًا بالسبب، مثل لو أن أحدًا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه. أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلًا أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا. أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقرونًا بالسبب. أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي ﷺ أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: \"أطع أبا القاسم\". أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي ﷺ وهو يقول: \"الحمد لله الذي أنقذه بي من النار\" (٧)، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقرونًا ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٤٨٦): ص ١/ ٣٧٠.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٤٨٧): ص ١/ ٣٧٠.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٤٨٨)، (٤٨٩)، و(٤٩٠): ص ١/ ٣٧١.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ٢٣١، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٩، وزاد المسير: ١/ ٤٩.\n(٦) أخرجه البخاري ص ٧٩، أبواب الاستسقاء، باب ٧: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، حديث رقم ١٠١٤؛ وأخرجه مسلم ص ٨١٧، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ٢: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم ٢٠٧٨ [٨] ٨٩٧.\n(٧) أخرجه أبو داود ص ١٤٥٦، كتاب الجنائز، باب ٢: في عيادة الذمي، حديث رقم ٣٠٩٥؛ وأخرجه أحمد ٣/ ١٧٥، رقم ١٢٨٢٣.","vol":"2","page":117},{"text":"٨. ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءًا فتصبح الأرض مخضرَّة﴾ [الحج: ٦٣]؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿رزقًا لكم﴾.\n٩ ومنها: أن الله ﷿ منعم على الإنسان كافرًا كان، أو مؤمنًا؛ لقوله تعالى: ﴿لكم﴾، وهو يخاطب في الأول الناس عمومًا؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا.\n١٠ ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه: \"ما شاء الله وشئت\".\n١١. ومن فوائد الآية: أنه ينبغي لمن خاطب أحدًا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، ولقوله تعالى في صدر الآية الأولى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ فإن قوله تعالى: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١] فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده.\nالقرآن\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣﴾ [البقرة: ٢٣]\nالتفسير:\nوإن كنتم -أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد ﷺ، وتزعمون أنه ليس من عند الله، فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم.\nقوله تعالى: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣]، \" أي: وإِذا كنتم أيها الناس في شك وارتياب\" (١).\nوالخطاب لمن جعل لله أندادًا؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].\nو(الريب)، يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن \"الريب\" يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك؛ وذلك؛ لأن ما جاء به الرسول حق؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال: \"ريب\"؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقًا، واضطرابًا (٢).\nقال ابن كثير: \" وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] وقال في سورة سبحان: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم [الله تعالى] (٤) بذلك - أيضًا - في المدينة، فقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، أي: في شكّ\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، \"أي: من صدق هذا القرآن، المعجز في بيانه، وتشريعه، ونظمه\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" المراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد ﷺ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: \" على عبدنا ورسولنا محمد ﷺ \" (٦).\nقال الحسن: \"فهذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد ﷺ\" (٧).\nوقوله تعالى ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ فيه عظيم منزلة العبودية، إذ وصف الله ﵎ نبيه بهذا الوصف في مقام التحدي، فسمى المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه، قال طرفة (٨):\nإلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا ... وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ\nالمُعَبَّدُ: أي) المُذَلَّلُ)، يُقالُ: بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ: مُذَلَّلٌ قدْ طُلِيَ بالهِناءِ، وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ: مُكْرَمٌ، وهوَ مِن الأَضْدَاد.\nقال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه عبدا، وأنشدوا (٩):\nيَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ ... يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي\nلَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي.\nوقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات:\n١ - في مقام التحدي: كما في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣].\n٢ - وفي مقام الإسراء والمعراج: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].\n٣ - وفي مقام الإيحاء: قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].\n٤ - وفي مقام الدعوة: قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].\nوقد قال تعالى عن المسيح ابن مريم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]، وقال - ﷺ - \"لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، \"أي فأتوا بسورةٍ واحدةٍ من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان\" (١١).\nقال قتادة: \" يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب\" (١٢).\nقال الفراء: \" (الهاء)، كناية عن القرآن، فأتوا بسورة من مثل القرآن\" (١٣).\nواختلف في قوله تعالى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، على قولين:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٢) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٣٦): ص ١/ ٥٣.\n(٨) ديوان طرفة بن العبد، دار صادر ودار بيروت، بيروت، ١٩٦١ ص ٣١ - ٣٣.وانظر: شرح المعلقات السبع، لزوزني، ١٤٠٥ هـ، ٥٩. وهذا البيت لطرفة بن العبد البكري، من معلقته المشهورة التي مطلعها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.\n(٩) لم أتعرف على القائل، والبيتين وردا في: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، طبعة ١٩٩٧: ٢/ ١٩٢.\n(١٠) رواه البخاري (أحاديث الأنبياء / ٣١٨٩)، والحديث يدل أن الرسول ﷺ قد نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (٤٩١)، (٣٩٢): ص ١/ ٣٧٣ - ٢٧٤.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ١٩.","vol":"2","page":118},{"text":"أحدهما: يعني من مثل هذا القرآن، وهذا قول مجاهد (١) وقتادة (٢)، واختاره الطبري (٣)، وابن كثير (٤)، ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨].\nوالثاني: من مثل محمد ﷺ، يعني: من رجل أمي مثله (٥).\nوالقول الراجح هو الأول، لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم (٦).\nقال أبو الهيثم: والسورة من سور القرآن عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة سابقة للغرف، وأنزل الله القرآن على نبيه ﷺ شيئًا بعد شيء، وجعله مفصلًا، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: وادعوا \"الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي: وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" وهذا غاية ما يكون من التحدي: أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله\" (١٠).\nقا أبو علي الجرجاني: معنى (ادعوا): استعينوا\" (١١).\nقال الواحدي: \" (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهدًا: لأنه يخبر عما شاهد\" (١٢).\nواختلفوا في ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، على أقوال:\nأحدها: يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، وهذا قول ابن عباس (١٣).\nقيل: \"سمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (١٤) \" (١٥).\nكما أن (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيرًا ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء.\nمن ذلك قول الشاعر (١٦):\nدَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ\nأي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ.\nوقالت امرأة من طيء (١٧):\nدَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ أي استعان بهم فلم ينصروه (١٨).\nوالثاني: ناسًا يشهدون لكم، وهو قول مجاهد (١٩).\nوالثالث: شهداءكم عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه، مثل القرآن، وهو قول ابن جُريج (٢٠).\nوالرابع: آلهتكم، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (٢١)، وهذا قول الفراء (٢٢)، وأبو مالك (٢٣)، وابن قتيبة (٢٤).\nقال الواحدي: \"والدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها\" (٢٥).\nوالراجح هو القول الأول: أي شُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم (٢٦).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، \"أي: مما سوى الله\" (٢٧).\nقال الصابوني: أي: \"غير الله سبحانه\" (٢٨).\nقال البيضاوي: \" والمعنى وَادْعُوا للمعارضة من حضركم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله ﷾، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله\" (٢٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤٩٣)، و(٣٩٤)، و(٣٩٥): ص ١/ ٣٧٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٤٩١)، (٣٩٢): ص ١/ ٣٧٣ - ٢٧٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٧٤.\n(٤) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٩.\n(٥) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٩. وقال الماوردي: \" فأتوا بسورة من مثل محمدﷺ- من البشر، لأن محمدًا بشر مثلهم\". [النكت والعيون: ٨٣].\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٩.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٤، \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨٢.\n(١١) نقلا عن: التفسير البسيط: ٢/ ٢٥١. وأبو علي الجرجاني صاحب \"نظم القرآن\"، وكتابه مفقود.\n(١٢) التفسير البسيط: ٢/ ٢٤٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (شهد) ٢/ ١٩٤٢. \"معجم مقاييس اللغة\" (شهد) ٣/ ٢٢١. \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي: ص ١٣٢. \"مفردات الراغب\" ص ٢٦٨. \"اللسان\" (شهد) ٤/ ٢٣٤٨.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٤٩٦): ص ١/ ٣٧٦.\n(١٤) أنظر: معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٦.\n(١٥) التفسير البسيط: ٢/ ٢٤٤. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٣، (غريب القرآن) لابن قتيبة: ١/ ٢٦، \"زاد المسير\" ١/ ٥١.\n(١٦) ورد البيت في \"ديوان الحماسة\" بشرح المرزوقي، وعزاه لبعض بنى فقعس ٢/ ٤٩٨، وورد في \"البيان والتبيين\"، وقال: قال القيسي، ٢/ ١١، وفي \"الحيوان\" وقال: قول بعض القيسيين من قيس بن ثعلبة ١/ ١٣٤، ومعنى البيت: يقول استغثت بهؤلاء القوم، فهب رجال لنصرتي كأنهم فحول، و(الخناذيذ): الكرام من الخيل، استعارها للكرام من الرجال.\n(١٧) ورد البيت في \"ديوان الحماسة\" بشرح المرزوقي ١/ ٢١١، \"معجم ما استعجم من البلدان\" ٣/ ٧٨٥، \"معجم البلدان\" ٣/ ٣٣٠، وكلهم نسبوه لامرأة من طيئ. قيل: هي بنت بهدل بن قرفة الطائي، أحد لصوص العرب في زمن عبد الملك بن مروان. و(الشرى): مكان وقعت فيه الوقعة المذكورة، و(الحفيظة) الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها أي يغضب. و(يكلم): يقتل أو يغلب.\n(١٨) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٧ أ، وأبي الليث في \"تفسيره\" ١/ ١٠٢. \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٠. \"زاد المسير\" ١/ ٥٠.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٤٩٧)، (٤٩٨)، و(٤٩٩): ص ١/ ٣٧٦.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٠٠): ص ١/ ٣٧٧.\n(٢١) أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم.\n(٢٢) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٩. قال الفراء: \"يريد آلهتكم. يقول: استغيثوا بهم وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين. ومعناه: فاستغث واستعن بالمسلمين\".\n(٢٣) انظر: تفسيرابن كثير: ١/ ١٩٩.\n(٢٤) أنظر: غريب القرآن: ٢٦.\n(٢٥) التفسير البسيط: ٢/ ٢٤٦.\n(٢٦) تفسير الطبري: ١/ ٣٧٧ - ٣٧٩، وانظر: تفسيرابن كثير: ١/ ١٩٩، قال الطبري: \"وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك، فلا وجه له، لأن القوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهلَ نفاق بين ذلك، فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به، لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين، فأما أهلُ النفاق والكفر، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن؟ ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [سورة الإسراء: ٨٨]، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به، وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وكل هذه الآيات مكية، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]، يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد ﷺ، ولا من البشر أحدٌ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي\". [تفسيره: ١/ ٣٧٧ - ٣٧٩].\n(٢٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨٢.\n(٢٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٢٩) تفسير البيضاوي: ١/ ٥٨.","vol":"2","page":119},{"text":"قال الواحدي: أي: \"وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على تفسير ابن عباس (١) وعلى قول الفراء (٢) يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه، وعلى قول القرظي (٣) ومجاهد (٤)، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله\" (٥).\nوقوله ﴿فادعوا﴾، يعني: استنصروا واستغيثوا، كما قال الراعي النميري (٦):\nفَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ ... دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ\nيعني بقوله: \" دعوْا يالكعب \"، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، \"أي: أنه مختلق وأنه من كلام البشر\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله، والجواب على هذا: أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين\" (٩).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: دفاع الله ﷾ عن رسوله ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾؛ لأن الأمر هنا للتحدي؛ فالله ﷿ يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضِ لما جاء به الرسول ﷺ.\n٢ ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ لوصفه بالعبودية؛ والعبودية لله ﷿ هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره؛ فإذا لم يعبد الله ﷿. الذي هو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم. ﵀. في النونية: .\nهربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان ٣. ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿مما نزلنا﴾؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئًا بائنًا منه؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق.\n٤ ومنها: إثبات علوّ الله ﷿؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به؛ وعلو الله ﷿ ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته؛ لأنه أمر فطري؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع.\n٥ ومن فوائد الآية: أن القرآن معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله).\n٦ ومنها: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم؛ وهذا أشد ذلًّا مما لو تُحدوا وحدهم.\n\nالقرآن\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]\nالتفسير:\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٤٩٦): ص ١/ ٣٧٦.\n(٢) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٩. قال الفراء: \"يريد آلهتكم. يقول: استغيثوا بهم وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين. ومعناه: فاستغث واستعن بالمسلمين\".\n(٣) نقلا عن: التفسير البسيط: ٢/ ٢٥١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٤٩٧)، (٤٩٨)، و(٤٩٩): ص ١/ ٣٧٦.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١.\n(٦) البيت في: اللسان (عزا)، تفسير الطبري: ١/ ٣٧٧، واعتزى: انتسب، ودعا في الحرب بمثل قوله: يا لفلان، أو يا للمهاجرين، أو يا للأنصار، والاسم العزاء والعزوة، وهي دعوى المستغيث.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٧٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨٢.","vol":"2","page":121},{"text":"فإن عجَزتم الآن -وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي ﷺ وطاعة الله تعالى. هذه النار التي حَطَبُها الناس والحجارة، أُعِدَّتْ للكافرين بالله ورسله.\nقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، \"أي فإِن لم تقدروا على الإِتيان بمثل سورةٍ من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإِتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء\" (١).\nقال قتادة: \"فإن لم تطيقوه\" (٢).\n\nقوله تعالى: ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، \"أي ولن تقدروا في المستقبل أيضًا على الإِتيان بمثله\" (٣).\nقال قتادة: \" ولن تطيقوه\" (٤).\nقال ابن كثير: تحداهم القرآن\" مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، \"أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، \"أي اتقوا النار التي مادتُها التي تُشعل بها وتُضرم لإِيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ الوَقود بالفتح الحطب، والوُقود بالضم التوقُّد، والحجارة من كبريتٍ أسود، وفيها قولان (٨):\nأحدهما: أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار، التي وقودها الناس، وهذا قول ابن مسعود (٩)، والسدي (١٠).\nوالثاني: أن الحجارة وقود النار مع الناس، ذكر ذلك تعظيمًا للنار، كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس.\nقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، \"أي هُيّئت تلك النارُ وأُرصدت للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين\" (١١).\nقال الطبري: \" أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر\" (١٣).\nوقد ذكروا في قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وجهين (١٤):\nأحدهما: أنها وإن أعدت للكافرين، فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين، وهي نار واحدة، وإنما يتفاوت عقابهم فيها.\nوالثاني: أن هذه النار معدة للكافرين خاصة، ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٣): ص ١/ ٦٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٣): ص ١/ ٦٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٨) النكت والعيون: ٨٤ - ٨٥.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٠٥): ص ١/ ٣٨٢.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٥): ص ١/ ٦٤.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(١٢) تفسير الطبري: ١/ ٣٨٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٨): ص ١/ ٦٥.\n(١٤) النكت والعيون: ٨٥.","vol":"2","page":123},{"text":"وقوله ﴿أُعِدَّتْ﴾ استدلّ به كثير من أئمة السنة على أن النار موجودة الآن، لأن: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك (١)، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس (٢).\nوقد اتفق الجمهور أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان وهما باقيتان، وأن الله تعالى قد أعدهما وهيأهما ليكونا مستقرًا لعباده، الجنة لأهل الطاعة والإيمان، والنار لأهل الكفر والعصيان، ولم يخالف ذلك إلا بعض ممن ضعف إيمانهم وتضاءلت عقولهم عن فهم النصوص القطعية الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وما تمسكوا به من أدلة لا ينظر إليه ولا يؤبه به لذلك أذكر هنا فقط الأدلة التي تمسك بها العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة.\nيقول ابن القيم: \"لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم أليها وأخبروا بها، إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة الله فيما يفعله (٣)، ويقول ابن حزم (٤): \"ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقها بعد، وذهب جمهور المسلمين إلى أنهما قد خلقتا وما نعلم لمن قال أنهما لم يخلقا\" (٥).\nوتجدر الإشارة بأنه لم يقع خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة على حقية الجنة والنار وثبوتهما، لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لورودها بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، بل الخلاف وقع في أنهما موجودتان أم ستوجدان في يوم الجزاء، فقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بثبوت خلق الجنة والنار ووجودهما، وذهب المعتزلة إلى القول بنفي خلق الجنة والنار وعدم وجودهما، بل ستوجدان يوم الجزاء، مع العلم بأنه لم يذهب المعتزلة إلى ذاك القول بسبب اتباع الهوى، بل أرادوا أنْ يدفعوا تعارضًا ظهر لهم بين النصوص الشرعية، فخذلهم فهمهم وعقلهم، وما أغنت عنهم فلسفتهم العوراء المتهافتة من الحق شيئًا.\nوالصحيح في هذه المسألة هو قول أهل السنة والجماعة، لأن ما ذهب إليه المعتزلة، فيه خرق لإجماع الأمة (٦).\n_________\n(١) تنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٢. منها: حديث ابن مسعود: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها\". [صحيح مسلم برقم (٢٨٤٤)].\n(٢) تنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٢.\n(٣) حادي الأفراح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، بتحقيق: الدكتور السيد الجميلي، الباب الأول: في بيان وجود الجنة، ص: ٣٧، الطبعة الرابعة ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٨ م، دار الكتاب العربي.\n(٤) هو الإمام أبو محمد علي بن أحمد الشهير بابن حزم الأندلسي الظاهري صاحب اللسان الشديد برع في فنون كثيرة ومن مؤلفاته: المحلى في الفقه، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ولد سنة ٣٨٤ هـ وتوفي سنة ٤٥٦ هـ انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٧ – ٢١١.\n(٥) الفصل والملل والأهواء والنحل، لابن حزم، الكلام في خلق الجنة والنار، ٤/ ٨١، دار الفكر، ١٤٠٠ هـ، ١٩٨٠ م.\n(٦) وقد تضافرت نصوص القرآن والسنة على إثبات ما ذهب جمهور المسلمين من كون الجنة والنار مخلوقتين الآن فالله تعالى يقول في شأن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ويقول تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [٥]، وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن الجنة مخلوقة موجودة الآن، وقد عبر القرآن بصيغة الماضي في قوله (أُعِدَّتْ) وهذا التعبير يفيد أنها مخلوقة موجودة-كما أشار أليه ابن كثير-، وفي قصة المعراج يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]، مما يفيد أن النبي ﷺ رأى سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في حديث أبي ﵁ في قصة الإسراء حيث يقول في آخره: «ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\". [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ذكر إدريس ﵇، ص: ٥٥٦، رقم الحديث: ٣٣٤٢].\nوأخبر الله تعالى أنها الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة فقال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [السجدة: ١٩] ويقول في شأن النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، ويقول تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ [الكهف: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦].\nوغير ذلك من الآيات الدالة على وجود النار. أما الأحاديث الدالة كذلك على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان فكثيرة تقتصر على ذكر حديثين فقط منها عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة\". [صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشي، ص: ٢٢١، رقم الحديث: ١٣٧٩] ..\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فاقرؤوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ \". [صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ص: ٥٤١، رقم الحديث: ٣٢٤٤]. وغير ذلك من الأحاديث التي تقرر وتؤكد أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن ومعدتان لاستقبال الخلق.\nوقد نقد المعتزلة هذا الاستدلال لأهل اسنة والجماعة على خلق الجنة والنار، إذ بينوا أن التعبير بلفظ الماضي في هذه الآيات جاء لا ليدل على الوجود بل ليدل على تحقق الوقوع، وفي ذلك يقول الزمخشري المعتزلي في (كشافه): \"كلها للمضى، والمراد بها الاستقبال، لأنَّ ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه\". [الكشاف: ٣/ ٥٩٢].\nويبين الزمخشري عند تفسيره لسورة (غافر) للآيات [٦٩ إلى ٧٦]، والتي تتحدث عن النار وعذابها ما نصه: \"إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال\". [٤/ ١٧٨].\nويقول العرياني: \"قوله تعالى في حق الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٣)، وفي حق النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤). ﴿وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ (الشعراء: ٩١)، وحملها على التعبير عمّا يقع في المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه\". [خير القلائد شرح جواهر العقائد، العرياني: ص ١٨٢]،، فالتعبير بالماضي لا يدل على وجودهما، بل هذا التعبير ليدل على تحقق هذا الوقوع.\nواستدل أهل السنة والجماعة على وجود الجنة والنار، بقصة آدم ﵇ وزوجه حواء، حيث أسكنهما الله تعالى الجنة، فلو لم تكن الجنة موجودة لما كان معنى لإدخال الله تعالى آدم وحواء بها.\nفنقد المعتزلة هذا الوجه من وجوه الاستدلال لأهل السنة، بأن الله تعالى أدخل آدم وحواء بستان من بساتين الدنيا، ولم يدخلهما الجنة المعهودة، وفي ذلك يقول أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي: \"هي جنة من جنان الدنيا في الأرض\". [جامع التأويل لمحكم التنزيل، محمد بن بحر الأصفهاني: ٣٥].\n، ويستدل المعتزلة على أن هذه الجنة لم تكن جنة الخلد بل بستان من بساتين الدنيا بجملة من الوجوه، نجملها في نقطتين، وهما:\n١ - أن الغرور لحق آدم في هذه الجنة، وجنة الخلد لا غرور فيها، وفي ذلك يقول البلخي المعتزلي: \"لو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه فيها الغرور من إبليس بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ (طه: ١٢٠) \" [تفسير أبي القاسم الكعبي البلخي، ص ١١٤].\n٢ - أن جنة الخلد من دخلها لا يخرج منها أبدًا، فلما أخرج آدم ﵇ منها علمنا أنها لم تكن الجنة المقصودة، وفي ذلك يقول البلخي المعتزلي: \"إن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (الحجر: ٤٨) \". [تفسير أبي القاسم الكعبي البلخي، ص ١١٤].\nوحمل المعتزلة الإهباط الوارد في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: ٣٦)، على \"على الانتقال من بقعة إلى بقعة\". [تفسير أبي القاسم الكعبي البلخي، ص ١١٤].\nويوضح البزدوي وجه استدلالهم بالآية، فيقول: \"لو كان في جنات عدن فما تصور الخروج؟ فإن من دخل الجنة لا يخرج منها\". [أصول الدين، ص ١٧٠]، فآدم ﵇ وحواء لو أدخلا الجنة المعهودة لما خرجا منها، لأن الله تعالى أخبر أن من يدخل الجنة المعهودة لا يخرج منها أبدًا، فلما أدخلا وخرجا علمنا أنَّ إدخالهما ليس في الجنة المعهودة، فبطل بذلك دليل أهل السنة المشار إليه سابقًا.\nوقد نفى أهل السنة وجود التناقض بين آية الهلاك وآية دوام الأكل، فلا يلزم المحال الذي ذكره المعتزلة، ووجه عدم التناقض بين الآيتين أن \"المراد بدوام الأكل أنه إذا أفنى منه شيء جيء ببدله، لا أنه يبقى بعينه، وذلك لا ينافي الهلاك لحظة\". [خير القلائد شرح جواهر العقائد، ص ١٨٣]، فأكل أهل الجنة دائم بمعنى التجدد، لا بمعنى عدم الفناء، ودوام التجدد لا يناقض عدم الهلاك.\nأما بخصوص رد أهل السنة والجماعة لنقد المعتزلة للآية الأولى: قوله تعالى في حق الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٣)، وقوله تعالى في حق النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤)، إذ أشار المعتزلة أن لفظة (أعدت)، وإن كانت تدل على الزمن الماضي، الذي يدل على الوجود والوقوع، إلا أن هذه اللفظة في هذا الموطن المراد منها غير ما وضعت له، بل المراد منها تأكيد الوقوع في المستقبل.\nفنقد أهل السنة هذا الفهم بقولهم: \"وهذه الصيغة موضوعة للمضي حقيقة فلا وجه للعدول عنها إلى المجاز إلا بصريح آية، أو صحيح دلالة\". [القاري، شرح كتاب الفقه الأكبر، ص ١٦٥]، فنقل المعتزلة هذه اللفظة من الحقيقة التي وضعت لها إلى المجاز من غير دليل، كلام باطل، فسقط بذلك استدلالهم.\nرد نقدهم للآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥).\nاستدل أهل السنة على وجود الجنة، بأن الله تعالى أدخل بها آدم وحواء ﵉، فنقد المعتزلة هذا الاستدلال بأنَّ الجنة التي أدخل بها آدم وحواء ليست الجنة المعهودة، بل بستان من بساتين الدنيا، فنقد أهل السنة هذا الاستدلال للمعتزلة بأن الجنة التي أخرج منها آدم ﵇ هي جنة الخلد المعهودة، لأن الله تعالى ذكر لآدم ﵇ أوصاف هذه الجنة، وهذه الأوصاف لا تكون إلا في الجنة المعهودة، يقول البزدوي: \"وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥)، وقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ (طه: ١١٧ - ١١٩)، أخبر أنه لو خرج من الجنة؛ يشقى، وأنه في الجنة لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، وهذا من صفات جنات عدن لا من صفات جنّات الدنيا، فدلتنا هذه الآية أن آدم ﵇ كان في جنات عدن\". [البزدوي، أصول الدين، ص ١٧٠].","vol":"2","page":124},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن من عارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله تعالى: (فاتقوا النار)\n٢ ومنها: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضًا توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين.\n٣ ومنها: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم، وطرحها في النار. على أحد الاحتمالين في قوله تعالى:\n﴿الحجارة﴾؛ لأن من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده، ولا يريد أن يصيبه أذًى؛ فإذا أحرق هؤلاء المعبودون أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم، وخزيهم.\n٤ ومنها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت﴾؛ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض؛ والماضي يدل على وجود الشيء؛ وهذا أمر دلت عليه السنة أيضًا؛ فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة، والنار، ورأى أهلها يعذبون فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبه. أي أمعاءه. في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعًا: فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن. الذي كان يسرق الحُجَّاج بمحجنه. يعذب: وهو رجل معه محجن. أي عصا محنية الرأس. كان يسرق الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر به الحجاج جذب متاعهم؛ فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ وإن لم يتفطن أخذه؛ فكان يعذب. والعياذ بالله. بمحجنه في نار جهنم (١).\nمسألة:\nهل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافًا عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على هذا من كتاب الله ﷿ في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ والتي في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا * خالدين فيها أبدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ والتي في سورة الجن قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا﴾ [الجن: ٢٣]؛ وليس بعد كلام الله كلام؛ حتى إني أذكر تعليقًا لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ على كتاب \"شفاء العليل\" لابن القيم؛ ذكر أن هذا من باب: \"لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة\". وهو صحيح؛ كيف إن المؤلف ﵀ يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ ! غريب على ابن القيم ﵀ أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى! وعلى كل حال، كما قال شيخنا في هذه المسألة: \"لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة\"؛ والصواب الذي لا شك فيه. وهو عندي مقطوع به. أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان يخلد فيها تخليدًا أبديًا لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبديًا لابد أن تكون الدار أيضًا أبدية.\nوأما قوله تعالى في أصحاب النار: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧] فهي كقوله تعالى في أصحاب الجنة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٨] لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلًا ومنَّة، بيَّن أن هذا الفضل غير منقطع، فقال تعالى: ﴿عطاءً غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨]؛ ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل، والسلطان المطلق للرب ﷿ قال تعالى في آخر الآية: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]؛ وليس المعنى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧] أنه سوف يخرجه من النار، أو سوف يُفني النار.\n٥ ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت للكافرين﴾؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار دارًا لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي. إذا لم يعف الله عنه. فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة.\n_________\n(١) راجع مسلم ص ٨١٩ – ٨٢٠، كتاب الكسوف، باب ٣: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث رقم ٢١٠٠ [٩] ٩٠٤؛ وراجع مسلم ص ١١٧٣، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ١٣: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم ٧١٩٢ [٥٠] ٢٨٥٦.","vol":"2","page":126},{"text":"مسألة:\nإذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ .\nالجواب: أنه معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنه كلام الله، وفيه من وجوه الإعجاز ما لا يدرك؛ فمن ذلك: .\nأولًا: قوة الأسلوب، وجماله؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدم الملل في قراءته؛ فالإنسان يقرأ القرآن صباحًا، ومساءً. وربما يختمه في اليومين، والثلاثة. ولا يمله إطلاقًا؛ لكن لو كرر متنًا من المتون كما يكرر القرآن ملّ.\nثانيًا: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى.\nثالثًا: صدق أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكمال أحكامه التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ (الأنعام: ١١٥)\nرابعًا: تأثيره على القلوب، والمناهج؛ وآثاره، حيث ملك به السلف الصالح مشارق الأرض، ومغاربها.\nوأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أن يأتوا بمثله، ولم يستطيعوا.\nمسأل. ثانية:\nحكى الله ﷿ عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالًا؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزًا. يعني مثلًا: فرعون قال لموسى: ﴿لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩]: هذا يحكيه الله ﷿ عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزًا والإعجاز إنما هو قول الله ﷿؟\nفالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله ﷿. وهو معجز.\nالقرآن\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]\nالتفسير:\nوبشر -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله وبمحمد - ﷺ -، وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة من واجبات ومستحبات، أن لهم جنات تجري من تحت أشجارها أنهار، كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقًا من ثمار الجنة قالوا قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل، فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته، وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم، ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات.\nقال ابن كثير: \" لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن \"مثاني\" على أصح أقوال العلماء. وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه\" (١).\nقال الزمخشري: \" من عادته ﷿ في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: \"وأخبر\" (٣) يا محمد الذين آمنوا.\nقال الصابوني: \" أي وبَشِّرْ يا محمد المؤمنين المتقين\" (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٣.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ١٠٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ٣٨٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.","vol":"2","page":127},{"text":"قال ابن عثمين: \" أي [الذين آمنوا] بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله؛ وقد بيَّن الرسول ﷺ أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان\" (١).\nقال الطبري: \" هذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة\" (٢).\nوالخطاب في قوله تعالى: ﴿بشِّر﴾ يحتمل وجهين (٣):\nأحدهما: أنه خطاب للرسول ﷺ. يعني بشِّر أيها النبي. وهو الظاهر.\nوالثاني: أو أنه لكل من يتوجه إليه الخطاب،؛ يعني: بشِّر أيها المخاطَب، من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات.\nقال النسفي: \" والمأمور بقوله \" وبشر \" الرسول ﵇ أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمة وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به\" (٤).\nقال البغوي: \" والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" و\"البشارة\" هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يُسِرُّه استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل \"البشارة\" في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]: إمَّا تهكمًا بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتَسودَّ به وجوههم، وتُظلِم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩] \" (٦).\nوقرئ ﴿وَبَشّرِ﴾، على البناء للمفعول عطفًا على: أعدت، فيكون استئنافًا (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: \"وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه \" (٨).\nقال البغوي: \" أي أخلصوا الأعمال\" (٩).\nقال البيضاوي: ﴿الصالحات]، \"هي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه. وعطف العمل على الإيمان مرتبًا للحكم عليهما إشعارًا بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي عملوا الأعمال الصالحات. وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله ﷿ المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (١١)؛ وما لم\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٠.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٣٨٤.\n(٣) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٥٢.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٧٤.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨٩ - ٩٠، وانظر: زاد المسير: ١/ ٥٢.\n(٧) تفسير: تفسير البيضاوي: ١/ ٥٩ ..\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٣٨٤.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٧٤.\n(١٠) تفسير: تفسير البيضاوي: ١/ ٥٩ ..\n(١١) أخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد، باب ٤: تحريم الرياء، حديث رقم ٧٤٧٥ [٤٦] ٢٩٨٥.","vol":"2","page":128},{"text":"يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقول النبي ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (١) \" (٢).\nقال الزمخشري: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة: ٢٥]، \"كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]، \" أي بأن لهم حدائق وبساتين ذاتِ أشجار ومساكن\" (٤).\nقوله تعالى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: \" تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: من تحت أشجارها وغرفها\" (٦).\nقال البغوي: \"أي من تحت أشجارها ومساكنها\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"أي تسيح من تحتها الأنهار\" (٨).\nو﴿الأنْهَار﴾ أي \"المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل ﴿من تحتها﴾ أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون \"وهذه الأنهار تجري من تحتي\" (٥١ - الزخرف) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث \"أنهار الجنة تجري في غير أخدود\" (٩) \" (١٠).\nقوله تعالى ﴿جتّات﴾ جمع (جَنّة) وهي لغة: \"كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض\" (١١)، وعرفها صاحب لسان العرب، بقوله: \"والجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة .. والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنان .. لاتكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة .. وقد ورد ذكر الجنة في القرآن العزيز والحديث الكريم في غير موضع .. وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنه جنا إذا ستره، فكأنما سَترةٌ واحدة لشدة التفافها وإظلالها\" (١٢).\nو(الجنة) اصطلاحا كما قال الرازي: \"ذكر الجنة بلام التعريف، فينصرف إلى ما هو المعلوم عند المسلمين، وليس ذلك إلا دار الثواب\" (١٣). ويقول الصاوي: \"والمراد منها دار الثواب\" (١٤).\nوإن الجنة من المسائل الغيبية، ومنهج أهل السنة والجماعة في إثبات هذه المسائل، يبينه صاحب تبصرة الأدلة، فيقول: \" إن الدلائل السمعية وردت بثبوت عذاب القبر، فلا بد من القول بثبوته، ثم هو من الممكنات\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٥: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٦٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢ – ٩٨٣، كتاب الأقضية، باب ٨: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٤٤٩٣ [١٨] ١٧١٨، واللفظ لمسلم.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٠.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ١٠٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٤.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٧٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩١.\n(٩) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٣/ ٩٦، وهناد في الزهد: ١/ ١٧١، والطبري في التفسير: ١/ ٣٨٤. والمروزي في زوائد الزهد ص (٥٢٤) وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وأبي الشيخ البيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود انظر: الدر المنثور: ١/ ٩٤، تفسير ابن كثير: ٤/ ١٧٧، والفتح السماوي ١/ ١٤٨.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٧٤.\n(١١) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، دمشق، دار القلم، ط ١، ١٩٩٢ م، ص ٢٠٤.\n(١٢) انظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، القاهرة، دار الحديث، دون ذكر رقم الطبعة، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٣ م، ج ٢، ص ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(١٣) الرازي، محمد بن عمر، الإشارة في أصول الكلام، تحقيق: محمد العايدي وربيع العايدي، عمان- الأردن، مركز نور العلوم، ط ١، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م، ص ٣٥٢.\n(١٤) الصاوي، أحمد بن محمد، شرح الصاوي على جوهرة التوحيد، تحقيق: د. عبد الفتاح البزم، دمشق – بيروت، دار ابن كثير، ط ٣، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م، ص ٣٩٤.\n(١٥) النسفي، أبو المعين ميمون، تبصرة الأدلة في أصول الدين، تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور حسين أتاي والدكتور شعبان علي دوزكون، رئاسة الشؤون الدينية للجمهورية التركية – أنقرة، ١٩٩٠ م، دون ذكر رقم الطبعة، ج ٢، ص ٣٦٥.","vol":"2","page":129},{"text":"يفهم من الكلام السابق، أن المسائل الغيبية، والتي منها عذاب القبر والجنة والنار، المنهج في إثباتها يكون على نقطتين، وهما:\n١ - أن الدليل السمعي ورد بها.\n٢ - أنها من جملة الممكنات عقلًا.\nوكل ما هو كذلك وجب الثبوت له، وأنه حق لا مرية فيه ولا شك، وهذا ما فعله العلماء بالفعل عند إثباتهم لحقية الجنة، فعند حديثهم عن النقطة الأولى وهي ورود الدليل السمعي بالجنة، يقول اللقاني: \"الجنة .. حق ثابتة بالكتاب والسنة واتفاق عظماء علماء الأمة، وكل ما هو كذلك فالإيمان به واجب\" (١).\nوعند حديثهم عن النقطة الثانية، بأن الجنة من جملة الممكنات العقلية، يقول صاحب تحرير المطالب: \"أما الإمكان (٢) فأمر ضروري من جهة العقل\" (٣)، فالجنة أمر ممكن، بل الإمكان ضروري، لا يتوقف على نظر أو استدلال، بل يعتبر الإمام السنوسي أن ثبوت حقية الجنة من المسائل التي تعلم من الدين بالضرورة، أي أن منكرها كافر، وفي ذلك يقول: \"وأما الجنة .. فثبوتها مما علم من الدين ضرورة\" (٤).\nويقول القاضي عبد الجبار: \"فإن الأمة أجمعت على أن لا دار غير الجنة والنار\" (٥)، فأهل السنة والمعتزلة لا خلاف بينهم في حقية الجنة والنار وثبوتهما.\nوعند حديثنا عن مكان الجنة، نجد أن العلماء اختلفوا في مكانها، وفي هذا يقول الكومي: \" اختلف العلماء في محلهما \" (٦)، ويمكن أن نحصر أقوال العلماء في مكان الجنة بأربعة أقوال، وهي:\n١ - إن الجنة في العلو، دون الخوض في تحديد مكان في ذاك العلو، فيقول البزدوي: \"الجنة في العلو\" (٧).\n٢ - إن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، وقد مال الأكثرون من العلماء إلى هذا القول، حيث يقول العرياني: \"والأكثرون على أن الجنة فوق السبع وتحت العرش، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (النجم: ١٤ – ١٥)، وقوله ﵇: (سقف الجنة عرش الرحمن) (٨) \" (٩).\n٣ - ويرى بعض العلماء التوقف في هذه المسألة، وذلك بسبب تعارض ظواهر النصوص التي عينت مكانًا للجنة، فيقول القاري: \"وقيل: بالوقف حيث لا يعلمه إلا الله تعالى\" (١٠).\n٤ - في حين يرى بعض العلماء أن الأسلم في مثل هذه المسألة أن نفوض علم ذلك إلى الله تعالى، وممن ذكر من العلماء التفويض في هذه المسألة الكومي، حيث يقول: \"والحق في ذلك تفويض العلم إلى الله\" (١١).\nبعد هذا العرض لأقوال العلماء في مكان الجنة، فالذي نراه أن الجنة لها مكان محدد بحدود علوية وسفلية، وذلك من خلال النقاط الثلاث الآتية:\n_________\n(١) انظر: اللقاني، إبراهيم بن هارون، هداية المريد لجوهرة التوحيد، تحقيق: مروان حسين البجاوي، القاهرة، دار البصائر، ط ١، ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م، ص ١١٠٢.\n(٢) أي إمكان الجنة والنار.\n(٣) الكومي، محمد بن أبي الفضل، تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب، تحقيق: نزار حمادي، بيروت – لبنان، مؤسسة المعارف، ط ١، ١٤٢٩ هـ- ٢٠٠٨ م، ص ٢٨٢.\n(٤) السنوسي، محمد بن يوسف، شرح العقيدة الكبرى، تحقيق: السيد يوسف أحمد، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، ص ٤٤٠.\n(٥) الهمذاني، عبد الجبار بن أحمد (ت ٤١٥ هـ)، شرح الأصول الخمسة، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، القاهرة، مكتبة وهبة، ط ٤، ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م، ص ٦٢٣.\n(٦) الكومي، تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب، مرجع سابق، ص ٢٨٣.\n(٧) البزدوي، عبد الله بن محمد، أصول الدين، تحقيق: د. هانز بيتر لنس، القاهرة، المكتبة الأزهرية، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م، ص ١٧٠.\n(٨) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء ٦/ ٢٧٠٠، حديث رقم: ٦٩٨٧.\n(٩) العرياني، خير القلائد شرح جواهر العقائد، ص ١٨٣.\n(١٠) القاري، علي بن سلطان، شرح كتاب الفقه الأكبر، علق عليه علي محمد دندل، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م، ص ١٦٥ - ١٦٦.\n(١١) الكومي، تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب، ص ٢٨٣.","vol":"2","page":130},{"text":"١ - أن الجنة عبارة عن جسم، وكل جسم لابد أن يكون له حدود تحده، ينتج من ذلك أن الجنة لها حدود تحدها، وتلك الحدود بينها لنا القرآن والسنة المطهرة.\n٢ - وعند بياننا لحد الجنة من العلو، فنقف عند حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: (سقف الجنة عرش الرحمن) (١)، فنفهم من هذا الحديث الشريف أن حدود الجنة من جهة الأعلى هو عرش الرحمن، يعني ذلك أن مكان الجنة تحت العرش.\n٣ - وأما عند ذكرنا لحد الجنة من جهة السفل، فنقف عند قول الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ١٣)، فهذه الآية الكريمة أخذت على عاتقها بيان حد الجنة من جهة السفل، وفي ذلك يقول الإمام الطبري: \"وقد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم .. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوّام مؤذّنِ بيت المقدس، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) هو السور الشرقيّ، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم\" (٢).\nويقول القرطبي: \"والسور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم. (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) يعني ما يلي منه المؤمنين (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني جهنم. ونحوه عن ابن عباس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة ابن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى، وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله - ﷺ - أنه رأى جهنم\" (٣).\nمن خلال هذه المقدمات الثلاث يمكننا أن نحدد مكانًا للجنة، فالمقدمة الثانية بينت لنا أن سقف الجنة هو عرش الرحمن، فهذا حدها من جهة العلو الذي ثبت بالحديث الشريف، وحدها من جهة السفل عند سور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم، كما ثبت ذلك بأقوال المفسرين للآية القرآنية السابقة.\nوللجنة أسماء كثيرة مبثوثة الذكر في كتاب الله تعالى، وكثرة هذه الأسماء تدل على شرف المسمى في الغالب، وكانت على النحو الآتي:\n- الجنة: وهو أشهر أسمائها، وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (الحشر: ٢٠).\n- دار السلام: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام: ١٢٧).\n- دار المتقين: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: ٣٠).\n- دار الآخرة: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩).\n- الحسنى: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: ٢٦).\n- دار المقامة: ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (فاطر: ٣٥).\nويذكر اللقاني بعض أسمائها، فيقول: \"أوسطها وأفضلها الفردوس، وهو أعلاها، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة - كما جاء في الحديث (٤)، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة النعيم، وجنة عدن، ودار السلام، ودار الخلد\" (٥)، لقد ذكر اللقاني أسماء الجنة التي ترغب في طلبها، لما لهذه الأسماء من مزيد حب في نفس طلابها، لدلالة هذه الأسماء على الخلود والإقامة والراحة والدعة.\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء ٦/ ٢٧٠٠، حديث رقم: ٦٩٨٧.\n(٢) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م، ج ٢٣ ص ١٨٣.\n(٣) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م، ج ١٧ ص ٢٤٦.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء ٦/ ٢٧٠٠، حديث رقم: ٦٩٨٧.\n(٥) انظر: اللقاني، هداية المريد لجوهرة التوحيد، ص ١١٠٢.","vol":"2","page":131},{"text":"وقد ذكر الله تعالى أوصاف الجنة، وأنهارها وظلها، فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا﴾ (النساء: ٥٧).\nويصف لنا سبحانه الجنة بأن لها أبوابًا، فيقول تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: ٧٣).\nويصف لنا ربنا ﷾ سعتها، فيقول تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١].\nويصف لنا الله تعالى الجنة بأنها ذات عيون كثيرة مختلفة الطعم واللذة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥ - ٤٦].\nويصف لنا الله تعالى شجر الجنة، فيقول تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٠].\nويصف الله تعالى فاكهة الجنة، فيقول: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (الواقعة: ٣٢– ٣٣).\nويصف لنا النبي - ﷺ - الجنة، فيقول: \"قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (١).\nوعن عبد الله بن قيس أن النبي ﷺ قال: \"جنان الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وهذه الأنهار تشخب من جنة عدن ثم تصدع بعد ذلك أنهارًا\" (٢).\nوقد أخبر الله تعالى أن للجنة أبوابًا في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nكما أخبر النبي ﷺ أن للجنة أبوابًا:\nـ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ\" (٣).\nوأخبر أنها ثمانية أبواب:\nـ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ.\" (٤).\n- عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: \"مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَىَ عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٦]، \"أي كلما أعطوا عطاءً ورُزقوا رزقًا من ثمار الجنة\" (٦).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب صفة الجنة، رقم ٧٠٦٣. (النووي، محي الدين، المنهاج شرح صحيح مسلم، بيروت - لبنان، دار المعرفة، ط ٦، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(٢) أخرجه أحمد (١٩٦٨٢) مسند الكوفيين من حديث أبي موسى الأشعري. بهذا اللفظ. مسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرناذؤوط – عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠١ م. والبخاري نحوه، كتاب التوحيد، باب: قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، برقم (٧٠٠٦).\n(٣) أخرجه البخارى فى صحيحه – كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان حديث رقم (١٨٠٩)، وأخرجه مسلم فى صحيحه – كتاب الصيام – باب فضل شهر رمضان حديث رقم (١٨٥٨).\n(٤) رواه البخاري (٣٠١٧).\n(٥) أخرجه مسلم حديث (٢٨)، وأخرجه البخاري في \"كتاب الأنبياء\" \"باب (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) \" حديث (٣٤٣٥).\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.","vol":"2","page":132},{"text":"قال القاسمي: أي كلما: \"أطعموا من تلك الجنات\" (١).\nقال البغوي: \"أي: متى ما أطعموا من الجنة ثمرة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٦]، \"أي هذا مثلُ الطعام الي قُدِّم إلينا قبل هذه المرة\" (٣).\nقال ابن كثير: \" مثل الذي كان بالأمس\" (٤).\nواختلفوا في قوله تعالى ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] على ثلاثة أقوال (٥):\nالقول الأول: أن معناه: أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة، مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا، وهذا قول ابن مسعود (٦) وابن عباس والسدي، ومجاهد (٧) وقتادة (٨)، وابن زيد (٩)، ورجّحه الطبري (١٠).\nوقولهم هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها (١١).\nوعلى هذا القول، يكون معنى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: في الدنيا، وفيه وجهان (١٢):\nأحدهما: أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا.\nوالثاني: هذا الذي رزقنا في الدنيا ; لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك (١٣).\nوالقول الثاني: أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها، استخلف مكانها مثلها، فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي، اشتُبِه عليهم، فقالوا: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل﴾، وهو قول أبي عبيدة (١٤)، ويحيى بن أبي كثير (١٥).\nوعلى هذا فإن قوله تعالى ﴿من قبل﴾، يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا مثل الذي كان بالأمس، لشدة مشابهة بعضه بعضًا، لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول، وكذا قال الربيع بن أنس وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به! (١٦).\nوالقول الثالث: وقيل معناه: خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لأن فيها خيارا وغير خيار (١٧).\nوالراجح هو القول الأول، أي: أنهم كلما رزقوا من ثمارها رزقا قالوا: هذا كما رزقنا من قبل في الدنيا؛ وإنما اشتبه عليهم، لأن الله أجرى لهم ما يعرفون شكله، ولكن طعم ثمار الجنة فوق الوصوف حلاوةً. وذلك لكون الكلام لا يستقيم أن يقولوا ذلك عن ثمار الجنة وتشابهها شكلا ولونا مرةً بعد مرةً في أول دخولهم فيها ولم يذوقوا من ثمارها شئ (١٨)، وهكذا وجه الطبري رأيه وهو حسن في باب النظر في وجوه الكلام.\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٢٢٧.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٧٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥١٢): ص ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٢٤)، و(٥١٥): ص ١/ ٣٨٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥١٣): ص: ١/ ٣٨٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥١٦): ص: ١/ ٣٨٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٤٠.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٤٠.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٤٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥١٧): ص: ١/ ٣٨٦.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥١٨): ص ١/ ٣٨٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٨٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٤٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٨٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٤٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.","vol":"2","page":133},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٦]، \"أي متشابهًا في الشكل والمنظر، لا في الطعم والمَخْبر\" (١).\nقال الطبري: \" وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا\" (٢).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، أربعة أقوال (٣):\nأحدها: أن معنى التشابه أن كله خيار يشبه بعضه بعضًا وليس كثمار الدنيا، التي لا تتشابه لأن فيها خيارًا وغير خيار، وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، وابن جريج (٦).\nوالثاني: أن التشابه في اللون دون الطعم فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا، وإن خالفتها في الطعم، وهذا قول ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، وابن مسعود والربيع بن أنس (٩)، وقتادة (١٠)، وعكرمة (١١).\nوالثالث: أن التشابُه في اللون والطعم، قاله مجاهد (١٢)، وويحيى بن سعيد (١٣).\nوالرابع: أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تشبه ثمار الجنة شيئًا من ثمار الدنيا في لون ولا طعم، وهذا قول ابن الأشجعي (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعبدالرحمن بن زيد (١٦).\nوالراجح-والله أعلم- أن التشابه، في اللون والمنظر، والطعمُ مختلف، بدليل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، \"كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا: فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا، في اللون والمرأى والمنظر، وإن اختلفا في الطعم والذوق، فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، \"أي ولهم في الجنة زوجاتٌ من الحور العين مطهَّرات من الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية\" (١٨).\nقال الطبري: قوله ﴿مطهَّرة﴾، أي \" أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره\" (١٩).\nقال القاسمي: أي مطهرة\" من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس، ويجوز لمجيئه مطلقًا، أن يدخل تحته الطهر من دنَس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهن وكيدهنّ\" (٢٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٣٨٩.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٦.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٥١٩)، و(٥٢٠)، و(٥٢١): ص ١/ ٣٨٩.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٢٢): ص ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٢٣): ص ١/ ٣٩٠.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٢٤): ص ١/ ٣٩٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٥٢٥)، و(٥٢٦)، و(٥٢٨)، و(٥٢٩): ص ١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٢٧): ص ١/ ٣٩٠.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٢): ص ١/ ٣٩١.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٣): ص ١/ ٣٩١.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٠)، و(٥٣١): ص ١/ ٣٩١.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٣١): ص ١/ ٣٩١.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٤): ص ١/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٥): ص ١/ ٣٩٢.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٦): ص ١/ ٣٩٢.\n(١٧) تفسير الطبري: ١/ ٣٩٢.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦.\n(١٩) تفسير الطبري: ١/ ٣٩٥.\n(٢٠) محاسن التأويل: ١/ ٢٢٧.","vol":"2","page":134},{"text":"وقوله ﴿أزواج﴾: جمع زوج، والمرأة: زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول زوجة، وحكى الفراء أنه يقال: زوجة (١)، ولم يسمع في فصيح الكلام، ولذلك عدّه بعض أهل اللغة لحنًا، وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار، وكان يحتج بقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقيل له: أنها وردت في شعر ذي الرمّة (٢):\nأذو زوجة بالمصِر أمْ ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا\nفقال: إنّ ذا الرّمة طالما أكل المالح والبقْل في حوانيت البقّالين (٣)، يريد أنّه مولّد (٤)، والصحيح أن الصيغتين كليهما فصيحة، وقد رواها ابن السكيت (٥).\nوأنشد الفرزدق (٦):\nوإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها\nوشاع ذلك في كلام الفقهاء، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام، وهي تفرقة حسنة.\nوقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂: \"إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا\" (٧).\nواختلف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] على أقوال (٨):\nأحدها: مطهرة من القذر والأذى، وهو قول ابن عباس (٩).\nوالثاني: وقيل: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد، وهو قول مجاهد (١٠)، وروي نحوه عن عطاء (١١).\nوالثالث: وقيل: مطهرة من الأذى والمأثم، وهو قول قتادة (١٢).\nوالرباع: وقيل: مطهرة من الحيض. وهو قول عبدالرحمن بن زيد (١٣)، والحسن (١٤).\nوالقول الراجح: أن قوله تعالى ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾، يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، أي: \"أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٨٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٤٠.\n(٢) ديوانه: ١٠٢.\n(٣) ينظر: المزهر، السيوطي: ١/ ١٤.\n(٤) تفسير ابن عاشور: ٣/ ٣١٤.\n(٥) ينظر: النقد اللغوي بين التحررر والجمود، د. نعمة رحيم العزاوي: ٣٤. وقيل بأن ابن منظور رمىى الأصمعي بالتشدد (ينظر: لسان العرب مادة (زوج).\n(٦) ديوانه: ٢/ ٦١. وفي اللسان (زوع): «يستبيلها»، أي: يطلب بولها. وفيه (بول): «يفسد» بدل «يحرش» و«تستبيلها» أيضًا.\n(٧) صحيح البخاري- الفتن - الفتنة التي تموج كموج البحر - رقم الحديث: (٦٥٧١). وفي هذا الحديث فائدة عظيمة وكنز ثمين لمن أراد ذلك فعمار ابن ياسر وعلى الرغم من أنه كان في جيش علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ولم يكن في هذا مع السيدة عائشة ﵂ فلم يمنعه ذلك من أن يقول أنها زوجة رسول الله في الدنيا والاخرة وهذه والله وحدها تكفينا من هذا الحديث. أما قوله \"ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه، \" فهو خرج مع أمير المؤمنين مجتهدًا في ذلك ويرى أنه على صواب والسيدة عائشة رضوان الله عليها ايضًا خرجت تطلب دم عثمان وايضًا اجتهدت في ذلك وترى أنها على صواب ونحن هنا لانقول أن الحق مع عائشة ﵂ أو مع أمير المؤمنين كرم الله وجهه ولكن نقول كما قال أهل السنة والجماعة: ماحدث بين الصحابة عنه نسكت وأجر الاجتهاد لهم نثبت. وهؤلاء قوم عصم الله عنا دماءهم أفلا نعصم السنتنا عنهم.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٥.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٣٨)، و(٥٣٩): ص ١/ ٣٩٥.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٤٠)، و(٥٤١)، و(٥٤٢)، و(٥٤٣)، و(٥٤٤)، و(٥٤٩): ص ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٥٥٣): ص ١/ ٣٩٧.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٤٦)، و(٥٤٧)، و(٥٤٨): ص ١/ ٣٩٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٥٠): ص ١/ ٣٩٦.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٥١، و(٥٥٢»: ص ١/ ٣٩٧.\n(١٥) تفسير الطبري: ١/ ٣٩٥.","vol":"2","page":135},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٦]، \"أي\" دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها\" (١).\nقال ابن عثيمين: أي: \" ماكثون لا يخرجون منها\" (٢).\nقال ابن كثير: \" هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم، بر رحيم\" (٣).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾؛ ولقول الله ﵎: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١]؛ فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين. عليهم الصلاة والسلام؛ وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرك رمضان، فقلت: هنّاك الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضًا لو أتم الصوم، فقلت: هنّأك الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس به، وقد كان من عادة السلف.\n٢ ومن فوائد الآية: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين: الإيمان، والعمل الصالح.\nفإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؟\nفالجواب: أن التواصي بالحق، والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحيانًا يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل، وسبب من الأسباب.\n٣ ومنها: أن جزاء المؤمنين العاملين للصالحات أكبر بكثير مما عملوا، وأعظم؛ لأنهم مهما آمنوا، وعملوا فالعمر محدود، وينتهي؛ لكن الجزاء لا ينتهي أبدًا؛ هم مخلدون فيه أبد الآباد؛ كذلك أيضًا الأعمال التي يقدمونها قد يشوبها كسل؛ قد يشوبها تعب؛ قد يشوبها أشياء تنقصها، لكن إذا منّ الله عليه، فدخل الجنة فالنعيم كامل.\n٤ ومنها: أن الجنات أنواع؛ لقوله تعالى: ﴿جنات﴾؛ وقد دل على ذلك القرآن، والسنة؛ فقال الله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال تعالى: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ [الرحمن: ٦٢]؛ وقال النبي ﷺ \"جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما؛ وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما (٤) \".\n٥ ومنها: تمام قدرة الله ﷿ بخلق هذه الأنهار بغير سبب معلوم، بخلاف أنهار الدنيا؛ لأن أنهار الماء في الدنيا معروفة أسبابها؛ وليس في الدنيا أنهار من لبن، ولا من عسل، ولا من خمر؛ وقد جاء في الأثر (٥) أنها أنهار تجري من غير أخدود. يعني لم يحفر لها حفر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها؛ بل النهر يجري، ويتصرف فيه الإنسان بما شاء. يوجهه حيث شاء؛ قال ابن القيم ﵀ في النونية: .\nأنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان ٦. ومن فوائد الآية: أن من تمام نعيم أهل الجنة أنهم يؤتون بالرزق متشابهًا؛ وكلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل؛ وهذا من تمام النعيم، والتلذذ بما يأكلون.\n٧ ومنها: إثبات الأزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم؛ وعلى هذا يكون جماع، ولكن بدون الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؛ ولهذا ليس في الجنة مَنِيّ، ولا مَنِيَّة؛ والمنيّ الذي خلق في الدنيا إنما خُلق لبقاء النسل؛ لأن هذا المنيّ مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين، فيخرج بإذن الله تعالى ولدًا؛ لكن في الآخرة لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى\n_________\n(١) تفسير الببغوي: ١/ ٧٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٦. وانظر: محاسن التأويل: ١/ ٢٧٧.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٤١٧، كتاب التفسير، سورة الرحمن، باب ١: قوله: (ومن دونهما جنتان ..)، حديث رقم ٤٨٧٨؛ وأخرجه مسلم ص ٧٠٩، كتاب الإيمان، باب ٨٠: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، حديث رقم ٤٤٨ [٢٩٦] ١٨٠.\n(٥) أخرج الطبري هذا الأثر في تفسيره عن مسروق ١/ ٣٨٤، رقم ٥٠٩ ن ٥١٠، ٥١١؛ ورجاله ثقات.","vol":"2","page":136},{"text":"منهم أحد؛ ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم، ويخدمهم؛ الوِلدان تطوف عليهم بأكواب، وأباريق، وكأس من معين؛ ثم هم لا يحتاجون إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها؛ بل الأمر فيها كما قال الله تعالى: ﴿وجنى الجنتين دان﴾ [الرحمن: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿قطوفها دانية﴾ [الحاقة: ٢٣]؛ حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة، فيحسّ أنه يشتهيها، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها؛ ولا تستغرب هذا؛ فنحن في الدنيا نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سلطة محسوسة؛ وما في الآخرة أبلغ، وأبلغ.\n٨ ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد؛ لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى من فيها؛ وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة.\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦]\nالتفسير:\nإن الله لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلا كان بعوضة أم أدنى منها، لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، فأما الذين آمنوا فيتفهمونها، ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة، فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، الخارجين عن طاعة الله، وما يضل به إلا المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.\nاختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال (١):\nأحدها: قال ابن عباس: \"لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾، وقوله: ﴿أو كصيِّب من السماء﴾، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً﴾، إلى قوله: ﴿أولئك همُ الخاسرُون﴾ \". قاله ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣).\nوالثاني: وقال قتادة: \"لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها\" (٤). ونقل الواحدي عن الحسن (٥) مثل ذلك.\nوالثالث: وقال الربيع: \" هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤] \" (٦).\nوالرابع: أخرج الواحدي \"عن ابن عباس في قوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا﴾ قال: وذلك أن الله ذكر آلهة المشركين، فقال: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا﴾ وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٣ - ٢٤، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٠٦ - ٢٠٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥٤): ص ١/ ٣٩٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٥٤): ص ١/ ٣٩٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٥٨): ص ١/ ٤٠٠، وانظر (٥٥٦): ص ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٥) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٣، قال الواحدي: \"وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتاب وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله. فأنزل الله هذه الآية\". وانظر: تفسير عبد الرزاق (١/ ٦٤).\n(٦) أخرجه الطبري (٥٥٥): ص ١/ ٣٩٩. وفي رواية أخرى عنه بنحوه، \" إلا أنه قال: فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم (٢)، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم. فذلك قوله: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤] \". [تفسير الطبري: (٥٥٦): ص ١/ ٣٩٩].","vol":"2","page":137},{"text":"حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية\" (١).\nوالقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، قال الماوردي، \"وتأويل الربيع أحسن، والأولُ أشبَهُ\" (٢).\nوقد اختار القول الأول، الإمام الطبري (٣)، \"لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله: \" إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما \" - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: ٢٦]، \"أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أيُّ مثلٍ كان، بأي شيءٍ كان، صغيرًا كان أو كبيرا\" (٥).\nوقوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة الروم: ٢٨]، بمعنى وصف لكم (٦)، وكما قال الكُمَيْت (٧):\nوَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ ... لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا\nبمعنى: وصف أخماس.\nو(المثَل): الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير (٨):\nكَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ\nيعني شَبَهًا.\nقوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، \" أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها\" (٩).\nواختلف في قوله تعالى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] على أوجه (١٠):\nأحدها: دونها في الصغر، والقلة والحقارة (١١):\n_________\n(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٢٣، وهذا إسناد ضعيف جدا لضعف عبد الغني بن سعيد - وفي نسخة أحمد صقر: عبد العزيز بن سعيد - (لباب النقول: ٩) وموسى بن عبد الرحمن (ميزان الاعتدال: ٤/ ٢١١) وعنعنة ابن جريج وهو ثقة يدلس (تهذيب التهذيب: ٦/ ٤٠٤، ٤٠٥) لكن معناه صحيح، وهو أصح مما قبله، فقد أخرج ابن جرير (١/ ١٣٨) وابن أبي حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد (فتح القدير: ١/ ٥٨) عن قتادة بإسناد صحيح قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله الآية، وهذا مرسل أصح من المسند ويشهد له:\n١ - ما أخرجه ابن جرير أيضا (١/ ١٣٨) من طريق آخر عن قتادة نحوه بإسناد صحيح.\n٢ - ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه (لباب النقول: ١٩).\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٨٨.\n(٣) أنظر: تفسيره: ١/ ٤٠٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(٦) انظر تفسير الطبري: ١/ ٤٠٣.\n(٧) هذا بيت استرقه الكميت استراقًا، على أنه مثل اجتلبه. وأصله: أن شيخًا كان في إبله، ومعه أولاده رحالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم: \" ارعوا إبلكم ربعا \" (بكسر فسكون: وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا، وترد في اليوم الرابع)، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم. فقالوا: لو رعيناها خمسًا! (بكسر فسكون: أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم. فقالوا: لو رعيناها سدسًا! (أن تحبس خمسًا وترد في السادس). ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم! وأنشأ يقول: وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ، ... لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا\nفصار قولهم: \" ضرب أخماس لأسداس \" مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره.\nوحقيقة قوله \" ضرب: بمعنى وصف \"، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد، يسوقها إليه لتسلكه. فقولهم: ضرب له مثلا، أي ساقه إليه، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق. وهذا بين.\n(٨) ديوانه: ٨، وفي المخطوطة: \" وما مواعيده \"، وعرقوب - فيما يزعمون -: هو عرقوب ابن نصر، رجل من العمالقة، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم ﵇. وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة، كما هو معروف في قصته.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٧.\n(١١) ذهب إلى أن فوق بمعنى دون في الآية هنا: أبو عبيدة في المجاز: ١/ ٣٥، واليزيدي في غريب القرآن وتفسيره: ٦٦، ونسبه القرطبي في تفسيره: ١/ ٢٤٣، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ١٢٣، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٨٥، وغيرهم للكسائي، ورجحه مكي في المشكل: ٨٨، ومال إليه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٨٥، ورجحه الرازي في مفاتيح الغيب: ٢/ ١٤٨ ونسبه لأكثر المحققين. ومن حججهم: أ-أن الغرض المقصود من التمثيل هنا هو الصغر لأن من نزلت بسببهم الآية-وهم اليهود أو المنافقون أو المشركون على خلاف في روايات سبب النزول-لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر ويطرح قالوا: إن الله أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فأنزل الله﷿هذه الآية ردًا عليهم. انظر في سبب النزول: تفسير عبد الرزاق: ١/ ٤١، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٣، أسباب النزول للواحدي-تحقيق الحميدان-: ٢٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٨٤، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٢٠ وغيرها. ب-أن هناك ما هو أصغر من البعوضة، ومن ذلك جناحها الذي ضرب به النبي ﷺ مثلًا للدنيا. وانظر في سوق الحجج لهذا القول: مفاتيح الغيب للرازي: ٢/ ١٤٨، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٨٨، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٢٣، لباب التأويل للخازن: ١/ ٣٣، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ٧٣ وغيرها. وذهب آخرون إلى أن فوق في الآية بمعنى أعظم. ومنهم: ابن عباس وقتادة وابن جريج، انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٥٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٢٤٣، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ٨٨. واختار ذلك قطرب فيما نسبه إليه ابن الأنباري في الأضداد: ١/ ٢٥٠، والفراء في معاني القرآن: ١/ ٢٠، والطبري في جامع البيان: ١/ ٤٠٥، والواحدي في الوجيز: ١/ ٩٧، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ١٢٣، والنهر الماد-بحاشية البحر المحيط-: ١/ ١٢٠، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ١٦٥، والغرناطي في التسهيل لعلوم التنزيل: ١/ ٧٧. وحجتهم جريان فوق في هذا القول على مشهور ما استقر في اللغة. وقال آخرون: بأن فوق في الآية تدل على ما هو أصغر من البعوضة وما هو أكبر منها، ولذا كان اختياره في هذه الآية دون لفظ أقل أو دون أو أقوى، ولا يتأتى هذا القول إلا على قول من قال بأن اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه الجائزة في الآية. انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٢٣ وهو اختيار ابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٣٦٢. وقد عده ابن الأنباري في الأضداد: ٢٥٠ - ٢٥١ من الأضداد، وقال عن رد قطرب لقول من قال إن فوق في الآية بمعنى دون: ورده هذا عندي غلط. وذكر كثير من المفسرين القولين في فوق من دون ترجيح. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ١٥٤، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ٧٧، وبحر العلوم للسمرقندي: ١/ ١٠٤، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ٨٨، والكشاف للزمخشري: ١/ ٢٦٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٢٤٣، وإرشاد العقل السليم للبيضاوي: ١/ ٧٣، وأنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٤٠، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٠٧، وغيرها.","vol":"2","page":138},{"text":"كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت، وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي: وأكثر المحققين، وفي الحديث: \"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء\" (١).\nوهذا قولٌ فيه نظر، وخلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.\nوالثاني: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فما هو أكبر منها:\nلأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، وهذا قول قتادة بن دعامة واختاره ابن جرير (٢).\nاختاره الطبري، فقال: \"وأما تأويل قوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فما هو أعظم منها - عندي - لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف، وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه - فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة\" (٣).\nوالثالث: وقيل فما فوقها أي: الحشرة التي تعيش فوق البعوضة:\nاكتشف العلم الحديث أن فوق ظهر البعوضة تعيش حشرة صغيرة جدًا لا تفرى الا بالعين المجهرية وقالوا أن هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيي أَن يَضْربَ مَثَلًا مَّا بَعوضَةً فمَا فوْقَهَا﴾.\nوقصر الآية على ما ظهر من الاكتشافات الحديثة مزلق وقع فيه البعض تحت اسم (الإعجاز العلمي)، وهذا الرأي فيه نظر، لأن قصر المراد بالفوقية على هذه الحشرة التي لم يظهر أمرها إلا في هذا العصر - لو صحَّ التفسير بها - فيه تجهيل للأمة بدأً بالصحابة وختمًا بعلماء هذا العصر، وهو يستلزم أن يكون في القرآن ما لم يُعلم معنها، ولا أُدرك المراد منه إلا في هذا العصر، وذلك أمر باطل بلا ريب.\nوإن قيل إن هذه الحشرة تدخل في عموم قوله (فما فوقها) أي في الصِّغَرِ، لجاز، والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦]، أي: \" فأما الذين صدّقوا الله ورسوله\" (٤).\n_________\n(١) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٠) من طريق عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ به مرفوعا، وفيه عبد الحميد بن سليمان ضعيف.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٦.","vol":"2","page":139},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦]، أي: \" فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله\" (١).\nقال الطبري: \" فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل\" (٢).\nقال الربيع: أي\" أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده\" (٣).\nوقال قتادة: \" أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله\" (٤).\nقال مجاهد: \" يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦]، أي وأما\" الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، أي: \" فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ \" (٧).\nقال الطبري: \"أي: ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا\" (٨).\nقال مجاهد: \"ويعرفه الفاسقون فيكفرون به\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، \" أي: يضل بهذا المثل كثيرًا من الكافرين لكفرهم به\" (١٠).\nقال ابن مسعود: \" يعني: المنافقين\" (١١).\nقال الطبري: \" فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، \" أي: ويهدي به كثيرًا من المؤمنين لتصديقهم به، [فيزيد هم هدىً] \" (١٣).\nقال ابن مسعود: \" ﴿ويهدي به كثيرًا﴾، يعني المؤمنين\" (١٤).\nقال الطبري: \" فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به\" (١٥).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ثلاثةُ أقوال (١٦):\nأحدها: معناه بالتكذيب بأمثاله، التي ضربها لهم كثيرًا، ويهدي بالتصديق بها كثيرًا.\nوالثاني: أنه امتحنهم بأمثاله، فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالًا لهم، واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم.\nوالثالث: أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦]، \"أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إِلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته\" (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٦٥): ص ١/ ٤٠٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٦٥): ص ١/ ٤٠٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٦٦): ص ١/ ٤٠٧.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٦٦): ص ١/ ٤٠٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٦٧): ص ١/ ٤٠٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٦٧): ص ١/ ٤٠٨.\n(١٥) تفسير الطبري: ١/ ٤٠٨.\n(١٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٦.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.","vol":"2","page":140},{"text":"قال ابن مسعود: \" هم المنافقون\" (١). وروي عن الربيع مثل ذلك (٢).\nقال قتادة: \" فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم\" (٣).\nوقال مجاهد: \" يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به \" (٤).\nقال الطبري: أي: \" وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق\" (٥).\nو«الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقًا: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (٦).\nوأما المقصود بالفسق اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي:\nأولا: - قال ابن عطية: 'الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ﷿ فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان \" (٧). وكذا قاله الطبري (٨)، والقرطبي (٩).\nوقد روي \"عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري\" (١٠).\nقال الشوكاني: عن هذا التعريف: \" وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض \" (١١).\nوالثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (١٢).\nوثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\" (١٣).\nوالثالث: - وقال البيضاوي: \" الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة \" (١٤).\nوالرابع: - وقال الألوسي: \"الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة \" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥٦٨): ص ١/ ٤٠٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٥٧٠): ص ١/ ٤٠٩.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٦٩): ص ١/ ٤٠٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٦٦): ص ١/ ٤٠٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ٤١٠.\n(٢) تفسير ابن عطية (١/ ١٥٥).\n(٦) انظر: اللسان (١٠/ ٣٠٨) ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٠٢)، والمصباح المنير للفيومي ص (٥٦٨)، وترتيب القاموس المحيط للزاوي (٤/ ٥٠٢)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢).\n(٢) تفسير ابن عطية (١/ ١٥٥).\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١١٢.\n(٨) أنظر: تفسيره: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٩) تفسير القرطبي (١/ ٢٤٥).\n(١٠) أخرجه الطبري (٥٧١): ص ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(١١) فتح القدير (١/ ٥٧).\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٩.\n(١٣) صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨).\n(١٤) - تفسر البيضاوي (١/ ٤١) وانظر: تفسير أبي السعود (١/ ١٣١).\n(١٥) تفسير الألوسي (١/ ٢١٠).","vol":"2","page":141},{"text":"ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١) حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: \" والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيرًا\" (٢). وسوف نفصل القول فيه في الفوائد.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات الحياء لله ﷿؛ لقوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما).\nووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحًا في السنة، كما في قول النبي ﷺ: \"إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفرًا\" (٣)؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله.\n٢ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يستدل بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ وهذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد، ولا مطر، ولا رياح ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه﴾ [الرعد: ١٤]: إنسان بسط كفيه إلى غدير مثلًا، أو نهر يريد أن يصل الماء إلى فمه! هذا لا يمكن؛ هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثال لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنسان إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبيان وجه هذا المثل.\n٣ ومن فوائد الآية: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله تعالى: ﴿بعوضة فما فوقها﴾؛ ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما تهلك: لو سُلطت على الإنسان لأهلكته وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة.\n٤ ومنها: رحمة الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثال المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم.\n٥ ومنها: أن القياس حجة؛ لأن كل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على ثبوت القياس.\n٦ ومنها: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزل الله ﷿ بعقله؛ لقوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾، ولا يعترضون، ولا يقولون: لِم؟، ولا: كيف؟؛ يقولون: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله ﷿ له الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر.\n٧ ومنها: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿من ربهم﴾؛ واعلم أن ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة؛ وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد؛ والخاصة هي التي تختص بمن أضيفت له، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]: فالأولى ربوبية عامة؛ والثانية خاصة بموسى، وهارون؛ كما أن مقابل ذلك \"العبودية\" تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قوله ﵎: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]؛ وخاصة كما في قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]؛ والفرق بينهما أن العامة هي الخضوع للأمر الكوني؛ والخاصة هي الخضوع للأمر الشرعي؛ وعلى هذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة؛ والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة.\n٨ ومن فوائد الآية: أن ديدن الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا﴾؛ وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار؛ فمثلًا لو قال قائل: لماذا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل، ولا ينتقض بأكل لحم الخنزير إذا جاز أكله للضرورة مع أن الخنزير خبيث نجس؟\nفالجواب: أن هذا اعتراض على حكم الله ﷿؛ وهو دليل على نقص الإيمان؛ لأن لازم الإيمان التام التسليم التام لحكم الله ﷿. إلا أن يقول ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس به.\n٩ ومن فوائد الآية: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا﴾؛ فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون؛ وواحد من الألف مهتدٍ؛ فكلمة: ﴿كثيرًا﴾ لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن \"كثير\" يطلق على القليل، وعلى الأكثر.\n١٠ ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [الصف: ٥].\n١١ ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾.\n١٢. وتجدر الإشارة بأن الفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الآيات، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٥] (٤).\nوالفسق له عدة أقسام باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم إلى:\nأولا: - فسق يخرج عن الإسلام، والثاني: - وفسق لا يخرج عن الإسلام\nقال ابن عباس – ﵄ -: \" كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذّنب \" (٥).\nوقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم، قالوا: \"كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق \" (٦).\nقال محمد بن نصر المروزي ﵀: \" والفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا\" (٧).\nوها هنا أمر مهمّ لا بد من التنويه به، وهو أن الإيمان لما كان شعبًا متعدّدة كما أخبر الصّادق المصدوق ﷺ في حديث شعب الإيمان (٨)، فإن ما يقابله ويضاده كذلك، فالكفر شعب ومراتب، فمنه\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٣)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢)، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (٢/ ٧٢)، والكليّات للكفوي ص: (٦٩٣).\n(٢) المفردات ص (٥٧٢).\n(٣) أخرجه أبو داود ص ١٣٣٣، كتاب الوتر، باب ٢٣: الدعاء، حديث رقم ١٤٨٨؛ وأخرجه الترمذي ص ٢٠١٨، كتاب الدعوات، باب ١٠٤: \"إن الله حيي كريم ... \"، حديث رقم ٣٥٥٦؛ وأخرجه ابن ماجة ٢٧٠٧، كتاب الدعاء، باب ١٣: رفع اليدين في الدعاء، حديث رقم ٣٨٦٥؛ وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٥١، باب رفع اليدين في الصلاة، حديث رقم ٣٢٥٠، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح [١/ ٤٠٩، حديث رقم ١٤٨٨].\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ١٤٢)، والدرر المنثور للسيوطي (١/ ١٠٥).\n(٦) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الإيمان.\n(٧) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٦).\n(٨) وهو قوله ﷺ: الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ..» أخرجه البخاري، كتاب الإيمان ح (٩). ومسلم، كتاب الإيمان ح (٣٥).","vol":"2","page":142},{"text":"ما يُخرج من الملّة، ومنه كفر دون كفر، وكذا النفاق، والشرك، والفسق، والظلم، وهذا أصل عظيم تميّز به أهل السنة عن المبتدعة من الوعيدية والمرجئة (١).\nوفسق الكفر قد يكون اعتقاديًا، وقد يكون عمليًّا، ومثال الاعتقادي: فسق المنافقين زمن النبي ﷺ، قال تعالى: \" قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣]، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣]، تعليل لعدم قبول نفقاتهم (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].\nقال الشوكاني: \" وهذا الترتيب يُفيد أنهم هم الكاملون في الفسق\" (٣).\nومثال الفسق العملي المخرج عن الملة: فسق إبليس، إذ قال الله تعالى – ﷿ -: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].\nففسق إبليس إنما كان بتركه للسجود، وامتناعه عن اتباع أمر ربه – ﷿ – وهذا التّرك يعدّ فعلًا وعملًا – كما هو مقرّر في كتب الأصول - (٤).\nوفسق الكفر هو المذكور في غالب آيات القرآن الكريم، وكما قال ابن الوزير: \" قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق في زمان النبي، ﷺ، يطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، وذكر آيات كثيرة ثم قال: \" فهذه الآيات دالة على أن الفاسق في العرف الأول يطلق على الكافر، ويسبق إلى الفهم \" (٥).\nوننبه إلى ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم، وفيما يأتي بعض التنبيهات على ذلك:\n١ - إن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر - كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته (٦)، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة - وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها - فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة (٧).\nيقول ابن تيمية - مقررًا هذه المسألة - \" ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٩] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].\n_________\n(١) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص (٥٣ - ٥٨).\n(٢) انظر: فتح القدير للشوكاني (٢/ ٣٦٩).\n(٣) فتح القدير (٢/ ٣٧٩).\n(٤) انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص (٥٤)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص (٥٢). والقواعد الأصولية لابن اللحام ص (٦٢)، ويقول الشوكاني في تفسيره (٢/ ١٥٨): \" وإطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعًا \".\n(٥) العواصم والقواصم (٢/ ١٦٠ - ١٦١) باختصار، وانظر إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص (٤٥١)، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (١/ ٢٣٨).\n(٦) هذا بالنسبة للحكم العام المطلق، فنطلق القول بنصوص الوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٣٣٢)، (٤/ ٤٨٤)، (٢٨/ ٤٩٩).\n(٧) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٤٨٦).","vol":"2","page":143},{"text":"٢ - ولا يسلبون الفاسق الملّي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\n٣ - وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: \" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ: \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ\" (١)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (٢).\nفارتكاب الكبير يعدّ فسقًا ينافي كمال الإيمان الواجب، وهذا الفسق يمكن اجتماعه مع الإيمان، وصاحبه متعرّض للوعيد، فأهل السنة يقولون بجواز التبعض في الاسم والحكم، بمعنى أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه (٣).\nوإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين:\n- فأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا.\nكما قال أحدهم – وهو الآمدي -: \" فعلى هذا مهما كان مصدقًا بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقًّا، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقًا بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات \" (٤)، وسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمنًا بإطلاق (٥).\nوبجدر القول بأن مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر - مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.\nوقد عاب إبراهيم النخعي – ﵀ – تلك المقولة، فقال: \" ما أعلم قومًا أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق\" (٦).\nوعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان.\n- أما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم (٧).\nيقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي: \" صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقًا، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهو المنزلة بين المنزليتن \" (٨) ولما كان مرتكب الكبيرة - عندهم - فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار.\nوكما قال عبد الجبار المعتزلي: \" والذي يدل على أن الفاسق يُخلّد في النار، ويُعذّب فيها أبدًا ما ذكرناه من عمومات الوعيد، فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يُخلّد \" (٩).\n- وقد تبع الزيديةُ المعتزلة في مفهوم الفسق، ووافقهوهم على ما سبق ذكره (١٠).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ومسلم، كتاب المظالم ح (٢٤٧٥) ومسلم، كتاب الإيمان، ح (٧٦).\n(٢) العقيدة الواسطية بشرح محمد خليل هراس ص (١٥٢ - ١٥٦).\n(٣) انظر: شرح الأصفهانية: مخلوف ص (١٤٤).\n(٤) غاية المرام في علم الكلام ص (٣١٢).\n(٥) انظر: المواقف في علمِ الكلام ص (٣٨٩).\n(٦) السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد حنبل (١/ ٣٤١).\n(٧) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٣).\n(٨) شرح الأصول الخمسة ص (٦٩٧).\n(٩) شرح الأصول الخمسة ص (٦٦٦).\n(١٠) انظر: مثلًا العقد الثمين في معرفة رب العالمين للحسين بن بدر الدين ص (٥٧) ومصباح العلوم في معرفة الحيّ القيوم للرصاص، ص (٢٠).","vol":"2","page":145},{"text":"القرآن\n﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٧]\nالتفسير:\nمن صفات هؤلاء الكفار أنهم يتقضون العهد الذي بينهم وبين الله ﷿؛ من بعد تغليظه وتأكيده، وهو الإيمان به، وبرسله، ويقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق، ويسعون لما به فساد الأرض فسادًا معنويًا كالمعاصي؛ وفسادًا حسيًا كتخريب الديار، وقتل الأنفس، وألئك هم الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، أي: الذين يتركون ويخالفون، أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق (١).\nقال البغوي: أي: الذين يخالفون ويتركون أمر الله الذي عهد إليهم (٢).\nقال الصابوني: \"أي: ينقضون ما عهده إِليهم في الكتب السماوية، من الإِيمان بمحمد ﷺ.، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإِيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع \" (٣).\nالنقض في اللغة: \" الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء، والمناقضة في الشعر، أن يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض جرير والفرزدق (٤).\nو(العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة، والذي أريد به هاهنا الوصية والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي: أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، أي ألم آمركم، والعهد أيضًا العقد الذي يتوثق به لما بعد (٥).\nوقال الراغب: \" النقض: فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث: مثله .. والعهد: كل أمرٍ شأنه أن يراعي كاليمين، والمشاركة، والمبايعة\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، أي: \"بعد توَثُّق الله فيه، بأخذ عهوده بالوفاء له، بما عهد إليهم في ذلك\" (٧).\nقال الثعلبي: من بعد\" توكيده وتشديده\" (٨).\nقال البغوي: من بعد\" توكيده. والميثاق: العهد المؤكد\" (٩).\nقال الصابوني: \" من بعد توكيده عليهم\" (١٠).\nقال مقاتل بن حيان: \" من بعد ميثاقه في التوراة، أن يؤمنوا بمحمدﷺ- ويصدقوه، فكفروا ونقضوا الميثاق الأول\" (١١).\nقال الراغب: \" والميثاق: اسم لما يقع به الوثاقة\" (١٢).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٧٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(٤) أنظر: \"تهذيب اللغة\" (نقض) ٤/ ٣٦٤٨، وانظر \"اللسان\" (نقض) ٨/ ٤٥٢٤، والتفسير البسيط: ١/ ١٨٣.\n(٥) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤، و\"التهذيب\" (عهد) ٣/ ٣٢٦٠٧، ومفردات الراغب: ٣٥٠.\n(٦) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٣١.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٤١٤.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٧٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩١): ص ١/ ٧١ - ٧٢.\n(١٢) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٣١.","vol":"2","page":146},{"text":"والميثاق: العهد، من غير خلاف بين أهل اللغة والتفسير (١).\nوذكر أبو إسحاق للعهد المذكور في هذه الآية ثلاثة أوجه (٢):\nأحدهما: أنه: الوصيَّة، أي: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي ﷺ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]. قاله السدي (٣).\nوالثاني: أنه الميثاق، أي: عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. قاله مقاتل بن حيان (٤).\nوالثالث: أن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به.\nقال أبو إسحاق: \"والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما\" (٥).\nوقال الواحدي: \"الوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به\" (٦).\nوفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان (٧):\nأحدهما: أنها كناية ترجع إلى اسم الله وتقديره: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم.\nوالثاني: أنها كناية ترجع إلى العهد، وتقديره: من بعد ميثاق العهد وتوكيده.\nوفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب، أربعة أقاويل (٨):\nأحدها: المنافقون. قاله أبو العالية (٩)، وروي عن الربيع (١٠) نحو ذلك.\nوالثاني: أهل الكتاب.\nوالثالث: جميع الكفار.\nوالرابع: الحرورية. قاله سعد (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، \"أي: ويقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق\" (١٢)\nواختلفوا في قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، على وجوه (١٣):\nأحدها: قيل: أنَّه الرحمُ والقرابةُ، وهو قول السدي (١٤)، وقتادة (١٥).\nوالثاني: أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل، هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب والعصيان، وهو قول الحسن البصري (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١٠٦، غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: ٧٥، جامع البيان للطبري: ١/ ٤١٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٢٤٧، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٦/ ١٨٥ ومجمل اللغة له أيضًا: ٤/ ٩١٥، الصحاح للجوهري: ٤/ ١٥٦٣، القاموس المحيط للفيروزآبادي: ٨٣٤.\n(٢) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٠): ص ١/ ٧١.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٩): ص ١/ ٧١.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ١٠٦.\n(٦) التفسير البسيط: ٢/ ٢٨٤.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٩، وتفسير الطبري\" ١/ ١٨٤، والمحرر الوجيز: ١/ ٢١٨، وزاد المسير\" ١/ ٥٦، والإملاء\" ١/ ٢٧، والكشاف\" ١/ ٢٦٨.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٨٩.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٨): ص ١/ ٧١.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٧١.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٧): ص ١/ ٧١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٣): ص ١/ ٧٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٧٤): ص ١/ ٤١٦.\n(١٦) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٩٠.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٤): ص ١/ ٧٢.","vol":"2","page":147},{"text":"والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل.\nوالقول الأول هو الأشبه بالصواب، \"لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم، ولا دليل واضح على الخصوص\" (١)، وقد رحجه ابن جرير قائلا: \" وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٢٢]، وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة، وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها، وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧]، \"أي: ويسعون لما به فساد الأرض فسادًا معنويًا كالمعاصي؛ وفسادًا حسيًا كتخريب الديار، وقتل الأنفس\" (٣).\nقال الواحدي: \" بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ\" (٤).\nقال المراغي: \" بصدهم عن سبيل الله يبغونها عوجا، وبالاستهزاء بالحق بعد ما تبين، وبإهمالهم هداية العقل وهداية الدين، فوجودهم في الأرض مفسدة لأنفسهم ومفسدة لأهلها\" (٥).\nقال الصابوني: \" بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات حول القرآن\" (٦).\nقال الطبري: بـ\"معصيتهم ربّهم، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده\" (٧).\nوقال مصعب: \"فكان سعد يسميهم الفاسفين\" (٨).\nوذكروا في إفسادهم في الأرض ثلاثة أقوال (٩):\nأحدها: هو استدعاؤهم إلى الكفر.\nوالثاني: أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق.\nوالثالث: المعصية. قاله السدي (١٠) ومقاتل بن حيان (١١).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، أي: أولئك المذكورون هم \"المغبونون\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" أي المغبونون بالعقوبة وفوت المثوبة\" (١٣).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن مقاتل بن حيان: أولئك هم الخاسرون في الآخرة\" (١٤). وفي رواية أخرى له: \" هم أهل النار\" (١٥).\nقال ابن كثير: أي: \"في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] \" (١٦).\nقال الصابوني: \"لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة\" (١٧).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٠٥.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٤١٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١١.\n(٤) انظر: التفسير البسيط: ٢/ ٢٨٧، وانظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٦٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨ - ٣٩.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٤١٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥): ص ١/ ٧٢.\n(٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٩٠.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٦): ص ١/ ٧٢.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٧): ص ١/ ٧٢.\n(١٢) تفسير البغوي: ١/ ٧٧.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٨): ص ١/ ٧٢.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٩): ص ١/ ٧٢.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١١.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.","vol":"2","page":148},{"text":"قال الواحدي: \" والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة\" (١).\nقال المراغي: \"لأن إفسادهم لما عمّ العقائد والأخلاق بفقد هداية الفطرة وهداية الدين، استحقوا الخزي في الدنيا بحرمان السعادة الجسمية والعقلية والخلقية، والعذاب الأليم في الآخرة، ومن خسر السعادتين كان في خسران مبين\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" (الخاسر)، هو الذي فاته الربح؛ وذلك؛ لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، خمسة أوجه\" (٤).\nأحدها: قيل: أولئك هم الهالكون (٥).\nوالثاني: قيل: أنهم الخاسرون في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].\nوالثالث: وقيل: أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر (٦).\nوالرابع: وقيل: أن كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل (خاسر)، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب (٧). قاله ابن عباس (٨).\nوالخامس: وقيل: هم الناقصون أنفسهم وحظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية (٩):\nإن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه ... أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه\nفقوله (في الخَسَارِ) أي فيما يوكسهم من حظوظهم من الشرف والكرم، فقيل للهالك: خاسر، لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة (١٠).\nوهذا القول الأخير أشيه بالصواب ورجّحه ابن جرير (١١)، لأن أصل الخسران هو نقصان مال التاجر من ربح أو رأس مال، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا، وقد أقسم الله أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينة منصوصة في كتاب الله فقال تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].\nالفوائد:\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٢٨٨.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٦٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٧.\n(٨) تفسير الطبري (٥٧٥): ص ١/ ٤١٧.\n(٩) ديوانه: ٥٩٨، والنقائض: ٤، واللسان (قنن)، وروايته: \" أبناء قوم \". وسليط: بطن من بني يربوع قوم جرير، واسم سليط: كعب بن الحارث بن يربوع. وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي، فهجاه جرير بهذا الرجز. وأقنة جمع قن (بكسر القاف)، والقن: العبد الذي ملك هو وأبواه. والأنثى، قن أيضًا بغير هاء.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٤٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٧.","vol":"2","page":149},{"text":"١ من فوائد الآية: أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ فكلما رأيت شخصًا قد فرط في واجب، أو فعل محرمًا فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق.\n٢ ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سببًا للفسق.\n٣ ومنها: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام. أي الأقارب. وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ لا يدخل الجنة قاطع\" (١)، يعني قاطع رحم.\n٤ ومنها: أن المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه ﷾، وتابوا إليه، أغاثهم الله ﷿؛ وقد قال نوح ﵇ لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهارًا﴾ [نوح: ١٠. ١٢].\nفإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟\nفالجواب: أن هذا الإيراد أوردته أم المؤمنين زينب ﵂ على النبي ﷺ حيث قال: \"ويل للعرب من شر قد اقترب\"؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ ! قال ﷺ: \"نعم، إذا كثر الخبث\" (٢)؛ وقوله ﷺ \"إذا كثر الخبث\" يشمل معنيين: .\nأحدهما: أن يكثر الخبث في العاملين بحيث يكون عامة الناس على هذا الوصف.\nوالثاني: أن يكثر فعل الخبث بأنواعه من فئة قليلة، لكن لا تقوم الفئة الصالحة بإنكاره؛ فمثلًا إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سببًا للشر، والبلاء؛ لأن الكفار نجس؛ فكثرتهم كثرة خبث؛ وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سببًا أيضًا للشر، والبلاء؛ لأن المعاصي خبث.\n٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله فيما ضرب من الأمثال، ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض هم الخاسرون. وإن ظنوا أنهم يحسنون صنعًا.\nالقرآن\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨]\nالتفسير:\nكيف تجحدون وجود الله أو تعبدون معه غيره، وقد كنتم عدمًا في أصلاب آبائكم لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأخرجكم إلى الوجود وأنعم عليكم بأصناف النعم، ثم يميتكم عند استكمال آجالكم، ثم يحييكم حين يبعثكم، ثم اليه ترجعون فيجازيكم الجزاء الأوفى.\nقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: \" كيف تجحدون الخالق، وتنكرون الصانع\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله\" (٤).\nقوله تعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ [٢٨]، في التعبير بـ (كيف) قولان (٥):\nأحدهما: أنه استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون، وقد ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة (٦)، والزجاج (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٠٧، كتاب الأدب، باب ١١: إثم القاطع، حديث رقم ٥٩٨٤؛ وأخرجه مسلم ص ١١٢٦، كتاب البر والصلة، باب ٦: صلة الرحمن وتحريم قطيعتها، حديث رقم ٦٥٢٠ [١٨] ٢٥٥٦.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٧١، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٧: قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم ٣٣٤٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٧٦ – ١١٧٧، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ١: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حديث رقم ٧٢٣٥ [١] ٢٨٨٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٧، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٤٨.\n(٦) انظر: تأويل مشكل القرآن: ٢٧٨.\n(٧) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٠٧.","vol":"2","page":150},{"text":"والثاني: أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ. تقديره: ويْحَكم كيف تكفرون بالله؟ كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [سورة التكوير: ٢٦]. قاله الفراء (١) وابن الانباري (٢).\nوالقول الأول هو الأشبه بالصواب، وهو قول عامة المفسرين، قال الواسطي: \"وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" الاستفهام هنا للإنكار، والتعجيب؛ والكفر بالله هو الإنكار، والتكذيب مأخوذ من: كَفَر الشيء: إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى: لغلاف طلع النخل؛ والمعنى: كيف تجحدونه، وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته، وتنكرون البعث مع أنكم تعلمون نشأتكم؟ ! \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾] البقرة: ٢٨]، أي: وكنم \"نطفا في أصلاب آبائكم\" (٥).\nقال ابن عباس: \" في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم\" (٦). وعنه أيضا: \" كنتم ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة\" (٧).\nوقال الصابوني: \" أي وقد كنتم في العدم نُطفًا في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" وذلك: قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت؛ جماد\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، \" أي أخرجكم إِلى الدنيا\" (١٠).\nقال السعدي: \"أي: \"خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم\" (١١).\nقال ابن عثيمين: أي بنفخ الروح\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" فخلقكم فهذه حياة\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \"في الأرحام في الدنيا\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: \" عند انقضاء آجالكم\" (١٥).\nقال ابن عباس: \" فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى\" (١٦).\nقال الحسن: \"ذكر الموت مرتين هنا لأكثر الناس، وأما بعضهم فقد أماتهم ثلاث مرات، ﴿أو كالذى مر على قرية﴾، ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾، فخذ أربعة من الطير﴾، الآيات\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، \" أي تردون [إليه] في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم\" (١٨).\nقال السعدي: أي: \"بعد البعث والنشور\" (١٩).\nقال ابن عباس: \" ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة\" (٢٠).\n_________\n(١) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣، وانظر: التفسير البسيط: ٢/ ٢٨٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٧، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٤٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١/ ٢٤٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٥.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٢): ص ١/ ٧٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١): ص ١/ ٧٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(١١) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٥.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١): ص ١/ ٧٣.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١): ص ١/ ٧٣.\n(١٧) نقلا عن: البحر المحيط: ١/ ١٠٨.\n(١٨) تفسير البغوي: ١/ ٧٧.\n(١٩) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١): ص ١/ ٧٣، وعنه أيضا: \" حين يبعثكم\". أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٢): ص ١/ ٧٣.","vol":"2","page":151},{"text":"قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: \"بعد الحشر- فيجازيكم بأعمالكم\" (١).\nقال أبو حيان: \"أي إلى جزائه من ثواب أو عقاب\" (٢).\nقال أبو العالية: \" ترجعون إليه بعد الحياة\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها\" (٤).\nقال الصابوني: \" للحساب والجزاء يوم النشور\" (٥).\nقال النسفي: \" تصيرون إلى الجزاء، أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور\" (٦).\nقال أوبو حيان: \" فعطف بثم التي تقتضي التراخي في الزمان. والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة التي للبعث، فدل ذلك على أن تلك الحياة المذكورة هي للمسألة\" (٧).\nواستدلت المجسمة بقوله: \" ﴿ثم إليه ترجعون﴾، على أنه تعالى في مكان ولا حجة لهم في ذلك\" (٨).\nقال الثعلبي: أي: \" تأتون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم\" (٩).\nقال السعدي: \"فإذا كنتم في تصرفه، وتدبيره; وبره، وتحت أوامره الدينية، ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي، أفيليق بكم أن تكفروا به، وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه\" (١٠).\nوفي قوله تعالى ﴿تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، قراءتان (١١):\nالأولى: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، مبنيا للمفعول من رجع المتعدي. وهي قراءة الجمهور.\nوالثانية: ﴿تَرْجِعُونَ﴾، مبنيا للفاعل. قرأ بها مجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، والفياض بن غزوان، وسلام، ويعقوب.، حيث وقع في القرآن من رجع اللازم، لأن رجع يكون لازما ومتعديا.\nقال أبو حيان: \" وقراءة الجمهور أفصح، لأن الإسناد في الأفعال السابقة هو إلى الله تعالى، ﴿فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾، فكان سياق هذا الإسناد أن يكون الفعل في الرجوع مسندا إليه، لكنه كان يفوت تناسب الفواصل والمقاطع، إذ كان يكون الترتيب: ﴿ثم إليه مرجعكم﴾، فحذف الفاعل للعلم به وبنى الفعل للمفعول حتى لا يفوت التناسب اللفظي. وقد حصل التناسب المعنوي بحذف الفاعل، إذ هو وقبل البناء للمفعول مبني للفاعل. وأما قراءة مجاهد، ومن ذكر معه، فإنه يفوت التناسب المعنوي، إذ لا يلزم من رجوع الشخص إلى شيء أن غيره رجعه إليه، إذ قد يرجع بنفسه من غير راد. والمقصود هنا إظهار القدرة والتصرف التام بنسبة الإحياء والإماتة، والإحياء والرجوع إليه تعالى، وإن كنا نعلم أن الله تعالى هو فاعل الأشياء جميعها. وفي قوله تعالى: ﴿ثم إليه ترجعون﴾ من الترهيب والترغيب ما يزيد المسيء خشية ويرده عن بعض ما يرتكبه، ويزيد المحسن رغبة في الخير ويدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان، وفيها رد على الدهرية والمعطلة ومنكري البعث، إذ هو بيده الإحياء والإماتة والبعث وإليه يرجع الأمر كله\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وجهان (١٣):\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٢٨١.\n(٢) نقلا عن: البحر المحيط: ١/ ١٠٨. وقيل أن (الهاء): \"عائدة على الجزاء على الأعمال. وقيل: عائدة على الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم فيه. وقيل: عائدة على الإحياء المدلول عليه بقوله: فأحياكم\". [أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٠٨].\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٣): ص ١/ ٧٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٥٦.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ١٠٨.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ١٠٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٣ - والبحر المحيط: ١/ ١٠٩.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ١٠٩.\n(١٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٩٢.","vol":"2","page":152},{"text":"أحدهما: إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم.\nوالثاني: إلى المجازاة على الأعمال.\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ستة تأويلات (١):\nأحدها: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أي لم تكونوا شيئًا، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي خلقكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣)، أبي مالك (٤)، ومجاهد (٥)، وأبي العالية (٦).\nوالثاني: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني في القبور ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ للمساءلة، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في قبوركم بعد مساءلتكم، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ، وهذا قول أبي صالح (٧).\nوالثالث: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني في أصلاب آبائكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي أخرجكم من بطون أمهاتكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموتة التي لا بد منها، ﴿ثُم يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث يوم القيامة، وهذا قول قتادة (٨).\nوالرابع: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا﴾ يعني: أن الله ﷿ حين أخذ الميثاق على آدم وذريته، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَخْلُقْكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ \" [الزمر: ٦] فقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني بعد أخذ الميثاق، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء، ﴿ثم يُمِيتُكُمْ﴾ بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشور للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن زيدٍ (٩).\nوالخامس: أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها، ثم يحييها بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشرًا سويًّا، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيرُد في جسده روحه، فيعود حيًا لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان (١٠).\nوالسادس: أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ خاملي الذكر دارسي الأثر، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالظهور والذكر، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجَالكم، ﴿ثُمَّ يُحييكُمْ﴾ للبعث، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ (١١):\nفَأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ\nقوله: (فأحييتَ لي ذكري﴾، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا (١٢).\nولكل من الأقوال السابقة وجه ومذهبٌ من التفسير، وأولى الأقوال بتفسير الآية هو قول ابن مسعود وابن عباس، أي: \" وكنتم أمواتًا \" أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك\" (١٣). والله أعلم.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١٨ - ٤٢٧، والنكت والعيون: ١/ ٩١ - ٩٢.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠١): ص ١/ ٧٣، وتفسير الطبري (٥٨٣)، و(٥٨١): ص ١/ ٤١٩.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٧٦): ص ١/ ٤١٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٧٨)، و(٥٧٩): ص ١/ ٤١٨.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٠): ص ١/ ٤١٩.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢): ص ١/ ٤١٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤): ص ١/ ٤١٩.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٥): ص ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٦): ص ١/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٣.\n(١١) الأغاني ١٨: ١٤٠، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ١٩٣، وأبو نخيلة اسمه لا كنيته، كما قال أبو الفرج، ويقال اسمه: يعمر بن حزن بن زائدة، من بني سعد بن زيد مناة، وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد قليل، وكان عاقًّا بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه. والبيت من أبيات، يمدح بها مسلمة بن عبد الملك.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢١.\n(١٣) تفسير الطبري: ١/ ٤٢٤.","vol":"2","page":153},{"text":"قال النسفي: \"وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضًا متراخٍ عن النشور، وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم على الكفر، ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر\" (١).\nوقال القاسمي: \" فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون، فيكف نظم ما ينكرونه، من الإحياء الأخير والرجع، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة ..؟\nقلت: تمكنهم من العلم بهما- لما نصب لهم من الدلائل- منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر. سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما. وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا، قدر على أن يحييهم ثانيا. فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته.! أو الخطاب، مع أهل الكتابين. وإنكار اجتماع الكفر- مع القصة التي ذكرها الله تعالى- إما لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أو على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر. أو لإرادة الأمرين جميعا. فإن ما عدده آيات، وهي- مع كونها آيات- من أعظم النعم\" (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: شدة الإنكار حتى يصل إلى حد التعجب ممن يكفر وهو يعلم حاله، ومآله.\n٢ ومنها: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه. وإن لم تسبقه حياة.؛ يعني: لا يشترط للوصف بالموت تقدم الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿كنتم أمواتًا فأحياكم﴾؛ أما ظن بعض الناس أنه لا يقال: \"ميت\" إلا لمن سبقت حياته؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات؛ قال تعالى في الأصنام: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢١].\n٣ ومنها: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنه ميت جماد لا يستحق شيئًا مما يستحقه الأحياء؛ وإنما يدفن في أيّ مكان في المقبرة، أو غيرها.\n٤ ومنها: تمام قدرة الله ﷿؛ فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح، فيحيى، ويكون إنسانًا يتحرك، ويتكلم، ويقوم، ويقعد، ويفعل ما أراد الله ﷿.\n٥ ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨]؛ فأقام الله. ﵎. على إمكان ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة \"يس\": .\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٩]: هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم؛ وقوله تعالى: ﴿أنشأها أول مرة﴾ دليل قاطع، وبرهان جليّ على إمكان إعادته كما قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧].\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وهو بكل خلق عليم﴾ [يس: ٧٩] يعني: كيف يعجز عن إعادتها وهو ﷾ بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠]: الشجر الأخضر فيه البرودة، وفيه الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ هذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكان الناس فيما سبق يضربون أغصانًا من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوها انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال بسرعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠] تحقيقًا لذلك.\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ٥٦.\n(٢) محاسن التأويل: ١/ ٢٨١.","vol":"2","page":154},{"text":"ووجه الدلالة: أن القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظام وهي رميم.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨١)\nووجه الدلالة: أن خلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونه.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وهو الخلَّاق العليم﴾ [يس: ٨١]؛ فـ ﴿الخلاق﴾ صفته، ووصفه الدائم؛ وإذا كان خلَّاقًا، ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظام وهي رميم.\nالدليل السادس: قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]: إذا أراد شيئًا مهما كان؛ و﴿شيئًا﴾: نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم؛ ﴿أمره﴾ أي شأنه في ذلك أن يقول له كن فيكون؛ أو ﴿أمره﴾ الذي هو واحد \"أوامر\"؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: \"كن\"، فيعيده مرة أخرى.\nووجه الدلالة: أن الله ﷾ لا يستعصي عليه شيء أراده.\nالدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء﴾: كل شيء فهو مملوك لله ﷿: الموجود يعدمه؛ والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء.\nووجه الدلالة: أن الله ﷾ نزه نفسه؛ وهذا يشمل تنزيهه عن العجز عن إحياء العظام وهي رميم\nالدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿وإليه ترجعون﴾.\nووجه الدلالة: أنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة، ويأمرها، وينهاها، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن، والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدًى؛ بل لابد من الرجوع؛ وهذا دليل عقلي.\nفهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم جمعها الله ﷿ في موضع واحد؛ وهناك أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآن؛ وكذلك في السنة.\n٦ ومن فوائد الآية: أن الخلق مآلهم، ورجوعهم إلى الله ﷿.\nالقرآن\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]\nالتفسير:\nهو الذي أوجد لكم - برًا بكم ورحمة - جميع ما على الأرض من الأشجار، والزروع، والأنهار، والجبال .. للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، ثم قصد إلى السماء، فجعلها سبع سماوات سوية طباقًا غير متناثرة قوية متينة، وهو لا يخفى عليه شيء سبحانه.\nقال المفسرون: \"لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولًا ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما\" (١).\nقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٩]، \"أي: أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضته حكمته جلّ وعلا، وعلمه\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، أي: \"جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار\" (٤).\nقال قتادة: \" أي سخر لكم ما في الأرض جميعا كرامة من الله، ونعمة لابن آدم\" (٥).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٢٩٤، وذكره أبو الليث عن الكلبي ١/ ٣٠٩، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، وانظر: تفسير ابن كثير ١/ ٧٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٩.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧): ص ١/ ٧٥.","vol":"2","page":155},{"text":"قال البيضاوي: \"بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم\" (١).\nقال السعدي: \" وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا\" (٢).\nروي \"عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللهﷺ- بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل\" (٣).\nوقال مجاهد: \" خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك حين يقول: ثم استوى إلى السماء وهي دخان. قال بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض\" (٤).\nوقوله تعالى ﴿لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٩]، اللام هنا لها معنيان (٥):\nأحدهما: أنها تفيد التعليل: أي خلق لأجلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم.\nقال النسفي: أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها\" (٦).\nوقال البيضاوي: \" أي لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، لا على وجه الغرض\" (٧).\nوقال الواحدي: \"فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه أشوق، وعليه أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس \" (٨).\nوالثاني: وقيل أنها تفيد الإباحة كما تقول: (أبحت لك).\nوالقول الأول هو الأشبه بالصواب، وهو قول عامة المفسرين.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]ـ على أقوال (٩):\nالقول الأول: أن الإستواء بمعنى العلو والارتفاع: أي علا إلى السماء، فسرها به أبو العالية (١٠) والحسن (١١) والربيع (١٢)، وذكره البغوي في تفسيره: \"عن ابن عباس وأكثر مفسري السلف\" (١٣)، \"وذلك تمسكا بظاهر لفظ استوى. وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله ﷿\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ٦٦.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤): ص ١/ ٧٤، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين، رقم (٢٧٨٩): ص ٤/ ٢١٤٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٥): ص ١/ ٧٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٦.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٥٦ - ٥٧. قاتل النسفي: \"وقد استدل الكرخي وأبو بكر الرازي والمعتزلة بقوله خلق لكم على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل\".\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٦٦.\n(٨) التفسير البسيط: ٢/ ٢٩٥، وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٢٣، \"الكشاف\" ١/ ١٧٠، \"زاد المسير\" ١/ ٥٨، \"القرطبي\" ١/ ٢١٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٨): ص ١/ ٧٥.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٧٥.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٧٥.\n(١٣) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٧٨.\n(١٤) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين \" (٣/ ٣١٢).","vol":"2","page":156},{"text":"واختاره ابن جرير قائلا: \" وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن﴾، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات\" (١)، قال شيخ الاسلام \"وهو قول إجماع السلف\" (٢).\nثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى (العلوّ والارتفاع)، في الذي استوى إلى السّماء (٣):\nأحدها: أن الذي استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشئها.\nوالثاني: وقيل: بل العالي عليها: الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء (٤). قال ابن عطية: وهذا يأباه رصف الكلام\" (٥).\nوقال الإمام الطبري: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه (٦):\nأحدها: انتهاء شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل.\nوالثاني: استقامة ما كان فيه أَوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له .. بعد أود، ومنه قول الطرماح بن حكيم (٧):\nطالَ على رَسْمٍ مَهْدَدٍ أبَدُهْ ... وعَفا واسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ\nيعني: استقام به.\nوالثالث: الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه.\nوالثالث: الاحتياز والاستيلاء كقولهم: استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها.\nوالرابع: العلوّ والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوّه عليه.\nقال الإمام الطبري: \"وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السماءِ فَسَوَّاهُنْ﴾: علا عليهنّ وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهنّ سبع سموات\" (٨).\nالقول الثاني: أن الإستواء بمعنى: قصد إليها وأقبل عليهما؛ وهذا ما اختاره ابن كثير (٩)، والفراء (١٠)، والسعدي (١١)، والبغوي في تفسير سورة فصلت (١٢)، فكما تقول: كان فلان مقبلا على فلان، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني، بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني، واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر (١٣):\nأَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى ... سَوَامِدَ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١٣.\n(٢) مجموع الفتاوى: ٥/ ٥٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١١٥.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٤٢٩.\n(٧) ديوانه: ١١٠، واللسان (سوى) قال: \" وهذا البيت مختلف الوزن، فالمصراع الأول من المنسرح، والثاني من الخفيف \". والرسم: آثار الديار اللاصقة بالأرض. ومهدد اسم امرأة. والأبد: الدهر الطويل، والهاء في \" أبده \" راجع إلى الرسم. وعفا: درس وذهب أثره. والبلد: الأثر يقول: انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٦.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٥.\n(١١) انظر: تفسير السعدي: ٧٤٥.\n(١٢) انظر: تفسيره: ٤/ ١٢٦. ولفظه: \" أي: عمد إلى خلق السماء\".\n(١٣) البيت لتميم بن أبي بن مقبل (معجم ما استعجم: ٧٩٥، ٨٥٧)، وروايته \" ثواني \" مكان \" سوامد \". وشرورى: جبل بين بني أسد وبني عامر، في طريق مكة إلى الكوفة. والضجوع - بفتح الضاد المعجمة -: موضع أيضًا بين بلاد هذيل وبني سليم. وقوله: \" سوامد \" جمع سامد. سمدت الإبل في سيرها: جدت وسارت سيرًا دائمًا، ولم تعرف الإعياء. وسوامد: دوائب لا يلحقهن كلال. والنون في \" قطعن \" للإبل","vol":"2","page":157},{"text":"فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى: أقبلن، وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله: \" واستوين من الضجوع \"، استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه (١).\nقال ابن عثيمين: \" وهذا القول ليس صرفا للكلام عن ظاهره، وذلك لأن الفعل استوى اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، حيث كان معناها يروى بها عباد الله، لأن الفعل يشرب اقترن بالباء فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام \" (٢).\nوالقول الثالث: أن قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ﴾، يعني به: استوت، كما قال الشاعر (٣):\nأقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى في تُرَابِهِ ... على أيّ دِينٍ قَبَّلَ الرأسَ مُصْعَبُ\nوالقول الرابع: أنه لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحوّل إلى الشام، إنما يريد تحوّل فعله.\nوالقول الخامس: أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماءِ﴾: عمد إليها، وقال: بل كل تارك عملًا كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد ومستو إليه.\nوأقرب الأقوال الى الصواب هو أن ﴿اسْتَوَى﴾ معناه: قصد إلى خلقها، إذ ترد كلمة (استوى) في القرآن على ثلاثة معاني:\nأحدها: لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، (الكمال والتمام)، كما في قوله عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤].\nوالثاني: أن تكون بمعنى (علا) و(ارتفع)، وذلك إذا عديت بـ \"على \"كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].\nوالثالث: أن تكون بمعنى (قصد) كما إذا عديت بـ \"إلى \"كما في هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات ﴿فسواهن سبع سماوات﴾ فخلقها وأحكمها، وأتقنها (٤).\nقال ابن عطية: \" والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، \"أي صيّرهن وقضاهن سبع سماوات محكمة\" (٦).\nقال البغوي: أي\" خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"أي جعلها سوية طباقًا غير متناثرة قوية متينة\" (٨).\nقال الربيع بن أنس: \" سوّى خلقهن\" (٩). وروي عن أبي العالية (١٠)، مثل ذلك.\nقال قتادة: \" بعضهن فوق بعض، بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢٨.\n(٢) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: ٣/ ٣١٢.\n(٣) البيت ورد في تفسير الطبري: ١/ ٤٢٨، ولم أجد قائله.\n(٤) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١١٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٧٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٠.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٨٩): ص ١/ ٤٣١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠): ص ١/ ٧٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٩): ص ١/ ٧٥.","vol":"2","page":158},{"text":"وقال مجاهد: \" \"بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض\" (١).\nقال الطبري: \" يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوَّى فلان لفلان هذا الأمر. إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهنّ على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، \"أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني من أعمالكم عليم\" (٤).\nقال الطبري: \" وقوله: ﴿عليم﴾، بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: \"هو الذي قد كمَل في علمه\" (٥).\nقال ابن عثيمين: ومن علمه ﷿ أنه علم كيف يخلق هذه السماء\" (٦).\nقال الصابوني: \" أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك - وهي أعظم منكم - قادر على إعادتكم؟ ! بلى إنه على كل شيء قدير\" (٧).\nقال ابن عطية: \"وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات\" (٨).\nقال البغوي: \" قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو وقالون ﴿أن يمل هو﴾ [البقرة: ٢٨٢] \" (٩).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: منّة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعًا؛ فكل شيء في الأرض فإنه لنا. والحمد لله. والعجب أن من الناس من سخر نفسه لما سخره الله له؛ فخدم الدنيا، ولم تخدمه؛ وصار أكبر همه الدنيا: جمع المال، وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك.\n٢ ومنها: أن الأصل في كل ما في الأرض الحلّ. من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة؛ وبناءً على هذا لو أن إنسانًا أكل شيئًا من الأشجار، فقال له بعض الناس: \"هذا حرام\"؛ فالمحرِّم يطالَب بالدليل؛ ولو أن إنسانًا وجد طائرًا يطير، فرماه، وأصابه، ومات، وأكله، فقال له الآخر: \"هذا حرام\"؛ فالمحرِّم يطالب بالدليل؛ ولهذا لا يَحْرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل.\n٣ ومن فوائد الآية: تأكيد هذا العموم بقوله تعالى: ﴿جميعًا﴾ مع أن ﴿ما﴾ موصولة تفيد العموم؛ لكنه ﷾ أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئًا من أفراد هذا العموم قد خرج من الأصل.\n٤ ومنها: إثبات الأفعال لله ﷿. أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾: و﴿استوى﴾ فعل؛ فهو جلّ وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله.\n٥ ومنها: أن السموات سبع؛ لقوله تعالى: (سبع سموات)\n٦ ومنها: كمال خلق السموات؛ لقوله تعالى: (فسواهن).\n٧ ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم)\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١١): ص ١/ ٧٥.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٤٣١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٢): ص ١/ ٧٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦): ص ١/ ٤٣٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١١٥.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٧٨.","vol":"2","page":159},{"text":"٨ ومنها: أن نشكر الله على هذه النعمة. وهي أنه تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعًا؛ لأن الله لم يبينها لنا لمجرد الخبر؛ ولكن لنعرف نعمته بذلك، فنشكره عليها.\n٩ ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليمًا بكل شيء. حتى ما نخفي في صدورنا. أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله ﷿ سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]\nالتفسير:\nواذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، حين قال ربك للملائكة، أني جاعل في الأرض قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، فقالت الملائلكة: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك ونقدسك، فقال الله: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، \"أي اذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" و\"الملائكة\" جمع \"مَلْئَك\"، وأصله \"مألك\"؛ لأنه مشتق من الأَلُوكة. وهي الرسالة؛ لكن صار فيها إعلال بالنقل. أي نقل حرف مكان حرف آخر؛ مثل أشياء أصلها: \"شيئاء\"؛ و\"الملائكة\" عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم وظائف، وأعمالًا مختلفة؛ فمنهم الموكل بالوحي كجبريل؛ وبالقطر، والنبات كميكائيل؛ وبالنفخ في الصور كإسرافيل؛ وبأرواح بني أدم كملَك الموت .. إلى غير ذلك من الوظائف، والأعمال\" (٢).\nوقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ﴾، وجهين (٣):\nأحدهما: أنه صلة زائدة، وتقدير الكلام: وقال ربك للملائكة، وهذا قول أبي عبيدة (٤)، واستشهد بقول الأسود بن يعفر (٥):\nفَإِذَا وَذلِكَ لا مَهَاةَ لذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحًا بِفَسَادِ\nوببيت عبد مناف بن رِبْع الهُذَليِّ (٦):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٣٩ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٩٣.\n(٤) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٨.\n(٥) المفضليات، القصيدة رقم: ٤٤، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات. وقوله \" لامهاه \"، يقال: ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) ومهاه: أي ليس له حسن أو نضارة. وقد زعموا أن الواو في قوله \" فإذا وذلك. . \" زائدة مقحمة، كأنه قال: فإذا ذلك. . .، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى: \" حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين \" ج ٢٤ ص ٢٤: \" واختلف أهل العربية في موضع جواب \" إذا \" التي في قوله: (حتى إذا جاءوها)، فقال بعض نحويي البصرة، يقال إن قوله: (وقال لهم خزنتها) في معنى: قال لهم. كأنه يلغى الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال الشاعر: فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ ... إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ فيشبه أن يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن \". وقال أبو سعيد السكري في شرح أشعار الهذليين ٢: ١٠٠، في شرح بيت أبي كبير الهذلي:\nفَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ ... وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ\nقال أبو سعيد: \" الواو زائدة. قال: قلت لأبي عمرو: يقول الرجل: ربنا ولك الحمد. فقال: يقول الرجل: قد أخذت هذا بكذا وكذا. فيقول: وهو لك \". وقال ابن الشجري في أماليه ١: ٣٥٨: \" قيل في الآية إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشيء، لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح \". والذي ذهب إليه ابن الشجري هو الصواب، ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه في البيان، ليس هذا موضع تفصيله. وكفى برد الطبري في هذا الموضع ما زعمه أبو عبيدة من زيادة \" إذ \" كما سيأتي: \" وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام \" إلى آخر ما قال. وهو من سديد الفهم. وشرحه للبيت بعد، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو، وذلك قوله في شرحه: \" فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا \". [حاشية الطبري: ١/ ٤٣٩].\n(٦) ديوان الهذليين ٢/ ٤٢، وفي تفسير الطبري: ١/ ٤٣٩، ١٤/ ٨، ١٨/ ١٣، ٢٤/ ٢٥ (طبعة بولاق) والخزانة ٣/ ١٧٠ - ١٧٤، وأمالى ابن الشجري ١/ ٣٥٨، ٢/ ٢٨٩، وكثير غيرها. وسلك الرجل الطريق، وسلكه غيره فيه، وأسلكه الطريق: أدخله فيه أو اضطره إليه. وقتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء، أي في الطريق بين مكة والمدينة. وشل السائق الإبل: طردها أمامه طردًا. ومر فلان يشل العدو بالسيف: يطردهم طردًا يفرون أمامه. والجمالة: أصحاب الجمال. وشرد البعير فهو شارد وشرود: نفر وذهب في الأرض، وجمع شارد شرد (بفتحتين) مثل خادم وخدم. وجمع شرود شرد (بضمتين). ويذكر عبد مناف قومًا أغاروا على عدو لهم، فأزعجوهم عن منازلهم، واضطروهم إلى \" قتائدة \" يطردونهم بالسيوف والرماح والنبال، كما تطرد الإبل الشوارد. وجواب \" إذا \" تقديره: شلوهم شلا، فعل محذوف دل عليه المصدر، كما سيأتي في كلام الطبري بعد.","vol":"2","page":160},{"text":"حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا\nوقال: معناه، حتى أسلكوهم.\nقال الزجاج: \" قال أبو عبيدة: (إذ) ههنا زائدة، وهذا إقْدَام مِنْ أبي عبيدة لأن القرآن، لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و(إذ) معناها الوقت، وهي اسم فكيف يكون لغوا \" (١)\nوالوجه الثاني: أن (إذ) كلمة مقصورة، وليست بصلة زائدة، وفيها لأهل التأويل قولان (٢):\nأحدهما: أن الله تعالى لما ذكَّر خلقه نِعَمَهُ عليهم بما خلقه لهم في الأرض، ذكّرهم نِعَمَهُ على أبيهم آدَمَ ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وهذا قول المفضَّل.\nوالثاني: أن الله تعالى ذكر ابتداء الخلق فكأنه قال: وابتدأ خلقكم ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وهذا من المحذوف الذي دَلَّ عليه الكلام، كما قال النمر بن تَوْلَبَ (٣):\nفَإِنَّ الْمَنَّيةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا\nيريد: أينما ذهب. وكما تقول العرب: \" أتيتك من قبلُ ومن بعدُ \". تريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك في \" إذا \" كما يقول القائل: \" إذا أكرمك أخوكَ فأكرمه، وإذا لا فلا \". يريد: وإذا لم يكرمك فلا تكرمه. ومن ذلك قول الآخر (٤):\nفَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ ... فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ\nقال الطبري: \" وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿وإذ قالَ ربك للملائكة﴾، لو أبْطِلت (إذ) وحُذِفت من الكلام، لاستحال عن معناه الذي هو به، وفيه (إذ) \" (٥).\nقال ابن عطية: \"وقال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال\" (٦).\nو(الملائكة): واحدها ملك، وأصله (مَلْأَك)، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد (٧):\nفَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ\nوهذا قول سيبويه (٨)، وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم\" (٩).\nوأصل الملأك: الرسالة، كما قال عدي بن زيد العِبَادِيّ (١٠):\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٣٩ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٩٣.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٩٣.\n(٣) من قصيدة محكمة في مختارات ابن الشجري ١/ ١٦، والخزانة ٤/ ٤٣٨، وشرح شواهد المغني: ٦٥، وبعده: وإنْ تتخطّاكَ أسْبابُها ... فإن قُصَاراكَ أنْ تهرمَا\n(٤) البيت من شواهد الطبري: ١/ ٤٤٢، ولم أتعرف على قائله.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ٤٤٢.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١١٦.\n(٧) نسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير. ورد البيت في \"الكتاب\" ٤/ ٣٨٠، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ٤٤٤ وما بعدها، \"المفضليات\" ص ٣٩٤، \"مجاز القرآن\" ص ٣٣، \"المنصف\" ٢/ ١٠٢، \"الجمل\" للزجاجي ص ٤٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٩، \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٢٦، \"اللسان\" (صوب) ١/ ٢٥١٩، و(ألك) ١/ ١١١، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٨.\n(٨) أنظر: الكتاب: ٢/ ٣٠٨.\n(٩) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٣٠٨. أصلها (ملْأك)، يحذفون الهمزة منه، وينقلون حركتها إلى اللام وكانت مسكنة في حال همز الاسم. فإذا جمع الاسم ردوا الهمزة على الأصل فقالوا: (ملائكة)، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٠ أ، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٠، \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩.\n(١٠) الأغاني ٢: ١٤، والعقد الفريد ٥: ٢٦١، وفي المطبوعة \" وانتظار \"، وهي إحدى قصائد عدي، التي كان يكتبها إلى النعمان، لما حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد. وبعده البيت المشهور، وهو من تمامه: لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ ... كُنْت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِي.","vol":"2","page":161},{"text":"أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا ... إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي\nوقد ينشد: مألَكًا، على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة؛ ومن قال: مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك: إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا، كما قال لبيد بن ربيعة (١):\nوَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ\nفهذا من \" ألكت \"، ومنه قول نابغة بني ذبيان (٢):\nأَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا ... سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي\nوقال عبدُ بني الحَسْحَاس (٣):\nأَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى ... بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا\nيعني بذلك: أبلغها رسالتي. فسميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده (٤).\nقال الماوردي: \" والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق، إلا أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، ولا يتناسلون، وهم رسل الله، لا يعصونه في صغير ولا كبير، ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوَّى الله أبصارنا على رؤيتهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، \"أي: خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها\" (٦).\nقال السدي: \"فاستشار الملائكة في خلق آدم\" (٧). وكذا روي عن قتادة (٨).\nروي عن محمد بن إسحاق: \"قوله ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، يقول: ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا، ليس منكم\" (٩).\nوروي \"عن ابن سابط، أن النبيﷺ- قال: دحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة فقال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، يعني مكة\" (١٠).\nوروي \"عن ابن عباس قال: أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يسكنها إياه، ثم قرأ: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ \" (١١).\nقال ابن عطية: \" وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى للملائكة ﴿إِنِّي جاعِلٌ﴾ الآية، قيل: هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب\" (١٢).\n_________\n(١) ديوانه القصيدة رقم: ٣٧، البيت: ١٦، وقوله \" وغلام \" مجرور بواو \" رب \". أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد، فأعطاها ما سألت.\n(٢) ديوانه: ٨٥، وانظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٤٦.\n(٣) الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس، ديوانه: ١٩، ألكنى إليها: أبلغها رسالة مني، والرسالة: الألوك والمألكة. وتهادى في مشيه: تمايل دلالا أو ضعفًا.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٤٤ - ٤٤٧. (بتصرف بسيط).\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٩٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٤): ص ١/ ٧٦.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٧٦.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦): ص ١/ ٧٦، والطبري (٦٠٠): ص ١/ ٤٤٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٧): ص ١/ ٧٦، والطبري (٥٩٩): ص ١/ ٤٤٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٩): ص ١/ ٧٦، وهو جزء من الخبر (٣٢٢): ص ١/ ٧٧، وأخرجه الحاكم: ٢/ ٣٦١، قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.","vol":"2","page":162},{"text":"قال الزجاج: \" وفي ذكر هذه الآية احتجاج على أهل الكتاب بتَثْبيتِ نبوة النبي - ﷺ - أنَّ خَبَرَ آدم وما أمره اللَّه به من سجود الملائكة له معلوم عندهم، وليس هذا مِنْ علم العرب الذي كانت تعلمه، ففي إخبار النبي - ﷺ -\nدليل على تثبيت رسالته إذ آتاهم بما ليس من علم العرب، وإنما هو خبر لا يعلمه إلا من قرأ الكتاب أو أوحي إليه به\" (١).\nقال ابن عطية: \" وقرأ زيد بن علي «خليفة» بالقاف\" (٢).\nواختلفوا في معنى ﴿جَاعِلٌ﴾، في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، على وجهين (٣):\nأحدهما: أنه بمعنى خالق. قاله أبو روق (٤).\nوالثاني: إني فاعل. قاله الحسن (٥) وقتادة (٦).\nوالراجح في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: \"أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة\" (٧).\nوقوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، اختلف العلماء في المراد بالخليفة هنا، وفي المسألة أربعة أقوال:\nأحدها: أن الخليفة آدم﵊لأنه خلف من سكن الأرض قبله من الجن أو الملائكة-على قولين لأهل العلم-وعليه فالخليفة فعيلة بمعنى فاعل والتاء للمبالغة عند قوم من النحاة، أو للعدل عن الوصف إلى الاسم فإن كلمة خليفة صفة في الأصل ثم أجريت مجرى الأسماء فألحقت التاء لذلك (٨).\nويقوي هذا القول إفراد لفظ (خليفة) في الآية، وقد قال به الواحدي (٩)، والقرطبي (١٠)، وابن القيم (١١)، والخازن (١٢)، والغرناطي (١٣)، وحكوا الإجماع على ذلك.\nوقد رد دعوى الإجماع ابن كثير (١٤)، والكوكباني (١٥)، والخلاف في المسألة قديم مشهور كما سيتضح في الأقوال التالية (١٦).\nوالثاني: أن الخليفة آدم وبنوه وأفرد لفظ (خليفة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أب القبيلة في قولنا مضر وتميم وقيس عن ذكر القبيلة. أو أريد بالخليفة من يخلفكم أو خلفًا يخلفكم أو خليفة منكم. والخليفة يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى (١٧).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٠٨.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١١٧.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٨): ص ١/ ٤٤٨.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٧): ص ١/ ٤٤٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٧): ص ١/ ٤٤٧.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٤٤٨.\n(٨) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم: ١/ ٤٧٣، وأضواء البيان للشنقيطي: ١/ ٥٧.\n(٩) انظر: الوسيط: ١/ ١٣١.\n(١٠) انظر: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٢٦٣\n(١١) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ١٣١ و١٦١.\n(١٢) انظر: لباب التأويل: ١/ ٣٥.\n(١٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل: ١/ ٧٩.\n(١٤) انظر: تفسيره:: ١/ ٩٠.\n(١٥) انظر: تيسير المنان تفسير القرآن: ٢/ ٨٤٢.\n(١٦) انظر: الإجماع في التفسير للخضيري: ١٧٤ - ١٧٥.\n(١٧) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٧١، مفاتيح الغيب للرازي: ٢/ ١٨٠، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٤٠، محاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ٩٥، وغيرها. وقد قال بهذا القول: السمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ١٧٧، وابن جماعة في غرر التبيان: ١٩٩، والكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: ٨٤١ - ٨٤٢.","vol":"2","page":163},{"text":"والثالث: أن المراد: أولو الأمر ابتداء بآدم﵇ومرورًا بمن قام مقامه في ذلك من ولده إلى انقضاء العالم (١).\nوقد اختلفت عبارات أهل العلم في حكاية هذا القول:\nفقال ابن عطية: \"وقال ابن مسعود: إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري، يعني بذلك آدم﵇ومن قام مقامه بعده من ذريته\" (٢).\nوقال القرطبي: \" وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول في الأرض\" (٣).\nوقال البيضاوي: \"المراد به آدم لأنه كان خليفة الله في أرضه\" (٤).\nوقال الشنقيطي: \" لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره\" (٥).\nوتجدر الإشارة بأن لفظ الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره، فآدم﵇وبنوه القائمون مقامه في ولاية الأمر ليسوا خلفاء ونوابًا عن الله﷿وإنما الله﷿استخلفهم في ذلك عمن سبقهم تشريفًا وتكريمًا لهم، فولي الأمر يقوم بما أوجبه الله﷿عليه من سياسة الأرض بالدين، فبالله تعالى يَخْلُفُ وهو-سبحانه-لا يُخْلَف ولا يُنَاب عنه لأنه-سبحانه-مشاهِد قريب بصير سميع مدبر فمحال أن يَخْلِفَه غيره، بل العبد هو الذي يحتاج إلى من يخلفه لغيبته أو موته أو عجزه ولذا جاء في صحيح مسلم: \"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل\" (٦).\nوقد اختلف أهل العلم في جواز إطلاق لفظ خليفة الله على العبد بين مانع ومجيز، وفصل ابن القيم في مفتاح دار السعادة القول فقال بعد إيراده لأدلة الفريقين: \"قلت: إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفًا عن غيره\" (٧).\nوالرابع: أن المراد: بنو آدم لأن كل قرن منهم يخلف القرن الذي سلفه (٨).\nويدل لهذا القول: قول الله﷿-: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وغير ذلك من الآيات، و(خَلِيفَة) على هذا القول يجوز أن تكون بمعنى فاعل أو مفعول، فالقرن من البشر خالف لمن قبله وهو مخلوف بمن بعده (٩)، ومال إلى هذا القول ابن جرير (١٠)، وكل هذه الأقوال محتملة، وأظهرها قول من قال المراد بالخليفة آدم وبنوه، وأفرد لفظ (خَلِيْفَة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه سواء أكانت الخلافة في سكنى الأرض أم في عمارتها وسياستها بالدين.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، \"أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي\" (١١).\nقال ابن سابط: \" يعنون الحرام\" (١٢).\n_________\n(١) ونسبه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٩٥، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ١٤٠ وبيان الحق النيسابوري في وضح البرهان: ١/ ١٣٥ لابن مسعود، وذهب إليه ابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٣٩٩.\n(٢) في المحرر الوجيز: ١/ ١٦٤.\n(٣) في الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٢٦٣.\n(٤) أنوار التنزيل: ١/ ٤٥.\n(٥) أضواء البيان: ١/ ٥٧.\n(٦) صحيح مسلم: ٢/ ٩٧٨ رقم: ١٣٤٢.\n(٧) مفتاح السعادة: ١/ ٤٧٢، وانظر: منهاج السنة لابن تيمية: ١/ ٥٠٧ - ٥١٠، المفردات للراغب: ١٥٦، معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد: ١٥٦ - ١٥٧.\n(٨) وهو قول الحسن البصري كما في جامع البيان للطبري: ١/ ٤٥١، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ٩٥ وغيرهما، وقال به ابن كثير في التفسير: ١/ ٩٠، والقاسمي في محاسن التأويل: ٢/ ٩٤.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ١٦٤.\n(١٠) انظر: جامع البيان: ١/ ٤٤٨.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٠): ص ١/ ٧٧.","vol":"2","page":164},{"text":"قال ابن عثيمين: \" واستفهام الملائكة للاستطلاع، والاستعلام، وليس للاعتراض\" (١).\nوتعددت الأقوال في الغرض من سؤال الملائكة، على وجوه (٢):\nأحدها: أن السؤال من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك. قاله الزجاج (٣).\nوالثاني: أن سؤالهم على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون.\nوالثالث: أنه سألته الملائكة على وجه التعجب. قاله ابن جريج (٤). قال الطبري: \" وجه التعجب، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ\" (٥).\nوالراجح، إن ذلك منها \"استخبار لربها، بمعنى: أعلمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، وتارك أن تجعل خلفاءَك منا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك، أن يكون لله خلقٌ يعصيه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، أي: يريق الدماء بالبغي والاعتداء! ! \" (٧).\nقال البغوي: \" أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب، وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب\" (٨).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، وجوها:\nأحدها: أن الجن بنو الجان كانوا في الأرض قبل خلق آدم، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، ومعنى الآية: \" أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء، كما سفكوا\".وهذا قول أبي العالية (٩)، والحسن (١٠)، وابن عباس (١١)، وروي عن عبدالله ابن عمر (١٢)، والربيع (١٣)، مثل ذلك.\nقال الطبري: \" فعلى هذا القول: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها\" (١٤).\nوالثاني: أن الله أعلم الملائكة، أنه إذا كان في الأرض خلق، أفسدوا فيها وسفكوا الدماء\". قاله قتادة (١٥)، والسدي (١٦)، وابن سابط (١٧).\nوالثالث: وقيل: أبصر بعض الملائكة خلق آدم وبعض الأمور في أم الكتاب. قاله أبو جعفر محمد بن علي (١٨).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ [البقرة: ٣٠]، على وجوه (١٩):\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٣.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(٣) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٠٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٦): ص ١/ ٤٦٩.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ٤٧١.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٤٧٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٧٩.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢): ص ١/ ٧٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٣): ص ١/ ٧٧.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٠١): ص ١/ ٤٥٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢١): ص ١/ ٧٧، والحاكم: ٢/ ٢٦١. قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (عن ابن عباس).\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٢): ص ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(١٤) تفسير الطبري: ١/ ٤٥٠.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤): ص ١/ ٧٧ - ٧٨.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٥): ص ١/ ٧٨.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٦): ص ١/ ٧٨، والطبري (٦٠٣): ص ١/ ٤٥١، و(٦٠٨): ص ١/ ٤٦٢.\n(١٨) أنظر تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٧): ص ١/ ٧٨. قال ابن أبي حاتم: \" حدثنا أبي ثنا هشام الرازي ثنا ابن المبارك عن معروف- يعني ابن خربؤ المكي عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسر ذلك إلى هاروت وماروت وكانا من أعوانه، فلما قال إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قالا ذلك استطالة على الملائكة\".\n(١٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٧ - ١١٨.","vol":"2","page":165},{"text":"أحدها: قراءة الجمهور بكسر الفاء: ﴿وَيَسْفِكُ﴾.\nوالثاني: وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ﴿ويسفُك﴾ بضم الفاء.\nوالثالث: وقرأ ابن هرمز ﴿ويسفكَ﴾، بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يسفك، وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام.\nقال ابن عطية: \"والأول أحسن\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ونحن\" ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك\" (٢).\nقال الطبري: أي\" إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر\" (٣).\nقال ابن عطية: أي: \" ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولًا: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثًا إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقًا؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبدًا. لا وصفًا دائمًا، ولا خبرًا؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان .. وهلم جرًا؛ ولهذا قال ﷿: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] أي تعب، وإعياء؛ فهو ﷿ كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾، وقال تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول. النقص. لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصًا، كما قال القائل (٥):\nألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنقصُ قدْرُهُ ... إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا\nلو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا تبين أن السيف هذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد هذا القسم الثالث، وربما ندخله في القسم الأول؛ على كل حال التسبيح ينبغي لنا. عندما نقول: \"سبحان الله\"، أو: \"أسبح الله\"، أو ما أشبه ذلك. أن نستحضر هذه المعاني\" (٦).\nوقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ذكر فيه المفسرون وجوها (٧):\nأحدها: أنه هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الآية، أم نتغير عن هذه الحال.\nقال ابن عطية: \"وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾؟ \" (٨).\nوالثاني: أن معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف ﵇: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥].\nقال ابن عطية: \"وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم أَتَجْعَلُ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ \" (٩).\nوالثالث: وقيل أن: معنى الآية: ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك.\nقال ابن عطية: \"وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ \" (١٠).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ٤٧٢.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(٥) البيت في يتيمة الدهر، للثعالبي: ٥/ ٢٩٩. قال الثعالبي: \" أبو درهم البندنيجي\nأنشدني الشيخ أبو بكر أيده الله تعالى له من نتفةٍ:\n(متى ما أقل مولاي أفضل منهم ... أكن للذي فضلته متنقصا)\n(ألم تر أن السيف يزري به الفتى ... إذا قال هذا السيف أمضى من العصا) \"\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٣ - ١١٤.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.","vol":"2","page":166},{"text":"وأصلُ التسبيح لله عند العرب: التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة (١):\nأَقُولُ - لمَّا جَاءَنِي فَخْرُه - ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ\nيريد: سُبحان الله من فَخر علقمة، أي تنزيهًا لله مما أتى علقمة من الافتخار، على وجه النكير منه لذلك (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وبِحَمْدِكَ﴾، معناه: \"نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، ويحتمل أن يكون قوله بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك\" (٣).\nواختلف في تسبيح الملائكة على أقوال (٤):\nأحدها: معناه: نصلي لك. وهذا قول السدي (٥).\nوالثاني: أن تسبيحهم: رفع الصوت بالذكر.\nوالثالث: أن تسبيحهم: سبحان الله على عُرفه في اللغة، أي التسبيح المعلوم، قاله قتادة (٦)، وروي عن الحسن (٧) نحو ذلك، وهذا هو الصحيح، وهو قول عامة المفسرين (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، \" أي نثني عليك بالقدس والطهارة\" (٩).\nقال الصابوني: \"أي: نعظم أمرك ونطهرّ ذكرك مما نسبه إِليك الملحدون\" (١٠).\nقال البغوي: \" وقيل: لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \"التقديس\" معناه التطهير؛ وهو أمر زائد على \"التنْزيه\"؛ لأن \"التنزيه\" تبرئة، وتخلية؛ و\"التطهير\" أمر زائد؛ ولهذا نقول في دعاء الاستفتاح: \"اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب؛ اللهم نقني من خطاياي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس؛ اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبَرد\": فالأول: طلبُ المباعدة؛ والثاني: طلب التنقية. يعني: التخلية بعد المباعدة؛ والثالث: طلب الغسل بعد التنقية حتى يزول الأثر بالكلية؛ فيجمع الإنسان بين تنْزيه الله ﷿ عن كل عيب ونقص، وتطهيره، أنه لا أثر إطلاقًا لما يمكن أن يعلق بالذهن من نقص\" (١٢).\nواختلف في تقديس الملائكة، على أوجه (١٣):\nأحدها: فقالوا: التقديس هو التطهير والتعظيم، قاله ابن عباس (١٤)، وروي عن الضحاك (١٥) نحو ذلك، وهو اختيار الطبري (١٦)، وابن عطية (١٧).\n_________\n(١) ديوانه: ١٠٦، من قصيدته المشهورة، التي قالها في هجاء علقمة بن علاثة، في خبر منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل (الأغاني ١٥: ٥٠ - ٥٦). وذكر ابن الشجري في أماليه ١: ٣٤٨ عن أبي الخطاب الأخفش، قال: \" وإنما ترك التنوين في \" سبحان \" وترك صرفه، لأنه صار عندهم معرفة \". وقال في ٢: ٢٥٠: \" لم يصرفه، لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكرته صرفته \". وانظر ص: ٤٩٥ وتعليق رقم: ٣.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٧٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٧٤. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٠): ص ١/ ٧٩، والطبري (٦١٩): ص ١/ ٤٧٤.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٩): ص ١/ ٧٩، والطبري (٦٢٠): ص ١/ ٤٧٤، وانظر: تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.\n(٧) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٧٩، قال: \" قال الحسن: نقول سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق، وصلاة البهائم وغيرهما، سوى الآدميين وعليها يرزقون \".\n(٨) انظر مثلا: تفسير الطبري: ١/ ٤٧٤. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٠ - ٢٢١، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكاني ١: ٥٠.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٧٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٧٩.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٤٧٤ - ٤٧٥.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣١): ص ١/ ٧٩.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٥): ص ١/ ٤٧٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٧٥.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٨. قال ابن عطية: \" والتقديس التطهير بلا خلاف، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، ومنه بيت المقدس، ومنه القدس الذي يتطهر به\".","vol":"2","page":167},{"text":"والثاني: قيل: إن تقديس الملائكة لربها صَلاتها له. قاله قتادة (١)، وكذا فسره السدي (٢). قال ابن عطية: \"وهذا ضعيف\" (٣).\nوالثالث: وقال بعضهم: \" نقدس لك \": نعظمك ونمجدك. قاله أبو صالح (٤) ومجاهد (٥).\nوالرابع: أن التقديس معناه: لا نَعْصي ولا نأتي شيئًا تكرهُه. قاله ابن إسحاق (٦).\nوالراجح هو قول ابن عباس، ومنه قولهم: \" سُبُّوح قُدُّوس \"، يعني بقولهم: \" سُبوح \"، تنزيهٌ لله، وبقولهم: \" قُدوسٌ \"، طهارةٌ له وتعظيم، ولذلك قيل للأرض: \" أرض مُقدسة \"، يعني بذلك المطهرة (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي: \" أعلم من المصالح ما هو خفيٌ عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي: من أمر هذه الخليفة التي سيكون منها النبيون، والصدِّيقون، والشهداء، والصالحون\" (٩).\nواختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، وذكروا أربعة أوجه (١٠):\nأحدها: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس. قاله ابن عباس (١١)، وابن مسعود (١٢)، وروي عن مجاهد (١٣)، والسدي (١٤) نحو ذلك.\nوذلك مما اطلع عليه من إبليس، وإضماره المعصيةَ لله وإخفائه الكبر، مما اطلع عليه ﵎ منه وخفي على ملائكته.\nوالثاني: إني أعلم المصلحة فيه. قاله البغوي (١٥).\nوالثالث: \"إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم\" (١٦).\nوالرابع: إني أعلم ما لا تعلمون، من أنه يكون من ذلك الخليفة أهلُ الطاعة والولايةِ لله. قاله قتادة (١٧)، وبه قال أكثر أهل العلم. والله أعلم.\nوقرأ أهل الحجاز والبصرة ﴿إني أعلم﴾ بفتح (الياء) وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة وعند غير الألف وبين القراء في تفصيله اختلاف (١٨).\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٢): ص ١/ ٧٩، والطبري (٦٢١): ص ٦/ ٤٧٤.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٧٩.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٢): ص ١/ ٤٧٥.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٣): ص ١/ ٤٧٥.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤): ص ١/ ٤٧٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٧٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٧٦ - ٤٧٩.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣): ص ١/ ٧٩، والطبري (٦٢٦): ص ١/ ٤٧٦ - ٤٧٧.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٧): ص ١/ ٤٧٧.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٤): ص ١/ ٧٩، والطبري (٦٢٨)، و(٦٢٩)، و(٦٣٠)، و(٦٣١)، و(٦٣٢)، و(٦٣٣)، و(٦٣٤)، و(٦٣٥)، و(٦٣٦)، و(٦٣٧): ص ١/ ٤٧٧ - ٤٧٩.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٧٩.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ٧٩.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ٧٩.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥): ص ١/ ٧٩، والطبري (٦٣٩): ص ١/ ٤٧٩.\n(١٨) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٧٩.","vol":"2","page":168},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ﷿، وأنه بحرف، وصوت؛ وهذا مذهب السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأئمة الهدى من بعدهم؛ يؤخذ كونه بحرف من قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾؛ لأن هذه حروف؛ ويؤخذ كونه بصوت من أنه خاطب الملائكة بما يسمعونه؛ وإثبات القول لله على هذا الوجه من كماله ﷾؛ بل هو من أعظم صفات الكمال: أن يكون ﷿ متكلمًا بما شاء كونًا، وشرعًا؛ متى شاء؛ وكيف شاء؛ فكل ما يحدث في الكون فهو كائن بكلمة ﴿كن﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]؛ وكل الكون مراد له قدرًا؛ وأما قوله الشرعي: فهو وحيه الذي أوحاه إلى رسله، وأنبيائه.\n٢ ومن فوائد الآية: أن الملائكة ذوو عقول؛ وجهه أن الله تعالى وجه إليهم الخطاب، وأجابوا؛ ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا إلى من يعقله؛ ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلامَ، والجوابَ عليه؛ وإنما نبَّهْنا على ذلك؛ لأن بعض أهل الزيغ قالوا: إن الملائكة ليسوا عقلاء.\n٣ ومنها: إثبات الأفعال لله ﷿ أي أنه تعالى يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء؛ ومن أهل البدع من ينكر ذلك زعمًا منه أن الأفعال حوادث؛ والحوادث لا تقوم إلا بحادث فلا يجيء، ولا يستوي على العرش، ولا ينْزل، ولا يتكلم، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يعجب؛ وهذه دعوى فاسدة من وجوه: .\nالأول: أنها في مقابلة نص؛ وما كان في مقابلة نص فهو مردود على صاحبه.\nالثاني: أنها دعوى غير مسلَّمة؛ فإن الحوادث قد تقوم بالأول الذي ليس قبله شيء.\nالثالث: أن كونه تعالى فعالًا لما يريد من كماله، وتمام صفاته؛ لأن من لا يفعل إما أن يكون غير عالم، ولا مريد؛ وإما أن يكون عاجزًا؛ وكلاهما وصفان ممتنعان عن الله ﷾.\nفتَعَجَّبْ كيف أُتي هؤلاء من حيث ظنوا أنه تنزيه لله عن النقص؛ وهو في الحقيقة غاية النقص! ! ! فاحمد ربك على العافية، واسأله أن يعافي هؤلاء مما ابتلاهم به من سفه في العقول، وتحريف للمنقول.\n٤ ومن فوائد الآية: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا. على أحد الأقوال في معنى ﴿خليفة﴾؛ وهذا هو الواقع؛ فتجد من له مائة مع من له سنة واحدة، وما بينهما؛ وهذا من حكمة الله ﷿؛ لأن الناس لو من وُلِد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحوال، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.\n٥ ومنها: قيام الملائكة بعبادة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾.\n٦ ومنها: كراهة الملائكة للإفساد في الأرض؛ لقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾.\n٧ ومنها: أن وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر؛ لقولهم: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾؛ ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" (١)؛ وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ [النجم: ٣٢].\n٨ ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله ﷿، حيث قالوا: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾.\nالقرآن\n﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١]\nالتفسير:\nوعلم الله آدم أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، ثم عرض المسميات على الملائكة قائلا لهم: أخبروني بأسماء من عرضته عليكم، إن كنتم صادقين بأنكم أَوْلى بالاستخلاف في الأرض منهم لكون بني آدم يفسدون في الأرض.\nقال ابن كثير: \" هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم [الله] تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، أي: علّمه\"أسماء المسمّيات كلها\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني\" (٤).\nقال النسفي: \" ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ﴾ [البقرة: ٣١]، فيه وجهان (٦):\nأحدهما: أن تعليم آدم هنا إلهام علمه ضرورة.\nوالثاني: وقال قوم: \"بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى﵇- في خاصته\" (٧).\nقال أبو حيان: \" أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم، لا بواسطة ولا إلهام\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وقرأ اليماني: «وعلّم» بضم العين على بناء الفعل للمفعول، «آدم» مرفوعا، قال أبو الفتح: «وهي قراءة يزيد البربري» \" (٩).\nفي تسميته بآدم قولان:\nأحدهما: أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وأديمها هو وجهها الظاهر، وهذا قول ابن عباس، واختيار البغوي (١٠)، والزمخشري (١١)، والبيضاوي (١٢)، وغيرهم.\nوقد رَوَى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \" إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب\" (١٣).\nوالثاني: أنه مأخوذ من الأدمة، وهي اللون، فسمي بلك لسمرة لونه، يقال: رجل آدم نحو أسمر، قال ابن عطية: \" وآدَمَ أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٣/ ٢، حديث رقم ١١٠٠٠؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٧٠، كتاب تفسير القرآن، باب ١٧: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم ٣١٤٨؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٩، كتاب الزهد، باب ٣٧: ذكر الشفاعة، حديث رقم ٤٣٠٨؛ ومدار الحديث على عليّ بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، والحديث صحيح بطرقه وشواهده، منها ما أخرجه الدارمي في المقدمة بمعناه ١/ ٣٩، حديث رقم ٤٧؛ وما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢/ ٣٥٥ – ٣٥٦، وقال الألباني في تخريجه: صحيح الإسناد ٢/ ٣٥٦، وقال في صحيح الترمذي: صحيح ٣/ ٧١، حديث رقم ٢٥١٦ – ٣٣٦٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٥٨.\n(٦) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٩.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١١٩.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ١٢٠.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١١٩.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٧٩.\n(١١) أنظر: الكشاف: ١/ ١٢٥.\n(١٢) أنظر: تفسيره: ١/ ٦٩.\n(١٣) رواه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥)، وأحمد (١٩٥٩٧): ص ٤/ ٤٠٠، قال الترمذي: حديث صحيح، وصححه الألباني: في صحيح الجامع (١٧٥٩).\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١١٩.","vol":"2","page":169},{"text":"والثالث: وقيل: سمي بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوى متفرقة، كما قال تعالى: ﴿من نطفة أمشاج نبتليه﴾ [الإنسان: ٢] (١).\nوالرابع: أنه مأخوذ من سيد القوم، يقال: هو أدمة قومه: سيدهم ومقدمهم (٢).\nوالخامس: وقيل: سمي بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه المذكور في قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]، وجعل له العقل والفهم والروية التي فضل بها على غيره، كما قال تعالى: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وذلك من قولهم: الإدام، وهو ما يطيب به الطعام (٣)، وفي الحديث: \"لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\" (٤) أي: يؤلف ويطيب.\nقال السمين الحلبي: \" أرجحها [أنه] اسم أعجمي غير مشتق، ووزنه فاعل كنظائره نحو: آزر وشالح، وإنما منع من الصرف للعلمية والعجمة الشخصية\" (٥).\nواختلف أهل التفسير، في قوله: ﴿الْأَسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١]، على وجهين (٦):\nأحدهما: أن الله «علمه التسميات». وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: أنه تعالى «عرض عليه الأشخاص».\nقال ابن عطية: \"والأول أبين، ولفظة- علمه- تعطي ذلك\" (٧).\nواختلف العلماء في المراد في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، على وجوه:\nأحدها: أسماء الملائكة. قاله الربيع بن خثيم (٨).\nوالثاني: أسماء الذرية. قاله عبدالرحمن بن زيد (٩).\nوالثالث: أن الله علمه أسماء الملائكة وذريته، قاله الطبري، ورجحه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾، وهذه عبارة من يعقل (١٠).\nوالرابع: علمه أسماء النجوم فقط. قاله حميد الشامي (١١).\nوالخامس: وحكى النقاش عن ابن عباس، أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء (١٢).\nوالسادس: وقال بعضهم: \"بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته\" (١٣)، قال ابن عطية: \"وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: «علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه»، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ من جهات\" (١٤).\nوالسابع: أنه تعالى علمه منافع كل شيء ولما يصلح (١٥).\nوالثامن: أسماء جميع الأشياء، وهذا قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، ومجاهد (١٨)، وسعيد بن جبير (١٩)، والحسن (٢٠)، والربيع (٢١)، واختاره ابن كثير (٢٢).\n_________\n(١) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨ - ١٩.\n(٢) انظر: المجمل ١/ ٩٠، وأساس البلاغة ص ٤.\n(٣) انظر: المجمل ١/ ٩٠.\n(٤) الحديث عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: \"انظر إليهما فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. انظر: عارضة الأحوذي ٤/ ٣٠٧؛ وأخرجه النسائي في سننه ٦/ ٧٠؛ وابن ماجه ١/ ٥٩٩).\n(٥) الدر المصون: ١/ ٢٦٢.\n(٦) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٩.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١١٩.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٩): ص ١/ ٤٨٥.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٠): ص ١/ ٤٨٥.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٨٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٩): ص ١/ ٨٠ ..\n(١٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٠.\n(١٣) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٠.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٠.\n(١٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٠. قال ابن عطية: وهذا رأي أكثر العلماء.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٦): ص ١/ ٤٨٢، و(٦٥١): ص ١/ ٤٨٣. ولفظه: \" علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة\". وفي الخبر (٦٥٢): ص ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤. لفظه: \" حتى الفسوة والفُسيَّة\". وفي الخبر (٦٥٣): ص ١/ ٤٨٤. ولفظه: \" علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة\". وفي الخبر (٦٥٤): ص ١/ ٤٨٤. ولفظه: \" علمه القصعة من القُصيعة، والفسوة من الفسية\".\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٥)، و(٦٥٦) - و(٦٥٧): ص ١/ ٤٨ - ٤٨٥ ..\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧)، و(٦٤٨)، و(٦٤٩): ص ١/ ٤٨٣.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٠): ص ١/ ٤٨٣.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٧): ص ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(٢١) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٨): ص ١/ ٤٨٥.\n(٢٢) أنظر: تفسيره: ١/ ٢٢٣.","vol":"2","page":170},{"text":"فقالوا: أنه تعالى علمه أسماء كل شيء، ذواتها وصفاتها وأفعالها، أسماء الملائكة وأسماء النبيين وأسماء ذرية آدم وأسماء البحار والأشجار والأحجار والأواني، واختار هذا القول ابن كثير ﵀، لعموم قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (١)، ولحديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه \" .. فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، وعلمك أسماء كل شيء\" (٢) (٣).\nقال ابن عطية: \" وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها\" (٤).\nقلت: إن القول الثاني هو الأشبه بالصواب، وذلك لما روي عن \"ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها، وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس: \"وعلم آدم الأسماء كلها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، أي: عرض المسميات\" (٦) على الملائكة.\nقال السعدي: \"امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟ \" (٧).\nقال النسفي: \"وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت\" (٨).\nقال أبو حيان: \" ﴿ثم﴾: حرف تراخ، ومهلة علم آدم ثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، ليتقرر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم ثم أخبره عما تحقق به واستيقنه، وأما الملائكة فقال لهم على وجه التعقيب دون مهلة ﴿أَنْبِئُونِي﴾، فلما لم يتقدم لهم تعريف لم يخبروا، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ونطق إظهارا لعنايته السابقة به سبحانه\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٣.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٦)، وصحيح مسلم برقم (١٩٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣١٢).\n(٣) قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا مسلم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ، وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس، عن النبي ﷺ قال -: \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذكر ذنبه فيستحي؛ ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكُم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكم؛ فيقول: ائتوا موسى عَبْدًا كَلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُمْ، ويذكر قَتْلَ النفس بغير نفس، فيستحي من ربه؛ فيقول: ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمةَ الله وروحه، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيُؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمُنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، وإذا رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن ووجب عليه الخلود\".\nهكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، عن قتادة، به. وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عَرُوبَة، عن قتادة\". [صحيح البخاري برقم (٤٤٧٦)، وصحيح مسلم برقم (١٩٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣١٢)].\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٠.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٨٢.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٥٨.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ١٢١.","vol":"2","page":172},{"text":"وقد قرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ثم عرضهن﴾، وقرأ أبي بن كعب: ﴿ثم عرضها﴾، أي: السماوات\" (١).\nوفيما عرضه عليهم قولان (٢):\nأحدهما: أنه عرض عليهم الأسماء دون المسميات. روي عن ابن عباس (٣)، وابن زيد (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦) -في أحد قوليه-، نحو ذلك.\nوالثاني: أنه عرض عليهم المُسَمَّيْنَ بها. قاله ابن مسعود (٧)، ومجاهد (٨)، وروي عن \"الحسن، وقتادة\" (٩) مثل ذلك.\nقال ابن عطية: \" والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا\" (١٠).\nوقال الشنقيطي: \" قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾، يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية، وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله: ﴿أنبئونى بأسماء هؤلاء﴾، الآية، كما هو ظاهر\" (١١).\nوفي زمان عرْضِهِم قولان (١٢):\nأحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم.\nوالثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم قبل خلقهم.\nقال اببن عثيمين: \"والأظهر أنها أسماء لمسميات حاضرة بدليل قوله تعالى: ﴿ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾؛ وهذه الأسماء. والله أعلم. ما يحتاج إليها آدم، وبنوه في ذلك الوقت\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة: ٣١]، أي: \"أخبروني\" (١٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي﴾، مأخوذ من الإنباء، وفيه قولان (١٥):\nأَظْهَرُهُمَا: أنه الإخبار، قاله ابن عباس (١٦)، والنبأ الخبر، والنبيء بالهمز مشتق من هذا، ومنه قول النابغة (١٧):\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٣ ..\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٠.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٦١): ص ١/ ٤٨٧. ولفظه: \" ثم عرض هذه الأسماء، يعني أسماء جميع الأشياء، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق\".\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٣): ص ١/ ٤٨٧. ولفظه: \" أسماء ذريته كلِّها، أخذهم من ظَهره. قال: ثم عرضهم على الملائكة\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٤): ص ١/ ٤٨٧. ولفظه: \" علمه اسم كل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة\".\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٦): ص ١/ ٤٨٨. ولفظه: \" يعني عرض الأسماء، الحمامةَ والغراب\".\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٢): ص ١/ ٤٨٧. ولفظه: \"، ثم عرض الخلقَ على الملائكة\".\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٥): ص ١/ ٤٨٨. ولفظه: \" عرض أصحاب الأسماء على الملائكة\".\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٧): ص ١/ ٤٨٨. ولفظهما: \" علّمه اسم كل شيء: هذه الخيلَ، وهذه البغال، وما أشبه ذلك. وجعل يُسمي كل شيء باسمه، وعُرضت عليه أمة أمة\".\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.\n(١١) أضواء البيان: ١/ ٣٢.\n(١٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٠.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٩.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٠.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٦٨): ص ١/ ٤٨٨.\n(١٧) ديوانه: ٨٧ من قصيدة له، في عمرو بن هند، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه. وقال أبو عبيدة: هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق. ورواية الديوان: \" أن حيًّا حلولا \" بالنصب، صفة \" حيًّا \" وهي الرواية الجيدة. وخبر \" أن \" محذوف، كأنه يقول: قد تألبوا يترصدون لك. وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم. والبيت الذي يليه دال على ذلك، وهو قوله: وَأَنَّ الْقَوْمَ نَصْرُهُمُ جَمِيعٌ ... فِئَامٌ مُجْلِبُونَ إِلَى فِئَامِ\nورواية الرفع، لا بأس بها، وإن كنت لا أستجيدها. وقوله: \" حرام \" كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم. أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد. ودار جذام جبال حسمى، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان: حسمى).","vol":"2","page":173},{"text":"وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا ... حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ\nيعني بقوله: \" أنبأه \": أخبره وأعلمه (١).\nوالثاني: أن الإنباء الإعلام، وإنما يستعمل في الإخبار مجازًا.\nقال الراغب: \" الإنباء: إخبار فيه إعلام، وهو متضمن لهما ولذلك كل إنباء أخبار، وليس كل إخبار إنباء، وكل نبأ علمًا وليس كل علم نبأ ولكونه متضمنًا لهما، ومشتملًا عليهما أجري مجرى كل واحد منهما فقيل أنبأته بكذا كقولك أخبرته وأنبأته بكذا، كقولك أعلمته كذا، ولا يقال: \" نبأ \" إلا لكل خبر يقتضي العلم كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الأنبياء [﵈] وما جرى مجراها، وسمى النبي لكونه منبئًا بما تسكن نفسه إليه، ومنبأ بما سكن المؤمنون إليه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١]، \"أي بأسماء هذه المخلوقات التي ترونها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، \"في قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة\" (٤).\nقال البغوي: \" في أني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه\" (٥).\nقال النسفي: \"وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا\" (٦).\nوذكر أهل العلم في فوله تعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، ستة أقاويل (٧):\nأحدها: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خَلْقًا إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في نفوسهم أنهم أعلم من غيرهم.\nوالثاني: إن كنتم صادقين فيما زعمتم أن بني آدم آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. قاله ابن مسعود (٨).\nوالثالث: إن كنتم صادقين أني إنِ استخلفتكم فيها سبَّحْتموني وقَدَّسْتُمُوني، فإن استخلفت غيركم فيها عصاني.\nوالرابع: إن كنتم صادقين فيما وقع في نفوسكم، أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أفضل منه. قاله \"الحسن وقتادة\" (٩).\nوالخامس: إن كنتم عالمين لمَ أجعل في الأرض خليفة. قاله ابن عباس (١٠).\nوالسادس: أن معناه إن كنتم صادقين، في \"جواب السؤال، عالمين بالأسماء.\nقالُوا: ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: سُبْحانَكَ حكاه النقاش. قال: ولو لم يشترط عليهم الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له ﴿كم لبثت؟﴾، ولم يشترط عليه الإصابة، فقال، ولم يصب فلم يعنف\" (١١).\nقال ابن عطية: \"وهذا كله محتمل\" (١٢).\nواختار الطبري قول ابن عباس، فقال: والمعني \" إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه؛ فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٨٩.\n(٢) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٤٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٥٨.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٧٢): ص ١/ ٤٩٠.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٧٣): ص ١/ ٤٩٠.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٧١): ص ١/ ٤٩٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.","vol":"2","page":174},{"text":"لم توجد بَعدُ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي\" (١).\nقال البغوي: \" علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة\" (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان أن الله تعالى قد يمنّ على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون؛ وجهه: أن الله علم آدم أسماء مسميات كانت حاضرة، والملائكة تجهل ذلك.\n٢ ومنها: أن اللغات توقيفية. وليست تجريبية؛ \"توقيفية\" بمعنى أن الله هو الذي علم الناس إياها؛ ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها؛ وقيل: إنها \"تجريبية\" بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولًا أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتًا تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛ ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء.\n٣ ومن فوائد الآيتين: جواز امتحان الإنسان بما يدعي أنه مُجيد فيه.\n٤ ومنها: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لقوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.\nالقرآن\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢]\nالتفسير:\nقالت الملائكة: سبحانك لا علم لنا بوجه من الوجوه إلا ما علمتنا إياه فضلا منك وجودا، إنك أنت العليم في شؤون خلقك، الحكيم في تدبيرك.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: قالت الملائكة: \" تنزيها لك\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: \" تنزيها لك، عن الاعتراض لعلمك في حكمك وتدبيرك\" (٤).\nقال ابن عطية: أي: \" تنزيها لك وتبرئة، أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته\" (٥).\nقوله تعالى ﴿سُبحان﴾ مصدر لا تصرُّف له، ومعناه: نسبِّحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبيحًا، وننزهك تنزيهًا، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا (٦).\nواختلف في انتصاب قوله ﴿سُبْحانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢]، على وجهين (٧):\nأحدهما: أنه منصوب على المصدر. قاله الخليل.\nوالثاني: أنه منصوب على أنه منادى مضاف. قاله الكسائي (٨).\nوقال أكثر أ÷ل العلم بأنه منصوب على المصدر، أي: نسبحك سبحانا. والله أعلم.\nوتعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢]، على وجوه:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٩٥.\n(٧) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨، والمحرر الوجيز: ١/ ١٢١.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.","vol":"2","page":175},{"text":"أحدها: أنها: \" كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها، وأحب أن تقال\". قاله علي بن أبي طالب ﵁ (١).\nوالثاني: \" اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء\". قاله ميمون بن مهران (٢).\nوالثالث: أن (سبحان الله) اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه. قاله الحسن (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: \" نحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إِياه\" (٤).\nقال ابن إسحاق: \" أي إنما أجبناك فيما علمتنا، فأما ما لم تعلمنا فإنك أعلم به منا\" (٥).\nقال البغوي: \" معناه فإنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا\" (٦).\nوقولهم هذا \"اعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقرَّبون إلى الله ﷿\" (٧)، فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: \" إنك ذو العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر، والمستقبل\" (٩).\nقال الطبري: \" إنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك\" (١٠).\nقال البغوي: أي إنك أنت\" ﴿العليم﴾، بخلقك\" (١١).\nقال الماوردي: \" ﴿العليم﴾: هو العالم من غير تعليم\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" ﴿العليم﴾، الذي قد كمل في علمه\" (١٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿العليم﴾، أي: عليم بما تخفون\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، أي: \"إنك أنت الحكيم في أمرك\"\" (١٥).\nقال أبو العالية: \" ﴿الحكيم﴾: حكيم في أمره\" (١٦).\nوقال: محمد بن جعفر بن الزبير: \" ﴿الحكيم﴾: الحكيم في عذره وحجته إلى عباده\" (١٧).\nقال ابن عباس: \" ﴿الحكيم﴾، الذي قد كمل في حُكمه\" (١٨).\nقال ابن عطية: \" والْعَلِيمُ معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات في حق الله ﷿، والْحَكِيمُ معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة\" (١٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣): ص ١/ ٨١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤): ص ١/ ٨١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٥): ص ١/ ٨١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٦): ص ١/ ٨١.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٩٤.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢١.\n(١٠) تفسير الطبري: ١/ ٤٩٥.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ١٠٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (٦٧٤): ص ١/ ٤٩٥.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧): ص ١/ ٨١.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٨): ص ١/ ٨١.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩): ص ١/ ٨٢.\n(١٨) أخرجه الطبري (٦٧٤): ص ١/ ٤٩٥.\n(١٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.","vol":"2","page":176},{"text":"وأصل الحكمة في كلام العرب: \"المنع، يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمته، أي منعته. ويقال للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، ومالا يجمل فلا يحل في المحكم من الأمر بمنعه من الخلل\" (١).\nوذكر أهل العلم أن ﴿الحكيم﴾، له ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: الحاكم العالم، المُصِيبُ للحقِّ، ومنه سمي القاضي حاكمًا، لأنه يصيب الحق في قضائه، وهذا قول أبي العباس المبرد، \"وحينئذ يكون صفة ذات\" (٣).\nوالثاني: المانع من الفساد، يعني: المحكم للأمر، كي لا يتطرق إليه الفساد، ومنه سميت (حَكَمَةُ اللجام)، لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد، و\"الحكمة هذا قياسها، لأنها تمنع من الجهل\" (٤)، ومنه قول جرير (٥):\nأبَني حَنيفَة أحكِمُوا سُفهاءكُمْ ... إني أخافُ عليكمُ أنْ أغْضَبَا\nقوله (أَحْكِمُوا): أي امنعوهم.\nوالثالث: أنه المُحْكِمُ لأفعاله، كقوله ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: \" أي المؤلم والموجع\" (٦)، وكما قال عمرو بن معد يكرب (٧):\nأمِنْ رَيْحانة الدَّاعي السَّميعُ (٨) ... يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ\nأي المسمع.\nويجيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ على هذا من صفات الفعل (٩).\nقال الثعلبي: \" وفي هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق (١٠)، حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا، وهو عالم بعجزهم عنه\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨ - ١٧٩، وانظر: تهذيب اللغة واللسان: (حكم).\n(٢) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٢٢، والنكت والعيون: ١/ ١٠١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨.\n(٤) مقاييس اللغة: ٢/ ٩١، وانظر: اللسان: (حكم).\n(٥) ديوانه: ٩٠، والبيت في اللسان: (حكم).\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨.\n(٧) الديوان: ١٤٠، الشعر والشعراء: ١/ ٣٣٢، الخزانة: ٣/ ٤٦٠، والأغاني: ١٤/ ٢٥، ٣٣، واللسان: ١٠/ ٢٨، والأصمعيات: ١٩٨، والصحاح: ٣/ ١٢٣٣، وتأويل مشكل القرآن: ٢٢٩، وقد وجدت في الكتاب الذي حققه السيد أحمد صقر خطأ -مطبعيا- في الهامش رقم (١) صفحة: ١٧، إذ قال صدره: أمن ريحانة الداعي السميع\"، والصحيح: وعجزه: يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ\n(٨) ريحانة: امرأته المطلقة، وقيل أخته أم دريد بن الصمة. السميع: المسمع، وهو شاهد صيغة \"فعيل\" لمبالغة مفعل، تزوج عمرو امرأة من مراد يقال لها \"ريحانة\"، وذهب مغيرًا قبل أن يدخل بها، فلما قدم أخبر أنه قد ظهر بها وضح - وهو داء تحذره العرب - فطلقها وتزوجها رجل آخر من بني مازن بن ربيعة، وبلغ ذلك عمرًا وأن الذي قيل فيها باطل، فأخذ يشبب بها، وقيل إن \"ريحانة\" هي أخته، وكان الصمة والد دريد قد غزا بني زبيد فسباها، فغزا عمرو مرارًا ولم يقدر عليها.\nفذكر عمرو ما كان من هذا أو ذاك، واستعاد ذكرى الشباب وما كان فيه من لهوه وصحبة الغيد. أما شيبه الذي تعجب له أمامة فليس مما يعيبه فإن له في ماضي زمانه ما يعده ذخيرة لفخره، فقد كان يغدو إلى الصيد على فرس سبوح في جريه، فتعن له حم رالوحش فيصرع منها ما يصرع، وهذا الشيب الذي نرى إنما هو خضاب الحوادث، وما أثرت فيه أهوال الحروب التي خاضها. ثم ساق بعض الحكم، وفخر باجتيازه الفلوات الموحشة، وشكا وجده، وفخر بمهره. ينظر: الخزانة: ٣/ ٤٦٠.\n(٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.\n(١٠) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"تكليف ما لا يطاق وهو على ضربين: أحدهما: تكليف ما لا يطاق لوجود ضده من العجز، وذلك مثل أن يكلف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يجوز تكليفه وهو مما انعقد الإجماع عليه، وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل، وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله. والثاني: تكليف مالا يطاق لا لوجود ضده من العجز مثل أن يكلف الكافر الذي سبق في علمه أنه لا يستحب التكليف كفرعون وأبى جهل وأمثالهم، فهذا جائز، وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف مالا يطاق غير جائز، قال: وهذه المسألة كالأصل لهذه. قلت: وهذا الإجماع هو إجماع الفقهاء وأهل العلم، فإنه قد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن تكليف الممتنع لذاته واقع في الشريعة، وهذا قول الرازي وطائفة قبله، وزعموا أن تكليف أبي لهب وغيره من هذا الباب حيث كلف أن يصدق بالأخبار التي من جملتها الإخبار بأنه لا يؤمن، وهذا غلط، فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلي النار بعد دعاء النبي ﷺ له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب، كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطبًا من جهة الرسول بهذين الأمرين المتناقضين. وكذلك من قال: تكليف العاجز واقع محتمًا بقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، فإنه يناقض هذا الإجماع، ومضمون الإجماع نفي وقوع ذلك في الشريعة، وأيضًا فإن مثل هذا الخطاب إنما هو خطاب تعجيز على وجه العقوبة لهم لتركهم السجود وهم سالمون يعاقبون على ترك العبادة في حال قدرتهم بأن أمروا بها حال عجزهم على سبيل العقوبة لهم، وخطاب العقوبة والجزاء من جنس خطاب التكوين، لا يشترط فيه قدرة المخاطب إذ ليس المطلوب فعله، وإذا تبينت الأنواع والأقسام زال الاشتباه والإبهام\". [مجموع الفتاوى: ٨/ ١٨١ - ١٨٢].\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٩.","vol":"2","page":177},{"text":"الفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن الملائكة تتكلم؛ لقوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾.\n٢ ومنها: اعتراف الملائكة. عليهم الصلاة والسلام. بأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﷿.\nويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدَّعي علم ما لم يعلم.\n٣ ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله ﷿، حيث اعترفوا بكماله، وتنزيهه عن الجهل بقولهم: ﴿سبحانك﴾؛ واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم؛ واعترفوا لله بالفضل في قولهم: ﴿إلا ما علمتنا﴾.\n٤. ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿العليم﴾، و﴿الحكيم﴾؛ فـ ﴿العليم﴾: ذو العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا لما كان، وما يكون من أفعاله، وأفعال خلقه.\nو﴿الحكيم﴾: ذو الحكمة البالغة التي تعجز عن إدراكها عقول العقلاء وإن كانت قد تدرك شيئًا منها؛ و\"الحكمة\" هي وضع الشيء في موضعه اللائق به؛ وتكون في شرع الله، وفي قدر الله؛ أما الحكمة في شرعه فإن جميع الشرائع مطابقة للحكمة في زمانها، ومكانها، وأحوال أممها؛ فما أمر الله بشيء، فقال العقل الصريح: \"ليته لم يأمر به\"؛ وما نهى عن شيء، فقال: \"ليته لم ينهَ عنه\"؛ وأما الحكمة في قدره فما من شيء يقدره الله إلا وهو مشتمل على الحكمة إما عامة؛ وإما خاصة.\nواعلم أن الحكمة تكون في نفس الشيء: فوقوعه على الوجه الذي حكم الله تعالى به في غاية الحكمة؛ وتكون في الغاية المقصودة منه: فأحكام الله الكونية، والشرعية كلها لغايات محمودة قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة؛ والأمثلة على هذا كثيرة واضحة.\nولـ ﴿الحكيم﴾ معنًى آخر؛ وهو ذو الحكم، والسلطان التام؛ فلا معقب لحكمه؛ وحكمه تعالى نوعان: شرعي، وقدري؛ فأما الشرعي فوحيه الذي جاءت به رسله؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ وأما حكمه القدري فهو ما قضى به قدرًا على عباده من شدة، ورخاء، وحزن، وسرور، وغير ذلك؛ ومنه قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ (يوسف: ٨٠)\nوالفرق بين الحكم الشرعي، والكوني: أن الشرعي لا يلزم وقوعه ممن حُكِم عليه به؛ ولهذا يكون العصاة من بني آدم، وغيرهم المخالفون لحكم الله الشرعي؛ وأما الحكم القدري فلا معارض له، ولا يخرج أحد عنه؛ بل هو نافذ في عباده على كل حال.\nالقرآن\n﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ [البقرة: ٣٣]\nالتفسير:\nقال الله تعالى لآدم: أخبر الملائكة بأسماء هذه المسميات، وعندما أنبأهم باسمائها، تبيّن للملائكة فضل آدم عليهم، وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذه الخليفة، قال تعالى لهم: قلت لكم إني أعلم ما غاب في السماوات والأرض وأعلم ما تظهرون وما تخفون.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: قال الله تعالى لآدم: \" أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" و﴿آدم﴾ هو أبو البشر؛ والظاهر أن هذا اسم له، وليس وصفًا؛ وهو مشتق لغة من الأُدْمة؛ وهي لون بين البياض الخالص والسواد\" (٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٣.","vol":"2","page":178},{"text":"قوله: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، النبأ أي الخبر، ومنه قول نابغة بني ذُبيان (١):\nوَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا ... حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ\nفقوله (أنبأه)، أي: أخبره وأعلمه (٢).\nقال محمد ابن أبان: \"سألت زيد بن أسلم عن قوله: ﴿أنبئهم بأسمائهم﴾، قال: أنت جبريل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب\" (٣).\nوروي \"عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾، قال: اسم الحمامة والغراب، واسم كل شيء. وروي عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة نحو ذلك\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: فلما \"أخبرهم بكل الأشياء، وسمَّى كل شيء باسمه\" (٥).\nقال مجاهد: \" ﴿فلما أنبأهم﴾، أنبأ آدم الملائكة بأسمائهم، أسماء أصحاب الأسماء\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، \" أي: قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب في السماوات والأرض عنكم\" (٧).\nقال البغوي: أي\" ما كان منهما وما يكون لأنه قد قال لهم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] \" (٨).\nقال ابن عطية: \" معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي، كما قال [الله] تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ \" (١٠).\nقال ابن عباس: \" أخبرهم بأسمائهم - ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقلْ لكم﴾، أيها الملائكة خَاصة ﴿إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض﴾، ولا يعلمه غيري\" (١١).\nوقال الحسن: \" فجعل آدم ينبئهم بأسمائهم ويقول: هذا اسم كذا وكذا من خلق الله، وهذا اسم كذا وكذا فعلم الله آدم من ذلك ما لم يعلموا حتى علموا أنه أعلم منهم. قال: فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ \" (١٢).\n_________\n(١) ديوانه: ٨٧ من قصيدة له، في عمرو بن هند، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه. وقال أبو عبيدة: هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق. ورواية الديوان: \" أن حيًّا حلولا \" بالنصب، صفة \" حيًّا \" وهي الرواية الجيدة. وخبر \" أن \" محذوف، كأنه يقول: قد تألبوا يترصدون لك. وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم. والبيت الذي يليه دال على ذلك، وهو قوله:\nوَأَنَّ الْقَوْمَ نَصْرُهُمُ جَمِيعٌ ... فِئَامٌ مُجْلِبُونَ إِلَى فِئَامِ\nورواية الرفع، لا بأس بها، وإن كنت لا أستجيدها. وقوله: \" حرام \" كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم. أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد. ودار جذام جبال حسمى، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان: حسمى). فمن أجل أن بنى عذرة هذه ديارهم قريبة من جذام، شككت فيمن عني النابغة ببني حرام في هذا البيت.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٨٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٠): ص ١/ ٨٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥١): ص ١/ ٨٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٢): ص ١/ ٨٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٨٠.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٧٦): ص ١/ ٤٩٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣): ص ١/ ٨٢.","vol":"2","page":179},{"text":"والاستفهام في قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾، للتقرير؛ \"والمعنى: قلت لكم، كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]: والمعنى: قد شرحنا لك صدرك\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، دليل على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة، وأن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى (٢).\nوقال بعض أهل العلم بأن غيب السماوات والأرض، نوعان (٣):\nأحدهما غيب نسبي: وهو ما غاب عن بعض الخلق دون بعض.\nوالثاني: غيب عام: وهو ما غاب عن الخلق عمومًا.\nقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: وأعلم \"ما تظهرون\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿وأعلم ما تبدون﴾، يقول: ما تظهرون\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي وما كنتم\"تخفون في أنفسكم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار\" (٧).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ومَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، وجهين (٨):\nأحدهما: ما أسرَّه إبليس من الكبر والعصيان في نفسه، وهذا قول ابن عباس (٩)، وابن مسعود (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، وسفيان (١٢)، والضحاك (١٣)، وروي عن عبدالله بن بريدة (١٤) نحو ذلك.\nقال ابن عطية: \" ويتوجه قوله ﴿تَكْتُمُونَ﴾، للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع\" (١٥).\nوالثاني: أن الذي كتموه: ما أضمروه في أنفسهم أن الله تعالى لا يخلق خلقًا إلاَّ كانوا أكرمَ عليه منه، وهو قول الحسن البصري (١٦)، وقتادة (١٧)، وأبي العالية (١٨)، والربيع بن أنس (١٩).\nوالراجح-والله أعلم- هو ما قاله ابن عباس، أي: الذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبُّر عن طاعته. واختاره الطبري (٢٠).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٩٤، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٩٠.\n(٣) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٨.\n(٥) أخرجه الطبري (٦٧٨): ص ١/ ٤٩٨.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٩.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٨.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٠.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٧٨): ص ١/ ٤٩٨.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٧٩): ص ١/ ٤٩٨.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٨٠): ص ١/ ٤٩٨.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٨١): ص ١/ ٤٩٩.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٤): ص ١/ ٨٢.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٥): ص ١/ ٨٣.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٣.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٨٢): ص ١/ ٤٩٩.\n(١٧) أخرجه الطبري (٦٨٣): ص ١/ ٤٩٩.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦): ص ١/ ٨٣.\n(١٩) أخرجه الطبري (٦٨٤): ص ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٥٧): ص ١/ ٨٣.\n(٢٠) أنظر: تفسيره: ١/ ٥٠٠.","vol":"2","page":180},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ﷿ لقوله تعالى: ﴿يا آدم﴾؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأن آدم سمعه، وفهمه، فأنبأ الملائكة به؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح. أن الله يتكلم بكلام مسموع مترتب بعضه سابق لبعض.\n٢ ومنها: أن آدم. ﵊. امتثل، وأطاع، ولم يتوقف؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أنبأهم﴾؛ ولهذا طوى ذكر قوله: \"فأنبأهم\" إشارة إلى أنه بادر، وأنبأ الملائكة.\n٣ ومنها: جواز تقرير المخاطب بما لا يمكنه دفعه؛ والتقرير لا يكون إلا هكذا. أي بأمر لا يمكن دفعه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾.\n٤ ومنها: بيان عموم علم الله ﷿، وأنه يتعلق بالمشاهد، والغائب؛ لقوله تعالى:\n(أعلم غيب السموات والأرض).\n٥ ومنها: أن السموات ذات عدد؛ لقوله تعالى: ﴿السموات﴾؛ و\"الأرض\" جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] أي في العدد.\n٦ ومنها: أن الملائكة لها إرادات تُبدى، وتكتم؛ لقوله تعالى: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.\n٧ ومنها: أن الله تعالى عالم بما في القلوب سواء أُبدي أم أُخفي؛ لقوله تعالى: ﴿ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.\nفإن قال قائل: ما الدليل على أن الملائكة لها قلوب؟ .\nفالجواب: قوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣].\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]\nالتفسير:\nاذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله وبادروا كلهم بالسجود، إلا إبليس امتنع عن السجود واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، وكان في علم الله تعالى من الكافرين.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤]، \"أي اذكر يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة\" (١).\nوقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ يعني: اذكر إذ قلنا؛ ومثل هذا التعبير يتكرر كثيرًا في القرآن، والعلماء يقدرون لفظ: (اذكر)، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن (إذ) ظرفية؛ والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكورًا؛ وإما محذوفًا (٢)؛ وفي نظم الجُمل (٣): لا بد للجار من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي ومثله\" (٤).\nوقد جاء الضمير في ﴿قلنا﴾ بصيغة الجمع من باب التعظيم. لا التعدد. كما هو معلوم (٥).\nقوله تعالى: ﴿اسجدوا لأَدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، \"أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"و(السجود)، هو السجود على الأرض بأن يضع الساجد جبهته على الأرض خضوعًا، وخشوعًا؛ وليس المراد به هنا الركوع؛ لأن الله تعالى فرَّق بين الركوع والسجود، كما في قوله تعالى: ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] \" (٧).\nو(السجود)، معناه في كلام العرب التذلل والخضوع، قال الشاعر (٨):\nيجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجدا للحوافر\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٢) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٥.\n(٣) شرح أليفة ابن مالك للحازمي: الدرس (١٢): ص ٧.، وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب: ٦٣.\n(٤) شرح أليفة ابن مالك للحازمي: الدرس (١٢): ص ٧.، وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب: ٦٣.\n(٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٥.\n(٨) البيت ورد في اللسان: مادة (س ج د).","vol":"2","page":181},{"text":"الأكم: الجبال الصغار، جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. وعين ساجدة، أي فاترة عن النظر، وغايته وضع الوجه بالأرض (١).\nوالسجود أصله: الانحناء والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب، نحو قوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]، أي: تذللوا له، وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنبات، وعلى ذلك قوله: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥]، وقوله: ﴿يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله﴾ [النحل: ٤٨]، فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وقوله: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون﴾ [النحل: ٤٩]، ينطوي على النوعين من السجود، التسخير والاختيار، وقوله: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦]، فذلك على سبيل التسخير، وقوله: ﴿اسجدوا لآدم﴾ [البقرة/٣٤]، قيل: أمروا بأن يتخذوه قبلة، وقيل: أمروا بالتذلل له، والقيام بمصالحه، ومصالح أولاده، فائتمروا إلا إبليس، وقوله: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: متذللين منقادين، وخص السجود في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن، وسجود الشكر، وقد يعبر به عن الصلاة بقوله: ﴿وأدبار السجود﴾ [ق: ٤]، أي: أدبار الصلاة، ويسمون صلاة الضحى: سبحة الضحى، وسجود الضحى، ﴿وسبح بحمد ربك﴾ [طه: ١٣٠] قيل: أريد به الصلاة (٢)، والمسجد: موضع الصلاة اعتبارا بالسجود، وقوله: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨]، قيل: عني به الأرض، إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتح خزائن الأرض فتلت في يدي\" (٣).\nوقيل: المساجد: مواضع السجود: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان، وقوله: ﴿ألا يسجدوا لله﴾ [النمل/٢٥] (٤) أي: يا قوم اسجدوا، وقوله: ﴿وخروا له سجدا﴾ [يوسف/١٠٠]، أي: متذللين، وقيل: كان السجود على سبيل الخدمة في ذلك الوقت سائغا، ومنه قول الشاعر (٥):\nوافى بها لدراهم الإسجاد ... من خمر ذي نطف أغن منطق\nعنى بها دراهم عليها صورة ملك سجدوا له (٦).\nوالإسجاد: إدامة النظر، قال أبو عمرو: وأسجد إذا طأطأ رأسه، قال (٧):\nفضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأحبارها\nيقول: لما ارتحلن ولوين فضول أَزمَّة جمالهن على معاصمهن أَسْجدت لهن.\nقال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد (٨):\nوقلن له أسجد لليلى فأسجدا\nيعني بعيرها أنه طأطأ رأسه لتركبه (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٩١.\n(٢) (أخرج عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس في الآية قال: هي الصلاة المكتوبة).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام ١٣/ ٢٠٩؛ وانظر: شرح السنة ١٣/ ١٩٨).\n(٤) (هي بتخفيف ألا، على أنها للاستفتاح، وبها قرأ الكسائي ورويس وأبو جعفر. الإتحاف ٣٣٦).\n(٥) البيت للأسود بن يعفر، ورد في المفضليات ص ٢١٨؛ والمجمل ٢/ ٤٨٦).\n(٦) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٨.\n(٧) البيت لحميد بن ثور يصف النساء، انظر: اللسان: مادة (س ج د). قال ابن بري صواب إِنشاده:\nفلما لَوَيْنَ على مِعْصَمٍ ... وكَفٍّ خضيبٍ وأَسوارِها،\nفُضولَ أَزِمَّتِها، أَسْجدت ... سجودَ النصارى لأَحْبارِها\n(٨) انظر: اللسان مادة (س ج د)، والمزهر: ١/ ٢٣٨.\n(٩) انظر: اللسان: مادة (س ج د)، وتفسير القرطبي: ١/ ٢٩١.","vol":"2","page":182},{"text":"وقوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٣]، أي: اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم، وهو كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي عند دلوك الشمس وكقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين (١).\nوأخرج الطبري: \" عن قتادة، قوله: ﴿وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته\" (٢).\nوقد استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم، وهذا القول فيه نظر.\nوحكى النقاش عن مقاتل: \"أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه\" (٣).قال ابن عطية: \"والقرآن يرد على هذا القول\" (٤).\nوقال قوم: \"سجود الملائكة كان مرتين\" (٥). قال ابن عطية: \"والإجماع يرد هذا\" (٦).\nواختلف اهل العلم في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، وذكروا وجوها في ذلك (٧):\nأحدها: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا، ومعنى \"لآدم\": إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مبقى على أصل اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل، ﴿فَسَجَدُوا﴾ أي امتثلوا ما أمروا به.\nقال ابن عطية: \" وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم ﵇\" (٨).\nواختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم ﵇ أم كان مباحا إلى عصر الرسولﷺ-، وفيه قولين:\nأحدهما: أن ذلك السجود كان خاصا بآدم فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى.\nوالثاني: أن ذلك السجود كان جائزا بعد آدم إلى زمان يعقوب ﵇، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين.\nوالصحيح: أن سجود التحية والإكرام كان مباحا إلى عصر رسول الله ﷺ، وكان مباحا في الشرائع السابقة إلى أن نسخ في شريعتنا، ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحًا في أية شريعة فكل الأنبياء نهوا عن ذلك وبلغوا أقوامهم، روي عن عبدالله بن أبي أوفى أنه: لمَّا قدِمَ معاذٌ منَ الشَّامِ سجدَ للنَّبيِّ ﷺ قالَ ما هذا يا مُعاذُ قالَ أتيتُ الشَّامَ فوافقتُهُم يسجُدونَ لأساقفتِهِم وبطارقتِهِم فوَدِدْتُ في نَفسي أن نفعلَ ذلِكَ بِكَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ \"وسلَّمَ فلا تفعَلوا فإنِّي لو كُنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لغيرِ اللَّهِ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لا تؤدِّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتَّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها ولو سألَها نفسَها وَهيَ علَى قتَبٍ لم تمنعْهُ\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٩٢.\n(٢) تفسير الطبري (٧٠٧): ص ١/ ٥١٢.\n(٣) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٤.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٤.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٩٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٤.\n(٩) صحيح ابن ماجة: ١٥١٥. حديث حسن صحيح.\nورد من حديث جماعة من أصحاب النبي -صلي الله عليه وسلم -، منهم أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبى أوفى، ومعاذ بن جبل، وقيس بن سعد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق. ١ - حديث أبى هريرة، يرويه أبو سلمة عنه عن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: فذكره. أخرجه الترمذي (١/ ٢ ١ ٧) وابن حبان (١٢٩١) والبيهقي (٧/ ٢٩١) والواحدي في (الوسيط) (١/ ١٦١ / ٢) من طريق محمد بن عمرو عن أبى سلمة به وزادوا إلا الترمذي: (لما عظم الله من حقه عليها). وقال: (حسن غريب). وهو كما قال. ولفظ ابن حبان: (أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) دخل حائطا من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان، فاقترب رسول اللة (صلي الله عليه وسلم) منهما، فوضعا جرانهما بالارض، فقال من معه: (نسجد لك؟ فقال النبي (صلي الله عليه وسلم): ما ينبغى لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغى له أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه). قلت: وإسناده حسن. / صفحة ٥٥ / وأخرجه الحاكم (٤/ ١٧١ - ١٧٢) والبزار من طريق سليمان بن أبى سليمان عن يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة به نحوه دون قصة الجملين. وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ورده المنذري في (الترغيب) (٣/ ٧٥) والذهبي في (التلخيص) بأن سليمان وهو اليمامى ضعفوه. ٢ - حديث أنس بن مالك. يرويه خلف بن خليفة عن حفص بن أخى أنس عن أنس قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها). أخرجه النسائي (ق ٨٥/ ٢) وأحمد (٣/ ١٥٨) وكذا البزار كما في (المجمع) (٩/ ٤) وقال: (ورجاله رجال الصحيح غير حفص بن أخى أنس، وهو ثقة). وقال المنذري: (رواه أحمد بإسناد جيد، رواته ثقات مشهورون، والبزار بنحوه). قلت: وهو كما قالا، لولا أن خلف بن خليفة - وهو من رجال مسلم، وشيخ أحمد فيه - كان اختلط في الآخر، فلعل أحمد سمعه منه قبل اختلاطه. وهو عنده مطول، فيه قصة الجمل وسجوده للنبى (صلي الله عليه وسلم)، فهو شاهد جيد لحديث أبي هريرة المتقدم. ٣ - حديث عبداللة بن أبى أوفى، يرويه القاسم الشيباني عنه قال: (لما قدم معاذ من الشام، سجد للنبى (ص)، قال: ما هذا يا معاذ؟ ! * (هامش) * (١) كذا وقع في مسلم، وهو خطأ مطبعى، والصواب (عن) كما في) المسند) وهو ثقة). / صفحة ٥٦ / قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): فلا تفعلوا، فإنى لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهى على قتب لم تمنعه). أخرجة ابن ماجه (١٨٥٣) وابن حبان (١٢٩ ٠) والبيهقي (٧/ ٢٩٢) من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم به. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير القاسم هذا وهو ابن عوف الشيباني الكوفي، وهو صدوق يغرب كما في (التقريب) وروى له مسلم فرد حديث. وتابعه إسماعيل، وهو ابن علية ثنا أيوب به نحوه. أخرجه أحمد (٤/ ٣٨١). وخالفه معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى حدثنى القاسم بن عوف الشيباني ثنا معاد بن جبل أنه أتى الشام فرأى النصارى. . . الحديث نحوه. أخرجه الحاكم (٤/ ١٧٢) وقال: (صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي. كذا قالا! والقاسم لم يخرج له البخاري، ثم إن معاذ بن هشام الدستوائى فيه كلام من قبل حفظه، وفي (التقريب): (صدوق ربما وهم). فأخشى أن يكون وهم في جعله من مسند معاذ نفسه، وفي تصريح القاسم بسماعه منه. والله أعلم. نعم قد روي عن معاذ نفسه إن صح عنه، وهو: / صفحة ٥٧/ ٤ - حديث معاذ. رواه أبو ظبيان عنه. (أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله. . .). فذكره مختصرا. أخرجه أحمد (٢٢٧/ ٥): ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبي ظبيان. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكن أبو ظبيان لم يسمعه من معاذ، واسمه حصين بن جندب الجنبى الكوفي. ويدل على ذلك أمور: أولا: قال ابن حزم في أبي ظبيان هذا: (لم يلق معاذا، ولا أدركه). ثانيا: قال ابن أبى شيبة في (المصنف) (٧/ ٤٧ / ١): ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى ظبيان قال: (لما قدم معاذ من اليمن. . .). قلت: فأرسله، وهو الصواب. ثالثا: قال أحمد وابن أبى شيبة: ثنا عبد الله بن نمير قال: نا الأعمش عن أبي ظبيان عن رجل من الأنصار عن معاذ بن جبل بمثل حديث أبي معاوية. فتأكدنا من انقطاع الحديث بين أبي ظبيان ومعاذ، أو أن الواسطة بينهما رجل مجهول لم يسمه. ٥ - حديث قيس بن سعد. يرويه الشعبى عنه قال: (أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقلت: إنى أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فانت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قال: قلت: لا، قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق). / صفحة ٥٨ / أخرجه أبو داود (٢١٤٠) والحاكم (٢/ ١٨٧) والبيهقي (٧/ ٢٩١) من طريق شريك عن حصين عن الشعبى. وقال الحاكم: (صحيح الأسناد لما. ووافقه الذهبي. وأقول: شريك هو ابن عبد الله القاضي وهو سئ الحفظ. ٦ - حديث عائشة. يرويه سعيد بن المسيب عنها مرفوعا بلفظ: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. ولو أن رجلا أمر امرأة أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر، لكان نوطا أن تفعل). أخرجه ابن ماجه (١٨٥٢) وابن أبي شيبة (٧/ ٤٧ / ٢) وأحمد (٦/ ٧٦) من طريق على بن زيد عن سعيد به. وفيه عند أحمد قصة الجمل المتقدمة من حديث أبى هريرة وأنس. وعلي بن زيد هو ابن جدعان وهو ضعيف. وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني في (المعجم الكبير) (٣/ ١٤٣ / ١) وفيه قصة الجمل. وفيه أبو عزة الدباغ وأسمه الحكم بن طهمان وهو ضعيف. وعن زيد بنرقم عند أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبى ثابت في (حديثه) (٢/ ١٤٣ / ١). وفيه صدقة وهو ابن عبد الله السمين، ومن طريقه رواه الطبراني في (الكبير) والأوسط، والبزار كما في (المجمع) (٤/ ٣١٠) وقال: (وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه البخاري وجماعة).","vol":"2","page":183},{"text":"ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة، وفي بعض طرق معاذ: ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة (١).\nوالذي عليه جمهور أهل العلم بلا خلاف ولا نزاع بينهم أن هذا السجود من معاذ –﵁- كان سجود تحية لا عبادة إذ كيف يجهل هذا الصحابي الجليل أن سجود العبادة لا ينبغي إلا لله.\nوتجدر الاشارة بأن السجود كان فيما مضى يستعمل تحية وإكراما كما فعل أبوا يوسف وإخوته وكما فعلت الملائكة لآدم هذا من باب التحية والإكرام وليس من باب العبادة، وأما في شريعة محمد عليه الصلاة\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٩٣.","vol":"2","page":184},{"text":"والسلام فإن الله -﷿- منع من ذلك وجعل السجود لله وحده ﷾ ولا يجوز أن يسجد لأحد لا للأنبياء ولا غيرهم، حتى محمد ﵊ منع أن يسجد له أحد وأخبر أن السجود لله وحده ﷾، فعلم بهذا أن جميع أنواع العبادة كلها لله وحده ﷾، ومن أعظمها السجود فإنه ذلك وانكسار لله ﷾ فهو من أفضل العبادات فلا يصرف لغيره من الناس لا للأنبياء ولا للجن ولا للإنس ولا لغيرهم، والله المستعان.\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٣]، قراءتين (١):\nأحدهما: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾، بالكسر. وهي قراءة جمهور القراء.\nوالثاني: ﴿للملائكةُ﴾، بالضم، قرأ بها أبو جعفر المدني. قال أبو علي: \"لم يكن مصيبا\" (٢).\nوقال الزجاج: \"وأبو جعفر، من جِلَّةِ أهل المدينة وأهلِ الثَّبتِ في القَراءَةِ إلا أنه غلط في هذا الحرف لأن الملائكة في موضع\nخفض فلا يجوز أن يرفع المخفوض ولكنه شبَّه تاءَ التأنيث بكسر ألف الوصل لأنك إذا ابْتدأتَ قلت اسْجُدوا، وليس ينبغي أن يقرأ القرآن بتوهم غيرِ الصواب\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٣]، \"أي: فسجدوا جميعًا له غير إبليس\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿فسجدوا﴾ أي من غير تأخير؛ فالفاء هنا للترتيب، والتعقيب\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أبى واستكبر﴾ [البقرة: ٣٣]، \"أي: امتنع مما أمر به وتكبر عنه\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم \"عن قتادة: قوله ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾، حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم\" (٧).\nقال الشنقيطي: \" لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] \" (٨).\n_________\n(١) الحجة للقراء السبعة: ١/ ٦٥، ومعاني القرآن: ١/ ١١١ - ١١٢، والمحرر الوجيز: ١/ ١٢٤.\n(٢) الحجة للقراء السبعة: ١/ ٦٥.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١١١ - ١١٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٤): ص ١/ ٨٤.\n(٨) أضواء البيان: ١/ ٣٣. ثم قال الشنقيطي: \"مثل قياس إبليس نفسه على عنصره الذي هو النار وقياسه ءادم على عنصره الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من ءادم. ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى: ﴿اسجدوا لأدم﴾ يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: ﴿اسجدوا لآدم﴾ يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:\nوالخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى\nفكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس وقياس إبليس هذا لعنه الله باطل من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه فاسد الاعتبار؛ لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبا.\nالثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة.\nوإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة والأزهار الجميلة والروائح الطيبة. تعلم أن الطين خير من النار.\nالثالث: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من ءادم؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع بل قد يكون الأصل رفيعا الفرع وضيعا كما قال الشاعر:\nإذا افخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا\nوقال الآخر:\nوما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة\".\n[أضواء البيان: ١/ ٣٣ - ٣٤].","vol":"2","page":185},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ [البقرة: ٣٣]، \"أي: صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم\" (١).\nأخرج ابن أبي حاتم \"عن عبد الله بن بريدة قوله: ﴿وكان من الكافرين﴾، من الذين أبوا، فأحرقتهم النار\" (٢).\nوذكر الطبري وابن أبي حاتم، عن أبي العالية أنه كان يقول: \" ﴿وكان من الكافرين﴾، يعني: من العاصين\" (٣).وروي عن الربيع (٤) مثل ذلك.\nقال ابن عطية: \"وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت\" (٥).\nوذكروا في قوله تعالى ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ [البقرة: ٣٣]، ثلاثة أقوال (٦):\nأحدهما: أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن\n﴿كان﴾ فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق.\nقال ابن عطية: \"وقال جمهور المتأولين: معنى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة\" (٧).\nوقد أخرج ابن أبي حاتم عن \" السدي: ﴿وكان من الكافرين﴾، قال: من الكافرين الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد\" (٨).\nوالثاني: أن معناه: \"وصار من الكافرين\" (٩). قال ابن فورك: \"وهذا خطأ ترده الأصول\" (١٠).\nوالثالث: انه كان من الكافرين، وليس قبله كافرا، كما كان من الجنِّ، وليس قبله جِنٌّ، وكما تقول: كان آدم من الإنس، وليس قبله إنسيٌّ. قاله الحسن (١١).\nوالرابع: أنه قد كان قبله قوم كفار، كان إبليس منهم (١٢).\nوالخامس: أن (كان): تأتي أحيانًا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وما أشبهها؛ هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى؛ بل لا يزال؛ فتكون ﴿كان﴾ هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة.\nقال ابن عثيمين: \"وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره\" (١٣).\nولفظة إبليس لغة: أبلس الرجل قُطِع به، وأبلس سكت، وأبلس من رحمة الله يئس وندم ومنه سُمِّي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله وقيل: إبليس لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة، والمبلس الساكت من الحزن أو الخوف، والإبلاس الحَيْرة (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٦): ص ١/ ٨٤.\n(٣) تفسير الطبري (٧٠٥): ص ١/ ٥١١، وابن أبي حاتم (٣٦٧): ص ١/ ٨٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٧٠٦): ص ١/ ٥١١.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٥.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٥.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٩): ص ١/ ٨٥.\n(٩) حكاه المهدوي عن جماعة، أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٥.\n(١٠) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٥.\n(١١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ١٠٣.\n(١٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٣.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٦.\n(١٤) لسان العرب: ٦/ ٢٩ - ٣٠.","vol":"2","page":186},{"text":"فيمكن القول بأن (إبليس) (إفعِيل)، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن (١)، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤]، أي: \" أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا\" (٢)، كما قال العجَّاج (٣):\nيَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ... قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا\nوقال رؤبة (٤):\nوَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ\nيعني به اكتئابًا وكسوفًا.\nوأخرج الطبري \" عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس (الحارث)، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا\" (٥).\nوقال ابن عباس: \" إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته\" (٦).\nوفي مفهوم الشرع لا يُوجد تعريف اصطلاحي لإبليس في الشرع، إذ هو مخلوق معروف لدى الأديان الأخرى، وهو رمزُ الشرّ عند كل شعب من الشعوب ودين من الأديان وطائفة من الطوائف، وعليه نعرّف إبليس بأنه: الجانّ الذي أبى السجود لآدم حين خلقه الله، فاستحق لعنته، وطُرِد من جنته، ووجبت له النار بعد إنظار الله له إلى يوم القيامة، وأُوتِي من وسائل الإغواء ما لم يُؤتَ أحد من العالمين.\nوقد اختلف العلماء هل إبليس من الجن أم من الملائكة، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه كان من الملائكة:\nذهب بعض أهل العلم إلى أن إبليس كان من الملائكة فلما عصى الله تعالى أخرجه من صف الملائكة، وقال به من العلماء: ابن عباس (٧) في رواية عنه وابن مسعود (٨)، وقتادة (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠)، وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب (١١)، ورجحه ابن جرير الطبري بل وانتصر له، ورجحه البغوي، ونسبه ابن عطية والقرطبي والشوكاني إلى أنه قول الجمهور (١٢).\nواستدلوا أولئك بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فلو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود ولم يؤاخذ بالعصيان.\nوهذا الاستدلال ضعيف جدًا، فتنوعت إجابات العلماء عن هذا الدليل:\n- قال ابن تيمية عن إبليس: \" كان منهم (أي من الملائكة) باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله \" (١٣).\n- وقال ابن كثير: \"وذلك أنه (أي إبليس) كان قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٠٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٥٠٩.\n(٣) ديوانه ١: ٣١، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان: (بلس)، (كرس). المكرس: الذي صار فيه الكرس، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار. وأبلس الرجل: سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق.\n(٤) ديوانه: ٦٧، واللسان (بلس)، ورواية ديوانه \" وعرفت يوم الخميس \". وبين البيتين بيت آخر هو: \" وَقَدْ نَزَتْ بَيْنَ التَّرَاقِي الأَنْفَاسْ \"\n(٥) تفسير الطبري (٧٠٤): ص ١/ ٩٩\n(٦) تفسير الطبري (٧٠٣): ص ١/ ٩٩\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٨٦): ص ١/ ٥٠٢، وابن أبي حاتم (٣٦١): ص ١/ ٨٤.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٨٨): ص ١/ ٥٠٣.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٩٣): ص ١/ ٥٠٤.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٩٥): ص ١/ ٥٠٥.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٩٢): ص ١/ ٥٠٤.\n(١٢) راجع في ذلك تفاسيرهم عند آية البقرة والكهف. مع كتاب الدر المنثور للسيوطي: ٩/ ٥٦٥.\n(١٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ٣٤٦.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٥/ ١٦٧.","vol":"2","page":187},{"text":"- وقال ابن عثيمين: \"وإنما استثناه الله من الملائكة لأنه كان معهم وليس منهم يبين ذلك آية الكهف (وكان من الجن) .. ثم قال: وهذا الاستثناء يسمى استثناء منقطعا، كما تقول: (جاء القوم إلا حمارا) وهو كلام عربي فصيح فاستثنى الحمار من القوم وإن لم يكن منهم\" (١).\nوالثاني: أنه من الجن:\nوقال به من العلماء: ابن عباس\" (٢) في رواية أخرى والحسن البصري\" (٣) - صححه عنه ابن كثير- وسعد بن مسعود (٤) وشَهر بن حَوْشب (٥) وابن زيد (٦)، ورجحه ابن تيمية والسيوطي والزمخشري وابن كثير والشنقيطي - صاحب الأضواء - وابن عثيمين والشيخ أبو بكر الجزائري (٧).\nولهذا ذهب عامة أهل العلم إلى أن إبليس وذريته لم يكونوا قط من الملائكة، ويدل على ذلك عدة أدلة:\nأحدها: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، فبين الله أن سبب فسقه كونه من الجن، أي أنه من عنصر أو من جنس آخر غير الملائكة، أما الاستثناء في قوله تعلى: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)، فإنه استثناء منقطع أي أن (إلا) هنا بمعنى (لكن)، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]، هذا الاستثناء منقطع لأن الحميم والغساق ليس من البرد والشراب والمعنى: لكن يطعمون الحميم والغساق.\nوالثاني: وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].\nوهنا نص الله أن له ذرية يعني (نسل) وهم الجن، والملائكة لانسل لهم. فلو كان ملكا لم يكن له نسل.\nوالثالث: أن إبليس مخلوق من نار كما قال تعالى حاكيا عن إبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، والملائكة مخلوقة من نور لما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: \" خلقت الملائكة من نور وخلق الجن من نار وخلق آدم مما وُصف لكم\" (٨). ففرق الرسول ﷺ بين خلق الملائكة وخلق الجن.\nوالرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. فلو كان إبليس ملكا ماعصى الله.\nوالخامس: أن الجن الذين هم ذرية إبليس، لهم شهوة للطعام والشراب وغيره، وليس للملائكة شهوة دل على ذلك عدة نصوص منها:\nـ أن الجن سألوا الرسول ﷺ لما اجتمعو به عن طعامهم فقال: \"كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر مايكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم .. فلاتستنجو بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن \" (٩).\n_________\n(١) الفتاوى لابن عثيمين: رقم الفتوى: (١٠٨).\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٩٦)، و(٦٩٧): ص ١/ ٥٠٦، و(٧٠٠): ص ١/ ٥٠٧.\n(٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ٣٤٦.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٩٩): ص ١/ ٥٠٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٩٨): ص ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٧٠١): ص ١/ ٥٠٨.\n(٧) راجع في ذلك تفاسيرهم عند آية البقرة والكهف كما سبق ويضاف إلى هذه المصادر كتاب السيوطي الدر المنثور وتفسير ابن جرير، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر رأيه في مجموع الفتاوى ٤/ ٣٤٦ وابن عثيمين في كتابه الذي أفرده لسورة الكهف عند آيتها التي تحدثت عن قصة آدم وإبليس وكذا في فتاويه ورقم الفتوى ١٠٨، أما السيوطي فذكر رأيه في (تفسير الجلالين).\n(٨) مسلم (٢٩٩٦)، وأحمد (٦/ ١٥٣)، وابن حبان (٦١٥٥).\n(٩) أخرجه مسلم (٢/ ٣٦) وابن خزيمة في \" صحيحه \" (رقم ٨٢) والبيهقي (١/ ١٠٨ - ١٠٩) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أواغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل (حراء)، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد، فقال: فذكره، فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن \". (وضعفه الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة \" (٣/ ١٣٣).","vol":"2","page":188},{"text":"ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، والذرية لابد لها من شهوة.\nـ قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]\nـ حديث: \"فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله\" (١).\nفالملائكة من صفتهم أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل ولا يفترون، وما فعله إبليس يعد معصية ولا يتناسب مع صفات الملائكة.\nوالقول الثالث: أن إبليس كان أصله من الملائكة فمسخه الله من الجن لما عصاه.\nقال به من العلماء: ابن عباس في رواية (٢)، ودليل هذا القول: أنه تفسير صحابي.\nوالقول الرابع: وهو قول أشار إليه الشيخ ابن تيمية﵀- في هذه المسألة، فقال: \" الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله\" (٣)، ولكن هذا القول ليس عليه دليل.\nوالراجح: أن إبليس لم يكن من الملائكة، وهو الصحيح، لقوة أدلته. وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان فضل آدم على الملائكة؛ وجهه أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيمًا له.\n٢ ومنها: أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ ولذلك لما امتنع إبليس عن هذا كان من الكافرين؛ وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على كفر تارك الصلاة؛ قال: لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة واحدة أُمر بها، فكيف عن ترك الصلاة كاملة؟ ! وهذا الاستدلال إن استقام فهو هو؛ وإن لم يستقم فقد دلت نصوص أخرى من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة على كفر تارك الصلاة كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة.\nويدل على أن المحرَّم إذا أمر الله تعالى به كان عبادة قصة إبراهيم ﵇، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله؛ ولكن الله رحمه، ورحم ابنه برفع ذلك عنهما، حيث قال تعالى: ﴿فلما أسلما وتلَّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ [الصافات: ١٠٣. ١٠٥]؛ ومن المعلوم أن قتل الابن من كبائر الذنوب، لكن لما أمر الله ﷿ به كان امتثاله عبادة.\n٣ ومن فوائد الآية: أن إبليس. والعياذ بالله. جمع صفات الذم كلها: الإباء عن الأمر؛ والاستكبار عن الحق، وعلى الخلق؛ والكفر؛ إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله؛ واستكبر على الخلق؛ لأنه قال: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢]؛ فاستكبر في نفسه، وحقر غيره؛ و\"الكبر\" بطر الحق، وغمط الناس.\nتنبيه:\nإن قال قائل: في الآية إشكال. وهو أن الله تعالى لما ذكر أمر الملائكة بالسجود، وذكر أنهم سجدوا إلا إبليس؛ كان ظاهرها أن إبليس منهم؛ والأمر ليس كذلك؟ .\nوالجواب: أن إبليس كان مشاركًا لهم في أعمالهم ظاهرًا، فكان توجيه الأمر شاملًا له بحسب الظاهر؛ وقد يقال: إن الاستثناء منقطع؛ والاستثناء المنقطع لا يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه.\nالقرآن\n﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]\nالتفسير:\n_________\n(١) رواه مسلم برقم ٢٠٢٠.\n(٢) الدر المنثور للسيوطي: ٩/ ٥٦٥.\n(٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ٣٤٦.","vol":"2","page":189},{"text":"وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء -وكان خلقها من ضلعه الأيسر- الجنة وكلا منها أكلًا رغدًا واسعا لاحجر فيه من أصناف الثمار والفواكه، ولا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها وهى الحنطة أو الكرم أو غيرهما، فتصيرا من الظالمين العاصين.\nقوله تعالى ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قلنا يا آدم\" أسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء\" (١).\nو(الجنة): هي \"البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره\" (٢).\nوقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم على قولين (٣):\nأحدهما: قال الاكثرون: هي في السماء (٤).\nوالثاني: وقيل أنها في الأرض، إذ حكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض (٥).\nقال ابن عثيمين: \" ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن \"أل\" هنا للعهد الذهني\" (٦).\nوإن قيل: \"كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها. وهذه أُخرج منها آدم؟\nفالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛ وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة\" (٧).\nقال الماوردي وسُمِّيت [الأنثى]: امرأةً، لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ\" (٨).\nفأما تسميتها حواء، ففيه قولان (٩):\nأحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود.\nوالثاني: أنها سميت بذلك، لأنها أم كل حيٍّ.\nواختلف فيما خلقت منه حواء على قولين (١٠):\nأحدهما: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم وهذا قول تفرد به ابن بحر المعتزلي، وقد قال الربيع بن أنس حواء من طينة آدم واحتج بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] (١١).\nالقول الثاني: وهو ما عليه الجمهور أنه خلقها من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا قال ابن عباس: فلذلك تواصلا ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٣.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ١٠٤.\n(٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٤.\n(١٠) انظر: أعلام النبوة، الماوردي: ص ٣٨ - ٣٩.\n(١١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (٢٣/ ١٣٤). وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فيها قولان:\nالأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة; أي: من شخص معين، وهو آدم ﵇، وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: حواء; لأن حواء خلقت من ضلع آدم. (القول المفيد على كتاب التوحيد \" للشيخ العثيمين).\nالثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس; كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٤] ; أي: من جنسهم.\n(١٢) ال الشيخ الألباني – ﵀ -: وقد روى ابن سعد (١/ ٣٩) وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: (وخلق منها زوجها)، قال: \" خَلق \" حواء \" من قُصَيْرى آدم \" - وهو أعلى الأضلاع وأسفلها، وهما \" قٌصَيْريان \" -.، وذكر ابن كثير في \" البداية \" (١/ ٧٤) عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ولأمَ مكانه لحمًا، وقال: \" ومصداق هذا في قوله تعالى ... \" فذكر الآية، مع الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ اِلَيْهَا ...) الآية، لكن الحافظ – أي: ابن حجر - أشار إلى تمريض هذا التفسير في شرح قوله ﷺ: (استوصوا بالنساء خيرًا فان المرأة خلقت من ضِلَع ...)، فقال (٦/ ٣٦٨): قيل: فيه إشارة إلى أن \" حواء \" خلقت من ضلع آدم الأيسر \".\nوقال الشيخ القاري في \" شرح المشكاة \" (٣/ ٤٦٠): \" أي: خُلقن خلقًا فيه اعوجاج، فكأنهن خلقن من الأضلاع، وهو عظم معوج، واستعير للمعوج صورة، أو معنى، ونظيره في قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل. \".قلتأي الألباني-: وهذا هو الراجح عندي، أنه استعارة وتشبيه، لا حقيقة، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم - كما تقدم -.\nوالآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ: (إن المرأة كالضِلَع \" أخرجه البخاري (٥١٨٤)، ومسلم (٤/ ١٧٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٨ و٤٤٩ و٥٣٠) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان (٦/ ١٨٩/٤١٦٨ – \" الإحسان \". وأحمد أيضًا (٥/ ١٦٤ و٦/ ٢٧٩) وغيره من حديث أبي ذر، وحديث عائشة ﵃.\" سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة \" (١٣/ ١١٣٩، ١١٤٠).","vol":"2","page":190},{"text":"كما اختلف في زمن خلق حواء على قولين (١):\nأحدهما: أن آدم أُدْخِلَ الجنَّةَ وَحْدَهُ، فَلَمَّا استوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود.\nوالثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة، ثم أُدْخِلا معًا إلى الجنةِ، لقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وهذا قول أبي إسحاق.\nوالقول الثاني عليه أكثر أهل العلم (٢).\nويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥]، \"أي كلا من ثمار الجنة أكلًا رغدًا واسعًا \" (٤).\nقال البغوي: أكلا \" واسعا كثيرا\" (٥).\nقال الطبري: أي\" وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي: أكلًا هنيًا، ليس فيه تنغيص. والأمر بمعنى الإباحة، والإكرام\" (٧).\nو(الرَّغَد): الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. يقال: أرْغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء (٨)، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر (٩):\nبَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا ... يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ\nوقد أخرج الطبري عن ابن مسعود أنه قال: \" الرغد، الهنيء\" (١٠).\nوذكر أهل التفسير في (الرغدِ) ثلاثةُ تأويلاتٍ (١١):\nأحدها: أنه العيش الهني، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (١٢).\nوالثاني: أنه العيش الواسع، وهذا قول الضحاك (١٣)، وأبي عبيدة (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥١٤، والنكت والعيون: ١/ ١٠٤.\n(٢) انظر: تاريخ الطبري ١: ٥٢ وابن كثير ١: ١٤١ - ١٤٢. وقد ذكر معظم كتب التفسير قصة خلق حواء، عند تفسير هذه الآية، ويقول أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ١٥٦ \"وفي هذه القصة زيادات ذكرها المفسرون، لا نطول بذكرها، لأنها ليست مما يتوقف عليها مدلول الآية ولا تفسيرها\". ونلحظ أن هذه الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بعلمها وحجبها عنا، ليس بين أيدينا ما يدل عليها من النصوص الصحيحة .. فأين كان هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ كيف قال الله تعالى لهم ذلك؟ وكيف أجابوه؟ وكيف تم خلق حواء؟ .. إلخ .. إلخ هذا كله يحتاج إلى نص ثابت. وغالب ما يروى من آثار حولها لا يخلو من مقال أو هو من الإسرائيليات، فحسبنا ما جاءت به النصوص، ونكل علم ما رآها إلى الله سبحانه. وانظر: في ظلال القرآن: ١/ ٥٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥١٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٨٢.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٥١٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٥١٥.\n(٩) لم أجد في ديوانه، وهو من شواهد الطبري في تفسيره: ١/ ٥١٥.\n(١٠) تفسير الطبري (٧١٢): ص ١/ ٥١٥.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(١٢) تفسير الطبري (٧١٢): ص ١/ ٥١٥.\n(١٣) تفسير الطبري (٧١٦): ص ١/ ٥١٥ - ٥١٦.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٤ - ١٠٥.","vol":"2","page":191},{"text":"والثالث: أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه، وهو قول مجاهد (١).\nقوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]، \"أي من أي مكان في الجنة أردتما الأكل فيه\" (٢).\nقال البغوي: أي: \" كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي في أيّ مكان من هذه الجنة، ونقول أيضًا: وفي أيّ زمان؛ لأن قوله تعالى: ﴿كُلا﴾ فعل مطلق لم يقيد بزمن\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، \"أي ولا تأكلا من هذه الشجرة\" (٥).\nقال الطبري: \"والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق\" (٦).\nقال البغوي: \" يعني للأكل\" (٧).\nاختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيا عنها، على أقاويل (٨):\nأحدها: أنها البُرُّ، وهذا قول ابن عباس (٩).\nوالثاني: أنها الكَرْمُ، وهذا قول السُّدِّيِّ (١٠)، وجعدة بن هبيرة (١١).\nوالثالث: أنها التِّين، وهذا قول ابن جريجٍ (١٢)، ويحكيه عن بعض الصحابة.\nوالرابع: أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة. قاله يعقوب بن عتبة (١٣).\nوالصواب: أن هذه الشجرة غير معلومة النوع، وأنه لا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة (١٤)، فتبقى على إبهامها. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، \"أي فتصيروا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي من المعتدين لمخالفة الأمر\" (١٦).\nقال البغوي: أي: فتصيرا من الضارين بأنفسكما بالمعصية\" (١٧).\nوأصل \" الظلم \" في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (١٨):\nإِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧١٣): ص ١/ ٥١٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٨٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٥١٦.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٨٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥١٦، والنكت والعيون: ١/ ١٠٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٢٤): ص ١/ ٥١٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣١): ص ١/ ٥١٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٣٣): ص ١/ ٥١٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٤٠): ص ١/ ٥٢٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٢٧): ص ١/ ٥١٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٢٠ - ٥٢١.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٩.\n(١٧) تفسير البغوي: ١/ ٨٣.\n(١٨) ديوانه: ٢٣. يقال: لقيته أصيلالا وأصيلانًا، إذا لقيته بالعشي. وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأصلان (بضم فسكون)، ثم صغروا الجمع فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا. فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه. وعى في منطقه: عجز عن الكلام.","vol":"2","page":192},{"text":"فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها، ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث (١):\nظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ\nقوله ظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه (٢).\nوذكروا في قوله تعالى ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وجهان (٣):\nأحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما.\nوالثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما.\nواختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة، على أي وجهٍ وقعت منه، على أربعة أقاويل (٤):\nأحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: ﴿ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]، وزعم صاحب هذا القول، أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم، فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعًا صار به عاصيًا.\nوالقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذًا بما فعله في السُّكْرِ، وإن كان غير قاصدٍ له، كما يؤاخَذُ به لو كان صاحيًا، وهو قول سعيد بن المسيب (٥).\nوالقول الثالث: أنه أكل منها عامدًا عالمًا بالنهي، وتأول قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أي فَزَلَّ، ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ.\nوالرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل، فصار عاصيًا بإغفال الدليل، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر، ولقوله تعالى في إبليس: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] وهو ما صرفهما إليه من التأويل.\nواختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل، على ثلاثةِ أقاويلَ (٦):\nأحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم.\nوالثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ.\nوالثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ﷿؛ لقوله تعالى: (وقلنا يا آدم).\n٢ ومنها: أن قول الله يكون بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن ..﴾ إلخ؛ ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة؛ وأيضًا هو مرتب؛ لقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك﴾: وهذه حروف مرتبة، كما هو ظاهر؛ وإنما قلنا ذلك لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بصوت، ولا حروف مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال\n٣ ومن فوائد الآية: منّة الله ﷿ على آدم، وحواء حيث أسكنهما الجنة.\n٤ ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية﴾ (الرعد: ٣٨)\n_________\n(١) والبيت جاء في بعض كتب التفاسير منسوبًا لعمرو بن قميئة (انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٠). وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني، وهو في ديوان الحادرة، قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: \" بعيد المقلع \": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: \" ظلم البطاح له \" وقوله: \" له \": أي من أجله.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٢٤.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩): ١/ ٥٣٠.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٦.","vol":"2","page":193},{"text":"فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ .\nفالجواب: أنها خلقت من ضلعه.\nفإن قال: إذًا تكون بنتًا له، فكيف يتزوج ابنته؟ .\nفالجواب: أن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ فكما أباح أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأولين؛ فكذلك أباح أن يتزوج آدم من خلقها الله من ضلعه.\n٥ ومن فوائد الآية: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وكُلا منها﴾؛ فإن هذه للإباحة بدليل قوله تعالى: ﴿حيث شئتما﴾: خيَّرهما أن يأكلا من أيّ مكان؛ ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة؛ ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل أنه للإباحة.\n٦ ومنها: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود؛ بل هو موجود في كل وقت؛ لقوله تعالى: ﴿حيث شئتما﴾؛ فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان؛ وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ (الواقعة: ٣٢، ٣٣)\n٧ ومنها: أن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها.\n٨ ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد النهي عن فعله؛ للمبالغة في التحذير منه؛ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾: المراد: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها.\n٩ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.\n١٠ ومنها: أن معصية الله تعالى ظلم للنفس، وعدوان عليها؛ لقوله تعالى: (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.)\nالقرآن\n﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٦]\nالتفسير:\nفأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة، فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها، وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض بما اشتملتما عليه من ذريتكما بعضكم لبعض عدوُّ من ظلم بعضكم بعضًا، ولكم في الأرض موضع قرار ومتاع ما تتمتعون به من نباتها إلى حين وقت انقضاء آجالكم.\nقوله ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، أي: دعاهما إلى الزلة (١)، فزحزحهما (٢) عن القصد المستقيم، بتزيينه ووسوسته وإغوائه (٣).\n_________\n(١) الزلة: الخطيئة، وهي في أصل اللغة: عثور القدم، انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ٤، والمفردات للراغب: ٢١٤، والمحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ١٨٦، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٥٩، وقد جاءت آيات أخرى تبين كيفية دعاء الشيطان الأبوين إلى ذلك، منها قوله﷿-: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢١]، وقوله﷿-: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. ولفظ ابن حجر هنا نص كلام البغوي في معالم التنزيل: ١/ ٨٣ وهو من موارده في الفتح-كما في موارد ابن حجر العسقلاني في علوم القرآن من خلال كتابه فتح الباري لمحمد أنور صاحب: ٢٣٠ - ٢٣١ -، وانظر: جامع البيان للطبري: ١/ ٥٢٤، والوسيط للواحدي: ١/ ١٢٢، وتيسير المنان تفسير القرآن للكوكباني: ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤، والتحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٤٣٣. و(فَأزَلَّهُمَا) في الآية تحتمل معنيين: أ-بمعنى استزلهما، أي: دعاهما إلى الزلة مزينًا لهما الخطيئة حتى وقعا فيها، وقال به كثير من المفسرين وهو قول الحافظ هنا، انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٣٨، وغريب القرآن لليزيدي: ٦٨، وجامع البيان للطبري: ١/ ٥٢٤ وغيرها. ب-من زل عن المكان إذا تنحى عنه ولم يثبت فيه، والمعنى: نحاهما عن الجنة وأبعدهما عنها بسبب خطيئتهما بالأكل من الشجرة، والشيطان لا يستطيع تنحية العبد وزحزحته وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية، وذلك مجاز كما في البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٥٩، والدر المصون للسمين: ١/ ١٩٣، وغيرهما. وانظر: القولين في: شرح الهداية للمهدوي: ١/ ١٦٣، الحجة في علل القراءات السبع للفارسي: ٢/ ١٣ - ١٤، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب: ١/ ٢٣٦، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ١٩٢ - ١٩٣، وغيرها.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١١٥، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي: ٣٢.\n(٣) أي: الطاعة-وهو في حق الأبوين ترك ارتكاب المحظور-والتي كانا بسببها متنعمَين في الجنة فأخرجهما إبليس منها بتزيينه لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها.","vol":"2","page":194},{"text":"قال الصابوني: \" أي أوقعهما في الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها هذا إذا كان الضمير عائدًا إلى الشجرة، أما إذا كان عائدًا إلى الجنة فيكون المعنى أبعدهما وحوّلهما من الجنة\" (١).\nأخرج الطبري عن ابن عباس، أنه قال في تأويل قوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان﴾: \"أغواهما\" (٢).\nوقال عاصم: \"فنحاهما\" (٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن الحسن: ﴿فأزلهما﴾، قال: من قبل الزلل\" (٤). وروي عن قتادة مثل ذلك (٥).\nوقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، فيه وجهان من القراءة:\nأحدهما: قرأته عامة القراء ﴿فأزلَّهما﴾ بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه.\nوالثاني: قرأه آخرون: ﴿فأزَالهما﴾، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه (٦).\nواختلف أهل التفسير، هل خلص إليهما الشيطان حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا؟ فذكروا قولين:\nأحدهما: أن الشيطان خلص إليهما. قاله عبد الله بن عباس (٧)، وابن مسعود (٨)، ووهب بن منبه (٩)، وأبو العالية (١٠)، وأكثر المفسرين.\nواستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١].\nوالثاني: أنه لم يخلص إليهما، وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما، ووسوس لهما من غير مشاهدة، لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وهو قول محمد بن إسحاق (١١)، وابن زيد (١٢)، وروي عن محمد بن قيس (١٣) نحو ذلك.\nوالقول الأول أظهر وأشهر. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، \"فأخرجهما الشيطان \"من نعيم الجنة\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، \"أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس\" (١٦).\nقال الثعلبي: \" أي أنزلوا الى الأرض\" (١٧).\nوذكر ابن أبي حاتم أخبارا حول مكان هبوطهم في الأرض (١٨). وهي روايات لا اعلم درجة صحتها، وقد قال ابن كثير: \" لو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود علي المكلفين، في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ، وإن هذه الأخبار من الإسرائيليات\" (١٩).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٢) تفسير الطبري (٧٤١): ص ١/ ٥٢٥ ..\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣): ص ١/ ٨٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٤): ص ١/ ٨٧.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٥): ص ١/ ٨٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٢٤.\n(٧) تفسير الطبري (٧٤١): ص ١/ ٥٢٥ ..\n(٨) تفسير الطبري (٧٤٣): ص ١/ ٥٢٦ ..\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٧٤٢): ص ١/ ٥٢٥ - ٥٢٦.\n(١٠) تفسير الطبري (٧٤٥): ص ١/ ٥٢٧.\n(١١) تفسير الطبري (٧٤٦)، و(٧٤٧): ص ١/ ٥٢٨ - ٥٢٩.\n(١٢) تفسير الطبري (٧٤٨)، و(٧٤٧): ص ١/ ٥٢٩.\n(١٣) تفسير الطبري (٧٥٢): ص ١/ ٥٣٠ - ٥٣١.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٦.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٤.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٣.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٨٨ - ٨٩. من تلك الأماكن: الصفا والمروة، أرض هند، بين مكة وطائف ... الخ.\n(١٩) أنظر: تفسيره: ٣/ ٣٩٥.","vol":"2","page":195},{"text":"قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، أي: \" متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله\" (١).\nقال البغوي: \" أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس\nقال ابن عثيمين: أي: \" الشيطان عدو لآدم، وحواء\" (٢).\nو(الهبوط): النزول من فوق إلى أسفل (٣)، يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك كما قال الشاعر (٤):\nمَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ ... أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا\nوقد اختلف في المقصود بالخطاب في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، على أقوال (٥):\nأحدها: أن المقصود: آدم وحواء وإبليس وذريتهم. اختاره ابن عطية واحتج بأن: \" إبليس مخاطب بالإيمان بإجماع\" (٦).\nوالثاني: آدم وحواءُ وإبليس والحية. قاله أبو صالح مولى أم هانئ (٧). واختاره البغوي (٨)، ووروي عن السدي نحو ذلك- وزاد فيه إبليس (٩).\nوالثالث: أن الخطاب، ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخوطبا بلفظ الجمع تشريفا لهما (١٠).\nوالصحيح هو أن آدم وزوجته ممن عُني به في قوله ﴿اهبطوا﴾، وهو قول الجمهور (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، \"أي لكم في الدنيا موضع استقرار بالإقامة فيها\" (١٢).\nقال الزجاج: \"أي مُقَام وثبوت\" (١٣).\nقال ابن عباس: \"المستقر: القبور\" (١٤). وعنه أيضا: \"مستقر فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، \"أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم\" (١٦).\nقال الثعلبي: \" الى حين اقتضاء آجالكم ومنتهى أعماركم\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة\" (١٨).\nقال أبو حيان: \" لمتاع ما استمتع به من المنافع، أو الزاد، أو الزمان الطويل، أو التعمير\" (١٩).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، على أربعة أوجه (٢٠):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٨٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٣٢.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣١٩.\n(٤) البيت لزهير بن أبي سلمى، ديوانه: ٣٧، أرمقهم: يعني أحبابه الراحلين، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا، والركاب: الإبل التي يرحل عليها. وراكس: واد في ديار بني سعد بن ثعلبة، من بني أسد. وفلق وفالق: المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين، وقالوا: فالق وفلق، كما قالوا: يابس ويبس (بفتحتين).\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٦): ص ١/ ٩٢.\n(٨) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٢.\n(١٠) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٣٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ١١٥.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٩): ص ١/ ٨٩.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٠): ص ١/ ٨٩.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٣.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٦.\n(١٩) البحر المحيط: ١/ ١٣٧.\n(٢٠) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.","vol":"2","page":196},{"text":"أحدها: إلى الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا. قاله السدي (١).\nوالثاني: إلى قيام الساعة، وهذا قول من يقول المستقر هو القبور. قاله ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣).\nوالثالث: إلى أجل. قاله الربيع (٤).\nوالرابع: أن الحين: الوقت البعيد، قال خويلد (٥):\nكأبي الرماد عظيم القدر جفنته ... حين الشتاء كحوض المنهل اللقف\nلقف الحوض لقفا، أي تهور من أسفله واتسع.\nوقال القرطبي: \"والحين أيضا: المدة ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، والحين الساعة قال الله تعالى ﴿أو تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ﴾ [الزمر: ٥٨]، قال ابن عرفة الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله \"فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ [المؤمنون: ٥٤] أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي كل سنة وقيل بل كل ستة أشهر وقيل بل غدوة وعشيا، والحين الغدوة والعشية قال الله تعالى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ويقال عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب، قالت بثينة (٦):\nوإنَّ سُلُوِّي عن جميلٍ لَساعةٌ ... من الدَّهْرِ ما حانتْ ولا حان حِينُها\" (٧)\nوقد ذكر أهل التفسير أن لكلمة (حين) في القرآن الكريم دلالات (٨):\n١ - حين بمعنى: ستة أشهر، ومنه قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] (٩).\n٢ - حين بمعنى: منتهى الآجال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].\n٣ - حين بمعنى: الساعات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].\n٤ - حين بمعنى: وقت منكر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].\n٥ - حين بمعنى: أربعون سنة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].\n٦ - حين بمعنى: ثلاثة أيام، ومنه قوله تعالى في الذاريات: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات: ٤٣].\n٧ - حين بمعنى: نصف النهار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٢): ص ١/ ٩٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٤): ص ١/ ٩٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٢): ص ١/ ٥٤٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٣): ص ١/ ٥٤٠.\n(٥) ديوان الهذليين ٢/ ١٥٦ برواية: \" عند الشتاء \" وجاء في تفسيره: والحوض اللقف: الذي يتهدم من أسفله، وبهامشه عن الأغاني في تفسير اللقف: اللقف: الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملان.\n(٦) ديوانه: ٢٢٤، بثينة هي صاحبة جميل بن معمر الشاعر المعروف بحميل بثينة، والبيت في أمالي القالي: ١/ ٢٠١، والمجمل: ٢٤٤، واللسان والتاج: (ح ي ن).\n(٧) انظر: تفسير القطبي: ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(٨) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ابن الجوزي: ٢٥٥، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١١٦.\n(٩) قال الزجاج: \"وإنما ﴿كل حين﴾، ههنا جُعِلَ لمدة معلومة، والحين يصلح للأوقات كلها، إلا أنه - في الاستعمال - في الكثير منها أكثر، يقال ما رأيتُكَ منذُ حين، تريد منذ حين طويل\". [معاني القرآن: ١/ ١١٦].","vol":"2","page":197},{"text":"٨ - حين بمعنى: خمس سنين، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (١). على أن نهاية سجن يوسف بوقت خروجه.\n٩ - حين: ابتداء القتال يوم بدر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤]. على أن نهاية الاعراض عن المشركين بوقت الأمر بقتالهم.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها).\n٢ ومنها: أن الشيطان يغرّ بني آدم كما غرّ أباهم حين وسوس لآدم، وحواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ فالشيطان قد يأتي الإنسان، فيوسوس له، فيصغر المعصية في عينه؛ ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها؛ منّاه أن يتوب منها، فيسهل عليه الإقدام؛ ولذلك احذر عدوك أن يغرك.\n٣ ومنها: إضافة الفعل إلى المتسبب له؛ لقوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾؛ وقد ذكر الفقهاء. ﵏. أن المتسبب كالمباشر في الضمان، لكن إذا اجتمع متسبب ومباشر تمكن إحالة الضمان عليه فالضمان على المباشر؛ وإن لم تمكن فالضمان على المتسبب؛ مثال الأول؛ أن يحفر بئرًا، فيأتي شخص، فيدفع فيها إنسانًا، فيهلك: فالضمان على الدافع؛ ومثال الثاني: أن يلقي شخصًا بين يدي أسد، فيأكله: فالضمان على الملقي. لا على الأسد.\n٤ ومن فوائد الآية: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿بعضكم لبعض عدو﴾؛ وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا﴾ (فاطر: ٦)\n٥ ومنها: أن قول الله تعالى يكون شرعيًا، ويكون قدريًا؛ فقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها﴾: هذا شرعي؛ وقوله تعالى: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾: الظاهر أنه كوني؛ لأنه ﷾ يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا؛ ويحتمل أن يكون قولًا شرعيًا؛ لكن الأقرب عندي أنه قول كوني. والله أعلم.\n٦ ومنها: أن الجنة في مكان عالٍ؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾؛ والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.\n٧ ومنها: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ وبناءً على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض إما في بعض الكواكب، أو في بعض المراكب محاولة يائسة؛ لأنه لابد أن يكون مستقرهم الأرض.\n٨ ومنها: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾.\nالقرآن\n﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]\nالتفسير:\nاستقبل آدم دعوات من ربه وألهمه إياها، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]، فدعاه بها، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.\nقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، \" أي استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا\" (٣).\nقال النسفي: \" أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب\" (٤).\n_________\n(١) وانظر: الأشباه والنظائر: ٢٣٨، والوجوه والنظائر: ٣٥، وجوه القرآن: ٤٤، وإصلاح الوجوه: ١٤٩، وكشف السرائر: ٣٩٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ٥٤١.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٦٠.","vol":"2","page":198},{"text":"قال ابن عثيمين: \" يعني أخذ، وقَبِل، ورضي من الله كلمات حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات. فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا، وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله ﷾ بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين\" (١).\nقال الشنقيطي: \" لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] \" (٢).\nقال البغوي: \" التلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم\" (٣).\nوقال ابن عطية: \" والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم.\nوحكى مكي قولا: أنه ألهمها فانتفع بها\" (٤).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، على وجهين (٥):\nأحدهما: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٌ﴾، بنصب الاسم ورفع الكلمات. قرأ بها ابن كثير وحده.\nوالثاني: وقرأ الباقون: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾، برفع الاسم ونصب الكلمات.\nوفي قراءة: ﴿فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ﴾، فجعل (الكلمات) هي المتلقية آدم، وقد اعترض الإمام الطبري عليها قائلا: \" وذلك، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع \" آدم \" على أنه المتلقي الكلمات، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ\" (٦).\nواختُلِفَ في الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربِّه على أربعة أقاويل (٧):\nأحدها: قوله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وهذا قول الحسن، وقتادة (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠).\nوالثاني: قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، إنِّي ظلمت نفسي، فتُب عليَّ، إِنَّك أنت التوابُ الرحيم، وهذا قول مجاهد (١١)، وروي عن عبدالرحمن بن يزيد بن معاوية (١٢)، نحو ذلك.\nوالثالث: أن آدم قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال ربُّه: إني راجعك إلى الجنَّةِ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه، وهذا قول ابن عباسٍ (١٣) وقتادة (١٤)، وأبي العالية (١٥)، والسدي (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٣٤.\n(٢) أضواء البيان: ٣٤.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٨٥.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٠.\n(٥) انظر: السبعة: ١٥٣، والحجة للقراءة السبعة: ٢/ ٢٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٤٢، وكثير ١: ١٤٧، والدر المنثور ١: ٥٩، والشوكاني ١: ٥٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٤١ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ١٠٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٩١): ص ١/ ٥٤٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٨٧): ص ١/ ٥٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٧٤): ص ١/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٨٨): ص ١/ ٥٤٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٨٦): ص ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥)، و(٧٧٦)، و(٧٧٧): ص ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٨): ص ١/ ٥٤٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٧٩): ص ١/ ٥٤٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٨٠): ص ١/ ٥٤٣.","vol":"2","page":199},{"text":"والرابع: أن آدم قال لربه إذ عصاه:: يا رب، خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي؟ قال: بلى، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفره لي. قاله عبيد بن عمير (١).\nوهذه الأقوال وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته (٢)، والراجح هو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وهو قول عامة أهل العلم مثل ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد (٣).\nقال ابن عطية: \"وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبواه، رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا. وما قال موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. [القصص: ١٦]. وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. [الأنبياء: ٨٧] \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، \"أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة\" (٥).\nقال الصابوني: \"أي قبل ربه توبته\" (٦).\nقال الواحدي: \" أي عاد عليه بالمغفرة\" (٧).\nقال أبو حيان: \"أي تفضل عليه بقبول توبته\" (٨).\nقال ابن عطية: أي: \"رجع به، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف\" (٩).\nقال الماوردي: \" أي قبل توبته، والتوبةُ الرجوع، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه، والإقلاع عنه، وهي من الله تعالى على عبده، رجوع له إلى ما كان عليه\" (١٠).\nقال الراغب: \" التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها\" (١١).\nومعنى (التوبة) في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه بالمغفرة، والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم، والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال\" (١٢).\nوقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقل (عليهما) وحواء مشاركة لآدم في الذنب، وقد قال تعالى لهما: قال ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] و﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، يجاب على هذه المسألة بما يأتي:\nأولا: إن آدم ﵇ لما خاطب في أول القصة بقوله (اسكن) خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده.\nالثاني: لأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٨١)، و(٧٨٢)، و(٧٨٣)، و(٧٨٤) و(٧٨٥): ص ١/ ٥٤٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٤٢ ومابعدها.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(٥) أنظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٣١، \"زاد المسير\" ١/ ٧٠، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٧) التفسير البسيط: ٢/ ٤٠٩.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ١٣٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ١٠٩.\n(١١) مفردات الراغب: ٧٦. وانظر: \"شرح أسماء الله\" للزجاج ص ٦١، \"تهذيب اللغة\" (تاب) ١/ ٤١٦ - ٤١٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٦، و\"ابن عطية\" ١/ ١٣١ - ١٣٢، و\"القرطبي\" ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨، \"زاد المسير\" ١/ ٧٠، \"البحر\" ١/ ١٦٦.\n(١٢) التفسير البسيط: ٢/ ٤٠٩. وانظر: تهذيب اللغة\" (تاب) ١/ ٤١٦ - ٤١٧.","vol":"2","page":200},{"text":"الثالث: وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥].\nالرابع: وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء، قاله الحسن.\nالخامس: وقيل: إنه مثل قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر (١):\nرَماني بِأَمرٍ كُنتُ مِنهُ وَوالِدي بِرِيًّا وَمِن أَجلِ الطَوِيِّ رَماني\nوفي التنزيل ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فحذف إيجازا واختصارا (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧]، \" أي إِن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿الرحيم﴾: يرحم العباد على ما فيهم\" (٤).\nوقال سعيد بن جبير: \"رحيم بهم بعد التوبة\" (٥).\nقال الواحدي: \" أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه\" (٦).\nقال النسفي: \" ﴿التوّاب﴾ الكثير القبول للتوبة، ﴿الرحيم﴾ على عباده\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وبنية ﴿التَّوَّابُ﴾، للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه\" (٨).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إنه﴾ [البقرة: ٣٧]، على وجهين (٩):\nأحدهما: ﴿إنَّهُ﴾: بكسر الهمزة. وهي قرأءة الجمهور.\nوالثاني: ﴿أَنَّهُ﴾: بفتح الهمزة، قرأ بها نوفل بن أبي عقرب، ووجهه أنه فتح على التعليل، على معنى (لأنه).\nقال أبو حيان: فالمفتوحة مع ما بعدها فضلة، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر فهي جملة ثابتة تامة أخرجت مخرج الإخبار المستقل الثابت، ومع ذلك فلها ربط معنوي بما قبلها، كما جاءت في: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةُ﴾، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم إِنَّ﴾، حتى لو وضعت الفاء التي تعطي الربط مكانها أغنت عنها، وقالوا: إن أن إنما تجيء لتثبيت ما يتردد المخاطب في ثبوته ونفيه، فإن قطع بأحد الأمرين، فليس من مظانها، فإن وجدت داخلة على ما قطع فيه بأحد الأمرين ظاهرًا، فيكون ذلك لتنزيله منزلة المتردد فيه لأمر ما\" (١٠).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: منة الله ﷾ على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾.\n_________\n(١) وفي رواية: بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن فوق الطوي رماني. اختلف في قائله، فقد نسبه سيبويه الى ابن أحمر، وقيل: للأزرق بن طرفة، كما نسبه الأفندي الى الفرزدق ولم نجده في ديوانه المطبوع، ومعناه واضح، وجول الطوي: جدار البئر من اعلاها الى أسفلها، وفي المثل: رماني من جول الطوي: أي رماني بما هو راجع إليه، انظر كتاب سيبويه: ج ١ ص ٧٥، وشرح شواهد الكشاف: ص ٥٤٩.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٢٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤): ص ١/ ٩٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥): ص ١/ ٩٢.\n(٦) التفسير البسيط: ٢/ ٤٠٩.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٦٠.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(٩) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٤٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(١٠) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٤٠.","vol":"2","page":201},{"text":"٢ ومنها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منَّ على أحد أجداده كان مانًّا عليه.\n٣ ومنها: أن قول الإنسان: \"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين\" سبب لقبول توبة الله على عبده؛ لأنها اعتراف بالذنب؛ وفي قول الإنسان: \"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين\" أربعة أنواع من التوسل؛ الأول: التوسل بالربوبية؛ الثاني: التوسل بحال العبد: ﴿ظلمنا أنفسنا﴾؛ الثالث: تفويض الأمر إلى الله؛ لقوله: ﴿وإن لم تغفر لنا ..﴾ إلخ؛ الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة الله ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿لنكونن من الخاسرين﴾، وهي تشبه التوسل بحال العبد؛ بل هي توسل بحال العبد؛ وعليه فيكون توسل العبد بحاله توسلًا بحاله قبل الدعاء، وبحاله بعد الدعاء إذا لم يحصل مقصوده.\n٤ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع؛ وجه ذلك أن آدم تلقى منه كلمات؛ وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام بصوت مسموع، وحروف مرتبة.\n٥ ومنها: منة الله ﷿ على آدم بقبول التوبة؛ فيكون في ذلك منَّتان؛ الأولى: التوفيق للتوبة، حيث تلقَّى الكلمات من الله؛ والثانية: قبول التوبة، حيث قال تعالى: ﴿فتاب عليه﴾.\nواعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله. ﵎: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨]: فقوله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم﴾ أي وفقهم للتوبة، وقوله تعالى: ﴿ليتوبوا﴾ أي يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ (الشورى: ٢٥)\n٦ ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعًا تقرب الله إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة؛ فكرم الله ﷿ أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان.\n٧ ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: ﴿التواب﴾، و﴿الرحيم﴾؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\n٨ ومنها: اختصاص الله بالتوبة، والرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه، وأخيه، وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله. وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. هذه خاصة بالله.\nكذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت. لا يختص بالله ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ: \"الراحمون يرحمهم الرحمن\" (١).\nالقرآن\n﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨]\nالتفسير:\nقال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق، فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.\nقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، أي: قال الله لهم \" اهبطوا من الجنة إلى الأرض\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٠، حديث رقم ٦٤٩٤؛ وأخرجه أبو داود ص ١٥٨٥، كتاب الأدب، باب ٥٨: في الرحمة، حديث ٤٩٤١؛ وأخرجه الترمذي ص ١٨٤٦، كتاب البر والصلة، باب ١٦: ما جاء في رحمة الناس، حديث رقم ١٩٢٤، وفي الحديث: أبو قابوس لم يوثقه غير ابن حبان، قال الألباني: حديث صحيح بالشواهد والمتابعات [السلسلة الصحيحة ٢/ ٦٣٠ – ٦٣١، حديث رقم ٩٢٥]،\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.","vol":"2","page":202},{"text":"قال المراغي: \" هذا الأمر لبيان أن طور النعيم والراحة قد انتهى وجاء طور العمل، وفيه طريقان: هدى وإيمان، وكفر وخسران\" (١).\nواختلف في سبب تكرار الأمر بالهبوط، على وجوه (٢):\nأحدها: قالوا: كرّره على جهة التغليظ وتأكيده؛ كما تقول لرجل: قُمْ قُمْ.\nوالثاني: وقيل: كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى.\nوالثالث: وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض، وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، ويضعف هذا الوجه قوله في الهبوط الأول ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] (٣).\nوالقول الثاني هو الأقرب، لأن الهبوط الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]، \" أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي\" (٦).\nوقال أبو العالية: \" الهدى الأنبياء والرسل، والبيان\" (٧).\nوقال مقاتل بن حيان: \"يعني بالهدى محمداﷺ\" (٨).\nوقال الحسن: \"الهدى: القرآن\" (٩).\nقال ابن عطية: \" وفي قوله تعالى: ﴿مِنِّي﴾، إشارة إلى أن أفعال العباد خلق الله تعالى\" (١٠).\nوقوله تعالى ﴿َإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]، يحتمل ثلاثة أوجه (١١):\nأحدها: معناه: رسول، أبعثه إليكم. قال ابن عطية: \"وقالت فرقة: الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر: هو فمن بعده\" (١٢).\nوالثاني: كتاب، أنزله عليكم بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاايَاتِنَآ﴾ [البقرة: ٣٩].\nوالثالث: وقيل: معنى قوله ﴿هُدىً﴾: بيان وإرشاد. روي عن أبي العالية (١٣) مثل ذلك.\nقال ابن عطية: \"والصواب أن يقال: بيان ودعاء\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨]، \" أي: قبل أمري واتبع ما آمر به\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٩٢.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٢٧، والتفسير البسيط: ٢/ ٤١٠.\n(٣) ضعف أبو حيان هذا الوجه: لأن الله قال في الهبوط الأول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ولم يحصل الاستقرار على هذا القول إلا بالهبوط الثاني فكان يمبغي أن يذكر الاستقرار فيه، وقال في الهبوط الثاني: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة. [أنظر: البحر: ١/ ١٦٧].\n(٤) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٧١.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ٤١٦.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩): ص ١/ ٩٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٠): ص ١/ ٩٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١): ص ١/ ٩٣.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(١١) أنظر: تفسير النسفي: ١/ ٦٠.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٢٢): ص ١/ ٩٣.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣١.\n(١٥) التفسير البسيط: ٢/ ٤١٦.","vol":"2","page":203},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل\" (١).\nقال الصابوني: \" أي من آمن بي وعمل بطاعتي\" (٢).\nقال النسفي: \" أي بالقبول والإيمان به\" (٣).\nقال السعدي: \" بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي\" (٤).\nقال أبو خالد: \" ﴿فمن تبع هداي﴾، يعني كتابي\" (٥).\nوقال مقاتل بن حيان: \" فمن تبع محمداﷺ\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، \"أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿لا خوف عليهم﴾، يعني: في الآخرة\" (٨). وعنه كذلك: \" ﴿ولا هم يحزنون﴾، يعني: لا يحزنون للموت\" (٩).\nقال الواحدي: \" فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن\" (١٠).\nقال النسفي: أي \" ﴿فلا خوف عليهم﴾، في المستقبل، ﴿ولا هم يحزنزن﴾، على ما خلفوا\" (١١).\nقال ابن كثير: \" ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] \" (١٢).\nقال المراغي: \" أي إن المهتدين بهدى الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى سهل عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما يرضى ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاء عما فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى وتنسيه لذة الربح آلام التعب\" (١٣).\nوفي قراءة يعقوب: ﴿فلا خوف﴾ بالفتح في كل القرآن.\nقال السعدي: \" فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي (الخوف والحزن)، والفرق بينهما، أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظرا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام.\nوكذلك نفي (الضلال والشقاء) عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته\" (١٤).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٦٠.\n(٤) تفسير السعدي: ٥٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٤): ص ١/ ٩٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٣): ص ١/ ٩٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٥): ص ١/ ٩٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٦): ص ١/ ٩٣.\n(١٠) التفسير البسيط: ٢/ ٤١٦.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ٦٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٠.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ٩٣.\n(١٤) تفسير السعدي: ٥٠.","vol":"2","page":204},{"text":"١ من فوائد الآية أن الجنة التي أُسكنها آدم أولًا كانت عالية؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾؛ والهبوط لا يكون إلا من أعلى.\n٢ ومنها: إثبات كلام الله؛ لقوله تعالى: (قلنا).\n٣. ومنها: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿جميعًا﴾؛ وهو توكيد معنوي: لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هامًا فينبغي أن يؤكد؛ فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على الشيء: \"يا فلان عجل عجل عجل\" ثلاث مرات؛ والمقصود التوكيد، والحث.\n٤.ومنها: أن الهدى من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدًى﴾.\nفإن قال قائل: \"إنْ\" في قوله تعالى: ﴿فإما﴾ لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ \"إذا\"؟ قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، لكنها لا تنافيه؛ والواقع يدل على الوقوع. أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ وممكن أن نقول: في هذه الصيغة. ﴿فإما يأتينكم﴾. ما يدل على الوقوع؛ وهو توكيد الفعل.\nويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله ﷿؛ لأنه هو الذي يأتي به.\n٥. ومن فوائد الآية: أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه؛ لقوله تعالى:\n﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.\n٦. ومنها: أنه لا يتعبد لله إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.\n٧. ومنها: أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى؛ فيكون ضالًا كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كان النبي ﷺ في خطبة الجمعة يقول: \"وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة (١).\n٨ - وفي هذه الآيات وما أشبهها، انقسام الخلق من الجن والإنس، إلى أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب، كما أنهم مثلهم، في الأمر والنهي (٢).\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٩]\nالتفسير:\nوالذين جحدوا وكذبوا بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا، أولئك الذين يلازمون النار، هم فيها ماكثون أبدًا لا يفنون ولا يخرجون.\nقوله تعالى: ﴿﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٤٠]، الذين كفروا بالله، فاستكبروا عن طاعته، ولم ينقادوا لها\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أي جحدوا\" (٤).\nقال المراغي: \" أي وأما الذين لم يتبعوا هداى، وهم الذين كفروا بآياتنا اعتقادا\" (٥).\nقال قتادة: ﴿والذين كفروا﴾، \"المشركون من قريش\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩]، أي: وكذبوا\"بالكتاب والرسول\" (٧).\nقال الثعلبي: \" يعني القرآن\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه النسائي ص ٢١٩٣، كتاب صلاة العيدين، باب ٢٢: كيف الخطبة، حديث رقم ١٥٧٩ ن بزيادة: \"وكل ضلالة في النار\"، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح [١/ ٥١٢، حديث رقم ١٥٧٧]، وأصله في مسلم ص ٨١٣، كتاب الجمعة، باب ١٣: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم الحديث ٢٠٠٥ [٤٣] ٨٦٧، بدون: \"وكل محدثة بدعة\" ولا \"وكل صلالة في النار\".\n(٢) أنظر: تفسير السعدي: ٥٠.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤١.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٥.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٩٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٧): ص ١/ ٩٤.\n(٧) محاسن التأويل: ١/ ٢٩٥.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٥.","vol":"2","page":205},{"text":"قال الصابوني: \"بما أنزلت وبما أرسلت\" (١).\nقال المراغي: \"وكذّبوا بها لسانا\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي بالآيات الشرعية؛ وإن انضاف إلى ذلك الآيات الكونية زاد الأمر شدة؛ لكن المهم الآيات الشرعية؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآيات الكونية دون الشرعية؛ فمثلًا كفار قريش مؤمنون بالآيات الكونية مقرون بأن الله خالق السموات، والأرض، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه المدبر لجميع الأمور؛ لكنهم كافرون بالآيات الشرعية\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩]، قولان:\nأحدهما: أن\" آيات الله فمحمد ﷺ\". قاله السدي (٤).\nوالثاني: أنها القرآن. قاله سعيد بن جبير (٥).\nقال ابن عطية: \" وقال وَكَذَّبُوا وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفروا يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا\" (٦).\nقال المراغي: \" والتكذيب كفر سواء كان عن اعتقاد بعدم صدق الرسول، أو مع اعتقاد صدقه وهو تكذيب الجحود والعناد، وفي مثلهم يقول الله تعالى لنبيه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، وقد يوجد الكفر بالقلب مع تصديق اللسان كما هى حال المنافقين\" (٧).\nو﴿الآيات﴾ جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة (٨)، ومنه قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها (٩)، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة (١٠).\nوقال الليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي، ولم يزد على هذا (١١). فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة.\nقال الأحوص (١٢):\nأَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ ... قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ الأَعاصِيرُ مُحْوِلِ\nقال ابن السكيت وحكاه أبو عمرو يقال: \"خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا\" (١٣)، وقال بُرْج بن مُسْهِر (١٤):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤٤.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٩٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٨): ص ١/ ٩٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩): ص ١/ ٩٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٢.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٩٣.\n(٨) أنظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (أبي) ١/ ١٦٨، \"الزاهر\" ١/ ١٧٢، \"مفردات الراغب\" ص ٣٣، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥، و\"فوائد في مشكل القرآن\" ص ٦٨، \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٦٦.\n(٩) في \"المجاز\" لأبي عبيدة. (إنما سميت آية لأنها كلام متصل إلى انقطاعه، انقطاع معناه قصة ثم قصة (١/ ٥) وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧٢.\n(١٠) لم أجده عن ابن الأعرابي، ويظهر أن الواحدي نقل الكلام وما بعده من \"تهذيب اللغة\"، ولم أجد بحث (آية) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\"، انظر: \"الغربيين\" للهروي ١/ ١١٦، ١١٧، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥.\n(١١) انظر: \"الصحاح\" (أيا) ٦/ ٢٢٧٥، \"مقاييس اللغة\" (أي) ١/ ١٦٨، \"مفردات الراغب\" ص ٣٣، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥.\n(١٢) هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت، لشعره رونق وحلاوة أكثر في الغزل، وكان يشبب بنساء أشراف المدينة، فنفاه سليمان بن عبد الملك إلى (دهلك)، انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٥، \"الخزانة\" ٢/ ١٦.\n(١٣) إصلاح المنطق\" ص ٣٠٤، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧٣، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤، \"زاد المسير\" ١/ ٧١.\n(١٤) قوله: نزجي: نسوق، واللقاح: النوق ذوات اللبن، والمطافل: النوق معها أولادها. ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٠٤، \"الزاهر\" ١/ ١٧٢، \"مقاييس اللغة\" (أي) ١/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٥٧، \"زاد المسير\" ١/ ٧١، (الخزانة) ٦/ ٥١٥، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٠٨.","vol":"2","page":206},{"text":"خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا ... بآِيَتِنا نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلا\nمعناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص (١).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٣٩]، \" أي: الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" أي خالدون أبدا\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" لا يخرجون منها ولا يموتون فيها\" (٤).\nوقوله ﴿أُولَئِكَ﴾، \"أي المذكورون؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعًا لهم، وتعلية لهم، و﴿أصحاب النار﴾ أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي \"أصحاب النار\" إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبدًا؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحب لابد أن يلازم من صاحبه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، أي: \"لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي ماكثون؛ والمراد بذلك المكث، الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا * خالدين فيها أبدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا﴾ [الجن: ٢٣] \" (٧).\nوروي عن أنس مرفوعا، أنه قال: \"المخلدون في النار في توابيت من حديد مطبقة\" (٨).\nقال ابن عطية: \" والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمن ما، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها، وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة ﵃ إذ مراتبهم متباينة، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن، وأكثرها الخلطة والملازمة\" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: حكم القرآن بالخلود الأبدي على الكفار، إذ يرى أهل السنة والجماعة بأنه لا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار، وقد استدل العلماء بآيات وأحاديث عديدة جدا على قولهم بخروج العصاة من أهل الإيمان من النار بعدما ردوا على معظم هذه الأدلة التي ساقوها بآيات كثيرة جدا منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وكذلك بأحاديث الشفاعة الكثيرة التي تبين أن الله تعالى يخرج من النار من يشاء من العصاة المسلمين (١٠).\n_________\n(١) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤١٩ - ٤٢١.\n(٢) تفسير السعدي: ٥٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣١): ص ١/ ٩٤.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٨٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤١.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٢): ص ١/ ٩٤.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٢.\n(١٠) وسنعرض لبعض أدلة علماء أهل السنة من القران والأحاديث الشريفة.\n١ - قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١].\n٢ - قال جل شأنه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣]، فقد قال العلماء أن في هذه الآية حرف يستحق أن يكتب بماء العين لا بماء الذهب ألا وهو الواو في قوله تعالى (يدخلونها)، فهذا وعد من الكريم سبحانه الذي لا يخلف وعده بدخول كل هذه الأمة الجنة، بأصنافها الثلاث: الظالمون والمقتصدون والسابقون، الكل وعده الله بدخول جنته، وقدم الظالم كما قال العلماء حتى لا يقنط وأخر السابق حتى لا يغتر. والوعد لكل المسلمين بجنات عدن مع البدء بالظالم وهو الذي خلط الطاعات بالمعاصي، يؤكد بقوة على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن الحكيم حيث لم يبقى قسم من المسلمين خارج عن هذا الوعد فهو شامل لكل من دخل في زمرة المسلمين، فحق لهذه الآية أن تكون من أرجى آيات القرآن الحكيم، ولا ريب أن الظالم هو الذي أذنب وأتى بالمعاصي سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وهذه من أقوى الآيات في الرد على القائلين بخلود أهل المعاصي في النار.\n٣ - قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].\n٤ - ويقول جلت قدرته: في \"هود\" عن أهل ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].\nوالآيات كثيرة ونورد بعضا من أحاديث النبي ﷺ:\n١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: ... حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُ مْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُ مْ قَدْ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ\". [رواه البخاري ٦٥٧٤ ومسلم ١٧٢].\n٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ\". [رواه مسلم ١٨٥].\n٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير\" وفي رواية: \"من إيمان\" مكان \"من خير\". [رواه البخاري ٤٤، ومسلم ١٩٣].\n٤ - أحاديث شفاعة الرسول ﷺ في أهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا\". [رواه مسلم ١٩٩].\nيوضح ذلك حديث الشفاعة المشهور وفيه ... فيقول: \"أي عيسى ﵇: ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي -وذكر مثله- ثم أشفع، فيحد لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود\" قال البخاري: إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا \". [رواه البخاري ٤٤٧٦، و٦٥٦٥، ومسلم ١٩٣. من حديث أنس بن مالك ﵁].\n٥ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة. [رواه البخاري ٢٢، ومسلم ١٨٤].\nقال النووي: \"الحيا هنا مقصور وهو المطر سمي حيًا لأنه تحيا به الأرض ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون وتحدث فيهم النضارة كما يحدث ذلك المطر في الأرض، – \" فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية \". [في شرحه لـ\"صحيح مسلم\" ٣/ ٣٧].\nوعلى هذا فعقيدة أهل السنة لا تحتمل اللبس ولا المواربة في عدم خلود أهل المعصية في النار، فيلخصها الصابوني في \"عقيدة السلف وأصحاب الحديث \" فيقول: \" الخلود في النار خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهو خلود العصاة، وخلود مؤبد لا نهاية له، وهو خلود الكفار. نسأل الله السلامة والعافية. ولهذا قال المؤلف: ويعلمون حقًا يقينًا أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبدًا، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا، والدليل: قول الله تعالى: يُرِيدُونَ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، هؤلاء هم الكفار نعوذ بالله، ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، ثم قال المؤلف: ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدًا، فعصاة أهل الإيمان لا بد أن يخرجوا من النار ولو طال مكثهم خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، وهذا من أبطل الباطل وهو من اعتقاد أهل البدع، فهم يقولون: إن العصاة يخلدون في النار مثل الكفرة، وهذا من أبطل الباطل\". [عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني شرح للشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي. (موقع فضيلة الشيخ الراجحي: www.shrajhi.com.sa)].\nوقد يسأل البعض كيف الجمع بين الآيتين: قال ﷿: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء، وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا.\nنقول: بأنه لا اختلاف بين الآيتين مطلقا، فالآية الأولى فيها بيانه سبحانه لعباده أن ما دون الشرك تحت مشيئته قد يغفره فضلًا منه سبحانه، وقد يعاقب من مات على معصية بقدر معصيته لانتهاكه حرمات الله ولتعاطيه ما يوجب غضب الله، أما المشرك فإنه لا يغفر له بل له النار مخلدًا فيها أبد الآباد إذا مات على ذلك - نعوذ بالله من ذلك - وأما الآية الثانية: ففيها الوعيد لمن قتل نفسًا بغير حق وأنه يعذب وأن الله يغضب عليه بذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، معنى ذلك: أن هذا هو جزاؤه إن جازاه سبحانه وهو مستحق لذلك وإن عفا سبحانه فهو أهل العفو وأهل المغفرة جل وعلا، وقد يعذب بما ذكر الله مدة من الزمن في النار ثم يخرجه الله من النار، وهذا الخلود خلود مؤقت، ليس كخلود الكفار، فإن الخلود خلودان: خلود دائم أبدًا لا ينتهي، وهذا هو خلود الكفار في النار، كما قال الله سبحانه في شأنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، هكذا في سورة البقرة، وقال في سورة المائدة: ي ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].\nأما العصاة كقاتل النفس بغير حق والزاني والعاق لوالديه وآكل الربا وشارب المسكر إذا ماتوا على هذه المعاصي وهم مسلمون، وهكذا أشباههم هم تحت مشيئة الله؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وفي موضع آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، فإن شاء جل وعلا عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها وهي توحيده وإخلاصهم لله وكونهم مسلمين، أو بشفاعة الشفعاء فيهم مع توحيدهم وإخلاصهم. وقد يعاقبهم سبحانه ولا يحصل لهم عفو فيعاقبون بإدخالهم النار وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم، ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﵊ أنه يشفع للعصاة من أمته، وأن الله يحد له حدًا في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع ﵊ \"أربع مرات\". [انظر: مجموع فتاوى ومقالات ابن باز (٩/ ٣٨٠). وانظر: فتاوى ابن تيمية (٧/ ٤٩٨ - ٥٠١) / منهاج السنة (٦/ ٢٣٨) / فتح الباري (١١/ ٤٠٦) البحار الزاخرة ٢٤٢].\nقال البخاري -﵀-[صحيح البخاري: (ج ١٣ ص ٣٩٢)]: حدثني معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: \"يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم -ويذكر لهم خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا، فيقول: لست هناك -ويذكر خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم -ويذكر لهم خطاياه التي أصابها- ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة، وكلمه تكليما. فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم -ويذكر لهم خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يستمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود\"، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة\". [الحديث أعاده البخاري ص (٤٢٢)، وأخرجه مسلم (ج ١ ص ١٨٠)، وأبوعوانة (ج ١ ص ١٧٨ - ١٧٩) وابن ماجة (ج ٢ ص ١٤٤٢)، وأحمد (ج ٣ ص ١١٦، ٢٤٤، ٢٤٧)، والطيالسي (ج ٢ ص ٢٢٧) من «ترتيب المسند» من رواية همام عن قتادة به].\nوهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون كلهم يشفعون ويخرج الله سبحانه من النار بشفاعتهم من شاء ﷾، ويبقي في النار بقية من العصاة من أهل التوحيد والإسلام فيخرجهم الرب سبحانه بفضله ورحمته بدون شفاعة أحد، ولا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار. وبهذا تعلم السائلة الجمع بين الآيتين وما جاء في معناهما من النصوص، وأن أحاديث الوعد بالجنة لمن مات على الإسلام على عمومها إلا من أراد الله تعذيبه بمعصيته، فهو سبحانه الحكيم العدل في ذلك يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد جل وعلا. ومنهم من لا يعذب فضلًا من الله لأسباب كثيرة من أعمال صالحة ومن شفاعة الشفعاء، وفوق ذلك رحمته وفضله ﷾. [انظر: مجموع فتاوى ومقالات ابن باز (٩/ ٣٨٠)].","vol":"2","page":207},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين. الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبدًا. كما سبق؛ فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل على أن المكذب خالد في النار؛ وأما الكافر فمن كان كفره مخرجًا عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار.\n٢ ومنها: أن الله تعالى قد بين الحق بالآية التي تقطع الحجة، وتبين المحجة.\n٣ ومنها: انحطاط رتبة من اتصفوا بهذين الوصفين. الكفر، والتكذيب.\n٤ ومنها: إثبات النار؛ وقد ثبت بالدليل القطعي أنها موجودة الآن، كما في قوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١].\nالقرآن\n﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]\nالتفسير:","vol":"2","page":209},{"text":"يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم (١)، واشكروا لي، وأتموا وصيتي لكم: بأن تؤمنوا بكتبي ورسلي جميعًا، وتعملوا بشرائعي، فإن فعلتم ذلك أُتمم لكم ما وعدتكم به من الرحمة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وإيَّايَ -وحدي- فخافوني، واحذروا نقمتي إن نقضتم العهد، وكفرتم بي.\nقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، \"أي يا أولاد إسرائيل\" (٢).\nقال ابن عباس: \": يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود\" (٣).\nقال البغوي: \" يا أولاد يعقوب\" (٤).\nوالأصل في ﴿بني﴾، أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ﴾ [الأعراف: ٢٦] \" (٥).\nوقوله ﴿إِسْرَائِيلَ﴾، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ إذ كان يدعى (إسرائيل) (٦).\nوذكر أهل التفسير في اشتقاق كلمة (إِسْرَائِيلَ)، وجوها (٧):\nأحدها: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد في اللغة العبرانية، و(إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله.\nوالثاني: أن معنى (إسرا) صفوة، و(إيل) الله تعالى، ومعناه صفوة الله.\nوفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في البحر، وقال بعدها: \"وهذه أقاويل ضعاف\" (٨).\nقال الواحدي: \"والأصح عند أهل اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له\" (٩).\nأخرج الطبري عن ابن عباس، \" أن إسرائيل كقولك: عبد الله\" (١٠).\nوأخرج أيضا بسنده \"عن عبد الله بن الحارث، قال: (إيل)، الله بالعبرانية\" (١١).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، على وجوه (١٢):\nأحدها: ﴿إسراييل﴾، بقلب الهمزة ياء. روي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق.\nوالثاني: ﴿إسرائل﴾، بحذف الياء.\nوالثالث: ﴿إسرال﴾، بحذف الهمزة والياء.\nوقال ابن عباس: \"حضرت عصابة من اليهود نبي اللهﷺ، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ فقالوا: اللهم نعم، قال النبي ﷺ: أشهد عليهم\" (١٣).\nواختلف في المخاطب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، على وجهين (١٤):\nأحدهما: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد ﷺ، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. قاله مكي (١٥).\n_________\n(١) قال الإمام الطبري: \"ونعمته التي أنعم بها على بني إسرائيل جلّ ذكره، اصطفاؤه منهم الرسلَ، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذُه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضَّرَّاء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلَف منه إلى آبائهم على ذُكْر، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحلّ بهم من النقم ما أحلّ بمن نسي نعمَه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده\" (انظر تفسيره: ١/ ٥٥٥).\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٢.\n(٣) تفسير الطبري (٨٠٠): ص ١/ ٥٥٥.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٨٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٥٣. وتنفسير القرطبي: ١/ ٣٣٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٨٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٥٣. وتنفسير القرطبي: ١/ ٣٣٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٨٥، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٨٥، والتعريف والأعلام للسهيلي: ٢٠.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ١٤٤.\n(٩) التفسير البسيط: ٢/ ٤٦٢.\n(١٠) تفسير الطبري (٧٩٨): ص ١/ ٥٥٢.\n(١١) تفسير الطبري (٧٩٩): ص ١/ ٥٥٢.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣، وتفسير البيضاوي: ١/ ٧٥.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٣): ص ١/ ٩٤.\n(١٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(١٥) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.","vol":"2","page":210},{"text":"وعلى هذا القول، يستقيم الضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة.\nوالثاني: أن الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ﵇، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد. وهو قول ابن عباس (١)، وجمهور العلماء (٢)، ومنه قول الفرزدق (٣):\nوَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ\nيريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه.\nوقال آخر (٤):\nإِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ\nفَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ\nأراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل (٥).\nقوله تعالى: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، أي: \"اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم\" (٦).\nقال البيضاوي: \" أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها\" (٧).\nقال البغوي: أي: احفظوا نعمي التي أنعمتها على أجدادكم وأسلافكم (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح\" (٩).\nوقال السعدي: \"وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه\" (١٠).\nقال البغوي: \" والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: \"ذكر النعمة شكرها\" (١١) \" (١٢).\nوقال ابن عطية: \" والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان\" (١٣).\nوقوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ أي: \"نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع، كقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] \" (١٤).\nوتحركت (الياء) من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء (١٥).\nقال الفراء: \"وأما نصب الياء من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٠٠): ص ١/ ٥٥٥.\n(٢) نقل قول الجمهور ابن عطية، أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٣) البيت في \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ٣٢، \"معجم البلدان\" ١/ ٢٩٣، وإيلياء: بيت المقدس.\n(٤) البيتان لأبي تمام، وقوله: \"ذي قار\" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر: \"ديوان أبي تمام مع شرحه\" ١/ ١٠٩، \"معجم البلدن\" ٤/ ٢٩٤.\n(٥) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٥،\n(٨) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٦. (بتصرف بسيط).\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(١٠) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١١) رواه ابن مبارك في الزهد (١٤٣٤): ص ٥٠٣، ومن طريقه ابن أبي دنيا في (الشكر): (٣٣)، ومن طريقه البيهقي في الشعبي (٤٤٢١): ص ٤/ ١٠٢، و(٤١٠٧): ص ٨/ ٣٦٥، واللفظ فيها: \"أكثروا ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر\". وانظر: البغوي: في تفسيره: ١/ ٨٦، وأبو حيان: ٤/ ٥٥.\n(١٢) تفسير البغوي: ١/ ٨٦.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ٨٦.\n(١٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.","vol":"2","page":211},{"text":"اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي الّتي)، فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما\" (١).\nقال ابن عطية: \"وفتحها أحسن، لزيادة حرف في كتاب الله تعالى\" (٢).\nوذكر أهل التفسر في (النعمة) التي أنعمها عليهم، قولين (٣):\nأحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. قاله ابن زيد (٤).\nوالثاني: أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم، إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وفجَّر لهم الحَجَرَ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، والنعم على الآباء، نعم على الأبناء، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وهو قول الحسن البصري، وروي عن ابن عباس (٥) وأبي العالية (٦)، ومجاهد (٧)، نحو ذلك.\nقال ابن عطية: \" وهذه أقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بعهدي﴾ [البقرة: ٤٠]، \"أي أدّوا ما عاهدتموني عليه\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" بالإيمان والطاعة\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"أي ائتوا به وافيًا\" (١١).\nقال السعدي: \" وهو ما عهده إليهم من الإيمان به، وبرسله وإقامة شرعه\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، \" أي أعطكم ما عهدت به إليكم وافيًا\" (١٣).\nقال البيضاوي: أي: \"بحسن الإثابة\" (١٤).\nقال السعدي: \" وهو المجازاة على ذلك، والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ [وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي]﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ \" (١٥).\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: \"قوله ﴿أوف بعهدكم]، يقول: أرضى عنكم وأدخلكم الجنة\" (١٦). قال ابن أبي حاتم \"\"وروي عن أبي العالية والضحاك والسدي والربيع بن أنس، نحو ما ذكرنا عن الضحاك عن ابن عباس\" (١٧).\nقال الصابوني: أي\"بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب\" (١٨).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٠٤): ص ١/ ٥٥٥٦.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٤): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٢): ص ١/ ٥٥٥.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٥): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٣): ص ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٦): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٣): ص ١/ ٥٥٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٥.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(١٢) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٥.\n(١٥) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٠): ص ١/ ٩٦. وفي رواية أخرى أيضا عند أبن أبي حاتم: (٤٤١): ص ١/ ٩٦،: \" ﴿أوف بعهدكم﴾، أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، فوضع عنكم ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم\".\n(١٧) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٦.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.","vol":"2","page":212},{"text":"قال ابن عثيمين: \" وهو الجزاء على أعمالهم، المذكور في قوله تعالى: ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [المائدة: ١٢]؛ فلو وفوا بعهد الله لوفى الله بعهدهم\" (١).\nوقرأ الزهري: \" ﴿أوَفّ﴾، بفتح الواو وشد الفاء، للتكثير\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، قال أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: \"وفيت بالعهد وأوفيت به سواء\" (٣).\nوقال شمر: (وفى): يعني تمّ، وأوفى، معناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أوفى الكيل، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا (٤).\nوقال أبو الهيثم: فيما رد على شمر: \"الذي قال شمر في (وَفَى) و(أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا فهو بالألف قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] \" (٥).\nوقد قال طفيل الغنوي في الجمع بين اللغتين (٦):\nأَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا\nواختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء بنقضه، وفيه أربعة (٧):\nأحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.\nوالثاني: أن عهدُ الله الذي نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا. قاله ابن عباس (٨)، وروي عن الربيع بن أنس (٩)، وأبي العالية (١٠)، والضحاك (١١)، والسدي (١٢)، وقتادة\" (١٣)، نحو ذلك.\nوالثالث: أن عهدُه: توحيده، وهو موجه إلى جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق.\nوالرابع: أن العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (وفا) ٤/ ٣٩٢٣ - ٣٩٢٤، وانظر: \"اللسان\" (وفي) ٨/ ٥٨٨٥.\n(٤) أنظر: تهذيب اللغة\" (وفا) ٤/ ٣٩٢٤، وانظر: \"اللسان\" (وفي) ٨/ ٥٨٨٥.\n(٥) أنظر كلامه في: تهذيب اللغة: (وفا) ١٥/ ٨٨٦، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩١، و\"اللسان\" (وفى) ٨/ ٤٨٨٤.\n(٦) في \"الكامل\" (بيض) بدل (طوق) وعند الزجاج (عوف) وهو رجل شهر بالوفاء، وقلاص النجوم: هي كما تزعم العرب، أن الدبران جاء خاطبا للثريا وساق مهرها كواكبا صغارا تسمى القلاص، انظر (الكامل) ٢/ ١٨٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩١، \"الخصائص\" ١/ ٣٧٠، ٣/ ٣١٦، \"شرح المفصل\" ١/ ٤٢، \"اللسان\" (وفى) ٨/ ٤٨٨٤، \"زاد المسير\" ١/ ٧٣، \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٢، \"الدر المصون\" ١/ ٣١٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤١١ - ٤١٢. وتفسير القرطبي: ١/ ٣٣٢.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٧)، و(٤٣٨): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٥): ص ١/ ٥٥٨.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٥، من رواية حاتم ابن إسماعيل عن أبي جعفر.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٨٠٦): ص ١/ ٥٥٨.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٨٠٩): ص ١/ ٥٥٩.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٠٧): ص ١/ ٥٥٨.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٥.","vol":"2","page":213},{"text":"والقول الثاني هو الأقرب إلى الصواب، أي: عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، \"أي لا ترهبوا إلا إياي\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" فيما تأتون وتذرون وخصوصًا في نقض العهد\" (٣).\nقال الثعلبي: \"فخافوني في نقض العهد\" (٤).\nقال أبو العالية: \" ﴿وإياي فارهبون﴾، فاخشون\" (٥).وكذا روي عن السدى والربيع ابن أنس وقتادة (٦).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن ابن عباس: ﴿وإياي فارهبون﴾، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره\" (٧).\nقال ابن عطية: \" والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد\" (٨).\nولا يحفى بأن مافي هذه الآية من الوعد والوعيد، دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدًا إلا الله تعالى (٩).\nوقوله ﴿فَارْهَبُونِ﴾، قرأ ابن أبي إسحاق بالياء (١٠).\nوسقطت الياء بعد النون في قوله ﴿فَارْهَبُونِ﴾، في هذه الآيات وفي كلّ القرآن على الأصل، وحذفها الباقون على الخط اتّباعا للمصحف (١١).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب إما لكونه أوعى من غيره؛ وإما لكونه أولى أن يمتثل؛ وهنا وجّهه لبني إسرائيل؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ، وأنها حق ما ليس عند غيرهم.\n٢ ومنها: أن تذكير العبد بنعمة الله عليه أدعى لقبوله الحق، وأقوم للحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾؛ فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصًا نذكره بالنعم؟\nفالجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله ﷿؛ ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته.\n٣ ومن فوائد الآية: عظيم منة الله تعالى في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿التي أنعمت عليكم﴾.\n٤ ومنها: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾؛ بل إن الله أكرم من عبده، حيث يجزيه الحسنة بعشر أمثالها؛ وفي الحديث القدسي: \"إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا؛ وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا؛ وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٥٥٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧، وانظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٣٢.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٣): ص ١/ ٩٦.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٦.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٢): ص ١/ ٩٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٤.\n(٩) أنظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٧٦.\n(١٠) أنظر: المحر الوجيز: ١/ ١٣٤.\n(١١) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(١٢) أخرجه البخاري بلفظه ص ٦٢٩، كتاب التوحيد، باب ٥٠: ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه، حديث رقم ٧٥٣٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٤٤، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ١: الحدث على ذكر الله تعالى، حديث رقم ٦٨٠٥ [٢] ٢٦٧٥.","vol":"2","page":214},{"text":"٥ ومن فوائد الآية: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك؛ لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفّى الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يفِ فإنه يعاقب، ولا يعطى ما وُعِد به؛ وهذا مقتضى عدل الله ﷿.\n٦ ومنها: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ [التوبة: ٧٥].\n٧ ومنها: وجوب إخلاص الرهبة لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾] البقرة: من الآية ٤٠].\n٨ ومنها: أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وأمر بإخلاصها.\nفإن قال قائل: هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع، أو من عدو؟\nفالجواب: لا ينافي هذا التوحيد؛ ولهذا وقع من الرسل: إبراهيم. ﵊. لما جاءه الضيوف، ولم يأكلوا أوجس منهم خيفة؛ وموسى. ﵊. لما ألقى السحرة حبالهم، وعصيهم أوجس في نفسه خيفة؛ ولأن الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة؛ ولو قلنا لإنسان: \"إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفًا طبيعيًا لكنت مشركًا\"، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان مما يخاف منه خوفٌ طبيعي غريزي لا يمكنه دفعه؛ كل إنسان يخاف مما يُخشى منه الضرر.\nفإن قال قائل: لو منعه الخوف من واجب عليه هل يُنهى عنه، أو لا؟\nفالجواب: نعم، يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به؛ إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف؛ قال الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس؛ ولهذا لو كان إنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة، وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو؛ فله أن يصلي قاعدًا؛ وهذا لأن الله تعالى عفا عنه: قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]؛ ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم، ويجوز أن يفروا.\nالقرآن\n﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ [البقرة: ٤١]\nالتفسير:\nوآمنوا- يا بني إسرائيل- بالقرآن الذي أنزَلْتُه على محمد نبي الله ورسوله، موافقًا لما تعلمونه من صحيح التوراة، ولا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر به، ولا تستبدلوا بآياتي ثمنًا قليلا من حطام الدنيا الزائل، وإياي وحدي خافوني في ذلك فاعملوا بطاعتي واتركوا معصيتي.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: \"أنها أنلت في يهود يثرب\" (١). قاله أبو سنان.\nوالثاني: أنها: \"نزلت في قريظة، وكانوا أول من كفر من اليهود بمحمد، وتبعهم يهود فدك (٢) وخيبر\" (٣). نقله الكلبي عن ابن عباس.\nقوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١]، أي: وصدّقوا بالذي أنزل على محمد ﷺ من القرآن (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٨): ص ١/ ٩٧.\nوقد ذكر السمهودي بأن قبائل اليهود في يثرب كانوا نيفًا وعشرين قبيلة، منهم بنو عكرمة وبنو ثعلبة وبنو محمر وبنو زعورا وبنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل وبنو عوف وبنو القصيص وبنو ماسلة، سكن هؤلاء المدينة وأطرافها. [أنظر: وفاء الوفاء بأخبار، دار المصطفى: ١/ ١٤٢، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ١٢/ ٩٥].\n(٢) فدك: \"معروفة بينها وبين المدينة يومان، وحصنها يقال له: الشمروخ، بقرب خبير\". [الروض المعطار في خبر الأقطار: ٤٣٧].\n(٣) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٥١. لم أجد هذا في \"تنوير المقباس من تفسير ابن عباس\" للفيروزآبادي، مع أن المذكور أنه جمع فيه رواية الكلبي عن ابن عباس انظر \"تاريخ التفسير\" للشيخ قاسم القيسي \"ص ١٣٥\"، وكذلك فإن السند الذي ذكر في المقدمة ينتهي إليه انظر \"ص ٢\"، وقد رجعت إليه في البحث عن عدد من النصوص المنقولة هنا عن الكلبي فلم أجدها أو لم يتطابق النصان فلن أشير إليه بعد. [حاشية العجاب: ١/ ٢٥١].\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٢.","vol":"2","page":215},{"text":"قال ابن عثيمين: \" هو القرآن أنزله الله ﷾ على محمد ﷺ\" (١).\nقال مجاهد: \" ﴿بما أنزلت﴾، القرآن\" (٢).\nوقال الثعلبي: \" يعني التوراة في التوحيد والنبوّة والأخبار، وبعض الشرائع نزلت في كعب وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم\" (٣).\nقال السعدي: \" وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ، فأمرهم بالإيمان به، واتباعه، ويستلزم ذلك، الإيمان بمن أنزل عليه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]، أي: \" مصدقًا لما ذُكر في التوراة\" (٥).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: في قوله: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾، يقول: \"يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، يقول: لأنهم يجدون محمدا مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل\" (٦). وروي عن الربيع بن أنس، وقتادة، نحو ذلك (٧).\nوقال مجاهد: \"لما معكم، الإنجيل\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب، غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به، لأنه جاء بما جاءت به المرسلون، فأنتم أولى من آمن به وصدق به، لكونكم أهل الكتب والعلم\" (٩).\nوذكر أهل العلم بأن تصديق القرآن لما معهم، يكون من وجهين (١٠):\nالوجه الأول: أنه وقع مطابقًا لما أخبرت التوراة، والإنجيل به.\nوالوجه الثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل.\nقال ابن عثيمين: \"وهذه شهادة لهما بأنهما صدق.؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمد ﷺ حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقًا لهما؛ ولهذا لو حدثتك بحديث، فقلت أنت: \"صدقتَ\"، ثم وقع ما حدثتك به مشهودًا تشاهده بعينك؛ صار الوقوع هذا تصديقًا أيضًا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، \" أي أول من كفر به\" (١٢).\nقال بعض المفسرين: أي: \"ولا تكونوا أول فريق كافر به\" (١٣)، أو \"أول حزب أو فوج كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٤٧.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٥): ص ١/ ٩٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(٤) تفسير السعدي: ٥٠.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٤٧.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٤): ص ١/ ٩٦.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٧.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٥): ص ١/ ٩٧.\n(٩) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/! ٤٧.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٤٧.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٦١.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٣.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٦١.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦): ص ١/ ٩٧.","vol":"2","page":216},{"text":"وقال أبو العالية: \" لا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ\" (١). وروي عن الحسن والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك (٢).\nقال الثعلبي: \" يعني: أوّل من يكفر بالقرآن وقد بايعتنا اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم\" (٣).\nقال البغوي: \" أي: بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم\" (٤).\nقال المراغي: \" أي: ولا تسارعوا إلى الكفر به، مع أن الأجدر بكم أن تكونوا أوّل من يؤمن به\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به؛ ولا يعني ذلك: كونوا ثاني كافر! \" (٦).\nقال البيضاوي: \" بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه. وأَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وقع خبرًا عن ضمير الجمع بتقدير: أول فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة مظنون بهم علم\" (٨).\nقال الجصاص: \" وإن كان الكفر قبيحا من الأول والآخر منهيا عنه الجميع أن السابق إلى الكفر يقتدي به غيره فيكون أعظم لمأثمه وجرمه كقوله تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] \" (٩).\nقال الواحدي: \" وإنما قيل لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع، فإن قيل: ما في ﴿أن تكونوا أول كافر به﴾، من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم\" (١٠).\nقال السعدي: \" وفي قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أبلغ من قوله: ﴿ولا تكفروا به﴾ لأنهم إذا كانوا أول كافر به، كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به، عكس ما ينبغي منهم، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم\" (١١).\nوقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]،: اختلف في الضمير (به) على وجوه:\nأحدها: أنه عائد إلى القرآن، والمعنى: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن وحقكم أن تؤمنوا به.\nوهو اختيار الإمام الطبري، إذ يقول: والهاء التي في (به) من ذكر (ما) التي مع قوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ \" (١٢).\nوالثاني: أنه عائد على محمد - ﷺ -، وهو اختيار أبي العالية﵀- (١٣).\nوالثالث: وقيل: يعني (بكتابكم) أي التوراة والإنجيل، \"ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد ﷺ تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد ﷺ\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٧): ص ١/ ٩٧.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٩٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٤٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٤.\n(٩) أحكام القرآن: ١/ ٣٨.\n(١٠) التفسير البسيط: ٢/ ٤٣٨، وانظر: معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٢، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٤، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ أ، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٧.\n(١١) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٣.","vol":"2","page":217},{"text":"قلت: كلا القولين الأول والثاني صحيحان، لأنهما متلازمان، فكل \"من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾ [البقرة: ٤١]، \"أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" إن آياته: كتابه، الذي أنزل إليهم\" (٣).\nقال السدي: \" يقول: لا تأخذوا طمعا قليلا وتكتموا اسم الله، فذلك الطمع وهو الثمن\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي ببيان صفة محمد ونعته\" (٥).\nقال ابن كثير: \"أي: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية\" (٦).\nقال المراغي: \" أي ولا تعرضوا عن التصديق بالنبي ﷺ وما جاء به وتستبدلوا بهدايته\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، أي: \"شيئا يسيرا\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" إن الثمن القليل، هو الدنيا وشهواتها\" (٩).\nقال الصابوني: أي: \" حطام الدنيا الفانية\" (١٠).\nوقال الحسن: \" الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها\" (١١).\nواختلف أهل التفسير في (الثمن) الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، على أقوال (١٢):\nأحدها: أن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك وفي كتبهم: علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة. قاله أبو العالية (١٣).\nوالثاني: أنه كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالراتب، فنهوا عن ذلك. قاله الثعلبي (١٤).\nوالثالث: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير قصة محمد ﵇ في التوراة، ففي ذلك قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: ٤١، المائدة: ٤٤].\nوالرابع: معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهيّ وآياتي ثمنا قليلا، يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له.\nقال السعدي: \" ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾، وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل، التي يتوهمون انقطاعها، إن آمنوا بالله ورسوله، فاشتروها بآيات الله واستحبوها، وآثروها\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]، \" أي لا تتقوا إلا إياي\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٣. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٠): ص ١/ ٩٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥١): ص ١/ ٩٧.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٣.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٩٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٠): ص ١/ ٩٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٢): ص ١/ ٩٨.\n(١٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٥.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٩): ص ١/ ٩٧، ولفظه: \"لا تأخذوا عليه أجرا\"وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجانا كما علمت مجانا\".\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧. ولفظه \"وذلك أنّ رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامّهم يأخذون منهم شيئا معلوما كلّ عام من زروعهم [فخافوا أن تبينوا] صفة محمد ﷺ وبايعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرّياسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة\".\n(١٥) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٨.","vol":"2","page":218},{"text":"قال الثعلبي: أي: \" فاخشوني في أمر محمد لا فيما يفوتكم من الرياسة والمأكل\" (١).\nقال الصابوني: \" أي خافون دون غيري\" (٢).\nو(التقوى) هو: \"اتخاذ وقاية من عذاب الله ﷿، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٣).\nقال طلق بن حبيب: \"التقوى، أن يعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن يترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله\" (٤).\nقال الراغب: \" وإنما ذكر في الآية الأولى.\n(فارهبون) وفي الآية الآخرى (فاتقون)، لأن الرهبة دون التقوى، فحينما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم، وحثهم على ذكر نعمة التي يشركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحينما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبه لما يأتي به أولوا العزم من الرسل، أمرهم بالتوقى التي هي منتهى الطاعة\" (٥).\nوقال ابن عثيمين: \" في الآية الأولى: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]، أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها عصيانًا؛ وفي هذه الآية: ﴿وإياي فاتقون﴾ [البقرة: ٤١]، أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها لا في الأمر، ولا في النهي\" (٦).\nقال ابن عطية: \" وبين «اتقون» و«ارهبون» فرق، ان الرهبة مقرون بها وعيد بالغ\" (٧).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم﴾.\n٢ ومنها: أن الكافر مخاطب بالإسلام؛ وهذا مجمع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟\nالجواب: فيه تفصيل؛ إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولًا، ثم يفعلها ثانيًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: \"فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة\" (٨).\nإذًا هم لا يخاطبون بالفعل. يعني لا يقال: افعلوا.؛ فلا نقول للكافر: تعال صلِّ؛ بل نأمره أولًا بالإسلام؛ وإن أردت بالمخاطبة أنهم يعاقبون عليها إذا ماتوا على الكفر فهذا صحيح؛ ولهذا يقال للمجرمين: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ [المدثر: ٧٢. ٤٧] يعني هذا دأبهم حتى ماتوا؛ ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم: ﴿لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٣. ٤٤] عبثًا لا فائدة منه، ولا تأثير له.\n٣ ومن فوائد الآية: أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود؛ فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه باليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ: \"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٣): ص ١/ ٩٨.\n(٥) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٧١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٤.\n(٨) أخرجه البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦٣: أخذ الصدقة من الأغنياء ...، حديث رقم ١٤٩٦؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨٤، كتاب الإيمان، باب ٧: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم ١٢١ [٢٩] ١٩.","vol":"2","page":219},{"text":"عَرْفَ الجنة يوم القيامة\" (١) يعنى ريحها؛ وحينئذ يشكل على كثير من الطلبة من يدخل الجامعات لنيل الشهادة: هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا؟\nوالجواب: أن ذلك حسب النية؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ وأما إذا كان يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانًا ينفع به المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزن بما معه من بطاقة الشهادة.\n٤ ومن فوائد الآية: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا﴾ [النساء: ٧٧].\n٥ ومنها: أن شرائع الله من آياته لما تضمنته من العدل، والإصلاح. بخلاف ما يسنُّه البشر من الأنظمة والقوانين فإنه ناقص:\nأولًا: لنقص علم البشر، وعدم إحاطتهم بما يُصلح الخلق.\nثانيًا: لخفاء المصالح عليهم: فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة؛ وبالعكس.\nثالثًا: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام، أو القانون من أذكى الناس، وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود في زمانه، وفي مكانه؛ أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير: قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا، وكذا؛ وفي زمن آخر خلافه؛ وفي المكان أيضًا قد يكون هذا التشريع الذي سنه البشر مناسبًا لأحوال هؤلاء الأمة في مكانهم؛ ولكن في أمة أخرى لا يصلح؛ ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية، أو الشرقية، وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن الواجب تحكيم الكتاب، والسنة؛ والعجب أن بعض الناس. نسأل الله العافية. تجدهم قد مشوا على قوانين شرعت من عشرات السنين، أو مئاتها، وأهلها الذين شرعوها قد عدلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن ترمى في الزبالة؛ وهذا شيء واضح: هناك قوانين شرعت لقوم كفار، ثم تغيرت الحال، فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة، وصاروا يتمشمشونها.\n٦. ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ﷿، وإفراده بالتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وإياي فاتقون﴾.\nفإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي أشياء أخرى، كقوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]؟\nفالجواب: بلى، ولكن اتقاء هذه الأمور من تقوى الله ﷿. فلا منافاة.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]\nالتفسير:\nولا تخلِطوا الحق الذي بيَّنته لكم بالباطل الذي افتريتموه، واحذروا كتمان الحق الصريح من صفة نبي الله ورسوله محمد ﷺ التي في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه الحق وتجدونها مكتوبة عندكم، فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.\nقوله تعالى ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، \" أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أي خلطت وشبهت الحقّ الذي أنزل إليكم من صفة محمد ﷺ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ص ١٤٩٤، كتاب العلم، باب ١١: في طلب العلم لغير الله، حديث رقم ٣٦٦٤؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٤٩٢، كتاب السنة، باب ٢٣: الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث رقم ٢٥٢؛ وأخرجه أحمد ٢/ ٣٣٨، حديث رقم ٨٤٣٨؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٨٥، كتاب العلم، وقال: هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته على الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، ومدار الحديث على فليح بن سليمان الخزاعي، قال الدارقطني: يختلفون فيه وليس به بأس، تهذيب التهذيب ٨/ ٢٧٣، وقال الحاكم فيه: \"اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، ت. التهذيب، وقال عبد القادر الأرناوؤط في تخريج جامع الأصول ٤/ ٥٤٤، حاشية رقم ١: \"توبع في جامع بيان العلم ١/ ٩٠ فهو به حسن\". أهـ.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٧.","vol":"2","page":220},{"text":"قال ابن عثيمين: \" أي لا تمزجوا بينهما حتى يشتبه الحق بالباطل؛ فهم كانوا يأتون بشبهات تُشَبِّه على الناس؛ فيقولون مثلًا: محمد حق، لكنه رسول الأميين لا جميع الناس\" (١).\nوفي قوله: ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: لا تخلطوا الصدق بالكذب، وهو قول ابن عباس (٢).\nوالثاني: اليهودية والنصرانية بالإسلام، وهو قول مجاهد (٣).\nوالثالث: الحقُّ: التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم. وهو قول ابن زيد (٤).\nو(اللبس): هو الخلط، لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٥)، ومنه ومنه قول العجاج (٦):\nلَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي\nفقوله (لبسن) أي: خلطْن.\nومن ذلك قول الخنساء (٧):\nترى الجليس يقول الحق تحسبه ... رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا\nصدق مقالته واحذر عداوته ... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا\nوأما (اللُّبس) -بضم اللام- فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها، ومنه قول الأخطل (٨):\nلَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ واشْتَعَلا\nوتجدر الإشارة بأن كلمة (اللباس) جاءت في القرآن على ثلاثة أوجه هي:\nالأول: اللباس المعروف، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وفي موضع آخر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣]، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١].\nوالثاني: السكن: ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠].\nوالثالث: العمل الصالح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].\nو(الباطل) في كلام العرب: خلاف الحق (٩)، ومعناه الزائل، قال لبيد (١٠):\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٢.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٢٣): ص ١/ ٥٦٨.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٢٥): ص ١/ ٥٦٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٢٦): ص ١/ ٥٦٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٧، وتفسير ابن القرطبي: ١/ ٣٤٠.\n(٦) ديوانه: ٦٥. غني عن الشيء واستغنى: اطرحه ورمى به من عينه ولم يلتفت إليه.\n(٧) البيتين ذكرهما القرطبي في تفسيره: ١/ ٣٤٠.\n(٨) ديوانه: ١٤٢، وفيه \" وقد لبست \". وأعصر جمع عصر: وهو الدهر والزمان. وعني هنا اختلاف الأيام حلوها ومرها، فجمع. ولبس له أعصره: عاش وقاسى خيره وشره. وتجلل الشيب رأسه: علاه.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٤١.\n(١٠) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٥٦؛ وجواهر الأدب ص ٣٨٢؛ وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٧؛ والدرر ١/ ٧١؛ وديوان المعاني ١/ ١٨؛ وسمط اللآلي ص ٢٥٣؛ وشرح التصريح ١/ ٢٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٠، ١٥٣، ١٥٤، ٣٩٢؛ وشرح المفصل ٢/ ٧٨؛ والعقد الفريد ٥/ ٢٧٣؛ ولسان العرب ٥/ ٣٥١ \"رجز\"؛ والمقاصد النحوية ١/ ٥، ٧، ٢٩١؛ ومغني اللبيب ١/ ١٣٣؛ وهمع الهوامع ١/ ٣؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٢١١؛ وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٩؛ والدرر ٣/ ١٦٦؛ ورصف المباني ص ٢٦٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٣١؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٢٦٣؛ وشرح قطر الندى ص ٢٤٨؛ واللمع ص ١٥٤؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٦٦. قوله: لا محالة: لا بد. زائل: فان.\nيقول: كل شيء في هذا الوجود ماض إلى زوال إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام. وللنحويين في هذا البيت شاهدان أولهما قوله: \"ما خلا الله\" حيث ورد بنصب لفظ الجلالة بعد \"خلا\" فدل ذلك على أن الاسم الواقع بعد \"ما خلا\" يكون منصوبا، وذلك لأن \"ما\" هذه مصدرية، وما المصدرية لا يكون بعدها إلا فعل، ولذلك يجب نصب ما بعدها على أنه مفعول به، وإنما يجوز جره إذا كانت حرفا، وهي لا تكون حرفا متى سبقها الحرف المصدري. وثانيهما توسط المستثنى بين جزأي الكلام في قوله: \"ألا كل شيء ما خلا الله باطل\" يريد: ألا كل شيء باطل ما خلا الله. [(تنظر: شرح الأشموني لألفية ابن مالك: ١/ ٢٦).\nBottom of Form","vol":"2","page":221},{"text":"أَلا كُلُّ شَيْء مَا خَلا الله بَاطِلُ ... وكل نعيم لا محالة زائل\nقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، أي: \"ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به\" (٢).\nقال المراغي: \" فالنهى الأوّل عن التغيير، والنهى الثاني عن الكتمان وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء (٣).\nوقيل: \" ويجوز صرف الخطاب إلى المسلمين وإلى كل صنف منهم، وبيانه أن يقال: أيها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجوز، ويا أيها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة، وهكذا كل فريق\" (٤).\nقلت: هذا الوجه وإن كان معناه صحيحًا، إلا أنه بعيد عن ظاهر القرآن، وفيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم.\nوقوله ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، فيه وجهان من التفسير (٥):\nأحدهما: يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل، فيكون معنى الآية حينئذ: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق.\nوهذا مذهب ابن عباس﵁- (٦).\nوالثاني: أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل، ويكون قوله: \" وتكتموا الحق \" خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه، ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر (٧):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٩٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١/٢٤٥.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٩٧ - ٩٨. ثم قال: \" فقد جاء في كتبهم:\n(١) التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم، وتكون لهم عجائب وأفاعيل تدهش الألباب.\n(٢) أن الله يبعث فيهم نبيا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية (هاجر) وبين علامات واضحة له لا لبس فيها ولا اشتباه.\nفأخذ الأحبار والرهبان يلبسون على العامة الحق بالباطل، ويوهمونهم أن النبي ﷺ من أولئك الأنبياء الذين وصفوا في التوراة بالكذب، ويكتمون ما يعرفونه من أوصاف لا تنطبق إلا عليه، وما يعرفونه من نعوت الأنبياء الصادقين وسبيل دعوتهم إلى الله، إلى أنهم كانوا يصدونهم عن السبيل القويم بعدم الإيمان بالنبي ﷺ بزيادات يستحدثونها، وتقاليد يبتدعونها بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض سلفهم وأفعالهم ويحكّمونها في الدين ويحتجون بأن الأقدمين كانوا أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعا لهم، فعلى من بعدهم أن يأخذ بكلامهم دون كلام الأنبياء الذي يصعب علينا فهمه بزعمهم، لكن هذه المعذرة لم يتقبلها الله منهم، ونسب إليهم اللبس والكتمان للحق الذي في التوراة إلى يومنا هذا، كما لم يتقبل ممن بعدهم من العلماء في أي شريعة ودين أن يتركوا كتابه ويتبعوا كلام العلماء بتلك الحجة عينها، فكل ما يعلم من كتاب الله يجب علينا أن نعمل به، وما لا يعلم يسأل عنه أهل الذكر، ومتى فهمناه وعلمناه عملنا به\".\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٩٨. نقله في التيسير.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٩ - ٥٧٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧)، و(٨٢٨): ص ١/ ٥٦٩ - ٥٧٠.\n(٧) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.","vol":"2","page":222},{"text":"لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ\nوهذا مذهب أبي العالية (١)، ومجاهد (٢).\nو(الواو) في قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] تحتمل وجهين (٣):\nأحدهما: أنها عاطفة. والمعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق؛ فتكون الجملتان منفردًا بعضهما عن بعض.\nوالثاني: أنها واو المعية. فيكون النهي عن الجمع بينهما؛ والمعنى: ولا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق.\nقال ابن عثيمين: \"لكن على هذا التقدير [أي الواو المعية]، يبقى إشكال: وهو أن قوله تعالى: ﴿لا تلبسوا الحق بالباطل﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق، والباطل؛ فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبسوه بالباطل، فيبقى خفيا\" (٤).\nوفي (الحق) الذي كتموه، ثلاثة أوجه (٥):\nأحدها: أنه أمر محمدﷺ-. قاله ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والسدي (٨)، وأبو العالية (٩)، وروي عن الربيع بن أنس (١٠)، مثل ذلك.\nوالثاني: أنه الإسلام. قاله الحسن (١١)، وقتادة (١٢).\nوالثالث: أن يكون الحق عامًّا، فيندرج فيه أمر رسول الله ﷺ والقرآن، وما جاء به ﷺ.\nقال أبو حيان: \" وكتمانه، أنهم كانوا يعلمون ذلك ويظهرون خلافه\" (١٣).\nوقرأ عبد الله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (١٤)، وذلك في احتمال الجواب والعطف (١٥).\nوقال الراغب: \" ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ أخص من قوله: ﴿تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، لأن اللبس هو الخلط بغيره، والكتمان إخفاؤه جملة\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]، أي: \" والحال أنكم تعلمون صنيعكم\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم\" (١٨).\nقال أبو حيان: أي: \"وأنتم من ذوي العلم، فلا يناسب من كان عالمًا أن يكتم الحق ويلبسه بالباطل\" (١٩).\nوقال ابن عباس: \" أي: أنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم\" (٢٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩): ١/ ٥٧٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٣٠)، و(٨٣١): ص ١/ ٥٧٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٢.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٧١ - ٥٧٢، والبحر المحيط: ١/ ١٥١.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٨٣٢): ص ١/ ٥٧١.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٨٣٤): ص ١/ ٥٧١.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٨٣٦): ص ١/ ٥٧١، وابن أبي حاتم (٤٥٨): ص ١/ ٩٩.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٨٣٧): ص ١/ ٥٧١ - ٥٧٢.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٩٩.\n(١١) نقلا عن: البحر المحيط: ١/ ١٥١.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٠): ص ١/ ٩٩. ولفظه: \" وكتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله\".\n(١٣) البحر المحيط: ١/ ١٥١.\n(١٤) البحر المحيط: ١/ ١٥١.\n(١٥) أنظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٢.\n(١٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧١.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٢.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ١/ ١/٢٤٥.\n(١٩) البحر المحيط: ١/ ١٥١.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩): ص ١/ ٩٩.","vol":"2","page":223},{"text":"وقال قتادة: \" وهم يعلمون أنه رسول الله\" (١).\nقال الراغب: \" وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعظيم لارتكاب الذنب، فإنه مع العلم بقبحة لأعظم عقوبة. وفي الآية حث على تجنب الشر والنهي عن كل تلبيس وتمويه وإن كانت الآية واردة فيمن آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا بالبعض، وجحدوا صفة النبي - ﷺ\" (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: وجوب بيان الحق، وتمييزه عن الباطل؛ فيقال: هذا حق، وهذا باطل؛ لقوله تعالى:\n﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾؛ ومن لبْس الحق بالباطل: أولئك القوم الذين يوردون الشبهات إما على القرآن، أو على أحكام القرآن، ثم يزيلون الإشكال. مع أن إيراد الشبه إذا لم تكن قريبة لا ينبغي. ولو أزيلت هذه الشبهة؛ فإن الشيطان إذا أوقع الشبهة في القلب فقد تستقر فيه. وإن ذكِر ما يزيلها ..\n٢ ومن فوائد الآية: أنه ليس هناك إلا حق، وباطل؛ وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت الأمر كذلك؛ قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال النبي ﷺ \"القرآن حجة لك أو عليك\" (٣).\nفإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب، والمحرم؛ وبين المكروه، والمندوب. وهو المباح.؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا؛ لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء؛ فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل كما جاء في الحديث: \"كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا لعبه في رمحه، ومع أهله، وفي فرسه\" (٤)؛ وهذه الأشياء الثلاثة إنما استثنيت؛ لأنها مصلحة. كلها تعود إلى مصلحة ..\n٣ ومن فوائد الآية: تحريم كتمان الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وتكتموا﴾؛ ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟\nالجواب: نعم، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال؛ وطلب بلسان الحال؛ فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا، وكذا: فهذا طلب بلسان المقال؛ وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرم: فبيانه مطلوب بلسان الحال؛ وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر، ولا ينتظر حتى يُسأل؛ وإذا سئل ولم يُجب لكونه لا يعلم فلا إثم عليه؛ بل هذا هو الواجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٢٣]. هذه واحدة.\nثانيًا: إذا رأى من المصلحة ألا يبين فلا بأس أن يكتم كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: \"حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ! \" (٥)؛ وقال ابن مسعود: \"إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة\" (٦)؛ فإذا رأيت من المصلحة ألا تبين فلا تبين ولا لوم عليك.\nثالثًا: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص، أو ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض. وأنت تعلم هذا.: فلك أن تمتنع؛ الامتحان أن يأتي إليك، وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها، أو لا؛ أو يريد أن يأخذ منك كلامًا ليشي به إلى أحد، وينقله إلى أحد: فلك أن تمتنع؛ كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيأتي يسألك يقول: سألت فلانًا، وقال: هذا حرام. وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهلًا: فحينئذٍ لك أن تمتنع عن إفتائه؛ أما إذا كان المسؤول رجلًا تعرف أنه ليس\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٠): ص ١/ ٩٩.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧١.\n(٣) أخرجه مسلم ٧١٨، كتاب الطهارة، باب ١: فضل الوضوء، حديث رقم ٥٣٤ [١] ٢٢٣.\n(٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٤، ١٤٨؛ وأخرجه أبو داود ص ١٤٠٩، كتاب الجهاد، باب ٢٣: في الرمي، حديث رقم ٢٥١٣؛ وأخرجه الترمذي ص ١٨٢٠، كتاب فضائل الجهاد، باب ١١: ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، حديث رقم ١٦٣٧؛ وأخرجه النسائي ص ٢٣٢٤، كتاب الخيل، باب ٨؛ تأديب الرجل فرسه، حديث رقم ٣٦٠٨؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٩٥، كتاب الجهاد، ومدار إسناد بعضها على خالد بن زيد، قال الحافظ في التقريب: مقبول، وصحح الحاكم حديثه في المستدرك (٢/ ٩٥) ووافقه الذهبي، وقال: صحيح، ومدار بعضها على عبد الله بن زيد الأزرق، قال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب ٢/ ٢٤٤: مجهول لم يرو عنه إلا أبو سلام.\n(٥) سبق تخريجه ص ١٨، حاشية رقم ١.\n(٦) سبق تخريجه ص ١٨، حاشية رقم ٢.","vol":"2","page":224},{"text":"عنده علم. إما من عامة الناس، أو من طلبة العلم الذين لم يبلغوا أن يكونوا من أهل الفتوى: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأنه لا حرمة لفتوى من أفتاه؛ أما لو قال لك: أنا سألت فلانًا، ولكني كنت أطلبك، ولم أجدك، وللضرورة سألت فلانًا؛ لكن لما جاء الله بك الآن أفتني: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك؛ وخلاصة القول أنه لا يجب عليك الإفتاء إلا إذا كان المستفتي مسترشدًا؛ لأن كتمان الحق لا يتحقق إلا بعد الطلب بلسان الحال، أو بلسان المقال.\nالقرآن\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]\nالتفسير:\nوادخلوا في دين الإسلام: بأن تقيموا الصلاة على الوجه الصحيح، كما جاء بها نبي الله ورسوله محمد ﷺ، وتؤدوا الزكاة المفروضة على الوجه المشروع، وتصلوا مع المصلين من أمته ﷺ.\nفي سبب نزولها: \"ذُكِر أن أحبارَ اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا\" (١).\nوأخرج الطبري عن قتادة، في قوله: ﴿وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة﴾، قال: فريضتان واجبتان، فأدُّوهما إلى الله\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، \"أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها\" (٣).\nقال مقاتل بن حيان: \"قوله لأهل الكتاب ﴿أقيموا الصلاة﴾، أمرهم أن يصلوا مع النبيﷺ\" (٤). وكذا فسّره ابن كثير (٥).\nقال الثعلبي: \" أي: \"وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها\" (٦).\nقال ابن عطية: \" معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها\" (٧).\nقال الزمخشري: \" يعنى صلاة المسلمين. لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" وهذا كما أمر الله تعالى به بني إسرائيل، أمر به هذه الأمة، و﴿الصلاة﴾ هنا تشمل الفريضة، والنافلة\" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن الحسن في قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة\" (١٠). وروي عن عطاء بن أبي رباح وقتادة نحو ذلك (١١).\nوقال الزهري: \"إقامتها أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها\" (١٢).\nو(إقامة الصلاة): \"أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها\" (١٣)، وكما قال الشاعر (١٤):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٢.\n(٢) تفسير الطبري (٨٣٩): ١/ ٥٧٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣): ص ١/ ٩٩.\n(٥) أنظر: تفسيره: ١/ ١/٢٤٥.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٣٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦١): ص ١/ ٩٩.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ١/ ٩٩.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٢): ص ١/ ٩٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ١/ ٢٤١.\n(١٤) البيت ذكره الطبري ولم أتعرف على قائله. انظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٤١.","vol":"2","page":225},{"text":"أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، \"يعني: وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة\" (١).\nقال الطبري: \" وإيتاءُ الزكاة، هو أداء الصدقة المفروضة\" (٢).\nقال ابن عثميمين: \" أي أعطوا الزكاة\" (٣).\nقال مقاتل بن حيان: \" قوله لأهل الكتاب: ﴿وآتوا الزكاة﴾، أمرهم أن يؤتوا الزكاة، يدفعونها إلى النبي ﷺ\" (٤). وكذا فسّره ابن كثير (٥).\nوتعددت أقوال أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن المراد: هو أداء الصدقة المفروضة. وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح.\nوالثاني: وقيل: أن المراد: صدقة الفطر. قاله الحارث العكلي (٦).\nوالثالث: أن المراد بـ\"الزكاة طاعة لله والإخلاص\". قاله ابن عباس (٧).\nوالراجح- والله أعلم- هو القول الأول، وأما الوجهان الآخران، فلا يخفى ما فيهما من التكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم.\nواختلف في أصل (الزَّكاة) على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها مأخوذة من: زكا الشيء، إذا نما وزاد، قال الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى (٨).\nقال ابن عطية: \"وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه، من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي\" (٩).\nالثاني: أن (الزَّكاةَ) مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال (١٠).\nقال ابن عطية: فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس (١١) \" (١٢).\nواختار الطبري هذا الوجه، قائلا: \" وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (١٣)، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩): ص ١/ ١٠٠.\n(٥) أنظر: تفسيره: ١/ ١/٢٤٥.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٨): ص ١/ ١٠٠.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٤): ص ١/ ١٠٠.\n(٨) المفردات في غريب القرآن ص: ٢١٣ والمعجم الوسيط ص: ٣٩٨.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(١٠) انظر: تهذيب اللغة (زكا) ٢/ ١٥٤٢، واللسان: (زكا) ٣/ ١٨٤٩، والمصباح ج ١ ص: ٢٧٢ والمختار من صحاح اللغة ص ٢١٨ والمطلع على أبواب المقنع ص: ٢٢٢ والروض المربع ج ١ ص: ١٠٧ والمجموع شرح المهذب ج ٥ ص: ٢٩١، والمحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(١١) رواه مسلم (١٠٧٢)، ولفظه: \"\"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\".\nوإنما كانت الزكاة أوساخ الناس؛ لأن الناس يتطهرون بإخراجها، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وليس لها علاقة بمستحقي الزكاة، بل هي مال طيب حلال بالنسبة لهم، لكن إخراجها تطييب وتطهير لما يمكن أن يشوب صاحبها أو عمله أو ماله من سوء، فلذلك منع منها النبي ﷺ آل محمد، لكن ليس هذا فيه إزراء بالناس، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، يمنع آل النبي ﷺ من أخذها صيانة لهم عن أن يقبلوا ما تطهر به الناس، وهذه مرتبة عليا، لكن هذا لا يعني أن من يأخذ الزكاة بحق فهو ناقص، فقد جعل الله من مصارف الزكاة الجهاد في سبيل الله، وهو من أفضل الأعمال، ومن مصارفها الغارم للإصلاح بين الناس ولو كان غنيًّا، وهو من خير الأعمال، قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، والمقصود أنه ليس صحيحًا أن إعطاء الزكاة لمن يستحقها تنقص له، ومن فهم بهذا المعنى فإنه لم يفهم مراد النبي ﷺ، والله أعلم.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(١٣) السهمان جمع سهم، كالسهام: وهو النصيب والحظ.","vol":"2","page":226},{"text":"صلوات الله عليه: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) [سورة الكهف: ٧٤]، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل: هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى، وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها\" (١).\nوقال ابن الأثير: وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح فالزكاة طهرة للأموال وزكاة الفطر طهرة للأبدان (٢).\nقلت: وكل ذلك صحيح في معنى التسمية فهي تزكي وتنمي المعطي والمعطى والمال الذي أخرجت منه.\nوالثالث: وقيل زكا الفَرْدُ، إذا صارَ زَوْجًا، بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا.\nقال الواحدي: \"والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين اثنين: زكا، قيل لهما: زكا، لأن الاثنين أكثر من الواحد\" (٣)، ثم استشهد بقول الشاعر (٤):\nإِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا\nومنه قول الشاعر (٥):\nكَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يُخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ\nوقال آخر (٦):\nفَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا\nوالسفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء، ويعني بقوله: (ولا زكا)، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ، بحدوثه فيهم (٧).\nقال الواحدي: \"والأظهر أن أصلها من الزيادة\" (٨)، ثم استشهد بقول النابغة (٩):\nوَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ لَكَ الزَّكاءُ\nأراد بالزكاء: الزيادة (١٠).\nوالزكاة شرعًا: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، \" أي صلوا مع المصلين\" (١٢).\nروي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿واركعوا﴾، قال: \"صلوا\" (١٣).\nوقال مقاتل بن حيان: \" أمرهم أن يركعوا مع الراكعين، مع أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم\" (١٤).\nقال الثعلبي: \"يعني وصلّوا مع المصلين محمّد وأصحابه\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.\n(٢) النهاية في غريب الحديث ج ٢ ص: ٣٠٧.\n(٣) التفسير البسيط: ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(٤) البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، وفي شعر الكميت جمع دواد سلوم ١/ ١٦٢، وفيه: (إذا نحن في تكرار وصفك ...).\n(٥) اللسان (خسا)، وفيه: \" الفراء: العرب تقول للزوج زكا، وللفرد خسا. . . قال، وأنشدتني الدبيرية. . . \" وأنشد البيت. وتعتلج: تصطرع ويمارس بعضها بعضا.\n(٦) الرجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث في عمرو بن كعب بن سعد، وهذا الرجز في خبر للأغلب العجلي، (طبقات فحول الشعراء: ٥٧٢ / ومعجم الشعراء: ٤٩٠ / والأغاني ١٨: ١٦٤) ورواية الطبقات والأغاني: \" كما شرار الرعى \". والرعى (بكسر فسكون): الكلأ نفسه، والمرعى أيضًا. والسفا: شوط البهمي والسنبل وكل شيء له شوك. يقول: أنت في قومك كالسفا في البهمي، هو شرها وأخبثها. والبيت الأول زيادة ليست في المراجع المذكورة.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٧٣.\n(٨) التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٥.\n(٩) ورد البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، \"شمس العلوم\" ٢/ ٢٢٣.\n(١٠) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٥.\n(١١) الإقناع في فقه الإمام ابن حنبل ج ١ ص: ٢٤٢.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦. قال ابن عثيمين: \" وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد\".\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠): ص ١/ ١٠٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١): ص ١/ ١٠٠.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.","vol":"2","page":227},{"text":"قال البيضاوي: \" أي في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس\" (١).\nقال ابن عطية: \" وقالت فرقة: إنما قال ﴿مَعَ﴾، لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله ﴿مَعَ﴾، بشهود الجماعة\" (٢).\nقال الواحدي: \" عبّر بالركوع عن جميع الصلاة، إذ كان ركنًا من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد في قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] \" (٣).\nوذكر أهل العلم في أصل (الركوع) قولين (٤):\nأحدهما: أنه مأخوذ من المذلَّة والخضوع، وهو قول الأصمعي والمفضل، قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ (٥):\nلا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ\nو(الرُّكوع): هو الخضوع لله بالطاعة، يقال منه: ركع فلانٌ لكذا وكذا، إذا خضع له (٦)، ومنه قول الشاعر (٧):\nبِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا ... مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا\nقوله: (بعد ما ركعا) أي: بعد مَا خضَع من شِدَّة الجهْد والحاجة.\nالثاني: أنه مأخوذ من التطامن والانحناء، وهو قول الخليل، وابن زيدٍ.\nفقال أهل اللغة: \"وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع، قال لبيد (٨):\nأُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ ... أَدِبُّ كَأَني كُلَّما قُمْتُ رَاكِعُ\nفالراكع: المنحني في قول لبيد، وقال آخر (٩):\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٨، انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٥، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٧٤، و\"البغوي\" ١/ ٨٨، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩٣.\n(٤) انظر: التكت والعيون: ١/ ١١٤، وتفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.\n(٥) البيت من شواهد البيضاوي في تفسيره: ١/ ٧٧، والماوردي: ١/ ١١٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.\n(٧) هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزماني (من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل) رواها أبو تمام في الوحشيات رقم ١٣٠، ورواها الجاحظ في الحيوان ٤: ٢٨١، وجاء فيه: \" قال الزيادي \" وهو تحريف وتصحيف كما ترى. وهذه الأبيات من مناقضة كانت بين الزماني ويحيى بن أبي حفصة. وذلك أن يحيى تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فهاجاه عصام الزماني وقال:\nأَرَى حَجْرًا تغيَّر واقشعرَّا ... وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرًّا\nفأجابه يحيى بأبيات منها:\nألا مَنْ مُبلغٌ عنِّى عِصَامًا ... بأَنِّي سَوْفَ أَنْقُضُ مَا أَمرَّا\nهكذا روى المرزباني في معجم الشعراء: ٢٧٠، وروى أبو الفرج في أغانيه ١٠: ٧٥ أن يحيى خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقري ابنته وأختيه، فأنعم له بذلك. فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل، فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر، (وهو مكان).\nوأبيات عصام الزماني، ونقيضتها التي ناقضه بها يحيى، من جيد الشعر، فاقرأها في الوحشيات، والحيوان، والشعر والشعراء: ٧٤٠، ورواية الحيوان والوحشيات \" بِيعَتْ بوَكْسٍ قَليلٍ واسْتَقَلَّ بِهَا \"\nالوكس: اتضاع الثمن في البيع. وفي المخطوطة والمطبوعة \" بكسر لئيم \"، وهو تحريف لا معنى له، وأظن الصواب ما أثبت اجتهادًا. والكسر: أخس القليل. وقوله: \" بيعت \" الضمير لابنة مقاتل بن طلبة المنقري التي تزوجها يحيى أو أحد بنيه. يقول: باعها أبوها بثمن بخس دنئ خسيس، فزوجها مستغيثًا ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة، فزوجها هذا الغنى اللئيم الدنيء، ليستعين بمهرها.\n(٨) انظر: البيت في: الزاهر: ١/ ١٤٠، وتهذيب اللغة: (ركع) ١/ ١٤٦٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٦٨ ب، \"المجمل\" (ركع) ٢/ ٣٩٧، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٣٥، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٥، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩٣، \"ديوان لبيد\" مع شرحه ص ١٧١.\n(٩) البيت للطرماح، ويروى:\nوَلَكِنيِّ أَسِيرُ العَنْسَ يَدْمَى ... أَظَلاَّها ................\nالعيس: الإبل، الأَظَل: باطن مَنْسم الناقة والبعير، ويدمى أظلاها من شدة السير، الحزون: جمع حزن، ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة، فهي تعثر وتقع في الحزون: فقال: تركع على التشبيه، انظر: \"العين\" ١/ ٢٢٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩٦، \"ديوان الطرماح\" ص ٥٣٢. [حاشية التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٧].","vol":"2","page":228},{"text":"وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها وَترْكَعُ بِالْحُزُون\nأي تنكب لوجوهها\" (١).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وجهين (٢):\nأحدهما: أنه أراد جملة الصلاة، فعبر عنها بالركوع، كما يقول الإنسان: فَرَعْتُ من ركوعي، أي من صلاتي.\nوالثاني: أنه أراد الركوع الذي في الصلاة، لأنه لم يكن في صلاة أهل الكتاب ركوعٌ (٣).، فأَمَرَهُم بما لا يفعلونه في صلاتهم.\nوأجمَعوا على أن الركوع والسجود في الصلاة فرضان (٤)، قال ابن المنذر: \"وأجمَعوا على أن القادر لا تُجزئه الصلاة إلا أن يركع أو يسجد\" (٥).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعًا كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوعًا؛ وقد دلّ على ذلك أيضًا قول الله تعالى لمريم: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع، وسجود.\n٢ ومنها: أن الأمم السابقة عليهم زكاة؛ لأنه لابد من الامتحان بالزكاة؛ فإن من الناس من يكون بخيلًا. بذل الدرهم عليه أشد من شيء كثير.؛ فيُمتحَن العباد بإيتاء الزكاة، وبذلِ شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم؛ ولهذا سميت الزكاة صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها.\n٣ ومنها: الإجمال في موضع، وتبيينه في موضع آخر؛ لقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) ولم يبين مقدار الواجب، ولا من يدفع إليه، ولا الأموال التي فيها الزكاة؛ لكن هذه الأشياء مبينة في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثال إلا ببيانها.\n٤ ومنها: جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين)\n٥ ومنها: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾؛ هكذا استدل بها بعض العلماء؛ ولكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾: والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذًا لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن. الحمد لله. وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ﵃.\nالقرآن\n﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]\nالتفسير:\nكيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، وتتركوا أنفسكم فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله.\nفي سبب نزول الآية قولان (٦):\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٧، وانظر: تهذيب اللغة: (ركع) ١/ ١٤٦٢، والزاهر: ١/ ١٤٠، ومقاييس اللغة: (ركع) ٢/ ٤٣٤، واللسان: (ركع) ٣/ ١٧١٩.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦، والنكت والعيون: ١/ ١١٣ - ١١٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٣٣.\n(٤) انظر: اختلاف الأئمة العلماء؛ لابن هبيرة: ١/ ١١٤.\n(٥) الإجماع: ٤٢.\n(٦) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٤، ذكر رواية ابن عباس فقط، وانظر: اللباب: ١٩، والدر المنثور: ١/ ١٥٦، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، وتفسير الطبري: ٢/ ٨.","vol":"2","page":229},{"text":"أحدهما: عن قتادة، أن الآية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، نزلت في بني اسرائيل، إذ \"كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله (١). وروي عن ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وابن جريج (٤)، نحو ذلك.\nوالثاني: قال ابن زيد: \" هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]، أي: \" أتأمرون الناس بطاعة الله\" (٦).\nقال الثعلبي: البر: \"الطاعة والعمل الصالح\" (٧).\nقال ابن عطية: البر: \" يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر\" (٨).\nقال السعدي: البر: \" أي: بالإيمان والخير\" (٩).\nقال أبو حيان: \" الهمزة: للاستفهام وضعًا، وشابها هنا التوبيخ والتقريع لأن المعنى: الإنكار، وعليهم توبيخهم على أن يأمر الشخص بخير، ويترك نفسه ونظيره في النهي، قول أبي الأسود (١٠):\nلا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ\nوقول الآخر (١١):\nوابدأ بِنَفسِكَ فانَهها عَن غِيِّها فَإن انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ\nفيقبح في العقول أن يأمر الإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، أي: \"وتتركون أنفسكم\" (١٣).\nقال ابن عباس: \" أي: تتركون أنفسكم\" (١٤).\nقال ابن عطية: \"بمعنى تتركون، كما قال الله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] \" (١٥).\nقال البيضاوي: أي: \"وتتركونها من البر كالمنسيات\" (١٦).\nقال الطبري: \" وتتركون أنفسكم تعصيه؟ . ومعنى \" نسيانهم أنفسهم \" في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه\" (١٧).\nقال السعدي: \" أي: تتركونها عن أمرها بذلك\" (١٨). أي الإيمان والخير.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٨٤٣): ٢/ ٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٤٠)، و(٨٤١): ص ٢/ ٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٤٢): ص ٢/ ٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٤٤): ص ٢/ ٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٤٥): ٢/ ٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(٩) تفسير السعدي: ٥١.\n(١٠) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.\n(١١) منسوب الى أبي الأسود الدؤلي، انظر: الخزانة: ٣/ ٦١٨.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ١٥٣.\n(١٣) فتح القدير: ١/ ٧٧.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٩): ١/ ١٠٢.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.\n(١٧) تفسير الطبري: ٢/ ٩.\n(١٨) تفسير السعدي: ٥١.","vol":"2","page":230},{"text":"واختلف أهل التفسير في معنى (البر) في هه الآية على ثلاثة أقوال (١):\nأحدها: أن (البِرِّ)، هو عهد الله إلى بني اسرائيل في تصديق الرسول محمد -ﷺ- والدخول في الإسلام. إذ كان أهل الكتاب يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم، ويتركونه بجحود ما فيه من نبوَّة محمدٍ -ﷺ-، وهو قول ابن عباس (٢) -﵁-.\nوالثاني: أن (البِرِّ)، هو طاعة الله وتقواه، إذ كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر والصوم والصلاة، وهم يعصونه. والسدي (٣)، وقتادة (٤)، وابن جريج (٥).\nوالعرب قد يعبر بالبر عن الطاعة، قال الشاعِرُ:\nلاهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرٍ دُونَكَا ... يَبرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا\nأي يُطِيعونك.\nوالثالث: أن (البِرِّ)، هو الأمر بالحق لدى اليهود، إذ كان هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فنزلت الآية. روي ذلك عن ابن زيد (٦).\nقلت: وجميع هذه الأقوال صحيحة، وإن اختلف أهل التفسير في صفة (البر) الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، لكنه لا خلاف بينهم على أن اليهود كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل، \"وهم لا يفعلونه\" (٧).\nوتجدر الإشارة بأن كلمة (البر) وردت في القرآن على وجوه (٨):\nأحدها: (البَرّ) - بالفتح – خلاف البحر، قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣]، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].\nوالثاني: (البِرّ) – بالكسر – الإحسان – ويظهر فيه التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة، والبر في الصدق، لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله، وبر في يمينه، وقول الشاعر (٩):\nأكون مكان البر منه ودونه ... وأجعل مالي دونه وأوامره\nقيل: أردا به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدم، أي: يحبني محبة البر.\nويقال: بر أباه فهو بار وبر مثل: صائف وصيف، وطائف وطيف، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. وبر في يمينه فهو بار، وأبررته، وبرت يميني، وحج مبرور أي: مقبول، وجمع البار: أبرار وبررة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨ ومابعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٤٠)، و(٨٤١): ص ٢/ ٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٢٤٣): ص ٢/ ٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٤٣): ٢/ ٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٤٤): ص ٢/ ٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٤٥): ٢/ ٨.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٧.\n(٨) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني: ٦٤.\n(٩) البيت لخداش بن زهير وهو بتمامه وهو في تاج العروس (بر)؛ والمجمل ١/ ١١٢؛ واللسان (برر)؛ وليس في شعره، وذكر جامع ديوانه بيتا له من نفس القافية والبحر؛ وهو في شمس العلوم ١/ ١٢٣)","vol":"2","page":231},{"text":"لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، وقال في صفة الملائكة: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]، فبررة خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار، فإنه جمع بر، وأبرار جمع بار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلا أبلغ من عادل (١).\nوالثالث: (البُرّ) – بالضم – الحب المعروف في الغذاء (القمح) لأنه أوسع ما يحتاج إليه في الغذا، والبرير خص بثمر الأراك ونحوه، وقولهم: لا يعرف الهر من البر (انظر مجمع الأمثال ٢/ ٢٦٩)، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت. والصحيح أن معناه لا يعرف من يبره ومن يسيء إليه.\nوالرابع: (البَرُّ) – بالفتح – من أسماء الله تعالى، أي فاعل البر وهو المحسن، والبر الذي بصدد الحديث عنه هنا هو البِرّ: بكسر الباء – مصدر مأخوذ من (ب رر) وهو في الأصل اسم لما يحصل به للمبرور النفع كما يطلق البر على الصلاح، الخير، الإحسان، الصدق الطاعة، الصلة، التقوى، الجنة، صلة الأرحام، حسن الخلق.\nوقد ذكر أهل التفسير أن (البر) في القرآن على ثلاثة أوجه:\nأحدها: البر: الصلة قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].\nوالثاني: (البر): الطاعة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].\nوالثالث: (البر): التقوى قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]\nومما جاء في بيان أوجه البر في السنة قوله ﷺ:\n- \"البر: حسن الخلق\" (٢).\n- \"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة\" (٣) أي الذي لا يخالطه شيء من المآثم.\n-\"البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب\" (٤).\nوبهذا نعلم أن (البر) في اللغة يطلق على كل اسم جامع للخير.\nوقد اختلف العلماء في تعريف البر الاصطلاحي اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد فمنهم من قال: البر: الصلاح، ومنهم من قال: البر: الخير، ومنهم من قال: البر: خير الدنيا والآخرة، ومنهم من قال: البر: سعة الإحسان والخير الكامل، لكن أجمع تعريف له من قال البر كلمة جامعة لكل أصناف الخير، فالبر في الاصطلاح: هو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صالح الأعمال وفاضل الأخلاق (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤]، أي وأنتم: \"تقرؤون التوراة\" (٦).\nقال الواحدي: \" أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد -ﷺ- ونعته\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي تتلون التوراة، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل (٨).\n_________\n(١) انظر: الإتقان للسيوطي ١/ ٢٥٣؛ والبرهان للزركشي ٤/ ١٨.\n(٢) أخرجه مسلم في البر والصلة باب تفسير البر والإثم، رقم ٢٥٥٣.\n(٣) أخرجه البخاري في أبواب العمرة باب وجوب العمرة وفضلها، ٢/ ٦٢٩، رقم ١٦٨٣، ومسلم في الحج، باب في فضل الحج والعمرة، ٢/ ٩٨٣ رقم ١٣٤٩.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٢٦٩، والدارمي في سننه ٢/ ٦٩٦.\n(٥) انظر: البر في القرآن وأثره في حياة المكلفين، ادريس حامد محمد علي، مجلة جامعة الملك سعود، م ١٧، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية (٢)، ص: ٩٩٧ - ١٠٥٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.\n(٧) التفسير الوسيط: ٢/ ٤٤٩.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.","vol":"2","page":232},{"text":"قال ابن عثيمين: \" والجملة هنا حالية. أي والحال أنكم تتلون الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك ﴿تنسون أنفسكم﴾ أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر\" (١).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وجهين (٢):\nأحدهما: معناه: وأنتم تدرسون وتقرءون الكتاب وهو التوراة. قاله ابن عباس (٣).\nوالثاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وأنتم: تتبعون الكتاب، أي في الاقتداء به.\nقال ابن عطية: والتوراة \" تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، \" يعني: أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم.؟ ! \" (٥).\nقال ابن عباس: \"يقول: أفلا تفهمون؟ فنهاهم عن هذا الخلق القبيح\" (٦).\nقال الثعلبي: \"أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم\" (٧).\nقال البيضاوي: ﴿أفلا تعقلون﴾ \" قبحَ صنيعكم، فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته\" (٨).\nقال الزمخشري: \"توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه. ونحوه ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] \" (٩).\nروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: ﴿أفلا تعقلون﴾،: قال: \"أفلا تتفكرون\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" والعقل: الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" و\"العقل\" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف. وهو إدراك الأشياء، وفهمها.؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد. وهو أن يحسن الإنسان التصرف.؛ وسمي إحسان التصرف عقلًا؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه\" (١٢).\nقال الراغب: \" وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما، قوله: ﴿وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهًا - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله، فذلك منبئ عن الجهل\" (١٣).\nوالعَقْل: \"يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ. وإلى الأوّل أشار ﷺ بقوله: «ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل» (١٤)، وإلى الثاني أشار بقوله: «ما\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٤٧): ص ٢/ ٩ - ١٠. ولفظه: \" تدرسون الكتاب بذلك. ويعني بالكتاب: التوراة\".\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٤٨): ص ٢/ ١٠.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨. وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧. نقل كلام الثعلبي.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٣٣.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٤): ص ١/ ١٠١.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٦.\n(١٤) الحديث عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنّ الله لما خلق العقل قال له: أقبل: فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي».\nقال ابن تيمية: إنه كذب موضوع باتفاق، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم بإسنادين ضعيفين. انظر: الإحياء مع تخريجه ١/ ٨٣، وحلية الأولياء ٧/ ٣١٨، وكشف الخفاء ١/ ٢٣٦.","vol":"2","page":233},{"text":"كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرّدّه عن ردى» (١)، وهذا العقل هو المعنيّ بقوله: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]، وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل، نحو: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، إلى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ونحو ذلك من الآيات، وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل. وأصل العَقْل: الإمساك والاستمساك\" (٢).\nوالعقل أصله: المنع (٣)، وعقل الإنسان هو \"تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلًا لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه، ومن هذا سميت الدية عقلًا لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل الجاني، أي منعته\" (٤).\nوقال السعدي: \" وهذه الآية، وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة\" (٥).\nوقد روى أحمد وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \" رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب \" (٦).\nقال القرطبي: فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك؛ لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه ; قال رسول الله ﷺ: \" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه \" (٧) \" (٨).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي ﷺ \"أنه يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه\". و\"الأقتاب\" هي الأمعاء. \"فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه\" (٩)؛ فهو من أشد الناس عذابًا. والعياذ بالله ..\nفإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه: \"لا تأمر، ولا تنهَ\"؟\n_________\n(١) الحديث عن عمر قال: قال رسول الله: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويردّه عن ردى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله» ا. هـ. قال العراقي: أخرجه ابن المحبّر في العقل، وعنه الحارث بن أبي أسامة. انظر: الإحياء ١/ ٨٣. قلت: داود بن المحبّر كذّاب، وقال ابن حجر: وأكثر (كتاب العقل) الذي صنّفه موضوعات. مات سنة ٢٠٦ هـ. انظر: تقريب التهذيب ص ٢٠٠.\n(٢) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: ٥٧٧ - ٥٧٨.\n(٣) أنظر: مقاييس اللغة: ٤/ ٦٩.\n(٤) التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (عقل) ١/ ٢٥٢٤، وانظر: \"اللسان\" (عقل) ٥/ ٣٠٤٧.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٦.\n(٦) رواه احمد وأبو يعلى بسند صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: (١/ ٥٨٥) برقم (٢٩١)\n(٧) أخرجه ابن ماجه في سننه (قال الألباني في الضعيفة (٤/ ١٣٨ برقم ١٦٣٤): ضعيف الإسناد جدا.)\n(٨) تفسير القرطبي: ١/ ٣٦٦.\n(٩) أخرجه البخاري ص ٢٦٤، كتاب بدء الخلق، باب ١٠: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم ٣٢٦٧؛ وأخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد والرقائق، باب ٧: من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، حديث رقم ٧٤٨٣ [٥١] ٢٩٨٩.","vol":"2","page":234},{"text":"فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر.\nثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكرًا لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه.\n٢ ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به، أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالًا من الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه. أن العالم إذا خالف صار أشد لومًا من الجاهل.؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكرًا قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟ ! أو إذا ترك واجبًا قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟ ! .\n٣ ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾.\n٤ ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم. والعياذ بالله ..\nالقرآن\n﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]\nالتفسير:\nواستعينوا في أموركم كلها بالصبر، وكذلك الصلاة، وإنها لشاقة ثقيلة إلا على الخاشعين الذليلين لأمر الله.\nقوله تعالى: ﴿﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، \"أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة\" (١).\nقال ابن جريج: \" إنهما معونتان على رحمة الله\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم - من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد ﷺ - بالصبر عليه والصلاة\" (٣).\nقال الواحدي: \" استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة\" (٤).\nقال النسفي: أي: استعينوا على حوائجكم إلى الله، بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها\" (٥).\nقال الجصاص: \" ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة\" (٦).\nقال الراغب: وخصها [أي الصلاة] برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر\" (٧).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦٠.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٥٤): ص ٢/ ١٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ١٠ - ١١.\n(٤) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٢.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.\n(٦) أحكام القرآن: ١/ ٣٩.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٧.","vol":"2","page":235},{"text":"وقال المفسرون وأصحاب المعاني: \"إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] \" (١).\nواختلف أهل التفسير في معنى (الصبر) في هذه الآية على قولين (٢):\nأحدهما: أن الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو المعنى المشهور للصبر، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: \"اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر\" (٣)، أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، وكذلك لو حبسَ رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي (٤)، قال عنترة (٥):\nفَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ\nوالثاني: أن المراد به هنا: الصوم. قاله مجاهد (٦)، والصوم بعض معاني الصبر، ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث (٧).\nوالأول هو الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم (٨).\nو(الصبر): \"حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (٩)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (١٠):\nقُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِدًا: ... وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ\nوالمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (١١):\nفَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ... تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ\nيقول: حَبَست نفسًا صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (١٢).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٦.\n(٢) انظر تفسير الطبري: ٢/ ١١.\n(٣) الحديث ذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\" بدون سند، وفي الهامش قال المحقق: زاد في (ر). قال سمعت عبد الله بن المبارك يحدثه عن إسماعيل بن أميه يرفعه. \"غريب الحديث\" ١/ ١٥٥، وذكره الثعلبي ١/ ٦٩ أ، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" عن أبي عبيد ٢/ ١٩٧٢، وهو في \"الفائق\" ٢/ ٢٧٦، \"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ٨، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي ١/ ٥٧٨، وذكره في \"كنز العمال\" عن أبي عبيدة عن إسماعيل بن أمية مرسلا، ١٥/ ١٠.\n(٤) انظر التفسير البسيط: ٢/ ٤٥١.\n(٥) البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٥٥، \"تهذيب اللغة\" (صبر) ٢/ ١٩٧٢، \"مقاييس اللغة\" (صبر) ٣/ ٣٢٩، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ أ، \"اللسان\" (صبر) ٤/ ٢٣٩١، و(عرف) ٥/ ٢٨٩٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣١٧، \"فتح القدير\" ١/ ١٢٤، \"ديوان عنترة\" ص ٢٦٤. يقول:: صبرت عارفة: أي حبست نفسًا عارفة لذلك، أي نفسه، والعارفة الصابرة، ترسو: أي تثبت وتستقر، تطلع: تطلع نفس الجبان إلى حلقه من الفزع والخوف.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٠): ص ١/ ١٠٢. ونقله ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٥١.\n(٧) ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ\" (مسند أحمد (٧٥٦٧، ٨٩٦٥)، ومسلم (١١٦٢) واللفظ للإمام أحمد.)، وأخرج الإمام أحمد عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وذكر الحديث أن النبي ﷺ قال: صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ\". (مسند الإمام أحمد (٢٢٩٦٥)، وروى النسائي عن الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صمْ شهرَ الصبرِ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهر\". (سنن النسائي (٢٧٥٦)، انظر صحيح الجامع (٣٧٩٤).\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١١. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥١.\n(٩) انظر تفسير الطبري: ٢/ ١١.\n(١٠) يوانه بشرح أبي سعيد السكري: ١٧٦. وهو في اللسان (صبر)، والجامع: ١٤٤. وفيه (ويلك) بدل (ويحك)، والإقناع: ٥٤ وفيه (به) بدل (بها)، والعروض لابن جني: ٨٠\n(١١) ديوانه: ٨٩ من أبيات، يقول قبله، يذكر الغراب، ويتشاءم به:\nإنَّ الذينَ نعيْتَ لي بفِراقهمْ ... قد أسْهرُوا لَيْلي التّمامَ فأَوْجعوا\nوَعَرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِي إنْ تَأتِنِي ... لا يُنْجِنِي مِنْهَا الفِرَارُ الأسْرَعُ\nفصبرتُ عارفة ً لذلكَ حرَّة ً ... ترسو إذا نفسُ الجبانِ تطلع\nوقوله (نفس عارفة)، أي: حاملة الشدائد صبور، إذا حملت على أمر احتملته، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة. و(ترسو)، تثبت. و(تطلع)، تنزو متلفتة إلى مهرب، أو ناصر، من الجزع والرعب.\n(١٢) انظر: اللسان: مادة (ص ب ر).","vol":"2","page":236},{"text":"وقال الراغب، الصبر ضربان: \"صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة \" (١).\nوفي الآية قدّم الصبر على الصلاة \"لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة\" (٢).\nو(الاستعانة) هي \"طلب العون؛ و\"الاستعانة بالصبر\" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة\" (٣).\nوفي الصبر المأمور به، قولان (٤):\nأحدهما: أنه الصبرُ على طاعته ومرضاته، والكف عن معصيته. قاله أبو العالية (٥).\nوالثاني: أنه الصوم، وهو قول مجاهد، وقد كان النبيُّ (ﷺ) إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، \"أي وإن الصلاة لشاقة صعبة الاحتمال إلا على المخبتين لله الخائفين من شديد عقابه\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، في تفسير قوله تعالى ﴿لكبيرة﴾، قال: \"لثقيلة\" (٨).\nوروي عن مجاهد في قوله: ﴿وإنها لكبيرة﴾، قال: الصلاة\" (٩).\nواختلف في عود الضمير ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]، على أقوال (١٠):\nأحدها: أنه يعود على ﴿الصلاة﴾؛ وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد (١١) والجمهور، واختاره الطبري، وأبو حيان وابن كثير والعكبري والقاسمي وغيرهم (١٢).\nواحتجوا بوجهين:\nالوجه الأول: لأن (الصلاة) أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع.\nوالوجه الثاني: وقالوا: خصصت الصلاة بذلك لعظم شأنها واستجماعها ضروبًا من الصبر.\nقال الثعلبي: \"لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولم يقل يرضوهما لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله، وقال الشاعر وهو حسّان (١٣):\nإنّ شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاص كان جنونا\nولم يقل يعاصيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه\" (١٤).\nالقول الثاني: أنه يعود على الصبر والصلاة، فأرادهما.\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٧.\n(٢) تفسير الآلوسي: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٧.\n(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١٥.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٨٥٣): ص ١/ ١٤.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٨٤٩): ص ١/ ١٢. أخرج عن حذيفة قال: \" كان رسول الله ﷺ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة \".\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٠٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧): ص ١/ ١٠٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٦): ص ١/ ١٠٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٦): ص ١/ ١٠٣.\n(١٢) انظر: جامع البيان للطبري: ٢/ ١٥، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١١٥، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٧٦، والوسيط للواحدي: ١/ ١٣١، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٨٥، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١١٣، وإملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٣٤، ومحاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ٢١٩، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٤٩.\n(١٣) البيت في: الصحاح: ١/ ٤٢٤، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩.","vol":"2","page":237},{"text":"واحتجوا بوجهين:\nالوجه الأول: إنما عاد على الصلاة مع أن الصبر مراد معها، لأنها الأغلب والأعم، كما في قوله﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، حيث رد الكناية إلى الفضة لأنها كذلك. وقيل: لأنها الأفضل والأهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] حيث رد الكناية إلى التجارة لأنها كذلك (١).\nقال الجصاص: \" فيه رد الضمير على واحد، مع تقدم ذكر اثنين\" (٢).\nالوجه الثاني: أراد بالضمير الصبر والصلاة، وإنما عادت الكناية إلى الصلاة، لكونها أقرب مذكور، ومنه قول الشاعر:\nَمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ\nواعترض السمين الحلبي على هذا التعليل، إذ قال: \"كذا قيل، وفيه نظر\" (٣).\nالقول الثالث: أنه يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: ﴿واستعينوا﴾؛ لأن الفعل ﴿استعينوا﴾ يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: ﴿اعدلوا﴾ أقرب للتقوى.\nقال الألوسي: أي: شموله للمذكورات قبل، وهي الصبر والصلاة (٤).\nوقد عبر ابن كثير، عن هذا القول فقال: \"ويحتمل أن يكون عائدًا-أي: الضمير-إلى ما دل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا وما يلقاها أي: يؤتاها إلا ذو حظ عظيم\" (٥).\nوهذا القول يفرق عن القول قبله؛ لأن الاستعانة بالصبر والصلاة على قضاء الحوائج وفعل الطاعات لاستجرارهما ذلك غير صبر العبد وأدائه للصلاة (٦).\nوالرابع: أن الكناية تعود إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهو عنها من قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠]، إلى قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ومشقة تلك الأمور عليهم ظاهرة (٧). ورجحه ابن عاشور قائلا بأنها: \" أوضح الأقوال وأجمعها\" (٨).\nوالخامس: أن الكناية راجعة إلى إجابة الرسول ﷺ، ونُسِبَ هذا القول للأخفش ولم يذكره في معاني القرآن عند هذه الآية (٩).\nوهذا القول ضعيف كسابقه، لأنه لا دليل عليه في الآية، ولم يسبق للكعبة ذكر.\nقال ابن عطية: \"وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه\" (١٠). وقد ضعفه الطبري (١١) كذلك.\nقال ابن عطية: \" وهذا أضعف من الذي قبله\" (١٢). وقد ضعفه الآلوسي (١٣) كذلك.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩.\n(٢) أحكام القرآن: ١/ ٣٩.\n(٣) أنظر: الدر المصون: ١/ ٢١٢، وانظر: النكت والعيون للماوردي: ١/ ١١٦، والبحر المحيط لأبي حيان ١/ ١٨٥.\n(٤) روح المعاني: ١/ ٢٤٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ١١٣.\n(٦) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٧٨، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٧٦، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٤٩، وقد قال به السمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١١٦، والواحدي في الوجيز: ١/ ١٠٣، وعزاه أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ١٨٥ للبجلي\n(٧) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٧٨، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٥٢، روح المعاني للألوسي: ١/ ٢٤٩.\n(٨) التحرير والتنوير: ١/ ٤٧٩.\n(٩) أنظر المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١١٦، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٨٥، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٤٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ١٥.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(١٣) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٤٩.","vol":"2","page":238},{"text":"والسادس: أن الكناية راجعة إلى الكعبة والقبلة المفهومة من ذكر الصلاة (١)، ذكره الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل (٢).\nوالسابع: أن الكناية راجعة إلى العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة (٣).\nوهذه الأقوال السبعة متفاوتة في القوة والضعف وأظهرها قول الجمهور؛ لأن القاعدة في العربية أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل، وقول من قال إن الكناية تعود على الاستعانة أو على جميع المذكورات قبل جائز، والأقوال الأخرى فيها نظر.\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]، وجهان:\nأحدهما: أن معناه: \"لشاقة ثقيلة على النفس، من قولك: كبر علىّ هذا الأمر، ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] (٤). وهذا قول الضحاك (٥)، وابن زيد (٦).\nوالثاني: أن معناه: \"لكبيرة القدر\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، أي: \" إلا على الذليلين لأمر الله\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده\" (٩).\nوقال الخازن: \"يعني المؤمنين، .. وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين، لأن من لا يرجو لها ثوابًا، ولا يخاف على تركها عقابًا فهي ثقيلة عليه\" (١٠).\nقال النسفي: \" لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم\" (١١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]،: اختلف في المعني بـ (الخاشعين) على وجوه (١٢):\nأحدها: المصدّقين بما أنزل الله. قاله ابن عباس (١٣).\nوالثاني: المؤمنين حقا. قاله مجاهد (١٤).\nوالثالث: الخائفين من الله. قال أبو العالية (١٥).\nوالرابع: المتواضعين. قاله مقاتل بن حيان (١٦).\nوالخامس: وقيل: الخاضعين لطاعته الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده (١٧).\nقلت وكل المعاني السابقة متداخلة وصحيحة، فيمكن القول بأن الخاشع لله هو: المتواضع لله والمستكين لطاعته والمتذلل من مخافته.\nوأصل (الخشوع): التواضع والتذلل والاستكانة، والإخبات (١٨)، ومنه قول جرير (١٩):\n_________\n(١) أنظر المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٧٦،\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٨): ص ١/ ١٠٣. ولفظه: \" صرفك من بيت المقدس إلى الكعبة، كبير ذلك على المنافقين واليهود\".\n(٣) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٥، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٨٥.\n(٤) أنظر: الكشاف: ١/ ١٣٤، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٨.\n(٥) تفسير الطبري (٨٥٦): ص ٢/ ١٥.\n(٦) تفسير الطبري (٨٥٥): ص ٢/ ١٥.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦١.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ١٦.\n(١٠) تفسير الخازن: ١/ ٤٧.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٣، وتفسير الطبري: ٢/ ١٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٥٦): ص ١/ ١٦.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٥٨): ص ١/ ١٦.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٨٥٧): ص ١/ ١٦.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٢): ص ١/ ١٠٣.\n(١٧) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٣.\n(١٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٧، وانظر: الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(١٩) ديوان جرير: ٣٤٥، والنقائض: ٩٦٩، وقد جاء منسوبا له في تفسيره (١: ٢٨٩/ ٧: ١٥٧ بولاق)، وطبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ٧٩، وسيبويه ١: ٢٥، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٨، والخزانة ٢: ١٦٦. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل، لما أضاف \" سور \" إلى مؤنث وهو \" المدينة \"، وهو بعض منها. قال سيبويه: \" وربما قالوا في بعض الكلام: \" ذهبت بعض أصابعه \"، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو قال: \" ذهبت عبد أمك \" لم يحسن. (١: ٢٥). وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه، فإن الزبير بن العوام ﵁ حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق، فرماه فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها \" خشع \". يريد عند موته، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله ﷺ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع.","vol":"2","page":239},{"text":"لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع\nقوله (الجبال الخشع): أي: متذللة لعظم المصيبة بفقد الزبير.\nقال الواحدي: \" أصل الخشوع في اللغة: السكون، قال الله تعالى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض، قال النابغة (١):\nوَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ\nومنه الحديث \"كانت الكعبة خُشعة على الماء\" (٢)، أي: ساكنة، وهذا أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز بالنبات، قال الله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة\" (٣).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم\" (٤).\nوفي الآية إشارة إلى فضيلة الصلاة، إذ إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: (والصلاة)؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر صلى (٥)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (٦).\nوالصلاة لا تكون عونًا للانسان، إلا إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله ﷿ الذي هو محبوبه، وأحب شيء\n_________\n(١) البيت في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، \"التهذيب\" (خشع) ١/ ١٠٣٤، \"اللسان\" (خشع) ٢/ ١١٦٦، والقرطبي ١/ ٣٢٠، \"ديوان النابغة\" ص ٥٣.\nمن قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره:\nرَمادٌ كَكُحِل العين لَأْيًا أُبِينُه\nيقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَايًا أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و(النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و(الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و(الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٣٤.\n(٥) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨، حديث رقم ٢٣٦٨٨؛ وأخرجه أبو داود ص ١٣٢١، كتاب الصلاة، باب ٢٢: وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث رقم ١٣١٩، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي: \"ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار\". ميزان الاعتدال (٣/ ٥٩٥) رقم ٧٧٤٧، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب ٩/ ٢٤١، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب: \"مجهور\"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليماني ولم يوثقه أحد ٣/ ٢٧٢، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن ٣/ ١٧٢.\n(٦) راجع البخاري ص ٢٣٤، كتاب الجهاد، باب ٨٩: ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب، حديث رقم ٢٩١٥؛ ومسلمًا ص ٩٩٠، كتاب الجهاد، باب ١٨: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم ٤٥٨٨ [٥٨] ١٧٦٣؛ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٦.","vol":"2","page":240},{"text":"إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ \"جعلت قرة عيني في الصلاة\" (١)؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عونًا له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إرشاد الله - ﵎ - عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة.\n٢ ومنها: جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أن به العون؛ فمثلًا إذا استعنت إنسانًا يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزًا؛ قال النبي ﷺ \"وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة (٣) \".\nأما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركًا: كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه.\n٣ ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور؛ قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله؛ والثاني: الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلًا وكفًا اختياريًا: فعل الطاعة؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط؛ لكنه أحيانًا يكون شديدًا على النفس؛ ولهذا جعل النبي ﷺ الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: \"إني أخاف الله\" (٤) في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإن كان الإمام العادل أفضل.؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خاليًا بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال: \"إني أخاف الله\"؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع لابد أن يقع. صبرت، أم لم تصبر: هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟ ! .\nالجواب: لا؛ إذًا كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم.\n٤ ومن فوائد الآية: الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وهذا مجرب. أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير.؛ ولهذا قال النبي ﷺ: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز\" (٥)؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك؛ إذًا ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمنًا كثيرًا؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولًا، ويتركه؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه؛ فليصبر: لنفرض أن إنسانًا من طلبة العلم همّ أن يحفظ: \"بلوغ\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٣/ ١٢٨، حديث رقم ١٢٣١٨؛ وأخرجه النسائي ص ٢٣٠٧، كتاب عشرة النساء، باب ١: حب النساء، حديث رقم ٣٣٩١، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح ٣/ ٥٧، حديث رقم ٣٩٤٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٧.\n(٣) سبق تخريجه ص ١٤.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٥٦٧ – ٥٦٨، كتاب الحدود، باب ١٩: فضل من ترك الفواحش، حديث رقم ٦٨٠٦؛ وأخرجه مسلم ص ٨٤٠، كتاب الزكاة، باب ٣٠: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم ٢٣٨٠ [٩١] ١٠٣١.\n(٥) أخرجه مسلم ص ١١٤٢، كتاب القدر، باب ٨: الإيمان بالقدر والإذعان له، حديث رقم ٦٧٧٤ [٣٤] ٢٦٦٤.","vol":"2","page":241},{"text":"المرام\"، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك: فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى هذا فقس.\n٥ ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿والصلاة﴾؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر صلى (١)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (٢).\nفإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عونًا للإنسان؟\nفالجواب: تكون عونًا إذا أتى بها على وجه كامل. وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله ﷿ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ \"جعلت قرة عيني في الصلاة\" (٣)؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عونًا له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة.\n٦ ومن فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة.\n٧ ومنها: أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين. ولا سيما الصلاة ..\n٨ ومنها: أن تحقيق العبادة لله ﷾ بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٦]\nالتفسير:\nالذين يوقنون أنهم ملاقو ربِّهم جلَّ وعلا بعد الموت، وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، \"أي الذين يتيقنون بأنهم سيلاقون الله ﷿؛ وذلك يوم القيامة\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه\" (٥).\nقال النسفي: \" أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨، حديث رقم ٢٣٦٨٨؛ وأخرجه أبو داود ص ١٣٢١، كتاب الصلاة، باب ٢٢: وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث رقم ١٣١٩، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي: \"ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار\". ميزان الاعتدال (٣/ ٥٩٥) رقم ٧٧٤٧، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب ٩/ ٢٤١، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب: \"مجهور\"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليماني ولم يوثقه أحد ٣/ ٢٧٢، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن ٣/ ١٧٢.\n(٢) راجع البخاري ص ٢٣٤، كتاب الجهاد، باب ٨٩: ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب، حديث رقم ٢٩١٥؛ ومسلمًا ص ٩٩٠، كتاب الجهاد، باب ١٨: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم ٤٥٨٨ [٥٨] ١٧٦٣؛ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٦.\n(٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٢٨، حديث رقم ١٢٣١٨؛ وأخرجه النسائي ص ٢٣٠٧، كتاب عشرة النساء، باب ١: حب النساء، حديث رقم ٣٣٩١، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح ٣/ ٥٧، حديث رقم ٣٩٤٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦٦، وانظر: تفسير السعدي: ٥١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٤.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.","vol":"2","page":242},{"text":"قال أبو العالية: \" الظن ها هنا يقين\" (١). وروي عن مجاهد (٢)، والسدي (٣)، والربيع بن أنس (٤)، وقتادة (٥)، وابن جريج (٦)، وابن زيد (٧)، مثل ذلك (٨).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن سعيد في قوله: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾، قال الذين شروا أنفسهم لله، ووطنوها على الموت\" (٩).\nقال الثعلبي: ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: \" يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أي أيقنت به\" (١٠).\nقال البغوي: أي: \" يستيقنون أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون\" (١١).\nقال الزمخشري: \" أى: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه\" (١٢).\nقال الراغب: \" وتخصيص ذكر (الظن) ها هنا، إعلام بأنهم في كل حال لا يأمنون الموت، ولو كان بدله العلم، لم يصح على الوجه الذي يصح فيه الظن، لأنك تقول: \" أظن أني أموت في كل حال، وأما قوله ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾، فهو نهاية في الذم، ومعناه: ألا تحصل لهم أمارة تنبههم على التفكر في ذلك - تنبيهًا أن هذا لا محالة مما تبين أمارته للإنسان إذا تأمل، أدني تأمل، وخاطب بالآيات عماء بني إسرائيل الآميرن غيرهم بالبر، الناسين أنفسهم بأن استعينوا في مدافعه هذه الحال بالصبر والتوصل به إلى الصلاة، فبها يصير الإنسان خاشغًا ملتزمًا للحق ممن ظهر منه\" (١٣).\nوفي مصحف عبد اللَّه: \" ﴿يعلمون﴾، ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك، ولذلك فسر «يظنون» بـ (يتيقنون) \" (١٤)، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة.\nقال الآلوسي: \" والمراد من (ملاقاة الرب) سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب- لكن من أين يعلم ما يختم به عمله- ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] \" (١٥).\nوقال النسفي: \" وفسر (اللقاء): بالرؤية، و﴿ملاقو ربهم﴾، بمعاينوه بلا كيف\" (١٦).\nوذكروا في معنى (ظن) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، قولان:\nأحدهما: أن الظن هنا بمعنى اليقين،: فكأنه قال: الذين يَتَيَقَّنُون أنهم ملاقو ربهم. وهذا قول الجمهور، حكاه ابن عطية (١٧).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣): ص ١/ ١٠٣، والطبري (٨٦١): ص ١/ ١٩.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٢): ص ١/ ١٩.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٤): ص ١/ ١٩.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٣.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٥): ص ١/ ١٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٦): ص ١/ ١٩.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٤): ص ١/ ١٠٤.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/! ٨٩.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٣٤.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٩.\n(١٤) الكشاف: ١/ ١٣٤.\n(١٥) روح المعاني: ١/ ٢٥١.\n(١٦) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.\n(١٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(١٨) ومنه قوله تعالى: - ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: ٢٨].\n- ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣].\n- ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].\n- ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].\nفي الآيات السابقة جاء الفعل (ظن) بمعنى الأعتقاد الجازم، وهو الأكثر استعمالا في الأسلوب القرآني وكلام العرب.","vol":"2","page":243},{"text":"وهو كثير عند العرب، وقد وردت من أشعار العرب أمثلة كثيرة على هذا النحو، فمن ذلك قول دريد بن الصمة (١):\nفقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد\nيعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم.\nوقول عميرة بن طارق (٢):\nبأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبا مرجما\nيعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما.\nقال الزجاج: \" الظن ههنا في معنى اليقين، والمعنى: الذين يوقنون بذلك ولو كانوا شاكين، كانوا ضُلالًا كافرين، والظن: بمعنى اليقين موجود في اللغة\" (٣). ثم استشهد ببيت دريد السابق.\nوالثاني: وحكى المهدوي وغيره: أن ﴿الظن﴾ في هذه الآية، يصح أن يكون على بابه، والمعنى: يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم، لإشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم (٤).\nقال ابن عطية: \" وهذا تعسف، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه\" (٥).\nوقد قال: بعض أهل العلم من المتقدمين: \"إن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده، وإِن كان قام في نفسك حقيقتُه\" (٦).\nقال الزجاج: \"وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد\" (٨).\nوقال بعض المفسرين: في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: \"إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين:\nأحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.\n_________\n(١) الأصمعيات: ٢٣، وشرح الحماسة ٢: ١٥٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٤٠، وسيأتي غير منسوب في ٢٥: ٨٣، وغير منسوب في ١٣: ٥٨ برواية أخرى: \" فظنوا بألفي فارس متلبب \". وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وهو عارض، المذكور في شعره. المدجج: الفارس الذي قد تدجج في شكته، أي دخل في سلاحه، كأنه تغطى به. والسراة جمع سري: وهم خيار القوم من فرسانهم. والفارسي المسرد: يعني الدروع الفارسية، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:\nإذا مشينا في الفارسي كما ... يمشى جمال مَصاعبٌ قُطُفُ\nالسرد: إدخال حلق الدرع بعضها في بعض. والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق. ينذر أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدوا من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله.\n(٢) نقائض جرير والفرزدق: ٥٣، ٧٨٥، والأضداد لابن الأنباري. ١٢ وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي، قالها في خبر له مع الحوفزان، ورواية النقائض: \" وأجلس فيكم. . . \"، و\" أجعل علمي ظن غيب مرجما \". وقبل البيت:\nفلا تأمرني يا ابن أسماء بالتي ... تجر الفتى ذا الطعم أن يتكلما\nذو الطعم \" ذو الحرم. وتجر، من الإجرار: وهو أن يشق لسان الفصيل، إذا أرادوا فطامه، لئلا يرضع. يعني يحول بينه وبين الكلام.\nوغزا الأمر واغتزاه: قصده، ومنه الغزو: وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه، والمرجم: الذي لا يوقف على حقيقة أمره، لأنه يقذف به على غير يقين، من الرجم: وهو القذف. هذا، والبيت، كما رواه في النقائض، ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين. ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٢٦.\n(٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ١٢٦. قال الزجاج: \" وهذا سمعته من إِسماعيل بن إِسحاق القاضي ﵀ رواه عن زيد بن أسلم\".\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٢٦.\n(٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.","vol":"2","page":244},{"text":"والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، \" أي معادهم إِليه يوم الدين\" (٢).\nقال أبو العالية: \" يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي في جميع أمورهم، كما قال تعالى: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠] \" (٤).\nقال النسفي: \" لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات\" (٦).\nقال السعدي: \" فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه\" (٧).\nواختلف في عود الضمير في قوله ﴿إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، على ثلاثة وجوه (٨):\nأحدها: أنه يعود على (الموت)، وأراد بالرجوع: الموت.\nوالثاني: أنه يعود على (الإعادة)، أي: أنهم راجعون بالإعادة في الآخرة، يعني: بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض. وهو قول أبي العالية (٩). واختاره الطبري (١٠).\nقال ابن عطية: \" وتقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨، الحج: ٦٦، الروم: ٤٠] \" (١١).\nوالثالث: أنه يعود إلى (الرب)، فهم راجعون إليه، أي: لا يملك أحد لهم ضرًّا ولا نفعًا غيره كما كانوا في بدءِ الخلق.\nوالراجح هو القول الأخير، لأن \"ظاهر الكلام والتركيب الفصيح أنه يعود إلى الرب، وأن المعنى: وأنهم إلى ربهم راجعون، وهو أقرب ملفوظ به\" (١٢).\nوقد اختلف في تفسير (الرجوع) الذي في قوله ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، وذكروا فيه وجهين:\nأحدهما: أن المراد: الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة. وهذا مذهب أبي العالية (١٣)، واختاره الطبري (١٤).\nوالثاني: أن المراد: الرجوع الى الله تعالى بالموت (١٥).\nوالراجح هو القول الأول، فالله تعالى أخبر في كتابه العزيز (١٦)، أن مرجعهم إليه بعد إحيائهم، وذلك يوم القيامة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) القول نسبه الواحدي إلى الأخفش، ولم اجده في معاني القرآن، كما ذكره الرازي، دون ذكر تحديد القائل، أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٦٢، ومفاتيح الغيب: ٢/ ٤٢٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥): ص ١/ ١٠٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦٦.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٤.\n(٧) تفسير السعدي: ٥١.\n(٨) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٥٧، والنكت والعيون: ١/ ١١٦.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥): ص ١/ ١٠٤، والطبري (٨٦٧): ص ١/ ٢٣.\n(١٠) انظر: تفسيره: ١/ ٢٣.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٨.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ١٥٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥): ص ١/ ١٠٤، والطبري (٨٦٧): ص ١/ ٢٣.\n(١٤) انظر: تفسيره: ١/ ٢٣.\n(١٥) انظر: تفسيره: ١/ ٢٣.\n(١٦) قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].","vol":"2","page":245},{"text":"قال أبو حيان: \" وليس في قوله: وأنهم إليه راجعون دلالة للمجسمة والتناسخية على كون الأرواح قديمة، وإنما كانت موجودة في عالم الروحانيات. قالوا: لأن الرجوع إلى الشيء المسبوق بالكون عنده\" (١).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات ملاقاة الله ﷿؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا اللقاء.\n٢ ومنها: إثبات رؤية الله ﷿، كما ذهب إليه كثير من العلماء؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية؛ فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا مطلوب؛ وإن لم يستقم الاستدلال فَثَمّ أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله ﷿ يوم القيامة.\n٣ ومنها: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم؛ وهذا يستلزم أمورًا:\nأولًا: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوف تخاف منه.\nثانيًا: مراقبة الله ﷿. المراقبة في الجوارح.؛ والخوف في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعون إلى الله، فسوف يخشونه في السرّ، والعلانية.\nثالثًا: الحياء منه؛ فلا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك.\nالقرآن\n﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]\nالتفسير:\nيا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي عليها، وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بجعل النبوة والملك من أسلافكم، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل.\nقال ابن عطية: \" قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين، بدلالة ما بعده، وأيضا فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ذكر أيادي الله وحسن خطابهم بقوله: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم، وفي الكلام اتساع\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٧]،]، \"أي يا أولاد إسرائيل\" (٣).\nو﴿إِسْرَائِيلَ﴾، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، إذ كان يدعى (إسرائيل) (٤).\nقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧]، أي: \" اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم\" (٥).\nقال الصابوني: أي: \"اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم\" (٦).\nقال ابن عثميمين: \" والمراد بـ \"النعمة\"- وإن كانت مفردة- جميع النعم، كما قال الله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] \" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧]، \" أي على أجدادكم\" (٨).\nقال الثعلبي: \" وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم فأورثهم ديارهم وأموالهم، وظلل عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه من حر الشمس، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وفجّر لهم اثني عشرة عينا، وأنزل عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في نعم من الله كثيرة لا تحصى\" (٩).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٥٧.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٨.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٥٣. وتنفسير القرطبي: ١/ ٣٣٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٨٥.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ٥٠١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٦.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٦.","vol":"2","page":246},{"text":"وروي \"عن قتادة: أن عمر بن الخطاب، كان إذا تلا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾، قال: مضى القوم، وإنما يعني به أنتم\" (١).\nوقد ذكر القرآن الكريم عشر نِعم أنعم الله ﷾ بها على بني إسرائيل وهي (٢):\n١ - نَجاتهم من فرعون؛ فقد كان يُذيقهم العذاب الشديد؛ يُذبّح الذكور مِنهم ويُبقي الإناث أحياء.\n٢ - عبور بَني إسرائيل للبحر الأحمر سالمين بعد تَهيئة الله ﷾ للطّريقِ اليابس في البحر ليسلكوه، وغرق فِرعون وجنوده.\n٣ - قبولُ الله ﷾ لتوبة بني إسرائيل وعَفوه عنهم.\n٤ - إنزال التّوراة على نبيّ الله موسى ﵊، ليَهتدوا بها، ويتدبّروها، ويسيروا على شرعها.\n٥ - التخلّص بشكلٍ جماعي من المجرمين بعد أن اتّخذ بنو إسرائيل العجل إلها، فعَبدوه من دونِ الله.\n٦ - إحياؤهم بعد موتهم الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم.\n٧ - وِقايتهم من حرّ الشّمس أثناء وجودهم في وادي التيه (الموجود بين الشام ومصر) مدّة أربعين سنة، وذلك من خلال سترهم بالسّحاب الأبيض الرقيق.\n٨ - إنعام الله ﷾ على بني إسرائيل بأنواع كثيرة من الطّعام والشّراب كالمنّ، والسلوى.\n٩ - الإنعام عليهم بعد خروجهم من التّيه بدخول القرية، قال جمهور العلماء بأنها بيت المقدس، وقيل بأنّها أريحا من بيت المقدس.\n١٠ - الإنعام عليهم بسقياهم؛ حيث إنّهم طلبوا من نبيّ الله موسى ﵇ السقيا، فأمره الله أن يضرب بعَصاه أي حجر فانفجرت منه المياه بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عينًا، لكلّ جماعةٍ منهم عين يَشربون منها.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]، \" أي وأعطيتكم الفضل والزيادة على غيركم من الشعوب\" (٣).\nقال الزمخشري: أي\" على الجم الغفير من الناس\" (٤).\nقال الثعلبي: \" يعني عالمي زمانكم\" (٥).\nقال قتادة: \" فضلهم على عالم ذلك الزمان\" (٦). وروي عن مجاهد (٧)، وابن زيد (٨) مثل ذلك.\nوقال أبو العالية: \" بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما\" (٩).\nقلت: ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن أمة محمد - ﷺ - هي أفضل الأمم على الإطلاق، والمقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، وهي:\nأحدها: إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله ﷾ في سورة الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦): ص ١/ ١٠٤.\n(٢) انظر: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، سوريا، ط ٢: ١/ ١٦٠ - ١٦٨.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٠٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٦٨): ص ٢/ ٢٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٧٠): ص ٢/ ٢٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٧٢): ص ٢/ ٢٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.","vol":"2","page":247},{"text":"والثاني: المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله ﷾ عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهًا لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].\nوالثالث: المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله ﷾: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. وبه قال قتادة (١)، ومجاهد (٢)، وابن زيد (٣)، وأبو العالية (٤). وهذا مذهب الجمهور.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمدًا ﷺ\n٢ ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أنعمت عليكم﴾.\n٣ ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١]؛ و\"الأرض المقدسة\" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ والله ﷾ يقول: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال موسى لقومه: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ثم قال: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ إذًا المتقون هم الوارثون للأرض؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي ﷺ صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون. لا العرب.؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عربًا هم أهلها؛ بل إن أهلها المسلمون بوصفهم مسلمين. لا غير وبوصفهم عبادًا لله ﷿ صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد. والعلم عند الله. في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبدًا؛ ولا يمكن أن يستردوها إلا باسم الإسلام على ما كان عليه النبي ﷺ، وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ ومهما حاول العرب، ومهما ملؤوا الدنيا من الأقوال والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبدًا حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلام. بعد أن يطبقوه في أنفسهم.؛ فإن هم فعلوا ذلك فسوف يتحقق لهم ما أخبر به النبي ﷺ \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ\" (٥)؛ فالشجر، والحجر يدل المسلمين على اليهود يقول: \"يا عبد الله\". باسم العبودية لله.، ويقول: \"يا مسلم\". باسم الإسلام.؛ والرسول ﷺ يقول: \"يقاتل المسلمون اليهود\"، ولم يقل: \"العرب\".\nولهذا أقول: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبدًا؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلام؛ ومن شاء فليقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما عُلِّق بوصف فإنه يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ فإذا كنا عبادَ الله الصالحين ورثناها بكل يسر وسهولة، وبدون هذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلامِ الطويل العريض\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٦٨): ص ٢/ ٢٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٧٠): ص ٢/ ٢٤.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٧٢): ص ٢/ ٢٤.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٢٣٥، كتاب الجهاد والسير، باب ٩٤: قتال اليهود، حديث رقم ٢٩٢٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٨٤، كتاب الفتن، باب ١٨: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم ٧٣٣٩ [٨٢] ٢٩٢٢.","vol":"2","page":248},{"text":"الذي لا ينتهي أبدًا! ! نستحلها بنصر الله ﷿، وبكتابة الله لنا ذلك. وما أيسره على الله.! ونحن نعلم أن المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلام الزاهر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدائن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروم، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلام؛ ولذلك ليت شبابنا يعون وعيًا صحيحًا بأنه لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلام الحقيقي. لا إسلام الهوية بالبطاقة الشخصية.! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما كسرت الفُرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلمون إليهم؛ فسخَّر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشون على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشون على الماء كما يمشون على الأرض لا يغطي الماء خفاف الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدهم قيض الله له صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وهذا من آيات الله. ولا شك.؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى. ﵊. ولقومه، وصار يبسًا في لحظة، ومشوا عليه آمنين؛ قادر على ما هو أعظم من ذلك.\nفالحاصل أن بني إسرائيل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [الحشر: ١٤].\nويدل لذلك. أي أن المراد بقوله تعالى: ﴿فضلتكم على العالمين﴾ أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قوله تعالى في هذه الأمة أمة محمد ﷺ: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ فقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله ﷿ (١) ّ. وهذا أمر لا شك فيه، ولله الحمد.\n٤ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحدًا بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾، خصها بالذكر لأهميتها.\n٥ ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥].\nالقرآن\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٨]\nالتفسير:\nوخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.\nفي سبب نزول الآية: قال الزجاج: \" كانت إليهود تزعم أن آباءَها الأنبياء تشفع لها عند الله فأيئَسُهم اللَّه من ذلك\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: \" واخشوا عقاب يوم\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أي واحذروا يوما واخشوا يوما\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢، حديث رقم ٢٠٢٦٤؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٥٤، كتاب تفسير القرآن، باب ٣: ومن سورة آل عمران، حديث رقم ٣٠٠١؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٧، كتاب الزهد، باب ٣٤: صفة أمة محمد ﷺ، حديث رقم ٤٢٨٨، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن ٣/ ٣٢، حديث رقم ٢٣٩٩.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ١٢٨، وانظر: العجاب: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.","vol":"2","page":249},{"text":"قال ابن عثيمين: \" أي اتخذوا وقاية من هذا اليوم، بالاستعداد له بطاعة الله\" (١).\nقال الصابوني: \" أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: \" لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئًا من الحقوق\" (٣).\nقال أبو العالية: \"يعني: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا\" (٤).\nقال الطبري: أي\"لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره\" (٥).\nقال الثعلبي: \" أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني\" (٦).\nقال الواحدي: \" أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها. و﴿لا تجزي﴾، معناه: لا تقضي ولا يغني، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار: \"ولا تجزي عن أحد بعدك\" (٧)، معناه: ولا تقضي\" (٨).\nقال القرطبي: \"فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شي فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" و﴿نفس﴾ نكرة في سياق النفي، فيكون عامًا؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبدًا، حتى الرسول ﷺ لا يغني شيئًا عن أبيه، ولا أمه (١٠)؛ وقد نادى ﷺ\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٩): ص ١/ ١٠٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٣٢.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(٧) قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي ﷺ أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة مواضع، فأورده (٩٥٥) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و(٩٦٥) باب (الخطبة بعد العيد)، و(٩٦٨) باب: (التبكير إلى العيد)، و(٩٨٣) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و(٥٥٤٥) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و(٥٥٥٦) باب (قول النبي ﷺ لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و(٥٥٦٠) باب (الذبح بعد الصلاة). و(٥٥٦٣) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (١٩٦١) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (٢٨٠٠) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٨٢، ٢٩٨، ٣٠٣ كلهم عن البراء.\n(٨) التفسير البسيط: ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨. وذكره أبو عبيد عن الأصمعي. \"غريب الحديث\" ١/ ٤٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١/ ٦٠١.\n(٩) تفسير القرطبي: ١/ ٣٧٨.\n(١٠) قلت إن الكلام في والدا رسول الله ﷺ، فرع عن الكلام في حكم أهل الفترة، والفترة معناها كما قال ابن كثير: \"هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ\". [تفسير القرآن العظيم ٢/ ٣٥، وانظر: جمع الجوامع للسبكي ١/ ٦٣ وروح المعاني للآلوسي ٦/ ١٠٣].\nوقد قسّمهم أهل العلم إلى قسمين: القسم الأول: من بلغته الدعوة، والقسم الثاني: من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة، ويشمل القسم الأول نوعين:\nأولا: من بلغته الدعوة ووحّد ولم يشرك كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل. (انظر: البداية والنهاية ٢/ ٢٣٠ وفتح الباري ٧/ ١٤٧].\nثانيا: من بلغته الدعوة ولكنه غيّر وأشرك كعمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم، والذي قال فيه النبي ﷺ: \" رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجرّ قصبه في النار \". [رواه البخاري (٣٥٢١) ومسلم (٢٨٥٦)].\nوقد جاء النص عن النبي ﷺ بأن والديه في النار، روى مسلم (٢٠٣) أن رجلًا قال: \"يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار\".\nوفي شأن أمه قال ﵊: \"استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي \". [رواه مسلم (٩٧٦)].\nيقول النووي ﵀ – شارحًا الحديث الأول: \" فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم \". [شرح صحيح مسلم ٣/ ٧٩].\nهذا وقد قال بعض أهل العلم منهم القرطبي، والحافظ جلال الدين السيوطي، القاضى أبو بكر ابن العربى أحد أئمة المالكية، والشيخ محمد بخيت، والدكتور محمد فؤاد شاكر، وآخرون، بأنهما ناجيان من النار. [أنظر: التذكرة للقرطبى ١٣ - ١٥، والدر المنثور للسيوطي: ٢/ ٢٩٤، ومسالك الحنفا، ضمن الحاوى، ٢/ ١٣١، وفتاوى الأزهر فى فتوى الشيخ محمد بخيت فى شأن أهل الفترة التى بتاريخ ربيع الأول ١٣٣٨ هجرية - ٢٥ نوفمبر ١٩١٩ م، ودراسات فى علوم القرآن والسنة لفضيلة الدكتور ص ١١٥ - ١١٩].\nوقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته السادسة (السبل الجلية فى الآباء العلية) بقوله: \"إنى لم أدع أن المسألة إجماعية، بل هى مسألة ذات خلاف، غير أنى اخترت أقوال القائلين بالنجاة، لأنها أنسب بهذا المقام\" [السبل الجلية، ضمن مجموعة رسائل الإمام الحافظ جلال الدين السيوطى، فى تحقيق نجاة أبوى المصطفى ﷺ وأنهم من أهل الجنة فى الآخرة، تحقيق: حسين مخلوف: ص ١٩٠].\nواحتجوا من وجوه:\nأحدها: أن المراد بالأب، عمه أبو طالب والعرب تطلق الأب على العم، وجاء بذلك الاستعمال كتاب الله العزيز في موضعين:\nأحدهما: قطعي المتن قطعي الدلالة، وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣].\nوإسماعيل عمه قطعًا؛ فهو يعقوب بن سحاق بن إبراهيم.\nوالموضع الثاني: قطعي المتن لكنه ظني الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ (إلى أن قال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ([الأنعام: ٨٤ - ٨٦].\nفهو نص قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أبٌ للوط، وهو عمه على ما وردت به الأخبار، إلا أن هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ (يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ (، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.\nوعلى هذا القول: فإنه يحتمل أنه ﷺ، لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إن أباك في النار وولّى والحزن باد عليه، فقالصلى الله عليه وسلم: \" ردوه علي \" فلما رجع قال له: \" إن أبي وأباك في النار\".\nيحتمل أنه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم أبا لا سيما إذا انضمّ إلى العمومية التربية، والعطف والدفاع عنه.\nوبذلك: إن التحقيق في أبوي رسول الله ﷺ- أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يدركوا النذارة قبلهم، ولم تدركهم الرسالة التي من بعدهم. [من كتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجنكي الشنقيطي: ص ٤٠].\nوالثاني: احتجوا بأقوال أنكرها عامة أهل العلم، وحكموا بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة أو ضعيفة جدًا. [انظر: الحاوي للفتاوى ٢/ ٢٠٢].\nقلت: إن المسألة خلافية، وذلك لورود نصوص ظاهرها فيه شي من التعارض، كما أن هذه المسألة ليست من مسائل الاعتقاد ولا العمل، فلم ينشغل بها السلف، لكونها من فضول العلم، أريد أن أشير بأنه لا دليل ينص على أن كلمة (أبي)، تشير إلى والد الرسول (عبدالله) تحديدا، وذلك للاحتمالات المشار إليها، فالمسألة ظنية الدلالة، كما أن دعوى الإجماع في هذه المسألة دعوى عريضة ولا يخفى ما فيها، وكلام السيوطي ليس بالقوي، من التكلف. وأختم كلامي بقول الإمام الصنعاني﵀-: \"\n\"إن مسألة إيمان أبوي المصطفى -﵌- من مسائل الفضول، لا يخوض فيها من هو بمهمات دينه مشغول\". [جموع رسائل الصنعاني: رقم ٧].\nوالله تعالى أعلم.","vol":"2","page":250},{"text":"عشيرته الأقربين؛ فجعل ينادي كل واحد باسمه، ويقول: \"يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئًا .. \" (١)، مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]: تزول الأنساب\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في تعالى: ﴿لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٧]، وجوها (٣):\nأحدها: معناه: لا تُغنِي، كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني، وهو قول السدي (٤)، وسعيد بن جبير (٥) وأبي مالك (٦)، وقال به جماعة من أهل التفسير (٧).\nوالثاني: معناه لا تقضي، ومنه قولهم: جزى الله فلانًا عني خيرًا، أثابه عني وقضاه عني، وهو قول المفضل (٨)، وجماعة من أهل التفسير (٩).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٢١، كتاب الوصايا، باب ١١: هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ حديث رقم ٢٧٥٣؛ وأخرجه مسلم ص ٧١٦، كتاب الإيمان، باب ٨٩: في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين ...)، حديث رقم ٥٠٤ [٣٥١] ٢٠٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٢.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١٦ - ١١٧.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٧٤): ص ٢/ ٢٧.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٤.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٩): ص ١/ ١٠٤.\n(٧) منهم: ابن جرير في جامع البيان: ٢/ ٢٧، وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٨، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١١٦، ومكي بن أبي طالب في المشكل: ٩١، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ١١٤، والغرناطي في التسهيل: ١/ ٨٣، والعجيلي في الفتوحات الإلهية: ١/ ٥٠، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن: ٣٤.\n(٨) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ١١٦ - ١١٧.\n(٩) منهم: ابن قتيبة في غريب القرآن: ٤١، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٧٦، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٧٨ والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٩٠، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ٥٥، والنسفي في تفسيره: ١/ ٤٧، والخازن في لباب التأويل: ١/ ٤٣، والكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: ٢/ ٩٣٩، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ١٢١، والقاسمي في محاسن التأويل: ٢/ ١٢٠، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٤٨٤.","vol":"2","page":251},{"text":"ويسند هذا القول أن أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض (١).\nوالثالث: وقال بعضهم: ﴿لا تَجْزِي﴾ أي: لا تكفي (٢).\nوالرابع: وقيل: لا تُكافِئ (٣).\nوالأقرب من حيث اللغة هو القول الثاني، والمعنى في كل متقارب، والمراد: أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئًا. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وجوه من القراءة:\nأحدها: ﴿لَا تَجْزِي﴾، قرأ بها الجمهور.\nوالثاني: ﴿لا تُجزئ﴾، مضمومة (التّاء) مهموزة (الياء). قرأ بها أبو السماك العدوي، من (أجزأ، يجزي) إذا كفي (٤)، ومن ذلك قول الشاعر (٥):\nوأجزأت أمر العالمين ولم يكن ... ليجزي إلّا كامل وابن كامل\nقال الزمخشري: \"ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء\" (٦).\nوالثالث: وقرأ أبو السرار الغنوي: \"لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، \"أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبدًا\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم \"عن الحسن: في قوله: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾، فقال: يوم القيامة يوم لا ينفع فيه شفاعة شافع أحدا\" (٩). قال ابن أبي حاتم: \"يعني من الكفار\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا\" (١١).\nوقال أهل العلم: \"ليس معنى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف، ويقول امرؤ القيس (١٢):\nعَلَى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا\nأي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا (١٣):\nوَلا تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ ... لا يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا\nأي ليس هناك (ضب) فيكون منه انجحار\" (١٤).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٧، وتهذيب اللغة للأزهري: ١/ ١٤٢ - ١٤٣، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٤٥٦، والصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٠٢، ولسان العرب لابن منظور: ١/ ٦٢٠، وتاج العروس للزبيدي: ١٩/ ٢٨٤، والمفردات للراغب: ٩٣.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٠، وغريب القرآن لابن الملقن: ٥٣، وغيرها.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٠، وغريب القرآن لابن الملقن: ٥٣، وغيرها.\n(٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٠، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٣٣٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(٧) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٠): ص ١/ ١٠٥.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٥.\n(١١) الكشاف: ١/ ١٣٦.\n(١٢) يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي \"ديوان امرئ القيس\" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و(لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (لحف) ٢/ ١٥٩٨، (ساف) ٢/ ١١٣٢، (داف) \"الحجة\" ٢/ ٤٧، \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٦، \"الخصائص\" ٣/ ١٦٥، ٣٢١، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣١٨، \"اللسان\" (ديف) ٣/ ١٤٦٦، (سوف) ٤/ ٢١٥٣، \"الخزانة\" ١٠/ ٢٥٨، \"ديوان امرئ القيس\" ص ٦٤.\n(١٣) ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٦، \"الخصائص\" ٣/ ١٤٦، ٣٢١، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٧، يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار.\n(١٤) التفسير البسيط: ٢/ ٤٧٨.","vol":"2","page":252},{"text":"قلت: ظاهر الآية عدم قبول الشفاعة مطلقًا يوم القيامة لكنه بين في مواضع أخرى أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار\" وأن قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله ﷿\" (١)، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، والشفاعة لا تكون إلا بشرطين:\nاحدهما: أن يأذن الله بها.\nوالثاني: أن يكون راضيًا عمن شفع وعمن شفع له.\nكما قال تعالى:\n- ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n- ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].\n- ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧].\n- ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].\n- ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].\nوقد أجمع أهل السنة والجماعة، أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافًا للمعتزلة، قالوا: الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين: طائفة أنكرت الشفاعة إنكارًا كليًا وقالوا: لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر آيات، وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة (٢).\nفمن نقل الإجماع عن السلف في إثبات الشفاعة الإمام أبو الحسن الأشعري حيث قال عن السلف أنهم: «أجمعوا على أن شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج من النار قومًا من أمته بعد ما صاروا حمما ً ..» (٣).\nونقل النووي عن القاضي عياض (٤) أنه قال عن الشفاعة: أجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها» (٥).\nوالشفاعة في اللغة: \"يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر» (٦)، تقول: كان وترًا فشفعته شفعًا (٧)، وشفع الوتر من العدد شَفْعًا: صيره زوجا. ويقال: ناقة شفوع، وهي التي تجمع بين مَحْلَبَيْن في حلبة واحدة.\nوفي اللسان:: شفع لي يشفع شفاعة وتشفّع: طلب (٨). ومعنى استشفعه طلب منه الشفاعة، أي قال له: كن لي شافعًا.\nوالشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره فيشفع به إلى المطلوب. يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه، واسم الطالب شفيع (٩). والشفيع: الشافع، والجمع شفعاء (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣.\n(٢) انظر: البحر المحيط: ١/ ١٦٠.\n(٣) أبو الحسن الأشعري- رسالة أصول أهل السنة والجماعة المسماة برسالة الثغر- ت د. محمد السيد الجليند (الرياض: دار اللواء، ١٤١٠ هـ) ط ٢، ص ٩٠.\n(٤) عياض بن موسي اليحصبي، أبو الفضل، عالم المغرب، فقيه، محدث، نسابة، ولي قضاء سبتة ومولده فيها، ثم قضاء غرناطة، توفي بمراكش سنة ٥٤٤ هـ. انظر: وفيات الأعيان ج ١، ص ٣٩٢، والأعلام للزركلي ج ٥، ص ٩٩.\n(٥) أبو زكريا يحيى بن شرف النووي -شرح صحيح مسلم- (القاهرة: المطبعة المصرية ومكتبتها) ج ٣، ص ٣٥.\n(٦) أبو الحسين بن فارس- معجم مقاييس اللغة- ت عبد السلام هارون- (بيروت: دار الجيل، ١٤١١ هـ) ط ١، ج ٣ ص ٢٠١.\n(٧) إسماعيل الجوهري- الصحاح- ت أحمد عبد الغفور- (بيروت: دار العلم للملايين، ١٣٩٩ هـ- تحقيق أحمد عبد الغفور عطار) ط ٢، ج ٣، ص ١٢٣٨.\n(٨) جمال الدين بن منظور- لسان العرب- (بيروت: دار صادر) ج ٨، ص ١٨٣.\n(٩) أحمد بن فارس- معجم مقاييس اللغة ج ٣، ص ٢٠١، الجوهري- الصحاح ج ٣، ص ١٢٣٨.\n(١٠) ابن منظور- لسان العرب ج ٨، ص ١٨٤ بتصرف.","vol":"2","page":253},{"text":"قال المبرد وثعلب: \"الشفاعة: كلام الشفيع الملك في حاجة يسألها لغيره\" (١)\nوقال ابن الأثير (٢) «يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تقبل شفاعته» (٣).\nوقال الراغب (٤) افي تعريف الشفاعة: \"أي من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعا ً له أو شفيعا ً في فعل الخير والشر، فعاونه وقوّاه، وشاركه في نفعه وضرّه» (٥).\nوقال: «الشفاعة: الانضمام إلي آخر ناصرًا له وسائلا ً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدني (٦).\nويقول السفاريني (٧) في توجيه ذلك: «فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له» (٨).\nوالشفاعة في الإصطلاع الشرعي: «هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم» (٩).\nوقال السفاريني: «هي سؤال الخير للغير» (١٠).\nنستنتج من التعريفين أن الأول منهما يحصر الشفاعة في دفع المضرة، والثاني يجعلها مقتصرة على جلب الخير، والحق أنهما متلازمان، فهي سؤال لدفع مضرة أو جلب منفعة، ولهذا عرفها القاضي عبد الجبار (١١) بأنها: «مسألة الغير أن ينفع غيره أو أن يدفع عنه مضرة» (١٢).\nوهذا تعريف جامع مانع يشتمل على الأمرين معا، ولا يختص بواحد منهما، بل يتعلق بأحدهما تارة، وبالآخر تارة أخرى، ويطلق هذا التعريف على الشفاعة بصفة عامة سواء ً كانت في أمور الدنيا أو الآخرة.\nفيمكن القول بأن الشفاعة: هي: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (١٣).\nواختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، على وجهين (١٤):\nأحدهما: أنه يعود على (النفس) المتأخرة. أي: لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع.\nوالثاني: أن يعود الضمير على (النفس) الأولى، أي: ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئًا شفاعة.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (شفع) ٢/ ١٨٩٧، وانظر: \"اللسان\" (شفع) ٤/ ٢٢٨٩.\n(٢) هو: على بن محمد الشيباني، أبو الحسن، عز الدين بن الأثير، المؤرخ، المحدث، الأديب، النسابة صاحب الكامل في التاريخ واللباب في تهذيب الأنساب وغيرها كثير، توفي ﵀ سنة (٦٣٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ج ٢٢، ص ٣٥٣، وشذرات الذهب ج ٥، ص ١٣٧، والأعلام – خير الدين الزركلي – دار العلم للملايين – بيروت، ج ٥، ص ١٥٢.\n(٣) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٨٥.\n(٤) لقبه الراغب الأصفهاني، وكثر الخلاف في اسمه، والأشهر أن اسمه الحسين، وعليه مشى جل من ترجم له، العلامة الماهر، احد أعلام العلم، ومشاهير الفضل، خلف تراثًا كبيرًا من المؤلفات، توفي سنة (٤٢٥ هـ). انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة – للسيوطي – تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – بيروت، ج ٢، ص ٢٩٧، تاريخ حكماء الإسلام - البيهقى – طبع بدمشق ١٩٤٦، ج ٢، ص ١١٢، ونزهة الأرواح ج ٢، ص ٤٤.\n(٥) مفردات ألفاظ القرآن: ٤٥٧.\n(٦) مفردات ألفاظ القرآن: ٤٥٧.\n(٧) هو محمد بن أحمد، أبو العون السفاريني النابلسي الحنبلي، محدث فقيه أصولي، ولد بسفارين من قرى نابلس، من تصانيفه الكثيرة: «البحور الزاخرة في علوم الآخرة» و«لوامع الأنوار البهية» وغيرها، توفي سنة ١١٨٨ هـ. انظر: الرسالة المستطرفة – محمد بن جعفر الكتاني – دار البشائر – بيروت، ص ٩٨، ومعجم المؤلفين – عمر رضا كحالة – مكتبة المثنى – دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج ٧، ص ٢٦٢.\n(٨) لوامع الأنوار البهية، السفاريني الحنبلي: ٢/ ٢٠٤.\n(٩) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٨٥.\n(١٠) لوامع الأنوار البهية: ٢/ ٢٠٤.\n(١١) هو: القاضي عبد الجبار بن أحمد، أبو الحسن الهمذاني، شيخ المعتزلة، ومن كبار الشافعية، ولي القضاء بالري، وله تصانيف كثيرة، منها طبقات المعتزلة، ودلائل النبوة، وغيرها، توفي سنة (٤١٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد – الخطيب البغدادي – مكتبة الخانجي – مصر، ج ١١، ص ١١٣، وطبقات الشافعية الكبري – تاج الدين السبكي – تحقيق الطناحي والحلو – القاهرة - ١٤٢٤ هـ، ج ٥، ص ٩٧.\n(١٢) انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: ٦٨٨.\n(١٣) انظر: القول المفيد شرح كتاب التوحيد: ١/ ٤٣٣.\n(١٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ١٦٠.","vol":"2","page":254},{"text":"والراجح أن الضمير في ﴿منها﴾ - عائد على نفس المتأخرة، لكونها أقرب مذكور. والله أعلم. وقال أبو حيان: \" وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى، لأنها هي المحدث عنها في قوله: ﴿لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة\" (١).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، على ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: ﴿وَلا يُقْبَلُ﴾، بالياء، قرأ بها نافع وابن عامر وحمزة والكسائيّ، وروي يحيى بن آدم وابن أبي أميّة والكسائي وغيرهم عن أبي بكر وحفص عن عاصم بـ (الياء).\nوالثاني: ﴿وَلا تُقْبَلُ﴾، بالتاء. قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو، وروى الحسين الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم بـ (التاء).\nوالثالث: ﴿ولا يقبلُ منها شفاعةً﴾، على بناء الفعل للفاعل وهو (اللَّه) ﷿، ونصب الشفاعة. قرأ بها قتادة (٣).\nوالقراءة بالبناء للمفعول أبلغ، \"لأنه في اللفظ أعم، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، \"أي لا يقبل منها فداء\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى فدية، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: \"لا يقبل منه صرف ولا عدل\" (٦)، أى: توبة ولا فدية\" (٧).\nواختلف في قوله تعالى ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] على أوجه (٨):\nأحدها: أن (العدل): الفدية، \" وسميت عدلًا لأن المفدي يعدل بها: أي يساويها\" (٩)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحديد: ١٥]. وهذا قول أبي العالية (١٠)، والسدي (١١)، وقتادة (١٢)، وابن زيد (١٣).\nوالثاني: أنه: البدل، والبدل: الفدية، قاله ابن عباس (١٤).أي \"رجل مكان رجل\" (١٥).\nوالثالث: أنه: وروي عن ابن عباس: \"أو حسنة مع الشرك\" (١٦).\nوالرابع: وروي عن علي، ﵁، في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وهذا قول غريب (١٧).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٦٠.\n(٢) انظر: السبعة: ١٥٤، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٣.\n(٣) أنظر: الكشاف: ١/ ١٣٦.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ١٦٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٦) متفق عليه، أنظر: صحيح البخاري (١٧٧١): ص ٢/ ٦٦٢، وسنن الترمذي (٢١٢٧): ص ٤/ ٣٨٢، والنسائي (٤٦٨٩): ص ٨/ ٤٠، وأبو داود (٤٥٣٩): ص ٤/ ١٨٣، وابن ماجة (٢٦٣٥): ٢/ ٨٨٠، ومسند الإمام احمد (٩٦٢): ص ١/ ١١٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ١٣٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤ - ٣٥. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ١٦١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨١): ص ٢/ ٣٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢): ص ٢/ ٣٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣): ص ٢/ ٣٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٨٥): ص ٢/ ٣٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤): ص ٢/ ٣٤.\n(١٥) البحر المحيط: ١/ ١٦١.\n(١٦) نقلا عن: البحر المحيط: ١/ ١٦١.\n(١٧) ينظر: تفسير ابن كثير ١: ٢٥٦، والسيوطي ١: ٦٨.","vol":"2","page":255},{"text":"والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، لما ورد عن النبي ﷺ أنه لما سئل ما العدل؟ فقال ﷺ: \"العدل الفدية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، \" أي: ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله\" (٢).\nقال البغوي: ولا هم\" يمنعون من عذاب الله\" (٣).\nقال الطبري: \" يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر\" (٤).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وجهين (٥):\nأحدهما: وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم.\nوالثاني: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية.\nوالراجح هو القول الأول، وهو الأقرب الى سياق الآية، إذ \"أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية - لمن استحق من خلقه عقوبته -، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه\" (٦).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: التحذير من يوم القيامة؛ وهذا يقع في القرآن كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾، وقوله تعالى: ﴿يومًا يجعل الولدان شيبًا﴾ [المزمل: ١٧].\n٢ ومنها: أنه في يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئًا. بخلاف الدنيا.: فإنه قد يجزي أحد عن أحد؛ لكن يوم القيامة: لا.\n٣ ومنها: أن الشفاعة لا تنفع يوم القيامة؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أن يشفع له؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة. وهي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقائد ..\n٤ ومنها: أن يوم القيامة ليس فيه فداء؛ لا يمكن أن يقدم الإنسان فداءً يعدل به؛ لقوله تعالى: (ولا عدل)\n٥ ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون﴾ [الصافات: ٢٥، ٢٦]؛ فلا أحد ينصر أحدًا يوم القيامة. لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم ..\nالقرآن\n﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه، وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب، فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم، وترك بناتكم للخدمة والامتهان، وفي ذلك اختبار لكم من ربكم، وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة، تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم.\nقوله تعالى ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، \"أي: واذكروا إذ أنقذناكم من آل فرعون\" (٧).\nقال ابن عطية: \" أي خلصناكم\" (٨).\nقال الطبري: أي: واذكروا إنعامنا عليكم، بإنجائناكم من آل فرعون (٩).\n_________\n(١) ضعيف، ولم أجده عن غير الطبري، نقله عنه ابن كثير ١: ٢٥٧، والسيوطي ١: ٦٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٩.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.","vol":"2","page":256},{"text":"قال الثعلبي: \" يعني أسلافكم وآباءكم فاعتدّها منّة عليهم لأنّهم نجوا بنجاتهم، ومآثر الآباء مفاخر الأبناء\" (١).\nقال البغوي: \" يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم\" (٢).\nقال الواحدي: \" ﴿نجيناكم﴾: أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، أي نلقيك على نجوة\" (٣).\nوقال الراغب: \"وأصل النجاء: طلب الخلاص، ويقال لمن عدا نجا، لكون العدو أحد أسباب التخلص، فإن الله تعالى جعل للحيوانات قوتين تزيل بهما الأذى، قوة بها تهرب مما يؤذيها، وقوة بها تدفع ما يؤذيها، فمن الحيوانات ما يختص بأحديهما، ومنها ما جعلتا جميعًا به، فإذًا: العدو أحد أسباب الخلاص، فصح أن يعبر عنه به\" (٤).\nوقرأ إبراهيم النخعي: ﴿وإذ نجّاكم﴾، على الواحد (٥).\nوقوله تعالى ﴿آل فرعون﴾ يقصد به: أهل دينه وقومه وأشياعه (٦)، وأتباعه وأسرته وعزته (٧)، \"ويدخل فيهم فرعون بالأولوية؛ لأنه هو المسلِّط لهم على بني إسرائيل\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وإنما نسب الفعل إلى آلِ فِرْعَوْنَ وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم\" (٩).\nواختلف أهل العربية في أصل كلمة (آل) على قولين (١٠):\nأحدهما: أن أصلها من (أهل)، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا (ماء) فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا: (مويه)، فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا: (أهيل)، وقد حكي سماعا من العرب في تصغير (آل): (أويل) (١١)، وقد يقال: \" فلان من آل النساء \" يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن (١٢)، كما قال الشاعر (١٣):\nفإنك من آل النساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى; لا وصال لغائب\nوالفرق بين الآل والأهل أن الآل يختص بالأشرف والأخص، دون الشائع الأعم، \" حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (١٤)، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق (١٥):\nنَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ طَلاقَةً ... سِوى رَبِذِ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٤٨٩، وانظر: تهذيب اللغة: (نجا) ٤/ ٣٥١٠.\n(٤) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٨٣.\n(٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٧٥.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٩.\n(١٠) أنظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٣.\n(١١) انظر: مادة (أهل) و(أول) في لسان العرب.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧.\n(١٣) لم أجد البيت ولم أعرف قائله، وقوله: \" يكن لأدنى \" يعني للداني القريب الحاضر، يصلن حباله بالمودة، أما الغائب فقد تقطعت حباله. وتلك شيمهن، أستغفر الله بل شيمة أبناء أبينا آدم.\n(١٤) قال الزجاج: \" آلُ الأنبياءِ صلوات اللَّه عليهم من كان على دينهم، وكذلك قولنا: صلى اللَّه على محمد وآله: معنى آله من اتبعه من أهل بيته وغيرهم\". [معاني القرآن: ١/ ١٣٠].\n(١٥) في \"الديوان\": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور. ورد البيت في \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠٢، \"ديوان الفرزدق\" ١/ ١١٧.","vol":"2","page":257},{"text":"لأن أعوج فيهم فرس مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج\" (١).\nوالثاني: أن أصلها من (الأول)، وهو الرجوع، كأنّه يؤول إليك، وكان في الأصل همزتان فعوّضت من إحداهما مدّ وتخفيف. قاله الثعلبي (٢).\nوالراجح هو القول الأول، وبه قال الكسائي (٣)، وجمهور المفسرين وأهل اللغة (٤).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾، على وجهين (٥):\nأحدهما: أنه اسم ذلك الملك بعينه.\nوالثاني: أنه لقب، يطلق على كل ملك من ملوك العمالقة (٦)، مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة، وأن اسم فرعون موسى: قابوس في قول أهل الكتاب.\nوقيل أن اسمه: \"الوليد بن مصعب بن الريان\" (٧)، ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ﵇ (٨)، وقال السهيلي: وكل من ولى القبط ومصر فهو فرعون وكان فارسيا من أهل اصطخر (٩)، قال المسعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية (١٠)، وقال ابن سيده: وعندي أن فرعون هذا العلم أعجمي؛ ولذلك لم يصرف (١١)، وقال الجوهري فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة الفراعنة وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر، والفرعنة (١٢): \"الكِبْر والتجبُّر، والفرعنة مصدر فرعون، ويقال: فرعون أيضًا\" (١٣)، وفي الحديث \"أخذنا فرعون هذه الأمة\" (١٤) و(فرعون) في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته (١٥).\n_________\n(١) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٩٢، ومعاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٦٥.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١. وانظر: \"مقاييس اللغة\" (أول) ١/ ١٦١، \"اللسان\" (أول) ١/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(٣) انظر: مقاييس اللغة: (أول) ١/ ١٦١، واللسان: (أول) ١/ ١٧٤ - ١٧٥، والتفسير البسيط: ٢/ ٤٩١، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٣.\n(٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١، والمحرر الوجيز: ١/ ١٣٩، وتفسير القرطبي: ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٣.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٦) قال بعض أهل اللغة: \"فرعون بلغة القبط، وهو التمساح، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله\". [التفسير البسيط: ٢/ ٤٩٤، وانظر: الصحاح (فرعن): ٦/ ٢١٧٧، والكشاف: ١/ ٢٧٩].\n(٧) قاله ابن إسحاق، انظر: تفسير الطبري (٨٨٨): ص ٢/ ٣٨، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٩١.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٣، والقول لوهب.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٤.\n(١٠) نقلا عن: تفسير الطبري: ١/ ٣٩٠، وفتح القدير الجامع: ١/ ١٨٨.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ١: ٣٨٤.\n(١٢) انظر: مختار الصحاح: مادة (فرعن)، وانظر المعنى في: صحاح العربية والمحيط في اللغة، وتهذيب اللغة: مادة (فرعن).\n(١٣) انظر: فتح القدير: ١/ ١٨٨.\n(١٤) جاء في مسند احمد: دَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا جَهْلٍ وَقَدْ جُرِحَ، وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ بِسَيْفِي، فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا (١) - قِيلَ لِشَرِيكٍ: فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ يَذُبُّ بِسَيْفِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ -، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخَذْتُ سَيْفَهُ، فَضَرَبْتُهُ بِهِ، حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: قَدْ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ - وَرُبَّمَا قَالَ شَرِيكٌ: قَدْ قَتَلْتُ أَبَا جَهْلٍ -، قَالَ: \" أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \" آللَّهِ \" مَرَّتَيْنِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ (١). قَالَ: \" فَاذْهَبْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ \". فَذَهَبَ، فَأَتَاهُ، وَقَدْ غَيَّرَتِ الشَّمْسُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَرَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، فَسُحِبُوا حَتَّى أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، قَالَ: وَأُتْبِعَ أَهْلُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً. وَقَالَ: \" كَانَ هَذَا فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ \". إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة -وهو ابن عبد الله بن مسعود- لم يسمع من أبيه، ولضعف شريك، وهو ابن عبد الله النخعي، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨٤٦٨) و(٨٤٦٩)، والبيهقي في \"السنن\" ٩/ ٦٢ من طرق عن شريك، بهذا الإسناد.\nوأخرجه أبو داود (٢٧٠٩)، وأبو يعلى (٥٢٦٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٨٤٧٠) و(٨٤٧١)، والبيهقي في \"الدلائل\" ٣/ ٨٧، ٨٨ من طرق عن أبي إسحاق، به.\nوأخرجه الطيالسي (٣٢٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٨٤٧٥)، والبيهقي في \"السنن\" ٩/ ٩٢ من طريق الجراح بن مليح والد وكيع، والطبراني (٨٤٧٤) من طريق زيد بن أبي أنيسة، والبزار (١٧٧٥) \"زوائد\" من طريق أبي الأحوص، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود. قال البيهقي: كذا قال: عن عمرو بن ميمون، والمحفوظ: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه. وقال الدارقطني قطني في \"العلل\" ٥/ ٢٩٥: وأبو عبيدة أصح.\nوأخرجه البزار (١٧٧٤) \"زوائد\"، والطبراني في \"الكبير\" (٨٤٧٦) من طريق أبي بكر الهذلي، عن أبي المليح، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن ابن مسعود. قال البزار: لا نعلم روى أبو المليح عن عبد الرحمن، عن أبيه إلا هذا.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٦/ ٧٨ - ٧٩، وقال: رواه كله أحمد، والبزار باختصار، وهو من رواية أبي عبيدة، عن أبيه، ولم يسمع منه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.\nوقال أيضًا: رواه الطبراني والبزار، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وقد أخرج البخاري (٣٩٦١) من حديث ابن مسعود أنه أتى أبا جهل وبه رمق يوم بدر، فقال أبو جهل: هلْ أعْمد مِن رجل قتلتموه. وأخرج أيضًا (٣٩٦٢) و(٣٩٦٣) من حديث أنس أنه انطلق ابن مسعود فوجد أبا جهل قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: أأنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه. أو قال: قتلتموه. وقد تقدمت قصة مقتل أبي جهل من حديث عبد الرحمن بن عوف برقم (١٦٧٣) وانظر الأحاديث الآتية بالأرقام (٣٨٢٥) و(٣٨٥٦) و(٤٠٠٨) و(٤٢٤٦) و(٤٢٤٧).\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ٣٨٣ - ٣٨٤.","vol":"2","page":258},{"text":"وقال الإمام الطبري في كتابه: تاريخ الأمم والملوك في سياق حديثه عن نسب موسى بن عمران ﵇ وأخباره: وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قبض الله يوسف، وهلك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد، وتوارث الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسكين به، حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه، وكان اسمه - فيما ذكروا لي - الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة، ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكًا لبني إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدمًا وخولًا، وصنَّفهم في أعماله؛ فصِنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامَهم كما قال الله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]. وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها: آسية بنت مزاحمٍ، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم وهم تحت يديه عمرًا طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى ﵇ الأشد، أُعطِيَ الرسالة\" (١).\nقال ابن عاشور: \"و(فرعون) علم جنس لملك مصر في القديم، أي: قبل أن يملكها اليونان، وهو اسم من لغة القبط، قيل: أصله في القبطية فاراه، ولعل الهاء فيه مبدلة عن العين، فإن رع اسم الشمس، فمعنى فاراه نور الشمس؛ لأنهم كانوا يعبدون الشمس، فجعلوا ملك مصر بمنزلة نور الشمس؛ لأنه يصلح الناس، نقل هذا الاسم عنهم في كتب اليهود، وانتقل عنهم إلى العربية، ولعله مما أدخله الإسلام، وهذا الاسم نظير كسرى لملك ملوك الفرس القدماء، وقيصر لملك الروم، ونمروذ لملك كنعان، والنجاشي لملك الحبشة، وتُبَّع لملك ملوك اليمن، وخان لملك الترك، واسم فرعون الذي أرسل موسى إليه: منفطاح الثاني، أحد ملوك العائلة التاسعة عشرة من العائلات التي ملكت مصر، على ترتيب المؤرخين من الإفرنج، وذلك في سنة ١٤٩١ قبل ميلاد المسيح\" (٢).\nفيمكن القول: أن كلمة فرعون ربما قد أصبحت تستخدم استخدامًا شائعًا في العصور الحديثة كلقب للحاكم في مصر القديمة لأسباب ترجع إلى الميول العقائدية ومحاولات التفسير التوراتية من زاوية واحدة، على أن التحقيق اللغوي للفظة يظل بعيدًا كل البعد عن حقيقة تلقب الحكام المصريين بهذا اللقب.\nقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]، يعني: \"يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه\" (٣).\nقال ابن عطية: \"معناه: يأخذونكم به ويلزمونكم إياه\" (٤).\nقال البغوي: أي\" يكلفونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأسوأه\" (٥).\n_________\n(١) تاريخ الأمم والملوك، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، (دون رقم الطبعة وتاريخها مجلد واحد ضخم)، ص ١٣٠.\n(٢) التحرير والتنوير: ٩/ ٣٥ و١١/ ٢٤٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٠\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.","vol":"2","page":259},{"text":"قال ابن عثيمين: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: \" أي: سيئه وقبيحه\" (١).\nقال الواحدي: \" (السوم) أن تُجشّم إنسانًا مشقةً وسوءًا أو ظلمًا\" (٢).\nوالخطاب في قوله ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر: \" فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم \"، والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه - كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه (٣)، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية (٤):\nولقد سما لكم الهذيل فنالكم ... بإرَابَ، حيث يقسِّم الأنفالا\nفي فيلق يدعو الأراقم، لم تكن ... فرسانه عُزلا ولا أكفالا (٥)\nولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده، ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله ﷿ من خاطبه بقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم (٦).\nواختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، على وجوه (٧):\nأحدها: قيل معناه: يذيقونكم ويلزمونكم إياه.\nوالثاني: يولونكم، قاله أبو عبيدة (٨)، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم (٩):\nإِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسُ خَسْفًا ... أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا\nوالثالث: أن معناه: يديمون عذابكم، والسوم: الدوام، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي.\nوالرابع: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. قاله الواحدي (١٠).\nوالخامس: يزيدونكم على سوء العذاب، ومنه مساومة البيع، إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ، ويزيد المشتري على ثمنٍ، وهذا قول المفضل (١١).\nوجميع المعاني تحتمله اللفظ، إذ أن المراد بقوله ﴿يسومونكم﴾، أي: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه: سامه خطة ضيم، إذا أولاه ذلك وأذاقه (١٢)، كما قال الشاعر (١٣):\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٥.\n(٢) التفسير البسيط: ٢/ ٤٩٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٨.\n(٤) ديوانه: ٤٨، ونقائض جرير والأخطل: ٧٧ - ٧٨. قال الطبري فيما مضى ١: ٣٦٦: \" سما فلان لفلان \": إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه \". والهذيل، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا. وأصاب نعما كثيرا، وسبى سببا كثيرا، منهم \" الخطفى \" جد جرير، فسمى الهذيل \" مجدعا \"، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه. (انظر خبر ذلك في النقائض ٤٧٣، ونقائض جرير والأخطل: ٧٨) نالكم: أدرككم وأصاب منكم ما أصاب. والأنفال جمع نفل (بفتحتين): وهي الغنائم. وفي المطبوعة: \" تقسم \" وهي صواب لا بأس بها.\n(٥) الفيلق: الكتيبة العظيمة. وقوله: \" يدعو \" الضمير للهذيل. والأراقم: هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، رهط الهذيل. وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان، وكانوا تحت دثار لهم، فكشفت الدثار، فلما رأتهم قالت: \" كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم \"، والأراقم جمع أرقم: وهو أخبث الحيات، وأشدها ترقدا وطلبا للناس. والعزل جمع أعزل: وهو الذي لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون): وهو الذي لا يثبت على متن فرسه، ولا يحسن الركوب.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٩.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٤. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٨، والنكت والعيون: ١/ ١١٨.\n(٨) أنظر: مجاز القرآن\" ١/ ٤٠، \"تفسير الغريب\" لابن قتيبة ص ٤٨.\n(٩) شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: ٤٢٥، وشرح القصائد التسع ٦٧٨ شرح القصائد العشر ٣٦٥. الخسف: الظلم والنقصان.\n(١٠) التفسير البسيط: ٢/ ٤٩٤.\n(١١) أنظر: تهذيب اللغة\" (سام) ٢/ ١٦٠٠، \"اللسان\" (سوم) ٤/ ٢١٥٧.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠.\n(١٣) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٢/ ٤٠، الخسف: الظلم والإذلال والهوان، وهي شر ما ينزل بالإنسان، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان. وتربد وجهه: تلون من الغضب وتغير، كأنما تسود منه مواضع. وقوله: \" وجهه \" فاعل مقدم، أي تربد وجهه.","vol":"2","page":260},{"text":"إن سيم خسفا، وجهه تربدا\nوفي قوله تعالى: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]، وجهان (١):\nأحدهما: ما ساءهم من العذاب.\nوالثاني: أشد العذاب. قاله الزجاج (٢) وآخرون (٣).\nوالأقرب هو القول الأول، لأنه لو كان الثاني صحيحا لقيل: أسوأ العذاب. والله تعالى أعلم.\nوفي العذاب الذي كانوا يسومونهم قولان:\nأحدهما: أن فرعون كان يعذبهم بجعلهم خدما وخولا، واستخدم بعضهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة، فعليه الجزية. قاله ابن إسحاق (٤). واختاره الثعلبي (٥).\nوالثاني: وقيل أن فرعون: \"جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم\". قاله السدي (٦).\nقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، \"أي يقتلون الذكور\" (٧).\nقال أبو العالية: \"إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة فقالت له الكهنة: سيولد العام غلام بمصر يكون هلاكك على يديه، فبعث في أهل مصر نساء قوابل فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله.\nويستحيي الجواري\" (٨). قال ابن أبي حاتم: \"يعني البنات\" (٩). وروي عن ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، والربيع (١٢)، والسدي (١٣)، وابن إسحاق (١٤)، مثل ذلك.\nواختلف في قوله تعالى ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، على قولين (١٥):\nأحدهما: قال أهل التفسير أي: يذبحون الأطفال الذكورمن أبنائكم دون البالغين.\nوالثاني: وقيل: يعني الرجال دون الأطفال، وسموا أبناء لما كانوا كذلك، واستدل هذا القائل بقوله ﴿نِسَاءَكُم﴾، فقالوا: بأن\" المذبحين لو كانوا هم الأطفال، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا\" (١٦).\nقال الطبري: \" وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب. [و] لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت\" (١٧).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠، والمحرر الوجيز: ١/! ٤٠.\n(٢) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٣٠. قال الزجاج: \"وإن كان العذاب كله سوءًا، فإنما نُكرَ في هذا الموضع لأنه أبلغ ما يعامل به مَرْعِيٌّ، فلذلك قيل سوءَ العذاب، أي ما يبلغ في الإساءَة ما لا غاية بعده\".\n(٣) أنظر: معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٣٠، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٠ أ، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٧، و\"العمدة في غريب القرآن\" لمكي ص ٧٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٨٩): ص ٢/ ٤٠.\n(٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩١.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٨٩٠): ص ٢/ ٤١.\n(٧) تفسير المراغي: ١١٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٥): ص ١/ ١٠٦، والطبري (٨٩٣): ص ٢/ ٤٣.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٩١)، و(٨٩٢): ص ٢/ ٤٢ - ٤٣.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٨٩٧): ص ٢/ ٤٤ - ٤٥.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٩٤): ص ٢/ ٤٣.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٩٥): ص ٢/ ٤٣ - ٤٤.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٩٦): ص ٢/ ٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧.\n(١٧) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧.","vol":"2","page":261},{"text":"والثالث: \" وقيل: \"كان ذبحهم للأبناء استخدامهم في الأعمال القذرة الجارية مجرى أعظم الذبحين القتل، والإهانة، قال: وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ \" (١). ولا يخفى على ما في هذا الوجه من التكلف، وإن كان المعنى صحيحا.\nوالقول الأول أصح، حملا للفظ (الأبناء) على ظاهره، ويدل على هذا المعنى، عملية إلقاء موسى -﵇- في التابوت حال صغره، كما أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ومن جهة أخرى أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة، وهذا قول عامة أهل التفسير، والله أعلم.\nقال ابن عطية: \" والصحيح من التأويل أن الأبناء هم الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء بالمئال\" (٢).\nقال الواحدي: \" وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] فيه وجهان من القراءة (٤):\nأحدهما: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾، بالتشديد على المبالغة والتكثير، قرأ بها الجمهور.\nوالثاني: ﴿يذبحون﴾، بفتح الباء، قرأ بها ابن محيصن \"يذبحون\" بفتح الباء (٥).\nوالقراءة الأولى أرجح، \"إذ الذبح متكرر\" (٦)، وكان فرعون على ما روي قد رآه في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه (٧)، وقيل غير هذا والمعنى متقارب (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، أي: \" يتركونهن أحياء\" (٩).\nقال الصابوني: أي: \" يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" يستبقونهن فلا يقتلونهن\" (١١).\nقال المراغي: أي: \"ويستبقون البنات إذلالا لكم حتى ينقرض شعبكم من البلاد\" (١٢).\nقال الواحدي: \" يَسْتَبْقُونهن، ولا يقتلونهن، ومنه قوله - ﷺ -: \"اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم\" (١٣) \" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي يستبقون نساءكم؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع، ويبقين خدمًا لآل فرعون؛ وهذا. والعياذ بالله. من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون، كما قال تعالى: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٧. ٥٩] وقال تعالى:\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٦.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٤١.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٥٠٥.\n(٤) انظر: الثعلبي: ١/ ١٩١، وتفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٠.\n(٧) الخبر رواه السدي في في تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦): ص ١/ ١٠٦.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٦.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٩١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٤٩.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٦.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ١١٠.\n(١٣) أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: \"سنن أبي داود\" ٢٦٧٠ كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (١٥٨٣) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" ٥/ ١٢، ٢٠. ورمز السيوطي له بالصحة في \"الجامع الصغير\". انظر: \"فيض القدير شرح الجامع\" ٢/ ٧٦.\n(١٤) التفسير البسيط: ٢/ ٥٠٤.","vol":"2","page":262},{"text":"﴿كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قومًا آخرين﴾ [الدخان: ٢٥. ٢٨]. وهم بنو إسرائيل\" (١).\nوقال ابن جريج: \" يسترقون نساءكم\" (٢). قال الطبري: \" وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية\" (٣).\nقال الواحدي: \" فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟ قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، أي: و\"في إنجائكم منهم نعمة عظيمة\" (٥).\nقال البغوي: \" أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله ﷿ عظيم. أي اختبار عظيم.؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي فيما ذكر من العذاب المهين من الذبح والاستحياء، محنة واختبارٌ عظيم لكم من جهته تعالى بتسليطهم عليكم ليتميز البرُّ من الفاجر\" (٨).\nقال المراغي: \" أي وفي ذلكم العذاب والتنجية منه امتحان عظيم من ربكم كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾، وقوله: ﴿من ربكم﴾: أي من جهته تعالى بتسليطهم عليكم، وبعث موسى وتوفيقه لخلاصكم\" (٩).\nقال أبو حيان: \"وفي قوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ دليل على أن الخير والشرّ من الله تعالى، بمعنى أنه خالقهما، وفيه رد على النصارى ومن قال بقولهم: إن الخير من الله والشرّ من الشيطان .. وكونه عظيمًا هو بالنسبة للمخاطب والسامع، لا بالنسبة إلى الله تعالى، لأنه يستحيل عليه اتصافه بالاستعظام\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿بَلاءٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، وجهان (١١):\nأحدهما: أن معناه: البلاء والامتحان. وهذا قول جمهور أهل التفسير.\nوالثاني: أن معناه: نعمة، أي: نعمة من ربكم عظيمة. روي ذلك عن ابن عباس (١٢) وأبي مالك والسدي (١٣) ومجاهد (١٤) وابن جريج (١٥).\nوكلا القولين صحيح، فقوله \" ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، راجع إلى الأمرين: إلى المنحة التي هي الإنجاء من آل فرعون المقتضية للشكر، وإلى المحنة التي هي ذبحهم واستحياؤهم للنساء المقتضية للصبر\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٩٨): ص ٢/ ٤٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧. ثم قال: \" وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة نظير \" الاستبقاء \" من \" البقاء \"، و\" الاستسقاء \" من \" السقي \". وهو من معنى الاسترقاق بمعزل\".\n(٤) التفسير البسيط: ٢/ ٥٠٥.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٢.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٩١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٤٩.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ١١٠.\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ١٦٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٨.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٩٩): ص ٢/ ٤٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٠٧): ص ١/ ١٠٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٠٠): ص ٢/ ٤٨.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٩٠١)، و(٩٠٢): ص ٢/ ٤٨ - ٤٩.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٩٠٣): ص ٢/ ٤٩.\n(١٦) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٨٦.","vol":"2","page":263},{"text":"وقال البغوي: \"، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال: الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة\"﴾ [الأنبياء: ٣٥] \" (١).\nوقال ابن عطية: \" ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر\" (٢).\nوقال الواحدي: \" والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة\" (٣).\nوقال النسفي: في تفسير قوله ﴿وَفِى ذَالِكُم بَلاءٌ﴾، أي: \"محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون، ونعمة إن أشير به إلى الانتجاء\" (٤).\nواختلف أهل التفسير في مرجه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، على ثلاثة أوجه (٥):\nأحدهما: إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، وبَلاءٌ معناه امتحان واختبار، ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر.\nوالثاني: وقال قوم: الإشارة بـ ﴿ذلِكُمْ﴾، إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون الْبَلاءُ على هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم.\nوالثالث: وقال جمهور الناس: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والْبَلاءُ هنا في الشر، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان.\nوقد رجح الجمهور القول الأول (٦)، لأن (البلاء) يكون في الخير والشر. والله أعلم.\nوأصل (البلاء) في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر، لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ثم تسمي العرب الخير \" بلاء \" والشر \" بلاء \". غير أن الأكثر في الشر أن يقال: \" بلوته أبلوه بلاء \"، وفي الخير: \" أبليته أبليه إبلاء وبلاء \"، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى (٧):\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو\nفجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده (٨).\nقال الراغب: وفي هذه الآية\" حث لنا على تذكر نعمه ومراعاتها واحدة واحدة، وتجديد الشكر لكل منها\" (٩).\nوقال البيضاوي: \" وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين\" (١٠).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: تذكير الله تعالى لبني إسرائيل نعمته عليهم بإنجائهم من آل فرعون.\n٢ ومنها: أن الإنجاء من العدو نعمة كبيرة ينعم الله بها على العبد؛ ولهذا ذكرهم الله بها في قوله تعالى:\n(نجيناكم)\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٩١.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٤١.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٥٠٧.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٦٤.\n(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤١.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٨٣.\n(٧) ديوانه: ١٠٩، وروايته \" رأى الله. . . فأبلاهما \". وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر زهير وخالصه.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٩.","vol":"2","page":264},{"text":"٣ ومنها: بيان حنق آل فرعون على بني إسرائيل؛ وقيل: إن هذا التقتيل كان بعد بعثة موسى؛ لأن فرعون لما جاءه موسى بالبينات قال: ﴿اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم﴾ [غافر: ٢٥]، وقال في سورة الأعراف: ﴿سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾ (الأعراف: ١٢٧)\nوذكر بعض المؤرخين أن هذا التقتيل كان قبل بعثة موسى، أو قبل ولادته؛ لأن الكهنة ذكروا لفرعون أنه سيولد لبني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يده؛ فجعل يقتلهم؛ وعضدوا هذا القول بما أوحى الله تعالى إلى أم موسى: ﴿أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني﴾ [القصص: ٧]؛ لكن هذه الآية ليست صريحة فيما ذكروا؛ لأنها قد تخاف عليه إما من هذا الفعل العام الذي يقتَّل به الأبناء، أو بسبب آخر، وآية الأعراف: ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] لا دليل فيها صراحة على أن التقتيل كان قبل ولادة موسى ﵇؛ لأن الإيذاء لا يدل على القتل، ولأن فرعون لم يقل: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم إلا بعد أن أُرسل إليه موسى ﵇، ولهذا قال موسى ﵇ لقومه بعد ذلك: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾ (الأعراف: ١٢٨)\n٤ ومنها: أن الرب ﷾ له مطلق التصرف في عباده بما يسوؤهم، أو يسرهم؛ لقوله تعالى: ﴿من ربكم﴾ يعني هذا العذاب الذي سامكم إياه آل فرعون، والإنقاذ منه؛ كله من الله ﷿؛ فهو الذي بيده الخير، ومنه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٥٠]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم، حين فَصَلْنا بسببكم البحر، وجعلنا فيه طرقًا يابسةً، فعبرتم، وأنقذناكم من فرعون وجنوده، ومن الهلاك في الماء، فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، أي: اذكروا أيضًا إذ \"فصلنا بكم البحر\" (١).\nقال النسفي: أي: \" فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي: اذكروا أيضًا إِذ فلقنا لكم البحر حتى ظهرت لكم الأرض اليابسة فمشيتم عليها\" (٣).\nقال الآلوسي: \" أي: فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم، وبسبب إنجائكم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: اي: فلقناه لكم، وفصلنا بعضه عن بعض حتى عبرتم إلى الشاطئ\" (٥).\nوقرأ الزهري: ﴿فرّقنا﴾، بتشديد الراء (٦)، وهي \"قراءة شاذة، أي: جعلناه فرقا وأقساما\" (٧)، يقال: \"فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء، لأن المسالك كانت \"اثني عشر\" (٨) على عدد الأسباط\" (٩).\nقال الراغب: \" الفرقُ، والفلقُ، لكن الفلق لا يكون إلا بين جسمين، والفرق: قد يكون في الأجسام والمعاني، وفي هذه القصة قد جاء اللفظان، قال تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي كل قطعة من الماء، والفرقان: كل كتاب يفرق بين الأحكام\" (١٠).\nوقال السمين الحلبي: \" والفرق والفلق واحد، وهو الفصل والتمييز، ومنه ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أي: فصلناه، وميزناه بالبيان، والقرآن فرقان لتمييزه بين الحق والباطل وفرق الرأس لوضوحه\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ٦٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤٩.\n(٤) روح المعاني: ١/ ٢٥٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٨.\n(٦) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤١، وفتح القدير: ١/ ٨٣.\n(٧) لسان العرب: (فرق): ص ١٠: ٣٠٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٩٠٤): ص ٢/ ٥٠.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ٦٤.\n(١٠) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ١٨٧.\n(١١) الدر المصون: ١/ ٣٥٠.","vol":"2","page":265},{"text":"قال ابن إسحاق: \"أوحى الله إلى البحر - فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره، فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض يقول الله لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده\" (١).\nوروي عن ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وابن زيد (٤)، وعبدالله بن شداد بن الهاد (٥)، وعمرو بن ميمون الأودي (٦)، نحو قول ابن إسحاق.\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وجهين (٧):\nأحدهما: وإذ فصلنا بكم البحر، لأن الفرق: الفصل بين الشيئين (٨).\nوالثاني: أن معناه: وإذ فرقنا بينكم وبين البحر، يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به، وهذا قول بعض نحويي البصرة.\nواعترض الطبري على القول الثاني، فقال: \"وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة، وفرقه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار\" (٩).\nوقوله ﴿بِكُمُ﴾ [البقرة: ٥٠]، اختلف فيه على وجوه (١٠):\nأحدهما: أن (الباء) سببية، ومعنى ﴿بِكُمُ﴾: بسببكم.\nقال السمين الحلبي: \" الظاهر أن (الباء) على بابها من كونها داخلة على الآلة، فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما\" (١١).\nوالثاني: أن تكون للتعدية.\nقال أبو البقاء: \"ويجوز أن تكون المعدية كقولك: ذهبت بزيد، فيكون التقدير: أفرقناكم البحر، ويكون بمعنى: ﴿وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر﴾ [الأعراف: ١٣٨] وهذا قريب من الأول\" (١٢).\nوالثالث: وقيل (الباء) بمعنى (اللام)، ومعناه ﴿لكم﴾، اختاره ابن الجوزي (١٣)، قال ابن عطية: \"وهذا ضعيف\" (١٤).\nوالرابع: ويجوز أن تكون للحال من (البحر)، أي: فرقناه ملتبسا بكم، قال أبو البقاء: \"أي: فرقنا البحر وأنتم به\" (١٥)، ومنه قول المتنبي (١٦):\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩٠٦): ص ٢/ ٥١ - ٥٢.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٩٠٩): ص ٢/ ٥٣.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩١٠): ص ٢/ ٥٤.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٩١١): ص ٢/ ٥٤.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٩٠٥)، و(٩٠٧): ص ٢/ ٥١ - ٥٢.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٩٠٨): ص ٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم (٥٠٨): ص ١/ ١٠٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠.\n(٨) أنظر: اللسان (فرق): ص ١٠/ ٣٠٠، والدر المصون: ١/ ٣٥٠، والبحر المحيط: ١/ ١٦٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠.\n(١٠) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤١، وتفسير الكشاف: ١/ ١٣٨، وروح المعاني: ١/ ٢٥٦.\n(١١) الدر المصون: ١/ ٣٤٩.\n(١٢) نقلا عن: الدر المصون: ١/ ٣٤٩.\n(١٣) زاد المسير: ١/ ٧٨.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٤١.\n(١٥) نقلا عن الدر المصون: ١/ ٣٤٩.\n(١٦) أنظر: ديوانه: ١/ ٢٥٦، والبحر المحيط: ١/ ٣٥٥، والدر المصون: ١/ ٣٤٩، وتفسير الكشاف: ١/ ١٣٨، وتسقى: بالتضعيف، والقحوف: جمع قحف بالكسر، وقيل بالضم: وهو العظم الذي فوق الدماغ وإناء صغير من خشب. والحليب: اللبن المحلوب، أى كأنها كانت معتادة بهم فمرت عليهم مطمئنة. تدوس جماجمهم: أى رؤسهم ونحن على ظهورها. والتريب: لغة في التراب.","vol":"2","page":266},{"text":"فَمَرَّت غَيرَ نافِرَةٍ عَلَيهِم ... تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا\nأي: تدوسها ونحن راكبوها.\nوالراجح هو القول الأول، ومعنى ﴿بِكُمُ﴾: بسببكم. إذ أن \"فرق البحر كان بهم أي بسبب دخولهم فيه أي لما صاروا بين الماءين صار الفرق بهم\" (١)، والله أعلم.\nوقال الآلوسي: إن\"العرب- على ما نقله الدامغاني- تقول: غضبت لزيد- إذا غضبت من أجله وهو حي- وغضبت بزيد- إذا غضبت من أجله وهو ميت- ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين\" (٢).\nوذكروا في قصة شق البحر قولان (٣):\nأحدهما: أن \"الْبَحْرَ هو بحر (القلزم)، ولم يفرق البحر عرضا جزعا (٤) من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة، وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريبا من برية فلسطين وهي كانت طريقهم\" (٥).\nوالثاني: وقيل \"انفلق البحر عرضا وانفرق البحر على اثني عشر طريقا، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضا، وجازوا، وجبريل ﷺ في ساقتهم على ماذيانة يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون: مهلا حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة (٦)، فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا\" (٧).\nوفي تسمية البحر ثلاثة أقوال (٨):\nأحدها: أنه سمي بحرًا لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (٩).\nوالثاني: أنه سمي بذلك، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق، ومنه البحِيرَة (١٠).\nوالثالث: أن البحر هو الملح، يقال: أبحر الماء، أي صار ملحا، ومنه قول نُصَيْب (١١):\nوَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْرًا فَرَدَّنِي ... إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (١٢)\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٨٣.\n(٢) روح المعاني: ١/ ٢٥٦.\n(٣) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤٢.\n(٤) المراد: أن الفرق كان طوالا لا عرضا. يقال: جزعت الوادي جزعا، من باب نفع: أي قطعته إلى الجانب الآخر.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٢.\n(٦) وهي الأنثى من البراذين.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٢.\n(٨) تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، وانظر: \"الغريبين\" ١/ ١٣٤، \"الصحاح\" (بحر) ٢/ ٥٨٥، \"مقاييس اللغة\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"الغريبين\" ١/ ١٣٤، \"مفردات الراغب\" ص ٣٧، \"اللسان\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٢، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩.\n(٩) أنظر: تهذيب اللغة: (بحر) ١/ ٢٨٢، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٠٨.\n(١٠) أنظر: تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، قال الأزهري: \"قال أبو إسحاق النحوي: وأثبت ما روينا عن أهل اللغة في البَحِيرَة: أنها الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، والذبح، ولا تُحَلَّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْيي المنقطع به لم يركبها\". [وانظر: \"اللسان\" (بحر) ١/ ٢١٥].\n(١١) البيت في \"تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، \"الصحاح\" (بحر) ٢/ ٥٨٥، \"مقاييس اللغة\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"الغريبين\" ١/ ١٣٤، \"مفردات الراغب\" ص ٣٧، \"اللسان\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٢، وفي أكثر المصادر: (فزادني) بدل: (فردني).\nوهو نُصَيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٦٠، \"معجم الأدباء\" ١٩/ ٢٢٨.\n(١٢) أنظر: تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، والصحاح\" (بحر) ٢/ ٥٨٥، ومقاييس اللغة\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"الغريبين\" ١/ ١٣٤، \"مفردات الراغب\" ص ٣٧، \"اللسان\" (بحر) ١/ ٢١٥.","vol":"2","page":267},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، \" أي: نجيناكم من الغرق وأغرقنا فرعون وقومه\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي أخرجناكم منه، ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ فيه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، \" أي: وأنتم تشاهدون ذلك\" (٤).\nقال الطبري: \" أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه - في الذي أراكم من طاعة البحر إياه\" (٥).\nقال ابن عطية: أي: تنظرون \"بأبصاركم، لقرب بعضهم من البعض\" (٦).\nقال الشوكاني: \" أي حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم\" (٧).\nقال ابن كثير: \" ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم\" (٨).\nقال الثعلبي: يعني \" إلى مصارعهم\" (٩).\nقال البغوي: \" إلى مصارعهم، وقيل: إلى إهلاكهم\" (١٠).\nقال الواحدي: \"ولم يذكر [هنا]، غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (١١).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَْ [البقرة: ٥٠]، قولان (١٢):\nأحدهما: أنه من نظر العين، معناه وأنتم ترونهم يغرقون.\nوفي رؤيتهم هذا المشهد العظيم، وجهان (١٣):\nالوجه الأول: أنه تعالى، أفرد لكل سبط طريق من الماء وجعل الحاجز الذي بينه وبين الآخذ مشفًا كالزجاج، ينظرون منها إلى الآخرين.\nقال السمين الحلبي: \" والنظر يحتمل أن يكون بالبصر، لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا لقربهم\" (١٤).\nوالوجه الثاني: وقيل: إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم، وعلى ذلك حمل قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] (١٥).\nوالثاني: أنه بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. قاله الفراء (١٦).وضعّفه الطبري (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٩.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٨٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٥٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٢.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٨٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٤.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٩٤.\n(١١) التفسير البسيط: ٢/ ٥١٠. أي أنه يطلق (آل فرعون) ويراد به نفسه كما في (آل موسى).\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٧٩، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٧ - ٥٨، وتفسير القرطبي: ١/ ٣٩٢، والمحرر الوجيز: ١/ ١٤٢، وفتح القدير: ١/ ٨٣.\n(١٣) أنظر: الدر المصون: ١/ ٣٥١، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٨.\n(١٤) الدر المصون: ١/ ٣٥١.\n(١٥) أنظر: الدر المصون: ١/ ٣٥١، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٨.\n(١٦) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٣٦.\n(١٧) أنظر: تفسيره: ٢/ ٥٧. إذ يقول: \" وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام، إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم - على ما قد وصفنا آنفا - والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كان، لا شك نظر عيان لا نظر علم، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله\".","vol":"2","page":268},{"text":"والراجح من تفسير هو القول الأول، أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ البحر، حتى سلكوا فيه، وانطباقه على آل فرعون، حتى غرقوا فيه.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: مناسبة قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ لما قبله ظاهرة جدًا، وذلك أنه لما ذكر الله ﷾ تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٩].\n٢ ومنها: تذكير الله ﷾ بني إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم.\n٣ ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله. ﵎. أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبسًا في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله ﷿ والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبسًا، كما قال تعالى: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخاف دركًا ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟ ! وهذا ليس ببعيد على الله ﷾.\nوقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. ﵀ في \"البداية والنهاية\" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا ﷺ مثلها: إما له ﷺ هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التي تقع لمتبع الرسول هي في الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولي المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير ﵀ في \"البداية والنهاية\" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبني إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة.\n٤ من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] الآيتين.\n٥ ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله ﷿؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩].\n٦ ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغيانًا، وتكذيبًا للرسل، واستكبارًا عن عبادة الله ﷿.\n٧ ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى. ﵊؛ وقد كان فرعون يقول: ﴿يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥١. ٥٢]؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين.\n\nالقرآن","vol":"2","page":269},{"text":"﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٥١]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، \"أي واذكروا إذ واعدنا موسى أربعين ليلة\" (١).\nقال الصابوني: \" أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وكان ذلك بعد نجاتكم وإِهلاك فرعون\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة\" (٣).\nو﴿مُوسى﴾، اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء (مو)، وللشجر (سا)، فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر، فسمّي (موسى) (٤). قاله السدي (٥).\nقال ابن إسحاق: \"وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله\" (٦).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥١]، على وجهين (٧):\nأحدهما: ﴿وَاعَدْنَا﴾: بالألف، وهي قراءة ابن مسعود.\nواستندوا بأنه، قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل.\nوالثاني: ﴿وَعَدْنَا﴾: بغير ألف في جميع القرآن، قرأ بها أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب.\nوقالوا: لأنّ الله ﷿ هو المتفرد بالوعد، يعني: المواعدة إنما تكون لغير الآدميين، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nقال ابن عطية: \" وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة\" (٨).\nقال الزجاج: وكلاهما جائز .. وواعدنا هنا جيد بالغ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فهو من اللَّه ﷿ وعدٌ ومن موسى قبول واتًبَاعٌ، فجرى مجرى المواعدة\" (٩).\nقال أبو حيان: \"يحتمل ﴿واعدنا﴾، أن يكون بمعنى ﴿وعدنا﴾، ويكون صادرا من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله، وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد، قال القفال: \" ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله، بمعنى يعاهده، وقيل: وعد إذا كان من غير طلب وواعد إذا كان من طلب .. ثم يقول: \" وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ ﴿وعدنا﴾ بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ ﴿واعدنا﴾ بالألف، ووافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل منهما يعد صاحبه. . ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلا منهما متواترة، فهما في الصحة على حد سواء\" (١٠).\nوقرأ زيد بن علي: ﴿أَرْبِعِينَ﴾، بكسر الباء وهي لغة (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٦٠ - ٦١، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٢.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٩١٢): ص ٢/ ٦١.\n(٦) أخرجه الطبري (٩١٣): ص ٢/ ٦١.\n(٧) أنظر الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٦٦ - ٦٧، ومعاني القرآم للزجاج: ١/ ١٣٣، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٩٤.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٢.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ١٣٣.\n(١٠) البحر الميط: ١/ ١٩٥.\n(١١) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٥.","vol":"2","page":270},{"text":"والأربعون: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، قاله أبو العالية (١)، وهو قول أكثر المفسرين.\nوقال ابن إسحاق قال: وعد الله موسى - حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء، واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به\" (٢). وروي عن السدي (٣) نحو ذلك.\nوكان ذلك بعد أن جاوز موسى البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده، فاتخذوا العجل وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله (٤).\nواختلفوا في قوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، على قولين (٥):\nأحدهما: أن المراد: أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد. وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبقولهم: اليوم أربعون منذ خرج فلان، واليوم يومان، أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.\nوالقول الثاني خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، بغير برهان دال على صحته (٦).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: \"ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها\" (٧).\nقال ابن عثيمين: أي \"صيرتم العجل إلها\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي عبدتم العجل\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١]، أي: \"من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: \"من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \"من بعد موسى، حين ذهب لميقات الله\" (١٢).\nقال الصابوني: أي بعد غيبته عنكم، حين ذهب لميقات ربه\" (١٣).\nوأصل (اتخذتم) (ائتخذتم) من (الأخذ) ووزنه أفتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٩١٤): ص ٢/ ٦٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٩١٦): ص ٢/ ٦٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩١٧): ص ٢/ ٦٢ - ٦٣.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٩٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٦١.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٦٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨١.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٦٣.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٥.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.","vol":"2","page":271},{"text":"بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر (١):\nأَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أَشْياعِهِمْ ... خَبَرًا، أَمْ رَاجَعَ الَقْلبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ\nونحوه في القرآن ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ﴾ [ص: ٧٥] ومذهب أبي علي الفارسي أن (اتخذتم) من (تخذ) لا من (أخذ) (٢).\nو﴿العجل﴾، \"تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] \" (٣)، \"أي تركه هاهنا وخرج بطلبه\" (٤).\nروي ذلك عن ابن عباس (٥)، والسدي (٦)، وابن إسحاق (٧)، وابن زيد (٨)، ومجاهد (٩)، وأبي العالية (١٠)، نحو ذلك.\nقال أبو العالية: \"وإنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى\" (١١).\nوقال مجاهد: قوله: ﴿العجل﴾، حسيل البقرة، ولد البقرة\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى ﵇ ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية ألف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله ﷿\" (١٣).\nواختلف في الذين عبدوا العجل على أقوال (١٤):\nأحدها: أنهم كلهم عبدوا العجل، إلا هارون. وها يدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿ثم اتخذتم﴾ [البقرة: ٥١].\nوالثاني: وقيل: الذين عكفوا على عبادته من قوم موسى، ثمانية آلاف رجل.\nوالثالث: وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفًا.\nوالرابع: وقيل: إلا هارون والسبعين رجلًا الذين كانوا مع موسى.\nقال أبو حيان: \"وهذا هو الصحيح\" (١٥)، أي القول الأخير.\nوالجمهور على إدغام الذال في التاء في قوله تعلى: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ [البقرة: ٥١]،، وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة: بالإظهار (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، \"أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم\" (١٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: \"قوله: ﴿ظالمون﴾، قال: أصحاب العجل\" (١٨).\n_________\n(١) البيت للشاعر الأموي ذو الرمة، انظر: ديوانه: ٤. الركب \": أصحاب الإبل، جمع راكب كصحب جمع صاحب. و\" الأشياع \": الأصحاب. و\" أستحدث \" بفتح الهمزة: استفهام. يقول: بكاؤك وحزنك ألخبر حدث، أم راجع قلبك طرب؟ و\" الطرب \": استخفاف القلب في فرح كان أو حزن.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٩٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨١.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٤.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٩١٨): ص ٢/ ٦٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٩١٩): ص ٢/ ٦٤ - ٦٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٠): ص ٢/ ٦٥ - ٦٦.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٢): ٢/ ٦٧ - ٦٨.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٣): ص ٢/ ٦٨.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٤): ص ٢/ ٦٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٢): ص ١/ ١٠٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣): ص ١/ ١٠٨.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٤.\n(١٤) أنظر: البحر المحيط: ١/! ٦٩.\n(١٥) البحر المحيط: ١/ ١٦٩.\n(١٦) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٦٨.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(١٨) تفسير ابن أبي حاتم (٥١٤): ص ١/ ١٠٨.","vol":"2","page":272},{"text":"قال الزمخشري: \"بإشراككم\" (١).\nقال الثعلبي: أي: وأنتم: \"مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها\" (٢).\nقال البغوي: أي وأنتم\" ضارون لأنفسكم بالمعصية، واضعون العبادة في غير موضعها\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها\" (٤).\nقال النسفي: \" أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم\" (٥).\nقال المراغي: \"أي: بإشراكهم ووضعهم للشىء في غير موضعه بعبادة العجل بدل عبادة خالقهم وخالقه\" (٦).\nقال السعدي: وأنتم\" عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما\" (٧).\nقال الراغب: \" عنى به الظلم المطلق وهو الكفر، وفي الآية حث على معرفة ما وعدنا الله تعالى به ومراعاته والمنع من الاشتغال عنه تعالى بشيء بغيره، وعلى هذا الوجه قال بعض الناس: كل ما شغلك عن الله فهو عجل متخذ وطاغوت متع وشيطان مطاع ومبدأ كل ذلك اتباع الهوى، ولذلك قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال وهذا وإن لم يكن كفرًا فهو شرك وبهذا الوجع قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \" (٨).\nواختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، على قولين (٩):\nالقول الأول: أنه جملة حالية، ومتعلق الظلم، وفيه وجوه:\nأحدها: ظالمون بوضع العبادة في غير موضعها.\nوالثاني: وأنتم ظالمون، بتعاطي أسباب هلاكها.\nوالثالث: وأنتم ظالمون، برضاكم فعل السامري في اتخاذه العجل، ولم تنكروا عليه.\nوالقول الثاني: أنه إخبار من الله، وفيه وجهان:\nأحدهما: إنهم ظالمون: \"أي سجيتهم الظلم، وهو وضع الأشياء في غير محلها، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعده وكنتم ظالمين، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ \" (١٠).\nوالثاني: وقيل: \"وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد ﷺ\" (١١).\nوقد نقل السادة المفسرون قصصًا كثيرًا مختلفًا في سبب اتخاذ العجل، وكيفية اتخاذه، وانجر مع ذلك أخبار كثيرة، الله أعلم بصحتها، إذ لم يشهد بصحتها كتاب ولا حديث صحيح، فتركنا نقل ذلك على عادتنا في هذا الكتاب.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآيتين: حكمة الله. ﵎. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع أنه ﷾ قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما هي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولًا، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة.\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ١٣٩.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٥.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٩٥.\n(٤) التفسير البسيط: ٢/ ٥٢٢.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٧٦.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١١٣.\n(٧) تفسير السعدي: ٥٢.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٩.\n(٩) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٦٩.\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ١٦٩.\n(١١) التفسير البسيط: ٢/ ٥٢٢.","vol":"2","page":273},{"text":"٢ ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهًا هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حليًا من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلًا جسدًا. لا روح فيه؛ ثم قال السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه: ٨٨]؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع ربًا لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. ﵊. حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال لهم نبيهم موسى: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وصدق ﵊.\n٣ ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾، وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم.\nالقرآن\n\n﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢]\nالتفسير:\nثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة، وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى؛ رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله، ولا تتمادوا في الكفر والطغيان.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، أي: \" محونا ذنوبكم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢]، أي: \" بعد عبادتكم العجل\" (٢).\nقال أبو العالية: \" يعني من بعد ما اتخذوا العجل\" (٣). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]، أي: \"لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم\" (٥).\nقال عون بن عبدالله: \"إن ﴿لعل﴾، من الله واجب\" (٦).\nو﴿لعل﴾ هنا للتعليل، بمعنى (كي). قاله أبو مالك (٧).\nوقال سفيان بن عيينة: \"على كل مسلم أن يشكر ربه ﷿، لأن الله قال: ﴿لعلكم تشكرون﴾ \" (٨).\nو\"الشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله ﷿، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافًا، لا افتخارًا؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم\" (٩).\nوقال ابن منظور: \"والحمد والشكر متقاربان والحمد أَعمهما لأَنك تحمد الإِنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته ومنه الحديث الحمد رأْس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده كما أَن كلمة الإِخلاص رأْس الإِيمان وإِنما كان رأْس الشكر لأَن فيه إِظهار النعمة والإِشادة بها ولأَنه أَعم منه فهو شكر وزيادة\" (١٠).\nوقال الراغب: \"الشكر: تصور النعمة وإظهارها، قيل وهو مقلوب عن الكشر أي الكشف، ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل أصله من عين شكري أي ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، والشكر ثلاثة أضرب:\nالأول: شكر القلب، وهو تصور النعمة.\nوالثاني: شكر اللسان، وهو الثناء على المنعم.\nوالثالث: شكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه\" (١١).\nوقد اختلف أهل العلم في الحمد والشكر هل بينهما فرق؟ على قولين:\nالقول الأول: أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وأنه ليس بينهما فرق، واختار هذا ابن جرير الطبري وغيره.\nقال الطبري: \" ومعنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ): الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه .. \"، ثم قال ﵀ بعد ذلك: \" ولا تَمانُع [أي: اختلاف] بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم لقول القائل: \"الحمد لله شكرًا \" بالصحة، فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد؛ لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال: \" الحمد لله شكرًا \" (١٢).\nالقول الثاني: أن الحمد والشكر ليسا بمعنى واحد، بل بينهما فروق، ومن تلك الفروق:\nأولا: أن الحمد يختص باللسان، بخلاف الشكر، فهو باللسان والقلب والجوارح.\nوالثاني: أن الحمد يكون في مقابل نعمة، ويكون بدونها، بخلاف الشكر لا يكون، إلا في مقابل نعمة.\nقال ابن كثير ﵀ – في معرض رده على كلام ابن جرير السابق: \"وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين: أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر (١٣):\nأفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا\nولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد، أو الشكر على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول والفعل والنية، كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية: لا يقال شكرته لفروسيته، وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إليّ، هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم \" (١٤).\nوعلى ذلك بنى أبو هلال العسكري تفريقه بين الأمرين، قال ﵀: \" الفرق بين الحمد والشكر: الحمد هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبر، والشكر: فعل ينبئ عن\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٩٥.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٩٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٥): ص ١/ ١٠٨.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٨.\n: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٨.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٩٥.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦): ص ١/ ١٠٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٧): ص ١/ ١٠٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٨): ص ١/ ١٠٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٧.\n(١٠) لسان العرب: ٣/ ١٥٥.\n(١١) المفردات للراغب: ٢٦٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ١/ ١٣٥.\n(١٣) البيت للامام الشيباني الشافعي المولود (٧٠٣ هـ) المتوفى (٧٧٧ هـ)، والبيت ضمن القصيدة الكبيرة الالفية المطبوعة للامام ابي عبدالله محمد الشيباني الشافعي ذكرها له صاحب كشف الظنون: ٢/ ١٣٤٠، وشرحها جمع من اعلام الشافعية، منهم: نجم الدين محمد بن عبدالله الاذرعي العجلوني الشافعي: المتوفى (٨٧٦)، والشيخ علوان علي بن عطية الحموي الشافعي: المتوفى (٩٣٦)، سماه ببديع المعاني في شرح قصيدة الشيباني، ابوالبقاء الاحمدي الشافعي سماه المعتقد الايماني على عقيدة الشيباني، والشيخ محمد بن علي بن محمد علان: المتوفى (١٠٥٧) سماه: بديع المعاني ايضا.\nهو محمد بن احمد بن ابي بكر بن عرام بن ابراهيم بن ياسين بن ابي القاسم بن محمد الربعي الشيباني الاسواني الاسكندراني الشافعي تقي الدين ابو عبدالله الامام المحدت الفقيه المفتي، ولد في ثامن عشر شوال سنة (٧٠٣) وسمع كما في الدرر الكامنة (٣/ ٣٧٣) من العلا مة رشيد الدين اسماعيل بن عثمان المعروف بابن المعلم الحنفي المتوفى (٧٢٤)، والحسن بن عمر الكردي ابي علي نزيل الجيزة بمصر والمتوفى بها سنة (٧٢٠)، والحجار شهاب الدين ابي العباس احمد بن ابي طالب المتوفى (٧٣٠)، والشريف موسى بن ابي طالب عزالدين ابي القاسم الموسوي المتوف ى بمصر سنة (٧١٥)، والعلم بن درادة، وتاج الدين بن دقيق العيداحمد بن علي المتوفى بالقاهرة وقيل بقوص سنة (٧٢٣)، واحمد بن محمد بن كمال الدين المتوفى (٧١٨)، والشريف علي الزينبي، وعمر العتبي ركن الدين بن محمد القرشي المتوفى (٧٢٤)، وزينب بنت احمد بن عمربن ابي بكر بن شكر المقدسي المتوفاة سنة (٧٢٢)، وغيرهم. واجاز له المطعم، وابن عبد الدائم، وابن النحاس، ويحيى بن سعد، ومن مكة رضي الدين ابو اسحاق ابراهيم الطبري المكي الشافعي المتوفى سنة (٧٢٢) وغيرهم. قال ابن حجر في (الدرر الكامنة: ٣/ ٣٧٣ رقم ٩٨٦): وحدث وافتى ودرس وصنف وخرج، وتفرد باءشياء من مسموعاته، وكانت وفاته في سنة (٧٧٧)، وتوجد ترجمته في شذرات الذهب، (٦/ ٢٥٢) وعد ممن سمع من ابن مخلوف علي بن ناهض النويري المالكي القاضي المتوفى (٧١٨). والمترجم له وان لم يوصف بالشعر فيما وقفنا عليه من ترجمته، غير ان الامام ابا عبدالله محمد الشيباني الشافعي الذي نسبت اليه القصيدة بهذه الاوصاف في المعاجم لم ينطبق الا عليه، والله العالم.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢.","vol":"2","page":274},{"text":"تعظيم المنعم لأجل النعمة، سواء أكان نعتا باللسان، أو اعتقادا، أو محبة بالجنان، أو عملا وخدمة بالأركان، وقد جمعها الشاعر في قوله. (فذكر البيت السابق)، فالحمد أعم مطلقا، لانه يعم النعمة وغيرها، وأخص موردا إذ هو باللسان فقط، والشكر بالعكس، إذ متعلقه النعمة فقط، ومورده اللسان وغيره، فبينهما عموم وخصوص من وجه، فهما يتصادقان في الثناء باللسان على الإحسان، ويتفارقان في صدق الحمد فقط على النعت بالعلم مثلا، وصدق الشكر فقط على المحبة بالجنان لأجل الإحسان \" (١).\nوقال ابن القيم ﵀: \" والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا: أن الشكر يكون: بالقلب خضوعا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادا، ومتعلقه: النعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان\" (٢).\nويقارب كلام ابن القيم ما ذكره القرطبي في تفسيره بعد أن ذكر كلام أهل العلم في الفرق بين الحمد والشكر قال: \"قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر، لان الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا، فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر\" (٣).\nوللعلامة أبي السعادات ابن الأثير كلاما نفيسا في الموضوع قال: \"والحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّها لأنَّك تحمَد الإنسان على صِفاته الذَّاتيَّة وعلى عطائه ولا تَشْكُره على صِفاته، ومنه الحديث \"الحمدُ رأس الشُّكر ما شَكَر اللهَ عبْدٌ لا يَحْمَده \" (٤)، كما أنّ كلمة الإخْلاص رأسُ الإيمان، وإنما كان رأسَ الشُّكر لأنّ فيه إظهار النّعْمة والإشادة بها ولأنه أعم منه فهو شُكْر وزيادة\" (٥).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: سعة حلم الله ﷿، وأنه مهما بارز الإنسان ربه بالذنوب فإن حلم الله تعالى قد يشمله، فيوفق للتوبة؛ وهؤلاء وفِّقوا لها.\n٢. ومنها: أن العفو موجب للشكر؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ وإذا كان العفو. وهو زوال النقم. موجبًا للشكر فحدوث النعم أيضًا موجب للشكر من باب أولى.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل -وهو التوراة-؛ لكي تهتدوا من الضلالة.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، \"أي واذكروا نعمتي أيضًا حين أعطيت موسى التوراة الفارقة بين الحق والباطل\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة الفارق بين الحق والباطل\" (٧).\n_________\n(١) الفروق اللغوية: ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٢) مدارج السالكين: ٢/ ٢٤٦.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٣٤.\n(٤) رواه البغوي في \"شرح السنة\" ١٤٤/ ٢، والديلمي: ٢/ ١٠٣، عن عبدالرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن عبدالله بن عمرو قال: ... فذكره مرفوعا. قال الألباني: وهذا سند ضعيف، رجاله ثقات؛ لكن قتادة لم يسمع من ابن عمرو؛ كما يقتضيه قول الحاكم فيه: \"لم يسمع من صحابي غير أنس\". [السلسلة الضعيفة والموضوعة: ٨/ ٢٣].\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر: ١/ ٤٣٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٨٣.","vol":"2","page":275},{"text":"روي \" عن قتادة في قوله: ﴿الكتاب﴾، قال التوراة\" (١). وهو قول جمهور المفسرين (٢).\nوقال مجاهد: \" ﴿الكتاب﴾: هو الفرقان، فرقان بين الحق والباطل\" (٣). وروي عن أبي العالية (٤)، والربيع بن أنس (٥)، نحو ذلك.\nواختلف في (الواو) في قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، على وجهين (٦):\nأحدهما: أن (الواو) فيه زائدة. وهذا مذهب الكسائي (٧)، إذ يرى: أن الفرقان نعت للكتاب، والمعنى: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي: الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت (الواو)، كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي، وأنشد (٨):\nإِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم\nوضعّف هذا القول أبو حيان (٩) وابن كثير (١٠).\nوالثاني: أن (الواو) حرف عطف، فعطف عليه وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول عدي العبادي (١١):\nوقدمت الأديم لراقشيه ... فألفى قولها كذبًا ومينا\nوقال الحطيئة (١٢):\nألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد\nفالكذب هو المين، والنأي: هو البعد، وقال عنترة (١٣):\nحييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\nقال الزجاج: \" والقول الأول هو القول، لأن الفرقان قد ذكر لموسى في غير هذا الموضع - قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] \" (١٤).\nوَ﴿الْفُرْقَانَ﴾: الفصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٠): ص ١/ ١٠٩.\n(٢) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٩)، و(٩٣٠)، و(٩٣١): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبر (٩٢٨): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٢١): ص ١/ ١٠٩.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦١.\n(٧) ذكره الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٦، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٧٣، والكشاف: ١/ ٢٨١، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، \"معاني القرآن: ١/ ٣٧.\n(٨) البيت بلا نسبة في\"معاني القرآن للفراء: ١/ ١٠٥، والإنصاف: ٣٧٦، والخزانة: ١/ ٢١٦. والقَرْم: السيد المعظم.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٠٢.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦١.\n(١١) ديوان عدي بن زيد العبادي، تحقيق: محمد جبار المعيبد، دار الجمهورية للنشر والطبع، بغداد، ١٩٦٥ م، ص ١٨٣، ويروى (وقدّمت الأديم)، والبيت ذكر في اللسان: (مين)، وقدت أي قطعت، والضمير فيه يعود على الزباء، وهي امرأة ورثت الملك عن أبيها - والأديم الجلد، ولراهشيه، أي: إلى أن وصل القطع للراهشين، وهما عرقان في باطن الذراع يتدفق الدم منهما عند القطع - والضمير في ألفى يعود على المقطوع راهشاه، وهو جذيمة الابرش، والمراد الاخبار بأن جذيمة غدرت به الزباء، وقطعت راهشيه، وسأل منه الدم حتى مات، وأنه وجد ما وعدته من تزوجه بها كذبا ومينا - وهما بمعنى واحد، واحدى الكلمتين زائدة فلا يتغير المعنى باسقاط أيهما شئت وكقول الشاعر:\nألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها التأى والبعد\nفالنأي والبعد بمعنى واحد، ولا يتعين أحدهما للزيادة.\n(١٢) ديوانه، طبعة بيروت: ٣٩. وفي اللسان والصحاح والتهذيب والمقاييس ٥/ ٣٧٨ والأساس، بدون نسبة. و(هند): هي المخصوص بالمديح، فاعل. ولم ير الشاعر في نفسه حاجةً إلى تمييز، فاطّرحه، ولو ذكره لقال مثلًا: حبذا هندٌ امرأةً. وتأنيث الفاعل لم يغيّر من [حبذا] شيئًا، لأنه يلزم صيغة الإفراد والتذكير أبدًا في كل حال.\n(١٣) شرح المعلقات السبع، الزوزني: ١٣٠. والإقواء والإقفار: الخلاء، جمع بينهما لضرب من التأكيد، وأم الهيثم: كنية عبلة. يقول: حييت من جملة الأطلال. أن خصصت بالتحية من بينها ثم أخبر أنه قدم عهده بأهله وقد خلا عن السكان بعد ارتحال حبيبته عنه.\n(١٤) معاني القرآن: ١/ ١٣٤.\n(١٥) انظر: الطبري: ٢/ ٧٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦١.","vol":"2","page":277},{"text":"و(الفرقان) لغة: مصدر فرَقت بين الشيئين: أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون\" (١).\nواختلف في تفسير ﴿الْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، هنا، على أربعة أوجه:\nأحدها: أن ﴿الفُرْقَانَ﴾: ما في التوراة من فَرْقٍ بني الحقِّ والباطلِ، فيكون ذلك نعتًا للتوراة. قاله أبو العالية (٢)، ومجاهد (٣)، والربيع بن أنس (٤)، واختاره الفراء (٥)، وارتضاه الزجاج (٦)، وهو قول جمهور أهل التفسير (٧).\nواحتجوا من وجهين:\nالأول: أن العرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه، ومنه قول عدي بن زيد (٨):\nوَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا\nفقوله (كذبًا ومينًا)، عطف (المين) على (الكذب)، وهو بمعناه.\nوقال عنترة (٩):\nحُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ\nوالثاني: أن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين (١٠)، والعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلًا: قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١]: المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ١ - ٤]: المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا: ﴿الكتاب والفرقان﴾: المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ ﴿الكتاب﴾ نفس التوراة؛ و﴿الفرقان﴾ صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف (١١).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٥٢٥، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤٦١، تهذيب اللغة\" (فرق): ٣/ ٢٧٧٩، والصحاح: (فرق) ٤/ ١٥٤٠، واللسان: (فرق) ٦/ ٣٣٩٩.\n(٢) أنظر: تفسير الطبر (٩٢٨): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٢١): ص ١/ ١٠٩.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٩)، و(٩٣٠)، و(٩٣١): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال. انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٥.\n(٧) رجحه الطبري: ٢/ ٧٠، ٧١، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، وتفسير ابن عطية\" ١/ ٢١٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٨١، وتفسير ابن كثير\" ١/ ٩٧، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٣٧، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٥.\n(٨) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٧، \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٩ أ، ٧٣ أ، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٨، \"المستقصى\" ١/ ٢٤٣، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٣٥٧، \"الهمع\" ٥/ ٢٢٦، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٣١٠، \"اللسان\" (مين) ٧/ ٤٣١١، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٨.\nوالبيت ضمن قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب.\nويروي (قدمت) و(الراهش) عرق في باطن الذراع و(المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت.\n(٩) ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (شرع) ٢/ ١٨٥٧، \"اللسان\" (شرع) ٤/ ٢٢٣٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤١، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٨، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٥، و\"ديوان عنترة\" ص ١٨٩.\nو(الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله.\n(١٠) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٥، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٢٦.\n(١١) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٣.","vol":"2","page":278},{"text":"القول الثاني: أن ﴿الفرقان﴾: النصر، الذي فرَّق الله به بين موسى وفرعون، حتى أنجى موسى وقومَهُ، وأغرق فرعون وقومهُ. قاله ابن زيد (١)، وروي عن ابن عباس (٢) نحو ذلك.\nومما يعضد هذا الوجه، قول عبدالله بن رواحة، وهو يخاطب النبي -ﷺ- (٣):\nفَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا\nفعلى هذا، سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا (٤).\nوعن يمان بن رباب: \" ﴿الفرقان﴾: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ \" (٥). وهذا الوجه أيضا يدخل ضمن القول الثاني.\nالقول الثالث: أن ﴿الفرقان﴾: هو \"علم الكتاب وتبيانه وحكمته\". قاله سعيد بن جبير (٦).\nالقول الرابع: أن ﴿الفرقان﴾، هو القرآن، وهذا قول قطرب، حكاه الزجاج عنه (٧)، وعلّلوا قولهم ذلك، من وجهين:\nأحدهما: أن الفرقان القرآن وأن معنى إتيانه لموسى ﵇، نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري (٨). وضعّفه الآلوسي وقال: \"وهو بعيد\" (٩).\nوالثاني: حكي \"عن الفراء وقطرب، أن الفرقان هو القرآن، والكلام على حذف مفعول، أي: ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين كقول الشاعر (١٠):\nتَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ\nأراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (١١).\nوضعّفه الأنباري قائلا: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد - ﷺ - فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (١٢). وكذا اعترض عليه الآلوسي وبعّده (١٣).\nوالصحيح هو قول جمهور أهل التفسير، بأن ﴿الفرقان﴾ هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٣٢): ص ٢/ ٧١.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" عن عباس وابن زيد ١/ ٨١، وذكر الطبري نحوه عن ابن زيد ١/ ٢٨٥، وذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ولم يعزه ١/ ٣٥٤، وكذا ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٥.\n(٣) ديوانه: ١٥٩. وانظر: طبقات ابن سعد\" ٣/ ٥٢٨، \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٤٢٨، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٣٤، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٣٥، \"الدر المصون\" ١/ ٥٩١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١١، ٢٢٧، ٦/ ٨٤.\n(٤) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٥٢٧.\n(٥) ذكره الثعلبي في تفسير: ١/ ١٩٧، والبغوي: في تفسيره: ١/ ٧٣، وحكاه الواحدي عن الزجاج عن يمان بن رباب، ولم أجد هذا القول في \"معاني القرآن\" للزجاج، وممن نسبه للزجاج ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٨١، وهذا القول ذكره الفراء في \"المعاني\" ١/ ٣٧، وأبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٤، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ونسبه لابن زيد ١/ ٢٩٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤١.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٢): ص ١/ ١٠٩.\n(٧) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٩٧، وهو قول للفراء كما في المعاني ١/ ٣٧، وانظر: \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٦، \"زاد المسير\" ١/ ٨١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٢.\n(٨) قول ابن الأنباري ذكره المرتضى في \"أماليه\" ٢/ ٢٦٠.\n(٩) روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(١٠) البيت ينسب إلى خالد بن الطيفان، ونسبه بعضهم إلى الزبرقان بن بدر، ورد البيت في \"الزاهر\" ١/ ١١٩، و\"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٩، ٣٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، \"الإنصاف\" ١/ ٤٠٦، \"اللسان\" (جدع) ١/ ٥٦٧. والوفر: المال الكثير الوافر.\n(١١) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٧٣، ووذكره الزجاج في \"المعاني\" ١/ ١٠٤، ١٠٥، وهو قول للفراء كما في المعاني ١/ ٣٧، وانظر: \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٦، \"زاد المسير\" ١/ ٨١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٢، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٢٨، وروح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(١٢) ذكره المرتضى في \"أماليه\" ٢/ ٢٦٠.\n(١٣) روح المعاني: ١/ ٢٦٠.","vol":"2","page":279},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، \"أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام\" (١).\nقال الطبري: \" لتهتدوا بها، وتتبعوا الحق الذي فيها\" (٢).\nروي \"عن سعيد بن جبير في قول الله ﷿: ﴿لعلكم﴾، يعني (لكي) \" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي لعلكم تهتدون بهذا الكتاب الذي هو الفرقان؛ لأن الفرقان هدى يهتدي به المرء من الضلالة، و﴿تهتدون﴾ أي هداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازل للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي \" (٤).\nقال الثعلبي: أي: \"لهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين، كقول الشاعر (٥):\nتراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بات له وفر\" (٦)\nويطلق لفظ التوراة (٧): على الشريعة المكتوبة، كما يطلق لفظ التلمود: على الشريعة الشفهية. وأما لفظ العهد القديم: فيطلق على مجموعة الأسفار التي كتبت قبل عهد المسيح ﵇ والتي تضم الأسفار التي جاء بها موسى وأنبياء بني إسرائيل وسميت كذلك -العهد القديم- للتميز بينها وبين العهد الجديد، الذي يزعمون أن الرب قطعه مع بني إسرائيل على يد المسيح عيسى ﵇ (٨).\nوإن من المعلوم أن التوراة الموجودة الآن بين يدي اليهود والنصارى محرفة (٩)، ومن خلال دراسة تاريخ التوراة يتبين لنا أن هذه الأسفار من صنع أجيال متعددة، وأن فترة التدوين بدأت من عهد عزرا\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٧٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٣): ص ١/ ١٠٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٣.\n(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت في لسان العرب: ٨/ ٤١، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٩٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٧.\n(٧) التوراة التاء فيه مقلوب، وأصله من الورى، بناؤها عند الكوفيين: ووراة تفعلة (قال في اللسان: التوراة عند أبي العباس تفعلة، وعند الفارسي فوعلة، قال: لقلة تفعلة في الأسماء وكثرة فوعلة)، وقال بعضهم: هي تفعلة نحو تنفلة (انظر: معاني القرآن للزجاج ١/ ٣٧٤. والتنفلة: أنثثى الثعلب)، وليس في كلامهم تفعلة اسما. وعند البصريين وورية، هي فوعلة نحو حوصلة. قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ [المائدة/٤٤]، ﴿ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل﴾ [الفتح/٢٩] (انظر: مفردات ألفاظ القران، الراغب: ١٢١).\n(٨) المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم لمحمد البار ص (١١١).\n(٩) وأما تحريف التوراة، فإليك الأدلة على ذلك:\n١ - أدلة من القرآن الكريم:\nلقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز وعلى لسان رسولنا الكريم ﷺ، ما يدل على تحريف اليهود لكتابه الذي أنزله إليهم، وأنهم أضافوا وبدلوا منه الشيء الكثير، حتى لم يبقى في كتابهم المزعوم شيء مما أنزل الله على موسى ﵇ ومن الآيات التي تخبرنا بذلك:\nخاطب الله رسوله والصحابة رضوان الله عليهم بقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].\nوقال تعالى مخبرًا عن تحريفهم للكتاب ومتوعدًا لهم بالعقاب ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].\nوفي هذه الآيات دلالة على أنهم أدخلوا في كلام الله ما ليس منه، وافتروا على الله الكذب بأن نسبوا إليه سبحانه مالم يقله وهم يعلمون ذلك فجورا منهم وجراءة على الله تعالى.\nكما أخبرنا تعالى بأنهم قد أخفوا وكتموا ما عندهم من الحق يقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، وقال تعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، وغيرها من الآيات التي يخبرنا بها القرآن الكريم عن كتابهم وأنه لم يسلم من أيدي المحرفين.\n٢ - أدلة من التوراة نفسها\nوالأمثلة على وقوع التحريف في التوراة كثيرة نذكر بعضًا منها:\nأولًا- الاختلاف في عدد الأسفار:\nمما هو معلوم أن بين يدي اليهود والنصارى ثلاث نسخ مشهورة من التوراة والعهد القديم، ومن هذه النسخ تتفرع سائر الترجمات تقريبًا وهي:\nالنسخة العبرية: وهي المقبولة والمعتبرة لدى اليهود وجمهور علماء البروستانت وهي مأخوذة من الماسورية.\nالنسخة اليونانية: وهي المعتبرة لدى النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس وهي التي تسمى السبعينية.\nالنسخة السامرية: وهي المعتبرة والمقبولة لدى اليهود السامريين.\nوإذا عقدنا مقارنة بين هذه النسخ الثلاثه من ناحية عدد الأسفار نجد أن النسخة العبرية تسعة وثلاثون سفرًا فقط.\nأما النسخة اليونانية فهي ستة وأربعون سفرًا حيث تزيد سبعة أسفار عن النسخة العبرية ويعتبرها النصارى الكاثوليك والأرذثوكس مقدسة.\nأما النسخة السامرية فلا تضم إلا أسفار موسى الخمسة فقط وقد يضمون إليها سفر يوشع فقط وما عداه فلا يعترفون به ولا يعدونه مقدسًا.\nفهذا الاختلاف الهائل بين النسخ لكتاب واحد والكل يزعم أنه موحى به من الله، ويدعي أن كتابه هو الحق وما عداه هو الباطل! !\nثانيا- الاختلاف والتباين بين معلومات النسخ المدونة:\nفإذا عقدنا مقارنة بين النسخ الثلاثة فيما اتفقت في ذكره من أخبار وقصص نجد يبنهما تباينًا شديدًا واختلافًا كبيرًا ومن ذلك:\n١ - أن اليهود ذكروا تاريخ مواليد بني آدم إلى نوح ﵇، ونصوا على عمر كل واحد منهم، وكذلك عمره حين ولد له أول مولود، وبعقد مقارنة بين أعمار من ذكروا حين ولد لهم أول مولود تتبين اختلافات واضحة بين النسخ الثلاثة:\nفعمر آدم في نسخةِ العبرانية والسامرية ١٣٠ بينما عند النسخة اليونانية ٢٣٠.\nوعمر شيث في نسخةِ العبرانية والسامرية ١٠٥ بينما اليونانية ٢٠٥.\nوعمر آنوش في نسخةِ العبرانية والسامرية ٩٠ بينما اليونانية ١٩٠.\nفهذا دليل على تحريفهم لكلام الله إن ثبت أن ما سبق هو كلام الله المنزل حيث لا يمكن الجمع بين الروايات المتناقضة\n٢ - ورد في سفر التكوين والتثنية والعدد ما يقرر أن الأبناء يؤخذون بذنب الآباء، بينما في سفر حزقيال ما يعارض هذا من أن الأبناء لا يحملون ذنب الآباء.\n٣ - في نسخة العبرانية من الزبور وردت عبارة (لم يعصوا كلامه) بينما في النسخة اليونانية (وقد عصوا كلامه).\nوعن تباين النسخ واختلافها يقول ابن القيم الجوزية ﵀: \"وقولهم ان نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض وغربها كذب ظاهر فهذه التوراة التي بأيدى النصارى تخالف التوراة التي بأيدي اليهود والتي بأيدي السامرة تخالف هذه وهذه وهذه نسخ الإنجيل يخالف بعضها بعضا ويناقضه فدعواهم أن نسخ التوراة والإنجيل متفقة شرقا وغربا من البهت والكذب الذي يرجونه على أشباه الأنعام حتى أن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم وهم يعلمون قطعا ان ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى\". [هداية الحيارى لابن القيم الجوزية (٤٨)].\nثالثا- الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من نفس السفر:\n١ - فنجد أنهم في سفر التكوين يذكرون أن سفينة نوح استقرت بعد الطوفان على جبال أراراط بعد سبعة أشهر وسبعة عشر يوما، ثم ذكروا أن رؤوس الجبال بعد الطوفان لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر: \"واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم االسابع عشر من الشهر على جبال أراراط وكانت المياه تنقص نقصًا مواليا إلى الشهر العاشر وفي الشهر العاشر في أول الشهر ظهرت رؤس الجبال\". [الإصحاح ٨ من سفر التكوين ص (٦)].\nففي هذا تناقض ظاهر فكيف رست السفينة على الجبال بعد سبعة أشهر مع أن رؤوس الجبال لم تظهر ألا في أول الشهر العاشر! !\n٢ - ذكروا في سفر الخروج أن موسى ﵇ رأى الله \"ويكلم الرب موسى وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه\". [الإصحاح ٣٣ من سفر الخروج ص (٧٢)].\nفهم هنا يزعمون أن الكلام يتم مقابلة مما يوحي بأن موسى ﵇ يرى وجه الله تعالى حين يكلمه، وفي نص آخر من نفس السفر بعد هذا يقولون إن الله قال لموسى لما طلب أن يراه (لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش\". [الإصحاح ٣٣ من سفر الخروج ص (٧٢)]. وفي هذا تناقض واضح.\nوالحق كما جاء في القرآن الكريم أن موسى ﵇ لم ير الله ﷿ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\n٣ - ذكروا في سفر التكوين أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇\" خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أح الجبال\" [الإصحاح ٢٢ من سفر التكوين ص (١٦).]، فلاشك أن هذا خطأ، لأن إسحاق ﵇ لم يكن وحيد إبراهيم ﵇ بل الذي كان وحيده هو بكره إسماعيل ﵇، حيث نص اليهود في كتابهم على أن إسماعيل ﵇ ولد قبل إسحاق ﵇ حيث ختن وعمره ثلاث عشرة سنة ولم يكن إسحاق ولد بعد وفي هذا قالوا (وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه\". [الإصحاح ١٧ من سفر التكوين ص (١١).وأنظر: اليهودية ص (٢٦٩ - ٢٧٠)،ودراسات في الأديان اليهودية والنصرانية للخلف ص (٩٦ - ٩٨ - ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١)].\nرابعًا- ذكر وفاة موسى ﵇:\nفنجد أن سفر التثنية يخبرنا بوفاة موسى ﵇ وعمره (فمات هنا موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فخور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم .. وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته .. \". [الإصحاح ٣٤ من سفر التثنية ص (١٧٠)].\nويقول الإمام ابن حزم ﵀ معلقًا على هذا النص: هذه آخر توراتهم وتمامها، وهذا الفصل شاهد عدل، وبرهان تام، ودليل قاطع، وحجة صادقة في أن توراتهم مبدلة، وأنها تاريخ مؤلف كتبه لهم من تخرص بجهله، أو تعمد بفكره، وأنها غير منزلة من عند الله تعالى، إذ لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزلًا على موسى في حياته .. وبيان أنه تاريخ ألف بعد دهر طويل ولابد\". [الفصل في الملل والأهواء لابن حزم (١/ ١٨٦)،وأنظر: دراسات في اليهودية والمسيحية لمحمد الأعظمي ص (١٣٢).].\nوغيرها من التحريفات التي أمتلئ بها كتابهم المقدس ذكرنا بعضًا منها هنا على سبيل الذكر لا الحصر.\nوقد تعددت أنواع التحريف في التوراة، إذ يفصل بعض العلماء في أنواع التحريف الذي قام به أحبار اليهود في التوراة، ويستدلون على ذلك بما ورد في القرآن الكريم من آيات تخبر بذلك، وهذه الأنواع هي:\nأولا: تحريف بالتبديل.\nثانيا: تحريف بالزيادة\nثالثا: تحريف بالنقصان\nرابعا: تحريف بتغيير المعنى دون اللفظ\nوهذه الأنواع تكون بعدة أمور منها:\nأ- إلباس الحق بالباطل والباطل بالحق: وفي هذا قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١].\nيقول ابن عباس ﵁: (لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب)، ومن ذلك أنهم كانوا يكتبون في التوراة ما ليس فيها ومثاله اتهام هارون ﵇ بأنه الذي صنع العجل وأمرهم بعبادتهم.\nب- كتمان الحق وإخفاءه: يقول تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]، ومن كتمانهم للحق إنكارهم لصفة الرسول ﷺ في التوراة، وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]\nوقد كتموا حكم رجم الزاني والزانية ولكن الله فضحهم على يد حبرهم حين أسلم الصحابي الجليل عبد الله بن سلام ﵁ وأظهر حكم التوراة وهو الرجم.\nج- تحريف الكلام عن مواضعه: بوضع كلمة مكان كلمة وهذا هو تحريف التبديل، وقد يكون بإسقاط كلمة وهو تحريف النقص، أو بزيادة كلمه وهو تحريف الزيادة، ومن قرأ كتابه وجده ملئ بذلك وفي هذا قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦].\nد- ليّ اللسان: وهو أن يقولوا كلمة ظاهرها حسن وباطنها سيئ، ومثاله قولهم للنبي ﷺ (واسمع غير مسمع) وقولهم (راعنا) وظاهر الكلام حسن وباطنه سيئ حيث يتهمونه ﷺ بالرعونة وإنك تُسمع قومًا لا يسمعونك لتفاهة كلامك، ومن ذلك أيضًا أنهم إذا سلموا على الرسول لى الله عليه وسلم قالوا: \"السام عليكم\" [ينظر: المدخل لدراسة التوراة والعهدالقديم ص (١٢٠ - ١٢١ - ١٢٢)]، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].\nومن ليهم باللسان أن الله أمرهم إذا دخلوا القرية أن يقولوا حطة، لكي يغفر الله لهم خطاياهم فقالوا حنطة، قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]. [انظر: العهد القديم عند اليهود، أ. د. سليمان بن قاسم العيد ورفعة العنزي، جامعة الملك سعود كلية التربية، قسم الثقافة الأسلامية، مسار العقيدة: (بحث منشور في الشبكة الألكترونية)].","vol":"2","page":280},{"text":"واستمرت بعده، وأن الكهنة كانوا يعتمدون على ما سمعوه وما تلقاه الخلف عن السلف من أخبار وأساطير وأقوال، وكثيرًا ما كان الكهنة يكتبون ما يجيش بصدورهم أو مايأملونه على أنه حقيقة واقعة، أو تاريخ سابق.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه، وآلائه؛ بل هو من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتب تبيانًا للناس.\n٢ ومنها: أن موسى ﷺ نبي رسول، لأن الله تعالى آتاه الكتاب.\n٣ ومنها: فضيلة التوراة؛ لأنه أُطلق عليها اسم ﴿الكتاب﴾؛ و\"أل\" هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة؛ أيضًا سماها الله تعالى الفرقان، كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ [القصص: ٤٩]. يعني التوراة، والإنجيل. ﴿أتبعه إن كنتم صادقين﴾ [القصص: ٤٩]؛ ودل هذا على أن التوراة مشاركة للقرآن في كونها فرقانًا؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ [المائدة: ٤٤].\n٤ ومن فوائد الآية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقانًا، ثم هم يكفرون هذا الكفر دلّ على زيادة عتوهم، وطغيانهم؛ إذ من نُزِّل عليه كتاب يكون فرقانًا كان يجب عليه بمقتضى ذلك أن يكون مؤمنًا مذعنًا.","vol":"2","page":282},{"text":"٥ ومنها: أن الله. ﵎. يُنزل الكتب، ويجعلها فرقانًا لغاية حميدة حقًا. وهي الهداية؛ لقوله تعالى: (لعلكم تهتدون)\n٦ ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء. لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبه ذلك؛ بل من الكتب المنَزلة من السماء.\nفعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد، والعباد، ونحوهم نقول لكاتبيها، وقارئيها: خير لكم أن تبدو للناس كتاب الله ﷿، وما صح عن رسوله ﷺ وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعًا للخلق؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله ﷿.\n٧ ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ وبسط ذلك مذكور في كتب العقائد.\n٨ ومنها: أن الإيتاء المضاف إلى الله ﷾ يكون كونيًا، ويكون شرعيًا؛ مثال الكوني قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ [القصص: ٧٦]؛ ومثال الشرعي قوله تعالى: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ [الإسراء: ٢].\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا، فإنه أعظم الظلم، فتوبوا إلى الله الذي خلقكم وأبدعكم: وهذه التوبة بأن يَقْتل بعضكم بعضًا، فمن قتل فحي يرزق ومن بقي قبلت توبته وطهرهم الله بذلك، وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار، فامتثلتم ذلك، فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم، إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.\nقال الآلوسي: وهذه \" نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل، حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين، وإنما فصل بينهما بقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنا﴾ إلخ، لأن المقصود تعداد النعم- فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة- وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم- وليس بشيء-\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٥٤]، \" أي واذكروا إذ قال موسى لقومه (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" الذين اتخذوا العجل\" (٣) وكذا قاله البغوي (٤)، والواحدي\" (٥).\nقال الآلوسي: \" و(اللام) في ﴿لِقَوْمِهِ﴾، للتبليغ، وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب مُوسى لِقَوْمِهِ كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه- كالخطابات المذكورة سابقا لبني إسرائيل\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [البقرة: ٥٤]، \"أي يا أصحابي\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"وناداهم بوصف القومية تحببًا، وتوددًا، وإظهارًا بأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه بمقتضى العادة\" (٨).\nوسمي الرجال قوما، \"لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء\" (٩).\n_________\n(١) روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٦.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٧،\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٩٦.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ٥٢٨.\n(٦) روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٨٦.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٨٦.\n(٩) روح المعاني: ١/ ٢٦٠.","vol":"2","page":283},{"text":"واختلف في اختصاص (القوم) بالرجال دون النساء، على قولين:\nأحدهما: المشهور اختصاص (القوم) بالرجال: فالقوم: \"اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده أمريء وقياسه أن لا يجمع وشذ جمعه على أقاويم والمشهور إختصاصه بالرجال\" (١) أي الجماعة من الرجال دون النساء، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، ولما كان لفظ قوم مختصا بالرجال لأنهم القوم على النساء، أفرد النساء بالذكر فقال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١] ومنه قول زهير (٢):\nوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\nيعني: أرجال هم أم نساء؟ فعبر عن الرجال بالقوم، و(قوم) جمع (قائم) كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء، وسموا قومًا لأنهم هم الذين يقومون بالأمور: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، فهم يقومون بالأمور، ويتولون الحروب والقيادة. وغير ذلك (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٨٠]، أراد الرجال دون النساء (٤).\nوالثاني: وقيل: لا إختصاص له بهم بل يطلق على النساء أيضا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا (٥).\nوالقول الأول أصوب، وإنما إندراج النساء يكون على سبيل \"الإستتباع والتغليب\" (٦)، وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك.\nوفي إقبال موسى على قومه بالنداء ونداؤه لهم بـ (ياقوم)، إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم بعبادة العجل (٧).\nقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، أي: \" ضررتم بأنفسكم\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي\" نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن \"الظلم\" في الأصل بمعنى النقص، كما قال الله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، \"أي بسبب اتخاذكم العجل إلها تعبدونه من دون الله\" (١٠).\nوهذا العجل سبق أنه عجل من ذهب، وأن الذي فتن الناس به رجل يقال له: السامري (١١).\nو(العجل)، لفظة عربية، اسم لولد البقرة (١٢).\nوقال قوم: \"سمي عجلا لأنه استعجل قبل مجيء موسى ﵇\" (١٣). قال ابن عطية: \" وليس هذا القول بشيء\" (١٤).\nواختلف في (العجل) هل بقي من ذهب؟، فقال الجمهور بأنه بقي من ذهب (١٥)، وقال الحسن بن أبي الحسن: \"صار لحما ودما\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الالوسي: ١/ ٢٥٩.\n(٢) ديوان زهير شرح الأعلم: ٧٣، والبيت ورد في: اللسان والتهذيب والصحاح والمقاييس: ٥/ ٤٣، شرح المصنف: ٢/ ٣٧٧، مغني اللبيب: ٤١، ١٣٩، ٣٩٨، وهمع الهوامع: ١/ ٥٤٥٤.\n(٣) انظر: تفسير السمعاني: ٥/ ٢٢١، وتفسير الرازي: ٢٨/ ٢١٤.\n(٤) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٠، وتفسير الشوكاني: ١/ ٨٦. وتفسير البيضاوي: ٥/ ٢١٧.\n(٦) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(٧) انظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٧، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٩٦.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/! ٨٦.\n(١١) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/! ٨٦.\n(١٢) أنظر: اللسان (عجل): ص ١١/ ٤٢٩، و(حشب): ١/ ٣١٧.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/! ٤٥.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/! ٤٥.\n(١٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤٥.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٥.","vol":"2","page":284},{"text":"قال ابن عطية: والأول أصح\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُم﴾ [البقرة: ٥٤]، \"أي ارجعوا إليه من معصيته إلى طاعته\" (٢).\nقال أبو العالية: \"أي: إلى خالقكم\" (٣).\nوكذلك فسره سعيد بن جبير والربيع بن أنس (٤).\nقال الطبري: أي: \" ارجعوا إلى طاعة خالقكم، وإلى ما يرضيه عنكم\" (٥).\nقال البيضاوي: \"فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براءٍ من التفاوت، ومميزًا بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة\" (٦).\nقال المراغي: \"أي فاعزموا على التوبة إلى من خلقكم وميّز بعضكم من بعض بصور وهيئات مختلفة، وفي قوله ﴿إلى بارئكم﴾، إيماء إلى أنهم بلغوا غاية الجهل، إذ تركوا عبادة البارئ وعبدوا أغبى الحيوان وهو البقر\" (٧).\nقال أبو حيان: \" ﴿توبوا إلى بارئكم﴾، أي منشئكم وموجدكم من العدم، إذ موجد الأعيان هو الموجد حقيقة. وأما عمل العجل واتخاذه فليس فيه إبراز الذواب من العدم، إنما ذلك تأليف تركيبي لا خلق أعيان، فنبهوا بلفظ الباري على الصانع، أي الذي أوجدكم هو المستحق للعبادة، لا الذي صنعه، مصنوع مثله، فلذلك، والله أعلم، كان ذكر الباري هنا\" (٨).\nو(الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، \"لأن الظلم سبب التوبة\" (٩).\nو(البارئ): الخالق المعتني بخلقه؛ وهو من: برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ، و(البرية): الخلق، وهي (فعيلة) بمعنى (مفعولة)، غير أنها لا تهمز، كما لا يهمز (ملك) وهو من (لأك)، لكنه جرى بترك الهمزة كذلك قال نابغة بني ذبيان (١٠):\nإلا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد\nوقد قيل: إن (البرية) إنما لم تهمز لأنها (فعيلة) من (البَرَى)، والبَرَى: التراب، فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب، وقال بعضهم: إنما أخذت (البرية) من قولك: بريت العود، فلذلك لم يهمز (١١).\nوقد قال الزمخشري كلاما نفيسا في اختصاص ذكر البارئ هنا، فقال: \" فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، ومتميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. - في أمثال العرب: أبلد من ثور - حتى عرضوا أنفسهم لسخط\nاللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها\" (١٢).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٥.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٤٦): ص ٢/ ٧٨.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٧٨.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٨١.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٢١.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ١٧٣.\n(٩) الدر المصون: ١/ ٣٦٧، وانظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٠.\n(١٠) ديوانه: ٢٩، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه، وقبل البيت:\nولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد\nحَدَدْتُ فلانا عن الشر: منعته وحبسته. والفند: الخطأ في الرأى وفي القول.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٨ - ٧٩.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"2","page":285},{"text":"واختلفت القراءة في ﴿بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على ثلاثة وجوه (١):\nأحدها: قرأ الجمهور: ﴿بارئكم﴾، بإظهار الهمزة وكسرها.\nوالثاني: وقرأ أبو عمرو: «بارئْكم» بإسكان الهمزة، وروي عنه الاختلاس.\nومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن (٢).\nقال أبو حيان: \"وما ذهب إليه (٣) ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله ﷺ، ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر \" (٤)، ومن ذلك قول الشاعر (٥):\nفاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل\nوقول جرير (٦):\nسيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرا ولا تعرفكم العرب\nومن ذلك قول وضاح اليمن (٧):\nإنما شعري شهد ... قد خلط بالجلجلان\nوالثالث: وقرأ الزهريّ: ﴿باريكم﴾، بكسر الياء من غير همز، وروي ذلك عن نافع (٨).\nقال أبو حيان: ولهذه القراءة تخريجان (٩):\nأحدهما: أن الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف جعلها بين بين.\nوالثاني: أن يكون الأصل باريكم، بالياء من غير همز، ويكون مأخوذًا من قولهم: بريت القلم، إذا أصلحته، أو من البري: وهو التراب، ثم حرك حرف العلة، وإن كان قياسه تقديرًا لحركة في مثل هذا رفعًا وجرًا، وقال الشاعر (١٠):\nويومًا توافينا الهوى غير ماضي\nوقال آخر (١١):\nولم تختضب سمر العوالي بالدم\nوقال آخر (١٢):\nخبيث الثرى كأبي الأزيد\n_________\n(١) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٧٦ - ٧٧.\n(٢) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٧٣، وكذا الأخفش، اعترض على جزم الهمزة، فقال: \" وقد زعم قوم انها تجزم ولا أرى ذلك الا غلطا منهم، سمعوا التخفيف فظنوا انه مجزوم والتخفيف لا يفهم الا بمشافهة* ولا يعرف في الكتاب ... والاسكان في ﴿بارئْكُم﴾ على البدل لغة الذين قالوا: \"أَخْطَيْت\" وهذا لا يعرف\". [معاني القرآن: ١/ ٨٩].\n(٣) أي المبرد في منعه التسكين في حركة الإعراب، وزعمه أن قراءة أبي عمرو لحن.\n(٤) البحر المحيط: ١/! ٧٤.\n(٥) رجز لأبي نخيلة وبعده: بالدوّ أمثال السفين العوّم\nانظر سيبويه ٢/ ٢٩٧ والخصائص ١/ ٧٥ و٣١٧ اللسان (عوم)، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٨٠.\n(٦) ديوانه/ ٤٨ - وفيه: فلم تعرفكم العرب.\nنهر تيرى: نهر قديم نواحي الأهواز حفره أردشير ملك الفرس.\n(٧) البيت في الضرائر لابن عصفور: ص/ ٨٧ وعبث الوليد: ص/ ٣١٥ وفي اللسان (جلل) مع اختلاف في الرواية. وانظر شرح أبيات المغني: ٨/ ٣٧.\nوهو وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال أحد أبناء الفرس الّذين قدموا مع وهرز الفارسي فقتلوا الحبشة وأقاموا بصنعاء، وكان شاعرا ظريفا غزلا جميلا، فعشقته أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك، فقتله الوليد (انظر نوادر المخطوطات: أسماء المغتالين ٢/ ٢٧٣).\n(٨) نقلا عن: البحر المحيط: ١/ ٢٠٣.\n(٩) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٠٣.\n(١٠) البيت لجرير، أنظر: ديوانه: ٢/ ١٤٠، وصدره: ويوما ترى منهم غولا تغوّلُ. وانظر: الكتاب: ٣/ ٣١٤، ونوادر أبي زيد: ٢٠٣، والمقتضب: ٣/ ٣٥٤، والخصائص: ٣/ ١٥٩.\n(١١) عزاه السمين في الدر المصون: ١/ ٣٦٥، لأبي طالب، وصدره: كذبتم وبيت الله نبزي محمدا.\n(١٢) البيت لجرير، في ديوانه: ٢/ ٨٣٤، وصدره: وعرق الفرزدق شر العروق، وانظر: همع الهوامع: ١/ ٢١٠، والدر اللوامع: ١/ ١٦٧.","vol":"2","page":286},{"text":"قال أبو حيان: \"وهذا كله تعليل شذوذ\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، أي: \"ليقتل البريء المجرم\" (٢).\nقال ابن عباس ومجاهد: \" قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد\" (٣).\nقال ابن عثيمين: أي: \"ليقتل بعضكم بعضًا\" (٤).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) [البقرة: ٥٤] على ثلاثة أوجه (٦):\nأحدها: قيل معناه: أنهم قاموا صفين، يقتل بعضهم بعضا (٧)، قاله ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومجاهد (١٠)، وقتادة (١١)، والحسن (١٢)، وأبو عبدالرحمن (١٣).\nوقالوا: إنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه (١٤)، فقد روي عن أبي عبدالرحمن، أنهم \" عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضا\" (١٥)، \"حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة: \"كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي\" (١٦).\nواعترض القاضي عبدالجبار أن يكون الله قد أمر بني اسرائي بقتل أنفسهم، وقد ردّ الآلوسي على اعتراضه (١٧).\nوالثاني: وقيل معناه البخع، فقوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أى فابخعوها واجعلوها مطية ذلولا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فطمت عن الشهوات كأنها\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٢٠٣.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٨.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٣٥): ص ٢/ ٧٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٨.\n(٥) الفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية: إن الفاء في قوله تعالى (فتوبوا) للسبب لأن الظلم سبب التوبة، في حين أن الفاء في قوله تعالى (فاقتلوا) للتعقيب، لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله: [فتوبوا] أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والفاء في قوله تعالى (فتاب عليكم) فاء الفصيحة، أي: المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم. (انظر: تفسير النيسابوري: ١/ ٤١٢).\n(٦) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ١٤٠.\n(٧) قاله أبو العالية، أنظر: تفسير الطبري (٩٤٠): ص ٢/ ٧٥، وابن عباس، أنظر: تفسير الطبري (٩٤٣): ص ٢/ ٧٦ - ٧٧، ووري عن قتادة نحوه، انظر: تفسير الطبري (٩٤٣): ص ٢/ ٧٦.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٧): ص ١/ ١١٠.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٨): ص ١/ ١١٠.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٩): ص ١/ ١١٠.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٩): ص ١/ ١١٠، والطبري (٩٤٢): ص ٢/ ٧٦.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٠): ص ١/ ١١٠.\n(١٣) تفسير الطبري (٩٣٤): ٢/ ٧٣، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: د. حكمت بن بشير بن ياسين: ١/ ١٦٢.\n(١٤) فالأمة الواحدة المجتمعة على شيء ينزلون منزلة النفس الواحدة، ومن ذلك:\n- قوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على من في البيت.\n- وقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضًا.\n- وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) أي: ظنوا بإخوانهِم خيرًا.\n- وقوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: إخوانكم.\n(١٥) تفسير الطبري (٩٣٤): ٢/ ٧٣، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: د. حكمت بن بشير بن ياسين: ١/ ١٦٢.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٤٢): ص ٢/ ٧٦. وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٢. وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. (سنن النسائي الكبرى برقم: ١١٣٢٦).\n(١٧) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦١، يقول الآلوسي: \"وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل- بقتل أنفسهم- وقال: لا يجوز ذلك عقلا- إذ الأمر لمصلحة المكلف- وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقا- بأمره نستبقيها، وبأمره نفنيها- وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو، حياة سرمدية وبهجة أبدية.\nوإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا- كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه، ووال في بلد يسوسه- وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه- وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما\".","vol":"2","page":287},{"text":"قتلت، وحلت محلها النفس الطاهرة اللوامة التى تقهر الشهوات قهرا، والشرور دائما من الأهواء والشهوات، واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير فى كلام العرب، وفى القرآن كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وإن هذا النص الكريم يشير إلى أن التوبة النصوح التى يقبلها الله تعالى، ويغفر بها الذنوب توجب قهر الشهوات والأهواء وقتل منابعها فى النفس (١).\nومن ذلك قول حسان (٢):\nإن التي ناولتني فرددتها ... قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتها لم تقتل\nذكر الآلوسي هذا القول، وعقب عليه قائلا: \"ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا\" (٣).\nوالثالث: وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة، أي يقتلُ البريءُ المجرمَ، \"وكان السببُ في امتحانِهم بذلك: أنهُ كان فيهم من عَرَفَ بطلانَ عبادة العجلِ؛ إلا أنَّهم لم يَنْهَوا الآخرين لخشيةِ وقوع القتلِ فيما بينهم، فابتلاهم اللهُ بما تركُوا النهيَ عن المنكر لأجلهِ\" (٤).\nوجمهور المفسرين أخذوا بظاهر اللفظ وهو (القتل)، إذ هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لوجود الروايات التي تؤكد ذلك (٥). والله أعلم.\nقد واختلفوا فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على ثلاثة أوجه (٦):\nأحدها: أنه خطاب للكل. قاله السدي عن أشياخه (٧).\nوالثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد. قاله مقاتل (٨).\nوالثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا. قاله أبو سليمان الدمشقي (٩).\nواختلف المفسرون: هل هذا القتل وقع في ظلمة، أم وقع جهارًا بدون ظلمة؟، فذكروا فيه وجهين (١٠):\nالأول: أنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضًا وهو ينظر إليه: ينظر الإنسان إلى ابنه، فيقتله، وإلى أبيه، وإلى صديقه! هذا شيء لا يطاق؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضًا، ولا يدري مَن قتل (١١).\nوالثاني: وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهرًا بدون ظلمة.\nوالقول الثاني أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر القرآن أنه لم تكن هناك ظلمة، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا عِيانًا، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، ورجوعهم إلى الله ﷾.\n_________\n(١) انظر: زهرة التفاسير، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بيروت- لبنان،: ١/ ٢٤٣ - ٢٣٥.\n(٢) ديوانه: ص ٧٥، ٧٦، وانظر: خزانة الأدب: ٤/ ٣٨٥.\n(٣) روح المعاني: ١/ ٢٦١.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ٣٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٤ ومابعدها. ومن تلك الروايات، قال الطبري: \" وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما رجع موسى إلى قومه قال: (يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) إلى قوله: (فكذلك ألقى السامري) [طه: ٨٦ - ٨٧]. فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه (قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: ٩٤]. فترك هارون ومال إلى السامري، ف (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) إلى قوله: (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) [طه: ٩٥ - ٩٧] ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٩٣]. فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: \" لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين \". فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال: فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! ! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدا، ومن بقي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). (انظر: تفسيره: ٢/ ٧٤ - ٧٥).\n(٦) أنظر: زاد المسير: ١/ ٨٢.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣): ص ١/ ١١١. ولفظه: \" فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف .. \".\n(٨) نقلا عن زاد المسير: ١/ ٨٢، وأخرج الطبري نحوه عن ابن عباس، انظر: تفسير الطبري (٩٣٦): ص ٢/ ٧٣.\n(٩) نقلا عن زاد المسير: ١/ ٨٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٤.","vol":"2","page":288},{"text":"قال أبو حيان: \" وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يوجب مبادرة الازدجار عن مخالفة الملك القهار، وانظر إلى لطف الله بهذه الملة المحمدية، إذ جعل توبتها في الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم المعاودة إليه\" (١).\nواختلف في نوع (الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على وجهين (٢):\nأحدهما: أنها سببية، وأن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم.\nوالثاني: أنها للتعقيب، والمعنى فأتبعوا التوبة القتل، تتمة لتوبتكم.\nقال أبو حيان: \"وقد أنكر في المنتخب كون القتل يكون توبة وجعل القتل شرطًا في التوبة، فأطلق عليه مجازًا، كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة: توبتك رد ما غصبت، يعني أنه لا تتم توبتك إلا به، فكذلك هنا\" (٣).\nوقرأ قتادة: ﴿فأقيلوا أنفسكم﴾، من الإقالة، أي استقيلوا العثرة بالتوبة (٤). قال الآلوسي: \"والمعنى أن أَنْفُسَكُمْ قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت- فأقيلوها- بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُم﴾ [البقرة: ٥٤]، \"أي ما ذكر من التوبة والقتل أنفع لكم عند الله من العصيان والإصرار على الذنوب لما فيه من العذاب\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، \" يعني: أفضل\" (٧).\nقال البيضاوي: \" من حيث إنه طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾﴾ [البقرة: ٥٤]، \" أي قبل توبتكم\" (٩).\nقال الطبري: أي\"رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]، \"أي عظيم المغفرة واسع التوبة\" (١١).\nقال الطبري: أي\" الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب \" الرحيم \"، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي إنه هو الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويقبلها منهم، وهو الرّحيم بمن ينيب إليه ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام\" (١٣).\nوقال ابن عثيمين: \" ﴿التواب﴾ أي كثير التوبة: لكثرة توبته على العبد الواحد، وكثرة توبته على التائبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛ و﴿الرحيم﴾ أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء\" (١٤).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٧٥.\n(٢) أنظر: الدر المصون: ١/ ٣٦٧، والبحر المحيط: ١/ ١٧٥.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ١٧٥، وقال هـ ١ اأيضا الرازي في تفسيره: ٣/ ٨٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/! ٩٨.\n(٥) روح المعاني: ١/ ٢٦١.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٢١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣١): ص ١/ ١١٠.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٨١.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٧٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٧٩.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ١٢١.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٨.","vol":"2","page":289},{"text":"قال الآلوسي: قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، \" تذييل لقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا﴾، فإن التوبة بالقتل- لما كانت شاقة على النفس هونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها، أو تذييل لقوله تعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ \" (١).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿يا قوم﴾؛ فإن هذا لا شك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر.\n٢ ومنها: أن اتخاذ الأصنام مع الله ظلم؛ لقوله: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾.\n٣ ومنها: أن المعاصي ظلم للنفوس؛ وجه ذلك: أن النفس أمانة عندك؛ فيجب عليك أن ترعاها بأحسن رعاية، وأن تجنبها سوء الرعاية؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: \"إن لنفسك عليك حقا (٢) ً\".\n٤ ومنها: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾؛ لأن ذكر \"البارئ\" هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهًا؛ فإن الذي يستحق أن يكون إلهًا هو البارئ. أي الخالق ﷾.\n٥ ومنها: وجوب التوبة؛ لقوله: [فتوبوا إلى بارئكم].\n٦ ومنها: أن التوبة على الفور؛ لقوله: ﴿فتوبوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب، والتعقيب.\n٧ ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبباتها؛ لقوله ﴿باتخاذكم﴾: فإن الباء هنا للسببية.\n٨ ومنها: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يبين الأسباب فيما يحكم به؛ لقوله: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾.\n٩ ومنها: سفاهة بني إسرائيل، حيث عبدوا ما صنعوا وهم يعلمون أنه لا يرجع إليهم قولًا، ولا يملك لهم ضرًا، ولا نفعًا.\n١٠ ومنها: ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال، والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾.\n١١ ومنها: أن الأمة كنفس واحدة؛ وذلك لقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾؛ لأنهم ما أُمروا أن يقتل كل واحد منهم نفسه؛ بل يقتل بعضهم بعضًا؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١] أي لا يلمز بعضكم بعضًا؛ وعبر عن ذلك بـ \"النفس\"؛ لأن الأمة شيء واحد؛ فمن لمز أخاه فكمن لمز نفسه\n١٢ ومنها: تفاضل الأعمال؛ لقوله: ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾.\n١٣ ومنها: أن الله ﷾ يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾.\n١٤ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما ﴿التواب﴾، و﴿الرحيم﴾؛ وإثبات ما تضمناه من صفة. وهي: التوبة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما. لا تكون عند انفراد أحدهما؛ لأنه لما اقترنا حصل من اجتماعهما صفة ثالثة. وهي: الجمع بين التوبة التي بها زوال المكروه، والرحمة التي بها حصول المطلوب.\n١٥ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله؛ فيتعرض لتوبة الله، ورحمته؛ فيتوب إلى ربه ﷾، ويرجو الرحمة؛ وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله ﷺ: \"من أحصاها\". أي أسماء الله التسعة والتسعين. \"دخل الجنة\" (٣)؛ فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان بمقتضاها.\nالقرآن\n_________\n(١) روح الماني: ١/ ٢٦٢.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٥٤، كتاب الصوم، باب ٥١: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ...، حديث رقم ١٩٦٨.\n(٣) اخرجه البخاري ص ٢١٩، كتاب الشروط، باب ١٨: ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار ...، حديث رقم ٢٧٣٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٤٤، كتاب الذكر والدعاء، باب ٢: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، حديث رقم ٦٨١٠ [٦] ٢٦٧٧.","vol":"2","page":290},{"text":"﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥]\nالتفسير:\nواذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله، حتى نرى الله عِيَانًا، فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم، فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم، وجُرْأتكم على الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥]، \"أي: واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل إذ قلتم يا موسى\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥]، \"أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥] \" أي حتى نرى الله علانية\" (٤).\nو(جَهْرَةً): أي \"معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف\" (٥)، يقال \"فلان يجاهر بالمعاصي أيْ لا يسْتتِر من الناس منها بشيءٍ\" (٦)، ويقال: قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا، \" إذا أظهره لرأي العين وأعلنه (٧)، كما قال الفرزدق بن غالب (٨):\nمن اللائي يظل الألف منهررر ... منيخًا من مخافته جهارا\nومنه قول الشاعر (٩):\nيجهر أجواف المياه السّدم ... وانتحابها على الحان\nوقيل المعنى (جهرة) أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول.\nوفي القائلين لموسى ذلك قولان (١٠):\nالقول الأول: أنهم السبعون المختارون، فلما صار يكلم موسى ربه ويكلمه الله، قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٩.\n(٦) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٣٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٠.\n(٨) ديوانه: ٤٤٣، والنقائض: ٢٥٥، يهجو جريرا، وقبل البيت:\nعوى، فأثار أغلب ضيغميا ... فويل ابن المراغة! ما استثارا\nقوله \" عوى \" يعني جريرا. وقوله \" من اللائي \"، أصله: من اللائين. و\" اللاؤون \" جمع \" الذي \" من غير لفظه، بمعنى \" الذين \". وفيه لغات: اللاؤون، في الرفع، واللائين، في الخفض والنصب. واللاؤو، بلانون، واللائي، بإثبات الياء في كل حال. يستوى فيه الرجال والنساء، ومنه قول عباد بن طهفة، وهو أبو الربيس، شاعر أموي:\nمن النفر اللائي الذين إذا همو ... يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا\nوأجاز أبو الربيس أن يجمع بين \" اللائي \" و\" الذين \"، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما. قول الفرزدق: \" من اللائي \"، يعني: من الذين. ثم قطع القول وحذف، لدلالة الكلام على ما أراد، كأنه قال: هو من الذين عرفت يا جرير. ثم استأنف فقال: يظل الألف منه ..، والضمير في \" منه \" عائد إلى قوله: \" أغلب ضيغميا \"، هو الأسد، ويعني نفسه. والألف: يعني ألف رجل. وقوله: \" منيخا \": أي قد أناخ \" الألف \" ركابهم من مخافته، وقد قطع عليهم الطريق. هذا، ورواية النقائض والديوان: \" نهارا \" مكان \" جهارا \" جاء تفسيرها في النقائض: \" قال: نهارا، ولم يقل: ليلا، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل. فيقول: هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار، فكيف بالليل! \". رواية الطبري: \" جهارا \" قريبة المعنى من رواية من روى \" نهارا \". وهم يقولون: لقيته جهارا نهارا. لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره. أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين، وذلك في النهار.\n(٩) سيرة النبي ﷺ- ابن هشام الحميري-: ٢/ ٣٧٧، والسدم: الندم، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٤.\n(١١) وقد اختلف في وقت اختيارهم:\n١ - حكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل.\n٢ - وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد.\nوالأول أصح.","vol":"2","page":291},{"text":"القول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل عليه التوراة، وجاء بها قالوا: ليست من عند الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.\nوقوله ﴿جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، فيه وجهان من القراءة (١):\nأحدهما: ﴿جَهْرَةً﴾، بجزم الهاء. قرأ بها الجمهور.\nوالثاني: ﴿جَهَرَةً﴾، بفتح الهاء، قرأ بها ابن عباس، قرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس، \"وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكنا قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه\" (٢).\nقال الثعلبي:: وهما لغتان، مثل زهره وزهره \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥]، أي فأهلكهم الله بالصاعقة، عقابًا (٤).\nقال الواحدي: \" يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون\" (٥).\nقال البغوي: \" أي الموت\" (٦).\nقال الثعلبي: \" وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" يعني الموت الذي صعقوا به\" (٨).\nقال الصابوني: \"أي أرسل الله عليهم نارًا من السماء فأحرقهم\" (٩).\nقال الزجاج: \" معنى الصاعقة ما يُصْعقون منه، أيْ يموتون، فأخذتهم الصاعقة فماتوا\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي فأخذت الصاعقة من قال ذلك\" (١١).\nواختلف في مُوسى هل أصابه ما أصابهم؟، وللعلماء فيه قولان:\nالأول: أن الخطاب لم يتناول موسى﵇. قاله الجمهور، وهو الصحيح (١٢)، وذللك لوجهين (١٣):\nأحدهما: أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى ﵇.\nالثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى: فلما أفاق مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت.\nوالقول الثاني: إن موسى ﵇ قد مات، قاله ابن قتيبة (١٤). وهو خطأ لما بيّناه في القول الأول. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥﴾، وجهان من القراءة (١٥):\nأحدهما: ﴿الصعقة﴾، بغير ألف، قرأ بها عمر وعثمان وعلي (﵃).\nوالثاني: وقرأ الباقون ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ بالألف.\nقال الثعلبي: \"وهما لغتان\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]، \"أي ما حلّ بكم\" (١٧).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٩، والمحرر الوجيز: ١/ ١٤٧.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/! ٤٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٩.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٤.\n(٥) التفسير البسيط: ٢/ ٥٤٠.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٩٧.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٩.\n(٨) تفقسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ١٣٧.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ١٢٢.\n(١٢) أنظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١، وروح المعاني: ١/ ٢٦٣.\n(١٣) أنظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١.\n(١٤) نقلا عن: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١.\n(١٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/! ٩٩.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٩.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.","vol":"2","page":292},{"text":"قال عروة بن رويم: \"فصعق بعضكم وبعض ينظرون\" (١).\nقال الطبري: \" وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم\" (٢).\nقال البغوي: \" أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت\" (٣).\nقال ابن عطية: أي: \"إلى حالكم .. حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم \" (٤).\nقال الماوردي: أي: \"ما نزل بكم من الموت\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطون\" (٦).\nوقال المراغي: \" والباقون ينظرون بأعينهم\" (٧) موت من طلب رؤية الله جهرة.\nوللمفسرين في (الصاعقة) التي أخذتهم قولان (٨):\nأحدهما: أنها هي الموت. وهو قول الحسن (٩) وقتادة (١٠)، والربيع (١١).\nواحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] [الزمر: ٦٨].\nقال الرازي: \"وهذا ضعيف لوجوه (١٢):\nأحدها: قوله تعالى: فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة.\nوثانيها: أنه تعالى قال في حق موسى: وخر موسى صعقا [الأعراف: ١٤٣] أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا لأنه قال: فلما أفاق والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي.\nوثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت.\nورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال: ﴿وأنتم تنظرون﴾، منبها على عظم العقوبة.\nالقول الثاني: أن الصاعقة هي سبب الموت، ولذلك قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nومن ثم اختلفوا هؤلاء في سبب الموت أي شيء كان، على أربعة أوجه (١٣):\nأحدها: أن نارا وقعت من السماء، فأحرقتهم. قاله السدي (١٤).\nوثانيها: صيحة جاءت من السماء. قاله مروان بن الحكم (١٥).\nوثالثها: أرسل الله تعالى جنودا سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة.\nورابعها: أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعا. قاله غبن إسحاق (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢): ص ١/ ١١٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٨٤.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٩٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٧.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ١٢٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٢.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٢٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٢ - ٨٣، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١.\n(٩) نقلا عن: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٩٥١): ص ٢/ ٨٢، وابن أبي حاتم (٥٣٨): ص ١/ ١١٢.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٩٥٢): ص ٢/ ٨٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٣٩): ص ١/ ١١٢.\n(١٢) أنظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٢ - ٨٣، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١.\n(١٤) أنظر: الطبري (٩٥٣): ص ٢/ ٨٢ - ٨٣. تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٠): ص ١/ ١١٢.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤١): ص ١/ ١١٢.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٩٥٤): ص ٢/ ٨٣.","vol":"2","page":293},{"text":"و(الصاعقة) هي \"الصوت الشديد من الجو، ثم يكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها\" (١)، و\"الصاعة والصاقعة يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة، إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية.\nوقال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: الموت، كقوله: ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض﴾ [الزمر /٦٨]، وقوله: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء/١٥٣].\nوالثاني: العذاب، كقوله: ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت /١٣].\nوالثالث: النار، كقوله: ﴿أنذرتكم الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ [الرعد/١٣].\nوقال الإمام الطبري: \"وأصل (الصاعقة) كل أمر هائل رآه (المرء) أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم صوتا كان ذلك أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا، ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قول الله ﷿: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، يعني مغشيا عليه، ومنه قول جرير بن عطية (٣):\nوهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصواعق فاستدارا\nفقد علم أن موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: (تبت إليك) [الأعراف: ١٤٣]- ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا\" (٤).\nوقد ذكر الطبري مجموعة من الروايات عن سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له، من قولهم: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، وهي روايات غير صحيحة الإسناد (٥)، والصواب من القول فيه أن يقال: \"إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: ﴿يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله ﷿ بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، توبيخا لهم في كفرهم بمحمد ﷺ، وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن\n_________\n(١) مفردات غريب القرآن، الراغب: ٤٤٩.\n(٢) أنظر: مفردات غريب القرآن، الراغب: ٤٤٩.\n(٣) ديوانه: ٢٨١، والنقائض: ٢٥١ وبعده في هجاء الفرزدق، وهو من أشده:\nوكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بِخَزْيَةٍ وتركت عارا\nوما أشد ما قال! وقال في النقائض في شرح البيت: \" ولغته - يعني جريرا - الصواقع. فاستدار: أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا \". وكأنه أخطأ المعنى، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا. فقوله: \" استدار \": عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومن ذلك قوله ﷺ في حجة الوداع: \" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض \" أي عاد كما بدأ. فهو يقول: كان الفرزدق في أصل نشأته قردا، ثم تحول إنسانا، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٢ - ٨٣.\n(٥) منها: ما رواه عن محمد بن إسحاق قال: \" لما رجع موسى إلى قومه، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله ﷿، فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم؛ صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا للقاء ربه: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، قال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود غمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره، انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)، فأخذتهم الرجفة - وهي الصاعقة -[فافتلتت أرواحهم] فماتوا جميعا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي! قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ (إنا هدنا إليك). فلم يزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه، حتى رد إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. [انظر: تفسيره (٩٥٧): ص ٢/ ٨٦ - ٨٧].\nقال الإمام الطبري بعد أن ذكر الروايات: \" فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى، تقوم به حجة فيسلم له\". [تفسيره: ٢/ ٨٩].","vol":"2","page":294},{"text":"انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال\" (١).\nوتجدر الإشارة بأن أهل السنة والجماعة أجمعوا بأن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ممكنة وقد جاء الوعد بها صريحا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه ما نصه \"نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة وهي أيضا للناس في عرصات القيامة كما تواترت بها الأحاديث عن النبي - ﷺ - حيث قال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب\" (٢) إلى أن قال: \"وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول واتفق عليها أهل السنة والجماعة وإنما يكذبها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة\" (٣).\nوقد اختلف الناس فى مسألة رؤية الله تعالى عيانًا فى الآخرة على ثلاثة مذاهب: -\nأولًا: مذهب نفات الرؤية:\nذهب المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وبعض الزيدية وبعض المرجئة، إلى نفي رؤية الله تعالى عيانًا في الدنيا والآخرة، وقالوا: باستحالة ذلك عقلا؛ لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال، أي ما هو مادي والله تعالى ذات غير مادية، فمن المستحيل إذن أن يقع عليه البصر، فالقول برؤية الله تعالى هدم للتنزيه وتشويه لذات الله وتشبيه له حيث إن الرؤية لا تحصل إلا بانطباع صورة المرئي في الحدقة، ومن شرط ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان حتى يمكن اتجاه الحدقة إليه، ومن المعلوم علم اليقين أن الله تعالى ليس بجسم ولا تحده جهة من الجهات ولو جاز أن يرى في الآخرة لجازت رؤيته الآن، فشروط الرؤية لا تتغير في الدنيا والآخرة (٤)، واستدلوا على هذا بالسمع والعقل:\nفمن جهة السمع:\nالدليل الأول:\n- قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قالوا: أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، لانه متى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، وذلك بمنزلة قوله لو قال: لا تراه الأبصار، فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات (٥).\nوأجيب عليهم: بأنَّ هذا غلط كبير؛ لأنَّ نَفْيَ الإدراك لا يستلزم انتفاء الرؤية، فإنَّه قد ترى الشيء ولا تدركه؛ يعني لا تحيط به، فهذه السماء نراها ولا أحد يشك في أنه يرى السماء، ولو قلت لأي أحد يرى السماء: هل تدرك السماء رؤية وتحيط بها؟ فسيكون جواب كل أحد: لا، يعني لا يدركها رؤية، وإنما يرى منها ما يمكنه أن يرى وكما قال ﷿: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، ووجه الدلالة أنَّهُ نفى الإدراك، ومع نَفْيِ الإدراك أثبت الله - ﷿ - الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال) فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ (هذا الجمع رأى الجمع وذاك الجمع رأى الجمع ومع ذلك ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فقال موسى ﴿كَلَّا﴾ يعني لن نُدْرَكْ يعني لن يُحاطَ بنا.\nفنَفْيُ الإحاطة لا يستلزم أن تُنْفَى الرؤية؛ بل نَفْيُ الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية نقيض ما قالوا، .. و.. الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية أنَّ نفي الإدراك ليس كمالًا، والقاعدة المعروفة أنَّ كل نفي في القرآن فكماله بإثبات ضده، فربنا - ﷿ - قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وذلك لكمال سعته ﷾ وكمال علوه وكمال استغناه عن خلقه، إلى غير ذلك من أفراد صفات الجلال للرب - ﷿-.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨٩ - ٩٠.\n(٢) سنن الترمذي، صفة الجنة عن رسول الله، الحديث: (٢٤٧٧).\n(٣) مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية: ٣/ ٣٩٠ – ٣٩١.\n(٤) انظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢٦٥، وشرح الطحاوية ص ١٥٣ ط الأوقاف، وموسوعة الفرق المنتسبة إلى الإسلام ٣/ ٤٤٣.\n(٥) انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٢٣٢، والمغنى ٤/ ١٤٤.","vol":"2","page":295},{"text":"فلا يقال إنه لا يُدْرَك ويكون المراد كمالًا إلا وأَصْلُ ذلك ثابتًا، وهو أنه في محل من يُرَى أو في محل الرؤية .. لأنك متى ما قلت في شيء إنك تراه أو لا تدركه رؤيةً فإنما يكون كمالًا إذا كان في محل ما يمكن أن يُرَى، أما الأشياء التي لا تُرَى أصلًا فإنه ليس من الكمال أن تَنْفِي الرؤية عنها.\nفكونك تنفي الرؤية عن الرحمة لا يعد هذا كمالا في الرحمة، وإنما هكذا وُجِدَتْ، كونك تنفي الرؤية عن الإبصار والإدراك لا يدل على كمال فيها.\nفإذًا دَلَّ نَفْيُ الإدراك عن الرب - ﷿ - أنَّ نَفْيَ الإدراك لأجل أنه عظيم ﷿ فإنه يُرَى، ولكنه لا يُدْرَكْ.\nوالإدراك ينقسم إلى قسمين: إدراكٌ بِرُؤْيَةٍ، وإدراك بعلمه.\nوالإدراك بعلم: نَفَاهُ الله ﷿ في قوله سبحانه) وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا).\nوإدراك الرؤية: نفاه الله ﷿ في هذه الآية.\nوهذه الآية في إدراك الرؤية لا في إدراك العلم، دلَّ عليها قوله بعد النفي ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فكونه سبحانه ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ يعني يراها، وخَصَّ الإدراك بإدراك الأبصار لأنَّ الأبصار هي محل نَفْيِ الإدراك السابق، فقال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، فلما قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دَلَّنَا على أَنَّ المنفي هو إدراك الرؤية لا إدراك العلم (١).\nالدليل الثاني:\n- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nقالوا: ولَن موضوعة للتأبيد وإذا لم يره موسى أبدا لم يره غيره إجماعًا (٢).\nوقد أجابهم الإمام صدر الدين ابن أبى العز الحنفي فقال: وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾، وبقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فالآيتان دليل عليهم.\nالآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه:\n١ - أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته - أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال.\n٢ - أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].\n٣ - أنه تعالى قال (لَن تَرَانِي)، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: أنه لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى.\n٤ - وهو قوله (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟\n٥ - أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء.\n٦ - قوله تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا)، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله تعالى أعلم موسى ﵇ أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.\n٧ - أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز. ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما.\nوأما دعواهم تأييد النفي بـ (لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، مع قوله ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، فثبت أن \" لن \" لا تقتضي النفي المؤبد.\nقال الشيخ جمال الدين بن مالك رحمه الله تعالى:\nومن رأى النفي بلن مؤبدا ... فقوله اردد وسواه فاعضدا (٣)\nوقد استدل المعتزلة على نفى الرؤية فى الدنيا والآخرة مطلقًا بعدة أدلة أخرى من القرآن، وأضافوا إلى ذلك أدلةٍ عقلية منها الآتي: -\n١ - المقابلة: وتحريره كما قال عبد الجبار: إن الواحد منا راء بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلًا أو حالًا في المقابل أو في حكم المقابل. وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلًا، ولا حالًا في المقابل، ولا في حكم المقابل (٤).\nوقد أجاب الرازى عن هذه الشبهة فى كتابه الأربعين، بعدة أجوبه ومنها نفى الحيز والجهة (٥)، والحق أن الجواب عن دليل المعتزلة بتسليم نفي الجهة والمقابلة عن الله تعالى لا يستقيم حيث إن إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة مكابرة عقلية، لأن الجهة من لوازم الرؤية وإثبات الملزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة. ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر .. ثم أن إثبات صفة العلو لله ﵎ ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له ﵎ ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال.\nأما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص، فتأخذ حكم مثل هذه الألفاظ (٦).\n٢ - من أدلة المعتزلة على نفي الرؤيا الانطباع: وتقريره كما ذكر الرازي: \"أن كل ما يكون مرئيا فلا بد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، والله تعالى يتنزه عن الصورة والمثال، فوجب أن تمتنع رؤيته\" (٧).\n٣ - وأيضًا قالوا: إن كل ما كان مرئيًا فلا بد له من لون وشكل، ودليله الاستقراء والله تعالى منزه عن ذلك فوجب ألا يرى (٨).\nوالجواب عن الدليلين، هو: منع كون الرؤية بالانطباع، ومنع كون المرئي ذا لون وشكل، إما مطلقًا أو في الغائب لعدم تماثل الرؤيتين، فرؤية الخالق ليس كرؤية المخلوق، فلا يجب هذا في حق الله تعالى حيث إن ذات الله مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم (٩).\nوالحكم بأن المرئي لابد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، وأنه لا بد وأن يكون ذا لون وشكل مبني على أن هذه الأشياء المشاهدة المحسوسة لا ترى إلا كذلك، ثم قالوا لو صح أن يرى الله فلا يرى إلا كذلك وهو ممنوع في حقه تعالى، والحق أنه تحكم محض وقياس للخالق على المخلوق، وهو باطل قطعا لأنه قياس مع الفارق، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، فلا يصح قياسه عليه (١٠)، قال تعالى ﴿قُلْ\n_________\n(١) انظر: الشروح الوافية على العقيدة الطحاوية ١/ ٤٠٣ للسيد أبو سيف، مكتبة الإيمان – المنصورة.\n(٢) انظر: تفسير الزمخشرى المسمى (بالكشاف) ٢/ ١٥٤، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي – بيروت.\n(٣) شرح الطحاوية ص ١٥٦ وما بعدها، ط الأوقاف السعودية.\n(٤) انظر: رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، أحمد بن ناصر آل حمد: ٥٥.\n(٥) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ١٩٠ – ٢١٣، ٢١٧، والمواقف للإيجى ٨/ ١٣٩.\n(٦) رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها ص ٦١.\n(٧) الأربعين في أصول الدين: ٢١٣.\n(٨) أنظر: المصدر نفسه: ٢١٥، والتمهيد للباقلاني: ٢٧٧.\n(٩) شرح الجرجاني للمواقف: ٨/ ١٣٩، واالأربعين في أصول الدين للرازي: ٢١٧.\n(١٠) المصدر نفسه: ٧١ – ٧٢.","vol":"2","page":296},{"text":"هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١).\nثانيًا: مذهب الأشاعرة ومن نحا نحوهم: -\nوهؤلاء أثبتوا الرؤية ولكن قالوا: الرؤية ليست إلى جهة، وإنما تكون إدراكًا، فوافقوا السلف فى إثبات الرؤية، وردُّوا قول المعتزلة في أنَّ الرؤية ممتنعة، ووافقوا المعتزلة في أنَّ ليس على العرش رب وأنَّ الله سبحانه ليس في جهة - جهة العلو – خلافًا للسلف الصالح، فقالوا الرؤية لا إلى جهة.\nواختلفت عبارات الأشاعرة فى هذه المسألة، فظاهر عبارات الأشعرى إثبات رؤية حقيقية بالأبصار، وذلك خلافًا لأكثر أصحابه.\nقال ﵀: \" لما قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية.، ولما قرن الله ﷿ النظر بذكر الوجه؛ أراد نظر العينين اللتين في الوجه\" (٢).\nوقال أيضًا: \"وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] \" (٣).\nوقال: مذهب أصحاب الحديث وأهل السنة .. أن الله سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر .. (٤).\nهذا هو قول إمام المذهب، أما أتباعه فاختلفوا، فذهب بعضهم إلى قول الأشعري، بينما ذهب كثير منهم إلى أن حقيقة الرؤية مرجعها إلى العلم لا إلى الرؤية البصرية، وبعضهم قال إنه شيء أعطاه الله لعباده المؤمنين في الآخرة يسمى الرؤيا، ورغم تصريح أغلب الأشاعرة بإثبات الرؤية لكنهم يفسرونها بما يدل على عدم الإثبات.\nيقول الآمدى: \"فالعقل يجوز أن يخلق الله تعالى في الحاسة المبصرة بل وفى غيرها زيادة كشف بذاته وبصفاته على ما حصل منه بالعلم القائم في النفس من غير أن يوجب حدوثا ولا نقصا.\" (٥).\nوقد نقل الشهرستانى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الرؤية حكمها حكم العلم بخلاف سائر الحواس .. إلى أن قال: \"وصار المعنى كالعلم أو هو من جنس العلم وقد تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به .. \" (٦).\nفتفسير الرؤية بالعلم يعنى نفى الرؤية بالأبصار، وليس في إثباتها إلا إثبات لفظ لا حقيقة له، ولا ريب أن المعتزلة يثبتون العلم بالله يوم القيامة.\nولا شك أن كل من قال من الأشاعرة أن المراد بالرؤية هو العلم، لم يثبت إلا مجرد اللفظ ولا فرق بينه وبين من نفى الرؤية لأنه مراده الرؤية البصرية، فأي فرق بين القولين إذًا؟\nبينما ذهبت طائفة من الأشاعرة إلى أن الرؤية هي قوة يجعلها الله في خلقه، وليست هى الرؤية البصرية.\nقال البيجورى: الرؤية قوة يجعلها فى خلقه لا يشترط فيها مقابلة المرئى ولا كونه فى جهة ولا حيز ولا غير ذلك .. إلى أن قال: \"والحاصل أنه تعالى يرى من غير تكيف بكيفية من الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام ومن غير إحاطة، بل يحار العبد فى العظمة والجلال فلا يعرف اسمه ولا يشعر بما حوله من الخلائق، فإن العقل يعجز هنالك عن الفهم ويتلاشى\" (٧).\nومن المعاصرين الشيخ حسن أيوب يقول\": فإن الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، لا يشترط فيها الأشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك\" (٨).\n_________\n(١) انظر: رؤية الله تعالى، وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد: ٥٥.\n(٢) لإبانة عن أصول الديانة: ٣٨.\n(٣) رسالة إلى أهل الثغر ص ١٣٤.\n(٤) مقالات الإسلاميين ص ٢٩٢ ط ريتر.\n(٥) غاية المرام ص ١٦٧.\n(٦) انظر: نهاية الإقدام للشهرستانى ص ٢٠١.\n(٧) تحفى المريد شرح جوهرة التوحيد ص ١٢٩.\n(٨) تبسيط العقائد الإسلامية ص ٢٣٦.","vol":"2","page":297},{"text":"والحق أن هذا نفى للرؤية لا إثبات لها كما يزعمون، وإن المعتزلة لا تمنع مثل هذه الرؤية التى هى بمعنى الكشف أو زيادة الانكشاف والمعرفة كما نقله بعضهم.\nولنتأمل ما قاله الآمدى: \"وذلك أن ما يخلقه الله من زيادة الكشف إن كان من ذات الشئ ووجوده بالنسبة إلى ما يحصل من تعلق علم النفس به شرحا سمى ذلك نظرا .. \" إلى أن قال: \"فإن البصر هو ما يخلقه الله من زيادة الكشف من كونه ذاتًا ووجودًا وذلك مما لا يستحيل تعلق العلم به حتى لا يسمى ما حصل من مزيد الكشف عليه بصرا .. \" (١).\nقال التفتازانى\": ورؤية الله تعالى بمعني الانكشاف التام بالبصر، وهو معني إدراك الشيء كما هو بحاسة البصر\" (٢).\nفالمقصود والظاهر من كلامهم أنه ليس نظرًا بالأبصار كما أثبته الأشعرى والسلف الصالح، وإنما هو زيادة الكشف، كما أن بعضهم يرى أن الرؤية إدراك يخلقه الله لهم.\nقال السنوسى: \"إذ كما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك لهم فى قلوبهم يسمى العلم يتعلق به على ما هو من غير جهة ولا مقابلة، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم فى أعينهم أو غيرهما يسمى ذلك الإدراك البصر\" (٣).\nويقول الدردير: \"الرؤية عبارة عن نوع من الإدراك يخلقه الله تعالى متى شاء ولأى شىء شاء .. فكما أن العلم إدراك، وهم يعلمونه لا فى مكان ولا فى جهة .. فكذا الرؤية نوع من الإدراك فيدركونه كذلك، ومع ذلك هو انشكاف تام\" (٤).\nأما الرازي فمال إلى استحالة الرؤية يوم القيامة فقال: \"إن رؤية الله تعالى بالتفسير المذكور بتقدير أن تحصل فمحلها هو العين والحادقة أم جوهر النفس؟ والأول كالمستبعد جدًا، وأما أن محل ذلك الإدراك الشريف هو جوهر النفس الناطقة، فهذا أقرب إلى العقل \" (٥).\nهكذا تنوعت عبارات الأشاعرة فى حقيقة وماهية الرؤية، والحقيقة أنهم رغم اختلاف عباراتهم إلا أنهم اتفقوا على أن الله لا يرى بالأبصار، أنه لا مقابلة فى هذه الرؤية، ولا جهة.\nوعند التحقيق لم يعدُ الأشاعرة عن إثبات اسم بلا مسمى، وقد أكثر الأشاعرة من الطعن والتشنيع على المعتزلة فى نفيهم الرؤية، علمًا بأنه لا فرق بين الأشاعرة الذين يكون بأن الرؤية هى العلم، وبين خصومهم من المعتزلة.\nوالأشعرية فى هذا الباب بين نارين:\nأولًا: النصوص الشرعية التي تثبت الرؤيا، مع تصريح علماء المذهب الأولين بإثباتها، وأنها أحد أبرز الخلافات مع المعتزلة النافين للرؤية.\nثانيًا: الإلزامات التي تلزم عن إثبات الرؤية من قبل خصومهم وخاصةً المعتزلة.\nفقالوا لهم: إذا كان الله يرى فلابد من المقابلة بين الرئى والمرئى، ولابد من مكان وجهة للرئى والمرئى، وبالتالي يوصف الله تعالى بأوصاف المحدثات.\nوكقولهم: إذا كان يرى فهل يرى كله أم بعضه، ورؤيته كله أى الإحاطة به ممتنعة، ورؤية بعضه فيه تبعيض وتجزئة له، وهو من صفات المحدثات.\nوكقولهم: هل إذا رأيناه وأدرنا وجوهنا فى الخلف هل نراه فيها؟ وهذا ما حدا ببعض الأشاعرة إلى القول بأنه يرى فى كل جهة.\nوكان ينجى الأشاعرة من هذه الإلزامات أن يقولوا لخصومهم كما قال السلف الصالح من هذه الأمة: إن الله يرى بكيفية لا نعلمها نحن، ومادام الله تعالى أخبر عن نفسه أنه يرى وأخبر عنه رسوله أنه يرى\n_________\n(١) غاية المرام ص ١٦٩ – ١٧٠.\n(٢) شرح العقائد النسفية ص ٥١.\n(٣) شرح الوسطى ص ٣٧٢.\n(٤) شرح الخريدة البهية ص ٢٠٣.\n(٥) المطالب العالية ٢/ ٥٥.","vol":"2","page":299},{"text":"بالأبصار يوم القيامة فنحن نثبت هذه الرؤية، أما كيفيتها وصفتها فلا يعلمها إلا الله.، وليس من حقنا الخوض فيها لأنها من العلم الذى حجبه الله عنا (١).\nمسألة نفى الجهة عند الأشاعرة:\nإن الأشاعرة جعلوا يدًا مع المعتزلة فأنكروا العلو، وجعلوا يدًا مع أهل السنة فأثبتوا الرؤية، فقالوا: إن الله يرى لا في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور، وقد لاحظت مما تقدم من كلامهم أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها – أي الجهة - إنما هو نفي للرؤية نفسها حيث أثبتوا ما لا يمكن رؤيته، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.، لذلك كان المعتزالة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارًا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة.\nهذا وإن كان قول الأشاعرة بنفي الجهة فاسدًا وممتنعًا، إلا أن مقالة المعتزلة والشيعة بنفي الرؤية والجهة أشد فسادًا وأعظم امتناعًا من جهة النقل والعقل.\nوالذي عليه السلف الصالح أن تلك اللوازم - كالجهة والمقابلة ونحوها - ليست ممتنعة، فإذا كانت المقابلة لازمة للرؤية فهي حق، فما كان حقًا وصوابًا فلازمه كذلك، لذا يقول الإمام ابن تيمية: \" من ادّعى ثبوت الشيء فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرًّا ضرورة عدم الانفكاك عنه\" (٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك.\nفلفظ \" الجهة \" قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العال.\nومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ \"الجهة\" ولا نفيه، كما فيه إثبات \"العلو\" و\"الاستواء\" و\"الفوقية\" و\"العروج إليه\" ونحو ذلك.\nوقد عُلم أن ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ﷾، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.\nفيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلًا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائن من المخلوقات.\nوكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل.\nوكذلك لفظ \"المتحيز\"، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض .. وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالًا فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه\" (٣).\nفإن أراد الأشاعرة بنفي الجهة أنه ليس في السموات رب ولا فوق العرش إله، وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلا العدم المحض: فهذا باطل، مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها.\nثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر، قال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته. .\" الحديث. وهما في جهة، وقد شبه الرؤية بالرؤية، ثم قوله في الحديث الآخر: \" إنكم سترون ربكم عيانا \" (٤)، إثبات للرؤية البصرية التي لا تتم إلا على ما كان في جهة.\n_________\n(١) عقائد الأشاعرة ص ٣٠١ – ٣٠٢ بتصرف يسير.\n(٢) تنبيه الرجل العاقل ١/ ٦٣، نقلًا عن مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل ص ٧٩ جمع د/عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، الطبعة الأولى – الناشر: مطابع أضواء المنتدى.\n(٣) التدمرية تحقيق الإثبات ص ٦٦ وما بعدها لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د/ محمد عودة – الطبعة السادسة الناشر: مكتبة العبيكان – الرياض.\n(٤) صحيح: رواه البخاري برقم ٧٤٣٥، والدارمى في الرد على الجهمية برقم ١٧١، والسنة لابن أبى عاصم برقم ٤٦١، والتوحيد لابن خزيمة ٢/ ٤١٣ وغيرهم.","vol":"2","page":300},{"text":"ثم أن إثبات صفة العلو لله ﵎ ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له ﵎ ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال.\nأما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص.\nهذا هو مذهب الأشاعرة في مسألة الرؤية، وما وقع لهم من تناقض واضطراب في هذا الباب ما هو إلا نتيجة حتمية لمن أقحم العقل في علم الغيب وحكمه فيما لا يصل إليه إدراكه.\nوقد أغنى الله سلف هذه الأمة وأئمتها عن كل هذه الإشكالات والاعتراضات، فأثبتوا الرؤية لله تعالى بدلالة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماع اليقينى، ومنعوا العقل من الخوض في تفصيلاتها، فآمنوا بالنقل ووضعوا العقل مكانه الذي يجب أن يكون فيه.\nثالثًا: مذهب السلف في إثبات الرؤية:\nذهب السلف الصالح وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن تبعهم من الأئمة أن الله يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا مواجهة لهم، بغير إحاطة ولا كيفية.\nوهذا مذهب الصحابة والتابعين والأئمة وتابعوهم وأئمة الدين كالأئمة الأربعة -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- وسفيان الثوري وأبي عمرو والأوزاعي والليث بن سعد وأبي يوسف وغيرهم من الأئمة والعلماء وكذلك أيضًا سائر الفقهاء وأهل الحديث كلهم على هذا الاعتقاد، يثبتون أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا مواجهة، فهم يثبتون رؤية الله بالإبصار ويثبتون أيضًا الفوقية، وأنهم يرون ربهم من فوقهم فهم يثبتون الأمرين يثبتون الفوقية والعلو ويثبتون الرؤية.\nوقد واستدلوا بالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله، واستدلوا أيضًا بالإجماع والعقل الصريح.\n١ - الأدلة من كتاب الله تعالى:\n- قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ووجه الدلالة من الآية على أن الله يرى في الآخرة أنه ﷾ قد أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين وأخلى الكلام من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته، فدل على أن المراد النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب -ﷻ.\nوليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها: إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩]، أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ويكون عنى نظر الرؤية.\nفلا يجوز أن يكون الله ﷿ عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.\nولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه\nفمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: \" انظر في هذا الأمر بقلبك \"، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.\nوإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله ﷿ أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.","vol":"2","page":301},{"text":"وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، أنها رائية ترى ربها ﷿ (١).\n- قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والحسنى المراد بها الجنة، والزيادة النظر وإلى وجه الله الكريم كما جاء تفسير ذلك في الحديث الصحيح عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، قَالَ: \" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ \" قَالَ: \" فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ\" قَالَ: \"فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ \" (٢).\nوقد أورد أبو عبد الله القرطبي في الزيادة أقوالا، إليك ذكرها:\n١_ أن الزيادة أن تضاعف الحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى أكثر من ذلك\nروى ذلك عن ابن عباس.\n٢_ وعن علي ﵁ الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف\nباب.\n٣_ وقال مجاهد: الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان.\n٤_ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى الجنة والزيادة ما أعطاهم الله\nفي الدنيا من فضله لايحاسبهم به يوم القيامة.\n٥_ وقال يزيد بن شجرة. الزيادة أن تمر السحاب بأهل الجنة فتمطرهم\nمن كل النوادر التي لم يروها وتقول يا أهل الجنة ما تريدون أن أمطركم\nفلا يريدون شيئا إلا مطرتهم (٣).\n- قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، المؤمنون لهم ما يشاءون فيها أي: الجنة ولدينا مزيد هي رؤية الله في الآخرة، فسرها العلماء بأن المزيد هو رؤية الله في الآخرة.\nفعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قَالَ: \"يَظْهَرُ لَهُمُ الرَّبُّ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (٤).\nقال العلامة الشنقيطى: قال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر (٥).\n- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nوقد تقدم الكلام على وجه الدلالة فى هذه الآية فى الرد على المعتزلة من كلام الإمام ابن أبى العز الحنفى.\n- قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦]، فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه، كانوا جميعًا عنه محجوبين.\nقال الإمام أحمد ﵀: فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ (٦) وقيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا يقول: إن الله لا يرى يوم القيمة، فقال: قاتله الله، دويبة، ألم\n_________\n(١) الإبانة ١/ ٣٥ وما بعدها.\n(٢) صحيح: رواه مسلم برقم ١٨١، والترمذي برقم ٢٥٥٢، وابن ماجه برقم ١٨٧، وأحمد برقم ١٨٩٤١ وغيرهم.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي ٨/ ٣٣١.\n(٤) أخرجه اللالكائى فى شرح اعتقاد أهل السنة برقم ٨١٣، والبزار فى مسنده برقم ٧٥٢٨.\n(٥) أضواء البيان ٧/ ٤٣١، طبعة دار الفكر – بيروت لبنان.\n(٦) الرد على الجهمية والزنادقة ص ١٣٣ ت/صبري بن سلامة شاهين.","vol":"2","page":302},{"text":"يسمع الله يقول: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأي فضل للأولياء على الأعداء؟ (١)\n- قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قال شيخ الإسلام: نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث لا تدركه الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي إمكان رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات الرؤية ونفي إحاطة الأبصار به وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا يرى ولهذا نظائر في القرآن (٢).\nقال ابن القيم: والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فمنها هذه الآية .. إلى أن قال: فلو كان المراد بقوله لا تدركه الأبصار أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فان العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب ﷻ يتعالى إن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به .. (٣).\n- قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه في النجوم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨].\nوجه الدلالة أن الخليل ﵇ حاج قومه في النجوم وبين أنها تأفل وتغيب، في حين أن الرب لا يغيب ولا يأفل ثم قال في ذلك لا أحب الآفلين ولم يحاجهم بأنه لا يحب ربا يرى، ولكن حاجهم بأن لا يحب ربا يأفل وهذا هو دليل عدم الدوام وهو الذي يمتنع على الله ﵎ أما الرؤية فلا، حيث لم يجعلها الخليل من موانع الربوبية كالأفول والغيبة (٤).\n٢ - الأدلة من السنة: -\nعَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: \" إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ .. \" (٥).\nوعنه ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: \"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا\" (٦).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: \"هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟ \"، قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ \"، قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ\"، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، .. الحديث\" (٧).\nليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة. فليراجع عقله.\nوإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه من أصحاب الفطرة السليمة.\n_________\n(١) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد ١/ ٦٦.\n(٢) الصدفية ٢/ ٦٥.\n(٣) حادى الأرواح لابن القيم ص ٢٩٤، الناشر: مطبعة المدني، القاهرة.\n(٤) انظر: التوحيد للماتدريدى ص ٧٨، طبعة دار الجامعات المصرية – الإسكندرية.\n(٥) صحيح: رواه البخاري برقم ٧٤٣٤، ومسلم برقم ٦٣٣، وأبو داود برقم ٤٧٢٩، والترمذي برقم ٢٥٥١ وغيرهم.\n(٦) صحيح: رواه البخاري برقم ٧٤٣٥، والدارمى في الرد على الجهمية برقم ١٧١، والسنة لابن أبى عاصم برقم ٤٦١، والتوحيد لابن خزيمة ٢/ ٤١٣ وغيرهم.\n(٧) صحيح: تقدم تخريجه.","vol":"2","page":303},{"text":"وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: \"جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ\" (١).\nوعَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: \" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿\" (٢).\nوعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: \" .. ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، .. الحديث\" (٣).\nوالشاهد في الحديث قوله: (وليس بينه وبينه حجاب) هذا صريح في الرؤية.\nهذه أمثلة من النصوص المتواترة، وهي كثيرة كما سبق رواها نحو ثلاثين صحابيًا في الصحاح والسنن والمسانيد، وهي صريحة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.\n٣ - أما الإجماع:\nقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم يقول الإمام عبد الغنى المقدسى: وأجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يرى في الآخرة كما جاء في كتابه وصح عن رسوله (٤).\nوقال الإمام ابن أبى العز الحنفي: وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة (٥).\nوقال الإمام النووي: قد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيمتنع على أصلهم لقاء الله؛ لأنه يمتنع عندهم رؤية الله في الدنيا والآخرة وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ وما اتفق عليه الصحابة وأئمة الإسلام من أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة (٧).\n٤ - أقوال الأئمة في إثبات الرؤية:\nقال الإمام أبو حنيفة ﵀: والله تعالى يرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة (٨).\nوعن عبد الله بن وهب قال: قال مالك ﵀: \"الناس ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة بأعينهم\" (٩).\nقال الإمام الحسن: ينظرون إلى الله ﷿ كما شاء بلا إحاطة (١٠).\nقال الإمام أبو بكر الخلال فى عقيدة الإمام أحمد ﵀: وكان يذهب إلى أن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار وقرأ ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ ولو لم يرد النظر بالعين ما قرنه بالوجه وأنكر نظر التعطف والرحمة لأن الخلق لا يتعطفون على الله تعالى ولا يرحمونه وأنكر الانتظار من أجل ذكر الوجه ومن أجل أنه تبعيض وتكرير ولأنه أدخل فيه إلى وإذا دخلت إلى فسد الانتظار .. (١١).\n_________\n(١) صحيح: رواه البخاري برقم ٧٤٤٤، ومسلم برقم ١٨٠، والترمذي برقم ٢٥٢٨، وابن ماجه برقم ١٨٦ وغيرهم.\n(٢) صحيح: رواه مسلم برقم ١٨١، والترمذي برقم ٢٥٥٢، وابن ماجه برقم ١٨٧ وأحمد برقم ١٨٩٣٦ وغيرهم.\n(٣). صحيح: رواه البخاري برقم ١٤١٣ وغيره.\n(٤) عقيدة الحافظ عبد الغنى المقدسي ص ٥٨\n(٥) شرح الطحاوى ص ١٥٣ ط الأوقاف السعودية\n(٦) شرح النووي على مسلم ٣/ ١٥.\n(٧) مجموع الفتاوى ٦/ ٤٦٩\n(٨) الفقه الأكبر ص ٥٥\n(٩) أخرجه الآجرى في الشريعة برقم ٥٧٤، واللالكائى فى شرح اعتقاد أهل السنة برقم ٨٧٠، وابن بطة في الإبانة ٧/ ٥٢، والبغوى في شرح السنة – باب رؤية الله ١٥/ ٢٢٩.\n(١٠) الإبانة الكبرى لابن بطة ٧/ ٥١.\n(١١) العقيدة للإمام أحمد رواية أبى بكر الخلال ص ١١١.","vol":"2","page":304},{"text":"وعن الوليد بن مسلم، يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: \"أمروها بلا كيف\" (١).\nوقال الإمام الطحاوى ﵀: والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه (٢).\nوقال الإمام الأصبهانى الملقب \"بقوام السنة\": مذهب أهل السنة أن الله ﷿ يكرم أولياءه بالرؤية، يرونه بأعينهم كما شاء فضلًا منه ومنة (٣).\nقال الإمام الأشعري: وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤).\nقال الإمام أبو بكر الإسماعيلى: ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله ﷿ في القيامة، دون الدنيا. (٥).\nقال الإمام ابن القيم: وأما الأحاديث عن النبي وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصدّيق، وأبو هريرة الدوسي، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، .. ثم ساق نحوًا من ثلاثين اسمًا للصحابة رضوان الله تعالى عليهم.\nإلى أن قال ﵀: فصل: وأما التابعون، ونزل الإسلام، وعصابة الإيمان منهم أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التَّصوُّف، فأقوالهم أكثرُ من أن يُحيط بها إلاَّ الله ﷿ .. ثم ساق الآثار والأقوال عن سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وأبي إسحاق السبيعي، وعلي بن المديني، وعبد الله بن المبارك، وشريك بن عبد الله، والأئمة الأربعة – أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد -، والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجَّراح وقتيبة بن سعيدٍ، وأبي عبيدٍ القاسم بن سلام، وغيرهم، ثم ساق قول جميع أهل اللغة (٦).\nهذه كانت أهم الأقوال والمذاهب فى مسألة الرؤية إلا أن هناك مذهب رابع، وهو لبعض المتصوفة، يقولون بأن الله تعالى يرى في الدنيا عيانًا كما يرى فى الآخرة عيانًا.\nولايوجد أي دليل شرعي يستند عليه من زعم الرؤية لهم بالبصر، بل الأدلة على نقيضه تمامًا، فهذا نبي الله موسى ﵇ عندما سأل الله جل وعلا رؤيته ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: \" وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا\" (٧)، أفهم خيرٌ من موسى ﵇، أم أشد من الجبل الذي قال تعالى فيه ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: مستويا بالأرض\" (٨)، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: \" مغشيا عليه\" (٩)، كما يرد عليهم بحديث النبي \" تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ \" (١٠)، ففي هذا دلالة على أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا.\n_________\n(١) أخرجه اللالكائى فى شرح السنة برقم ٨٧٥.\n(٢) متن الطحاوىة بتعليق الألباني ص ٤٣.\n(٣) الحجة فى بيان المحجة ٢/ ٥٢٤.\n(٤) رسالة إلى أهل الثغر ص ١٣٤.\n(٥) اعتقاد أئمة الحديث للجرجانى ص ٦٣.\n(٦) انظر: حادي الأرواح ٢٩٦ وما بعدها – ٣٣٣ وما بعدها.\n(٧) أخرجه الطبري عن أبي بكر الهذلي: ١٠/ ٤١٩.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٧.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٧.\n(١٠) صحيح: أخرجه مسلم برقم ١٩٦، والترمذي برقم ٢٢٣٥، وأحمد برقم ٢٣٦٧٢ وغيرهم من حديث عمرو بن ثابت الأنصاري عن بعض أصحاب النبي ﷺ.","vol":"2","page":305},{"text":"يقول القشيري: \" فإن قيل: فهل تجوز رؤية الله في الأبصار في الدنيا على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز، لحصول الإجماع عليه\" (١).\nويقول الكلاباذي: \" ولا نعلم أحدا من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به، ولم نر في كتبهم، ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم، ولا في الحكايات الصحيحة عنهم، ولا سمعنا ممن أدركنا منهم زَعَمَ أن الله تعالى يرى في الدنيا .. وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك، وتكذيب من ادعاه، وصنفوا في ذلك كتبا، منهم أبو سعيد الخراز، وللجنيد في تكذيب من ادعاه وتضليله رسائل وكلام كثير. وزعموا أن من ادعى ذلك لم يعرف الله ﷿ وهذه كتبهم تشهد على ذلك\" (٢).\nوقد اتفق أهل السنة والجماعة على أنه لا يرى أحد ربه فى الدنيا إلا ما كان من الخلاف فى رؤية النبي ربه فى المعراج، والله تعالى أعلم وبالله التوفيق.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.\n٢. ومنها: سفاهة بني إسرائيل؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾.\n٣. ومنها: أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك؛ وفرْق بين قول موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبين قول هؤلاء: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾؛ فموسى قال ذلك شوقًا إلى الله ﷿، وليتلذذ بالرؤية إليه؛ أما هؤلاء فقالوه تشككًا. يعني: لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة؛ ففرق بين الطلبين.\n٤. ومنها: أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعًا عليه.\nالقرآن\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦]\nالتفسير:\nثم أحييناكم مِن بعد موتكم بالصاعقة؛ لتشكروا نعمة الله عليكم، فهذا الموت عقوبة لهم، ثم بعثهم الله لاستيفاء آجالهم.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي \" ثمّ أحييناكم\" (٣).\nقال قتادة: \" ثم بعثهم الله تعالى، ليكملوا بقية آجالهم\" (٤).\nوقال الربيع بن أنس: \" فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم \" (٥).\nواختلف أهل العلم في أصل (البعث) على أربعة أقوال (٦):\nالأول: أن أصله: إثارة الشيء من محله (٧)، يقال: بعثت الناقة: أثرتها، أي حركتها، قال امرؤ القيس (٨):\nوفتيان صدق قد بعثت بسحرة ... فقاموا جميعا بين ونشوان\nوقال عنترة (٩):\nوصحابة شم الأنوف بعثتهم ... ليلا وقد مال الكرى بطلاها\n_________\n(١) الرسالة القشيرية: ٣٦٠.\n(٢) التعرف لمذهب أهل التصوف: ٢٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٨٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٦٠): ص ٢/ ٨٩.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٦١): ص ٢/ ٨٩.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.\n(٨) ديوان امرؤ القيس، حسن السندوبي وآخرون، دار إحياء العلوم، بيروت، ط ١، ١٩٩٠: ٢٣٠.\n(٩) ديوانه: ٧٥، وشم الأنوف: أعزاء لا يحتملون ضيمًا. طلاها أعناقها.","vol":"2","page":306},{"text":"ومنه قول الآخر (١):\nفأبعثها وهيَّ صنيعُ حول ... كركن الرَّعنِ، ذِعْلِبَةً وَقاحا\nوالثاني: أن البعث: الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٠٣]، و[يونس: ٧٥].\nوالثالث: وقيل: أن أصله: الإفاقة من الغشي أو النوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩].\nوالرابع: وقد تأتي بمعنى: التعليم من بعد الجهل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] أي: \"علمناكم من بعد جهلكم\" (٢).\nوالقدر المشترك بين هذه المعاني هو إزالة ما يمنع عن التصرف (٣).\nوالقول الأول أصح، وهو اختيار الإمام القرطبي، لأن الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ على ما يأتي [البقرة: ٢٤٣].\nواختلف في قوله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، على قولين (٤):\nأحدهما: أن المراد: ثم أحييناكم. يعني: إحياؤهم بعد موتهم لاستكمال آجالهم، وهذا قول قتادة (٥)، والربيع بن أنس (٦).\nوالثاني: أن المراد: ثم بعثناكم أنبياء. يعني: أنهم بعد الإحياء سألوا أن يبعثوا أنبياء فبعثهم الله أنبياء، وهذا قول السُّدِّيِّ (٧).\nوالصحيح هو الجمع بين القولين، فيكون تفسير الآية: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾، ثم أحييناكم ﴿من بعد موتكم﴾، ﴿وأنتم تنظرون﴾، إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ﴿ثم بعثناكم﴾، أنبياء ﴿لعلكم تشكرون﴾ \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي: \"من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم\" (٩).\nقال الثعلبي: \"أي: \"لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]، أي: \"لتشكروا الله ﷾\" (١١).\nقال النسفي: \" نعمة البعث بعد الموت\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي لتشكروا الله على إِنعامه عليكم بالبعث بعد الموت\" (١٣).\nقال النحاس: وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، والمعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ما فعل بكم من البعث بعد الموت\" (١٤).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]، وجهين (١٥):\n_________\n(١) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٢/ ٨٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٥.\n(٣) انظر: البحر المحيط في التفسير: ١/ ٣٣١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٥، والنكت والعيون: ١/ ١٢٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٩٦٠): ص ٢/ ٨٩.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٩٦١): ص ٢/ ٨٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٩٥٥): ٢/ ٨٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٨٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٨٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٠.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٣. (بتصرف بسيط).\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٦٥.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(١٤) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٥، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٤.\n(١٥) أنظر: الكشاف: ١/ ١٤٢، والبحر المحيط: ١/ ١٧٩.","vol":"2","page":307},{"text":"أحدهما: أن الشكر خاص، لنعمة البعث بعد الموت.\nوالثاني: أن الشكر عام، على هذه النعمة وسائر نعمه التي أسداها إليهم (١).\nوالثالث: أن المعنى: لعلكم تشكرون نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت.\nوالرابع: وقيل: الشكر على إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم، وتفصيل شرائعه، بعد أن لم يكن شرائع. ضعّفه أبو حيان وقال: \"وهذا بعيد\" (٢).\nوالصحيح أن لفظ الشكر عام، \"يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُواءَالَ دَاوُادَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] \" (٣).\nقال ابن كثير: \"وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا\" (٤).\nوقال الماوردي واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينته الأحوال المضطرة إلى المعرفة، على قولين (٥):\nأحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.\nوالثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف.\nقال القرطبي: \"والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم\" (٦).\nقال الزجاج: \" وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومثل قوله ﷿: ﴿فَقَالَ لَهُم اللَّهُ مُوتوا ثم أحْيَأهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لمْ يكُونوا مُوقنين بالبعث، فأتى النبي - ﷺ - بالأخبار عمن بعث بعد الموت في الدنيَا مما توافقه عليه إليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتجﷺ - بحجة اللَّه التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهلِ الكتب\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣]؛ والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ والخامسة في قصة إبراهيم: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ..﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها. كإخراج عيسى الموتى من قبورهم. تعتبر أمرًا عارضًا يؤتى به لآية من آيات الله ﷾؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الأنبياء: ٣٨]، ويقولون: ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ [الدخان: ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموهون؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن؛ بل يوم القيامة؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب\" (٨).\nالفوائد:\n_________\n(١) منها: إرسالهم أنبياء، أو إثارتهم من الغشي، أو تعليمهم بعد الجهل.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ١٧٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٢١، وقاله أبو الفضل السلمي صاحب المنتخب، نقلا عن البحر المحيط: ١/ ٢٠٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٦.\n(٥) نقل عنه القرطبي في تفسيره: ١/ ٤٠٥. ط ٢، دار الكتب المصرية، ونقله كذلك عنه أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٠٣. ولم أقف عليه في النمت والعيون.\n(٦) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٥.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٣٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٣.","vol":"2","page":308},{"text":"١. من فوائد الآبة: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقرارًا بالقلب، واعترافًا باللسان، وعملًا بالأركان؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضًا يتحدث بها بلسانه اعترافًا. لا افتخارًا؛ وكذلك أيضًا يقوم بطاعة الله ﷾ بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر (١):\nأفادتكم النعماء مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا\n٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ فإن \"لعل\" هنا للتعليل المفيد للحكمة.\nالقرآن\n﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم.\nقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]، \"أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة\" (٢).\nقال الثعلبي: \"في التيه تقيكم حرّ الشمس\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي جعلناه ظلًا عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام\" (٤).\nقال ابن عباس: \"ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام\" (٥). وروي عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو ذلك (٦).\nو(الْغَمَامَ): جمع (غمامة)، كما السحاب جمع سحابة، (والغمام) هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين. وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما (٧)، وأصل الغمام من (الغم): ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه ساترا لضوء الشمس. قال تعالى: ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]. والغمى مثله، ومنه: غم الهلال، ويوم غم، وليلة غمة وغمى، قال الشاعر (٨):\nليلة غمى طامس هلالها ... أو غلتها ومكره إيغالها\nوغمة الأمر أي كربة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]، يقال: غم وغمة. أي: كرب وكربة، والغمامة: خرقة تشد على أنف الناقة وعينها، وناصية غماء: تستر الوجه (٩).\nوفي ﴿الْغَمَامَ﴾ الذي ظلله الله عليهم أربعة أقوال (١٠):\n_________\n(١) لم أتعرف على قائله، والبيت في الصحاح: ٥/ ١٧١، والمستطرف: ١/ ٥٠٥، وشرح التسهيل: ١/ ٥٦، وتفسير الكشاف: (١/ ١٠٩)، وتفسير ابن كثير: (١/ ١٢٨)، وتفسير البيضاوي: (١/ ٧٧)، وتفسير أبي السعود: (١/ ١٨)، وتفسير النسفي: (١/ ٥)، ونواهد الأبكار وشوارد الأفكار: ١/ ١٥٧.\nوالمعنى: أفادتكم أنعاماتكم علي ثلاثة أشياء: المكافأة باليد ونشر المحامد باللسان، ووقف الفؤاد على المحبة والاعتقاد.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٧): ص ١/ ١١٣.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩٠. وتفسير القرطبي: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٨) الرجز في اللسان (غم)؛ والمجمل ٣/ ٦٨٠؛ والمشوف المعلم ٢/ ٥٥٣؛ وأساس البلاغة (غمم)، ولم ينسب. وإصلاح المنطق ص ٢٨٢.\n(٩) انظر مرفردات ألفاظ القرآن، الراغب: ٥٧٩ - ٥٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩٠ - ٩١.","vol":"2","page":309},{"text":"أحدها: أنهالسحابة، قاله ابن عباس، (١)، وري عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي (٢)، وقتادة (٣)، مثل ذلك، وهو قول جمهور أهل التفسير.\nوالثاني: أنه الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. قاله مجاهد (٤).\nوالثالث: أنه ما ابيض من السحاب، أي السحاب الرقيق الأبيض، \" وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ليستضيؤوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيت كانوا بكرة أمس. وإذا كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا من لنا من حر الشمس فظلل عليهم الغمام\" (٥).\nوالرابع: أنه السحاب البارد الذي يكون به الجو باردًا، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو (٦). قالهابن عباس (٧)، وابن جريج (٨).\nوالقول الأول أقرب الى الصواب، \"إذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها، فليس الذي ظلله الله ﷿ على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، أي و\"أنعمنا عليكم\" (١٠) بالمنّ والسلوى.\nقال الصابوني: أي \"بأنواعٍ من الطعام والشراب من غير كدٍّ ولا تعب\" (١١).\nقال المراغي: \" ما منحه الله لعباده يسمى إيجاده إنزالا كما جاء فى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] \" (١٢).\nواختلف في (المن) ما هو وتعيينه على أقوال (١٣):\nالأول: أنه الترنجبين (١٤) - بتشديد الراء وتسكين النون ذكره النحاس، ويقال: الطرنجبين بالطاء - قاله ابن عباس (١٥)، وابن عامر (١٦)، والضحاك (١٧)، وعلى هذا أكثر المفسرين (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٧): ص ١/ ١١٣.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٨): ص ١/ ١١٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٩٦٢)، و(٩٦٣): ص ٢/ ٩٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٤٩): ص ١/ ١١٣.\n(٥) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٦.\n(٦) وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين﵀-، انظر تفسيره: ١/ ١١٤.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٩٦٥): ص ٢/ ٩١.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٠): ص ١/ ١١٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٩١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ١٢٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩١ - ٩٥، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(١٤) ويصح بالتاء (الترنجبين) راجع لسان العرب: ١٠/ ٩٦، وهو طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وقيل: هو ندى شبيه العسل جامد متحبب ينزل من السماء، وقيل: يشبه الكمأة.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٦): ص: ٢/ ٩٣.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٧): ص: ٢/ ٩٣.\n(١٧) نقله الثعلبي عنه، انظر: تفسيره: ١/ ٢٠٠، ونسبه في زاد المسير (١/ ٧١): الى ابن عباس ومقاتل، وذكر بقية الأقوال.\n(١٨) وكونه المراد بالمن في الآية قول الأكثر كما أفاده البغوي في معالم التنزيل: ١/ ٩٧، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٤٠٦، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢١٤، والخازن في لباب التأويل: ٤٧١، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ١٢٩. وقال به ابن عباس في رواية عنه ومقاتل كما في زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٨٤، وقال به أيضًا: ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٤٩، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٢١، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٨٢، والواحدي في كتابيه الوسيط: ١/ ١٤٢، والوجيز: ١/ ١٤٢، والرازي في مفاتيح الغيب: ١/ ٩٣، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ٥٧، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ١٠٤.","vol":"2","page":310},{"text":"والثاني: أنه صمغة حلوة. قاله مجاهد (١).\nوالثالث: أنه العسل. قاله ابن زيد (٢)، وعامر (٣)، ومنه قول أمية بن الصلت في وصف تيه بني اسرائيل وما رزقوا فيه (٤):\nفرأى الله أنهم بمَضِيعٍ ... لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا\nفَنَساها عليهم غاديات ... ومرى مزنهم خلايا وخورا\nعسلا ناطِفا وماء فراتا ... وحليبا ذا بهجة مثمورا\nالمثمور: الصافي من اللبن، فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر (٥).\nالرابع: أنه الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى - ميمون بن قيس - بقوله (٦):\nلو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ ... ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا\nالخامس: أنه خبز الرقاق. قاله وهب (٧).\nالسادس: أنه الزنجبيل. قاله السدي (٨).\nالسابع: أنه الكمأة. ومنه حديث الرسولﷺ-: \" الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين \" (٩).\nقال ابن عطية: \" فقيل: أراد ﵇ أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل\" (١٠).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٩٧١): ص: ٢/ ٩٢.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٠): ص: ٢/ ٩٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٦٦)، و(٩٦٧): ص: ٢/ ٩١ - ٩٢.\n(٤) ديوانه: ٣٤ - ٣٥. في الأصول والديوان. \" ولا مثمورا \". مضيع: بموضع ضياع وهوان وهلاك. يقال: هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد)، كأنه فيها ضائع. وهو مفعلة، وطرح التاء منها كما يقولون: المنزل والمنزلة. ومزرع: مصدر ميمي من \" زرع \" يعني ليس بذي زرع، ومعمور: أي آهل ذهب خرابه. ونصب \" ولا معمورا \"، عطفا على محل \" بذي مزرع \"، وهو نصب. وآثرت هذه الكلمة، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر، ولأن التحريف في \" معمور \" و\" مثمور \" سهل، ولما سترى في شرح البيت الثالث.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩٤ - ٩٥. وقوله: ناطف، من نطف ينطف: قطر. وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء. والفرات: أشد الماء عذوبة. ووصف اللبن بأنه ذو بهجة. وهي الحسن والنضارة، لأنه لم يؤخذ زبده، فيرق، وتذهب لمعة الزبد منه، فاستعار البهجة لذلك. أما قوله: \" مثمورا \"، فهي في المطبوعة \" ممرورا \"، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ \" مثمورا \" ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم، ثم كتب هو نفسه في الهامش: \" مزمورا \"، ثم شرح في طرف الصفحة فقال: \" المزمور: الصافي من اللبن \". وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول \" مثمورا \"، ورجحت أن صوابها \" معمورا \"، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب \" مثمورا \" فعاد فجعلها \" مزمورا \".\nولم أجد \" مثمورا \" في كتب اللغة، ولكن يقال: الثمير والثميرة: اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل: إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد، ثم يجتمع فيصير زبدا، وما دامت صغارا فهو ثمير. ويقولون: إن لبنك لحسن الثمر، وقد أثمر مخاضك. فكأنه قال: \" مثمورا \" ويعني \" ثميرا \"، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا.\n(٦) ديوانه: ٨٧ من قصيدة طويلة، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى، فأوقع بهم المكعبر الفارسي، والي كسرى على البحرين، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان. وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، فقال الأعشى، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم:\nسائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا\nوسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعا\nلو أُطعموا المن. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nفوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري ٢: ١٣٢ - ١٣٤). والطعم: ما أكل من الطعام. ونجع الطعام في الإنسان: هنا أكله وتبينت تنميته، واستمرأه وصلح عليه.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٢): ص ٢/ ٩٢.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٣): ص ٢/ ٩٣.\n(٩) رواه أحمد والشيخان والترمذي، من حديث سعيد بن زيد. ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه، من حديث أبي سعيد وجابر. ورواه أبو نعيم في الطب، من حديث ابن عباس وعائشة. انظر مثلا، المسند: ١٦٢٥، ١٦٢٦. والجامع الصغير: ٦٤٦٣. وزاد المعاد لابن القيم ٣: ٣٨٣. وتفسير ابن كثير ١: ١٧٤ - ١٧٦، وقد ساق كثيرا من طرقه.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٨.","vol":"2","page":311},{"text":"الثامن: وقيل: أن ﴿المن﴾، مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع (١)، ومنه قول رسول الله ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: \" الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\" (٢) في رواية \"الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\" (٣).\n_________\n(١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤٨، ذهب إلى ذلك الزجاج في معاني القرآن: ١/ ١٣٨، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٢.\n(٢) رواه مسلم (٢٠٤٩)، الكمأةُ: نبات ينمو في الصحارى بريًّا تشبه البطاطا في شكلها ولونها بني بلون الأرض وتكون في الأرض من غير أن تُزرع.\n(الكمأة) لغة: بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه مهموز (فتح الباري لابن حجر: ١/ ١٨٠)، والكَمْأَةُ واحدها كَمءٌ على غيرِ قياس وهو من النوادِرِ فإِنَّ القِياسَ العَكْسُ (لسان العرب ١/ ١٤٨)، وقيل: الكَمْأَةُ هي التي إِلى الغُبرة والسَّواد، والجِبَأَةُ إِلى الحُمْرةِ والفِقَعةُ البِيضُ، وأَكْمَأَتِ الأَرضُ فهي مُكْمِئةٌ كَثُرت كَمْأَتُها وأَرضٌ مَكْمُوؤَةٌ كثيرة الكَمْأَة وكَمَأَ القومَ، وأَكْمَأَهم الأَخيرةُ عن أَبي حنيفة أَطْعَمَهُم الكَمْأَةَ (لسان العرب ١/ ١٤٨).\nوخَرجَ الناسُ يَتَكَمَّؤُون أَي يَجْتَنُون الكَمْأَةَ، ويقال: خرج المُتَكَمِّئُون وهم الذين يَطْلُبون الكَمْأَةَ، والكَمَّاءُ بَيَّاعُ الكَمْأَة وجانيها (لسان العرب ١/ ١٤٨)، وقيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها (فتح الباري لابن حجر: ١٠/ ١٦٣)\nوسُميّت كمأة لاستتارها فهي مخفية تحت الأرض ولا ورق لها ولا ساق. تكثر في السنين الممطرة وخاصة إذا كان المطر غزيرًا في أوائل فصل الشتاء فتنمو في باطن الأرض على عمق حوالي ١٠ سم أو أكثر وحجمها يختلف ما بين ما يشبه الحمصة وما يصل إلى حجم البرتقالة، وهي مما يوجد في فصل الربيع ويؤكل نيئًا ومطبوخًا وتُسميها العرب نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض وهي من أطعمة أهل البوادي.\nويسمونها في بلاد الخليج والجزيرة العربية الفقع وفي بلاد الشام الكمأة وهو الاسم القديم لها كما سمّاها الرسول ﷺ وتسمى أيضًا نبات الرعد وفي بعض البلاد بشجرة الأرض أو بيضة الأرض أو بيضة البلد من فصيلة الفطريات ولها عدة أنواع: الزبيدي والخلاسي والهبر.\nتحتوي الكمأة على البروتين بنسبة ٩ بالمائة، والمواد النشوية والتربة بنسبة ١٣ بالمائة، أما الدهن فهي فقيرة به أو لا يكاد يصل إلى ١ بالمائة لهذا فهي ذات مردود حراري متواضع، وأن ثلاثة أرباعها (٧٥ بالمائة) من الماء.\nوتحتوي الكمأة على معادن مشابهة لتلك التي يحتويها جسم الإنسان مثل الفوسفور والصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم وتحتوي الكمأة على الفيتامين\" ب ١ وب ٢\" وهي غنية بهما، كما تحتوي الكمأة على كمية من النيتروجين إلى جانب الكربون والأوكسجين والهيدروجين وهي غنية بالفيتامين \" أ \" الذي يعالج هشاشة الأظافر وسرعة تقصّفها واضطراب الرؤية. (انظر: الكمأة من المن، الدكتور محمد نزار الدقر أخذا من موقع: http://www ٥٥ a.net. ويسير أمارة الدعبول وطافر العطار في مقالتهما (العسل والكمأة وأمراض العيون). مجلة طبيبك، إيلول ١٩٧٨. والمعتز بالله المرزوقي: في محاضرة له بعنوان (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين). من مواد المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي، الكويت - ١٩٨١).\nأما معنى قوله ﷺ: (شفاء للعين) فهذا من طبه ﷺ ونحن نؤمن بذلك إيمان اليقين ولكن ينبغي الرجوع في ذلك إلى ذوي الاختصاص المؤمنين لأن وصفة الطبيب لا يجوز استعمال أي مريض لها بدون مانظرته، بل الذي يقرره الأطباء ضرورة رجوع المريض نفسه إلى الطبيب الذي أعطاه الوصفة ليقرر له هل يناسب استعمالها الآن مزاجه فيكررها أم لا (من تعليق صطفى ديب البغا على صحيح البخاري ٤/ ١٦٢٧).\nوقوله ﷺ: «من المن» قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوًا ومنه الترنجبين فكأنه شبه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج.\nالثاني: أن المعنى أنها من المن الذي أمتن الله به على عباده عفوًا بغير علاج قاله أبو عبيد وجماعة، وقال الخطابي ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان الترنجبين الذي يسقط على الشجر وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه.\nثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعًا؛ منها ما يسقط على الشجر ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعًا منّ الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوًا ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد ومن الطل الذي يسقط على الشجر (فتح الباري ١/ ١٦٣).\nوالمن مصدر بمعنى المفعول؛ أي ممنون به فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب كان منًّا محضًا وإن كانت جميع نعم الله تعالى على عبيده منًّا منه عليهم لكن خص هذا باسم المن لكونه لا صنع فيه لأحد فجعل ﷾ قوتهم في التيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وأدمهم السلوى وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ: «من المن» فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المن وإن غلب استعمال المن عليه عرفًا، ولا يعكر على هذا قولهم لن نصبر على طعام واحد لأن المراد بالوحدة دوام الأشياء المذكورة من غير تبدل وذلك يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافًا لكنها لا تتبدل أعيانها (فتح الباري ١/ ١٦٣).\nوحديث (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) قد رواه جمع من الصحابة ﵁ منهم:\n١ - سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». رواه البخاري في تفسير سورة الأعراف، باب: المن والسلوى حديث رقم: (٤٦٣٩)، فتح الباري (٨/ ٢٠٣)، ورواه أيضًا في كتاب التفسير، باب: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ..﴾، فتح الباري (٨/ ١٦٣)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٨٧)، ورواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة، وبوب له النووي: فضل الكمأة ومداواة العين بها، (١٤/ ٤٢٣) من شرح صحيح مسلم.\n- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». مسلم (٢٠٤٩).\n- وعنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». السنن الكبرى للنسائي (٦٦٣٢).\n- وعنه ﵁ قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَفِي يَدِهِ كَمْأَةٌ، فَقَالَ: \"تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ\" مسند أحمد ط الرسالة (٣/ ١٧٩)\n١٦٣٤ مسند الإمام أحمد (١/ ١٨٨).\n٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يتنازعون في هذه الشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقالوا: نحسبها الكمأة، فقال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم\". مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٢١، ٣٠٥).\n(٣، ٤) - وعن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من الجنة\". رواه ابن ماجه في كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (٢/ ١١٤٢).\n٥ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ يقول: \"الْكَمْأَةُ دَوَاءُ لِلْعَيْنِ، وَإِنَّ الْعَجْوَةَ مِنْ فَاكِهَةِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ\"، قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: يَعْنِي الشُّونِيزَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمِلْحِ، \"دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا الْمَوْتَ\". مسند أحمد ط الرسالة (٣٨/ ٢١، رقم ٢٢٩٣٨) وضعف محققاه إسناده، وصححاه لغيره لشواهده.\n٦ - عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدَارَؤُوا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: (نَحْسَبُهُ الْكَمْأَةَ). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ من الجنَّة، وفيها شفاءٌ من السُّمِّ\" رواه ابن مردويه. انظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٢٧٠).\n٧ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\". رواه النسائي في سننه الكبرى في الأطعمة، باب: الكمأة (٤/ ١٥٦)، صحيح الجامع (٤٦١٣).\n٨ - عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْكَمَأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\". أمالي ابن سمعون الواعظ (ص: ٢٣٤، ٢٣٥). صحيح الجامع (٤٦١٣).\n٩ - عَن عَبد الله بن بريدة، عَن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"واعلموا أن الكمأة من المن\". الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (٢/ ٦١٩، رقم ٦٦٤، ٦٦٥).\nفهذا الحديث كما ترى لم يتفرد به أبو هريرة بل رواه ستة من الصحابة غيره رضي الله تعالى عنه.\n(٣) السنن الكبرى للنسائي: (٦٦٣٢).","vol":"2","page":312},{"text":"فقيل: \"أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولا حصاد، فهي منة دون تكلف، من جنس مَنِّ بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف\" (١).\nوالقول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، أي: أن (المن) هو: \"كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده\" (٢)؛ وهذا الرأي يعضده الحديث السابق (٣).\nكما يمكن إرجاع المن بأنه مادة صمغية جوية تنزل على شجر البادية تشبه الدقيق المبلول فيه حلاوة إلى حموضة، فإن أُكِل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مزج معه الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر (٤)، وعلى هذا القول يمكن حمل أكثر أقوال المفسرين أعلاه عليه، باعتبار كل قول منها ذكر وصفًا للمن سواء في كيفية النزول أم مكان وجوده أم طعمه أم طريقة تناوله. والله أعلم.\nوكذا اختلف في المعني بقوله تعالى ﴿السَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، على أقوال (٥):\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٨.\n(٣) وهو قوله ﷺ: \" الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\" (رواه مسلم: ٢٠٤٩)، وفي رواية أخرى: في رواية \"الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ (السنن الكبرى للنسائي: ٦٦٣٢).\n(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١٢٢، ومحاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ١٣٢، والتحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٥٠٩.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨. وتفسير الطبري: ٢/ ٩٦ - ٩٨.","vol":"2","page":313},{"text":"الأول: أنه طائر ناعم يسمى (السُّمَانَى)، قاله ابن عباس (١)، وعامر (٢)، والضحاك (٣).\nوالثاني: أنه طائر شبيه بالسّماني. قاله ابن عباس (٤)، والسدي (٥)، والربيع (٦).\nقال ابن عثيمين: وهو \"من أحسن ما يكون من الطيور، وألذه لحم\" (٧).\nوالثالث: أنه طائر سمين، يشبه الحمام. قاله وهب (٨).\nوالرابع: أنه العسل (٩)، بلغة كنانة، وسمي به لأنه يسلى به، ومنه عين السلوان. قاله المؤرج، أحد علماء اللغة والتفسير، وأنشد قول رؤبة (١٠):\nلو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت\nواختاره أبو عبيد (١١)، مستشهدا ببيت خالد بن زهير الهذلي (١٢):\nوَقَاسَمَها بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا\nقال أبو إسحاق: \"السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل\" (١٣).\nقال أبو علي: \"والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر الذي كان يسقط مع المن به\" (١٤).\nقال الواحدي: \"والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه\" (١٥).\nوقال الجوهري: والسلوى العسل وذكر بيت رؤبة السابق (١٦)، وقال بعضهم السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المفرح يقال: سليت وسلوت لغتان، وهو في سلوة من العيش أي في رغد (١٧).\nقال ابن عطية، \" ﴿وَالسَّلْوى﴾، طير بإجماع من المفسرين\" (١٨)، فقاله ابن عباس (١٩)، وعامر (٢٠)، والضحاك (٢١)، وقتادة (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، والسدي (٢٤)، والربيع (٢٥)، ووهب (٢٦)، وابن زيد (٢٧)، وعكرمة (٢٨)، وهو طائر (السُّمَانَى) الذي فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم، وبهذا قال أكثر أهل العلم (٢٩).\nوقد رد القرطبي على ابن عطية في تخطئته للهذلي، فقال: وما ادعاه من الإجماع لا يصح.\" (٣٠)، ثم استشهد بقول \"المؤرج، والجوهري\" (٣١)، من أن (السلوى) يأتي بمعنى العسل في اللغة.\nواختلف أهل اللغة في ﴿السلوى﴾ [البقرة: ٥٧]، هل هو جمع أو مفرد:\nالقول الأول: أنه جمع لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا: دفلى للواحد والجماعة وسمانى وشكاعى في الواحد والجميع، وقال الخليل: واحده سلواة وأنشد (٣٢):\nوَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواةُ مِنْ بَلَلِ الْقَطْرِ\nوهذا مذهب الأخفش (٣٣)، والفراء (٣٤).\nالقول الثاني: أن (السلوى) واحدة وجمعه سلاوى، وهذا مذهب الكسائي (٣٥).\nوقد اختلف الروايات في سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام، وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟\nوأقرب الروايات أنه: \"لما تاب الله على قوم موسى، وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فغضب موسى فدعا عليهم فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا؟ أين الطعام؟ فأنزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين - والسلوى وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب؟ فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٨): ص ٢/ ٩٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٨٧)، و(٩٨٩): ص ٢/ ٩٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٩٠): ص ٢/ ٩٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٩): ص ٢/ ٩٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠): ص ٢/ ٩٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦): ص ٢/ ٩٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤): ص ٢/ ٩٦.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" عن المؤرج السدوسي ١/ ٧٥ أ، وعن ابن الأعرابي: السلوى: طائر، وهو في غير القرآن: العسل، ونحوه عن ابن الأنباري \"التهذيب\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦.\n(١٠) البيت لرؤبة: انظر ديوانه: ٢٥. وانظر: اللسان: مادة (سلا)، والعين: مادة (سلو).\n(١١) أنظر: \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، وانظر \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٥.\n(١٢) ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٢١٥، \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤١، \"الصحاح\" (سلا) ٦/ ٢٣٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٥ أ، \"المخصص\" ٥/ ١٥، ١٤/ ٢٤١، \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٥، ٤/ ٢٧٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٧٠، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٨، \"الخزانة\" ٥/ ٨٢، \"زاد المسير\" ١/ ٨٤.\nوالبيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب أبا ذؤيب الهذلي، في قصة حصلت بينهما حول امرأة كانا يترددان عليها، ذكرها السكري في \"شرح أشعار الهذليين\". و(السلوى) هاهنا: العسل، و(الشور): أخذ العسل من مكانه.\n(١٣) التفسير البسيط: ٢/ ٥٤٩،، وعلى هذا فقد غلط كذلك ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٦، وانظر \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٨.\n(١٤) نقلا عن: التفسير البسيط: ٢/ ٥٤٩.\n(١٥) التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٠.\n(١٦) وهو قوله [انظر ديوانه: ٢٥]:\nلو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت\n(١٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٨): ص ٢/ ٩٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٧)، و(٩٨٩): ص ٢/ ٩٦.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٩٠): ص ٢/ ٩٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩٨١): ص ٢/ ٩٦.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩٨٣): ص ٢/ ٩٦.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠): ص ٢/ ٩٦.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦): ص ٢/ ٩٧.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤): ص ٢/ ٩٦.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥): ص ٢/ ٩٧.\n(٢٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (٥٦٤): ص ١/ ١١٦.\n(٢٩) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٥٢.\n(٣٠) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٧.\n(٣١) وقد مر قريبًا كلام المؤرج وأبي عبيد أنه بمعنى: العسل، انظر \"الصحاح\" (سلا) ٦/ ٢٣٨١.\n(٣٢) البيت لأبي صخر الهذلي: انظر: الأمالي ١/ ١٤٨، وقد ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٥، والوسيط للمؤلف ١/ ١١٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٠٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٠٧، وهو غير منسوب في هذه المصادر.\n(٣٣) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٠١.\n(٣٤) أنظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٣٨.\n(٣٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٧. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٧١ - ٢٧٢.","vol":"2","page":314},{"text":"عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] \" (١).\nقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، \"أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات، أي: حلالات، الطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب\" (٤).\nوقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، ثلاثة تأويلات (٥):\nأحدها: يعني: كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه.\nوالثاني: وكلوا من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا.\nوالثالث: أنها المباح (٦).\nوالقول الأول أولى بالتفسير، وهو اختيار الإمام الطبري، لأنه \"وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك ب (الطيب)، الذي هو بمعنى اللذة، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح، و(ما) التي مع (رزقناكم)، بمعنى (الذي)، كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧]، \" أي ما نقصونا شيئًا\" (٨).\nقال الواحدي: \" بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، \" (٩).\nقال ابن عثيمين: لأن الله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين\" (١٠).\nقال السعدي: \" يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين\" (١١).\nوأخرج ابن أبي حاتم\" عن ابن عباس في قوله: ﴿وما ظلمونا﴾، قال: نحن أعز من أن نظلم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، \" أي لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم\" (١٣).\nأخرج ابن أبي حاتم \"عن ابن عباس في قوله: ﴿أنفسهم يظلمون﴾، قال: يضرون\" (١٤).\nقال السعدي: \" فيعود ضرره عليهم\" (١٥).\nقال القرطبي: \" لمقابلتهم النعم بالمعاصي\" (١٦).\nقال الواحدي: ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة\" (١٧).\n_________\n(١) انظر الأخبار في: تفسير الطبري: ٢/ ٩٧ - ٩٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٠.\n(٤) تفسير السعدي: ٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠١، ومعاني القرآن للزجاج ١/ ١١٠، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٩٥، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٢٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠١.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٦.\n(٩) التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٠.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٦.\n(١١) تفسير السعدي: ٥٢.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٦): ص ١/ ١١٦.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٦.\n(١٤) تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٧): ص ١/ ١١٦.\n(١٥) تفسير السعدي: ٥٢.\n(١٦) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٩.\n(١٧) التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٠.","vol":"2","page":315},{"text":"وقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وجهين (١):\nأحدهما: أنه يعني: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي.\nقيل: \"أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ \" (٢).\nوالثاني: أنه يعني: ﴿وما ظلمونا﴾ بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة.\nوجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٣).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: نعمة الله ﵎ بما هيأه لعباده من الظلِّ؛ فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله ﷿ هنا ممتنًا به على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾، وقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالًا﴾ [النحل: ٨١].\n٢ ومنها: أن الغمام يسير بأمر الله ﷿، حيث جعل الغمام ظلًا على هؤلاء.\n٣. ومنها: بيان نعمة الله على بني إسرائيل بما إنزل عليهم من المن، والسلوى. يأتيهم بدون تعب، ولا مشقة؛ ولهذا وصف بـ \"المن\".\n٤ ومنها: أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله تعالى هيأ لهم لحوم الطير. وهو أيضًا لحوم أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ (الواقعة: ٢١)\n٥ ومنها: أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله تعالى:\n﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]؛ فإن الإنسان لا ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام. ﵀: \"من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم\"؛ وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛ وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛ وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر ﵁ في عام الرمادة. عام الجدب المشهور. أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع (٤)؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذًا من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم.\n٦ ومنها: أن المباح من الزرق هو الطيب؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات﴾.\n٧ ومنها: تحريم أكل الخبيث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته؛ وخبيث لكسبه؛ فالخبيث لذاته كالميتة، والخنْزير، والخمر، وما أشبهها، كما قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنْزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي نجس خبيث؛ وهذا محرم لذاته؛ محرم على جميع الناس؛ وأما الخبيث لكسبه فمثل المأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب، وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه، وليس محرمًا على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، ويأخذون الربا، فدلّ ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب.\n_________\n(١) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٠ - ٥٥١.\n(٢) التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٢.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٠٦، والكشاف: ١/ ٢٨٣، وزاد المسير: ١/ ٤٨، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٠٩، والبيضاوي: ١/ ٢٦، والنسفي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٩، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٤.\n(٤) البداية والنهاية ١٠/ ١٨٥.","vol":"2","page":317},{"text":"٨ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله تعالى: (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)\n٩ ومنها: أن العاصي لا يضر الله شيئًا؛ وإنما يظلم نفسه.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم حين قلنا: ادخلوا مدينة \"بيت المقدس\" فكلوا من طيباتها في أي مكان منها أكلا هنيئًا، وكونوا في دخولكم خاضعين لله، ذليلين له، وقولوا: ربَّنا ضَعْ عنَّا ذنوبنا، نستجب لكم ونعف ونسترها عليكم، وسنزيد المحسنين بأعمالهم خيرًا وثوابًا.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]، أي: \" واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا ادخلوا هذه القرية\" (١).\nقال الصابوني: أي واذكروا أيضًا نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بيت المقدس\" (٢).\nواختلف المفسرون في تعيين ﴿القرية﴾ على أقوال (٣):\nالأول: أنها بيت المقدس. قاله قتادة (٤)، والسدي (٥)، والربيع (٦)، وهو قول الجمهور.\nوالثاني: أنها أريحا من بيت المقدس، إذ كانت قاعدة ومسكن ملوك. قاله ابن زيد (٧).\nوالثالث: أنها: الرملة والأردن وفلسطين وتدمر، قاله الضحاك (٨).\nوالراجح هو القول الأول، وهو قول الجمهور. والله أعلم.\nوقوله تعالى ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]، أي \"المدينة، سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته\" (٩).\nوقال أهل اللغة، أن \"اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (١٠)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (١١)، قال (١٢):\nكَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ\nفالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع القوى\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، \" أي كلوا منها أكلًا واسعًا هنيئًا\" (١٤).\nقال مجاهد: ﴿رغدا﴾: \" لا حساب عليهم\" (١٥).\nوقال السدي: \" ﴿رغدا﴾: الهنيء\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٩٩٩): ص ٢/ ١٠٢.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٠): ص ٢/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠١): ص ٢/ ١٠٣.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٢): ص ٢/ ١٠٣.\n(٨) نقلا: عن تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠١، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٠٩.\n(٩) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٩.\n(١٠) انظر \"الزاهر\" ٢/ ١٠٧، \"جمهرة أمثال العرب\" ٢/ ٤١١، \"تهذيب اللغة\" (قرأ) ٣/ ٣٩١١، \"مقاييس اللغة\" (قرى) ٥/ ٧٨، \"المحكم\" ٦/ ٣٠٧.\n(١١) قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، \"المحكم\" ٦/ ٣٠٧، وانظر \"اللسان\" (قرأ) ٦/ ٣٦١٧. والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده.\n(١٢) البيت من شواهد الواحدي في التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٢، ولم أتعرف على قائله.\n(١٣) التفسير البسيط: ٢/ ٥٥٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٠): ص ١/ ١١٧.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧١): ص ١/ ١١٧.","vol":"2","page":318},{"text":"قال الثعلبي: \" موسعا عليكم\" (١).\nقال الطبري: أي\"عيشا هنيا واسعا بغير حساب\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ﴾ [البقرة: ٥٨]، \" أي وادخلوا باب القرية\" (٣).\nقال الثعلبي: \"يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٩]، أي: \"منحنين متواضعين\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي ساجدين لله شكرًا على خلاصكم من التيه\" (٦).\nعن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"قيل لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدّلوا وقالوا: حطة: حبة في شعرة\"\" (٧).\nوروي عن عبد الله بن مسعود قال: \"قيل لهم: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، فدخلوا مقنعي رؤسهم\" (٨).\nواختلفوا في (الباب) في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، على ثلاثة أوجه (٩):\nأحدها: أنه باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ (باب حِطَّةَ)، وهذا قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، والسدي (١٢)، والضحاك (١٣)، واختاره الطبري (١٤)، وهو المشهور.\nوالثاني: أنه باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل.\nوالثالث: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها (١٥).\nواختلفوا في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، على وجهين (١٦):\nأحدهما: أن معناه: رُكَّعًا، منحنين ركوعا. وهذا قول ابن عباس (١٧).\nوالثاني: أن معناه: متواضعين خشوعا، لا على هيئة متعينة.\nوالقول الأول أشبه بالصواب: وأصل (السجود) الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو (ساجد) ومنه قول زيد الخيل بن مهلهل الطائي (١٨):\nبَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠١.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٩)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٩٩٠).\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٩): ص ١/ ١١٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٣، وتفسير القرطبي: ١/ ٤١٠.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٦): ص ٢/ ١٠٤.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٣): ص ٢/ ١٠٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٧٤): ص ١/ ١١٧.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٥): ص ٢/ ١٠٤.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٣.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٢٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٤، وتفسير القرطبي: ١/ ٤١٠.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٦)، و(١٠٠٧)، و(١٠٠٨): ص ٢/ ١٠٤.\n(١٨) الكامل ١: ٢٥٨، والمعاني الكبير: ٨٩٠، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٦، وحماسة ابن الشجري: ١٩، ومجموعة المعاني: ١٩٢، وغيرها. والباء في قوله \" بجمع \" متعلقة ببيت سالف هو:\nبَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا ... أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟\nوالبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: \" يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر \". وفي المطبوعة هنا \" فيه \" والجيد ما أثبته، والضمير في \" منه \" للجيش أو الجمع.","vol":"2","page":319},{"text":"فقوله (سجدا)، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (١):\nيُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا حِوَارًا\nفذلك تأويل ابن عباس قوله: (سجدا) ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، \"أي قولوا يا ربنا حطَّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا\" (٣).\nوالـ ﴿حِطَّةٌ﴾: من قول القائل: \" حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة \" (٤)، واختلف أهل العلم في تفسيره على أقوال (٥):\nالأول: أن معناه: حُطَّ عنا خطايانا، وهو قول الحسن (٦)، وقتادة (٧)، وابن زيدٍ (٨)، وعطاء (٩)، ورواية ابن جريج عن ابن عباس (١٠).\nقال الماوردي: \"وهو أشبهُ بظاهر اللفظ\" (١١). وهذا تفسير حسن، قال به كثير من أهل العلم (١٢).\nوالثاني: أن معناه: قولوا (لا إله إلا الله). روي ذلك عن عكرمة (١٣)، كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله.\nوالثالث: أن ﴿حِطَّة﴾ المغفرة، فكأنه أمر بالاستغفار، وهو رواية سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ (١٤)، وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٥).\nوالرابع: أنه قولهم: \"هذا الأمر حق كما قيل لكم\" (١٦)، وهو رواية الضحاك، عن ابن عباسٍ (١٧).\nالخامس: معناه: \" أن أقروا بالذنب\". حكاه الأوزاعي عن ابن عباس (١٨).\nالسادس: أن معنى (حِطَّةٌ): بسم الله، ذكره السمرقندي (١٩) عن بعضهم، فكأن المعنى عليه: ادخلوا الباب خاضعين لله مستعينين به على عدوكم، فإن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم نتيجة امتثالكم، وهو محتمل.\nوالسابع: أن (حِطَّة) من ألفاظ أهل الكتاب لا يعرف المراد منها، قاله الأصم (٢٠).\n_________\n(١) ديوانه: ٤١. راوح يراوح مراوحة: عمل عملين في عمل، يعمل ذامرة وذا مرة، قال لبيد يصف فرسا:\nوولّى عامدا لِطِيات فَلْج ... يراوح بين صون وابتذال\nوقوله: \" من صلوات \" \" من \" هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق \". وحذف \" بين \" التي تقتضيها \" يراوح \"، لدلالة ما يأتي عليها، وهو قوله: \" طورا. . وطورا \". والجؤار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع. جأر إلى ربه يجأر جؤارا.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٦، والنكت والعيون: ١/ ١٢٦.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٩): ص ٢/ ١٠٥، وابن أبي حاتم (٥٨٤): ص ١/ ١١٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٩): ص ٢/ ١٠٥، وابن أبي حاتم (٥٨٤): ص ١/ ١١٩.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٠): ص ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٤): ص ٢/ ١٠٦.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٠١١): ص ٢/ ١٠٦.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ١٢٦.\n(١٢) انظر: غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: ٧٠، معاني القرآن للأخفش: ١/ ٢٦٩، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٢٦، المفردات للراغب: ١٢٢، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٥٨، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ١٠٤، محاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ١٣٤، وغيرها.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٥): ص ٢/ ١٠٧، وابن أبي حاتم (٥٨٢): ص ١/ ١١٨.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٢): ص ٢/ ١٠٦، وفيه: \": (حطة)، مغفرة\". وأنظر: الخبر (١٠١٦): ص ٢/ ١٠٦. وفيه\": أمروا أن يستغفروا\".\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٠٦ - ١٠٧.، ويقرب منه ما ذكره السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: ٨٤ من أن المعنى صوابًا، فكأن المطلوب منهم: الإقرار بصدق الرسول فيما جاء به، والتسليم وعدم التكذيب، وهو محتمل.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٧): ص ٢/ ١٠٧، وابن أبي حاتم (٥٨١): ص ١/ ١١٨.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٣): ص ١/ ١١٨.\n(١٩) أنظر: بحر العلوم: ١/ ١٢١.\n(٢٠) أنظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، وذكر ذلك السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: ٨٣ - ٨٤، وهو قول بعيد إذ اللفظة معلومة الاشتقاق في العربية.","vol":"2","page":320},{"text":"والثامن: أن (حِطَّة): كانت تعني في ذلك المكان الدلالة على العجز، وهي من أقوال أصحاب المسألة والشحاذين، أمروا بها كيلا يحسب لهم أهل القرية حسابًا، ولا يأخذوا منهم حذرًا، فيكون القول الذي أمروا به على ذلك قولًا يخاطبون به أهل القرية (١).\nوالتاسع: أن (حِطَّة) تعني إقامة من الحط بمعنى حط الرحال وإنزالها، أي: ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة والاستقرار بها، قاله أبو مسلم الأصفهاني (٢).\nوهذان القولان الأخيران كما ذكر الألوسي بعيدان لعدم ظهور تعلق الغفران بهما (٣).\nوأحسن هذه الوجوه وأقربها إلى التحقيق القول الأول، والله أعلم.\nواختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت (الحطة)، على أقوال (٤):\nالأول: فقال بعض نحويي البصرة: رفعت (الحطة) بمعنى (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل: سَمْعُك.\nوالثاني: وقال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض عليهم قيلها كذلك.\nوالثالث: وقال بعض نحويي الكوفيين: رفعت (الحطة) بضمير (هذه)، كأنه قال: وقولوا: (هذه) حطة.\nوالرابع: وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة، فتكون (حطة) حينئذ خبرا لـ (ما).\nوالأقرب إلى الصواب: \"أن يكون رفع (حطة) بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله: (وادخلوا الباب سجدا)، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يعني: موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. فكذلك عندي تأويل قوله: (وقولوا حطة)، يعني بذلك: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد\" (٥).\nوأما على تأويل قول عكرمة، \"فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة)، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، أو أن يقولوا: (نستغفر الله)، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، ف (قولوا) واقع حينئذ على (الحطة)، لأن (الحطة) على قول عكرمة - هي قول (لا إله إلا الله)، وإذا كانت هي قول (لا إله إلا الله)، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير فقال له: \" قل خيرا \" نصبا، ولم يكن صوابا أن يقول له: (قل خير)، إلا على استكراه شديد، وفي إجماع القَرَأَةِ على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة)، وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله: (وقولوا حطة)، أن تكون القراءة في (حطة) نصبا، لأن من شأن العرب - إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال، وحذفوا الأفعال - أن ينصبوا المصادر. كما قال الشاعر (٦):\nأبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم ... على أمهات الهام ضربا شآميا\nوكقول القائل للرجل: (سمعا وطاعة) بمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: (معاذ الله) [يوسف: ٢٣] بمعنى: نعوذ بالله\" (٧).\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٥١٥.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٥١٥.\n(٣) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٠٧=١٠٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٦) ديوانه: ٨٩٠ في قصيدة يمدح فيها يزيد عبد الملك، ويذكر إيقاعه بيزيد بن المهلب في سنة ١٠٢ (انظر خبره في تاريخ الطبري ٨: ١٥١ - ١٦٠). ورواية ديوانه. \" أناخوا بأيدى طاعة، وسيوفهم \" قوله: \" أناخوا \"، أي ذلوا وخضعوا، أو صرعوا فماتوا، كأنهم إبل أناخت واستقرت. وقوله: \" أيدي طاعة \"، أي أهل طاعة.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ١٠٨ - ١٠٩.","vol":"2","page":321},{"text":"واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٩]، على وجهين (١):\nالأول: ﴿حِطَّة﴾، بالنصب (٢)، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة (٣) (٤).\nوالثاني: ﴿حِطَّةٌ﴾، بالرفع، قرأ بها الجمهور (٥)، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة (٦)\nقوله تعالى: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، \"أي نمح ذنوبكم ونكفّر سيئاتكم\" (٧).\nقال قتادة: \" من كان خاطئا غفرت له خطيئته\" (٨).\nقال الماوردي: \" أي نرحمْكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها \" (٩).\nقال الطبري: أي: \"نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها\" (١٠).\nوأصل (الغفر) التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره، ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس (مغفر)، لأنها تغطي الرأس وتجنه، ومنه (غمد السيف)، وهو ما تغمده فواراه ولذلك قيل لزئبر الثوب: (غفرة)، لتغطيته الثوب، وحوله بين الناظر والنظر إليه، ومنه قول أوس بن حجر (١١):\nفلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا\nفقوله: (وأغفر عنه الجهل): أي: أستر عليه جهله بحلمي عنه (١٢).\nو(الخطايا)، جمع: خطية، بغير همز، كما (المطايا)، جمع: مطية، ولو كانت (الخطايا) مجموعة على (خطيئة)، بالهمز: لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل، وقد تجمع \" خطيئة \" بالتاء، فيهمز فيقال \" خطيئات \". و\" الخطيئة \" فعيلة، من \" خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ \"، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر (١٣):\n_________\n(١) أنظر: شواذ القرآن لابن خالويه: ١٣، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٣١، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، البحر المحيط لأبي حيان: أ/٢٢٢، روح المعاني للألوسي: ١/ ٢٦٦.،\n(٢) ذكر الزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٨٣ أن النصب هو الأصل، واستحسنه أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٢٢.\n(٣) هو: إبراهيم بن أبي عبلة (شمر) بن يقظان الشامي المرتحل، ثقة فاضل له أدب ومعرفة، وكان يقول الشعر، توفي عام: ١٥٢ هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٢/ ١٠٥، تاريخ بغداد للخطيب: ٦/ ١٣٣، تهذيب التهذيب-المعرفة-لابن حجر: ١/ ١٥٤، تقريب التهذيب لابن حجر: ١١١.\n(٤) انظر في نسبة قراءة النصب له: شواذ القرآن لابن خالويه: ١٣، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٣١، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، البحر المحيط لأبي حيان: أ/٢٢٢، روح المعاني للألوسي: ١/ ٢٦٦.،\n(٥) هي قراءة العشرة المتواترة، إذ لم يذكر من صنف في قراءاتهم في الآية خلافًا، انظر: الغاية لابن مهران: ١١١، الإقناع لابن الباذش: ٢/ ٥٩٨، النشر لابن الجزري: ٢/ ٢١٤، المهذب د. محيسن: ١/ ٥٦. وقد نسبها للجمهور غير واحد، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٤١٠، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ١٣٢، وقد ذكر النحاس في إعراب القرآن: ٢/ ٢٢٨ بأن الرفع أولى في اللغة.\n(٦) والمعنى: سؤالنا إياك أن تحط ذنوبنا، ويمكن أن يكون التقدير: أمرك حطة، أي: استسلمنا لأمرك فحط عنا ذنوبنا، أو: شأنك حطة، أي: شأنك أن تحط ذنوب التائبين فحط ذنوبنا، أو إرادتنا حطة، أي: إرادتنا أن تحط ذنوبنا. والحطة على هذا القول يراد بها مطلق المصدر كالحط، والحط: الإزالة، يقال: حططت عنه الخراج أي: أزلته عنه. وانظر هذا الوجه في: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٢٨، معاني القرآن للزجاج: ١/ ١١٠، البسيط للواحدي-تحقيق الفوزان-: ٣/ ٩٣٢، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٢٢٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٢٣٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥): ص ١/ ١١٩.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ١٢٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٩.\n(١١) ديوانه، قصيدة \" ٣١. وهذه الرواية جاءت في شرح شواهد المغني: ١٣٧، وأما في سائر الكتب: \" إن كان ظالما \"، وهي أجود. وقوله: \" أجهل \" بمعنى جاهل، كما قالوا \" أوجل \" بمعنى وجل، وأميل بمعنى مائل، وأوحد بمعنى واحد، وغيرها. ورواية صدر البيت على الصواب: \" ألا أعتب \" كما في المفضليات ٥٩٠ وغيره، أو \" وقد أعتب \" كما في القرطين ٢: ٦٩. ويروى \" ولا أشتم ابن العم \". يقول: أبلغ رضاه إذا ظلم او جهل، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٩ - ١١٠.\n(١٣) البيت لأمية بن الأسكر، أمالي القالي ٣: ١٠٩، وكتاب المعمرين: ٦٨ والخزانة ٢: ٤٠٥، ويروى صدره \" أتاه مهاجران تكنفاه \". وأما عجزه فاختلفت رواياته: \" بترك كبيرة خطئا. . \" و\" ليترك شيخه خطئا. . \"، \" ففارق شيخه، . . \" وكان أمية قد أسن، عمر في الجاهلية عمرا طويلا، وألفاه الإسلام هرما. ثم جاء زمن عمر، فخرج ابنه كلاب غازيا، وتركه هامة اليوم أو غد. فقال أبياتا منها هذا للبيت، فلما سمعها عمر، كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر، فرحله. وله مع عمر في هذه الحادثة قصة جيدة (في القالي ١: ١٠٩).","vol":"2","page":322},{"text":"وإن مُهَاجِرَيْن تَكَنَّفاه ... لعمر الله قد خطئا وخابا\nيعني: أضلا الحق وأثما (١).\nقال ابن عثيمين: \" (المغفرة) هي ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ ومعناه أن الله ستر ذنبك، ويتجاوز عنك، فلا يعاقبك؛ لأن \"المغفرة\" مأخوذة من المغفر. وهو ما يوقى به الرأس في الحرب؛ لأنه يستر، ويقي؛ ومن فسر \"المغفرة\" بمجرد الستر فقد قصَّر؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وقرره بذنوبه قال: \"قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم\" (٢) أي اليوم أسترها أيضًا، ثم أتجاوز عنها؛ و﴿خطاياكم﴾ جمع خَطِيَّة، كـ\"مطايا\" جمع مطية؛ و\"الخطية\" ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد؛ وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى \"أخطاء\"؛ ولهذا يفرق بين \"مخطئ\"، و\"خاطئ\"؛ الخاطئ ملوم؛ والمخطئ معذور، كما قال الله تعالى: ﴿لنسفعًا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة﴾ [العلق: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]، \"أي نزيد من أحسن إحسانًا، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل\" (٤).\nقال الثعلبي: \"إحسانا وثوابا\" (٥).\nقال النسفي: \" أي من كان محسنًا منكم، كانت تلك الكلمة سببًا في زيادة ثوابه ومن كان مسيئًا كانت له توبة ومغفرة\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات\" (٧).\nقال ابن عباس: \"من كان منكم محسنا زيد في إحسانه، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته\" (٨). وروي عن قتادة (٩)، نحو ذلك.\nقال ابن عطية: \" المعنى: إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد بـ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ هنا\" (١٠).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا﴾؛ وهو قول حقيقي بصوت، وبحرف؛ لكن صوته ﷾ لا يشبهه صوت من أصوات المخلوقين؛ ولا يمكن للإنسان أن يدرك هذا الصوت؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ [طه: ١١٠]؛ وهكذا جميع صفات الله ﷿ لا يمكن إدراك حقائقها.\n٢ ومنها: وعد الله لهم بدخولها؛ ويؤخذ هذا الوعد من الأمر بالدخول؛ فكأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا.\n٣ ومنها: جواز أكل بني إسرائيل من هذه القرية التي فتحوها؛ فإن قال قائل: أليس حِلّ الغنائم من خصائص هذه الأمة. أي أمة محمد ﷺ؟ فالجواب: بلى، والإذن لبني إسرائيل أن يأكلوا من القرية التي دخلوها ليس على سبيل التمليك؛ بل هو على سبيل الإباحة؛ وأما حِلّ الغنائم لهذه الأمة فهو على سبيل التمليك.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١١٠.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٩٢، كتاب المظالم، باب ٢: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، حديث رقم ٢٤٤١؛ وأخرجه مسلم ص ١١٥٨، كتاب التوبة، باب ٨: في سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار، حديث رقم ٧٠١٥ [٥٢] ٢٧٦٨.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٢.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٦٦.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٥.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠١٨): ص ٢/ ١١١.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٦): ص ١/ ١١٩.\n(١٠) المحرر الوجي: ١/ ١٥١.","vol":"2","page":323},{"text":"٤ ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة﴾؛ ولهذا لما فتح النبي ﷺ مكة دخلها مطأطئًا رأسه (١) يقرأ قول الله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح: ١].\nالقرآن\n﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩]\nالتفسير:\nفبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله، وحرَّفوا القول والفعل جميعًا، إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة، واستهزءوا بدين الله، فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء؛ بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.\nقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]،: \" أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل والمخالفة\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي غيَّر الظالمون أمر الله فقالوا\" (٣).\nقال الثعلبي: ﴿ظلموا﴾ \" أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، أي: \" قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه\" (٥).\nقال النسفي: أي\" فخالفوه إلى قول، ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله\" (٦).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] على وجوه (٧):\nأحدها: أنهم: \"دخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة\". روي ذلك عن رسول اللهﷺ- (٨)، وعلى هذا القول عامة المفسرين، وقد روي عن ابن عباس (٩)، وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك (١٠).\nوالثاني: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. قاله عكرمة (١١)، وأبو الكنود (١٢).\nوالثالث: أنهم: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطة. قاله ابن عباس (١٣).\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٣٥٠، كتاب المغازي، باب ٤٩: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح، حديث رقم ٤٢٨١؛ ومسلمًا ص ٨٠٣، كتاب صلاة المسافرين، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به، باب ٣٥: ذكر قراءة النبي ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة، حديث رقم ١٨٥٤ [٢٣٨] ٧٩٤؛ ولم أقف على من أخرجه بلفظ \"مطأطئًا رأسه\".\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٠١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ١١٢.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٦٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١١٢ - ١١٥، والبسيط للواحدي-تحقيق الفائز-: ٣/ ٩٤٢، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٣٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٧/ ٣٠٤، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٨٥ وغيرها.\n(٨) عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: قال الله لبني إسرائيل: \" ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم \"، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة. (رواه أحمد في المسند: ٨٢١٣ (ج ٢ ص ٣١٨ حلبي)، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد، ولكن بلفظ \" حبة في شعرة \". وكذلك رواه البخاري ٦: ٣١٢، و٨: ٢٢٨ - ٢٢٩ (فتح الباري)، من طريق عبد الرازق. وذكر الحافظ (٨: ٢٢٩) أن لفظ \" شعرة \" رواية أكثر رواة البخاري، وأن رواية الكشميهني \" شعيرة \". وذكره ابن كثير ١: ١٨٠، ونسبه أيضًا لمسلم والترمذي، من رواية عبد الرزاق).\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٩٠): ص ١/ ١١٩ - ١٢٠، وتفسير الطبري (١٠٣٤): ص ٢/ ١١٥.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٢٠.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٣١): ص: ٢/ ١١٥.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٨): ص ١/ ١١٩.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٠٢٤): ص ٢/ ١١٣.","vol":"2","page":324},{"text":"والرابع: إنهم قالوا: \" هطى سمقا يا ازبة هزبا \"، وهو بالعربية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء. قاله ابن مسعود (١).\nوالخامس: وقال أبو مسلم: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]: أنهم لم يفعلوا ما أمرهم الله به، ولم يلتفتوا إليه، لا على أنهم أتوا له ببدل، ودلل على قوله ذلك بقوله﷿-: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذلك هنا (٢).\nوهذا قول بعيد؛ لأن ظاهر الآية والأحاديث الصحيحة تبطله، والله أعلم.\nوحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا، فاستهزؤوا فقالوا: حنطة في شعرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ \" (٣)، ومعنى السجود في قوله تعالى عند الدخول، أي: \"الانحناء شكرًا لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له، والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩]، فيه وجهان من القراءة (٥):\nالأول: ﴿رِجْزًا﴾، بكسر الراء. وهي قراءة الجماعة.\nوالثاني: ﴿رُجْزًا﴾، بضم الراء، قرأ بها ابن محيصن.\nقال القرطبي: \"والرجز: العذاب \"بالزاي\" و\"بالسين\": النتن والقذر، ومنه قوله تعالى ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي وقال الفراء الرجز هو الرجس، قال أبو عبيد: كما يقال السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى، قال الفراء: وذكر بعضهم أن الرجز \"بالضم\" اسم صنم كانوا يعبدونه وقرئ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ والرجز \"بفتح الراء والجيم\" نوع من الشعر وأنكر الخليل أن يكون شعرا وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها\" (٦).\nوقال الراغب: \"أصل الرجز: الاضطراب، ومنه قيل: رجز البعير رجزا، فهو أرجز، وناقة رجزاء: إذا تقارب خطوها واضطرب لضعف فيها، وشبه الرجز به لتقارب أجزائه وتصور رجز في اللسان عند إنشاده، ويقال لنحوه من الشعر أرجوزة وأراجيز، ورجز فلان وارتجز إذا عمل ذلك، أو أنشد، وهو راجز ورجاز ورجازة. وقوله: ﴿عذاب من رجز أليم﴾ [سبأ: ٥]، فالرجز ههنا كالزلزلة، وقال تعالى: ﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء﴾ [العنكبوت: ٣٤]، وقوله: ﴿الرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥]، قيل: هو صنم، وقيل: هو كناية عن الذنب، فسماه بالمآل كتسمية الندى شحما. وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ [الأنفال: ١١]، والشيطان عبارة عن الشهوة على ما بين في بابه. وقيل: بل أراد برجز الشيطان: ما يدعو إليه من الكفر والبهتان والفساد. والرجازة: كساء يجعل فيه أحجار فيعلق على أحد جانبي الهودج إذا مال (٧)، وذلك لما يتصور فيه من حركته، واضطرابه\" (٨).\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٩): ص ١/ ١١٩، والتفسير الطبري (١٠٢٩): ص ٢/ ١١٤، والدر المنثور: ١/ ٧١.\n(٢) أنظر: مفاتيحِ الغيب للرازي: ٣/ ٩٧، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٦٦،\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن عاشور: ٥١٥.\n(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥١.\n(٦) تفسير القرطبي: ١/ ٤١٧.\n(٧) انظر: المجمل ٢/ ٤٢٠\n(٨) مفردات ألفاظ القرآن: ٣٠١","vol":"2","page":325},{"text":"واختلف أهل التفسير في معنى (الرجز)، في قوله تعالى: ﴿فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]، على أقوال (١):\nالأول: أنه الطاعون، قاله ابن زيد (٢)، وهو قول الجمهور (٣).\nوالثاني: أنه الغضب. وهو قول أبي العالية (٤).\nوالثالث: أنه العذاب. قاله ابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، وابن زيد في أحد قوليه (٧).\nوالرابع: وقيل: إما الطاعون أو البرد. قاله الشعبي (٨).\nوالقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لحديث رسول الله ﷺ: \"\" الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ \" (٩)، وقد روى أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا (١٠).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]، أي: بما كانوا \"يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى\" (١١).\nقال قتادة: \"بما كانوا يعصون\" (١٢).\nوقال ابن إسحاق: \"أي بما تعدوا في أمري\" (١٣).\nقال الطبري: أي\" بما كانوا يتركون طاعة الله ﷿، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره\" (١٤).\nوقال الثعلبي: \" يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله ﷿\" (١٥).\nوقرأ النخعي وابن وثاب: ﴿يفسِقون﴾، بكسر السين، يقال فسق يفسق ويفسق بضم السين وكسرها (١٦).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، ومضادَتُهم لله، ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجدًا؛ بل دخلوا يزحفون على أستاههم على الوراء استكبارًا واستهزاءً.\n٢. ومنها: بيان قبح التحريف سواء كان لفظيًا، أو معنويًا؛ لأنه يغير المعنى المراد بالنصوص.\n٣. ومنها: أن الجهاد مع الخضوع لله ﷿، والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾، وسبب للاستزادة أيضًا من الفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وسنزيد المحسنين﴾.\n_________\n(١) انظر: الطبري: ٢/ ١١٥ - ١١٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٤٠): ص ٢/ ١١٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨. واختاره جماعة من أهل التفسير منهم ابن عاشور. (انظر: تفسيره: ١/ ٥١٦). والطاعون: قيل: هو مرض خاص معروف عن العلماء والأطباء، وقيل: بل هو كل مرض عام (وباء)، يؤدي إلى وفاة الكثيرين من الناس، وبذلك فإن كل مرض يسمى طاعونا ويكون سببه معلوما حسب قواعد الطب الحسي فإنه ليس طاعونا على الحقيقة، أي ليس بالطاعون الذي جاءت به الأحاديث، بل قد يكون وباء.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٠٣٩): ص ٢/ ١١٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٠٤٢): ص ٢/ ١١٨.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٣٨): ص ٢/ ١١٧.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٤١): ص ٢/ ١١٧.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٩٤): ص ١/ ١٢٠، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٩) رواه البخاري (٣٤٧٣)، ومسلم (٢٢١٨) عن أُسَامَةَ بْن زَيْدٍ ﵄.\n(١٠) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ١٤٣.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٩٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٥): ص ١/ ١٢٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٦): ص ١/ ١٢٠.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١١٩.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٢.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٥١.","vol":"2","page":326},{"text":"٤. ومنها: أن الإحسان سبب للزيادة سواء كان إحسانًا في عبادة الله، أو إحسانًا إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة؛ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: \"الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (١)؛ وقال: \"ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٢) \".\n٥. ومنها: تحريم التبديل لكلمات الله وهو تحريفها؛ وأنه من الظلم، لقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولًا﴾.\n٦. ومنها: بيان عقوبة هؤلاء الظالمين، وأن الله أنزل عليهم الرجز من السماء.\n٧. ومنها: الإشارة إلى عدل الله ﷿، وأنه لا يظلم أحدًا، وأن الإنسان هو الظالم لنفسه.\n٨. ومنها: إثبات فسوق هؤلاء بخروجهم عن طاعة الله؛ والفسق نوعان: فسق أكبر مخرج عن الملة، وضده \"الإيمان\"، كما في قوله تعالى: ﴿وأمَّا الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ٢٠]؛ وفسق أصغر لا يخرج عن الملة، وضده \"العدالة\"، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦].\n٩. ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ لقوله تعالى: ﴿بما كانوا يفسقون﴾.\n١٠. ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الله ﷾ مجبر العبد على عمله؛ ووجه الرد أن الله ﷾ أضاف الفسق إليهم؛ والفسق هو الخروج عن الطاعة؛ والوجه الثاني: أنهم لو كانوا مجبرين على أعمالهم لكان تعذيبهم ظلمًا، والله. ﵎. يقول: ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\n١١. ومنها: أن الفسوق سبب لنُزول العذاب.\nالقرآن\n﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]\nالتفسير:\nواذكروا نعمتنا عليكم -وأنتم عطاش في التِّيْه- حين دعانا موسى -بضراعة- أن نسقي قومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فضرب، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، بعدد القبائل، مع إعلام كل قبيلة بالعين الخاصة بها حتى لا يتنازعوا، وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تسعوا في الأرض مفسدين.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]، \"أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه\" (٣).\nقال الطبري: \" أي سألنا أن نسقي قومه ماء\" (٤).\nقال ابن كثير: \" واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى، ﵇، حين استسقاني لكم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ [البقرة: ٦٠]، \"أي اضرب أيّ حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه\" (٦).\nواختلف أهل التفسير في نوع (الألف واللام) في قوله ﴿الْحَجَر﴾ [البقرة: ٦٠]، على وجهين (٧):\nأحدهما: أن (الألف واللام) للجنس، \"أى اضرب الشيء الذي يقال له الحجر\" (٨)، وعلى هذا أنه لم يكن حجرا معينا، بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم. وهذا قول وهب بن منبّه (٩).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١١٤٧، كتاب الذكر والدعاء، باب ١١: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث رقم ٦٨٥٣ [٣٨] ٢٦٩٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٩٢، كتاب المظالم، باب ٣: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث رقم ٢٤٤٢؛ وأخرجه مسلم ص ١١٢٩، كتاب البر والصلة، باب ١٥: تحريم الظلم، حديث رقم ٦٥٧٨ [٥٨] ٢٥٨٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/! ١٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٣، وتفسير البغوي: ١/ ١٠٠، والكشاف: ١/ ١٤٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٤٤.\n(٩) نقله عنه الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٠٣، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":327},{"text":"قال الزمخشري: \"وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة\" (١).\nوالثاني: أن (الألف اللام) للعهد، وعليه أنه كان حجرا مخصوصا بعينه، وقد روي عن قتادة (٢)، بأنه كان حجرا من جبل الطور. واختار هذا القول البيضاوي (٣).\nثم اختلفوا في تحديده على أقوال (٤):\nأحدها: كان حجرا خفيفا مربعا، قاله ابن عباس (٥).\nوالثاني: أنه كان مثل رأس الثور. قاله عطية العوفي (٦).\nوالثالث: أنها كانت رخاما. حكاه الثعلبي (٧).\nوالرابع: كان الحجر من الكدان، قاله أبو روق (٨).\nوالخامس: أنه الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة (٩). قاله سعيد بن جبير (١٠).\nوالخامس: وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا (١١).\nقال ابن عطية: \"ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون\" (١٢).\nروي عن قتادة في قوله: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ الآية، قال: \" كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]، \"أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عينًا بقدر قبائلهم\" (١٤).\nقال مجاهد:: \"خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا، ضربه موسى\" (١٥).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]، على ثلاثة أوجه (١٦):\nالأول: قرأ العامة: بسكون (الشّين) على التخفيف.\nوالثاني: قرأ العباس بن الفضل الأنصاري: بفتح (الشين) على الأصل.\nوالثالث: وقرئ بكسر (الشين) (١٧).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، \"أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا\" (١٨).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٤٤.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٤٣): ص ٢/ ١٢٠.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٣.\n(٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٣، وتفسير البيضاوي: ١/ ٨٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٠٤٤): ص ٢/ ١٢٠.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٩٩): ص ١/ ١٢١.\n(٧) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٣.\n(٨) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٣.\n(٩) الأدرة: نفخ في الخصيتين.\n(١٠) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٣.\n(١١) أنظر: الكشاف: ١/ ١٤٤.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٥٢.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٠٤٣): ص ٢/ ١٢٠.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٠٤٧): ص ٢/ ١٢٠.\n(١٦) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٤.\n(١٧) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٤.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.","vol":"2","page":328},{"text":"قال الثعلبي: أي: \" موضع شربهم\" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" عينهم التي يشربون منها\" (٢).\nقال مجاهد: \" لكل سبط منهم عين، كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا\" (٣)\nوقال سعيد بن جبير: \" كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين\" (٤).\nقال الطبري: \" إن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه. فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس. إذ كان غيرهم - في الماء الذي لا يملكه أحد - شركاء في منابعه ومسايله. وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم، فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كُلُوا واشربوا مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠]، \"أي قلنا لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كدّ منكم ولا تعب، بل هو من خالص إِنعام الله\" (٦).\nقال الثعلبي: \" أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة\" (٧).\nقال المراغي: \" أي وقلنا لهم كلوا مما رزقناكم من المنّ والسلوى واشربوا مما فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد\" (٨).\nقال أبو حيان: ولما كان مطعومهم ومشروبهم لا كلفة عليهم ولا تعب في تحصيله حسنت إضافته إلى الله تعالى، وإن كانت جميع الأرزاق منسوبة إلى الله تعالى، سواء كانت مما تسبب العبد في كسبها أم لا، واختص بالإضافة للفظ الله، إذ هو الاسم العلم الذي لا يشركه فيه أحد، الجامع لسائر الأسماء ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضِا قُلِ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُا﴾، و﴿مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالارْضِ﴾، ﴿مَّعَ اللَّهِ بَلْ﴾؟ \" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠]، يحتمل وجهين من التفسير (١٠):\nالأول: يريد به ما رزقهم الله من المن والسلوى وماء العيون، \"فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة\" (١١).\nوالثاني: قيل الماء وحده، لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت به.\nقال أبو حيان: \" وهذا القول يكون فيه من رزق الله، يجمع فيه بين الحقيقة والمجاز، لأن الشرب من الماء حقيقة، والأكل لا يكون إلا مما نشأ من الماء، لا أن الأكل من الماء حقيقة\" (١٢).\nقلت والوجه الأخير، وإن كان معناه صحيحًا، إلا أن فيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٤.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٣.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٤٦): ص ٢/ ١٢٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٥): ص ١/ ١٢٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ١٢٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٧) تفسير الثلبي: ١/ ٢٠٤.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٣٠.\n(٩) البحر الحيط: ١/ ١٩٥.\n(١٠) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٩٤، وتفسير البيضاوي: ١/ ٨٣.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٤.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ١٩٤.","vol":"2","page":329},{"text":"قال أبو حيان: \" و(الرزق) هنا هو المرزوق، وهو الطعام من المن والسلوى، والمشروب من ماء العيون .. وحمل الرزق على القدر المشترك بين الطعام والماء أولى من هذا القول\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، \"أي: ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد\" (٢).\nقال أبو العالية: \" يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا\" (٣). وروي عن ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، وابن زيد (٦)، نحو ذلك.\nوقال أبو مالك: \" يعني: لا تمشوا بالمعاصي\" (٧).\nقال الطبري: أي\" لا تطغوا، ولا تسعوا في الأرض مفسدين\" (٨).\nقال ابن كثير: أي\" ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحًا راجحًا كقتل الخضر ﵇ الغلام وخرقه السفينة، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حسًا، ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر عن الخل ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجرًا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك\" (١٠).\nو(العيث): شدة الفساد، نهاهم عن ذلك، يقال: عث يعث عثيا وعثا يعثو عثوا، وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا والأول لغة القرآن\" (١١)، ومنه رؤبة بن العجاج (١٢):\nوعاث فينا مستحل عائث ... مُصَدِّق أو تاجر مقاعث\nيعني بقوله: \" عاث فينا \"، أفسد فينا، ويقال: \"عث يعث في المضاعف أفسد ومنه العثة، وهي السوسة التي تلحس الصوف\" (١٣).\nومنه قول ابن الرّقاع (١٤):\nلولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم\nو\"العِثي\" معناه الإسراع في الإفساد؛ والإفساد في الأرض يكون بالمعاصي، كما قال الله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١] \" (١٥).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٩٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٥٠): ص ٢/ ١٢٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٠٥٣): ص ٢/ ١٢٣.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٥٢): ص ٢/ ١٢٣.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٥١): ص ٢/ ١٢٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٨): ص ١/ ١٢٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧٨.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٣.\n(١١) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢١.\n(١٢) ديوانه \" ٣٠. مستحل: قد استحل أموالهم واستباحها. والمصدق: هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس، وهو وكيل الفقراء في القبض، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع. قعث الشيء يقعثه: استأصله واستوعبه. وقعثه فانقعث: إذا قلعه من أصله فانقلع. ولم تذكر معاجم اللغة: \" قاعث فهو مقاعث \"، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين: \" قاعث فهو مقاعث \"، أي يحاول استئصال أموال الناس، والناس يدافعونه عن أموالهم.\n(١٣) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢١.\n(١٤) البيت من شواهد الثعلبي: ١/ ٢٠٤، وزاد المسير: ٢/ ١٥٥.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٨.","vol":"2","page":330},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، \" الجمهور على أنها أرض التيه، ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدر أن يوصلوا إليها فينالها فسادهم، ويجوز أن يريد الأرضين كلها. وأل: لاستغراق الجنس. ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات، وذلك انتقام يعم الأرض بالفساد\" (١).\nوقد تعددت أقول أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿[البقرة: ٦١]، على وجوه (٢):\nأحدها: ولا تسعوا في الأرض فسادا. قاله أبو العالية (٣)، وروي عن ابن عباس (٤)، نحو ذلك.\nوالثاني: لا تسيروا في الأرض مفسدين. قاله قتادة (٥).\nوالثالث: ولا تطغوا. قاله ابن زيد (٦).\nوالرابع: لا تتظالموا الشرب فيما بينكم، لأن كلّ سبط منكم قد جعل له شرب معلوم.\nوالخامس: لا تؤخروا الغذاء، فكانوا إذا أخروه فسد.\nوالسادس: وقيل: معناه لا تخالطوا المفسدين.\nوالسابع: وقيل: معناه لا تتمادوا في فسادكم.\nوهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض (٧)، ضمن المعنى الصحيح، ألا وهو عدم نشر الفساد في الأرض، يقال\" عَثَا، إِذَا نشر الشّرّ وَالْفَساد وَأَثَار الْخُبْث، فَهُو أَخَص مِنْ مُطْلَقِ الْإِفْسَاد وَذَلِك مَعَ كَوْن (مُفْسِدِينَ) حَالًا مِن ضمِير ﴿تَعْثَوْا﴾ \" (٨).\nقال أبو حيان: \" واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة، واقتضى أن يكون الرّزق مباحًا، فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحًا وحرامًا، وأنه غير جائز. والجواب: إن الرزق هنا ليس بعادم هذا أريد به المن والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية معين مّا من أنواع الرّزق حلية جميع الرّزق، وفي هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات من الطعام، وشرب المستلذ من الشراب، والجمع بين اللونين والمطعومين، وكل ذلك بشرط الحل\" (٩).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأن موسى استسقى لقومه؛ وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه؛ فكيف وقد أتى بوفاقه؟ ! فقد كان النبي ﷺ يستسقي في خطبة الجمعة (١٠)، ويستسقي في الصحراء على وجه معلوم (١١).\n٢ ومنها: أن السقيا كما تكون بالمطر النازل من السماء تكون في النابع من الأرض.\n٣ ومنها: أن الله ﷾ هو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤون إلى الله ﷾.\n٤ ومنها: أن الرسل. عليهم الصلاة والسلام. كغيرهم في الافتقار إلى الله ﷾؛ فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء.\n٥ ومنها: رأفة موسى بقومه؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا استسقى موسى لقومه﴾.\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٩٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (١٠٥٠): ص ٢/ ١٢٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٠٥٣): ص ٢/ ١٢٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٠٥٢): ص ٢/ ١٢٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٥١): ص ٢/ ١٢٣.\n(٧) أنظر: البحر المحيط: ١/ ١٩٥.\n(٨) تفسير المنار: ١/ ٢٧١.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ١٩٥.\n(١٠) راجع البخاري ص ٧٩، كتاب الاستسقاء، باب ٧: الاستسقاء في خطبة الجمعةن حديث رقم ١٠١٤؛ وصحيح مسلم ص ٨١٧ – ٨١٨، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ٢: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم ٢٠٧٨ [٨] ٨٩٧.\n(١١) راجع البخاري ص ٨٠، كتاب الاستسقاء، وراجع مسلمًا ص ٨١٧، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ١: كتاب صلاة الاستسقاء حديث رقم ٢٠٧٢ [٣] ٨٩٤.","vol":"2","page":331},{"text":"٦ ومنها: أن الله ﷾ قادر جواد؛ ولهذا أجاب الله تعالى دعاء موسى؛ لأن العاجز لا يسقي؛ والبخيل لا يعطي.\n٧ ومنها: إثبات سمع الله ﷾، لقوله تعالى: ﴿فقلنا﴾؛ لأن الفاء هنا للسببية؛ يعني: فلما استسقى موسى قلنا؛ فدل على أن الله سمع استسقاء موسى، فأجابه.\n٨. ومنها: كمال قدرة الله ﷿، حيث إن موسى ﷺ يضرب الحجر اليابس بالعصا، فيتفجر عيونًا؛ وهذا شيء لم تجر العادة بمثله؛ فهو دليل على قدرة الله ﷿، وأنه ليس كما يزعم الطبائعيون بأنه طبيعة؛ إذ لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت، وبقيت على ما هي عليه.\n٩ ومنها: الآية العظيمة في عصا موسى، حيث يضرب به الحجر، فيتفجر عيونًا مع أن الحجر صلب، ويابس؛ وقد وقع لرسول الله ﷺ ما هو أعظم، حيث أُتي إليه بإناء فيه ماء، فوضع يده فيه، فصار يفور من بين أصابعه كالعيون (١)؛ ووجه كونه أعظم: أنه ليس من عادة الإناء أن يتفجر عيونًا بخلاف الحجارة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ [البقرة: ٧٤]؛ ووجه آخر: أن الإناء منفصل عن الأرض لا صلة له بها بخلاف الحجارة.\n١٠ ومنها: حكمة الله ﷾ بجعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عينًا؛ لفائدتين:\nالفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عينًا واحدة لحصلت مشقة الزحام.\nالفائدة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطًا؛ فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتال؛ فهذا من رحمة الله. ﵎. ببني إسرائيل، حيث فجره اثنتي عشرة عينًا، ولهذا أشار الله ﷾ إلى هذه النعمة بقوله: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾: كل أناس من بني إسرائيل.\n١١ من فوائد الآية: أن الله ﷾ يذكِّر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر؛ ولهذا قال تعالى: (كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين)\n١٢ ومنها: أن ما خلق الله تعالى من المأكول، والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة، والحل؛ لأن الأمر للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحل؛ فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة.\n١٣ ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾؛ والأصل في النهي التحريم.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]\nالتفسير:\nواذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو، والطير الشهي، فبطِرتم النعمة كعادتكم، وأصابكم الضيق والملل، فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام، فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر، والقثاء والحبوب التي تؤكل، والعدس، والبصل، قال موسى -مستنكرًا عليهم-: أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا، وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟ اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة، تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق، ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقَدِّمون اختيارهم -في كل موطن- على اختيار الله، ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم؛ لذلك لزمتهم صِفَةُ الذل وفقر النفوس،\n_________\n(١) راجع البخاري ص ١٩، كتاب الطهارة، باب الوضوء في التور، حديث رقم ٢٠٠.","vol":"2","page":332},{"text":"وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله؛ لإعراضهم عن دين الله، ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا؛ وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٦١]، أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المن والسلوى\" (١).\nقال المراغي: \" أي وإذ قال أسلافكم من قبل إعناتا لموسى وبطرا بما هم فيه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، \"أي على نواع واحدٍ من الطعام وهو المنُّ والسلوى\" (٣).\nقال الثعلبي: \" يريدون به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى\" (٤).\nقال قتادة: ملّوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك\" (٥).\nوقال أبو العالية: \"كان طعامهم السلوى وشرابهم المن، فسألوا ما ذكروا\" (٦).\nقال المراغي: أي: \" لن نصبر على أن يكون طعامنا الذي لا يتغير أبدا هو المنّ والسلوى\" (٧).\nقال الراغب: \" والطعام ما يغتذي به مأكولا كان أو مشروبًا، وفي المشروب قالك ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ... فإن قيل: كيف قال: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وكان لهم المن والسلوى؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلًا واحدًا في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها﴾ [البقرة: ٢٥٩] \" (٨).\nوقال الزمخشري: \"أرادوا بالواحد (٩) ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا يراد بالوحدة نفى التبدّل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معًا من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك\" (١٠).\nوقال ابن عطية: \" وكنى عن (المن والسلوى) بـ ﴿طَعامٍ واحِدٍ﴾، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد، ولتكرارهما سواء أبدا قيل لهما ﴿طَعامٍ واحِدٍ﴾، ولغة بني عامر «فادع» بكسر العين\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١]، \"أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: سل ربك\"يظهر لنا ويوجد\" (١٣).\nقال المراغي: \" أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا\" (١٤).\nقال الراغب: \" و(الدعاء) أعم من (النداء)، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيدًا أو في حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، \" أي مما تخرجه\" (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٨٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦١١): ص ١/ ١٢٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٩): ص ١/ ١٢٢.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢١٠.\n(٩) أي (المن والسلوى).\n(١٠) الكشاف: ١/ ١٤٥.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٥٣.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(١٣) الكشاف: ١/ ١٤٥، وانظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٨٤.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(١٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢١١.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١١.","vol":"2","page":333},{"text":"قال ابن عثيمين: \" هذا توسل منهم بموسى ليدعو الله ﷿ لهم\" (١).\nقال المراغي: \" وإنما سألوه أن يدعولهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم\" (٢).\nوقد ذكر أهل العلم في بأن قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦١]، يدل على وجهين:\nأحدهما: أن قولهم ﴿ربّك﴾، تدل على جفاء عظيم منهم؛ فهم لم يقولوا: \"ادع لنا ربنا\"، أو \"ادع الله\"؛ بل قالوا: \"ادع لنا ربك\"، كأنهم بريئون منه، والعياذ بالله؛ وهذا من سفههم، وغطرستهم، وكبريائهم. قاله الشيخ ابن عثيمين (٣).\nوالثاني: أنهم قالوا ﴿ربك﴾، ولم يقولوا (ربنا)، لأنه اختصه بما لم يعط مثله لهم، من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا ادع لنا من أحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل، نرجو أن يحسن إليك بإجابة هذا الدعاء. قاله الشيخ أحمد مصطفى المراغي (٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، أي: \" من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث\" (٥).\nقال الزمخشري: \"والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، \"يعني القتَّة التي تشبه الخيار\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، \" أي الثوم\" (٨).\nقال الزمخشري: \" والفوم: الحنطة. ومنه فوّموا لنا، أى: اخبزوا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، \"أي العدس والبصل المعروفان\" (١٠).\nقال الطبري: \"و(البقل) و(القثاء) و(العدس) و(البصل)، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها (١١).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، على قولين (١٢):\nأحدهما: أنه (الحنطة)، وهذا قول ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤)، والحسن (١٥)، وأبي مالك (١٦)، والسدي (١٧)، وابن زيد (١٨)، وأكثر المفسرين (١٩)، وهو اختيار النحاس (٢٠)، ومن ذلك قول أُحَيْحة بن الجُلاح (٢١):\nقد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ... وَرَد المدينة عن زراعة فوم\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١١.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١١.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٤٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٤٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٢٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٣)، و(١٠٧٤)، و(١٠٧٥)، و(١٠٧٦): ص ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٥)، و(١٠٦٦): ص ٢/ ١٢٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٥)، و(١٠٦٦): ص ٢/ ١٢٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٧): ص ٢/ ١٢٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٨): ص ٢/ ١٢٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢): ص ٢/ ١٢٨.\n(١٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٣.\n(٢٠) انظر: تفسير القرطبي: ١، ٤٢٥، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٤١.\n(٢١) والبيت في اللسان (فوم)، ونسبه لأبي محجن الثقفي، أنشده الأخفش له، وروايته:\nقد كنت أحسبني كأغنى واحد ... نزل المدينة. . .\nوفي الروض الأنف ٢: ٤٥ نسبه لأحيحة، أو لأبي محجن، ورواه \" سكن المدينة \".","vol":"2","page":334},{"text":"وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا \" فوما \" من اللغة القديمة. حكي سماعا من أهل هذه اللغة: (فوموا لنا)، بمعنى اختبزوا لنا (١).\nقال الفراء: \" فإن (الفوم) فيما ذكر لغةٌ قديمة، وهي الحِنْطَة والخُبْز جميعا قد ذُكِرا. قال بعضهم: سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون: فَوِّموا لنا، بالتشديد لا غير، يريدون اختبزوا\" (٢).\nوقال الزجاج: \" محال أن يطلب القوم طعامًا لا بُرَّ فيه، والبرُّ أصل الغذاءِ كله، ويقال فوِّمُوا لنا، أي اخْبِزُوا لنا، ولا خلاف عند أهل اللغة أن الفُوم الحنطة، وسائر الحبوب التي تخبز يلحقها اسم الفوم\" (٣).\nوقال الجوهري: الفوم الحنطة وأنشد الأخفش (٤):\nقد كنت أحسبني كأغنى واجد ... نزل المدينة عن زراعة فوم\nوقال ابن دريد: الفومة السنبلة، وأنشد (٥):\nوقال ربيئهم لما أتانا ... بكفه فومة أو فومتان\nوالقول الثاني: أنه (الثوم)، قاله مجاهد (٦)، والربيع (٧)، وهو اختيار الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج (٨)، واحتجوا عليه بوجوه (٩):\nأحدها: يدل عليه قراءة ابن مسعود: ﴿وثومها﴾ (١٠).\nالثاني: أن الثوم للعدس والبصل أوفق من الحنطة، ومنه قول حسان (١١):\nوأنتم أناس لئام الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل\nيعني الثوم والبصل.\nالثالث: أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير لأن الحنطة أشرف الأطعمة.\nقال الفراء: وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه ﴿وَثُومِهَا﴾ بالثاء، فكأنّه أشبهُ المعنيين بالصواب لأنه مع ما يشاكله: من العدس وَالْبَصَلِ وشِبْهه، والعرب تُبدل الفاء بالثاء فيقولون: جدث وجَدَفٌ، ووقعوا فِي عاثُور شَرٍّ وعافُور شرٍّ، والأثاثي والأثافيّ. وسمعت كثيرًا من بْني أسد يسمّى المغافير (١٢) المغاثير\" (١٣)، وذلك لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء.\nوالقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لأن (الفوم)، الحنطة بلسان بني هاشم\" (١٤). والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِها﴾ [البقرة: ٦١]، فيه وجهان من القراءة (١٥):\nالأول: قراءة العامة: ﴿وَقِثَّائِها﴾، بكسر القاف.\nوالثاني: وقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي: ﴿وَقُثَّائِها﴾، بضم القاف، وهي لغة تميم.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٠.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٤١.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٤٣.\n(٤) البيت نسب في الأغاني: ١٩/ ٢، واللسان (فوم) لأبي محجن، وهو في الصحاح (فوم) والمحتسب: ١/ ٨٨، بلا نسبة.\n(٥) انظر: جمهرة اللغة: ٣/ ١٦٠، والصحاح (فوم). الربيئة: الطليعة التي ترقب العدو من مكان عال، لئلا يدهم قومه، انظر: المعجم الوسيط.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٧): ص ٢/ ١٢٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٨): ص ٢/ ١٢٩.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٥، والنكت والعيون: ١/ ١٢٩، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٣٢.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ١٤، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٣٢.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٥.\n(١١) لم اجده في الديوان، وأورده ابن عادل الحنبلي في اللباب: ٢/ ١١٧، والقرطبي في تفسيره: ١/ ٤٢٥.\n(١٢) المغافير: صمغ يسيل من شجر الرمث والعرفط وهو حلو يؤكل غير أن رائحته ليست بطيبة. [أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٠].\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٤١.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٢٩.\n(١٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٥.","vol":"2","page":335},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، \" أي أتأخذون الذي هو أدنى بدلًا عن الذي هو خير\" (١).\nقال قتادة: \"يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: أتستبدلون\"الذي هو أقرب منزلة وأدون مقدارًا\" (٣).\nقال الطبري: أي\" أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا؟ \" (٤).\nقال ابن كثير: \" فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيّة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع\" (٥).\nقال المراغي: \" أي: قال لهم موسى على سبيل التوبيخ والاستهجان: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المنّ الذي فيه حلاوة تألفها الطباع، والسلوى الذي هو أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ وليس فيما طلبوا ما يساويهما؟ \" (٦).\nوقال الزجاج: \" يعني أن المنَّ والسلوى أرفع من الذي طلبتم\" (٧).\nو(الاستبدال): \"هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك\" (٨).\nقال الفراء: \"وقد كان زُهير الفُرْقُبي (٩) يَهْمِز: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذى هو أدنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، ولم نر العرب تهمزُ (أَدْنَى) إذا كان من الحسة، وهم فِي ذلك يقولون إنه لدانىء خَبِيثٌ، إذا كان ماجنا فيهمزون. وأنشدني بعض بني كلاب (١٠):\nباسِلَةُ الْوَقْعِ سَرَابِيلُها ... بيضٌ إلى دانئها الظّاهر\nيعنى الدروع على خاصتها- يعني الكتيبة- إلى الخسيس منها، فقال: دانئها يريد الخسيس، وقد كُنَّا نسمع المشيخة يقولون: ما كنت دانِئًا ولقد دنات، والعرب تترك الهمزة. ولا أراهم رووه إلّا وقد سمعوه\" (١١).\nقال الزجاج: \" و(أدنى) القراءَة فيه بغير الهمز وقد قرأ بعضهم ﴿أدْنأ بالذي هو خير﴾، وكلاهما له وجه في اللغة إلا أن ترك الهمزة أولى بالاتباع\" (١٢).\nواختلف في المراد بـ (الأدنى) في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، على قولين (١٣):\nالأول: أن معناه: الذي أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا، أي استبدال المن والسلوى بالبقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، وهو يعني استبدال الوضيع من العيش الرفيع منه.\nوقد روي عن مجاهد قوله: \" ﴿الذي هو أدنى﴾، قال: أردأ\" (١٤).\nوالثاني: أن معناه: الذي هو أقرب، ووجه قوله: (أدنى)، إلى أنه أفعل من \" الدنو \" الذي هو بمعنى القرب.\nوالقول الأول أقرب إلى الصواب، وعليه الجمهور.\nواختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهى خمسة (١٥):\nالأول: أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل، قاله الزجاج.\nالثاني: لما كان المن والسلوى طعاما مّن الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه.\nالثالث: لما كان ما مّن الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة.\nالرابع: لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب كان أدنى.\nالخامس: لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، كانت أدنى من هذا الوجه.\nقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]، أي\"اهبطوا أيّ مصر من الأمصار تجدون ما سألتم\" (١٦).\nقال الثعلبي: \" يعني فإن أبيتم إلّا ذلك، فاهبطوا مصرا من الأمصار\" (١٧).\nقال الصابوني: \" أي ادخلوا مصرًا من الأمصار وبلدًا من البلدان أيًّا كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء\" (١٨).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿اهْبِطوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦٦]، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته، وذكروا فيه وجهين (١٩):\nأحدهما: أنه مصر من الأمصار. قاله قتادة (٢٠)، والسدي (٢١)، ومجاهد (٢٢)، وابن زيد (٢٣).\nومن حجتهم: أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر. وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٤]، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك دخولها حتى هلكوا في التيه. وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشأم، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ: \" اهبطوا مصر \"، ونتأوله أنه ردهم إليها، قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، قيل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك، فملكهم إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم (٢٤).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٢.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٧٩): ص ٢/ ١٣١.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٤٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٣٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨١.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٣٢.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٤٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٣٠.\n(٩) هو من القرّاء النحويين، وكان فى زمن عاصم، ويعرف بالكسائي. وانظر طبقات القراء لابن الجزري رقم ١٣٠١.\nوالفرقبىّ نسبة إلى فرقب، كقنفذ. وفى القاموس: فرقب موضع ومنه الثياب الفرقبية: ثياب بيض من كتان. وقال شارحه: وردت هذه النسبة فى الثياب والرجال، فيمكن أن تكون إلى موضع، أو يكون الرجل منسوبا إلى حمل الثياب.\n(١٠) البيت للأعشى، أنظر: ديوانه: ١٠٨، وروايته \" إلى جانبه الظاهر \". يصف حصنا، وهو من قصيدة طويلة، قالها فى منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامرىّ مطلعها:\nشأقتك من قتلة أطلالها ... بالشط فالوتر إلى حاجر\nوبسل الرجل بسولا فهو باسل وبسل إذا عبس غضبا أو شجاعة. والسربال: الدرع أو كل ما لبس والجمع سرابيل، والمراد هنا الدروع كما قال المؤلف.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٤٢.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ١٤٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣١.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٠٨٠): ص ٢/ ١٣١ - ١٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٨.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٢.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٣ - ١٣٤.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (١٠٨١): ص ٢/ ١٣٣.\n(٢١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٨٢): ص ٢/ ١٣٣.\n(٢٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٨٤): ص ٢/ ١٣٣.\n(٢٣) أنظر: تفسير الطبري (١٠٨٥): ص ٢/ ١٣٣.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.","vol":"2","page":336},{"text":"والثاني: أنه مصر التي كان فيها فرعون. قاله أبو العالية (١)، والربيع (٢). واختاره الأعمش (٣).\nقال الفراء: \" وقال الأعمش وسئل عَنْهَا فقال: هِيَ مصر التي عليها صالح بْن عليّ (٤) \" (٥).\nواحتجوا في ذلك من وجهين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]، قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها، إن لم يصيروا، أو يصر بعضهم إليها.\nوالثاني: أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود: ﴿اهبطوا مصر﴾، بغير ألف، قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها (مصر) بعينها (٦).\nواعترض عليه الثعلبي قائلا: \" وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها\" (٧).\nوأما القراءة بغير التنوين، فهي قراءة مهجورة، وصرف لخفته (٨).\nقال الطبري: \"ولا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول ﷺ يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله\" (٩).\nو(المصر) أصله في اللغة: الحدّ والحاجز بين الشيئين، ومصر الدار: حدودها (١٠)، ويقال أن أهل هجر يكتبون في شروطهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي: حدودها (١١)، قال عدي بن زيد (١٢):\nوَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاخَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلا\nأي: حدًّا، ومُصُور الدار: حدودها، فالمصر: القطعة التي بانت بعمارتها عما سواها وانتهت إليه البرية (١٣).\nوقد اختلف القَرَأَة في قراءة قوله ﴿اهْبِطوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦٦]، على ثلاثة أوجه (١٤):\nالأول: قرأه عامة القَرَأَة: ﴿اهْبِطوا مصرًا﴾، بتنوين (المصر) وإجرائه.\nوالثاني: وقراءة عَبْد اللَّه ﴿اهْبِطوا مِصْرَ﴾ بغير ألف.\nوالثالث: وفي قراءة أُبَيٍّ: ﴿اهْبِطُوا فَإِنّ لَكُمْ ما سَأَلْتُم وَاسْكُنُوا مِصْر﴾ (١٥)، وتصديق ذلك أنها فِي سورة يوسف بغير ألف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩].\nقال الطبري: \"فأما الذين نونوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه. فتأويله - على قراءتهم -: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم - إذا هبطتموه - ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٨٦): ص ٢/ ١٣٤.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٨٧): ص ٢/ ١٣٤.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٤٣.\n(٤) صالح بن على بن عبد الله بن العباس أوّل من ولى مصر من قبل أبى العباس السفاح سنة ١٣٣ وتوفى بقنسرين وهو عامل على حمص سنة ١٥٤.\n(٥) معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٥. وانظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٩ وما بعدها.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٢/ ٥٨٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ١٣٥.\n(١٠) أنظر: مجمل اللغة: ٣/ ٨٣٣، وتهذيب اللغة (مصر)، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٨٨.\n(١١) أنظر: وانظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٩.\n(١٢) البيت لعديّ في ديوانه: ١٥٩، والصحاح (مصر)، والمجمل: ٣/ ٨٣٣، والسان: ٥/ ١٧٥: والعبارة: (وجعل الشمس ... إلخ)، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٢٩، ومفردات الراغب\" ص ٤٦٩، \"زاد المسير\" ١/ ٨٩.\n(١٣) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٥٨٩.\n(١٤) أنظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٣.\n(١٥) أنظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٣، وهذه القراءة المنسوبة لأبى لم نقف عليها فى غير أصول الفرّاء مما بين أيدينا من المراجع.","vol":"2","page":337},{"text":"من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده: \" اهبطوا مصرا \" البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي \" مصر \" التي خرجوا عنها. غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في \" مصر \"، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: ﴿قواريرا قواريرا من فضة﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] منونة اتباعا منه خط المصحف، وأما الذي لم ينون \" مصر \" فإنه لا شك أنه عنى \" مصر \" التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها (١).\nقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، \" أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم\" (٣).\nقال ابن كثير: أي\"وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون\" (٤).\nقال الراغب: \"أي ألزمت وأوجبت، تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به\" (٥).\nيقال: ضرب عليه كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، ومنه الضريبة، يقال: ضرب السلطان على التجار ضريبة أي ألزمهم، ضربة لازم ولازب (٦)، ومنه قول النابغة (٧):\nوَلا يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ... لا يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازَبِ\nو(الذلة): هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر ِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (٨).\nأخرج الطبري: \"عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾، قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون\" (٩).\nوأما ﴿المسكنة﴾ في هذا الموضع، مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها (١٠).\nوأخرج الطبري: \" عن أبي العالية في قوله: ﴿والمسكنة﴾ قال: الفاقة\" (١١).\nوروي عن السدي: في \"قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾، قال: الفقر\" (١٢).\nوقال الزجاج: \" (الذِّلَّةُ): الصغار، (الْمَسْكَنَةُ): الخضوع، واشتقاقه: من السكون، إِنما يقال مِسْكين للذي أسكنه الفقر، أي قللَ حركته\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٨٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٢.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢١٢.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة\" (لزب) ٤/ ٣٢٥٨، \"اللسان\" (لزب) ٧/ ٤٠٢٥ - ٤٠٢٦، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٨٩.\n(٧) ديوانه: ٣٣، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٦٠٩، \"تهذيب اللغة\" (لزب) ٧/ ٤٠٢٦، \"المخصص\" ١٢/ ٦٨، \"مقاييس اللغة\" (لزب) ٥/ ٢٤٥، \"اللسان\" (لزب) ٧/ ٤٠٢٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(٩) تفسير الطبري (١٠٨٨): ص ٢/ ١٣٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(١١) تفسير الطبري (١٠٨٩): ص ٢/ ١٣٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٩٠): ص ٢/ ١٣٧.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ١٤٤.","vol":"2","page":339},{"text":"قال ابن الأنباري: \"المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت عليه أمور المساكين وتشبه بهم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" فلا توجد أمة أفقر قلوبًا، ولا أبخل من اليهود، فالأموال كثيرة، لكن قلوبهم فقيرة، وأيديهم مغلولة\" (٢).\nوفي قوله تعالى ﴿عليهم﴾ [البقرة: ٦٦]، ثلاث قراءات: \"كسر الهاء وضم الميم؛ وكسرها جميعًا؛ وضمهما جميعًا\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ [البقرة: ٦٦]، \"أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من الله\" (٤).\nقال الربيع: \" فحدث عليهم غضب من الله\" (٥).\nوقال الضحاك\"\" استحقوا الغضب من الله\" (٦).\nقال الطبري: أي\" ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط\" (٧).\nقوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١]، أي: \": فعلنا بهم من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم\" (٨).\nقال الصابوني: \"أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، \"أي بسبب كفرهم بآيات الله جحودًا واستكبارًا\" (١٠).\nواختلفوا في نوع (الباء) في ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، على ثلاثة أقوال (١١):\nأحدها: أنها للسببية. والمعنى بسبب كفرهم.\nوالثاني: أنها بمعنى (اللام) والمعنى: لأنهم. قاله المهدوي (١٢).\nوالثالث: أنها بمعنى (من أجل). والمعنى: \"من أجل أنهم كانوا يكفرون\". قاله الطبري (١٣). واحتج بقول أعشى بني ثعلبة (١٤):\nمليكيةٌ جَاوَرَتْ بالحجا ... قوما عداة وأرضا شطيرا\nبما قد تَرَبَّع روض القطا ... وروض التناضِب حتى تصيرا\nيعني بذلك: جاورت بهذا المكان، هذه المرأة، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله، لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده، من تربعها روض القطا وروض التناضب (١٥).\n_________\n(١) انظر: الزاهر: ١/ ٢٢٤، وتهذيب اللغة\" (سكن) ٢/ ١٧٢٣ - ١٧٢٥، و\"الصحاح\" (سكن) ٥/ ٢١٣٧، و\"اللسان\" (سكن) ٤/ ٢٠٥٤ - ٢٠٥٧، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٩٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٩٢): ص ٢/ ١٣٨.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٩٣): ص ٢/ ١٣٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ١٣٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٣٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(١١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٥.\n(١٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٩.\n(١٤) ديوانه: ٦٧. مليكية، منسوبة إلى \" المليك \": وهو الملك، يعني من نبات الملوك. العداة، جمع عاد، وهو العدو. الشطير: البعيد، والغريب، أراد أنها في أرض مجهولة. وذكره الأرض في هذا البيت. يعني أنها نزلت ديار قوم نشبت العداوة بيننا وبينهم، في غربة بعيدة. فصرت لا أقدر عليها.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٩.","vol":"2","page":340},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، أي: \"وقتلهم رسل الله ظلمًا وعدوانًا\" (١).\nقال الطبري: يعني: \" أنهم كانوا يقتلون رسل الله، بغير إذن الله لهم بقتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، وجهان (٣):\nأحدهما: أن الله ﷿؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره، وليس ذلك بخذلان لهم، كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته.\nوالثاني: وهو قول الحسن، أن الله ﷿، ما أمر نبيًّا بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ، وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء.\nو(الأنبياء) جمعُ (نبيٍّ) وقد جاء في جمع (نبيٍّ): (نُبَّاء) (٤)، قال العباس ابن مرداس السُّلمي، يمدح النبيَّ (ﷺ) (٥):\nيَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا\nفقال: (يا خاتم النبآء)، على أن واحدهم: (نبيء)، مهموز. وقد قال بعضهم (٦): النبي والنبوة، غير مهموز، لأنهما مأخوذان من: النَّبْوَة، وهي مثل: النَّجْوَة، وهو المكان المرتفع (٧).\nوفيما أُخذ منه اسمُ (النبيِّ)، ثلاثة أقاويل (٨):\nأحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦].\nوالثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي (٩):\nلما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها ... مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل\nفَسُمِّيَ رسُول اللهﷺ- نبيًّا، لأنه الطريق إليه.\nوالثالث: أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة.\nواختلفت القراءة في قوله ﷿: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، على وجهين (١٠):\nالأول: القراءَة المجمع عليها في النبيين والأنبياءِ والبرِئة طرح لهمزة.\nوالثاني: وجماعة من أهل المدينة يهمزون جَمِيعَ ما في القرآن من هذا فيقرأون، ﴿النبيئين﴾.\nقال الزجاج: \" والأجود ترك الهمْزة، لأن الاستعمال يُوجبُ أن ما كان مهموزًا من فعيل فجمعه: فُعَلاء، مثل: ظريف وظرفاء ونبيء ونُبَآءَ\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١]، أي\" المشار إليه ما سبق من كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٢.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣٠.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤١، والنكت والعيون: ١/ ١٣١.\n(٥) من أبيات له في سيرة ابن هشام ٤: ١٠٣ وغيرها. والضمير الفاعل في قول \" هداكا \"، لله ﷾، دل عليه ما في قوله \" إنك مرسل بالخير \"، فإن الله هو الذي أرسله. وهو مضبوط في أكثر الكتب \" كل \" بالرفع، و\" هدى \"، و\" هداكا \" بضم الهاء.\n(٦) كأنه يريد الكسائي، أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٢٠ ..\n(٧) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤١ - ١٤٢.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣١.\n(٩) ديوان: ٤، في قصيدته الجيدة المشهورة، والضمير في \" وردن \" للإبل ذكرها قبل. وروايته \" واستتب بنا \". نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب، ذكره القطامي في كثير من شعره. واستتب الأمر والطريق: استوى واستقام وتبين واطراد وامتد. مسحنفر، صفة للطريق: واسع ممتد ذاهب بين. والسبح: ضرب من البرود أو العباء مخطط، يلبس، أو يستتر به ويفرش. شبه آثار السير عليها بخطوط البرد. وسجلت الريح الأرض فانسحلت: كشطت ما عليها. ووصف الطريق بذلك، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا.\n(١٠) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٤٥.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ١٤٥.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٤.","vol":"2","page":341},{"text":"قال الطبري: أي: \"وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله. ففعلت بهم ما فعلت من ذلك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، أي: \" بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه\" (٢).\nقال الطبري: أي\" من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده\" (٣).\nواختلف في الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ في قوله تعالى ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ [البقرة: ٦١]، على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ الأخير، إلى الشيء الذي أشير إليه بـ ﴿ذلك﴾ الأول، قاله الطبري (٤) والزجّاج (٥) وغيرهما.\nوالثاني: إن الإشارة بـ ﴿ذلِكَ﴾ الأخير، إنما هي إلى \"كفرهم وقتلهم\". وهذا مذهب ابن عطية (٦).\nإذ يقول: \"وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة ﵀ عند ما فسر هذه الآية: \"اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس\" (٧) \" (٨).\nوالثالث: أن المشار إليه، يشمل كل ما سبق. قاله ابن عثيمين (٩).\nوالظاهر أن المشار إليه كل في قوله تعالى ﴿ذلِكَ﴾ الأخير، أنه يشمل كل ما سبق، ومن ضمنه سؤالهم الذي هو أدنى عن الذي هو خير\" (١٠). والله تعالى أعلم.\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، وجهان (١١):\nالأول: أن الاعتداء عام، والمراد: اعتدائهم في كل شيء.\nوالثاني: أن الإعتداء خاص، والمراد: اعتداؤهم في السبت.\nقال الزجاج: \" الاعتداءُ المجاوزةْ في كل شيءٍ، مجاوزة القدر\" (١٢)، \" وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه\" (١٣).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن يغير لهم الله هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير بقولهم: ﴿لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها﴾.\n٢ ومنها: غطرسة بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ ولم يقولوا: \"ادع لن ربنا\"، أو: \"ادع لنا الله\"؛ كأن عندهم. والعياذ بالله. أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولون: ﴿ادع لنا ربك﴾. كما قالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤].\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٢ (بتصرف بسيط).\n(٢) الكشاف: ١/ ١٤٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٢.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٢.\n(٥) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٤٥٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٤٩١.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٦٤٣): ص ٧/ ١١٧. ولفظه هناك: \" اجتنِبُوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِك مَنْ أُهْلك قبلكم من الناس\".\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٤٩١.\n(٩) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٣.\n(١١) أنظر: الكشاف: ١/ ١٤٦.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٥٤٨.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٢.","vol":"2","page":342},{"text":"٣ ومنها: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبه من اليهود؛ ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال.\n٤ ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور.\n٥ ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلًا عن الرديء (١)؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر ﵁ عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه (٢).\n٦ ومن فوائد الآية: حِلّ البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ..﴾ إلى قوله: ﴿اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم﴾ أي من الأصناف المذكورة.\nوهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنه لما قُدِّم للرسول ﷺ قدر فيه بقول فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابه كره أكلها، قال الرسول ﷺ \"كل؛ فإني أناجي من لا تناجي\" (٣)؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراهة النبي ﷺ لها قالوا: حُرّمت؛ قال ﷺ \"إنه ليس بي تحريم ما أحل الله\" (٤)؛ فبين أنه حلال.\n٧ ومن فوائد الآية: جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول؛ لقولهم ﴿مما تنبت الأرض﴾؛ والذي ينبت حقيقة هو الله ﷾.\n٨ ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعًا، أو حسًا؛ مثال ذلك: لو أطعمت جائعًا يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: \"لولا أني أطعمته لهلك\"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛ ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول: \"لولا القراءة عليه لم يبرأ\"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سببًا غير ثابت شرعًا، ولا حسًا، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله ﷿؛ مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقًا، أو خيوطًا لدفع البلاء، أو رفعه. كما زعموا؛ ومثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال له رجل: \"ما شاء الله وشئت\"، فقال له النبي -ﷺ-: \"أجعلتني لله ندًا، بل ما شاء الله وحده\" (٥)، لأنك إذا قلت: \"ما شاء الله وشئت\" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة.\nفإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨]؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحًا؟\nفالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضًا فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغيًا بذلك الدار الآخرة.\nوالخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:\nالصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده.\nالثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقرونًا بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: \"لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت\".\n_________\n(١) راجع البخاري ص ١٨١، كتاب الوكالة، باب ١١: إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود، حديث رقم ٢٣١٢؛ وصحيح مسلم ص ٩٤٥، كتاب المساقاة، باب ١٨؛ بيع الطعام مثلًا بمثل، حديث رقم ٤٠٨٣ [٩٦] ١٥٩٤.\n(٢) انظر ص ١٩٧ الفائدة الخامسة.\n(٣) اخرجه البخاري ص ٦٧، كتاب الأذان، باب ١٦٠: ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، حديث رقم ٨٥٥؛ وأخرجه مسلم ص ٧٦٤، كتاب المساجد، باب ١٧: نهي من أكل ثومًا ...، حديث رقم ١٢٥٣ [٧٣] ٥٦٤.\n(٤) أخرجه مسلم ص ٧٦٤ – ٧٦٥، كتاب المساجد، باب ١٧: نهي من أكل ثومًا ...، حديث رقم ١٢٥٦ [٧٦] ٥٦٥.\n(٥) أخرجه أحمد ١/ ٢١٤، حديث رقم ١٨٣٩؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، راجع فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/ ٢٥٣، باب ٣٣٩: قول الرجلك ما شاء الله وشئت، حديث رقم ٧٨٣؛ وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٤٠، باب ٢٣١: في الرجل يقول: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم ٢٦٢٨٢، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: فالإسناد حسن ١/ ٢١٧، حديث رقم ١٣٩، وقال في صحيح الأدب المفرد: صحيح ص ٢٩٢.","vol":"2","page":343},{"text":"الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي ﷺ في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: \"لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (١) \".\nالرابعة: أن يضيفه إلى الله مقرونًا بالسبب المعلوم بـ\"ثم\"، كقوله: \"لولا الله ثم فلان\"؛ \"وهذه الأربع كلها جائزة\".\nالصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقرونًا بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: \"لولا الله وفلان\nالصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقرونًا بالفاء، مثل: \"لولا الله ففلان\"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع.\nالصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعًا، ولا حسًا، فهذا شرك. كما سبق\n٩ ومن فوائد الآية: توبيخ موسى ﵇ لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾.\n١٠ ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم﴾؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض.\n١١ ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى.\n١٢ ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالًا؛ ويشمل أيضًا فقر المال وهو قلته.\n١٣ ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤]؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين: .\nالأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيرًا من الذين يقاتلون اليهود. أو أكثرهم. لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود.\nوالسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ [آل عمران: ١٥٢].\n١٤ ومن فوائد الآية: إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله ﷾ صفة من صفاته؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجه، ويقفُّ الشعر، ويفقد الإنسان صوابه؛ وهذه العوارض لا تكون في غضب الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ بل هو غضب يليق بالله ﷿ دال على كمال عظمته، وسلطانه؛ وإذا قلنا بهذا، وسلَّمنا أن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله به، ورسوله.\nوفسر أهل التحريف \"غضب الله\" بانتقامه، ولا يثبتونه صفة لله ﷿؛ وفسره آخرون بأنه إرادة الانتقام؛ فمعنى ﴿غضب الله عليهم﴾ عندهم: أراد أن ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد.\n١٥ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل جمعوا بين المعاصي، والعدوان.\n١٦ ومنها: بيان حكمة الله ﷿ حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم﴾، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾؛ وهذا من الحكمة أن يكون للأسباب تأثيرًا في مسبَّباتها بما جعله الله رابطًا بين الأسباب\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٣١٥، كتاب مناقب الأنصارن باب ٤٠: قصة أبي طالب، حديث ٣٨٨٣؛ وأخرجه مسلم ص ٧١٧، كتاب الإيمان، باب ٩٠: شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، حديث رقم ٥١٠ [٣٥٧] ٢٠٩.","vol":"2","page":344},{"text":"والمسبَّبات، ولكن الأسباب قد يكون لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى منها؛ فالنار لم تحرق إبراهيم ﷺ. مع أنها سبب للإحراق. لوجود مانع؛ وهو قول الله تعالى لها: ﴿كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩].\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]\nالتفسير:\nإن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد ﷺ من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد ﷺ خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام.\nقال ابن كثير: \" لما بين الله تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] \" (١).\nوفي سببب نزول الآية: أخرج الواحدي بسند له صحيح عن مجاهد، قال: \"لما قص سلمان على النبي - ﷺ - قصة أصحاب الدير قال: \"هم في النار\" قال سلمان: فأظلمت علي الأرض فنزلت: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ إلى قوله: ﴿يحزنون﴾ قال: فكأنما كشف عني جبل\" (٢). وروي عن ابن مسعود، والسدي (٣)، نحو ذلك (٤).\nواختلف في هذه الآية هل نسخت أم لا؟، فذكروا وجهين:\nأحدهما: أنها منسوخة، روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [الحج: ١٧] الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية (٥). فردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ.\nقال الطبري: \" وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] \" (٦).\nوالثاني: أنها ليست بمنسوخة، وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي ﵇ (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، أي: \" المؤمنون أتباع محمد\" (٨).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨٤.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٢٤، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦، وتفسير الطبري (١١١٣): ص ٢/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١١٢): ص ٢/ ١٥٠ - ١٥٤.\n(٤) أنظر: أسباب النزول: ٢٥، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١١٤): ص ٢/ ١٥٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ١٥٥.\n(٧) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.","vol":"2","page":345},{"text":"قال الطبري: أي: \" هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به \" (١).\nقال ابن عثيمين: \" يعني أمة محمد –ص-لى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل\" (٢).\nقال البيضاوي: \"يريد به المتدينين بدين محمد ﷺ المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخرطهم في سلك الكفرة\" (٣).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، على ثلاثة أوجه (٤):\nالأول: فالذين آمنوا: هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وقوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وهذا قول الجمهور (٥).\nوالثاني: أن المراد المنافقون، قاله سفيان الثوري (٦)، كأنه قال: الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله مَنْ آمَنَ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان (٧).\nوالثالث: وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا ﷺ، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وَالَّذِينَ هادُوا كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ، إلا من كفر بعيسى ﵇، وَالنَّصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ، وَالصَّابِئِينَ كذلك (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، \"أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى\" (٩).\nوقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (١٠):\nأحدها: أنها من «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل.\nوالثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (١١)، والهائد (١٢): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٣):\nإنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ\nأي: تائب.\nوالثالث: وقال ابن عرفة: ﴿هدنا إليك﴾، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٤.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢.\n(٥) حكاه القرطبي، أنظر: تفسيره: ١/ ٤٣٢.\n(٦) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢.\n(٨) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣، واللسان، مادة: \"هود\".\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.\n(١٢) قيل: (هود): جمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه. (انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٣٥٩).\n(١٣) البيت بلا نسبة في: درج الدرر في تفسير الآي والسور: ١/ ١٨٩، تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٢، ولم أتعرف على قائله.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ١١٠، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الالفاظ: ٤/ ٢٦٤.","vol":"2","page":346},{"text":"والرابع: أنهم نُسِبُوا إلى «يهوذا» بالذال المعجمة، وهو أكبر ولد يعقوب﵊-، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود.\nوالخامس: أنها مشتقة من: هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه.\nوالسادس: أنه من «التهويد»، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (١)، وأنشد قول الراعي النميري (٢):\nوخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ\nوالسابع: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك.\nوالثامن: أن أصلها من: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٣).\nوفي أصل الألف في كلمة: «هادوا»، وجهان (٤):\nأحدهما: أنه من «واو»، والأصل: «هاد يهود» أي: تاب.\nالثاني: أنها من «ياء»، والأصل: «هاد يهيد»، أي: تحرك.\nوقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة «يهوذا» الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٥).\nوقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: \" أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفارًا من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد\" (٦).\nولهذا فإن لفظ «اليهود»: هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة \"عبرانيين\" (٧) و\"بني إسرائيل\" (٨) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٧.\n(٢) انظر: تهذيب اللغة، باب ا\"الهاء والدال\"، و\"خوط\"، ومقاييس اللغة، مادة\"ردف\"، وأساس البلاغة، باب\"ردف\"، والعباب الزاخر، \"ردف\"، واللسان، مادة\"ردف\"، وتاج العروس، مادة\"وخد\"، \"هود\"، \"ردف\"، وغريب الحديث للقاسم بن سلام: ٤/ ٢٨٧، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، وواللباب: ٦٣ ..\n(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣.\n(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣١ - ١٣٢.\n(٥) انظر: مفصل العرب واليهود في التاريخ: ٩٢٥.\n(٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩١).\n(٧) اختلفت الآراء في سبب تسميتهم بـ\"العبريين\" أو \"العبرانيين\"، قيل: إنهم سموا بذلك نسبة إلى إبراهيم ﵊ نفسه، فقد ذكر في سفر التكوين باسم: \"إبراهيم العبراني\"، لأنه عبر نهر الفرات وأنهارًا أخرى، وقيل إنهم: سموا بالعبرانيين نسبة إلى \"عِبْر \"، وهو الجد الخامس لإبراهيم ﵊، والرأي الثالث يقول: إن سبب التسمية يرجع إلى الموطن الأصلي لبني إسرائيل، ذلك أنهم في الأصل كانوا من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها للبحث عن الماء والمرعى.، وغالب المؤرخين أجمعوا على أن التسمية ناتجة عن عبور إبراهيم ﵊ نهر الفرات، ويؤكد هذا الرأي ما جاء في سفر يسوع: \"وهكذا قال الرب إله إسرائيل في عبر النهر سكن آباؤكم منذ الدهر \".\nويرى البعض أن هذه اللفظة لم تظهر إلا بعد اجتياز إبراهيم نهر الفرات\"، فضلا ً عن أن الأخذ بهذا الرأي أقرب إلى الصحة والصواب من الآراء الأخرى\nوقيل: لفظ \"العبري\" أطلق تاريخيًا على شراذم من الغجر الرحل كانوا يعيثون في الأرض فسادا، ويتبعون الجيوش الغازية، بوصفهم مرتزقة يستعان بهم في الأعمال الدنية، ووصفهم إبراهيم بأنه \"عبري\" غير صحيح، إلا إذا أخذنا من لفظ عبري معنى: الترحال والتنقل، وقد ألصق اليهود بإبراهيم وصف \"العبري\" ليصلوا إلى وصف لغتهم بأنها \"العبرية\" قديمة ترجع إلى زمن إبراهيم ﵊، وهذا كلام باطل لأن اللغة العبرية جاءت متأخرة جدًا عن زمن إبراهيم، وهي لهجة آرامية عربية، ظهرت بعد عصر موسى بحوالي ست مئة سنة ولأن التوراة نزلت باللغة الهيروغلوفية، حيث تخاطب قوما في مصر أو أخرجوا من مصر.\nوأرى أن الذي ذكره هو الصواب؛ فاللغة العبرية لغة متأخرة جدًا عن زمن الخليل إبراهيم ﵊. (انظر: العرب واليهود في التاريخ: الأستاذ شراب: ٣٦).\n(٨) تم إطلاق مصطلح إسرائيليين على شتات اليهود القادمين إلى فلسطين بعد إعلان اليهود قيام دولة أسموها \"إسرائيل\" في ٥١ مايو ٨٤٩١ م؛ فأصبح كل من يعيش على أرض فلسطين من اليهود يأخذ مُسَمى \"إسرائيلي\"، وجنسية \"إسرائيلية\"، ومجموع شتاتهم على أرض فلسطين المغتصبة \"إسرائيليين\"! !\nوشاعت تلك التسميات على ألسن الناس عمومًا وفي بلاد المسلمين أيضًا، حيث أطلق على الكيان اليهودي والصهيوني \"إسرائيل\" واليهودي \"بالإسرائيلي\"، وشاع مصطلح \"إسرائيليون\" على اليهود الذين أتوا إلى فلسطين غزاة ...\nوإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من \"إسرا\" بمعنى: عبد، ومن \"إيل\" وهو الله، فيكون معنى الكلمة: عبد الله، وإسرائيل اسم لنبي الله يعقوب ﵊، وجاء في تسمية بني إسرائيل بهذا الاسم نسبة إلى أبيهم يعقوب ﵊، ويهود اليوم التصقوا بهذا الاسم، ليلبسوا على العامة بأنهم من نسل \"إسرائيل\" يعقوب عليه الصلاة السلام، ولإثبات عدم اختلاطهم بالشعوب الأخرى ليتحقق لهم الزعم بنقاء الجنس اليهودي، وأن يهود اليوم هم النسل المباشر ليهود التوراة، وذلك لتبرير العودة إلى أرض الميعاد! !\nلذا فهذه التسمية منكرة، لما شاع على الألسن القول في سياق الذم فعلت إسرائيل كذا، وستفعل كذا؛ وإسرائيل هو رسول كريم من رسل الله تعالى، وهو \"يعقوب\" ﵊، وهو بريء من الكيان اليهودي الخبيث الماكر، إذ لا توارث بين الأنبياء والرسل وبين أعدائهم من الكافرين.","vol":"2","page":347},{"text":"اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة «يهود» أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم.\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]، وجهان من القراءة (١):\nأحدهما: ﴿هَادُوا﴾، بضم الدال. قرأ بها الجمهور.\nوالثاني: ﴿هَادَوا﴾ - بفتح الدال، من المهاداة، قرأ بها أبو السماك العدوي.\nقوله تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢]، \"أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى\" (٢).\nقال الثعلبي: \" الذين كانوا على دين عيسى ﵇ ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك\" (٣).\nو﴿النَّصَارَى﴾ جمع اختلف في مفرده على قولين (٤):\nالأول: واحده (نصراني)، وقيل: (نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (٥).\nوقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٦):\n_________\n(١) أنظر: انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢، والبحر المحيط: ١/ ٢٠٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٩.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣.\n(٥) أنظر: الكتاب: ٣/ ٢٥٦.\n(٦) لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنباري: ١٥٥، ورواه: \" تراه ويضحى وهو. . \" ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبري، وفيهما \" إذا دار العشى \" وأخطأ القرطبي (تفسيره ١: ٣٦٩) فقال: و\" أنشد سيبويه \" وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره. (تراه إذا دار العشا متحنفا)\nوالبيت في صفة الحرباء. و\" محنفا \": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: \" لديه \"، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: \" شامس \"، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر","vol":"2","page":348},{"text":"تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس\nوالأنثى (نصرانة)، قال الأخزر الحماني (١):\nفَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ\nوالثاني: واحده نصْرِي. قاله الخليل بن أحمد (٢).\nقال الماوردي: \"والأول أظهر\" (٣).\nوفي سبب تسميتهم بـ (النصارى)، ثلاثة أقوال (٤):\nأحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة)، كان ينزلها عيسى ﵇، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، وابن جريج (٧).\nوالثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر (٨):\nلمَّا رأيتُ نَبَطًا أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا\nكُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا\nوالثالث: أنهم سُمُّوا بذلك، لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى الله﴾ [الصف: ١٤] (٩).\nولفظة (النصرانية) و(نصارى) التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاط المعربة، يرى بعضى المستشرقين أنّها من أصل سرباني هو: (نصرويو) Nosroyo، (نصرايا) Nasraya (١٠)، ويرى بعضٌ آخر أنّها من Nazerenes التّسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتّبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في (أعمال الرسل) حكاية على لسان يهود (١١)، وبرى بعض المؤرخين أن لها صلةً (بالناصرة) التي كان منها (يسوع) حيث يُقال: (يسوع الناصري) أو أنّ لها صلة ب (الناصريين) Nasarenes = Nazarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتّبع ديانة المسيح (النصارى)، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علمًا لديانة المسيح عند المسلمين.\n_________\n(١) البيت من شواهد سيبويه (٤١١): ص ٣/ ٢٥٦، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص ١٧٨، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٨، \"الزاهر\" ١/ ١٤١، ٢/ ٢٢٥، \"الإنصاف\" ص ٣٥٧، \"المخصص\" ١٧/ ٤٤، \"تهذيب اللغة\" (نصر) ٤/ ٣٥٨٤، \"اللسان\" (نصر) ٥/ ٢١١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٣٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٨، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٦، \"فتح القدير\" ١/ ١٤٨، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا:\nفلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها\nفضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ١٣٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، والنكت والعيون: ١/ ١٣٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٦): ص ٢/ ١٤٥.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٧)، و(١٠٩٨): ص ٢/ ١٤٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٥): ص ٢/ ١٤٥.\n(٨) لم أعرف صاحب الرجز. والأبيات، في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤ أمالي ابن الشجرى ١/ ٧٩، ٣٧١. أنشده شاهدا على حذف واو العطف: أي \" وكنت لهم من النصارى جارا \"، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي \" فكنت لهم. . \". والبيت من شواهد الطبري: ٢/ ١٤٤.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٥.\n(١٠) غرائب اللغة (ص ٢٠٧)، Ency.، III، p. ٨٤٨.\n(١١) أعمال الرسل: الإصحاح ٢٤، الآية ٥ «فإننا إذْ وجدنا هذا الرجل مفسدًا ومهيج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة ومقدام شيعة الناصريين»، Ency. Relig. Ethic.، III، p. ٥٧٤.","vol":"2","page":349},{"text":"ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلًا، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نُسب اليها المسيح (١)، وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يُقال لها (نصران)، فقبل نصراني وجمعه نصارى (٢)، وذُكر أن (النصرانة) هي مؤنث النصراني (٣).\nوقد وردت هذه التسمية في الشعر الجاهلي، فقد ذُكر ان أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت (٤):\nأيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له ودًا وقربانا\nوذكر أنّ شاعرًا جاهليًا ذكر النصارى في شعر له، هو (٥):\nاليكَ تعدو قلقا وضينها معترضًا في بطنها جنينها\nمخالفًا دين النصارى دينها\nوذُكر أنّ جابر بن حُنىّ قال (٦):\nوقد زعمت بهراء أنّ رماحنا رماح نصارى لا تخوض إلى دم\nوأنّ حاتمًا الطّائي قال في شعر له (٧):\nومازلت أسعى بين نابٍ ودارة ... بلحيانَ حتى خفت أن أتنصرا\nوأنّ (طخيم بن أبي الطخماء) قال في شعر له في مدح بني تميم (٨):\nوإنّي وإنْ كانوا نصارى أحبهّم ويرتاح قلبى نحوهم ويُتَوَّق\nوأنّ حسان بن ثابت قال (٩):\nفرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد\nغير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إنْ صح أنها لشعراء جاهليين حقًا، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات.\nوالذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون (تلاميذ) Disciples، و(تلاميذ المسيح)، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم (١٠) وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد (تلاميذ يوحنا) وقصدوا بذلك النصارى (١١)، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم.\nكذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب (الاخوة) وب (الاخوة في الله) Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب (الأخ) للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين (١٢)، ثم تخصصت كلمة (الأخ) برجل الدين (١٣)، ودعوا أنفسهم (القديسين) Saints (١٤)\n_________\n(١) اللسان (٧/ ٦٨)، تاج العروس (٣/ ٥٦٨)، (نصر).\n(٢) المفردات، للأصفهاني (ص ٥١٤).\n(٣) ومنه قول الشاعر:\nفكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما أسجدت نصرانة لم تحنف\nاللسان (٧/ ٦٨)، (نصر)، «والنصرانية واحدة النصارى»، تاج العروس (٣/ ٥٦٩)، (نصر).\n(٤) النصرآنية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (ص ١٨٧).\n(٥) البيت من شواهد اللسان (قلق)، (ودن)، (وضن)، وتاج العروس (قلق)، (وضن)، وهو بلا نسبة فيهما. والوضين: حزام الناقة.\n(٦) النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (ص ١٧١، ٢٢٥)، شعراء النصرانية (١٩٠)، المشرق، السنة السابعة ١٩٠٤، (٦٢٠ وما بعدها).\n(٧) الأغاني (١٦/ ١٠٤)، النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (١٧١، ٢٢٥).\n(٨) المشرق، السنة السابعة: ١٩٠٤ (٦٢٠ وما بعدها).\n(٩) ديوان حسان: ٢٤.\n(١٠) Hastings، p. ١٩٢.\n(١١) إنجيل مرقس: الإصحاح الثاني، الآية ١٨.\n(١٢) Hastings، p. ١٠٤.\n(١٣) أعمال الرسل، الإصحاح الأول، الآية ١٥ وما بعدها، Ency. Reli. Ethic.، ٣، p. ٥٧٣.\n(١٤) رسالة بولس الرسول، الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس، الإصحاح الأول، الآية الأولى ما بعدها.","vol":"2","page":350},{"text":"والمؤمنين (١) والمختارين الأصفياء والمدعوّين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها.\nوقد كنى عن مجتمع النصارى ب (الكنيسة) Ecclesia وتعني (المجمع) في الإغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب (الفقراء) وب (الأصدقاء) (٢).\nوقد عرف النصارى ب Christians نسبةً إلى Christos اليونانية التي تعني (المسيح) Messiah، أيْ المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعُرفوا بها، تمييزًا لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (٣).\nأما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق (نصارى) و(نصراني) و(نصرانية) على النصارى تمييزًا لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح (عيسوي) و(مسيحي)، فلم يُعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى (٤)، وقد قصد في القرآن الكريم ب (أهل الإنجيل) (٥) النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات (٦).\nوأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه، ورد أنّ الرسول ﷺ- قال لراهبيْن أتياه من نجران، فقال لهما رسول الله ﷺ: \"أسلما تسلما، فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال النبي ﷺ: كذبتما منعكما من الإسلام ثلاث، سجودكما للصليب، وقولكما: إتخذ الله ولدًا، وشربكما الخمر، فقالا: فما تقول في عيسى؟، قال: فسكت النبي ﷺ ونزل القرآن ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إلى قوله: أبناءنا وأبناءكم قال: فدعاهما رسول الله ﷺ إلى الملاعنة قال: وجاء بالحسن والحسين وفاطمة أهله وولده، قال: فلما خرجا من عنده، قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، قال: فرجعا، فقالا: نقر بالجزية ولا نلاعنك، قال: فإقرأ بالجزية\" (٧).\nوقد روي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: \"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ\"، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ\"\" (٨).\nوورد في شعر ذي الرّمة (٩):\nولكنَّ أصل امرىء القيس معشرٌ ... يحل لهم أكل الخنازير والخمر\nيريد أنّهم نصارى في الأصل، فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر (١٠).\nوفد أقسم النصارى بالصليب. هذا (عدي بن زيد) يحلف به في شعر ينسب اليه، فيقول (١١):\n_________\n(١) أعمال الرسل: الإصحاح الخامس، الآية ١٤، رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، الإصحاح الأول، الآية الأولى وما بعدها.\n(٢) Ency. Reli. Ethic.، ٣، p. ٥٧٤.\n(٣) أعمال الرسل: الإصحاح الحادي عشر: الآية ٢٦، الإصحاح ٢٦، الآية ٢٨، رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس: الإصحاح الرابع، الآية ١٦، Hastings، p. ١٢٧.\n(٤) Hughes، Dictionary of Islam، p. ٤٣١.\n(٥) المائدة، الآية ٤٧.\n(٦) النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٣٦)، المعرب، للجوالقي (٢٣).\n(٧) أحمد بن حنبل - فضائل الصحابة - فضائل الحسن والحسين ١٣٣٢، وانظر: البلاذري (٧١).\n(٨) سنن الترمذي ت شاكر ٥/ ٢٧٨، وانظر: اللسان (١٣/ ٤٤٣)، (وثن)، السيوطي، الدرر المنثور (١٠/ ٧٥).\n(٩) النصرانية وآادابها بين عرب الجاهلية: ٥٧.\n(١٠) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي: ٤٠١٠.\n(١١) الأغاني: ٢/ ٢٤، وانظر: شيخو، شعراء النصرانية (٤٥١).","vol":"2","page":351},{"text":"سَعى الأَعداءُ لا يَألونَ شَرًّا ... عَلَيكَ وَرَبِّ مَكَّةَ وَالصَليبِ\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]، أي: \"والصابئين-وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-\" (١).\nقال البيضاوي: \" قوم بين النصارى والمجوس\" (٢).\nقال النسفي: أي\"الخارجين من دين مشهور إلى غيره، من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿الصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فيه قراءتان (٤):\nأحدهما: ﴿الصَّابِينَ﴾ و﴿والصّابون﴾، بترك الهمزة، قرأ بها أهل المدينة في جميع القرآن.\nوالثاني: وقرأ الباقون: ﴿الصَّابِئِينَ﴾ و﴿والصَّابِئُونَ﴾، بالهمزة وهو الأصل.\nقال الثعلبي: يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين\" (٥).\nوقد اختلف العلماء في ﴿الصَّابِئِينَ﴾، ولعل من أسباب الاختلاف حول حقيقة الصابئة مايلي:\n١ - ورود التعاليم الصابئية باللغة الآرامية؛ مما أدى إلى اقتصار جماعة محدودة من رجال الدين والمهتمين بأمره على فهم التعاليم الصابئية، بينما ظلت هذه التعاليم بالنسبة للآخرين – بما في ذلك اتباع الطائفة – رهن السماع والملاحظة، وهما لايغنيان شيئًا عن قراءة النصوص قراءة مباشرة (٦).\n٢ - انطواء الصابئين على أنفسهم، وعدم مخالطتهم بغيرهم، وكتمان عقيدتهم، وانغلاقهم عليها، لأنهم لايرون أن دينهم تبشيريًا يقومون بالدعوة إليه والتعريف به، بل على عكس ذلك (٧).\n٣ - اصطناع التقية حيث يبدون تعاطفًا مع أتباع جميع الملل والنحل معتمدين على أوجه التشابه بينهم وبين أتباع هذه الملل والنحل، مما جعل من الصعب كشف الستار عن بواطن معتقداتهم وشعائرهم (٨).\n٤ - كثرة الملل والأهواء والنحل التي ظهرت في العصر العباسي الذي يعد العهد الذهبي للتأليف والترجمة؛ مما سبب صعوبة في التمييز بين تلك الملل والنحل بشكل كبير، ساعد على ذلك انتحال فئات أخرى من غير الصابئين اسمهم والتشبه بهم (٩).\nكما اختلف العلماء في أصل كلمة (صابئة) مما أدى إلى اختلافهم في المراد من ذلك، ويمكن إجمال أقوالهم فيما يلي:\nالقول الأول (بالهمز): إن الكلمة عربية تفيد معنى الخروج والتحول والانتقال من دين إلى آخر، مأخوذة من قول العرب: صبأ ناب البعير إذا طلع حده وخرج، وتصبأ النجوم أي تخرج من مطالعها، والصابيء: المستحدث سوى دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى دين آخر، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وجمع الصابيء: صابئون، وصُبَّاء، وصابئة، صَبَأة، ويعرفون في العراق باسم الصُبَّة.\nوالفعل (صبأ) يأتي على فَعَلَ، كـ (منع)، ويأتي على وزن فَعُلَ، كـ (كَرُمَ).\nوتقول: صبأ يصبأ، وصَبُؤَ، كلاهما يدل على الخروج والبروز، وهذا القول عليه جمهور أهل اللغة (١٠).\nالقول الثاني (بغير الهمز): إن الكلمة عربية تفيد معنى الميل والنزع، تقول أصبا إلى الشيء يصبو إذا مال قلبه إليه، ونزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، وقد يقال صبا الرجل إذا عشق وهوى.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٣٢٩.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٤.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٩٥.\n(٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٨.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٩.\n(٦) الصابئون، د. عبدالله سمك، ص ٤.\n(٧) انظر: الصابئة، د. علي محمد عبدالوهاب، ص ١٧. وانظر الصابئون في حاضرهم وماضيهم، ص ٤.\n(٨) انظر: الصبئون المندائؤون، الليدي دراوور، ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي، ص ٤٧، وانظر الصابئون،، ص ٥.\n(٩) الصابئون، ص ٥.\n(١٠) انظر: لسان العرب، مادة \"صبأ\"، ١/ ١٠٧ - ١٠٨. وانظر معجم مقاييس اللغة، ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢. وانظر القاموس المحيط، ١/ ٢٠ - ٢١","vol":"2","page":352},{"text":"ومن هذا المعنى قوله تعالى عن يوسف – ﵇ – ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين﴾ [يوسف: ٣٣].\nقال بعض العلماء: وسمى القوم بذلك؛ لأنهم مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم ... أو مالوا عن سنن الحق وزاغوا عن نهج الأنبياء (١).\nالقول الثالث: ذهب (جسنيوس) العالم اللغوي الألماني إلى أن الكلمة صابئين مشتقة من (صباؤوث) العبرانية، أي جند السماء دلالة على أنهم يعبدون الكواكب. وذهب نولدكي إلى أنها مشتقة من صب الماء إشارة إلى اعتمادهم بالماء لأنهم يعتمدون كالنصارى، وقال غيره أن الديانة المسيحية اتصلت ببقية الكلدانيين فنشأ منهم مسيحيو \" مار يوحنا) في البصرة وهم الصابئون (٢).\nالقول الرابع: إن الكلمة لاتفيد معنى خاصًا وإنما هي منسوبة إلى أحد الأشخاص يسمى صبائًا، واختلف أصحاب هذا القول في تحديد هذا الشخص بين اثنين:\nأ- صابيء متوشلخ (متوشالح) حفيد النبي إدريس – ﵊ –.\nب- صابيء بن ماري، الذي ظهر في زمن الخليل ﵇ (٣).\nوقد أنكر هذا القول المسعودي، ونسب هذه التسمية لرجل في الهند ظهر زمن الملك (طمهوث بن نويجهان) ودعى الناس إلى عبادة الكواكب لأنها المتصرفة في الكون.\nهذه هي بعض الأقوال التي تحدثت عن أصل اشتقاق كلمة (الصابئة) ولعلنا نلحظ أن الأقوال السابقة بينها ترابط، وذلك من خلال أن الشخص الذي صبأ وخرج عن دينه إلى دين آخر، هو في الحقيقة لم يصنع ذلك إلا لما مال قلبه إلى ذلكم الدين الجديد، ثم اغتسل بالماء إعلانًا منه الخروج عن الدين الأول، وتمسكه بأبرز سماة الدين الجديد ألا وهو عبادة الكواكب.\nوقد قص الله علينا في كتابه قصص السابقين، وأديان الأمم الماضية، ومما أشار إليه القرآن في هذا الشأن ذكر الصابئين، وقد ذكرهم الله تعالى في ثلاث مواضع من كتابه العزيز وهي على النحو التالي:\nالموضع الأول: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].\nالموضع الثاني: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩].\nالموضع الثالث: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].\nوقد اختلفت عبارات المفسرون في تفسير معنى (الصابئة) على أقوال:\nالأول: أنهم قوم بين المجوس واليهود والنصارى، وليس لهم دين. قاله مجاهد (٤)، وعطاء (٥).\nوالثاني: أنهم منزلة بين اليهود والنصارى. قاله سعيد بن جبير (٦).\nوالثالث: قبيلة بين المجوس واليهود، ولاتؤكل ذبائحهم ولاتنكح نساؤهم. قاله الحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وابن أبي نجيح (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي، ١/ ٤٧٣. وانظر تفسير البغوي، ١/ ٩٤.\n(٢) انظر: الصابئون في حاضرهم وماضيهم، السيد الحسني، ص ٢١، وموسوعة كنوز المعرفة، إشراف د/ إميل يعقوب، ط (الأولى)، بيروت: دار نظير عبود، ١٩٩٨ م، ١/ ١٥٨، ودائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، ط (الثالثة)، بيروت: دار المعرفة، ١٩٧١ م، ٥/ ٤٢٦.\n(٣) انظر: تاريخ الطبري، ١/ ١٧٤.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨): ص ١/ ١٢٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٦): ص ٢/ ١٤٦.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٧): ص ١/ ١٢٧.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٣): ص ٢/ ١٤٦.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٢): ص ٢/ ١٤٦.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٤): ص ٢/ ١٤٦.","vol":"2","page":353},{"text":"والرابع: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قاله أبو العالية (١) والسدي، والربيع بن أنس، وأبو الشعشاء جابر بن زيد، والضحاك، وإسحاق بن راهويه (٢).\nوالخامس: أنهم أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله، ولم يؤمنوا برسول الله. قاله ابن زيد (٣).\nوالسادس: هم الذين لم تبلغهم دعوة نبي. ذكره ابن كثير (٤).\nوالسابع: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة. قاله قتادة (٥)، وزياد بن أبيه (٦)، وأبو جعفر الرازي (٧).\nوالثامين: أنهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السدي (٨).\nقال ابن كثير: \"وأظهر الأقوال – والله أعلم – قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين وإنما هم باقون على فطرتهم، ولادين مقرر يتبعونه ويقتضونه\" (٩).\nنستنتج مما سبق، بأن الصابئة أحد أمرين:\nإما أن تكون فرقة واحدة لكن بعضهم انخرط مع المجوسية والبعض مع أهل الكتاب والبعض اعتزل جميع الأديان.\nوإما أن تكون فرقة الصابئة، عبارة عن فرق متعددة ومذاهب متفرقة، كل فرقة لها طابع خاص تستقل به عن الفرقة الأخرى، فالجامع بينهم جميعًا المسمى – فقط – أما الحقيقة ففيه اختلاف فيما بينهم.\nيقول ابن القيم – ﵀ –: \" وقد اختلف الناس فيهم اختلافًا كثيرًا، بحسب ماوصل إليهم من معرفة دينهم، وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ... الآية﴾ [البقرة: ٦٢].\nفذكرهم – جل وعلا – في الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منها إلى ناج وهالك كما في قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ [الحج: ١٧]، فذكر الأمتين اللتين لاكتاب لهم، ولاينقسمون إلى شقي وسعيد وهما: المجوس والمشركون، ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة، وذكر الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقي والسعيد\" (١٠).\nوقد اختلف موقف العلماء في الصائبة، قال ابن القيم: \"لقد اختلف الناس فيهم اختلافًا كثيرًا، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم:\nفقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية، ثم اختلف أصحابه – وكذلك اختلف الأحناف والمالكية والحنابلة –\" (١١).\nويقول ابن القيم – ﵀ –: \"وبالجملة فالصابئة أحسن حالًا من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم دينًا ومذهبًا، ولايتمسكون\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٩): ص ١/ ١٢٧، وتفسير الطبري (١١١٠): ص ٢/ ١٤٧.\n(٢) انظر تفسير الطبري، ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣. وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٢٧، وتفسير القرطبي، ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٧): ص ٢/ ١٤٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٠٤.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٩): ص ٢/ ١٤٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٨): ص ٢/ ١٤٧. زياد بن أبيه: هو والى العراق في زمن معاوية ﵁.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٧، وزاد: \"أنهم ويقرءون الزبور\".\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١١١): ص ٢/ ١٤٧.\n(٩) تفسير ابن كثير، ١/ ١٠٤.\n(١٠) انظر: إغاثة اللهفان، ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠.\n(١١) أحكام أهل الذمة، ابن القيم الجوزية، تحقيق يوسف البكر وشاكر العاروري، ط (الأولى)، بيروت: دار ابن حزم، ١٤١٨ هـ، ص ٢٣١ وما بعدها.","vol":"2","page":354},{"text":"بكتاب ولاينتمون إلى ملة ولايثبت لهم كتاب ولاشبهة كتاب أصلًا ... وكل ماعليه المجوس من الشرك فشر الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢]، \"أي من آمن من هذه الطوائف إِيمانًا صادقًا فصدَّق بالله، وأيقن بالآخرة\" (٢).\nقال النسفي: \" من هؤلاء الكفرة إيمانًا خالصًا\" (٣).\nقال البيضاوي: أي\" من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ. مصدقًا بقلبه بالمبدأ والمعاد\" (٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن ابن عباس: قوله: ﴿من آمن بالله﴾، يعني: من وحد الله\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢]، \" أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" عاملًا بمقتضى شرعه\" (٧).\nقال أبو حيان: \" هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد ﷺ\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢]، \" أي لهم ثوابهم عند الله\" (٩).\nقال قتادة: \" أجر كبير لحسناتهم، وهي الجنة\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" وسمى الله تعالى \"الثواب\" أجرًا؛ لأنه ﷾ التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير؛ ﴿عند ربهم﴾: أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفًا، وتكريمًا، وإظهارًا للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله ﷿، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢]، \"أي: ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" فيما قدّموا\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" حين يخاف الكفار من العقاب\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \"ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة\" (١٥).\nوقرأ الجمهور: ﴿وَلا خَوْفٌ﴾، بالرفع والتنوين. وقرأ الحسن: ﴿ولا خوف﴾، من غير تنوين (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، ولا يحزنون \"على ما مضى من الدنيا\" (١٧).\nقال الثعلبي: \" على ما خلّفوا\" (١٨).\nقال البيضاوي: حين \"يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب\" (١٩).\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ٢٤٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٥.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٩٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٦٤٦): ص ١/ ١٢٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٥.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٢٠٥.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٨): ص ١/ ١٢٩.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٢.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٥.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٠.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.\n(١٥) تفسير الطبري: ٢/ ١٥٠.\n(١٦) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٠٥.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٣.\n(١٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٠.\n(١٩) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.","vol":"2","page":355},{"text":"قال الطبري: \" ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٤. ٥٦]: هذا تحزُّن، وتحسُّر\" (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن الله ﷾ لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان.\n٢ ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر. وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى.\n٣ ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر. وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجرًا.\n٤ ومنها: عظم أجر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾.\n٥ ومنها: أنه إذا ذكر الثناء بالشر على طائفة، وكان منهم أهل خير فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون قدحًا عامًا؛ لأنه تعالى بعدما قال: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ [البقرة: ٦١] بيَّن أن منهم من آمن بالله تعالى واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣]\nالتفسير:\nواذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله وإفراده بالعبادة، ورفعنا جبل الطور فوقكم، وقلنا لكم: خذوا الكتاب الذي أعطيناكم بجدٍ واجتهاد واحفظوه، وإلا أطبقنا عليكم الجبل، ولا تنسوا التوراة قولا وعملا كي تتقوني وتخافوا عقابي.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣]، أي: \" اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم\" (٣).\nقال البغوي: أي\" عهدكم يا معشر اليهود\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة\" (٥).\nقال المراغي: \" أي واذكروا يا بنى إسرائيل رفت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة وقبولهم ذلك\" (٦).\nقال السعدي: \" وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم\" (٧).\nقال النسفي: \" بقبول ما في التوراة\" (٨).\nقال البيضاوي: \" باتباع موسى والعمل بالتوراة\" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٥٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٤.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ١٠٣.\n(٥) محاسن التأويل: ١/ ٣٢١.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٣٧.\n(٧) تفسير السعدي: ٥٤.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٦٨.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.","vol":"2","page":356},{"text":"قال أبو العالية: \" أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره\" (١).\nوفي سبب أخذ ميثاقهم يقول أخرج الطبري بسنده عن ابن زيد: \" لما رجع موسى من عند ربه بالألواح. قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا! قال: خذوا هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق، وقرأ قول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥]، قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة، لأخذوه بغير ميثاق\" (٢).\nقال المفسرون: \"إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم، لأن في هذه الحالة قيل لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد - ﷺ -\" (٣).\nقال الواحدي: \" وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان: الأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد - ﷺ -\" (٤).\nوقد ذكر الزجاج قولين فيه (٥):\nالأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه.\nودليله قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]، ثم قال من بعد تمامْ الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فهذه الآية كالآية التي في البقرة.\nوالثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم.\nودليله قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].\nقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أي: ورفعناه فوق رؤوسكم (٦).\nقال النسفي: \" أي: الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق\" (٧).\nقال القاسمي: \" ترهيبا لكم لتقبلوا الميثاق\" (٨).\nقال مجاهد: \"رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا \" (٩). وروي عن عطاء مثل ذلك (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٩): ص ١/ ١٢٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١١١٥): ص ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٠.\n(٤) التفسير البسيط: ٢/ ٦٢٨، ذكره أبو الليث عن ابن عباس: ١/ ٣٧٦. وذكر ابن جرير أن المراد به الميثاق الذي أخذه منهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥]، وأخرجه بسنده عن ابن زيد. كما سبق، أنظر: تفسيره (١١١٥): الطبري ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(٥) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٤٧.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٤.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٦٨.\n(٨) محاسن التأويل: ١/ ٣٢١.\n(٩) أخرجه الطبري (١١١٦): ص ٢/ ١٥٨.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٥٣): ص ١/ ١٢٩.","vol":"2","page":357},{"text":"قال مسلم البطين: \" رفعته الملائكة\" (١).\nقال الصابوني: \" أي: نتفناه حتى أصبح كالظلة فوقكم\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: جئناكم بآية عظيمة، وهي أن الطور -وهو الجبلُ- رُفع فوقَهم حتى أظلهم وظنوا أنه واقع بهم، فأخبر اللَّه بعظم الآية التي أروها بعد أخذ الميثاق\" (٣).\nوذكر أهل التفسير في ﴿الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أقاويل (٤):\nأحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:\nالأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (٥).\nوقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، قال: \" وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى ﵇ عنده نكليما\" (٦).\nوالثاني: إنه جبل بالشام (٧)، قال ذو الرمة (٨):\nأَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ\nقوله (طوريون)، أي: \"وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام\" (٩).\nوالثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (١٠)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (١١).\nوالرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (١٢)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٣)، وعطاء (١٤)، وعكرمة (١٥) والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وأبي صخر، ومجاهد (١٦)، وابن زيد (١٧).\nواختلف في الأصل اللغوي لكملة (الطور)، على وجهين:\nالأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٨):\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٠): ص ١/ ١٢٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٤٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٥٧ - ١٥٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٧،والنكت والعيون: ١/ ١٣٤.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٢٢٤): ص ٢/ ١٥٩.\n(٦) معاني القرآن: ٣/ ٩١.\n(٧) أنظر: تفسير البسيط: ٢/ ٦٢٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠، و١٥/ ٥٠٢.\n(٨) ورد البيت في \"التهذيب\" (طور) ٣/ ٢٢٢٩، \"اللسان\" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، و(طور) ٥/ ٢٧١٨، \"الخزانة\" ٧/ ٣٥٥، و\"ديوان ذي الرمة\" ٣/ ١٦٩٨، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).\n(٩) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٠.\n(١٠) هذا قول لم نجده في كتب اللغة في مادته.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١): ص ١/ ١٢٩، وتفسير الطبري (١١٢٥): ص ٢/ ١٥٩.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١١٨): ص ٢/ ١٥٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٢): ص ١/ ١٢٩.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٣): ص ١/ ١٢٩.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٢١): ص ٢/ ١٥٩.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و(١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.\n(١٨) ديوانه: ١٧، ومجاز القرآن: ٢/ ٣٠٠، وغريب الحديث: ١٨٠، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله: \" دانى \" يعود إلى متأخر، وهو \" البازي \" المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله:\nحول ابن غراء حصان إن وتر ... فات، وإن طالب بالوغم اقتدر\nإذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... دانى جناحيه من الطور فمر\nيريد: \" ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر \" فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: \" دانى \" أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: \" تقضى \" أصلها \" تقضض \"، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في \" ظنن \" \" وتظنى \" على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط.","vol":"2","page":358},{"text":"داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر\nوالثاني: أنها كلمة سريانية تعني (الجبل). قاله مجاهد (١)، وابن زيد (٢).\nوالقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء (الطور) بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (٣)، ومنه قول جرير (٤):\nفإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل\nقال القفال ﵀: إنما قال: «ميثاقكم»، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (٥):\nأحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ [غافر: ٦٧] أي كل واحد منكم.\nوالثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، \" أي: اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة، واعملوا به بقوة\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي خذوه بجد واتركوا الريب والشك لما بأن لكم من عظيم الآيات\" (٧).\nقال الفراء: \"يقول: بجدٍّ وبتأدية ما افترض عليكم فِيهِ\" (٨).\nقال ابن كثير: أي\" بقوة وحزم وهمة وامتثال\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: بجد واجتهاد، وصبر على أوامر الله\" (١٠).\nقال الواحدي: أي: \" اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي اعملوا بما في التوراة بجد وعزيمة\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" ﴿خُذُوا﴾ على إرادة القول ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾، من الكتاب، بحدّ وعزيمة\" (١٣).\nقال الطبري: \" ﴿ما آتيناكم﴾ \" ما أمرناكم به في التوراة\" (١٤).\nوأصل القوة: \"الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله\" (١٥).\nواختلف أهل العربية في قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، على وجهين (١٦):\nالأول: قال بعض نحويي أهل البصرة: هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له، وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا قذفناه عليكم.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و(١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.\n(٣) انظر: تفسيره: ٢/ ١٥٧. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن: ٤٩٤.\n(٤) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢١٢.\n(٥) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٥.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٤٨.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٧.\n(١٠) تفسير السعدي: ٥٤.\n(١١) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ١٤٧.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٠.\n(١٥) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٦٠.","vol":"2","page":359},{"text":"والثاني: ويقول بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه، فيكون من كلامين، غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام - الذي هو بمعنى القول - أن يكون معه (أن) كما قال الله جل ثناؤه ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] قال: ويجوز أن تحذف (أن).\nوالصحيح: \"أن كل كلام نطق به - مفهوم به معنى ما أريد - ففيه الكفاية من غيره\" (١).\nواختلف في قوله ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، على ثلاثة أوجه (٢):\nالأول: معناه: بجد واجتهاد. قاله قتادة (٣)، والسدي (٤)\nوالثاني: تعملوا بما فيه. قاله مجاهد (٥).\nوالثالث: بطاعة. قاله أبو العالية (٦)، وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٧).\nوالقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وبه قال قتادة والسدي، وجمهور أهل التفسير (٨).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بالـ \"قوة\" هنا الحزم، والتنفيذ؛ والتطبيق؛ وضده أن يأخذ الإنسان أخذًا ضعيفًا متساهلًا على كسل؛ والباء في قوله تعالى: ﴿بقوة﴾ للمصاحبة؛ أي خذوا هذا الكتاب. أي التوراة التي جاء بها موسى ﷺ. أخذًا مصحوبًا بقوة، فلا تهملوا شيئًا منه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣]، \" أي اذكروا كل ما فيه، واعملوا به\" (١٠).\nقال أبو العالية: \" يقول أقروا ما في التوراة واعملوا به\" (١١). وروي عن الربيع (١٢) نحو ذلك.\nوقال ابن وهب: سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿واذكروا ما فيه﴾، قال: اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق. قال: وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تغفلوه\" (١٣).\nقال الطبري: أي\" واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبروه\" (١٤).\nقال الزجاج: \" معناه ادْرُسُوا ما فيه\" (١٥).\nقال الزمخشري: \"أي: \" واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه\" (١٦).\nقال الواحدي: أي\" احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه\" (١٧).\nقال السعدي: \" أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه\" (١٨).\nقال الصابوني: \" أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه\" (١٩).\nقال المراغي: \" أي وادّارسوه ولا تنسوا تدبر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٧، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٩): ص ٢/ ١٦١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١١٣٠): ص ٢/ ١٦١.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٦): ص ٢/ ١٦٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٨): ص ٢/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٣٧، وتفسير الرازي: ٢/ ١٠٠.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٩): ص ١/ ١٣٠، وانظر: تفسير الطبري (١١٣٣): ص ٢/ ١٦٢.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٣٤): ص ٢/ ١٦٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (١١٣٥): ص ٢/ ١٦٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٦١.\n(١٥) معاني القرآن: ١/! ٤٨.\n(١٦) الكشاف: ١/ ١٤٧.\n(١٧) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣١.\n(١٨) تفسير السعدي: ٥٤.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(٢٠) تفسير المراغي: ١/ ١٣٧.","vol":"2","page":360},{"text":"قال الزمخشري: وقرئ: ﴿وتذكّروا﴾، ﴿واذّكروا﴾ \" (١). أى بتشديد الذال والكاف، وأصله: وتذكروا.\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أي لأجل أن تتقوا الله ﷿\" (٢).\nقال ابن عطية: \" ترج في حق البشر\" (٣).\nقال الطبري: \"كي تتقوا وتخافوا عقابي\" (٤).\nقال ابن عباس: \" تنزعون عما أنتم عليه\" (٥).\nقال الزمخشري: أي\"رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا\" (٦).\nقال السعدي: أي تتقون\" عذاب الله وسخطه، أو لتكونوا من أهل التقوى\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضًا، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ فالطاعات يجر بعضها بعضًا، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله ﷿، ونفورًا، والمعاصي يجر بعضها بعضًا؛ وسبق قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١]؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إن هذا السجود سجدناه لله ﷾ لإزالة الشدة؛ فلا نزال نسجد به؛ فهذا سجودهم إلى اليوم\" (٨).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: تذكير الله. ﵎. لبني إسرائيل بما أخذ عليهم من عهد؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ وهذا التذكير مقتضاه الإلزام. أي فالتزموا بالميثاق.\n٢ ومنها: عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا؛ وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن؛ أو تُقْتَل.\n٣ ومنها: بيان قوة الله ﷿، وقدرته؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله ﷿؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته.\n٤ ومنها: أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة؛ التطبيق على أنفسهم؛ ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النمل: ١٢٥]؛ لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا.\n٥ ومنها: أن الأخذ بالكتاب المُنَزَّل يوجب التقوى؛ لقوله تعالى: لعلكم تتقون﴾ أي لأجل أن تكونوا من المتقين لله ﷿.\nالقرآن\n﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤]\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٤٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٥.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/! ٥٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٦١.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٣٢): ص ٢/ ١٦١. أي: \" وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي\". [تفسير الطبري: ٢/ ١٦١].\n(٦) الكشاف: ١/ ١٤٧.\n(٧) تفسير السعدي: ٥٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.","vol":"2","page":361},{"text":"التفسير:\nثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى، بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل كشأنكم دائمًا. فلولا فَضْلُ الله عليكم ورحمته بالتوبة، والتجاوز عن خطاياكم، لصرتم من الخاسرين في الدنيا والآخرة.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤]، أي: \"ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به\" (١).\nقال الثعلبي: \" أعرضتم وعصيتم، من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته\" (٣).\nقال الطبري: \" ثم أعرضتم. [و] تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد، بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به، والقيام بما أمركم به في كتابكم، فنبذتموه وراء ظهوركم\" (٤).\nقال السعدي: \" وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات\" (٥).\nقال ابن عطية: \" تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا. وتوليهم من بعد ذلك: إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمدا ﷺ\" (٦).\nوذكر الواحدي بأن (التولي) في اللغة يستعمل على ثلاث معان (٧):\nأحدها: الإعراض، كالذي في هذه الآية، ومعناه: أعرضتم وعصيتم، ومثله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، أي تعرضوا عن الإسلام.\nوالثاني: الإتباع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، معناه: من يتبعهم وينصرهم.\nوالثالث: ويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته.\nقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٦٤]، أي: \"فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة \" (٨).\nقال الزمخشري: بتوفيقكم للتوبة\" (٩).\nقال الصابوني: أي بقبول التوبة\" (١٠).\nوقال الثعلبي: \" بتأخير العذاب عنكم\" (١١).\nقال أبو العالية: \" ﴿فضل الله﴾، الإسلام، ﴿ورحمته﴾، القرآن\" (١٢). وروي عن الربيع مثل ذلك (١٣).\nقوله تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، \" أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: \"لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة\" (١٥).\n_________\n(١) الكشاف: ١/! ٤٧.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٢.\n(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٢.\n(٥) تفسير السعدي: ٥٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٥٩.\n(٧) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٢، أخذه عن \"تهذيب اللغة\" (ولى) ١/ ٣٩٥٧، وانظر: \"إصلاح الوجوه والنظائر\" ص ٤٩٩، و\"نزهة الأعين\" النواظر ص ٢١٥، و\"مفردات الراغب\" ص ٥٣٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٤٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٢، وانظر: التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (١١٣٦): ص ٢/ ١٦٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٣٧): ص ٢/ ١٦٦.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٢.","vol":"2","page":362},{"text":"قال الزجاج: \" أي لولا أنْ منَّ اللَّه عليكم بالتوبة بعد أن كفرتم مع عظيم هذه الآيات، ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ \" (١).\nقال الواحدي: الخسران): \" ذهاب رأس المال، وهو هاهنا هلاك النفس، لأنها بمنزلة رأس المال\" (٢).\nوذكر القفال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وجهين (٣):\nالأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا.\nوالثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذالك﴾ ثم قيل: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ رجوعا بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم.\nواختلف أهل العلم في مخرج الخطاب في الآية الكريمة على أقوال (٤):\nأحدها: قالوا: وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من أهل الكتاب أيام رسول الله ﷺ، فإنما هو خبر عن أسلافهم، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى، من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسلاف المخاطِب إلى نفسها، فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم.\nقال ابن عطية: \" الجمهور على أن المراد بالمعنى من سلف\" (٥).\nوالثاني: أن الخطاب في هذه الآيات، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به، والفعل لغيرهم، لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.\nوالثالث: وقال بعضهم: إنما قيل ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب - أن المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم. فاستغنى بعلم السامعين بذلك، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثل ذلك يقول الشاعر (٦):\nإذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري به بدا\nفقال: (إذا ما انتسبنا)، و(إذا) تقتضي من الفعل مستقبلا ثم قال: (لم تلدني لئيمة)، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنما فعل ذلك - عند المحتج به - لأن السامع قد فهم معناه. فجعل ما ذكرنا - من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ أيام رسول الله ﷺ، بإضافة أفعال أسلافهم إليهم - نظير ذلك.\nوالقول الأول، هو الصحيح، وهو المستفيض من كلام العرب وخطابها (٧). والله أعلم.\nالفوائد:\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٤٨.\n(٢) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٣.\nقال أهل العلم: وأصل الخسران في التجارة أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة. [التفسير البسيط: ٢/ ٢٨٨، والتهذيب: (خسر) ١/ ١٠٢٨، ومفردات الراغب: ١٤٧].\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٢/ ١٠١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٥٩.\n(٦) في حاشية الأمير على مغنى اللبيب ١: ٢٥ قال: \" في حاشية السيوطي \" قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي، يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية \"، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى: ٣٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٦٥.","vol":"2","page":363},{"text":"١. من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل؛ لأنهم بعد أن رجع الجبل إلى مكانه تولوا، كما قال تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾؛ وهذا من اللؤم؛ لأن من الواجب أن يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآية.\n٢. ومنها: بيان فضل الله ﷾ على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾.\n٣. ومنها: أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾.\n٤. ومنها: إثبات فضل الله تعالى على بني إسرائيل بما أعطاهم من الآية الكونية، والشرعية.\n٥. ومنها: إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها.\nالقرآن\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]\nالتفسير:\nولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ [البقرة: ٦٥]، أي: \"ولقد عرفتم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي علمتم عِلم اليقين، وعرفتم معرفة تامة. الخطاب لبني إسرائيل\" (٢).\nقال الزجاج: \"معنى ﴿علمتم﴾ -هنا-: عرفتم، ومثله قوله ﷿ ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ومعناه لا تعرفونهم اللَّه يعرفهم\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية، يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥]، \" أي الذين تجاوزوا حدي، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت\" (٥).\nقال ابن عباس: \" يقول: اجترؤوا في السبت\" (٦).\nقال الزجاج: \" ظلموا وجاوزوا ما حُدَّ لهُم\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي: الذين\" خالفوا واصطادوا يوم السبت وقد نهيناهم عن ذلك\" (٨).\nو(الاعتداء): أصله تجاوز الحد في كل شيء\" (٩).\nوقوله تعالى ﴿فِي السَّبْتِ﴾ (١٠)، أي: في الحكم الذي حكم الله به عليهم يوم السبت؛ وذلك أن الله حرم عليهم العمل والصيد في ذلك اليوم ليتفرغوا للعبادة؛ فابتلاهم بكثرة الحيتان يوم السبت حتى تكون فوق الماء شُرَّعًا،\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٤٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٣٨): ص ٢/ ١٦٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٣٨): ص ٢/ ١٦٧.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٤٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢/ ٥٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٧.\n(١٠) وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] القصة بكمالها.","vol":"2","page":364},{"text":"ثم لا يرونها بعد ذلك؛ فتحيلوا على صيدها بحيلة، حيث وضعوا شباكًا يوم الجمعة، فتدخل فيه الحيتان إذا جاءت يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، ويقولون: نحن لم نصدها يوم السبت (١).\nوفي اعتدائهم في السبت قولان (٢):\nأحدهما: أنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال، وهذا قول الحسن.\nوالثاني: أنهم حبسوها في يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، والسبت هو اليوم المعروف.\nوفي تسميته بـ (السبت) أربعة أقاويل (٣):\nأحدها: أن السبت هو اسم للقطعة من الدهر فسمي ذلك اليوم به، وهذا قول الزجاج.\nوالثاني: أنه سُمِّي بذلك لأنه سَبَت خَلْق كل شيء، أي قطع وفرغ منه، وهذا قول أبي عبيدة.\nوالثالث: أنه سُمِّي بذلك، لأن اليهود يَسْبِتُون فيه، أي يقطعون فيه الأعمال.\nوالرابع: أن أصل السبت، الهدوء والسكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده، كما قال تعالى:) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُم سُبَاتَا (. فَسُمِّي به اليوم لاستراحة اليهود فيه.\nقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٥]، \" فقلنا للذين اعتدوا في السبت\" (٤)\nقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، \" أي: صيروا كذلك\" (٥).\nقال الصابوني: \"أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشرًا مع الذلة والإِهانة\" (٦).\nقال ابن عباس: \" فمسخهم الله قردة بمعصيتهم\" (٧).\nقال قتادة: \" فصاروا قردة لها أذناب، تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء\" (٨).\nقال ابن كثير: \"يعني أذلة صاغرين\" (٩).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، على وجهين (١٠):\nالأول: أنهم مُسِخُوا قردةً، فصاروا لأجل اعتدائهم في السبت في صورة القردة المخلوقين من قبل، في الأيام الستة. قاله ابن عباس (١١)، وقتادة (١٢)، والسدي (١٣).\nقال ابن عباس: \"لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل\" (١٤).\nوالثاني: أنهم لم يمسخوا قردة، وإنما مسخت قلوبهم، وهو مَثلَ ضربه الله لهم، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًَا﴾ [الجمعة: ٥]. قاله مجاهد (١٥). واعترض عليه الطبري (١٦) وابن كثير (١٧).\nوقال ابن كثير: \"وهذا قول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠] \" (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨. وانظر الأخبار حول ذلك في تفسير الطبري (١١٣٩)، و(١١٤٠)، و(١١٤١) و(١١٤٢) ١١: ص ٢/ ١٦٨ - ١٧٢.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٣٨): ص ٢/ ١٦٧ - ١٦٨. وهذا النص قطعة من الخبر.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٠): ص ٢/ ١٧٠ - ١٧١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١١٣٨)، و(١١٣٩): ص ٢/ ١٦٧ - ١٧٠.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٠)، و(١١٤١): ص ٢/ ١٧٠ - ١٧١.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٢): ص ٢/ ١٧٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (١١٣٨): ص ٢/ ١٦٧ - ١٦٨. وهذا النص قطعة من الخبر.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٣)، و(١١٤٤): ص ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٧٣.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٩.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٩.","vol":"2","page":365},{"text":"وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.\nقلت: والصحيح في هذه المسألة: أن مسخهم قرودا، إنما كان معنويًا لا صوريًا خلاف ما ذهب إليه مجاهد (١)، ﵀. ورجحه ابن كثير (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥]، أربعة أقوال:\nأحدها: أن معناه: مبعدين. ومنه: خَسَأتُ الكلب أخسؤه خَسْئًا، أي بَاعدته وطردْته. قاله الزجاج (٣).\nوالثاني: أن معناه: أذلة صاغرين، وهذا قول أبي العالية (٤)، والربيع (٥)، وروي عن مجاهد وقتادة وأبي مالك نحو ذلك (٦).\nوالثالث: معناه: صاغرين. قاله مجاهد (٧).\nوالرابع:: أن معنى: خاسئا، أي: ذليلًا. قاله ابن عباس (٨).\nقال الطبري: في معنى ﴿الخاسئين): \"أي: مبعدين من الخير أذلاء صغراء\" (٩)، وبالتالي إن جميع الأقوال الثلاثة ضمن المعنى الصحيح. والله تعالى أعلم.\nو(الخاسئ): \" المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه: \" خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا \". قال: ويقال: \" خسأته فخسأ وانخسأ \". ومنه قول الراجز (١٠):\nكالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ\nيعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا\" (١١).\nوأنشد الفراء (١٢):\nوَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ... وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ\nوأنشد ابن الأنباري لعمران بن حطان (١٣):\n_________\n(١) إن المروي عن مجاهد أنه ﷾ مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ (الجمعة: ٥) ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه: كن حمارا، واحتج على امتناعه بأمرين:\nالأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا فهذا يكون إعداما وإيجادا لا أنه يكون مسخا.\nوالثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.\nوأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجودا والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسما ساريا في البدن أو جزءا في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجودا مجردا على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول ﵇.\nوعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد ﵀ وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة. (انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٤).\n(٢) انظر: تفسيره: ١/ ١٩١.\n(٣) أنظر: معاني القرآن: ١/! ٤٩.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٤): ص ١/ ١٣٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٩): ص ٢/ ١٧٥.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٣.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٦)، و(١١٤٧): ص ٢/ ١٧٥.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٥٠): ص ٢/ ١٧٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٤.\n(١٠) لسان العرب: (خسأ)، وروايته: \" إن قيل له \".\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٤، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (خسأ) ١/ ١٠٢٨، \"جمهرة أمثال العرب\" ٣/ ٢٣٧، \"الصحاح\" (خسأ) ١/ ٤٧.\n(١٢) لم أعثر على قائله، والبيت من شواهد الواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٦٣٨.\n(١٣) البيت ذكره الواحدي في تفسيره: ٢/ ٦٣٩، ولم أجده فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن \"ديوان الخوارج\" جمع نايف محمود معروف، ولا في \"شعر الخوارج\" لـ (إحسان عباس).\nوهو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في \"البيان والتبيين\" ١/ ٤٧، والمبرد في \"الكامل\" ٣/ ١٦٧، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣١٧.","vol":"2","page":366},{"text":"لا تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ... يَا رَبِّ مَنْزِلَ خَاسِئً مَدْحُورِ\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: توبيخ اليهود الموجودين في عهد الرسول ﷺ على عدم الإيمان به؛ ووجه ذلك أنهم علموا ما حلّ بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة؛ فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله ورسوله.\n٢ ومنها: تحريم الحيل، وأن المتحيل على المحارم لا يخرج عن العدوان؛ لقوله تعالى: ﴿الذين اعتدوا منكم في السبت﴾؛ بل الحيل على فعل محرم أعظم إثمًا من إتيان المحرم على وجه صريح؛ لأنه جمع بين المعصية، والخداع؛ ولهذا كان المنافقون أشد جرمًا وعداوة للمؤمنين من الكفار الصرحاء؛ قال أيوب السختياني. ﵀. في المتحيلين: \"إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان؛ ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون\"؛ وصدق ﵀؛ وللحيل مفاسد كثيرة. راجع إن شئت كتاب \"إغاثة اللهفان\" لابن القيم. ﵀. وغيره.\nوأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم، ثم أذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوم على الربا وغيره. وجدت أن حيل بعض المسلمين اليوم على ما ذُكر أشد حيلة من حيل اليهود. ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: \"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\" (١)؛ فالمتحيل على المحرَّم واقع فيه، ولا تنفعه الحيلة.\n٣ ومن فوائد الآيتين: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب؛ لأن عقوبة هؤلاء المتحيلين أنهم مسخوا قردة خاسئين؛ والذنب الذي فعلوه أنهم فعلوا شيئًا صورته صورة المباح؛ ولكن حقيقته غير مباح؛ فصورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي؛ وهذا؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠].\n٤ ومنها: بيان قدرة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾؛ فكانوا في لحظة قردة.\nالقرآن\n﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]\nالتفسير:\nفجعلنا هذه القرية عبرة لمن بحضرتها من القرى، يبلغهم خبرها وما حلَّ بها، وعبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب، وجعلناها تذكرة للصالحين؛ ليعلموا أنهم على الحق، فيثبتوا عليه.\nقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، أي \"فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم\" (٢).\nقال ابن عثيمين: أي: صيّرناها\" (٣).\nواختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦] على ستة أقوال (٤):\nالأول: أنه يعود على القرية؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]؛ فيكون مرجع الضمير مفهومًا من السياق.\n_________\n(١) قال ابن القيم: [رواه أبو عبد الله ابن بطة: \"حدثنا أحمد بن سلام حدثنا الحسن بن صباح حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو\"، وهذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي]. أهـ. إغاثة اللهفان ١/ ٥١٣؛ عون المعبود مع شرح ابن القيم ٩/ ٣٤٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٧٥ - ١٧٦، وتفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨.","vol":"2","page":367},{"text":"والثاني: أنه يعود على العقوبة-وهي المسخة-، أي فجعلنا العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]؛ فيكون المعنى: فجعلنا هذه العقوبة نكالًا. وهذا في رواية الضحاك عن ابن عباس (١).\nوالثالث: أنه يعود على المسخة، لأن معنى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥]، مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم. قاله الفراء (٢).\nوالرابع: وقال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالا (٣).\nوالخامس: أنه يعود على الأمة التي مسخت، لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى. قاله الزجاج (٤).\nوالسادس: أنه يعود على الحيتان. وذلك في رواية أبيّ عن ابن عباس (٥).\nأي: جعلنا هذه الأمة نكالا، لأن قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت﴾ يدل على الأمة والجماعة أو نحوها (٦).\nوالصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم\" (٧). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦]، \"أي عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم\" (٨).\nقال الثعلبي: \"أي: \" عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة\" (٩).\nقال ابن كثير: \"أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها، عبرة، كما قال الله عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النازعات: ٢٥] \" (١٠).\nوأصل (النكال)، العقوبة (١١)، كما قال عدي بن زيد العباد (١٢):\nلا يسخط الضليل ما يسع العبـ ... د ولا في نكاله تنكير\nقال القفال: النكال: \"العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦]، ثلاثة تأويلات (١٤):\nأحدها: عقوبة، وهو قول ابن عباس (١٥)، وأبو العالية (١٦).\nوالثاني: عبرة ينكل بها من رآها.\nوالثالث: أن النكال الاشتهار بالفضيحة.\nقوله تعالى: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، \"أي لمن يأتي بعدها من الأمم\" (١٧).\nقال سعيد بن جبير: \" من بحضرتها يومئذ من الناس\" (١٨).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبر (١١٥١): ص ٢/ ١٧٥.\n(٢) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٤٣.\n(٣) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٥.\n(٤) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٤٩.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٥١): ص ٢/ ١٧٦.\n(٦) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩١.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩١.\n(١١) أنظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٦٦٥، واللسان\" ٨/ ٤٥٤٤، تفسير الطبري: ٢/ ١٧٧.\n(١٢) البيت في تفسير الطبري: ٢/ ١٧٧، ولم اجده في الكراجع التي ذكرت قصيدة عدي بن ياد التي كتبها في النعمان من محبسه.\n(١٣) نقلا عن: مفاتيح الغيب: ٢/ ١٠٥.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣٧.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبر (١١٥١): ص ٢/ ١٧٥.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٥): ص ١/ ١٣٣.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٩): ص ١/ ١٣٤.","vol":"2","page":368},{"text":"وقال إسماعيل بن أبي خالد: \" ما كان قبلها من الماضين في شأن السبت\" (١).\nوروي عن قتادة وعطية نحو ذلك.\nوقال أبو العالية: \" أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم\" (٢)، وروي عن الربيع بن أنس، ومجاهد والسدي وقتادة في رواية معمر والحسن وعكرمة نحو ذلك (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، \"أي جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها\" (٤).\nقال عطية: \" لما كان من بعدهم من بني إسرائيل، لا يعملوا فيها بمثل أعمالهم\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] [البقرة: ٦٦]، ثمانية تأويلات:\nأحدها: ما بين يديها وما خلفها من القرى، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس (٦). واختاره ابن كثير (٧).\nوالثاني: ما بين يديها يعني من بعدهم من الأمم، وما خلفها، الذين كانوا معهم باقين، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (٨). واختاره الطبري (٩).\nوالثالث: ما بين يديها، يعني من دونها، وما خلفها، يعني لمن يأتي بعدهم من الأمم، وهذا قول السدي (١٠).\nوالرابع: لما بين يديها من ذنوب القوم، وما خلفها للحيتان التي أصابوها، وهذا قول قتادة (١١).\nوالخامس: ما بين يديها: ما مضى من خطاياهم، وما خلفها: خطاياهم التي أُهْلِكُوا بها، وهذا قول مجاهد (١٢).\nوالسادس: ما بين يديها: الذنوب التي عملوا قبل الحيتان، وما خلفها: ما عملوا بعد الحيتان. وهذه رواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (١٣).\nوالسابع: ما بين يديها: عقوبة لما مضى من ذنوبهم، وما خلفهما: وعبرة لما بعدهم. قاله أبو العالية (١٤) والربيع (١٥).\nوالثامن: وقيل: \" ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾، من عقوبة الآخرة ﴿وَما خَلْفَها﴾، من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى يوم قيام السّاعة\" (١٦).\nوالقول الأول والثاني تحتملهما الآية، وإن كان الأول منهما هو الأشبه إلى الصواب، إذ أن \"المراد بما بين يديها وما خلفها: من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، وقال ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ \" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٨): ص ١/ ١٣٤.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٧): ص ١/ ١٣٤.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٤، وانظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٣): ص ١/ ١٣٥.\n(٦) تفسير الطبري (١١٥٦): ص ٢/ ١٧٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٨٠): ص ١/ ١٣٤.\n(٧) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٣.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٥٦): ص ٢/ ١٧٨.\n(٩) أنظر: تفسيره: ٢/ ١٧٩.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١١٦٢): ص ٢/ ١٧٨.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١١٥٧)، و(١١٥٨): ص ٢/ ١٧٨.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٥٩)، و(١١٦٠)، و(١١٦١): ص ٢/ ١٧٨.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٦٣): ص ٢/ ١٧٩.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٧) و(٦٨٠): ص ١/ ١٣٤.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٤.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٣.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٣.","vol":"2","page":369},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، \"أي عظةً وذكرى لكل عبدٍ صالحٍ متّقٍ لله ﷾\" (١).\nقال ابن عباس: \" وتذكرة وعبرة للمتقين\" (٢).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس: ﴿وموعظة للمتقين﴾، يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي\" (٣).\nوقال الربيع: \" فكانت موعظة للمتقين خاصة\" (٤). وروي عن أبو العالية (٥) مثل ذلك.\nقال الطبري: أي: \" وتذكرة للمتقين، ليتعظوا بها، ويعتبروا، ويتذكروا بها\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي يتعظ بها أهل التقوى، فيلزمون ما هم عليه\" (٧).\nواختلف في المعني بقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، على وجهين (٨):\nالأول: المراد بهم: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. قاله ابن عباس (٩)، والحسن (١٠)، وقتادة (١١)، وابن جريج (١٢)، وهو قول الجمهور.\nوالثاني: أن المراد بهم: أمة محمد ﷺ. قاله السدي (١٣)، وعطية (١٤)، واختاره الثعلبي (١٥).\nوالقول الأول هو الصحيح، لأنه أعم، وعليه الجمهور. والله أعلم.\nو\"المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \" لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ\" (١٦) \" (١٧).\nوقال الرازي: \" أما قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]،، ففيه وجهان:\nأحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم، وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله: ﴿هدى للمتقين﴾ لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٧.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٦٤): ص ٢/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٣) تفسير الطبري (١١٦٥): ص ٢/ ١٨١.\n(٤) تفسير الطبري (١١٧٠): ص ٢/ ١٨١.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٨٥): ص ١/ ١٣٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/! ٨٠.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٤٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٣.\n(٩) تفسير الطبري (١١٦٦): ص ٢/ ١٨١، وابن أبي حاتم (٦٨٤): ص ١/ ١٣٥.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٨٦): ص ١/ ١٣٥.\n(١١) تفسير الطبري (١١٦٧): ص ٢/ ١٨١.\n(١٢) تفسير الطبري (١١٧١): ص ٢/ ١٨٢.\n(١٣) تفسير الطبري (١١٦٩): ص ٢/ ١٨١، وابن أبي حاتم (٦٨٨): ص ١/ ١٣٥.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٨٧): ص ١/ ١٣٥.\n(١٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٣. ثم قال: \" فلا يفعلون مثل فعلهم\".\n(١٦) حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه الإمام ابن بطة العكبري في إبطال الحيل - رقم (٥٦) - قال: حدثنا به أبو الحسن أحمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد الصبّاح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .. الحديث. وانظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية \" (ق ١١/ ٢ و١٤٤ و٢). وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٩٣): \" هذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد مسلم هذا وثّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح\". وقال ابن القيم في تهذيب السنن (٥/ ١٠٣): \"إسناده حسن وإسناده مما يُصححه الترمذي\". وقال الإلباني في (إرواء الغليل ٥/ ٣٧٥): \"وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال التهذيب، غير أبي الحسن أحمد بن محمد بن مسلم وهو المخرمي، كما جاء منسوبًا في أكثر من موضع في كتابه الآخر الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية\".\n(١٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٣.","vol":"2","page":370},{"text":"الثاني: أن يكون معنى قوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾ أن يعظ المتقون بعضهم بعضا أي جعلناها نكالا وليعظ به بعض المتقين بعضا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين والله أعلم\" (١).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: إثبات القول لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾.\n٢. ومنها: أن الذين مسخوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت؛ وأما الذين نَهَوا عن السوء فقد نجوا؛ وأما الذين سكتوا عن المعتدين، ولم يشاركوهم فقد سكت الله عنهم؛ فنسكت عنهم.\n٣. ومنها: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل؛ لقوله تعالى: ﴿فجعلناها نكالًا لما بين يديها وما خلفها﴾؛ ولهذا يقص الله علينا من نبأ المكذبين للرسل ما يكون لنا فيه عبرة، كما قال ﷿: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١].\n٤. ومنها: أن الحدود الشرعية نكال للفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب، ولغير الفاعل.\n٥. ومنها: أن الذين ينتفعون بمثل هذه المواعظ هم المتقون.\n٦. ومنها: أن المواعظ قسمان: كونية، وشرعية؛ فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالًا لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين؛ وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس: ٥٧]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيرًا لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيرًا في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات.\n٧. ومن فوائد الآيتين: أن الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون؛ وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطرارًا، وإكراهًا؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقول: هذه الأشياء ظواهر كونية طبيعية عادية، كما قال تعالى: ﴿وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا يقولوا سحاب مركوم﴾ [الطور: ٤٤]؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختَّار كفور﴾ [لقمان: ٣٢].\n٨. ومن فوائد الآيتين: أن من فوائد التقوى. وما أكثر فوائدها. أن المتقي يتعظ بآيات الله ﷾ الكونية، والشرعية.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧]\nالتفسير:\nواذكروا يا بني إسرائيل جناية أسلافكم، وكثرة تعنتهم وجدالهم لموسى ﵊، حين قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فقالوا -مستكبرين-: أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف؟ فردَّ عليهم موسى بقوله: أستجير بالله أن أكون من المستهزئين.\nقال ابن عطية: \" \"وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلا من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه، وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلا، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل النهي منهم: أنقتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى ﵇ فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ\n_________\n(١) تفسير الرازي: ٢/ ١٠٦.","vol":"2","page":371},{"text":"تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] \" (١). روي ذلك عن ابن عباس (٢)، وعبيدة (٣)، وأبي العالية (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦)، ومجاهد (٧)، ووهب بن منبّه (٨)، وابن زيد (٩)، ومحمد بن كعب القرظي (١٠)، ومحمد بن قيس (١١).\nقال ابن كثير: \" وهذه السياقات كلها عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٧]، \" أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قال موسى لقومه\" (١٣).\nقال الليث (١٤): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله ﷿: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] أي رجال من رجال، ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ قال زهير (١٥):\nوَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ\nوقوم كل رجل: شيعته وعشيرته\" (١٦).\nوقال أبو العباس: \"القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء\" (١٧).\nقال الواحدي: \" والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وكان مرسلًا إلى الإناث والذكور جميعًا، وجاز ذلك لأن الغالب من أمر النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]،\nو(البقرة) واحدة البقر.\nقال الأصمعي: \"يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (١٩):\nبَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٦١.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٨٠): ص ٢/ ١٨٨.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٧٢): ص ٢/ ١٨٣ - ١٨٥.\n(٤) نقلا عن تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٤، قال ابن كثير: \"رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٧٤): ص ٢/ ١٨٥ - ١٨٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٧٥): ص ٢/ ١٨٧.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٧٦)، و(١١٧٧): ص ٢/ ١٨٧.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٧٨): ص ٢/ ١٨٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١١٨١): ص ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١١٨٢): ص ٢/ ١٨٩.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١١٨٢): ص ٢/ ١٨٩.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٨.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٤.\n(١٤) هو: الليث بن المظفر، وقيل: ابن، وقيل: ابن رافع بن يسار الخرساني، وكان بارعا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، وكان كاتبا للبرامكة. ينظر: \"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٧٠، و\"معجم الأدباء\" ١٧/ ٤٣.\n(١٥) البيت من قصيدة قالها زهير في هجاء بيت من كلب من بني عليم. ورد في \"تهذيب اللغة\" (قام) ٣/ ٢٨٦٣، و\"مجمل اللغة\" (قوم) ٢/ ٧٣٨، \"المقاييس\" (قوم) ٥/ ٤٣، و\"المعاني الكبير\" ١/ ٥٩٣، و\"المخصص\" ٣/ ١١٩، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٤١، ١٣٩، ٢/ ٣٩٣، ٣٩٨، و\"الهمع\" ٢/ ٢٣٠، ٤/ ٥٤، ٣٧٦، و\"معاهد التنصيص\" ٣/ ١٦٥، و\"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٦، و\"فتح القدير\" ١/ ١٣٥.\n(١٦) تهذيب اللغة\" (قام) ٣/ ٢٨٦٣، وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٦٩، \"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٦، والتفسير البسيط: ٣/ ٧.\n(١٧) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة: عن المنذري عن أبي العباس (قام) ٣/ ٢٨٦٣، وانظر: \"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٦، والتفسير البسيط: ٣/ ٧.\n(١٨) التفسير البسيط: ٣/ ٨، ونظر: الزاهر: ٢/ ١٧٠.\n(١٩) البيت لقيس بن العَيْزَارَة وشطره الأول:\nفَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ\nو(الجُلْح): البقر لا قرون لها، (أسكنتها المراتع): طابت أنفسها بالمرعى فسكنت. ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٥٩٠، \"تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٧٠، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧٨، \"اللسان\" (بقر) ١/ ٤٢٣، و(جلح) ٢/ ٦٥١.","vol":"2","page":372},{"text":"وقال آخر (١):\nخَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ\nويقال لجماعة البقرة: بيْقُور أيضًا، وقال أمية (٢):\nوعَالَت الْبَيْقُورَا\" (٣).\nوقيل في أصل (البقر) وجهين (٤):\nالأول: أن أصله من (الْبَقْر) الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (٥) ﵄ \"الباقر\"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه\" (٦).\nوالثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، وفي حديث حذيفة: \"فما بال هؤلاء الذين\nيَبْقُرونَ بيوتنا\" (٧)، أَي يفتحونها ويوسعونها.\nومنه قوله ﵇: \"فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ\" (٨)، والبقرة هنا هي القِدر الكبير الواسع.\nقال الماوردي: \"وإنما أمر -والله أعلم- بذبح البقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]، \" أي قالوا: أتجعلنا موضع سخرية وتهزأ بنا؟ \" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم عن السدي، أنهم عندما سمعوا قول موسى بذبح البقرة، فقالوا: \"نسألك عن القتيل ومن قتله، وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ \" (١١).\nقال الثعلبي: \"وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه\" (١٢).\n_________\n(١) البيت للحارث بن خالد المخزومي، البيت بتمامه:\nمَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ أَهْلِكَ مُوحِشًا ... قَفْرًا كَحَوْضِ البَاقِر المُتهَدمِ\nورد البيت في \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧٠، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ أ، والسجاوندي في ص ٥٣، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٤.\n(٢) وتمامه:\nسَلْعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا ... عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقَورَا\nو(السلع): نبت، و(عائل): من قولهم: عالني أثقلني، و(عالت البيقورا): أي أثقلت هذه السنة البيقور بالهزال. قال في مغني اللبيب: قال عيسى بن عمر: لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وقال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها السَّلْع والعُشَر، وهما ضربان من الشجر، ثم أوقدوا فيها النار وصعدوا بها الجبال، ورفعوا أصواتهم بالدعاء. \"مغني اللبيب\" ١/ ٣١٤، وانظر: \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧٠، \"تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٧٠، و(سلع) ٢/ ١٧٣٣، \"الأزهية\" ص ٨١، \"اللسان\" (بقر) ١/ ٣٢٤، و(علا) ٥/ ٣٠٩٠.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٩. وانظر:\n(٤) انظر: تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٦٩، \"الصحاح\" (بقر) ٢/ ٥٩٥، ومقاييس اللغة\" ١/ ٢٧٧ - ٢٨٠.\n(٥) هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو جعفر، الباقر خامس الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، كان ناسكًا عابدًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: ثماني عشرة. انظر: \"حلية الأولياء\" ٣/ ١٨٠، \"تهذيب التهذيب\" ٥/ ٣٠٩٠.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٩. وانظر:\n(٧) أخرجه البخاري (٤٦٥٨).\n(٨) أخرجه أحمد في مسنده (٢٨١٧): ص ١/ ٣١٠. من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة فقلت: يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى المشط من يديها فقالت: باسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت لا .. ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله، قال المرضع: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت\".\n(٩) النكت والعيون: ١/ ١٣٧.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٦٩١): ص ١/ ١٣٦.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.","vol":"2","page":373},{"text":"قال المراغي: \" فهذا القول منهم دليل على السفه وخفّة الأحلام، وجفاء الطبع والجهل بقدرة الله تعالى\" (١).\nوقال ابن عطية: \" وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي ﷺ لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل للنبي ﷺ في قسمة غنائم حنين: \"إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله\" (٢)، وكما قال له الآخر: \"اعدل يا محمد\" (٣)، وكلّ محتمل، والله أعلم\" (٤).\nو(الهزؤ): اللعب والسخرية، كما قال الراجز (٥):\nقد هزئت مني أم طيسله ... قالت أراه معدما لا شيء له\nيعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت (٦).\nوقرأ ابن محيصن: ﴿أيتّخذنا﴾، بالياء قال: \"يعنون الله، ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] \" (٧).\nوفي قوله تعالى ﴿هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]، ثلاثة لغات (٨):\nأحدها: بالتخفيف والهمز، ومثله ﴿كفؤا﴾، وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل.\nوالثاني: ﴿هزؤا﴾ و﴿كفؤا﴾، مثقلان مهموزان، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم.\nوالثالث: و﴿هزوا﴾ و﴿كفوا﴾، مثقلان بغير همزة. في رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم.\nقال الثعلبي: \" وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٧]، \" أي ألتجئ إلى الله\" (١٠).\nقال البغوي: أي: \"أمتنع بالله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، أي\" أن أكون في زمرة المستهزئين الجاهلين\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" أي من المستهزئين بالمؤمنين\" (١٣).\nقال الطبري: \" يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل\" (١٤).\nقال البغوي: \"وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٤): ص ٣/ ١٤٤٩، وأحمد في مسنده (٣٥٩٧): ص ١/ ٣٨٠، من حديث عبدالله.\n(٣) رواه أحمد (١٤٤٠٦): ص ٣/ ٣٥٥، وابن ماجة (١٧٢): ص ١/ ٦١. من حديث جابر بن عبدالله.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٢.\n(٥) البيت لصخير بن عمير التميمي، ويقال إن القصيدة للأصمعي نفسه. أنظر: الأصمعيات: ٥٨، وأمالي القالي ٢: ٢٨٤، وانظر تحقيق ما قيل فيها في تعليق سمط اللآلي للراجكوتي: ٩٣٠ وروايتهم جميعا:\nتهزأ مني أخت آل طيسله ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nويروى \" مملقا لا شيء له \" و\" مبلطا \"، وكلها بمعنى واحد: فقيرا لا شيء له.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٨٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.\n(٨) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٨١ - ٨٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤. وفيه وجهان آخران من القراءة ذكرهما ابن عطية، أحدهما: ضم الهاء والزاي والهمزة بين بين، والثاني: بضم الهاء وتشديد الزاي «هزّا». قرأ بها أبو جعفر وشيبة\". [المحرر الوجيز: ١/ ١٦١ - ١٦٢].\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ١٠٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٨٣.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ١٠٦.","vol":"2","page":374},{"text":"قال المراغي: \"أي: من الهزؤ والسخرية بالناس\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، يحتمل معنيين (٢):\nأحدهما: الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئا.\nوالثاني: الإستعاذة من الجهل كما جهلوا في قولهم ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، لمن يخبرهم عن الله تعالى.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: تعظيم الله ﷿، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠].\n٢ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر؛ لقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾.\n٣ ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم ﵊: ﴿أتتخذنا هزوًا﴾ وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ؛ لأنه أمر من الله ﷿.\n٤ ومنها: أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه؛ لقول موسى ﵊: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾.\n٥ ومنها: أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به ﷿؛ فإن موسى ﷺ كان من أولي العزم من الرسل؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه ﵎؛ لقوله تعالى: ﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله ﷿؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله ﷺ: \"فمن وجد معاذًا فليعذ به\" (٣).\nالقرآن\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾ [البقرة: ٦٨]\nالتفسير:\nقالوا: ادع لنا ربَّك يوضح لنا صفة هذه البقرة، فأجابهم: إن الله يقول لكم: صفتها ألا تكون مسنَّة هَرِمة، ولا صغيرة فَتِيَّة، وإنما هي متوسطة بينهما، فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم.\nقوله تعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، \" أي سله لأجلنا أن يكشف لنا عن الصفات المميزة لها\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي ما هي هذه البقرة وأي شيء صفتها؟ \" (٥).\nقال السعدي: \" أي: ما سنها؟ \" (٦).\nقال البيضاوي: \" تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد\" (٧).\nقال الزجاج: \" وإِنَّما سألوا ما هي، لأنهم لا يعلمون أن بقرةً يحيا بضرب بعضها ميت\" (٨).\nقال النسفي: \" وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشان\" (٩).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣.\n(٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٢.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٥٩٠ – ٥٩١، كتاب الفتن، باب ٩: تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، حديث رقم ٧٠٨١؛ وأخرجه مسلم ص ١١٧٧ – ١١٧٨، كتاب الفتن، باب ٣: نزول الفتن كمواقع القطر، حديث رقم ٧٢٤٩ [١٢] ٢٨٨٦.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٧.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٥٠.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ٦٩.","vol":"2","page":375},{"text":"ولغة بني عامر «ادع» بكسر العين (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، أي: إنها بقرة\" لا مسنة ولا فتية\" (٢).\nقال الزجاج: \"أي ليست بكبيرة ولا صغيرة\" (٣).\nقال الثعلبي: أي\" لا كبيرة ولا صغيرة\" (٤).\nواختلف في معنى ﴿الفارض﴾ [البقرة: ٦٨]، على ثلاثة أوجه (٥):\nالأول: الفارض: المسنة (الهرمة)، قاله ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وأبو العالية (٨)، والربيع (٩)، وقتادة (١٠)، والسدي (١١)، وابن زيد (١٢)، والضحاك (١٣)، ووهب بن منبّه (١٤)، وعطاء الخراساني (١٥)، وبه قال جمهور أهل التفسير.\nيقال منه فرضت تفرض فروضا، أي أسنت، ويقال للشيء القديم فارض، قال الراجز (١٦):\nشيب أصداغي فرأسي أبيض ... محامل فيها رجال فرض\nيعني هرمي، قال آخر (١٧):\nلعمرك قد أعطيت جارك فارضا ... تساق إليه ما تقوم على رجل\nأي قديما، وقال آخر (١٨):\nيا رب ذي ضغن علي فارض ... له قروء كقروء الحائض\nوالثاني: أن الفارض: لا كبيرة ولا صغيرة، قد ولدت بطنا أو بطنين. قاله مجاهد (١٩)، وروي عن عطية (٢٠) مثل ذلك.\nوالثالث: أن الفارض: التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك، لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، قاله بعض المتأخرين (٢١).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٢.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٦.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٥٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٦.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٨٥)، و(١١٨٦)، و(١١٨٦): ص ٢/ ١٩١.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٨٤)، و(١١٨٨): ص ٢/ ١٩١.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٩٠): ص ٢/ ١٩٢.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١١٩١): ص ٢/ ١٩٢.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١١٩٢): ص ٢/ ١٩٢.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١١٩٤): ص ٢/ ١٩٢.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٩٥): ص ٢/ ١٩٢.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٧.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٧.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٧.\n(١٦) انظر: الصحاح للجوهري: (محافل) بالفاء وفيه رواية أخرى رواها ابن الاعرابي هي: (محامل بيض وقوم فرض) يريد أنهم ثقال كالمحامل. وانظر: اللسان مادة (فرض).\n(١٧) لبيت في تفسير القرطبي ١/ ٤٤٨، ومجمع البيان ١/ ١٣١، والرواية فيهما: (أعطيت جارك). وعزي مع آخر في البحر ١/ ٢٤٨ إلى خفاف بن ندبة السلمي، انظر شعره: ١٣٣. وعزي في اللسان والتاج (ف ر ض) إلى علقمة بن عوف. وهو بلا نسبة في الأفعال للسرقسطي ٤/ ١٥، والدرّ المصون ١/ ٤٢٠، والأضداد: ٣٧٦. وفي الإتقان في علوم القرآن: يساق ... يقوم، وهو تصحيف\n(١٨) مجالس ثعلب: ٣٦٤، والمعاني الكبير: ٨٥٠، ١١٤٣، والحيوان ٦: ٦٦ - ٦٧، والأضداد: ٢٢، وكتاب القرطين ١: ٤٤، ٧٧، واللسان (فرض)، وغيرها، وصواب إنشاده:\nيارب مولى حاسد مباغض عليّ ذي ضغن وضب فارض\nوالضب: الغيظ والحقد تضمره في القلب. قروء وأقراء جمع قرء (بضم فسكون): وهو وقت الحيض قال ابن قتيبة: \"أي له أوقات تهيج فيها عداوته\"، وقال الجاحظ: \"كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم يستعر، ثم يخبو ثم يستعر\".\n(١٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٥): ص ١/ ١٣٧.\n(٢٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٧.\n(٢١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.","vol":"2","page":376},{"text":"واختلف في معنى ﴿البكر﴾ [البقرة: ٦٨]، على وجوه:\nالأول: معناه: الصغيرة التي لم تحمل. قاله ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، وأبو العالية (٤)، والربيع (٥).\nوالثاني: لم تلد إلا ولدا واحدا. قاله السدي (٦).\nوالثالث: الأول من الأولاد، قال الكميت (٧):\nيا بِكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحت مني كذراع من عضد\nوالرابع: البكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، وبفتحها الفتي من الإبل. قاله الطبري (٨).\nقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، \" أي وسط بين الكبيرة والصغيرة\" (٩).\nقال الحسن: أي بين الهرمة والفتية\" (١٠).\nواختلف في معنى الـ ﴿عوان﴾ [البقرة: ٦٨]، على أقوال (١١):\nأحدها: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل، وهذه الدلالة المعني بها في الآية أي: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين.\nوهذا مذهب ابن عباس (١٢)، وأبي العالية (١٣)، ومجاهد (١٤)، والسدي (١٥)، والربيع بن أنس (١٦)، وعطاء الخراساني (١٧)، وقتادة (١٨)، والضحاك (١٩)، وعكرمة (٢٠)، وابن زيد (٢١).\nومن ذلك قول الشاعر يصف فرسا (٢٢):\nكميت بهيم اللون ليس بفارض ... ولا بعوان ذات لون مخصف\nفرس أخصف: إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه.\nومنه قول الأخطل (٢٣):\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (١١٩٩): ص ٢/ ١٩٣، وابن أبي حاتم (٦٩٦)، و(٦٩٧): ص ١/! ٣٧.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٩٦): ص ٢/ ١٩٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (١٢٠٠): ص ٢/ ١٩٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٢٠٢): ص ٢/ ١٩٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٢٠٣): ص ٢/ ١٩٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٢٠٤): ص ٢/ ١٩٣، وابن أبي حاتم (٦٩٨): ص ١/ ١٣٧.\n(٧) أنظر: اللسان (بكر)، والصحاح (بكر)، وأمالي القالي: ١/ ٢٤، ولم ينسبه أحد منهم، والبيت للكميت في ديوانه: ١/ ١٦٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٩٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٠٢): ص ١/ ١٣٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٩٣ - ١٩٤، والمحرر الوجيز: ١/ ١٦٢، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩، وتهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣، والصحاح للجوهري: ٦/ ٢١٦٨، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٨، معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٤، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١٢٢، والبسيط للواحدي-تحقيق الفوزان-: ٣/ ١٠٣٥ - ١٠٣٧، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٠٥، والكشاف للزمخشري: ١/ ٢٧٦، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١٣٩، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١٣٨ - ١٣٩، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٢٥١، والدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٢٥٥، والمفردات للراغب الأصفهاني: ٣٥٤، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٨٧، وغيرها.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩): ص ١/ ١٣٨، وتفسير الطبري (١٢١٠): ص ٢/ ١٩٥.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٢١٢): ص ٢/ ١٩٦.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٠١): ص ١/ ١٣٨، وتفسير الطبري (١٢٠٦): ص ٢/ ١٩٥.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٠٠): ص ١/ ١٣٨.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١٢١٣): ص ٢/ ١٩٦.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٨.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (١٢١٤): ص ٢/ ١٩٦.\n(١٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٨.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (١٢٠٩): ص ٢/ ١٩٥.\n(٢١) أنظر: تفسير الطبري (١٢١٦): ص ٢/ ١٩٦.\n(٢٢) تفسير القرطبي: ١/ ٤٤٩، . لسان العرب: ٧/ ٢٠٤.\n(٢٣) يوانه: ١١٩، وهو يخالف ما رواه الطبري، وقبله:\nإني حلفت برب الراقصات وما ... أضحي بمكة من حجب وأستار\nوبالهدي - إذا احمرت مذارعها ... في يوم نسك وتشريق وتنحار\nوما بزمزم من شمط محلقه ... وما بيثرب من عون وأبكار\nيعني: حلقوا رؤوسهم، وقد تحللوا من إحرامهم وقضوا حجتهم، والشمط جمع أشمط: وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب. فإن صحت رواية الطبري\"شمط مُحَفِّلَةٍ\"، فكأنها من الحفيل والاحتفال: وهو الجد والاجتهاد، يقال منه: رجل ذو حفيل، وذو حفل وحفلة: له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ فيه من الأمور. فكأنه عنى: مجتهدون في العبادة والنسك.","vol":"2","page":377},{"text":"وما بمكة من شُمط مُحَفِّلة ... وما بيثرب من عُونٍ وأبكار\nوجمعها: (عون)، يقال: امرأة عوان من نسوة عون، ومنه قول تميم بن مقبل (١):\nومأتم كالدمي حورٍ مدامعها ... لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا\nالثاني: العوان من البقرة هي التي قد ولدت مرة (٢).\nالثالث: إن العوان النخلة الطويلة، وهي فيما زعموا لغة يمانية (٣).\nالرابع: العوان: التي قد ولدت مرة بعد مرة، قاله مجاهد (٤)، وحكاه أهل اللغة (٥).\nومنه حرب عوان: قد قوتل فيها مرتين فما زاد، يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن، قال زهير (٦):\nإذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل\nوكذلك يقال: (حاجة عوان)، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة، ومنه قول الفرزدق (٧):\nقعود لدى الأبواب طلاب حاجة ... عوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا\nقوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]، \" أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشدّدوا فيشدّد الله عليكم\" (٨).\nقال الثعلبي: \"أي: من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال\" (٩).\nقال السعدي: \" واتركوا التشديد والتعنت\" (١٠).\nالفوائد:\n١. ومنها: استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى. ﵊: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ فأمروه أمرًا، ثم أضافوا ربوبية الله ﷿ إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك؛ فلم يقولوا: \"ادع ربنا\"، أو \"ادع الله\"؛ ومما\n_________\n(١) جمهرة أشعار العرب: ١٦٢، من جيد شعر تميم بن أبي بن مقبل. والمأتم عند العرب: جماعة النساء - أو الرجال - في خير أو شر. قالوا: والعامة تغلط فتظن أن\"المأتم\" النوح والنياحة. والدمى جمع دمية: الصورة أو التمثال، يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها، والعرب تكثر من تشبيه النساء بالدمي. والحور جمع حوراء. والحور أن يشتد بياض بياض العين، وسواد سوادها، تستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حولها. وقوله: \"لم تبأس\" أي لم يلحقها بؤس عيش، أو لم تشك بؤس عيش بئس يبأس بؤسا، فهو بائس وبئيس، افتقر واشتد عليه البؤس. وفي الأصل المطبوع، وفي اللسان (أتم): \"لم تيأس\" بالياء المثناة، وهو خطأ.\n(٢) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢١٠.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٤٩.\n(٤) نقلا عن المحرر الوجيز: ١/ ١٦٢، والقرطبي: ١/ ٤٤٩. قال المحقق: وأخرج قول المجاهد الطبري: ٢/ ٨٩. وهذا خطأ، لأن الطبري لم يخرج عنه بهذا المعنى ولا بنحوه، وإنما أخرج عنه معنى القول الأول، فقال (١٢٠٦): ص ٢/ ١٩٥: \" ولدت بطنا أو بطنين\"، وفي لفظ آخر (١٢٠٧): ص ٢/ ١٩٥: \" العانس النصف\"، ولفظه الآخر (١٢٠٨): ص ٢/ ١٩٥: \"العوان: النصف\"، وفي موضع آخر (١٢١٤): ص ٢/ ١٩٥: \" قد نتجت بكرة أو بكرتين\".\n(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٢.\n(٦) شرح ديوان زهير لثعلب: ١٠٤.\n(٧) ديوان الفرزدق: ٢٢٧، وطبقات فحول الشعراء: ٢٥٦، وتاريخ الطبري: ١٣٨، وغيرها، والشعر في زياد، وقبله:\nدعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لأقربه ما ساق ذو حسب وفرا\nوعند زياد، لو يريد عطاءهم، ... رجال كثير قد يرى بهمُ فقرا\nويروى: قعودا، ورواية ابن سلام\"طالب حاجة\"، ونصب\"أو حاجة بكرا\" عطفا على محل\"حاجة عوان\"، فمحلها نصب بقوله: \"طلاب\".\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٧.\n(١٠) تفسير السعدي: ٥٤.","vol":"2","page":378},{"text":"يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. ﵊. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة.\n٢. ومنها: تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه؛ لقوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾؛ ومع ذلك لم يمتثلوا؛ بل تعنتوا.\nالقرآن\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩]\nالتفسير:\nفعادوا إلى جدالهم قائلين: ادع لنا ربك يوضح لنا لونها. قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصُّفْرة، تَسُرُّ مَن ينظر إليها.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، \"أي: ادع لنا ربك يبين لنا ما لون البقرة التي أمرتنا بذبحها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩]، \" أي إِنها بقرة صفراء، شديدة الصفرة\" (٢).\nواختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿صَفْراءُ﴾ [البقرة: ٦٩]، على ثلاثة أقوال: (٣):\nأحدها: أن معناه: سوداء شديدة السواد. قاله الحسن (٤).\nقال ابن عطية: \" وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل\" (٥).\nوالثاني: أن معناه: صفراء القرن والظلف. قاله سعيد بن جبير (٦)، وفي رواية أشعث عن الحسن (٧).\nوالثالث: أنها صفراء اللون. قاله ابن زيد (٨).\nقال الإمام الطبري: وأحسب أن الذي قال في قوله: (صفراء)، يعني به سوداء، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء، يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الأعشى (٩):\nتلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب\nيعني بقوله: (هن صفر)، هن سود وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد إذا وصفته بالشدة بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك وحانك وحُلكوك، وأسود غِربيب ودَجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع. وإنما تقول: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: (إنها بقرة صفراء فاقع) المتأول، بأن معناه سوداء شديدة السواد (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، \"يعني: خالص لونها\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة\" (١٢).\nقال قتادة: \" هي الصافي لونها\" (١٣). وروي عن أبي العالية (١٤)، والربيع (١٥)، والسدي (١٦)، مثل ذلك.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٩٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٩٩ - ٢٠١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٢١٨)، و(١٢١٩): ص ٢/ ١٩٩. في رواية محمد بن يوسف، وأبي رجاء.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٢٢٢): ص ٢/ ١٩٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٢٠): ص ٢/ ١٩٩.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٢٢٣): ص ٢/ ١٩٩.\n(٩): ٢١٩، والأضداد: ١٣٨، واللسان (صفر)، وغيرها. من قصيدة يمدح بها أبا الأشعث قيس بن معد يكرب الكندي.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٢٠١ - ٢٠١.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٠١.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٧.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٢٢٥): ص ٢/ ٢٠١.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٢٢٦): ص ٢/ ٢٠١.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٢٢٧): ص ٢/ ٢٠١.\n(١٦) أخرجه الطبري (١٢٢٨): ص ٢/ ٢٠١.","vol":"2","page":379},{"text":"وأخرج الطبري عن ابن عباس: \" شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تَبْيَضُّ. وقال أبو جعفر: أُراه أبيض! \" (١). وروي عن ابن زيد مثل قول ابن عباس (٢).\nو(الفقوع)، في الصفر، نظير النصوع في البياض، وهو شدته وصفاؤه، ومنه قول الشاعر (٣):\nحملت عليه الوَرد حتى تركته ... ذليلا يسُف الترب واللون فاقع\nوقرأ الضّحاك: \" ﴿لَوْنُها﴾، قال الثعلبي: \"نصبا كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة\" (٤).\nقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، \" أي تعجب الناظرين\" (٥).\nقال الطبري: أي: تعجب هذه البقرة - في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها - الناظر إليها (٦).\nقال الصابوني: أي: من\"حسن منظرها تسر كل من رآها\" (٧).\nقال قتادة: \" أي تعجب الناظرين\" (٨). وروي عن السدي (٩) مثل ذلك.\nوقال وهب: \" إذا نظرت إليها، يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" تعجبهم من حسنها وصفاء لونها لأنّ العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء، الحسن\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين\" (١٢).\nقال السمين الحلبي: \" و(السرورُ) لَذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهًا به في الصورة وتفاؤلًا بذلك\" (١٣).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله ﷿ بقولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾؛ مرة أخرى.\n٢. ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله ﷿ من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ: \"إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه\" (١٤).\nالقرآن\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠]\nالتفسير:\nقال بنو إسرائيل لموسى: ادع لنا ربك يوضح لنا صفات أخرى غير ما سبق؛ لأن البقر -بهذه الصفات- كثير فاشْتَبَهَ علينا ماذا نختار؟ وإننا -إن شاء الله- لمهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها.\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٢٢٩): ص ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢. أظنه اعترض على كلامه، أراد بأنه إذا خفت الصفرة ابيضت.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١٢٣٠): ص ٢/ ٢٠٢.\n(٣) البيت ورد في تفسير الطبري ص: ٢/ ٢٠٢، ولم أتعرف على قائله. والورد فرسه.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢١٧.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٥٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٢٠٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٣١): ص ٢/ ٢٠٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٣): ص ٢/ ٢٠٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٣٢): ص ٢/ ٢٠٢.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٧.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٧.\n(١٣) الدر المصون: ١/ ٤٢٦، وانر: تفسير النسفي: ١/ ٦٩.\n(١٤) أخرجه البخاري ص ٥، كتاب الإيمان، باب ٢٩: الدين يسر، حديث رقم ٣٩.","vol":"2","page":380},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٧٠]، أي: سله لأجلنا أن يكشف لنا\" أسائمة أم عاملة\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"أي من حيث العمل\" (٢).\nقال البيضاوي: \" تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، \" أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة\" (٤).\nقال البيضاوي: \" أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا\" (٥).\nقال السعدي: \" فلم نهتد إلى ما تريد\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟ ! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله\" (٨).\nو(البقر) جماع بقرة، وقد قرأ بعضهم: (إن الباقر)، وذلك - وإن كان في الكلام جائزا، لمجيئه في كلام العرب وأشعارها، كما قال الأعشى (٩):\nوما ذنبه أن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ [البقرة: ٧٠]، على وجهين (١٠):\nالأول:: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾، وهذه قراءة العامة.\nوالثاني: ﴿إن الباقر﴾، قرأ بها محمد ذو الشامة الأموي. وهو جمع البقر.\nوقوله تعالى: ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠]، في ﴿تَشابَهَ﴾، سبع قراءات:\nأحدها: ﴿تَشابَهَ﴾: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين، وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد.\nوالثاني: وقرأ الحسن: ﴿تَشابهُ﴾، بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين أراد تشابه.\nوالثالث: وقرأ الأعرج: ﴿تَشّابهُ﴾: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء، على معنى: يتشابه.\nوالرابع: وقرأ مجاهد: ﴿تشبّه﴾، كقراءة الأعرج إلّا إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل.\nوالخامس: وفي مصحف أبيّ: ﴿تشابهت﴾، على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر.\nوالسادس: وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿تشّابهت﴾، بتشديد الشين قال أبو حاتم: \"هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلّا في المضارعة\" (١١).\nوالسابع: وقرأ الأعمش: ﴿متشابه علينا﴾، - جعله اسما.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٧.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٧.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٧.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٧.\n(٩) ديوانه: ٩٠، والحيوان ١: ١٩ (وانظر أيضًا ١: ٣٠١، ٦: ١٧٤)، واللسان (ثور) وغيرها. من قصيدة يقولها لبني قيس بن سعد، وما كان بينه وبينهم من قطيعة بعد مواصلة ومودة، وقبل البيت: وإني وما كلفتموني - وربكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحربا\nلكالثور، والجِنِّيّ يضرب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا\nقال الجاحظ: \" كانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم، لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار. . وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء، حتى تمسك البقر عن الشرب، حتى تهلك. . كأنه قال: إذا كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب \".\n(١٠) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٧.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٨.","vol":"2","page":381},{"text":"والصواب في ذلك من القراءة: ﴿إن البقر تَشَابَهَ علينا﴾، بتخفيف (شين): تشابه، ونصب (هائه)، بمعنى: تفاعل، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القراءات، ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠]، \"أي سنتهدي إِلى معرفتها إِن شاء الله\" (٢).\nقال الثعلبي: \" إلى وصفها\" (٣).\nقال البيضاوي: \"أي: إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل\" (٤).\nقال بعض السلف: \"لو لم يقولوا: ﴿إن شاء الله﴾ لم يهتدوا إليها أبدًا\" (٥)، وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله ﷿؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: \"إن الله لم يشأ أن نهتدي\"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم\" (٦).\nالفوائد:\n١. من فوئاد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله ﷿ بقولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ مرة أخرى.\n٢ - ومنها: أهمية الاستثناء في تيسير الأمور وحصول مراد العبد، لذلك قيل \"أنهم لما قرنوا بالمراجعة الأخيرة قولهما: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وفقهم الله لمعرفة ما سالوا عنه ولترك التعنت\" (٧).\nالقرآن\n﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]\nالتفسير:\nقال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم.\nقوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، \"أي: إنها ليست مذللة بالحراثة\" (٨).\nقال أبو السعود: \" أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقى الحرث\" (٩).\nقال الصابوني: \"أي: ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢١١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٨.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٧.\n(٥) أخرج الطبري عن ابن جريج، قال رسول الله ﷺ: إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شُدد الله عليهم؛ وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد\". [تفسير الطبري (١٢٤٢): ص ٢/ ٢٠٥].\nوهو حديث مرسل لا تقوم به حجة. وأخرجه الطبري في موضع آخر عن قتادة (١٢٤٤) مرسلا. وذكر معناه ابن كثير: (١/ ٣٠٠)، من تفسيرى ابن أبي حاتم وابن مردويه، بإسناديهما، من رواية الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعا: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوا لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا، فشدد الله عليهم\".\nقال ابن كثير: \" وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي \". [تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠].\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٧.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٢٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.","vol":"2","page":382},{"text":"قال قتادة: \" ليست بذلول تثير الأرض\" (١).\nقال مجاهد: \" ليست بذلول فتفعل ذلك\" (٢).\nقال الحسن: \" كانت وحشية\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: لا\" مذلّلة بالعمل\" (٤).\nواختلفت اقراءة في قوله تعالى: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١]، على وجهين (٥):\nالأول: قرأ الجمهور ﴿لا ذَلُولٌ﴾، بالرفع على، الصفة لبقرة.\nقال الأخفش: \"لا ذلول\" نعته ولا يجوز نصبه\" (٦).\nوالثاني: وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ﴿لا ذلولَ﴾ بالنصب على النفي والخبر مضمر.\nقال القرطبي: \"ويجوز: لا هي ذلول، لا هي تسقى الحرث، هي مسلمة (٧). بالنصب.\nواختلف في قوله تعالى ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، على وجهين:\nالأول: قال الجمهور: بأن البقرة لا تثير الأرض، قال الحسن: \"وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث\" (٨). قال الإمام القرطبي: \"والوقف ههنا حسن\" (٩).\n٢ - وقال قوم: \"تثير\" فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقي، والوقف على هذا التأويل ﴿لا ذلول﴾.\nوالقول الأول أصح لوجهين (١٠):\nأحدهما: ما ذكره النحاس، عن علي بن سليمان أنه قال: \"لا يجوز أن يكون ﴿تثير﴾ مستأنفا، لأن بعده ﴿ولا تسقي الحرث﴾، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و﴿لا﴾ \" (١١).\nالثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله: ﴿لا ذَلُولٌ﴾.\nقال الإمام القرطبي: ويحتمل أن تكون ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ في غير العمل مرحا ونشاطا، كما قال امرؤ القيس (١٢):\nيهيل ويذري تربه ويثيره ... إثارة نباث الهواجر (١٣) مخمس\nأي: تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا، فعلى هذا يكون ﴿تثير﴾ مستأنفا، ﴿ولا تسقي﴾ معطوف عليه، فتأمله (١٤).\nو(إثارة الأرض): \"تحريكها وبحثها، ومنه الحديث: \"أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين\" وفي رواية أخرى: \"من أراد العلم فليثور القرآن\" وقد تقدم. وفي التنزيل: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ﴾ [الروم: ٩] أي قلبوها للزراعة. والحرث: ما حرث وزرع\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]، \"أي ليست بساقية\" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٢): ص ٢/ ٢١٣.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٥٢): ص ٢/ ٢١٣.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٥٤): ص ٢/ ٢١٣.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٨.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٢.\n(٦) نقل عنه القرطبي: ١/ ٤٥٢، ولم أجده فلم معاني القرآن ولا الحجة للقراء السبة، ولا السبعة في القراءات.\n(٧) تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٢.\n(٨) تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٣.\n(٩) تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٣.\n(١٠) أنظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٣.\n(١١) إعراب القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(١٢) ديوان امرىء القيس، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦: ص ٨٧، وجمهرة اللغة: ٢/ ٤٢، ونبات الهواجر: يعني رجل اشتد عليه حر الهاجرة، فجعل ينبت التراب، أي: يثيره ويستخرجه ليصل إلى برد الثرى، فيباشره، يدفع بذلك شدة الحر والعطش، والمخمس: الذي ترد إبله الخمس، فشبه الثور بهذا الرجل المخمس في فعله هكذا.\n(١٣) قوله (نبات الهواجر) يعني الرجل الذي إذا اشتد عليه الحر هال التراب ليصل إلى ثراه. والعسر: صاحب الابل التي ترد خمسا.\n(١٤) تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٣. وانظر: الدر المصون في علم الكتاب المكنون: ١/ ٣٢٤.\n(١٥) تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٣.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ١٠٨.","vol":"2","page":383},{"text":"قال قتادة: \" ولا تسقي الحرث\" (١).\nقال ابن كثير: أي\"ولا معدة للسقي في السانية، بل هي مكرمة حسنة صبيحة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: ٧١]، \"أي: صحيحة لا عيب فيها\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي سلَّمها الله تعالى من العيوب\" (٤).\nواختلف أهل التفسير في المعنى الذي سلمت منه، فوصفها الله بالسلامة منه، وذكرو فيه وجهين (٥):\nاحدهما: مسلمة من الشية، أي: لا بياض فيها ولا سواد. قاله مجاهد (٦).\nوالثاني: مسلمة من العيوب. قاله ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، وأبو العالية (٩)، والربيع (١٠).\nوالقول الثاني هو الصحيح، \"لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان في قوله: ﴿مسلمة﴾ مُكْتَفًى عن قوله: ﴿لا شية فيها﴾، وفي قوله: ﴿لا شية فيها﴾، ما يوضح عن أن معنى قوله: ﴿مُسَلَّمة﴾، غير معنى قوله: ﴿لا شية فيها﴾ \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]، أي: \" لا لون فيها يخالف لون جلدها\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: ليس فيها لون غير لونها\" (١٣).\nقال أبو السعود: \" أي لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدِها حتى قَرْنُها وظِلْفُها\" (١٤).\nقال الزجاج: \" أي ليس فيها لون يفارق لونها، والوَشى في اللغة خلطُ لون بلون\" (١٥).\nوأصله من: وشي الثوب، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره: (واش)، لكذبه عليه عنده، وتحسينه كذبه بالأباطيل، يقال منه: وشيت به إلى السلطان وشاية، ومنه قول كعب بن زهير (١٦):\nتسعى الوشاة جَنَابَيْها وقولهُمُ ... إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتول\nو(الوشاة) جمع (واش)، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي ﷺ قتله.\nوقد زعم بعض أهل العربية أن (الوشي)، العلامة، وذلك لا معنى له، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام، لأنه معلوم أن القائل: وشيت بفلان إلى فلان غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة، وإنما قيل: (لا شية فيها) وهي من \" وشيت \"، لأن (الواو) لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها (الهاء) في آخرها، كما قيل: وزنته زنة ووسن سِنة ووعدته عِدة ووديته دِية (١٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٢): ص ٢/ ٢١٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠.\n(٤) تفسير أبو السعود: ١/ ١١٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٢٥٥)، و(١٢٥٦)، و(١٢٥٧): ص ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٦٢): ص ٢/ ٢١٤.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٢٥٨): ص ٢/ ٢١٤.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١٢٦٠): ص ٢/ ٢١٤.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٢٦١): ص ٢/ ٢١٤.\n(١١) انظ: تفسير الطبري: ٢/ ٢١٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٥.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠.\n(١٤) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ١٥٢.\n(١٦) ديوانه: ١٩، وسيرة ابن هشام ٤: ١٥٣، والروض الأنف ٢: ٣١٤، والفائق (قحل) ورواية الديوان \" بجنبيها \" ورواية ابن هشام: \" تسعى الغواة \". وقوله: \" جنابيها \". والجناب: الناحية، ويريد ناحية الجنب. يقال: \" جنبيه، وجانبيه، وجنابيه، . والضمير في قوله: \" جنابيها \" لناقته التي ذكرها قبل. وقوله: \" وقولهم: إنك. . \"، حال، أي: وهم يقولون، والمعنى يكثرون القول عليه: إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول، كأنهم لا يقولون غير ذلك، ترهيبا له وتخويفا.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢١٥ - ٢١٦.","vol":"2","page":384},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، \"أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ\" (٢).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، على ثلاثة أوجه (٣):\nأحدهما: الآن بينت لنا الحق، فتبيناه، وعرفنا أيّة بقرة عنيت. قاله قتادة (٤).\nوالثاني: يعني: \"الآن عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادق\". قاله الشيخ ابن عثيمين (٥).\nواستدل بأن \" (الحق) هنا ضد الهزء، والباطل؛ يدل على ذلك أنهم صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أتتخذنا هزوًا﴾؛ فبعد هذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله ﷿ قالوا: الآن جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزئًا بنا؛ بل إنك جادّ فيما تقول\" (٦).\nالثالث: معناه: أنه حين بيّنها لهم، قالوا هذه بقرة فلان، الآن جئت بالحق فيها. قاله ابن زيد (٧).\nأي: \"أنه ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك\" (٨).\nوالقولين الأول والثاني، تحتملهما الآية، والقول الأول هو الأقرب، أي: الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها، فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾.\nقال الإمام الطبري: \" وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: ﴿الآن جئت بالحق﴾، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر، وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم\" (٩).\nقوله تعالى ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ [البقرة: ٧١]، أي: \"فذبح قوم موسى البقرة \" (١٠).\nقال الزمخشري: \" أى: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها، فذبحوها\" (١١).\nقال أيو السعود: \"أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، أي: \" وقد قاربوا أن يَدَعوا ذبحها\" (١٣).\nوقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك، وذكرا فيه ثلاثة أقوال (١٤):\nأحدها: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها.\nقاله محمد بن كعب القرظي (١٥)، ومحمد بن قيس (١٦)، وروي نحوه عن مجاهد (١٧)، ووهب بن منبه (١٨)، ورواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وعبيدة، (٢١) وابن زيد (٢٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٥٢.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢١٧ - ٢١٨.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٢): ص ٢/ ٢١٧.\n(٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٨.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٣): ص ٢/ ٢١٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٨.\n(١١) الكشاف: ١/ ١٥٢.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٢١٩ - ٢٢٠.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٤): ص ٢/ ٢١٩.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٦): ص ٢/ ٢١٩.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٠)، و(١٢٨١): ص ٢/ ٢٢٠.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٢): ص ٢/ ٢٢٠.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٣): ص ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٤): ص ٢/ ٢٢١.\n(٢١) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٥): ص ٢/ ٢٢١.\n(٢٢) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٨): ص ٢/ ٢٢١.","vol":"2","page":385},{"text":"وروي عن السدي: قال \"اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها\" (١).\nوعن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: اشتروها بملء جلدها دنانير\" (٢).\nوهذا الوجه فيه نظر، \"لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وفيه اختلاف،، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. عن عكرمة، قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا\" (٣).\nوالثاني: وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وهذا قول وهب (٤).\nوالثالث: وقيل: لصغر خطرها وقلة قيمتها، كما روي ذلك عن عكرمة (٥).\nوروي عن الحسن قال: \" كانت وحشية\" (٦).\nوالرابع: أنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. قاله الزمخشري (٧).\nقلت: هذا الذي ذهب إليه الزمخشري وجه حسن، يحتمله الآية. والله أعلم.\nوعند الإمام الطبري: العلتان الأولى والثانية صحيحتان، إحداهما غلاء ثمنها، والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله (٨).\nواعترض ابن كثير على ترجيح الإمام الطبري، قائلا: \"وفي هذا نظر، بل الصواب - والله أعلم - رواية الضحاك، عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها، يعني أنَّهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها (٩).\nوكان ابن عباس يقول: \"إن القوم، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق\" (١٠).\nيقول العلامة السعدي: \" واعلم أن كثيرا من المفسرين ﵏، قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله ﷺ: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج \" (١١)، والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله ﷺ، وذلك أن مرتبتها كما قال ﷺ: \" لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٧٨): ص ٢/ ٢٢٠.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٧٩): ص ٢/ ٢٢٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٩): ص ٢/ ٢٢١.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٨): ص ٢/ ٢٢١.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٥٤): ص ٢/ ٢١٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ١٥٢.\n(٨) انظ: تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠١.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٩٠): ص ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(١١) سنن أبي داود (٣٦٦٢): ص ٣/ ٣٢٢، ومصنف ابن أبي شيبة (١٨٢): ص ٦/ ٢٣٦.","vol":"2","page":386},{"text":"تُكَذِّبُوهُمْ\" (١)، فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل\" (٢).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن من شدد على نفسه شدد الله عليه. كما حصل لهؤلاء؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر.\n٢. ومنها: بيان ما يدل أيضًا على تعنتهم؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة.\n٣. ومنها: أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديمًا معروفًا بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية.\n٤. ومنها: تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضًا ولا بكرًا؛ وأن تكون صفراء فاقعًا لونها تسر الناظرين؛ وألا تكون ذلولًا تثير الأرض وتسقي الحرث؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب.\nوألا يخالط لونها لون آخر؛ لقوله: (لا شية فيها).\n٥. ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا: ﴿الآن جئت بالحق﴾؛ فكأنهم يقولون: الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضض؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله ﷿.\n٦. ومنها: تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.\n٧. ومنها: تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢]\nالتفسير:\nواذكروا إذ قتلتم نفسًا فتنازعتم بشأنها، كلٌّ يدفع عن نفسه تهمة القتل، والله مخرج ما كنتم تخفون مِن قَتْل القتيل.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة ٧٢]، أي\" واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا\" (٣).\nقال الماوردي: \" يعني من قتل الإسرائيلي؟ الذي قتله ابن أخيه\" (٤).\nوهذا الكلام مقدم على أول القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا. وهذا الأسلوب كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قِيَمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] أي أنزل على عبده قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله كثير في القرآن الكريم (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة ٧٢]، أي: فاختلفتم فِيها (٦).\nقال الطبري: \" يعني فاختلفتم وتنازعتم\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي تدافعتم، أي ألقى بعضكم على بَعْض\" (٨).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٢٥٣٩): ص ٢/ ٩٥٤.\n(٢) تفسير السعدي: ٥٥ - ٥٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٢.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ١٤٢.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٥.\n(٦) انظر: البخاري-فتح-: ٦/ ٥٠٧. وهذا القول قول ابن عباس ومجاهد والسدي، انظر تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٨، وجامع البيان للطبري: ٢/ ٢٢٢، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٠١، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١٤٢. كما قال به أبو عبيدة في مجاز القرآن: ١/ ٤٥، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ١/ ٥٤، وابن جرير في جامع البيان: ٢/ ٢٢٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٢.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٥٣.","vol":"2","page":387},{"text":"قال مجاهد: \" اختلفتم فيها\" (١).\nوقال عطاء الخراساني: \" اختصمتم فيها\" (٢).وروي عن الضحاك مثل ذلك (٣).\nوروي عن ابن جريج: \" قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه\" (٤).\nواختلف في الأصل اللغوي لقوله ﴿فَادَّارَأْتُم﴾ [البقرة: ٧٢]، على ثلاثة أوجه (٥):\nالأول: أن (الَّدْرءَ): العوج (٦)، ومنه قول أبي النجم العجلي (٧):\nخشية ضَغّام إذا هم جَسَر ... يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر\nيعني: ذا العوج والعسر.\nقال رؤبة بن العجاج (٨):\nأدركتها قدام كل مِدْرَهِ ... بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ\nوالثاني: الدفع (٩)؛ والمعنى: دفع ذلك بعضهم عن بعض (١٠)، قال أبو عبيد: \"وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك\" (١١).\nومنه حديث قيس بن السائب: \"كان رسول الله ﷺ شريكي، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري\" (١٢). قال الواحدي: وكل من دفعته عنك فقد دارأته، قال أبو زبيد (١٣):\nكانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ ... اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٩٢): ص ٢/ ٢٢٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٤٧): ص ١/ ١٤٤.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/! ٤٤.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٩٤): ص ٢/ ٢٢٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٢.\n(٧) لم أجد البيت في مكان إلا تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٢.\n(٨) ديوانه: ١٦٦ من قصيدة يصف بها نفسه. والضمير في قوله: \" أدركتها \" إلى ما سبق في رجزه. وَحقّةٍ ليست بقول التره\nوقوله: \" حقة \"، يعني خصومة أو منافرة أو مفاخرة، أو ما أشبه ذلك. والمدره: هو المدافع الذي يقدم عند الخصومة، بلسان أو يد. والعنجه والعنجهي: ذو الكبر والعظمة حتى كاد يبلغ الجهل والحمق ومنه العنجهية.\n(٩) أنظر: لسان العرب: (درأ): ص ١/ ٧١.\n(١٠) وقال بعضهم معناه: تدافعتم، انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٥٣، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١٤٢، والدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٢٦٢، ووضح البرهان للنيسابوري: ١/ ١٤٤ وغيرها، وقال الألوسي في روح المعاني: ١/ ٢٩٣ (فَادَّارَأتُم فيهَا) أصله: تدارأتم من الدرء، وهو الدفع ... والتدارؤ هنا إما مجازًا عن الاختلاف والاختصام أو كناية عنه؛ إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر، أو مستعمل في حقيقته، أعني التدافع بأن طرح قتلَها كلٌ عن نفسه إلى صاحبه، فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس طرح الصاحب، وكل من الطارحين دافع فتطارحهما تدافع، وقيل: إن كلًا منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة، فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت متهم، والآخر: بل أنت المتهم وأنا البريء، ولا يخفى أن ما ذكر-على ما فيه-بالمجاز أليق).\n(١١) غريب الحديث: ١/ ٣٣٧، وانظر: تهذيب اللغة\" (درى) ٢/ ١١٨١، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٩.\n(١٢) لحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" عن قائد السائب عن السائب، وعن مجاهد عن السائب بن أبي السائب ٣/ ٤٢٥. وأبو داود عن قائد السائب عن السائب. \"سنن أبي داود\" كتاب الأدب، باب: كراهية المراء. وابن ماجه عن قائد السائب عن السائب (٢٢٨٧) كتاب: التجارة، باب: الشركة والمضاربة.\nوأخرجه الطبري عن السائب، وقد تكلم شاكر في حاشية الطبري عن الحديث وبين ما في سنده من ضعف، وما في الحديث من اضطراب. \"تفسير الطبري\" مع \"حاشية شاكر\" ٢/ ٢٢٣.\nوالحديث أورده أبو عبيد في \"الغريب\" ١/ ٣٣٦، ٣٣٧. والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (درى) ٢/ ١١٨١. وذكر الحديث ابن حجر في \"الإصابة\" وقال: (أخرجه البغوي والحسن بن سفيان وغيرهما من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد، وأخرجه أبو بشر الدولابي في \"الكنى\" من هذا الوجه، لكنه قال: أبو قيس بن السائب كذا عنده، وقيس بن السائب أصح ...).\n\"الإصابة\" ٣/ ٢٣٨. [حاشية التفسير البسيط: ٣/ ٦٠].\n(١٣) البيت من قصيدة لأبي زبيد رثى بها ابن أخته، (الشغب): تهييج الشر، و(المرّيد): مبالغة في المارد، يقول: كان دفعك عني بعد الله يرد عني شر كل مريد. ورد البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٠٢، \"اللسان\" (درأ) ٣/ ١٣٤٧، و(شغب) ٤/ ٢٢٨٣، \"الخزانة\" ٩/ ٧٦.\nوأبو زبيد: هو حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور، أدرك الإسلام واختلف في إسلامه. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٨٥، و\"الإصابة\" ٤/ ٨٠، \"الخزانة\" ٤/ ١٩٢.","vol":"2","page":388},{"text":"يعني كان دفعك (١).\nوأصله: (تدارأتم)، ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول\" (٢)، ومنه قول الشاعر (٣):\nتُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ\nومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، إنما هو: تداركوا، ولكن التاء منها أدغمت في الدال، فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف - إذ وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل يقال: اداركوا، وادارءوا.\nوالثالث: التدافع، أي: فتدافعتم في القتل. من قول القائل: درأت هذا الأمر عني، ومن قول الله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور: ٨]، بمعنى يدفع عنها العذاب.\nوهذا قول قريب المعنى من القول السابق، لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله (٤).\nوفي سبب قتله قولان (٥):\nأحدهما: لابنة له حسناء احب أن يتزوجها ابن عمها فمنعه عمه، فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك، وقيل: ألقاه بين قريتين (٦).\nالثاني: قتله طلبا لميراثه، فإنه كان فقيرا وادعى قتله على بعض الأسباط. قاله قتادة (٧)، وابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، محمد بن كعب القرظي (١٠)، ومحمد بن قيس (١١)، وعبيدة (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]، \" أي مظهر ما تخفونه\" (١٣).\nقال الواحدي: أي: \" من أمر القتيل\" (١٤).\nقال الطبري: \"، والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل، لا يتركه مكتومًا\" (١٦).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن مجاهد: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾، قال: ما تغيبون\" (١٧).\n_________\n(١) أنظر: اللسان (درأ): ص ١/ ٧١.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٦١.\n(٣) لم أعرف قائله. والبيت ورد في: معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٣٨، وتفسير الطبري\" ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥.، و١٠/ ١٣٣، \"تفسير القرطبي: ٨/ ١٤٠.\nوساف الشيء يسوفه سوفا واستافه: دنا منه وشمه. واستعاره للقبلة، كما استعاروا الشم للقبلة، لأن دنو الأنف يسبق ما أراد المريد، و(الخصر): البارد من كل شيء، ويريد الريق.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٥.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٩٨): ص ٢/ ٢٢٦.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٢٩٩): ص ٢/ ٢٢٦.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١٣٠٠): ص ٢/ ٢٢٧.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٣٠٠): ص ٢/ ٢٢٧.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٢٩٩): ص ٢/ ٢٢٦.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١٣٠١): ص ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١٤) التفسير البسيط: ٣/ ٦٣.\n(١٥) تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٨.\n(١٦) الكشاف: ١/ ١٥٣.\n(١٧) تفسير ابن أبي حاتم (٧٤٨): ص ١/ ١٤٤، وتفسير الطبري (١٣٠٣)، و(١٣٠٤): ص ٢/ ٢٢٩.","vol":"2","page":389},{"text":"ومعنى (الإخراج)، -هنا-: \"الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه، وإطلاعهم عليه، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه .. والذي كانوا يكتمونه فأخرجه، هو قتل القاتل القتيل .. حتى أظهره الله وأخرجه، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره\" (١).\nالفوائد:\n١.من فوئاد الآية: أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله ﷿؛ يعني مثلًا إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله ﷾ علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع.\n٢. ومنها: أن الله ﷾ يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس؛ لقوله تعالى: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾؛ واذكروا قول الله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾ [النساء: ١٠٨].\n٣. ومنها: التحذير من أن يكتم الإنسان شيئًا لا يرضاه الله ﷿؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئًا مما لا يُرضي الله ﷿ فإن الله سوف يطلع خلقه عليه. إلا أن يعفو الله عنه.\n٤. ومنها: القاتل بغير حق لا يرث من المقتول شيئًا لحديث عمر سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ\" (٢) وفي السنن الكبرى للبيهقي \"ليس للقاتل من الميراث شيء\" (٣)، والحكمة في ذلك تهمة استعجال موته والقاعدة: أن من تعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ٠\nواختلف العلماء في القتل المانع من الميراث على أقوال:\nالقول الأول: لايرث القاتل مطلقًا ولو كان بحق كقاضٍ ومنفذ قصاص وشاهدٍ عليه ونحو ذلك وكذا لو قتله خطأً كنائمٍ ومجنون وطفلٍ أو ضربه لتأديب أو بط جرحه لمعالجة فمات فلا يرث، ومن باب أولى قاتل العمد، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي (٤).\nالقول الثاني: المانع من الإرث هو القتل بغير حق وهو المضمون بقودٍ أو ديةٍ أو كفارة كالعمد وشبه العمد والخطأ وما جرى مجرى الخطأ كقتل الصبي والمجنون والنائم فلا يرثون، وسواء كان القتل بمباشرة أو سبب مثل أن يلقي قشر موز أو بطيخ بطريق فيهلك به مورثه فلا يرثه لأنه قاتل كالمباشر أو يكون القتل بسبب جناية مضمونة من بهيمة لكونها ضارية أو لكون يده عليها، وسواء انفرد بالقتل أو شارك فيه غيره لأن شريك القاتل قاتل وكذا لو قتله بسحر فلا يرثه ولو شربت الحامل دواء فأسقطت جنينها لم ترث من الغرة شيئًا بجنايتها المضمونة، وأما القتل بحق كالقتل قصاصًا وحدًا ودفعًا عن نفسه وقتل الباغي أو قصد مصلحته بسقيه دواءً أو قتل بشهادة حق من وارثه أو زكي الشاهد عليه بحق أو حكم بقتله بحق ونحو ذلك فهذا يرث وهذا مذهب الحنابلة (٥).\nالقول الثالث: لا يرث القاتل عمدًا وأما من قتل خطأً فيرث المال لأنه لم يتعجل قتله ولا يرث من الدية لأنها واجبةٌ عليه فكيف يرث شيئًا وجب عليه وهو مذهب المالكية (٦).\nالقول الرابع: المانع من الإرث هو ما أوجب قصاصًا أو كفارة كالعمد وشبهه والخطأ الموجب للكفارة وهو ما باشره بنفسه كانقلاب نائم على شخصٍ فقتله أو سقط عليه من أعلى كسطح بيت فقتله فهنا لا يرث، وأما الخطأ الذي لا يوجب كفارة فلا يمنع من الميراث كقتل الصبي والمجنون أوكان القتل فيه بسببه دون مباشرته\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٨.\n(٢) رواه مالك في الموطأ وأحمد\n(٣) تيسير فقه المواريث ٤٩\n(٤) انظر: حفة المحتاج ٦/ ٤١٧، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٨.\n(٥) انظر: شرح منتهى الإرادات ٤/ ٦٦٣، وكشاف القناع ١٠/ ٥١٧.\n(٦) الشرح الصغير ٢/ ٥١٣، وحاشية الدسوقي ٤/ ٤٨٦.","vol":"2","page":390},{"text":"كما لو حفر بئرًا فسقط فيه مورثه فمات أو وضع حجرًا في الطريق فعثرت فيه دابة مورثه فسقط فمات أو نحو ذلك فهذا لا يمنع من الميراث وهو مذهب الأحناف (١).\nوالراجح - والله أعلم- مذهب الحنابلة لأن الحكم بمنع من تسبب في القتل الخطأ من الميراث فيه سدٌ لذريعة القتل وطلبًا للتحرز عنه، وأما منع الشافعية للقاتل بحق من الميراث ففيه تعطيلٌ للحدود ومنعًا لإستيفاء الحقوق المشروعة كقتال الباغي ونحو ذلك (٢).\nالقرآن\n﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣]\nالتفسير:\nفقلنا: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة المذبوحة، فإن الله سيبعثه حيًا، ويخبركم عن قاتله. فضربوه ببعضها فأحياه الله وأخبر بقاتله. كذلك يُحيي الله الموتى يوم القيامة، ويريكم- يا بني إسرائيل- معجزاته الدالة على كمال قدرته تعالى؛ لكي تتفكروا بعقولكم، فتمتنعوا عن معاصيه.\nقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣]، \"أي اضربوا هذا القتيل ببعض هذه البقرة\" (٣).\nقال المراغي: \" أي اضربوا المقتول ببعض البقرة .. وإنما أمرهم بالضرب ولم يضرب بنفسه نفيا للتهمة، كيلا ينسب إلى السحر والشعوذة\" (٤).\nواختلفوا في ذلك البعض الذي ضربوا القتيل على أقوال (٥):\nأحدها: العضم الذي يلي الغضروف. قاله ابن عباس (٦).\nوالثاني: فخذها. قاله مجاهد (٧)، وعكرمة (٨)، وقتادة (٩).\nوالثالث: وقيل: البضعة بين الكتفين. قاله السدي (١٠).\nوالرابع: عضم من عضامها. قاله أبو العالية (١١).\nوالخامس: وقيل: ببعض آرابها (١٢). قاله ابن زيد (١٣).\nقلت: والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: ﴿اضربوه ببعضها﴾ والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير.\nقال ابن عثيمين: \" ولم يعين الله تعالى البعض: أهو الساق؛ أو الفخذ؛ أو الرقبة؛ أو الرأس، أو أيّ جزء من أجزائها، فليس لنا أن نعينه بجزء منها\" (١٤).\nوقال الطبري: \"لا دلالة في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة، على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٦/ ٨٢٠ – ٨٢١. وانظر: التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية، الشيخ صالح الفوزان: ٥٤ والوجيز للهاشم، الشيخ صالح الفوزان: ص ٤٨.\n(٢) التحقيقات المرضية: ٥٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٤٥.\n(٥) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١١٦. وتفسير الطبري: ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٥١): ص ١/ ١٤٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٣٠٥): ص ٢/ ٢٢٩، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٤٥.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٣٠٧): ص ٢/ ٢٣٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٥٢): ص ١/ ١٤٥.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١٣١٠): ص ٢/ ٢٢٩، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٤٥.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٣١١): ص ٢/ ٢٣٠.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٣١٢): ص ٢/ ٢٣١.\n(١٢) آراب جمع إرب (بكسر فسكون): وهو العضو، يقال: قطعه إربا إربا، أي عضوا عضوا.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٣١٣): ص ٢/ ٢٣١.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.","vol":"2","page":391},{"text":"وغضروف الكتف، وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله\" (١).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]، \"أي مثل إحياء هذا القتيل يحيي الله ﷿ الموتى\" (٢).\nقال المراغي: \" أي مثل ذلك الإحياء العجيب يحيى الله الموتى يوم القيامة\" (٣).\nقال الحسن: \"فضربوه ببعضها، فقام حيا، فقال: قتلني فلان، ثم مات، لم يزد على ذلك\" (٤).\nوالخطاب في قوله تعالى:: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]، يحتمل وجهين (٥):\nالأول: إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة وَيُرِيكُمْ آياتِهِ\nودلائله على أنه قادر على كل شيء ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾،\nتعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث.\nوالثاني: وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه ﷺ.\nقوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٧٣]، \"أي يظهرها لكم حتى تروها\" (٦).\nقال الطبري: \": ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد ﷺ، وبما جاء به من عند الله - من آياته وآياته: أعلامه وحججه الدالة على نبوته\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بـ \"الآيات\" هنا الآيات الكونية؛ لأنها إحياء ميت بضربه بجزء من أجزاء هذه البقرة؛ ويحتمل أن يكون المراد آياته الشرعية أيضًا؛ لأن موسى﵊- أمرهم بذلك؛ فضربوا الميت ببعض هذه البقرة؛ فصار ذلك مصداقًا لقول موسى. ﵊\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، أي لأجل أن تعقلوا عن الله تعالى آياته، وتفهموها\" (٩).\nقال القاسمي: أي: \" على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى\" (١٠).\nقال الطبري: \" لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق، فتؤمنوا به وتتبعوه\" (١١).\nقال الصابوني: \" لتتفكروا وتتدبروا وتعلموا أن الله على كل شيء قدير\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي لعلكم تفقهون أسرار الشريعة وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما يأمركم به\" (١٣).\nقال البغوي: \"قيل: تمنعون أنفسكم من المعاصي\" (١٤).\nوقال الواحدي: \" أي لعلكم تمتنعون من عصيانه\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٣١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٤٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٤): ص ١/ ١٤٥.\n(٥) أنظر: تفسير الكشاف: ١/ ١٥٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.\n(١٠) محاسن التأويل: ١/ ٣٢٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ١٤٥.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ١٠٩.\n(١٥) البحر المحيط: ١/ ٢٢٢.","vol":"2","page":392},{"text":"وذكر الآلوسي في قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]: ثلاة أوجه (١):\nالأول: لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها، لعدم الاختصاص، قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\nوالثاني: لكي يكمل عقلكم.\nوالثالث: لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم.\nقال ابن عثيمين: \" والعقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء؛ الذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكيًا، ولكنه ليس بعاقل\" (٢).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾.\n٢. منها: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم؛ لقوله تعالى: ﴿ببعضها﴾؛ فقد أبهمه الله؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع؛ لأن المقصود الآية.\n٣. ومنها: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ببعضها﴾؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثًا أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: \"يا رسول الله .. \" كذا وكذا؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل؛ وهذا ليس بلازم؛ المهم معنى القصة، وموضوعها؛ أما أن تعرف من هذا الرجل؟ من هذا الأعرابي؟ ما هذه الناقة مثلًا؟ ما هذا البعير؟ فليس بلازم؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه؛ فلا يضر الإبهام. اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين.\n٤. ومن فوائد الآية: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط؛ فإذا قيل لك: \"افعل بعض هذه الأشياء\" يكون أسهل مما إذا قيل لك: \"افعل هذا الشيء بعينه\"؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة. والله أعلم.\n٥. ومنها: أن هذه الآية من آيات الله ﷿. وهي أن تكون البقرة سببًا لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى.\nالقرآن\n﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ [البقرة: ٧٤]\nالتفسير:\nولكنكم لم تنتفعوا بذلك؛ إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت، فلم يَنْفُذ إليها خير، ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها، حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء، بل هي أشد منها غلظة؛ لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا، فتصير أنهارًا جاريةً، ومن الحجارة ما يتصدع فينشق، فتخرج منه العيون والينابيع، ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه. وما الله بغافل عما تعملون.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤]، \" أي: اشتدت وغلظت، فلم تؤثر فيها الموعظة\" (٣).\nقال أبو العالية: \" يعني به بني إسرائيل\" (٤). وروي عن ابن عباس (٥) مثل ذلك.\nقال الصابوني: \"أي صلبت قلوبهم يا معشر اليهود فلا يؤثر فيها وعظٌ ولا تذكير\" (٦).\n_________\n(١) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٩٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٠.\n(٣) تفسير السعدي: ٥٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٥): ص ١/ ١٤٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٦): ص ١/ ١٤٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.","vol":"2","page":393},{"text":"قال ابن عطية: \" أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى\" (١).\nقال البيضاوي: \" القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة، كما في الحجر. وقساوة القلب مثل في نبوه عن الاعتبار\" (٢).\nقال الزمخشري: \" وصفة القلوب بالقسوة والغلظ، مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها\" (٣).\nوفي المشار إليهم بها في قوله تعالى: ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤]، قولان (٤):\nاحدهما: جميع بني اسرائيل. وهو الظاهر.\nوالثاني: القاتل. قال ابن عباس: \" أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ ذلك﴾ [البقرة: ٧٤]، \"أي من بعد رؤية المعجزات الباهرة\" (٦).\nقال قتادة: \" من بعد ما أراهم ما أحيا من الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل ما أراهم\" (٧).\nقال البيضاوي: \" يعني إحياء القتيل، أو جميع ما عدد من الآيات فإنها مما توجب لين القلب\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأن ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده\" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ ذلك﴾ [البقرة: ٧٤]، يحتمل وجهين من التفسير (١٠):\nالأول: أن ﴿ذلِكَ﴾، إشارة إلى إحياء القتيل. فيكون الخطاب لجميع بني اسرائيل. قاله قتادة (١١).\nوالثاني: أنه اشارة الى كلام القتيل، فيكون الخطاب للقاتل.\nوالثاني: أنه اشارة إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة، من مسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وانبجاس الماء وإحياء القتيل.\nقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ [البقرة: ٧٤]، أي: \" فهي في قسوتها مثل الحجارة\" (١٢).\nقال البيضاوي: أي: \" أنها في القساوة مثل الحجارة\" (١٣).\nقال الصابوني: \"أي: بعضها كالحجارة\" (١٤).\nوالحَجَر: \"الجوهر الصلب المعروف، وجمعه:\nأحجار وحِجَارَة\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، أي: \"وبعضها أشد قسوة من الحجارة\" (١٦).\nقال البيضاوي: \" أو أزيد عليها\" (١٧).\nقال السعدي: \" أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار\" (١٨).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٨.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٥٥.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ١٠٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٩٠): ص ٢/ ٢٢٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٧): ص ١/ ١٤٦.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٨.\n(٩) تفسير السعدي: ٥٥.\n(١٠) أنظر: الكشاف: ١/ ١٥٥، وزاد المسير: ١/ ١٠٣.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٥٧)، و(٧٥٨): ص ١/ ١٤٦.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٥٥.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٨.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١٥) المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني: ٢٢٠.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.\n(١٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٨.\n(١٨) تفسير السعدي: ٥٥.","vol":"2","page":394},{"text":"قال ابن عباس: \" وقست قلوبهم بعد ذلك، حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة\" (١).\nوقرأ أبو حياة: ﴿أو أشد قساوة﴾ (٢)، وقال الكسائي: \" القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة\" (٣).\nوفي قراءة الأعمش ﴿أشدَّ﴾، بنصبِ (الدال)، عطفًا على الحجارة (٤).\nقوله تعالى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ذكروا في ﴿أو﴾، من التأويل الصحيح وجوه (٥):\nأحدها: أنها على جهة الإبهام على المخاطب.\nفقالوا: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب (أو)، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وكقول الله جل ذكره: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] الإبهام على من خاطبه، فهو عالم أي ذلك كان، قالوا: ونظير ذلك قول القائل: أكلت بسرة أو رطبة، وهو عالم أي ذلك أكل، ولكنه أبهم على المخاطب، كما قال أبو الأسود الدؤلي (٦):\nأُحِبُّ محمدًا حُبًَّا شديدًا ... وعَبَّاسًا وحمزةَ أو عَلِيَّا\nفإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا\nقالوا: ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت! فقال: كلا والله! ثم انتزع بقول الله ﷿: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [السبأ: ٢٤] (٧)، فقال: أَوَ كان شاكا من أخبر بهذا في الهادي من الضلال.\nقال السمين الحلبي: \" وإنما قَصَد ﵀ الإِبهامَ على المخاطب\" (٨).\nوالثاني: وقيل: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين (٩).\nوالثالث: أن (أو) هنا تفيد معنى الإباحة. قاله الزجاج (١٠).\nأي: \"شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا\" (١١).\nوالرابع: أنها بمعنى (الواو)، أي: وأشد قسوة، كما قال ﵎: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [الإنسان: ٢٤] بمعنى: وكفورا.\nومنه قول جرير بن عطية (١٢):\nنَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ\nيعني: نال الخلافة، وكانت له قدرا، وكما قال النابغة (١٣):\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٩): ص ١/ ١٤٦.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢١، والكشاف: ١/ ١٥٥.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢١.\n(٤) أنظر: الدر المصون: ١/ ٤٣٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٨، والمحرر الوجيز: ١/ ١٦٦، ومفاتيح الغيب: ٢/ ١١٩.\n(٦) (\" ديوانه: ٣٢ (من نفائس المخطوطات)، وفيه (ووصيا)، وانظر: الأغاني ١١: ١١٣، وإنباه الرواة ١: ١٧.\n(٧) قال ابن عطية: \" وهذه الآية مفارقة لبيت أبي الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا ب «أو» \". [المحرر الوجيز: ١/ ١٦٦].\n(٨) الدر المصون: ١/ ٤٣٦.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٦.\n(١٠) أنظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٦، ثم قال: \" تقول: الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم العلم الحسن أو ابن سيرين.\nفلست بشاك، وإِنما المعنى ههنا: هذان أهل أن يؤخذ عنهما العلم، فإن أخذته عن الحسن فأنت مصيب، وإن أخذته عن ابن سيرين فأنت مصيب، وإِن أخذته عنهما جميعًا\nفأنت مصيب، فالتأويل اعلموا أن قلوب هُؤلاء إِن شبهتم قسوتها بالحجارة فأنتم مصيبون، أو بما هو أشد، فأنتم مصيبون، ومنه قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا. . . أوكَصَيِّبٍ﴾، أي إِن مثلْتَهمْ بالمستوقد فذلك مثلهم، وإِن مثلتهم بالصَيِّبِ فهو لهم مثلٌ\".\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٦.\n(١٢) ديوانه: ٢٧٥، وأمالي الشجري ١: ٣١٧، يقولها في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. وروايته \" إذ كانت \"، وفي المطبوعة: \" جاء الخلافة \"، وهي رواية سقيمة.\n(١٣) (\" ديوانه: ٣٢، وروايته هناك \" ونصفه \". وهو من قصيدته المشهورة التي يعتذر فيها إلى النعمان. والضمير في قوله: \" قالت \" إلى \" فتاة الحي، المذكورة في شعر قبله، وهي زرقاء اليمامة. وهو خبر مشهور، لا نطيل بذكره.","vol":"2","page":395},{"text":"قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد\nيريد ونصفه.\nقال الزجاج: \"ولا يصلح أن تكون (أو) ههنا بمعنى الواو\" (١).\nوالخامس: أن (أو) في هذا الموضع بمعنى (بل) للإضراب، اختاره الثعلبي (٢)، وابن عاشور (٣).\nفكان تأويله عندهم: فهي كالحجارة بل أشد قسوة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، بمعنى: بل يزيدون (٤).\nومنه قول الشاعر (٥):\nفو الله ما أدري أسلمى تغولت ... أم القوم أو كلٌ إلي حبيب\nقالوا: أراد بل كل (٦).\nومنه قول الآخر (٧):\nمثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح\nأي: بل أنت في العين أملح (٨).\nوالسادس: أنها على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة (٩).\nوالسابع: أن (أو) للتنويع (١٠). اختاره الواحدي (١١).\nأي: \"وكأن قلوبهم على قسمين: قلوب كالحجارة قسوة، وقلوب أشدّ قسوة من الحجارة\" (١٢).\nقلت: لكل ما قيل من الأقوال السابقة وجه ومخرج من كلام العرب، بعد الإجماع على استحالة كونها للشكّ. والله أعلم بما أراد في كتابه.\nوأما الرفع في قوله: قوله تعالى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، فمن وجهين (١٣):\nأحدهما: أن يكون عطفا على معنى (الكاف) في قوله: ﴿كالحجارة﴾، لأن معناها الرفع، فيكون المعنى: فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.\nوالوجه الآخر: أن يكون مرفوعا، على معنى تكرير (هي) عليه، فيكون تأويل ذلك: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة\".\nوقد ذكروا بأن وصف الله تعالى تلك القلوب بأنها أشد قسوة لوجوه (١٤):\nأحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها، كما قال: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١].\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٥٦.\n(٢) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢١.\n(٣) أنظر: التحرير والتنوير: ١/ ٥٦٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٧.\n(٥) لم أعرف قائله، ورد البيت في: معاني القرآن للفراء ١: ٧٢، واللسان (أمم)، والصاحبي: ٩٨\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب:: ٢/ ١١٩.\n(٧) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٢١، ومجمع البيان: ١/ ٢٨١، ونسبه ابن عاشور في الحرير والتنوير: ١/ ٥٦٤، لذي الرمة.\n(٨) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢١.\n(٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٦.\n(١٠) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٢٣.\n(١١) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٢٣.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ٢٢٣.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٧.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٢/ ١١٩.","vol":"2","page":396},{"text":"وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى، وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء اليهود مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (الأنعام: ٣٨ - ٣٩)؛ كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أممٌ سُخِّر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم.\nوثالثها: أو أشد قسوة، لأن الأحجار يُنتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه.\nوقال تعالى: ﴿أشد قسوة﴾ ولم يقل (أقسى)، لوجهين (١):\nالأول: لأن ذلك أدل على فرط القسوة.\nوالثاني: ووجهٌ آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة.\nوقد فضل الله ﷾ الحجارة على قلوبهم، بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع (٢):\nفأولها: قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار﴾، قرىء: \"وإن\" بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٣٢].\nوثانيها: قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينا لا نهرا جاريا.\nوثالثها: من المميزات الأخرى للحجارة على قلوب هؤلاء: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.أي الهبوط من خشية الله (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]، \" يعني إن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار\" (٤).\nقال الطبري: أي\"وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار\" (٥).\nقال الماوردي: \" يعني: أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها\" (٦).\nقال الزمخشري: \" المعنى: إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير\" (٧).\nقال أبو السعود: \" بيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها يعني أن الحجارةَ ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة\" (٨).\nوقال يحيى بن يعقوب في قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾، قال: هو كثرة البكاء\" (٩).\nقلت: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم.\n_________\n(١) أنظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٥٦.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٥٦.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٥٧ وما بعدها.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٨.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ١٤٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ١٥٥.\n(٨) تفسير أبو السعود: ١/ ١١٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٦٠): ص ١/ ١٤٦.","vol":"2","page":397},{"text":"و(التفجر): التفعل، من: تفجر الماء، وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه، وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك، ومنه قوله عمر بن لجأ (١):\nولما أن قرنت إلى جرير ... أبى ذو بطنه إلا انفجارا\nيعني: إلا خروجا وسيلانا (٢).\nوقرأ قتادة: «وإن» مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وقرأ مالك بن دينار: ﴿ينفجر﴾ بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ حملا على لفظ «ما»، وقرأ أبي بن كعب والضحاك ﴿منها الأنهار﴾، حملا على الحجارة (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤]، \" أي من الحجارة ما يتصدع إِشفاقًا من عظمة الله فينبع منه الماء\" (٤).\nقال أبو السعود: أي: \" يتشقق فيخرج منه العيون\" (٥).\nقال الزمخشري: \"ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا\" (٦).\nوقرأ طلحة بن مصرف: «لمّا» بتشديد الميم في الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، وقرأ ابن مصرف ﴿ينشقق﴾ بالنون (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، \"أي: ومنها ما يتفتت ويتردّى من رءوس الجبال من خشية الله\" (٨).\nقال الطبري: \" أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح، من خوف الله وخشيته\" (٩).\nقال ابن عباس: \" أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق\" (١٠). وروي عن إسحاق (١١) نحو ذلك.\nوقال مجاهد: \" كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فهو من خشية الله ﷿، نزل بذلك القرآن\" (١٢). وروي عن ابن جريج (١٣) مثل ذلك.\nوقرئ قوله ﴿يَهْبُطُ﴾، بضم الباء (١٤).\nواختلفوا في ضمير الهاء في ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ [البقرة: ٧٤]، إلى ماذا يرجع؟ على قولين (١٥):\nأحدهما: إلى القلوب لا إلى الحجارة، فيكون معنى الكلام: وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر (١٦).\nوالقول الثاني: أنها ترجع إلى الحجارة، لأنها أقرب مذكور.\nواختلفوا في هذه (الحجارة) على قولين (١٧):\n_________\n(١) طبقات فحول الشعراء: ٣٦٩، والأغاني ٨: ٧٢، وروايتهما \" إلا انحدارا \"، وراوية الطبري أعرق في الشعر. وفي المطبوعة \" قربت \"، وهو خطأ محض. قاله عمر بن لجأا حين أخذهما أبو بكر ابن حزم - بأمر الوليد بن عبد الملك - فقرنهما، وأقامهما على البلس يشهر بهما، فكان التميمي ينشد هذا البيت في هجاء جرير. وقوله: \" ذو بطنه \"، كناية جيدة عما يشمأز من ذكره.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٨.\n(٣) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٧، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٢١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٠.\n(٥) تفسير أبو السعود: ١/ ١١٥.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٥٥.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٦٥): ص ١/ ١٤٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٣١٦): ص ٢/ ٢٤٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٣١٧): ص ٢/ ٢٤٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٣٢٢): ص ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(١٤) أنظر: الكشاف: ١/ ١٥٥\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٤٦.\n(١٦) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ١٤٦.\n(١٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٤٦.","vol":"2","page":398},{"text":"أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين.\nوالثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة، لأنها أشد صلابة.\nواختلف أهل التفسير في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله، على وجوه (١):\nالأول: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].\nوالثاني: إنه الجبل الذي صار دكا حين تجلى له ربه. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nوالثالث: أن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه، كالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن \" (٢).\nوالرابع: وقيل: أن قوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله، كما قال زيد الخيل (٣):\nبجمع تضل البلق في حَجَراته ... ترى الأكْمَ منه سجدا للحوافر\nوكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له (٤):\nساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع\nيريد أنه ذليل.\nوكما قال جرير بن عطية (٥):\nلما أتى خبر الرسول تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع\nأي: من رأى الحجر هابطا تخيل فيه الخشية.\nقال ابن عطية: \" وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة\" (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤١ - ٢٤٣.\n(٢) روى مسلم في صحيحه ٢: ٢٠٣ - ٢٠٤، عن جابر بن سمرة قال: \" قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن \". وذكره ابن كثير في التاريخ ٦: ١٣٤، من مسند أحمد، ثم نسبه لصحيح مسلم، ومسند الطيالسي.\n(٣) انظر: الكامل ١: ٢٥٨، والمعاني الكبير: ٨٩٠، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٦، وحماسة ابن الشجري: ١٩، ومجموعة المعاني: ١٩٢، وغيرها. والباء في قوله \" بجمع \" متعلقة ببيت سالف هو: بَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا ... أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟\nوالبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: \" يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر \". وفي المطبوعة هنا \" فيه \" والجيد ما أثبته، والضمير في \" منه \" للجيش أو الجمع.\n(٤) المفضليات: ٤٠٧، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٧. من قصيدته المحكمة. و\" ساجد \" منصوب إذ قبله، في ذكر عدوه هذا: ثم ولى وهو لا يحمى استه ... طائر الإتراف عنه قد وقع\nوفي الأصل المطبوع: \" إذ يرفعه \"، وهو خلل في الكلام. وأثبت ما في المفضليات، ورواية ابن الأنباري: \" ما يرفعه \". . يقول أذله فطأطأ رأسه خزيا، وألزم الأرض بصره، وصار كأنه أصم لا يسمع ما يقال له، فهو لا حراك به، مات وهو حي قائم، لا يحير جوابا. ولذلك قال بعده: فر مني هاربا شيطانه ... حيث لا يعطى، ولا شيئا منع\n(٥) ديوان جرير: ٣٤٥، والنقائض: ٩٦٩، وطبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ٧٩، وسيبويه ١: ٢٥، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٨، والخزانة ٢: ١٦٦. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل، لما أضاف \" سور \" إلى مؤنث وهو \" المدينة \"، وهو بعض منها. قال سيبويه: \" وربما قالوا في بعض الكلام: \" ذهبت بعض أصابعه \"، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو قال: \" ذهبت عبد أمك \" لم يحسن. (١: ٢٥).\nوهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه، فإن الزبير بن العوام ﵁ حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق، فرماه فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها \" خشع \". يريد عند موته، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله ﷺ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/! ٦٧.","vol":"2","page":399},{"text":"السادس: وقيل: أن معنى قوله: ﴿يهبط من خشية الله﴾، أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل: \" ناقة تاجرة \"، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية (١):\nوأعور من نبهان، أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير\nفجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به.\nقال الطبري: \" وهذه الأقوال، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]، أي: وما الله\" بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني بما يكون عليم\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي أنه تعالى رقيب على أعمالهم لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم عليها يوم القيامة، وفي هذا وعيد تهديد\" (٥).\nقال الطبري: \" فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها، بل هو لها محص، ولها حافظ\" (٦).\nقال السعدي: \" بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها، وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه\" (٧).\nقال أبو السعود: \" وعيدٌ شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتبُ عليها من الأعمال السيئة\" (٨).\nوقال الآلوسي: \" وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة\" (٩).\nوأصل (الغفلة) عن الشيء، \"تركه على وجه السهو عنه، والنسيان له\" (١٠).\nوقرأ ابن كثير ﴿يعملون﴾ بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد ﷺ (١١).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم ومع ذلك فهم لم يلينوا للحق؛ بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم.\n٢ ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة﴾؛ لأن الحجارة أمر محسوس؛ والقلب قسوته أمر معقول؛ إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو؛ القلب هو هو؛ لكن المراد: أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه؛ فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي؛ وهذا من بلاغة القرآن تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين.\n٣ ومنها: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل.\n_________\n(١) ديوانه: ٢٠٦، والنقائض: ٣٥، والمؤتلف والمختلف: ٣٩، ١٦١، ومعجم الشعراء ٢٥٣، من شعر في هجاء الأعور النبهاني، وكان هجا جريرًا، فأكله جرير. قال أبو عبيدة: \" أي هو أعور النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسوءات، يسرق ويزني \".\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٦٧): ص ١/ ١٤٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٤.\n(٧) تفسير السعدي: ٥٥.\n(٨) تفسير اأبو السعود: ١/ ١١٥.\n(٩) روح المعاني: ١/ ٢٩٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٤.\n(١١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٧.","vol":"2","page":400},{"text":"٤ ومنها: بيان قدرة الله ﷾، حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار؛ وقد كان موسى. ﵊. يضرب بعصاه الحجر، فينبجس، ويتفجر عيونًا بقدرة الله. ﵎\n٥ ومنها: أن الحجارة خير من قلوب هؤلاء بأن فيها خيرًا؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار؛ ومنها ما يشقق، فيخرج منه الماء؛ ومنها ما يهبط من خشية الله؛ وهذه كلها خير، وليس في قلوب هؤلاء خير.\n٦ ومنها: أن الجمادات تعرف الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾؛ وهذا أمر معلوم من آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [الجمعة: ١]، وقوله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]: ففهمتا الأمر، وانقادتا.\n٧ ومن فوائد الآية: عظمة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿من خشية الله﴾؛ والخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله َ من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فمن علم عظمة الله ﷾ فلا بد أن يخشاه.\n٨ ومنها: سعة علم الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ وهذه الصفة من صفات الله ﷾ السلبية؛ والصفات السلبية هي التي ينفيها الله ﷾ عن نفسه. وتتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة؛ وإثبات كمال ضدها.\nالقرآن\n﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥]\nالتفسير:\nأيها المسلمون أنسيتم أفعال بني إسرائيل، فطمعت نفوسكم أن يصدِّق اليهودُ بدينكم؟ وقد كان علماؤهم يسمعون كلام الله من التوراة، ثم يحرفونه بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح بعد ما عقلوا حقيقته، أو بتحريف ألفاظه، وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا.\nاختلف في سبب نزول الآية، على قولين (١):\nأحدهما: أنها: \"نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه إلى الميقات وسمعوا كلام الله تعالى وهو يأمره وينهاه، رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدوا ما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس\" (٢). حكاه الواحدي عن ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤)، وروي عن ابن إسحاق (٥)، والكلبي (٦)، نحو ذلك.\nوالثاني: أنها: \"نزلت في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد - ﷺ -\" (٧). وهذا قول أكثر المفسرين (٨).\nقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]، \" أي أترجون يا معشر المؤمنين أن يسلم اليهود ويدخلوا في دينكم\" (٩).\nقال الثعلبي: أي\"لن يصدّقكم اليهود\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٨، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٦٢.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٢٨.\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٨.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن حيان: ١/ ٤٧ - ٤٩. أورده مطولا.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٣)، و(١٣٣٤): ص ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٦) أنظر: العجاب في تفسير الأسباب: ١/ ٢٦٤. حكاه عنه يحيي بن سلام.\n(٧) أسباب النزول للواحدي: ٢٨.\n(٨) نقل الأكثرية الواحدي، انظر: أسباب النزول: ٢٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٢.","vol":"2","page":401},{"text":"قال الطبري: \"، أي: أفترجون يا معشر المؤمنين .. أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل؟ \" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: ينقاد لكم بالطاعة، وهم الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك \" (٢).\nقال السعدي: \" هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم\" (٣).\nوقد اختلفوا في قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، على وجهين (٤):\nأحدهما: آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. قاله ابن عباس (٥).\nوالثاني: أن الله لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم، مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا: وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا، ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك.\nوالراجح، أن الهمزة للاستفهام؛ \"والمراد به الاستبعاد، والتيئيس. أي تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم\" (٦). والله أعلم.\nواختلفوا في الخطاب الموجه في قوله تعالى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]، على أربعة أقوال (٧):\nأحدها: أنه خطاب مع النبي ﷺ خاصة. قاله ابن عباس ومقاتل (٨).\nقال الرازي: \"لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه ﵇ حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٩).\nوالثاني: أنه خطاب مع المؤمنون، تقديره أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم. قاله أبو العالية وقتادة (١٠).\nوالثالث: أنه مع الأنصار، إذ أنهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم. ذكره النقاش (١١)، واختاره ابن عطية (١٢).\nوالرابع: أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قاله ابن عباس (١٣)، وروي عن الربيع بن أنس (١٤) والحسن (١٥) نحو ذلك.\nوهذا القول الأخير\"أليق بالظاهر لأنه ﵇ وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحا فلا وجه لترك الظاهر\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٨.\n(٣) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦١.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٦٨): ص ١/ ١٤٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٤٩.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ١٠٣، وتفسير أبي الليث: ١/ ١٣١، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٥٩، والمحرر الوجيز: ١/ ١٦٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ١.\n(٨) نقلا عن: زاد المسير: ١/ ١٠٣، وتفسير أبي الليث: ١/ ١٣١، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٥٩.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٥٩.\n(١٠) نقلا عن: زاد المسير: ١/ ١٠٣\n(١١) نقلا عن زاد المسير: ١/ ١٠٣. وقال ذكره الزجاج. ولم أجده في معاني القرآن، وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ١.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٧.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٦٨): ص ١/ ١٤٨.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٦٩): ص ١/ ١٤٨.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٤٨.\n(١٦) مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦٠.","vol":"2","page":402},{"text":"وقد ذكروا في سبب الاستبعاد وجوها (١):\nأحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى ﵇، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين.\nالثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله.\nالثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]، \"أي والحال قد كان طائفة من أحبارهم وعلمائهم\" (٢).\nقال البيضاوي: أي\" طائفة من أسلافهم\" (٣).\nو(الفريق) فجمع، كالطائفة، لا واحد له من لفظه، وهو (فعيل) من (التفرق) سمي به الجماع، كما سميت الجماعة ب (الحزب)، من (التحزب)، وما أشبه ذلك، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (٤):\nأجَدّوا فلما خفت أن يتفرقوا ... فريقين، منهم مُصعِد ومُصوِّب\nقوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ الله﴾ [البقرة: ٧٥]، أي: \" يتلون كتاب الله ويسمعونه بينًا جليًا\" (٥).\nقال الثعلبي: \"يعني التوراة\" (٦).\nقال السدي: \" هي التوراة حرفوها\" (٧).\nوقال أبو العالية: \" عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمدﷺ-، فحرفوه عن مواضعه\"\" (٨).\nوقرأ الأعمش: ﴿كلم الله﴾ (٩)، جمع كلمة، وقد يراد بالكلمة: الكلام، فتكون القراءتان بمعنى واحد (١٠).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥] أي: \" ثم يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه\" (١١).\nقال الثعلبي: أي\"يغيرون ما فيه من الأحكام\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: يتأولونه على غير تأويله \" (١٣).\nقال البيضاوي: \" كنعت محمد ﷺ، وآية الرجم. أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون\" (١٤).\nوتحريف الشيء: \"إحالته من حال إلى حال\" (١٥).\nوفي كيفية تعريفهم لكلام الله وجهين:\nأحدهما: أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق. قاله ابن عباس (١٦).\nوالثاني: أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم. وهذا قول الجمهور (١٧).\n_________\n(١) انظر مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٩.\n(٤) ديوانه: ١٣٧، أجد السير: انكمش فيه وأسرع مصعد: مبتدئ في صعوده إلى نجد والحجاز. ومُصَوِّب منحدر في رجوعه إلى العراق والشام وأشباه ذلك وبعد البيت من تمامه. طلبتهمُ، تَطوى بي البيد جَسْرَة ... شُوَيْقَئةُ النابين وجَناء ذِعْلب\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٢. (بتصرف بسيط).\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٧٤): ص ١/ ١٤٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٧٥): ص ١/ ١٤٩.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(١٠) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣٢.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٨.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٢. (بتصرف بسيط).\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٨.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٩.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(١٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(١٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣٢.","vol":"2","page":403},{"text":"قال ابن عطية: \"وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه\" (١).\nوقد اختلف أهل التفسير في الذين عنى الله بقوله ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، على ثلاثة أقوال (٢):\nأحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حرامًا والحرام حلالًا ابتاعًا لأهوائهم وإعانة لراشيهم. وهذا قول مجاهد (٣) والسدي (٤)، وابن زيد (٥).\nوالثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس (٦) وابن إسحاق (٧)، واختاره الطبري (٨).\nواستنكره الحكيم الترمذي (٩)، وابن عطية (١٠)، وابن الجوزي (١١)، وقالوا: بأن التكليم، من فضائل موسى واختصاصه (١٢).\nقلت: ولعل ترجيح الطبري لهذا القول، يكمن في كونه الأقرب إلى يدل عليه ظاهر الآية، إذ أخبر الله تعالى \"عن خاص من اليهود، كانوا أعطوا من مباشرتهم سماعَ كلام الله ما لم يعطه أحد غير الأنبياء والرسل، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من ذلك\" (١٣).\nالثالث: وقيل: المراد بـ ﴿كلام الله﴾: القرآن، والمراد بالفريق من كان في زمن محمد ﵊، قاله الرازي (١٤)، وشيخنا ابن عثيمين (١٥).\nواستدلوا من وجهين:\nالأول: لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] أي حتى يسمع القرآن (١٦).\nوالثاني: لأن الضمير في قوله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم﴾ راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾، والذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد ﵊ (١٧).\nوذكر أهل التفسير في ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥]، الذي يسمعونه وجهين (١٨):\nالأول: أنه الوحي، فكانوا يسمعون منه كما يسمع أهل النبوة، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧، والنكت والعيون: ١/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٢٨): ص ٢/ ٢٤٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٠): ص ٢/ ٢٤٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٠): ص ٢/ ٢٤٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٢): ص ٢/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم (٧٧١): ص ١/ ١٤٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٣)، و(١٣٣٤): ص ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٧.\n(٩) نقلا عن: زاد المسير: ١/ ١٠٣ - ١٠٤، قال ابن الجوزي: \"وقد أنكر بعض أهل العلم منهم الترمذي صاحب النوادر هذا القول إنكار شديد وقال إنما خص بالكلام موسى وحده\".\n(١٠) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ١٠٣.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ١٠٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٧.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٠. قال ابن عثيمين: \"وقد بحثت في كتب التفسير التي لدي فلم أجد احتمالًا ثالثًا. وهو أن المراد بـ ﴿كلام الله﴾ القرآن، وأنهم يسمعونه، ثم يحرفونه؛ لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] أي حتى يسمع القرآن؛ فإن كان هذا الاحتمال صحيحًا فهو أقرب من القولين السابقين. والله أعلم بمراده\". [قلت: يبدو أن شيخنا﵀لم يصله كلام الرازي، الذي قال بهذا الإحتمال ورجّحه].\n(١٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٠.\n(١٧) مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦٠.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٦، والنكت والعيون: ١/ ١٤٨.","vol":"2","page":404},{"text":"والثاني: وقيل: أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود. قاله السدي (١).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، أي\" من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم\" (٢).\nقال الثعلبي: أي\"علموه وفهموه\" (٣).\nقال ابن الجوزي: أي: \" سمعوه ووعوه \" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة \" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \"من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تبق لهم شبهة في صحته\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، \" أنهم مفترون مبطلون\" (٧).\nقال ابن كثير: أي\"أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله\" (٨).\nقال الزمخشري: \"أي: \"أنهم كاذبون مفترون\" (٩).\nقال الصابوني: \"أي: أنهم يخالفونه على بصيرة لا عن خطأ أو نسيان\" (١٠).\nقال السدي: \" فيعلمون أنهم قد أذنبوا\" (١١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، يحتمل وجهين.\nأحدهما: وهم يعلمون أنهم يحرفونه. قاله الطبري (١٢)\nوالثاني: وهم يعلمون عقاب تحريفه.\nوكلا الوجهين تحتملهما الآية، وإن كان الأول منهما أشبه بظاهر القول، والمعنى: يعلمون أنهم يحرفون الكلم أي كلام الله ﷿، ويعلمون أن التحريف محرم [وفيه من العقوبة ما فيه]، فتعدوا الحدود، وحرفوا كلام الله ﷿، وارتكبوا الإثم عن بصيرة\" (١٣).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فإنه يبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن من يسمع كلام الله، ثم يحرفه، أبْعَدُ قبولًا للحق ممن لم يسمعه.\n٢ ومنها: أن الله تعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بين له حال هؤلاء، وأنهم قوم عتاة لا مطمع في إيمانهم.\n٣ ومنها: إثبات أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله﴾؛ وكلام الله. ﵎. صفة حقيقية تتضمن اللفظ، والمعنى؛ فهو ﷾ يتكلم بحروف، وأصوات مسموعة؛ وتفصيل ذلك والرد على من خالفه مذكور في كتب العقائد.\n٤ ومنها: أن كلام الله ﷾ من صفاته الفعلية باعتبار آحاده؛ وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية؛ والفرق بين الصفات الذاتية، والفعلية أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلًا، وأبدًا. ومعنى \"أزلًا\" أي فيما مضى؛ و\"أبدًا\" أي فيما يستقبل. مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والسمع، والبصر إلى غير\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٧٤): ص ١/! ٤٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٢.\n(٤) زاد المسير: ١/ ١٠٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٥٦، وانظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣٢.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٧.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٥٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٧٧): ص ١/ ١٤٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٨.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٠.","vol":"2","page":405},{"text":"ذلك، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحْدُث إذا شاء، كالاستواء على العرش، والنُّزول إلى سماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، والفرح، والرضا، والغضب. عند وجود أسبابها.\n٥ ومن فوائد الآية: الرد على الأشعرية، وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ وأن الحروف، والأصوات عبارة عن كلام الله، وليست كلام الله؛ بل خلقها الله ليعبر بها عما في نفسه؛ والرد عليهم مفصلًا في كتب العقائد.\n٦ ومنها: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله، لقوله تعالى: ﴿ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾.\n٧ ومنها: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود، لأنهم حرفوا ما عقلوه؛ والتحريف بعد عقل المعنى أعظم؛ لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله؛ لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح؛ لأنه تجرأ على المعصية مع علمه بها. فيكون أعظم.\n٨ ومنها: قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود؛ ومن هذه الأمة من ارتكبه، لكن القرآن محفوظ؛ فلا يمكن وقوع التحريف اللفظي فيه؛ لأنه يعلمه كل أحد؛ وأما التحريف المعنوي فواقع، لكن يقيض الله ﷿ من الأئمة، وأتباعهم من يبينه، ويكشف عوار فاعله.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦]\nالتفسير:\nهؤلاء اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة، وإذا خلا بعض هؤلاء المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار: أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد؛ لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟ أفلا تفقهون فتحذروا؟\nفي سبب نزول الآية أقوال (١):\nأحدها: روي أن رسول الله -ﷺ- قال: \" لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن، فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر وقرأ قول الله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه ﷺ بهم، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الذين مع رسول الله ﷺ يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى! فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء]- قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم \"، الآية\" (٢).\nوالثاني: فأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة قال: \" كانوا يقولون إنه سيكون نبي (٣)، فخلا بعضهم إلى بعض فقالوا: أتحدثونهم بهذا فيحتجون عليكم به\" (٤). وأخرج الطبري عن أبو العالية نحو ذلك (٥).\nوالثالث: وأخرج ابن أبي حاتم \" عن عكرمة: أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة فجاءوا إلى النبي ﷺ يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول اللهﷺ- عالمهم وهو ابن صوريا، فقال له: احكم. قال فجبوه. قال عكرمة: التجبية يحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار- وذكر فيه كلاما- فقال له رسول اللهﷺ: أبحكم الله حكمت؟ أو بما أنزل على\n_________\n(١) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٦٦ - ٢٦٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١٣٤٩): ص ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٣) أي في آخر الزمن. انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٦٨.\n(٤) تفسير عبدالرزاق: ٨، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٤١): ص ٢/ ٢٥١، من طريق أبي العالية ولفظه: يعني بما أنزل الله في كتابكم من نعت محمد ﷺ\".","vol":"2","page":406},{"text":"موسى؟ قال: لا. ولكن نساءنا كن حسانا فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه أنزلت: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض﴾، قال عكرمة: إنهم غيروا الحكم منذ ستمائة سنة\" (١).\nوالقول الثاني أوفق بسياق الآية. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٧٦]، \"أي إذا قابلوا الذين صدّقوا بالله ورسوله محمد ﷺ\" (٢).\nواختلف في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٧٦]، في هذه الآبة على وجهين:\nالأول: أنهم: أبو بكر وعمر وجماعة من المؤمنين، قاله جمهور المفسرين (٣).\nوالثاني: أنهم: جماعة من اليهود آمنوا وأخلصوا في إيمانهم.\nواختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿لَقُوا﴾ [البقرة: ٧٦]، على أقوال (٤):\nالأول: أنها تعود على جماعة من اليهود غير معينة، باقين على دينهم.\nوالثاني: أنها تعود لجماعة منهم أسلموا ثم نافقوا.\nوالثالث: أنها لليهود الذين أمرهم رؤساؤهم من بني قريظة أن يدخلوا المدينة ويتجسسوا أخبار النبي ﷺ، قالوا: ادخلوا المدينة وأظهروا الإيمان، فإنه \"نهى أن يدخل المدينة إلا مؤمن\" (٥).\nوقرأ ابن السميفع: لاقوا، قالوا: على التكثير (٦).\nقال أبو حيان: \" ولا يظهر التكثير، إنما هو من فاعل الذي هو بمعنى الفعل المجرّد. فمعنى لاقوا، ومعنى لقوا واحد\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقر: ٧٦]، أي قالوا: \"صدقنا بمحمد وبما صدقتم به، وأقررنا بذلك\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"أي: قالوا بألسنتهم دخلنا في الإيمان كإيمانكم وآمنا بالرسول محمد ﷺ\" (٩).\nقال ابن عباس: \"، يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا\" (١٠).\nوقال السدي: \" هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا\" (١١).\nقال ابن زيد: \" فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦]، \"أي إذا أوى بعضهم إلى بعض وانفرد به\" (١٣).\nقال الصابوني: \" أي إذا انفرد واختلى بعضهم ببعض\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨٠): ص ١/ ١٥٠.\nوالخبر ضعيف. ففي السند حفص بن عمر العدني وهو متفق على ضعفه. انظر \"الجرح والتعديل\" \"٣/ ١٨٢\" و\"المجروحين\" \"١/ ٢٥٧\" و\"تهذيب الكمال\" \"٧/ ٤٢\" و\"الميزان\" \"١/ ٥٦٠\" و\"التهذيب\" \"٢/ ٤١٠\" والحكم مختلف فيه انظر ترجمته في \"الميزان\" \"١/ ٥٦٩\". وفي ترجمته موسى بن عبد العزيز العدني الراوي عن الحكم في \"الميزان\" \"٤/ ٢١٢ - ٢١٣\" قال الذهبي أيضًا: \"وحديثه في المنكرات لا سيما والحكم بن أبان ليس بالثبت أيضًا\". [انظر: حاشية العجاب: ١/ ٢٧٠].\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٢.\n(٣) نقل الإجماع أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(٥) الخبر رواه الطبري (١٣٤٩): ص ٢/ ٢٥٣. ولفظه ﷺ: \" لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن\". وقصبة القرية: وسطها وجوفها. وقصبة البلاد: مدينتها، لأنها تكون في أوسطها.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٢.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٢٧٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٣٣٦): ص ٢/ ٢٤٩.\n(١١) أخرجه الطبري (١٣٣٨): ص ٢/ ٢٥٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٣٤٩): ص ٢/ ٢٥٣.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.","vol":"2","page":407},{"text":"قال أبو حيان: \" أي: وإذا انفرد بعضهم ببعض، أي الذين لم ينافقوا إلى من نافق\" (١).\nقال الحسن: \" وإذا خلا بعضهم إلى بعضهم، قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم، ليحاجوكم به عند ربكم فيخصمونكم\" (٢).\nوفي هؤلاء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦]، قولان (٣):\nأحدهما: أنهم اليهود، إذا خلوا مع المنافقين، قال لهم المنافقون: أتحدثون المسلمين، بما فتح الله عليكم.\nوالثاني: أنهم اليهود، قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم﴾. قاله ابن عباس (٤).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، أي\"كيف تحدثون المؤمنين بالله ورسوله\" (٥).\nقال أبو حيان: أي قالوا عاتبين عليهم، أتحدّثون المؤمنين\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" الاستفهام هنا للإنكار، والتعجب (٧).\nومعنى التحديث: \"الإخبار عن حوادث الزمان\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، أي\" بما فتح الله عليكم من بعث محمد ﷺ إلى خلقه \" (٩)\nقال ابن عثيمين: \" أي من العلم بصحة رسالة النبي ﷺ\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا ﷺ قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم\" (١١).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، على أقوال (١٢):\nأحدها: بما فتح الله عليكم، أي بما أمركم الله به، رواه الضحاك عن ابن عباس (١٣).\nوالثاني: بما أنزل الله عليكم في التوراة، من نبوة محمد - ﷺ- وبعثه. ﴿ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم﴾، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٤)، وهو قول أبي العالية (١٥) وقتادة (١٦).\nوالثالث: أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة، حين شبههم النبي -ﷺ-، بأنهم إخوة القردة، فقالوا: من حدثك بهذا؟ وذلك حين أرسل إليهم، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهذا قول مجاهد (١٧).\nوالرابع: أن ناسًا من اليهود أسلموا، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من\nالعرب، بما عُذِّبَ به آباؤهم، فقال بعضهم لبعض، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، وهذا قول السدي (١٨).\nوفي ﴿فتح الله﴾، وجهان:\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨٥): ص ١/ ١٥١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٤٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١٣٣٦): ص ٢/ ٢٥٠.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٣.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٣.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٨٢.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٣.\n(١١) أخرجه الطبري (١٣٣٦): ص ٢/ ٢٥٠.\n(١٢) انظر: تفسير البغوي: ١/ ١١٤، والنكت والعيون: ١/ ١٤٨ - ١٤٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٩): ص ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٤٠): ص ٢/ ٢٥١.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨١): ص ١/ ١٥٠، وتفسير الطبري (١٣٤١): ص ٢/ ٢٥٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٤٢)، و(١٣٤٣): ص ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨٢): ص ١/ ١٥٠، وتفسير الطبري (١٣٤٥)، و(١٣٤٦)، و(١٣٤٧): ص ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨٣): ص ١/ ١٥٠، وتفسير الطبري (١٣٤٨): ص ٢/ ٢٥٣.","vol":"2","page":408},{"text":"أحدهما: بما علمكم الله.\nوالثاني: بما قضاه الله لكم وعليكم. قاله عطاء الخراساني (١).\nوالفتح عند العرب: النصر والقضاء، يقال منه: اللهم افتح بيني وبين فلان، أي احكم بيني وبينه، ومنه قول الشاعر (٢):\nألا أبلغ بني عُصُم رسولًا ... بأني عن فِتاحِكُم غنيُّ\nويُقَالُ للقاضي: الفتّاح، ومنه قوله تعالى ﴿رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أي احكم بيننا وبينهم (٣).\nقوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، \" أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة في ترك اتباع الرسول مع العلم بصدقه\" (٤).\nقال قتادة: \" ليحتجوا به عليكم\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي أن ما حدثتموهم به ستكون عاقبته أن يحاجوكم به عند ربكم\" (٦).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، وجهين (٧):\nأحدهما: أنه معمول لقوله: ﴿ليحاجوكم﴾، والمعنى: ليحاجوكم به في الآخرة.\nوالثاني: أن (عند) بمعنى (في)، أي: في ربكم، أي فيكونون أحق به.\nوالثالث: وقيل: أي ليحاجوكم به عند ذكر ربكم.\nوالرابع: وقيل معناه: إنه جعل المحاجة في كتابكم محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله كذا، وهو عند الله كذا، بمعنى واحد؟\nوالخامس: وقيل: هو معمول لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي من عند ربكم ليحاجوكم، وهو بعث النبي ﷺ، وأخذ ميثاقهم بتصديقه.\nقال ابن أبي الفضل: \"وهذا القول هو الصحيح، لأن الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدنيا\" (٨).\nوضعّفه أبو حيان قائلا: \" فبعيد جدًا، لأن ليحاجوكم متعلق بقوله: أتحدثونهم، وعند ربكم متعلق بقوله: بما فتح الله عليكم، فتكون قد فصلت بين قوله: عند ربكم، وبين العامل فيه الذي هو: فتح الله عليكم، بقوله: ليحاجوكم، وهو أجنبي منهما، إذ هو متعلق بقوله: أتحدثونهم على الأظهر، ويبعد أن يجيء هذا التركيب هكذا في فصيح الكلام، فكيف يجيء في كلام الله الذي هو أفصح الكلام؟ \" (٩).\nقال أبو حيان: والأولى حمل اللفظ على ظاهره من غير تقديم ولا تأخير، إذا أمكن ذلك، وقد أمكن بجعل قوله: ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ على بعض المعاني التي ذكرناها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، \" أي أفليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم في حجة عليكم؟ \" (١١).\nقال الواحدي: أي: \" أفليس لكم ذهن الإنسانية، هذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم\" (١٢).\nقال السعدي: \" أي: أفلا يكون لكم عقل، فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨٤): ص ١/ ١٥٠.\n(٢) البيت ينسب للأسعر الجعفي، ومحمد بن حمران بن أبي حمران. انظر تعليق الراجكوتي في سمط اللآلئ: ٩٢٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٤، والنكت والعيون: ١/ ١٤٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٣٤٣): ص ٢/ ٢٥٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٣.\n(٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(٨) نقلا عن البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٦٢.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٨٤.\n(١٣) تفسير السعدي: ٥٦.","vol":"2","page":409},{"text":"قال الطبري: أي\" أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون، أن إخباركم أصحاب النبي ﷺ بما في كتبكم أنه نبي مبعوث، حجة لهم عليكم عند ربكم، يحتجون بها عليكم؟ أي: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد به التوبيخ؛ يعني: أين عقولكم؟ ! أنتم إذا حدثتموهم بهذا، وقلتم: إن هذا الذي بُعث حق، وأنه نبي يحاجونكم به عند الله يوم القيامة\" (٢).\nواختلف في الخطاب الموجه في قوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، على وجهين (٣):\nأحدهما: أنه من قول الأحبار للأتباع.\nوالثاني: أنه خطاب من الله تعالى للمؤمنين.\nوالقول الثاني هو الصحيح، فهو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال، ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ﴾ الآية (٤).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ..﴾ إلخ.\n٢ ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض ..﴾ إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين.\n٣ منها: أن بعضهم يلوم بعضًا على بيان الحقيقة حينما يرجعون إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾.\n٤ ومنها: أن العلم من الفتح؛ لقولهم: ﴿بما فتح الله عليكم﴾؛ ولا شك أن العلم فتح يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه.\n٥ ومنها: أن المؤمن، والكافر يتحاجَّان عند الله يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿ليحاجُّوكم به عند ربكم﴾؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميِّتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ [المؤمنون: ١٥].\n٦ ومنها: سفه اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحًا عليهم؛ لقولهم: ﴿أفلا تعقلون﴾.\n٧ ومنها: الثناء على العقل، والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أفلا تعقلون﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل؛ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون عاقلًا؛ ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه؛ ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام؛ ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل: قال النبي ﷺ \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت\" (٥).\n٨ ومنها: أن كفر اليهود بالرسول محمد ﷺ عن علم؛ ولهذا صاروا مغضوبًا عليهم.\nالقرآن\n﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: ٧٧]\nالتفسير:\nأيفعلون كلَّ هذه الجرائم، ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟\nقال الراغب: \" هذا تبكيت لهم وإنكار لما يتعاطونه مع تكلمهم أن الله لا يخفى عليه خافية\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، \"أي ألا يعلم هؤلاء اليهود\" (٧).\nوهو استفهام هنا هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل (٨)، والمعنى: إذا كان علم الله محيطًا بجميع أفعالهم، وهم عالمون بذلك، فكيف يسوغ لهم أن ينافقوا ويتظاهروا للمؤمنين بما يعلم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٥.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٥٠٩، كتاب الأدب، باب ٣١؛ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم ٦٠١٨؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨٨، كتاب الإيمان، باب ١٩: الحث على إكرام الجار ...، حديث رقم ١٧٣ [٧٤] ٤٧.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٣٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٤.","vol":"2","page":410},{"text":"الله منهم خلافه، فلا يجامع حالة نفاقهم بحالة علمهم بأن الله عالم بذلك والأولى حمل ما يسرون وما يعلنون على العموم، إذ هو ظاهر اللفظ (١).\nوقرأ الجمهور ﴿يعلمون﴾ بالياء، وابن محيصن ﴿أولا تعلمون]، بالتاء، خطابا للمؤمنين (٢)، وفيه تنبيه لهم على جهلهم بعالم السر والعلانية، وفائدته التنبيه على سماع ما يأتي بعده، ثم أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة، إهمالًا لهم، فيكون ذلك من باب الالتفات (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، \"أي ألا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون وما يظهرون\" (٤).\nقال الزمخشري: \" ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان\" (٥).\nقال الشوكاني: \" من جميع أنواع الأسرار وأنواع الإعلان ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان\" (٦).\nقال القاسمي: أي: أن الله يعلم ما: يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره وَما يُعْلِنُونَ أي يظهرون من ذلك، فيخبر به أولياءه\" (٧).\nقال السعدي: \" فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين، فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم سرهم وعلنهم، فيظهر لعباده ما أنتم عليه\" (٨).\nواختلف في الذي أسروه هؤلاء، على وجوه (٩):\nأحدها: أن الذي أسرّوه كفرهم، والذي أعلنوه الإيمان. قاله قتادة (١٠)، وأبو العالية (١١)، وروي عن الحسن والربيع نحو ذلك (١٢).\nالثاني: وقيل: العداوة والصداقة.\nوالثالث: وقيل: قولهم لشياطينهم إنا معكم، وقولهم للمؤمنين آمنا.\nوالرابع: وقيل: صفة النبي ﷺ، وتغيير صفته إلى صفة أخرى، حتى لا تقوم عليهم الحجة.\nوالرابع: كان ما أسرّوا أنهم إذا تولوا عن أصحاب محمد وخلا بعضهم إلى بعض تناهوا أن يخبر أحدهم منهم أصحاب محمد بما فتح الله عليهم في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد بما في كتابهم عند ربهم ليخاصموهم. قاله الحسن (١٣).\nقال ابن عطية: \" والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد ﷺ والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٤٤١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٦٩.\n(٣) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٤٤١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٥٧.\n(٦) فتح القدير: ١/ ١٠٣.\n(٧) محاسن التأويل: ١/ ٣٣٧.\n(٨) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٩) انظر: تفسير البحر الميط: ١/ ٤٤١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٣٥٠): ص ٢/ ٢٥٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٣٥١): ص ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٧٨٧): ص ١/ ١٥١.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٩.","vol":"2","page":411},{"text":"وفي هذه الآية وما أشبهها دليل على أن رسول الله ﷺ كان يغضي عن المنافقين، مع أن الله أظهره على نفاقهم، وذلك رجاء أن يؤمنوا، فأغضى عنهم، حتى قبل الله منهم من قبل، وأهلك من أهلك. واختلف، هل هذا الحكم باق، أو نسخ؟ (١):\nأحدها: أنه نسخ، لأنه كان يفعل ذلك ﷺ، تأليفًا للقلوب، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، فلا حاجة إلى التأليف.\nوالثاني: أنه باق إلى الآن، لأن أهل الكفر أكثر من أهل الإيمان، فيحتاجون إلى زيادة الأنصار وكثرة عددهم.\nوالقول الأول هو الأشهر (٢). والله أعلم.\nقال أبو حيان: \"وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، حجة على من زعم أن الله لا يعلم الجزئيات، بل يعلم الكليات\" (٣).\nالفوائد:\n١. من فوئاد الآية: توبيخ اليهود على التحريف؛ لقوله تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون.\n٢. ومنها: إثبات عموم علم الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾\n٣. ومنها: الوعيد على مخالفة أمر الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ..﴾ الآية؛ لأن المقصود بذلك تهديد هؤلاء، وتحذيرهم.\nالقرآن\n﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]\nالتفسير:\nومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة، ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد ﷺ، وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة.\nقال القاسمي: \" ولما ذكر العلماء من اليهود الذين عاندوا بالتحريف، مع العلم والاستيقان، ذكر العوامّ الذين قلدوهم، ونبّه على أنهم في الضلال سواء. لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامّيّ أن لا يرضى بالتقليد والظن، وهو متمكن من العلم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي\" من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: عوام، ليسوا من أهل العلم\" (٦).\nواختلف في الذين نعتهم الله بالأمية في قوله ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، على قولين (٧):\nأحدهما: أي من اليهود. قاله أبو العالية (٨)، والربيع (٩)، ومجاهد (١٠). وهو الظاهر من الآية.\nوالثاني: من اليهود والمنافقين أميون (١١).\nقال ابن عطية: \" وقول أبي العالية ومجاهد أوجه هذه الأقوال\" (١٢).\nوقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ﴿أميون﴾، بتخفيف (الميم) (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٤٤١.\n(٢) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٤٤١.\n(٣) تفسير البحر المحيط: ١/ ٤٤١.\n(٤) محاسن التأويل: ١/ ٣٣٧.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ١١٤.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٣٥٢): ص ٢/ ٢٥٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٣٥٣): ص ٢/ ٢٥٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٣٥٤): ص ٢/ ٢٥٧.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٩.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٩.","vol":"2","page":412},{"text":"والأمي: أي من لا يكتب ولا يقرأ، وهو المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه (١)، واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، ومنه قوله ﵇: \" إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين \" (٢).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن\" ١/ ١٥٩. وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ مادة (أم).\n(٢) رواه البخاري (١٨١٤) ومسلم (١٠٨٠)، وقد ورد هذا الحديث في مسألة دخول الشهر الهلالي، وهو يدل على أنه لا يُلتفت في معرفة دخول الشهر إلى الحسابات الفلكية وإنما يُعتمد على الرؤية الظاهرة للقمر عند ولادته فنعرف دخول الشهر، فالحديث سيق لبيان أنّ الاعتماد على الرؤية لا على الحساب ولم يأت لحثّ الأمة الإسلامية للبقاء على الجهل وترك تعلّم الحساب العادي وسائر العلوم النافعة ولذلك فلا ينافي هذا الحديث ما يتعلمه المسلمون اليوم من العلوم المختلفة التي تفيدهم في دنياهم، والإسلام دين العلم، وهو يدعو إليه ويوجبه على كلّ مسلم أن يتعلّم ما افترضه الله عليه ويتعلم أحكام ما يحتاج إليه من العبادات والمعاملات وأما العلوم الدنيوية كالطبّ والهندسة والزراعة وغيرها فيجب على المسلمين أن يتعلّموا منها ما تحتاج إليه الأمّة ولو احتاج المسلمون لصنع إبرة لوجب عليهم أن يكون فيهم من يتعلّم صنعة تلك الإبرة.\nقال الراغب الأصفهاني: \"والأُمِّيُّ: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال قطرب: الأُمِّيَّة: الغفلة والجهالة، فالأميّ منه، وذلك هو قلة المعرفة، ومنه قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ) أي: إلا أن يتلى عليهم، وقال الفرّاء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب، (والنَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) قيل: منسوب إلى الأمّة الذين لم يكتبوا، لكونه على عادتهم كقولك: عامّي، لكونه على عادة العامّة، وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه، واعتماده على ضمان الله منه بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾.\nوقيل: سمّي بذلك لنسبته إلى أمّ القرى [\" (المفردات في غريب القرآن- كتاب الألف: ١/ ٨٧].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" «إنا أمة أمية» ليس هو طلبًا؛ فإنهم أميون قبل الشريعة كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ وقال: \" ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾، فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها. نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها فإنا سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقًا\" [مجموع الفتاوى: [٢٥/ ١٦٦ - ١٦٧].\nوقال أيضًا: \"فالأمة التي بُعث فيها النبي ﷺ أولًا هم العرب وبواسطتهم حصلت الدعوة لسائر الأمم؛ لأنه إنما بعث بلسانهم فكانوا أميين عامة ليست فيهم مزية علم ولا كتاب ولا غيره مع كون فطرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم. بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع؛ لكن ليس لها من يقوم عليها فلم يكن لهم كتاب يقرؤونه منزل من عند الله كما لأهل الكتاب ولا علوم قياسية مستنبطة كما للصابئة ونحوهم. وكان الخط فيهم قليلًا جدًّا، وكان لهم من العلم ما يُنال بالفطرة التي لا يخرج بها الإنسان عن الأُمُوَّة العامة. كالعلم بالصانع سبحانه وتعظيم مكارم الأخلاق وعلم الأنواء. والأنساب والشعر. فاستحقوا اسم الأمية من كل وجه. كما قال فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب. فالكتابي غير الأمي. فلما بُعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به -وقد جعله تفصيلًا لكل شيء وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة- صاروا أهل كتاب وعلم. بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة وزالت عنهم الأمية المذمومة الناقصة وهي عدم العلم والكتاب المنزل إلى أن علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب\" [انظر: مجموع الفتاوي: ٢٥/ ١٦٧ - ١٦٩].\nويقول ابن خلدون: \"ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فُتيا، ولا كان يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك للحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالاته مما تلقوه من النبي وممن سمعه منه من عليتهم، وكانوا يُسَمَّوْنَ لذلك القراء، أي: الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ، وبقي الأمر كذلك صدر الملة، ثم عظمت الأمصار وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلمًا، فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء\" [تاريخ ابن خلدون: ١/ ٥٦٣ - ٥٦٤].\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز: \"أما وصف الأمة بالأمية فليس المقصود منه ترغيبهم في البقاء عليها وإنما المقصود الإِخبار عن واقعهم وحالهم حين بعث الله إليهم محمدًا ﷺ وقد دل الكتاب والسنة على الترغيب في التعلم والكتابة والخروج من وصف الأمية فقال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب﴾ [الزمر: ٩] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال سبحانه: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ... وقال النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقا إلى الجنة» [رواه الإِمام مسلم في صحيحه (٢٦٩٩): ص ٤: ٢٠٧٤]. وقال أيضًا ﵊: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [صحيح البخاري (٧١): ص ١/ ٣٩]، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق. فلاحظ كيف يُقيِّد العلماء \"الأمية\" بما ورد فيه نصُّها، وكيف أنها في الأساس هي \"عدم العلم\"، وقد زالت أمية هذه الأمة بما أنزل الله عليها من علم؛ فكيف يكون من مفاخرها -أو من مكبِّلاتها- أنها أمة \"أمية\" لا تعلم حتى ما يدور حولها من أفعال الناس وتصرفاتهم على الأرض وبين ظهرانيها، ومما يسمى بفقه الواقع؟ ! بل حتى في الآية التي تصف الأمة بالأميين، فيها إشارة واضحة إلى أن مصير هذه الأمية إلى زوال، فتدبَّر قولَه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، فوظيفة الرسول أن يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وذلك هو زوال الأمّيّة عن هذه الأمة. نعم هي أمية فيما ينبغي لها أن تكون كذلك، كالأمر الذي ورد فيه الحديث من علم التنجيم ونحوه، وينبغي لها أن تكون أعلم أهل الأرض في كل ما كان من شأن الخواص، فهي الأمة المهيَّئة للخيرية في كل شيء.\nوالأمِّية معجزة للنبي منقصة في غيره: لقد وُصِف النبي ﷺ بأنه أميّ، ونحن نؤمن أنه أميّ، لكنَّ أُمِّيَّته ليست أكثر من أنها على الفطرة، وأنه لا يكتب بيده ولا يقرأ الخط، لكنه أعلم الناس على الإطلاق وأقرأ البشر، بما علمه ربُّنا سبحانه. أما ترى أن هذا النبي الأمي يحدِّث الناس عن دقائق العلوم التي يحار فيها المتخصصون، من علوم الأجنة والأفلاك وأعماق البحار أعالي الأفلاك والطبّ وغيرها مما حواه القرآن الكريم والسنة النبوية من معجزات؟ ! ولم يكتشفه أهل الاختصاص إلى بعد القرون المُقرَّنة؟ قال شيخ الإسلام: \"كذلك إذا وُصف ﷺ بأنه أمي كما وصفه الله بذلك فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظيمة في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما مُنح ﷺ وفُضِّل به من ذلك كما قدمناه في القسم الأول. ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لُقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر. وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعرفة، وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب؛ والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة\" (ابن تيمية، الإخنائية (الرد على الإخنائي)، تحقيق أحمد بن مونس العنزي، دار الخراز، جدة، ط ١، ١٤٢٠ هـ / ٢٠٠٠ م، ص: ٢٢٦).\nأهذا شأن الأمي الذي لا يعلم؟ ! حاشا أن يكون نبيُّا أميًّا لا يعلم ... وإنما هو أُمِّيٌّ فطريٌّ لا يكتب بيده ولا يقرأ الخط، وثمَّ مكمن الإعجاز الرباني! وهي التي زلَّ فيها أقوام، ولم ينتبهوا إلى الفرق، حتى قال بعضهم: \"نحن أمة أمية\" وعلوم الآلة من أصول فقه وقواعده ونحو ذلك علوم دقائق، لا يجوز أن نتعلمها أو نشتغل بها! أمتنا تقرأ وتحفظ ولو لم تحسب وتكتب قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فأمتنا ليست مثل أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم في قلوبهم بل لو عدمت المصاحف كلها كان القرآن محفوظًا في قلوب الأمة، وبهذا الاعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه. كما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا». فلم يقل إنا لا نقرأ كتابًا ولا نحفظ، بل قال «لا نكتب ولا نحسب»؛ فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب ودينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم\" (مجموع الفتاوي، [١٧/ ٤٣٦].\nوهي فعلًا علوم دقائق، ولو طبَّقنا عليها قاعدة \"علوم الخواص\" امتنع تناولها والأخذ بها، ولكن الأمر ليس كذلك. فلا يصح -إذن- أن نتهم الشريعة بأنها لا تفقه الواقع السياسي، ولا أن علماءها لا يشترط لهم فقه الواقع السياسي أو أنهم عاجزون عن فهم الواقع وتنزيله على حكم الشارع، ثم نترك الفاسدين يعيثون في سياسة الأمة بأفكارهم العَلمانية، ثم إذا خرج عالم شرعي عن هذا التأصيل الخاطئ، ويحاول أن يوجه بوصلة السياسة وجهة شرعية، ويحاول أن يفقه الواقع ليحمله على الشرع، قام شرعيون آخرون فألجموه بفقه تجهيل الأمة وأمية الشريعة، فيتعلمن الواقع السياسي بتأصيلات هي هي الأُمِّية!\nفيمكن القول بأن لفظ (الأمي) جاء في القرآن بالمعنيين اللذين ذكرهما أهل اللغة وأهل التفسير:\nالأول: الذي لايكتب ولا يقرأ من كتاب.\nوالثاني: الذي ولد في أم القرى، وهي مكة، ونشأ فيها.\nولكن المعنى الظاهر المتبادر هو المعنى الذي كانوا فيه من الزاهدين، وذكره بعضهم، وقال: إنه ضعيف! فالقرآن كلما ذكر (الأميّ) أو (الأميين) نسبة إلى أم القرى، لم يأت له ببيان، لكونه واضحا في معناه، ولكن حينما جاء بهذا اللفظ في معنى قلة العلم أو عدم العلم جاء بعده بما يفسره، حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، فجاء ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، بيانا لقوله تعالى: ﴿ومنهم أميُّونَ﴾، ولم يستعمل القرآن هذا اللفظ في سياق الذمّ، وبمعنى عدم العلم إلا لبني إسرائيل، وكلما استعمله للنبي ﷺ، أو استعمله لأصحابه استعمله لبيان واقعهم، وهو كونهم من أمّ القرى.","vol":"2","page":413},{"text":"وقد تعددت أقوال أهل العلم في تعريف (الأميين)، على وجوه (١):\nأحدها: أن الأُمّي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو قول مجاهد (٢).\nوالثاني: أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، وكتبوا كتابًا بأيديهم، وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله، وهذا قول ابن عباس (٣).\nوالثالث: وقال أبو عبيدة: \"إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب\" (٤).\nوالرابع: وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين (٥).\nوالخامس: أنهم نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك (٦).\nالسادس: أنهم المجوس. قاله علي -﵁- (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥.\n(٢) انظر: النكت واعيون: ١/ ١٤٩.\n(٣) نقل عنه القرطبي: ٢/ ٥، وانظر نحوه في تفسير الطبري (١٣٥٨): ص ٢/ ٢٥٨.\n(٤) نقله عنه القرطبي: ٢/ ٥، والسمين الحلبي في الدر المصون: ٢/ ٤٤٥، وابن عادل الحنبلي في اللباب: ٢/ ٣٠٣، والذي في مجا القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٩٠: \" أن الأميين هم الذين لم يأتهم الأنبياء بالكتب\".\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٩، وتفسير الطبري: ٢/ ٥.","vol":"2","page":414},{"text":"والقول الأول أظهر مع تفسير الآية، والله تعالى أعلم. وقال به الماوردي (١) وابن عطية (٢)، والقرطبي (٣)، وغيرهم.\nوفي الأصل اللغوي للأميّ، وتسميته به قولان (٤):\nأحدهما: أنه مأخوذ من الأمة، أي على أصل ما عليه الأمّة، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب، قاله أبو إسحاق (٥)، ومنه قول الأعشى (٦):\nوإنّ معاويةَ الأكرمين ... حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ\nوالثاني: أنه مأخوذ من الأُم. قاله ابن الأنباري (٧).\nوذكروا في سبب أخذ (الأمي) من (الأُم) قولين (٨):\nأحدهما: أنه مأخوذ منها، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب.\nوالثاني: أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه، لجهلها بالكتاب دونه أبيه (٩). واختاره الطبري (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨]، \"أي: ليس لهم حظ من كتاب الله\" (١١).\nقال إبراهيم النخعي: \" ومنهم من لا يحسن أن يكتب\" (١٢).\nوقال ابن زيد: \" أميون، لا يقرءون الكتاب من اليهود\" (١٣).\nوقال قتادة: \" لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه\" (١٤). وعنه أيضا: \" إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئا\" (١٥).\nوقال أبو العالية: \" لا يدرون ما فيه\" (١٦). أي من الكتباب، وروي عن ابن عباس مثل ذلك (١٧).\nوقال ابن عباس: \" لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله\" (١٨).\nوعني بـ ﴿الكتاب﴾: \"التوراة، ولذلك أدخلت فيه (الألف واللام)، لأنه قصد به كتاب معروف بعينه\" (١٩).\nقال الطبري: \" لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، \" أي إلا قراءة بدون فهم للمعنى\" (٢١).\nقال الصابوني: أي\" إلا التلاوة فقط\" (٢٢).\nو(الأماني) جمع أمنية، أصلها: \"أمنوية، أفعولة، من منى إذا قدر، وهي في الأصل: ما يقدره في نفسه\" (٢٣).\nوقوله ﴿إِلَّا أَمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فيه وجهان من القراءة (٢٤):\nأحدهما: ﴿إِلَّا أَمانِيَّ﴾، بتشديد الياء. قرأ بها العامة.\nوالثاني: ﴿أَمانِيَ﴾، بتخفيف الياء في كلّ القرآن. قرأ بها الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج، إذ حذفوا إحدى الياءين استحفافا وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح.\nوقال أبو حاتم: \"كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها\" (٢٥).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، على أربعة أقوال:\nأحدها: إِلاَّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذبًا. قاله ابن عباس (٢٦)، وهو قول مجاهد (٢٧)، واختيار الفراء (٢٨)، والكلبي (٢٩)، والزجاج (٣٠) في احد قوليه، والطبري (٣١)، وابن كثير (٣٢).\nومنه قول عثمان ﵁: \" لا تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ \" (٣٣)، فقوله (ما تمنيت) أي ما كذبت.\nومنه قول الشاعر (٣٤):\nولكنما ذاك الذي كان منكما ... أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا\nوالثاني: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾، يعني، أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم.\n_________\n(١) انظر: النكت واعيون: ١/ ١٤٩.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٩.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٠.\n(٥) انظر: معاني القرآن\" ١/ ١٥٩، وتهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ مادة (أم).\n(٦) انظر: معجم مقاييس اللغة (أم): ١/ ٢٩، والنكت والعيون: ١/ ١٥٠.\n(٧) انظر: معاني القرآن\" ١/ ١٥٩. وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ مادة (أم)، واللسان: ١/ ١٢٣.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٦٩.\n(٩) انظر: تهذيب اللغة: ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥، والمحيط في اللغة، للصاحب بن عباد: ١٠/ ٤٥٩،، والتفسير البسيط: ٣/ ٨٤، وتفسير القرطبي\" ٢/ ٤، و\"اللسان\" ١/ ١٢٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٩.\n(١١) تفسير السعدي: ٥٦.\n(١٢) أخرجه الطبري: (١٣٥٦): ص ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(١٣) أخرجه الطبري: (١٣٥٧): ص ٢/ ٢٥٨.\n(١٤) أخرجه الطبري: (١٣٦٠): ص ٢/ ٢٦٠.\n(١٥) أخرجه الطبري: (١٣٥٩): ص ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(١٦) أخرجه الطبري: (١٣٦١): ص ٢/ ٢٦٠.\n(١٧) أخرجه الطبري: (١٣٦٢): ص ٢/ ٢٦٠.\n(١٨) أخرجه الطبري: (١٣٦٤): ص ٢/ ٢٦٠.\n(١٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٠.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٩.\n(٢١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٦.\n(٢٢) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٢٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٥.\n(٢٤) نظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣.\n(٢٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٦٥): ص ٢/ ٢٦١. وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩٢): ص ١/ ١٥٢.\n(٢٧) تفسير مجاهد: ١/ ٨١، وأخرجه الطبري (١٣٦٦): ص ٢/ ٢٦١، وابن أبي حاتم (٧٩٤): ص ١/ ١٥٢.\n(٢٨) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٠.\n(٢٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٣، وينظر: \"البغوي\" ١/ ١١٥، \"الخازن\" ١/ ٧٧.\n(٣٠) نقلا عن التفسير البسيط: ٣/ ٨٦.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري ٢/ ٢٦٢.\n(٣٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١١٨،\n(٣٣) أخرجه ابن ماجه في سنن (١/ ١١٣) قال: حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا الصلت بن دينار عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: وذكر الحديث،، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير - (ج ٥ / ص ١٩٢) قال: حدثنا أحمد بن زهير التستري ثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة ثنا أبو يحيى الحماني ثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي عن زيد بن أرقم قال: أرسلني النبي ﷺ إلى أبي بكر ﵁ فبشرته بالجنة ثم أرسلني إلى عمر ﵁ فبشرته بالجنة ثم أرسلني إلى عثمان فبشرته بالجنة على بلوي تصيبه فأخذ عثمان بيدي فانطلق أو ذهب بي حتى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما هذه البلوى التي تصيبني؟ فوالله ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست فرجي بيميني منذ أسلمت أو منذ بايعت رسول الله ﷺ ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام فقال له: إن الله مقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه. وذكر ابن حجر في المطالب العالية (١١/ ٧٦) عن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مغول، ثنا عبد الله بن إدريس، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: «جاء النبي ﷺ، فدخل إلى بستان، فجاء آت، فدق الباب، فقال:» يا أنس، «قم فافتح له، وبشره بالجنة، وبشره بالخلافة من بعدي» قال: قلت: يا رسول الله، أعلمه؟ قال: «أعلمه» فإذا أبو بكر، قلت: أبشر بالجنة، وأبشر بالخلافة من بعد رسول الله ﷺ ثم جاء آت، فدق الباب، فقال: «يا أنس» فذكر بمثله سواء، فإذا عمر، فقلت له: أبشر بالجنة، وبالخلافة من بعد أبي بكر قال: ثم جاء آت، فدق الباب، فقال: «يا أنس، قم فافتح له، وبشره الجنة، وبشره بالخلافة من بعد عمر، وأنه مقتول» قال: فخرجت، فإذا عثمان، فقلت له: أبشر بالجنة، وبالخلافة من بعد عمر، وأنك مقتول فدخل على النبي ﷺ، فقال له: يا رسول الله، والله ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست فرجي منذ بايعتك قال: «هو ذاك يا عثمان» هذا حديث موضوع، قد أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور وأخرجه البزار من طريق بكر بن المختار وبكر، وعبد الأعلى واهيان، والصقر أوهى منهما، فلعله تحمله عن بكر، أو عبد الأعلى، فقلبه عن عبد الله بن إدريس ليروج، ولو كان هذا وقع، ما قال أبو بكر للأنصار: قد رضيت لكم أحد الرجلين: عمر، أو أبا عبيدة ولما قال عمر: الأمر شورى في ستة.\n(٣٤) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: ١/ ١٥٠.","vol":"2","page":415},{"text":"قاله قتادة (١)، ومجاهد (٢)، وأبو العالي (٣)، وابن زيد (٤)، وابن عباس (٥) في رواية علي بن أبي طلحة عنه.\nوالثالث: إِلاَّ أَمَانِيَّ، يعني: إلا تلاوة من غير فهم.\nوهو اختيار البغوي (٦) والراغب الأصفهاني (٧) والواحدي (٨)، والسعدي (٩)، وأبو عبيدة (١٠)، وابن الأنباري (١١)، وابن قتيبة (١٢)، والزجاج في أحد قوليه (١٣)، ونسبه الرازي إلى الأكثرين (١٤).\nوأيدوا رأيهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (١٥).\nقال ابن القيم: \"والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته\" (١٦).\nوقال ابن الأزهري: \"والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه\" (١٧).\nلكن اعترض على هذا القول بأنه لا يتناسب مع قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾؛ لأن الأمي لا يقرأ.\nوممن اعترض بهذا: البيضاوي (١٨) والشنقيطي (١٩).\nإلا أن هذا الاعتراض مردود بأن المراد هو حصول التلاوة، وهي حاصلة من غير هؤلاء الأميين، بأن يسمعونه من غيرهم، كما فسره بهذا جمع من أهل العلم، بل، إن هذا الاعتراض أيضًا مردود، حتى على القول بأنهم هم الذين يقرأون؛ لأن معرفة القراءة لا ترفع وصف الأمي، فنحن نرى بعض كبار السن، وبعض الأعاجم لا يعرف من القراءة، إلا قراءة القرآن الكريم، وهذا لا يرفع وصف الأمية عنه. ولذا، يقول الراغب الأصفهاني: \" وقال غيره-يعني غير مجاهد- إلا تلاوة مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمنيتها على التخمين\" (٢٠).\nومن ذلك قال الشاعر (٢١):\nليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب\nوقال كعب بن مالك (٢٢):\nتمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها لاقى حِمَام المقادر\nأي: قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل، وفى آخر الليل وافاه أجله.\nقال الواحدي: \"ويسمّى القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما يحدث به نفسه؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث\" (٢٣).\nوقال آخر (٢٤):\nتمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل\nأي تلا كتاب الله مترسلا فيه كما تلا داود الزبور مترسّلا فيه (٢٥).\nوالرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير، قاله ابن سكيت (٢٦)، والفراء (٢٧)، وأنشد قول الشاعر (٢٨):\nولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ ما يَمْني لَكَ الماني\nأي: ما يقدر لك القادر (٢٩).\nو(إلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ﴾ [النساء: ١٥٧] قال النابغة (٣٠):\nحلفت يمينًا غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: \" إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته\" (٣١).\nقال الواحدي: \"أي: لا يعلمون، أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا\" (٣٢).\nقال ابن عباس: \" أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن\" (٣٣). وروي عن أبي العالية (٣٤)، والربيع (٣٥)، نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٣٧١): ص ٢/ ٢٦١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٦٨): ص ٢/ ٢٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٢): ص ٢/ ٢٦١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٣): ص ٢/ ٢٦١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٠): ص ٢/ ٢٦١.\n(٦) انظر: تفسيره: ١/ ١١٤.\n(٧) انظر: تفسيره: ١/ ٢٣٩.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٨٦.\n(٩) انظر: تفسيره: ٥٦.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣.\n(١١) انظر: تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٦.\n(١٢) انظر: تفسير غريب القرآن: ٤٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٩.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦٤.\n(١٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٥٩، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣.\n(١٦) «إغاثة اللهفان: ١/ ٩٣. وانظر: تفسير البغوي: ٣/ ٢٩٣، والوسيط\" للواحدي: ٣/ ٢٧٦، وزاد المسير: ٥/ ٤٤٣، وأضواء البيان: ٥/ ٢٨٤. ونسبوه للأكثرين من أهل العلم.\n(١٧) تهذيب اللغة: ١٥/ ٥٣٤.\n(١٨) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٣٤٩.\n(١٩) انظر: أضواء البيان: ١/ ٣٩، والعذب النمير: ١/ ١٥٣.\n(٢٠) المفردات في غريب القرآن: ٤٧٦.\n(٢١) سيبويه ١: ٣٦٥، والوحشيات رقم: ٥٥، ومعجم الشعراء: ٢٤٢، وحماسة البحتري: ٣٢، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ: ١٨٤. والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها:\nقاتل الله قيس عيلان طرا ... ما لهم دون غدرة من حجاب\nثم إن سيبويه أنشد البيت برفع \" غير \"، على البدل من \" عتاب \"، اتساعا ومجازا.\n(٢٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٩٤ قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٩، \"القرطبي\" ٢/ ٥، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٣٨٦، وليس في \"ديوانه\"، وبلا نسبة في: الزاهر في معاني كلمات الناس للأزهري (٢/ ١٥٠)، مقاييس اللغة\"لابن فارس (٥/ ٢٧٧)، المحكم والمحيط الأعظم: (١٠/ ٥١١)، الفائق\"للزمخشري (٣/ ٣٩٢)، لسان العرب (١٥/ ٢٩٥)، و، وكتاب \"العين\" ٨/ ٣٩٠، المسائل والأجوبة لابن قتيبة: ٢٣٤، تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة: ٥٣، وغريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٧٣، وانظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، للدكتور أميل بديع يعقوب: ٣/ ٣٧٠. وحمام المقادر: الموت.\n(٢٣) التفسير البسيط: ٣/ ٨٦، وانظر: القاموس\" ١٣٣٦: (مادة: المنا).\n(٢٤) البيت ورد في اللسان: ١٥/ ٢٩٤، مادة (منى)، وقد نسبه ابن منظور إلى حسان،\n(٢٥) معاني القرآن: ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٣.\n(٢٦) نقله عنه صاحب تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٤، ولم أجده في كتابيه: \"تهذيب الألفاظ\"، و\"إصلاح المنطق\".\n(٢٧) نقله عنه ابن الأزهري في: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٤٥٤. ولم أجده في معاني القرآن.\n(٢٨) البيت لأبي قلابة الهذلي، في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ٧١٣، ولسويد بن عامر \"المصطلقي في لسان العرب\" ٧/ ٤٢٨٢، وذكره في \"تهذيب اللغة\" عن الفراء ولم ينسبه ٤/ ٣٤٥٤.\n(٢٩) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٨٥.\n(٣٠) ديوانه: ٤٢، وسيبويه ١: ٣٦٥، وغيرهما، وروايتهم جميعا: \" بصاحب \"، وكان في الأصل المطبوع \" بغائب \"، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ، لأنه لا يتفق مع الشعر. فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني، فيقول قبله:\nعلى لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده، ليست، بذات عقارب\nحلفت يمينا. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nلئن كان للقبرين: قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب\nوللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب\nوقوله: \" مثنوية \" أي استثناء. فهو يقول لعمرو: حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن. فرواية الطبري لا تستقيم، إن صحت عنه.\n(٣١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٥.\n(٣٢) التفسير البسيط: ٣/ ٩٠.\n(٣٣) أخرجه الطبري (١٣٧٧): ص ٢/ ٢٦٦.\n(٣٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٩): ص ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(٣٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٠): ص ٢/ ٢٦٧.","vol":"2","page":416},{"text":"وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُم إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: يكذبون، قاله مجاهد (١).\nوالثاني: يحدثون، قاله البصريون (٢).\nوالثالث: يظنون الظنون بغير الحق. قاله قتادة (٣) وأبو العالية (٤)، وعن الربيع (٥) نحوه.\nقال السعدي: \" ذكر في هذه الآيات علماءهم، وعوامهم، ومنافقيهم، ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم، لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين\" (٦).\nقالَ أصحاب المعاني: \"ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به، ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة\" (٧).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى: ﴿ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾.\n٢ ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله ﷿.\n٣ ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى.\n٤ ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: \"إنهم علماء\"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم.\nالقرآن\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]\nالتفسير:\nفهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى ﵊؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها.\nفي سبب نزول الآية قولان (٨):\nأحدهما: أنها نزلت في اليهود الذين \"عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا\". قاله أبو العالية (٩)، وعثمان بن عفان (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٤): ص ٢/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٨): ص ٢/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٩): ص ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٠): ص ٢/ ٢٦٧.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٩٠.\n(٨) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٦، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٦١ - ٢٧٣. قال الواحدي: \"نزلت في الذين غيروا صفة النبي - ﷺ - وبدلوا نعته، قال الكلبي بالإسناد الذي ذكرنا: إنهم غيروا صفة رسول الله - ﷺ - في كتابهم وجعلوه آدم سبطا طويلا، وكان ربعة أسمر، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي، الذي يبعث في آخر الزمان، ليس يشبه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء مأكلة من سائر اليهود، فخافوا أن يذهبوا مأكلتهم إن بينوا الصفة، فمن ثم غيروا\".\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٤): ص ٢/ ٢٧١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٥): ص ٢/ ٢٧١.","vol":"2","page":418},{"text":"والثاني: وقيل أنها نزلت في: \"ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا\". قاله السدي (١)، وابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، \" أي هلاك وعذاب لأولئك الذين حرّفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" من تغيير نعت محمّد\" (٦).\nقال المراغي: \" أي هلاك عظيم لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون لعوامّهم: هذا المحرّف من عند الله في التوراة\" (٧).\nقال ابن عطية: هذا\" بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأيا له\" (٨).\nواختلف أهل التفسير في تحريف اليهود للكتاب على قولين:\nأحدهما: أنه: \"كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا\". قاله السدي (٩)، وابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، وقتادة (١٢).\nوالثاني: أنه في اليهود، \"عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا\". قاله أبو العالية (١٣)، وعثمان بن عفان (١٤).\nاختلف أهل التفسير في قوله ﴿فَوَيلٌ﴾ [البقرة: ٧٩]، على أقاويل:\nأحدها: أنه العذاب، قاله ابن عباس (١٥)، والزجاج (١٦).\nوالثاني: أنه ما يسيل من صديد في أصل جهنم. قاله أبو العياض (١٧)، وشقيق (١٨).\nوالثالث: أنه التقبيح، وهو قول الأصمعي (١٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ومنه قول الشاعر (٢٠):\nكسا اللؤم سهما خضرة في جلودها ... فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ\nوالثالث: أنه الحزن، قاله المفضل (٢١)، وابن كيسان (٢٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٨): ص ٢/ ٢٧١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٩): ص ٢/ ٢٧٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٠): ص ٢/ ٢٧٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٢): ص ٢/ ٢٧١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٤.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٥٢.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٨): ص ٢/ ٢٧١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٩): ص ٢/ ٢٧٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٠): ص ٢/ ٢٧٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٢): ص ٢/ ٢٧١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٤): ص ٢/ ٢٧١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٥): ص ٢/ ٢٧١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٨١): ص ٢/ ٢٦٧.\n(١٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٢)، و(١٣٨٣)، و(١٣٨٤): ص ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، وابن أبي حاتم (٧٩٩): ص ١/ ١٥٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٥): ص ٢/ ٢٦٨.\n(١٩) انظر: اللسان: ١١/ ٧٣٩.\n(٢٠) لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في لسان العرب: ١١/ ٧٣٨، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٤.\n(٢١) هو قول المفضل كما في النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٥١، وابن عرفة كما في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٨، إذ قال: (الويل: الحزن، يقال تويل الرجل إذا دعا بالويل) وعزاه لهما أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٧٠، وانظر: انظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٩٦٩، وطرح التثريب: ١/ ١٥٤، والمصباح المنير: ٥٩٧.\n(٢٢) انظر: الممتع في التصريف: ٢/ ٥٦٨، ولسان العرب: ٨/ ٤٩٣٩، والمعجم المفصل: ٦/ ٥٨٧.","vol":"2","page":420},{"text":"يقال: تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، ومنه قول الشاعر (١):\nتَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ... يميني لا تعلّلُ بالقليل\nوالرابع: أنه الخزي والهوان.\nوالخامس: أن الويل وادٍ في جهنم، وهذا قول أبي سعيد الخدري (٢)، وعطاء بن يسار (٣).\nوالسادس: أنه جبل في النار، وهو قول عثمان بن عفان (٤).\nوالسابع: وقيل: هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها (٥)، وأصله الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩].\nقال سيبويه (٦): (ويح) كلمة زجر لمن أشرف على هلكة، و(ويل) لمن وقع فيها (٧).\nوالثامن: وقيل: ويل كلمة وعيد (٨).\nوهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال الشاعر (٩):\nلَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسَى وَلا أُمُّ هَاشِمٍ ... قرِيبٌ وَلا البَسباسَةُ ابنةُ يَشكُرَا\nوقال أيضا (١٠):\nويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فَقَالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ!، إنَّكَ مُرْجِلِي\nوالتاسع: أنه باب من أبواب جهنم. حكاه الزهراوي (١١).\nنستنتج مما سبق بأن (الْوَيْلُ): هو الْهَلَاكُ والحزن والعذاب والهوان في اللغة، وقيل: هو وادٍ في جهنم من عصارة أهل النار، والله أعلم (١٢).\n_________\n(١) لم أتعرف على قائله، والبيت في: الممتع في التصريف\" ٢/ ٥٦٨، وفي \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٣٩، \"المعجم المفصل\" ٦/ ٥٨٧.\n(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥، وعبد بن حميد ٩٢٤، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (٣١٦٤)، وتفسير الطبري (١٣٨٧): ص ٢/ ٢٦٩، وابن أبي حاتم (٧٩٨): ص ١/ ١٥٣، والحاكم ٢/ ٥٠٧ أبو يعلى في \"مسنده\" ٢/ ٥٢٣ والبيهقي في \"البعث والنشور\" برقم ٥٣٧ من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف.\nوقد اختلف أهل العلم في ثبوت هذا الحديث فصححه الحاكم ووافقه الذهبي في التلخيص، وصححه ابن حبان والشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث الطبري، وحسنه حمزة الزين في تخريجه لأحاديث المسند. وضعفه الترمذي في السنن إذ قال بعد تخريجه له: \"هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة\"، وتعقبه ابن كثير في دعوى تفرد ابن لهيعة به مع قوله بتضعيفه إذ قال في التفسير: ١/ ١٤٩ \"قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده وهذا الحديث بهذا الإسناد-مرفوعًا-منكر، والله أعلم\". كما ضعفه الألباني في ضعيف الجامع: ٨٨٧ رقم: ٦١٤٨، وشعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان، وحسين سليم أسد في تخريجه لمسند أبي يعلى، ومدار ذلك على دراج بن سمعان السهمي وفيه خلاف كثير، فوثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه الجمهور كأحمد والنسائي والدارقطني وابن عدي وغيرهم، انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٣/ ٤٤١، وميزان الاعتدال للذهبي: ٢/ ٢٤، وتهذيب التهذيب لابن حجر: ٣/ ٢٠٨، وغيرها. والأظهر فيه الضعف، وبالتالي عدم ثبوت هذا الحديث.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٠٠): ص ١/ ٢٥٣، والطبري (١٣٩٦): ص ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٦): ص ٢/ ٢٦٨. في الحديث راويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة، وهما إبراهيم بن عبدالسلام بن صالح التستري، وعلي بن جرير. عليه لا أظن يقوم إسناده، ووصفه ابن كثير بأنه \"غريب جدا\"، انظر تفسيره: ١/ ٢١٧، وقد ذكره السيوطي أيضًا ١/ ٨٢، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٠، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٠٦، وهذا القول على أن ويل مصدر لا فعل له يراد به الدعاء بشدة الشر والهلاك، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٢٧٧، ومبهمات القرآن للبلنسي: ١/ ١٦٣.\n(٦) هو: الإمام أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، رأس البصريين في النحو، وسيبوبه لقبه، أخذ عن الخليل وأبي زيد وغيرهم، توفي عام: ١٨٠ هـ، ومن مصنفاته: الكتاب. انظر: أخبار النحويين للسيرافي: ٦٣، وفيات الأعيان لابن خلكان: ٣/ ٤٦٣، بغية الوعاة للسيوطي: ٢/ ٢٢٩، المدارس النحوية لشوقي ضيف: ٥٧.\n(٧) انظر: الكتاب لسيبويه: ١/ ٣٣١، وقد ذكر عن سيبويه التفريق غير واحد كابن منظور في لسان العرب: ٦/ ٤٩٣٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٨، والسمين في الدر المصون: ١/ ٢٧٠.\n(٨) قال الكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: ٢/ ١٠٥١ (فَوَيْلٌ): \"كلمة وعيد\"، وقال الرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ١٥٠: \"قال القاضي: (وَيْل) يتضمن نهاية الوعيد\"، ووعيد القادر يلزم منه الخوف والردع.\n(٩) البيت لامرىء القيس، انظر: ديوانه بتحقيق حنا الفاخوري، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط ٣، ١٩٩٥: ص: ٣٤١.\n(١٠) ديوانه: ٣٠.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٠.\n(١٢) جاء في فتح القدير للشوكاني (١/ ١٢٣): وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ فِي الْوَيْلِ وَيْ: أَيْ حُزْنٌ، كَمَا تَقُولُ: وَيْ لِفُلَانٍ: أَيْ حُزْنٌ لَهُ، فَوَصَلَتْهُ الْعَرَبُ بِاللَّامِ، قَالَ الْخَلِيلُ: وَلَمْ نَسْمَعْ عَلَى بِنَائِهِ إِلَّا وَيْحَ، وَوَيْسَ، ووَيْهَ، وَوَيْكَ، وَوَيْبَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهَا قَوْمٌ وَهِيَ مَصَادِرُ لَمْ يَنْطِقِ الْعَرَبُ بِأَفْعَالِهَا، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ به وإن كان نكرة لأن فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ. انتهى. وقال أبو السعود في تفسيره (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ١٢٠): ومعنى الويلِ شدةُ الشر قاله الخليل. وقال الأصمعيُّ: الويلُ التفجُّع، والويحُ الترحُّم. وقال سيبويه: ويلٌ لمن وقع في الهَلَكة، وويحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهلاك. وقيل الويلُ الحزن، وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بينه وبينها فرق؟ وقيل: ويل في الدعاء عليه، وويح وما بعده في الترحم عليه. وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄: الويلُ العذاب الأليم. وعن سفيان الثوري أنه صديدُ أهلِ جهنم. ورَوى أبو سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله تعالى عنه عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: الويلُ وادٍ في جهنمَ يهوي فيه الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أنْ يبلُغ قَعْرَه. (قال الألباني: ضعيف، التعليق الرغيب (٤/ ٢٢٩)، ضعيف الجامع الصغير (٦١٤٨). وقال سعيد ابن المسيب: إنه وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حرِّه. وقال ابن بريدة: جبلُ قيحٍ ودمٍ وقيل صهريج في جهنم وحكى الزهراوي أنه باب من أبواب جهنم. انتهى.","vol":"2","page":421},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿بِأَيدِيهِم﴾ [البقرة: ٧٩]، تأويلان (١):\nأحدهما: أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة، وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه.\nوالثاني: أن معنى ﴿بِأَيْدِيهِم﴾، أي من تلقاء أنفسهم، من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم. قاله ابن السراج (٢).\nقال الواحدي: \" وهذا كما يقال للذي يُبدعُ قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم\" (٣).\nوقال الراغب: وفيها وجهٌ آخر، وهو أن الفعل ضربان: ابتداء، واقتداء، فيُقال فيما كان ابتداء: (هذا مما عملته يدي فلان)، فقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي مما اخترعوه من تلقائهم، وليس ما أُملى عليهم فكتبوه، وعلى هذا قد يحمل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، \"أي بعدما كتبوه بأيديهم، وعرفوا أنه من صُنْع أيديهم، يقولون هذا أنزل من عند الله\" (٥).\nقال السعدي: \" وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق، وإنما فعلوا ذلك مع علمهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، \" أي لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني\" (٧).\nقال المراغي: \" أي ليأخذوا لأنفسهم في مقابلة هذا المحرّف ثمنا، وهى الرّشى التي كانوا يأخذونها جزاء ما صنعوا\" (٨).\nقال الآلوسي: \" أي ليحصلوا- بما أشاروا إليه- غرضا من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو- وإن جل- أقل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الدائم، وحرموه من الثواب المقيم\" (٩).\nقال ابن عثيمين: أي ليأخذوا به عوضًا قليلًا وهذا العوض القليل هو الرئاسة، والجاه، والمال، وغير ذلك من أمور الدنيا، كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء: ٧٧]؛ فمهما حصل في الدنيا من رئاسة، وجاه، ومال، وولد، فهو قليل بالنسبة للآخرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" (١٠) \" (١١).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥١، والتفسير البسيط: ٣/ ٩٣.\n(٢) انظر المحرر الوجيز: ١/ ١٧٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ٩، والتفسير البسيط: ٣/ ٩٣.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٩٣.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٤٠. (بتصرف يسير).\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٨. (بتصرف بسيط).\n(٦) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٥٢.\n(٩) روح المعاني: ١/ ٣٠٣\n(١٠) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٠، حديث رقم ٢٣١٨٣؛ وأخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد والسير، باب ٧٣: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم ٢٨٩٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٨.","vol":"2","page":422},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم \" عن إبراهيم، أنه كره كتابة المصاحف بالأجر وتلا هذه الآية: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ \" (١).\nواختلف في سبب وصف (الثمن) بالقليل، في قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًَا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، وذكروا فيه وجهين:\nأحدهما: أن الثمن هو عرض الدنيا، ووصفه بالقلة لفنائه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وهذا قول ابن عباس (٢)، وأبي العالية (٣).\nوسئل الحسن عن قوله: ﴿ثمنا قليلا﴾، قال: \"الثمن القليل الدنيا بحذافيرها\" (٤).\nوالثاني: أن الثمن القليل هو الرشا والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقليل لكونه حراما. روي عن السدي (٥) نحوه ذلك.\nقال المراغي: \" ووصف الثمن بالقلة وقد يكون كثيرا، لأن كل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل، لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها\" (٦).\nفيمكن القول بأن صف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة، إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم ربعة أسمر، فجعلوه آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي - ﷺ - الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم، فمن ثم غيروا (٧).\nوقال السعدي: \" والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما\" (٨).\nوقال الرازي: \"أما قوله تعالى: ﴿ليشتروا به ثمنا قليلا﴾ فهو تنبيه على أمرين:\nالأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا.\nالثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانةً؛ بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبةٍ ورضا، ومع ذلك فقد نبَّه تعالى على تحريمه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، \"أي: من التحريف والباطل\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي فشدة عذاب لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب\" (١١).\nقال المراغي: \" أي فلهم عقوبة عظيمة من أجل كتابتهم هذا المحرّف\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، \" وويل لهم من أخذهم الرشوة وفعلهم للمعاصي\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٨٠٧): ص ١/ ١٥٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٩): ص ٢/ ٢٧٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٤): ص ٢/ ٢٧١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨١٠): ص ١/! ٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٨): ص ٢/ ٢٧٠.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٥٢.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩.\n(٨) تفسير السعدي: ٥٦.\n(٩) تفسير الرازي: ٣/ ٥٦٥.\n(١٠) تفسير السعدي: ٥٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ١٥٢.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ١٥٢.","vol":"2","page":423},{"text":"قال الطبري: أي: \" مما يعملون من الخطايا، ويجترحون من الآثام، ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم\" (١).\nقال ابن كثير: أي\" وويل لهم مما أكلوا به من السحت\" (٢).\nقال الثعلبي: يعني \"من المأكول\" (٣).\nقال البيضاوي: \" يريد به الرشى\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي وويل لهم مما يصيبون من الحرام والسحت\" (٥).\nقال القرطبي: \"وقد كرر الويل تغليظا لفعلهم\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وجهان:\nأحدهما: من المعاصي والخطايا. وهذا قول أبي العالية (٧).\nوالثاني: من المال الذي تضمنه ذكر الثمن. وهذا قول ابن عباس (٨).\nوأصل (الكسب): \"العمل، فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل\" (٩)، كما قال لبيد بن ربيعة (١٠):\nلِمعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ ... غُبْسٌ كَوَاسِبُ لا يُمَنَّ طَعَامُهَا\nقال الراغب: \"إن قيل: لم ذكر ﴿يَكْسِبُونَ﴾ بلفظ المستقبل و﴿كَتَبَتْ﴾ بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيها على ما قال النبي ﷺ: \"من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة\" (١١)، فنبَّه\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٧٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٨): ص ٢/ ٢٧٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٨): ص ٢/ ٢٧٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢٧٣.\n(١٠) انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٠٠، والبيت من معلقته النبيلة. واللام في قوله \" لمعفر \"، ترده إلى البيت قبله: خنساء ضيعت الفَرِيرَ، فلم يَرِم ... عُرض الشقائق طوفها وبُغَامها\nوالخنساء: البقرة الوحشية، والفرير: ولدها. والشقائق: أرض غليظة بين رملتين، أودعت هناك فيه ولدها. وطوفها طوافها حائرة. بغامها: صوتها صائحة باكية. ظلت تطوف وتنادي ولدها. وقوله: \" لمعفر \"، أي طوفها وبغامها من أجل \" معفر \". والمعفر: الذي ألقي في العفر، وهو التراب، صادت ولدها الذئاب. قهد: هو ولد البقر، لطيف الجسم أبيض اللون. والشلو: العضو من اللحم، أو الجسد كله. وغبس: غبر، وهي الذئاب. لا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها، فلا يمن عليها أحد.\n(١١) رواه مسلم (١٠١٧)، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ.\nوفي الحديث \"التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحدا من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريبا، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة \". شرح رياض الصالحين\" (ص ١٩٩).\nوعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) رواه البخاري (٣٣٣٦) ومسلم (١٦٧٧)\nقال النووي: وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام، وَهُوَ: أَنَّ كُلّ مَنْ اِبْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّرّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْل وِزْر كُلّ مَنْ اِقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة\" انتهى.\nفالأب الذي أساء تربية أولاده، وكان قدوة سيئة لهم، واقتدوا به في سلوكياته في المنحرفة، يتحمل وزر أولاده، لأنه هو السبب في انحرافهم، وعلى الأولاد أيضًا وزر أفعالهم كاملًا، لا ينتقص منها شيء، وقد كان الواجب على هذا الأب أن يحسن تربية أولاده، ويقوم بالمسؤولية التي أوجبها الله عليه خير قيام، وقد قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري (٧١٣٨) ومسلم (١٨٢٩).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الرجل راع في أهل بيته، في زوجته، في ابنه، في بنته، في أخته، في عمته، في خالته، كل من في بيته، هو راع في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته، يجب عليه أن يرعاهم أحسن رعاية، لأنه مسؤول عنهم \". شرح رياض الصالحين\" (ص ٣٣٧). والله أعلم.","vol":"2","page":424},{"text":"بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه باستمرار وكل وقتٍ ومع كل مَن يضله هذا الي صنعوه، فقد صنعوا عملية مستمرة من الضلال والإضلال عبر العصور، و(إن قيل) لم ذكر الكتابة دون القول؟ (قيل) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. ولأن كلام اليد يبقى رسمه وأثره في الهداية أو الإضلال، والقول ربما يضمحل أثره\" (١).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله وهم كاذبون.\n٢ ومنها: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة، والمال، والجاه؛ لقوله تعالى: ﴿ليشتروا به ثمنًا قليلًا﴾؛ وقد ورد الوعيد على من طلب علمًا يبتغى به وجه الله لينال عرضًا من الدنيا.\n٣ ومنها: أن الدنيا كلها مهما بلغت فهي قليل، كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ [النساء: ٧٧].\n٤ ومنها: أن الجزاء بحسب العمل؛ لقوله تعالى: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾.\n٥ ومنها: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿مما كتبت أيديهم﴾؛ فإن هذا بيان لعلة الوعيد؛ وهذه غير الفائدة السابقة؛ لأن الفائدة السابقة جزاؤهم بقدر ما كتبوا؛ وهذه بيان السبب.\n٦ ومنها: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل، وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله تعالى: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾؛ فما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم به الإنسان؛ مثلًا: إنسان عمل عملًا محرمًا. كالغش. فإنه آثم بالغش؛ وهذا الكسب الذي حصل به هو أيضًا آثم به.\n٧. ومن الفوائد أيضا، ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، قال شيخ الإسلام: \"فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع الباطلة، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله، لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معنى الكتاب والسنة، وهذا معقول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين، الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة، لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة، كالرافضة، وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء\" (٢).\nوالحقيقة أن القرآن بمثل هذا الحديث المتكرر والموثق عن بني إسرائيل وفظائعهم ينبه على أمرين:\nأحدهما: أن تاريخ اليهود والنصارى كفرع عنهم هو تاريخ متصل، وما أشبه الليلة بالبارحة.\nوالثاني: أن الله تعالى يمُنُّ على أمة محمد ﷺ ببيان زلات ومهالك ومهاوي الذين من قبلهم حتى يعلوا ما نشأ من شرٍ فيهم فيتداركوه. والحمد لله رب العالمين.\nالقرآن\n﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠]\nالتفسير:\nوقال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد. قل لهم -أيها الرسول مبطلا دعواهم-: أعندكم عهد من الله بهذا، فإن الله لا يخلف عهده؟ بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب.\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٤١.\n(٢) درء تعارض العقل والنقل، شيخ الاسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، المملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤١١ هـ، ١٩٩١ م: ١/ ٧٧ - ٧٨.","vol":"2","page":425},{"text":"اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١):\nأحدها: قيل: إن النبي ﷺ قال لليهود: \"من أهل النار\". قالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال: \"كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم\"، فنزلت هذه الآية (٢).\nوالثاني: روي عن ابن عباس: \" كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ الآية\" (٣)، وروي عن مجاهد (٤) وابن زيد (٥)، نحو ذلك.\nوالثالث: وقيل: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. قاله ابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، وعن السدي (٨)، وأبي العالية (٩)، والضحاك (١٠)، نحو ذلك\nوالرابع: وقيل: زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. قاله ابن عباس (١١)، وري عن الضحاك (١٢) مثل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، أي قال اليهود\"لن ندخل النار إِلا أيامًا قلائل\" (١٣).\nقال الزمخشري: \"أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل\" (١٤).\nقال السعدي: \" ذكر أفعالهم القبيحة، ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم، ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، أي: قليلة تعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن\" (١٥).\nوفي (الأيام المعدودة)، قولان (١٦):\nأحدهما: أنها أربعون يومًا، وهذا قول قتادة (١٧)، والسدي (١٨)، وعكرمة (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، ورواه الضحاك عن ابن عباس (٢١).\nومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين على وجهين:\nالأول: قال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. روي ذلك عن ابن عباس (٢٢)، وقتادة (٢٣).\nوالآخر: وقيل: أن اليهود يزعمون أنهم، وجدوا في التوراة مكتوبًا، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب، وهلكت النار. روي ذلك عن ابن عباس (٢٤)، وهذا قول من قدر (المعدودة) بالأربعين.\nوالقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام، لأنهم زعموا، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يومًا، وهذا قول مجاهد (٢٥)، ورواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٢٦)، وروي عن ابن زيد (٢٧)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]، أي: قل با محمد\"هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ \" (٢٨).\nقال مجاهد: \" موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون؟ \" (٢٩).\nقال قتادة: \" فقال الله: أتخذتم عند الله عهدا بهذا الذي تقولون؟ ألكم بهذا حجة وبرهان\" (٣٠). وروي عن الربيع بن أنس (٣١) نحو ذلك.\nقال الحسن: \" أي هل عندكم من الله من عهد أنه ليس معذبكم؟ أم هل أرضيتم الله بأعمالكم فعملتم بما افترض عليكم وعهد إليكم\" (٣٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي أأخذتم عند الله عهدًا أن لا تمسكم النار إلا أيامًا معدودة\" (٣٣).\nقال النسفي: \" أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار\" (٣٤).\nقال أبو السعود: أي هل عندكم من الله\" خبَرًا أو وعدًا بما تزعمون فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد\" (٣٥).\nواختلف في تفسير (العهد) هنا، على قولين (٣٦):\nالأول: أن العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، والمعنى: هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟\nوالثاني: وقال ابن عباس وغيره: \"معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟ \" (٣٧). والمعنى: هل أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٦، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٧٣ - ٢٧٦، وانظر: الطبري: ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٠ - ١١. وتفسير ابن كثير: ١/ ٣١٣ - ٣١٤.\n(٢) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: \"اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا\" فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أبوكم؟ \" قالوا: فلان. قال: \"كذبتم، بل أبوكم فلان\". فقالوا: صدقت وبَرِرْت، ثم قال لهم: \"هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ \". قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أهل النار؟ \" فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا\". ثم قال لهم رسول الله ﷺ: \"هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ \". قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: \"هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ \". فقالوا: نعم. قال: \"فما حملكم على ذلك؟ \". فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك. [مسند أحمد (٢/ ٤٥١) وصحيح البخاري برقم (٣١٦١، ٤٢٤٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٥)، وأخرج نحوه الطبري (١٤٠٦)، و(١٤٠٧): ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧، ونحوه أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة (٨١٥): ص ١/ ١٥٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٤].\n(٣) أخرجه الطبري (١٤١٠)، و(١٤١١): ص ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وابن أبي حاتم (٨١٣): ص ١/ ١٥٥.\n(٤) أخرجه الطبري (١٤١٢)، و(١٤١٣)، و(١٤١٤): ص: ٢/ ٢٧٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٩): ص ٢/ ٢٧٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٩): ص ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٠): ص ٢/ ٢٧٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٠١): ص ٢/ ٢٧٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٢): ص ٢/ ٢٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٨): ص ٢/ ٢٧٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٤): ص ٢/ ٢٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨١٤): ص ١/ ١٥٦.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(١٤) الكشاف: ١/ ١٥٨.\n(١٥) تفسير السعدي: ٥٧.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٣): ص ٢/ ٢٧٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٠١): ص ٢/ ٢٧٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٦)، و(١٤٠٧): ص ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٢): ص ٢/ ٢٧٥.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٩): ص ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٩): ص ٢/ ٢٧٤.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٤٠): ص ٢/ ٢٧٥، وابن أبي حاتم (٨١٦): ص ١/ ١٥٦.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٤): ص ٢/ ٢٧٥.\n(٢٥) أخرجه الطبري (١٤١٢)، و(١٤١٣)، و(١٤١٤): ص: ٢/ ٢٧٨.\n(٢٦) أخرجه الطبري (١٤١٠)، و(١٤١١): ص ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٩): ص ٢/ ٢٧٧.\n(٢٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٢٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٨١٩): ص ١/ ١٥٧.\n(٣٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٨١٨): ص ١/ ١٥٧.\n(٣١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٧.\n(٣٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٠): ص ١/ ١٥٧.\n(٣٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٠.\n(٣٤) تفسير النسفي: ١/ ٧٣.\n(٣٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢١. (بتصرف بسيط).\n(٣٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧١.\n(٣٧) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٧١.","vol":"2","page":426},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠]، أي: \" إن اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي إن كان الأمر كذلك فلن يُخلِفَه\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي إن اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلفه؛ لأن الله ﷾ لا يخلف الميعاد\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، \"أي أم تكذبون على الله فتقولون عليه ما لم يقله\" (٤).\nقال قتادة: \" قال القوم الكذب والباطل، وقالوا على الله ما لا يعلمون\" (٥).\nوفي إعراب ﴿أم﴾ [البقرة: ٨٠]، قولان (٦):\nأحدهما: أن تكون معادلة بمعنى أى الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما.\nقال أبو السعود: \" وام متصلةٌ والاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلمِ بالشق الأخيرِ كأنه قيل أم لم تتخذوه بل تتقوّلون عليه تعالى\" (٧).\nوالثاني: أن تكون منقطعة بمعنى (بَلى)، وإثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾، أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ، والاستفهام لإنكار الاتخاذِ ونفيِه.\nقال السعدي: \" فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما:\nالأول: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا، فتكون دعواهم صحيحة.\nوالثاني: وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم.\nوقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا، لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء، حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم، ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون، قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم، من أعظم المحرمات، وأشنع القبيحات\" (٨).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن اليهود يقرون بالآخرة، وأن هناك نارًا، لقوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾؛ لكن هذا الإقرار لا ينفعهم؛ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ؛ وعلى هذا ليسوا بمؤمنين.\n٢ ومنها: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا، وإما جهلًا؛ والأول أقرب؛ لقوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما تعلمون.\n٣ ومنها: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى في واحد من أمرين، وكلاهما منتفٍ: ﴿أتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ وهذا على القول بأن ﴿أم﴾ هنا متصلة؛ أما على القول بأنها منقطعة فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد.\n٤ ومنها: أن الله ﷾ لن يخلف وعده؛ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة، لأن إخلاف الوعد إما لكَذِب، وإما لعجز؛ فكون الله. جلَّ وعلا. لا يخلف الميعاد يقتضي كمال صدقه، وكمال قدرته.\n٥ ومنها: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ والقول على الله يتضمن القول عليه في أحكامه، وفي ذاته، وصفاته؛ من قال عليه ما لا يعلم بأنه حلَّل، أو حرَّم، أو أوجب، فقد قال على الله بلا علم؛ ومن أثبت له شيئًا من أسماء، أو صفات لم يثبته الله لنفسه فقد قال على الله بلا علم؛ ومن نفى شيئًا من أسمائه وصفاته فقد قال على الله بلا علم؛ ومن صرف شيئًا عن ظاهره من نصوص الكتاب والسنة بلا دليل فقد قال على الله بلا علم.\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٥٨، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ٧٣.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢١): ص ١/ ١٥٧.\n(٦) انظر: الكشاف: ١/ ١٥٨، وتفسير النسفي: ١/ ٧٣.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢١.\n(٨) تفسير السعدي: ٥٧.","vol":"2","page":427},{"text":"٦ ومن فوائد الآية: تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى هذا يجب على المفتي أن يتقي الله ﷿، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأن الأمر خطير.\n٧. ومن فوائد الآية: أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم فى المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدى فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا\" (١) وقد روي عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: \"سل\"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: \"أَوْ غيرَ ذلك؟ ! \"، قلت: هو ذاك، قال: \"فأعني على نفسك بكثرة السجود\" (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦). فهذا كلام النبي ﷺ لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد؟ فعدم إغنائه عنهم شيئا من باب أولى، فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول ﷺ، ويلوذون به، ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله: قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق؛ لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق؛ إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول ﷺ هو الإيمان به واتباعه.\nففي الحديث امتثال النبي ﷺ لأمر ربه في قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ) الشعراء/٢١٤، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام؛ فدعا وعم وخصص، وبين أنه لا ينجي أحدا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به، وإذا كان القرب من النبي ﷺ لا يغني عن القريب شيئا؛ دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي ﷺ؛ لأن جاه النبي ﷺ لا ينتفع به إلا النبي ﷺ، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي ﷺ \" انتهى مختصرا \". (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين \" (٩/ ٢٨٥ - ٢٨٨).\nويقول الشيخ ابن باز ﵀: \" المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال ﷺ: \"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" – رواه مسلم - وقال: \"يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا\"، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء \" انتهى. مجموع فتاوى ابن باز \" (٣/ ٩٨).والله أعلم.\n(٢) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه ١/ ٣٥٣ (٤٨٩).\nويتعلق بهذا الحديث فوائد:\nالفائدة الأولى: لقد كان ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ يخدم النبي ﷺ ويبيت معه، ويأتيه بوَضوئه وحاجته، وكانت نفسه تواقة بذلك إلى الجنة؛ ولذلك سأل النبي ﷺ أن يدعو له أن يكون رفيقًا له في الجنة، وهذا يدل على علو همته؛ إذ كان بإمكانه أن يسأل الدنيا بأسرها، يسأل المال والمتاع الزائل، إلا إنه لما خيره الرسول ﷺ بشيء يشفع له فيه عند ربه لم تَتُقْ نفسُه إلا إلى أعلى المعالي، فقال له النبي ﷺ وهو ينظر إلى خيرة أخرى: \"أَوْ غيرَ ذلك\"، فتمسك بما اختاره أولًا، وهكذا المؤمن ينبغي أن يكون ذا همة عالية مترفعة عن الدنايا، تواقة إلى ما عند الله تعالى.\nالفائدة الثانية: دل الحديث على استحباب شكر الإنسان لمن يقدم له خدمة أو عملًا؛ فالنبي ﷺ أحب أن يكافئ ربيعة على خدمته له؛ فلذلك خيره فيما يريد، وقد جاء في حديث الأشعث بن قيس الكندي وأبي هريرة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يشكر اللهَ مَن لا يشكر الناسَ\"؛ رواه أحمد: ٥/ ٢١١، ٢١٢، ومن طريقه الضياء في الأحاديث المختارة ٤/ ٣٠٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧١)، وحديث أبي هريرة نحوه: رواه أحمد ٢/ ٢٥٨، ٢٩٥، ٣٠٢، ٣٨٨، ٤٦١، ٤٩٢، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في شكر المعروف ٤/ ٢٥٥ (٤٨١١)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك ٤/ ٣٣٩ (١٩٥٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبخاري في الأدب المفرد ص ٨٥ (٢١٨)، والطيالسي ص ٣٢٦، وصححه ابن حبان ٨/ ١٩٨ (٣٤٠٧)، والألباني في صحيح الجامع (٦٦٠١) وصحيح الترغيب والترهيب (٩٧٣)، فالإحسان للمحسن وشكره من محاسن الأخلاق التي دعا إليها النبي ﷺ بقوله وفعله، وجحود ذلك وإهماله من مساوئ الأخلاق التي ينبغي أن يترفع عنها المؤمن.\nالفائدة الثالثة: لما كانت الجنة لا تنال إلا بالعمل الصالح أمر النبي ﷺ ربيعة ﵁ أن يكثر من الصلاة، وفي هذا دليل على مشروعية الإكثار من صلاة النوافل، وقد شرع الله تعالى لنا في اليوم والليلة صلوات كثيرة، وصلاة النفل مشروعةٌ في كل وقت، إلا أوقات النهي عن الصلاة (وهي ثلاثة على الإجمال، وخمسة على التفصيل، وهي إجمالًا: من صلاة الفجر حتى ارتفاع الشمس قِيدَ رمح، ومن استواء الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب الشمس.)، وأفضلها صلاة الليل، وفي حديث ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: \"استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة\"؛ رواه أحمد وابن ماجه وهو صحيح (رواه أحمد ٥/ ٢٧٦، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء ١/ ١٠١ (٢٧٧)، والدارمي ١/ ١٧٤ (٦٥٥)، وصححه ابن حبان ٣/ ٣١١ (١٠٣٧)، وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٢٢١: صحيح على شرط الشيخين، وقال العقيلي في الضعفاء ٤/ ١٦٨: إسناده ثابت عن ثوبان، وقال المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٩٧): رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وقال ابن عبدالهادي (تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٣/ ١٤٢): هو حديث صحيح، وقال الحافظ (فتح الباري ٤/ ١٠٨): الحديث صحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٢/ ١٣٥ (٤١٢) وصحيح الجامع (٩٥٢)، فينبغي للمسلم ألا يغفل عن نوافل اليوم. والليلة؛ كالسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وصلاة الوتر، فهي مما يقربه من الله تعالى، ويدنيه من الجنة التي لأجلها شمر الصالحون، واجتهد المجتهدون. (انظر: حديث: أعني على نفسك بكثرة السجود، الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري، شبكة الآلوكة).","vol":"2","page":429},{"text":"القرآن\n﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١]\nالتفسير:\nفحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر، واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله، فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.\nقوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ [البقرة: ٨١]، \" أي: بلى تمسكم النار وتخلدون فيها\" (١).\nقال الزمخشري: \" أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ \" (٢).\nقا السعدي: \" أي: ليس الأمر كما ذكرتم، فإنه قول لا حقيقة له\" (٣).\nقال المراغي: \" أي ليس الأمر كما ذكرتم، بل تمسّكم النار وتمسّ غيركم دهرا طويلا\" (٤).\nقال ابن كثير: \"يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون\" (٥).\nقال الواحدي: \" ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً\" (٦).\nقال الطبري: \" تكذيب من الله القائلين من اليهود: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ \" (٧).\nوقال الزجاج: \" فألحق في هذه الآية، والإجماع أن هذا لليهود خاصة لأنه ﷿ في ذكرهم .. والذي جرى في هذه الأقاصيص إِنما هو إِخبار عن إليهود\" (٨).\nوقوله: ﴿بَلى﴾، إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾، أي بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ \" (٩).\nوقوله ﴿بَلَى﴾: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن (بلى) لا يقع إلا فى جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول بلى. أي: أتى، قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلى ..﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ومثله: قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ فقال تعالى: (بلى) أي تمسكم، أى تدخلوها بذنوبكم، ويخلد فيها كل كافر بالله معاند لحكمه (١٠)، بخلاف (نعم) فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى، وقد نظم ذلك بعضهم فقال: «بلى» جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرّروا (١١).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، أي\" من عمل سيئة\" (١٢).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٦٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ١٥٨.\n(٣) تفسير السعدي: ٥٧.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٥٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٥.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٩٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٠.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٦٢.\n(٩) محاسن التأويل: ١/ ٣٤١.\n(١٠) جاء في الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للحلبي (١/ ٤٥٥): أي بلى تَمَسُّكم أبدًا، بدليلِ قولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قاله الزمخشري، يريد أن «أبدًا» في مقابَلَةِ قولهم: ﴿إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ وهو تقديرٌ حَسَنٌ. قلتُ: وإن كنت أشم في تقدير الزمخشري رائحة نصرة عقيدته في الاعتزال، والتي فيها تخليد أصحاب الكبائر في جهنم.\n(١١) انظر: تفسير البحر المديد: ١/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٥.","vol":"2","page":430},{"text":"قال ابن عباس: \" أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به\" (١).\nقال الثعلبي: \"يعني الشرك\" (٢).\nقال أبو السعود: \" والكسبُ استجلابُ النفعِ وتعليقُه بالسيئة على طريقة ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] \" (٣).\nواختلف في تفسير ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، على وجهين (٤):\nأحدهما: أنها الشرك، وهذا قول ابن عباس (٥)، وروي عن أبي وائل (٦)، وأبي العالية (٧)، ومجاهد (٨)، وعكرمة (٩)، وعطاء (١٠)، والحسن (١١) في أحد قوليه، وقتادة (١٢)، والربيع بن أنس (١٣)، مثل ذلك.\nقال الواحدي: \" وإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك، وأنّ الآية وردت في اليهود\" (١٤).\nقلت: والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف (١٥)، ولعل الذي دفع الواحدي لحكاية الإجماع، الرد على من حمل الآية على عصاة المؤمنين، كالمعتزلة والخوارج. والله أعلم.\nوالثاني: أن (السيئة) كبائر الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار، وأن (الخطيئة) هي الكفر، وهذا قول السدي (١٦) والحسن (١٧)، وقواه ابن عطية: فقال: \"ولفظ الإحاطة تقوي هذا القول\" (١٨).\nوالراجح هو أن (السيئة) التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله، وهو اختيار الإمام الطبري إذ تعضده مجموعة من الروايات حسنة الإسناد (١٩).\nوأصحاب القولين على أن الآية إنما هي في الكفار لا في العصاة؛ لأن الله توعد أهل هذه الآية بالخلود في النار، وهذا إنما يكون في حق الكفار فقط، قال الواحدي: \" والمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن ومن عمل الكبائر فلم يوجد منه شرك\" (٢٠).\nقال القاسمي: \" ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنّ الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين لما ثبت في السنة، تواترا، من خروج عصاة الموحدين من النار، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة، في هذه الآية، بالكفر والشرك. ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود\" (٢١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٤٢٠): ص ٢/ ٢٨٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٦.\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٥.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٢٣): ص ١/ ١٥٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٢١): ص ٢/ ٢٨١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٢٢): ص ٢/ ٢٨١.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٢٧): ص ٢/ ٢٨٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٢٤): ص ٢/ ٢٨١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٢٨): ص ٢/ ٢٨٢.\n(١٤) التفسير البسيط: ٣/ ٩٨.\n(١٥) انظر: \"مجموع فتاوي ابن تيمية\" ١٤/ ٤٨ وما بعدها، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٩، وكتاب \"الإجماع في التفسير\" ص ١٧٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٢٦): ص ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٢٤): ص ١/ ١٥٨.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٧١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٨١.\n(٢٠) الوسيط: ١/ ١٦٥.\n(٢١) محاسن التأويل: ١/ ٣٤١.","vol":"2","page":431},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، أي\" اجتمعت عليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها\" (١).\nقال ابن عباس: \" حتى يحيط كفره بما له من حسنة\" (٢).\nوقال الضحاك: \" قال: مات بذنبه\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي غمرته من جميع جوانبه، وسدّت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود\" (٤).\nقال أبو السعود: أي\" من جميع جوانبِه بحيثُ لم يبقَ له جانبٌ من قلبه ولسانه وجوارحِه إلا وقد اشتملت واستولت عليه\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: أحاطت بعاملها، فلم تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته\" (٦).\nقال الزمخشري: أي\"استولت عليه، كما يحيط العدوّ\" (٧).\nقال الأخفَش: \"الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا، والخِطء غير المتعمد\" (٨).\nوقال اللّيث: \"الخطيئة: الذنب على عمد\" (٩).\nوقال أبو علي: \"والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. ووقوعها على الكبير قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ \" (١٠).\nوأصل (الإحاطة بالشيء)، الإحداق به، بمنزلة (الحائط) الذي تحاط به الدار فتحدق به، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿نارا أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩] (١١).\nواختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وذكروا فيه وجوها:\nأحدها: أنه مات عليها، وهذا قول ابن جبير، وروي عن السدي (١٢)، والربيع بن خُثَيم (١٣)، والضحاك (١٤)، وأبي رزين (١٥)، والأعمش، (١٦) نحو ذلك. وهو اختيار الطبري (١٧).\nوالثاني: أن معناه: سَدَّتْ عليه مسالك النجاة، وهذا قول ابن السراج (١٨).\nوالثالث: وقال مجاهد: \" ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه\" (١٩).\nوالرابع: وقيل: أحاط به شركه. قاله أبو هريرة (٢٠)، وابن عباس (٢١)، وأبو وائل (٢٢)، وعطاء (٢٣)، والحسن في رواية عباد بن منصور (٢٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٤.\n(٢) أخرجه الطبري (١٤٢٠): ص ٢/ ٢٨٠.\n(٣) أخرجه الطبري (١٤٢٩): ص ٢/ ٢٨٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢٢.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ١٥٨. وتمام قوله: \" ولم ينقص عنها بالتوبة. انتهى كلامه. قال الواحدي: \"وهذا من دسائسه التي ضمنها كتابه، إذ اعتقاد المعتزلة أن من أتى كبيرة، ولم يتب منها، ومات، كان خالدًا في النار\". [البحر المحيط: ١/ ٢٣٩].\n(٨) الحجة: ١/ ١١٥. وبنحوه في: معاني القرآن: ٢/ ٤٢٢،\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٩٩، وذكره في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠، \"اللسان\" ٢/ ١٢٠٥ ولم ينسبه لليث.\n(١٠) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١١٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٤١): ص ٢/ ٢٨٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٣٠): ص ٢/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم (٨٢٨): ص ١/ ١٥٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٢٩): ص ٢/ ٢٨٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٣٧): ص ٢/ ٢٨٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٣٩): ص ٢/ ٢٨٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٤.\n(١٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٣، والتفسير البسيط: ٣/ ٩٩.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٥): ص ١/ ١٥٨.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٢٧): ص ١/ ١٥٨.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٢٦): ص ١/ ١٥٨.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.\n(٢٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.","vol":"2","page":432},{"text":"والخامس: أن الخطيئة: الكبيرة الموجبة. قاله أبو العالية (١)، ومجاهد (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع بن أنس (٥).\nالسادس: وقال الكلبي: أوبقته ذنوبه، ودليله قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، أي تهلكوا جميعا (٦).\nوكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: \"إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه\". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها (٧) (٨).\nوذكر الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه﴾ [البقرة: ٨١]، ثلاثة أوجه (٩):\nالأول: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]، وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].\nوالثاني: أهلكته، من ذلك قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وهذا كله في معنى البوار.\nوالثالث: العلم، ومن ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١]. وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، أي: عالم.\nوقرأ أهل المدينة ﴿خطيّاته﴾، بالجمع، وقرأ الباقون ﴿خَطِيئَتُهُ﴾، على الواحدة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم (١٠).\nقال أبو السعود: وفي القراءة بصيغة الجمع، \"إيذانٌ بكثرة فنون كفرهم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، \" أي فالنار ملازمة لهم لا يخرجون منها أبدًا\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" أي خالدون أبدا\" (١٣).\nوقال السدي: \" لا يخرجون منها أبدا\" (١٤).\nقال البيضاوي: \" ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٢٩): ص ١/! ٥٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٣٢): ص ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٣٥): ص ٢/ ٢٨٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٣٣): ص ٢/ ٢٨٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٤٠): ص ٢/ ٢٨٥.\n(٦) اظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٧.\n(٧) المسند (١/ ٤٠٢) الرقم (٣٨٠٣). حسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٨٧).\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٩) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٩٨، والحجة للقراء السبعة\" ٢/ ١١٤ - ١١٥.\n(١٠) انظر: السبعة: ١٦٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٦.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢٢.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٤٤٣): ص ٢/ ٢٨٦.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٤٤٤): ص ٢/ ٢٨٧.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٠.","vol":"2","page":433},{"text":"قال أبو حيان: \" ويعني بـ ﴿أصحاب النار﴾: الذين هم أهلها حقيقة، لا من دخلها ثم خرج منها\" (١).\nقال السعدي: \" وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية، أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه\" (٢).\nوقال أبو السعود: \" فلا حجةَ في الآيةِ الكريمةِ على خلود صاحبِ الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر ولا حاجة إلى حمل الخلودِ على اللُبْث الطويل على أن فيه تهوينَ الخطب في مقام التهويل\" (٣).\nقال ابن عطية: \" والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد\" (٤).\nالفوائد:\n١. من فوئاد الآية: أن الثواب والعقاب لا يترتب على الأشخاص بحسب النسب، أو الانتماء؛ وإنما هو بحسب العمل.\n٨ ومنها: أن من أحاطت به خطيئته فلم يكن له حسنة فإنه من أصحاب النار الذين لا يخرجون منها.\n٩ ومنها: أن من كسب سيئة لكن لم تحط به الخطيئة فإنه ليس من أصحاب النار؛ لكن إن كان عليه سيئات فإنه يعذب بقدرها. ما لم يعف الله ﷾ عنه.\n١٠ ومنها: إثبات النار، وأنها دار الكافرين\n١١ ومنها: خلود أهل النار فيها؛ وهو خلود مؤبد لا يخفف عنهم فيه العذاب، وقد صرح الله ﷿ بتأبيد الخلود فيها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديدهم طريقًا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على الله يسيرًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ الموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا * خالدين فيها أبدًا لا يجدون وليًا ولا نصيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ الموضع الثالث: في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا﴾ [الجن: ٢٣].\n١٢ ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحًا إلا بأمرين: الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للرسول ﷺ، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (٥). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" (٦). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول ﷺ \"فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (٧).\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة: ٨٢]\nالتفسير:\nوحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا، وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله، هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٢٤٠.\n(٢) تفسير السعدي: ٥٧.\n(٣) تفسير أبي السع\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٧١.\n(٥) سبق تخريجه ص ٩٠.\n(٦) سبق تخريجه ص ٩١.\n(٧) أخرجه البخاري ص ٢٠١ – ٢٠٢، كتاب المكاتب، باب ٣: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم ٢٥٦٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٣٧، كتاب العتق، باب ١: ذكر سعاية العبد، حديث رقم ٣٧٧٩ [٨] ١٥٠٤.","vol":"2","page":434},{"text":"قال أبو حيان: \" لما ذكر أهل النار، وما أعد لهم من الهلاك: أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان، وما أعد لهم في الخلود في الجنان. وقلّ ما ذكر في القرآن آية في الوعيد، إلا وذكرت آية في الوعد. وفائدة ذلك ظهور عدله تعالى، واعتدال رجاء المؤمن وخوفه، وكمال رحمته بوعده وحكمته بوعيده\" (١).\nقوله تعالى: ﴿والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات﴾ [البقرة: ٨٢]، \"أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإِيمان، والعمل الصالح\" (٢).\nقال ابن عباس: \" أي من آمن بما كفرتم وعمل ما تركتم من دينه\" (٣).\nقال الطبري: أي: والذين \"صدقوا بما جاء به محمد ﷺ، وأطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي الذين صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ فلا يكون الإيمان مجرد تصديق؛ بل لا بد من قبول للشيء، واعتراف به، ثم إذعان، وتسليم لما يقتضيه ذلك الإيمان، وعملوا الأعمال الصالحات؛ والعمل يصدق على القول، والفعل؛ وليس العمل مقابل القول؛ بل الذي يقابل القول: الفعل؛ وإلا فالقول، والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح\" (٥).\nقال السعدي: \"ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، متبعا بها سنة رسوله، فحاصل هاتين الآيتين، أن أهل النجاة والفوز، هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله، الكافرون به\" (٦).\nوأخرج الطبري عن ابن زيد، أنه: \" ﴿والذين آمنوا وعملوا الصلحات﴾، محمد ﷺ وأصحابه\" (٧).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢]، على قولين (٨):\nأحدهما: أن المراد بـ ﴿الذين آمنوا﴾، أمّة محمد ﷺ، ومؤمنوا الأمم قبله، قاله ابن عباس (٩) وغيره.\nوالثاني: أنه خاص بالنبي -ﷺ- وأمّته. قاله ابن زيد (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة﴾ [البقرة: ٨٢]، \"أي أهلها الملازمون لها\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \"لأن الصحبة ملازمة\" (١٢).\nو﴿الجنة﴾: الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين؛ وفيها كما قال الرسول ﷺ \"ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (١٣)، كقوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] \" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]، \"أي مخلدون في الجنان لا يخرجون منها أبدًا\" (١٥).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٢٤٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٢): ص ١/ ١٥٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٢.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٤٦): ص ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وابن أبي حاتم (٨٣١): ص ١/ ١٥٩.\n(٨) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٤٠.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٤٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٤٦): ص ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وابن أبي حاتم (٨٣١): ص ١/ ١٥٩.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٣.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٣.\n(١٣) اخرجه البخاري ص ٢٦٣، كتاب بدء الخلق، باب ٨: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم ٣٢٤٤؛ وأخرجه مسلم ص ١١٦٩، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ١: صفة الجنة، حديث رقم ٧١٣٠ [٢] ٢٨٢٤.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٣.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.","vol":"2","page":435},{"text":"قال ابن عثيمين: \"أي ماكثون لا يخرجون منها\" (١).\nقال ابن عباس: \"فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له\" (٢).\nمن فوائد الآية:\n١. أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحًا إلا بأمرين: الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للرسول ﷺ، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (٣). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" (٤). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول ﷺ \"فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (٥) \".\n٢. ومن فوائد الآية: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح.\n٣. ومنها: أن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادرًا عن إيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا وعملوا الصالحات ﴿، ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم.\n٤. ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى: ﴿الله نزَّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني﴾ [الزمر: ٢٣]؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك.\n٥. ومنها: إثبات الجنة.\n٦. ومنها: أن أصحاب الجنة مخلدون فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله ﷾ به في آيات عديدة (٦).\nالقرآن\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]\nالتفسير:\nواذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تحسنوا للوالدين، وللأقربين، وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم، وللمساكين، وأن تقولوا للناس أطيب الكلام، مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣]، \" أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد\" (٨).\nواختلف أهل العلم في الميثاق على قولين (٩):\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٢): ص ١/ ١٥٩.\n(٣) أخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد، باب ٤: تحريم الرياء، حديث رقم ٧٤٧٥ [٤٦] ٢٩٨٥.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٥: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٦٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢ – ٩٨٣، كتاب الأقضية، باب ٨: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٤٤٩٣ [١٨] ١٧١٨، واللفظ لمسلم.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٢٠١ – ٢٠٢، كتاب المكاتب، باب ٣: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم ٢٥٦٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٣٧، كتاب العتق، باب ١: ذكر سعاية العبد، حديث رقم ٣٧٧٩ [٨] ١٥٠٤.\n(٦) قال ابن عطية: \" يدل هذا التقسيم على أن قوله ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، الآية في الكفار لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضا قوله: ﴿أَحاطَتْ﴾، لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة فهم المراد بالخلود، والله أعلم\". [المحرر الوجيز: ١/ ١٧١].\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢.","vol":"2","page":436},{"text":"الأول: أنه \"الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر\". قاله مكي (١).\nوضعّفه ابن عطية (٢).\nوالثاني: وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه.\nقال ابن جريج: \" الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة المائدة (٣) \" (٤). وروي عن أبي العالية نحوه (٥).\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، \" وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم، على لسان موسى ﵇ وغيره من أنبيائهم ﵈\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]، أي: \" بأن لا تعبدوا غير الله\" (٧).\nقال أبو العالية: \" أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره\" (٨).\nواختلف في موضع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، من الأعراب على خمسة أقوال (٩):\nالقول الأول: قال الكسائي (١٠): رفعه على: أن لا يعبدوا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا، إلا أنه لما أسقطت (أن) رفع الفعل كما قال طرفة (١١):\nألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي\nأراد أن أحضر ولذلك عطف عليه (أن)، وأجاز هذا الوجه الأخفش (١٢) والفراء (١٣) والزجاج (١٤) وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.\nوأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين (١٥):\nأحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت، وكقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: ١٣] أي: احذروا، وكقوله: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: موعظتنا معذرة.\nوالثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.\n(٣) ذكره في الآية (٧) ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧].\nوالآية (١٢): ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٥): ص ١/ ١٦٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٣٤): ص ١/ ١٦٠.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٤): ١/ ١٦٠.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٠١٣، والتفسير البسيط: ٣/ ١٠٣ - ١٠٥، ومعاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٣٣، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، اولبيان لابن الأنباري ١/ ١٠١، والبحر المحيط\" ١/ ٢٨٣، ومفاتيح الغيب: ٢/ ١٥٠.\n(١٠) نقله عن الكسائي الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٣، وينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٣٣، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ١٠١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٣.\n(١١) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٣٢؛ والإنصات ٢/ ٥٦٠؛ وخزانة الأدب ١/ ١١٩، ٨/ ٥٧٩؛ والدرر ١/ ٧٤؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٨٥؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٠٠؛ والكتاب ٣/ ٩٩، ١٠٠، ولسان العرب ١٣/ ٣٢ (أنن)، ١٤/ ٢٧٢ (دنا)؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٢؛ والمقتضب ٢/ ٨٥؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٤٦٣، ٨/ ٥٠٧، ٥٨٠، ٥٨٥؛ والدرر ٣/ ٣٣، ٩/ ٩٤؛ ورصف المباني ص ١١٣؛ وشرح ابن عقيل ص ٥٩٧؛ ومجالس ثعلب ص ٣٨٣؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٣، ٦٤١؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٧.\nاللغة والمعنى: الوغى: الحرب. مخلدي: ضامن بقائي خالدا.\n(١٢) انظر: معاني القرآن للأخفش ١/ ١٢٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٣.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٦٣.\n(١٥) مقولة المبرد نقلها الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٠٣، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ١٣.","vol":"2","page":437},{"text":"واعترض الواحدي على قول المبرد فقال: \"وليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (١) (٢)، ودعواه أن كل ما أضمر في العربيّة فهو يعمل عمله مظهرًا ليس كذلك، وهو على ضربين: منه ما هو على ما ذكر، ومنه ما ليس كذلك (٣)، كحروف الجر إذا حذفت وهي تزاد، كقوله (٣):\nأمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به ... فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ\nيريد بالخير، وقال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب. كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل عامل الرفع فرفع الفعل، وقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم\" (٤).\nالقول الثاني: موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل: وإذا أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد (٥) والكسائي (٦) والفراء (٧) والزجاج (٨) وهو أحد قولي الأخفش (٩).\nوالدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (١٠).\nالقول الثالث: وقيل: هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير عابدين إلا الله، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا (١١).\nالقول الرابع: قول الفراء (١٢) أن موضع ﴿لا تعبدون﴾ على النهي، إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ [البقرة: ٢٣٣] بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهيا أمور:\nأحدها: قوله: ﴿أقيموا﴾، وثانيها؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي: ﴿لا تعبدوا﴾. وثالثها: أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.\nالقول الخامس: التقدير أن لا تعبدوا تكون \"أن\" مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، على وجوه (١٣):\nأحدها: ﴿لا يعبدون﴾، بالياء. قرأ بها ابن كثير وحمزة والكسائي.\nوالثاني: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، بالتاء من فوق، قرأ بها أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر، حكاية ما قيل لهم.\nوالثالث: ﴿لا تعبدوا﴾، على النهي، قرأ بها أبيّ بن كعب وابن مسعود.\nقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، \" أي \"وأمرناهم بالوالدين إحسانا\" (١٤).\n_________\n(١) ينظر في الأقوال في المسألة: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٣ - ٥٤، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٢٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣.\n(٢) هو: علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي، صاحب أبي علي الفارسي، درس النحو وتفنن فيه حتى ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه، من مؤلفاته: \"شرح مختصر الجرمي\"، توفي سنة هـ ٤٢٠ ص. وينظر \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٩٧، و\"تاريخ بغداد\" ١٢/ ١٧ - ١٨.\n(٣) البيت: لعمرو بن معد يكرب، وتتمته:\nأمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به ... فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ\n\"مغني اللبيب\" ١/ ٣١٥، وقد عزاه في \"الكتاب\" ١/ ٣٧ لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، واختلف في قائله كما في \"الخزانة\" ١/ ١٦٤ - ١٦٦، والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، من نشب الشيء، والمال: الإبل أو هو عام، والشاهد فيه: أمرتك الخير أراد: أمرتك بالخير.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٠٤ - ١٠٥. والترخيم: ما حذف من آخره حرف واحد أو أكثر للتخفيف، نحو: يا فاطم.\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٠٥، والبحر المحيط ١/ ٢٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١.\n(٦) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٠٥، والبحر المحيط ١/ ٢٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٥٤.\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٣.\n(٩) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٢٦.\n(١٠) انظر: معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٤، والبحر المحيط ١/ ٢٨، والتفسير البسيط: ٣/ ١٠٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١.\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٠٣، والبحر المحيط: ١/ ٢٨٢، تفسير القرطبي: ٢/ ١٣.\n(١٢) انظر: معانيا لقرآت للفراء: ١/ ٥٣.\n(١٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣.","vol":"2","page":438},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \" فيما أمركم به من حق الوالدين\" (١).\nقال الصابوني: \"أي وأمرناهم بأن يحسنوا إِلى الوالدين إِحسانًا\" (٢).\nقال القرطبي: \"وقرن الله ﷿ في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما\" (٣).\nواختلف في اتصال (الباء) وانتصابه، في قوله تعالى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، على أقوال (٤):\nالأول: قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا، فجعل (الباء) التي في ﴿الوالدين﴾ من صلة الإحسان، مقدمة عليه (٥).\nوقد اعترض الإمام الطبري على هذا الوجه (٦).\nوالثاني: قيل: على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا، لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان، وإلى الوالدين كأنه قيل: وأحسنوا إلى الوالدين (٧).\nوالثالث: وقيل: بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا.\nقال الإمام الطبري:: وقوله جل ثناؤه: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ عطف على موضع (أن) المحذوفة في (لا تعبدون إلا الله)، فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع (لا تعبدون) لما حذف (أن)، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر (٨):\nمعاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا\nفنصب (الحديد) على العطف به على موضع (الجبال)، لأنها لو لم تكن فيها (باء) خافضة كانت نصبا، فعطف بـ (الحديد) على معنى (الجبال)، لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله: (وبالوالدين إحسانا) \" (٩).\nقلت: وهذا الذي ذكره القرطبي وجه حسن.\nوأما (الإحسان) الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق، فيشمل: \"فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣]، أي \"وإحسانًا بذي القربى\" (١١).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني القرابة\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٧): ص ١/! ٦٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣.\n(٤) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٥١.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٣، وانظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٢٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٩١.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٠١٤، والتفسير البسيط: ٣/ ١٠٧، والبحر المحيط: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(٨) البيت للشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي، جاهلي إسلامي، انظر: سيبويه ١: ٣٤، ٣٧٥، ٤٤٨، والخزانة ١: ٣٤٣، وسمط اللآلئ: ١٤٩ وفيه تحقيق جيد. وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه، وكان عقيبة وفد على معاوية، ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات:\nمعاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد\nفهبها أمة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد\nأكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد؟\nذروا خَوْنَ الخلافة واستقيموا ... وتأمير الأراذل والعبيد\nوأعطونا السوية، لا تزركم ... جنود مردفات بالجنود\nفدعاه معاوية فقال له: ما أجرأك علي؟ قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك. فقال معاوية: ما أظنك إلا صادقا.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٨): ص ١/ ١٦٠.","vol":"2","page":439},{"text":"قال القرطبي: \"أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم\" (١).\nقال أبو حيان: \" القربى: مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب\" (٢)، ومنه قول طرفة (٣):\nوَقَرّبْتُ بالقُرْبَى وَجدَّ كَإِنَّني ... متى يَكُ أَمْرٌ لِلنّكيثَةِ أَشْهَدِ\nقال ابن عثيمين: ويشمل القرابة من \"قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب، لأن ﴿القربى﴾ جاءت بعد ﴿الوالدين﴾ (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٨٣]، أي يحسنوا أيضا إلى\" اليتامى، الذين مات آباؤهم وهم صغار\" (٥).\nو﴿اليتامى﴾: \"جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ في الناس فُقْدان الأب، وفي غير الإنسان من قبل الأم\" (٦).\nواختلف في أصل (اليتيم) في اللغة على ثلاثة أوجه (٧):\nأحدها: أن (اليتيم) في كلام العرب: الإنفراد. قاله أحمد بن يحيى (٨).\nوالثاني: أن أصله (الغفلة)، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره. قاله المفضل (٩).\nوالثالث: أن (اليتيم)، من الإبطاء. يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه. قاله أبو عمرو (١٠).\nوقال ابن العربي: \" اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المفرد من أبيه، وقد يطلق على المفرد من أمه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]، أي يحسنوا أيضا إلى\"المساكين الذين عجزوا عن الكسب\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" يعني الفقراء\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٢٨١، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٠٧.\n(٣) شرح المعلقات السبع للزوزني: ٦٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ١٠٨، وانظر: معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٣، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٥٢ \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"اللسان\" ١٢/ ٦٤٥.\n(٧) انظر: تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨، \"القاموس\" ١١٧٢، والتفسير البسيط: ٣/ ١٠٩،\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨، \"القاموس\" ١١٧٢.\nوقال أحمد بن يحيى: \" قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء، ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير\".\nوقال الأصمعي: \"اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة\". [انظر: تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨].\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨، \"القاموس\" ١١٧٢.\nوقال أحمد بن يحيى: \" قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء، ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير\".\nوقال الأصمعي: \"اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة\". [انظر: تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨].\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨، \"القاموس\" ١١٧٢.\nوقال أحمد بن يحيى: \" قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء، ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير\".\nوقال الأصمعي: \"اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة\". [انظر: تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨].\n(١١) أحكام القرآن ١/ ٢١٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٨.","vol":"2","page":440},{"text":"قال شيخنا ابن عثيمين: \" ﴿المساكين﴾، جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو؛ وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع ﴿المساكين﴾؛ لأن \"الفقراء\"، و\"المساكين\" من الأسماء التي إذا قرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة \"الفقراء\" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ و\"المساكين\" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين. مثل آية الزكاة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]. صار \"الفقراء\" لها معنى؛ و\"المساكين\" لها معنى؛ لما اجتمعت الآن افترقت: فـ\"الفقير\": من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف؛ و\"المسكين\": من يجد نصف الكفاية دون كمالها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، \" أي قولًا حسنًا بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن\" (٣).\nقال السعدي: \" ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب، ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه\" (٤).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، على أقوال (٥):\nالأول: أن المعنى قولوا لهم: لا إله إلا الله، ومروهم بها. قاله ابن عباس (٦).\nوالثاني: قولوا: صدقا في شأن محمد ﷺ، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته. قاله ابن جريج (٧). ومقاتل بن حيان (٨).\nوالثالث: يعني: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. قاله سفيان الثوري (٩).\nوالرابع: قولوا للناس معروفا. قاله أبو العالية (١٠)، وروي عن الحسن (١١) نحوه.\nوالخامس: قولوا: الحسن من القول. قاله عطاء بن أبي رباح (١٢)، وجعفر (١٣).\nوكل الأقوال متشابهة فما بينها، وحثت على مكارم الأخلاق. والله أعلم.\nويحتمل ﴿الناس﴾، في قوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وجهين:\nأحدهما: الناس عامة. قاله عطاء بن أبي رباح (١٤)، وعكرمة (١٥)، وهو المشهور.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٩.\n(٤) تفسير السعدي: ٥٧ - ٥٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ١٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٥١): ص ٢/ ٢٩٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٣): ص ٢/ ٢٩٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٤٥): ص ١/ ١٦١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٤): ص ٢/ ٢٩٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٢): ص ٢/ ٢٩٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٤٥١): ص ٢/ ٢٩٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٨٤٦): ص ١/ ١٦١ - ١٦٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٥): ص ٢/ ٢٩٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٥): ص ٢/ ٢٩٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٦): ص ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦١.","vol":"2","page":441},{"text":"والثاني. وقيل: \"أراد بالناس محمدا ﷺ، كقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]. فكأنه قال: قولوا للنبي ﷺ حسنا \" (١).\nقال القرطبي: \"فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه\" (٢).\nواختلف في نسخ قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، على ثلاثة أقوال (٣):\nالأول: حكى المهدوي عن قتادة أن قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ منسوخ بآية السيف (٤)، وحكاه أبو نصر عبدالرحيم عن ابن عباس بأنه قال: \"نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف\" (٥).\nوأخرج ابن أبي حاتم \" عن إسماعيل بن أبي خالد: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾، قال: هذه الآية أمر بها قبل أن يؤمر بالجهاد\" (٦).\nوالثاني: أن الآبة محكمة، وقولوا جميع الناس حسنا، وحسن القول للكافر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر (٧)، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٨)، وأبي جعفر المدني (٩).\nوالثالث: وقال آخرون أن هذا خبر من الله تعالى عما خاطب به بني إسرائيل، وعليه فإنه خبر عن الماضي لا يدخل عليه النسخ (١٠).\nقال ابن عطية: \"وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه\" (١١).\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأخير، لأنه أليق بسياق الآية، فالله أخبرنا بما أخذه من الميثاق على بني إسرائيل، وأما المسلمون فليسوا مخاطبين بهذه الآية.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، على وجهين (١٢):\nالأول: ﴿حُسْنًا﴾، بالضم والتخفيف، قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر.\nوالثاني: ﴿حسنا﴾، بالفتح والتثقيل، قرأ بها حمزة والكسائي (١٣).\nواختلف أهل العربية في الفرق بين معنى قوله: ﴿حُسْنا﴾ و﴿حَسَنا﴾ على وجهين (١٤):\nالأول: قال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ (الحَسَن) (الحُسن)، وكلاهما لغة، كما يقال: (البُخل والبَخَل)، وإما أن يكون جعل (الحُسن) هو (الحَسن) في التشبيه. وذلك أن الحُسن (مصدر) و(الحَسن) هو الشيء الحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك: (إنما أنت أكل وشرب)، وكما قال الشاعر (١٥):\n_________\n(١) ذكره الواحدي في الوسيط: ١/ ١٦٧، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٦.\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ، للبغدادي: ١٧٠.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/! ٧٣.\n(٥) انظر: مجمع البيان: ١/ ٣٣٦.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٨٤٧): ص ١/ ١٦٢.\n(٧) انظر: الناسخ والمنسوخ، لأبي منصور البغدادي: ١٧٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٦): ص ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٩) انظر: الناسخ والمنسوخ، للبغدادي: ١٧٠.\n(١٠) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي منصور البغدادي: ١٧٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.\n(١٢) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٣.\n(١٣) قال ابن مجاهد: \"وقرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي في سورة الأحقاف ﴿إحسانا﴾ [١٥] بألف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع ﴿حسنا﴾ \". [السبعة في القراءات: ١٦٣].\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(١٥) يقال هو: عمرو بن معد يكرب الزبيدي. (الخزانة ٤: ٥٦)، وليس في قصيدته التي على هذا الوزن في الأصمعيات: ٤٣، ولكنه أتى في نوادر أبي زيد: ١٤٩ - ١٥٠ أنه لعمرو بن معد يكرب. فكأنه له، وكأنه سقط من رواية الأصمعي، وهو في رواية غيره. انظر: نوادر أبي زيد: ١٥٠، وسيبويه ١: ٣٦٥، ٤٢٩ والخزانة ٤: ٥٣. وغيرها.","vol":"2","page":442},{"text":"وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع\nفجعل \" التحية \" ضربا.\nوالثاني: وقال آخر: بل (الحُسن) هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و(الحسن) هو البعض من معاني (الحُسن)، ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: (وقولوا للناس حسنا)، يعني بذلك بعض معاني الحُسن.\nقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، أي: \" أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها\" (١).\nقال الصابوني: أي: صلّوها كما فرض الله عليكم (٢).\nقال شيخنا ابن عثيمين: \" أي ائتوا بها قائمة. أي قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و﴿الصلاة﴾ تشمل الفريضة، والنافلة\" (٣).\nوروي عن ابن مسعود قال: \" ﴿وأقيموا الصلاة﴾، هذه و(إقامة الصلاة): تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، \" أي أعطوها مستحقها\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"و(الزكاة) هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية\" (٦).\nقال ابن عباس: \" إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد ﷺ. كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل: من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له\" (٧).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]، وجهين:\nأحدهما: أنه ما فرض عليهم في أموالهم من الزكاة. وذلك في رواية الضحاك عن ابن عباس (٨).\nوالثاني: يعني بـ ﴿الزكاة﴾: طاعة الله والإخلاص. وهذا في روياة علي بن طلحة عن ابن عباس (٩).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]، \" أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضًا باتًا، إِلاّ قليلًا منكم ثبتوا عليه\" (١٠).\nقال السعدي: \"هذا استثناء، لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم\" (١١).\nقال ابن عطية: \" تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا .. والمراد بـ (القليل): جميع مؤمنيهم قديما من أسلافهم وحديثا كابن سلام وغيره، و(القلة) على هذه هي في عدد الأشخاص، ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد ﷺ إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٧.\n(٢) انظر: صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٩.\n(٤) أخرجه الطبري (١٤٥٨): ص ٢/ ٢٩٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٩.\n(٧) أخرجه الطبري (١٤٥٩): ص ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٥٩): ص ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٦٠): ص ٢/ ٢٩٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(١١) تفسير السعدي: ٥٧ - ٥٨.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٥٩.","vol":"2","page":443},{"text":"وقرأ قوم ﴿إلا قليلٌ﴾ بالرفع،، ورويت عن أبي عمرو (١).\nقال ابن عباس: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: ﴿ثم توليتم﴾، يقول: أعرضتم عن طاعتي، ﴿إلا قليلا منكم﴾، قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها\" (٢).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]، وجهين من التفسير:\nالأول: ثم: أعرضتم عن طاعتي. في رواية الضحاك عن ابن عباس (٣).\nوالثاني: أي: تركتم ذلك كله. في رواية عكرمة عن ابن عباس أيضا (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، \" أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"أي توليتم في إعراض\" (٦).\nقال الطبري: أي \"وأنتم يا معشر بقاياهم [اليهود]، معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم\" (٧).\nقال المراغي: \" وأنتم في حال الإعراض عنه وعدم الاهتمام بشأنه\" (٨).\nقال الواحدي: \" ومعنى (الإعراض): الذهَاب عن المواجهة، إلى جهة العرض\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، \"التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ وفائدته: إدخال الموجودين في عهد النبي ﷺ في هذا الحكم. أعني التولي؛ و\"التولي\" ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار\" (١٠).\nقال المراغي: \" وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، مبالغة في الترك المستفاد من التولي، لأن الإنسان قد يتولى عن شىء وهو عازم على أن يعود إليه ويؤدى ما يجب له، فليس كل من تولّى عن شىء يكون معرضا عنه، وقد كان من توليهم وإعراضهم أن اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا مشرّعين يحلّون ويحرّمون، ويبيحون ويحظرون، ويزيدون ما شاءوا من الشعائر والمناسك الدينية، فكأنهم شركاء لله يشرّعون لهم ما لم يأذن به الله، كما كان من توليهم أن بخلوا بالمال في الواجبات الدينية كالنفقة على ذوى القربي وأداء الزكاة، وتركوا النهى عن المنكر إلى نحو ذلك مما يدل على الاستهتار بأمور الدين\" (١١).\nواختلف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، على وجوه (١٢):\nالأول: أنه خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل، بأنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له. قاله الطبري (١٣).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجي: ١/ ١٧٣. قال ابن عطية: \" وهذا على بدل ﴿قليل﴾ من الضمير في ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾، وجاز ذلك مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي لأن ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾، معناه النفي كأنه قال ثم لم تفوا بالميثاق إلا قليل\".\n(٢) أخرجه الطبري (١٤٦١): ص ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٦١): ص ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٦٢): ص ٢/ ٢٩٩.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ١١٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٩.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٥٩.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ١١٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٩.\n(١١) تفسير المراغي: ١/! ٥٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٨.","vol":"2","page":444},{"text":"والثاني: وقيل: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ﴿وأنتم معرضون﴾، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، وعنى بسائر الآية أسلافهم. كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم﴾: ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم، ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم.\nوالثالث: أن \"الآية خطاب لمعاصري محمد ﷺ أسند إليهم تولي أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل. قاله ابن عطية (١)، وروي نحوه ابن عباس (٢).\nوالقول الأول هو الاقرب إلى الصواب، وهو اختيار الجمهور، ومنهم الامام الطبري (٣). والله أعلم.\nالفوائد:\n١ ن فوائد الآية: بيان عظمة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا﴾؛ لأن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو ﷾ العظيم الذي لا أعظم منه.\n٢ ومنها: أن التوحيد جاءت به الرسل جميعًا؛ لقوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله).\n٣ ومنها: أن العبادة خاصة بالله. ﵎؛ فلا يعبد غيره؛ لقوله تعالى: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾؛ لأن هذا يفيد الحصر.\n٤ ومنها: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾؛ وإنما أوجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله ﷿؛ ولذلك قال الله ﷾ في سورة لقمان: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤]؛ فهما سبب وجودك، وإمدادك، وإعدادك. وإن كان أصل ذلك من الله؛ فلولا الوالدان ما كنت شيئًا؛ والإحسان إلى الوالدين شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وغير ذلك من أنواع الإحسان؛ وضده أمران؛ أحدهما أن يسيء إليهما؛ والثاني: أن لا يحسن، ولا يسيء؛ وكلاهما تقصير في حق الوالدين مناف لبرهما؛ وفي الإساءة زيادة الاعتداء.\n٥ ومن فوائد الآية: وجوب الإحسان إلى ذوي القربى. أي قرابة الإنسان. وهم من يجتمعون به بالأب الرابع، فما دون؛ ولكن يجب أن نعلم أن الإحسان يتفاوت؛ فكل من كان أقرب فهو أولى بالإحسان؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم؛ ويجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال.\nوقد اتفق العلماء أن حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المضرة دنيويًا غير واجبة، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: \"أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصًا على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية\" (٤).\nوقال رسول الله - ﷺ - \"لا ضرر ولا ضرار\" (٥)، وأما حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية دنيويًا فغير واجبة على مذهب بعض أهل العلم طبعًا باستثناء الوالدين، وقالوا عن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلُم عنهم ويجهلون عليّ، فقال:: \" لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك\" (٦)، أن الحديث محمول على استحباب صلة الرحم المؤذية لا وجوب ذلك، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والورع يا عبدالله يقتضي صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية مالم تصل إلى حد الضرر، والفرق بين الضرر والأذى - والله أعلم - أن الأذى هو الضرر اليسير، قال ابن عطية: قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً - معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة. وقال القرطبي: \"وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا ضَرًّا يَسِيرًا\" (٧).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٣٣): ص ١/ ١٥٩. ولفظه: \" يؤنبهم وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي ميثاقكم لا تعبدون إلا الله\".\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٨.\n(٤) سبل السلام، الإمام الصنعاني: ٤/ ٢٢٨.\n(٥) حديث حسن، رواه ابن ماجه [انظر رق: ٢٣٤١] والدارقطني [رقم: ٤/ ٢٢٨] وغيرهما مسندا.\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، (٤/ ١٩٨٢)، برقم: (٢٥٥٨).\n(٧) تفسير القرطبي: ٤/ ١٧٣.","vol":"2","page":445},{"text":"ولكن لا يلزم أن يكون هذا التفريق الثابت هنا ثابتا أيضا في لفظي المضرة والأذى المذكور في كلام ابن عبد البر، علما بأن الصلة تبدأ من السلام عند اللقاء، أو بمكالمة هاتفية أثناء الغيبة، وبهذا يخرج المرء من إثم الهجرة، ثم تمتد لتشمل كل أنواع البر الأخرى، فمن عجز عن درجة معينة من درجاتها فلا ينبغي أن يعجز عما تتحقق به الصلة في حدودها الدنيا.\nأما كيفية التوفيق بين قول النبي ﷺ: \" مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إمَّا أن يحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد ريحًا خبيثة\" (١)، وفيه التنفير من مجالسة رفيق السوء وكذلك قوله: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم الحديث، وفيه التنفير من الفساق وكذلك قول الرسول ﷺ: لا تصاحب إلا مؤمنا - وبين قول النبي ﵊: صل من قطعك - وقوله: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها - ومن المعلوم بأن القاطع للرحم فاسق؟ الصلة لا تستلزم مصاحبة، فالصلة تحصل بكل ما اعتبره العرف صلة كالزيارة والإهداء والاتصال ونحو ذلك، ثم إن قول النبي ﷺ: \" (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله -ﷺ- وكان متكئًا فقال: لا، والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا\" (٢)، حديث ضعيف الإسناد وضعفه الألباني، وبالتالي لا يُحتج به في الأحكام (٣).\n٦ ومنها: وجوب الإحسان إلى اليتامى؛ وهو يشمل الإحسان إليهم أنفسهم؛ والإحسان في أموالهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢].\n٧ ومنها: وجوب الإحسان إلى المساكين؛ وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة، ودفع الضرورة، وما أشبه ذلك.\n٨ ومنها: وجوب القول الحسن؛ لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾؛ وضد القول الحسن قولان؛ قول سوء؛ وقول ليس بسوء، ولا حسن؛ أما قول السوء فإنه منهي عنه؛ وأما القول الذي ليس بسوء، ولا حسن فليس مأمورًا به، ولا منهيًا عنه؛ لكن تركه أفضل؛ ولهذا وصف الله عباد الرحمن بأنهم: ﴿لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مرُّوا كرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ وقال الرسول ﷺ \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا؛ أو ليصمت\" (٤).\n٩ ومنها: الأمر بإقامة الصلاة على وجه الوجوب فيما لا تصح الصلاة إلا به؛ وعلى وجه الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونه وهو من كمالها.\n١٠ ومنها: أن الصلوات مفروضة على من كان قبلنا.\n١١ ومنها: وجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾.\n١٢ ومنها: وجوب الزكاة على من كان قبلنا؛ ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم.\n١٣ ومنها: أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم.\n١٤ ومنها: أن تولي بني إسرائيل كان توليًا كبيرًا، حيث كان توليًا بإعراض.\n١٥ ومنها: أن المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض.\n١٦ ومنها: أن التولي قد يكون بإعراض، وقد يكون بغير إعراض؛ لأنه لو كان بإعراض مطلقًا لم يستقم قوله: ﴿وأنتم معرضون﴾.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨)، واللفظ للبخاري.\n(٢) أخرجه الترمذي، باب: ومن سورة المائدة، (٥/ ٢٥٢)، رقم: (٣٠٤٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم: (٤٧٧٣).\n(٣) انظر: المسلم وحقوق الآخرين، أبو فيصل البدراني: ٣٧.\n(٤) سبق تخريجه ص ٢٥٥.","vol":"2","page":446},{"text":"القرآن\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾ [البقرة: ٨٤]\nالتفسير:\nواذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض، وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم، ثم اعترفتم بذلك، وأنتم تشهدون على صحته.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، \"إذ أخذنا عليكم العهد\" (١).\nقال الرازي: أي: \"أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه\" (٢).\nواختلف أهل التفسير في الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، على ثلاثة أوجه (٣):\nأحدها: أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي ﷺ.\nوثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم.\nوثالثها: أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.\nقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، \" أي: \"لا يريق بعضكم دم بعض\" (٤).\nقال الثعلبي: \" لا تريقون دِماءَكُمْ\" (٥).\nو(السفك) في اللغة: \"الصب (٦).\nو﴿دماء﴾: جمع دم، واختلف في أصله على أقوال (٧):\nالأول: قال الزجاج: وأصل دم: (دَماء) في قول أكثر النحويين، ومنه قول الشاعر (٨):\nفلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين\nوأنشد أبو زيد (٩):\nغفَلَتْ ثم أتت ترقبه ... فإذا هي بعظام ودَمَا\nوالثاني: أن أصله: (دمْي)، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا. وهذا مذهب سيبويه (١٠).\nوالثالث: وقال الليْث: أصله (دَمَيٌ)؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (١١).واختاره ابن عطية (١٢).\nقال الواحدي: \"والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. و(الدُّميَةُ) من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: و(السفك)، و\"السفح\" بمعنى واحد؛ والمراد بسفك الدم: القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: \"لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا\" (١٤) أي يقتل نفسًا بغير حق؛\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٦١.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٢/ ١٥٦.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٦١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٦) انظر: اللسان: ٤/ ٢٠٣٠، والقاموس: ٩٤٢٥، والتفسير البسيط: ٣/ ١١٣.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٥.\n(٨) البيت من شواهد الزجاج في معاني القرآن: ١/ ١٦٥.\n(٩) ورد البيت هكذا:\nغفلت ثم أتت تطلبه\nينظر: \"الخزانة\" ٧/ ٤٩١، و\"التنبيه\" لابن بري ٢/ ٢٣٥، و\"شرح التسهيل\" ١/ ٢٥٠، و\"تلخيص الشواهد\" ص ٧٧، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٣١ ولم ينسبوه.\n(١٠) انظر: اللسان: ٤/ ٢٦٨.\n(١١) انظر: تهذيب اللغة: ١٤/ ٢١٦، واللسان: ٤/ ٢٦٨.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ١١٤.\n(١٤) أخرجه البخاري ص ١٢، كتاب العلم، باب ٣٧: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم ١٠٤؛ وأخرجه مسلم ص ٩٠٣ – ٩٠٤، كتاب الحج، باب ٨٢: تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها ...، حديث رقم ٣٣٠٤ [٤٤٦] ١٣٥٤.","vol":"2","page":447},{"text":"و﴿دماءكم﴾ أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: \"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم\" (١)، وقال: \"ويجير عليهم أقصاهم (٢) \"\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، ثلاثة أوجه من القراءة:\nالأول: ﴿تُسْفِكُونَ﴾، بكسر الفاء. قراءة الجماعة.\nوالثاني: وقرأ طلحة بن مصرف ﴿تُسْفِكُونَ﴾، بضم (الفاء) (٤).\nقال الثعلبي: \" وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون\" (٥).\nوالثالث: وقرأ أبو مجلز: ﴿تُسَفِّكُونَ﴾، بالتشديد على التكثير (٦).\nقال الثعلبي: وإنّما قال ﴿دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، لمعنيين:\nأحدهما: إن كلّ قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة.\nوالآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم﴾ [البقرة: ٨٤]، فيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه، والجواب عنه من أوجه وهي (٨):\nالأول: لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كما ثبت في أهل بعض دول العالم، أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه، فهو عموم في جميع ذلك، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا به (٩).\nوالثاني: المراد لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسبا ودينا وهو كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤]. وهذا قول أبي العالية (١٠) والسدي (١١). وروي عن قتادة (١٢)، والربيع بن أنس نحو ذلك (١٣). واختاره ابن عطية (١٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٥٧، كتاب الجزية والموادعة، باب ١٧: إثم من عاهد ثم غدر، حديث رقم ٣١٧٩؛ وأخرجه مسلم ص ٩٠٥، كتاب الحج، باب ٨٥: فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة ...، حديث رقم ٣٣٢٧ [٤٦٧] ١٣٧٠.\n(٢) اخرجه أبو داود ص ١٤٢٨، كتاب الجهاد، باب ١٤٧: في السرية ترد على أهل العسكر، حديث رقم ٢٧٥١؛ وأخرجه ابن ماجه ص ٢٦٣٨، كتاب الديات، باب ٣١: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث رقم ٢٦٨٥، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٢/ ١٧٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٦ ..\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٨) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٨ - ١٩.\n(٩) عن أنس - ﵁ - قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ -، يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - ﷺ -، فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني: أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\"، ولفظ مسلم: \"أن نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - سألوا أزواج النبي - ﷺ - عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله، وأثنى عليه فقال: \"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني: أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\". [متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم ٥٠٦٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم ١٤٠١].\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٥١): ص ١/ ١٦٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٥٢): ص ١/ ١٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٦٤): ٢/ ٣٠٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٣.\n(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.","vol":"2","page":448},{"text":"والثالث: وقيل: المراد القصاص، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. أجازه الطبري (١). وقال ابن عطية: \" وهذا تأويل فيه تكلف (٢)،\nوالرابع: لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.\nوالخامس: لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم.\nوالصحيح \"إنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك من الطاعات\" (٣). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي \" ولا يخرج بعضكم بعضا من داره\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها\" (٥).\nقال ابن عطية: أي: \" ولا ينفي بعضكم بعضا بالفتنة والبغي\" (٦).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، ثلاثة أوجه من التفسير:\nالأول: لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.\nالثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك (٧). وهذا قول أبي العالية (٨). وروي عن الحسن (٩) والسدي (١٠) ومقاتل بن حيان (١١) نحو ذلك.\nوالثالث: ولا تسبوا من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم. قاله الثعلبي (١٢).\nقال ابن عثيمين: \"ولا شك أن الإخراج من الوطن شاق على النفوس؛ وربما يكون أشق من القتل\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، \" أي: قبلتم ذلك وأقررتم به\" (١٤).\nقال أبو العالية: \"يقول:: أقررتم بهذا الميثاق\" (١٥). وروي عن الربيع مثله (١٦).\nقال الزجاج: \" أي اعترفتم بأن هذا أخذ عليكم في العهد وأخذ على آبائكم\" (١٧).\nقال الثعلبي: اي: \"بهذا العهد إنّه حقّ\" (١٨).\nقال الزمخشري: أي\" بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه\" (١٩).\nقال ابن عطية: \" أي خلفا بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم والتزمتموه فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله، أي أقررتم هذا الميثاق ملتزما\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي: \" وأنتم أيها الباقون المخاطبون تشهدون أن هذا حق\" (٢١).\nقال الثعلبي: أي: تشهدون \"اليوم على ذلك يا معشر اليهود\" (٢٢).\nواختلف في الخطاب في قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، على وجهين:\nالأول: أنه خطاب لليهود المعاصرين للرسولﷺ-، والمعنى \"وأنتم شهداء أي بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم\" (٢٣). وهذا مذهب ابن عباس (٢٤).\nوالثاني: أنه خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم، أخرجه بذلك عنهم مُخرج المخاطبة. قاله أبو العالية (٢٥).\nوالراجح أنه خبر عن أسلافهم، ويدخل فيه المخاطبون منهم، \"الذين أدركوا رسول الله ﷺ، كما كان قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ خبرا عن أسلافهم، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله ﷺ\" (٢٦). وهذا اختيار الطبري (٢٧).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤]، وجوها (٢٨):\nالأول: أي: ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها. قاله الزمخشري (٢٩). وقواه القرطبي (٣٠).\nوالثاني: اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعا فيما بينهم مشهورا.\nوالثالث: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.\nوالرابع: الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال: فلان لا يقر على الضيم، فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته.\nقال الرازي: \"وإن قيل: لم قال: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم، الثاني: أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون، الثالث: أنه للتأكيد\" (٣١).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾.\n٢ ومنها: تحريم إخراج بعضهم بعضًا من ديارهم.\n٣ ومنها: أن الأمة كالنفس الواحدة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم﴾.\n٤ ومنها: الأسلوب البليغ في قوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾؛ وذلك أن مثل هذا التعبير فيه الحث البليغ على اجتناب ما نُهي عنه، وكأن الذي اعتدى على غيره قد اعتدى على نفسه\n٥ ومنها: أن بني إسرائيل قد أقروا على أنفسهم بهذا الميثاق، وشهد بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون.﴾.\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: تفسيره: ٢/ ٣٠٠.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩، وانظر: تفسير المراغي: ١/ ١٦١.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ١١٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.\n(٧) تفسير الرازي: ٢/ ١٥٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٥٣): ص ١/ ١٦٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩. قال المحقق وجدته عن هامش المخطوط.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٧.\n(١٤) التفسير البسيط: ٣/ ١١٥.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٤٦٧): ص ٢/ ٣٠١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٦٨): ص ٢/ ٣٠١.\n(١٧) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٥.\n(١٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(١٩) الكشاف: ١/ ١٦٠، وانظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩١.\n(٢٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٤.\n(٢١) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٥.\n(٢٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٢٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٤.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٦٩): ص ٢/ ٣٠٢.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٧٠): ص ٢/ ٣٠٢.\n(٢٦) تفسير الطبري: ٢/ ٣٠٢.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٠٢.\n(٢٨) انظر: الكشاف: ١/ ١٦٠، ومفاتيح الغيب: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٨.\n(٢٩) انظر: الكشاف: ١/ ١٦٠، تفسير القرطبي: ٢/ ١٨.\n(٣٠) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٨.\n(٣١) تفسير الرازي: ٢/ ١٥٧.","vol":"2","page":449},{"text":"﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]\nالتفسير:\nثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا، ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم، ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا. وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر، بدفع الفدية، مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم. ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها! فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا، ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار، وما الله بغافل عما تعملون.\nفي سبب نزول الآية: قال ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس: \" كانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج (١)، والنضير وقريظة (٢) حلفاء الأوس (٣)، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا\". قال ابن اسحاق: \"ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة\" (٤).\nأخرجه الطبري (٥)، وروي عن السدي (٦)، وابن زيد نحو ذلك (٧).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد فتقتلون أنفسكم\" (٨).\nقال ابن عباس: \" أي أهل الشرك حتى يسفكوا دماءهم معهم\" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: \" ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾، يقول: يقتل بعضكم بعضا\" (١٠).\nوروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك (١١).\n_________\n(١) هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس. ينظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٣٤٢.\n(٢) قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ينظر \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ٦١.\n(٣) هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها. ينظر: \"معجم قبائل العرب القديمة والحديثة\" ١/ ٥٠.\n(٤) تفسير الطبري (١٤٧٤): ص ٢/ ٣٠٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٧١): ص ٢/ ٣٠٤ - ٤٠٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٧٢): ص ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٧) أخرجه الطبري (١٤٧٤): ص ٢/ ٣٠٧.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٦١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥٦): ص ١/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥٨): ص ١/ ١٦٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٥٨): ص ١/ ١٦٤.","vol":"2","page":450},{"text":"قال المراغي: \" أي يقتل بعضكم بعضا كما كان يفعل من قبلكم، مع أنكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم\" (١).\nقال الصابوني: \"أي ثم نقضتم أيضًا الميثاق يا معشر اليهود بعد إقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل\" (٢).\nوروي عن السدي أنه قال: \"كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها. النضير وحلفائهم. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبون فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها فإذا أسر رجل من الفريقين ليهما جمعوا له حتى يفدوه فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: إنا نستحي أن يستدل بحلفائنا. فذلك حين عيرهم الله فقال: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم\" (٣).\nقال ابن عطية: \" ﴿هؤُلاءِ﴾ دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف\" (٤). وكذا قاله الواحدي (٥).\nقال ابن عثيمين: \" والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا به\" (٦).\nوقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥]، يحتمل وجهين (٧):\nالأول: أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء، فترك (يا)، استغناء بدلالة الكلام عليه، كما قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، أي: يا يوسف أعرض عن هذا. ااختاره الثعلبي (٨).\nوالثاني: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم، فيرجع إلى الخبر عن (أنتم). وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم بـ ﴿هؤلاء﴾، كما تقول العرب: أنا ذا أقوم، وأنا هذا أجلس، وإذْ قيل: أنا هذا أجلس، كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم.\nقال الإمام الطبري: \"وقد زعم بعض البصريين أن قوله ﴿هؤلاء﴾ في قوله: ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾، تنبيه وتوكيد لـ ﴿أنتم﴾، . وزعم أن ﴿أنتم﴾ وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين، فإنما جاز أن يؤكدوا بـ ﴿هؤلاء﴾ و(أولاء)، لأنها كناية عن المخاطبين، كما قال خفاف بن ندبة (٩):\nأقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ: ... تأمَّل خُفافًا، إنني أنا ذلِكَا\nيريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].\nوقد اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: ﴿وأنتم تشهدون ﴿(١٠):\nالأول: أن الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضا وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج (١١). قاله ابن عباس (١٢)، وروي عن السدي (١٣)، وابن زيد نحو ذلك (١٤).\nقال ابن إسحاق: \"ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة\" (١٥).\nوالثاني: قال أبو العالية: \"كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم\" (١٦).\nوقوله ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، قراءة العامّة بالتخفيف، من القتل، وقرأ الحسن: ﴿تُقَتِّلُونَ﴾، بالتثقيل من التقتيل (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفات إِلى العهد الوثيق\" (١٨).\nروي عن ابن عباس: ﴿وتخرجون فريقا منكم من ديارهم﴾، قال: يخرجونهم من ديارهم معهم\" (١٩). وروي عن الحسن، وقتادة نحو ذلك (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥]، أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم\" (٢١).\nقال الواحدي: \" أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم\" (٢٢).\nقال ابن عثيمين: أي بالمعصية والإعتداء على الغير بغير حق، فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدوانًا. إلا على النفس: فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصومًا هذا آثم، ومعتد؛ والذي يخرجه من بلده آثم، ومعتد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار، والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان\" (٢٣).\nقال ابن عباس: \" كانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم\" (٢٤).\nوقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾] البقرة: ٨٥]، أي: تتعاونون، مشتق من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر (٢٥)، ومنه قول الشاعر (٢٦):\nتظاهرتم أستاه بيت تجمعت ... على واحد لا زلتم قرن واحد\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٦١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥٧): ص ١/ ١٦٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٤.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ١١٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٠٤.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٩) الأغاني ٢: ٣٢٩/ ١٣: ١٣٤، ١٣٥/ ١٦: ١٣٤، والخزانة ٢: ٤٧٠، وغيرهما، ويأتي في الطبري ١: ٣١٤، ٤٣٧. يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء. ومالك، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري. والبيت الذي قبله:\nفَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا\nوالخيل هنا: هم فرسان الغارة، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة. والصميم: الخالص المحض من كل شيء. وأراد معاوية ومقتله يومئذ. ويقال: \" فعلت هذا الأمر عمد عين، وعمدًا على عين \"، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين. وتيمم: قصد وأمَّ\n\" أقول له \"، يعني لمالك بن حِمَار. وأطر الشيء يأطره أطرًا: هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه. وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله. وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب، كأنه قال: \" أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه \".\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٤، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٧١): ص ٢/ ٣٠٤ - ٤٠٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٧٢): ص ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٤٧٤): ص ٢/ ٣٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٧١): ص ٢/ ٣٠٤ - ٤٠٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (١٤٧٤): ص ٢/ ٣٠٧.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥٩): ص ١/ ١٦٤.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٤.\n(٢١) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(٢٢) التفسير البسيط: ٣/ ١١٩.\n(٢٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٥.\n(٢٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٠): ص ١/ ١٦٤.\n(٢٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠.\n(٢٦) لم أتعرف على قائله، والبيت ورد في تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠، والشوكاني رواية البيت في تفسير الشوكاني هكذا: تظاهرتم من كل أوب ووجهة، انظر: تفسير الشوكاني: ١٨/ ١٨٩، و١٨/ ١٩١، و١٣/ ٦١.","vol":"2","page":452},{"text":"و(الإثم): \"الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم والعدوان: الإفراط في الظلم والتجاوز فيه\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" بالإثم بعد المعصية\" (٢). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (٣).\nوفي تفسير (العدوان) قولان (٤):\nأحدهما: أنه مجاوزة الحق.\nوالثاني: أنه في الإفراط في الظلم (٥). روي نحوه عن سعيد بن جبير (٦).\nوقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: ﴿تظاهرون﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجوه (٧):\nالأول: قرأها بعضهم: ﴿تظاهرون﴾ على مثال (تفاعلون)، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله ﴿وَلا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] (٨).\nوالثاني: وقرأها أهل المدينة وأهل مكة: ﴿تظَّاهرون﴾، فشدد، بتأويل: ﴿تتظاهرون﴾، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة. واختاره أبو حاتم (٩).\nوالثالث: وقرأ الكوفيون ﴿تظاهرون﴾ مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤].\nوالرابع: وقرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿تظهرون عليهم﴾، وشددة الظاء، وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥] وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] (١٠).\nوالقراءة الأولى والثانية، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار ﴿تظاهرون﴾، المشددة طلبا منه تتمة الكلمة (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم\" (١٣).\nقال الواحدي: \"إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله\" (١٥).\nواختلفت القراءة في قوله ﴿أسارى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجوه (١٦):\nالأول: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿أسرى تفدوهم﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٢): ص ١/ ١٦٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٥.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٦٣): ص ١/ ١٦٥.\n(٧) انظر: السبعة في القراءات: ٦٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٧٤، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٠.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.\n(١٠) وروى علي بن نصر عن أبي عمرو أنه يخفف ﴿تظهرون عليهم﴾، وفارقهما عاصم في التي في سورة الأحزاب فقرأ ﴿تظاهرون منهن أمهاتكم﴾ برفع التاء مع التخفيف، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء مع التخفيف مثل التي في سورة البقرة. [انظر: السبعة: ١٦٣].\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٤): ص ١/ ١٦٥.\n(١٤) التفسير البسيط: ٣/ ١١٩.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٥.\n(١٦) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٤.","vol":"2","page":453},{"text":"والثاني: وقرأ نافع وعاصم والكسائي ﴿أسارى تفادوهم﴾ (١) بألف فيهما.\nوالثالث: وقرأ حمزة ﴿أسرى تفدوهم﴾، بغير ألف فيهما.\nوالرابع: وكان أبو عمرو وحمزة والكسائي يكسرون الراء.\nوالخامس: وكان عاصم وابن كثير يفتحان الراء.\nوالخامس: وكان نافع يقرأ بين الفتح والكسر.\nوقد رجّح الإمام الطبري قراءة ﴿وإن يأتوكم أسرى﴾، \"لأن (فعالى) في جمع (فعيل)، غير مستفيض في كلام العرب \" (٢).\nوأصل الأسر في اللغة: الشدّ (٣)، و(الأسير) مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى (٤):\nوقيدني الشعر في بيته ... كما قيد الآسرات الحمارا\nأي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه، فأما الأسر في قوله ﷿: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم (٥).\nوفي الفرق بين (أَسْرَى) و(أُسَارَى) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن (أَسْرَى)، جمع (أسير)، و(أُسَارَى) جمع (أَسْرَى) (٦).\nوالثاني: أنه ما صار في اليد فهم (أسارى)، وما جاء مستأسرا فهو (أسرى). وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (٧).\nقال أبو بكر النقاش: \"سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما\" (٨).\nوالثالث: وحكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: \" (الأسارى): هم المقيّدون المشدّدون، و(الأسرى): هم المأسورون غير المقيدين\" (٩).\nو(الفداء): طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم، قال الجوهري: \" الفداء إذا كُسر أوّله يُمدُّ ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. يقال: قم فدًى لك أبي. ومن العرب مَن يكسر فداء للتنوين إذا جاور لام الجرّ خاصّة، فيقول: فِداءٍ لك؛ لأنّه نكرة، يريدون به معنى الدعاء .. ويقال: فداه وفاداه، إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه تفديةً، إذا قال له: جُعلت فداءك\" (١٠)، وبذلك فإن (الفداء) يأتي بمعنى التخليص، وفكاك الأسير، نقول: فَدَتْ وَافْتَدَتْ وَفَادَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا: بَذَلَتْ لَهُ مَالًا لِيُطَلِّقَهَا، وَقَال الْوَزِيرِ بْنِ الْمَعَرِّيِّ: \" يُقَال: فَدَى: إِذَا أَعْطَى مَالًا وَأَخَذَ رَجُلًا، وَأَفْدَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلًا وَأَخَذَ مَالًا، وَفَادَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلًا وَأَخَذَ رَجُلًا \"، وَالْفِدَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَالْفَدَى كُلُّهُ بِمَعْنًى واحد، وَالْفِدْيَةُ اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُفْتَدَى بِهِ الأسِيرُ (١١).\n_________\n(١) قال الطبري: \"وكان بعضهم يزعم أن معنى \" الأسرى \" مخالف معنى \" الأسارى \"، ويزعم أن معنى \" الأسرى \" استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم، وأن معنى \" الأسارى \" معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة ... وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفت من جمع \" الأسير \" مرة على \" فَعلى \" لما بينت من العلة، ومرة على \" فُعالى \"، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع \" سكران وكسلان \" وما أشبه ذلك\". (انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١١).\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة (أسر): ص ١/ ١٥٩، واللسان (أسر): ٤/ ٧٨.\n(٤) ديوانه: ٥٣. وأسرت السرج والرحل: ضممت بعضه إلى بعض بسيور، والسيور تسمى: تآسير. (انظر معجم العين: مادة (اسر).\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢١.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٥.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٠.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٠.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٠.\n(١٠) الصحاح: ٦/ ٢٤٥٣.\n(١١) انظر: لسان العرب، ابن منظور (ج ١٥، ص ١٤٩)، والقاموس المحيط، الفيروز آبادي (ص ١١٨٨).","vol":"2","page":455},{"text":"أما في الاصطلاح الشرعي، فإن الفداء لا يخرج عن معناه اللغوي، وعليه فيمكن القول: إن الفداء اصطلاحًا هو: \" بذل المال ونحوه من سلاح وغيره مقابل افتكاك الأسير من قبضة عدوه\" (١).\nوأنشد الأصمعي للنابغة (٢):\nمهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد\nوقد اتفق الفقهاء على مشروعية مفاداة أسرى المسلمين بالمال؛ بل تجب المفاداة إذا تعينت وسيلة لذلك؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يفد الإمام والمسلمون أثموا جميعا، لأنها من فروض الكفاية التي تسقط بقيام البعض بها (٣).\nوقوله تعالى ﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ بوجهين (٤):\nالأول: قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء.\nوالثاني: قرأ الباقون ﴿تَفْدُوهم﴾، بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف.\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ \" (٥).\nأخرج ابن أبي حاتم: \" عن ابن عباس: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم﴾، في كتابكم: إخراجهم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي: \" \"تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم\" (٧).\nوقال قتادة: \" والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر\" (٨).\nوقوله تعالى ﴿هُوَ﴾، يحتمل وجهين من الإعراب (٩):\nالأول: مبتدأ وهو كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره، كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر (الإخراج) الذي بعد ﴿وهو محرم عليكم﴾، تكريرا على ﴿هو﴾، لما حال بين (الإخراج) و(هو) كلام، ويقرأ ﴿وهو﴾ بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر (١٠):\nفهْو لا تنمي رميته ... ماله لا عد من نفره (١١)\nالثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت (الواو) التي مع ﴿هو﴾ تقتضي اسما يليها دون الفعل، فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه (الواو) أن يليها - أُولِيَتْ (هو)، لأنه اسم، كما تقول: أتيتك وهو قائم أبوك، بمعنى: وأبوك قائم، إذ كانت (الواو) تقتضي اسما، فعمدت بـ (هو)، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام، كما قال الشاعر (١٢):\n_________\n(١) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (ج ٣٢، ص ٥٩).\n(٢) هذه البيت من البسيط قاله النابغة الذبياني من قصيدة مدح بها النعمان وتبرأ مما رماه به الوشاة عنده ومطلعها:\nيا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد\n«مهلا»: بمعنى أمهل وتأنّ والفداء: ما يفتدى به الشيء و«أثمر» أي: أجمع وأصلح، يقال: ثمّر فلان ماله إذا جمعه وأصلحه. والمعنى: لا تعجل عليّ بالانتقام فداك الأقوام وما أجمع من مال وولد.\nوالشاهد فيه: أن «فداء» مما التزم فيه التنكير من أسماء الأفعال. انظر البيت في المفصل (ص ١٦٤) وابن يعيش (٤/ ٧٠)، والتذييل (٦/ ٢١٣) والخزانة (٣/ ٧)، واللسان (فدى). وديوان النابغة (ص ٢٦).\n(٣) انظر: تفسير القرطبي (ج ٥، ص ٢٧٩)، الموسوعة الفقهية الكويتية (ج ٣٢، ص ٦٠).\n(٤) انظر: السبعة: ص ١٦٢ - ١٦٣، والتيسير للداني ص ٦٤، والنشر: ٢/ ٢١٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٨٦٧): ص ١/ ١٦٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٧.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٨٦٨): ص ١/ ١٦٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٢: ٣١٢ - ٣١٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٢.\n(١٠) البيت لامرئ القيس في ديوانه ١٥٣، واللسان (نمى)، والرواية فيهما: \"فهو لا تنمى\".\n(١١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٢.\n(١٢) لم أتعرف على قائل الأبيات، وهي وردت في معاني القرآن للفراء ١: ٥٢. . والعيس: إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة، وهي من كرائم الإبل. ويبس يابس. قد يبس العرق في آباطها من طول الرحلة.\nالسلامي: يعني رجلا كان - فيما أرجح - مصدقا وعاملا على الزكاة، وأميرا على حمى ضرية، ولست أعرف نسبته، أهي قبيلة أم إلى بلد. وحمى ضرية: في نجد، على طريق البصرة إلى مكة، وهي إلى مكة أقرب، وهي أرض طيبة مذكورة في شعرهم. وفي البيت إقواء، \" بثوب \"، متعلق بقوله آنفًا \" باع \". يقول: أخذ هذه الرشى التي عددها من بني عبس، فأسلم إليهم حقي. وقوله: \" فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس \" يقوله لأبي يحيى الذي ذكره، ويقول: فهل نجد ناصرا ينصرنا وياخذ لناحقنا، فنرفع رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم. وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك. قال الراعي (طبقات فحول الشعراء: ٤٤٢):\nفإن رفعت بهم رأسا نَعَشْتُهم ... وإن لَقُوا مثلها في قابل فسدوا\nوقال أعرابي:\nفتى مثل ضوء الشمس، ليس بباخل ... بخير، ولا مهد ملاما لباخل\nولا ناطق عوراء تؤذى جليسه ... ولا رافع رأسا بعوراء قائل\nوجاءت هذه الكلمة في (باب فضل من علم وعلم) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ (البخاري ١: ٢٣): \" فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به \". (انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"2","page":456},{"text":"فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ\nبأن السُّلامِيَّ الذي بِضَرِيَّة ... أميرَ الحمى، قد باع حَقِّي بني عبسِ\nبثوب ودينار وشاة ودرهم ... فهل هو مرفوع بما ههنا رَأْسُ\nفأوليت (هل) (هو) لطلبها الاسم العماد.\nو(المحرم): الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما ناله سواه. وقول زُهَير (١):\nيقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ ... وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ\nأي: ليس بممنوع (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي: أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ \" (٣).\nقال السدي: \" كان إيمانهم ببعض الكتاب حين فدوا الأسارى\" (٤).\nقال ابن عباس: \" أي تفاديه بحكم التوراة، وتقتله. وفي حكم التوراة ألا تفعل\" (٥).\nوقال أبو العالية: \" آمنوا بالفدية ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا\" (٦).\nوقال عطاء الخراساني: \" فكفرهم أنهم كانوا يقتلون أبناءهم وأنفسهم. وإيمانهم أنهم كانوا يرون حقا عليهم أن يفادوا من وجدوا منهم أسيرا\" (٧).\nوقال الثعلبي: \" فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والإخراج والمظاهرة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"والاستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون﴾ عاطفة؛ وسبق الكلام على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد همزة الاستفهام (٩)؛ ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب،\n_________\n(١) ديوانه: ٧٩.\n(٢) انظر: هذيب اللغة: ١/ ٧٩٣ - ٧٩٧، ولسان العرب: ٢/ ٨٤٤، مادة (حرم)، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٩): ص ١/ ١٦٦، وعنه أيضا (٨٧١): ص ١/ ١٦٦: \" كان إيمانهم ببعض الكتاب حين فدوا الأسارى وكفرهم حين قتل بعضهم بعضا\".\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٠): ص ١/ ١٦٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٢): ص ١/ ١٦٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٣): ص ١/ ١٦٦.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣١.\n(٩) يقصد به الفاء واقعة بعد همزة الاستفهام؛ وهذا يكثر في القرآن: ﴿أفلا تعقلون﴾؛ ﴿أفلا تذكرون﴾؛ ﴿أفلم يسيروا﴾؛ ﴿أو لم يسيروا﴾؛ ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾؛ وأشباه ذلك؛ يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام؛ وهمزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها؛ ولا صدارة مع وجود العاطف؛ لأن الفاء عاطفة؛ فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة عُطفت عليها الجملة التي بعد حرف العطف، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام؛ وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة؛ وإن حرف العطف هو الذي تأخر. يعني زُحلق حرف العطف عن مكانه، وجعلت الهمزة مكانه؛ وعلى هذا فيكون التقدير: فألا تعقلون؛ أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؛ أو: أسفهتم فلا تعقلون ... المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق؛ فالقول الأول أدق؛ والثانية أسهل؛ لأن الثاني لا يحتاج عناءً وتكلفًا فيما تقدره بين الهمزة والعاطف. (انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٣٨).","vol":"2","page":457},{"text":"ويكفرون ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف، والتماس الأعذار\" (١).\nوقد قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] وهو التوراة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]! ! (٢).\nوقال الواحدي: \" ولم يذمّهم على الفداء، بل على المناقضة، إذ أتوا ببعض الواجب، وتركوا بعضًا. وتكون المناقضة آكد في الذمّ، ولا يقال الإخراج معصية. فلم سماها كفرًا؟ لأنا نقول: لعلهم صرّحوا بأن ترك الإخراج غير واجب، مع أن صريح التوراة كان دالًا على وجوبه. والبعض الذي آمنوا به، إن كان المراد بالكتاب التوراة، فيكون عامًّا فيما آمنوا به من أحكامها، وفداء الأسير من جملته. والبعض الذي كفروا به: هو قتل بعضهم بعضًا، وإخراج بعضهم من ديارهم، والمظاهرة بالإثم والعدوان، من جملة ما كفروا به من التوراة. وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أسرى قبيلتكم، وتتركون أسرى أهل ملتكم ولا تفادونهم\" (٣).\nقال السعدي: \" وهذا الفعل المذكور في هذه الآية، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي ﷺ مشركين، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة، فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل اليهودي اليهودي، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا، والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم، وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ وهو فداء الأسير ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو القتل والإخراج، وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا\" (٥).\nقال ابن عباس: \" فأنبأهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فداء أسراهم\" (٦).\nقال السعدي: \" وقد وقع ذلك فأخزاهم الله، وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى\" (٧).\nقال الطبري: \" (الجزاء): الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه .. و(الخزي): الذل والصغار، يقال منه: \" خزي الرجل يخزى خزيا\" (٨).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٢.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٢٥١.\n(٤) تفسير السعدي: ٥٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٤): ص ١/ ١٦٧.\n(٧) تفسير السعدي: ٥٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٣١٤.","vol":"2","page":458},{"text":"والخزي: \"الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (١)، قال شمر (٢): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِي﴾ [هود: ٢٣٠] أي: لا تفضحوني (٣)، قال أبو عبيد: \"يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك\" (٤).\nوقال ابن السراج: \"معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا\" (٥).\nثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه، على وجوه (٦):\nالأول: فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد ﷺ: من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا، والانتقام للمظلوم من الظالم (٧).\nوالثاني: أن ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا (٨).\nوالثالث: أنه كان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام، فكان ذلك خزيا في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه\" (١٠).\nقال السعدي: \"أي أعظمه\" (١١).\nقال الثعلبي: \" وهو عذاب النّار\" (١٢).\nو﴿َيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي يوم البعث؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ ولأنه يقوم فيه الأشهاد؛ ولأنه يقام فيه العدل؛ و(يوم القيامة) ظرف متعلق بـ (يردون) أي يرجعون من ذلّ الدنيا، وخزيها؛ (إلى أشد العذاب) أي أعظمه؛ و(العذاب): العقوبة (١٣).\nوفي قوله تعالى ﴿أشد العذاب﴾ ثلاثة أقوال (١٤):\nأحدها: أنه عذاب لا رَوْح فيه (١٥) تتصل أجزاؤه، فلا يفتر أبدا عنهم.\nوالثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا، بتضعيف الألم فيه.\nوالثالث: أن ﴿أشد العذاب﴾، الخلود في جهنم. قاله ابن عطية (١٦).\nو(الردُّ): \"الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧، \"اللسان\" ٢/ ١١٥٥ مادة (خزا)، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٣.\n(٢) هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة ٢٥٥ هـ. ينظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٧٧ - ٧٨، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٤ - ٥.\n(٣) تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧، اللسان\" ٢/ ١١٥٥ (مادة: خزي).\n(٤) غريب الحديث: ٢/ ٣٨١.\n(٥) انظر: غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٣٨١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧٤، (مادة: خزى)، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٣١٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١٤.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣١، وتفسير الطبري: ٢/ ٣١٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٦٦.\n(١١) تفسير السعدي: ٥٨.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٨. قال الامام الطبري: \" يعني بقوله: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب): ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه. وقد قال بعضهم: معنى ذلك: ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا. ولا معنى لقول قائل ذلك، ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب، ولذلك أدخل فيه \" الألف واللام \"، لأنه عنى به جنس العذاب كله، دون نوع منه. (تفسير الطبري: ٢/ ٣١٥).\n(١٤) انظر التفسير البسيط للواحدي (٣/ ١٢٧) نقلت عنه بتلخيص وتصرف يسير.\n(١٥) لا روح فيه: أي لا راحة فيه.\n(١٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٥.\n(١٧) انظر: هذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٠ مادة (ردد)، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٧.","vol":"2","page":459},{"text":"وقرأ الحسن وابن هرمز: ﴿تردون﴾ بتاء، على الخطاب لقوله ﴿مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿يُردّون﴾، بلفظ الجمع لمعنى ﴿مَنْ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، \"أي الله ﷾ بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"نفى الله ﷾ عن نفسه صفة الغفلة؛ وذلك لكمال علمه، ومراقبته\" (٣).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، على وجهين (٤):\nالأوزل: قرأ نافع وابن كثير ﴿يعملون﴾، بـ (ياء) على ذكر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمد ﷺ، والآية واعظة لهم بالمعنى إن الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.\nوالثاني: وقرأ الباقون ﴿تَعْمَلُونَ﴾، بـ (تاء) على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية. قال ابن عطية: \"وهو الأظهر\" (٥).\nويحتمل أن يكون الخطاب لأمة محمد ﷺ، لما روي أن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: \"إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث (٦)، يريد: وبما يجري مجراه (٧).\nالفوائد:\n١. ومنها: بيان تمرد بني إسرائيل؛ حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم، فصار بعضهم يقتل بعضًا، ويخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.\n٢. ومنها: أن بعضهم يتعالى على بعض بالإثم، والعدوان.\n٣. ومنها: تحريم التظاهر على الغير بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾؛ وأما إذا علا عليه بحق فإن هذا لا بأس به؛ فإن الله ﷾ فضل العباد بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥].\n٤. ومنها: تناقض بني إسرائيل في دينهم، وقبولهم للشريعة؛ حيث إنه يقتل بعضهم بعضًا، ويخرج فريقًا من ديارهم؛ ثم إذ أتى بعضهم أسيرًا فاداه. أي دفع فدية لفك أسره؛ لأنه واجب عليهم في شريعتهم أن يفدي بعضهم بعضًا؛ وهذا من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾.\n٥. ومنها: أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها؛ وجه ذلك أن الله توعد هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض؛ ومثل ذلك إذا آمن ببعض الرسل دون بعض فإنه كفر بالجميع؛ ودليل ذلك قوله ﵎: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]. ونوح هو أول الرسل لم يسبقه رسول؛ ومع ذلك جعل الله المكذبين له مكذبين لجميع الرسل؛ ولقوله تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا * أولئك هم الكافرون حقًا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].\n٦. ومن فوائد الآية: مضاعفة العقوبة على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب﴾.\n٧. ومنها: إثبات يوم القيامة؛ وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين مبعوثين من قبورهم.\n٨. ومنها: تهديد الذين نقضوا العهد؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.\n٩. ومنها: كمال علم الله ﷾، ومراقبته لخلقه.\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٥.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٨.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١٤٨١): ص ٢/ ٣١٠.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٦.","vol":"2","page":460},{"text":"١٠. ومنها: إثبات أن صفات الله تعالى ثبوتية، ومنفية؛ لكن يجب أن نعلم أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى؛ وإنما النفي الواقع في صفاته لبيان كمال ضد ذلك المنفي؛ ففي قوله ﵎: ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩] إثبات كمال العدل مع نفي الظلم عنه؛ وفي قوله تعالى: ﴿وما مسَّنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] إثبات كمال القوة مع نفي اللغوب عنه؛ وعلى هذا فقس؛ فالضابط في الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه أنها تدل على نفي تلك الصفة، وعلى ثبوت كمال ضدها.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦]\nالتفسير:\nأولئك هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب، وليس لهم ناصر ينصرهم مِن عذاب الله.\nقال ابن عباس: \"نزلت في اليهود، الذين تقدّم ذكرهم أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]، أي: \" هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اختاروا الدنيا على الآخرة\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" استبدلوا\" (٣).\nقال النسفي: \" اختاروها على الآخرة اختيار المشتري\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: استحبوها على الآخرة واختاروها\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي آثروا الْحَياةَ الدُّنْيا على خساستها. واستبدلوها بِالْآخِرَةِ مع نفاستها\" (٦).\nقال الآلوسي: \" أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها\" (٧).\nقال الشوكاني: أي: \" استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة\" (٨).\nقال قتادة: \" استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة\" (٩).\nوقال ابن مسعود: \" أخذوا الضلالة وتركوا الهدى\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا\" (١١).\nوقال الطبري: \" وإنما وصفهم الله جل ثناؤه ببأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين. فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا\" (١٢).\nقال القرطبي: \" والشراء هنا مستعار، والمعنى استحبوا الكفر على الإيمان، كما قال: \" فاستحبوا العمى على الهدى \" [فصلت: ١٧] فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ٨٦]، \"أي لا يهوَّن عنهم، لا زمنًا، ولا شدة، ولا قوة\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ١١٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٦.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣١.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٠٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٦) محاسن التأويل: ١/ ٣٤٦.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٣١٥.\n(٨) فتح القدير: ١/ ١١٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٧): ص ١/ ١٦٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (٣٨١): ص ١/ ٣١٢.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٦.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(١٣) تفسير القرطبي: ١/ ٢١٠.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٧.","vol":"2","page":461},{"text":"قال أبو العالية: \" هو كقوله: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [المرسلات: ٣٥] \" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة\" (٢).\nوقال الثعلبي: لا\" يهون\" (٣).\nوقال القاسمي: \" في واحدة من الدارين\" (٤).\nقال الآلوسي: أي العذاب الموعود به \"يوم القيامة، أو مطلق الْعَذابُ دنيويا كان أو أخرويا\" (٥).\nوفي دخول الفاء في قوله: ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ [البقرة: ٨٦]، قولان (٦):\nأحدهما: العطف على (اشتروا) والقول الآخر بمعنى جواب الأمر، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم، والأول أوجه، لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار.\nوالثاني: أن بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم، لأنه لو انقطع لكان قد خف، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه، والأولى أن يقال: إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه.\nقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]، \" أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه\" (٨).\nقال الثعلبي: أي ولا هم\" يمنعون من عذاب الله\" (٩).\nقال النسفي: \" ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم\" (١٠).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]، على وجهين (١١):\nالأول: الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة، يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم. واختاره الرازي (١٢).\nوالثاني: ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا.\nوالثالث: أنهم لا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة. قاله ابن عطية (١٣).\nوالراجح هو القول الأخير، لأنه أشمل، ويجمع بين القولين.\nفهم لا ينصرون بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا، والتعذيب في العقبى (١٤). والله أعلم.\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: توبيخ من اختار الدنيا على الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالًا في الدين سفه في العقل؛ إذ إن الدنيا متاع قليل، ثم يزول؛ والآخرة خير، وأبقى.\n٢. ومنها: أن هؤلاء القوم خالدون في العذاب أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٨): ص ١/ ١٦٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ١١٩.\n(٤) محاسن التأويل: ١/ ٣٤٦.\n(٥) روح المعاني: ١/ ٣١٥. (بتصرف بسيط).\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٢/ ١٦٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ١١٩.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٠٥.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٢/ ١٦٠.\n(١٢) مفاتيح الغيب: ٢/ ١٦٠. قال الرازي: \"\"لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم، ولذلك قال: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات\".\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٧.\n(١٤) انظر: روح المعاني: ١/ ٣١٥.","vol":"2","page":462},{"text":"٣.ومنها: أن المجرم لا يجد ناصرًا له يمنعه من عذاب الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾.\nالقرآن\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧]\nالتفسير:\nولقد أعطينا موسى التوراة، وأتبعناه برسل من بني إسرائيل، وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات، وقوَّيناه بجبريل ﵇. أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله لا يوافق أهواءكم، استعليتم عليه، فكذَّبتم فريقًا وتقتلون فريقًا؟\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧]، \" أي أعطينا موسى التوراة\" (١).\nقال البيضاوي: أي التوراة\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" التوراة جملة واحدة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧]، \" أي أتبعنا من بعده بالرسل (٤).\nقال الثعلبي: أي: \" أردفنا واتبعنا من بعده رسولا بعد رسول\" (٥).\nقال البيضاوي: \" أي أرسلنا على أثره الرسل، كقوله ﷾: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ \" (٦).\nقال الصابوني: \" أي أتبعنا وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل\" (٧).\nقال الواحدي: \" أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه\" (٨).\nقال الطبري: \" أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى ﵇ إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي: أرسلناهم على أَثَرِه كقوله تعالى ثُمَّ ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا﴾ وهم يوشَعُ وأشمَويلُ وشمعونُ وداودُ وسليمانُ وشَعْيا وأرميا وعُزيرٌ وحزْقيل وإلياسُ واليسعُ ويونسُ وزكريا ويحيى وغيرُهم عليهم الصلاة والسلام\" (١٠).\nيقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا، قال الشاعر (١١):\nإِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب\nومنه: قافية الشعر (١٢).\nقوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧]، \" أي أعطينا عيسى الآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على نبوته\" (١٣).\nقال الواحدي: يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (١٤) والمائدة (١٥) \" (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢. (بتصرف بسيط).\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ١٢٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٣١٨.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/! ٢٧.\n(١١) البيت بلا نسبة في: \"لسان العرب\" ٦/ ٣٧٠٨، و\"أساس البلاغة\" ص ٢/ ٢٦٩، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٨.\n(١٢) انظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠١٣، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٨، واللسان\" ٦/ ٣٧٠٨ مادة (قفا).\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(١٤) في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩].\n(١٥) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ الآية: ١١٠ من سورة المائدة انظر: تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٤.\n(١٦) التفسير البسيط: ٣/ ١٢٨.","vol":"2","page":463},{"text":"قال البيضاوي: \" المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، والإِخبار بالمغيبات. أو الإنجيل\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" وهذه الآية البينات، تشمل الآيات الشرعية، كالشريعة التي جاء بها؛ والآيات القدرية الكونية، كإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله\" (٢).\nوفي تفسير: ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧]، وجوه (٣):\nأحدها: أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراء الأسْقَام. قاله ابن عباس (٤).\nوثانيها: أنها الإنجيل.\nوثالثها: وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى.\nو(عيسى) بالسرناية: إيشوُعُ، ومعناه المبارك، ومريم بمعنى الخادم، وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال، وبه فُسر قولُ رؤبة (٥):\nقلتُ لزيرٍ لم تصِلْه مَرْيمُه ... ضليلِ أهواءِ الصِّبا تندّمُهْ (٦)\nوعيسى ﵇: \"هو ابن مريم، كونه الله في بطنها بدون مس رجل، وأمه مريم ابنة عمران من سبط يهوذا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: ٨٧]، \"أي قويناه وشددنا أزره بجبريل ﵇\" (٨).\nقال الضحاك\" يقول: نصرناه\" (٩).\nقال الواحدي: \" أي: قويناه\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" قويناه وأعناه (١١).\nوالأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس (١٢):\nفَأَثَّتْ أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه ... ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦، ومفاتيح الغيب: ٢/ ١٦٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٣): ص ٢/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٥) اللسان (زور): ص ٤/ ٣٣٦، والبيت من شواهد البيضاوي في تفسيره: ١/ ٩٢، وأبي السعود في تفسيره: ١/ ١٢٧، وفي شرح الشافية: ٤/ ١٧٧، أنه لرؤبة، وقبله:\nأرسل فيها بازلا يقرّمه ... وهو بها ينحو طريقا يعلمه\nو(الزير): بكسر الزاي هو الرجل الذي يميل لمحادثة النساء ومجالستهن، وياؤه منقلبة عن الواو ووزنه فعل بكسر الفاء من زار يزور. وقوله (مريمه): أي المرأة التي ترغب في محادثته وهذا البيت من قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور.\n(٦) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩٢، وتفسير أبي السعود: ١/ ١٢٧.\n(٧) التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٥. ولد عيسى في مدة سلطنة أغسطس ملك رومية وفي مدة حكم هيرودس على القدس من جهة سلطان الرومان وذلك في سنة (٤٣٠) عشرين وستمائة قبل الهجرية المحمدية، وكانت ولادته بقرية تعرف ببيت لحم اليهودية، ولما بلغ ثلاثين سنة بعث رسولا إلى بني إسرائيل وبقي في الدنيا إلى أن بلغ سنه ثلاثا وثلاثين سنة.\nوأما مريم أمه فهي مريم ابنة عمران بن ماثان من سبط يهوذا ولدت عيسى وهي ابنة ثلاث عشرة سنة فتكون ولادتها في سنة ثلاث عشرة قبل ميلاد عيسى وتوفيت بعد أن شاخت ولا تعرف سنة وفاتها، وكان أبوها مات قبل ولادتها فكفلها زكرياء من بني أبيا وهو زوج اليصابات خالة مريم وكان كاهنا من أحبار اليهود. [انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٥].\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٩) أخرجه الطبري (١٤٨٤): ص ٢/ ٣١٩.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ١٢٩، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٤ و\"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٨٥.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢.\n(١٢) يصف نخيلًا، انظر \"ديوانه\" ص ٦٠، \"لسان العرب\" ١/ ١٨٩ (مادة أيد). \"المعجم المفصل\" ٣/ ١٤٠.\n(٤) ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦، \"اللسان\" ١/ ١٨٩، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.","vol":"2","page":464},{"text":"أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (١)، يقال منه: أيدك الله، أي قواك، وهو رجل ذو أَيْد، وذو آد، يراد: ذو قوة، ومنه قول العجاج (٢):\nمن أن تبدلت بآدي آدا\nيعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر (٣):\nإن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد\nيعني بالأيد: القوي (٤).\nوقرأ مجاهد وابن محيصن ﴿آيدناه﴾، بالمد، وهما لغتان (٥).\nوقرأ ابن كثير في تفسيره ﴿القُدْس﴾، بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها (٦)، \"وهُما حسنان\" (٧)، قال الثعلبي: \"وهما لغتان مثل الرّعب والسّحت ونحوهما\" (٨).\nواختلف أهل التفسير في معنى ﴿ِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، على وجوه:\nالقول الأول: أنه جبريل ﵇ (٩) والقدس: الطهارة، هو قول قتادة (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، والسدي (١٢)، والضحاك (١٣)، ومحمد ابن كعب القرظي (١٤)، وعطية العوفي (١٥)، وإسماعيل بن أبي خالد (١٦)، وشهر بن حوشب الأشعري (١٧). واختاره الزجاج (١٨)، والطبري (١٩)، والشنقيطي (٢٠)، وغيرهم.\nويؤيده قوله -ﷺ-: \"اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك\" (٢١).\nومنه قول حسان (٢٢):\n_________\n(١) تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦، \"اللسان\" ١/ ١٨٩.\n(٢) زيادة ديوانه: ٧٦، واللسان (آود) (أيد) ومجاز القرآن: ٤٦، وأمالي الزجاجي: ٣٩ في خبر، ورواه: فإن تبدلت بآدي آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا\nوالقعاد: القواعد من النساء، جمع على جمع المذكر، كما قال القطامي: أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد\nيعني: غير صواد.\n(٣) ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى ابن أبي عمرة الشيباني. مولى بني شيبان (تاريخ الطبري ٤: ٢٢ / وسمط اللآلئ: ٩٦٣ ترجمته)\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٣، والتفسير البسيط: ٣/ ١٣١.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٣، والتفسير البسيط: ٣/ ١٣١.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ١٣١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠، جامع البيان للطبري: ٢/ ٣٢٠، النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٥٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١١٢. وذهب إليه: الزجاج في معاني القرآن: ١/ ١٦٨، والطبري في جامع البيان: ٢/ ٣٢١، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ١٥٦، وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٧، والرازي في مفاتيح الغيب: ١/ ١٩١، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٤، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٥٥، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٢٩٤، وغيرهم.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٥): ص ٢/ ٣٢٠\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٨): ص ٢/ ٣٢٠\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٦): ص ٢/ ٣٢٠\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٧): ص ٢/ ٣٢٠\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٤): ص ١/ ١٦٨.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٨.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٣): ص ١/ ١٦٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٩): ص ٢/ ٣٢٠\n(١٨) انظر: معاني القرآن: للزجاج: ١/ ١٦٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ص ٢/ ٣٢٠\n(٢٠) انظر: أضواء البيان: ٢/ ٤٥٣.\n(٢١) وكذا عزاه المزي في تحفة الأشراف (١٢/ ١٠) للبخاري، وقال الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\": \"لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري، وقد وصله أحمد والطبراني وصححه الحاكم\".\n(٢٢) ديوانه: ١/ ١٧، ١٨، و\" سيرة ابن هشام \" ٢/ ٤٢١، ٤٢٤، والسهيلي ٢/ ٢٨٠، وابن سيد الناس ٢/ ١٨١، و\" تهذيب ابن عساكر \" ٤/ ١٣٠، ١٣١.\nونص الحديث: (حديث مرفوع) \"أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الصَّيْدَلانِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَتْكُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، قِرَاءَةً عَلَيْهَا، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيذَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: \" اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ \"، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ حَسَّانٌ، قَالَ: قَدْ آنَ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، دَلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ فَرْيَ الأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" لا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يَخْلُصَ لَكَ نَسَبِي \"، فَأَتَاهُ حَسَّانٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَلَصَ لِي نَسَبُكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانٍ: \" إِنَّ رُوحَ الْقُدْسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ \"، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \" هَجَاهُمْ حَسَّانٌ فَشَفَى وَاشْتَفَى \". قَالَ حَسَّانٌ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعْرِضْ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ ثَكَلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفِي كَدَاءُ تُنَازِعُنِي الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعَرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٌ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ تَلاقِي مِنْ مَعَدٍّ كُلَّ يَوْمٍ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، بِإِسْنَادِهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ\".","vol":"2","page":465},{"text":"وجبريل رسول الله ينادي ... وروح القدس ليس به خفاء\nوعن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: \"أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ \" قالوا: نعم\" (١).\nوفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"إن روح القدس نفخ في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" (٢).\nواختلفوا في سبب تسمية (جبريل)، بروح القدس، على ثلاثة أقاويل (٣):\nأحدها: أنه سُمِّيَ رُوحًا، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان، يحيي بما يأتي به من البينات من الله ﷿، كما قال ﷿: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أي: \"كان كافرًا فهديناه\" (٤).\nوالثاني: أنه سمي روحًا، لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وإنما يختص به جبريل تشريفًا.\nوالثالث: أنه سمي روحًا، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحًا من عنده من غير ولادة.\nالقول الثاني: أن المراد بروح القدس: الإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسمي به، لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله (٥). وهذا قول ابن زيد (٦).\nوالقول الثالث: أن روح القدس: اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يُحيِي به الموتى (٧)، قاله: ابن عباس في رواية الضحاك عنه (٨)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٩).\nوالقول الرابع: أن روح القدس عيسى﵇-، وإنما كان ذلك تأييدًا له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة (١٠).\nوقالوا \" وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤٨٩): ص ٢/ ٣٢٠، من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.\n(٢) ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٤) من طريق أبي عبيد عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي، عمن أخبره، عن ابن مسعود به مرفوعًا.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٠.\n(٥) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (١/ ٨٦).\n(٦) انظر: تفسير الطبري: (١٤٩٠): ص ٢/ ٣٢١، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١١٣، وغيرهما،\n(٧) انظر: تفسير للطبري: ٢/ ٣٢١، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، وغيرهما.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٩١): ص ٢/ ٤٢١، وابن أبي حاتم (٨٨٦): ص ١/ ١٦٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٩.\n(١٠) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٩٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ١٩٠.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ١٣١، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢.","vol":"2","page":466},{"text":"والقول الأول أظهر، وهو قول الجمهور، لأن التسمية فيه أظهر مما عداه (١)، ولأن التأييد به على الحقيقة، ولأن الله-جل ثناؤه-أخبر أنه أيد عسى به في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠] وهي تدل من جهتين على أن (روح القدس) غير الإنجيل:\nالأولى: قوله﷿-: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة: ١١٠] ونزول الإنجيل على عيسى كان في مرحلة الرجولة لا المهد.\nوالثانية: أنه لو كان المراد به الإنجيل لكان ذكر الإنجيل مرة أخرى لا معنى له، \"وذلك خلف من الكلام والله-تعالى ذكره-يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة\" (٢)، لكن قد يقال: إن الكلام في معرض الامتنان فإعادة ذكر الإنجيل مرة أخرى لا تخلو من فائدة؛ لأنه في الأول امتنان بالتأييد وفي الثاني امتنان بالتعليم وهما شيئان مختلفان لكن الجهة الأولى لا جواب عنها. وكونه اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحي به الموتى يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي ﷺ. أما كون المراد روح عيسى﵇فوجه تأييد عيسى به متكلف. والله أعلم.\nو(القُدُس)، فيه ثلاثة أقاويل (٣):\nأحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى ﵇ روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من\nغير أب، وهذا قول الحسن (٤)، والربيع (٥)، وجعفر (٦)، وابن زيد (٧).\nوالثاني: أن القدس: المطهر، قاله ابن عباس (٨)، كأنه دل به على التطهر من الذنوب، قال العَجّاج (٩):\nقد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس\nوالثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي (١٠).\nقال الواحدي: \" وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء، ودليل هذا التأويل: قوله ﷿: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل\" (١١).\nوقد وذكر ابن الجوزي في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال (١٢):\nأحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه.\nوالثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله.\nوالثالث: أنه أيد به في جميع أحواله.\nقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تهوى أَنْفُسُكُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، \" أي أفكلما جاءكم يا بني إِسرائيل رسول بما لا يوافق هواكم\" (١٣).\nقال القرطبي: \"أي بما لا يوافقها ويلائمها (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٦٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٢.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٧): ص ١/ ١٦٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٣): ص ٢/ ٣٢٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٤): ص ٢/ ٣٢٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٩): ص ١/ ١٦٩.\n(٩) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٣١، واللسان\" ٦/ ٣٥٥٠ (مادة: قدس)، وفيه: (مولى) بدل (رب). وبعده:\nإن أبا العباس أولى نفس ... بمعدن الملك القديم الكِرسِ\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٢): ص ٢/ ٣٢٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٨٨٨): ص ١/ ١٦٩.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٠.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ١١٢ - ١١٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٤.","vol":"2","page":467},{"text":"والخطاب لليهود من بني إسرائيل. قاله مجاهد (١).\nوهذا القول: هو \"نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم\" (٢).\nقال ابن عاشور: المرادب بـ (الهوى)، \" ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة\" (٣).\nوأصل (الهوى): الميل إلى الشيء، ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية، على أنهم قد قالوا في ندى أندية، قال الشاعر (٤):\nفي ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا\nقال الجوهري: وهو شاذ وسمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر: \"فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت\" (٥)، وقالت عائشة\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٦): ص ٢/ ٣٢٣.\n(٢) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٦٣.\n(٣) التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٨.\n(٤) البيت لمرّة بن محكان في الأغاني ٣/ ٣١٨؛ والخصائص ٣/ ٥٢، ٣/ ٢٣٧؛ وسر صناعة الإعراب ص ٦٢٠؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٩٣؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٥٦٣؛ ولسان العرب ١٥/ ٣١٨ (ندى)؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥١٠؛ والمقتضب ٣/ ٨١؛ وبلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٦٥٦؛ وشرح شافية ابن الحاجب ص ٣٢٩؛ وشرح المفصل ١٠/ ١٧؛ ولسان العرب ١١/ ٢٦٨ (رجل)، ومرة بن محكان وهو من شعراء الحماسة وقد اختار أبو تمام منها ابياتا في باب الاضياف والمديح وقبل البيت الشاهد قوله: يا ربة البيت قومي غير صاغرة * ضمى اليك رحال القوم والقربا وبعده بيت الشاهد وبعده قوله لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * حتى يلف على خرطمه الذنبا ربة البيت: المراد منها امرأته وقوله (غير صاغرة) اراد غير مستهان بك وذلك لان اكرام الضيف عنده من اقدس الواجبات والرحال: جمع رحل يريد به متاع الضيفان. والقرب: جمع قراب مثل كتاب وكتب وهو جفن السيف وانما امرها ان تضم إليها قرب سيوفهم لانهم إذا نزلوا عنده امنوا ان يصيبهم مكروه وقوله (في ليلة من جمادى) اراد في ليلة من ليالى الشتاء وذلك لان الشتاء عندهم زمان الجدب والحاجة والاندية: جمع ندى والندى: البلل. وقيل ما سقط آخر الليل والطنب: الحبل الذى تشد به الخيمة. والاستشهاد بالبيت في قوله (اندية).\n(٥) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير من الصحيح، باب (١٨): رقم الحديث (٤٦٨٧). قال الامام: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ حَدَّثَنِى سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنِى أَبُو زُمَيْلٍ - هُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِى مَا وَعَدْتَنِى اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِى اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ». فَمَازَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بَأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ فَحَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِى أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِىُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ». فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ «مَا تَرَوْنَ فِى هَؤُلاءِ الأُسَارَى». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا نَبِىَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ». قُلْتُ لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِى رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنِّى أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَتُمَكِّنِّى مِنْ فُلانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا فَهَوِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِى مِنْ أَىِّ شَىْءٍ تَبْكِى أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَبْكِى لِلَّذِى عَرَضَ عَلَىَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَىَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ». شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ) إِلَى قَوْلِهِ (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا) فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ. تحفة ٥٦٧٥، ١٠٤٩٦ - ١٧٦٣/ ٥٨.","vol":"2","page":468},{"text":"للنبي ﷺ في صحيح الحديث: \"والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك\" (١)، أخرجهما مسلم (٢).\nقوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، \" أي تكبرتم عن اتباعه\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة\" (٤).\nقال القرطبي: أي تكبرتم\" عن إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا للرسالة (٥).\nقال البيضاوي: أي تكبرتم: \" عن الإيمان واتباع الرسل\" (٦).\nقال أبو السعود: أي تكبرتم\" عن الاتباع له والإيمانِ بما جآء به من عند الله تعالى\" (٧).\nقال ابن عاشور: \" والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم، فالسين والتاء في استكبرتم للمبالغة\" (٨).\nوقال الراغب: \" ثم زاد في ذمهم بوصفهم بالاستكبار إذ هو مقر النقائص، فإنه نتيجة الإعجاب، والإعجاب نتيجة الجهل بالنفس والجهل بالنفس مقارن للجهل بخالقها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، أي: \"فطائفة منهم كذبتموهم\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" فريقا يعني طائفة\" (١١).\nقال أبو السعود: أي كذبتم\" منْ غيرِ أنْ تتعرضُوا لهم بشيء آخر من المضارِّ\" (١٢).\nقال الواحدي: \" مثل: عيسى ومحمد\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" كموسى وعيسى ﵉، والفاء للسببية أو للتفصيل\" (١٤).\n_________\n(١) رواه مسلم، في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، حديث رقم (١٤٦٤)، قال الامام مسلم: \"حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: \" كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١] \" قَالَتْ: قُلْتُ: «وَاللهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ\".\nومعنى الحديث: أن الله ﷾ خص نبيه من بين سائر المؤمنين بأن أي امرأة وهبت نفسها له فله أن ينكحها. فعند نزول الآية المذكورة قالت عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. ومعناه كما قال ابن حجر: (أي ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير، منزلا لما تحب وتختار. وقال القرطبي: هذا قول أبرزه الدلال والغيرة، وهو من نوع قولها: ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله. وإضافة الهوى إلى النبي ﷺ لا يحمل على ظاهره لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل بالهوى، ولو قالت إلى مرضاتك لكان أليق، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك.\nوهذا الحديث دليل على عفة رسول الله ﷺ وعدم شهوانيته، لأن الله أباح له أي امرأة تهب نفسها له، وجاءه كثير من النساء وعرضن أنفسهن عليه وردهن، فقد أخرج الطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له. (انظر: تفسير الطبري: ٢٠/ ٢٨٥/ في صدد تفسيره الاية (٥٠ من سورة الاحزاب)، قال ابن حجر في الفتح: وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له، لأنه انظر إلى إرادته لقوله تعالى (إن أراد النبي أن يستنكحها). والله أعلم. (انظر: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الأحزاب، الحديث رقم (٤٥٠٦): ٨/ ٣٧٨).\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٣.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢٧.\n(٨) التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٨.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩١): ص ١/ ١٧٠.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢٧.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٣.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٣.","vol":"2","page":469},{"text":"قال ابن عاشور: \" فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، أي: \" وطائفة قتلتموهم\" (٢).\nقال أبو السعود أي: \" غيرَ مكتفين بتكذيبهم، كزكريا ويحيى وغيرهما ﵈\" (٣).\nقال الواحدي: \" مثل: يحيى وزكريا\" (٤).\nقال القرطبي: \"فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد ﵉، وممن قتلوه يحيى وزكريا ﵉\" (٥).\nقال ابن عاشور: \" وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] \" (٦).\nقال الراغب: \" فإن قيل: لم قال: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وهلا جعلا ماضيين أو مستقبلين؟\nقيل: أما من حيث اللفظ، فلأنه لما لم يكن يفسد المعنى روعي فيه المجانسة بين الفواصل ليكون اللفظ أحسن، وأما من حيث المعنى: فللتنبيه أنهم لم يتوقفوا في تكذيب من جاءهم من الأنبياء، فذكره بلفظ الماضي، إذ لا مزاولة فيه، وذكر القتل بلفظ الاستقبال تنبيهًا أنهم يزاولون قتله قدروا عليه أم لم يقدروا\" (٧).\nوقال ابن عاشور: \" وجاء في ﴿تقتلون﴾، بالمضارع عوضا عن الماضي، لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]، مع ما في صيغة ﴿تقتلون﴾، من مراعاة الفواصل، فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم\" (٨).\nوذكر البيضاوي في صيغة ﴿تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]، ثلاثة أوجه (٩):\nأحدها: أنه ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية، استحضارًا لها في النفوس، فإن الأمر فظيع.\nوالثاني: مراعاة للفواصل.\nوالثالث: للدلالة على أنكم بعد فيه، فإنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ، لولا أني أعصمه منكم، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾.\n٢ ومنها: تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع:\nأولًا: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوبًا.\nثانيًا: إذا خوطب به المتردد؛ وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحسانًا.\nثالثًا: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد.\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢٧.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٣.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥.\n(٦) التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٨.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٦.\n(٨) التحرير والتنوير: ١/ ٥٩٨.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٣.","vol":"2","page":470},{"text":"٣. ومن فوائد الآية: أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له؛ لقوله تعالى: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار﴾ [المائدة: ٤٤].\n٤ ومنها: ثبوت رسالة عيسى؛ لقوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾.\n٥ ومنها: أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه؛ لأن عيسى ﵇ نسب إلى أمه.\nوبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم من ليس له أب شرعًا هي عصبته؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافًا لمن قال: إن أمه ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال: فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله: فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول: إن الأم لا تعصيب لها؛ أما على القول الراجح: فلأمه الثلث فرضًا، والباقي تعصيبًا.\n٦ ومن فوائد الآية: أن عيسى بن مريم ﷺ أعطاه الله ﷾ آيات كونية، وشرعية؛ مثال الشرعية: الإنجيل؛ ومثال الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا يطير بإذن الله؛ وكذلك أيضًا يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم؛ قال العلماء: إنما أعطي هذه الآية الكونية؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أن محمدًا ﷺ ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله ﷾ القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله.\n٧ ومن فوائد الآية: أن الله ﷾ أيد عيسى بجبرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس.\n٨ ومنها: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده؛ ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: \"اللهم أيده بروح القدس\" (١).\n٩ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق؛ لقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾.\n١٠ ومنها: أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون؛ لقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿استكبرتم﴾؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيبًا للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فورًا.\n١١ ومنها: توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع؛ ففي الشرائع: لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقًا يكذبون؛ وفريقًا يقتلون مع التكذيب.\n١٢ ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل.\nوالخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله.\n١٣ ومن فوائد الآية: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه.\n١٤ ومنها: أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوهم؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب.\nالقرآن\n﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٣٨، كتاب الصلاة، باب ٦٨: الشعر في المسجد، حديث رقم ٤٥٣؛ وأخرجه مسلم ص ١١١٤ - ١١١٥، كتاب فضائل الصحابة، باب ٣٤: فضائل حسان بن ثابت ﵁، حديث رقم ٦٣٨٤ [١٥١] ٢٤٨٥.","vol":"2","page":471},{"text":"وقال بنو إسرائيل لنبي الله ورسوله محمد ﷺ: قلوبنا مغطاة، لا يَنْفُذ إليها قولك. وليس الأمر كما ادَّعَوْا، بل قلوبهم ملعونة، مطبوع عليها، وهم مطرودون من رحمة الله بسبب جحودهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، \"أي في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل؛ وهذه حجة باطلة\" (٢).\nقال النسفي: \" أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد ﵇ ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لا يختن\" (٣).\nقال الصابوني: \" والغرض إِقناطه ﵇ من إِيمانهم\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه، يا أيها الرسول، بأن قلوبهم غلف، أي: عليها غلاف وأغطية، فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم، وهذا كذب منهم\" (٥).\nروي عن ابن عباس (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨) في هذه الآية: إنهم قالوا استهزاءً وإنكارًا وجحدًا لما أتى به محمد: قلوبنا عليها غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد (٩).\nقال أبو عبيدة: \"كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن\" (١٠).\nقال الواحدي: \" وما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه، وكذلك قوله ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] (١)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] \" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقر: ٨٨]، ثلاثة أقوال (١٢):\nأحدها: يعني في أَغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، والسدي (١٦)، والأعمش (١٧)، وأبو العالية (١٨)، وابن زيد (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، وعكرمة (٢١).\nوقد روي عن حذيفة قال: \"القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف، معصوب عليه، فذلك قلب الكافر\" (٢٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨٤.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٧٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٥) تفسير السعدي: ٥٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٨)، و(١٤٩٩): ص ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٠)، و(١٥٠١)، و(١٥٠٢): ص ٢/ ٣٢٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٤): ص ٢/ ٣٢٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(١٠) مجاز القرآن، لأبي عبيدة: ١/ ٤٦، ونقله عنه أبو علي في: الحجة: ٢/ ١٥٥، والواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٣٣.\n(١١) التفسير البيسط: ٣/ ١٣٤، وانظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ١٥٤.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٨)، و(١٤٩٩): ص ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٠)، و(١٥٠١)، و(١٥٠٢): ص ٢/ ٣٢٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٤): ص ٢/ ٣٢٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٨): ص ٢/ ٣٢٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٣): ص ٢/ ٣٢٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٧): ص ٢/ ٣٢٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٥٠٩): ص ٢/ ٣٢٧.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٧٠.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٩٩): ص ١/ ١٧١.\n(٢٢) أخرجه الطبري (١٤٩٧): ص ٢/ ٣٢٧، والخبر هذا موقوف على حذيفة، وإسناده جيد، إلا أنه منقطع.","vol":"2","page":472},{"text":"والثاني: يعني أوعية للعلم (١)، وهذا قول عطية (٢)، ورواية الضحاك عن ابن عباس (٣)، وعطاء الخراساني (٤).\nوقال الكلبي: \"يريدون أوعية لكلّ علم، فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته إلّا حديثك، لا تفقهه ولا تعيه، ولو كان فيه خيرا لفهمته ووعته\" (٥).\nالثالث: وقيل: غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك (٦).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، على وجهين (٧):\nالأول: ﴿وقالوا قلوبنا غُلْف﴾ مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. والثاني: وقرأه بعضهم: ﴿وقالوا قلوبنا غُلُف﴾، مثقلة اللام مضمومة.\nقوله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، \" أي طردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم وضلالهم\" (٨).\nقال السمين الحلبي: \" فردَّ الله عليهم ذلك بأنَّ سببَه لَعْنُهم بكفرهم السابق\" (٩).\nقال الواحدي: \" أي: أبعدهم من رحمته وطردهم\" (١٠).\nقال الطبري: \" يعني: بل أقصاهم الله، أبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم، وجحودهم آيات الله وبيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك (١١).\nوقال الثعلبي: \" طردهم وأبعدهم من كل خير\" (١٢).\nقال السعدي: \" أي: أنهم مطرودون ملعونون، بسبب كفرهم\" (١٣).\nقال النسفي: \" فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم\" (١٤).\nقال النضر بن شميل: \"الملعون المخزي المهلك\" (١٥).\nوفي أصل (اللعن) أقوال:\nالأول: الطرد والإبعاد والإقصاء، قال الشَّمَّاخ (١٦):\n_________\n(١) قال ابن القيم: \" وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة. وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم.\nوالغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا\". [تفسير القرآن الكريم لابن القيم: ص: ١٣٨].\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٥١٠)، و(١٥١٠)، و(١٥١٢): ص ٢/ ٣٢٧.\n(٣) أخرجه الطبري (١٥١٣): ص ٢/ ٣٢٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٩٣): ص ١/ ١٧٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٤ ومابعدها، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥. وتفسير الرازي: ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(٧) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٤، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٢٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٩) الدر المصون: ١/ ٥٠١.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٨.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤.\n(١٣) تفسير السعدي: ٥٨.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٧٥.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤.\n(١٦) ديوانه: ٣٢١، ومجاز القرآن: ١/ ٤٦، ومعاني القرآن، للزجاج ١/ ١٧٠، وتفسير الثعلبي، ١/ ٢٣٤، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٤٤، وتفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٨، برواية: مكان الذئب. وقبله:\nوماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين\nوأراد في البيت: مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل. والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس، شبه الذئب به، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره.\nانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٨.","vol":"2","page":473},{"text":"ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه ... مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ\nوالثاني: التعذيب، قال الليث: \"ولعنه الله، أي: عذبه، واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم\" (١).\nوالثالث: الخزي، قال شمر: أقرأنا ابن الأعرابي لعنترة (٢):\nلُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم\nوفسّره، فقال: سُبَّت بذلك، أي: قيل: أخزاها الله فما لها در ولا لبن (٣).\nوالرابع: المسخ، قاله الفراء (٤). قال لله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] أي: نمسخهم (٥).\nقلت: وكل هذه الأقوال ضمن معنى الطرد والإبعاد. والله أعلم.\nوقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفاتٍ لحجة النبي ﷺ، فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول، فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق (٦).\nوفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خُلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة. وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. (٧)\nوإن أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبار اليهود على الأنبياء وتكذيبهم وقتلهم أن الله لعنهم وطبع على قلوبهم، فلا يفقهون الحق ولا يقبلونه (٨).\nويقول علماء السلف: إن من بركة الحسنة وعلامة قبولها الحسنةُ تتبعها. وإن من شؤم المعصية وعقابها المعصية تتبعها.\nقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، \"أي فقليلٌ من يؤمن منهم (٩).\nقال الواحدي: أي\" فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ٣٩٦، واللسان: ١٣/ ٣٨٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٥.\n(٢) والبيت من معلقة عنترة بن شداد التي مطلعها:\nهل غادر الشعراء من متردم\n(٣) انظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٢٧٤، ونقله في \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٤٥ وفيه: ولا بها لبن، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٣٦.\n(٤) نقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٣٦، ولم أجده في معاني القرآن.\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٣٦، ولم اجده في معاني القرآن.\n(٦) يقول العلامة ابن قيم الجوزية: \" فإن قيل: فما معنى الإضراب: ب «بل» على هذا القول الذي قويتموه؟ .\nأما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها.\nقيل: وجه الإضراب هنا في غاية الظهور. وهو انهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة.\nوالمعنى: ان الله تعالى لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها\". [تفسير القرآن الكريم لابن القيم: ص: ١٣٨].\n(٧) التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٦٠٠.\n(٨) مستفاد من كلام الحرالي ﵀ نقلا عن نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (٢/ ٣٤). قال: كما كان في حق إبليس مع آدم ﵇، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن (إبليس) ومن الإنس (اليهود) وهو الذي انختم به القرآن في قوله: ﴿من الجِنَّة والناس﴾ (الناس: ٦) ليتصل طرفاه، فيكون لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض القراء بوصله (= قرأ الناس ثم (ألم) البقرة) حتى لا يتبين له طرف، كما قالت المراة العربية لما سُئلت عن بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. انتهى كلامه. فسبحان مَنْ جعل كلام متصلًا ككلمةٍ واحدةٍ لا أول لها ولا آخر.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٦.","vol":"2","page":474},{"text":"قال الزمخشري: أي\" فإيمانا قليلا يؤمنون\" (١).\nوقد اختلفوا في معنى قوله: ﴿فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، على ثلاثة أقوال (٢):\nالأول: معنها: فقليل من يؤمن منهم، وهذا قول قتادة (٣)، لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب، واختاره الامام الطبري (٤) وفخر الدين الرازي (٥).\nوالثاني: معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، قاله أبو عبيدة (٦)، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.\nوالثالث: أن ﴿ما﴾، تفيد النفي، والمعنى: \"لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا، وهذا كقول الرّجل لآخر: ما قل ما تفعل وكذا يريد لا تفعله البتة\" (٧). قاله الواقدي، وأجازه المخشري (٨)، واعترض عليه أبو حيان (٩).\nوقد روى الفراء عن الكسائي: \"مررنا بأرض قلّ ما ينبت الكراث والبصل، يريدون لا ينبت شيئا\" (١٠).\nوالمعنى إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ﴿فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم بالجميع كافرون (١١).\nوالراجح هو القول الأول، وذلك لعلتين (١٢):\nأحدهما: لأنه نظير قوله: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ [النساء: ١٥٥].\nوالثاني: ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم. والله أعلم (١٣).\nواختلف أهل العربية في معنى ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، على ثلاثة أوجه (١٤):\nالأول: أنها زائدة لا معنى لها، وهذا قول الأخفش (١٥)، والمعنى: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمعنى: فبرحمة من الله لنت لهم، وأنشدوا بيت مهلهل (١٦):\n_________\n(١) انظر: الكشاف: ١/ ١٦٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٥، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٥١٤): ص ٢/ ٣٢٩، وابن أبي حاتم (٩٠٠): ص ١/ ١٧١.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٥، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٨.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٩٨.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤، والبحر المحيط\" ١/ ٣٠٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ١٦٤.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٩٦. قال أبو حيان: \" وما ذهبوا إليه من أن قليلًا يراد به النفي صحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾، لأن قليلًا انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير: قمت قليلًا، أي قيامًا قليلًا\".\n(١٠) نقله عنه الثعلبي: ١/ ٢٣٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٥، وتفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٥.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٩٨.\n(١٣) وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أوجه سوى ما ذكرنا:\nأحدها: فيؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن، فيقلل ذلك إيمانهم، ودليل هذا التأويل: قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، معناه: أنهم يعترفون بأن الله ربهم، ويكفرون بمحمد فيقلّ إيمانهم. وانتصب قليلًا على هذا الوجه لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف.\nالوجه الثاني: أن يكون المعنى: فيؤمنون قليلًا من الزَمَانِ ويكفرون أكثره، ودليل هذا التأويل: قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. فخّبر الله تعالى بقلة إيمانهم على معنى الوقت القصير الذي أظهروا فيه موافقة المسلمين ثم باينوهم بعده، وانتصب (قليلًا) في هذا الوجه؛ لأنه أقيم مقام الظرف، و(ما) في هذين الوجهين صلة.\nالوجه الثالث: أن يكون (ما) مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بـ \"قليل\"، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم، كما قالوا: راكبًا لقَائِيك ومُجَرَّدًا ضَرْبِيكَ. [انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٣٨].\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(١٥) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٤٢.\n(١٦) الكامل ٢: ٦٨، ومعجم ما استعجم: ٩٦، وشرح شواهد المغني: ٢٤٧ وغيرها قال أبو العباس: \" أبان جبل: وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض قال مهلهل، وكان نزل في آخر حربهم - حرب البسوس - في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج، وجنب حي من أحيائهم وضيع، وخطبت ابنته ومهرت أدما فزوجها وقال قبله:\nأنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم","vol":"2","page":475},{"text":"لو بأبانين جاء يخطبها ... خضب ما أنف خاطب بدم\nيعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن (ما) زائدة (١).\nقال النسفي: و﴿ما﴾ مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب\" (٢).\nوأنكر آخرون على احتجاج القول الأول ببيت المهلهل، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت (ما) كلمة تجمع كل الأشياء، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها.\nوالثاني: أنها نافية (٣)، أي: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، ومثلُه: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].\nقال السمين الحلبي: \"وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئًا من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنبار إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون\" (٤).\nوالثالث: أنها زائدة لتوكيد (القلة)، قاله ابن عطية (٥)، وابن عثيمين (٦)، وأكثر المفسرين.\nوالقول الأخير أولى بالصواب، أي أنها مزيدة أفادت معنى التوكيد، وذلك \"لأن زيادة ﴿ما﴾، لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه\" (٧).\nقال الواحدي: \" \"والآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان\" (٨).\nالفوائد:\n١. من فائد الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف.\n٢. ومنها: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا: \"ما هدانا الله\"؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾.\n٣. ومنها: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله﴾؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم.\n٤. ومنها: أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع.\n٥. منها: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئًا؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها.\n٦. ومنها: إثبات الأسباب، وأن لها تأثيرًا في مسبباتها بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾.\n٧. ومنها: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم؛ لقوله تعالى: ﴿فقليلًا ما يؤمنون﴾.\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٤٢.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ٧٥.\n(٣) انظر: الدر المصون: ١/ ٥٠٢.\n(٤) الدر المصون: ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣١.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٨.","vol":"2","page":476},{"text":"﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩]\nالتفسير:\nوحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد ﷺ، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد ﷺ، وكتابه الذي أوحاه الله إليه.\nفي سبب نزول الآية وجوه (١):\nأحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس: \"أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته! فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] \" (٢).\nوالثاني: قال السدي: \"كانت العرب تمر بيهود فيلقون منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد - ﷺ - كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل\" (٣).\nوالثالث: قال أبو العالية: \"كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ: فقال الله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ \" (٤). وروي عن ابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وعطاء (٨)، وابن زيد (٩)، نحو ذلك.\nالرابع: أن اليهود كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم، فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾، قاله ابن عباس (١٠)، وقتادة الأنصاري (١١) وروي عن مجاهد (١٢) نحوه.\nالخامس: أن اليهود من قبل مبعث محمد ﵇ ونزول القرآن، كانوا يستفتحون به على الناس. قاله علي الأزدي (١٣).\n_________\n(١) انظر أساب النزول للواحدي: ٢٨ - ٢٩، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٢) تفسير الطبري (١٥٢٠): ص ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، وابن أبي حاتم (لباب النقول: ٢١) وأبو نعيم في \"الدلائل \" (١/ ١٩) من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ﵄ وإسناده حسن، ويشهد له: ما أخرجه ابن المنذر وأبو نعيم (فتح القدير: ١/ ١١٣) والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٧٥) من طريق إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من الأنصار بمعناه. وحسنه الوادعي (الصحيح المسند: ٢)، والخبر في سيرة ابن هشام: ٢/ ١٩٦. وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٦.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٢٩، وأخرجه الطبري (١٥٢٧): ص ٢/ ٣٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٦): ص ٢/ ٣٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٢): ص ٢/ ٣٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٥): ص ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٧): ص ٢/ ٣٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٨): ص ٢/ ٣٣٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٥٣٢): ص ٢/ ٣٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٠): ص ٢/ ٣٣٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٥١٩): ص ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٥٣٠): ص ٢/ ٣٣٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٣): ص ٢/ ٣٣٤.","vol":"2","page":477},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، \" أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن (١).\nقال ابن عثيمين: \" هو القرآن؛ ونكَّره هنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمه بقوله تعالى: ﴿من عند الله﴾، وأضافه الله تعالى إليه؛ لأنه كلامه\" (٢).\nقال قتادة: \" وهو القرآن الذي أنزل على محمد، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل\" (٣). وروي عن الربيع مثل ذلك (٤).\nوقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ﴿مصدقا﴾، بالنّصب على الحال (٥)، قيل: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلنا: إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف ﴿كتاب﴾ بقوله: ﴿من عند الله﴾ (٦).\nوقال الزجاج: \" تقرأ ﴿جاءَهم﴾، بفتح الجيم والتفخيم، وهي لغة أهل الحجاز، وهي اللغة العليا القُدمى، والإِمالةُ إلى الكسر لغة بني تميم وكثير من العرب\" (٧).\nو(الكتاب): \"اشتقاقه من (الكَتْبِ)، وهي جمع (كَتْبة)، وهي الخرزة، وكل ما ضممت بعضه إلى بعض على جهة التقارب والاجتماع فقد كتبته، و(الكَتِيبَة): الفرقةُ التي تحارب من هذا اشتقاقها، لأن بعضَها منضم إلى بعض، وسمى كلام الله ﷿ الذي أنزل على نبيه: كِتَابًا، وقُرآنأ وفُرقانًا\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: \"المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة\" (٩).\nقال الثعلبي: \"موافق لِما مَعَهُمْ\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أيْ يصدقُ بالتوراة والإنجيل ويخبرهم بما في كتبهم مما لا يعلم إلا بوحي أو قراءَة كُتُبٍ، وقد علموا أن النبي - ﷺ - كان أميًا لا يكتب\" (١١).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، معنيين: (١٢)\nالأول: مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله ﷿.\nيعني: \"أنه حكم بصدقها، كما قال في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ فهو يقول عن التوراة: إنه حق، وعن الإنجيل: إنه حق؛ وعن الزبور: إنه حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرك إنسان بخبر، فقلت: \"صدقت\" تكون مصدقًا له\" (١٣).\nأحدهما: مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما.\nيعني: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت الكتب السابقة، التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم ﷺ بشرهم بمجيء الرسول محمد ﷺ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]؛ فجاء هذا الكتاب مصدقًا لهذه البشارة\" (١٤).\nوقد أختلف أهل اللغة في جواب (لما)، على ثلاثة أوجه (١٥):\nأحدها: أنه محذوف، قال الإمام الطبري: \"هو مما ترك جوابه، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن، وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد: ٣١]، فترك جوابه والمعنى: \" ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه، قالوا: فكذلك قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) \" وهذا قول الأخفش والزجاج (١٦).\nوالثاني: \"أن تكون الفاء جوابا للما الأولى ﴿كفروا به﴾ جوابا ل (لما) الثانية وهو كقوله: ﴿فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ [البقرة: ٣٨] [طه: ١٣٣] الآية\" (١٧)، أي: فإن الجواب قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) في \" الفاء \" التي في قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، وجواب الجزاءين في \" كفروا به \"، كقولك: \" لما قمت، فلما جئتنا أحسنت \"، بمعنى: لما جئتنا إذْ قمت أحسنت، حكي ذلك عن الفراء (١٨).\nوالثالث: وقيل: أنه على التكرير لطول الكلام والجواب: كفروا به كقوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥]، حكي ذلك عن المبرد (١٩).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي وقد كانوا قبل مجيئه\" (٢٠).\nقال ابن كثير: \" أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب\" (٢١).\nقال الزجاج: \" وكانوا من قبل هذا\" (٢٢).\nقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: \" يستنصرون به على أعدائهم\" (٢٣).\nقال ابن كثير: أي\"يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم\" (٢٤).\nقال الطبري: أي \" يستنصرون الله بمحمدﷺ- على مشركي العرب من قبل مبعثه\" (٢٥).\nقال أبو حيان: \" أي يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم\" (٢٦).\nقال الصابوني: أي\"يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة\" (٢٧).\nقال ابن عثيمين: \" أي يستنصرون، ويقولون سيكون لنا الفتح، والنصر، من المشركين الذين هم الأوس، والخزرج، لأنهم كانوا على الكفر، ولم يكونوا من أهل الكتاب\" (٢٨).\nقال السعدي: \" وقد علموا به، وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب، استنصروا بهذا النبي، وتوعدوهم بخروجه، وأنهم يقاتلون المشركين معه\" (٢٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي: ٥٨، وتفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١٥١٨): ص ٢/ ٣٣٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٥١٩): ص ٢/ ٣٣٢.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٩٨.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٧٠.\n(٨) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٠.\n(٩) تفسير السعدي: ٥٨.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٤.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ١٧١.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧. ومفاتيح الغيب: ٣/ ٥٩٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣٦.\n(١٧) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٦٥.\n(١٨) انظر: معاني القرآن للفراء ١: ٥٩.\n(١٩) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٦٥.\n(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٢١) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٥.\n(٢٢) معاني القرآن: ١/ ١٧١.\n(٢٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٢٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٥.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣٢. (بتصرف بسيط).\n(٢٦) البحر المحيط: ١/ ٢٦٠.\n(٢٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٢٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٩٠.\n(٢٩) تفسير السعدي: ٥٨.","vol":"2","page":478},{"text":"وقال المراغي: \" أي وكانوا يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون إن كتابه سينصر التوحيد الذي جاء به موسى، ويخذل الوثنية التي تنتحلونها\" (١).\nقال الراغب: \" الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان، فتح إلاهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية وعلى الأول قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وقوله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ﴾ وعلى الثاني قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ \" (٢).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، ثلاثة أوجه (٣):\nأحدها: \"معنى يستفتحون: أي يعلمون خبره من الناس مرّة، ويستنبطون ذكره من الكتب مرة\" (٤).\nفـ\"كانوا يخبرون بصحة أمر النبي - ﷺ -\" (٥)، روي نحوه عن قتادة (٦).\nوالثاني: أنهم: كانوا يقولون إنا ننصر بمحمد ﷺ على عبدة الأوثان. روي نحوه عن أبي العالية (٧)، والسدي (٨)، وعطاء (٩)، وابن زيد (١٠)، ومجاهد (١١)، وابن عباس (١٢).\nوالثالث: أنهم كانوا بطلبون من الله بذكره الظفر (١٣).\nقال الراغب: \" وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاح\" (١٤).\nقلت: إن القول الثالث، لا تسنده روايات صحيحة، بل أكثرها ضعيفة، لم يعرِّج ابن كثير على شيء منها، وكذلك فعل الإمام الطبري. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، \"أي فلما بعث محمد ﷺ َ الذي عرفوه حق المعرفة، كفروا برسالته\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \"هم اليهود، عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به\" (١٦).\nقال ابن عباس: فلما بعث الله محمدا ﷺ ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه\" (١٧).\nقال البغوي: \"يعني محمدا ﷺ من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته، كفروا به بغيا وحسدا \" (١٨).\nقال الزجاج: \" أي ما كانوا يستنصرون وبصحته يخبرون، كفروا وهم يوقنون أنهم معْتَمِدُون للشقاق عداوة للَّهِ\" (١٩).\nقال الراغب: \" فلما جاءهم كتاب لا منافاة بينه وبين التوراة في الأصول، وعرفوا عيانا ما كانوا عرفوه من قبل إخبارًا كفروا به\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٦٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٧.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧١، وتفسير البيضاوي: ١/ ٩٣، والكشاف: ١/ ١٦٤، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٨.، وانظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٠.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ١٧١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٠٤): ص ١/ ١٧١ - ١٧٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٦): ص ٢/ ٣٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٧): ص ٢/ ٣٣٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٥٢٨): ص ٢/ ٣٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٥٣٣): ص ٢/ ٣٣٦.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٠٧): ص ١/ ١٧٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٥٣٢): ص ٢/ ٣٣٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧١.\n(١٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٨.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(١٦) أخجره الطبري (١٥٣١): ص ٢/ ٣٣٦.\n(١٧) أخرجه الطبري (١٥٢٢): ص ٢/ ٣٣٤.\n(١٨) تفسير البغوي: ١/ ١٢١. (بتصرف بسيط).\n(١٩) معاني القرآن: ١/! ٧١.\n(٢٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٨.","vol":"2","page":479},{"text":"قال أبو حيان: أي\" ستروه وجحدوه، وهذا أبلغ في ذمهم، إذ يكون الشيء المعورف لهم، المستقر في قلوبهم وقلوب من أعلموهم به كيانه ونعته يعمدون إلى ستره وجحده، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ \" (١).\nقال السعدي: \" فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا، كفروا به، بغيا وحسدا، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده\" (٢).\nقال المراغي: \" وسبب هذا أنهم حسدوا العرب على أن بعث الله محمدا ﷺ من بينهم فحملهم ذلك على الكفر به جحودا وعنادا\" (٣).\nويحتمل ﴿ما﴾، في قوله تعالى: ﴿مَّا عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، ثلاثة أوجه (٤):\nالأول: أنه الكتاب، وهو الظاهر.، لأنه أتى بلفظ ﴿ما﴾.\nوالثاني: ويحتمل أنه يراد به النبي ﷺ، لأن ﴿ما﴾، قد يعبر بها عن صفات من يعقل.\nوالثالث: ويجوز أن يكون المعنى: ما عرفوه من الحق، فيندرج فيه معرفة نبوّته وشريعته وكتابه، وما تضمنه. قاله أبو حيان (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩]،: \" أي لعنة الله على اليهود الذين كفروا بخاتم المرسلين\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه \" (٧).\nقال المراغي: \" فسجّل الله عليهم الطرد والإبعاد من رحمته، لجحودهم بالحق بعد أن تبين لهم\" (٨).\nقال الراغب: \" (اللعن): هو إفضاء على وجه الإهانة، ومن قال: هو العذاب، فمن حيث أنه لا تنفك لعنة الله عن العذاب\" (٩).\nقال أبو حيان: \" لما كان الكتاب جائيًا من عند الله إليهم، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به. قابلهم الله بالاستهانة والطرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة، لأن من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقة. ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَالِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾؟ ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَه نَصِيرًا﴾. ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم، فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها، وهي الكفر، كما قال قبل: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى، فتكون الألف واللام للعهد، أو تكون للعموم، فيكون هؤلاء فردًا من أفراد العموم\" (١٠).\nوفي سبب كفرهم أقوال (١١):\nأحدها: أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول.\nوثانيها: اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار.\nوثالثها: لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به.\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٢٦٠.\n(٢) تفسير السعدي: ٥٨.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٦٨.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٠.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٣٣٧.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٦٨.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٨.\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ٢٦٠.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ١/ ٥٩٩.","vol":"2","page":481},{"text":"الفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن القرآن من عند الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿كتاب من عند الله﴾.\n٢ ومنها: أن القرآن كلامه ﷾ تكلم به حقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿كتاب من عند الله﴾؛ ومعلوم أن الكلام ليس جسمًا يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق.\n٣. ومنها: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾، ولقوله تعالى: ﴿من عند الله﴾.\n٤ ومنها: أن اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيبعث، وتكون له الغلبة؛ لقوله تعالى:\n﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ يعني يستنصرون. أي يطلبون النصر؛ أو يَعِدون به؛ فقبل نزول القرآن، وقبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيبعث نبي، وينْزل عليه كتاب، وننتصر به عليكم، ولما جاءهم الرسول الذي كانوا يستفتحون به كفروا به.\n٥ ومنها: أن اليهود لم يخضعوا للحق؛ حتى الذي يقرون به لم يخضعوا له؛ لأنهم كفروا به؛ فيدل على عتوهم، وعنادهم.\n٦ ومنها: أن الكافر مستحق للعنة الله، وواجبة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فلعنة الله على الكافرين﴾.\n٧ استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ﷿، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي ﷺ كان يقول: \"اللهم العن فلانًا، وفلانًا\" (١). لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حيًا؛ وإن كان ميتًا فقد قال النبي ﷺ \"لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\" (٢).\nالقرآن\n﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]\nالتفسير:\nقَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم؛ إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد ﷺ، فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد ﷺ، بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة. وللجاحدين نبوَّة محمد ﷺ عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.\nقوله تعالى: ﴿﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]، \" أي بئس الشيء التافه الذي باع به هؤلاء اليهود أنفسهم\" (٣).\nقال السدي: \" باعوا به أنفسهم\" (٤).\nقال مجاهد: \"شروا الحق بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن بينوه\" (٥).\nقال الزجاج: \"المعنى: ذلك الشيءُ المذموم\" (٦).\nقال الواحدي: \" بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم\" (٧).\nقال القرطبي: \" بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم\" (٨).\nوذكر الثعلبي في قوله تعالى: ﴿﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]، وجهين (٩):\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٣٣٣، كتاب المغازي، باب ٢٢: (ليس لك من الأمر شيء)، حديث رقم ٤٠٦٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٠٩، كتاب الجنائز، باب ٩٧: ما ينهى من سب الأموات، حديث رقم ١٣٩٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠٨): ص ١/ ١٧٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠٩): ص ١/ ١٧٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ١٧٢\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ١٤٥.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٥.","vol":"2","page":482},{"text":"الأول: معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم.\nوالثاني: وقيل: معناه بئس ما باعوا به حظ أنفسهم.\nواختلف أهل العلم في معنى (الاشتراء) في قوله ﴿اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: ٩٠]، على قولين:\nالأول: أن معنى الاشتراء هاهُنَا: (البيع). قاله الفراء (١) وأبو حيان (٢)، والطبري (٣)، وغيرهم.\nقال الآلوسي: \" فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه\" (٤).\nيقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه، ومنه قول يزيد بن المُفَرِّغ (٥):\nوشُرَيْتُ بُردًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بردٍ صِرتُ هامة\nيعني به: بعت بردا. وربما استعمل (اشتريت) بمعنى: بعت، و(شريت) في معنى: (ابتعت)، والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت (٦).\nومنه قول المسيب بن علس (٧):\nيعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبها ألا تشري\nقال الفراء: وتقول\" بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي\" (٨)، وأنشد قول طرفة بن العبد (٩):\nويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ... بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ\nالمعنى: لم تشتر له بتاتا، قال الفراء: والبتات الزاد (١٠).\nومعنى الآية: \"بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد - ﷺ -، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم\" (١١).\nوقال المفسرون: في الآية إضمار، معناه: بئسما باعوا حظ أنفسهم بالكفر، وعلى هذا تكون الآية من باب حذف المضاف (١٢).\nوعلى الوجه السابق، تصح الآية من غير إضمار.\nوالثاني: أن (الإشتراء) على بابه بمعناه المشهور (١٣)، والمعنى: \"اشتروا بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا\" (١٤)، فقالوا بأن \"المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٥٦.\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٤٨. ومعاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٥٣ (شرى)\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤١.\n(٤) روح المعاني: ١/ ٣٢١.\n(٥) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، في ديوانه ص ٢١٣، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٢٥٢ مادة (شرى).\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤١.\n(٧) ديوانه: ٣٥٢ (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى، والأعشى راويته)، ورواية الديوان \" ويقول صاحبه \"، وهي الصواب. والبيت من أبيات آية في الجودة، يصف الغواص الفقير، قد ظفر بدرة لا شبيه لها، فضن بها على البيع، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن، فأبى، وصاحبه يحضضه على بيعها، وبعده:\nوترى الصراري يسجدون لها ... ويضمها بيديه للنحر\nوالصراري: الملاحون، من أصحاب الغواصين. انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٥٦.\n(٩) ديوانه: ٤١.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٥٦.\n(١١) التفسير البيسط: ٣/ ١٤٩، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٢.\n(١٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٤٩، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٢.\n(١٣) اختاره الرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠١.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٣.","vol":"2","page":483},{"text":"به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم\" (١)، ذكره أبو حيان عن صاحب المنتخب (٢).\nواختاره الفخر الرازي قائلا: وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول (٣).\nقال أبو حيان: و\"يرد عليه، ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد\" (٤).\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، بأن (اشتروا) هنا، بمعنى (باعوا)، وذلك قول الأكثرين (٥).\nقال الإمام الطبري: \" فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله﴾؟ وهل يشتري بالكفر شيء؟ قيل: إن معنى: الشراء والبيع عند العرب، هو إزالة مالك ملكه إلى غيره، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا، فتقول: نعم ما باع به فلان نفسه وبئس ما باع به فلان نفسه، بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾ - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد ﷺ فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠]، \" أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله\" (٧).\nقال الثعلبي: أي\" حين استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالأيمان\" (٨).\nقال أبو العالية: \" اليهود، كفروا بما أنزل على محمد ﷺ\" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠]، يحتمل ثلاثة أوجه (١٠):\nالأول: القرآن. قاله أبو العالية (١١)، واختاره الثعلبي (١٢)، والواحدي (١٣)، والقرطبي (١٤)، وغيره.\nوالثاني: التوراة، \"لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد ﵉ فقد كفروا بالتوراة\" (١٥).\nالثالث: ويحتمل أن يراد به: الجميع من توراة وإنجيل وقرآن، \"لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل\" (١٦).\nوالوجه الأول أظهر مع سياق الآية. وبه قائل أكثر أهل التفسير، والله أعلم.\nوأصل نعم وبئس: \" نَعِمَ وبَئِسَ\" (١٧)، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠١.\n(٢) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٠٥.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠١.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٣٠٥. وقال الآلوسي: \" واعترض بأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأن لا يشترى به الأنفس؟ ويمكن الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية والخوف فيما يأتون ويذرون وادعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في الواقع على ما تدل عليه الآية\". [روح المعاني: ١/ ٣٢١].\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٤٧ - ١٤٨، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٥٨، والبحر المحيط: ١/ ٣٠٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٥، ونقله القرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١٠): ١/ ١٧٣.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٥٣٨): ص ٢/ ٣٤٢.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٥.\n(١٣) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٥٠.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٨.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٨.\n(١٧) انظر: المقتضب للمبرد: ٢/ ١٤٠ - ١٥٢، وتهذيب اللغة: ١/ ٤١٢، واللسان: ١/ ٢٠١ (بئس).","vol":"2","page":484},{"text":"قال الواحدي: ﴿بئس﴾ ذمٌّ بشدة الفساد، وأصل الكلمة من الشدة، ومنه (البأساء): وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعرف: ١٦٥] أي: شديد\" (١).\nويجوز في (بئس) أربع لغات (٢):\nالأول: على الأصل، بفتح الأول وكسر الثاني.\nوالثاني: اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، .\nالثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال: نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني.\nالرابع: أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: نعم، بكسر النون وإسكان العين.\nكما أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون: نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد (٣):\nففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من شر وضر\nما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر\nكما أنهما (نعم وبئس) فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس، والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت ﵁ (٤):\nألسنا بنعم الجار يؤلف بيته ... من الناس ذا مال كثير ومعدما\nوبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له: نعم المولود مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة، والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية (٥).\nوقد اختلف أهل العربية في معنى (ما) التي مع (بئسما) على قولين (٦):\nالأول: قال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم، و﴿أن يكفروا﴾ تفسير له، نحو: نعم رجلا زيد، و﴿أن ينزل الله﴾ بدل من ﴿أنزل الله﴾.\nوالثاني: وهو قول بعض نحويي الكوفة: أن معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف (ما) اسم (بئس)، و(أن يكفروا) الاسم الثاني، وزعم أن: (أن يكفروا) إن شئت جعلت (أن) في موضع رفع، وإن شئت في موضع خفض، أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه. وأما الخفض: فبئس الشيء اشتروا به\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ١٤٣.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٩٩ - ٦٠٠، والدر المصون: ١/ ٥٠٧.\n(٣) وفي رواية \" فداء \" بالرفع، أي نفسي فداء أو أنا فداء. وفي ديوان طرفة ٨٢ والخزانة (٤: ١٠١ بولاق)، وفي الديوان والخزانة: \" من سر وضر \" وهما بضم أولهما السراء والضراء.\n(٤) الرواية الصحيحة للبيت:\nألستُ بِنِعْمَ الجارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ ... أخَا قِلَّةٍ أو مُعْدِمَ المال مُصْرِمَا،\nهذا البيت نسب إلى حسان بن ثابت الأنصاري، والجار: أراد به هنا الذي يستجير به الناس من الفقر والحاجة فينزلون في حماه ويستظلون بظله ويجعلون عليه قضاء حاجاتهم، ويؤلف بيته ببناء الفعل للمعلوم: أي يجعل المقل يألف بيته، وذلك ببسط الكف وبذل العرف وبشاشة الوجه ونحو ذلك، وأخو القلة: الفقير الذي لا يجد كفايته، والمصرم: أراد به المعدم الذي لا يجد شيئًا، وأصله من الصرم الذي هو القطع، ومنه قالوا: ناقة صرماء، وناقة مصرمة، للتي انقطع لبنها وجفَّ، وذلك أن يصيب الضرع شيء فيكوى بالنار فلا يخرج منه لبن أبدًا والاستشهاد بالبيت في قوله \"بنعم الجار\" فإن الكوفيين استندوا إلى ظاهر هذه العبارة فزعموا أن \"نعم\" اسم بمعنى الممدوح بدليل دخول حرف الجر عليه. (انظر: الانصاف في مسائل الخلاف: ١/ ٨١) وانظر: تفسير اللباب، ابن عادل: ١/ ٤٥٤، وانظر في هذه المسألة: التصريح للشيخ خالد \"٢/ ١١٧ بولاق\" وشرح الأشموني \"٤/ ١٩٢\" وما بعده، وحاشية الصبان \"٣/ ٢٣ بولاق\" وشرح رضي الدين على الكافية \"٢/ ٢٨٩ وما بعدها\" وشرح موفق الدين بن يعيش على المفصل \"ص ١٠٢٨ أوروبة\" وأسرار العربية للمؤلف \"ص ٤١ ط ليدن\" وشرح قطر الندى لابن هشام \"ص ٢٧ ط سنة ١٩٥٩\" وشرح ابن عقيل على الألفية \"٢/ ١٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٦٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٠.","vol":"2","page":485},{"text":"أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا، ومن ذلك: قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٠].\nوالعرب تجعل (ما) وحدها في هذا الباب، بمنزلة الاسم التام، كقوله: ﴿فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١]، و(بئسما أنت)، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الشاعر (١):\nلا تعجلا في السير وادْلُوها ... لبئسما بطءٌ ولا نرعاها\nقال الإمام الطبري: \"وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل (بئسما) مرفوعا بالراجع من (الهاء) في قوله: ﴿اشتروا به﴾، كما رفعوا ذلك بـ (عبد الله) إذ قالوا: (بئسما عبد الله)، وجعل (أن يكفروا) مترجمة عن (بئسما)، فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون (أن) التي في قوله: ﴿أن ينزل الله﴾، في موضع نصب. لأنه يعني به ﴿أن يكفروا بما أنزل الله﴾: من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، موضع (أن) جزاء، وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن (أن) في موضع خفض بنية (الباء)، وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها. والحرف الخافض لا يخفض مضمرا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠]، \" أي حسدًا منهم لأجل أن ينزل الله وحيًا من فضله على من يشاء ويصطفيه من خلقه\" (٣).\nقال الزجاج: \" معناه أنهم كفروا بغيًا وعداوة للنبي - ﷺ - لأنهم لمْ يُشكَّوا في نبوته - ﷺ - وإنما حَسَدوه على ما أعطاه الله من الفضل\" (٤).\nقال ابن عطية: \" ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، يعني من النبوة والرسالة\" (٥).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿ومَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٩٠]، وجهان (٦):\nالأول: يعني به محمدا -ﷺ-، لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب.\nوالثاني: ويدخل في المعنى: عيسى -﵇- لأنهم قد كفروا به بغيا، والله قد تفضل عليه.\nنستنتج بأن كفر اليهود، لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، وإنما كان ذلك سبب حسدهم: \"أن الله جعل النبوة في غيرهم\". قاله ابن عباس (٧).\nوقرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿أن ينزل﴾، بالتخفيف في النون والزاي (٨).\nوالبغي: \"الحسد\". قاله أبو العالية\" (٩). وعليه جمهور المفسرين (١٠).\nقال اللحياني (١١): \"بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه\" (١٢).\nواختلف في أَصْل (البغي) على قولين (١٣):\n_________\n(١) لم أعرف قائله، والبيتان في اللسان (دلو). دلوت الناقة دلوا: سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها: أطلقها في المرعى.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ١٧٣.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٩.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١٢): ص ١/ ١٧٣.\n(٨) انظر: المحرر الوجي: ١/ ١٧٩.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١١): ص ١/ ١٧٣.\n(١٠) انظر: معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٣، \"زاد المسير\" ١/ ١١٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٥.\n(١١) هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه. انظر ترجمته في \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٩٥، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٥٥، \"معجم الأدباء\" ١٤/ ١٠٦.\n(١٢) تهذيب اللغة: ١/ ٣٦٧، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٥١.\n(١٣) انظر في معاني البغي: تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٧، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧١ - ٢٧٢، \"المفردات\" للراغب ص ٦٥، \"اللسان\" ١/ ٣٢٣.","vol":"2","page":486},{"text":"الأول: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وبَغَتِ السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحدّ.\nوالثاني: أن أصله: الطلب (١)، يقال: بغى الشيءَ، إذا طلبه، وأَبْغَاه، أعانه على الطلب. والبَغيّ: التي تطلب الزنا، ومنه قيل للأمة: بَغِيٌّ. وما ينبغي كذا، أي: ليس بصواب طلبه، والبَغْيُ: شدة الطلَب للتطاول.\nقال الراغب: (البغى): هو التجاوز في الطلب. يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله ﷿: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]. فإذا كان طلبا في الحق فمحمود، وإن كان طلبا للباطل فمذموم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢]، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق\" (٢).\nواختلف في انتصاب قوله ﴿بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠]، على وجهين:\nالأول: أنه منصوب على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: بَغَوا بغيًا (٣).\nوالثاني: أنه انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر. قاله الزجاج (٤)، ومنه قول حاتم (٥) (٦):\nوأغفر عَورَاءَ الكريم ادّخارَه ... وأُعْرِضُ عن شَتْم اللئيم تَكَرُّما\nالمعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، \" أي رجعوا بغضب من الله زيادة على سابق غضبه عليهم\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿فباؤ بغضب على غضب﴾، يقول: استوجبوا\" (٩).\nقال الآلوسي: \" أي فرجعوا متلبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد\" (١٠).\nقال الزجاج: \"معنى ﴿باءُوا﴾ في اللغة احتملوا، يقال قد بْؤت بهذا الذنْبِ أيَ تحملته\" (١١).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، على ثلاثة أوجه (١٢):\nأحدها: أن الغضب الأوّل: بكفرهم بعيسى ﵇ والإنجيل، والثاني: كفرهم بمحمّد ﷺ والقرآن. قاله أبو العالية (١٣)، وروي عن عكرمة (١٤) وقتادة (١٥) والشعبي (١٦)، ومجاهد (١٧)، وعبيد بن عمير (١٨)، نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللفة (بغي): ص ١/ ٢٧٢.\n(٢) المفردات في غريب القرآن، للراغب: ٦٥.\n(٣) انظر: التبيان للعكبري: ٧٥.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٣.\n(٥) هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، فارس شاعر جواد، جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، شعره كثير ضاع معظمه. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٣، و\"الأعلام\" ٢/ ١٥١.\n(٦) \"ديوانه\" (ن: دار مكتبة الهلال): ٧٢، وورد منسوبًا له، في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٦٨، \"الإفصاح\" ٢٧٩، \"شرح المفصل\" ٢/ ٥٤، \"اللسان\" ٥/ ٣١٦٥ (عور)، \"التصريح بمضمون التوضيح\" للأزهري: ١/ ٣٩٢، \"شرح شواهد المغنى\" ٢/ ٩٥٢، \"الخزانة\" ٣/ ١١٥، ١٢٢. \"الجمل\" للخليل: ٩٥، \"معاني القرآن\" للفرَّاء: ٢/ ٥، \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ١٦٧، \"الكامل\" ١/ ٢٩١، \"المقتضب\" ٢/ ٣٤٨، \"المحلى\" (وجوه النصب)، لابن شقير: ٦٩، \"وأسرار العربية\" للأنباري: ١٨٧، \"الاقتضاب\" ١٠٩.\nوورد في بعض المصادر بالروايات التالية: (.. اصطناعه وأعرض عن ذات ..) و(.. اصطناعه وأصفح عن ذات ..) و(.. وأصفح عن شتم ..). ومعنى (أغفر): استُر. و(العَوْراء): الكلمة، أو الفعلة القبيحة، و(الادِّخار)، افتعال من (الذُّخر)، بمعنى: الاتخاذ والحفظ، وأصلها: (اذتخار)، فقلبت التاء ذالًا، وأدْغِمَت فيها الذالُ الأصليةُ، فصارت ذالًا مشدوةً، ثم أبدِلَت الذالُ دالًا. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٩٠ (ذخر)، ٥/ ٣١٦٥ (عور)، ٦/ ٣٢٧٤ (غفر). ومعنى البيت: إذا جهل علي الكريمُ بكلمة أو فعلةٍ قبيحة، سترتها عليه، وسامحته، واحتملتها منه؛ للإبقاء على صداقته، ولادِّخاره ليوم احتاج إليه فيه. وإن شتمني اللئيمُ أعرضت عن شتمه والرد عليه؛ إكرامًا لنفسي.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٣. ونقله الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١٣): ص ١/ ١٧٣.\n(١٠) روح المعاني: ١/ ٣٢٢.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ١٧٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٧، وتفسير روح المعاني: ١/ ٣٢٣.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١٤): ص ١/ ١٧٣، وتفسير الطبري (١٥٥٣): ص ٢/ ٣٤٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٥٤٧)، و(١٥٤٨): ص ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٥٥١): ص ٢/ ٣٤٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٥٥٠): ص ٢/ ٣٤٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٥٥٢): ص ٢/ ٣٤٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٥٥٥): ص ٢/ ٣٤٧.","vol":"2","page":487},{"text":"والثاني: الغضب الأوّل: بعبادتهم العجل، والثاني: بكفرهم بمحمّد ﷺ وتبديل نعته. قاله السدي (١).\nوالثالث: الغضب الأوّل بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني بكفرهم بهذا النبيّ الذي اتخذه الله تعالى. قاله ابن عباس (٢).\nوالخامس: أن معناه: \"بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار\". قاله الزجاج (٣). وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٤).\nوالرابع: أنه لما كان الغضب لازمًا لهم، كان ذلك توكيدًا. قاله الماوردي (٥)، وحكاه الرازي عن أبي مسلم (٦)، وذكره ابن عطية عن طائفة (٧)، ونقله القرطبي (٨).\nوتجدر الإشارة بأن: \"الغضب صفة وصف الله تعالى نفسه بها، وليس غضبه كغضبنا، كما أن ذاته ليست مثل ذواتنا، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته سبحانه، وما قيل: إن الغضب من الانفعالات النفسانية، فيُقال: نحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها. كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين. فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه. وليس المنسوب كالمنسوب، والمنسوب إليه كالمنسوب إليه. كما قال ﷺ: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته\" (٩)، فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ\" (١٠).\nوهذا يتبيّن بقاعدة: \"هي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين؛ ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير (١١):\nالأول: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.\nالثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب تعالى.\nالرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٥٥٤): ص ٢/ ٣٤٦، وابن أبي حاتم (٩١٧): ص ١/ ١٧٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٥٤٦): ص ٢/ ٣٤٥، وابن أبي حاتم (٩١٥): ص ١/ ١٧٣.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٤، ونقله الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٥٣، وانظر: البحر المحيط: ١/ ٣٠٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩١٦): ص ١/ ١٧٤، ولفظه: \" استوجبوا سخطا على سخط\".\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٩.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٠٤، قال: \" أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحدا إلا أنه عظم، وهو قول أبي مسلم\".\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٩.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨ - ٢٩، قال: \" وقيل: أن المراد التأبيد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين\"، وانظر: تفسير روح المعاني: ١/ ٣٢٣.\n(٩) رواه البخاري في كتاب التوحي: (٧٤٣٤): ١٣/ ٤٢٩، وابن خزيمة: التوحيد: ١٧٨ ومابعدها، وابن أبي عاصم: / السنة: ١٩٣.\n(١٠) تفسير القاسمي (محاسن التأويل): ١/ ٣٥٠.\n(١١) انظر: التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، ابن تيمية: ٧٩ - ٨١. ونقله القاسمي في محاسن التأويل: ١/ ٣٥٠.","vol":"2","page":488},{"text":"فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل\" (١). سبحانه وتعالى عما يقول الظّالمون علوّا كبيرا. أفاده الإمام ابن تيمية. عليه الرحمة، في القاعدة التدمرية. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، \" أي: ولهم عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال\" (٢).\nقال البيضاوي: \" يراد به إذلالهم، بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه\" (٣).\nقال الثعلبي: أي\" وللجاحدين [لدين] محمّد ﷺ من النّاس كلهم، ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾، يهانون فلا يعزون\" (٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني بالمهين الهوان\" (٥).\nقال السعدي: أي: عذاب \"مؤلم موجع، وهو صلي الجحيم، وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم، وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله، الكفر به، وبكتبه، وبرسله، مع علمهم وتيقنهم، فيكون أعظم لعذابهم\" (٦).\nوقيل أن (العذاب) على ضربين (٧):\nأحدهما: عذاب مهين: وهو عذاب الكافرين، لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم.\nوالثاني: عذاب غير مهين: وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه، كقطع يد السارق من المسلمين، وحد الزاني.\nقال شيخنا ابن عثيمين: \"وقوله تعالى: ﴿عذاب﴾ أي عقوبة؛ و﴿مهين﴾، أي ذو إهانة وإذلال؛ ولو لم يكن من إذلالهم، حين يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، إلا قول الله ﷿ لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، لكفى\" (٨).\nوقال ابن كثير: \" لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] \" (٩).\nوقد روي عن النبي ﷺ قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، فهذا إظهار في موضع الإضمار فيما يظهر؛ لأن ظاهر السياق أن يكون بلفظ الضمير، أي ولهم عذاب مهين؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد كثيرة، تظهر بحسب السياق منها (١١):\nأولا: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر.\nثانيا: بيان علة الحكم.\nثالثا: عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر (١٢).\n_________\n(١) التدمرية: ٧٩ - ٨١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩١٨): ص ١/ ١٧٤.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٥٨.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٩، والمحرر الوجيز: ١/ ١٧٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٨.\n(١٠) مسند الإمام أحمد (٦٦٣٩): ص ٢/ ١٧٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨.\n(١٢) وهذا الأسلوب-أعني الإظهار في موضع الإضمار- كثير في القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ولم يقل فإن الله عدو له، فأفاد هذا الإظهارُ:\nأولا: الحكم بالكفر على من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال.\nثانيا: أن الله عدو لهم لكفرهم.\nثالثا: أن كل كافر فالله عدو له.\nومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، ولم يقل إنا لا نضيع أجرهم؛ فأفاد ثلاثة أمور:\nأولا: الحكم بالإِصلاح للذين يمسكون الكتاب، ويقيمون الصلاة.\nثانيا: أن الله آجرهم لإصلاحهم.\nثالثا: أن كل مصلح فله أجر غير مضاع عند الله تعالى. [انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٧].","vol":"2","page":489},{"text":"وقيل: أن قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم احتجوا بهذه الآية، فريقان (١):\nأحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، فيلزم أن يقال الفاسق كافر.\nوثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب.\nقال الفخر الرازي: \"وفساد هذين القولين لا يخفى\" (٢) (٣).\nولا يخفى على كل ذي لبّ، بأن (الاختصاص) الذي يفهمه تقديم الخبر ﴿لِلْكافِرِينَ﴾، بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير- لا للإهانة والإذلال- ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن، فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب بـ ﴿الكافرين﴾، فيكون الفاسق كافرا، لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا. هذا ما أفاده الآلوسي﵀- (٤).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي، وحسد؛ لقوله تعالى: ﴿بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾.\n٢.ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلانًا الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود\n٣. ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان.\n٤. ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء﴾؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال.\n٥. ومن فوائد الآية: إثبات مشيئة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء﴾؛ وهي عامة فيما يحبه الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء عُلِّق بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ لقوله تعالى:\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٢.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٢.\n(٣) لابطال هذه الشبهة وغيرها لتلك الفرق، انظر: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، والإيمان الكبري، والإيمان الأوسط، ومنهاج السنة النبوية، ومجموع الفتاوى، وانظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي، لسفر بن عبد الرحمن الحوالي، والخوارج عقيدة ومكرًا وفلسفة: د. عامر النجار، ص ١٩١، والمذاهب الإسلامية: محمد أحمد أبو زهرة ١٠٧، والمباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا عند أهل السنة، د. سعود بن عبدالعزيز الخلف (بحث منشور في مجلة الجامعة الاسلامية ع ١٢٣)، والتأويل وعلاقته بالإيمان والكفر عند الفرق الإسلامية في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، د. هيا إسماعيل عبدالعزيز آل الشيخ، ويمكن الرجوع للاستزادة إلى الكتب التي جمعت الكبائر مثل: كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي، والكبائر للذهبي والذخائر شرح منظومة الكبائر للسفاريني.\n(٤) انظر: روح المعاني: ١/ ٣٢٢.","vol":"2","page":490},{"text":"﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فليست أفعال الله وأحكامه لمجرد المشيئة؛ بل هي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة.\n٦. ومن فوائد الآية: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به ربًا يُعْبد؛ بل هو من العباد. حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء من عباده﴾.\nوهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلًا من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبدًا؛ إذًا لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول ﷺ عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون ربًا يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب.\nويتفرع عنها أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله ﷿ استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا (١) \".\nويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة.\n٧.من فوائد الآية: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقًا؛ لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾.\n٨. ومنها: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: ﴿عذاب مهين﴾ بعد أن ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرت سنة الله ﷾ في خلقه؛ قال الله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿جزءًا وفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦].\n٩. ومنها: أن الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيه من الفوائد ما سبق ذكره قريبًا.\n١٠. ومنها: إثبات الغضب من الله ﷾، لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ وهكذا كل صفة من صفات الله تكون على سبب.\n١١. كما وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ﷿، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي ﷺ كان يقول: \"اللهم العن فلانًا، وفلانًا\" (٢)، لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حيًا؛ وإن كان ميتًا فقد قال النبي ﷺ \"لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\" (٣) (٤).\n\n----------------------------------------------\nانتهى الجزء الثاني من التفسير، ويليه الجزء الثالث بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (٩١) من سورة البقرة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٨٨، كتاب التهجد، باب ٦: قيام النبي ﷺ الليل، حديث رقم ١١٣٠؛ وأخرجه مسلم ص ١١٦٩، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب ١٨: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم ٧١٢٤ [٧٩] ٢٨١٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٣٣٣، كتاب المغازي، باب ٢٢: (ليس لك من الأمر شيء)، حديث رقم ٤٠٦٩.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٠٩، كتاب الجنائز، باب ٩٧: ما ينهى من سب الأموات، حديث رقم ١٣٩٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥.","vol":"2","page":491},{"text":"فهرست الجزء الثاني\nالموضوع ... الصفحة\nتفسير سورة البقرة\n[الم (١)]\n[ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)]\n[الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)]\n[وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)]\n﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)\n﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)\n﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾\n﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾\n﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)\n﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾\n﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾","vol":"2","page":492},{"text":"﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾\n﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾\n﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾\n﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾\n﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾\n﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾\n﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾\n﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾\n﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾\n﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾\n﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾","vol":"2","page":493},{"text":"﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾\n﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾\n﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾\n﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾\n﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾\n﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾\n﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾\n﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٥١]\n﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢]\n﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥]\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦]\n﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧]\n﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨]\n﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩]\n﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [البقرة: ٦٣]\n﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ","vol":"2","page":494},{"text":"(٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤]\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]\n﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧]\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾ [البقرة: ٦٨]\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩]\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠]\n﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢]\n﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣]\n﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ [البقرة: ٧٤]\n﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥]\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦]\n﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: ٧٧]\n﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]\n﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠]\n﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١]\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة: ٨٢]\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾ [البقرة: ٨٤]","vol":"2","page":495},{"text":"﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦]\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧]\n﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨]\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩]\n﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]","vol":"2","page":496},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\n\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء الثالث\nسورة البقرة الآية (٩١ - ١٧٠)\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"3","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"3","page":2},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"3","page":3},{"text":"القرآن\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٩١]\nالتفسير:\nوإذا قال بعض المسلمين لليهود: صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن، قالوا: نحن نصدِّق بما أنزل الله على أنبيائنا، ويجحدون ما أنزل الله بعد ذلك، وهو الحق مصدقًا لما معهم. فلو كانوا يؤمنون بكتبهم حقًا لآمنوا بالقرآن الذي صدَّقها. قل لهم -يا محمد-: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم، فلماذا قتلتم أنبياء الله مِن قبل؟\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، \" أي وإذا قال النبي ﷺ وأصحابه ليهود المدينة وما حولها\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" وأبهم القائل ليكون شاملًا لكل من قال لهم هذا القول: إما الرسول ﷺ وإما غيره\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، \"أي آمنوا بما أنزل الله من القرآن وصدّقوه واتبعوه\" (٣).\nقال الثعلبي: \" يعني القرآن\" (٤).\nقال المراغي: \" آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله\" (٥).\nقال ابن عثيمين: أي صدِّقوا به مع قبوله، والإذعان له، لأن الإيمان شرعًا: التصديق مع القبول، والإذعان؛ وليس كل من صدق يكون مؤمنًا حتى يكون قابلًا مذعنًا؛ والدليل على ذلك أن أبا طالب كان مصدقًا برسول الله ﷺ ولم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل، ولم يذعن\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١]، \"أي يكفينا الإِيمان بما أنزل علينا من التوراة\" (٧).\nقال الثعلبي: \" يعني التوراة\" (٨).\nقال القاسمي: \"أي: من التوراة، ولا نقرّ إلا بها\" (٩).\nقال المراغي: \" قالوا نحن دائبون على الإيمان بما أنزل على أنبياء بنى إسرائيل كالتوراة وغيرها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، \"يعني ويجحدون بما وراء التوراة\" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي بما سواه وبعده\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٧٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٥.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٧٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٩٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٨.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦.\n(٩) محاسن التأويل: ١/ ٣٥١.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٧٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٨.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦.","vol":"3","page":4},{"text":"قال الزجاج: \" معناه: ويكفرون بما بعده، أي بما بعد الذي أنزل عليهم\" (١).\nقال القاسمي: \" أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما بعده\" (٢).\nقال المراغي: \" أي وهم يكفرون بما سوى التوراة وهو القرآن\" (٣).\nوتفسير (وراءه)، في هذا الموضع (سوى)، كما يقال للرجل المتكلم بالحسن: (ما وراء هذا الكلام شيء)، يراد به: ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام، فكذلك معنى قوله: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾، أي بما سوى التوراة، وبما بعدها من كتب الله التي أنزلها إلى رسله (٤).\nقال ابن منظور: \" الوراء جميعا يكون خلف وقدّام\" (٥)،، وعند ابن دريد: الوراء: الخلف، والوراء: القدّام، وهو من الأضداد\" (٦)، وقال أبو سعيد الأصمعي: \"ووراء خلف ووراء قدّام، قال جلّ ثناؤه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، وكان وراءهم أي: قدّامهم، وقال الشاعر (٧):\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nفقوله ورائيا، أي: قدّامي (٨).\nوقال الجوهري: \" وراء بمعنى خلف، وقد تكون بمعنى قدام. وهي من الأضداد\" (٩)، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي أمامهم، وتصغيرها وريئه \"بالهاء\" وهي شاذة. وانتصب \"وراءه\" على الظرف. قال الأخفش: يقال لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن، كقولك: من قبل ومن بعد، وأنشد (١٠):\nإذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء\nقلت-الإمام القرطبي-: ومنه قول إبراهيم ﵇ في حديث الشفاعة: \" إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ\" (١١)، والوراء: ولد الولد أيضا (١٢).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٧٤.\n(٢) محاسن التأويل: ١/ ٣٥١.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٧٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤٨.\n(٥) اللسان: ٦/ ٩٠٦.\n(٦) جمهرة اللغة، ١/ ٢٣٦، وانظر: مجمل اللغة: ٣/ ٨٠، ٩٣٢.\n(٧) البيت لسوار بن المضرب السعدي، انظر: خزانة الأدب: ٢/ ٤٦١. وقيل انه لفرزدق انشده حين هرب من الحجاج (معجم البلدان: ٢/ ٤٤٨):\nترجو بنو مروان سمعي وطاعتي، ... وخلفي تميم والفلاة أماميا؟\n(٨) أضداد الأصمعي: ٢٠.\n(٩) مختار الصحاح: (ورى).\n(١٠) [البيت لعتيّ بن مالك العقيلي، انظر: الخزانة/ ٦/ ٥٠٤، الهمع: ١/ ٢١٠، ومعاني القران للفراء: ٢/ ٣٢٠، وشذور الذهب، واللسان (وري).\n(١١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها: (١٩٥)، قال الإمام مسلم: \" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ⦗١٨٧⦘: \" يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا، اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ \"، قَالَ: \" فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﷺ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى ﷺ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ \" قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: \" أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا \"، قَالَ: «وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا\".\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩.","vol":"3","page":5},{"text":"وقال ابن قتيبة: \"وراء: تكون بمعنى (خلف)، وبمعنى (قدّام)، ومنها (المواراة) و(التواري)، فكل ما غاب عن عينيك فهو (وراء)، كان قدّامك أو خلفك\" (١).\nوفي صدد شرحه لكلمة (وراء) في القرآن الكريم في مواضع مختلفة، فسّر الإمام ابن قتيبة الكلمة بحسب السياق الذي وردت فيه، فمثلا: في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، رجح ابن قتيبة أن تكون (وراء) -هنا- بمعنى (أمام)، وفي قراءة ابن عباس: وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠]: أي أمامهم، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧].\nفالكلمة (وراء) في الآيات السابقة جاءت بمعنى (أمام)، وليس بالمعنى المتبادر إلى الذهن، وهو معنى (خلف)، وقد اختلف تفسير الكلمة على وجهين:\nأحدهما: أنها مشتقة من التواري، أي: الإستتار، قال الإمام الشوكاني: \" قال النحاس: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] فقوله تعالى: \"روَمِنْ وَرَاءِهِ﴾ أي: من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى، أي: استتر، فصارت جهنم من وراءئه، لأنها لا ترى\" (٢).\nوالثاني: أنها على بابها، فهي-هنا- بمعنى: (خلف)، قال ابن عطية: ﴿مِنْ وَرَاءِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠] فقوله تعالى: \" (وَرَاءِهِمْ) هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعي بها الزمان، وذلك أن الحدث المقدم الموجود هو: الأمام، والذي يأتي بعده هو: الوراء، وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي .. \" (٣).\nوهكذا فقد لوحظ كيف تردد المفسرين بين المعنيين، غير جازمين بأحد الوجهين، ولعل السبب هو أن مثل هذه الظاهرة يحصل فيها الأشكال، فهي محتاجة إلى مزيد من الدلالئل المحيطة بالنص لترجيح إحدى هذه الدلالات على الأخرى.\nيتبيّن لنا مما سبق بأن كلمة (وراء) جاءت في القرآن على عدة معاني من أشهرها ثلاثة:\nالأول: (وراء) بمعنى: (أمام) زمانيًا ومكانيًا:\nفمن أمثلتها بمعنى (أمام) زمانيًا قول الله جل وعلا: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَاءِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]، يعنى هذا بمستقبل أيامه فحياة البرزخ والعذاب المتوعد به أهل النار لم يأتِ بعد، وإنما هو أمام المتوعد به.\nوأما (وراء) بمعنى (أمام) مكانيًا الآية التي بين يديك يقول الله جل وعلا على لسان الخضر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] فقوله تعالى: ﴿وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ يعني أمامهم مكانًا ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فأول معاني (وراء) في القرآن بمعنى: أمام.\nالثاني: وتأتي بمعنى (خلف)، وهو الأصل في استخدامها اللغوي:\nقال الله جل وعلا على لسان العبد الصالح شعيب: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢]، وظهر الإنسان خلفه وليس أمامه، فقوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ نص بأنها تأتي بمعنى (خلف).\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن: ١٤٥. وانظر: الأضداد: ٥٦ - ٥٧.\n(٢) تفسير الشوكاني: ٤/ ١٣٦.\n(٣) نقلا عن القرطبي في تفسيره: ١١/ ٣٤.","vol":"3","page":6},{"text":"الثالث: ومن أشهر معانيها: (غير) أو (بعد):\nقال الله تعالى في النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، فقال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم ذكر المحصنات ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ أي ما بعد ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].\nوقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، فقوله تعالى (وَرَاءَ ذَلِكَ) أي غير ذلك.\nقلت: وهذا مما يُميِّز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، والملَكة العربية قادرة على أن تُميّز المعنى المناسب للسياق.\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، \"مع أنه هو الحق موافقًا لما معهم من كلام الله\" (١).\nقال القاسمي: \" وفيه ردّ لمقالتهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها\" (٢).\nقال الزجاج: \" فهذا يدل على أنهم قد كفروا بما معهم إذْ كفروا بما يُصَدِّقُ ما معهم\" (٣).\nوقوله تعالى ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، فيه إشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد ﷺ، وبيانه من وجهين (٤):\nأحدهما: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أنه لما ثبتت نبوة محمد ﷺ بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه ﵊ أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجبا لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال.\nوالثاني: ما دل عليه قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، وتقريره من وجهين:\nالأول: أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علما ولا استفاد من أستاذ، والثاني: أن القرآن يدل على نبوة محمد ﷺ فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة بل مكذبا لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد ﵊ وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﵊.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، \" أي قل لهم يا محمد إِذا كان إيمانكم بما في التوراة صحيحا، فلم كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل؟ \" (٥).\nقال الواحدي: \" هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك\" (٦).\nقال ابن الأنباري: أي: \" فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم\" (٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٦٩.\n(٢) محاسن التأويل: ١/ ٣٥١.\n(٣) معاني القرآن: ١/! ٧٤.\n(٤) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٧٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٦٩.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ١٥٦.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ١٥٦، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥ - ٢٦.","vol":"3","page":7},{"text":"قال القرطبي: أي\" فلم رضيتم بقتل الأنبياء \" (١).\nقال الزجاج: \"أيْ: أيُّ كتاب جُوّز فيه قتل نبي، وأي دين وإيمان جُوز فيه\" (٢).\nقال القاسمي: أي: \"فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم وأنتم تعلمون صدقهم، قتلتموهم بغيا وعنادا، واستكبارا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي كما قال تعالى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] \" (٣).\nقال السدي: \" فقال الله وهو يعيرهم: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ \" (٤).\nقال البيضاوي: \"وإنما أسنده إليهم، لأنه فعل آبائهم، وأنهم راضون به عازمون عليه\" (٥) (٦).\nوقرأ نافع وحده ﴿أَنْبِياءَ اللَّهِ﴾، مهموزًا في جميع القرآن (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]، \" أي إن كنتم معتقدين الإيمان\" (٨).\nقال الطبري: \" إن كنتم مؤمنين بما نزل الله عليكم كما زعمتم\" (٩).\nقال القاسمي: \" أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم\" (١٠).\nقال ابن إسحاق: \" إن كنتم صدقتم نبيي، بما جاءكم به عني\" (١١).\nقال القرطبي: \"رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ\" (١٢).\nويحتمل قوله تعالى:: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]، وجهان من التفسير (١٣):\nأحدهما: ما كنتم مؤمنين.\nوالثاني: إِنَّ إِيمانكم ليس بإيمان.\nوقد اختلف أهل اللغة في ابتداء الخبر على لفظ المستقبل، في قوله تعالى ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، على قولين (١٤):\nأحدهما: إن الخطاب لمن شُوهِدَ من أهل مكةَ ومنْ غاب خطَابٌ واحد، فإذا قَتَل أسْلافُهم الأنبياءَ وهم مُقِيمُون على ذلك المذهب فقد شَرَكُوهم في قَتْلِهمْ.\nوالثاني: وقيل: لِمَ رَضيتمُ بذلك الفعل، ومنه قول الشاعر (١٥):\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٠. وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥١.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ١٧٥.\n(٣) محاسن التأويل: ١/ ٣٥٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٢٥) ب: ١/ ١٧٥.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٦) وفي معناه حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنها ستكون أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع\" رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٨/ ٦٢١ وقوله - ﷺ -: \"إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها، ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها\" رواه أبو داود.\n(٧) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٠. وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥١.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٤.\n(١٠) محاسن التأويل: ١/ ٣٥٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٢٦): ١/ ١٧٥.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٠.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٥.\n(١٤) لنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٧٥، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤.\n(١٥) في حاشية الأمير على مغنى اللبيب ١: ٢٥ قال: \" في حاشية السيوطي \" قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي، يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية \"، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى: ٣٣. وومعانى الفراء: ٦١، ١٧٨ وقبل البيت يقول لامرأته:\nرمتنى عن قوس العدو، وباعدت ... عبيدة، زاد الله ما بيننا بعدا","vol":"3","page":8},{"text":"إذا ما انتسبنا، لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تُقِري به بُدَّا\nفالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت، وذلك أن المعنى معروف، فجاز ذلك.\nقال الزجاج: \"وهذا القول الثاني يرجع إلى معنى الأول، وإنما جاز أنْ يُذكر هنا لفظُ الاستقبال والمعنى، المضي لقوله ﴿من قبل﴾، ودليل ذلك قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، فقوله: ﴿فلم تَقتلون﴾، بمنزلة \" فلم قتلتم\" (١).\nقال ابن عطية: \" وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد - ﷺ - ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء\" (٢).\nقلت: إن التغبير عن الفعل الماضي بالمستقبل، جائز في كلام العرب، وذلك فيما كان بمنزلة الصفة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ...﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: ما تلت، وكما قال الشاعر (٣):\nولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت لا يعنيني\nفقوله: (ولقد أمر) أي: ولقد مررت، واستدل على أن ذلك كذلك، بقوله: (فمضيت عنه)، ولم يقل: (فأمضي عنه).\nومنه قول الشاعر (٤):\nوإني لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضى ... من الأمر، واسْتِيجابَ ما كان في غد\nيعني بذلك: ما يكون في غد، ومنه قول الحطيئة (٥):\nشهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٧٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٩.\n(٣) البيت لرجل من بني سلول، انظر: سيبويه ١: ٤١٦، الخزانة ١: ١٧٣، وشرح شواهد المغني: ١٠٧ وغيرها كثير. وروايتهم جميعا \" ثمت قلت \". وبعده بيت آخر:\nغضبان ممتلئا علي إهابه ... إني وربك سخطه يرضيني\n(٤) البيت لطرمح بن حكيم الطائي، انظر: ديوانه: ١٤٦، وحماسة البحتري: ١٠٩، واللسان (كون) وقد كان في هذا الموضع \" بشكرى \"، وهو خطأ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب. وروى اللسان: \" واستنجاز ما كان \". وصواب الرواية: \" فإني لآتيكم \" فإنه قبله:\nمن كان لا يأتيك إلا لحاجة ... يروح بها فيما يروح ويغتدى\nفإني لآتيكم. . . . ... . . . ........\n(٥) ديوانه: ٨٥، ونسب قريش: ١٣٨، والاستيعاب: ٦٠٤، وأنساب الأشراف ٥: ٣٢، وسمط اللآلئ: ٦٧٤. قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان من رجالات قريش همة وسخاء. استعمله أبو بكر وعمر وعثمان، فلما كان زمان عثمان، رفعوا عليه أنه شرب الخمر، فعزله عثمان وجلده الحد، وكان لهذا شأن كبير، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه، ويذكر عزله:\nشهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر\nخلعوا عنانك إذ جريت، ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري\nورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطي على الميسور والعسر\nفنزعت، مكذوبا عليك، ولم ... تردد إلى عوز ولا فقر\nقال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش: \"فزادوا فيها من غير قول الحطيئة:\nنادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم؟ ثملا ولا يدري\nليزيدهم خمسا، ولو فعلوا ... مرت صلاتهم على العشر\nوقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد، وما كان من شعر الحطيئة فيه. وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة، متكذب على الوليد، لما كان له في الشأن في أمر عثمان ﵁. ولقد جلد الوليدبن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة، فاعتزل الناس. وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي (ورقة: ١٩٦) قال: \"قال الوليد بن عقبة عند الموت، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة: \"اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم. انتقم لي منهم، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي\". فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم.","vol":"3","page":9},{"text":"يعني: يشهد، وكما قال الآخر (١):\nفما أضحي ولا أمسيت إلا ... أراني منكم في كَوَّفان\nفقال: أضحي، ثم قال: (ولا أمسيت).\nقال السعدي: \" رد عليهم ﵎ هنا ردا شافيا، وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات، والأوامر والنواهي، وهو من عند ربهم، فالكفر به بعد ذلك كفر بالله، وكفر بالحق الذي أنزله.\nثم قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه، فلم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى؟\nوأيضا، فإن كون القرآن مصدقا لما معهم، يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب، قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه، صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها، ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته، ثم يأتي هو لبينته وحجته، فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة والجنون؟ فكان كفرهم بالقرآن، كفرا بما في أيديهم ونقضا له.\nثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين\" (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾؛ لأن ما أنزل الله هو القرآن. وهو كلام؛ والكلام ليس عينًا قائمة بذاتها؛ بل هو صفة في غيره؛ فإذا كان صفة في غيره، وهو نازل من عند الله لزم أن يكون كلام الله ﷿ ..\n٢ ومنها: علوّ الله ﷾؛ لأنه إذا كان القرآن كلامه، وهو نازل من عنده دلَّ على علوّ المتكلم به\n٣ ومنها: كذب اليهود في قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾؛ لأنهم لو آمنوا به لآمنوا بمحمد ﷺ، كما قال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ...﴾ [الأعراف: ١٥٧] إلخ ..\n٤ ومنها: عتوّ اليهود، وعنادهم؛ لأنهم يقولون: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا ..\n٥ ومنها: أن من دُعي إلى الحق من هذه الأمة، وقال: \"المذهب كذا، وكذا\". يعني ولا أرجع عنه ففيه شبه من اليهود. لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تقول: \"سمعنا وأطعنا\"؛ ولا تعارضه بأي قول كان، أو مذهب ..\n٦ ومنها: وجوب قبول الحق من كل من جاء به.\n٧ ومنها: إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله؛ ووجه ذلك أن الله أقام على اليهود الحجة على فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم؛ فإن قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ ليس بحق؛ لأنه لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا الأنبياء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾.\n٩. ومنها: أن القرآن حدثنا عن محاولات اليهود لقتل الأنبياء في مواضع كثيرة (٣) بحيث انك لو جمعت الآيات التي تحدثت عن هذه القضية، لاستبان لك: أن قتل الأنبياء، والغدر بهم، كان هدفا يهوديا خالصا،\n_________\n(١) لم أعرف قائله، وهو في اللسان (كوف) والصاحبي: ١٨٧. والكوفان (بتشديد الواو): الاختلاط والشدة والعناء. يقال: إنا منه في كوفان، أي في عنت وشقاء ودوران واختلاط.\n(٢) تفسير السعدي: ٥٩.\n(٣) لقد اقتضت حكمة الله في سنته الجارية على خلقه أن يكون الأنبياء والرسل أئمة للناس في الخير والابتلاء، بل هم أعظم ابتلاء إذ الابتلاء على قدر الإيمان، لذا جرت سنن الله في إخراج الأنبياء والرسل إما تسليطًا من الكفار والأعداء عليهم، وإما هجرة يؤمرون بها من قبل الله، وإما سياحة في الأرض تفكرًا في خلق الله، وما جرى للرسل والأنبياء جرى لاتباعهم من حملة الرسالات والدعوات.","vol":"3","page":10},{"text":"يسعى اليهود الى تحقيقه بكل وسيلة، وأقرأ ذلك – إن شئت – في سورة البقرة – آيات: [٦١، ٨٥، ٨٧، ٩١] وفي سورة آل عمران آيات: [٢١، ١١٢، ١٨١، ١٨٣] وفى سورة النساء آيات: [١٥٥، ١٥٧]، وفى المائدة آية [٧٠]، ولا شك بأن قتل الأنبياء من أعظم الجرائم بل إن النبي ﷺ قال: \"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتله نبي أو قتل نبيا \" (١)، وقد قتل بنو إسرائيل عدة أنبياء لله تعالى كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم.\nوفى مقابل هذا الغدر وتلك الخيانة يصف القرآن اليهود بأنهم –في ميدان القتال – أجبن الناس، وأضعف الناس، قلوب خاوية، وهمم هاوية! ! ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤]. وهذا في أحسن الأحوال، وإلا ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٦]. ثم تمتلئ قلوبهم رعبا، وخوفا، وجزعا، وفزعا فيقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ [المائدة: ٢٤] (٢).\nالقرآن\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ [البقرة: ٩٢]\nالتفسير:\nولقد جاءكم نبي الله موسى بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه، كالطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع، وغير ذلك مما ذكره الله في القرآن العظيم، ومع ذلك اتخذتم العجل معبودًا، بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه، وأنتم متجاوزون حدود الله.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، أي \"وقل لهم لقد جاءكم موسى\" (٣) بالحجج الباهرات\" (٤).\nقال الثعلبي: أي\" بالدلالات اللائحات- والعلامات الواضحات\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي وبالله لقد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرةِ\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه: ابن حنبل، أحمد، تـ (٢٤١ هـ/٨٥٥ م)، مسند أحمد، طبعة مؤسسة قرطبة، مصر، ج ١ ص ٤٠٧.وقال الهيثمي، علي بن أبي بكر، تـ (٨٠٧ هـ/١٤٠٥ م)، في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، طبعة دار الريان، القاهرة، ١٤٠٧ هـ، ج ٥ ص ٢٣٦ قال: في الصحيح بعضه ورواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات.\n(٢) الناظر لسيرة الأنبياء والرسل-عليهم الصلاة والسلام- بأن الرسل مقطوع بنصرهم من الله _سبحانه_ وعصمتهم من القتل بخلاف الأنبياء ومن تتبع تعبير القرآن رأى عجبًا فإن القرآن إذا قطع بالنصر عبر بلفظ الرسل كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]، وإذا جاء ذكر القتل عبر بلفظ النبيين ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، والسبب – وعند الله العلم – أن رسول الأمة الأول لا يقتل أبدًا ولا بد من تمكينه ونصره في الدنيا فعلًا. ودليل ذلك قوله _تعالى_ في سورة غافر: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥]، وقوله __جل ذكره__ في سورة إبراهيم _عليه السلام_: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]، وقوله في سورة الأنبياء: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩].\nأما الأنبياء الذين أرسلوا برسالة تجديدية لرسالة رسول الأمة الأول فإنهم قد يقتلون كرسل بني إسرائيل بعد موسى، وهذا ما يحمل عليه قوله _تعالى_: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وإذا كان الأمر كذلك فإن من قدر الله أن تكتمل عوامل النصر والتمكين في دعوة رسول الأمة أكثر من النبي المجدد. والله تعالى أعلم.\n(٣) فتح البيان في مقاصد القرآن: ١/ ٢٢٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٦٩\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٣٠.","vol":"3","page":11},{"text":"قال الطبري: \" ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته \" (١).\nقال المراغي: \" أي ومن عظيم كفرانكم للنعم أن موسى قد جاء بالأدلة القاطعة والبراهين الناصعة على توحيد الله وعظيم قدرته\" (٢).\nقال البيضاوي: \" \"يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] \" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" الخطاب لليهود؛ والدليل على أنه لليهود قوله تعالى: ﴿موسى﴾؛ لأن موسى نبيهم؛ وهنا خاطبهم باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ إذ إن موسى لم يأت هؤلاء الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ لكنه أتى بني إسرائيل الذين هؤلاء منهم\" (٤).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، وجهان (٥):\nأحدهما: ما في الألواح من الحلال والحرام. قاله ابن عباس (٦).\nوالثاني: الآيات التسع. قاله مقاتل (٧)، وابن عباس في رواية عكرمة عنه (٨).\nوقوله تعالى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، \"أي بالعلامات الدالة على رسالته\" (٩)، وهي الآيات التسع: العصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر. أو غيرها مما كثر وقوعه من المعجزات الباهرات حجةً على بني إسرائيل في كفرهم (١٠).\nقال الإمام الطبري: \" وإنما سماها الله (بينات) لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك له، وإنما هي جمع (بينة)، مثل (طيبة وطيبات) \" (١١).\nقال الواحدي: \"المراد بـ (ثُم) هاهنا: الاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات التي أتى بها موسى ﵇\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢]، أي: \"ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" أي من بعده، حين غاب عنكم في المناجاة\" (١٤).\nواختلف في (الهاء) في قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢]، على وجهين (١٥):\nأحدهما: أنها تعود إلى ﴿موسى﴾، وفيه وجهان من المعنى:\nالأول: من بعد مجيء موسى.\nالثاني: من بعد ذهابه، لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده. وهذا قول مقاتل (١٦)، والثعلبي (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٥.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ١٧١.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٩٩.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ١١٥.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ١١٥.\n(٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٢٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٢٧): ص ١/ ١٧٥.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٩٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٢١، والبحر المحيط: ١/ ٣٠٨، إلا أنه عد بدل الأخيرين: السنين، والطوفان.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٥.\n(١٢) تفسير البسيط للواحدي: ٣/ ١٥٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٥.\n(١٤) البحر المحيط: ١/ ١٨٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٥، وتفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٢٣.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦.","vol":"3","page":12},{"text":"والثاني: أنها تعود إلى ﴿الآيات﴾، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات، كما تقول: جئتني فكرهته، يعني كرهت مجيئك.\nقال أبو حيان: \" الجمهور على إدغام الذال في التاء في قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾، وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة: بالإظهار\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، أي وأنتم\" ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \"يعني قوله: ﴿وأنتم ظالمون﴾، أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، وجهان (٤):\nالأول: أنه حال، بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله تعالى.\nوالثاني: أنه اعتراض، بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم.\nقال البيضاوي: \" ومساق الآية أيضًا لإبطال قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا والتنبيه على أن طريقتهم مع الرسول طريقة أسلافهم مع موسى عليهما الصلاة والسلام، لا لتكرير القصة وكذا ما بعدها\" (٥).\nوفي اتصال الآية بما قبلها يقول الراغب: \" جعل ذلك أيضا دلالة على دلالة قولهم: (نؤمن بما أنزل علينا) فكأنه قيل: كيف آمنتم به وقد أتاكم موسى بالآيات البينات فما لبثتم أن عبدتم العجل ظلما، وظلمهم الإخلال بآيات الله وبيناته وتلقيها بالكفران والكفر، وفي تخصيص ثم زيادة فائدة، وهي أن ذلك منكم بعد تدبر الآيات والتمكن من معرفتها، والآيات\" (٦).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إقامة البرهان على عناد اليهود؛ ووجه ذلك أنه قد جاءهم موسى بالبينات، فاتخذوا العجل إلهًا ..\n٢. ومنها: سفاهة اليهود، وغباوتهم، لاتخاذهم العجل إلهًا مع أنهم هم الذين صنعوه ..\n٣ ومنها: أن اليهود اغتنموا فرصة غياب موسى مما يدل على هيبتهم له؛ لقوله تعالى: ﴿من بعده﴾ يعني من بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه ..\n٤ ومنها: أن اليهود عبدوا العجل عن ظلم، وليس عن جهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٩٣]\nالتفسير:\nواذكروا حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا بقَبول ما جاءكم به موسى من التوراة، فنقضتم العهد، فرفعنا جبل الطور فوق رؤوسكم، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بجدٍّ، واسمعوا وأطيعوا، وإلا أسقطنا الجبل عليكم، فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك؛ لأن عبادة العجل قد امتزجت بقلوبكم بسبب تماديكم في الكفر. قل لهم -أيها الرسول-: قَبُحَ ما يأمركم به إيمانكم من الكفر والضلال، إن كنتم مصدِّقين بما أنزل الله عليكم.\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ١٦٨.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٩٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٢٩): ص ١/ ١٧٥.\n(٤) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٦١.","vol":"3","page":13},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، \" أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين أَخذنا عليكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٩٣]، أي: \" ورفعنا فوقكم جبل الطور\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٩٣]، \" أي قلنا لهم: خذوا ما أمرتم به في التوراة بجد\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي بعزمٍ وحزم وإلاّ طرحنا الجبل فوقكم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣]، \"أي استجيبوا وأطيعوا\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" سماع طاعة\" (٦).\nقال الصابون: \" أي سماع طاعة وقبول\" (٧).\nقال الثعلبي: \" سميت الطاعة سمعا على المجاز، لأنّه سبب الطّاعة والإجابة ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده أي أجابه، وقال الشاعر (٨):\nدعوتُ اللهَ حتى خِفتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ\nأي يجب\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، أي: \" قالُوا: سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك\" (١٠).\nقال الراغب: \" أي: فهمنا قولك ولم نأتمر لك\" (١١).\nقال إسماعيل بن أبي خالد: \" يقول: قد سمعنا ما تقول وعصيناك\" (١٢).\nوذكر أهل المعاني في قوله تعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، وجهين (١٣):\nالأول: أن معناه: قالُوا سَمِعْنا قولك. وَعَصَيْنا أمرك. وهو المشهور.\nوالثاني: سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب. قاله الحسن (١٤).\nومعنى ﴿وَاسْمَعُوا﴾، أي: أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد اعلموا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم: \"سمع الله لمن حمده\" (١٥)، أي قبل وأجاب، قال الشاعر (١٦):\nدعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول\nفقوله (يسمع الله ما أقول)، أي: يقبل ما أقول (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٨) البيت، لشمير بن الحارث الضبي، في \"تاج العروس\" ١١/ ٢٢٧ (مادة: سمع)، و\"نوادر أبي زيد\" ص ١٢٤، وبلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٤ و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٩٥.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(١١) المفردات: ٤٢٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٠): ص ١/ ١٧٦.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٦. والمعنى الثاني مكتوب على هامش المخطوط، كما قال المحقق.\n(١٤) ذكره في الواحدي في الوسيط\" ١/ ١٧٦، وذكره أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٠٨ ولم ينسبه.\n(١٥) قال الخطابي: \"قول (لا يسمع) معناه: لا يجاب، ومن هذا قول المصلي (سمع الله لمن حمده)، يريد استجاب الله دعاء من حمده. (مختصر سنن أبي داود، ومعه معالم السنن: ٢/ ١٦٠).\n(١٦) البيت لشُمير بن الحارث، انظر: النوادر: ١٢٤، والزاهر: ١/ ١٥٤،\n(١٧) قال الخطابي: وعلى هذا المعنى يتأول قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢]، يريد -والله أعلم- الكفار: أي انك لا تقدر أن تهديهم وتوفقهم لقبول الحق، وقد كانوا يسمعون كلام الله بآذانهم إذا تلي عليهم إلا انهم إذا لم يقبلوه، صاروا كأنهم لم يسمعوه، كما قال الشاعر: أصم عما ساءه سميع\". (غريب الحديث: ١/ ٣٤٢).","vol":"3","page":14},{"text":"وقال الراجز (١):\nالسمع والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني تميم\nقوله: (السمع)، قبول ما يسمع، و(الطاعة) لما يؤمر، فكذلك معنى قوله: (واسمعوا)، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به (٢).\nواختلف المفسرون في قوله تعالى ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، على وجهين (٣):\nأحدهما: أنه صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا. وهذا قول الجمهور (٤).\nقال الرازي: \" الأكثرون من المفسرين (٥) اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول\" (٦).\nوالثاني: إنّهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا الأمر وتلقوه بالعصيان نسب ذلك عنهم إلى القول أتساعا، ومنه قول الشاعر (٧):\nومَنْهَلٍ ذِبَّانُه في غَيْطَلِ ... يَقُلْنَ للرائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ\nأي أنهم فعلوا فعلا قام مقام القول، فيكون مجازا، ومن ذلك قول الشاعر (٨):\nامْتَلأَ الحَوْضُ وَقالَ قَطْنِي ... مَهْلا رُوَيْدا قَدْ مَلأْتَ بَطْني\nوقال امرؤ القيس (٩):\nنواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ... يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال\nقالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن (١٠).\nقال أبو مسلم: \"وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى: ﴿أن يقول له كن فيكون﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] \" (١١).\nوالراجح هو القول الأول، لأن القول بالمجاز، هو صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل، وهذا لا يجوز. والله أعلم.\nقال الرازي: \" إن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم ﴿سمعنا وعصينا﴾ وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد\" (١٢).\n_________\n(١) قائلة رجل من ضبة، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة ٥٥، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده. فقال الرجز. ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله (تاريخ الطبري ٦: ١٦٧).\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٧.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣١.\n(٤) بنحوه عن ابن عباس كما في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٨ واستحسنه أبو حيان قال: لأنا لا نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه اهـ. وحكى الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٦ أن المفسرين اتفقوا على أنهم قالوا (سمعنا) لما أطل الجبل فوقهم، فلمَّا كشف عنهم قالوا (عصينا).\n(٥) وبه قال الإمام الطبري: \" وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك\". (تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٧).\n(٦) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٤.\n(٧) البيت لأبي النجم العِجْلي. ينظر: \"الحيوان\" ٣/ ٣١٤ و٧/ ٢٥٩، وذكر الشطر الآخر منه \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٤٨، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٥١، \"التاج\" ٢/ ٢٣٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٦ بلا نسبة. والغيطل: شجر ملتف أو عشب ملتف.\n(٨) الرجز بلا نسبة في إصلاح المنطق ص ٥٧، ٣٤؛ وأمالي المرتضى ٢/ ٣٠٩؛ وتخليص الشواهد ص ١١١؛ وجواهر الأدب ص ١٥١؛ والخصائص ١/ ٢٣؛ ورصف المباني ص ٣٦٢؛ وسمط اللآلي ص ٤٧٥؛ وشرح المفصل ١/ ٨٢، ٢/ ١٣١، ٣/ ١٢٥؛ وكتاب اللامات ص ١٤٠؛ ولسان العرب ٧/ ٣٨٢ \"قطط\"، ١٣/ ٣٤٤ \"قطن\"؛ ومجالس ثعلب ص ١٨٩؛ والمقاصد النحوية ١/ ٣٦١.\n(٩) ديوانه: ١٢٦.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٦٠.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٤.\n(١٢) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٤.","vol":"3","page":15},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، \"أي خالط حبُّه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها بسبب كفرهم\" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته، لفرط شغفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن\" (٢). واختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، على وجهين (٣):\nأحدهما: أن معناه: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾، أي: حل فيها محل الشرب وقبلوه، يقال: ثوب مشرب أي: مصبوغ (٤).\nوهذا قول الجمهور: كقتادة (٥)، وأبي العالية (٦)، والربيع (٧)، وذهب إلي الفراء (٨)، والزجاج (٩)، وابن قتيبة (١٠)، وأبو عبيدة (١١)، والطبري (١٢)، والواحدي (١٣)، وابن الجوزي (١٤)، والزمخشري (١٥)، واالبيضاوي (١٦)، والرازي (١٧)، وابن عطية (١٨)، والقرطبي (١٩)، والسمين الحلبي (٢٠)، وغيرههم\nوالثاني: أن المعنى: أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل. قاله علي بن أبي طالب (٢١)، وسعيد بن جبير (٢٢)، والسدي (٢٣).\nقال الحافظ ابن حجر: \"وهو (٢٤) من مجاز الحذف (٢٥)، أي: أشربوا في قلوبهم حب العجل، ومن قال إن العجل أحرق ثم ذري في الماء فشربوه (٢٦) فلم يعرف كلام العرب؛ لأنها لا تقول في الماء أشرب فلان في قلبه\" (٢٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٤) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٩٧، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٧٠، وقال السمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٣٠٥. والإشراب: مخالطة المائع بالجامد ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو: أشرب بياضه حمرة، والمعنى: أنهم دَاخَلَهم حب عبادته كما داخل الصبغ الثوب.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٣٤): ص ١/ ١٧٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٣٥): ص ١/ ١٧٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٣٦): ص ١/ ١٧٦.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٦١.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير غريب القرآن: ٥٨.\n(١١) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٤٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(١٣) انظر: الوسيط: ١/ ١٧٦.\n(١٤) انظر: زاد المسير: ١/ ١١٥ - ١١٦\n(١٥) انظر: الكشاف: ١/ ٢٩٧.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٤.\n(١٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٤.\n(١٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٥.\n(١٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٢.\n(٢٠) انظر: الدر المصون: ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٣١): ص ١/ ١٧٦.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٣٢): ص ١/ ١٧٦.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٣٣): ص ١/ ١٧٦.\n(٢٤) أي قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾.\n(٢٥) أي: حذف المضاف، انظر: الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام: ١١، وكتاب الطراز ليحيى بن حمزة العلوي: ٢/ ١٠٥ - ١٠٦، وحذف المضاف هنا لدلالة الكلام عليه لأن القلوب لا يصح وصفها بتشرب العجل على الحقيقة، انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي: ٧.\n(٢٦) نسب هذا القول إلى سعيد بن جبير والسدي وابن جريج، وهو قول ضعيف، وهو من الإسرائيليات الصريحة، انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٨٣ وجامع البيان للطبري: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨ وغيرهما.\n(٢٧) الفتح: ٦/ ٤٩٦.","vol":"3","page":16},{"text":"والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، وهو قول الجمهور، وأن قوله تعالى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾، من مجاز الحذف (١)، أي: أشربوا في قلوبهم حب العجل.\nفيقال منه: أشرب قلب فلان حب كذا، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه، كما قال زهير (٢):\nفصحوت عنها بعد حب داخل ... والحب يُشْرَبُه فؤادُك داء\nفالشاعر ترك ذكر (الحب) اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام، إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب، وأن الذي يشرب القلب منه حبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وكما قال طرفة بن العبد (٣):\nألا إنني سُقِّيت أسود حالكا ... ألا بَجَلِي من الشراب ألا بَجَل\nيعني بذلك سُمّا أسود، فاكتفى بذكر (أسود)، عن ذكر (السم)، لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: سقيت أسود. ويروى:\nألا إنني سقيت أسود سالخا (٤)\nوقد تقول العرب: \" إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم \"، فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات، ومنه قول الشاعر (٥):\n_________\n(١) أي: حذف المضاف، انظر: الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام: ١١، وكتاب الطراز ليحيى بن حمزة العلوي: ٢/ ١٠٥ - ١٠٦، وحذف المضاف هنا لدلالة الكلام عليه لأن القلوب لا يصح وصفها بتشرب العجل على الحقيقة، انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي: ٧.\n(٢) ديوانه: ٣٣٩، وهو هناك \" تشربه \" بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب \" فؤادك \"، وشرحه فيه دليل على ذلك، فإنه قال: \" تدخله \" وقال: \" تشربه \" تلزمه ولكن استدلال الطبري، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول، ورفع \" فؤادك \". وحب داخل، وداء داخل: قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن.\n(٣) ديوانه: ٣٤٣ (أشعار الستة الجاهليين)، ونوادر أبي زيد: ٨٣، واللسان (سود). واختلف فيما أراد بقوله: \" أسود \". قيل: الماء، وقيل: المنية والموت. قال أبو زيد في نوادره: \" يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة، (سويد: بالتصغير) هو الماء، يدعى الأسود \". واستدل بالبيت. والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري، ويعني به: سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت:\nفقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل\nألا إنما أبكى ليوم لقيته ... بجرثم قاس، كل ما بعده جلل\nإذا جاء ما لا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي - لا كذاب ولا علل\nألا إنني. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nويروى: \" ألا بجلى من الحياة \"، وهي أجود. . ورواية الديوان واللسان: (ألا إنني شربت)، والتي هنا أجود. وقوله: \" بجل \"، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة. (تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٩).\n(٤) السالخ من الحيات: الأسود الشديد السواد، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده في إبانه من كل عام.\n(٥) البيت لهرم بن سنان، صاحب زهير بن أبي سلمى، وحاتم: هو الطائي الذي لا يخفى له ذكر. انظر: معاني القرآن للفراء ١: ٦١ - ٦٢،، ومجالس ثعلب: ٧٦، واللسان (غزا)، ونسبه لجميل، ولا أظنه إلا أخطأ، لذكر جميل في البيت، ولمشابهته لقول جميل: يقولون:\nجاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد؟\nولكن البيت من شعر آخر، لم أهتد إليه بعد البحث، ويريد الأول: وإن الجهاد جهاد طيئ وقتالها، فحذف واجتزأ.","vol":"3","page":17},{"text":"يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وإن جهادا طيئ وقتالها (١)\nقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، \" أي قل لهم على سبيل التهكم بهم بئس هذا الإِيمان الذي يأمركم بعبادة العجل\" (٢).\nقال الرازي: \"المراد \"بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ ..﴾ [هود: ٨٧]، وكذلك إضافة الإيمان إليهم، والإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ..﴾ [العنكبوت: ٤٥] \" (٣).\nقال الواحدي: \" فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، فكذّبهم الله ﷿، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل\" (٤).\nقال المراغي: أي: \" فبئس هذا الإيمان الذي يأمر بهذه الأعمال التي أنتم تفعلونها كعبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق، فهذه دعوى لا تقبل منكم، بل يجب القطع بعدم وجودها، بدليل ما يصدر عنكم من الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرا للإيمان\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣]، \" أي إِن كنتم تزعمون الإِيمان\" (٦).\nقال الصابوني: \" والمعنى: لستم بمؤمنين لأن الإِيمان لا يأمر بعبادة العجل\" (٧).\nقال الرازي: \" المراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم\" (٨).\nقال القاسمي: \" قدح في صحة دعواهم. فإن الإيمان إنما يأمر بعباده الله وحده لا بشركة العبادة لما هو في غاية البلادة. فهو غاية الاستهزاء، وحاصل الكلام: إن كنتم مؤمنين بها عاملين، فيما ذكر من القول والعمل، بما فيها، فبئسما يأمركم به إيمانكم بها. وإذ لا يسوغ الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا. فجواب الشرط محذوف، كما ترى، لدلالة ما سبق عليه\" (٩).\nقال الواحدي: وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل\" (١٠).\nو(السَّمْعُ): قوّة في الأذن به يدرك الأصوات، وفعله يقال له السَّمْعُ أيضا، وقد سمع سمعا\" (١١).\nومن جماليات الأسلوب القرآني، استخدام كلمة (السمع) لمعنيين مختلفين؛ وهى نكتة لغوية دلالية تحل كثيرا من الإشكاليات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقد ذكر الراغب المعنيين، وهما:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٣) مفايح الغيب: ٣/ ٦٠٥.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٦٢.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٧٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٨) مفايح الغيب: ٣/ ٦٠٥.\n(٩) محاسن التأويل: ١/ ٣٥٣.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ١٦٣.\n(١١) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: ٤٢٥.","vol":"3","page":18},{"text":"الأول: التعبير بالسمّع عن (الأذن)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، أي على آذانهم فلا يسمعون، وقد يكون المقصود المصدر، كما عُبِّر عن فعل السَّمَاعِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقال تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].\nوالثاني: التعبير بالسمع عن (الفهم)، قال تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا﴾ [الأنفال: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: فهمنا قولك ولم نأتمر لك، وكذلك قوله: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: فهمنا وامتثلنا (١).\nالفوائد: .\n١ من فوائد الآية: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ...﴾ إلخ ..\n٢ ومنها: أن بني إسرائيل ما آمنوا إلا عن كره؛ لأنهم لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور ..\n٣ ومنها: بيان قدرة الله ﷿ ..\n٤ ومنها: أن أمر الكون كله بيد الله ﷿، وأنه ﷾ قادر على خرق العادات؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور ..\n٥ ومنها: وجوب تلقي شريعة الله بالقوة دون الكسل والفتور، لقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾.\n٦ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾؛ وهذا أبلغ ما يكون في العتوّ؛ لأنه كان يمكن أن يكون العصيان عن جهل؛ لكنهم قالوا: ﴿سمعنا وعصينا﴾ ..\n٧ ومنها: أن السمع نوعان: سمع استجابة، وسمع إدراك؛ مثال الأول: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا﴾؛ ومثال الثاني: ﴿سمعنا وعصينا﴾\n٨ ومنها: أن المؤمن حقًا لا يأمره إيمانه بالمعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني إن كنتم مؤمنين حقًا ما اتخذتم العجل إلهًا ..\n٩ ومنها: أن الشر لا يسنده الله تعالى إلى نفسه؛ بل يذكره بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم﴾؛ ولهذا نظير من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا﴾ [الجن: ١٠]؛ والنبي ﷺ يقول: \"والشر ليس إليك\" (٢)؛ فالشر في المفعول. لا في الفعل؛ الخير والشر كل من خلْق الله ﷿؛ لكن الشر بالنسبة لإيجاد الله له هو خير، وليس بشر؛ لأن الله ﷾ ما أوجده إلا لحكمة بالغة، وغاية محمودة. وإن كان شرًا. لكن الشر في المفعولات. أي المخلوقات؛ وأما نفس الفعل فهو ليس بشر؛ أرأيت الرجل يكوي ابنه بالنار. والنار مؤلمة محرقة. لكنه يريد أن يُشفى. فهذا المفعول الواقع من الفاعل شر مؤلم محرق لكن غايته محمودة. وهو شفاء الولد؛ فيكون خيرًا باعتبار غايته ..\n١٠ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبه حبًا لما يكرهه الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾.\n١١ ومنها: أن الإيمان الحقيقي لا يحمل صاحبه إلا على طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾.\nالقرآن\n﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [البقرة: ٩٤]\nالتفسير:\n_________\n(١) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: ٤٢٥ - ٤٢٧. (بتصرف بسيط).\n(٢) سبق تخريجه ص ٣٠٤.","vol":"3","page":19},{"text":"قل -أيها الرسول- لليهود الذين يدَّعون أن الجنة خاصة بهم؛ لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنهم أبناؤه وأحباؤه: إن كان الأمر كذلك فادْعُوا على الكاذبين منكم أو من غيركم بالموت، إن كنتم صادقين في دعواكم هذه.\nفي سبب نزول الآية: قال الله تعالى لليهود: ﴿إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت﴾، فلم يفعلوا حيث قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾، وقالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، فقال الله لهم ذلك\" (١). وروي عن قتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (٢).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، أي\" قل يا محمد: إن كان نعيم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر اليهود عند الله\" (٣) خاصة.\nقال الصابوني: \" أي قل لهم يا محمد إِن كانت الجنة لكم خاصة كما زعمتم\" (٤).\nقال السعدي: \" يعني الجنة، كما زعمتم، أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة\" (٥).\nقال ابن عطية: \" أمر لمحمد ﷺ أن يوبخهم، والمعنى: إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها\" (٦).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، على قولين (٧):\nالأول: معناه: صافية. كما يقال: خلص لي فلان، بمعنى صار لي وحدي وصفا لي. قاله الطبري (٨).\nوالثاني: معناه: خاصة، قاله ابن عباس (٩)، واختاره الثعلبي (١٠)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، \" أي خاصة من دون الناس\" (١١).\nقال الطبري: \"وذلك تأويل قريب من المعنى الأول\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]، أي: \" من دون جميع الناس\" (١٣).\nقال الصابوني: أي: \"لا يشارككم في نعيمها أحد\" (١٤).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]، على قولين (١٥):\nأحدهما: من دون الناس جميعهم، ويبين أن ذلك كان قولهم - من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بني آدم - إخبار الله عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: من دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به، وهذا قول ابن عباس (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٥): ص ١/ ١٧٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٧٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٥) تفسير السعدي: ٥٩.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٨١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥.\n(٩) أخرجه الطبري (١٥٧٥): ص ٢/ ٣٦٥.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٧.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٧.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٦.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٥٧٦): ص ٢/ ٣٦٦.","vol":"3","page":20},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]، \" أي اطلبوا حصوله\" (١).\nقال الثعلبي: \" أي فأريدوا وحلوه لأن من علم أن الجنة مآبه حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني\" (٢).\nقال المراغي: \" أي: تشوفوا له واجعلوا نفوسكم ترتاح إليه وتود المصير إليه\" (٣).\nقال ابن عباس: \" أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ\" (٤).\nقال ابن عباس أيضا: \"لو تمنى اليهود الموت لماتوا\" (٥).\nوقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من رتمنوا﴾ للالتقاء، وحكى الأهوازي عن أبي عمرو أنه قرأ ﴿تمنوا الموت﴾ بفتح الواو، وحكي عن غيره اختلاس الحركة في الرفع، وقراءة الجماعة بضم الواو (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، \"أي إن صدق قولكم، وصحت دعواكم\" (٧).\nقال الثعلبي: أي\" في قولكم، محقين في دعواكم\" (٨).\nقال أبو العالية: \" ﴿إن كنتم صادقين﴾ بما تقولون إنه كما تقولون\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي في دعواكم أن الدار الآخرة خالصة لكم من دون الناس؛ لأنها حينئذٍ تكون لكم خيرًا من الدنيا؛ فتمنوا الموت لتصلوا إليها؛ وهذا تحدٍّ لهم؛ ولهذا قال الله تعالى هنا: ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾؛ وفي سورة الجمعة قال تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبدًا﴾ [الجمعة: ٧] وذلك؛ لأنهم يعلمون كذب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة\" (١٠).\nاختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو اليهود أن يتمنوا الموت، وعلى أي وجه أمروا أن يتمنوه (١١):\nالأول: أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يتحداهم بأنه إن كانت الدار الآخرة لهم كما يزعمون، فليتمنوا الموت لِيَصِلوا إليها.\nوهذا قول قتادة (١٢)، وأبو العالية (١٣)، والربيع (١٤)، رجّحه الطبري (١٥) وكثير من المفسرين.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠٧.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٧.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٧٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٧): ص ١/ ١٧٧، وفي رواية أخرى أخرده الطبري عنه (١٥٧٧): ص ٢/ ٣٦٦: \" فسلوا الموت\". قال الطبري: \" ولا يعرف \" التمني \" بمعنى \" المسألة \" في كلام العرب. ولكن أحسب أن ابن عباس وجه معنى \" الأمنية \" - إذ كانت محبة النفس وشهوتها - إلى معنى الرغبة والمسألة، إذْ كانت المسألة، هي رغبة السائل إلى الله فيما سأله\". [تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٦].\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٨): ص ١/ ١٧٧، وفي رواية (٩٣٦): ص ١/ ١٧٧: \" لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه\"، وأخرجه الطبري (١٥٦٦): ص ٢/ ٣٦٢، وبزيادة: \" ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا \". وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: \" لو تمنوه يوم قال ذلك لهم، ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلا مات\". [أخرجه الطبري (١٥٧٠: ص ٢/ ٣٦٣].\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨١.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٧٢.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٩): ص ١/ ١٧٧.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥. وانظر: تفسير الرازي: ١/ ١٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٥٧٢): ص ٢/ ٣٦٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٥٧٣): ص ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٥٧٤): ص ٢/ ٣٦٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٤.","vol":"3","page":21},{"text":"والثاني: أن المراد به المباهلة، أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما، فما دعوا لعلمهم بكذبهم. روي ذلك عن ابن عباس (١). ورجّحه ابن كثير.\nورجح هذا ابن كثير؛ وضعف الأول بأنه لو كان المراد: ﴿تمنوا﴾، حصول الموت لكانوا يحتجون أيضًا علينا نحن، ويقولون: أنتم أيضًا إن كنتم تقولون: إن الدار الآخرة لكم فتمنوا الموت؛ لأن تحديكم إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم به؛ لأنكم أنتم أيضًا تقولون: إن الدار الآخرة لكم، وأن اليهود بعد بعثة الرسول ﷺ في النار؛ فتمنوا الموت أنتم أيضًا (٢).\nوأجاب شيخنا ابن عثيمين على هذا الإشكال، فقال: \" والجواب عن ذلك أنا لم ندع أن الدار الآخرة خالصة لنا من دون الناس؛ بل نؤمن بأن الدار الآخرة لكل من آمن وعمل صالحًا سواء كان من هذه الأمة أم من غيرها؛ وهذا المعنى الذي نحا إليه ابن كثير. ﵀. مخالف لظاهر السياق؛ فلا يعوَّل عليه؛ وقد عرفت الانفكاك منه\" (٣).\nوالراجح هو القول الأول، لأنه يدلّ عليه ظاهر الآية، وهو الأقرب إلى موافقة اللفظ، وبه قال جماعة من أهل التفسير. والله أعلم.\nقال الطبري: \" فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنها تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. كما امتنع فريق النصارى - الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى، إذْ دعوا إلى المباهلة - من المباهلة، فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \" لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا\" (٤) ... فانكشف - لمن كان مشكلا عليه أمر اليهود يومئذ - كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله ﷺ، وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم، ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل\" (٥).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآيات: تكذيب اليهود الذين قالوا: \"لنا الآخرة، ولكم الدنيا، لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة\"؛ ووجهه: أن الله تعالى قال لهم: ﴿فتمنوا الموت﴾، وقد قال تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٥٧١): ص ٢/ ٣٦٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣٢. [بتصرف بسيط].\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠٨.\n(٤) الحديث: إسناده صحيح. ذكر سنده الإمام الطبري عن: أبو كريب قال، حدثنا زكريا بن عدي قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، وأبو كريب: هو محمد بن العلاء. زكريا بن عدي ابن زريق التيمي الكوفي: ثقة جليل ورع قال ابن سعد: \" كان رجلا صالحا صدوقا \". وهو مترجم في التهذيب، وفي الكبير للبخاري ٢/ ١ / ٣٨٧ - ٣٨٨، والصغير: ٢٣٢، وابن سعد ٦: ٢٨٤، وابن أبي حاتم ١/ ٢/٦٠٠، ووقع هنا في المطبوعة \" أبو زكريا \" وزيادة \" أبو \" خطأ من ناسخ أو طابع، عبيد الله بن عمرو: هو أبو وهب الجزري الرقي، ثقة معروف أخرج له أصحاب الكتب الستة، وترجمته في التهذيب، وابن سعد ٧/ ٢ /١٨٢، والصغير للبخاري: ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٢/ ٢ / ٣٢٨ - ٣٢٩. عبد الكريم: هو ابن مالك الجزري الحراني، وهو ثقة ثبت صاحب سنة، من شيوخ ابن جريج ومالك والثوري وأضرابهم. ترجمته في التهذيب، والصغير للبخاري: ١٤٨، وابن أبي حاتم ٣/ ١ /٥٨ - ٥٩.\nوالحديث رواه أحمد في المسند: ٢٢٢٦، عن أحمد بن عبد الملك الحراني، عن عبيد الله، وهو ابن عمرو، بهذا الإسناد، ولكن لم يذكر لفظه، أحاله على الرواية قبله: ٢٢٢٥، من طريق فرات بن سلمان الحضرمي، عن عبد الكريم، به، بزيادة في أوله. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ٢٢٨، عن الرواية المطولة، وقال: \" في الصحيح طرف من أوله \"، ثم قال: \" رواه أحمد، أبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح \". أقول: ورجال أحمد في الإسناد: ٢٢٢٦ - رجال الصحيح أيضًا. وذكر السيوطي ١: ٨٩ بعضه، ونسبه أيضًا إلى الشيخين، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، وأبي نعيم.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢.","vol":"3","page":22},{"text":"٢. ومنها: أنه إذا جاء الموت، فإن المؤمن يحب لقاء الله، لأنه قدّم أعماله الصالحة أمامه، وقد روي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \" مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ \" (١).\nالقرآن\n﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة: ٩٥]\nالتفسير:\nولن يفعلوا ذلك أبدًا؛ لما يعرفونه من صدق النبي محمد ﷺ ومن كذبهم وافترائهم، وبسبب ما ارتكبوه من الكفر والعصيان، المؤَدِّيَيْن إلى حرمانهم من الجنة ودخول النار. والله تعالى عليم بالظالمين من عباده، وسيجازيهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، أي: \" لن يتمنوه ما عاشوا\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام\" (٣).\nقال الواحدي: \" وذلك أنهم كفروا، وعرفوا أنهم كَفَرة، ولا نصيب لهم في الجنة؛ لأنهم تعمدوا كتمانَ أمر النبي - ﷺ - وتكذيبَه\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" وذلك؛ لأنهم يعلمون كذب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة\" (٥).\nوفي تركهم إظهار التمني قولان (٦):\nأحدهما: أنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، كما قاله النبيﷺ-، فلذلك لم يتمنوه وهذا قول ابن عباس (٧).\nالثاني: أن الله صرفهم عن إظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيهﷺ-. روي عن الحسن (٨) نحوه.\nقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، \" بما أسلفته أيديهم\" (٩).\nقال الآلوسي: \" أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار كالكفر بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والقرآن، وقتل الأنبياء\" (١٠).\nقال الواحدي: \" أي: بما قدموه وعملوه، فأضاف ذلك إلى اليد، لأن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فيها عمل، فيقال: هذا ما اجترحته يدك\" (١١).\nوقد ذكر أبو حيان في قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، وجهين من التفسير (١٢):\nالأول: كناية عما اجترحوه من المعاصي السابقة. ونسب التقديم لليد مجازًا، والمعنى بما قدّموه، إذ كانت اليد أكثر الجوارح تصرفًا في الخير والشر. وكثر هذا الاستعمال في القرآن: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.\nوالثاني: وقيل: المراد اليد حقيقة هنا، والذي قدّمته أيديهم هو تغيير صفة رسول الله ﷺ، وكان ذلك بكتابة أيديهم.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، \"أي عالم بظلمهم وإِجرامهم وسيجازيهم على ذلك\" (١٣).\nروي عن ابن عباس في قوله ﴿ِالظَّالِمِينَ﴾، قال: \"الكافرين\" (١٤).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُا بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، وجهين (١٥):\nأحدهما: أن هذه جملة خبرية، ومعناها: التهديد والوعيد، وعلم الله متعلق بالظالم وغير الظالم. فالاقتصار على ذكر الظالم يدل على حصول الوعيد.\nوالثاني: معناه مجازيهم على ظلمهم، فكنى بالعلم عن الجزاء.\nقال ابن عاشور: وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، \"خبر مستعمل في التهديد لأن القدير إذا علم بظلم الظالم لم يتأخر عن معاقبته\" (١٦) ومن ذلك قول زهير (١٧):\nفَلا تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ ... لِيَخْفَى وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَمِ\nيقول: لا تخفوا من الله ما تضمرون من الغدر ونقض العهد ليخفى على الله، ومهما يكتم من شيء يعلمه الله، يريد أن الله عالم بالخفيات والسرائر ولا يخفى عليه شيء من ضمائر العباد، فلا تضمروا الغدر ونقض العهد فإنكم إن أضمرتموه علمه الله؛ وقوله: يكتم الله، أي يكتم من الله.\nقال أبو حيان: \" وإنما ذكر الظالمين، لأن الظلم هو تجاوز ما حدّ الله، ولا شيء أبلغ في التعدّي من ادعاء خلوص الجنة لمن لم يتلبس بشيء من مقتضاتها، وانفراده بذلك دون الناس\" (١٨).\nقال ابن عطية: \" وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد، لأن الله عليم بالظالمين وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد\" (١٩).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أنَّ الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة؛ لقوله تعالى: ﴿بما قدمت أيديهم﴾.\n٢. ومنها: إثبات السببية. تؤخذ من الباء في قوله تعالى: ﴿بما قدمت أيديهم﴾.\n٣. منها: إثبات علم الله تعالى للمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾؛ فوقع الأمر كما أخبر به ..\n٤. ومنها: جواز تخصيص العموم لغرض؛ لقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ فخص علمه بالظالمين تهديدًا لهم.\nالقرآن\n_________\n(١) صحيح البخاري (٦٠٦٢).\n(٢) روح المعاني: ١/ ٣٢٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٦٤.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٠٧.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٤٠): ص ١/ ١٧٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٤١): ص ١/ ١٧٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٧.\n(١٠) روح المعاني: ١/ ٣٢٨.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ١٦٤.\n(١٢) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٤٣): ص ١/ ١٧٨.\n(١٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(١٦) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦١٦.\n(١٧) ديوانه: ١٨، وشرح القصائد: ٢٦٦.\nيقول الشاعر: لا تخفوا من الله ما تضمرون من الغدر ونقض العهد ليخفى على الله، ومهما يكتم من شيء يعلمه الله، يريد أن الله عالم بالخفيات والسرائر ولا يخفى عليه شيء من ضمائر العباد، فلا تضمروا الغدر ونقض العهد فإنكم إن أضمرتموه علمه الله؛ وقوله: يكتم الله، أي يكتم من الله\n(١٨) البحر المحيط: ١/ ٢٦٨.\n(١٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٨١.","vol":"3","page":23},{"text":"﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦]\nالتفسير:\nولتعلمَنَّ -أيها الرسول- أن اليهود أشد الناس رغبة في طول الحياة أيًّا كانت هذه الحياة من الذلَّة والمهانة، بل تزيد رغبتهم في طول الحياة على رغبات المشركين. يتمنى اليهودي أن يعيش ألف سنة، ولا يُبْعده هذا العمر الطويل إن حصل من عذاب الله. والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها بما يستحقون من العذاب.\nقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، \"أي ولتجدنَّ اليهود أشدّ الناس حرصًا على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم صائرون إِلى النار لإِجرامهم\" (١).\nقال ابن عباس: \" وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة؛ وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما ضيع مما عنده من العلم\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قيل: المعنى وأحرص، فحذف (من الذين أشركوا) لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة، ألا ترى قول شاعرهم (٣):\nتمتع من الدنيا فإنك فان ... من النشوات والنساء الحسان\nوإنما قال: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] بالتنكير، لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي ﴿على الحياة﴾ (٤).\nوذكروا في (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦]، ثلاثة أقول (٥):\nأحدها: أنها (واو) عطف، والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك: هو أسخى الناس ومن حاتم، وهذا قول الفراء والأصم.\nفإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا ألا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقيا باعظم التوبيخ، فإن قيل: ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلنا: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.\nالقول الثاني: أنها (واو) استئناف، وقد تم الكلام عند قوله: \"على حياة\" (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤].\nالقول الثالث: أن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ وهو قول أبي مسلم.\nقال الرازي: \" والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم، إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا. والله أعلم (٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(٢) أخرجه الطبري (١٥٩٠): ص ٢/ ٣٧١.\n(٣) البيت لامريء القيس، انظر: ديوانه: ٨٧.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٩.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٩.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٩.","vol":"3","page":24},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ البقرة: ٩٦]، \" أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة\" (١).\nقال قتادة: \" قال: حَبَّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العمر\" (٢). وروي عن أبي نجيح مثله (٣).\nوقال ابن زيد: \" يهود، أحرص من هؤلاء على الحياة. وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة\" (٤).\nوقال ابن عباس: \" هو قول أحدهم إذا عطس: \" زه هزار سال \"، يقول: عشرة آلاف سنة\" (٥).\nواختلف في الذين أخبر الله تعالى ذكره أن اليهود أحرص منهم في هذه الآية، وذكروا فيه وجهين (٦):\nالأول: أنهم مشركوا العرب، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث، فهم يتمنون طول العمر (٧). وهذا قول ابن عباس (٨).\nوالثاني: أنهم المجوس، قاله أبو العلية (٩)، والربيع (١٠).\nوذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه: (عش ألف سنة)، وقيل أنهم كانوا يقولون لملكهم: \"عش ألف نيروز وألف مهرجان\" (١١).\nوالصواب القول الأول، لأن الله جل ثناؤه قد وصف اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة، لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرهم بما لا يقر به أهل الشرك، فهم للموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث، لأنهم يؤمنون بالبعث، ويعلمون ما لهم هنالك من العذاب. والمشركون لا يصدقون بالبعث ولا العقاب، فاليهود أحرص منهم على الحياة وأكره للموت (١٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦]، \" أي وما طول العمر - مهما عمر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله\" (١٣).\nقال البغوي: \" أي طول عمره لا ينقذه\" (١٤).\nقال ابن زيد: \" لو عمر كما عمر إبليس لم ينفعه ذلك، إذ كان كافرا، ولم يزحزحه ذلك عن العذاب\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(٢) أخرجه الطبري (١٥٩٣): ص ٢/ ٣٧٢.\n(٣) أخرجه الطبري (١٥٩٤): ص ٢/ ٣٧٢.\n(٤) أخرجه الطبري (١٥٩٥): ص ٢/ ٣٧٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٥٩٦): ص ٢/ ٣٧٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١. وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٤.\n(٧) إن الإيمان بالبعث واجب لا يقبل الله إيمان عبد إلا به وهو جزء من أحداث يوم القيامة الركن السادس من أركان الإيمان، المسمى باليوم الآخر، والمسمى بيوم القيامة، والمسمى بيوم البعث. وقد تعددت وتنوعت أسمائه وأوصافه لتنوع الأحداث التي تكون فيه فهو اليوم الآخر لأن ما قبله سابق وهو الأخير.\nوهو يوم القيامة لأن الناس جميعًا يقومون من قبورهم لرب العالمين ويقومون في محشرهم لمجيء الرب سبحانه لفصل القضاء، وهو يوم البعث لأن الناس يبعثون فيه من قبورهم ويخرجون إلى محشرهم. [انظر: الحياة الآخرة، د. غالب عواجي، (١/ ١٣٣].\n(٨) أخرجه الطبري (١٥٩٠): ص ٢/ ٣٧١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٥٨٧): ص ٢/ ٣٧١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٥٨٨): ص ٢/ ٣٧١.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٠٩. وقد ذكر الإمام الطبري خبرا مجهول الإسناد: \"عن ابن عباس في قوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾، قال: هو قول أحدهم إذا عطس: \" زه هزار سال \"، يقول: عشرة آلاف سنة (انظر: تفسيره (١٥٩٦): ٢/ ٣٧٣). و(زه): عش باللغة الفارسية.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ١٢٣.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٦٠٤): ص ٢/ ٣٦٧.","vol":"3","page":26},{"text":"وقوله تعالى ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦]، يعني: بمبعده ومُنَحِّيه (١)، روي عن ابن عباس (٢)، أبي العالية (٣)، والربيع (٤)، نحو ذلك.\nومن ذلك قول الحطيئة (٥):\nوقالوا: تزحزح ما بنا فضل حاجة ... إليك، وما منا لوَهْيِك راقع\nيعني بقوله: (تزحزح)، تباعد، يقال منه: زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا، وهو عنك متزحزح، أي متباعد.\nويكون لازما ومتعديا، فمن قول الشاعر في المتعدي (٦):\nيا قابض الروح من نفس إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار\nوقال آخر في اللازم (٧):\nخليلي ما بال الدجى لا يتزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح\nوروى النسائي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿ زَحْزَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا \" (٨).\nوقد اختلف النحاة في (هُوَ) على وجوه (٩):\nأحدها: أن (هو) عائد إلى ﴿أحدهم﴾، والتقدير: ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في المجرور. (أن يعمر) فاعل بمزحزح.\nالثاني: وقالت جماعة: (هو) ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه، والخبر في المجرور، (أن يعمر) بدل من التعمير على هذا القول.\nالثالث: وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: (هو) عماد (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٨٨، وجامع البيان للطبري: ٢/ ٣٧٦، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١٦٣، وقال اليزيدي في غريب القرآن وتفسيره: ٧٧، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: ١/ ٤٨: بمبعده، وانظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ٤١٥، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ٧، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٨١٦، جامع البيان للطبري: ٢/ ٣٧٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٩٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٥، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢٠٩، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٣١١، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٧١، روح المعاني للألوسي: ١/ ٣٣١، وتفسير غريب القرآ لابن قتيبة: ٥٨، في النكت والعيون: ١/ ١٦٢، وغيرها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٦٠٠): ص ٢/ ٣٥٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٠١): ص ٢/ ٣٧٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٠٢): ص ٢/ ٣٧٦.\n(٥) البيت ليس للحطيئة، وإنما هو لقيس بن الحدادية، من قصيدة له نفيسة طويلة رواها أبو الفرج في أغانيه ١٣: ٦. يقول قبل البيت، يذكر مجيئه إلى صاحبته أم مالك.\nوما راعنى إلا المنادى: ألا اظعنوا ... وإلا الرواغى غدوة والقعاقع\nفجئت كأني مستضيف وسائل ... لأخبرها كل الذي أنا صانع\nفقالت: تزحزح! ما بنا كبر حاجة ... إليك، ولا منا لفقرك راقع\nفما زلت تحت الستر حتى كأنني ... من الحر ذو طمرين في البحر كارع\n(٦) البيت لذي الرمة، انظر: ملحقات ديوانه: ٦٦٧. وفي رواية: يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا ... وغافر الذنب زحزحني عن النار. (انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٤).\n(٧) ديوان بشار ٢: ١٠٤ وشرح المختار: ١٢ ومنها بيتان في كل من ديوان المعاني ١: ٣٥٠ ونهاية الأرب ١: ١٣٦ وحلبة الكميت: ٣٠٥ وثلاثة في هر الآداب: ٧٤٦ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٠٧. ورسالة الطيف، الورقة: ١٥٢ ب (١١٠).\n(٨) رواه النسائي (٢٢١٢) وصححه الألباني، والترمذي في فضائل الجهاد (١٥٤٧)، وابن ماجه في الصيام (١٧٠٨)، وأحمد (٧٩٣٠).\nوفي رواية اخرى: \"مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا \"، رواه البخاري في الجهاد والسير باب فضل الصوم في سبيل الله (٢٨٤٠)، ومسلم في الصيام (١١٥٣)، والترمذي في الجهاد (١٥٤٨) والنسائي في الصيام (٢٢١٩)، وابن ماجه في الصيام (١٧٠٧)، وأحمد (١٠٨٢٦)، والدارمي في الجهاد (٢٢٩٢) وأخرجه ابن حبان (٣٤١٧) بسند صحيح، والطيالسي (٢١٨٦). وعند النسائي: \"بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ عَامًا\"، رواه النسائي في الصيام (٢٢١٥).\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٤ - ٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧٤.","vol":"3","page":27},{"text":"قال القرطبي: \"وهو قول فيه بُعدٌ، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين، مثل قوله: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ونحو ذلك\" (١).\nالرابع: وقيل: (ما) عاملة حجازية، و(هو) اسمها، والخبر في ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾.\nالخامس: وقالت طائفة: (هو) ضمير الأمر والشأن (٢)، وضعّفه القرطبي: \" لأن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر\" (٣).\nوأظهر تلك الأقوال، هو القول الأول، أي: أن الضمير (هو) عائد إلى ﴿أحدهم﴾، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]، \"أي مطّلع على أعمالهم فيجازيهم عليها\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: خبير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله\" (٥).\nقال السعدي: \" تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم\" (٦).\nقال أبو حيان: \"وهذه الجملة تتضمن التهديد والوعيد، وأتى عنا بصفة بصير، وإن كان الله تعالى متنزهًا عن الجارحة، إعلامًا بأن علمه، بجميع الأعمال، علم إحاطة وإدراك للخفيات ... وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه تعالى محيطًا بأعمالهم السالفة والآتية لتواخي الفواصل\" (٧).\nقال العلماء: وصف الله ﷿ نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، قال الشاعر (٨):\nفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب\nقال الخطابي: (البصير) العالم، و(البصير) المبصر، وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة، فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين (٩).\nوقرأ الجمهور ﴿يعملون﴾، بالياء، على نسق الكلام السابق، وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب ﴿تعلمون﴾، بالتاء، على سبيل الالتفات والخروج من العيبة إلى الخطاب (١٠).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية أن اليهود أحرص الناس على حياة ..\n٢. ومنها: إبطال قولهم: \"لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة\"، ثم يخرجون منها، ويكونون في الجنة؛ لأن من كان كذلك لا يكره الموت.\n٣. ومنها: أن الناس يتفاوتون في الحرص على الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿أحرص﴾؛ و﴿أحرص﴾ اسم تفضيل.\n٤. ومنها: أن المشركين من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرهون الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ مما يدل على أنهم في القمة في كراهة الموت ما عدا اليهود ..\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣٥.\n(٦) تفسير السعدي: ٥٩.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٢٧١.\n(٨) البيت لعلقمة الفحل، انظر: ديوانه: ١٣١.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥. وانظر: مقاييس اللغة: ٣/ ٤٠٧.\n(١٠) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧١.","vol":"3","page":28},{"text":"٥. ومنها: أن طول العمر لا يفيد المرء شيئًا إذا كان في معصية الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾.\n٦. ومنها: غَوْرُ فهم السلف حين كرهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء؛ فإن الإمام أحمد كره أن يقول للإنسان: \"أطال الله بقاءك\"؛ لأن طول البقاء قد ينفع، وقد يضر؛ إذًا الطريق السليم أن تقول: \"أطال الله بقاءك على طاعة الله\"، أو نحو ذلك ..\n٧. ومنها: أن الله ﷾ محيط بأعمال هؤلاء كغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾؛ والبصر هنا بمعنى العلم؛ ويمكن أن يكون بمعنى الرؤية؛ قال النبي ﷺ \"لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (١)؛ فأثبت لله بصرًا؛ لكن تفسيره بالعلم أعم.\nالقرآن\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ [البقرة: ٩٧]\nالتفسير:\nقل-أيها الرسول- لليهود حين قالوا: إن جبريل هو عدونا من الملائكة: من كان عدوًا لجبريل فإنه نزَّل القرآن على قلبك بإذن الله تعالى مصدِّقًا لما سبقه من كتب الله، وهاديًا إلى الحق، ومبشرًا للمصدِّقين به بكل خير في الدنيا والآخرة.\nقد أجمع أهل العلم بالتفسير على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم (٢)، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك على أقوال (٣):\nأحدها: أن سبب قيلهم ذلك، كا من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته. قاله ابن عباس (٤)، وشهر بن حوشب الأشعري (٥)، والقاسم بن أبي بزة (٦).\nقال ابن عباس: \" أقبلت اليهود إلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك، أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك من عند\nربه - ﷿ - بالرسالة بالوحي فمن صاحبك؟ قال: \"جبريل\" قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالمطر والرحمة اتبعناك، فأنزل الله تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾ \" (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٧٠٩، كتاب الإيمان، باب ٧٩: في قوله ﵇: \"إن الله لا ينام\" ...، حديث رقم ٤٤٢ [٢٩٣] ١٧٩.\n(٢) قال الإمام الرازي: \" من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود: إن جبريل عدوهم قالوا: لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحدا من سلفهم لم يقل بذلك، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديدا وهم الذين قالوا؛ ﴿اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة﴾ (الأعراف: ١٣٨) \". (انظر: تفسيره: ٢/ ١٧٩).\nوقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: \"ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من عند الله، ومع ذلك يبغضونه، وهذا أحط درجات الانحطاط في العقل والعقيدة، ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تضافر آرائهم على الخطأ والأوهام\" (انظر تفسيره: ١/ ٦٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨. وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٠٥): ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٠٦): ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٠٧): ٢/ ٣٨٠.\n(٧) أسباب النزول للواحدي: ٢٨، والخبر أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٧٣ - ح: ١١٥) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٤٥ - ح: ١٢٤٢٩) والنسائي (تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٠) من طريق ابن شهاب به. وإسناده حسن بشواهده وهي:\nما أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٠٥): ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨، والإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٧٤) وعبد بن حميد (المصدر السابق) وأبو داود الطيالسي (منحة المعبود: ٢/ ١١ - ح: ١٩٢٣) وابن أبي حاتم (٩٥٢): ص ١/ ١٧٩، وأبو نعيم (فتح القدير: ١/ ١١٧) والبيهقي (دلائل النبوة: ٦/ ٢٦٦) كلهم من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄ نحوه وسنده حسن.","vol":"3","page":29},{"text":"والثاني: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب ﵁ وبينهم، في أمر النبي ﷺ. قاله الشعبي (١)، وقتادة (٢)، والسدي (٣).\nالثالث: وقال أبو ليلى: \" قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ \" (٤). وروي عن عطاء نحو ذلك (٥).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]، \" أي قل لهم يا محمد من كان عدوًا لجبريل\" (٦).\nقال المراغي: \" أي قل لهم أيها النبي حاكيا لهم عن الله: من كان عدوّا لجبريل\" (٧).\nواختلف في سبب عداوة اليهود لجبريل﵇- على أقوال:\nالأول: أن سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أُمِر باستمرار النبوة فنقلها لغيرهم. قاله مقاتل (٨).\nوالثاني: أن سبب عداوتهم له، لكونه يطلع على أسرارهم. قاله قتادة (٩).\nالثالث: لأنه كان ينزل القرآن على محمد ﵇ (١٠).\nوالرابع: إن عداوتهم لكونه ينزل بالعذاب (١١).\nالخامس: كونه حال دون قتل بخت نصر، الذي خرب مسجدهم وسفك دماءهم، وسبى ذراريهم (١٢) ..\nوالأقرب أن يكون سبب عداوتهم له، أنه كان ينزل القرآن على محمد -﵇-، لأن قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ [البقرة: ٩٧] مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة. قاله الرازي (١٣).\nوأما (جِبْرِيلَ)، و(مِيكَالَ) فإن للعرب فيهما لغات (١٤):\nأحدها: أهل الحجاز يقولون (جبريل)، و(ميكال)، بغير همز، بكسر الجيم والراء من (جبريل) وبالتخفيف، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة.\nقال كعب بن مالك (١٥):\nويوم بدر لقيناهم لنا مدد ... فيه لدى النصر ميكال وجبريل\nوقال آخر (١٦):\nعبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا\nوالثاني: أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: (جَبرئيل وميكائيل) على مثال (جبرعيل وميكاعيل)، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة، كما قال جرير بن عطية (١٧):\nعبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا\nوالثالث: وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: (جبريل) بفتح الجيم، وترك الهمز، وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها، لأن \" فعليل \" في كلام العرب غير موجود، وقد اختار ذلك بعضهم، وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: \" سمويل \"، وأنشد في ذلك (١٨):\nبحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... ما وازنت ريشة من ريش سمويلا\nوالرابع: وأما بنو أسد فإنها تقول (جِبرين) بالنون.\nوالخامس: وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في (جبريل) \"ألفا \" فتقول: (جبراييل وميكاييل).\nوالسادس: وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: (جَبْرَئِلّ) بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام، فأما \" جبر \" و\" ميك \"، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: \" عبد \"، والآخر بمعنى: \" عبيد وأما \" إيل \" فهو الله (١٩).\nقال الثعلبي: \" فأجود اللغات (جَبْرَئِيل) بفتح الجيم، والهمز، لأن الذي يروى عن النبي - ﷺ - في صاحب الصور \" جَبْرَئِيل عن يمينه وميكائيل عن يساره (٢٠)، هذا الذي ضبطه أصحاب الحديث\" (٢١).\nواختلف في معنى (جبريل)، على قولين:\nالأول: أن معناه: عبد الله، فـ (جبر) عبد، و(إيل) الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس (٢٢)، وعبدالله بن الحارث (٢٣)، وعكرمة (٢٤)، وعلي بن حسين (٢٥)، ومجاهد (٢٦)، والضحاك (٢٧)، وجماعة من أهل العلم.\nوالثاني: أن معناه: خادم ربه. قاله عبدالعزيز بن عمير (٢٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٦٠٨): ص ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢، و(١٦١٤): ص ٢/ ٣٨٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٦١٠)، و_١٦١١)، و(١٦١٢): ص ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦١٣): ص ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٤) أخرجه الطبري (١٦١٥): ص ٢/ ٣٨٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٦١٦): ص ٢/ ٣٨٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧١،\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٧٥.\n(٨) انظر: أسباب النزول للوا حدي-تحقيق: أيمن شعبان-: ٣٣ رقم: ٤٥، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٢٤، ومفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢١١.\n(٩) أخرجه ابن جرير في جامع البيان: ٢/ ٣٨٣ رقم: ١٦١٠ عن قتادة في قصة عمر مع اليهود وفيها فقالوا: \"من صاحبكم. فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يُطْلع محمدًا على سرنا\" وانظر: معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٢٤، ومفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢١٠ - ٢١١، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣١٩.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١١.\n(١١) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٩٨.\n(١٢) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٩٨.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١١.\n(١٤) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٦، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(١٥) البيت في قصيدة وردت في السيرة: ١/ ١٤٧، وفي القرطبي: ٢/ ٣٨، والبحر المحيط: ١/ ٣١٨، وفي اللسان مادة (مكا) ونسبه لحسان بن ثابت.\n(١٦) البيت لجرير من قصيدة يهجو بها الأخطل. انظر: ديوانه: ٤٥٠، تفسير القرطبي: ٢/ ٣٨، وتفسير البحر المحيط: ١/ ٣١٨.\n(١٧) ديوانه: ٤٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٧، من قصيدته الدامغة في هجاء الأخطل، والضمير إلى تغلب، رهط الأخطل، وقبله:\nقبح الإله وجوه تغلب، كلما ... شَبَح الحجيج وكبروا إهلالا\n(١٨) الأغاني ١٤: ٩٢، ١٦: ٢٢، واللسان (سمل)، من أبيات أرسلها الربيع إلى النعمان ابن المنذر في خبر طويل، حين قال لبيد في رجزه: مهلا، أبيت اللعن، لا تأكل معه، وزعم أنه أبرص الخبيثة، وذكر من فعله قبيحا كريها، فرحل الربيع عن النعمان، وكان له نديما، وأرسل إليه أبياته:\nلئن رحلت جمالي لا إلى سعة ... ما مثلها سعة عرضا ولا طولا\nبحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا\nترعى الروائم أحرار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحا وغسويلا\nفاثبت بأرضك بعدي، واخل متكئا ... مع النطاسي طورا وابن توفيلا\nولخم: هم رهط آل المنذر ملوك الحيرة.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٢٠) أخرجه ابن حبان (٢٢١١)، وأحمد (١/ ١٩٩) والبزار (٢٥٧٤ - الكشف)\nوالطبراني في \" المعجم الكبير \" (١/ ١٣١ / ١) والنسائي في \" الخصائص \" رقم:\n٢٥».\n(٢١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٦٢٠): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٢٣): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٢٤): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٢٥): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٢٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٢.\n(٢٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٢.\n(٢٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٦٨): ص ١/ ١٨٣.","vol":"3","page":30},{"text":"واعترض أبو علي الفارسي على القول الأول، ووصفه بأنه غير مستقيم، وذلك لوجهين (١):\nأحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله (أيل).\nوالثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا.\nوالراجح هو القول الأول، وأما وكلام السوسي فإنما يتأتى لو كان: «جبر» و«إيل» عربيتين، ولكنهما عبرانيتان، والاضافة في اللغة العبرانية لا توجب كسر الاسم باعتباره مضافا إليه. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ٩٧]، \"أي فإِن جبريل الأمين نزّل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى\" (٢).\nقال السعدي: أي\" فإن جبريل هو الذي نزل بالقرآن من عند الله، على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك، والله هو الذي أمره، وأرسله بذلك، فهو رسول محض\" (٣).\nقال المراغي: أي\" فإن من أحوال جبريل أنه نزّل القرآن على قلبك، أي فهو عدو لوحى الله الذي يشمل التوراة\" (٤).\nقال ابن عباس: فأنزل الله إكذابا لهم: قل يا محمد: من كان عدوا لجبريل فإنه يقول: فإن جبريل نزله يقول: نزل القرآن من عندي\" (٥).\nوقد اختلف في (الهاء) في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ [البقرة: ٩٧]، على أقوال (٦):\nأحدها: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر، لأنه كالمعلوم، أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله، وهذا كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ...﴾ [فاطر: ٤٥] يعني على الأرض، وهذا قول ابن عباس (٧) وأبو العالية (٨)، والحسن (٩) والربيع بن أنس (١٠). وهو قول أكثر أهل العلم.\nقال صاحب \"الكشاف\": إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته\" (١١).\nوالثاني: أن المعنى: فإن الله نزل جبريل ﵇ لا أنه نزل نفسه.\nقال ابن عطية: \" وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف\" (١٢).\nوقال الرازي: \"يرى أكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظا جاز أن يقال: نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه (١٣).\nقال الزمخشري: \"فإن قلت: كيف استقام قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ جزاء للشرط؟ قلت: فيه وجهان:\nأحدهما: إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.\n_________\n(١) الحجة: ٢/ ١٦٧ - ١٦٨، ونقله الرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(٣) تفسير السعدي: ٦٠.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٣): ص ١/ ١٨٠.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٥٥): ص ١/ ١٨٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٥٤): ص ١/! ٨٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٠.\n(١١) الكشاف: ١/ ١٦٩.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٣.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٢.","vol":"3","page":31},{"text":"والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا لكتابهم وموافقا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد أذيته وأسأت إليه\" (١).\nوقد تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله تعالى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، على وجوه:\nأحدها: بعلم الله. قاله الرازي، واحتج على ذلك بوجوه (٢):\nأولها: أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن.\nوثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم.\nوثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة.\nوالثاني: أن معناه: بأمر الله. قاله ابن عباس (٣). واختاره في المنتخب (٤)، وأبو حيان (٥).\nوالثالث: بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة. قاله ابن عطية (٦).\nوالرابع: بإرادته وعلمه. قاله ابن كثير (٧).\nوالخامس: باختياره. قاله الماوردي (٨).\nوالسادس: بتيسيره وتسهيله. قاله الزمخشري (٩).\nوالأقرب هو قول ابن عباس، والمعنى: بأمر الله، ومنه: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقد صرح بذلك في: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، \" أي: مصدقًا لما سبقه من الكتب السماوية\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض\" (١١).\nقال المراغي: \" أي هو موافق للكتب التي تقدمته فيما يدعو إليه من توحيد الله والسير على السنن القويم\" (١٢).\nقال أبو العالية: \" يعني من التوراة والإنجيل\" (١٣). وروي عن قتادة، والربيع نحوه (١٤).\nوقال ابن عباس: \" يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والآيات والرسل الذين بعثهم الله بالآيات نحو موسى وعيسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من المرسلين مصدقا يقول: فأنت تلوا عليهم يا محمد وتخبرهم غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا ولم تبعث رسولا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه وصدقه يقول اللهم في ذلك لهم عبرة، وبيان. وعليهم حجة لو كانوا يعقلون\" (١٥).\nقال ابن عاشور: و\"تصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٧٠.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٥٦): ص ١/ ١٨٠.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٥.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٥.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٤.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦.\n(٨) نقلا عن البحر المحيط: ١/ ٢٧٥، ولم أجده في النكت والعيون.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(١١) تفسير السعدي: ٦٠.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/! ٧٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٨): ص ١/ ١٨١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/! ٨١.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٧): ص ١/ ١٨٠ - ١٨١.","vol":"3","page":33},{"text":"الأنبياء السابقون من المتنبئين الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل، والمراد بـ ﴿ِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾: ما سبقه، وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما مستمرًا إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلًا\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٩٧]، \" أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم\" (٢).\nقال المراغي: \" أي أنزله الله هاديا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، وبشرى لمن آمن به\" (٣).\nقال السعدي: أي\" وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي، لمن آمن به\" (٤).\nقال الآلوسي: \"وخص المؤمنين- بالذكر لأنه على غيرهم عمى\" (٥).\nقال قتادة: \" جعل الله هذا القرآن: هدى وبشرى للمؤمنين، لأن المؤمن إذا سمع القرآن وحفظه ووعاه انتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي، وعد وكان على يقين من ذلك\" (٦).\nفالهدى: \"دليل وبرهان، والبشرى فإنها البشارة\" (٧)، والمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين (٨):\nالأول: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى.\nوالثاني: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدما على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى.\nوقال الرازي: \"فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين:\nالأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nوالثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به\" (٩).\nوبذلك فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيرًا عاجلًا وواعد لهم بعاقبة الخير، وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه، السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم (١٠):\nإنَّ المساحةَ والمروءةَ والنَّدى ... في قبة ضُربت على ابن الحَشْرج (١١)\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٢٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٧٦.\n(٤) تفسير السعدي: ٦٠.\n(٥) روح المعاني: ١/ ٣٣٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٩): ص ١/ ١٨١، والطبري (١٦٣٣): ص ٢/ ٣٩٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٣٩٣.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٢.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٢.\n(١٠) البيت لزياد الأعجم قاله في مدح ابن الحشرج: انظر: الأغاني (١٥): (٣٨٦).\n(١١) انظر: تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٢٢ - ٦٢٣.","vol":"3","page":34},{"text":"١ من فوائد الآية: أن من الناس من يكون عدوًا لملائكة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿قل من كان عدوًا لجبريل﴾: ووجه ذلك: أن مثل هذا لكلام لو لم يكن له أصل لكان لغوًا من القول؛ والقرآن منزه عن هذا اللغو ..\n٢ ومنها: فضيلة جبريل. ﵊. لأن الله تعالى دافع عنه ..\n٣ ومنها: ذكر الوصف الذي يستحق أن يكون به وليًا لجبريل؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ يعني: ومن كان هذه وظيفته فإنه يستحق أن يكون وليًا ..\n٤. ومنها: إثبات علوّ الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله﴾؛ وإنما نزل به من عند الله؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى ..\n٥ ومنها: أن النبي ﷺ قد وعى القرآن وعيًا كاملًا لا يتطرق إليه الشك؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك﴾؛ لأن ما نفذ إلى القلب حلّ في القلب؛ وإذا حلّ في القلب فهو في حرز مكين ..\n٦ ومنها: أن هذا القرآن إنما نزل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك بإذن الله﴾؛ والإذن هنا كوني؛ وقد ذكر العلماء أن إذن الله تعالى نوعان: .\nكوني: وهو المتعلق بالخلق، والتكوين، ولا بد من وقوع ما أذِن الله تعالى فيه بهذا المعنى؛ مثاله قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ [التغابن: ١١] ..\nوالثاني شرعي: وهو ما يتعلق بالشرع، والعبادة؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]؛ وقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]؛ والفرق بينهما أن المأذون به شرعًا قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما المأذون به قدرًا فواقع لا محالة؛ ومن جهة أخرى: أن المأذون به شرعًا محبوب إلى الله ﷿؛ والمأذون به قدرًا قد يكون محبوبًا، وقد يكون غير محبوب ..\n٧. ومن فوائد الآية: أن القرآن بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع به؛ فإذا وجدت نفسك منتفعًا به حريصًا عليه تاليًا له حق تلاوته فهذا دليل على الإيمان، فتناله البشرى؛ وكلما رأى الإنسان من نفسه كراهة القرآن، أو كراهة العمل به، أو التثاقل في تطبيقه فليعلم أنه إنما فاقد للإيمان بالكلية، أو أن إيمانه ناقص.\n٧. وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول ﷺ، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآنا وكتابا وعربيا، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه (١).\nالقرآن\n﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]\nالتفسير:\nمن عادى الله وملائكته، ورسله من الملائكة أو البشر، وبخاصة المَلَكان جبريلُ وميكالُ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكال وليُّهم، فأعلمهم الله أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، فإن الله عدو للجاحدين ما أنزل على رسوله محمد ﷺ.\nفي سبب نزول الآية أقوال (٢):\n_________\n(١) انظر: روح المعاني: ١/ ٣٣٣.\n(٢) انظر: أسباب النول للواحدي: ٢٩ - ٣٠، والعجاب: ١/ ٢٩٧ وما بعدها.","vol":"3","page":35},{"text":"أحدها: أخرج الطبري \"عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له: إن جبريل الذي يذكره صاحبك، هو عدو لنا، فقال له عمر: ﴿كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾، قال: فنزلت على لسان عمر\" (١).\nوالثاني: وأخرج الطبري أيضا عن عبيد الله، عن رجل من قريش قال: \"سأل النبي ﷺ اليهود فقال: أسالكم بكتابكم الذي تقرءون، هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟ فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهَرِيق الدماء. فأنزل الله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته﴾ الآية\" (٢).\nوالثالث: وقال مقاتل: \"قالت اليهود: إن جبريل عدونا أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، فأنزل الله هذه الآية\" (٣).\nوالرابع: ال ابن عباس: إن حبرا من أحبار اليهود من فدك يقال له: عبد الله بن صوريا حاج النبي - ﷺ - فسأله عن أشياء فلما اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك يأتي من السماء؟ قال: جبريل: ولم يبعث الله نبيا إلا وهو وليه قال: ذاك عدونا من الملائكة، ولو كان ميكائيل مكانه لآمنا بك، إن جبريل نزل بالعذاب والقتال والشدة، فإنه عادانا مرارا كثيرة، وكان أشد ذلك علينا أن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يدي رجل يقال له بختنصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلب بختنصر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا ليست له قوة، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبريل، وقال لصاحبنا: إن كان ربكم الذي أذن في هلاككم فلا تسلط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي شيء تقتله؟ فصدقه صاحبنا ورجع إلينا، وكبر بختنصر وقوي وغزانا وخرب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوا فأنزل الله هذه الآية\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، \" أي معاديًا له مستكبرًا عن عبادته\" (٥).\nقال البيضاوي: \" أراد بعداوة الله مخالفته عنادًا، أو معاداة المقربين من عباده، وصدر الكلام بذكره تفخيمًا لشأنهم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] \" (٦).\nقال أبو السعود: \" أريد بعداوته تعالى، مخالفةُ أمرِه عِنادًا، والخروجُ عن طاعته مكابرة، أوعداوة خواصِّه ومقرَّبيه\" (٧).\nقال المراغي: \" عداوة لله مخالفة أوامره وعدم القيام بطاعته، والكفر بما ينزله لهداية الناس على لسان رسله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، أي ومن كان\" عدوًا لملائكته\" (٩).\nقال المراغي: \" بكراهة العمل بما يعهد به إليهم ربهم من رسالات يبلغونها للناس\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" و(الملائكة) جمع (ملَك)؛ وهم عالم غيبي خلقهم الله ﷿ من نور، وسخرهم لعبادته يسبحون الليل، والنهار لا يفترون؛ ومنهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل الذين كان النبي ﷺ يذكر أسماءهم في افتتاح صلاة الليل (١١) \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، أي ومن كان عدوا لرسل الله تعالى.\nقال الواحدي: \" يعني: محمدًا وعيسى، كفرت بهما اليهود\" (١٣).\nقال المراغي: \" بتكذيبهم في دعوى الرسالة مع قيام الأدلة على صدقها، أو بقتل بعضهم كما فعلوا مع زكريا ويحيى\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] \" (١٥).\nو(رسل): \"جمع رسول؛ وهم الذين أوحى الله تعالى إليهم بشرع، وأمرهم بتبليغه؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد. صلى الله عليهم وسلم أجمعين\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، أي و\" عادى على الوجه الأخص «جبريل وميكائيل» \" (١٧).\nقال المراغي: \" بادّعاء أن الأول يأتي بالآيات والنذر، ومن عاداه فقد عادى ميكائيل، لأن الداعي إلى محبتهم وعداوتهم واحد\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، \"أي من عادى الله وعادى هؤلاء المقربين عند الله، فالله عدوّ له\" (١٩).\nقال الزمخشري: \" والمعنى من عاداهم، عاداه اللَّه وعاقبه أشدّ العقاب\" (٢٠).\nقال ابن عثيمين: \" هذا جواب الشرط: من كان عدوًا لله فالله عدو له؛ ومن كان عدوًا للملائكة فإن الله عدو له؛ ومن كان عدوًا لرسله فإن الله عدو له؛ ومن كان عدوًا لجبريل فإن الله عدو له؛ ومن كان عدوًا لميكائيل فإن الله عدو له\" (٢١).\nقال الواحدي: ومعنى الآية: من كان عدوًا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، لأن عدوّ الواحد عدو الجميع، وعدو محمدٍ عدوُّ الله. ومثله قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل .. ولم يقل: فهم أعداء له؛ لأنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم. وإنما لم يقل: فإن الله عدو لهم أوله بالكناية؛ ليدل مع أنه عدو لهم على أنهم كافرون بهذه العداوة\" (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٦٣٥): ص ٢/ ٣٩٥، وابن أبي حاتم (٩٦١): ص ١/ ١٨٢، وأخرجه نحوه ابن أبي حاتم (٩٦٠): ص ١/ ١٨١، عن عامر، وأخرج الواحدي بما معنهاه مطولا عن الشعبي عن عمر بن خطاب، انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٩ - ٣٠.\n(٢) تفسير الطبري (١٦٣٤): ص ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٣١.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ٣١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١٤.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٦.\n(٧) تفسير أبو السعود: ١/ ١٣٤.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٧٦.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١٤.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٧٦.\n(١١) راجع صحيح مسلم ص ٨٠٠، كتاب صلاة المسافرين، باب: ٢٦: صلاة النبي ﷺ ودعاؤه، حديث رقم ١٨١١ [٢٠٠] ٧٧٠.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ١٧٨.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ١٧٦.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٢.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١٥.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧١.\n(١٨) تفسير المراغي: ١/ ١٧٦.\n(١٩) تفسير المراغي: ١/ ١٧٦.\n(٢٠) الكشاف: ١/ ١٧٠.\n(٢١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣١٥.\n(٢٢) التفسير البسيط: ٣/ ١٧٩ ظن وانظر: زاد المسير: ١/ ١١٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٤١.","vol":"3","page":36},{"text":"قال الشوكاني: \" والعداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله والبغض لأوليائه والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له\" (١).\nقال ابن كثير: \" وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: \"من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب\" (٢)، وفي الحديث الآخر: \"إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب\" (٣)، وفي الحديث الصحيح: \"وَمَن كنتُ خَصْمَه خَصَمْتُه\" (٤) \" (٥).\nوقد أتى باسم ﴿الله﴾ ظاهرًا، ولم يأت: بأنه عدوّ، لاحتمال أن يفهم أن الضمير عائد على اسم الشرط فينقلب المعنى، أو عائد على أقرب مذكور، وهو ميكال، فأظهر الاسم لزوال اللبس، أو للتعظيم والتفخيم، لأن العرب إذا فخمت شيئًا كررته بالاسم الذي تقدم له، وذلك كقوله تعالى: ﴿لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] (٦)، ومنه قول الشاعر (٧):\nلا أرى الموت يسبق الموت شيئا ... نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا\nإذ كرر الشاعر (الموت) في جملة واحدة. فـ (الموت) الأول مفعول لـ (أرى)، و(يسبق الموت) مفعول ثانٍ، وكان ينبغي أن يقول: يسبقه شيءٌ؛ لأن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكرير ذكره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يُذكر ضميرُهُ، ولكن التكرير قد يراد به التعظيم والتفخيم.\nومنه قول جرير (٨):\nليتَ الغرابَ غداة ينعَبُ دائبا ... كان الغرابُ مقطَّع الأوداج\nوقال الزمخشري: \" \"فجاء بالظاهر ليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر. وإذا كانت عداوة الأنبياء كفرًا، فما بال الملائكة؟ وهم أشرف\" (٩).\nقلت: وهذا عند المعتزلة، أما عند أهل السنة فالأنبياء أشرف.\nوقد خص الله ﴿جبريل وميكائيل﴾، بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما للأسباب الآتية (١٠):\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ١١٧.\n(٢) هكذا ساق ابن كثير - ﵀ - الحديث والظاهر أنه كتبه من حفظه، وهو حديث قدسي، كما هو ظاهر، وهو في البخاري: ١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣ فتح، ولفظه: \"إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آنته بالحرب\" فالمؤلف سها حين أثبت كلمة (بارزني)، بدل (آذنته). ومعنى الحديث ثابت من حديث عائشة، رواه أحمد في المسند: ٦/ ٢٥٦، ومن حديث معاذ، رواه ابن ماجة (٣٩٨٩).\n(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه أبو نعيم في الحلية: ١/ ١١، موقوفا على ابن عباس: \"وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة\".\n(٤) مسند الإمام أحمد (٨٤٧٧): ص ٢/ ٣٥٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٣.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٦.\n(٧) وهو لعدي بن زيد، في \"ديوانه\" ٦٥. وورد منسوبًا له في \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي: ١/ ٣٦، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٣٧٩، ٢/ ٦، \"الأشباه والنظائر في النحو\" للسيوطي: ٨/ ٣٠، \"الخزانة\" ١/ ٣٧٨، ٣٧٩، ٦/ ٩٠، ١١/ ٣٦٦. وقيل: البيت لسوادة بن عدي، وورد منسوبًا له في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٦٢، والنكت في تفسير \"كتاب سيبويه\" للشنتمري: ١/ ١٩٨، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٧٦، الاقتضاب\" ٣٦٨، وقال في \"لسان العرب\": (لعدي أو سوادة بن عدي). ٨/ ٤٤٨٨ (نغص). وصحح البغداديُّ في \"خزانة الأدب\" ١/ ٣٨١ أن البيت لعدي بن زيد. وورد غير منسوب في \"الخصائص\" ٣/ ٥٣، \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٣٢٠، ٢/ ٦٩٤، \"شرح أبيات الكتاب\" للنحاس: ٦٧، \" القطع والائتناف\" له: ٢١٨، \"ضرورة الشعر\" للسيرافي ١٩٠، \"العمدة\" لابن رشيق: ٦٨٦، \"البيان\" للأنباري: ١/ ٦٣، ١٢٢، ١٤٤، ٣٧٩، ٢/ ٤٤، ١٠٧، \"مغني اللبيب\"٦٥٠.\n(٨) ديوانه ٨٩، وأمالي ابن الشجرى ١: ٢٤٣، وغيرهما. ورواية ديوانه \" ينعت بالنوى \" وهو الجيد، فإن قبله: إن الغراب، بما كرهت، لمولع ... بنوى الأحبة دائم التشحاج\nوالأوداج جمع ودج: وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم.\n(٩) الكشاف: ١/! ٧٠.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦، والتفسير البسيط: ٣/ ١٧٨.","vol":"3","page":37},{"text":"الأول: قالوا أفردهما بالذكر تشريفا لهما، كما قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وكقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣١].\nقال الرازي: \" لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنسا آخر سوى جنس الملائكة\" (١).\nوالثاني: وقيل: خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود: إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص.\nقال الرازي: \"أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل، وإذا ثبت هذا فنقول: يجب أن يكون جبريل ﵇ أفضل من ميكائيل\" (٢)، ثم علل ذلك لوجوه (٣):\nأحدها: أنه تعالى قدم جبريل ﵇ في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفا فوجب أن يكون مستقبحا شرعا لقوله ﵇: \" مَا رَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ\" (٤).\nوثانيها: أن جبريل ﵇ ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل.\nوثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل: ﴿مطاع ثم أمين﴾ ذكره يوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعا بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه.\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن من عادى الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله﴾، ثم قال تعالى: ﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾.\n٢. ومنها: أن من كان عدوًا للملائكة، أو للرسل فإنه عدو لله؛ لأن الملائكة رسل الله، كما قال تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلًا﴾ [فاطر: ١]؛ والرسل البشريون أيضًا رسل لله؛ فمن عادى ملائكة الله من جبريل أو غيره، أو عادى الرسل من محمد أو غيره فقد عادى الله ﷿ ..\nفإن قيل: فهل من عادى المؤمنين يكون معاديًا لله؟\nفالجواب: هذا محل توقف في دلالة الآية عليه؛ اللهم إلا إذا عادى المؤمنين لكونهم تمسكوا بشريعة الرسل؛ فهذا يظهر أن الله يكون عدوًا لهم، لأن من عاداهم إنما فعل ذلك بسبب أنهم تمسكوا بما جاءت به الرسل؛ فكان حقيقة معاداتهم أنهم عادوا رسل الله، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] أي مبغضك، ومبغض ما جئت به من السنة هو الأبتر؛ وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى في الحديث القدسي قال: \"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب\" (٥).\n٣. ومن فوائد الآيتين: أن كل كافر فاللَّه عدوّ له؛ لقوله تعالى: ﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾\n٤. ومنها: إثبات صفة العداوة من الله. أي أن الله يعادي؛ وهي صفة فعلية كالرضا، والغضب، والسخط، والكراهة؛ و\"المعاداة\" ضدها الموالاة الثابتة للمؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿الله وليّ الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].\n_________\n(١) تفسير الرازي: ٣/ ١٨١\n(٢) تفسير الرازي: ٣/ ١٨١.\n(٣) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٨١ - ١٨٢.\n(٤) رواه احمد (١/ ٣٧٩) (٣٦٠٠)، والطبراني: ٩/ ١١٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله موثوقون، قال الألباني في (السلسلة الضعيفة والموضوعة) (٥٣٢): والأصح وقفه على ابن مسعود وقال: في (٥٣٣): لا أصل له مرفوعا وإنما ورد موقوفا على ابن مسعود رضي الله عته. وقال شعيب الأرناؤوط محقق (المسند) إسناده حسن\n(٥) أخرجه البخاري ص ٥٤٥، كتاب الرقاق، باب ٣٨: التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢.","vol":"3","page":39},{"text":"القرآن\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩]\nالتفسير:\nولقد أنزلنا إليك-أيها الرسول- آيات بينات واضحات تدل على أنّك رسول من الله صدقا وحقا، وما ينكر تلك الآيات إلا الخارجون عن دين الله.\nفي سبب تزول الآية: روي عن ابن عباس قال: \"قال ابن صوريا الفِطيوني لرسول الله ﷺ: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها! فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾! (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، \" أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي والله لقد أنزلنا إِليك يا محمد آيات واضحات دالاّت على نبوتك\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون\" (٤).\nقال الواحدي: \" و﴿البينات﴾: جمع بينة ... والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها. واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] \" (٥).\nقال الطبري: وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ، فكان، في ذلك من أمره، الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي\" (٦).\nوفي تسمية القرآن بـ ﴿الآيات﴾، وجوه (٧):\nأحدها: أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاض القرآن دالة بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات.\nوثانيها: أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب.\nوثالثها: أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة، فإن قيل: الدليل لا يكون إلا بينا فما معنى وصف الآيات بكونها بينة، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علما وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٦٣٧): ص ٢/ ٣٩٨، وابن أبي حاتم (٩٧٠): ص ١/ ١٨٣، والأثر ذكره ابن هشام ٢/ ١٩٦. وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣٩٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٤) أخرجه الطبري (١٦٣٦): ص ٢/ ٣٩٧.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ١٨٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(٧) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٨٢ - ١٨٣.","vol":"3","page":40},{"text":"قلنا-الإمام الرازي-: التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب، وهذا هو الآية البينة (١).\nقوله تعالى:: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، \" أي وما يجحد بهذه الآيات ويكذب إلا الخارجون عن الطاعة الماردون على الكفر\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد - ﷺ - عن شريعة موسى ﵇\" (٣).\nقال مجاهد: \" ﴿الفاسقون﴾، العاصون\" (٤).\nوعن زيد ابن أسلم: في قوله: ﴿الفاسقون﴾، قال: الكاذبون\" (٥).\nقال السعدي: \" تحصل بها الهداية لمن استهدى، وإقامة الحجة على من عاند، وهي في الوضوح والدلالة على الحق، قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله، وخرج عن طاعة الله، واستكبر غاية التكبر\" (٦).\nقال ابن عاشور: \"المعنى: ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه لأن ذلك بهيئه للكفر بمثل هذه الآيات، فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر المتمردون فيه، والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد، والتوصيف وقع باسم الفاعل المعروف باللام (٧).\nوفي قوله تعالى ﴿إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وجهان (٨):\nأحدهما: أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى.\nالثاني: أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع.\nقال أبو حيان: \"المراد بالفاسقين هنا: الكافرون، لأن كفر آيات الله تعالى هو من باب فسق العقائد، فليس من باب فسق الأفعال، وقال الحسن: \"إذا استعمل الفسق في شيء من المعاصي، وقع على أعظمه من كفر أو غيره \" (٩). انتهى، وناسب قوله: ﴿بينات﴾ لفظ الكفر، وهو التغطية، لأن البين لا يقع فيه إلباس، فعدم الإيمان به ليس لشبهة لأنه بين، وإنما هو تغطية وستر لما هو واضح بين .. وكنى بالفسق هنا عن الكفر، لأن الفسق: خروج الإنسان عما حدّ له .. فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا المبالغ في كفره، المنتهي فيه إلى أقصى غاية\" (١٠) وفى قوله سبحانه: ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ﴾ تهديد لليهود، ووعيد لهم، على كفرهم وفسقهم فإنه لا يكفر بهذه الآيات التي أنزلها على محمد -ﷺ- إلا الفاسق الخارج عن طاعة الله، فاليهود هم الكافرون الفاسقون، كفروا بمحمدﷺ-، وفسقوا عن دينهم الذي كانوا عليه، أي خرجوا عن دينهم، حين أنكروا ما فيه من أمر محمدﷺ- ورسالته (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ١٨٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٧١): ص ١/ ١٨٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٧٢): ص ١/ ١٨٣.\n(٦) تفسير السعدي: ٦٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٢٤.\n(٨) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٨٣.\n(٩) وانظر قول الحسن في: الكشاف: ١/ ١٧١.\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ٢٨٩.\n(١١) انظر: التفسير القرآني للقرآن: ١/ ١١٣.","vol":"3","page":41},{"text":"و(الفسق): \"العصيان والترك لأمر الله ﷿، والخروج عن طريق الحق\" (١).\nقال أبو العباس: (الفسق) في اللغة: الخروج (٢).\nوقال الليث: \" (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) \" (٣).\nقال أبو عبيدة: وأصل (الفسق) في اللغة: الجور، الميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار\" (٤)، ومنه قول الشاعر (٥):\nيهوِين في نَجد وغورًا غائرا ... فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ جَوَائِرا\nقال الفراء (الفسق): \"الخروج عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج عَن طاعة ربه\" (٦).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن القرآن وحي من الله ﷿ ..\n٢ ومنها: عظمة القرآن؛ لأن الله ﷾ أضافه إليه، وجعله آية ..\n٣. ومنها: ثبوت علوّ الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى؛ وعلوّ الله ﷾ من صفاته الذاتية اللازمة له التي لم يزل، ولا يزال متصفًا بها؛ وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته ..\n٤ ومنها: وصف القرآن بأنه آيات بينات، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]؛ لأن هذا التشابه يكون متشابهًا على بعض الناس دون بعض؛ ولأنه يُحمل على المحكم، فيكون الجميع محكمًا، كما قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ...﴾ [آل عمران: ٧] الآية ..\nفالحاصل: أن القرآن. ولله الحمد. آيات بينات؛ ولكنه يحتاج إلى قلب ينفتح لهذا القرآن حتى يتبين؛ أما قلب يكره القرآن، ثم يأتي بما يُشتَبه فيه ليضرب القرآن بعضه ببعض فهذا لا يتبين له أبدًا؛ إنما يتبين الهدى من القرآن لمن أراد الهدى؛ وأما من لم يرده فلا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ ..\n٥. ومن فوائد الآية: أنه لا يكفر بالقرآن إلا الفاسق ..\n٦. ومنها: أن من كفر به فهو فاسق ..\n٧ ومنها: إطلاق الفاسق على الكافر؛ وعلى هذا يكون الفسق على نوعين: .\nفسق أكبر مخرج عن الملة، كما في قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلًا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ١٩، ٢٠] الآية؛ ووجه الدلالة أنه تعالى جعل الفسق هنا مقابلًا للإيمان ..\nوالثاني: فسق أصغر لا يخرج من الإيمان؛ ولكنه ينافي العدالة، كقوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]: فعطف ﴿الفسوق﴾ على ﴿الكفر﴾؛ والعطف يقتضي المغايرة ..\nمسألة: -\n_________\n(١) لسان العرب: (فسق): ص ١٠/ ٣٠٨.\n(٢) تهذيب اللغة، (فسق): ٣/ ٢٧٧٨، ولسان العرب: (فسق): ص ١٠/ ٣٠٨.\n(٣) تهذيب اللغة، (فسق): ٣/ ٢٧٨٨.\n(٤) مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٦، \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨.\n(٥) البيت لرؤبة كما في \"مجاز القرآن: ١/ ٤٠٦، وفيه (قصدها) بدل (قصده) ومثله عند \"الطبري\" ١٥/ ٢٦١، وبمثل رواية الواحدي ورد في \"الزاهر\" ١/ ٢١٨، \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٤١٤، \"القرطبي\" ١/ ٢١٠. يصف الشاعر إبلا منعدلة عن قصد نجد.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ١٤٧، وانظر: التهذيب، (فسق): ٣/ ٢٧٧٨.","vol":"3","page":42},{"text":"تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين: كونية، وشرعية؛ فالكونية مخلوقاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والإنسان، وغير ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ [الروم: ٢٢]؛ وأما الشرعية فهي ما أنزله الله تعالى على رسله من الشرائع، كقوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته﴾ [الجمعة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ..﴾ [سبأ: ٤٣] الآية، وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها.\nالقرآن\n﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠]\nالتفسير:\nما أقبح حال بني إسرائيل في نقضهم للعهود! ! فكلما عاهدوا عهدًا طرح ذلك العهد فريق منهم، ونقضوه، فتراهم يُبْرِمون العهد اليوم وينقضونه غدًا، بل أكثرهم لا يصدِّقون بما جاء به نبي الله ورسوله محمد ﷺ.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: قال المفسرون: \"إن اليهود عاهدوا فيما بينهم، لئن خرج محمد - ﷺ - ليؤمنُنّ به، وليكونُنّ معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ نقضوا العهد وكفروا به \" (١).\nوالثاني: وقال عطاء: \"هي العهود التي كانت بين رسول الله - ﷺ - وبين اليهود، فنقضوها كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق\" (٢).\nوالثالث: أنها: \"نزلت في مالك بن الصيف، قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ﷺ، ولا ميثاق\" (٣).\nقال الواحدي: \"واتصال هذه الآية بما قبلها: من حيث إنهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]، أي \"وكلّما أعطوا عهدًا\" (٥).\nقال أبو حيان: \" والمراد بهذا الاستفهام: الإنكار، وإعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها، فصار ذلك عادة لهم وسجية. فينبغي أن لا يكترث بأمرهم، وأن لا يصعب ذلك، فهي تسلية للرسول ﷺ، إذ كفروا بما أنزل عليه، لأن ما كان ديدنًا للشخص وخلقًا، لا ينبغي أن يحتفل بأمره\" (٦).\nقال العلّامة ابن عثيمين: \"قوله تعالى: ﴿أوَ كلما﴾: الهمزة هنا للاستفهام؛ والواو للعطف؛ ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيرًا؛ وقد سبق الكلام عليها؛ أما ﴿كلما﴾ فإنها أداة شرط تفيد التكرار، أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب؛ فإذا قلت: \"كلما جاء زيد فأكرمه\" اقتضى تكرار إكرامه بتكرر مجيئه قلّ، أو كثر\" (٧).\nوقرأ أبو السمال العدوي وغيره: ﴿أوْ كلما﴾ بسكون الواو، وقرأ الحسن وأبو رجاء: ﴿أو كلما عوهدوا﴾، على البناء للمفعول، وهي قراءة تخالف رسم المصحف، وقرئ: ﴿عهدوا﴾، فيكون (عهدا) مصدرا (٨).\nواختلف أهل العربية في حكم (الواو) التي في ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ١٠٠]، على ثلاثة أوجه (٩):\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ١٨١، وانظر: تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٢، \"الوسيط\" ١/ ١٨١، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٠، القرطبي ٢/ ٣٥.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ١٨١، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٥٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٠٥، الرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠١، القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠ وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٨\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٨١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٧٣.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦٩.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٥، والكشاف: ١/ ١٧١، والبحر المحيط: ١/ ٢٧٨، والقراءة في القراءات الشاذة: ٨.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٨، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.","vol":"3","page":43},{"text":"احدها: أنها زائدة، قاله الأخفش (١).\nوالثاني: أنها (أو) الساكنة (الواو)، حركت بالفتح، وهي بمعنى (بل). قاله الكسائي (٢).\nقال أبو حيان: \" وكلا القولين ضعيف\" (٣).\nوالثالث: أنها (واو) العطف، اختاره أبو حيان (٤).\nوالراجح هو القول الأخير، بأنها حرف عطف، وقدّمت الهمزة لأن لها الصدارة في الكلام. والله أعلم.\nوعلى هذا المذهب خرّج ذلك الزمخشري على أن يكون للعطف على ﴿الفاسقين﴾، وقدّره: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله مرارًا كثيرة\" (٥).\nوعلى هذا النحو خرجه المهدوي وغيره على أن ﴿أو﴾ للخروج من كلام إلى غيره، بمنزلة (أم) المنقطعة، فكأنه قال: بل كلما عاهدوا عهدًا، كقول الرجل للرجل، لأعاقبنك، فيقول له: أو يحسن الله رأيك، أي بل يحسن رأيك أي بل يحسن رأيك، وهذا التخريج هو على رأي الكوفيين، إذ يكون أو عندهم بمنزلة (بل)، وأنشدوا شاهدًا على هذه الدعوى قول الشاعر (٦):\nبدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح\nوقد جاء أو بمعنى الواو في قوله (٧):\nمن بين ملجم مهره أو سافع\nوقوله (٨):\nصدور رماح أشرعت أو سلاسل\nيريد: وشافع وسلاسل (٩).\nقال الإمام الطبري: و\"غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له، وهذا يدل على فساد قول من زعم أن (الواو) و(الفاء) من قوله: (أو كلما) و(أفكلما) زائدتان لا معنى لهما\" (١٠).\nقلتُ: إن وقوع الزيادة في القرآن، مختلف فيه بين أهل العلم، وكثير من أهل اللغة، والنحو، والبلاغة يقولون بوقوع الزيادة، ومرادهم بذلك أن الحروف زيدت لضرب من التأكيد، كما قال ابن يعيش في المفصل، وابن قتيبة في (تأويل مشكل القرآن) (١١).\nولو تتبعنا آراء علماء العربية والتفسير والنحو، لنتعرف على مقصدهم من معاني حروف الزيادة في الكتاب العزيز، لوجدناهم مختلفين بين مثبت لها وناف، فمنهم من أنكر أن يكون في كتاب الله حرف زائد، حيث أنكر من ذهب هذا المذهب كالرازي، وابن القيم أن يكون في كلام الله حشو، أو لغو، أو زيادة، وإن كان المثبتون لها هم أكثر أهل العلم حيث يسمونها أسماء أخر قال الزركشي في البرهان: \"كثيرون ينكرون إطلاق\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن له: ١/ ٣٢٦.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٩، والبحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٧١.\n(٦) البين نسب لذي الرمة، وهو في محلق ديوانه: ٣/ ١٨٥٧، والخصائص: ٢/ ٤٥٨، والحتسب: ١/ ٩٩، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٧٢، والصحاح (أو) جون نسبة، وانظر: خزانة الأدب: ١١/ ٦٥، وما بعدها.\n(٧) عجزب بيت، لحميد بن ثور، وصدره: قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم، انظر: ديوانه: ١١١. وسافع: آخذ بناصية مهره ليلجمه.\n(٨) عجز بيت لجعفر بن علبة الحارثي، وصدره فقالوا لنا ثنتان لابد منهما، وهو في الأغاني: ١٣/ ٤٩، وشرح ديوان الحماسة: ١/ ٤٥، والصاهل والصاحج: ٥٤٧.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(١١) الأشباه والنظائر، السيوطي: ٢٤٧.","vol":"3","page":44},{"text":"هذه العبارة في كتاب الله، ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم، قال ابن جني: كل حرف زيد في كلام العرب، فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى\" (١).\nوالراجح في هذه المسألة: إثبات الزيادة بمعانيها التي وردت لها، وإنه لا يوجد حرف زائد في القرآن، أي دخوله كخروجه، وقد أورد العلماء معاني هذه الحروف على أنها:\n- تفيد توكيد العموم: أي توكيد المعنى العام للجملة.\n- التنصيص على العموم.\n- التوكيد لدفع توهم إرادة الجمع كما في لا.\n- توكيد إثبات.\n- توكيد نفي.\nإلى غير ذلك من المعاني التي سأعرض لها عند تفسير الآيات التي تتضمن حروفًا زائدة وبيان دلالتها من خلال السياق، وإن كل مَنْ يدعى أنه لا زيادة في القرآن بالمعنى الذي ذكرت، إنما يذهب إلى إنزال القرآن منزلة أقل من مستوى كلام العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وتحداهم وقهرهم وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله، فكل زيادة وردت في الكتاب العزيز كان لها معنى ومدلول وسر بلاغي لم يفقهه إلا من تملك ناصية اللغة العربية، وأتقنها شعرًا ونثرًا وبلاغة، وهؤلاء هم أجلاء أهل العلم والفقه، من لدن أصحاب النبي ﷺ وحتى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة.\nومن ردّ الزيادة بهذه المعاني التي ذكرت بعضها، وبدعوى أنها إساءة إلى كتاب الله تعالى، فقد قام بلي أعناق النصوص والآيات، وتجشم الصعاب متكلفًا ما لا طائل وراءه، وليس يشين كتاب الله إذا نهج على منوال كلام العرب، وسلك مسلكهم في الخطاب، أن تكون فيه هذه الزيادة الرائعة الحبيبة إلى النفس المتأولة تأويلًا سليمًا.\nو(العهد)، هو الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك، وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد ﷺ من العهد والميثاق، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته، فقال تعالى ذكره: أو كلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا، نبذه فريق منهم، فتركه ونقضه (٢).\nقوله تعالى: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، أي: \" نقضه جماعة منهم\" (٣).\nقال أبو حيان: أي\" طرحه، أو نقضه، أو ترك العمل به، أو اعتزله، أو رماه. أقوال خمسة، وهي متقاربة المعنى\" (٤).\nقال البيضاوي: \" وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض\" (٥).\nونسبة (النبذ) إلى (العهد)، من المجاز، لأن العهد معنى، والنبذ حقيقة، إنما هو في المتجسدات: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَه فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠] [الذاريات: ٤٠]، ﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، فنبذ خاتمه، فنبذ الناس خواتيمهم، ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَأَىءِ﴾ [القلم: ٤٩] (٦).\nو(النبذ) أصله - في كلام العرب - الطرح، ولذلك قيل للملقوط: (المنبوذ)، لأنه مطروح مرمي به (٧)، وقال الزمخشري: \" و(النبذ): الرمي بالذمام ورفضه\" (٨).\n_________\n(١) البرهان: ٣/ ٧٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٧.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٨.\n(٧) انظر: لسان العرب (نبذ): ص ٣/ ٥١١.\n(٨) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ١٧١.","vol":"3","page":45},{"text":"ومنه سمي النبيذ (نبيذا)، لأنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء، ثم يعالج بالماء. وأصله (مفعول) صرف إلى (فعيل)، أعني أن (النبيذ) أصله (منبوذ) ثم صرف إلى (فعيل) فقيل: (نبيذ)، كما قيل: (كف خضيب، ولحية دهين) - يعني: مخضوبة ومدهونة، يقال منه: (نبذته أنبذه نبذا)، كما قال أبو الأسود الدؤلي (١):\nنظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا\nوقال آخر (٢):\nإن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... نبذوا كتابك واستحلوا المحرما\nوهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبرا منك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]. وأنشد الفراء (٣):\nتميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها\nو(الفريق) الجماعة، لا واحد له من لفظه، بمنزلة (الجيش) و(الرهط) الذي لا واحد له من لفظه (٤).\nقال الرازي: \"إنما قال: ﴿نبذه فريق﴾، لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾.\nقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]، \"أي بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة الإِيمان الصادق لذلك ينقضون العهود والمواثيق\" (٥).\nقال البيضاوي: \" رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون، أو أن من لم ينبذ جهارًا فهم مؤمنون به خفاء\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] قولان (٧):\nالأول: أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبدا لحسدهم وبغيهم.\nوالثاني: لا يؤمنون: أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن اليهود لا يوثق منهم بعهد؛ لأنهم كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم ..\n٢ ومنها: أن نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذًا من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منه؛ فإن تبرؤوا منه فإنهم لا يلحقهم عاره؛ لكن إذا سكتوا فإن نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم؛ وجه ذلك أن الله وبخ هؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه ..\n_________\n(١) ديوانه: ٢١ (في نفائس المخطوطات: ٢)، وسيأتي في ٢٠: ٤٩ - ٥٠ (بولاق)، ومجاز القرآن: ٤٨، من أبيات كتب بها إلى صديقه الحصين بن الحر، وهو وال على ميسان، وكان كتب إليه في أمر يهمه، فشغل عنه؛ وقبل البيت:\nوخبرني من كنت أرسلت أنما ... أخذت كتابي معرضا بشمالكا\n(٢) البيت من شواهد القرطبي: ٢/ ٤٠، ولم اتعرف على قائله.\n(٣) البيت للفرزدق، يخاطب تميم بن زيد القينى وكان على السند، انظر: النقائض: ٣٨١، طبع أوربا.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٧.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٦.","vol":"3","page":46},{"text":"٣ ومنها: أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود ..\n٤ ومن فوائد الآية: أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين:\nأحدهما: النفاق؛ لقول النبي ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خان\" (١)، وفي الحديث الآخر: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ... \" (٢)، وذكر منها: \"إذا عاهد غدر\" ...\nوالثاني: مشابهة اليهود (٣).\nالقرآن\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]\nالتفسير:\nولما جاءهم محمد رسول الله ﷺ بالقرآن الموافق لما معهم من التوراة طرح فريق منهم كتاب الله، وجعلوه وراء ظهورهم، شأنهم شأن الجهال الذين لا يعلمون حقيقته.\nقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١]، أي وحين جاءهم: رسول مرسل من عند الله. وهو محمد ﷺ\" (٤).\nقال المراغي: \" أي إنه حين جاء النبي ﷺ\" (٥).\nقال السدي: \": لما جاءهم محمد ﷺ\" (٦).\nقال الزجاج: \" يعني به النبي - ﷺ - لأن الذي جاءَ به مصَدّق التوْرَاةَ والِإنجيلَ\" (٧).\nقال البيضاوي: \" كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق\" (٩).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ [البقرة: ١٠١]، على ثلاثة أقوال (١٠):\nأحدها: أن الرسول، محمد ﷺ.\nوالثاني: أنه عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.\nوالثالث: أو معناه: الرسالة، فيكون مصدرًا، كما فسروا بذلك قوله (١١):\nلقد كذب الواشون ما بحت عنده ... بليلي ولا أرسلتهم برسول\nأي برسالة.\nقال الراغب: \" فالكل صحيح ومراد\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥، كتاب الإيمان، باب ٢٤: علامات المنافق، حديث رقم ٣٣؛ وأخرجه مسلم ص ٦٩٠، كتاب الإيمان، باب ٢٥: خصال المنافق، حديث رقم ٢١١ [١٠٧] ٥٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٩٣، كتاب المظالم، باب ١٧: إذا خاصم فجر، حديث رقم ٢٤٥٩؛ وأخرجه مسلم ص ٦٩٠، كتاب الإيمان، باب ٢٥: خصال المنافق، حديث رقم ٢١٠ [١٠٦] ٥٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٣.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٧٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٦٤٣): ص ٢/ ٤٠٣.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٨٢.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٧.\n(٩) تفسير السعدي: ٦٠.\n(١٠) انظر: البحر المحيط: ٣٣٥.\n(١١) البيت لكثير عزة، انظر ديوانه: ٢٧٨. برواية: برسيل، بدل برسول.\n(١٢) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٢٧٢.","vol":"3","page":47},{"text":"قال أبو حيان: \" والظاهر الأول، لأن الكلام مع اليهود إنما سيق بالنسبة إلى محمد ﷺ\" (١).\nقال الآلوسي: \"وقوله ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة للرسول لإفادة مزيد تعظيمه إذ قدر الرسول على قدر المرسل\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، \" شاهد للتوراة، والإنجيل بالصدق\" (٣).\nقال السعدي: \" الموافق لما معهم\" (٤).\nقال المراغي: \" بكتاب مصدّق للتوراة التي بين أيديهم بما فيه من أصول التوحيد، وقواعد التشريع، وروائع الحكم والمواعظ، وأخبار الأمم الغابرة\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي مصدقًا للتوراة وموافقًا لها في أصول الدين ومقررًا لنبوة موسى ﵇\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى؛ والحديث في هذه الآيات كلها عن اليهود\" (٧).\nقال الطبري: \" يعني به أن محمدا ﷺ يصدق التوراة والتوراة تصدقه، في أنه لله نبي مبعوث إلى خلقه\" (٨).\nقال الآلوسي: \" من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم جاء على الوصف الذي ذكر فيها، أو أخبر بأنها كلام الله تعالى المنزل على نبيه موسى ﵇، أو صدق ما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين، وأخبار الأمم والمواعظ والحكم، أو أظهر ما سألوه عنه من غوامضها، وحمل بعضهم «ما» على العموم لتشمل جميع الكتب الإلهية التي نزلت قبل\" (٩).\nوإن تصديق القرآن لما معهم من وجهين (١٠):\nالأول: أنه وقع مطابقًا لما أخبرت التوراة، والإنجيل به.\nوالثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق؛ فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل.\nوهذه شهادة لهما بأنهما صدق؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمدﷺ- حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقًا لهما.\nوقرأ ابن أبي عبلة «مصدقا» بالنصب على الحال من النكرة الموصوفة (١١).\nقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، \"أي طرح أحبارهم وعلماؤهم التوراة وأعرضوا عنها بالكلية\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: اطَّرَحَ طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم، مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم\" (١٣).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٣١٦.\n(٢) روح المعاني: ١/ ٣٣٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٧.\n(٤) تفسير السعدي: ٦٠.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٧٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٣.\n(٩) روح المعاني: ١/ ٣٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٧.\n(١١) انظر: روح المعاني: ١/ ٣٣٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٥.","vol":"3","page":48},{"text":"قال السدي: \": لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت\" (١).\nقال الشعبي: \"هو بين أيديهم يقرؤونها، ولكن نبذوا العمل به\" (٢).\nوقال سفيان بن عُيينة: \"أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه، فذلك النبذ\" (٣).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين، حسدا منهم له وبغيا عليه\" (٤).\nقال المراغي: \" وقد جعل تركهم إياها وإنكارهم لها إلقاء لها وراء الظهر، لأن من يلقى الشيء وراء ظهره لا يراه فلا يتذكره\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" وأضيف [الكتاب] إلى الله، لأنه المتكلم به؛ فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا. ﵎. تكلم به حقيقة بلفظه، ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي ﷺ فنزل به على قلب النبي ﷺ حتى وعاه، وأداه إلى الصحابة؛ والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا. ولله الحمد؛ وسمي القرآن كتابًا، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة؛ وفي الصحف التي بأيدي البشر\" (٦).\nقال الواحدي: \" وعنى بالـ ﴿فريق﴾ في هذه الآية: علماء اليهود الذين تواطؤوا على كتمان أمر محمد - ﷺ -\" (٧).\nقال الآلوسي: \" وهم اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله تعالى عليه وسلم لا الذين كانوا في عهد سليمان ﵇- كما توهمه بعضهم من اللحاق- لأن- النبذ- عند مجيء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يتصور منهم\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١]، قولان (٩):\nالأول: وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها. قاله الطبري (١٠).\nوالدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوالثاني: أن المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، على قولين (١١):\nأحدهما: القرآن. وهو قول الجمهور.\nوالثاني: التوراة. قاله الطبري (١٢)، والقرطبي (١٣)، وآخرون، وأجازه الزجاج (١٤)، لأن الذين كفروا بالنبي - ﷺ - نبذوا التوراة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٦٤٤): ص ٢/ ٤٠٤.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٢، وتفسير البغوي: ١/ ١٢٦، وفي بعض نسخ الثعلبي في \"تفسيره\" يقرؤونه، وفي بعضها: يقرؤونها، والتفسير البسيط: ٣/ ١٨٢.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٢، وتفسير البغوي: ١/ ١٢٦، والتفسير البسيط: ٣/ ١٨٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٣.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٧٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٣.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ١٨٣.\n(٨) روح المعاني: ١/ ٣٣٥.\n(٩) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ٦١٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٣.\n(١١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٨٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٣.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤١.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٢.","vol":"3","page":49},{"text":"قال الراغب: وكلاهم\"صحيح، لأن المنكر لأحدهما في حكم النكر للآخر\" (١).\nوالأظهر هو القول الأول، \" أي لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول\" (٢).\nوقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، على أوجه:\nأحدها: أنه \"تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه وراء ظهره \" (٣).\nوالثاني: أنه: \" تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم\" (٤).\nوالثالث: أنه \" مثل لإِعراضهم عنه رأسًا، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه\" (٥).\nوالرابع: أنه: مثل من يستخف بالشيء ولا يعمل به، تقول العرب: أجعل هذا خلف ظهرك، ودبر اذنك، وتحت قدمك: أي أتركه واعرض عنه قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: ٩٢]، ومنه قول الفرزدق (٦):\nتَمِيمُ بنَ قَيْسٍ لا تَكونَنَّ حاجَتِي ... بظَهْرٍ فلا يَعْيا عَليَّ جَوابُها\nأي لا تتركنها لا يُعْبَأ بها (٧).\nالخامس: أن معناه: \" رموه بشدة وراء الظهر؛ وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم، أو عن اليمين، أو عن الشمال لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون به؛ لكن من ألقاه وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولي، والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يرجع إليه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]، أي: \" كأنهم في نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم لا يعلمون أنه حق\" (٩).\nقال الصابوني: \"أي كأنهم لا يعلمون من دلائل نبوته شيئًا\" (١٠).\nقال قتادة: \": أي أن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا\" (١١).\nقال البيضاوي: \" يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عنادًا\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أعْلَمَ أنهم علماء بكتابهم، وأنهم رفضوه على علم به، وعداوةً للنبي ﷺ. وأعْلَمَ أنَّهم نَبذوا كتاب اللَّه\" (١٣).\nقال المراغي: أي\" أهملوها إهمالا تاما كأنهم لا يعلمون أنها من عند الله\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٧٣.\n(٢) فتح القدير: ١/ ١١٩.\n(٣) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٢٦.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٧.\n(٦) البيت في اللسان (ظهر)، وتخالفه رواية الديوان: ٩٥، وانظر: الكامل: ٤٣٠، وذيل الأماني: ٧٨، وأضداد ابن الأنباري: ٢٥٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٢. ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩٧.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٢، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩٧.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(١١) أخرجه الطبري (١٦٤٥): ص ٢/ ٤٠٤.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٧.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ١٨٢.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ١٧٩.","vol":"3","page":50},{"text":"قال الشوكاني: \" تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئا مع كونهم يعلمون علما يقينا من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم كانوا بمنزلة من لا يعلم\" (١).\nقال الراغب: \" وقد دل تعالى بالأيتين أن جل اليهود ثلاث فرق، فريق جاهر وأنبذ العهد، وفريق لم يجاهروا بذلك، لكنهم لم يؤمنوا به، وهم أكثرهم، وفريق أخر طرحوا حكم الكتاب عنادًا، فصاروا في حكم الجهلة، وهذه القسمة عجيبة الشأن، فإن دافعي الحق ثلاثة أقسام، جاهل غير عالم بجهله، وهو الشرير الذي لا مداواة له، وإياه عنى بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وجاهل عالم بجهله، وهو الشاك وإياه عنى بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ومعاند غير جاهل، وإياه عنى بقوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ووصف هذا الفريق بأن حكمهم حكم الجاهلين الذين هم فوق الموصوفين بأنهم لا يؤمنون، وكل من دافع الحق لا ينفك من الأقسام الثالثة التي ذكرناهم والله أعلم\" (٢).\nالفوائد:\n١. من فوائد الآية: أن رسالة النبي ﷺ حق؛ لقوله تعالى: ﴿من عند الله﴾.\n٢. ومنها: أن الرسول ﷺ قد أخبرت به الكتب السابقة؛ لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾.\n٣. ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تقرر ما سبق من رسالات الرسل، لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾.\n٤. ومنها: أنه مع هذا البيان والوضوح، فإن فريقًا من الذين أوتوا الكتاب نبذوا هذا الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.\n٥. ومنها: أن نبذ من عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس عنده ذلك؛ ولهذا نص على قوله تعالى: ﴿فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾؛ لإظهار شدة القبح من هؤلاء في نبذهم؛ لأن النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل.\n٦. ومنها: أن القرآن كلام الله، لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله تعالى: ﴿كتاب الله﴾.\n٧. ومنها: توكيد قبح ما صنع هؤلاء المكذبون؛ لقوله تعالى: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾؛ لأنهم في الواقع يعلمون؛ ولكن فعلهم كأنه فعل من لم يعلم؛ وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم ..\n٨. ومنها: أن هذا النبذ الذي كان منهم لا يرجى بعده قبول؛ لقوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم﴾؛ لأن النبذ لو كان أمامهم ربما يتلقونه بعد؛ كذلك لو كان عن اليمين، والشمال، لكن إذا كان وراء الظهر فمعناه استبعاد القبول منهم ..\n٩. ومنها: شدة كراهية اليهود للقرآن، واستهانتهم به، حيث نبذوه وراء ظهورهم ..\nالقرآن\n﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]\nالتفسير:\nواتبع اليهود ما تُحَدِّث الشياطينُ به السحرةَ على عهد ملك سليمان بن داود. وما كفر سليمان وما تَعَلَّم السِّحر، ولكنَّ الشياطين هم الذين كفروا بالله حين علَّموا الناس السحر؛ إفسادًا لدينهم. وكذلك اتبع اليهود السِّحر الذي أُنزل على الملَكَين هاروت وماروت، بأرض \"بابل\" في \"العراق\"؛ امتحانًا وابتلاء من الله لعباده، وما يعلِّم\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ١١٩.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٧٣.","vol":"3","page":51},{"text":"الملكان من أحد حتى ينصحاه ويحذِّراه من تعلم السحر، ويقولا له: لا تكفر بتعلم السِّحر وطاعة الشياطين. فيتعلم الناس من الملكين ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرقا. ولا يستطيع السحرة أن يضروا به أحدًا إلا بإذن الله وقضائه. وما يتعلم السحرة إلا شرًا يضرهم ولا ينفعهم، وقد نقلته الشياطين إلى اليهود، فشاع فيهم حتى فضَّلوه على كتاب الله. ولقد علم اليهود أن من اختار السِّحر وترك الحق ما له في الآخرة من نصيب في الخير. ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم عِلْمٌ يثمر العمل بما وُعِظوا به.\nفي سبب نزول الآية أقوال (١):\nأحدها: أخرج الواحدي عن ابن عباس: \"إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق فإذا جرب من أحدهم الصدق كذب معها سبعين كذبة فيشربها قلوب الناس، فاطلع على ذلك سليمان، فأخذها فدفنها تحت الكرسي؛ فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان المنيع الذي لا كنز له مثله؟ قالوا: نعم قال: تحت الكرسي فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر. فتناسخته الأمم فأنزل الله عذر سليمان ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان﴾ \" (٢). وروي عن السدي (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، نحو ذلك.\nوالثاني: أخرج ابن أبي حاتم \"عن ابن عباس، قال: قال: آصف كاتب سليمان، أخرجته الشياطين فكتبوا من كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال: فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبوه حتى أنزل على محمد: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ \" (٧). وروي عن الكلبي (٨)، نحو ذلك.\nالثالث: أخرج الواحدي \"عن خصيف قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول لكذا وكذا؛ فلما نبتت شجرة الخرنوبة قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أخربه قال: تخربينه؟ قالت: نعم، قال: بئس الشجرة أنت، فلم يلبث أن توفي، فجعل الناس يقولون في مرضاهم: لو كان لنا مثل سليمان، فأخذت الشياطين فكتبوا كتابا وجعلوه في مصلى سليمان وقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر رقى فأنزل الله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ إلى قوله: ﴿فلا تكفر﴾ \" (٩).\nوالرابع: أخرج الطبري عن ابن إسحاق: \"عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇، فكتبوا أصناف السحر: \" من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا، فليفعل كذا وكذا \". حتى إذا صنعوا أصناف السحر، جعلوه في كتاب ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: \" هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم \"، ثم دفنوه تحت كرسيه. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان بن داود إلا بهذا!\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٣١ - ٣٣، والعجاب: ١/ ٣٠٥ - ٣١٤.\n(٢) أسباب النزول: ٣١ - ٣٢، وانظر تخريجه وطرقه في تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٤ - ١٣٦، وانظر نحوه في تفسير الطبري (١٦٦٢): ص ٢/ ٤١٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٩٨٤): ص ١/ ١٨٥ - ١٨٦، وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب التفسير: ٢/ ٢٦٥، وسكت عنه، وقال الذهبي في (التلخيص): \"صحيح\"، وقال الزهراني في تخريجه لابن أبي حاتم: \"إسناده صحيح لكن حصين هو ابن عبد الرحمن ثقة تغير حفظه، وساء آخر حياته\".\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٦): ص ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وانب أبي حاتم (٩٨٧): ص ١/ ١٨٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٩): ص ٢/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٦٣)، و(١٦٦٤): ص ٢/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٦٥): ص ٢/ ٤١٦.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٩٨٢): ص ١/ ١٨٥.\n(٨) أسباب النزول للواحدي: ٣٢.\n(٩) أسباب النزول للواحدي: ٣٣، إسناده ضعيف لإعضاله (انقطاع أكثر من اثنين متتاليين) ولضعف خصيف (تقريب التهذيب: ١/ ٢٢٤ - رقم: ١٢٦) ولضعف رواية عتاب بن بشير عن خصيف خاصة (تهذيب التهذيب: ٧/ ٩١).","vol":"3","page":52},{"text":"فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه، فليس في أحد أكثر منه في يهود. فلما ذكر رسول الله ﷺ، فيما نزل عليه من الله، سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد! يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد ﷺ: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ \" (١)، وروي عن ابن عباس (٢)، وشهر بن حوشب (٣)، نحو ذلك.\nالخامس: وأخرج الطبري \" عن الربيع: إن اليهود سألوا محمدا ﷺ زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا! وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله جل وعز: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان - وكان سليمان لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه! فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وأدحض الله حجتهم\" (٤). وروي عن أبي العالية مثل لك (٥).\nالسادس: قال أبو مجلز: \"أخذ سليمان من كل دابة عهدا، فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد، خلي عنه. فرأى الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان! فقال الله جل ثناؤه: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \"أي واتبعوا طرق السحر والشعوذة التي كانت تحدثهم بها الشياطين\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" نبذوا كتاب اللَّه واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها الشياطين\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم \" عن الحسن: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة\" (٩).\nوقال ابن عباس: \" اتبعوا الشهوات التي كانت الشياطين تتلو، وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي\"في عهد مُلك سليمان\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" على عهد ملك سليمان وفي زمانه\" (١٢).\nوقد اختلف أهل التفسير في الذين عنوا بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، على وجوه (١٣):\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٦٥٠): ص ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨، و(١٦٦٧): ص ٢/ ٤١٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٦٦٠): ص ٢/ ٤١٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٦٦): ٢/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(٤) تفسير الطبري (١٦٤٧): ص ٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٨٥): ص ١/ ١٨٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١٦٦١): ص ٢/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٧٢. [بتصرف بسيط].\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٩٨٣): ص ١/ ١٨٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٨٤): ص ١/ ١٨٦.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٣٦، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٧٢. [بتصرف بسيط].\n(١٣) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٨٦.","vol":"3","page":53},{"text":"أحدها: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد ﵊، \"لأنهم خاصموا رسول الله ﷺ بالتوراة، فوجدوا التوراة للقرآن موافقة، تأمر من اتباع محمد ﷺ وتصديقه، بمثل الذي يأمر به القرآن. فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان\" (١). قاله ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، والربيع (٤)، وابن زيد (٥).\nوالثاني: أنهم اليهود الذين كانوا في زمن سليمان ﵇، لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ﵇ ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. قاله ابن جريج (٦)، وابن إسحاق (٧).\nوالثالث: أنه يتناول الكل. واختاره الطبري (٨)، والرازي (٩)، واحتجوا بأنه \"لا دليل على التخصيص\" (١٠)، أي \"لا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿واتبعوا﴾ بعضا منهم دون بعض\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿تَتْلُو﴾ [البقرة: ١٠٢]، لفظه مضارع لكن هو واقع موقع الماضي (١٢) وهو استعمال شائع، وقد اختلف في تفسيره على وجوه (١٣):\nأحدها: الثاني: أن معناه: ما تتبعه وترويه وتعمل به، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تتلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، \"يعني بذلك تتبع\" (١٤)، وهذا مذهب ابن عباس (١٥)، وأبي رزين (١٦).\nوالثاني: أن المراد منه التلاوة والإخبار، ومنه: فلان يتلو القرآن، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت (١٧):\nنبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد\nوالمعنى: أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم. روي ذلك عن مجاهد (١٨)، وقتادة (١٩)، وابن جريج (٢٠)، وابن عباس (٢١).\nالثالث: أن معناه: ما تكذب على ملك سليمان، يقال: تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران. قاله أبو مسلم (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٥.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٦): ص ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وابن أبي حاتم (٩٨٧): ص ١/ ١٨٦، وقد ذكر الأثر ابن كثير، انظر تفسيره: ١/ ٢٤٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٧): ص ٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٨): ص ٢/ ٤٠٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٩): ص ٢/ ٤٠٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٠): ص ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٩.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٩.\n(١٢) والمعنى: ما تلت، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٢، البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري: ١/ ١١٣، الدر المصون للسمين: ١/ ٣١٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤١١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٥): ص: ٢/ ٤١٠\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٦): ص: ٢/ ٤١٠\n(١٧) ديوانه: ٨٨، من أبيات قالها حسان في خبر أم معبد، حين خرج رسول الله مهاجرا إلى المدينة. ورواية الديوان: \" في كل مسجد \"، ورواية الطبري أمثل.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٦٥١): ص ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٢): ص ٢/ ٤١٠.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٣): ص ٢/ ٤١٠.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٤): ص ٢/ ٤١٠.\n(٢٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧.","vol":"3","page":54},{"text":"قال الإمام الطبري: \": والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ﷿ أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان، باتباعهم ما تلته الشياطين .. ولم يخبرنا الله جل ثناؤه - بأى معنى (التلاوة) كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان - بخبر يقطع العذر، وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل، ودارسته بالرواية. فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك، وعملت به، وروته\" (١).\nواختلفوا في إعراب ﴿ما﴾ - في قوله تعالى: ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٢):\nأحدهما: أنها موصولة. وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح.\nوالثاني: أنها نافية.\nقال السمين الحلبي: \" وهذا غلط فاحش لا يقتضيه الكلام البتة\" (٣).\nوقال ابن العربي: \" ولا وجه لقول من قال إنه نفي لا في نظم الكلام ولا في صحة المعنى ولا يتعلق من كونه مفعولًا سياق الكلام بمحال عقلًا ولا يمتنع شرعا\" (٤).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على ثلاثة أوجه (٥):\nأحدها: أن معناه: على عهد ملك سليمان. قاله الطبري (٦)، وغيره، وهو المشهور.\nوالثاني: وقيل المعنى: في ملك سليمان، أي: في قصصه وصفاته وأخباره. روي نحوه عن سلمة بن إسحاق (٧).\nوالثالث: على شرعه ونبوته وحاله.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \" أي وما كان سليمان ساحرًا ولا كفر بتعلمه السحر\" (٨).\nقال المراغي: \" أي وما سحر، لأنه لو فعل ذلك فقد كفر، إذ كونه نبيّا ينافى كونه ساحرا، فالسحر خداع وتمويه، والأنبياء مبرءون من ذلك\" (٩).\nقال سلمة بن إسحاق: \" أي ما علم بالسحر، والسحر كفر لمن عمل به\" (١٠).\nوروي عن قتادة: \"في قول الله: ﴿وما كفر سليمان﴾، قال: ما كان عن مشورته ولا أمره\" (١١).\nقال أبو السعود: \" تنزيهٌ لساحته ﵇ عن السحر وتكذيبٌ لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به والتعرُّضُ لكونه كُفرًا للمبالغة في إظهار نزاهتِه عليه لسلام وكذِبِ باهِتيهِ بذلك\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \" أي ولكنّ الشياطين هم الذين علموا الناس السحر حتى فشا أمره بين الناس\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤١١.\n(٢) انظر: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٥٢، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٢.\n(٣) الدر المصون: ١/ ٣٢٦.\n(٤) أحكام القرآن: ١/ ٢٨.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤١١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٨٨): ص ١/ ١٨٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ١٨٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩١): ص ١/ ١٨٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٠): ص ١/ ١٨٧.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٣٧.\n(١٣) الكشاف: ١/ ١٧٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.","vol":"3","page":55},{"text":"قال المراغي: \" أي ولكن الشياطين من الإنس والجن الذين نسبوا إليه ما انتحلوه من السحر ودوّنوه وعلموه الناس هم الذين كفروا\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \"ولكن الشياطين هم الذين كَفَرُوا باستعمال السحر وتدوينه، يقصدون به إغواء الناس وإضلالهم\" (٢).\nقال قتادة: \" ولكنه شيء افتعلته الشياطين، وذكر لنا أن الشياطين ابتدعت كتبا، وكتبت سحرا وأمرا عظيما في الناس وعلموهم إياه\" (٣).\nوقال الحسن: \" اتباع السحر كفر، وليس من دين سليمان السحر. يقول: ولكن الشياطين كفروا بتركهم دين سليمان، واتباعهم ما تلت الشياطين على ملكه\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿يعلمون الناس السحر﴾، يعني: الصحف التي دفنوها\" (٥).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَكْنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، وجهين (٦):\nأحدهما: أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر.\nوالثاني: أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر.\nوفي قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وجهان من التفسير (٧):\nأحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه.\nوالثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٨):\nأحدهما: قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد نون (لكنَّ)، ونصب (الشياطينَ).\nوالثاني: وقرأ الباقون بتخفيف نون (لكن) وإسكانها ثم كسرها تخلصًا من التقاء الساكنين؛ و(الشياطينُ) برفع النون.\nفعلى القراءة الأولى تكون الواو حرف عطف، و(لكنّ) حرف استدراك يعمل عمل \"إنّ\" ينصب الاسم، ويرفع الخبر، و(الشياطينَ) اسمها، وجملة: (كفروا) خبرها؛ وعلى قراءة التخفيف تكون الواو للعطف، و(لكن) حرف استدراك مبني على السكون حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، و(الشياطين) مبتدأ، وجملة: (كفروا) خبر المبتدأ (٩).\nقال الرازي: \" والمعنى واحد، وكذلك في الأنفال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧]، والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن، والوجه فيه أن \"لكن\" بالتخفيف يكون عطفا فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام، والمشددة لا تكون عطفا لأنها تعمل عمل (إن) \" (١٠).\nو﴿الشَّيَاطِينَ﴾ جمع شيطان؛ وجاءت بالجمع؛ لأن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض، ويعلم بعضهم بعضًا (١١).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٨٠.\n(٢) الكشاف: ١/! ٧٢. [بتصرف بسيط].\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٢): ص ١/ ١٨٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٣): ص ١/ ١٨٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٥): ص ١/ ١٨٧.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٤.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(٨) انظر: السبعة في القراءات: ١٦٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧١\n(١٠) تفسير الرازي: ٣/ ١٩٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧١ - ١٧٢.","vol":"3","page":56},{"text":"و(السِّحر) في اللغة: يطلق على كل شيء خفي سببه ولطف ودق؛ ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السِّحر؛ ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:\nجعلت علامات المودة بيننا ... مصائد لحظ هن أخفى من السِّحر\nفأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشزر (١)\nقال الراغب: \"تطلق مادة - س ح ر - عند علماء اللغة على معان جمّة، تبعًا لورود استعمالها في الوضع الذي وقع فيه التخاطب ومنها: التمويه بالحيل والخداع والخفاء والاستمالة واللطافة (٢)، فهو عبارة عما لطف أمره وخفي سببه (٣)، ومنه قوله ﷺ: \"إنَّ من البيان لسحرًا\" (٤)، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وشبَّهه بالسِّحر لأن السِّحر صرف الشيء عن حقيقته (٥).\nوسُمِّي السَّحور سَحورًا لكونه يقع خفيًا آخر الليل، والسَّحْر الرئة وهي محل الغذاء، وسُمِّيت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه؛ كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرُه أي رئته من الخوف (٦)، وقالت عائشة ﵂: \"توفي رسول الله - ﷺ - بين سَحْري ونَحْري\" (٧)، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، أي أخفوا عنهم عملهم.\nو(السِّحر) في الاصطلاح لا يمكن تعريفه بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعًا لها مانعًا لغيرها؛ ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا.\nقال بعضهم: السِّحر عزائمُ ورُقَى وعُقَد يؤثِّر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرِّق بين المرء وزوجته ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه (٨).\nوقال ابن قدامة: \"هو عُقَد ورُقَى يُتَكَلَّمُ به أو يكتبه الساحر أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له\" (٩).\nوقال البيضاوي: \"المراد بالسِّحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس؛ فإن التناسب شرط في التضام والتعاون (١٠).\nوقال ابن حجر الهيتمي: \"وشرعًا يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع\" (١١).\nوقال ابن عرفة ﵀ في حدوده: \"أمر خارق للعادة مسبَّب عن سَبَب معتاد كونه عنه، قال شارحه: معناه أن الخارق للعادة مسبب عن سبب معتاد كون ذلك المسبب عن ذلك السبب فأخرج به الكرامة والمعجزة\" (١٢).\nواختلف في (السّحر)، هل هو حقيقة أم هو تخييل لا حقيقة له:\nوالتحقيق أن منه ما هو حقيقة كما دلّ عليه قوله تعالى ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، لأن وصف سحرهم بالعظيم يدل على أنه غير خيال، وقوله تعالى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبَّر الله عنه بما الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن (١٣)، فلولا أن السِّحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه (١٤).\nقال ابن قيم: \"وقد دل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، وحديث عائشة (١٥) ﵂ على تأثير السحر وأنَّ له حقيقة\" (١٦).\nومن السّحر ما هو تخييل، كما في قوله تعالى ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السِّحر خيال لا حقيقة له.\nقال النووي: \"والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \"أي: وكما اتبع رؤساء اليهود السحر، كذلك اتبعوا ما أنزل على الملَكين وهما هاروت وماروت بمملكة بابل بأرض الكوفة، وقد أنزلهما الله ابتلاءً وامتحانًا للناس\" (١٨).\nقال السعدي: أي \" وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر\" (١٩).\nوقرأ الزهري ﴿هاروت وماروت﴾، بالرفع على: هما هاروت وماروت. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من: الهرت والمرت - وهو الكسر كما زعم بعضهم - لانصرفا (٢٠).\nواختلف في العطف في قوله تعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٢١):\nأحدهما: عطف على ﴿السحر﴾، أى ويعلمونهم ما أنزل على الملكين.\nوالثاني: أنه عطف على ﴿ما تتلو﴾، أى واتبعوا ما أنزل.\nواختلف أهل العلم في تفسير (ما) التي في قوله: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وحهين:\n_________\n(١) لسان العرب ٤/ ٣٤٨ وما بعدها، معجم المقاييس: ٥٠٧.\n(٢) الأصفهاني: غريب القرآن، ص ٢٢٦، وانظر الجوهري (٥/ ٦٧٨).\n(٣) ابن كثير: (١/ ١٤٧).\n(٤) صحيح البخاري مع فتح الباري، (١٠/ ٢٣٧)، ومسلم برقم ١٤٣٧.\n(٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/ ٢٠٢.\n(٦) انظر تفصيل الخبر في البداية والنهاية ٣/ ٣٠٨ ط الأولى دار أبي حيان.\n(٧) رواه البخاري برقم ١٣٠٠ ومسلم برقم ٤٤٧٣.\n(٨) تيسير العزيز الحميد/٣٨٢.\n(٩) المغني لابن قدامة المقدسي: ٨/ ١٥٠.\n(١٠) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ١/ ٧٩ وهو ناقل لهذا التعريف من الفخر الرازي في تفسيره المسمى: مفاتيح الغيب.\n(١١) الزواجر عن اقتراف الكبائر: ٢/ ١٦٣.\n(١٢) شرح حدود ابن عرفة: ٤٩٢ محمد بن قاسم الرصاع - الناشر دار الكتب العلمية.\n(١٣) انظر تفسير القرطبي، (٢٠/ ٢٥٧)، وابن كثير (٤|٥٧٣)، والقاسمي (١٠/ ٣٠٢).\n(١٤) المغني، ابن قدامة: (٨/ ١٥٠).\n(١٥) عن عائشة قالت: سحر رسول الله - ﷺ - رجلٌ من بني زُريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - ﷺ - يُخيَّلُ إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم - أو ذات ليلة - وهو عندي، لكنه دعا رسول الله - ﷺ - ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله - ﷺ - في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته، قال: قد عافاني الله، فكرهت أن أثير الناس فيه شرًا، فأمر بها فدفنت\". وفي رواية مسلم: قال: \"فقلت: يا رسول الله ألا أحرقته\". [صحيح البخاري، كتاب الطب (١٠/ ٢٢١)، ومسلم (٢١٨٩)].\n(١٦) ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد: ٢/ ٢٢٧.\n(١٧) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: (١٠/ ٢٢٢).\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.\n(١٩) تفسير السعدي: ٦١.\n(٢٠) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٣.\n(٢١) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":57},{"text":"أحدهما: أنها تفيد النفي، وهي بمعنى (لم) معطوفا على قوله تعالى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، أي: ولم ينزل على الملكين. قاله ابن عباس (١).\nوانتصر له القرطبي، إذ قال: \"قوله-تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى المَلَكَين﴾: (مَا) نفي، والواو: للعطف على قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيمَان) وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله: ﴿وَلَكنَّ الشَّيَاطينَ كَفَرُوا﴾ هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى ما سواه\" (٢).\nوالدافع لأصحاب هذا القول في نفي نزول السحر على الملكين أنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، ومع كون العقل لا يدفع وقوع المعصية من الملائكة، لكن وقوع ذلك الجائز عقلًا لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح (٣).\nكما أن نفي كون المنزل سحرًا يأتي أيضًا على قول من جعلها معطوفة على السحر كما هو الظاهر لأنها معطوفة، والعطف يقتضي التغاير (٤).\nوالثاني: أنها موصوله بمعنى (الذي)، وتقديره الذي أنزل على الملكين.\nثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال (٥):\nالأول: أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا.\nوثانيها: أنه عطف على قوله: ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ أي واتبعوا الذي تلته الشياطين، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي طلحة عنه (٦)، وأبي العالية (٧)، وروي عن خالد بن أبي عمران، والربيع بن أنس نحو ذلك (٨).\nفكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما.\nوثالثها: أن موضعه جر عطفا على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين. وهو اختيار أبي مسلم ﵀ (٩).\nوأنكر أبو مسلم في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما واحتج عليه بوجوه (١٠):\nالوجه الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك.\nالوجه الثاني: أن قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل.\nالوجه الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى.\nالوجه الرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٩٧): ص ١/ ١٨٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٥٠.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٠، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٦٢٩.\n(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٨.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٢٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٩٦): ص ١/ ١٨٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٩٨): ص ١/ ١٨٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٨.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٢٩.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٢٩.","vol":"3","page":58},{"text":"موسى ﵇: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله﴾ [يونس: ٨١] ثم إنه ﵀ سلك في تفسير الآية نهجا آخر يخالف قول أكثر المفسرين، فقال: كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ توكيدا لبعثهم على القبول والتمسك، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم (١).\nوالجمهور على أن (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، هي موصولة (٢)، وذلك لأن \"الحديث وما جاءَ في قِصَّةِ الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به (٣). والله أعلم.\nوفي ﴿المَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، قراءتان (٤):\nإحداهما: ﴿الملِكَيْنِ﴾، بكسر اللام، وهي قراءة ابن عباس والضحاك (٥) وابن أبزى (٦) والحسن وابن جبير والزهري وأبي الأسود (٧).\nومن ثم اختلفوا في تعيينهما على قولين:\nالأول: أنهما داود وسليمان. قاله ابن أبزى (٨).\nوالثاني: هما علجان من أهل بابل. قاله ابن عباس (٩)، والضحاك (١٠)، وأبو أسود الدؤلي (١١).\nوالذين كسروا (اللام) احتجوا بوجوه (١٢):\nأحدها: أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر.\nوثانيها: كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله: ﴿ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون﴾ ﴿الأنعام: ٨﴾.\nوثالثها: لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلا وتلبيسا على الناس وهو غير جائز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانا، بل ملكا من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ [الأنعام: ٩].\nوقد خَطَأ الطبري هذه القراءة مستدلًا على ذلك بقوله: \" فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها، من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار. وكفى بذلك شاهدا على خطئها\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١٩٩.\n(٢) انظر: جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٦ والذي انتصر لذلك وأطال القول فيه، بحر العلوم للسمرقندي: ١/ ١٤٣، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٠١، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٢٠، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٣٢٦، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٧٣، تفسير النسفي: ١/ ٦٥، التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٦٣٩، وغيرها. وعلى قول الجمهور يكون المُنَزَل السحر فتنة للناس وامتحانًا، ولله﷿أن يمتحن عباده بما شاء.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٨٤.\n(٤) انظر: وتفسير الثعلبي: ١/ ١٨٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٠٢): ص ١/ ١٨٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٠٠): ص ١/ ١٨٨.\n(٧) انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني: ١/ ١٠٠، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٢٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢٢، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٩، وتفسير القرطبي: ٢/ ٥٢ وغيرها.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٠٠): ص ١/ ١٨٨.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٠٢): ص ١/ ١٨٩.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٦.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٣٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦.","vol":"3","page":60},{"text":"والقراءة الثانية: ﴿المَلَكَيْنِ﴾، بفتح اللام من (الملائكة) (١)، وهي قراءة الجمهور (٢).\nقال الزجاج\" و﴿المَلَكَيْنِ﴾ أثْبتُ في الرواية والتفسير جميعًا\" (٣).\nوقال ابن الجوزي: \" \"وقراءة الجمهور أصح\" (٤).\nقال الحافظ ابن حجر: \" وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر (٥) في مسند أحمد (٦)، وأطنب الطبري (٧) في إيراد طرقها بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلًا خلافًا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه (٨)، ومحصلها: أن الله ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختبارًا لهما، وأمرهما\n_________\n(١) وهذا قول ابن عطية، وعلي، انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٩٩)، و(١٠٠١): ص ١/ ١٨٨.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٦٤، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٥٥، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٨٣، انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٦٤، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٥٥، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢٢، وقال: (وقراءة الجمهور أصح).\n(٤) زاد المسير: ١/ ١٢٢.\n(٥) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، صحابي مشهور، عالم فقيه، عابد زاهد، من أهل بيعة الرضوان، هاجر مع أبيه، أول غزواته الخندق ورد قبلها لصغره، أحد المكثرين من الرواية، توفي عام: ٧٣ هـ. انظر: الطبقات لابن سعد: ٤/ ١٤٢، أسد الغابة لابن الأثير: ٣/ ٢٢٧، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٣/ ٢١٣، الإصابة لابن حجر: ٢/ ٣٣٨.\n(٦) المسند-تحقيق الأرناؤوط وآخرين-: ١١٠/ ٣١٧ - ٣١٨ رقم: ٦١٧٨ وسيأتي الكلام على هذا الحديث وما يشبهه بعد في هامش: ١ ص: ٣٩٤ - ٣٩٦.\n(٧) انظر: جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٢٧ - ٤٣٥.\n(٨) بلغت طرق قصة هاروت وماروت نيفًا وعشرين طريقًا كما ذكر ذلك الألوسي في روح المعاني: ١/ ٣٤١، وذكر جلها الحافظ ابن حجر في العجاب-تحقيق: الأنيس-: ٣١٤ - ٣٤٣ عند حديثه عن سبب نزول هذه الآية. وقد اختلف العلماء في ثبوتها، فمن من أثبتها الحافظ هنا وفي القول المسدد في الذب عن المسند: ٨٩ - ٩٠ إذ قال: \"وله طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد يكون الواقف عليه أن يقطع بوقوع هذه القصة لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها، والله أعلم\". كما أخرج حديثها ابن حبان في صحيحه: ١٤/ ٦٣ - ٦٤ رقم: ٦١٨٦، والحاكم في مستدركه: ٤/ ٦٠٧ - ٦٠٨ مصححًا له ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٤: \"ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن جبير، وهو ثقة\". وصححه أيضًا ابن حجر الهيثمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: ٢/ ١٧٢، وأفرد السيوطي في قصتهما جزءًا كما ذكر ذلك في الإتقان: ٢/ ١٨٠، ويظهر أن الألوسي في روح المعاني: ١/ ٣٤٣ نقل عنه اعتراضه على من أنكر القصة بأن \"الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على علي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود﵃بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها\". وعلي القارئ في شرح الشفا: ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١ إذ قال بعد إيراده لبعض الطرق: \"ولا يخفى أن الحديث كما تراه مرفوعًا وموقوفًا له أصل ثابت في الجملة لتعدد طرقه واختلاف سنده ... وموقوفًا على علي وابن عباس كما مر، وعن ابن عمر وابن مسعود بأسانيد صحيحة وقد قيل: لهذه القصة طرق تفيد العلم لصحتها\". وقد ضعف هذه الروايات القاضي عياض في الشفا-مع الشرح لعلي القاري-: ٢/ ٣١٨ - ٣٢٢ إذ قال: \"فمما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم (أي: الملائكة) قصة هاروت وماروت وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين، وما روي عن علي وابن عباس في خبرهما وابتلائهما فاعلم-أكرمك الله-أن هذه الأخبار لم يرد منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله ﷺ، وليس هو شيء يؤخذ بقياس والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم كما قصه الله تعالى أول الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه وقد انطوت القصة على شُنَع عظيمة وها نحن نخبر في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات إن شاء الله\". ثم شرع في ذكر ما يزيف القصة ويبطلها من وجوه. ووافقه ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٤/ ٣٢ - ٣٤ فقال: (إن قومًا نسبوا إلى الله تعالى ما لم يأت به قط أثر يجب أن يشتغل به وإنما هو كذب مفترى-إلى أن قال-فصح أنها خرافة موضوعة) وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٣٠ إذ قال: \"وتحقيق القول فيه أنه لم يصح سنده ولكنه جائز كله في العقل لو صح النقل\". وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣١٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٥٢ إذ قال: \"قلنا: هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله، ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر \"أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر\" وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلًا قد كانا قبل خلق آدم\". وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٢٩، وابن كثير في البداية والنهاية: ١/ ٣٧ - ٣٨ إذ قال: \"وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت ... فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل ... \"، وجعل في تفسيره: ١/ ١٧٥ رواية سالم عن ابن عمر عن كعب عند عبد الرازق في التفسير: ١/ ٥٣ - ٥٤ أصح وأثبت من رواية نافع عن ابن عمر في المسند وغيره لأن سالمًا أثبت في أبيه من مولاه نافع قال: \"فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل والله أعلم\". وقال في تفسيره أيضًا: ١/ ١٧٨: \"وقد رويت قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال\"، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٢٤، والرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ٢٣٧ إذ قال: \"واعلم بأن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة\" ثم أخذ يعدد وجوه بطلانها، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ١٣٨. ومن المعاصرين الألوسي في روح المعاني: ١/ ٣٤١ والعلامة أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث الطبري: ٢/ ٤٣٣ رقم: ١٦٨٨ وفي تخريجه لأحاديث المسند: ٩/ ٢٩ - ٣٣ رقم: ٦١٧٨، وقال في: ٩/ ٣٢ معقبًا على كلام ابن حجر السابق في القول المسدد \"أما هذا الذي جزم به الحافظ بصحة وقوع هذه القصة صحة قريبة من القطع لكثرة طرقها وقوة مخارج أكثرها فلا، فإنها كلها طرق معلولة أو واهية بالإضافة إلى مخالفتها الواضحة للعقل لا من جهة عصمة الملائكة القطعية فقط بل من ناحية أن الكوكب الذي نراه صغيرًا في عين الناظر قد يكون حجمه أضعاف جسم الكرة الأرضية بالآلاف المؤلفة من الأضعاف فأنى يكون جسم المرأة الصغير إلى هذه الأجرام الفلكية الهائلة\". وعزا في نفس الموضع القول بوضع بني إسرائيل لها وأنها حكاية خرافية لأستاذه رشيد رضا. وكذا قال أبو شهبة في كتابه: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: ١٦٢ - ١٦٣، وضعف شعيب الأرناؤوط في تخريجه أحاديث ابن حبان: ١٤/ ١٦٤ رقم: ٦١٨٦ حديث ابن عمر المرفوع، وقال عنه هو وزميلاه في تخريج أحاديث المسند: ١٠/ ٣١٨ رقم: ٦١٨٦ \"إسناده ضعيف ومتنه باطل\". والأظهر-والله أعلم-في هذه المسألة ثبوت الحادثة لكثرة طرقها وقوة مخارج أكثرها ولا ينبغي رد الأسانيد الثابتة بمثل تلك الاعتراضات، بل الواجب جمع تلك الروايات وأخذ التفاصيل الصحيحة ورد الضعيفة، قال ابن حجر في العجاب-تحقيق الأنيس-: ١/ ٣٣٢ - ٣٤٣ عند ذكره سبب نزول هذه الآية: \"طعن في هذه القصة من أصلها بعض أهل العلم ... وليس العجب من المتكلم والفقيه إنما العجب ممن ينتسب إلى الحديث كيف يطلق على خبر ورد بهذه الأسانيد القوية مع كثرة طرقها وتباين أسانيدها أنه باطل أو نحو ذلك من العبارة مع دعواهم تقوية أحاديث غريبة أو واردة من أوجه لكنها واهية، واحتجاجهم بها والعمل بمقتضاها-إلى أن قال-وأقول: إن في طرق هذه القصة القوي والضعيف ولا سبيل إلى رد الجميع فإنه ينادي على من أطلقه بقلة الاطلاع والإقدام على رد مالا يعلمه، لكن الأولى أن يُنظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص فيؤخذ بما اجتمعت عليه، ويؤخذ من المختلف بما قوي، ويطرح ما ضعف، أو ما اضطرب فإن الاضطراب إذا بعد به الجمع بين المختلف ولم يترجح شيء منه التحق بالضعيف المردود والله المستعان\". أما ما قيل من عصمة الملائكة لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون فهو صدق لا خلاف فيه لكنه خبر عن حالهم وهو ما يجوز أن تتغير لاحقًا فيتم الإخبار عنها بذلك أيضًا بعد، وكله حق وصدق لا خلاف فيه. أو يكون من العام الذي دخله التخصيص ولا وجه لمنع ذلك، أو أن هذين الملكان قد خرجا عن صفة الملائكة لإلقاء نعت البشرية من الشهوة النفسية عليهما ابتلاء لهم في القضية، والعلم لله تعالى. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٠، فتح القدير للشوكاني: ١/ ١٨٢ - ١٨٣، شرح الشفا لعلي القاري: ٢/ ٣٢١. وأما تحول المرأة إلى كوكب الزهرة فقد أخرج ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٥ رقم: ١٠١٢ عن ابن عباس القصة وفيها: (وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب\"، قال ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ بعد إيراداه لها: \"وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولًا عن أبي زكريا العنبري ... ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم). أما بقية الوجوه التي ذكرها من ضَعَّف هذه القصة مطلقًا سواء أكانت وجوهًا عقلية أم إسنادية فلا تقوم في وجه الأسانيد القوية التي وردت بها القصة، والله أعلم.","vol":"3","page":61},{"text":"أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر وحكما بالعدل مدة، ثم افتتنا بامرأة جميلة فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص الله عنهما، والله أعلم\" (١).\nوفي ﴿الملائكة﴾ [البقرة: ١٠٢]، قولان:\nأحدهما: أن سحرة اليهود زعموا، أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، وهما رجلان ببابل. روي ذلك عن عطية (٢).\nوالثاني: أن هاروت وماروت مَلَكان، أَهْبَطَهُما الله ﷿ إلى الأرض. قاله ابن عباس (٣)، وابن مسعود (٤)، وعلي (٥)، وكعب (٦)، والسدي (٧)، والربيع (٨)، وابن عمر (٩)، ومجاهد (١٠).\n_________\n(١) الفتح: ١٠/ ٢٣٥.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٩٩): ص ١/ ١٨٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٨١): ص ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٢): ٢/ ٤٢٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٣): ٢/ ٤٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٤): ٢/ ٤٢٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٦): ص ٢/ ٤٣١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٧): ص ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٨): ص ٢/ ٤٣٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٩): ص ٢/ ٤٣٤.","vol":"3","page":62},{"text":"أخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا! قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، قال: فاختاروا هاروت وماروت. فاهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء، غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها \" بيذخت \" فلما أبصراها أرادا بها زنا، فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم! فقالا ما كنا لنشرك بالله شيئا! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقع من الشر، أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك! كنت أعلم! قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿بِبَابِلَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإنه اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض، وقد اختلف أهل العلم فيها على وجوه (٢):\nاحدها: أنها: بابل دُنْبَاوَنْد (٣). قاله السدي (٤).\nوالثاني: أنها: أنها الكوفة وسوادها، وسميت بذلك حيث تبلبلت الألسن بها، وهذا قول ابن مسعود (٥).\nوالثالث: أنها بابل العراق. قالته عائشة-رشي الله عنها- (٦). واختاره الثعلبي (٧)، وابن كثير (٨).\nوالرابع: أنها بالمغرب. قال ابن عطية: \"وهذا ضعيف\" (٩).\nوالخامس: أنها جبل نهاوند (١٠).\nوالسادس: أنها من نصيبين إلى رأس العين. قاله قتادة (١١).\nوقد رجح ابن كثير أنها بابل العراق، واستدل لذلك، بما أخرجه ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: \"إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي ببابل فإنها ملعونة\" (١٢) (١٣).\nواختلف في سبب تسميتها بـ (بابل) على أقوال (١٤):\nأحدها: أنها سميت بذلك، لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٦٨١): ص ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٣٦، والمحرر الوجيز: ١/ ١٨٦ - ١٨٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ٥٣.\n(٣) يقع جبل دماوند ضمن سلسلة جبال البرز بالقرب من بحر خزر وعلى مسافة ٧٠ كيلو متر من مدينة طهران ويقع ضمن محافظة مازندران الايرانية. هو جبل ذو نشاط بركاني ولكنه اليوم غير فعال، يمكن روية الجبل في الايام الغير مغبرة من محافظة طهران.\nيسمى كذلك في الكتب القديمة بجبل دنباوند اي بمعني الحرارة.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٨٦): ص ٢/ ٤٣١، و(١٦٩٠): ص ٢/ ٤٣٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن عطية: ١/ ١٨٧، والنكت والعيون: ١/ ١٦٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٩١): ص ٢/ ٤٣٦.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٥، ومعجم ما استعجم: ١/ ٢٠٢، ومعجم البلدان: ١/ ٣٠٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٢، ومعجم ما استعجم: ١/ ٢٠٢، ومعجم البلدان: ١/ ٣٠٩.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٧.\n(١٠) وهو قرب مدينة نهاوند الإيرانية التي تقع في منطقة جبلية إلى الجنوب من جبال زاغروس، أسسها داريوس الأول، وكانت المدينة عاصمة لإمبراطورية كسرى الأول، معظم سكانها من الكرد.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٧.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٠٠٣): ص ١/ ١٨٩.\n(١٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٥، ومعجم ما استعجم: ١/ ٢٠٢، ومعجم البلدان: ١/ ٣٠٩.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٣.\n(١٥) انظر: تفسير البغوي: ١/ ١٢٩.","vol":"3","page":63},{"text":"والثاني: سميت به، لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الآفاق إلى بابل، فبلبل الله ألسنتهم بها، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد (١).\nوالبلبلة: التفريق (٢)، قال معناه الخليل.\nقال أبو عمر بن عبدالبر: \"من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن نوحا ﵇ لما هبط إلى أسفل الجودي ابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾، أي: \"وما يعلم الملكان أحدا من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء وزوجه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاء وفتنة لبني آدم، فلا تكفر بربك\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي إن الملَكَيْن لا يعلمان أحدًا من الناس السحر حتى يبذلا له النصيحة ويقولا إِن هذا الذي نصفه لك إِنما هو امتحان من الله وابتلاء، فلا تستعمله للإِضرار ولا تكفر بسببه، فمن تعلمه ليدفع ضرره عن الناس فقد نجا، ومن تعلمه ليلحق ضرره بالناس فقد هلك وضل\" (٥).\nقال البيضاوي: \" ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به، وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور، وإنما المنع من اتباعه والعمل به\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي نحن\" اختبار للناس؛ ليتبين من يريد السحر ممن لا يريده، فلا تكفر بتعلم السحر\" (٧).\nقال الزمخشري: \" والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من اللَّه للناس. من تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمنا\" (٨)، كما قال أبو فراس (٩):\nعَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشَّرِّ لكِنْ لِتَوَقِّيهِ ... وَمَنْ لَمْيَعْرِفِ الشّرَّ. منَ الناسِ يقعْ فيهِ\nأى عرفته لأجل التحفظ منه.\nقال الحسن: \" نعم أنزل الملكين بالسحر ليعلموا الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلمان أحدا حتى يقولا ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. وهما يفعلان لا يعلمان أحدا حتى يقولا: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ \" (١٠). وروي عن قتادة (١١) مثله.\nوقال السعدي: \" أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان ﵇، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة.\nفهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٥، وزاد المسير: ١/ ١٢٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ٥٣.\n(٢) انظر: تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٤٣، والقاموس: ٩٦٨ - ٩٦٩.\n(٣) القصد والأمم: ٢٥، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣ - ٧٤.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٩.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٧٢.\n(٩) ديوان أبي فراس الحمداني، دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٩٩٤ م: ص ٣٥٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١١): ص ١/ ١٩٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٢): ص ١/ ١٩٢.\n(١٢) تفسير السعدي: ٦١.","vol":"3","page":64},{"text":"وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر (١)، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها (٢)، وهو التعبد للشياطين أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلًا (٣)، قال النووي (٤): \"عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإِجماع\" (٥).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجهين:\nأحدهما: ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ بالتشديد من التعليم.\nوالثاني: ﴿يعْلمان﴾، وفي الشاذ بسكون العين من الإِعلام (٦)، وهي قراءة طلحة بن مصرف، بناء على أن التضعيف يتعاقب مع الهمزة، وذلك أن الملكين لا يعلمان الناس السحر بل يُعْلِمَانِهم به وينهيانهم عنه.\nوالوجه الأول أشهر (٧).\nواختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير فيه وجهين (٨):\nأحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ. وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟ وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (٩).\nويؤكد هذا الوجه: ما روى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال: عَلَّم بمعنى أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك عن الإعلام، كما يقال: تعلّمْ بمعنى أعلَمْ؛ لأن من تعلم شيئا فقد عَلِمَه، فيوضع التَّعَلُّم موضع العلم (١٠).\nقال قيس بن زهَير (١١):\nتَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ... على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم\nأي: اعلم (١٢).\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٨، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ١٧٨، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٣، أضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٤٢، وغيرها.\n(٢) انظر: فتح الباري: ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٣) هذا الإيضاح والتفصيل في حكم السحر وتعلمه هو غاية التحقيق في المسألة، وبه يزول الإشكال وتجتمع الأدلة، فالسحر الذي من قبل الشياطين كفر لأنه لا يتأتى بدون الشرك وعبادة الشياطين والكواكب، وعلى هذا النوع يحمل كلام من أطلق من أهل العلم كفر السحر والساحر ومعلمه ومتعلمه إذ أنهم لا يرون سحرًا في الاصطلاح غيره، أما النوع الآخر فليس بسحر في الاصطلاح عندهم وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا. أما سحر الأدوية والتدخين والاستعانة بخواص الأشياء والأخذ بالعيون وخداعها حتى ترى الشيء على خلاف ما هو عليه: فليس بكفر، ولكنه حرام حرمة شديدة لمضرة بعضه واعتماد بعضه على الكذب على الناس وخداعهم، ويعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا، وعلى هذا النوع يحمل كلام من رأى من أهل العلم أن أنواعًا من السحر ليست بكفر، والله أعلم. انظر: الفروق للقرافي: ٤/ ١٣٥ - ١٤١، والمغني لابن قدامة: ١٢/ ٣٠٤، والإنصاف للمرداوي: ١٠/ ٣٤٩ - ٣٥٠، وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله: ٣٨٣ - ٣٨٤، وأضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٥٦، ونواقض الإيمان القولية والعملية لـ د. العبد اللطيف: ٥٠٣ وما بعدها.\n(٤) انظر: شرح النووي على مسلم: ١٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣ عند الكلام على حديث عائشة رقم: ٢١٨٩، وسحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي ﷺ.\n(٥) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٣٥/ ١٧١، مختصر الفتاوى المصرية: ١٥١، حاشية ابن عابدين: ٤/ ٢٤٠، نواقض الإيمان القولية والعملية لـ د. العبد اللطيف: ٥٠٣، السحر بين الحقيقة والخيال لـ د. الحمد: ١٤٦.\n(٦) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٢٢.\n(٧) انظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٣٢٢، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٠، والفتح: ٥/ ٣٣٦.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٩٩ - ٢٠١.\n(٩) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ٢٥٥٤ مادة (علم)، ومنه نقل الثعلبي ١/ ٢٥٠، والواحدي في البسيط: ٣/ ١٩٩.\n(١٠) نقله عن ابن الأعرابي والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٥٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٠، والواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٩٩.\n(١١) البيت لقيس بن زهير في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١١٠، و\"لسان العرب\" ٥/ ٣٠٨٣ مادة (علم).\n(١٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٩٩.","vol":"3","page":65},{"text":"قال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى ﴿يُعَلِّمَانِ﴾، ولا يكون تَعليم السحْر إذا كان إعلامًا كفرًا، ولا تعلّمه إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه كفرًا، كما أن من عرَّف الزنى لم يأثم بأنه عرَّفه، إنما يأثم بالعمل (١).\nوقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: \" الملكان يعلمان تعليم إنذار لا تعليم طلب\" (٢).\nونصر هذا القول الطبري (٣)، وقواه الزجاج (٤)، قال ابن كثير: \"وهذا الذي سلكه [يعني: ابن جرير] غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم (٥).\nالوجه الثاني: أن الله ﷿ امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله بنهر طالُوت في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nويدل على صحة هذا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (٦).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: \"أما السحر فمما علّمت الشياطين، وأما الفرق بين المرء وزوجه فمما علّم الملكان\" (٧).\nوقال الجمهور: \"بل التعليم على عرفه\" (٨). والله أعلم.\nقال الواحدي: \" وجه تعليم الملكين، أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة\" (٩).\nوقد ذكر ابن حجر إجازة بعض العلماء تعلم (السحر) لأحد أمرين (١٠):\n_________\n(١) نقل هذا بطوله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٥٥ مادة (علم)، ومنه أخذ الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٠،\n(٢) عزاه له أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٣٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٥٣ - ٥٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٢٠ - ٤٢٤.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٢.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٠، ومعاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣، \"تفسير الطبري: ٢/ ٤٢٥، \"تفسير السمعاني\" ١/ ٥٧٥، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٢٨٣.\n(٧) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩٩٦)، و(٩٩٧): ص ١/ ١٨٨، ورواه الطبري بسنده عن مجاهد (١٦٧٧): ص ٢/ ٤٢٣، وروى نحوه (١٦٧٤): ص ٢/ ٤٢١، وكذا ذكره الثعلبي في \"تفسيره: ١/ ٢٥٠ وعزاه في الدر: ١/ ١٩٤ لعبد بن حميد.\n(٨) نقل الإجماع ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٧.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢٠١.\n(١٠) نقله ابن حجر، انظر: الفتح: ١٠/ ٢٢٦. ولم أهتد إلى القائل بذلك، لكن ممن أجاز تعلم السحر بإطلاق الرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٣٠، بل وصل به الأمر إلى القول بوجوب ذلك، وقد تولى مناقشته والرد عليه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٦٢ - ٤٦٤. وأجاز أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٢٨ تعلم ما كان منه على صفة التخييل والدك والشعبذة إذا لم يقصد العمل به بل قصد معرفته لئلا تتم عليه مخايل السحرة وخدعهم، وجعله من المكروه إذا قصد به اللهو واللعب وتفريج الناس. والصحيح-والله أعلم-أن ما كان من السحر فيه استعانة بالشياطين فلا يجوز تعلمه؛ لأن ذلك يستلزم وقوع المتعلم في أنواع كثيرة من الكفريات كسب الله﷿أو كتابه أو أحد من رسله أو ملائكته، وكادعاء علم الغيب، وكاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها بالربوبية، أو السجود للشياطين أو الذبح والنذر لها ... إلخ وينبغي أن لا يكون خلافًا في حرمة تعلم ذلك. أما ما كان فيه تعلم سفك دم وتفريق بين الزوجين وخداع للخلق وكذب عليهم فلا شك في حرمته، وما قيل من حله لمن أراد تعلمه لكي لا ينطلي عليه خداع السحرة وحيلهم فلا؛ لأن الله﷿قال: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وإذا أثبت الله أن السحر ضار ونفى أنه نافع، فكيف يجوز تعلم ما هو ضرر محض لا نفع فيه؟ وكيف يدعى فيه النفع؟ بالإضافة إلى أن تعلمه قد يكون ذريعة إلى العمل به والذريعة المفضية إلى الحرام يجب سدها. وأما ما كان فيه لهو ولعب وإظهار خفة الصنعة مع تصريحه بأن الأمر معتمد على مهارته وذكائه وليونة جسده مثلًا، لا أن يزعم أنه يستعين بشيطان أو يستعمل أدوية وأبخرة ونحو ذلك فالأمر متردد بين الجواز والكراهة حسب إغراقه لنفسه في ذلك من عدمه، والأولى تركه، ولكن لا ينبغي أن يسمى هذا النوع سحرًا في غير اللغة. وأما إن كان يستعمل أدوية وأبخرة ونحو ذلك، فالأظهر الحرمة؛ لأن ذلك في الغالب ذريعة إلى التمادي في ذلك والكذب على الناس وخداعهم والاستعانة بالمردة والشياطين وتعليق قلوب الخلق بغير الله﷿-، والله أعلم. انظر: الفروق للقرافي: ٤/ ١٤٠، أضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٦٣ - ٤٦٤، السحر بين الحقيقة والخيال د. الحمد: ١٥٢ - ١٥٣، وغيرها.","vol":"3","page":66},{"text":"أحدهما: تعلمه لتمييز ما فيه كفر عن غيره، فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا (١)، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان (٢)؛ لأن كيفية ما يعلمه الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به.\nوالثاني: تعلم السحر لإِزالته عمن وقع فيه، فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلًا وإلا جاز للمعنى المذكور (٣) ... والله أعلم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \"أي: ابتلاء واختبار لكم\" (٥).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وجهين من التفسير (٦):\nأحدهما: إنما نحن ابتلاء من الله، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به.\nوالثاني: أن هذا السحر بلاء ابتلينا به، وإنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا. قاله قتادة (٧).\nمفتونان فلا تكن مثلنا.\nومعنى (الفتنة) في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (٨)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله ﷿: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين (٩)، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣]، أي: اختبرنا (١٠).\n_________\n(١) لكنها لا تستلزم تعلم ممارسته إذ يمكن معرفة حقيقة السحر وأنواعه بدون تعلم ممارسته، وامتلاك القدرة على ذلك، كالاجتهاد يمكن لكل أحد معرفة حده وشروطه دون أن يكون قادرًا على ممارسته، وكاللغات يمكن لكل أحد التعرف على خصائصها والفروق بينها دون أن يكون قادرًا على نطقها، انظر: السحر بين الحقيقة والخيال للحمد: ١٥٣ - ١٥٤.\n(٢) قال د. الحمد في كتابه السحر بين الحقيقة والخيال: ١٥٤: \"المثال الذي قاس عليه ابن حجر: الجواز مختلف عن المقاس تمامًا لأن عبادة الأوثان بأي صفة كانت-دعاء أو ذبحًا أو خوفًا أو رجاء أو غيرها-علمها لذاته ليس محذورًا بل هو مشروع، وإنما المحذور فيها صرفها لغير مستحقها الله﵎أما السحر فهو ممنوع تعلمًا وتطبيقًا، ومر ذكر رأي الجمهور في منع تعلم السحر مطلقًا فالحال مختلفة وحكمها كذلك\".\n(٣) الصحيح أن تعلم السحر لحل السحر وإزالته عمن وقع فيه لا يجوز لما سبق بيانه في حكم تعلم السحر. وحل السحر عن المسحور يختلف حكمه من حالة إلى أخرى، فإن كان بسحر فإما أن يكون كفرًا إن كان ذلك باستخدام الشياطين وتقديم القرابين لها، وإما أن يكون معصية وفسقًا إن كان بالرقى والعقد والنفث وسائر الأمور غير المشروعية. وأما إن كان بدواء حسي مباح عرف عن طريق الوحي أو التجربة نفعها كاستخراج السحر من المكان الذي وضع فيه وإبطاله وكسدر وعسل وحبة سوداء ونحو ذلك، أو كان بدواء معنوي كقراءة القرآن والأدعية المأثورة أو المباحة فأمر جائز بل مشروع لأنه من باب الدواء والمعالجة وفيه فضل كبير لمن ابتغى به وجه الله تعالى. انظر: زاد المعاد لابن القيم: ٤/ ١٢٤ - ١٢٧، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن ابن حسن: ٢٤١ - ٢٤٣، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين: ٢/ ٦٩ - ٧٦، السحر بين الحقيقة والخيال د. الحمد: ١٨٧ - ١٩٦.\n(٤) الفتح: ١٠/ ٢٢٦.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٥.\n(٦) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠١٢): ص ١/ ١٩٢.\n(٨) اتظر: مقاييس اللغة: ٤/ ٤٧٢، مادة: (فتن).\n(٩) انظر: تهذيب اللغة: ٣/ ٢٧٣٨، مادة: (فتن).\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٧٣٨، مادة: (فتن).","vol":"3","page":67},{"text":"و(الفتنة) تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا وهو الابتلاء والامتحان، والفتنة مصدر؛ لذلك لم يُثَنَّ (١).\nويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان (٢):\nلئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم\nوكان الأصمعي ينكر أفتَنَه، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به (٣). وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين (٤)، ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها (٥).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجوه (٦):\nأحدها: فلا تكفر: بتعلم السحر.\nوالثاني: فلا تكفر باستعماله.\nوالثالث: وحكى المهدوي أن قولهما: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله.\nقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \"أي يتعلمون منهما من علم السحر ما يكون سببًا في التفريق بين الزوجين\" (٧).\nقال الزمخشري: \" أى فيتعلم الناس من الملكين علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه، كالنفث في العقد، ونحو ذلك مما يحدث اللَّه عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، لا أنّ السحر له في نفسه\" (٨).\nقال قتادة: \" وتفريقهم أن يمسكوا كل واحد منهما عن صاحبه ويبغضوا كل واحد منهما إلى صاحبه\" (٩).\nقال الشوكاني: \"في إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سببًا لذلك دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد\" (١٠).\nو(المرء) معناه: رجل من أسماء بني آدم، والأنثى منه: (المرأة)، يوحد ويثنى، ولا تجمع ثلاثته على صورته، وكذلك: المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها (١١).\nوفي ﴿المرء﴾ [البقرة: ١٠٢]، أربع قراءات (١٢):\nإحداها: قرأ الحسن: ﴿المرّ﴾ بفتح الميم وتشديد الرّاء جعله عوضا عن الهمزة.\nوالثانية: وقرأ الزهري: ﴿المُرء﴾، بضم الميم والهمزة.\nوالثالث: وحكى يعقوب عن جدّه: بكسر الميم والهمزة.\nوالرابعة: وقرأ الباقون: بفتح الميم والهمزة.\n_________\n(١) انظر: الوسيط: ١/ ١٨٥.\n(٢) وقيل: لابن قيس الرقيات، كما في \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٥، (مادة: فتن) وذكر أنه قيل في سعيد بن جبير، وقال الأصمعي: هذا سمعناه من مخنث، وليس بثبت، لأنه كان ينكر أفتن. وينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، مادة: (فتن).\n(٣) انظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، مادة: (فتن)، واللسان: ١٣/ ٣١٧. مادة: (فتن).\n(٤) انظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، مادة: (فتن)، واللسان: ١٣/ ٣١٧. مادة: (فتن).\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٤.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٧٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٥): ص ١/ ١٩٣.\n(١٠) (٣) تفسير فتح القدير: (١/ ١٢٠).\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٦.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٤٩.","vol":"3","page":68},{"text":"وأما (الزوج)، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: هي زوجه، بمنزلة الزوج الذكر، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: هي زوجته، كما قال الفرزدق (١):\nوإن الذي يمشي يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها\nوالزوج في الآية: امرأة الرجل (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \" أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحدًا إِلا إِذا شاء الله\" (٣).\nقال ابن حجر: \"أي: نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإِذن إباحة الإِضرار بالسحر (٤) \" (٥).\nقال الثعلبي: \" أي بعلمه وقضائه ومشيئته وتكوينه، والساحر يسحر ولا يكون شيء\" (٦).\nقال السعدي: \" وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين\" (٧).\nوقرأ الجمهور ﴿بضارين به﴾، وقرأ الأعمش ﴿بضاري به من أحد﴾، فقيل: حذفت النون تخفيفا، وقيل: حذفت للإضافة إلى أَحَدٍ وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور (٨).\nواختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] على وجهين:\nأحدهما: أنه يعني: \"لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه\". قاله الحسن (٩).\nوالثاني: أن معناه: \"من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله\". قاله الحسن كذلك (١٠).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ثلاثة أوجه:\nاحدها: أن معناه: \"إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد\". قاله ابن إسحاق (١١)، أي: أن الله﷿تركه يفعل، ولو شاء لم يمكنه من ذلك ولم يسلطه على أحد من خلقه (١٢).\n_________\n(١) ديوانه: ٦٠٥، والأغاني ٩: ٣٢٦، و١٩: ٨ (ساسى)، في قصته مع النوار، ويقول هذا الشعر لبني أم النسير (طبقات فحول الشعراء: ٢٨١، والأغاني)، وكانت خرجت مع رجل يقال له زهير بن ثعلبة ومع بني أم النسير، فقال هذا الشعر، وبعد البيت:\nومن دون أبوال الأسود بسالة ... وصولة أيد يمنع الضيم طولها\nورواية الديوان وغيره: وإن امرءا يسعى يخبب زوجتي. وقوله: \" يخبب \"، أي يفسدها على. ويحرش: يحرض ويغرى بيني وبينها. و\" يستبيلها \": أي يطلب أن تبول في يده.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٤) أي: أن الإذن في الآية مرادف للإِرادة الكونية القدرية المعبر عنها بالخلق والإيجاد، والمتعلقة بالمشيئة لا الإرادة الشرعية المعبر عنها بالأمر والمتعلقة بالمحبة، فالله﷿أراد السحر كونًا وقدرًا لأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاء وأراد، ولم يرده شرعًا لأنه-سبحانه-لا يرضى الكفر والفسوق ولا يأمر بهما-سبحانه-بل ينهى عنهما. وعلى ذلك جاءت أقوال المفسرين، انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٨٦، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣١، جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٥٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١٨٠، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢٣٩.\n(٥) الفتح: ٥/ ٢٢٦.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٠.\n(٧) تفسير السعدي: ٦١.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠١٧): ص ١/ ١٩٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠١٨): ص ١/ ١٩٣.\n(١١) اخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٩): ص ١/ ١٩٣.\n(١٢)، انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٢٦): ص ١/ ٣١٢ رقم: ١٠٢٦، وتفسير كثير: ١/ ٣٦٤.","vol":"3","page":69},{"text":"والثاني: أن معناه: \"إلا بقضاء الله\". قاله سفيان (١).\nوالثالث: المعنى: \"ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه\". روي ذلك عن ابن عباس (٢).\nوقال المفسرون: \"الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر\" (٣).\nولـ لإذن \" في كلام العرب أوجه (٤):\nاحدها: الأمر على غير وجه الإلزام. وغير جائز أن يكون منه قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾، لأن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر - فكيف به على وجه السحر؟ - على لسان الأمة.\nوالثاني: ومنها: التخلية بين المأذون له، والمخلى بينه وبينه.\nوالثالث: ومنها العلم بالشيء، يقال منه: \" قد أذنت بهذا الأمر \" إذا علمت به \" آذن به إذنا \"، ومنه قول الحطيئة (٥):\nألا يا هند إن جددت وصلا ... وإلا فأذنيني بانصرام\nيعنى فأعلميني، ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٩] (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \"أي والحال أنهم بتعلم السحر يحصلون على الضرر لا على النفع\" (٧).\nقال الطبري: أي\" يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم، ولا ينفعهم في معادهم. فأما في العاجل في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشا (٨).\nقال الواحدي: \" المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا\" (٩).\nقال الزمخشري: \" لأنهم يقصدون به الشر. وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرّ إلى الغواية\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: أي ويتعلم الناس منهم \"ما مضرته محضة لا نفع فيها\" (١١).\nوقرأ عبيد بن عمير: ﴿مَا يُضِرُّهُمْ﴾ من أضرّ يضرّ (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، \" أي ولقد علم اليهود الذين نبذوا كتاب الله واستبدلوا به السحر، أنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ولا من الجنة لأنهم آثروا السحر على كتاب الله\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٧٠٤): ص ٢/ ٤٥٠.\n(٢) نقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٨. وليس في شيء من التفاسير المسندة.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٨، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٤٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٩.\n(٥) البيت من شواهد الطبري: ٢/ ٤٤٩، ولم اجده في الديوان.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٠\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ١٧٣.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٩.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.","vol":"3","page":70},{"text":"قال الزمخشري: \" ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه أى استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب اللَّه ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ من نصيب\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي علم هؤلاء المتعلمون للسحر أن من ابتغاه بتعلمه ليس له نصيب في الآخرة؛ وعلموا ذلك من قول الملكين: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ \" (٢).\nقال السعدي: \" فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة\" (٣).\nقال قتادة: \" وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة\" (٤).\nوروي عن قتادة أيضا: \"قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، أي استحبه\" (٥).\nوعن ابن أبي نجيح قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾، اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه\" (٦).\nواختلف أهل التفسير في قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على وجوه (٧):\nاحدها: الخلاق، في هذا الموضع: النصيب. قاله ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، والسدي (١٠) وسفيان (١١).\nالثاني: الخلاق: الحجة. قاله قتادة (١٢).\nالثالث: أنه: الدين. قاله الحسن (١٣).\nالرابع: أن (الخلاق) ههنا القوام. قاله ابن عباس (١٤).\nالخامس: ليس له في الآخرة جهة عند الله. قاله قتادة (١٥).\nوالراجح أن (الخلاق) هنا، النصيب، ومنه قول النبي ﷺ: \" ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم\" (١٦)، يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. ومنه قول أمية بن أبي الصلت (١٧):\nيَدْعُون بالويل فيها لا خَلاق لهم ... إلا سرابيلُ من قِطْر وأغلال\nيعني بذلك: لا نصيب لهم ولا حظ، إلا السرابيل والأغلال (١٨).\nقال الواحدي: \" والخلاق: النصيب الوافر من الخير، قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة\" (١٩).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٧٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٠.\n(٣) تفسير السعدي: ٦١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٩): ص ١/ ١٩٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٤): ص ١/ ١٩٥.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٥): ص ١/ ١٩٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٢ - ٤٥٤.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٢٦): ص ١/ ١٩٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: (١٧٠٩): ص ٢/ ٤٥٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: (١٧١٠): ص ٢/ ٤٥٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: (١٧١١): ص ٢/ ٤٥٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: (١٧١٢): ص ٢/ ٤٥٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: (١٧١٣): ص ٢/ ٤٥٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: (١٧١٤): ص ٢/ ٤٥٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٢٧): ص ١/ ١٩٥.\n(١٦) رواه أحمد في المسند ٥: ٤٥ (حلبي)، من حديث أبي بكرة، بلفظ: \" إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم \". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥: ٣٠٢، ثم قال: \" رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات \". وذكره أيضًا بعده، من حديث أنس، وقال: \" رواه البزار والطبراني في الأوسط، وأحد أسانيد البزار ثقات الرجال \". (كذا بالأصل). وذكره السيوطي في الجامع الصغير: ١٨٣٨، ونسبه للنسائي وابن حبان من حديث أنس، ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة. ونقل شارحه المناوي أن الحافظ العراقي قال: \" إسناده جيد \". وحديث أنس رواه أيضًا أبو نعيم في الحلية ٦: ٢٦٢. ورواه قبل ذلك ٣: ١٣، من حديث الحسن مرسلا. ثم أشار إلى حديث أنس.\n(١٧) ديوانه: ٤٧ بيت مفرد: . وقوله \" فيها \"، أظنه يعني النار. والقطر: النحاس الذائب.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(١٩) التفسير السيط: ٣/ ٢٠٩.","vol":"3","page":71},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أ\"ي ولبئس هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم\" (١).\nقال السدي: \" يعني: اليهود، يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم\" (٢).\nقال الثعلبي: \" باعوا به حظّ أَنْفُسَهُمْ حين اختاروا السّحر والكفر على الدين والحق\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي باعوا به أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر، الثمن الذي بذلوه في هذا السحر: أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم؛ صارت الدنيا الآن ليس لهم فيها ربح إطلاقًا؛ والآخرة ليس لهم فيها ربح أيضًا؛ فخسروا الدنيا، والآخرة\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم﴾ [البقرة: ١٠٢]، تأويلان (٥):\nأحدهما: يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله.\nوالثاني: من إضافتهم السحر إلى سليمان، وتحريضهم على الكذب.\nوقوله ﴿شَرَوْا﴾ أي: باعوا (٦)، والشراء والبيع واحد، لكنه غلب من جهة معطي الثمن كما غلب البيع من جهة صاحب السلعة (٧).\nقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي\" لو كان لهم علم أو فهم وإِدراك\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي: \" لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما تعلموا السحر\" (٩).\nقال القرطبي: \"فأخبر أنهم لا يعلمون\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه\" (١١).\nواختلف في تحديد المعنيين في قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، على قولين (١٢):\nالأول: قال قطرب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا أنفسهم - أي باعوها - هم الإنس الذين لا يعلمون (١٣).\nوالثاني: قال علي بن سليمان: \"الأجود عندي أن يكون \"ولقد علموا\" للملكين، لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال: \"علموا\" كما يقال: الزيدان قاموا\" (١٤).\nوإن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؟، أجيب عنه من وجهين:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٠): ص ١/ ١٩٥، وتفسير الطبري (١٧١٦): ص ٢/ ٤٥٥.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥١.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٠.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦٩.\n(٦) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٤٨، معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٦، جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٥٥، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ١/ ٦٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٥٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٣٢.\n(٧) مراده أن كلًا مِنْ باع وشرى يطلق على البيع والشراء بمعنى إعطاء السلعة وأخذ ثمنها، وأخذ السلعة وإعطاء ثمنها، أي: أنهما من الأضداد وبذلك قال أئمة اللغة، انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٦، الأضداد لابن الأنباري: ٧٢ - ٧٣، لسان العرب لابن منظور: ١/ ٤٠١ و: ٤/ ٢٢٥٢، الصحاح للجوهري: ٣/ ١١٨٩ و: ٦/ ٢٣٩١، وغيرها.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٠.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ٥٦.\n(١١) الكشاف: ١/ ١٧٣.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن ١/ ٢٣٩، وذكر كلاهما الرازي في تفسيره: ٣/ ٦٣٣.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٥٦.","vol":"3","page":72},{"text":"أحدهما: لأنهم لم يعملوا بما علموا، وإنما العالم العامل بعلمه، وأما إذا خالف عمله علمه، فهو في معاني الجهال، وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل، وإن كان بفعله عالما: لو علمت لأقصرت، كما قال كعب بن زهير المزني، وهو يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده (١):\nإذ إذا حضراني قلت: لو تعلمانه! ! ... ألم تعلما أني من الزاد مرمل\nفأخبر أنه قال لهما: \" لو تعلمانه \"، فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما فقال: ألم تعلما؟ \" (٢).\nقال الزجاج: \" لو كان علمهم ينفعهم لسُمُّوا عالمين، ولَكِنَّ عِلْمَهُم نبذوه وراء ظهورهم، فقيل لهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي ليس يوفون العلم حقه، لأنَّ العالِمَ، إِذا ترك العَمَلَ بِعِلْمِه قيل له لست بعالم\" (٣).\nوهذا تأويل وإن كان له وَجْه، إلا إنه \"خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب، أعني بقوله: ﴿ولقد علموا﴾ وقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾، وإنما هو استخراج، وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر الخطاب دون الخفي الباطن منه، حتى تأتي دلالة - من الوجه الذي يجب التسليم له - بمعنىً خلافَ دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن أولى\" (٤).\nوالثاني: لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله ﷿: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها (٥).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾؛ ويدل على هذا أن أحدهم. وهو لبيد بن الأعصم. سحر النبي ﷺ (٦).\n٢. ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين] ..\n٣ ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر على عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ ..\n٤ ومنها: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾؛ إذ لو أقرهم على ذلك. وحاشاه. لكان مُقرًا لهم على كفرهم ..\n٥ ومنها: أن تعلم السحر، وتعليمه كفر؛ وظاهر الآية أنه كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾؛ وهذا فيما إذا كان السحر عن طريق الشياطين؛ أما إذا كان عن طريق الأدوية، والأعشاب، ونحوها ففيه خلاف بين العلماء ..\nواختلف العلماء. ﵏. هل تقبل توبته، أو لا؟ والراجح أنها تقبل فيما بينه وبين الله ﷿؛ أما قتله فيرجع فيه إلى القواعد الشرعية، وما يقتضيه اجتهاد الحاكم ..\n٦ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد ييسر أسباب المعصية فتنةً للناس. أي ابتلاءً.، وامتحانًا؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾؛ فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب المعصية أن تفعلها؛ واذكر قصة بني إسرائيل حين حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت. أعني صيد البحر.؛ فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت؛ فقال لهم الله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾\n_________\n(١) ديوانه: ٥١، وأمالي الشريف المرتضى ١: ٤٢٤، وكأنه كان ينقل كلام الطبري في تفسير هذه الآية، مع التصرف. والمرمل: الذي نفد زاده. أرمل الرجل فهو مرمل، كأنه لصق بالرمل لما أنفض.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٣) معاني القرآن: ٩/ ٢١٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢١٣.\n(٦) راجع البخاري ص ٤٩٢، كتاب الطب، باب ٥٠: السحر، حديث رقم ٥٧٦٦؛ وصحيح مسلم ص ١٠٦٦ – ١٠٦٧، كتاب السلام، باب ١٧: السحر، حديث رقم ٥٧٠٣ [٤٣] ٢١٨٩.","vol":"3","page":73},{"text":"[البقرة: ٦٥]؛ واذكر قصة أصحاب محمد ﷺ حين ابتلاهم الله ﷿ وهم محرِمون بالصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ فلم يُقدم أحد منهم عليه حتى يتبين لك حكمة الله. ﵎. في تيسير أسباب المعصية؛ ليبلوَ الصابر من غيره ..\n٧ ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس. وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه.؛ لقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر﴾؛ فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره ..\n٨ ومنها: أنّ من عِظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء، وزوجه؛ لقوله تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾؛ لأنه من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين، كما ثبت في الحديث الصحيح أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: \"نِعْم أنت\" (١)؛ وفيه سحر مقابل لهذا: وهو الربط بين المرء، وزوجه؛ حتى إنه. والعياذ بالله. يُبتلى بالهيام؛ فلا يستطيع أن يعيش. ولا لحظة. إلا وزوجته أمامه؛ وبعضهم يقضي عليه هذا الأمر. نسأل الله العافية ...\n٩ ومن فوائد الآية: أن الأسباب. وإن عظمت. لا تأثير لها إلا بإذن الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله﴾.\n١٠ ومنها: أن قدرة الله ﷿ فوق الأسباب؛ وأنه مهما وجدت الأسباب. والله لم يأذن. فإن ذلك لا يؤثر؛ وهذا لا يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؛ لأن الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله ..\n١١ ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائمًا؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذن الله﴾؛ فإذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذًا تلجأ إليه ﷾ في جلب المنافع، ودفع المضار ..\n١٢. ومنها: أنّ تعلم السحر ضرر محض، ولا خير فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾؛ فأثبت ضرره، ونفى نفعه ..\n١٣ ومنها: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ يعني: من نصيب؛ وليس هناك أحد ليس له نصيب في الآخرة إلا الكفار؛ فالمؤمن مهما عذب فإن له نصيبًا من الآخرة ..\n١٤ ومنها: أن هؤلاء اليهود تعلموا السحر عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ..\n١٥ ومنها: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل؛ فإن الكافر لما لم يجعل لله نصيبًا في دنياه لم يجعل الله له نصيبًا من الآخرة ..\n١٦ ومنها: ذم هؤلاء اليهود بما اختاروه لأنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسه﴾.\n١٧ ومنها: أن صاحب العلم الذي يَنتفِع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما اشتروا هذا العلم الذي يضرهم، ولا ينفعهم؛ والذي علموا: أنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق.\nالقرآن\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ١٠٣]\nالتفسير:\nولو أن اليهود آمنوا وخافوا الله لأيقنوا أن ثواب الله خير لهم من السِّحر ومما اكتسبوه به، لو كانوا يعلمون ما يحصل بالإيمان والتقوى من الثواب والجزاء علما حقيقيا لآمنوا.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١١٦٨، كتاب صفات المنافقين، باب ١٦: تحريش الشيطان ...، حديث رقم ٧١٠٦ [٦٧] ٢٨١٣.","vol":"3","page":74},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣]، \"أي ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله وخافوا عذابه\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: ولو أنهم آمنوا\" برسول الله والقرآن، وواتقوا الله، فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين\" (٣).\nقال ابن عثيمين: ولو أنهم آمنوا \" بقلوبهم، واتقوا بجوارحهم؛ فالإيمان بالقلب؛ والتقوى بالجوارح؛ هذا إذا جمع بينهما؛ وإن لم يجمع بينهما صار الإيمان شاملًا للتقوى، والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي ﷺ \"التقوى هاهنا\" (٤)، وأشار إلى قلبه؛ والإيمان عند أهل السنة والجماعة: \"التصديق مع القبول، والإذعان\"؛ وإلا فليس بإيمان؛ و\"التقوى\" أصلها: وَقْوَى؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في معناها؛ وإلا فبعضهم قال: \"التقوى\" أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ وبعضهم قال في تعريف (التقوى) \" (٥).\nقال ابن كثير: \" وقد استدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣]،: \" أي لأثابهم الله ثوابًا أفضل مما شغلوا به أنفسهم من السحر\" (٧).\nقال الزجاج: أي: \" أن ثواب اللَّه خير لهم من كَسْبِهم بالكُفْر والسحْرِ\" (٨).\nقال أبو السعود: أي\" لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم\" (٩).\nقال المراغي: أي: \" لكان هذا الثواب العظيم الذي ينتظرونه من الله جزاء على أعمالهم الصالحة خيرا لهم من كل ما يتوقعون من المنافع والمصالح الدنيوية\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي\" لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] \" (١١).\nوقرئ: \"لمثوبة، كمشورة ومشورة\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: فهلا قيل لمثوبة اللَّه خير؟ قلت: لأنّ المعنى: لشيء من الثواب خير لهم\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" وإنما سمي الجزاء ثوابًا ومثوبة، لأن المحسن يثوب إليه\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٧٤، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ٨٠. [بتصرف بسيط].\n(٤) أخرجه مسلم ص ١١٢٧، كتاب البر والصلة، باب ١٠: تحريم ظلم المسلم وخذله ...، حديث رقم ٦٥٤١ [٣٢] ٢٥٦٤.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٨٧، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢١٥.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ٣٦٩.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٨٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٤.\n(١٢) تفسير الكشاف: ١/ ١٧٤.\n(١٣) الككشاف: ١/ ١٧٤.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٨.","vol":"3","page":75},{"text":"و(المثوبة) في كلام العرب، مصدر من قول القائل: أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة، و(الثوابُ) في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته: الجزاء العائد على صاحبه مُكَافأةً لما فعل، ومنه: التَثْويب في الأذان، إنما هو ترجيع الصَوْت، ولا يقال لصوتٍ مرةً واحدةً: تثويب، ويقال: ثوّب الداعي: إذا كرر دعاه كما قال (١):\nإذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا\nوالثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا (٢).\nومنه: ثواب الله ﷿ عباده على أعمالهم، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له (٣).\nوقال الراغب: \" الثؤوب: رجوع الشيء إلى حالة شبيهة بالحالة الأولى، يقال: ثاب الحوض إذا امتلاء بعد فراغه عقيب امتلائه، والثوب لتصوره بصورة القطن لاجتماع أجزائه بعد تفرقها بالغزل، والثيب من النساء لعودها إلى الأيمة، والتثويب في الصوت ترديده، والثواب والمثوبة في الخير تحصيل نفع يثوب إليه بإحسانه\" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣]، أضاف الله الثواب إلى نفسه، وجعلها من عنده لأمرين (٥):\nأحدهما: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم؛ فالعطية على حسب المعطي؛ عطية البخيل قليلة؛ وعطية الكريم كثيرة.\nوالثاني: اطمئنان العبد على حصولها؛ لأن الله ﷾ لا يخلف الميعاد.\nقوله تعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]، لو كانوا يعلمون \"أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم، من السحر ومما اكتسبوا به\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي لو كانوا يَعْمَلُونَ بِعِلمِهم، ويعلمون حقيقة ما فيه الفضل\" (٧).\nقال الراغب: أي: \" ولو علموا لظهر لهم ذلك\" (٨).\nقال الزمخشري: أي\" أنّ ثواب اللَّه خير مما هم فيه وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي أن ثواب الله خير. وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم\" (١٠).\nقال البيضاوي: وقد علموا، لكنه جَهَّلَهُم لترك التدبر، أو العمل بالعلم\" (١١).\nقال النسفي: \" جَهَّلَهُم، لما تركوا العمل بالعلم\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي: إنهم ليسوا على شاء من العلم الصحيح، إذ لو كان كذلك لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي ﷺ واتبعوه وصاروا من المفلحين لكنهم يتبعون الظن ويعتمدون على التقليد، ومن جرّاء هذا خالفوا الكتاب وساروا وراء أهوائهم وشهواتهم فوقعوا في الضلال البعيد\" (١٣).\n_________\n(١) البيت نسب لزهير بن مسعود الضبي، ينظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٧٦ (مادة: يا) غير منسوب. \"المعجم المفصل\" ٦/ ٨١. ونسب إلى الفرزدق في \"لسان العرب\" ٧/ ٤١٠٥ (لوم).\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢١٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٦، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٣ (مادة- ثاب)، \"المفردات\" للراغب الأصبهانى ٨٩، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٩٣، وقال: الثاء والواو والباء قياس صحيح من أصل واحد وهو العود والرجوع.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٨.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨١.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٢١٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٧٤.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ٣٦٩.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٨.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٨٠.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ١٨٣.","vol":"3","page":76},{"text":"قال الزمخشري: \" ويجوز أن يكون قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ تمنيا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة اللَّه إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل وليتهم آمنوا:، ثم ابتدئ لمثوبة من عند اللَّه خير\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: سعة حلم الله، حيث يعرض عليهم الإيمان، والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا﴾ يعني فيما مضى، وفيما يستقبل؛ وهذه من سنته ﷾ أن يعرض التوبة على المذنبين؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]، يُحَرِّقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾.\n٢ - ومنها: أن الإيمان يُنال به ثواب الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣].\n٣ - ومنها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، أي خير من كل شيء؛ قال رسول الله ﷺ: \"لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها\" (٢).\n٤ - ويؤخذ منها: ومن قوله تعالى عن الناصحين لمن تمنوا أن يكون لهم مثل ما لقارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، أنّ التقوى هي العمل الصالح ..\n٥ - ومنها: أن فعل هؤلاء اليهود، واختيارهم لما فيه الكفر من تعلم السحر فعلُ الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا لا تقولوا للرسول محمد ﷺ: راعنا، أي: راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا؛ لأن اليهود كانوا يقولونها للنبي ﷺ يلوون ألسنتهم بها، يقصدون سبَّه ونسبته إلى الرعونة، وقولوا- أيها المؤمنون- بدلا منها: انظرنا، أي انظر إلينا وتعهَّدْنا، وهي تؤدي المعنى المطلوب نفسه واسمعوا ما يتلى عليكم من كتاب ربكم وافهموه. وللجاحدين عذاب موجع.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس في رواية عطاء: \"وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي - ﷺ - أعجبهم ذلك وكان ﴿راعنا﴾ في كلام اليهود سبا قبيحا فقالوا: إنا كنا نسب محمدا سرا فالآن أعلنوا السب لمحمد لأنه من كلامهم، فكانوا يأتون نبي الله - ﷺ - فيقولون: يا محمد ﴿راعنا﴾ ويضحكون ففطن بها رجل من الأنصار وهو سعد بن عبادة وكان عارفا بلغة اليهود وقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ الآية\" \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٤]، \" أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٤).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٧٤.\n(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٠، حديث رقم ٢٣١٨٣؛ وأخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد والسير، باب ٧٣: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم ٢٨٩٢.\n(٣) أسباب النول للواحدي: ٣٣ - ٣٤، وأخرجه ابن جرير (١٧٣٣): ص ٢/ ٤٦١، ونحوه ابن أبي حاتم: (١٠٣٩): ص ١/ ١٩٧، قواه الحافظ ابن حجر في \"العجاب\": ١/ ٣٤٣ وما بعدها، ويشهد له: ما أخرجه الطبري (١٧٢٩): ص ٢/ ٤٦٠، عن قتادة بمعناه. وهو مرسل صحيح الإسناد.\n(٤) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.","vol":"3","page":77},{"text":"قال الصابوني: \" هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه\" (١).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٢).\nكما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٣) (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أي: \" لا تقولوا عند مخاطبة النبي ﷺ راعنا\" (٥).\nقال المراغي: \" نهى سبحانه الصحابة عن كلمة كانت تدور على ألسنتهم، حين خطابهم النبي ﷺ وهى كلمة (راعِنا) ومعناها راعنا سمعك: أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه ونراجعك القول لنفهمه عنك\" (٦).\nقال الحسن: \" الراعن من القول: السخري منه، نهاهم الله ﷿ أن يسخروا من قول محمد ﷺ، وما يدعوهم إليه من الإسلام\" (٧).\nوقال أبو صخر: \" كان رسول الله ﷺ إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين فقالوا: أرعنا سمعك فأعظم الله رسوله أن يقال ذلك له\" (٨).\nوالراعن: الأحمق، والأرعن: مبالغة فيه (٩).\nقال ابن عطية: \" ﴿راعنا﴾، من المراعاة بمعنى فاعلنا، أي أرعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي ﷺ. وقالت طائفة: هي لغة كانت الأنصار تقولها، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي ﷺ ليّا بلسانه وطعنا كما كان يقول: ﴿اسمع غير مسمع﴾ [النساء: ٤٦]، فنهى الله المؤمنين أن تقال هذه اللفظة\" (١٠).\nقال ابن عطية: \"ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحا وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعا متقررا\" (١١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٨.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٨٤.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (١٠٤١): ص ١/ ١٩٧.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٠٤٢): ص ١/ ١٩٧.\n(٩) انظر: الصحاح للجوهري: ٥/ ٢١٢٤ - ٢١٢٥، القاموس المحيط للفيروز آبادي: ١٠٨٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢٤٢، روح المعاني للألوسي: ١/ ٣٤٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩.","vol":"3","page":78},{"text":"قال الراغب: \" الراعي: حفظ الغير في أمر يعود بمصلحته، ومنه: رعي الغنم، ورعي الوالي الرعية، وعنه نقل: أرعيته سمعي، وتشبيهًا برعي الغنم قيل: رعيت النجوم إذا راقبتها\" (١).\nوقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، على وجهين (٢):\nأحدهما: أي: لا تقولوا خلافا. قاله عطاء (٣)، ومجاهد (٤).\nقال الراغب: وأسترذل هذا الوجه، لأنه لو كان كما قال لكان في القراءة ﴿رعنًا﴾، بالتنوين\" (٥).\nوالثاني: يعني ارعنا سمعك، أي اسمع منا ونسمع منك، وهذا قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والضحاك (٨).\nواختلف أهل التفسير في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، على وجوه (٩):\nأحدها: أنها كلمة كانت اليهود تقولها لرسول اللهﷺ- على وجه الاستهزاء والسب؛ كما قالوا سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا ليًّا بألسنتهم، فَنُهِيَ المسلمون عن قولها، وهذا قول ابن عباس (١٠) وقتادة (١١)، وعطية (١٢)، وابن زيد (١٣).\nوالثاني: أنها كلمة، كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام عنها. وهذا قول عطاء (١٤)، وأبي العالية (١٥)، وابن جريج (١٦).\nوالثالث: أن القائل لها، كان رجلًا من اليهود دون غيره، يقال له رفاعة بن زيد، فَنُهِيَ المسلمون عن ذلك، وهذا قول السدي (١٧).\nوالرابع: وقيل: إنما نهوا عن قولهم: \" راعنا \" لكونه مفاعلة متضمنة لمعنى المساواة بين المخاطب والمخاطب، فأمروا بتوقيره، كما قال ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، وذلك عن ابن عباس﵁- (١٨).\nقال ابن حجر: \"إنما نهوا عن ذلك؛ لأنها كلمة تقتضي المساواة (١٩)، وقد فسرها مجاهد: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك (٢٠) \" (٢١).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٧٢٠): ص ٢/ ٤٥٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٧٢١)، و(١٧٢٢)، و(١٧٢٣)، و(١٧٢٤): ص ٢/ ٤٥٩.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٧٢٥): ص ٢/ ٤٦٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٧٢٦): ص ٢/ ٤٦٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٧٢٧): ص ٢/ ٤٦٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٧٣١): ص ٢/ ٤٦١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٧٢٨): ص ٢/ ٤٦٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٧٢٩): ص ٢/ ٤٦٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٧٣٢): ص ٢/ ٤٦١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٧٣٣)، و(١٧٣٤)، و(١٧٣٥): ص ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٧٣٦): ص ٢/ ٤٦٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٧٣٧): ص ٢/ ٤٦٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٧٣٨): ص ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.\n(١٨) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٢.\n(١٩) كلام الحافظ-رحمه الله تعالى-في تفسير هذه الآية يقرب كثيرًا من كلام السمين في الدر المصون: ١/ ٣٣١ - ٣٣٢، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣١٢، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٨.\n(٢٠) تفسير الطبري (١٧٢٦): ص ٢/ ٤٦٠.\n(٢١) الفتح: ٨/ ١٣","vol":"3","page":79},{"text":"والراجح في هذه المسألة أن يقال: بأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه ﷺ وتعظيمه، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: (راعنا) لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك (١)، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل: \" عاطنا، وحادثنا، وجالسنا \"، بمعنى: افعل بنا ونفعل بك (٢)، فكذلك نهى الله ﷿ المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لما كان قول القائل: راعنا، محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك. من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك الله: بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى: أَرْعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة، بمعنى: فرغته لسماع كلامه، كما قال الأعشى ميمون بن قيس (٣):\nيُرْعِي إلى قول سادات الرجال إذا ... أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا\nيعني بقوله (يرعى)، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٤]، على وجوه:\nالأول: ﴿رّاعنِا﴾، بغير تنوين على أنه فعل أمر من المراعاة، وهي قراءة الجمهور (٤).\nوالثاني: ﴿لا تَقُولُوا رَاعُونَا﴾، قرأ بها أبي بن كعب وزر بن حبيش والأعمش، وهي بلفظ الجمع وكذا في مصحف ابن مسعود (٥)، وفيه أيضًا (أرعونا) (٦).\nقال ابن عطية: \" وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ كما تخاطب الجماعة، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولا من الرعونة\" (٧).\nوالثالث: وقرئ: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ بالتنوين، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن وأبي حيوة وابن أبي ليلى وابن محيصن والأعمش، بمعنى: لا تقولوا قولا راعنًا، من: الرعونة، وهي الحمق والجهل (٨).\nقال ابن عطية: \" وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون «راعنا» دون تنوين\" (٩).\nقال الطبري: \" وهذه قراءة [أي بالتنوين] لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أي ولكن قولوا \"انتظرنا وارتقبنا\" (١١).\nقال أبو صخر: \" أمرهم الله أن يقولوا: ﴿انظرنا﴾، ليعزروا رسوله ويوقروه\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" يعني إذا أردتم من الرسول أن ينتظركم فلا تقولوا: ﴿راعنا﴾؛ ولكن قولوا: ﴿انظرنا﴾: فعل طلب؛ و\"النظر\" هنا بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]، أي ما ينتظر هؤلاء\" (١٣).\nقال ابن عطية: أي: \"انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي ﷺ على المعنيين، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى ﴿راعِنا﴾، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \"وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم ﷺ: انظرنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا\" (١٥).\nيقال منه: نظرت الرجل أنظره نظرة، بمعنى انتظرته ورقبته، ومنه قول الحطيئة (١٦):\nوقد نَظَرتكمُ أَعْشاء صادرةٍ ... للخِمس، طال بها حَوْزي وتَنْساسي\nومنه قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، يعني به: انتظرونا (١٧).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، على وجهين:\nأحدهما: أن معناه: \"اسمع منا\". أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء (١٨).\nوالثاني: \"أفهمنا يا محمد، بيّن لنا\".قاله مجاهد (١٩).\nوقرأ الأعمش وغيره ﴿أنظرنا﴾، بقطع الألف وكسر الظاء، وقرئ ﴿أنظرونا﴾، بمعنى: أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك (٢٠)، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩]، أي أخرني (٢١).\nقال الطبري: \"ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع، لأن أصحاب رسول الله ﷺ إنما أمروا بالدنو من رسول الله ﷺ، والاستماع منه، وإلطاف الخطاب له، وخفض\n_________\n(١) ومعنى: أرعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله ﷺ، بقولهم له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦]. [انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٥].\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥\n(٣) ديوانه: ٨٦، وهي في هوذة بن علي كما سلف. يقول قبله:\nيا هوذ، يا خير من يمشي على قدم ... بحر المواهب للوراد والشرعا\nوابتدع: أحدث ما شاء.\n(٤) نظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٨٨، المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٣١ وغيرها.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٨، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٣٣٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ٦٠.\n(٦) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٨، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٣٣٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ٦٠.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩.\n(٨) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٨، والمحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣١٣، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢٦، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٦٠، معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٨٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٣٢، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٨، وغيرها.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٥): ص ١/ ١٩٨.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٨.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩.\n(١٥) تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٧.\n(١٦) (\") ديوانه: ٥٣، واللسان (نظر) (حوز) (نس) (عشا). من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر، ويمدح بغيض بن عامر من شماس. والأعشاء جمع عشى (بكسر فسكون): وهو ما تتعشاه الإبل. والصادرة: الإبل التي تصدر عن الماء. والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام، ثم ترد في الرابع. والحوز: السوق اللين، حاز الإبل: ساقها سوقا رويدا. والتنساس والنس، مصدر قولك: نس الإبل بينها: ساقها سوقا شديدا لورود الماء. ويروى \" إيتاء صادرة \". والإيتاء مصدر آنيت الشيء: إذ أخرته. يقول للزبرقان، حين نزل بداره، ثم تحول عنها إلى دار بغيض (انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء: ٩٦ - ٩٨): انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها. وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا، وفي بطونها ماء كثير، فهي تحتاج إلى بقل كثير. يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار. وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة، ولقوله فيها: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي\n(انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٨).\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٤٣): ص ١/ ١٩٧.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٤٤): ص ١/ ١٩٨.\n(٢٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٩.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٨.","vol":"3","page":80},{"text":"الجناح - لا بالتأخر عنه، ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: ﴿انظرنا﴾، ولم يقطعها بمعنى: انتظرنا\" (١).\nوالقراءة الصحيحة، هي: ﴿وقولوا انظرنا﴾، بوصل (الألف) بمعنى: انتظرنا، لإجماع الحجة على تصويبها، ورفضهم غيرها من القراآت، والله أعلم (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١ - ٤]، \" أي اسمعوا سماع استجابة، وقبول\" (٣).\nقال الحسن: \" أمرهم أن يسمعوا قوله، ويقبلوا عنه فأبوا ذلك وعصوا ربهم\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع\" (٥).\nقال النسفي: \" وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"يعني: اسمعوا ما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه\" (٧).\nقال القاسمي: \" أي قولوا ما أمرتكم به، وامتثلوا جميع أوامري، ولا تكونوا كاليهود، حيث قالوا سمعنا وعصينا\" (٨).\nقال البيضاوي: أي: \" وأحسنوا الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول اللَّه ﷺ ويلقى عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيدا عليهم ترك تلك الكلمة\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة\" (١١).\nقاقا قال الرازي: \" فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة:\nأحدها: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي ﵇ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة.\nوثانيها: اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا.\nوثالثها: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيدا عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٧): ص ١/ ١٩٨.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٢١٨.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٨٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٩.\n(٨) محاسن التأويل: ١/ ٣٦٩.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٨ - ٩٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٠.\n(١٢) تفسير الرازي: ٣/ ٢٠٥.","vol":"3","page":81},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]، \"أي ولليهود الذين نالوا من الرسول وسبّوه، عذاب أليم موجع\" (١).\nقال البيضاوي: \" يعني الذين تهاونوا بالرسول ﵇ وسبوه\" (٢).\nقال قتادة: \" ﴿عذاب أليم﴾، أي موجع\" (٣).\nقال ابن عطية: \" وأعلمَ أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما، وهو المؤلم\" (٤).\nقال المراغي: \" الكافرون هنا هم اليهود، وفي التعبير به إيماء إلى أن ما صدر منهم من سوء الأدب في خطابه ﷺ كفر لا شكّ فيه، لأن من يصف النبي ﷺ بأنه شرّير، فقد أنكر نبوّته وأنه موحى إليه من قبل ربه، ومتى فعل ذلك فقد كفر واستحق العذاب الأليم\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي اليهود الذي توسلوا بقولكم المذكور إلى التهاون بمقام رسول الله ﷺ عَذابٌ أَلِيمٌ لما اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق، فيه وعيد شديد لهم، ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، ومن ليّهم ما جاء في الحديث أنهم كانوا إذا سلموا يقولون «السام عليكم» (٦)\nوالسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نزد عليهم ب «وعليكم»، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا\" (٧).\nيقول الإمام القرطبي: في هذه الآية دليلان (٨):\nأحدهما: تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة.\nوالثاني: التمسك بسد الذرائع (٩) وحمايتها، وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة. والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٨): ص ١/ ١٩٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٠، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦٠.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(٦) صحيح البخاري (٥٦٧٨): ص ٥/ ٢٢٤٢.\n(٧) محاسن التأويل: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٧ - ٦٠\n(٩) يقول ابن القيم: وإذا تأملت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات.\nفنهى الله عن سب آلهة المشركين، لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى عدوًا وكفرًا على وجه المقابلة.\nوأمسك - ﷺ - عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه.\nومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور، ومنعهن من التسبيح في الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق.\nونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها، حتى كأنه ينظر إليها.\nونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن فاعله.\nونهى عن تعليه القبور وتشريفها وأمر بتسويتها.\nونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكون هاتين الوقتين وقت سجود الكفار للشمس، ففي الصلاة نوع تشبه بهم في الظاهر.\nونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة، لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة.\nوحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم.\nوأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح، لكون ذلك ذريعة ظاهرة إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم.\nومنع من تجاوز أربع زوجات، لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور، وعدم العدل بينهن.\nومن ذلك: نهيه سبحانه رسوله - ﷺ - عن الجهر بالقرآن بحضرة العدو، لما في ذلك ذريعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله.\nومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن يقولوا للنبي - ﷺ - (راعنا) مع قصدهم المعنى الصحيح، وهو المراعاة، لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب، ولئلا يتشبهوا بهم.\nومن ذلك أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة، لئلا يتخذ ذريعة إلى الابتداع في الدين، وتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة.\nونهى - ﷺ - عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا، ما أقاموا الصلاة، سدًا لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن.","vol":"3","page":83},{"text":"أما الكتاب: فهذه الآية، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ، لأنه ذريعة للسب، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] الآية، فحرم عليهم ﵎ الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا، أي ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك معنى التحذير عن ذلك، وقوله تعالى لآدم وحواء: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقد تقدم.\nوأما السنة: فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير [فذكرتا ذلك] لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله\" (١). قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله ﷿ عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: \"اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\" (٢) وقال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد\" (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الصلاة/ باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء: (٤١٧). فتح الباري: ١/ ٦٢٤.\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر، ٢٤ - باب جامع الصلاة، حديث (٨٥) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا. وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٤٠٦، باب الصلاة على القبور برقم (١٥٨٧) عن معمر عن زيد بن أسلم. وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٤١). وابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٥) من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم؛ فهو معضل عند هؤلاء، لكنه قد جاء موصولًا عن أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦). وأبونعيم في الحلية (٧/ ٣١٧). والحميدي (٢/ ٤٤٥)، حديث (١٠٢٤). كلهم من طريق سفيان بن عيينة.\nقال: حدثنا حمزة بن المغيرة الكوفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وهذا إسناد حسن.\nحمزة بن المغيرة قال الحميدي في شأنه: وكان من سراة الموالي، ولعله من قول سفيان. وقال أبوالنضر: كان رجل الكوفة. وقال ابن معين: ليس به بأس.\nوذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب الكمال (١/ ٣٣٤).\nورواه أبونعيم في الحلية (٦/ ٢٨٣) من طريق عبد الله بن هشام الدستوائي حدثني أبي ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\nورواه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٢٢٠) من طريق عمر بن صهبان - وهو ضعيف - عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٤٢) أن البزار رواه من طريق عمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثم صحح الحديث من طريق أبي سعيد روي بإسناد إلى البزار، وساق إسناد البزار إلا أنه قال: عمر بن محمد بدل عمر بن صهبان فينظر. وعلى كل حال فالحديث صحيح، انظر: الزرقاني (١/ ٣٨٥).\n(٣) هذا الحديث يرويه الإمام مالك في \" الموطأ \" رقم: (٥٩٣)، طبعة مؤسسة زايد آل نهيان، ورقم (٤١٤)، طبعة دار إحياء التراث تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، في أوائل باب \" جامع الصلاة \"، عن عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال: \"اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ \".\nوعطاء بن يسار ليس من الصحابة، بل من التابعين، فحديثه مرسل، ولكن ورد الحديث مسندا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"، هكذا من دون كلمة (يعبد).\nورواه الإمام أحمد في \" المسند \" (١٢/ ٣١٤) طبعة مؤسسة الرسالة، وقال المحققون: إسناده قوي. وصححه الشيخ الألباني في كتاب \" تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد \" (ص/٢٤) وإن كان قال الحافظ ابن رجب في \" فتح الباري \" (٢/ ٤٤١) عن حديث أبي هريرة: \" بإسناد فيه نظر \".\nيدل هذا الحديث على حرمة بناء المساجد على القبور، وحرمة قصد الصلاة إلى قبر النبي ﷺ، وحرمة كل الأفعال التي كان يفعلها الكفار عند أوثانهم من ذبح ونذر واتخاذ سرج ونحو ذلك.\nيقول ابن عبد البر ﵀: \" الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنما كان أو غير صنم؛ وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله ﷺ على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، فقال ﷺ: اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، ويسجد نحوه ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله ﷺ يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم \" انتهى. \"التمهيد \" (٥/ ٤٥).\nويقول أيضا: \" وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره، وأن يتخذ مسجدا، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده، وإذا صنع من ذلك في قبره، فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك \" انتهى. الاستذكار \" (٢/ ٣٦٠).\nوقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب ﵀، وأكده، ثم قال: \" وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى: قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده.\nوقال صاحب \" التنبيه \" من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام.\nقال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا الداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. ولهذا المعنى قالت عائشة: \" ولولا ذلك لأبرز قبره\"\" انتهى.\" فتح الباري \" لابن رجب (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\nوقد ذكر القاضي عياض ﵀ أن هذا الحديث كان دليل الإمام مالك ﵀ على كراهة أن يقول المسلم: زرت قبر النبي ﷺ. خشية أن يكون هذا الكلام من اتخاذ القبر وثنا يعبد.\nيقول القاضي عياض ﵀: \" الأَوْلى عندي أن منعَه وكراهة مالك له – قول: زرت قبر النبي ﷺ - لإضافته إلى قبر النبي ﷺ، وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه، لقوله ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدى، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) \" انتهى.\" الشفا \" (٢/ ٨٤).\nوفي \" البيان والتحصيل \" لابن رشد (١٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥): \" سئل مالك رحمه الله تعالى عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، وذكر حديث: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد \"،\nقال ابن رشد: فيُكره أن يُكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا \"\" انتهى.\nوسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر، ويسلمون ويدعون ساعة، فقال: \" لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك \" انتهى.\" الشفا بتعريف حقوق المصطفى \" (٢/ ٦٧٦).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا أن تعلق عليها الستور، ولا أن ينذر لها النذور، ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائنًا من كان الميت، فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان \" انتهى. مجموعة الرسائل والمسائل: (١/ ٥٤).\nويقول أبو الوليد الباجي ﵀: \" دعاؤه ﷺ أن لا يجعل قبره وثنا يعبد تواضعا والتزاما للعبودية لله تعالى، وإقرارا بالعبادة، وكراهية أن يشركه أحد في عبادته، وقد روى أشهب عن مالك أنه لذلك كره أن يدفن في المسجد، وهذا وجه يحتمل أنه إذا دفن في المسجد كان ذريعة إلى أن يتخذ مسجدا، فربما صار مما يعبد \" انتهى. \" المنتقى شرح الموطأ \" (١/ ٣٠٦). والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":84},{"text":"وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في","vol":"3","page":85},{"text":"الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه\" (١) الحديث، فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدا للذريعة.\nوقال ﷺ: \" لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس\" (٢).\nوقال ﷺ: \"إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ\" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ: \"يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ\" (٣)، فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء.\nوقال ﷺ: \"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\" (٤).\nقلت-الإمام القرطبي-: فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال. لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه، فاعلمه (٥).\nالفوائد:\n١ - أنه إذا ذكر باب ممنوع مسدود أمام الناس، فإن الحكمة تقتضي أن يذكر لهم ما يستغنون به عنه من الأشياء المباحة، لهذا قال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فهو لم ينههم ويجعلهم عائمين لا يدرون ما يقولون، بل أرشدهم إلى القولة المباحة النافعة، وهي: ﴿انظرنا﴾.\n٢ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٩٦).\n(٢) أخرجه الترمذي (ك ٣٤ / صفة القيامة / ب ١٩ / ح ٢٤٥١)، قال حدثنا أبو بكر بن أبي النضر قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا أبو عقيل الثقفي عبد الله بن عقيل قال: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثني ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية وكان من أصحاب رسول الله ﷺ: \" ... الحديث \" وقال الترمذي: \" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه \".\nوأخرجه ابن ماحة (ك ٣٧ / الزهد / ب ٢٤ / ح ٤٢١٥) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به.\nوأخرجه الحاكم (ك ٤٧ / الرقاق / ب ٣٣٠٢ / ح ٧٩٦٩) من طريق عبد الله بن الحسين قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة به بنحوه وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوأخرجه القضاعي في مسنده (٢/ ٧٤، ٧٥، ٧٦ /ح ٩٠٩، ٩١٠، ٩١١، ٩١٢) من طرق عن أبي النضر به لكن في طريق أبي الحسن الهمداني (لما به بأس).\nوأخرجه البيهقي في السنن (٥/ ٣٣٥ / كتاب البيوع) من طريق أبي طاهر الفقيه قال أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال حدثنا أبو الأزهر به.\nوأخرجه المزي في تهذيب الكمال (١٦/ ٣٢٠) بسنده من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به بلفظ (لما به بأس).\nوعزاه الألباني أيضا في غاية المرام (ص ١٠٥) لعبد بن حميد في المنتخب من المسند وابن عساكر في التاريخ من طريق أبي عقيل عن عبد الله بن يزيد به، ولست أدري هل هو عند هذين بنفس لفظ حديث الترجمة أم بنحوه أم بمعناه.\n(٣) رواه البخاري- كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه- حديث: ٥٦٣٦، ومسلم- كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها- حديث: ١٥٥.\n(٤) رواه كل من: ابي داود في سننه ٣٤٦٢/وابن عدي في كامل الضعفاء ٧/ ٧١/وابو نعيم في حلية الاولياء ٥/ ٢٣٧، وللبهيقي في السنن الكبرى ٥/ ٣١٦، وابن القطان في الوهم والايهام ٥/ ٧٧١، وابن القطان في الوهم والايهام ٥/ ٢٩٤، والمنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٨٨، وابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٩/ ٣٠، وبيان الدليل لابن تيمية: ١٠٩، والقواعد النورانية لابن تيمية ١٧٥، المحررمحمد ابن عبد الهادي ٣١٥، والذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٥٤٧، وفي الدراية لابن حجر العسقلاني ٢/ ١٥١، وفي بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ٢٤٥، والاجوبة المرضية للسخاوي ١/ ٢١٣، والجامع الصغير للسيوطي ٥١٤، ونيل الاوطار للشوكاني ٥/ ٣١٨، والسيل الجرار للشوكاني ٣/ ٨٨، وفتح الغفار للرباعي ١٢٠٧/ ٣، حاشية بلوغ المرام لابن باز ٥٠٤، صحيح الترغيب للالباني ١٣٨٩، السلسلة الصحيحة للالباني ١١، وغاية المرام للالباني ١٦٠، صحيح الجامع للالباني ٤٢٣، صحيح ابي داود ٣٤٦٢، بلوغ المرام لابن عثيمين ٤/ ٣٦، ومسند احمد بتحقيق احمد شاكر ٧/ ٨٨، واخر مسند احمد لاحمد شاكر ٧/ ٢٦٧، والطرسوس في مسند عمر، وابن ابي الدنيا في العقوبات، وتهذيب الاثار للطبراني، وفي التلخيص، والدولابي في الكنى، أهـ وكلهم عن ابن عمر ﵁. الا طريق واحد عن جابر.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٧ - ٦٠.","vol":"3","page":86},{"text":"٣ - النهي عن مشابهة المشركين، عن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم\" (١).\n٤ - قال ابن كثير: \"ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها\" (٢).\n٥ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عن حديث \"ومن تشبه بقوم فهو منهم\" (٣) قال: \"وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم\" (٤).\n٦ - تحريم الخطاب بالكلمات المحتملة للحق والباطل بالنسبة للرسول - ﷺ -.\n٧ - تجني اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه، وجرأتهم على وصف الرسول - ﷺ - والمؤمنين بالمعاني السيئة القبيحة.\n٨ - وجوب الاحتراز من التعابير التي قد توهم معاني سيئة، والحرص على الأدب في الألفاظ فذلك أسلم وأكمل.\n٩ - سد الذرائع الموصلة إلى أمر محظور شرعًا.\n١٠ - وجوب السمع والطاعة لأوامر الله، لقوله تعالى: ﴿واسمعوا﴾.\n١١ - ثبوت الجزاء على العمل لقوله ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nالقرآن\n﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]\nالتفسير:\nما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أن يُنزَّل عليكم أدنى خير من ربكم قرآنًا أو علمًا، أو نصرًا أو بشارة. والله يختص برحمته مَن يشاء مِن عباده بالنبوة والرسالة. والله ذو العطاء الكثير الواسع.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nالأول: قال الواحدي: \" قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد - ﷺ - قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه ليس بخير مما نحن عليه، ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم هذه الآية\" (٥).\nوالثاني: قال الرغب: \" سبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يظهرون مودة المسلمين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفي ما أدعوه وكان المسلمون يوالونهم ويركنون إليهم، فأكذبهم الله تعالي في ذلك [ونفى ما ادعوه] ونهاهم تعريضًا عن موادتهم، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، \"أي ما يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزّل عليكم شيء من الخير، بغضًا فيكم وحسدًا لكم\" (٧).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٩٢).\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٤.\n(٣) رواه أحمد: ٢/ ٥٠، وألو داود: اللباس/ باب\"في لبس الشهرة\": ١١/ ٧٤، صححه الألباني في الإرواء برقم (١٢٦٩) وفي صحيح الجامع برقم (٢٨٢٨).\n(٤) اقتضاء الصراط المستقيم: ١/ ٢٣٧.\n(٥) أسباب النزول: ٣٤.\n(٦) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٢٨٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.","vol":"3","page":87},{"text":"قال الطبري: أي: \": ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان، أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزله عليكم، فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد ﷺ من حكمه وآياته، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين\" (١).\nو(الود) \"خالص المحبة\" (٢).\nقال الراغب: \" الود: محبة الشر مع تمنيه، ولما كان لهما استعمل في كل واحد منهما، فقيل: وددت فلانا إذا أحببته، وددت الشيء إذا تمنيته\" (٣).\nقال القرطبي: \" (الخير) هنا يشمل خير الدنيا، والآخرة، القليل والكثير؛ لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود، والنصارى، ومن المشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون أن ينزل علينا أيّ خير؛ ولو تمكنوا أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا؛ وهذا ليس خاصًا بأهل الكتاب والمشركين في زمان الرسول ﷺ؛ بل هو عام؛ ولهذا جاء بصيغة المضارع: ﴿ما يود﴾؛ وهو دال على الاستمرار\" (٤).\nوقال الفخر الرازي: \" (الخير) الوحي وكذلك الرحمة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء\" (٥).\nقال ابن عاشور: \"والخير النعمة والفضل، قال النابغة (٦):\nفلست على خير أتاك بحاسد\nوأراد به هنا النبوءة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر، وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ \" (٧).\nومعنى (الاختصاص): \"الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ (٨)، لأنه انفرد كل منهما واحد عن الآخر من غير جمع بينها، ثم يقال لسوء الحال: الخصاصة، لأنها خللٌ في الحال وصدع\" (٩).\nويُقْرأ ﴿أن يُنْزَل عليكم﴾، بالتخفيف والتثقيل جميعًا، ويجوز في العربية أن يَنْزِلَ عليكم، ولا ينبغي أن يقرأ بهذا الوجه الثالث، إذ كان لم يقرأ به أحد من القراء المشتهرين (١٠).\nو(التنزيل): هو إنزاله شيئًا فشيئًا؛ وأما (الإنزال): فهو إنزاله جملة واحدة؛ هذا هو الأصل؛ فهم لا يودون هذا، ولا هذا: لا أن ينزل علينا الخير جملة واحدة؛ ولا أن ينزل شيئًا فشيئًا (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٨.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٨.\n(٥) تفسير الرازي: ٣/ ٢٠٥.\n(٦) ديوان النابغة، قصيدة رقم ٦. وعجز البيت:\nوكنت امرءا لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد\nإذ عابوا قوله وقالوا: كيف يحسده على ما قد جاد به له؟ انظر: الموشح للمرزباني: ١/ ٤٥.\n(٧) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٥٣.\n(٨) أي: فُرَج بين الأثافي والأصابع، ينظر: \"اللسان\" ٢/ ١١٧٣، وقال في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤: وأصل ذلك من الخَصَاص، وكل خَلَلٍ أو خَرْق يكون في مُنْخل أو باب أو سحاب أو بُرقُع فهو خصَاص.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢١٩، وانظر: هذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩، \"المفردات\" ١٥٥، \"اللسان\" ٣/ ١٤٧٦.\n(١٠) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٨٩.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٨.","vol":"3","page":88},{"text":"قال الآلوسي: \" وفي إقامة لفظ (الله)، مقام ضمير ﴿ربكم﴾، تنبيه على أن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض يلائم الألوهية كما أن إنزال الخير على العموم يناسب الربوبية\" (١).\nقال الراغب: \" إن قيل: فلم قال: \" ولا المشركين \" وذلك يقتضي أن المشركين ضربان، كافر، وغير كافر كما أن أهل الكتاب ضربان؟ قيل: إن \" من \" في قوله (ومن أهل الكتاب) للتبيين ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، فإذا كان كذلك، فالذين كفروا هم أهل الكتاب، فجاز أن يقال: (ولا المشركين) عطفًا على لفظ أهل الكتاب، وجاز أن يقال (ولا المشركين) عطفًا على الذين، ولو قرئ به لجاز\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، أي والله \"يختص بالنبوة والوحي والفضل والإِحسان، من شاء من عباده\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي يختص بنُبوته من يشاءُ من أخبر - ﷿ - أنه مختار\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له\" (٥).\nواختلف في معنى (الرحمة)، في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، على أقوال (٦):\nأحدها: أن الرحمة: الإسلام. قاله مجاهد (٧)، والحسن (٨)، ومقاتل (٩).\nوالثاني: أن الرحمة في هذه الآية عامة، لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا. قاله ابن عطية (١٠).\nوالثالث: أن الرحمة هنا: النبوة. قاله علي بن أبي طالب (١١)، ومحمد بن علي بن الحسين (١٢)، وابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، والزجاج (١٥)، وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (١٦).\nواختار الطبري قول مجاهد، فقال: الرحمة هنا: \"نبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له، و\" اختصاصه \" إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه، وكل ذلك رحمة من الله له\" (١٧).\nالرابع: وقيل: النبي -ﷺ-، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فهو نبي الرحمة (١٨).\n_________\n(١) روح المعاني: ١/ ٣٥٠.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ١٨٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧١.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦١ وتفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥١): ص ١/ ١٩٩، ولفظه: \"القرآن والإسلام\".\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٢): ص ١/ ١٩٩.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ١٢٧.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٠.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦١ وتفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٠.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ١٢٧.\n(١٣) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٠): ص ١/ ١٩٩.\n(١٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٩.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٩٩.\n(١٧) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٠.\n(١٨) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦١ وتفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٠.","vol":"3","page":89},{"text":"والصواب: أن الرحمة هنا عامة بجميع أنواعها، والأقوال الأخرى هي ضمن الرحمة العامة التي في لفظ الآية، \"فرحمته تعالى يشمل رحمة الدين، والدنيا؛ ومن ذلك رحمة الله بإنزال هذا الوحي على محمد ﷺ؛ لأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ هو من رحمة الله عليه، وعلينا، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] \" (١).\nقال ابن عثيمين: \"وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذا مقرون بالحكمة؛ يعني اختصاصه بالرحمة لمن يشاء مبني على حكمته ﷾؛ فمن اقتضت حكمته ألا يختصه بالرحمة لم يرحمه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، أي \"والله واسع الفضل والإِحسان\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي ذو العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة؛ و﴿الْعَظِيمِ﴾ أي الواسع الكثير الكبير؛ فالعِظم هنا يعود إلى الكمية، وإلى الكيفية\" (٤).\nقال الطبري: \" خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم، من غير استحقاق منهم ذلك عليه\" (٥).\nقال الراغب: \" بيّن أنه وإن اختص برحمته بعض الناس، فليس ذلك لضيق فضله، بل فضله عظيم، ورحمته [تسع كل شيء وإنما يسع رحمته] ضربان، أحدهما يصل إليه كل من شاء الوصول إليه من العباد\nبتمكين الله إياه وضرب يخص تعالى به بعض عباده لا يعرفه في ذلك\" (٦).\nقال الآلوسي: \" تذييل لما سبق وفيه تذكير للكارهين الحاسدين بما ينبغي أن يكون مانعا لهم لأن المعنى على أنه سبحانه المتفضل بأنواع التفضلات على سائر عباده فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا، ويود عدم إصابة خير له، والكل غريق في بحار فضله الواسع الغزير كذا قيل: وإذا جعل الفضل عاما وقيل: بإدخال النبوة فيه دخولا أوليا لأن الكلام فيها على أحد الأقوال. كان هناك إشعار بأن النبوة من الفضل لا كما يقوله الحكماء من أنها بتصفية الباطن، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته، وتصدير هذه الجملة بالاسم الكريم لمناسبة العظيم\" (٧).\nالفوائد\n١ من فوائد الآية: بيان عداوة غير المسلمين للمسلمين؛ لأنه تعالى ذكر صنفين ينتظمان جميع الأصناف: أهل الكتاب. وهم اليهود، والنصارى.؛ والمشركين. وهم كل أصحاب الأوثان.؛ فكل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ لأنهم لا يودون الخير للمسلمين.\n٢ ومنها: أنه يجب علينا أن نحذر من كل تصرف يصدر عن اليهود، والنصارى، والمشركين، ونتخذهم أعداءً، وأن نعلم أنهم بجميع تصرفاتهم يحاولون أن يمنعوا الخير عن المسلمين.\n٣ ومنها: أن هؤلاء الكفار يودون أن يمنعوا عن المسلمين التقدم.\n٤ ومنها: أنه يحرم على المسلمين أن يُوَلُّوا هؤلاء الكفار أيّ قيادة؛ لأنهم ما داموا لا يودون لنا الخير فلن يقودونا لأيّ خير مهما كان الأمر؛ ولهذا يحرم أن يجعل لهم سلطة على المسلمين لا في تخطيط، ولا في نظام، ولا في أي شيء؛ بل يجب أن يكونوا تحت إمرة المسلمين، وتحت تدبيرهم ما أمكن؛ وإذا استعنا بهم فإنما نستعين بهم لإدراك مصالحنا وهم تحت سلطتنا؛ لأنهم لو استطاعوا أن يمنعوا القطر وينبوع الأرض عن المسلمين لفعلوا؛ إذًا فيجب علينا الحذر من مخططاتهم، وأن نكون دائمًا على سوء ظن بهم؛ لأن إحسان\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧١.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٣.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٣٥٠.","vol":"3","page":90},{"text":"الظن بهم في غير محله؛ وإنما يحمل عليه الذل، وضعف الشخصية، والخور، والجبن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمِْ﴾ [البقرة: ١٠٥]؛ وهي شاملة لخير الدنيا، والآخرة؛ فاليهود حسدوا المسلمين لما آمنوا بمحمد ﷺ، ونزل عليهم هذا الكتاب.\nقال الطبري: \"في هذه الآية دلالة بينة على أن الله ﵎ نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون\" (١).\n٥ ومن فوائد الآية: أن خير الله لا يجلبه ودّ وادّ، ولا يرده كراهة كاره؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ فلا يمكن لهؤلاء اليهود، والنصارى، والمشركين أن يمنعوا فضل الله علينا؛ وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك (٢) \" ..\n٦. ومنها: أن الإنسان الذي لا يود الخير للمسلمين فيه شبه باليهود، والنصارى؛ لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.\n٧ ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى عامة في كل شيء سواء كان من أفعاله، أو من أفعال عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٩]؛ وأما ما يتعلق بأفعاله تعالى فالأمثلة عليه كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وغير ذلك من الآية.\n٨ ومن فوائد الآية: إثبات الرحمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿برحمته﴾.\n٩ ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿يختص﴾؛ لأن التخصيص يدل على الإرادة.\n١٠ ومنها: إثبات الفضل لله؛ لقوله تعالى: ﴿ذو الفضل﴾.\n١١ ومنها: إثبات أن فضله ليس كفضل غيره؛ ففضل غيره محدود؛ وأما فضل الله ففضل عظيم لا حدود له؛ فإن الله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم؛ ومن فضله ﵎ أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة كثيرة ما جعلها لأحد سواها؛ منها ما جاء في حديث جابر في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ؛ وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي؛ وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\" (٣).\nوتجدر الإشارة بأن هذه الآية لا يعارض قوله تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٠.\n(٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٩٣، حديث رقم ٢٦٦٩؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٠٤ – ١٩٠٥، كتاب صفة القيامة، باب ٥٩: حديث حنظلة، حديث رقم ٢٥١٦، وفي سنده قيس بن الحجاج، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/ ٣٠٨ – ٣٠٩، حديث رقم ٢٠٤٣.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٢٩، كتاب التيمم، باب ١، حديث رقم ٣٣٥، وأخرجه مسلم ص ٧٥٩، كتاب المساجد مواضع الصلاة، باب ١: المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم ١١٦٢ [٢] ٥٢٠.","vol":"3","page":91},{"text":"يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]؛ لأن هذه الآية في صنف معين من النصارى: وهم الذين منهم القسيسون، والرهبان الذين من صفاتهم أنهم لا يستكبرون؛ فإذا وجد هذا الصنف في عهد الرسول، أو بعده انطبقت عليه الآية؛ لكن اختلفت حال النصارى منذ زمن بعيد؛ نسأل الله أن يعيد للمسلمين عزتهم وكرامتهم، حتى يعرفوا حقيقة عداوة النصارى، وغيرهم من أهل الكفر، فيعدوا لهم العدة (١).\nالقرآن\n﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]\nالتفسير:\nما نبدِّل من آية أو نُزِلها من القلوب والأذهان نأت بأنفع لكم منها، أو نأت بمثلها في التكليف والثواب، ولكلٍ حكمة. ألم تعلم -أيها النبي- أنت وأمتك أن الله قادر لا يعجزه شيء؟\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال الواحدي: \" قال المفسرون: إن المشركين قالوا: أترون إلى محمد يأمر أصحابه؟ يأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه وهو كلام يناقض بعضه بعضا فأنزل الله: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل: ١٠١]، الآية: وأنزل أيضا: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ الآية\" (٢).\nواورده الزمخشري (٣) فلخصه، فذكر أنهم طعنوا في النسخ وكذلك القرطبي، وزاد أنهم أنكروا شأن القبلة (٤).\nوالثاني: قال الثعلبي: \" روي أبو أمامة سهل بن حنيف في مجلس سعيد ابن المسيب: إنّ رجلا كانت معه سور فقام يقرأها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ فقال بعضهم: يا رسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله ما جئت إلّا لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"إنّها نسخت البارحة\"\" (٥).\nوالثالث: وقال قتادة: \" كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله ﷺ يقرأ الآية من السورة ثم ترفع فينسيها الله تعالى نبيه، فقال الله تعالى يقص على نبيه ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ \" (٦). وروي عن مجاهد (٧)، والحسن (٨) نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨١.\n(٢) أسباب النزول: ٣٤.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٦.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٤، وانظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٣٤، والدر المنثور: ١/ ١٠٥، والعجاب: ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠، والخبر إسناده صحيح، الليث هو ابن سعد وعقيل هو ابن خالد الأيلي ويونس هو ابن يزيد وابن شهاب هو الزهري وهو مرسل صحابي وقد عزاه السيوطي إلى أبي داود في \"ناسخه\" وابن المنذر وابن الأنباري في \"المصاحف\" وأبي در الهروي في \"فضائل القرآن\" كما في \"الدر\" \"١/ ٢٥٦\" ولم يذكر أبا عبيد، ثم عزاه إلى أبي داود في ناسخه والبيهقي في \"الدلائل\"، قال: \"من وجه آخر عن أبي أمامة\".\nوقد روى الطبراني عن ابن عمر قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ﷺ فكن يقرأان بها. فقاما ذات ليلة يصليان. فلم يقدرا منهما على حرف. فأصبحا غاديين على رسول الله ﷺ. فذكرا ذلك له فقال رسول الله ﷺ: \"إنها مما نسخ\" فكان الزهري يقرؤها \"ما نُنسخ من آية أو ننسها\" بضم النون الخفيفة.\nوأورد هذا \"ابن كثير\" \"١/ ١٤٩ - ١٥٠\" ثم قال: فيه \"سليمان بن أرقم: ضعيف\".\n(٦) العجاب: ١/ ٣٤٩، وأخرجه الطبري (١٧٥١): ص ٢/ ٤٧٤، ولفظه: \" كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي الله ﷺ الآية أو أكثر من ذلك، ثم تنسى وترفع\".\nوعزاه السيوطي أيضًا إلى أبي داود في \"الناسخ والمنسوخ\" \"انظر الدر\" \"١/ ٢٥٥\" وفيه تتمة:\n\"يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها نهي\".\n(٧) تفسير الطبري (١٧٥٣): ص ٢/ ٤٧٤.\n(٨) تفسير الطبري (١٧٥٤): ص ٢/ ٤٧٤.","vol":"3","page":92},{"text":"قال ابن حجر: \"ولعل قتادة أخذ ما قال من هذا الخبر [أي: الخبر الذي ذكره الثعلبي في القول السابق]، وليس في الخبر تعيين الآية الناسخة صريحا، بل ما يومئ إلى ذلك، والعلم عند الله تعالى\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، \" أي ما نبدّل من حكم آية فنغيره بآخر\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ\" (٣).\nوقوله: \" ﴿مِنْ آيَةٍ﴾، فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم، فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل\" (٤).\nقال الزجاج: \" فأما النسخ في اللغة، فإبطال شيء وإقامة آخر مقامه، العرب تقول نسخت الشمسُ الظل، والمعنى أذهبت الظل وحلَّت محلَّه\" (٥).\nوتجدر الإشارة بأن النسخ في اللغة يطلق على معنيين اثنين (٦):\nأحدهما: النقل، أي: نقل الشيء من مكان إلى آخر مع بقاء الأول، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه.\nوالثاني: الرفع والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة إلى ضربين:\nالأول: إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله، وهو معنى النسخ في الآية.\nوالثاني: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢].\nأما في الاصطلاح فقد مر بمرحلتين:\nالأولى: في اصطلاح السلف:\nويوضحه ابن القيم بقوله: \"ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة-وهو اصطلاح المتأخرين-، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ... \" (٧).\nالثانية: في اصطلاح الأصوليين:\nوقد عرفه الرازي، بقوله: \"طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الذي كان ثابتًا بطريق لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه على وجه لولاه كان ثابتًا\" (٨).\nوعرفه الآمدي، بأنه: \"عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق\" (٩).\n_________\n(١) العجاب: ١/ ٣٥٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٤١.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ١٨٩.\n(٦) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥، لسان العرب لابن منظور: ٦/ ٤٤٠٧، القاموس المحيط للفيروزآبادي: ٢٣٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٣٣ - ١٣٤، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣١٥، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٢٣٨، تفسير القرطبي: ١/ ٦٢.\n(٧) إعلام الموقعين: ١/ ٣٥، وانظر: الموافقات للشاطبي: ٣/ ١٠٨ - ١١٧، مجموع الفتاوى لابن تيمية: ١٣/ ٢٧٢ و: ١٤/ ١٠١.\n(٨) المحصول: ج: ١/ق: ٣/ ٤٢٨.\n(٩) الإحكام في أصول الأحكام: ٣/ ١٥٥.","vol":"3","page":93},{"text":"وقد منع وقوع النسخ في القرآن أبو مسلم الأصفهاني (١)، وتبعه في ذلك: عبد المتعال محمد الجبري (٢)، وعبد الكريم الخطيب (٣)، والشيخ محمد الغزالي (٤)، وعبد الرحمن الوكيل (٥)، وفي ردود أهل العلم على أبي مسلم قديمًا وحديثًا ما يكفي لدحض شبهات كل مدع عدم وقوع النسخ في القرآن الكريم. والله الموفق (٦).\nواختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، على وجوه (٧):\nأحدها: أنه قبضها، وهو قول السدي (٨).\nوالثاني: أنه تبديلها، وهو قول ابن عباس (٩).\nوالثالث: أنه إثبات خطها وتبديل حكمها، وهو قول ابن مسعود (١٠)، ومجاهد (١١).\nوالرابع: ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب (١٢).\nوالقول الثاني هو الأشبه بالصواب، أي: ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، وبه قال جمع من أهل التفسير، والله تعالى أعلم.\nقال الواحدي: \" وكثير من المفسرين حمل النسخ المذكور في الآية على معنى: نسخ الكتاب من الكتاب. فقد حكي عن عدة منهم أنهم قالوا: يريد بالنسخ ما نسخه الله لمحمد - ﷺ - من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي - ﷺ - من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه يؤتيه الله ويأتيه بخير منها، ولو كان كذلك لتسلسل الوحي حتى لا يتناهى\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، أي \"أو نتركها\" (١٤).\nقال الطبري: أي \" أو لم يبدله ولم يغير\" (١٥).\nقال الصابوني: \"أي نمحها من قلبك\" (١٦).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، على أقوال:\nأحدها: أنه من النسيان، ضد التذكر. روي عن ابن عباس (١٧)، وسعد بن مالك (١٨)، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة، نحو هذا المعنى (١٩).\n_________\n(١) انظر في الرد عليه: مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠، والمحصول له أيضًا: جـ: ١/ق: ٣/ ٤٦٠، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٣/ ١٦٥ - ١٧٩، إرشاد الفحول للشوكاني: ١٨٥، مناهل العرفان للزرقاني: ٢/ ١٠٣، النسخ في القرآن لمصطفى زيد: ١/ ٢٦٧.\n(٢) وذلك في كتابيه: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه، ولا نسخ في القرآن لماذا؟ . وقد تصدى للرد عليه: محمد حمزة في كتابه: الإحكام والنسخ: ١٠٠ - ١١٢، ود. محمد محمود فرغلي في كتابه: النسخ بين الإثبات والنفي: ١١٢ - ١١٤.\n(٣) في كتابيه: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه، ولا نسخ في القرآن لماذا؟ . وقد تصدى للرد عليه: محمد حمزة في كتابه: الإحكام والنسخ: ١٠٠ - ١١٢، ود. محمد محمود فرغلي في كتابه: النسخ بين الإثبات والنفي: ١١٢ - ١١٤.\n(٤) في كتابه: نظرات في القرآن: ٢٢٧ - ٢٦ ..\n(٥) في: تعليقه على الروض الأنف للسهيلي: ٣/ ١٢ - ١٣\n(٦) انظر ما كتبه د. سليمان اللاحم في تعليقه على الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٤٠٠ - ٤٠٤، وما كتبه د. محمد المديفر في دراسته لكتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد: ٧٢ - ٧٦. وانظر: مقدمة تفسيرنا، إذ تنوالنا فيها موضوح النسخ مفصلا.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤. وتفسير الرازي: ٣/ ٢١٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٦): ص ٢/ ٤٧٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٧): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٨): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٩): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٤٠.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٤، وانظر: الناسخ والمنسوخ لابي عبيد: ص ٧، وتفسير الطبري: ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٠٠ - ٢٠١، وتفسير القرطبي: ١/ ٥٤ - ٥٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨.\n(١٥) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٨): ص ١/ ٢٠٠.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٩)، و(١٠٦٠): ص ١/ ٢٠٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٠.","vol":"3","page":94},{"text":"الثاني: أن معناه: نثبت خطها، ونبدل حكمها. قاله مجاهد (١)، وروي عن أصحاب ابن مسعود نحو ذلك (٢).\nالثالث: أن المعنى: نؤخرها. قاله عمر بن خطاب (٣)، وروي عن أبي العالية وعطاء مثل ذلك (٤).\nالرابع: أو نتركها نرفعها من عندكم. قاله عبيد بن عمير (٥)، وروي عن الربيع بن أنس والسدي نحو ذلك (٦).\nالخامس: أو نتركها لا نبدلها. قاله ابن عباس (٧)، وروي عن السدي نحوه (٨).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، على ثلاث قراءات (٩):\nالقراءة الأولى: بفتح النون الأولى في (نَنسخ)؛ وضمها في (نُنسها) بدون همز، وهي قراءة أهل المدينة والكوفة.\nوقراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها، فيها احتمالان (١٠):\nالإحتمال الأول: أنها من (النسيان)، وحينئذ يكون المراد به في بعض القراءات ضد الذكر وفي بعضها الترك.\nالوجه الأول: أن يكون ﴿نُنْسِهَا﴾ بمعنى (النسيان)، ضد الذكر، والمعنى: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها، وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: ﴿ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها﴾، فذلك تأويل: النسيان، وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل (١١).\nوكذلك كان سعيد بن المسيب يقرؤها، فأنكر عليه سعد بن أبي وقاص، أخرجه النسائي (١٢)، وصححه الحاكم (١٣).\nوقد روي عن قتادة في قوله: \" ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء\" (١٤).\nوروي عن الحسن أنه قال في قوله: \" ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا ثم نسيه، فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه\" (١٥).\nوروي عن ابن عباس، قال: \"كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله، ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ \" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٦٢): ص ١/ ٢٠٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٦٣): ص ١/ ٢٠٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠١.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٦٤): ص ١/ ٢٠٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٦٥): ص ١/ ٢٠١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٦٦): ص ١/ ٢٠١.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٦، والمحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٣٧، شرح الهداية للمهدوي: ١/ ١٧٨، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي: ١/ ٢٥٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٤.\n(١٢) في السنن الكبرى: ٦/ ٢٨٩ رقم: ١٠٩٩٦.\n(١٣) في المستدرك: ٢/ ٢٤٢ وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره: ١/ ٥٥، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ: ١٢ رقم: ١٥، وسعيد بن منصور في سننه: ٢/ ٥٩٧ رقم: ٢٠٨، وقال محققه: ٢/ ٥٩٩: (سنده ضعيف لجهالة القاسم بن عبد الله بن ربيعة)، وابن أبي داود في المصاحف: ١٠٧، والطبري في تفسيره (١٧٥٥)، و(١٧٥٧): ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٧. قاله عبد الرزاق، عن قتادة.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٧٤٥): ص ٢/ ٤٧٢، وذكره ابن كثير في تفسيره.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٨): ص ١/ ٢٠٠، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٧.","vol":"3","page":95},{"text":"واسيتدل أصحاب هذا الوجه بقوله تعالى: \" ﴿سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فقد أعلم اللَّه أنه يشاء أن يُنْسى\" (١).\nوقد ضعف الزجاج أن تحمل الآية على (النسيان) الذي هو ضد الذكر، فقال: \" وهذا القول عندي ليس بجائز، لأن اللَّه ﷿: قد أنبأ النبي - ﷺ -\nفي قوله ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إنَّه لا يشاء، أن يذهب بالذي أوحَى به إلى النبي - ﷺ -\" (٢).\nثم ذكر أن في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قولان يُبْطلان أن يكون ﴿ننسها﴾، في الآية بمعنى (النسيان) (٣):\nأحدهما: أن قوله: ﴿فلا تنسى﴾، أي لست تترك إلا ما شاءَ اللَّه أن تترك.\nوالثاني: ويجوز أن يكون ﴿إلا ما شاءَ الله﴾، مما يلحق بالبشرية، ثم تذكر بعد، ليس أنه على طريق السلب للنبي - ﷺ - شيئًا أوتيه من الحكمة.\nفي حين قال أبو عليّ وغيره: \"ذلك جائز، وقد وقع، ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بنسئه\" (٤).\nوقال ابن عطية: \" والصحيح في هذا، أن نسيان النبي ﷺ، لما أراد الله أن ينساه، ولم يرد أن يثبته قرآنًا جائزًا، وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي ﷺ معصوم منه، قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد أن يحفظ، فجائز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث، حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: \"أفي القوم أبي؟ \" قال: نعم يا رسول الله، قال: \"فلم لم تذكرني؟ \" قال: خشيت أنها رفعت\". فقال النبي ﷺ: \"لم ترفع ولكني نسيتها\" (٥) (٦).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد به هنا رفع الآية؛ وليس مجرد النسيان؛ لأن مجرد النسيان لا يقتضي النسخ؛ فالنبي ﷺ قد ينسى بعض الآية؛ وهي باقية\" (٧).\nالوجه الثاني: أن يكون ﴿نُنْسِهَا﴾ بمعنى: (الترك)، من قول الله جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، يعني به: تركوا الله في عبادته فتركهم في العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٦].\nواختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم (٨)، وحسّنه الفراء (٩)، ونصره أبو علي الفارسي (١٠).\nواعترض الزجاج على هذا التفسير فقال: \" وقيل في ﴿أو ننْسِهَا﴾ قول آخر، وهو خطأ أيضًا، قالوا: أو نَتْرُكُهَا، وهذا يقال فيه نسيت إذا تركت، ولا يقال أنسيت أي تركت\" (١١).\nواعترض ايضا الواحدي، فقال: وهذا لا يصح؛ لأنه ليس كل آية تُركت ولم تنسخ يؤتى بخير منها\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ١٨٩ - ١٩٠.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٩٠.\n(٤) البحرالمحيط: ١/ ٢٩٦.\n(٥) أخرجه البخاري، في القراءة خلف الإمام (١٩٣)، والنسائي في الكبرى (٨١٨٣)، وهو عند أحمد (١٥٣٦٥) من حديث عبدالرحمن بن أبى﵁- قال الهيتمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦٩): \"رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nوأخرجه أحمد (١٢٩٠٤)، وابن خزيمة (١٦٤٧)، من حديث عبدالرحمن بن أبزى، عن أبي-رضيا لله عنهما. وأخرجه أبو داود ص ١٢٩٠، كتاب الصلاة، باب ١٥٨: الفتح على الإمام في الصلاة، حديث رقم ٩٠٧، أ، قال الألباني في صحيح أبي داود، حسن، ١/ ٢٥٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٤، ونقله أبو حيان في البحر: ١/ ٢٩٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٦٨.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٦٤ - ٦٥.\n(١٠) انظر: الحجة لأبي علي: ٢/ ١٩٢ - ٢٥٢.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩ - ١٩٠.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٤.","vol":"3","page":96},{"text":"وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه، لأنه بمعنى نجعلك تتركها (١).\nوحكى الأزهري: ﴿نُنْسها﴾، أي نأمرُ بتركه (٢)، وبه قال الزجاج (٣).\nيقال: أنسيتُه الشيء أي أمرتُ بتركه، ونسيتُه تركته، قال الشاعر (٤):\nإنّ عليّ عُقْبَة أقضيها ... لستُ بناسِيْها ولا مُنْسِيها\nأي ولا آمر بتركها (٥).\nقال القرطبي: \"وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿أو ننسها﴾، قال: \"نتركها لا نبدلها\" (٦)، فلا يصح، ولعل ابن عباس قال: نتركها، فلم يضبط، والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى ﴿أو ننسها﴾: نبح لكم تركها، من نسي إذا ترك، ثم تعديه\" (٧).\nوالفرق بين (الترَك) و(النسخ)، \"أن (النسخ) يأتي في الكتاب في نسخ الآية بآية فتُبطِل الثانيةُ العملَ بالأولى، ومعنى (الترك) أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذَلك بغير آية تَأْتِي ناسخة للتي قبلهَا، نحو ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ثم أمر المسلمون بعد ذلك بترك المِحْنَة\" (٨).\nوالاحتمال الثاني: أن أصل ﴿ننسها﴾، الهمزة من (النسيء) وهو التأخير، إلا أنه أبدل من الهمزة (ألفًا)، وعلى هذا الاحتمال تتحد القراءتان.\nوالقراءة الثانية: بفتح النون الأولى في ﴿نَنسخ﴾؛ وفتحها في ﴿نَنسأها﴾ مع الهمز بعد السين وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو، \"بمعنى نؤخرها، من قولك: نسأت هذا الأمر أنسؤه نَسْأ ونَسَاء، إذا أخرته، وهو من قولهم: \" بعته بنساء، يعني بتأخير، ومن ذلك قول طرفة بن العبد (٩):\nلعمرك إن الموت ما أَنْسَأ الفتى ... لكالطِّوَل المُرْخى وثِنْياه باليد\nيعني بقوله: (أنسأ)، أخر.\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] ومنه سمي بيع الأجل نسيئة، وقال أهل اللغة: أنسأ الله أجله ونسأ في أجله، أي أخر وزاد، وقال ﵊: \"من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه\" (١٠).\nوممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل\" (١١).\nوتفسير الآية على هذه القراءة: \" ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها .. وقد قرأ بعضهم ذلك: ﴿ما\n_________\n(١) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ١٨٨، والكلام بتمامه من: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٣، وانظر: البحر المحيط: ١/ ٢٩٦.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦٨.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٠.\n(٤) البيت لابن الاعرابي/ انظر: لسان العرب ومصباح المنير: مادة (عقب).\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦٨.\n(٦) أخرجه الطبري (١٧٥٩): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٦٨.\n(٨) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٩٠.\n(٩) ديوانه: ٣١٨ (من أشعار الستة الجاهليين) من معلقته المشهورة. وروايتهم: \" ما أخطأ الفتى \". والطول: حبل يطول للدابة لترعى وهي مشدودة فيه. وثنياه \" طرفاء. أي إنه لا يفلت من حبال المنية، وإن أخر في أجله. وما أصدق ما قال! ولكننا ننسى!\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٣٧، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.","vol":"3","page":97},{"text":"ننسخ من آية أو تُنسها﴾، وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ: ﴿أو نُنسها﴾، إلا أن معنى (أو تُنسها)، أنت يا محمد\" (١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وأما ﴿ننسأها﴾ فهو من (النسأ)؛ وهو التأخير؛ ومعناه: تأخير الحكم، أو تأخير الإنزال؛ أي أن الله يؤخر إنزالها، فتكون الآية لم تنزل بعد؛ ولكن الله ﷾ أبدلها بغيرها\" (٢).\nوقراءة الهمز على اختلاف وجوهها معناها التأخير، ويكون معنى الآية على هذا فيه أربعة أقوال (٣):\nأحدها: نؤخر نسخها ونزولها، وهو قول عطاء (٤).\nوالثاني: نمحها لفظًا وحكمًا، وهو قول ابن زيد (٥).\nوالثالث: نؤخر حكمها ونبقي تلاوتها، أو نؤخر تلاوتها ونبقي حكمها.\nوالرابع: نمضها فلا ننسخها، وهو ضعيف لقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لأن ما أمضي وأُقِرَّ لا يقال فيه نأت بخير منه.\nوالقراءة الثالثة: بضم النون الأولى في (نُنسخ) وكسر السين؛ وضم النون في (نُنسها) بدون همز وهي قراءة ابن عامر وفيها وجهان (٦):\nأحدهما: أن يكون: نسخ وأنسخ، بمعنى واحد.\nوالثاني: أنسخته: جعتله ذا نسخ، كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلا: أقبروا فلانا، أي اجعلوه ذا قبر، قال تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١].\nقال الطبري: فيكون المعنى: \"ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من: أنسختك فأنا أنسخك، وذلك خطأ من القراءة عندنا (٧)، لخروجه عما جاءت به الحجة من الْقَرَأَة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ (تُنسها) أو (تَنسها) لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة\" (٨) (٩).\nوأولى القراءات من قرأ: ﴿أو نُنْسها﴾ بمعنى: نتركها، \"لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذْ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾، قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت،\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٢٩٥، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٣٧، شرح الهداية للمهدوي: ١/ ١٧٨، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي: ١/ ٢٥٨.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٩٥، وأخرج الطبري بمعناه: (١٧٦٣): ص ٢/ ٤٧٧.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٩٥، وأخرج الطبري بمعناه: (١٧٦٢): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٣٧.\n(٧) القول للإمام الطبري.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨.\n(٩) وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، عشر قراءات شاذة، وهي: ١ - كقراءة ابن كثير وأبي عمرو إلا أنه بغير همز، ذكره أبو عبيد البكري في اللآلئ عن سعد بن أبي وقاص، قال ابن عطية وأبو حيان: (وأراه وَهِم). ٢ - (تَنْسَاها) بفتح التاء بعدها نون ساكنة وسين مفتوحة من غير همز وهي قراءة سعد بن أبي وقاص والحسن ويحيى بن يعمر. ٣ - كذلك إلا أنه بالهمز. ٤ - كذلك إلا أنه بضم التاء وهي قراءة أبي حيوة. ٥ - كذلك إلا أنه بغير همز وهي قراءة سعيد بن المسيب. ٦ - (نُنْسئها) بضم نون المضارعة وسكون النون وكسر السين مع الهمز. ٧ - (نُنَسَّها) بضم نون المضارعة وفتح النون وكسر السين مشددة، وبها قرأ الضحاك وأبو رجاء. ٨ - (نُنْسِك) بضم نون المضارعة وسكون النون وكسر السين وكاف بعدها للخطاب، وهي قراءة أبيّ وابن مسعود. ٩ - كذلك إلا أنه بفتح النون الثانية وتشديد السين مكسورة، تروى عن الضحاك وأبي رجاء. ١٠ - كذلك إلا أنه بزيادة ضمير الآية بعد الكاف (نُنَسكها)، وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحف سالم مولاه. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣١٩ - ٣٢٠، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٤٣، المحتسب لابن جني: ١/ ١٠٣، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٣٥ - ٣٣٧.","vol":"3","page":98},{"text":"فهو يشتمل على معنى \" الإنساء \" الذي هو بمعنى الترك، ومعنى \" النَّساء \" الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك\" (١).\nوقد حمل الرازي (النسيان) على معنى (الترك)، فقال: \" الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى: ﴿فنسى ولم نجد له عزما﴾ [طه: ١٥٥] أي فترك وقال: ﴿فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا﴾ [الأعراف: ٥١] أي نتركهم كما تركوا، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز، لأن المنسي يكون متروكا، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقراء ننسها وننسها بالتشديد، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله: ما ننسك من آية أو ننسخها، وقرأ حذيفة: ما ننسخ من آية أو ننسكها\" (٢).\nوأنكر الطبري من قرأ: ﴿أو نَنْسها﴾، إذا عني به النسيان، فقال: \"وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبرٍ أن ينسي الله نبيه ﷺ بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول: ذلك غير جائز، وأما قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله، فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، \"أي نأت بخير لكم منها\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: أصلح لمن تعبّد بها، وأنفع لهم، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأن كلام الله ﷿ واحد، وكله خيرٌ\" (٥).\nقال أبو حيّان: الظاهر أن خيرًا هنا أفعل التفضيل، والخيرية ظاهرة، لأن المأتي به، إن كان أخف من المنسوخ أو المنسوء، فخيريته بالنسبة لسقوط أعباء التكليف، وإن كان أثقل، فخيريته بالنسبة لزيادة الثواب\" (٦).\nقال القرطبي: \" لفظة \"بخير\" هنا صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية\" (٧).\nقال الزجاج: \" فأما ما يؤتى فيه بخير من المنسوخ فتمام الصيام الذي نسخ الِإباحة في الِإفطار لمن استطاع الصيام، ودليل ذلك قوله: [وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذا هو خير لنا كما قال اللَّه ﷿، وأمَّا قوله ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي نأْتي بآية ثوابها كثواب التي قبلها، والفائدة في ذلك أن يكون الناسخ اشهل في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به أسوغ، والناس إليه أسرع، نحو القِبْلة التي كانت على جهة ثم أمر اللَّه النبي - ﷺ - بجعل البيت قبلةَ المسلمين وعدل بها عن القصد لبيت المقدس، فهذا - وإِن كان السجود إلى سائر النواحي متساويًا في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح، والأدعى للعرب وغيرهم إِلى الإِسلام\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٣٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٤٨٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٣٣٣.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٢٩٦.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦١ - ٦٩. (بتصرف بسيط).\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٩٠ - ١٩١.","vol":"3","page":99},{"text":"وقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، على وجوه (١):\nأحدها: في المنفعة والرفق والرفعة. قاله ابن عباس (٢).\nوالثاني: أن معنى خير منها، أي أخف منها، بالترخيص فيها، وهذا معنى قول قتادة (٣).\nقال الماوردي: \"فيكون تأويل الآية، ما نغير من حكم آية فنبدله، أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكمًا منها، إما بالتخفيف في العاجل، كالذي كان من نسخ قيام الليل تخفيفًا، وإما بالنفع بكثرة الثواب في الآجل، كالذي كان من نسخ صيام أيام معدودات بشهر رمضان\" (٤).\nالثالث: أن معناه: الأصلح لكم. اختاره الرازي (٥).\nالرابع: وقيل: أن لفظة\" ﴿خير﴾، في الآية مصدر، و﴿من﴾ لابتداء الغاية\" (٦).\nضعّفه ابن عطية فقال: \" ويقلق هذا القول لقوله تعالى أَوْ مِثْلِها إلا أن يعطف المثل على الضمير في مِنْها دون إعادة حرف الجر، وذلك معترض\" (٧).\nوالراجح أن: \" لفظة ﴿خير﴾ في الآية صفة تفضيل، والمعنى: بأنفع لكم أيها الناس في عاجل، إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل، إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية\" (٨). والله أعلم.\nقال أبو حيان: \" وحكي عن ابن عباس أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا تقديره: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها، أي أنفع منها لكم، أو مثلها. ثم قال: أو ننساها، أي نؤخرها، فلا ننسخها ولا نبدلها. وهذه الحكاية لا تصح عن ذلك الحبر ابن عباس، إذ هي محيلة لنظم القرآن\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، \" أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إِلا كل خير وإِحسان للعباد\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك\" (١١).\nقال الزمخشري: \" فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير\" (١٢).\nقال النسفي: \" أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله\" (١٣).\nقال الواحدي: \" أي: من النسخ والتبديل وغيرهما\" (١٤).\nقال البيضاوي: \" فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ، أو بما هو خير منه\" (١٥).\nقال البغوي: أي\" من النسخ والتبديل، لفظه استفهام، ومعناه تقرير، أي: إنك تعلم\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٢٦ رقم ١٠٧٤، ونص كلام ابن عباس: (خير لكم في المنفعة وأرفق بكم)، وهو عند ابن جرير في جامع البيان: ٢/ ٤٨١ رقم: ١٧٧١.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٧٠): ص ١/ ٢٠٢.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ١٧١.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٤١. قال الرازي: \"وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه، فإن قيل: لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به؟ قلنا: الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول، والثاني بالعكس منه فزال السؤال\".\n(٦) المحرر الوجيز: ١/! ٩٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/! ٩٤.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٤.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٢٩٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧١): ص ١/ ٢٠٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٧٦.\n(١٣) تفسيرالنسفي: ١/ ١١٧.\n(١٤) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٤.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٩.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ١٣٥.","vol":"3","page":100},{"text":"وقال القاسمي: \" فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير\" (١).\nقال الطبري: \" ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك، ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك، وأنفع لك ولهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة - أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة وشبيهه في الخفة عليك وعليهم؟ فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير\" (٢).\nقال أبو السعود: \" والمرادُ بهذا التقرير الاستشهادُ بعلمه بما ذكر على قدرتِهِ تعالَى على النسخ وعلى الإيتان بما هو خيرٌ من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورةِ تحت قدرته سبحانه فمِنْ علم شمولِ قدرتِه تعالى لجميعِ الأشياء علمُ قدرته على ذلك قطعًا\" (٣).\nقال الراغب: \" أي لا تحسبن أن تغييري الحكم حالًا فحالًا وإن لم آت بالثاني في الابتداء هو العجز، فإن من علم قدرته على كل شي لا يظن ذلك، وإنما يعتبر ذلك لا يرجع إلى مصلحة العباد، وبدأ الأليق بهم في الوقت المتقدم الحكم المتقدم وفى الوقت المتأخر الحكم المتأخر\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"يقرر الله المخاطَب، يعني أنك قد علمت قدرة الله على كل شيء؛ ومنها القدرة على النسخ\" (٥).\nويحتمل الإستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وجهين:\nأحدهما: أن ظاهره الإستفهام المحظ، يفيد الأنكار. قاله ابن عطية (٦).\nوالثاني: أن هذا الإستفهام معناه التقرير (٧).\nوالراجح أن الإستفهام -هنا- معناه التقرير، ولا يحتاج إلى معادل ألبتة، \"والاستفهام بمعنى التقرير كثير في كلامهم جدًا، خصوصًا إذا دخل على النفي: ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠]؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]؟ ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]؟ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الإنشراح: ١]؟ فهذا كله استفهام لا يحتاج فيه إلى معادل، لأنه إنما يراد به التقرير، والمعنى: قد علمت أيها المخاطب أن الله قادر على كل شيء، فله التصرف في تكاليف عباده، بمحو وإثبات وإبدال حكم بحكم، وبأن يأتي بالأخير لكم وبالمماثل\" (٨).\nوفي إفراد المخاطب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وجوها:\nأحدها: أن الحكمة في ذلك، \"أنه ما من شخص إلا يتوهم أنه المخاطب بذلك، والمنبه به، والمقرر على شيء ثابت عنده، وهو أن قدرة الله تعالى متعلقة بالأشياء، فلن يعجزه شيء، فإذا كان كذلك لم ينكر النسخ، لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه\" (٩). قاله أبو حيان.\nوالثاني: \"إنما أفرده لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعلمهم، ومبدأ علمهم\" (١٠). قاله الآلوسي.\nوالثالث: أن الإفراد كان أفاد المبالغة مع الاختصار (١١). قاله الآلوسي.\nواختلف في المخاطب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، على وجوه:\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٣٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٨٤.\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٣.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٢.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٤، وانظر: روح المعاني: ١/ ٣٥٤.\n(٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٩٦.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٢٩٧.\n(١٠) روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(١١) انظر: روح المعاني: ١/ ٣٥٣. [بتصرف بسيط].","vol":"3","page":101},{"text":"أحدها: أن \"الخطاب للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وأريد بطريق الكناية هو وأمته المسلمون\" (١)، لأن قال بعد ذلك في الآية التالية: \" ﴿وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.\nوالثاني: أن الخطاب للسامع، أي لكل واقف عليه. قاله أبو حيان (٢).\nوالثالث: أن الخطاب لمنكري النسخ، \"والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته ﷿ على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعا\" (٣).\nقال المراغي: و\"الخطاب للنبى ﷺ، والمراد غيره من المؤمنين الذين ربما كان يؤذيهم ما كان يعترض به اليهود وغيرهم على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به، فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو تدخل في قلبه الحيرة، فجاء ذلك تثبيتا لهم وتقوية لإيمانهم، ببيان أن القادر على كل شاء لا يستنكر عليه نسخ الأحكام، لأنها مما تتناولها قدرته\" (٤).\nقال الآلوسي: \" والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير، لتربية المهابة، ولأنه الاسم العلم الجامع لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم\" (٥).\nقال ابن عطية: \" ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ويفعل في أحكامه ما يشاء، هو قدير على ذلك وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ، وقوله تعالى ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾، لفظ عموم معناه الخصوص، إذ لم تدخل فيه الصفات القديمة بدلالة العقل ولا المحالات لأنها ليست بأشياء، والشيء في كلام العرب الموجود\" (٦).\nقال ابن كثير: \" يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم - لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، ً وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا\" (٧).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: ثبوت النسخ، وأنه جائز عقلًا، وواقع شرعًا؛ وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنه زعم أن النسخ مستحيل؛ وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص؛ وليس من باب النسخ؛ وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه؛ بل أمدها إلى يوم القيامة؛ فإذا نُسِخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ. أي أخرجناه من الحكم.؛ فمثلًا: وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجبًا إلى يوم القيامة شاملًا لجميع الأزمان؛ فلما نُسخ أخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصًا؛ وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافًا لفظيًا؛ لأنهم متفقون على جواز هذا\n_________\n(١) روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٢٩٦.\n(٣) روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٨٨.\n(٥) روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٤.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٨.","vol":"3","page":102},{"text":"الأمر؛ إلا أنه يسميه تخصيصًا؛ وغيره يسمونه نسخًا؛ والصواب تسميته نسخًا؛ لأنه صريح القرآن: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾؛ ولأنه هو الذي جاء عن السلف.\n٢ ومن فوائد الآية: أن الناسخ خير من المنسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾؛ أو مماثل له عملًا. وإن كان خيرًا منه مآلًا.؛ لقوله تعالى: ﴿أو مثلها﴾.\n٣ ومنها: أن أحكام الله ﷾ تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان؛ بمعنى أنه قد يكون الحكم خيرًا للعباد في وقت؛ ويكون غيره خيرًا لهم في وقت آخر ..\n٤ ومنها: عظمة الله ﷿ لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ﴾: فإن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو ﷾ أهل العظمة ..\n٥. ومنها: إثبات تمام قدرة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾؛ ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء ..\n٦ ومنها: أن قدرة الله عامة شاملة؛ لقوله تعالى: (أن الله على كل شيء قدير).\n٧ ومنها: أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية؛ فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها؛ فإذا كان قادرًا عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية؛ وهذا هو الحكمة في قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ بعد ذكر النسخ ..\n٨ ومنها: أن الشريعة تابعة للمصالح؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة؛ فإن الله لا يبدل حكمًا بحكم إلا لمصلحة ..\nقد يقول قائل: ما الفائدة إذًا من النسخ إذا كانت مثلها والله تعالى حكيم لا يفعل شيئًا إلا لحكمة؟\nفالجواب: أن الفائدة اختبار المكلف بالامتثال؛ لأنه إذا امتثل الأمر أولًا وآخرًا، دل على كمال عبوديته؛ وإذا لم يمتثل دل على أنه يعبد هواه، ولا يعبد مولاه؛ مثال ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ هذا بالنسبة للمكلف ليس فيه فرق أن يتجه يمينًا، أو شمالًا؛ إنما الحكمة من ذلك اختبار المرء بامتثاله أن يتجه حيثما وجه؛ أما المتجَه إليه، وكونه أولى بالاتجاه إليه فلا ريب أن الاتجاه إلى الكعبة أولى من الاتجاه إلى بيت المقدس؛ ولهذا ضل من ضل، وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة: قال الله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ﷺ ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فالإنسان يبتلى بمثل هذا النسخ؛ إن كان مؤمنًا عابدًا لله قال: سمعت وأطعت؛ وإن كان سوى ذلك عاند، وخالف: يقول: لماذا هذا التغيير! فيتبين بذلك العابد حقًا، ومن ليس بعابد.\n٩ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى وعد بأنه لا يمكن أن ينسخ شيئًا إلا أبدله بخير منه، أو مثله؛ ووعده صدق ..\n١٠ ومنها: ذكر ما يطمئن به العبد حين يخشى أن يقلق فكره؛ لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾.\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]\nالتفسير:\nأما علمتَ -أيها النبي- أنت وأمتك أن الله تعالى هو المالك المتصرف في السموات والأرض؟ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويأمر عباده وينهاهم كيفما شاء، وعليهم الطاعة والقَبول. وليعلم من عصى أن ليس لأحد من دون الله من وليٍّ يتولاهم، ولا نصير يمنعهم من عذاب الله.\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، ألم تعلم يا محمد، \" أن الله وحده الذي له ملك السموات\" (١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥١.","vol":"3","page":103},{"text":"قال الصابوني: \" أي ألم تعلم أن الله هو المالك المتصرف في شئون الخلق يحكم بما شاء ويأمر بما شاء؟ \" (١).\nقال القرطبي: أي \"بالإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة .. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته\" (٢).\nقال الواحدي: أي\" أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ\" (٣).\nقال الشوكاني: \"أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، والأشخاص\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي أن الله وحده الذي له ملك السموات، والأرض: ملك الأعيان، والأوصاف، والتدبير؛ فأعيان السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله؛ و\"التدبير\" يعني أنه تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء: لا معارض له، ولا ممانع\" (٥).\nقال المراغي: فالله تعالى \"له ملك السموات والأرض وهما تحت قبضته والعباد أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، فله أن ينسخ ما شاء من الأحكام، ويقرر ما شاء منها بحسب ما يرى من الفائدة\" (٦).\nقال أبو السعود: \" ألم تعلمَ أَنَّ الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجادًا وإعدامًا وأمرًا ونهيًا حسبما تقتضيهِ مشيئتُه لا مُعارِضَ لأمره ولا معقِّبَ لحُكمه فَمْن هذا شأنُه كيف يخرُج عن قدرته شئ من الأشياء\" (٧).\nقال الآلوسي: \" فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان، فيكون منزلا منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريرا للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر\" (٨).\nوخص ّ ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالملك، لكونهما من أعظم المخلوقات الظاهرة، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه (٩).\nقال الزجاج: \" ومعنى (الملك) في اللغة: تمام القدرة واستحكامها .. ومعنى الآية: إِن اللَّه يَمْلك السَّمَاوَات والأرض ومن فيهن فهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به، من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغيره\" (١٠).\nوفي تكرار قوله: ﴿ألم تعلم﴾، وترك العطف، على الأول، وجهان:\nاحدهما: أنه \"تقريرٌ مستقل للاستشهاد على قدرتِهِ تعالَى على جميع الأشياء\" (١١).\nقال الراغب: \"إنه لا جعل حكم الثاني كالعلة للأول، أخرجه مخرج الأول، فكأنه قيل: هو على كل شي قدير، لأن له ملك السماوات والأرض\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٦٩.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٥.\n(٤) تفسير فتح القدير: ١/ ١٢٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥١.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٨٩\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٣. ونقله بتمامه الآلوسي في روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(٨) روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(٩) انظر: روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ١٩١.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٣.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٩.","vol":"3","page":104},{"text":"والثاني: وقيل: \" وإنما لم يعطَفْ أن مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها روما لزيادة التأكيد وإشعارًا باستقلال العلم بكلَ منهما وكفايتِه في الوقوف على ما هو المقصودُ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، \" أي: ما لكم وليٌّ يرعى شئونكم أو ناصر ينصركم غير الله تعالى فهو نعم الناصر والمعين\" (٢).\nقال الواحدي: \" تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه\" (٣).\nقال البيضاوي: \" وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم، والفرق بين الولي والنصير. أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيًا عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه\" (٤).\nقال المراغي: \" أي ناصركم ومعينكم هو الله وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، وليس في استطاعته أن يلحق بكم أذى\" (٥).\nقال الشوكاني: \"وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال\" (٦).\nقال البغوي: \" ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: قريب وصديق، وقيل: من وال وهو القيم بالأمور، ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾، أي: ناصر يمنعكم من العذاب\" (٧).\nقال الراغب: \" الولي: يقال تارة لمن له موالاة نسبية أو خلف، وتارة لمن له ولاية سلطانية، وإنما ذكر (الولي والنصير)، وهما متقاربان بالعنف، لأنه قد ينفك الولي من النصرة بأن يكون ضعيفًا، والنصير من الولاية بأن يكون عن المنصور أجنبيًا\" (٨).\nقال الآلوسي: \"والولي: المالك، والنصير: المعين، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل، والمعين قد يكون مالكا وقد لا يكون- بل يكون أجنبيا\" (٩).\nبما تعلق به من العلم على تعلُّق إرادتِه تعالى بما ذُكر من الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ أو بمثله فإن مجرَّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه البتة وإنما الذي يستدعيه كونُه تعالى مع ذلك وليًا ونصيرًا لهم فمن علم أنه تعالى وليُّه ونصيرُه على الاستقلال يعلم قطعًا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى ولا يخطُر بباله ريبةٌ في أمر النسخ وغيرِه أصلًا \" (١٠).\nقال أبو حيان: \"انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة (١١)، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصًا في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكون عامًا أيضًا، كان المعنى: وما لكل فرد منكم فرد فرد ﴿مِن وَلِيّ وَلا نَصِير﴾، ... ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهو إيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفيًا للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة الله وسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٣، والكلام بتمامه في روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٠.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٨٩.\n(٦) تفسير فتح القدير: ١/ ١٢٧.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ١٣٥.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٨.\n(٩) روح المعاني: ١/ ٣٥٣، وانظر: تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٤.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٤، ونقله بتمامه الآلوسي في روح المعاني: ١/ ٣٥٣.\n(١١) ضمير الإفراد في: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾، إلى ضمير الجماعة في: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾.\n(١٢) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٥.","vol":"3","page":105},{"text":"وإن قيل: أو لم يكن رسول الله ﷺ يعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه له ملك السموات والأرض، حتى قيل له ذلك؟ قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة (١):\nأحدها: أن قوله: ﴿ألم تعلم﴾، بمعنى: أعلمت.\nوالثاني: أنه خارج مخرج التقرير، لا مخرج الاستفهام. كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ: اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام.\nوالثالث: أن هذا الخطاب للنبي - ﷺ-، والمراد به أمته، ألا تراه قال بعد ذلك ﴿وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾، فإن \"جمع الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، دال على أن المراد بخطاب النبي ﷺ خطاب أمته\" (٢).\nوالأقرب: أن الكلام قد أخرج الكلام مخرج التقرير\" لكونه أبلغ في حكم الخطابة\" (٣)، وذلك كقول جرير (٤):\nأَلَسْتم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\nأي: أنتم كذلك.\nكما أن هذا الخطاب للنبي - ﷺ-، والمراد به أمته، ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله ﷺ (٥):\nإلى السراج المنير أحمد، لا ... يَعْدِلني رغبة ولا رهب\nعنه إلى غيره ولو رفع النـ ... اس إليّ العيونُ وارتقبوا\nوقيل: أفرطتَ! بل قصدتُ ولو ... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا\nلج بتفضيلك اللسان، ولو ... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب\nأنت المصفي المحض المهذب في النـ سبة، إن نص قومَك النسب\nفأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي ﷺ، وهو قاصد بذلك أهل بيته.\nوكما قال جميل بن معمر (٦):\nألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومنادح\nفقال: \" ألا إن جيراني العشية \" فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال: \" رائح\"، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى (٧):\nخليلي فيما عشتما، هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي\nوهو يريد قاتلته، لأنه إنما يصف امرأة، فكنى باسم الرجل عنها، وهو يعنيها.\nفكذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي ﷺ، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٧٢.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٩.\n(٤) ديوانه: ٨٥، وانظر: المجموع شرح المهذب: ١٠/ ٢٩٨، والمعجم المفصل: ٢/ ١٣٣، وانظر ٢/ ٣٦٣.\n(٥) الهاشميات: ٣٤، والحيوان للجاحظ ٥: ١٧٠ - ١٧١.\n(٦) لم أجد البيت فيما طبع من شعر جميل، ولا فيما جمعته منه. والمنادح: البلاد الواسعة البعيدة. كأنهما جمع مندوحة، حذفت ياؤه. وقال تميم بن أبي بن مقبل. وإني إذا ملت ركابي مناخها ... ركبت، ولم تعجز على المنادح وربما حسن أن يقال: إنه جمع لا واحد له من لفظه، كمحاسن مشابه، والواحد من ذلك ندح وجمعه أنداح: وهو ما اتسع من الأرض.\n(٧) الأمالي ٢: ٧٤، والأغاني ١: ١١٧، ٧: ١٤٠، وهي قصيدة من جيد شعر جميل.","vol":"3","page":106},{"text":"قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك (١).\nقال الراغب: \" وإنما خص النبي - ﷺ - بقوله: ﴿ألم تعلم﴾، وإن كان الخطاب له ولغيره، لذكره العلم ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه﵇-، أو قد وقف من أسرار ملكوت السموات والأرض على ما لم يوقف عليه غيره\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، فإنه سوى الله، وبعد الله، ومنه قول أمية بن أبي الصلت (٣):\nيا نفس مالك دون الله من واقي ... وما على حدثان الدهر من باقي\nيريد: مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره (٤).\nقال الراغب: \" وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِإذا تصور خطابًا للكفار اقتضى وعيدا أي لأولي وناصر يحميكم عنه نحو قوله تعالي.\n﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ إدا تصور خطابة للمؤمنين اقتضى تسكينًا لهم أي لا تعتدوا بمن يواليكم وينصركم سواه، كقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وإذا اعتبر بهما فالمعنيان فيهما موجودان أي لا تعتقدوا أن لكم وليًا وناصرًا إذا لم يكن الله وليكم تنبيها أنه تعالي هو الذي لا يمكن تصور ولي وناصر مع تصور ارتفاعه ﷿\" (٥).\nوقراءة الجماعة (وَلَا نَصِيرٍ) بالخفض عطفا على (ولي) ويجوز (وَلَا نصيرُ) بالرفع عطفا على الموضع، لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير (٦).\nقال أبو حيان: \"وتضمنت هاتان الجملتان (٧) التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما: القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادرًا، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل، فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة، وبدأ بالتقرير على وصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان\" (٨).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾؛ ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]؛ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر؛ محدود من حين استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع، أو هبة، أو موت، أو غير ذلك؛ كذلك هو ناقص: فهو لا يملك التصرف فيه كما يشاء؛ بل تصرفه مقيد بما يباح له شرعًا؛ ولهذا لو أراد أن يحرق ملكه لم يملك ذلك؛ كذلك أيضًا ملك الإنسان قاصر؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده؛ فلا يشمل ملك الآخرين ..\n٢ ومن فوائد الآية: اختصاص ملك السموات، والأرض بالله؛ وهذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إن تقديم الخبر يدل على الحصر؛ لقوله تعالى: ﴿له ملك السموات والأرض﴾ ..\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٩.\n(٣) ديوانه: ٤٣. ومثله قول ابن أحمر:\nإن نحن إلا أناس أهل سائمة ... وما لهم دونها حرث ولا غُرر\nيريد: ليس لنا مال سوى السائمة، فليس لنا زرع ولا خيل.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٨٩.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٦٩.\n(٧) أي: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وَ(مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).\n(٨) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٥.","vol":"3","page":107},{"text":"٣ ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت؛ فكأن قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرف فيهما كما شاء ..\n٤ ومنها: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءًا؛ لقوله تعالى: ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾.\n٥ ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية، والنصر ..\nفإذا قال قائل: إن الله ﷾ يقول: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢]، ويقول تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فأثبت نصرًا لغير الله ..\nفالجواب: أن إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط؛ وليس نصرًا مستقلًا؛ والنصر المستقل من عند الله؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب؛ وليس على وجه الاستقلال ..\n٦ ومن فوائد الآية: أن ما يريده الإنسان فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها له؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنه ..\nالقرآن\n﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨]\nالتفسير:\nبل أتريدون- أيها الناس- أن تطلبوا من رسولكم محمد ﷺ أشياء بقصد العناد والمكابرة، كما طُلِبَ مثل ذلك من موسى. علموا أن من يختر الكفر ويترك الإيمان فقد خرج عن صراط الله المستقيم إلى الجهل والضَّلال.\nاختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، على أقوال (١):\nأحدها: قال ابن عباس: \"قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ: ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، الآية (٢).\nوالثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم، عن السدي: \" ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، أن يريهم الله جهرة. فسألت العرب رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة\" (٣). وروي عن قتادة (٤) مثل ذلك.\nوالثالث: قال مجاهد: \" سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: \" نعم! وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم! فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾، أن يريهم الله جهرة\" (٥). وذكر الواحدي عن ابن عباس (٦) نحو ذلك.\nوالرابع: قال ابن حجر: \"وحكى ابن ظفر أنه قيل: إنها نزلت في من قال من المسلمين لما رأوا شجرة يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط. فقال: هذا كقول قوم موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة﴾ [الأعراف: ١٦٨]، قال ابن ظفر: لأن التبرك بالشجر واتخاذها عيدا يستدرج من يجيء بعدهم إلى عبادتها\" (٧).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٣٤ - ٣٥، وتفسير الطبري: ٢/ ٤٨٩ - ٤٩١.\n(٢) أخرجه الطبري (١٧٧٧): ص ٢/ ٤٨٩ - ٤٩٠، وابن أبي حاتم (١٠٧٤): ص ١/ ٢٠٢، وانظر: سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧.\n(٣) تفسير الطبري (١٧٧٨): ص ٢/ ٤٩٠، وابن أبي حاتم (١٠٧٧): ص ١/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٧٧٩): ص ٢/ ٤٩٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٣.\n(٥) أخرجه الطبري (١٧٨١)، وانظر: (١٧٨٠)، و(١٧٨٢): ص ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١، وابن أبي حاتم (١٠٧٥): ص ١/ ٢٠٣.\n(٦) انظر: أسباب النزول: ٣٤. وفيه: \" قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي أمية ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبا، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية\".\n(٧) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٥٣.\nقلت: ومثل هذا لا يصلح أن يستند إليه في سبب النزول؟\nإذ لم أجد ذكرا عن هذا السبب في: تفسير مقاتل والطبري وابن أبي حاتم والسمرقندي والماوردي والزمخشري وابن عطية وابن الجوزي، والقرطبي والخازن وابن كثير والسيوطي ورشيد رضا وسعيد حوى.\nوقد ذكره الرازي \"٣/ ٢٥٤\" وأبو حيان \"١/ ٣٤٦\" مثل ما هنا وذكره الآلوسي \"١/ ٣٥٥\" بزيادة منها أن ذلك في غزوة خيبر، ولم ينسبوه إلى قائل معين، والثلاثة بعد ابن ظفر.\nوهذا الحديث يرويه ابن إسحاق -كما في \"السيرة\" لابن هشام \"ق ٢/ ٤٤٢\" وأحمد بن حنبل ٥\"/ ٢١٨\"، والترمذي في \"السنن\" \"كتاب الفتن \"٣/ ٣٢١ - ٣٢٢\" وقال: حسن صحيح -والنسائي في \"الكبرى\"- كتاب التفسير كما في \"تحفة الأشراف\" \"١١/ ١١٢\" \"١٥٥١٦\" أربعتهم عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الدؤلي ثم الجندعي عن أبي واقد الليثي \"أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها \"ذات أنواط\" قال: \"فمررنا بسدرة خضراء عظيمة. قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا إلها ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: \"قلتم والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون﴾ إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة\". واللفظ لأحمد قال ابن كثير في تفسير هذه الآية [١٣٨ من الأعراف]: ورواه ابن أبي حاتم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعًا ولم يذكر في هذا الحديث -كما هو واضح- نزول آية.","vol":"3","page":108},{"text":"والخامس: قال أبو العالية: \"قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل! فقال النبي ﷺ: \" اللهم لا نبغيها! ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. قال: وقال: \" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن \" (١). وقال: \" من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك \" (٢)، فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ \" (٣).\nقال ابن حجر: \" وأولى بأن يكون سببا لنزول هذه الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم (٤) بسند قوي عن أبي العالية\" (٥)، ثم ذكر الخبر.\nقال الإمام ابن كثير: \"نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: \"إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته\" (٦)، ولما سُئِل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك؛ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة (٧)، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال (٨)، وفي صحيح مسلم: \"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على\n_________\n(١) صحيح مسلم (٢٣٣): ص ١/ ٢٠٩، والترمي (٢١٤): ص ١/ ٤١٩.\n(٢) صحيح مسلم (١٣١): ص ١/ ١١٨، وسنن الدارمي (٢٧٨٦): ص ٢/ ٤١٤، والمعجم الكبير (١٢٧٦٠): ١٢/ ١١٦٢.\n(٣) أخرجه الطبري (١٧٨٣): ص ٢/ ٤٩١، وابن أبي حاتم (١٠٧٦): ص ١/ ٢٠٣، وهذا حديث مرسل، من مراسيل أبي العالية. وقد نقله ابن كثير ١: ٢٧٩، عن الطبري. ونقله السيوطي ١: ١٠٧، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم. وأبو العالية الرياحي: ثقة من كبار التابعين، كما قلنا في: ١٨٤. ونزيد هنا أنه مترجم في التهذيب والكبير ٢/ ١/٢٩٨، والصغير: ١٠٩، وابن سعد ٧/ ١ /٨١ - ٨٥، والإصابة ٢: ٢٢١. ولكن الاحتجاج بحديثه - كغيره من التابعين فمن بعدهم - هو في الإسناد المتصل، أما المرسل والمنقطع، فلا حجة فيهما.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٧٦): ص ١/ ٢٠٣، وأخرجه الطبري (١٧٨٣): ص ٢/ ٤٩١. وهو حديث مرسل كما سبق.\n(٥) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٥٢.\n(٦) (\") صحيح البخاري برقم (٧٢٨٩) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٣٠٨، ٥٢٥٩) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(٨) صحيح البخاري برقم (١٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٥٩٣).","vol":"3","page":109},{"text":"أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" (١)، وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج. فقال رجل: أكُل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال، ﵇: \"لا ولو قلت: نعم لوجَبَتْ، ولو وَجَبَتْ لما استطعتم\". ثم قال: \"ذروني ما تركتكم\" الحديث. وهكذا قال أنس بن مالك: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع (٢).\nوأخرج الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: عن البراء بن عازب، قال: \"إن كان ليأتي علَيَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب، وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن ثنْتَي عشرة مسألة، كلها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، و﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] يعني: هذا وأشباهه\" (٣) \"\nفيمكن القول بأن الأسئلة المنهية عنها هي أسئلة التعنت والاعتراض (٤)، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، فهذه ونحوها، هي المنهي عنها، وأما سؤال الاسترشاد والتعلم، فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ويقررهم عليه، كما في قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] و﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ونحو ذلك، ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة، قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، \"أي بل أتريدون يا معشر المؤمنين أن تسألوا نبيكم كما سأل قوم موسى نبيهم من قبل\" (٦).\nواختلف في الخطاب في الآية الكريمة، على أقوال (٧):\nأحدها: إنه لليهود، وذلك حينما سألوا النبي ﷺ آيات يأتي بها.\nاختاره الرازي (٨).\n_________\n(١) صحيح مسلم برقم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢).\n(٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٤٥٤) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن محمد بن فضيل به مطولًا.\n(٤) يقول الإمام الرازي: \" اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلبا للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرا، وإن كان ذلك طلبا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضا لا يكون كفرا؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفرا، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال\". (انظر: تفسيره: ٣/ ٢١٤).\n(٥) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٧) هذا اختيار الشيخ ابن عثيمين، انظر: تفسيره: ١/ ١٨٥.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٤٤. واحتج بأن: \" هذه السورة من أول قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]، حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كا متبدلا كفرا بالإيمان\".","vol":"3","page":110},{"text":"الثاني: إنه للمشركين؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].\nوالثالث: إنه للمسلمين. وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، واستدلوا عليه بوجوه (١):\nالأول: أنه قال في آخر الآية: (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين.\nالثاني: أن قوله: ﴿أم تريدون﴾ يقتضي معطوفا عليه وهو قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فكأنه قال: وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟\nالثالث: أن المسلمين كانوا يسألون محمدا ﷺ عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى ﵇ ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه.\nالرابع: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" والآية صالحة للأقوال كلها؛ لأن محمدًا ﷺ رسول للجميع؛ لكن تخصيصها باليهود يبعده قوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾؛ فمعنى الآية: أتريدون أن توردوا الأسئلة على رسولكم كما كان بنو إسرائيل تورد الأسئلة على رسولها؛ ولا شك أن الاستفهام هنا يراد به الإنكار على من يكثرون السؤال على النبي ﷺ\" (٢).\nواختلف أهل العربية في معنى (أم) التي في قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وذكروا وجوها (٣):\nالأول: أنها (متصلة) عديلة (الألف) بمعنى الاستفهام، وتأويل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ . وهذا قول بعض البصريين.\nقال الحافظ ابن كثير: \"هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه، ﵇، رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] \" (٤).\nقال الواحدي: \" فإن قيل: كيف يُرَدّ ﴿أم تريدون﴾ عليه، والأول خطاب للنبي - ﷺ -، والثاني خطاب للجماعة؟ قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به ﵇ فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فوحَّد ثم جَمَعَ، كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم\" (٥).\nوالثاني: أنها (منقطعة) بمعنى استفهام منقطع من الكلام، \"كأنه قال: أتريدون، وهذا موجود في كلام العرب\" (٦).\nوليس قوله: ﴿أم تريدون﴾ على الشك، ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [الأحقاف: ٨]، \"أي: بل يقولون\" (٧)، ومن ذلك قول الأخطل (٨):\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٤٣ - ٦٤٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤٩٢ - ٤٩٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨١.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(٧) تفسير الراي: ٣/ ٦٤٣.\n(٨) ديوانه: ٤١، ونقائض جرير والخطل: ٧٠. وواسط: قرية غربي الفرات مقابل الرقة من أعمال الجزيرة، وهي من منازل بني تغلب، وهي غير واسط التي بناها الحجاج بين البصرة والكوفة. الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بتباشير الصباح، فهي سواد مختلط ببياض وحمرة.","vol":"3","page":111},{"text":"كذبَتْك عينُك أم رأيت بواسط ... غَلَس الظلام من الرَّباب خيالا\nوعلى هذا القول جمع من أهل العلم، منهم ابن كثير (١)، وصاحب الكشاف، إذ يقول: \" (أم) هذه هي المنقطعة التي بمعنى (بل) أي (بل تريدون) وفي هذا توبيخ وتقريع والكاف في قوله ﴿كما سئل﴾ في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي سؤالا مثل ما سئل موسى من قبل\" (٢).\nوالثالث: وقال بعض نحويي الكوفيين: إن شئت جعلت قوله: ﴿أم تريدون﴾ استفهاما على كلام قد سبقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]، فجاءت \" أم \" وليس قبلها استفهام، فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه، وقال قائل هذه المقالة: \" (أم) في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين:\nإحداهما: أن تُفَرِّق معنى (أي).\nوالأخرى: أن يستفهم بها فتكون على جهة النسق، والذي ينوي بها الابتداء، إلا أنه ابتداء متصل بكلام، فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت، لم يكن إلا بـ (الألف) أو بـ (هل) ... وإن شئت قلت في قوله: ﴿أم تريدون﴾، قبله استفهام، فرد عليه وهو في قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ \" (٣).\nوالرابع: وقيل: (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) و(همزة الاستفهام)؛ أي: (بل أتريدون)؛ والإضراب هنا ليس للإبطال؛ لأن الأول ليس بباطل؛ بل هو باق؛ فالإضراب هنا إضراب انتقال؛ و\"الإرادة\" هنا بمعنى المشيئة؛ وإن شئت فقل: بمعنى المحبة (٤).\nوقال مكي وغيره: \"وهذا يضعف لأن «أم» لا تقع بمعنى (بل) إلا إذا اعترض المتكلم شك فيما يورده\" (٥).\nقال ابن عطية: \"وليس كما قال مكي ﵀، لأن «بل» قد تكون للإضراب عن اللفظ الأول لا عن معناه، وإنما يلزم ما قال على أحد معنيي «بل» وهو الإضراب عن اللفظ والمعنى، ونعم ما قال سيبويه: بل هي لترك كلام وأخذ في غيره\" (٦).\nوالصواب أنه استفهام مبتدأ، بمعنى: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم؟ وذلك لما جاءت به الآثار التي ذكرها الإمام الطبري، إذ يقول: \"وإنما جاز، أن يستفهم القوم بـ \" أم \"، وإن كانت \" أم \" أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام، لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام. ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام، ونظيره قوله جل ثناؤه: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣] وقد تكون (أم) بمعنى (بل)، إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه (أي)، فيقولون: \"هل لك قِبَلَنا حق، أم أنت رجل معروف بالظلم؟ \"، وقال الشاعر (٧):\nفوالله ما أدري أسلمى تغولت ... أم النوم أم كل إلي حبيب\nيعني: بل كل إلي حبيبا (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسيره: ١/ ٣٨١. إ يقول: \" وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون\".\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ١٢٨.\n(٣) معاني القرآن للفراء: ١/ ٧١.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٣.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(٧) (\") لم أتعرف على قائله، ذكره الطبري في تفسيره: ٢/ ٤٩٣، وفي معاني القرآن للفراء ١: ٧٢، واللسان (أمم)، والصاحبي: ٩٨. وفي المطبوعة هنا: \" تقولت. . أم القول، وهو خطأ محض. وقوله: \" تغولت \"، أي تصورت في صورة امرأة أحسها وأراها. من تغول الغول: وهي أن تتلون وتتخيل في صور شتى. يعنى أنها بعيدة لا شك في بعدها، ولكنه يخال أنه يراها أمامه ماثلة قائمة. وقال الأخطل:\nوتعرضت لك بالأباطح بعد ما ... قطعت بأبرق خلة ووصالا\nوتغولت لتروعنا جنية ... والغانيات يرينك الأهوالا\nثم يقول: \" أم النوم \" أي: أم هو حلم. بل كلاهما حبيب إلى، يعني أي ذلك كان، فهو حبيب إلى.\n(٨) انطر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٧١.","vol":"3","page":112},{"text":"وانشد ابن الأنباري على هذا (١):\nتروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ... وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ\nفقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله (٢):\nفوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ... بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ\nويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا (٣).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿كَمَا سُئِلَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على وجوه (٤):\nأحدها: قرأ الحسن بن أبي الحسن وغيره ﴿سيل﴾، بكسر السين وياء وهي لغة، يقال: سلت أسال، ويحتمل أن يكون من همز أبدل الهمزة ياء على غير قياس ثم كسر السين من أجل الياء.\nوالثاني: وقرأ بعض القراء بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء، مع ضم السين.\nوالثالث: وقرأ الجماعة: ﴿سُئِلَ﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، أي: ومن \"يستبدل الضلالة بالهدى ويأخذ الكفر بدل الإِيمان\" (٥).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، على وجوه (٦):\nأحدهما: أن معناه: ومن يستبدل الكفر، وهو الجحود بالله وبآياته، بالإيمان وهو التصديق بالله وبآياته والإقرار به (٧).\nوالثاني: ومن يتبدل الشدة بالرخاء. قاله أبو العالية (٨).\nوضعّفه ابن عطية قائلا: \" وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي الشدة على نفسه والرخاء لها عبارة عن العذاب والتنعيم، وأما المتعارف من شدة أمور الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به\" (٩).\nوالرأي الأول هو الصواب، أما القول الثاني فهو مفهوم بعيد من ظاهر الخطاب. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، \" أي فقد حاد عن الجادة وخرج عن الصراط السوي\" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: \" ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾، قال: عن عدل السبيل\" (١١).\nقال الطبري: أي: فقد ذهب عن سواء السبيل وحاد عنه\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" أي: \"أخطأ الطريق\" (١٣).\nوأصل (الضلال) عن الشيء، \"الذهاب عند والحيد، ثم يستعمل في الشيء الهالك، والشيء الذي لا يؤبه له، كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة: (ضُل بن ضُل)، و(قُل بن قُل) (١٤)، ومعنى الضلال في الآية: الذَهابُ عن الاستقامة (١٥)، قال الأخطل (١٦):\n_________\n(١) البيت لامرئ القيس، ينظر: \"ديوانه\" ص ٦٨، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٧٧، (مادة: عبد)، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣١.\n(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: \"ديوانه\" ص ٢٦٦، \"المعجم المفصل\" ٨/ ١٨٦.\n(٣) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥. وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٧٨٤): ص ٢/ ٤٩٥.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٥٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(١٥) انظر: الوسيط: ١/ ١٩١.\n(١٦) ديوان الأخطل: ٢٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٣، و\"تفسير القرطبي: ١٤/ ٩١، والماوردي: ٣/ ٢٩٣، ووضح البرهان للغزنوي: ٢/ ١٧٥. والبحر المحيط: ٥/ ٥١٣ - ٥١٤، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٤٠.","vol":"3","page":113},{"text":"كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ... قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا\nأي: ذهب يمينًا وشمالًا (١).\nقال ابن عاشور: \"و(السواء): الوسط من كل شيء (٢)، قال بلعاء بن قيس (٣):\nغَشَّيْتُه وهو في جَأَوَاءَ باسلة ... عَضْبًَا أصاب سواءَ الرأس فانفلقا\nووسط الطريق: هو الطريق الجادة الواضحة، لأنه يكون بين بنيات الطريق التي لا تنتهي إلى الغاية\" (٤).\nو﴿السبيلُ﴾ في اللغة: الطريقُ، والمراد به طريق الاستقامة\" (٥)، و\"هذه السبيل التي أخبر الله عنها، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها، هي الصراط المستقيم، الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] \" (٦).\nقال ابن عطية: \" و﴿السَّبِيلِ﴾، عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها\" (٧).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿(سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، على وجهين: (٨):\nأحدهما: أن (السواء) أي: القصد والمنهج، عن الفراء، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته، أي طريق طاعة الله ﷿ (٩).\nوالثاني: أن (السواء) من كل شيء: الوسط، قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنه قوله: ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: \"وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه، ومنه قوله ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: أعلمهم، حتى يستوي علمك وعلمهم\" (١٠).\nوقال عيسى بن عمر: \"كتبت حتى انقطع سوائي، [يعني وسطي] (١١)، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي ﷺ، على ما ذكر ابن إسحاق وغيره (١٢):\nيا ويح أصحاب النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد\nوقال أبو عبيد: هو في عثمان بن عفان ﵁، وهو عندي وهم منه\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٤٠.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.\n(٣) شرح ديوان الحماسة: ١/ ١٣. غَشيته أَي فنعت رَأسه بِالسَّيْفِ والجأواء الكتيبة المخضرة من كَثْرَة السِّلَاح والبسالة من البسل وَهُوَ الْحَرَام كَأَنَّهَا لتمنعها يمْتَنع لقاؤها والعضب السَّيْف الْقَاطِع والسواء الْوسط مَعْنَاهُ رب فَارس صفته هَكَذَا أَنا ضَربته وَهُوَ فِي جَيش تَامّ السِّلَاح كريه اللِّقَاء بِسيف قَاطع أصَاب وسط رَأسه فشقه.\n(٤) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٦٧ - ٦٦٨.\n(٥) روائع البيان: ٢/ ٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦. وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٠.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٧٠.\n(١٠) التفسير البسيط: ٢/ ١٠٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٠، وروائع البيان: ٢/ ٣٤.\n(١٢) ديوانه: ٩٨. وعنى بقوله: (ورهطه) المهاجرين ﵃، والمغيب مصدر غيبه في الأرض: واراه، و(الملحد) بضم الميم وفتح الحاء بينهما لام ساكنة: هو اللحد، والقبر.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٦، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٠، وروائع البيان: ٢/ ٣٤.","vol":"3","page":114},{"text":"قلت: وكلا القولين صحيحان، لأن الذي يخرج عن سواء السبيل، \"فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩] \" (١).\nوقد قراء: \" ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾، بالإدغام وبالإظهار في السبعة\" (٢).\nيقول أبو حيّان: \" ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى، كنى عنها بالسبيل، وجعل من حاد عنها: كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بتبدل الكفر بالإيمان، وأخرج ذلك في صورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيرًا عن ذلك، وتبعيدًا منه، فوبخهم أولًا على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك، ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية. وإن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكارًا وتوبيخًا، وعجزها تكفيرًا وضلالًا، وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض ولا طلب ولا إرادة\" (٣).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: إنكار كثرة الأسئلة لرسول الله ﷺ؛ لأن الاستفهام: ﴿أم تريدون﴾ يقصد به الإنكار؛ وقد قال النبي ﷺ محذرًا من ذلك: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم\" (٤)؛ وصح عن النبي ﷺ: \"أن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته\" (٥)؛ فهذا نهي، وإنكار على الذين يسألون رسول الله ﷺ مسائل؛ والمطلوب من المسلم في زمن الوحي أن يسكت حتى ينزل ما أراد الله ﷿ من أمر أو نهي ..\n٢ ومن فوائد الآية: تأكيد ذم هذا النوع من الأسئلة؛ لقوله تعالى: ﴿رسولكم﴾؛ فكأنه أراد أنه لما كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم عدم إعناته بالأسئلة ..\n٣ ومنها: أن إرسال محمد ﷺ من مصالحنا، ومنافعنا؛ لقوله تعالى: ﴿رسولكم﴾.\n٤ ومنها: أن كثرة الأسئلة للنبي ﷺ فيها مشابهة لليهود؛ لقوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾.\n٥ ومنها: أنه لا ينبغي إلقاء السؤال إلا لمصلحة: إما رجل وقعت له مسألة يسأل عن حكمها؛ أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها؛ أما الأسئلة لمجرد استظهار ما عند الإنسان فقط؛ أو أقبح من ذلك من يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك؛ أو لأجل إعنات المسؤول، وإحراجه؛ فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا تنبغي ..\n٦ ومن فوائد الآية: ذم بني إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى ﷺ، حيث إن الله ﷾ ذكرهم في هذه الآية على سبيل الذم ..\n٧ ومنها: أن اليهود كانوا سألوا موسى عن أشياء فكانت العاقبة فيها وخيمة: فقد سألوا عن أشياء بينت لهم؛ لكنهم لم يعملوا بها؛ فكانت نتيجة السؤال الخيبة ..\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٢. وانظر: روائع البيان: ٢/ ٣٤.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٥١٧.\n(٣) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥١٧.\n(٤) أخرجه مسلم ص ٩٠١، كتاب الحج، باب ٧٣: فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم ٣٢٥٧ [٤١٢] ١٣٣٧.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٦٠٧، كتاب الاعتصام، باب ٣: ما يكره من كثرة السؤال، حديث رقم ٧٢٨٩، وأخرجه مسلم ص ١٠٩٢ – ١٠٩٣، كتاب الفضائلن باب ٣٧: توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله ...، حديث رقم ٦١١٦ [١٣٢] ٢٣٥٨.","vol":"3","page":115},{"text":"٨ ومنها: إثبات رسالة موسى ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾ يعني: وهو رسول ..\n٩ ومنها: ذم من استبدل الكفر بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل؛ وهذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه؛ فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة؛ فإذا كفر فقد تبدل الكفر بالإيمان ..\n١٠ ومنها: أن من اختار الكفر على الإيمان فهو ضال ..\n١١ ومنها: عكس هذه المسألة: أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدي إلى سواء السبيل ..\n١٢ ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة في عمله، وأنه مجبر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ ..\n١٣ ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما أجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان من بعد ما تبين له أنكر؛ فالواجب على المرء إذا سأل من يثق به أن يعمل بقوله؛ ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتيًا ملتزمًا بقوله حرم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه حين سأله كان يعتقد أن الذي يقوله هو الشرع؛ فإذا كان يعتقد هذا فلا يسأل غيره؛ نعم، إذا سأل إنسانًا يثق به بناءً على أن فتواه هو الشرع، وأفتاه، ولكنه سمع في مجلس عالم آخر حكمًا نقيض الذي أُفتي به مدعَّمًا بالأدلة، فحينئذ له أن ينتقل؛ بل يجب عليه؛ أو سأل عالمًا مقتنعًا بقوله للضرورة. لأنه ليس عنده في البلد أعلم منه. على نية أنه إذا وجد أعلم منه سأله؛ فهذا أيضًا يجوز أن يسأل غيره إذا وجد أعلم منه.\nالقرآن\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]\nالتفسير:\nتمنى كثير من أهل الكتاب أن يرجعوكم بعد إيمانكم كفارًا كما كنتم من قبلُ تعبدون الأصنام؛ بسبب الحقد الذي امتلأت به نفوسهم من بعد ما تبيَّن لهم صدق نبي الله ورسوله محمد ﷺ فيما جاء به، فتجاوزوا عمَّا كان منهم من إساءة وخطأ، واصفحوا عن جهلهم، حتى يأتي الله بحكمه فيهم بقتالهم وقد جاء ووقع، وسيعاقبهم لسوء أفعالهم. إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.\nاختلف فيمن أنزلت الآية على أقوال (١):\nاحدها: أنها أنزلت في عامة اليهود والمشركين. قاله الطبري (٢).\nالثاني: أخرج الواحدي وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن كعب بن مالك: \"أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي - ﷺ - ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدمها رسول الله - ﷺ - يؤذون النبي - ﷺ - وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزلت: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ \" (٣). وروي نحوه عن الزهري (٤) وقتادة (٥).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٣٥ - ٣٦، والعجاب: وتفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٨٣): ص ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥، واخرجه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة: ١٥٤/ ٣ (٣٠٠٠).\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٨٢): ص ١/ ٢٠٤، وتفسير الطبري (١٧٨٦)، و(١٧٨٧): ص ٢/ ٤٩٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٧٨٦): ص ٢/ ٤٩٩.","vol":"3","page":116},{"text":"واستبعد الطبري هذا الرأي، لأن صيغة خطاب الآية للجمع، والواحد لا يقال له \"كثير\"، بمعنى الكثرة في العدد (١).\nوعلى رواية عبدالله بن كعب، فالجمع في قوله: ﴿يَرُدُّونَكُم﴾ لكعب ومن تابعه ويستقيم الكلام (٢). والله أعلم.\nالثالث: وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس: \" كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله ﷺ، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم﴾ الآية\" (٣).\nالرابع: وقال الواحدي \"قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة بدر ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، \" أي تمنى كثير من اليهود والنصارى\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"أن كثيرًا من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، \" أي لو يصيّرونكم كفارًا بعد أن آمنتم\" (٧).\nقال الطبري: أي: \"أن يردوكم كفارًا؛ أي يرجعوكم كفارًا\" (٨).\nقال المراغي: أي: \" أن يصرفوكم عن توحيد الله والإيمان بمحمد ﷺ ويرجعوكم كفارا كما كنتم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، \" أي حسدًا منهم لكم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" أي من تلقاء أنفسهم لم يأمر الله ﷿ بذلك\" (١١).\nقال الطبري: \"وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين، من عند أنفسهم، إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه (١٢).\nقال ابن الأنباري: \"ويكون تأويل ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ في حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به كما تقول: هذا عند الشافعي حلال، أي: في حكمه ومذهبه\" (١٣).\nوذكر الرازي في قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وجهين (١٤):\nأحدهما: أنه متعلق بـ (ود)، على معنى أنهم أحبوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق؟\nالثاني: أنه متعلق بـ (حسد)، أي حسد عظيم منبعث من عند أنفسهم.\nو\"في الآية تنبيه أن كثيرًا من أهل الكتاب، يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسدًا، وقوله: ﴿من عند أنفسهم﴾ أي من عند هواهم كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، وعبر عن الهوى بالنفس وهي الأمارة بالسوء، وبين أنهم فعلوا ذلك بعد وضوح الحق لهم، ولكنهم بحسدهم وهوائهم لا يتحرونه، ولا يحبون أن يتحراه غيرهم\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠.\n(٢) انظر: العجاب في بيابن الأسباب: ١/ ٣٥٦.\n(٣) أخرجه الطبري (١٧٨٨): ص ٢/ ٤٩٩، وابن أبي حاتم (١٠٨١): ص ١/ ٢٠٤.\n(٤) أسباب النول للواحدي: ٣٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦، وتفسير المراغي: ١/ ١٩٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠١.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠١.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ١٩٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٤١.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٤١.\n(١٤) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٥٢.\n(١٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٩١.","vol":"3","page":117},{"text":"قال الراغب: \" (الحسد): كراهية نعمة على مستحق لها، وعدت من عظائم الذنوب، إذ هو معاندة الله في إرادته، وهو شر من البخل، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه\" (١).\nوحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: أصل الحسد في كلام العرب: القشر، ومنه أخذ الحسد؛ لأنه يَقْشر القلب، قال والحَسدلُ (٢): القرادة، لأنه يقشر الجلد فيمص الدم. ذكره الأزهري (٣).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩]، \" أي من بعد ما ظهر لهم بالبراهين الساطعة، أن دينكم هو الحق\" (٤).\nقال المراغي: \"أي من بعد أن ظهر لهم بساطع الأدلة أن محمدا على الحق بما جاء به من الآيات التي تنطبق على ما يحفظونه من بشارات كتبهم بنبي يأتي آخر الزمان\" (٥).\nقال قتادة: \" من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله ﷺ، والإسلام دين الله\" (٦). وروي نخوه عن أبي العالية (٧)، والربيع (٨)، والسدي (٩)، وابن زيد (١٠).\nوقال ابن عباس: \" من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة\" (١١).\nقال الطبري: أي: \"من بعد ما تبين الحقُّ في أمر محمد ﷺ وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه فدل بقوله ذلك: أن كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله، عناد، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا﴾ [البقرة: ٩]، \" أي: \" فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \" فاتركوا\" (١٤).\nقال الصابوني: \" أي اتركوهم\" (١٥).\nقال المراغي: \" أي: فعاملوهم بأحاسن الأخلاق من العفو عن مذنبهم بترك عقابه\" (١٦).\nقال ابن عثيمين: \" الخطاب للمؤمنين عامة؛ ويدخل فيهم الرسول ﷺ؛ و\"العفو\" بمعنى ترك المؤاخذة على الذنب؛ كأنه من عفا الأثر: إذا زال لتقادمه\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: \" واصفحوا عما كان منهم من جهل\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٩١.\n(٢) زيدت فيه اللّام كما يقال للعبد: عبدل. [تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨].\n(٣) انظر: تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٣، \"اللسان\" ٢/ ٨٦٨ (حسد)، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٤١ - ٢٤٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٩١.\n(٦) أخرجه الطبري (١٧٩٠): ص ٢/ ٥٠٢.\n(٧) أخرجه الطبري (١٧٩١): ص ٢/ ٥٠٢.\n(٨) أخرجه الطبري (١٧٩٢): ص ٢/ ٥٠٢.\n(٩) أخرجه الطبري (١٧٩٣): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٧٩٤): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١١) أخرجه الطبري (١٧٩٥): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠١ - ٥٠٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٣.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(١٦) تفسير المراغي: ١/ ١٩١.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٨.\n(١٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٣.","vol":"3","page":118},{"text":"قال الثعلبي: أي\" وتجاوزوا\" (١).\nقال الصابوني: أي: \" وأعرضوا عنهم فلا تؤخذوهم\" (٢).\nقال المراغي: أي \"واصفحوا عن مذنبهم، بترك لومه وتعنيفه\" (٣).\nو(العفو): ترك المؤاخذة بالذنب، كما قال: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦] (٤).\nو(الصفح): إزالة أثره من النفس، أي: الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، وهو يشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] (٥)، ومن ذلك قول كُثَيِّر يصفُ امرأة أعرضت عنه (٦):\nصفوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ\nوقال الآلوسي: \" (العفو)، ترك عقوبة المذنب، و(الصفح)، ترك التثريب والتأنيث وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضا أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها. وآثر العفو على الصبر على اذاهم إيذانا بتمكين المؤمنين ترهيبا للكافرين\" (٧).\nوالفرق بين (العفو، و(الصفح)، أن\" (العفو) ترك المؤاخذة على الذنب؛ و(الصفح) الإعراض عنه؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وهو أن الإنسان يلتفت، ولا كأن شيئًا صار. يوليه صفحة عنقه.؛ فـ \"الصفح\" معناه الإعراض عن هذا بالكلية وكأنه لم يكن؛ فعلى هذا يكون بينهما فرق؛ فـ (الصفح) أكمل إذا اقترن بـ (العفْو) \" (٨).\nقال ابن عباس: \" ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: عن مساوئ كلامهم، وغلّ قلبهم\" (٩).\nقال أهل العلم: \" وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح، إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح لا يكون إلا من القادر، فكأنه يقول لهم: لا تغرّنّكم كثرة أهل الكتاب مع باطلهم، فأنتم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، وأهل الحق مؤيدون بعناية الله، ولهم العزة ما ثبتوا عليه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: \" حتى يأتى نصر الله لكم بمعونته وتأييده\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" أي بأمر سوى ذلك؛ وهو الأمر بالقتال\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي حتى يأذن الله لكم بقتالهم\" (١٣).\nقال الآلوسي: \" المراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: واحد الأمور، والمراد به القيامة. أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ١٩١.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٧١، وتفسير المراغي: ١/ ١٩٠.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٧١، وتفسير المراغي: ١/ ١٩٠.\n(٦) ديوانه: ٩٨، ولسان العرب: ٤/ ٢٤٥٧، (مادة: صفح)، والمعجم المفصل: ١/ ٥٥٣.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٣٥٦.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٨.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢٤٢.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٩١.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ١٩١.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(١٤) روح المعاني: ١/ ٣٥٦.","vol":"3","page":119},{"text":"قال الراغب: \" ثم أمر بالتجافى عنهم إلى أن يأتي الله بأمره تسكينًا لهم ووعدًا بتغييره لقدرته على كل شك\" (١).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] على وجوه (٢):\nأحدها: أن معناه: حتى يأتي الله بعذابه: القتل والسّبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النظير. قاله ابن عبّاس (٣).\nوالثاني: أنه أمره بقتالهم في قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قاله قتادة (٤)، وهو قول الجمهور (٥).\nالثالث: وقال ابن كيسان: \"بعلمه وحكمه فيهم، حكم بعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي والجزية\" (٦).\nالرابع: وقيل: أراد به القيامة فيجازيهم بأعمالهم.\nالخامس: وقيل: آجال بني آدم.\nالسادس: وقيل: قوة الرسالة وكثرة الأمة.\nقال أبو حيان: \" والجمهور على أنه الأمر بالقتال\" (٧).\nواختلف في نسخ الآية على قولين (٨):\nأحدهما أنها منسوخة، ومن ثم اختلفوا في الناسخ على قولين:\nالقول الأول: أنها نسخت بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا (٩). وهذا قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، والربيع (١٢)، والسدي (١٣).\nوالقول الثاني وقيل: الناسخ لها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] (١٤).\nوالثاني: وقال البعض بأنها غير منسوخة، \"واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقًا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر\" (١٥). قاله ابن الجوزي.\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٩١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨، والبحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٣) عزاه لابن عباس، الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٥٨، وانظر: الكفاية: ١/ ٦٧، والوسيط: ١/ ١٩١ والمحرر الوجيز: ١/ ٤٤٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ٦٥، والبحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٨.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٨) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيد: ١/ ٥٠، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢٧٤، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ٣١٢.\n(٩) اظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٧١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٧٩٦): ص ٢/ ٥٠٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٧٩٧): ص ٢/ ٥٠٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٧٩٨): ص ٢/ ٥٠٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٠٠): ص ٢/ ٥٠٤.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٧١ - ٧٣.\n(١٥) نواسخ القرآن، ابن الجوزي: ٤٦.","vol":"3","page":120},{"text":"ونقل أبو حيان، عن \"قوم بأنه ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر للتوقيف على مدته ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ غيّا العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه الموادعة على أن تأتي أمر الله بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بالجزية، وغير ذلك مما أتي من أحكام الشرع فيهم، وترك العفو والصفح\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]، \" أي لا يعتريه عجز في كل شيء فعله\" (٢).\nقال الطبري: أي\" لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه، لأن له الخلق والأمر\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي قادر على كل شيء فينتقم منهم إِذا حان الأوان\" (٤).\nقال الرازي: \"فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره\" (٥).\nقال أبو حيان: \" فيه إشعار بالانتقام من الكفار، ووعد للمؤمنين بالنصر والتمكين. ألا ترى أنه أمر بالموادعة بالعفو والصفح، وغيا ذلك إلى أن يأتي الله بأمره، ثم أخبر بأنه قادر على كل شيء؟ \" (٦).\nقال الآلوسي: \" تذييل مؤكد لما فهم من سابقه، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين، ويحتمل على بعد أن يكون ذكرا لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديدا لمن يخالف أمره\" (٧).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان شدة عداوة اليهود، والنصارى للأمة الإسلامية؛ وجه ذلك أن كثيرًا منهم يودون أن يردوا المسلمين كفارًا حسدًا من عند أنفسهم ..\n٢ ومنها: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله تعالى: ﴿لو يردونكم﴾؛ ولهذا الذي يكفر بعد الإسلام لا يسمى باسم الدين الذي ارتد إليه؛ فلو ارتد عن الإسلام إلى اليهودية، أو النصرانية لم يعط حكم اليهود، والنصارى ..\n٣ ومنها: أن الحسد من صفات اليهود، والنصارى ..\n٤ ومنها: تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقول النبي ﷺ: \"من تشبه بقوم فهو منهم\" (٨)؛ واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا نارًا تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهًا لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد أو الحسود. مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلًا فيها؛ لأنه لابد أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة؛ حتى لو فرضنا أنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر، وكسب مكسبًا كبيرًا في سلعة معينة تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب بينما عنده ملايين كثيرة؛ وكذلك أيضًا\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٥٢.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٣٥٧.\n(٨) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠، حديث رقم ٥١١٤، وأخرجه أبو داود ص ١٥١٨، كتاب اللباس، باب ٤: في لبس الشهرة، حديث رقم ٤٠٣١، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنفن كتاب السير، باب ٧٩: ما قالوا فيما ذكر من الرماح واتخاذها، حديث رقم ٣٣٠٠٦، قال الحافظ في الفتح ١٠/ ٢٧١: أخرجه أبو داود بسند حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٢/ ٥٠٤، وقال في الإرواء: صحيح ٥/ ١٠٩، حديث رقم ١٢٦٩.","vol":"3","page":121},{"text":"بالنسبة للعلم: بعض الحاسدين إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجده. وإن كان أعلم منه. يحسده على ما برز به؛ وهذا يستلزم أن يحتقر نعمة الله عليه؛ فالحسد أمره عظيم، وعاقبته وخيمة؛ والناس في خير، والحسود في شر: يتتبع نعم الله على العباد؛ وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه؛ ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافيًا في النفور منه ..\n٥ ومن فوائد الآية: علم اليهود، والنصارى أن الإسلام منقبة عظيمة لمتبعه؛ لقوله تعالى: ﴿حسدًا﴾؛ لأن الإنسان لا يحسد إلا على شيء يكون خيرًا، ومنقبة؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] ..\n٦ ومنها: وجوب الحذر من اليهود، والنصارى؛ ما دام كثير منهم يودون لنا هذا فإنه يجب علينا أن نحذر منهم ..\n٧ ومنها: بيان خبث طوية هؤلاء الذين يودون لنا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿من عند أنفسهم﴾؛ ليس من كتاب، ولا من إساءة المسلمين إليهم؛ ولكنه من عند أنفسهم: أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسدًا ..\n٨ ومنها: أن هؤلاء الذين يودون الكفر للمسلمين قد تبين لهم الحق؛ فلو كانوا جاهلين بأن المسلمين على حق، وقالوا: \"لا نريد أن نكون على دين مشكوك فيه\" لكان لهم بعض العذر؛ ولكنهم قد تبين لهم الحق، وعلموا أن الرسول ﷺ حق، وأن دينه حق، وأن المؤمنين على حق؛ ومع ذلك فهم يودون هذه المودة، ويسعون بكل سبيل أن يصلوا إلى غايتهم؛ فمن أحب شيئًا سعى في تحصيله؛ فكثير من هؤلاء اليهود والنصارى يسعون بكل ما يستطيعون من قوة مادية، أو أخلاقية، أو غيرهما ليردوا المسلمين بعد الإيمان كفارًا ..\n٩ ومن فوائد الآية: مراعاة الأحوال، وتطور الشريعة، حيث قال تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ..\n١٠ ومنها: أن الذم إنما يقع على من تبين له الحق؛ وأما الجاهل فهو معذور بجهله إذا لم يقصر في طلب العلم ..\n١١. ومنها: جواز مهادنة الكفار إذا لم يكن للمسلمين قوة ..\n١٢ ومنها: إثبات الحكمة لله ﷿، حيث أمر بالعفو، والصفح إلى أن يأتي الله بأمره؛ لأن الأمر بالقتال قبل وجود أسبابه، وتوفر شروطه من القوة المادية والبشرية، ينافي الحكمة ..\n١٣ ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله ﷿؛ والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ فعال لما يريد فعلًا يليق بجلاله وعظمته، وما تقتضيه حكمته؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ ..\n١٤ ومنها: ثبوت القدرة لله ﷿، وأنها شاملة لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾.\n١٥ ومنها: الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ وإذا كان مستقلًا بعمله لزم من ذلك أن الله لا يقدر على تغييره؛ لأنه إن قدر على تغييره صار العبد غير مستقل ..\n١٦ ومنها: بشارة المؤمنين بأن الله ﷾ سيغير حالهم المقتضية للعفو والصفح، إلى قوة يستطيعون بها جهاد العدو ..\n١٧ ومنها: اتباع الحكمة في الدعوة إلى الله بالصبر، والمصابرة حتى يتحقق النصر، وأنْ تعامَل كل حال بما يناسبها.\nالقرآن\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠]\nالتفسير:","vol":"3","page":122},{"text":"واشتغلوا -أيها المؤمنون- بأداء الصلاة على وجهها الصحيح، وإعطاء الزكاة المفروضة. واعلموا أنَّ كل خير تقدمونه لأنفسكم تجدون ثوابه عند الله في الآخرة. إنه تعالى بصير بكل أعمالكم، وسيجازيكم عليها.\nقال أبو حيان: \" لما أمر بالعفو والصفح، أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام: العبادة البدنية، والعبادة المالية، إذ الصلاة فيها مناجاة الله تعالى والتلذذ بالوقوف بين يديه، والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق بالإيثار على النفس، فأمروا بالوقوف بين يدي الحق وبالإحسان إلى الخلق\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، \"أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أي: \"وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها\" (٣).\nقال ابن عطية: \" معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها\" (٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن الحسن في قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة\" (٥). وروي عن عطاء بن أبي رباح وقتادة نحو ذلك (٦).\nوقال الزهري: \"إقامتها أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها\" (٧).\nو(إقامة الصلاة): \"أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها\" (٨)، وكما قال الشاعر (٩):\nأَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، \"يعني: وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة\" (١٠).\nقال الطبري: \" وإيتاءُ الزكاة، هو أداء الصدقة المفروضة\" (١١).\nقال ابن عثميمين: \" أي أعطوا الزكاة\" (١٢).\nواختلف في أصل (الزَّكاة) على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها مأخوذة من: زكا الشيء، إذا نما وزاد، قال الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى (١٣).\nقال ابن عطية: \"وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه، من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي\" (١٤).\nالثاني: أن (الزَّكاةَ) مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال (١٥).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦١): ص ١/ ٩٩.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ١/ ٩٩.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٢): ص ١/ ٩٩.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٢٤١.\n(٩) البيت ذكره الطبري ولم أتعرف على قائله. انظر: تفسير الطبري: ١/ ٢٤١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٢.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(١٣) المفردات في غريب القرآن ص: ٢١٣ والمعجم الوسيط ص: ٣٩٨.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(١٥) انظر: تهذيب اللغة (زكا) ٢/ ١٥٤٢، واللسان: (زكا) ٣/ ١٨٤٩، والمصباح ج ١ ص: ٢٧٢ والمختار من صحاح اللغة ص ٢١٨ والمطلع على أبواب المقنع ص: ٢٢٢ والروض المربع ج ١ ص: ١٠٧ والمجموع شرح المهذب ج ٥ ص: ٢٩١، والمحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.","vol":"3","page":123},{"text":"قال ابن عطية: فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس (١) \" (٢).\nواختار الطبري هذا الوجه، قائلا: \" وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (٣)، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى صلوات الله عليه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [سورة الكهف: ٧٤]، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل: هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى، وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها\" (٤).\nوقال ابن الأثير: وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح فالزكاة طهرة للأموال وزكاة الفطر طهرة للأبدان (٥).\nوقال ابن عثيمين: \" وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ فهي تزكي الإنسان في أخلاقه، وعقيدته، وتطهره من الرذائل؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد، والكرماء؛ وتكفِّر سيئاته\" (٦).\nقلت: وكل ذلك صحيح في معنى التسمية، فهي تزكي وتنمي المعطي والمعطى والمال الذي أخرجت منه.\nوالثالث: وقيل زكا الفَرْدُ، إذا صارَ زَوْجًا، بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا.\nقال الواحدي: \"والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين اثنين: زكا، قيل لهما: زكا، لأن الاثنين أكثر من الواحد\" (٧)، ثم استشهد بقول الشاعر (٨):\nإِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا\nومنه قول الشاعر (٩):\nكَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يُخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ\nوقال آخر (١٠):\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٧٢)، ولفظه: \"\"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\".\nوإنما كانت الزكاة أوساخ الناس؛ لأن الناس يتطهرون بإخراجها، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وليس لها علاقة بمستحقي الزكاة، بل هي مال طيب حلال بالنسبة لهم، لكن إخراجها تطييب وتطهير لما يمكن أن يشوب صاحبها أو عمله أو ماله من سوء، فلذلك منع منها النبي ﷺ آل محمد، لكن ليس هذا فيه إزراء بالناس، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، يمنع آل النبي ﷺ من أخذها صيانة لهم عن أن يقبلوا ما تطهر به الناس، وهذه مرتبة عليا، لكن هذا لا يعني أن من يأخذ الزكاة بحق فهو ناقص، فقد جعل الله من مصارف الزكاة الجهاد في سبيل الله، وهو من أفضل الأعمال، ومن مصارفها الغارم للإصلاح بين الناس ولو كان غنيًّا، وهو من خير الأعمال، قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، والمقصود أنه ليس صحيحًا أن إعطاء الزكاة لمن يستحقها تنقص له، ومن فهم بهذا المعنى فإنه لم يفهم مراد النبي ﷺ، والله أعلم.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.\n(٣) السهمان جمع سهم، كالسهام: وهو النصيب والحظ.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.\n(٥) النهاية في غريب الحديث ج ٢ ص: ٣٠٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٩.\n(٧) التفسير البسيط: ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(٨) البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، وفي شعر الكميت جمع دواد سلوم ١/ ١٦٢، وفيه: (إذا نحن في تكرار وصفك ...).\n(٩) اللسان (خسا)، وفيه: \" الفراء: العرب تقول للزوج زكا، وللفرد خسا. . . قال، وأنشدتني الدبيرية. . . \" وأنشد البيت. وتعتلج: تصطرع ويمارس بعضها بعضا.\n(١٠) الرجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث في عمرو بن كعب بن سعد، وهذا الرجز في خبر للأغلب العجلي، (طبقات فحول الشعراء: ٥٧٢ / ومعجم الشعراء: ٤٩٠ / والأغاني ١٨: ١٦٤) ورواية الطبقات والأغاني: \" كما شرار الرعى \". والرعى (بكسر فسكون): الكلأ نفسه، والمرعى أيضًا. والسفا: شوط البهمي والسنبل وكل شيء له شوك. يقول: أنت في قومك كالسفا في البهمي، هو شرها وأخبثها. والبيت الأول زيادة ليست في المراجع المذكورة.","vol":"3","page":124},{"text":"فَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا\nوالسفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء، ويعني بقوله: (ولا زكا)، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ، بحدوثه فيهم (١).\nقال الواحدي: \"والأظهر أن أصلها من الزيادة\" (٢)، ثم استشهد بقول النابغة (٣):\nوَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ لَكَ الزَّكاءُ\nأراد بالزكاء: الزيادة (٤).\nوالزكاة شرعًا: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (٥)، تعبدًا لله ﷿.\nوأما مستحقوا الزكاة: \"فقد بينهم الله في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] \" (٦).\nقال ابن كثير: \" يَحُثُّ تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُودُ عليهم عاقبتُه يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] \" (٧).\nوتعددت أقوال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، على وجهين (٨):\nأحدهما: إن قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، عموم.\nوالثاني: وقالت فرقة: هو من مجمل القرآن.\nقال ابن عطية: \"والمرجح أن ذلك عموم من وجه ومجمل من وجه، فعموم من حيث الصلاة الدعاء، فحمله على مقتضاه ممكن، وخصصه الشرع بهيئات وأفعال وأقوال، ومجمل من حيث الأوقات، وعدد الركعات والسجدات لا يفهم من اللفظ، بل السامع فيه مفتقر إلى التفسير، وهذا كله في أَقِيمُوا الصَّلاةَ، وأما ﴿الزكاة﴾، فمجملة لا غير\" (٩).\nوقال الرازي: \"والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه\" (١٠).\nقال الطبري: \"وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم، ليَطَّهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود، وركون من كان ركن منهم إليهم، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله ﷺ بقوله: ﴿راعنا﴾، إذْ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٧٣.\n(٢) التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٥.\n(٣) ورد البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، \"شمس العلوم\" ٢/ ٢٢٣.\n(٤) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٥.\n(٥) الإقناع في فقه الإمام ابن حنبل ج ١ ص: ٢٤٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٩.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٧.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٤/ ٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦","vol":"3","page":125},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ [البقرة: ١١٠]، \" أي وما تتقربوا إِلى الله من صلاة أو صدقة أو عمل صالح فرضًا كان أو تطوعًا، تجدوا ثوابه عند الله\" (١).\nقال المراغي: \" أي وما تعملوا من خير تجدوا جزاءه عند ربكم يوم توفى كل نفس جزاء عملها بالقسطاس المستقيم\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني: ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم، فتقدموه قبل وفاتكم ذخرا لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة، فيجازيكم به\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿ما تقدموا﴾، يعني: ما عملوا من الأعمال من الخير في الدنيا\" (٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية، في قوله ﴿تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾، قال: \" تجدوا ثوابه عند الله\" (٥). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٦).\nوقال أبو حيان: \" لما قدم الأمر بالصلاة والزكاة أتى بهذه الجملة الشرطية عامة لجميع أنواع الخير، فيندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما .. وقد فسر الخير هنا بالزكاة والصدقة، والأظهر العموم\" (٧).\nو(الخير) هو العمل الذي يرضاه الله، وإنما قال: (تجدوه)، والمعنى: تجدوا ثوابه، كما قال الشاعر (٨):\nوَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ، لا تَلُمْهَا ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا\nوإنما أراد: وسبح أهل المدينة (٩).\nوقوله تعالى: ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، أي \"تجدوه مدّخرًا ومعدًّا عند الله، والظرفية هنا المكاتبة ممتنعة، وإنما هي مجاز بمعنى القبل، كما تقول لك: عندي يد، أي في قبلي، أو بمعنى في علم الله نحو: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾، أي في علمه وقضائه، أو بمعنى الاختصاص بالإضافة إلى الله تعالى تعظيمًا كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠]، \"أي إن الله رقيب عليكم مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها يوم الدين\" (١١).\nقال ابن عطية: \" خبر في اللفظ، معناه الوعد والوعيد\" (١٢).\nقال ابن كثير: يعني: \"أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله\" (١٣).\nقال المراغي: أي: \" فهو عالم بجميع أعمالكم كثيرها وقليلها، لا تخفى عليه خافية من أمركم، خيرا كانت أو شرّا وهو مجازيكم عليها.\nولا يخفى ما في هذا من الترغيب والترهيب\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦. [بتصرف بسيط].\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ١٩٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٥\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩١): ص ١/ ٢٠٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٢): ص ١/ ٢٠٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٦.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٨) البيت لعمر بن لجأ. وهو في تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٥\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦. [بتصرف بسيط].\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٧.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٤.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ١٩٢.","vol":"3","page":126},{"text":"قال الإمام الطبري: \"وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرا، وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدوا في طاعته، إذْ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه، كما قال: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾، وليحذروا معصيته، إذْ كان مطلعا على راكبها، بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وعد عليه فمأمور به\" (١).\nوقال الرازي: \" فالله تعالى لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] (٢).\nوقال أبو حيان: \" وكنى بقوله: ﴿بصير﴾ عن علم المشاهد، أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه، ومن كان مبصرًا لفعلك، لم يخف عليه، هل هو خير أو شر، وأتى بلفظ ﴿بصير﴾ دون (مبصر)، إما لأنه من بصر، فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان، أو لأنه فعل للمبالغة بمعنى مفعل، الذي هو للتكثير\" (٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال: \"رأيت رسول اللهﷺ- وهو يقترى هذه الآية: ﴿سميع بصير﴾ يقول: بكل شيء بصير\" (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: جوب إقامة الصلاة؛ والصلاة تشمل الفريضة والنافلة؛ ومن إقامة الفرائض كثرة النوافل؛ لأنه جاء في الحديث (٥) أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة؛ ما من إنسان إلا وفي فريضته نقص؛ لكن هذه النوافل تكملها، وترقعها.\n٢ - ومنها: وجوب إيتاء الزكاة. يعني لمستحقيها.\n٣ - ومنها: أن الصلاة أوكد من الزكاة؛ ولهذا يقدمها الله عليها في الذكر.\n٤ - ومنها: أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من أسباب النصر؛ لأن الله ذكرها بعد قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وقد جاء ذلك صريحًا في قوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤٠، ٤١].\n٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتشاغل بالأهم فالأهم مع الدعوة إلى الله ﷿.\n٦ - ومنها: أن كل خير يقدمه العبد لربه ﷿ فإنه سيجد ثوابه عنده.\n٧ - ومنها: أن الثواب عام لجميع الأعمال صغيرها، وكبيرها؛ لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ فإنها نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم؛ فأيّ خير قدمته قليلًا كان، أو كثيرًا ستجد ثوابه؛ قال الرسول ﷺ: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٦.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٥.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٣٠١.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١٠٩٣): ص ١/ ٢٠٧.\n(٥) كما في سنن أبي داود في الصلاة، باب قول النبي ﷺ: \"كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه\"، من حديث أنس بن حكيم حديث رقم (٨٦٤). والترمذي باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة حديث رقم (٤١٣)، والنسائي في الصلاة. باب المحاسبة على الصلاة.\n(٦) أخرجه البخاري، ١١١، كتاب الزكاة، باب ١٠: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\"، حديث رقم ١٤١٧، وأخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ٢٠: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ...، حديث رقم ٢٣٤٨ [٦٧] ١٠١٦.","vol":"3","page":127},{"text":"٨ - ومنها: الترغيب في فعل الخير، حيث إن الإنسان يجد ثوابه عند ربه مدخرًا له. وهو أحوج ما يكون إليه.\n٩ - ومنها: أن الإنسان إذا قدم خيرًا فإنما يقدمه لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾؛ ولهذا ليس له من ماله إلا ما أنفق لله؛ وما أخره فلوارثه ..\n١٠ - ومنها: عموم علم الله ﷾ بكل ما نعمل ..\n١١ - ومنها: التحذير من المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾.\nالقرآن\n﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]\nالتفسير:\nادَّعى كلٌّ من اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بطائفته لا يدخلها غيرهم، تلك أوهامهم الفاسدة. قل لهم -أيها الرسول-: أحضروا دليلكم على صحة ما تدَّعون إن كنتم صادقين في دعواكم.\nفي سبب نزول هذه الآية:\nقال السدي: \"نزلت في الذين قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ أي: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا\" (١). وروي عن أبي العالية (٢) ومجاهد (٣) والربيع (٤) نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، \" أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًا، وقال النصارى لن يدخل الجنة إِلا من كان نصرانيًا\" (٥).\nقال الواحدي: \" المعنى: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكنهم أُجملوا، وضم النصارى إلى اليهود في قوله: ﴿وَقَالُوا﴾؛ لأن الفريقين يُقِرَّانِ بالتوراة، كما قال حسان (٦):\nأمَنْ يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ ... ويمدحُه وينصرُه سواءُ\nتقديره: ومن يمدحه وينصره، إلا أنه لما كان اللفظ واحدًا جُمع مع الأول، يعنى إلى أصل الفعل، وصار كأنه إخبار عن جملة واحدة، وإنما حقيقته عن بعضين مختلفين\" (٧).\nقال الزمخشري: \" فلفّ بين القولين، ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كل فريق قوله، وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه. ونحوه ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] \" (٨).\nقال السمين الحلبي: \" وقدمت اليهود على النصارى لفظا، لتقدمهم زمانا\" (٩).\n_________\n(١) العجاب: ١/ ٣٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم (١٠٩٤): ص ١/ ٢٠٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٩٤): ص ١/ ٢٠٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٦) يوانه: ٨، وانظر: السيرة النبوية: ٤/ ٤٦، وتذكرة النحاة: ٧٠، والخزانة: ٩/ ٢٣٢، وإعراب القرآن للنحاس: ٢/ ٣٥٣، والبحر المحيط: ١/ ٦٤٠.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٢٤٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٧٧.\n(٩) الدر المصون: ٢/ ٧٠.","vol":"3","page":128},{"text":"قال ابن كثير: \"يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من، دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة. وردَّ عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال تعالى ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ (١).\nقال الطبري: \"وعلى الرغم من اختلاف مقالة الفريقين فلقد جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر، وكما هو معلوم بأن اليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه، فجُمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا (٢).\nوفي أصل (اليهود) من حيث اللغة، قولان (٣):\nأحدهما: أن يكون جمع (هائد)، و(الهائد): التائب الراجع إلى الحق (٤).\nقال ابن جريج: \"إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] \" (٥).\nقال الزمخشري: \" إن قلت: كيف قيل كان هودًا على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت: حمل الاسم على لفظ «من» والخبر على معناه، كقراءة الحسن: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالوا الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] \" (٦).\nوالثاني: وقيل هو مصدر، يوصف به الواحد والجمع، كفطر وعدل ورضا.\nوقال الفراء: إن أصله\" (يهوديًّا)، فحذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية، وهي فِي قراءة أَبِي وعبد اللَّه: ﴿إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيّا﴾ \" (٧).\nوأما (النصارى) جمع، واحدهم (نصران)، كما واحد السكارى سكران، وواحد النشاوى نشوان، وكذلك جمع كل نعت كان واحده على \" فعلان \" فإن جمعه على \" فعالى \"، إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد \" النصارى \" \" نصراني \". وقد حكى عنهم سماعا \" نصران \" بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٨):\nتراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس\nوسمع منهم في الأنثى: نصرانة، قال الشاعر (٩):\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨، والمحرر الوجيز: ١/ ١٩٧.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٦٨٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٧٧.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٧٣، وعنه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٧، وانظر: مثله في: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥١، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩١ - ٤٩٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٤، والكشاف: ١/ ١٧٧.\n(٨) (\" لم أعرف قائله. والبيت في الأضداد لابن الأنباري: ١٥٥، ورواه: \" تراه ويضحى وهو. . \" ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبري، وفيهما \" إذا دار العشى \" وأخطأ القرطبي (تفسيره ١: ٣٦٩) فقال: و\" أنشد سيبويه \" وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره. (تراه إذا دار العشا متحنفا)\nوالبيت في صفة الحرباء. و\" محنفا \": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: \" لديه \"، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: \" شامس \"، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر\n(٩) البيت لأبي الأخزر الحماني، سيبويه ٢: ٢٩، ١٠٤، واللسان (حنف)، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا:\nفلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها\nفضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها","vol":"3","page":129},{"text":"فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ\nيقال: أسجد، إذا مال، وقد سمع في جمعهم: أنصار، بمعنى النصارى، قال الشاعر (١):\nلَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا\nكُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا\nواختلف في سبب تسميتهم بـ (النصارى) على وجوه (٢):\nأحدها: أنهم سموا (نصارى) لنصرة بعضهم بعضا، وتناصرهم بينهم.\nوالثاني: وقيل إنهم سموا (نصارى)، من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها (ناصرة) قاله ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وابن جريج (٥).\nالثالث: وقيل: أنهم سموا بذلك، لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الصف: ١٤] (٦).\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، \" أي: تلك خيالاتهم وأحلامهم\" (٧).\nقال أبو العالية: \" أماني تمنوها على الله بغير حق\" (٨). وروي عن قتادة (٩)، والربيع (١٠) نحو لك.\nقال الواحدي: \" أي: التي تمنّوْها على الله باطلًا\" (١١).\nقال ابن الجوزي: \" أي ذاك شئ يتمنونه وظن يظنونه\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" الجملةُ معترِضةٌ، مبنية لبطلان ما قالوا، و﴿تلك﴾ إشارةٌ إليه\" (١٣).\nو(الأماني) جمع أمنية؛ وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه، \"والعرب تسمى كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنيا وغرورا، وضلالا وأحلاما وإسلام الوجه لله هو الانقياد والإخلاص له في العمل بحيث لا يجعل العبد بينه وبين ربه وسطاء يقربونه إليه زلفى، ويقال فلان ليس على شاء من كذا: أي ليس على شاء منه يعتدّ به ويؤبه به\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لم قيل ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾، وقولهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ أمنية واحدة؟ قلت: أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفارًا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم: أى تلك الأمانى الباطلة أمانيهم\" (١٥).\nوالمشار إليه بـ ﴿تلك﴾ [البقرة: ١١٠]، فيه ثلاثة احتمالات (١٦):\n_________\n(١) لم أعرف صاحب الرجز، والأبيات، في معاني القرآن للفراء ١: ٤٤ أمالي ابن الشجرى ١: ٧٩، ٣٧١. أنشده شاهدا على حذف واو العطف: أي \" وكنت لهم من النصارى جارا \"، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي \" فكنت لهم. . \". (تفسير الطبري: ٢/ ١٤٤).\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٦): ص ٢/ ١٤٣ - ١٤٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧): ص ٢/ ١٤٣ - ١٤٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥): ص ٢/ ١٤٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٥): ص ١/ ٢٠٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٨٠٢): ص ٢/ ٥٠٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٨٠٣): ص ٢/ ٥٠٨.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ٢٤٥.\n(١٢) زاد المسير: ١/ ١٣٣.\n(١٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٧.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ١٩٥.\n(١٥) الكشاف: ١/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(١٦) انظر: الدر المصون: ٢/ ٧١، والكشاف: ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"3","page":130},{"text":"أحدها: أنه المقالة المفهومة من: ﴿قالوا لن يدخل﴾، أي: تلك المقالة أمانيهم.\nقال السمين الحلبي: \"، فإن قيل: فكيف أفرد المبتدأ وجمع الخبر؟ فالجواب أن تلك كناية عن المقالة، والمقالة في الأصل مصدر، والمصدر يقع بلفظ الإفراد للمفرد والمثنى والمجموع، فالمراد بـ «تلك» الجمع من حيث المعنى\" (١).\nوالثاني: أن يشار بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم.\nقال السمين الحلبي: \"وهذا ليس بظاهر، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء قد كملت وانفصلت واستقلت بالنزول، فيبعد أن يشار إليها\" (٢).\nوالثالث: أن يكون على حذف مضاف، أي: أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعا في البطلان مثل أمنيتهم هذه.\nقال السمين الحلبي: \" وفيه قلب الوضع، إذ الأصل أن يكون ﴿تلك﴾ مبتدأ، و﴿أمانيهم﴾، خبر، فقلب هذا الوضع، إذ قال: إن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه، وفيه أنه متى كان الخبر مشبها به المبتدأ فلا يتقدم الخبر\" (٣).\nقوله تعالى: \" ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، \"أي قل لهم يا محمد أئتوني بالحجة الساطعة على ما تزعمون\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" هلّموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"يا محمد، قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، دون غيرهم من سائر البشر: ﴿هاتوا برهانكم﴾، على ما تزعمون من ذلك، فنسلم لكم دعواكم\" (٦).\nقال ابن عطية: \" أمر محمد ﷺ بدعائهم إلى إظهار البرهان\" (٧).\nقال أبو العالية: \" أي حجتكم\" (٨).وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع نحو ذلك (٩).\nوقال قتادة: \" بيّنتكم على ذلك، إن كنتم صادقين\" (١٠).\nقال السعدي: \" فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة، إلا بحجة وبرهان\" (١١).\nو(البرهان): الحجة (١٢)، أي: الدليل الذي يوقع اليقين، وجمعه براهين، مثل قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين (١٣).\nوأصل (هَاتُوا)، هاتيوا، حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، يقال في الواحد المذكر: هات، مثل رام، وفي المؤنث: هاتي، مثل رامي (١٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، أي: \" إِن كنتم صادقين في دعواكم\" (١٥).\n_________\n(١) الدر المصون: ٢/ ٧٢.\n(٢) الدر المصون: ٢/ ٧١.\n(٣) الدر المصون: ٢/ ٧٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٧٨، وانظر: تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٠.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٦): ص ١/ ٢٠٧.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٧): ص ١/ ٢٠٧.\n(١١) تفسير السعدي: ٦٢.\n(١٢) انظر: تهذيب اللغة: ١/ ٣٢٢، واللسان: ١/ ٢٧١.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٧٥.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٧٥.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.","vol":"3","page":131},{"text":"قال أبو العالية: \" ﴿إن كنتم صادقين﴾، بما تقولون إنه كما تقولون\" (١). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٢).\nقال الطبري: أي: \" إن كنتم في دعواكم - من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى - محقين\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" فهو تحدٍّ، كقوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم﴾ [البقرة: ٩٤، ٩٥]؛ فإذا كانوا صادقين في زعمهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، أو نصارى فليأتوا بالبرهان؛ ولن يأتوا به؛ إذًا يكونون كاذبين\" (٤).\nقال الزمخشري: \" وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وأنّ كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت\" (٥).\nقال السعدي: \" وهكذا كل من ادعى دعوى، لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى\" (٦).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: بيان ما كان عليه اليهود، والنصارى من الإعجاب بما هم عليه من الدين ..\n٢ ومنها: تعصب اليهود، والنصارى؛ وتحجيرهم لفضل الله ..\n٣ ومنها: أن ما ادعوه كذب؛ لقوله تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾؛ فعلى قول هؤلاء اليهود يكون النصارى، والمسلمون لن يدخلوا الجنة؛ وقد سبق أن قالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة ثم تخلفوننا فيها؛ وعلى قول النصارى لا يدخل اليهود، ولا المسلمون الجنة؛ أما اليهود فصحيح: فإنهم كفروا بعيسى، وبمحمد؛ ومن كفر بهما فإنه لن يدخل الجنة؛ وأما بالنسبة للمسلمين فغير صحيح؛ بل المسلمون هم أهل الجنة؛ وأما اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا رسول الله ﷺ فهم أهل النار؛ لقول النبي ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\" (٧)؛ فالحاصل أن هذا القول. وهو قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى. كذب من الطرفين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾؛ وقال النبي ﷺ: \"الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (٨) \" ..\n٤ ومن فوائد الآية: أن من اغتر بالأماني، وطمع في المنازل العالية بدون عمل لها ففيه شَبه من اليهود، والنصارى ..\n٥ ومنها: عدل الله ﷿ في مخاطبة عباده، حيث قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾؛ لأن هذا من باب مراعاة الخصم، وأنه إن كان لكم بينة فهاتوها؛ وهذا لا شك من أبلغ ما يكون من العدل؛ وإلا فالحكم لله العلي الكبير ..\n٦ ومنها: أن هؤلاء لا برهان لهم على ما ادعَوه بدليل أنهم لم يأتوا به ..\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٨): ص ١/ ٢٠٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٦٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٧٨.\n(٦) تفسير السعدي: ٦٢ - ٦٣.\n(٧) أخرجه مسلم ص ٧٥٣، كتاب الإيمان، باب ٧٠: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ...، حديث رقم (٣٨٦) ٢٤٠ ١٥٣.\n(٨) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٤، حديث رقم ١٧٢٥٣، وأخرجه الترمذي ص ١٨٩٩، كتاب صفة القيامة، باب ٢٥: حديث الكيس من دان نفسه ...، حديث رقم ٢٤٥٩؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٥، كتاب الزهد، باب ٣١: ذكر الموت والاستعداد له، حديث رقم ٤٢٦٠، وأخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٥٧ ٤/ ٢٥١؛ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد؛ وقال الذهبي في ذيل المستدرك (١/ ٥٧): أبو بكر واه، وقال في ذيل المستدرك ٤/ ٢٥١: \"صحيح\" هـ؛ وقال الألباني: \"ضعيف\" (ضعيف ابن ماجة ص ٣٤٩، حديث رقم ٩٣٠)، فمدار الحديث على أبي بكر بن أبي مريم، قال الحافظ في التقريب: \"ضعيف\" تحرير التقريب ٤/ ١٥٨.","vol":"3","page":132},{"text":"٧ ومنها: أنهم كاذبون؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾؛ ولو كان لهم أدنى حيلة بما يبرر قولهم، ويصدِّقه لأتوا بها.\nالقرآن\n﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]\nالتفسير:\nليس الأمر كما زعموا أنَّ الجنة تختص بطائفة دون غيرها، وإنما يدخل الجنَّة مَن أخلص لله وحده لا شريك له، وهو متبع للرسول محمد ﷺ في كل أقواله وأعماله. فمن فعل ذلك فله ثواب عمله عند ربه في الآخرة، وهو دخول الجنة، وهم لا يخافون فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.\nفي سبب نزول الآية، ذكر الحافظ ابن حجر، رواية السدي (١)، التي ذكرناها في سبب نزول الآية السابقة (٢)، وعلى قول الحافظ، فلا بد أنهما نزلتا معًا، فتأمل (٣).\nقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، \"أي بلى يدخل الجنة من استسلم وخضع وأخلص نفسه لله\" (٤).\nقال السدي: \" أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية\" (٥).\nقال البغوي: \" أي ليس الأمر كما قالوا، بل الحكم للإسلام وإنما يدخل الجنة من أخلص دينه لله\" (٦).\nقال المراغي: \" أي بلى إنه يدخلها من لم يكن هودا ولا نصارى، إذ رحمة الله لا تختصّ بشعب دون شعب\" (٧).\nقال أبو السعود: \" أي [من] أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيئًا\" (٨).\nعن أبي العالية: \" ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، يقول: من أخلص لله\" (٩). وروي عن الربيع (١٠) نحو ذلك.\nوعن سعيد بن جبير: \" ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، قال: من أسلم أخلص وجهه، قال: دينه\" (١١).\nومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل (١٢):\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا\nيعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له (١٣).\n_________\n(١) العجاب: ١/ ٣٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم (١٠٩٤): ص ١/ ٢٠٧، وقد روي عن أبي العالية ومجاهد، والربيع، نحو رواية السدي. انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠٤): ص ١/ ٢٠٧.\n(٢) وهي [الآية: ١١١]: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n(٣) انظر: العجاب: ١/ ٣٥٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١٨٠٩): ص ٢/ ٥١٠.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ١٣٧.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٩٥.\n(٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٩): ص ١/ ٢٠٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٨١٠): ص ٢/ ٥١٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٠): ص ١/ ٢٠٨.\n(١٢) سيرة ابن هشام ١: ٢٤٦ وغيره. وتفسير الطبري: ٢/ ٥١١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/.٥١١","vol":"3","page":133},{"text":"وأصل (الإسلام): الاستسلام والخضوع، لأنه من: استسلمت لأمره، وهو الخضوع لأمره، وإنما سمي المسلم، مسلما، بخضوع جوارحه لطاعة ربه (١).\nو(إسلام الوجه): هو التذلل لطاعته والإذعان لأمره (٢).\nقال النسفي: \" يعني: جعله سالمًا لله خالصًا له\" (٣).\nوقال ابن كثير: أي \"من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠] \" (٤).\nقال البغوي: \" وخص (الوجه)، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه\" (٥).\nوقال الطبري: \"وقد خص الله جل ثناؤه بالخبر (الوجه) .. لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء، فتضيفه إلى \" وجهه \" وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه، كقول الأعشى (٦):\nأَؤُوِّل الحكم على وَجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائر\nيعني بقوله: \" على وجهه \": على ما هو به من صحته وصوابه، وكما قال ذو الرمة (٧):\nفطاوعت همي وانجلى وجه بازل ... من الأمر، لم يترك خِلاجا بُزُولُها\nيريد: وانجلى البازل من الأمر فتبين، وما أشبه ذلك، إذْ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه، وكان في وصفها من الشيء وجهه بما تصفه به، إبانة عن عين الشيء ونفسه، فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، إنما يعني: بلى من أسلم لله بدنه، فخضع له بالطاعة جسده، وهو محسن في إسلامه له جسده، فله أجره عند ربه، فاكتفى بذكر (الوجه) من ذكر جسده، لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر (الوجه) \" (٨).\nوقد ذكر أبو حيان في سبب تخصيص الوجه في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، وجوها (٩):\nأحدها: أن الوجه هنا يحتمل أن يراد به الجارحة، خص بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء، أو لأنه فيه أكثر الحواس، أو لأنه عبر به عن الذات ومنه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُا﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥١٠، وتفسير البغوي: ١/ ١٣٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥١٠\n(٣) تفسير النسفي: ٣/ ١٧٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٥.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ١٣٧.\n(٦) ديوانه: ١٠٦ من قصيدته المشهورة. في منافرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل، فهجا الأعشى علقمة لأمر كان بينهما. وفضل عليه عامرا. (انظر الأغاني ١٥: ٥٠ - ٥٦). وأول الحكم: قدره ودبره ورده إلى صوابه وأصله. والجائر: المائل عن سبيل الحق. جار: ظلم ومال وقبل البيت:\nعلقم، لا تسفه، ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر\nقد قلت قولا فقضى بينكم ... واعترف المنفور للنافر\n(٧) ديوانه: ٥٦٠ يمدح عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي، في آخر القصيدة، فقال بعد البيت:\nفقالت: عبيد الله من آل معمر ... إليه ارحل الأنقاض يرشد رحيلها\nوقوله: \" طاوعت همي \"، ما هم به في نفسه. يقول: طاوعت ما همت به نفسي. وقوله: \" بازل من الأمر \" يعني خطة يركبها. هذا مثل. يقال: بزل ناب البعير بزولا، أي طله وانشق وظهر. ومنه قيل: بزل الأمر والرأى: قطعه. وخطة بزلاء: تفصل بين الحق والباطل. فقوله \" بازل من الأمر \" صفة لما أضمره من قوله \" خطة \"، وأتى بها على التذكير، كما أتوا بها على التذكير في قولهم: \" ناقة بازل \". والخلاج: الشك والتردد والتنازع. يقول: طاوعت ما جال في نفسي، فانجلى عن خطة ظاهرة انشقت وظهرت، فلم تدع للنفس مذهبا في الشك والتردد، إذ قالت: اقصد عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥١١ - ٥١٢.\n(٩) اظر: البحر المحيط: ١/ ٣٥٢.","vol":"3","page":134},{"text":"الثاني: ويحتمل أن يراد به الجهة، والمعنى: أخلص طريقته في الدين لله، وقال مقاتل: أخلص دينه. وقال ابن عباس: أخلص عمله لله. وقيل: قصده. وقيل: فوّض أمره إلى الله تعالى. وقيل: خضع وتواضع (١).\nقال أبو حيان: \"وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضًا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، أي\" أسلم، والحال أنه محسن\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي متبع لشريعة الله ظاهرًا، وباطنًا\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي وهو مؤمن مصدّقٌ متبعٌ لرسول الله ﷺ \" (٥).\nقال أبو السعود: أي: \" والحال أنه محسن في جميع أعماله التي من جملتها، الإسلام المذكور، وحقيقة الإحسان الإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي\" (٦).\nقال الحافظ ابن كثير: \"أي: متبع فيه الرسول ﷺ. فإن للعمل المتقبل شرطين:\nأحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده.\nوالآخر: أن يكون صوابًا موافقا للشريعة \" (٧).\nقال أبو حيان: وقد قيد الزمخشري الإحسان بالعمل (٨)؛ وجعل معنى قوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَه لِلَّهِ﴾: \"من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، وهو محسن في عمله\" (٩)، فصارت الحال هنا مبينة، إذ من لا يشرك قسمان: محسن في عمله، وغير محسن، وذلك منه جنوح إلى مذهبه الاعتزالي من أن العمل لا بد منه، وأنه بهما يستوجب دخول الجنة، ولذلك فسر قوله: ﴿فَلَهُا أَجْرُهُ﴾ \"الذي يستوجبه\" (١٠)، وقد فسر رسول الله ﷺ حقيقة الإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته فقال: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (١١). وقد فسر هنا الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر، والانتهاء عن المناهي\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، \"أي فله ثواب عمله\" (١٣) عند ربه.\nقال ابن عثيمين: \"أي ثوابه؛ وشبَّهه بالأجر؛ لأن الله التزم به للعامل\" (١٤).\nقال أبو حيان: \" أي فأجره مستقر له عند ربه\" (١٥).\nقال أبو السعود: أجره\" الذي وعده له على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة أو عما يدخل هو فيه دخولا أوليا واياما كان فتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه\" (١٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]: فإنه أضاف العندية إليه لفائدتين (١٧):\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٧، وزاد المسير: ١/ ١٣٣، والبحر المحيط: ١/ ٣٥٢.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٣٥٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٦٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٦٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٥.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٨.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٧٨.\n(١٠) الكشاف: ١/ ١٧٨.\n(١١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، وأحمد (٩٥٠١)، من حديث أبي هريرة﵁-.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ٣٥٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٦٩.\n(١٥) البحر المحيط: ١/ ٣٥٢.\n(١٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٧.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧٠.","vol":"3","page":135},{"text":"الفائدة الأولى: أنه عظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم؛ ولهذا جاء في حديث أبي بكر الذي علمه الرسولُ ﷺ إياه أنه قال: \"فاغفر لي مغفرة من عندك (١) \" ...\nوالفائدة الثانية: أن هذا محفوظ غاية الحفظ، ولن يضيع؛ لأنك لا يمكن أن تجد أحدًا أحفظ من الله؛ إذًا فلن يضيع هذا العمل؛ لأنه في أمان غاية الأمان، وأضافه إلى وصف الربوبية ليبين كمال عناية الله بالعامل، وإثابته عليه؛ فالربوبية هنا من الربوبية الخاصة.\nقلت: إن المراد ليس (العندية المكانية)، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا\nالحفظ كالودائع، بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم، والله تعالى أعلم.\nوقال أبو السعود: \" والعندية للتشريف، ووضع اسم الرب مضافا إلى ضمير ﴿من أسلم﴾، موضع ضمير الجلالة، لإظهار مزيد اللطف به وتقرير مضمون الجملة، أي فله أجره عتد مالكه ومدبر أموره ومبلغه إلى كماله\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، أي: \"ولا خوف عليهم في الآخرة ولا يعتريهم حزنٌ أو كدر، بل هم في نعيم مقيم\" (٣).\nعن سعيد بن جبير في قوله: \" ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، يعني في الآخرة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، يعني لا يحزنون للموت\" (٤).\nقال أبو السعود: \" ﴿ولا خوف عليهم﴾ في الدارين من لحوق مكروه، ﴿ولا هم يحزنون﴾ من فوات مطلوب أي لايعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لايخافون ولايحزنون\" (٥).\nقال المراغي: \" أي إن الذين أسلموا وجوههم لله وأحسنوا العمل لا تساور نفوسهم مخاوف ولا أحزان\" (٦).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] على قولين (٧):\nأحدهما: أنه أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا.\nوالثاني: وقيل: في الآخرة في حال الثواب.\nوالقول الثاني هو الأصح، لأن قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ عام في النفي، وكذلك: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصا في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خاليا عن الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما لأنهم لو جوزوا كونه منقطعا لاعتراهم الحزن العظيم.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، على وجهين (٨):\nأحدها: قراءة ابن محيصن: ﴿فلا خوف﴾، برفع الفاء من غير تنوين، باختلاف عنه.\nوالثاني: قراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب وغيرهم: ﴿فلا خوف﴾، بالفتح من غير تنوين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦٦، كتاب الأذان، باب ١٤٩: الدعاء قبل السلام، حديث رقم ٨٣٤، وأخرجه مسلم ص ١١٤٨، كتاب الذكر والدعوات، باب ١٤: الدعوات والتعوذ، حديث رقم ٦٨٦٩ [٤٨] ٢٧٠٥.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠١): ص ١/ ٢٠٨.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٨.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٩٥.\n(٧) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ٩٩.\n(٨) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٥٢.","vol":"3","page":136},{"text":"قال المراغي: \" والآية ترشد إلى أن الإيمان الخالص لا يكفى وحده للنجاة، بل لا بد أن يقرن بإحسان العمل، وقد جرت سنة القرآن إذا ذكر الإيمان أردفه عمل الصالحات كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] \" (١).\nقال الفخر الرازي: \" فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، وفي سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع \"الصابئين\" في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟ والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم والله أعلم\" (٢).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين جمعوا بين وصفين؛ الأول: الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿من أسلم وجهه لله﴾؛ والثاني: اتباع شرعه؛ لقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾ ..\n٢ ومنها: أن إخلاص النية وحده لا يكفي في تبرير التعبد لله؛ لقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾؛ وعلى هذا فمن قال: إنه يحب الله، ويخلص له وهو منحرف في عبادته فإنه لا يدخل في هذه الآية لاختلال شرط الإحسان ..\nويتفرع على هذه الفائدة أن أهل البدع لا ثواب لهم على بدعهم. ولو مع حسن النية.؛ لعدم الإحسان الذي هو المتابعة؛ والأجر مشروط بأمرين: الأول: إسلام الوجه لله؛ والثاني: الإحسان ..\n٣ ومن فوائد الآية: الدلالة على الشرطين الأساسيين في العبادة؛ وهما الإخلاص؛ والمتابعة للرسول ﷺ ..\n٤ ومنها: ثبوت الأجر في الآخرة، وأن العمل لن يضيع؛ لقوله تعالى: ﴿فله أجره عند ربه﴾\n٥ ومنها: أن الجزاء من جنس العمل ..\n٦ ومنها: عظم الثواب؛ لإضافته إلى الله في قوله تعالى: ﴿عند ربه﴾.\n٧ ومنها: انتفاء الخوف، والحزن لمن تعبد لله ﷾ بهذين الوصفين؛ وهما الإخلاص والمتابعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢].\n٨ ومنها: حسن عاقبة المؤمنين بانتفاء الخوف، والحزن عنهم؛ وغير المؤمنين تُملأ قلوبهم رعبًا، وحزنًا؛ قال تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦]، وقال تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ [مريم: ٣٩] إلى غير ذلك من الآية الدالة على تحسر هؤلاء الذين لم يهتدوا إلى صراط الحميد ..\n٩ ومن فوائد الآية: الحث على الإخلاص لله ﷾ في العبادة، واتباع الشرع فيها؛ لأن الله إنما أخبرنا بهذا الثواب لمن أخلص، واتبع الشريعة من أجل أن نقوم بذلك؛ وليس لمجرد الخبر؛ وهكذا يقال في كل ما أخبر الله به من ثواب على طاعة، أو عقاب على معصية؛ فإنه إنما يراد به الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية.\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٩٥.\n(٢) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ٩٩.","vol":"3","page":137},{"text":"﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣]\nالتفسير:\nوقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح، وكذلك قالت النصارى في اليهود وهم يقرؤون التوراة والإنجيل، وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا. كذلك قال الذين لا يعلمون من مشركي العرب وغيرهم مثل قولهم، أي قالوا لكل ذي دين: لست على شيء، فالله يفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه مِن أمر الدين، ويجازي كلا بعمله.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: روي عن ابن عباس قال: \" لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله ﷿ في ذلك من قولهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، إلى قوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ \" (١).\nوالثاني: أخرج الطبري عن الربيع قوله: \" ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي ﷺ\" (٢). وروي عن أبي العالية (٣)، وقتادة (٤)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍْ [البقرة: ١١٣]، \"أي كفر اليهود بعيسى وقالوا ليس النصارى على دين صحيح معتدٍّ به فدينهم باطل\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" يعني على شيء من الدين، وإنما قالت اليهود ذلك؛ لأنهم يكفرون بعيسى، ولا يرون شريعته دينا، وإنها دعوى باطلة على كل تقدير؛ لأن النصارى بلا شك على دين قبل بعثة النبي ﷺ ً\" (٦).\nقال قتادة: \" بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، \"أي وقال النصارى في اليهود مثل ذلك وكفروا بموسى\" (٨).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"لأنهم يرون أن الدين الحق ما كانوا عليه، واليهود قد كفروا به، وأما دعوى النصارى في اليهود فحق؛ لأن دينهم نسخ بما جاء به عيسى؛ إذ إنهم يجب عليهم أن يؤمنوا بعيسى؛ فإذا كذبوه لم يكونوا على شيء من الدين؛ بل هم كفار\" (٩).\nقال ابن عطية: \" معناه: ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر، وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وصحة نبوته،\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٨١١): ٢/ ٥١٣ - ٥١٤، وابن أبي حاتم (١١٠٣): ص ١/ ٢٠٨، وسنده (حسن)، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٣٦، والعجاب: ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١٨١٢: ٢/ ٥١٤، وانظر: العجاب: ١/ ٣٥٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٠٥): ص ١/ ٢٠٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٤): ص ١/ ٢٠٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧٢.","vol":"3","page":138},{"text":"وكلاهما تضمن صدق محمد ﷺ، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]، \" أي والحال أن اليهود يقرءون التوراة والنصارى يقرءون الإِنجيل فقد كفروا عن علمٍ\" (٢).\nقال ابن عباس: \" أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به أن تكفر اليهود بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يدي صاحبه\" (٣).\nقال الزمخشري: \" أى قالوا ذلك، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب اللَّه وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدّق للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب اللَّه جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا\" (٤).\nقال المراغي: \" أي قالوا ذلك وكتاب كل من الفريقين ينطق بغير ما يعتقدون، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتى بعد موسى، لكنهم خالفوها ولم يؤمنوا به، والإنجيل يقول: إنه (المسيح) جاء متمما لناموس موسى لا ناقضا له، وهم قد نقضوه\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي قالوا ما قالوا والحال أن كل فريق منهم من أهل العلم والكتاب أي كان حق كل منهم أن يعترف بحقية دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه فإن كتب الله تعالى متصادقة\" (٦).\nقال الزجاج: \" يعني به أن الفريقين يَتْلُوَان التوراة، وقد وقع يينهم هذا الاختلاف وكتابهم واحد، فدل بهذا على ضلالتهم، وحذر بهذا وقوع الاختلاف في القرآن، لأن اختلاف الفريقين أخرجهما إلى الكفر، فتفهموا هذا المكان فإن فيه حجةً عظيمة وعِظَةً في القرآن\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾، تنبيه لأمة محمد ﷺ على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس في عمر بن الخطاب، وكان وقافا عند كتاب الله\" (٨).\nقال أبو حيان: \" أي وهم عالمون بما في كتبهم، تالون له. وهذا نعي عليهم في مقالتهم تلك، إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصحة نبوّتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد ﷺ، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضًا. وفي هذا تنبيه لأمّة محمد ﷺ في أن من كان عالمًا بالقرآن، يكون واقفًا عنده، عاملًا بما فيه، قائلًا بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه، فيكون في ذلك كاليهود والنصارى\" (٩).\nوقال الثعلبي: \" وكلا الفريقين يقرءون الكتاب أي لتبين في كتابكم سر الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على أنهم على الباطل\" (١٠).\nقال الإمام الطبري: \"إن إنكار كل فريق منهم، إنما كان إنكارا لنبوة النبي ﷺ، الذي ينتحل التصديق به، وبما جاء به الفريق الآخر، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا ﷺ على شيء من دينه، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٦): ص ١/ ٢٠٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٧٩.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٩٧.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٨.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ١٩٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٨.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٣٠٤.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٠.","vol":"3","page":139},{"text":"وسلم. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا ﷺ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد ﷺ في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية؟ ولكن معنى ذلك: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها (١).\nواختلف في (الكتاب) الذي يتلونه على قولين (٢):\nأحدهما: أنه: التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس. اختاره الزمخشري (٣)، وهو المشهور.\nوالثاني: وقيل: التوراة، لأن النصارى تمتثلها، فالألف واللام للعهد.\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بـ (الْكِتَابَ) الجنس، فيشمل التوراة، والإنجيل (٤).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، \" أي كذلك قال مشركو العرب مثل قول أهل الكتاب قالوا: ليس محمد على شيء\" (٥).\nقال السدي: \" فهم العرب، قالوا: ليس محمد على شيء\" (٦).\nقال المراغي: \" أي مثل هذا القول الذي لم يبن على برهان، قال الجهلة من عبدة الأوثان لأهل كل دين: لستم على شاء والحق وراء هذه المزاعم، فهو إيمان خالص وعمل صالح لو عرفه الناس حقّ المعرفة لما تفرقوا ولا اختلفوا فى أصوله، لكنهم تعصبوا لأهوائهم فاختلفوا فيه وتفرّقوا طرائق قددا\" (٧).\nقال الزجاج: \" يعني به: الذين ليسوا بأصحاب كتاب، نحو مشركي العرب والمجوس، المعنى أن هؤلاء أيضًا قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج قالَ الجهلة الَّذِينَ لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم\" (٩).\nوقال الثعلبي: \" ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ يعني آباءهم الّذين مضوا، ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يعني مشركي العرب\" (١٠).\nواختلف في تفسير قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]، على وجوه (١١):\nأحدها: أنه عنى بذلك مشركي العرب، لأنهم لا كتاب لهم. وهذا قول السدي (١٢)، ومقاتل (١٣)، وهو قول الجمهور (١٤).\nوالثاني: أن المراد: اليهود، وكأنه أعيد قولهم، أي: \"قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم\". قاله الربيع (١٥)، وعن قتادة (١٦) وأبي العالية (١٧)، مثله.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٥.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٨.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٧٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٧): ص ١/ ٢٠٩، تفسير الطبري (١٨١٩): ص ٢/ ٥١٧.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٩٧.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٩٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٧٩.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٠، وقوله: \" يعني مشركي العرب\". نقله عن مقاتل.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥١٥ - ٥١٦، والمحرر الوجيز: ١/ ١٩٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٨١٩): ص ٢/ ٥١٧، وابن أبي حاتم (١١٠٧): ص ١/ ٢٠٩.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٠.\n(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٩، والبحر المحيط: ١/ ٣٠٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٨١٦): ص ٢/ ٥١٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٨١٧): ص ٢/ ٥١٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٠٩): ص ١/ ٢٠٩.","vol":"3","page":140},{"text":"قال ابن عطية: \" وهذا ضعيف\" (١).\nوالثالث: أنهم: \"أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل\". قاله عطاء (٢).\nوالرابع: وقيل أنهم: مشركو قريش (٣).\nوالقول الأول هو الظاهر، والأشبه بالصواب، \"لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: ﴿كذالك قال الذين لا يعلمون﴾ يجب أن يكون غيرهم\" (٤).\nوقال الإمام الطبري: \" والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله ﵎ أخبر عن قوم وصفهم بالجهل، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض ... وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى، إذْ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي، ولا خبر بذلك عن رسول الله ﷺ ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]، أي فالله \"يحكم بين اليهود والنصارى، ويفصل بينهم بقضائه العادل فيما اختلفوا فيه من أمر الدين\" (٦).\nقال الطبري: \" فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا\" (٧).\nقال ابن عطية: \" بأن يثيب من كان على شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء\" (٨).\nقال الزمخشري: \" بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه\" (٩).\nقال المراغي: \" فهو العليم بما عليه كل فريق من حقّ أو باطل، فيحقّ الحق ويجعل أهله في النعيم ويبطل الباطل، ويلقى أهله فى سواء الجحيم\" (١٠).\nقال الزجاج: \" يريهم من يدخل الجنة عِيانًا، ويدخل النار عيانا، وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة، فأما الحكم بينهم في العقيدة فقد بينه اللَّه ﷿ - فيما أظهر من حجج المسلمين، وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن\" (١١).\nو﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، هو اليوم الذي يبعث فيه الناس؛ وسمي بذلك لأمور ثلاثة (١٢):\nأحدها: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين. قاله الطبري (١٣)، وابن عطية (١٤).\nوالثاني: ولأنه يقوم فيه الأشهاد.\nوالثالث: ولأنه يقام فيه العدل.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٨١٨): ص ٢/ ٥١٧، وابن أبي حاتم (١١٠٨): ص ١/ ٢٠٩.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٠٥.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠، وانظر: البحر المحيط: ١/ ٣٠٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٨.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٩.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٧٩.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(١١) معاني القرآن: ١/! ٩٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٦.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٨.\n(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٩.","vol":"3","page":141},{"text":"واختلف في قوله تعالى: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، على أربعة أوجه (١):\nأحدها: أن \"حكم اللَّه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. قاله الحسن (٢).\nوثانيها؛ حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، فيقسم لكل فريق مايليق به من العقاب.\nوثالثها: يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا، وهو قول الزجاج (٣).\nورابعها: يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه.\nقال أبو حيان: \" وكلها أقوال متقاربة\" (٤).\nالفوائد:\n١ من فوائد الآية: أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضًا؛ فهم أعداء بعضهم لبعض من جهة؛ وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى: بالنسبة لنا هم بعضهم لبعض وليّ؛ وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو؛ فالإسلام عدو مشترك لليهودية، والنصرانية، وسائر الكفار؛ فيجب أن يتولى بعضنا بعضًا ..\n٢ ومنها: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾؛ فهذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه، حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب، ويعرفون الحق؛ فالنصارى تتلو التوراة، وتعرف أن اليهود تدين بالتوراة. وهم على دين صحيح قبل بعثة عيسى.؛ واليهود أيضًا يتلون الإنجيل، ويعرفون أن عيسى حق؛ لكنهم كفروا استكبارًا؛ ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحًا من الذي ينكر الحق مع الجهل به؛ لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به؛ ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل؛ لكن العالم لا عذر له.\n٣ ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة؛ ولأهميته يقرنه الله ﷾ كثيرًا بالإيمان به ﷿.\n٤ ومنها: إثبات الحكم لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم﴾؛ وحكم الله ﷾ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وكوني، وجزائي؛ فالشرعي: مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ والكوني: مثل قوله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠]؛ والجزائي: مثل هذه الآية: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والحكم الجزائي هو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنه مبني عليه: إن خيرًا فخير؛ وإن شرًا فشر؛ هذا الحكم يوم القيامة بين الناس إما بالعدل؛ أو بالفضل؛ ولا يمكن أن يكون بالظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى في الحديث القدسي: \"يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا\" (٥)؛ هذا بالنسبة لحقوق الله؛ أما بالنسبة لحقوق الخلق فيما بينهم فيقضى بينهم بالعدل.\nفإذا قال قائل: إذا كان الله تعالى يجزي المؤمنين بالفضل، فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ [يونس: ٤]؟\nفالجواب: أن هذا هو الذي أوجبه الله على نفسه؛ والفضل زيادة؛ والمقام مقام تحذير.\n٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق، والباطل، سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله ﷿؛ فيجزي صاحب الحق بعمله، ويجزي صاحب الباطل بعمله؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾، وقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ ولهذا لا يوجد حكم يبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا؛\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠، وتفسير أبي السعود: ١/ ١٤٨.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٠.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٥.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٣٠٥.\n(٥) أخرجه مسلم ص ١١٢٩، كتاب البر والصلة، باب ١٥: تحريم الظلم، حديث رقم ٦٥٧٢ [٥٥] ٢٥٧٧.","vol":"3","page":142},{"text":"فالقاضي مثلًا لا يقول لأحد الخصمين: \"لن يكون لخصمك سبيل عليك\" حتى يتبين، ويأتي كلٌّ بحجته؛ لكن هنا بيّن الله أن الكافرين ليس لهم سبيل على المؤمنين؛ لأن الحجة واضحة للجميع.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]\nالتفسير:\nلا أحد أظلم من الذين منعوا ذِكْرَ الله في المساجد من إقام الصلاة، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، وجدُّوا في تخريبها بالهدم أو الإغلاق، أو بمنع المؤمنين منها. أولئك الظالمون ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا على خوف ووجل من العقوبة، لهم بذلك صَغار وفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد.\nاختلفوا في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: أنها: \"نزلت في طيطوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف\". وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (١).\nوالثاني: أنها نزلت في\" بختنصر وأصحابه، غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم\" (٢). قاله قتادة (٣)، والسدي (٤).\nالثالث: وأخرج ابن أبي حاتم \" عن مجاهد: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه\" (٥).ونحوه في رواية محمد بن سعيد عن ابن عباس (٦).\nالرابع: وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: \"أن قريشا منعوا النبيﷺ- الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ \" (٧). وروي عن ابن زيد (٨) مثله.\nوالراجح، أن الله تعالى عنى بقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، النصارى. \"وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده\" (٩). والله أعلم.\n\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: \"وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها\" (١٠).\nقال الصابوني: \" استنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل لخرابها بالهدم كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة كما فعل كفار قريش\" (١١).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٣٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٠.\n(٢) أسباب النول للواحدي: ٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٣)، و(١٨٢٤): ص ٢/ ٥٢٠ - ٥٢١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٥): ص ٢/ ٥٢١.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (١١١٢): ص ١/ ٢١٠، وتفسير الطبري (١٨٢١)، و(١٨٢٢): ص ٢/ ٥٢٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١١١): ص ١/ ٢١٠، وتفسير الطبري (١٨٢٠): ص ٢/ ٥٢١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠): ص ١/ ٢١٠، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٣٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٦): ص ٢/ ٥٢١.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢١ - ٥٢٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.","vol":"3","page":143},{"text":"و(المساجد): جمع مَسجِد، إن أُريد به المكان المخصوص المُعَدّ للصلوات الخمس، وإن أُريد به موضع سجود الجبهة، فإنه بالفتح لا غير (مَسجَد) (١).\nو(المسجد) لغة: الموضع الذي يسجد فيه، ثم اتّسع المعنى إلى البيت المُتّخذ لاجتماع المسلمين لأداء الصلاة فيه، قال الزركشي ﵀: \"ولَمّا كان السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه، اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع، ثم إن العُرف خصص المسجد بالمكان المهيّأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المُصلّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يُعطى حكمه\" (٢).\nو(المسجد) في الاصطلاح الشرعي: المكان الذي أُعِدّ للصلاة فيه على الدّوام (٣)، وأصل المسجد شرعًا: كل موضع من الأرض يُسجد لله فيه (٤)؛ لحديث جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: \" ... وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة، فليصلِّ\" (٥)، وهذا من خصائص نبيّنا - ﷺ - وأمّته، وكانت الأنبياء قبله إنما أُبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصصة: كالبِيَع والكنائس (٦).\nوقد ثبت في حديث أبي ذرّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" ... وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ، فهو مسجد\" (٧).\nقال الإمام النووي ﵀: \"فيه جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة: في المقابر، وغيرها من المواضع التي فيها النجاسة: كالمزبلة، والمجزرة، وكذا ما نُهِيَ عنه لمعنى آخر: فمن ذلك أعطان الإبل، ... ومنه قارعة الطريق، والحمام، وغيرها؛ لحديث ورد فيها\" (٨).\nأما (الجامع): فهو نعت للمسجد، سمّي بذلك؛ لأنه يجمع أهله؛ ولأنه علامة للاجتماع، فيقال: المسجد الجامع، ويجوز: (مسجد الجامع) بالإضافة، بمعنى: مسجد اليوم الجامع (٩)، ويقال للمسجد الذي تُصلَّى فيه الجمعة، وإن كان صغيرًا؛ لأنه يجمع الناس في وقت معلوم.\nوفي الآية الكريمة أضاف الله تعالى المساجد إلى نفسه إضافة تشريف، وفضل، وكقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله - ﷾ -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، مع أن جميع البقاع وما فيها ملك لله - ﷿ -، فهو خالق كل شيء ومالكه، ولكن المساجد لها ميزة وشرف؛ لأنها تختص بكثير من العبادات، والطاعات، والقربات، فليست المساجد لأحد سوى الله، كما أن العبادة التي كلف الله بها عباده لا يجوز أن تصرف لأحد سواه (١٠)، ومن هذه الإضافة ما أضافه النبي - ﷺ - إلى الله إضافة\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الدّال، فصل الميم، ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥، وسبل السلام، للصنعاني، ٢/ ١٧٩.\n(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص ٢٧ - ٢٨، وانظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢/ ٢٠٧، ومفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٣٩٧، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ١٠/ ١٢، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١١/ ٣٦٣٥.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور/ محمد رواس، ص ٣٩٧.\n(٤) انظر: إعلام الساجد بأحكام المساجد، للزركشي، ص ٢٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب التيمم، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، برقم ٣٣٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢١.\n(٦) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ١١٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الأنبياء، بابٌ: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ برقم ٤٢٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢٠.\n(٨) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٥.\n(٩) انظر: لسان العرب، لابن منظور، فصل الجيم، باب العين، ٨/ ٥٥.\n(١٠) انظر: فصول ومسائل تتعلق بالمساجد، للدكتور العلامة، عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، ص ٥، والأثر التربوي للمسجد، للدكتور العلامة صالح بن غانم السدلان، ص ٤، والمشروع والممنوع في المسجد، للشيخ محمد بن علي العرفج، ص ٦.","vol":"3","page":144},{"text":"تشريف بقوله - ﷺ -: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وجهان من التفسير (٢):\nأحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، فتكون \" أن \" حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض، وتعلق الفعل بها.\nوالثاني: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده، فتكون \" أن \" حينئذ في موضع نصب، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه.\nوأصل السعي في اللغة: \"الإسراع في المشي، قال الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]. ثم يسمّى المشيُ سعيًا، كقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، يعنى المشي، وقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: امشوا، وقال ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: مشيًا. ثم يسمى العمل سعيًا، لأنه لا ينفك من السعي في غالب الأمر، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١] أي: جدّوا في ذلك، وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]، أي: عملكم مختلف\" (٣).\nقال الواحدي: \"وأراد بالسعي في هذه الآية: العمل\" (٤).\nوقوله ﴿وَسَعَى﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: اجتهد وبذل وسعه (فِي خَرَابِهَا) الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة، فجازاهم الله، بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله، لم يلبث رسول الله ﷺ إلا يسيرا، حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط الله عليهم المؤمنين، فأجلوهم عنه، وهكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر، وقد واستدل العلماء بالآية الكريمة، على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد\" (٥).\nوقد أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية (٦).\nوفي الذي ﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، أربعة أقاويل (٧):\nأحدها: أنه بُخْتَ نصر وأصحابه من المجوس الذين خربوا بيت المقدس، وهذا قول قتادة (٨).\nوالثاني: أنهم النصارى الذين أعانوا (بُخْتَ نَصّر) على خرابه، وهذا قول السدي (٩)، واختاره الطبري (١٠).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، برقم ٢٦٩٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥١٩.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٥١، وانظر: المفردات للراغب الأصفهاني: ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٢٥١.\n(٥) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ١٠.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٧٤، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٣)، و(١٨٢٤): ص ٢/ ٥٢٠ - ٥٢١، وابن أبي حاتم (١١١٣): ص ١/ ٢١٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٥): ص ٢/ ٥٢١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٢١ - ٥٢٢، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٨٨.","vol":"3","page":145},{"text":"والثالث: أنهم مشركو قريش، منعوا رسول الله -ﷺ- من المسجد الحرام عام الحديبية، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (١)، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٢).\nوالرابع: أنه عَامٌّ في كل مشرك، منع من كل مسجد.\nالخامس: وقال أبو مسلم: \"المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم * عند المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٥] وبقوله: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٤] وحمل قوله: ﴿إلا خائفين﴾ بما يعلى الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦١) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] \" (٣).\nالسادس: وقال الرازي: \" لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول ﷺ لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، \"أي ما ينبغي لأولئك أن يدخلوها إِلا وهم في خشية وخضوع، فضلًا عن التجرؤ على تخريبها أو تعطليها\" (٥).\nقال المراغي: \" أي أولئك المانعون ما كان ينبغى لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع، فكيف بهم دخلوها مفسدين ومخرّبين، فما كانت عبادة الله إلا نافعة للبشر، وما كان تركها إلا ضارّا لهم\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها أوتعطيلها أوما كان الحق أن يدخلوها إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من جهة المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة واستخلاص ما استولوا عليه منهم وقد أنجز الوعد ولله الحمد\" (٧).\nقال النسفي: \" أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلًا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها\" (٨).\nوقال الواحدي: \" أعلم الله ﷿ أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم، حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا، وهذا كقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]. الآية\" (٩).\nوقيل: \"معناه النهى عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه، كقوله: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٦): ص ٢/ ٥٢١.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٠): ص ١/ ٢١٠، وأسباب النزول للواحدي: ٣٦.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١. واحتج: \" لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف \".\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٩٨.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٩.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٨٢. [بتصرف بسيط].\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢٥٤.\n(١٠) الكشاف: ١/ ١٨٠.","vol":"3","page":146},{"text":"قال ابن كثير: \" أي لا تُمَكِّنوا هؤلاء - إذا قَدَرُتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية. ولهذا لما فتح رسولُ الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: \"ألا لا يَحُجَّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته\" (١)، وهذا كان تصديقًا وعملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة: ٢٨] \" (٢).\nقال الزمخشري: \" وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد: فجوّزه أبو حنيفة ﵀، ولم يجوّزه مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره\" (٣).\nقال الطبري: \"خبر من الله تعالى عمن\"منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله ﷿ فيها، ما داموا على مناصبة الحرب، إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها\" (٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، قولان (٥):\nأحدهما: خائفين بأداء الجزية، وهذا قول السدي (٦).\nوالثاني: خائفين من الرعب، إن قُدر عليهم عوقبوا، وهذا قول قتادة (٧).\nقال ابن كثير: \" والصحيح، أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة\" (٨). ثم ذكر الحديث (٩).\nوذكر الشيخ ابن عثيمين: في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، ثلاثة معان:\nالأول: ما كان ينبغي لهؤلاء أن يدخلوها إلا خائفين فضلًا عن أن يمنعوا عباد الله؛ لأنهم كافرون بالله ﷿؛ فليس لهم حق أن يدخلوا المساجد إلا خائفين.\nالثاني: أن هذا خبر بمعنى النهي؛ يعني: لا تدعوهم يدخلوها - إذا ظهرتم عليهم - إلا خائفين.\nالثالث: أنها بشارة من الله ﷿ أن هؤلاء الذين منعوا المساجد - ومنهم المشركون الذين منعوا النبي ﷺ المسجد الحرام - ستكون الدولة عليهم، ولا يدخلونها إلا وهم ترجف قلوبهم (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، \"أي لأولئك المذكورين هوانّ وذلة في الدنيا\" (١١).\nقال أبو السعود: \" أي خزي فظيع لا يوصف بالقتل والسبي والإذلال بضرب الجزية عليهم\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي ذل، وعار\" (١٣).\nقال السعدي: \" أي: فضيحة\" (١٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤٣٨٠): ص ٤/ ١٧١٠، والترمذي (٣٠٩١): ص ٥/ ٢٥٧، والنسائي (٢٩٥٧): ص ٥/ ٢٣٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٨٩.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٨٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٩): ص ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٨٢٧)، و(١٨٢٨): ص ٢/ ٥٢٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٩٠.\n(٩) جاء في مسند الإمام أحمد (٤/ ١٨١): \" كان رسول الله ﷺ يدعو: \"اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة\". قال ابن كثير: \"حديث حسن\".\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٨.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٤٩.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦.\n(١٤) تفسير السعدي: ٦٣.","vol":"3","page":147},{"text":"قال المراغي: \" وقد تحقق ما أوعد به الله فحلّ بالرومانيين الخزي في الدنيا فتقسمت دولتهم، وتشتت ملكهم، ولحقهم الذلّ والهوان على يد غيرهم من الأمم القوية الفاتحة\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، ثلاثة أوجه (٢):\nأحدهما: أنه قتل الحربي وجزية الذمي. قاله قتادة (٣).\nوالثاني: أنه فتح مدائنهم عمورية، وقسطنطينية، ورومية، وهذا قول ابن عباس (٤)، وروي عن السدي (٥) وعكرمة (٦)، ووائل بن داود (٧)، نحو ذلك.\nوالثالث: وقيل: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد.\nقلت: إن كل ذلك محتمل، لكون الخزي يجري مجرى القوبة والهوان والإذلال. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ في الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، أي: ولهم في الآخرة \"عذاب النار\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"أي عقوبة عظيمة\" (٩).\nقال البغوي: أي: \"النار\" (١٠).\nقال الماوردي: \" هو أشد من كل عذاب، لأنهم أظلم من كل ظالم\" (١١)\nقال الطبري: \" وأما (العذاب العظيم)، فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا\" (١٢).\nقال القاسمي: وذلك\" لما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه، من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله، والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله\" (١٣).\nقال السعدي: \" وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وللمساجد أحكام كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة\" (١٤).\nوفي كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال: تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم: كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله: ﴿كذالك قال الذين * قبلهم مثل قولهم﴾ [البقرة: ١١٣]، وقيل: جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين (١٥).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٩٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٧٤ - ١٧٥، والكشاف: ١/ ١٨٠، ومفاتيح الغيب: ٣/ ١٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٣١): ص ٢/ ٥٢٥، وتفسير ابن أبي حاتم (١١١٩): ص ١/ ٢١١.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٧٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٣٢): ص ٢/ ٥٢٥، وابن أبي حاتم (١١١٨): ص ١/ ٢١١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢١١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢١١.\n(٨) محاسن التأويل: ١/ ٣٧٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ١٣٩، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ٨٣.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ١٧٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٥.\n(١٣) محاسن التأويل: ١/ ٣٧٩.\n(١٤) تفسير السعدي: ٦٣.\n(١٥) انظر: تفسير الرازي: ٣/ ١١.","vol":"3","page":148},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن المعاصي تختلف قبحًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾؛ و﴿أظلم﴾ اسم تفضيل؛ واسم التفضيل يقتضي مفضَّلًا، ومفضَّلًا عليه؛ وكما أن المعاصي تختلف، فكذلك الطاعات تختلف: بعضها أفضل من بعض؛ وإذا كانت الأعمال تختلف فالعامل نتيجة لها يختلف؛ فبعض الناس أقوى إيمانًا من بعض؛ وبهذا نعرف أن القول الصحيح قول أهل السنة، والجماعة في أن الإيمان يزيد، وينقص، والناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا لا في الكسب القلبي، ولا في الكسب البدني: فإن الناس يتفاوتون في اليقين؛ ويتفاوتون في الأعمال الظاهرة من قول أو فعل.\nيتفاوتون في اليقين: فإن الإنسان نفسه تتفاوت أحواله بين حين وآخر؛ في بعض الأحيان يصفو ذهنه وقلبه حتى كأنما يشاهد الآخرة رأي عين؛ وفي بعض الأحيان تستولي عليه الغفلة، فيَقِلُّ يقينه؛ ولهذا قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ وتفاوت الناس في العلم، واليقين أمر معلوم: فلو أتى رجل، وقال: «قدم فلان» - والرجل ثقة عندي - صار عندي علم بقدومه؛ فإذا جاء آخر، وقال: «قدم فلان» ازداد علمي؛ فإذا جاء الثالث ازداد علمي أكثر؛ فإذا رأيتُه ازداد علمي؛ فالأمور العلمية تتفاوت في إدراك القلوب لها.\nأيضًا يتفاوت الناس في الأقوال: فالذي يسبِّح الله عشر مرات أزيد إيمانًا ممن يسبِّحه خمس مرات؛ وهذه زيادة كمية الإيمان؛ كذلك يتفاوت الناس في الأعمال من حيث جنس العمل: فالمتعبد بالفريضة أزيد إيمانًا من المتعبد بالنافلة؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»؛ فبهذا يكون القول الصواب بلا ريب قول أهل السنة، والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص (١).\n٢ - ومن فوائد الآية: جواز منع دخول المساجد لمصلحة؛ لقوله تعالى: ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾؛ ومنع مساجد الله له أسباب؛ فتارة تمنع المساجد من أن تمتهن فرشها، أو أرضها، أو كتبها، أو مصاحفها؛ فتغلَّق الأبواب حماية لها؛ وتارة تغلق أبوابها خوفًا من الفتنة، كما لو اجتمع فيها قوم لإثارة الفتن، والتشويش على العامة؛ فتغلق منعًا لهؤلاء من الاجتماع؛ وتارة تغلق لترميمها، وإصلاحها؛ وتارة تغلق خوفًا من سرقة ما فيها؛ ففي كل هذه الصور إغلاقها مباح، أو مطلوب.\n٣ - ومنها: تحريم منع المساجد من أن يذكر فيها اسم الله سواء كان ذكر الله: صلاة، أو قراءة للقرآن، أو تعليمًا للعلم، أو غير ذلك.\nوأخذ بعض العلماء من هذه الآية: تحريم التحجر؛ وهو أن يضع شيئًا في الصف، فيمنع غيره من الصلاة فيه، ويخرج من المسجد؛ قالوا: لأن هذا منع المكان الذي تحجره بالمسجد أن يذكر فيه اسم الله؛ لأن هذا المكان أحق الناس به أسبق الناس إليه؛ وهذا قد منع من هو أحق بالمكان منه أن يذكر فيه اسم الله؛ وهذا مأخذ قوي؛ ولا شك أن التحجر حرام: أن الإنسان يضع شيئًا، ويذهب، ويبيع، ويشتري، ويذهب إلى بيته يستمتع بأولاده، وأهله؛ وأما إذا كان الإنسان في نفس المسجد فلا حرج أن يضع ما يحجز به المكان بشرط ألا يتخطى الرقاب عند الوصول إليه، أو تصل إليه الصفوف؛ فيبقى في مكانه؛ لأنه حينئذ يكون قد شغل مكانين.\n٤ - ومن فوائد الآية: شرف المساجد؛ لإضافتها إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿مساجد الله﴾؛ والمضاف إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافًا؛ أو أعيانًا؛ أو ما يتعلق بأعيان مخلوقة؛ فإذا كان المضاف إلى الله وصفًا فهو من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعلم الله؛ وإذا كان المضاف إلى الله عينًا قائمة بنفسها فهو مخلوق وليس من صفاته، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعيان قائمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله ﷿ إلا لسبب خاص به؛ ولولا هذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كان المضاف إلى الله ما يتعلق بأعيان مخلوقة فهو أيضًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٤٥ – ٥٤٦، كتاب الرقاق، باب ٣٨ ك التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢.","vol":"3","page":149},{"text":"مخلوق؛ وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]؛ فإن الروح هنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين مخلوقة.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن المصلَّيات التي تكون في البيوت، أو الدوائر الحكومية لا يثبت لها هذا الحكم؛ لأنها مصلَّيات خاصة؛ فلا يثبت لها شيء من أحكام المساجد.\n٦ - ومنها: أنه لا يجوز أن يوضع في المساجد ما يكون سببًا للشرك؛ لأن ﴿مساجد الله﴾ معناها موضع السجود له؛ فإذا وضع فيها ما يكون سببًا للشرك فقد خرجت عن موضوعها، مثل أن نقبر فيها الموتى؛ فهذا محرم؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك.\n٧ - ومنها: وجوب تطهير المساجد؛ وهذا مأخوذ من إضافتها إلى الله تلك الإضافة القاضية بتشريفها، وتعظيمها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركَّع السجود﴾.\n٨ - ومنها: أن الناس فيها سواء؛ لأن الله تعالى أضافها إلى نفسه: ﴿مساجد الله﴾؛ والناس عباد الله - بالنسبة إلى الله في المسجد سواء -؛ فكل من أتى إلى هذه المساجد لعبادة الله فإنه لا فرق بينه وبين الآخرين.\nوهنا نقول: إن للعالِم الحق أن يتخذ مكانًا يجعله لإلقاء الدرس، وتعليم الناس؛ لكنه إذا أقيمت الصلاة لا يمنع الناس - هو، وغيره سواء -.\n٩ - ومنها: أن ذكر الله لا بد أن يكون باسمه، فتقول: لا إله إلا الله؛ سبحان الله؛ سبحان ربك رب العزة عما يصفون؛ سبحان ربي العظيم؛ فالذكر باللسان لا يكون إلا باسم الله؛ أما ذكر القلب فيكون ذكرًا لله، وذكرًا لأسمائه؛ فقد يتأمل الإنسان في قلبه أسماء الله، ويتدبر فيها، ويكون ذكرًا للاسم؛ وقد يتأمل في أفعال الله ﷿، ومخلوقاته، وأحكامه الشرعية.\n١٠ - ومن فوائد الآية: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وسعى في خرابها﴾؛ ويشمل الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنه قد يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على هدم المساجد حسًّا بالمعاول، والقنابل؛ وقد يخربها معنًى، بحيث ينشر فيها البدع والخرافات المنافية لوظيفة المساجد.\n١١ - ومنها: البشارة للمؤمنين بأن العاقبة لهم، وأن هؤلاء الذين منعوهم لن يدخلوها إلا وهم خائفون؛ وهذا على أحد الاحتمالات التي ذكرناها.\n١٢ - ومنها: أن عقوبة من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة.\n١٣ - ومنها: أن الذنب إذا كان فيه تعدٍّ على العباد فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ عقوبة الدنيا ليشفي قلب المظلوم المعتدى عليه؛ ولا شك أن الإنسان إذا اعتدى عليك، ثم رأيت عقوبة الله فيه أنك تفرح بأن الله ﷾ اقتص لك منه؛ أما إذا كان في حق الله فإن الله تعالى لا يجمع عليه بين عقوبتين؛ لقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠].\n١٤ - ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.\n١٥ - ومنها: أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا، كما أن نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدنيا؛ ولكن الله ﷾ يُري عباده نموذجًا من هذا، ومن هذا؛ لأنه لا يستقيم فهم الوعيد، ولا فهم الوعد، إلا بمشاهدة نموذج من ذلك؛ لو كان الله توعد بالنار، ونحن لا ندري ما هي النار، فلا نخاف إلا خوفًا إجماليًا عامًا؛ وكذلك لو وعد بالنعيم والجنة، ولا نعرف نموذجًا من هذا النعيم، لم يكن الوعد به حافزًا للعمل.\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]\nالتفسير:\nولله جهتا شروق الشمس وغروبها وما بينهما، فهو مالك الأرض كلها. فأي جهة توجهتم إليها في الصلاة بأمر الله لكم فإنكم مبتغون وجهه، لم تخرجوا عن ملكه وطاعته. إن الله واسع الرحمة بعباده، عليم بأفعالهم، لا يغيب عنه منها شيء.\nاختلفوا في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: أخرج الواحدي عن جابر بن عبد الله قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي هاهنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب فصلوا وخطوا خطوطا فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي - ﷺ - عن ذلك، فسكت فأنزل الله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ \" (١).\nوالثاني: وأخرج الطبري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال، \" كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة. فأنزل الله ﷿: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ \" (٢).\nالثالث: وأخرج الطبري والواحدي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: \" كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة في سفر، فلم ندر أين القبلة فصلينا، فصلى كل واحد منا على حياله، ثم أصبحنا فذكرنا للنبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ \" (٣).\nقال الواحدي: \"ومذهب ابن عمر أن الآية نازلة في التطوع بالنافلة\" (٤).\nأخرج الطبري عن ابن عمر أنه قال: \" إنما نزلت هذه الآية: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا، كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة \" (٥).\nالرابع: قال ابن عباس في رواية عطاء: \"إن النجاشي لما توفي قال جبريل للنبي - ﷺ - إن النجاشي توفي، فصل عليه، فأمر رسول الله - ﷺ - أن يحضروا وصفهم ثم تقدم رسول الله - ﷺ - وقال لهم: \"إن الله أمرني أن أصلي على النجاشي وقد توفي فصلوا عليه\" فصلى رسول الله - ﷺ - وهم عليه، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - في أنفسهم:\n_________\n(١) أسباب النزول: ٣٧. أخرجه ابن مردويه (لباب النقول: ٢٧) وإسناده منقطع (العجاب لابن حجر: ورقة ٤٠ أ) ويشهد له: الرواية الآتية.\n(٢) تفسير الطبري (١٨٤١): ص ٢/ ٥٣١.\n(٣) تفسير الطبري (١٨٤٢): ص ٢/ ٥٣٢، وأسباب النزول للواحدي: ٣٦ - ٣٧، والحديث أخرجه الترمذي (٢/ ١٧٦ - ح: ٣٤٥) وابن ماجه (١/ ٣٢٦ - ح: ١٠٢٠) والدارقطني (١/ ٢٧٢ - ح: ٥) والطيالسي (منحة المعبود: ١/ ٨٥ - ح: ٣٦٨) (العجاب: ورقة ٤٠ أ) وعبد بن حميد (فتح القدير: ١/ ١٣٢) والطبراني (المعجم الأوسط: ١/ ٢٨٤ - ح: ٤٦٣) كلهم من طريق أشعث به. وإسناده ضعيف جدا فأشعث متروك (تقريب التهذيب: ١/ ٧٩ - رقم ٥٩٨) (وعاصم ضعيف (المصدر السابق: ١/ ٣٨٤ - رقم: ١٥) ويشهد للروايتين السابقتين:\n١ - ما أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧١ - ح: ٣) وابن مردويه (تفسير ابن كثير: ١/ ١٥٩) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن جابر به وضعفه الدارقطني وكذلك شمس الحق العظيم أبادي في \"التعليق المغني على الدارقطني\".\n٢ - ما أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨١ - ح: ٤) والحاكم (المستدرك: ١/ ٢٠٧) من طريق محمد بن سالم عن عطاء عن جابر نحوه. وضعفه الحافظ الذهبي في \"التلخيص\" (حاشية المستدرك: ١/ ٢٠٧) والحافط ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ١٥٩). قلت: وأنا لا أرى أن هذه الطرق يجبر بعضها بعضا لضعفها، ولورود ما يعارضها مما هو أصح، كما في رواية علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس ﵄ وسيأتي تخريجها. [انظر: حاشية أسباب النزول للواحدي: ٣٧].\n(٤) أسباب النزول: ٣٧.\n(٥) تفسير الطبري (١٨٤٠): ص ٢/ ٥٣٠، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٣٧.","vol":"3","page":150},{"text":"كيف نصلي على رجل مات، وهو يصلي على غير قبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ \" (١).\nوأخرج الطبري عن قتادة: \" إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم! قال فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٩]، قال: قتادة، فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﷿: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ \" (٢).\nقال الواحدي: \" ومذهب قتادة أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ (٣)، فهذا قول ابن عباس عند عطاء الخراساني، وقال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: فصلى رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق\" (٤).\nالخامس: أخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: \"لما هاجَرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ، أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله ﷺ بضْعة عَشر شَهرًا، فكان رسول الله ﷺ يُحبّ قبلةَ إبراهيم ﵇، وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: \" ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها \"؟ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ لله المشرق والمغرب﴾ \" (٥).\nالسادس:: وقال مجاهد: \" لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] \" (٦).\nقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، \" أي لله مكان شروق الشمس ومكان غروبها والمراد جميع الأرض\" (٧).\nقال الطبري: \"أي: \"لله ملكهما وتدبيرهما\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها للَّه هو مالكها ومتوليها\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي له كل الأرض التي هي عبارة عن ناحيتي المشرق والمغرب لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" يعني أن الله ﷾ مختص بملك المشرق، والمغرب؛ وأما من سواه فملكه محدود .. ويحتمل أن المراد له كل شيء؛ لأن ذكر المشرق والمغرب يعني الإحاطة والشمول\" (١١).\n_________\n(١) أسباب النول للواحدي: ٣٧ - ٣٨.\n(٢) تفسير الطبري (١٨٤٤): ص ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٣٦)، و(١٨٣٧): ص ٢/ ٥٢٩.\n(٤) أسباب النول للواحدي: ٣٧ - ٣٨.\n(٥) تفسير الطبري (٢١٦٠): ص ٢/ ١٣٨ - ١٣٩، وابن أبي حاتم (١٣٢٩): ص ١/ ٢٤٨، وأسباب النزول للواحدي: ٣٩، وإسناده صحيح، انظر: لباب النقول: ٢٧، وهذا أصح الأسانيد عن ابن عباس ﵄. انظر: التفسير والمفسرون: ١/ ٧٧.\n(٦) أخرجه الطبري (١٨٤٧): ص ٢/ ٥٣٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٦.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٨٠.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٢، قال الشيخ: \" وقد وردت المشرق، والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: (مفردة، ومثناة، وجمع)؛ فجاءت مفردة هنا فقال تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾؛ وجاءت مثناة في قوله تعالى: ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ [الرحمن: ١٧]، وجمعًا في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ [المعارج: ٤٠]؛ والجمع بين هذه الأوجه الثلاثة أن نقول: أما (المشرق) فلا ينافي (المشارق)، ولا (المشرقين)؛ لأنه مفرد محلى بـ (أل)؛ فهو للجنس الشامل للواحد، والمتعدد؛ وأما ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾، و﴿رب المشارق والمغارب﴾ فالجمع بينهما أن يقال: إن جمع ﴿المشارق﴾، و﴿المغارب﴾ باعتبار الشارق، والغارب؛ لأن الشارق، والغارب كثير: الشمس، والقمر، والنجوم؛ كله له مشرق، ومغرب؛ فمن يحصي النجوم! أو باعتبار مشرق كل يوم، ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق، ومغرب؛ وللقمر مشرق، ومغرب؛ وثنَّى باعتبار مشرق الشتاء، ومشرق الصيف؛ فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب؛ ومشرق الصيف في أقصى الشمال؛ وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا الله؛ وسورة «الرحمن» أكثر ما فيها بصيغة التثنية؛ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق، والمغرب بصيغة التثنية؛ أما عند العظمة فذكرت بالجمع: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرًا منهم وما نحن بمسبوقين﴾ [المعارج: ٤٠، ٤١] \".","vol":"3","page":151},{"text":"و﴿المشرق﴾: \"هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال: لموضع طلوعها منه: (مطلع)، بكسر اللام\" (١).\nقال الراغب: \" المشرق والمغرب، تارة يقالان بلفظ الواحد إما إشارة إلى ناحية الأرض، وإما إلى المطلع والمغيب، وتارة بلفظ التثنية إشارة إلى مشرقي ومغربي الشتاء والصيف، وتارة بلفظ الجمع اعتبارًا باختلاف المغارب والمطالع كل يوم، وشرقت الشمس طلعت، وأشرقت: أضاءت وذلك إذا كثير شروقها، وشرقت اللحم: ألقيته على الشمس المشرق، والشرف الصلب لأنه يقام فيه صلاة [العيد] عند شروقها، وشرق الثوب بالصبغ تشبيها بلون الشرقة، والغروب للشمس تصور منه بعد ذهابها عن العمارة، فيقال لدى تباعد غروب، ومنه الغروب لكونه مبعدا في الذهاب، وغارب السنام لبعده عن المنال، وغرب السيف أبعد جزء من صحيفته، ثم تصور منه حدته، فقيل لسان غرب وسمي الدلو غربًا لتصور بعدها في البئر، ثم سمي الماء به كتسميتهم إياها بالذنوب لكونه فيها، والغرب للذهب لكونه غريبًا فيما بين الجواهر، والغرب لبعده عن المثمرات من الأشجار\" (٢).\nوقد خصهما (المشرق والمغرب) بالذكر، لكونهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات.\nقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]، \" أي إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته التي رضيها لكم\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي ففي أي مكان فعلتم تولية وجوهكم شطر القبلة، فهناك جهته\" (٤).\nقال الزمخشري: \" ففي أى مكان فعلتم التولية، [فثمّ] جهته التي أمر بها ورضيها، والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدًا فصلوا في أى بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إسكانها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان\" (٥).\nقال الراغب: أي\" وحيث ما توجهتم، فهو موجود يمكنكم الوصول إليه\" (٦).\nوقد اختلف فيه المفسرون من السلف، والخلف، في قوله تعالى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، على أقوال (٧):\nأحدها: أن المراد به: وجه الله الحقيقي. وإنه من آيات الصفات. وهذا قول ابن خزيمة (٨)، والسعدي (٩)، وابن عثيمين (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٦.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٩٨ - ٢٩٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٩.\n(٤) تفسير أبي السعود: ١/! ٥٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٨٠.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٩٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٦. وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤.\n(٨) انظر: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٦.\n(٩) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(١٠) انظر: \"شرح العقيدة الواسطية\" ١/ ٢٨٩ (ط. ابن الجوزي).\nوقد بيَّن الشيخ ابن عثيمين في \"شرح الواسطية\" ١/ ٢٩٠: أن الأول صحيح موافق لظاهر الآية، وأن الثاني لا يخالف الأول في الواقع، فإذا قلنا: فثم جهة الله، وكان هناك دليل سواء كان هذا الدليل تفسير الآية الثانية في الوجه الثاني، أوكان الدليل ما جاءت به السنة، فإنك إذا توجهت إلى الله في صلاتك، فهي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثم أيضًا وجه الله حقًا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا يتنافيان. اهـ. هذا وقد نبه شيخ الإسلام على أمرٍ مهم فقال في \"الفتاوى\" ٦/ ١٧: والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه، الذي ينكره منكرو آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة قولهم ﴿فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾ على: فَثَّمَّ قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجهًا باعتبار أن الوجه والجهة واحد، أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها. [انظر: حاشية التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٠].","vol":"3","page":153},{"text":"قال الشيخ السعدي: وقوله تعالى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، \"فيه إثبات الوجه لله تعالى، على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه\" (١).\nواستدلوا على ذلك بقول النبي - ﷺ -: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه\" (٢)، وبقوله \"لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه، فإذا انصرف صرف وجهه عنه\" (٣).\nوالثاني: معناه: الجهة، أي: قبلة الله. قاله مجاهد (٤)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).\nوالعرب تجعل القصد الذي يتوجه إليه وجهًا (٦)، كقول الشاعر (٧):\nأستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيه ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ\nمعناه. إليه القصد، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: جهة الله التي تعبّدكم بالتوجه إليها، والإضافة تكون للتخصيص نحو: بيت الله، وناقة الله (٨).\nالثالث: وقيل: فثم تدركون بالتوجه إليه، رضا الله الذي له الوجه الكريم (٩).\nوالراجح عندي: أن المراد به الوجه الحقيقي لله ﷿؛ لأن ذلك هو الأصل؛ وليس هناك ما يمنعه؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قِبَل وجه المصلي (١٠)؛ والمصلُّون حسب مكانهم يتجهون؛ فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال؛ وأهل الشام إلى الجنوب؛ وأهل المشرق إلى المغرب؛ وأهل المغرب إلى الشرق؛ وكل يتجه جهة؛ لكن الاتجاه الذي يجمعهم الكعبة؛ وكل يتجه إلى وجه الله؛ وعلى هذا يكون معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم فإنكم تتجهون إلى الله سواء إلى المشرق، أو إلى المغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب (١١).\nوقرأ الحسن: \" ﴿فأينما تولوا﴾، بفتح التاء، من التولي، يريد: فأينما توجهوا القبلة\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، \"أي: فالله تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم\" (١٣).\nقال السعدي: \"فمن سعته وعلمه، وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر\" (١٤).\nقال المراغي: \" أي إنه تعالى لا يحصر ولا يتحدد، فيصح ان يتوجه إليه فى كل مكان، وهو عليم بالمتوجه إليه أينما كان، فاعبدوه حيثما كنتم، وتوجهوا إليه أينما حللتم، ولا تتقيدوا بالأمكنة، والمعبود غير مقيد\" (١٥).\nقال الصابوني: \" أي يسع الخلق بالجود والإِفضال، عليم بتدبير شئونهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم\" (١٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿واسِعٌ﴾ الرحمة، يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم\" (١٧).\nقال ابن عطية: \" و﴿واسِعٌ﴾، معناه: متسع الرحمة عليهم أين يضعها ... ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنيات التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهره في قبلة وما أشبهها\" (١٨).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: بـ ﴿واسع﴾، على إحاطته بالأشياء، وبـ ﴿العليم﴾، أنه لا يخفى عليه خافية\" (١٩).\nقال القاسمي: \" بيان لشمول ملكوته لجميع الآفاق، المتسبب عنه سعة علمه. وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ نظير قوله: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [الرحمن: ٣٣]، وكقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤] وقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: ٧]، وقوله: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]، أي عمّ كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوّه عليه\" (٢٠).\nقال ابن عثيمين: \" (الواسع) يعني واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمه، وفي قدرته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته؛ و(عليم) أي ذو علم؛ وعلمه محيط بكل شيء\" (٢١).\nو(الواسع) في صفة الله تعالى على ثلاثة أوجه (٢٢):\nأحدها: أنه واسع بإفضاله على خلقه، واحتماله مسائل عباده، وأنه لا يُكرِثه إلحاحُهم، من قول العرب: فلان يسع ما يسأل، قال أبو زبيد (٢٣):\nأُعطيهم الجَهْدَ مني بَلْهَ ما أسِعُ\nوهذا معنى قول الفراء (٢٤) وأبي عبيدة (٢٥).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(٢) رواه البخاري (٤٠٦) كتاب الصلاة، باب: حك البزاق باليد ومسلم (٥٤٧) كتاب المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها.\n(٣) المستدرك على الصحيحين (٣٣٩): ١/ ٥٠٤.\n(٤) تفسير الطبري (١٨٤٥)، و(١٨٤٦): ص ٢/ ٥٣٣، و(١٨٤٨)، و(١٨٤٩): ص ٢/ ٥٣٦.\n(٥) انظر: الفتاوى: ٦/ ١٦، ٣/ ١٩٣ و٢/ ٤٢٨، بل قال في: ٣/ ١٩٣: من عدها في آيات الصفات فقد غلط كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريده؟ أي: أي جهة .. ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم. اهـ. وقال في ٦/ ١٦: ولكن من الناس من يسلِّم أن المراد بذلك وجه الله: أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث ... ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر، ليس هذا موضعه.\n(٦) انظر: اللسان: (وجه).\n(٧) هذا البيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. ينظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٧، و\"الخزانة\" ٣/ ١١١، و\"أدب الكاتب\" ٤١٩، و\"الفراء\" ١/ ٢٣٣، القرطبي ٢/ ٧٥ و\"مجموع الفتاوى\" ٢/ ٤٢٨ والرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٧٤ (ماده: غفر). \"المعجم المفصل\" ٦/ ٢٧٩.\nوالذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع؛ فلذا قال: لستُ محصيه، وأراد: من ذنبٍ. والوجه: القصد والمراد.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٦.\n(١٠) أخرجه البخاري ص ٣٥، كتاب الصلاة، باب ٣٣: حك البزاق باليد من المسجد، حديث رقم ٤٠٦، وأخرجه مسلم ص ٧٦٣، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ١٣: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ...، حديث رقم ١٢٢٣ [٥٠] ٥٤٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٨٠.\n(١٣) تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(١٤) تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(١٥) تفسير المراغي: ١/ ١٩٩.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٩.\n(١٧) الكشاف: ١/! ٨٠.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠١.\n(١٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٩٩.\n(٢٠) محاسن التأويل: ١/ ٣٨٠.\n(٢١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥.\n(٢٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٦ - -٢٦١، والبحر المحيط: ١/ ٣٦١.\n(٢٣) وصدره: حمّال أثقالِ أهلِ الودِّ آونةً\nانظر: شعره: ١٠٩، واللسان (وسع)، وتمامه في التاج (وسع)، وانظر مجاز القرآن: ١/ ٥١، والزاهر في مه=عاني كلمات الناس: ١/ ٢٥٩. ومعناه: فدع ما أسع.\n(٢٤) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٣٦ وعنه البغوي ١/ ١٤٠.\n(٢٥) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٥١.","vol":"3","page":154},{"text":"الثاني: أنه يُوَسِّع على عباده في دينهم، ولا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه، فهو واسعُ الرَّحمة، واسع الشريعةِ بالترخيص لهم في التوجهٍ إلى أي جهة أدَّى إليها اجتهادهم عند خفاء الأدلة (١).\nالثالث: أنه يسع علمَ كلِّ شيء، ويسع علمُه كلَّ شيء، كقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: علمه (٤)، وقال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨].\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: انفراد الله بالملك؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾.\n٢ - ومنها: عموم ملك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء.\n٣ - ومنها: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾.\n٤ - ومنها: عموم ملك الله تعالى للمشرق، والمغرب خلقًا وتقديرًا؛ وله أن يوجه عباده إلى ما شاء منهما من مشرق ومغرب؛ فله ملك المشرق والمغرب توجيهًا؛ وقد سبق أن قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها ...﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى آيات نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة؛ فكأن الله تعالى يقول: لله المشرق والمغرب فإذا شاء جعل اتجاه القبلة إلى المشرق؛ وإذا شاء جعله إلى المغرب؛ فأينما تولوا فثم وجه الله.\n٥ - ومنها: إثبات الوجه لله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾.\n٦ - ومنها: أن الله تعالى له مكان لقوله تعالى: ﴿فثم﴾؛ لأن «ثم» إشارة إلى المكان؛ ولكن مكانه في العلو؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته؛ قال النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء» (٢).\n٧ - ومنها: إبطال بدعتين ضالتين؛ إحداهما بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته؛ فإن قول هؤلاء باطل يبطله السمع، والعقل، والفطرة أيضًا؛ الثانية: قول النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه؛ ولا فوق العالم، ولا تحته؛ ولا يمين العالم، ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم؛ وهذا القول قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفًا أدق من هذا.\n٨ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: ﴿واسع﴾، و﴿عليم﴾.\n٩ - ومنها: إثبات سعة الله، وعلمه؛ ونستفيد صفة ثالثة من جمع السعة والعلم؛ للإشارة إلى أن علم الله واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض، ولا في السماء.\nالقرآن\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]\nالتفسير:\nوقالت اليهود والنصارى والمشركون: اتخذ الله لنفسه ولدًا، تنزَّه الله -سبحانه- عن هذا القول الباطل، بل كل مَن في السموات والأرض ملكه وعبيده، وهم جميعًا خاضعون له، مسخَّرون تحت تدبيره.\nوفي سبب نزول الآية أربعة أقوال (٣):\nأحدها: أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله. قاله ابن عباس (٤).\nوالثاني: أنها نزلت في نصارى نجران، حيث قالوا: عيسى ابن الله. قاله مقاتل (٥)، ويمان (٦). واقتصر الطبري على قوله: \"هم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله\" (٧).\n_________\n(١) انظر: الوسيط\" ١/ ١٩٤.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٧٦١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٧: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، حديث رقم ١١٩٩ [٣٣] ٥٣٧.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ١٣٥، وأسباب النزول: ٣٩، وانظر: العجاب: ١/ ٣٦٦، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ١٣٥.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل: ١/ ١٣٣، زاد المسير: ١/ ١٣٥، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤، والعجاب: ١/ ٣٦٦.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٧، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٦٦.","vol":"3","page":155},{"text":"والثالث: أنها في النصارى ومشركي العرب، لأن النصارى قالت عيسى ابن الله، والمشركين قالوا الملائكة بنات الله. ذكره إبراهيم بن السري (١)، والزجاج (٢).\nوالرابع: أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب. ذكره الثعلبي (٣)، وتبعه ابن ظفر، والكواشي (٤) وغيرهما (٥).\nقال الواحدي: \" نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله\" (٦).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"واتفقوا (٧) على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولدًا من يهود خيبر ونصارى نجران، ومن قال من مشركي العرب: الملائكة بنات الله (٨)، فرد الله تعالى عليهم\" (٩).\nقال الحافظ ابن كثير: \"إن الآية الكريمة- والتي تليها- اشتملت، على الرد على النصارى، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم\" (١٠).\nقلت: والآية يصح أن تكون نزلت ردًا على جميع هذه الطوائف، والأقوال المحكية في الآية لا تخرج عن ذلك. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، \" أي: قالت النصارى، واليهود، والمشركون، اتخذ الله ولدًا\" (١١).\nقال القاسمي: \" يريد الذين قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله. فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم وقولهم: إنّ لله ولدا\" (١٢).\nقال المراغي: \" ولا فارق بين أن يكون هذا القول قد صدر من جميع أفراد الأمة أو من بعضها، فإن أفرادها متكافلون في كل ما يعملون وما يقولون، مما يعود أثره من خير أو شر إلى الجميع\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ١٣٥، والعجاب: ١/ ٣٦٦.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٨.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٤) هو الإمام أحمد بن يوسف الموصلي ترجمه السيوطي في \"بغية الوعاة\" \"١/ ٤٠١\" ونقل عن الذهبي قوله فيه: برع في العربية والقراءات والتفسير. وكان عديم النظير زهدًا وصلاحًا وتبتلًا وصدقًا. وله \"التفسير الصغير\" و\"الكبير\"، جود فيه الأعراب وحرر أنواع الوقوف وأرسل منه نسخة إلى مكة والمدينة والقدس.\nقال السيوطي: وعليه اعتمد الشيخ جلال الدين المحلي في \"تفسيره\"، واعتمدت عليه أنا في تكملته مع \"الوجيز\" و\"تفسير البيضاوى\" و\"ابن كثير\".\nمات الكواشي بالموصل في جمادى الآخرة سنة \"٦٨٠\".\n(٥) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٦٦.\n(٦) أسباب النزول: ٣٩، وانظر: العجاب: ١/ ٣٦٦، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١٩٨.\n(٧) مراد الحافظ بالاتفاق: أن أقوال المفسرين في الآية لا تخرج عما ذكره، لا أن كل مفسر قال ذلك، فقد ذكر الواحدي في أسباب النزول: ٣٩ ذلك دون حكاية الاتفاق، واقتصر الطبري في جامع البيان: ٢/ ٥٣٧ على ذكر النصارى، وظاهر صنيع ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٨٥، ترجيح ذلك، وإن حكوا أقوالًا ثلاثة. ورجح الرازي في مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٥ حكايته عن اليهود وإن ذكر الأقوال الثلاثة، وحكى أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٦٢ أربعة أقوال، الثلاثة التي ذكرها الحافظ، والرابع أنها نزلت في النصارى والمشركين، وهذا الأخير قاله الزجاج في معاني القرآن: ١/ ١٩٨\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٢٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠٠، بدائع الفوائد لابن القيم: ٤/ ١٥٢ - ١٥٥، بدائع التفسير من تفسير ابن القيم-جمع: يسري السيد-: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٨.\n(٩) الفتح: ٨/ ١٨.\n(١٠) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٧٤) من طريق شعيب عن أبي الزناد به، وفيه: \"ولم يكن لي كفوا أحد\".\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦.\n(١٢) محاسن التأويل: ١/ ٣٨٠\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ١٩٩.","vol":"3","page":157},{"text":"قال السعدي: أي: \"اليهود والنصارى والمشركون، وكل من قال ذلك: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله، وأساءوا كل الإساءة، وظلموا أنفسهم، وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم، قد حلم عليهم، وعافاهم، ورزقهم مع تنقصهم إياه\" (١).\nو﴿وَقَالُوا﴾ [البقرة: ١١٦]، هي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر (٢) ﴿قَالُوا﴾ (٣)، بحذف (الواو)، يريد الذين قالوا المسيح ابن اللَّه وعزير ابن اللَّه والملائكة بنات اللَّه.\nقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]، \"أي تقدس وتنزّه عما زعموا تنزهًا بليغًا\" (٤).\nقال الثعلبي: \" نزّه وعظم نفسه\" (٥).\nقال ابن كثير: أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا\" (٦).\nقال الزمخشري: \" تنزيه له عن ذلك وتبعيد\" (٧).\nقال أبو السعود: \" تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا\" (٨).\nقال السعدي: \"أي: \"تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق، من جميع الوجوه، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه\" (٩).\nقال ابن عثيمين: أي تنزيهًا له أن يكون له ولد؛ لأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته؛ وهو ﷾ مالك لجميع المخلوقات\" (١٠).\nقال المراغي: \" تنزيها له تعالى أن يكون له ولد، إذ هذا الولد إما من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلى وهو الأرض، وليس شاء منهما بمجانس له عز اسمه إلى أن السبب المقتضى للولد هو الاحتياج إلى المعونة في الحياة والقيام مقامه بعد الموت والله منزه عن ذلك\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦]، \"أي ليس الأمر كما زعموا، بل جميع ما في السموات والأرض ملك له\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة\" (١٣).\nقال النسفي: \" أي: هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزيز والولادة تنافي الملك\" (١٤).\nقال السعدي: \" أي: جميعهم ملكه وعبيده، يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك\" (١٥).\nقال الرازي: \" أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(٢) هو: أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي، تابعي، أحد القراء السبعة، قاضي دمشق ومقرؤها، توفي عام: ١١٨ هـ، انظر: معرفة القراء للذهبي: ١/ ٦٧، سير أعلام النبلاء له: ٥/ ٢٩٣، غاية النهاية لابن الجزري: ١/ ٤٢٣.\n(٣) انظر: السبعة لابن مجاهد: ١٦٩، النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ٢٢٠، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي: ١/ ٢٦٠، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٦٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٥١، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١٠٦.\n(٤) محاسن التأويل: ١/ ٣٨٠، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٦) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٧٤) من طريق شعيب عن أبي الزناد به، وفيه: \"ولم يكن لي كفوا أحد\".\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ١٨٠، وتفسير النسفي: ١/ ٨٣.\n(٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٠.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ١٩٩.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٠.\n(١٣) محاسن التأويل: ١/ ٣٨٠، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٨٣.\n(١٥) تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(١٦) مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٣.","vol":"3","page":158},{"text":"قال أبو السعود: \" ي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزيز والمسيح والملائكة\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومُقَدِّرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد! ... فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد! \" (٢).\nوقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"قال الله تعالى: كَذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيَّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد. فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا\" (٣).\nوعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد\" (٤).\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم\" (٥) (٦).\nقال الرازي: \"اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ... ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه (٧):\nالأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولدا.\nوالثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديما أزليا أو محدثا، فإن كان أزليا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولدا والآخر والدا أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكما مجردا من غير دليل وإن كان الولد حادثا كان مخلوقا لذلك القديم وعبدا له فلا يكون ولدا له.\nوالثالث: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولدا لكان مشاركا له من بعض الوجوه، وممتازا عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركبا ومحدثا وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة.\nالرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه ﷾ محالا.\nقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، \" أي: كل له خاشع ذليل\" (٨).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥١.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٩٦.\n(٣) صحيح البخاري برقم (٤٤٨٢).\n(٤) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٧٤) من طريق شعيب عن أبي الزناد به، وفيه: \"ولم يكن لي كفوا أحد\".\n(٥) (\") صحيح البخاري برقم (٦٠٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٩٦.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦.","vol":"3","page":159},{"text":"قال الصابوني: \"أي الكل منقادون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته\" (١).\nقال الزجاج: أي\" كل ما خلق اللَّه في ﴿السَّمَاوَات والأرض﴾، فيه أثَرُ الصنْعَة، فهو قانت للَّهِ، والدليل على أنه مخلوق\" (٢).\nقال المراغي: أي: الجميع \"قانت لعزته، خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي: مطيعون عابدون له معترفون بربوبيته\" (٤).\nقال القاسمي: أي: \" منقادون، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" وهذا من الاستدلال بالعقل على كذب دعوى هؤلاء أن له ﷾ ولدًا (٦).\nوقال الفراء: \" يريد مطيعون، وهذه خاصة لأهل الطاعة ليست بعامة\" (٧).\nواعترض عليه الزجاج، فقال: \" والكلام يدل على خلاف ما قال، لأن قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ كل إحاطة\" (٨).\nو(القنوت) في كلام العرب على ثلاثة أوجه من المعاني (٩):\nأحدهما: أنه من: القيام. وقد سئل رسول الله ﷺ أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» (١٠). يريد: طول القيام (١١).\nوالثاني: أنه من: الطاعة. ودليله قول عكرمة في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، \"القانت: المطيع\" (١٢).\nوالثالث: أنه: الكف عن الكلام والإمساك عنه (١٣).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، على أربعة أقوال (١٤):\nأحدها: أي مطيعون، وهذا قول ابن عباس (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، ومجاهد (١٨).\nقال الثعلبي: \" دليله: قوله تعالى ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] \" (١٩).\nوالثاني: أي مقرون له بالعبودية، وهو قول عكرمة (٢٠).\nوالثالث: أي قائمون، يعني يوم القيامة، وهذا قول الربيع (٢١).\nوالرابع: أي: قائمون بالشهادة. حكاه الثعلبي عن ابن كيسان (٢٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ١٩٨.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٠.\n(٤) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥١.\n(٥) محاسن التأويل: ١/ ٣٨٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٧٤.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٩٨.\n(٩) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(١٠) صحيح مسلم (٧٥٦): ص ١/ ٥٢٠، ومسند الإمام أحمد (١٨٢١): ص ٣/ ٣٠٢، والترمذي (٣٨٧): ص ٢/ ٢٢٩، والنسائي (٢٥٢٦): ص ٥/ ٥٨، وابن ماجة (١٤٢١): ص ١/ ٤٥٦.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١٩٨، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(١٢) أخرجه أبو عبيد في: \"غريب الحديث\" ١/ ٤٣٨، ورواه الطبري (١٨٥٦): ص ٢/ ٥٣٨. بنحوه.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٩.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٧٨، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٥٥): ص ٢/ ٥٣٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٥٠): ص ٢/ ٥٣٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٨٥٣): ص ٢/ ٥٣٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٥١)، و(١٨٥٢): ص ٢/ ٥٣٨.\n(١٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٨٥٦): ص ٢/ ٥٣٨.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٨٥٧): ص ٢/ ٥٣٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.","vol":"3","page":160},{"text":"والخامس: أي: مصلّون، قاله ابن عباس (١)، ودليله قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال رسول الله ﷺ: «مثل المجاهد في سبيل الله مثل القانت الصائم» (٢)، أيّ المصلّي (٣).\nوالسادس: وقيل: داعون. ودليله قوله تعالى: ﴿قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (٤).\nوالسابع: مخلصون. قاله سعيد (٥).\nوالراجح هو القول الأول، وهو القول عن مجاهد - وهو اختيار الإمام الطبري (٦) - يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعي وقَدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقد وَرَد حديث فيه بيان معنى القنوت في القرآن، فروي عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: \"كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\" (٧). والله أعلم.\nوقد ذكر الشيخ السعدي: بأن القنوت نوعان (٨):\nأحدهما: قنوت عام: وهو قنوت الخلق كلهم، تحت تدبير الخالق، كما في هذه الآية.\nوالثاني: قنوت خاص: وهو قنوت العبادة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nوقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية، على قولين (٩):\nالقول الأول: أن حكمه خاص، ثمّ سلكوا في تخصيصه طريقين:\nالأول: أنه راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، وهو قول مقاتل (١٠)، ويمان (١١).\nفأراد: \"أنهم كلهم عباد الله طائعون، نظيره: قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] \" (١٢).\nوالثاني: أنه راجع إلى أهل طاعته دون النّاس أجمعين. وهذا قول ابن عبّاس (١٣) والفراء (١٤).\nوقد رد الطبري في تفسيره القول بالخصوص، بأنه لا يجوز ادعاء خصوص في آية ظاهرها العموم، إلا بحجة (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٣١): ص ١/ ٢١٤.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٤٣٨، ومجمع الزوائد: ٥/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٣٤): ص ١/ ٢١٤.\n(٦) قال الإمام الطبري: \"إن معنى القنوت في الآية هو: \"الطاعة والإقرار لله ﷿ بالعبودية، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله ﷿، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها. وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدا بقوله: (بل له ما في السموات والأرض)، ملكا وخلقا، ثم أخبر عن جميع ما في السموات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها. وإن جحد ذلك بعضهم، فألسنتهم مذعنة له بالطاعة، بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنى يكون لله ولدا وهذه صفته؟ وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وِجْهتَه، أن قوله: (كل له قانتون)، خاصة لأهل الطاعة وليست بعامة. وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها، إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينا في كتابنا: \" كتاب البيان عن أصول الأحكام \"، وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح - الذي زعمت النصارى أنه ابن الله - مكذبهم هو والسموات والأرض وما فيها، إما باللسان، وإما بالدلالة. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم، بطاعتهم إياه، وإقرارهم له بالعبودية، عقيب قوله: (وقالوا اتخذ الله ولدا)، فدل ذلك على صحة ما قلنا\". [تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠].\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩٢): ص ٢/ ٦٤٨، والمسند (٣/ ٧٥).\n(٨) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٤.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل: ١/ ١٣٣، وذكره الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٥.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٤، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٦٤، ورواه الطبري (١٨٥٥): ص ٢/ ٥٣٨، بنحوه.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٧٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٩.","vol":"3","page":161},{"text":"القول الثاني: أنه عام في جميع الخلق، ثمّ سلكوا في الكفّار الجاحدين طريقتين:\nأحدهما: إنّ ظلالهم تسجد لله وتطيعه، وهذا قول مجاهد (١)، دليله قوله ﷿: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ﴾ [النحل: ٤٨]، الآية. وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] (٢).\nوالثاني: لأن هذا يوم القيامة، قاله السدي (٣)، وتصديقه قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (٤).\nوقيل: \" طاعة الجميع لله تكونهم في الخلق عند التكوين إذا قال: كن كان كما أراد (٥)، فنسب القنوت إليه كما نسبت الخشية إلى الحجارة، والمحبة إلى الجبال، والشكوى إلى الإبل، والسجود إلى الأشجار\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآيتين: بيان عتوّ الإنسان وطغيانه، حيث سبَّ الله ﷾ هذه السبَّة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولدًا! ! ! في الحديث الصحيح القدسي: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك؛ وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: إنه لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفْئًا أحدٌ» (٧)؛ فهذا من أعظم العدوان؛ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمشركين؛ وقد أبطل الله هذه الدعوى الكاذبة من ستة أوجه:\nالوجه الأول: في قوله تعالى: ﴿سبحانه﴾؛ فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهًا عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقصد به الإعانة، ودفع الحاجة، أو بقاء العنصر؛ والله ﷾ منزه عن ذلك؛ ومنزه أيضًا عن المماثلة؛ ولو كان له ولد لكان مثيلًا له.\nالوجه الثاني: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾؛ وعموم ملكه يستلزم استغناءه عن الولد.\nالوجه الثالث: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾، والمملوك لا يكون ولدًا للمالك؛ حتى إنه شرعًا إذا ملك الإنسان ولده يعتق عليه؛ فالمملوك لا يمكن أن يكون ولدًا للمالك؛ فالله خالق؛ وما سواه مخلوق؛ فكيف يكون المخلوق ولدًا للخالق!\nالوجه الرابع: في قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾؛ ووجهه أن العباد كلهم خاضعون ذليلون؛ وهذا يقتضي أنهم مربوبون لله عابدون له؛ والعبد لا يكون ولدًا لربه.\nالوجه الخامس: في قوله تعالى: ﴿بديع السموات والأرض﴾؛ ووجهه أنه ﷾ مبدع السموات والأرض؛ فالقادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق إنسانًا بلا أب، كما قال تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧].\nالوجه السادس: في قوله تعالى: ﴿إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ ومن كان هذه قدرته فلا يستحيل عليه أن يوجد ولدًا بدون أب.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٨٥١)، وانظر: (١٨٥٢): ص ٢/ ٥٣٨.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٣) أخرجه الطبري (١٨٥٣): ص ٢/ ٥٣٨.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(٥) يروى عن مجاهد، انظر تفسيره: ١/ ٨٦، وتفسير ابن أبي حاتم (١١٣٠): ص ١/ ٢١٣.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٦. نسبت الخشية إلى الحجارة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ونسبت المحبة إلى الجبال في قوله - ﷺ -: \"أحد جبل يحبنا ونحبه\" متفق عليه.\nونسبت الشكوى إلى الإبل في الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد عن عبد الله بن جعفر أن النبي - ﷺ - لما راى جملًا لرجل من الأنصار، حنّ الجمل وذرفت عيناه، فمسح النبي - ﷺ - ذِفراه، فسكت فقال: \"من رب هذا الجمل\"، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: \"أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه\".\nونسب السجود إلى الأشجار في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، وغيرها من الآيات. [انظر: حاشية التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٦].\n(٧) أخرجه البخاري ص ٤٣١، كتاب التفسير، باب ١: حديث رقم ٤٩٧٤.","vol":"3","page":162},{"text":"فبطلت شبهتهم التي يحتجون بها على أن لله ولدًا.\n٢ - ومن فوائد الآيتين: امتناع أن يكون لله ولد؛ لهذه الوجوه الستة.\n٣ - ومنها: عموم ملك الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾.\n٤ - ومنها: أن الله لا شريك له في ملكه؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿له ما في السموات والأرض﴾؛ وتقديم الخبر يفيد الاختصاص.\n٥ - ومنها: أن كل من في السموات، والأرض قانت لله؛ والمراد القنوت العام - وهو الخضوع للأمر الكوني -؛ والقنوت يطلق على معنيين؛ معنى عام وخاص؛ «المعنى الخاص» هو قنوت العبادة، والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا﴾ [الزمر: ٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿وصدَّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ و«المعنى العام» هو قنوت الذل العام؛ وهذا شامل لكل من في السموات، والأرض، كما في هذه الآية: ﴿كل له قانتون﴾؛ حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله ﷾؛ لا يخرجون عن حكمه الكوني.\nالقرآن\n﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧]\nالتفسير:\nوالله تعالى هو خالق السموات والأرض على غير مثال سبق. وإذا قدَّر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: \"كن\" فيكون.\nقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، \" أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق\" (١).\nقال أبو العالية: \" ابتدع خلقها، ولم يشركه في خلقها أحد\" (٢). وروي عن الربيع نحو ذلك (٣).\nوقال السدي: \" ابتدعها فخلقها، ولم يخلق قبلها شيئا فيمتثل عليه\" (٤). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٥) ..\nقال ابن كثير: \" أي: خالقهما على غير مثال سبق\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق\" (٧).\nقال الزجاج: \" يعني، أنشاهما على غير حِذَاءٍ ولا مِثَال، وكل من أنْشَأ ما لَم يُسْبَق إليه قيل له أبدعت، ولهذا قيل لكل من خالف السُّنَّةَ والإجماعَ مبتدع، لأنه يأتي في دين الإِسلام بما لم يسبقه إِليه الصحابة والتابعون\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وخص السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا\" (٩).\nقال الطبري: \"ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد، ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة، في مدح هوذة بن علي الحَنفِي (١٠):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠،\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٥): ص ١/ ٢١٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتكم: ١/ ٢١٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٦): ص ١/ ٢١٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتكم: ١/ ٢١٤.\n(٦) انظر: ابن كثير: ١/ ٣٩٨.\n(٧) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ١٩٩.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠١.\n(١٠) ديوانه: ٨٦، وسيأتي في هذا الجزء ٢: ٥٤٠ وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في ١: ١٠٦، ٢: ٩٤، وهي في هوذة بن علي كما سلف. يقول قبله: يا هوذ، يا خير من يمشي على قدم ... بحر المواهب للوراد والشرعاوابتدع: أحدث ما شاء.","vol":"3","page":163},{"text":"يُرعى إلى قَوْل سادات الرّجال إذا ... أبدَوْا له الحزْمَ أو ما شاءه ابتدَعا\nأي: يحدث ما شاء.\nومنه قول رؤبة بن العجاج (١):\nفأيها الغاشي القِذَافَ الأتْيَعَا ... إن كنت لله التقي الأطوعا\nفليس وجه الحق أن تَبَدَّعا\nيعني: أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه (٢).\nوقيل (البديع) بمعنى (المبدع) (٣)، واستدل بقول عمرو معد يكرب (٤):\nأَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع ... يُؤْرِقُني وأَصْحابي هَجوع\nأي: المسمع (٥)، قال الزمخشري: \"وفيه نظر\" (٦).\nوقرئ ﴿بديع السماوات﴾، مجرورًا على أنه بدل من الضمير في ﴿له﴾، وقرأ المنصور بالنصب على المدح (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]، \" أي إذا أراد أن يقضي أمرًا\" (٨).\nقال الطيبري: أي\" وإذا أحكم أمرا وحتمه\" (٩).\nقال البيضاوي: \" أي أراد شيئا\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي وإذا أراد إحداث أمر وإيجاده\" (١١).\nقال ابن عطية: \" و﴿قَضى﴾، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد\" (١٢).\nوأصل (القضاء): إتمام الشيء وإحكامه (١٣)، والفراغ منه، ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به، ومنه قيل: تقضي النهار، إذا انصرم، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: فصل الحكم فيه بين عباده، بأمره إياهم بذلك، وكذلك قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [سورة الإسراء: ٤]، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب (١٤):\n_________\n(١) ديوانه: ٨٧، واللسان (بدع) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بني تميم. ورواية الديوان \" القذاف الأتبعا \"، وليس لها معنى يدرك، ورواية الطبري لها مخرج في العربية. \" الغاشي \" من قولهم: غشي الشيء: أي قصده وباشره أو نزل به. والقذاف: سرعة السير والإبعاد فيه، أو كأنه أراد الناحية البعيدة، وإن لم أجده في كتب العربية. والأتيع: لم أجده في شيء، ولعله أخذه من قولهم: تتايع القوم في الأرض: إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة. يقول: يا أيها الذاهب في المسالك البعيدة عن سنن الطريق - يعني به: من ابتدع من الأمور ما لا عهد للناس به، فسلك في ابتداعه المسالك الغريبة. (تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٠).\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٠.\n(٣) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٣، والكشاف: ١/ ١٨١، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٠٢.\n(٤) البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٣٥، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٠ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٥، \"الأصمعيات\" ص ١٧٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٩. وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها.\n(٥) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ١٥٢ - ١٥٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٨١.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ١٨٢.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٢.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٢، وانظر: تفسير أبي السعود: ١/ ١٥١.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٠.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٤.\n(١٤) ديوانه: ١٩، والمفضليات: ٨٨١ وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٢، من قصيدته التي فاقت كل شعر، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون.","vol":"3","page":164},{"text":"وعليهما مسرودتان، قضاهما ... داود أو صَنَعَ السوابغِ تُبَّعُ\nويعني بقوله: قضاهما، أحكمهما.\nومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب ﵁ (١):\nقضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بَوائِق في أكمامها لم تَفَتَّقِ\nويروى: بوائج (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: \" فإنما يأمره أن يكون موجودا فيكون\" (٣).\nقال ابن عباس: \" فهو خلق الإنسان\" (٤).\nقال الراغب: \" تنبيه أنه لا يمتنع عليه شي يريد إيجاده\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا يقول له إلا «كن» مرة واحدة بدون تكرار؛ فيحدث كما أمره الله ﷾ على ما أراد الله ﷿\" (٦).\nقال الطبري: أي\" فإنما يقول لذلك الأمر ﴿كن﴾، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده (٧).\nقال السعدي: \" فلا يستعصى عليه، ولا يمتنع منه\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء\" (٩).\nقال المراغي: \" والإيجاد والتكوين من أسرار الألوهية عبر عنهما بما يقربهما من الفهم وهو أن يقول للشاء كن فيكون\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي أحدث فيحدث .. تصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في الباب من طاعة المأمور المطيع للآمر المطاع\" (١١).\nقال البيضاوي: \" وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال، بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف. وفيه تقرير لمعنى الإِبداع، وإيماء إلى حجة خامسة وهي: أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة، وفعله تعالى مستغن عن ذلك\" (١٢).\n_________\n(١) هو جزء بن ضرار، أخو الشماخ بن ضرار. وقد اختلف في نسبتها. نسبت للشماخ، ولغيره، حتى نسبوها إلى الجن (انظر طبقات فحول الشعراء: ١١١، وحماسة أبي تمام ٣: ٦٥، وابن سعد ٣: ٢٤١، والأغاني ٩: ١٥٩، ونهج البلاغة ٣: ١٤٧، والبيان والتبيين ٣: ٣٦٤، وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٣، وغيرها كثير). هذا والصواب أن يقول: \" في رثاء عمر بن الخطاب \".\nوالبوائق جمع بائقة: وهي الداهية المنكرة التي فتحت ثغرة لا تسد. والأكمام جمع كم - (بضم الكاف وكسرها). وهو غلاف الثمرة قبل أن ينشق عنه. وقوله: \" لم تفتق \"، أصلها: تتفتق، حذف إحدى التاءين. وتفتق الكم عن زهرته: انشق وانفطر. ورحم الله عمر من إمام جمع أمور الناس حياته، حتى إذا قضى انتشرت أمورهم.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣. وبوائج جمع بائجة: وهي الداهية التي تنفتق انفتاقا منكرا فتعم الناس، وتتابع عليهم شرورها من قولهم: باج البرق وانباج وتبوج: إذا لمع وتكشف وعم السحاب، وانتشر ضوؤه.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٩): ص ١/ ٢١٥.\n(٥) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٣٠٣. [بتصرف بسيط].\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٤.\n(٨) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ١٨١.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٠.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥١.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٣.","vol":"3","page":165},{"text":"فإن قيل: \" في أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حالة عدمه أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه، استحال أن يأمر إلا مأمورًا، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث؟ \" (١).\nقيل: عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة (٢):\nأحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر في بني إسرائيل، أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا واردًا في إيجاد المعدومات.\nالثاني: أن الله ﷿ عالم، بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه، قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة، فجاز أن يقول لها كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم.\nوالثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى، عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه، ويكوّنه، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولًا، كقول أبي النجم (٣):\nوقالت للبَطْنِ الْحَقِ الحق ... قِدْمًا فآضت كالفَنِيقِ المحنِق\nولا قول هنالك، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن. وكما قال عمرو بن حممة الدوسي (٤):\nفأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطيارا يقال له: قعِ\nولا قول هناك، وإنما معناه: إذا رام طيرانا وقع، وكما قال الآخر (٥):\nامتلأ الحوض وقال: قطني ... سلا رويدا، قد ملأت بطني\nوالراجح، أنه \"عام في كل ما قضاه الله وبرأه لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان\" (٦). والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] قراءتان (٧):\nإحداهما: النصب، جوابًا للأمر: ﴿كن﴾، أي فبسبب ذلك يكون؛ وتكون الفاء للسببية.\nوضعفه أبو علي، فقال: \" أجمع الناس على رفع يكون، ورفضوا فيه النصب، إلا ما روي عن ابن عامر وهو من الضعف بحيث رأيت، فالوجه في يكون الرفع\" (٨).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ١٧٩، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٦، والنكت والعيون: ١/ ١٧٩.\n(٣) لم أجد الرجز كاملا، والبيتان في اللسان (حنق). يصف ناقة أنضاها السير. والأنساع جمع نسع (بكسر فسكون)، وهو سير يضفر عريضا تشد به الرحال. ولحق البطن يلحق لحوقا: ضمر. أي قالت سيور التصدير لبطن الناقة: كن ضامرا. يعني بذلك ما أضناها من السير. وقدما: أي منذ القدم قال بشامة بن الغدير:\nلا تظلمونا، ولا تنسوا قرابتنا ... إطوا إلينا، فقدما تعطف الرحم\nويعني أبو النجم: أن الضمور قد طال بها، فإن الأنساع قالت ذلك منذ زمن بعيد. وآض: صار ورجع. والفنيق الجمل الفحل المودع للفحلة، لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم، فهو ضخم شديد التركيب. والمحنق: الضامر القليل اللحم. والإحناق: لزوق البطن بالصلب.\n(٤) يقال له أيضًا: كعب بن حممة، وهو أحد المعمرين، زعموا عاش أربعمائة سنة غير عشر سنين. وهو أحد حكام العرب، ويقال إنه هو \" ذو الحلم \" الذي قرعت له العصا، فضرب به المثل. انظر: كتاب المعمرين: ٢٢، وحماسة البحتري: ٢٠٥ ومعجم الشعراء: ٢٠٩، وهي أبيات.\n(٥) (\" أمالي ابن الشجري ١: ٣١٣، ٢: ١٤٠، واللسان (قطط). وفي المطبوعة: \" سيلا \"، والصواب في اللسا وأمالي ابن الشجري، والرواية المشهورة \" مهلا رويدا \". وقطني: حسبي وكفاني وللنحاة كلام كثير في \" قطني \". وقوله \" سلا \": كأنه من قولهم: انسل السيل: وذلك أول ما يبتدئ حين يسيل، قبل أن يشتد. كأنه يقول: صبا رويدا.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ٥٤٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٩.\n(٨) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.","vol":"3","page":166},{"text":"قال ابن عطية: \"ووجهه مع ضعفه على أن يشفع له شبه اللفظ، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر: «هذا لحن»، لأن الفاء لا تعمل في جواب الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيهما معنى الشرط\" (١).\nوالثاني: الرفع، فتكون للاستئناف؛ أي: فهو يكون.\nومن رفع ذلك، \" فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله: ﴿إذا أردناه أن نقول له كن﴾، إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا، ثم ابتدأ بقوله: فيكون، كما قال جل ثناؤه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] وكما قال ابن أحمر (٢):\nيعالج عاقرا أعيت عليه ... ليُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوارا\nيريد: فإذا هو يَنتجها حُوارا (٣).\nواختاره الطبري وقرره، لأن (القول) و(الكون) حالهما واحد، \"لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود\" (٤).\nواعترض عليه ابن عطية فقال: \" وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: عظم قدرة الله ﷿ ببدع السموات، والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة.\n٢ - ومنها: حكمة الله ﷾ بأن هذه السموات، والأرض على نظام بديع عجيب؛ قال تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣]؛ هذا النظام الواسع الكبير العظيم لا يختل، ولا يتغير على مر السنين، والأعوام؛ فتدل على قدرة باهرة بالغة، وحكمة عظيمة بالغة: كل شيء منظم تنظيمًا بديعًا متناسبًا، فلا يصطدم شيء بشيء فيفسده؛ ولا يغير شيء شيئًا؛ بل كل سائر حسب ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]؛ إذًا ﴿بديع السموات والأرض﴾ يستفاد منها القوة، والقدرة، والحكمة.\n٣ - ومن فوائد الآيتين: أن السموات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد؛ وقد بيَّن الله في القرآن، وثبتت السنة، وأجمع المسلمون على أن السماء جرم محسوس؛ وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا فضاء لا نهاية له؛ وأما الأرض فلم تأت في القرآن إلا مفردة؛ لكن أشار الله ﷾ إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وصرحت السنة بذلك في قوله -ﷺ-: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (٦).\n٤ - ومن فوائد الآيتين: أن الله ﷾ لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عن أمره شيء؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾.\n٥ - ومنها: إثبات القول لله؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له﴾.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٢.\n(٢) المعاني الكبير: ٨٤٦، ١١٣٤، وسيبويه ١: ٣٤١، من أبيات يذكر صديقا كان له، يقول:\nأرانا لا يزال لنا حميم ... كداء البطن سِلا أو صُفارا\nيعالج عاقرا أعيت عليه ... ليلقحها، فينتجها حوارا\nويزعم أنه ناز علينا ... بشرته فتاركنا تبارا\nجعل هذا الصديق كداء البطن لا يدري من أين يهج ولا كيف يتأتى له. وهو يعالج من الشر ما لا يقدر عليه، فكأنه يطلب الولد من عاقر. جعل ذلك مثلا. والحوار: ولد البقرة. والشرة: حدة الشر، والتبار: الهلاك.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٢.\n(٦) اخرجه البخاري ص ٢٥٩، كتاب بدء الخلق، باب ٢: ما جاء في سبع أرضين، حديث رقم ٣١٩٨، وأخرجه مسلم ص ٩٥٨، كتاب المساقاة، باب ٣٠: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث رقم ٤١٣٢ [١٣٧] ١٦١٠، واللفظ لمسلم.","vol":"3","page":167},{"text":"٦ - ومنها: أن قول الله بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ و﴿له﴾ صريحة في توجيه القول للمقول له؛ ولولا أنه يسمعه لما صار في توجيهه له فائدة؛ ولهذا يسمعه الموجه إليه الأمر، فيمتثل، ويكون.\n٧ - ومنها: أن قول الله بحروف؛ لقوله تعالى: ﴿كن﴾؛ وهي كلمة بحرفين.\nفإن قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: ليس كمثله شيء؛ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟ قلنا: نعم؛ الحروف هي الحروف؛ لكن كيفية الكلام، وحقيقة النطق بها - أو القول - لا يماثل نطق المخلوق، وقوله؛ ومن هنا نعرف أننا لا نكون ممثِّلة إذا قلنا: إنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين؛ بل هو حسب ما يليق بعظمته، وجلاله.\n٨ - ومن فوائد الآية: أن الجماد خاضع لله ﷾؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان، والمتعلقة بالجماد؛ فالجماد إذا قال الله تعالى له: ﴿كن﴾ كان.\n٩ - ومنها: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين، وتكونه تراخٍ؛ بل يكون على الفورية؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فيكون﴾: بالفاء؛ والفاء تدل على الترتيب، والتعقيب.\nالقرآن\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨]\nالتفسير:\nوقال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم لنبي الله ورسوله محمد ﷺ على سبيل العناد: هلا يكلمنا الله مباشرة ليخبرنا أنك رسوله، أو تأتينا معجزة من الله تدل على صدقك. ومثل هذا القول قالته الأمم من قبلُ لرسلها عنادًا ومكابرة؛ بسبب تشابه قلوب السابقين واللاحقين في الكفر والضَّلال، قد أوضحنا الآيات للذين يصدِّقون تصديقًا جازمًا؛ لكونهم مؤمنين بالله تعالى، متَّبعين ما شرعه لهم.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١):\nأحدها: أخرج الطبري وابن ابي حاتم، عن ابن عباس قال: \"قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ: إن كنت رسولا من عند الله كما تقول، فقل لله ﷿ فليكلمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله ﷿ في ذلك من قوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾، الآية كلها\" (٢).\nورجحه ابن حجر فقال: \" والراجح من حيث السند قول ابن عباس ﵄\" (٣).\nوالثاني: واخرج الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: \"هم النصارى، والذين من قبلهم: اليهود\" (٤).\nوالثالث: وعن قتادة قال: \"هم كفار العرب\" (٥). وروي عن الربيع (٦)، والسدي (٧) مثل ذلك.\nوالراجح: أن النصارى هم المعنيون بالآية، لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، \"أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي ليسوا من ذوي العلم\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢، والعجاب: ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(٢) تفسير الطبري (١٨٦٢): ص ٢/ ٥٥١، وتفسير ابن أبي حاتم (١١٤٠): ص ١/ ٢١٥.\n(٣) العجاب: ١/ ٣٦٨.\n(٤) تفسير الطبري (١٨٦٠)، و(١٨٦١): ص ٢/ ٥٥٠ - ٥٥١، و(١٨٦٧)، و(١٨٦٨): ص ٢/ ٥٥٤.\n(٥) أخرجه الطبري (١٨٦٣): ص ٢/ ٥٥١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٤): ص ٢/ ٥٥١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٥): ص ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.\n(٨) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢.","vol":"3","page":168},{"text":"قال القرطبي: \"أي: قالت النصارى\" (١).\nقال الطبري: أي\" وقالت النصارى، الجهال بالله وبعظمته\" (٢).\nواختلف فيمن عني الله بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، على ثلاثة أقوال (٣):\nأحدهما: أنهم النصارى. قاله مجاهد (٤).\nوالثاني: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله. وهو قول ابن عباس (٥).\nوالثالث: أنهم مشركو العرب، وهو قول قتادة (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨).\nورجّح الطبري بأنهم النصارى، واستدل بأن\" ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨]، \" أي هلاّ يكلمنا الله بتصديق الرسل\" (١٠).\nروي عن قتادة في قوله: ﴿لولا يكلمنا الله﴾، قال: فهلا يكلمنا الله! \" (١١).\nقال الطبري: \" أي: هلا يكلمنا الله! كما قال جرير (١٢):\nتعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا\nبمعنى: فهلا تعدون الكمي المقنع! (١٣).\nقال القرطبي: أي: \"هلا يكلمنا الله بنبوة محمد ﷺ فنعلم أنه نبي فنؤمن به\" (١٤).\nقال أبو السعود: \" أي هلا يكلمنا بلا واسطة أمرا أو نهيا كما يكلم الملائكة أو هلا يكلمنا نتصيصا على نبوتك\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٠)، و(١٨٦١): ص ٢/ ٥٥٠ - ٥٥١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٢): ص ٢/ ٥٥١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٣): ص ٢/ ٥٥١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٤): ص ٢/ ٥٥١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٥): ص ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٢.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢.\n(١١) أخرجه الطبري (١٨٦٦): ص ٢/ ٥٥٣.\n(١٢) ديوان جرير: ٣٣٨، النقائض: ٨٣٣، ومجاز القرآن: ٥٢، وأمالي ابن الشجري ١: ٢٧٩، ٣٣٤/ ٢: ٢١٠، والخزانة ١: ٤٦١. ورواية الديوان والنقائض: \" أفضل سعيكم \". والبيت من قصيدة طويلة في مناقضة جرير والفرزدق. وقوله: \" عقر النيب \". عقر الناقة أو الفرس: ضرب قوائمها فقطعها، وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، ثم نحروه، وإنما يفعلون به ذلك كيلا يشرد عند النحر. وكان العرب يتكارمون بالمعاقرة. وهي أن يعقر هذا ناقة، فيعقر الآخر، يتباريان في الجود والسخاء، ويلحان في ذلك حتى يغلب أحدهما صاحبه. والنيب جمع ناب: وهي الناقة المسنة، أسموها بذلك لطول نابها. ويشير جرير بذلك إلى ما كان يفخر به الفرزدق من معاقرة أبيه غالب بن صعصعة، سحيم بن وثيل الرياحي بمكان يقال له \" صوأر \"، فعقر سحيم خمسا ثم بدا له، وعقر غالب مئة، أو مئتين. وهذا أمر من أمور الجاهلية قال ابن عباس: \" لا تأكلوا من تعاقر الأعراب، فإني لا آمن أن يكون مما أهل لغير الله به \"، وقال علي ﵁: \" يا أيها الناس، لا تحل لكم، فإنها أهل بها لغير الله \". (انظر خبر المعاقرة في النقائض: ٦٢٥ - ٦٢٦). وقوله: \" بني ضوطرى \"، يعني: يا بني الحمقى. هكذا قيل، وأخشى أن لا يكون كذلك، فإن: \" ضوطرى \" نبز لرجل من بني مجاشع بن دارم - لم يعينوه - فقال جرير للفرزدق: إن ابن شعرة، والقرين، وضوطرى ... بئس الفوارس ليلة الحدثان فهذا دليل على أنه شخص بعينه، أرجو أن أحققه في غير هذا المكان. وقد أراد ذمه بأسلافه على كل. والكمي: الشجاع الذي لا يرهب، فلا يحيد عن قرنه، كان عليه سلاح أو لم يكن. وقوله: \" تعدون \" أي تحسبون وتجعلون، فعدى الفعل \" عد \" إلى مفعولين، تضمينا لمعنى \" جعل وحسب \"، كما قال ذو الرمة:\nأشم أغر أزهر هبرزي ... يعد القاصدين له عيالا.\n(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٣.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٢.\n(١٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢.","vol":"3","page":169},{"text":"قال المراغي: \" أي هلا يكلمنا الله بأنك رسوله حقا كما يكلم الملائكة، أو يرسل إلينا ملكا فيخبرنا بذلك، كما كلمك على هذا الوجه مع أنك بشر مثلنا، وما مقصدهم من هذا إلا العناد والاستكبار وبيان أنه ليس بأحسن منهم حالا، فلم اختصّ بهذا الفضل من بيننا؟ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨]، أي: \"أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوتك\" (٢).\nقال الطبري: أي\" أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد؟ \" (٣).\nقال المراغي: \" أي أو تأتينا ببرهان على صدقك في دعواك النبوة، ومرادهم بذلك ما حكاه الله عنهم بنحو قوله: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]، الآية، وهذا منهم جحود لأن يكون ما أوتيه من القرآن وغيره من المعجزات آيات كافيات فى إثبات ما ادّعى من النبوة\" (٤).\nقال أبو السعود: \" حجة تدل على صدقك بلغوا من العتو والاستكبار إلى حيث أملوا نيل مرتبة المفاوضة الإلهية من غير توسط الرسول والملك ومن العناد والمكابرة إلى حيث لم يعدوا ما آتاهم من البينات الباهرة التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات قاتلهم الله أني يؤفكون\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" لأن الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر؛ وأعظمها القرآن الكريم الذي نزل على محمد ﷺ؛ وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا\" (٦).\nقال السعدي: \" فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر\" (٧).\nقال القرطبي: \"والآية: الدلالة والعلامة (٨).\n\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، \"أي مثلَ هذا القول، قال الذين من قبلهم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم، قال من قبلهم من اليهود، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة، ويؤتيهم آية، واحتكموا عليه وعلى رسله، وتمنوا الأماني\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي ومثل هذه الأسئلة التي يراد بها التعنت لإجلاء الحقيقة، قد قالها من قبلهم من الأمم الماضية، فقد قال اليهود لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، و﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، إلى نحو ذلك، وقالت النصارى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] فهذه أقوال صدرت عنهم للتشهى واتباع الهوى تعنّتا وعنادا لا للوصول إلى كشف غامص وجلاء حقيقة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] \" (١١).\nواختلف فيمن عني الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، على قولين (١٢):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٢٠١.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٢. [بتصرف بسيط].\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٦.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢.\n(٧) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٩١ - ٩٢.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٦.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥.","vol":"3","page":170},{"text":"أحدهما: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد (١).\nوالثاني: أنهم اليهود والنصارى، \"لأن الذين لا يعلمون هم العرب\" (٢)، وهو قول قتادة (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥).\nقال ابن عاشور: \"وفي هذا الكلام تسلية للنبيء -ﷺ-، بأن ما لقيه من قومه مثل ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُم﴾ [البقرة: ١١٨]، \"أي تماثلت قلوب هؤلاء وقلوب من قبلهم في العمى والقسوة والعناد\" (٧).\nقال الطبري: أي\" فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها\" (٨).\nقال ابن كثير: أي: \"أشبهت قُلُوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ* أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣] \" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي قلوب هؤلاء وأولئك في العمى والعناد وإلا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة\" (١٠).\nقال المراغي: \" والألسنة ترجمان القلوب، والقلب إذا استحكم فيه الكفر والعمى لا يجرى على لسان صاحبه إلا ما ينبئ بالتباعد عن الإيمان من معاذير لا تجدى، وتعلّات لا تفيد، فالحق واحد، ومخالفته هى الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه، وآثاره تتشابه حين تصدر عن الضالين حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] \" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَشَابَهتْ قُلُوْبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، وجهان (١٢):\nأحدهما: تشابهت قلوب اليهود لقلوب النصارى، وهذا قول مجاهد (١٣).\nوالثاني: تشابهت قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى، وهذا قول قتادة (١٤)، والربيع (١٥).\nواختلف في تفسير (التشابه) في قوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]، على وجهين (١٦):\nأحدهما: أن المكذبين للرسل من العرب واليهود والنصارى وغيرهم تتشابه أقوالهم وأفعالهم في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان، فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم: ﴿لن نصبر على\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٨٦٧)، و(١٨٦٨): ص ٢/ ٥٥٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٤٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٩): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٠): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٧١): ص ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥.\n(٦) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٨٩.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٠.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٢.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٣): ص ٢/ ٥٥٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٨٣): ٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٨٤): ٢/ ٥٥٦.\n(١٦) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٢. وتفسير الرازي: ٤/ ٢٨. وتفسير فتح القدير: ١/ ١٣٤.","vol":"3","page":171},{"text":"طعام واحد﴾ [البقرة: ٦١]، وقولهم: ﴿اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقوله: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [البقرة: ٦٧]، وقولهم: ﴿أرنا الله جهرة﴾، [النساء: ١٥٣]، فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللجاج وطلب الباطل.\nوالثاني: أن تشابه قلوبهم هو في اتفاقهم على الكفر، فجعله اشتباها. قاله الفراء (١).\nوالقولين صحيحين: إذ تشابهت قلوب الأولين، والآخرين في رد الحق، والعناد، والتعنت، والجحود؛ من أول ما بعثت الرسل إلى خاتمهم محمد ﷺ، بل وإلى يوم القيامة، فقلوب أهل الكفر، والعناد متشابهة؛ إنما يختلف الأسلوب؛ قد يقترح هؤلاء شيئًا؛ وهؤلاء شيئًا آخر؛ لكن الكلام على جنس الاقتراح، وعدم قبولهم للحق (٢).\nقال ابن عاشور: \"وقوله ﴿تَشَابَهَتْ﴾، صيغة من صيغ التشبيه، وهي أقوى فيه من حروفه وأقرب بالتشبيه البليغ، ومن محاسن ما جاء في ذلك قول الصاباء (٣):\nتشابه دمعي إذ جرى ومُدامتي ... فمِن مثل ما في الكأس عيني تسكُب\nوفي هذه الآية جعلت اليهود والنصارى مماثلين للمشركين في هذه المقالة لأن المشركين أعرق فيها إذ هم أشركوا مع الله غيره فليس ادعاؤهم ولدًا لله بأكثر من ادعائهم شركة الأصنام مع الله في الإلاهية فكان اليهود والنصارى ملحقين بهم لأن دعوى الابن لله طرأت عليهم ولم تكن من أصل ملتهم وبهذا الأسلوب تأتى الرجوع إلى بيان أحوال أهل الكتابين الخاصة بهم وذلك من رد العجز على الصدر \" (٤).\nوقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة: ﴿تشّابهت﴾، بشد الشين، قال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض (٥).\nقوله تعالى ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ﴾ [البقرة: ١١٨]، \"أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي نزلناها بينة، بأن جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البغوض وكبر الفيل لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بينة\" (٧).\nقال الطبري: أي\" قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود\" (٨).\nقال الحافظ ابن كثير: أي: \"قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى\" (٩).\nقال الرازي: \" المراد: أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي إننا لم نتركك بلا آية، بل بينا للناس الآيات على يديك بما لا يدع مجالا للريب\" (١١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٧٥.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨.\n(٣) البيت ورد في ييتيمة الدهر للثعالبي: ٢/ ١٨. أبو إسحاق الصاباء: هو إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حبون الحراني البغدادي الكاتب، من الصائبة، توفي سنة (٣٨٤) هـ. له من المصنفات: أخبار النحاة، أخبار الوزراء، أخبار أهله وولد ابنه، التاجي في أخبار الدولة الديلمية، ديوان الرسائل، ديوان شعره. (كشف الظنون (٥) / (٧).\n(٤) التحرير والتنوير: ١/ ٦٩٠.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٠.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٨.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٢.","vol":"3","page":172},{"text":"قال ابن عثيمين: و﴿الآيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها؛ فكل علامة تعين مدلولها تسمى آية؛ فآيات الله هي العلامات الدالة عليه\" (١).\nقال أبو السعود: \" وفي تعريف ﴿الآيات﴾، وجمعها وإيراد التبيين المفصح عن كمال التوضيح مكان الإتيان الذي طلبوه، ما لا يخفى من الجزالة، والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين، وإنما لم يتعرض لرد قولهم ﴿لولا يكلمنا الله﴾، إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة إلى الرد والجواب\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، أي \"لقومٍ يطلبون الحق واليقين\" (٣).\nقال الرازي: أي: \"لمن كان طالبا لليقين\" (٤).\nقال الحافظ ابن كثير: أي: \" لمن أيقن وصدق واتبع الرسل، وفهم ما جاؤوا به عن الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] \" (٥).\nقال المراغي: أي\" لدى طالبى الحق بالدليل والبرهان، ولديهم الاستعداد للعلم واليقين، ولن يكون هذا إلا لمن صفت نفوسهم، وسلموا من العناد والمكابرة اللّذين يمنعان من وصول نور الحق إلى القلوب، وقد كان كبار الصحابة يراجعون النبي ﷺ فيما لم يظهر لهم دليله، لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالبينة\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي: يطلبون اليقين ويوقنون بالحقائق لا يعتريهم شبهة ولا ريبة وهذا رد لطلبهم الآية\" (٧).\nقال الشوكاني: \" أي \"يعترفون بالحق وينصفون في القول ويذعنون لأوامر الله سبحانه لكونهم مصدقين له سبحانه مؤمنين بآياته متبعين لما شرعه لهم\" (٨).\nو(الإيقان): \"هو العلم الذي لا يخالجه شك\" (٩).\nقال السعدي: \" فكل موقن، فقد عرف من آيات الله الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب\" (١٠). قال ابن عطية: \" لما تقدم ذكر الذين أضلهم الله حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك بذكر الذين بين لهم ما ينفع وتقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين، فلذلك خصهم بالذكر، ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى، فكأن الكلام قد هدينا من هدينا، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن أهل الباطل يجادلون بالباطل؛ لأن طلبهم الآيات التي يعينونها ما هو إلا تعنت واستكبار؛ ففي الآيات التي جاءت بها الرسل ما يؤمن على مثلها البشر؛ ثم إنهم لو جاءت الآيات على ما\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٠.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٢.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢.\n(٨) انظر: فتح القدير: ١/ ١٣٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣.\n(١٠) تفسير السعدي: ٦٤.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٣.","vol":"3","page":173},{"text":"اقترحوا لم يؤمنوا إذا حقت عليهم كلمة ربهم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يوسف: ٩٦، ٩٧].\n٢ - ومنها: وصف من لم يَنقَدْ للحق بالجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾؛ فكل إنسان يكابر الحق، وينابذه فإنه أجهل الناس.\n٣ - ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿لولا يكلمنا الله فهم خير في هذا ممن يدعون أن كلام الله هو المعنى القائم في نفسه.\n٤ - ومنها: أنه ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾ هذا مدَّعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأت بآية لا يلام من لم يصدقه؛ مثلًا إذا جاء رجل يقول: «أنا رسول الله؛ آمنوا بي وإلا قتلتكم، واستحللت نساءكم، وأموالكم» فلا نطيعه؛ ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين؛ لكن الرسل تأتي بالآيات؛ ما من رسول إلا وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يؤمن على مثلها البشر؛ فالله تعالى لا يرسل الرسل، ويتركهم بدون تأييد.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن أقوال أهل الباطل تتشابه؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم وقوله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، كما قال تعالى: ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٣٢]؛ واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن، والسنة هؤلاء رجعيون؛ هؤلاء دراويش لا يعرفون شيئًا.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الأقوال تابعة لما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾؛ فلتشابه القلوب تشابهت الأقوال؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (١).\n٧ - ومنها: تشابه قلوب الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾.\n٨ - ومنها: تسلية الرسول ﷺ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩]؛ فالله تعالى يسلي رسوله (ﷺ) بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله.\n٩ - ومنها: إبطال دعوى قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾ في قوله تعالى: ﴿قد بينا الآيات﴾.\n١٠ - ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا الموقنون؛ لقوله تعالى: ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾؛ وأما غير الموقنين فلا تتبين لهم الآيات لما في قلوبهم من الريب والشك.\n١١ - ومنها: أن الموقن قد يتبين له من الآيات ما لم يتبين لغيره؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧].\n١٢ - ومنها: أن الآيات تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية، وآيات كونية:\nفالآيات الشرعية: ما جاءت به الرسل من الوحي.\nوالقسم الثاني آيات كونية: وهي مخلوقات الله الدالة عليه، وعلى ما تقتضيه أسماؤه، وصفاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.\n١٣ - ومنها: زيادة العلم باليقين؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ؛ فكلما ازداد يقينك تبين لك من آيات الله ما لم يتبين لغيرك، فيزداد علمك؛ فباليقين يزداد العلم؛ قال تعالى: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان أقوى يقينًا كان أكثر علمًا؛ وكلما ازداد علمه ازداد يقينه؛ فهما متلازمان.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٩: فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٥٢، وأخرجه مسلم ص ٩٥٥، كتاب المساقاة، باب ٢: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٤٠٩٤ [١٠٧] ١٥٩٩.","vol":"3","page":174},{"text":"القرآن\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩]\nالتفسير:\nإنا أرسلناك -أيها الرسول- بالدين الحق المؤيد بالحجج والمعجزات، فبلِّغه للناس مع تبشير المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة، وتخويف المعاندين بما ينتظرهم من عذاب الله، ولست -بعد البلاغ- مسئولا عن كفر مَن كفر بك؛ فإنهم يدخلون النار يوم القيامة، ولا يخرجون منها.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال محمد بن كعب: \"قال رسول الله ﷺ: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت: ﴿ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم﴾ \" (١).\nقال الواحدي: \" وهذا على قراءة من قرأ: ﴿ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم﴾ جزما\" (٢).\nوروي عن ابن عباس (٣)، ومحمد بن كعب القرظي (٤)، وداود بن أبي عاصم (٥)، مثل ذلك. وهي روايات ضعيفة الإسناد (٦).\nوقد استبعد الفخر الرازي صحة هذا السبب (٧).\nالثاني: قال الواحدي: \" قال مقاتل: إن النبي - ﷺ - قال: \"لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا\" فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، أي: إنا\"أرسلناك يا محمد بالشريعة النيّرة والدين القويم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \"إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان، وهو الحق\" (١٠).\nواختلفوا في تفسير (الحق) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، على أربعة أوجه:\nأحدها: أي\" إنا أرسلناك يا محمد بالصدق، من قولهم فلان محق في دعواه إذا كان صادقا، ودليله قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣]، أي صدق. قاله الثعلبي (١١).\nوالثاني: أن\"معناه: لن نرسلك عبثا بغير شيء، بل أرسلناك بالحق\" (١٢). قال الثعلبي: \"دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]، وهو ضد الباطل\" (١٣).\nوالثالث: بالقرآن، قاله ابن عباس (١٤)، ودليله قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥].\nوالرابع: بالإسلام. قاله ابن كيسان (١٥)، ودليله قوله ﷿: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. و(الباء) في قوله تعالى ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] للمصاحبة، أو الملابسة؛ يعني\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٨٧٥): ص ٢/ ٥٥٨. حديث مرسل لاتقوم به حجة. واسناده ضعيف.\n(٢) أسباب النزول: ٤٠.\n(٣) مما أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في \"تفسيره\" عن ابن عباس ﵄، ومعظم رواياته عنه ضعيفة (مقدمة العجاب لابن حجر) وهذه الرواية ضعفها الحافظ ابن حجر العجاب: ١/ ٣٦٩. ويشهد لها.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٦): ص ٢/ ٥٥٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٧): ص ٢/ ٥٥٩.\n(٦) انظر: التقريب، ابن حجر (١٤٨٣): ص ٢/ ٢٨٦، والعجاب: ١/ ٤٦٨ - ٣٧٢، والدر المنثور: ١/ ٢٧١، وأسباب النزول للواحدي: ٣٩ - ٤٠.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٩، والعجاب: ١/ ٣٦٩.\n(٨) أسباب النزول: ٤٠. ولم اجده في تفسير مقاتل.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٥.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٥.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٥.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٥.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٥.","vol":"3","page":175},{"text":"أرسلناك متلبسًا بالحق؛ أو أن المعنى: حاملًا الحق في هذه الرسالة؛ والآية تحتمل المعنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق؛ والثاني: أن ما أرسلت به حق؛ والمعنيان كلاهما صحيح؛ فتحمل الآية عليهما؛ فالرسول ﷺ رسالته حق؛ وعليه فالباء للملابسة؛ والرسول ﷺ ما أرسل به فهو حق؛ وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني أن رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق؛ والحق هو الثابت المستقر؛ وهو ضد الباطل؛ والحق بالنسبة للأخبار الصدق؛ وبالنسبة للأحكام العدل (١).\nوأصل (الحق): الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والحقُّ: العدل في قوله. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والحق: الدَّين في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، وجوه (٣):\nأحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالا بالحق.\nوثانيها: أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به.\nوثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر بالعقاب.\nقال الرازي: \"والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول ﷺ فكأنه تعالى قال: إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، أي: \" بشيرًا للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيرًا للكافرين من عذاب الجحيم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"مبشرا من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا، والظفر بالثواب في الآخرة، والنعيم المقيم فيها، ومنذرا من عصاك فخالفك، ورد عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا، والذل فيها، والعذاب المهين في الآخرة\" (٦).\nقال السعدي: \" ﴿بَشِيرًا﴾: أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، ﴿نَذِيرًا﴾ لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي\" (٧).\nقال الزمخشري: \" لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية لرسول اللَّه ﷺ وتسرية عنه، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر\" (٨).\nو(البشير): \"من البشارة؛ وهي الإخبار بما يسر؛ وقد تقع فيما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] \" (٩).\nو(النذير): \"من الإنذار؛ وهو الإعلام بالمكروه؛ أي بما يخاف منه\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر، وهو الجنة؛ ومنذر بما يخاف منه، وهو النار .. فجمع الله له بين كونه مبشرًا، ومنذرًا؛ لأن ما جاء به أمر، ونهي؛ والمناسب للأمر:\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١.\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٧، وتهذيب اللغة: ١/ ٨٧٧ - ٨٨٠، والمفردات: ١٣٢، واللسان (حق): ص ٢/ ٩٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٢٩.\n(٤) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٢٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨.\n(٧) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٨٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١.","vol":"3","page":176},{"text":"البشارة؛ وللنهي: الإنذار؛ فعليه تكون رسالة النبي ﷺ جامعة بين البشرى، وبين الإنذار؛ والأمر، والنهي؛ إذًا فالرسول مبشر للمتقين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا ماكثين فيه أبدًا؛ ومنذر للكافرين أن لهم نارًا كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، \" أي أنت لست مسئولًا عمن لم يؤمن منهم، بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم\" (٢).\nقال البيضاوي: \" ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت\" (٣).\nقال الزمخشري: \" ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم، كقوله: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] \" (٤).\nقال الطبري: أي\" فليس عليك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: لست مسئولا عنهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا يسألك الله عنهم؛ لأنك بلَّغت؛ والحساب على الله\" (٧).\nقال الواحدي: \" أي: لست بمسؤولٍ عنهم، وليس عليك من شأنهم عُهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] \" (٨).\nو(أصحاب) جمع صاحب؛ وهو الملازم؛ و(الجحيم) من أسماء النار (٩)، أي: النار العظيمة؛ وهي لها أسماء كثيرة منها: النار، والسعير، وجهنم، والجحيم؛ كل ذلك لاختلاف أوصافها؛ وإلا فهي واحدة، وأصل (الجحيم): ما اشتد لهبه (١٠).\nقال الإمام الطبري: \" فـ (الجحيم)، هي النار بعينها إذا شبت وقودها، ومنه قول أمية بن أبي الصلت (١١):\nإذا شبت جهنم ثم دارت ... وأَعْرَض عن قوابسها الجحيم\" (١٢)\nقال الثعلبي: \" الجحيم: وهو الجحم والجحمة: معظم النار\" (١٣).\nقال الواحدي: \" والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]، أراد: النار الشديدة التأجج. ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال (١٤):\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٠.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٣.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٨٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٩.\n(٦) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧ - ٢٨.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨١.\n(٩) انظر: لسان العرب لابن منظور: ١/ ٥٥٣، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٨٨٣، تاج العروس للزبيدي: ١٦/ ٩٤، جامع البيان للطبري: ٢/ ٥٦٢، وللنار أسماء عديدة منها: لظى والحطمة والسعير وجهنم وسقر والهاوية، انظر: التذكرة للقرطبي: ٢/ ٩١، الجنة والنار للأشقر: ٢٦.\n(١٠) وذلك لأن الجحيم من الجحمة وهي شدة تأجج النار، انظر: الزاهر لابن الأنباري: ١/ ١٢١، الوسيط للواحدي: ١/ ٢٠٠، المفردات للراغب: ٨٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٤٤، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٥٦، روح المعاني للألوسي: ١/ ٣٧١.\n(١١) ديوانه: ٥٣، وروايته: \" ثم فارت \"، وكأنها هي الصواب.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٢.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦.\n(١٤) البيت ذكره في تهذيب اللغة: ١/ ٥٤٥، عن الليث، ولم ينسبه، وكذا في اللسان: ١/ ٥٥٣، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٨٣.","vol":"3","page":177},{"text":"حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا\nوالجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار، ومنه قوله (١):\nنحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ... نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، قراءتان (٣):\nإحداهما: ﴿وَلا تُسْأَلُ﴾، برفع التاء واللام على الخبر، على أن (لا) نافية، وهي قرأة الجمهور.\nواختار أبو عبيد هذه القراءة، فقال: \"لأنه لو أراد النهي لكانت الفاء أحسن من الواو (٤).\nوعلى هذه القراءة، ففي التفسير وجوه (٥):\nأحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمصَيْطِرٍ﴾ الآية [الغاشية: ٢١، ٢٢] وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وقوله: ﴿عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤]، وأشباه ذلك من الآيات (٦).\nوالثاني: أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨].\nالثالث: لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، وفي الآية دلالة على أن أحدا لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريبا أو كان بعيدا.\nالقراءة الثانية: ﴿ولا تَسألْ﴾، بالجزم وفتح التاء على أن (لا) ناهية، وهي قراءة نافع.\nوفي هذه القراءة وجهان (٧):\nأحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء، لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة.\nوالثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب.\nقال الزمخشري: \" وتعضد القراءة الأولى، قراءة عبد اللَّه: ﴿ولن تسئل﴾، وقراءة أبىّ: ﴿وما تسئل﴾ \" (٨)، ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفى أن يكون مسؤولا عنهم (٩).\nوالراجح: من قرأ بالرفع، على الخبر ﴿وَلا تُسْأَلُ﴾، \"لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم على أنبيائه، ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿إنا أرسلناك﴾ يا محمد ﴿بالحق بشيرا﴾، من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه\n_________\n(١) ديوان الحماسة: ١/ ٤٦.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٣، وانظر: المفردات: ٩٥، واللسان: ١/ ٥٥٣.\n(٣) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٠٩، والسبعة في القراءات: ١٦٩.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٢، ونقله أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٢١٧ دون نسبة.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٢٨ - ٢٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠١.\n(٧) انظر: تفسير القطربي: ٢/ ٩٣، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٨١.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٨٢، والقراءتان في: الحجة لابن زنجلة: ١١٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦، ومختصر في شواذ القرآن لابن خالوية: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/ ٤٦٨.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٩٢ - ٩٣. وقال سعيد الأخفش: (ولا تَسألُ) بفتح التاء وضم اللام، ويكون في موضع الحال عطفا على \"بشيرا ونذيرا\". والمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم، لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا معنى غير سائل. ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار. [انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٢].","vol":"3","page":178},{"text":"، ﴿ونذيرا﴾ من كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الرد على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لولا يكلمنا الله ...﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق﴾.\n٢ - ومنها: ثبوت رسالة النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك﴾.\n٣ - ومنها: أن النبي ﷺ رسول صادق؛ وليس برب؛ لأن الرسول لا يمكن أن يكون له مقام المرسِل.\n٤ - ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر، ونهي، وتبشير، وإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿بشيرًا ونذيرًا﴾؛ والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات؛ أو بالعكس؛ فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين الابتلاء في كفّ الإنسان نفسه عن المحارم، ولو كانت كلها نواهي ما تبين ابتلاء الإنسان بحمل نفسه على الأوامر؛ فكان الابتلاء بالأمر، والنهي غاية الحكمة؛ فالشيخ الكبير يهون عليه ترك الزنى؛ ولذلك كانت عقوبته على الزنى أشد من عقوبة الشاب؛ المهم أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف؛ فمثلًا الصلاة تكليف بدني؛ والزكاة بذل للمحبوب؛ والصيام ترك محبوب؛ والحج تكليف بدني، ومالي.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن وظيفة الرسل الإبلاغ؛ وليسوا مكلفين بعمل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم﴾.\n٦ - وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية؛ وهي شدة عذاب أصحاب الجحيم - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم﴾.\nالقرآن\n﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]\nالتفسير:\nولن ترضى عنك -أيها الرسول- اليهود ولا النصارى إلا إذا تركت دينك واتبعتَ دينهم. قل لهم: إن دين الإسلام هو الدين الصحيح. ولئن اتبعت أهواء هؤلاء بعد الذي جاءك من الوحي ما لك عند الله مِن وليٍّ ينفعك، ولا نصير ينصرك. هذا موجه إلى الأمّة عامة وإن كان خطابًا للنبي ﷺ.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال الواحدي: \"قال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي - ﷺ - الهدنة ويطمعون أنهم إذا هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٢).\nالثاني: وقال ابن عباس: \"هذا في القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي - ﷺ - إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فيئسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٣).\nوالثالث: وقال مقاتل: \" كان اليهود من أهل المدينة والنصارى من أهل نجران دعوا النبي ﷺ إلى دينهم وزعموا أنهم على الهدى فنزلت\" (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(٢) أسباب النزول: ٤٠، والعجاب: ١/ ٣٧٣.\n(٣) أسباب النول للواحدي: ٤٠، والعجاب: ١/ ٣٧٣، قال السيوطي في \"الدر: ١/ ٢٧٢، وفي اللباب:: ٢٨: \" أخرج الثعلبي عن ابن عباس\". وذكره.\n(٤) العجاب: ١/ ٣٦٣، [وفي النقل تصرف]، وانظر: تفسير مقاتل: ١/ ١٣٨. ولفظه: \" وذلك أنهم [أي اليهود من أهل المدينة والنصارا من أهل نجران] دعوا النبيﷺ- إلى دينهم وزعموا أنهم على الهدى فأنزل الله﷿- قل لهم: إن هدى الله يعني الإسلام هو الهدى ثم حذر نبيهﷺ- فقال: ولئن اتبعت أهواءهم يعني أهل الكتاب على دينهم بعد الذي جاءك من العلم وعلم البيان ما لك من الله من ولي يعنى من قريب فينفعك ولا نصير\".","vol":"3","page":179},{"text":"والرابع: وقال ابن عطية: \" روي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله ﷺ الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعا منهم، فأعلمه الله تعالى أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم، وأطلعه على سر خداعهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، \" أي لن ترضى عنك الطائفتان «اليهود والنصارى» حتى تترك الإِسلام لمنير وتتبع دينهم الأعوج\" (٢).\nقال الطبري: أي \" وليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق\" (٣).\nقال الزجاج: \" أَعلم اللَّه ﷿ أَنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فنهاه اللَّه ووعظه في الركون إِلى شيءٍ مما يدعون إِليه\" (٤).\nقال القرطبي: \" فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم\" (٥).\nقال الواحدي: \" أخبر أنه لا يرضيهم إلا ما يستحيل وجوده، وما لا سبيل إليه؛ لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل الجمع بينهما، فإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضَوْنَ عنه أبدًا\" (٦).\nقال السعدي: \" يخبر تعالى رسوله، أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى، إلا باتباعه دينهم، لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه الهدى\" (٧).\nقال النسفي: \"كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطًا منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله ﷿ كلامهم\" (٨).\nقال أبو السعود: \" بيان لكمال شدة شكيمة هاتين الطائفتين خاصة إثر بيان ما يعمهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت، وإيراد ﴿لا﴾ النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال هذه العظائم أشد من النصارى، والإشعار بأن رضى كل منهما مباين لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك اليهود ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع ملتهم ولا النصارى ولو تركتم ودينهم حتى تتبع ملتهم، فأوجز النظم ثقة بظهور المراد وفيه من المبالغة في إقناطه ﷺ من إسلامهم ما لا غاية وراءه، فإنهم حيث لم يرضوا عنه ﵇ ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون، بل أملوا منه ﷺ مالا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه ﵇ لملتهم، فكيف يتوهم اتباعهم لملته ﵇ وهذه حالتهم في أنفسهم ومقالتهم فيما بينهم، وأما أنهم أظهروها للنبي ﷺ وشافهوه بذلك وقالوا لن نرضى عنك وإن بالغت في طلب رضانا، حتى تتبع ملتنا كما قيل فلا يساعده النظم الكريم، بل فيه ما يدل على خلافه فإن قوله ﷿\" (٩).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤. وليس لما ذكر هنا سند يمكن الاعتماد عليه.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٢.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٠٣.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٤.\n(٧) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٨٤.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٢ - ١٥٣.","vol":"3","page":180},{"text":"قال أبو حيان: \"أي ليس غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات ويوردونه من التعنتات فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون وأوجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم\" (١).\nو(الملة): \"اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله، فكانت الملة والشريعة سواء، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله، والدين ما فعله العباد عن أمره\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾، \"فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم\" (٣).\nوأخرج الثعلبي عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُم﴾، قال: \"دينهم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" والملة الطريقة، وقد اختصت اللفظة بالشرائع والدين، وطريق ممل أي قد أثر المشي فيه\" (٥).\nواختلف في أصل (الملة) في اللغة على أقوال:\nأحدها: الدين، قاله ابن عباس (٦).\nوفي سبب تسمية الدين بالملة قولان (٧):\nالقول الأول: أنه \"سُمَيَ الدينُ ملّةً؛ لأنه يُمَلُّ، أي: يُملَى على المدعوِّ إليه\" (٨).\nالقول الثاني: أن \"الملّة: (فِعْلةٌ) من مَلَّه يمُلّه، إذا ألقاه في الرماد الحار، جُعِلَتْ اسمًا للدين؛ لما فيه من مشاق تخرج عن قضية\" (٩).\nالثاني: السنّة والطريقة. قاله الزجاج (١٠).\nومنه (المَلة)، \"أي: الموضع الذي يختبز فيه، لأنها تؤَثر في مكانها كما يؤَثِّر في الطريق\" (١١).\nوقد اختلف العلماء في توارث الكفار بعضهم من بعض، كاليهود مع النصارى أو المجوس، على أقوال (١٢):\nالقول الأول: أن الكفر بجميع نحله ملة واحدة.\nقال القرطبي: \" تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فوحد الملة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وبقوله ﵇: \"لا يتوارث أهل ملتين\" (١٣) على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله ﵇: \"لا يرث المسلم الكافر\" (١٤) \" (١٥).\n_________\n(١) تفسير فتح القدير: ١/ ١٣٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٠٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٨٥.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٥.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٥.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٠٢.\n(١١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٠٢.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(١٣) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٨، وأبو داود ٣/ ٣٢٨، كتاب الفرائض: باب هل يرث المسلم الكافر حديث ٢٩١١، وابن ماجة ٢/ ٩١٢، كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك حديث ٢٧٣١، وسعيد بن منصور في سننه رقم ١٣٧، وابن الجارود في المنتقى رقم ٩٦٧، والدارقطني ٤/ ٧٥، كتاب الفرائض: حديث ٢٥، وابن عدي في الكامل ٥/ ٨٢، واليهقي ٦/ ٢١٨، كتاب الفرائض: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، والبغوي في شرح السنة ٤/ ٤٧٩ - بتحقيقنا، والخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ٢٩٠، وابن عبد البر في التمهيد ٩/ ١٧٢، كلهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: \"لا يتوارث أهل ملتين شيء\" والحديث صححه ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ٢/ ٣٥، فقال: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإسناد أبي داود والدارقطني إسناد صحيح.\n(١٤) صحيح البخاري (٦٣٨٣): ص ٦/ ٢٤٨٤، وصحيح مسلم (١٦١٤): ص ٣/ ١٢٣٣، وسنن الترمذي (٢١٠٧): ص ٤/ ٣٧٠، وسنن أبي داود (٢٩٠٩): ص ٣/ ١٢٥، وسنن ابن ماجة (٢٧٢٩): ص ٢/ ٩١١.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.","vol":"3","page":181},{"text":"القول الثاني: أن الكفر ملل متعددة، لا يرث أهل كل ملة من أهل الملة الأخرى. وهذا القول رواية عن أحمد، وهو القول الثاني للمالكية، إذ ذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله ﵇: \"لا يتوارث أهل ملتين\" (١) (٢).\nوالقول الثاني هو الراجح. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]، \" أي: ليس الهدى ما أنتم عليه؛ بل إن هدى الله وحده هو الهدى\" (٣).\nقال ابن عباس: \"يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه\" (٤).\nقال ابن أبي زمنين: \" يعني: الإسلام الذي أنت عليه\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو الطريق، أي طريق الحق\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي قل لهم يا محمد إِن الإِسلام هو الدين الحق وما عداه فهو ضلال\" (٧)\nقال القرطبي: \"أي: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء\" (٨) من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة.\nقال أبو السعود: \" أي قل ردا عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى بالحق والذي يحق ويصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إليه ليس بهدى، بل هو هوى\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، \" أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة وأهوائهم الفاسدة\" (١٠).\nقال النسفي: \" أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع\" (١١).\nقال ابن أبي زمنين: \" يثبته بذلك؛ وقد علم ﷻ أنه لا يتبع أهواءهم\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم، وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها، وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المعنى الحقيقي للملة، فقد غيروها تغييرا\" (١٣).\n_________\n(١) سبق تخريجه في القول الأول.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠.\n(٤) ذكره الواحدي في الوسيط: ١/ ٢٠٠، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٨٦، وهذا لعله من رواية عطاء.\n(٥) تفسير ابن زمنين: ١/ ١٧٤.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٠٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢/ ٣٠.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ٨٤.\n(١٢) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٥.\n(١٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.","vol":"3","page":182},{"text":"و(الأهواء) جمع (هوى)، كما تقول: جمل وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت (١)، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم (٢).\nقال الزجاج: \" إِنما جمع ولم يقل (هواهم)، لأن جميع الفرق ممن خالف النبي - ﷺ - لم يكن ليرضيهم منه إلا أتباع هواهم\" (٣).\nقال الواحدي: \" وأراد بهذا: ما يدعونه إليه من المهادنة والإمهال\" (٤).\nوفي هذا الخطاب وجهان (٥):\nأحدهما: أنه للرسول، لتوجه الخطاب إليه. والمعنى: \" لإن صليت نحو قبلتهم بعد الذي جاءك من العلم في التحويل إلى الكعبة\" (٦).\nقال القرطبي: \" فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته\" (٧).\nوالثاني: أنه للرسول والمراد به أمته، لأن الرسولﷺ- معصوم، والمعنى: \" فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير\" (٨).\nقال ابن عطية: \" فهذا شرط، خوطب به النبي ﷺ، وأمته معه داخلة فيه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠]، أي: \" بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي الوحي أو الدين المعلوم صحته\" (١١).\nقال النسفي: \" أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة\" (١٢).\nقال الواحدي: أي\" دين الله هو الإسلام، وقيل: من العلم أنهم على الضلالة\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: \" يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن، أو السنة؛ فالذي جاء إلى الرسول -ﷺ- عِلم\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: \" بعد الذي جاءك من العلم البيان بأن دين الله هو الإسلام وقبلة إبراهيم ﵇ هي الكعبة\" (١٥).\nوكان أحمد بن حنبل يكفّر من يقول: \"القرآن مخلوق، فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآيات من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٠٢.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٦.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤، والتفسير البسيط: ٣/ ٢٨٧.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٧.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٨٤.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٨٦.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٦.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٩٤.","vol":"3","page":183},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]، \" أي ليس لك من يحفظك أو يدفع عنك عقابة الأليم\" (١).\nقال أبو السعود: أي: \"ليس لك من جهته العزيزة من ولي يلي أمرك عموما ولا نصير يدفع عقابه\" (٢).\nقال ابن عثيمين: أي: \" ما أحد يتولى حفظك سوى الله ﷿، ولا أحد يتولى نصرك، فيدفع عنك الشر سوى الله ﷿\" (٣).\nقال ابن عطية: \" (الولي): الذي يتولى الإصلاح والحياطة والنصر والمعونة، و﴿نَصِيرٍ﴾، بناء مبالغة في اسم الفاعل من نصر\" (٤).\nقال السعدي: \" فهذا فيه النهي العظيم، عن اتباع أهواء اليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله ﷺ فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب\" (٥).\nقال الشوكاني: \"وعيد شديد لرسول اللهﷺإن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم ويحتمل أن يكون تعريضا لأمته وتحذيرا لهم أن يواقعوا شيئا من ذلك أو يدخلوا في أهوية أهل الملل ويطلبوا رضا أهل البدع وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتتصدع منه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه ترك الدهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء التاركين للعمل بالكتاب والسنة المؤثرين لمحض الرأي عليهما فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولا وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع بدعته والدخول في مداخله والوقوع في حبائله فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة رسوله لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة وجهالة بينة ورأي منهار وتقليد على شفا جرف هار فهو إذ ذاك ما له من الله من ولي ولا نصير ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالة وهالك بلا شك ولا شبهة\" (٦).\nقال الرازي: وهذه الآية \" فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد، فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعا ونصيرا لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف، لأن اتباع أهوائهم كفر، وعندنا لا شفاعة في الكفر\" (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان عناد اليهود، والنصارى، حيث لا يرضون عن أحد إلا إذا اتبع دينهم.\n٢ - ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿ملتهم﴾؛ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة؛ أما باعتبار أنواعه فإنه ملل: اليهودية ملة؛ والنصرانية ملة؛ والبوذية ملة؛ وهكذا بقية الملل؛ ولكن كل هذه الملل باعتبار مضادة الإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر؛ فتكون جنسًا، والملل أنواعًا.\n٣ - ومنها: أن ما عدا هدى الله ضلال؛ قال الله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ [يونس: ٣٢]؛ فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال؛ وليس ثمة واسطة بين هدى الله، والضلال.\n٤ - ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس دينًا؛ بل هو هوى؛ لقوله تعالى: ﴿أهواءهم﴾؛ ولم يقل ملتهم كما في الأول؛ ففي الأول قال تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾؛ لأنهم يعتقدون أنهم على ملة، ودين؛ ولكن بيَّن الله تعالى أن هذا ليس بدين، ولا ملة؛ بل هوى؛ وليسوا على هدًى؛ إذ لو\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣. [بتصرف بسيط].\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.\n(٥) تفسير السعدي: ٦٤.\n(٦) تفسير الفتح القدير: ١/ ١٣٦.\n(٧) تفسير الرازي: ٤/ ٣٠.","vol":"3","page":184},{"text":"كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم؛ ولوجب عليهم جميعًا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ؛ لكن دينهم هوى، وليس هدًى؛ وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاءت به الرسل -عليهم الصلوات والسلام -، ويتعصب له؛ فإن ملته هوى، وليست هدًى.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ...﴾ الآية.\n٦ - ومنها: أنك إذا اتبعت غير شريعة الله فلا أحد يحفظك من الله؛ ولا أحد ينصرك من دونه، حتى لو كثر الجنود عندك؛ ولو كثرت الشُرَط؛ ولو اشتدت القوة؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم.\n٧ - ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفًا، ورجاءً؛ لأنك متى علمت أنه ليس لك وليّ، ولا نصير فلا تتعلق إلا بالله؛ فلا تعلق قلبك أيها المسلم إلا بربك.\n٨ - ومن الفوائد: أن العقوبات إنما تقع على العبد بعد أن يأتيه العلم، وأما الجاهل فلا عقوبة عليه، وهذا الأصل يشهد له آيات كثيرة متعددة، منها:\n- قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n- وقوله تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].\n- وقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\n- وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١]\nالتفسير:\nالذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يقرؤونه القراءة الصحيحة، ويتبعونه حق الاتباع، ويؤمنون بما جاء فيه من الإيمان برسل الله، ومنهم خاتمهم نبينا ورسولنا محمد ﷺ، ولا يحرفون ولا يبدِّلون ما جاء فيه. هؤلاء هم الذين يؤمنون بالنبي محمد ﷺ وبما أنزل عليه، وأما الذين بدَّلوا بعض الكتاب وكتموا بعضه، فهؤلاء كفار بنبي الله محمد ﷺ وبما أنزل عليه، ومن يكفر به فأولئك هم أشد الناس خسرانًا عند الله.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١):\nأحدها: قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: \"نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر ابن أبي طالب من أرض الحبشة كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام\" (٢).\nالثاني: وقال الضحاك (٣) وابن زيد (٤): \"نزلت فيمن آمن من اليهود\" (٥).\nالثالث: وقال قتادة (٦) وعكرمة (٧): \"نزلت في أصحاب محمد - ﷺ -\" (٨).\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٤٠، والعجاب: ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٤٠.\n(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٤٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٩): ص ٢/ ٥٦٤.\n(٥) أسباب النزول للواحدي: ٤٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٨): ص ٢/ ٥٦٤، وابن أبي حاتم (١١٦١): ص ١/ ٢١٨.\n(٧) أسباب النزول للواحدي: ٤٠.\n(٨) أسباب النزول للواحدي: ٤٠.","vol":"3","page":185},{"text":"قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٢١]، \"أي أعطيناهم الكتاب \" (١).\nقال صاحب الكشاف: \" هم المؤمنون من أهل الكتاب\" (٢).\nقال أبو السعود: \" هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه\" (٣).\nقال الطبري: أي\" الذين آتيناهم الكتاب، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي\" (٤).\nواختلف في الذين عناهم الله تعالى بقوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٢١]، على قولين (٥):\nأحدهما: أنهم المؤمنون برسول اللهﷺ-، والكتاب هو القرآن، وهذا قول قتادة (٦).\nوالثاني: أنهم علماء اليهود، والكتاب هو التوراة، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (٧)\nوالقول الثاني أولى بالصواب، واختاره الإمام الطبري، وذلك، \"لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأولهم إياه على غير تأويله، وادعائهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ في الآية التي قبلها ذكر\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، \"ي يقرءونه قراءة حقة كما أنزل\" (٩).\nقال عبدالله ابن مسعود: \"والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله\" (١٠).\nوقال ابن عباس: \"يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس: ٢] \"، يقول: اتَّبَعَها\" (١١).\nقال ابن عطية: أي: \" يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي\" لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول اللَّه ﷺ\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولي ... ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنزلته عليهم - بتأويل ولا غيره\" (١٤).\nقال أبو السعود: وذلك: \" بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبر في معانيه، والعمل بما فيه\" (١٥).\nقال الآلوسي: \" أي يقرؤونه حق قراءته وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى وحق الأمر والنهي\" (١٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، أقوال:\nأحدها: يقرؤونه حق قراءة (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٥.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ١٨٣. [بتصرف بسيط].\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٥٧٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٨): ص ٢/ ٥٦٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٨٧٩): ص ٢/ ٥٦٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(١٠) أخرجه الطبري: (١٨٨٦): ص ٢/ ٥٦٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٥٩): ص ١/ ٢١٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٣.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٤.\n(١٣) تفسير الكشاف: ١/ ١٨٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٥٧٠.\n(١٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(١٦) روح المعاني: ١/ ٣٧٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٦٩.","vol":"3","page":186},{"text":"والثاني: يتبعونه حق اتباعه، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، وهذا قول ابن عباس (١)، وعكرمة (٢)، والسدي (٣)، وعبدالله بن مسعود (٤)، وعطاء (٥)، وأبي رزين (٦)، ومجاهد (٧)، وقيس بن سعد (٨)، والحسن (٩)، وإبراهيم النخعي (١٠)، وهو قول الجمهور.\nالثالث: أن المراد: \"إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار\". قاله عمر بن الخطاب (١١).\nالرابع: أن المعنى: \"يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، يَكِلُونَ ما أشكل عليهم إلى عالمه. قاله حسن البصري (١٢).\nوالصواب أن المعنى: يتبعونه حق اتباعه، لإجماع الحجة من أهل العلم على أن ذلك تفسيره. والله أعلم.\nوالتلاوة يراد بها ثلاث أمور (١٣):\nأحدها: التلاوة اللفظية، بأن يقيم الإنسان حروف الكتاب الذي أنزل.\nوالثاني: التلاوة المعنوية، بأن يقيم معناه، أي معنى الكتاب الذي أنزل، وذلك بأن يفسره بما أراد الله لا بهوى نفسه.\nوالثالث: التلاوة الحكمية العملية، بأن يؤمن بأخباره، ويقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، \"أي فأولئك هم المؤمنون حقًا دون المعاندين المحرفين لكلام الله\" (١٤).\nقال ابن كثير: \"أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد\" (١٥).\nقال أبو السعود: أي أولئك يؤمنون \"بكتابهم دون المحرفين، فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا يجامع الكفر ببعض منه\" (١٦).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾، فيه \"إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه، وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، \"أي ومن كفر بالقرآن\" (١٨).\nقال أبو السعود: أي \" بالتحريف والكفر بما يصدقه\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٨٨٠)، و(١٨٨٣): ص ٢/ ٥٦٦، وابن ابي حاتم (١١٥٧)، و(١١٥٩): ص ١/ ٢١٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٨٨١): ص ٢/ ٥٦٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٨٤): ص ٢/ ٥٦٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٨٨٥)، و(١٨٨٦)، و(١٨٨٧): ص ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٨٨٩)، و(١٩٠٠): ص ٢/ ٥٦٧، ٥٦٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٨٩٠)، و(١٨٩١): ص ٢/ ٥٦٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٨٩٢)، و(١٨٩٤)، و(١٨٩٥)، و(١٨٩٦)، و(١٨٩٧)، و(١٨٩٨)، و(١٨٩٩): ص ٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٨٩٣): ص ٢/ ٥٦٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٩٠١): ص ٢/ ٥٦٩، وابن أبي حاتم (١١٥٨): ص ١/ ٢١٨.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢١٨.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (١١٦٠): ص ١/ ٢١٨.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٥.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٤.\n(١٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(١٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(١٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.","vol":"3","page":187},{"text":"قال الطبري: \" والذي يكفر بالكتاب: بأن يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد ﷺ، وتصديقه، ويبدله فيحرف تأويله\" (١).\nقال الآلوسي: \" أي: بالكتاب، بسبب التحريف والكفر بما يصدقه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]، \"أي فألئك هم الخاسرون لا غيرهم\" (٣).\nقال الزمخشري: \"حيث اشتروا الضلالة بالهدى\" (٤).\nقال أبو السعود: \" حيث اشتروا الكفر بالإيمان\" (٥).\nقال الصابوني: أي: \"فقد خسر دنياه وآخرته\" (٦).\nقال الطبري: أي \" أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه (٧).\nقال الآلوسي: هم الخاسرون\" من جهة أنهم اشتروا الكفر بالإيمان، وقيل: بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف\" (٨).\nقال ابن عطية: \" والخسران نقصان الحظ\" (٩).\nقال ابن عثيمين: وأصل (الخسران) النقص؛ ولهذا يقال: ربح؛ ويقال في مقابله: خسر؛ فهؤلاء هم الذي حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة، وفانية، فلا تنفعهم (١٠).\nوفي الصحيح: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار\" (١١).\nالفوائد:\n١ - الثناء على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته.\n٢ - أن من لم يقم حروف الكتاب، فإنه لم يؤمن به حق الإيمان، لأنه لم يتله حق تلاوته.\n٣ - أن التلاوة تنقسم إلى قسمين:\nتلاوة تامة: وهي أن يكون الإنسان تاليًا للفظه، ولمعناه عاملًا بأحكامه مصدقًا بأخباره؛ فمن استكبر أو جحد فإنه لم يتله حق تلاوته.\nوتلاوة ناقصة: وهي ما دون ذلك.\n٤ - أن من لم يقم بالعمل الصالح الذي دل عليه الكتاب؛ فإنه لم يتله حق تلاوته، فيكون ناقص الإيمان.\n٥ - الثناء على التالين لكتاب الله حق تلاوته، لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).\n٦ - أن الكافر بالكتاب الذي أنزله الله على رسله، خاسر في الدنيا والآخرة، فالكافر بالقرآن مهما أصاب من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾؛ يكون خاسرًا، ولو نال من الدنيا من أموال، وبنين، ومراكب فخمة، وقصور مشيدة؛ لأن هذه كلها سوف تذهب، وتزول؛ أو هو يزول عنها، ولا\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٧٢.\n(٢) روح المعاني: ١/ ٣٧١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٥.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ١٨٣.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٧٢.\n(٨) روح المعاني: ١/ ٣٧١.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٥.\n(١١) صحيح مسلم برقم (١٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":188},{"text":"تنفعه؛ واذكر قصة قارون، واتل قول الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ [الزمر: ١٥]؛ فإذًا يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ [المنافقون: ٩]؛ ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ [المنافقون: ٩] يعني: ولو ربحوا في دنياهم.\n٧ - قال ابن القيم في الفوائد: \"إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله\" (١).\n٨ - ومن فوائد الآية: علوّ مرتبة من يتلون الكتاب حق تلاوته؛ للإشارة إليهم بلفظ البعيد: ﴿أولئك يؤمنون به﴾.\nالقرآن\n﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ [البقرة: ١٢٢]\nالتفسير:\nيا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم، وأني فَضَّلتكم على عالَمي زمانكم بكثرة أنبيائكم، وما أُنزل عليهم من الكتب.\nقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، \"أي يا أولاد إسرائيل\" (٢).\nقال البغوي: \" يا أولاد يعقوب\" (٣).\nوالأصل في ﴿بني﴾، أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ﴾ [الأعراف: ٢٦] \" (٤).\nوقوله ﴿إِسْرَائِيلَ﴾، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ إذ كان يدعى (إسرائيل) (٥).\nوذكر أهل التفسير في اشتقاق كلمة (إِسْرَائِيلَ)، وجوها (٦):\nأحدها: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد في اللغة العبرانية، و(إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله.\nوالثاني: أن معنى (إسرا) صفوة، و(إيل) الله تعالى، ومعناه صفوة الله.\nوفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في البحر، وقال بعدها: \"وهذه أقاويل ضعاف\" (٧).\nقال الواحدي: \"والأصح عند أهل اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له\" (٨).\nأخرج الطبري عن ابن عباس، \" أن إسرائيل كقولك: عبد الله\" (٩).\nوأخرج أيضا بسنده \"عن عبد الله بن الحارث، قال: (إيل)، الله بالعبرانية\" (١٠).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، على وجوه (١١):\nأحدها: ﴿إسراييل﴾، بقلب الهمزة ياء. روي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق.\nوالثاني: ﴿إسرائل﴾، بحذف الياء.\n_________\n(١) الفوائد لابن القيم: ١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٢.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٨٦.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٥٣. وتنفسير القرطبي: ١/ ٣٣٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٨٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٥٣. وتنفسير القرطبي: ١/ ٣٣٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٨٥، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٨٥، والتعريف والأعلام للسهيلي: ٢٠.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ١٤٤.\n(٨) التفسير البسيط: ٢/ ٤٦٢.\n(٩) تفسير الطبري (٧٩٨): ص ١/ ٥٥٢.\n(١٠) تفسير الطبري (٧٩٩): ص ١/ ٥٥٢.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣، وتفسير البيضاوي: ١/ ٧٥.","vol":"3","page":189},{"text":"والثالث: ﴿إسرال﴾، بحذف الهمزة والياء.\nوقال ابن عباس: \"حضرت عصابة من اليهود نبي اللهﷺ، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ فقالوا: اللهم نعم، قال النبي ﷺ: أشهد عليهم\" (١).\nواختلف في المخاطب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، على وجهين (٢):\nأحدهما: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد ﷺ، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. قاله مكي (٣).\nوعلى هذا القول، يستقيم الضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة.\nوالثاني: أن الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ﵇، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد. وهو قول ابن عباس (٤)، وجمهور العلماء (٥)، ومنه قول الفرزدق (٦):\nوَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ\nيريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه.\nوقال آخر (٧):\nإِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ\nفَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ\nأراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل (٨).\nقوله تعالى: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢]، أي: \"اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم\" (٩).\nقال البيضاوي: \" أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح\" (١١).\nوقال السعدي: \"وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه\" (١٢).\nقال البغوي: \"أي: احفظوا نعمي التي أنعمتها على أجدادكم وأسلافكم، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: \"ذكر النعمة شكرها\" (١٣) \" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٣): ص ١/ ٩٤.\n(٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٣) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٤) تفسير الطبري (٨٠٠): ص ١/ ٥٥٥.\n(٥) نقل قول الجمهور ابن عطية، أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٦) البيت في \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ٣٢، \"معجم البلدان\" ١/ ٢٩٣، وإيلياء: بيت المقدس.\n(٧) البيتان لأبي تمام، وقوله: \"ذي قار\" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر: \"ديوان أبي تمام مع شرحه\" ١/ ١٠٩، \"معجم البلدن\" ٤/ ٢٩٤.\n(٨) أنظر: التفسير البسيط: ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٤٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٥،\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(١٢) تفسير السعدي: ٥٠.\n(١٣) رواه ابن مبارك في الزهد (١٤٣٤): ص ٥٠٣، ومن طريقه ابن أبي دنيا في (الشكر): (٣٣)، ومن طريقه البيهقي في الشعبي (٤٤٢١): ص ٤/ ١٠٢، و(٤١٠٧): ص ٨/ ٣٦٥، واللفظ فيها: \"أكثروا ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر\". وانظر: البغوي: في تفسيره: ١/ ٨٦، وأبو حيان: ٤/ ٥٥.\n(١٤) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٦. (بتصرف بسيط).","vol":"3","page":190},{"text":"وقال ابن عطية: \" والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ أي: \"نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع، كقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] \" (٢).\nوتحركت (الياء) من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء (٣).\nقال الفراء: \"وأما نصب الياء من ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي الّتي)، فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما\" (٤).\nقال ابن عطية: \"وفتحها أحسن، لزيادة حرف في كتاب الله تعالى\" (٥).\nوذكر أهل التفسر في (النعمة) التي أنعمها عليهم، قولين (٦):\nأحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. قاله ابن زيد (٧).\nوالثاني: أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم، إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وفجَّر لهم الحَجَرَ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، والنعم على الآباء، نعم على الأبناء، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وهو قول الحسن البصري (٨)، وروي عن ابن عباس (٩) وأبي العالية (١٠)، ومجاهد (١١)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢]، \" أي وأعطيتكم الفضل والزيادة على غيركم من الشعوب\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي\" على الجم الغفير من الناس\" (١٣).\nقال الثعلبي: \" يعني عالمي زمانكم\" (١٤).\nقال قتادة: \" فضلهم على عالم ذلك الزمان\" (١٥). وروي عن مجاهد (١٦)، وابن زيد (١٧) مثل ذلك.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٨٦.\n(٣) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٣.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١١.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٨٠٤): ص ١/ ٥٥٥٦.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١١.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٤): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٢): ص ١/ ٥٥٥.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٥): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٣): ص ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٦): ص ١/ ٩٥، وتفسير الطبري (٨٠٣): ص ١/ ٥٥٦.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ١٠٤.\n(١٣) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(١٥) أخرجه الطبري (٨٦٨): ص ٢/ ٢٤.\n(١٦) أخرجه الطبري (٨٧٠): ص ٢/ ٢٤.\n(١٧) أخرجه الطبري (٨٧٢): ص ٢/ ٢٤.","vol":"3","page":191},{"text":"قال أبو العالية: \" بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما\" (١).\nوقد تقدم تفسير هذه الآية في صدر السورة آية [٤٧].\nقال ابن كثير: \"وكررت هنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعتَه واسمَه وأمره وأمته، فحذرهم من كتمام هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عَمِّهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحملهم ذلك الحسدُ على مخالفته وتكذيبه، والحيدة عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين (٢).\nوقال الخازن: \"كررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم\" (٣).\nوقال ابن عاشور: \" أعيد نداء بني إسرائيل نداء التنبيه والإنذار والتذكير على طريقة التكرير في الغرض الذي سيق الكلام الماضي لأجله، فإنه ابتدأ نداءهم أولًا بمثل هاته الموعظة في ابتداء التذكير بأحوالهم الكثيرة خيرها وشرها\" (٤).\nقال الإمام الطبري: \" وهذه الآية عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، وتذكير منه لهم ما سلف من أياديه إليهم في صنعه بأوائلهم، استعطافا منه لهم على دينه وتصديق رسوله محمد صلى الله عليه وسل\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمدًا ﷺ\n٢ - ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أنعمت عليكم﴾.\n٣ - ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان، وكانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [الحشر: ١٤].\n٤ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحدًا بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾: خصها بالذكر لأهميتها.\n٥ - ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥].\nالقرآن\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ [البقرة: ١٢٣]\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.\n(٣) تفسير الخازن: ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٩٧ - ٦٩٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٥٧٣.","vol":"3","page":192},{"text":"التفسير:\nوخافوا أهوال يوم الحساب إذ لا تغني نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل الله منها فدية تنجيها من العذاب، ولا تنفعها وساطة، ولا أحد ينصرها.\nفي سبب نزول الآية: قال الزجاج: \" كانت إليهود تزعم أن آباءَها الأنبياء تشفع لها عند الله فأيئَسُهم اللَّه من ذلك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، أي: \"اتخذوا وقاية من هذا اليوم بالاستعداد له بطاعة الله\" (٢)، وهو يوم القيامة.\nقال الثعلبي: \" أي واحذروا يوما واخشوا يوما\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" واخشوا عقاب يوم\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، \"أي لا تغني نفس عن نفس شيئًا\" (٦).\nقال الصابوني: أي: \" لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئًا من الحقوق\" (٧).\nقال أبو العالية: \"يعني: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا\" (٨).\nقال الطبري: أي\"لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره\" (٩).\nقال الثعلبي: \" أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني\" (١٠).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: لا تغني\" (١١).\nقال الواحدي: \" أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها. و﴿لا تجزي﴾، معناه: لا تقضي ولا يغني، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار: \"ولا تجزي عن أحد بعدك\" (١٢)، معناه: ولا تقضي\" (١٣).\nقال القرطبي: \"فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شي فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئًا؛ لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسَنَسْلَم بهم من النار، أو من عذاب هذا اليوم\" (١٥).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٢٨، وانظر: العجاب: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٩): ص ١/ ١٠٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٣٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(١١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٥.\n(١٢) قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي ﷺ أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة مواضع، فأورده (٩٥٥) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و(٩٦٥) باب (الخطبة بعد العيد)، و(٩٦٨) باب: (التبكير إلى العيد)، و(٩٨٣) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و(٥٥٤٥) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و(٥٥٥٦) باب (قول النبي ﷺ لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و(٥٥٦٠) باب (الذبح بعد الصلاة). و(٥٥٦٣) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (١٩٦١) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (٢٨٠٠) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٨٢، ٢٩٨، ٣٠٣ كلهم عن البراء.\n(١٣) التفسير البسيط: ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨. وذكره أبو عبيد عن الأصمعي. \"غريب الحديث\" ١/ ٤٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١/ ٦٠١.\n(١٤) تفسير القرطبي: ١/ ٣٧٨.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨.","vol":"3","page":193},{"text":"و﴿نفس﴾: نكرة في سياق النفي، فيكون عامًا؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبدًا، حتى الرسول ﷺ لا يغني شيئًا عن أبيه، ولا أمه (١)؛ وقد نادى ﷺ عشيرته الأقربين؛ فجعل\n_________\n(١) قلت إن الكلام في والدا رسول الله ﷺ، فرع عن الكلام في حكم أهل الفترة، والفترة معناها كما قال ابن كثير: \"هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ\". [تفسير القرآن العظيم ٢/ ٣٥، وانظر: جمع الجوامع للسبكي ١/ ٦٣ وروح المعاني للآلوسي ٦/ ١٠٣].\nوقد قسّمهم أهل العلم إلى قسمين: القسم الأول: من بلغته الدعوة، والقسم الثاني: من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة، ويشمل القسم الأول نوعين:\nأولا: من بلغته الدعوة ووحّد ولم يشرك كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل. (انظر: البداية والنهاية ٢/ ٢٣٠ وفتح الباري ٧/ ١٤٧].\nثانيا: من بلغته الدعوة ولكنه غيّر وأشرك كعمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم، والذي قال فيه النبي ﷺ: \" رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجرّ قصبه في النار \". [رواه البخاري (٣٥٢١) ومسلم (٢٨٥٦)].\nوقد جاء النص عن النبي ﷺ بأن والديه في النار، روى مسلم (٢٠٣) أن رجلًا قال: \"يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار\".\nوفي شأن أمه قال ﵊: \"استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي \". [رواه مسلم (٩٧٦)].\nيقول النووي ﵀ – شارحًا الحديث الأول: \" فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم \". [شرح صحيح مسلم ٣/ ٧٩].\nهذا وقد قال بعض أهل العلم منهم القرطبي، والحافظ جلال الدين السيوطي، القاضى أبو بكر ابن العربى أحد أئمة المالكية، والشيخ محمد بخيت، والدكتور محمد فؤاد شاكر، وآخرون، بأنهما ناجيان من النار. [أنظر: التذكرة للقرطبى ١٣ - ١٥، والدر المنثور للسيوطي: ٢/ ٢٩٤، ومسالك الحنفا، ضمن الحاوى، ٢/ ١٣١، وفتاوى الأزهر فى فتوى الشيخ محمد بخيت فى شأن أهل الفترة التى بتاريخ ربيع الأول ١٣٣٨ هجرية - ٢٥ نوفمبر ١٩١٩ م، ودراسات فى علوم القرآن والسنة لفضيلة الدكتور ص ١١٥ - ١١٩].\nوقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته السادسة (السبل الجلية فى الآباء العلية) بقوله: \"إنى لم أدع أن المسألة إجماعية، بل هى مسألة ذات خلاف، غير أنى اخترت أقوال القائلين بالنجاة، لأنها أنسب بهذا المقام\" [السبل الجلية، ضمن مجموعة رسائل الإمام الحافظ جلال الدين السيوطى، فى تحقيق نجاة أبوى المصطفى ﷺ وأنهم من أهل الجنة فى الآخرة، تحقيق: حسين مخلوف: ص ١٩٠].\nواحتجوا من وجوه:\nأحدها: أن المراد بالأب، عمه أبو طالب والعرب تطلق الأب على العم، وجاء بذلك الاستعمال كتاب الله العزيز في موضعين:\nأحدهما: قطعي المتن قطعي الدلالة، وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣].\nوإسماعيل عمه قطعًا؛ فهو يعقوب بن سحاق بن إبراهيم.\nوالموضع الثاني: قطعي المتن لكنه ظني الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ (إلى أن قال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ([الأنعام: ٨٤ - ٨٦].\nفهو نص قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أبٌ للوط، وهو عمه على ما وردت به الأخبار، إلا أن هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ (يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ (، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.\nوعلى هذا القول: فإنه يحتمل أنه ﷺ، لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إن أباك في النار وولّى والحزن باد عليه، فقالصلى الله عليه وسلم: \" ردوه علي \" فلما رجع قال له: \" إن أبي وأباك في النار\".\nيحتمل أنه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم أبا لا سيما إذا انضمّ إلى العمومية التربية، والعطف والدفاع عنه.\nوبذلك: إن التحقيق في أبوي رسول الله ﷺ- أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يدركوا النذارة قبلهم، ولم تدركهم الرسالة التي من بعدهم. [من كتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجنكي الشنقيطي: ص ٤٠].\nوالثاني: احتجوا بأقوال أنكرها عامة أهل العلم، وحكموا بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة أو ضعيفة جدًا. [انظر: الحاوي للفتاوى ٢/ ٢٠٢].\nقلت: إن المسألة خلافية، وذلك لورود نصوص ظاهرها فيه شي من التعارض، كما أن هذه المسألة ليست من مسائل الاعتقاد ولا العمل، فلم ينشغل بها السلف، لكونها من فضول العلم، أريد أن أشير بأنه لا دليل ينص على أن كلمة (أبي)، تشير إلى والد الرسول (عبدالله) تحديدا، وذلك للاحتمالات المشار إليها، فالمسألة ظنية الدلالة، كما أن دعوى الإجماع في هذه المسألة دعوى عريضة ولا يخفى ما فيها، وكلام السيوطي ليس بالقوي، من التكلف. وأختم كلامي بقول الإمام الصنعاني﵀-: \"\n\"إن مسألة إيمان أبوي المصطفى -﵌- من مسائل الفضول، لا يخوض فيها من هو بمهمات دينه مشغول\". [جموع رسائل الصنعاني: رقم ٧].\nوالله تعالى أعلم.","vol":"3","page":194},{"text":"ينادي كل واحد باسمه، ويقول: \"يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئًا .. \" (١)، مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]: تزول الأنساب\" (٢).\nوكثير من الآيات القرآنية تؤكد المعنى السابق أي: في يوم القيامة لا يغني أحد عن أحد، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، فهذه أبلغ المقامات: أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا (٣).\nوقد ذكر أهل التفسير في تعالى: ﴿لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، وجوها (٤):\nأحدها: معناه: لا تُغنِي، كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني، وهو قول السدي (٥)، وسعيد بن جبير (٦) وأبي مالك (٧)، وقال به جماعة من أهل التفسير (٨).\nوالثاني: معناه لا تقضي، ومنه قولهم: جزى الله فلانًا عني خيرًا، أثابه عني وقضاه عني، وهو قول المفضل (٩)، وجماعة من أهل التفسير (١٠).\nويسند هذا القول أن أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض (١١).\nوالثالث: وقال بعضهم: ﴿لا تَجْزِي﴾ أي: لا تكفي (١٢).\nوالرابع: وقيل: لا تُكافِئ (١٣).\nوالأقرب من حيث اللغة هو القول الثاني، والمعنى في كل متقارب، والمراد: أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئًا. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، وجوه من القراءة:\nأحدها: ﴿لَا تَجْزِي﴾، قرأ بها الجمهور.\nوالثاني: ﴿لا تُجزئ﴾، مضمومة (التّاء) مهموزة (الياء). قرأ بها أبو السماك العدوي، من (أجزأ، يجزي) إذا كفي (١٤)، ومن ذلك قول الشاعر (١٥):\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٢١، كتاب الوصايا، باب ١١: هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ حديث رقم ٢٧٥٣؛ وأخرجه مسلم ص ٧١٦، كتاب الإيمان، باب ٨٩: في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين ...)، حديث رقم ٥٠٤ [٣٥١] ٢٠٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٥٧٣.\n(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١٦ - ١١٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٨٧٤): ص ٢/ ٢٧.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٤.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٩): ص ١/ ١٠٤.\n(٨) منهم: ابن جرير في جامع البيان: ٢/ ٢٧، وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٨، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١١٦، ومكي بن أبي طالب في المشكل: ٩١، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ١١٤، والغرناطي في التسهيل: ١/ ٨٣، والعجيلي في الفتوحات الإلهية: ١/ ٥٠، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن: ٣٤.\n(٩) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ١١٦ - ١١٧.\n(١٠) منهم: ابن قتيبة في غريب القرآن: ٤١، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٧٦، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٧٨ والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٩٠، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ٥٥، والنسفي في تفسيره: ١/ ٤٧، والخازن في لباب التأويل: ١/ ٤٣، والكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: ٢/ ٩٣٩، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ١٢١، والقاسمي في محاسن التأويل: ٢/ ١٢٠، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٤٨٤.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٧، وتهذيب اللغة للأزهري: ١/ ١٤٢ - ١٤٣، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٤٥٦، والصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٠٢، ولسان العرب لابن منظور: ١/ ٦٢٠، وتاج العروس للزبيدي: ١٩/ ٢٨٤، والمفردات للراغب: ٩٣.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٠، وغريب القرآن لابن الملقن: ٥٣، وغيرها.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٠، وغريب القرآن لابن الملقن: ٥٣، وغيرها.\n(١٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.\n(١٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٠، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٣٣٧.","vol":"3","page":195},{"text":"وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ... ليجزي إلّا كامل وابن كامل\nقال الزمخشري: \"ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء\" (١).\nوالثالث: وقرأ أبو السرار الغنوي: \"لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، \"أي لا يقبل منها فداء\" (٣).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: فداء\" (٤).\nقال الزمخشري: \" أى فدية، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: \"لا يقبل منه صرف ولا عدل\" (٥)، أى: توبة ولا فدية\" (٦).\nقال المراغي: \" أي لا يؤخذ من نفس فدية تنجو بها من النار، إذ هى لا تجد ذلك لتفتدى به\" (٧).\nواختلف في قوله تعالى ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] على أوجه (٨):\nأحدها: أن (العدل): الفدية، \" وسميت عدلًا لأن المفدي يعدل بها: أي يساويها\" (٩)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحديد: ١٥]. وهذا قول أبي العالية (١٠)، والسدي (١١)، وقتادة (١٢)، وابن زيد (١٣).\nوالثاني: أنه: البدل، والبدل: الفدية، قاله ابن عباس (١٤).أي \"رجل مكان رجل\" (١٥).\nوالثالث: أنه: وروي عن ابن عباس: \"أو حسنة مع الشرك\" (١٦).\nوالرابع: وروي عن علي، ﵁، في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وهذا قول غريب (١٧).\nوالقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، لما ورد عن النبي ﷺ أنه لما سئل ما العدل؟ فقال ﷺ: \"العدل الفدية\" (١٨).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(٢) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.\n(٤) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٥.\n(٥) متفق عليه، أنظر: صحيح البخاري (١٧٧١): ص ٢/ ٦٦٢، وسنن الترمذي (٢١٢٧): ص ٤/ ٣٨٢، والنسائي (٤٦٨٩): ص ٨/ ٤٠، وأبو داود (٤٥٣٩): ص ٤/ ١٨٣، وابن ماجة (٢٦٣٥): ٢/ ٨٨٠، ومسند الإمام احمد (٩٦٢): ص ١/ ١١٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ١٣٦.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٤ - ٣٥. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ١٦١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨١): ص ٢/ ٣٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢): ص ٢/ ٣٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣): ص ٢/ ٣٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٨٥): ص ٢/ ٣٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤): ص ٢/ ٣٤.\n(١٥) البحر المحيط: ١/ ١٦١.\n(١٦) نقلا عن: البحر المحيط: ١/ ١٦١.\n(١٧) ينظر: تفسير ابن كثير ١: ٢٥٦، والسيوطي ١: ٦٨.\n(١٨) ضعيف، ولم أجده عن غير الطبري، نقله عنه ابن كثير ١: ٢٥٧، والسيوطي ١: ٦٨.","vol":"3","page":196},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، \"أي لا يقبل من نفس عن نفس شفاعة\" (١).\nقال الصابوني: \" أي لا تفيدها شفاعة أحد، لأنها كفرت بالله\" (٢).\nقال المراغي: أي: \" ولا يشفع فيما وجب عليها من حقّ شافع، وقد كانوا يعتقدون بالمكفّرات تؤخذ فدية عما فرطوا فيه، وبشفاعة أنبيائهم لهم، فأخبرهم الله أنه لا يقوم مقام الاهتداء به شاء آخر\" (٣).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: إن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين\" (٤).\nقال ابن عطية: \" وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على حد ما هي في الدنيا، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة في خاصتهم، وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار منها شيء\" (٥).\nو\"الشفاعة\" هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة (٦)، من جلب المنفعة؛ وشفاعته فيمن استحق النار ألا يدخلها (٧)، وفيمن دخلها أن يخرج منها (٨)، من دفع المضرة؛ فيومَ القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل من نفس عن نفس شفاعة أبدًا (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، \" أي: لا يدفع عنهم أحد عذاب الله ولا يجيرهم من سطوة عقابه\" (١٠).\nقال البغوي: ولا هم\" يمنعون من عذاب الله\" (١١).\nقال الطبري: \" يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي إنه لا يأتيهم ناصر ينصرهم فيمنع عذاب الله عنهم إذا نزل بهم، وهذا ترهيب لمن سلفت عظتهم في الآية قبلها\" (١٣).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وجهين (١٤):\nأحدهما: وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٣.\n(٢) صفوة التفسير: ١/ ٨١.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٧.\n(٤) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٥.\n(٦) راجع مسلمًا ص ٧١٥، كتاب الإيمان، باب ٨٥: في قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة ... \"، حديث رقم ٤٨٣ [٣٣٠] ١٩٦؛ وباب ٨٤: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٨٢ [٣٢٩] ١٩٥؛ وفيه: يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة ...\n(٧) قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ في شرح العقيدة الواسطية: فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لازم ذلك أن لا يدخل النار كما قال النبي ﵊: \"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين ... \" (٢/ ١٧٧ – ١٧٨)، وذكر الحافظ ابن حجر أن دليل هذا قوله ﷺ في حديث حذيفة عند مسلم: \"ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم، رب سلم\" (فتح الباري ١١/ ٤٢٨)؛ مسلم ص ٧١٥، كتاب الإيمان، باب ٨٤: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٨٢ [٣٢٩] ١٩٥.\n(٨) راجع البخاري ص ٦٢٥ – ٦٢٦، كتاب التوحيد، باب ٣٦: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث رقم ٧٥١٠؛ ومسلمًا ص ٧١٤، كتاب الإيمان، باب ٨٤: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٧٩ [٣٢٦] ١٩٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨١.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.","vol":"3","page":197},{"text":"والثاني: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية.\nوالراجح هو القول الأول، وهو الأقرب الى سياق الآية، إذ \"أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية - لمن استحق من خلقه عقوبته -، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات يوم القيامة، وأن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه، إذ أن ذلك اليوم لا تغني نفس عن نفس شيئًا؛ حتى الوالد لا يجزي عن ولده شيئًا؛ ولا المولود يجزي عن والده شيئًا، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا﴾.\n٣ - ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾.\n٤ - ومنها: ثبوت أصل الشفاعة في ذلك اليوم؛ لقوله تعالى: ﴿لا تنفعها شفاعة﴾؛ وثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم (٢)، وأنه -ﷺ- يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار (٣)؛ وفيمن دخل النار أن يخرج منها (٤)؛ فعلى هذا يكون العموم في قوله تعالى: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ مخصوصًا بما ثبتت به السنة من الشفاعة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦.\n(٢) انظر: البخاري ص ٣٩٣ – ٣٩٤، كتاب التفسير، باب ٥: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا)، حديث رقم ٤٧١٢؛ ومسلمًا ص ٧١٤ – ٧١٥، كتاب الإيمان، باب ٨٤: أنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم ٤٨٠ [٣٢٧] ١٩٤.\n(٣) سنن الترمذي - حديث (٢٣٥٩):\n(حَدَّثَنَا ..... عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي .....) ..\nسنن أبي داود - حديث (٤١١٤):\n(حَدَّثَنَا ..... عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي) ..\nمسند أحمد - حديث (١٢٧٤٥):\n(..... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي) ..\nسنن ابن ماجة - حديث (٤٣٠٠):\n(..... عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)\n(٤) فقد أخرج البخاري ومسلم في حديث الشفاعة لمن دخل النار أن النبي ﷺ يقول في آخر مرحلة من مراحل الشفاعة: يارب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول الله: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. فإنما يعني به المؤمنين بالنبي ﷺ من أهل لا إله إلا الله، ولذلك قال في الحديث قبل الفقرة التي ذكر السائل: فأقول يا رب أمتي أمتي. وأمته المراد بها أمة الإجابة، وأما من لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يتبعه فإنه لا يشفع فيه النبي ﷺ ولا تنفعه شفاعة أحد كائنًا من كان، وإليك نص الحديث المذكور كما في صحيح البخاري، وقال الإمام البخاري: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره، فوافقناه يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ، فيأتونني فأقول أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع لك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمد بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل. فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال: هيه فحدثناه بالحديث فانتهى إلى هذا الموضع فقال: هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا، قلنا: يا أبا سعيد فحدثنا فضحك وقال: خلق الإنسان عجولًا، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حدثني كما حدثكم به، وقال: ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطى واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. (واه البخاري ٧٥١٠، ومسلم ١٩٣).","vol":"3","page":198},{"text":"٥ - ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨].\n٦ - ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون﴾ [الصافات: ٢٥، ٢٦]؛ فلا أحد ينصر أحدًا يوم القيامة، لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم.\nالقرآن\n﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]\nالتفسير:\nواذكر-أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف، فأدَّاها وقام بها خير قيام. قال الله له: إني جاعلك قدوة للناس. قال إبراهيم: ربِّ اجعل بعض نسلي أئمة فضلا منك، فأجابه الله سبحانه أنه لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، \"أي: واذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إِبراهيم، بجملة من التكاليف الشرعية\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: واذكر - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملَّة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي\" (٢).\nقال أبو السعود: \" أي: واذكر لهم وقت ابتلائه ﵇، ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ماهم فيه من الباطل\" (٣).\nقال الزمخشري: \" اختبره بأوامر ونواه، واختبار اللَّه عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين: ما يريد اللَّه، وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم: وهي من الربوبية الخاصة؛ فالربوبية بإزاء العبودية؛ فكما أن العبودية نوعان ــ خاصة، وعامة ــ فالربوبية أيضًا نوعان: خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿آمنا برب العالمين﴾ [الأعراف: ١٢١]: هذه عامة؛ ﴿رب موسى وهارون﴾ [الشعراء: ٤٨]: هذه خاصة؛ ولا شك أن ربوبية الله ﷾ للرسل ــ ولا سيما أولو العزم منهم؛ وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ــ أخص الربوبيات\" (٥).\nويحتمل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجهين (٦):\nأحدهما: أن قوله ﴿وَإِذِ﴾، منصوب على المفعولية بمضمر مقدم، خوطب به النبي ﷺ بطريق التلوين، أي واذكر لهم وقت ابتلائه ﵇.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣. [بتصرف بسيط].\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٥.\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٨٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٠ - ٤١.\n(٦) انظر: تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٤. ونقله بتماه القاسمي في محاسن التأويل: ١/ ٣٨٩.","vol":"3","page":199},{"text":"والثاني: أنه منصوب بمضمر معطوف على ﴿اذْكُرُوا﴾، خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى، عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وبنيه ﵈، من الأفعال والأقوال، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم. أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم، فأتم ما ابتلاه به. فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله، في إيفاء العهد والثبات على الوعد، لأجازيكم على ذلك جزاء المحسنين؟ .\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾، معناه: \"وإذا اختبر، يقال منه: ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [سورة النساء: ٦]، يعني به: اختبروهم\" (١).\nقال الطبري: \" وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك هو \" الكلمات \" التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا\" (٢).\nثم اختلف أهل التفسير في صفة (الكلمات) التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه على أقوال (٣):\nأحدها: أنها شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما (٤).\nقال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلاه الله بكلمات، فأتمهن. قال: فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧]. قال: عشر منها في (الأحزاب) (٥)، وعشر منها في (براءة) (٦)، وعشر منها في (المؤمنون) (٧)، و(سأل سائل) (٨)، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما\" (٩).\nالثاني: إنها خصال من سُنَنِ الإسلام، خمس في الرأس.\nقال ابن عباس: \"ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء\" (١٠).\nوروي عن قتادة (١١)، وأبي الخلد (١٢)، نحو ذلك.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٤) السهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح. ثم سمى ما يفوز به الفالج سهما، ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهما. وقوله هنا يدل على أنهم استعملوه في كل جزء من شيء يتجزأ وهو جملة واحدة. فقوله: \" سهما \" هنا، أي خصلة وشعبة. وسيأتي شاهدها في الأخبار الآتية. (تفسير الطبري: ٣/ ٧).\n(٥) وهي في قوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، وَالصَادِقينَ والصَادِقَاتِ، وَالصَابِرِينَ وَالصَابِرَاتِ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ، والْمُتَصَدِّقَاتِ، وَالصَائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، وَالْحَافِظِينَ فروجَهُم وَالْحافِظَاتِ، وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالْذَّاكِرَاتِ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغَفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].\n(٦) وهي في قوله تعالى: ﴿التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون﴾ [التوبة: ١١٢].\n(٧) وهي في قوله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِم خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغُوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذيِنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِم أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ، فَمن ابتغى وَرَاءَ ذلِكَ فَأولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمُ لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونِ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \" [المؤمنون: ١ - ١١].\n(٨) من قوله تعالى: ﴿إلا المُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِم يُحَافظُون﴾ [المعارج: ٣٤].\n(٩) أخرجه الطبري (١٩٠٧): ص ٣/ ٧. كذلك رواه أبو جعفر بهذا الإسناد، في التاريخ ١: ١٤٤. وذكره ابن كثير ١: ٣٠٢، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم، والحاكم. وذكره السيوطي ١: ١١١ - ١١٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وابن مردويه، وابن عساكر. وهذا الإسناد صحيح.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٩١٠): ص ٢/ ٩، وهذا الإسناد صحيح، وهو في تفسير عبد الرزاق (مخطوطة دار الكتب المصورة)، بهذا الإسناد، وكذلك رواه أبو جعفر في التاريخ ١: ١٤٤، من تفسير عبد الرزاق. بهذا الإسناد، وكذلك رواه الحاكم ٢: ٢٦٦، من طريق ابن طاوس عن أبيه، به. وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، وذكره ابن كثير ١: ٣٠١. وكذلك ذكره السيوطي ١: ١١١ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه. (تفسير الطبري: ٣/ ٩).\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٩١٢): ص ٢/ ٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٩١٣): ص ٢/ ٩ - ١٠.","vol":"3","page":200},{"text":"الثالث: إنها عشر خصال، ست في الإنسان وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة\". وهذا قول ابن عباس في رواية حنش عنه (١).\nالرابع: أنها قوله: ﴿إني جاعلك للناس إماما﴾، في مناسك الحج. قاله أبو صالح (٢)، وروي عن مجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والربيع (٥) وابن عباس (٦) نحو ذلك.\nالخامس: أنها مناسك الحج خاصة. وهذا قول ابن عباس في رواية قتادة عنه (٧).\nالسادس: أنها أمور، منهن الختان. قاله الشعبي (٨).\nالسابع: أنها الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن. وهذا قول الحسن (٩)،\nعن أبي رجاء، قال: قلت للحسن: \" وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن \". قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه؛ وابتلاه بالقمر، فرضي عنه؛ وابتلاه بالشمس، فرضي عنه؛ وابتلاه بالنار، فرضي عنه؛ وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان\" (١٠).\nالثامن: أنها: قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩]. قاله السدي (١١).\nوالصواب: أن هذه الكلمات التي هي محل الابتلاء والاختبار، أطلقها الله ﷾؛ فهي كلمات كونية؛ وشرعية؛ أو جامعة بينهما؛ واختلف المفسرون في هذه الكلمات؛ وأصح الأقوال فيها أن كل ما أمره به شرعًا، أو قضاه عليه قدرًا، فهو كلمات؛ فمن ذلك أنه ابتُلي بالأمر بذبح ابنه، فامتثل؛ لكن الله ﷾ رفع ذلك عنه حين استسلم لربه؛ وهذا من الكلمات الشرعية؛ وهذا امتحان من أعظم الامتحانات؛ ومن ذلك أن الله امتحنه بأن أوقدت له النار، وأُلقي فيها؛ وهذا من الكلمات الكونية؛ وصبر، واحتسب؛ فأنجاه الله منها، وقال تعالى: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]؛ وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر، ومصابرة، أو أمره به فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بكلمات﴾.\nوَاخْتلفُوا فِي قَوْله تعالى: ﴿إِبْرَاهِيم﴾ [البقرة: ١٢٤]، على ثلاثة أوجه من القراءات (١٢):\nأحدها: ﴿إبرهم﴾، بِغَيْر يَاء وَطلب الْألف، قَرَأَ بها ابْن عَامر، فِي جَمِيع سورة البقرة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٩١٤): ص ٢/ ١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٩١٥)، و(١٩١٦): ص ٢/ ١٠ - ١١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٩١٧)، و(١٩١٨)، و(١٩٢٠)، و(١٩٢١): ص ٢/ ١١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٩١٩)، و(١٩٢٠): ص ٢/ ١١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٩٢٢): ص ٢/ ١١ - ١٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٢٣): ص ٢/ ١٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٩٢٣): ص ٣/ ١٢.\nهذا الإسناد ضعيف من ناحيتين. أما سلم - بفتح السين وسكون اللام - ابن قتيبة أبو قتيبة: فإنه ثقة، خرج له البخاري في صحيحه. وأما الضعف، فلأن \" عمر بن نبهان الغبري \" بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة: ضعيف جدا، ذمه الإمام أحمد، وقال ابن معين: ليس بشيء. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/ ١/١٣٨. والوجه الآخر من الضعف: أنه منقطع، لأن قتادة لم يدرك ابن عباس.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٩٣٠)، و(١٩٣١)، و(١٩٣٢): ص ٣/ ١٣ - ١٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٩٣٣)، و(١٩٣٤)، و(١٩٣٥)، و(١٩٣٦): ص ٢/ ١٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٩٣٣): ص ٢/ ١٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٩٣٧): ص ٢/ ١٤ - ١٥.\n(١٢) انظر: السبعة: ١٦٩ - ١٧٠.","vol":"3","page":201},{"text":"والثاني: ﴿إِبْرَهِيمُ﴾، بالياء، قرأ بها الْقُرَّاء جَمِيعًا.\nالثالث: ﴿إبرهام﴾، بالألف بعد الهاء، قاله الْأَخْفَش الدِّمَشْقِي عَن ابْن ذكْوَان عَن ابْن عَامر.\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قراءتين (١):\nإحداهما: ﴿إبراهيمُ ربَّه﴾، برفع إبراهيم ونصب ربه. قرأ بها أبو حنيفة، وهي قراءة ابن عباس ﵁، والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهنّ أم لا؟\nوالثانية: ﴿إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾. وهي القراءة المشهورة. و﴿إبراهيم﴾ فيه مقدّم في المعنى.\nقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: \"فأتم إبراهيم الكلمات\" (٢).\nقال الصابوني: أي: \" فقام بهن خير قيام\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \"فقام بهنّ حق القيام وأدّاهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان\" (٤).\nقال المراغي: أي: \" فأدّاها خير الأداء، وأتي بها على وجه الكمال\" (٥).\nقال الطبري: \"وإتمامه إياهن، إكماله إياهن، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي الله جل ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧]، يعني وفى بما عهد إليه، بـ ﴿الكلمات﴾، بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها\" (٦).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجوها:\nأحدها: أن معناه: عمل بهن. قاله أبو العالية (٧).\nالثاني: وفى بهن. قاله الربيع (٨).\nالثالث: أداهن. قاله قتادة (٩).\nقوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، يعني: إني مصيرك للناس إماما، يؤتم به ويقتدى به\" (١٠).\nقال أبو العالية: \" فجعله الله إماما يؤتم ويقتدى به\" (١١). وروي عن الحسن وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٢).\nقال الكلبي: \"يعني: يهتدي بهديك وسنتك، فأعجب ذلك إبراهيم! \" (١٣).\nقال الماوردي: \"أي: مقصودًا متبوعًا، ومنه إمام المصلين، وهو المتبوع في الصلاة\" (١٤).\nقال المراغي: \" أي قال إنى جاعلك للناس رسولا يؤتمّ بك، ويقتدى بهداك إلى يوم القيامة\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: الكشاف: ١/ ١٨٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٨٤، ونقله بتمامه النسفي في تفسيره: ١/ ٨٥.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٧ - ١٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٧٣): ص ١/ ٢٢٢.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٩.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ١٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٤): ص ١/ ٢٢٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٢.\n(١٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٥.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ١٨٥.\n(١٥) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٩.","vol":"3","page":202},{"text":"قال ابن عثيمين: \" وهي الإمامة عامة فيمن أتى بعده، فإن النبي ابراهيم﵇- صار إمامًا حتى لخاتم الرسل محمد ﷺ، كما قال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣]؛ و(الإمام) مَن يُقتدى به سواء في الخير، أو في الشر؛ لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير، فإذا قال قائل: أرُونا دليلًا على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون﴾ [القصص: ٤١]، وقول النبي ﷺ: \"من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\" (١)؛ وهذا لأنه إمام\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، \"أي: واجعل من ذريتي إمامًا يقتدى به\" (٣).\nقال ابن عطية: \" أي ومن ذريتي يا رب فاجعل\" (٤).\nقال الثعلبي: أي: \" ومن أولادي أيضا. فاجعل أئمة يقتدى بهم\" (٥).\nقال ابن ابي زمنين: \"أي: ومن كان من ذريتي فليكن إمامًا لغير ذريتي\" (٦).\nقال البغوي: \" أي ومن أولادي أيضا فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم في الخير\" (٧).\nقال المراغي: \" وقد جرى إبراهيم على سنة الفطرة، فتمنى لذريته الخير في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يرجو أن يكون ابنه أحسن منه في جميع ذلك\" (٨).\nقال أبو العالية: \" فقال إبراهيم: يا رب ومن ذريتي يقول: اجعل من ذريتي، من يؤتم به ويقتدى به\" (٩).\nويحتمل ﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجهين (١٠):\nأحدها: أنها لبيان الجنس؛ وبناءً على ذلك تصلح ﴿ذريتي﴾ لجميع الذرية؛ يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة.\nالثاني: أنها للتبعيض؛ وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إمامًا.\nقال شيخنا ابن عثيمين: \"والكلام يحتمل هذا، وهذا؛ ولكن سواء قلنا؛ إنها لبيان الجنس؛ أو للتبعيض؛ فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدًا بقوله تعالى ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ \" (١١).\nويحتمل الكلام في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجهين (١٢):\nأحدهما: أنه دعاء، وإبراهيم طمع في الإمامة لذريته، فسأل الله تعالى ذلك لهم، أي: من ذريتي يا رب فاجعل.\nالثاني: أنه استفهام، قال ذلك استخبارًا عن حالهم، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيا وظالما لا يستحق الإمامة.\nوفي أصل (الذرية) قولان (١٣):\nأحدهما: الأولاد الصغار، مشتق من الذر لكثرته.\nوالثاني: أنها من الذرر، وهو الخلق، فخفف الهمز وأدخل التشديد عوضا عن الهمز كالبرية.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ٢٠: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ...، حديث رقم ٢٣٥١ [٦٩] ١٠١٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٨٥.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٩.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٦.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ١٤٦.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٢٠٩.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٧): ص ١/ ٢٢٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٠٧.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٩.","vol":"3","page":203},{"text":"وقرئ ﴿ذريتي﴾، بكسر الذال، وهي لغة، وهي قراءة زيد بن ثابت، و﴿ذرية﴾ بفتحها وهي قراءة أبي جعفر، و﴿ذرية﴾، بضمها وهي قراءة العامة (١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، يعني: \"لا يصيب تعهدي لك بهذا الظالمين\" (٢).\nقال ابن ابي زمنين: \" أي: أن أجعلهم أئمة يقتدى بهم\" (٣).\nقال أبو العالية: \"يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على حق\" (٤).\nقال ابن عباس: يخبره أي أنه كان في ذريته ظالم لا ينال عهده ولا ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره، وإن كانوا من ذرية خليله ومحسن ستنفذ فيه دعوته ويبلغ فيه ما أراب من مسألته\" (٥).\nقال عطاء: \" فأبى أن يجعل ظالما إماما\" (٦).وروي عن مقاتل نحو ذلك (٧).\nقال مجاهد: \" قال: أما من كان منهم صالحا فسأجعله إماما يقتدى به. وأما من كان منهم ظالما فلا، ولا نعمة عين\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: أجعل من ذريتك إمامًا؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك\" (٩).\nقال المراغي: \" أي قال أجبتك إلى ما طلبت، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن عهدى بالإمامة لا يناله الظالمون، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس\" (١٠).\nقال الزجاج: \" فأَعلم اللَّه إبراهيم أن في ذريته الظالم\" (١١).\nقال البيضاوي: \" إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم. وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة\" (١٢).\nوالوصية تسمى: العهد (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجوه (١٤):\nاحدها: المراد: إنه سيكون في ذريتك ظالمون. وهذا قول مجاهد (١٥).\nالثاني: المعنى: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقْتَدَى به. وهذا قول مجاهد في رواية ابن أبي نَجِيح عنه (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٩، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٠٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٠.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٧): ص ١/ ٢٢٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٥): ص ١/ ٢٢٢.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٨): ص ١/ ٢٢٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ١/ ٢٢٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٩): ص ١/ ٢٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٠. قال ابن كثير: \" فلما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طَلِبَتِهِ قول الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه\".\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٢١٠.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٢٠٥.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٤.\n(١٣) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١/ ١٣٥، لسان العرب لابن منظور: ٤/ ٣١٣٨، الصحاح للجوهري: ٢/ ٥١٥، تاج العروس للزبيدي: ٥/ ١٤٤.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٩٦٢): ص ٢/ ٢٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٥١): ص ٢/ ٢٤.","vol":"3","page":204},{"text":"الثالث: أن المراد: لا يكون إمام مشرك. قاله سعيد بن جبير (١).\nوالصواب في تفسير قوله تعالى ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أن يقال: لا يصيب تعهدي لك بهذا، الظالمين؛ و﴿عهدي﴾ فاعل؛ و﴿الظالمين﴾ مفعول به؛ أي أجعل من ذريتك إمامًا؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك. والله تعالى أعلم.\nواختلفوا في تفسير (العهد) في قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، على أقوال:\nأحدها: أنه النبوة، وهو قول السدي (٢).\nوالثاني: أنه الإمامة، وهو قول مجاهد (٣)، وعكرمة (٤).\nوالثالث: أنه الإيمان، وهو قول قتادة (٥)، وإبراهيم (٦).\nوالرابع: أنه الرحمة، وهو قول عطاء (٧).\nوالخامس: أنه دين الله، وهو قول أبي العالية (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠).\nوالسادس: أنه الجزاء والثواب (١١).\nوالسابع: أنه لا عهد عليك لظالم أنه تطيعه في ظلمة، وهو قول ابن عباس (١٢).\nوالثامن: أنه طاعته. قاله الضحاك (١٣)، ومقاتل بن حيان (١٤).\nوأظهر هذه الأقوال قول من قال بأن العهد: الإمامة؛ لأنها المصدر بها في الآية، ولكنها إمامة خاصة وهي الإمامة في الدين لا في الدنيا كما يدل عليه السياق، والواقع بل الأظهر: أنها أخص من ذلك وهي النبوة فإن الأنبياء بعد إبراهيم﵇كانوا من ذريته (١٥). والله أعلم.\nوفي المراد بقوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وجوه:\nأحدها: أنهم المشركون. قاله سعيد بن جبير (١٦)، والسدي (١٧).\nوالثاني: أنهم أعداء الله. قاله الضحاك (١٨).\nوالثالث: أنهم العصاة. كما في ظاهر التنزيل. وهذا قول ابن عباس (١٩)، وروي عن مجاهد (٢٠)، وعطاء (٢١)، ومقاتل بن حيان (٢٢)، نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٩٤٥): ص ٢/ ٢٠، وابن أبي حاتم (١١٨٢): ص ١/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٩٤٦)، و(١٩٤٧)، و(١٩٤٩)، و(١٩٥٠)، و(١٩٥١)، و(١٩٥٣): ص ٢/ ٢٠ - ٢٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٩٤٨): ص ٢/ ٢١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٩٥٧)، و(١٩٥٨): ص ٢/ ٢٢ - ٢٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٥٩): ص ٢/ ٢٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨١): ص ١/ ٢٢٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨٠): ص ١/ ٢٢٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٩٦١): ص ٢/ ٢٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٩٦٠): ص ٢/ ٢٣.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٩٥٤)، و(١٩٥٥)، و(١٩٥٦): ص ٢/ ٢١ - ٢٢.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨٣): ص ١/ ٢٢٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٣.\n(١٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٧٧، مفاتيح الغيب: ٤/ ٤٥، محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٥.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨٤): ص ١/ ٢٢٤.\n(١٧) انظر: زاد المسير: ١/ ١٤١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨٥): ص ١/ ٢٢٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٩٥٤)، و(١٩٥٥)، و(١٩٥٦): ص ٢/ ٢١ - ٢٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٩٤٦)، و(١٩٤٧)، و(١٩٤٩)، و(١٩٥٠)، و(١٩٥١)، و(١٩٥٣): ص ٢/ ٢٠ - ٢٢.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨١): ص ١/ ٢٢٣، و(١١٨٦): ص ١/ ٢٢٤.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٣، ٢٢٤.","vol":"3","page":205},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤، ثلاثة قراءات (١):\nإحداها: ﴿عهدي الظالمون﴾، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة ابن مصرف.\nالثانية: ﴿عهدي الظالمين﴾، مرتجلة الياء، وهي قراءة أبي رجاء والأعمش وحمزة.\nوالثالثة: ﴿عهدي الظالمين﴾، بفتح الياء وهي قراءة العامة.\nقال الزجاج: \" والقراءَة الجيّدة هي على نصب ﴿الظالمين﴾؛ لأن المصحف. هكذا فيه، وتلك القراءَة جيدة (بالغة) إلا أني لا أقرأ بها، ولا ينبغي أن يُقْرأ بها لأنها خلاف المصحف\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الله قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وكما أنه يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية، مثل: مرض، مصائب في المال، أو في الأهل؛ وما أشبه ذلك.\n٢ - ومنها: فضيلة إبراهيم -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿ربه﴾ حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم - وهي ربوبية خاصة -؛ ولقوله تعالى: ﴿فأتمهن﴾؛ ولقوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾.\n٣ - ومنها: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾؛ فإنه لما أتمَّهن جوزي على ذلك بأن جُعل للناس إمامًا.\n٤ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالإمامة، والصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿قال ومن ذريتي﴾؛ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠].\n٥ - ومنها: أن الظالم لا يستحق أن يكون إمامًا؛ والمراد: الظلم الأكبر - الذي هو الكفر -؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾.\n٦ - ومنها: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل سافلين؛ لا يجعلهم في قمة؛ بل ينزلهم إما في الدنيا؛ وإما في الآخرة.\n٧ - ومنها: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي ﷺ ألا ينازعوا الأمر أهله، على ما تقدم من القول فيه، فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي ﵃، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فاعلمه (٣).\n٨ - ومن فوائد الآية: أن كل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد. وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض. وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا، فدل\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٦٩، وتفسير الطبري: ٢/ ٢٤، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٠٧.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٠٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٠٨ - ١٠٩.","vol":"3","page":206},{"text":"على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم ... قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلص في يده مال مسروق، ومال جيد حلال وقد وكله فيه رجل فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما - وإن كان الورع التنزه عنه - وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم لجهاتها. وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم. ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين (١).\nالقرآن\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]\nالتفسير:\nواذكر -أيها النبي- حين جعلنا الكعبة مرجعًا للناس، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه، ومجمعًا لهم في الحج والعمرة والطواف والصلاة، وأمنًا لهم، لا يُغِير عليهم عدو فيه. وقلنا: اتخِذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه، وهو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عند بنائه الكعبة. وأوحينا إلى إبراهيم وابنه إسماعيل: أن طهِّرا بيتي من كل رجس ودنس؛ للمتعبدين فيه بالطواف حول الكعبة، أو الاعتكاف في المسجد، والصلاة فيه.\nوفي سبب نزول الآية، تعددت الروايات على وجوه:\nأحدها: قال عمر بن الخطاب: \"قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله: \" واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى \" (٢).\nوالثاني: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن جعفر بن محمد عن أبيه، سمع جابرا يحدث عن حجة النبيﷺ- قال: \"لما طاف النبيﷺ قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم قال: أفلا تتخذه مصلى. فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ \" (٣).\nوأخرج الفاكهي عن عمر قال: \"كان رسول الله ﷺ يطوف فقال: \"هذا مقام أبينا إبراهيم\"، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى؟ فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ \" (٤).\nالثالث: وحكى الثعلبي عن ابن كيسان قال: \"ذكروا أن رسول الله ﷺ مر بالمقام ومعه عمر فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام إبراهيم؟ قال: بلى قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، \"أي: اذكر يا محمد للناس إذ صيّرنا الكعبة مرجعا يثوب الناس إليه، ويرجعون إليه من كل أقطار الدنيا\" (٦).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٠٩ - ١١٠. والكلام لابن خويز منداد.\n(٢) رواه أحمد في المسند: ١٥٧، ١٦٠، ٢٥٠، عن هشيم، وعن ابن أبي عدي، وعن يحيى - ثلاثتهم، عن حميد، عن أنس. ورواه البخاري أيضًا، عن مسدد، عن يحيى. كما ذكره ابن كثير ١: ٣٠٩ - ٣١٠، من رواية البخاري وأحمد، ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: \" حسن صحيح \".\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١١٩٦): ص ١/ ٢٢٦.\n(٤) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧. سنده ضعيف.\n(٥) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٧٨، وانظر: اللباب: ٢٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤. [بتصرف بسيط].","vol":"3","page":207},{"text":"قال الطبري: أي\" وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا\" (١).\nقال الصابوني: \"أي واذكر حين جعلنا الكعبة المعظمة مرجعًا للناس يقبلون عليه من كل جانب\" (٢).\nقال المراغي: \" أي واذكروا حين أن جعلنا البيت الحرام مرجعا للناس يثوبون إليه للعبادة، ويقصدونه لأداء المناسك فيه، وجعلناه أمنا لاحترام الناس له وتعظيمهم إياه بعدم سفك دم فيه، حتى كان يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرّض له بسوء ونحو الآية قوله في سورة العنكبوت: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] \" (٣).\nقال البيضاوي: أي: \" مرجعًا يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: مرجعا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرا\" (٥).\nو﴿البيت﴾: اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا (٦).\nوفي ﴿البيت﴾ في الآية قولان:\nأحدهما: أنه الكعبة، وإلى ذلك ذهب زيد بن أسلم (٧). واختاره القرطبي (٨)، وابن الجوزي (٩)، والواحدي (١٠)، والبغوي (١١)، وابن عطية (١٢)، وعزاه أبو حيان لجمهور المفسرين (١٣)، ويشهد له قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧].\nالثاني: أنه الحرم كله؛ لأنه تعالى وصفه بكونه (آمِنًَا) وهذه صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط. قاله الرازي (١٤).\nوالقولان محتملان، والثاني أولى لما ذكره الرازي وأبو حيان، والله أعلم.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: مجمعًا، لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة. وهذا قول سعيد بن جبير (١٥)، وروي عن عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة (١٦)، نحو ذلك (١٧).\nوالثاني: معاذًا للناس. قاله ابن عباس (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢١١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٥.\n(٥) تفسير السعدي: ٦٥.\n(٦) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٩، وتفسير البيضاوي: ١/ ٨١، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٠٧، وتفسير أبي السعود: ١/ ١٥٦، وتفسير فتح القدير: ١/ ٢٠٤، وروح المعاني: ١/ ٣٧٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٨٩): ص ١/ ٢٢٤.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١١٠.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ١٤١.\n(١٠) انظر: الوسيط: ١/ ٢٠٣.\n(١١) انظر: تفسير البغوي: ١/ ١٤٦\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.\n(١٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٧٩.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٥٠، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٧٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٩٢): ص ١/ ٢٢٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٧٥): ص ٢/ ٢٨.\n(١٧) تنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٥.\n(١٨) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٨٠.","vol":"3","page":208},{"text":"ووجهه أن الناس يثوبون إلى البيت عائذين به وملتجئين إليه لكونه كما قال الله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله-سبحانه-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أو أنهم يثوبون إليه عائذين بالله﷿من ذنوبهم وملتجئين إليه من معاصيهم، لأنه لا ملجأ منه-سبحانه-إلا إليه.\nوالثالث: مرجعًا، من قولهم قد ثابت العلة إذا رجعت، ومنه قيل: ثاب إليه عقله، إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه. وهذا قول ابن عباس (١)، وروي عن أبي العالية (٢)، وسعيد بن جبير في إحدى روايته (٣)، وعطاء (٤) ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعطية (٧)، والربيع بن أنس (٨)، والسدي (٩)، وابن زيد (١٠)، والضحاك (١١)، وعبدة بن أبي لبابة (١٢)، نحو ذلك (١٣).\nومن ذلك قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم (١٤):\nمثابا لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الطلائح\nوأكثر المفسرين قد فسروا لفظ ﴿مَثَابَةً﴾ بما وضع له لغة، فقالوا معناه: مرجعا (١٥).\nوالقول الثاني أولى بأن يحمل عليه كلام ابن عباس، لأن في الآية بعد ﴿وَأَمْنًا﴾، ولو حملت على الوجه الأول لكانت ﴿وَأَمْنًا﴾ للتأكيد، والتأسيس خير منه، وأيضًا فإن العطف يقتضي المغايرة.\n_________\n(١) اتظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٩١): ص ١/ ٢٢٥، وتفسير الطبري (١٩٦٧): ص ٢/ ٢٧.\n(٢) تنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٩٧٢): ص ٢/ ٢٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٩٦٩): ص ٢/ ٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٩٦٣)، و(١٩٦٤)، و(١٩٦٥): ص ٢/ ٢٦ - ٢٧.\n(٦) تنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٩٧٠): ص ٢/ ٢٧ - ٢٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٩٧٧): ص ٢/ ٢٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٩٦٦): ص ٢/ ٢٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٩٧٨): ص ٢/ ٢٩.\n(١١) تنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٩٦٨): ص ٢/ ٢٧.\n(١٣) تنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٥.\n(١٤) من أبيات طويلة لورقة بن نوفل في البداية والنهاية لابن كثير ٢: ٢٩٧، والبيت في تفسير أبي حيان ١: ٣٨٠، بهذه الرواية، وقبل البيت في ذكر أبينا إبراهيم ﵇:\nفمتبع دين الذي أسس البنا ... وكان له فضل على الناس راجح\nوأسس بنيانا بمكة ثابتا ... تلألأ فيه بالظلام المصابح\nمثابا لأفناء. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . .\nبنصب \" مثابا \" بيد أن الشافعي روى هذا البيت في الأم ٢: ١٢٠ لورقة بن نوفل، وعجزه. تخب إليه اليعملات الذوامل\nوكذلك جاء في القرطبي ٢: ١١٠:\nمثابا لأفناء القبائل كلها ... تخب إليها اليعملات الذوامل\nوعدها أبو حيان رواية في البيت، وبهذه الرواية ذكره صاحب اللسان في (ثوب) منسوبا لأبي طالب، وفي (ذمل) غير منسوب. والظاهر أن الشافعي ﵀ أخطأ في رواية البيت. وأخطأ صاحب اللسان في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة.\nوأفناء القبائل: أخلاطهم ونزاعهم من هاهنا وهاهنا. وخبت الدابة تخب خببا: وهو ضرب سريع من العدو. واليعملات جمع يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل، اشتق اسمها من العمل، والعمل الإسراع والعجلة. والطلائع جمع طليح. ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها، فهي ضامرة هزلا. يعني الإبل أنضاها أصحابها في إسراعهم إلى حج البيت. وأما \" الذوامل \" في الرواية الأخرى، فهو جمع ذاملة. ناقة ذمول وذاملة: وهي التي تسير سيرا لينا سريعا.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩، جامع البيان للطبري: ٣/ ٢٦ - ٢٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢١٠ - ٢١١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٥٤، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٦٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٠٤، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٨١١، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٠٩، محاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ٢٤٧، وغيرها.","vol":"3","page":209},{"text":"وكل هذه الأقوال على أن مثابة: من ثاب يثوب إذا رجع وهو الأظهر، وفسرها عطاء على أنها من الثواب: الذي هو الجزاء، والمعنى: على أن البيت موضع ثواب يثاب فيه الناس بحجهم واعتمارهم فيه (١).\nوفي رجوعهم إليه وجهان (٢):\nأحدهما: أنهم يرجعون إليه المرة بعد المرة. وهذا قول الجمهور (٣).\nوالثاني: أنهم في كل واحد من نُسُكَيَ الحج والعمرة يرجعون إليه من حل إلى حرم؛ لأن الجمع في كل واحد من النسكين بين الحل والحرم شرط مستحق.\nوقد اختلف أهل اللغة في (المثابة) في السبب الذي من أجله أنثت على قولين (٤):\nأحدهما: أن (الهاء) ألحقت في (المثابة)، لما كثر من يثوب إليه، كما يقال: (سيارة)، لمن يكثر ذلك، (ونسابة). وهو قول بعض نحويي البصرة.\nوالثاني: أن (المثاب) و(المثابة) بمعنى واحد، نظيرة (المقام) و(المقامة)، و(المقام)، ذكر - على قوله - لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت (المقامة)، لأنه أريد بها البقعة، وأنكر هؤلاء أن تكون (المثابة) كـ (السيارة)، و(النسابة)، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في (السيارة) و(النسابة)، تشبيها لها بـ (الداعية). وهذا قول بعض نحويي الكوفة.\nوقرأ الأعمش: ﴿مثابات﴾ على الجمع، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾، فيحتمل أن يكون من الثواب، أي يثابون هناك (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، \"أي وجعلناه أمنًا للناس\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"أي مكان أمن يأمن الناس فيه على دمائهم، وأموالهم، حتى أشجار الحرم، وحشيشه آمن من القطع\" (٧).\nقال الحافظ ابن حجر (٨): \" أي: موضع آمن (٩)، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] والمراد ترك القتال فيه (١٠).\nقال ابن عطية: \" معناه: أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي آمنة من ذلك، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه، لأن الله تعالى جعل لها في النفوس حرمة وجعلها أمنا للناس والطير والوحوش\" (١١).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٥١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١٠، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٦٤، روح المعاني للألوسي: ١/ ٣٧٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٦ - ٢٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤ - ٢٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ١١٠، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٠٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤.\n(٨) الفتح: ٣/ ٥١٤.\n(٩) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٠٩، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥١، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٨١.\n(١٠) أي: ترك الجاهليين القتال فيه، وذلك أن الناس كانوا يغيرون ويقتتلون حول الحرم والناس فيه آمنون، حتى إن الرجل يلقى به قاتل أبيه فلا يهيجه ولا يعرض له حتى يخرجِ منه؛ لأن الله جعل له في النفوس حرمة قال﷿ممتنًا عليهم: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] وقد استدل بهذه الآية قوم على أن الحدود لا تقام في الحرم، وهذا محل نظر فإن الانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة وحراسة البلاد وتأمين السبل من العابثين غاية الأمن، وإنما الآية في مقام الامتنان على أهل الجاهلية، أما في الإسلام فقد أغنى الله عباده بما شرعه لهم من أحكام. انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٢٩ - ٣٠، النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٨٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١١، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٥٢، التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٧٠٩، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٨.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٧.","vol":"3","page":210},{"text":"قال الطبري: \"وإنما سماه الله (أمنا)، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه، وكان كما قال الله جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] \" (١).\nوقد روي عن ابن زيد في قوله: \" ﴿وأمنا﴾ قال، من أم إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له\" (٢).\nوعن الربيع: \" قوله: ﴿وأمنا﴾، يقول: أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن\" (٣).\nوعن السدي: أما ﴿أمنا﴾، فمن دخله كان آمنا\" (٤).\nوقال مجاهد: \"تحريمه، لا يخاف فيه من دخله\" (٥). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، \"أي وقلنا لهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى\" (٧).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أقوال (٨):\nأحدها: أن ﴿مقام إبراهيم﴾، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، وعطاء (١١)، والشعبي (١٢).\nالثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (١٣)، وروي عن ابن عباس (١٤)، مجاهد (١٥)، والشعبي (١٦)، نحو ذلك.\nالثالث: أنه الحرم كله (١٧). وهو قول مجاهد (١٨)، والنخعي (١٩)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (٢٠) عن ابن عباس (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١٩٧٩): ص ٢/ ٢٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١٩٨٢): ص ٢/ ٢٩.\n(٤) أخرجه الطبري (١٩٨٠): ص ٢/ ٢٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١٩٨١): ص ٢/ ٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٨٣): ص ٢/ ٣٠.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٢١١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٣ - ٣٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٧١ وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤١، النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٨٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤١٣ - ٤١٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٠): ص ٢/ ٣٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٩٩١): ص ٢/ ٣٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٢): ص ٢/ ٣٣.\n(١٢) انظر: العيون للماوردي: ١/ ١٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٣): ص ٢/ ٣٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٥): ص ٢/ ٣٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٤): ص ٢/ ٣٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٦): ص ٢/ ٣٣.\n(١٧) الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٤٨ ب، البسيط للواحدي: ١/ ٨٦ أ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٨): ص ٢/ ٣٤.\n(١٩) هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، ثقة فقيه، ورع عابد، كان يرسل ويدلس، توفي عام: ٩٦ هـ. انظر: تهذيب الكمال للمزي: ٢/ ٢٣٣، المراسيل لابن أبي حاتم: ٨، جامع التحصيل للعلائي: ١٦٨، تهذيب التهذيب لابن حجر: ١/ ١٧٧.\n(٢٠) هو: أبو صالح باذان، ويقال: باذام مولئ أم هانئ، تابعي صاحب تفسير، متكلم فيه: وثقه العجلي، وقال ابن معين: لا بأس به، وأبى رد حديثه يحمى القطان، وروى عنه شعبة وروايته عنه تعديل كما يقول ابن تيمية. وترك حديثه ابن مهدي والجوزجاني وأبو حاتم والنسائي، واتهمه الأزدي بالكذب، وقال الحافظ: ضعيف يدلس. انظر: الضعفاء للنسائي: ٢٣، الضعفاء للبخاري: ٢٣، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ١/ ٤٣٧، مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٢٤/ ٣٥٠، تهذيب الكمال للمزي: ٤/ ٦، تهذيب التهذيب لابن حجر: ١/ ٤١٦.\n(٢١) لم أهتدِ إلى من ذكر قول ابن عباس هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح. وقد عزاه لابن عباس القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١١٣، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٤١، والكوكباني في تفسير المنان: ٢/ ١٢٩٢، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٢٢٣ عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم، لكن الذي عند ابن أبي حاتم في التفسير: ١/ ٣٧١ رقم: ١٢٠٧ عن مجاهد عن ابن عباس، وهو الذي أورده ابن كثير في التفسير: ١/ ٢١١، والعيني في عمدة القاري: ٩/ ٢١٢.","vol":"3","page":211},{"text":"الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢).\nثم هؤلاء ذكروا وجهين (٣):\nأحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (٤)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (٥)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (٦).\nإذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (٧):\nومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل\nوقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (٨).\nوثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (٩)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (١٠).\nوقال ابن جبير ناقدًا هذا القول: \"ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٩): ص ٢/ ٣٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١١٩٩): ص: ١/ ٢٢٦.\n(٣) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٤٥ - ٤٦.\n(٤) هو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه في البخاري-فتح-: ٦/ ٤٥٦ - ٤٥٨ رقم: ٣٣٦٤، وقول جابر وقتادة وسعيد بن جبير. انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥٣، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٧٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١، جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤ - ٣٥.\n(٥) انظر: البخاري-فتح-: ٦/ ٤٥٦ - ٤٥٨ رقم: ٣٣٦٤.\n(٦) انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥٣، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١، وتفسير للطبري: ٣/ ٣٤ - ٣٥.\n(٧) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٧٣). وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٧ - ٤١٨).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" اختلف المؤرخون: هل كان الحجر الذي كان يرفع عليه إبراهيم (ص) بناءَ الكعبة لاصقًا بالكعبة، أو كان منفصلًا عنها في مكانه الآن؛ فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقًا بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا الموضع عمر بن الخطاب ﵁؛ وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة؛ أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي ﷺ فالظاهر أنه لا يجوز أن يغير؛ لأن النبي ﷺ أقره؛ وإذا أقره النبي ﷺ فليس لنا أن نؤخره عنه؛ وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة بناءً على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أُخِّر؛ وهذا لا شك أنه لو أُخِّر عن مكانه فيه دفع مفسدة وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في المواسم؛ وفيه نوع مفسدة وهي أنه يبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم؛ فهذه المصالح متعارضة هنا: هل الأولى بقاؤه في مكانه؟ أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يبقى ما كان على ما كان، وحذرًا من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة؛ ومسألة تضييق المصلين على الطائفين هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت؛ أو بالمنع بالقهر إذا لم تفد؛ وفي ظني أنها قلّت في السنوات الأخيرة بعض الشيء؛ لأن الناس صار عندهم وعي\". (انظر: تفسيره: ٢/ ٢٢).\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٢): ص ٢/ ٣٥ - ٣٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١٣، وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٤٢: ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٤.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١١٩٩): ص ١/ ٢٢٦.","vol":"3","page":212},{"text":"خامسا: وقال آخرون: بل ﴿مقام إبراهيم﴾، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، والسدي (٣).\nوالراجح: أن المقام هو (الحجر) (٤) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (٥) (٦) من حديث جابر (٧)، وعند البخاري أيضًا (٨).\nواختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، على قولين (٩):\nأحدهما: مَدْعَى يَدْعِي فيه، وهو قول مجاهد (١٠).\nوهؤلاء وَجَّهوا (المصَلَّى) إلى أنه (مُفَعَّل)، من قول القائل: (صليت) بمعنى دعوت، وقائلوا هذا القول، هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحج كله.\nومعنى الآية على هذا القول: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها، وتأتمون بإبراهيم خليلي ﵇ فيها، فإني قد جعلته لمن بعده - من أوليائي وأهل طاعتي - إماما يقتدون به وبآثاره، فاقتدوا به.\nوالثاني: أنه مصلى يصلي عنده، وهو قول قتادة (١١)، والسدي (١٢)، والحسن البصري (١٣).\nوالقول الثاني هو الراجح، لما يسنده من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ (١٤). والله تعالى أعلم.\nقال الشيخ السعدي: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، يحتمل أن يكون المراد بذلك، المقام المعروف الذي قد جعل الآن، مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا، ركعتا الطواف، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٠): ص ٢/ ٣٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠١): ص ٢/ ٣٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٢): ص ٢/ ٣٥.\n(٤) وقد اختار ذلك أيضًا وصوبه: الطبري في جامع البيان: ٣/ ٣٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١١٢، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ١٨٧، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٤١، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٤٠، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٠٥، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢١٣، وقد حكى اتفاق المحققين عليه الرازي في مفاتيح الغيب: ٤/ ٥٣، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٨١.\n(٥) هو: أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، إمام حافظ، ثقة حجة، عالم بالفقه، صاحب الصحيح، توفي عام: ٢٦١ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: ٥/ ١٩٤، سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٥٥٧، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٨٨، وكلاهما للذهبي، تقريب التهذيب لابن حجر: ٩٣٨.\n(٦) أخرجه مسلم في صحيحه: ١/ ٨٨٦ - ٨٨٧ رقم: ١٢١٨ وفيه: (حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ثم نفذ إلى مقام إبرا هيم﵇فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت).\n(٧) هو: أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي-بفتحتين-صحابي ابن صحابي، أحد المكثرين من الرواية، شهد العقبة وتسعة عشر غزوة، ولم يشهد بدرًا واحدًا، منعه أبوه، توفي عام: ٧٨ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة لابن الأثير: ١/ ٣٠٧، الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ ٢١٩، تهذيب الكمال للمزي: ٤/ ٤٤٣، الإصابة لابن حجر: ١/ ٤٣٤.\n(٨) انظر: البخاري في جامعه-فتح-: ١/ ٦٠١ رقم: ٤٠٢ من حديث أنس عن عمر قال: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (وَاتَّخذُوا من مَّقَام إبرَاهيمَ مُصَلَّى) ... الحديث).\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٧ - ٣٨\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٤): ص ٢/ ٣٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٥): ص ٢/ ٣٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٦): ص ٢/ ٣٧.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥٤، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١. ولفظه: \" أي: قبلة\". وتعبير الحسن أولى من تعبير قتادة والسدي، لأن الصلاة أمامه أو بحذائه يطلق عليها صلاة عنده وليس هذا مرادًا-رحمة الله على الجميع-.\n(١٤) أي الاستدلال على مشروعية الصلاة ركعتين خلف المقام، انظر البخاري-فتح-: ١/ ٥٩٥.","vol":"3","page":213},{"text":"كلها: من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، ومزدلفة ورمي الجمار والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج، فيكون معنى قوله: ﴿مُصَلًّى﴾ أي: معبدا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى، لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له\" (١).\nواختلفت القرأة في قراءة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ على وجهين (٢):\nأحدهما: ﴿وَاتَّخذُوا﴾، بكسر (الخاء)، على وجه الأمر باتخاذه مصلى، قرأ بها ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي.\nوفي توجيه قراءة الجمهور أربعة أقوال:\nأحدها: أنه معطوف على ما تضمنه قوله: ﴿مَثَابَةً﴾ كأنه قال: ثوبوا واتخذوا (٣).\nالثاني: أنه معمول لمحذوف أي: وقلنا اتخذوا (٤).\nالثالث: أن يكون الواو للاستئناف (٥).\nالرابع: أن قوله ﴿وَاتَّخذُوا﴾ معطوفة على ﴿اذكُرُوا﴾ [لبقرة: ١٢٢]، إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا، ولم يرتضِ هذا الوجه الطبري (٦)، واستبعده أبو حيان (٧).\nوالثاني: ﴿وَاتَّخذُوا﴾ بفتح (الخاء) على وجه الخبر. وهي قراءة نافع وابن عامر. ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله: (واتخذوا) إذ قرئ كذلك، على وجه الخبر، وذكروا فيه ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه معطوف على تقدير (إذ)، كأنه قال: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. قاله بعض نحويي البصرة (٨).\nوالثاني: أنه معطوف على قوله: (جعلنا)، فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوه مصلى. وهو قول بعض نحويي الكوفة (٩).\nفعلى الأول الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان.\nوالثالث: وقيل: على محذوف تقديره: فثابوا، أي: رجعوا واتخذوا (١٠)\nوالراجح في القراءة: (واتخذوا) بكسر (الخاء)، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، للخبر الثابت عن رسول الله ﷺ، عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله: \" واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى \" (١١).\nقال الحافظ ابن حجر: \"والجمهور (١٢) على كسر الخاء من قوله: (وَاتَّخِذُوا) بصيغة الأمر\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٦٥.\n(٢) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٠، وتفسير الطبري: ٢/ ٣٠ - ٣١.وتفسير القرطبي: ٢/ ١١١.\n(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١، والدر المصون للسمين: ١/ ٢٦٤، واستبعده أبو حيان في البحر.\n(٤) هو قول الزمخشري في الكشاف: ١/ ٣١٠، وأبي حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٨١، وانظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٣٦٤.\n(٥) هو قول أبي البقاء العكبري في إملاء ما من به الرحمن: ١/ ٦٢. وهناك قول رابع: وهو أن (وَاتَّخذُوا) معطوفة على ﴿اذكُرُوا﴾ [لبقرة: ١٢٢]، إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا، ولم يرتضِ هذا الوجه ابن جرير في جامع البيان: ٣/ ٢١ - ٢٢، واستبعده أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٨١، وانظر الدر المصون للسمين: ١/ ٣٦٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢١ - ٢٢.\n(٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٨١.\n(٨) هو قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٠٧، والمهدوي في شرح الهداية: ١/ ١٨٢، ومكي في الكشف عن وجوه القراءات السبع: ١/ ٢٦٣.\n(٩) هو قول الفراء في معاني القرآن: ١/ ٧٧، والنحاس في إعراب القرآن: ١/ ٢٥٩، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣١٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١١١.\n(١٠) هو قول أبي البقاء العكبري في إملاء ما من به الرحمن: ١/ ٦٢.\n(١١) رواه أحمد في المسند: ١٥٧، ١٦٠، ٢٥٠، عن هشيم، وعن ابن أبي عدي، وعن يحيى - ثلاثتهم، عن حميد، عن أنس. ورواه البخاري أيضًا، عن مسدد، عن يحيى. كما ذكره ابن كثير ١: ٣٠٩ - ٣١٠، من رواية البخاري وأحمد، ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: \" حسن صحيح \".\n(١٢) أي: جمهور القراء، انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ٢١٤، السبعة لابن مجاهد: ١٧٠، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١٠٦، الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش: ٢/ ٦٠٢، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي: ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٦٤، شرح الهداية للمهدوي: ١/ ١٨١.\n(١٣) الفتح: ٨/ ١٨.","vol":"3","page":214},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، \"أي: ووصينا إبراهيم وإسماعيل\" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" أمرناهما\" (٢).\nقال المراغي: \" أي ووصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من كل رجس معنوى كالشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسى كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء العبادات كالطواف به والسعى بين الصفا والمروة والعكوف فيه والركوع والسجود\" (٣).\nقال أهل العلم: \"وفي الآية إيماء إلى أن إبراهيم كان مأمورا هو ومن بعده بهذه العبادات، ولكن لا دليل على معرفة الطريق التي كانوا يؤدونها بها، وسماه الله بيته لأنه جعله معبدا للعبادة الصحيحة، وأمر المصلين بأن يتوجهوا في عبادتهم إليه\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنآ إِلى إبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، تأويلان (٥):\nأحدهما: أي أَمَرْنَا. وهذا قول ابن جريج (٦)، وابن زيد (٧).\nوالثاني: أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل (٨).\nو﴿َإِسْمَاعِيل﴾: هو ابن إبراهيم؛ وهو أبو العرب؛ وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني: هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه؛ وهو الذي قال لأبيه: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ وقول من قال: (إنه إسحاق) بعيد؛ وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل: لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه أبو العرب عمهم؛ ولكن من تأمل آيات «الصافات» تبين له ضعف هذا القول.\nقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، \"أي أمرناهما بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان\" (٩).\nقال صاحب الكشاف: أي \"طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي أمرناهما أمرًا مؤكدًا\" (١١).\nقال البيضاوي: \" يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه\" (١٢).\nقال القاسمي: \" أي عن كل رجس حسيّ ومعنويّ: فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع. أو ابنياه على طهر من الشرك بي. كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٢١٢.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٥.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢١١.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٢١١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٨، والنكت والعيون: ١/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٧): ص ٢/ ٣٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٨): ص ٢/ ٣٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ١٨٥.\n(١١) انظر: تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٧.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٥.","vol":"3","page":215},{"text":"وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، أو أخلصاه للطائفين وما بعده لئلا يغشاه غيرهم. فاللام صلة «طهرا» على هذا. وعلى ما قبله، لام العلة. أي طهراه لأجلهم\" (١).\nقال ابن عطية: \" وأضاف الله (البيت) إلى نفسه تشريفا للبيت، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك\" (٢).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أوجه (٣):\nأحدها: من الأصنام. قاله ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وابن زيد (٦)، وروي عن عبيد بن عمير (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، نحو ذلك.\nوالثاني: من الشرك. قاله مجاهد (٩)، روي عن سعيد بن جبير (١٠)، وأبي العالية (١١)، وقتادة (١٢)، وعطاء (١٣) نحوه.\nوالثالث: من الأنجاس. روي عن سعيد بن جبير نحوه (١٤).\nوالرابع: وقيل: \"من الفرث والدم\" (١٥).\nقال ابن عطية: \"وهذا ضعيف لا تعضده الأخبار\" (١٦).\nوالراجح أن تطهير البيت يقصد به: تطهيره من الأرجاس الحسية والمعنوية، أي: إعداده وتخصيصه للمؤمنين بالله، فلا يقربه مشرك، ولا يطوف به، ولا يعكف فيه إلا مؤمن خالص الإيمان، و(أنْ) تفسيرية؛ لأنّ (عهدنا) فيه معنى القول دون حروفه؛ أي أنّ العهد هو قوله تعالى: (طَهِّرَا بَيْتِيَ)؛ و(طَهِّرَا) فعل أمر؛ و(بيتي) المراد به الكعبة؛ وأضافها الله ﷾ إلى نفسه إضافة تشريف. والله أعلم.\nقال الرازي: ويقصد بتطهير البيت: \"التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى: وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله، وكل ذلك داخل تحت الكلام\" (١٧).\nوإن قيل: فلم يكن على عهد إبراهيم، قبل بناء البيت بيت يطهر، قيل: عن هذا جوابان (١٨):\nأحدهما: معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطَهَّرًا، وهذا قول السدي (١٩).\nوالثاني: معناه أن طهرا مكان البيت (٢٠).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٣٤٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٨.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٠٥): ص ١/ ٢٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠١٤): ص ٢/ ٤٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠١٠): ص ٢/ ٣٩ - ٤٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠١١): ص ٢/ ٤٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٠٦): ص ١/ ٢٢٧، وزاد \"والريب، وقول الزور والرجس\".\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠١٣): ص ٢/ ٤٠.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٠٧): ص ١/ ٢٢٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠١٥): ص ٢/ ٤٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٨.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٠٦): ص ١/ ٢٢٧.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٨.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٨.\n(١٧) تفسير الرازي: ٤/ ٤٨ - ٤٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١، والنكت والعيون: ١/ ١٨٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٩): ص ٢/ ٣٩.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٨٨.","vol":"3","page":216},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي: \" ليكون معقلًا للطائفين حوله والمعتكفين الملازمين له والمصلين فيه\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ [البقرة: ١٢٥]، اختلف في هذه الاوصاف الثلاثة على قولين (٢):\nالقول الأول: أن تلك الأوصاف الثلاثة على فرق ثلاثة، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف، وعلى هذا القول يمكن تعريف الأوصاف الثلاثة كالآتي:\nأ- (لِلطَّائِفِينَ): فالمراد بـ (الطَّائِفِينَ): كل من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به فاللام هذه للتعليل أي لأجلهم.\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿الطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، في هذا الموضع على وجهين (٣):\nالأول: أنهم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غَرْبةٍ، أي من أتاه من مكان بعيد. قاله سعيد بن جبير (٤).\nالثاني: أنهم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله. وهذا قول عطاء (٥)، ومقاتل (٦).\nوالقول الثاني أولى، لأن (الطائف): هو الذي يطوف بالشيء دون غيره، والطارئ من غَرْبةٍ لا يستحق اسم (طائف بالبيت)، إن لم يطف به.\nب- ﴿الْعَاكِفِينَ﴾: كل من يقيم هناك ويجاور. فالعاكف على الشيء \"، هو المقيم عليه، كما قال نابغة بني ذبيان (٧):\nعكوفا لدى أبياتهم يثمدونهم ... رمى الله في تلك الأكف الكوانع\nقال الطبري: \"وإنما قيل للمعتكف (معتكف)، من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى\" (٨).\nقال صاحب الكشاف: (وَالْعَاكِفِينَ) أي \" المجاورين الذين عكفوا عنده، أى أقاموا لا يبرحون، أو المعتكفين، ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعنى القائمين في الصلاة .. لأنّ القيام والركوع والسجود هيآت المصلى\" (٩).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٤٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠ - ٤١. ذكر الطبري أخبارا لكل من القولين: عن سعيد بن جبير في قوله: \" للطائفين \" قال، من أتاه من غربة. وعن عطاء: \" للطائفين \" قال، إذا كان طائفا بالبيت فهو من \" الطائفين\".\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢١١): ص ١/ ٢٢٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢٠٩): ص ١/ ٢٢٨.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ١/ ٢٢٨.\n(٧) ديوانه: ٦٣ من أبيات قالها لزرعة بن عامر العامري. حين بعثت بنو عامر إلى حصن بن حذيفة وابنه عيينة بن حصن: أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد، وألحقوهم ببني كنانة، ونحالفكم ونحن بنو أبيكم. وكان عيينة هم بذلك، فقالت بنو ذبيان: أخرجوا من فيكم من الحلفاء، ونخرج من فينا! فأبوا، فقال النابغة: ليهن بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع سوى أسد، يحمونها كل شارق ... بألفي كمي، ذي سلاح، ودارع ثم مدح بني أسد، وذم بني عبس، وتنقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعد بن ذبيان، وهجاهم بهذا البيت الذي استشهد به الطبري، ورواية الديوان \" قعودا \"، و\" يثمدونها \"، والضمير للأبيات.\nوقوله: \" يثمدونهم \" أصله من قولهم: \" ثمد الماء يثمده ثمدا \"، نبث عنه التراب ليخرج. وماء مثمود: كثر عليه الناس حتى فني ونفد إلا أقله. وأخذوا منه: \" رجل مثمود \"، إذا ألح الناس عليه في السؤال، فأعطى حتى نفد ما عنده. يقول: يظل بنو سعد ومالك لدى أبيات عبد بن سعد يستنزفون أموالهم. يصفهم بالخسة وسقوط الهمة. ومن روى: \" يثمدونها \" وأعاد الضمير إلى \" أبياتهم \"، فهو مثله، في أنهم يلازمون بيوتهم ويسترزقونها، يهزأ بهم.\nوالكوانع جمع كانع: وهو الخاضع الذي تدانى وتصاغر وتقارب بعضه من بعض، كأنه يتقبض من ذلته. يصفهم بالخسة والطمع والسؤال الذليل. وقوله: \" رمى الله \" يعني أصابها بما يستأصلها، ورواية الديوان: \" في تلك الأنوف \"، فمعناه: رمى فيها بالجدع، وهو دعاء عليهم، واشمئزاز من حقارتهم. (تفسير الطبري: ٢/ ٤١).\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٤٢.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ١٨٥.","vol":"3","page":217},{"text":"وعلى هذا اختلف فيمن عنى الله بقوله ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أقوال (١):\nأحدها: أنه عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة. قاله ابن عباس (٢)، وعطاء (٣).\nوالثاني: أنهم المعتكفون المجاورون. قاله مجاهد (٤)، وعكرمة (٥).\nوالثالث: أنهم أهل البلد الحرام. قاله قتادة (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وروي عن الربيع (٨)، نحو ذلك.\nالرابع: أنهم المصلون. قاله ابن عباس (٩).\nوالراجح: أن (العاكف) في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة، لأن صفة \" العكوف \" ما وصفنا: من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ - المصلين والطائفين، علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من \" العاكف \"، غير حال المصلي والطائف، وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا (١٠) \".\nج- ﴿الرُّكَّعِ السُّجُود﴾: كل من يصلي هناك، واختلف المفسرون في معناه على أقوال (١١):\nالأول: أن (الرُّكَّعِ)، جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم (راكع)، وكذلك (السجود) هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم (ساجد).\nالثاني: أن المراد بـ ﴿الركع السجود﴾، المصلين. قاله ابن عباس (١٢)، وعطاء (١٣)، وقتادة (١٤)، ومقاتل (١٥).\nقلت: عبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها؛ فإذا أطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلًا على أن هذا الجزء ركن فيها لا تصح بدونه؛ و(الرُّكَّعِ) جمع راكع؛ و(السُّجُودِ) جمع ساجد.\nقال ابن عطية: \" وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى\" (١٦).\nالقول الثاني: وقيل: أنه إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود، وهو قول عطاء (١٧).\nوالصواب هو القول الأول، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. والله تعالى أعلم.\nوهنا بدأ بـ (الطائفين)؛ لأن عبادتهم خاصة بهذا المسجد؛ ثم بـ (العاكفين﴾؛ لأن عبادتهم خاصة بالمساجد؛ لكنها أعم من الطائفين؛ وثلّث بـ (الرُّكَّعِ السُّجُود)؛ لأن ذلك يصح بكل مكان بالأرض؛ لقوله، عليه\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٢ - ٤٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢١٢): ص ١/ ٢٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠١٩): ص ٢/ ٤٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢٠): ص ٢/ ٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢٠): ص ٢/ ٤٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢١٣): ص ١/ ٢٢٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢٢): ص ٢/ ٤٢ - ٤٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢٣): ص ٢/ ٤٣.\n(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٤٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢١٦): ص ١/ ٢٢٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢٤): ص ٢/ ٤٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٢٥): ص ٢/ ٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٩.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٨.\n(١٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٤٧، وانظر: تفسير الطبري (٢٠٢٥): ص ٢/ ٤٤، ولفظه هناك: \" إذا كان يصلي فهو من ﴿الركع السجود﴾ \".","vol":"3","page":218},{"text":"الصلاة والسلام: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" (١)؛ فإذًا يكون الله ﷾ بدأ بالأخص فالأخص (٢).\nالفوائد\n١ - من فوائد الآية: فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة؛ وأمن، فقوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾ استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] كأنه قال: آمنوا من دخل البيت. والصحيح إقامة الحدود في الحرم، وأن ذلك من المنسوخ، لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ويقتل خارج البيت. وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا؟ والحرم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة. وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه. وقال أبو حنيفة: من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج. فنحن نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد، فأي قتل أشد من هذا. وفي قوله: \"وأمنا\" تأكيد للأمر باستقبال الكعبة، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه (٣).\n٢ - ومنها: ظهور رحمة الله؛ فإنه لما جعل هذا البيت مثابة، والناس لابد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله أمنًا؛ وإنما أحلها الله لرسوله -ﷺ- ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح؛ ثم قال -ﷺ-: \"وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»؛ ثم أورد -ﷺ- سؤالًا قال فيه: \"فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\" (٤)؛ والحكم لله العلي الكبير: أذِن للرسول في تلك الساعة؛ ولكنه لم يأذن لأحد بعده كما لم يأذن لأحد قبله؛ ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمنًا؛ ولما طعن ابن عمر ﵄ وهو على راحلته في منى طعنه أحد الخوارج بسنان الرمح في أخمص قدمه حتى لزقت قدمه بالركاب جاءه الحجاج يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ ! فقال ابن عمر: أنت أصبتني! قال: وكيف؟ قال: \"حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم\" (٥)؛ وبهذا تعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم والعياذ بالله من أعظم الناس جرمًا؛ لأن الله ﷾ جعل هذا البلد آمنًا في كل وقت؛ فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن والله أعلم إلا لأجلها.\n٣ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون كل مكان مثابة للناس أمنًا؛ ولهذا كره أهل العلم أن يحمل السلاح في المساجد؛ قالوا: لأن المساجد محل أمن؛ لكن إذا كان المراد من حمل السلاح حفظ الأمن كان مأمورًا به.\n٤ - ومنها: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ فإن قلنا بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال؛ لأن فيه ما لا يتم الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ ومنه ما يصح الحج بدونه مع وجوبه كالمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات؛ ومنه ما يصح الحج بدونه وليس بواجب، كصلاة الركعتين بعد الطواف على المشهور؛ وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال: فإن جمهور العلماء على أنهما سنة؛ وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان؛ والذي ينبغي للإنسان: أن لا يدعهما؛ لأن الرسول ﷺ فسر الآية بهما، حيث تقدم إلى مقام إبراهيم بعد الطواف، فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾.\n٥ - ومنها: أن الله ﷾ يثيب العامل بأكثر من عمله؛ فإبراهيم -ﷺ- لما أتم الكلمات جعله الله تعالى إمامًا للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلًّى؛ وهذا بعض من إمامته.\n٦ - ومنها: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية، والمعنوية؛ لقوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا﴾؛ والعهد هو الوصية بالأمر الهام؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]؛ ولهذا لا يجوز للمشركين وغيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا من المسجد الحرام والله تعالى يقول: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].\n٧ - ومن فوائد الآية: اشتراط طهارة مكان الطواف؛ لقوله تعالى: ﴿للطائفين﴾.\n٨ - ومنها: اشتراط طهارة لباس الطائفين من باب أولى، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان.\n٩ - ومنها: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿وطهرا بيتي للطائفين﴾؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان مثلًا أن يطوف حول المسجد الحرام من خارج فإنه لا يجزئ؛ لأنه يكون حينئذ طائفًا بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق أو تحت، فهؤلاء يجزئهم الطواف؛ وعلى هذا يجب الحذر من الطواف في المسعى، أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد؛ إذ لو كان من المسجد لكانت المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزم من سعيها أن تمكث في المسجد.\n١٠ - ومن فوائد الآية: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود؛ وأن الركوع والسجود أفضل هيئة في الصلاة؛ فالركوع أفضل هيئة من القيام؛ والسجود أفضل منه؛ والقيام أفضل من الركوع، والسجود بما يُقرأ فيه؛ ولهذا نُهي المصلي أن يقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا؛ فإنَّ ذِكْر القيام كلام الله؛ وهو أفضل من كل شيء؛ وذكر الركوع والسجود هو التسبيح؛ وهو أقل حرمة من القرآن؛ ولذلك حل الذكر للجنب دون قراءة القرآن، ويجوز مس الورقات التي فيها الذكر بغير وضوء دون مس المصحف؛ فالله ﷾ حكيم: جعل لكل ركن من أركان الصلاة ميزة يختص بها؛ فالقيام اختصه بفضل ذكره؛ والركوع والسجود بفضل هيئتهما.\n١١ - ومن الفوائد: جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا (٦) إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها، وهو خلاف قول مالك (٧) في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت، فإن قيل: لا نسلم دلالة الآية على ذلك، لأنه تعالى لم يقل: والركع السجود في البيت، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت، وإنما دلت على فعله خارج البيت، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجها إليه، قلنا: ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت أو خارجا عنه، وإنما\n_________\n(١) سبق تخريجه ١/ ٣٤٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١١١.\n(٤) أخرجه البخاري ص ١٢، كتاب العلم، باب ٣٧: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم ١٠٤، وأخرجه مسلم ص ٩٠٣ - ٩٠٤، كتاب الحج، باب ٨٢: تحريم مكة وتحريم صيدها ...، حديث رقم ٣٣٠٤ [٤٤٦] ١٣٥٤.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٧٦، كتاب العيدين، باب ٩: ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، حديث رقم ٩٦٦.\n(٦) لأن ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت سواء أكان ذلك في البيت أم خارجًا عنه. وهذا القول قول الحنفية والشافعية. انظر: فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ١١٠، بدائع الصنائع للكاساني: ١/ ١١٥، المبسوط للسرخسي: ٢/ ٧٩، الأم للشافعي: ١/ ١٩٧، المهذب للشيرازي: ١/ ٦٧، روضة الطالبين للنووي: ١/ ٢١٤، مغني المحتاج للشربيني: ١/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٧) وتبعه المالكية، وهو مذهب الحنابلة قالوا: لأن الله﷿يقول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمصلي في الكعبة لا يكون مستقبلًا للبيت كله؛ لأن بعض البيت يكون خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا تصح. انظر: مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب: ١/ ٥١٠ - ٥١١، التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق-بحاشية مواهب الجليل-: ١/ ٥١٠، بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك للصاوي: ١/ ٢٢٦، المغني لابن قدامة: ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦، كشاف القناع للبهوتي: ١/ ٣٥٤، الإنصاف للمرداوي: ١/ ٤٩٦. والأظهر جواز صلاة النفل والفرض داخل الكعبة لظاهر الآية، ولثبوت صلاة النبي ﷺ ركعتين داخل الكعبة في فتح مكة، كما في حديث ابن عمر عن بلال﵃الذي أورده البخاري في صحيحه-فتح-: ٣/ ٥٤١ رقم: ١٥٩٨، ولأن الأصل تساوي الفرض والنفل في جميع الأحكام ولا فرق بينهما إلا بدليل. ولأن معنى (شَطْرَ الْمَسْجِدْ) في الآية جهته وهذا يشمل استقبال جميع الكعبة أو جزء منها كما فسرت ذلك السنة بصلاته ﷺ في الكعبة. وانظر في المسألة: الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين: ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٢، بداية المجتهد لابن رشد: ١/ ٢١٠ - ٢١١، الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي: ١/ ٦٠٢ - ٦٠٤، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ٤٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١٥ - ١١٦، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥٧ - ٥٨.","vol":"3","page":219},{"text":"أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت، ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] وأيضا المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه، واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجها إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه. والجواب: أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى كل المسجد، بل لا بد وأن يكون متوجها إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلا تحت الآية (١).\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]\nالتفسير:\nواذكر -أيها النبي- حين قال إبراهيم داعيًا: ربِّ اجعل \"مكة\" بلدًا آمنًا من الخوف، وارزق أهله من أنواع الثمرات، وخُصَّ بهذا الرزق مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر. قال الله: ومن كفر منهم فأرزقه في الدنيا وأُمتعه متاعًا قليلا ثم أُلجئُه مرغمًا إلى عذاب النار. وبئس المرجع والمقام هذا المصير.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي\"واذكروا إِذ قال إبراهيم\" (٢): ربي \"اجعل مكة بلدا آمنا\" (٣).\nقال الحسن: \" هذا دعاء، دعا به إبراهيم فاستجاب له دعاءه فجعله بلدا آمنا\" (٤).\nقال الزمخشري: \" أى: اجعل هذا البلد أو هذا المكان ذا أمن\" (٥)\nقال أبو السعود: \" أي اجعل هذا الواديَ من البلادِ الآمنة وكان ذلك أولَ ما قَدِمَ ﵇ مكةَ\" (٦).\nقال الآلوسي: \" أي اجعل هذا المكان القفر بلدا آمنا، وكان النداء بلفظ (الرب) مضافا لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته\" (٧).\nقال الطبري: أي: \"واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وائتفاك، وغرق، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد\" (٨).\nقال ابن عطية: \" دعا إبراهيم ﵇ لذريته وغيرهم بمكة بالأمن ورغد العيش، ﴿واجْعَلْ﴾: لفظه الأمر وهو في حق الله تعالى رغبة ودعاء، ﴿وآمِنًا﴾: معناه من الجبابرة والمسلطين والعدو المستأصل والمثلاث التي تحل بالبلاد، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيه ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيره، ونبتت فيها أنواع الثمرات\" (٩).\nقال المراغي: \" وهذا دعاء منه أن يكون البيت آمنا في نفسه من الجبابرة وغيرهم أن يسلّطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان من خسف وزلزال وغرق ونحو ذلك مما ينبئ عن سخط الله ومثلاته\n_________\n(١) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٤٩.\n(٢) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٠٧.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢١٣، و١٣/ ١٦٠. [بتصرف بسيط].\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٨): ص ١/ ٢٢٩.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٨٦.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٨.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٣٧٩. [بتصرف بسيط].\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٤٤ - ٤٥.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٩.","vol":"3","page":220},{"text":"التي تصيب سائر البلاد، وقد استجاب الله دعاءه فلم يقصده أحد بسوء إلا قصم ظهره، ومن تعدى عليه لم يطل زمن تعديه، بل يكون تعديا عارضا ثم يزول\" (١).\nقال الواحدي: \" والعرب تقول: آمَنُ من حمام مكة، يضربون المثلَ بها في الأمن\" (٢).\nقال أبو حيان: قوله: \" ﴿هَاذَا الْبَلَدَ﴾، باعتبار ما يؤول إليه سماه بلدًا. ووصف بلد بآمن، إما على معنى النسب، أي ذا أمن، كقولهم: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، أي ذات رضا، أو على الاتساع لما كان يقع فيه الأمن جعله آمنًا كقولهم: نهارك صائم وليلك قائم\" (٣).\nقال الليث: \"كل موضع من الأرض عامرٍ أو غامر مسكونٍ أو خالٍ: بلدٌ، والطائفة منه: بلدة\" (٤)، لأنها لا تثار ولا تهاج (٥).\nوقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر. من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (٦)، البعير: بلدة. لأنه إذا برك أثرت، قال ذو الرمة (٧):\nأُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها\nويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ، قال القُطامي (٨):\nليست تجرح فُرّارًا ظهورهم ... وبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ\nوقال ابنُ الرِّقاع (٩):\nعرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ... مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها\nوإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال الشاعر (١٠):\nكلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ... ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد\nومن هذا يقال: رجلٌ بليدٌ، إذا أثَّرَ فيه الجهلُ، ثم يقالُ منه: تبلَّدَ الرجلُ، وهو نقيضُ التجلُّد، قال (١١):\nألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا\nوبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي، قال الشاعر (١٢):\nجَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ... تداركَه أعراقُ سوءٍ فَبَلَّدَا (١٣)\nنستنتج مما بق بأن (البلد): \"اسم لكل مكان مسكون سواء كان ذلك مدينة كبيرة، أو مدينة صغيرة؛ كله يسمى بلدًا؛ وقد سمى الله ﷾ مكة بلدًا، كما في قوله تعالى: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: ٣]؛ وسماها الله\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٢١٣.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٣١٣.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٣٣٢.\n(٤) تهذيب اللغة: ١/ ٣٨٣، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٠٨.\n(٥) انظر: مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٨٧، \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ١/ ١٩٩، \"المستقصى\" للزمخشري ١/ ٧.\n(٦) الكِركِرة: بالكسر: رحى زور البعير، أو صدر كل ذي خف. \"القاموس\" ٤٦٩.\n(٧) انظر: ديوانه: ١٠٠٤، وتهذيب اللغة: ١/ ٣٨٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٤١، \"المعجم المفصل\" ٧/ ١٣٥.\n(٨) انظر: ديوانه: ١٢، واللسان: مادة: بلد. ويروى: وفي النجوم، كما في \"عمدة الحفاظ\"١/ ٢٥٨، وكذا في \"المشوف المعلم\" ١/ ١١٧، و\"البصائر\" ٢/ ٢٧٣، وينظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب ص ١٤٣.\n(٩) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٤١ مادة: بلد.\n(١٠) البيت بلا نسبة في \"المخصص\" ٦/ ١٣٣، وانظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٤٢٩، ونسبه الواحدي لخفاف بن عمير السلمي، انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٠٩.\n(١١) البيت للأحوص الأنصاري في \"ديوانه\" ص ٩٨، وانظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠١.\n(١٢) البيت بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٤٢ و٥/ ٢٩٠٤، \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠١.\n(١٣) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠.","vol":"3","page":222},{"text":"تعالى قرية، كما في قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم﴾ [محمد: ١٣] \" (١).\nوقد اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه (٢):\nأحدها: أنه سأله الأمن من القحط، لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع.\nوضعّفه أبو حيان فقال: \" فهي أكثر بلاد الله قحطًا وجدبًا\" (٣).\nالثاني: أنه سأله الأمن من الخسف والمسخ.\nالثالث: وقال بعض المفسرين: أي آمنًا مَن فيه؛ لأن البلد نفسه لا يوصف بالأمن، والخوف، فـ (البلد) (٤) أرض، وبناء؛ وإنما الذي يكون آمنًا: أهلُه؛ أما هو فيكون أمْنًا.\nقلت: وهذا ضعيف، والذي ينبغي هو أن يبقى على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمنًا؛ وإذا أمِنَ البلد أمِن مَن فيه وهو أبلغ؛ لأنه مثلًا لو جاء أحد، وهدم البناء ما كان البناء آمنًا، وصار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يُتلفه؛ فكون البلد آمنًا أبلغ من أن نفسره بـ (آمنًا أهله)؛ لأنه يشمل البلد، ومن فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وارزق أهله﴾؛ لأن البلد لا يرزق (٥).\nالرابع: أنه سأله الأمن من القتل، وهو قول أبو بكر الرازي، واحتج عليه بأنه ﵇ سأله الأمن أولا، ثم سأله الرزق ثانيا، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرارا فقال في هذه الآية: ﴿رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات﴾ وقال في آية أخرى: ﴿رب اجعل هاذا البلد امنا﴾ ثم قال في آخر القصة: ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع﴾ إلى قوله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوقد أخرج الطبري عن قتادة قال: \"ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش، وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمان الطوفان - حين أغرق الله قوم نوح - رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله\" (٦).\nالخامس: وقيل: أنه سأله الأمن من الجبابرة.\nوضعّفه أبو حيان فقال: \" فالواقع يرده، إذ قد دخل فيه الجبابرة وقتلوا، كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج بن يوسف، والقرامطة، وغيرهم\" (٧).\nواختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أم كانت قبله كذلك، على ثلاثة أفوال (٨):\nأحدها: أنه لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض.\nأخرج الطبري عن شريح الخزاعي أنه قال: \" لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال: \" يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥١.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٤٨.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٣٣٢.\n(٤) قال الرازي: قوله تعالى (بَلَدًا آمِنًا) يحتمل وجهين:\nأحدهما: مأمون فيه كقوله تعالى: ﴿فى عيشة راضية﴾ (القارعة: ٧) أي مرضية.\nوالثاني: أن يكون المراد أهل البلد كقوله: ﴿واسئل القرية﴾ (يوسف: ٨٢) أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد. (انظر: تفسيره: ٤/ ٤٨).\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣.\n(٦) تفسير الطبري (٢٠٢٦): ص ٢/ ٤٥.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٣٣٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٥ - ٥١، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١٧ - ١١٨.وتفسير الرازي: ٤/ ٥١.","vol":"3","page":223},{"text":"بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فمن قال: إن رسول الله ﷺ قد قتل بها! فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك \" (١).\nالثاني: أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم ﵇ كسائر البلاد، وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله ﷺ أمنا بعد أن كانت حلالا.\nروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا تقطع عضاهها\" (٢).\nقال ابن عطية: \" ولا تعارض بين الحديثين (٣)، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه\" (٤).\nالثالث: وقيل: أنها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة، فالأول: يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم، والثاني: بالأمر على ألسنة الرسل (٥).\nوالراجح: أن الله جعل مكة حرما آمنا حين خلقها وأنشأها، \"كما أخبر النبي ﷺ، \" أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض \" (٦)، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله، ولكن بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه، يستنون به فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله، للناس إماما يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما سأله، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [البقرة: ١٢٦]، \" أي وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات\" (٨).\nقال ابن عباس: \" يعني: من وحد الله وآمن باليوم الآخر\" (٩).\nوعن ابن عباس أيضا: \" كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين، فأنزل الله ومن كفر- أيضا- أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقا لا أرزقهم! \" (١٠).\nوقال عكرمة: \" قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال الله: نعم\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢٠٢٧): ص ٢/ ٤٤، وهذا مختصر من حديث صحيح مطول: فرواه أحمد في المسند: ١٦٤٤٨ (ج ٤ ص ٣٢ حلبي)، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد. ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا - مطولة - في سيرة ابن هشام ٤: ٥٧ - ٥٨ (حلبي)، و٨٢٣ - ٨٢٤ أوربة، ٢: ٢٧٧ - ٢٧٨ (من الروض الأنف). ورواه أيضًا، بنحوه، أحمد: ١٦٤٤٤ (ج ٤ ص ٣١)، والبخاري ١: ١٧٦ - ١٧٧، و٤: ٣٥ - ٣٩ (فتح)، ومسلم ١: ٣٨٣ - ٣٨٤ كلهم من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح. وقوله في الحديث: \" أو يعضد بها شجرا \"، أي يقطعه، يقال \" عضد الشجر \"، من باب \" ضرب \" قطعه. وقوله: \" غضبا على أهلها \": هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق، في المسند، وسيرة ابن هشام، وفي المطبوعة: \" عصى على أهلها \". وهو تصحيف. (تفسير الطبري: ٢/ ٤٥ - ٤٦).\n(٢) أخرجه الطبري (٢٠٢٩): ص ٢/ ٤٨، وإسناده صحيح. ونقله ابن كثير ١: ٣١٦.\n(٣) الحديثان اللذان ذكرا في الوجهين الأول والثاني.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٠٩.\n(٥) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٥١.\n(٦) تفسير الطبري (٢٠٢٧): ص ٢/ ٤٤، ورواه أحمد في المسند: ١٦٤٤٨ (ج ٤ ص ٣٢ حلبي).\n(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٥٠ - ٥١.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٣): ص ١/ ٢٣٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٩): ص ١/ ٢٢٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٠): ص ١/ ٢٣٠.","vol":"3","page":224},{"text":"قال السعدي: \"أي\" اعط أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد ﵇ هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول، فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم\" (١).\nقال أبو السعود: \" بأن تجعلَ بقربٍ منه قرُىً يحصُل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطارِ الشاسعةِ وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمعُ فيه الفواكهُ الربيعيةُ والصيفيةُ والخريفيةُ في يومٍ واحد\" (٢).\nقال أبو حيان: \" دعا لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك. ألا ترى أن قريشًا لما طغت، دعا عليها رسول الله ﷺ: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين، كسني يوسف\" (٣) \" (٤).\nقال الزهري: \" إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها في الطائف لدعوة إبراهيم خليل الله\" (٥). وروي عن محمد بن مسلم الطائفي (٦) مثل ذلك.\nو(الإيمان) في اللغة: التصديق؛ وفي الشرع: التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته؛ و(اليوم الآخر) هو يوم القيامة؛ وسمي آخرًا؛ لأنه لا يوم بعده؛ وسبق بيان ذلك (٧).\nوقد \"ذكر متعلق الإيمان، وهو الله تعالى واليوم الآخر، لأن في الإيمان بالله إيمانًا بالصانع الواجب الوجود، وبما يليق به تعالى من الصفات، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالثواب والعقاب المرتبين على الطاعة والمعصية اللذين هما مناط التكليف المستدعي مخبرًا صادقًا به، وهم الأنبياء. فتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، وبما جاؤا به. فلما كان الإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بجميع ما يجب أن يؤمن به، اقتصر على ذلك، لأن غيره في ضمنه\" (٨).\nويحتمل ﴿مِنَ﴾: في قوله تعالى: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وجهين (٩):\nأحدهما: أنها للتبعيض، لأنهم لم يرزقوا إلا بعض الثمرات.\nوالثاني: أنها لبيان الجنس.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي قال الله تعالى: وأرزق\" كفارهم أيضا، وأمتعهم بهذا الرزق أمدا قليلا، وهو مدة وجودهم في الدنيا\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" أى ومن كفر، فأنا أمتعه\" (١١).\nقال الثعلبي: أي: \" فسأرزقه إلى منتهى أجله، لأنه تعالى وعد الرزق للخلق كافة كافرهم ومؤمنهم وقيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل\" (١٢).\nقال عكرمة: \" قال الله: ومن كفر أيضا فإني أرزقه من الدنيا، حين استرزق إبراهيم لمن آمن\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٦.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٨.\n(٣) مسند الإمام أحمد (١٠٣٧٥): ص ٢/ ٥٢١. ولفظه: \" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ\".\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٣٣٢.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (١٢٢١): ص ١/ ٢٣٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢٢٢): ص ١/ ٢٣٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٢.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٣٣٢.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٣٢.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٢١٣.\n(١١) الكشاف: ١/ ١٨٦.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٣.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٥): ص ١/ ٢٣٠.","vol":"3","page":225},{"text":"قال الصابوني: \" أي قال الله وأرزق من كفر أيضًا كما أرزق المؤمن، أأخلق خلقًا ثم لا أرزقهم؟ أما الكافر فأمتعه في الدنيا متاعًا قليلًا وذلك مدة حياته فيها\" (١).\nقال أبو حيان: وهذا: \" إخبار من الله تعالى بما يكون مآل الكافر إليه من التمتيع القليل والصيرورة إلى النار، وليس هنا قياس الرزق على الإمامة، ولا تعريف الفرق بينهما، كما زعم\" (٢).\nو(المتاع): \" هو كل ما انتفع به، وفسر هنا التمتيع والإمتاع بالإبقاء، أو بتيسير المنافع، ومنه: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، أي منفعتها التي لا تدوم، أو بالتزويد، ومنه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ أي: زوّدوهنّ نفقة. و(المتعة): ما يتبلغ به من الزاد، والجمع: (متع)، ومنه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] \" (٣).\nواختلف أهل التفسير في قائل هذا القول ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، على وجهين (٤):\nأحدهما: أن هذا القول من الله ﷿ لإبراهيم. قاله أبي بن كعب (٥) وابن إسحاق (٦) وعكرمة (٧).\nوالثاني: أنه قول إبراهيم﵇- على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا. وهذا قول ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩).\nوالصواب: ما قاله أبي بن كعب، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك. وهو اختيار الإمام الطبري (١٠) كذلك (١١).\nواختلف في نوع المتاع في قوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، على أقوال (١٢):\nأحدها: أنه بالرزق. قاله مجاهد (١٣).\nالثاني: أن المراد: فأمتعه بالبقاء في الدنيا.\nالثالث: وقيل: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة، حتى أبعث محمدا ﷺ فيقتله، إن أقام على كفره، أو يجليه عنها.\nوالصواب هو القول الأول، فيكون تفسير قوله تعالى﴾ فأمتعه قليلا﴾ أي: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته.\nوأما القولان الأخيران وإن كان وجها يحتمله الكلام، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه. والله تعالى أعلم.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، على وجهين (١٤):\nأحدهما: ﴿فأمتعه﴾ خفيفة من (أمتعت)، قرأ بها ابن عامر وحده.\nووجه قراءته، أنّ (أمتع) لغة، ومنه قول الراعي النميري (١٥):\nخليلين من شعبين شتّى تجاورا ... قديمًا وكانا بالتفرّق أمتعا\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٣٣٤.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٣٣٤.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١١٧ - ١١٨. وتفسير الطبري: ٢/ ٥٣ - ٥٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٣): ص ٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم (١٢٢٤): ص ١/ ٢٣٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٤): ص ٢/ ٥٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٢٥): ص ١/ ٢٣٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٥): ص ٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم (١٢٢٤): ص ١/ ٢٣٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٦): ص ٢/ ٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥. وتفسير الرازي: ٤/ ٥٢.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٢٦): ص ١/ ٢٣١، وتفسير الطبري (٢٠٣٦): ص ٢/ ٥٤.\n(١٤) السبعة في القراءات: ١٧٠، والعجاب: ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(١٥) ديوانه ١٦٦، واللسان والصحاح والتاج مادة (متع).","vol":"3","page":226},{"text":"والثاني: ﴿فأمتعه﴾ مشددة التاء من (متعت)، وهي قراءة الباقون.\nقال أبو علي: \"التشديد أولى لأن التنزيل عليه، قال تعالى: ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾ [هود: ٦٥]، فتمتّع مطاوع متّع، وعامّة ما في التنزيل على التثقيل، قال جلّ اسمه: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣]، ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٦١]. وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يونس: ٩٨]، فكما أن هذه الألفاظ على متّع دون أمتع، فكذلك الأولى بالمختلف فيه أن يكون على متّع دون أمتع\" (١).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي: \"ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها\" (٢).\nقال ابن أبي نجيح: \" ثم مصير الكافر إلى النار\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أي أَلُزُّهُ إليه لزَّ المضطرِ، لكفرِه وتضييعه ما متعه به من النعم\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار\" (٥).\nقال الطبري: \"ومعنى (الاضطرار)، الإكراه، يقال: اضطررت فلانا إلى هذا الأمر، إذا ألجأته إليه وحملته عليه، فذلك معنى قوله: (ثم أضطره إلى عذاب النار)، أدفعه إليها وأسوقه، سحبا وجرا على وجهه\" (٦).\nقال الرازي: \" الإضطرار: هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا، كقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ (البقرة: ١٧٣) (الأنعام: ١٤٥) (النحل: ١١٥) فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى: أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور، وبئس المصير ضده\" (٧).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، على وجوه (٨):\nاحدها: ﴿ثم نضطره﴾. بالنون، وهي قراءة أبىّ بن كعب.\nالثاني: ﴿فاضطره﴾، بكسر الهمزة. قرأ بها يحيى بن وثاب.\nالثالث: ﴿ثم اضطره﴾، على لفظ الأمر. والمراد الدعاء من إبراهيم دعا ربه بذلك. وهي قراءة ابن عباس.\nالرابع: ﴿ثم أضطره﴾، بإدغام الضاد في الطاء خبرًا. قرأ بها ابن محيصن.\nالخامس: ﴿ثم اضطره﴾، بضم الطاء، خبرًا. قرأ بها يزيد بن أبي حبيب.\nقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي: \"وساء المصيرُ عذابُ النار\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي وبئس المال والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي بئس المصيرُ النارُ أو عذابُها\" (١١).\nقال الطبري: \"و(المصير)، فإنه (مَفعِل) من قول القائل: (صرت مصيرا صالحا)، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار (١٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) العجاب: ٢/ ٢٢١.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥ - ٥٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٧): ص ١/ ٢٣١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٥، ونقله أبو السعود بتمامه: ١/ ١٥٩.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٣١٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥ - ٥٦.\n(٧) تفسير الرازي: ٤/ ٥٢.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ١٨٦، والبحر المحيط: ١/ ٣٣٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٦.","vol":"3","page":227},{"text":"١ - من فوائد الآية: التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإذ قال﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال؛ ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه، والإعلام ما أمر به.\n٢ - ومنها: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿رب اجعل ...﴾ إلخ.\n٣ - ومنها: أن للدعاء أثرًا في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنه لولا أن للدعاء أثرًا لكان الدعاء عبثًا؛ وقول من يقول: «لا حاجة للدعاء: إن كان الله كتب هذا فهو حاصل، دعوت أو لم أدعُ؛ وإن كان الله لم يكتبه فلن يحصل، دعوت أو لم أدعُ»، فإن جوابنا عن هذا أن نقول: إن الله قد كتبه بناءً على دعائك؛ فإذا لم تدع لم يحصل، كما أنه لو قال: «لن آكل الطعام؛ فإن أراد الله لي الحياة فسوف أحيا - ولو لم آكل؛ وإن كان يريد أن أموت فسوف أموت - ولو ملأت بطني إلى حلقومي»؛ نقول: لكن الأكل سبب للحياة؛ فإنكار أن يكون الدعاء سببًا إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله ﷾ يقدِّر الأشياء بالدعاء؛ فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصًا كثيرة فيها إجابة للدعاء؛ كذلك يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه؛ فإذًا الشرع، والواقع كلاهما يبطل دعوى من أنكر تأثير الدعاء.\n٤ - ومن فوائد الآية: رأفة إبراهيم -﵇- بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمنًا يتضمن الإرفاق بمن أمّه من الناس.\n٥ - ومنها: رأفة إبراهيم -﵇- أيضًا، حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات؛ لقوله تعالى: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾.\n٦ - ومنها: أدب إبراهيم -﵇-، حيث لم يعمم في هذا الدعاء؛ فقال: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن﴾ خوفًا من أن يقول الله له: «من آمن فأرزقه»، كما قال تعالى حين سأله إبراهيم أن يجعل من ذريته أئمة: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ فتأدب في طلب الرزق: أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد؛ لكن المسألة صارت على عكس الأولى: الأولى خصص الله دعاءه؛ وهذا بالعكس: عمم.\n٧ - ومنها: أن رزق الله شامل للمؤمن، والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾؛ فالرزق عام شامل للمؤمن، والكافر؛ بل للإنسان، والحيوان، كما قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ [هود: ٦]؛ وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق يُجلب إليه من حيث لا يشعر، ولا يحتسب؛ ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، ويشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء يَجلب الله لها رزقًا كلما احتاجت إلى ذلك، فتأكله؛ والله على كل شيء قدير.\n٨ - ومن فوائد الآية: أنه يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير عملًا كثيرًا ينفعنا في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأمتعه قليلًا﴾؛ والعمل اليسير - ولله الحمد - يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\n٩ - ومنها: إثبات عذاب النار.\n١٠ - ومنها: إثبات كلام الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿قال﴾؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ والدليل على أنه بحرف أن قوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾ مثلًا مكوَّن من حروف؛ والدليل على أنه بصوت مسموع: المحاورة مع إبراهيم؛ فلولا أن إبراهيم يسمع صوتًا لم تكن محاورة.\n١١ - ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه ﷾.\n١٢ - ومنها: إثبات اليوم الآخر.\n١٣ - ومنها: الثناء على النار بهذا الذم، وأنها بئس المصير؛ فكل إنسان يسمع هذا من كلام الله ﷿ سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها.\nالقرآن","vol":"3","page":228},{"text":"﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]\nالتفسير:\nواذكر -أيها النبي- حين رفع إبراهيم وإسماعيل أسس الكعبة، وهما يدعوان الله في خشوع: ربنا تقبل منَّا صالح أعمالنا ودعاءنا، إنك أنت السميع لأقوال عبادك، العليم بأحوالهم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، \"أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، فيه قراءتان:\nإحداهما: بكسر الهاء بعدها ياء.\nوالثانية: بفتح الهاء بعدها ألف: (إبراهام).\nو(القواعد): \"جمع قاعدة، وهي السارية والأساس\" (٢)،\nومعنى (القعود) في أصل اللغة: الثبات على أيِّ حالةٍ كانت، الدليل عليه قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، يريد: مثابت ومراكز، ولا يريد مَجَالس. وقولهم: قَعَدَتِ المرأةُ عن المحيض، معناه: ثبتت على حالة الطُّهْر، ولا يراد به الجُلوس، ويقولون: قَعَدَتِ الفَسِيلة، إذا ثَبَتَتْ في الأرض، وصار لها جذع، ومن هذا: قواعد البيت، فَقَعَدَ في أصل اللغة بمعنى: ثبت، ثم نقل إلى هذا الفعل المخصوص والمتعارف الذي لا تعرف العامة غيره (٣).\nقال ابن المظفر: \"القواعد: أصول الأساسِ، الواحد: قاعدة\" (٤).\nقال الزجاج: \"وكل قاعدةٍ فهي أصلٌ للذي فوقها \" (٥)، قال الكُمَيْت (٦):\nفي ذِروةٍ من يفاعٍ اوّلهم ... زانت عواليَها قواعدُها\nومنه يقال للخشبات أسافل الهودج: القواعد، لأنها كالأساس للهودج (٧).\nوقواعد البيت: يعنى: \"أصولَ البيت الّتي كانت قبل ذلك\". قاله ابن عباس (٨).\nوقد اختلف في (القواعد) التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت، أهما أحدثا ذلك، أم هي قواعد كانت له قبلهما، وذكروا فيه أقوال (٩):\nأحدها: أنها قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم درس مكانه وتعفَّى أثرُه بعده، حتى بوأه الله إبراهيم عليه والسلام، فبناه. وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعطاء (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٢٧ وانظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٧.\n(٣) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣١٦، وتهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٠٤، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٨٩ (قعد).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٠٤، \"تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٥، والبحر المحيط: ١/ ٣٨٧.\n(٥) معاني القرآن\" ١/ ٢٠٨، قال في \"البحر المحيط\" ١: ٣٧٣: القواعد: قال الكسائي والفراء: هي الجدر، وقال أبو عبيدة: الأساس، وبالأساس فسرها ابن عطية أولًا والزمخشري وقال: هي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة.\n(٦) لبيت للكميت في \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٧٣ ولم ينسبه، واليَفَاع: المشرف من الأرض والجبل.\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣١٦.\n(٨) ذكره الثعلبي في تفسيره ١/ ٢٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٨): ص ١/ ٢٣١ بلفظ: أساس البيت، وأخرجه الطبري في \"تفسيره (٢٠٣٨): ص ٣/ ٥٨، بلفظ: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٧ - ٦٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٨): ص ٣/ ٥٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٧): ص ٣/ ٥٧ - ٥٨.","vol":"3","page":229},{"text":"والثاني: أنها قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت. وهذا قول عبدالله بن عمر (١)، وقتادة (٢)، وأبي قلابة (٣)، وأبان (٤).\nوالثالث: أنها كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء، وذلك في موضع البيت الحرام. ثم دحا الأرض من تحتها، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم، فبناه على أساسه. وقالوا: أساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة. وهذا قول ابن عباس (٥)، مجاهد (٦)، وعمرو بن دينار (٧)، وعطاء ب أبي رباح (٨)، وكعب (٩).\nوقد قال الحافظ ابن حجر: \"وظاهره أنه كان مؤسَّسًا قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرفع نقلها من مكانها إلى مكان البيت\" (١٠).\nوقد جعل الفخر الرازي (١١)، قوله تعالى: (وَإِذْ يَرفَعُ إبرَاهيمُ الْقَوَاعدَ منَ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] صريحًا في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم رفعها وعمرها.\nوقد تعقبه ابن كثير إذ قال: \"وفي الاستدلال مما ذكره من الآية نظر، إذ لا يلزم وجود القواعد قبل، والله أعلم\" (١٢).\nقلت: الآية محتملة، وغالب ما ذكره الإخباريون والمفسرون مأخوذ \"عن كتب أهل الكتاب وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين\" (١٣).\nوقال ابن عطية -بعد ذكره بعض الأقوال في ابتداء بناء البيت: \"ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر\" (١٤).\nوعند التأمل والنظر: نجد أن هذه الآية وقول الله﷿في الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، تحتملان القولين، ونجد أن الطبري قد روى عن ابن عباس بسند صححه ابن حجر (١٥)، قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: \"القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٣٩): ص ٣/ ٥٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٢): ص ٣/ ٥٩ - ٦٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٠): ص ٣/ ٥٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٣): ص ٣/ ٦٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٦): ص ٣/ ٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٤): ص ٣/ ٦٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٥): ص ٣/ ٦٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٠٤٧): ص ٣/ ٦١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٥٠): ص ٣/ ٦٣.\n(١٠) الفتح: ٣/ ٥١٥.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٢.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٦، وانظر كلام الإمام الطبري في جامع البيان: ٣/ ٦٤ القريب من ذلك، وكذلك البداية والنهاية لابن كثير: ١/ ١٦٣.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٨.\n(١٥) انظر: الفتح: ٨/ ٢٠\n(١٦) تفسير الطبري (٢٠٣٨): ص ٣/ ٥٨.","vol":"3","page":230},{"text":"فإن كان ابن عباس لم يأخذه عن أهل الكتاب فهو حجة في بناء البيت قبل إبراهيم، وإن كان أخذه منهم فالقضية تبقى محتملة إلى أن يثبت نص صحيح عن النبي ﷺ؛ لأن هذا أمر غيبي مبنى العلم به على النص الصحيح عن المعصوم ولا مدخل للاجتهاد فيه (١). والله أعلم.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" وأخّر ذكر إسماعيل؛ لأن الأصل: إبراهيم؛ وإسماعيل مُعِين؛ هذا الظاهر\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي \" قائلين: ربنا تقبل منا\" (٣).\nقال السدي: \" يبنيان وهما يدعوان\" (٤).\nقال ابن عباس: \" هما يرفعان القواعد من البيت ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، قال، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ يبني\" (٥).\nقال الحسن: \" وكان إسماعيل يقول وهما يبنيانه، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فتقبل منهما\" (٦).\nقال الثعلبي: \" أي تقبل منّا بناءنا البيت\" (٧).\nقال الماوردي: \" المعنى: يقولان ربنا تقبل منا، كما قال تعالى: ﴿وَالمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيكُم﴾ أي يقولون سلام عليكم\" (٨).\nقال الصابوني: \"أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات الكريمة قائلين يا ربنا أقبل منا عملنا هذا واجعله خالصًا لوجهك الكريم\" (٩).\nقال الزجاج: \" المعنى: يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ومثله في كتاب اللَّه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ومثله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، أي يقولون سلام عليكم\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" يعني كل واحد يقول بلسانه: ربنا تقبل منا، و(القبول) أخذ الشيء، والرضا به؛ ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب، والقبول؛ فتقبُّلُ الله ﷾ للعمل أن يتلقاه بالرضا، فيرضى عن فاعله؛ وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه\" (١١).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] على قولين (١٢):\nأحدهما: أن المعنى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا، وقد أظهره ابن مسعود في قراءته (١٣).\nوالثاني: وقيل: بل قائل ذلك كان إسماعيل.\nثم اختلف أهل التفسير في الذي رفع القواعد، بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها، وفيه أقوال (١٤):\n_________\n(١) انظر في المسألة: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤٤ - ١٤٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٢٠ - ١٢٣، الكامل في التاريخ لابن الأثير: ١/ ٢٩ و١/ ٦٠ - ٦٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٦٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٢٠٥١): ص ٣/ ٦٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٠٥٢): ص ٣/ ٦٥.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (١٢٣٩): ص ١/ ٢٣٣.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٥.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ١٩٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٠٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٦٥ - ٧٠\n(١٣) أي: أن ابن مسعود أظهر الفعل في قراءته فقرأ: يقولان ربنا تقبل منا، وهي قراءة أبي أيضًا. انظر: المحتسب لابن جني: ١/ ١٠٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣١١، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٥٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٢٦، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨٨، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٣٦٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٦٥ - ٧١.","vol":"3","page":231},{"text":"أحدها: أنه رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا. قاله السدي (١) وعبيد بن عمير الليثي (٢).\nالثاني: أن إبراهيم رفع قواعد البيت، وكان إسماعيل يناوله الحجارة. قاله ابن عباس (٣).\nالثالث: أن الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده، وإسماعيل يومئذ طفل صغير. قاله علي-كرّم الله وجهه- (٤).\nقال ابن عطية: \" ولا يصح هذا عن علي ﵁، لأن الآية والآثار ترده\" (٥).\nوالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، أي: وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا، إذ كان إبراهيم تفرد ببنائها، وكان إسماعيل يناوله، فهما أيضا رفعاها، لأن رفعها كان بهما: من أحدهما البناء، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي\" نسألك أن تقْبل، لأنك أنت السميع العليم\" (٧).\nقال الآلوسي: \" تعليل لاستدعاء التقبل، والمراد السميع لدعائنا، والعليم بنياتنا\" (٨).\nقال أبو السعود: أي ﴿السميع﴾: \" لجميع المسموعاتِ التي من جُملتها دعاؤُنا، ﴿العليم﴾، بكل المعلومات التي من زمرتها نياتُنا في جميع أعمالِنا، العليم﴾ بكل المعلومات التي من زمرتها نياتوالجملة تعليلٌ لاستدعاء التقبّل لا من حيثُ أن كونه تعالى سمعيا لدعائهما عليمًا بنياتهما مصححٌ للتقبل في الجملة بل من حيثُ إنَّ علمَه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصِهما في أعمالهما مستدعٍ له بموجَب الوعدِ تفضُّلًا وتأكيدُ الجملة لغرض كمالِ قوةِ يقينِهما بمضمونها وقصرُ نعتي السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاصِ دعائهما به تعالى وانقطاعِ رجائهما عما سواه بالكلية\" (٩).\nقال الطبري: هذه الجملة تعليل لطلب القبول ... فإنك \"أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياك قبول ما سألناك قبوله منا، من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه - العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك في الطاعة، والمصير إلى ما فيه لك الرضا والمحبة، وما نبدي ونخفي من أعمالنا\" (١٠).\nوفي قراءة أبي وعبدالله بن مسعود: ﴿وإذ يرفع وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا﴾ (١١).\nقال الماوردي: \"وتفسير (إسماعيل): إسمع يا الله، لأن إيل بالسريانية هو الله، لأن إبراهيم لما دعا ربه قال: اسمع يا إيل، فلما أجابه ورزقه بما دعا من الولد، سمّى بما دعا \" (١٢).\nقال ابن عطية: \" وهذا ضعيف\" (١٣).\nقال ابن إسحاق: ﴿السميع﴾، أي: سميع بما يقولون\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٥٣): ص ٣/ ٦٥ - ٦٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٥٤): ص ٣/ ٦٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٥٥): ص ٣/ ٦٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٥٧)، و(٢٠٥٨)، و(٢٠٥٩)، و(٢٠٦٠): ص ٣/ ٦٨ - ٧٠.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٧٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٧٣.\n(٨) روح المعاني: ١/ ٣٨٣.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٠ - ١٦١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٧٣.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٩٠، تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٦.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ١٩٠، ونقله القرطبي: في تفسيره: ٢/ ١٢٦.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٢١١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤١): ص ١/ ٢٣٤.","vol":"3","page":232},{"text":"وعن سعيد بن جبير في قول الله: ﴿السميع العليم﴾ ـيعني عالم بها\" (١).\nالفوائد:\n١ - فضل عمارة الكعبة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يذكر هذه الحادثة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع ...﴾ إلخ.\n٢ - ومنها: فضل إبراهيم، وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، حيث قاما برفع هذه القواعد.\n٣ - ومنها: أن من إحكام البناء أن يؤسس على قواعد؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد﴾؛ وإذا بني على غير قاعدة فإنه ينهار.\n٤ - ومنها: جواز المعاونة في أفعال الخير.\n٥ - ومنها: أهمية القبول، وأن المدار في الحقيقة عليه؛ وليس على العمل؛ فكم من إنسان عمل أعمالًا كثيرة وليس له من عمله إلا التعب، فلم تنفعه؛ وكم من إنسان عمل أعمالًا قليلة قبلت فنفعه الله بها؛ ولهذا جاء في الحديث: «رب صائم حظه من صيامه الجوع، والظمأ؛ ورب قائم حظه من قيامه السهر» (٢).\n٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿السميع﴾، و﴿العليم﴾؛ وكل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته؛ بل على صفتين أحيانًا، أو أكثر - ما يلزم من إثبات الصفة التي يدل عليها الاسم -؛ مثال ذلك: «الخالق» دل على صفة الخلق؛ وصفة الخلق تستلزم ثبوت صفة العلم، والقدرة؛ وقد يدل الاسم على الأثر إذا كان ذلك الاسم متعديًا؛ مثاله: ﴿السميع﴾ يدل على صفة السمع، ويدل على أن الله يسمع كل صوت يحدث.\n٧ - ومن فوائد الآية: إثبات السمع لله ﷿؛ وينقسم السمع إلى قسمين: سمع بمعنى سماع الأصوات؛ وسمع بمعنى الإجابة؛ فمثال الأول قوله ﵎: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]؛ ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ [إبراهيم: ٣٩] أي مستجيب الدعاء؛ وكذلك قول المصلي: «سمع الله لمن حمده» - يعني استجاب لمن حمده -؛ والسمع الذي هو بمعنى سماع الأصوات من صفاته الذاتية؛ والسمع بمعنى الاستجابة من صفاته الفعلية؛ لأن الاستجابة تتعلق بمشيئته: إن شاء استجاب لمن حمده؛ وإن شاء لم يستجب؛ وأما سماع الأصوات فإنه ملازم لذاته - لم يزل، ولا يزال سميعًا -؛ إذ إن خلاف السمع الصمم؛ والصمم نقص؛ والله ﷾ منزه عن كل نقص؛ وكلا المعنيين يناسب الدعاء: فهو ﷾ يسمع صوت الداعي، ويستجيب دعاءه.\nوالسمع - أعني سماع الأصوات - تارة يفيد تهديدًا؛ وتارة يفيد إقرارًا، وإحاطة؛ وتارة يفيد تأييدًا. يفيد تهديدًا، كما في قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ...﴾ [آل عمران: ١٨١] الآية، وقوله تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠] ويفيد إقرارًا، وإحاطة، كما في قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]؛ ويفيد تأييدًا، كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦].\n٨ - ومن فوائد الآية: إثبات العلم لله - ﵎ - جملةً، وتفصيلًا؛ موجودًا، أو معدومًا؛ ممكنًا، أو واجبًا، أو مستحيلًا؛ مثال علمه بالجملة: قوله تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علمًا﴾ [طه: ٩٨]، ومثال علمه بالتفصيل: قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]؛ ومثال علمه بالموجود: ما أخبر الله به عن علمه بما كان، مثل قول الله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ومثال علمه بالمعدوم الذي قد وجِد: ما علمه الله من أحوال الماضين؛ ومثال علمه بالمعدوم الذي لم\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٢٣٤.\n(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٣، حديث رقم ٨٨٤٣ واللفظ له، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٧٨، كتاب الصيام، باب ٢١: ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، حديث رقم ١٦٩٠؛ قال الألباني في صحيح ابن ماجة، حسن صحيح ١/ ٢٨٢، حديث رقم ١٣٧١.","vol":"3","page":233},{"text":"يوجد بعد: ما علمه الله ﷿ من أحوال القيامة، ومآل الخلق؛ ومثال علمه بالممكن: ما علمه الله ﷿ من الحوادث الواقعة من الإنسان؛ ومثال علمه بالواجب: ما علمه الله ﷿ من كمال صفاته؛ ومثال علمه بالمستحيل: قوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nواعلم أن من أنكر علم الله فهو كافر سواء أنكره فيما يتعلق بفعله، أو فيما يتعلق بخلقه؛ فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة والجماعة غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله ﷾ لا يعلم أفعال العباد؛ فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد\n[ق: ١٦]، ويقول ﷾: ﴿أم يحسبون أنا لا نعلم سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ [الزخرف: ٨٠]؛ فالذي يقول: إن الله لا يعلم أفعال العباد فإنه كافر بهذه الآيات؛ ولهذا قال الشافعي في القدرية: «ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا»؛ وإيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك فإنك تخشاه؛ تستحيي منه عند المخالفة؛ وترغب فيما عنده عند الموافقة.\n٩ - ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله ﷾ بأسمائه وصفاته المناسبة لما يدعو به؛ لقوله تعالى: ﴿إنك أنت السميع العليم﴾.\n١٠ - ومنها: أن الدعاء يكون باسم «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية؛ لأنها خَلْق، وإيجاد.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]\nالتفسير:\nربنا واجعلنا ثابتَيْن على الإسلام، منقادَيْن لأحكامك، واجعل من ذريتنا أمة منقادة لك، بالإيمان، وبصِّرْنا بمعالم عبادتنا لك، وتجاوز عن ذنوبنا. إنك أنت كثير التوبة والرحمة لعبادك.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، \"أي: ربنا واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك \" (١).\nقال الواحدي: أي اجعلنا: \" مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: اجعلنا\" موحّدين مطيعين مخلصين لَكَ\" (٣).\nقال النسفي: أي: \" زدنا إخلاصًا وإذعانًا لك\" (٤).\nقال سلام بن أبي مطيع: \" كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات\" (٥).\nوعن عكرمة: \" قال إبراهيم: تجعلنا مسلمين لك؟ قال الله: نعم\" (٦).\nوعن عبد الكريم: \" ﴿واجعلنا مسلمين لك﴾، قال: مخلصين لك\" (٧).\nقال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان (٨):\nأحدهما: أنه المستسلم لأمر الله.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٧٣ - ٧٤.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٣١٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٥.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٨٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٣): ص ١/ ٢٣٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٤): ص ١/ ٢٣٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٥): ص ١/ ٢٣٤.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٥، وعنه في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٨٠، والتفسير البسيط: ٣/ ٣١٧.","vol":"3","page":234},{"text":"والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩]، معناه: خالصًا لرجل.\nوأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر (١):\nفقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم ... فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ\nأراد: استسلموا (٢).\nوقد أتى بالواو عطفًا على قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، يعني: ربنا واجعلنا مع قبولك، مسلمين لك، لا نشرك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك، والإسلام هو الخضوع لله بالطاعة.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" إن قال قائل: كيف يستقيم أن يسأل إبراهيم، وإسماعيل ربهما أن يجعلهما مسلمين له مع أنهما كانا كذلك؟\nفالجواب: أن المراد بذلك تثبيتهما على الإسلام؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان لا يأمن العاقبة؛ أو يقال: إن المراد تقوية إسلامهما بالإخلاص لله ﷿، والانقياد لطاعته؛ أو يقال: إنهما قالا ذلك توطئة لما بعدها في قولهما: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؛ والأول أقوى الاحتمالات\" (٣).\nوتجدر الإشارة بأن الإسلام في هذا الموضع: الإيمان والأعمال جميعا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ففي هذا دليل لمن قال: إن الإيمان والإسلام شيء واحد، وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي \"مسلمين\" على الجمع (٤).\nوقرأ عون بن أبي جميلة: ﴿مُسْلِمِينَ﴾، بكسر الميم على الجمع (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أي: \" واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك\" (٦).\nقال الصابوني: \"أي واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك\" (٧).\nقال أبو السعود: \" واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصاهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ لكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله ﷿ فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا\" (٨).\nقال الطبري: \"فأتى بـ (من) التي للتبعيض؛ إذ \"أنهما خصا بذلك بعض الذرية، لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله ﷺ قبل مسألته هذه، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره. فخصا بالدعوة بعض ذريتهما\" (٩).\nقال القرطبي: \" يقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم، فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" والإسلام في هذا الموضع الإيمان والأعمال جميعا ... و﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾، للتبعيض، وخص من الذرية بعضا لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين\" (١١).\n_________\n(١) البيت لعباس بن مرداس، في \"ديوانه\" ص ٥٢، \"لسان العرب\" ١/ ٤١ \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣٢٦.\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣١٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٨.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٦.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٧٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦١.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٧٤.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٦.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢١١.","vol":"3","page":235},{"text":"وقد اختلف في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، على قولين (١):\nأحدهما: أنه يعم العرب وغيرهم. وهذا قول الجمهور.\nقال شيخنا ابن عثيمين: \"والمراد بـ ﴿ذريتنا﴾ من تفرعوا منهما؛ فذرية الإنسان من تفرعوا منه\" (٢).\nوالثاني: وقد قيل: إنهما عنيا بذلك العرب. قاله السدي (٣).\nقال ابن عطية: \"وهذا ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم\" (٤).\nوكذلك ضعفه الطبري، قائلا: بأن \"هذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه، لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره. وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة، من الفريقين. فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم\" (٥).\nوردّ عليه الحافظ ابن كثير فقال: \"وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمَّد ﷺ، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة\" (٦).\nوالراجح هو القول الأول، أي يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل والله تعالى أعلم.\nو(الأمة) في هذا الموضع، فإنه يعني بها \"الجماعة من الناس، من قول الله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٩] \" (٧).\nوهذه الأمة هي أمة محمد ﷺ؛ لأنه لا يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم، وإسماعيل إلا أمة محمد ﷺ؛ لأن اليهود، والنصارى ليسوا من بني إسماعيل؛ بل من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.\nو﴿الأمَّةُ﴾، في اللغة تكون على وجوه (٨):\nأحدها: الدين والملة: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي على دين وملة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٢. وتفسير الطبري: ٣/ ٧٤. وتفسير القرطبي: ٢/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٢): ص ٣/ ٧٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١١، ونقله القرطبي في تفسيره: ٢/ ١٢٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٧٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٢. واعتراض ابن كثير هذا لا يقوم، واحتجاجه بالسياق هنا لا ينهض، فالدعاء دعاء إبراهيم وإسماعيل معا، ولكل منهما ذرية يشملها الدعاء. والسياق هنا سياق الآيات المتتابعة لا سياق آية واحدة، ففي الآيات التي تلي هذه الآية ذكر ملة إبراهيم، وبيانها: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣]. وهي آيات متتابعة، فالتخصيص فيها غير جائز، مع وضوح الدلالة على أن ذرية إبراهيم من غير إسماعيل، كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهم له مسلمون. (تفسير الطبري: ٣/ ٧٤).\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٧٤.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤، والمفردات للراغب الأصفهاني: ٣٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧، والتفسير البسيط: ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.","vol":"3","page":236},{"text":"الثاني: الحين والزمان والقرن، ومنه قوله تعالى ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي بعد حين وزمان (١)، وذلك لجماعة الشهور والأعوام.\nقال الزجاج: \" الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم، أي: قرون\" (٢).\nالثالث: ويقال: هذه أمة زيد، أي أم زيد (٣)، إذ منه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ: مجمع الحلال والحرام. والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع الجماعة (٤).\nوكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها، وأمُّ القوم: رئيسُهم الذي يجتمع إليه أَمْرُهم (٥)، قال الشنفرى (٦):\nوأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ... إذا أحْتَرتْهُمْ أحْتَرَتْ وأقَلَّتِ\nالرابع: و(الأمة) أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي حسن القامة (٧)، قال الشاعر (٨):\nوإن معاوية الأكرميـ ... ـن حسان الوجوه طوال الأمم\nفقوله (طوال الأمم)، أي: طوال القامات (٩).\nالخامس: وقيل: (الأمة): الشجة التي تبلغ أم الدماغ، يقال: رجل مأموم وأميم (١٠).\nالسادس: والأمة: الرجَل الذي لا نظير له، ومنه قوله ﷿ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، قال أبو عبيدة معنى ﴿كَانَ أُمَّةً﴾، كان إمَاما (١١).\nوقال ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: \"يُبعث أمة وحده\" (١٢)، لأنه لم يشرك في دينه غيره (١٣).\nالسابع: والأمة في اللغة: النَعْمَةُ والخير، قال عدي بن زيد (١٤):\nثم بعد الفلاح والرشد والأ ... مَّةِ وارتْهُمُ هناك القبور.\nأي بعد النعمة والخير، وذكر أبو عمرو الشيباني أن العرب تقول للشيخ، إذا كان باقي القوة فلان بِأمَّةٍ، ومعناه راجع إلى الخير والنعمة، لأن بقاءَ قوته من أعظم النعمة (١٥).\nالثامن: والأمة: القصد، يقال أمَمْتُ الشيءَ إذا قصدْتُه (١٦).\nوتلتقي جميع الأقوال السابقة في القول الأخير، لأن\"أصل هذا كله من القصد، فمعنى الأمة في الدين: أن مقصدهم مقصد واحد، ومعنى الأمة في الرجل: المنفرد الذي لا نظير له، أن قصده منفرد من قصد سائر\n_________\n(١) انظر: المفردات للراغب الأصفهاني: ٣٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.\n(٤) انظر: \"لسان العرب\" ١/ ١٣٣ - ١٣٤ (أمم).\n(٥) انظر: لسان العرب: ١/ ١٣٣ (أمم)، والتفسير البسيط: ٣/ ٣١٩.\n(٦) انظر: \"ديوانه\" ص ٣٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٣ وروايته: إذا حَتَرَتْهم أتْفَهَتْ وأقَلَّتِ، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٦٩ (مادة: حتر)، ١/ ١٣٧ (مادة: أمم)، \"المعجم المفصل\" ١/ ٥٥٢.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.\n(٨) البيت للأعشى، انظر: ديوانه: رقم القصيدة ٤. وروايته (عظام القباب) بدل (حسان الوجوه). وفي اللسان (امم) (بيض الوجوه).\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.\n(١١) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣.\n(١٢) رواه أحمد: (١٦٤٨)، عن ابن إسحاق: وحُدّثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعمر بن الخطاب وهو ابن عمّه قالا لرسول الله ﷺ أنستغفرُ لزيد بن عمرو؟ قال: \"نعم فإنه يُبعثُ أمةً وحدهُ\".\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.\n(١٤) انظر: الشعر والشعراء\" ص ١٣٠، \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، \"اللسان\" (فلح) ٦/ ٣٤٥٨. ويروى (الملك) بدل (الرشد) و(الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة.\n(١٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣.\n(١٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣.","vol":"3","page":237},{"text":"الناس، ويروى أن زيد بن عدي بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده (١)، وإنما ذلك لأنه أسلم في الجاهلية قبل مبعث النبي - ﷺ - فمات موحدًا فهذا أمة في وقته لانفراده ... ومعنى الأمة القامة: سائر مقصد الجسد، فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت أي قصدت، ويقال إِمامنا هذا حَسنُ الأمة أي يقوم بإمامتهِ بنَا في صلاته ويحسن ذلك\" (٢).\nقال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين\" (٣).\nوقال الليث: \"كلُّ قوم نُسبوا إلى نبيٍّ فأضيفوا إليه فهم أمته، وقيل: أمة محمد - ﷺ -: كل من أرسل إليه ممن آمن به أو كفر، قال: وكل جيل من الناس هم أمة على حدة\" (٤).\nقال ابن الأنباري: \"والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد - ﷺ -\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، \" أي: وعلمنا شرائع عبادتنا ومناسك حجنا\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي بيِّنها لنا حتى نراها، و«المناسك» جمع منسك؛ وهو هنا مكان العبادة\" (٧).\nقال الزجاج: أي: \" عرِّفنا متعبداتنا، وكل متعبَّد فهو مَنْسَك ومَنْسِكِ، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، وقيل للذبيحة المتقرب بها إلى الله تعالى النسيكة، كأنَّ الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة للَّهِ جلَّ وعزَّ\" (٨).\nوقال الواحدي: \" و(نسك) في اللغة على معنيين: أحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى أيهما الأصل\" (٩).\nوقال القرطبي: \" إن أصل (النسك) في اللغة الغسل، يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله، وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان عابدا\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" والنُسُك في الأصل غايةُ العبادة وشاعَ في الحج لما فيه من الكُلفة والبعد عن العادة\" (١١).\nو(المناسك) جمع (منسك)، \"وهو الموضع الذي ينسك لله فيه، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح: إما بذبح ذبيحة له، وإما بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. ولذلك قيل لمشاعر الحج (مناسكه)، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس، ويترددون إليها ... وأصل (المنسك) في كلام العرب: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه، يقال: \" لفلان منسك \"، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر، ولذلك سميت المناسك (مناسك)، لأنها تعتاد، ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله.\" (١٢).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، على وجهين (١٣):\nأحدهما: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة، وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل، يسكن الراء من (أرنا)، غير أنه يشمها كسرة.\nومن ثم اختلفوا هؤلاء في تفسير قوله: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ على قولين:\nالقول الأول: أنها مناسك الحج ومعالمه. قاله قتادة (١٤)، والسدي (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.\n(٢) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٢٠.\n(٤) تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٥، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٢٠.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٣٢٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٣.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٠٩.وانظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٥٦٢: (نسو).\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٣٢٢، وام\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٨.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٨٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٣/ ٧٥ - ٧٩. وتفسير القر\\طبي: ٢/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٣)، و(٢٠٦٤): ص ٣/ ٧٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٥): ص ٣/ ٧٦ - ٧٧.","vol":"3","page":238},{"text":"القول الثاني: أن (المناسك): المذابح. قاله عطاء (١)، ومجاهد (٢)، وعبيد بن عمير (٣).\nفكان تأويل هذه الآية، على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا، فنذبحها لك.\nقال القرطبي: \" ومن كسر، فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء\" (٤).\nقال الزجاج\" \"والأجود الكسر، لأن الأصل في هذا (أرْئِنَا) فالكسرة إنما هي كسرة همزة ألقيت، وطُرحت حركتها على الراء فالكسرة دليل الهمزة، فحذفها قبيح\" (٥).\nالثاني: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ بتسكين (الراء) (٦)، وزعموا أن معنى ذلك: وعلمنا، ودلنا عليها - لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول الشاعر (٧):\nأريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا\nيعني بقوله: (أريني)، دليني عليه وعرفيني مكانه، ولم يعن به رؤية العين.\nواختاره أبو عبيد، وأصله: أرئنا، بالهمز، فمن قرأ بالسكون قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها، واستدل بقول الشاعر (٨):\nأرنا إداوة عبدالله نملؤها ... من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا\nقال عطاء: ﴿أرنا مناسكنا﴾، أخرجها لنا، علمناها\" (٩).\nوروي عن علي بن أبي طالب: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال: \" فعلت أي رب، فأرنا مناسكنا \" - أبرزها لنا، علمناها - فبعث الله جبريل، فحج به\" (١٠).\nقلت: إن القول واحد، إذ لا فرق بين الرؤيتين: رؤية العين ورؤية القلب. والله تعالى أعلم (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، \"أي ووفقنا للتوبة فنتوب\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \"والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة؛ ومن الله ﷿: هي توفيق العبد للتوبة، ثم قبولها منه\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهوًا. ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٦)، و(٢٠٦٧): ص ٣/ ٧٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٨)، و(٢٠٦٩): ص ٣/ ٧٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٧٠): ص ٣/ ٧٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٨.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٠٩.\n(٦) وهي قراءة عمر بن عبدالعزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن والسدي وروح عن يعقوب ورويس والسوسي. (انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧).\n(٧) البيت لحاتم الطائي، في \"ديوانه\" ص ٤٠، ولحطائط بن يعفر، \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٥، \"الحجة\" ٢/ ٢٢٥، \"شرح أبيات المغني\" ١/ ٢١٩، وفي \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٠٦، ولدريد في \"لسان العرب\" ١/ ١٥٨، ولمعن بن أوس في \"ديوانه\" ص ٣٩. قال: العيني ١/ ٣٢٩: أقول قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قالت جماعة من النحاة. ينظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠٢، وتحقيق أحمد شاكر لكتاب \"الشعر والشعراء\" ١/ ٢٤٨.\n(٨) لم أعثر على قائله، وقيل في الأصل أدرنا. وبه ينكسر الوزن. والبيت كر في مجموعة من التفاسير: البحر الميط: ١/ ٥٦١، وروح المعاني: ١/ ٣٨٦\n(٩) أخرجه الطبري (٢٠٦٨): ٣/ ٧٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (٢٠٦٩): ٣/ ٧٩.\n(١١) وفي في قراءة ابن مسعود: (وأرهم مناسكهم)، يعني بذلك وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم. (انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٨١).\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٣.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٣.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.","vol":"3","page":239},{"text":"قال النسفي: أي وتب علينا\" ما فرط منا من التقصير أو استتابًا لذريتهما\" (١).\nقال أبو السعود: \" استتابة لذريتهما وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوا ولعلمهما قالاه هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذريتهما\" (٢).\nقال المراغي: \" أي ووفقنا للتوبة، لنتوب ويرجع إليك من كل عمل يشغلنا عنك، وهذا نظير قوله تعالى: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا).\nوهذا منهما إرشاد لذريتهم، وتعليم منهما لهم بأن البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف أمكنة للتخلص من الذنوب وطلب الرحمة من الله\" (٣).\nقال الطبري: والتوبة: \" أصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربه، أوبته مما يكرهه الله منه، بالندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده: عوده عليه بالعفو له عن جرمه، والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرة له منه، وتفضلا عليه\" (٤).\nوقد اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، وهم أنبياء معصومون، وفيه وجوه (٥):\nأحدها: قالت طائفة: طلبا التثبيت والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب، وهذا حسن.\nالثاني: \"إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة\" (٦).\nقال ابن عطية: \"وهو الأحسن عندي\" (٧).\nواعترض عليه أبو حيان فقال: \"وفيه خروج قوله: ﴿وتب علينا﴾ عن ظاهره إلى تأويل بعيد، أي إن الدعاء بقوله: ﴿وتب علينا﴾، ليس معناه أنهما طلبا التوبة، بل نبها بذلك الطلب على أن غيرهما يطلب في تلك المواضع التوبة، فيكونان لم يقصدا الطلب حقيقة، إنما ذكرا ذلك لتشريع غيرهما لطلب ذلك، وهذا بعيد جدًا\" (٨).\nالثالث: وقيل: المعنى وتبّ على الظلمة منّا.\nقال أبو حيان: \" قالوا التوبة من حيث الشريعة تختلف باختلاف التائبين، فتوبة سائر المسلمين الندم بالقلب، والرجوع عن الذنب، والعزم على عدم العود، ورد المظالم إذا أمكن، ونية الرد إذا لم يمكن، وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء، والفتور في الأعمال، والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال، وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات، والترقي في المقامات، فإن كان إبراهيم وإسماعيل دعوا لأنفسهما بالتوبة، وكان الضمير في قوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ خاصًا بهما، فيحتمل أن تكون التوبة هنا من هذا القسم الأخير. قالوا: ويحتمل أن يريد التثبيت على تلك الحالة مثل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، وإن كان الضمير شاملًا لهما وللذرية، كان الدعاء بالتوبة منصرفًا لمن هو من أهل التوبة. وإن كان الضمير قبله محذوفًا مقدرًا، فالتقدير على عصاتنا، ويكون دعا بالتوبة للعصاة. ولا تدل هذه الآية على جواز وقوع الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لما ذكرناه من الاحتمال، خلافًا لمن زعم ذلك وقال: التوبة مشروطة بتقدم الذنب، إذ لولا ذلك لاستحال طلب التوبة. والذي يقوي أن المراد الذرية العصاة قوله\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ٨٧.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦١.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٢١٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٨١.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٠.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢١١، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٣٠.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢١١.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٣٣٩.","vol":"3","page":240},{"text":"تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصْنَامَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أي فأنت قادر على أن تتوب عليه وتغفر له\" (١).\nوقال الزمخشري: \" ﴿وتب علينا﴾، ما فرط منا من الصغائر، أو استتابًا لذريتهما\" (٢).\nقال أبو حيان: \"فقوله: \"ما فرط منا من الصغائر\" (٣)، هو على مذهب المعتزلة، إذ يقولون بتجويزها على الأنبياء\" (٤).\nقال ابن عطية: \" وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع، وأن قول النبي ﷺ «إني لأتوب إلى الله في اليوم وأستغفره سبعين مرة» (٥)، إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد علومه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أي: \" فإنك عظيم المغفرة واسع الرحمة\" (٧).\nقال ابن عباس: \"أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته إلى أفضل دينه\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" إنك أنت العائد على عبادك بالفضل، والمتفضل عليهم بالعفو والغفران - الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك\" (٩).\nقال المراغي: \" أي إنك أنت وحدك كثير التوبة على عبادك بتوفيقهم لحسن العمل وقبول ذلك منهم، الرّحيم بالتائبين المنجّى لهم من عذابك وسخطك\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" هذا من باب التوسل بأسماء الله ﷿ المناسبة للمطلوب؛ و(التواب) صيغة مبالغة لكثرة من يتوب الله عليهم، وكثرة توبته على العبد نفسه؛ و(الرحيم) أي الموصوف بالرحمة التي يرحم بها من يشاء من عباده\" (١١).\nقال أبو السعود: \" وهو تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاء للإجابة قيل إذا أراد العبدُ أن يُستجاب له فليدع الله ﷿ بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه\" (١٢).\nقال الآلوس قال الآلوسي: \"وتقديم التوبة للمجاورة، وتأخير الرحمة لعمومها ولكونها أنسب بالفواصل\" (١٣).\nوقرأ عبد الله ﴿وتب عليهم﴾، بضمير جمع الغيبة (١٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: شدة افتقار الإنسان إلى ربه، حيث كرر كلمة: ﴿ربنا﴾؛ وأنه بحاجة إلى ربوبية الله الخاصة التي تقتضي عناية خاصة.\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٣٣٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ١٨٨.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٨٨.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٣٣٩.\n(٥) المعجم الأوسط (٢٨٩٨): ص ٣/ ٤١٨.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٢.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٨٢.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٢١٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦١.\n(١٣) روح المعاني: ١/ ٣٨٤.\n(١٤) انظر: روح المعاني: ١/ ٣٨٤.","vol":"3","page":241},{"text":"٢ - ومنها: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله؛ وإلا هلك؛ لقوله تعالى: ﴿واجعلنا مسلمين﴾؛ فإنهما مسلمان بلا شك: فهما نبيَّان؛ ولكن لا يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؛ قال الله ﷾ للرسول (ص): ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا * إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥].\n٣ - ومنها: أهمية الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿مسلمين لك﴾: ﴿لك﴾ تدل على إخلاص الإسلام لله ﷿، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه﴾ [البقرة: ١١٢].\n٤ - ومنها: أن الإسلام يشمل كل استسلام لله ﷾، ظاهرًا وباطنًا.\n٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؛ وقال إبراهيم (ص) في آية أخرى: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾؛ فالذرية صلاحها لها شأن كبير بالنسبة للإنسان.\n٦ - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ يعني: أعلمنا بها.\n٧ - ومنها: أن الأصل في العبادات أنها توقيفية - يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع -؛ لقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾.\n٨ - ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعَوَا الله ﷿ أن يريهما مناسكهما؛ فلولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتَعبدا بدون هذا السؤال.\n٩ - ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير.\n١٠ - ومنها: إثبات ﴿التواب﴾، و﴿الرحيم﴾ اسمين من أسماء الله ﷾، وما تضمناه من صفة.\n١١ - ومنها: مشروعية التوسل إلى الله ﷿ بأسمائه، وصفاته؛ لأن قوله تعالى: ﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ تعليل للطلب السابق؛ فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه.\n١٢ - ومنها: أن التوسل بأسماء الله يكون باسم مطابق لما دعا به؛ لقوله تعالى: ﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾، ولقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩]\nالتفسير:\nربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة، ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق. إنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي: ربنا: و\"أرسل فيهم رسولًا مرسَلًا من عندك\" (١).\nقال الصابوني: \" أي: ابعث في الأمة المسلمة رسولًا من أنفسهم وهذا من جملة دعواتهما المباركة فاستجاب الله الدعاء ببعثة السراج المنير محمد ﷺ َ\" (٢).\nقال أبو السعود: \" أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غير النبيِّ ﷺ فهو الذي أُجيب به دعوتُهما ﵉\" (٣).\nقال المراغي: \" أي ربنا وأرسل في الأمة المسلمة لك رسولا من أنفسهم ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعزّ به، وأقرب لإجابة دعوته، إذ أنهم يكونون قد خبروه وعرفوا منشأه ودرسوا فاضل أخلاقه من صدق وأمانه وعفة ونحو ذلك مما هو شرط في صحة نبوّة النبي، وقد أجاب الله دعوته، وأرسل خاتم النبيين محمدا ﷺ رسولا منهم، ومن ثمّ روى الإمام أحمد قوله ﷺ: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى» (٤) \" (٥).\nقال الحافظ ابن كثير: \" وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قَدَرَ الله السابق في تعيين محمد - صلوات الله وسلامه عليه - رسولا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن\" (٦).\nقال البيضاوي: \" ولم يبعث من ذريتهما غير محمد ﷺ، فهو المجاب به دعوتهما\" (٧).\nقال ابن عطية: \" ومعنى ﴿مِنْهُمْ﴾: أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص\" (٨).\nوفي قراءة أبيّ: ﴿وابعث في آخرهم رسولا منهم﴾ (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي: \"يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي يقرأ آيات القرآن\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: أي\" يقرأ عليهم آياتك، ويبينها لهم، كما قال الله - ﵎ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] \" (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وجهان من التفسير (١٥):\nالأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد ﷺ لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه.\nالثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته ﷾، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها.\nقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي و\"يعلمهم القرآن العظيم والسنة المطهرة\" (١٦).\nقال البيضاوي: \" ﴿الْكِتابَ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام\" (١٧).\nقال أبو السعود: \" أي القرآن، ﴿والحكمة﴾ وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٢.\n(٤) المسند (٥/ ٢٦٢). وقد ذكر الطبري رواية أخرى: عن خالد بن معدان الكلاعي: \"أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ﷺ\". [تفسير الطبري (٢٠٧٠): ص ٣/ ٨٢].\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٢١٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٣.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٢.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٨٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.\n(١٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٢.\n(١٥) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٦١.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.\n(١٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.\n(١٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٢.","vol":"3","page":242},{"text":"أخرج الطبري عن ابن زيد: \" ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، القرآن\" (١).\nقال ابن عطية: \" ونسب التعليم إلى النبي ﷺ من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه الله إليه ويوحيه\" (٢).\nواختلفوا في معنى ﴿الْحِكْمَةَ﴾ في هذه الآية على أقوال (٣):\nأحدها: أنها السنّة. قاله قتادة (٤)، والحسن (٥)، ومقاتل بن حيان (٦)، وأبو مالك (٧)، والشافعي (٨)، ويحيى بن كثير (٩)، وغيرهم.\nوالدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولا وتعليمه ثانيا ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئا خارجا عن الكتاب، وليس ذلك إلا سنة الرسول ﵇ (١٠).\nالثاني: أن (الحكمة)، هي المعرفة بالدين والفقه فيه. أي: ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها. قاله مالك (١١)، وابن زيد (١٢).\nالثالث: أن الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل، وهو مصدر بمعنى الحكم، كالقعدة والجلسة (١٣).\nقال الطبري: والحكمة مأخوذ من \" (الحكم) الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل\" (١٤).\nوالمعنى: يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها، ومثال هذا: الخبر والخبرة، والعذر والعذرة، والغل والغلة، والذل والذلة.\nالرابع: وقيل: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، أراد به الآيات المحكمة، ﴿والحكمة﴾ أراد بها الآيات المتشابهات.\nالخامس: وقيل: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، أي: يعلمهم ما فيه من الأحكام، ﴿والحكمة﴾ أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع.\nوالسادس: ان الحكمة: العقل في الدين. وهذا قول زيد بن أسلم (١٥).\nقلتُ: ولا منافاة بين الأقوال السابقة، فإذا كانت الحكمة هي الفهم في الدين، فالعلم بأحكامه لايدرك علمها إلا ببيان سنة رسول اللهﷺ-، والكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات، وبأنه كتاب، وبأنه حكمة. والله تعالى أعلم.\nقال الرازي: قوله تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، \"المراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونا عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزا لمحمد ﷺ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢٠٧٧): ص ٣/ ٨٦.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٨٦ - ٨٧. وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٧٨): ص ٣/ ٨٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(١٠) تفسير الرازي: ٤/ ٦٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٧٩): ص ٣/ ٨٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٨٠): ص ٣/ ٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٨٧.\n(١٤) تفسير الطبري: ٣/ ٨٧.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٥): ص ٤/ ١٢٤٠.","vol":"3","page":243},{"text":"الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورا لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ \" (١).\nوأما ﴿الحكمة﴾: فهي: \"الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيما إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه. قال القفال: وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية (٢) \".\nقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي: و\"يطهرهم من رجس الشرك\" (٣).\nقال البيضاوي: \" عن الشرك والمعاصي\" (٤).\nقال أبو السعود: \"أي يطهرها عن دنس الشرك وفنون المعاصي\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي ينمي أخلاقهم، ويطهرها من الرذائل\" (٦).\nقال السعدي: \" بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية، التي لا تزكي النفوس معها\" (٧).\nقال ابن عطية: أي: \" يطهرهم وينميهم بالخير، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو التنمية\" (٨).\nقال المراغي: أي ويطهر نفوسهم من الشرك وضروب المعاصي التي تدسّيها وتفسد الأخلاق وتقوّض نظم المجتمع، ويعوّدها الأعمال الحسنة التي تطبع فيها ملكات الخير التي ترضى المولى جلّ وعلا\" (٩).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وجهان (١٠):\nأحدهما: أن المعنى: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. قاله ابن جريج (١١)، وروي عن الحسن (١٢) نحو ذلك.\nقال الطبري: \" \"ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله\" (١٣).\nالثاني: أن التزكية هي الطاعة لله والإخلاص. قاله ابن عباس (١٤).\nوذكر الفخر الرازي في معنى هذه التزكية وجهين (١٥):\nأحدهما: ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم، وتلك الأمور ما كان يفعله ﵇ من الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان ﵇ يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق.\nالثاني: يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت، كتزكية المزكي الشهود.\n_________\n(١) تفسير الرازي: ٤/ ٦١ - ٦٢.\n(٢) تفسير الرازي: ٤/ ٦٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٤.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/! ٠٦.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٦.\n(٧) تفسير السعدي: ٦٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٢.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٢١٧.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٠. وتفسير الطبري: ٣/ ٨٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٨٢): ص ٣/ ٨٨.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٣/ ٨٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٨١): ص ٣/ ٨٨، وابن أبي حاتم (١٢٦٥): ص ١/ ٢٣٧.\n(١٥) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٥٩ - ٦٠.","vol":"3","page":245},{"text":"قال الرازي: \"والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]، \"أي إنك أنت القوى الذي لا يغلب ولا ينال بضيم من توكل عليك، الحكيم في أفعالك في عبادك، فلا تفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة\" (٢).\nقال ابن كثير: أي: \"العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ وحكمته وعدله\" (٣).\nقال البيضاوي: \" ﴿الْعَزِيزُ﴾: لا يقهر ولا يغلب على ما يريد، ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكم له\" (٤).\nقال الطبري: ﴿العزيز﴾ القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك؛ و﴿الحكيم﴾ الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك (٥).\nقال الصابوني: \" ﴿العزيز﴾: الذي لا يُقهر ولا يُغلب، ﴿الحكيم﴾: الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة\" (٦).\nقال ابن عطية: \" ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي يغلب ويتم مراده ولا يرد، و﴿الْحَكِيمُ﴾: المصيب مواقع الفعل المحكم لها\" (٧).\nقال السعدي: \" ﴿لْعَزِيزُ﴾ أي: القاهر لكل شيء، الذي لا يمتنع على قوته شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك، ابعث فيهم هذا الرسول\" (٨).\nقال أبو السعود: \"والجملة تعليلٌ للدعاء وإجابة المسئول فإن وصفَ الحكمةِ مقتضٍ لإفاضة ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور التي من جملتها بعثُ الرسول ووصفُ العزة مستدعٍ لامتناع وجود المانِع بالمرة\" (٩).\nقال المراغي: \" وقد ختم إبراهيم دعواته بالثناء على ربه، وذكر له من الأوصاف ما يشاكل مطالبه، فوصفه بأنه العزيز الذي لا يردّ له أمر، وأنه الحكيم الذي لا معقّب لحكمه، فمن الهيّن عليه أن يجيبه إلى ما طلب، مما هو متنافر مع طباع العرب، بعيد من معايشهم وأحوالهم، فهم بعيدون عن ورود مناهل العلم، وفيهم خشونة في الطباع، وغلظ في الأكباد، ليس لديهم استعداد لحضارة ولا مدنية، وقد أجاب الله دعاءه وكوّن منهم أمة كانت خير الأمم، سادت العالم وملكت المشارق والمغارب ردحا من الزمان، وكان فيها رجال حفظ لهم التاريخ صادق بلائهم، وعظيم سياستهم للشعوب التي انضوت تحت لوائهم، بما لم تجارهم فيه أرقى الأمم مدنية في عصرنا، عصر الرقى والحضارة\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيمُ وإسماعيلُ الله ﷾ أن يبعث فيهم الرسول.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٠.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٢١٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٨٨. وذكر الطبري خبرا آخر: حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج قوله: \" ويزكيهم \" قال، يطهرهم من الشرك، ويخلصهم منه.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٢.\n(٨) تفسير السعدي: ٦٦.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٢.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٢١٧ - ٢١٨.","vol":"3","page":246},{"text":"٢ - ومنها: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لقوله تعالى: ﴿رسولًا منهم﴾؛ لأنهم يعرفونه، كما قال تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٥٣]؛ فتأمل قوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم﴾ [النجم: ٥٣]، حيث أضافه إليهم؛ يعني: صاحبكم - الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته - ما ضل، وما غوى.\n٣ - ومنها: أن الرسول ﷺ جعل الله ﷾ فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.\n٤ - ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية، والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوةً، ومعنًى، وتتضمن أيضًا الحكمة - وهي معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾.\n٥ - ومنها: أن ما جاء به النبي ﷺ يزكي الأخلاق، ويطهرها من كل رذيلة، كما قال ﷺ «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١)؛ وهكذا كانت شريعة الرسول ﷺ: تنمية للأخلاق الفاضلة، وتطهيرًا من كل رذيلة؛ فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير؛ كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه فإن الإسلام يأمر به - وهذه تزكية -؛ وينهى عن ضد ذلك؛ ينهى عن الإثم، والقطيعة، والعدوان، والعقوق، والكذب، والغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق - وهذه أيضًا تزكية -.\nوحال الناس قبل الإسلام بالنسبة للعبادة لا تَسأل! شرك، وكفر؛ وبالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تَسأل أيضًا عن حالهم! القوي يأكل الضعيف؛ والغني يأكل الفقير؛ ويأكلون الربا أضعافًا مضاعفة؛ يُغيِر بعضهم على بعض؛ يتعايرون بالأنساب؛ يدعون بدعوى الجاهلية ... إلخ.\nجاء الإسلام، وهدم كل هذا؛ ومن تدبر التاريخ قبل بعثه (ص) وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة، وحالهم بعدها؛ وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿ويزكيهم﴾.\n٦ - ومنها: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته.\n٧ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾.\n٨ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله: ﴿العزيز﴾، و﴿الحكيم﴾.\n٩ - ومنها: مناسبة العزة، والحكمة لبعث الرسول؛ وهي ظاهرة جدًا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة: قال الله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨٠]؛ للمؤمنين عربًا كانوا، أو عجمًا؛ من كان مؤمنًا بالله ﷿ قائمًا بأمر الله فإن له العزة؛ ومن لم يكن كذلك فاته من العزة بقدر ما أخل به من الإيمان، والعمل الصالح؛ ولهذا يجب أن تكون رابطة الإيمان أقوى الروابط بين المؤمنين؛ لأنه لا يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير برابطة أقوى من هذه الرابطة.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠]\nالتفسير:\nولا أحد يُعرض عن دين إبراهيم -وهو الإسلام- إلا سفيه جاهل، ولقد اخترنا إبراهيم في الدنيا نبيًّا ورسولا وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين لهم أعلى الدرجات.\n_________\n(١) أخرجه أحمد ج ٢/ ٣٨١، حديث رقم ٨٩٣٩، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٦١٣، وقال حديث صحيح على شرط مسلم؛ وأقره الذهبي، وقال ابن عبد البر: وهذا حديث مدني صحيح (التمهيد ٢٤/ ٣٣٤).","vol":"3","page":247},{"text":"في سبب نزول الآية: قال الثعلبي: \"إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله ﷿ قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجرا أن يسلم، فأنزل الله تعالى. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي يترك دينه وشريعته\" (١).\nوالخبر في تفسير مقاتل بن سليمان (٢)، وذكره الزمخشري (٣)، والسيوطي (٤)، وابن حجر في العجاب (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، يعني: \"وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم، ويتركها رغبة عنها إلى غيرها؟ \" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها\" (٧).\nقال البيضاوي: \" استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء، أي لا يرغب أحد من ملته\" (٨).\nقال الزجاج: \" المعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي لا يرغب عن دين إِبراهيم وملته الواضحة الغراء\" (١٠).\nقال الطبري: \"وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام. لأن \" ملة إبراهيم \" هي الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى ذكره: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧] \" (١١).\nقال قتادة: \"رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم - يعني الإسلام - حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا ﷺ بملة إبراهيم\" (١٢). وروي عن أبي العالية (١٣) نحوه.\nقال الثعلبي: \" رغب في الشيء، إذا أردته، ورغبت عنه إذا تركته، وأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه\" (١٤).\nو(الملَّةُ): \"وهي السُّنَّة والمذهب\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: \" إِلا من استخفّ نفسه وامتهنها\" (١٦).\nقال ابن زيد: إلا من أخطأ حظَّه\" (١٧).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: إِلَّا من خسر نفسه من أَهْل الكتاب\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٨.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٣١٢.\n(٤) انظر: اللباب: ١/ ٣٧٨.\n(٥) انظر: العجاب: ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٨٩.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٥.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٠٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٨٩.\n(١٢) أخرجه الطبري (٢٠٨٣): ص ٣/ ٨٩.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٧٠): ص ١/ ٢٣٨.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٨.\n(١٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٠٩.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(١٧) أخرجه الطبري (٢٠٨٥): ص ٣/ ٩٠.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٠.","vol":"3","page":248},{"text":"وأخرج الكلبي عن ابن عباس: \" في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: خسر نفسه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها، ويضرها في معادها\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال\" (٣).\nقال ابن كيسان: إلا من جهِل نفسه\" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" أي أوبق نفسه وأهلكها\" (٥).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: عجز رأيه عن النظر لنفسه، فضلّ\" (٦).\nقال ابن عبّاس: \"حيّر نفسه\" (٧).\nقال الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه\" (٨).\nقال أبو روق: عجّز رأيه عن نفسه\" (٩).\nقال يمان: حمق رأيه\" (١٠).\nوقال ابن بحر: \"جهلها ولم يعرف ما فيها من الدلائل\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها\" (١٢).\nقال الزجاج: أي: \" إلا من جهل نفسه، أي لم يفكر فى نفسه، كقوله ﷿: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فوضع جهِل\" (١٣).\nقال السعدي: \" أي: جهلها وامتهنها، ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \"أي أوقعها في سفه؛ و(السفه) ضد الرشد؛ وقيل: معناه: جهل نفسه أي جهل ما يجب لها، فضيعها؛ ولنا أن نقول: إن التعبير بما يحتمل الوجهين فيه نكتة عظيمة؛ وهي أن يكون التعبير صالحًا للأمرين؛ فكأنه ناب عن جملتين؛ فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة؛ وسفيه إن تعمد المخالفة\" (١٥).\nقال الواحدي: \" لأن من عبد حجرًا أو قمرًا أو شمسا أو صنمًا فقد جهل نفسه؛ لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم ما يحق لله عليه، والعرب تضع سَفِهَ في موضع جَهِل، ومنه الحديث: \"الكِبْرُ أن تسفَهَ الحقَّ وتغمِصَ الناسَ \" (١٦)، أي: تجهل الحق، ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث: \"مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربه\" (١٧)، قيل في معناه: إنما يقع الناس في البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنّهم أنهم يملكون الضرّ والنفع دون الله\" (١٨).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٣٣٥، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٩٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩. وفي لفظ اخر له عند أبي حيان: \" قتل نفسه\". البحر المحيط: ١/ ٣٤٢.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١١) البحر المحيط: ١/ ٣٤٢.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/! ٠٦.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٢١١.\n(١٤) تفسير السعدي: ٦٦.\n(١٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠.\n(١٦) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢/ ٦٩، عن ثابت بن قيس، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ١٣٣، في طريق عبد الله بن عمرو: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وفيه عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف، وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات. اهـ. ورواه أحمد ٤/ ١٣٤ عن أبي ريحانة بلفظ: \"إنما الكبر من سفه الحق وغمض الناس\" ورواه مسلم (٩١) كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه ولفظه: \"الكبر بطر الحق وغمط الناس\".\n(١٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\"، وعنه البغوي ١/ ٢٧٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤ قال النووي: ليس بثابت، ينظر: \"المقاصد الحسنة\" ص ٤٩٠ (١١٤٩)، وقال ابن تيمية: موضوع، ينظر: \"المصنوع في معرفة الموضوع\" ص ١٨٩ (٣٤٩)، وقال السمعاني: إنه لا يعرف مرفوعًا، ينظر: \"المقاصد\" ص ٤٩٠، \"الموضوعات\" ص ٣٥١. وقال العجلوني في \"كشف الخفاء\" ٢/ ٢٦٢: وقال أبو المظفر ابن السمعاني في \"القواطع\": إنه لا يُعرف مرفوعًا وإنما يُحْكى عن يحيى بن معاذ الرازي، يعني من قوله. وقال ابن الفرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت، قال: لكن كُتبُ الصوفية مشحونة به، يسوقونه مساق الحديث، كالشيخ محيي بن عربي، وغيره. قال: وللحافظ السيوطي فيه تأليف سماه \"القول الأشبه في الحديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه\" والكتاب ضمن الكتب الموجودة في \"الحاوي للفتاوى\" للسيوطي، وذكره أبو نعيم في \"الحلية\" ١٠/ ٢٠٨، عن سهل التستري.\n(١٨) التفسير البسيط: ٣/ ٣٢٣ - ٣٣٣.","vol":"3","page":249},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، ثلاثة تأويلات (١):\nأحدها: أن ذلك سفّه نفسه، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهًا، وهذا قول الأخفش (٢).\nوالثاني: أنها بمعنى سفه في نفسه، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي عَلَى عقدة النكاح، وهذا قول الزجَّاج (٣).\nوالثالث: أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا، وهذا قول أبي عبيدة (٤).\nقال الثعلبي: \" وأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه\" (٥).\nوقراء: ﴿إلا من سفه نفسه﴾، بتشديد الفاء (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: ولقد: \" اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإِمامة\" (٧).\nقال ابن عباس: \" يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو يذكره بخير، وينتحل دينه\" (٨).\nقال الواحدي: \" وقيل: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوة، وقيل: بالخُلّة\" (٩).\nقال أبو مالك: \" قوله: اصطفى، يعني اختار\" (١٠).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: اخترناه\" (١١).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني اخترناه بالنبوة والرسالة\" (١٢).\nقال الزجاج: \" معناه اخترناه ولفظه مشتق من الصفوة\" (١٣).\nقال السعدي: \" أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" اخترناه واجتبيناه للخلة، ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما .. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد ﷺ، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته،\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٩٣.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٠.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(٦) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٦٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٣٣٥.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٣٣٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧١): ص ١/ ٢٣٨.\n(١١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٩.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٠.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٢١١.\n(١٤) تفسير السعدي: ٦٦ - ٦٧.","vol":"3","page":250},{"text":"وجعله للناس إماما، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده\" (١).\nقال أبو حيان: \" أي جعلناه صافيًا من الأدناس، واصطفاؤه بالرسالة والخلة والكلمات التي وفى ووصى بها، وبناء البيت، والإمامة، واتخاذ مقامه مصلى، وتطهير البيت، والنجاة من نار نمروذ، والنظر في النجوم، وأذانه بالحج، وإراءته مناسكه، إلى غير ذلك مما ذكر الله في كتابه، من خصائصه ووجوه اصطفائه\" (٢).\nقال المراغي: \" ولا شكّ أن ملة هذا شأنها، وبها كانت له المكانة عند ربه، لا يرغب عنها إلا سفيه يعرض عن التأمل في ملكوت السموات والأرض، ورؤية الآثار الكونية والنفسية الدالة على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته، كما أن في الآية بشارة لإبراهيم بصلاح حاله في الآخرة وعده له بذلك (٣).\nقلت: والاصطفاء مفهوم قرآني تكرر في العديد من الآيات القرآنية، من جملتها هذه الآية الكريمة، وكقوله تعالى:\n- ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣].\n- ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].\n- ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥].\n- ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]\n- ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].\n- ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢].\n- ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].\nنلحظ بأن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الاصطفاء يقصد معنيين وهما:\nأولا: الخلوص والصفاء (٤).\nثانيا: الاختيار والتفضيل والتقديم (٥).\nفالله ﵎ هو الحكيم الخبير، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار للنبوة إلا أصلح الناس لها، وأليقهم بها، والنبوة اصطفاء لا اكتساب، ولا يمكن للعبد بالاجتهاد في الطاعة والترقي في مقامات العبودية أن ينال مرتبة النبوة، بل هي اجتباء واصطفاء واختيار من الله تعالى، وليس معنى ذلك أن الأنبياء لم يكن فيهم مزية عن غيرهم، أو أنهم لم يكونوا أهلًا للنبوة، فإنهم أفضل الخلق! وإنما معناه أنهم لم ينالوا هذه المرتبة باجتهادهم، وإنما نالوها بفضل الله عليهم، واجتبائه لهم فجمع الله للأنبياء الفضل من أطرافه، ميزهم على خلقه من قبل النبوة، ثم زادهم فضلًا عليهم بالنبوة، فلا يبلغ أحد منزلتهم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: \" وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٩١.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٣٤٣.\n(٣) انظر: تفسير المراغي: ١/ ٢١٨.\n(٤) فالاصطفاء: من جذر يدل على الخلوص من كل شوب ويجمع الراغب بين الاصطفاء والاختيار بقوله: \"والاصطفاء تناول صفو الشيء، كما أن الإختيار تناول خيره\". (انظر: معجم مقاييس اللغة: (صفو): ٣/ ٢٩٢، والمفردات: (صفو)، والفروق في اللغة: ٢٧٩.).\n(٥) الصحاح للجوهري: ٢/ ٦٥٢ مادة (خير)، ولسان العرب ٤/ ٢٥٧ مادة (خير)، ومعجم مقاييس اللغة ١/ ٢٣٢؛ مادة (خير).\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٩١.","vol":"3","page":251},{"text":"قال ابن أبي زمنين: \" وهم أهل الجنة\" (١).\nقال السعدي: أي\" الذين لهم أعلى الدرجات\" (٢).\nقال الصابوني: أي: \"من المقربين الذين لهم الدرجات العلى\" (٣).\nقال المراغي: أي: و\"جعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح وإرشاد الناس للعمل بهذه الملة\" (٤).\nقال الطبري: \" و(الصالح) من بني آدم: \"هو المؤدي حقوق الله عليه\" (٥).\nقال الزجاج: \" فَالصالحُ في الآخرة الفائز\" (٦).\nقال البيضاوي: \" حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهودًا له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة، كان حقيقًا بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر\" (٧).\nقال أبو حيان: أي\" وفي الآخرة من المشهود له بالاستقامة في الخير، ومن كان بهذه الصفة فيجب على كل أحد أن لا يعدل عن ملته\" (٨).\nقال ابن عبّاس: \"يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة\" (٩)، قال الثعلبي: \"بيانه قوله: خطابه عن يوسف ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ [يوسف: ١٠١] \" (١٠).\nوأخرج ابن أبي حاتم \"عن ابن عباس: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، قال: عمله يجزى به في الآخرة\" (١١).\nوقال الحسن: \"أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامةَ وحسنَ الثواب، فلما كان خلوصُ الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك\" (١٢).\nوقال الحسين بن الفضل: \"في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل (١٣) \" (١٤).\nقال أبو حيان: \" وهذا الذي ذهب إليه خطأ ينزه كتاب الله عنه\" (١٥).\nقلت: إن الصالح هو من صلحت المعاملة بينه وبين الله وبين الناس على قدر الإمكان، فتعلم ما أمر الله بتعلمه وعمل به، ودعا إليه وصبر على طريق الحق، والله يتولى أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) [يونس: ٦٢ - ٦٤].\n_________\n(١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٧٩.\n(٢) تفسير السعدي: ٦٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٤) انظر: تفسير المراغي: ١/ ٢١٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٩١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢١١.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٣٤٣.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (١٢٧٣): ص ١/ ٢٣٨.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٣٣٦، والبحر المحيط: ١/ ٣٩٥.\n(١٣) يقصد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢].\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١٥) البحر المحيط: ١/ ٣٤٣.","vol":"3","page":252},{"text":"ولا تحيا الأمم ولا ترقى الشعوب إلا بعظمائها، وعظماء أمّة الإسلام هم أهل الصلاح والإصلاح، الذين يحتسبون وجه الله سبحانه فيما ينالهم من العنت والمشقّة حين تأدية واجبهم وتحقيق رسالتهم، والذين يتركون في الناس الذكر الحسن في حياتهم وبعد مماتهم، هم البركة الحقيقيّة والذخيرة التي لا تنضب، يعرف ذلك من لمس أثرهم، وحرص على القرب منهم، وشتّان بين الجليس الصالح، وجليس السوء، فإذا كانت حاجة الأمم إليهم وتعلّقها بهم لا تُقدّر بثمن، فكيف الحال إذا كان تناقصُ أعدادِهم واختفاءُ آثارهم هو علمٌ من أعلام الساعة وأشراطها؟ ذلك هو ما أخبر به رسول الله -ﷺ- صحابته تصريحًا وتلميحًا في غيرما مناسبة، وكان من جملة إخباراته النبويّة ما جاء في حديث مرداس الأسلمي ﵁ مرفوعًا: \"يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُفالة، كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بالةً\" (١)، وفي رواية: \"لا يعبأ الله بهم الله بهم شيئا\" (٢).\nومعنى \"حُفالة\": ما يسقط من قشر الشعير عند الغربلة، ومن التمر بعد الأكل، وقد جاء في رواية أخرى بلفظ \"حثالة\"، وهي بذات المعنى، وأما معنى \"لا يباليهم الله بالةً\": لا يرفع لهم قدر ولا يقيم لهم وزنا (٣) ً.\nفهذا الحديث يشير صراحةً إلى أن موت الصالحين وتناقص أعدادهم هو من أشراط الساعة، وأن ذهابهم يكون شيئًا فشيئًا وليس مرّةً واحدة، كما أن في الحديث السابق ترغيبٌ في الاقتداء بالصالحين، والتحذير من مخالفة طريقهم، خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباليه الله ولا يعبأ به، كما ذكر ذلك شرّاح الحديث.\nوقريبٌ من الحديث السابق ما جاء في سنن ابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لتنتقوُنَّ كما يُنتقى التمر من أغفاله، فليذهبن خياركم، وليبقين شراركم، فموتوا ان استطعتم\" (٤)، ومعنى (من أغفاله): أي مما لاخير فيه.\nوعنه ﵁، أن النبي -ﷺ- قال: \"إنكم في زمانٍ من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشُر ما أمر به نجا\" (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٣٤).\n(٢) رواه البخاري موقوفا على مرداس الأسلمي ﵁ راوي الحديث (٤١٥٦).\n(٣) يقول ابن حجر: \"والحثالة ما سقط من قشر الشعير، والأرز، والتمر، والرديء من كل شيء\"، قال: \"ووجدت لهذا الحديث شاهدًا من رواية الفزارية امرأة عمر بلفظ \"تذهبون الخَيِّر فالخَيِّر حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر ينزو بعضهم على بعض نزو المعز\". [فتح الباري: ١١/ ٢٥٢].\nومعنى \"لا يباليهم الله بالة\"، أي لا يعبأ بهم، ولا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا\". [فتح الباري: ١١/ ٢٥٢].\nوفي رواية: \"يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة، يبقى منهم حثالة قد مَرِجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا\" وشبك بين أصابعه. قالوا: يا رسول الله، فما المخرج؟ قال: \"تأخذون ما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم\"، إذا كان لديك صحبة طيبة أخوان في الله خاصين، \"وتدعون أمر عامتكم\" [رواه أبو داود: ٤٣٤٤، وصححه الألباني صحيح الجامع: ٤٥٨٥]، لأن الأكثرية ليسوا على الحق، الحديث رواه أحمد، وقال عنه أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\". [مسند أحمد: ٧٠٤٩].\nيغربلون غربلة يذهب الأخيار، ويبقى الأشرار الأراذل، كما ينقى الدقيق بالغربال، حتى لا يبقى إلا الشيء السيئ من هذه الحثالة، ومرجت عهودهم، وأماناتهم اختلطت وفسدت، ولا عندهم عهد ولا أمانة، ينقضون العهود، ويخونون الأمانات، واختلط بعضهم ببعض، فهم في أمر مريج، لا يعرفون المعروف ولا ينكرون المنكر، وكذلك لا تعرف الأمين من الخائن، والبر من الفاجر، اختلطت الأمور لا يعرف الصالح من الطالح، وهذا ولا شك أنه وقع منه جزء كبير الآن، فالآن إذا أردت أن تميز إذا جاء رجل يخطب ابنتك أو أختك لا تعرف هذا صالح أو طالح، الناس الآن صار فيهم خلط كبير.\nفتمييز الجيد لا يكاد يعرف، فالنفاق منتشر، وأشياء مخفية وأشياء لا تعرف وهكذا، ونصحهم بالإقبال على أمر خاصتهم لأن الإنسان يعرف الناس المقربين منه الذي يعرف حالهم، وأنهم على الخير يلتزم بهم.\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٨)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" ٩/ ٢٥، والحاكم ٤/ ٤٨٠ و٤٨١، وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \" وأقره الذهبي.\n(٥) روى الترمذي (٢٢٦٧)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" (١١٥٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣١٦).\nوقال أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ: \" هَذَا حَدِيثٌ منكر، رواه نعيم بْن حَمَّاد، وليس بثقة\". \"العلل المتناهية\" (٢/ ٣٦٩).","vol":"3","page":253},{"text":"إن الحديث السابق يُسفِر عن ذات الحقيقة، وهو أن صلاح المجتمعات آخذٌ بالتناقص مع مرور الوقت، كما يشير إلى النسبية والتفاوت في مستوى الصلاح بين الأجيال الأولى في الإسلام والأجيال اللاحقة على وجه العموم، وقد فُسّر الحديث بأن العُشر المأمور به إنما المقصود به: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي الرعيل الأوّل وفي فجر الإسلام كان الدين عزيزًا، وفي أنصاره كثرةً، فلا عُذر في التهاون في هذه الشعيرة العظيمة، ولكن حين يضعف الإسلام، وتكثر الظلمة، ويعم الفسق، ويكثر الدجالون، وتقل أنصار الدين، ويتوارى الحق فيعذر المسلمون فيما تركوه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعدم القدرة، والله ﷾ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.\nولنا كذلك حذيفة بن اليمان عند ابن ماجة، وفيه: \"يَدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة، ولا نسك ولا صدقة، ويبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحن نقولها\" (١)، وحديث أنس ﵁: \"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله\" (٢).\nعلى أننا نؤكّد أن هذه الأحاديث تتحدّث عن جانبٍ إخباريّ يتعلّق بفترةٍ زمنيّة طويلة تشمل أجيلًا متتالية، فليس المقصود نفي الخيريّة عن أمتنا أو أن تكون هذه الأحاديث سببًا في تسرّب اليأس من النفوس أو مدعاةً للتخاذل، فكما بيّنت السنة الخلل الحاصل فقد بيّنت أسبابه، وبتجنّب الأسباب يكون الصلاح، والعبدُ إنما هو مكلّفٌ بخاصّة نفسه أن يُصلحها وليس مسؤولًا عن فساد غيره ما دام قد أدّى ما عليه، قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]. والله تعالى أعلم.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾.\n_________\n(١) رواه ابن ماجة (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٤٧٣). قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال البوصيري في الزوائد: (ق ١/ ٢٤٧): اسناده صحيح ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: برقم (٨٧). (يدرس) من درس الرسم دروسا: إذا عفا وهلك. (وشى الثوب): نقشه.\n(٢) صحيح مسلم: (١٤٨). عض الرويات جاء فيها: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه)\nوهي رواية أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٦٨)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٢٦٢) والحاكم (٤/ ٥٤٠) بل هي إحدى روايات مسلم كما نقله القاضي عياض من رواية ابن أبي جعفر. انظر النووي في \"شرح مسلم\" (٢/ ١٧٨). فهذه الرواية تفسر الرواية الأولى، فيكون المعنى: لا تقوم الساعة على الموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله.\nقلت: ومن أشراط الساعة ذهاب الصالحين وإرتفاع الأسافل، فقد وجاء في حديث حذيفة ﵁: قال ﷺ: \"ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان\". (أخرجه البخاري في الرقاق، باب: رفع الأمانة (٦٤٩٧) واللفظ له، ومسلم في الإيمان (١٤٣) مختصرا).\nقال الشيخ يوسف الوابل: \"وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر، يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق الناس، وأقلهم دينًا وأمانة، وقد يكون عدوًا للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\". (أشراط الساعة (ص ١٨٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة\" قيل: وما الرويبضة؟ قال: \"السفيه يتكلّم في أمر العامة\". (أخرجه أحمد (٢/ ٢٩١) واللفظ له، وابن ماجه في الفتن، باب: شدة الزمان (٤٠٣٦)، قال البوصيري: \"هذا إسناد فيه مقال؛ إسحاق بن بكر بن أبي الفرات قال الذهبي في الكاشف: مجهول، وقال السليماني: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات\"، والحديث صححه الحاكم (٤/ ٥١٢)، والألباني في الصحيحة (١٨٨٧).\nوفي حديث جبريل الطويل قوله: \"ولكن سأحدثك عن أشراطها ... وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها\". (أخرجه البخاري في الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي ﷺ (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) واللفظ له).\nقال ابن رجب ﵀: \"فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا؛ فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرًا عائلًا فصار ملكًا على الناس سواءً كان ملكه عامًا أو خاصًا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال، وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جباية المال وإكثاره، ولا يبالي بما أفسد من دين الناس، ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم\". (جامع العلوم والحكم (١/ ٤١).","vol":"3","page":254},{"text":"٢ - ومنها: أن مخالفة هذه الملة سفه؛ مهما كان الإنسان حكيمًا في قوله فإنه يعتبر سفيهًا إذا لم يلتزم بشريعة الله.\n٣ - ومنها: فضيلة إبراهيم - ﵊ -، حيث اصطفاه الله، واختاره على العالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾.\n٤ - ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة﴾.\n٥ - ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء، ومن دونهم؛ فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبع الرسول بأنه صالح؛ ولهذا كانت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح» (١)؛ فوصفوه بالصلاح.\n٦ - ومنها: أن المخالفين للرسل سفهاء؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، وقوله في المنافقين: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ [البقرة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]؛ فإنهم - وإن كانوا أذكياء، وعندهم علم بالصناعة، والسياسة - هم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط.\nالقرآن\n﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]\nالتفسير:\nوسبب هذا الاختيار مسارعته للإسلام دون تردد، حين قال له ربه: أخلص نفسك لله منقادًا له. فاستجاب إبراهيم وقال: أسلمت لرب العالمين إخلاصًا وتوحيدًا ومحبة وإنابة.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١]، أي: \" إذ قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة\" (٢).\nقال مقاتل: \" يقول أخلص\" (٣).\nقال الزجاج: \" معناه اصطفاه إِذ قال له ربه أسلم: أي في\nذلك الوقت\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي استقم على الإسلام أو اثبت عليه لأنّه كان مسلما كقوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، أي أثبت على علمك\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي استسلم لأمر ربك وأخلصْ نفسك له\" (٧).\nقال المراغي: أي: أخلص لي العبادة .. أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من الآيات ونصب له من الأدلة على وحدانيته\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي: \" اذكر إذ قال له ربه؛ فيكون أمرًا للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ج ٢/ ٣٨١، حديث رقم ٨٩٣٩، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٦١٣، وقال حديث صحيح على شرط مسلم؛ وأقره الذهبي، وقال ابن عبد البر: وهذا حديث مدني صحيح (التمهيد ٢٤/ ٣٣٤).\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٩٢.\n(٣) تفسير مقاتل بن حيان: ١/ ١٤٠.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢١١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٢.","vol":"3","page":255},{"text":"قال الراغب: \"أي أخلص سرك فإنه موضع الاطلاع، وإلى ذلك أشار النبي - ﷺ - بقوله: \" أخلص يكفك القليل من العمل \" (١)، وبقوله: \" الأعمال بالنيات \" (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيّنة: ٥] \" (٣).\nقال ابن عطية: \" وكان هذا القول من الله حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. والإسلام هنا على أتم وجوهه\" (٤).\nقال أبو حيان: \" هذا من الالتفات، إذ لو جرى على الكلام السابق، لكان: إذ قلنا له أسلم\" (٥).\nفي الآية الكريمة موضع (إذْ) نصب وفي عامله وجهان (٦):\nالوجه الأول: أنه نصب باصطفيناه، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم، وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به، فإن قيل قوله: ﴿ولقد اصطفيناه﴾ إخبار عن النفس وقوله: ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾ إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحدا؟ قلنا: هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مرارا.\nالوجه الثاني: أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفي الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله.\nوقد اختلف في معنى (الإسلام) في قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١]، على أقوال (٧):\nأحدها: أنه بمعنى: الإستقامة والثبات، والمعنى: استقِمْ على الإسلامِ وَاثْبُتْ عليهِ؛ لأنه كان مُسْلِمًا كقولهِ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] أي اثْبتْ على عِلْمِكَ (٨).\nالثاني: أن (الاسلام) هنا الإخلاص.\nقال ابن كثير: \"أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا (٩).\nوقال السمرقندي: معنى قوله (أسلم) يعني أخلص دينك لله فقال إبراهيم ﴿أسلمت لرب العالمين﴾، يعني أخلصت ديني لرب العالمين\" (١٠).\nقال الكلبيُّ: \"مَعْنَاهُ: أخْلِصْ دينك للهِ بالتوحيد\" (١١). وروي مثله عن ابن كيسان (١٢).\nالثالث: أن المراد بـ (الإسلامِ): تسليمُ الأمور إلى الله تعالى والانقيادُ له من غيرِ امتناعٍ وعِصْيَانٍ.\nوقال عطاءُ: \"سَلِّمْ نَفْسَكَ إلَى اللهِ وَفَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٣٥٨)،: ص ٩/ ١٧٤ - ١٧٥، وكنز العمال (٥٢٥٤) حديث ضعيف.\n(٢) أخرجه البخاري (١)، (٥٤)، (٢٥٢٩)، (٣٨٩٨)، (٥٠٧٠)، (٦٦٨٩)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمي (١٦٤٧)، والنسائي (٧٥)، (٣٤٣٧)، (٣٧٩٤)، وابن ماجة (٤٢٢٧)، وابن مبارك في الزهد والرقائق (١/ ٦٢)، والطيالسي (٣٧)، والحميدي في مسنده (٢٨)، وأحمد في المسند (٣٠٠٠، ١٦٨)، والبزاز كما في البحر الزخار (٢٥٧).\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٣.\n(٥) البحر المحيط: ١/ ٣٤٣.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٣٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ٨٧، وتفسير المراغي: ١/ ٢٢٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٦.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٦.\n(١٠) تفسير بحر العلوم: ١/ ١٢١.\n(١١) تفسير الطبراني: ١/ ٨٧، وانظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(١٣) تفسير الطبراني: ١/ ٨٧، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.","vol":"3","page":256},{"text":"قال السمرقندي: \"ويقال معناه فوض أمرك إلى الله فقال فوضت أمري إلى الله (١).\nالرابع: وقيل معناه: \"اخْضَعْ واخشَعْ\" (٢).\nالخامس: وقيل: معناه: اعمل بالجوارح، لأن الإيمان هو صفة القلب، والإسلام هو صفة الجوارح، فلما كان مؤمنًا بقلبه كلفه بعد عمل الجوارح. قاله الرازي (٣).\nقلت: إن كلمة (الاسلام) تشمل جميع الأقوال السابقة، أي إسلام الباطن والظاهر. والله تعالى أعلم.\nواختلفوا متى قيل له (أسلم) على قولين (٤):\nأحدهما: أنه قيل له ذلك قبل النبوّة، وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية، وأمارات الحدوث، فلما عرف ربه، قال تعالى له (أسلم). وهذا قول الأكثرين.\nالثاني: وقيل: كان بعد النبوّة، فتؤول الأمر بالإسلام على أنه أمر بالثبات والديمومة، إذ هو متحل به وقت الأمر، ويكون الإسلام هنا على بابه، والمعنى: على شريعة الإسلام.\nقوله تعالى: ﴿قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، \"أي قال [إبراهيم]: أخلصت دينى لله الذي فطر الخلق جميعا\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني أخلصت لرب العالمين\" (٦).\nقال الطبري: أي\" قال إبراهيم مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة، لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره\" (٧).\nقال المراغي: \"ونحو هذا قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وقد نشأ إبراهيم في قوم عبدة أصنام وكواكب، فأنار الله بصيرته، وألهمه الحق والصواب، فأدرك أن للعالم ربّا واحدا يدبره ويتصرف في شئونه وإليه مصيره، وحاجّ قومه في ذلك وبهرهم بحجته فقال: ﴿أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] إلى آخر الآيات التي جاءت في سورة الأنعام\" (٨).\nالفوائد\n١ - من فوائد الآية: فضيلة إبراهيم (﵇)، حيث لم يتوانَ، ولم يستكبر؛ فبادَر بقوله: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ حين قال له ربه ﷿: ﴿أسلم﴾ ولم يستكبر؛ بل أقر؛ لأنه مربوب لرب العالمين.\n٢ - ومنها: إثبات ربوبية الله ﷾ العامة لكل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿لرب العالمين﴾.\n٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سُمّوا «عالمين»، حيث إنهم عَلَم على خالقهم.\n٤ - ومنها: المناسبة بين قوله تعالى: (أسلمت)، و(رب)؛ كأن هذا علة لقوله تعالى: (أسلمت)؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يُسْلَم له؛ الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله ﷾ عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون؛ قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]؛ فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقرونًا بالربوبية.\n٥ - ومن الفوائد الفرق بين الإسلام والإيمان:\nفالإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع. والإيمان في اللغة: التصديق والإقرار.\n_________\n(١) تفسير بحر العلوم: ١/ ١٢١.\n(٢) تفسير الطبراني: ١/ ٨٧، وانظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٢.\n(٤) انظر: تفسير بحر المحيط: ١/ ٥٦٦ - ٥٦٧.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن حيان: ١/ ١٤٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٩٢.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":257},{"text":"وأما في الشرع: فلكل منهما إطلاقان: بأن يذكر أحدهما غير مقترن بالآخر، أو يطلق مقترنًا بالآخر.\nففي حال عدم اقترانهما: فالإسلام: الدين كله، أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال، والإيمان: قول واعتقاد وعمل.\nفكلا التعريفين يفيد الدين كله، فيدخل أحدهما في الآخر.\nقال ابن رجب: \"فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة، لم يصر من قال: أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول، وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وأخبر عن يوسف -﵇- أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم؛ قال: قال لي رسول الله –ﷺ-: يا عدي، أسلم تسلم، قلت: وما الإسلام؟ قال: (تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها). فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام. ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع، وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما، فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف، منهم محمد بن جعفر بن الزبير\" (١).\nوقال الشنقيطي ﵀: \"فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل، كما ثبت في الصحيح في حديث وفد عبد القيس، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا ... فالإيمان الشرعي التام والإسلام الشرعي التام معناهما واحد\" (٢).\nوأما حال اقترانهما: فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك على قولين:\n١. القول الأول: إنهما شيء واحد، وممن قال به: محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري (٣) ونسب للبخاري (٤)، وابن حبان البستي (٥)، وأبو طالب المكي (٦)، وابن مندة (٧)، وذهب إليه ابن حزم (٨)، والبيهقي (٩)، ونسبه المروزي للجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث (١٠)، ونسبه ابن عبد البر (١١) إلى عامة أهل الفقه والنظر والمتبعين للسلف والأثر (١٢).\n٢. والقول الثاني: التفريق بينهما: وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس والحسن وابن سيرين (١٣)، ونقل عن كثير من السلف (١٤) منهم: قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري،\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم ص (١١٣).\n(٢) أضواء البيان (٧/ ٢٩٧).\n(٣) من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه، وأيوب فيه ضعف، كذا قال ابن رجب في شرحه لكتاب الإيمان من الصحيح.\n(٤) وهذه النسبة تحتاج إلى مزيد تأمل وممن نسب له ذلك ابن رجب وابن حجر في شرحيهما للصحيح.\n(٥) فإنه ذكر في تبويبات صحيحه كما في الإحسان (١/ ٣٧٥): (ذكر الخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد)، ورد على من يرى التفريق بقوله: (ذكر خبرٍ أوهم عالمًا من الناس أن الإسلام والإيمان بينهما فُرقان) كما في الإحسان (١/ ٣٨٠).\n(٦) فقد ذكر ما يؤيد هذا –نوعا ما- وإن كان كلامه له محمل، في: الفصل الخامس والثلاثون: (ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم). انظر: قوت القلوب (٢/ ٢١٦).\n(٧) حيث عقد بابًا لبيان أخبار من فرق بين الإيمان والإسلام، ثم عقد بابًا في كتابه الإيمان (١/ ٣٢١): (ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد .. الخ).\n(٨) انظر: الدرة فيما يجب اعتقاده ص ٣٥٩، الفصل (٣/ ٢٦٩).\n(٩) انظر: الاعتقاد للبيهقي ص ٢٣٠.\n(١٠) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٩).\n(١١) انظر: التمهيد (٩/ ٢٥٠).\n(١٢) قال ابن رجب: فحكاية ابن نصر وابن عبد البر عن الأكثرية التسوية بينهما غير جيد بل قد قيل إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق\" انظر: فتح الباري (١/ ١٣٠) وجامع العلوم (١/ ١٠٧).\n(١٣) انظر: الإيمان لابن منده (١/ ٣١١).\n(١٤) وقد ذكر شيخ الإسلام أنه لا يعرف عن أحد من السلف ولا من المتقدمين خلافه، ثم قال: \"ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء\" مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٩).","vol":"3","page":258},{"text":"والنخعي، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن السمعاني، وغيرهم، من الأئمة على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما (١).\nوقد نصر هذا القول الخلال وابن بطة والخطابي واللالكائي وأبو يعلى والبغوي وأبو القاسم التيمي (٢). قال شيخ الإسلام: \"التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي –ﷺ- لما سئل عن الإسلام والإيمان ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي –ﷺ-\" (٣). وقال ابن رجب: \"والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، والإسلام: هو استسلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين، كما سمى الله في كتابه الإسلام دينا\" (٤).\nوأما أقوال المخالفين في التفريق بين الإسلام والإيمان، فقد أجمل شيخ الإسلام أقوال المخالفين في هذه المسألة بقوله: \"والمقصود هنا: أن هنا قولين متطرفين:\n- قول من يقول: الإسلام مجرد الكلمة والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإسلام.\n- وقول من يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد.\nوكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث جبريل وسائر أحاديث النبي ﷺ، ولهذا لما نصر محمد بن نصر المروزي القول الثاني: لم يكن معه حجة على صحته؛ ولكن احتج بما يبطل به القول الأول\" (٥).\nفالأول: قول المرجئة:\nقال شيخ الإسلام: \"فالمعروف من كلام المرجئة الفرق بين لفظ الدين والإيمان، والفرق بين الإسلام والإيمان، ويقولون: الإسلام بعضه إيمان، وبعضه أعمال، والأعمال منها فرض ونفل\" (٦). وقال تعليقًا على قول معقل بن عبد الله العبسي عن المرجئة: (وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين): \"قلت: قوله عن المرجئة: إنهم يقولون إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قد يكون قول بعضهم، فإنهم كلهم يقولون ليستا من الإيمان، وأما من الدين، فقد حكي عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين، ولا نفرق بين الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل هما من الدين، ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، وهذا هو المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم، ولم أر أنا في كتاب أحد منهم أنه قال: الأعمال ليست من الدين، بل يقولون: ليست من الإيمان\" (٧).\nوالمقصود أن مبنى قول المرجئة في التغاير بين الإسلام والإيمان مبناه على أن الإسلام هو الدين، والإيمان والأعمال من الدين، وليست هي الدين؛ فإن الإيمان لا يتجزئ، فلما كان التجزؤ في الأعمال ظاهر دل على أنها ليست منه، وإنما هي من الدين وثمرة للإيمان.\nوالثاني: قول الخوارج والمعتزلة والرافضة (٨):\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم ص (١٠٧).\n(٢) انظر: السنة للخلال (١/ ٤٧٩ - ٤٨٢)، الإبانه الصغرى ص ١٩٩، معالم السنن (٤/ ٣١٥)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٨٩٢)، الإيمان لأبي يعلى ص ٣٢١، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٦).\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٥٩).\n(٤) جامع العلوم والحكم ص (١٠٨).\n(٥) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٧٥).\n(٦) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٠).\n(٧) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٠٧).\n(٨) ذكره عنهم المروزي كما في تعظيم قدر الصلاة ص ٣٦١، وانظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٢٤٢).","vol":"3","page":259},{"text":"ومبنى قولهم في الترادف هو التزامهم بعدم تجزئ الإسلام والإيمان فإذا زال بعضه زال كله؛ ولذلك كفروا بالكبيرة.\nوخشية التباس قول المرجئة بقول السلف في هذه المسألة فإنه قد يُظن أن قولهم واحد؛ بسبب الاتفاق في ظاهر القول دون مضمونه قال شيخ الإسلام: \"قد يظن من لا يعرف حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة: من أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وبينهما من التباين أعظم مما بين قول السلف وقول المعتزلة في الإيمان والإسلام؛ فإن قول المعتزلة في الإيمان والإسلام أقرب من قول الجهمية بكثير، ولكن قولهم في تخليد أهل القبلة أبعد عن قول السلف من قول الجهمية.\nفالمتأخرون الذين نصروا قول جهم في مسألة الإيمان يظهرون قول السلف في هذا وفي الاستثناء وفي انتفاء الإيمان الذي في القلب حيث نفاه القرآن ونحو ذلك. وذلك كله موافق للسلف في مجرد اللفظ وإلا فقولهم في غاية المباينة لقول السلف؛ ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه (١).\nوقول المعتزلة والخوارج والكرامية (٢) في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية ... فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم؛ والجهمية وإن كانوا في قولهم: بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم\" (٣).\nوعلى هذا صار الخلاف في مسألة التفاضل بين الإيمان والإسلام؟ قال شيخ الإسلام: \"ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال:\n- فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل، فإنه يدخل فيه الإيمان.\n- وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة، وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك.\n- والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان\" (٤).\nوبهذا يتضح صحة قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وغيرها من المسائل، وكل ذلك مبناه على النصوص الشرعية وعلى عدم التقدم بين يدي الله ورسوله، فكان الحق بفضل الله حليفهم، وتحري الصواب بغيتهم. والله ولي التوفيق.\nالقرآن\n﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]\nالتفسير:\nوحثَّ إبراهيمُ ويعقوبُ أبناءهما على الثبات على الإسلام قائلَيْن: يا أبناءنا إن الله اختار لكم هذا الدين- وهو دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ- فلا تفارقوه أيام حياتكم، ولا يأتكم الموت إلا وأنتم عليه.\n_________\n(١) وهذا التقرير من شيخ الإسلام يفيد فائدتين:\nالأولى: أن صحة القول ليست متوقفة على الموافقة في الظاهر لقول أهل السنة، وإنما العبرة في حقيقة القول. فمشابهة الوعيدية أهل السنة في صورة تعريفهم للإيمان لا عبرة بها، وهكذا قول من يوافق أهل السنة في تعريف الإيمان ويرى تحقق إيمان من انتفت عنه الأعمال بالكلية، فهذه موافقة في الظاهر لا في حقيقة القول، فلا عبرة بها أيضًا.\nالثانية: أن الإمام المروزي ومن تبعه إنما الخلاف معهم في العبارات والتوجيهات للنصوص الواردة في ذلك، والاتفاق حاصل في حقيقة المعنى والحكم المترتب عليه، ولذلك كان الخلاف يسيرًا.\n(٢) معلوم أن الكرامية من المرجئة، وقول المرجئة بالتفريق بين الإسلام والإيمان أوجه بالنسبة لأصلهم في الإيمان، وموقف الكرامية في هذه المسألة يحتاج إلى مزيد تأمل، والله أعلم.\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٤١٤).","vol":"3","page":260},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]، \"أي وصّى الخليل أبناءه باتباع ملته وكذلك يعقوب أوصى بملة إِبراهيم\" (١).\nقال ابن عباس: \" وصاهم بالإسلام. وصية الله دين الله\" (٢).\nوعن ابن عباس أيضا: \" وصى يعقوب بنيه بمثل ذلك- يعني بالإسلام وصية الله دين الله\" (٣). وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك.\nقال مقاتل: \" يعني بالإخلاص إبراهيم بنيه الأربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين ثم وصى بها يعقوب بنيه يوسف وإخوته اثني عشر ذكرا بنيه ويعقوب\" (٤).\nقال الطبري: \"أي: ووصى بهذه الكلمة-وهو قوله: أسلمت لرب العالمين وهي (الإسلام) -الذي أمر به نبيه ﷺ، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له، فعهد ابراهيم بنيه (٥) بذلك وأمرهم به\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" ووصى بها أيضا، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم: روفيل أكبر ولده، وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب ويوسف وابن يافين\" (٧).\nقال أبو السعود: قوله تعالى ﴿ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ﴾: شروعٌ في بيان تكميلِه ﵇ لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته ﵇ والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ\" (٨).\nقال الراغب: \" الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ واشتقاقه من وصاه أي وصله، ومضاده قصاه أي فصله\" (٩).\nواختلف في عود الضمير المتصل (الهاء) في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ [البقرة: ١٣٢]، على أقوال (١٠):\nأحدهما: أنه عائد إلى (الملة) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقوله (وَصَّى بِهَا)، أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله.\nالثاني: وقيل أنه يعود إلى (الكلمة) وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ \"ونحوه رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، إلى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٥): ص ١/ ٢٣٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٦): ص ١/ ٢٣٩.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٠.\n(٥) بنيه: بنو إبراهيم، إسماعيل وأمه هاجر القبطية، وإسحاق وأمه سارة، ومدين: ومديان، ونقشان، وزمزان، ونشق، ونقش سورج، ذكرهم الشريف النسابة أبو البركات محمد بن علي بن معمر الحسيني الجواني وغيره، وأم هؤلاء الستة قطورا بنت يقطن الكنعانية. هؤلاء الثمانية ولده لصلبه، والعقب الباقي فيهم اثنان إسماعيل وإسحاق لا غير. (تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠).\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٣ - ٩٤.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠. وأخرج الطبري عن محمد بن إسحاق قال: \" نكح يَعقوب بن إسحاق - وهو إسرائيل - ابنة خاله \" ليا \" ابنة \" ليان بن توبيل بن إلياس \"، فولدت له \" روبيل بن يعقوب \"، وكان أكبر ولده، و\" شمعون بن يعقوب \"، و\" لاوي بن يعقوب \" و\" يهوذا بن يعقوب \" و\" ريالون بن يعقوب \"، و\" يشجر بن يعقوب \"، و\" دينة بنت يعقوب \"، ثم توفيت \" ليا بنت ليان \". فخلف يعقوب على أختها \" راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس \" فولدت له \" يوسف بن يعقوب \" و\" بنيامين \" - وهو بالعربية أسد - وولد له من سُرِّيتين له: اسم إحداهما \" زلفة \"، واسم الأخرى \" بلهية \"، أربعة نفر: \" دان بن يعقوب \"، و\" نَفثالي بن يعقوب \" و\" جَاد بن يعقوب \"، و\" إشرب بن يعقوب \" فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله، يقول الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [سورة الأعراف: ١٦٠] \". [تفسير الطبري (٢١٠٧): ص ٣/ ١١٢ - ١١٣].\n(٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٣.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٦، وتفسير القرطبي/ ٢/ ١٣٥. وتفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٩.","vol":"3","page":261},{"text":"الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقوله: ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة\" (١).\nقال الراغب: \" وكلاهما غير منفك من الآخر، إذ كانت هذه الكلمة من جملة الملة، والملة مقتضية لهذه الكلمة، فبين تعالى أن إبراهيم وصى بنيه، ووضع يعقوب بنيه أيضا بها كما أوصى إبراهيم\" (٢).\nالثالث: وقيل: أنه يعود على كلمة الإخلاص وهي: لا إلاه إلا الله، وإن لم يجر لها ذكر، فهي مشار إليها من حيث المعنى، إذ هي أعظم عمد الإسلام. وهذا قول الكلبي ومقاتل (٣).\nالرابع: وقيل: يعود على الوصية الدال عليها ووصى.\nالخامس: وقيل: يعود على الطاعة. قاله المفضل (٤).وذلك كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وومنه قول طرفة (٥):\nعلى مثلها الحواء إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك عنها وافتدي\nأي من الفلاة (٦).\nقلت: والقول الثاني أقرب إلى الصواب، للأسباب الآتية:\nأولا: لأنه أقرب مذكور، أي (قولوا أسلمنا)، وأن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم، فـ\"العود على الملة بأنه يكون المفسر مصرحًا به، وإذا عاد على الكلمة كان غير مصرح به، وعوده على المصرح أولى من عوده على المفهوم. وبأن عوده على الملة أجمع من عوده على الكلمة، إذ الكلمة بعض الملة. ومعلوم أنه لا يوصي إلا بما كان أجمع للفلاح والفوز في الآخرة \" (٧).\nثانيا: أن (الملة) أجمع من تلك الكلمة، ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك (٨). والله أعلم.\nوقوله ﴿وَصَّى﴾ [البقرة: ١٣٢] (٩) فيه قراءتان (١٠):\nإحداهما: بهمزة مفتوحة مع تخفيف الصاد: ﴿أَوصَى﴾، بمعنى عهد. وهي في مصحف عثمان، وهي قراءة نافع وابن عامر، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام.\nوالثانية: بحذف الهمزة مع تشديد الصاد: ﴿وصَّى﴾، فيه معنى التكثير، أي: أنه عهد إليهم عهدا بعد عهد، وأوصى وصية بعد وصية. وهي في مصحف عبدالله.\nوالمعنى في القراءتين واحد، إلا أن في ﴿وصّى﴾ دليل مبالغة وتكثير.\nقال الشيخ ابن عثيمين: وقراءة: ﴿أوصى﴾ لا تنطبق عليها الشروط الثلاثة في القراءة، والمجموعة في البيتين، وهما (١١):\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣١٩.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠.\n(٥) شرح المعلقات السبع: ٥٦.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٠.\n(٧) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٧.\n(٩) قال ثعلب: أملى عليّ خلف بن هشام البزار، قال: اختلف مصحف أهل المدينة وأهل العراق في اثنى عشر حرفًا. كتب أهل المدينة: وأوصى، وسارعوا، يقول، الذين آمنوا من يرتدد، الذين اتخذوا، مسجدًا خيرًا منهما، فتوكل، وأن يظهر، بما كسبت أيديكم، ما تشتهيه الأنفس، فإن الله الغني، ولا يخاف عقباها. وكتب أهل العراق: ووصى، سارعوا، ويقول، من يرتد، والذين اتخذوا، خيرًا منها، وتوكل، أن يظهر، فيما كسبت أيديكم، ما تشتهي، فإن الله هو، فلا يخاف. (تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠).\n(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ١٧١، وتفسير الطبري: ٣/ ٩٥ - ٩٦.\n(١١) متن طيبة النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): ٣٢.","vol":"3","page":262},{"text":"كُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي\nوَصَحَّ إسْنادًا هُوَ الْقُرآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَرْكَانُ\nعليه فإن (أوصى) لم تتفق في الرسم؛ إذًا الشروط أو الأركان التي ذكرت بناءً على الأغلب.\nوأما ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ففيه قراءتان (١):\nإحداهما: بكسر الهاء بعدها ياء: (إِبْرَاهِيمُ). وهي قراءة القراء في كل مصر، غير ابن عامر.\nوالثانية: بفتح الهاء بعدها ألف: (إبراهام). قاله الأخفش الدمشقي عن ابن ذكوان عن ابن عامر.\nقال أبو علي: \"مما يثبت قراءة ابن عامر قول أمية (٢):\nمع إبراهم التقي وموسى ... وابن يعقوب عصمة في الهزال\nفهذا كأنه إبراهام، إلا أنه حذف الألف، كما يقصر الممدود في الشعر. وأنشدوا (٣):\nعذت بما عاذ به إبراهم\nوقيل: إنهم كتبوا ما في البقرة بغير ياء، فهذا يدل على أنه إبراهام، وحذفت الألف من الخط، كما حذفت من دراهم، ونحو ذلك، فيشبه أنه قرأ إبراهام وما ثبت فيه مما يدلك على ذلك. وقد روي أنه سمع ابن الزبير يقرأ: ﴿صحف إبراهام﴾ [الأعلى: ١٩] بألف\" (٤).\nوقوله ﴿يعقوب﴾ (٥) كذلك فيه قراءتان (٦):\nاحداهما: برفع (يعقوب) رفعا على (إبراهيم)، أي: ويعقوب وصّى بهذا أيضا بنيه، وهي قراءة القراء العشرة.\nروي عن قتادة قوله: \" ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾، يقول: ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم\" (٧). وروي عن ابن عباس مثله (٨).\nقال أبو حيان: \"فأما قراءة الرفع فتحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون معطوفًا على إبراهيم، ويكون داخلًا في حكم توصية بنيه، أي ووصى يعقوب بنيه.\n_________\n(١) انظر: السبعة: ١٦٩.\n(٢) البيت من شواهد أبو علي الفارسي في الحجة: ٢/ ٢٢٦، ولم يرد في ديوانه. وهو فيما يبدو من قصيدته المذكورة برقم ٦٢ ص ٤٣٩.\n(٣) قاله زيد بن عمرو بن نفيل وتتمته:\nمستقبل القبلة وهو قائم ... أنفي لك اللهم عان راغم\nمهما تجشمني فإني جاشم انظر السيرة النبوية ١/ ٢٣٠. ونسبه في اللسان (برهم) لعبد المطلب.\n(٤) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٥) جاء في تفسير البحر المحيط: \" يعقوب: اسم أعجمي ممنوع الصرف للعلمية والعجمة الشخصية، ويعقوب عربي، وهو ذكر القبج، وهو مصروف، ولو سمي بهذا لكان مصروفًا. ومن زعم أن يعقوب النبي إنما سمي يعقوب لأنه هو وأخوه العيص توأمان، فخرج العيص أولًا ثم خرج هو يعقبه، أو سمي بذلك لكثرة عقبه، فقوله فاسد، إذ لو كان كذلك لكان له اشتقاق عربي، فكان يكون مصروفًا. الحضور: الشهود، تقول منه: حضر بفتح العين، وفي المضارع: يحضر بضمهما، ويقال: حضر بكسر العين، وقياس المضارع أن يفتح فيه فيقال: يحضر، لكن العرب استغنت فيه بمضارع فعل المفتوح العين فقالت: حضر يحضر بالضم، وهي ألفاظ شذت فيها العرب، فجاء مضارع فعل المكسور العين على يفعل بضمها، قالوا: نعم ينعم، وفض يفضل، وحضر يحضر، ومت تموت، ودمت تدوم، وكل هذه جاء فيها فعل بفتح العين، فلذلك استغنى بمضارعه عن مضارع فعل، كما استغنت فيه بيفعل بكسر العين عن يفعل بفتحها. قالوا: ضللت بكسر العين، تضل بالكسر، لأنه يجوز فيه ضللت بفتح العين. وإسحاق: اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة الشخصية، وإسحاق: مصدر إسحاق، ولو سميت به لكان مصروفًا، وقالوا في الجمع: أساحقة وأساحيق، وفي جمع يعقوب: يعاقبه ويعاقيب، وفي جمع إسرائيل: أسار له. وجوز الكوفيون في إبراهيم وإسماعيل: براهمة وسماعلة، والهاء بدل من الياء كما في زنادقة زناديق. وقال أبو العباس: هذا الجمع خطأ، لأن الهمزة ليست زائدة، والجمع: أباره وأسامع، ويجوز: أباريه وأساميع، والوجه أن يجمع هذه جمع السلامة فيقال: إبراهيمون، وإسماعيلون، وإسحاقون، ويعقوبون. وحكى الكوفيون أيضًا: براهم، وسماعل، وأساحق، ويعاقب، بغير ياء ولا هاء. وقال الخليل وسيبويه: براهيم، وسماعيل. وردّ أبو العباس على من أسقط الهمزة، لأن هذا ليس موضع زيادتها. وأجاز ثعلب: براه، كما يقال في التصغير: بريه. وقال أبو جعفر: الصفار: أما إسرائيل، فلا نعلم أحدًا يجيز حذف الهمزة من أوله، وإنما يقال: أساريل. وحكى الكوفيون: أسارلة وأسارل. انتهى. (تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٦٨ - ٥٦٩).\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٥. وتفسير ابن كثير/ ١/ ٤٤٦.\n(٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠٨٦): ص ٣/ ٩٤.\n(٨) انظر: الطبري في تفسيره (٢٠٨٧): ص ٣/ ٩٤ ..","vol":"3","page":263},{"text":"[والثاني]: ويحتمل أن يكون مرفوعًا على الابتداء، وخبره محذوف تقديره: قال يا بني إن الله اصطفى\" (١).\nثم قال: \" والأول أظهر\" (٢).\nوالثانية: - وروي عن علي بن أبي طالب أنها قرئت قراءة شاذة بنصب باء (يعقوب). وقرأه: \"إسماعيل بن عبد الله المكي، والضرير، وعمرو بن فائد الأسواري: بالنصب\" (٣).\nوالقراءة بالرفع هو الأشهر وعليه الجمهور، ومعناه: أنه وصى كوصية إبراهيم.\nوأما القراءة بالنصب عطفًا على (بنيه)، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادعى القشيري، فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الآية: ٢٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: \"المسجد الحرام\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"بيت المقدس\". قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" الحديث (٤). فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين، والله أعلم، وأيضًا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين (٥).\nوقال بعضهم: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، خبر منقض، وقوله: ﴿ويعقوب﴾ خبر مبتدأ، فإنه قال: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾، بأن يقولوا: أسلمنا لرب العالمين - ووصى يعقوب بنيه: أن: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وهذا القول فيه نظر، لأن الذي أوصى به يعقوب بنيه، نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه وهو الحث على طاعة الله، والخضوع له، والإسلام (٦).\nقوله تعالى: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدين﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: \"إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه، واجتباه لكم\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني اختار لكم الدين يعني دين الإسلام\" (٨).\nقال الرازي: أي استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره (٩).\nقال الثعلبي: أي\" اختار لكم الإسلام\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠.\n(٢) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠.\n(٣) تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧٠.\n(٤) صحيح البخاري برقم (٣٣٦٦) وصحيح مسلم برقم (٥٢٠).\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير/ ١/ ٤٤٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٩٦.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٠.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٨.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.","vol":"3","page":264},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ \" (١).\nقال أبو السعود: أي: \" دينَ الإسلامِ الذي هو صفوةُ الأديان ولا دينَ غيرُه عنده تعالى\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي اختار لكم دين الإِسلام دينًا وهذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب لأبنائهما\" (٣).\nوالألف واللام في ﴿الدين﴾ للعهد، لأنهم كانوا قد عرفوه، وهو دين الإسلام.\nوقوله ﴿اصْطَفَى﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: \"اختار\" (٤)، قال الراجز (٥):\nيا ابن ملوك ورثوا الأملاكا ... خلافة الله التي أعطاكا\nلك اصطفاها ولها اصطفاكا\nقال الثعلبي: \" ﴿يا بَنِيَّ﴾، معناه: أن يا بنيّ، وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود\" (٦).\nوعلى قراءة: ﴿أن يا بَنِيَّ﴾، يتعين أن تكون ﴿أن﴾ هنا تفسيرية بمعنى (أي)، ولا يجوز أن تكون مصدرية، لأنه لا يمكن انسباك مصدر منها ومما بعدها، ومن لم يثبت معنى التفسير، لأن جعلها هنا زائدة، وهم الكوفيون (٧).\nوقوله تعالى ﴿الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، \"أي العبادة، والعمل؛ ويطلق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، المراد بـ (الدين) الجزاء؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًًا﴾ [المائدة: ٣]؛ (الدين): العبادة؛ فالدين يطلق على هذا، وعلى هذا - على العمل، وعلى الجزاء عليه -؛ ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني كما تعمل تُجازى\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم على الإسلام\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني مخلصون بالتوحيد\" (١٠).\nقال الثعلبي: اي إلا وأنتم: \"مؤمنون\" (١١).\nقال السعدي: \"لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي اثبتوا على الإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم متمسكون به\" (١٣).\nوقال الفضيل بن عياش: \" أي: محسنون بربّكم الظن\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \"فلا تفارقوا هذا الدين - وهو الإسلام - أيام حياتكم. وذلك أن أحدا لا يدري متى تأتيه منيتُه، فلذلك قالا لهم: \" فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون \"، لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٦.\n(٥) لم أتعرف على قائله، وقد ذكره القرطبي في تفسيره: ٢/ ١٣٦.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.\n(٧) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧١.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١.\n(٩) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٦.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٠.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.\n(١٢) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٦.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.","vol":"3","page":265},{"text":"نهار، فلا تفارقوا الإسلام، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربُّكم ساخط عليكم، فتهلكوا\" (١).\nأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس: \" ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، على الإسلام وعلى ذمة الإسلام\" (٢).\nقال البيضاوي: \"المقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن من حقه أن لا يحل بهم، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد\" (٣).\nقال أبو السعود: \" المقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبدًا\" (٤).\nوقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وُفّق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء، في الحديث [الصحيح] \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا بَاعٌ أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\" (٥)؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: \"فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس. وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٩٦ - ٩٧. وقال أبو حيان: \" (فَلا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ): هذا استثناء من الأحوال، أي إلا على هذه الحالة، والمعنى: الثبوت على الإسلام، والنهي في الحقيقة إنما هو عن كونهم على خلاف الإسلام. إلا أن ذلك نهى عن الموت، ونظير ذلك في الأمر: مت وأنت شهيد، لا يكون أمرًا بالموت، بل أمر بالشهادة، فكأنه قال: لتستشهد في سبيل الله، وذكر الموت على سبيل التوطئة للشهادة. وقد تضمن هذا الكلام إيجازًا بليغًا ووعظًا وتذكيرًا، وذلك أن الإنسان يتيقن بالموت ولا يدري متى يفاجئه. فإذا أمر بالتباس بحالة لا يأتيه الموت إلا عليها، كان متذكرًا للموت دائمًا، إذ هو مأمور بتلك الحالة دائمًا، . وهذا على الحقيقة نهي عن تعاطي الأشياء التي تكون سببًا للموافاة على غير الإسلام، ونظير ذلك قولهم: لا أرينك هنا، لا ينهي نفسه عن الرؤية، ولكن المعنى على النهي عن حضوره في هذا المكان، فيكون يراه، فكأنه قال: اذهب عن هذا المكان. ألا ترى أن المخاطب ليس له أن يحجب إدراك الآمر عنه إلا بالذهاب عن ذلك المكان، فأتى بالمقصود بلفظ يدل على الغضب والكراهة، لأن الإنسان لا ينهى إلا عن شيء يكره وقوعه.\nوقد اشتملت هذه الجملة على لطائف، منها: الوصية، ولا تكون إلا عند خوف الموت. ففي ذلك ما كان عليه إبراهيم من الاهتمام بأمر الدين، حتى وصى به من كان ملتبسًا به، إذ كان بنوه على دين الإسلام. ومنها اختصاصه ببنيه، ولا يختصهم إلا بما فيه سلامة عاقبتهم. ومنها أنه عمم بنيه، ولم يخص أحدًا منهم، كما جاء في حديث النعمان بن بشير، حين نحله أبوه شيئًا، فقال له رسول الله ﷺ: \" أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ \" ورد نحله إياه وقال: لا أشهد على جور. (صحيح البخاري (٢٤٤٦). ومنها إطلاق الوصية، ولم يقيدها بزمان ولا مكان. ثم ختمها بأبلغ الزجر أن يموتوا غير مسلمين. ثم التوطئة لهذا النهي والزجر بأن الله تعالى هو الذي اختار لكم دين الإسلام، فلا تخرجوا عما اختاره الله لكم\". (تفسير البحر المحيط: ١/ ٥٧١).\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٢٧٧): ص ١/ ٢٣٩.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧، ونقله بتمامه أبو السعود في تفسيره: ١/ ١٦٤.\n(٤) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٤.\n(٥) رواه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣)، عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن مسعودٍ ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا - نطفة - ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْبِ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيدٌ، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\".\nإن هذا حديث عظيم جامع لأحوال الإنسان من مبدأ خلقه ومجيئه إلى هذه الحياة الدنيا إلى آخر أحواله من الخلود في دار السعادة أو الشقاء، بما كان منه في الحياة الدنيا من كسب وعمل وفق ما سبق في علم الله وقدره وقضائه. (الوافي في شرح الأربعين (٢٤). وقال ابن الملقن - ﵀ -: لو أمعن الأئمة النظر في هذا الحديث كله من أوله إلى آخره، لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٠/ ٥٩ ح ٣٩٣).\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٦ - ٤٤٧.","vol":"3","page":266},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، جملة حالية يراد بها استمرارهم على الإسلام إلى الممات، وكان الصالحون من سلف الأمة يخشون سوء الخاتمة، ولا يفترون عن ذكر الموت مع ما هم عليه من الإيمان والطاعة، وأمر النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الموت، قال: \"أكثروا ذكر هاذم اللذات\" (١)، وكل هذا من أجل أن يبقى المرء متمسكًا بما وجب عليه ومبتعدًا عما نهي عنه حتى يموت وهو كذلك. اللهم تجاوز عن زلاتنا، واغفر خطيئاتنا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.\nالفوائد:\n١ - أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين (٢):\nأ- أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه ﵇ في ذلك الوقت كان مهتما بهذا الأمر متشددا فيه، كان القول إلى قبوله أقرب.\nب- أنه ﵇ خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره.\nت- أنه عمم بهذه الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر.\nث- أنه ﵇ ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضا على شدة الاهتمال بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم ﵇ هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم ﵇ أنه كان يدعو الكل أبدا إلى الإسلام والدين.\n٢ - ومن فوائد الآية: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها إبراهيم، ويعقوب؛ فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين؛ ويعقوب أبو الإسرائيليين؛ فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها، حيث جعلاها مما يوصى به.\n٣ - ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداءً بإبراهيم، ويعقوب.\n٤ - ومنها: أن الله ﷾ اختار لعباده من الدين ما هو أقوم بمصالحهم؛ لقوله تعالى: ﴿اصطفى لكم الدين﴾؛ فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله ﷾ لعباده.\n٥ - ومنها: أنه ينبغي التلطف في الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿يا بنيّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.\n٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعاهد نفسه دائمًا حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.\n٧ - ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.\nالقرآن\n﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]\nالتفسير:\nأكنتم أيها اليهود حاضرين حين جاء الموتُ يعقوبَ، إذ جمع أبناءه وسألهم ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا، ونحن له منقادون خاضعون.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\n_________\n(١) رواه البيهقي في الشعب (٨٢٦)، وحسنه الألباني، انظر صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٣٤).\n(٢) انظر: تفسير الراي: ٤/ ٦٧.","vol":"3","page":267},{"text":"أحدها: قال الواحدي: \" نزلت في اليهود حين قالوا للنبي - ﷺ - ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية\" (١). وذكره الثعلبي (٢) في تفسيره.\nالثاني: قال الطبري: \"وهذه آيات نزلت، تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم في إبراهيم وولده يعقوب: أنهم كانوا على ملتهم، فقال لهم في هذه الآية: \" ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، فتعلموا ما قال لولده وقال له ولده؟ ثم أعلمهم ما قال لهم وما قالوا له (٣).\nالثالث: وقال الكلبي: \"لمّا دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيّران، فجمع ولده وخاف عليهم ذلك\" (٤) \" فقال: ما تعبدون من بعدي؟ \"\" (٥).\nالرابع: وقال ابن ظفر: \"قيل: إن سبب نزولها أن اليهود اعتذروا عن امتناعهم من الإسلام بأن يعقوب أوصى الأسباط عندما حضره الموت بأن لا يبتغوا بملة اليهود بدلا فنزلت ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء﴾ \" (٦).\nقال الحافظ ابن حجر: \" فإن الآية تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته محرضًا لهم على الثبات على الإِسلام، وقال له أولاده: إنهم يعبدون إلهه وإله آبائه إبراهيم وإسماعيل (٧) وإسحاق (٨) \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: أكنتم - يا معشر اليهود والنصارى، حضورَ يعقوبَ وشهودَه إذ حضره الموت\" (١٠).\nقال أبو العالية: \" ﴿أم كنتم شهداء﴾، يعني أهل الكتاب\" (١١).\nقال الزجاج: أي: \" بل أكنتم شهداءَ إذ حضر يعقوب الموت\" (١٢).\nقال الطبري: \" أي إنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل، وتَنحلوهم اليهوديةَ والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم - وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم - بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصَّوْا بنيهم، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم. فلو حضرتموهم فسمعتم منهم، علمتم أنهم على غير ما نحلتموهم من الأديان والملل من بعدهم (١٣).\n_________\n(١) أسباب النول: ٤١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.\n(٥) زاده ابن حجر في العجاب: ١/ ٣٨٠.\n(٦) الفتح السماوي للمناوي: ١/ ١٨٣ - ١٨٤\": \"قال السيوطي: لم أقف عليه\".\nفإذا لم يكن له سند، فلا يعتمد، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٨٠.\n(٧) إسماعيل عم ليعقوب لا والد له، وسمي أبًا من باب تغليب الأكثر على الأقل أو لأن العرب تطلق على العم أبًا كما نص على ذلك غير واحد. انظر: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٦٥، لسان العرب لابن منظور: ١/ ١٦، تاج العروس للزبيدي: ١٩/ ١٣٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٣٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٨٠، لباب التأويل للخازن: ١/ ٨٤، روح المعاني للألوسي: ١/ ٣٩١. ويؤيد الثاني ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٧/ ٥١٨ (باب: ما ذكر في العباس) رقم: ٢ بسند صحيح مرسل إلى مجاهد: (احفظوني في العباس فإنه بقية آبائي)، وهو عند الطبراني في الكبير: ١١/ ٨٠ رقم: ١١١٠٧ عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: (استوصوا بعمي العباس خيرًا فإنه بقية آبائي)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩/ ٢٦٩: (وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وقال: ربما أخطأ، وبقية رجاله وثقوا)، وهو عند الطبراني أيضًا في الأوسط: ١/ ٢٥٤ من حديث الحسن بن علي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩/ ٢٦٩: (وفيه جماعة لم أعرفهم)، وعند الخطيب البغدادي في تاريخه: ١٠/ ٦٨ من حديث المطلب بن ربيعة، وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع: ٣٢ رقم: ٢١٤ و: ٢١٥ من حديث الحسن والمطلب.\n(٨) انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٩٨ - ٩٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٦٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٣٧ - ١٣٨، تفسير ابن كثير لابن كثير: ١/ ٢٣٢، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٤٨.\n(٩) الفتح: ٦/ ٤٧٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٧ - ٩٨. وقوله ﴿شهداء﴾ جمع شاهد أي حاضر. (انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٧).\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٨): ص ١/ ٢٣٩.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢١٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٧ - ٩٨.","vol":"3","page":268},{"text":"قال الزمخشري: \" أى ما كنتم حاضرين يعقوب ﵇ إذ حضره الموت، أى حين احتضر\" (١).\nقال الصابوني: \" أي بل أكنتم شهداء حين احتضر يعقوب وأشرف على الموت وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم\" (٢).\nقال البيضاوي: \" أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه\" (٣).\nقال ابن عطية: \" هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية، فرد الله تعالى عليهم وكذبهم، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم؟، أي لم تشهدوا بل أنتم تفترون\" (٤).\nقال الحسن: \" يقول: لم يشهد اليهود ولا النصارى ولا أحد من الناس يعقوب، إذ أخذ على بنيه الميثاق، إذ حضره الموت أن لا يعبدوا إلا إياه فأقروا بذلك، وشهد عليهم أن قد أقروا بعبادتهم، وأنهم مسلمون\" (٥).\nوقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: أكنتم، ولكنه استفهم بـ (أم)، إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه، كما قيل: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ١ - ٣]، وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه، تستفهم فيه بـ (أم) (٦).\nقال القفال قوله: \" ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ أن (إذ) الأولى وقت الشهداء، والثانية وقت الحضور\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وقدم (يعقوب)، على جهة تقديم الأهم\" (٩).\nواختلف العلماء في الخطاب الموجه في قوله تعالى ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، على وجهين (١٠):\nأحدهما: أن الخطاب للمؤمنين، والمعني: \"ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي\" (١١).\nالثاني: وقيل الخطاب لليهود، \"لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبىُّ إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية. فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: أم كنتم شهداء؟ ولكن الوجه أن تكون أم متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أتدّعون على الأنبياء اليهودية؟ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، يعنى أن أوائلكم من بنى إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، وقد علمتم ذلك، فما لكم تدّعون على الأنبياء ما هم منه برآء؟ \" (١٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ١٩٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٩): ص ١/ ٢٤٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٧.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٩.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.\n(١٠) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧، وتفسير الكشاف: ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧.\n(١٢) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٣.","vol":"3","page":269},{"text":"قال صاحب الكشاف: \" وقرئ (حضِر) بكسر الضاد وهي لغة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]، (٢) أي: إذ قال يعقوب لبنيه: أي شيء تعبدون من بعد وفاتي؟ \" (٣) (٤).\nقال البيضاوي: \" أي: أي شيء تعبدونه، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه\" (٦).\nوقد عبر عن المعبود بـ (بما) ولم يقل (مَن)، وذلك لوجهين:\nالأول: لأن \" (ما) عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون\" (٧)، فأراد أن يختبرهم، ولو قال (من) لكان مقصوده أن ينظر من لهم الاهتداء منهم، وإنما أراد تجربتهم فقال (ما)، وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم عما يعبدون من هذه (٨).\nالثاني: ومن وجه آخر فإن قوله: (مَا تَعْبُدُونَ) كقولك عند طلب الحد والرسم: ما الإنسان (٩)، قال صاحب الكشاف: \" ويجوز أن يقال: (ما تَعْبُدُونَ) سؤال عن صفة المعبود. كما تقول: ما زيد؟ تريد: أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصفات\" (١٠).\nومعنى ﴿مِنْ بَعْدِي﴾، أي من بعد موتي (١١).\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٣، وانظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧.\n(٢) قال الرازي: \" هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل:\nالأول: المقلدة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو ﵇ ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف.\nالثاني: التعليمية: قالوا: لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية، فإنهم لم يقولوا: نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم.\nوالجواب: كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي، فليس فيها أيضا دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلا على سبيل الاستدلال، أقصى ما في الباب أن يقال: فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال.\nوالجواب عنه من وجوه، أولها: أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى\nبتوحيده وعلمه وقدرته وعدله.\nوثانيها: أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب ﵇ فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له.\nوثالثها: لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله: ﴿قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم﴾ (البقرة: ٢١) وههنا مرادهم بقولهم: ﴿نعبد إلاهك وإلاه آبائك﴾ أي: نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد. (مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٠).\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٩٨.\n(٤) قيل: أن يعقوب ﵇ لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضا لهم على التمسك بعبادة الله تعالى. وحكى القاضي عن ابن عباس: أن يعقوب ﵇ جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال: يا بني ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إهلك وإله آبائك ثم قال القاضي: هذا بعيد لوجهين:\nالأول: أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين.\nالثاني: أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوما صالحين وذلك لا يليق بحالهم. (مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٠).\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٧.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٩.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٧.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٩.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٨.","vol":"3","page":270},{"text":"قال ابن عطية: \"وحكي أن يعقوب حين خير كما تخير الأنبياء اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا، فاهتدوا وقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: قالوا: \"نعبد معبودك الذي تعبده، ومعبود آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق\" (٢).\nقال أبو حيان: أي\" الإله الذي دل عليه وجود آبائك، وهذا إشارة إلى الاستدلال\" (٣).\nقال ابن عباس: \" ﴿نعبد﴾، يعني نوحّد\" (٤).\nقال أبو العالية: \"فسمى عمه أباه\" (٥).\nقال موسى بن عبيدة: \"سمعت محمد بن كعب يقول: الخال والد، والعم والد: ﴿قال ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾، إلى آخر الآية\" (٦).\nو(الإله): هو\"الذي يستحق أن يكون معبودا، قال ابن منظور: (أله) الإلَهُ الله ﷿ وكل ما اتخذ من دونه معبودًا إلَهٌ عند متخذه والجمع آلِهَةٌ والآلِهَةُ الأَصنام سموا بذلك لاعتقادهم أَن العبادة تَحُقُّ لها وأَسماؤُهم تَتْبَعُ اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه\" (٧).\nوقال أبو منصور الأزهري: \" قال الليث بلغنا أن اسم الله الأكبر هو الله لا إله إلا هو وحده ... والتأله التعبد\" (٨).\nوقال الزنجاني: \" أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وقولنا الله أصل هذا الاسم \"إله\" على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود فلما أدخل عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرته في الكلام\"، والتأله التعبد\" (٩).\nوقال أبو الحسين بن فارس: \" أله الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله \"الله\" تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال تأله الرجل إذا تعبد قال رؤبة (١٠):\nللهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي\" (١١)\nيعني: من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.\nوقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، في موضع خفض على البدل، ولم تنصرف لأنها أعجمية. قال الكسائي: وإن شئت صرفت \"إسحاق\" وجعلته من السحق، وصرفت \"يعقوب\" وجعلته من الطير. وسمى الله كل واحد من العم والجد أبا (١٢)، وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحاق (١٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤، ونقله القرطبي في تفسيره: ٢/ ١٣٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٩٨.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٣٥٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٠): ص ١/ ٢٤٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٢): ص ١/ ٢٤٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٣): ص ١/ ٢٤٠.\n(٧) اللسان: ١٣/ ٤٦٧.\n(٨) تهذيب اللغة: ٦/ ٤٢١ - ٤٢٤.\n(٩) تهذيب الصحاح: (٣/ ٨٩٧)، مادة (أله).\n(١٠) ديوانه: ١٦٥. لله در الغانيات: أي النساء اللاتي استغنت بجمالها عن التجمل أو استغنت بزوجها عن النظر إلى غيره، المدة: مدهه كمدحه، أي المادحات لله در الغانيات المادحات، سبحن: أي قلن سبحان الله واسترجعن: أي قلن إنا لله وإنا إليه راجعون، من تألهي: أي بسبب عبادتي لله.\n(١١) معجم مقاييس اللغة: ١/ ١٢٧.\n(١٢) قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي؛ وقد استدل بهذه الآية من جعل الجد أبًا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق - حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف والخلف؛ وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه يقاسم الإخوة؛ وحكى مالك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر. (تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧).\n(١٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٨.","vol":"3","page":271},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: \" ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ جمع أب؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق﴾؛ (إِبْرَاهِيمَ) بالنسبة إلى يعقوب جدّ؛ و(إِسْمَاعِيلَ) بالنسبة إليه عم؛ و(َإِسْحَاق) بالنسبة إليه أب مباشر؛ أما إطلاق الأبوة على إبراهيم، وعلى إسحاق فالأمر فيه ظاهر؛ لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده؛ والجد أب؛ بل قال الله ﷿ لهذه الأمة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]؛ وهي بينها وبين إبراهيم عالَم؛ لكن الإشكال في عدِّهم إسماعيل من آبائه مع أنه عمهم؛ فيقال كما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: \"أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه\" (١)؛ و(الصنو) الغصنان أصلهما واحد؛ فذُكر مع الآباء؛ لأن العم صنو الأب؛ وكما قال الرسول ﷺ: \"الخالة بمنزلة الأم\" (٢)؛ كذلك نقول: العم بمنزلة الأب\" (٣).\nوقيل: \"إن هذا من باب التغليب، وأن الأب لا يطلق حقيقة على العم إلا مقرونًا بالأب الحقيقي؛ وعلى هذا فلا يكون فيها إشكال إطلاقًا؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: (القمران)؛ والمراد بهما الشمس، والقمر؛ ويقال: (العُمَرانِ)؛ وهما أبو بكر، وعمر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: \"نُوَحِّدُه بالألوهية، ونخلص له في العبادة، ولا نشرك به شيئا\" (٥).\nويحتمل انتصاب قوله ﴿إِلَهًا﴾ [البقرة: ١٣٣]، من وجهين (٦):\nأحدهما: أنه بدل من ﴿إِلَهَكَ﴾، بدل النكرة من المعرفة، وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية.\nقال الزجاج: \" وتكون الفائدة من هذا البدل ذكر التوحيد، فيكون المعنى نعبد إِلهًا واحدًا\" (٧).\nوالثاني: وقيل: ﴿إلها﴾ حال، \"كأنهم قالوا نعبد: إلهك في حال وحدانيته\" (٨).\nقال ابن عطية: وهو قول حسن، لأن الغرض إثبات حال الوحدانية (٩).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، على وجوه:\nأحدها: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ﴾.على الجمع، وهي قراءة الجمهور، وقالوا: عم الرّجل صنو أبيه.\nالثاني: وقرأ أبي: ﴿إلهك وإله إبراهيم وإسماعيل﴾ (١٠).\nالثالث: ﴿وإله أبيك﴾: قرأ بها الحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وأبو رجاء العطاردي، وفيه وجهان (١١):\nأحدهما: أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده، وكره أن يجعل إسماعيل أبا لأنه عم. قال النحاس: وهذا لا يجب، لأن العرب تسمي العم أبا.\nوالثاني: على مذهب سيبويه أن يكون (أبيك) جمع سلامة، حكى سيبويه أب وأبون وأبين، كما قال الشاعر (١٢):\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٣٢، كتاب الزكاة، باب ٣: في تقديم الزكاة ومنعها، حديث رقم ٢٢٧٧ [١١] ٩٨٣.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٦: كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان ...، حديث رقم ٢٦٩٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧ وتفسير الطبري: ٣/ ٩٩.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢١٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٣٨.\n(٧) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢١٢.\n(٨) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢١٢.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٨، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٨١.\n(١٢) البيت للعباس بن مرداس، انظر: سيرة ابن هشام ٤: ٩٥، واللسان (أخو)، ومجاز القرآن ١. ٩٧ من قصيدة له في يوم حنين، وفي هزيمة هوزان يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه. و؟؟ احنة: وهي الحقد.","vol":"3","page":272},{"text":"فقلنا أسلموا إن أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور\nوقال آخر (١):\nفلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا\nوالراجح من القراءة ﴿وإله آبائك﴾، وعليها إجماع القراء. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، \"أي ونحن له وحده مطيعون خاضعون\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي منقادون لأمر هذا الإله الواحد ﷾، وشرعه\" (٣).\nقال ابن عطية: \" أي كذلك كنا نحن ونكون\" (٤).\nقال الزمخشري: \" أى ومن حالنا، أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون\" (٥).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، على وجوه: (٦):\nأحدها: أن المعنى: ونحن له مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وسلم﴾ [آل عمران: ٨٣]، والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله ﷺ: \"نحن مَعْشَرَ الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد\" (٧) (٨).\nالثاني: ويحتمل قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، أن تكون بمعنى الحال (٩)، كأنهم قالوا: نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه.\nالثالث: وقيل يحتمل أن يكون خبرا مستأنفا، فيكون بمعنى: نعبد إلهك بعدك، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون. وهذا اختيار ابن عطية (١٠).\nوالأولى أن يفسر بمعنى: \"نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، مسلمين لعبادته\" (١١). والله تعالى أعلم.\nالفوائد:\n١ - أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾.\n٢ - ومنها: أن الموت حق حتى على الأنبياء؛ قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤].\n_________\n(١) البيت لزياد بن واصل، وهو من شواهد سيبويه: ٢/ ١٠١. وشرح المفصل: ٣/ ٣٧، والخزانة: ٤/ ٤٧٤. ويروى: فلما تبين أشباحنا، وهو من أبيات لزياد بن واصل من شعراء الجاهلية، افتخر فيها بآبائه وأمهات آبائه من بني عامر، وهو في هذا الجزء من القصيدة يصف عودتهم من إحدى المعارك ظافرين وأن نساء القبيلة حين رأينهم رحبن بهم وقلن لهم نفديكم بآبائنا،\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٩.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٩٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وأولاد العلات: هم الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٩.","vol":"3","page":273},{"text":"٣ - ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك﴾؛ وهذا كالوصية لهم؛ ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول؛ فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا تصح وصيته.\n٤ - ومنها: رجحان القول الصحيح بأن الجدّ أب في الميراث؛ لقوله تعالى: ﴿آبائك إبراهيم﴾.\n٥ - ومنها: أنه يجوز إطلاق اسم الأب على العم تغليبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾.\n٦ - ومنها: أن أبناء يعقوب كانوا على التوحيد، حيث قالوا: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك﴾؛ وهذا لا شك توحيد منهم.\n٧ - ومنها: أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء؛ لكن إن كان على حق فهو حق؛ وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: ﴿وإله آبائك﴾؛ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب.\n٨ - ومنها: أهمية التوحيد، والعناية به؛ لقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من بعدي﴾.\n٩ - ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود؛ ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية.\n١٠ - ومنها: إخلاص الإسلام لله، حيث قال تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول في ﴿له﴾؛ لأنه متعلق بـ ﴿مسلمون﴾؛ فهو معمول له؛ وقد عُلم أن تقديم المعمول يفيد الحصر.\n١١ - ومنها: إثبات الوحدانية لله ﷾ في قوله تعالى: ﴿إلهًا واحدًا﴾.\n١٢ - ومنها: \"أن شفقة الأنبياء ﵈ على أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره\" (١).\nالقرآن\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]\nالتفسير:\nتلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم، ولكم أعمَالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم، وكلٌّ سيجازى بما فعله، لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفعُ أحدًا إلا إيمانُه وتقواه.\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، \" أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى\" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله: \" ﴿تلك﴾، يعني\" هذه\" (٣).\nقال أبو العالية (٤)، والربيع (٥)، وقتادة (٦): \" ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط\" (٧).\nقال البيضاوي: \" يعني إبراهيم ويعقوب وبينهما\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" المشار إليه إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبق؛ وكان اليهود يجادلون النبي ﷺ في هؤلاء؛ فبين الله تعالى أن هذه أمة قد مضت\" (٩).\nقال ابن كثير: \" ولهذا جاء، في الأثر: \"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" (١٠) (١١).\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٢٨٦): ص ١/ ٢٤٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٨٧): ص ١/ ٢٤١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢١٤١): ص ٣/ ١٢٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٠): ص ٣/ ١٢٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٧): ص ١/ ٢٤١.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٠.\n(١٠) رواه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه به، في حديث أوله: \"من نفَّس عن مؤمن كربة، لكن بلفظ: من بطأ، بدون ألف، وكذا هو بهذا اللفظ عند العسكري من حديث أبي عوانة وعبد اللَّه بن سيف، فرقهما، كلاهما عن الأعمش، ورواه القضاعي من حديث زائدة به بلفظ الترجمة، وعن محمد بن النضر الحارثي قال: من فاته حسب نفسه يعني الدين لم ينفعه حسب أبيه\".\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٨.","vol":"3","page":274},{"text":"قال الطبري: \" وإنما قيل للذي قد مات فذهب: (قد خلا)، لتخليه من الدنيا وانفراده، عما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه، وأصله من قولهم: (خلا الرجل)، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه، وانفرد من الناس. فاستعمل ذلك في الذي يموت، على ذلك الوجه\" (١).\nقال البيضاوي: \" و(الأمة) في الأصل: المقصود، وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها\" (٢).\nو(الأمة) هنا بمعنى طائفة؛ وتطلق في القرآن على عدة معانٍ (٣):\nالمعنى الأول: \"الطائفة والقرن من الناس\" (٤)، كما هنا.\nالمعنى الثاني: الحقبة من الزمن، مثل قوله تعالى: ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] يعني: بعد حقبة من الزمن.\nالمعنى الثالث: الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠].\nوالمعنى الرابع: الطريق، والملة، مثل قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ [الزخرف: ٢٢].\nقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، \" أي لها ثواب ما كسبت ولكم ثواب ما كسبتم\" (٥).\nقال سعيد: \" يعني ما عملت من خير أو شر\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" من الدين والعمل\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم\" (٨).\nقال البيضاوي: أي\" لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما\nقال ﵊: «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» (٩) \" (١٠).\nقال النسفي: \" أي إن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]، أي \"لا تُسألون عن أعمال من سبقكم\" (١٢).\nقال النسفي: أي: \" ولا تؤاخذون بسيئاتهم\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٠.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(٦) اخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٨): ص ١/ ٢٤١.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨.\n(٩) الحديث: \" غريب جدا، قال ابن حجر في الكافي (ص: ١٢): \"لم أجده\". وأخرج الطبراني حديثا بمعناه في معجمه الكببير: (٣٥٤): ص ١٨/ ١٦١، وبمعناه أيضا ماذكره الحكيم الترمذي في نواد الأصول (٢٦٥)، وانظر: نصوص أخرى بنحوها ذكرها السيوطي في الدر المنثور: ٥/ ٩٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ٨٩.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(١٣) تفسير النسفي: ١/ ٨٩.","vol":"3","page":275},{"text":"قال ابن عثيمين: \" لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم\" (١).\nقال القرطبي: \"أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى\" (٢).\nقال الثعلبي: \" وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أي لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم (٤).\nقال الصابوني: \" أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم\" (٦).\nقال ابن عاشور: \" والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ تمهيد لقوله: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه، ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بطلان التقليد، لأن قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق.\n٢ - الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد ﵊، وتحذيرهم من مخالفته.\n٣ - الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه ﵇ أنه قال: \"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا\" (٨).\nوقال الله تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام: ١٦٤) وقال: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ (النور: ٥٤) (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(٦) محاسن التأويل: ١/ ٤١٢.\n(٧) تفسير ابن عاشور: ١/ ٧٣٥.\n(٨) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦).\n(٩) يقول الشيخ ابن باز ﵀: \" المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال ﷺ: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) – رواه مسلم - وقال: (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا)، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء \" انتهى. مجموع فتاوى ابن باز (٣/ ٩٨).\nوقد يسأل السائل: هل أن صلاح الآباء يثاب عليه الأبناء؟ فنقول: بأن العمل الصالح قد يثاب عليه المؤمن أيضا في أبنائه وذريته، قال ابن رجب: وقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولد ولده، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]: إنهما حفظا بصلاح أبيهما، وقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وستره، وقال ابن المسيب لابنه: يا بني لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، وتلا هذه الآية: ﴿وكان أبوهما صالحا﴾ [الكهف: ٨٢]، وقال عمر بن عبد العزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه.\nومتى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله فإن الله ﷿ يحفظه في تلك الحال، كما في مسند الإمام أحمد: ٥/ ٦٧|) قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٧٧): ورجاله رجال الصحيح): عن حميد بن هلال عن رجل قال:\n\"أتيت النبي ﷺ فإذا هو يريني بيتًا فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا وَصِيصِيَتَهَا [الصِّيصيَّة: هي الصِّنارة التي يغزل بها وينسج]، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا، مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا رَبِّهَا ﵎، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا، وَهَاتِيكَ [فَأْتِهَا]. قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أُصَدِّقُكَ\".\nوكتبت عائشة إِلَى معاوية: \"إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئًا\". [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: (٧/ ٢٤٤) برقم (٣٥٧١٧)، والبيهقي في \"الزهد الكبير\": (٨٨٥)].\n(مجموع رسائل ابن رجب: ٣/ ١٠٠ - ١٠٣).\nوقال ابن القيم في حشيته على ابي داود (٦/ ٥٥): وفيه بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله بنت عدو الله فدل على أن لهذا الوصف تأثيرا في المنع وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب لقوله تعالى وكان أبوهما صالحا.\nوقال شيخ الاسلام في (اسباب رفع العقوبة: ص ٤٧): \"سابعها: قال الله - تعالى - فى قصة الغلامين اليتمين: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما.\nوقد تطرق أهل التفسير إلى هذا الموضوع من خلال تفسيرهم لقوله تعالى ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] وفيما يأتي ملخص آرائهم:\nقال ابن كثير: \"وقوله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح، وتقدم أنه كان الأب السابع. [فالله أعلم]. (تفسير ابن كثير: ٦/ ١٨٥).\nوقال البغوي ﵀: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قيل: كان اسمه \"كاسح\" وكان من الأتقياء. قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبويهما، وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده [وولد ولده]، وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم.\nقال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. (تفسير البغوي: ٥/ ١٩٦).\nوقال الطبري ﵀: وقوله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدّتهما، ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته رحمة من ربك بهما، يقول: فعلت فعل هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين. وكان ابن عباس يقول في ذلك ما حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسره، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، في قوله (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح. (تفسير الطبري: ١٨/ ٩٠).\nوقال الرازي: في تفسير قوله تعالى (وكان أبوهما صالحا): \" يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن بن علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله مال الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبي وجدي خير منه؟ قال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون\". (مفاتيح الغيب: ٢١/ ١٦٢).","vol":"3","page":276},{"text":"٤ - الآية تدل على بطلان قول من يقول: الأبناء يعذبون بكفر آبائهم، وكان اليهود يقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل، وهو قوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ [البقرة: ٨٠]، وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك.\n٥ - الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب، أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود (١).\n_________\n(١) بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات:\nأحدها: وهو قول الأشعري ﵁ أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب.\nوثانيها: أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة. وهو قول أبي بكر الباقلاني.\nوثالثها: أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين.\nأما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة، فهم فريقان:\nالأول: الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه ﷾ هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة، والداعية القائمتان به، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به.\nالفريق الثاني من المعتزلة: وهم الذين يقولون: القدرة مع الداعي لا توجب الفعل، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا الفعل والكسب، قالت المعتزلة للأشعري: إذا كان مقدور العبد واقعا بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه: استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل، وإذا لم يخلقه فيه: استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به. وإذا كان كذلك لم يكن ألبتة متمكنا من الفعل والترك، ولا معنى للقادر إلا ذلك، فالعبد ألبتة غير قادر، وأيضا فهذا الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعا بقدرة الله، أو لم يقع ألبتة بقدرة الله، أو وقع بالقدرتين معا، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثرا فكيف يكون مكتسبا له؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب.\nوإن وقع بالقدرتين معا فهذا محال، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع، فعند تعلق قدرة الله تعالى به، فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر، وأما قول الباقلاني فضعيف، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه، وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر ألبتة، قال أهل السنة: كون العبد مستقلا بالإيجاد والخلق محال لوجوه:\nأولها: أن العبد لو كان موجدا لأفعاله، لكان عالما بتفاصيل فعله، وهو غير عالم بتلك التفاصيل، فهو غير موجد لها.\nوثانيها: لو كان العبد موجدا لفعل نفسه؛ لما وقع إلا ما أراده العبد، وليس كذلك، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل.\nوثانيها: لو كان العبد موجدا لفعل نفسه لكان كونه موجدا لذلك الفعل زائدا على ذات ذلك الفعل،\nوذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجدا له، والمعقول غير المغفول عنه، ثم تلك الموجدية حادثة، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى، ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم، فكانت موجديته قديمة، فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى. (مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"3","page":277},{"text":"٦ - ومن فوائد الآية: أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت ...﴾ الآية؛ يعني هم مضوا، وأسلموا لله؛ وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول ﷺ عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم.\n٧ - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة؛ لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ فنحن معنيون الآن بأنفسنا؛ ويُذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - ﵀ - أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: «هذه دماء طهر الله سيوفنا منها؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها»؛ هذه كلمة عظيمة؛ فعلى هذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وما أشبه ذلك لا محل له؛ لكن الذي يجب أن نعتني به حاضر الأمة؛ هذا الذي يجب أن يبين فيه الحق، ويبطَل فيه الباطل؛ ونقول: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠].\n٨ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان وعملَه؛ لقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾؛ فلا أحد يعطى من عمل أحد، ولا يؤخذ منه؛ قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨].\n٩ - ومنها: أن الآخِر لا يُسأل عن عمل الأول؛ ولكن الأول قد يُسأل عن عمل الآخر، كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص: ٤١]؛ فقد يكون الأول صاحب بدعة، ويُتَّبَع على بدعته؛ فيكون دالًا على ضلالة؛ فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ لكن الآخر لا يسأل عن عمل الأول؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وفي لفظ: «فتؤذوا الأحياء» (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٦: كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان ...، حديث رقم ٢٦٩٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٠٩، كتاب الجنائز، باب ٩٧: ما ينهى من سب الأموات، حديث رقم ١٣٩٣.","vol":"3","page":278},{"text":"٩ - ومن فوائد الآية: إثبات عدل الله ﷾، وأنه لا يؤاخذ أحدًا بما لم يعمله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.\n١٠ - ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيُسأل؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾؛ منطوق الآية: نفي السؤال عن عمل الغير؛ ومفهومها: ثبوت السؤال عن عمل العامل، وأنه مسؤول عن العمل.\nالقرآن\n﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]\nالتفسير:\nوقالت اليهود لأمَّة محمد ﷺ: ادخلوا في دين اليهودية تجدوا الهداية، وقالت النصارى لهم مثل ذلك. قل لهم -أيها الرسول-: بل الهداية أن نتبع- جميعًا- ملة إبراهيم، الذي مال عن كل دين باطل إلى دين الحق، وما كان من المشركين بالله تعالى.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ: ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله ﷿ فيهم: \" وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين \" (١).\nوذكره الثعلبي (٢)، والواحدي مطولا (٣).\nالثاني: قال مقاتل بن سليمان: \" أن رءوس اليهود كعب ابن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبا ياسر بن أخطب، ومالك بن الضيف، وعازارا، وإشماويل، وخميشا، ونصارى نجران السيد والعاقب، ومن معهما قالوا للمؤمنين: كونوا على ديننا فإنه ليس دين إلا ديننا فكذبهم الله- تعالى- فقال: قل بل الدين ملة إبراهيم يعني الإسلام\" (٤).\nقال الإمام الطبري: \"احتج الله لنبيه محمد ﷺ أبلغ حجة وأوجزها وأكملها، وعلمها محمدا نبيه ﷺ فقال: يا محمد، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: \" كونوا هودا أو نصارى تهتدوا \" -: بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به - فإن دينه كان الحنيفية المسلمة - وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: \" وقالت اليهود لمحمد ﷺ وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا؛ وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا\" (٦).\nقال ابن أبي زمنين: \" قالت اليهود: كونوا يهودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا\" (٧).\nقال ابن عطية: هذا\" نظير قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] \" (٨).\nوقوله ﴿تَهْتَدُوا﴾، أي: \"تصيبوا طريق الحق\" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢٠٩٠): ٣/ ١٠١ - ١٠٢، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٤١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.\n(٣) انظر: أسباب النول: ٤١.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١، وانظر: العجاب: ١/ ٣٨١.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٠١.\n(٧) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ١٠١.","vol":"3","page":279},{"text":"قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: \" قل يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما\" (١).\nقال الثعلبي: \" أي بل نتبع ملّة إِبْراهِيمَ\" (٢).\nقال البيضاوي: \" أي بل نكون ملة إبراهيم\" (٣).\nقال الزجاج: أي: \" بل نتبع ملة إِبراهيم في حال حنيفَتِه\" (٤).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: قل يا محمد، بل نكون على ملة إبراهيم\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهلَ ملتِه ﵇ \" (٦).\nقال الصابوني: \"أي قل لهم يا محمد بل نتّبع ملة الحنيفية السمحة وهي ملة إِبراهيم حال كونه مائلًا عن الأديان كلها إِلى الدين القيم\" (٧).\nوفي اتنصاب قوله: ﴿ملة﴾ [البقرة: ١٣٥]، أربعة أقوال (٨):\nالأول: لأنه عطف في المعنى على قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وتقديره قالوا: اتبعوا اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم.\nالثاني: على حذف فعل مضمر، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم.\nالثالث: أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم، أو أهل ملة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهلها، ومن ذلك قول الشاعر (٩):\nحسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق\nيعني: صوت عناق.\nفتكون الـ ﴿ملة﴾، حينئذ منصوبة، عطفا في الإعراب على ﴿اليهود والنصارى﴾.\nالرابع: وقد يجوز النصب على الإغراء (١٠)، والتقدير: بل اتبعوا ملة إبراهيم.\nوقرأ الأعرج: ﴿ملةُ إبراهيم﴾، بالرفع أي ملته ملتنا، أو ديننا ملة إبراهيم، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبرا (١١).\nوقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، لأهل اللغة فيه قولان (١٢):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٣.\n(٥) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٨١.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤ - ٧٥، وتفسير الطبري: ٣/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٩) البيت لذي الخرق الطهوي، انظر: نوادر أبي زيد: ١١٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ٦١ - ٦٢، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها. وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه، وهي أبيات ساخرة جياد:\nألم تعجب لذئب بات يسري ... ليؤذن صاحبا له باللحاق\nحسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق\nولو أني دعوتك من قريب ... لعاقك عن دعاء الذئب عاق\nولكني رميتك من بعيد ... فلم أفعل، وقد أوهت بساقي\nعليك الشاء، شاء بني تميم، ... فعافقه، فإنك ذو عفاق\nوقوله (عناق) في البيت: هي أنثى المعز، وقوله: \" ويب \" أي ويل. والبغام: صوت الظبية أو الناقة، واستعاره هنا للمعز. وقوله في البيت الثالث \" عاق \"، أي عائق، فقلب، والعقاق: السرعة في الذهاب بالشيء. عافقه: عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة.\nوانظر الاختلاف في اسمه، ومن سمي باسمه في المؤتلف والمختلف: ١١٩، والخزانة ١: ٢٠، ٢١.\n(١٠) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.","vol":"3","page":280},{"text":"الأول: أن الحنيف هو المستقيم.\nقال الطبري: \" (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء\" (١).\nومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (٢).\nالثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال.\nواختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، على أقوال (٣):\nأحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، ومجاهد (٦)، وعطية (٧)، وكثير بن زياد (٨)، وعبدالله بن قاسم (٩)، والضحاك (١٠)، والسدي (١١).\nوقالوا: \"إنما سمي دين إبراهيم الإسلام (الحنيفية)، لأنه أول إمام لزم العباد - الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو (حنيف)، مسلم على دين إبراهيم\" (١٢).\nوالثاني: أنها اتباع الحق، قاله مجاهد (١٣)، والربيع بن أنس (١٤).\nوالثالث: اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام.\nفقالوا: \"إنما سمي دين إبراهيم (الحنيفية)، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو \" حنيف \" على ملة إبراهيم\" (١٥).\nوالرابع: أنها: (الإخلاص): وقوله ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا﴾، معناه: (بل ملة إبراهيم مخلصا)، فـ (الحنيف) \" على قولهم: المخلص دينه لله وحده (١٦)، قاله السدي (١٧)، ومقاتل بن سليمان (١٨)، وخصيف (١٩).\nوالخامس: وقيل: (الحنيفية) الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو (حنيف).\nقال القفال: \"وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم ﵇\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٧): ص ٣/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣، وتفسير الطبري (٢٠٩١): ص ٣/ ١٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٤): ص ٣/ ١٠٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٢)، و(٢٠٩٣): ص ٣/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٥): ص ٣/ ١٠٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٨): ص ٣/ ١٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٩): ص ٣/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (١٢٩٢): ص ١/ ٢٤١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩٢): ص ١/ ٢٤١.\n(١٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٠٠): ص ٣/ ١٠٧.\n(١٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٥): ص ١/ ٢٤٢.\n(٢٠) مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.","vol":"3","page":281},{"text":"والسادس: أن الحنيف: المستقيم. قاله محمد بن كعب (١)، وروي عن عيسى بن جارية (٢) مثله.\nالسابع: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. قاله أبو قلابة (٣).\nالثامن: أن الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. قاله أبو العالية (٤).\nالتاسع: أن الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات، والعمات، وما حرم الله ﷿، والختان. وكانت حنيفة في الشرك: كانوا أهل الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وكانوا يحجون البيت، وينسكون المناسك. قاله قتادة (٥).\nوالصواب: أن (الحنيفية) هو الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الإمام الطبري: \" وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]، فكذلك القول في الختان. لأن \" الحنيفية \" لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧].\nفقد صحّ إذًا أن \" الحنيفية \" ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها. فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم ﷺ، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟\nقيل: بَلى. فإن قال: فكيف أضيف \" الحنيفية \" إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس \" حنيفًا \" باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: \" يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ \"، وغير ذلك من صنوف الملل\" (٦).\nوفي انتصاب قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، وجهان (٧):\nأحدهما: أنه نصب على الحال من إبراهيم. قاله الزجاج (٨).\nالثاني: أنه نصب على القطع، أراد: بل ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب، قاله نحاة الكوفة.\nقال الزجاج: \" ويجوز الرفع ﴿بل ملةُ إِبراهيم حنيفًا﴾، والأجود والأكثر: النصب، ومجاز الرفع على معنى: قل ملتُنا ودينُنُا ملة إبراهيم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: \" وما كان إِبراهيم من المشركين\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٣): ص ١/ ٢٤٢.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٤): ص ١/ ٢٤٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٦): ص ١/ ٢٤٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٧): ص ١/ ٢٤٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٣.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢١٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.","vol":"3","page":282},{"text":"قال مقاتل: \" يعني من اليهود والنصارى\" (١).\nقال الطبري: أي: \" إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى، بل كان حنيفًا مسلمًا\" (٢).\nقال البيضاوي: \" تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون\" (٣).\nقال ابن عطية: \" ونفى عنه الإشراك، فانتفت عبادة الأوثان واليهودية لقولهم: عزير ابن الله، والنصرانية لقولهم: المسيح ابن الله\" (٤).\nقال ارازي: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، \"تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وذلك شرك\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن أهل الباطل يدْعون إلى ضلالهم، ويدَّعون فيه الخير؛ ﴿كونوا هودًا أو نصارى هذه دعوة إلى ضلال؛ ﴿تهتدوا﴾: ادعاء أن ذلك خير؛ وهكذا أيضًا قد ورث هؤلاء اليهود من ضل من هذه الأمة، كأهل البدع في العقيدة، والقدر، والإيمان - الذين ادعوا أنهم على حق، وأن من سلك طريقهم فقد اهتدى؛ قال النبي ﷺ: «لتركبن سَنن من كان قبلكم» (٦).\n٢ - ومن فوائد الآية: أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود، والنصارى؛ دعاة السفور الآن يقولون: اتركوا المرأة تتحرر؛ اتركوها تبتهج في الحياة؛ لا تقيدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرج، ونحو ذلك؛ أعطوها الحرية؛ وهكذا كل داع إلى ضلالة سوف يطلي هذه الضلالة بما يغر البليد فهو شبيه باليهود، والنصارى.\n٣ - ومنها: مقابلة الباطل بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفًا﴾؛ إذ لابد للإنسان من أن يسير على طريق؛ لكن هل هو حق، أو باطل؟ ! بين الله أن كل ما خالف الحق فهو باطل في قوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفًا﴾.\n٤ - ومنها: الثناء على إبراهيم ﵇ من وجوه ثلاثة:\nأولًا: إمامته؛ ووجهها: أننا أمرنا باتباعه؛ والمتبوع هو الإمام.\nثانيًا: أنه حنيف؛ والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام.\nثالثًا: أنه ليس فيه شرك في عمله -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾.\n٦ - ومنها: أن ملة إبراهيم (﵇) أفضل الملل؛ وهي التوحيد، والحنيفية السمحة؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفًا﴾.\n٧ - ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنهما نوع من الشرك؛ كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك؛ لكن إن اتخذ إلهًا فهو شرك حقيقة، وواقعًا؛ وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٨.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٥.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥.\n(٦) أخرجه أحمد ٥/ ٢١٨، حديث رقم ٢٢٢٤٢؛ وأخرجه الترمذي ص ١٨٧١، كتاب الفتن، باب ١٨: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث رقم ٢١٨٠؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ٨/ ٢٤٨، باب: ذكر الأخبار عن اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم من الأمم، حديث رقم ٦٦٦٧، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/ ٢٣٥، حديث رقم ١٧٧١.","vol":"3","page":283},{"text":"٨ - قد ذكر الرازي- من خلال تفسيره للآية -أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام منها: حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾ ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة، بل أصروا على التقليد، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة: بأنه ذكر جوابا إلزاميا وهو قوله: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفا﴾ وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد، فكأنه سبحانه قال: إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ﵇ وترك اليهودية والنصرانية أولى.\nفإن قيل: أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ﵇.\nقلنا: لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ﵇، وأن محمدا ﵇ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم (١).\nالقرآن\n﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]\nالتفسير:\nقولوا -أيها المؤمنون- لهؤلاء اليهود والنَّصارى: صدَّقنا بالله الواحد المعبود بحق، وبما أنزل إلينا من القرآن الذي أوحاه الله إلى نبيه ورسوله محمد ﷺ، وما أنزل من الصحف إلى إبراهيم وابنيه إسماعيل وإسحاق، وإلى يعقوب والأسباط -وهم الأنبياء مِن ولد يعقوب الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة- وما أُعطي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أُعطي الأنبياء جميعًا من وحي ربهم، لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان، ونحن خاضعون لله بالطاعة والعبادة.\nفي سبب نزول الآية أقوال (٢):\nأحدها: قال ابن عباس قال: \"أتى رسول الله ﷺ نَفرٌمن يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وخالد، وزيد، وأزار بن أبي أزار، وأشْيَع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَمَا أنزلَ إلينا وما أنزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط، ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٩] \" (٣).\nالثاني: وقال قتادة: ﴿قُولُوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ إلى قوله: ﴿ونَحنُ له مسلمون﴾، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرِّقوا بين أحد منهم\" (٤).\nالثالث: وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: \"كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبْرَانيَّة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تُكَذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا\" (٥).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١١٠ - ١١١، والعجاب: ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.\n(٣) تفسير الطبري (٢١٠١): ص ٣/ ١١٠. وانظر: سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦.\n(٤) تفسير الطبري (٢١٠٣): ٣/ ١١١.\n(٥) صحيح البخاري برقم (٤٤٨٥)، وأخرج ابن ابي حاتم بمعناه عن عطاء بن يسار، انظر: تفسيره (١٢٩٨): ص ١/ ٢٤٢.","vol":"3","page":284},{"text":"وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يَسار عن ابن عباس، قال، كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلى الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] \" (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، \"أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله\" (٣).\nقال مقاتل: \" بأنه واحد لا شريك له\" (٤).\nقال الطبري: \"أي: قولوا أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى-الذين قالوا لكم كونوا هُودًا أو نصارى تَهتدوا \" -: صدَّقنا بالله.\nقال الشيخ السعدي: \" فقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بأنه موجود، واحد أحد، متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها، وعدم الإشراك به في شيء منها، بوجه من الوجوه\" (٥).\nقال البيضاوي: \" الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾ \" (٦).\nقال ابن عطية: \" هذا الخطاب لأمة محمد ﷺ، علمهم الله الإيمان\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: صدّقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبيّنا محمد ﷺ\" (٨).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني قرآن محمدﷺ\" (٩).\nقال الصابوني: أي: وآمنا بما \"أنزل إِلينا من القرآن العظيم\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" يعني به القرآن، وصحت إضافة الإنزال إليهم من حيث هم المأمورون المنهيون فيه\" (١١).\nقال الطبري: \" فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم، إذ كانوا متّبعيه، ومأمورين منهيين به (١٢).\nقال السعدي: \"فقوله ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾: يشمل القرآن والسنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله، من صفات الباري، وصفات رسله، واليوم الآخر، والغيوب الماضية والمستقبلة، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية، وأحكام الجزاء وغير ذلك (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، \"أي: صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط \" (١٤).\nقال الطبري: \" وهم الأنبياء من ولد يَعقوب\" (١٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم برقم (٧٢٧) وسنن أبي داود برقم (١٢٥٩) وسنن النسائي (٢/ ١٥٥).\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٦٨.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٨.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٨.\n(١٣) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٨.","vol":"3","page":285},{"text":"قال مقاتل بن سليمان: \" وهم بنو يعقوب يوسف وإخوته فنزل على هؤلاء صحف إبراهيم\" (١).\nقال البيضاوي: \"وهي-أي الصحف- وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضًا منزلة إليهم، كما أن القرآن منزل إلينا\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي وآمنا بما أنزل إِلى إِبراهيم من الصحف والأحكام التي كان الأنبياء متعبديون بها وكذلك حفدة إِبراهيم وإِسحاق وهم الأسباط حيث كانت النبوة فيهم\" (٣).\nقال ابن عطية: أي\" إنا نؤمن بجميع الأنبياء، لأن جميعهم جاء بالايمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع\" (٤).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿الْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، على وجهين (٥):\nاحدها: أن (السبط) في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، و(الأسباط): القبائل من اليهود، سموا بذلك، ليفرق بين ولد إسماعيل الذين يقال لهم: قبائل، وولد إسحاق الذين يقال لهم: أسباط (٦).\nوهذا قول أبي عبيدة وجماعة من العلماء (٧).\nالثاني: أن (الأسباط) جمع (سِبْط) -بكسر السين وسكون الباء-: ابن الابن، أي: الحفيد، والمراد أسباط إسحاق، أي: أولاد يعقوب، وهم الذين تشعبت منهم قبائل بني إسرائيل، وسمّوا بذلك؛ لأنه وُلِد لكل رجل منهم أمة من الناس فسموا بذلك (٨).\nوهذا قول أبي العالية (٩)، وقتادة (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، والسدي (١٢)، واختاره الثعلبي (١٣) والزجاج (١٤)، وآخرون (١٥).\nقال الثعلبي: \" وسبط الرّجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين (﵉) سبطا رسول الله ﷺ\" (١٦).\nوقال الزمخشري: \"السبط: الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول اللَّه ﷺ، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ حفدة يعقوب ذرارىّ أبنائه الاثني عشر\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٥.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٦.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣، جمهرة اللغة لابن دريد: ١/ ٣٣٦، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٢٢ - ١٩٢٣، الصحاح للجوهري: ٣/ ١١٢٩، تاج العروس للزبيدي: ١٠/ ٢٧٣.\n(٧) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٢٣٠، وهو قول البخاري في جامعه الصحيح-فتح-: ٨/ ١٤٧، والطبري في جامع البيان: ٣/ ١١٣، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣١٥، والراغب في المفردات: ٢٢٢، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٣٨٥، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٦١ - ١٦٢، والرازي في مفاتيح الغيب: ٤/ ٩١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ١٥٦، والواحدي في الوسيط: ١/ ٢٢٠، وابن دريد في جمهرة اللغة: ١/ ٣٣٦، ورشيد رضا في تفسير القرآن الحكيم: ١/ ٤٨٣، وغيرهم.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٩٩، جامع البيان للطبري: ٣/ ١١١ - ١١٢، تفسير ابن كثير لابن كثير: ١/ ٢٣٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٠٠): ص ١/ ٢٤٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٠١): ص ١/ ٢٤٣.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٣.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٧، وتهذيب اللغة: ٢/ ١٦١٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٣٥٦.\n(١٥) وممن قال بذلك: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٤١، وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨، والسيوطي في الإتقان: ٢/ ١٨٥، والبلنسي في مبهمات القرآن: ١/ ١٨٤، والقاسمي في محاسن التأويل: ٢/ ٢٧١، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ١/ ٧٣٢.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٣.\n(١٧) الكشاف: ١/ ١٩٥، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧٢.","vol":"3","page":286},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: الأسباط: \" اسم إخوة يوسف: رُوْبِيْل بضم الراء وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام وهو أكبرهم، وشمعون بالشين المعجمة، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي بفاء ومثناة، وكاد، وأشير، وأيساجر، ورايلون، وبنيامين (١)، وهم الأسباط\" (٢).\nوقد اختلف في (الأسباط) هل كان فيهم أنبياء، وفيه قولان:\nأحدهما: أنه كان فيهم أنبياء (٣).\nوالثاني: أنه لم يكن فيهم نبيّ.\nوالراجح أنه كان فيهم أنبياء، يدل عليه ظاهر هذه الآية، وقوله تعالى ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران: ٨٤] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فهذه الآيات تدل على نبوة الأسباط إذ عطفهم في نسق واحد على الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، ولا يوجد ما يمنع هذا الظاهر لغة أو شرعًا حتى يقال إن الأسباط في هذه الآيات قبائل بني إسرائيل وأن هناك حذفًا تقديره: أنبياء الأسباط أو نحو ذلك، على أن القول بوجود حذف خلاف الأصل. أما ما قيل: من أن كيد إخوة يوسف ليوسف يتنافى مع القول بنبوتهم، فيقال: ذاك قبل النبوة، بل قد قيل إنه قبل البلوغ، والعصمة للأنبياء إنما تكون بعد الإيحاء إليهم على الصحيح، على أن ظواهر النصوص الثابتة لا ينبغي ردها بمثل ذلك. أما ما قيل من أنه لم تأت نصوص صحيحة تثبت نبوتهم، فيقال إن ظواهر تلك الآيات كاف في ذلك، ولابد من القول بها حتى تأتي نصوص صحيحة صريحة تفيد عدم نبوتهم، فيلجأ عندها إلى القول بالحذف ونحوه جمعًا بين النصوص وإعمالًا لها كافة، أما هكذا فلا. وأما قوله﷿عن بني إسرائيل في زمن موسى ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] فالمراد به قبائل بني إسرائيل المنحدرة من أبناء يعقوب ﵈، ولا يوجد مانع يمنع أن يراد بلفظ في سياق معنى، ويراد به في سياق آخر معنى آخر، والله أعلم.\nو﴿الأسباط﴾: مشتق من السبط، وهو ضرب من الشجر، يعلفه الإبل، كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة، وكذلك يفعل النسابون في النسب، يجعلون الوالد بمنزلة الشجرة، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها (٤).\nوقال أبو العباس: \"سألت ابن الأعرابي، ما معنى (السبط)، في كلام العرب؟ فقال: السِّبط والسِّبطان والأسباط: خاصة الأولاد، أو المُصاص منهم\" (٥)\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: \"وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى، والكتب التي آتى النبيين كلهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" ﴿وما أوتي موسى﴾، يعني التوراة (و) ﴿ما أوتى عيسى﴾، يعني: الإنجيل، يقول ما أنزل على موسى وعيسى وصدقنا وما أوتي النبيون من ربهم وأوتي داود وسليمان الزبور\" (٧).\nقال الطبري: أي\" وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته\" (٨).\n_________\n(١) ورد اختلاف في بعض الأسماء انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ١١٢ - ١١٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٦٨، تفسير مبهمات القرآن للبلنسي: ١/ ١٨٤، الإتقان للسيوطي: ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، محاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ٢٦٧، التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ٧٣٢.\n(٢) الفتح: ٦/ ٤٨٣.\n(٣) وممن جزم بنبوتهم: الخازن في لباب التأويل: ١/ ٨٥، ود. الأشقر في الرسل والرسالات: ١٩. وممن اختار عدم نبوتهم: السيوطي والألوسي ورشيد رضا كما في الإتقان: ٢/ ١٨٥، وروح المعاني: ١/ ٣٩٥، وتفسير القرآن الحكيم: ١/ ٤٨٣.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٦١٥ (سبط)، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٣، والتفسير البسيط: ٣/ ٣٥٦.\n(٥) تهذيب اللغة: ٢/ ١٦١٥ (سبط)، ونلقه الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ٣٥٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٩ - ١١٠.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٩ - ١١٠.","vol":"3","page":287},{"text":"قال أبو السعود: أي: \" من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الباهرة الظاهرة بأيديهما حسبما فُصّل في التنزيل الجليل وإيرادُ الإيتاء لما أشير إليه من التعميم وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى، ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون﴾ أي جملةُ المذكورين وغيرُهم، ﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ من الآيات البيناتِ والمعجزاتِ الباهراتِ\" (١).\nقال قتادة: \" أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله\" (٢).\nوقال سليمان بن حبيب المحاربي: \" إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل ولا نعمل بما فيها\" (٣).\nوقد يسأل سائل: لِمَ عبر الله تعالى بقوله: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل﴾، وفي موسى وعيسى قال تعالى: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾؛ فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير؟\nفالجواب: أن نقول - والله أعلم-: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية:\nفالحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قال: (ما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وما أنزل إلى موسى ... وما أنزل إلى النبيين) تكررت أربع مرات؛ ومعلوم أن من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكان.\nوأما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله ﷾ في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: \" لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض\" (٥).\nقال قتادة: \" أمر الله المؤمنين أن لا يفرقوا بين أحد منهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" فنؤمن ببعض النبيين، ونكفر ببعض، كفعل أهل الكتاب\" (٧).\nقال الثعلبي: \" فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى\" (٨).\nقال ابن عطية: \" أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما تفعلون\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" أي: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض كما فعلت اليهود والنصارى\" (١٠).\nقال الطبري: \"بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه، بعثوا بالحق والهدى\" (١١).\nقال أبو السعود: \" كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض وإنما اعتبروا عدمُ التفريق بينهم مع أن الكلامَ فيما أوتوه لاستلزام عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريقِ بين ما أوُتوه\" (١٢).\nقال السعدي: أي: \"بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية المسلمين، التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين، فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم - وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب - فإنهم يكفرون بغيره، فيفرقون بين الرسل والكتب، بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٤): ص ١/ ٢٤٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٣): ص ١/ ٢٤٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٩ - ١١٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٥): ص ١/ ٢٤٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/! ٤١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٣.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٥.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ٣٥٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٩ - ١١٠.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٦.","vol":"3","page":288},{"text":"تصديقهم، فإن الرسول الذي زعموا، أنهم قد آمنوا به، قد صدق سائر الرسل وخصوصا محمد ﷺ، فإذا كذبوا محمدا، فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به، فيكون كفرا برسولهم\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وجهان (٢):\nالأول: إنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز. قال الفراء: \"أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى\" (٣).\nالثاني: لا نفرق بين أحد منهم، أي لا نقول: إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].\nوالصواب الوجه الأول، لأنه أليق بسياق الآية، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: \"ونحنُ له خاضعون بالطاعة، مذعنون له بالعبودية\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي مخلصون له ومُذعنون، حالٌ أُخرى منْهُ أو عطفٌ على ﴿آمنا﴾ \" (٦).\nالفوائد:\n١ - فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - على إيجازها واختصارها - على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب، وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين، ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده، كيف يقولون، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.\n٢ - ومنها: أن الكتب التي أوتيها الرسل قد نزلت من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾، ولقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥].\n٣ - ومنها: الإشارة إلى البداءة بالأهم - وإن كان متأخرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ مع أن ما أنزل إلينا متأخر عما سبق.\n٤ - ومنها: الإيمان بما أوتي النبيون من الآيات الكونية، والآيات الشرعية.\n٥ - ومنها: أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، على حد سواء في أصل الإيمان؛ وأما الشرائع فلكلٍّ منهم جعل الله شرعة ومنهاجًا، كما قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]؛ فنحن مأمورون باتّباع شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان؛ أما في الإيمان بأنهم رسل من عند الله، وأنهم صادقون بما جاءوا به فإنا لا نفرق بين أحد منهم؛ لقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾، وقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥].\n٦ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٦٨.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤١.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ١١٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٦.","vol":"3","page":289},{"text":"٧ - ومنها: أن الرسل ليسوا مستقلين بهذه الآيات؛ فلا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات، أو بهذا الوحي؛ فهم يتلقون من الله؛ حتى الرسول ﷺ إذا طُلب منه الآيات لا يستطيع أن يأتي بها؛ ولهذا لما اقترح المكذبون عدة آيات قال تعالى: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين﴾ [العنكبوت: ٥٠]، أي فلا أملك أن آتي بالآيات.\n٨ - ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يشعر أنه هو وإخوانه كنفس واحدة، كما قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١) وشبّك بين أصابعه؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾: فأتى بضمير الجمع: ﴿قولوا آمنا بالله ... ونحن ...﴾.\n٩ - ومنها: أن الإسلام لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ لإطلاقه في قوله تعالى: ﴿مسلمون﴾؛ فيستسلم قلب المرء لله - ﵎ - محبة، وتعظيمًا، وإجلالًا؛ ويستسلم لسانه لما أمره الله ﷾ أن يقول؛ وتستسلم جوارحه لما أمره الله تعالى أن يفعل.\nالقرآن\n﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]\nالتفسير:\nفإنْ آمن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم بمثل الذي آمنتم به، مما جاء به الرسول، فقد اهتدوا إلى الحق، وإن أعرضوا فإنما هم في خلاف شديد، فسيكفيك الله -أيها الرسول- شرَّهم وينصرك عليهم، وهو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم.\nفي سبب نزول الآية: قال مقاتل: \" لما نزلت هذه الآية [﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه﴾]، قرأها النبيﷺ- على اليهود والنصارى، فقال: إن الله﷿- أمرني أن أوصي بهذه الآية، فإن انتم آمنتم يعني صدقتم بالنبيﷺ- والكتاب، فقد اهتديتم وإن توليتم وأبيتم عن الإيمان فإنما أنتم في شقاق، فلما سمعت اليهود ذكر عيسىﷺ- قالوا: لا نؤمن بعيسى. وقالت النصارى: وعيسى بمنزلتهم مع الأنبياء، ولكنه ولد الله. يقول: إن أبوا أن يؤمنوا بمثل ما آمنتم به فسيكفيكهم الله يا محمد يعني أهل الكتاب ففعل الله﷿- ذلك فقتل أهل قريظة، وأجلى [بني] النضير من المدينة إلى الشام\" (٢). ونقله عنه ابن حجر ملخصا (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]، \" أي: فإِن آمن أهل الكتاب بنفس ما آمنم به معشر المؤمنين، فقد اهتدوا إِلى الحق كما اهتديتم\" (٤).\nقال ابن عباس: \" أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأن لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه\" (٥).\nوعن الربيع: \" ثم قال: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، فقال: من تكلم بهذا صدقا من قلبه- يعني- الإيمان فقد اهتدى\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٤٠، كتاب الصلاة، باب ٨٨: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، حديث رقم ٤٨١؛ وأخرجه مسلم ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة، باب ١٧: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم ٦٥٨٥ [٦٥] ٢٥٨٥؛ بدون و\"شبك أصابعه\".\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(٣) انظر: العجاب: ١/ ٣٨٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٨٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٧): ص ١/ ٢٤٤، وتفسير الطبري (٢١٠٨): ص ٣/ ١١٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٨): ص ١/ ٢٤٤.","vol":"3","page":290},{"text":"قال مقاتل: \" يقول فإن صدق أهل الكتاب بالذي صدفتم به يا معشر المسلمين من الإيمان بجميع الأنبياء والكتب، فقد اهتدوا من الضلالة\" (١).\nقال ابن عطية: أي: \" إن صدقوا تصديقا مثل تصديقكم\" (٢).\nقال الطبري: أي\" فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله، ومَا أنزل إليكم، وما أنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، ومَا أوتي مُوسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، وأقروا بذلك، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم، فقد وُفِّقوا ورَشِدوا، ولزموا طريق الحق، واهتدوا، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك. فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها\" (٣).\nقال الزجاج: \" فإِن قال قائل: فهل للإيمان مِثْلٌ هو غير الِإيمان؟ قيل له: المعنى واضح بين، وتأويله: فإِن أتَوْا بتصديق مثل تصديقكم وإِيمانكم - بالأنبياءِ، ووحَّدوا كتوحيدكم - فقد اهتدوا، أي فقد صاروا مسلمين مثلكم\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٧]، اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل) أيهما الزائد، وفيه قولان (٥):\nأحدهما: أن (مثل) هي الزائدة، وأن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا؛ وأن (مثل) زائدة إعرابًا لا معنًى؛ وأن المعنى: أنهم إن آمنوا بما آمنتم به إيمانًا مماثلًا لإيمانكم؛ فعلى هذا تكون الزيادة في كلمة (مثل).\nوقد روي عن ابن عباس: لا تقولوا: ﴿فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا﴾، فإنه ليس لله مثل، ولكن قولوا: \" فإن آمنوا بالذي آمنتم به فَقد اهتدوا \" - أو قال: \" فإن آمنوا بما آمنتم به \" (٦).\nوهذه القراءة جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها، وأجمعت قَرَأة القرآن على تركها.\nقال الطبري: \" فكأن ابن عباس - في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه - يوجِّه تأويل قراءة من قرأ: ﴿فإن آمنُوا بمثل مَا آمنتم به﴾، فإن آمنوا بمثل الله، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل. وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه، شِركٌ لا شكَّ بالله العظيم. لأنه لا مثل لله تعالى ذكرُه، فنؤمن أو نكفر به\" (٧).\nالثاني: أن الزائد هو (الباء) حرف الجر؛ وأن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم - أي مثل إيمانكم -؛ والباء الثانية أيضًا زائدة.\nوقد اتفق الجميع على أن المراد الزيادة الإعرابية؛ وليست الزيادة المعنوية؛ لأنه ليس في القرآن ما هو زائد معنى - أي لا فائدة فيه -؛ والمعروف أن الأسماء لا تزاد؛ وأما الزيادة في الحروف فكثيرة؛ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها؛ والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها؛ ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه؛ ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن أن تزاد الأسماء؛ لأنها جاءت لمعنى في ذاتها؛ بخلاف الحرف؛ فعلى هذا تكون الزيادة في الباء - أي فإن آمنوا مثل ما آمنتم -؛ أي مثل إيمانكم؛ وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد - أي إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا -.\nو(الهداية) هنا هداية العلم، والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفِّقوا، واهتدوا؛ والهداية هنا مطلقة كما أن المسلمين الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة (٨).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ١١٣.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢.\n(٦) تفسير الطبري (٢١٠٩): ص ٣/ ١١٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ١١٤.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢.","vol":"3","page":291},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]، \" أي وإِن أعرضوا عن الإِيمان بما دعوتهم إِليه، فاعلم أنهم إِنما يريدون عداوتك وخلافك، وليسوا من طلب الحق في شيء\" (١).\nقال مقاتل: \" يقول: إن أبوا أن يؤمنوا بمثل ما آمنتم به، أي وإن كفروا بالنبيين وجميع الكتب، فإنما هم في ضلال واختلاف، نظيرها: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾، يعني لفي ضلال واختلاف\" (٢).\nقال ابن عطية: \" أي أعرضوا، يعني به اليهود والنصارى، فإنما هم في شقاق لك، هم في شق وأنت في شق\" (٣).\nقال الطبري: \"أي: وإن تولى هؤلاء الذين قالوا لمحمد ﷺ وأصحابه: ﴿كونوا هودًا أو نصارَى﴾ فأعرضوا، فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنون بالله، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابتُعِثت به الرسل، وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسله، فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ فاعلموا، أيها المؤمنون، أنهم إنما هُمْ في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: [في] خلاف وعداوة، وتأويله: أنهم صاروا في شِقّ غير شَقّ المسلمين\" (٥).\nقال الربيع: \" ﴿وإن تولوا﴾ عنه يعني عن الإيمان\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿وإن تولوا﴾ على كفرهم\" (٧).\nو(الشقاق): من (شَقَّ عليه هذا الأمر)، إذا كرَبه وآذاه، ثم قيل: (شاقَّ فلانٌ فلانًا)، بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته، ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] بمعنى: فراقَ بينهما (٨).\nو(الشقاق) في اللغة: له ثلاثة معان:\nأحدها: العداوة، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].\nقال الواحدي: والعداوة تسمى شقاقًا؛ لأنّ كلّ واحد من المعادين يأتي بما يشقّ على صاحبه، أو لأنّ كل واحد صار في شقّ غير شق صاحبه للعداوة والمباينة\" (٩).\nوالثاني: الخلاف، مثل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥].\nوالثالث: الضلالة، مثل قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣].\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وجوها (١٠):\nأولها: أن معناه: في خلاف. قاله ابن عباس (١١)، وأبو العالية (١٢)، وقتادة (١٣) والربيع بن أنس (١٤)، وعطاء (١٥)، والأخفش (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢. [بتصرف بسيط].\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ١١٥.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٣٥٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٩): ص ١/ ٢٤٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٠): ص ١/ ٢٤٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١١٥ - ١١٦.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٣٥٨.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣١١): ص ١/ ٢٤٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢١١٠): ص ٣/ ١١٥، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢١١١): ص ٣/ ١١٥، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.","vol":"3","page":292},{"text":"ودليل هذا القول، قوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ [هود: ٨٩]، أي خلافي (١)، ومنه قول الشاعر (٢):\nفكان إليها والّذي اصطاد بكرها ... شقاقا وبعضهن أو لطم وأهجرا\nوثانيها: أي: في ضلال. قاله أبو عبيدة (٣)، ومقاتل (٤).ودليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النساء: ٣٥]، أي اختلاف بينهما، قال الشاعر (٥):\nإلى كم نقتل العلماء قسرا ... ونفجر بالشّقاق وبالنفاق\nأي بالضلال والاختلاف (٦).\nوثالثها: أن الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ في كلام العرب، ومنه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء: ١١٥]. قاله ابن زيد (٧).\nورابعها: أي: في عداوة. قاله الحسن (٨)، وابن سلمة (٩) والسدي (١٠).\nيقال: كان كلّ واحد منهما أخذ في شقّ صاحبه، أي في جهده وما يشق عليه من قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، ودليله قوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، أي عادوا الله ورسوله (١١).\nومنه قول بشر بن أبي حازم (١٢):\nوإلّا فاعلموا انّا وأنتم ... بغاة ما حيينا في شقاق\nأي في عداوة (١٣).\nقال الزجاج: ﴿هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: \" أي في مشاقة وعداوة ومن هذا قول الناس: فلان قد شق عصا المسلمين، إِنما هو قد فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إِمامهم، وإِنما صار في شق - غير شق المسلمين\" (١٤).\nوسادسها: أن الشقاق: خلع الطّاعة، وبيانه قوله ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥]. وهذا قول الكسائي (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٨٤.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٨٤.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١١٢): ص ٣/ ١١٥.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١٢) ديوان بشر الأسدي: ص ١٦٥، والبيت من قصيدة، مطلعها:\nأهمت منك سلمى بانطلاق * وليس وصال غانية بباقي\nوسبب هذا الشعر كما نقله ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه: أن قوما من آل بدر الفزاريين جاوروا بني لأم من طي، فعمد بنو لأم إلى الفزاريين فجزوا نواصيهم وقالوا: قد مننا عليكم ولم نقتلكم، وبنو فزارة حلفاء بني أسد، فغضب بنو أسد لأجل ما صنع بالبدريين، فأنشأ بشر هذه القصيدة يذكر فيها ما صنع ببني بدر ويقول للطائيين: فإذ قد جززتم نواصيهم فاحملوها إلينا وأطلقوا من قد أسرتم منهم، وإن لم تفعلوا فاعلموا أنا نبغيكم ونطلبكم، فإن أصبنا أحدا منكم طلبتمونا به، فصار كل واحد منا يبغي صاحبه، فنبقى في شقاق وعداوة أبدا. راجع ديوان بشر الأسدي: ص ١٦٥ يهجو أوس بن حارثة وفيه \" ما حيينا \" بدل \" ما بقينا \"، وشرح السيرافي: ج ٢ ص ١٤، وخزانة الأدب للبغدادي: ج ١٠ ص ٢٩٧.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٤.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.","vol":"3","page":293},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، \" أي سيكفيك يا محمد شرهم وأذاهم ويعصمك منهم\" (١).\nقال ابن كثير: أي: \"فسينصرك عليهم ويُظْفِرُك بهم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني أهل الكتاب ففعل الله﷿- ذلك فقتل أهل قريظة، وأجلى [بني] النضير من المدينة إلى الشام\" (٣).\nقال الزجاج: \" هذا ضمان من اللَّه ﷿ في النصر لنبيه - ﷺ - لأنه إِنما يكفيه إِياهم بإظهار ما بعثه به على كل دين سواه - وهذا كقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] \" (٤).\nقال أبو السعود: \" أي سيكفيك شِقاقَهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال\" (٥).\nقال الطبري: \" ففعل الله بهم ذلك عَاجلا وأنجزَ وَعْده، فكفى نبيّه ﷺ بتسليطه إيّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار\" (٦).\nقال الزجاج: \" فإن قال قائل: فإن من المرْسَل مَنْ قُتِل، فإن تأويل ذلك - والله أعلم - أن اللَّه غالب هو ورسله بالحجة الواضحة، والآية البينة، ويجوز أن تكون غلبةَ الآخرة لأن الأمر هو على ما يستقر عليه في العاقبة\" (٧).\nوقد قيل: إِن الله لم يأمر رسولًا بحرب فاتبع ما أمره الله به في حربه إِلا غَلَب. فعلى هذا التأويل يجوز أن يكون لم يقتل رسول قط محاربًا.\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، \" أي هو تعالى يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم من المكر والشر\" (٨).\nقال مقاتل: \" [﴿السميع﴾]، لقولهم للمؤمنين: ﴿كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾، ثم قال ﴿العليم﴾، بما قالوا\" (٩).\nقال الثعلبي: أي\" ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم\" (١٠)\nقال ابن عطية: \" ﴿السَّمِيعُ﴾ لقول كل قائل، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يجب أن ينفذ في عباده\" (١١).\nقال أبو السعود: \" تذييلٌ لما سبق من الوعد وتأكيدٌ له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعون به ويعلم ما في نِيَّتك من إظهار الدينِ فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وجهان (١٣):\nالأول: أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه.\nالثاني: أنه وعد للرسول ﵇ يعني: يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرداك، واحتج الأصحاب بقوله: ﴿وهو السميع العليم﴾ على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله: ﴿عليم﴾ بناء مبالغة فيتناول كونه عالما بجميع المعلومات، فلو كان كونه سميعا عبارة عن علمه بالمسموعات\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٠.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٤.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/! ٦٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١١٦.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢١٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٨.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٩.","vol":"3","page":294},{"text":"لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما. والله أعلم بالصواب (١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \" قد يقول قائل: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: «وهو القوي العزيز» لأنه قال: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ فما هو الجواب عن ختمها بالسمع، والعلم؟ فالظاهر لي - والله أعلم - أنه لما كان تدبير الكيد للرسول -ﷺ- من هؤلاء قد يكون بالأقوال، وقد يكون بالأفعال؛ والتدبير أمر خفي ليس هو حربًا يعلن حتى نقول: ينبغي أن يقابل بقوة، وعزة؛ قال تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ أي حتى الأمور التي لا يُدرى عنها، ولا يبرزونها، ولا يظهرون الحرابة للرسول -ﷺ- فإن الله سميع عليم بها؛ هذا ما ظهر لي - والله أعلم -\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون إيمان اليهود، والنصارى مثل إيمان النبي ﷺ، وأمته حقيقة، ووصفًا.\n٢ - ومنها: أن ما خالف ما عليه النبي ﷺ فهو ضلال؛ لأن الله ﷾ علق الاهتداء بأن يؤمنوا بمثل ما آمن به الرسول ﷺ وأمته.\n٣ - ومنها: أنه لا حجة لمن تولى عن شريعة النبي ﷺ إلا الشقاق، والمجادلة بالباطل؛ لقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾.\n٤ - ومنها: وقوع الشقاق بين أهل الكتاب، والمسلمين؛ وعليه فلا يمكن أن يتفق المسلمون وأهل الكتاب؛ فتبطل دعوة أهل الضلال الذين يدْعون إلى توحيد الأديان؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما هم في شقاق﴾؛ فاليهود، والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق؛ وهذا الشقاق لا بد أن يؤدي إلى عداوة، وبغضاء؛ وبالتالي إلى قتال؛ وهكذا وقع: فالمسلمون قاتلوا اليهود، وقاتلوا النصارى - الروم كلهم نصارى -؛ ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية؛ وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم؛ ولا بد من هذا في المستقبل بإذن الله؛ وسنقاتل اليهود حتى يختبئ اليهودي بالحجر، والشجر فينادي: «يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» (٣) فلا يبَلِّغ عنهم.\n٥ - ومن فوائد الآية: الوعيد الشديد لهؤلاء المتولين عن شريعة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿فسيكفيكهم الله﴾.\n٦ - ومنها: تكفل الله ﷾ لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا، فإن الله ﷾ سيكفيه إياهم عن قرب؛ لقوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله﴾؛ والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب: فإن الرسول ﷺ لم يُتوفَّ حتى أجلى اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم في\n_________\n(١) ورد اسم (السميع) في كتاب الله ﷿ خمسا وأربعين مرة، اقترن بـ (العليم) اثنتين وثلاثين مرة؛ فهو أكثر اسم اقترن به، وكان (السميع) أولا في المواضع جميعها، وحتى عندما اقترن بـ (البصير) وبـ (القريب).\n(السميع) بمعنى السامع بصيغة المبالغة، وهو سمع مطلق يليق بالله -﷿-، ويذكر العلماء هنا أنه -سبحانه- «يسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء»، يسمع ما يتهامس به المتهامسون، ويتناجى به المتناجون، وما تسر به لصاحبك، والكل عنده ﷾ سواء.\nو(العليم) علم يليق به -﷾-؛ فهو يعلم كل شيء، ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن ولو كان كيف يكون، فقد أحاط سبحانه بكل شيء علما. واقتران (السميع) بـ (العليم)، فيه تحذير للعباد ألا يتكلموا بما لا يرضي الله؛ لأنه (سميع عليم)، علمه بالمسموع مباشر ليس عن طريق رسول أو واسطة، وفي اقتران الاسمين تأييد للنبي ﷺ، كما في (يونس: ٦٥)، وتطمين للمؤمنين إذا هم دعوا الله ﷿ بأنه (سميع عليم) فيجيب الدعاء إذا علم من أحوالهم الصدق والإخلاص.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١.\n(٣) خرجه البخاري ص ٢٣٥، كتاب الجهاد والسير، باب ٩٤: قتال اليهود، حديث رقم ٢٩٢٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٨٤، كتاب الفتن، باب ١٨: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم ٧٣٣٩ [٨٢] ٢٩٢٢.","vol":"3","page":295},{"text":"خيبر، وأبقاهم فيها عمالًا؛ وفي خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁ أجلاهم من خيبر؛ فكفى الله المؤمنين شرهم - والحمد لله -.\n٧ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى التوكل على الله - ﵎ - في الدعوة إليه، وفي سائر الأمور؛ لأنه إذا كان وحده ﷾ هو الكافي فيجب أن يكون التوكل والاعتماد عليه وحده؛ ولهذا قال الله ﷾: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣].\n٨ - ومنها: إثبات الاسمين الكريمين ﴿السميع﴾، و﴿العليم﴾، وما يتضمناه من الصفات والمعاني العظيمة.\n٩ - ومنها: أنه يجب على المرء مراقبة الله ﷾ في جميع أقواله؛ لأن الله ﷾ سامع لها لا يخفى عليه الصوت مهما خفي؛ بل هو يعلم ﷿ ما توسوس به نفس الإنسان - وإن لم يتكلم به\n١٠ - ومنها: مراقبة الله ﷾ في السر، والعلن؛ وذلك؛ لأن مقتضى اسمه الكريم: ﴿العليم﴾ أنه يعلم كل شيء.\nالقرآن\n﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]\nالتفسير:\nالزموا دين الله الذي فطركم عليه، فليس هناك أحسنُ مِن فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالزموها وقولوا نحن خاضعون مطيعون لربنا في اتباعنا ملَّة إبراهيم.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدها: قال الواحدي: \"قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم يقال له: المعمودي ليظهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. نزلت في تحويل القبلة\" (١). وأخرج الطبري عن قتادة (٢)، وعطاء (٣)، نحو ذلك.\nالثاني: قال ابن حجر: \"أخرج ابن مردويه في تفسير هذه الآية من طريق أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: قالت بنو إسرائيل: يا موسي هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله، فناداه ربه يا موسى الألوان كلها من صبغى وأنزل الله على نبيه ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة﴾ \" (٤).\nقال الطبري: \" وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية، فقال الله تعالى ذكره - إذ قالوا لنبيه محمد ﷺ وأصحابه المؤمنين به: \" كونوا هودًا أو نَصَارَى تَهتدوا \" -: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ، فإنها هي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشركَ بالله، والضلالَ عن محجَّة هُداه\" (٥).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٤١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢١١٣): ص ٣/ ١١٧ - ١١٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢١١٤): ص ٣/ ١١٨.\n(٤) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٣٨٤. وقد رواه مرفوعًا أيضًا المقدسي في \"المختارة\".\nوأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في \"العظمة\" عن ابن عباس موقوفًا كما في: الدر: ١/ ٣٤٠ وتفسير ابن أبي حاتم (١٣١٤): ص ١/ ٢٤٥، وقال ابن كثير بعد أن أورده من طريق ابن مردويه \"١/ ١٨٨\": \"كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف وهو أشبه إن صح إسناده والله أعلم وسيأتي أيضًا في الآية \"٢٥٥\" من طريق ابن أبي حاتم وأبي نعيم في \"الحلية\". هذا من حيث السند، وأما من حيث المتن فإني لا أجد أي علاقة بسبب نزول هذه الآية.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١١٧.","vol":"3","page":296},{"text":"قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، \"أي ما نحن عليه من الإِيمان هو دين الله الذي صبغنا به وفطرنا عليه فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في الثوب\" (١).\nقال الطبراني: \"أي: \"دينَ اللهِ وفِطْرَتَهُ؛ لأن دينَ الإسلامِ يؤثرُ في الْمُتَدَيِّنِ مِن الطهور والصلاةِ والوَقَار وسائرِ شعائر الإسلامِ كالصَّبغ الذي يكونُ في الثوب\" (٢).\nقال مقاتل: \" يقول الله﷿- دين الله\" (٣).\nقال ابن أبي زمنين: \"أي: دين الله\" (٤).\nقال ابن عطية: \" شريعته وسنته وفطرته\" (٥).\nقال البيضاوي: \" أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله تعالى التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا الله هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالإِيمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة، فإن النصارى كانوا يغسمون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم\" (٦).\nقال السعدي: أي: \"الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قياما تاما، بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة، وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره، طوعا واختيارا ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث الدين على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومعالي الأمور\" (٧).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، على أقوال (٨):\nأحدها: أن المعنى: دينُ الله. وهو قول: ابن عباس (٩)، وأبي العالية (١٠)، ومجاهد (١١)، والحسن (١٢)، وإبراهيم النخعي (١٣)، وعبد الله بن كثير (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، وعكرمة (١٧)، وعطية العوفي (١٨)، والربيع بن أنس (١٩)، والسدي (٢٠)، وابن زيد (٢١) (٢٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(٢) تفسير الطبراني: ١/ ٩٢.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(٤) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٨٢.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٩.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١١٨ - ١١٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢١٢٣): ص ٣/ ١١٩، وابن أبي حاتم (١٣١٣): ص ١/ ٢٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢١١٦): ص ٣/ ١١٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢١١٨)، و(٢١١٩)، و(٢١٢٠): ص ٣/ ١١٨.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٥.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٥.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢١١٥): ص ٣/ ١١٨.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٢١): ص ٣/ ١١٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٢١١٧): ص ٣/ ١١٨.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٢١٢٢): ص ٣/ ١١٩.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٢١٢٤): ص ٣/ ١١٩.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، جامع البيان للطبري: ٣/ ١١٨ - ١١٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٤٤، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٥٧، تفسير ابن كثير لابن كثير: ١/ ٢٣٤. وقال به أيضًا: أبو عبيدة في مجاز القرآن: ١/ ٥٩، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٦٤، والرازي في مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٥ - ٩٦، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٤١١، وابن جزيء في التسهيل لعلوم التنزيل: ١/ ٩٩، وغيرهم.","vol":"3","page":297},{"text":"وقد ذكروا في سبب تسمية دين الله بـ ﴿صبغة الله﴾، وجوها (١):\nأحدها: \"أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيا. فقال الله تعالى: اطلبوا صبغة الله وهي الدين، والإسلام لا صبغتهم\". قاله ابن عباس (٢)، وأخرج الطبري عن قتادة (٣)، وعطاء (٤)، نحو ذلك.\nوالسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم: اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا مواظبا على الكرم، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]﴾ (الشورى: ٤٠)، ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ [هود: ٣٨] (٥).\nوثانيها: أن اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى، بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم، عن قتادة قال ابن الأنباري: يقال: فلان يصبغ فلانا في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثواب وأنشد ثعلب (٦):\nدع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا ... إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ (٧)\nوثالثها: سمي الدين صبغة، لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة، قال الله تعالى: ﴿سيماهم فى وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩].\nورابعها: وقيل: أن قوله: ﴿صبغة الله﴾ متعلق بقوله: ﴿قولوا ءامنا بالله﴾ (البقرة: ١٣٦) إلى قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ [العنكبوت: ٤٦] فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى، ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم (٨).\nوالثاني: أن ﴿صبغة الله﴾: فطرَة الله (٩). قاله: مجاهد (١٠)، وعبدالله ابن كثير (١١).\nوعلى قول هؤلاء تفسير الآية: \"بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. من قول الله تعالى ذكره: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤]. بمعنى خالق السماوات والأرض: (١٢).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥ وما بعدها.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥. وقد جاء هذا الخبر منسوبا الى ابن عباس في أسباب النزول للواحدي: ٤١، والوسيط: ١/ ٢٠٦. وتفسير البغوي: ١/ ١٥٧. قال ابن عباس هي أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يقال له المعمودي وصبغوه به ليطهروه بذلك الماء مكان الختان، فإذا فعلوا به ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما يفعله النصارى.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢١١٣): ص ٣/ ١١٧ - ١١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢١١٤): ص ٣/ ١١٨.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥.\n(٦) البيت ورد في كتب التفاسير: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٩، وتفسير القاسمي: ١/ ٤٠٩، وروح البيان: ١/ ٣٠٤.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٥.\n(٩) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢١٢٦)، و(٢١٢٧): ص ٣/ ١١٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢١٢٨): ص ٣/ ١١٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٢٠.","vol":"3","page":298},{"text":"قال الراغب: \"الصبغة إشارة من الله﷿- إلى ما أوجده فينا من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، رشحنا به لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآية\" (١).\nقال الرازي: \" ومعنى هذا الوجه، أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة.\" (٢)\nكما وأن من حمل قوله: (صبغة الله) على الفطرة فهو مقارب في المعنى، لقول من يقول: هو دين الله، لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضا، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله ﴿قولوا ءامنا بالله﴾ فكأنه تعالى قال في ذلك: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر دينا ودنيا كظهور حسن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول: إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه، بدونه فلا فائدة فيه (٣).\nالثالث: وقيل: هو غسل الله، أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم (٤).\nوبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما، روى احمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁: أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي ﷺ يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فقال رسول الله ﷺ: \"قد حسن إسلام صاحبكم\" (٥).\nالرابع: وقيل: هو الختان لأنّه يصبغ صاحبه بالدم (٦).\nالخامس: وقيل:: إنه حجة الله، عن الأصم (٧).\nالسادس: وقيل: إنه خلقة الله، قاله أبو عبيدة (٨)، وأجازه الزجاج (٩).\nمن صبغت الثوب إذا غيّرت لونه وخلّقته. فيكون المعنى: إنّ الله ابتدأ الخلقة على الإسلام، دليله قول مقاتل في هذه الآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أيْ \"دِيْنَ اللهِ\" (١٠)، ويوضِّحه قول رسولِ الله ﷺ: \" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه\" (١١) (١٢).\nالسابع: هو سنة الله. حكاه الثعلبي عن أبي عبيدة (١٣).\nالثامن: أن ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، أيْ: وجْهَةَ اللهِ؛ بمَعْنَى الْقِبْلَةِ. قاله ابنُ كيسان (١٤).\nالتاسع: وقيل: إن القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة، حكاه ابن فارس في المجمل (١٥).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٤.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٦.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥.\n(٥) مسند أحمد (١٠٢١٧).\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٦.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٥.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(١١) رواه البخاري: (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥، وتفسير الطبراني: ١/ ٩١.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥.","vol":"3","page":299},{"text":"العاشر: وقيل: \"صبغة الله على مراتب، أولها ما ركب فينا من الهداية وهي الفطرة والثانية: الهداية بالتوفيق، والثالثة: الهداية ببعثة الرسل، والرابعة: الهداية في الترقي توليه إلى الدرجة العليا والسعادة القصوى\" (١).\nوالصواب أن ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ هو دين الله، وذلك للوجوه التي ذكرناها. والله تعالى أعلم.\nوقد اختلف في أصل (الصبغة) على قولين (٢):\nأحدهما: أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويقولون: هذا تطهير لهم. روي ذلك عن ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وعطاء (٥).\nوقال بعض شعراء ملوك همدان (٦):\nوكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ\nصبغنا على ذاك أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ\nفهذا يتمدح أنهم صبغوا أولادهم بصبغة معينة، تميزوا فيها عن أبناء القبائل الأخرى (٧).\nالثاني: وقيل: إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلا من معمودية النصارى (٨).\nقال القرطبي: \"وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا\" (٩).\nوتعددت أقوال أهل العلم في انتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وفيه ثلاثة أوجه (١٠):\nالأول: أنه نصب على الإغراء، كقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، أي: اتبعوا وألزموا صبغة الله. قاله ابن كثير (١١)، وأبو عبيدة (١٢).\nقال الحافظ ابن حجر: \" وكأن لفظ ﴿صبغة﴾ ورد بطريق المشاكلة (١٣)؛ لأن النصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء المعمودية، ويزعمون أنهم يطهرونهم بذلك، فقيل للمسلمين: الزموا صبغة الله فإنها أطهر (١٤) \" (١٥).\nالثاني: أنه بدل من قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١٦). قاله الأخفش (١٧).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٥.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.\n(٣) أسباب النزول: ٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢١١٣): ص ٣/ ١١٧ - ١١٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢١١٤): ص ٣/ ١١٨.\n(٦) البيت من شواهد كتب التفاسير، مثل: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤، والبحر المحيط: ١/ ٥٨٣.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.\n(٨) انظر: حكاه القرطبي عن الماوردي، ولم نقف عليه في النكت والعيون، انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.\n(٩) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٠.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(١٣) المشاكلة هي: أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا. فمثال التحقيق: قوله﷿-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالعدوان من المشركين في اللفظ ظلم في المعنى، والعدوان الذي أمر الله به إنما هو القصاص، والقصاص عدل لا ظلم، وإن كان اللفظ واحدًا. ومثال التقدير: هذه الآية إذ أمر الله بالتزام صبغته، أي: دينه، وهي لفظة في مقابل صبغة النصارى أولادهم بغمسهم في ماء المعمودية، فلفظ الصبغة لم يتقدم معناه في الحقيقة، وإنما هو أمر معروف من حال النصارى. انظر: الحجة للفارسي: ١/ ٢٣٦، مفتاح العلوم للسكاكي: ٢٠٠، جواهر البلاغة لأحمد الهاشمي: ٣٧٥، معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب: ٦٢١ - ٦٢٢.\n(١٤) ذكر هذا المعنى الواحدي في أسباب النزول-تحقيق أيمن شعبان-: ٤١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ١٥٧، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٤١١ عن ابن عباس، وانظر ذلك في: معاني القرآن للفراء: ١/ ٨٢ - ٨٣، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢١٥، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ٢٤٩، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣١٦، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٩٥، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٨٨، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٨٥، تيسير المنان تفسير القرآن للكوكباني: ٢/ ١٣٦٢ - ١٣٦٣، وغيرها.\n(١٥) الفتح: ٨/ ١١.\n(١٦) وكذلك رَفع (الصبغة) من رَفع (الملة)، على ردّها عليها، وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه. وذلك على الابتداء، بمعنى: هي صبغةُ الله. (انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١١٧).\n(١٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٩.","vol":"3","page":300},{"text":"الثالث: وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، كقوله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] (١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \" هو مصدر انتصب عن قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] على الأرجح (٢) \" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ [البقرة: ١٣٨]، قراءتان (٤):\nإحداهما: قراءة النصب: صِبْغَةَ الله﴾، وهي قراءة الجمهور.\nوالثانية: ﴿صِبْغَةُ الله﴾، بالرفع، وهي قراءة شاذة قرأ بها الأعرج وابن أبي عبلة.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]، \"أي لا أحد أحسن من الله صبغة (دينا وتطهيرا) \" (٥).\nقال أبو العالية: أي\" ومن أحسن من الله دينا\" (٦)، وروي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن والسدي والربيع بن أنس وعبد الله بن كثير نحو ذلك (٧).\nقال مقاتل: \" يعني الإسلام\" (٨).\nقال البيضاوي: أي: \" لا صبغة أحسن من صبغته\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي لا صبغةَ أحسنُ من صبغته تعالى\" (١٠).\nقال الصابوني: \" ولا أحد أحسن من الله دينًا\" (١١).\nقال السعدي: قال على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أي: لا أحسن صبغة من صبغته\" (١٢).\nقال القاسمي: \"لأنها صبغة قلب لا تزول، لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه\" (١٣).\nوقال ابن عثيمين: أي: \"لا أحد أحسن من الله صبغة، وذلك؛ لأن دين الله ﷿ مشتمل على المصالح، ودرء المفاسد؛ ولا يوجد دين يشتمل على هذا إلا ما جاء من عند الله، سواء كان الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ، أو الأديان الأخرى ما دامت قائمة لم تنسخ؛ ومجيء الاستفهام بمعنى النفي أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن التحدي؛ فإن القائل إذا قال: (ليس مثل زيد بشر) ليس كقوله: (مَنْ مثل زيد مِن البشر؟ !)؛ فالثاني أبلغ: كأنه يتحدى المخاطَب أن يأتي بأحد مثله (١٤).\n_________\n(١) حكاه عنه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٤٥٠. ولم نقف عليه في الكتاب.\n(٢) انظر نحوًا من ذلك الترجيح في: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤١١ - ٤١٢، والدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٣٨٨، البيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات ابن الأنباري: ١/ ١٢٦، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٦٦.\n(٣) الفتح: ٨/ ١١.\n(٤) انظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٣٨٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٧٠، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤١١.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ١٥٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٥): ص ١/ ٢٤٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٥.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٩.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٨.\n(١١) صفوة التفسير: ١/ ٨٨.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(١٣) تفسير القاسمي: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣.","vol":"3","page":301},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، \"أي ونحن نعبده جلّ وعلا ولا نعبد أحدًا سواه\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني موحدون\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" مطيعون\" (٣).\nقال البيضاوي: \" تعريض بهم، أي لا نشرك به كشرككم\" (٤).\nقال البغوي: أي: \"موحدون أو \"مطيعون\" (٥).\nقال الآلوسي: أي: \"متبعون ملة إبراهيم أو خاضعون مستكنون في إتباع تلك الملة\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي لله الذي أولانا تلك النعمةَ الجليلةَ، ﴿عابدون﴾ شكرًا لها ولسائر نعمه\" (٧).\nفـ (العبادة) التذلل لله ﷿ بفعل أوامره محبة له، واجتناب نواهيه تعظيمًا له مع شعور الإنسان بمنزلته، وأن منزلته أن يكون عبدًا لله ﷿.\nقال الراغب: \"وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ تعريض بهم أي لا نشرك [به] كشرككم\" (٨).\nوتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، على عامله هنا له فائدتان (٩):\nأولهما: لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات.\nوالثانية: معنوية؛ وهي الحصر، والاختصاص؛ فهو كقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥].\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله ﷿.\n٢ - ومنها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله ﷾ أضافه إلى نفسه؛ وكل ما يضاف إلى الله ﷿ فإنه حق.\n٣ - ومنها: أن دين الله ﷾ أحسن الأديان، وأكملها، وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾.\n٤ - ومنها: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له عابدون﴾؛ فقدم المعمول لإفادة الحصر؛ وعبادة الله فخر، وشرف للعبد؛ ولهذا جاء وصف العبودية في المقامات العليا لرسول الله -ﷺ-، فجاءت في مقام الدفاع عنه في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]؛ وفي مقام تكريمه بالإسراء في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام رسالته، مثل قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا﴾ [الكهف: ١].\n٥ - ومن فوائد الآية: أن العقل يقضي بالتزام الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾؛ فإن العقل يهدي إلى التزام الأحسن؛ كل إنسان له عقل سليم فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.\nالقرآن\n﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ [البقرة: ١٣٩]\nالتفسير:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/! ٠٩.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ١٥٧.\n(٦) روح المعاني: ١/ ٣٩٨.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٨.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٧.","vol":"3","page":302},{"text":"قل -أيها الرسول لأهل الكتاب-: أتجادلوننا في توحيد الله والإخلاص له، وهو رب العالمين جميعًا، لا يختص بقوم دون قوم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن لله مخلصو العبادة والطَّاعة لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد أحدًا غيره.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: \"قل أتخاصموننا وتجادلوننا في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدينه به\" (١).\nأخرج الطبري عن مجاهد: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾، قل: أتخاصموننا؟ \" (٢). وروي عن ابن عباس (٣)، ابن زيد (٤)، نحو ذلك.\nقال الثعلبي: أي: \" قُلْ يا محمّد لليهود والنصارى أتجادلوننا وتخاصمونا في دين الله وذلك بأن قالوا: يا محمّد إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا\" (٥).\nقال الراغب: \" (المحاجة): المقاومة في إظهار الحجة البينة للحجة، أي المقصد، وقد ألزمهم بهذه الآية الحجة المذكورة في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، ولما كانت الشرائع مبنية بالقول المجمل على ثلاثة أشياء: الإقرار بالباري﷿-، والعمل له والإخلاص في ذلك قال، قل لهم إنا قد تشاركنا في الإقرار بالله﷿- وفى العمل له ونحن قد حصل لنا الإخلاص [في ذلك] من دونكم\" (٦).\nقال المراغي: \" المحاجة: المجادلة بدعوى الحق لدى كل من المتخاصمين مع إقامة الحجة على ذلك، في الله: أي في دينه\" (٧).\nوقد اختلف أهل التفسير في تلك المحاجة وذكروا وجوها (٨):\nأحدها: أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى: أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا.\nقال صاحب الكشاف: \"أتجادلوننا في شأن اللَّه واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون: لو أنزل اللَّه على أحد لأنزل علينا\" (٩).\nوقال: النسفي: أي \"أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا\" (١٠).\nوثانيها: قولهم: نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان.\nوثالثها: قولهم؛ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، عن الحسن.\nورابعها: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾ أي: أتحاجوننا في دين الله.\nقال ابن كثير: أي \"أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره\" (١١).\nخامسها: وقيل: لتقدم آبائنا وكتبنا (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٢٢.\n(٢) تفسير الطبري (٢١٢٩): ص ٣/ ١٢١.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣١٦): ص ١/ ٢٤٥.تفسير الطبري (٢١٣١): ص ٣/ ١٢١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٠): ص ٣/ ١٢١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٥.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٧.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨١.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٧.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥١.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥.","vol":"3","page":303},{"text":"وقوله تعالى ﴿فِى اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: \"في دينه والقرب منه والحظوة له\" (١).\nقال ابن عرفة: \" سماها حجة مجازا، وإنما هي شبهة وليست حجة بوجه\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَتُحَآجُّونَنَا﴾ [البقرة: ١٣٩]، وجهان من القراءة:\nأحدهما: ﴿أَتُحَآجُّونَنَا﴾، وهي قراءة الجماعة، فجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين، لأن الثاني كالمنفصل.\nوالثاني: ﴿أَتُحَآجُّونَّا﴾ بإدغام النون (٣)، لاجتماع المثلين. قرأ بها زيد بن ثابت.\nقال الزجاج: \"وهذا وجه جيد\" (٤).\nقال النحاس: \"وهذا جائز إلا أنه مخالف للسواد\" (٥).\nويجوز (أتحاجونا) بحذف (النون) الثانية، كما قرأ نافع ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] (٦)، قال الشاعر (٧):\nتراه كالثغام يعل مسكا ... يسوء الغانيات إذا فليني\nيريد فلينني.\nقال الزجاج: \" ورأيت مذهب المازني وغيره رد هذه القراءة، وكذلك ردوا ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، والأقدام على رد هذه القراءة غلط، لأن نافعا ﵀ قرأ بها، وأخبرني إسماعيل بن إسحاق أن نافعا ﵀ لم يقرأ بحرف إلا وأقل ما قرأ به إثنان من قراء المدينة، وله وجه في العربية فلا ينبغي أن يرد، ولكن (الفتح) في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] أقوى في العربية\" (٨).\nوفي مسألة المحاجة كانت مع من؟ ذكر المفسرون وجوها (٩):\nأحدها: أنه خطاب لليهود والنصارى. قاله مقاتل (١٠)، والثعلبي (١١)، والبيضاوي (١٢)، وابن عطية (١٣) وغيرهما.\nوثانيها: أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، والعرب كانوا مقرين بالخالق.\nوثالثها: أنه خطاب مع الكل.\nوالقول الأول أشبه بالصواب وأليق بنظم الآية. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: \" والله ربنا وربكم وهو الخالق وجميعنا خلقه\" (١٤).\nقال البيضاوي: أي: \" لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء من عباده\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥.\n(٢) تفسير ابن عرفة: ١/ ٤٣٣.\n(٣) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ١٩٦.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢١٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٧) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢١٧.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨١.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٣.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(١٢) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٩.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٨.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/! ٠٩.","vol":"3","page":304},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: وهو تعالى المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له\" (١).\nقال ابن عطية: أي: \" والرب تعالى واحد \" (٢).\nقال البغوي: \" أي نحن وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم\" (٣).\nقال النسفي: أي: فنشرك جميعًا في أننا عباده، وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده (٤).\nقال الصابوني: \" أي ربُّ الجميع على السواء وكلُّنا عبيدة\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي أتجادلوننا والحالُ أنه لا وجه للمجادلة أصلًا، لأنه تعالى ربُنا أي مالكُ أمرنا وأمرِكم\" (٦).\nقال الآلوسي: \"أي وهو: \" تعالى مالك أمرنا وأمركم\" (٧).\nقال القاسمي: أي: \" ونحن وأنتم في العبودية له سواء\" (٨).\nقال أبو حيان: \" المعنى: أنه مع اعترافنا كلنا أنا مربوبون لرب واحد، فلا يناسب الجدال فيما شاء من أفعاله، وما خص به بعض مربوباته من الشرف والزلفى، لأنه متصرف في كلهم تصرف المالك\" (٩).\nوذكروا أن في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩]، وجهان (١٠):\nالأول: أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له.\nالثاني: أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية، ولستم كذلك، وهو المراد بقوله: ﴿ونحن له﴾ وهذا التأويل أقرب.\nقوله تعالى: ﴿وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩]، \"أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم لا يتحمل أحد وزر غيره\" (١١).\nقال أبو السعود: أي ﴿ولنا أعمالنا﴾ الحسنةُ الموافقةُ لأمره، ﴿وَلَكُمْ أعمالكم﴾ السيئةُ المخالفة لحُكمه\" (١٢).\nقال ابن عطية: أي: \"وكل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين؟ \" (١٣).\nقال النسفي: \"يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالًا فلنا كذلك\" (١٤)، فإذا كان: \"كل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥١.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ١٧٥.\n(٤) انظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٩.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٣٩٦.\n(٨) محاسن التأويل: ١/ ٤١٠.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٣٥٨.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨١.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٨.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٩.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥.","vol":"3","page":305},{"text":"قال ابن عثيمين: \" أي أننا لا نسأل عنكم، ولا تُسألون عنا؛ كل له عمله؛ وسيجازيه الله به يوم القيامة\" (١).\nقال القاسمي: \" أي نحن برءاء منكم ومما تعبدون، وأنتم برءاء منا. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآية\" (٢).\nقال البيضاوي: \" فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحامًا وتبكيتًا، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص. وكما أن لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله في إعطائها، فلنا أيضًا أعمال\" (٣).\nقال الزجاج: \"ثم أعلموهم أنهم مخلصون، وإخلاصهم إيمانهم بأن الله ﷿ واحد، وتصديقهم جميع رسله، فاعلموا أنهم مخلصون، دون من خالفهم\" (٤).\nوقال الرازي: \" فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه: قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خاليا عن الأغراض الدنيوية، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب ألبتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: ونحن \"مخلصون لله الدينَ، لا نشرك به شيئًا\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" موحدون، نخصه بالإيمان والطاعة دونكم\" (٧).\nقال الطبري: \" إذ عبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا، وأولى بالله منا؟ \" (٨).\nقال ابن عطية: \" أي ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم؟ \" (٩).\nقال أبو السعود: أي مخلصون له\" في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهَه، فأنّى لكم المُحاجّةُ وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمعِ في دخول الجنة بسببه ودعوةِ الناس إليه\" (١٠).\nقال القاسمي: أي\" لا نشرك به شيئا، وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان\" (١١).\nقال النسفي: \"والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره (١٢)،\nقال القرطبي: \"وفيه معنى التوبيخ، أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٩.\n(٢) محاسن التأويل: ١/ ٤١٠.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/! ٠٩.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٧.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٩.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ١٢٢.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٦.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ١٦٩.\n(١١) محاسن التأويل: ١/ ٤١٠.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٦.","vol":"3","page":306},{"text":"قال البقاعي: \" ونحن أحسن أعمالًا منكم لأنا دونكم (له) وحده (مخلصون) لا نشرك به شيئًا وأنتم تشركون به عزيرًا والمسيح والأحبار والرهبان، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه، فلزم قطعًا أنا أخص به منكم\" (١).\nقال صاحب الكشاف: \" ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فجاء بما هو سبب الكرامة، أى ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة، وكانوا يقولون: نحن أحق بأن تكون النبوة فينا، لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان\" (٢).\nقال الثعلبي: \" وهذه الآية منسوخة بآية السّيف\" (٣).\nقال القرطبي: \" والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين\" (٤).\nوقيل: أن\" الإخلاص: عزل النفس جملة، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل\" (٥).\nوالإخلاص في اللغة: خَلَص يخلص خلوصًا: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها، ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصًا: أي نجّاه. والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء (٦).\nوحقيقة الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعْمَرَ من ظاهره.\nوقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٧).\nولهذا قال القاضي عياض: \"تَرْك العمل من أجل الناس رياءٌ، والعملُ من أجل الناس شركٌ، والإخلاصُ أن يعافيَكَ الله منهما\" (٨).\nوالإخلاص: في حياة المسلم أن يَقصد بعمله، وقوله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه الله تعالى وحده لا شريك له ولا رب سواه.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾.\n٢ - ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾؛ فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.\n٣ - ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا﴾ أي فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.\n٤ - ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة في العمل؛ لهذا قال النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٩)؛ وهنا قال تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾: فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.\n_________\n(١) تفسير البقاعي: ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٦\n(٥) تفسير البقاعي: ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٦) المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٩، ومختار الصحاح، ص ٧٧.\n(٧) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩١.\n(٨) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩١.\n(٩) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠، حديث رقم ٥١١٤، وأخرجه أبو داود ص ١٥١٨، كتاب اللباس، باب ٤: في لبس الشهرة، حديث رقم ٤٠٣١، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنفن كتاب السير، باب ٧٩: ما قالوا فيما ذكر من الرماح واتخاذها، حديث رقم ٣٣٠٠٦، قال الحافظ في الفتح ١٠/ ٢٧١: أخرجه أبو داود بسند حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٢/ ٥٠٤، وقال في الإرواء: صحيح ٥/ ١٠٩، حديث رقم ١٢٦٩.","vol":"3","page":307},{"text":"٥ - ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿ونحن له مخلصون﴾.\nالقرآن\n﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠]\nالتفسير:\nبل أتقولون مجادلين في الله: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط- وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- كانوا على دين اليهود أو النصارى؟ وهذا كذب؛ فقد بُعِثوا وماتوا قبل نزول التوراة والإنجيل. قل لهم -أيها الرسول-: أأنتم أعلم بدينهم أم الله تعالى؟ وقد أخبر في القرآن بأنهم كانوا حنفاء مسلمين، ولا أحد أظلم منكم حين تخفون شهادة ثابتة عندكم من الله تعالى، وتدَّعون خلافها افتراء على الله. وما الله بغافل عن شيء من أعمالكم، بل هو مُحْصٍ لها ومجازيكم عليها.\nقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٤٠]، أي\" أم تقولون إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها إنما كان بأن هؤلاء الأنبياء كانوا عليها\" (١).\nقال البيضاوي: \"يعني: \"أيّ الأمرين تأتون المحاجة، أو ادعاء اليهودية، أو النصرانية على الأنبياء\" (٢).\nقال الزجاج: \" كأنهم قالوا لهم: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا؟\nأبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون\" (٣).\nقال الزمخشري: المعنى: \" أىّ الأمرين تأتون: ألمحاجة في حكمة اللَّه أم ادّعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ \" (٤).\nقال ابن كثير: أنكر تعالى عليهم، في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية\" (٥).\nقال ابن عثيمين: أي: \" بل أتقولون أن إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاط كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية، وهذا من سفه هؤلاء اليهود الذين يدعون ذلك؛ لأن أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد هؤلاء؛ فكيف يكون هؤلاء هودًا، أو نصارى؟ ! ! ! \" (٦).\nولا يخفى بأن هذه دعوى كاذبة؛ فليس هؤلاء هودًا، ولا نصارى؛ بل إن الله ﷾ قال موبخًا لهؤلاء مبينًا ضلالهم ــ الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهوديًا، أو نصرانيًا ﴿ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون﴾ [آل عمران: ٦٥]؛ فكيف كون يهوديًا أو نصرانيًا وكتاب اليهود والنصارى لم ينزل إلا من بعد إبراهيم؟ ! ! ! (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠]، قراءتان (٨):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٩.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢١٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٩٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١ - ١٠١. [بتصرف بسيط].\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠١.\n(٨) انظر: السبعة في القراءات: ١٧١، والحجة: ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٧، وتفسير الطبري: ٣/ ١٢٢ - ١٢٣، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٨١، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٤٦ - ١٤٧.","vol":"3","page":308},{"text":"إحداهما: قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاء على المخاطبة، كأنه قال: أتحاجوننا أم تقولون.\nقال القرطبي: \" وهي قراءة حسنة، لأن الكلام متسق، كأن المعنى: أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم، فهي (أم) المتصلة\" (١)، ويحتمل أن تكون (أم) المنقطعة بمعنى: بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضا.\nالثاني: وقراءة الباقين: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى، وعلى هذا الوجه تكون (أم) منقطعة، لانقطاع معناه بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: أتقولون إن الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هودا أو نصارى.\nوالراجح من القراءة (أم تقولون) بالتاء، وذلك لأنه اليق بالسياق (٢)، والقراءة بالياء قراءة شاذة عن عامة القراء. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: (وإسماعيل): هو أكبر أولاد إبراهيم؛ وهو الذي أمر الله أباه أن يذبحه؛ والقصة مبسوطة في سورة الصافات.\nقوله تعالى: (وإسحاق): هو أخو إسماعيل؛ وهو الولد الثاني لإبراهيم -﵇-؛ (ويعقوب): هو ابن إسحاق؛ وهو الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل؛ (والأسباط) سبق الكلام على بيانهم.\nقوله تعالى: (كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) يعني كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية؛ وهذا من سفه هؤلاء اليهود الذين يدعون ذلك؛ لأن أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد هؤلاء؛ فكيف يكون هؤلاء هودًا، أو نصارى؟ ! ! !\nولا إشكال بأن هذه الآية أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيّه ﷺ على اليهود والنصارى، الذين ذكر الله قَصَصهم. يقول الله لنبيه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد - لهؤلاء اليهود والنصارى -: أتحاجُّوننا في الله، وتزعمون أن دينكم أفضلُ من ديننا، وأنكم على هدى ونحنُ على ضَلالة، ببرهان من الله تعالى ذكره، فتدعوننا إلى دينكم؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه، أم تقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط كانوا هودًا أو نَصَارَى على دينكم؟ فهاتُوا - على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك - برهانًا فنصدِّقكم، فإن الله قد جَعلهم أئمة يقتدى بهم (٣).\nقال الرازي: إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه (٤):\nأحدها: لأن محمدا ﷺ ثبتت نبوته بسائر المعجزات، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه.\nوثانيها: شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية.\nوثالثها: أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم.\nورابعها: أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، أي: \" أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأديان، أم الله؟ \" (٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٦.\n(٢) يقول الطبري: \" (أم تقولون) بالتاء دون الياء عطفًا على قوله: \" قل أتحاجُّوننا \"، بمعنى: أيّ هذين الأمرين تفعلون؟ أتجادلوننا في دين الله، فتزعمون أنكم أولى منا وأهدى منا سبيلا - وأمرنا وأمركم ما وصفنا، على ما قد بيناه آنفًا - أمْ تزعمون أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ، ومن سَمَّى الله، كانوا هُودًا أو نصارَى على ملتكم، فيصحّ للناس بَهتكم وكذبكم، لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سماهم الله من أنبيائه\". (تفسير الطبري: ٣/ ١٢٣).\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٢٣.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨١.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٢٤.","vol":"3","page":309},{"text":"قال القرطبي: \"وهو تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى، فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي لم يكونوا هودا ولا نصارى\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" ومن المعلوم أنه لا أحد أعلم من الله ﷿؛ ولكن الله ﷾ قال ذلك إلزامًا للخصم حتى يتبين بطلان ما ادعاه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]؛ ومن المعلوم أن الله خير مما يشركون؛ لكن من أجل إفحام الخصم، وإلزامه بما هو ظاهر لا إشكال فيه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، \"يعني: لا أحد أظلم في كتمان الشهادة ممن كتم شهادة عنده من الله\" (٣).\nقال ابن عثيمين: أي: \" وأيُّ امرئ أظلم منهم؟ وقد كتموا شهادةً عندهم من الله بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكتموا ذلك، ونحلُوهم اليهوديةَ والنصرانية\" (٤).\nقال الزمخشري: \"وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللَّه لمحمد ﷺ بالنبوّة في كتبهم وسائر شهاداته\" (٥).\nقال الربيع: \"أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: أنّهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان\" (٦). وروي عن مجاهد (٧)، والحسن (٨)، نحو ذلك.\nوقال قتادة: \"أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، واتخذوا اليهودية والنصرانيةَ، وكتموا محمدًا ﷺ، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ثلاثة أوجه (١٠):\nأحدها: أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: ومن أظلم عند الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك: ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب، علمنا أنه ليس الأمر كذلك.\nوثانيها: ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى إن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله: ﴿من الله﴾ تتعلق بالكاتم على القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال: ومن أظلم ممن عنده شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها.\nوثالثها: أن يكون: (من) في قوله: (مِنَ اللَّهِ) صلة الشهادة والمعنى: ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك، أي شهادة سمعتها منك وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠١.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠١.\n(٥) الكشاف: ١/ ١٩٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٥): ص ٣/ ١٢٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٢)، (٢١٣٣): ص ٣/ ١٢٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٤): ص ٣/ ١٢٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٦)، (٢١٣٧): ص ٣/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٢.","vol":"3","page":310},{"text":"وذكر الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، معنيين (١):\nأحدهما: أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم، لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها.\nوالثاني: أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً﴾ [البقرة: ١٤٠]، على قولين (٢):\nأحدهما: يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام. قاله مجاهد (٣)، والربيع (٤) والحسن (٥).\nوالثاني: يريد: ما كتموه اليهود من أمر محمد ﷺ ونبوَّتَه، وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة (٦)، والربيع (٧)، وابن زيد (٨).\nوالقول الأول أشبه بسياق الآية، إذ جاء إثر سرد قصة أنبيائه لهم. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠]، يعني: \"أن الله ﷿ لا يغفل عما يعمل هؤلاء؛ بل هو جل وعلا عالم به، وسوف يحاسبهم عليه\" (٩).\nقال النسفي: \" من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي مطلع على أعمالهم ومجازيهم عليها وفيه وعيد شديد\" (١١).\nقال البيضاوي: \" وعيد لهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: والقول فيه تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه (١٣).\nقال أبو السعود: \" يدخُل فيها كتمانُهم لشهادته سبحانه وافتراؤهم على الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسلام دُخولًا أوليًا أي هو محيطٌ بجميعِ ما تأتونَ وما تذرونَ فيعاقبُكم بذلك أشد عقاب\" (١٤).\nوقرئ: ﴿عما يعملون﴾، على صيغة الغَيْبة، فالضميرُ إما لمن كَتَم باعتبار المعنى وإما لأهلِ الكتاب (١٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود، والنصارى أن إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، كانوا هودًا أو نصارى؛ فهذه الدعوى باطلة؛ بل وصفُ هؤلاء الإسلام؛ فإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط ليسوا هودًا، ولا نصارى؛ بل هم مسلمون لله ﷾.\n٢ - ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾.\n٣ - ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله، وصفاته الذين يقولون: «إن هذا جائز عقلًا على الله؛ فنقر به؛ وهذا يمتنع عقلًا على الله؛ فلا نقر به» كالمعتزلة، والأشاعرة، ونحوهم؛ نقول لهم كلهم في الجواب: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾: أأنتم أعلم بما يجوز على الله، ويمتنع عليه، ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه، ويجب له،\n_________\n(١) انظر: الكشاف: ١/ ١٩٧.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٥١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٢)، (٢١٣٣): ص ٣/ ١٢٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٥): ص ٣/ ١٢٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٤): ص ٣/ ١٢٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٦)، (٢١٣٧): ص ٣/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٦): ص ٣/ ١٢٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٣٩): ص ٣/ ١٢٧.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٢.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٨٩.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٢.\n(١٤) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٠.\n(١٥) اظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠، وتفسير أبي السعود: ١/ ١٧٠.","vol":"3","page":311},{"text":"ويجوز له؟ ! ! ! وهذه في الحقيقة حجة ملزمة مفحمة مقحمة لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: «يجب لله كذا؛ يمتنع عليه كذا»؛ نقول: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾.\n٤ - ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾؛ فإن العالم بشريعة الله عنده شهادة من الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ [آل عمران: ١٨]؛ فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله؛ ثم إن في هذا عظم إثمه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾.\n٥ - ومنها: كمال علم الله، ومراقبته لعباده؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.\n٦ - ومنها: ثبوت الصفات المنفية؛ وهي ما نفاه الله ﷾ عن نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ فإن هذه صفة منفية، وليست ثبوتية؛ والصفات المنفية متضمنة لإثبات كمال ضدها؛ فلكمال مراقبته، وعلمه ﷾ ليس بغافل عما نعمل.\n٧ - ومنها: تخويف الإنسان، وإنذاره من المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ فإياك والمخالفة؛ مثلما تهدد إنسانًا بشيء تقول: لست بغافل عنك.\n٨ - ومنها: إضافة العمل إلى العامل؛ ففيه رد على الجبرية الذين يقولون: «إن الإنسان مجبر على عمله»؛ لقوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾.\nالقرآن\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١]\nالتفسير:\nتلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم. وفي الآية قطع للتعلق بالمخلوقين، وعدم الاغترار بالانتساب إليهم، وأن العبرة بالإيمان بالله وعبادته وحده، واتباع رسله، وأن من كفر برسول منهم فقد كفر بسائر الرسل.\nوهذه الآية جاءت تأكيدا وقد تقدم تفسيرها (١)، وكررها، \"لقطع التعلق بالمخلوقين، وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المجرد للرجال\" (٢).\nقال الصابوني: \" كرّرها، لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إِذا كان أولئك الأنبياء على فضلهم وجلاله قدرهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى \" (٣).\nقال البيضاوي: \" تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم. قيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا تحذيرًا عن الاقتداء بهم. وقيل: المراد بالأمة في الأول الأنبياء، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٤١]، \"أي: إن جماعة الأنبياء قد مضت بالموت\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى\" (٦).\nقال الطبري: أي: \"مضت لسبيلها، فصارت إلى ربها، وخَلتْ بأعمالها وآمالها\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله: \" ﴿تلك﴾، يعني\" هذه\" (٨).\n_________\n(١) وقد سبق ان تناولنا معاني الآية في الآية رقم (١٣٤) من السورة.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٧٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٩.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٢٣٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٢٨.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٢٨٦): ص ١/ ٢٤٠.","vol":"3","page":312},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٤١]، يعني: إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، وأبو العالية (٣).\nقال البيضاوي: \" يعني إبراهيم ويعقوب وبينهما\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" المشار إليه إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبق؛ وكان اليهود يجادلون النبي ﷺ في هؤلاء؛ فبين الله تعالى أن هذه أمة قد مضت\" (٥).\nقال ابن كثير: \" ولهذا جاء، في الأثر: \"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" (٦) (٧).\nقال الطبري: \" وإنما قيل للذي قد مات فذهب: (قد خلا)، لتخليه من الدنيا وانفراده، عما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه، وأصله من قولهم: (خلا الرجل)، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه، وانفرد من الناس. فاستعمل ذلك في الذي يموت، على ذلك الوجه\" (٨).\nو(الأمة) في الأصل: \"المقصود، وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤١]، \" أي: لها ما كسبت من الأعمال، ولكم ما كسبتم منها\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: \" من الدين والعمل\" (١١).\nقال الطبري: أي: \"لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها، وعليها ما اكتسبت من شر، لا ينفعها غيرُ صالح أعمالها، ولا يضرها إلا سيِّئها\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي لها ثواب ما كسبت، ولكم ثواب ما كسبتم\" (١٣).\nقال سعيد: \" يعني ما عملت من خير أو شر\" (١٤).\nقال ابن كثير: \"أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم\" (١٥).\nقال البيضاوي: أي\" لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال ﵊: «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» (١٦) \" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٠): ص ٣/ ١٢٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢١٤١): ص ٣/ ١٢٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٨٧): ص ١/ ٢٤١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٠.\n(٦) رواه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه به، في حديث أوله: \"من نفَّس عن مؤمن كربة، لكن بلفظ: من بطأ، بدون ألف، وكذا هو بهذا اللفظ عند العسكري من حديث أبي عوانة وعبد اللَّه بن سيف، فرقهما، كلاهما عن الأعمش، ورواه القضاعي من حديث زائدة به بلفظ الترجمة، وعن محمد بن النضر الحارثي قال: من فاته حسب نفسه يعني الدين لم ينفعه حسب أبيه\".\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٠.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٢٣٠.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٢٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(١٤) اخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٨): ص ١/ ٢٤١.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨.\n(١٦) الحديث: \" غريب جدا، قال ابن حجر في الكافي (ص: ١٢): \"لم أجده\". وأخرج الطبراني حديثا بمعناه في معجمه الكببير: (٣٥٤): ص ١٨/ ١٦١، وبمعناه أيضا ماذكره الحكيم الترمذي في نواد الأصول (٢٦٥)، وانظر: نصوص أخرى بنحوها ذكرها السيوطي في الدر المنثور: ٥/ ٩٦.\n(١٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.","vol":"3","page":313},{"text":"قال النسفي: \" أي إن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١]، \" أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء\" (٢).\nأي \"لا تُسألون عن أعمال من سبقكم\" (٣).\nقال النسفي: أي: \" ولا تؤاخذون بسيئاتهم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم\" (٥).\nقال القرطبي: \"أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى\" (٦).\nقال الثعلبي: \" وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم (٨).\nقال الصابوني: \" أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء\" (٩).\nقال القاسمي: \" أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم\" (١٠).\nقال المراغي: أي: \"ولا يسأل أحد عن عمل غيره، بل يسأل عن عمل نفسه ويجازى به، فلا يضره ولا ينفعه سواه، وهذه قاعدة أقرتها الأديان جميعا وأيّدها العقل كما قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٣٩]، لكن غلبة الجهل جعلت الناس يعتمدون في طلب سعادة الآخرة، وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين، وساعدهم على ذلك رؤساء الأديان فأوّلوا لهم نصوص الدين اتباعا للهوى، ومن ثمّ جاء القرآن يقرّر ارتباط السعادة بالكسب والعمل، وينفى الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يقتد بهم في صالح أعمالهم، وقد حاجّ بذلك أهل الكتاب الذين يفتخرون بأسلافهم ويعتمدون على شفاعتهم وجاههم ليقطع أطماعهم في تلك الشفاعة. وعلينا معشر المسلمين أن نجعل نصب أعيننا ورائدنا في أعمالنا تلك القاعدة - الجزاء على العمل - ولا نغتر بشفاعة سلفنا الصالح، ونجعلها وسيلة لنا في النجاة إذا نحن قصّرنا في عملنا، فكل من السلف والخلف مجزىّ بعمله، ولا ينفع أحدا عمل غيره\" (١١).\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ٨٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٨٩.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.\n(١٠) محاسن التأويل: ١/ ٤١٢.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٣١.","vol":"3","page":314},{"text":"قال ابن عاشور: \" والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ تمهيد لقوله: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه، ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب\" (١)\nولما حاج الله تعالى اليهودَ في هؤلاء الأنبياء، فعقبه بهذه الآية لوجوه (٢):\nأحدها: ليكون وعظا لهم وزجرا حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله.\nوثانيها: أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد ﷺ من ملة إلى ملة أخرى.\nوثالثها: أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أم أخطأوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد، فإن قيل لم كررت الآية؟ قلنا فيه قولان، أحدهما: أنه عني بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه، والثانية أسلاف اليهود.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بطلان التقليد، لأن قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، كما أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئًا.\n٢ - ومنها: الترغيب في الإيمان، واتباع محمد ﵊، والتتحذير من مخالفته.\n٣ - - ومنها: أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم. وقال الله تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤].\n٤ - ومنها أن العبد مكتسب، وليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود.\n٥ - ومنها: أنه تعالى لا يؤاخذ أحدًا بما لم يعمله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.\nالقرآن\n﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]\nالتفسير:\nسيقول الجهال وضعاف العقول من اليهود وأمثالهم، في سخرية واعتراض: ما الذي صرف هؤلاء المسلمين عن قبلتهم التي كانوا يُصَلُّون إلى جهتها أول الإسلام؛ وهي \"بيت المقدس\" قل لهم -أيها الرسول-: المشرق والمغرب وما بينهما ملك لله، فليست جهة من الجهات خارجة عن ملكه، يهدي مَن يشاء من عباده إلى طريق الهداية القويم. وفي هذا إشعار بأن الشأن كله لله في امتثال أوامره، فحيثما وَجَّهَنا تَوَجَّهْنا.\nفي سبب نزول الآية: أخرج الواحدي عن عن البراء، قال: \"لما قدم رسول الله - ﷺ - فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله - ﷺ - يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ إلى آخر الآية، فقال السفهاء\n_________\n(١) تفسير ابن عاشور: ١/ ٧٣٥.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٨.","vol":"3","page":315},{"text":"من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قال الله تعالى: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ إلى آخر الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، \"أي سيقول ضعفاء العقول من الناس\" (٢).\nقال الطبري: يعني: سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود وأهل النفاق\" (٣).\nقال البيضاوي: \" يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين\" (٤).\nقال المراغي: \" أي سيقول الذين خفّت أحلامهم، وامتهنوا عقولهم بالتقليد والإعراض عن النظر، والتأمل من المنكرين تغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين على جهة الإنكار والتعجب\" (٥).\nوفي والمراد بـ ﴿السفهاء﴾ [البقرة: ١٤٢]، هَا هُنَا ستة أقوال:\nأحدها: أنهم اليهود، وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والبراء (٨)، والحسن (٩).\nقال الزمخشري: وذلك\" لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ\" (١٠).\nومن جهة أخرى أنهم كانوا يأنسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه، واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فقالوا: ما حكى الله عنهم في هذه الآية (١١).\nوالثاني: المنافقون، وهو قول السدي (١٢).\nقال الزمخشري: \" لحرصهم على الطعن والاستهزاء\" (١٣).\nوالثالث: كفار قريش. حكاه الزجاج (١٤)، وقاله الحسن، والأصم (١٥).\nإذ أنهم: \"قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، واللَّه ليرجعن إلى دينهم\" (١٦).\nالرابع: أنهم اليهود ومشركو مكة، قاله البغوي (١٧)، والواحدي (١٨).\nالخامس: أنهم اليهود وأهل النفاق، قاله الطبري (١٩)، والسمرقندي (٢٠)، وعزاه ابن عطية للسدي (٢١).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٤٢. والحديث أخرجه البخاري (فتح الباري: ١/ ٩٥ - ح: ٤٠، ١/ ٥٠٢ - ح: ٣٩٩) ومسلم (١/ ٣٧٤ - ح: ٥٢٥) والإمام أحمد (الفتح الرباني: ٣/ ١١٥ - ح: ٤٢١)، وابن أبي حاتم (١٣٢٧): ص ١/ ٢٤٨، والترمذي (٥/ ٢٠٧ - ح: ٢٩٦٢) وابن ماجه (١/ ٣٢٢ - ح: ١٠١٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٧) عن البراء مختصرا. وله شواهد، منها:\n١ - ما أخرجه ابن جرير (٢١٦٠): ص ٣/ ١٣٨، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ مثله، وسنده صحيح.\n٢ - ما أخرجه ابن جرير أيضا (٢١٤٩): ص ٣/ ١٣٢، من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ﵄ نحوه، وسنده حسن.\n٣ - ما أخرجه ابن أبي حاتم أيضا (١٣٢٩): ص ١/ ٢٤٨، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ مثله، وسنده ضعيف.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ١٢٩.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٧): ص ٣/ ١٣٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٢)، و(٢١٤٣): ص ٣/ ١٣٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٤)، و(٢١٤٥)، و(٢١٤٦): ص ٣/ ١٣٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٢٣): ص ١/ ٢٤٧.\n(١٠) الكشاف: ١/ ١٩٨.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤، وتفسير الطبري: ٣/ ١٣٩ - ١٤٠، وزاد المسير: ١/ ١٥٣، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١٩٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٨): ص ٣/ ١٣٠، وابن أبي حاتم (١٣٢٤): ص ١/ ٢٤٧.\n(١٣) الكشاف: ١/ ١٩٨.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٨.\n(١٥) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٧٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٥٣.\n(١٦) الكشاف: ١/ ١٩٨.\n(١٧) انظر: تفسير البغوي: ١/ ١٥٨.\n(١٨) انظر: الوجيز: ١/ ١٣٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٢٩.\n(٢٠) انظر: بحر العلوم: ١/ ١٦٣.\n(٢١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٨.","vol":"3","page":316},{"text":"إذ \"قالها بعض اليهود والمنافقون استهزاء، وذلك أنهم قالوا: اشتاق الرجل إلى وطنه\" (١).\nالسادس: أن المراد بالسفهاء: الكفار وأهل النفاق واليهود، والآية عامة في هؤلاء كلهم، يدل عليه وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] فوجب أن يتناول الكل. وهذا قول ابن كثير (٢)، والبيضاوي (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، وجماعة من أهل التفسير (٥).\nقال الرازي: \" الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك، لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا البتة\" (٦).\nمع أن هذه الأقوال لا تعارض بينها لاحتمال أن يكون كل صاحب قول ذكر ذلك من باب التفسير بالجزء والمثال أو على سبيل بيان الطائفة التي نزلت فيهم الآية (٧)، إلا أن أظهر هذه الأقوال هو القول الأخير، لأن جمع السفهاء محلى بأل وهو يفيد العموم فيدخل فيه الكل. والله أعلم.\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: أى فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أنّ مفاجأة المكروه أشدّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، \" أي ما صرفهم وحوّلهم عن القبلة التي كانوا يصلون إِليها وهي بيت المقدس\" (٩).\nقال الطبري: \" أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء، فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟ \" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ \" (١١).\nقال المراغي: يعني: \" أىّ شاء جرى لهؤلاء المسلمين، فصرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهى قبلة النبيين والمرسلين من قبلهم؟ \" (١٢).\nقال الزجاج: \" ما عدلهم عنها يعني قبلة بيت المقدس،\nلأن النبي - ﷺ - كان أمر بالصلاة إلى بيت المقدس، لأن مكة وبيت الله الحرام كانت العرب آلفة\nلحجه، فأحب الله - ﷿ - أن يمتحن القوم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول - ﷺ - ممن لا يتبعه، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فامتحن الله ببيت المقدس فيما روى لهذه العلة، والله أعلم\" (١٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٨. حكاه عن السدي.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٢\n(٣) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٤) الفتح: ٨/ ٢١.\n(٥) منهم الرازي في مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٩ - ٨٠ وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ١٧١، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٢، وغيرهم.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(٧) انظر: روح المعاني للألوسي: ٢/ ٢.\n(٨) الكشاف: ١/ ١٩٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ١٣١.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٤.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ٥.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٢١٨.","vol":"3","page":317},{"text":"قال البيضاوي: \" والقبلة: في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفًا للمكان المتوجه نحوه للصلاة\" (١).\nوالقبلة: \"هي الجهة التي يُصلى نحوها، ولا تصح الصلاة إلا بالاتجاه إليها، والقبلة من شعائر الإسلام، ومما يتميز به المسلمون وحدة قبلتهم، وسميت القبلة قبلة: لأن المصلى يقابلها وتقابله، وقيل لإقبال الناس عليها\" (٢).\nقال الرازي: \"يقال ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وقوله: ﴿ما ولاهم﴾ استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب\" (٣).\nقال الشيخ السعدي: \" ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقد كان في قوله (السفهاء) ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به\" (٤).\nوقد ذكر العلماء في هذا (التولي) وجهان (٥):\nالوجه الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: (ما ولاهم) للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس.\nواختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس بعد الهجرة، على أقوال (٦):\nأحدها: تسعة أشهر أو عشرة أشهر. وهذا قول أنس بن مالك ﵁ (٧).\nالثاني: ثلاثة عشر شهرا. قاله معاذ (٨).\nالثالث: ستة عشر شهرا. قاله سعيد بن المسيب (٩).\nالرابع: سبعة عشر شهرا. قاله ابن عباس (١٠)، والبراء بن عازب (١١).\nقال الواقدي: \"صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا\" (١٢).\nالخامس: سنتان. حكاه الرازي (١٣).\nقال الرازي: \"وقول ابن عباس أثبت عندنا من سائر الأقوال\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٢) عون المعبود ١/ ١٤.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٧١.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥. وتفسير الطبري: ٣/ ١٣٢ - ١٣٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٥): ص ٣/ ١٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٦): ص ٣/ ١٣٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٧) ص: ٣/ ١٣٧، و(٢١٥٤) ص: ٣/ ١٣٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٩) ص: ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٠)، و(٢١٥١)، و(٢١٥٢)، و(٢١٥٣) ص: ٣/ ١٣ - ١٣٤.\n(١٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(١٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.","vol":"3","page":318},{"text":"قلت: المشهور أن هذا التحويل قد تم في ليلة للنصف من شعبان للسنة الثانية من الهجرة، وهذا القول خلاف ما قال به الجمهور. والله أعلم.\nالوجه الثاني: قول أبي مسلم، وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله ﷺ متوجها نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرا، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين، فقال الله تعالى رادا عليهم؛ ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ (١).\nقال الرازي: \" واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم\" (٢).\nوقد اختلف العلماء في السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة، وفيه قولان (٣):\nأحدهما: أن ذلك كان باختيار من النبي ﷺ. قاله عكرمة (٤)، والحسن البصري (٥)، والربيع (٦).\nالثاني: أنه كان بفرض الله عز ذكره عليهم. وهو قول ابن عباس (٧)، وابن جريج (٨).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي: قل لهم يا محمد \" لله وحده المشرق، والمغرب\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \" ملكا، والخلق عبيده يحولهم كيف شاء\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله\" (١١).\nقال الزمخشري: \" أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها\" (١٢).\nقال الواحدي: \" أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء\" (١٣).\nقال البيضاوي: أي: \" لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان\" (١٤).\nقال أبو السعود: \" أي لله تعالى ناحيتا الأرضِ أي الجهاتُ كلها ملكا وملكا وتصرفًا فلا اختصاصَ لناحيةٍ منها لذاتها بكونها قبلةً بدون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئتِه\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: (٢١٥٨): ص ٣/ ١٣٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: (٢١٥٨): ص ٣/ ١٣٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: (٢١٥٩): ص ٣/ ١٣٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: (٢١٦٠): ص ٣/ ١٣٨ - ١٣٩،\n(٨) انظر: تفسير الطبري: (٢١٦١): ص ٣/ ١٣٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٦.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٤.\n(١٢) الكشاف: ١/ ١٩٨.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٣٦٨.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(١٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧١.","vol":"3","page":319},{"text":"قال الطبراني: \" أي مَن كان مَالِكَ المشرقِ والمغرب لا يُعْتَرَضُ عليهِ في جميع ما يأمرُ، ويجوز أن يكونَ معناهُ: أنَّ الله خالقُ الأماكنِ كلِّها، فليسَ بعضُ ما خَلَقَ أولَى أن يُجعل قبلةً في العقلِ من بعضٍ، فوجبَ الانتهاءُ إلى أمرِ الله باستقبالِ ما شاءَ اللهُ\" (١).\nقال الزجاج: \" معناه حيث أمر الله أن يصلى ويتعبد، فهو له، وعالم به، وهو فيه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وكما قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] \" (٢).\nقال المراغي: \" أي أجبهم: بأن الجهات كلها لله، فليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في جوهرها، وليس فيها من المنافع ما لا يوجد في غيرها، وكذلك الكعبة والبيت الحرام، وإنما يجعل الله تعالى للناس قبلة، لتكون جامعة لهم فى عبادتهم، لكن سفهاء الأحلام يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هى الصخرة المعيّنة أو البناء المعين\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" وخص المشرق، والمغرب؛ لأن منهما تطلع الشمس، وتغرب\" (٤).\nقال الشيخ السعدي: \" فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره، بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم، وهدايته وإحسانه، أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم، معترض على فضل الله، حسدا لكم وبغيا\" (٥).\nوتجدر الإشارة بأن مسألة تعيين القبلة، ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون: لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبراني: ١/ ٩٥.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ٥.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٦.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٧١.\n(٦) واحتجوا عليه بوجوه:\nأحدها: أن كل من فعل فعلا لغرض، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده، وإما أن لا يكون كذلك، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان، فإن كان الأول، كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره، وذلك على الله محال، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضا ومقصودا ومرجحا فإن قيل: إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا: عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء، أو ليس الأمر كذلك، وحينئذ يعود التقسيم.\nوثانيها: أن كل من فعل فعلا لغرض فإما أن يكون قادرا على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة، أو لا يكون قادرا عليه. فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثا، وإن كان الثاني كان عجزا وهو على الله محال.\nوثالثها: أنه تعالى إن فعل فعلا لغرض فذلك الغرض وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، وإن كان محدثا توقف إحداثه على غرض آخر، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال.\nورابعها: أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في\nذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توفيق فاعلية الله على الحكمة والغرض.\nوخامسها: ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته، وذلك يبطل القول بالغرض، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد.\nوسادسها: أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في الأزل، إما أن يكون جائزا أو وجبا، فإن كان جائزا افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم، وإن كان واجبا فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعالي الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكا للمشرق والمغرب، والملك يرجع حاصله إلى القدرة ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا.\nأما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكما وأغراضا، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا، وتارة مستورة خفية عنا، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا، وإذا كان الأمر كذلك: استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام. (انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٦).","vol":"3","page":320},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي\" والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه\" (١).\nقال الطبراني: أي: \"إلى طريقٍ قَوِيْمٍ؛ وهو الإسلامُ وقِبلة الكعبةِ\" (٢).\nقال أبو العالية: \" يهديهم إلى المخرج من الشبهات والضلالات والفتنة\" (٣).\nقال الزمخشري: يعني من يهدي من يشاء\" من أهلها إِلى ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة\" (٤).\nقال النسفي: \" أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطورًا إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي: يدِلّ، ويوفق من يشاء، ولكن كل شيء قيد بمشيئة الله فهو مقرون بالحكمة: يهدي من يشاء ممن هو أهل للهداية؛ و(المشيئة) هي الإرادة الكونية: فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن\" (٦).\nقال السعدي: \" والمطلق يحمل على المقيد، فإن الهداية والضلال، لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية\" (٧).\nقال القاسمي: \" فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: ٢٦] \" (٨).\nو﴿الصراط﴾: \"الطريق الواسع الذي يسهل سلوكه؛ والمراد به هنا شريعة الله التي شرعها لعباده\" (٩).\nوقال الطبري في تفسير ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: \"أي الطريق القويم ويعني بذلك إلى \"قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: علم الله تعالى بما سيكون؛ لقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء﴾.\n٢ - ومنها: تحقق وقوع خبر الله ﷿؛ لأنهم قالوا ذلك.\n٣ - ومنها: من اعترض على حكم الله فهو سفيه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٦.\n(٢) تفسير الطبراني: ١/ ٩٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٣٠): ص ١/ ٢٤٨.\n(٤) الكشاف: ١/ ١٩٨.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٦.\n(٧) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٧١.\n(٨) محاسن التأويل: ١/ ٤١٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"3","page":321},{"text":"٤ - ومنها: تسلية النبي ﷺ، وأصحابه، حيث أخبر الله تعالى أنه لا يعترض عليه في ذلك إلا سفيه.\n٥ - ومنها: إعلام المرء بما يتوقع أن يكون ليستعد له؛ ومن ذلك أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: \"إنك تأتي قومًا أهل كتاب\"؛ ليكون مستعدًا (١).\n٦ - ومنها: جواز تعليل الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة؛ إذا قال أحد: لماذا كذا؟ قلت: الله ربك يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد؛ «لماذا أحل كذا، وحرم كذا؟» تقول: لأنه ربك؛ «لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب؛ من المغرب إلى المشرق؛ من بيت المقدس إلى الكعبة؟» قلت: لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله: [لله المشرق والمغرب].\n٧ - من فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته، ويلزمه؛ لقوله تعالى: ﴿عن قبلتهم﴾؛ لم يقولوا: عن القبلة؛ كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك فما الذي صرفكم عنه؟ ! ! وهكذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وكأنهم قالوا: بالأمس تختارونها، واليوم تنكرونها، وتنبذونها؛ فالخصم دائمًا يُهيج خصمه بما يثير نعرته؛ ليوافقه فيما ذهب إليه.\n٨ - من فوائد الآية: عموم ملك الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿لله المشرق والمغرب﴾؛ فهو المالك ﷾ للجهات يُصرِّف إليها العباد كيف يشاء؛ ونحن ليس علينا إلا السمع، والطاعة؛ أينما وجهنا توجهنا؛ هذا المهم؛ لا أن تتجه إلى كذا، أو إلى كذا؛ فالسجود لغير الله شرك؛ وكان بالنسبة للملائكة حين أمرهم الله بالسجود لآدم طاعة، وعبادة؛ وقتل النفس بغير حق - ولا سيما قتل الولد - من أكبر الكبائر؛ وحين أمر الله تعالى إبراهيم أن يذبح ابنه كان قربة، وعبادة؛ فالاعتبار بطاعة الله ﷾.\n٩ - من فوائد الآية: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾.\nفإن قال قائل: هل في ذلك حجة للجبرية في قولهم: إن العبد مجبر على عمله؟\nفالجواب: أنه لا حجة لهم في ذلك؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به؛ فالقرآن من متكلم واحد؛ فمطلقه في موضع يقيد في موضع آخر؛ بل إن سنة الرسول ﷺ تقيد القرآن، وتبينه، وتخصصه؛ فإذًا لا دليل في هذه الآية للجبرية إلا من نظر بعين أعور؛ لأن الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة؛ لكن من جانب العين العوراء لا يرى؛ والواجب أن ينظر الإنسان إلى النصوص بعينين ثاقبتين؛ وليس بعين واحدة؛ وقد دلت النصوص من الكتاب، والسنة على أن الإنسان له إرادة، واختيار، وقدرة، وأضافت أعماله إليه؛ وحينئذ لا يمكن أن يكون مجبرًا.\n١٠ - من فوائد الآية: أن الهداية بيد الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾، ومنها: أنْ هدَى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول ﷺ.\n١١ - ومنها: الثناء على هذه الأمة؛ لأنها التي على صراط مستقيم؛ لأن أول من يدخل في قوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ هؤلاء الذين تولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة.\n١٢ - ومنها: أن معارضة الشرع كما أنه سفه، فهو أيضًا ضلال؛ لأن الشرع هو الصراط المستقيم - وهو الهداية؛ وما سواه ضلال، واعوجاج.\n١٣ - ومنها: فضيلة هذه الأمة، حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع الناس.\nالقرآن\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦٣: أخذ الصدقة من الأغنياء ...، حديث رقم ١٤٩٦؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨٤، كتاب الإيمان، باب ٧: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم ١٢١ [٢٩] ١٩. قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: \"فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة\".","vol":"3","page":322},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]\nالتفسير:\nوكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين، جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم، ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلَّغكم رسالة ربه. وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة \"بيت المقدس\" التي كنت عليها، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة بـ \"مكة\"، إلا ليظهر ما علمناه في الأزل؛ علما يتعلق به الثواب والعقاب لنميز مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت، ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه. وإن هذه الحال التي هي تحول المسلم في صلاته من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة لثقيلة شاقة إلا على الذين هداهم ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى وما كان الله ليضيع إيمانكم به واتباعكم لرسوله، ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة. إنه ﷾ بالناس لرءوف رحيم.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال الواحدي: \" قال ابن عباس في رواية الكلبي: كان رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ - قد ماتوا على القبلة الأولى، منهم أسعد بن زرارة وأبو أمامة أحد بني النجار، والبراء بن معرور أحد بني سلمة، وأناس آخرون، جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ الآية. ثم قال: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ وذلك أن النبي - ﷺ - قال لجبريل ﵇: \"وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها\" وكان يريد الكعبة، لأنها قبلة إبراهيم، فقال له جبريل: \"إنما أنا عبد مثلك لا أملك\nشيئا فسل ربك أن يحولك عنها إلى قبلة إبراهيم\" ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله - ﷺ - يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (١).\nالثاني: أخرج الواحدي عن البراء قال: \"صلينا مع رسول الله - ﷺ - بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم علم الله - ﷿ - هوى نبيه - ﷺ - فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ الآية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، \" أي كما هديناكم إِلى الإِسلام كذلك جعلناكم يا معشر المؤمنين أمة عدولًا خيارا\" (٣).\nقل ابن عثيمين: \"أي: مثلَ هذا الجعل الذي جعلنا لكم وهو اتجاهكم إلى القبلة جعلناكم أمة وسطًا\" (٤).\nقال الطبري: \" كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا\" (٥).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٤٢ - ٤٣.\n(٢) أسباب النزول: ٤٣، هي ذات الرواية السابقة التي مضى تخريجها في سبب نزول الآية (١١٥) من سورة البقرة، إلا أنها بلفظ آخر، ويشهد لها:\n١ - ما أخرجه مسلم (١/ ٣٧٥ - ح: ٥٢٧) وأبو داود (١/ ٦٣٣ - ح: ١٠٤٥) عن أنس بن مالك نحوه.\n٢ - ما أخرجه الطبري (٢١٦٠): ص ٣/ ١٣٨ - ١٣٩، وابن أبي حاتم (١٣٢٩): ص ١/ ٢٤٨، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ نحوه.\n٣ - ما أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٨): ص ١/ ٢٤٨، عن البراء نحوه وإسناده صحيح. وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٤١.","vol":"3","page":323},{"text":"قال السعدي: \" أي: عدلا خيارا .. فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى\" (١).\nقال البيضاوي: \" أي خيارًا، أو عدولًا مزكين بالعلم والعمل. وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، مستويًا فيه الواحد والجمع\" (٢).\nقال النسفي: \" أي: كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطًا بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا\" (٣).\nويحتمل التشبيه في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وجهين من التفسير (٤):\nأحدهما: أن التشبيه في قوله: ﴿وَكذَلِكَ﴾، يرجع إلى ذكر الأنبياء الذين أنعم الله عليهم، وهم إبراهيم وأولاده، فلما ذكرهم وذكر النعمة عليهم بالكتاب المنزل، والحنيفية المستقيمة، قال: ﴿وَكذَلِكَ﴾ أي: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمةً وسطًا.\nالثاني: وقيل: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هديناكم وخصصناكم دونهم بالصراط المستقيم، وتحويل قبلتكم إلى قبلة إبراهيم، وكذلك أنعمنا عليكم نعمة أخرى فقال: إنا جعلناكم عدولًا.\nقال البيضاوي: \" ﴿وَكَذلِكَ، إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل.\" (٥).\nو(الوسَط): \"اسم لما بين طرفي الشيء\" (٦).\nقال الفراء: \"الوَسَط المثقل: اسم، كقولك: رأسٌ وسط وأسفل، ولا تقولن ههنا: وسْط بالتخفيف، واحتجم وَسَط رأسه، وربما خفف، وليس بالوجه. وجلس وسْط القوم، ولا تقول: وسَط؛ لأنه في معنى بين القوم، وجلس وسَط الدار؛ لأن (بين) لا يصلح في هذا الموضع، وربما خفف\" (٧).\nقال الجوهري: \"كل وضع صلح فيه بين فهو (وسْط)، وإن لم يصلح فيه بين فهو (وسَط) بالتحريك، وربما سكن، وليس بالوجه، كقول الشاعر (٨):\nقالوا يالَ أشجع يومَ هَيْجٍ ... ووَسْط الدار ضَربًا واحْتِمايا\" (٩)\nومما يصدق هذا ما روي في الخبر: \"الجالس وسْط الحلقة ملعون\" (١٠)، لم يرو إلا بالتخفيف (١١).\nوقيل: (وَسَط): جمع واسط، و(فَعَل) يجوز في جمع (فاعل)، نحو: خدَم ونشَأ، والواسط: الذي يسِطُ الشيء، أي: يتوسطه، قال حسان (١٢):\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٧١.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٤) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٦٩.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٣٦٩.\n(٧) نقله عنه الواحدي، انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٦٩. ولم أجده في معاني القرآن، وانظر: اللسان: ٧/ ٤٣١: (وسط).\n(٨) البيت، نسبه في \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣١ (وسط) لأعصر بن سعد بن قيس عيلان.\n(٩) الصحاح: ٣/ ١١٦٨: (وسط).\n(١٠) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٣٨٤ عن حذيفة، في الذي يقعد في وسط الحلقة قال: ملعون على لسان ٢٢٧٥٢، والترمذي (٢٧٥٣) الأدب، باب: كراهية القعود وسط الحلقة، وأبو داود (٤٨٢٦) الأدب، باب: في الجلوس وسط الحلقة، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٧٠.\n(١٢) البيت لحسان بن ثابت في \"ديوانه\" ص ٢٢٥.","vol":"3","page":324},{"text":"وَسَطتْ نسبتي الذوائبَ منهم ... كلُّ دار فيها أبٌ لي عظيم\nوفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهذا يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن نسبه توسط نسبهم، فهو كريم الطرفين، أبوه وأمه من ذلك النسب.\nوالثاني: أنه أخذ من واسطة القلادة؛ لأنه يجعل فيه أنفَسَ خَرَزها.\nقال الشاعر (١):\nومَن يفتقِرْ في قومه يحمَدِ الغنى ... وإن كان فيهم واسطَ العَمِّ مُخْوِلا\nقوله: واسط العم، يحتمل المعنيين (٢).\nوقد اختلف أهل العمل في قوله: ﴿وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، على وجوه (٣):\nالقول الأول: أنه (العدل)، وهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم: أبو سعيد\" (٤)، وابن عباس وسعيد (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، والربيع، (٨) وعطاء (٩)، وعبد الله بن كثير (١٠)، وابن زيد (١١)، وحبان بن أبي جبلة (١٢).\nوقال به أيضًا: الفراء (١٣)، والزجاج (١٤)، وأبو عبيدة (١٥)، وابن قتيبة (١٦)، إلا أنهما قالا: عدلًا: خيارًا، والعدل والخيار بمعنى-كما ذكر الزجاج-لأن من كان خيارًا فهو عدلًا. وقال به أيضًا: ابن عطية (١٧)، والقرطبي (١٨)، والواحدي (١٩)، والسمرقندي (٢٠)، وأبو حيان (٢١)، وقال: \"وإذا صح ذلك عن رسول الله ﷺ وجب المصير في تفسير الوسط إليه\" (٢٢). قلت: وقد صح كما سيأتي.\nوالدليل عليه: الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى (٢٣):\nأ- أما الآية فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]، \"أي أعدلهم\" (٢٤).\nب- ومن الأخبار:\n_________\n(١) البيت لجابر بن الثعلب الطائي، ينظر: \"ديوان الحماسة\" ١/ ١٠٩.\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٧٤.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢١٦٥)، و(٢١٦٦)، و(٢١٦٧)، و(٢١٦٨): ص ٣/ ١٤٢ - ١٤٣، ورواه الإمام أحمد في المسند: ٣/ ٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢١٦٩): ص ٣/ ١٤٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٠)، و(٢١٧١): ص ٣/ ١٤٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٢)، و(٢١٧٣): ص ٣/ ١٤٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٤): ص ٣/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٥): ص ٣/ ١٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٧): ص ٣/ ١٤٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٨): ص ٣/ ١٤٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢١٧٦): ص ٣/ ١٤٥.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٨٣.\n(١٤) معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢١٩\n(١٥) مجاز القرآن: ١/ ٥٩.\n(١٦) تفسير غريب القرآن: ٦٤.\n(١٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٣.\n(١٨) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٥٣.\n(١٩) الوجيز: ١/ ١٣٥.\n(٢٠) بحر العلوم: ١/ ١٦٤.\n(٢١) البحر المحيط: ١/ ٣٦٥.\n(٢٢) البحر المحيط: ١/ ٣٦٥.\n(٢٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.\n(٢٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.","vol":"3","page":325},{"text":"- ما أخرجه الطبري عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله في قوله: \" ﴿وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا﴾، قال، عُدولا\" (١).\n- وروي عنه ﵊: \"خير الأمور أوسطها\" (٢)، \"أي أعدلها\" (٣).\n- وقيل: كان النبي ﷺ أوسط قريش نسبا، وقال ﵊: \"عليكم بالنمط الأوسط\" (٤).\n- وروي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته\" قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٥). قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم\" (٦).\n- وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجيء النبي يوم القيامة [ومعه الرجل والنبي] ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال [لهم] هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال [له] من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا\" فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: \"عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ \" (٧).\nج- وأما الشعر، فقول زهير (٨):\nهُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ ... إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ\nد-وأما النقل: فقال الجوهري: \" ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي عدلا\" (٩)، وهو الذي قاله الأخفش (١٠)، والخليل (١١)، وقطرب (١٢)، وابن منظور (١٣)، والفيروزآبادي (١٤)، والرازي (١٥)، وغيرهم.\nهـ- وأما المعنى، فمن وجوه (١٦):\nأحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيدا عن الطرفين فكان معتدلا فاضلا.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢١٦٥)، و(٢١٦٦)، و(٢١٦٧)، و(٢١٦٨): ص ٣/ ١٤٢ - ١٤٣، ورواه الإمام أحمد في المسند: ٣/ ٩.\n(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: (٦٦٥١): ص ٥/ ٢٦١، عن مطرف وإسناده صحيح موقوف، ومن طريق ابن وهب (٣/ ٢٧٣)، واسناده ضعيف، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٧٣): بإسناده عن عمرو بن الْحارث، وقال هذا منقطع.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.\n(٤) قال العراقي في \"تخريج الإحياء: ١/ ١٠٦: حديث: \"عليكم بالنمط الأوسط\"، رواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" موقوفا على علي بن أبي طالب، ولم أجده مرفوعا، وذكره في \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٣ \"وسط\" من كلام علي. وفي \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٠ - ١٤١: \"عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل\". والنمط: جماعة من الناس أمرهم واحد، وقيل هو الطريقة.\n(٥) المسند: ٣/ ٣٢.\n(٦) صحيح البخاري برقم (٣٣٣٩، ٤٤٨٧) وسنن الترمذي برقم (٢٩٦١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٠٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٤).\n(٧) المسند: ٣/ ٥٨.\n(٨) ديوانه: ٢/ ٢٧، ووشرح المعلقات العشر: ٥٧.\n(٩) الصحاح: ٣/ ١١٦٧، (وسط).\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤، ولم اجده في معاني القرآن.\n(١١) انظر: العين: ٧/ ٢٧٩. ولفظه: \" والوسط من الناس وكل شيء: أعدله، وأفضله، ليس بالغالي ولا المقصر\".\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.\n(١٣) انظر: لسان العرب: ٧/ ٤٢٨ (وسط).\n(١٤) انظر: القاموس المحيط: ١/ ٦٩١ (وسط).\n(١٥) انظر: الصحاح: ٣٣٨، (وسط).\n(١٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.","vol":"3","page":326},{"text":"وثانيها: إنما سمي العدل وسطا، لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.\nوثالثها: لا شك أن المراد بقوله: ﴿وكذالك جعلناكم أمة وسطا﴾ طريقة المدح لهم، لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودا له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله: (وسطا) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا إلا بكونهم عدولا، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة.\nورابعها: أن أعدل بقاع الشيء وسطه، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة.\nوخامسها: أنه سمي العدل وسطا، من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي: خير مكان منه (١)، فعلى هذا (الوسط) اسم وصف به (٢).\nالقول الثاني: أن الوسط من كل شيء خياره.\nوقالوا: وهذا التفسير أولى من الأول لوجوه:\nأحدها: أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب \"الكشاف\": \"اكتريت جملا من أعرابي بمكة للحج فقال: أعطى من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير\" (٣).\nقال الرازي: \"ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات، فكان هذا التفسير أولى\" (٤).\nالثاني: أنه مطابق لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]\nيقول الحافظ ابن كثير: (وسطا) \"هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي (أفضل) الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خَصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] \" (٥).\nالقول الثالث: أن الرجل إذا قال: فلان أوسطنا نسبا، فالمعنى: أنه أكثر فضلا، وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة، وأصل هذا أن الاتباع يحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى (٦).\nالقول الرابع: يجوز أن يكونوا وسطا على معنى: أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء، لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابنا وإلها ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه (٧).\nقال الكلبي: \"يعني متوسطة أهل دين: وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين\" (٨).\n_________\n(١) انظر: اللسان: (وسط).\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٣٧٢، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢١٩.\n(٣) الكشاف: ١/ ١٩٩.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٥٤.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨.","vol":"3","page":327},{"text":"قال الراغب: \" الوسط في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدورة، ومن الطرفين في المطول كالنقطة من الدائرة ولسان الميزان من العمود، ويجعل عبارة عن العدل، وكذلك السواء والنصف، وشبه به كل ما وقع بين طرفين إفراط وتفريط كالجود بين السرف والبخل والشجاعة بين التهور والجبن\" (١).\nوهذا القول الأخير اختاره الطبري، إذ يقول: \" وأنا أرى أن (الوسط) في هذا الموضع، هو (الوسط) الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل (وسَط الدار) محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في \" سينه \" التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم (وسَط)، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها\" (٢).\nوقد اعترض على رأيه الحافظ ابن حجر، قائلا: \"لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحًا لمعنى التوسط أن لا يكون أريد به معناه الآخر، كما نص عليه الحديث\" (٣).\nقلت: أن جميع الأقوال السابقة متقاربة في المعنى وغير متنافية. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، \" أي لتشهدوا على الأمم يوم القامة أن رسلهم بلّغتهم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي: تشهدون على الناس بأن الرسل قد بلغتهم؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر\" (٥).\nقال البيضاوي: \" علة للجعل، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم، بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا. ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات، والإِعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم، أو بعدكم\" (٦).\nقال ابن عاشور: \"علة لجَعْلِهم وسطًا فإن أفعال الله تعالى كلها منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار لا كصدور المعلول عن العلة كما يقول بعض الفلاسفة، ولا بوجوب وإلجاء كما توهمه عبارات المعتزلة وإن كان مرادهم منها خيرًا فإنهم أرادوا أن ذلك واجب لذاته تعالى لكمال حكمته\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٤٢. ويؤكد ابن عاشور المعنى نفسه قائلا: إن\" الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمَلَ عقولَ هذه الأمة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإِثبات أحكامها بالاستدلال استنباطًا بالنسبة للعلماء وفَهْمًا بالنسبة للعامة، فإذا كان كذلك لزم من معنى الآية أن عقول أفراد هاته الأمة عقول قَيِّمة وهو معنى كونها وسطًا، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كل طبقة من الأمة وكلَّ فرد، ولما كان الوصف الذي ذكر أثبتَ لمجموع الأمة قلنا إن هذا المجموع لا يقع في الضلال لا عمدًا ولا خطأ، أما التعمد فلأنه ينافي العدالة وأما الخطأ فلأنه ينافي الخلقة على استقامة الرأي فإذا جاز الخطأ على آحادهم لا يجوز توارد جميع علمائهم على الخطأ نظرًا، وقد وقع الأمران للأمم الماضية فأجمعوا على الخطأ متابعة لقول واحد منهم لأن شرائعهم لم تحذرهم من ذلك أو لأنهم أساءوا تأويلها، ثم إن العامة تأخذ نصيبًا من هذه العصمة فيما هو من خصائصها وهو الجزء النقلي فقط وبهذا ينتظم الاستدلال\". (تفسير ابن عاشور: ٢/ ١٩ - ٢٠).\n(٣) الفتح: ٨/ ٢٢. وقوله (كما نص عليه الحديث) أي: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا عند البخاري-فتح-: ٨/ ٢١ رقم: ٤٤٨٧ قال: (والوسط: العدل)، وانظر: فتح الباري: ٨/ ٢٢، وتنصيصه على أن ذلك من نفس الخبر، وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم ..\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١١.\n(٧) تفسير ابن عاشور: ٢/ ٢٠.","vol":"3","page":328},{"text":"ثم قال: \"و(الناس) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة دنيوية وأخروية:\n١ - فأما الدنيوية فهي حكم هاته الأمة على الأمم الماضين والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها وظهورِ الحق، وهذا حكم تاريخي ديني عليه إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب.\nوفي حديث أنس بن مالك أن جنازة مرت فأثني عليه خيرًا فقال النبي: \"وجبت وجبت\"، ثم مرت أخرى فأثني عليها شرًا فقال النبي: \"وجبت وجبت\"، فلما سأله عمر عن ذلك قال: \"من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض\" (١).\n٢ - ومن خصائص الأمة المحمدية الأخروية أنها تشهد لكل نبي أنكر قومه أنه قد بلغ، تشهد له بأداء الرسالة وتبليغها فيقبل الله شهادتها، والشهادة الأخروية هي ما رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله -ﷺ-: \"يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم، فتشهدون \"، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣]- قال: عدلا - ﴿لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣] \" (٢).\nفقوله (ثم قرأ) يدل على أن هذه الشهادة من جملة معنى الآية لا أنها عين معنى الآية، والظاهر من التعليل هو الشهادة الأولى لأنها المتفرعة عن جعلنا أمة وسطًا، وأما مجيء شهادة الآخرة على طِبقها فذلك لما عرفناه من أن أحوال الآخرة تكون على وفق أحوال الدنيا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: \" ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: أي: النبي ﷺ يشهد على أمته بأنه بلغ البلاغ المبين\" (٥).\nقلت: وكون النبي-صلى الله عليه وآله- شاهدًا على أمته وعلى الناس أجمعين هذهِ حقيقة قرآنية قد نصّ عليها القرآن في سور عديدة وآياتٍ كثيرة، منها الآية المبحوث عنها) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (وهكذا قال تعالى في سورة الفتح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٩].\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ([المزمل: ١٦].\n_________\n(١) رواه البخاري: (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩).\n(٢) رواه البخاري: (٧٣٤٩). وفي رواية الترمذي: \" حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" يُدْعَى نُوحٌ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَيُؤْتَى بِكُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا سورة البقرة آية ١٤٣ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ \"، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، نَحْوَهُ \". (جامع الترمذي (٢٩٠٦).\nوروى الإمام أحمد (١١٦٤) وابن ماجه (٤٢٨٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلانِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لا فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ؛ فَيُدْعَى مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ؛ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيُقَالُ: وَمَا عِلْمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جَاءَنَا نَبِيُّنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قَالَ: يَقُولُ: عَدْلا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) صححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٢٤٤٨).\n(٣) تفسير ابن عاشور: ٢/ ٢٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠.","vol":"3","page":329},{"text":"بل يصرح القرآن المجيد بأنّ كلّ امةٍ من الأمم جعل الله عليها شهيدًا منهم من نبيٍ أو رسول أو إمام، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤٢].\nوقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٦].\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩٠].\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٥].\nوقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزُمَر: ٧٠].\nوقد يسأل السائل: مَن المراد من الأمة الوسط، هل هي الأمة الإسلامية بكاملها، تشهد على الناس ويشهد بعضها على بعض؟\nفنقول: أجمع أهل العلم بأن الأمة الوسط هم الموصوفون بالعدالة والخيرية، ولا شكّ بأنّ الشاهد يجب انْ يكون عادلًا وإلاّ لا يصح الاستشهاد به في الدنيا فضلًا عن الآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٣]، والحال الأمة الإسلامية – بحكم الضرورة والبداهة – فيها العادل والظالم، والمؤمن والمنافق، والبر والفاجر، فكيف يستشهد الله تعالى بهم جميعًا؟ هذا ما لا يرتضيه العقل ويخالف الوجدان والذوق والمنطق السليم، والتحليل العلمي ويخالف أيضًا القرآن العظيم، يقول تعالى مخاطبًا المؤمنين مِن هذهِ الأمة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، فقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهدَاءَ﴾ لفظة \"منكم\" هنا للتبعيض، أي يتخذ بعضكم شهداء، فلو أنّ الأمة تشهد لقال: ﴿ويتخذكم شهداء﴾ وهذا دليل قرآنيٌ واضح على أنّ الشهداء على الأمة الإسلامية بعضها لا كلها. والله تعالى أهلم.\nقال الفخر الرازي: \"دلّت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبّه، والخوارج، والروافض (١) فإنه لا يُعتدّ به في الإجماع، لأن الله إنّما جَعل الشهداء مَن وَصَفهم بالعدالة والخَيريّة، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو كفر بقوله أو فعل، ومن كفر برد النص أو كفر بالتأويل\" (٢).\nأما القول بأن الأمة الوسط الشهيدة على الناس، هي الأمة الاسلامية بأجمعها (٣)، فهذا فيه نظر، إذ روي عن الضحاك في قوله: \" لتكونوا شُهداء على الناس \"، يعني بذلك: الذين استقاموا على الهُدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة، لتكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم بآيات الله\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، \" أي وما أمرناك بالتوجه إِلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إِلى الكعبة\"\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة\" (٦).\n_________\n(١) وقالت طائفة\" انّ الشهداء على هذه الأمة إنمّا هم الأئمة الاثنى عشر، كل واحدٍ منهم يكون شهيدًا على أهل زمانه دون غيرهم\". وهذا القول باطل لا محال، لأن قوله تعالى (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) المخاطب هم خيار أمة محمد وقد ذكرنا الخبر عن الضحاك بأن الأمة الوسط يقصد بها المستقيمون على الإسلام. والله تعالى أعلم.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٤.\n(٣) انظر: تفسير الدر المنثور: ١/ ١٤٤، نقلًا عن رجل مجهول إنه سال ابن عمر فقال: \"والأمة الوسط أمة محمّد (صلى الله عليه وآله) جميعًا.\n(٤) تفسير الطبري (٢١٩٦): ص ٣/ ١٥٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٧.","vol":"3","page":330},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي \"إِلا لنختبر إِيمان الناس فنعلم من يصدّق الرسول، ممن يشكّك في الدين ويرجع إِلى الكفر لضعف يقينه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي: مُرْتَدًّا عن دينه\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها، ممن يرتد عن دينك إلفًا لقبلة آبائه\" (٣).\nوإن قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا.\nقلت-البيضاوي-: \"هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى ليتعلق علمنا به موجودًا. وقيل: ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول، والعلم إما بمعنى المعرفة، أو معلق لما في مَنْ من معنى الاستفهام، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزًا ممن ينقلب\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ثلاثة أوجه (٥):\nأحدها: أن المراد علم ظهور. أي علم بأن الشيء حصل، فيعلمه أنه حاصل؛ وأما العلم به قبل وقوعه فهو علم بأنه سيحصل؛ وفرق بين العلم بالشيء أنه سيحصل، والعلم بأنه قد حصل.\nالثاني: أن المراد علم الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل لا يترتب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد، ويُنظر.\nوالثالث: وقيل المعنى: \" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه\" (٦).\nوالصواب الوجهان الأولان؛ وأحسنهما أن يكون المراد بالعلم هنا الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنه الواضح وليس فيه تكلف (٧). والله أعلم.\nقال ابن عثيمين: \" وهذا ــ وإن كان له وجه من حيث اللفظ؛ وهو أن يعبر بالمضارع عن الماضي أحيانًا ــ لكنه ضعيف هنا من حيث المعنى؛ إذ لا حكمة من ذلك؛ لأنه يكون معنى الآية: وما جعلنا هذا إلا لأننا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وحينئذ يقال: إذًا ما الفائدة؟ ! لأنه لا يناسب أن الله ما جعل هذه القبلة إلا لأنه قد علم من يبقى على دينه، ومن لا يبقى\" (٨).\nوقد ذكر الرازي في قوله تعالى: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ﴾ [وجوها عن المفسرين (٩):\nأحدها: أن قوله: ﴿إلا لنعلم﴾ معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا، ومنه يقال: فتح عمر السواد، ومنه قول ﵊ فيما يحكيه عن ربه: \"استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر\" وفي الحديث: \"من أهان لي وليا فقد أهانني\".\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٧.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١١.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٥ - ٩٦.","vol":"3","page":331},{"text":"وثانيها: معناه ليحصل المعدوم فيصير موجودا، فقوله: ﴿إلا لنعلم﴾ معناه: إلا لنعلمه موجودا، فإن قيل: فهذا يقتضي حدوث العلم، قلنا: اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور.\nوثالثها: إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علما، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته.\nورابعها: ﴿إلا لنعلم﴾ معناه: إلا لنرى، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله: ﴿ألم تر كيف﴾ [الفجر: ٦] [الفيل: ١] [إبراهيم: ١٩] ورأيت، وعلمت، وشهدت، ألفاظ متعاقبة.\nوخامسها: ما ذهب إليه الفراء: وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، ومثاله أن جاهلا وعاقلا اجتمعا، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه: لنعلم أينا الجاهل، فكذلك قوله: ﴿إلا لنعلم﴾ إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام: الاستمالة والرفق في الخطاب، كقوله: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى﴾ (سبأ: ٢٤) فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقا للخطاب ورفقا بالمخاطب، فكذا قوله: ﴿إلا لنعلم﴾.\nوسادسها: نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم، إذ العدل يوجب ذلك.\nوسابعها: أن العلم صلة زائدة، فقوله؛ ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ معناه: إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وجوه (١):\nالأول: أن يكون هذا الكلام بيانا للحكمة في جعل القبلة، وذلك لأنه ﵊ كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فنقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ الجهة: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أولا: يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء.\nالثاني: يجوز أن يكون قوله: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ لسانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني إن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا، وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه.\nالثالث: وقد ذكره أبو مسلم فقال: \"لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة من قبل الرسول ﵊ عليها، لأنه قد يقال: كنت بمعنى صرت كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٥٨]، فلا يمتنع أن يراد بقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا\" (٢).\nواختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب تحويلها (٣):\nأحدهما: أنها حصلت بسبب تعيين القبلة، لأنه ﵊ كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم.\nالثاني: أن هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل، فإنهم قالوا: إن محمدا ﷺ لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه، روى القفال عن ابن جريح أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم، وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، وقال السدي: لما توجه النبي ﵊ نحو المسجد الحرام اختلف الناس\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٥.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٠.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٠.","vol":"3","page":332},{"text":"فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها، وقال المسلمون: لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، وقال المشركون: تحير في دينه.\nقال الرازي: \" والقول الأخير أولى، لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة، وقد وصفها الله تعالى بالكبيرة فقال: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ فكان حمله عليه أولى\" (١).\nوقوله تعالى ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، استعارة ومعناه: \"من يكفر بالله ورسوله، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى: ﴿ثم أدبر واستكبر﴾ [المدثر: ٢٣] وكما قال: ﴿كذب وتولى﴾ [طه: ٤٨]، وكل ذلك تشبيه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، \"أي وإِن كان هذا التحويل لشاقًا وصعبًا إِلاّ على الذين هداهم الله\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يعني: تحويلها على أهل الشك والريبة\" (٤).\nقال مجاهد: \" يقول: ما أمروا به من التحول إلى الكعبة من بيت المقدس\"\" (٥)، وروي عن أبي العالية، وقتادة، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٦).\nقال الزجاج: \" يعني قبلة بيت المقدس، أي وإن كان اتباعها لكبيرة، المعنى إنه كبير على غير المخلصين، فأما من أخلص فليست بكبيرة عليه، كما قال: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾ أي فليست بكبيرة عليهم\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي: \"هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، وإن كان هذا الأمر عظيمًا في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلّف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك \" (٨).\nو(الكبَر): \"يراد به الشيء الشاق العظيم؛ ومنه قوله -ﷺ- في صاحبَي القبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» (٩)، أي في أمر شاق عليهما\" (١٠).\nقال الرازي: أي: \" لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ [الكهف: ٥]، أي: عظمت الفرية بذلك، وقال الله تعالى: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦]، وقال: ﴿إن ذالكم كان عند الله عظيما﴾ [الأحزاب: ٥٣] \" (١١).\nقال ابن عطية: \" وشهد الله تعالى في هذه الآية للمتبعين بالهداية\" (١٢).\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٠.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٤٤): ص ١/ ٢٥١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٤٤): ص ١/ ٢٥١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥١.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٢٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٧.\n(٩) أخرجه البخاري ص ٢٠، كتاب الوضوء، باب، حديث رقم ٢١٨، وأخرجه مسلم ص ٧٢٧، كتاب الطهارة، باب ٣٤: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث رقم ٦٧٧ [١١١] ٢٩٢.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٩.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩١.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":333},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أربعة تأويلات (١):\nأحدها: معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها لكبيرةٌ، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤).\nوالتأنيث في قوله ﴿كانت﴾، للتولية، لأنه قال: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها﴾ ثم قال عطفا على هذا: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ أي وإن كانت التولية.\nوالثاني: إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول اللهﷺ- يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل، وهذا قول أبي العالية الرياحي (٥).\nلأنه لا بد له من مذكور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوالثالث: أن الكبيرة هي الصلاة، التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (٦).\nوالراجح هو القول الأول، \" لأن القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي ﷺ وَجْهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة، ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم\" (٧).\nقال الرازي: \"إن قلنا الامتحان وقع بنفس القبلة، قلنا: إن تركها ثقيل عليهم، لأن ذلك يقتضي ترك الألف والعادة، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا: الامتحان وقع بتحريف القبلة قلنا: إنها لثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه الله تعالى حتى عرف أنه لا يستنكر نقل القبلة من جهة إلى جهة كما لا يستنكر نقلة إياهم من حال إلى حال في الصحة والسقم والغنى والفقر، فمن اهتدى لهذا النظر ازداد بصره، ومن سفه واتبع الهوى وظواهر الأمور ثقلت عليه هذه المسألة\" (٨).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وجهان من المعنى:\nأحدهما: أي: الذين ثبت الله. قاله ابن عباس (٩).\nالثاني: أن المراد: عصم الله. قاله قتادة (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بالهداية هنا: هداية العلم، وهداية التوفيق؛ أما كونها هداية العلم فلأن الذين يخشون الله هم العلماء، كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وبأسمائه، وصفاته، وبأحكامه؛ هذه هي هداية العلم؛ لأنهم إذا علموا خشوا الله ﷾، ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم، ولم يشق؛ كذلك هداية التوفيق - وهي المهمة: إذا وفق العبد للانقياد لله ﷾ سهل عليه دينه، وصار أيسر عليه من كل شيء، كما قال تعالى: ﴿﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] \" (١١).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٠١، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٩٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢١٠): ص ٣/ ١٦٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢١١)، و(٢٢١٢): ص ٣/ ١٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٢١٣): ص ٣/ ١٦٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٢١٤): ص ٣/ ١٦٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٢١٥)، و(٢٢١٦): ص ٣/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ١٦٥.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩١.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٣٤٥): ص ١/ ٢٥١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٣٤٥): ص ١/ ٢٥١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٩.","vol":"3","page":334},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي \"ما كان الله يترك إيمانكم سدًى بدون مجازاة عليه\" (١).\nقال ابن عباس: \"يقول: صَلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة. فكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم\"\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني إيمان صلاتكم نحو بيت المقدس يقول لقد تقبلت منهم\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي ما صحَّ ولا استقام أن يضيع الله صلاتكم إِلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نية وقول وعمل\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي من كان صلى إلى بيت المقدس قبل أن تحول القبلة إلى البيت الحرام بمكة فصلاته غير ضائعة وثوابه قائم\" (٦).\nقال الفخر الرازي: \" أي لا يضيع ثواب إيمانكم لأن الإيمان قد انقضى وفنى وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته إلا أن استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه فصح حفظه وإضاعته وهو كقوله تعالى: ﴿أنى لا أضيع عمل عامل منكم﴾ [آل عمران: ١٩٥] \" (٧).\nقال الطبري: (وإضاعته إياه) جل ثناؤه - لو أضاعه -: تركُ إثابة أصْحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعًا، ويصير باطلا كهيئة \" إضاعة الرجل ماله \"، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضًا في عاجل ولا آجل، فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عَمل عاملٍ عمل له عملا وهو له طاعة، فلا يُثيبه عليه، وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله\" (٨).\nوعنى بـ (الإيمان)، في هذا الموضع: (الصلاةَ). قاله: ابن عباس (٩)، والبراء (١٠)، وقتادة (١١)، والسدي (١٢)، والربيع (١٣)، وداود بن أبي عاصم (١٤)، وابن زيد (١٥)، وسعيد بن مسيب (١٦).\nوفي سبب تسمية الصلاة بالإيمان، وجهان (١٧):\nأحدهما: أن الصلاة سميت إيمانا، لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطبا عليه تدور الأعمال وكان ثابتا في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٠.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٢٢٧): ص ٣/ ١٦٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٢٠١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٢١.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٩ - ١٠٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٢/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٢١٩): ص ٣/ ١٦٧، و(٢٢٢٧): ص ٣/ ١٦٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٠)، و(٢٢٢١)، و(٢٢٢٢): ص ٣/ ١٦٧٠١٦٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٣): ص ٣/ ١٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٤): ص ٣/ ١٦٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٥): ص ٣/ ١٦٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٦): ص ٣/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٨): ص ٣/ ١٦٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٢١٩): ص ٣/ ١٦٧.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢١.","vol":"3","page":335},{"text":"والثاني: أنها سميت إيمانا، إذ هي من شعب الإيمان.\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بـ (إِيمَانَكُمْ)، صلاتهم إلى بيت المقدس؛ وهذا عام للذين ماتوا قبل تحويل القبلة، ومن بقوا حتى حولت، «ما كان الله ...» في القرآن فهي الأمر الممتنع غاية الامتناع؛ مثل: «لا ينبغي»، أو «ما ينبغي» فالمراد أنه ممتنع مستحيل، كقوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا﴾ [مريم: ٩٢] أي ممتنع مستحيل؛ وقوله -ﷺ-: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام\" (١)، المعنى: أنه مستحيل\" (٢).\nقال الرازي: \"فإن قيل: إذا كان الشك إنما تولد من تجويز البداء على الله تعالى فكيف يليق ذلك بالصحابة؟ قلنا: الجواب من وجوه:\nأحدها: أن ذلك الشك وقع لمنافق فذكر الله تعالى ذلك ليذكره المسلمون جوابا لسؤال ذلك المنافق.\nوثانيها: لعلهم اعتقدوا أن الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا: ليت إخواننا ممن مات أدرك ذلك، فذكر الله تعالى هذا الكلام جوابا عن ذلك.\nوثالثها: لعله تعالى ذكر هذا الكلام ليكون دفعا لذلك السؤال لو خطر ببالهم\" (٣).\nوقد اختلفوا في الخطاب الموجه في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، على قولين (٤):\nالقول الأول: أن الخطاب مع المؤمنين.\nوقد ذكر القفال على هذا القول، أربعة أوجه (٥):\nالوجه الأول: أن الله خاطب به المؤمنين الذين كانوا موجودين حينئذ، وذلك جواب عما سألوه من قبل.\nالثاني: أنهم سألوا عمن مات قبل نسخ القبلة فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي وإذا كان إيمانكم الماضي قبل النسخ لا يضيعه الله فكذلك إيمان من مات قبل النسخ.\nالثالث: يجوز أن يكون الأحياء قد توهموا أن ذلك لما نسخ بطل، وكان ما يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى الكعبة كفارة لما سلف واستغنوا عن السؤال عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا ولم يأتوا بما يكفر ما سلف فقيل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ والمراد أهل ملتكم كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد ﷺ: ﴿وإذ قتلتم نفسا﴾ [البقرة: ٧٢]، ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ [البقرة: ٥٠].\nالرابع: يجوز أن يكون السؤال واقعا عن الأحياء والأموات معا، فإنهم اشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعا في الفريقين فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات، إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب فعلتما. والله أعلم (٦).\nالقول الثاني: أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا لأهل الكتاب، والمراد بالإيمان صلاتهم وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ، وإنما اختار أبو مسلم هذا القول لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا. قاله أبو مسلم (٧).\nقال ابن عطية: \" وخاطب الحاضرين والمراد من حضر ومن مات، لأن الحاضر يغلب، كما تقول العرب: ألم نقتلكم في موطن كذا؟، ومن خوطب لم يقتل ولكنه غلب لحضوره\" (٨).\nوقرأ الضحاك: ﴿لِيُضَيّعَ﴾، بفتح (الضاد) وشد (الياء) (٩).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٧٠٩، كتاب الإيمان، باب ٧٩: في قوله ﵇: \"إن الله لا ينام\" ...، حديث رقم ٤٤٥ [٢٩٣] ١٧٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٠.\n(٣) تفسير الإمام الرازي: ٤/ ٩٨ - ٩٩.\n(٤) تفسير الإمام الرازي: ٤/ ٩٨ - ٩٩.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٣.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٣.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢١.","vol":"3","page":336},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، \"أي إن الله رءوف بعباده، لأنه ذو الرحمة الواسعة\" (١).\nقال مقاتل: \" ﴿لَرَءُوفٌ﴾: يعني يرق لهم، ﴿رَحِيمٌ﴾: حين قبلها منهم قبل تحويل القبلة\" (٢).\nقال الزجاج: \" ومعنى الرأفة كمعنى الرحمة\" (٣).\nقال البغوي: \" والرأفة أشد الرحمة\" (٤).\nقال ابن عطية: \" والرأفة أعلى منازل الرحمة\" (٥).\nقال النسفي: \" ﴿ؤحيم﴾، لا يضيع أجورهم، والرأفة: أشد من الرحمة، وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم\" (٦).\nقال أبو السعود: \" تحقيقٌ وتقريرٌ للحُكم وتعليلٌ له فإن اتصافَه ﷿ بهما يقتضي لا محالة أن لا يُضيعَ أجورَهم ولا يدَعَ ما فيه صلاحهم\" (٧).\nقال الصابوني: \" تعليل للحكم أي أنه تعالى عظيم الرحمة بعباده لا يضيع أعمالهم الصالحة التي فعلوها\" (٨).\nقال الطبري: \"أي: \"أن الله بجميع عباده ذُو رأفة، و(الرأفة)، أعلى مَعاني الرحمة، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة، وأما (الرحيم): فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينا فيما مضى قبل\" (٩).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، على وجهين (١٠):\nأحدهما: ﴿لرءوف رحيم﴾ مهموزا غير مشبع على وزن: رعف. قرأ بها عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم.\nوالثاني: ﴿رؤف﴾ مثقلا مهموزا مشبعا على وزن رعوف، قرأ بها ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وكذلك ابن عامر.\nوفيه أربع لغات: (رئف) أيضا كحزر، و(رأف) على وزن فعل (١١)، وكلتاهما قراءتان سبعيتان، قال الوليد بن عقبة (١٢):\nوَشرُّ الطالِبِينَ - وَلا تَكُنْه - ... بقَاتِلِ عَمِّه، الرَّؤُفُ الرَّحِيم\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٨.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٦.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٢١.\n(٤) تفسير البغوي: ١/! ٦١.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢١.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٠ - ١٧١.\n(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ١٧١، والحجة: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٠.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥، وتفسير أبي حيان: ١/ ٤٢٧، في الأول (يقاتل)، والثاني (يقابل)، وكأن هذا البيت من شعر الوليد بن عقبة، الذي كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال علي ﵄. وهي في أنساب الأشراف: ١٤٠، وتاريخ الطبري ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧، وحماسة البحتري: ٣٠، واللسان (حلم) وغيرها، وليس فيها هذا البيت، وكأنه قبل البيت الذي يقول فيه:\nلَكَ الْوَيْلاتُ! أَقْحِمْهَا عَلَيْهِمْ ... فخيرُ الطَّالبي التِّرَةِ الغَشُومُ\nوقوله: \" لا تكنه \"، دعاء له، واستنكار أن يكون كهذا الطالب الثائر الذي يطالب بدم عمه، وهو رؤوف رحيم بعدوه وقاتل عمه، وهو شر طالب ثأر.","vol":"3","page":337},{"text":"وقال العلماء: إن الرأفة أشد الرحمة؛ فهي رحمة خاصة؛ و(رَحِيمٌ) أي متصف بالرحمة؛ وقالوا: إنه قدمت (لَرَءُوفٌ) على (رَحِيمٌ) - مع أن (الرؤوف) أبلغ - من أجل مراعاة الفواصل؛ وقال تعالى: (رَحِيمٌ)، لأن هذا يتعلق بفعله - أي برحمته الخلق (١).\nقال القفال -﵀-: \"الفرق بين الرأفة والرحمة: أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله﴾ (النور: ٢) أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال: ﴿وهو الذى يرسل الرياح * بشرا بين * يدى رحمته﴾ (الأعراف: ٥٧) لأنه إفضال من الله وإنعام، فذكر الله تعالى الرأفة أولا بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معا\" (٢).\nوقد ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين (الرءوف الرحيم) بما قبلهما وجوها (٣):\nأحدها: أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ [الحج: ٦٥] والرؤف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة.\nوثانيها: أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا.\nوثالثها: قال: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ فكأنه تعالى قال: وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة هذه الأمة حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع للناس؛ وروى الإمام أحمد في مسنده أن مما يحسدنا عليه اليهود القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها؛ فهم يحسدوننا على هذه الخصلة؛ وكذلك على يوم الجمعة، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين (٤)؛ المهم أن استقبال القبلة مما حسدونا عليه؛ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس، وأعظم بيت في الأرض؛ ولا يوجد بيت قصده ركن من أركان الإسلام للحج إلا الكعبة؛ ولذلك حسدنا اليهود عليها، وأثاروا ضجة عظيمة على التولي عن قبلتهم إلى الكعبة، وصاروا مع من يناصرهم من المشركين؛ أحدثوا أمرًا عظيمًا حتى إن بعض المسلمين ارتد - والعياذ بالله - عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود، وغيرهم.\n٢ - ومن فوائد الآية: فضل هذه الأمة على جميع الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿وسطًا﴾.\n٣ - ومنها: عدالة هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ والشهيد قوله مقبول؛ والمراد بـ «الأمة» هنا أمة الإجابة؛ ومن هنا نعرف حذق أهل الفقه، حيث قالوا: إن «العدل» من استقام على دين الله؛ يعني: هذه الأمة أمة وسط إذا كانت على دين الرسول ﷺ فتكون شهيدًا، وتقبل شهادتها إذا استقامت على دين الله، وكانت أمة حقيقية؛ فعلية يؤخذ من هذا حدّ «العدل»: أن العدل من استقام على دين الله.\n٤ - من فوائد الآية: أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ والشهادة تكون في الدنيا، والآخرة؛ فإذا حشر الناس، وسئل الرسل: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم؛ ثم تسأل الأمم:\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٠.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٠.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٥.\n(٤) أخرجه أحمد ص ١٨٦٩، حديث رقم ٢٥٥٤٣؛ وفيه علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد؛ قال يعقوب بن شيبة: \"كان من أهل الدين، والصلاح، والخير البارع، وكان شديد التوقي، أنكر عليه كثرة الغلط، والخطأ مع تماديه على ذلك\" (ميزان الاعتدال ٣/ ١٣٥)؛ وقال الألباني: \"ولذلك ضعفه جمهور أئمة الحديث، وكذبه ابن معين وغيره\"، (سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٤٤٣)؛ وقال أحمد: \"هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه\" (الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٣٢٦).","vol":"3","page":338},{"text":"هل بُلِّغتم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير، ولا نذير؛ ما جاءنا من أحد؛ فيقال للرسول: من يشهد لك؟ فيقول: «محمد، وأمته»؛ يُستشهدون يوم القيامة، ويَشهدون؛ فيكونون شهداء على الناس.\nفإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تر؟ نقول: لكنها سمعت عمن خبره أصدق من المعاينة - صلوات الله وسلامه عليه.\n٥ - من فوائد الآية: أن نبينا -ﷺ- يكون شهيدًا علينا يوم القيامة - شهيدًا علينا بالعدالة؛ وقيل: شهيدًا علينا بأنه بلغ البلاغ المبين؛ وقد ثبت عنه -ﷺ- أنه قال يوم عرفة في أعظم مجمع حصل له مع الصحابة: \"ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد\" (١)؛ فأشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ؛ نعم؛ لقد بلغ البلاغ المبين -ﷺ-، فترك أمته على المحجة البيضاء؛ وما مات حتى أكمل الله به الدين؛ وما بقي شيء يحتاج الناس إليه في دينهم صغيرًا كان، أو كبيرًا إلا بينه -ﷺ- بيانًا واضحًا - والحمد لله - فالرسول ﷺ شهيد على هذه الأمة؛ قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [النساء: ٤١]، يعني: كيف تكون الحال في ذلك اليوم عظيم؛ ولهذا لما قرأ ابن مسعود على النبي ﷺ، ووصل إلى هذه الآية قال له النبي ﷺ: «حسبك» يعني: قف؛ قال: \"فإذا عيناه -ﷺ- تذرفان\" (٢)؛ لأن الأمر العظيم؛ فالنبي ﷺ شهيد علينا؛ يشهد بأننا بُلِّغنا، وأقيمت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر بأيّ وجه من الوجوه؛ ولهذا لا عذر لأحد بعد أن يتبين له الهدى أن يشاق الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\n٦ - ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾.\n٧ - ومنها: أنه لا رسول بعده؛ لأن «أل» هنا للعهد، وهو يخاطب هذه الأمة؛ فالرسول المعهود فيها واحد؛ وهو محمد ﷺ؛ ويلزم من ذلك أن لا يكون بعده رسول.\n٨ - ومنها: أن الله ﷾ قد يمتحن العباد بالأحكام الشرعية إيجابًا، أو تحريمًا، أو نسخًا؛ لقوله تعالى: ﴿ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فلينتبه الإنسان لهذا؛ فإن الله قد يبتليه بالمال بأن يعطيه مالًا ليبلوه أيقوم بواجبه، أم لا؛ وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتلي بالمال طغى من وجه، وشح من وجه آخر؛ ثم اعتدى في تمول المال؛ فضَلَّ في تموله، والتصرف فيه، وتصريفه؛ وقد يبتليه بالعلم؛ فيرزقه علمًا ليبلوه أيعمل به، أم لا؛ ثم هل يعلمه الناس، أم لا؛ ثم هل يدعو به إلى سبيل الله، أم لا؛ فليحذر من آتاه الله علمًا أن يخل بواحد من هذه الأمور.\nوكذلك قد يمتحن العباد بالأحكام الكونية؛ ومنها ما يجري على العبد من المصائب.\nومن امتحانه بهما أن الله حرم الصيد على المحرِم، ثم أرسله على الصحابة وهم محرِمون حتى تناله أيديهم، ورماحهم.\n٩ - ومن فوائد الآية: وجوب اتباع الرسول ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لنعلم من يتبع الرسول فالله امتحن العباد ليعلم هل يتبعون الرسول؛ والصحابة ﵃ اتبعوا الرسول ﷺ في ذلك أشد الاتباع: جاءهم رجل وهم يصلون الفجر في قباء وهم ركوع، فقال: «إن النبي ﷺ قد أُنزل عليه الليلة القرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشأم؛ فاستداروا إلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٩٠، كتاب الفتن، باب ٨: قول النبي ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا\" ...، حديث رقم ٧٠٧٨، وأخرجه مسلم ص ٨٨٠ – ٨٨١، كتاب الحج، باب ١٩: حجة النبي ﷺ، حديث رقم ٢٩٥٠ [١٤٧] ١٢١٨.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٤٣٧، كتاب فضائل القرآن، باب ٣٣: قول المقرئ للقارئ \"حسبك\"؛ وأخرجه مسلم ص ٨٠٣، كتاب صلاة المسافرين، باب ٤٠: فضل استماع القرآن ...، حديث رقم ١٨٦٧ [٢٤٧] ٨٠٠؛ واللفظ للبخاري.","vol":"3","page":339},{"text":"الكعبة» (١)؛ هذا هو الاتباع العظيم؛ وكذلك فعل بنو سلمة في مسجد القبلتين (٢)؛ إذًا فاتباع الرسول واجب؛ وإلا لما احتيج إلى محنة الناس عليه.\n١٠ - ومن فوائد الآية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لنعلم﴾؛ وعلم الله ﷾ محيط بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢].\n١١ - ومنها: أن الردة عن الإسلام انقلاب؛ لقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فإن بعض الذين أسلموا ارتدوا حينما تحولت القبلة إلى الكعبة؛ وقالوا: «إن محمدًا ليس على يقين من أمره: بالأمس له قبلة؛ واليوم له قبلة»؛ وما علموا أن ذلك مما يؤيد رسالته؛ لأن الإنسان الكذاب يحرص على أن لا يتراجع؛ لأن التراجع وصمة فيه؛ لكن الإنسان الصدوق لا يهتم أن يقول ما أوحي إليه، سواء وافق ما كان عليه أولًا، أو خالف.\n١٢ - ومنها: أن التقدم حقيقة إنما يكون بالإسلام، وأن الرجعية حقيقة إنما تكون بمخالفة الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فإن هذا حقيقة الرجوع على غير هدًى؛ لأن الذي ينقلب على عقبيه لا يبصر ما وراءه؛ فمن قال للمتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله رجعيون، قلنا له: بل أنت الرجعي حقيقة؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول ﷺ انقلابًا على العقب؛ ولا أبلغ من هذا الرجوع أن الإنسان يرجع على عقبيه رجوعًا أعمى - والعياذ بالله - لا يدري ما وراءه.\n١٣ - ومن فوائد الآية: أن تغيير القبلة شاق إلا على طائفة معينة من الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾؛ وهذا يقع كثيرًا للإنسان: تشق عليه بعض الأوامر الشرعية، واجتناب بعض النواهي الشرعية؛ لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقة، وتكون سهلة؛ والعلماء اختلفوا: أيهما أفضل رجل يفعل العبادة بمشقة، ويترك المعصية بمشقة؛ وآخر يفعل العبادة بيسر، ويترك المعصية بيسر؛ قال بعض العلماء: الأول أفضل؛ لأنه مجاهد يجاهد نفسه، فيتعب؛ وقال آخرون: بل الثاني أفضل؛ لأن العبادة كأنها امتزجت بدمه ولحمه، حتى صارت سجية له، ويسيرة عليه لا ينشرح صدره إلا بها؛ والصحيح أن يقال: أما الذي يفعلها بسهولة، ويسر، وانقياد فهذا أكمل حالًا بلا شك؛ لأنه مطمئن بالإيمان فرح بالطاعة؛ أما الثاني فحاله أدنى؛ ولكنه يؤجر على مجاهدة نفسه على الطاعة؛ وعلى ترك المعصية؛ على أن هذا الثاني الذي قلنا: إنه مفضول، وله أجر المشقة ربما يمن الله ﷿ عليه - وهو أكرم الأكرمين - حتى تكون العبادة في نفسه سهلة، ويفعلها بارتياح؛ وهذا هو معنى قول بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله؛ فالإنسان قد يفعل العبادة في البداية بمشقة، ويكون عنده نوع من التعب في تنفيذها؛ لكن إذا علم الله من نيته صدق القصد والطلب، يسر الله له الطاعة حتى كانت سجية له.\n١٤ - ومن فوائد الآية: إظهار منة الله ﷿ على من هداه الله؛ لأنه نسب الهداية إليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾؛ وهذه أعظم منة منَّ الله بها عليه أن هداه للإسلام؛ فيجب أن يشعر بها الإنسان؛ لا يمنّ بدينه على ربه؛ بل يعتقد أن المنة لله عليه، كما قال تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ [الحجرات: ١٧]؛ فكم من أناس ضلوا عن الحق مع بيانه، ووضوحه؛ وهم كثيرون؛ بل هم الأكثر، كما قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]؛ وانظر إلى الفضل، والكرم: هو الذي منّ علينا بالهداية، ثم يقول في سورة الرحمن: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]؛ فكأننا نحن الذين أحسنا؛ فأحسن إلينا بالجزاء مع أن له الإحسان أولًا، وآخرًا؛ هو الذي أحسن إلينا أولًا، وأحسن إلينا آخرًا؛ ولكن هذه مِن منَّته ﷾، ومِن شكره لسعي عبده، كما قال تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٣٥، كتاب الصلاة، باب ٣٢: ما جاء في القبلة ...، حديث رقم ٤٠٣، وأخرجه مسلم ص ٧٥٩ – ٧٦٠، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٢: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، حديث رقم ١١٧٨ [١٣] ٥٢٦.\n(٢) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ٢٤١ – ٢٤٢.","vol":"3","page":340},{"text":"١٥ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷾ لا يضيع أجر عمل عامل إذا كان مبنيًا على الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ كل عمل تعمله صادر عن إيمانه فإنه لن يضيع؛ ستجده مسجلًا - قولًا كان، أو فعلًا، أو همًّا بالقلب، كما قال النبي ﷺ: «من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة» (١).\n١٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الرؤوف» و«الرحيم»، وما تضمناه من الصفة؛ وهي الرأفة، والرحمة.\n١٧ - ومنها: إثبات عموم الرحمة لكل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾؛ وهذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرَين لطاعة الله، ورسوله.\n١٨ - ومنها: أن العمل من الإيمان، لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ فإنها فسرت بالصلاة إلى بيت المقدس؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في الإيمان؛ وهذا أحد أدلتهم؛ ومن الدليل على ذلك قوله (ﷺ): «الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ فأفضلها قول: لا إله إلا الله؛ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق؛ والحياء شعبة من الإيمان» (٢)؛ فقول: «لا إله إلا الله» من أعمال اللسان؛ و«إماطة الأذى عن الطريق» من أعمال الجوارح؛ وقوله (ﷺ): «الحياء شعبة من الإيمان» من أعمال القلوب؛ كما أن الإيمان أيضًا يطلق على الاعتقاد؛ لقوله ﷺ): «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» (٣)؛ فقوله -ﷺ-: «أن تؤمن بالله» هذا اعتقاد القلب؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يشمل: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح؛ ووجه كون الأعمال من الإيمان أنها صادرة عن إيمان؛ الإيمان هو الذي حمل عليها، ولهذا لا يعد عمل المنافق من الإيمان؛ عمل المنافق - صلاته، وذكره لله؛ ونفقاته - لا يُعَدّ من الإيمان؛ لأنه صادر عن غير إيمان.\n١٩ - استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفا رحيما بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفا رحيما فلعى أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفا رحيما\n٢٠ - استدلت المعتزلة بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات فإنه تعالى أراد بالإيمان ههنا الصلاة. والجواب: لا نسلم أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة، بل المراد منه التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال: أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الإستعارة من هذه الجهة (٤).\nالقرآن\n﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٤٤، كتاب الرقاق، باب ٣١: من هم بحسنة أو سيئة، حديث رقم ٦٤٩١، وأخرجه مسلم ص ٧٠٠، كتاب الإيمان، باب ٥٩: إذا هم العبد بحسنة ...، حديث رقم ٣٣٨ [٢٠٧] ١٣١.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٦٨٧، كتاب الإيمان، باب ١٢: بيان عدد شعب الإيمان ...، حديث رقم ١٥٣ [٥٨] ٣٥.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٧: سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان ...، حديث رقم ٥٠؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨١، كتاب الإيمان، باب ١: بيان الإيمان والإسلام ...، حديث رقم ٩٣ [١] ٨.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٩.","vol":"3","page":341},{"text":"قد نرى تحوُّل وجهك -أيها الرسول- في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظارًا لنزول الوحي إليك في شأن القبلة، فلنصرفنك عن \"بيت المقدس\" إلى قبلة تحبها وترضاها، وهي وجهة المسجد الحرام بـ \"مكة\"، فولِّ وجهك إليها. وفي أي مكان كنتم -أيها المسلمون- وأردتم الصلاة فتوجهوا نحو المسجد الحرام. وإن الذين أعطاهم الله علم الكتاب من اليهود والنصارى لَيعلمون أن تحويلك إلى الكعبة هو الحق الثابت في كتبهم. وما الله بغافل عما يعمل هؤلاء المعترضون المشككون، وسيجازيهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" أي قد نرى تردد نظرك جهة السماء حينا بعد حين، تطلعا للوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة\" (١).\nقال أبو العالية: \" يقول: قد نرى نظرك إلى السماء\" (٢).\nقال النسفي: أي\" قد نرى يا محمد نحن تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء، إذ كان رسول الله ﷺ يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود، ولأنها ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وجهان (٤):\nالأول: قال جمهور المفسرين: أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة.\nالثاني: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قالوا: لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر، وهو أنه يحتمل أنه ﵇ إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمة المدينة، فقد روي أنه ﵇ كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٥).\nوقد اختلف في السبب الذي من أجله كان ﷺ يهوى قبلة الكعبة، وفيه قولان (٦):\nأحدهما: أنه كره قبلةَ بيت المقدس، من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا! . قاله عن مجاهد (٧)، وابن زيد (٨).\nالثاني: أنه كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم ﵇. روي ذلك عن ابن عباس (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" أي فلنوجهنك إِلى قبلةٍ تحبها، - وهي الكعبة\" (١٠).\nقال الطبري: \" أي فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة تَهواها وتُحبها\" (١١).\nقال المراغي: \" أي فلنجعلنّك تلى جهة تحبها وتتشوف لها غير جهة بيت المقدس\" (١٢)\nقال أبو العالية: \" ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾، وذلك أن الكعبة كانت أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ، وكان يقلب وجهه في السماء، وكان يهوى الكعبة، فولاه الله قبلة كان يهواها ويرضاها\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" أي: فاجعل وجهك بحيث يلى جهة المسجد الحرام\" (١٤).\nقال القرطبي: \"أي ناحية الكعبة ونحوه\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" اصرف وجهك وَحوِّله نحو المسجد الحرام\" (١٦).\nقال النسفي: \" أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، أي في جهته وسمته، لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين\" (١٧).\nقال المراغي: \" وفي ذكر ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ دون الكعبة، إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة حين الصلاة إذا كان بعيدا عنها بحيث لا يراها، ولا يجب استقبال عينها إلا لمن يراها بعينه\" (١٨).\nوسمي المسجد (حرامًا)؛ \"لأنه يمنع فيه من أشياء لا تمنع في غيره، ولأنه محترم معظم؛ والمراد به الكعبة، وما حولها من البناء المعروف\" (١٩).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤]، وجهان:\nأحدهما: يعني: تلقاءه. قاله أبو العالية (٢٠). وروي عن ابن عباس (٢١)، ومجاهد (٢٢)، وقتادة (٢٣)، والربيع (٢٤)، والبراء (٢٥)، وابن زيد (٢٦)، ورفيع (٢٧)، نحو ذلك.\nوالثاني: يعني: وسطه. قاله البراء (٢٨).\nقال الطبري: \"و(الشطر)، معناه: \"النحوَ والقصدَ والتّلقاء\" (٢٩)، كما قال الهذلي (٣٠):\nإنَّ العَسِيرَ بهَا دَاء مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ\nيعني بقوله: شَطْرَها، نحوها. وكما قال ابن أحمر (٣١):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٩.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٥٦): ص ١/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: تفسير النسفي: ١/ ٩٣.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٥.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٩٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٧٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٢٣٤): ص ٣/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٢٣٥): ص ٣/ ١٧٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٢٣٦): ص ٣/ ١٧٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٥.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ٩.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٥٨): ص ١/ ٢٥٣.\n(١٤) تفسير المراغي: ٢/ ١٠.\n(١٥) انظر: تفسير اقرطبي: ٢/ ١٥٩، وتفسير النسفي: ١/ ١٣٤.\n(١٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٥. [بتصرف بسيط].\n(١٧) انظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٤.\n(١٨) تفسير المراغي: ٢/ ١٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٤.\n(٢٠) انظر: الطبري (٢٢٣٧)،: ص ٣/ ١٧٦، وابن أبي حاتم (١٣٦١): ص ١/ ٢٥٤.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٢٢٣٨): ص ٣/ ١٧٦، و(٢٢٤٤): ص ٣/ ١٧٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢٣٩)، و(٢٢٤٠): ص ٣/ ١٧٦.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢٤١)، و(٢٢٤٢): ص ٣/ ١٧٦.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٢٢٢٢٤٣٣٩): ص ٣/ ١٧٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٢٢٤٥): ص ٣/ ١٧٧.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٢٢٤٦): ص ٣/ ١٧٧.\n(٢٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٦٢): ص ١/ ٢٥٤.\n(٢٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٦٠): ص ١/ ٢٥٤.\n(٢٩) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٥.\n(٣٠) البيت هو قيس بن العيزارة الهذلي. والعيزارة أمه، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل، انظر: ديوانه في أشعار الهذليين للسكري: ٢٦١ (أوربة)، ورسالة الشافعي: ٣٥، ٤٨٧، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٠، والكامل ١: ١٢، ٢: ٣ ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٠، واللسان (شطر) (حسر)، وغيرها. ورواية الشافعي في الرسالة: \" إن العسيب \" بالباء في آخره، ورواية ديوانه وابن هشام: \" إن النعوس \". والعسير: التي تعسر بذنبها إذا حملت، من شراستها. والنعوس: التي تغمض عينيها عند الحلب. والعسيب: جريد النخل إذا كشط عنه خوصه. وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة، وإنما هو اسم ناقته. وكلها صالح أن يكون اسما للناقة. وقد قال ابن هشام: \" النعوس: ناقته، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله: \" وهو حسير \". ويروى: \" داء يخامرها فنحوها. . . \"، ورواية ديوانه \" مخزور \". ومحسور، هو الحسير: الذي قد أعيى وكل. ومخزور: من قولهم: \" خزر بصره \": إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه. وهو يصف ناقته، ويذكر حزنه وحبه لها، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل.\n(٣١) سيرة ابن هشام ٢: ١٩٩، والروض الأنف ٢: ٣٨، والخزانة ٣: ٣٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٠.","vol":"3","page":342},{"text":"تَعْدُو بِنَا شَطْر جَمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ ... قَدْ كَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبَا\" (١)\nوقد اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه ﷺ أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام، وفيه قولان (٢):\nأحدهما: أن القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي ﷺ، وعناها الله: حيالَ ميزاب الكعبة. قاله: عبدالله بن عمرو (٣).\nوالثاني: أن البيت كله قبلةٌ، وقبلةُ البيت الباب. قاله: ابن عباس (٤).\nوالصواب: أن \"المولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ\" (٥)، وقبلة البيت بابه، كما قال أسامة بن زيد: \"رأيت رسول الله ﷺ حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ، هذه القبلة\" (٦). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي: وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة أيضًا \" (٨).\nقال المراغي: \" أي وفي أىّ مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم فى الصلاة\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" عدل عن الخطاب للنبي ﷺ إلى الخطاب لأمته؛ لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ خطاب له، وللأمة؛ إذ إنه الإمام؛ والخطاب إذا وجه للإمام فهو خطاب له، ولمن اتبعه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" أي إِن اليهود والنصارى ليعلمون أن هذا التحويل للقبلة حقٌ من عند الله\" (١١).\nقال المراغي: \" أي وإن أهل الكتاب يعلمون أن ذلك التولي شطر المسجد الحرام، هو الحق المنزل من الله على نبيه ﷺ، وهم مع هذا يفتنون ضعاف المؤمنين في دينهم ويتقبلون ذلك منهم، إذ يذكرون للناس أقوالا على أنها من كتبهم، وما هى من كتبهم، ولكن يريدون بذلك الخداع والفتنة والتهويش على الذين في قلوبهم مرض، بإثارة الشكوك فى نفوسهم\" (١٢).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، على قولين (١٣):\nأحدهما أنهم أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.\nوالثاني: عنى بذلك اليهودَ خاصةً. قاله السدي (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢٤٧)، و(٢٢٤٨)، و(٢٢٤٩): ص ٣/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٤) انظر تفسير الطبري (٢٢٥٠): ص ٣/ ١٧٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٢٢٥٢)، و(٢٢٥٣)، و(٢٢٥٤)، و(٢٢٥٥): ص ٣/ ١٨٠ - ١٨١، ورواه أحمد في المسند (٢١٢٤٧): ص ٥/ ٢٠١.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ١٠.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٢٤.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ١٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٨٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٢٥٦): ص ٣/ ١٨٣.","vol":"3","page":343},{"text":"والقول الأول أولى بالصواب، أي: أن هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ (١) الذي فرضه الله ﷿ على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده (٢)، وأن هذا التحويل كان في بشارة أنبيائهم برسول الله ﷺ أنه يصلي إلى القبلتين. والله أعلم.\nقال القرطبي: فإن قيل: كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان (٣):\nأحدهما: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدا ﷺ نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به.\nالثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، فصاروا عالمين بجواز القبلة.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" أي: وليس (٤) الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون يجازيَكم به أحسن جزاء\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني عما يعملون من كفرهم بالقبلة\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها\" (٧).\nقال المراغي: أي\" فهو العليم بالظاهر والباطن والمحاسب على ما في السرائر، والرقيب على الأعمال، فيجازي كل عامل بما عمل، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد لليهود على عنادهم، وإيقادهم نار الفتنة بين المؤمنين\" (٨).\nقال البيضاوي: \" وعد ووعيد للفريقين\" (٩).\nقال أبو السعود: \" وعد ووعيد للفريقين والخطابُ للكل تغليبا\" (١٠).\nقال القاسمي: \" فيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم\" (١١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"إن (ما) اسم موصول تفيد العموم؛ يعني: عن أيّ عمل يعملونه سواء كان يتعلق بالجوارح، أو يتعلق بالقلوب؛ فيشمل الاعتقاد، ويشمل القول، والفعل (١٢).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، على وجهين (١٣):\nأحدهما: ﴿تعملون﴾، بالتاء، قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي، على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد ﷺ. وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد.\nالثاني: ﴿يَعْمَلُونَ﴾، بالياء من تحت، قرأ بها الباقون.\nالفوائد:\n١ - لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره\n_________\n(١) و(الحق) معناه الشيء الثابت؛ فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق؛ وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل؛ قال الله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٨٣.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦١.\n(٤) قوله تعالى: (وما الله بغافل عما يعملون)؛ ﴿ما﴾ هنا حجازية؛ لأن القرآن بلغة قريش؛ والدليل على هذا قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ما هذا بشرًا﴾ [يوسف: ٣١]؛ ولم يقل: «بشر»؛ فالقرآن بلغة قريش؛ وقريش حجازيون؛ و﴿ما﴾ عندهم تعمل عمل «ليس».\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٤. [بتصرف بسيط].\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/! ٤٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٩٠.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ١١.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٢.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ١/! ٧٥.\n(١١) محاسن التأويل: ١/ ٤٢٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٤.\n(١٣) انظر: القرطبي: ٢/ ١٦١، وتفسير النسفي: ١/ ١٣٤، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":345},{"text":"أبو عمر. وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها، فإن خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء ومجاهد (١). واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة، فمنهم من قال بالأول. قال ابن العربي: وهو ضعيف، لأنه تكليف لما لا يصل إليه. ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ يعني من الأرض من شرق أو غرب ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الثالث: أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت (٢).\n٢ - من فوائد الآية: إثبات رؤية الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾.\n٣ - ومنها: أن النظر إلى السماء ليس سوء أدب مع الله؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء لكن في الصلاة لا يرفع بصره إلى السماء؛ لورود الوعيد الشديد به.\n٤ - ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.\n٥ - ومنها: كمال عبودية الرسول ﷺ لربه، حيث كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لكنه لم يفعل حتى أُمر بذلك.\n٦ - ومنها: إثبات عظمة الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلة﴾؛ فإن ضمير الجمع للتعظيم.\n٧ - ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿ترضاها﴾ مع قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾.\n٨ - ومنها: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾.\n٩ - ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء حيث عبر به عن سائر الجسم.\n١٠ - ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه؛ لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ فإذا ولّى الإنسان وجهه شطر المسجد الحرام فسيكون نظره تلقاء وجهه غالبًا؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: ماذا ينظر إليه المصلي حال القيام؟ فالمشهور عن المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه؛ وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده (٣) - وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة؛ واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان يطأطئ رأسه، وينظر إلى موضع سجوده؛ ولأنه أظهر في الخشوع؛ وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظران إلى موضع السجود؛ وأما المأموم فينظر إلى إمامه - بكسر الهمزة؛ واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري؛ وهي أن الرسول ﷺ حينما صلى صلاة الكسوف، وأخبر أصحابه بأنه عرضت عليه الجنة والنار قال لهم: «وذلك حين رأيتموني تقدمت وتأخرت» (٤)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أنه لما صنع له المنبر قام يصلي عليه، فكان يقوم، ويركع؛ فإدا أراد السجود نزل، وسجد على الأرض؛ وقال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي» (٥)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أيضًا أنهم لما أخبروا أن الرسول ﷺ كان يقرأ في صلاة السر؛ قيل لهم: بم تعرفون ذلك؟ قالوا: «باضطراب لحيته» (٦)؛ وهذه كلها في\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٠.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٠.\n(٣) راجع تفسير الطبري ١٩/ ٨.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٩٤، كتاب الجمعة، باب ١١: إذا انفلتت الدابة في الصلاة، حديث رقم ٢١٢؛ وأخرجه مسلم ص ٨٢٠، كتاب الكسوف، باب ٣: ما عرض على النبي في صلاة الكسوف ...، حديث رقم ٢١٠٢ [١٠] ٩٠٤.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٧٢، كتاب الجمعة، باب ٢٦: الخطبة على المنبر، حديث رقم ٩١٧؛ وأخرجه مسلم ص ٧٦٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ١٠: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة ...، حديث رقم ١٢١٦ [٤٤] ٥٤٤.\n(٦) أخرجه البخاري ص ٥٩، كتاب الأذان، باب ٩١: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، حديث رقم ٧٤٦.","vol":"3","page":346},{"text":"الصحيح؛ فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الائتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم، وقد يجلس ساهيًا مثلًا؛ فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به؛ أما الإمام، والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود؛ وهذا القول أقرب؛ ولا سيما إذا كان المأموم محتاجًا إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع، فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به، أو نحو ذلك.\nلكن يستثنى من ذلك إذا كان جالسًا؛ فإنه ينظر إلى موضع إشارته؛ لقول عبد الله بن الزبير: «كان النبي ﷺ لا يجاوز بصره إشارته» (١)؛ ومما يستثنى من ذلك عند بعضهم: إذا كنت في المسجد الحرام ويمكنك مشاهدة الكعبة؛ فإنك تنظر إلى الكعبة؛ ومنها إذا كنت في خوف وحولك العدو؛ فإنك تنظر إلى جهة العدو؛ فهذه المسائل الثلاث تستثنى؛ والراجح في مسألة الكعبة أن المصلي لا ينظر إليها حال صلاته؛ لعدم الدليل على ذلك؛ ولأنه ربما ينشغل به عن صلاته، لا سيما إذا كان الناس يطوفون حولها؛ وأما استثناء الصلاة حال الخوف فصحيح؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وخذوا حذركم﴾؛ وقد ورد عن النبي ﷺ أنه بعث طليعة؛ فكان يصلي وهو يلتفت إلى الشعب هل جاء الطليعة أم لا (٢).\n١١ - ومن فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام - أي ذي الحرمة والتعظيم - ولهذا كان من يدخله آمنًا، ولا يدخله أحد إلا بإحرام وجوبًا إن كان لم يؤد الفرض؛ أو استحبابًا إن كان قد أداه - بخلاف غيره؛ فكل شيء فيه حياة فهو آمن داخل الحرم - حتى الجماد: فالشجر آمن لا يجوز قطعه في الحرم؛ والصيد آمن لا يقتل في الحرم؛ بل ولا ينفر من مكانه.\n١٢ - ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أيّ مكان كان الإنسان: من بر، أو بحر، أو جو؛ لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ ويشمل من كان في مكة، ومن كان بعيدًا عنها، ومن كان في جوف الكعبة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم﴾؛ إذًا إذا كان في جوف الكعبة يستقبل أمام وجهه من أيّ الجهات كان؛ إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحًا ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لابد من شاخص يكون بين يديه حتى يصح أن يقال: إنه ولّى وجهه شطره؛ وإذا كنا خارج الكعبة - ولكن في المسجد - فإنا ندور حوله؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم لم نوَلّ وجوهنا شطره؛ ويكون من خرج عن مسامتته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن؛ وإذا ابتعدنا فإن بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبل المسجد؛ وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة؛ لكن هذا تقريبي؛ إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين - لا يخرج عن مسامتتها؛ ومن لا يمكن مشاهدتها لبعد، أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nويسقط استقبال القبلة في مواضع؛ منها:\nأ - عند صلاة النفل في سفر؛ فيصلي حيث كان وجهه.\nب - عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة.\nج - إذا كان عاجزًا عن استقبال القبلة لمرض - أو صلب - يعني: لو صلب إلى غير القبلة، أو نحو ذلك.\nأما إذا اشتبهت عليه القبلة فعليه أن يجتهد إن كان بمكان يصح فيه الاجتهاد؛ فإن أصاب فذاك؛ وإن أخطأ فهو معذور؛ إذًا فالاشتباه لا يُستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه لا يجوز أن يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة؛ بخلاف\n_________\n(١) خرجه أبو داود ص ١٣٩٦، كتاب الصلاة، باب ١٨٠: الإشارة في التشهد، حديث رقم ٩٩٠، وأخرجه النسائي ص ٢١٧٠ كتاب السهو، باب ٣٩: موضع البصر عند الإشارة ...، حديث رقم ١٢٧٦، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٥٥، باب ٢٢٦: النظر إلى السباب، حديث رقم ٧١٨، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح (١/ ٤٠٧).\n(٢) أخرجه أبو داود ص ١٢٩٠، كتاب الصلاة، باب ١٦٣: الرخصة في ذلك، حديث رقم ٩١٦، وأخرجه ابن خزيمة ١/ ٢٤٦، باب ٩٣: ذكر الدليل على أن الالتفات المنهي عنه في الصلاة ...، حديث رقم ٤٨٥، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٨٣ – ٨٤، كتاب الجهاد، وقال الحاكم (صحيح على شرط الشيخين غير أنهما لم يخرجا لسهل لقلة رواية التابعين عنه)؛ وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: (صحيح) ١/ ٢٥٦.","vol":"3","page":347},{"text":"الذي ذكرنا؛ فالعاجز يعرف أن القبلة خلفه، فيصلي إلى غير القبلة؛ وكذلك في شدة الخوف؛ وكذلك المتنفل في السفر.\n١٣ - المسلمين على وجهة واحدة؛ لأنه تعالى قال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ فالمسلمون في أقطار الدنيا كلها يتجهون إلى قبلة واحدة؛ هذا توحيد؛ ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية - وهي الصلاة؛ فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، وتوحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري.\n١٤ - والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾؛ ولكن مع ذلك شنعوا على النبي ﷺ تشنيعًا عظيمًا حين توجه إلى الكعبة بأمر ربه.\n١٥ - ومنها: أن ما كان من عند الله فهو حق؛ لقوله تعالى: ﴿أنه الحق﴾ مضافًا إلى الله: ﴿من ربهم﴾.\n١٦ - ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام، ومع إقرارهم بربوبية الله ﷾؛ فهم يعلمون أن الرسول ﷺ سيستقبل الكعبة؛ وهم علموا ذلك مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ بأن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة؛ وكان عليهم حيث أقروا بربوبية الله لهم، وعلموا الحق أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن من أقر بربوبية الله ﷾ لزم أن يقر بأحكامه، ويلتزم بها؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء؛ ولهذا أضاف الربوبية هنا إليهم: ﴿من ربهم﴾؛ لإقامة الحجة عليهم حيث يعترفون بربوبيته.\n١٧ - ومن فوائد الآية: انتفاء غفلة الله ﷿ عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه، وإحاطته بهم؛ ولا يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط؛ بل نقول: المتضمن لكمال العلم، والإحاطة؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾.\n١٨ - ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية، ومنفية؛ لأن التي في الآية هنا منفية - وهي قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ فالصفات المنفية: كل صفة صُدِّرت بما يدل على النفي بأيّ أداة كانت، مثل قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿ولم يعيَ بخلقهن﴾ [الأحقاف: ٣٣]؛ واعلم أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي؛ وإنما يراد بها مع النفي: ضدها؛ فإذا قال الله تعالى عن نفسه: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] فالمراد: نفي اللغوب، وإثبات كمال قوته، وقدرته.\nالقرآن\n﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]\nالتفسير:\nولئن جئت -أيها الرسول- الذين أُعطوا التوراة والإنجيل بكل حجة وبرهان على أن توجُّهك إلى الكعبة في الصلاة هو الحق من عند الله، ما تبعوا قبلتك عنادًا واستكبارًا، وما أنت بتابع قبلتهم مرة أخرى، وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ولئن اتبعت أهواءهم في شأن القبلة وغيرها بعد ما جاءك من العلم بأنك على الحق وهم على الباطل، إنك حينئذ لمن الظالمين لأنفسهم. وهذا خطاب لجميع الأمة وهو تهديد ووعيد لمن يتبع أهواء المخالفين لشريعة الإسلام (١).\nفي سبب نزول الآية: أخرج الطبري من طريق أسباط عن السدي قال: \" وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبة، قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده!\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٧٢","vol":"3","page":348},{"text":"ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾، إلى قوله: ﴿ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ \" (١).\nوروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢)، وقتادة (٣)، نحوه\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]، \" أي ولئن جئت اليهود والنصارى بكل معجزة على صدقك في أمر القبلة\" (٤).\nقال ابن عثيمين: أي\" إن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة، بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام\" (٦).\nواختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، على قولين (٧):\nأحدهما: أن المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ [البقرة: ١٤٤]. قاله الأصم (٨).\nالثاني: أن المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واحتجوا عليه بأن قوله: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ صيغة عموم فيتناول الكل.\nقوله تعالى: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: \" ما اتبعوك يا محمد ولا صلّوا إلى قبلتك\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي الكعبة؛ لعنادهم، واستكبارهم\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \"ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا - مع قيام الحجة عليهم بذلك - قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام\" (١١).\nقال الزجاج: أي\" فإن أهل الكتاب قد علموا أن النبي - ﷺ - حق وأن صفته ونبوته في كتابهم، وهم يحققون العلم بذلك فلا تغني الآيات عند من يجد ما يعرف\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، أي: \"وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" لفظ خبر يتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك\" (١٤).\nقال الطبري: \" وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، وأن النصارى تستقبل المشرقَ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها\" (١٥).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، وجوها (١٦):\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢٢٥٨): ص ٣/ ١٨٦، و(٢٢٠٤): ص ٣/ ١٥٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢٥٨): ص ٣/ ١٨٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢١٦٣): ص ٣/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢. [بتصرف بسيط].\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٤.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٧.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٧.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٤.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٢٤.\n(١٣) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٥.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٣.\n(١٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٥.\n(١٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٥.","vol":"3","page":349},{"text":"أحدها: أنه دفع لتجويز النسخ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة.\nوالثاني: حسما لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.\nالثالث: المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك.\nالرابع: أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم، لأن ذلك معصية.\nالخامس: وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق، فالزم قبلتك ودع أقوالهم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: \"وما اليهود بتابعةٍ قبلةَ النصارى، ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها\" (١).\nقال السدي: \" يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود\" (٢). وروي عن ابن زيد وابن زيد (٣) مثله.\nقال ابن عثيمين: \" فاليهود لا تتبع قبلة النصارى؛ والنصارى لا تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار؛ واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق؛ ولهذا يكذبون عيسى ﷺ\" (٤).\nقال المراغي: \" أي إن اليهود لا تترك قبلتها وتتجه إلى المشرق، والنصارى لا تغيّر قبلتها وتتجه إلى المغرب، لأن كلا منهما متمسك بما هو فيه، محقّا كان أو مبطلا، ولا ينظر إلى حجة وبرهان، إذ التقليد أعمى بصيرته، فلا يبحث فى فائدة ما هو فيه، ولا يوازن بينه وبين غيره، ليتّبع أصلح الأمور وأكثرها نفعا\" (٥).\nقال أبو السعود: \" فإن اليهودَ تستقبلُ الصخرةَ والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقُهم كما لا يرجى موافقتُهم لك لتصلُّب كلِّ فريقٍ فيما هو فيه\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]، تفسيران (٧):\nأحدهما: أن المعنى: ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، قاله السدي (٨)، وابن زيد (٩).\nقال ابن عطية: \"فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم\" (١٠).\nالثاني: أن معنى الآية: وما من أسلم معك منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم بمتبع قبلة من أسلم.\nقال ابن عطية: \"والأول أظهر في الأبعاض، وقبلة النصارى مشرق الشمس وقبلة اليهود بيت المقدس\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٢٥٧): ص: ٣/ ١٨٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢٥٨): ص ٣/ ١٨٦.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١١.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٥.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٢٥٧): ص: ٣/ ١٨٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٢٥٨): ص ٣/ ١٨٦.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٣.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٣.","vol":"3","page":350},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: \" ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، فاتبعتَ قبلتهم\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي ولئن اتبعت أهواءَهم فرضًا\" (٢).\nقال الثعلبي: أي\" مرادهم في أمر القبلة\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: صليت إلى قبلتهم\" (٤).\nقال المراغي: \" أي ولئن وافقتهم فيما يريدون، فصليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على اتباعك والإيمان بك\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي ولئن فرض وقدّر أنك سايرتهم على أهوائهم، واتبعت ما يهوونه ويحبونه بعد وضوح البرهان الذي جاءك بطريق الوحي\" (٦).\nو(الهوى)، هو الميل؛ ومنه يقال للنجم: (هوى) إذا مال، وسقط؛ ويطلق (الهوى) في الغالب على الميل عن الحق؛ ويقابله (الهدى)؛ فيقال: اتبعَ الهوى بعد الهدى؛ وإن صح الحديث وهو قول الرسول ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\" (٧) - فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر (٨).\nقال ابن عطية: \" وهوى النفس: إنما يستعمل في الأكثر: فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخير مقيدا به، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في أسرى بدر: \"فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر\" (٩) \" (١٠).\nقال السعدي: \"إنما قال: ﴿أهواءهم﴾، ولم يقل: (دينهم﴾، لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ \" (١١).\nواختلفوا في المخاطب في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، على ثلاثة أوجه (١٢):\nأحدها: أن الخطاب له -ﷺ- في الظاهر، وهو في المعنى لأمته، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].\nالثاني: أن المراد: الرسول وغيره. فإن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره والغرض منه أن لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة.\nالثالث: وقيل غيره، لأنه تعالى عرف أن الرسول لا يفعل ذلك، فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب.\nوالراجح، أن الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، \"وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي ﷺ ظلما متوقعا فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي ﷺ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٦. [بتصرف بسيط].\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٥.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٣٥٩.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٧) أخرجه البغوي في شرح السنة ١/ ٢١٢ – ٢١٣، حديث رقم ١٠٤، قال النووي في آخر الأربعين النووية \"حسن صحيح\"، وقال الحافظ في الفتح ١٣/ ٢٨٩: أخرجه الحسن بن سفيان وغيره؛ ورجاله ثقات؛ وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩٤): تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه ...\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٩.\n(٩) رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٦٣)، وأحمد في المسند (٢٢١، وأبو داود في الجهاد (٢٦٩٠)، والترمذي في تفسير القرآن (٣٠٨١).\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٣.\n(١١) تفسير السعدي: ١/ ٧٢.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٠، والتفسير البسيط: ٣/ ٣٩٥.","vol":"3","page":351},{"text":"وقطعنا أن ذلك لا يكون منه فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي ﷺ تعظيما للأمر\" (١).\nقال الواحدي: \"وقيل: أن الله تعالى خاطب نبيه -﵇- بهذا مهددًا أمته، أي: إذا استحققت منا مثل ذا الجزاء عند مخالفة، لو وقعت منك، ولن تقع أبدًا كانوا هم أجدر وأخلق، بتكاثف الأوزار، واجتماع الآثام، عند ما يظهر منهم من إيثار الضلال والانحراف عن الحق\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، أي\" بعد ما جاءك الحق اليقين، والعلم الذي لا شكّ فيه\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: \" إنها حق وإنها قبلة إبراهيم\" (٤).\nقال الواحدي: أي\" أن قبلة الله: الكعبة\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق، ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم ﵇ وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بـ (العلم) الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [البقرة: ١٤٥]، أي: \" لتكونن من جملة الظالمين\" (٨).\nقال الثعلبي: أي\" الجاحدين الضارين أنفسهم\" (٩).\nقال الواحدي: \" أي: إنك إذن مثلهم\" (١٠).\nقال الطبري: \"أي: \"إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم، المخالفين أمري، والتاركين طاعتي، وأحدُهم وفي عِدادِهم\" (١١)، و\"الغرض منه التهديد والزجر\" (١٢)\nقال ابن عثيمين: \"أي: لمن المعتدين الذين نقصوا الواجب عليهم من اتباع الحق دون الأهواء\" (١٣).\nقال الصابوني: \" والكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، وإِلا فحاشاه ﷺ َ من أتباع أهواء الكفرة المجرمين، وهو من باب التهييج للثبات على الحق\" (١٤).\nقال البيضاوي: \" وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه:\nأحدها: الإِتيان باللام الموطئة للقسم.\nثانيها: القسم المضمر.\nثالثها: حرف التحقيق وهو أن.\nرابعها: تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية.\nوخامسها: الإِتيان باللام في الخبر.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٣.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٣٩٦.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ١٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٣٥٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٩.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ١٢.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ٣٩٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٧.\n(١٢) تفسير الراي: ٤/ ١١٧.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٦.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢/ ٩٢.","vol":"3","page":352},{"text":"وسادسها: جعله من الظَّالِمِينَ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهامًا بحصول أنواع الظلم.\nوسابعها: التقييد بمجيء العلم تعظيمًا للحق المعلوم، وتحريصا على اقتفائه وتحذيرًا عن متابعة الهوى، واستفظاعًا لصدور الذنب عن الأنبياء\" (١).\nقال المراغي: \" وإذا كان هذا الوعيد توجه لأعلى الناس مقاما عند ربه لو حاول اتباع الهوى استرضاء للناس بمجاراتهم على الباطل، فما ظنك بغيره ممن يتبع الهوى ويجارى الناس على شاء نهاهم الله عنه، فليعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح من الظلم العظيم الذي يوقع في مهاوى الهلاك، فكأنه قيل: إن هذا ظلم عظيم لا هوادة فيه مع أحد، فلو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله لسحل عليه الظلم ﴿وما للظّالمين من أنصار﴾، فكيف بمن دونه ممن لا يقار به منزلة عند ربه؟ ولا شكّ أن سماع هذا الوعيد وأشباهه يوجب على المؤمن أن يفكر طويلا ويتأمل فيما وصل إليه حال المسلمين اليوم، وكيف إن علماءهم يجارون العامة في بدعهم وضلالاتهم وهم يعترفون ببعدها عن الدين، ولا يكون لهم وازع من نواهيه، وقوارعه الشديدة، وزواجره التي تخرّ لها الجبال سجّدا، وأعجب من هذا مجاراتهم لأهواء الملوك والأمراء، حتى إنهم ليلفّقون لهم من الحيل والفتاوى ما يسترضونهم به، ويكون فيه إشباع لشهواتهم واتباع لأهوائهم\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الرسول ﷺ كان حريصًا على هداية الخلق؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية﴾ دليل على أنه -ﷺ- كان يعرض الآيات، ويبين الحقائق؛ ولكن لا ينتفعون بها.\n٢ - ومنها: شدة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب؛ وأنهم مهما أوتوا من الآيات فإنهم لن ينصاعوا لها، ولن يتبعوها.\n٣ - ومنها: أن الذين أوتوا الكتاب لن يتبعوا قبلة الرسول ﷺ؛ وإذا كان كذلك فلن يتبعوا دينه؛ لأن القبلة بعض الدين؛ فمتى كفروا بها فهو كفر بالدين كله.\n٤ - ومنها: أن الكعبة قبلة للمسلمين خاصة؛ لأنه تعالى أضاف استقبالها إليهم؛ ولكن الظاهر - والله أعلم - أن الكعبة قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا﴾ [آل عمران: ٩٦ وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لكن أتباعهم من اليهود، والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة.\n٥ - ومنها: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم؛ فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبينت الآيات.\n٦ - ومنها: أن النبي ﷺ مستحيل أن يكون تابعًا لقبلتهم؛ لأن قبلتهم التي يدعونها لم تثبت شرعًا؛ ثم لو فرض أنها جاءت في شرائعهم فإنها نُسِخت بقبلة الإسلام.\n٧ - ومنها: أنه يستحيل شرعًا أن يتبع المسلم طريقة اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾؛ وجه الاستحالة: أن الجملة جاءت بالاسمية المؤكدة بحرف الجر في سياق النفي؛ فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، ولا أن يأخذ بآرائهم، وأفكارهم، واتجاهاتهم؛ وقد حمى النبي ﷺ ذلك غاية الحماية، حيث قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣)، حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله، والتقليد لهم سواء\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٢.\n(٢) تفسير المراغي: ٢/ ١٢.\n(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠، حديث رقم ٥١١٤، وأخرجه أبو داود ص ١٥١٨، كتاب اللباس، باب ٤: في لبس الشهرة، حديث رقم ٤٠٣١، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنفن كتاب السير، باب ٧٩: ما قالوا فيما ذكر من الرماح واتخاذها، حديث رقم ٣٣٠٠٦، قال الحافظ في الفتح ١٠/ ٢٧١: أخرجه أبو داود بسند حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٢/ ٥٠٤، وقال في الإرواء: صحيح ٥/ ١٠٩، حديث رقم ١٢٦٩.","vol":"3","page":353},{"text":"في أمور العبادة، أو في أمور العادة؛ فإن التشبه بأعداء الله حرام: وقد يؤدي إلى الكفر، والشرك - والعياذ بالله.\n٨ - ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضًا؛ بل يضلل بعضهم بعضًا؛ فاليهود يرون النصارى ليسوا على شيء من الدين؛ والنصارى يرون اليهود ليسوا على شيء من الدين أيضًا؛ كل منهم يضلل الآخر فيما بينهم؛ كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ [البقرة: ١٤٥]؛ فقبلة اليهود إلى بيت المقدس - إلى الصخرة؛ وقبلة النصارى إلى المشرق يتجهون نحو الشمس؛ لكنهم على الإسلام يد واحدة بعضهم لبعض وليّ، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١]؛ لأنهم كلهم أعداء للإسلام.\n٩ - ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾.\n١٠ - ومنها: أن اليهود والنصارى ليسوا على هدى، حيث جعل الله ﷾ ما هم عليه هوى، وليس بهدى.\n١١ - ومنها: أن الإنسان لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾؛ فالإنسان قد يتابع غيره جهلًا؛ فلا يؤاخذ به - وإن كان يسمى ضالًا؛ لكنه ليس بظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة؛ لا يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه.\n١٢ - ومنها: التلطف في الخطاب للرسول -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿لمن الظالمين﴾؛ لأنك لو قلت لرجل: «أنت رجل ظالم» لكان أشد وقعًا من قولك له: أنت من الظالمين؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿عبس وتولى﴾ [عبس: ١ عندما تقرؤها تظن أن العابس والمتولي غير الرسول ﷺ؛ تظن أنه رجل آخر؛ ولكن المراد به الرسول ﷺ.\n١٣ - ومنها: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾: أتى بـ «أل» المفيدة للكمال؛ ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بالشريعة؛ ولذلك نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم؛ وليس عصرنا الآن هو عصر العلم الذي يمدح على الإطلاق؛ لكن ما كان منه نافعًا في الدين فإنه يمدح عليه لهذا.\n١٤ - ومنها: أن الظلم، والعدل، وغير ذلك مقرون بالأعمال؛ لا بالأشخاص؛ بمعنى أنه ليس بين الله تعالى وأحد من الخلق شيء يحابيه، ويراعيه به؛ كل من خالفه فهو ظالم؛ فلا نقول مثلًا: هذا قريب من الرسول ﷺ تكفر سيئاته لقربه من الرسول ﷺ؛ أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف - من سلالة بني هاشم - تكفّر عنه سيئاته؛ فإذا كان الرسول ﷺ يقول الله ﷾ له: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا لمن الظالمين﴾؛ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ! ! ! فلا أحد يحابى من قِبل الله ﷿ من أجل نسبه، أو حسبه، أو جاهه بين الناس: قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].\n١٥ - ومن فوائد الآية: قد يرد التعليق على شرط لا يمكن تحققه؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا لمن الظالمين﴾؛ فهذا الشرط لا يمكن أن يقع من رسول الله -ﷺ-.\n١٦ - ومنها: تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين؛ وجه ذلك أنه إذا كان هذا الوصف يكون للرسول -ﷺ- لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى؛ فعلينا أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله؛ فالواجب على علماء الأمة أن يحذِّروها مما وقعت فيها الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ويبينوا لهم أن اتباع أهوائهم هو الظلم؛ والظلم ظلمات يوم القيامة؛ والظلم مرتع مبتغيه وخيم.\n١٧ - دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ يدل على ذلك.\nالقرآن","vol":"3","page":354},{"text":"﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]\nالتفسير:\nالذين أعطيناهم التوراة والإنجيل من أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون أنَّ محمدًا ﷺ رسول الله بأوصافه المذكورة في كتبهم، مثل معرفتهم بأبنائهم. وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون صِدْقه، وثبوت أوصافه.\nفي سبب نزول الآية: قال الواحدي: \" نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه كانوا يعرفون رسول الله - ﷺ - بنعته وصفته وبعثه في كتابهم كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان؛ قال عبد الله بن سلام: لأنا أشد معرفة برسول الله - ﷺ - مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا يقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام\" (١).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، \" أي إن اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا النبي الأمى خاتم الرسل كما يعرفون أبناءهم\" (٢).\nقال الثعلبي: \" يعني محمدا كما يعرفون أبناءهم من بين النصارى\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم\" (٤).\nقال المراغي: \" هذا كالدليل لما ذكر فى قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، فكأنه قال: إن سبب العلم بأنه الحق، أنهم يعرفون النبي ﷺ بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، كما يعرفون أبناءهم الذين يربّونهم ويحوطونهم بعنايتهم، فلا يفوتهم شاء من أمرهم\" (٥).\nواختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦]، على ثلاثة أوجه (٦):\nأحدها: أنه عائد إلى رسول الله -ﷺ-، أي: يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم. قاله ابن عباس (٧)، مجاهد (٨) وقتادة (٩) وغيرهما، وهو قول أكثر المفسرين (١٠).\nقال البيضاوي: \" الضمير لرسول الله ﷺ، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه\" (١١).\nالثاني: أنه راجع إلى أمر القبلة: أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر تحويل القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم. قاله أبوالعالية وقتادة والسدي ومقاتل وروي عن ابن عباس أيضا (١٢)، واختاره الإمام الطبري (١٣).\nالثالث: أنه يرجع إلى القرآن. حكاه البيضاوي (١٤).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٤٤، وانظر: العجاب: ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(٢) تفسير المراغي: ٧/ ٩٤.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٢.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١٢ - ١٣.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٧) عزاه في: زاد المسير: ١/ ١٥٨.\n(٨) عزاه إليه ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٤.\n(٩) عزاه إليه ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٤.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٥: \"واختاره الزجاج ورجحه التبريزي، وبدأ به الزمخشري\" وهو الذي رجحه أبو حيان.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٢.\n(١٢) عزاه إليهم في زاد المسير: ١/ ١٥٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٨٧.\n(١٤) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٢.","vol":"3","page":355},{"text":"والقول الأول أولى بالصواب، وذلك للوجوه الآتية (١):\nأحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ [البقرة: ١٤٥]، والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة.\nوثانيها: أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد ﷺ مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى.\nوثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﷺ فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى.\nوفي سبب تخصيص ذكر الأبناء في المعرفة دون الأنفس في قوله تعالى ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، قال الرازي: \" لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق\" (٢).\nوقال القرطبي: \"وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه. وروي أن عمر قال لعبدالله بن سلام: أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، \"أي وإن جماعة منهم، ليخفون الحق ولا يعلنونه\" (٤).\nقال مجاهد: \" يكتمون محمدًا ﷺ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل\" (٥).\nقال الثعلبي: \" يعني صفة محمد ﷺ وأمر الكعبة\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي يكتمون صفته، ومن لا يعلم أمر النبي - ﷺ - وما جاء به\" (٧).\nقال البيضاوي: \" تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن\" (٨).\nقال ابن عطية: \" والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم\" (٩).\nوفي الحق الذي كتموه، قولان:\nأحدهما: أنه النبي محمدﷺ- يكتمه اليهود والنصارى. قاله مجاهد (١٠)، وقتادة (١١)، وخصيف.\nولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف تبينون الهدى لمحمد، وأصحابه؟ ! إذا بينتموه يحاجوكم به عند الله أفلا تعقلون! فهم يتواصون بالكتمان - والعياذ بالله (١٢).\nالثاني: وقيل المراد: استقبال الكعبة (١٣)، قاله الربيع (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٩.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٢٧٠): ص ٣/ ١٨٩.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٢٥.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٢.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٢٧٠): ص ٣/ ١٨٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٢٦٩): ص ٣/ ١٨٩.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٢.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٢٧١): ص ٣/ ١٩٠، وابن أبي حاتم (١٣٧١): ص ١/ ٢٥٦.\n(١٥) عزاه في زاد المسير: ١/! ٥٨.\n(١٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٨.","vol":"3","page":356},{"text":"قال الطبري: \"وذلك الحق هو القبلة التي وجَّه الله ﷿ إليها نبيَّه محمدًا ﷺ. يقول: فَولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى، فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس، ورفضُوا ما أمرهم الله به، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد ﷺ وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله ﷿ محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ ﵎، وخيانتهم عبادَه، وكتمانِهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، أي: \" يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه الحق\" (٢).\nقال الزجاج: أي\" أنه الحق\" (٣).\nقال الواحدي: \" لأن الله بيّن ذلك في كتابهم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"وهذا أبلغ في الذم، وأقبح في الفعل أن يكونوا كاتمين للحق وهم يعلمون، ومثله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] \" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وجهان من التفسير (٦):\nأحدهما: وهم يعلمون أنه حق.\nوالثاني: وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب.\nالفوائد\n١ - من فوائد الآية: أن النبي ﷺ معروف عند أهل الكتاب معرفة تامة؛ وذلك كما جاء في كتبهم، كما قال الله - ﵎: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n٢ - ومنها: أنه لا عذر ولا حجة لأهل الكتاب في إنكارهم رسالة النبي ﷺ؛ لأنهم أوتوا من وصفه ما يعرفونه به كما يعرفون أبناءهم.\n٣ - ومنها: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت؛ لقوله تعالى: ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾؛ فهو يعرف الابن أكثر مما يعرف البنت لقوة تعلقه به.\n٤ - ومنها: الاحتراس في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿وإن فريقًا منهم﴾؛ لأن كتمان الحق لم يكن من جميعهم؛ بل من فريق منهم؛ وطائفة أخرى لا تكتم الحق؛ فإن من النصارى من آمن، كالنجاشي؛ ومن اليهود - كعبد الله بن سلام - مَن آمن، ولم يكتم الحق.\n٥ - ومنها: شدة اللوم، والذم لهؤلاء الذين يكتمون الحق؛ لأنهم يكتمونه مع العلم به؛ فهم عامدون ظالمون؛ وهذا أشد قبحًا من كتمان الإنسان ما يكون مترددًا فيه.\nالقرآن\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٤١.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٢٥.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٣٩٨.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٤١.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ١٥٨.","vol":"3","page":357},{"text":"الذي أنزل إليك -أيها النبي- هو الحق من ربك، فلا تكونن من الشاكين فيه. وهذا وإن كان خطابا للرسول ﷺ فهو موجه للأمة.\nقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: \" اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى\" (١).\nقال الربيع: \" يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك\" (٢).\nقال الثعلبي: \"أي هذا الحق\" (٣) من ربك (٤).\nقال الواحدي: \" أي: هذا الحق من ربك\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"يعنى أن الحق ثابت، وحاصل من ربك؛ وقيل: هذا الحق من ربك\" (٦).\nقال الطبري: \" وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه ﵇: عن أن القبلة التي وجهه نحوها، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله ﷿\" (٧).\nقال ابن كثير: \" ثبّت تعالى نبيه والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك\" (٨).\nوروي عن علي ﵁ أنه قرأ: ﴿الحق﴾، منصوبا بـ ﴿يعلمون﴾، أي ﴿يعلمون الحق﴾ (٩).\nقال النحاس: \"فأما الذي في \"الأنبياء\" ﴿الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا، والفرق بينهما أن الذي في سورة (البقرة) مبتدأ آية، والذي في الأنبياء ليس كذلك\" (١٠).\nقال القرطبي: \" ويصح نصبه على تقدير (الزم الحق)، والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير: (هو الحق)، أو على إضمار فعل، أي (جاءك الحق) \" (١١).\nوأما الألف واللام في قوله ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٧]، ففيه وجهان (١٢):\nالأول: أن يكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله ﷺ أو إلى الحق الذي في قوله: ﴿ليكتمون الحق﴾ أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك.\nوالثاني: أن يكون للجنس على معنى: الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل.\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: \" فلا تكوننَّ من الشاكّين\" (١٣).\nقال الطبري: \"أي من الشاكين، في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي ﵇ وقبلة الأنبياء غيره\" (١٤).\nقال ابن زيد: \" قال: من الشاكين قال، لا تشكنّ في ذلك\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٠.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٢٧٢): ص ٣/ ١٩٠.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ١٥٨.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٣٩٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٤٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٢.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٣.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٣.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٩.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٠.\n(١٥) أخرجه الطبري (٢٢٧٣): ص ٣/ ١٩١.","vol":"3","page":358},{"text":"قال الزجاج: \" أي من الشاكين والخطاب أيضا عام أي فلا تكونوا من الشاكين\" (١).\nقال الصابوني: \"والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته\" (٢).\nقال الواحدي: \"يعني: فلا تكونن من الممترين في الجملة التي أخبرتك من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك\" (٣).\nقال الثعلبي: \" والخطاب في هذه الآية: وفي ما قبلها للنبي ﷺ والمراد به غيره، وكل ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" والخطاب هنا للرسول ﷺ؛ وهذا النهي يراد به التثبيت؛ إذ لا يمكن وقوع الامتراء من النبي ﷺ؛ كما أن أمر المؤمن بالإيمان يراد به الثبوت، والاستمرار عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ [النساء: ١٣٦]، كما أن الشرط قد يعلق بما لا يمكن وقوعه كما سبق في قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا لمن الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥] \" (٥).\nو(المرية): الشك، ومنه: الامتراء والتماري (٦)، وأنشد الطبري قول الأعشى (٧):\nتَدِرُّ عَلَى أَسْوُقِ المُمْتَرِينَ ... رَكْضًا، إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنّ\nقال ابن عطية: \" ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري\" (٨).\nوقال الراغب: \"المرية: التردد في الأمر، وهو أخصمن الشك، والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه مرية\" (٩).\nوقد اختلف العلماء في تحديد نوع (المرية) في قوله ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، على أقوال (١٠):\nأحدها: فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك، وأن بعضهم عاند وكتم، قاله الحسن.\nوثانيها: بل يرجع إلى أمر القبلة. قاله الربيع (١١).\nوثالثها: إلى صحة نبوته وشرعه.\nوالقول الثالث هو الأقرب، \"لأن أقرب المذكورات إليه قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة، فقوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وجب أن يكون راجعا إليه\" (١٢). والله تعالى أعلم.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن ما جاء من عند الله فهو حق؛ لقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾.\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٢٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٣٩٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٤٣ - ١٤٤.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ١٥٨، والتفسير البسيط: ٣/ ٣٩٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٥٠.\n(٧) ديوانه: ٢٠ واللسان (رجحن).\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٤.\n(٩) المفردات: ٤٦٩.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٧٣): ص ١/ ٢٥٦.\n(١٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٢.","vol":"3","page":359},{"text":"٢ - ومنها: أنه ما دام الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به، وأن لا يلحقه في ذلك شك، ولا مرية.\n٣ - ومنها: أن كل شيء خالف ما جاء عن الله فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ [يونس: ٣٢].\n٤ - ومنها: تقوية الرسول ﷺ على ما هو عليه من الحق - وإن كتمه أهل الكتاب - لأن الإنسان بشر؛ لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب الحق قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة - وإن كان بعيدًا؛ فبين الله ﷾ أن ما جاء به هو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾.\n٥ - ومنها: عناية الله ﷾ بالنبي بذكره بالربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿من ربك﴾.\n٦ - ومنها: أن الشك ينافي الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾.\n٧ - ومنها: أنه قد ينهى عن الشيء مع استحالة وقوعه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾؛ فإن النبي ﷺ لا يمكن أن يكون من الممترين.\n٨ - ومنها: عناية الله ﷾ بالرسول ﷺ بالتثبيت؛ لأن قوله تعالى له: ﴿الحق من ربك﴾ يقتضي ثباته عليه؛ وقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ يقتضي استمراره على هذا الثبات؛ ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول ﷺ، وتثبيته ما هو ظاهر.\nالقرآن\n﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]\nالتفسير:\nولكل أمة من الأمم قبلة يتوجَّه إليها كل واحد منها في صلاته، فبادروا - أيها المؤمنون- متسابقين إلى فِعْل الأعمال الصالحة التي شرعها الله لكم في دين الإسلام. وسيجمعكم الله جميعا يوم القيامة من أي موضع كنتم فيه. إن الله على كل شيء قدير.\nقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، \"أي ولكل أمة جهة توليها في صلاتها\" (١).\nقال ابن عباس: \" يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها. ووجه الله حيث توجه المؤمنون\" (٢).\nقال أبو العالية: \" قال: لليهودي وجهة هو موليها، (وللنصارى) وجهة هو موليها، وهداكم الله أنتم أيتها الأمة (القبلة) التي هي القبلة\" (٣). وروي عن مجاهد في أحد قوليه. والضحاك، وعطاء، والسدي، والربيع نحو ذلك (٤).\nقال الثعلبي: \" أي ولكل أهل ملة قبلة، مستقبلها ومقبل إليها\" (٥).\nقال البيضاوي: \" ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي لكل أمة من الأمم قبلةٌ هو مولّيها وجهه أي مائل إِليها بوجهه\" (٧).\nوروي عن مجاهد في قوله ﴿لكل وجهة هو موليها﴾، قال: \"أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة\" (٨). وروي عن الحسن نحو ذلك (٩).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ١٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٧٤): ص ١/ ٢٥٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٧٥): ص ١/ ٢٥٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٧٦): ص ١/ ٢٥٧.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٧.","vol":"3","page":360},{"text":"وقال قتادة: \" هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة\" (١).\nيقال: \"وليته، ووليت إليه. إذا أقبلت إليه ووليت عنه إذا أدبرت عنه، وأصل التولية: الانصراف\" (٢).\nقد ذكر أهل العلم في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ [البقرة: ١٤٨]، أربعة أوجه (٣):\nأحدها: أنه يتناول جميع الفرق، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، وهو قول الاصم، قال: لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨].\nوثانيها: أن المراد: أهل الكتاب وهم: المسلمون واليهود والنصارى، والمشركون غير داخلين فيه. وهو قول ابن عباس (٤)، وأبي العالية (٥)، و\"مجاهد في أحد قوليه. والضحاك، وعطاء، والسدي، والربيع\" (٦).\nوثالثها: أن المراد: لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها: جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، واحتجوا على هذا القول بوجهين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿هو موليها﴾ يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لأن ما عداها تولية الشيطان.\nوالثاني: أن الله تعالى عقبه بقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة.\nورابعها: أن المراد: لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة، فقبلة المقربين: العرش، وقبلة الروحانيين: الكرسي، وقبلة الكروبيين: البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة.\nواختلفوا في المراد بقوله تعالى ﴿وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، على قولين (٧):\nأحدهما: أن المراد المنهاج والشرع، قاله الحسن (٨)، وهو كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٦٧]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] والمراد منه أن للشرائع مصالح، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضا اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير.\nالثاني: أن المراد منه أمر القبلة، قاله ابن عباس (٩)،\nوقالوا: لأنه تقدم قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك.\nوذكروا في الضمير (هو) في قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، وجهان (١٠):\nالأول: أنه عائد إلى الكل، أي ولكل أحد وجهة هو مولى وجهه إليها.\nالثاني: أنه عائد إلى اسم الله تعالى، أي: الله تعالى يوليها إياه.\nوتقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله: ﴿هو موليها﴾ عائدا إلى الله تعالى فههنا وجهان:\n_________\n(١) أهرجه ابن ابي حاتم (١٣٧٧): ص ١/ ٢٥٧.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٧٤): ص ١/ ٢٥٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٧٥): ص ١/ ٢٥٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٦.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٣.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٧٤): ص ١/ ٢٥٦.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١١٣.","vol":"3","page":361},{"text":"الأول: أن الله عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحا فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم﴾ [البقرة: ١٤٢]، فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعا في عرصة القيامة، فيفصل بينكم.\nالثاني: أنا إذا فسرنا قوله: ﴿ولكل وجهة﴾ بجهات الكعبة ونواحيها، كان المعنى: ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة، أي ناحية من الكعبة: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ بالتوجه إليها من جميع النواحي، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، على وجهين (١):\nأحدهما: ﴿هو مُولَّاها﴾، بفتح اللام، \"أي مصروف إليها\" (٢). قرأ بها ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك.\nالثاني: ﴿مُوَلِّيهَا﴾، بكسر اللام. قرأ بها الباقون.\nوقرئ: ﴿وَلِكُلّ وِجْهَةٍ﴾: بالإِضافة، والمعنى وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد جبرًا لضعف العامل (٣).\nقال الثعلبي: \" وفي حرف أبيّ: ﴿ولك قبلة هو موليها﴾، وفي حرف عبد الله: ﴿ولكل جعلنا قبلة هو موليها﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، أي: \" فبادروا وسارعوا أيها المؤمنون إِلى فعل الخيرات\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي تسابقوا إليها\" (٦).\nقال البيضاوي: أي\"من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة\" (٧).\nقال المراغي: \"أي فبادروا إلى فعل كل نوع من أنواع الخير، وليحرص كل منكم أن يكون سباقا إليه\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي فبادروا إلى القبول من - الله ﷿، وولوا وجوهكم حيث أمركم أن تولوا\" (٩).\nقال الطبري: \"أي: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم، فبادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم، وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم، فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة، فلا عذر لكم في التفريط، وحافظوا على قبلتكم، فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم، فتضلُّوا كما ضلت\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ١٥.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٢٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٦.","vol":"3","page":362},{"text":"قال الثعلبي: أي\" وبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضا فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر (١):\nثنائي عليكم آل حرب ومن يمل ... سواكم فإني مهتد غير مائل\nأراد من يمل إلى سواكم\" (٢).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وجهين من التفسير:\nأحدهما: أن المعنى: \" سارعوا في الخيرات\". قاله أبو العالية (٣)، وروي عن الربيع بن أنس (٤) نحو ذلك.\nالثاني: أن المراد: \" اثبتوا على قبلتكم. قاله الحسن (٥).\n\nقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨]، أي: \"في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه، يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة\" (٦).\nقال أبو العالية: \" يعني: يوم القيامة\" (٧). وروي عن السدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك (٨).\nقال الزجاج: \" أي يرجعكم إليه\" (٩).\nقال البيضاوي: \" فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع\" (١٠).\nقال الواحدي: \" أي: أينما تكونوا يجمعكم الله للحساب فيجزيكم بأعمالكم\" (١١).\nقال أبو السعود: \" أي في أيّ موضعٍ تكونوا من موافِقٍ أو مخالفٍ مجتمعِ الأجزاء أو متفرقِها يحشُرُكم الله تعالى إلى المَحْشَر للجزاء\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" يريد أهل الكتاب، [فيجمعكم الله] يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم\" (١٣).\nقال المراغي: \" أي ففى أي مكان تقيمون فيه، فالله يأتي بكم ويجمعكم للحساب فعليكم أن تستبقوا إلى فعل الخيرات، فالبلاد والجهات لا شأن لها فى أمر الدين، وإنما الشأن لعمل البر، وفي هذا وعد لأهل الطاعة، ووعيد لأهل المعصية\" (١٤).\nقال الصابوني: \" أي في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل يبن المحق والمبطل\" (١٥).\nوعن السدي: قوله ﴿أينما تكونوا﴾، قال: من الأرض\" (١٦).\nوعن الضحاك، في قوله: \" ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا﴾،\n_________\n(١) البيت للراعي النميري، انظر: ديوانه: ٢٠٥، و١٠٨، والبيت ورد في: البحر المحيط: ١/ ٤٣٩، والدر المصون: ٢/ ١٧٦، وغيرهما.\nوالبيت سقط في المخطوط عد الثعلبي، وفيه: وهو الداعي [......] عليكم بالحرب ... ومن يمل سواكم فإني منه غير مائل\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٧٩): ص ١/ ٢٥٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٨١): ص ١/ ٢٥٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٨٢): ص ١/ ٢٥٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٨.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٢٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ٤٠٥.\n(١٢) تفسير ابي السعود: ١/ ١٧٧.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٤.\n(١٤) تفسير المراغي: ٢/ ١٥.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٨٣): ص ١/ ٢٥٨.","vol":"3","page":363},{"text":"قال: البر والفاجر\" (١).\nوذكر البيضاوي في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨]، ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء.\nالثاني: أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال، يقبض أرواحكم.\nالثالث: أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يأت بكم الله جميعًا ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، \" أي إِنه تعالى قادر على كل شيء\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي: لا يعتريه عجز في كل شيء فعله\" (٤).\nقال الزجاج: أي: \"فتوفون ما عملتم\" (٥).\nقال القرطبي: \" ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى\" (٦).\nقال المراغي: \" فهو لا يعجزه أن يحشر الناس يوم الجزاء مهما بعدت بينهم المسافات. وتناءت بهم الديار والجهات\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسامكم وأبدانكم\" (٨).\nقال أبو السعود: \" فيقدِر على الإماتة والإحياء والجمعِ فهو تعليل للحكم السابق\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾: أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير\" (١٠).\nوعن محمد ابن إسحاق كذلك: \" قوله: ﴿على كل شيء قدير﴾، أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد قوله تعالى ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي ﵁ أفضل، خلافا لأبي حنيفة.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها - وإن اتفقت على أصل واحد؛ وهو الإسلام؛ ونعني بـ «الإسلام» المعنى العام؛ وهو الاستسلام لله بشرائعه القائمة التي لم تُنسَخ.\n٣ - ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يتبع الحق أينما كان؛ ولا ينظر إلى كثرة المخالف؛ لا يقل: الناس على كذا فكيف أشذ عنهم! بل يجب عليه أن يتبع الحق؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة﴾ يشمل الوجهة الشرعية، والوجهة القدرية؛ يعني ما وجه الله العباد إليه شرعًا، وما وجههم إليه قدرًا؛ الوجهة القدرية معروفة: فمن الناس من يهديه الله تعالى فيكون اتجاهه إلى الحق؛ ومن الناس من يُخذَل فيَضل، ويكون اتجاهه إلى الباطل؛ فالوجهة التي يتبعها المشركون، واليهود، والنصارى، وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية؛ أما شرعية فلا؛ لأن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٨٤): ص ١/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٨.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٢٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٧.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ١٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢١٤): ص ١/ ٥٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧١): ص ١/ ٢٠٢.","vol":"3","page":364},{"text":"الله ما شرع الكفر أبدًا؛ ولا شرع شيئًا من خصال الكفر؛ والوجهة الشرعية: اختلاف الشرائع بين الناس؛ فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقًا؛ فإنها الحق من الله.\n٤ - ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾.\n٥ - ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله؛ فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر المطلق للفورية.\n٦ - ومنها: البلاغة التامة في قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ دون «استبقوا إلى الخيرات» - وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزِع منها حرف الجر؛ وليس بصحيح؛ لأن ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ يشمل الاستباق إليها، والاستباق فيها؛ فليس معناه: إذا وصلت إلى الخير فإنك تقف؛ بل حتى في نفس فعلك الخير كن مسابقًا؛ وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]؛ فالمطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط، ويستمر فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦].\n٧ - ومن فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا؛ لقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا﴾.\n٨ - ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجميع يكون يوم القيامة.\n٩ - ومنها: إثبات عموم قدرة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ [فاطر: ٤].\nوهناك كلمة يقولها بعض الناس فيقول: «إن الله على ما يشاء قدير»؛ وهذا لا ينبغي:\nأولًا: لأنه خلاف إطلاق النص؛ فالنص مطلق.\nثانيًا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة بما يشاء الله دون ما لم يشأ؛ والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لا يشاء.\nثالثًا: أنه قد يفهم منه مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: «إن الله ﷿ لا يشاء أفعال العبد؛ فهو غير قادر عليها».\nولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، فنقول: إن الله على كل شيء قدير؛ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، كما في قوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى: ٢٩]؛ فإن ﴿إذا يشاء﴾ عائدة على «الجمع»؛ لا على «القدرة»؛ فهو قدير على الشيء شاءه، أم لم يشأه؛ لكن جمعه لا يقع إلا بالمشيئة؛ ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله ﷾، فقال: «ولكني على ما أشاء قادر» (١)؛ لأنه يتكلم عن فعل معين؛ ولهذا قال: «قادر»: أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة - «قدير» - الدالة على الاتصاف بالقدرة.\nالقرآن\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩]\nالتفسير:\nومن أي مكان خَرَجْتَ -أيها النبي- مسافرًا، وأردت الصلاة، فوجِّه وجهك نحو المسجد الحرام. وإنَّ توجُّهك إليه لهو الحق الثابت من ربك. وما الله بغافل عما تعملونه، وسيجازيكم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، معناه: \"ومن أيّ موضع خرَجْت إلى أي موضع وجَّهتَ، فحوِّل يامحمد وَجْهك شطر المسجد الحرام\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي مستقبلًا له؛ وذلك عند الصلاة\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٧١٢، كتاب الإيمان، باب ٨٣، آخر أهل النار خروجًا، رقم الحديث: ٤٦٣ [٣١٠] ١٨٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٨.\n(٣) تفسير انب عثيمين: ٢/ ١٤٩ - ١٥٠.","vol":"3","page":365},{"text":"قال مقاتل: \" يعني الحرم كله فإنه مسجد كله\" (١).\nقال البيضاوي: \" ومن أي مكان خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾، إذا صليت\" (٢).\nو(شطر المسجد) أي جهة المسجد؛ و(المسجد الحرام) هو المسجد الذي فيه الكعبة؛ لقول النبي ﷺ: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ... \" (٣)؛ بل لقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥]؛ ووصِف بالحرام لاحترامه، وتعظيمه (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، \"أي وإن توليك إياه لهو الحق الثابت الموافق للحكمة والمصلحة\" (٥).\nقال ابن أبي زمنين: \" يعني: أن القبلة: الكعبة\" (٦).\nقال الآلوسي: \" أي: الاستقبال أو الصرف أو التولية، [هو الحق] الثابت الموافق للحكمة\" (٧).\nقال الطبري: اي: \"وإنّ التوجه شَطرَه للحق الذي لا شكّ فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله\" (٨).\nقال أبو حيان: \" هذا إخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق، أي الثابت الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، \"أي فالله ليس بغافل عن أعمالكم، وسيجازيكم بذلك خير الجزاء\" (١٠).\nقال الطبري: \"أي: فإن الله تعالى ذكره لَيس بساهٍ عن أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها لكم، حتى يجازيكم بها يوم القيامة\" (١١).\nقال المراغي: \" ولا يخفى ما في هذا من الوعد والبشارة للمؤمنين بنيل المكافأة على ما يفعلون\" (١٢).\nقال أبو حيان: \" فالجهات كلها بالنسبة إلى الباراء تعالى مستوية، فكونه خص باستقبال هذه زمانًا، ونسخ ذلك باستقبال جهة أخرى متأبدة، لا يظهر في ذلك في بادي الرأي إلا أنه تعبد محض. فلم يبق في ذلك إلا امتثال ما أمر الله به، فأخبر تعالى أنه لا يغفل عن أعمالكم، بل هو المطلع عليها، المجازي بالثواب من امتثل أمره، وبالعقاب من خالفه\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، قراءتان (١٤):\nإحداهما: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء: خطاب للمسلمين.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٩.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٩٢، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، باب ١: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم ١١٨٩، أخرجه مسلم ص ٩٠٩، كتاب الحج، باب ٩٥: فضل المساجد الثلاثة، حديث رقم ٣٣٨٤ [٥١١] ١٣٩٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٥٠.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١٦.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ١٨٧.\n(٧) روح المعاني: ١/ ٤١٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٨.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٢٨٢.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ١٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٨.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ١٦.\n(١٣) البحر المحيط: ١/ ٣٨٢.\n(١٤) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٣، والبحر المحيط: ١/ ٣٨٢، وتفسير ابن عثيمين/ ٢/ ٦٧.","vol":"3","page":366},{"text":"قال القاسمي: \" فهو وعد للمؤمنين\" (١).\nوالثانية: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء، وهو قراءة أبو عمرو، خطاب لهؤلاء الذين اعترضوا على النبي ﷺ؛ فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم؛ بل سوف يجازيهم بما يستحقون.\nقال القاسمي: \" فهو وعيد للكافرين\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أينما كان الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء ...﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية.\n٢ - ومنها: تكرار الأمر الهام لتثبيته، والثبات عليه، ودفع المعارضة فيه؛ لأنه كلما كرر كان مقتضاه أن الأمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه؛ وكون المسلمين ينقلون من وجهة إلى وجهة في القبلة أمر هام له شأن عظيم؛ ولهذا ارتد من ارتد من الناس حين حوِّلت القبلة.\n٣ - ومنها: إثبات حرمة المسجد الحرام، وتعظيمه؛ لقوله تعالى: ﴿المسجد الحرام﴾؛ فالمسجد محترم معظم؛ حتى ما حوله صار محترمًا معظمًا؛ فالبلد كله آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان؛ ولهذا حرم النبي ﷺ أن يختلى خلاها، أو يعضد شوكها (٣)، أو يقطع شجرها (٤)، كل هذا لاحترام هذا المكان، وتعظيمه.\n٤ - ومنها: أن التوجه إلى الكعبة هو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وإنه للحق من ربك﴾ فأثبت فيه الحقية مؤكدًا بـ ﴿إن﴾، واللام.\n٥ - ومنها: كمال علم الله ﷾، ومراقبته لخلقه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.\n٦ - ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾؛ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عمله؛ وعمله: كسبه - إن كان في الخير - واكتسابه - إن كان في الشر - كما قال تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوالناس في هذه المسألة - أعني مسألة أعمال العباد - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: من يرون أن الإنسان مجبر على العمل؛ لا يفعل شيئًا باختيار أبدًا؛ وما فعله الاختياري إلا كفِعله الاضطراري: فمن نزل من السطح على الدرج درجة درجة هو كمن سقط بدون علمه من أعلى السطح؛ وهذا مذهب الجبرية من الجهمية؛ وهو مذهب باطل ترده الأدلة السمعية، والعقلية.\nالقسم الثاني: من يرون أن الإنسان مستقل بعمله، وأن الله ﷾ لا يصرِّف العبد إطلاقًا؛ فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلق لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله، وخلقه بعمل الإنسان، وهذا مذهب المعتزلة القدرية؛ وهو مذهب باطل للأدلة السمعية، والعقلية.\nوكلا القسمين مع بطلانهما يلزم عليهما لوازم باطلة.\nالقسم الثالث: يرون أن فعل العبد باختياره؛ وله تعلق بمشيئة الله؛ فمتى فعل العبد الفعل علمنا أن الله تعالى قد شاءه، وقدره؛ وأنه لا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريد؛ بل كل ما وقع فهو مراد لله مخلوق له؛ ووجه كون فعل العبد مخلوقًا لله: أن الإنسان مخلوق لله؛ وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة؛ وقدرة؛ والله ﷿ هو الذي خلق العزيمة الصادقة، والقدرة؛ فالإنسان بصفاته، وأجزائه، وجميع ما فيه كله مخلوق لله ﷿.\nهذا القول الوسط هو الذي تجتمع فيه الأدلة جميعًا؛ لأن الذين قالوا: «إن الإنسان مجبر» أخذوا بدليل واحد، وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر؛ والذين قالوا: «إنه مستقل» أخذوا بدليل واحد، وأطلقوا الدليل الثاني من أيديهم؛ لكن أهل السنة، والجماعة - والحمد لله - أخذوا بأيديهم بالدليلين؛ وقالوا: الإنسان يفعل باختياره؛ ولكن تصرفه تحت مشيئة الله ﷿؛ ولهذا إذا وقع الأمر بغير اختياره رُفع عنه حكمه: فالنائم لا حكم لفعله، ولا لقوله؛ والمكره على الشيء لا حكم لفعله، ولا لقوله؛ بل أبلغ من ذلك: الجاهل بالشيء لا حكم لفعله مع أنه قد قصد الفعل؛ لكنه لجهله يعفى عنه؛ كل ذلك يدل على أن الله ﷾ رحيم بعباده.\nالقرآن\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠]\nالتفسير:\nومن أى مكان خرجت -أيها النبي- فتوجَّه إلى المسجد الحرام، وحيثما كنتم -أيها المسلمون-، بأي قطر من أقطار الأرض فولُّوا وجوهكم نحو المسجد الحرام؛ لكي لا يكون للناس المخالفين لكم احتجاج عليكم بالمخاصمة والمجادلة، بعد هذا التوجه إليه، إلا أهل الظلم والعناد منهم، فسيظلُّون على جدالهم، فلا تخافوهم وخافوني بامتثال أمري، واجتناب نهيي؛ ولكي أتم نعمتي عليكم باختيار أكمل الشرائع لكم، ولعلكم تهتدون إلى الحق والصواب.\nفي سبب نزول الآية: قال السدي: \" السدي قال: كان النبي ﷺ يُصلي قِبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبة. فلما وُجِّه قبل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرَنا عَن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم، أوْ لا؟ وقالت اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر! وقال المشركون من أهل مكة: تَحيَّر على محمد دينُهُ، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أنْ يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين: \" سَيقول السفهاء من الناس مَا ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها \" إلى قوله: \" وإنْ كانتْ كبيرةً إلا على الذين هَدى الله \"، وأنزل في الآخرين الآيات بعدها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: و\"من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد، فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام\" (٦).\nقال المراغي: \" أي ومن حيث خرجت في أسفارك في المنازل القريبة أو البعيدة، فولّ وجهك جهة المسجد الحرام\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي من أيّ مكان خرجت إِليه للسفر فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة\" (٨).\nوفي تكرار قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠]، قولان (٩):\nأحدهما: أن هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها، لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدا، فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه.\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٤٣٠.\n(٢) محاسن التأويل: ١/ ٤٣٠.\n(٣) راجع البخاري ص ١٤٤، كتاب جزاء الصيد، باب ١٠: لا يحل القتال بمكة، حديث رقم ١٨٣٤؛ ومسلمًا ص ٩٠٣، كتاب الحج، باب ٨٢: تحريم مكة، وتحريم صيدها، وخلاها، وشجرها، ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، حديث رقم ٣٣٠٢ [٤٤٥] ١٣٥٣.\n(٤) راجع البخاري ص ١٢، كتاب العلم، باب ٣٩: كتابة العلم، حديث رقم ١١٢؛ ومسلمًا ص ٩٠٤، كتاب الحج، باب ٨٢: تحريم مكة، وتحريم صيدها، وخلاها ...، حديث رقم ٣٣٠٦ [٤٤٨] ١٣٥٥ ...\n(٥) أخرجه الطبري (٢٢٠٤): ص ٣/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٩٩.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ١٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٩) تفسير القطربي: ٢/ ١٦٨.","vol":"3","page":367},{"text":"والثاني: أنه أراد بالأول: ولّ وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صليت تلقاءها. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ثم قال ﴿ومن حيث خرجت﴾، يعني: وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض.\nوالقول الثاني أحسن من الأول، لأن فيه حمل كل آية على فائدة والله تعالى أعلم.\nقال الواحدي: \" إنما كرر هذا؛ لأن هذا من مواضع التوكيد؛ لأجل النسخ الذي نُقلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير\" (١).\nقال الصابوني: \" وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما نسخ من الأحكام الشرعية، فدعت الحاجة إِلى التكرار لأجل والتقرير وإِزالة الشبهة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، \" أي: وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة\" (٣).\nقال المراغي: أي: \" وحيثما كنتم من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين وصليتم فولوا وجوهكم شطره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، \" أي لئلا يكون لأولئك المحاجين في أمر القبلة وهم أهل الكتاب والمشركون وتبعهما المنافقون - حجة وسلطان عليكم\" (٥).\nقال أبو العالية: \" يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد ﷺ إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه، وكان حجتهم على النبي ﷺ عند انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا\" (٦).\nقال ابن أبي حاتم: \" وروي عن مجاهد، وعطاء، والسدي وقتادة والربيع بن أنس والضحاك، قالوا: قد رجعت إلى قبلتنا\" (٧).\nقال ابن عطية: \"المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم\" (٨).\nقال الزمخشري: \"معناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبًا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: قد عرفكم الله أمر الاحتجاج في القبلة مما قد بيناه لئلا يكون للناس على الله حجة في قوله: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ \" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي عرّفكم أمر القبلة لئلا يحتج عليكم اليهود فيقولوا: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا فتكون لها حجة عليكم أو كقول المشركين: يدعى محمد ملة إِبراهيم ويخالف قبلته \" (١١).\nواختلف في المعنيين بـ (الناس)، في الآية على ثلاثة أقوال: (١٢):\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٤٠٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ١٦.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٨٧): ص ١/ ٢٥٨.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٨.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٢٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٦٩.","vol":"3","page":368},{"text":"أحدها: أنهم مشركو العرب. قاله مجاهد (١)، وعطاء (٢).\nوحجتهم قولهم: \"قدر رجعتت إلى قبلتنا! \" (٣)، وقد أجيبوا عن هذا بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢].\nالثاني: أنهم أهل الكتاب. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥).\nوفي حجتهم قولان:\nالقول الأول: \"أنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله ﷺ وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين\" (٦). قاله الطبري.\nالقول الثاني: \" ذلك أنهم كانوا قد عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم، وقد كانوا وجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها، فحوله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون. بأن هذا النبي الذى نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت فلما حول النبي ﷺ ذهبت حجتهم ثم قال: إلا الذين ظلموا منهم يعني إلا أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا\" (٧). قاله أبو روق.\nالثالث: أنهم المنافقون. إذ قالوا: \" إن هذا الرجل لا يثبت على دينه؛ ولو كان نبيًا حقًا لثبت على دينه\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، عموم في اليهود والعرب وغيرهم\" (٩).\nقال شيخنا ابن عثيمين: \"وهذه عادة أهل الباطل يموِّهون، ويقلبون الحق باطلًا؛ لأنهم يريدون غرضًا سيئًا؛ بل إن تحوله إلى استقبال الكعبة مع هذه الاعتراضات، والمضايقات دليل على أنه رسول الله حقًا فاعل ما يؤمر به\" (١٠).\nو(الحجة): \"من الحج الذي هو القصد، لأنها مقصودة للمخاصم، ومنه: المحجّة: لأنها تقصد بالسلوك. والمخاصمةُ يقال لها: المحاجّة؛ لقصد كل واحد من الخصمين إلى إقامة بينته وإبطال ما في يد صاحبه\" (١١).\nقال الطبري: \"وإنما (الحجة) في هذا الموضع: الخصومة والجدال\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" ومعنى (الحجة) في [الآية]: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]،: أي لا خصومة، وقوله ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩]، وليحاجوكم وتحاجون وحاججتم كلها بمعنى المجادلة والمخاصمة، لا بمعنى الدليل والبرهان\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٠)، و(٢٣ - ١)، و(٢٣٠٢): ص ٣/ ٢٠٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٦): ص ٣/ ٢٠٣.\n(٣) تفسير الطبري (٢٢٩٢): ص ٣/ ١٩٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٢٩٢): ص ٣/ ١٩٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٢٩٣): ص ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٠٠.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٥٤.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ٤٠٦، وانظر: \"المفردات\" ص ١١٥، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٧٩ (حجج).\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٠١.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٥.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٢٠٦.","vol":"3","page":370},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، قرأ نافع وحده بتسهيل الهمزة، وقرأ الباقون ﴿لِئَلَّا﴾، بالهمز (١).\nقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: \" لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم، ومخاصمتهم\" (٢).\nقال الحسن: \" يقول: لن يحتج عليكم بذلك إلا ظالم، فولوا وجوهكم شطره، لئلا يحتج عليكم الظلمة\" (٣).\nقال أبو العالية: \" يعني: مشركي قريش، يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك\" (٤). وروي عن مجاهد، وعطاء وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى: \"إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له\" (٦).\nقال الزمخشري: \" وهم أهل مكة حين يقولون: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" المراد بهم المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوون للحق مهما تبين\" (٨).\nقال المراغي: \" أي لكن الذين ظلموا منهم بالعناد، فإن لهم عليكم حجة، إذ يقول اليهود: ما تحوّل إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه، وحبّا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله، ويقول المشركون: رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، ويقول المنافقون: إنه متردد مضطرب لا يثبت على قبلة، إلى نحو هذا من الآراء التي سداها ولحمتها الهوى، ولا مرجع فيها لحجة وبرهان، بل هى جدل في دين الله وشرعه بلا هدى ولا كتاب منير، ومثل هؤلاء لا يقام لقولهم وزن\" (٩).\nواختلف في نوع الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وفيه ثلاثة أوجه (١٠):\nأحدها: أنه استثناء متصل. فيكون ﴿الذين ظلموا﴾ مستثنى من (الناس)؛ لأن الناس منهم ظالم؛ ومنهم من ليس بظالم.\nقال ابن عطية: \" والمعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة في قولهم ما وَلَّاهُمْ استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق\" (١١).\nوممن صحّح الإستثناء على ظاهره: أبو العالية (١٢)، ومجاهد (١٣)، وعطاء (١٤)، وقتادة (١٥)، والربيع (١٦)، والسدي (١٧)، وأبو روق (١٨) (١٩)، وقال به أبو حيان (٢٠)، ونسبه إلى ابن عباس (٢١)، قال: \"واختاره الطبري (٢٢)، وبدأ به ابن عطية (٢٣)، ولم يذكر الزمخشري (٢٤) غيره، وذلك أنه متى أمكن الاستثناء المتصل إمكانًا حسنًا كان أولى من غيره\" (٢٥).\nالثاني: أنه منقطع، و(إلا) بمعنى (لكن)؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة؛ لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم، ومخاصمتهم. وهذا مذهب الأخفش (٢٦)، والمؤرج (٢٧)، والفراء (٢٨).\nوهذا \"كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] يعني: لكن الذين يتبعون الظن ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، يعني: لكن يبتغي، فيكون منقطعًا من الكلام الأول\" (٢٩).\nالثالث: وقيل أن (إلا) ههنا بمعنى (الواو)، وهذا مذهب أبو عبيدة (٣٠)، ومعمر بن المثنى (٣١).\nوالمعنى: والذين ظلموا لا يكون لهم أيضا حجة، فهو استثناء بمعنى (الواو)، ومنه قول الشاعر (٣٢):\nما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروانا\nكأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان،\nووأنشدوا قول الآخر (٣٣):\nكل أخٍ مفارقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدان\nفقال: أراد: والفرقدان أيضًا يفترقان.\nوقول الشاعر (٣٤):\nوأرى لها دارًا بأغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدَانِ لم يَدْرُس لها رَسْمُ\nإلّا رَمَادًا خامدًا دَفَعَتْ ... عنهُ الرِّياحَ خَوَالِد سُحْمُ\nأراد: أرى دارًا ورمادًا (٣٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٥.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٨٨): ص ١/ ٢٥٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٨٩): ص ١/ ٢٥٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٩.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٢٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ١٧.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٠٦، وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٩.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٨٩): ص ١/ ٢٥٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٠)، و(٢٣٠١)، و(٢٣٠٢): ً ٣/ ٢٠٢، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٦): ً ٣/ ٢٠٣، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٣): ً ٣/ ٢٠٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٤): ً ٣/ ٢٠٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٥): ص ٢/ ٢٠٢.\n(١٨) هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي صدوق، صاحب تفسير، عده ابن حجر من طبقة صغار التابعين، ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٣٩٣ (٤٦١٥)، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٨٢.\n(١٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦.\n(٢٠) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٨٤.\n(٢١) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٨٤.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٠٤.\n(٢٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٥.\n(٢٤) انظر: الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(٢٥) البحر المحيط: ١/ ٣٨٤.\n(٢٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٦٢.\n(٢٧) البيت نسب فى كتاب سيبويه ١/ ٣٧٣ إلى الفرزدق. وانظر فى تخريج إعرابه السيرافي على الكتاب ٣/ ٣٠٦ من التيمورية.\n(٢٨) معاني القرآن: ١/ ٨٩.\n(٢٩) التفسير البسيط: ٣/ ٤١٠.\n(٣٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦.\n(٣١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٠ - ٦١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٦، والتفسير البسيط: ٣/ ٤١٢.\n(٣٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٠٩.\n(٣٣) البيت. نسب لعمرو بن معدي كرب، ينظر: \"ديوانه\" ص ١٧٨، \"الكتاب\" ٢/ ٣٣٤، \"المؤتلف والمختلف\" ص ١٥١، ولعمرو أو لحضرمي في \"خزانة الأدب\" ٣/ ٤٢١. وهو بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٥، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٤٠٢ \"فرقد\". والفرقدان: نجمان في السماء لا يغربان.\n(٣٤) البيت للمُخَبَّل السعدي، ينظر: \"ديوانه\" ص ٣١٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٦، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٢٥ (خلد)، \"المفضليات\" ص ١١٣ - ١١٤. والأغدرة: جمع غدير، السِّيدان: أرض لبني سعد. الخوالد: البواقي وعنى بها: الأثافي. سحم: ذات لون يضرب إلى السواد.\n(٣٥) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/! ٥٢.","vol":"3","page":371},{"text":"وكذا قيل في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي الذين آمنوا (١)،\nقال الثعلبي: \" يؤيد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنه قرأ بعضهم: ﴿إلى الذين ظلموا﴾، مخففا يعني: مع الذين ظلموا\" (٢).\nومعنى الآية على هذا القول: \"لئلا يكون للناس، يعني اليهود عليكم حجة في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكة لأنهم قالوا: إن الكعبة قبلة جدنا إبراهيم فما بال محمد تحول عنها فلا يصلي إليها ويصلي إلى قبلة اليهود\" (٣).\nوأبطل الزجاج والفراء هذا الوجه الثالث:\nفقال الزجاج: \"هذا خطأ عند الحذاق من النحويين، وفيه بطلان المعاني\" (٤).\nوقال الفراء: \" هذا صواب فِي التفسير، خطأ فِي العربية، إنما تكون (إلا) بمنزلة (الواو)، إذا عطفتها على استثناء قبلها، فهنالك تصير بمنزلة (الواو) \" (٥).\nوالأقرب - والله أعلم - أن الاستثناء منقطع؛ \"لأن قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ هذا عام شامل؛ لكن من ظلَم من اليهود، أو المشركين، فإنه لن يرعوي بهذه الحكمة التي أبانها الله ﷿\" (٦).\nوقرأ زيد بن على ﵄: ﴿ألا الذين ظلموا منهم﴾، على أنّ ألا للتنبيه ووقف على ﴿حجة﴾، ثم استأنف منبها (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: \" فلا تخافوهم\" (٨).\nقال السدي: \" يقول: لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: فلا تخافوهم\" في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فاني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة\" (١١).\nقال الواحدي: أي: \" لا تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة، وفي تظاهرهم عليكم في المحاجّة والمحاربة\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي فلا تخشوا الظالمين في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا يستند إلى حجة من برهان عقلى ولا هدى سماوى\" (١٣).\nقال ابن كثيرأي: \"لا تخشوا شُبَهَ الظلمة المتعنتين\" (١٤).\nقال أبو السعود: أي: \" فإن مطاعنهم لاتضركم شيئا\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٩٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٦٩.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٦٩. ولم أجد قول الزجاج في معاني القرآن.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٨٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٩.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٩) أخرجه الطبري (٢٣٠٨): ص ٣/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم (١٣٩٠): ص ١/ ٢٥٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٤١٥.\n(١٣) تفسير المراغي: ٢/ ١٧.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.\n(١٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٨.","vol":"3","page":372},{"text":"قال ابن عثيمين: \" يعني مهما قال الذين ظلموا من كلام، ومهما قالوا من زخارف القول، ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم\" (١).\nقال الشيخ السعدي: \" لأن حجتهم باطلة، والباطل كاسمه مخذول، مخذول صاحبه، وهذا بخلاف صاحب الحق، فإن للحق صولة وعزا، يوجب خشية من هو معه، وأمر تعالى بخشيته، التي هي أصل كل خير، فمن لم يخش الله، لم ينكف عن معصيته، ولم يمتثل أمره\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: \"وخافوني\" (٣).\nقال أبو السعود: أي: \" فلا تخالفوا أمرى\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا تخالفوا أمرى وما رأيته مصلحة لكم\" (٥).\nقال ابن كثير: أي: \"وأفْرِدُوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" الأمر هنا للوجوب بلا شك؛ الواجب على المرء أن يخشى الله وحده.\" (٧).\nقال المراغي: أي: \" فلا تخالفوا ما جاءكم به رسولى عنى، فأنا القادر على جزائكم بما وعدتكم\" (٨).\nقال أهل العلم: \"وفي هذا إيماء إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه، وأن المبطل ينبغي ألا يؤبه له، فإن الحق دائما يعلو، وما آفة الحق إلا ترك أهله له، وخوفهم من أهل الباطل\" (٩).\nقال القرطبي: \"الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقي، والخوف: فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به سمي خوفا، ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى، والأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، \" أي وأمرتكم بما مر، لإتمام النعمة عليكم لما أنه نعمة جليلة\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" ولإتمامى النعمة عليكم، أمرتكم بذلك، \" (١٢).\nقال ابن كثير: أي: \"ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها\" (١٣).\nقال الصابوني: \" أي أتمّ فضلي عليكم بالهداية إِلى قبلة أبيكم إبراهيم والتوفيق لسعادة الدارين\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: \" ولكن أتم نعمتي بهدايتي اياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: أي\" في هذه الشريعة الخاصة ــ وهي استقبال الكعبة بدلًا عن بيت المقدس\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٧٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢.\n(٤) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٨.\n(٥) الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ١٧.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ١٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٠.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٨.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٢ - ٩٣.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٥٧.","vol":"3","page":374},{"text":"قال المراغي: \" بإعطائكم قبلة مستقلة في بيت ربكم الذي وضع قواعده جدكم، وجعل الأمم الأخرى تبعا لكم فيه، وطهره من عبادة الأوثان والأصنام، ووجّه شعوب العالم جميعا إلى بلادكم، وفي ذلك من الفوائد المادية والمعنوية ما يجلّ حصره وفي الحق أن كل أمر من الله فامتثاله نعمة، وتكون النعمة أتمّ، والمنة أكمل، إذا كان فيه حكمة ظاهرة، وشرف للأمة، وأثر حميد نافع لها\" (١).\nقال القرطبي: \"أي ولأن أتم، قاله الأخفش. وقيل: مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي، قاله الزجاج. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل: دخول الجنة. قال سعيد بن جبير: ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة (٢).\nوإتمام الشيء: بلوغ غايته؛ والغالب أنه يكون في الكمال؛ و«النعمة» هي ما ينعَم به الإنسان؛ ويقال: «نِعمة» بكسر النون؛ ويقال: «نَعمة» بالفتح؛ لكن الغالب في نعمة الخير أن تكون بالكسر؛ و«النَّعمة» بالفتح: التنعم من غير شكر، كما قال تعالى: ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وذرني والمكذبين أولي النَّعمة﴾ [المزمل: ١ ونزلت هذه الآية في أول الهجرة عند تحويل القبلة - يعني في السنة الثانية - ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]؛ وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع؛ لأن المراد في آية المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الإتمام العام في كل الشريعة؛ أما هنا: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]: في هذه الشريعة الخاصة - وهي استقبال الكعبة بدلًا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن الرسول ﷺ كان يقلب وجهه في السماء ينتظر متى يؤمر بالتوجه إلى الكعبة؛ فلا شك أنه من نعمة الله ﷿ أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي - كما قال بعض أهل العلم - هو قبلة جميع الأنبياء، كما ذكره شيخ الإسلام - ﵀ - ويحتمل وجهًا آخر في الجمع بين الآيتين: بأن هذه الآية جاءت بصيغة المضارع الدال على الاستمرار؛ وآية المائدة بصيغة الماضي الدال على الانتهاء (٣).\nوقد أضاف الله ﷾ النعمة إليه؛ لأنه ﷿ صاحبها: هو الذي يسديها، ويولِيها على عباده؛ ولولا نعم الله العظيمة ما بقي الناس طرفة عين؛ وانظر إلى قوله تعالى: ﴿إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة]؛ في النعمة قال: ﴿أنعمت عليهم﴾؛ لأن النعمة من الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]؛ وأما الغضب على المخالف في دين الله فيكون من الله، ومن أولياء الله من الرسل، وأتباعهم (٤).\nقال الواحدي: \"قال عطاء: عن ابن عباس: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ يريد: في الدنيا والآخرة، أما الدنيا: فأنصركم على عدوكم، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأولادهم، وأما في الآخرة: ففي رحمتي وجنتي، وأزوجكم من الحور العين \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: \" ولإرادتي اهتدائكم لما أنه صراط مستقيم مؤد إلى سعادةِ الدَّارينِ\" (٦).\nقال ابن كثير: أي: \"إلى ما ضَلّت عنه الأمم هديناكم إليه، وخَصصْناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرفَ الأمم وأفضلها (٧).\nقال الزمخشري: أي\" ولإرادتى اهتداءكم أمرتكم بذلك\" (٨).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ١٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٠.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٤١٥.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٨.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٢٠٦.","vol":"3","page":375},{"text":"قال المراغي: \" أي وليعدّكم بذلك إلى الاهتداء بالثبات على الحق\" (١).\nقال الشيخ السعدي: \"أي: تعلمون الحق، وتعملون به، فالله ﵎ - من رحمته - بالعباد، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق، المعاندين له فيجادلون فيه، فيتضح بذلك الحق، وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الليل، ما عرف فضل النهار، ولولا القبيح، ما عرف فضل الحسن، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا، فلله الحمد على ذلك\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" و﴿لعل﴾ هنا للتعليل؛ أي: تكتسبون علمًا، وعملًا؛ وهذه هي العلة الثانية؛ العلة الأولى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾؛ والعلة الثانية: ﴿ولأتم نعمتي عليكم والثالثة: ﴿ولعلكم تهتدون﴾؛ وسيأتي بيان أنواع الهداية.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تكرير الأمر الهام؛ وذلك لتثبيته، وتَسِرَّ به النفوس، وبيان أهميته.\n٢ - ومنها: وجوب استقبال الكعبة أينما كان الإنسان؛ قال أهل العلم: من أمكنه مشاهدة الكعبة فالواجب إصابة عينها؛ ومن لم تمكنه كفى استقبال جهتها؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية.\n٣ - ومنها: دفع ملامة اللائمين ما أمكن؛ تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾.\n٤ - ومنها: أن الظالم لا يدفع ملامته شيء؛ بمعنى أنه سيلوم وإن لم يكن محل لوم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾.\n٥ - ومنها: أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله؛ ولكن حججهم باطلة.\nويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف شبه المخالفين التي يدعونها حججًا لِيَنْقَضَّ عليهم منها، فيبطلها؛ قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ [الأنبياء: ١٨].\n٦ - ومن فوائد الآية: وجوب تنفيذ شريعة الله ﷿، وألا يخشى الإنسان لومة لائم.\n٧ - ومنها: وجوب خشية الله تعالى؛ لأنه هو الذي بيده النفع، والضرر.\n٨ - ومنها: نعمة الله - ﵎ - على هذه الأمة، وفضله، وإحسانه؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾.\n٩ - ومنها: إثبات حكمة الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم ... ولعلكم تهتدون﴾.\n١٠ - ومنها: أن تنفيذ أوامر الله، وخشيته سبب للهداية؛ والهداية نوعان: هداية علمية؛ وهداية عملية؛ ويقال: هداية الإرشاد؛ وهداية التوفيق.\nفـ «الهداية العلمية» معناها أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه لأمور دينه ودنياه.\nو«الهداية العملية» أن يوفق للعمل بهذا العلم.\nالأولى: وسيلة، والثانية: غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل؛ بل إن العلم بدون عمل يكون وبالًا على صاحبه؛ والهداية هنا شاملة للعلمية، والعملية؛ ووجه كونها شاملة: أنهم لم يعلموا أن مرضاة الله بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علمهم الله؛ ثم إن الله وفقهم للعمل به؛ فلم يمانعوا أبدًا؛ بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلون صلاة الفجر وكانوا متجهين إلى بيت المقدس، فاستداروا إلى الكعبة؛ فصار الإمام نحو الجنوب، والمأمومون نحو الشمال؛ هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمره الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات، والمضايقات يدل على قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم ﷾؛ وهكذا يجب على كل مؤمن إذا\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ١٨.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٧٣،","vol":"3","page":376},{"text":"جاء أمر الله أن يمتثل الأمر؛ وسيجعل الله له من أمره يسرًا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا﴾.\n١١ - ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾.\nالقرآن\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١]\nالتفسير:\nكما أنعمنا عليكم باستقبال الكعبة أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل، ويطهركم من دنس الشرك وسوء الأخلاق، ويعلمكم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة، ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم السابقة ما كنتم تجهلونه.\nقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا﴾ [البقرة: ١٥١]، أي: \" كما اتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولًا منكم\" (١).\nقال مقاتل: \" يعنى محمداﷺ-\" (٢)، وروي عن ابي العالية (٣)، والربيع بن أنس (٤) مثل ذلك.\nقال أبو السعود: أي\"كإتمامي لنعمتي عليكم بإرسال رسولٍ كائنٍ منكم فإن\" (٥).\nقال البيضاوي: \" أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها بإرسال رسول منكم، أو بما بعده كما ذكرتكم بالإِرسال فاذكروني\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" هذه أيضًا منّة رابعة وجهت إلى المؤمنين؛ والثلاث قبلها هي: قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ١٥٠] \" (٧).\nو(الكاف) في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا﴾ [البقرة: ١٥١]، للتشبيه (٨)، وتحتاج إلى شيء يرجع إليه، وللعلماء فيه أقوال (٩):\nأحدها: أنها ترجع إلى ما قبلها، ومعناه: ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا، وفيه وجوه (١٠):\nالوجه الأول: أنه راجع إلى قوله: ﴿ولاتم نعمتى عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول.\nقال الثعلبي: \" فيكون إرسال الرسول شرطا للخشية مزيدا بإتمام النعمة\" (١١).\nالوجه الثاني: أن إبراهيم ﵇ دعى بدعوتين:\nالأولى: قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، فهذه الدعوة الأولى.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٩٢): ص ١/ ٢٥٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٥٩.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٨.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٠.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢، وتفسير الطبري: ٣/ ٢٠٨ وما بعدها، وتفسير البغوي: ١/ ١٦٦ - ١٦٧.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨.","vol":"3","page":377},{"text":"والثانية قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].\nفبعث الله الرسول وهو محمد ﷺ ووعد في هذه الآية أن يجيب الدعوة الثانية أن يجعل من ذريته أمة مسلمة لك فمعنى الآية: ولأتم نعمتي عليكم: ببيان شرائع ملتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين (١).\nقال الإمام الطبري: \" فبعث الله الرسول وهو محمد ﷺ ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية\" (٢).\nقال الثعلبي: \" وهذا على قول من يجعله متصلا بما قبلها وجوابا للآية الأولى\" (٣).\nوهو إختيار الفراء (٤)، إذ قال: \" \"وقوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ ...﴾ [البقرة: ١٥٠]، جواب لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: ﴿كَما أَرْسَلْنا﴾، فهذا جواب مقدم ومؤخر\" (٥).\nالوجه الثالث: أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطا. وهو قول أبي مسلم الأصفهاني (٦).\nالثاني: أن (الكاف) متعلقة بما بعدها وهو قوله: ﴿فاذكروني أذكركم﴾، معناه: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني (٧)، وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب، يعني: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولا منكم محمد ﷺ (٨).\nوهذا قول مجاهد (٩)، وعطاء (١٠)، وأبي نجيح (١١)، والكلبي (١٢)، ومقاتل (١٣)، والأخفش (١٤)، وابن كيسان (١٥).\nواختاره الزجاج، فقال: \" والأجود أن تكون (كما) معلقة بقوله ﷿: ﴿فاذكروني أذكركم﴾، أي فاذكروني بالشكر والإخلاص كما أرسلنا فيكم\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨ - ١٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٩٢.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٩٢، أي مقدّم فى اللفظ، مؤخر فى النية. والعبارة فى الطبرىّ ٣/ ٢١٠: «وزعموا أن ذلك من المقدّم الذي معناه التأخير».\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢.\n(٧) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٦٣، وتفسير الطبري: ٣/ ٢١٠.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١١٩، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٢٨، قال الزجاج: \" ومعنى الآية أنها خطاب لمشركي العرب، فخاطبهم الله ﷿ بما دلهم على إثبات رسالة النبي - ﷺ - فقال كما أرسلنا فيكم محمدا - ﷺ - وهو رجل منكم أمي تعلمون أنه لم يتل كتابا قبل رسالته ولا بعدها إلا بما أوحي إليه، وإنكم كنتم أهل جاهلية لا تعلمون الحكمة ولا أخبار الأنبياء، ولا آبائهم ولا أقاصيصهم. فأرسل إليكم النبي - ﷺ - فأنبأكم بأخبار الأنبياء، وبما كان من أخبارهم مع أممهم، لا يدفع ما أخبر به أهل الكتاب، فكما أنعمت عليكم بإرساله فاذكروني - بتوحيدي، وتصديقه - ﷺ -\". [معاني القرآن: ١/ ٢٢٨].\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٩١): ص ١/ ٢٥٩، وتفسير الطبري (٢٣١٠): ص ٤/ ٢١٠، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٩): ص ٣/ ٢١٠.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٦٣.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٢٢٧.","vol":"3","page":378},{"text":"ثم قال: \" فإن قال قائل فكيف يكون جواب \" (كما أرسلنا) (فاذكروني أذكركم)، فالجواب ههنا إنما يصلح أن يكون جوابين لأن قوله، (فاذكروني) أمر، وقوله (أذكركم) جزاء اذكروني: والمعنى إن تذكروني أذكركم\" (١).\nوإن قيل: (كما) هل يجوز أن يكون جوابا؟ قلنا: جوّزه الفراء (٢) وجعل لأذكروني جوابين:\nأحدهما: ﴿كما﴾.\nوالثاني: ﴿أذكركم﴾، ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته (٣).\nقال الرازي: \"والوجه الأول أولى، لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى\" (٤).\nوقد ذكروا في وجه التشبيه في قوله ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا﴾ [البقرة: ١٥١]، قولان (٥):\nالأول: إن قلنا الكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح.\nالثاني: وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: ﴿اذكروني﴾ دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة.\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة: ١٥١]، \"أي يقرأ عليكم القرآن\" (٦).\nقال مقاتل: أي\"القرآن\" (٧).\nقال الثعلبي: \" يعني: القرآن\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]، \"أي ويطهركم، وينمي أخلاقكم، ودينكم\" (٩).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعنى: ويطهركم من الشرك والكفر\" (١٠).\nقال مقاتل بن حيان: \"ويطهركم من الذنوب\" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي يعلمون من الأحكام وشرائع الإسلام\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودَنَس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" أي يحمِلُكم على ما تصيرون به أزكياءَ (١٤)، قدمه باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل\" (١٥).\nقال الصابوني: \" أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال\" (١٦).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ٩٢.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٣، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٩٢.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٣.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/! ٦٠.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٩٣): ص ١/ ٢٥٩.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.\n(١٤) ونقله بتمامه، أبو السعود في تفسيره: ١/ ١٧٨.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٤.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.","vol":"3","page":379},{"text":"قال السعدي أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية (١).\nقال المراغي: \" أي يطهر نفوسكم من أدران الرذائل التي كانت فاشية في العرب من وأد البنات، وقتل الأولاد تخلصا من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب، ويغرس فيها فاضل الأخلاق وحميد الآداب، وبهذه الزكاة التي زكّوا بها أنفسهم فتحوا الممالك الكبرى، وكانوا أئمة الأمم التي كانت تحتقر هذا الجنس، وعرفوا لهم فضلهم بعدلهم وسياستهم للأمم سياسة حكيمة أنستهم سياسة الأمم التي قبلهم، وجعلت لذلك الدين أثرا عميقا في نفوسهم، فدانوا لحكمه خاضعين، واهتدوا بهديه راشدين\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]، وجوها (٣):\nأحدها: أنه ﵊ يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء. عن الحسن.\nوثانيها: يزكيهم بالثناء والمدح، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به، كما يقال: إن المزكي زكي الشاهد، أي وصفه بالزكاء.\nوثالثها: أن التزكية عبارة عن التنمية، كأنه قال يكثركم، كما قال: ﴿إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦]، وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا، عن أبي مسلم.\nقال الرازي: \"وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾ [البقرة: ١٥١]، أي \"ويعلمكم القرآن الكريم\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني القرآن\" (٧).\nقال ابن كثير: \" وهو القرآن\" (٨).\nقال المراغي: أي: \"ويبين لكم ما انطوى عليه من الحكم الإلهية، والأسرار الربانية التي لأجلها وصف بأنه هدى ونور، فالنبى ﷺ كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه، حتى يبقى مصونا من التحريف والتصحيف، ويرشدهم إلى ما فيه من أسرار وحكم ليهتدوا بهديه، ويستضيئوا بنوره\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١]، أي: ويعلمكم السنة النبوية المطهرة\" (١٠).\nقال مقاتل بن سليمان: \"يعني: الحلال والحرام\" (١١).\nقال ابن كثير: \" وهي السنة \" (١٢).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٧٤.\n(٢) تفسير المراغي: ٢/ ١٨ - ١٩.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣١.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٣.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤.","vol":"3","page":380},{"text":"قال الطبري: أي \" ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقَصَص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلِموها من رسول الله ﷺ. فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله ﷺ\" (١).\nقال الرازي في معنى ﴿الحكمة﴾: \" فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي ﵁ (الحكمة) هي سنة الرسول ﵇\" (٢).\nقال ابن عثيمين: ﴿والحكمة﴾: هي أسرار الشريعة، وحسن التصرف بوضع كل شيء في موضعه اللائق به - بعد أن كانوا في الجاهلية يتصرفون تصرفًا أهوج من عبادة الأصنام، وقتل الأولاد، والبغي على العباد\" (٣).\nقال المراغي في تفسير ﴿الحكمة﴾: وهى \"العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها، الباعث على العمل بها، ذاك أن سنة الرسول العملية وسيرته ﷺ في بيته، ومع أصحابه في السلم والحرب، والسفر والإقامة، فى القلة والكثرة، جاءت مفصلة لمجمل القرآن، مبيّنة لمبهمه، كاشفة لما في أحكامه من الأسرار والمنافع، ولولا هذا الإرشاد العملي لما كان البيان القولى كافيا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء، والجهل إلى الائتلاف والاتحاد، والتآخى والعلم، وسياسة الأمم، فالنبى ﷺ وقف أصحابه على فقه الدين، ونفذ بهم إلى سرّه، فكانوا حكماء علماء عدولا أذكياء، حتى إن أحدهم كان يحكم المملكة العظيمة ويقيم فيها العدل ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه فقهه وعرف أسرار أحكامه\" (٤).\nوقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾، فليس بتكرار، \"لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم\" وَيُعَلِّمُكُمُ.\nقال البيضاوي: وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]، \"أي ويعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير الذي لم تكونوا تعلمونه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي من أمور الدين، والدنيا؛ وهذه الجملة لتقرير ما سبق من تعليمهم الكتاب، والحكمة\" (٧).\nقال المراغي: أي: \"ويعلمكم مع الكتاب والحكمة ما ليس مصدر علمه النظر والفكر، بل طريق معرفته الوحى كأخبار عالم الغيب وسير الأنبياء وأحوال الأمم التي كانت مجهولة عندكم، وأكثرها كان مجهولا عند أهل الكتاب أيضا، وقد بلغوا في هذا النوع من العلم مبلغا فاقوا به سائر الأمم\" (٨).\nقال الرازي: \"فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" فكانوا في الجاهلية الجَهْلاء يُسفَهُون بالقول الفرَى، فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٢١١.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦١.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٢٤٩.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦١.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٢٤٩.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣١.","vol":"3","page":381},{"text":"وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤]. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] \" (١).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: \" ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، يعني: كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته والرجل على راحلته\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان نعمة الله تعالى علينا بإرسال الرسول ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولًا﴾؛ لأن هذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ فإن هذا من تمام النعمة؛ وذلك أن الله ﷾ خلق الخلق ليُعبَد بما شرع؛ ولا يمكن أن نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به، وهذا مما لا يرضاه إلا بواسطة الرسل؛ ولو أن الإنسان وكِل إلى عقله في العبادة ما عرف كيف يعبد الله؛ ولو وكِل إلى عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله: لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب؛ ولو أن الإنسان وكل إلى عقله في العبادة ما كانت أمتنا أمة واحدة؛ فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؛ ومَثَل يسير يبين ذلك: لو أُمرنا بالتطهر للصلاة - ولم يبين لنا الكيفية - لتنازع الناس في ذلك؛ وأخذ كلٌّ برأيه؛ فافترقت الأمة؛ فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده ما عرفنا كيف نعبده، فهذا من نعمة الله علينا من إرسال هذا الرسول محمدًا (ﷺ) الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر ﵁: «تركنا رسول الله (ﷺ) وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا عندنا منه علم» (٣)؛ حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول ﷺ.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن كون الرسول مِنّا يقتضي أن تكون قريش أول من يصدق به؛ لأنهم يعرفونه، ويعرفون نسبه، ويعرفون أمانته؛ ولهذا وبخهم الله تعالى على الكفر به، ووصْفِه بالضلال، والجنون، فقال جل وعلا: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٢]، وقال جل وعلا: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ [التكوير: ٢٢].\n٣ - ومنها: أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أوحي إليه على وجه الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾؛ فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها؛ ولهذا القرآن - والحمد لله - مبين لفظه، ومعناه؛ ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباهًا نسبيًا بحيث يشتبه على شخص دون الآخر، أو في حال دون الأخرى؛ قال الله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩].\n٤ - ومنها: أن من فوائد رسالة النبي ﷺ حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾.\n٥ - ومنها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو من آيات الله الدالة على كمال ربوبيته، وسلطانه، ورحمته، وحكمته سواء كان من الآيات الكونية، أو الشرعية؛ لكن منها ما هو بيِّن ظاهر؛ ومنها ما يخفى على كثير من الناس إلا الراسخين في العلم؛ ومنها ما هو بيْن ذلك.\n٦ - ومنها: أن الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ كلها تزكية للأمة، وتنمية لأخلاقها، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة؛ ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة، أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة، أو الراجحة؛ فالخمر فيه مصالح، ومفاسد؛ لكن مفاسده راجحة؛ ولهذا حرم؛ الحجر على السفيه فيه مصالح، وفيه مفاسد؛ لكن مصالحه راجحة؛ فلذلك قدمت المصالح؛ أو مصالح خالصة - فليس فيها مفاسد، كعبادة الله مثلًا؛ هذه قاعدة الشريعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويزكيكم﴾.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٤ - ٤٦٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٣٩٤): ص ١/ ٢٦٠.\n(٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٦٢: حديث ٢١٧٧٠، وأخرجه ابن حبان ١/ ١٤٢ باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها، حديث رقم ٦٥، وأخرجه الطبراني فيالمعجم الكبير ٢/ ١٦٦ رقم ١٦٤٧؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦٧، (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)، (تخريج صحيح ابن حبان: ١/ ٢٦٧، حديث ٦٥ حاشية (١»، وقال: إسناده صحيح.","vol":"3","page":382},{"text":"٧ - ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به؛ لقوله تعالى: ﴿ويزكيكم\n٨ - ومنها: أن وظيفة الرسول ﷺ، ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة.\n٩ - ومنها: الرد على أهل التأويل، وأهل التجهيل؛ لقوله تعالى: ﴿يعلمكم الكتاب﴾ - أهل التأويل الذين يؤولون آيات الصفات - لأنه لو كان هذا التأويل من العلم لعلمنا إياه النبي ﷺ؛ فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول ﷺ؛ وأهل التجهيل - وهم طائفة يقولون: «إن الرسول ﷺ، وأصحابه، والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات، وأحاديثها؛ فلا يدرون ما معناها؛ حتى النبي ﷺ يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري معناها»! ! !\n١٠ - ومن فوائد الآية: أن الرسول ﷺ علم الأمة لفظ القرآن، ومعناه؛ ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئًا من المعنى سألوه، فعلمهم؛ ولكن الغالب أنهم لا يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم، وفي عصرهم، يعرفون معناه، ومغزاه، وأسبابه.\n١١ - ومنها: اشتمال الشريعة على الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾؛ فالشريعة متضمنة للحكمة تضمنًا كاملًا؛ فما من شيء من مأموراتها، ولا منهياتها، إلا وهو مشتمل على الحكمة؛ لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم؛ وهو طاعة الله ورسوله؛ فإن هذه أعظم حكمة؛ وهي ثابتة فيما نعقل حكمته، وفيما لا نعقلها؛ ولهذا لما قالت المرأة لعائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١)؛ فبينت الحكمة من ذلك؛ وهو طاعة الله، ورسوله؛ وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عقل معناه، أو لم يُعقَل.\n١٢ - ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ وهو مما يدل على نقص الإنسان، حيث كان الأصل فيه الجهل؛ قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾ [النحل: ٧٨]؛ ثم قال ﷿: ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨]؛ فبين طرق العلم: ﴿السمع والبصر﴾؛ وبهما الإدراك؛ و﴿الأفئدة﴾؛ وبها الوعي، والحفظ.\n١٣ - ومنها: فضل الله ﷿، حيث علمنا ما لم نكن نعلم؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ وهذا عام في كل ما نحتاج إلى العلم به من أمور الدنيا، والآخرة.\nإذا قال قائل: «اضربوا لنا مثلًا» فماذا نقول؟\nفالجواب: أن كل الشريعة مثال؛ فإننا لا نعرف كيف نصلي إلا بتعليم الرسول ﷺ؛ ولا كيف نتوضأ، ولا مقدار الواجب في الأموال من الزكاة، ولا مَن تُصرف إليهم الزكاة، ولا غير ذلك من أمور الشريعة إلا بتعليم الرسول ﷺ؛ وهناك أحكام قدرية لا نعرفها أيضًا علمنا الله ﷾ إياها، كابتداء الكون، ونهايته: كخلق السموات، والأرض؛ واليوم الآخر؛ إذًا فعلومنا الشرعية، والقدرية متلقاة من الرسول ﷺ؛ وليس لنا علم بها قبل تعليم النبي ﷺ.\nالقرآن\n﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]\nالتفسير:\nأمر تعالى المؤمنين بذكره، ووعد عليه أفضل الجزاء، وهو الثناء في الملأ الأعلى على مَنْ ذكره، وخصوني -أيها المؤمنون- بالشكر قولا وعملا ولا تجحدوا نعمي عليكم.\nقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، \"أي اذكروني بالعبادة والطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٧، كتاب الحيض، باب ٢٠: لا تقضي الحائض الصلاة، حديث رقم ٣٢١، وأخرجه مسلم ص ٧٣٣، كتاب الحيض، باب ١٥: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم ٧٦٣ [٦٩] ٣٣٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.","vol":"3","page":383},{"text":"قال مقاتل بن سليمان: \" يقول فاذكروني بالطاعة أذكركم بخير\" (١).\nقال الزجاج: \" المعنى: إن تذكروني أذكركم\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم\" (٣).\nقال البيضاوي: \" ﴿فَاذْكُرُونِي﴾: بالطاعة، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾: بالثواب\" (٤).\nأصل الذكر في اللغة: \"التنبيه على الشيء، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان\" (٥).\nوقال الراغب: \" الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان، ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"وذِكر الله يكون بالقلب، واللسان، والجوارح\" (٧).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، على وجوه (٨):\nأحدها: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. قاله سعيد بن جبير (٩)، وفي رواية\" أذكركم برحمتي\" (١٠).\nالثاني: اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي. قاله الحسن (١١).\nالثالث: فاذكروني - بتوحيدي، وتصديقه - ﷺ -، أذكركم برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم. قاله الزجاج (١٢).\nالرابع: يعني: \" إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره\". قاله أبو العالية (١٣)، وروي عن الحسن، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك (١٤).\nالخامس: اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء. عن سعيد بن جبير (١٥)، وبيانه: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].\nالسادس: ذكر الله إياكم أكثر من ذكركم إياه. قاله ابن عباس (١٦).\nالسابع: اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله: ﴿ادعونى أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، إذ أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة. وهذا قول أبي مسلم (١٧).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٢٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢١١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٤.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٤١٩، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٠٧ - ١٥٠٩ (ذكر).\n(٦) المفردات: ١٨٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٦.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٤. وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٣١٢): ص ٣/ ٢١١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٩٩): ص ١/ ٢٦١.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٠٠): ص ١/ ٢٦١.\n(١٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٢٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٣٩٦): ص ١/ ٢٦٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٦٠.\n(١٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٤.\n(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٣٩٥): ص ١/ ٢٦٠.\n(١٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٤.","vol":"3","page":384},{"text":"وبذلك فإن قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، عمل، وجزاء؛ العمل: ما أفاده قوله تعالى: ﴿اذكروني﴾؛ والجزاء: ما أفاده قوله تعالى: ﴿أذكركم﴾ (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، قراءتان (٢):\nإحداهما: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾، بفتح الياء.\nوالثانية: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ بإسكان الياء؛ لأن ياء المتكلم من حيث اللغة العربية يجوز إسكانها، وفتحها، وحذفها تخفيفًا؛ لكنها في القرآن تتوقف على السماع.\nقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، \"أي اشكروا نعمتي عليكم\" (٣).\nقال مقاتل: \"يقول اشكروا الله﷿- في هذه النعم\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \" اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي، إذ \"أمر الله تعالى بشكره، ووعده على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] \" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي قوموا بالشكر، و«الشكر» هو القيام بطاعة المنعم\" (٦).\nقال أبو العالية: \"إن الله يزيد من شكره\" (٧).\nوروي عن زيد بن أسلم: \"أن موسى ﷺ قال لربه: أي رب أخبرني كيف أشكرك. قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني\" (٨).\nقال ابن منظور: يقال: شكرته، وشكرت له، وباللام أفصح\" (٩).\nوقال الفراء: \"العرب لا تكاد تقول شكرتك، إنما تقول: شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون: نصحتك، وربما قيلتا\" (١٠).\nقال أبو حيان: \"وهو من الأفعال التي ذكر أنها تارة تتعدى بحرف الجر، وتارة تتعدى بنفسها وقالوا: إذا قلت شكرت لزيد، فالتقدير: شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه مما يتعدى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله. واشكروا لي ما أنعمت به عليكم\" (١١).\nوقال ابن عطية: \" واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد، ولي أفصح وأشهر مع الشكر\" (١٢).\nقال الواحدي: \" تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس، فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، أي: \" ولا تكفروا نعمتي بالجحود والعصيان\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠١): ص ١/ ٢٦١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠٢): ص ١/ ٢٦١.\n(٩) لسان العرب: ٤/ ٢٣٠٥ (شكر).\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٩٢.\n(١١) البحر المحيط: ١/ ٣٨٩.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٦.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٤٢٠.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤. [بتصرف بسيط].","vol":"3","page":385},{"text":"قال مقاتل: أي\"لا تكفروا بها\" (١).\nقال الزمخشري: \" ولا تجحدوا نعمائي\" (٢).\nقال البيضاوي: \"بجحد النعم وعصيان الأمر\" (٣).\nقال أبو حيان: \" أي ولا تكفروا نعمتي\" (٤).\nقال الطبري: أي \"لا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي، فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته، ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا تجحدوني، أو تجحدوا نعمتي؛ بل قوموا بشكرها، وإعلانها، وإظهارها\" (٦).\nقال المراغي: وهذا تحذير من الله لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت لأجله، فسلبها ما كان قد وهبها تأديبا لها ولغيرها، وقد امتثل المسلمون هذه الأوامر حينا من الدهر ثم تركوها بالتدريج فحلّ بهم ما ترى من النكال والوبال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] \" (٧).\nقال الواحدي: \"وأصل الكفر إنما هو ستر النعمة لا ستر المنعم\" (٨).\nوقد ختم بجملة النهي: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾، \"لأنه لما أمر بالشكر، لم يكن اللفظ ليدل على عموم الأزمان، ولا يمكن التكليف باستحضار الشكر في كل زمان، فقد يذهل الإنسان عن ذلك في كثير من الأوقات. ونهى عن الكفران، لأن النهي يقتضي الامتناع من المنهي عنه في كل الأزمان، وذلك ممكن لأنه من باب التروك\" (٩).\nروي عن أبي العالية، \"يعني قوله: ﴿ولا تكفرون﴾، قال: إن الله يعذب من كفره\" (١٠). وروي، عن الربيع بن أنس نحو ذلك (١١).\nوعن زيد بن أسلم: \"أن موسى ﷺ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا نسيتني فقد كفرتني\" (١٢).\nقال الزجاج: \" قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، الأكثر الذي أتى به القراء حذف الياءات مع النون\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب ذكر الله؛ للأمر به؛ مطلق الذكر واجب: يجب على كل إنسان أن يذكر ربه؛ بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله فيه، ولا يصلي على النبي إلا كان عليه ترة - أي خسارة، وحسرة يوم القيامة؛ فالعبد مأمور بذكر الله؛ لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام؛ وإلى واجب من واجباته؛ وإلى سنة من سننه - بحسب ما تقتضيه الأدلة؛ إنما مطلق الذكر حكمه أن واجب.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٢) الكشاف: ١/ ٢٠٦.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٤.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٣٨٩. قال أبو حيان: \" ولو كان من الكفر ضدّ الإيمان، لكان: ولا تكفروا، أو ولا تكفروا بي\".\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٢١١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٧.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٣٥٠\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٤٢١.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٣٨٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠٣): ص ١/ ٢٦١.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٦١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠٤): ص ١/ ٢٦١.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٢٢٨. وقد حذفت مع غير النون، كقوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ (٤) [ق: ٤١]. [انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٢١].","vol":"3","page":386},{"text":"٢ - ومنها: أن مَنْ ذَكر الله ذكره الله؛ لقوله تعالى: ﴿أذكركم﴾؛ وكون الله يذكرك أعظم من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (١)؛ وذكر الله يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ فالأصل ذكر القلب كما قال -ﷺ-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (٢) فالمدار على ذكر القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾ [الكهف: ٢٨؛ وذكر الله باللسان، أو بالجوارح بدون ذكر القلب قاصر جدًا، كجسد بلا روح؛ وصفة الذكر بالقلب التفكر في آيات الله، ومحبته، وتعظيمه، والإنابة إليه، والخوف منه، والتوكل عليه، وما إلى ذلك من أعمال القلوب؛ وأما ذكر الله باللسان فهو النطق بكل قول يقرب إلى الله؛ وأعلاه قول: «لا إله إلا الله»؛ وأما ذكر الله بالجوارح فبكل فعل يقرب إلى الله: القيام في الصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد، والزكاة، كلها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعًا لله؛ وحينئذٍ تكون ذاكرًا لله بهذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ قال بعض العلماء: أي لما تضمنته من ذكر الله أكبر؛ وهذا أحد القولين في هذه الآية.\n٣ - ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد؛ وذكر الله للعبد أمر له شأن كبير عظيم؛ فليس الشأن بأن تذكر الله، أو أن تحب الله؛ ولكن الشأن أن يذكرك الله ﷿، وأن يحبك الله ﷿؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فقال تعالى: ﴿يحببكم الله﴾ لأن هذا هو الغاية المطلوبة.\n٤ - ومنها: وجوب الشكر؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾؛ و«الشكر» يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ولا يكون إلا في مقابلة نعمة؛ فسببه أخص من سبب «الحمد»؛ ومتعلَّقه أعم من متعلق «الحمد»؛ فيختلفان إذًا من حيث السبب؛ ويختلفان من حيث المتعلق؛ سبب «الحمد» كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ فإذا كان سببه إنعام المحمود كان «الحمد» من «الشكر»؛ أما «الشكر» فسببه واحد؛ وهو نعمة المشكور؛ وأما متعلق «الحمد» فيكون باللسان فقط؛ وأما متعلق «الشكر» فثلاثة: يكون باللسان، والقلب، والجوارح؛ وعليه قول الشاعر:\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا فـ «يدي» هذا الشكر بالجوارح؛ و«لساني» هذا الشكر باللسان - يعني القول؛ و«الضمير المحجبا» يعني القلب.\nوالشكر بالقلب أن يعتقد الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله ﷿ وحده؛ فيحب الله ﷾ لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه» (٣)؛ فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله أحب الله ﷾؛ لأن النفوس مجبولة على محبة من يحسن إليها.\nوأما الشكر باللسان فأن يتحدث الإنسان بنعمه لا افتخارًا؛ بل شكرًا؛ قال الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ وقال رسول الله -ﷺ-: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦١٦، كتاب التوحيد، باب ١٥: قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)، حديث رقم ٧٤٠٥، وأخرجه مسلم ص ١١٤٤، كتاب الذكر والدعوات ...، باب ١: الحث على ذكر الله تعالى، حديث رقم ٦٨٠٥ [٢] ٢٦٧٥.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٩: فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٥٢، وأخرجه مسلم ص ٩٥٥، كتاب المساقاة، باب ٢: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٤٠٩٤ [١٠٧] ١٥٩٩.\n(٣) أخرجه الترمذي ص ٢٠٤١، كتاب المناقب، باب ٣١، في مناقب أهل بيت النبي ﷺ، حديث رقم ٣٧٨٩، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٣/ ١٥٠، كتاب الهجرة، ومن مناقب أهل بيت رسول الله ﷺ؛ وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ وقال الذهبي: \"صحيح\" (المرجع السابق).\n(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٢، حديث رقم ١١٠٠٠؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٧٠، كتاب تفسير القرآن، باب ١٧: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم ٣١٤٨؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٩، كتاب الزهد، باب ٣٧: ذكر الشفاعة، حديث رقم ٤٣٠٨؛ ومدار الحديث على عليّ بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، والحديث صحيح بطرقه وشواهده، منها ما أخرجه الدارمي في المقدمة بمعناه ١/ ٣٩، حديث رقم ٤٧؛ وما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦، وقال الألباني في تخريجه: صحيح الإسناد ٢/ ٣٥٦، وقال في صحيح الترمذي: صحيح ٣/ ٧١، حديث رقم ٢٥١٦ - ٣٣٦٩.","vol":"3","page":387},{"text":"وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له؛ فإن هذا من شكر النعمة.\n٥ - ومن فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾ يعني مخلصين لله ﷿؛ لأن الشكر طاعة؛ والطاعة لا بد فيها من الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\n٦ - ومنها: تحريم كفر النعمة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تكفرون﴾ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمة فإنه يحب أن يرى أثر نعمته عليه؛ فإذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه:\nأولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفًا بعلمه، وعمله به.\nثانيًا: بنشر علمه ما استطاع، سواء كان ذلك على وجه العموم، أو الخصوص.\nثالثًا: أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم في الدعوة إلى الله بقدر ما يستطيع حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى وليمة مثلًا، ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم؛ وبعض أهل العلم يكون معه كتاب، فيقرأ الكتاب على الحاضرين، فيستفيد، ويفيد؛ وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا، فصاروا يرقبونه منه؛ أما إذا لم يعوِّدهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده - سؤالًا مثلًا - حتى ينفتح المجال للناس، ويسألون، وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها؛ وهذا لا شك أنه حرمان - وإن كانوا لا يأثمون إذا لم يأتوا بما يوجب الإثم؛ فالذي ينبغي لطالب العلم - حتى وإن لم يُسأل - أن يورد هو سؤالًا لأجل أن يفتح الباب للحاضرين، فيسألوا؛ وقد جاء جبريل إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها؛ وقال النبي ﷺ: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (١)؛ مع أن الذي يجيب الرسول ﷺ؛ ولكن جعله معلمًا وهو يسأل؛ لأنه هو السبب في هذا التعليم.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]\nالتفسير\nيا أيها المؤمنون اطلبوا العون من الله في كل أموركم: بالصبر على النوائب والمصائب، وترك المعاصي والذنوب، والصبر على الطاعات والقربات، والصلاة التي تطمئن بها النفس، وتنهى عن الفحشاء والمنكر. إن الله مع الصابرين بعونه وتوفيقه وتسديده. وفي الآية: إثبات معيَّة الله الخاصة بالمؤمنين، المقتضية لما سلف ذكره؛ أما المعية العامة، المقتضية للعلم والإحاطة فهي لجميع الخلق.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٥٣]، \" أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٢).\nقال الصابوني: \" هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه\" (٣).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء، دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٧: سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان ...، حديث رقم ٥٠؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨١، كتاب الإيمان، باب ١: بيان الإيمان والإسلام ...، حديث رقم ٩٣ [١] ٨.\n(٢) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.","vol":"3","page":388},{"text":"قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]، أي: \"استعينوا على أمور دنياكم وآخرتكم، بالصبر والصلاة\" (٢).\nقال ابن جريج: \" إنهما معونتان على رحمة الله\" (٣).\nقال الصابوني: \" فبالصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة تنتهون عن كل رذيلة\" (٤).\nقال مقاتل: أي: \" استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلوات في مواقيتها نحو الكعبة، حين عيرتهم اليهود بترك قبلتهم\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي أنكم إذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه، فكان ذلك لكم عونا\" (٦).\nقال المراغي: \" أي استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى سائر ما يشق عليكم من مصايب الحياة، بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكاره، وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله عزّ اسمه، وتصغر بمناجاته فيها كل المشاقّ\" (٧).\nقال النسفي: أي: استعينوا على حوائجكم إلى الله، بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها\" (٨).\nقال الجصاص: \" ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة\" (٩).\nقال الراغب: وخصها [أي الصلاة] برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر\" (١٠).\nوقال المفسرون وأصحاب المعاني: \"إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] \" (١١).\nو(الصبر) في اللغة: \"الحبس\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧٣.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٥٤): ص ٢/ ١٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧٣.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٢٩.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ٢٣.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.\n(٩) أحكام القرآن: ١/ ٣٩.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٧.\n(١١) التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٦.\n(١٢) انظر: لسان العرب: ٤/ ٤٣٨: (صبر).","vol":"3","page":389},{"text":"قال الطبري: و(الصبر): \"حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (١)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (٢):\nقُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِدًا: ... وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ\nوالمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (٣):\nفَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ... تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ\nيقول: حَبَست نفسًا صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (٤).\nوقال الراغب، الصبر ضربان: \"صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة \" (٥).\nوفي الآية قدّم الصبر على الصلاة \"لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة\" (٦).\nوفي الاصطلاح الشرعي (الصبر): \"هو كَفُّ النَّفْس عن الجَزَع والسَّخَط، وحبسها عن شهواتها، وكف اللسان عن الشكوى، والثبات على أحكام الكتاب والسنة\" (٧).\nوقال السعدي: \" (الصبر) على ثلاثة أقسام:\nأحدها: صبرها على طاعة الله حتى تؤديها.\nوالثاني: وعن معصية الله حتى تتركها.\nوالثالث: وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها.\nفـ (الصبر): \"هو المعونة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر، أن يدرك مطلوبه، خصوصا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار، إلى تحمل الصبر، وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر، فاز بالنجاح، وإن رده المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها، لم يدرك شيئا، وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم، وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله تعالى، واستعانة بالله على العصمة منها، فإنها من الفتن الكبار. وكذلك البلاء الشاق، خصوصا إن استمر، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية، ويوجد مقتضاها، وهو التسخط، إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله، والتوكل عليه، واللجأ إليه، والافتقار على الدوام\" (٨).\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري: ٢/ ١١.\n(٢) يوانه بشرح أبي سعيد السكري: ١٧٦. وهو في اللسان (صبر)، والجامع: ١٤٤. وفيه (ويلك) بدل (ويحك)، والإقناع: ٥٤ وفيه (به) بدل (بها)، والعروض لابن جني: ٨٠\n(٣) ديوانه: ٨٩ من أبيات، يقول قبله، يذكر الغراب، ويتشاءم به:\nإنَّ الذينَ نعيْتَ لي بفِراقهمْ ... قد أسْهرُوا لَيْلي التّمامَ فأَوْجعوا\nوَعَرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِي إنْ تَأتِنِي ... لا يُنْجِنِي مِنْهَا الفِرَارُ الأسْرَعُ\nفصبرتُ عارفة ً لذلكَ حرَّة ً ... ترسو إذا نفسُ الجبانِ تطلع\nوقوله (نفس عارفة)، أي: حاملة الشدائد صبور، إذا حملت على أمر احتملته، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة. و(ترسو)، تثبت. و(تطلع)، تنزو متلفتة إلى مهرب، أو ناصر، من الجزع والرعب.\n(٤) انظر: اللسان: مادة (ص ب ر).\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٧.\n(٦) تفسير الآلوسي: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(٧) أصول المنهج الإسلامي: العبيد: ٥١٨.\n(٨) تفسير السعدي: ٧٥.","vol":"3","page":390},{"text":"وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم، في (اثنان وثمانون) موضعًا في المدح، وموضعان في الذم، أما موضعا الذم فقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦].\nو(الاستعانة) هي \"طلب العون؛ و\"الاستعانة بالصبر\" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة\" (١).\nقال الواحدي: \"فالاستعانة بالصبر: هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن الشهوات والمحارم، وحبسها على الطاعات\" (٢).\nقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ أي: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ونبرأ من كل معبود دونك ومن عابديه، ونبرأ من الحول والقوة إلا بك، فلا حَوْلَ لأحد عن معصيتك ولا قوة على طاعتك إلا بتوفيقك ومعونتك، وقال عن نبيه يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [، وقال النبي ﷺ لابن عمه عبدالله بن عباس ﵄: \"إذا سألتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِن بالله\" (٣)، وقال في دعائه: \"اللَّهُمَ أعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ \" (٤).\nوفي سبب تخصيص الإستعانة بالصبر والصلاة وجهان (٥):\nأحدهما: أنه تعالى خصهما بذلك، لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم.\nوالثاني: ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله﴾ [البقرة: ١٥٤] وأيضا فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤٧].\nوالقول الأول أولى، وذلك لعموم اللفظ وعدم تقييده، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال: ﴿اتل ما أوحى إليك من الكتاب﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة، وروي أنه ﵊ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، أي إن الله مع الصابرين\"بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد\" (٧).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٧.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٤٢٢.\n(٣) رواه أحمد في المسند: ١/ ٢٩٣، والترمذي (٢٥١٦)، في صفة القيامة، باب (٥٩). عن ابن عباس.\n(٤) رواه أبو داود (١٥٢٢)، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٤.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٤ - ١٢٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.","vol":"3","page":391},{"text":"قال الواحدي: \"قال عطاء عن ابن عباس: \"يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم\" (١).\nقال الزجاج: \" أي يظهر دينه على سائر الأديان، لأن من كان الله معه فهو الغالب - كما قال ﷿: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] \" (٢).\nقال المراغي: \" أي إن الله ناصرهم ومجيب دعوتهم، ومن كان الله ناصره فلا غالب له، أما الجازع فقلبه لاه عن ذكر الله، والقلب اللاهي ممتلاء بهموم الدنيا وأكدارها، وإن حاز الدنيا بحذافيرها\" (٣).\nقال أبو حيان: \"أي: بالمعونة والحفظ والتأييد، كما قال: اهجهم، وروح القدس معك. وقال تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومن كان الله معه فهو الغالب\" (٤).\nقال الرازي: \"يعني في النصر لهم كما قال: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]، فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا كما قال: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ [مريم: ٧٦] \" (٥).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن وهب، قال: \"سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: الصبر في بابين، الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره، وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله\" (٦).\nوفي رواية أخرى: \" سمعت ابن زيد وقال لي: الصبر في بابين: على ما أحب الله وإن ثقل. وصبر على ما تكره وإن نازعت إليه الهوى. فمن كان هكذا فهو من الصابرين\" (٧).\nوعن علي بن الحسين قال: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين، ينادي مناد: أين الصابرون، ليدخلوا الجنة قبل الحساب. قال: فيقوم عنق من الناس، فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة قالوا: وقبل الحساب؟\nقالوا نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: الصابرون قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين\" (٨).\nوقال سعيد بن جبير: \"الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر\" (٩).\nومن الصفات الثابتة لله ﷿ (المَعِيَّة)، فهو مع عباده ﷾ أينما كانوا، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وهذه معية عامة، فالمعية نوعان (١٠):\nأحدهما: مَعِيَّة عامَّة؛ كقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، ومعناها: إحاطته بهم عِلْمًا وقُدْرَةً، وهو إجماع الصحابة والتابعين.\nوالثاني: مَعِيَّة خاصَّة، فَهِيَ مَعِيَّتُه سبحانه لأحْبابه وأوليائه، فتلك غير المعية العامة، فهو معهم بالرعايَة والإعانة والكفاية، والنصر والتأييد والهداية، والتوفيق وغير ذلك، مما تجفو عبارة المخلوق عنه، ويقصر\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٢٣.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٢٩.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ٢٣.\n(٤) انظر: تفسير البحر المحيط: ١/ ٦٢١.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٥.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٠٥): ص ١/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (١٤٠٨): ص ١/ ٢٦٢.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٠٦): ص ١/ ٢٦٢.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٠٧): ص ١/ ٢٦٢.\n(١٠) معارج القبول، حافظ حكمى: ١٦٤.","vol":"3","page":392},{"text":"تعريفه دونه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وكل ذلك لم يَنْفِ العلو؛ فهو ﷾ مُسْتَوٍ على عَرْشِه، بائِن (مُنْفَصِل) مِن خَلْقِه، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وليس معنى مَعِيَّته مع عِبادِه أن يكون ذلك بالجوارح، أو أنه تعالى مختلط بالخَلْق؛ فهو خلاف ما أجمع عليه سَلَفُ الأُمَّة وخِلاف ما فَطَرَ اللهُ عليه الخَلْق، بل القمر آية من آيات الله، ومن أصْغَر مَخْلُوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المُسافر وغير المسافر، أينما كان ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد والحلول والاتحاد، والله ورسوله بَرِيئانِ مِنه (١).\nوقد قال تعالى: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، لثلاثة وجوه (٢):\nالوجه الأول: أن الصلاة من الصبر؛ لأنها صبر على طاعة الله.\nالوجه الثاني: أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة؛ لأن الصبر مُرّ: الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فهو مرٌّ يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول: هذا مريض.\nالوجه الثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي ﷺ أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قِبل وجهه (٣) - وهو على عرشه ﷾.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ...﴾.\n٢ - ومنها: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾.\n٣ - ومنها: بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره.\n٤ - ومنها: جواز الاستعانة بغير الله فيما يمكن أن يعين فيه؛ لقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وجاء في الحديث: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة» (٤).\n٥ - ومنها: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا ...﴾ إلخ.\n٦ - ومنها: فضيلة الصبر؛ لأنه يعين على الأمور؛ والصبر ثقيل جدًا على النفس؛ لأن الإنسان إذا أصابه ضيق، أو بلاء ثقل عليه تحمله، فاحتاج إلى الصبر؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي -ﷺ-: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ [هود: ٤٩]؛ فقال تعالى: ﴿فاصبر﴾ إشارة إلى أن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر، وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازع، ويضاد؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]؛ إذًا الصبر شاق على النفوس؛ لكن يجب على الإنسان أن يصبر؛ ولهذا من لم يوفق للصبر فاته خير كثير؛ والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج لا سيما إذا صبر بإخلاص، وحسن نية؛ وانتظار الفرج عبادة، وباب للفرج؛ لقول النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسرًا» (٥)؛ لأنه إذا كان منتظرًا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول، وأن دوام الحال من المحال؛ فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا هان عليه الصبر كثيرًا؛ وهذه لا شك من الخصال الحميدة التي جاء بها\n_________\n(١) معارج القبول، حافظ حكمى: ١٦٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٢.\n(٣) راجع البخاري ص ٣٥، كتاب الصلاة، باب ٣٣: حك البزاق باليد من المسجد، حديث رقم ٤٠٦، وراجع صحيح مسلم ص ٧٦٣، كتاب المساجد، باب ١٣: النهي عن البصاق في المسجد ...، حديث رقم ١٢٢٣ [٥٠] ٥٤٧.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد، باب ٧٢: فضل من حمل متاع صاحبه في السفر حديث رقم ٢٨٩١؛ وأخرجه مسلم ص ٨٣٧، كتاب الزكاة، باب ١٦: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم ٢٣٣٥ [٥٦] ١٠٠٩، واللفظ لمسلم.\n(٥) أخرجه أحمد ١/ ٢٩٣، حديث رقم ٢٦٦٩؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٠٤ - ١٩٠٥، كتاب صفة القيامة، باب ٥٩: حديث حنظلة، حديث رقم ٢٥١٦، وفي سنده قيس بن الحجاج، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، حديث رقم ٢٠٤٣.","vol":"3","page":393},{"text":"الإسلام، ودليل على أن الأمور تسهل بالصبر؛ مهما بلغتك الأمور اصبر، فتهون؛ ولهذا جعل الله الصبر عونًا.\n٧ - ومن فوائد الآية: أن في الصبر تنشيطًا على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطًا، وثباتًا؛ وكون الله ﷾ مع الإنسان مسددًا له، ومؤيدًا له، ومصبِّرًا له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ إلى قوم يتناضلون قال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا وأنا مع بني فلان؛ قال الآخرون: يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل؛ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» (١).\n٨ - ومن فوائد الآية: إثبات معية الله ﷾؛ ومعيته تعالى نوعان:\nالنوع الأول: عامة لجميع الخلق، ومقتضاها الإحاطة بهم علمًا، وقدرة، وسلطانًا، وسمعًا، وبصرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ لقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧].\nوالنوع الثاني: خاصة؛ ومقتضاها مع الإحاطة: النصر، والتأييد؛ وهي نوعان: مقيدة بوصف، كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومقيدة بشخص، كقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله عن نبيه محمد ﷺ: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠].\nالقرآن\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤]\nالتفسير:\nولا تقولوا -أيها المؤمنون- فيمن يُقتلون مجاهدين في سبيل الله: هم أموات، بل هم أحياء حياة خاصة بهم في قبورهم، لا يعلم كيفيتها إلا الله - تعالى-، ولكنكم لا تُحسُّون بها. وفي هذا دليل على نعيم القبر.\nفي سبب نزول الآية: قولان:\nأحدهما: قال الواحدي: \" نزلت في قتلى بدر من المسلمين، وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية\" (٢).\nوكذا ذكره الثعلبي (٣) بغير إسناد.\nوذكره مقاتل بن سليمان (٤)، وبه زيادة أن سمى الستة من المهاجرين وهم: عبيدة بن الحارث (٥)، وعمير بن أبي وقاص (٦)، وذو الشمالين (٧) بن عبد عمرو (٨) وعاقل بن البكير (٩)، ومهجع مولى عمر (١٠)، وصفوان بن بيضاء (١١)، وسمى الثمانية من الأنصار وهم: سعد بن خيثمة (١٢) ومبشر بن عبد المنذر (١٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٣٣، كتاب الجهاد، باب ٧٨: التحريض على الرمي ...، حديث رقم ٢٨٩٩.\n(٢) أسباب النزول: ٤٤. والخبر أخرجه ابن مندة في \"الصحابة\" (لباب النقول: ٣٠) من طريق السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ بمعناه وقد علمنا سابقا أن هذه سلسلة الكذب (الإتفان: ٢/ ١٨٩).\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢١.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٠ - ١٥١.\n(٥) في الأصل: عبيد وهو خطأ وترجمته في \"الإصابة\" \"٢/ ٤٤٩\".\n(٦) في الأصل: \" عتبة هو خطأ \"الإصابة\" \"٣/ ٣٥\".\n(٧) واسمه عمير \"الإصابة\" \"٣/ ٣٥\".\n(٨) جاء في \"تفسير مقاتل\": \"وذي الشمالين عبد عمر بن نضلة\" وقد سقط منه لفظ \"بن\" وواو عمرو.\n(٩) انظر: في الأصل وفي \"تفسير مقاتل\": عقيل وهو خطأ \"الإصابة\" \"٢/ ٢٤٧\".\n(١٠) مهجع العكي \"الإصابة\" \"٢/ ٤٦٦\".\n(١١) ترجمه الحافظ في \"الإصابة\" باسم: صفوان بن وهب \"٢/ ١٩١\".\n(١٢) انظر: في الأصل: سعيد وهو خطأ \"الإصابة\" \"٢/ ٢٥\".\n(١٣) انظر: الإصابة: ٣/ ٣٦٠. ولم ينقط في الأصل.","vol":"3","page":394},{"text":"وحارثة بن سراقة (١)، وعوف (٢) ومعوذ (٣) ابنا عفراء (٤)، وهي أمهما، واسم أبيهما الحارث بن مالك ويزيد بن الحارث (٥)، وعمير بن الحمام (٦) ورافع بن المعلى (٧).\nوذكره ابن عطية (٨)، والرازي (٩)، والقاسمي (١٠) وغيرهم من المفسرين.\nوذكره الماوردي مختصرا ولفظه: \"وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحُد: مات فلان، ومات فلان، فنزلت الآية\" (١١).\nالثاني: وقال ابن عطية في سبب نزولها: أن\" المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم\" (١٢).\nالثالث: وقيل: أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، \" أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات\" (١٤).\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: \" ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله﴾، يعني: الذين قتلوا في طاعة الله في قتال المشركين\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يقول الله: لا تحسبهم أمواتا\" (١٦).\nقال مقاتل: أي\" ولا تقولوا معشر المؤمنين لمن يقتل في سبيل الله أموات\" (١٧).\nقال ابن عثيمين: أي: \"لا تقولوا: هم أموات، والذي يقتل في سبيل الله هو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا\" (١٨).\nقال المراغي: \" أي ولا تتحدثوا في شأنهم، فتقولوا: إنهم أموات\" (١٩).\nقال أبو حيان: \" نهوا عن قولهم عن الشهداء أموات، وأخبر تعالى أنهم أحياء\" (٢٠).\nقال ابن عاشور: \"نهي عن القول الناشاء عن اعتقاد، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلاّ ما يَعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا، والظاهر أن هذا تكميل لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كما تقدَّم من حديث البراء فإنه قال: \"قتل أناس قبل تحويل القبلة\"، فأعقب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة\" (٢١).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]، \" أي بل هم أحياءً عند ربهم يرزقون ولكن لا تشعرون بذلك\" (٢٢).\nقال مقاتل: \" مرزوقون في الجنة عند الله، ومساكن أرواح الشهداء سدرة المنتهى في جنة المأوى\" (٢٣).\nقال المراغي: أي: \" بل هم أحياء في عالم غير عالمكم، ولكن لا تشعرون بحياتهم\" (٢٤).\nقال الصابوني: \" لأنهم في حياةٍ برزخية أسمي من هذه الحياة\" (٢٥).\nقال ابن عثيمين: \" وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها\" (٢٦).\nقال البيضاوي: \" وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي\" (٢٧).\nقال أبو السعود: \" وفيه رمز إلى أنها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي\" (٢٨).\nقال الطبري: أي: \"ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به\" (٢٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا تشعرون بحياتهم؛ لأنها حياة برزخية غيبية؛ ولولا أن الله ﷿ أخبرنا بها ما كنا نعلم بها\" (٣٠).\nقال أبو العالية: \" يقول هم أحياء في صدور طير خضر، يطيرون في الجنة حيث شاءوا، ويأكلون من حيث شاءوا\" (٣١).\nواختلف في حقيقة الموت والحياة في الآية، على قولين (٣٢):\nأحدهما: أن المراد حقيقة الموت والحياة.\n_________\n(١) انظر: الإصابة: ١/ ٢٩٧.\n(٢) انظر: الإصابة\" \"٣/ ٤٢\".\n(٣) انظر: في الأصل: مسعود وهو تحريف \"الإصابة\" \"٣/ ٤٥٠\".\n(٤) هي عفراء بنت عبيدة من بني النجار، الصحابية التي شهد سبعة من أولادها بدرًا ﵂ \"الإصابة\" \"٤/ ٣٦٤\" و\"المجتبى من المجتنى\" لابن الجوزي \"ص ١٦٥\".\n(٥) انظر: الإصابة\" \"٣/ ٦٥٤\".\n(٦) انظر: الإصابة\" \"٣/ ٣١. في الأصل: عمرو وفي \"تفسير مقاتل\": عمر وكلاهما خطأ. قال السيوطي في \"اللباب\" \"ص ٣٠\": \"أخرج ابن منده في الصحابة من طريق السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قتل تميم بن الحمام ببدرا، وفيه وفي غيره نزلت ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية قال أبو نعيم: اتفقوا على أنه عمير بن الحمام، وأن السدي صحفه\".\n(٧) انظر: الإصابة\" \"١/ ٤٩٩\".\nوانظر أسماء الشهداء الأربعة عشر في \"السيرة\" لابن هشام \"١/ ٧٠٦ - ٧٠٨\".\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٧.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٢، قال الرازي: \"قال ابن عباس ﵄: \"نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث ابن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله. ومن الأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء، وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا\".\n(١٠) تفسير القاسمي: ١/ ١٣١، قال القاسمي: \" قال الضحاك هم النفر الذين قتلوا عند بئر معونة وقال الكلبي هم الذين قتلوا ببدر قتل يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا وكان الناس يقولون مات فلان ومات فلان فأنزل الله تعالى \" ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء \" يعني هم في الحكم كالأحياء لأنه يجري ثوابهم إلى يوم القيامة ولأنهم يسرحون في الجنة حيث شاؤوا كما قال في آية أخرى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] \".\n(١١) النكت والعيون: ١/ ٢٠٩.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٧.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(١٥) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٠٩): ص ١/ ٢٦٢.\n(١٦) تفسير ابن أبي حاتم (١٤١٠): ص ١/ ٢٦٢.\n(١٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/! ٥١.\n(١٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٥. [بتصرف بسيط].\n(١٩) تفسير المراغي: ٢/ ٢٣.\n(٢٠) البحر المحيط: ١/ ٣٩٠.\n(٢١) التحرير والتنوير: ٢/ ٥٣.\n(٢٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٢٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥١.\n(٢٤) تفسير المراغي: ٢/ ٢٣.\n(٢٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٢٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٦.\n(٢٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٤.\n(٢٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٩.\n(٢٩) تفسير الطبري: ٣/ ٢١٨\n(٣٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٦.\n(٣١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤١٢): ص ١/ ٢٦٣، وأخرجه الحاكم: ٢/ ٢٧١ كتاب التفسير حديث صحيح الإسناد.\n(٣٢) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٩٠.","vol":"3","page":395},{"text":"والثاني: وقيل: ذلك مجاز.\nوالظاهر هو القول الأول. والله أعلم.\nقال أبو حيان: \" وإذا حمل الموت والحياة على الحقيقة فاختلفوا، فقال قوم: معناه النهي عن قول الجاهلية أنهم لا يبعثون، فالمعنى: أنهم سيحيون بالبعث، فيثابون ثواب الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله. وأكثر أهل العلم على أنهم أحياء في الوقت. ومعنى هذه الحياة: بقاء أرواحهم دون أجسادهم، إذ أجسادهم نشاهد فسادها وفنائها. واستدلوا على بقاء الأرواح بعذاب القبر، وبقوله: ﴿وَلَاكِن لا تَشْعُرُونَ﴾ معناه: لا تشعرون بكيفية حياتهم، ولو كان المعنى بإحياء أنهم سيحيون يوم القيامة، أو أنهم على هدى ونور، لم يظهر لنفي الشعور معنى، إذ هو خطاب للمؤمنين، وهم قد علموا بالبعث، وبأنهم كانوا على هدى. فلا يقال فيه: ولكن لا تشعرون، لأنهم قد شعروا به وبقوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾، وقد ذهب بعض الناس إلى أن الشهيد حي الجسد والروح، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور به من الحي غيره. فنحن نراهم على صفة الأموات وهم أحياء، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وكما ترى النائم على هيئته، وهو يرى في منامه ما ينعم به أو يتألم به\" (١).\nفإن قال قائل: كيف لا نقول أموات وقد ماتوا؟\nفالجواب: أن المراد هنا: لا تقولوا: أموات موتًا مطلقًا - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد؛ فهذا موجود؛ ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون، ويشربون؛ ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾ يعني: بل هم أحياء .. والمراد: أحياء عند ربهم\" (٢).\nقال ابن عاشور: \"وإنما قال: (وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)، للإشارة إلى أنها حياةٌ غير جسمية ولا مادِّيَّة بل حياة روحية، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحَشْر مع إحساس ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات الكاملة، ولذلك ورد في الحديث إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها (٣)، والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية، فلما انفصلت الروح عن الجسد عُوِّضت جسدًا مناسبًا للجنة ليكون وسيلة لنعميها\" (٤).\nواختلف في مستقر أرواح الشهداء على أقوال (٥):\nأحدها: قيل: قبورهم يرزقون فيها.\nوالثاني: وقيل: في قباب بيض في الجنة يرزقون فيها، قاله أبو بشار السلمي (٦).\nالثالث: أن أرواح الشهداء تعارف في طَير بيض يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سِدرة المنتهى، قاله قتادة (٧).\nالرابع: وقيل: يأكلون من ثمر الجنة ويجدون ريحها، وليسوا فيها، قاله مجاهد (٨).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٦.\n(٣) لعله يقصد هذا الحديث: سأل مسروق عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فقال: \"إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: \" أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل\". (رواه مسلم: (١٨٨٧).\n(٤) تفسير ابن عاشور: ٢/ ٥٣ - ٥٤.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٩١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٢٤): ص ٣/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣١٩): ص ٣/ ٢١٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٣١٧)، و(٢٣١٨): ص ٣/ ٢١٥.","vol":"3","page":396},{"text":"الخامس: وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"\" الشهداءُ على بَارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء \" (١).\nوجاء في صحيح مسلم: \"إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل مُعَلَّقة تحت العرش، فاطَّلع عليهم ربك اطِّلاعَة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا، وأيّ شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتْرَكُون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتى نقتل فيك مرة أخرى؛ لما يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب ﷻ: إني كتبتُ أنَّهم إليها لا يرجعون\" (٢).\nوروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"نَسَمَةُ المؤمن طائر تَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (٣).\nقال ابن كثير: \"ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصِّصُوا بالذكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيما\" (٤).\nوقد اختلف العلماء في هذا الوصف الذي اتصف به الشهيد، هل هو خاص به، أم أنه يشمل عموم المؤمنين؟:\nالقول الأول: أن هذا الوصف لم يخص مؤمنًا شهيدًا من غير شهيد.\nروى كعب بن مالك قال: قال رسول الله؟: \"إنما نسمة (٥) المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (٦).\nففي هذا الحديث لم يخص مؤمنًا شهيدًا من غير شهيد (٧).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٨) -﵀-: \"الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة: أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة، ليس مختصًا بالشهيد. كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختص الشهيد بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نُهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق، لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق\" (٩).\nوقد تابع ابن تيمية على قوله هذا: تلميذه ابن القيم في كتابه الروح (١٠)، وابن كثير في تفسيره (١١)،\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٢٣): ص ٣/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٢) صحيح مسلم برقم (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود ﵁ ولفظه مختلف لكن معناه واحد.\n(٣) المسند (٣/ ٤٥٥).\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٧.\n(٥) نسمة: أي روح. انظر. النهاية: ٥/ ٩٤.\n(٦) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز: ١/ ٢٤٠. والنسائي، كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، رقم ٢٠٧٣. وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، رقم ٤٢٧١.\nقال ابن القيم في \"الروح\"، ص ٢٥٢: \"الحديث من صحاح الأحاديث\".\nوقال ابن كثير: \"هذا إسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد -﵀- رواه عن محمد بن إدريس الشافعي -﵀- عن مالك بن أنس الأصبحي -﵀- عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه\"، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٠٤.\n(٧) التمهيد: لابن عبد البر: ١١/ ٥٩.\n(٨) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الدمشقي، ولد سنة ٦٦١ هـ، الإمام، الفقيه، المجتهد، المحدث، الحافظ، الأصولي، أبو العباس تقي الدين، شيخ الإسلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، وبالإسهاب في أمره، تصانيفه كثيرة قيمة نافعة، منها: اقتضاء الصراط المستقيم، منهاج السنة، درء تعارض العقل والنقل. توفي سنة ٧٢٨ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ٣٨٧، لابن رجب، والكواكب الدرية في مناقب المجدد ابن تيمية. مرعي بن يوسف الكرمي، والرد الوافر على من زعم: بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، لابن ناصر الدين، وتذكرة الحفاظ للذهبي: ٤/ ١٤٩٦.\n(٩) فتاوى ابن تيمية: ٤/ ٣٣٢، و٤/ ٢٧٨.\n(١٠) ص ٢٥٩ وما بعدها.\n(١١) ١/ ١٨٧، و١/ ٤٠٤.","vol":"3","page":398},{"text":"وشارح الطحاوية (١).\nالقول الثاني: أن هذا الوصف خاص بالشهداء لا غيرهم. وإن الآيات والأحاديث السابقة تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم، وأما حديث: «إنما نسمة المؤمن ...»، فتأويله: إنما نسمة المؤمن من الشهداء (٢).\nونقل القرطبي عن ابن العربي أنه حكى إجماع الأمة على اختصاص الشهيد بهذا الوصف (٣).\nوالذي يظهر أن هذا الإجماع غير صحيح، لمعارضته النص الصريح، والصحيح عن النبي؟ في قوله: «إنما نسمة المؤمن ...»، بل حكى شيخ الإسلام -﵀- خلاف ذلك وأن جماهير أهل السنة على أن هذا الوصف ليس مختصًا به، وبهذا قال بعض كبار العلماء من الشافعية كابن كثير والحنفية كابن أبي العز كما سبق، والله أعلم.\nقال الراغب: إن الحياة تقال على أوجه، وكل واحدة يقابلها موت (٤):\nالأول: في القوة النامية التي بها الغذاء والشهوة إليها، وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان، ولذلك يقال: نبات حي.\nوالثاني: في القوة الحساسة التي بها الحركة المكانية وهي موجودة في الحيوان والإنسان دون النبات.\nوالثالث: القوة العاملة العاقلة [وبها يكون العقل والعلم] وهي في الإنسان دون الحيوانات والنبات وبها يتعلق التكليف، وقد يقال للعلم المستفاد الحقيقي، والعمل الصالح حياة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.\nو(الشهيد) في اللغة: على وزن \"فَعِيْل\"، مشتق من الفعل شَهِدَ يَشْهُد شهادةً، فهو شاهد وشهيد، فشاهد وشهيد بمعنى واحد، مثل عالم وعليم، وناصر ونصير (٥). إلا أن صيغة فعيل أبلغ (٦)، وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل (٧).\nوقيل: الشهيد: فعيل، بمعنى مفعول (٨).\nوالشهيد: القتيل في سبيل الله، وقد استشهد فلان على ما لم يُسَمَّ فاعله (٩).\nوالشين والهاء والدال أصل يدلّ على حضور، وعلم، وإعلام، ومن ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام (١٠).\nوالشاهد، والشهيد: الحاضر، والجمع شهداء، وشهَّد، وأشهاد، وشهود (١١).\nومما يدل على أن من معانيه الحضور: ما جاء في الحديث: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (١٢).\n_________\n(١) ابن أبي العز الحنفي، ص ٤٠٣ - ٤٠٤.\n(٢) انظر: التمهيد، لابن عبد البر: ٦/ ٦٤ - ٦٥.\n(٣) انظر: \"التذكرة\" ص ٦٣٥ للقرطبي، فقد نقل عن ابن العربي في كتابه \"سراج المريدين\" إجماع الأمة على اختصاص الشهيد بهذا الوصف.\nوكتاب \"سراج المريدين\" مخطوط في دار الكتب المصرية تحت رقم (٢٠٣٤٨ ب).\nوانظر: فهرست مخطوطات دار الكتب المصرية: ١/ ٤٥٨ (في ٢٤٥ لوحة).\n(٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(٥) جمهرة اللغة، لابن دريد: ٢/ ٦٥٣، ٣/ ١٢٤٨.\n(٦) عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، لابن السمين، ص ٢٧٨.\n(٧) النهاية، لابن الأثير: ٢/ ٥١٣.\n(٨) أنيس الفقهاء، للقونوي، ص ١٢٣.\n(٩) مختار الصحاح، للرازي، ص ١٤٧.\n(١٠) المقاييس في اللغة: ٣/ ٢٢١\n(١١) لسان العرب: ٣/ ٢٣٩.\n(١٢) البخاري: كتاب النكاح، ح ٤٨٩٩.","vol":"3","page":399},{"text":"ومن ذلك قول الشاعر:\nكأني، وإن كانت شهودًا عشيرتي ... إذا غبت عني يا عثيم غريب (١)\nويقال: قوم شهود، أي حضور (٢).\nوهذا معروف في لسان العرب معرفة يستغنى بها عن الاستشهاد عليها بشيء، ولكن لتأكيد هذا أوردنا بعض الشواهد في ذلك.\nوقد اختلف في اشتقاق كلمة (شهيد)، هل هو من الشهادة؟ أو من المشاهدة، أو هو فعيل بمعنى مفعول؟ أو بمعنى فاعل؟ (٣).\nفإن كان الاشتقاق من الشهادة، فهو شهيد، بمعنى: مشهود، أي مشهود عليه، ومشهود له بالجنة، ويجوز أن يكون من الشهادة، وتكون فعيل بمعنى فاعل، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]، أي تشهدون عليهم، وهذا وإن كان عامًا في جميع أمة محمد؟، فالشهداء أولى بهذا الاسم، فهذان وجهان في معنى الشهيد إذا جعلته مشتقًا من الشهادة.\nوإن كان من المشاهدة، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، على معنى أنه يشاهد من ملكوت الله، وقد يكون بمعنى مفعول، من المشاهدة، أي أن الملائكة تشاهد قبضه والعروج بروحه، ونحو ذلك، فيكون فعيلًا بمعنى مفعول (٤).\nوبناء على عدم الاتفاق في تقدير معنى الفعل؛ افترقت الأقوال، وتشعبت الآراء في سبب التسمية، وكان اختلاف بعض هذه الأقوال يرجع إلى تباين وتضاد، وبعضها ليس كذلك، بل الأقوال فيها متقاربة.\nونلاحظ عند استقراء هذه الأقوال أنها تفرعت عن قولين رئيسين هما:\nالقول الأول: أن الشهيد بمعنى شاهد، أي فعيل بمعنى فاعل، وشاهد قد تكون بمعنى الإخبار والإعلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١]. فالشهادة هنا بمعنى الإخبار.\nوقد ترد ويراد منها الحضور والمشاهدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣]. أي حضورًا (٥).\nوهؤلاء اختلفوا أيضًا في سبب التسمية على أقوال:\nأحدها: لأنه ممن يستشهد يوم القيامة مع النبي؟ على الأمم الخالية، قال تعالى: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٦).\nالثاني: لأن أرواحهم شهدت دار السلام، أي حضرتها، وأما أرواح غيرهم فلا تحضرها إلى يوم البعث (٧). قال الأزهري (٨): «وقال ابن شميل في تفسير الشهيد الذي يستشهد: الشهيد: الحي. قلت: أراه تأول قول الله جل وعز: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. كأن أرواحهم أحضرت دار السلام أحياءً، وأرواح غيرهم أخرت إلى يوم البعث، وهذا قول حسن» (٩).\nالثالث: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل (١٠).\n_________\n(١) أورده ابن منظور في اللسان، وقال قبله: وأنشد ثعلب، انظر: لسان العرب: ٣/ ٢٤٠.\n(٢) الصحاح، للجوهري: ٢/ ٤٩٤.\n(٣) تاج العروس، للزبيدي: ٨/ ٢٥٦، بتصرف. وانظر: النهاية: ٢/ ٥١٣.\n(٤) الروض الأنف، للسهيلي: ٣/ ١٩٥، بتصرف.\n(٥) عمدة الحفاظ، للسمين، ص ٢٨٠، بتصرف.\n(٦) انظر تهذيب اللغة للأزهري (٦/ ٧٣).\n(٧) عمدة الحفاظ، ص ٢٧٩.\n(٨) هو: محمد بن احمد بن الأزهر بن طلحة، الأزهري الهروي اللغوي، الإمام المشهور في اللغة، ولد سنة ٢٨٢ هـ، من مؤلفاته في اللغة كتاب \"التهذيب\"، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي تستعملها الفقهاء يسمى بـ\"الزاهر\" وهو على غريب ألفاظ كتاب المزني. توفي سنة ٣٧٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان: ٤/ ٦٣٩.\n(٩) تهذيب اللغة: ٦/ ٧٣.\n(١٠) لسان العرب، لابن منظور: ٣/ ٢٤٣.","vol":"3","page":400},{"text":"الرابع: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد الله له من الثواب والكرامة بالقتل (١).\nالخامس: لأنه شهد المغازي (٢).\nالسادس: لأنه شهد لله بالوجود والإلهية بالفعل، كما شهد غيره بالقول (٣).\nالسابع: لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره (٤).\nالثامن: لأنه يشاهد الدارين: دار الدنيا، ودار الآخرة (٥).\nالقول الثاني: أن الشهيد بمعنى مشهود، أي فعيل بمعنى مفعول، واختلف في تحديد سبب التسمية إلى أقوال:\nأحدها: لأن ملائكة الرحمة تشهده (٦)، وصحح هذا القول الرازي (٧) في كتابه \"حلية الفقهاء\" (٨).\nفالشهيد: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إياه، إشارة إلى ما قال الله ﷿: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (٩).\nالثاني: لأن الله وملائكته شهود له بالجنة (١٠)، أو بالخير (١١).\nالثالث: لأنه شهد له بالإيمان، وحسن الخاتمة بظاهر حاله (١٢).\nالرابع: لأن عليه شاهدًا يشهد بشهادته؛ وهو دمه (١٣).\nهذه أغلب الأقوال التي قيلت في سبب التسمية، وما لم نذكره فإنه يدخل في بعض هذه الأقوال، ولا يخرج عنها في الغالب.\nوأقرب الأقوال إلى الصحة -والله أعلم- هو ما رجّحه الإمام السهيلي (١٤) -﵀- حيث قال -بعد ذكره بعض هذه الأوجه-: «وأولى هذه الوجوه كلها بالصحة: أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول، ويكون معناه: مشهودًا له بالجنة، أو يشهد عليه النبي ﵇، كما قال: «هؤلاء أنا شهيد عليهم»، أي: قّيم عليهم بالشهادة لهم، وإذا حشروا تحت لوائه، فهو وال عليهم، وإن كان شاهدًا لهم، فمن ههنا اتصل الفعل بعلى، فتقوى هذا الوجه من جهة الخبر، ومن وجه آخر من العربية؛ وهو أن النبي؟ حين ذكر الشهداء قال: «والمرأة تموت بجمع شهيد» (١٥)، ولم يقل: شهيدة، وفي رواية أخرى قال: «والنفساء شهيد، يجرها جنينها بسرره إلى الجنة» (١٦)، ولم يقل: شهيدة، وفعيل إذا كان صفة لمؤنث كان بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، نحو امرأة قتيل وجريح، وإن كان بمعنى فاعل، كان بالهاء، كقولهم: امرأة عليمة ورحيمة، ونحو ذلك.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٢٤٣، تهذيب الأسماء واللغات، للنووي: ٣/ ١٦٧.\n(٢) تاج العروس: ٨/ ٢٥٤.\n(٣) المطلع على أبواب المقنع، لابن مفلح، ص ١١٦.\n(٤) بذل الماعون في فضل الطاعون، لابن حجر، ص ١٩٠.\n(٥) بذل الماعون في فضل الطاعون، ص ١٩٠.\n(٦) لسان العرب: ٣/ ٢٤٣.\n(٧) هو: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الأنصاري، كان من أئمة أهل اللغة في وقته. من أهم مؤلفاته: \"المقاييس في اللغة\"، و\"المجمل\"، وغيرها. توفي سنة ٣٩٥ هـ. انظر: وفيات الأعيان: ١/ ١١٨، ومقدمة كتاب المقاييس في اللغة لعبد السلام هارون.\n(٨) ص ٩٣.\n(٩) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ص ٤٦٨.\n(١٠) تهذيب اللغة: ٦/ ٧٣.\n(١١) عمدة الحفاظ، ص ٢٧٩.\n(١٢) تاج العروس: ٨/ ٢٥٥، المطلع، ص ١١٦.\n(١٣) تاج العروس: ٨/ ٢٥٥.\n(١٤) هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد بن عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن الخثعمي السهيلي، الإمام المشهور، الفقيه، الحافظ، الأديب، كان عالمًا بالعربية واللغة والقراءات، بارعًا في ذلك. ولد سنة ٥٠٨ هـ، له عدة مؤلفات، منها: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، نتائج الفكر في النحو، وغيرها كثير. توفي سنة ٥٨١ هـ. انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لابن فرحون، ص ١٥٠، تذكرة الحفاظ للذهبي: ٤/ ١٣٤٨.\n(١٥) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، رقم ٣٦.\n(١٦) سوف يأتي تخريجه كاملًا -إن شاء الله- عند ذكر أنواع الشهادة.","vol":"3","page":401},{"text":"فدل على أن الشهيد مشهود له، ومشهود عليه، وهذا استقراء من اللغة صحيح، واستنباط من الحديث بديع، فقف عليه (١).\nوقد أشاد بهذا القول الزبيدي (٢) -﵀- فقال - بعد ذكره الخلاف في ذلك-: «وذكر أكثر من ذلك محررًا مهذبًا: الشيخ أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف بما لا مزيد عليه» (٣).\nوتعدّ لفظة \"شهيد\" لفظة عامة يدخل تحتها جميع من أثبت له الشارع صفة الشهادة، لكن الفقهاء -﵏- لهم اصطلاح خاص في تسمية الشهيد الذي يأخذ أحكامًا تخصه عن سائر الموتى.\nوقد اختلفوا في تحديد الشروط والضوابط التي تحدد مفهوم الشهيد بالمعنى الاصطلاحي، ولذا فإنهم قد اختلفت تعريفاتهم حسب شرط كل مذهب، وسوف نعرض هنا لبعض هذه التعريفات -إن شاء الله- على وجه الاختصار والإجمال:\nأولا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الحنفية:\nاختلفت عبارات الحنفية في تحديد مفهوم الشهيد عندهم، ولعل أحسنها وأشملها: تعريف ابن عابدين (٤)، الذي عرفه بقوله: «هو كل مكلف، مسلم، طاهر، قتل ظلمًا، بجارحة، ولم يجب بنفس القتل مال، ولم يرتث (٥)» (٦)، «وكذا لو قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق ولو تسببًا أو بغير آلة جارحة» (٧).\nثانيا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند المالكية:\nجاء في وصف الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه قول خليل (٨)، هو: «شهيد معترك فقط، ولو ببلد الإسلام أو لم يقاتل، وإن أجنب على الأحسن، إلا إن رفع حيًا، وإن أنفذت مقاتله، إلا المغمور ...» (٩).\nثالثا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الشافعية:\nعرفه الإمام النووي (١٠) -﵀- بأنه: «من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال» (١١).\nرابعا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الحنابلة:\nعرّف ابن مفلح (١٢) -﵀- الشهيد بأنه: «من قتل بأيدي الكفار في معركتهم» (١٣).\n_________\n(١) الروض الأنف: ٣/ ١٩٥.\n(٢) هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، الزبيدي الحنفي، الملقب بمرتضى، ولد سنة ١١٤٥، نحوي، محدث، أصولي، مؤرخ، نسابة، أصله من واسط في العراق، ومولده في بلجرام في الشمال الغربي من الهند، ومنشأه في زبيد باليمن، رحل إلى الحجاز، وأقام بمصر. من تصانيفه: تاج العروس في شرح القاموس، الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار، إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين. توفي بالطاعون في مصر سنة ١٢٠٥ هـ. انظر: تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للجبرتي: ٢/ ٩١ - ١١٤، ومعجم المؤلفين: ١١/ ٢٨٢.\n(٣) تاج العروس: ٨/ ٢٥٦.\n(٤) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي الحنفي، ولد سنة ١١٩٨ هـ، من أشهر مؤلفاته: حاشيته المسماة \"رد المحتار على الدر المختار\"، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره. توفي سنة ١٢٥٢ هـ. انظر: الأعلام: ٦/ ٤٢. ومعجم المؤلفين، لعمر كحالة: ٩/ ٧٧\n(٥) المرتث هو من أصيب في المعركة أو غيرها ولم يجهز عليه في مصرعه ثم مات بعد ذلك متأثرًا بجراحته، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث خاص. انظر ص ١٦٥.\n(٦) حاشية ابن عابدين: ٢/ ٢٤٧.\n(٧) المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٨) هو: خليل بن إسحاق بن موسى المصري المالكي، مؤلف المختصر الذي هو عمدة المذهب. توفي سنة ٧٦٧ هـ. انظر: الديباج: ١/ ٣٥٧. وشجرة النور الزكية، ص ٢٢٣. ومعجم المؤلفين: ٣/ ١١٣.\n(٩) مختصر خليل، ص ٥٦ - ٥٧.\n(١٠) هو: الإمام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، الشافعي، ولد سنة ٦٣١ هـ، من كبار علماء الإسلام، له المؤلفات الجليلة النافعة، منها: شرح صحيح مسلم، وروضة الطالبين، والمجموع شرح المهذب، ورياض الصالحين، وغيرها. توفي سنة ٦٧٦ هـ. انظر: طبقات الشافعية، لابن هداية الله، ص ٨٩. والمنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي، للسخاوي.\n(١١) روضة الطالبين: ٢/ ١١٩.\n(١٢) هو: برهان الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي، ولد سنة ٨١٥ هـ، انتهى إليه رئاسة عصره. من مؤلفاته: \"المبدع في شرح المقنع\"، وهو عمدة في المذهب. توفي سنة ٨٨٤ هـ. انظر: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: ١/ ٦٠.\n(١٣) المبدع شرح المقنع، لابن مفلح: ٢/ ٢٣٤.","vol":"3","page":402},{"text":"وتعاريف الفقهاء -﵏- للشهيد بالمعنى الاصطلاحي ليست بجامعة ولا مانعة عدا الحنفية، ولعل ذلك -والله أعلم- لكثرة الخلاف في ضابط الشهيد، والاختلاف في أكثر صوره.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: النهي عن القول بأن الذين قتلوا في سبيل الله أموات؛ وهو يشمل القول بالقلب - وهو الاعتقاد، والقول باللسان - وهو النطق.\n٢ - ومنها: التنبيه على الإخلاص في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال -ﷺ-: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١)؛ وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد، فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله؛ لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله - أي في الطريق الموصل إلى الله أبلغ.\n٣ - ومن فوائد الآية: إثبات حياة الشهداء؛ لكنها حياة برزخية لا تماثل حياة الدنيا؛ بل هي أجلّ، وأعظم، ولا تعلم كيفيتها.\n٤ - ومنها: أن ثواب الله ﷾ للعامل أجلُّ، وأعلى؛ وذلك؛ لأن الشهيد عرض نفسه للموت ابتغاء ثواب الله؛ فأثابه الله، حيث جعله حيًا بعد موته حياة برزخية أكمل من حياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩].\n٥ - ومنها: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه إذا دفن الإنسان رد الله عليه روحه، وجاءه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه (٢).\n٦ - ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله تعالى: ﴿بل إحياء﴾.\n٧ - ومنها: أن أحوال البرزخ، وعالم الغيب غير معلومة لنا، ولا نشعر بها إلا ما علمنا الله ورسوله.\nالقرآن\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥]\nالتفسير:\nولنختبرنكم بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع، وبنقص من الأموال بتعسر الحصول عليها، أو ذهابها، ومن الأنفس: بالموت أو الشهادة في سبيل الله، وبنقص من ثمرات النخيل والأعناب والحبوب، بقلَّة ناتجها أو فسادها. وبشِّر -أيها النبي- الصابرين على هذا وأمثاله بما يفرحهم ويَسُرُّهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.\nفي سبب نزول الآية: قال الماوردي: \" لما تقدم من دعاء النبي -ﷺ- أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسفَ (٣) حين قحطوا سبع سنين، فقال الله تعالى مجيبًا لدعاء نبيه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ﴾، الخوف يعني الفزع في القتال، والجوع يعني المجاعة بالجدب \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٥١ – ٢٥٢، كتاب فرض الخمس، باب ١٠: من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، حديث رقم ٣١٢٦، وأخرجه مسلم ص ١٠١٨، كتاب الإمارة، باب ٤٢: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث رقم ٤٩٢٠ [١٥٠] ١٩٠٤، واللفظ لمسلم.\n(٢) راجع مسند الإمام أحمد ٤/ ٢٩٥ – ٢٩٦، حديث رقم ١٨٨١٥، وأبو داود ص ١٥٧٢، كتاب السنة، باب ٢٣: المسألة في القبر وعذاب القبر، حديث رقم ٤٧٥٣، والترمذي مختصرًا ص ١٩٦٨، كتاب تفسير القرآن، باب ١٤: ومن سورة إبراهيم، حديث رقم ٣١٢٠، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ١٦٥ – ١٦٦، \"صحيح\". أهـ. وأصله في البخاري ومسلم.\n(٣) لفظ الحديث: \" \"اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف\". رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب \"الأذان\" باب يهوي بالتكبير حين يسجد \"الفتح\" \"٢/ ٢٩٠\" بهذا اللفظ وبدون \"عليهم في كتاب الاستسقاء\" باب دعاء الني ﷺ\" اجعلها عليهم سنين كسني يوسف \"الفتح\" \"٢/ ٤٩٢\" وكتاب \"التفسير\" باب \"ليس لك من الأمر شيء\". \"الفتح\" \"٨/ ٢٢٦\".\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٢٠٩، وانظر: العجاب: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.","vol":"3","page":403},{"text":"وعبّر عنه أبو حيان بقوله: \" وقيل: هؤلاء أهل مكة، خاطبهم بذلك إعلامًا أنه أجاب دعوة نبيه ﷺ فيهم، وليبقوا يتوقعون المصيبة، فتضاعف عليهم المصيبات\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، \" أي ولنختبرنكم (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" ولنختبرنكم يا أمة محمد\" (٣).\nقال ابن عطية: \"معناه: لنمتحننكم\" (٤).\nقال المراغي: \" أي والله لنمتحننكم\" (٥).\nقال أبو السعود: أي: \" لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء\" (٦).\nقال القرطبي: أي: \"لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء، والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة\" (٧).\nقال ابن كثير: \"إذ \"أخبر تعالى أنه يبتلي عباده المؤمنين، أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فتارة بالسراء، وتارة بالضراء\" (٨).\nقال ابن عباس: \" أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرَهم بالصبر وبَشّرهم فقال: ﴿وبشر الصابرين﴾، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته، لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ \" (٩).\nواختلف النحويون في فتح (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، على قولين (١٠):\nأحدهما: . أنها مفتوحة لالتقاء الساكنين. قاله سيبويه (١١).\nالثاني: وقال آخرون: أنها مبنيه علي الفتح.\nقال الزجاج: \"فالذين قالوا إنها مبنية على الفتح غير خارجين من قول سيبويه، وكلا القولين جائز\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٥٠]، \" بشيءٍ يسير من ألوان البلاء\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \"بِشَيْءٍ قليل (١٤) من كل واحد من هذه البلايا، و(شيء) هنا للتقليل؛ ويحتمل أن يكون للتكثير.\nقال أبو السعود: \" أي بقليل من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيب به معانديهم وإنما أخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة حميدة\" (١٥).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٣٩١، وانظر: العجاب: ١/ ٤٠٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٧.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٢٤.\n(٦) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٠.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٢٣٢٥): ص ٣/ ٢١٩.\n(١٠) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٠.\n(١١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٠.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٣٠.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(١٤) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٠٧.\n(١٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٠.","vol":"3","page":404},{"text":"قال ابن عطية: \" فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازا ولذلك وحد\" (١).\nوقرأ الضحاك: ﴿بأشياء﴾، على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض (٢).\nوإنما قال ﴿بِشَيْءٍ﴾ على الوحدان، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين (٣):\nالأول: لئلا يوهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا.\nالثاني: معناه بشيء قليل من هذه الأشياء.\nوقال الإمام الطبري: \"وإنما قال تعالى ذكره: \" بشيء من الخوف \" ولم يقل بأشياء، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفًا - وكانت \" مِن \" تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر \" شيء \"، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر \" الشيء \" في أوله، من إعادته مع كل نوع منها، ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحَن\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: \"وشيء من الخوف\" (٥).\nقال ابن عطية: \" يعني من الأعداء في الحروب\" (٦).\nقال الطبري: يعني: من الخوف من العدو\" (٧).\nقال ابن عثيمين: معناه: \"الذُّعْر؛ وهو شامل للخوف العام، والخوف الخاص؛ الخوف العام: كأن تكون البلاد مهددة بعدو؛ والخوف الخاص: كأن يكون الإنسان يبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه\" (٨).\nقال ابن عباس: \" ﴿الخوف﴾: يعني: خوف العدو\" (٩).\nقال الشافعي: \"خوف العدو\" (١٠).\nقال النسفي: \" خوف الله والعدو\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: \"وشيء من الجوع\"\" (١٢).\nقال الطبري: \"وهو القحط، يقول: وبسَنه تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم\" (١٣).\nوفي قوله تعالى:: ﴿وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وجهان:\nأحدهما: أن المراد: الجوع بسبب يعني المجاعة والقحط. وهذا في قول ابن عباس (١٤).\nوالثاني: أنه الجوع في شهر رمضان. قاله الشافعي (١٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٠.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٠.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٠.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٩.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(١٠) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٢٤٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(١٢) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٠.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(١٥) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٢٤٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.","vol":"3","page":405},{"text":"قال ابن عطية: أي: \" الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعا\" (١).\nقال النسفي: أي: \" أي القحط أو صوم شهر رمضان\" (٢).\nو﴿الْجُوعِ﴾: \"هو خلو البطن من الطعام مع شدة اشتهائه؛ وهو ضد «الشِّبع»؛ وله أسباب؛ السبب الأول: قلة الطعام؛ والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام؛ والسبب الثالث: أن يصاب الإنسان بمرض يمنعه من الطعام إما لقلة الشهية؛ وإما للعجز عن استساغه لسدَدٍ في الحلق، أو قروح في المعدة، أو غير ذلك؛ والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه؛ بل كل المصائب لا يدرك أثرها إلا من جربها؛ أما من لم يجرب فإنه لا يشعر بآثار المصائب؛ ولهذا قيل: وبضدها تتبين الأشياء\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: و\"وذهاب بعض الأموال\" (٤).\nقال الزجاج: أي\"وشيء من تقص الأموال\" (٥).\nقال ابن عطية: أي: \" بالجوائح والمصائب\" (٦).\nقال أبو السعود: أي: بـ\" الزكاة والصدقات\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي \"ذهاب بعضها\" (٨).\nقال الثعلبي: \" يعني الخسران والنقصان في المال، وهلاك المواشي\" (٩).\nقال النسفي: \" بموت المواشي أو الزكاة، وهو عطف على شيء، أو على الخوف أي وشيء من نقص الأموال\" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة: \" ﴿ونقص من الثمرات﴾، قال: حتى لا تحمل النخلة إلا ثمرة واحدة\" (١١).\nوفي سبب نقص الأموال أقوال:\nأحدها: أن ذلك بسبب الاشتغال بقتال الكفار (١٢).\nالثاني: وقيل: بالجوائح المتلفة.\nالثالث: بالزكاة المفروضة. قاله الشافعي (١٣).\nو﴿الأموال﴾: \"جمع (مال)؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من نقود، ومتاع، وحيوان\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالأَنْفُسِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: \" وموت بعض الأحباب\" (١٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٧.\n(٢) تفسير النسفي: ١/! ٣٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٠.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٧.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٧.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٣٨.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٦٤.\n(١٢) وذلك بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل، فهناك يحصل النقص في المال والنفس. فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾ (التوبة: ٤١) وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى: ﴿ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله﴾ (التوبة: ١٢٠). (مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٧).\n(١٣) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٢٤٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٩.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.","vol":"3","page":406},{"text":"قال ابن عطية: اي: \" بالموت والقتل\" (١).\nقال أبو السعود: أي بـ\" الأمراض\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"موتُ ذراريكم وأولادكم\" (٣).\nقال النسفي: أي: \" بالقتل والموت، أو بالمرض والشيب\" (٤).\nوفي نقص الأنفس، ثلاثة أقوال:\nأحدهما: يعني: بالقتل والموت في الجهاد. قاله ابن عباس (٥).\nالثاني: يعني بالأمراض. قاله الشافعي (٦).\nالثالث: وقيل: الشيب (٧).\nو﴿الأنفس﴾: \"جمع (نفس)؛ والمراد: الأرواح، كالأمراض الفتاكة التي تهلك بها أمم، مثل الطاعون، وغيره\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: \" وضياع بعض الزروع والثمار\" (٩).\nقال ابن عباس: \"المراد: قلة النبات وانقطاع البركات\" (١٠).\nقال الطبري: \" وجُدوب تحدُث، فتنقص لها ثماركم \" (١١).\nقال ابن عطية: أي: \" بالعاهات ونزع البركة\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" يعني [الحوائج]، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج\" (١٣).\nقال ابن كثير: فـ\"لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه الله ومن قنط أحل الله به عقابه\" (١٤).\nقال النسفي: أي: \" ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد\" (١٥).\nو﴿الثمرات﴾: \"جمع (ثمرة)؛ وهي \"ما ينتج من أشجار النخيل، والأعناب، وغيرهما، بأن تأتي كوارث تنقص بها هذه الثمار، أو تتلف\" (١٦).\nوفي نقص ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾، قولان:\nأحدهما: أنها نقص من ثمار الأشجار.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٠.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٣٨.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٢٤٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٠.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٧.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣٨.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٩.","vol":"3","page":407},{"text":"قال القاسمي: \" أي بأن لا نغلّ الحدائق كعادتها، للغيبة عنها في سبيل الله، وفقد من يتعاهدها، وخصت بالذكر لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم أخص الناس بهذا الذكر، لا سيما في وقت نزول هذه الآيات. وهو أول زمان الهجرة\" (١).\nالثاني: أن\"المراد موت الأولاد\". قاله الشافعي (٢)، وولد الرجل ثمرة قلبه (٣).\nوالقول الثاني ضعيف، لأنه صرف عن ظاهر اللفظ، وقد اعترض عليه ابن كثير (٤)، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، \" أي: وبشر الصابرين على المصائب والبلايا بجنات النعيم\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: بشرهم بالجنة\" (٦).\nقال الطبري: أي\" يا محمد، بشّر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به\" (٧).\nقال الثعلبي: أي الصابرين\"على البلايا والرزايا\" (٨).\nقال القرطبي: أي \"بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدر\" (٩).\nقال الزجاج: أي: \" بالصلاة عليهم من ربهم والرحمة وبأنهم المهتدون\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" والخطاب لرسول اللَّه ﷺ، أو لكل من يتأتى منه البشارة\" (١١).\nقال أبو حيان: \" خطاب للنبي ﷺ، أو لكل من تتأتى منه البشارة، أي على الجهاد بالنصر، أو على الطاعة بالجزاء، أو على المصائب بالثواب، أقوال: والأحسن عدم التقييد، أي كل من صبر صبرًا محمودًا شرعًا، فهو مندرج في الصابرين\" (١٢).\nوأصل (التبشير): \"إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره\" (١٣).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ١/ ٤٤٢.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣. ولم أجد هذا التفسير في تفسير الشافعي: ١/ ٢٤٢. وإنما قال: \" ﴿والثمرات﴾: الصدقات\".\n(٣) روي عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلانِيُّ جَالِسٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ أَلا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ قُلْتُ بَلَى فَقَالَ حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ \" إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ: \" ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ \" رواه الترمذي (٩٤٢)، حسنه الألباني في السلسة الصحيحة (١٤٠٨).\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٧. قال ابن كثير: \" وقد حكى بعضُ المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان، ونقص الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد، وفي هذا نظر\".\nوقيل: \"لأن هذا الابتلاء موعود به في المستقبل، مذكور قبل وقوعه توطنا عليه عند الوقوع، ولعله ما من بلية ذكرها إلا وقد تقدمت لهم قبل نزول الآية، إذ الخوف من اللَّه تعالى لم يزل مشحونا في قلوب المؤمنين، ويبعد أن يعبر عن الصدقة بالنقص وقد عبر عنها الشرع بالزكاة التي هي النمو ضد النقص وورد، \" ما نقصت صدقة من مال\". [صحيح مسلم (٤/ ٢٠٠١): باب استحباب العفو والتواضع، (٢٥٨٨)]، ويمكن أن يقال هي نقص حسًا وإنما سميت زكاة باعتبار ما يؤول إليه حال القيام بها من النمو فالعوض المرجو من كرم اللَّه خلف فلما ذكرها اللَّه تعالى في سياق الابتلاء الموعود بها عبر عنها بالزكاة تسهيلا لاخراجها على المكلف لأنه إذا استشعر العوض من اللَّه تعالى ونمو ماله بذلك، هان عليه بذلها وسمحت نفسه لذلك. والله أعلم\". [حاشية الكشاف: ١/ ٢٠٧].\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٠): ً ١/ ٢٦٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٣١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٢٠٧.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢١.","vol":"3","page":408},{"text":"ونرى بأن هذه المصائب الخمس (الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (القسم، واللام، والنون)؛ والتقدير: واللَّهِ لنبلونكم؛ والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح؛ و(نبلو) بمعنى نختبر.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: ابتلاء العباد بما ذكر الله من الخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وهو لمن وقع به ظاهر؛ ولغيرهم يكون الابتلاء بالاعتبار، والخوف أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين ابتلوا.\n٢ - ومنها: أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط؛ وقد جاء في الحديث: «من رضي فله الرضا؛ ومن سخط فله السخط» (١)؛ فالصبر على المصائب واجب؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات:\nالمقام الأول: الصبر - وهو واجب.\nالمقام الثاني: الرضا - وهو سنة على القول الراجح؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط؛ وأما الراضي: فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه؛ فهو أكمل حالًا من الصابر.\nالمقام الثالث: الشكر: بأن يشكر الله على المصيبة.\nفإن قيل: كيف يشكره على المصيبة؟\nفالجواب: أن ذلك من وجوه:\nمنها: أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين؛ فتكون أهون؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد.\nومنها: احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع؛ فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.\nالمقام الرابع: السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي ﷺ: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٢).\n٣ - ومن فوائد الآية: البشرى للصابرين.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]\nالتفسير:\nمن صفة هؤلاء الصابرين أنهم إذا أصابهم شيء يكرهونه قالوا: إنَّا عبيد مملوكون لله، مدبَّرون بأمره وتصريفه، يفعل بنا ما يشاء، وإنا إليه راجعون بالموت، ثم بالبعث للحساب والجزاء.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦]، \"أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني فيما ذكر من هذه الآية\" (٤).\nقال الآلوسي: \" إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما\n_________\n(١) أخرجه الترمذي ص ١٨٩٢، كتاب الزهد، باب ٥٦: ما جاء في الصبر على البلاء، حديث رقم ٢٣٩٦، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧١٩، كتاب الفتن، باب ٢٣: الصبر على البلاء، حديث رقم ٤٠٣١، وفي الحديث سعد بن سنان مختلف فيه، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: \"سنده حسن\" ١/ ٢٩٩، حديث رقم ١٤٦.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٠١، كتاب الجنائز، باب ٣٨: ليس منا من ضرب الخدود، حديث رقم ١٢٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٦٩٥، كتاب الإيما، باب ٤٤: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب ...، حديث رقم ٢٨٥ [١٦٥] ١٠٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥١.","vol":"3","page":409},{"text":"في الخبر «إنما الصبر عند أول صدمة» (١) \" (٢).\nقال البيضاوي: \" الخطاب للرسول ﷺ، أو لمن تتأتى منه البشارة\" (٣).\nقال الراغب: \" المصيبة: من: أصاب السهم، إذا بلغ على صواب، وهي في الأصل صفة، وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح والسخط للقضاء ليس يعني شيئًا وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله، والقصد له والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول، فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها، وتصور بها المقصد ووطن نفسه عليه\" (٤).\nقال القرطبي: \"و(المصيبة): كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة \"بضم الصاد\" مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصاب الإصابة، قال الشاعر (٥):\nأَظُلَيْمُ إن مُصَابَكم رَجُلا ... أَهْدَى السّلامَ تحيَّةً ظُلْمُ\nوصاب السهم القرطاس يصيب صيبا، لغة في أصابه (٦)، والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر\" (٧).\nقال أبو حيان: \" و(المصيبة): كل ما أذى المؤمن في نفس أو مال أو أهل، صغرت أو كبرت، حتى انطفاء المصباح لمن يحتاجه يسمى: مصيبة. وروي ذلك عن النبي ﷺ، أنه استرجع عند انطفاء مصباحه (٨) \" (٩).\nوفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، سمع رسول الله ﷺ يقول: \" ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همٍ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه\" (١٠)، والنصب التعب، والوصب: المرض، وقيل هو المرض اللازم (١١).\nوإن قيل: ولم قلت إن الأمر بالصبر يقتضي العلم، وما الصبر من العلم؟ قيل: \"الصبر على الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبة، ولهذا قال الخضر لموسى لما علم أن ليس يرف مقصده في فعله قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧ - ٦٨]، فدل أن حقيقة تحمل الصبر لأبد له من معرفة المقصود به\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا للَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أي: إنا لله\" عبيدا وملكا\" (١٣).\nقال الصابوني: \"أي استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد الله يفعل بهم ما يشاء\" (١٤).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٩٢٦) /ص ٢/ ٦٣٨.\n(٢) روح المعاني: ١/ ٤٢١.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٣.\n(٥) البيت للحارث بن خالد المخومي كما في الأغاني: ٩/ ٢٢٩، والخزانة: ١/ ٤٥٤، ونسبه ابن هشام في المغني: ٦٩٧، للأعرجي، وهو في مجالس ثعلب: ٢٢٤، وتفسير الطبري: ١/ ١١٦، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٦١، بدون نسبة، وجا عند بعظهم\" أظليم، وعند بعضهم: أظلوم، بدل أسليم، وانظر: اللسان: (صوب).\n(٦) انظر: الصحاح: (صوب).\n(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٥.\n(٨) أخرجه: (الطبراني في الكبير رقم ٧٨٢٤).\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٤٥١.\n(١٠) خرجه البخاري في كتاب المرضى باب: ما جاء في كفارة المرض (الفتح ١١/ ٢٣٩ برقم ٥٦٤١)، وأخرجه مسلم في كتاب البر واصلة والآداب: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها (٤/ ١٩٩٠ برقم ٢٥٧٢).\n(١١) فتح الباري (١١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣، وتفسير البغوي: ١/ ١٦٩.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.","vol":"3","page":410},{"text":"قال ابن عثيمين: أي قالوا: بقلوبهم، وألسنتهم إنا ملك لله يفعل بنا ما يشاء، \" (١).\nقال الزجاج: \" أي نحن وأموالنا لله ونحن عبيده يصنع بنا ما شاء، وفي ذلك صلاح لنا وخير\" (٢).\nقال أبو حيان: \" معناه الإقرار بالملك والعبودية لله، فهو المتصرّف فينا بما يريد من الأمور\" (٣).\nقال أهل العلم: \"إن إسناد الإصابة إلى المصيبة، لا إلى الله تعالى، ليعم ما كان من الله، وما كان من غيره. فما كان من الله فهو داخل تحت قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، لأن في الإقرار بالعبودية تفويضًا للأمور إليه، وما كان من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله في الإنصاف منه، ولا يتعدى\" (٤).\nوقد أمال نصير (النون) في قوله ﴿إنا لله﴾، فأمال قتيبة ﴿النون واللام﴾ جميعا، فخمها الباقون (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أي: \" وإنا إليه صائرون فنرجو ثوابه\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي نحن مصدقون بأنا نبعث ونعطي الثواب على\nتصديقنا، والصبر على ما ابتلانا به\" (٧).\nقال الثعلبي: أي\" ﴿وإنا إليه راجعون﴾ في الآخرة\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثْقال ذرَّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة\" (٩).\nقال أبو حيان: \" إقرار بالبعث وتنبيه على مصيبة الموت التي هي أعظم المصائب، وتذكير أن ما أصاب الإنسان دونها فهو قريب ينبغي أن يصير له\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه، ويستسلم له\" (١١).\nقال أبو السعود: \" وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بأن يتصور ما خلق له وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقى عليه اضعاف ما استرده منه فيهون ذلك على نفسه ويستسلم\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" جعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٩. [بتصرف بسيط].\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٣١.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٤٥١.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٤٥١ - ٤٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧٩. [بتصرف بسيط].\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٣١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(١٠) البحر المحيط: ١/ ٤٥١.\n(١١) تفسير الييضاوي: ١/ ١١٥.\n(١٢) تفسير أبو السعود: ١/ ١٨٠.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.","vol":"3","page":411},{"text":"وقال سعيد بن جبير: \" مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: ﴿الذينَ إذا أصابتهم مصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صَلواتٌ من رَبهم وَرحمة﴾، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب ﵇، ألم تسمعْ إلى قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [سورة يوسف: ٨٤] \" (١).\nقال أبو بكر الوراق: \" ﴿إنا لله﴾: اقرار منا له بالملك، ﴿وإنا إليه راجعون﴾: في الآخرة، إقرار على أنفسنا بالهلاك\" (٢).\nقال ﵇: \" من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلقًا يرضاه \" (٣).\nوعن جويبر، عن الضحاك، قال: \"كتب إليه رجل يسأله عن هذه الآية الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أخاصة هي؟ أو عامة؟ قال: هي لمن آمن بالتقوى وأدى الفرائض\" (٤).\nقال الراغب: \"وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله﷿- ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعأ لهم\" (٥).\nقال القرطبي: جعل الله تعالى هذه الكلمات: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين: لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: (إِنَّا لِلَّهِ) توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له\" (٦).\nوللمفسرين في هاتين الجملتين المقولتين: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أقوال (٧):\nأحدها: أن نفوسنا وأموالنا وأهلينا لله لا يظلمنا فيما يصنعه بنا. الثاني: أسلمنا الأمر لله ورضينا بقضائه، ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يعني: للبعث لثواب المحسن ومعاقبة المسيء.\nالثالث: راجعون إليه في جبر المصاب وإجزال الثواب.\nالرابع: أن معناه إقرار بالمملكة في قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، وإقرار بالهلكة في قوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\nقال أبو حيان: \" واشتملت الآية على فرض ونفل. فالفرض: التسليم لأمر الله، والرضا بقدره، والصبر على أداء فرائضه. والنفل: إظهارًا لقول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وفي إظهاره فوائد منها: غيظ الكفار لعلمهم بجده في طاعة الله\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن من سمة الصابرين تفويض أمرهم إلى الله بقلوبهم، وألسنتهم إذا أصابتهم المصائب؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.\n٢ - ومنها: مشروعية هذا القول؛ وقد جاءت السنة بزيادة: «اللهم أْجُرني في مصيبتي» - أي أثبني عليها - «وأخلف لي» بقطع الهمزة - أي اجعل لي خلفًا «خيرًا منها» (٩) والدليل على هذا قصة أم سلمة رضي الله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢٣٣١): ص ٣/ ٢٢٤.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.\n(٣) رواه الطبراني في الكبير وإسناده ضعيف: انظر: مجمع الزوائد: ٢/ ٣٣١. وأخرجه الطبري والبيهقي في الشعب، فقال: خْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: \" إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سورة البقرة آية ١٥٦، إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ لأَمْرِ اللَّهِ، وَرَجَعَ وَاسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّحْمَةَ، وَتَحْقِيقَ سَبِيلِ الْهُدَى، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ \". (شعب الإيمان: ٩٠٥٨).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٣): ص ١/ ٢٦٥.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٦.\n(٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥١.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٤٥٢.\n(٩) أخرجه مسلم ص ٨٢٢، كتاب الجنائز، باب ٢: ما يقال عند المصيبة، حديث رقم ٢١٢٦ [٣] ٩١٨.","vol":"3","page":412},{"text":"عنها: كانت تحب زوجها ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة؛ ولما مات - وكان النبي ﷺ قد حدثها بهذا الحديث - قالت: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها»؛ فكانت تفكر في نفسها، وتقول: من يصير خيرًا من أبي سلمة! ! ! وهي مؤمنة في نفسها أن ما قاله النبي ﷺ حق؛ لكن لا تدري من هو؛ وما كان يجول في فكرها أن الرسول ﷺ سيكون هو الخلف؛ فأخلف الله لها خيرًا من زوجها؛ فإذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا أجرَه الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها (١).\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]\nالتفسير:\nأولئك الصابرون لهم ثناء من ربهم ورحمة عظيمة منه سبحانه، وأولئك هم المهتدون إلى الرشاد.\nقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، \" أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من الله\" (٢).\nقال أبو العالية: \" يقول: فالصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا\" (٣). وروي عن الربيع (٤) مثل ذلك.\nوعن سعيد بن جبير في قوله: \" ﴿ورحمة﴾، يعني: رحمة لهم وأمنة من العذاب\" (٥).\nقال المراغي: أي \"أولئك الصابرون لهم من ربهم مغفرة ومدح على ما فعلوا، ورحمة يجدون أثرها في برد القلوب عند نزول المصيبة\" (٦).\nقال الثعلبي: \" أي أهل هذه الصفة، ﴿عليهم صلوات﴾ \" (٧).\nوقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة (٨).\nقال ابن عطية: \" وصلوات الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء\" (٩).\n_________\n(١) وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة: وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، وعَبَّاد بن عباد قالا حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن زياد، عن أمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها - وقال عباد: قدم عهدها - فيحدث لذلك استرجاعا، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب\" ورواه ابنُ ماجه في سُنَنه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وَكِيع، عن هشام بن زياد، عن أمه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها [الحسين].\nوقد رواه إسماعيل بن عُلَية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد عن أبيه، كذا عن، فاطمة، عن أبيها.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال: دفنتُ ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني الخولاني - فأخرجني، وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزَب، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله: يا ملك الموت، قبضتَ ولد عبدي؟ قبضت قُرَّة عينه وثمرة فؤاده؟ قال نعم. قال: فما قال؟ قال: حَمِدَك واسترجع، قال: ابنو له بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيتَ الحمد\". ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك. فذكره (المسند (٤/ ٤١٥) .. وهكذا رواه الترمذي عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، به. سنن الترمذي برقم (١٠٢١). وقال: حسن غريب. واسم أبي سنان: عيسى بن سنان.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٨): ص ١/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٠): ص ٣/ ٢٢٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٩): ص ١/ ٢٦٦.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ٢٥٦.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.","vol":"3","page":413},{"text":"قال القرطبي: \" وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: الصلاة من الله ﷿ الغفران والثناء الحسن. ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له\" (١).\nقال الطبري: \" وصلوات الله على عباده، غُفرانه لعباده، كالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: \" اللهم صَلِّ على آل أبي أوْفى\" (٢)، يعني: اغفر لَهم\" (٣).\nقال البيضاوي: \" الأصل [في الصلاة]: الدعاء، ومن الله تعالى التزكية والمغفرة، وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها. والمراد بالرحمة اللطف والإِحسان\" (٤).\nقال الزجاج: \" الصلاة في اللغة على ضرببن:\nأحدهما الركوع والسجود.\nوالآخر: الرحمةوالثناء والدعاء.\nفصلاة الناس على الميت إنما معناها الدعاء، والثناء على الله صلاة، والصلاة من الله ﷿ على أنبيائه وعباده معناها الرحمة لهم، والثناء عليهم\" (٥).\nوقد اختلف في أصل (الصلاة)، على ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنها: الدُّعاءُ، كما قال الأعشى (٦):\nلَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا ... وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا\nيعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا (٧):\nوَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ\nقال الطبري: \" وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت \" صلاة \"، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ\" (٨).\nالثاني: أنها من الرحمة. قاله أبو عبية (٩)، واحتجّ بقول الأعشى (١٠):\nتقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا\nعليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا\nقال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت (١١).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٧.\n(٢) رواه البخاري ٣: ٢٨٦ (من الفتح). ومسلم ١: ٢٩٧، كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفى قال، \" كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى \".قال الحافظ: \" يريد أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق على ذات الشيء. . . وقيل لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر \".\nوهذه فائدة نفيسة، من الحافظ ابن حجر، ﵀.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٢.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٣١.\n(٦) ديوانه: ٢٠٠، يذكر الخمر في دنها. وزمزم العلج من الفرس: إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم. وفعلهم ذلك هو الزمزمة. \" ذبحت \" أي بزلت وأزيل ختمها. وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة، فيخسر.\n(٧) ديوان الأعشى: ٢٩. وقوله \" وقابلها الريح \" أي جعلها قبالة مهب الريح، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها. ويروى: \" فأقبلها الريح \" وهو مثله. وارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٣.\n(٩) انظر: مجاز القرآن: ٦١ - ٦٢.\n(١٠) ديوانه: ١٠٦، وانظر: الخزانة: ١/ ٣٥٩، ومراتب النحويين: ١٩٤.\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٣١.","vol":"3","page":414},{"text":"والقولان الأول والثاني: قريبان من البعض، \" لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه\" (١).\nوالثالث: أنها: مأخوذة من: الصّلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صلواه\" (٢).\nقال ابن عطية: \" والقول إنها من الدعاء أحسن (٣).\nقال ابن عثيمين: \"وجاءت بلفظ الإشارة ﴿أُولئِكَ﴾، للبعيد للدلالة على علو مرتبتهم، ومنزلتهم\" (٤).\nوقد تعددت عبارات المفسرين في قوله تعالى: ﴿صَلَواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، هاهنا، على أقوال:\nأحدها: يعني مغفرة من ربهم. قاله ابن جبير (٥)، ومقاتل (٦)، وابن عباس (٧).\nومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] يعني \"استغفر لهم إن استغفارك سكن لهم\" (٨).\nالثاني: أنها الثناء. قاله ابن كيسان (٩).\nالثالث: أنها: الغفران والثناء الحسن. قاله الزجاج (١٠).\nوأصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى؛ والمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم (١١). والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وجهان:\nأحدهما: ونعمة. قاله ابن عباس (١٢).\nالثاني: أن الصلاة والرحمة معناهما واحد، وإنما ذكرهما لاختلاف اللفظين كقول الحطيئة (١٣):\nألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد\nوالنأي: هو البعد بعينه.\nوهذا قول ابن كيسان (١٤).\nومنه قول ذي الرمة (١٥):\nلمياءُ في شفتيها حوَّة لَعَسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شَنَبُ\nفاللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان (١٦).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٤٣١.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٨٥.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٨٥.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٢٦): ص ١/ ٢٦٥.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥١.\n(٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥١. [بتصرف بسيط].\n(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٢.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣١، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/! ٨٢.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.\n(١٣) ديوانه: ٣٩، والدرر: ٢٢١، اللسان (سند)، ونأي)، وبلا نسبة في المفصل: ١/ ١٠، وهمع الهوامع: ٢/ ٨٨، وانظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣ - ٢٤.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣ - ٢٤.\n(١٥) \"ديوانه\" ص ٣٢، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٣٦ (شنب).\n(١٦) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٤٣٤.","vol":"3","page":415},{"text":"ومثله قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]. فذكر السر والنجوى، لإشباع المعنى، والاتساع في اللفظ (١).\nوكما قال: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، فعطف قوله: ﴿وبينات﴾، على ﴿هدى﴾، هو من عطف الخاص على العام؛ لأن (الهدى) منه خفي ومنه جلي، فنص بـ (البينات) على الجلي من الهدى؛ لأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، فذكر عليه أشرف أنواعه، وهو الذي يتبين الحلال والحرام والموعظة. قال السمين الحلبي معللًا الغرض من هذا العطف: \"لأن الهدى يكون بالأشياء الخفية والجلية، والبينات من الأشياء الجلية\" (٢).\nفيمكن القول بأن تكرار ﴿لرحمة﴾ في قوله تعالى: ﴿صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، هو لما اختلف اللفظ، تأكيدا وإشباعا للمعنى، أي: \"من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة\" (٣).\nوالصلاة منّا: دعاء، ومن الله تعالى: رحمة، وأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر (٤):\nصلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ\nمعناه: ترحم عليه على الدعاء، لا على الخبر (٥).\nقال ثعلب عن ابن الأعرابي: \"الصلاة من الله رحمة، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجن القيام والركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح، ومنه قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] \" (٦).\nقال الواحدي: \" فالصلاة لها معانٍ بالتدريج، أصلها: الدعاء، ثم صارت الرحمة، لما ذكرنا من أن الداعي مترحّم، ثم صارت للمغفرة؛ لأن الترحم يوجب المغفرة، ومن ترحم الله عليه غفر له\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي وأولئك\" هم المهتدون إِلى طريق السعادة\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة\" (٩).\nقال البيضاوي: مهتدون\" للحق والصواب حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى\" (١٠).\nقال الطبري: أي: أولئك الموصوفون بالصبر المذكور هم \"المصيبون طريق الحقّ\" (١١).\nقال ابن عثمين: \" أي الذين اهتدوا إلى طريق الحق؛ فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية\" (١٢).\nواختلف في قوله تعالى:: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، على وجوه (١٣):\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٣٣.\n(٢) الدر المصون: ٢/ ٢٨١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٤) البيت للسفاح بن بُكير بن معدان اليربوعي، في شرح اختيارات المفضل\" ص ١٣٦٢، في قصيدة رثى بها يحيى ابن شداد بن ثعلبة بن بشر، أحد بني ثعلبة بن يربوع، وقال أبو عبيدة: هي لرجل من بني قريع، رثى بها يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير وكان وفيا له حتى قتل معه. انظر: اللسن: (صلا)، وامعجم البلدان ٨: ٣٧٤. والخزانة: ١/ ١٤٠. وشرح المفضليات: ٦٣٠ - ٦٣٣. وفي رواية: \"رب رحيم\".\n(٥) انظر: اللسان: (صلا)، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٣٢.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٤٣٢.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٤٣٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٩): ص ١/ ٢٦٦.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٣.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٢.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٤، والنكت والعيون: ١/ ٢١٠.","vol":"3","page":416},{"text":"أحدها: أنهم المهتدون إلى الاسترجاع. وهذا قول سعيد بن جبير (١)، ومقاتل (٢).\nالثاني: وقيل: إلى الجنة والثواب.\nالثالث: وقيل: إلى الحق والصواب.\nالرابع: المهتدون إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن (٣).\nالخامس: المهتدون إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر (٤).\nوكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: \" نعم العدلان، ونعم العلاوة\" (٥).\nقال ابن عطية: \" أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان حكمة الله ﷿ فيما يبتلي به العباد.\n٢ - ومنها: عظم ثواب الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾.\n٣ - ومنها: إثبات رحمة الله ﷿؛ وهي صفة حقيقية ثابتة لله؛ بها يرحم من يشاء من عباده؛ ومن آثارها حصول النعم، واندفاع النقم.\n٤ - ومنها: الثناء على الصابرين بأنهم هم المهتدون الذين اهتدوا إلى ما فيه رضا الله وثوابه.\n٥ - قال الشيخ السعدي: \" ودلت هذه الآية، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة، والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين، فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، لتخف وتسهل، إذا وقعت، وبيان ما تقابل به، إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويعلم حال غير الصابر، بضد حال الصابر، وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا وبيان أنواع المصائب\" (٧).\nالقرآن\n﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]\nالتفسير:\nإن الصفا والمروة- وهما جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق- من معالم دين الله الظاهرة التي تعبَّد الله عباده بالسعي بينهما. فمَن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا، فلا إثم عليه ولا حرج في أن يسعى بينهما، بل يجب عليه ذلك، ومن فعل الطاعات طواعية من نفسه مخلصًا بها لله تعالى، فإن الله تعالى شاكر يثيب على القليل بالكثير، عليم بأعمال عباده فلا يضعها، ولا يبخس أحدًا مثقال ذرة.\nاختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال (٨):\nأحدها: قالت: عائشة﵂-: \"أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٩): ص ١/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٠.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٤، قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل وكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٧٥.\n(٨) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٤٤ - ٤٧، والعجاب: ١/ ٤٠٦ - ٤١١.\n(٩) أسباب النزول للواحدي: ٤٤ - ٤٥. وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٦١٤ - ح: ١٧٩٠ ٣/ ٤٩٧ - ح: ١٦٤٣) ومسلم (٢/ ٩٢٨ - ح: ٢٦٠ ٢/ ٩٢٩ - ح: ٢٦١، ٢/ ٩٣٠ - ح: ٢٦٣) والإمام مالك (الموطأ: ٢٥٧ - ح: ٨٣٥ رواية يحيى الليثي) والإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٧٨ - ح: ١٧٣، ١٨/ ٧٩ - ح: ٧٤) وأبو داود (٢/ ٤٥٣ - ح: ١٩٠١) والترمذي (٥/ ٢٠٨ - ح: ٢٩٦٥) والنسائي (جامع الأصول: ٢/ ١٨) وابن ماجه (٢/ ٩٩٤ - ح: ٢٩٨٦) وابن جرير (٢/ ٢٩، ٣١) كلهم عن عائشة ﵂ به.","vol":"3","page":417},{"text":"الثاني: قال الشعبي: \"أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى (إسافًا)، ووثنًا على المرْوة يسمى (نائلة)، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان، قال المسلمون: إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر، \" فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما \" (١).\nوروي عن عامر (٢)، ويزيد (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وابن عمر (٥)، ومجاهد (٦)، وابن زيد (٧)، نحو ذلك.\nوقد ذكر ابن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قُريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب، في قصيدته المشهورة:\nوحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل (٨)\nالثالث: وقال قتادة: \"قوله: ﴿إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله﴾، الآية، فكان حَيٌّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله، وكانَ من سُنة إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما\" (٩).\nوروي عن عائشة (١٠)، نحو ذلك.\nالرابع: وقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن الخمس: وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، قالوا: ليست الصفا والمروة من شعائر الله، وكان على الصفا صنم يقال له نائلة، وعلى المروة صنم يقال له يساف في الجاهلية. قالوا، إنه حرج علينا في الطواف بينهما، فكانوا لا يطوفون بينهما فأنزل الله﷿- ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ \" (١١).\nالخامس: وقال ابن كثير: \"قال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٢).\nالسادس: قال ابن عباس: \" أنه كانَ في الجاهلية شَياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة، وكانت بَينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظَهر، قال المسلمون: يا رَسولَ الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شركٌ كنا نفعله في الجاهلية! فأنزل الله: ﴿فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ \" (١٣).\nوالصواب: \"إنّ الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره، فأما قوله: ﴿فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف بهما﴾، فجائزٌ أن يكون قيل لكلا الفريقين\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢٣٣٥): ص ٣/ ٣٣١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٦): ص ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٧): ص ٣/ ٢٣٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٨)، و(٢٣٣٩): ص ٣/ ٢٣٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤٠): ص ٣/ ٢٣٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤٣)، و(٢٣٤٤): ص ٣/ ٢٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤٥): ص ٣/ ٢٣٥.\n(٨) السيرة النبوية لابن إسحاق (رقم النص ٤) ط، حميد الله، المغرب.\n(٩) أخرجه الطبري (٢٣٤٩): ص ٣/ ٢٣٦، و(٢٣٥٢): ص ٣/ ٢٣٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٠)، و(٢٣٥١): ص ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (٢٣٤٢): ص ٣/ ٢٣٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٩، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٤٦، حكاه عن السدي.","vol":"3","page":418},{"text":"اللذين تخوَّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي، وبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية، على ما رُوي عن عائشة، وأيُّ الأمرين كان من ذلك، فليس في قول الله تعالى ذكره: ﴿فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾، الآية، دلالةٌ على أنه عَنى به وَضعَ الحرَج عَمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر الله ذلك، ثم جُعل الطواف بهما رُخصة، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظُر ذلك في وقت، ثم رخص فيه بقوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾ \" (١).\nوروي عن حَبِيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: \"اسعَوا، فإن الله كتب عليكم السعي\" (٢).\nوفي رواية أخرى عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: \"كتب عليكم السعي، فاسعوا\" (٣).\nوقد استُدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج (٤)، لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\". فكل ما فعله في حَجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(٢) المسند (٦/ ٤٢١).\n(٣) المسند (٦/ ٤٣٧).\n(٤) مع الاتفاق على مشروعية السعي للحج والعمرة إلا أن أهل العلم اختلفوا في حكمه، فقال مالك والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: هو ركن من أركان الحج لا ينوب عنه الدم، وقال أبو حنيفة: هو واجب ينوب عنه الدم، وقال أحمد في إحدى روايتيه: هو سنة لا يجب بتركه دم، والأول أظهر لقول عائشة﵂عند البخاري-فتح-: ٣/ ٧١٩ رقم: ١٧٩٠، ومسلم: ٢/ ٩٢٨ - ٩٢٩ رقم: ١٢٧٧، واللفظ له: (فلعمري! ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة)، وانظر: الذخيرة للقرافي: ٣/ ٢١٣، نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ٣٢١، الإفصاح لابن هبيرة: ١/ ٢٧٨، المغني لابن قدامة: ٣/ ٢٣٨، فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ٤٦٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧١. قد فصّل الإمام الرازي في هذا الموضوع قائلا:\nقوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن﴾ أنه لا إثم عليه، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر، إذا عرفت هذا فنقول: مذهب الشافعي ﵀ أن هذا السعي ركن، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة ﵀ أنه ليس بركن، ويقوم الدم مقامه، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه، حجة الشافعي ﵁ من وجوه:\nأحدها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا\"، فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو، ذلك غير واجب قلنا: لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (الجمعة: ٩) والعدو فيه غير واجب، وقال الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم: ٣٩) وليس المراد منه العدو، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية، سلمنا أنه يدل على العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة، فيبقى أصل المشي واجبا.\nوثانيها: ما ثبت أنه ﵇ سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال: \"إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به\" فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، وإذا ثبت أنه ﵇ سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر، أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ وقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى﴾ (آل عمران: ٣١) وقوله: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١) وأما الخبر فقوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" والأمر للوجوب.\nوثالثها: أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركنا كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة، واحتج أبو حنيفة ﵁ بوجهين:\nأحدهما: هذه الآية وهي قوله: ﴿لا جناح عليهن * أن يطوف بهما﴾ وهذا لا يقال في الواجبات.\nثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ومن تطوع خيرا﴾ فبين أنه تطوع وليس بواجب.\nوثانيهما: قوله: \"الحج عرفة\" ومن أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، ترك العمل به في بعض الأشياء، فيبقى معمولا به في السعي والجواب عن الأول من وجوه:\nالأول: ما بينا أن قوله: ﴿فلا جناح عليه﴾ ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم﴾ (النساء: ١٠١) والقصر عند أبي حنيفة واجب، مع أنه قال فيه: ﴿فلا جناح عليه﴾ فكذا ههنا.\nالثاني: أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما، وعندنا الأول غير واجب، وإنما الثاني هو الواجب.\nالثالث: قال ابن عباس: كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم، أو دم البراغيث عندنا، فقيل: لا جناح عليك أن تصلي فيه، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة.\nالرابع: روي عن عروة أنه قال لعائشة: إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما، فقالت: بئس ما قلت لو كان كذلك لقال: أن لا يطوف بهما، ثم حكى ما تقدم من الصنمين، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين، فإن قالوا: قرأ ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) واللفظ أيضا محتمل له كقوله: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ (النساء: ١٧٦) أي أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: ﴿أن تقولوا يوم القيامة﴾ (الأعراف: ١٧٢) معناه: أن لا تقولوا، قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواترا.\nالخامس: كما أن قوله: ﴿فلا جناح عليه﴾ لا يطلق على الواجب، فكذلك لا يطلق على المندوب، ولا شك في أن السعي مندوب، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها.\nوأما التمسك بقوله: ﴿فمن تطوع خيرا﴾ فضعيف، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولا، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئا آخر قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (البقرة: ١٨٤) ثم قال: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾ (البقرة: ١٨٤) فأوجب عليهم الطعام، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيرا، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفا إلى شيء آخر وهو من وجهين:\nأحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر.\nالثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول: ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام والله أعلم. (مفاتيح الغيب: ٤/ ١٤٦ - ١٤٧).","vol":"3","page":419},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي إن الصفا والمروة من: \" من أعلام دينه ومناسكه\" (١).\nقال البيضاوي: أي: \"إن الصفا والمروة-وهما علما جبلين بمكة- من أعلام مناسكه\" (٢).\nقال الطبري: أي أنهما: \"من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده مَعلمًا ومَشعَرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها\" (٣).\nقال المراغي: \" أي إن هذين الموضعين من علامات دين الله، وكذلك الأعمال والمناسك التي تعمل بينهما وهى السعى بينهما هى أيضا من الشعائر، لأن القيام بها علامة الخضوع لله والإيمان به وعبادته إذعانا وتسليما\" (٤).\nقال أبو حيان: \" وليس الجبلان لذاتهما من شعائر الله، بل ذلك على حذف مضاف، أي إن طواف الصفا والمروة\" (٥).\n\nو(الصفا): \"جمع (صَفاة)، وهي الصخرة الصلبة الملساء\" (٦)، ومنه قول الطرمَّاح (٧):\nأَبَى لِي ذُو القُوَى وَالطَّوْلِ ألا ... يُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي\nوقال امرؤ القيس (٨):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٦.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٢٧.\n(٥) البحر المحيط: ١/ ٤٥٦.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٤، وانظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٤.\n(٧) ديوانه: ١٣٤، الطول: القدرة والغنى. وهو ذو الطول والقوة، هو الله سبحانه. وأبس الشيء يؤبسه: ذلله ولينه، أو كسره، ومثله قول عباس بن مرداس:\nإنْ تَكُ جُلْمُودَ صَخْرٍ لا أُؤَبِّسُهُ ... أُوقِدْ عَلَيْهِ، فأْحمِيهِ، فينصَدِعُ\nالسَّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ... وَالحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ\n(٨) ديوانه: ١٦٤؛ ولسان العرب ٩/ ٢١ (جحف)؛ وتاج العروس ٢٣/ ٦٧ (جحف)؛ وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٤/ ١٦١؛ ومقاييس اللغة ١/ ٤٢٨؛ ومجمل اللغة ١/ ٤٠٦ مشوب (١/ ١٧٧).","vol":"3","page":420},{"text":"لها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر\nوقالوا إن (الصفا) واحد، وأنه يثنى (صَفَوان)، ويجمع (أصفاء) و(صُفِيًّا)، (وصِفِيًّا)، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز (١):\nكأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ\nوقالوا: هو نظير: عَصَا وعُصِيّ وعِصِيّ، وأَعْصاء، ورَحَا ورُحِيّ وَرِحِيّ وأرْحاء (٢).\nوأما (المروة)، فإنها الحصاةُ الصغيرة، يجمع قليلها (مَرَوات)، وكثيرها (المرْو)، مثل (تمرة وتمَرات وتمر)، قال الأعشى ميمون بن قيس (٣):\nوَتَرَى بالأرْضِ خُفًّا زائِلا ... فَإِذَا مَا صَادَفَ المَرْوَ رَضَح\nيعني بـ (المرو): الصخرَ الصغار، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي (٤):\nحَتَّى كأنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَرِّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ\nأي صخرة رخوة صغيرة (٥).\nوإنّ ﴿الصفا والمروة﴾، في هذا الموضع: الجبلين المسمَّيَين بهذين الاسمين اللذين في حَرَمه (٦)، دون سائر الصفا والمرو، ولذلك أدخل فيهما: (الألف واللام)، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين، دون سائر الأصفاء والمرْوِ (٧).\nقال البيضاوي: ﴿شَعائِرِ﴾: \"جمع شعيرة وهي العلامة\" (٨).\nقال الثعلبي: \"وكل كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله ﷿ من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة\" (٩) ..\nقال الواحدي: \" شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر قال الزجاج: وإنما قيل شعائر لكل علم لما تعبد به، لأن قولهم شعرت به: علمته، فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات شعائر\" (١٠).\nواختلف في أصل (الشعائر) (١١) على أقوال (١٢):\n_________\n(١) والجمهرة ٣: ١٣٥، والمخصص ١٠: ٩٠، ومجالس ثعلب: ٢٤٩، والحيوان ٢: ٣٣٩، والقالي ٢: ٨، واللسان (صفا) و(نفا) وكلهم رواه \" متنيه \" إلا ابن دريد فإنه أنشده:\nكأنّ مَتْنَيَّ من النَّفِيِّ ... مِنْ طُولِ إشْرَافِي على الطّوِيِّ\nوالنفي: ما تطاير من دلو المستقى. ومن روى \" متني \" فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه. وأما من روى \" متنيه \"، فإنه عنى غيره. وهو الأصح فيما أرجح، وقد قال الأزهري: \" هذا ساق كان أسود الجلدة، استقى من بئر ملح، فكان يبيض نفي الماء على ظهره إذا ترشش. لأنه كان ملحًا \". فإذا صح ذلك، كانت رواية البيت الذي يليه \" من طول إشراف \" بغير ياء الإضافة، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهري، لتشبيهه في البيت الثالث. و\" الطوي \" البئر المطوية بالحجارة. (تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٥).\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٤.\n(٣) ديوانه: ١٦١، ورواية الديوان: وَتُولِّي الأَرْضَ خُفًّا مُجْمَرًا\nوهو يصف ناقته وشدتها ونشاطها، والخف المجمر: هو الوقاح الصلب الشديد المجتمع، نكبته الحجارة فصلب. رضح الحصا والنوى رضحًا: دقه فكسره. يعني من شدة الخف وصلابته، وذلك محمود في الإبل.\n(٤) ديوانه: ٣، والمفضليات: ٥٨٧، من قصيدة البارعة في رثاء أولاده، يقول عن المصائب المتتابعة تركته كهذه الصخرة التي وصف. والمشرق: المصلي بمنى. قال ابن الأنباري: \" وإنما خص المشرق، لكثرة مرور الناس به \". ثم قال: \" ورواها أبو عبيدة: \" المشقر \": يعني سوق الطائف. يقول: كأني مروة في السوق يمر الناس بها، يقرعها واحد بعد واحد \".\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٤.\n(٦) وهو الجبل الذي يبدأ منه المسلمون سعيهم للحج أو العمرة، وسمي بذلك لأن حجاره ملساء، أو لأنه لا يخالطها طين أو تراب، قال أبو حيان: (وهو الذي يدل عليه الاشتقاق). انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٧٩، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٧٢، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٥٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٤١٤، معجم البلدان لياقوت: ٣/ ٤١١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٦، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٤ - ٢٥.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٥.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٢٣، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٤.\n(١١) في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفد ماؤها وزادُها، حين تركهما إبراهيم - ﵇ - هنالك ليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك، ونفد ما عندها قامت تطلب الغوث من الله، ﷿، فلم تزل تردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله، ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم.\nقال البخاري، ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن أيوب السخيتاني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة - يزيد أحدُهما على الآخر - عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، ﵄، قال: أول ما اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل، ﵉ اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، ﵉، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ماء السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرْفَ درعها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحَدًا؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: \"فلذلك سعى الناس بينهما\". فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: \"يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا مَعينًا\".\nقال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة؛ فإن هاهنا بيتًا لله، ﷿، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله، ﷿، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جُرْهم - مقبلين من طريق كَدَاء. فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم.\nقال ابن عباس فقال النبي ﷺ: \"فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، ﵉، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، ﵇، كأنه أنس شيئًا. فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدَّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول غَيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم. فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، ﷿. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء\". قال النبي ﷺ: \"ولم يكن لهم يومئذ حَب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه\". قال: \"فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك، فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله، ﷿، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، ﷿. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ \" قال: \"فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. [صحيح البخاري برقم (٣٣٦٤)]. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حمَّاد الظهراني. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا. [تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٨١)].\n(١٢). انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١/ ٤١٦ - ٤١٧، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ١٩٤، جامع البيان للطبري: ٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٦٢، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٣٣، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٧٢ - ١٧٣، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٦٤، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢١١، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٥ - ٢٦، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٥٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٤١٤","vol":"3","page":421},{"text":"أحدها: أن أصلها من الإشعار، وهي الأعلام على الشيء. قاله الثعلبي (١).\nومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم، قال الكميت (٢):\nنُقَتِّلُهُمْ جِيَلا فَجِيلا تَرَاهُمُ ... شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ\nالثاني: أنها جمع شعيرة؛ وهي التي تكون عَلَمًا في الدين (٣). وهذا قول الزجاج (٤)، والأكثرين، وهو الأقرب.\nالثالث: وقيل: جمع شعارة.\nقال الرازي: إن (الشعائر) \" هي أعلام طاعته وكل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، قال الله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦]، أي علامة للقربة، وقال: ﴿ذالك ومن يعظم شعائر الله﴾ [الحج: ٣٢] وشعائر الحج: معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام: وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام\" (٥).\nقال الواحدي: يحتمل أن يكون (الشعائر) من الإعلام بالشيء\" (٦). وهذا قول مجاهد (٧).\nواعترض عليه الطبري، فقال: \" وذلك تأويل من المفهوم بعيد، وإن كان مَخرجُه مَخرجَ الخبر، فإنه مرادٌ به الأمر، لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدًا ﷺ باتباع ملة إبراهيم ﵇، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [سورة النحل: ١٢٣] \" (٨).\nوقال أهل العلم: أن الأحكام الشرعية قسمان (٩):\nأحدهما: نوع يسمى بالشعائر، وهى ما تعبّدنا الله تعالى به كالصلاة على وجه مخصوص، والتوجه فيها إلى مكان معين سماه بيته، مع أنه من خلقه كسائر العالم، وكمناسك الحج وأعماله، فمثل هذا شرعه الله لنا لمصلحة لا نفهم سرها تمام الفهم، ولا نزيد فيه ولا ننقص، ولا يؤخذ فيه برأى أحد ولا باجتهاده، إذ لو أبيح لهم ذلك لزادوا فيه، فلا يفرق بين الأصل المشترع والدخيل المبتدع، ويصبح المسلمون كالنصارى ويصدق عليهم قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.\nوالثاني: ما لا يسمى بالشعائر، كأحكام المعاملات من بيع وإجارة وهبة ونحوها، وهذه قد شرعت لمصالح البشر، ولها علل وأسباب يسهل على الإنسان فهمها.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٥.\n(٢) الهاشميات: ٢١، ومجاز القرآن: ١/ ١٤٦، واللسان (شعر)، وغيرهم. والضمير في قوله: \" نقتلهم \"، إلى الخوارج الذين عدد أسماءهم في بيتين قبل:\nعَلامَ إذًا زُرْنَا الزُّبَيْر وَنَافِعًا ... بغارتنا، بَعْدَ المقَانِبِ مِقْنَبُ\nوَشَاطَ عَلَى أَرْمَاحِنَا بِادِّعَائِهَا ... وَتَحْوِيلهَا عَنْكُمْ شَبِيبٌ وقَعْنَبُ\nوالجيل: الأمة، أو الصنف من الناس. وفي المطبوعة واللسان: \" تراهم \" بالتاء، وهو خطأ. والشعائر هنا جمع شعيرة: وهي البدنة المهداة إلى البيت، وسميت بذلك لأنه يؤثر فيها بالعلامات. وإشعار البدن: إدماؤها بطعن أو رمي أو حديدة حتى تدمي.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٣.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٤٤.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٦، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٨٤ وما بعدها، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٤، \"المفردات\" ص ٢٦٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٢)، و(٢٣٣٣): ص ٣/ ٢٢٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٧.\n(٩) انظر: تفسير المراغي: ٢/ ٢٧.","vol":"3","page":423},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، \" أي من قصد بيت الله للحج أو العمرة\" (١).\nقال المراغي: \" أي فمن أدى فريضة الحج أو اعتمر\" (٢).\nقال ابن عثيمنن: أي: فمن \"قصده لأداء مناسك الحج؛ و(الْبَيْتَ) هو بيت الله؛ أي الكعبة\" (٣).\nقال الطبري: أي\"فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء\" (٤).\nوكل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو (حَاجٌّ إليه)، ومنه قول الشاعر (٥):\nلأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولا كثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا\nفقوله: (يحجون)، يكثرون التردد إليه لسُودده ورياسته. وإنما قيل للحاج \" حاجّ \"، لأنه يَأتي البيت قَبل التعريف، ثم يعود إليه لطَواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطوَاف الصَّدرَ، فلتكراره العودَ إليه مرّة بعد أخرى قيل له: \" حاجٌّ (٦).\nواختلف في أصل (الحج)، على أقوال:\nالأول: أن الحج في اللغة: كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. وهذا قول الطبري (٧)، وكثير من أهل اللغه.\nالثاني: أن أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. وهذا اختيار الزجاج (٨)، والبيضاوي (٩)، وغيرهما.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٢) تفسير المراغي: ٢/ ٢٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٨.\n(٥) البيت لمخبل السعدي (شاعر مخضرم)، انظر: المعاني الكبير: ٤٧٨، والاشتقاق لابن دريد: ٧٧، ١٥٦، وتهذيب الألفاظ: ٥٦٣، وإصلاح المنطق: ٤١١، والبيان والتبيين ٣: ٩٧، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: ٣١٣، وللبطليوسي: ٤٠٥، واللسان (سبب) (حجج)، (قهر) (زبرق)، والجمرة لابن دريد: ١: ٣١، ٤٩/ ٣: ٤٣٤، وسمط اللآلي: ١٩١، والخزانة ٣: ٤٢٧.\nوقد ذهب الطبري في تفسير البيت، كما ذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن \" السب \" هاهنا العمامة، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران، ومنهم حصين بن بدر، وهو الزبرقان، وسمي بذلك لصفرة عمامته وسيادته. وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه \" السب \" هنا هي الاست، وكان مقروفًا، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ، والصواب عندي أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا، وأنهم أخطأوا في ردهم ما قالا. فقد كان المخبل بذيء اللسان، حتى نسب إلى رسول الله ﷺ أنه قال: \" إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده \" (النقائض: ١٠٤٨) قال أبو عبيدة في النقائض: \" كان المخبل القريعي أهجى العرب. . . ثم كان بعده حسان بن ثابت، ثم الحطيئة، والفرزدق، وجرير، والأخطل. هؤلاء الستة الغاية في الهجاء وغيره، ولم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام لهم نظير \". هذا وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان في ضيافة الحطيئة (انظر طبقات فحول الشعراء: ٩٦ - ١٠٠)، وهجاؤه له، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له، لما خطب إليه أخته خليدة، فأبى الزبرقان أن يزوجها له، وذمه. فهجاء وهجا أخته مقذعًا، وحط منه حتى قال له:\nيَا زِبْرِقَانُ أخَابَنِي خَلَفٍ ... مَا أنْتَ وَيبَ أبِيكَ والفَخْرُ\nمَا أنْتَ إلاّ فِي بَنِي خَلَفٍ ... كالإسْكَتَينِ عَلاهُمَا البَظْرُ\nوكل شعره في الزبرقان وأخته مقذع. وهذا البيت الذي استشهد به الطبري من قذعه. وقبل البيت:\nأَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ عَمْرَةَ أنَّنِي ... تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لأَكْبَرَا\nلأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا\nتَمَنَّى حُصَيْنٌ أن يَسُودَ جِذَاعَهُ ... فأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُذِلَّ وأُقْهِرَا\nوفي سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٥ - ٢٧٦ قول عتبة بن ربيعة في أبي جهل: \" سيعلم مصفراسته من انتفخ سحره، أنا أم هو! \" فرماه بمثل ذلك من القبيح، الذي قاله المخبل السعدي. ومن زعم أن المخبل يقول إنه: \" كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف عصابته \"، فقد أخطأ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة، ولكن ذلك لم يزده إلا ذلا وقهرًا، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم، كما فعل في سائر هجائه له.\nوقوله: \" وأشهد \" منصوب، عطفًا على قوله: \" لأكبرا \".\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٩.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٤.\n(٩) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.","vol":"3","page":424},{"text":"ومنه قول الشاعر (١):\nيحج مأمومة في قعرها لجف ... قاست الطبيب قذاها كالمغاريد\nوقال العجاج (٢):\nلقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد وضبر\nقوله: اعتمر، أي قصد.\nالثالث: أن أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه. قاله الليث (٣).\nالرابع: أن الحج: الحلق، يقال: احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى: حج فلان أي حلق. قاله قطرب (٤).\nقال القفال: \"وهذا محتمل لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي حجاجا وعمارا، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق\" (٥).\nوالقول الأول أولى بالصواب، وعليه الجمهور، لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه\" (٦).والله أعلم.\nو(أو) في قوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾، للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًا؛ وإما أن يكون معتمرًا\" (٧).\nوقي أصل (العمرة)، في اللغة: أقوال:\nأحدهما: أنها من القصد. قاله الزجاج (٨).\nقال الأزهري: \"وقد يقال: الاعتمار القصد، وأنشد للعجاج (٩):\nلَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ... غْزًى بَعِيدًا من بَعِيدٍ وَضَبَرْ\nيعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا \" (١٠)\nومن ذلك قول أعشى باهلة (١١):\n_________\n(١) البيت لعذار بن درة الطائي، في اللسان: (حجج)، والجمهرة: ١/ ٤٩، وفيها: \"عياض-وسقال عذار\"، وهو بلا نسبة في الحيوان: ٣/ ٤٢٥، والمثلث: ١/ ٤٦١، وشرح السقط: ١/ ٩، ومقاييس اللغة: ١/ ٢٣، والمخصص: ١٣: ١٨٢. والمغاريد: الصغار من الكمأة.\n(٢) ديوانه \"١٩\" و\"تفسير الطبري\" \"٢/ ٢٧\" وغيرهما. والشطران من قصيدة له في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي، وقوله: \"مغزى\" أي غزوا وضبر: جمع قوائمة لثبت ثم وثب، وهو يصف بعده جيش عمر ابن عبيد الله وكان فتح الفتوح الكثيرة وعظم أمره في قتال الخوارج. هامش الطبري \"٣/ ٢٢٩ لمحمود شاكر\".\n(٣) انظر: افتسير البسيط: ٣/ ٤٣٦.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٦.\n(٥) مفاتيخ الغيب: ٤/ ١٣٦.\n(٦) مفاتيخ الغيب: ٤/ ١٣٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٤.\n(٩) ديوانه: ١٩، تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٦٦ (عمر)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٥، \"القرطبي\" ٢/ ١٦٦، قوله: مغزى: أي غزوًا. ومعنى: ضبر الجواد: تهيأ للوثوب بقوائمه أو جمع قوائمه ليثب ثم وثب. ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٤.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٥، وتهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٦٦ (عمر).\n(١١) الأصمعيات: ٨٨. وأمالي الشريف المرتضى ٣: ١٠٠، الخزانة: ١: ٨٩، والجمهرة: ٣/ ١٤٠، والمرزباني: ١٤، واللسان: ٦/ ١٦، ومعجم البلدان: ٢/ ٣٦٧، والبيت ضمن قصيدة من المراثي المعدودات، يرثي بها أعشى باهلة أخاه لأمه المنتشر بن وهب بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان. وكان المنتشر رئيسًا. وكان من خبر مقتله ما رواه البغدادي في الخزانة عن جابر أخو بني فراص. وكان بنو نفيل عمرو بن كلاب أعداء له، فلما رأوا مخرجه وعورته وما يطلبه به بنو الحرث بن كعب – وطريقه عليهم، وكان من حج ذا الخلصة أهدى له هديا يتحرم به ممن لقيه – فلم يكن مع المنتشر هدى، فسار حتى إذا كان بهضب النباع انكسر له بعض غلمته الذين كانوا معه، فصعدوا في شعب من النباع فقالوا في غار فيه – وكان الأقيصر يتكهن – وأنذر بنو نفيل بالمنتشر بني الحرث بن كعب فقال الأقيصر: النجاء يا منتشر، فقد أتيت! فقال: لا أبرح حتى أبرد، فمضى الأقيصر وأقام المنتشر، وأتاه غلمته بسلاحه وأراد قتالهم فأمنوه، وكان قد أسر رجلا من بني الحرث بني كعب يقال له هند بن أسماء بن زنباع، فأسه أن يفدي نفسه فأبطأ عليه، فقطع أنملة، ثم أبطأ فقطع منه أخرى، وقد أمنه القوم ووضع سلاخه، فقال [أي هند بن أسماء]: أتؤمنون مقطعًا؟ والله لا أومنه! ثم قتل وقتل غلمته.","vol":"3","page":425},{"text":"وجاشت النفس لما جاء جمعهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر\nالثاني: أنها من الزيارة (١). وهو اختيار الطبري (٢)، وبه قال البيضاوي (٣).\nوإنما قيل له: (معتمر)، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه، وإنما يعني تعالى ذكره بقوله: (أو اعتمر)، أو اعتمرَ البيت (٤).\nقال القفال: \"ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ينصرف كالزائر\" (٥).\nالثالث: أن: اعتمر: أي حل بمكة بعد الطواف والسعي، ففعل ما يفعل الحلال. قاله المفضل بن سلمة (٦).\nوالراجح أن (العمرة) في اللغة: الزيارة؛ والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة (٧). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، \" أي: لا حرج ولا إِثم عليه أن يسعى بينهما\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"فلا حَرَج عليه ولا مَأثم في طَوَافه بهما\" (٩).\nقال المراغي: أي\" فلا يتخوفنّ من الطواف بهما\" (١٠).\nو(الجناح) الإثم. قاله السدي (١١).\nوإنما نفى الإثم؛ لأنهم كانوا يتحرجون من الطواف بهما، \"من أجل أن المشركين كانوا يطوفون بهما\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" وذلك أنّ ناسًا كانوا يتحرجون أن يَطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحبُّ إليه، فمضت السُّنة بالطَّواف بينهما\" (١٣).\nقال الرازي: وأما الجناح فهو من قولهم: جنح إلى كذا أي مال إليه، قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]، وجنحت السفينة، إذا لزمت الماء فلم تمض، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده، إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع: جوانح لاعوجاجها، وجناح الطائر من هذا، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضا فمعنى: لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، ومنهم من قال: بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به\" (١٤).\nقال البيضاوي: \"والإِجماع على أنه [أي الصفا والمروة]، مشروع في الحج والعمرة\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: المفرات: ٣٥٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٩.\n(٣) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٧.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٧.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٠.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٢٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٣٤): ص ٣/ ٢٣١.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ٢٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣٤١): ص ٣/ ٢٣٣.\n(١٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٧.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.","vol":"3","page":426},{"text":"قال المراغي: \" والسرّ في التعبير بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح، مع أن السعى بينهما إما فرض كما هو رأى مالك (١) والشافعي (٢) أو واجب كما هو رأى أبي حنيفة (٣)، الإشارة إلى بيان خطأ المشركين الذين كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر، وأن السعى بينهما من مناسك إبراهيم، وذلك لا ينافي الطلب الجازم\" (٤).\nواختلف أهل العلم في وجوب طواف (الصفا والمروة)، على ثلاثة أقوال (٥):\nأحدها: أنه سنة، قاله احمد، وبه قال أنس وابن عباس (٦)، عبدالله بن الزبير (٧)، وعطاء (٨)، ومجاهد (٩)، وعاصم (١٠)، وأنس بن مالك (١١) ﵃ (١٢).\nوحجتهم: قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾، فإنه يفهم منه التخيير.\nقال البيضاوي: \" وهو ضعيف، لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه\" (١٣).\nالثاني: أنه واجب، يجبر بالدم. وهذا مذهب أبي حنيفة (١٤)، والثوري (١٥).\nالثالث: أنه ركن. وهذا قول مالك (١٦)، والشافعي (١٧) رحمهما الله (١٨).\nواجتجوا بقوله ﵊: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\" (١٩).\nقال أبو حيان: \" ومن ذهب إلى أنه ركن، أو واجب يجبر بالدم، أو إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، يحتاج إلى نص جلي ينسخ هذا النص القرآن\" (٢٠).\nوالراجح: \"أنّ الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العوْد لقضائه، ناسيًا كان، أو عامدًا. لأنه لا يُجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه حج بالناس، فكان مما علمهم من مناسك حَجّهم الطوافُ بهما\" (٢١). والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: لفظ مالك في الموطأ: ٣٧٤ - ٣٧٥، وتفسير الطبري (٢٣٥٣): ص ٣/ ٢٤١.\n(٢) انظر لفظ الشافعي في الأم ٢: ١٧٨، وانظر: تفسير الطبري (٢٣٥٤): ص ٣/ ٢٤١.\n(٣) وفي بعض روايات أبي حنيفة: \"إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين\". [انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧].\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٢٨.\n(٥) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٧): ص ٣/ ٢٤١٠٢٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٦٢): ص ٣/ ٢٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٦): ص ٣/ ٢٤١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٣٦٠)، و(٢٣٦١): ص ٣/ ٢٤٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٨): ص ٣/ ٢٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٩): ص ٣/ ٢٤٢.\n(١٢) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(١٤) وفي بعض روايات أبي حنيفة: \"إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين\". [انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧].\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٥): ص ٣/ ٢٤١، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(١٦) انظر: لفظ مالك في الموطأ: ٣٧٤ - ٣٧٥، وتفسير الطبري (٢٣٥٣): ص ٣/ ٢٤١.\n(١٧) انظر لفظ الشافعي في الأم ٢: ١٧٨، وانظر: تفسير الطبري (٢٣٥٤): ص ٣/ ٢٤١.\n(١٨) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(١٩) أخرجه أحمد ٦/ ٤٢١ – ٤٢٢، حديث رقم ٢٧٩١١، وأخرجه ابن خزيمة ٤/ ٢٣٢ – ٢٣٣، حديث رقم ٢٧٦٤، ٢٧٦٥، وأخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٣٥١ – ٣٥٢، حديث رقم ٩٠٧، وقال الألباني الحديث \"صحيح\" (الإرواء: ٤/ ٢٦٩ – ٢٧٠).\n(٢٠) البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(٢١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٤٣. ومن تلك الأخبار:\n- روي عن جابر أنه قال: \"لما دنا رسول الله ﷺ من الصفا في حجه قال: \" ﴿إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله﴾، ابدؤوا بما بدأ الله بذكره. فبدأ بالصفا فرَقِيَ عليه\". [تفسير الطبري (٢٣٦٥): ص ٣/ ٢٤٣].\n- عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: \" إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله \"، فأتى الصفا فبدأ بها، فقام عليها، ثم أتى المروة فقام عليها، وطاف وسَعى\". [تفسير الطبري (٢٣٦٦): ص ٣/ ٢٤٣].","vol":"3","page":427},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان من القراءة (١):\nأحدهما: ﴿أن يطوّف﴾. قراءة الجمهور.\nوالثاني: ﴿أن لا يطوّف﴾، قرأ بها أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر، وكذلك هي في مصحف أبي وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة (لا)، نحو: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا﴾؟ أي: \"ما منعك أن تسجد\" (٢).\nقال أبو عبيدة: \" والعرب تضع (لا) فى موضع الإيجاب، وهى من حروف الزوائد، قال أبو النجم (٣):\nفما ألوم البيض ألّا تسخرا ... ممّا رأين الشمط القفندرا\nأي: ما ألوم البيض أن يسخرن، القفندر: القبيح السّمج، وقال الأحوص (٤):\nويلحيننى فى اللهو ألّا أحبّه ... وللهو داع دائب غير غافل\nأراد: فى اللهو أن أحبه، قال العجاج (٥):\nفى بئر لا حور سرى وما شعر\nالحور: الهلكة، وقوله لا حور: أي فى بئر حور، و«لا» فى هذا الموضع فضل\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، \" أي: ومن أكثر من الطاعة بالزيادة على الواجب\" (٧).\nقال الصابوني: \"أي: من تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيرًا فرضًا كان أو نقلًا\" (٨).\nقال مقاتل: أي: \" ومن تطوع خيرا بعد الفريضة فزاد في الطواف\" (٩).\nقال البيضاوي: \" أي فعل طاعة فرضًا كان أو نفلًا، أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة، أو طواف أو تطوع بالسعي إن قلنا إنه سنة\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف\" (١١).\nقال أبو حيان: \" التطوّع: ما تترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك\" (١٢).\nوقد تعددت آراء العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، على وجوه (١٣):\nأحدها: قيل: بالنفل على واجب الطواف، قاله مجاهد (١٤).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٢) مجاز القرآن: ١/ ٢١١.\n(٣) البيت فى الكتاب: ٢/ ٣٢ والطبري ١/ ٦١ والجمهرة ٣/ ٣٣٤ والزجاج ١/ ١٠٧ ب والقرطبي ٢/ ١٨٢ والصحاح واللسان والتاج (قفندر) والخزانة ١/ ٤٨. وأبو النجم: اسمه الفضل بن قدامة بن عبد الله، عجلى من بنى عجل بن لجيم، أخباره فى الأغانى ٩/ ٧٣، وله ترجمة فى الخزانة ١/ ٤٩.\n(٤) انظر: الكامل مع آخر قبله: ٤٩، وتفسير القرطبي ١/ ٦٢، ونقله أبو على الفارسي فى الحجة: ١/ ١١٠ من إنشاد أبى عبيدة.\n(٥) ديوانه ١٦ - وتفسير الطبري ١/ ٦١، والجمهرة ٢/ ١٤٦، واللسان والتاج (صور)، والخزانة ٢/ ٩٥ ..\n(٦) مجاز القرآن: ١/ ٢١١.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ٢٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٢.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(١١) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨١.\n(١٢) البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٢. ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٩.\n(١٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.","vol":"3","page":428},{"text":"الثاني: وقيل بالعمرة. قاله ابن زيد (١).\nالثالث: وقيل: بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه (٢).\nالرابع: وقيل: بالسعي بين الصفا والمروة، وهذا قول من أسقط وجوب السعي، لما فهم الإباحة في التطوف بهما من قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، حمل هذا على الطواف بهما، كأنه قيل: ومن تبرع بالطواف بينهما (٣).\nالخامس: بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة (٤).\nالسادس: وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. قاله الحسن (٥).\nوالقول الأخير أولى بالصواب، لأنه أوفق لعموم اللفظ. والله تعالى أعلم.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" وتخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح فقهي؛ أما في الشرع فإنه يشمل الواجب، والمستحب\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَطَوَّعَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان من القراءة (٧):\nأحدهما: ﴿يطوع﴾ بالياء وجزم العين، قرأ بها حمزة والكسائي ويعقوب، وتقديره: يتطوع، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما، مثل يطوف (٨).\nقال الرازي: \"وهذا أحسن، لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن\" (٩).\nوالثاني: ﴿تطوع﴾، قرأ بها الباقون، على وزن (تفعل)، ماضيا.\nوعلى هذه القراءة فإن قوله ﴿تطوع﴾، يحتمل أمرين (١٠):\nأحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزما.\nالثاني: أن لا يجعل (من) للجزاء، ولكن يكون بمنزلة (الذي) ويكون مبتدأ و(الفاء) مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]، فـ (ما) مبتدأ موصول، و(الفاء) مع ما بعدها خبر له (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي: إن الله\"مثيب على الطاعة، لا تخفى عليه\" (١٢).\nقال الصابوني: \"أي إِنه سبحانه شاكرٌ له طاعته ومجازيه عليها خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده أجر المحسنين\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(٢) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٢.\n(٧) انظر: السبعة في القراءات: ١/ ١٧٢، والحجة: ٢/ ٢٤٨.\n(٨) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٨.\n(١٠) انظر: الحجة للقراءة السبعة: ٢/ ٢٤٥.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٨.، ومنه قوله تعالى: ﴿والذين ينفقون أموالهم﴾ [النساء: ٣٨] إلى قوله: ﴿فلهم أجرهم﴾ [البقرة: ٢٧٤]، وقوله: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين﴾ [البروج: ١٠]، إلى قوله: ﴿فلهم عذاب جهنم﴾، وقوله: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ وقوله: ﴿ومن كفر فأمتعه قليلا﴾، وقوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾، وقوله: ﴿ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. [انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٨ - ١٣٩].\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.","vol":"3","page":429},{"text":"قال ابن كثير: أي: \"يثيب على القليل بالكثير (عَلِيمٌ) بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] \" (١).\nقال ابن عثيمين: \"أي: فالله يشكر؛ وشكره تعالى أنه يثيب العامل أكثر من عمله؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله ﴿عَلِيمٌ﴾، أي ذو علم؛ وعلمه تعالى محيط بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢] \" (٢).\nقال أبو السعود: \" أي مجاز على الطاعة عبر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإحسان إلى العباد، ﴿عليم﴾ مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئا\" (٣).\nقال المراغي: أي: \" فإن الله يجازيه على الإحسان إحسانا، وهو العليم بمن يستحق هذا الجزاء، وفي التعبير عن إحسان الله على عباده بالشكر - تعويدهم الآداب العالية والأخلاق السامية، إذ أن منفعة عملهم عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه\" (٤).\nقال الرازي: أي: \"أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى: ﴿عليم﴾ تعلق بشاكر، ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه، وتحذير من خلاف ذلك\" (٥).\nروي عن قتادة. قوله: ﴿شاكر عليم﴾، قال: إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا\" (٦).\nوعنه كذلك: \" لا شيء أشكر من الله، ولا أجزأ لخير من الله ﷿\" (٧).\nوقرن (العلم) بـ (الشكر)، لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع فإنه معلوم عند الله، ولا يمكن أن يضيع منه شيء؛ يعني: إذا عَلم العامل أن الله تعالى شاكر، وأنه عليم، فإنه سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله ﷾ سيجزيه على عمله بما وعده به، ويعطيه أكثر من عمله (٨).\nقال أبو حيان: \" وشكر الله العبد بأحد معنيين: إما بالثواب، وإما بالثناء. وعلمه هنا هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل. وقد وقعت الصفتان هنا الموقع الحسن، لأن التطوّع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم، وإن كانت متقدمة، على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل لتواخي رؤوس الآي\" (٩).\nوفي إعراب قوله تعالى: ﴿خيرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان (١٠):\nالوجه الأول: أن تكون منصوبة بنزع الخافض؛ والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم.\nوالوجه الثاني: أن تكون مفعولًا لأجله - أي ومن تطوع لأجل الخير، وطلبه فإن الله شاكر عليم.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: مشروعية الطواف بين الصفا، والمروة؛ ويؤخذ ذلك من كونه من شعائر الله؛ وهل هو ركن، أو واجب، أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة؛ فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٢ [بتصرف بسيط].\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨١.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٢٨.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٤٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٣٧): ص ١/ ٢٦٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٣٨): ص ١/ ٢٦٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٢\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٤٥٨.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٢.","vol":"3","page":430},{"text":"لا يتم الحج إلا به؛ وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج يجبر بدم، ويصح الحج بدونه؛ وقال آخرون: إنه سنة، وليس بواجب.\nوالقول بأنه سنة ضعيف جدًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط؛ الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين.\nبقي أن يكون مترددًا بين الركن، والواجب؛ والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي ﷺ قال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (١)؛ وقالت عائشة: «والله! ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة» (٢).\nفالأقرب أنه ركن؛ وليس بواجب؛ وإن كان الموفق - ﵀ - وهو من مشائخ مذهب الإمام أحمد - اختار أنه واجب يجبر بدم.\n٢ - من فوائد الآية: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم بالطواف بالصفا، والمروة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ وعلى هذا فلا ينافي أن يكون الطواف بينهما ركنًا من أركان الحج، أو واجبًا من واجباته، أو مشروعًا من مشروعاته؛ وذلك أن أناسًا من الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية المذكورة في القرآن؛ وهي في المشلّل - مكان قرب مكة - فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة؛ فلما جاء الإسلام سألوا النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﷾ هذه الآية: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ فعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج؛ لأنها من شعائر الله؛ وليس لبيان أصل الحكم.\nوفيه سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما: وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فكانوا يطوفون بهما كما كانوا يطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله ﷿ الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا، والمروة؛ فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله ﷿، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية؛ فلا نطوف؛ فأنزل الله هذه الآية.\nوفيه أيضًا سبب ثالث؛ وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف، ونائلة؛ وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة؛ فمسخهما الله ﷾ حجارة؛ فكان من جهل العرب أن قالوا: «هذان مسخا حجارة؛ إذًا لا بد أن هناك سرًا، وسببًا، فاخرجوا بهما عن الكعبة، واجعلوهما على الجبلين - الصفا، والمروة نطوف بهما، ونتمسح بهما»؛ وقد كان؛ وعلى هذا يقول أبو طالب:\nوحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إسافٍ ونائل و«مفضى السيول» مجرى الوادي المعروف الذي بين الصفا، والمروة؛ فالحاصل أن هذه ثلاثة أسباب في نزول الآية؛ وأظهرها السبب الأول؛ على أنه لا مانع من تعدد الأسباب.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن الطواف بالصفا والمروة من طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم﴾.\n٤ - ومنها: أن الطاعة خير؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيرًا﴾؛ ولا ريب أن طاعة الله ﷾ خير للإنسان في حاله ومآله.\n٥ - ومنها: إثبات اسم «الشاكر» لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر﴾.\n٦ - ومنها: إثبات «العليم» اسمًا لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾.\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٢١ – ٤٢٢، حديث رقم ٢٧٩١١، وأخرجه ابن خزيمة ٤/ ٢٣٢ – ٢٣٣، حديث رقم ٢٧٦٤، ٢٧٦٥، وأخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٣٥١ – ٣٥٢، حديث رقم ٩٠٧، وقال الألباني الحديث \"صحيح\" (الإرواء: ٤/ ٢٦٩ – ٢٧٠).\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٤٠، كتاب العمرة، باب ١٠: يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج حديث رقم ١٧٩٠، وأخرجه مسلم ص ٨٩٩، كتاب الحج، باب ٤٣: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن ...، حديث رقم ٣٠٧٩ [٢٥٩] ١٢٧٧.","vol":"3","page":431},{"text":"٧ - ومنها: إثبات صفة الشكر، والعلم؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة؛ وعلى الحكم إن كان متعديًا، فقوله تعالى: ﴿عليم﴾ يدل على العلم - وهذه هي الصفة؛ ويدل على الحكم بأنه يعلم كل شيء.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]\nالتفسير:\nإن الذين يُخْفون ما أنزلنا من الآيات الواضحات الدالة على نبوة محمد ﷺ وما جاء به، وهم أحبار اليهود وعلماء النصارى وغيرهم ممن يكتم ما أنزل الله من بعد ما أظهرناه للناس في التوراة والإنجيل، أولئك يطردهم الله من رحمته، ويدعو عليهم باللعنة جميع الخليقة.\nاختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية على قولين:\nأحدهما: قال مقاتل: \" وذلك أن معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وحارثة بن زيد، سألوا اليهود عن أمر محمدﷺ- وعن الرجم وغيره فكتموهم يعني اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وابن صوريا، ما أنزلنا من البينات يعني ما بين الله﷿- في التوراة يعني الرجم والحلال والحرام والهدى يعني أمر محمدﷺ- في التوراة فكتموه الناس\" (١).\nوذكره الماوردي، فزاد: \" فيهم كعب بن أسيد وزيد بن التابوت\" (٢).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب: عما في التوراة، وقال ابن حميد: عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه، وأبوْا أن يُخبروهم عنه، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم: ﴿إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون﴾ \" (٣).\nوروي عن مجاهد (٤)، والربيع (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وأبو العالية (٨)، نحو ذلك. وهو قول الجمهور.\nالثاني: وقيل: المراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قوله ﷺ: \"من سُئِل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]،\nقال الصابوني: \" يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد ﷺ\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي إن أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام وأمر محمد ﷺ\" (١١).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٢.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٢١٤، وانظر: العجاب: ١/ ٤١٢.\n(٣) تفسير الطبري (٢٣٧٠): ص ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠، وانظر: العجاب: ١/ ٤١٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣٧١): ص ٣/ ٢٥٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٧٢)، و(٢٣٧٣): ص ٣/ ٢٥٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٧٤): ص ٣/ ٢٥١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٧٥): ص ٣/ ٢٥١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤١): ص ١/ ٢٦٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٢.\n(٩) المسند (٢/ ٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(١١) تفسير المراغي: ٢/ ٣٠.","vol":"3","page":432},{"text":"قال ابن عطية: أي\" أمر محمد ﷺ، ثم يعم بعد كل ما يكتم من خير\" (١).\nقال الزجاج: \" هذا إخبار عن علماء إليهود الذين كتموا ما علموه من صحة أمر النبي - ﷺ -\" (٢).\nقال البيضاوي: \" ﴿الْبَيِّناتِ﴾: كالآيات الشاهدة على أمر محمد ﷺ، ﴿وَالْهُدى﴾: وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإِيمان به\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿الْهُدَى﴾: \"العلم النافع الذي يهتدي به الخلق إلى الله ﷿\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، \"أي من بعد توضيحه لهم في التوراة أو في الكتب السماوية\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: من بعد ما\" لخصناه في في التوراة\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" أي من بعد أن أظهرناه للناس عمومًا المؤمن، والكافر؛ فإن الله تعالى بين الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]؛ فكل الناس قد بين الله لهم الحق؛ لكن منهم من اهتدى؛ ومنهم من بقي على ضلاله\" (٨).\nواختلف في والمراد بـ ﴿الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، على قولين:\nأحدهما: يعني به القرآن. قاله الزجاج (٩).\nالثاني: أنه التوراة والإنجيل، بحكم سبب الآية وأنها في أمر محمد ﷺ ثم يدخل القرآن مع تعميم الآية\". وهذا قول ابن عطية (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" فما من نبي أرسله الله إلا ومعه كتاب، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]، وكما قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] \" (١١).\nوفي كتمان أهل الكتاب بعض ما في كتبهم، وجهان (١٢):\nأحدهما: إما بعدم ذكر نصوصه للناس حين الحاجة إليه أو السؤال عنه، كالبشارة بالنبي ﷺ وصفاته مع وجودها في كتبهم.\nالثاني: وإما بتحريف الكلم عن مواضعه حين الترجمة، أو بحمله على غير معانيه بالتأويل اتباعا لأهوائهم.\nقال المراغي: \"وقد فضحهم الله بهذه الآيات، وسجل عليهم اللعنات الدائمات الإيضاح\" (١٣).\nوقرأ طلحة بن صرف: ﴿من بعد ما بينه﴾، على الإفراد (١٤).\n_________\n(١) المحرر الوجزي: ١/ ٢٣١.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٣٥.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٢٠٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٣.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٥.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٣١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٣.\n(١٢) انظر: تفسير المراغي: ٢/ ٣٠.\n(١٣) تفسير المراغي: ٢/ ٣٠.\n(١٤) المحرر الوجي: ١/ ٢٣١.","vol":"3","page":433},{"text":"قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٥٩]، أي: \"أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته\" (١).\nقال السعدي: أي: \"يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته\" (٢).\nقال ابن عثيمين: أي: \" يطردهم ويبعدهم عن رحمته\" (٣).\nقال الطبري: أي\"\nقال أبو السعود: \" أي يطردهم ويبعدهم من رحمته\" (٤).\nقال الصابوني: \"أي: أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال، الكاتمون لأوصاف الرسول، المحرّفون لأحكام التوراة يلعنهم الله فيبعدهم من رحمته\" (٥).\nقال القرطبي: \"أي: يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم: عليكم لعنتي، كما قال للّعين: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨] \" (٦).\nوأصل (اللعن) في اللغة الإبعاد والطرد، كما قال الشماخ بن ضرار، وذكر ماءً ورَد عليه (٧):\nذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ الَّلعِينِ\nيعني: مقامَ الذئب الطريد. و(اللعين) من نعت (الذئب)، وإنما أراد: مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل (٨).\nوقال النابغة (٩):\nفبت كانني خرج لعين ... نفاه الناس أو أدنف طعين\nقال الثعلبي: \" فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللعنة ما ذكرنا ثم كثر ذلك حتى صار قولا\" (١٠).\nقوله تعالى (وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [القرة: ١٥٩]، أي: \" ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم\" (١١).\nقال الطبري والثعلبي: \" أي: يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" أي الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني الثقلين والمراد بيان دوام اللعن واستمراره\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي يسألون لهم اللعنة؛ وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم، ويعادونهم، ويبتعدون عنهم\" (١٤).\nقال الصابوني: أي: \" وتلعنهم الملائكة والمؤمنون\" (١٥).\nقال المراغي: أي: \" ويستوجبون بأعمالهم الدعاء عليهم باللعن من الملائكة والناس أجمعين\" (١٦).\nقال البيضاوي: \" أي: الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين\" (١٧).\nقال السعدي: أي: \"يسألون لهم اللعنة؛ وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم، ويعادونهم، ويبتعدون عنهم، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير، يصلي الله عليه وملائكته، حتى الحوت في جوف الماء، لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم، وقربهم من رحمة الله، فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله، مضاد لأمر الله، مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد\" (١٨).\nواختلفوا في هؤلاء اللاعنين على أقوال (١٩):\nأحدها: أنهم كل شيء في الأرض من حيوان وجماد إلا الثقلين الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس (٢٠)، والضحاك (٢١)، والبراء بن عازب (٢٢)، ومقاتل بن سليمان (٢٣).\nوالثاني: اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت اللعنة على اليهود، وهذا قول ابن مسعود (٢٤).\nوالثالث: أنهم البهائم، إذا يبست الأرض قالت البهائم هذا من أجل عُصاةِ بني آدم، وهذا قول مجاهد (٢٥)، وعكرمة (٢٦).\nالرابع: أنهم: كل دابة والجن والإنس. قاله عطاء (٢٧).\nالخامس: أنهم عباد الله أجمعون. قاله الحسن (٢٨).\nالسادس: أنهم المؤمنون من الإنس والجن، والملائكة يَلعنون مَنْ كَفَر بالله واليوم الآخر، وهذا قول قتادة (٢٩)، والربيع بن أنس (٣٠)، وأي العالية (٣١)، واختاره ابن عطية (٣٢)، والزجاج (٣٣)، وآخرون.\nقال ابن عطية: \" وهذا ظاهر واضح جار على مقتضى الكلام ... [وأما الأقوال الأخرى]، فلا يقتضيها اللفظ ولا تثبت إلا بسند يقطع العذر\" (٣٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٤.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٧٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٩٠.\n(٤) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ١٨٦.\n(٧) ديوانه: ٩٢، ومجاز القرآن ٤٦١، وروايته في ديوانه، \" مقام الذئب \" والضمير في \" به \" إلى \" ماء \" في قوله قبله: وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين\nوأراد في البيت: مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل. والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس، شبه الذئب به، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٤، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩.\n(٩) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٢٩.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٤، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠.\n(١٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٩٠.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(١٦) تفسير المراغي: ٢/ ٣٠.\n(١٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(١٨) تفسير السعدي: ١/ ٧٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٤ وما بعدها، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠، والنكت والعيون: ١/ ٢١٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٣١.\n(٢٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٥، والنكت والعيون: ١/ ٢١٥.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٨٩): ص ٣/ ٢٥٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣٨٨): ص ٣/ ٢٥٧.\n(٢٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٣.\n(٢٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٥، والنكت والعيون: ١/ ٢١٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٣١.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٧٨)، و(٢٣٧٩)، و(٢٣٨٠)، و(٢٣٨١)، و(٢٣٨٣)، و(٢٣٨٤): ص ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٨٢): ص ٣/ ٢٥٥.\n(٢٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤٩): ص ١/ ٢٧٠.\n(٢٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٢٣٨٥)، و(٢٣٨٦): ص ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٢٣٨٧): ص ٣/ ٢٥٧.\n(٣١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤٥): ص ١/ ٢٦٩.\n(٣٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣١. [بتصرف بسيط].\n(٣٣) نقله عنه الاختيار، القرطبي، ولم نقف عليه، انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٨٦.\n(٣٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣١. [بتصرف بسيط].","vol":"3","page":434},{"text":"وقد اعترض القرطبي على القول الأخير، لكونه يخالف ما جاء في الحديث، في قوله تعالى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾، قال﵇-: \"دواب الأرض\" (١).\nقال القرطبي: \" فإن قيل: كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل؟ قيل: لأنه أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ولم يقل ساجدات، وقد قال: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]، وقال: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، ومثله كثير\" (٢).\nوالصواب أن (اللاعنون)، هم: الملائكةُ والمؤمنون، \"لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحلّ بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، فكذلك اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر: الذين يكتمونَ ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس، هي لعنة الله، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم \" اللاعنون \"، لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر\" (٣). والله أعلم.\nوقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: \"من سُئِل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" (٤).\nوالذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: \"لولا آية في كتاب الله ما حدثتُ أحدًا شيئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب؛ يؤخذ من ترتيب اللعنة على فاعله؛ والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب.\nقال الحافظ ابن حجر: إن\"هذه الآية تحرض على التبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب (٦)، لكن العبرة بعموم اللفظ\" (٧).\n_________\n(١) هذا قطعة من حديث طويل رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي في السنن (٤/ ٧٨) من طريق زاذان به، وسيأتي ذكره عند قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا) في تفسير سورة إبراهيم.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٨٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٤) المسند (٢/ ٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث.\n(٥) صحيح البخاري برقم (١١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٢).\n(٦) أخرج ابن جرير في جامع البيان: ٣/ ٢٤٩ رقم: ٢٣٧٠، وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ١٤٣، وابن أبي حاتم-تحقيق الطيب-: ١/ ٢٦٨ رقم: ١٤٣٩، وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي: ١/ ٢٩٥ عن ابن عباس بإسناد حسن قال: (سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة وسعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج نفرًا من أحبار يهود-قال أبو كريب: عما في التوراة، وقال ابن حميد: عن بعض ما في التوراة-فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم عنه، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]-إلى قوله-: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. وقال الواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: ٤٧ (نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم وأمر محمد ﷺ).\n(٧) الفتح: ١/ ٢١٤. قال الطبري في جامع البيان: ٣/ ٢٥١: [وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها مَعْنِيّ بها كل كاتم علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)،، وهو حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة الطيالسي في مسنده: ٣٣٠ رقم: ٢٥٣٤، وأبو داود في سننه: ٤/ ٦٧ رقم: ٣٦٥٨، والترمذي في جامعه: ٥/ ٢٩ رقم: ٢٦٤٩ وحسنه، والحاكم في المستدرك: ١/ ١٠١ وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان: ١/ ٢٩٧ رقم: ٩٥، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: ٥٢ رقم: ١١٦، وقد نص سحنون﵀على أن هذا الحديث خاص بالشهادة، وبين ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٤٩ أن الصحيح خلاف ذلك. ولا يعارض ما تفيده الآية والحديث من وجوب تبليغ العلم والنهي عن كتمه قول علي﵁عند البخاري-فتح-: ١/ ٢٧٢ (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله)، وقول ابن مسعود﵁عند مسلم في مقدمة صحيحه: ١١ (ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) لأن الآية محمولة على من قصد كتمان العلم، والحديث يفيد أن من سئل عن علم وجب عليه الجواب، لكنه مقيد بما إذا كان قصد السائل حسنًا، لا بمن أراد بسؤاله تعنتًا أو انحرافًا، وأما قول علي وابن مسعود فيفيدان أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة وأن حكم العالم أن يحدث بما يُفْهَم عنه، والله أعلم. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، فتح الباري لابن حجر: ١/ ٢٧٢، عمدة القاري للعيني: ٢/ ٢٠٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٨ - ٤٩، تفسير ابن كثير لابن كثير: ١/ ٢٤٩، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ٥٣، وغيرها.","vol":"3","page":435},{"text":"٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿يكتمون﴾؛ والكاتم مريد للكتم.\n٣ - ومنها: أن ما أنزل الله من الوحي فهو بيِّن لا غموض فيه؛ وهدًى لا ضلالة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب﴾؛ والبيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل؛ وبيان مجمل؛ فالمجمل هي القواعد العامة في الشريعة؛ والمفصل هو أن يبين الله ﷾ قضية معينة مفصلة مثل آيات الفرائض في الأحكام؛ فإنها مفصلة مبيّنة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة؛ وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]: فهو بيان عام؛ وكذلك بعض القصص يذكرها الله ﷾ مفصلة، وأحيانًا مجملة؛ وكل هذا يعتبر بيانًا.\n٤ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم ألا يكون القرآن بيانًا للناس؛ لأن الله أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية، وفعلية؛ فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن غير بيان؛ يكون الله ﷾ ذكر شيئًا لا يريده؛ وهذا تعمية لا بيان؛ فيستفاد من هذه الآية الرد على أهل التأويل؛ والحقيقة أنهم - كما قال شيخ الإسلام - أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق، ومنه باطل؛ لكن طريقهم باطل لا حق فيه.\n٥ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم الخلق معناها؛ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.\n٦ - ومنها: بيان فضل الله ﷿ على عباده بما أنزله من البينات، والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا؛ ولولا بيان الله ﷾ وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون؛ ولكن من فضل الله أن الله ﷾ بيّن ذلك.\n٧ - ومنها: إثبات علو الله؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزلنا﴾؛ والنزول إنما يكون من أعلى؛ وعلو الله بذاته ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.\n٨ - ومنها: قبح هذ الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان؛ ليس لهم أن يقولوا: «ما تكلمنا؛ لأنّ الأمر مشتبه علينا»؛ فالإنسان الذي لا يتكلم بالشيء لاشتباه الأمر عليه قد يعذر؛ لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحًا - والعياذ بالله.\n٩ - ومنها: وجوب نشر العلم عند الحاجة إليه سواء ظهرت الحاجة بلسان الحال، أو بلسان المقال، ولسان الحال: أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي؛ فهذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق؛ ولسان المقال: أن يسألك سائل عن علم وأن تتعلمه؛ فيجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم؛ أما إذا كنت لا تعلم فإنه يجب أن تقول: «لا أدري»، أو «لا أعلم»؛ كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين؛ فهنا الحاجة داعية إلى البيان؛ فيجب أن تبين.\n١٠ - ومن فوائد الآية: أن الكتب السماوية كلها بيان للناس، لأن قوله تعالى: ﴿في الكتاب﴾ المراد به الجنس لا العهد؛ فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله؛ لم يترك الحق غامضًا؛ بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضًا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر.\n١١ - ومنها: أن الرجوع في بيان الحق إلى الكتب المنزلة.\n١٢ - ومنها: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون؛ يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾.\n١٣ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله ﷿؛ وهي كل فعل يتعلق بمشيئته، مثل النزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده؛ والاستواء على العرش؛ والضحك؛ والكلام؛ والتعجب؛ وما إلى ذلك؛ كل","vol":"3","page":437},{"text":"فعل يتعلق بمشيئة الله ﷿ فإنه من الأفعال الاختيارية؛ و«اللعن» منها؛ ويدل على أنه منها أن له سببًا؛ وما كان له سبب فإنه يوجَد بالسبب، ويعدم بعدمه؛ إذًا فاللعن من الأفعال الاختيارية.\n١٤ - ومنها: جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يلعنهم اللاعنون﴾؛ لأن من معنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي ﷺ: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، وأصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (٢)؛ وأيّ خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصيًا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر.\n١٥ - ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم، حيث كان من الكبائر؛ وكتم العلم يتحقق عند الحاجة إلى بيانه إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال؛ فإن من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار إلا أن يكون السائل متعنتًا، أو يريد الإيقاع بالمسؤول، أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو يترتب على إجابته مفسدة، فلا يجاب حينئذ؛ وليس هذا من كتم العلم؛ بل هو من مراعاة المصالح، ودرء المفاسد.\nمسألة (٣):\nدفع الفتوى - وهو أن يحوِّل المستفتي إلى غيره، فيقول: اسأل فلانًا، أو اسأل العلماء - اختلف فيها أهل العلم: هل يجوز، أو لا يجوز؟ والصحيح أنه لا يجوز؛ إلا عند الاشتباه فيجب؛ أما إذا كان الأمر واضحًا فإنه لا يجوز؛ لأنه يضيع الناس لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفتي أناس جهال يضلون الناس؛ فإنه هنا تتعين عليه الفتوى؛ ويستعين الله ﷿، ويسأل الله الصواب والتوفيق.\n١٦ - ومن فوائد الآية: استحقاق الكاتمين للعنة الله، ولعنة اللاعنين.\nقد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل، لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون.\nفالجواب: لا، لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائمًا به على الوجه الأكمل؛ قد تقول: «قام القائمون» بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه؛ فمعنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ أي الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها؛ فهم ذوو علم بالمستحِق، وذوي حكمة في توجيه اللعنة إليه؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ...﴾ [النساء: ١٣٦] الآية؛ فناداهم باسم الإيمان، وأمرهم به؛ أي بتحقيقه، والثبات عليه.\nإذًا هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات، والهدى مع ظهوره، وبيانه يستحقون - والعياذ بالله - هذا الجزاء الوخيم من الله، ومن عباد الله؛ وعكس ذلك الذين يبينون الحق - نسأل الله أن يجعلنا منهم؛ فهؤلاء يكون لهم المودة، والمحبة من الله، ومن أولياء الله؛ وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل أن العالم يستغفر له أهل السموات والأرض حتى الحيتان في الماء (٤) لأن الذي يبين شريعة الله يُلقي الله ﷾ في\n_________\n(١) سبق تخريجه ١/ ٢٩٤.\n(٢) سبق تخريجه ١/ ٢٥٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٦.\n(٤) أخرجه أحمد ص ١٦٠٢، حديث رقم ٢٢٠٥٨؛ والترمذي ص ١٩٢٢، كتاب العلم، باب ١٩ ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم ٢٦٨٢؛ وأبو داود ص ١٤٩٣، أول كتاب العلم، باب ١: في فضل العلم، حديث رقم ٣٦٤١؛ وابن ماجة ص ٢٤٩١، كتاب السنة، باب ١٧: فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم ٢٢٣؛ والدارمي ١/ ١١٠، المقدمة، باب ٣٢: في فضل العلم والعالم، حديث رقم ٣٤٢؛ ومدار هذهالأسانيد على داود بن جميل عن كثير بن قيس (ويقال: قيس بن كثير؛ والأول أصوب – قاله الحافظ في التقريب -)؛ وكل من داود، وكثير ضعيف؛ وقال الألباني: \"لكن أخرجه أبو داود من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسند حسن\" (راجع صحيح الترغيب والترهيب، الطبعة الثانية، حاشية ٣ ص ٣٣)؛ لكن في سنده شبيب بن شيبة، قال الحافظ في التقريب: مجهول؛ وقال عمرو بن عثمان: \"عن شعيب بن رزيق\" بدلًا عن شبيب بن شيبة؛ وقال: \"وهو أشبه بالصواب\" (راجع تهذيب التهذيب ٤/ ٢٧١)؛ وشعيب بن رزيق الشامي قال الحافظ في التقريب: \"صدوق يخطئ\"؛ وقيل: صدوق حسن الحديث (تحرير تقريب التهذيب ٢/ ١١٧)؛ وعليه فالإسناد حسن.","vol":"3","page":438},{"text":"قلوب عباده مودته، ومحبته، والقبول له حتى في السماء؛ ونحن نعلم ذلك - وإن لم يرد به نص خاص - عن طريق القياس الجلي: فإذا كان الله ﷾ يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه، ومن عباده؛ وهو الذي سبقت رحمته غضبه، فالذين يبينون البينات، والهدى يستحقون أن يثني الله ﷾ عليهم بدلًا من اللعنة، ويقربهم بدلًا من البعد.\n١٧ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على من قال قولًا باطلًا، ثم تبين له بطلانه أن يبينه للناس إلا إذا كان اختلاف اجتهاد فلا يلزمه أن يبين بطلان ما سبق؛ لأنه لا يدري أيّ الاجتهادين هو الصواب.\nالقرآن\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠]\nالتفسير:\nإلا الذين رجعوا مستغفرين الله من خطاياهم، وأصلحوا ما أفسدوه، وبَيَّنوا ما كتموه، فأولئك أقبل توبتهم وأجازيهم بالمغفرة، وأنا التواب على من تاب من عبادي، الرحيم بهم؛ إذ وفقتُهم للتوبة وقبلتها منهم.\nقوله تعالى: ﴿ِإلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [القرة: ١٦٠]، \"أي إِلا الذين ندموا على ما صنعوا\" (١).\nقال أبو حيان: أي\" عن الكفر إلى الإسلام، أو عن الكتمان ءلى الإظهار\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب عنه\" (٣).\nقال السعدي: أي: \"رجعوا عما هم عليه من الذنوب، ندما وإقلاعا، وعزما على عدم المعاودة\" (٤).\nقال ابن عطية: \" توبة الله على عبده: رجوعه به عن المعصية إلى الطاعة\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، أي: \"وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان\" (٦).\nقال الواحدي: \" أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد - ﷺ\" (٧).\nقال أبو حيان: أي: \" ما أفسدوا من قلوبهم بمخالطة الكفر لها، أو ما أفسدوا من أحوالهم مع الله، أو أصلحوا قومهم بالإِرشاد إلى الإِسلام بعد الإضلال\" (٨).\nقال السعدي: أي: أصلحوا \"ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن\" (٩).\nقال البيضاوي: \" ما أفسدوا بالتدارك\" (١٠).\nقال قتادة: \"يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، أي \"وبينوا للناس حقيقة ما أنزل الله\" (١٢).\nقال ابن زيد: \" ﴿بيّنوا﴾: ما في كتاب الله للمؤمنين، وما سألوهم عنه من أمر النبي ﷺ. وهذا كله في يهود\" (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٢) البحر المحيط: ١/ ٤٥٩.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٧٧.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٤٤٧.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٤٥٩.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ٧٧.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٢٣٩٠): ص ٣/ ٢٦٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(١٣) أخرجه الطبري (٢٣٩٠): ص ٣/ ٢٦٠.","vol":"3","page":439},{"text":"قال ابن عثيمين: أي: \"وضحوا للناس ما كتموا من العلم ببيانه، وبيان معانيه؛ لأنه لا يتم البيان إلا ببيان المعنى\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، وجوه:\nأحدها: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. قاله الطبري (٢).\nالثاني: أنهم وبيَّنوا الذي جاءهم من الله، فلم يكتموه ولم يجحدوا به\". قاله قتادة (٣)، وروي عن ابن زيد (٤) نحوه.\nالثالث: اعترفوا بتلبيسهم وزورهم (٥).\nالرابع: ما أحدثوا من توبتهم، ليمحوا سيئة الكفر عنهم ويعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠]، أي: \" فأولئك يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته\" (٧).\nقال أبو حيان: \" أي أعطف عليهم، ومن تاب الله عليه لا تلحقه لعنة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" يعني الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا، \"أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان؛ أحدهما: توفيق العبد للتوبة؛ الثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]، \"أي: كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم\" (١٠).\nقال أبو حيان: وختم الكلام بهاتين الصفتين \"ترغيبًا في التوبة وإشعارًا بأن هاتين الصفتين هما له، فمن رجع إليه عطف عليه ورحمه\" (١١).\nو﴿التَّوَّابُ﴾، يعني: \"الرجاع على عباده بالعفو والصفح، بعد الذنب إذا تابوا، وبالإحسان والنعم بعد المنع، إذا رجعوا\" (١٢).\nو﴿الرَّحِيمُ﴾: \"الذي اتصف بالرحمة العظيمة، التي وسعت كل شيء ومن رحمته أن وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا، ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم، لطفا وكرما، هذا حكم التائب من الذنب\" (١٣).\nقال ابن كثير: \"وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٠. قال الطبري: \" وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: \" وبيَّنوا \"، إنما هو: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. ودليل ظاهر الكتاب والتنزيل بخلافه. لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية، على كتمانهم ما أنزلَ الله تعالى ذكره وبينه في كتابه، في أمر محمد ﷺ ودينه، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمرَ محمد ﷺ ودينه، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان، فأخرجهم من عِداد مَنْ يَلعنه الله ويَلعنه اللاعنون، ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل\".\n(٣) أخرجه الطبري (٢٣٩٠): ص ٣/ ٢٦٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٢٣٩٠): ص ٣/ ٢٦٠.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٩.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٨) البحر المحيط: ١/ ٤٥٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(١١) البحر المحيط: ١/ ٤٥٩.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ٧٧.\n(١٣) تفسير السعدي: ١/ ٧٧.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٣.","vol":"3","page":440},{"text":"وفي هذه الآية التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ...﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ ولم يقل: «نلعنهم»؛ وللالتفات فائدتان (١):\nالأولى: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام أوجب أن ينتبه المخاطب لما حصل من التغيير.\nوالفائدة الثانية: تكون بحسب السياق: ففي هذه الآية: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ الفائدة: التعظيم؛ لأن قوله: ﴿يلعنهم الله﴾ أبلغ في التعظيم من «أولئك نلعنهم»؛ لأن المتكلم إذا تحدث عن نفسه بصيغة الغائب صار أشد هيبة، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا، وكذا؛ وأمر الملك بكذا، وكذا - ويعني نفسه.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن توبة الكاتمين للعلم لا تكون إلا بالبيان، والإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾: ثلاثة شروط:\nالأول: التوبة؛ وهي الرجوع عما حصل من الكتمان.\nالثاني: الإصلاح لما فسد بكتمانهم؛ لأن كتمانهم الحق حصل به فساد.\nالثالث: بيان الحق غاية البيان.\nوبهذا تبدل سيئاتهم حسنات.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن كل ذنب - وإن عظم - إذا تاب الإنسان منه فإن الله ﷾ يتوب عليه.\n٣ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله ﷾، وهما ﴿التواب﴾، و﴿الرحيم﴾؛ ﴿التواب﴾ على من أذنب؛ ﴿الرحيم﴾ على من أخلص، وعمل؛ فالرحمة تجلب الخير؛ والتوبة تدفع الشر.\n٤ - ومنها: إثبات صفتين من صفات الله؛ وهما التوبة، والرحمة.\n٥ - ومنها: إثبات حكمين من هذين الاسمين: أن الله يتوب، ويرحم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾.\n٦ - ومنها: توكيد الحكم بما يوجبه؛ لقوله تعالى: ﴿وأنا التواب الرحيم﴾.\n٧ - ومنها: كثرة توبة الله، وكثرة من يتوب عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿التواب﴾.\nوالتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته؛ فيرجع من الشرك إلى التوحيد؛ ومن الزنى إلى العفاف؛ ومن الاستكبار إلى الذل، والخضوع؛ ومن كل معصية إلى ما يقابلها من الطاعة؛ وشروطها خمسة: الإخلاص لله ﷾؛ والندم على الذنب؛ والإقلاع عنه في الحال؛ والعزم على أن لا يعود؛ وأن تكون التوبة في وقت تقبل فيه.\nالشرط الأول: الإخلاص لله بأن يكون قصده بالتوبة رضا الله، وثواب الآخرة، وألا يحمله على التوبة خوف مخلوق، أو رجاء مخلوق، أو علو مرتبة، أو ما أشبه ذلك.\nالشرط الثاني: الندم على ما جرى منه من الذنب؛ ومعنى «الندم» أن يتحسر الإنسان أن وقع منه هذا الذنب.\nالشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد فإنه لم يقلع؛ فهو ليس شرطًا مستقلًا - كما قاله بعض العلماء؛ ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن المعصية.\nالشرط الرابع: أن يعزم ألا يعود؛ فإن لم يعزم فلا توبة، وليس من الشرط ألا يعود فإذا صحت التوبة، ثم عاد إلى الذنب لم تبطل توبته الأولى؛ لكنه يحتاج إلى تجديد التوبة.\nالشرط الخامس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه؛ يعني أن تكون في وقت قبول التوبة؛ وذلك بأن تكون قبل حضور الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ فإذا كان بعد حضور الموت لم تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨]؛ وإذا كانت بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٧.","vol":"3","page":441},{"text":"تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]؛ وقول النبي ﷺ: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة؛ ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها\" (١).\nوهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال؛ الأول: أنها تصح؛ والثاني: أنها تصح إن كان الذنب من غير الجنس؛ والثالث: لا تصح؛ والصحيح أنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لكن لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق؛ فلا يستحق وصف التائب، ولا يدخل في مدح التائبين؛ لأن توبته مقيدة من هذا الذنب المعين؛ ومثال ذلك: إذا تاب رجل من الزنى لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم فإن توبته من الزنى تصح على القول الراجح؛ لكن لا يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق؛ وعلى القول بأنها تصح إذا كانت من غير الجنس: فإنها لا تصح؛ وإذا تاب من الزنى مع الإصرار على الربا فإنها تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه؛ إلا على القول الثالث الذي يقول لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب.\n٨ - ومن فوائد الآية: عظم الكتمان؛ لأن الله ذكر لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، والبيان؛ لأن كتمهم لِما أنزل الله يتضمن إفسادًا في الأرض، وإضلالًا للخلق؛ فتوبتهم منه لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي ﷺ، وقالوا: «ليس هو بالرسول الذي سيبعث»؛ فسيضل من الناس بناءً على قولهم عالَم؛ فلا يكفي أن يتوبوا، ويندموا، ويقلعوا، ويُسْلِموا، حتى يصلحوا ما أفسدوا من الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق؛ وإلا لم تصح التوبة.\n٩ - ومن فوائد الآية: عظم العلم، وأنه حمل ثقيل، وعبء عظيم على من حمَّله الله ﷾ إياه، وأن الإنسان على خطر إذا لم يقم بواجبه من البيان؛ وسبق أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون، إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١]\nالتفسير:\nإن الذين جحدوا الإيمان وكتموا الحق، واستمروا على ذلك حتى ماتوا، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين بالطرد من رحمته.\nذكر ابن حجر في سبب نزول الآية قولين (٢):\nأحدهما: قال ابن حجر: قال الطبري: \"نزلت في الذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا، من اليهود والنصارى وغيرهم\" (٣).\nالثاني: قال ابن حجر: \"وقال مقاتل: نزلت فيمن مات من اليهود على الكفر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٦١]، أي: إن الذين \"كفروا بالله\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٤/ ٩٩، حديث رقم ١٧٠٣٠، وأخرجه أبو داود ص ١٤٠٦، كتاب الجهاد، باب ٢: الهجرة قد انقطعت، حديث رقم ٢٤٧٩، وأخرجه الدارمي ج ٢/ ٣١٢، كتاب السير، باب ٧٠: الهجرة لا تنقطع، حديث رقم ٢٦١٣؛ وفي سنده أبو هند البجلي قال الذهبي في الميزان ٤/ ٨٥٣: \"لا يصرف؛ لكن احتج به النسائي على قاعدته\"؛ قال عبد القادر في تخريج جامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٦٠٦ حاشية رقم (٢): رواه أحمد في المسند ١/ ١٩٢ من طريق آخر وإسناده حسن. أهـ (باختصار).\n(٢) انظر: العجاب: ١/ ٤١٣.\n(٣) العجاب: ١/ ٤١٣، ولم يقل الطبري: \"نزلت\"، وإنما قال: \"يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إن الذين حجدوا نبوة محمد ﷺ ... \" والفرق بين التعبيرين واضح. انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.\n(٤) العجاب: ١/ ٤١٣، لم يقل مقاتل: \"نزلت\" وإنما قال: \"ثم ذكر مَنْ مات من اليهود على الكفر ... \".انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.","vol":"3","page":442},{"text":"قال الطبري: أي: \"إن الذين جَحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل، والمشركين من عَبدة الأوثان\" (١).\nقال الزمخشري: \" يعنى الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بالكُفر في القرآن والسنة: جحد ما يجب لله ﷾ من الطاعة، والانقياد؛ وهو نوعان: إما تكذيب؛ وإما استكبار\" (٣).\nو(الكَفْر) في اللغة: \"بمعنى الستر؛ ومنها كُفُرَّى النخل - أي وعاء طلعه - لستره الطلع\" (٤).\nقال الطبري: \" وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل: كافرًا، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٥):\nفَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ\nوقال لبيدُ بن ربيعة (٦):\nيَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا\nيعني: غَطَّاها\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، أي: \"وماتوا وهم على جُحودهم ذلك وتكذيبهم محمدًا ﷺ\" (٨).\nقال الزجاج: \" يعني لم يتوبوا قبل موتهم من كفرهم\" (٩).\nقال الصابوني: أي: \" واستمرّوا على الكفر حتى داهمهم الموت وهم على تلك الحالة\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" ولم يتوبوا\" (١١).\nقال ابن عثيمين: أي: \" استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم يزالوا على الكفر، ولم يتوبوا، ولم يرجعوا\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]، أي: أولئك\" أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته\" (١٤).\nقال الطبري: \"أي: الذين كفروا وماتوا وهم كفار، عليهم لعنة الله، بمعنى: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته،\nقال البيضاوي: أي: \" استقر عليهم اللعن من الله\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.\n(٢) الكشاف: ١/ ٢٠٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٥) الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات: ٢٥٧. والضمير في قوله \" فتذكرا \" للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.\n(٦) انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٠٠، ويروى \" ظلامها \". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(١١) الكشاف: ١/ ٢٠٩.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٢.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.","vol":"3","page":443},{"text":"قال الزجاج: \" واللعنة هي إبعاد الله، وإبعاده عذابه\" (١).\nقال ابن عطية: \" واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، يعني \"ولَعنهم الملائكةُ والناس أجمعون\" (٣).\nقال الطبري: \" ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم: عليهم لعنة الله\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي ولعنة الملائكة، والناس أجمعين\" (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين ... قيل: إنهم يلعنونه في الآخرة، كما قال ﷿: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] \" (٦).\nقال أبو العالية: \"إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون\" (٧). وروي عن قتادة (٨) نحوه.\nقال المراغي: \" والسر في التعبير بلعن الملائكة والناس، مع أن لعن الله وحده يكفى في خزيه، الدلالة على أن جميع من يعلم أحواله من العوالم العلوية والسفلية يراه أهلا للعن الله ومقته، فلا يشفع له شافع ولا يرحمه راحم، فهو قد استحق اللعن لدى جميع من يعقل ويعلم، ومن استحق النكال من الرب الرءوف الرّحيم، فماذا يرجو من سواه من عباده؟ \" (٩).\nو(الملائكة): \"عالم غيبي خُلِقوا من نور؛ وهم محجوبون عن الإنس؛ وربما يرونهم إما على الصورة التي خلقوا عليها، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلِق عليها له ستمائة جناح (١٠) قد سد الأفق (١١)؛ وإما على صورة أخرى، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورة دحية الكلبي (١٢)؛ وهم عباد لله ﷿ لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون؛ يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ لا يأكلون، ولا يشربون؛ صُمْدٌ - أي لا أجواف لهم؛ والملائكة ﵈ لهم وظائف، وأعمال خصهم الله ﷾ بها؛ فإسرافيل، وميكائيل، وجبريل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جَبرائيل وميكائيل وإسرافيل ...» (١٣) الحديث؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة؛ والبعث من النوم حياة؛ ولهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله ﷿ بالنوم؛ وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب - وهو جبريل - والثاني بما فيه حياة الأبدان - وهو إسرافيل - والثالث بما فيه حياة النبات - وهو ميكائيل - وأفضلهم جبريل - ولهذا امتدحه الله ﷿ بقوله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير:\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٢٣٩٤): ص ٣/ ٢٦٢، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٥٦): ص ١/ ٢٧١.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ٣٢.\n(١٠) راجع البخاري ص ٢٦٢، كتاب بدء الخلق، باب ٧: إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، حديث رقم ٣٢٣٢؛ ومسلمًا ص ٧٠٨، كتاب الإيمان، باب ٧٧: معنى قول الله ﷿: (ولقد رآه نزلة أخرى) ...، حديث رقم ٤٣٢ [٢٨٠] ١٧٤.\n(١١) راجع البخاري ص ٢٦٢، كتاب بدء الخلق، باب ٧: إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء ...، حديث رقم ٣٢٣٥؛ ومسلمًا ص ٧٠٩، كتاب الإيمان، باب ٧٧: معنى قول الله ﷿: (ولقد رآه نزلة أخرى) ...، حديثرقم ٤٤٢ [٢٩٠] ١٧٧.\n(١٢) راجع مسلمًا ص ٧٠٧، كتاب الإيمان، باب ٧٤: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات، حديث رقم ٤٢٣ [٢٧١] ١٦٧.\n(١٣) سبق تخريجه ١/ ٣١٥.","vol":"3","page":444},{"text":"١٩، ٢٠]، وبقوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا﴾ [مريم: ١٧]؛ فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق\" (١).\nوإن قيل: فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم، قيل: عن هذا جوابان (٢):\nأحدهما: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس، فغلب حكم الأكثر على الأقل.\nوالثاني: أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال تعالى: ﴿يَومَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].\nواختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، على وجوه (٣):\nأحدها: أن المراد بـ ﴿النَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أهلَ الإيمان به وبرسوله خاصة، دون سائر البشر. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥).\nوضعّفه الطبري فقال: هذا\" قولٌ ظاهرُ التنزيل بخلافه، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظن أن المعنيَّ به المؤمنون، من أجل أن الكفار لا يَلعنون أنفسهم ولا أولياءهم، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يَلعنونهم في الآخرة. ومعلومٌ منهم أنّهم يَلعنون الظَّلمة، وداخلٌ في الظَّلمة كل كافر، بظلمه نفسه، وجحوده نعمةَ ربه، ومخالفته أمرَه\" (٦).\nالثاني: أن ذلك يومَ القيامة، يُوقَفُ على رءوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم. قاله أبو العالية \" (٧)، وقتادة (٨).\nالثالث: أن ذلك قول القائل كائنًا من كان: \" لَعنَ الله الظالم \"، فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظَّلمة. وهذا قول السدي (٩).\nوالراجح أنه عنى الله بذلك جَميعَ الناس، وهو قولهم: \" (لعن الله الظالم - أو الظالمين)، لأن كلّ أحد من بني آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائنًا من كان، ومن أي أهل ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كلّ كافرٍ كائنًا من كان، لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شَهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] \" (١٠).\nوقرئ ﴿والملائكةُ والناسُ أجمعون﴾، عطفًا على محل اسم الله، لأنه فاعل في المعنى، كقولك أعجبني ضرب زيدٍ وعمرو، أو فاعلًا لفعل مقدر نحو وتلعنهم الملائكة (١١).\nقال الزجاج: \" وهو جيد في العربية إلا أني أكرهه لمخالفته - المصحف، والقراءة، إنما ينبغي أن يلزم فيها السنة، ولزوم السنة فيها أيضا أقوى غند أهل العربية، لأن الإجماع في القراءة إنما يقع على الشيء الجيد البالغ ورفع الملائكة في قراءة الحسن على تأويل: أولئك جزاؤهم أن لعنهم الله والملائكة، فعطف الملائكة على موضع إعراب لله في التأويل\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٥، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١ - ٢٦٢، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣٩٢): ص ٣/ ٢٦٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٩٢): ص ٣/ ٢٦٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٢.\n(٧) أخرجه الطبري (٢٣٩٤): ص ٣/ ٢٦٢، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٥٦): ص ١/ ٢٧١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٣٩٥): ص ٣/ ٢٦٢، وتفسير ابن أبي حاتم (١٤٥٧): ص ١/ ٢٧١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٢.\n(١١) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.","vol":"3","page":445},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الكافر مستحق للعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين.\n٢ - ومنها: أنه تشترط لثبوت هذا أن يموت على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾؛ فلو رجعوا عن الكفر إلى الإسلام ارتفعت عنهم هذه العقوبة.\n٣ - ومنها: إثبات الملائكة.\n٤ - ومنها: أن الكافر يلعنه الكافر؛ لقوله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾؛ وقد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنه كلما دخلت أمة لعنت أختها، وقال تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب﴾ [البقرة: ١٦٦] إلخ؛ فالكافر - والعياذ بالله - ملعون حتى ممن شاركه في كفره.\nالقرآن\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦٢]\nالتفسير:\nدائمين في اللعنة والنار، لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يمهلون بمعذرة يعتذرون بها.\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢]، \" أي: خالدين في النار\" (١).\nقال البيضاوي: \" أي في اللعنة أو في النار\" (٢).\nقال الثعلبي: \" مقيمين في اللعنة والنار\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي في اللعنة، وخلودهم فيها خلود في العذاب\" (٤).\nقال أبو العالية: \" يعني: ﴿في النار﴾: في اللعنة\" (٥). وروي عن الربيع بن أنس (٦) نحو ذلك.\nو(الخلود): \"اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه\" (٧).\nوقد اختلف في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢]، على قولين (٨):\nأحدهما: أي: خالدين في اللعنة. قاله الزجاج (٩) وآخرون.\nقال ابن عثيمين: \" والمراد فيما يترتب عليها؛ فإنهم خالدون في النار التي تكون بسبب اللعنة\" (١٠).\nوالثاني: وقيل خالدين في النار، إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا كما في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر﴾ [القدر: ١].\nوالقول الأول أولى لوجوه (١١):\n_________\n(١) صصفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦، ونقله أبو السعود في تفسيره:: ١/ ١٨٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣١.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٥٨): ص ١/ ٢٧١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧١.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٤٤٨، وانظر: المفردات: ١٦٠، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٤٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٤.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٤.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٥٣. وقال الإمام الرازي: واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة.\nأحدها: الخلود وهو المكث الطويل عندنا، والمكث الدائم عند المعتزلة، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (البقرة: ٨١).\nوثانيها: عدم التخفيف، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض، فإن قيل: هذا التشابه ممتنع لوجوه:\nالأول: أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب، كان ذلك كالتخفيف منه.\nالثاني: أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفا.\nالثالث: أنهم حيثما يخاطبون بقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت.\n(أجابوا عنه) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت، قالوا: ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه، وجب أن يكون دائما لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر. (مفاتيح الغيب: ٤/ ١٥٣).","vol":"3","page":446},{"text":"الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر.\nالثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى.\nالثالث: أن قوله: ﴿خالدين فيها﴾ إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى.\nقوله تعالى: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ١٦٢]، \"أي لا يهوَّن عنهم، لا زمنًا، ولا شدة، ولا قوة\" (١).\nقال الصابوني: \"أي: إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع\" (٢).\nقال الثعلبي: \" لا يرفه عنهم العذاب\" (٣)، وقال أيضا: لا\" يهون\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \"لا ينقص عَمَّا هم فيه\" (٥). وقال أيضا: \": \" أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة\" (٦).\nقال الطبري: \" فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن دَوَام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [سورة فاطر: ٣٦]، وكما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء: ٥٦] \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]، \" أي لا يمهلون ولا يؤجلون\" (٨).\nقال أبو حيان: \" نفى الأنظار، وهو تأخير العذاب\" (٩).\nقال ابن عباس: \" لا يؤخرون\" (١٠).\nوقال عطاء عن ابن عباس: \"يريد: للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة\" (١١).\nقال الطبري: يعني: \"ولا هُم يُنظرون بمعذرة يَعتذرون، كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [سورة المرسلات: ٣٥ - ٣٦] \" (١٢). وهذا قول أبي العالية (١٣).\nقال البيضاوي: \" أي لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" أى: لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا. ولا ينظر إليهم نظر رحمة\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣١.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ١١٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٤.\n(٨) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٣، وانظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣١.\n(٩) البحر المحيط: ١/ ٤٦١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٥٩): ص ١/ ٢٧٢.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ٤٤٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣٩٧): ص ١٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٢١٠.","vol":"3","page":447},{"text":"قال ابن كثير: أي: \"لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتَّر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك\" (١).\nقال الصابوني: \"أي ولا يمهلون أو يؤجلون بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة الدنيا\" (٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"أي لا يمهلون؛ بل يؤخذون بالعقاب؛ من حين ما يموتون وهم في العذاب؛ ويحتمل أن المراد لا ينظرون بالعين؛ فلا ينظرون نظر رحمة، وعناية بهم؛ وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]؛ فإن هذا من احتقارهم، وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول.\nقال المراغي: أي: \"ولا يمهلون ليتوبوا ويعملوا صالح الأعمال، لأن الكفر الذي استحقوا به هذا العذاب هو غاية ما يكتسبه المرء من ظلمات الروح، ومتى مات انقطع عمله وتعذر عليه أن يجلّى تلك الظلمة، ويرجع إلى الحق، ويزكى نفسه، ولا يمهل إذ هو الجاني على نفسه، فأىّ شاء يرجو من غيره؟ \" (٣).\nقال الرازي: \" والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمعنى: إن عذابهم لا يؤجل، بل يكون حاضرا متصلا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة البتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم؛ ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، نعوذ بالله من ذلك، والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير\" (٤).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]، وجهان (٥):\nأحدهما: معناه: يؤخرون عن العذاب.\nوالثاني: ويحتمل أن يكون من النظر، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].\nقال ابن عطية: \" والأول أظهر، لأن النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذا في الشعر\" (٦).\nالفوائد:\n١ - ومنها: أن الذين يموتون وهم كفار مخلدون في لعنة الله، وطرده، وإبعاده عن رحمته.\n٢ - ومنها: أن العذاب لا يخفف عنهم، ولا يومًا واحدًا؛ ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ لم يسألوا أن يرفع العذاب؛ ولم يسألوا أن يخفف دائمًا؛ بل يخفف ولو يومًا واحدًا من أبد الآبدين؛ يتمنون هذا؛ يتوسلون بالملائكة إلى الله ﷿ أن يخفف عنهم يومًا واحدًا من العذاب؛ ولكن يوبخون إذا سألوا هذا: ﴿قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ [غافر: ٥٠]؛ فما يستطيع أحد أن يتصور كيف تكون حسرتهم حينئذٍ؛ يقولون: ليتنا فعلنا؛ ليتنا صدقنا؛ ليتنا اتبعنا الرسول؛ ولهذا يقولون: ﴿بلى﴾؛ لا يستطيعون أن ينكروا أبدًا؛ ﴿قالوا فادعوا﴾ [غافر: ٥٠] أي أنتم؛ ولكن دعاء لا يقبل، كما قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٥٠] أي في ضياع - والعياذ بالله؛ والمقصود أنه لا يخفف عنهم العذاب.\n٣ - من فوائد الآية: أنهم لا ينظرون؛ إما أنه من النظر؛ أو من الإنظار؛ فهم لا يمهلون ولا ساعة واحدة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]؛ فمن يوم يجيئونها تفتح؛ أما أهل الجنة فإذا\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ٣٢.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٤٤.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٢.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٢.","vol":"3","page":448},{"text":"جاءوها لم تفتح فور مجيئهم، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بالشفاعة، وبعد أن يقتص من بعضهم لبعض؛ فإذا جاءوها هذبوا، ونقوا، ثم شفع النبي ﷺ في دخول الجنة؛ وحينئذ تفتح أبوابها.\nالقرآن\n﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]\nالتفسير:\nوإلهكم -أيها الناس- إله واحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبودية خلقه له، لا معبود بحق إلا هو، الرحمن المتصف بالرحمة في ذاته وأفعاله لجميع الخلق، الرحيم بالمؤمنين.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال ابن حجر: \"قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: \" قالت كفار قريش: يا محمد صف أو انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسورة الإخلاص\" (١). وكذا نقله الواحدي في \"الوسيط\" (٢)، والثعلبي في تفسيره (٣).\nوالثاني: قال ابن حجر: \"ومن طريق جويبر عن الضحاك: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنما يعبدونها من دون الله فبين الله تعالى أنه إله واحد فأنزل هذه الآية\" (٤). وكذا ذكره الثعلبي (٥).\nقوله تعالى:: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أي \"أيها الناس معبودكم الحقيق بالعبادة إله واحد، فلا تشركوا به أحدا\" (٦).\nقال مقاتل: \" يقول ربكم رب واحد فوحد نفسه تبارك اسمه\" (٧).\nقال المراغي: \" أي وإلهكم الحقيق بالعبادة إله واحد، فلا تشركوا به أحدا\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي إِلهكم المستحق للعبادة إِلهٌ واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله\" (٩).\nقال الزجاج: \" أخبر ﷿ بوحدانيته\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" الخطاب للبشر كلهم\" (١١).\nقال أبو السعود: \" خطاب عام لكافة الناس، أي المستحق منكم للعبادة، فرد في الإلهيه لاصحة لتسمية غيره إلها أصلا\" (١٢).\nقال الراغب: \" يجوز أن يكون خطابًا عامًا أي المستحق منكم العبادة وهو إله واحد لا أكثر، ويجوز أن يكون خطابًا للمؤمنين، والمعنى: الذي يقصدونه إله واحد تنبيهًا أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون آلهة من الأصنام والشيطان والهوى وغير ذلك\" (١٣).\n_________\n(١) العجاب: ١/ ٤١٣.\n(٢) انظر: الوسيط: ١/ ٢٤٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٥١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٣١، والعجاب: ١/ ٤١٣.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣١.\n(٤) العجاب: ١/ ٤١٣، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٣٢، ولم أجد هذا في \"تفسير الطبري\" وابن كثير والسيوطي.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٦.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/! ٥٣.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٣٣.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٣٦.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٦.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٣.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩.","vol":"3","page":449},{"text":"قال أبو حيان: \" وظاهر الخطاب أنه لجميع المخلوقات المتصور منهم العبادة، فهو إعلام لهم بوحدانية الله تعالى، ويحتمل أن يكون خطابًا لمن قال: صف لنا ربك وانسبه، أو خطابًا لمن يعبد مع الله غيره من صنم ووثن ونار\" (١).\nو(إله): \"بمعنى مألوه؛ فهي بمعنى اسم المفعول؛ و(المألوه) معناه المعبود حبًا، وتعظيمًا - وهو إله واحد؛ ووحدانيته بالألوهية متضمنة لوحدانيته بالربوبية؛ إذ لا يُعبد إلا من يُعلم أنه رب\" (٢).\nوأراد بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أراد أمرين (٣):\nأحدهما: أن إله جميع الخلق واحد، لا كما ذهبت إليه عبدة الأصنام من العرب وغيرهم أن لكل قوم إلَهًا غير إله من سواهم.\nوالثاني: أن الإله وإنْ كان إلهًا لجميع الخلق فهو واحد لا ثاني له ولا مثل له.\nوقد اختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره، على وجهين (٤):\nأحدهما: نَفي الأشباه والأمثال عنه.\nالثاني: انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه.\nوالشرك به ضربان (٥):\nأحدهما: شرك في الألوهية والعبادة، بأن يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك الله أو يعينه في أفعاله، أو يحمله على بعضها ويصدّه عن بعض، فيتوجه إليه في الدعاء عند ما يتوجه إلى الله، ويدعوه معه، أو يدعوه من دون الله، ليكشف عنه ضرا أو يجلب له نفعا.\nوالثاني: شرك به في الربوبية، بأن يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أخذ أحكام الدين من عبادة وتحليل وتحريم من غير كتبه ووحيه الذي بلّغه عنه الرسل، استنادا إلى أن من يؤخذ عنهم الدين، هم أعلم بمراد الله، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].\nوقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، \"أي لا معبود بحق إِلا هو جلّ وعلا\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي ليس معه غيره شريكا في أمره\" (٧).\nقال المراغي: أي: \" الذي وسعت رحمته كل شيء، فحسب المرء أن يرجوها\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"لا رب للعالمين غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام\" (٩).\nقال ابن عطية: \" إعلام بالوحدانية، وواحِدٌ في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي: هو نفي التبعيض والانقسام\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" توكيد لمعنى الوحدانية ونفي الإلهية عن غيره. وهي جملة جاءت لنفي كل فرد فرد من الآلهة، ثم حصر ذلك المعنى فيه ﵎\" (١١).\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٤٦٢.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٦.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(٥) انظر: تفسير المراغي: ١/ ٢٦٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٦٤): ص ١/ ٢٧٢.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٣٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٦.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٢.\n(١١) البحر المحيط: ١/ ٤٦٢.","vol":"3","page":450},{"text":"وقد زعم بعضهم أن تقدير الخبر في قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: «موجود»؛ وهذا غلط واضح؛ لأنه يختل به المعنى اختلالًا كبيرًا من وجهين (١):\nالوجه الأول: أن هناك آلهة موجودة سوى الله؛ لكنها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]، وكما قال تعالى: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك﴾ [هود: ١٠١]، وكما قال تعالى: ﴿فلا تدع مع الله إلهًا آخر﴾ [الشعراء: ٢١٣].\nالوجه الثاني: أنه يقتضي أن الآلهة المعبودة من دون الله هي الله، ولا يخفى فساد هذا؛ وعليه فيتعين أن يكون التقدير: «لا إله حق»، كما فسرناه.\nقال الراغب: \" إن قيل: ما فائدة الجمع بين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وبين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وأحدهما يبنى على الآخر؟\nقيل: لما بين بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها، وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد أولا يستحق العبادة أكده بقوله: (لأ إله إلًا هو)، وحق لهذا المعنى أن يكون مؤكدا ويكرر عليه الألفاظ [الملخصة]، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، \"أي: المولى لجميع النعم أصولها وفروعها\" (٣).\nقال السعدي: أي\" المتصف بالرحمة العظيمة\" (٤).\nقال الصابوني: أي: \" مُولي النعم ومصدر الإِحسان\" (٥).\nقال الماوردي: \" ثم وصف فقال: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ترغيبًا في عبادته وحثًا على طاعته\" (٦).\nقال أبو حيان: \" ذكر هاتين الصفتين منبهًا بهما على استحقاق العبادة له، لأن من ابتدأك بالرحمة إنشاء بشرًا سويًا عاقلًا وتربية في دار الدنيا موعودًا الوعد الصدق بحسن العاقبة في الآخرة، جدير بعبادتك له والوقوف عند أمره ونهيه، وأطمعك بهاتين الصفتين في سعة رحمته. وجاءت هذه الآية عقيب آية مختومة باللعنة والعذاب لمن مات غير موحد له تعالى، إذ غالب القرآن أنه إذا ذكرت آية عذاب، ذكرت آية رحمة، وإذا ذكرت آية رحمة، ذكرت آية عذاب\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"وأسماء الله ﷾ لها ثلاث دلالات: دلالة مطابقة؛ ودلالة تضمن؛ ودلالة التزام؛ فدلالة الاسم على الذات، والصفة دلالة مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو الصفة وحدها دلالة تضمن؛ ودلالته على ما يستلزمه من الصفات الأخرى دلالة التزام؛ مثال ذلك «الخالق»: فهو دال على ذات متصفة بالخلق؛ وعلى صفة الخلق؛ فدلالتها على الأمرين دلالة مطابقة؛ وعلى أحدهما دلالة تضمن؛ وهي تدل على صفة العلم، والقدرة دلالة التزام؛ إذ لا خلق إلا بعلم وقدرة\" (٨).\nقال الرازي: \" واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٩.\n(٣) الكشاف: ١/ ٢١٠، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٤١.\n(٤) تفسير السعدي: ٧٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٢١٦.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٤٦٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٧.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٦١.","vol":"3","page":451},{"text":"قال المراغي: \" وإنما ذكر الوحدة والرحمة دون غيرهما من صفاته، لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق، بأنهم لا يجدون ملجأ غير الله يقيهم عقوبته ولعنته، والرحمة بعدها ترغبهم في التوبة وتحول بينهم وبين اليأس من فضله، بعد أن اتخذوا الوسطاء والشفعاء عنده\" (١).\nوفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] \" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن إله الخلق إله واحد - وهو الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾.\n٢ - ومنها: إثبات اسم «الإله»، و«الواحد» لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾؛ وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لله الواحد القهار﴾ [إبراهيم: ٤٨]: فأثبت اسم «الواحد» ﷾.\n٣ - ومنها: اختصاص الألوهية بالله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾.\nفإن قال قائل: إن هؤلاء المشركين قد يفتنون بهذه الآلهة، فيدعونها، ثم يأتيهم ما دعوا به؛ فما هو الجواب؟\nفالجواب: عن هذا أن هذه الأصنام لم توجِد ما دعوا به قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم من دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، ولقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ [فاطر: ١٤]؛ فيكون حصول ما دعوا به من باب الفتنة التي يضل بها كثير من الناس؛ والذي أوجدها هو الله ﷿؛ لكن قد يُمتحَن الإنسان بتيسير أسباب المعصية ابتلاءً من الله ﷿؛ فيكون هذا الشيء حصل عند دعاء هذه الأصنام لا به.\n٤ - ومنها: كفر النصارى القائلين بتعدد الآلهة؛ لأن قولهم تكذيب للقرآن؛ بل وللتوراة، والإنجيل؛ بل ولجميع الرسل؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: \" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ\" (٣).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٣٤.\n(٢) رواه أبو داود في السنن برقم (١٤٩٦) والترمذي في السنن برقم (٣٤٧٨) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٣) أخرجه مسلم حديث (١٥٣)، وانفرد به عن البخاري.\nولهذا الحديث الشريف فوائد جمة:\nالفائدة الأولى: الحديث دليل على نسخ جميع الرسالات برسالة محمد ﷺ، وعليه فيجب على كل عبد أن يؤمن بشريعة محمد ﷺ ليحقق الإسلام، يهوديًا كان أو نصرانيًا أو غيرهما من ملل الكفر، فإن قيل: لم خصَّ النبي ﷺ اليهود والنصارى في حديث الباب؟\nفالجواب: قال النووي ﵀: \" وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاب، فغيرهم ممن لا كتاب له أولى\".شرح النووي لصحيح مسلم (٢/ ٣٦٥).\n\nالفائدة الثانية: الحديث دليل على أن رسالة النبي ﷺ عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، وهذا من خصائص دعوة النبي ﷺ قال تعالى:﴾ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال الله تعالى:﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وجاء في الصحيحين ما يؤيد ذلك قال النبي ﷺ: \" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي\" وفيه \" وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة\" وفي رواية لمسلم\" وبعثت إلى كل أحمر وأسود\" وفي رواية \" وأرسلت إلى الخلق كافة\".\n\nالفائدة الثالثة: الحديث في مفهومه دليل على أن من لم تبلغه الدعوة فهو معذور، لأن الوعيد في الحديث لمن سمع بالرسالة ولم يؤمن بها، بخلاف من لم تبلغه.\nقال القرطبي ﵀: \" وفيه دليل على أن لم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ ولا أمره لا عقاب عليه، ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى:﴾ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥\" [. المفهم (١/ ٣٦٨).\nواختلف أهل العلم فيمن لم تبلغه الدعوة ومات على ذلك وكذلك أطفال المشركين على أقوال ذكرها ابن القيم ﵀ بأدلتها:\nأحدها: الوقف، وترك الشهادة بأنهم في الجنة أو في النار.\nوالثاني: أنهم في النار.\nوالثالث: أنهم في الجنة.\nوالرابع: أنهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار.\nوالخامس: أنهم تحت مشيئة الله تعالى.\nوالسادس: أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم.\nوالسابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة.\nوالثامن: أنهم يمتحنون في عرصة القيامة، واختاره ابن القيم ﵀ حيث قال: \" المذهب الثامن أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث ... وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضًا \" [انظر طريق الهجرتين الأقوال بأدلتها \" فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة (١/ ٥٧٠).\nوسئل الشيخ ابن باز ﵀: \" ما مصير من لم يبلغ بالإسلام يوم القيامة، باعتباره لم يتبلغ ولم يعرف الإسلام؟\nفأجاب ﵀: \" هذا حكمه حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة الرسل ﵈، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن نجح منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، فمن لم تبلغه دعوة الإسلام ممن يكون نشأ في جاهلية بعيدة عن المسلمين، كما في زماننا مثلًا في أطراف أمريكا أو شواطئ إفريقيا البعيدة عن الإسلام، أو ما أشبه ذلك من الجهات التي لم تبلغها الإسلام، فهذا يمتحن يوم القيامة\". مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الثامن، وانظر فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ١٥٠).\nأما في الدنيا فإننا نحكم عليهم بأنهم كفار كما هو ظاهر لنا، لأن كل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر، وإنما مصيرهم في الآخرة فإلى الله تعالى.\nقال ابن القيم ﵀:\n\" والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل فهذا مقطوع به في جملة الخلف، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا؟ فذلك مالا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر\". طريق الهجرتين (١/ ٦١٠).\nوقال شيخنا ابن عثيمين ﵀:\n\" وظاهر الحديث أن مجرد السماع تقوم به الحجة؛ لأنه قال\" لا يَسْمَعُ بِي\" ولكن قيّد هذا الإطلاق بسماع يبين به الأمر؛ لقوله تعالى﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤ [لماذا؟﴾ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فلابد أن يحصل البلاغ الذي تقوم به الحجة ... وأما الذين في أوربا وغيرها ممن لم يصل إليهم الإسلام إلا مشوهًا، فهل يُعذبون؟\nفنقول في هؤلاء: هم الآن يدينون بالكفر، ويرون أنهم طرف نقيض مع الإسلام، فنحن نحكم عليهم بأنهم كفار في الظاهر، فإذا لم تبلغهم الدعوة على وجه تقوم به الحجة، فأمرهم إلى الله يوم القيامة؛ لكن نحن نعاملهم الآن بما تقتضيه حالهم؛ لأنهم كفار\".التعليق على مسلم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١).\nالفائدة الرابعة: قوله ﷺ: \" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ \" فيه جواز الحلف من غير استحلاف لاسيما في الأمور المهمة.\nالفائدة الخامسة: قوله ﷺ \" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ \" فيه إثبات اليد لله تعالى إثباتًا يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، وهي صفة ذاتية خبرية دلّ عليها الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى﴾ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ومن السنة حديث الباب، وأجمع السلف على ثبوتها.\nوخالف أهل السنة والجماعة المعطلة من الجهمية والمعتزلة الذين يؤولون صفة اليدين ويقولون المراد بها في النصوص؛ القدرة أو النعمة، أو القدرة والنعمة، والرد عليهم من وجوه أشهرها:\n١ - أن تفسير اليد بالقدرة والنعمة مخالف لظاهر لفظ الآية، ولا دليل على هذا التأويل.\n٢ - أنه مخالف لإجماع السلف، فلا يعرف أحدٌ أولها بالقدرة والنعمة.\n٣ - أن تأويلها بالقدرة والنعمة ممتنع في بعض الآيات كقوله تعالى﴾ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٢٥]، وقوله﴾ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ مما يدل على أنهما يدان اثنان، وتأويلهما بالنعمة يلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط وهذا ممتنع؛ لأن نعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى قال تعالى:﴾ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وتأويلها بالقدرة يلزم أن يكون له سبحانه قدرتان، ولا يجوز أن يكون له سبحانه قدرتان بإجماع العلماء.\n\n٤ - أن الله تعالى يقول:﴾ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] ولو كان المراد باليد القدرة لما كان لآدم ﵇ فضل على غيره؛ لأن الخلق كلهم خلقوا بقدرة الله تعالى، بل لم يكن لآدم ﵇ فضل على إبليس فإبليس خلق بقدرة الله أيضًا، والله تعالى ذكر ذلك مزية لآدم وأنه خلقه بيديه.\n٥ - أن اليد التي أثبتها الله تعالى لنفسه جاءت في الأدلة مقرونة بأمور كثيرة، تدل على أنها يد حقيقية، فجاءت على وجوه يمتنع تأويلها بالقدرة والنعمة؛ حيث جاءت مقرونة بالطي، والقبض، والبسط واليمين، والنعمة، والقدرة لا توصف بهذه الأوصاف.","vol":"3","page":452},{"text":"٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿الرحمن الرحيم﴾.\n٦ - ومنها: إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة - وهو الرحمة - والحكم: أنه يرحم بهذه الرحمة.\n٧ - ومنها: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنًى إذا انفرد؛ ومعنًى إذا انضم إلى غيره؛ لأن ﴿الرحمن﴾ لو انفرد لدل على الصفة، والحكم؛ وإذا جمع مع ﴿الرحيم﴾ جُعل ﴿الرحمن﴾ للوصف؛ و﴿الرحيم﴾ للفعل.\nالقرآن\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]\nالتفسير:\nإن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها، والأرض بجبالها وسهولها وبحارها، وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر، وفي السفن الجارية في البحار، التي تحمل ما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء المطر، فأحيا به الأرض، فصارت مخضرَّة ذات بهجة بعد أن كانت يابسة لا نبات فيها، وما نشره الله فيها من كل ما دبَّ على وجه الأرض، وما أنعم به عليكم من تقليب الرياح وتوجيهها، والسحاب المسيَّر بين السماء والأرض -إن في كل الدلائل السابقة لآياتٍ على وحدانية الله، وجليل نعمه، لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة.\nاختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية الكريمة على أقوال (١):\nأحدها: أنزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان.\nقال عطاء: \"نزل على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، فقال كفار قريش بمكة: كيف يَسعُ الناسَ إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ذكره: \" إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار \"، إلى قوله: \" لآياتٍ لقوم يَعقلون \"، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء\" (٢).\nالثاني: أنها نزلت على النبي ﷺ، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله ﷺ [آية]، فأنزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آيةً بينةً على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح.\nأخرج ابن مَرْدُويه عن ابن عباس قال: \"أتت قريش محمدًا ﷺ فقالوا: يا محمد إنما نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: \"أوثقوا لي لئِنْ دعوتُ ربي فجعلَ لكم الصفا ذهبًا لتُؤْمنُنّ بي\" فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: \"ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم\". فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية\" (٣).\nوأخرج الطبري عن أبي الضحى (٤)، وعطاء بن أبي رباح (٥)، وسعيد (٦)، والسدي (٧)، نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦٧ - ٢٧٠، والعجاب: ١/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٣٩٨): ص ٣/ ٢٦٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٣٩٩)، و(٢٤٠٠)، و(٢٤٠١): ص ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٠٢): ص ٣/ ٢٦٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٤٠٣): ص ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٤٠٤): ص ٣/ ٢٧٠.","vol":"3","page":454},{"text":"والراجح\" أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر. وأيُّ القولين كان صحيحًا، فالمراد من الآية ما قلت\" (١).\nقوله تعالى: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، أي \"إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي إِن في إِبداع السماوات والأرض بما فيهما من عجائب الصنعة ودلائل القدرة\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \"أي إيجادهما من عدم؛ ويشمل ذلك بقاءهما، وكيفيتهما، وكل ما يتعلق بهما من الشيء الدال على علم الله ﷾، وقدرته، وحكمته، ورحمته\" (٤).\nقال الشيخ السعدي: أي: \"في ارتفاعها واتساعها، وإحكامها، وإتقانها، وما جعل الله فيها من الشمس والقمر، والنجوم، وتنظيمها لمصالح العباد، وفي خلق (الأرْضِ) مهادا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، والاعتبار. ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير، وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها، وحكمته التي بها أتقنها، وأحسنها ونظمها، وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، لانفراده بالخلق والتدبير، والقيام بشئون عباده\" (٥).\nو(السموات) جمع سماء، وتقدم أنها سبع؛ و(الأرض) مفرد يراد به الجنس؛ فيشمل السبع.\nقال البيضاوي: \" إنما جمع ﴿السموات﴾، وأفرد ﴿الأرض﴾، لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \" أي: تعاقبهما بنظام محكم\" (٧).\nقال البيضاوي: أي\" تعاقبهما، والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله\" (٨).\nقال السعدي: \" وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه\" (٩).\nوفي تفسير ﴿وَاخْتِلَافِ﴾، في قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ وجهان (١٠):\nأحدهما: أنه (إفتعال)، من (خُلوف) كل واحد منهما الآخر، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٧٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٧٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٠٩.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٧٨.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ٧٨.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٦٥.","vol":"3","page":455},{"text":"شُكُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٢]، بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده، وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل: خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء، ومنه قول زهير (١):\nبِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَم\nالثاني: أنه أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. قاله ابن كيسان (٢)، وعطاء (٣).\nقال ابن عثيمين: \" واختلاف الليل، والنهار أيضًا في الطول، والقصر، كما قال تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١] على وجه خفي لا يشعر الناس به: يزداد شيئًا فشيئًا، وينقص شيئًا فشيئًا - ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم التالي مباشرة من مدار الجدي! ولكنها تنتقل بينهما شيئًا فشيئًا حتى يحصل الالتئام، والتوازن، وعدم الكوارث؛ فلو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد؛ والعكس بالعكس؛ ولكن الله - جل وعلا - بحكمته، ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، أي: إن في السفن التي تسير في البحر (٥).\nقال أبو مالك: \" ﴿الفلك﴾: السفينة\" (٦). وروي عن سعيد بن جبير مثله (٧).\nقال مقاتل: \" يعني السفن التي في البحر\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء وهي موقرةٌ بالأثقال\" (٩).\nو(الفلك): \"هي السفن والمراكب ونحوها، مما ألهم الله عباده صنعتها، وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها\" (١٠).\nواختلف في مفرد (الفلك) على قولين (١١):\nأحدهما: أن واحدُه وجمعه بلفظ واحد، فتطلق على المفرد، كما في هذه الآية؛ وعلى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢]، ويذكَّر ويؤنث كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [سورة يس: ٤١]، فذكَّره (١٢).\n_________\n(١) شرح المعلقات السبع للزوزني: ٧٢، \"جمهرة اللغة\" ص ٤١٥ - ٤١٦، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٣٧ (خلف)، و٥/ ٢٧٠٠، وبلا نسبة في \"رصف المباني\" ص ١٤٥، والهاء في \" بها \" إلى \" ديار أم أوفى \" صاحبته. والعين جمع عيناء: وهي بقر الوحش، واسعة العيون جميلتها. والآرام جمع رئم: وهي الظباء الخوالص البياض، تسكن الرمل. \" خلفة \" إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه. يصف مجيئها وذهوبها في براح هذه الرملة. والأطلاء جمع طلا: وهو ولد البقرة والظبية الصغير. ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء في هذه الرملة، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه. يصف اختلاف الحركة في هذه الفقرة المهجورة التي فارقتها أم أوفى، وقد وقف بها من بعد عشرين حجة -، كما ذكر.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٢، و\"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٥.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٦، وتفسير البغوي: ١/ ١٧٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١١. [بتصرف بسيط].\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٦٧): ص ١/ ٢٧٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٣.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٣.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ٧٨.\n(١١) انظر: تفسير غريب القرآن: ٦٤، وتفسير الطبري: ٣/ ٢٧٠، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٨٣٠ - ٢٨٣١، والمفردات: ٣٨٧، واللسان: ٦/ ٣٤٦٥ (فلك)، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٥٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٧٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٧٣.","vol":"3","page":456},{"text":"والثاني: وقيل: واحده: فلك، مثل أسد وأسد، وخشب وخشب، وأصله من الدوران، ومنه: فلك السماء التي تدور عليه النجوم. وفلكت الجارية استدار ثديها، ومنه فلكة المغزل، وسميت السفينة فلكا، لأنها تدور بالماء أسهل دور (١).\nوتخصيص ﴿الْفُلْكِ﴾ بالذكر، \"لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه، ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما البحر في غالب الأمر، وتأنيث الْفُلْكِ لأنه بمعنى السفينة\" (٢).\nقال القرطبي: \" ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها\" (٣).\nويحتمل ﴿في﴾، في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وجهان (٤):\nأحدهما: أن المعنى تسير؛ في جوف البحر، على الأصل.\nقال ابن عثيمين: \"فالغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس وهي في جوفه؛ لأنه يقاتل بها الأعداء، وتحمى بها البلاد؛ وهذا مما ينفع الناس.\nالثاني: ويجوز أن تكون (في) بمعنى (على)، أي على سطح البحر، كقوله تعالى: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢].\nقال ابن عثيمين: \" وهذه أيضًا من آيات الله؛ سفن محملة بالآدميين، والأمتعة، والأرزاق، تجري على سطح الماء بدون تقلب، أو إزعاج غالبًا! هذا من آيات الله؛ وقد حدث في عصرنا هذا ما هو أعظم آية، وأكبر منه؛ وهو الفلك الذي يجري في الهواء؛ فإذا أشار الله ﷾ إلى شيء من آياته في أمر فما هو أعظم منه يكون أقوى دلالة على ذلك؛ وها هو الطير مسخرًا في جو السماء لا يمسكه إلا الله من آيات الله، كما قال تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ [النحل: ٧٩]؛ هذه الطيور لا تحمل إلا نفسها، فجعلها الله ﷾ آية؛ فكيف بهذه الطائرات! تكون أعظم، وأعظم\" (٥).\nوقرئ ﴿الْفُلُكِ﴾ بضمتين على الأصل، أو الجمع، وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \"أي بما فيه مصالح الناس\" (٧).\nقال مقاتل: \" في معايشهم\" (٨).\nقال الواحدي: \" أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها، والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه\" (٩).\nقال القرطبي: أي: \" أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٤.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٤.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١١.\n(٦) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٣.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٦.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٣.","vol":"3","page":457},{"text":"و(الباء) هنا للمصاحبة - أي مصحوبة بما ينفع الناس من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر، وغيرها؛ لأن ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم؛ فالفلك آية من آيات الله ﷿ الدالة على كمال قدرته، وكمال رحمته، وتسخيره، كما قال تعالى في أخرى: ﴿وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار﴾ [إبراهيم: ٣٢] (١).\nومن حكمة الله ﷿ أنه قدر في الأرض أقواتها - يعني جعل قدْرًا هنا، وقدْرًا هنا، وقدْرًا هنا؛ لأجل أن ينتفع الناس؛ فهناك ناس لا تكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك؛ يأتيهم من أرض أخرى؛ وهناك ناس يكثر عندهم نوع من النخيل لا يوجد في مكان آخر، فينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس، ويتحركون - كل فيما قدر له (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \" أي وما أنزل الله من السحاب من المطر\" (٣).\nقال مقاتل: يعنى بالماء\" (٤).\nقال السعدي: \"وهو المطر النازل من السحاب (٥).\nقال ابن عطية: \" يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي\" وفيما أنزل الله ﷾ من السماء من ماء؛ والمراد بـ (السماء) هنا العلو؛ لأن المطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء، والأرض؛ وليس من السماء نفسها\" (٧).\nقال أبو هريرة: \"ما نزل قطر إلا بميزان\" (٨).\nوالمطر الذي أنزله الله من السماء؛ وفيه آيات عظيمة، منها (٩):\nأحدها: كونه ينزل رذاذًا هذا من آيات الله الدالة على رحمته؛ لأنه لو كان ينزل صبًا لأهلك العالم.\nالثاني: كونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض هذا أيضًا من آيات الله؛ لأجل أن ينتفع به سهول الأرض، وجبالها؛ ولو كان يجري من الأرض لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى.\nالثالث: كذلك من آيات الله كونه ينزل لا حارًا، ولا باردًا؛ البردَ ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام، فقال تعالى: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ [النور: ٤٣]؛ وإن كان الله قد يجعله رحمة؛ لكن الغالب أنه انتقام.\nقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [القرة: ١٦٤]، \"أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار\" (١٠).\nقال مقاتل: أي بعد\" يبسها\" (١١).\nقال السعدي: \"أي: فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١١.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٣.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٧٨.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٦٨): ص ١/ ٢٧٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٤.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ٧٨.","vol":"3","page":458},{"text":"قال قتادة: \" كما أحيا الله الأرض الميتة بهذا الماء، كذلك [يحيي] الله ﷿ الناس يوم القيامة\" (١).\nقال الواحدي: \" أراد بموت الأرض: جدوبتها ويبوستها، فسماها موتا مجازا، وذلك أن الأرض إذا لم يصبها مطر لم تنبت، ولم تنم نباتا، وكانت من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت، ونحو هذا قوله: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥]، فلما وصفت بالاهتزاز وهو الحركة عند نزول الماء، توصف عند إمساك الماء بالسكون، والعرب تسمي السكون موتا، قال الشاعر (٢):\nإني لأرجو أن تموت الريح ... فأسكن اليوم وأستريح\nفيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وصفت به عند نزول الماء، ولما سمى ذلك موتا سمى إزالتها إحياء ليتجانس اللفظ \" (٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" وفي إحياء النبات آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة؛ وآيات دالة على الحكمة؛ وآيات دالة على القدرة\" (٤):\nالأول: آيات دالة على الرحمة: لما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعًا لكم ولأنعامكم﴾ [النازعات: ٣١، ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبًا ...﴾ [عبس: ٢٤] إلى قوله تعالى: ﴿متاعًا لكم ولأنعامكم﴾؛ فكم من نعم كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله ﷾ بالمطر لنا، ولأنعامنا قوتًا، ودواءً، وغير ذلك.\nوالثاني: وآيات دالة على الحكمة: وهو أن حياة الأرض جاءت بسبب - وهو الماء الذي نزل؛ فمنه نأخذ أن الله - جل وعلا - يخلق بحكمة، ويقدّر بحكمة؛ الله - جل وعلا - قادر على أن يقول للأرض: «أنبتي الزرع» فتنبت بدون ماء؛ لكن كل شيء مقرون بسبب؛ فكونه جلا وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء يدل على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه منذ خُلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.\nالثالث: وآيات دالة على القدرة: وهي أنك ترى الأرض خاشعة هامدة سوداء شهباء ما فيها شيء؛ فإذا أنزل الله عليها المطر؛ تأتي إليها بعد نحو شهر تجدها تهتز أزهارًا، وأوراقًا، وأشجارًا: قال تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩]؛ وهذه قدرة عظيمة؛ واللَّهِ! لو أن البشر من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة واحدة من حبة لما استطاعوا؛ وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ أليس هذا دليلًا على القدرة العظيمة! ! ! (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \" أي نشر في الأرض من الدواب المتنوعة\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها\" (٧).\nقال ابن كثير: أي: نشر من الدواب المتنوعة، \"على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] \" (٨).\nقال السعدي: \"وهو دليل على قدرته وعظمته، ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع، فمنها: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو\n_________\n(١) اخرجه ابن أبي حاتم (١٤٧٢): ص ١/ ٢٧٤.\n(٢) البيت في \"اللسان\" ٧/ ٤٢٩٥ (موت)، بغير نسبة. وينظر: \"شأن الدعاء\" ص ١١٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٨١.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٤٥٧، وانظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٣.\n(٦) تفسير السعدي: ٧٨. [بتصرف بسيط].\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٥.","vol":"3","page":459},{"text":"ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها\" (١).\nوفي تفسير (البث) في قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وجوها:\nأحدها: أن معنى\" ﴿بث﴾: خلق\". قاله السدي (٢)، وروي عن مقاتل بن حيان (٣)، مثل ذلك.\nالثاني: أنه يعني: بسط\". قاله مقاتل بن سليمان (٤).\nالثالث: أن\" معناه: فرق وبسط\". قاله ابن عطية (٥).\nوجميع المعاني متقاربة، والله أعلم.\nقال الواحدي: \" البث: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ [النساء: ١]، ومنه: ﴿كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤]، ويقال: بثثته سري أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرك وبينك، ويقال للحزن: بث؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يظهره\" (٦).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وأتى بـ (كل) لإفادة العموم الشامل لجميع الأجناس، والأنواع، والأفراد؛ ففي الأرض دواب لا يَعلَم بأنواعها، ولا أجناسها - فضلًا عن أفرادها - إلا الذي خلقها ﷾ يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها؛ ففيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول؛ تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة كيف هداها الله لما خلقت له؛ قال تعالى: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر النمل، فترى النملة تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها! ماذا ترجو من هذه الأولاد؟ ! لكن رحمة أرحم الراحمين أن جعل في قلب هذه النملة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق؛ كذلك أيضًا السباع الضارية التي تأكل ما دون أولادها من الحيوان: تجدها تحنو على ولدها، وتربيه؛ حتى إذا استقل بنفسه صار عدوًا لها، أو صارت عدوة له؛ فالهرة تربي أولادها؛ فإذا استغنوا عنها طردتهم، وصارت عدوة لأولادها؛ فهذا من آيات الله ﷿؛ ترى بعض الدواب تدب على الأرض؛ ولكن لا تكاد تدرك جسمها صغرًا فضلًا عن أعضائها، وعما في جوفها؛ ومع ذلك فهي عايشة، وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها تأوي إليه؛ فهذه من آيات الله ﷿؛ ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول؛ فما بث الله ﷾ في الأرض من الدواب من أجناسها، وأنواعها، وأفرادها فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية؛ وهو لا يحصى أنواعًا، أو أجناسًا فضلًا عن أفرادٍ؛ وهذه الدواب تنقسم باعتبار مصالح الخلق إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: ما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة.\nالثاني: ما فيه مضرة خالصة، أو راجحة؛ لكن مضرتها لها حِكَم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.\nالثالث: ما لا مضرة فيه، ولا مصلحة؛ ولكن فيه دلالة على كمال الله ﷾\" (٧).\nوالآية فيها مع ظهور القدرة على إنشاء ﴿الدابة﴾ من ثلاثة أوجه (٨):\nأحدها: تباين خلقها.\nوالثاني: اختلاف معانيها.\nوالثالث: إلهامها وجوه مصالحها.\nواختلف في تفسير ﴿دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، على قولين:\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٧٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٧٣): ص ١/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٥.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٤.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٣.\n(٦) البتفسير البسيط: ٣/ ٤٥٨، وانظر: المفردات: ٤٧، واللسان: ١/ ٢٠٨: (بثث).\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٧.","vol":"3","page":460},{"text":"أحدهما: أنها تجمع الحيوان كله. وهذا قول الأكثرين (١).\nقال الماوردي: \" يعني جميع الحيوان الذي أنشأه فيها، سماه ﴿دابة﴾ لدبيبه عليها\" (٢).\nالثاني: أن الدابة اسم لكل ذي روح كان، غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأرض، وهو قول الطبري (٣)، وظاهر كلام الرازي (٤).\nوقد رد القول الثاني جماعة من أهل العلم كابن عطية (٥)، وأبي حيان (٦)، والقرطبي (٧).\nقال القرطبي: \"وقد أخرج بعض الناس الطير، وهو مردود قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته\" (٨)، ومنه قول الأعشى (٩):\nنياف كغض البان ترتجّ إنْ مشتْ ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل\nوقال علقمة بن عبدة (١٠):\nفكأنما صَابَتْ عليه سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب\nوقال الحافظ ابن حجر: \" الدابة: ما دبّ من الحيوان\" (١١)، واستثنى بعضهم (١٢) الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لقوله تعالى لقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، وعرفًا: ذوات الأربع (١٣)، وقيل: يختص بالفرس (١٤)، وقيل: بالحمار (١٥)، والمراد هنا المعنى اللغوي\" (١٦)، أي: كل ما دب على الأرض من كائن له روح ليفيد العموم.\nقوله تعالى: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \"أي وتوجيه الرياح وتصريفها بحسب الإرادة ووفق النظام على السنن الحكيمة\" (١٧).\nقال ابن عثيمين: \"أي: تنويعها في اتجاهها، وشدتها، ومنافعها\" (١٨).\nقال مقاتل: أي\" في العذاب والرحمة\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٧، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٣٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٩٧.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٢١٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٧٥.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٢٢.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٣٥.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٤٥٥\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٧.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٧.\n(٩) ديوانه: ١٦١، والبحر المحيط: ١/ ٦٢٩، والدر المصون: ١/ ٤٢٤.\n(١٠) المفضليات: ٣٩٥، واللسان (صوب). والبيت في مفضليته التي مطلعها:\nطحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب\n(١١) انظر: لسان العرب لابن منظور: ٢/ ١٣١٤، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ٤/ ٥٠، المفردات للراغب: ١٦٤، الوسيط للواحدي: ١/ ٢٤٧، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢١٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٩٦ - ١٩٧، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٥٥، تاج العروس للزبيدي: ١/ ٤٧٨، الدر المصون للسمين: ٣/ ٥٢.\n(١٢) ويقصد به الإمام الطبري: ٣/ ٢٧٥، وظاهر كلام الرازي في مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٢٢.\n(١٣) لم أهتد إلى من ذكر هذا العرف مع البحث، والذي في لسان العرب: ٢/ ١٣١٤: (والدابة: التي تركب، قال: وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب)، وما يركب أخص من ذوات الأربع، وانظر: الصحاح للجوهري: ١/ ١٢٤، وتاج العروس للزبيدي: ١/ ٤٧٨، عمدة القاري للعيني: ١٠/ ١٧٨.\n(١٤) قاله: الراغب في المفردات: ١٦٤.\n(١٥) لم أهتدِ إلى من ذكره.\n(١٦) الفتح: ٦/ ٤٠٠.\n(١٧) تفسير المراغي: ٢/ ٣٧.\n(١٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٥.\n(١٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٤.","vol":"3","page":461},{"text":"قال ابن كثير: \"تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه\" (١).\nعن أبي بن كعب، قال: \"كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب\" (٢).\nو(الرِّيَاحِ) جمع ريح؛ وهي الهواء؛ وفي قراءة: ﴿الريح﴾ بالإفراد (٣)؛ والمراد به الجنس؛ والتصريف يشمل تصريفها من حيث الاتجاه؛ تصريفها من حيث الشدة، وعدمها؛ تصريفها من حيث المنافع، وعدمها؛ فمن حيث الاتجاه جعلها الله ﷾ متجهة جنوبًا، وشمالًا، وغربًا، وشرقًا؛ وهذه هي أصول الجهات؛ وهناك جهات أخرى تكون بينها؛ وتسمى النكبة؛ لأنها ليست في الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب؛ فهي نكباء - ناكبة عن الاتجاه الأصلي (٤).\nقال ابن الأنباري: \"إنما سميت الريح ريحا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة، وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم، فهي مأخوذة من الروح. وأصلها: روح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح.\nقال زهير (٥):\nقف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم\nويقال: رحت الريح أراحها، وأرحتها أريحها: إذا وجدتها، ومنه الحديث: \"من استرعي رعية فلم يحطهم بنصيحة، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة مائة عام\" (٦) \" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وجهان (٨):\nأحدهما: اختلاف هبوبها في انتقال الشمال جنوبها، والصبا دبورًا، فلا يعلم لانتقالها سبب، ولا لانصرافها جهة.\nوالثاني: ما جعله في اختلافها من إنعام ينفع، وانتقام يؤذي.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، على وجهين (٩):\nأحدهما: قرأ حمزة والكسائي: ﴿الريح﴾ على الإفراد، وكذا في: (الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى والجاثية)، لا خلاف بينهما في ذلك، ووافقهما ابن كثير في: (الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى)، وأفرد حمزة ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وأفرد ابن كثير ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان: ٤٨].\nالثاني: وقرأ الباقون ﴿الرِّيَاحِ﴾، بالجمع في جميعها سوى الذي في: (إبراهيم والشورى) فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع، ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٧٥): ١/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٢ - ١٧٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٥.\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٤٥، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٤٢.\n(٦) الحديث أصله في الصحيحين، رواه البخاري (٧١٥٠، ٧١٥١) كتاب الأحكام، باب: من استرعى رعية فلم ينصح، ومسلم (١٤٢) في الإيمان، باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، وليس في ألفاظهما: \"لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة مائة عام\"، ولفظ (لم يرح) في حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: \"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما\" رواه البخاري (٣١٦٦) كتاب الجزية، باب: إثم من قتل معاهدا بغير جرم، (٦٩١٤) كتاب: الديات، باب: إثم من قتل ذميا بغير جرم.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٤٥٩.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٧.\n(٩) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٢ - ١٧٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٩٨ - ١٩٩.","vol":"3","page":462},{"text":"قال ابن عثيمين: \"وفي تصريف هذه الرياح آيات: لو بقيت الريح في اتجاه واحد لأضرت بالعالم؛ لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدةَ بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى، والجراثيم، وغيرها؛ كذلك أيضًا في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب فبعضها يجمع السحاب؛ وبعضها يفرقه؛ وبعضها يلقحه؛ وبعضه يدره، فيمطر، كما قال تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء﴾ [الروم: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين﴾ [الحجر: ٢٢]؛ قال المفسرون: تلقح في السحاب؛ وفي تصريف الرياح أيضًا آيات للسفن الشراعية؛ وفيه أيضًا آيات في إهلاك الناس، وإنجاء آخرين: أهلك الله به عادًا، وطرد به الأحزاب عن رسول الله -ﷺ-؛ وأنجى الله رسول الله -ﷺ- بهذه الريح من شر الأحزاب؛ ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته؛ لو أن جميع مكائن الدنيا كلها اجتمعت، وصارت على أقوى ما يكون من نَفْث هواء لا يمكن أن تحرك ساكنًا إلا فيما حولها فقط؛ لكن أن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب، أو بالعكس فلا؛ والله - جل وعلا - يقول للشيء إذا أراده: ﴿كن فيكون﴾ [البقرة: ١١٧]؛ فتجد الرياح شديدة شمالية؛ وفي لحظة تنعكس، وتكون جنوبية شديدة؛ هذه تمام القدرة العظيمة، حيث يدبر الله هذه الرياح بأمر لا يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آية من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته؛ ثم إن في تصريفها أيضًا مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيرًا على الطائرات - كما يقولون؛ وكذلك بالنسبة للسيارات لها تأثير\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \"أي: وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض\" (٢).\nقال ابن كثير: أي: \"سائر بين السماء والأرض يُسَخَّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى\" (٣).\nقال المراغي: \" أي الغيم الذي ذلل وسحب فى الجواء لإنزال الأمطار في مختلف البلاد\" (٤).\nقال الواحدي: \" سمي السحاب لانسحابه في الهواء، ومعنى التسخير: التذليل، ﴿والسحاب المسخر﴾: المطيعة لله تعالى\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" و(وَالسَّحَابِ) هو هذا الغمام، والمزن؛ وسمي سحابًا؛ لأنه ينسحب انسحابًا في الجو بإذن الله؛ و(الْمُسَخَّرِ)، أي المذلل بأمر الله لمصالح الخلق؛ ومن الآيات فيه أنه دال على: القدرة (٦)، والرحمة (٧)، والحكمة (٨).\nوالمراد بـ (السماء): \"السقف المرفوع؛ و﴿الأرض﴾: أرضنا هذه؛ وهذه البينية لا تقتضي الملاصقة، ولا المماسة - كما هو ظاهر؛ وبهذا يعرف الرد على الذين أنكروا قول الرسول ﷺ: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» (٩)، وقالوا: «لو كان هذا حقيقة للزم أن تكون أصابع الرحمن\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٥.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٣٧.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٤٦٦، وانظر: المفردات\" ٢٣٣، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٢٠٢، \"اللسان\" ٤/ ١٩٦٣ (سخر).\n(٦) قال: \" أما دلالته على القدرة: فلأنه لا يستطيع أحد أن يفرقه إلا الله؛ ولا يستطيع أحد أن يوجهه إلى أي جهة إلا الله؛ ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحيانًا متراكمًا حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه؛ وأحيانًا يكون خفيفًا؛ وأحيانًا يكون سريعًا؛ وأحيانًا يكون بطيئًا؛ وأحيانًا لا يتحرك؛ لأنه يسير بأمر الله\". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧].\n(٧) قال: \"وأما دلالته على الحكمة: فلأنه يأتي من فوق الرؤوس حتى يكون شاملًا لما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها؛ ويأتي قطرات حتى لا ينهدم البنيان، ولا تشقق الأرض\". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧].\n(٨) قال: \"وأما دلالته على الرحمة: فلما يحصل من آثاره من نبات الأرض المختلف الذي يعيش عليه الإنسان، والبهائم\". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧].\n(٩) أخرجه مسلم ص ١١٤٠، كتاب القدر، باب ٣٣: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، حديث رقم ٦٧٥٠ [١٧] ٢٦٥٤.","vol":"3","page":463},{"text":"داخل أجوافنا؛ وهذا مستحيل؛ فيكون ظاهر الخبر مستحيلًا، ويصرف إلى معنى أن الله يقلب القلوب دون أن تكون بين أصابعه»؛ ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ وقد تبين بهذه الآية الكريمة أن البينية لا تستلزم الملاصقة، والمماسة؛ وعليه فلا يكون من لازم كون القلوب بين أصابع الرحمن أن تكون أصابعه داخل أجوافنا؛ ويقال أيضًا: بدر بين مكة والمدينة - هذا في المكان، وبينهما مسافة واضحة\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: ابتداء نشوئه وانتهاء تلاشيه.\nوالثاني: ثبوته بين السماء والأرض من غير عَمَد ولا علائق.\nوالثالث: تسخيره وإرساله إلى حيث يشاء الله ﷿.\nقوله تعالى: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، \"أي في كل هذه الظواهر عبر ومواعظ لمن يعقل ويتدبر وينظر في الأسباب\" (٣).\nقال أبو الضحى: \" يقول: في هذه الآيات لقوم يعقلون\" (٤).\nقال ابن كثير: \"أي: في هذه الأشياء، دلالات بينة على وحدانية الله تعالى\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إِله قادر حكيم\" (٦).\nقال القرطبي: \" أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله: ﴿وإلهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ليدل على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \"ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها\" أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها\" (٧).\nو﴿آيات﴾: \"جمع آية؛ وهي العلامة المعيِّنة لمعلومها؛ وصارت تلك آيات؛ لأنها دالة على كمال علم الله، وقدرته، ورحمته، وحكمته، وسلطانه، وغير ذلك من مقتضى ربوبيته\" (٨).\nقال ابن طية: \" فهذه آيات أن الصانع موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحدا لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" فالإنسان العاقل حقًا إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على خالقها - جل وعلا -، وموجدها، وعلى ما تضمنته من صفات كماله؛ أما الإنسان المعرض - وإن كان ذكاؤه قويًا - فإنه لا ينتفع بها - ولهذا وصف الله ﷾ الكفار بأنهم لا يعقلون مع أنهم في العقل الإدراكي - يدركون به ما ينفعهم، وما يضرهم - عقلاء؛ لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم\" (١٠).\nقال الماوردي: \" وهذه الآية قد جمعت من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ما صار لذوي العقول مرشدًا وإلى الحق قائدًا. فلم يقتصر الله بنا على مجرد الإخبار حتى قرنه بالنظر والاعتبار \" (١١).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢١٨.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ٣٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٧٧): ص ١/ ٢٧٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠١.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٨.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٤.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ٢١٨.","vol":"3","page":464},{"text":"١ - من فوائد الآية: عظم خلق السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿لآيات﴾؛ فلولا أنه عظيم ما كان آيات.\n٢ - ومنها: أن السموات متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات﴾.\n٣ - ومنها: أن السموات مخلوقة؛ فهي إذًا كانت معدومة من قبل؛ فليست أزلية.\nويتفرع على هذه الفائدة الرد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم الأفلاك - يعنون أنها غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر في عهد النبي ﷺ، وقالوا: إن الأفلاك العلوية لا تقبل التغيير، ولا العدم؛ وفسروا قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] بأن المراد ظهور العلم، والنور برسالة النبي ﷺ؛ ولا شك أن هذا تحريف باطل مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة في انشقاق القمر انشقاقًا حسيًا.\n٤ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ فيكون من الموقنين.\n٥ - ومنها: أن الآيات في خلق السموات، والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة، والحكمة، والرحمة، وما إلى ذلك.\n٦ - ومنها: ما في اختلاف الليل، والنهار من الآيات، والعبر التي سبق بيان شيء منها؛ لقوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾.\n٧ - ومنها: أن اختلاف الليل، والنهار من رحمة الله، وحكمته.\n٨ - ومنها: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من آيات الله، ونعمه؛ وسبق تفصيل ذلك، وقال القرطبي: \" هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة، كالحج والجهاد\" (١).\n٩ - ومنها: ما تضمنه إنزال المطر من السماء؛ ففيه آيات عظيمة سبقت الإشارة إليها.\n١٠ - ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ من الآيات؛ وسبق الكلام عليها؛ وهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله ﷾ الموتى.\n١١ - ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ من الآيات التي سبق بيان شيء منها.\n١٢ - ومنها: ما في تصريف الرياح من الآيات التي سبق ذكر شيء منها.\n١٣ - ومنها: ما في السحاب المسخر بين السماء، والأرض من الآيات العظيمة؛ وسبق ذكر شيء منها.\n١٤ - ومنها: مدح العقل، وأنه به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيمانًا، ويقينًا؛ لقوله تعالى: ﴿لقوم يعقلون\n١٥ - ومنها: أن الناس ينقسمون في هذه الآيات إلى قسمين: قسم يعقل ما فيها من الآيات، ويستدل به على ما لله ﷾ فيها من كمال الصفات؛ وقسم لا يعقلون ذلك، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤].\nالقرآن\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]\nالتفسير:\nومع هذه البراهين القاطعة يتخذ فريق من الناس من دون الله أصنامًا وأوثانًا وأولياء يجعلونهم نظراء لله تعالى، ويعطونهم من المحبة والتعظيم والطاعة، ما لا يليق إلا بالله وحده. والمؤمنون أعظم حبا لله من حب هؤلاء الكفار لله ولآلهتهم؛ لأن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله، وأولئك أشركوا في المحبة. ولو يعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك في الحياة الدنيا، حين يشاهدون عذاب الآخرة، أن الله هو المتفرد بالقوة جميعًا، وأن الله شديد العذاب، لما اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم من دونه، ويتقربون بهم إليه.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٥.","vol":"3","page":465},{"text":"في سبب نزول الآية: قال ابن حجر: \"قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب\" (١).\nقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي: ومن الناس من يتخذ من غير الله رؤساء وأَصنامًا\" (٢).\nقال البغوي: أي: \"أصناما يعبدونها\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ندَّ له، ولا شريك معه\" (٤).\nقال المراغي: \" أي ومن الناس من يتخذ من دون ذلك الإله الواحد الذي ذكرت أوصافه الجليلة أندادا وأمثالا وهم رؤساؤهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون\" (٥).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلَقَك\" (٦).\nوقوله ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع ندّ؛ وهو الشبيه النظير؛ لأنه من: نادّه ينادّه إذا كان نظيرًا له مكافئًا له (٧).\nواختلف أهل التأويل في (الأنداد) التي كان القوم اتخذوها، على أقوال (٨):\nأحدها: أنها: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وهذا قول قتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والربيع (١١)، وابن زيد (١٢)، أبو العالية (١٣).\nفكانوا يعبدونهم \"لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، وهو قول أكثر المفسرين، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي أمثال ليس إنها أندادا لله، أو المعنى: إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة\" (١٤).\nالثاني: أنهم: سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى. قاله السدي (١٥)، وابن عباس (١٦).\nفيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله (١٧).\nوالقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه (١٨):\nالأول: أن قوله: ﴿يحبونهم كحب الله﴾ الهاء والميم فيه ضمير العقلاء.\nالثاني: أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع.\n_________\n(١) العجاب: ١/ ٤١٦، ولم يقل مقاتل هذا وإنما قال: \" ﴿وَمِنَ النَّاس﴾ يعني مشركي العرب\". انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩. [بتصرف بسيط].\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ١٧٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٦.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٣٨.\n(٦) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨).\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٤٠٦): ص ٣/ ٢٧٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٤٠٧)، و(٢٤٠٨): ص ٣/ ٢٧٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٠٩): ص ٣/ ٢٨٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٠): ص ٣/ ٢٨٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٧٨): ص ١/ ٢٧٦.\n(١٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٧٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤١١): ص ٣/ ٢٨٠، وابن أبي حاتم (١٤٨١): ص ١/ ٢٧٦.\n(١٦) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٣.\n(١٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٧٤.\n(١٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٧٤.","vol":"3","page":466},{"text":"الثالث: أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالا لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى.\nالثالث: وقيل: \"أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى وهو المراد من قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه﴾ (الفرقان: ٤٣) \" (١).\nوأجاز البيضاوي القول الأخير، فقال البيضاوي: \" ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله\" (٢).\nقلت: وهذا القول الأخير ولو أن معناه صحيح، لكنه بعيد عن سياق الآية إذ أنها تتحدث عن الكفار وشركهم بالله. والله أعلم.\nوالقول الأول أصح؛ \" أي فهم يحبون هذه الأصنام، ويعتقدون أنها تنفع، وتضر؛ ولا فرق في ذلك بين من يتخذ محبوبًا إلى الله ﷿، أو غير محبوب إليه؛ فمن اتخذ النبي ﷺ ندًا لله في المحبة، والتعظيم، كمن اتخذ صنمًا من شجر، أو حجر؛ لأن النبي ﷺ، وهذا الصنم كلاهما لا يستحق أن يكون ندًا لله ﷿؛ ولهذا لما نزلت: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وكان ظاهر الآية يشمل الأنبياء الذين عُبدوا من دون الله، استثناهم الله ﷾ في قوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]- ولو عُبِدوا من دون الله -؛ وقال النبي ﷺ لرجل قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله ندًا! ! ! بل ما شاء الله وحده» (٣)؛ فأنكر عليه أن يجعله ندًا لله\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، \" أي: \" يحبونهم كحب الله ويسوّون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم\" (٥).\nقال أبو العالية: \" يقول: يحبون تلك الأوثان كحب الله، أي: كحب الذين آمنوا ربهم\" (٦). وروي عن قتادة، والربيع، نحو ذلك (٧).\nقال الصابوني: أي: \"يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي: يسوون بين هذه الأوثان وبين الله - ﷿ - في المحبة\" (٩).\nقال المراغي: أي\" ويتقربون إليهم كما يتقربون إليه، إذ هم لا يرجون من الله شيئا إلا وقد جعلوا لأندادهم ضربا من التوسط الغيبى فيه، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحّد\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة، والمحبة: ميل القلب من الحب، استعير لحبة القلب، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والإِعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة، وصونه عن المعاصي\" (١١).\nوفي قوله: ﴿كحب الله﴾ [البقرة: ١٦٥] ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٧٤.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٧.\n(٣) سبق تخريجه ١/ ٢١٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٧.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٣٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٨٢): ص ١/ ٢٧٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٣٧.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٣٨.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٧.","vol":"3","page":467},{"text":"أحدها: أن المعنى: \" يحبونهم كحبكم أنتم لله\" (١)، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب.\nومنه قول الشاعر (٢):\nولست مسلما ما دمت حيا ... على زيدكتسليم الأمير\nأراد: كتسليمي على الأمير، وهذا قول الفراء (٣).\nويوافقه تفسير ابن عباس، فإنه قال: \"يريد: كحب الذين آمنوا الله \" (٤).\nقال الواحدي: فكثير من العلماء (٥) على هذه الطريقة فلم يثبتوا للكفار حبا لله، وجعلوا حب الله للمؤمنين، وشبهوا حب الكفار للأصنام بحب المؤمنين لله\" (٦).\nواعترض الزجاج على هذا الوجه، فقال: \"وهذا قول ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون حقا\" (٧).\nالثالث: أن معناه: يحبون الأصنام حبا لا يستحق مثل ذلك الحب إلا الله، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله. قاله أبو روق (٨).\nالثالث: أن المعنى: يسوون بين هذه الأصنام وبين الله ﷿ في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله ﷿، والمشركون هم المحبون، وعلى المشركين في تسويتهم بين الله ﷿ والأصنام في المحبة أعظم الحجج وأوكدها، إذ أحبوا وعبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ولا يحيي ولا يميت. وقد بين الله -عز اسمه- ما يدل على هذا المعنى في قوله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣].\nوهذا القول اختيار الزجاج (٩)، وابن كيسان (١٠)، واختاره الرازي (١١)، وعلى هذا فقد أثبت للمشركين حبا لله، شبه حبهم الأصنام بحبهم الله تعالى (١٢).\nوقد جاء الضمير في قوله ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ جمعًا للعاقل دون أن يأتي بضمير المؤنث - مع أن الأكثر من هذه الأنداد أنها لا تعقل؛ وغير العاقل يكون ضميره مؤنثًا - باعتبار عقيدة عابديها؛ لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي: \"أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من هؤلاء لأصنامهم\" (١٤).\n_________\n(١) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٧، وقال القرطبي فيما معناه ونسبه إلى المبرد، انظر: تفسير القرطبي:\n(٢) البيت لعلي بن خالد البردخت، كما في \"رسائل الجاحظ\" ٢/ ٢٦١، ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٠، \"البيان والتبيين\" ٤/ ٥١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٧ \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٣١٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٧.\n(٤) نسبه إليه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٠، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٥٤.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٢٠٩.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٤٦٩.\n(٧) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٣٧، وقال القرطبي فيما معناه ونسبه إلى المبرد، انظر: تفسير القرطبي:\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٦٩.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٧.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٣.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٧٥.\n(١٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٦٩.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٧.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٨.","vol":"3","page":468},{"text":"قال البيضاوي: \" لأنه لا تنقطع محبتهم لله تعالى، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره\" (١).\nقال الصابوني: \" أي حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد\" (٢).\nروي عن أبي العالية، في قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، قال: \"من أهل الأوثان لأوثانهم\" (٣). وروي عن الربيع، ومجاهد، وقتادة ونحو ذلك (٤).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿أشد حبا لله﴾: أي\" أثبت وأدوم، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك، وأقبلوا على عبادة الأحسن\" (٥).\nوقال عكرمة: \"أشد حبا في الآخرة\" (٦).\nوقال قتادة: \" إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله ﷿ لقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] \" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"وإما أن المفضل عليه حب هؤلاء لله؛ فيكون المعنى: أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من هؤلاء لله؛ وكلا الاحتمالين صحيح؛ أما الأول فلأن حب المؤمنين لله يكون في السراء، والضراء؛ وحب هؤلاء لأصنامهم في السراء فقط؛ وعند الضراء يلجؤون إلى الله ﷿؛ فإذًا ليس حبهم الأصنام كحب المؤمنين لله ﷿؛ ثم إن بعضهم يصرح، فيقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»؛ وأما الاحتمال الثاني في الآية فوجه التفضيل ظاهر؛ لأن حب المؤمنين لله خالص لا يشوبه شيء؛ وحب هؤلاء لله مشترك: يحبون الله، ويجعلون معه الأصنام ندًا\" (٨).\nفالمؤمنون \"لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله ﷿ عنهم فقال: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (٦٥ - العنكبوت) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء (٩).\nوقرأ أبو رجاء العطاردي: ﴿يَحبونهم﴾ بفتح الياء. وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة، يقال: حببت الرجل فهو محبوب (١٠).\nقال الفراء: أنشدني أبو تراب (١١):\nأحب لحبها السودان حتى ... حببت لحبها سود الكلاب\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، \" أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعدّ لهم يوم القيامة أَن القدرة كلها لله وحده\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٨٤): ص ١/ ٢٧٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٦.\n(٥) ذكره الثعلبى في \"تفسيره: ٢/ ٣٣، والسمعاني في \"تفسيره: ٢/ ١٢١، والبغوي: ١/ ١٧٨ ولم ينسبه لابن عباس.\n(٦) ذكره الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٣٣.\n(٧) ذكره الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٣٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٨.\n(٩) انظر: الوسيط للواحدي: ١/ ٢٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٤.\n(١١) معاني القران للفراء: ١/ ١٣٥، والبيت من شواهد تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٤. ورد فى عيون الأخبار ٤/ ٤٣ غير معزوّ.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.","vol":"3","page":469},{"text":"قال الحسن: \" يقول الله لمحمد: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب، إنك ستراهم إذ يرون العذاب وحينئذ يعلمون أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب\" (١).\nقال الربيع: \" يقول: لو عاينوا العذاب\" (٢)، وروي عن أبي العالية (٣) مثل ذلك.\nوقال قتادة: \" العذاب أي: عقوبة الآخرة\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \"لو عاينوا العذاب لعلموا وأيقنوا حينئذ أن القوة لله جميعًا\" (٥).\nقال السعدي: أي \"يوم القيامة حين يرون العذاب عيانا بأبصارهم، فيعمون بأن المختص بالقوة الكاملة من جميع الوجوه هو الله\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي، حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة، وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا\" (٧).\nقال البيضاوي: أي: \" ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الأنداد، إِذ عاينوا العذاب يوم القيامة، لعلموا أن القوة لله كلها، لا ينفع ولا يضر غيره. وأجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ \" (٨).\nو(الظالمون): \"أي الذين نقصوا الله حقه، حيث جعلوا له أندادًا؛ وهم أيضًا ظلموا أنفسهم - أي نقصوها حقها -؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]؛ فالنفس أمانة عندك؛ فإذا عصيت ربك فإنك ظالم لنفسك\" (٩).\nوأصل: (الظلم) في كلام العرب: \"وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (١٠):\nإِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ\nفجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها، ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث (١١):\nظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ\nوظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه\" (١٢).\nوالمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير، أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٨٧) و(١٤٨٥): ص ١/ ٢٧٧.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٤١٢): ص ٣/ ٢٨٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٤٨٦): ص ١/ ٢٧٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٨٨): ص ١/ ٢٧٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٦.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٧٩. [بتصرف بسيط].\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٢٨٦.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٧. [بتصرف بسيط].\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٩٨.\n(١٠) ديوانه: ٢٣، والجلد: الأرض الصلبة، يعني أنها لا تنبت شيئًا فلا يرعاها أحد.\n(١١) البيت له في تفسير الطبري: ١/ ٥٢٤، جاء أيضًا في تفسيره: ٢/ ٥٠ منسوبًا لعمرو بن قميئة. وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني، وهو في ديوان الحادرة، قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: \" بعيد المقلع \": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: \" ظلم البطاح له \" وقوله: \" له \": أي من أجله.\n(١٢) تفسير الطبري: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.","vol":"3","page":470},{"text":"كما قال تعالى عن العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - فسر قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: \" بشرك\" (١)، ثم تلا قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، أي: \"من المشركين بالله، الظالمي أنفسهم\" (٢).\nولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي و\"لم تنقص\" (٣).\nوقيل: ﴿أن﴾: \"في موضع نصب مفعول من أجله، أي لأن القوة لله جميعا. وأنشد سيبويه (٤):\nوأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما\nأي لادخاره، والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم. ودخلت \"إذ\" وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه\" (٥).\nوقد اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: ١٦٥]، على ثلاثة أوجه (٦):\nأحدها: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ بياء الغيبة في ﴿يرى﴾، وبفتح الياء في ﴿يَرَوْنَ﴾، على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال: ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد.\nالثاني: ﴿ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾ بتاء الخطاب في ﴿ترى﴾، خطابا للنبي ﵇، كأنه قال: لو ترى يا محمد الذين ظلموا.\nوهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب.\nالثالث: وبفتح الياء في ﴿يَرون﴾؛ وبضمها: ﴿يُرون﴾. وهي قراءة ابن عامر، على التعدية وحجته قوله تعالى: ﴿كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾ والباقون (يرون) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم.\nوقد رجح بعضهم القراءة الأولى، \"لأن النبي ﷺ والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار، ويعاينون من العذاب يوم القيامة، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك، فوجب إسناد الفعل إليهم (٧).\nوقرأ أبو جعفر ويعقوب ﴿إن القوة وإن الله﴾ بكسر الألف على الاستئناف والكلام تام عند قوله ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ مع إضمار الجواب\" (٨)، وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري: كتاب الأنبياء (٣٦٣٦): باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا)، عن عبد الله ﵁ قال: \"لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم، بشرك. أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ \".\n(٢) تفسير الطبري: ١٥/ ٢١٩.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٧.\n(٤) البيت لحاتم الطائي، الجواد المشهور. انظر: ديوانه: ٢٤، ونوادر أبي زيد: ١١، والخزانة: ١/ ٤٩١، وشرح ابن عقيل: ٢/ ١٩٠\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٥.\n(٦) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٣ - ١٧٤، مفاتيح الغيب: ٤/ ١٧٨، وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨٩.\n(٨) انظر: تفسير البغوي: ١/ ١٧٩.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨٩. قال الإمام الرازي: لما عرفت أن ﴿يرى الذين ظلموا﴾ قراء تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت، وقوله: ﴿أن القوة﴾ قراء تارة بفتح الهمزة من (أن) وأخرى بكسرها حصل ههنا أربع احتمالات:\nالاحتمال الأول: أن يقرأ ﴿ولو يرى﴾ بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من (أن) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير: ولو يرون أن القوة لله: ومعناه، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أندادا فعلى هذا جواب (لو) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله: ﴿ولو ترى * إذا * وقفوا على النار﴾ (الأنعام: ٢٧)، ﴿ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت﴾ (الأنعام: ٩٣)، ﴿ولو أن قرانا سيرت به الجبال﴾ (الرعد: ٣١) ويقولون: لو رأيت فلانا والسياط تأخذ منه، قالوا: وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد.\nالاحتمال الثاني: أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من (إن) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا: إن القوة لله.\nالاحتمال الثالث: أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق، مع فتح الهمزة من (أن) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله جميعا.\nالاحتمال الرابع: أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق، مع كسر الهمزة، وتقديره: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة لله جميعا، وهذا أيضا تأويل ظاهر جيد. (مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨٩ - ١٩٠)","vol":"3","page":471},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، \" أي وأنَّ عذاب الله شديد أليم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"أي قوي العقوبة\" (٢).\nقال أبو حيان: \" وتأخر وصفه تعالى بأنه شديد العذاب عن ذلك، لأن شدة العذاب هي من آثار القوة\" (٣).\nقال الآلوسي: \" وفائدة هذه الجملة المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإن اختصاص ﴿الْقُوَّةَ﴾ به تعالى لا يوجب شدة «العذاب» لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه\" (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن بعض الناس يجعل لله ندًا في المحبة يحبه كحب الله؛ لقوله تعالى: ﴿يحبونهم كحب الله﴾.\n٢ - ومنها: أن محبة الله من العبادة؛ لأن الله جعل من سوّى غيره فيها مشركًا متخذًا لله ندًا؛ فالمحبة من العبادة؛ بل هي أساس العبادة؛ لأن أساس العبادة مبني على الحب، والتعظيم؛ فبالحب يفعل المأمور؛ وبالتعظيم يجتنب المحظور؛ هذا إذا اجتمعا؛ وإن انفرد أحدهما استلزم الآخر.\n٣ - ومنها: أن من جعل لله ندًا في المحبة فهو ظالم؛ لقوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾.\n٤ - ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿إذ يرون العذاب﴾.\n٥ - ومنها: إثبات القوة لله؛ لقوله تعالى: ﴿أن القوة لله جميعًا﴾؛ فإن قيل: كيف يتفق قوله تعالى: ﴿جميعًا﴾ مع أن للمخلوق قوة؟\nفالجواب: أن قوة المخلوق ليست بشيء عند قوة الخالق؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإن العزة لله جميعًا﴾ [النساء: ١٣٩ مع أن الله أثبت للمخلوق عزة؛ وهكذا نقول في بقية الصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق في أصل الصفة.\n٦ - ومنها: أن المؤمن محب لله ﷿ أكثر من محبة هؤلاء لأصنامهم؛ لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا﴾.\n٧ - ومنها: أنه كلما ازداد إيمان العبد ازدادت محبته لله؛ وجه ذلك أن الله ﷾ رتب شدة المحبة على الإيمان؛ وقد عُلم أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، وينقص بنقصه؛ فكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ﷿ ازداد حبًا له.\n٨ - ومنها: شدة عذاب الله ﷿ لهؤلاء الظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله شديد العذاب﴾؛ فإن قيل: كيف يكون الله ﷿ شديد العذاب مع أنه أرحم من الوالدة بولدها؟\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمكين: ٢/ ٢٢٥.\n(٣) البحر المحيط: ١/ ٤٧٢.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٣٣.","vol":"3","page":472},{"text":"فالجواب: أن هذا من كمال عزه، وسلطانه، وعدله، وحكمته؛ لأنه أنذر مستحق العذاب، وأعذر منهم بإرسال الرسل؛ فلم يبق لهم حجة توجب تخفيف العذاب عنهم؛ فلو رحم هؤلاء الكافرين به لكان لا فرق بينهم والمؤمنين به.\nوشدة عذاب الله لهؤلاء مذكور في القرآن، والسنة: قال الله تعالى: ﴿وإن يستغيثوا﴾ [الكهف: ٢٩] أي أهل النار ﴿يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه﴾ [الكهف: ٢٩]؛ فما بالك لو وصلت إلى الأمعاء؟ ! !؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]؛ ومع ذلك تتقطع، وتلتئم بسرعة كما قال تعالى في جلودهم: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾ [النساء: ٥٦]؛ و﴿كلما﴾ تفيد التكرار؛ وجوابها يفيد الفورية؛ والحكمة: ﴿ليذوقوا العذاب﴾ [النساء: ٥٦]؛ وقال تعالى: ﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٨]؛ ويقال له أيضًا: تبكيتًا، وتوبيخًا، وتنديمًا، وتلويمًا، ﴿ذق﴾؛ ويذكّر أيضًا بحاله في الدنيا فيقال له: ﴿إنك أنت العزيز الكريم﴾؛ فحينئذ يتقطع ألمًا، وحسرة؛ ولا شك أن المؤمنين يسرون بعذاب أعداء الله؛ فعذابهم رحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون﴾.\nالقرآن\n﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦]\nالتفسير:\nعند معاينتهم عذاب الآخرة يتبرأ الرؤساء المتبوعون ممن اتبعهم على الشرك، وتنقطع بينهم كل الصلات التي ارتبطوا بها في الدنيا: من القرابة، والاتِّباع، والدين، وغير ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، أي إذ\" تبرأ الرؤساء من الأتباع\" (١).\nقال أبو العالية: \" تبرأت القادة من الأتباع يوم القيامة إذا رأت العذاب\" (٢). وروي عن الربيع (٣)، وعطاء (٤)، وقتادة (٥)، نحو ذلك.\nقال البيضاوي: \" أي إِذ تبرأ المتبوعون من الأتباع\" (٦).\nقال الزجاج: \" يعني به: السادة والأشراف من الأتباع والسفلة\" (٧).\nقال القرطبي: أي: \"السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وتبريرهم هو بأن قالوا إنّا لم نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين\" (٩).\nوقد اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾، على أقوال (١٠):\nأحدها: أن المعنى: \"تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة\". قاله الربيع (١١)، وعطاء (١٢)، وقتادة (١٣)، وأبو العالية (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٢) أخرجه ابن أي حاتم (١٤٨٩): ص ١/ ٢٧٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٤): ص ٣/ ٢٨٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٥): ص ٣/ ٢٨٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٣): ص ٣/ ٢٨٧.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٣٩. [بتصرف بسيط].\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٤): ص ٣/ ٢٨٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٥): ص ٣/ ٢٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٣): ص ٣/ ٢٨٧.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أي حاتم (١٤٨٩): ص ١/ ٢٧٧.","vol":"3","page":473},{"text":"قال الثعلبي: \" المتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشر، والتابعون هم الأتباع والضعفاء والسفلة قاله أكثر أهل التفسير\" (١).\nالثاني: أنهم الشياطين تبرأوا من الإنس. قال السدي\" (٢).\nالثالث: وقيل: هم الملائكة تبرأوا من الإنس. قاله ابن كثير (٣).\nالرابع: أن \"لفظ الآية يعم هذا كله\". قاله ابن عطية (٤).\nوالراجح أن الله قد عمّ المشركين جميعا دون تخصيص بعضهم دون بعض، عليه فإن كل متبوع على الكفر يتبرأ من أتباعه حين يرون عذاب الله. والله تعالى أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، قراءتان (٥):\nإحداهما: قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول.\nوالثانية: وقرأ الباقون: بالعكس، \" أي: تبرأ الأتباع من الرؤساء \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، \" أي: حين عاينوا العذاب\" (٧).\nقال الزمخشري: \" أى تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب\" (٨).\nقال الزجاج: \" يعنى به التابعون والمتبوعون\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، وجهان من التفسير (١٠):\nأحدهما: يعني: أن التابعين والمتبوعين، بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا.\nالثاني: وقيل: عند العرض والمساءلة في الآخرة.\nقال القرطبي: \"كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال\" (١١).\nقوله تعالى ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾، \" وتقطعت بينهم الروابط وزالت المودّات\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي تقطعت بهم المودة\" (١٣).\nقال القرطبي: أي: \" أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره\" (١٤).\nقال النسفي: مثل \"الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٦): ص ٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وابن أبي حاتم (١٤٩١): ص ١/ ٢٧٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٧.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٦.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٦، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٨) الكشاف: ١/ ٢١٢.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٣٩.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦.\n(١١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢٩.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ٩٩.","vol":"3","page":474},{"text":"قال الزجاج: \" أي انقطع وصلهم الذى كان جمعهم، كما قال: ﴿لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾، فبينهم وصلهم، والذي تقطع بينهم في الآخر كان وصل بينهم في الدنيا\" (١).\nو﴿الأسْبَابُ﴾ جمع سبب؛ وهو ما يتوصل به إلى غيره؛ \"وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا\" (٢).\nقال شمر: \"قال أبو عبيدة: السبب: كل حبل حدرته (٦) من فوق\" (٣).\nوقال خالد بن جنبة: \"السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥] \" (٤).\nقال ابن عطية: \" والسبب في اللغة: الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين\" (٥).\nقال الثعلبي: \" وأصل (السبب): كل شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلم سبب\" (٦).\nقال الواحدي: \" فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبينك سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: ﴿فأتبع سببا﴾ [الكهف: ٨٥]، أي: طريقا، و(أسباب السماء): أبوابها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرا عن فرعون: ﴿لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، ومنه قول زهير (٧):\nوَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الَمنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَإِنْ يَرْقَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ\nكما أن المودة بين القوم تسمى: سببا؛ لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد (٨):\nبل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها\nوالتي في هذه الآية يعني بها: وصلهم التي كانت تجمعهم\" (٩).\nوالمراد بـ (الأسباب) في الآية، \"كل سبب يؤملون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين، مثل قولهم: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقول فرعون لقومه: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩]؛ فهذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظنًا منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تقطعت بهم؛ ولا يجدون سبيلًا إلى الوصول إلى غاياتهم\" (١٠).\nوقد اختلف أهل الفسير في معنى ﴿الأسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، على وجوه (١١):\nأحدها: أن معناه: \"الوصال الذي كان بينهم في الدنيا\". قاله مجاهد (١٢)، روي عن ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤)، والربيع (١٥)، نحو ذلك.\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٣٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٤٧٨.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٤٧٨.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٦.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٦.\n(٧) ديوانه: ٣٠، وشرح المعلقات السبع: ٨٣، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٦، وتفسير السمعاني: ٢/ ١٢٣، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٢٣٤، ولسان العرب: ٤/ ١٩١٠ (سب).\n(٨) ديوانه\" ص ٣٠١، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩١٠ (سب).\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٤٧٩. [بتصرف بسيط].\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٢٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٨٩ - ٢٩١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٧)، و(٢٤١٨)، و(٢٤١٩)، و(٢٤٢٠)، و(٢٤٢١)، و(٢٤٢٢): ص ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٢٣): ص ٣/ ٢٩٠، وابن أبي حاتم (١٤٩٢): ص ١/ ٢٧٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٢٤)، و(٢٤٢٥): ص ٣/ ٢٩٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٢٦): ص ٣/ ٢٩٠.","vol":"3","page":475},{"text":"الثاني: أن معنى ﴿الأسْبَابُ﴾، \"المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا\". قاله ابن عباس (١)، والربيع بن أنس (٢).\nالثالث: أن ﴿الأسْبَابُ﴾: الأرحام. قاله ابن عباس (٣).\nالرابع: أن ﴿الأسْبَابُ﴾: \"الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا\". قاله السدي (٤)، وابن زيد (٥).\nالخامس: العهود التي كانت بينهم في الدنيا. قاله أبو روق (٦).\nوجميع المعاني السابقة تجمعها كلمة (الأسباب)، لأن كل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه، فهي منقطعة بأهلها. فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم، ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم، ولا أغنت عنهم أعمالهم، بل صارت عليهم حسرات. فكل أسباب الكفار منقطعة (٧).\nواختلف في (الباء) في قوله: ﴿وتقطعت بهم﴾ [البقرة: ١٦٦]، على وجوه (٨):\nأحدها: أنها بمعنى: (عن)، كقوله: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة (٩):\nفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب\nأي: عن النساء.\nوقال يزيد بن جهم (١٠):\nتسائل بي هوازن أين مالي ... وهل لي غير ما أتلفت مال\nأي: عني (١١).\nالثاني: أنها للسببية، والتقدير: وتقطعت بسبب كفرهم (١٢).\nالثالث: وقيل: إنها للحال، أي تقطعت موصولة بهم الأسباب (١٣).\nالرابع: وقيل: الباء للتعدية، والتقدير: قطعتهم الأسباب، كما تقول: تفرقت بهم الطرق، أي فرقتهم (١٤).\nوقرئ: ﴿وتقَطَّعَتْ﴾، على البناء للمفعول (١٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم؛ لقوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا﴾؛ ولو كانوا ينفعونهم لم يتبرؤوا منهم.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٢٧): ص ٣/ ٢٩١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤٢٨): ص ٣/ ٢٩١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٢٩): ص ٣/ ٢٩١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٠): ص ٣/ ٢٩١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣١): ص ٣/ ٢٩١.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٧٨، والبحر المحيط\" ١/ ٤٧٣، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٢١١، والتبيان: ١/ ١٠٧.\n(٩) ديوانه: ٣٥.\n(١٠) ديوان الحماسة: ٣/ ٤٧٨.\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٧٨.\n(١٢) انظر: التبيان: ١/ ١٠٧.\n(١٣) انظر: التبيان: ١/ ١٠٧.\n(١٤) انظر: التبيان: ١/ ١٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.","vol":"3","page":476},{"text":"٢ - ومنها: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع؛ بل يتعداه إلى البراءة منهم، والتباعد عنهم؛ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبيًا.\n٣ - ومنها: ثبوت العقاب؛ لقوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾.\nويتفرع عليه ثبوت البعث.\n٤ - ومنها: أن الله ﷾ يجمع يوم القيامة بين الأتباع والمتبوعين توبيخًا، وتنديمًا لهم؛ ويتبرأ بعضهم من بعض؛ لأن هذا - لا شك - أعظم حسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه وجهًا لوجه.\n٥ - ومنها: أن جميع الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله، تتقطع بأصحابها يوم القيامة، وتزول، ولا تنفعهم.\n٦ - ومنها: أن الإستغاثة (١) لا تكون إلا بالله، وأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، جائزة، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كالاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء، والاستعانة بهم في شفاء المرضى، وتفريج الكربات، ودفع الضر، فهذا النوع حرامٌ.\nالقرآن\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧]\nالتفسير:\nوقال التابعون: يا ليت لنا عودة إلى الدنيا، فنعلن براءتنا من هؤلاء الرؤساء، كما أعلنوا براءتهم مِنَّا. وكما أراهم الله شدة عذابه يوم القيامة يريهم أعمالهم الباطلة ندامات عليهم، وليسوا بخارجين من النار أبدًا.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن \" الأوزاعي، سمعت ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت وما هم بخارجين من النار\" (٢).\nالثاني: قال الواحدي: \"قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المشركين الذين أخرجوا النبي - ﷺ - من مكة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي: \"وقال الأتباع ليت (٤) لنا رجعة إلى الدنيا \" (٥).\nقال الصابوني: \" أي تمنّى الأتباع لو أنّ لهم رجعة إِلى الدنيا\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي عودة إلى الدنيا\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي ليت لنا كرة إلى الدنيا\" (٨).\n_________\n(١) الاستغاثة: طلب الغَوْث، وهو التخليص من الشِّدة والنِّقمة، والعون على الفَكاك من الشدائد، ولم يتعدَّ في القرآن إلا بنفسِه؛ كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، تستجيرون به مِن عدوِّكم، وتطلبون منه الغَوْث والنصرَ.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٥٠١): ص ١/ ٢٧٩. والعجاب: ١/ ٤١٦.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٤٨٢.\n(٤) إن ﴿لو﴾ هنا ليست شرطية؛ ولكنها للتمني؛ يعني: ليت لنا كرة فنتبرأ؛ والدليل على أنها للتمني أن الفعل نصب بعدها؛ وهو منصوب بـ «أنْ» المضمرة بعد الفاء السببية؛ و«لو» تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أوجه: تكون شرطية؛ وتكون للتمني؛ وتكون مصدرية؛ فـ ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿وودوا لو تكفرون﴾ [الممتحنة: ٢] مصدرية؛ و﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] شرطية؛ ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ للتمني؛ ومثلها قوله تعالى: ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢].\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٣. [بتصرف بسيط].\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٤٠.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.","vol":"3","page":477},{"text":"و(الكرة): أي: \"الرجعة والعودة إلى حال قد كانت\" (١).\nقال قتادة: في قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة﴾، \"أي: لنا رجعةً إلى الدنيا\" (٢). وروي عن الربيع (٣) مثل ذلك.\nقال ابن عثيمين: \" والمراد هنا: الرجوع إلى الدنيا؛ فنتبرأ منهم في الدنيا إذا رجعنا كما تبرءوا منا هنا في الآخرة؛ فنجازيهم بما جازونا به؛ لكن أنى لهم ذلك! ! ! فهذا التمني لا ينفعهم\" (٤).\nقال الطبري: \"و(الكرَّة): المرة الواحدة، وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم\" (٥)، ومنه قول الأخطل (٦):\nوَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً ... كَرَّ الْمَنِيحِ، وَجُلْنَ ثَمَّ مَجَالا\nقوله تعالى: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي: \"لتبرأنا منهم كما تبرَّأوا منا في الآخرة\" (٧).\nقال الطبري: \" أرادوا أن يتبرأوا \"من الذين من كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله\" (٨).\nقال القرطبي: \" والتبرؤ الانفصال\" (٩).\nقال ابن كثير: \" وهم كاذبون في هذا [التمني﴾، بل لو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه. كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك؛ ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أي: تذهب وتضمحل كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية [النور: ٣٩] \" (١٠).\nقوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي: \"كما أراهم الله العذاب، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي: أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك يريهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أي كتبري بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسراب عليهم لأن ما عمله الكافر غير نافعه مع كفره، قال الله ﷿: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾، وقال: [حبطت\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٤٣٢): ص ٣/ ٢٩٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٣): ص ٣/ ٢٩٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٣.\n(٦) ديوانه ٤٨، ونقائض جرير والأخطل: ٧٩. وفي المطبوعة: \" كر المشيح \"، وهو خطأ وفي الديوان \" على قدارة \"، وهو خطأ. وفزارة بن ذبيان بن بغيض. والمنيح: قدح لاحظ له في الميسر، وأقداح الميسر سبعة دوات أنصباء، وأربعة لا نصيب لها مع السبعة، ولكنها تعاد معها في كل ضربة. وقوله: \" عطفن \" يعني الخيل، ذكرها في بيت قبله.\n(٧) تفسير الطبراني: ١/ ١١٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٤.\n(٩) تفسير القطربي: ٢/ ٢٠٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٤. [بتصرف بسيط].\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.","vol":"3","page":478},{"text":"أعمالهم﴾، ومعنى ﴿أضل أعمالهم﴾: لم يجازهم على ما عملوا من خير، وهذا كما تقول لمن عمل عملا لم يعد عليه فيه نفع: لقد ضل سعيك\" (١).\nقال الثعلبي: \" أي كما أراهم العذاب، كذلك يريهم الله أعمالهم ندامات\" (٢).\nقال الزمخشري: \" معناه أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم\" (٣).\nوقوله ﴿كذلك﴾: أي: \" مثل ذلك الآراء الفظيع\" (٤)، فـ (الكاف): اسم بمعنى «مثل»؛ وهي مفعول مطلق عامله الفعل بعده؛ وهذا كثيرًا ما يأتي في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٥).\nقال القرطبي: \"و﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ قيل: هي، من رؤية البصر، فيكون متعديا لمفعولين: الأول الهاء والميم في ﴿يريهم﴾، والثاني ﴿أعمالهم﴾، وتكون ﴿حسرات﴾ حال، ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، فتكون \"حسرات\" المفعول الثالث\" (٦).\nوقد ذكر الرازي: أن قوله تعالى ﴿كذالك يُرِيهِمُ﴾ فيه وجهان (٧):\nالأول: كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد.\nالثاني: كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات، لأنهم أيقنوا بالهلاك.\nوكذلك اختلف أهل التفسير في المراد بقوله ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]، على أقوال (٨):\nالأول: الطاعات، يتحسرون لم ضيعوها. قاله السدي (٩)، وعبدالله (١٠).\nواعترض عليه الإمام الطبري قائلا: \" والذي قال السدي في ذلك، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية، فإنه مَنزع بعيد، ولا أثر - بأنّ ذلك كما ذكر - تقوم به حُجة فيسلم لها، ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك، لم يُحَلْ ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل\" (١١).\nالثاني: المعاصي وأعمالهم الخبيثة، يتحسرون لم عملوها. قاله الربيع (١٢)، وابن زيد (١٣).\nواختاره الإمام الطبري قائلا: \" كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لم عملوا بها؟ وهلا عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم، فالذي هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها\" (١٤).\nالثالث: ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر. وهذا قول الأصم (١٥).\nالرابع: أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم (١٦).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٤٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٧. [بتصرف بسيط].\n(٣) الكشاف: ١/ ٢١٢.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣١.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨١.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨١. وتفسير الطبري: ٣/ ٢٩٦ - ٢٩٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٤): ص ٣/ ٢٩٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٥): ص ٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٦): ص ٣/ ٢٩٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٧): ص ٣/ ٢٩٨.\n(١٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(١٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨١.\n(١٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨١.","vol":"3","page":479},{"text":"قال الرازي: \"والظاهر أن المراد: الأعمال التي اتبعوا فيها السادة، وهو كفرهم ومعاصيهم، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم، وأيقنوا بالجزاء عليها، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به\" (١).\nقال الطبري: \"و﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسرة؛ وكل اسم كان واحده على (فَعْلة) مفتوح الأول ساكن الثاني، فإن جمعه على (فَعَلات) مثل: شَهوة وتَمرة، تجمع (شَهوات وتَمرات) مثقَّلة الثواني من حروفها، فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل (ضخمة)، تجمعها (ضخْمات) و(عَبْلة) تجمعها (عَبْلات)، وربما سُكّن الثاني في الأسماء، كما قال الشاعر (٢):\nعَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِهَا ... يُدِلْنَنَا اللَّمَّة مِنْ لَمَّاتِهَا\nفَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا\nفسكنّ الثاني من \" الزفرات \"، وهي اسم\" (٣).\nو(الحسرة): \"هي الندم مع الانكماش، والحزن؛ فهؤلاء الأتباع شعورهم بالندم، والخيبة، والخسران لا يتصور؛ فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت - والعياذ بالله - خسارة عليهم، وندمًا؛ ضاعت بها دنياهم، وآخرتهم؛ وهذا أعظم ما يكون من الحسرة\" (٤).\nوقال الزجاج: \" والحسرة: شدة الندم، حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه، ويقال: حسر فلان يحسر حسرة وحسرا: إذا اشتد ندمه على أمر فاته، قال المرار (٥):\nما أنا اليوم على شيء خلا ... يا ابنة القين تولى بحسر\nأي: بنادم\" (٦).\nواختلف في أصل (الحسرة) في اللغة، على قولين (٧):\nأحدهما: أنها مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر.\nوالثاني: أنها: من حسر إذا كشف، ومنه قول النبي ﷺ: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب» (٨).\nقال الواحدي: \"وأصل الحسر: الكشف، يقال: حسر عن ذراعه، والحسرة: انكشاف عن حال الندامة، والحسور: الإعياء؛ لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر، والمحسرة: المكنسة؛ لأنها تكشف عن الأرض، والطير تنحسر؛ لأنها تنكشف بذهاب الريش\" (٩).\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨١.\n(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري/ ٣/ ٢٩٤، واللسان (لمم) (زفر) (علل) وغيرها. والدولة (بفتح فسكون) والدولة (بضم الدال): العقبة في المال والحرب وغيرهما، وهو الانتقال من حال إلى حال، هذا مرة وهذا مرة. ودالت الأيام: دارت بأصحابها. ويروي: \" تديلنا \" وأداله: جعل له العقبة في الأمر الذي يطلبه أو يتمناه، بتغيره وانتقاله عنه إلى حال أخرى. واللمة: النازلة من نوازل الدهر، كالملمة.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣١.\n(٥) البيت للمرار في \"لسان العرب\" ٢/ ٨٦٩، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٨١.\n(٦) حكاه عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ٤٨١، ولم نقف عليه في معاني القرآن.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٦.\n(٨) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن (٨/ ١٠٠) باب خروج النار، ومسلم في كتاب الفتن (برقم ٢٨٩٤) باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب.\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٤٨١ - ٤٨٢، وانظر: في معاني حسر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٣ - ٧٤، \"تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٧، والمفردات\" ص ١٢٥، \"تاج العروس\" ٦/ ٢٧٣.\nوفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ: يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا. نفس المراجع السابقة، ورواه أيضًا أبو داود (برقم ٤٣١٣) والترمذي (برقم ٢٥٧٢).\nوعن عبد الله بن الحارث بن نوفل ﵁ قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا؟ قلت: أجل، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يوشك الفرات أن ينحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون. مسلم (برقم ٢٨٩٥).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا تذهب الدنيا حتى ينجلي فراتكم عن جزيرة من ذهب، فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون. رواه حنبل بن إسحاق في كتابه الفتن (ص ٢١٦) بسند صحيح.\nوأخرج هذا الحديث بالإضافة إلى الإمامين البخاري ومسلم، كل من عبدالرزاق في مصنفه (١١/ ٣٨٢) عن أبي هريرة، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٠٦) عن معمر، وفي (٢/ ٣٣٢) من طريق زهير، وكذلك في (٥/ ١٣٩ ١٤٠) عن طريق كعب. وأبو داود في سننه (٤/ ٤٩٣) والترمذي في سننه (٤/ ٦٩٩)، وابن ماجة في سننه (٢/ ١٣٤٣). كما أورده كل من الإمام أبي عمرو الداني في كتابه السنن الواردة في أكثر من موضع. وأيضًا أورده الإمام الحافظ نعيم بن حماد في الفتن في أكثر من موضع، وأورده ابن كثير في كتابه النهاية في الفتن والملاحم.\nوقد جاءت ألفاظ أخرى شاذة للحديث المذكور، وهي: ليحسرن الفرات عن جبل من ذهب حتى يقتتل عليه الناس، فيقتل من كل عشرة تسعة. أخرجه ابن ماجة في سننه (٢/ ١٣٤٣)، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٦١، ٣٤٦، ٤١٥). قال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات: زوائد ابن ماجة (٢/ ٣٠٦). والحديث أورده الحافظ في الفتح (١٣/ ٨١)، وقال: وهي رواية شاذة، والمحفوظ ما تقدم من حديث أبي هريرة عند مسلم، وشاهد من حديث أبي بن كعب: من كل مائة تسعة وتسعون. وقال الألباني عنه: حسن صحيح دون قوله: من كل عشرة تسعة، فإنه شاذ. صحيح ابن ماجة (٢/ ٣٧٧).\nوكذلك وردت رواية أخرى عند نعيم بن حماد في الفتن (برقم ٩٢١) من طريق آخر عن يحيى بن أبي عمرو عن أبي هريرة مرفوعًا، وفيه: من كل تسعة سبعة، وهو منقطع لأن يحيى روايته عن الصحابة مرسلة، كما في التقريب (ص ٣٧٨)، وشيخ نعيم مبهم.","vol":"3","page":480},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، \" أي ليس لهم سبيل إِلى الخروج من النار\" (١).\nقال الصابوني: أي: \" هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي أنهم خالدون فيها\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أصله وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة، للمبالغة في الخلود والأقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا\" (٤).\nقال القرطبي: \"وهذا \"دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعة أهل السنة، لهذه الآية ولقوله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] \" (٥).\nقال الرازي: \"وقد احتج به الأصحاب، على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار، فقالوا: إن قوله ﴿وَمَا هُمْ﴾ تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ [الانفطار: ١٤ - ١٦]، وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرءوا من متبوعيهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة؛ وهو غير ممكن؛ وما يزيدهم هذا إلا حسرة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.\n٢ - ومنها: تحسر هؤلاء، وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح؛ فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسرًا لا نظير له لا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن العتبى منه.\n٣ - ومنها: إثبات نكال الله بهم؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٧.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٨٢.","vol":"3","page":481},{"text":"٤ - ومنها: أن المشركين مخلدون في النار لا يخرجون منها؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾؛ وقد ذكر الله ﷾ الخلود الأبدي في النار في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء؛ وفي سورة الأحزاب؛ وفي سورة الجن؛ وبه يبطل قول من ادعى أن النار تفنى؛ لأن خلود الماكث الأبدي يدل على خلود مكانه.\n٥ - ومنها: إثبات النار، وأنها حق.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]\nالتفسير:\nيا أيها الناس كلوا من رزق الله الذي أباحه لكم في الأرض، وهو الطاهر غير النجس، النافع غير الضار، ولا تتبعوا طرق الشيطان في التحليل والتحريم، والبدع والمعاصي. إنه عدو لكم ظاهر العداوة.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال الواحدي: \"قال الكلبي عن أبي صالح: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي\" (١).\nوذكره الرازي عن ابن عباس\" (٢).\nوقال مقاتل: \" نزلت في ثقيف، وفي بني عامر بن صعصعه، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر، والحارث ابني عبد مناة\" (٣).\nونقل ابن عطية عن النقاش: أنها \"نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب\" (٤).\nوالثاني: قال ابن حجر: \"قال ابن ظفر: ورُوي عن عطاء أنها نزلت في المؤمنين، وقيل في عثمان بن مظعون وأصحابه الذين عزموا على الترهب\" (٥).\nوهذه الآية جاءت في سورة البقرة؛ وسورة البقرة مدنية؛ وقد سبق أنه جاء أيضًا مثلها: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ لأن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام؛ وهي أول بلد إسلامي يحكمه المسلمون في هذه الرسالة؛ فصار التوجه إليها بالخطاب بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لكنها ليست قاعدة؛ ولكنها ضابط يخرج منه بعض المسائل؛ لأن من السور المدنية فيها ﴿يا أيها الناس﴾، كسورة النساء، وسورة الحجرات (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، أي: يا أيها الناس \"كلوا ممّا أحله الله لكم من الطيبات حال كونه مستطابًا في نفسه غير ضار بالأبدان والعقول\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي: كلوا من هذا ما شئتم؛ ويشمل كل ما في الأرض من أشجار، وزروع، وبقول، وغيرها؛ ومن حيوان أيضًا؛ لأنه في الأرض\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي: لا تأكلوا مما يحرم\" (٩).\nقال الواحدي معلقا على كلام الزجاج: \" فعلى هذا: المعنى: كلوا حلالا من حيث يحل لكم، فأما أن يأكل مال غيره فهو حلال في جنسه، ولكن ليس يحل له أكله، فهو حلال وليس مما يطيب له\" (١٠).\nو﴿النَّاسُ﴾ أصلها: \" (الأناس)؛ وحذفت الهمزة منها تخفيفًا؛ والمراد بـ ﴿الناس﴾ بنو آدم\" (١١).\nو﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أي: \"مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول\" (١٢).\nقال القرطبي: \" وسمي الحلال حلالا، لانحلال عقدة الحظر عنه\" (١٣).\nقال الواحدي: وأصل (الحلال): \" من الحل الذي هو نقيض العقد، ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه. ومنه: حل بالمكان، إذا نزل به؛ لأنه حل شد الارتحال للنزول. وحل الدين: إذا وجب؛ لانحلال العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه؛ لأنه حل عقدة الإحرام. وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت، لانحلال العقدة المانعة من العذاب، والحلة: الإزار والرداء؛ لأنها تحل عن الطي للبس، ومن هذا: تحلة اليمين؛ لأن عقدة اليمين تنحل به\" (١٤).\nوالطيب في اللغة: \"الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب؛ لأن الحرام يوصف بأنه خبيث، قال الله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ [المائدة: ١٠٠]. والأصل في الطيب: هو ما يستلذ ويستطاب، ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه؛ لأن النجس تكرهه النفس فلا يستلذ، والحرام غير مستلذ؛ لأن الشرع يزجر عنه\" (١٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿حلالًا طيبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وجهان (١٦):\nأحدهما: أنها منصوبة على الحال من «ما»؛ أي كلوه حال كونه حلالًا - أي محللًا -؛ فهي بمعنى اسم المفعول؛ و﴿طيبًا﴾ حال أخرى - يعني: حال كون طيبًا - مؤكد لقوله تعالى: ﴿حلالًا﴾.\nوالثاني: ويحتمل أن يكون المراد بـ «الحلال» ما كان حلالًا في كسبه؛ وبـ «الطيب» ما كان طيبًا في ذاته (١٧)؛ لقول الله ﷾: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى في الميتة، ولحم الخنزير: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nقال ابن عثيمين: وهذا القول الأخير أولى؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد\" (١٨).\n_________\n(١) أسباب النول: ٤٨، والعجاب: ١/ ٤١٦.\nوانظر معاني هذه الألفاظ في \"زاد المسير\" لابن الجوزي \"٢/ ٤٣٦ - ٤٤٠\" وقد ذكر في معنى البحيرة أربعة أقوال، وفي معنى كل من السائبة والوصيلة خمسة أقوال، وفي معنى الحام ستة أقوال، ونقلها يطول.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٥/ ٤.\n(٣) تفسير مقاتل: ١/ ١٥٥.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٧.\n(٥) العجاب: ١/ ٤١٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٤١.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ٤٨٣.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٣.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٨. وقال سهل بن عبدالله: النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي ﷺ. وقال أبو عبدالله الساجي واسمه سعيد بن يزيد: خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله ﷿، ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال: الربا والحرام والسحت - وهو اسم مجمل - والغلول والمكروه والشبهة\". (تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٨).\n(١٤) التفسير البسيط: ٣/ ٤٨٣، وانظر: تهذيب اللغة\" ١/ ٩٠٢ - ٩٠٤ (حل)، \"المفردات\" ص ١٣٥، \"تاج العروس\" ١٤/ ١٥٨ - ١٦٨.\n(١٥) التفسير البسيط: ٣/ ٤٨٣، وانظر: تهذيب اللغة\" ١/ ٩٠٢ - ٩٠٤ (حل)، \"المفردات\" ص ١٣٥، \"تاج العروس\" ١٤/ ١٥٨ - ١٦٨.\n(١٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٣.\n(١٧) قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني - رفيق إبراهيم بن أدهم - حدثنا ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تُليت هذه الآية عند النبي ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال. \"يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليَقْذفُ اللقمة الحرام في جَوْفه ما يُتَقبَّل منه أربعين يومًا، وأيّما عبد نبت لحمه من السُّحْت والربا فالنار أولى به\". (المعجم الأوسط للطبراني برقم (٥٠٢٦) \"مجمع البحرين\").\n(١٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٣.","vol":"3","page":482},{"text":"وفي نوع (مِن) في قوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وجهان (١):\nأحدهما: أن تكون لبيان الجنس.\nوالثاني: أن تكون للتبعيض.\nقال ابن كثير: \"كونها لبيان الجنس أولى؛ ويرجحه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩] \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، \" أي ولا تقتدوا بآثار الشيطان فيما يزينه لكم من المعاصي والفواحش\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني تزيين الشيطان في تحريم الحرث والأنعام\" (٥).\nقال البيضاوي: أي\" لا تقتدوا به في اتباع الهوى، فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوى\" (٧)\nقال ابن عطية: \" المعنى: النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه ... وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان\" (٨).\nو﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: هي: \"طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البَحَائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زَينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمَار الذي في صحيح مسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحُه عبادي فهو لهم حلال\" وفيه: \"وإني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم\" (٩) \" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" و﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، أي: أعماله التي يعملها، ويخطو إليها؛ وهو شامل للشرك فما دونه؛ فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ قال تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ [النور: ٢١]؛ فكل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان سواء كان عن استكبار، أو تكذيب، أو استهزاء، أو غير ذلك؛ لأنه يأمر به، وينادي به، ويدعو إليه\" (١١).\nقال الثعلبي: \" والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة\" (١٢).\nقال الطبري: \"و﴿خُطُوَاتِ﴾، جمع خطوة، والجمع خطوات-بالتحريك- وخطاء، مثل ركوة وركاء، قال امرؤ القيس (١٣):\nلها وثبات كوثب الظباء ... فواد خطاء وواد مطر\" (١٤)\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٤١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٥.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٧.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٧.\n(٩) صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥).\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٣.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٨.\n(١٣) ديوانه: ٧٢.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ١٨٦.","vol":"3","page":483},{"text":"واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿خُطُوَاتِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، على وجوه (١):\nأحدها: ﴿خطوات﴾، ثقيلة، بضم (الخاء) و(الطاء)، قرأ بها: ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم.\nالثاني: ﴿خطوات﴾، خفيفة، رواه ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير.\nالثالث: ﴿خطوات﴾، ساكنة خفيفة. قرأ بها: نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة.\nالرابع: ﴿خَطَوات﴾ بفتح (الخاء) و(الطاء)، قرأ بها: أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير.\nالخامس: ﴿خُطُؤات﴾ بضم (الخاء) و(الطاء) و(الهمزة) على (الواو)، روي هذه الوجه عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش.\nقيل: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع (خطيئة)، من الخطأ لا من الخطو\" (٢).\nوالمعنى على قراءة الجمهور: \"ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله، وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان\" (٣).\nقال عكرمة: \"إنما سمي الشيطان: لأنه تشيطن\" (٤).\nوقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، على وجوه (٥):\nأحدها: أنها طاعته. قاله السدي (٦)، والكلبي (٧).\nالثاني: أنها خطاياه. قاله مجاهد (٨). وروي عن قتادة (٩)، والضحاك (١٠) نحو ذلك.\nالثالث: أنها: النذور في المعاصي. رواه سعيد بن منصور (١١) عن أبي مِجْلزَ (١٢)، وروي عن الشعي (١٣)، وابن مسعود (١٤)، وعبدالله بن عمر (١٥)، نحو ذلك.\nالرابع: أنها نزغات الشيطان. قاله عكرمة (١٦).\nالخامس: أنها عمله. قاله ابن عباس (١٧).\nالسادس: أنها طرقه. قاله القتيبي (١٨) والزجاج (١٩).\n_________\n(١) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٨.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٨، حكاه عن الأخفش ولم نقف عليه في معاني القرآن.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٠٩): ص ١/ ٢٨١.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٤٤٣): ص ٣/ ٣٠٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٤٣٩)، و(٢٤٤٠): ص ٣/ ٣٠١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٤٤١): ص ٣/ ٣٠٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٤٤٢): ص ٣/ ٣٠٢.\n(١١) في سننه-تحقيق الحميد-: ٢/ ٦٤٣ رقم: ٢٤٢، وأخرجه الطبري (٢٤٤٤): ص ٣/ ٣٠٢، وابن أبي حاتم في (١٥٠٧): ص ١/ ٢٨١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٣٠٥ لعبد بن حميد وأبي الشيخ، وسنده صحيح كما ذكر الحميد في تحقيقه لسنن سعيد بن منصور: ٢/ ٦٤٤.\n(١٢) هو: أبو مِجْلَز لاحق بن سعيد السدوسي البصري، إمام تابعي ثقة مشهور بكنيته، توفي عام: ١٠٩ هـ، وقيل: قبل ذلك، انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٩/ ١٢٤، تهذيب التهذيب لابن حجر: ١١/ ١٧١، تقريب التهذيب له أيضًا: ١٠٤٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٠٤): ص ١/ ٢٨٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٠٣): ص ١/ ٢٨٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٠٢): ص ١/ ٢٨٠.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٠٦): ص ١/ ٢٨٠، وانظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٣.\n(١٧) تفسير الطبري (٢٤٣٨): ص ٣/ ٣٠١.\n(١٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٨.\n(١٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤١.","vol":"3","page":485},{"text":"السابع: أنها: هي المحقرات من الذنوب. قاله أبو عبيد (١).\nالثامن: أنها زلاته وشهواته. حكاه الثعلبي عن ابن عباس (٢).\nقال الشوكاني: \"والأولى التعميم، وعدم التخصيص بفرد أو نوع\" (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: \" واللفظ أعم من ذلك\" (٤).\nقال أبو حيان: \" وهذه أقوال متقاربة المعنى صدرت من قائلها على سبيل التمثيل. والمعنى بها كلها النهي عن معصية الله، وكأنه تعالى لما أباح لهم الأكل من الحلال الطيب، نهاهم عن معاصي الله وعن التخطي إلى أكل الحرام، لأن الشيطان يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة، فيزين بذلك ما لا يحل، فزجر الله عن ذلك\" (٥).\nوقال القرطبي: وكل هذه الأقوال \"قريبٌ معنى بعضها من بعض، لأن كل قائلٍ منهم قولا في ذلك، فإنه أشار إلى نَهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله\" (٦)، وقال القرطبي: \" والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، \" أي إِنه عظيم العداوة لكم وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل\" (٨).\nقال مقاتل: يعني بيّن\" (٩).\nقال الماوردي: أي ظاهر العداوة\" (١٠).\nقال ابن كثير: تنفير عنه وتحذير منه (١١).\nقال النسفي: أي: \" ظاهر العداوة لاخفاءه به\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" تعليل للنهي، أي ظاهر العدواة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه ولذلك سمي وليا في قوله تعالى ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ \" (١٣).\nقال أبو حيان: \" تعليل لسبب هذا التحذير من اتباع الشيطان، لأن من ظهرت عداوته واستبانت، فهو جدير بأن لا يتبع في شيء وأن يفرّ منه، فإنه ليس له فكر إلا في إرداء عدوه\" (١٤).\nقال الطبري: يعني: \"أنه قد أبان لكم عَداوته، بإبائه عن السجود لأبيكم، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة، وأكل من الشجرة\" (١٥).\nقال الثعلبي: أي: \" بين العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لأبيكم آدم ﵇ وغروره إياه حين أخرجه من الجنة\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٨.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٨.\n(٣) فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٤) الفتح: ٨/ ١٣.\n(٥) البحر المحيط: ١/ ٤٧٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٢.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٩، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤١، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٦٣، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٨٠، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٢٢٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٢٠٨، تفسير ابن كثير لابن كثير: ١/ ٢٥٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٥.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٢٢٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٨.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/! ٤٣.\n(١٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٨.\n(١٤) البحر المحيط: ١/ ٤٧٩.\n(١٥) تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٠.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩.","vol":"3","page":486},{"text":"قال القرطبي: \" أخبر تعالى بأن الشيطان عدو، وخبره حق وصدق، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] \" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه وليًا في قوله تعالى: ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ \" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي ظاهر العداوة؛ وقد كان عدوًا لأبينا آدم -ﷺ-؛ فما زالت عداوته إلى قيام الساعة؛ وقال تعالى عنه: ﴿لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا * ولأضلنَّهم ولأمنينَّهم ولآمرنَّهم فليبتكنَّ آذان الأنعام ولآمرنَّهم فليغيرنَّ خلق الله﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩]، ثم قال تعالى: ﴿ومن يتخذ الشيطان وليًا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينًا﴾ [النساء: ١١٩] \" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وجهان من التفسير (٤):\nأحدهما: قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم، وهو الذي أخرجه من الجنة، وعليه، فإن قوله ﴿مبين﴾: من أبان العداوة: إذا أظهرها.\nوالثاني: أن يكون الـ ﴿مبين﴾ بمعنى: الظاهر هاهنا؛ لأن (أبان) يتعدى، وقد لا يتعدى.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إظهار منة الله على عباده، حيث أباح لهم جميع ما في الأرض من حلال طيب؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا﴾.\n٢ - ومنها: أن الأصل فيما في الأرض الحل والطيب حتى يتبين أنه حرام.\n٣ - ومنها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾؛ وهم داخلون في هذا الخطاب؛ ومخاطبتهم بفروع الشريعة هو القول الصحيح؛ ولكن ليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولًا إلى الإسلام، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ والدليل على الأول قوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ [التوبة: ٥٤]؛ فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؛ هذا عبث، وظلم؛ وأما الدليل على الثاني فقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]؛ ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أحدًا ممن أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات حال كفره؛ والفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها – كما قال أهل العلم – زيادة عقوبتهم في الآخرة؛ وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إلا أصحاب اليمين* في جنات يتساءلون* عن المجرمين* ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٧].\n٤ - ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾؛ ومن ذلك الأكل بالشمال، والشرب بالشمال؛ لقول النبي ﷺ: «لا يأكل أحدكم بشماله،\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٩.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٤.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩، واللسان: ١/ ٤٠٦ (بين)، والمفردات: ٤٥ - ٤٦، وزاد المسير: ١/ ١٧٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٨٧.","vol":"3","page":487},{"text":"ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (١)؛ ومن اتباع خطوات الشيطان القياس الفاسد؛ لأن أول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس؛ لأن الله لما أمره بالسجود لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد: قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ [ص~: ٣٨]؛ يعني: فكان الأولى هو الذي يسجد؛ فهذا قياس في مقابلة النص؛ فاسد الاعتبار؛ ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا الحسد؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم؛ وهو أيضًا دأب اليهود، كما قال تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وكل خُلق ذميم، أو عمل سوء، فإنه من خطوات الشيطان.\n٥ - ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ فإن الجملة مؤكدة بـ «إن».\n٦ - ومنها: ظهور بلاغة القرآن؛ وذلك لقرن الحُكم بعلته؛ فإن قرن الحكم بعلته له فوائد؛ منها معرفة الحكمة؛ ومنها زيادة طمأنينة المخاطب؛ ومنها تقوية الحكم؛ ومنها عموم الحكم بعموم العلة - يعني القياس -؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فإن مقتضى هذا التعليل أن كل ما كان نجسًا فهو محرم.\n٧ - ومنها: التحذير الشديد من اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ وما أظن أحدًا عاقلًا يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبدًا.\nالقرآن\n﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩]\nالتفسير:\nإنما يأمركم الشيطان بكل ذنب قبيح يسوءُكم، وبكل معصية بالغة القبح، وبأن تفتروا على الله الكذب من تحريم الحلال وغيره بدون علم.\nقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾، أي: إنما يأمركم الشيطان \"بالإثم والمعاصي وما قبح من القول والفعل\" (٢).\nقال ابن كثير: أي: \"إنما يأمركم عدوّكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي لا يأمركم الشيطان بما فيه خير إِنما يأمركم بالمعاصي والمنكرات وما تناهي في القبح من الرذائل\" (٤).\nقال المراغي: \" أي إنما يوسوس الشيطان ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع بأن تفعلوا ما يسوءكم في دنياكم وآخرتكم وأن تجترحوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن\" (٥).\nقال البيضاوي: \" بيان لعداوته، ووجوب التحرز عن متابعته. واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهًا لرأيهم وتحقيرًا لشأنهم\" (٦).\nقال أبو حيان: \" وأمر الشيطان، إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته وإغوائه. فإذا أطيع، نفذ أمره بالسوء، أي بما يسوء في العقبى\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١٠٣٩، كتاب الأشربة، باب ١٣: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، حديث رقم ٥٢٦٥ [١٠٥] ٢٠٢٠.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ١٨٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٤٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٨.\n(٧) البحر المحيط: ١/ ٤٨٠.","vol":"3","page":488},{"text":"و﴿السُّوءِ﴾: \"كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ أي السيئات؛ و﴿الْفَحْشَاءِ﴾ أي المعاصي الكبيرة، كالزنا؛ فهو يأمر بهذا، وبهذا؛ مع أن المعاصي الصغار تقع مكفّرة بالأعمال الصالحة إذا اجتنبت الكبائر؛ لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق، ويقسو قلبه؛ ثم لا ندري أتقوى هذه الأعمال الصالحة على تكفير السيئات، أم يكون فيها خلل، ونقص يمنع من تكفيرها السيئات\" (١).\nوقال أبو السعود: \" (السوء): يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها والفحشاء أقبح أنواعها وأعظمها مساءة\" (٢).\nوقال القاسمي: \" و﴿بِالسُّوءِ﴾ يشكل جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب. ﴿والْفَحْشاءِ﴾، ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم\" (٣).\nوقال الراغب: \" السوء والفحشاء كل قبيح من نحو الزنا، والسرقة، والسكر، والقتل، والخيانة، والكذب والحسد والجهل [وكل ما يقال له سوء] يقال له فحشُ، لكن بنظرين مختلفين، فإنه سمي سوءًا لاغتمام العاقل به، والفحشاء بأن يستفحشه، ونبه تعالى بأن الشيطان داع إلى إتيان الشر والسوء والفحش والتقول على الله ﷿\" (٤).\nوفي تفسير ﴿بالسوء﴾ [البقرة: ١٦٩]، قولان:\nأحدهما: المعصية. قاله السدي (٥).\nالثاني: أن السوء من الذنوب ما لا حد فيه. قاله ابن عباس (٦).\nوفي تفسير ﴿الفحشاء﴾ [البقرة: ١٦٩]، هاهنا أقوال أقاويل (٧):\nأحدها: الزنى. قاله السدي (٨).\nوالثاني: المعاصي. قاله الثعلبي (٩).\nوالثالث: كل ما فيه الحد، سمي بذلك لفحش فعله وقبح مسموعه. قاله ابن عباس (١٠).\nالرابع: البخل. قاله عطاء (١١).\nالخامس. منع الزكاة. قاله مقاتل (١٢).\nالسادس: ما تفاحش ذكره (١٣).\nالسابع: ما قبح قولًا أو فعلًا (١٤).\nالثامن: ما لا يعرف في شريعتة ولا سنة. قاله طاوس (١٥).\nوفي أصل ﴿السوء﴾ [البقرة: ١٦٩]، قولان:\nأحدهما: يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ، إذا قبح، والسوء: الاسم الجامع للآفات والداء. قاله الليث (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٧\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٨.\n(٣) محاسن التأويل: ١/ ٤٦٧.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٦٦.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٤٤٥): ص ٣/ ٣٠٣، وابن أبي حاتم (١٥١٠): ص ١/ ٢٨١.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩، والبحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩، والنكت والعيون: ١/ ٢٢٠، والكشاف: ١/ ٢١٣، وتفسير البغوي: ١/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٨) أخرجه الطبري (٢٤٤٥): ص ٣/ ٣٠٣، وابن أبي حاتم (١٥١٠): ص ١/ ٢٨١.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩، والبحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩.\n(١٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(١٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩، والبحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(١٦) نقله عنه في \"اللسان \" ٤/ ٢١٣٨ (سوأ)، وانظر: التفسير البسيط: ٣/ ٤٨٧.","vol":"3","page":489},{"text":"الثاني: يقال: ساءه يسوءه سوءا ومساءة، والسوء الاسم، بمنزلة الضر وهو كل ما يسوء صاحبه في العاقبة (١).\nقال الطبري: \" وسمي (السوء) سوءا، لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر: ساءه يسوءه سوءا ومساءة، إذا أحزنه، وسؤته فسيء، إذا أحزنته فحزن، قال الله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧]، وقال الشاعر (٢):\nإن يك هذا الدهر قد ساءني ... فطالما قد سرني الدهر\nالأمر عندي فيهما واحد ... لذاك شكر ولذاك صبر (٣)\nو(الفحشاء) أصله: قبح المنظر، كما قال امرؤ القيس (٤):\nوجِيدٍ كجِيدِ الرّئْمِ ليْسَ بفاحشٍ ... إِذا هيَ نَصَّتْهُ وَلا بمُعَطَّلِ\nثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء (٥).\nقال الواحدي: \"و(الفحشاء): اسم الفاحشة، وكل شيء تجاوز قدره فهو فاحش، وكل أمر لا يكون موافقا للحق فهو فاحشة وفحشاء. ويقال: فحش الرجل يفحش صار فاحشا، وأفحش [قال] قولا فاحشا\" (٦).\nقال صاحب الكشاف: \" فإن قلت: كيف كان الشيطان آمرا مع قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾؟\nقلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه ولذلك قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [القرة: ١٦٩]، أي: \"إن الشيطان يأمركم أن تنسبوا إلى الله القول من غير علم\" (٨).\nقال الثعلبي: أي\" من تحريم الحرث والأنعام\" (٩).\nقال الطبري: وهو \"ما كانوا يحرِّمون من البحائر والسوائب والوَصائل والحوامي، ويزعمون أن الله حرَّم ذلك\" (١٠).\nوقال صاحب الكشاف: \" وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى اللَّه تعالى مما لا يجوز عليه\" (١١)،\n_________\n(١) انظر: المفردات: ٢٥٣ - ٢٥٤، والمحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٧، وزاد المسير: ١/ ١٧٢، واللسان: ١/ ٤/٢١٣٨ - ٢١٣٩ (سوأ).\n(٢) البيت من شواهد تفسير القرطبي، ولم أتعرف على قائله، انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٢١٠.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٤) ديوانه: ١٦، تحق: أبو الفضل ابراهيم. والبيت من معلقته المشهورة.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٤٨٨، وانظر: ي الفحش: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٣، والمفردات: ٣٧٥ - ٣٧٦، والمحرر الوجيز ٢/ ٢٣٧، والبحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢١٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨. [بتصرف بسيط].\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٣. فقال تعالى ذكره لهم: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [سورة المائدة: ١٠٣] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية، (١) أنّ قيلهم: \" إنّ الله حرم هذا! \" من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان، وأنه قد أحلَّه لهم وطيَّبه، ولم يحرم أكله عليهم، ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته، طاعةً منهم للشيطان، واتباعًا منهم خطواته، واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضُّلال وآبائهم الجهال، الذين كانوا بالله وبما أنزل على رسوله جُهالا وعن الحق ومنهاجه ضُلالا - وإسرافًا منهم، كما أنزل الله في كتابه على رسوله ﷺ فقال تعالى ذكره: \" وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنزل اللهُ قَالوا بَلْ نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا \". (تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٤).\n(١١) تفسير الكشاف: ١/ ٢١٣.","vol":"3","page":490},{"text":"قال الصابوني: \" أي وأن تفتروا على الله بتحريم ما أحل لكم وتحليل ما حرّم عليكم فتحلوا وتحرّموا من تلقاء أنفسكم\" (١).\nقال القاسمي: \" أي: بأن تفتروا عليه تعالى بأنه حرّم هذا وذاك بغير علم\" (٢).\nقال البيضاوي: \" كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسًا. وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرِك شرعي فوجوبه قطعي، والظن في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية\" (٣).\nقال المراغي: \" أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من عقائد وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة، ففى كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان، فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع\" (٤).\nقال أبو السعود: \"أي وبأن تفتروا على الله بأنه حرم هذا وذاك ومعنى مالا تعلمون مالا تعلمون إن الله تعالى أمر به\" (٥).\nوقيل: \"وظاهر هذا تحريم القول في دين الله بما لا يعلمه القائل من دين الله، فيدخل في ذلك الرأي والأقيسة والشبهية والاستحسان. قالوا: وفي هذه الآية إشارة إلى ذمّ من قلد الجاهل واتبع حكمه\" (٦).\nقال السعدي: \" فالقول على الله بلا علم، من أكبر المحرمات، وأشملها، وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها، فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده، ويبذلون مكرهم وخداعهم، على إغواء الخلق بما يقدرون عليه\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وجهان (٨):\nأحدهما: أن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرمه الله عليكم.\nوالثاني: أن تجعلوا له شريكًا.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن للشيطان إرادة، وأمرًا؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يأمركم﴾.\n٢ - ومنها: أن الشيطان لا يأمر بالخير؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾؛ وهذا حصر بـ ﴿إنما﴾؛ وهو يوازن: ما يأمركم إلا بالسوء والفحشاء.\n٣ - ومنها: أن الإنسان إذا وقع في قلبه همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان، فليستعذ بالله منه؛ لقوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\n٤ - ومنها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾؛ والقول على الله ﷾ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله؛ هذا جائز؛ ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه.\nالقسم الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال خلافه؛ فهذا حرام؛ وهذا أشد الأقسام لما فيه من محادة الله.\nالقسم الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله؛ وهذا حرام أيضًا.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٢) محاسن التأويل: ١/ ٤٦٧.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٨.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٤٤.\n(٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٨٨.\n(٦) البحر المحيط: ١/ ٤٨٠.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٨٠.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":491},{"text":"فصار القول على الله حرامًا في حالين؛ إحداهما: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، أم لم يقله؛ والثانية: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال خلافه.\nوقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ يشمل القول على الله في ذاته، كالقائلين أنه ﷾ ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق العالم، ولا تحت؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ بل بما يُعلم أن الأمر بخلافه.\nويشمل القول على الله في أسمائه، مثل أن يقول: إن أسماء الله ﷾ أعلام مجردة لا تحمل معاني، ولا صفات: فهو سميع بلا سمع؛ وبصير بلا بصر؛ وعليم بلا علم؛ فهو عليم بذاته - لا بعلم هو وصفه\nويشمل أيضًا من قال في صفات الله ما لا يعلم، مثل أن يثبتوا بعض الصفات دون بعض، فيقولون فيما نفوه: أراد به كذا، ولم يرد به كذا؛ فقالوا على الله بلا علم من وجهين:\nالوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم.\nوالثاني: أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده؛ فقالوا مثلًا: ﴿استوى على العرش﴾ [الأعراف: ٥٤] بمعنى استولى عليه؛ قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم؛ والثاني: إثباتهم أنها بمعنى الاستيلاء بلا علم.\nكذلك يشمل القول على الله بلا علم في أفعاله، مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا، كمثل المنجمين، والخرَّاصين، وشبههم؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته؛ فيقولون: سبب وجود هذا وهذا كذا؛ وهو لا يُعلم أنه سبب له كونًا، ولا شرعًا.\nويشمل أيضًا القول على الله بلا علم في أحكامه؛ مثل أن يقول: «هذا حرام» وهو لا يعلم أن الله حرمه؛ أو «واجب» وهو لا يعلم أن الله أوجبه؛ وهم كثيرون جدًا؛ ومنهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذي يظنون أنهم علماء وليس عندهم علم؛ ومن الأشياء التي مرت عليّ قريبًا، وهي غريبة: أن رجلًا ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق؛ فقال له: «طلق امرأتك طلقتين؛ أنا لا أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]»؛ فقال له الرجل: «اكتب أني طلقت امرأتي مرتين»؛ وهذا جهل مركب منافٍ لمعنى الآية؛ لأن معناها أن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة هو الطلقة الأولى، والطلقة الثانية؛ فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.\nفالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان؛ والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف، والسيادة، والجاه؛ وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله ﷿، ولم يتقدم بين يدي الله ورسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم.\nفإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن عند تعذر اليقين؟\nفالجواب: بلى؛ بشرط أن يكون لهذا الظن أساس شرعي - من اجتهاد، أو تقليد لمن هو أهل لذلك - يبنى عليه؛ فإذا أفتينا بالظن لتعذر اليقين فقد أفتينا بما أذن الله لنا فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ ومعلوم أن القول بغلبة الظن خير من التوقف؛ وكثير من مسائل الفقه التي تكلم فيها الفقهاء، واختلفوا فيها من هذا الباب؛ لأنها لو كانت يقينية لم يحصل فيها اختلاف؛ ثم إن الشيء قد يكون يقينًا عند شخص لإيمانه، وكثرة علمه، وقوة فهمه؛ ومظنونًا عند آخر لنقصه في ذلك.\n٥ - ومنها: تحريم الفتوى بلا علم؛ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله؛ وقد جاء ذلك صريحًا في قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].\n٦ - ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله، وصفاته؛ لأنهم قالوا على الله بلا علم.","vol":"3","page":492},{"text":"٧ - ومنها: وجوب تعظيم الله ﷿؛ لأنه تعالى حرم القول عليه بلا علم تعظيمًا له، وتأدبًا معه؛ وقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ [الحجرات: ١].\nالقرآن\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]\nالتفسير:\nوإذا قال المؤمنون ناصحين أهل الضلال: اتبعوا ما أنزل الله من القرآن والهدى، أصرُّوا على تقليد أسلافهم المشركين قائلين: لا نتبع دينكم، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون عن الله شيئًا، ولا يدركون رشدًا؟\nفي سبب نزول الآية: أخرج ابن إسحاق (١)، والطبري (٢)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، فرغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل الله ﵎ في ذلك من قولهما: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون\" (٣).\nقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: إذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله واتركوا ما أنتم فيه من الضلال والجهل (٤).\nقال الطبري: أي: \"فأحِلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، واجعلوه لكم إمامًا تأتمون به، وقائدًا تَتبعون أحكامه\" (٥).\nقال القرطبي: \" أي بالقبول والعمل\" (٦).\nوقد اختلف أهل التفسير في الضمير في قوله تعالى ﴿لَهُمُ﴾ على ثلاثة أقوال (٧):\nأحدها: أنه عائد على ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] وهم مشركو العرب، وقد سبق ذكرهم.\nوثانيها: أن الضمير عائد على ﴿الناس﴾ من قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مما في الأرض حَلالا طيبًا﴾، وعدل بالخطاب عنهم للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون (٨).وهذا اختيار الطبري (٩)، والبيضاوي (١٠).\nوثالثها: قال ابن عباس: \"نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خير منا، وأعلم منا\" (١١)، فعلى هذا الآية مستأنفة، والكناية في ﴿لهم﴾ تعود إلى غير مذكور، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور.\n_________\n(١) انظر: السيرة\" لابن هشام \"٢/ ٥٥٢\".\n(٢) انظر: تفسيرالطبري (٢٤٤٦): ص ٣/ ٣٠٥.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٥١١): ص ١/ ٢٨١، وانظر: العجاب: ١/ ٤١٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٢١١.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٨، ومفاتيح الغيب: ٥/ ١٨٨.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٤.\n(١٠) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٩.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٥. وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٧.","vol":"3","page":493},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: قالوا: \" بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا\" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" ما وجدناهم عليه\" (٢).\nقال ابن كثير: أي من: \"عبادة الأصنام والأنداد\" (٣).\nقال ابن عثيمين: يعني، بل نتّبع ما وجدنا آباءنا عليه من العقيدة والعمل، حقًا كان أو باطلًا\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وجهان (٥):\nأحدهما: أن المعنى: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من عبادة الأصنام.\nوعلى هذا الوجه، يكون الخطاب لكفار قريش من بني عبدالدار، فتكون (الهاء والميم) في قوله ﴿لهم﴾، عائدة على من في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥].\nالثاني: أن المعنى: بل نتبع ما ألفينا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدين والمنهاج.\nوعلى هذا القول تكون (الهاء والميم) في قوله ﴿لهم﴾، راجعة إلى ﴿الناس﴾ في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾ [البقرة: ١٦٨].\nواختلف في معنى قوله تعالى: ﴿ألفينا﴾ [البقرة: ١٧٠]، على وجهين:\nأحدهما: أنه بمعنى وجدنا. قاله أبو العالية (٦)، وقتادة (٧)، والربيع (٨)، وهو قول الجمهور (٩).\nودليله: قوله تعالى في آية أخرى ﴿بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا﴾ ﴿لقمان: ٢١﴾، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥] وقوله: ﴿إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين﴾ [الصافات: ٦٩] \" (١٠)، ومنه قول الشاعر (١١):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٩.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥١٢): ص ١/ ٢٨١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٨١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٨١.\n(٩) هذا تفسير أبي عبيدة في المجاز: ١/ ٦٣، واليزيدي في غريب القرآن وتفسيره: ٨٦، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٦٨، والطبري في جامع البيان: ٣/ ٣٠٦، والبغوي في معالم التنزيل ١/ ١٨١، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ٤٥، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢١١.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٥/ ٧.\n(١١) البيت لأبي الأسود الدؤلي، انظر: ديوانه: ١٢٣، وهو من شواهد سيبويه \"١/ ٨٥\" وابن جني في الخصائص \"١/ ٣١١\" والزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه \"ص ١٢٣٥\" ورضي الدين في باب التنوين من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة \"٤/ ٥٥٤\" وابن هشام في مغني اللبيب \"رقم ٨٠٨\" وابن الشجري في أماليه \"١/ ٣٤٦\"، ومعاني الفراء: ٢/ ٢٠٢، والمقتضب: ١/ ١٥٧، ومجالس ثعلب: ١٢٣، والخزانة: ١١/ ٣٧٤، والزمخشري في تفسير سورة آل عمران من الكشاف \"١/ ١٥٢ بولاق\".\nوهو من أبيات قالها في امرأة كان يجلس إليها بالبصرة، وكانت برزة جميلة، فقالت له يومًا: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوجك؟ فإني امرأة صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور. قال: نعم. فجمعت أهلها وتزوجته. ثم إنه وجدها على خلاف ما قالت، فأسرعت في ماله، ومدت يدها في خيانته، وأفشت عليه سره، فغدا على من كان حضر تزويجه، فسألهم أن يجتمعوا عنده، ففعلوا. فقال لهم:\nأَرَيْتَ امْرءًا كنتُ لَمْ أَبْلُهُ ... أتَانِي، فَقَالَ: اتّخِذْنِي خليلا\nفخالَلْتَهُ، ثُمَّ صَافيْتُه ... فَلَمْ أَسْتَفِدْ مِنْ لَدُنْهُ فتيلا\nوَأَلفَيْتُهُ حِينَ جَرَّبْتُه ... كَذُوبَ الحَدِيثِ سَرُوقًا بَخِيلا\nفَذَكَّرْتُه، ثُمَّ عَاتبتُهُ ... عِتَابًا رَفِيقًا وَقَوْلًا جَمِيلا\nفَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ... وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلا\nأَلسْتُ حَقِيقًا بِتَوْدِيعِهِ ... وَإتْبَاع ذلِكَ صَرْمًا طَوِيلا؟ !\nقالوا: بلى والله يا أبا الأسود! قال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، وأنا أحب أن أستر ما أنكرت من أمرها. ثم صرفها معهم. قال ابن الشجرى: \" والذي حسن لقائل هذا البيت حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ونصب اسم الله تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة وجر اسم الله - أنه لو أضاف لتعرف بإضافته إلى المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه في التنكير، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وأعمل اسم الفاعل \". واستعجب الرجل: رجع عن الإساءة وطلب الرضا، فهو مستعتب. (انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٦).","vol":"3","page":494},{"text":"فَأَلْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... ولا ذاكر اللهَ إلا قليلًا\nالثاني: أن معناه: صادفنا. قاله الزجاج (١).\nو﴿آباءنا﴾: \"يشمل الأدنى منهم، والأبعد؛ وجوابهم هذا باطل خطأ؛ ولهذا أبطله الله تعالى في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ \" (٢).\nوقرأ الكسائي: ﴿بل نتبع﴾ بإدغام (اللام) في (النون)، وكذلك يدغم لام (هل) و(بل) في (التاء والثاء والزاي والسين والصاد والطاء والظاء) ووافق حمزة في (التاء والثاء والسين) (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: \"أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون شيئا\" (٤)، ولا يهتدون \"للصواب\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \"من التوحيد ومعرفه الرحمن ولا يهتدون للحجة البالغة\" (٦).\nقال ابن كثير: أي: \"ليس لهم فهم ولا هداية! ! \" (٧).\nقال البغوي: \" لفظه عام ومعناه الخصوص\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي أيتبّعون آباءهم ولو كانوا سفهاء أغبياء ليس لهم عقل يردعهم عن الشر ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟ \" (٩).\nقال ابن عثيمين: أي: \" أيتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم في هذه الحال التي لا يستحقون أن يُتَّبعوا فيها لا يعقلون شيئا، ولا يعملون عمل العالم المهتدي؛ وبهذا انتفى عنهم الرشد في العمل؛ والعلم في طريق لا يستحقون أن يتبعوا\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين، ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد. وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل الله\" (١١).\nقال ابن عطية: \" وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد\" (١٢).\nوالمراد بالعقل هنا عقل الرشد؛ لا عقل الإدراك؛ فآباؤهم أذكياء، ويدركون ما ينفعهم، وما يضرهم؛ لكن ليس عندهم عقل رشد، وهو حسن تصرف (١٣).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤١،.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٠، وتفسير البغوي: ١/ ١٨١.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ١٨١.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٩٩.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ١٨١.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٩.\n(١٢) المحرر الوجي: ١/ ٢٣٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢.","vol":"3","page":495},{"text":"وإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف: فهم يبيعون، ويشترون، ويتحرون الأفضل، والأحسن لهم؟\nفيقال: \" ﴿لا يعقلون شيئا﴾، لفظ عام ومعناه الخصوص لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، [ومعناه] لا يعقلون شيئا من أمر الدين ولا يهتدون\" (١).\nقال ابن عثيمين: المعنى: \" أنهم لا يعقلون شيئًا من أمور دينهم، لأن المقام هنا مقام منهاج، وعمل، وليس مقام دنيا، وبيع، وشراء؛ فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿شيئًا﴾ شيئًا من أمور الآخرة؛ وكلا الاحتمالين يرجع إلى معنى واحد\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى؛ لقوله تعالى: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾؛ مع أن آباءهم لا عقل عندهم، ولا هدى.\n٢ - ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له: «اتبع ما أنزل الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا».\n٣ - ومنها: أنه لا يجب الانقياد إلا لما أنزل الله - وهو الكتاب، والحكمة -.\n٤ - ومنها: بيان عناد هؤلاء المستكبرين الذين إذا قيل لهم: ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ قالوا: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ دون أن يقيموا برهانًا على صحته.\n٥ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون﴾.\n٦ - قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، ونظيرها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] الآية. وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما، وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة، فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه، فالضمير في \"لهم\" عائد عليهم في الآيتين جميعا، وقد تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي، وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح، والتقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وعلى هذا فمن قبل قول النبي ﷺ من غير نظر في معجزته يكون مقلدا، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا (٣).\n\n-----------------------------------------------\nانتهى المجلد الثالث من التفسير ويليه المجلد الرابع بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (١٧١) من سورة البقرة.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٠ - ٤١.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢١١.","vol":"3","page":496},{"text":"فهرست المجلد الثالث\nالموضوع ... الصفحة\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٩١]\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ [البقرة: ٩٢]\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٩٣]\n﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ","vol":"3","page":497},{"text":"صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [البقرة: ٩٤]\n﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة: ٩٥]\n﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦]\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ [البقرة: ٩٧]\n﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩]\n﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠]\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]\n﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ١٠٣]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]\n﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]\n﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]\n﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨]\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠]\n﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]\n﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ","vol":"3","page":498},{"text":"يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣]\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]\n﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]\n﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧]\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨]\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩]\n﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١]\n﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ [البقرة: ١٢٢]\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ [البقرة: ١٢٣]\n﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]\n﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]\n﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ","vol":"3","page":499},{"text":"أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]\n﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩]\n﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠]\n﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]\n﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]\n﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]\n﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]\n﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]\n﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]\n﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]\n﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ [البقرة: ١٣٩]\n﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠]\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١]\n﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]\n﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]\n﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا","vol":"3","page":500},{"text":"بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧]\n﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩]\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠]\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١]\n﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤]\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥]\n﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]\n﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]\n﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١]\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦٢]\n﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]","vol":"3","page":501},{"text":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]\n﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦]\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]\n﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩]\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]","vol":"3","page":502},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء الرابع\nسورة البقرة الآية (١٧١ - ٢٢٧)\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"4","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"4","page":2},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾","vol":"4","page":3},{"text":"القرآن\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]\nالتفسير:\nوصفة الذين كفروا وداعيهم إلى الهدى والإيمان كصفة الراعي الذي يصيح بالبهائم ويزجرها، وهي لا تفهم معاني كلامه، وإنما تسمع النداء ودَوِيَّ الصوت فقط. هؤلاء الكفار صُمٌّ سدُّوا أسماعهم عن الحق، بُكْم أخرسوا ألسنتهم عن النطق به، عُمْي لا ترى أعينهم براهينه الباهرة، فهم لا يعملون عقولهم فيما ينفعهم.\nفي سبب نزول الآية ذكر الطبري: أنها نزلت في اليهود، بدليل الآية التي قبلها والآيات التي بعدها (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: \" ومثل داعي الذين كفروا\" (٢) \"كمثل الراعي الذي ينادي\" (٣) بالبهائم التي لا تسمع إلّا دعاء الناعق ونداءه\" (٤).\nقال الزجاج: \" ضرب الله ﷿ لهم هذا المثل، وشبههم بالغنم المنعوق بها، بما لا يسمع منه إلا الصوت\" (٥).\nقال الفراء: أي\" مثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي مثل الذين كفروا فيما ذكر من انهماكهم فيما هم فيه وعدم التدبر فيما ألقي إليهم من الآيات كمثل بهائم الذي ينعق بها وهي لا تسمع منه إلا جرس النغمة ودوي الصوت\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم إِلى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه ويزجرها، فهي تسمع الصوت والنداء دون أن تفهم الكلام\" (٨).\nقال المراغي: \" أي إن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال، وعدم تأملهم فيما يلقى إليهم من الأدلة، مثل البهائم التي ينعق عليها الراعي وهى لا تعقل مما يقول شيئا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتا تقبل لسماع بعضها وتدبر لسماع بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببا للإقبال والإدبار\" (٩).\nقال الزمخشري: \" المعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي: \" و[هي] تحس بالنداء ولا تفهم معناه\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٣ - ٣١٤. والعجاب: ١/ ٤١٨.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٤.\n(٤) محاسن التأويل: ١/ ٤٧١.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٤٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٩٩.\n(٧) تفسير ابي السعود: ١/ ١٩٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠١.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ٤٦.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٢١٤.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٩.","vol":"4","page":4},{"text":"قال السعدي: \" أخبر تعالى، أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت، الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"فهؤلاء الكفار مثلهم، كمثل إنسان يدعو بهائم لا تفهم إلا الصوت دعاءً، ونداءً؛ و«الدعاء» إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه؛ و«النداء» يكون للعموم؛ هناك بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه؛ والنداء العام لجميع البهائم هذا لا يختص به واحدة دون أخرى؛ فتقبل الإبل جميعًا؛ لكن مع ذلك لا تقبل على أساس أنها تعقل، وتفهم، وتهتدي؛ ربما يناديها لأجل أن ينحرها؛ هؤلاء الكفار مثلهم - في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذه الحال التي عليها آباؤهم - كمثل هذا الناعق بالماشية التي لا تسمع إلا دعاءً، ونداءً\" (٢).\nوقوله: ﴿يَنعِق﴾، معناه: يُصوِّت بالغنم، النَّعيق، والنُّعاق، ومنه قول الأخطل (٣):\nفَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ، فَإِنَّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسَكَ فِي الخَلاءِ ضَلالا\nيعني: صوِّت به (٤).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ على طريقين (٥):\nالطريق الأول في الآية: التفسير بإضمار في الآية.\nوقد اختلفوا في تقدير الإضمار على النحو الآتي:\nأولا: فقال: الأخفش (٦)، والزجاج (٧)، وابن قتيبة (٨): أن تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله ﷿؛ فحذف أحد المثلين اكتفاء بالثاني، كقوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئا.\nثانيا: وذكر الفراء: في هذه الآية قولين (٩):\nالقول الأول: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهلها\" (١٠).\nوهذا معنى قول ابن عباس (١١)، وعكرمة (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والربيع (١٥)، وعطاء (١٦)، والسدي (١٧)، وهو اختيار الفراء (١٨).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٨١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٤.\n(٣) ديوانه: ٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨١، وطبقات فحول الشعراء: ٤٢٩، ومجاز القرآن: ٦٤، واللسان (نعق)، وقد ذكر قبله حروب رهطه بني تغلب، ثم قال لجرير: إنما أنت راعي غنم، فصوت بغنمك، ودع الحروب وذكرها. فلا علم لك ولا لأسلافك بها. وكل ما تحدث به نفسك من ذلك ضلال وباطل.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣٠٨ - ٣١٤، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٧ - ١٩٨، والبحر المحيط: ١/ ٤٨١، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٢، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٩٩، وتأويل مشكل القرآن: ١٩٩، وغريب القرآن: ٦٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢، ولم أجده في معاني القرآن.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤٢.\n(٨) انظر: تأويل مشكل القرآن: ١٩٩، وتفسير غريب القرآن: ٦٥.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٩٩ - ١٠٠. [بتصرف بسيط].\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٨، وانظر: والمحرر الوجيز: ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٧ - ١٩٨، والبحر المحيط: ١/ ٤٨١، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٢، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٩٩، وتأويل مشكل القرآن: ١٩٩، وغريب القرآن: ٦٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٥١)، و(٢٤٥٢)، و(٢٤٥٣): ص ٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤٥٠): ص ٣/ ٣٠٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٥٤)، و(٢٤٥٥): ص ٣/ ٣٠٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٥٦)، و(٢٤٥٧): ص ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٥٨): ص ٣/ ٣١٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٤٥٩): ص ٣/ ٣١٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٤٦١): ص ٣/ ٣١٠.\n(١٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٩٩.","vol":"4","page":5},{"text":"وعلى هذا القول: أضيف (المثل) إلى ﴿الذين كفروا﴾، وترك ذكر (الوعظ والواعظ)، لدلالة الكلام على ذلك، كما قال الشاعر (١):\nفَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِير\nيراد به: كما يُسلِّم على الأمير (٢).\nالقول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت. وذلك أنه لو قيل له: اعتلف، أورِدِ الماء، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله، فكذلك الكافر، مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه - مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على الناعق، كما قال نابغة بني ذبيان (٣):\nوَقَدْ خِفْتُ، حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي المَطَارَة عَاقِلِ\nوالمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي، وكما قال الآخر نابغة الجعدي (٤):\nكَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ، كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ\nوالمعنى: كما كان الرجمُ فريضة الزنا، فجعل الزنا فريضة الرجم، لوضوح معنى الكلام عند سامعه، وكما قال الآخر (٥):\nإنّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُه ... تَحْلَى بِهِ العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ\nوالمعنى: يَحلى بالعين، فجعله تحلى به العين.\n_________\n(١) لم أتعرف على قائله، وهو من أبيات أربعة في البيان والتبيين ٤: ٥١، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٠٠، وأمالي الشريف ١: ٢١٥. وبعد البيت:\nأَميرٌ يأكُلُ الفَالُوذَ سِرًّا ... ويُطْعِمُ ضيفَهُ خُبْزَ الشَّعِير!\nأتذكُرُ إذْ قَبَاؤك جلْدُ شاةٍ ... وَإِذْ نَعْلاكَ من جِلْدِ البَعِيرِ؟\nفسُبْحان الذي أعطاك مُلْكًا ... وعَلَّمك الجلوسَ على السَّرِير! !\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١١.\n(٣) ديوانه: ٩٠، ومجاز القرآن: ٦٥، ومعاني القرآن للفراء ١: ٩٩، ومشكل القرآن: ١٥١، والإنصاف: ١٦٤، وأمالي بن الشجرى ١: ٥٢، ٣٢٤، وأمال الشريف ١: ٢٠٢، ٢١٦، ومعجم ما استعجم: ١٢٣٨. وهو من قصيدة مضى منها تخريج بيت في هذا الجزء: ٢١٣. وقوله: \" ذي المطارة \" (بفتح الميم)، وهو اسم جبل. وعاقل: قد عقل في رأس الجبل، لجأ إليه واعتصم به وامتنع. والوعل: تيس الجبل: يتحصن بوزره من الصياد. وقد ذكر البكري أنه رأى لابن الأعرابي أنه يعني بذي المطارة (بضم الميم) ناقته، وأنها مطارة الفؤاد من النشاط والمرح. ويعني بذلك: ما عليها من الرحل والأداة. يقول: كأني على رحل هذه الناقة وعلى عاقل من الخوف والفرق.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٢، ومعاني القرآن للفراء ١: ٩٩، ١٣١، ومشكل القرآن: ١٥٣، والإنصاف: ١٦٥، وأمالي الشريف ١: ٢١٦، والصاحبي: ١٧٢، وسمط اللآلي: ٣٦٨، واللسان (زنا). وقال الطبري في ٢: ٣٢٧، \" يعني: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا \".\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٢، ومعاني القرآن للفراء ١: ٩٩، ١٣١، وأمالي الشريف ١: ٢١٦، واللسان (حلا). يقال: \" ما في الحي أحد تجهره عيني \"، أي تأخذه عيني فيعجبني. وفي حديث صفة رسول الله ﷺ يقول علي: \" لم يكن قصيرًا ولا طويلا، وهو إلى الطول أقرب. من رآه جهره \"، أي عظم في عينه.","vol":"4","page":6},{"text":"وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ [القصص: ٧٦]، المعنى: \"أن العصبة تنوء بالمفاتح\" (١).\nونظائر ذلك من كلام العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجِّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحَبَه، لظهور معنى ذلك عند سامعه، فتقول: اعرِض الحوضَ على الناقة، وإنما تعرض الناقة على الحوض، وما أشبه ذلك من كلامها (٢).\nواعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: \"لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يضطر، وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه\" (٣).\nقال الواحدي: \" وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجها ومذهبا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة\" (٤).\nثالثا: أن المعنى: مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه، وهذا قول ابن زيد (٥).\nرابعا: أن المعنى: \" ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها، ولا ينفعه شيء\" (٦).\nوالقول الأول أولى بالصواب، وهو قول ابن عباس، وقد اختاره الإمام الطبري، إذ يقول: \"وأولى التأويل عندي بالآية، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه. وهو أن معنى الآية: ومثل وَعظ الكافر وواعظه، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه، فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه، على ما قد بينا قبل ... وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن هذه الآية نزلت في اليهود، وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها، ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها. ولا وجه - إذ كان ذلك كذلك - لتأويل من\nتأوّل ذلك أنه بمعنى: مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها. فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها، فإنهم هم المعنيون به. فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. هذا، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نزلت، والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نزلت فيهم، وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها اليهود كان عطاء يقول: حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٤ - ١٧٥] \" (٧).\n_________\n(١) معاني القرآن للفراء: ١/ ٩٩ - ١٠٠، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٩٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٠ - ٣١٢، ومعاني القران للفراء: ١/ ٩٩.\n(٣) تأويل مشكل القرآن: ٢٠٠، وانظر: البحر المحيط: ١/ ٤٨٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٤٩٢.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٦٢): ص ٣/ ٣١٣.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٣، وانظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٣ - ٣١٥.","vol":"4","page":7},{"text":"الطريق الثاني في الآية: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، وفيه وجهان (١):\nأحدهما: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضى على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا هاهنا.\nالثاني: أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة. وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (٢).\nقوله تعالى: ﴿صُمٌّ﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: \"صُمٌّ عن سماع الحق\" (٣).\nقال الصابوني: \"أي هم كالصم لا يسمعون خيرًا\" (٤).\nقال الماوردي: \" أي: صم عن الوعظ فلا يسمعونه\" (٥).\nقال ابن عباس: \" لا يسمعون الهدى\" (٦). وروي نحوه عن السدي (٧)، وقتادة (٨)، وأبي مالك (٩).\nفهؤلاء \"فى عدم سماعهم للحق الذى دعوا إليه، كالصم الذين لا يسمعون، وهو تشبيه حالهم المعنوية فى عدم سماعهم لدعوة الحق إذا نادى المنادى به بحال الأصم الذى لا يسمع شيئا\" (١٠).\nو(الصمم) في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، (١١) قال الشاعر (١٢):\nفليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب\nقوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: \"بُكْمٌ لا يتفوهون بالحق\" (١٣).\nفشبّه حالهم \"فى عدم نطقهم بالحق، واستجابتهم له بحال الابكم الذى لا يتكلم\" (١٤).\nقال الماوردي: أي: \" بكم عن الحق فلا يذكرونه\" (١٥).\nقال الثعلبي: أي: \" بكم عن الخير فلا يقولونه\" (١٦).\nقال الصابوني: أي\" كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم\" (١٧).\nقال قتادة: \" بكم عنه [أي الحق]، فهم لا ينطقون به\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢، والوسيط\" للواحدي ١/ ٢٥٥، ومفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٠، وتفسير القرطبي ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢، والوسيط\" للواحدي ١/ ٢٥٥، ومفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٠، وتفسير القرطبي ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٢٢١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٢): ص ١/ ٥٢، وتفسير الطبري (٢٤٦٦): ٣/ ٣١٦.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣): ص ١/ ٥٣، وتفسير الطبري (٢٤٦٥): ص ٣/ ٣١٦.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤): ص ١/ ٥٣، وتفسير الطبري (٢٤٦٣): ص ٣/ ٣١٦.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٥): ص ١/ ٥٣.\n(١٠) زهرة التفاسير: ١/ ٥٠٥.\n(١١) انظر: اللسان معجم مقاييس اللغة مادة (بكم).\n(١٢) البيت للحصين بن الحمام، ورد في معجم مقاييس اللغو: مادة (بكم)، وانظر: سيرة ابن هشام: ١/ ٩٢، وبكيم: أخرس. ومجرى الكواكب: فلكها الذي تدور فيه.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(١٤) زهرة التفاسير: ١/ ٥٠٥.\n(١٥) النكت والعيون: ١/ ٢٢١.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤): ص ١/ ٥٢.","vol":"4","page":8},{"text":"وقال أبو مالك: \"يعني خرسا عن الكلام بالإيمان، فلا يستطيعون الكلام\" (١).\nقوله تعالى: ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: \"عُمْيٌ عن رؤية طريق الحق ومسلكه\" (٢).\nإذ \" شبه عدم إدراكهم الحق الذي بدت معالمه، وظهر نوره بحال الأعمى الذى لا يبصر، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] \" (٣).\nقال الماوردي: أي: \" عمي عن الرشد فلا يبصرونه\" (٤).\nقال الثعلبي: أي: \" عمي عن الهدي فلا يبصرونه\" (٥).\nقال الصابوني: أي: \"كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله\" (٦).\nقال الزجاج: \" لأنهم في تركهم ما يبصرون من الهداية بمنزلة العمي\" (٧).\nقال ابن عباس: \"لا يبصرونه\" (٨). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (٩)، وقتادة\" (١٠).\nوالعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] (١١).\nوليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (١٢):\nأصم عما ساءه سميع\nأي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره.\nوقال آخر (١٣):\nوَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ\nوقال مسكين الدارمي (١٤):\nأَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ\nوَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ\nفوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٥): ص ١/ ٥٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(٣) زهرة التفاسير: ١/ ٥٠٥.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٢٢١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣١.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٤٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٢): ص ١/ ٥٢، وتفسير الطبري (٢٤٦٦): ٣/ ٣١٦.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣): ص ١/ ٥٢.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٤)، و(١٧٦): ص ١/ ٥٢. ولفظه: \" عمي عنه [أي الحق]، فهم لا يبصرونه\".\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢١٤.\n(١٢) انظر: مجمع الأمثال، أبو هلال العسكري: ٧٦.\n(١٣) حماسة البحترى: ١٧٢. (وعوراء الكلام)، وكانت في المخطوطة: و(عوراء اللام)، وكأن الصواب ما في الحماسة. و(العوراء)، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد.\n(١٤) أمالي المرتضى ١: ٤٣: ٤٤ ثم ٤٧٤، من قصيدة رواها وشرحها، وخزانة الأدب ١: ٤٦٨، وصواب رواية البيت الأول: (جارتى الخدر)، لأن قبله: ما ضر جارى إذ أجاوره أن لا يكون لبيته ستر، ورواية الشطر الثاني: (سمعى، وما بى غيره وقر)، بغير إقواء.","vol":"4","page":9},{"text":"وبذلك فهم صم عن سماع الحق؛ ولكن سماع غيره لا فائدة منه؛ فهو كالعدم؛ وهم بُكم لا ينطقون بالحق؛ ونطقهم بغير الحق كالعدم؛ لعدم نفعه؛ وهم كذلك عُمي لا يبصرون الحق؛ وإبصارهم غير الحق لا ينتفعون به (١).\nقال الرازي: \"فالله تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ! ٧١]، أي: فهم\"لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه (٣).\nقال النسفي: أي: لايفهمون\"الموعظة\" (٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" أي لكونهم صمًا بكمًا عميًا، فهم لا يعقلون عقل رشد - وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم الع قل؛ ورتب الله انتفاء العقل عنهم على كونهم صمًا بكمًا عميًا؛ لأن هذه الحواس وسيلة العقل والإدراك\" (٥).\nقال الآلوسي: \" أي لا يدركون شيئا لفقدان الحواس الثلاثة وقد قيل: من فقد حسا فقد فقد علما\" (٦).\nقال أبو السعود: \" لأن طريق التعقل هو التدبر في مبادي الأمور المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك إنما يحصل باستماع آيات الله ومشاهدة حججه الواضحة والمفاوضة مع من يؤخذ منه العلوم فإذا كانوا صما بكما عميا فقد انسد عليهم أبواب التعقل وطرق الفهم بالكلية\" (٧).\nقال ابن عطية: \" ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم لا يَعْقِلُونَ إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره: علوم ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل\" (٨).\nقال الرازي: \"والمراد العقل الاكتسابي، لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم، والعقل عقلان: مطبوع ومسموع، ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل: من فقد حسا فقد علما\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي لا تسمع إلا صوتًا دعاءً، ونداءً؛ لا تسمع شيئًا تعقله، وتعرف فائدته، ومضرة مخالفته.\n٢ - ومنها: أن هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من حق، ولا يقولون به؛ فهُمْ: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾.\n٣ - ومنها: أن لهؤلاء أمثالًا يدعون بدعوى الجاهلية، كأولئك الذين يدعون إلى القومية: فإن مثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً، ونداءً؛ وهذه الدعوى لا يفكر الدعاة لها فيما يترتب عليها من تفريق المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وكونهم يجعلون الرابطة هي اللغة، أو القومية، فيدخل فيها غير المسلم ممن تشملهم القومية، ويخرج بها مسلمون كثيرون ممن لا تشملهم القومية؛ لكن الرابطة الدينية التي قال الله ﷾ فيها: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]؛ هذه تدخل جميع المؤمنين - ولو من غير العرب -؛ وتخرج من ليس\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٧.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٠.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٤٢.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٥.\n(٦) روح المعاني: ١/ ٤٣٩.\n(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٩٠.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٠.","vol":"4","page":10},{"text":"بمؤمن - ولو كان عربيًا -؛ فهذا إبراهيم ﵇ قال الله ﷿ عنه: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم﴾ [التوبة: ١١٤]؛ وقد حثنا الله ﷿ على التأسي بإبراهيم ﵇، حيث قال ﷾: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: ٤]، ولما قال نوح ﵇: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ [هود: ٤٥] قال الله ﷿ له: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٥]؛ فكون الناس انجرفوا في هذه الدعوى الباطلة - دعوى القومية - هو داخل في هذه الآية: أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]\nالتفسير:\nيا أيها المؤمنون كلوا من الأطعمة المستلَذَّة الحلال التي رزقناكم، ولا تكونوا كالكفار الذين يحرمون الطيبات، ويستحِلُّون الخبائث، واشكروا لله نعمه العظيمة عليكم بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، إن كنتم حقًا منقادين لأمره، سامعين مطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٧٢]، أي: \"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة\" (١).\nقال الصابوني: \" خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" إن وصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، أي: \" كلوا من المستلذات وما طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إِياه\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" اطعَموا من حَلال الرزق الذي أحللناهُ لكم، فطاب لكم بتحليلي إياه لكم، مما كنتم تحرِّمونَ أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" من حلالات ﴿ما رقناكم﴾، من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن، في قوله: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، أما إنه لم يذكر أحمركم وأصفركم ولكنه قال: تنتهون إلى حلاله\" (٧). وروي عن مقاتل (٨) نحو ذلك.\nوالأمر في قوله ﴿كُلُوا﴾، هو للامتنان، والإباحة (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (١٥١٥): ص ١/ ٢٨٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٨٢.\n(٩) قال الرازي: \" اعلم أن الأكل قد يكون واجبا، وذلك عند دفع الضرر عن النفس، وقد يكون مندوبا، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد، فهذا الأكل مندوب، وقد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشيء أن يكون خاليا عن العوارض، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحا وإذا كان الأمر كذلك كان قوله ﴿كلوا﴾ في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة. (تفسير الرازي: ٥/ ١٠).","vol":"4","page":11},{"text":"قال المفسرون: \"هذا أمر إباحة لا ندب، ولا إيجاب، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها\" (١).\nوقد اختلف في دلالة: ﴿مِن﴾ هنا على قولين (٢):\nأحدهما: الظاهر أنها لبيان الجنس؛ والمراد بـ (الطيب): الحلال في عينه، وكسبه.\nوالثاني: وقيل: أنها للتبعيض، والمراد بـ (الطيب): المستلذ، والمستطاب.\nقال صاحب الكشاف: قوله: \" ﴿مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾، من مستلذاته، لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلال\" (٣).\nقلت: وهذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فقد يكون حراما (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، \" أي واشكروا الله على نعمه\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" على نعمته\" (٦).\nقال البقاعي: أي: \"وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطابًا لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل\" (٧).\nقال الرازي: \" قوله: ﴿واشكروا الله﴾ أمر: وليس بإباحة فإن قيل: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضروريا فكيف يمكن إيجابه، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار بالسان والعمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، وذلك أيضا غير واجب، وإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقا للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة\" (٨).\nو(الشكر) في اللغة: الثناء؛ وفي الشرع: القيام بطاعة المنعم؛ وإنما فسرناها بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: \"إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾ \" (٩)؛ فالشكر الذي أُمر به المؤمنون بإزاء العمل الصالح الذي أُمر به المرسلون؛ والقرآن يفسر بعضه بعضًا (١٠).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٥، وانظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٧.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢١٤.\n(٤) قال الرازي: \" احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله تعالى: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾ فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالا لكان قوله: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾ معناه من محللات ما أحللنا لكم، فيكون تكرارا وهو خلاف الأصل، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه.\nفأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى. (تفسير الرازي: ٥/ ١٠).\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(٧) تفسير البقاعي: ١/ ٣١٦.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩١.\n(٩) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ١٩: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم ٢٣٤٦ [٦٥] ١٠١٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٧.","vol":"4","page":12},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، أي\" إِن كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحدًا سواه\" (١).\nقال الطبري: أي: \"إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين\" (٢).\nوقد ذكر الرازي لهذه الآية ثلاثة أوجه من التفسير (٣):\nأحدها: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ إن كنتم عارفين بالله وبنعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته، إطلاقا لإسم الأثر على المؤثر.\nثانيها: معناه: إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات.\nوثالثها: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الذي رزقكم هذه النعم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره.\nقال الواحدي: \" أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج\" (٤).\nقال قتادة: \" كرامة أكرمكم الله بها، فاشكروا لله نعمته\" (٥).\nو(العبادة) هي: التذلل لله ﷿ بالطاعة؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ مأخوذة من قولهم: طريق معبَّد - يعني مذللًا للسالكين -؛ يعني: إن كنتم تعبدونه حقًا فكلوا من رزقه، واشكروا له (٦).\nقال البقاعي: \"ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾، أي وحده، ﴿تَعْبُدُونَ﴾، فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضًا إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر\" (٧).\nقال الإمام الطبري: وأن هذه الآية \"تأكيد للأمر الأول، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا، والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيلُ السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، حيث وجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾.\n٢ - ومنها: الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾؛ وهو للوجوب إن كان الهلاك، أو الضرر بترك الأكل.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٦.\n(٣) انظر: تفسير الرازي: ٥/ ١٠.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥١٦): ص ١/ ٢٨٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٥.\n(٧) تفسير البقاعي: ١/ ٣١٦.\n(٨) المسند (٢/ ٣٢٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩).","vol":"4","page":13},{"text":"٣ - ومنها: أن الخبائث لا يؤكل منها؛ لقوله تعالى: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾؛ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾.\n٤ - ومنها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله؛ وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط؛ لقوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧].\n٥ - ومنها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾؛ فإذا كان هذا الرزق من الله ﷾ فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بها.\n٦ - ومنها: وجوب الشكر لله؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لله﴾.\n٧ - ومنها: وجوب الإخلاص لله في ذلك؛ يؤخذ ذلك من اللام في قوله تعالى: ﴿لله﴾.\n٨ - ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾.\n٩ - ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يؤخذ ذلك من تقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿إياه تعبدون﴾.\n١٠ - ومنها: إثبات رحمة الله ﷾ بعباده من وجهين:\nأولًا: من أمره إياهم بالأكل من الطيبات؛ لأن بذلك حفظًا لصحتهم.\nثانيًا: من قوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾؛ فإن الرزق بلا شك من رحمة الله.\n١١ - ومنها: الرد على الجبرية من قوله تعالى: ﴿كلوا﴾، و﴿اشكروا﴾، و﴿تعبدون﴾؛ كل هذه أضيفت إلى فعل العبد؛ فدل على أن للعبد فعلًا يوجه إليه الخطاب بإيجاده؛ ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إليه بإيجاده من تكليف ما لا يطاق.\n١٢ - ومنها: التنديد بمن حرموا الطيبات، كأهل الجاهلية الذين حرموا السائبة، والوصيلة، والحام.\nالقرآن\n﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]\nالتفسير:\nإنما حرم الله عليكم ما يضركم كالميتة التي لم تذبح بطريقة شرعية، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والذبائح التي ذبحت لغير الله، ومِنْ فَضْلِ الله عليكم وتيسيره أنه أباح لكم أكل هذه المحرمات عند الضرورة. فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء منها، غير ظالم في أكله فوق حاجته، ولا متجاوز حدود الله فيما أُبيح له، فلا ذنب عليه في ذلك. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: \" ما حرَّم عليكم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير\" (١).\nقال الصابوني: \" أي: ما حرّم عليكم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير\" (٢).\nقال الحسن: \" نعم، حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير\" (٣).\nقال ابن عثيمين: أي حرم عليكم أكلها؛ والدليل أنه حرم أكلها الآية التي قبلها: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾؛ فكأنه قال: «كلوا» ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ...﴾ أي فلا تأكلوها\" (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٧. [بتصرف بسيط].\n(٢) ثفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥١٧): ص ١/ ٢٨٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٠.","vol":"4","page":14},{"text":"قال الزجاج: أي\" ما حرم عليكم إلا الميتة، والدم ولحم الخنزير، لأن (إنما)، تأتي إثباتا لما يذكر بعدها لما سواه، قال الشاعر (١):\nأنا الزائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\nالمعنى ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي\" (٢).\nو(التحريم): \"بمعنى المنع\" (٣).\nو﴿الْمَيْتَةَ﴾ في اللغة: \"ما مات حتف أنفه - يعني بغير فعل من الإنسان -؛ أما في الشرع: فهي ما مات بغير ذكاة شرعية (٤)، كالذي مات حتف أنفه؛ أو ذبح على غير اسم الله؛ أو ذبح ولم ينهر الدم؛ أو ذكاه من لا تحل تذكيته، كالمجوسي مثلا (٥).\nقال الواحدي: \"الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح\" (٦).\n_________\n(١) البيت للفرزدق في ديوانه ٢/ ١٥٣؛ وتذكرة النحاة ص ٨٥؛ والجنى الداني ص ٣٩٧؛ وخزانة الأدب ٤/ ٤٦٥؛ والدرر ١/ ١٩٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٨؛ ولسان العرب ١٥/ ٢٠٠ \"قلا\"؛ والمحتسب ٢/ ١٩٥؛ ومعاهد التنصيص ١/ ٢٦٠؛ ومغني اللبيب ١/ ٣٠٩؛ والمقاصد النحوية ١/ ٢٧٧؛ ولأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٤٨؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١١، ١١٤، ٧/ ٢٤٢؛ ولسان العرب ١٣/ ٣١ \"أنن\"؛ وهمع الهوامع ١/ ٦٢.\nورواية الديوان: أَنَا الذائدُ الْحَامِي الذِّمَار وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي\nو(الذائد): المدافع. الأحساب: الشرف والمجد، أو مفاخر الآباء والأجداد. الذمار: كل ما يجب الحفاظ عليه.\nالمعنى: يقول: إنه حامي مجد وشرف ومآثر قومه، ولا يستطيع القيام بهذه المهمة إلا هو ومثله.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٤٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٠.\n(٤) وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي، وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله، ﵇، في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال\" وسيأتي تقرير ذلك في سورة المائدة. ان شاء الله.\n[والحديث: أخرجه ابن ماجه (٣٢١٨) كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٩٧، وعبد بن حميد في \"المنتخب من مسنده\" ص ٢٦٠، والعقيلي في \"الضعفاء الكبير\" ٢/ ٣٣١، والدارقطني في \"سننه\" ٤/ ٢٧٢، وابن عدي في \"الكامل\" ٤/ ٢٧١، والبيهقي في \"سننه\" ١/ ٢٥٤، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" / ٣٩٧، من طريق عبد الرحمن وأسامة وعبد الله بني زيد بن أسلم وبنو زيد متكلم فيهم. وقد صحح الحديث موقوفا أبو زرعة في \"علل الحديث\" ٢١٧١، والبيهقي وهو موقوف له حكم الرفع. ينظر: \"حاشية أبي الطيب على سنن الدارقطني\" ٤/ ٢٧٢، \"السلسلة الصحيحة\" ٣/ ١١١].\nولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في تفسيره هاهنا: يخالط اللبن منها يسير، ويعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع. وقد روى ابن ماجة من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: \"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\". [سنن ابن ماجة برقم (٣٣٦٧) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٢٦) من طريق سيف بن هارون به وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه\". وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفا، قال البخاري: \"وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث\"]. (تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨١).\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٠. وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم؛ وأورد القرطبي عن عائشة أنها سئلت عما يذبحه العجم في أعيادهم فيهدون منه للمسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوه، وكلوا من أشجارهم\". ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة. (تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢).\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٧.وهذا تعريف ناقص، لأنه لم يدخل فيه أيضا ما ذبح بطريقة غير شرعية. والله أعلم.","vol":"4","page":15},{"text":"قال الجصاص: \"الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له\" (١).\nو﴿الدم﴾: \"أراد به الدم الجاري، يدل عليه قوله ﷿: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] مقيد، وهذه الآية مخصوصة بالسنة\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" و«الدم» معروف؛ والمراد به هنا الدم المسفوح دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، ودم الكبد، والقلب؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥] \" (٣).\nقال الراي: وأما ﴿الدم﴾: فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم\" (٤).\nو(الخنزير): \"حيوان معروف قذر؛ قيل: إنه يأكل العذرات\" (٥).\nقال الواحدي: \"أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل\" (٦).\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، على وجهين (٧):\nأحدهما: ﴿الْمَيْتةَ﴾ بالتخفيف، ومعناه فيها التشديد، وهي لغة: مثل: هين وهين، ولين ولين، وكما قال الشاعر (٨):\nلَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ\nفجمع بين اللغتين في بيت واحد، في معنى واحد (٩).\nقال الزجاج: \" والأجود في القراءة: ﴿الميتة﴾، بالتخفيف\" (١٠).\nوالثاني: ﴿الْمَيّتَةَ﴾، بالتشديد، قرأ بها أبو جعفر (١١) في كل القرآن، وحملوها على الأصل، وقالوا: إنما هو (مَيْوِت)، (فيعل)، من الموت، ولكن (الياء) الساكنة و(الواو) المتحركة لما اجتمعتا، و(الياء) مع سكونها متقدمة، قلبت (الواو) (ياء) وشددت، فصارتا (ياء) مشددة، كما فعلوا ذلك في (سيد وجيد)، قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة، والقراءةُ بها على أصلها الذي هو أصلها أولى (١٢).\nقال الطبري: \"الصواب أن التخفيف والتشديد في (ياء) (الميتة) لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب، لأنه لا اختلاف في معنييهما\" (١٣).\n_________\n(١) أحكام القرآن: ١/ ١٣٢.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٠.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٢.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٠.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٨، وانظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٢.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، وتفسير الطبري: ٣١٨ - ٣١٩.\n(٨) البيت لعدي الرعلاء الغساني، والرعلاء أمه، انظر: الأصمعيات: ٥، ومعجم الشعراء: ٢٥٢، وتهذيب الألفاظ: ٤٤٨، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى: ٥١، والخزانة ٤: ١٨٧، وشرح شواهد المغني: ١٣٨. من أبيات جيدة صادقة، يقول بعده:\nإِنَّمَا المَيْتُ مَنْ يَعِيشُ ذَلِيلًا ... كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرّجَاءِ\nفَأُنَاسٌ يُمَصَّصُونَ ثِمَادًا ... وَأُنَاسٌ حُلُوقُهُمْ فِي المَاء\nالثماد الماء القليل يبقى في الحفر. وما أصدق ما قال هذا الأبي الحر.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٤٣.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٩، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.","vol":"4","page":16},{"text":"وفرّق أبو حاتم وغيره، بين لفتي (ميْت) و(ميّت)، من وجهين (١):\nأحدهما: أن (الميْت): بالتخفيف، الذي فارقه الروح.\nالثاني: أن (الميّت): بالتشديد، الذي لم يمت بعد وهو يموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ومنه قول الشاعر (٢):\nلَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ\nقال القرطبي: \"ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت، إلا ما روى البزي عن ابن كثير ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر (٣):\nإِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمِ ... فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِئْ بِزَادِ\nفلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت، والأول أشهر\" (٤).\nكما اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] على وجوه (٥):\nأحدها: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ﴿إنما حرُم﴾، خفيفة الراء مضمومة، و﴿الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزير﴾، رفعا على أن الفعل لها.\nالثاني: وروى عن أبي جعفر: إنه قرأ: ﴿حُرِّم﴾ بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان (٦):\nأحدهما: إن الفاعل غير مسمى.\nوالثاني: وإما على خبر (إن).\nقال الزجاج: \" والذي أختاره أن يكون (ما) تمنع (إن) من العمل، فالاختيار ما عليه جماعة القراء لإتباع السنة، وصحته في المعنى\" (٧).\nوالثالث: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، الرفع على خبر (إن)، وهي قراءة ابن أبي عبلة.\nالرابع: وقرأ الباقون: ﴿حرّم عليكم الميتةَ﴾، نصبا على إيقاع الفعل، وجعلوا ﴿إنما﴾، كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا.\nقوله تعالى: ﴿وما أهلَّ به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: \"وما ذُبح للآلهة والأوثان يُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات والعزّى\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٩، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٤.\n(٢) انظر: الأصمعيات: ٥، ومعجم الشعراء: ٢٥٢، وتهذيب الألفاظ: ٤٤٨، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى: ٥١، والخزانة ٤: ١٨٧، وشرح شواهد المغني: ١٣٨.\n(٣) البيت ليزيد بن الصعق في: أشعار العامريين ٥٨، والحماسة البصرية ٢/ ٢٥٩، ومعجم الشعراء ٤٨٠، والاقتضاب ٢٨٨، وله أو لأبي المهوش (أو المهوس) في اللسان (لفف، لقم)، والتاج (لفف)، ولأبي مهوش الفقعسي أو أبي الهوس الأسدي في الكامل ١/ ١٠٠ (طبعة المعارف)، وبلا نسبة في البيان والتبيين ١/ ١٩٠، ومجمع الأمثال ٢/ ٣٩٥، وعيون الأخبار ٢/ ٢٠٣، وأدب الكاتب ١٣، والمعاني الكبير ٥٨٠، والبيت الثالث لأبي المهوش في رسائل الجاحظ ٢/ ٢٨٣، وبلا نسبة في البيان ٣/ ٣٢١، وثمار القلوب ٢٥٧ (٤٩٣). والأول بلا نسبة في السان (عفر).\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣، ومفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٢.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٣.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٤٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.","vol":"4","page":17},{"text":"قال ابن عثيمين: \"المراد ما ذكر عليه اسم غير الله عند ذبحه مثل أن يقول: (باسم المسيح)، أو (باسم جبريل)، أو (باسم اللات)، ونحو ذلك\" (١).\nقال الزجاج: \" أي ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله عليه وهذا موجود في اللغة، ومنه الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية\" (٢).\nو(الإهلال) هو رفع الصوت (٣).\nقال الأصمعي: \"الإهلال: أصله رفع الصوت، فكل رافع صوته فهو مهل، قال ابن أحمر (٤):\nيهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر\nهذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم: مهل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة، أي: أحرم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها\" (٥).\nومنه الحديث: \"إذا استهل المولود ورث\" (٦).\nقال الطبري: قيل أن العرب كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر: (مُهِلٌّ)، فرفعهم أصواتهم بذلك هو (الإهلال) الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿وما أهِلَّ به لغير الله﴾، ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة ﴿مُهِلّ﴾، لرفعه صوته بالتلبية، واستهلال المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض، كما قال الشاعر (٧):\nظَلَمَ البِطَاحَ لَهُ انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ (٨)\nوقد تعددت عبارات أهلهم العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وما أهلَّ به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]، على وجهين:\nأحدهما: أنه يعني: ما ذبح لغير الله. وهذا قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، ومجاهد (١١)، والضحاك (١٢)، وعطاء (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٩٩.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٣.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ٦٦، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٠، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٧٣، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ١٣٠، الثعلبي ١/ ١٣٤٦، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٩٥، و١٧١٤، ٥/ ٣١٠٢.\nواسمه عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب. ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٧١، و٥٨٠، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٢٣.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٩، وانظر: في الإهلال: تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٩، والثعلبي: ٢/ ٤٤، والمفردات\" ص ٥٢٢، واللسان\" ٨/ ٤٦٨٩.\n(٦) أخرجه أبو داود ص ١٤٤١، كتاب الفرائض، باب ١٨: في المولود يستهل ثم يموت، حديث رقم ٢٩٢٠، وأخرجه بطريق آخر ابن ماجة ص ٢٦٤٢، كتاب الفرائض، باب ١٧: إذا استهل لمولود ورث، حديث رقم ٢٧٥١؛ وقال الألباني في الإرواء: سنده صحيح (٦/ ١٤٩)؛ فالحديث صحيح بشواهده [راجع الإرواء ٦/ ١٤٧ – ١٥٠، حديث رقم ١٢٠٧ والسلسلة الصحيحة للألباني ١/ ٢٣٣ – ٢٣٥، أحاديث رقم ١٥١، ١٥٢، ١٥٣].\n(٧) البيت الحادرة الذبياني، انظر: ديوانه: قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: \" بعيد المقلع \": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: \" ظلم البطاح له \" وقوله: \" له \": أي من أجله.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧١): ص ٣/ ٣٢٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٤٦٨): ص ٣/ ٣٢٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٠): ص ٣/ ٣٢٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٢): ص ٣/ ٣٢٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٤): ص ٣/ ٣٢٠.","vol":"4","page":18},{"text":"والثاني: أن معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله. وهذا قول الربيع بن أنس (١)، وابن زيد (٢)، وعقبة بن مسلم التُّجيبي (٣)، وقيس بن رافع الأشجعي (٤).\nقال الكلبي: \"وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدا، وذبيحته ذبيحة مرتد (٥)، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: فمن \"ألجأته الضرورة للأكل\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات\" (٨).\nقال الرازي: أي: فمن \"أحوج وألجىء، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق\" (٩).\nقال ابن كثير: \" ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة\" (١٠).\nقال الطبري: \" والضرورة فوق الحاجة؛ فالحاجة كمال؛ والضرورة ضرورية يكون الضرر منها، قال الطبري: \" فمن حَلَّت به ضَرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله - وهو بالصفة التي وصفنا - فلا إثم عليه في أكله إن أكله\" (١١).\nقال ابن كثير: \"يقول: فمن أكره على أكله \"بغير اختياره\" (١٢)، فأكله.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وجهان من التفسير (١٣):\nأحدهما: أن المراد: فمن أكره على أكله فأكله فلا إثم عليه، وهذا مذهب مجاهد، إذ قال: \" الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله\" (١٤).\nوالثاني: أن المعنى: فمن احتاج إلى أكله لضرورة دعته من خوف على نفس فلا إثم عليه، وهو قول الجمهور.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، قراءتان (١٥):\nإحداهما: ﴿فمنُ اضطر﴾ بضم النو، قرأ بها نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي.\nوالثانية: وقرأ الباقون بالكسر.\nفالضم للاتباع لضمة (الطاء)، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين، أنه إذا التقى ساكنان كسر الأول منهما (١٦).\nفلما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله (١٧).\nقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، \" أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد\" (١٨).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، على ثلاثة أقاويل (١٩):\nأحدها: غير باغ على الإمام ولا عاد على الأمة بإفساد شملهم، فيدخل الباغي على الإمام وأمته والعادي: قاطع الطريق، وهو معنى قول مجاهد (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١).\nواعترض الإمام الطبري على هذا القول وقد ساق حجتين في ذلك (٢٢):\nإحداها: أن الباغي والعادي، وإن كان كلاهما قد أتى فعلا محرمًا، فإن إتيان هذا الفعل المحرم، لا يجعل قتل أنفسهما مباحًا لهما، إذ هو محرم عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من محارم الله عليهما.\nوالثانية: أن الله قد رخص لكل مضطر أن يأكل مما حرم عليه، فاستثناء الباغي والعادي من رخصة الله للمضطر. لا يعد عنده تحريمًا، بل هو رد إلى ما كان محرمًا عليهما قبل البغي أو العدوان. ومع ذلك فإن هذا الرد إلى ما كان محرمًا عليهما، وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصًا لهما ولكل مضطر قبل البغي والعدوان، فإنه لا يرخص لهما قتل أنفسهما، وهو حرام عليهما قبل البغي والعدوان.\nإذن، فالواجب عليهما أن يتوبا، لا أن يقتلا أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إثمًا إلى إثمهما، وخلافًا إلى خلافهما بالبغي والعدوان أمر الله.\nوالثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد يعني متعديًا بأكلها وهو يجد غيرها، وهو قول قتادة (٢٣)، والحسن (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، والربيع (٢٦)، وابن زيد (٢٧).\nوالثالث: غير باغٍ في أكلها شهوة وتلذذًا ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع، وهو قول السدي (٢٨).\nوالراجح أن ﴿الباغي﴾، هو الطالب لأكل الميتة من غير ضرورة؛ و(العادي) هو المتجاوز لقدر الضرورة؛ يؤيده قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٥): ص ٣/ ٣٢١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٦): ص ٣/ ٣٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٧): ص ٣/ ٣٢١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٧): ص ٣/ ٣٢١.\n(٥) انظر: \"المغني\" ١٢/ ٢٧٦، و\"القول المفيد شرح كتاب التوحيد\" ١/ ٢١٤.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٥٠٠، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٣٢١.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٥/ ١٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٢١.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (٢٤٧٨): ص ٣/ ٣٢١.\n(١٥) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٤ - ١٧٦، ومفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٠٠.\n(١٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٢.\n(١٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ١٢.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٥ وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٩)، و(٢٤٨٠)، و(٢٤٨٤) و(٢٤٨٥)، و(٢٤٨٦): ص ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٨١)، و(٢٤٨٢)، و(٢٤٨٣): ص ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٢٥.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٨٧): ص ٣/ ٤٢٤.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٨٨)، و(٢٤٨٩): ص ٣/ ٤٢٤.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٩٠): ص ٣/ ٤٢٤.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٢٤٩١): ص ٣/ ٤٢٤.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٢٤٩٢): ص ٣/ ٤٢٤.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٢٤٩٣): ص ٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥.","vol":"4","page":19},{"text":"وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، على قولين (١):\nأحدهما: له أن يأكل منها مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشافعي واختيار المزني.\nوالثاني: أن يأكل منها حتى يشبع.\nقال مقاتل بن حيان: \"لا يزداد على ثلاث لقم\" (٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: والله ﷾ أباح لنا الميتة بثلاثة شروط (٣):\n١ - الضرورة.\n٢ - أن لا يكون مبتغيًا – أي طابًا لها -.\n٣ - أن لا يكون متجاوزًا للحد الذي تندفع به الضرورة.\nوبناءً على هذا ليس له أن يأكل حتى يشبع إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب؛ وهذا هو الصحيح؛ ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأكل ما يسد رمقه، ويأخذ شيئًا منها يحمله معه - إن اضطر إليه أكل، وإلا تركه - لكان قولًا جيدًا.\nوفي أصل (البغي) في اللغة أقوال (٤):\nأحدها: الفساد، وتجاوز الحد. قال الليث: \"البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال: فرس باغ\" (٥).\nقال الزجاج: \"يقال: بغى الجرح يبغي بغيا، إذا ترامى إلى فساد، هذا إجماع أهل اللغة\" (٦).\nقال الأصمعي: \" يقال: بغى الجرح يبغي بغيا: إذا ترامى بالفساد\" (٧).\nوالثاني: الظلم والخروج عن الإنصاف. ومنه قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون﴾ [الشورى: ٣٩].\nقال الأصمعي: يقال: \" بغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد\" (٨).\nالثالث: الطلب. والعرب تقول خرج الرجل في بغاء إبلٍ له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر (٩):\nلا يمنعنّك من بغاء الخير تعقادُ التمائم ... إن الأشائم كالأيامن، والأيامن كالأشائم\nقال الزجاج: \" ويقال: ابتغى لفلان أن يفعل كذا: أي صلح له أن يفعل كذا وكأنه قال: طلب فعل كذا فانطلب له، أي طاوعه، ولكن اجتزئ بقولهم - ابتغى\" (١٠).\nوقوله ﴿ولا عاد﴾، فـ (العدو): \"هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عدوا وعدوا وعدوانا وعدا واعتداء وتعديا: ظلمه ظلما مجاوزا للقدر، وعدا طوره: جاوز قدره\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، \"أي: فلا عقوبة عليه\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٦.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٦.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٤، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٥، والنكت والعيون: ١/ ٢٢٣، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٠١، والمفردات: ٦٥ - ٦٦، والبحر المحيط: ١/ ٤٩٠.\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٠١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٣٤٤.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٥٠١.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٥٠١.\n(٩) البيت من شواهد الزجاج في معانيالقرآن: ١/ ٢٤٤، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٢٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٤٤.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ٥٠١ - ٥٠٢، وانظر: \"المفردات\" ص ٣٢٨ - ٣٢٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٠.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٢.","vol":"4","page":20},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: في أكل ذلك\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حَرج\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: إن الله\": \" يغفر الذنوب ويرحم العباد\" (٣).\nقال الصابوني: \" ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة\" (٤).\nقال البيضاوي: أي ﴿غَفُورٌ﴾: \" لما فعل، ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرخصة فيه\" (٥).\nقال القاسمي: أي: إن الله ﴿غفور﴾ \" لما فعل، ﴿رحيم﴾ بالرخصة\" (٦).\nقال الواحدي: \" أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذ بما جعل فيه الرخصة. ﴿رحيم﴾ حيث رخص للمضطر في أكل الميتة\" (٧).\nقال النسفي: أي إن الله ﴿غفور﴾ \" للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار ﴿رَّحِيمٌ﴾ حيث رخص\" (٨).\nقال المراغي: \" أي إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم، رحيم بهم، إذ رخص لهم في تناولها ولم يوقعهم في الحرج والعسر، وجعل الضرورة تقدر بقدرها\" (٩).\nقال السعدي: \" وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة، وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: \"الضرورات تبيح المحظورات \"فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿غفور﴾ لما أكل من الحرام، ﴿رحيم﴾ إذ أحل له الحرام في الاضطرار\" (١١).\nقال مسروق: \"من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار. وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة\" (١٢).\nقال أبو الحسن الطبري - المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا؛ كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك (١٣).\nقال ابن عثيمين: \"هذا تعليل للحكم؛ فالحكم انتفاء الإثم؛ والعلة: ﴿إن الله غفور رحيم﴾؛ ﴿غفور﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة - وقد ورد أن من صيغ المبالغة (فعول) - لكثرة مغفرته ﷾، وكثرة من\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(٢) تفسيرالطبري: ٣/ ٣٢٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٠.\n(٦) محاسن التأويل: ١/! ٩١.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٥٠٤.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٤٥.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ٤٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ٨١.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.","vol":"4","page":22},{"text":"يغفر لهم؛ فالكثرة هنا واقعة في الفعل، وفي المحل؛ في الفعل: كثرة غفرانه لذنوب عباده؛ وفي المحل: كثرة المغفور لهم؛ ويحتمل أن تكون صفة مشبهة؛ و﴿الغفور﴾ مأخوذ من الغَفْر؛ وهو الستر مع الوقاية؛ وليس الستر فقط؛ ومنه سمي «المغفر» الذي يغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر، والوقاية؛ ويدل لذلك قوله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وحاسبه: \"قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم\" (١)، وقوله تعالى: ﴿رَحِيمٌ﴾، صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله ﷾ الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله ﷾ بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١] فهي صفة حقيقية ثابتة لله ﷿؛ وأهل التأويل - والأصح أن نسميهم أهل التحريف - يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ﷾؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ﷾؛ ولا تتضمن نقصًا؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين\" (٢).\nقال الرازي: \"أما قوله تعالى: في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ففيه إشكال وهو أنه لما قال: ﴿فلا إثم عليه﴾ فكيف يليق أن يقول بعده: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم.\nوالجواب: من وجوه أحدهما: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه ﷾\" (٣).\nوهنا مسائل تتعلق بالآية (٤):\n١ - نجاسةُ الميتة حسيةٌ.\n٢ - الذي يعيش في البر والبحر يعطى حكم البر تغليبًا لجانب الحظر.\n٣ - بالنسبة لميتة الآدمي - إذا اضطر إليها الإنسان - اختلف فيها أهل العلم -؛ فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها - ولو اضطر -؛ وقالت الشافعية: «إنه يجوز أكلها عند الضرورة» - وهو الصحيح -.\n٤ - كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة؛ قلنا: «وزالت بها الضرورة» احترازًا مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سمّ - فلا يجوز أن يأكل -؛ لأنه لا تزول بها ضرورته؛ بل يموت به؛ ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له؛ لأنه لا تزول به ضرورته؛ ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حلّ له؛ لأنه تزول به ضرورته.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير لله.\n٢ - ومنها: أن التحريم والتحليل إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في (التفسير، باب وكان عرشه على الماء، ٤٦٨٠)، ومسلم في (التوبة، باب توبة القاتل، ٢٧٦٨) ; عن ابن عمر ﵄.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٤.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٣.","vol":"4","page":23},{"text":"٣ - ومنها: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما﴾؛ لأنها أداة حصر؛ لكن هذا الحصر قد بُين أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء: حرم ما ذبح على النصب - وليس من هذه الأشياء -؛ وحرم النبي ﷺ كل ذي ناب من السباع (١)، وكل ذي مخلب من الطير (٢) - وليس داخلًا في هذه الأشياء -؛ وحرم النبي ﷺ الحمر الأهلية (٣) - وليس داخلًا في هذه الأشياء -؛ فيكون هذا الحصر غير مقصود بدلالة القرآن، والسنة.\n٤ - ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: ﴿والميتة﴾؛ و«أل» هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد - يعني ميتة البحر، والجراد -؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل؛ لقول النبي ﷺ في الميتة: «إنما حرم أكلها» (٤)؛ ويؤيده أن الله ﷾ قال هنا: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ لأن السياق في الأكل؛ ويدخل في تحريم أكل الميتة جميع أجزائها.\n٥ - ومن فوائد الآية: تحريم الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿والدم﴾.\n٦ - ومنها: تحريم لحم الخنزير؛ لقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾؛ وهو شامل لشحمه، وجميع أجزائه؛ لأن اللحم المضاف للحيوان يشمل جميع أجزائه؛ لا يختص به جزء دون جزء؛ اللهم إلا إذا قُرن بغيره، مثل أن يقال: «اللحم، والكبد»، أو «اللحم، والأمعاء»، فيخرج منه ما خصص.\n٧ - ومنها: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾.\n٨ - ومنها: تحريم ما ذبح لغير الله - ولو ذكر اسم الله عليه -، مثل أن يقول: «بسم الله والله أكبر؛ اللهم هذا للصنم الفلاني»؛ لأنه أهل به لغير الله.\n٩ - ومنها: أن الشرك قد يؤثر الخبثَ في الأعيان - وإن كانت نجاسته معنوية -؛ هذه البهيمة التي أَهل لغير الله بها نجسة خبيثة محرمة؛ والتي ذكر اسم الله عليها طيبة حلال؛ تأمل خطر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوسات؛ وهو جدير بأن يكون كذلك؛ لهذا قال الله ﷿: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] مع أن بدن المشرك ليس بنجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي، وفساد عقيدته وطويته صار مؤثرًا حتى في الأمور المحسوسة.\n١٠ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله.\n١١ - ومنها: أن الضرورة تبيح المحظور؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾؛ ولكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين:\nالشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرم.\nالشرط الثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر.\nفإن كان يمكن دفع الضرورة بغيره لم يكن حلالًا، كما لو كان عنده ميتة ومذكاة، فإن الميتة لا تحل حينئذ؛ لأن الضرورة تزول بأكل المذكاة؛ ولو كان عطشان، وعنده كأس من خمر لم يحل له شربها؛ لأن\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٤٧٦، كتاب الذبائح والصيد، باب ٢٩: أكل كل ذي ناب من السباع، حديث رقم ٥٥٣٠؛ ومسلمًا ص ١٠٢٣، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب ٣: باب تحريم اكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، حديث رقم ٤٩٨٨ [١٢] ١٩٣٢.\n(٢) راجع مسلمًا ص ١٠٢٣، كتاب الصيد والذبائح ...، باب ٣: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، حديث رقم ٤٩٩٦ [١٦] ١٩٣٤.\n(٣) راجع البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ٢٨: لحوم الحمر الإنسية، حديث رقم ٥٥٢١، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل لحمه من الحيوان، باب ٥: تحريم أكل لحم الإنسية، حديث رقم ٥٠٠٥.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٤٧٥، كتاب الذبائح والصيد، باب ٢٨: لحوم الحمر الإنسية، حديث رقم ٥٥٢٧؛ ومسلم ص ١٠٢٤، كتاب الصيد والذبائح ...، باب ٥: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، حديث رقم ٥٠٠٧ [٢٣] ١٩٣٦.","vol":"4","page":24},{"text":"ضرورته لا تزول بذلك؛ إذا لا يزيده شرب الخمر إلا عطشًا؛ ولهذا لو غص بلقمة، وليس عنده ما يدفعها به إلا كأس خمر كان شربها لدفع اللقمة حلالًا.\n١٢ - ومن فوائد الآية: إثبات رحمة الله ﷿؛ لأن من رحمة الله أن أباح المحَرَّمَ للعبد لدفع ضرورته.\n١٣ - ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها على أحد الاحتمالين؛ فإن حل الميتة للمضطر يحتمل حالين:\nالأولى: أن نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة، مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل حال حلها، ثم أصبحت بعد تحريمها خبيثة لا تؤكل؛ فالله ﷾ هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء؛ فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطر عبده إليها طيبة.\nالحال الثانية: أنها ما زالت على كونها خبيثة؛ لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة؛ وتكون الضرورة واقية من مضرتها؛ فتناولها للضرورة مباح؛ وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية منه.\nوالحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلبًا للشيء كان هضمه سريعًا، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعامًا على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعامًا وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي ﷺ، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي ﷺ: «تأكل تمرًا وبك رمد» - لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» (١) أي إذا كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي ﷺ، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم - ﵀ -: «إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعًا، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره» (٢).\n١٤ - ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم.\n١٥ - ومن فوائد الآية عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص؛ لقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾، فإنهم قالوا: إن المراد بـ «الباغي» الخارج عن الإمام؛ و«العادي» العاصي بسفره؛ وقالوا: إن العاصي بسفره؛ أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخصة من رخص السفر: فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح الخف ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، ولا يفطر في رمضان؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم تفصيله في كتب الفقه.\nتنبيه:\nقد يقال إنه يستفاد من إباحة المحرم عند الضرورة: وجوب تناوله؛ لأن المحرم لا ينتهك إلا بواجب؛ وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم: قال: إن المحرم إذا انتهك فهو دليل على الوجوب، مثلما قالوا في\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة ص ٢٦٨٤، كتاب الطب، باب ٣: الحمية، حديث رقم ٣٤٤٣، وقال الألباني في صحيح ابن ماجة ٢/ ٣٥٣، حديث رقم ٢٧٧٦: \"حسن\".\n(٢) نقلا عن تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٨.","vol":"4","page":25},{"text":"وجوب الختان: فقد أخذ بعض العلماء الوجوب من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئًا من بدنه حرام؛ والختان قطع شيء من بدنه؛ ولا ينتهك المحرم إلا لشيء واجب؛ فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة؛ ولكنها غير مطردة؛ ولهذا يجوز للمسافر أن يفطر في رمضان؛ والفطر انتهاك محرم مع أن الفطر ليس بواجب.\n١٧ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و«الرحيم»، وما تضمناه من صفة.\n١٨ - ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله ﷾ المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه غفورًا رحيمًا غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته، ورحمه بحلها؛ فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله ﷿ تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و«الصفة»؛ و«الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم - ﵏ -.\nتنبيه: ما أهل به لغير الله أنواع:\nالنوع الأول: أن يهل بها لغير الله فقط، مثل أن يقول: باسم جبريل، أو محمد، أو غيرهما؛ فالذبيحة حرام بنص القرآن - ولو ذبحها لله -.\nالنوع الثاني: أن يهل بها لله، ولغيره، مثل أن يقول: «باسم الله واسم محمد»؛ فالذبيحة حرام أيضًا؛ لأنه اجتمع مبيح، وحاظر؛ فغلب جانب الحظر.\nالنوع الثالث: أن يهل بها باسم الله، وينوي به التقرب، والتعظيم لغيره؛ فالذبيحة حرام أيضًا؛ لأنه شرك.\nوهل يكون ذبح الذبيحة للضيف إهلالًا بها لغير الله؟\nالجواب: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل بلا شك، كما لو ذبح الذبيحة لأولاده ليأكلوها، وإن قصد بذلك التقرب إليه، وتعظيمه تعظيم عبادة فإنه شرك، كالمذبوح على النصب تمامًا، فلا يحل أكلها؛ وقد كان بعض الناس - والعياذ بالله - إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين تعظيمًا له - لا ليأكلها، ثم تترك للناس -؛ وهذا يكون قد ذبح على النصب؛ فلا يحل أكله - ولو ذكر اسم الله عليه -.\nالنوع الرابع: أن لا يهل لأحد - أي لم يذكر عليها اسم الله، ولا غيره؛ فالذبيحة حرام أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولقول النبي ﷺ: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا\" (١).\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤]\nالتفسير:\nإن الذين يُخْفون ما أنزل الله في كتبه من صفة محمد ﷺ وغير ذلك من الحق، ويحرصون على أخذ عوض قليل من عرض الحياة الدنيا مقابل هذا الإخفاء، هؤلاء ما يأكلون في مقابلة كتمان الحق إلا نار جهنم تتأجج في بطونهم، ولا يكلمهم الله يوم القيامة لغضبه وسخطه عليهم، ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم، ولهم عذاب موجع.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٩٧، كتاب الشركة، باب ١٦: من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم، حديث رقم ٢٥٠٧، وأخرجه مسلم ص ١٠٢٩، كتاب الأضاحي، باب ٤: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائل العظام، حديث رقم ٥٠٩٢ [٢٠] ١٩٦٨.","vol":"4","page":26},{"text":"أحدها: قال الواحدي: \" قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: \"نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد - ﷺ - فغيروها ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة فإذا نظرت السفلة إلى النعت المتغير وجدوه مخالفا لصفة محمد - ﷺ - فلا يتبعونه\" (١). وذكره الثعلبي في تفسيره (٢).\nالثاني: قال الثعلبي: \" قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمد ﷺ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنا لنجد في التوراة إن الله ﷿ يبعث نبيا من بعد المسيح يقال له: محمد، يحرم الزنى والخمر والملاهي وسفك الدماء، فلما بعث الله محمدا ﷺ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبي ﷺ، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود\" (٣).\nوالثالث: أخرج الطبري عن قتادة مرسلا: \"قوله: ﴿إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾، الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد ﷺ وأمره\" (٤)، وروي عن الربيع (٥) والسدي (٦) وعكرمة (٧) وأبو العالية (٨)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهٍُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، \" أي إن الذين يخفون ما أنزل الله من وحيه على رسله\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي يخفون صفة النبي ﵇ المذكورة في التوراة وهم اليهود\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: أي: إن الذين يخفون ما أنزل الله على رسله، إذ أن كل رسول معه كتاب من الله ﷿ يهدي به الناس، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥].\nقال ابن كثير: \" يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد ﷺ ونبوّته، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك\" (١٢).\nقال السعدي: \" هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله، من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله، أن يبينوه للناس ولا يكتموه\" (١٣).\n_________\n(١) أسباب النول: ٤٨، ضعيف جدا.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٦.\n(٤) تفسير الطبري (٢٤٩٤): ص ٣/ ٣٢٧.\n(٥) تفسير الطبري (٢٤٩٥): ص ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(٦) تفسير الطبري (٢٤٩٦): ص ٣/ ٣٢٨.\n(٧) تفسير الطبري (٢٤٩٧): ص ٣/ ٣٢٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٣٣): ص ١/ ١٨٥.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ٥١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٢٧.\n(١٣) تفسير السعدي: ٨٢.","vol":"4","page":27},{"text":"وتحتمل (أل) في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وجهان (١):\nأحدهما: أنها للعهد، والمراد بها التوراة؛ ويكون المراد بـ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود؛ لأنهم كتموا ما علموه من صفات النبي ﷺ.\nوالثاني: أنها للجنس؛ فيشمل جميع الكتب: التوراة، والإنجيل، وغيرها؛ ويكون ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ يشمل اليهود، والنصارى، وغيرهما.\nقال ابن عثيمين: \"وهذا الثاني أرجح، لعمومه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٧٤]، \" أي: ويأخذون بدله عوضا حقيرا\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: \" عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي كتموه لأنهم أخذوا على كتمانه الرشى\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"هذا الثمن إما المال؛ وإما الجاه، والرياسة؛ وكلاهما قليل بالنسبة لما في الآخرة\" (٦).\nوقد اختلفوا في الشيء الذي كانوا يكتمونه، وفيه قولان (٧):\nأحدهما: أنهم كانوا يكتمون صفة محمد ﷺ ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس (٨)، وقتادة (٩) والسدي (١٠) والأصم (١١) وأبي مسلم (١٢).\nالثاني: أنهم كتموا الأحكام، وهو قوله تعالى: ﴿إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾ [التوبة: ٣٤]. قاله الحسن (١٣).\nوأما غرضهم في الكتمان، ففيه قولان (١٤):\nأحدهما: أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم. قاله الثعلبي (١٥).\nوالثاني: كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب.\nقال الرازي: \"وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦١.\n(٣) تفسير أبي السعود: ١/ ١٩١.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٧.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٤٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦١.\n(٧) تنظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٤.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٦، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٢٠٤.\n(٩) تفسير الطبري (٢٤٩٤): ص ٣/ ٣٢٧.\n(١٠) تفسير الطبري (٢٤٩٦): ص ٣/ ٣٢٨.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٠٤.\n(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٠٤.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٠٤.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٠٤.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٧.\n(١٦) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٥.","vol":"4","page":28},{"text":"قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ أي: \"إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة\" (١).\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nوفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم\" (٢).\nقال الزجاج: \" المعنى: أن الذين يأكلونه يعذبون به، فكأنهم إنما أكلوا النار وكذلك قوله ﷿: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ أي يصيرهم أكله في الآخرة إلى مثل هذه الحالة\" (٣).\nقال المراغي: \" أي إن أولئك الكاتمين لكتاب الله المتّجرين به، ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلا ما يكون سببا لدخول النار، وانتهاء مطامعهم بعذابها، وقد يكون المعنى: إنه لا تملأ بطونهم إلا النار أي لا يشبع جشعهم إلا النار التي يصيرون إليها على نحو ما جاء في الحديث «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٤)، وهذا الحكم عامّ يصدق على المسلمين كما يصدق على غيرهم، فسنة الله مطردة في تأييد أنصار الحق وخذلان أهل الباطل\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"والإشارة للبعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ لبعد مرتبتهم، وانحطاطها، والتنفير منها\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، \" يعني: أولئك لا يكلمهم الله تكليم رضا\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام؛ ولكنه للكلام المطلق - الذي هو كلام الرضا\" (٨).\nقال المراغي: \" أي إن الله يعرض عنهم ويغضب عليهم، وقد جرت عادة الملوك إذا غضبوا أعرضوا عن المغضوب عليهم ولم يكلموهم، كما أنهم حين الرضا يلاطفون من يرضون عنه، ويقابلونه بالبشاشة والبشر\" (٩).\nقال القرطبي: \"عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، يقال: فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه\" (١٠).\nقال الطبري: \"ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون، فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم، لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيتين [سورة المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] \" (١١).\nقال الصابوني: \" أي لا يكلمهم كلام رضىً كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله ﴿اخسئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] \" (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٥٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة ﵂.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٤٥.\n(٤) صحيح البخاري (٦٠٧٢): ص ٥/ ٢٣٦٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٥١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦١.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦١.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ٥١.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٣٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.","vol":"4","page":29},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وجوه (١):\nأحدها: معناه: يغضب عليهم، كما تقول: فلان لا يكلم فلانا، تريد هو غضبان عليه.\nالثاني: وقيل: المعنى: ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.\nالثالث: أن المعنى: لا يسمعهم الله كلامه، ويكون الأبرار وأهل المنزلة الذين ﵃ يسمعون كلامه. أجازه الزجاج (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤]، أي: \" ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم\" (٣).\nوقال الزجاج: \"لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي لا يطهرهم من دنس الذنوب\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا يثني عليهم بخير\" (٦).\nقال المراغي: \"أي ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة والصفح عنهم إذا ماتوا وهم مصرّون على كفرهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤]؛ \" أي: ولهم عذاب شديد الألم موجع\" (٨).\nقال الطبري: أي \"موجع\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" والعذاب هو النكال، والعقوبة\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب نشر العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون﴾؛ ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.\n٢ - ومنها: أن الكتب منزلة من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾.\n٣ - ومنها: علو الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله﴾؛ فإن لازم النزول من عنده أن يكون ﷾ عاليًا.\n٤ - ومنها: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: ﴿يكتمون﴾، و﴿يشترون﴾؛ فأما من كتم بدون اشتراء؛ أو اشترى بدون كتم فإن الحكم فيه يختلف؛ إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله ﷾: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ وهذا يدل على أن كتمان ما أنزل الله من كبائر الذنوب؛ ولكن لا يستحق ما ذُكر في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وأما الذين يشترون بما أنزل الله من الكتاب ثمنًا قليلًا بدون كتمان فقد قال الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥، ١٦].\nفالناس في كتمان ما أنزل الله ثلاثة أقسام:\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٣٥.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٣٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦٢.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ٥١.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٥١.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٠.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦٢.","vol":"4","page":30},{"text":"القسم الأول: من يكتم العلم بخلًا به، ومنعًا لانتفاع الناس به.\nوالقسم الثاني: من يكتم العلم، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو غير ذلك.\nوالقسم الثالث: من يكتم العلم بخلًا به، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي؛ فيجمع بين الأمرين؛ وهذا شر الأقسام؛ وهو المذكور في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وقد تبين عقوبة كل واحد من هذه الأقسام فيما سبق.\nأما من أظهر العلم لله، وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام؛ وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه، وحاله، وقلمه، ما أنزل الله ﷿؛ والذي يكتم خوفًا إذا كان سيبين في موضع آخر فلا بأس؛ أما الذي يكتم مطلقًا فهذا لا يجوز؛ فيجب أن يبين ولو قُتل - إذا كان يتوقف بيان الحق على ذلك -، كما جرى لبعض أهل السنة الذين صبروا على القتل في بيانها لتعينه عليهم.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن متاع الدنيا قليل - ولو كثر -؛ لقوله تعالى: ﴿ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾.\n٦ - ومنها: إطلاق المسبَّب على السبب؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ هم لا يأكلون النار؛ ولكن يأكلون المال؛ لكنه مال سبب للنار.\n٧ - ومنها: إقامة العدل في الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾؛ فجعل عقوبتهم من النار بقدر ما أكلوه من الدنيا الذي أخذوه عوضًا عن العلم.\n٨ - ومنها: إثبات كلام الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله﴾؛ لأنه لو كان لا يتكلم لا معهم، ولا مع غيرهم، لم يكن في نفي تكليمه إياهم فائدة؛ فنفيه لتكليمه هؤلاء يدل على أنه يكلم غيرهم؛ وقد استدل الشافعي - ﵀ - بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم﴾ [المطففين: ١٥] أي الفجار ﴿عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] برؤية الأبرار له؛ لأنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا لرؤية الأبرار في حال الرضا؛ إذ لو كان لا يُرى مطلقًا لم يكن لذكر حجب الفجار فائدة؛ وكلام الله ﷿ هو الحرف، والمعنى؛ فالله ﷾ يتكلم بكلام بحروف، وصوت؛ وأدلة هذا، وتفصيله مذكور في كتب العقائد.\n٩ - ومن فوائد الآية: أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾؛ لأن تخصيصه بيوم القيامة يدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ وهذه هي الصفات الفعلية؛ لكن أصل الكلام صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا.\n١٠ - ومنها: إثبات يوم القيامة.\n١١ - ومنها: أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي، والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١)؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك.\n١٢ - ومنها: غلظ عقوبة هؤلاء بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم؛ والمراد كلام الرضا؛ وأما كلام الغضب فإن الله تعالى يكلم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾.\n١٣ - ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾.\n١٤ - ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًا، وألمًا جسمانيًا؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الحجر: ٢١، ٢٢].\nالقرآن\n_________\n(١) صحيح البخاري (٢٣٠٩): ٢/ ٨٦٢. من حديث ابن عمر.","vol":"4","page":31},{"text":"﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥]\nالتفسير:\nأولئك المتصفون بهذه الصفات استبدلوا الضلالة بالهدى وعذاب الله بمغفرته، فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار! ! يعجب الله من إقدامهم على ذلك، فاعجبوا -أيها الناس- من جراءتهم، ومن صبرهم على النار ومكثهم فيها. وهذا على وجه الاستهانة بهم، والاستخفاف بأمرهم.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٧٥]، أي: \" أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى\" (١).\nقال الصابوني: \" أي أولئك أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل الإِيمان\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم\" (٣).\nو(الباء) في قوله ﴿بِالْهُدَى﴾: \" للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقدًا، أم عينًا غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك دينارًا بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقًا\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله - لأخذ الضلالة\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، \"أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب\" (٦).\nقال ابن كثير: \"وهو ما تعاطَوْه من أسبابه المذكورة\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي: واستبدلوا الجحيم بالجنة\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضْوَانه\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"فهم أيضًا اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي إن متبع الضلال استحق العذاب بدل المغفرة، وهو باختياره إياه بعد قيام الحجة قد اشترى العذاب بالمغفرة، وكان هو الجاني على نفسه حين اغترّ بالعاجل واستهان بالآجل\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \"فكأن هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و﴿الضلالة﴾ هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما «الهدى» فهو بيان العلم ونشره\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦٦\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦٦\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٤.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٠.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦٦\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٢٨٥.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٤.","vol":"4","page":32},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، \" أي: ما أشدَّ صبرهم على نار جهنم؟ \" (١).\nقال الصابوني: \"وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على اقتراف أنواع المعاصي\" (٢).\nقال أهل المعاني: \"وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به\" (٣).\nوقال السدي: \"هذا على وجه الاستهانة\" (٤).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، على وجوه (٥):\nأحدها: فما أجرأهم وأدومهم على العمل الذي يقرِّبُهم إلى النار. قاله قتادة (٦)، والحسن (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، والربيع (٩).\nالثاني: أن المعنى: فما أعملهم بأعمال أهل النار. وهذا قول مجاهد (١٠).\nالثالث: وقيل: يخبر تعالى أنَّهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجَّبُ من رآهم فيها من صبرهم على ذلك، مع شدة ما هم فيه من العذاب، والنكال، والأغلال عياذًا بالله من ذلك (١١).\nكما اختلفوا في إعراب ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥، وفيه وجهان (١٢):\nأحدهما: أنها تفيد الاستفهام، ومعناه: التوبيخ، أي: ما الذي صبرهم؟ وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ فقيل هذا على وجه الاستهانة.\nوهذا قول السدي (١٣)، وعطاء (١٤)، وأبو العالية (١٥)، وأبوبكر بن عياش (١٦)، وابن زيد (١٧)، ويزيد بن أبي حبيب (١٨).\nومعنى الآية على هذا القول: \"هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد - حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا؟ \" (١٩).\nالثاني: أنها تفيد التعجُّب. واختلفوا في معناه على النحو الآتي:\nأولا: فقال الحسن (٢٠)، وقتادة (٢١)، والربيع (٢٢): والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار. قال: وهذه لغة يمانية.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٥١٠.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٥١٠، وذكره الثعلبي: ٢/ ٤٨، ولم ينسبه، وكذا القرطبي ٢/ ٢٣٦، وقد أخرج الطبري عن السدي وعطاء وابن زيد وأبي بكر بن عياش وابن زيد نحوه.، انظر: تفسير الطبري: (٢٥٠٧)، و(٢٥٠٨)، و(٢٥٠٩)، و(٢٥٠١٠): ص ٣/ ٣٣٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٨٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٠)، و(٢٥٠١): ص ٣/ ٣٣١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٢): ص ٣/ ٣٣١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٣): ص ٣/ ٣٣١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٤): ص ٣/ ٣٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٥)، و(٢٥٠٦): ص ٣/ ٣٣٢.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٨٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٧): ص ٣/ ٣٣٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٨): ص ٣/ ٣٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٣٧): ص ١/ ٢٨٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٩): ص ٣/ ٣٣٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٥١٠): ص ٣/ ٣٣٢.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٣٧): ص ١/ ٢٨٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٣.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٢): ص ٣/ ٣٣١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٨٤.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٠)، و(٢٥٠١): ص ٣/ ٣٣١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٨٤.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٢٥٠٤): ص ٣/ ٣٣١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨.","vol":"4","page":33},{"text":"ثانيا: وقال الفراء: \"أخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! \" (١) أي ما أجرأك عليه (٢).\nثالثا: وقال المورج: \"فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار لأن هؤلاء كانوا علماء، فان من عاند النبي ﷺ صار من أهل النار\" (٣). ونسبه ابن الجوزي إلى عكرمة والربيع (٤).\nرابعا: قال الكسائي وقطرب: \" معناه ما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم\" (٥).\nخامسا: وقال مجاهد: \"ما أعلمهم بأعمال أهل النار! \" (٦).\nسادسا: وقيل: \"ما أبقاهم في النار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! \" (٧).\nوتفسير الآية على وجه التعجب: \" أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذابَ بالمغفرة \"، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك - على ما يوجب لهم النار! كما قال تعالى ذكره: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [سورة عبس: ١٧]، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه (٨).\nوالراجح -والله أعلم- أن (ما) تعجبية، والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار، فلا شكّ بأن \"انهماكهم في العمل الذي يوصلهم إلى النار المبين فى الآيتين السالفتين هو مثار العجب، فسيرهم في الطريق التي يجرهم إليها، وعدم مبالاتهم بمآل أعمالهم، دليل على أنهم يطيقون الصبر عليها، وتلك حال تستحق العجب أشد العجب، وأعجب من ذلك أن يرضاها عاقل لنفسه ومثل هذا الأسلوب ما يقال لمن يتعرض لما يوجب غضب ملك من الملوك: ما أصبرك على القيد والسجن! أي إنه لا يتعرض لمثل هذا إلا من هو شديد الصبر على العذاب\" (٩).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان:\nالسؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب - وليس هو موصوفًا بالعجب؛ أو أنه من الله -؟\nالسؤال الثاني: أن قوله: ﴿فما أصبرهم﴾ يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ وينادون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟\nوالجواب عن السؤال الأول: - وهو أهو تعجب، أو تعجيب -: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله ﷿؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلًا، ولا سمعًا - أي لا مانع يمنع من أن الله ﷾ يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله تعالى في القرآن: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٠٣.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨، وانظر: والحيري في \"الكفاية\" ١/ ١٠٩، والقرطبي ٢/ ٢١٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/! ٧٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨، وانظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٠٣.\n(٦) أخرجه الطبري: (٢٥١١): ص ٣/ ٣٣٣.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٣.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٢٨٥.","vol":"4","page":34},{"text":"النبي ﷺ؛ والتاء فاعل يعود على الله ﷾ المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه» (١)؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالمًا بالأمر من قبل - وهو محال على الله -؟\nفالجواب: أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها»؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: اعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية.\nوأما الجواب عن السؤال الثاني: - وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار – فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سببًا لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلًا؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: ﴿ما أصبرهم على النار﴾ أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و﴿النار﴾ هي الدار التي أعدها الله ﷾ للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلمًا دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم\" (٢).\n\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم لم يريدوا الهدى؛ وإنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا ...﴾ إلخ.\n٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لإضافة الفعل إلى الفاعل.\n٣ - ومنها: أن كتمان العلم أو بيانه لغرض من الدنيا من الضلال؛ وذلك؛ لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر، والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه، حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم؛ فإنه - أعني العلم - ليس كالمال؛ المال يفنى؛ والعلم يبقى؛ أرأيت الآن في الصحابة ﵃ أناس أغنياء أكثر غنًى من أبي هريرة ﵁ وذِكر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي ﷺ من أحاديث أكثر وأعظم؛ ثم أرأيت منزلة الإمام أحمد بن حنبل، ونحوه من الأئمة مع من في عهدهم من الخلفاء، والوزراء، والأغنياء، هل بقي ذكرهم، كما بقي ذكر هؤلاء الأئمة؟ ! ! فكتمان العلم لا شك أنه ضلالة في الإنسان، وجهالة.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن عقوبة الله لهم ليست ظلمًا منه؛ بل هم الذين تسببوا لها، حيث اشتروا الضلالة بالهدى؛ والله ﷿ ليس بظلام للعبيد.\n٥ - ومنها: أن نشر العلم، وإظهاره، وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، واختيارهم العذاب على المغفرة، والضلالة على الهدى؛ فدل ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب؛ كما أن الذنوب أيضًا تحول بين الإنسان، والعلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان، والمغفرة؛ وقد\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٤/ ١١، حديث رقم ١٦٢٨٨، وابن ماجة ص ٢٤٨٨، كتاب السنة، باب ١٣: فيما أنكرت الجهمية، حديث رقم ١٨١، وكلاهما بلفظ (ضحك ربنا ...)؛ وأما لفظ (عجب ربنا) فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وقال: حديث حسن، وكذلك ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ...).\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٢.","vol":"4","page":35},{"text":"استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان، والعلم بقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]؛ فقال تعالى: ﴿لتحكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله﴾؛ فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم - وهو ظاهر -؛ وبقوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به﴾ [المائدة: ١٣]؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤]؛ فإذا كانت رينًا عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين، وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية.\n٦ - ومن فوائد الآية: إثبات العجب لله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ - على أحد الاحتمالين -؛ وهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية.\nفإذا قال قائل: ما دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟\nفالجواب: أن له سببًا؛ وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله؛ فيكون ما يتفرع عنه كذلك بمشيئة الله.\n٧ - ومنها: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها.\n٨ - ومنها: الإشارة إلى شدة عذابهم، كما يقال في شخص أصيب بمرض عظيم: «ما أصبره على هذا المرض»، أي أنه مرض عظيم يؤدي إلى التعجب من صبر المريض عليه.\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٦]\nالتفسير:\nذلك العذاب الذي استحقوه بسبب أن الله تعالى نزَّل كتبه على رسله مشتملة على الحق المبين، فكفروا به. وإن الذين اختلفوا في الكتاب فأمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، لفي منازعة ومفارقة بعيدة عن الرشد والصواب.\nقوله تعالى تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: ١٧٦]، \" يعني: ذلك العذاب، بأن الله نزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به\" (١).\nقال المراغي: أي: ذلكَ العذابُ لهم في الآخرة، \"الذي تقرّر لهم بسبب أن الكتاب جاء بالحق، والحق لا يغالب، فمن غالبه غلب\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" و﴿الكتاب﴾ المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله\" (٣).\nوقيلَ معنى قوله ﴿ذَلِكَ﴾: \"ذلك الضلالُ\" (٤).\nوقد اختلف أهل التفسير في دلالة اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وذكروا ثلاثة أوجه (٥):\nأحدهما: أن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: فعلُهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار، في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناسَ ما أنزل الله في كتابه، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد ﷺ وأمر دينه من أجل أن الله تبارك تعالى ﴿نزل الكتاب بالحق﴾، وتنزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ١٨٥.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٢٨٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١١٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٤ - ٤٤٥. وتفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨.","vol":"4","page":36},{"text":"الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٦ - ٧] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة (١).\nالثاني: وقيل: معناه: ﴿ذَلِكَ﴾ معلومٌ لهم، بأن الله نزل الكتاب بالحق، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم، والكتابُ حَق.\nقال الطبري: \"كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره، فما أصبرهم عليه معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أن النار للكافرين، وتنزيله حق، فالخبر عن \" ذلك \" عندهم مُضمر\" (٢).\nالثالث: وقيل: معنى ﴿ذَلِكَ﴾، أن الله وصف أهل النار، فقال: ﴿فما أصبرهم على النا﴾، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم، و(هذا) هاهنا عندهم، هي التي يجوز مكانها ﴿ذَلِكَ﴾، كأنه قال: فعلنا ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به. قال: فيكون ﴿ذَلِكَ﴾ - إذا كان ذلك معناه - نصبًا، ويكون رفعًا بالباء.\nوالصواب: أن الله تعالى ذكره أشار بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾، إلى جميع ما حواه قوله: ﴿إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنزلَ الله من الكتاب﴾، إلى قوله: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق﴾، من خبره عن أفعال أحبار اليهود، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك، فقال: هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد ﷺ ونبوته مع علمهم به، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم، وإعدادي لهم العذاب الأليم - بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه (٣).\nفيكون في ﴿ذَلِكَ﴾ حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب:\nوالرفع يكون بالابتداء (٤)، و\"هو إشارة إلى الحكم، كأنه قال: ذلك الحكم بالنار\" (٥)، المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به.\nوأما النصب فمعنى: معناه فعلنا ذلك بهم، \"بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه، وترك ذكر \" فكفروا به واختلفوا \"، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه\" (٦).\nواختلفوا في قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦]، على قولين: (٧)\nأحدهما: أن المعنى: بالعذاب والصِّدقِ أو ببيان الحق (٨)، فحينئذ يكونُ ﴿ذَلِكَ﴾، في موضع الرفع (٩).\nوالثاني: وقيل: هو في محل النصب؛ معناهُ: فعلنا ذلك بهم؛ بأنَّ الله أو لأن الله نزَّلَ الكتابَ بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به؛ فَنُزِعَ الخافضُ.\nقال ابن كثير: \" فهؤلاء فإنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٥\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٥.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٣٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١١٥.\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١١٥.","vol":"4","page":37},{"text":"المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ \" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٦]، \"أي: إن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله ﷿ بحق\" (٢).\nقا الصابوني: \" أي اختلفوا في تأويله وتحريفه\" (٣).\nقال الثعلبي: \" فآمنوا ببعض وكفروا ببعض\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"أي: في الكتاب الذي نزله الله ﷿ بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله ﷾\" (٥).\nواختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وفيه وجهان:\nأحدهما: أنهم الكفار أجمع، اختلفوا في القرآن (٦).\nوالثاني: أنهم أهل الكتاب: (اليهود والنصارى). قاله السدي (٧).\nقال الطبراني: \"وأرادَ بالكتاب: التوراةَ والإنجيلَ وما فيهما من البشارةِ بمُحَمَّدٍ ﷺ وصحَّةِ أمرهِ ودينهِ\" (٨).\nقال الإمام الطبري: \" يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه، وكفروا جميعًا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ. فقال لنبيه محمد ﷺ: إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [سورة البقرة: ١٣٧] \" (٩).\nوالقول الثاني هو الراجح: لأن \"الأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد ﷺ فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم\" (١٠).\nوفي تفسير ﴿الكتاب﴾ [البقرة: ١٧٦]، ثلاثة وجوه (١١):\nالوجه الأول: أنه القرآن، إذ كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة، وآخرون قالوا: إنه سحر، وثالث قال: رجز، ورابع قال: إنه أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام منقول مختلق.\nوالوجه الثاني: أن المراد: التوراة والإنجيل، فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٨، ونقله بتماه البغي في تفسيره: ١/ ١٨٥.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧١.\n(٦) ذكره الرازي، انظر: تفسيره: ٥/ ٢١٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٤١٢): ص ٣/ ٣٣٦).\n(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١١٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٦.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢١٠.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢١٠.","vol":"4","page":38},{"text":"أحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته\nوثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ فذكر كل واحد منهم له تأويلا آخر فاسدا لأن الشيء إذا لم يكن حقا واجب القبول بل كان متكلفا كان كل أحد يذكر شيئا آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الإختلاف.\nوثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: ﴿اختلفوا﴾ من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال: كسب واكتسب، وعمل واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله: ﴿الذين اختلفوا فى الكتاب﴾ الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقوله: ﴿إن فى اختلاف اليل والنهار﴾ [يونس: ٦]، أي كل واحد يأتي خلف الآخر، وقوله: ﴿وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر﴾ [الفرقان: ٦٢]، أي كل واحد منهما يخلف الآخر.\nوالوجه الثالث: أن يكون المراد بـ ﴿الكتاب﴾: \"جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن\" (١).\nقال شيخنا ابن عثيمين: \"\nوقوله تعالى: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، \" أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" لفي خلاف، وضلال طويل\" (٣).\nقال الطبراني: \"أي خلافٍ طويل\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"أي: لفي جانب بعيد عن الحق، وهذا البعد يختلف: فمنهم من يكون بعيدًا جدًا؛ ومنهم من يكون دون ذلك\" (٥).\nقال الزجاج: أي: \" بتباعد بعضهم في مَشَاقَّةِ بعض، لأن إليهود والنصارى هم الَّذين اختلفوا في الكتاب ومشاقتهم بعيدة\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن﴾؛ والباء للسببية؛ وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مائة موضع كلها تفيد إثبات العلة؛ خلافًا للجبرية - الذين يقولون: «إن فعل الله ﷿ ليس لحكمة؛ بل لمجرد المشيئة».\n٢ - ومنها: الثناء على كتب الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب بالحق﴾.\n٣ - ومنها: ثبوت العلو لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب﴾.\n٤ - ومنها: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم - وإن تقاربت أبدانهم.\n٥ - ومنها: أن الاختلاف ليس رحمة؛ بل إنه شقاق، وبلاء؛ وبه نعرف أن ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (٧) لا صحة له؛ وليس الاختلاف برحمة؛ بل قال الله ﷾: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨] أي فإنهم ليسوا مختلفين؛ نعم؛ الاختلاف رحمة\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢١٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٩.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١١٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٤٦.\n(٧) قال الألباني في السلسلة الضعيفة: لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند، فلم يوفقوا (١/ ٧٦ حديث رقم ٥٧).","vol":"4","page":39},{"text":"بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه؛ فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ والخطأ معفو عنه؛ وأما أن يقال هكذا على الإطلاق: «إن الاختلاف رحمة» فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي! ! ! فالصواب أن الاختلاف شر.\n\nالقرآن\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]\nالتفسير:\nليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء، وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوُّعًا -مع شدة حبه- ذوي القربى، واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة، والذين يوفون بالعهود، ومن صبر في حال فقره ومرضه، وفي شدة القتال. أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه.\nفي سبب نزول الآية أقوال (١):\nأحدها: أخرج الطبري عن قتادة: \"كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنزلت: ﴿ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ \" (٢).\nالثاني: وروي عن قتادة أيضا: \" ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله ﷺ عن البر فأنزل الله هذه الآية، وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ دعا الرجل فتلاها عليه، وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق ﴿ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر﴾ الآية\" (٣).\nوالراجح أن الآية نزلت في اليهود والنصارى، لأنه أليق بسياق الآية إذ أن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم. والله تعالى أعلم.\nقال ابن كثير: \" إن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوَّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله ﷿، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه؛ ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، \"أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصورًا في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق والمغرب\" (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى: ليس البر كله في الصلاة\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهه جهة المشرق وجهة المشرق\" (٧).\nقال الثعلبي: \" والبر هنا الإيمان والتقوى\" (٨).\nقال الراغب: \" (البر) خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: ﴿إنه هو البر الرحيم﴾ [الطور: ٢٨]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وذلك ضربان: ضرب في الاعتقاد\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا﴾ البقرة: ١٧٧]، وجهان من القراءة (١٠):\nأحدهما: ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا﴾. بنصب الراء. قرأ بها حَمْزَة وَحده.\nوالثاني: ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا﴾. برفع الراؤ. قرأ بها الباقون.\nوروى حَفْص عَن عَاصِم ﴿لَيْسَ الْبر﴾ مثل حَمْزَة، وروى هُبَيْرَة عَن حَفْص عَن عَاصِم الْوَجْهَيْنِ بِالرَّفْع وَالنّصب (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، \"أي: ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي: وإنما البر الذي يجب الاهتمام به لأنه يؤدي إلى السعادة والفلاح - يكون في الإِيمان بالله (١٣).\nو(الإيمان) في اللغة: \"بمعنى التصديق؛ لكنه إذا قرن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنية، والثبات، والقرار؛ فليس مجرد تصديق؛ ولو كان تصديقًا مطلقًا لكان يقال: آمنه - أي صدقه؛ لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة، والاستقرار لهذا الشيء؛ وإذا عديت باللام - مثل: ﴿فآمن له لوط﴾ [العنكبوت: ٢٦]- فمعناه أنها تضمنت معنى الاستسلام والانقياد (١٤).\nوقوله - تعالى: ﴿﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ...﴾ بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٨، وأسباب النول للواحدي: ٤٩.\n(٢) تفسير الطبري (٢٥١٨): ص ٣/ ٣٣٧.\n(٣) تفسير الطبري (٢٥١٩): ص ٣/ ٣٣٧. وأخرجه وابن المنذر وعبد بن حميد (فتح القدير: ١/ ١٧٣) عن قتادة به مرسلا، وسنده صحيح.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٤.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٤٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٤.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٠.\n(٩) مفردات ألفاظ القرآن: ٢٧٩.\n(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٦.\n(١١) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٦.\n(١٢) صفوة التفقاسير: ١/ ١٠٤.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٦.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٥.","vol":"4","page":40},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]، قراءتان (١):\nالأولى: ﴿ولكنِ البرُّ﴾ بالرفع؛ وعلى هذا تكون ﴿لكن﴾ مهملة غير عاملة.\nوالثانية التي في المصحف: ﴿ولكنَّ البرَّ﴾ بتشديد نون ﴿لكنَّ﴾، فتكون عاملة.\nوإذا قيل: أن ﴿البر﴾ عمل؛ و﴿من آمن﴾ عامل؛ فكيف يصح أن يكون العامل خبرًا عن العمل؟ في هذا أوجه (٢):\nالوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف؛ والتقدير: ولكن البر بر من آمن بالله.\nومنه قولهم: إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة، ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر (حاتم) إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر (الجود) بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع (جوده)، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [سورة يوسف: ٨٢] والمعنى: أهل القرية، وكما قال الشاعر، وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي (٣):\nحَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ\nيريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ عناق، كما يقال: \" حسبت صياحي أخاك \"، يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك (٤).\nالوجه الثاني: أن الآية على سبيل المبالغة؛ وليس فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: (رجل عدل) بمعنى أنه عادل.\nالوجه الثالث: أن نجعل ﴿البر﴾ بمعنى البارّ؛ فيكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البارَّ من آمن بالله. وهذا قول أي عبيدة (٥)، وذكره الفراء (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، \" أي: وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل\" (٧).\nو﴿والملائكة﴾ \"جمع ملَك؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله ﷾ من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أجسام ذوو عقول؛ لقوله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة﴾ [البقرة: ٣٠]؛ ولقوله تعالى في وصف جبريل: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] \" (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٩، وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٤.\n(٣) انظر: نوادر أبي زيد: ١١٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ٦١ - ٦٢، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها. وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه، وهي أبيات ساخرة جياد:\nألم تعجب لذئب بات يسري ... ليؤذن صاحبا له باللحاق\nحسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق\nولو أني دعوتك من قريب ... لعاقك عن دعاء الذئب عاق\nولكني رميتك من بعيد ... فلم أفعل، وقد أوهت بساقي\nعليك الشاء، شاء بني تميم، ... فعافقه، فإنك ذو عفاق\nوقوله \" عناق \" في البيت: هي أنثى المعز، وقوله: \" ويب \" أي ويل. والبغام: صوت الظبية أو الناقة، واستعاره هنا للمعز. وقوله في البيت الثالث \" عاق \"، أي عائق، فقلب، والعقاق: السرعة في الذهاب بالشيء. عافقه: عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٣٩.\n(٥) انظر: كجاز القرآن: ٦٥.\n(٦) انظر: معاني القرآن ١/ ١٠٤.\n(٧) صفة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٥.","vol":"4","page":41},{"text":"و﴿َالْكِتَابِ﴾: \"المراد به الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله ﷿ على كل رسول\" (١).\nقال ابن كثير: ﴿َالْكِتَابِ﴾، هو \"اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين\" (٢).\nو﴿النبيين﴾: \"يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس: قال الله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، \" أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه، شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم\" (٥).\nعن عبد الله بن مسعود: \"أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر\" (٦).\nقال ابن كثير: أي: \"أخرجه، وهو مُحب له، راغب فيه\" (٧).\nو(المال): \"كل عين مباحة النفع سواء كان هذا المال نقدًا، أو ثيابًا، وطعامًا، أو عقارًا، أو أي شيء\" (٨).\nو﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾: \"أي أصحاب القرابة؛ والمراد قرابة المعطي؛ وبدأ بهم قبل كل الأصناف؛ لأن حقهم آكد؛ وقد ذكروا أن القرابة ما جمع بينك وبينهم الجد الرابع\" (٩).\nقال ابن كثير: \"وهم أولى من أعطى من الصدقة، وقد سئل ﷺ حين: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح\" (١٠)، وقال أيضا: \" لصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ \" (١١)، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٨٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٠.\n(٦) أخرجه الطبري (٢٥٢١): ص ٣/ ٣٤٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٦.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٦.\n(١٠) رواه أحمد في المسند: ٨٦٨٧ (٢: ٣٥٨ حلبي): \" عن أبي هريرة: أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول \". وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ٢٨، وقال: \" رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم \".\nوروى الحاكم في المستدرك ١: ٤٠٦، عن أم كلثوم بنت عقبة، قالت: \" قال رسول الله ﷺ: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح \". وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١٦، وقال: \" رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح \"، وذكر قبله أحاديث أخر بنحوه. والكاشح: المبغض: قال ابن الأثير: \" العدو الذي يضمر عداوته، ويطوي عليهما كشحه، أي باطنه \". والكاشح الذي يضمر لك العداوة، كأنه يطويها في كشحه. وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع، أو يعرض عنك بوجهه ويوليك كشحه.\n(١١) سنن الترمذي: في الصدقة على ذي قرابة: ٥٩٤.، والسر في ذلك تقوية الأواصر الاجتماعية، وزيادة الرابطة بين أفراد المجتمع.\n(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٦.","vol":"4","page":43},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وجوه من التفسير (١):\nأحدها: أن يعني أعطى المال في حال صحته ومحبته إياه ونفسه به. يدل عليه قول ابن مسعود\" (٢).\nوالثاني: أنه يعني: على حب الله سبحانه (٣).\nوالثالث: على حب الإيتاء. قاله الحسين بن أبي الفضل (٤).\nوالرابع: وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حب المعطي (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي وأعطى المال أيضًا لليتامى الذين فقدوا آباءهم، والمساكين الذين لا مال لهم، والمسافر المنقطع عن ماله\" (٦).\nو﴿وَالْيَتَامَى﴾، وهم: \"الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: \"لا يُتْم بعد حُلُم\" (٧) (٨).\nو﴿الْمَسَاكِينَ﴾: \"هم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تُسَدُّ به حاجتهم وخلتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فَيُتَصَدق عليه\" (٩) \" (١٠).\nو﴿الْمَسَاكِينَ﴾: \" جمع مسكين؛ وهو الفقير؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله؛ والفقر - أعاذنا الله منه - لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة؛ هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي ﷺ: طرب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره\" (١١) \" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" واعلم أن الفقير بمعنى المسكين؛ والمسكين بمعنى الفقير؛ إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر (١٣)؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة: ﴿إنما الصدقات للفقراء\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٥٢١): ص ٣/ ٣٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٧) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، كتاب الفرائض، باب (لايتم بعد حلم): (٧١٥٣). عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا يتم بعد حلم \". رواه البزار، وفيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف جدا.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.\n(٩) صحيح البخاري برقم (١٤٧٩) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٩).\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.\n(١١) أخرجه مسلم ص ١١٣٥، كتاب البر والصلة، باب ٤٠: فضل الضعفاء والخاملين، حديث رقم ٦٦٨٢ [١٣٨] ٢٦٢٢.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٦.\n(١٣) اختلف أهل العلم في معنى المسكين والفقير والفرق بينهما إلى عدة أقوال أهمها ما يلي:\n١ - أن الفقير أحسن حالا من المسكين.\n٢ - العكس وهو أن المسكين أحسن حالا من الفقير.\n٣ - لا فرق بينهما من حيث المعنى وإن اختلفا في الاسم\nوإلى هذه الأقوال يشير القرطبي في تفسيره: اختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال، فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالًا من المسكين. قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وقال آخرون بالعكس، فجعلوا المسكين أحسن حالًا من الفقير. واحتجوا بقوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملةً من المال. وعضدوه بما روي عن النبي ﷺ أنه تعوذ من الفقر. وروي عنه أنه قال: اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا. فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الخبران، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالًا منه، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مال مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية، ولذلك رهن درعه. ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وللشافعي قول آخر: أن الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم، وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. انتهى منه باختصار.\nوصفة الفقر والغنى تختلف من بلد لآخر ومن زمان لغيره، فكفاية الفقير التي تمنعه الزكاة تكون بحسب عرف بلده ونفقته ونفقة عياله. (انظر: تفسير القرطبي: ٨/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"4","page":44},{"text":"والمساكين ...﴾ [التوبة: ٦٠]؛ لأن الله بدأ به؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلًا منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب\" (١).\n\nو﴿َابْنَ السَّبِيلِ﴾، هو: \"المسافر المجتاز بالرَّجل، \"الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه\" (٢).\nوإنما قيل للمسافر ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾، لملازمته الطريق (٣) - والطريق هو (السبيل) (٤) - فقيل لملازمته إياه في سفره: (ابنه)، كما يقال لطير الماء (ابن الماء) لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور (ابن الأيام والليالي والأزمنة)، ومنه قول ذي الرمة (٥):\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.\n(٣) وقيل: لأنها تبرزه فكأنها ولدته، وهو اسم جنس، أو واحدًا أريد به الجمع، انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٥٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٨٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٩، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٤٨، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٩٨، وهو قول: مجاهد وقتادة في رواية عنهما وأبي جعفر والربيع، انظر: المصادر السابقة. وهناك أقوال أخرى هي:\nأ-أن ابن السبيل الضيف، قاله: قتادة ومجاهد في رواية أخرى عنهما وسعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وابن قتيبة، انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٩، جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤٥، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٥٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٠.\nب-أنه الذي يريد سفرًا ولا يجد نفقة، قال ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٧٩ (ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي)، وكذا ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٦، وليس في النكت والعيون في آية البقرة ولا التوبة، وإنما فيه القولان السابقان والقول الآتي.\n(جـ) أن المراد بابن السبيل: فقراء المسلمين، قاله الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٢٧، وهذا بإطلاق فيه نظر؛ لأن مصارف الزكاة ثمانية منهم الفقراء وابن السبيل، فدل على أن هذا غير ذاك، وأيضًا فإن الآية ذكرت المساكين، وهو لفظ عند الإطلاق يعم الفقراء؛ إذ أنهما متى اجتمعا افترقا، ومتى افترقا اجتمعا، فدل ذلك على أن ابن السبيل شيء آخر غير الفقراء، وإنما ابن السبيل المسافر الذي نفد ماله، والله أعلم.\n(د) أن المراد به: المنقطع في بلد دون بلده وبين البلد الذي انقطع فيه وبين بلده مسافة بعيدة، قاله أبو حنيفة وأحمد وأبو سليمان الدمشقي وأبو يعلى، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٩.\nوالأظهر في ابن السبيل: أنه المسافر المجتاز الذي نفدت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، ويمكن إرجاع الأقوال الأخرى إليه، لأن الآية فيمن يعطون المال، وهم المحتاجون، وهو ضيف حين ينزل على معطيه، وهو راغب بمواصلة السفر، وهو في موقفه هذا من فقراء المسلمين، وهو منقطع لا يمكنه الوصول إلى بلده إلا بإعطائه المال، أما أن يكون مطلق المسافر أو الضيف أو الفقير غير المسافر أو يمكنه الوصول إلى بلده بدون إيتائه المال فلا، والله أعلم.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة اللأزهري: ١٢/ ٤٣٦، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٢٤، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠.\n(٥) ديوابنه: ٤٠١، وهو متعلق ببيت قبله: وَمَاءٍ قَدِيمِ العَهْدِ بالناسِ جنٍ ... كَأَنَّ الدَّبَى مَاءَ الغَضَا فِيهِ يَبْصُقُ\nالآجن المتغير. والدبى: صغار الجراد. والغضى: شجر. كأن الجراد رعته، فبصقت فيه رعيها فهو أصفر أسود. والاعتساف: الاقتحام والسير على غير هدى. والمحلق: العالي المرتفع. وابن الماء: هو طير الغرانيق، يعرف بالكركي، والإوز العراقي، وهو أبيض الصدر، أحمر المنقار، أصفر العين. يقول الأقيشر، يصف مجلس شراب:\nكَأَنَّهُنَّ وأَيْدِي الشَّرْبِ مُعْمَلَةٌ ... إِذَا تَلأْلأَْنَ فِي أَيْدِي الغَرَانِيقِ\nبَنَاتُ ماءِ، تُرى بيضًا جَاجِئُها ... حُمْرًا مَنَاقِرُهَا، صُفْرَ الحَمَالِيقِ\nوالثريا: نجوم كثيرة مجتمعة، سميت بالمفرد. جعلها \" على قمة \"، وذلك في جوف الليل، ترى بيضاء زاهرة.","vol":"4","page":45},{"text":"وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ\nقال العلامة ابن عثيمين: \"والمسافر يكون في حاجة غالبًا، فيحتاج إلى من يعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظًا من الزكاة؛ فابن السبيل هو المسافر؛ وزاد العلماء قيدًا؛ قالوا: المسافر المنقطع به السفر - أي انقطع به السفر؛ فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة؛ فهو والمقيم على حدٍّ سواء؛ فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر\" (١).\nواختلف أهل العلم في صفة (ابن السبيل)، وفيه ثلاثة أقوال (٢):\nأحدهما: أنه الضيفُ. قاله ابن عباس (٣)، سعيد بن جبير (٤)، وقتادة (٥).\nالثاني: أنه المسافر يمر عليك. قاله أبو جعفر (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة في أحد قوليه (٨)، والحسن (٩)، والضحاك (١٠)، والزهري (١١)، والربيع بن أنس (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣).\nالثالث: أنه الذي يريد سفرًا ولا يجد نفقة. حكاه ابن الجوزي وأبو حيان عن الماوردي والشافعي (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، \" أي: الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة (١٥).\nقال الطبري: \" يعني به: المستطعمين الطالبين\" (١٦).\nقال قيس بن كركم: \"سألت ابن عباس عن (السائل)، قال: الذي يسأل\" (١٧).\nقال ابن كثير: ﴿والسائلين﴾: \"وهم: الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال روي: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\" (١٨) \" (١٩).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧، وتفسير الطبري: ٣/ ٣٤٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن ألي حاتم (١٥٥٤): ص ١/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٥٣٣): ص ٣/ ٣٤٥، وابن أبي حاتم: ١/ ٢٨٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٥٣٤): ص ٣/ ٣٤٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٥٣٥) و(٢٥٣٦): ص ٣/ ٣٤٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٥٣٥)، و(٢٥٣٦): ص ٣/ ٣٤٥، وابن أبي حاتم (١٥٥٥): ص ١/ ٢٩٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(١٤) قال ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٧٩ \"ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي\"، وكذا ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٦، وليس في النكت والعيون في آية البقرة ولا التوبة، وإنما فيه القولان السابقان والقول الآتي.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٧.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٥٧): ص ١/ ٢٩٠.\n(١٨) هذا الحديث روي بأسانيد عدة، وأحسن هذه الأسانيد:\n١ - مرسل زيد بن أسلم: فقد روى الإمام مالك في الموطأ (٥/ ١٤٥٠) عنه أن النبي ﷺ قال: \"أَعْطُوا السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ\"، قال ابن عبد البر ﵀:\n\" لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافا بين رواة مالك وليس في هذا اللفظ مسند يحتج به فيما علمت \" انتهى.\n\"التمهيد\" (٥/ ٢٩٤).\n٢ - حديث الحسين بن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\". أخرجه أبو داود (١٦٦٥)، وأحمد (١/ ٢٠١)، وغيرهم من طريق مصعب بن محمد بن شرحبيل، قال حدثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين، عن حسين بن علي به.\nقال الشيخ الألباني ﵀: \"وهذا إسناد ضعيف، ومن جوده فقد أخطأ؛ فإن يعلى بن أبي يحي مجهول، كما قال أبو حاتم وتبعه الحافظ، ومصعب بن محمد: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به. قلت [القائل: الشيخ الألباني]: وقد اختُلف عليه في إسناده \" وفصل الشيخ ﵀ وجوه الاختلاف فيه، ثم قال في آخره، بعد تقرير ضعفه: \"وأما قول الحافظ العراقي: (بسند جيد): فغير جيد؛ لما فيه من الجهالة والاضطراب، كما سبق بيانه \" انتهى. السلسلة الضعيفة (٣/ ٥٥٨ - ٥٦٢)، رقم (١٣٧٨). وانظر: أيضا: التعليق على مسند الإمام أحمد، ط الرسالة (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والحديث قال عنه ابن المديني أيضا: لا أصل له، كما في كشف الخفا (١/ ١٤٤)، وقال عنه الإمام أحمد - أيضا ـ: لا أصل له، كما ذكره ابن الصلاح في مقدمته (١٥٥). والله أعلم.\n(١٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.","vol":"4","page":46},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين: \"وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالًا؛ وإنما كان إعطاؤه من البر؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء؛ ولذلك كان النبي ﷺ لا يُسأل على الإسلام شيئًا إلا أعطاه؛ والسائل نوعان؛ سائل بلسان المقال: وهو الذي يقول للمسؤول: أعطني كذا؛ وسائل بلسان الحال: وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه\" (١).\nوقوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، \" أي: وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: فكاك الرقاب\" (٣).\nقال الطبري: \" بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم.\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر\" (٦).\nوفي وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنهم المكاتبون، يعطون من الصدقات ما يفكون به رقابهم. وهذا اختيار أكثر المفسرين (٧).\nالثاني: أن المراد بها جمع رقبة، والرقبة هي: العبد الذي يشترى فيعتق، قاله ابن عباس في رواية مجاهد عنه، ومالك وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه (٨).\nالثالث: أن المراد بها فداء الأسرى (٩).\nوالأظهر في هذه الآية الحمل على الأقوال الثلاثة جميعها، وأن الآية تشمل كل ذلك، وسبب الخلاف خلاف أهل العلم في هل يجوز إعطاء الزكاة لغير المكاتب من هؤلاء الثلاثة أم لا، فمن قال: نعم عمم، ومن قال: لا قَصَر الرقاب على المكاتبين، وعندي أن الخلاف يمكن أن يكون في آية التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، أما هذه ففيها (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ... وهو عام في الزكاة والتطوع فقصره على الزكاة وتقييد عموم اللفظ به تحكم لا وجه له. والله أعلم (١٠)،\nقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: \"أدام العمل بالصلاة بحدودها\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني وأتم الصلاة المكتوبة\" (١٢)، وروي عن مقاتل بن حيان (١٣) نحو ذلك.\nقال الثعلبي: أي: \" وأقام الصلاة المفروضة\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: يعني \"الإتيان بها مستقيمة؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائمًا مستقيمًا؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها؛ واعلم أن «الصلاة» من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فمعناها في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وصلّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادْعُ لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم؛ ولكنها في الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: \"وأعطا الزكاة على مَا فَرضها الله عليه\" (١٧).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: الزكاة المفروضة\" (١٨). وروي عن مقاتل بن حيان (١٩) نحو ذلك.\nقال الثعلبي: أي: \" وآتى الزكاة الواجبة\" (٢٠).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وجهين (٢١):\nأحدهما: أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠] وقول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧].\nوالثاني: أن يكون المرادُ زكاة المال. قاله سعيد بن جبير (٢٢)، ومقاتل بن حيان (٢٣)، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة؛ وجاء في الحديث أن فاطمة بنت قيس قالت: \" سألت أو سئل النبي ﷺ عن الزكاة، فقال: \"إن في المال لحقا سوى الزكاة\"، ثم تلا هذه الآية التي في البقرة ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، الآية\" (٢٤).\nوالقول الثاني هو الأقرب الى الصواب، وذلك لأنه أليق سبياق الآية. والله أعلم.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" و(الزكاة) أيضًا من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو - أي نما، وزاد؛ وبمعنى الصلاح؛ ومنه قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] أي أصلحها، وقومها؛ لكن في الشرع «الزكاة» هي التعبد ببذل مال واجب في مال\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٥٨): ص ١/ ٢٩٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٧.\n(٧) إذ قال بذلك ابن عباس في رواية أبي صالح عنه، وروي عن علي والحسن وابن زيد والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. انظر: معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٨٧، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٢٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، وقال به ابن جرير في جامع البيان: ٣/ ٣٤٧، والفراء في معاني القرآن: ١/ ٤٤٣، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ١٨٩، والزجاج في معاني القرآن: ٢/ ٤٥٦، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٥٩، وحكى الواحدي في الوسيط: ١/ ٢٦٢ الإجماع عليه ولا يصح، انظر: الإجماع في التفسير للخضيري: ٢١٦ - ٢١٨،\n(٨) انظر: النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٢٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٩٨، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٤٦، التحرير والتنوير لابن عاشور: ١/ ١٣١.\n(١٠) وقد ذهب إلى أن الظاهر حمل الآية على العموم أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٦، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ٩٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٦٠): ص ١/ ٢٩٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٧.\n(١٧) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٧.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٦٠): ص ١/ ٢٩٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(٢٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.\n(٢١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨.\n(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٦٠): ص ١/ ٢٩٠.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٠.\n(٢٤) سنن الترمذي، كتاب الزكاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة (٦٥٩).","vol":"4","page":47},{"text":"مخصوص لطائفة مخصوصة؛ وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريمًا من أهل البذل، والجود، والإحسان؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعًا، وعادة؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال» (١)؛ وتزكي الثواب، كما قال تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل\" (٢) \" (٣)\nقوله تعالى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، \"أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود\" (٤).\nقال سعيد بن حبير: \" يعني: فيما بينهم وبين الناس\" (٥).\nقال الطبري: \" معناه: \"والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" يعني: الموفون بعهدهم وقت العهد\" (٧).\nوعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في الحديث: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\". وفي الحديث الآخر: \"إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: والصابرين في حال الفقر، وفي حال المرض والأسقام، وفي حال القتال والتقاء الأعداء\" (٩).\nقال الصابوني: \"أي والصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي: والصابرين لدى الفقر والشدة، وعند الضر من مرض وفقد أهل وولد ومال، وفي ميادين القتال، ولدى الضرب والطعان ومنازلة الأقران، وخص هذه المواطن الثلاثة مع أن الصبر محمود في جميع الأحوال، لأن من صبر فيها كان في غيرها أصبر فالفقر إذا اشتدت وطأته ضاق به الصدر، وكاد يفضى إلى الكفر، والضرّ إذا برّح بالبدن أضعف الأخلاق والهمم، وفي الحرب التعرض للهلاك بخوض غمرات المنيّة والظفر مقرون بالصبر، وبالصبر يحفظ الحقّ الذي يناضل صاحبه دونه\" (١١).\nوفي تفسير ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ (١٢) [البقرة: ١٧٧]، قولان:\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة، باب ١٩: استحباب العفو والتواضع، حديث ربم ٦٥٩٢ [٦٩] ٢٥٨٨.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١١١، كتاب الزكاة، باب ٨: الصدقة من كسب طيب ...، حديث رقم ١٤١٠، وأخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ١٩: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم ٢٣٤٣ [٦٤] ١٠١٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٦٢): ص ١/ ٢٩١.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٩.\n(٨) رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١١) تفسير المراغي: ٢/ ٥٩.\n(١٢) الباء والهمزة والسين أصل واحد يدل على الشدة وما ضارعها، فالبأس: الشدة في الحرب، يقال: رجل ذو بأس، أي: ذو شجاعة وشدة، والبؤس: الشدة والضنك في العيش، يقال: بَئِس الرجل فهو بائس إذا اشتدت حاجته. انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٣/ ١٠٧، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٣٢٨، الصحاح للجوهري: ٣/ ٩٠٦ - ٩٠٧، لسان العرب لابن منظور: ١/ ١٩٩.\nوانظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٤٥٠، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٩٧، ومن قال: من البؤس قال: المراد بالبأساء: شدة الفقر، ومن قال: من البأس، قال: المراد بالبأساء: شدة القتال، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٠، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٨٨.","vol":"4","page":48},{"text":"أحدهما: أنه الفقر. قاله عبدالله (١)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢).\nوالثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (٣).\nواختلف في قوله: ﴿الضَّرَّاءِ﴾ (٤) [البقرة: ١٧٧]، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه السقم. قاله السدي (٥)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (٦).\nالثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (٧).\nالثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (٨).\nوروي عن عبد الله: ﴿وحين البأس﴾، قال: حين القتال\" (٩). وروي عن سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وأبي العالية وقتادة ومرة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وأبي مالك نحو ذلك (١٠).\nفهؤلاء الموصوفون: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء - المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائمًا يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار - وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية: ﴿الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾ الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد.\nقال الحافظ ابن حجر: إن\" الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى ﴿البر﴾، كما هي داخلة في مسمى الإِيمان\" (١١).\n_________\n(١) انظر: ابن أبي حاتم (١٥٦٣): ص ١/ ٢٩١.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩١.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٤): ص ١/ ٢٩١.\n(٤) عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب ﷺ (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة الأنبياء: ٨٣]. (تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ١/ ٢٩١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٦٩): ص ١/ ٢٩٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٢.\n(١١) الفتح: ١/ ٦٦، وهذا هو الحق في مسألة دخول العمل في مسمى الإيمان، وهو الصحيح عند أهل السنة، وقد جاء في تعظيم قدر الصلاة للمروزي: ١/ ٤١٦ رقم: ٤٠٨ (جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ-إلى قوله-هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال الرجل: ليس عن البر سألتك فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له: الذي قلت لي ...)، وفي سنده انقطاع بين القاسم بن عبد الرحمن وبين أبي ذر، وفيه المسعودي وهو ممن اختلط. انظر: تعليق الأرناؤوط على شرح الطحاوية: ٢/ ٤٨٦، وتعليق د. الفريوائي عليه في تعظيم قدر الصلاة: ١/ ٤١٧. ومسألة دخول العمل في مسمى الإيمان فيها خلاف شهير بين أهل السنة والمرجئة من جهة، وبين أهل السنة والخوارج والمعتزلة من جهة ثانية. فأهل السنة يقولون: بأن العمل جزء من مسمى الإيمان وماهيته، وأنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل، فالإيمان عندهم حقيقة مركبة من اعتقاد القلب وقول اللسان والعمل بالأركان، لكن هذا لا يعني عندهم أن الإيمان لا يحصل إلا بفعل العمل كله، بل قد يكون العبد مؤمنًا مع تخلف بعض العمل، لكنه ينقص إيمانه بقدر ما نقص من عمله، ومعنى ذلك أنه يكفي في وجود الإيمان لدى العبد وجود جنس العمل لا جميعه. والإيمان عند المرجئة: اعتقاد القلب ونطق اللسان فقط، ويخرجون عمل الجوارح عن مسمى الإيمان. والخوارج والمعتزلة يجعلون الإيمان حقيقة واحدة هي: الاعتقاد والنطق والعمل فإذا ذهب عندهم شيء من العمل ذهب الإيمان كله؛ لأنه إما أن يكون موجودًا بكليته أو لا يكون موجودًا، والله أعلم. وانظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ١/ ٣٠٧، شرح الطحاوية لابن أبي العز: ٢/ ٤٧٤، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: ١/ ١٧٢، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١٢٢ - ١٦٣ و٢٩٢ - ٢٩٣، شرح السنة للبغوي: ١/ ٣٨ - ٤٠، التمهيد لابن عبد البر: ٩/ ٢٣٨ و٢٤٣، ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي للحوالي: ١٢٨ - ١٥٠، موقف ابن تيمية من الأشاعرة د. المحمود: ٣/ ١٣٦٥ - ١٣٧٠، منهج ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري لمحمد إسحاق: ٩٣٣ - ٩٣٦.","vol":"4","page":50},{"text":"و(الصبر) في اللغة: \" الحبس؛ ومنه قولهم: فلان قُتل صبرًا - أي حبسًا؛ وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة\" (١).\nومعنى (البأس) في اللغة: \"الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤] وقال: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] وقال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] كل هذا معناه: العذاب\" (٢).\nوقد اختلف أهل العربية في ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، على أقوال (٣):\nأحدها: أن ﴿البأساء والضراء﴾، مصدر جاء على (فعلاء) ليس له (أفعل)، لأنه اسم، كما قد جاء (أفعل) في الأسماء ليس له (فعلاء)، نحو (أحمد)، وقد قالوا في الصفة (أفعل)، ولم يجيء له (فعلاء)، فقالوا: أنت من ذلك أوْجل، ولم يقولوا: (وجلاء).\nوالثاني: أنه اسم للفعل، فإن (البأساء): البؤس، و(الضراء): الضر، وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير (٤):\nفَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ، كُلُّهُمْ ... كَأَحْمَرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ\nيعني فتنتج لكم غلمان شؤم.\nوالثالث: أنه اسم قام مقام المصدر، والدليل على ذلك قوله: لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ (٥)، بغير إجراء، وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.\nوفي نصب: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أقوال:\nأحدها: أنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: وأخص الصابرين أو وأعني الصابرين.\nوالبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه؛ فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق، ويسمى في العربية بالتحول الأسلوبي، فهو يلفت انتباه القارئ الى النص (٦).\nوالثاني: أنه منصوب على تطاول الكلام، ومن شأن العرب أن في تعير الاعراب إذا طال الكلام قاله أبو عيد (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير بان عثيمين: ٢/ ١١٨.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٥٢٨، وانظر تهذيب اللغة: ١/ ٢٥٥ (بأس)، والمفردات: ٧٥، والتفسير الكبير: ٥/ ٤٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٠ - ٣٥٢.\n(٤) (\" ديوانه: ٢٠، من معلقته الفريدة. وهي من أبياته في صفة الحرب، التي قال في بدئها، قبل هذا البيت: وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ\nمَتَى تَبْعَثُوهَا، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً، ... وتَضْرَ، إذا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ\nفَتَعْرُكَكُم عَرْكَ الرَّحَا بِثِفَالِهَا ... وَتلْقَحْ كِشافًا، ثم تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ\n(٥) يقال \" فلان غير أبعد \"، أي لا خير فيه. ويقال: \" ما عند فلان أبعد \" أي لا طائل عنده. قال رجل لابنه: \" إن غدوت على المربد ربحت عنا، أو رجعت بغير أبعد \"، أي بغير منفعة.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٩.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.","vol":"4","page":51},{"text":"الثالث: أنه منصوب عطفًا على ﴿السائلين﴾ (١).\nومعنى الآية: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء.\nقال الطبري: \" وهذا باطل، لأن ظاهر كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول \" (٢).\nالرابع: أنه منصوب على قوله: ﴿ذي القربى﴾، والتقدير: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين. وهذا قول الكسائي (٣).\nالخامس: أنه منصوب على المدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كانهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. قاله الخليل (٤)، والفراء (٥)، واختاره الطبري (٦)، وابن كثير (٧).\nومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، نص عليه سيبويه (٨)، وكما قال الشاعر (٩):\nإلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ\nوَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ\nفنصب \" ليث الكتيبة \" وذا \" الرأي \" على المدح، والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر (١٠):\nفَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَت ... عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ\nغيُوثَ الوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ\nوقول الآخر (١١):\nلا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر\nالنازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ\nفنصبوا (النازلين) و(الطيبين) على المدح (١٢).\n_________\n(١) هذا القول ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٠٨، ورده.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٣.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ٣/ ٥٢٢، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢. قال الفراء:: وإنما امتنع من مذهب المدح -يعني الكسائي- الذي فسرت لك؛ لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنك حين قلت: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾ - إلى قوله: ﴿والمقيمين والمؤتون﴾، كأنك منتظر لخبره، وخبره في قوله: ﴿أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا﴾. والكلام أكثره على ما وصف الكسائي، ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام كالواحد وينظر أيضا: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٣١، وقال: \"وهذا القول خطأ بين\".\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨. فقال:: \"وإنما نُصِبَ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته\"\n(٨) انظر: الكتاب: ٢/ ٦٣ - ٦٥.\n(٩) البيت من شواهد تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣ ولم أتعرف على قائله.\n(١٠) لم أتعرف على قائلهما والبيت من شواهد تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٣. وانظر: معاني القرآن للفراء ١: ١٠٦، وأمالي الشريف ١: ٢٠٦. وقوله: \" تواضعت \"، هو عندي \" تفاعل \" من قولهم: وضع الباني الحجر توضيعًا: نضد بعضه على بعض. ومنه التوضع: وهو خياطة الجبة بعد وضع القطن. ومنه أيضًا: وضعت النعامة بيضها: إذا رثدته ووضعت بعضه فوق بعض، وهو بيض موضع: منضود بعضه على بعض. يقول: ليت السماء قد انضمت على جميعهم، فكانوا من نجومها. وقوله: \" غث منهم وسمين \"، مدح، يعني: ليس فيهم غث، فغثهم حقيق بأن يكون من أهل العلاء.\n(١١) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفَّان، ترثي زوجها ومن قتل معه، في \"ديوانها\" ص ٤٣، \"معاني القرآن\" للفراء، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٤٥٤ (نضر). وفي \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٦٤، لكن قال: (والطيبون) قال الفراء: وربما رفعوا (النازلون) (الطيبون)، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَعَ آخرُ الكلام أوّلَه.\n(١٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٠٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٢٥.","vol":"4","page":52},{"text":"وقول الآخر (١):\nإلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ\nفنصب (ليثَ الكتيبة) على المدح، والاسم قبله مخفوض.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ \"أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا\" (٣).\nقال المراغي: \" أي وأولئك هم الذين جعلوا بينهم وبين سخط الله وقاية، بالبعد عن المعاصي التي توجب خذلان الله في الدنيا، وعذابه في الآخرة\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي صدقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك؛ والصدق هو مطابقة الشيء للواقع؛ فالمخبر بشيء إذا كان خبره موافقًا للواقع صار صادقًا؛ والعامل الذي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص، واتباع صار عمله صادقًا؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباءً صادقًا، وهذه شهادة من الله ﷿؛ وهي أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد ﷾؛ والمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات؛ والإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبتهم\" (٥).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: \" ﴿أولئك الذين صدقوا﴾، يقول: تكلموا بكلام الإيمان وحققوا بالعمل. قال الربيع: فكان الحسن يقول: الإيمان كلام، فحقيقته العمل فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول\" (٦). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٧).\nوروي عن مقاتل بن حيان: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾: إيمانهم وصبروا على طاعة ربهم\" (٨). قال ابن أبي حاتم: \" وفي رواية محمد بن مزاحم زيادة، يعني: النبي ﷺ وأصحابه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: \" وأولئك هم الكاملون في التقوى\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية، هم الذين صدقوا يعني المتقون\" (١١).\nقال ابن كثير: \" لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي: هم القائمون بالتقوى، فهؤلاء الموصوفون قد جمعوا بين البر والتقوى؛ البر: بالصدق؛ والتقوى: بهذا الوصف: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي ﷺ: \"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة\" (١٣)؛ فجمعوا بين البر والتقوى؛\n_________\n(١) البيت بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٥، \"الإنصاف\" ص ٣٧٦، \"الخزانة\" ١/ ٢١٦. والقَرْم: السيد المعظم.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٥٢٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٥٩.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٨٠.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (١٥٧٠): ص ١/ ٢٩٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٧١): ص ١/ ٢٩٢.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٣.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٨.\n(١٣) أخرجه البخاري ص ٥١٤ – ٥١٥، كتاب الأدب، باب ٦٩، قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وما ينهى عن الكذب، حديث رقم ٦٠٩٤؛ وأخرجه مسلم ص ١١٣٣، كتاب البر والصلة، باب ٢٩: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث رقم ٦٦٣٩ [١٠٥] واللفظ لمسلم.","vol":"4","page":53},{"text":"فهذا ما أمر الله به في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]؛ وكرر الإشارة مرة ثانية من باب التأكيد، والمدح، والثناء كأن كل جملة من هاتين الجملتين مستقلة\" (١).\nو(التقوى): \"هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله ﷿ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن البر حقيقة هو الإيمان بالله ... إلخ؛ والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته:\nأما الإيمان بوجوده: فإنه دل عليه الشرع، والحس، والعقل، والفطرة:\nأ - دلالة الشرع على وجوده ﷾ واضحة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب.\nب - دلالة الحس: فإن الله ﷾ يدعى، ويجيب؛ وهذا دليل حسي على وجوده - ﵎، كما في سورة الأنبياء، وغيرها من إجابة دعوة الرسل فور دعائهم، كقوله تعالى: ﴿ونوحًا إذا نادى من قبل فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].\nج - دلالة العقل: أنّ ما من حادث إلا وله محدث، كما قال ﷿: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥]؛ هذا الكون العظيم بما فيه من النظام، والتغيرات، والأحداث لا بد أن يكون له موجِد مُحدِث يحدث هذه الأشياء - وهو الله ﷿؛ إذ لا يمكن أن تَحدث بنفسها؛ لأنها قبل الوجود عدم؛ والعدم - كاسمه لا وجود له؛ ولا يمكن أن يحدثها مخلوق لِما فيها من العظم والعبر.\nد - دلالة الفطرة: فإن الإنسان لو ترك وفطرته لكان مؤمنًا بالله؛ والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ حتى غير الإنسان مفطور على معرفة الرب ﷿.\nوأما الإيمان بربوبيته: فهو الإيمان بأنه وحده الخالق لهذا الكون المالك له المدبر له؛ وقد دل عليه ما سبق من الأدلة على وجوده؛ وقد أقر بذلك المشركون، كما في قوله تعالى: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله﴾؛ إلى غيرها من الآيات الكثيرة.\nوأما الإيمان بألوهيته: فهو الإيمان بأنه لا إله في الوجود حق إلا الله ﷿ وكل ما سواه من الآلهة باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ [الحج: ٦٢]، فالله ﷾ هو الإله الحق.\nوأما الإيمان بأسمائه، وصفاته: فهو الإيمان بما أثبته الله ﷾ لنفسه، أو أثبتته له رسله من الأسماء والصفات إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ وقوله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل: ٦٠] ووجه الدلالة: تقديم الخبر في الآيتين؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن طاعة الله ﷿ من البر.\n٣ - ومنها: أن الإيمان باليوم الآخر من البر؛ ويشمل كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، والكتب\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٨١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٨١.","vol":"4","page":54},{"text":"باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلًا أحيانًا، ومجملًا أحيانًا.\nوالإيمان باليوم الآخر يستلزم الاستعداد له بالعمل الصالح، ولهذا يقرن الله ﷾ الإيمان أن يقوم العبد بطاعته ﷾؛ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخرة، ولكن لا يستعد له فدعواه ناقصة؛ ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد؛ كما أنه لو قيل مثلًا لإنسان عنده حَبٌّ: إنه سينزل اليوم مطر، فظلَّل الحَبّ؛ معلوم أن الذي لا يؤمن بهذا الكلام لن يغطيه؛ كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو، فشدد في الحراسة؛ إذا آمن بأنه سيأتي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن؛ فإذا لم يشدد في الحراسة علمنا أنه لم يؤمن به.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالملائكة من البر؛ ويشمل الإيمان بذواتهم، وصفاتهم، وأعمالهم إجمالًا فيما علمناه إجمالًا، وتفصيلًا فيما علمناه تفصيلًا؛ واعلم أن الملائكة - عليهم الصلاة السلام - منهم من عُين لنا، وعرفناه باسمه؛ ومنهم من لم يعين؛ فمن عين لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه كما عين، مثل «جبريل» ﵇؛ وإسرافيل؛ ومالك - خازن النار -؛ ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ (١) - ففيه نظر -؛ وميكائيل؛ وملك الموت - ولكننا لا نعرف اسمه؛ بعض الناس يقولون: عزرائيل؛ ولكن لم يصح هذا؛ وهاروت، وماروت؛ ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله؛ ومنهم من لم نعلم؛ لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مكرمون، وممتثلون لأمر الله ﷿، لهم نصيب من تدبير الخلق بإذن الله؛ منهم الموكل بالقطر، والبنات؛ والموكل بالنفخ في الصور؛ وفيهم ملائكة موكلة بالأجنة؛ وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم؛ وملائكة موكلة بحفظ بني آدم؛ كما قال تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]؛ لكن كل هذا بأمر الله ﷿ وبإذنه؛ وليس لهم منازعة لله ﷿، ولا معاونة في أي شيء من الكون؛ قال الله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣ فنفى جميع ما يتعلق به المشركون: ﴿لا يملكون مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٢٢] انفرادًا؛ ﴿وما لهم فيهما من شرك﴾ [سبأ: ٢٢] مشاركة؛ ﴿وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢] معاونة؛ ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ: ٢٣]: فنفى الشفاعة، والوساطة إلا بإذنه، ثم قال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣]: وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا؛ فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون؛ لكنهم يمتثلون أمر الله ﷿.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالكتب من البر؛ وكيفيته أن نؤمن بأن كل كتاب أنزله الله على أحد من رسله فهو حق: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام؛ ولكننا لا نكلف بالعمل بما فيها فيما جاءت شريعتنا بخلافه؛ واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥] أي مع هؤلاء الرسل، وقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ فما من رسول إلا معه كتاب؛ والكتب المعروفة لدينا هي التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى، والقرآن الكريم؛ وصحف موسى اختلف العلماء أهي التوراة أو غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها؛ ومنهم من قال: إنها هي؛ وأما ما لم نعلم به فنؤمن به إجمالًا؛ فتقول بقلبك، ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل\n_________\n(١) راجع الترمذي ص ١٧٥٤، كتاب الجنائز، باب ٧٠: ماجاء في عذاب القبر، حديث رقم ١٠٧١؛ وصحيح ابن حبان ٥/ ٤٨، فصل في أحوال الميت في قبره، ذكر الأخبار عن اسم الملكين اللذين يسألان الناس في قبورهم ...، حديث رقم ٣١٠٧؛ وكتاب السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٤٠٢ – ٤٠٣، باب ١٧١: في القبر وعذاب القبر، حديث رقم ٨٦٤، ومدار الحديث على عبد الرحمن بن إسحاق المدني؛ قال الحافظ في التقريب: \"صدوق رمي بالقدرط؛ والحديث قال الألباني في صحيح الترمذي: \"حسن\" (١/ ٣١١، حديث رقم ٨٥٦ – ١٠٨٣)؛ وقال في السلسلة الصحيحة: \"إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وفي ابن إسحاق وهو العامري القرشي مولاهم كلام لا يضر\" (المجلد الثالث، ص ٣٨٠، حديث رقم ١٣٩١).","vol":"4","page":55},{"text":"رسول؛ ثم إن المراد أن نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة؛ وعلى عيسى كتابًا يسمى الإنجيل؛ وعلى داود كتابًا يسمى الزبور؛ أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك؛ لأنه محرف، ومغير، ومبدل؛ لكن تؤمن بأن له أصلًا نزل على هؤلاء الرسل.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالنبيين من البر؛ فنؤمن بكل نبي أوحى الله إليه؛ فمن علمنا منهم نؤمن به بعينه؛ والباقي إجمالًا؛ وقد ورد في حديث صححه ابن حبان أن عدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا؛ وأن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفًا (١)؛ فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به؛ وإن لم يصح فإن الله تعالى يقول: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: ٧٨]؛ ونحن لا نكلف الإيمان إلا بما بلغنا؛ فالذين علمناهم من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم؛ والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالًا، كما قال تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولًا؛ قال تعالى: ﴿ووهبنا له﴾ [الأنعام: ٨٤] أي إبراهيم: ﴿إسحاق ويعقوب كلًّا هدينا ونوحًا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًّا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦]؛ فهؤلاء ثمانية عشر؛ ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد ﷺ.\n٧ - ومن فوائد الآية: أن إعطاء المال على حبه من البر؛ وكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وقال: إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ وعندما سمع أبو طلحة هذه الآية تصدق ببستانه الذي هو أحب شيء إليه من ماله؛ لا لأنه بستانه فقط؛ ولكن لأن الرسول ﷺ كان يأتي إليه، ويشرب فيه من ماء طيب، وكان قريبًا من مسجد الرسول ﷺ؛ ولما نزلت الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ذهب إلى الرسول ﷺ وقال: \"يا رسول الله، إن الله أنزل هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾؛ وإن أحب مالي إليّ «بيرُحاء»؛ وإني أضعها صدقة إلى الله ورسوله؛ فقال النبي ﷺ: بخ! بخ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! أرى أن تجعله في الأقربين\" (٢).\n٨ - ومن فوائد الآية: أن إعطاء ذوي القربى أولى من إعطاء اليتامى، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم، فقال تعالى: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾؛ فلو سأل سائل: هل الأفضل أن أعطي القرابة، أو اليتامى؟ لقلنا: أعطِ القرابة؛ اللهم إلا إن يكون هناك ضرورة في اليتامى ترجح إعطاءهم؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ تقديم صلة الرحم على العتق (٣)؛ واعلم أن الحكم إذا علق بوصف تختلف أفراده فيه قوة وضعفًا،\n_________\n(١) راجع صحيح ابن حبان ١/ ٢٨٧ – ٢٨٩، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الاستحباب للمرء ان يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبى بشيء منها، حديث رقم ٣٦٢؛ وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال فيه أيو حاتم: \"أظنه لم يطلب العلم، وهو كذاب\"؛ وقال علي بن الحسين بن الجنيد: \"صدق أبو حاتم، ينبغي أن لا يحدث عنه\" (كتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم ٢/ ١٤٢ – ١٤٣)؛ وقال الذهبي: \"والصواب: إبراهيم بن هشام أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان، فلم يصب\" (ميزان الاعتدال ٤/ ٣٧٨)؛ وأخرجه الحاكم من (المستدرك ٢/ ٥٩٧، كتاب التاريخ)؛ ففي سنده يحيى بن سعيد القرشي البصري – وقيل: الكوفي -؛ قال ابن حبان فيه: \"شيخ يروي عن ابن جريج المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحل= = الاحتجاج به إذا انفرد\" (كتاب المجروحين ٣/ ١٢٩)؛ وقال ابن عدي: \"وهذا حديث منكر من هذا الطريق\" (الكامل في الضعفاء ٩/ ١٠٦)؛ لكن بالنسبة لعدد الرسل فقد أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي أمامه ﵁، ثم قال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"؛ وأقره الذهبي (المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٦٢، كتاب التفسير، بسم الله الرحمن الرحيم، من سورة البقرة)؛ وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد السادس، القسم الأول ص ٣٥٨ – ٣٥٩، حديث رقم ٢٦٦٨؛ وأما بالنسبة لعدد الأنبياء، فقد جاء من عدة طرق كلها فيها مقال؛ وقال الألباني: \"فهو صحيح لغيره\" (المجلد السادس، القسم الأول، ص ٣٦٣).\n(٢) أخرجه البخاري ص ١١٥، كتاب الزكاة، باب ٤٤: الزكاة على الأقارب، حديث رقم ١٤٦١، وأخرجه مسلم ص ٨٣٦، كتاب الزكاة، باب ١٤: فضل النفقة والصدقة على الأقربين ...، حديث رقم ٢٣١٥ [٤٢] ٩٩٨.\n(٣) انظر ٢/ ٣٠٨.","vol":"4","page":56},{"text":"فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف؛ فإذا كان معلقًا بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى؛ وأقرب الناس إليك، وأحقهم بالبر: أمك، وأبوك.\n٩ - ومن فوائد الآية: أن لليتامى حقًا؛ لأن الله امتدح من آتاهم المال؛ لقوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ سواء كانوا فقراء، أم أغنياء.\n١٠ - ومنها: إثبات رحمة الله ﷿، حيث ندب إلى إتيان المال لليتامى، والمساكين؛ لأن هذا لا شك من الرحمة بهم.\n١١ - ومنها: أن لابن السبيل حقًا - ولو كان غنيًا في بلده.\n١٢ - ومنها: أن إعطاء السائل من البر - وإن كان غنيًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والسائلين﴾.\nفإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر فكيف يتفق، والتحذير من سؤال الناس؟\nفالجواب: أنه لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح: المعطي؛ والمحذَّر: السائل المعطى؛ فإذا انفكت الجهة فلا تعارض؛ فلو رأيت مبتلى بهذه المهنة - وهي مهنة سؤال الناس - فأعطه إذا سألك، ثم انصحه، وحذره؛ لتكون مؤتيًا للمال، وناصحًا للسائل؛ لأن بعض الناس - والعياذ بالله - نعلم علم اليقين - أو يغلب على الظن المؤكد - أنه غني؛ وإنما سأل الناس تكثرًا؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أن: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقل، أو ليستكثر» (١)؛ وأن «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم» (٢).\n١٣ - ومن فوائد الآية: أن إعتاق الرقاب من البر؛ لقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾؛ والمال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة؛ وإنما يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ ﴿في﴾ الدالة على الظرفية؛ والرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع:\nأ - عبد مملوك تشتريه، وتعتقه.\nب - مكاتب اشترى نفسه من سيده، فأعنته في كتابته.\nج - أسير مسلم عند الكفار، فافتديته؛ وكذلك لو أسر عند غير الكفار، مثل الذين يختطفون الآن - والعياذ بالله؛ إذا طلب المختطفون فدية فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة من القتل.\n١٤ - ومنها: أن إقامة الصلاة من البر؛ لقوله تعالى: ﴿وأقام الصلاة﴾.\n١٥ - ومنها: أن إيتاء الزكاة للمستحقين لها من البر.\n١٦ - ومنها: الثناء على الموفين بالعهد، وأن الوفاء به في البر؛ والعهد عهدان: عهد مع الله ﷿؛ وعهد مع الخلق.\nفالعهد الذي مع الله بينه بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [المائدة: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]؛ فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به ربًا، فنرضى بشريعته؛ بل بأحكامه الكونية، والشرعية؛ هذا العهد الذي بيننا، وبين ربنا.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٤١، كتاب الزكاة، باب ٣٥: كراهة المسألة للناس، حديث رقم ٢٣٩٩ [١٠٥] ١٠١٤.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١١٦، كتاب الزكاة، باب ٥٢: من سأل الناس تكثرًا، حديث رقم ١٤٧٤، وأخرجه مسلم ص ٨٤١، كتاب الزكاة، باب ٣٥: كراهة المسألة للناس، حديث رقم ٢٣٩٨ [١٠٤] ١٠٤٠.","vol":"4","page":57},{"text":"أما العهد الذي بيننا، وبين الناس فأنواعه كثيرة جدًا غير محصورة؛ منها العقود، مثل عقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد الرهن، وعقد النكاح، وغير ذلك؛ لأنك إذا عقدت مع إنسان التزمت بما يقتضيه ذلك العقد؛ إذًا فكل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ ومن العهود بين الخلق؛ ما يجري بين المسلمين وبين الكفار؛ وهو ثلاثة أنواع: مؤبد؛ ومقيد؛ ومطلق؛ فأما المؤبد فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الجهاد؛ وأما المقيد فبحسب الحاجة - وإن طالت المدة على القول الراجح - لأنه عهد دعت إليه الحاجة؛ فيتقيد بقدرها؛ وقيل: لا تجوز الزيادة فيه على عشرة سنوات؛ لأن الأصل وجوب قتال الكفار، وأبيح العهد في عشر سنوات تأسيًا برسول الله -ﷺ- في صلح الحديبية؛ والصحيح الأول؛ ويجاب عن عهد الحديبية بأن الحادثة لا تقتضي الزيادة؛ وأما المطلق فهو الذي لم يؤبد، ولم يحدد؛ وهو جائز على القول الراجح عند الحاجة إليه؛ فمتى وجد المسلمون الحاجة إليه عقدوه؛ وإذا زالت الحاجة عاملوا الكفار بما تقتضيه الحال؛ ولا حجة للكفار فيه؛ لأنه مطلق.\nوالمعاهدون من الكفار لهم ثلاث حالات؛ الحال الأولى: أن يستقيموا لنا؛ الحالة الثانية: أن يخونوا؛ الحال الثالثة: أن نخاف منهم الخيانة؛ فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم؛ ولا يمكن أن نخون أبدًا؛ لقوله تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) [التوبة: ٧]؛ وإن خانوا انقض عهدهم، ووجب قتالهم؛ لقوله تعالى: (وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم) [التوبة: ١٢]؛ وإن خفنا منهم الخيانة وجب أن ننبذ إليهم عهدهم على سواء؛ لقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]: نخبرهم أن لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة؛ ومن العهد أيضًا ما يقع بين الإنسان وبين غيره من الالتزامات غير العقود، مثل الوعد؛ فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد، أو لا يجب؛ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد؛ لأنه داخل في العهد، ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق؛ وإذا كان كذلك فلا يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين.\n١٧ - ومن فوائد الآية: أن الصبر من البر؛ وهو ثلاثة أنواع:\nالأول: الصبر على طاعة الله، بأن يتحمل الصبر على الطاعة من غير ضجر، ولا كراهة.\nالثاني: الصبر عن معصية الله، بأن يحمل نفسه على الكف عن معصية الله إذا دعته نفسه إليها.\nالثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة التي لا تلائم الطبيعة بأن لا يتسخط من المقدور، ولا يتضجر؛ بل يحبس نفسه عن ذلك: قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].\nوأعلى هذه الأنواع: الصبر على طاعة الله؛ لأن فيه تحملًا، ونوعًا من التعب بفعل الطاعة؛ ثم الصبر عن المعصية؛ لأن فيه تحملًا، وكفًا عن المعصية؛ والكف أهون من الفعل؛ ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة، لأنه على شيء لا اختيار للعبد فيه، ولهذا قيل: «إمّا أن تصبر صبر الكرام، وإمّا أن تسلوَ سلوّ البهائم».\n١٨ - ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ فصدقهم مع الله، حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين؛ وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات؛ وأما صدقهم مع الخلق يدخل في قوله تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾؛ وهذا من علامات الصدق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق.\n١٩ - ومن فوائد الآية أن ما ذكر من تقوى الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾؛ وسبق أنها إذا جمعت مع البر صارت التقوى ترك المحرمات، وصار البر فعل المأمورات؛ وإذا افترقا دخل أحدهما في","vol":"4","page":58},{"text":"الآخر؛ وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾ مع أنهم قائمون بالبر؛ فدل هذا على أن القيام بالبر من التقوى؛ لأن حقيقة الأمر أن القائم بالبر يرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله.\n٢٠ - ومنها: أن هؤلاء فقط هم المتقون؛ ونفهم ذلك من الحصر وطريقه هنا أمران:\nأ - تعريف طرفي الجملة.\nب - ضمير الفصل.\nتنبيه:\nظاهر الآية الكريمة العموم في إتيان المال لهؤلاء المذكورين في الآية: القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب؛ فظاهر الآية العموم للمسلمين، والكافرين؛ لكنه غير مراد؛ بل هي خاصة بالمسلم؛ وأما الكافر فلا بأس من بره، والإحسان إليه بشرط أن يكون ممن لا يقاتلوننا في ديننا، ولم يخرجونا من ديارنا؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨]؛ وعلى هذا فإذا كان الكافر يقاتلنا بنفسه بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلًا، أو يقاتلنا حكمًا، مثل أن يكون من دولة تقاتل المسلمين فإنه لا يجوز بره، ولا إعطاؤه المال؛ لأنه مستعد حكمًا للقتال: إذا أمرته دولته بقتال فإنه يلبي؛ وما دام حربًا للمسلمين فإنه يريد إعدام المسلمين، وليس أهلًا للإحسان إليه.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: قال الشعبي: \" نزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عُمِّيَّة، فقالوا: نقتل بعبدنا فلانَ ابن فلان، وبفلانة فلانَ بن فلان، فأنزل الله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ \" (١). وروي عن قتادة (٢)، وعامر (٣)، ومجاهد (٤) نحو ذلك.\nالثاني: وقال أبو مالك: \" كان بين حيين من الأنصار قتالٌ، كان لأحدهما على الآخر الطَّوْلُ، فكأنهم طلبوا الفضْل. فجاء النبي ﷺ ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية: ﴿الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبد والأنثى\n_________\n(١) انظتفسير الطبري (٢٥٥٨): ص ٣/ ٣٥٨.\n(٢) انظتفسير الطبري (٢٥٥٩)، و(٢٥٦٩): ص ٣/ ٣٥٨ - ٣٦٠.\n(٣) انظتفسير الطبري (٢٥٦١): ص ٣/ ٣٦٠.\n(٤) انظتفسير الطبري (٢٥٦٢): ص ٣/ ٣٦٠.","vol":"4","page":59},{"text":"بالأنثى﴾، فجعل النبي ﷺ الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى (١) \". وروي عن السدي (٢)، والشعبي (٣)، نحوه.\nالثالث: وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد، ودية الذكر ودية الأنثى، في قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه، وهذا قول الربيع (٤)، والحسن (٥)، والشعبي (٦).\nالرابع: وقال ابن عباس: \" وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾، فجعل الأحرار في القصاص سَواءً فيما بينهم، في العمد رجالهم ونساؤُهم، في النفس وما دون النفس. وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد، في النفس وما دون النفس، رجالهم ونساؤُهم\" (٧).\nوالصواب: أن الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي. والله أعلم.\nقال الإمام الطبري: \" وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله ﷺ بالنقل العامِّ: أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره - كان واضحًا فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه، فدعْ جميعَه وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه - مثل الذي حُرِّم من ذلك - بعوَض يُعطيه عليه، فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا، وإذ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ، وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى، وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين. إمّا قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر: وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمِرَ النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢٥٦٥): ص ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٥٦٣)، و(٢٥٦٤): ص ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٥٦٦)، و(٢٥٦٧): ص ٣/ ٣٦١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٥٦٨): ص ٣/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٥٦٩): ص ٣/ ٣٦٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٥٧٠): ص ٣/ ٣٦٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٥٧٢): ص ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٨) مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والحكم، وقال البخاري، وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده؛ لعموم حديث الحسن عن سمرة: \"من قتل عبده قتلناه، ومن جذعه جذعناه، ومن خصاه خصيناه\" ل [رواه أبو داود في السنن برقم (٤٥١٥، ٤٥١٦) والترمذي في السنن برقم (١٤١٤) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب].\n- وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم تجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، وأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق أولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يقتل مسلم بكافر\" [صحيح البخاري برقم (١١١)]، ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.\n- قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة؛ ولقوله ﵇: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\" [رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس ﵄]، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.\n- ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد؛ قال عمر بن الخطاب ﵁ في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت؛ ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر. (انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٠).","vol":"4","page":60},{"text":"وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم - على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه. وإذ كان كذلك، وكان قوله تعالى ذكره: ﴿كُتب عليكم القصَاص﴾ ينبئ عن أنه فَرضٌ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة. لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض. فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا\" (١).\nوأجمع المفسرون على نسخ قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، واختلفوا في ناسخها على أقوال (٢):\nأحدها: قال العراقيون وجماعة: ناسخها الآية التي في المائدة وهي قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية فإن قيل هذا كتب على بني إسرائيل كيف يلزمنا حكمه فالجواب على ذلك أن آخر الآية ألزمنا ذلك وهو قوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾.\nالثاني: وقال الحجازيون وجماعة: إن ناسخها الآية التي في بني إسرائيل وهي قوله تعالى ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل﴾ وقتل المسلم بالكافر إسراف وكذلك قتل الحر بالعبد لا يجوز عند جماعة من الناس.\nالثالث: وقال العراقيون يجوز، واحتجوا بحديث ابن البيلماني أن النبي -ﷺ- قتل مسلما بكافر معاهد وقال: \"أنا أحق من وفي بعهده\" (٣)، وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].\nقال الحافظ ابن حجر: \" والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص (٤)، وهو قول الجمهور (٥) \" (٦).\nوالأظهر هو قول الجمهور، ويمكن أن يجاب عن استدلال الكوفيين بآية المائدة بالنسبة لقتل الحر بالعبد بأجوبة منها:\nأولا: أن آية المائدة، حكاية لشريعة بني إسرائيل لقوله في أولها ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ بخلاف هذه الآية-أي: آية البقرة-فإنها خطاب لأمة محمد ﷺ، وشريعة من قبلنا إنما تلزمنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يخالفها، وهنا قد ثبت المخالف.\nثالنيا: لو ثبت أن الآيتين تشريع لنا فإن آية البقرة مفسرة لما أبهم في آية المائدة، أو تكون آية المائدة مطلقة وآية البقرة مقيدة والمطلق يحمل على المقيد. أما بالنسبة لاستدلالهم بها على قتل المسلم بالكافر فيجاب عن\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٤.\n(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ للمقري: ٣٩.\n(٣) سنن الدارقطني (١٦٧): ص ٣/ ١٣٥. وفي رواية البيهقي في الكبرى: ٨/ ٣٠): \"أنا أكرم من وفّى بذمته\".\n(٤) ويدل على هذا الأصل في الآية دليل الخطاب المفهوم من قوله﷿-: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إذ أدخل الله فيه لام المعرفة فوجب قصر الحكم عليه، ونفي ما عداه من قتل الحر بالعبد. انظر: مختصر خلافيات البيهقي للإِشبيلي: ٤/ ٣٣٤، نيل الأوطار للشوكاني: ٧/ ١٥٩، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٦١ - ٦٢، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ٧٩ - ٨٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٥٤ - ٥٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٦٠.\n(٥) قال به المالكية والشافعية والحنابلة، انظر: الكافي لابن عبد البر: ٥٨٧، التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق-بحاشية مواهب الجليل-: ٦/ ٢٣٠ - ٢٣١، المهذب للشيرازي: ٢/ ١٧٣، روضة الطالبين للنووي: ٩/ ١٥٠ - ١٥١، الإنصاف للمرداوي: ٩/ ٤٦٢ - ٤٦٩، الفروع لابن مفلح: ٥/ ٦٣٦ - ٦٣٨.\n(٦) الفتح: ١٢/ ٢٠٦.","vol":"4","page":61},{"text":"ذلك بأن عمومها مخصص بحديث علي﵁عند البخاري وفيه: \"وأن لا يقتل مسلم بكافر\" (١)، وغيره من الأحاديث الثابتة الدالة على ذلك. على أن الخلاف بين الفريقين هو في قتل المسلم بالمعاهد، أما الحربي فمحل إجماع على عدم قتل المسلم به. والله أعلم (٢).\nقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٧٨]، \" أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٣).\nقال الصابوني: \" هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك- يعني استمع لها-؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٦) \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، \" أي: فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"وسمي الفرض مكتوبًا؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه؛ قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] \" (١٠).\nقال الراغب: \"ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى\" (١١).\nوجاءت كلمة ﴿كتب﴾، في القرآن على وجوه (١٢):\nأحدها: المعنى المعجمي للكلمة، وهو الكتابة.\nالثاني: بمعنى: فُرض وأُوجب، كما في الآية موضع التفسير، وكقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠].\nوفي اللغة العربية قد تأتي كلمة (فرض) بمعنى (كتب)، وهذا وارد في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (١٣):\n_________\n(١) الفتح: ١٢/ ٢٥٦ رقم: ٦٩٠٣،\n(٢) انظر: بداية المجتهد لابن رشد: ٢/ ٧٠٦ - ٧٠٩، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٩٠، مختصر خلافيات البيهقي للإِشبيلي: ٤/ ٣٢٣ - ٣٣٦، نيل الأوطار للشوكاني: ٧/ ١٥٣ - ١٥٩.\n(٣) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩١): ص: ٣/ ٧١٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(١١) المفردات: ٤٢٥.\n(١٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٠، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٣، والمفردات: ٤٢٥ - ٤٢٧، والبحر المحيط: ٢/ ٧ - ٨.\n(١٣) ديوان عمر: ٤٢١، والبيان والتبيين ٢: ٢٣٦، والكامل ٢: ١٥٤، وتاريخ الطبري ٧: ١٥٨، وأنساب الأشراف ٥: ٢٦٤، والأغاني ٩: ٢٢٩. ولهذا الشعر خبر. وذلك أن مصعب بن الزبير، لما خرج إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي المتنبئ فظفر به وقتله، كان فيمن أخذ امرأته عمرة بنت النعمان بن بشير، فلما سألها عنه قالت: رحمة الله عليه، إن كان عبدًا من عباد الله الصالحين: فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله إنها تزعم أنه نبي! فأمر بقتلها. وقتلها الذي تولى قتلها قتلا فظيعًا، فاستنكره الناس، وقالوا فيه، وممن عمر:\nإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ عِنْدي ... قَتْلُ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ\nقُتِلَتْ هكذا عَلَى غَيْرِ جُرْم ... إِنَّ لِلهِ دَرَّهَا من قَتِيلِ\nكُتِبَ القتل. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"4","page":62},{"text":"كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ\nوكذلك قول نابغة الجعدي (١):\nيَا بِنْتَ عَمِّي، كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي ... عَنْكُم، فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلا! (٢)\nواختلف في أصله على وجهين (٣):\nالوجه الأول: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه، كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك. والوجه الثاني: وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣]، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، كل هذا من القضاء.\nقال الطبري: \"وإن كان [كتب] بمعنى: فُرض، فإنه عندي مأخوذ من (الكتاب) الذي هو رسمٌ وخَط، وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [سورة البروج: ٢١ - ٢٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [سورة الواقعة: ٧٧ - ٧٨]، فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ\" (٤).\nالثاني: (كتب) بمعنى: جعل، كقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nو﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ هو: \"المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد (٥).\nقال الواحدي: \" وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح\" (٦).\nو﴿الْقِصَاصُ﴾ يشمل إزهاق النفس، وما دونها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال النبي ﷺ في كسر الربيع سن جارية من الأنصار: \"كتاب الله القصاص\" (٧)؛ ولكنه تعالى هنا قال: ﴿في القتلى﴾؛ وفي سورة المائدة: في القتل، وفيما دونه: ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين ...﴾ [المائدة: ٤٥] (٨).\n_________\n(١) اللسان (كتب) وأساس البلاغة (كتب)، والمقاييس ٥: ١٥٩، ويروي \" يا ابنة عمي \"، وفي الأساس: \" أخرني \"، فأخشى أن تكون خطأ من ناسخ.\n(٢) اظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٥.\n(٣) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٠، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٣، والمفردات: ٤٢٥ - ٤٢٧، والبحر المحيط: ٢/ ٧ - ٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٥.\n(٥) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٨٤.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٠.\n(٧) أخرجه البخاري ص ٢١٥، كتاب الصلح، باب ٨: الصلح في الدية، حديث رقم ٢٧٠٣، وأخرجه مسلم ص ٩٧٤، كتاب القسامة، باب ٥: إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها، حديث رقم ٤٣٧٤ [٢٤] ١٦٧٥؛ واللفظ للبخاري.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٥.","vol":"4","page":63},{"text":"وفي معنى (القصاص) في اللغة قولان:\nأحدهما: أنه من \"المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله\" (١).\nوالثاني: أن أصل القَصّ: القطع. يقال: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت، وأن القِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل. وهذا قول الأزهري (٢).\nوالقول الأول أشهر؛؟ لأن القصاص والمقاصة في غير الجراح، يقال: قَاصَّه في الحساب وغيره: إذا أخذ الشيء مكان غيره\" (٣).\nو﴿الْقَتْلَى﴾ جمع قتيل، مثل (جرحى) جمع جريح؛ و(أسرى) جمع أسير؛ وقوله تعالى: ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ أي في شأن القتلى؛ وليس في القتلى أنفسهم؛ لأن القتيل مقتول؛ فلا قصاص؛ لكن في شأنهم؛ والذي يُقتص منه هو القاتل (٤).\nقال الشيخ السعدي: \"وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ يعني\"\" الحر يقتل بالحر\" (٦).\nقال الواحدي: \" أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" والباء هنا إما للبدلية؛ وإما للعوض؛ يعني الحر بدل الحر؛ أو الحر عوض الحر\" (٨).\nو﴿الحر﴾: |هو الذي ليس بمملوك\" (٩).\nوالحر: \"نقيض العبد، قال أهل الاشتقاق: أصله من الحَرِّ الذي هو ضد البرد، وذلك أن الحُرّ له من الأنفة وحرارة الحمية ما يبعثه على المكرمة، بخلاف العبد، ثم قيل للأكرم من كل شيء: حُرٌّ تشبيهًا بالرجل الحر\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، \"أي: العبد يقتل بالعبد\" (١١).\nو﴿العبد﴾: \"هو المملوك\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، \"أي: الأنثى تقتل بالأنثى\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٠،\n(٢) انظر: تهذيب اللغة: ٣/ ٢٩٧٦ (قص).\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٥٣١.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٨٤.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٢.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(١٠) التفسير البسيط: ٤/ ٥٣٢، وانظر في معاني الحر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٨٠ - ٧٨٣، \"اللسان\" ٢/ ٨٢٧ - ٨٣٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.","vol":"4","page":64},{"text":"قال الشيخ السعدي: وخرج من عموم هذا، الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله: ﴿الْقِصَاصُ﴾ ما يدل على أنه ليس من العدل، أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية شديدة جدا من الولد له، وخرج من العموم أيضا، الكافر بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة ... وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]: يعني: \"فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص\"\" (٢) (٣).\nقال ابن عثيمين: \" وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى؛ فـ (المعفو عنه) هو القاتل؛ فقوله ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ المراد به المقتول - أي من دم أخيه، و﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فتعم كل شيء قليلًا كان، أو كثيرا ً (٤) ... والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف\" (٥).\nقال الشيخ السعدي: \" أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي، وفي قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ \"ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا\" (٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ثلاثة أقوال (٧):\nأحدها: فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان، وهذا قول ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، والحسن (١٠)، والشعبي (١١)، وقتادة (١٢)، والربيع (١٣)، وعطاء (١٤)، وابن زيد (١٥).\nوالثاني: أن معنى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، بمعنى: فمن فضل له فضل، وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله - ﷺ- قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٨٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٧.\n(٣) قال مالك - ﵀ - في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي، وخالفهم الباقون (تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٠).\n(٤) قال مالك - ﵀ - في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي، وخالفهم الباقون (تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٠).\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٧.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٨٤.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وتفسير الطبري: ٣/ ٣٦٦ ومابعدها.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٥٧٣)، و(٢٥٧٤)، و(٢٥٧٥)، و(٢٥٧٦): ص ٣/ ٣٦٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٥٧٧)، و(٢٥٧٨)، و(٢٥٨٠): ص ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٥٧٩): ص ٣/ ٣٦٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٥٨١)، و(٢٥٨٢): ص ٣/ ٣٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٥٨٣)، و(٢٥٨٤): ص ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٥٨٥): ص ٣/ ٣٦٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٥٨٦): ص ٣/ ٣٦٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٥٨٩): ص ٣/ ٣٦٩.","vol":"4","page":65},{"text":"ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف، وليرد من عليه الفاضل بإحسان، ويكون معنى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء، وهذا قول السدي (١).\nوالثالث: أن هذا محمول على تأويل عليّ -ضي الله عنه- في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية (٢).\nوالصواب: أن معنى قوله تعالى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمن صُفح له عن شيء من الواجب، على دية يأخذها منه، فاتباعٌ بالمعروف من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان، لأن أنّ معنى قوله تعالى: ﴿كُتب عليكم القصاص﴾، إنما هو القصَاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمدًا. فكذلك (العفو) أيضًا عن ذلك (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، \" أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق\" (٤).\nقال السعدي: \"أي: \" يتبع القاتل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه\" (٥).\nوذكر الزجاج في (الاتباع بالمعروف والأداء إليه بإحسان) وجهان (٦):\nأحدهما: أن الاتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، والأداء عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان.\nوالثاني: أنهما جميعًا عائدان إلى القاتل أن يؤدي الدية بمعروف وبإحسان.\nقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: \" وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس\" (٧).\nقال السعدي: \"أي: وعلى القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"وإنما نص على «الإحسان» هنا؛ و(المعروف) هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، \"أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم\" (١٠).\nقال الماوردي: \" يعني خيار الولي في القود أو الدية\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٥٩١): ص ٣/ ٣٧٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٧١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٨٤.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤٨، والنكت والعيون: ١/ ٢٣٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٨) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٨٤.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/! ٠٥.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ٢٣٠.","vol":"4","page":66},{"text":"قال ابن كثير: معناه: \"إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو\" (١).\nقال الطبري: أي: \"مما كنت ثَقَّلته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم ورحمة، مني لكم\" (٢).\nوقد ذكر ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، ﵃، أن بني إسرائيل فرض الله عليهم القصاص فرضًا؛ وهذه الأمة خفف عنها؛ فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل؛ وقد يكون القاتل من أقاربه؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد (٦).\nو(الرب) معناه\" \"الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته\" (٧).\nوقوله تعالى: [وَرَحْمَةٌ﴾، \"أي بالجميع: بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص؛ أو العفو مجانًا؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا؛ فهو رحمة بالجميع\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨] \"\" أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \" ظلم وتجاوز الحد\" (١٠).\nقال الطبري: \"أي: فمن تجاوز ما جَعله الله له بعدَ أخذه الدّية، اعتداءً وظلمًا إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتِل وليه وسفك دمه (١١).\nقال الزجاج: \" أي: بعد أخذ الدية، ومعنى اعتدى: ظلم، فوثب فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية\" (١٢).\nقال ابن كثير: أي: \" فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها\" (١٣).\nقال السعدي: \" أي: بعد العفو\" (١٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨]، يحتمل وجهين من المعنى:\nأحدهما: أن المراد: فمن اعتدى من أولياء المقتول. وهو المشهور.\nقال مجاهد: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾، بعد أخذ الدية\" (١٥).\nوقد روي عن الرسول ﷺ: \" لا أعافي رجلا قَتل بَعد أخذه الدية (١٦).\nوالثاني: وقيل: \"يحتمل أن يكون المراد: من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: \" فله عذاب أليم في الآخرة\" (١٨).\nقال الضحاك\": يُقتل، وهو العذاب الأليم يقول: العذاب المُوجع\" (١٩).\nقال الثعلبي: \" يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه\" (٢٠).\nقال ابن كثير: أي: \" فله عذاب من الله أليم موجع شديد\" (٢١).\nقال الطبري: أي: \"فله بفعله ذلك وتعدِّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم\" (٢٢).\nقال الزجاج: \" أي موجع\" (٢٣).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، على قولين (٢٤):\nأحدهما: أنه القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليِّه. وهذا قول الضحاك (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، وعكرمة (٢٧).\nوالثاني: أن ذلك العذابُ: عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يَرَى من عقوبته. وهذا قول الحسن (٢٨).\nوقد اعترض الإمام الطبري على هذا الرأي وقال بأنه\"خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتاب الله، وأجمع عليه علماء الأمة، وذلك أنّ الله جعل لوليّ كل مقتول ظلمًا السلطانَ دون غيره، من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل. فسواءٌ كان ذلك قتيلَ وليّ من قتله أو غيره. ومن خص من ذلك شيئًا سئل البرهان عليه من أصلٍ أو نظير، وعُكِس عليه القول فيه، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ثم في إجماع الحجة على خلاف ما قاله في ذلك، مكتفًى في الاستشهاد على فساده بغيره\" (٢٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٩٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٧٣.\n(٣) أخرج الطبري الخبر: عن ابن عباس قال: \"كان في بني إسرائيل القصاصُ ولم تكن فيهم الدية، فقال الله في هذه الآية: \" كُتب عليكم القصاصُ في القتلى الحر بالحر \" إلى قوله: \" فمَن عُفي له من أخيه شيء \"، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد \" ذلك تخفيف من ربكم \". يقول: خفف عنكم ما كان على مَنْ كان قبلكم: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان. [تفسير الطبري (٢٥٩٣): ص ٣/ ٣٧٣].\nوالحديث رواه عبد الرزاق في تفسيره، ص: ١٦، بنحوه. بإسنادين: عن معمر، عن أبي نجيح، عن مجاهد. وعن ابن عيينة - كالإسناد هنا إلى مجاهد - عن ابن عباس. ورواه البخاري ١٢: ١٨٣ (فتح)، عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان. بهذا الإسناد. وذكره السيوطي ١: ١٧٣، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وغيرهم. وذكره ابن كثير ١: ٣٩٤، من رواية سعيد بن منصور، عن سفيان. ثم قال: \" وقد رواه غير واحد عن عمرو. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار \". فقد سها - ﵀ - عن أن البخاري رواه في صحيحه، فنسبه لصحيح ابن حبان، ولم يذكر البخاري.\nوانظر الروايات الأخرى للخبر في: تفسير الطبري: ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٥٩٧)، و(٢٥٩٩): ص ٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٥٩٧): ص ٣/ ٣٧٤. ولفظه: \"ليس بينهما شيء\".\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٧٥.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٤٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩١.\n(١٤) تفسير السعدي: ١/ ٨٤ - ٨٥.\n(١٥) أخرجه الطبري (٢٦٠٢): ص ٣/ ٣٧٦.\n(١٦) الخبر ذكره الطبري في تفسيره (٢٦٠٣): ص ٣/ ٣٧٦.\nوهذ الحديث مرسل. وكذلك ذكره السيوطي ١: ١٧٣، عن قتادة، ونسبه للطبري وابن المنذر فقط.\nوقد روى المرفوع منه - عبد الرزاق في تفسيره، ص: ١٦، عن معمر، عن قتادة مرسلا أيضًا.\nثم ذكر السيوطي اللفظ المرفوع، ونسبه لسمويه في فوائده، عن سمره. وقد قصر فيه جدًا، كما قصر في الجامع الصغير: ٩٧٠١، إذ ذكره أيضًا، ونسبه للطيالسي - فقط - عن جابر، يعني جابر بن عبد الله.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٨.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١٩) تفسير الطبري (٢٦١٢): ص ٣/ ٣٧٨.\n(٢٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦.\n(٢١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩١.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٧٥.\n(٢٣) معاني القرآن: ١/ ٢٤٨.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٢٦١٢): ص ٣/ ٣٧٨.\n(٢٦) تفسير الطبري (٢٦١٢)، و(٢٦١٣): ص ٣/ ٣٧٨.\n(٢٧) تفسير الطبري (٢٦١٤): ص ٣/ ٣٧٨.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٢٦١٦): ص ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(٢٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٨١.","vol":"4","page":67},{"text":"والصواب هو الرأي الأول، وهو قول الجمهور، \"لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره\" (١).\nوقد رجّح الإمام الطبري القول الأول أيضا، وهو القتل، \"لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء، وَإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر (٢) عن رسول الله ﷺ\" (٣).\nقال الثعلبي: \" وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى، خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين\" (٤).\nوقال الواحدي: \" وفي هذه الآية أدلة على القدرية:\nأحدها: قوله في افتتاح الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة.\nوالثاني: ما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾.\nوالثالث: قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وهما يلحقان\nالمؤمنين\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر.\n٢ - ومنها: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين.\n٣ - ومنها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه.\n٤ - ومنها: وجوب التمكين من القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾.\n٥ - ومنها: مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول؛ لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.\n٦ - ومنها: أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلًا فقيرًا أعمى أصم أبكم زمِنًا جبانًا جاهلًا فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾.\n٧ - ومنها: أن العبد يقتل بالحر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٨٤ - ٨٥.\n(٢) كالذي رواه البخاري من حديث عبادة بن الصامت قال: \" بايعت رسول الله ﷺ في رهط فقال: أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا، فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له \" (البخاري: كتاب الحدود ٨: ١٦٢).\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٣٨٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤١.","vol":"4","page":68},{"text":"٨ - ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبدًا لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾.\n٩ - ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حرًا فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وقول النبي ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ...» (١)؛ وهذا القول هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكًا له؛ لقول النبي ﷺ: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (٢)؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولًا»: للاختلاف فيه؛ و«ثانيًا»: أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد» (٣) فضعيف.\n١٠ - ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت صفاتهما - لعموم قوله تعالى: ﴿والأنثى بالأنثى﴾.\n١١ - ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية.\n١٢ - ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي ﷺ قتل يهوديًا كان قتل جارية على أوضاح لها – رض رأسها بين حجرين (٤)؛ فرض النبي ﷺ رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصًا؛ لا لنقض العهد – كما قيل به.\n١٣ - ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ...) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجانًا؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله ﷾ ندب إلى العفو فقال: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ [التغابن: ١٤]، وقال في وصف أهل الجنة: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفًا بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فسادًا، وإفسادًا فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه.\n١٤ - ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٧٣، كتاب الديات، باب ٦: قول الله تعالىك ٠ ان النفس بالنفس والعين بالعين)، حديث رقم ٦٨٧٨، وأخرجه مسلم ص ٩٧٤، كتاب القسامة، باب ٦: ما يباح به دم المسلم، حديث رقم ٤٣٧٥ [٢٥] ١٦٧٦.\n(٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٠ حديث رقم ٢٠٣٦٤، وأخرجه أبو داود ص ١٥٥٤، كتاب الديات، باب ٧: من قتل عبده ...، حديث رقم ٤٥١٥، وأخرجه الترمذي ص ١٧٩٤، كتاب الديات، باب ١٧: ما جاء في الرجل يقتل عبده، حديث رقم ١٤١٤، وأخرجه النسائي ص ٢٣٩٥، كتاب القسامة والقود والديات، باب ١١: القود من السيد للمولى، حديث رقم ٤٧٤٢؛ واخرجه ابن ماجة ص ٢٦٣٧، كتاب الديات، باب ٢٣: هل يقتل الحر بالعبد، حديث رقم ٢٦٦٣، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٥٠، من كتاب الديات، باب ٧: القود بين العبد وبين سيده، حديث رقم ٢٣٥٨، وفي سنده \"الحسن عن سمرة\"؛ وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، ففي صحيح البخاري سماع منه لحديث العقيقة، وعند علي بن المديني أن نسخة الحسن عن سمرة كلها سماع؛ وكذا حكى الترمذي عن البخاري، وقال القطان هي كتاب، فلا يقتي الانقطاع (تهذيب التهذيب).\n(٣) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٣٣، حديث رقم ١٥٨، وفيه جويبر، وقال الدارقطني، والنسائي وغيرهما متروك الحديث (ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٧)، وراجع: التلخيص الحبير (ج ٤/ ٢٠) حديث رقم ٧، والإرواء ٧/ ٢٦٧، حديث رقم ٢٢١١.\n(٤) أخرجه البخاري ص ١٨٩، كتاب الخصومات، باب ١: ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود، حديث رقم ٢٤١٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٧٣، كتاب القسامة ...، باب ٣: ثبوت القصاص في القتل بحجر ...، حديث رقم ٤٣٦١ [١٥] ١٦٧٢.","vol":"4","page":70},{"text":"لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه؛ والقصاص لا يتبعض؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءًا من ألف جزء منه.\n١٥ - ومنها: أن دية العمد على القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل؛ وقد أمر بالأداء.\n١٦ - ومنها: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ فجعل الله المقتول أخًا للقاتل؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخًا له.\n١٧ - ومنها: الرد على طائفتين مبتدعتين؛ وهما الخوارج، والمعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره؛ والمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين: الإيمان، والكفر - فلا هو كافر؛ ولا هو بمؤمن؛ لكن اتفق الجميع على أنه مخلد في النار.\n١٨ - ومنها: أنه يجب الاتباع بالمعروف - يعني يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية ألا يتسلطوا على القاتل؛ بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية، وبدون منة؛ لقوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف﴾؛ والخطاب لأولياء المقتول.\n١٩ - ومنها: وجوب الأداء على القاتل بالإحسان، لقوله تعالى: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾.\n٢٠ - ومنها: أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو، ورحمهم بجواز أخذ العوض؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾: تخفيف على القاتل؛ ورحمة بأولياء المقتول، حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضًا؛ وإلا لقيل لهم: إما أن تعفوا مجانًا؛ وإما أن تأخذوا بالقصاص.\n٢١ - ومنها: إثبات الرحمة لله؛ وهي رحمة حقيقية تستلزم حصول النعم، واندفاع النقم؛ وأهل التعطيل يفسرونها بـ «الإنعام» الذي هو مفعول الرب؛ أو بـ «إرادة الإنعام»؛ وينكرون حقيقة الرحمة؛ وقد ضلوا في ذلك: فإن الإنعام، أو إرادته من آثار الرحمة، وليسا إياها.\n٢٢ - ومنها: أن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾.\n\nالقرآن\n﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]\nالتفسير:\nولكم في تشريع القصاص وتنفيذه حياة آمنة -يا أصحاب العقول السليمة-؛ رجاء تقوى الله وخشيته بطاعته دائمًا.\nقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، \" أي ولكم فيما شرعت من القصاص حياةٌ\" (١).\nقال أبو العالية: \"جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتُل، فتمنعه مخافة أن يُقتل\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" بقاء، لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل\" (٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٩٤): ص ١/ ٢٩٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦.","vol":"4","page":71},{"text":"قال الطبري: أي\" ولكم، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة\" (١).\nقال ابن كثير: أي\" وفي شَرْع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ (٢)، وأوجز\" (٣).\nقال الصابوني: \" وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفسًا قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس\" (٤).\nقال أبو حيان: \" الحياة التي في القصاص هي: أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمسك عن القتل، فكان ذلك حياة له، للذي امتنع من قتله، فمشروعية القصاص مصلحة عامة، وإبقاء القاتل والعفو عنه مصلحة خاصة به، فتقدّم المصلحة العامة لتعذر الجمع بينهما\" (٥).\nقال السعدي: \"تنحقن بذلك [أي القصاص] الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار\" (٦).\nقال الواحدي: \" إن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال (٧):\nأبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٨١.\n(٢) قال الرازي: \" اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه:\nأحدها: أن قوله: ﴿ولكم في القصاص حيواة﴾ أخصر من الكل، لأن قوله: ﴿ولكم﴾ لا يدخل في\nهذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: ﴿في القصاص حيواة﴾ أشد اختصارا من قولهم: القتل أنفى للقتل.\nوثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله: ﴿في القصاص حيواة﴾ ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سببا لمطلق الحاية لأنه ذكر الحياة منكرة بل جعله سببا لنوع من أنواع اللحياة.\nوثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله: ﴿في القصاص حيواة﴾ كذلك.\nورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل، لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله: ﴿في القصاص حيواة﴾ يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد.\nوخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى.\nوسادسها: أن القتل ظلما قتل، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب\". (مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/! ٠٥.\n(٥) البحر المحيط: ١/ ٤٤٦.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٨٥.\n(٧) البيت لهمام الرقاشي في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٧٧، ولعصام بن عبيد الزماني في \"تاج العروس\"، وبلا نسبة في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٨٩ (غلل).","vol":"4","page":72},{"text":"يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل\" (١).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: إذا ذكره الظالم المعتدي، كف عن القتل فحيي، وهذا قول مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، وأبي مالك (٦)، والحسن (٧)، والربيع بن أنس (٨)، ومقاتل بن حيان (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبي العالية (١١)، وأبي صالح (١٢).\nوالثاني: أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قودًا، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلمًا. وهذا معنى قول السدي (١٣)، والثوري (١٤)، وأبي صالح (١٥) في أحد قوليه.\nالثالث: أنه\" يعني: بالحياة الصلاح والعدل\". وهذا قول الضحاك (١٦).\nالرابع: وقال عطاء عن ابن عباس: \" ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فرح\". حكاه الواحدي (١٧).\nوأراد: \"أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة\" (١٨).\nالخامس: ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه قول عامر الخصفي (١٩):\nأحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله ... إذ الملوكُ حوله مُرَعبله\nيعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله (٢٠).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤١، وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٦٦/ ٦٧، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ١٥٩، ويروى المثل بلفظ: القتل أنفى للقتل، وأوفى للقتل، وأكف للقتل. ينظر: \"الصناعتين\" لأبي هلال العسكري ص ١٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٥٦، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٥٧، وعزاه ابن كثير ١/ ٤٩، لبعض الكتب المتقدمة.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦١٧)، و(٢٦١٨)، و(٢٦١٩)، و(٢٦٢٣): ص ٣/ ٣٨٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٢٠)، و(٢٦٢١): ص ٣/ ٣٨٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٦٢٢): ص ٣/ ٣٨٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٦٢٤): ص ٣/ ٣٨٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٩٤): ص ١/ ٢٩٧، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٦٢٥): ص ٣/ ٣٨٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦٦٠): ص ٣/ ٣٨٣. ولفظه: \" يقول: بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته\"، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٨.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩٨.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٩٥): ص ١/ ٢٩٨.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٥٩٦): ص ١/ ٢٩٨.\n(١٧) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٢.\n(١٨) التفسير المحيط: ٣/ ٥٤٢.\n(١٩) انظر: الاشتقاق لابن دريد: ٢٩٥، \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ١١٢، ١١٣، \"الإصابة\" ٣/ ٦١٦ وفيه قصة هذا البيت.\n(٢٠) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٢.","vol":"4","page":73},{"text":"السادس: وقيل: \"حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة. فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه\". حكاه أبو حيان (١).\nقال الماوردي: \" وفي المعنيين [الأول والثاني] تقارب، والثاني أعم، وهو معنى قول السدي \" (٢).\nوقد نكَّر ﴿الحياة﴾، لإفادة التعظيم والتكثير، والمعنى: \"حياة كبرى، أو عظمى\" (٣).\nقال الزمخشري: \" ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾، كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أىّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل\" (٤).\nوقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي ﴿ولكم في القصص حياة﴾ (٥)، وفي هذه القراءة وجوها من المعنى (٦):\nأحدها: أن المعنى: فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص.\nوالثاني: أن ﴿القصص﴾: القرآن، أي: لكم في القرآن حياة القلوب، كقوله: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وكقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].\nوالثالث: أن يكون مصدرًا كالقصاص، أي: أنه إذا قص أثر القاتل قصصًا قتل كما قتل. قاله ابن عطية (٧).\nقال النحاس: \"قراءة أبي الجوزاء شاذة \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي\" يا أولي العقول\" (٩).\nقال الثعلبي: \" يا ذوي العقول\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \"يا أولي العقول والأفهام والنهى\" (١١).\nقال الماوردي: \" يعني يا ذوي العقول، لأن الحياة في القصاص معقولة بالاعتبار \" (١٢).\nقال الرازي: و\"المراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن\n_________\n(١) البحر المحيط: ١/ ٤٩٦.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٢٣١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦، و: البحر المحيط: ١/ ٤٩٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٧، والكشاف: ١/ ٢٢٣.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٩٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٧، والكشاف: ١/ ٢٢٣.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢٤٧.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٨١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١: ٤٩٢.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٢٣١.","vol":"4","page":74},{"text":"له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب\" (١).\nقال الشيخ السعدي: \"ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون\" (٢).\nقال الواحدي: \" (أولوا): واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر والرهط والقوم والخيل والإبل والنساء\" (٣).\nو﴿الأَلْبَابِ﴾: \"جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز والجوز، وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة (٤):\nبراقةُ الجِيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لَبَبُ\" (٥).\nوقال ابن المظفر: \"اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ\" (٦). وقال الفراء وغيرُه: \"لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (٧) في ابنها الزبير (٨)، وضربته، فقيل لها: \"لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا اللَّجَبْ\" (٩) \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي: \"لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه\" (١١).\nقال الواحدي: \"أي: الدماء مخافة القصاص\" (١٢).\nقال الثعلبي: أي\" القتل مخافة القود\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" أى أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، [لعلكم] تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٥١.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٨٥.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٣، وانظر: القاموس: ١٣٣.\n(٤) ديوانه: ٥٩.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٣. [بتصرف بسيط].\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٣.\n(٧) هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، عمة رسول الله - ﷺ -، أم الزبير بن العوام شقيقة حمزة، صحابية، توفيت سنة ٢٠ هـ- في خلافة عمر. ينظر: \"أسد الغابة\" ٧/ ١٧٢ - ١٧٤، \"الأعلام\" ٣/ ٢٠٦.\n(٨) هو: الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب، هو أول من سل سيفًا في سبيل الله، ما تخلف عن غزوة غزاها الرسول - ﷺ -، أحد المبشرين بالجنة، قتل سنة ٣٦ هـ. ينظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٨٩، \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٢.\n(٩) الخبر في \"اللسان\" ٧/ ٣٩٧٩ \"لبب\"، وفيه فقالت: ليَلَبَّ، ويقود الجيش ذا الجلب، أي: يصير ذا لُب، ورواه بعضهم: أضربه لكي يلَبَّ، ويقود الجيش ذا اللجب، قال ابن الأثير: هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: يلِبّ، بوزن فَرَّ يَفِرُّ.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٤، نقل قول الفراء، ولم أجده في معاني القرآن، وانظر في معاني اللبيب: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٢٤ - ٣٢٢٦، \"المفردات\" ص ٤٤٩، \" اللسان\" ٧/ ٣٩٧٩ (لبب).\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٢.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٥٤٤.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٢٢٣.","vol":"4","page":75},{"text":"والتقوى: \"اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، تفسيران (٢):\nأحدهما: أن المراد: لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص. قاله الحسن والأصم.\nوالثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى.\nقال الرازي: وحمل القول \"على الكل أولى: ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه\" (٣).\nواختاره القرطبي، فقال: \"والمراد هنا ﴿تَتَّقُونَ﴾ القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة\" (٤).\nوالصواب ما اختاره الرازي والقرطبي، وهو قول جمهور أهل التفسير، لما يعضده من الأخبار، فقد روي عن ابن زيد في قوله: ﴿لعلكم تتقون﴾، قال، \"لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الحكمة العظمى في القصاص؛ وهي الحياة الكاملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾.\nفإن قيل: كيف يكون لنا في القصاص حياة مع أننا قتلنا القاتل؛ فزدنا إزهاق نفس أخرى؟ .\nفالجواب: نعم؛ يكون لنا في القصاص حياة بأن القتلة إذا علموا أنه سيقتص منهم امتنعوا عن القتل؛ فكان في ذلك تقليل للقتل، وحياة للأمة؛ ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عظم هذه الحياة؛ فالتنكير هنا للتعظيم - يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله؛ أما بالنسبة للقاتل فيقتل؛ لكن قتل القاتل حياة للجميع.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن يُفعل بالجاني كما فَعل؛ لأن بذلك يتم القصاص؛ فإذا قتل بسكين قُتل بمثلها؛ أو بحجر قُتل بمثله؛ أو بسمّ قُتل بمثله؛ وهكذا.\n٣ - ومنها: أن كون القصاص حياة يحتاج إلى تأمل وعقل، لقوله تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾.\n٤ - ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يؤمن بأحكام الشريعة دون تردد؛ وإذا رأى ما يستبعده في بادئ الأمر فليتأمل وليتعقل حتى يتبين له أنه عين الحكمة، والمصلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾؛ فأتى بالنداء المقتضي للانتباه.\n٥ - ومنها: أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]؛ واتقاؤهم للقتل من تقوى الله.\n٦ - احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت، فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة.\nفإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟ فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٢.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣٠.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٦٩): ص ٣/ ٣٨٤.","vol":"4","page":76},{"text":"يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي (١).\n٧ - عدم الغلو في القصاص، إذ كثيرا ما نرى ولاسيما لدى أهل القرى بأن أهل القتيل يأخذون الثأر من ابن أخ القاتل أو والده أو أبن عمه، وهذا حرام شرعا، وقد فصل الإمام الشعراوي القول في هذه المسألة إذ يقول: \"وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق ﷾ يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدًا. لذلك فالحق يريد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبدًا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حرًا.\nإذن، فالحق يشرع أمرًا يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبدًا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حرًا. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية، فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].\nوهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس، وهاهو ذا الحق ﷾ يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤَمنين. إن الحق جل وعلا يعط لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ\" (٢).\nتنبيه:\nاعلم بأن للقصاص شروطًا لثبوته؛ وشروطًا لاستيفائه مذكورة على التفصيل في كتب الفقه؛ فليرجع إليها.\nالقرآن\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]\nالتفسير:\nفرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل؛ فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث.\nاختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية على قولين (٣):\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٥٠ - ٥١.\n(٢) تفسير الشعراوي: ٢/ ١٨٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٨٨ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٣٢، والناسخ والمنسوخ لابن الجوزي: ١/ ٢١٩ - ٢٢٩.","vol":"4","page":77},{"text":"أحدهما: أن العمل بها كان واجبًا قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في البُعَدَاء طلبًا للسمعة والرياء، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين، وتقدير ما يستحقون، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة. وهذا مذهب الجمهور من التابعين والفقهاء.\nوالثاني: أن حكمها كان ثابتًا في الوصية للوالدين، والأقربين حق واجب، فلما نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث، وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حاله. وهذا قول ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وعكرمة (٣)، وقتادة (٤)، وطاوس (٥)، وجابر بن زيد (٦)، وعلي بن أبي طلحة (٧)، والربيع (٨)، ومسلم بن يسار (٩)، وإياس بن معاوية (١٠).\nومن ثم اختلفوا في تعيين ناسخ آية: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالأَقرَبِين﴾ [البقرة: ١٨٠]، وفيه ثلاثة أقوال (١١):\nأحدها: أنها نسخت بآية الفرائض. قاله قتادة (١٢)، والزهري (١٣)، وابن الجوزي (١٤)، وابن البازري (١٥).\nوالثاني: وقيل: الحديث: \"لا وصية لوارث\" (١٦).\nوالثالث: وقيل: دلّ الإِجماع على ذلك وان لم يتعين دليله (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٢)، و(٢٦٤٦): ص ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٤)، و(٢٦٤٥): ص ٣/ ٣٨٩، و(٢٦٥٤): ص ٣/ ٣٩١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦٥٤): ص ٣/ ٣٩١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤١): ص ٣/ ٣٨٨، و(٢٦٥٧): ص ٣/ ٣٩١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢٦٤٣): ص ٣/ ٣٨٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٦٥١): ص ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٧): ص ٣/ ٣٩٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٨): ص ٣/ ٣٩٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٩): ص ٣/ ٣٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٦٥٠): ص ٣/ ٣٩٠.\n(١١) انظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة: ٣٨ - ٣٩، والناسخ والمنسوخ للزهري: ١٧، والمصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي: ٢٥، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البازري: ٢٥، والناسخ والمنسوخ لابن سلامة: ٤٠ - ٤١، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٤٠ - ١٤٤. والناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٤٨١.\n(١٢) انظر: كتابه الناسخ والمنسوخ: ٣٨ - ٣٩.\n(١٣) انظر: كتابه: الناسخ والمنسوخ: ١٧.\n(١٤) انظر: المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ٢٥.\n(١٥) انظر: ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه: ٢٥.\n(١٦) انظر: الفتح: ٥/ ٤٣٩ وهو حديث رواه أحمد والأربعة، إذ أخرجه أحمد في مسنده-تحقيق شاكر والزين-: ١٤/ ٦٤ رقم: ١٨٠٠١، وأبو داود في سننه: ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١ رقم: ٢٨٧٠، والترمذي في جامعه: ٤/ ٤٣٣ رقم: ٢١٢٠، وقال: \"حسن صحيح\"، والنسائي في سننه: ٦/ ٢٤٧، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٩٠٥ رقم: ٢٧١٣. قال الشافعي﵀في الرسالة: ١٣٩ حول هذا الحديث: \"ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح: \"لا وصية لوارث .. \" ويأثرونه عن كل من حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين\"، وقال الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ١٦٥: \"ووروده من الجهات التي وصفنا عندنا في حيز التواتر لاستفاضته وشهرته وتلقي الفقهاء إياه بالقبول\"، وصححه الألباني في إرواء الغليل: ٦/ ٨٧ رقم: ١٦٥٥. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحديث بتمامه يفيد أن الناسخ هو آية الفرائض لا هذا الحديث فلفظه: \"إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\"، فالذي أعطى الحق هو الله عن طريق آية الفرائض التي لم تجعل للورثة حقًا في الوصية اكتفاء بنصيبهم الموروث، ولا نزاع في أن الله هو الذي أعطى وشرع لكن الظاهر أن الذي بيَّن التشريع والإعطاء النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، انظر: مناهل العرفان للزرقاني: ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(١٧) حكى الإجماع على أنه لا وصية لوارث: الشافعي في الرسالة: ١٣٩، والأم: ٤/ ١٤٣، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٥١، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٨٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٦٣، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٦٣، وغيرهم، وانظر: استشكالًا حول ذلك في مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٦٧. واعلم بأن نسخ آية الوصية بآية المواريث فيه إشكال أوضحه مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٤٢ فقال: \"لأن الله لما ذكر فرض الوالدين قال بعده: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فقد كان يجوز أن يثبت لهما الفرض المذكور من بعد ما يوصي لهما بنص القرآن فنسخ الوصية بآية المواريث فيه إشكال لاتصال قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] بفرض الوالدين فالنسخ بالستة أولى إذ لا إشكال في ذلك\"، وانظر: تصحيح القرطبي لذلك في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٦٣. كما أن نسخ آية الوصية بالحديث فيه إشكال عند من يقول بعدم جواز نسخ القرآن بغير القرآن أو بغير السنة المتواترة على اعتبار الحديث حديث آحاد، والظاهر جواز ذلك، انظر كلامًا نفيسًا في المسألة للعلامة الشنقيطي في أضواء البيان: ٢/ ٢٥١ و٣٦٧، ومذكرة في أصول الفقه له: ٨٦. وانظر أيضًا: الإيضاح لمكي: ١٤١، معالم أصول الفقه عند أهل السنة للجيزاني: ٢٧١. وقد نازع قوم من أهل العلم في كون آية الوصية منسوخة، كالطبري في جامع البيان: ٣/ ٣٨٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٨٧، ومصطفى زيد في النسخ في القرآن الكريم: ٢/ ٥٩٥، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ٦٨، وذكره بعضهم عن جماعة من أهل العلم جاعلين لها من العام المخصوص بالوالدين والأقارب من غير الورثة على خلاف بينهم في وجوب الوصية أو ندبها، وقد وصف الزرقاني في مناهل العرفان: ٢/ ٢٧٦ هذا القول بأنه تكلف ومشي في غير سبيل. والحق أن الوصية في غير دين أو وديعة مندوبة، فإن كانت في صدر الإسلام كذلك فلا نسخ والآية محكمة مخصوصة، وإن كانت الوصية في صدر الإسلام قبل نزول آية الفرائض واجبة كما هو ظاهر الآية والتعبير بلفظ ﴿كُتبَ﴾ فالآية منسوخة، والندب إلى الوصية لغير الورثة مأخوذ من نصوص أخرى غير هذه الآية، والله أعلم. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٧١، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٦٣، تعليق د. اللاحم على الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٤٨٦، وانظر في حكم الوصية: الاستذكار لابن عبد البر: ٧/ ٢٣، إحكام الأحكام لابن دقيق: ٤/ ٣، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ٧٠، المغني لابن قدامة: ٨/ ٣٩٠، نيل الأوطار للشوكاني: ٦/ ٤٣. وأما ما حكاه الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ٦٦ عن أبي مسلم الأصفهاني من أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث والمعنى: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين فقول عجيب مردود، والله أعلم. انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٣.","vol":"4","page":78},{"text":"وإن أوصى أحدهم بثُلُثهِ لغير قرابته، فقد اختلف قائلوا هذا القول (١) في حكم وصيته على ثلاثة مذاهب (٢):\nأحدها: أن يرد ثلث الثلث على قرابته، ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول قتادة (٣).\nوالثاني: أن يرد ثلثا الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول جابر بن زيد (٤).\nوالثالث: أنه يريد الثلث كله على قرابته، وهذا قول طاوس (٥).\nقال السعدي: \" واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: \"فرض عليكم معشر المؤمنين\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي فرض عليكم\" (٨).\nقال الراغب: \"ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: \" إِذا أشرف أحدكم على الموت\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته\" (١١).\nقال الثعلبي: \" يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة\" (١٢).\n_________\n(١) أي القول الثاني.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٣٦): ص ٣/ ٣٨٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٦٣٩): ص ٣/ ٣٨٨.\n(٦) تفسير السعدي: ٨٥.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٢٩٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٩) المفردات: ٤٢٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٣.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٦.","vol":"4","page":79},{"text":"قال المراغي: أي: \"إذا حضرت أسباب الموت وعلله والأمراض المخوفة\" (١).\nقال السعدي: \" أي: أسباب [الموت]، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك\" (٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"يريد بذلك - والله أعلم - إذا مُرض الإنسان مرض الموت\" (٣).\nقال الرازي: \"ليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء\" (٤).\nوذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وجهين (٥):\nالأول: أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل. وهذا اختيار الأكثرين (٦).\nوالثاني: أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي: والقول الأول أولى لوجهين أحدهما: أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره. وهذا قول الأصم (٧).\nقال الحافظ ابن حجر: \" وتقدير الآية: ﴿كُتِبَ﴾ عليكم ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ وقت حضور الموت، ويجوز أن تكون الوصية مفعول (٨) ﴿كُتِبَ﴾، أو ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مبتدأ وخبره ﴿لِلوَالِدَين﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: \" وقد ترك مالًا\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" أي مالًا\" (١١).\nقال القرطبي: \"أي: مالا، بلا خلاف\" (١٢).\nقال الثعلبي: أي: \" مالا، نظيره قوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٧٢] \" (١٣).\nقال السعدي: \"أي مالا، وهو المال الكثير عرفا\" (١٤).\nقال النسفي: أي: \" مالًا كثيرًا\" (١٥).\nقال المراغي: أي: \" وتركتم مالا كثيرا لورثتكم\" (١٦).\nواختلف في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على ثلاثة أقاويل (١٧):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٢٩٨.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٨٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠٦.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣١.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣١.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣١.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣١.\n(٨) أي: مفعول لم يسم فاعله.\n(٩) انظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٨ - ٢٠، مشكل إعراب القرآن لمكي: ١/ ١١٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٦٦ - ٦٧، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٧٨ - ٧٩، إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٣.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٥٩.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٧.\n(١٤) تفسير السعدي: ٨٥.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ١٤٧.\n(١٦) تفسير المراغي: ٢/ ٦٦.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٢، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٥، وسبب خلافهم: أن ذلك أمر نسبي يختلف بحسب اختلاف حال الرجل وكثرة عياله وقلتهم. انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٦٣، جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٧ وغيرها.","vol":"4","page":80},{"text":"أحدها: أنه ألف درهم، تأويلًا لقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، أن الخير ألف درهم وهذا قول عليّ (١)، وقتادة (٢).\nوالثاني: من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، وهذا قول إبراهيم النخعي (٣).\nوالثالث: أنه غير مقدر وأن الوصية تجب في قليل المال وكثيره، وهذا قول الزهري (٤)، وأبي مجلز (٥)، وقد قال بذلك: الطبري (٦)، والبيضاوي (٧)، وابن العربي (٨)، وغيرهم.\nواحتجوا عليه بوجهين (٩):\nالأول: أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول:\nأما القرآن: فقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وأيضا قوله تعالى: ﴿لما أنزلت إلى من خير فقير﴾، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\nوأما المعقول: فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيرا.\nالحجة الثانية: أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ [النساء: ٧] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية.\nوالراجح-والله أعلم- هو قول الزهري ومن وافقه من أهل التفسير، وذلك لإطلاق الآية وعدم التقييد فيها بقلة أو كثرة، ونِعَم الله قليلها وكثيرها كلها خير ولا شك، فـ\"قليلَ المال وكثيره يقع عليه ﴿خيرٌ﴾، ولم يحدّ الله ذلك بحدٍّ، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن. فكلّ من حضرته منيَّته وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، \" أي وجب عليه الإِيصاء للوالدين والأقربين\" (١١).\nقال السعدي: أي: \" فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه\" (١٢).\nقال المراغي: أي: \" أن توصوا للوالدين وذوى القربى\" (١٣).\nوقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، على أقوال (١٤):\nأحدها: أنهم الأولاد، فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، وهو قول المفسرين (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٦٧٤): ص ٣/ ٣٩٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٦٧٥): ص ٣/ ٣٩٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦٧٩): ص ٣/ ٣٩٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٨٠): ص ٣/ ٣٩٦.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ١٧، والنكت والعيون: ١/ ٢٣٢، وزاد المسير: ١/ ١٨٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٦.\n(٧) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩٩،\n(٨) انظر: أحكام القرآن: ١/ ٧١.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٥٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(١٢) تفسير السعدي: ٨٥.\n(١٣) تفسير المراغي: ٢/ ٦٦.\n(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣، والبحر المحيط: ٢/ ٢٠.\n(١٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٠.","vol":"4","page":81},{"text":"والثاني: أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين. وهو قول ابن عباس ومجاهد.\nوالثالث: أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث، وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة.\nوالرابع: هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ.\nوالراجع أن \" ﴿الاقْرَبِينَ﴾ جمع (الأقرب)، وظاهره أنه (أفعل) تفضيل، فكل من كان أقرب إلى الميت دخل في هذا اللفظ، وأقرب ما إليه الوالدان، فصار ذلك تعميمًا بعد تخصيص، فكأنهما ذكرًا مرتين: توكيدًا وتخصيصًا على اتصال الخير إليهما، هذا مدلول ظاهر هذا اللفظ\" (١).\nقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، \" أي بما عرفه الشرع، وأقره؛ وهو الثلث فأقل\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: بالرفق والإحسان\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء\" (٤).\nقال أبو حيان: \" أي: لا يوصى بأزيد من الثلث، ولا للغنيّ دون الفقير\" (٥).\nقال السعدي: أي: \" على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد، دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل\" (٦).\nقال الثعلبي: \" يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج\" (٧).\nقال المراغي: أي\" بشىء من هذا الخير لا يعدّ في نظر الناس قليلا ولا كثيرا\" (٨).\nوالمراد بـ ﴿المعروف﴾: \"أن يوصي لأقربيه وَصيَّةً لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثُلُثَيْ مالي؟ قال: \"لا\" قال: فبالشَّطْر؟ قال: \"لا\" قال: فالثلث؟ قال: \"الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\" (٩) \" (١٠).\nوفي صحيح البخاري: أن ابن عباس قال: لو أن الناس غَضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: \"الثلث، والثلث كثير\" (١١).\nوروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن ذيال بن عبيد بن حنظلة، سمعت حنظلة بن حذيم بن حنيفة: \"أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشقّ ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ. فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، كنا نسميها المطيبة. فقال\n_________\n(١) البحر المحيط: ٢/ ٢٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٠.\n(٦) تفسير السعدي: ٨٥.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٧.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٦٦.\n(٩) صحيح البخااري (٢٥٩١): ص ٣/ ١٠٠٧.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٥.\n(١١) صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣).","vol":"4","page":82},{"text":"النبي ﷺ، \"لا لا لا. الصدقة: خمس، وإلا فعَشْر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن أكثرت فأربعون\". وذكر الحديث بطوله\" (١).\nويحتمل قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وجهان من التفسير (٢):\nأحدهما: بالعدل الوسط الذي لا بخس فيه ولا شطط.\nوالثاني: يعني بالمعروف من ماله دون المجهول.\nقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: \" حقًا لازمًا على المتقين لله\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يقول تلك الوصية حق على المتقين\" (٤).\nوقال مقاتل بن حيان: \" ﴿حقا على المتقين﴾، يعني: المؤمنين\" (٥).\nقال المراغي: \" أي أوجب ذلك حقا على المتقين لى المؤمنين بكتابي\" (٦).\nو(التقوى): \"هي اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٧).\nقال أبو حيان: \" ﴿المتقين﴾، قيل: معناه: من اتقى في أمور الورثة أن لا يسرف، وفي الأقربين أن يقدّم الأحوج فالأحوج، وقيل: من اتبعوا شرائع الإيمان العاملين بالتقوى قولًا وفعلًا، وخصهم بالذكر تشريفًا لهم وتنبيهًا على علو منزلة المتقين عنده، وقيل: من اتقى الكفر ومخالفة الأمر\" (٨).\nوإن قيل: ظاهر الكلام في قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم.\nفالجواب: من وجهين (٩):\nالأول: أن المراد بقوله: ﴿حقا على المتقين﴾ أنه لازم لمن آثر التقوى، وتحراه وجعله طريقة له ومذهبا فيدخل الكل فيه الثاني: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين، وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الأية.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب الوصية للوالدين والأقربين لمن ترك مالًا كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾؛ واختلف العلماء - ﵏ - هل هذا منسوخ بآيات المواريث؛ أم هو محكم، وآيات المواريث خصصت؟ على قولين؛ فأكثر العلماء على أنه منسوخ؛ ولكن القول الراجح أنه ليس بمنسوخ؛ لإمكان التخصيص؛ فيقال: إن قوله تعالى: ﴿للوالدين والأقربين﴾ مخصوص بما إذا كانوا وارثين؛ بمعنى أنهم إذا كانوا وارثين فلا وصية لهم اكتفاءً لما فرضه الله لهم من المواريث؛ وتبقى الآية على عمومها فيمن سوى الوارث.\n٢ - ومن فوائد الآية: جواز الوصية للصحيح، والمريض، ومن حضره الموت؛ ولكن النصوص تدل على أن من حضره الموت ينقسم إلى قسمين:\nالأول: من بقي معه عقله ووعيه، فوصيته نافذة حسب الشروط الشرعية.\nالثاني: من فقد وعيه وعقله، فلا تصح وصيته.\n_________\n(١) المسند (٥/ ٦٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠٦): ص ١/ ٣٠٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠٦): ص ١/ ٣٠٠.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ٦٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠٦.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٢٠.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٣٣.","vol":"4","page":83},{"text":"٣ - ومنها: جواز الوصية بما شاء من المال؛ لكن هذا مقيد بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال للنبي -ﷺ-: «أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا؛ قال: فالشطر؟ قال: لا؛ قال: فالثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير» (١)؛ وعلى هذا فلا يزاد في الوصية على ثلث المال؛ فتكون الآية مقيدة بالحديث.\n٤ - ومنها: أن الوصية الواجبة إنما تكون فيمن خلّف مالًا كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿إن ترك خيرًا﴾؛ فأما من ترك مالًا قليلًا فالأفضل أن لا يوصي إذا كان له ورثة؛ لقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٢).\n٥ - ومنها: أن الوصية ليست مقيدة بجزء معين من المال؛ بل هي بالمعروف.\n٦ - ومنها: أهمية صلة الرحم، حيث أوجب الله الوصية للوالدين والأقربين بعد الموت؛ لأن صلة الرحم من أفضل الأعمال المقربة إلى الله؛ فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي ﷺ: أنها أعتقت جارية لها؛ فقال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (٣)؛ فجعل النبي ﷺ صلة الرحم أعظم أجرًا من العتق.\n٧ - ومنها: تأكيد وجوب الوصية على من ترك مالًا كثيرًا لمن ذُكر؛ وجه التوكيد قوله تعالى: ﴿حقًا على المتقين﴾.\n٨ - ومنها: أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله؛ ولذلك وجه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿حقًا على المتقين﴾.\nمسألة:\nإذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ .\nفالجواب: أن ذلك ممكن، مثل أن يكون الأب، أو الأم مخالفة في الدين؛ فإنه لا يرث فتوصي له.\nكذلك بالنسبة للأقربين فإنهم قد لا يرثون لحجبهم بمن هو أولى منهم.\nمسألة ثانية:\nفإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلًا؛ وللأم السدس؛ وللزوجة الربع؛ وللزوج النصف؛ وما أشبه ذلك؛ وهذا يقتضي أن يكون لهم فرضهم كاملًا؛ ومع تنفيذ الوصية ينقص من فرضهم بقدر الوصية؟ .\nفالجواب: أن الله بين أن حق الورثة من بعد وصية يوصى بها، أو دين؛ وعلى هذا فلا إشكال في الآية في تقدير أنصباء الورثة؛ وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة.\nالقرآن\n﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]\nالتفسير:\nفمَن غَيَّر وصية الميت بعدما سمعها منه قبل موته، فإنما الذنب على مَن غيَّر وبدَّل. إن الله سميع لوصيتكم وأقوالكم، عليم بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق والعدل أو الجور والحيف، وسيجازيكم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، \" أي من غيَّر هذه الوصية بعد ما علمها من وصيّ أو شاهد\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يقول: من بدل وصية الميت، بعد ما سمع من الميت، فلم يمض وصيته إذا كان عدلا\" (٥).\nقال قتادة: \" من بدل الوصيه بعد ما سمعها، قال: إثم ما بدل عليه\" (٦). وروي عن الحسن (٧) مثل ذلك.\nقال الثعلبي: \" أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود، بعدما سمعه من الميت\" (٨).\nقال البيضاوي: أي: \" غيّره من الأوصياء والشهودـ بَعْدَ ما وصل إليه وتحقق عنده\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقًا للشرع، من الأوصياء والشهود ﴿بَعْدَ ما سَمِعَهُ﴾ وتحققه\" (١٠).\nقال الطبري: أي\" فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِي - من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه - بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بَدَّل وصيته\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" أي فمن غيّر الإيصاء من شاهد ووصىّ، بعدما عقله، وعرف طرقه وتنفيذه، والتغيير يكون\" بنقص، أو زيادة، أو منعٍ؛ إن نقص فالضرر على الموصى له؛ وإن زاد فعلى الورثة؛ وإن منع فعلى الموصى له\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" ويدخل في ذلك الكتمان لها\" (١٣). أي ضمن التبديل.\nقال القرطبي: \"و﴿سَمِعَهُ﴾ يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان\" (١٤).\nقال أهل العلم: \"عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة؛ والعلم من الإدراكات الباطنة - أي فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين، كما لو سمعه بنفسه؛ ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع؛ قد يكون بالكتابة؛ وقد يكون بالمشافهة، والسماع؛ وقد يكون بشهادة الشهود؛ وما إلى ذلك\" (١٥).\nوفي عود الكناية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، ثلاثة أوجه (١٦):\nأحدها: أن الكناية تعود إلى (الإيصاء)؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة عليه، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ.\nوالثاني: وقيل: أنها راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل ﴿كُتِبَ﴾ على الكَتْبِ فيُكْنى عنه.\nوالثالث: وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٠١، كتاب الجنائز، باب ٣٦: رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة، حديث رقم ١٢٩٥، وأخرجه مسلم ص ٩٦٢، كتاب الوصية، باب ١: الوصية بالثلث، حديث رقم ٤٢٠٩ [٥] ١٦٢٨.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٢٠٤، كتاب الهبة، باب ١٥: هبة المرأة لغير زوجها ...، حديث رقم ٢٥٩٢، واخرجه مسلم ص ٨٣٦ كتاب الزكاة، باب ١٤: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج ...، حديث رقم ٢٣١٧ [٤٤] ٩٩٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠٧): ص ١/ ٣٠٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠٨): ص ١/ ٣٠٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٠.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٨. [بتصرف بسيط].\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٣.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٢٢٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٦.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠٩.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٥.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٨.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠.\n(١٦) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٥٠، وتفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٦٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥١، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٨.","vol":"4","page":84},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، أي: \"إنما الإثم على المبدل المغير، وقد برئت منه ذمة الموصى وثبت له الأجر عند ربه\" (١).\nقال ابن عباس: \" وقد وقع أجر الميت على الله، برئ من إثمه\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿فإنما إثمه﴾، يعني: إثم ذلك\" (٣)،\n\" ﴿على الذين يبدلونه﴾، يعني: الوصي، وبرئ منه الميت\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" فما إثم الإِيصاء المغير أو التبديل، إلا على مبدليه لأنهم الذين خافوا وخالفوا الشرع\" (٥).\nقال الماوردي: \" أي: يسمعونه ويَعْدِلون به عن مستحقه، إما ميلًا أو خيانة، وللميت أجر قصده وثواب وصيته، وإن غُيّرت بعده \" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصى والموصى له، لأنهما بريان من الحيف\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي إِثم هذا التبديل على الذين بدّلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع\" (٨).\nقال القرطبي: أي: \"إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]، \" أي: إن الله \"سميع لقول الموصِي، عليم بفعل الوصي (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿إن الله سميع عليم﴾، يعني: الوصية للميت، عليم بها\" (١١).\nقال الثعلبي: أي: \" ﴿سَمِيعٌ﴾ لوصاياكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيّاتكم\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" وعيد للمبدل بغير حق\" (١٣).\nقال الواحدي: أي: \" قد سمع ما قاله الموصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي\" (١٤).\nقال السعدي: أي\" يسمع سائر الأصوات، ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته، وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي، وعلم الله من نيته ذلك، أثابه ولو أخطأ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به، مطلالتفسير البسيط: ٣/ ٥٥١. على ما فعله، فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير المراغي: ١/ ٣٠٠، وتفسير السعدي: ١/ ٨٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠٩): ص ١/ ٣٠١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١٠): ص ١/ ٣٠١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١٠): ص ١/ ٣٠١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٣.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٢٣٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ٢٢٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.\n(٩) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٨.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٢٣٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١٠): ص ١/ ٣٠١.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٨.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٣.\n(١٥) تفسير السعدي: ١/ ٨٥.","vol":"4","page":85},{"text":"قال الطبري: \" ﴿إن الله سميع﴾ لوصيتكم التي أمرتكم أن تُوصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها، أتعدلون فيها على ما أذِنت لكم من فعل ذلك بالمعروف، أم تَحيفون فتميلون عن الحق وتجورون عن القصد؟ ﴿عليم﴾ بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق، والعدل، أم الجور والحيْف\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن من فعل الخير، ثم غُيِّر بعده كُتب له ما أراد؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾.\n٢ - ومنها: أن من بدل الوصية جهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿بعد ما سمعه﴾؛ ويؤخذ من هذا - بل من باب أولى - أنه لو تصرف في الوصية تصرفًا خطأً وهو معتقد أنه على صواب فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه مُوَلَّى على التصرف فيها؛ فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط، أو تعدٍّ.\n٣ - ومنها: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾؛ فيجب العمل بوصية الموصي على حسب ما أوصى إلا أن يكون جنفًا أو إثمًا.\n٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و«العليم»؛ وما تضمناه من الصفة؛ والحكم الذي هو الأثر؛ فالسميع اسم؛ والسمع صفة؛ وكونه يسمع هو الأثر - أو الحكم؛ والعليم كذلك.\n٥ - ومنها: إحاطة الله ﷿ بكل أعمال الخلق؛ لأن قوله تعالى: ﴿سميع عليم﴾ ذكر عقب التهديد في قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾؛ وهذا يدل على أن الله يسمع، ويعلم ما يبدله الوصي.\n٦ - ومنها: الرد على الجبرية، وعلى القدرية؛ فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، ولا قدرة له، ولا اختيار؛ فأنكروا حكمة الله تعالى؛ لأنه إذا قيل بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب؛ وصار من فعل ما أمر به، أو ترك ما نُهي عنه ليس أهلًا للمدح؛ لأنه كالآلة ليس عنده قدرة، ولا اختيار؛ وكذلك أبطلوا حكمة الله في الجزاء؛ لأنه - على أصلهم - يجزي المحسن وهو غير محسن؛ ويعاقب العاصي وهو غير عاصٍ؛ والرد عليهم في قوله تعالى: ﴿فمن بدله﴾؛ فأضاف التبديل إلى الإنسان.\nوأما القدرية فيقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله، ولا تتعلق به إرادة الله، ولا قدرته، ولا خلقه»؛ وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة، يقولون: «إن أفعال العبادة غير معلومة لله، ولا مكتوبة عنده»؛ وقالوا: «إن الأمر أُنُف أي مستأنف - لم يكن الله يعلم شيئًا مما نفعله؛ إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته، أو سمعه»؛ وجه الرد عليهم إثبات العلم لله.\nقال الشافعي، وغيره من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا؛ وإن أنكروه كفروا؛ فإما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن؛ وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن لا يقدرها، ولا يخلقها، قيل لهم: هل وقعت على وفق معلومه، أو على خلاف معلومه؟ سيقولون: «على وفق معلومه»؛ وإذا كان على وفق معلومه لزم أن تكون مرادةً له؛ وإلا لما وقعت.\nفالحاصل أن في الآية ردًا على القدرية، والجبرية؛ وكل منهم غلا في جانب من جوانب القدر؛ فالجبرية غلو في إثبات القدر، وفرطوا في أفعال العباد؛ والقدرية غلو في إثبات فعل العبد، وفرطوا في علم الله، وإرادته؛ والوسط هو الخير؛ فأهل السنة، والجماعة يثبتون لله العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق؛ كما يثبتون للإنسان إرادة، وقدرة - لكن ذلك تابع لإرادة الله؛ وخلقه -؛ وتفاصيل ذلك مبسوط في علم العقائد.\nالقرآن\n﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٩.","vol":"4","page":87},{"text":"فمَن علم مِن موصٍ ميلا عن الحق في وصيته على سبيل الخطأ أو العمد، فنصح الموصيَ وقت الوصية بما هو الأعدل، فإن لم يحصل له ذلك فأصلح بين الأطراف بتغيير الوصية؛ لتوافق الشريعة، فلا ذنب عليه في هذا الإصلاح. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.\nفي سبب نزول الآية: قال الواحدي: \" قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ أي: خشي، وقيل: علم\" (١).\nوذكره الثعلبي في تفسيره، لكنه قال: \"ثم نسختها هذه الآية: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ \" (٢).\nوروى عبد الرزاق في المصنف، عن سفيان الثوري نحوه (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: فمن علم وتوقع وظن ميلًا في الوصية خطأ أو ميلًا فيها عمدًا (٤).\nقال الزجاج: \" أي ميلا، أو إثما، أو قصدا لإثم\" (٥).\nقال الطبراني: \"أي مَيْلًا عن الحقِّ على جهةِ الخطأ، أو مَيْلًا إلى جهة العمدِ؛ بأن زادَ في الوصيةِ على الثُّلث؛ أو أقرَّ بغيرِ الواجبٍ؛ أو جَحَدَ حقًّا عليه \" (٦).\nقال السعدي: أي: \" (الجنف): خو الميل بالوصية عن خطأ، من غير تعمد، و(الإثم): وهو التعمد لذلك\" (٧).\nوهذا (الخطأ)، \"يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيءَ الفُلانيّ محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصيّ - والحالة هذه - أن يصلح القضية ويعدلَ في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي. وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء. ولهذا عطف هذا - فبينه- على النهي لذلك، ليعلم أنّ هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم\" (٨).\nوقوله: ﴿خاف﴾ [البقرة: ١٨٢]، يحتمل وجهان (٩):\nأحدهماأنه بمعنى (خشي).\nوتفسير الآية: \"من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (١٠) \" (١١).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ٥٥١.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٠، وذكره البغوي ١/ ١٩٤.\n(٣) انظر: المصنف: ٩/ ٨٩.\n(٤) انظر: تفسير البقاعي: ١/ ٣٣٧.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٥١.\n(٦) تفسير الطبراين: ١/ ١٢٠.\n(٧) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٤٨٦، الصحاح للجوهري: ٤/ ١٣٣٩، لسان العرب لابن منظور: ١/ ٧٠٠، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٣، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥١، جامع المسير لابن الجوزي: ١/ ١٨٣، المفرد الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٣٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٥٨، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٠٠، وغيرها.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٩، وتفسير غريب القرآن: ٦٧، \"تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٢٠٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٨، وتفسير البغوي: ١/ ١٩٤، والتفسير الكبير: ٥/ ٦٦.\n(١٠) تفسير مجاهد\" ١/ ٩٦، وينظر: \"تفسير الطبري (٢٦٩١): ص ٣/ ٣٩٩، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد، وهذا اختيار الطبري.\n(١١) التفسير البسيط: ٣/ ٥٥٣.","vol":"4","page":88},{"text":"والثاني: أنه بمعنى: (علم). قاله سعيد بن جبير (١)، ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي إلا أنْ يَعْلَمَا.\nوتفسير الآية: أن \" الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤) \" (٥).\nقال الواحدي: \"و(الخوف) و(الخشية) يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول: أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] أي: علمنا، ومنه ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] \" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، تأويلان (٧):\nأحدهما: أن الجنف الخطأ، والإثم العمد، وهذا قول ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، والضحاك (١٠)، ومجاهد (١١)، والربيع (١٢)، وإبراهيم (١٣)، وعطية (١٤)، وطاوس (١٥).\nوالثاني: أن الجنف الميل، والإثم أن يكون قد أثم في أَثَرةِ بعضهم على بعض، وهذا قول وعطاء (١٦)، وابن زيد (١٧).\nوفي اللغة العربية كلمة (الجنف): من جنف يجنف جنفًا إذا مال وجار (١٨)، أي: الجورُ والعدول عن الحق، قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، ومنه قول الشاعر (١٩):\nهُمُ المَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَا ... وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ\nيقال منه: جَنف الرجل على صاحبه يَجنَف، إذا مال عليه وجَار جَنفًا (٢٠). ومنه قول الأعشى (٢١):\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦١٠): ص ١/ ٣٠١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٢): ص ٣/ ٤٠٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٣): ص ٣/ ٤٠٠ - ٤٠١.ورواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٦٩، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٥): ص ٣/ ٤٠١، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣٠٣.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٣.\n(٦) التفسير البسيط: ٤/ ٥٥٢، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠١، \"الثعلبي\" ٢/ ٢٠٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٨، \"البغوي\" ١/ ١٩٤، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٨): ص ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٠): ص ٣/ ٤٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٠٨): ص ٣/ ٤٠٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٧١١): ص ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٢): ص ٣/ ٤٠٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٤): ص ٣/ ٤٠٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٥): ص ٣/ ٤٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٦): ص ٣/ ٤٠٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٠٥)، و(٢٧٠٦)، و(٢٧٠٧)، و(٢٧٠٩): ص ٣/ ٤٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧١٧): ص ٣/ ٤٠٧.\n(١٨) تفسير السعدي: ١/ ٨٥.\n(١٩) البيت لعامر الخصفي، من بني خصفة بن قيس علان. انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٦، ٦٧، ومشكل القرآن: ٢١٩، واللسان (جنف) (ولي). والمولى: ابن العم، وأقام المفرد مقام الجمع، وأراد \" المولى \"، قال أبو عبيدة هو كقوله تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) وزور جمع أزور: وهو المائل عن الشيء. يقول: هم أبناء عمنا، ونحن نكره أن نلاقيهم فنقاتلهم، لما لهم من حق الرحم.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٥، والمفردات: ١٠٨، والتفسير الكبير: ٥/ ٦٥.\n(٢١) ديوان الأعشي: ١٢٨، وفيه: عن جل، و: ما قصدت من أهلها.","vol":"4","page":89},{"text":"تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا\nقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: \"فأصلح بين الموصي والموصَى له\" (١).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو خاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب\" (٢).\nوروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (٣).\nقال الثعلبي: \"أي عمل بالإصلاح بين الموصى لهم\" (٤).\nقال الزمخشري: \"أي بين الموصي والموصي لهم بإجرائهم على طريق الشرع (٥).\nقال الطبراني: \" بأن ردَّ الوصيةَ إلى المعروفِ الذي أمرَ اللهُ به\" (٦).\nقال الواحدي: \" يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم\" (٧).\nوقال الكسائي والفراء: \"قوله: ﴿أصلح﴾، يدل على أن الصلح يكون بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: \" فلا ذنب عليه بهذا التبديل\" (٩).\nقال الربيع بن أنس: \" يقول: رده الوصي إلى الحق بعد موته فلا إثم عليه\" (١٠). وروي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (١١).\nقال الزمخشري: أي: \"فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ حينئذ، لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل، ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم\" (١٢).\nقال الواحدي: \" إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل\" (١٣).\nقال الثعلبي: \" أي: لأنه إنما يقصد إلى إصلاح بعد أن يكون الموصي قد جعل الوصية بغير المعروف مخالفا لأمر الله فإذا ردها الموصى إليه إلى المعروف، فقد ردها إلى ما أمر الله به\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١ - ٥ - ١٠٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١٩): ص ١/ ٣٠٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٣.\n(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥١.\n(٥) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٢٤.\n(٦) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠.\n(٧) التفسير البسيط: ٣/ ٥٥٣.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٥٥٤، وانظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١١.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢٠): ص ١/ ٣٠٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٣.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٢٢٤، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٠٣.\n(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٥٥٤، وانظر: التفسير الكبير: ٥/ ٦٧، وذكر أربعة أوجه.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥١.","vol":"4","page":90},{"text":"قال الطبراني: \" لِما توعَّدَ اللهُ المبدِّلَ؛ خافَ الأوصياءُ من التبديلِ، فكانوا ينفذونَ وصيةَ الميت وإن جارَ في وصيتهِ واستغرقت كلَّ المالِ، فأنزلَ اللهُ هذه الآية وبيَّن أن الإثم في تبديلِ الحقِّ بالباطل، وإذا غيَّر الوصيُّ من باطلٍ إلى حقٍّ على طريق الإصلاحِ فهو محسنٌ فلا أثمَ عليه\" (١).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَينَهُم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، على خمسة أقاويل (٢):\nأحدها: أن تأويله فمن حضر مريضًا، وهو يوصي عند إشرافه على الموت، فخاف أن يخطئ في وصيته، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْرًا فيها، فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه، أن يصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته، وهذا قول مجاهد (٣).\nوالثاني: أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفًا في وصيته، فأصلح بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أُوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل، فلا إثم عليه، وهذا قول ابن عباس (٤)، وقتادة (٥).\nوالثالث: أن تأويلها فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا في عطيته لورثته عند حضور أجله، فأعطى بعضًا دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في ذلك، وهذا قول عطاء (٦).\nوالرابع: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفًا، أو إثمًا في وصيته لغير ورثته، بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه، وهذا قول طاووس (٧).\nوالخامس: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفًا على بعضهم لبعض، فأصلح بين الآباء والأقرباء، فلا إثم عليه، وهذا قول السدي (٨).\nوالصواب في تفسير الآية، هو أن يوصي لوالديه والأقربين الذين لايرثونه بأكثر مما يجوز له في الوصية، مما لم يأذن به الله، وذلك بأن يوصي \"مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الوَرَثة كثرةٌ فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم، وبين ورثة الميت، وبين الميت، بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه: \" كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف \"، وذلك هو \" الإصلاح \" الذي قال الله تعالى ذكره: \" فأصلح بينهم فلا إثم عليه \". وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه، فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث. فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.\nوإنما اخترنا هذا القول، لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا﴾، يعني بذلك: فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم. فخوفُ الجنف والإثم من الموصي، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف\n_________\n(١) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٨ - ٤٠٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٠)، و(٢٦٩١): ص ٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٢): ص ٣/ ٤٠٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٣): ص ٣/ ٤٠٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٦٩٩): ص ٣/ ٤٠٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٠٠)، و(٢٧٠١): ص ٣/ ٤٠٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٠٢): ص ٣/ ٤٠٣.","vol":"4","page":91},{"text":"والإثم، فأما بعد وجوده منه، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم، بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم، ولوْ كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا - أو أيقن أو علم - ولم يقل: فمن خَافَ منه جَنفًا\" (١).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مِنْ مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢]، على وجهين (٢):\nأحدهما: ﴿من موص﴾، خفيفة ساكنة الواو. ق بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم خفيفة أيضا.\nوالثاني: ﴿من موص﴾ مثقلة مفتوحة الواو مشددة الصاد. وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي.\nوهما لغتان للعرب مشهورتان: وصَّيتك، وأوصيتك (٣)، فمن قرأ ذلك: ﴿مُوصِ﴾ بتخفيف (الصاد) وتسكين (الواو)، فإنما قرأه بلغة من قال: أوصيتُ فلانًا بكذا \" (٤).\nومن قرأ: ﴿مُوَصٍّ﴾ بتحريك (الواو) وتشديد (الصاد)، قرأه بلغة من يقول: وصَّيت فلانًا بكذا\" (٥).\nقال القرطبي: والتشديد\" أبين، لأن أكثر النحويين يقولون (موص) للتكثير\" (٦).\nوقرأ عليٌّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-: \" (حَيْفًا) بالحاء والياء؛ أي ظُلمًا\"ُ (٧).\nوالفرق بين الْجَنَفِ وَالْحَيْفِ: \"أنَّ (الْجَنَفَ) عدول عن الشيء، و(الْحَيْفَ) حَمْلٌ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَنْتَقِصَهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يَنْتَقِصَ حَقَّهُ \"ُ (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]؛ أي إن الله \"واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: الوصي حين أصلح بين الورثة رحيم يعني: رحيما به خبيرا به، حيث رخص له في خلاف جور وصية الميت\" (١٠).\nقال الطبري: \" والله ﴿غَفورٌ﴾ للموصي فيما كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم، إذا تَرَك أن يأثم ويَجنف في وصيته، فتجاوزَ له عما كان حدَّث به نفسه من الجور، إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه به، ﴿رحيمٌ﴾ بالمصلح بينَ المُوصي وبين من أراد أن يَحيف عليه لغيره، أو يَأثَم فيه له\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣. ومن ثم قال: فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال: فما وجه الإصلاح حينئذ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟\nقيل: إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح، فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين، فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف. لأن \" الإصلاح \"، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.\nفإن قال قائل: فكيف قيل: \" فأصلح بينهم \"، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين، أو المخوف اختلافهم، ذكرٌ؟\nقيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم، وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله: \" كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَركَ خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف \"، ثم قال تعالى ذكره: \" فمن خافَ من مُوص \" - لمن أمرته بالوصية له - \" جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم \" - وبين من أمرته بالوصية له - \" فلا إثم عليه \". والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي\". (تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(٢) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٦.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١١.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٩.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٩.\n(٧) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠.\n(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠. حكاه عن الفراء، ولم أقف عليه في معاني القرآن.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢١): ص ١/ ٣٠٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٨.","vol":"4","page":92},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن من خاف جورًا أو معصية من موصٍ فإنه يصلح؛ وهذا يشمل ما إذا كان قبل موت الموصي، أو بعده؛ مثاله قبل موت الموصي: أن يستشهد الموصي، أو يستكتب شخصًا لوصيته، فيجد فيها جورًا، أو معصية، فيصلح ذلك؛ ومثاله بعد موته: أن يُطَّلع على وصية له تتضمن ما ذُكر فتُصْلح؛ مثال ذلك أن يوصي لوارث، فيُطَّلع على ذلك بعد موته، فتُصْلح الوصية إما باستحلال الوارث الرشيد؛ وإما بإلغائها إذا لم يمكن.\n٢ - ومن فوائد الآية: رفع الإثم عن الوصي إذا أصلح لخوفه جنفًا، أو إثمًا.\n٣ - ومنها: فضيلة الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فأصلح بينهم﴾؛ فإن في الإصلاح درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة، والشحناء بين الموصى إليهم والورثة.\n٤ - ومنها: أنه قد يعبر بنفي الإثم، أو نفي الجناح دفعًا عن توهمه؛ وعليه فلا ينافي المشروعية، كما في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨ ولما كان تبديل الوصية إثمًا نفى الله الإثم عمن أصلح؛ ثم تعود المسألة إلى القواعد العامة التي مقتضاها وجوب الإصلاح، ورفع الجنف، والإثم.\n٥ - ومنها: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز؛ بل هو واجب بدليل آخر؛ وأما تغيير الوصية لما هو أفضل ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١]؛ ولم يستثن إلا ما وقع في إثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير؛ ومنهم من قال: بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله ﷿، ونفع الموصى له، فكلما كان أقرب إلى الله، وأنفع للموصى له كان أولى أيضًا؛ والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل؛ وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر؛ ولأن النبي ﷺ أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به؛ فالرجل الذي جاء إليه، وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس؛ فقال -ﷺ-: «صلِّ ها هنا» فأعاد عليه فقال: «صل ها هنا» فأعاد الثالثة فقال -ﷺ-: «شأنك إذًا» (١)؛ والذي أرى في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها، كما لو كانت الوصية لزيد فقط؛ أو وقف وقفًا على زيد فإنه لا يجوز أن يغير لتعلق حق الغير المعين به؛ أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل.\n٦ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و«الرحيم»؛ وما تضمناه من وصف، وحكم.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم؛ لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.\nقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي: \"يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بهما وأقرُّوا\" (٢).\nقال المراغي: \" أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٦٣، حديث رقم ١٤٩٨١، وأخرجه أبو داود ص ١٤٧٠، كتاب الإيمان والنذور، باب ٢٠: من نذر أن يصلي في بيت المقدس، حديث رقم ٣٣٠٥، وقال الألباني في صحيح أبي داود: \"صحيح\" ٢/ ٣٢٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٩.\n(٣) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.","vol":"4","page":93},{"text":"قال الصابوني: \" هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه\" (١).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٢).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٣).\nوقال جعفر الصّادق -﵁-: \" لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء، دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي\" \"فرض عليكم الصيام\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: فرض عليكم\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" والذي فَرضه هو الله ﷾\" (٨).\nقال الحافظ ابن حجر: \" والمراد بالمكتوب فيه: اللوح المحفوظ\" (٩).\nقال الطبري: \"وإن كان ﴿كتب﴾ بمعنى: فُرض، فإنه عندي مأخوذ من (الكتاب) الذي هو رسمٌ وخَط. وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [سورة البروج: ٢١ - ٢٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [سورة الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ\" (١٠).\nوالصوم والصيام لغة: الإمساك (١١)، يقال: صام النهار إذ وقف سير الشمس، قال الله تعالى إخبارًا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [المريم: ٢٦]، أي: صمتًا؛ لأنه إمساك عن الكلام، ويفسره قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [المريم: ٢٦].\nوقال الشاعر النابغة الذبياني (١٢):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٩، وانظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٦٦، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٥١، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٣، المفردات للراغب: ٤٢٣، وغيرها.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢١): ص ١/ ٣٠٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١٦.\n(٩) الفتح: ٨/ ٢٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٥\n(١١) قال ابن منظور في لسان العرب ١٢/ ٣٥٠: \"الصوم: ترك الطعام، والشراب، والكلام: صام يصوم صومًا وصيامًا، واصطام ... والصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن المطعم والمشرب، والمنكح، وقيل للصامت: صائم لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العلف مع قيامه ... قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم\".\n(١٢) ديوانه: ١٠٦ (زيادات) واللسان (علك) (صام). ولكنه من قصيدته التي أولها: بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى حَبْلُهَا انْجَذَمَا\nوقد فسر \" صامت الخليل \" بأنها الإمساك عن السير، وعبارة اللغة، \" صام الفرس \" إذا قام في آريه لا يعتلف، أو قام ساكنًا لا يطعم شيئًا. وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير، فهو صائم. والعجاج: الغبار الذي يثور، يعني أنها في المعركة لا تقر. وعلك الفرس لجامه: لاكه وحركه في فيه.","vol":"4","page":94},{"text":"خَيْلٌ صِيَامٌ، وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ، وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا\nيعني بالخيل الصائمة: القائمة بلا اعتلاف، وقيل: الممسكة عن الصهيل (١).\nوالصيام: مصدر صام يصوم صومًا وصيامًا (٢).\nوالصوم شرعًا: قيل: \"هو عبارة عن إمساك مخصوص: وهو الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية\" (٣).\nوقيل: هو عبارة عن إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص (٤).\nوقيل: \"هو عبارة: عن إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص\" (٥).\nوقيل: \"هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص\" (٦).\nوقيل: \"إمساكٌ بِنِيَّةٍ عن أشياء مخصوصة، في زمن معيَّن، من شخص مخصوص\" (٧).\nوقيل: \"هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع\" (٨) (٩).\nوقيل: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والجهل وغيرها من الكلام المحرم والمكروه (١٠).\nوقيل: إمساك مخصوص من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمنٍ مخصوص (١١).\nوالمختار في تعريف الصيام شرعًا: أن يُقال: \"هو التعبد لله تعالى بالإمساك بنية: عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة \" (١٢).\nوسمي الصيام صبرًا؛ لحديث: \"صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر\" (١٣) (١٤).\nوقد قيل: إنه عُني بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]؛ لأن الصائم يُصبِّر نفسه عن شهواتها (١٥).\nوسمي أيضًا: السياحة (١٦).\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، ١٢/ ٣٥١، والمصباح المنير، ١/ ٣٥٢، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٣٢٣.\n(٢) لسان العرب، ١٢/ ٣٥٠.\n(٣) التعريفات للجرجاني، ص ١٧٧، والمصباح المنير، للفيُّومي، ١/ ٣٥٢.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٢٣، والشرح الكبير، ٧/ ٣٢٣.\n(٥) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، ٧/ ٣٢٣.\n(٦) الموسوعة الفقهية، ٢٨/ ٧.\n(٧) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٤٦، ومنتهى الإرادات لمحمد بن أحمد الفتوحى،\n٢/ ٥، والإقناع لطالب الانتفاع، للحجَّاوي، ١/ ٤٨٥.\n(٨) كتاب الصيام من شرح العمدة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٢٤.\n(٩) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ويتبع ذلك الإمساك عن: الرفث، والجهل، وغيرهما من الكلام المحرم، والمكروه؛ فإن الإمساك عن هذه الأشياء في زمن الصوم أوكد منه في غير زمن الصوم ... \" [كتاب الصيام من شرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٢٤].\n(١٠) كتاب الصيام من شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٢٤.\n(١١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٥/ ١٥٣.\n(١٢) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ٣١٠، والإلمام بشيء من أحكام الصيام، لعبد العزيز بن عبد الله الراجحي، ص ٧.\n(١٣) انظر: شرح العمدة، ١/ ٢٥.\n(١٤) أخرجه أحمد، ٣٨/ ١٦٨، برقم ٣٠٧٠، ورقم ٢٣٠٧٧، و٣٤/ ٢٤٠، برقم ٢٠٧٣٧، والبزار، برقم ١٠٥٧، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٩٩: \"حسن صحيح \"، ويأتي تخريجه في فضائل الصيام.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ١/ ١٥٤ عن مجاهد بن جبر في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ قال: الصبر الصيام. وسنده صحيح [وانظر: شرح العمدة، كتاب الصيام، لابن تيمية، ١/ ٢٥].\n(١٦) أخرجه الطبري في تفسيره، ١٤/ ٥٠٣، عن أبي هريرة قال: \"والسائحون: الصائمون \"، وسنده صحيح، وقد روي عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح، وأخرجه الطبري أيضًا عن ابن مسعود قال: \"السائحون: الصائمون \"، وسنده حسن، وأخرجه عن ابن عباس، ١٤/ ٥٠٤، قال: \"السائحون: الصائمون \"، وسنده صحيح. وانظر: شرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٢٥.","vol":"4","page":95},{"text":"قوله تعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، \" أي: فرض عليكم صيام شهر رمضان كما فرض على الأمم قبلكم\" (١).\nقال البيضاوي: \" يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم ﵇، وفيه توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب على النفس\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين منْ قبلكم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" ذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وَليَجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨] \" (٤).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وفيه ثلاثة أقاويل (٥):\nأحدها: أنهم النصارى، وهو قول الشعبي (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، والحسن (٩).\nوالثاني: أنهم أهل الكتاب، وهو قول مجاهد (١٠). واختاره الطبري (١١).\nوالثالث: أنهم جميع الناس، وهو قول قتادة (١٢).\nوالراجح أن المعنيين في الآية هم أهل الكتاب، أما التشبيه فإنه وقع في الوقت، \" وذلك أن مَنْ كان قبلنا إنما كان فرِض عليهم شهر رمضان، مثل الذي فُرض علينا سواء\" (١٣). والله أعلم (١٤).\nواختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين (١٥):\nأحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئًا، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئًا حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٧.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٠): ص ٣/ ٤١٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٢): ص ٣/ ٤١٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢١): ص ٣/ ٤١١.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٣): ص ٣/ ٤١٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤١٢ - ٤١٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٤): ص ٣/ ٤١٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٣/ ٤١٣.\n(١٤) وقد ذكر الرازي بأن في هذا التشبيه قولان: [مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٤٠].\nأحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله.\nوالقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال: إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٢): ص ٣/ ٤١٢.","vol":"4","page":96},{"text":"وقد روي عن النبيﷺأنه قال: \" بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ \" (١).\nوالقول الثاني: أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان (٢):\nأحدهما: أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يومًا كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفّروه بصوم عشرين يومًا زائدة، ليكون تمحيصًا لذنوبهم وتكفيرًا لتبديلهم، وهذا قول الشعبي (٣).\nوالثاني: أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، إلى أن نسخ بصوم رمضان. وهذا قول ابن عباس (٤)، والضحاك بن مزاحم (٥)، وعطاء (٦)، وقتادة (٧).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن معاذ بن جبل: \"أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء، فصام تسعة عشر شهرا من ربيع الأول إلى رمضان، ثم قال: إن الله قد افترض عليكم شهر رمضان\" (٨).\nوقد ذكر الشيخ ابن عثيمين فائدتين في غرض التشبيه في قوله تعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٩):\nالفائدة الأولى: التسلية لهذه الأمة حتى لا يقال: كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا؛ لقوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا: فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه؛ ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا (١٠):\nولَوْلا كَثرَة ُ الباكينَ حَوْلي على اخوانهمْ لقتلتُ نفسي\nوما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِنْ اعزّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي\nالفائدة الثانية: استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة؛ ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل؛ فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله ﷿؛ ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، فقال تعالى: \"كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، \" أي لتكونوا من المتقين لله، المجتنبين لمحارمه\" (١٢).\nقال ابن عباس: \"يريد: كي تخافوني في حدودي وفرائضي\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \" لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع\" (١٤).\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٠٩٦): ص ٢/ ٧٧١، وأحمد (١٧٣٠٨): ص ٤/ ١٩٧.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٠): ص ٣/ ٤١٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٢٣): ص ١/ ٣٠٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٢٤): ص ١/ ٣٠٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٤.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٦٢٢): ص ١/ ٣٠٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١٧.\n(١٠) ديوان خنساء: ٣٢٦.\n(١١) أخرجه البخاري ص ٥٠٣، كتاب اللباس، باب ٧٨: ما يذكر في المسك، حديث رقم ٥٩٢٧؛ وأخرجه مسلم بتمامه ص ٨٦٢، باب ٣٠: فضل الصيام، حديث رقم ٢٧٠٧ [١٦٤] (...).\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(١٣) معاني القرآن: للزجاج ١/ ٢٥٢، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٥٩، وانظر: معنى ﴿لعل﴾ في: المفردات: ٤٥٤.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٣.","vol":"4","page":97},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها\" (١).\nقال ابن كثير في تفسيره: \"لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"فيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله ﷿؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع\" (٣).\nقال الزجاج: \" و﴿لعل﴾ ههنا على ترجي العباد، والله ﷿ من وراء العلم أتتقون أم لا. ولكن المعنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثلاثة أوجه من التفسير (٥):\nأحدها: معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قه النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج (٦).\nوالثاني: لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري (٧).\nقال القرطبي: \"فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت، الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن\" (٨).\nوالثالث: وقيل: \"هو على العموم، لأن الصيام كما قال ﵇: \"الصيام جنة\" (٩)، و\"وجاء\" (١٠)، وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات\" (١١).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٢٢٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١٧.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٥٢.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٥.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٥٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٤١٣.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٥\n(٩) أخرجه البخاري (١٧٩٥): ص ٢/ ٦٧٠، ومسلم (١١٥١): ص ٢/ ٨٠٦، وأحمد (٧٤٤١): ص ٢/ ٥٢٧.\n(١٠) جاء هذا اللفظ في حديث عبدالله بن مسعود ﵁: \" .... فعليه بالصوم، فإنه له وجاء\". أخرجه البخاري (١٨٠٦): ص ٢/ ٦٧٤، ومسلم (١٤٠٠): ص ٢/ ١٩١٨، وأحمد (٤١٣): ص ١/ ٥٨.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٥٠، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٥. وذكر الرازي في معنى قوله تعالى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ وجوها [انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١]:\nأحدها: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها ﴿لعلكم تتقون﴾ منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجبا.\nوثانيها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى وهذا معنى ﴿لعل﴾.\nوثالثها: المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف.\nورابعها: المراد ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها.\nوخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين لأن الصوم شعارهم. والله أعلم.","vol":"4","page":98},{"text":"والقول الثاني داخل في القول الأول، لأن تناول المفطرات وقت الصوم من جملة المعاصي والمنهيات، فالأول أولى وأظهر لعدم التقييد في قوله﷿-: ﴿تَتَّقُون﴾، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن حجر: \" وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُم تَتَّقُون﴾، إشارة إلى أن من قبلنا كان فرض الصوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال التي كلفوا بها (١)، وأما هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سببًا لاتقاء المعاصي وحائلًا بينهم وبينها، فعلى هذا المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء؛ وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.\n٢ - ومنها: فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿كتب﴾.\n٣ - ومنها: فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾.\n٤ - ومنها: تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم\n٥ - ومنها: استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها.\n٦ - ومنها: الحكمة في إيجاب الصيام؛ وهي تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾.\n٧ - ومنها: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذًا هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١].\nويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلامًا يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول ﷺ أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته (٣).\n٨ - ومن فوائد الآية: حكمة الله ﷾ بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ - ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله ﷾ بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان - إن صلى في رمضان؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير؛\n_________\n(١) انظر: جامع البيان للطبري: ١٣/ ١٦٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ٧/ ١٨٠ - ١٨١، مفاتيحِ الغيب للرازي: ١٥/ ٢٧ - ٢٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٤/ ٤٠٤ عند قوله﷿-: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧]-إلى قوله- ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي هذا القول من الحافظ ومن قال بذلك نظر ظاهر؛ إذ ليس في الآية ما يشير إلى ذلك، بل إن آية الأعراف تفيد أن فرض الصيامِ على الأم الماضية ليس من الإصر والأثقال التي كلفوا بها وإلا لما كلفت به هذه الأمة لأن الله يقول: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n(٢) الفتح: ٨/ ٢٧.\n(٣) راجع أحمد ص ١٤٥٧، حديث رقم ٢٠١١٦؛ وأبا داود ص ١٥٣٧، كتاب الملاحم، باب ١٤: خروج الدجال، حديث رقم ٤٣١٩؛ ومستدرك الحاكم ٤/ ٥٣١، كتاب الفتن والملاحم، وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، وأقره الذهبي (المرجع نفسه)؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: \"صحيح\" (٣/ ٣٠، حديث رقم ٤٣١٩).","vol":"4","page":99},{"text":"لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هينًا على هذا الإنسان تركها؛ والصوم يكون عنده تركه صعبًا؛ ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: إنه لا يصوم، ولا يصلي - يبدؤون بالصوم.\nالقرآن\n﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]\nالتفسير:\nفرض الله عليكم صيام أيام معلومة العدد وهي أيام شهر رمضان. فمن كان منكم مريضًا يشق عليه الصوم، أو مسافرًا فله أن يفطر، وعليه صيام عدد من أيام أُخَر بقدر التي أفطر فيها. وعلى الذين يتكلفون الصيام ويشقُّ عليهم مشقة غير محتملة كالشيخ الكبير، والمريض الذي لا يُرْجَى شفاؤه، فدية عن كل يوم يفطره، وهي طعام مسكين، فمن زاد في قدر الفدية تبرعًا منه فهو خير له، وصيامكم خير لكم -مع تحمُّل المشقة- من إعطاء الفدية، إن كنتم تعلمون الفضل العظيم للصوم عند الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: \"كتب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدودات\" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" مؤقتات بعدد معلوم، أو قلائل\" (٢).\nقال المراغي: \" أي أياما معيّنات بالعدد وهى أيام رمضان\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفًا ورحمةً بكم\" (٤).\nقال الثعلبي: \" يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" موقتات بعدد معلوم. أو قلائل، كقوله: (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه. والكثير يهال هيلا ويحثى حثيا\" (٦).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهين (٧):\nأحدهما: أنها أيام شهر رمضان التي أبانها من بعد، وهو قول ابن أبي ليلى (٨)، وجمهور المفسرين (٩).\nوالثاني: أنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كانت مفروضة قبل صيام شهر رمضان، ثم نسخت به، وهي الأيام البيض من كل شهر، وهو قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وعطاء (١٢).\nوالراجح في تفسير قوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]، أن يقال بأنه أيامَ شهر رمضان، وهذا قول جمهور أهل التفسير. والله أعلم.\nوفي الأيام البيض وجهان (١٣):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤١٣.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٤.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ٧٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ٢٢٥.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣١)، و(٢٧٣٢): ص ٣/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٨): ص ٣/ ٤١٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٠): ص ٣/ ٤١٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٢٧): ص ٣/ ٤١٤.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٧.","vol":"4","page":100},{"text":"أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه.\nالوجه الثاني: أنها الثالث عشر وما يليه.\nقال الماوردي: \" وهو [أي: الوجه الثاني] أظهر الوجهين، لأن أيام الشهر مجزأة عند العرب عشرة أجزاء، كل جزء منها ثلاثة أيام، تختص باسم، فأولها ثلاث غرر، ثم ثلاث شهب، ثم ثلاث بهر، ثم ثلاث عشر، ثم ثلاث بيض، ثم ثلاث درع، والدرع هو سواد مقدم الشاة، وبياض مؤخرها، فقيل لهذه الثلاث درع، لأن القمر يغيب في أولها، فيصير ليلها درعًا، لسواد أوله، وبياض آخره، ثم ثلاث خنس، لأن القمر يخنس فيها، أي يتأخر، ثم ثلاث دهم، وقيل حنادس لإظلامها، ثم ثلاث فحم، لأن القمر يتفحم فيها، أي يطلع آخر الليل، ثم ثلاث رادي، وهي آخر الشهر، مأخوذة من الرادة، أن تسرع نقل أرجلها حتى تضعها في موضع أيديها\" (١).\nواختلف في انتصاب قوله: ﴿أَيَّامًا﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفيه وجوه (٢):\nالأول: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: صوموا أيّاما معدودات. وهذا قول أبو حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤)، وابن حجر (٥).\nالثاني: أنه منصوب بالصيام، وهو اختيار الزمخشري، إذ لم يذكره غيره، ونظره بقولك: «نويت الخروج يوم الجمعة» (٦).\nقال السمين الحلبي: \" وهذا ليس بشيء، لأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو قوله: «كما كتب» لأنه ليس معمولا للمصدر على أي تقدير قدرته. فإن قيل: يجعل «كما كتب» صفة للصيام، وذلك على رأي من يجيز وصف المعرف بأل الجنسية بما يجري مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا. قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع\" (٧).\nوكذا ضعّفه أبو حيان (٨)، وأبو علي الفارسي، إذ يقول هذا الأخير: \" ولا يستقيم أن ينتصب أيام بالصيام على أن يكون المعنى: كتب عليكم الصيام في أيام، لأنّ ذلك، وإن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنّك إن حملته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي منهما! وذلك أن أياما تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر: كتب، لأنّ التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف في (كما) متعلقة بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. فإن قلت: أضمر (الصِّيامُ) لتقدّم ذكر المتقدم عليه، كأنّه صيام أيّاما، فإنّ ذلك لا يستقيم، لأنّك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنّه قد قال (٩): في قوله (١٠):\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٢٣٧.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٣، والكشاف: ١/ ٢٢٥، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ١١٢، إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٨٤، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٢، وإملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٨٠، والمحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٧٤ - ٧٥، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣١، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٦٠.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٥.\n(٤) انظر: الدر المصون: ٢/ ٢٦٨.\n(٥) انظر: الفتح: ٨/ ٢٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ٢٢٥.\n(٧) الدر المصون: ٢/ ٢٦٩.\n(٨) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٢٥.\n(٩) أي: سيبويه، وما نقله الفارسي مستفاد من كلام سيبويه في هذا الموطن ونص عبارته: «ولا يجوز رفع زيد- (في مثال تقدم عنده وهو قوله: «ما أتاني أحد إلا زيد») - على: إلا أن يكون، لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه لأنّ «أن» يكون اسما».\n(١٠) صدر البيت: «وكلّ أخ مفارقه أخوه» وهو من قصيدة من الوافر لحضرمي بن عامر الأسدي، وقيل: لعمرو بن معديكرب، الزبيدي، وكلاهما صحابي. وذكره البغدادي في خزانة الأدب مع أبيات، انظر الخزانة ٢/ ٥٢ وما بعدها. وشرح أبيات المغني له ٢/ ١٠٥ - ١٠٨ و٤/ ٢٩٣ وشعر عمرو ص ١٦٧.","vol":"4","page":101},{"text":"لعمر أبيك إلا الفرقدان\nإنه لا يكون على: إلا أن يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، فكذلك الآية\" (١).\nالثالث: أنه منصوب بالصيام على أن تقدر الكاف نعتا لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وإن كان ضعيفا، فيكون التقدير: «الصيام صوما كما كتب» فجاز أن يعمل في «أياما» «الصيام» لأنه إذ ذاك عامل في «صوما» الذي هو موصوف ب «كما كتب» فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر.\nالرابع: أن ينتصب بـ ﴿كتب﴾: إما على الظرف، وإما على المفعول به توسعا، وإليه نحا الفراء (٢) وتبعه الزجاج (٣)، وأبو البقاء.\nقال السمين الحلبي: \" وكلا القولين خطأ: أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام. وأما النصب على المفعول اتساعا فإن ذلك مبني على كونه ظرفا لكتب، وقد تقدم أنه خطأ\" (٤).\nوأظهرها-والله أعلم-: أنه منصوب بعامل مقدر يدل عليه سياق الكلام تقديره: صوموا أياما، ويحتمل هذا النصب وجهين: إما الظرفية وإما المفعول به اتساعا (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، \" أي من كان به مرضٌ أو كان مسافرًا فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها\" (٦).\nقال الطبري: \"يعني: من كان منكم مريضًا، ممن كلِّف صَومه أو كان صحيحًا غير مريض وكان على سَفر، فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره، من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره\" (٧).\nقال النسفي: أي: \"يخاف من الصوم زيادة المرض، أو راكب سفر، فعليه صيام عدد أيام فطره، والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم أيامًا معدودة مكانها\" (٨).\nقال المراغي: \" أي فمن كان على إحدى الحالين فالواجب عليه - إذا أفطر - القضاء بقدر عدد الأيام التي لم يصمها لأن كلتيهما عرضة لاحتمال المشقة بالصوم\" (٩).\nويعني بالمرض: \" مرضًا يشق به الصوم؛ أو يتأخر به البرء؛ أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوبًا كل أربع ساعات، وما أشبه ذلك؛ ودليل التخصيص بمرض يشق به الصوم ما يُفهم من العلة\" (١٠).\nقال القرطبي: \"للمريض حالتان:\n_________\n(١) الحجة للقراء السبعة: ١/ ٢٢ - ٢٣.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ١١٢، والدر المصون: ٢/ ٢٢٩.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٥٢، فقال: \" نصب (أياما) على ضربين، أجودهما: أن تكون على الظرف كأنه، كتب عليكم الصيام في هذه الأيام - والعامل فيه الصيام كان المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات\".\n(٤) الدر المصون: ٢/ ٢٦٩.\n(٥) انظر: الدر المصون: ٢/ ٢٦٨. وهناك أوجه إعرابية أخرى، انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٢، إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٨٤، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٢، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٨٠، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٧٤ - ٧٥، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣١، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٦٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤١٨.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٥٢.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ٧٢.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٢١.","vol":"4","page":102},{"text":"إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا.\nالثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل\" (١).\nوالحكمة في التعبير بقوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ - والله أعلم- \"أن المسافر قد يقيم في بلد أثناء سفره عدة أيام، ويباح له الفطر؛ لأنه على سفر، وليست نيته الإقامة، كما حصل للرسول -ﷺ- في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة (٢)، وأفطر حتى انسلخ الشهر (٣) \" (٤).\nواختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، وفيه ثلاثة أوجه (٥):\nأحدهما: إجماع العلماء على جواز الفطر والقصر في سفر الطاعة، كالحج والجها.\nقال ابن عطية: \" ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري\" (٦).\nوالثاني: واختلفوا في سفر التجارات والمباحات بالمنع والإجازة.\nقال ابن عطية: \" والقول بالجواز أرجح\"\" (٧).\nالثالث: . وأما سفر العاصي، فيختلف فيه بالجواز والمنع.\nقال ابن عطية: \" والقول بالمنع أرجح\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهان (٩):\nأحدهما: أنه مع وجود السفر، يلزمه القضاء سواء صام في سفره أو أفطر، وهذا قول داود الظاهري (١٠).\nوالثاني: أن في الكلام محذوفًا وتقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولو صام في مرضه وسفره لم يعد، لكون الفطر بهما رُخْصَة لا حتمًا، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور الفقهاء (١١).\nوقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ﴿فَعِدَّةً﴾، نصبا أي: فليصم عدّة (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، \" أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ، إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم\" (١٣).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها وردت في أول الإسلام، خيّر الله تعالى بها المطيقين للصيام من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا كل يوم بإطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقيل بل نسخ بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم﴾، وهذا قول ابن عمر، وعكرمة، والشعبي، والزهري، وعلقمة، والضحاك، وهو قول الجمهور (١٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٦.\n(٢) راجع البخاري ص ٨٥، أبواب التقصير: ١٨، باب ١: ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر، حديث رقم ١٠٨٠.\n(٣) راجع البخاري ص ١٥٢، كتاب الصوم، باب ٣٨: من أفطر في السفر ليراه الناس، حديث رقم ١٩٤٨؛ ومسلمًا ص ٨٥٦، كتاب الصيام، باب ١٥: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ...، حديث رقم ٢٦٠٨ [٨٨] ١١١٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٢١.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٥١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٦.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٢٥١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٦.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢٥١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٥١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٦.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(١٤) والمعترضون على هذا الرأي احتجوا بأن من قواعد الفقهاء أن النسخ لا يقع في كلمة أو جزء من آية، لهذا لا يمكن التعويل على هذا الرأي.","vol":"4","page":103},{"text":"والثاني: وقال بعض أهل العلم: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يطوَّقونه؛ أي يتكلفونه، ويبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقًا عليهم، ويقصد به العجوز الكبير الذي لا يستطيع الصوم والمريض مرضا مزمنا لا يبرأ منه ولا يستطيع معه الصوم فإنهما تجب عليهما الفدية ولا يكلفان بالصوم. وهذا قول سعيد بن المسيب، والسدي.\nوالثالث: أن في الآية حذفًا؛ والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وهؤلاء مثلوا له بالرجل والمرأة العجوزين اللذين لا يقدران على الصوم (١).\nوهذا الرأي فيه علة واضحة، وهي قلب صريح لظاهر الآية من الإثبات إلى النفي، فلا يمكن التسليم له بالقبول، وممن انتقد هذا الرأي محمد عبد (٢).\nوالراجح ما قاله الجمهور، لأنه الأقرب لما ثبت عن سلمة أنها منسوخة وإن احتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه.\nوأما القولين الأخيرين كلاهما ضعيف؛ والثاني أضعف؛ \"لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي؛ وتفسير الشيء بضده لا يستقيم؛ وأما القول الأول منهما فله وجه؛ لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه: \"أنه أول ما كتب الصيام كان الإنسان مخيرًا بين أن يصوم؛ أو يفطر، ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ...﴾ \" (٣)؛ وكذلك ظاهر الآية يدل على ضعفه؛ لأن قوله بآخرها: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ يدل على أنهم يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع فيكون ظاهر الآية مطابقًا لحديث سلمة؛ وهذا هو القول الراجح أن معنى ﴿يطيقونه﴾: يستطيعونه\" (٤).\nقال الحافظ ابن حجر: \"تضعف تأويل من زعم أن (لا) محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر:\nفقلت يمين الله أبرح قاعدًا (٥)\nأي: لا أبرح قاعدًا، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية (٦)، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ للصيام (٧)، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق، وإنما تجب على غيره (٨)، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفًا تقديره: وعلى الذين\n_________\n(١) انظر: بيان الشرع، الكندي: ٢٠/ ١٧٥.\n(٢) انظر: تفسير المنار: ٢/ ١٥٧.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٣٧٠، كتاب تفسير القرآن، باب ٢٦: \"فمن شهد منكم الشهر فليصمه\"، حديث رقم ٤٥٠٧؛ وأخرجه مسلم ص ٨٦١، كتاب الصيام، باب ٢٥: بيان نسخ قول الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين﴾ بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشخر فليصمه﴾، حديث رقم ٢٦٨٥ [١٤٩] ١١٤٥.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(٥) والمعنى: لا أبرح، وهو صدر بيت امرئ القيس، وعجزه: ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي. انظر: ديوان امرئ القيس: ١٢٥، وهو من شواهد الكتاب لسيبويه: ٣/ ٥٠٤. وانظر: المقتضب للمبرد: ٢/ ٣٢٦، أمالي ابن الشجري: ١/ ٣٦٩، الخصائص لابن جني: ٢/ ٣٨٤، همع الهوامع للسيوطي: ٢/ ٣٨، وغيرها.\n(٦) انظر رد ذلك في: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٦٢.\n(٧) نظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٤٣٤، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٢، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٥٠، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٣٥، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٨٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٦٣، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٣. وقال قوم: إن الضمير في (يُطيقُونَهُ) للفداء، ذكره الفراء في معاني القرآن: ١/ ١١٢، ويكون المعنى على ذلك: وعلى الذين يطيقون الفداء فلا يصومون فدية، وما ذكره الحافظ أظهر لأنه تقدم ذكر الصيام دون الفداء، ولأنه المتبادر، وانظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٨٨، والدر المصون للسمين: ١/ ٤٦٣.\n(٨) انظر في وجوب الفدية على غير المطيق: الاستذكار لابن عبد البر: ١٠/ ٢١٢ - ٢١٣، المجموع للنووي: ٦/ ٤٢٠، الذخيرة للقرافي: ٢/ ٥١٦، بداية المجتهد لابن رشد: ١/ ٥٥٧، المغني لابن قدامة: ٤/ ٣٩٦.","vol":"4","page":104},{"text":"يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية (١)، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر (٢)، وقد تقدم في الصيام (٣) حديث ابن أبي ليلى قال: \"حدثنا أصحاب محمد لما نزل رمضان شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق\" (٤).\nواختلف في نسخ وحكم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفيه ثلاثة أقوال (٥):\nأحدها: أنه كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك، وقد قال بكونها منسوخة جمع من العلماء (٦).\nوهذا قول عن علقمة (٧)، وعكرمة (٨)، والحسن البصري (٩)، والأعمش (١٠)، وابن عمر (١١)، والشعبي (١٢)، وعطاء (١٣)، وابن شهاب (١٤)، وابن عباس (١٥)، وسلمة بن الأكوع (١٦)، وابراهيم (١٧)، وابن سيرين (١٨)، والضحاك (١٩).\nوالثاني: أن لقوله: ﴿وَعلى الذينَ يُطيقونه فدية طعامُ مسكين﴾، حُكمًا خاصًّا للشيخ الكبير والعجوز الذين يُطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يَفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فمن شَهد منكم الشهرَ فليصمه﴾، فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبلَ النسخ ثابتًا لهما حينئذ بحاله.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٢، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٢، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٣٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٣٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٨٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٢٨٨، وغيرها.\n(٢) هذا مشكل على القول بنسخ الآية-وهو ظاهر كلام الحافظ هنا-إن كان المراد أن الفدية صارت على العاجز إذا أفطر بنص الآية لأنه لا نسخ حينئذ، وتكون الآية محكمة مخصوصة بالعاجز الذي لا يرجى برؤه. أما إن كان المراد أن الفدية صارت للعاجز بدليل غير الآية كما ثبت من قول كثير من الصحابة أو بالإجماع كما حكاه الرازي في تفسيره: ٥/ ٨٦ فلا إشكال، والله أعلم.\n(٣) البخاري-فتح-: ٤/ ٢٢١.\n(٤) الفتح: ٨/ ٢٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤١٨ ومابعدها.\n(٦) منهم: قتادة في كتابه الناسخ والمنسوخ: ٤٠، والزهري في كتابه: الناسخ والمنسوخ: ١٦، وابن الجوزي في: المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ١٧، وابن البازري في: ناسخ القرآن ومنسوخه: ٢٥، وابن سلامة في: الناسخ والمنسوخ: ٤٣ - ٤٤، والنحاس في: الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٩٤ - ٤٩٦، ومكي في: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٤٩، وابن العربي في: أحكام القرآن: ١/ ٧٩، والزجاج في: معاني القرآن: ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، وابن جرير في: جامع البيان: ٣/ ٤٣٤، وابن كثير في: تفسيره: ١/ ٢٦٧، وغيرهم. وهذا القول هو الأظهر، قال أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٣٦ بعد إيراده للأقوال في الآية: (والظاهر من هذه الأقوال: القول الأول، وذلك أن الله تعالى لما ذكر فرض الصيام على المؤمنين قسمهم قسمين: متصف بمظنة المشقة وهو المريض والمسافر، فجعل حكم هذا أنه إذا أفطر لزمه القضاء، ومطيق للصوم فإن صام قضى ما عليه، وإن أفطر فدى ثم نسخ هذا الثاني).\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٦): ص ٣/ ٤٢٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٧): ص ٣/ ٤٢٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٧): ص ٣/ ٤٢٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٣٩): ص ٣/ ٤٢٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٠): ص ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٢)، و(٢٧٤٣): ص ٣/ ٤٢١ - ٤٢٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٤): ص ٣/ ٤٢٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٥): ص ٣/ ٤٢٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٦): ص ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٧): ص ٣/ ٤٢٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٩): ص ٣/ ٤٢٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٠): ص ٣/ ٤٢٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥١): ص ٣/ ٤٢٤.","vol":"4","page":105},{"text":"وهذا مذهب ابن عباس (١)، وعكرمة (٢) -في أحد قوليه- وقتادة (٣)، والربيع (٤)، وخالفهم الأكثرون (٥).\nوالثالث: أنه لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبتٌ من لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه - في حال شبابهم وَحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم - إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين لا أنَّ القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار - وهم على الصوم قادرون - إذا افتدوا. وهذا قول السدي (٦)، وابن عباس (٧) في أحد قوليه، وسعيد بن مسيب (٨).\nوالرابع: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت، لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة. وهذا قول ابن عباس (٩)، وعلي (١٠)، وعكرمة (١١)، وطاوس (١٢)، والضحاك (١٣)، وعطاء (١٤)، وسعيد بن جبير (١٥).\nوالراجح أن قوله تعالى ﴿وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين﴾، هو تيسير من الله تعالى على عباده وتدرج في فرض الصوم، والمعنى أن الذين يستطيعون الصوم إذا أفطروا فإن عليهم فدية، وكان هذا في أول الأمر حيث جعل الله تعالى الصيام على التخيير من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى، فمعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، ثم نسخت (١٦) هذه الآية في قول جمهور أهل العلم بقوله تعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ويدل على هذا المعنى ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع (١٧). والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٢)، و(٢٧٥٣): ص ٣/ ٤٢٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٤): ص ٣/ ٤٢٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٥): ص ٣/ ٤٢٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٦): ص ٣/ ٤٢٦.\n(٥) كابن مسعود ومعاذ بن جبل وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعكرمة والشعبي والزهري وعلقمة والضحاك، انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٤١٨ - ٤٢٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٨٦، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦، وغيرها.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٧): ص ٣/ ٤٢٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٥٨)، و(٢٧٥٩): ص ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٧٦٤): ص ٣/ ٤٢٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٧٦٥)، و(٢٧٦٦)، و(٢٧٦٧)، و(٢٧٦٨): ص ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٧٨٤): ص ٣/ ٤٣٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٧٨٧): ص ٣/ ٤٣٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩٠): ص ٣/ ٤٣٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩١): ص ٣/ ٤٣٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٨٩): ص ٣/ ٤٣٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٧٧٠): ص ٣/ ٤٣٠.\n(١٦) قال الطبري: \" إن قوله تعالى ﴿وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين﴾، منسوخٌ بقول الله تعالى ذكره: ﴿فمن شَهد منكم الشهر فَليصمه﴾، لأن \" الهاء \" التي في قوله: \" وَعلى الذين يُطيقونه \"، من ذكر \" الصيام \" ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعامُ مسكين. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهل الإسلام مجمعينَ على أن من كان مُطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوْمَ شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين - كان معلومًا أنّ الآية منسوخةٌ، هذا، مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن مُعاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع: من أنهم كانوا - بعد نزول هذه الآية على عَهد رسول الله ﷺ - في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسُقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: \" فمن شهد منكم الشهر فليصمه \"، فألزموا فرضَ صومه، وبطل الخيار والفديةُ\". (تفسير الطبري: ٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٧٤٧): ص ٣/ ٤٢٣، والحديث رواه مسلم ١: ٣١٥، عن عمرو بن سواد العامري، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. وكذلك رواه البيهقي ٤: ٢٠٠، من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب.\nورواه البخاري ٨: ١٣٦، ومسلم ١: ٣١٥، والبيهقي ٤: ٢٠٠ - كلهم من حديث قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير.\nوذكره السيوطي ١: ١٧٧ - ١٧٨، وزاد نسبته للدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم.","vol":"4","page":106},{"text":"وقال ابن كثير: \"فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأما الشيخ الفاني [الهرم] الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جِدة؟ فيه قولان للعلماء:\nأحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي.\nوالثاني - وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: \"وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس - بعد أن كبر عامًا أو عامين - كل يوم مسكينًا خبزًا ولحما، وأفطر\" (١).\nوهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، فقال: حدثنا عُبَيد الله بن مُعَاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس [بن مالك] عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثيِن مسكينًا فأطعمهم (٢).\nومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء\" (٣).\nوكان فرض الصوم على رُتَبٍ ثلا ث على النحو الآتي (٤):\nالرتبة الأولى: فُرِضَ أولًا على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا مع الترغيب في الصوم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ (٥).\nوعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: \"لمّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي (٦) حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها\"، وفي رواية لمسلم: \"كُنَّا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ - من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أُنْزِلت هذه الأية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٧) (٨) وعن ابن عمر ﵄ أنه قرأ \"فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ\". قال: \"هي منسوخة\" (٩) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"والمراد بالطعام: الإطعام، قوله: \"قال هي منسوخة\" هوصريح في دعوى النسخ، ورجحه\n_________\n(١) صحيح البخاري (٨/ ١٧٩) \"فتح\".\n(٢) (\" مسند أبي يعلى (٧/ ٢٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٤): \"رجاله رجال الصحيح\" لكنه منقطع.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٩ - ٥٠١.\n(٤) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٣٠.\n(٥) سورة البقرة، الآيتان: ١٨٣ - ١٨٤.\n(٦) أي: فعل.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب \" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ\"، برقم ٤٥٠٧، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان نسخ قول الله تعالى: \" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ\" بقوله: \"فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ\"، برقم ١١٤٥، قال البخاري ﵀: بابٌ: \"وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ\" قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها \"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ\" إلى قوله: \"عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ\" قبل الحديث رقم ١٩٤٩، من صحيح البخاري.\n(٩) البخاري، كتاب التفسير، باب \"فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ\"، برقم ٤٥٠٦.","vol":"4","page":107},{"text":"ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لايطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مع أنه لايطيق الصيام\" (١). وحكي عن ابن باز رحمه الله تعالى أنه قال: \"والصواب أن الآية منسوخة\" (٢) (٣)، والله تعالى أعلم (٤).\nومما يؤكد أن الآية منسوخة حديث ابن أبي ليلى قال: \"حدثنا أصحاب محمد - ﷺ - لما نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يُطيقه ورُخص لهم في ذلك فنسختها ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فأمروا بالصيام\" (٥) قال ابن حجر ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: \"في الكلام حذف تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر\" (٦) (٧).\nالرتبة الثانية: تحتم الصيام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨) لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حَرُم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة (٩).\nالرتبة الثالثة: تحتم الصيام ووجوبه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وهذه الرتبة نسخت الرتبة الثانية، وهي التي استقر عليها الشرع في الصيام إلى يوم القيامة (١٠)، فعن البراء بن عازب ﵄، قال: \"كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه - فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك (١١)، فلما انتصف النهار غُشي عليه فَذُكر ذلك للنبي - ﷺ -، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد﴾ \" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، عشرة أوجه من القراءات (١٣):\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٨/ ١٨١\n(٢) سمعه الدكتور سعيد القحطاني أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٥٠٦، و٤٥٠٧.\n(٣) وعن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ \"وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ\" قال ابن عباس ﵄: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لايستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينًا\" [البخاري، كتاب التفسير، باب \"أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... \" الآية، برقم ٤٥٠٥.\n(٤) قال الدكتور سعيد القحطاني: سمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٥٠٥، والحديث رقم ٤٥٠٨، يذكر أن فرض صيام شهر رمضان كان على أحوال ثلاثة، أو مراحل ثلاث (الصيام في الاسلام: ٥٠):\n١ - خيّرهم الله تعالى بين الصيام والإطعام والصيام أفضل.\n٢ - أُلزموا بالصيام لكن من غربت عليه الشمس وقد نام فلا يفطر حتى اليوم الثاني.\n٣ - أُلزموا بالصيام من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم.\n(٥) البخاري، كتاب الصوم، بابٌ: \" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ \" قبل الحديث رقم ١٩٤٩.\n(٦) فتح الباري، ٨/ ١٨٠.\n(٧) وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية \"على من تكلَّف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفّر، وهذا الحكم باق\". [فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٨٠].\n(٨) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٩) زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٣١.\n(١٠) المرجع السابق، ٢/ ٣١.\n(١١) خيبة لك: من الخيبة: الحرمان، يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.\n(١٢) البخاري، كتاب الصوم، باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ برقم ١٩١٥.\n(١٣) انظر: القراءات القرانية: ٢٢٤ - ٢٢٥. ومعجم القراءات: ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.","vol":"4","page":108},{"text":"أحدها: قرأ الجمهور: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ من (أطاق) (١)، بكسر (الطاء) وسكون (الياء)، وأصله (يطوقونه) نقلت الكسرة إلى (الطاء) وانقلبت (الواو) (ياء) لانكسار ما قبلها.\nوالثاني: قراءة ابن عباس وعائشة وابن المسيب وطاووس وابن جبير ومجاهد بخلاف عنه وعكرمة وأيوب السختياني وعطاء وأبوبكر الصديق: ﴿يُطَوَّقونه﴾ (٢) على معنى (يطيقونه) (٣)، أي: (يكلفونه) (٤)، مبنيا للمفعول من (طُوِّق)، أي يُجعل كالطوق في أعناقهم (٥).\nقال الحافظ ابن حجر: \"وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح (٦) عن عمرو بن دينار (٧): ﴿يطوقونه﴾: يكلفونه (٨) وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته إطاقته\" (٩).\nوالثالث: وقرأ مجاهد وابن عباس وعكرمة وعائشة وطاووس وعمرو بن دينار: ﴿يَطَّوَّقُونَه﴾ (١٠) على معنى (يتطوقونه). من (اطّوّق) وأصله: تطوّق على وزن تفعّل، ثم ادغموا التاء في الطاء، واجتلبوا همزة الوصل.\nوالرابع: وقرأ مجاهد ﴿يَطِيقُونَه﴾ (١١) على (يكيلونه)، ورد القرطبي هذه القراءة، فقال: \"وهي باطلة ومحال، لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للـ (ياء) في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب (١٢):\nفقيل تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها\nفأظهر (الواو) في الطوق، وصح بذلك أن واضع (الياء) مكانها يفارق الصواب\" (١٣).\nوالخامس: وقرأت فرقة منهم ابن عباس وعكرمة ومجاهد وحكاها النقاش وأبو عمرو: ﴿يطّيّقونه﴾ (١٤) بتشديد الطاء والياء مفتوحتين، بمعنى يطيقونه، يقال: طاق وأطاق وأطيق. قال ابن عطية: \"وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف\" (١٥).\n_________\n(١) البحر: ٢/ ٣٥، وإعراب النحاس: ١/ ٢٣٦، والمحرر: ٢/ ١٠٦، والقرطبي: ٢/ ٢٨٦، وفتح القدير: ١/ ١٨٠، والدر المصون: ١/ ٤٦٢.\n(٢) البحر: ٢/ ٣٥، والمحرر: ٢/ ١٠٦، ومختصر ابن خالويه: ١١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٦، وزاد المسير: ١/ ١٨٦، وتفسير الطبري: ٢/ ٨٢، ومجمع البيان: ٢/ ١١٢، والمحتسب: ١/ ١١٨، وفتح الباري: ٨/ ١٣٥، والعكبري: ١/ ١٥٠، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٧٨، واللسان والتاج/طوق، وفتح القدير: ١/ ١٨٠، وكتاب المصاحف: ٨٩، ومصحف عكرمة، بصائر ذوي التمييز/ طوق، والدر المصون: ١/ ٤٦٢.\n(٣) المحتسب: ٢٥، والكرماني: ٣٥، والبحر: ٢/ ٣٥.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٦.\n(٥) انظر: معجم القراءات: ١/ ٢٥١.\n(٦) هو: أبو يسار عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي الثقفي مولاهم، ثقة، وصمه النسائي بالتدليس، كما وصمه البخاري بالقدر والاعتزال، وكان ذلك في آخر عمره عندما جالس عمرو بن عبيد، وهو صاحب تفسير عن مجاهد، توفي عام: ١٣١ هـ أو بعدها. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٥/ ٢٠٣، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٦/ ١٢٥، تهذيب التهذيب لابن حجر: ٦/ ٥٤.\n(٧) هو: أبو محمد عمرو بن دينار الأثرم المكي الجمحي مولاهم، إمام حافظ، ثقة ثبت، عالم ورع، لا يسأل عن مثله، توفي عام: ١٢٠ هـ. انظر: الطبقات لابن سعد: ٥/ ٤٧٩، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٦/ ٢٣١، تهذيب التهذيب لابن حجر: ٨/ ٢٨.\n(٨) الذي في سنن النسائي الكبرى: ٦/ ٢٩٦ رقم: ١١٠١٩ من طريق (ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: الذين يطوقونه) فقط، ولكن يوجد من طريق (ورقاء عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: (تُطيقُونَهُ): تكلفونه ...)، انظر: السنن الكبرى: ٦/ ٢٩٦ رقم: ١١٠١٨، وانظر أيضًا: تحفة الأشراف للمزي: ٥/ ٩٦ رقم: ٥٩٤٥.\n(٩) الفتح: ٨/ ٢٩.\n(١٠) البحر: ٢/ ٣٥، والمحرر: ٢/ ١٠٦، ومختصر ابن خالويه: ١١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٦، والمحتسب: ١/ ١١٨، واللسان والتاج/طوق، وفتح القدير: ١/ ١٨٠، والدر المصون: ١/ ٤٦٢.\n(١١) البحر: ٢/ ٣٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٧، والمحرر: ١/ ٥١١.\n(١٢) انظر: شرح أشعار الهذليين: ١/ ٢٨٠، والكتاب: ٣/ ٧٠، والمقتضب: ٢/ ٧٢، والأشموني: ٤/ ١٨، واللسان (ضير). والطوق: الطاقة والقدرة، والمطبعة: المملوءة، والشاعر يصف قرية مملوءة بالطعام.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧.\n(١٤) البحر: ٢/ ٣٥، والمحرر: ٢/ ١٠٦، ومختصر ابن خالويه: ١١، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٦، والمحتسب: ١/ ١١٨، واللسان والتاج/طوق، وفتح القدير: ١/ ١٨٠، والدر المصون: ١/ ٤٦٢.\n(١٥) معجم القراءات: ١/ ٢٥١.","vol":"4","page":109},{"text":"والسادس: وقرأ سعيد بن المسيب وابن عباس بخلاف ﴿يطِّيّقونه﴾ (١)، بالياء المشددة المكسورة.\nوالسابع: ولابن عباس وعكرمة ومجاهد: ﴿يُطيِّقونه﴾ (٢) بضم الياء الأولى وكسر الثانية مشددة على البناء للمفعول.\nوالثامن: وذكر ابن خالويه وجها آخر منسوبا الى مجاهد عن ابن عباس هو ﴿يُطَّيّقُونَه﴾ بضم الياء الأولى وتشديد الطاء والياء الثانية مكسورة (٣).\nوالتاسع: وقراءة حميد: ﴿يُطْوِِقونه﴾ من (أطوق)، (٤)، كقولهم\" أطول في أطال، وهو الأصل (٥).\nوالعاشر: وذكر ابن خالويه أن عطاء وابن عباس قرأا: ﴿يَتَطَوَّقُونه﴾ (٦) بالتاء.\nو﴿فِدْيَةٌ﴾: \" فداء يفتدي به عن الصوم؛ والأصل أن الصوم لازم لك، وأنك مكلف به، فتفدي نفسك من هذا التكليف والإلزام بإطعام مسكين، قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، عطف بيان لقوله تعالى: ﴿فدية﴾ أي عليهم لكل يوم طعام مسكين؛ وليس المعنى طعام مسكين لكل شهر؛ بل لكل يوم؛ ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طعام مساكين﴾ بالجمع؛ فكما أن الأيام التي عليه جمع، فكذلك المساكين الذين يطعَمون لا بد أن يكونوا جمعًا\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثلاث قراءات (٨):\nالقراءة الأولى: ﴿فديةُ طعامِ مساكينَ﴾ بحذف التنوين في ﴿فديةُ﴾؛ وبجر الميم في ﴿طعام﴾؛ و﴿مساكينَ﴾ (٩) بالجمع، وفتح النون بلا تنوين. وهي قراءة نافع وابن عامر.\nوفي إضافة فدية إلى طعام وجهان (١٠):\nأ- أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وبقله الحمقاء.\nب- قال الواحدي: الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى ﴿من﴾ كقولك: ثوب خز وخاتم حديد، والمعنى: ثوب من خز وخاتم من حديد، فكذا ههنا التقدير: فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام.\nالقراءة الثانية: ﴿فديةٌ طعامُ مسكينٍ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ (١١) مع الرفع؛ و﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و﴿مسكينٍ﴾ بالإفراد، وكسر النون المنونة.\nقال القرطبي: \"وقد قرأ ابن عباس ﴿طعامُ مسكينٍ﴾ بالإفراد، فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه (١٢)، وهي قراءة حسنة، لأنها بينت الحكم في اليوم، واختارها أبو عبيد، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي (١٣) \" (١٤).\n_________\n(١) المحتسب: ١/ ١١٨، ومختصر ابن خالويه: ١١، وروح المعاني: ٢/ ٥٨.\n(٢) البحر: ٢/ ٣٥، والمحرر: ٢/ ١٠٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٦، والمحتسب: ١/ ١١٨، واللسان/طوق، والدر المصون: ١/ ٤٦٢.\n(٣) البحر: ٢/ ٣٥.\n(٤) البحر: ٢/ ٣٥.\n(٥) انظر: معجم القراءات: ١/ ٢٥٠.\n(٦) مختصر ابن خالويه: ١٢، روح المعاني: ٢/ ٥٩، التاج/طوق.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٢٢.\n(٨) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٢٤٩، وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٦.\n(٩) في هذه القراءة جمعوا ﴿المساكين﴾، لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمه مسكين.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٤٩.\n(١١) وفي قراءة ﴿فدية﴾ بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسرا له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين.\n(١٢) صحيح البخاري (٤٥٠٥)، وسنن أبي داود (٢٣١٦)، و(٢٣١٨)، وسنن النسائي المجتبى: ٤/ ١٩٠ - ١٩١، والكبرى (٢٦٣٨)، و(١٠٩٥١).\n(١٣) وهي أيضا قراءة ابن كثير وعاسم، انظر: السبعة: ١٧٦، والتيسير: ٧٩.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٧.","vol":"4","page":110},{"text":"قال أبو عبيد: \"فبينت أن لكل يوم إطعام واحد، فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع المساكين لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية\" (١).\nالقراءة الثالثة: ﴿فديةٌ طعامُ مساكينَ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ مع الرفع؛ و﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و﴿مساكينَ﴾ بالجمع، وفتح النون بلا تنوين.\nقال أبو علي الفارسي: \"إن الإفراد جاز وحسن لأن المعنى: على كل واحد طعام مسكين، فلهذا أفرد، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وليس جميع القاذفين يفرّق فيهم جلد ثمانين، إنّما على كلّ واحد منهم جلد ثمانين، وكذلك على كلّ واحد منهم طعام مسكين. فأفرد هذا كما جمع قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ \" (٢).\nواختار قراءة الجمع النحاس قال: \" وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾، أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع، واختار أبو عبيد أن يقرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: \"لأن الطعام هو الفدية\"، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ\" (٣).\nوالمراد بالـ ﴿مسكين﴾، \"من لا يجد شيئًا يكفيه لمدة سنة؛ فيدخل في هذا التعريف الفقير؛ فإذا مر بك المسكين فهو شامل للفقير؛ وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين؛ أما إذا جمعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقًا: فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ الفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأما المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة\" (٤).\nواختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا، وفيه أقوال (٥):\nأحدها: أنه كان الواجبُ من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح.\nوالثاني: أنه كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم، مدًّا من قمح ومن سائر أقواتهم.\nوالثالث: أنه كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب.\nوالرابع: أنه ما كان المفطر يتقوَّته يومَه الذي أفطرَه.\nوالخامس: أنه كان ذلك سحورًا وَعشاءً، يكون للمسكين إفطارًا.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ \" أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية فذلك خير له\" (٦).\nقال المراغي: \" أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له، لأن ثوابه عائد إليه ومنفعته له\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" أي فمن فعل الطاعة على وجه خير فهو خير له .. ومعلوم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان موافقًا لمرضاة الله ﷿ بأن يكون خالصًا لوجهه موافقًا لشريعته؛ فإن لم يكن خالصًا لم يكن\n_________\n(١) إعراب القرآن: ١/ ٢٨٦، ونقله القرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٨٧.\n(٢) الحجة: ٢/ ٢٧٣، ونقله عنه، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨٧، بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٥٢.\n(٣) إعراب القرآن: ١/ ٩٥، ونقله القطربي في تفسيره: ٢/ ٢٨٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٢٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩. [بتصرف بسيط].\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ٧٣.","vol":"4","page":111},{"text":"طاعة، ولا يقبل؛ وإن كان خالصًا على غير الشريعة لم يكن طاعة، ولا يقبل؛ لأن الأول شرك؛ والثاني بدعة (١).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثلاثة أوجه من التفسير (٢):\nأحدها: فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له. وهذا قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وطاووس (٥)، والسدي (٦)، وعطاء (٧).\nوالثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب. قاله مجاهد (٨).\nوالثالث: فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له. وهذا قول الزهري (٩)، ورواية ابن جريج عن مجاهد (١٠).\nوالراجح أن الله تعالى ذكره عمم بقوله: ﴿فمن تطوع خيرًا﴾، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض. فإنّ جَمْع الصَوْم مع الفدية من تطوُّع الخير، وزيادةُ مسكين على جزاء الفدية من تطوُّع الخير. وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله: \" فمن تطوع خيرًا \"، أيَّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه، فهو خير له. لأن كل ذلك من تطوع الخير، ونوافل الفضل (١١). والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٤]، قراءتان (١٢):\nإحداهما: ﴿يتطوّع﴾، بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع. قرأ بها: عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي.\nوالثانية: وقرأ الآخرون: ﴿تَطَوْعَ﴾، بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي.\nقوله تعالى: ﴿وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾ [البقرة: ١٨٤]، \" أي: والصوم خير لكم من الفطر والفدية\" (١٣).\nقال الطبري: أي \" ﴿وأنْ تَصوموا﴾، ما كتب عليكم من شهر رمضان، ﴿فهو خير لكم﴾ من أن تفطروه وتفتدوا \" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: \" والصوم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإفطار والفدية\" (١٥).\nقال المراغي: \" أي: وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه، خير لكم من الفدية، لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتفدية الايمان بالتقوى ومراقبة الله\" (١٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾ [البقرة: ١٨٤]، تفسيران (١٧):\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٧.\n(٢) انظر: النكت والعيون: /٢٣٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩٥)، و(٢٧٩٦): ص ٣/ ٤٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩٧): ص ٣/ ٤٤١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٧٩٨)، و(٢٧٩٩)، و(٢٨٠٠)، و(٢٨٠١)، و(٢٨٠٢): ص ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٨٠٤): ص ٣/ ٤٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٨٠٣): ص ٣/ ٤٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٨٠٧): ص ٣/ ٤٤٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٨٠٦): ص ٣/ ٤٤٢.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: /٢٣٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٤.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(١٤) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٣.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٦٥.\n(١٦) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٩.","vol":"4","page":112},{"text":"أحدهما: أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده.\nوالثاني: أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثوابًا من التكفير لمن أفطر بالعجز.\nوقد اختلف في الخطاب في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، على وجوه (١):\nأحدها: أن يكون هذا خطابا مع الذين يطيقونه فقط، فيكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية.\nوالثاني: أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى لأن اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله بقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أن يكون حكمه مختصا بهم، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل، فوجب الحكم بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد من الإضمار في قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر.\nوالثالث: أن يكون قوله: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ عطفا عليه على أول الآية فالتقدير: كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: \" إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"إن كنتم تعلمون خيرَ الأمرين لكم أيها الذين آمنوا، من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به\" (٣).\nقال المراغي: أي: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ \" وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غنى عن العالمين\" (٤).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهين (٥):\nأحدهما: إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيَّنْتُه من دينكم.\nوالثاني: إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم.\nقال ابن عثيمين: \"وهذه جملة مستأنفة؛ والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا؛ و﴿إن﴾ ليست شرطية فيما قبلها - يعني ليست وصلية - كما يقولون؛ لأنه ليس المعنى: خيرًا لنا إن علمنا؛ فإن لم نعلم فليس خيرًا لنا؛ بل هو مستأنف؛ ولهذا ينبغي أن نقف على قوله تعالى: ﴿خير لكم﴾ \" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الصوم أيامه قليلة؛ لقوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾.\n٢ - ومنها: التعبير بكلمات يكون بها تهوين الأمر على المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾.\n٣ - ومنها: رحمة الله ﷿ بعباده؛ لقلة الأيام التي فرض عليهم صيامها.\n٤ - ومنها: أن المشقة تجلب التيسير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ لأن المرض، والسفر مظنة المشقة.\n٥ - ومنها: جواز الفطر للمرض؛ ولكن هل المراد مطلق المرض - وإن لم يكن في الصوم مشقة عليه؛ أو المراد المرض الذي يشق معه الصوم، أو يتأخر معه البرء؟ الظاهر الثاني؛ وهو مذهب الجمهور؛ لأنه لا وجه لإباحة الفطر بمرض لا يشق معه الصوم، أو لا يتأخر معه البرء؛ هذا وللمريض حالات (٧):\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٥٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٤.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٣٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢٤.\n(٧) وسوف نفصل القول في الأمراض المفطرة، بعد الفوائد إن شاء الله.","vol":"4","page":113},{"text":"الأولى: أن لا يضره الصوم، ولا يشق عليه؛ فلا رخصة له في الفطر.\nالثانية: أن يشق عليه، ولا يضره؛ فالصوم في حقه مكروه؛ لأنه لا ينبغي العدول عن رخصة الله.\nالثالثة: أن يضره الصوم؛ فالصوم في حقه محرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\n٦ - ومن فوائد الآية: جواز الفطر في السفر؛ لقوله تعالى: ﴿أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ وللمسافر باعتبار صومه في سفره حالات ثلاث (١):\nالأولى: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقًا؛ يعني: ليس فيه مشقة تزيد على صوم الحضر؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل؛ وإن أفطر فلا حرج؛ ودليله أن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ؛ وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة» (٢)؛ ولأن الصوم في السفر أسرع في إبراء ذمته؛ ولأنه أسهل عليه غالبًا لكون الناس مشاركين له، وثقلِ القضاء غالبًا؛ ولأنه يصادف شهر الصوم - وهو رمضان.\nالحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة؛ فهنا الأفضل الفطر؛ والدليل عليه أن النبي ﷺ كان في سفر، فرأى زحامًا، ورجلًا قد ظُلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: صائم؛ فقال -ﷺ-: «ليس من البر الصيام في السفر» (٣)؛ فنفى النبي ﷺ البر عن الصوم في السفر.\nفإن قيل: إن من المتقرر في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وهذا يقتضي نفي البر عن الصوم في السفر مطلقًا؟ .\nفالجواب: أن معنى قولنا: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» يعني أن الحكم لا يختص بعين الذي ورد من أجله؛ وإنما يعم من كان مثل حاله؛ وقد نص على هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح الحديث في العمدة؛ وهو واضح.\nالحالة الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة؛ فهنا يتعين الفطر؛ ودليله: ما ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ كان في سفر، فشُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما يفعل؛ فدعا بماء بعد العصر، فشربه، والناس ينظرون؛ ثم جيء إلى النبي ﷺ، وقيل له: إن بعض الناس قد صام فقال -ﷺ-: «أولئك العصاة! أولئك العصاة!» (٤)؛ والمعصية لا تكون إلا في فعل محرم؛ أو ترك واجب.\n٧ - ومن فوائد الآية: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن، ولا مسافة؛ لإطلاق السفر في الآية؛ وعلى هذا يرجع فيه إلى العرف: فما عده الناس سفرًا فهو سفر؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن تحديده بزمن، أو مسافة يحتاج إلى دليل.\n_________\n(١) وسوف نفصل القول في السفر المفطر، بعد الفوائد إن شاء الله.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٥٢، كتاب الصوم، باب ٣٥: حديث رقم ١٩٤٥، وأخرجه مسلم ص ٨٥٨، كتاب الصيام، باب ١٧: التخيير في الصوم والفطر في السفر (٢٦٣٠ [١٠٨] ١١٢٢).\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٥٢، كتاب الصوم، باب ٣٦: قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر: \"ليس من البر الصيام في السفر، حديث رقم ١٩٤٦، أخرجه مسلم ٨٥٦ – ٨٥٧، كتاب الصيام، باب ١٥: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية ...، حديث رقم ٢٦١٢ [٩٢] ١١١٥.\n(٤) أخرجه ص ٨٥٦، كتاب الصيام، باب ١٥: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، حديث رقم ٢٦١٠ [٩٠] ١١١٤؛ ٢٦١٠ [٩١] ١١١٤.","vol":"4","page":114},{"text":"٨ - ومنها: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه - وإن كان في بلده؛ فإنه يجوز أن يفطر؛ وكان أنس بن مالك يفعل ذلك، ويقول: «السنة» (١)؛ لكن هذا الحديث فيه مقال؛ على ذلك.\n٩ - ومن فوائد الآية: أن الظاهرية استدلوا بها على أن من صام في السفر لم يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، فأوجب الله ﷾ على المريض، والمسافر عدة من أيام أخر؛ فمن صام وهو مريض، أو مسافر صار كمن صام قبل دخول رمضان، وقالوا: «إن الآية ليست فيها شيء محذوف»؛ وهذا القول لولا أن السنة بينت جواز الصوم لكان له وجه قوي؛ لأن الأصل عدم الحذف؛ لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن الحذف متعين، وتقدير الكلام: فمن كان مريضًا، أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر؛ لأن النبي ﷺ صام في رمضان في السفر والصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب أحد على أحد (٢)؛ ولو كان الصوم حرامًا ما صامه النبي ﷺ، ولأنكر المفطر على الصائم.\n١٠ - ومن فوائد الآية: أنه لو صام عن أيام الصيف أيام الشتاء فإنه يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر وجهه: أن ﴿أيام﴾ نكرة.\n١١ - ومنها: حكمة الله ﷾ في التدرج بالتشريع، حيث كان الصيام أول الأمر يخير فيه الإنسان بين أن يصوم، ويطعم؛ ثم تعين الصيام كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع ﵁.\n١٢ - ومنها: أن من عجز عن الصيام عجزًا لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ ووجه الدلالة أن الله ﷾ جعل الإطعام عديلًا للصيام حين التخيير بينهما؛ فإذا تعذر الصيام وجب عديله؛ ولهذا ذكر ابن عباس ﵄ أن هذه الآية في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، فيطعمان عن كل يوم مسكينًا (٣).\n١٣ - ومنها: أنه يرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف.\n١٤ - ومنها: أنه لا فرق بين أن يملّك الفقير ما يطعمه، أو يجعله غداءً، أو عشاءً؛ لأن الكل إطعام؛ وكان أنس بن مالك حين كبر يطعم أدُمًا، وخبزًا (٤).\n١٥ - ومنها: أن ظاهر الآية لا يشترط تمليك الفقير ما يطعم؛ وهو القول الراجح؛ وقال بعض أهل العلم: إنه يشترط تمليكه؛ فيعطى مدًا من البر؛ أو نصف صاع من غيره؛ وقيل: يعطى نصف صاع من البر، وغيره؛ واستدل القائلون بالفرق بين البر وغيره بما قاله معاوية في زكاة الفطر: «أرى المد من هذه - يعني البر - يعدل مدين من الشعير» (٥) فعدل به الناس، وجعلوا الفطرة من البر نصف صاع (٦)؛ واستدل القائلون بوجوب نصف صاع من البر، وغيره بحديث كعب بن عجرة ﵁ حين أذن له النبي ﷺ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي ص ١٧٢٦، كتاب الصوم، باب ٧٦: ما جاء فيمن أكل ثم خرج يريد سفرًا، حديث رقم ٧٩٩، ٨٠٠، وفي الحديث الأول عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني البصري؛ قال الحافظ في التقريب: \"ضعيف\"؛ لكن تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير في الحديث الثاني؛ قال الترمذي: \"وهو مديني ثقة\" (جامع الترمذي ص ١٧٢٦، كتاب الصوم، باب ٧٦: ما جاء فيمن أكل ...، حديث رقم ٨٠٠)؛ وفي الحديثين زيد بن أسلم؛ قال الحافظ في التقريب: \"ثقة عالم كان يرسل\"، ولكنه صرح بالتحديث في حديث رقم ٨٠٠؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي في حديث رقم ٧٩٩: \"صحيح\" (١/ ٢٤٠، حديث رقم ٦٤١ – ٨٠٣)؛ وذكر الحديث الثاني في صحيح الترمذي، ولم يعلق عليه (المرجع السابق، حديث رقم ٦٤٢ – ٨٠٤)؛ وقال عبد القادر الأرناؤوط: \"إسناده حسن\" (جامع الأصول ٦/ ٤١٢، حاشية رقم ١).\n(٢) راجع مسلمًا ص ٨٥٦، كتاب الصيام، باب ١٥: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ...، حديث رقم ٢٦١٨ [٩٦] ١١١٦.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٣٦٩، كتاب التفسير، باب ٢٤: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ...)، حديث رقم ٤٥٠٥.\n(٤) ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم ص ٣٦٩، كتاب التفسير، باب ٢٦: قوله تعالى: (أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر ...).\n(٥) راجع البخاري ص ١١٩، كتاب الزكاة، باب ٧٥: صاع من زبيب، حديث رقم ١٥٠٨؛ ومسلمًا ص ٨٣٣، كتاب الزكاة، باب ٤: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم ٢٢٨٥ [١٩] ٩٨٥، واللفظ للبخاري.\n(٦) راجع البخاري ص ١١٩، كتاب الزكاة، باب ٧٤: صدقة الفطر صاعًا من تمر، حديث رقم ١٥٠٧.","vol":"4","page":115},{"text":"بحلق رأسه وهو محرم أن النبي ﷺ قال له مبينًا المجمل في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال في الصدقة: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (١)؛ ولم يفرق النبي ﷺ بين طعام وآخر.\n١٦ - ومن فوائد الآية: أن طاعة الله - ﵎ - كلها خير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرًا فهو خير له﴾.\n١٧ - ومنها: ثبوت تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ فينبني على ذلك أن الناس يتفاضلون في الأعمال؛ وهو ما دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والواقع؛ قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًّا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًّا وعد الله الحسنى وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا * درجات منه ومغفرة ورحمة﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]؛ والنصوص في هذا كثيرة.\n١٨ - ومن فوائد الآية: التنبيه على فضل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾.\n١٩ - أما الذين يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، فهم أنواع، وفيما يأتي تفصيل كل نوع:\nأولا: - المريض:\nالمرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرضُ والسُّقم في البدن والدِّين جميعًا، كما يُقال: الصحة في البدن والدين جميعًا، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان: فتور الأعضاء (٢).\nوالمرض: جمع أمراض: وهو فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (٣).\nوعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (٤).\nيجب على المريض الصبر، ويحتسب الأجر على ما يصيبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر: ١٠]، وقال - ﷿ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]، وقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، وقال الله - ﷿ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، وقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين﴾ [البقرة: ١٥٣].\n_________\n(١) راجع البخاري ص ١٤٢، كتاب الحج، باب ٧: الإطعام في الفدية نصف صاع حديث رقم ١٨١٦؛ وأخرجه مسلم ص ٨٧٤، كتاب الحج، باب ١٠: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ...، حديث رقم ٢٨٧٧ [٨٠] ١٢٠١.\n(٢) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الضاد، فصل الميم، ٧/ ٢٣١ – ٢٣٢، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الصاد، فصل الميم، ص ٨٤٣، والمعجم الوسيط، ٢/ ٨٦٣، ومختار الصحاح، مادة \"مرض\"، ص ٢٥٩.\n(٣) انظر: معجم لغة الفقهاء لمحمد روَّاس، ص ٣٩١.\n(٤) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٤٥٩.","vol":"4","page":116},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: \" ... والصبر ضياء \" (١)، وعن صهيب - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيرًا له\" (٢).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ -، قال: \"ما يصيب المسلم من نصبٍ (٣)، ولا وصبٍ (٤)، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه\" (٥).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مسلم يصيبه أذىً: من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها\" (٦).\nوعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها إلا كُتب له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة\" (٧).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يرد الله به خيرًا يُصِبْ (٨) منه\" (٩).\nوعن أنس - ﵁ - يرفعه: \"إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط\" (١٠).\nوعن مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: \"الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة\" (١١).\nوالمسلم يسأل الله العفو والعافية ولا يسأله البلاء، فإذا حصل له شيء صبر واحتسب؛ لحديث أبي بكر الصديق - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال على المنبر: \"سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية\" (١٢).\nوعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ قال: \"سل الله العافية\" فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ فقال لي: \"يا عباس يا عمَّ رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والآخرة\" (١٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣، من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٣) النصب: التعب.\n(٤) الوصب: المرض.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٧، ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٧) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٨) يصب منه: معناه يبتليه بالمصائب؛ ليثيبه عليها، وقيل: يوجه إليه البلاء فيصيبه، [فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨]، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥: \"أي يصيبه بالمصائب بأنواعها، حتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه\".\n(٩) البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى، برقم ٥٦٤٥.\n(١٠) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٣١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٤، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٦، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٢٠.\n(١١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وقال الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣١٨، وفي الصحيحة برقم ١٤٣، ٢٢٨٠: \"حسن صحيح\".\n(١٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٨، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٤٩، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٦٤: \"حسن صحيح\"، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ٢٥٩: \"صحيح\".\n(١٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٤، وقال: \"هذا حديث صحيح\"، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٤٦، وفي الصحيحة، برقم ١٥٢٣.","vol":"4","page":117},{"text":"وقد ذكر قال العلماء بأن المرض نوعان على النحو الآتي:\nالنوع الأول: المريض الذي يُرجى برؤُ مرضِه، رخص الله له في الفطر، وأوجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوالمريض في شهر رمضان له أربعة حالات:\nأ- المريض مرضًا يسيرًا لا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة، فيجب عليه الصوم؛ لأنه ليس له عذر يبيح له الفطر، لعدم لحوق المشقَّة والضرر مع قيامه؛ إذ هما المُبيحان للفطر، وذلك مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر (١)، لأن الله ﷿ عندما رخص للصائم في الفطر ذكر العلة بقوله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأي تيسير يحصل\n_________\n(١) وإن كان بعض العلماء يقول: يحل له لعموم الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٥] ولكننا نقول: إن هذا الحكم معلل بعلة، وهي أن يكون الفطر أرفق به فحينئذ نقول له الفطر، أما إذا كان لا يتأثر فإنه لا يجوز له الفطر ويجب عليه الصوم.\nويرى بعض العلماء بأن المريض، مهما كان مرضه وجب عليه أن يفطر، وإن صام بالرغم من مرضه وجب عليه القضاء بعدة من أيام أخر تساوي عدد أيام صيامه أثناء مرضه في رمضان. وصيامه هذا في رمضان لا يصح، وبالتالي فهو لاغي، ولذلك يجب إعادة الصوم مرة أخرى. نقل هذا الرأي الألوسي ونسبه إلى مذهب الظاهرية، كما قال: إن هذا الرأي تمت نسبته أيضًا إلى ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة ﵃ جميعا. كما قاله أيضا الإمامية. (انظر: تفسير الألوسي، نقلا عن جامع التفاسير، جريدة النور، السنة الرابعة، العدد ١٥٧، ٢١ جمادى الآخرة ١٤٠٥ هـ، ١٣ مارس ١٩٨٥ مـ، ص - ١٢٠٩ ١٢١٠).\nوذكره الطبري منسوبا إلى عمر بن الخطاب عن طريق ابن كلثوم عن أبيه كلثوم. (انظر: تفسير الطبري، جامع التفاسير، انظر مرجع ٦ عدد ١٥٥ ص - ١١٩٥ - ١١٩٨ وعدد ١٥٨ ص - ١٢١٦ - ١٢٢٠).\nوألمح إليه الشيخ محمد عبده في تفسيره. (انظر: تفسير القرآن الحكيم، تفسير المنار، محمد عبده ومحمد رشيد رضا، القاهرة: دار المنار، الطبعة الثانية، ١٣٥٠ هـ جزء واحد ص -١٤٣ - ١٦٥، ١٨٣ - ١٨٥).\nولم أتمكن من العثور على هذا الرأي في كتاب المحلى لابن حزم الظاهري (٤) أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ): المحلى. القاهرة: مطبعة الإمام بتصحيح محمد خليل هراس المجلد الثالث الجزء السادس، ص ٤٧٧ - ٤٩٤، مسائل ٧٣٥ - ٧٣٨) بدون تاريخ نشر).\nأما استناد العلماء في رخصة الإفطار لكل مرض مهما كان طفيفا فيكون من خلال وجهين:\n١ - هناك من لاحظ عدم وجود توجيه من الرسول ﷺ خاص بالمرض فقاس المرض على السفر، وبناء عليه أشار بالفطر لعلة المرض أي أية حال تستحق اسم المرض، وإن لم تدع هذه الحال للفطر بالضرورة. قاله القرطبي وانحاز إليه ونقله عن ابن سيرين. (انظر: تفسير القرطبي. القاهرة: دار الشعب. الناشر دار الريان للتراث طبعة خاصة بتصريح من دار الشعب جزء أول صـ ١٧١ - ١٧٢ جزء ٢ ص ٦٥٢ (بدون تاريخ نشر).\nوقد تحمس لهذا الرأي بشدة صاحب ظلال القرآن، لأن النص القرآني مطلق، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي، والمرض في ذاته هو المبيح للفطر لا شدته، ولا يصح لإنسان أن يتأول حكمة الله في الفطر، هذه الحكمة التي لم يكشف عنها. كما أن احتمال أن يسوق هذا الترخيص المسلمين إلى إهمال العبادات المفروضة لأدنى سبب لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص، ولا يمكن لدين أن يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات.\nوذهب إلى هذا الرأي صاحبا تفسير أبو السعود والتفسير الواضح. (انظر: تفسير أبو السعود والواضح: وجامع التفاسير، ص ١٢٠٩ و١٢١٤).\n٢ - الفطر لأتفه الأسباب المرضية: وقد روى جماعة من العلماء حادثتين على سبيل المثال:\nالحادثة الأولى: عن محمد بن سيرين الذي دخل عليه طريف بن تمام العطاردي في رمضان وهو يأكل. فلما فرغ قال: أنه وجعت إصبعي هذه. ذكرها مفصلة القرطبي. وأشار إليها الألوسي وابن كثير والفخر الرازي.\nوالحادثة الثانية: عن البخاري، فصلها أيضا القرطبي، أن البخاري قال: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت نعم فقال خشيت أن تصفصف عن قبول الرخصة. فقلت: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: ﴿... فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ...﴾ [البقرة: ١٨٤]","vol":"4","page":118},{"text":"لمن مرضه يسير ولا يحصل به أدنى الضرر الذي يُزال، ولأنه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، قال الإمام النووي: \"وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافًا لأهل الظاهر\" (١)، وقال ابن قدامة: \"والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه\" (٢).\nب- أن يشق (٣) عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم ويسن له الفطر وهذا قول الجمهور (٤)، ويكره له الصوم مع المشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه؛ لقول النبي - ﷺ -: \"إن الله يحب أن تُؤتَى رخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته\" (٥).\n_________\n(١) المجموع شرح المهذب: ٦/ ٢٥٧.\n(٢) المغني لابن قدامة: ٣/ ٤١.\n(٣) وفي صيام العمال إذا شق عليهم العمل:\n- قال ابن عثيمين ﵀: عليهم أن يصوموا وأن يستعينوا بالله ﷿، فمن استعان بالله أعانه الله، فإذا رأوا أثناء النهار عطشًا يضرهم، أو يكون سببًا في هلاكهم فلا حرج عليهم أن يفطروا للضرورة، ولكن خير من هذا أن يتفقوا مع الكفيل، أو صاحب العمل على أن يكون عملهم في رمضان ليلًا، أو بعضه في الليل وبعضه في أول النهار، أو أن يخفف من ساعات العمل حتى يقوموا بالعمل والصيام على وجه مريح. انظر مجموع فتاوى (١٩/ ٨٩)\n- وقال ابن باز: وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومن لم تحصل له ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وما دل عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب، وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب أعمال شاقة كالمسألة المسئول عنها أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان فلا يكلفوهم من العمل- إن أمكن- ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان بأن يجعل العمل ليلا أو توزع ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعا عادلا يوفقون به بين العمل والصيام انتهى. (مجموع فتاوى: ١٥/ ٢٤٥.\nأما صيام الحامل والمرضع:\nيباح للحامل والمرضع الفطر في رمضان والدليل: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ رواه الترمذي (٧١٥) وابن ماجه واللفظ له (١٦٦٧) حديث حسن قال الألباني إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: \" حديث حسن وصححه ابن خزيمة وحسنه الأرنؤوط\nواختلف العلماء فيما يجب عليها إذا أفطرتا على خمسة أقوال:\nالقول الأول: (قَالَ) ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ - مكان كل يوم مسكينًا - وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ينظر المجموع (٦\\ ٢٦٩) وهو اختيار العلامة الألباني، ودليلهم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: \" رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ، الْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا وَيُطْعِمَا كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ، إِذْا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالْحُبْلَى، وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا رواه البيهقي (١٣٥١) \"وصححه الألباني في الإرواء (٤\\ ١٨) وأجيب عن ذلك قال شيخنا مصطفى العدوي قلت: هذا رأي عبد الله بن عباس ﵄ أن الآية غير منسوخة، بل باقية للشيخ الكبير والحامل والمرضع إلا أن هذا الرأي من حبر الأمة ﵁ رأي مرجوح لأمرين: أولهما: أن جمهور الصحابة خالفوه في ذلك فورد عنهم أن الآية منسوخة الثاني: أنه على فرض أن الآية لم تنسخ فالآية لفظها [٠٠٠ يطيقونه] وابن عباس يقرؤها يُطَوَّقُونَهُ - ينظر صحيح البخاري (٤٥٠٥) - والقراءة التي بها ابن عباس شاذة، كما بين ذلك غير واحد من أهل العلم ينظر أحكام النساء (٢\\ ٤٠٠)\nالقول الثاني: (وَقَالَ) عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَلَا فِدْيَةَ كَالْمَرِيضِ واختاره ابن المنذرينظر المجموع (٦\\ ٢٦٩) ورجحه ابن باز وابن عثيمين ﵏ ودليلهم: قال تعالى ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] سورة البقرة ١٨٤] فالحامل والمرضع في حكم المريض قال ابن قدامة في المغني (٣\\ ١٥٠) وَلَنَا أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْقَضَاءَ، فَلَزِمَهُمَا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْإِطْعَامَ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْقَضَاءِ، فَأَخَذْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ فِي مُدَّةِ عُذْرِهِمَا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ». وَلَا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الْهَرِمِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقَضَاءِ، وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. يَعْنِي وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ.\nوقال ابن باز ﵀ في مجموع فتاوى (١٥\\ ٢٢٣) حكم الحامل التي يشق عليها الصوم حكم المريض، وهكذا المرضع إذا شق عليها الصوم تفطران وتقضيان؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وذهب بعض أصحاب النبي ﷺ إلى أن عليهما الإطعام فقط. والصواب الأول؛ لأن حكمهما حكم المريض؛ لأن الأصل وجوب القضاء ولا دليل يعارضه. ومما يدل على ذلك ما رواه أنس بن مالك الكعبي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع» رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد حسن. فدل على أنهما كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان انتهى\nوقال ابن عثيمين ﵀ يلزمها القضاء فقط دون الإطعام وهذا القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض، والمسافر، فيلزمهما القضاء فقط، وأما سكوت ابن عباس ﵄ عن القضاء فلأنه معلوم. وأما حديث: «إن الله تعالى وضع الصيام عن الحبلى والمرضع» فالمراد بذلك وجوب أدائه، وعليهما القضاء. ينظر الشرح الممتع (٦\\ ٣٥٠)\nالقول الثالث: (وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَيَفْدِيَانِ – أي أطعام كل يوم مسكينا -: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ينظر المجموع (٦\\ ٢٦٩) قال شيخنا ولا أعلم دليلا على هذا المذهب\nالقول الرابع: (وَقَالَ) مَالِكٌ الْحَامِلُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَلَا فِدْيَةَ والمرضع تفطر وتقضى وتفدى ينظر المجموع (٦\\ ٢٦٩).\nالقول الخامس: ليس عليهما قضاء ولا إطعام: وهو مذهب ابن حزم وهو الراجح ودليله: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ سبق تخريجه قال ابن حزم: وَإِذْ هُوَ فَرْضٌ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا الصَّوْمُ، وَإِذَا سَقَطَ الصَّوْمُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ إلَّا عَلَىلْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَمُتَعَمِّدِ الْقَيْءِ فَقَطْ، ٠٠٠ وَأَمَّا تَكْلِيفُهُمْ إطْعَامًا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. ينظر المحلى (٤\\ ٤١١) وقال شيخنا مصطفى العدوي بعد أن نقل أقوال العلماء ومن أدلة هؤلاء – أي ابن حزم- أن الذمة بريئة ما دام لم يأت نص ملزم لها بشيء، ولما لم يأت نص ملزم بشيء قلنا ببراءة ذمتها من أي شيء، وأيضا قال النبي صل الله عليه وسلم - ذكر حديث الكعبي السابق – فدل ذلك على أن الصوم قد وضع عن الحامل والمرضع والمسافر، ولا يقال هنا إننا نقيسهما على المسافر فكما أن المسافر يقضي فكذلك الحامل والمرضع تقضيان، وذلك لأن المسافر إنما لزمه القضاء بنص خارج عن الحديث ألا وهو قوله تعالى: [فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخير] (سورة البقرة ١٨٤) أما الحامل والمرضع فأين الملزم لهما؟ ثم إنه بإمعان النظر في الحديث نفسه: إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - نرى أن المسافر إذا قصر الصلاة في السفر لا يطالب – بعد رجوعه – بإتمام ما كان حذفه من ركعات، فليقل كذلك: إن الحامل والمرضع لا يلزمان بقضاء ما فعلتاه من إفطار، والله أعلم انظر أحكام النساء (٥/ ٢٢٤)\nفائدة: لو استؤجرت المرأة لإرضاع غير ولدها، أو أرضعته تقربا إلى الله، فإنه يباح لها الفطر، ويكون حكمها حكم المرضع لولدها، والخلاف فيها كما سبق. والله تعالى أعلم.\n(٤) انظر: تفسير الشوكاني: ١/ ٢٣٣.\n(٥) أحمد، ٢/ ١٠٨، وابن حبان في صحيحه، برقم ٢٧٤٢، وابن خزيمة، برقم ٩٥٠، واللفظ لأحمد، وهو من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الألباني في حاشيته على صحيح ابن خزيمة، الحديث رقم ٩٥٠، وفي إرواء الغليل، برقم ٥٦٤.","vol":"4","page":119},{"text":"قال ابن حزم ﵀: \"واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزِئه، واتفقوا على أن من آذاه المرض وضَعُف عن الصوم فله أن يفطر\" (١).\nج- إذا كان المرض يضرَّهُ الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ فإذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرام، والفطر واجب لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر، والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص - ﵁ - إذ يقول: \" احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا \" (٢).\n_________\n(١) مراتب الإجماع لابن حزم، ص ٧١، وانظر المغني لابن قدامة، ٤/ ٤٠٣.\n(٢) رواه أبو داود (٣٣٤) في الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، والحاكم ١/ ١٧٧ كلاهما من طريق وهب بن جرير بن حازم، قال: أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب، به، وأخرجه أيضا أبو داود رقم ٣٣٥، والحاكم ١/ ١٧٧ من طريق ابن لهيعة وعمرو ابن الحارث، عن يزيد ابن أبي حبيب، بهذا الإسناد. وقال فيه: \"عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص - وذكره الحديث نحوه.\nوهذا الحديث علقهُ البُخاري بصيغة التمريض (يُذكر) وقد وصلهُ أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - لوصلهِ عند الحاكم مِنْ وجهٍ ورواهُ عبد الرزاق بوجهٍ أخر وهذا الحديث اختلف فيه على يزيد بن أبى حبيب عن عمران بن أنس عن عبد الرحمن فرواه عنه يحيى بن أيوب هكذا وخالف عمرو بن الحارث سندا ومتنا: أما السند فزاد بين عبد الرحمن وعمر وأبا قيس مولى عمرو، وأما المتن فقال بدل التيمم: فتوضأ وغسل مغابنه» ووافق يحيى بن أيوب عليه ابن لهيعة عند إسحاق بن راهويه وأخرجه أحمد بالسند الأول، وأخرجه ابن حبان بالسند الثاني، وأخرجه بالسندين الحاكم والدارقطني.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين\" [فتح الباري \" (١/ ٤٥٤)].\nوصححه الإمام الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٢٣).\nوقال الزرقاني في شرحه على الموطأ (٢٢٣/ ١) ... وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.\nوهذا ما سُئل عنهُ الإمام مالك في شرح الزرقاني: \" وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ؟ قَالَ: يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) أَيْ أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلَكُ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \" يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ \" فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي عَنِ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٢٩) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا\"أهـ.\nوقال الراجحي في شرح سنن أبي داود (١١/ ٢٢): (حديث عمرو بن العاص هذا لا بأس بسنده).\nوينظر لتخريج أحاديث الكشاف باب سورة النساء لجمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي تحقيق شيخنا المُحدث عبد الله السعد فقال في تعليقهِ على الرواية (٣٠٨/ ١): قلت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي كتاب الْجِهَاد من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بِهِ وَعمْرَان بن أنس وَيُقَال ابْن أبي أنس قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ مُنكر الحَدِيث انْتَهَى.\nوَالْخلاف فِيهِ عَلَى يزِيد بن أبي حبيب فروَى عَنهُ يَحْيَى بن أَيُّوب هَكَذَا عبد الرَّحْمَن عَن عَمْرو وَرَوَى عَنهُ عَمْرو بن الْحَارِث عبد الرَّحْمَن عَن أبي قيس عَن عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل فَأَشْفَقت أَن أَغْتَسِل فَأهْلك فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ َ فَقَالَ يَا عَمْرو وَصليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب فَأَخْبَرته بِالَّذِي مَنَعَنِي من الِاغْتِسَال وَقلت إِنِّي سَمِعت الله يَقُول وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك رَسُول الله ﷺ َ وَلم يقل شَيْئا.\nوَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا فَقَالَ بَاب الْجنب إِذا خَافَ عَلَى نَفسه الْمَرَض أَو الْمَوْت أَو الْعَطش تيَمّم وَيذكر عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه أجنب فِي لَيْلَةبَارِدَة فَتَيَمم وتلا وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَذكر للنَّبِي ﷺ َ فَلم يعنف انْتَهَى.\nوَسَنَد أبي دَاوُد هَذَا فِيهِ انْقِطَاع لِأَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير لم يدْرك عَمْرو ابْن الْعَاصِ فَلذَلِك سَاقه أَبُو دَاوُد من طَرِيق أُخْرَى مُتَّصِلَة عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أبي قيس مولَى عَمْرو أَن عَمْرو ... فَذكر الحَدِيث نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ فَغسل مغابنه وَتَوَضَّأ للصَّلَاة ثمَّ صَلَّى بهم وَلم يذكر التَّيَمُّم وَفَاتَ الْمُنْذِرِيّ هَذَا الْمَعْنى فِي مُخْتَصره فَأَهْمَلَهُ وَالله أعلم.\nوَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بالسند الْمُنْقَطع وَمَتنه سَوَاء\nوَرَوَاهُ بالسند الْمُتَّصِل ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي النَّوْع الْخمسين من الْقسم الرَّابِع وَكَذَلِكَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه قَالَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ وَعِنْدِي أَنَّهُمَا عَلَّلَاهُ بِحَدِيث جَابر بن حَازِم عَن يَحْيَى بن أَيُّوب عَن يزِيد لم يذكر أَبَا قيس قَالَ وَحَدِيث جرير لَا يُعلل حَدِيث عَمْرو الَّذِي وَصله بِذكر أبي قيس فَإِن أهل مصر أعرف بِحَدِيثِهِمْ من أهل الْبَصْرَة انْتَهَى كَلَامه\nوَرَوَاهُ بالسندين والمتنين الْمَذْكُورين الدَّارَقُطْنِي ّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِي ّ فِي مُعْجَمه\nوَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده بالسند الْمُتَّصِل من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن أبي قيس مولَى عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ... فَذكره وَقَالَ فِيهِ فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بهم ... إِلَى آخِره.\nوَله طرق أُخْرَى مِنْهَا طَرِيق عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة فِي بَاب غَزْوَة ذَات السلَاسِل من طَرِيق الْوَاقِدِيّ حَدثنِي أَفْلح بن سعيد عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن رُقَيْش عَن أبي بكر بن حزم قَالَ كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ حِين قَفَلُوا احْتَلَمَ فِي لَيْلَة بَارِدَة فَقَالَ لأَصْحَابه مَا ترَوْنَ قد وَالله احْتَلَمت وَإِن غْتَسَلت مت لم أجد بردا مثله وَقد قَالَ تَعَالَى وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك ﷺ َ وَلم يقل شَيْئا انْتَهَى\nطَرِيق آخر رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه فِي التَّيَمُّم أخبرنَا ابْن جريج أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه أَصَابَته جَنَابَة وَهُوَ أَمِير الْجَيْش فَترك الْغسْل من أجل أَنه قَالَ إِن اغْتَسَلت مت فَصَلى بِمن مَعَه جنبا فَلَمَّا قدم عَلَى رَسُول الله ﷺ َ عرفه بِمَا فصل وَأَنْبَأَهُ بِعُذْرِهِ فَأقر وَسكت انْتَهَى\nوَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه طَرِيق آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي ثَنَا زِيَاد بن سعد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ فِي سفر ... فَذكر الحَدِيث.\nوَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل وَأعله بِيُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي وَضَعفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن معِين وَوَافَقَهُمْ وَأَغْلظ فِيهِ القَوْل وَقَالَ إِن أهل بَلَده أَجمعُوا عَلَى كذبه] أهـ. والله أعلى وأعلم.\nوفي موضوع الحديث (التيمم) نورد أقوال بعض العلماء للفائدة:\n- قال شمس الحق آبادي – ﵀ – في شرح حديث عمرو بن العاص -: \" فيه دليل على جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين: الأول: التبسم والاستبشار، والثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى دلالة من السكوت على الجواز.\n- وقال الخطابي: فيه من الفقه أنه ﵇ جعل عدم إمكان استعمال الماء، كعدم عين الماء، وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف التلف.\n- وقال ابن رسلان في \" شرح السنن \": لا يتيمم لشدة البرد مَن أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على درجة يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضوًا ويستره، وكلما غسل عضوًا ستره ودفَّاه مِن البرد: لزمه ذلك، وإن لم يقدر: تيمم وصلَّى في قول أكثر العلماء \" انتهى من \" عون المعبود \" (١/ ٣٦٥).\n- وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \"إن كنت تستطيع أن تجد ماء دافئا أو تستطيع تسخين البارد، أو الشراء من جيرانك أو غير جيرانك: فالواجب عليك أن تعمل ذلك؛ لأن الله يقول: (فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم)، فعليك أن تعمل ما تستطيع من الشراء أو التسخين أو غيرهما من الطرق التي تمكنك من الوضوء الشرعي بالماء، فإن عجزت وكان البرد شديدًا، وفيه خطر عليك، ولا حيلة لك بتسخينه ولا شراء شيء من الماء الساخن ممن حولك: فأنت معذور، ويكفيك التيمم؛ لقول الله تعالى: (فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم) وقوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه﴾ ُ والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء.\" (﴿مجموع فتاوى ابن باز: ١٠/ ١٩٩، ٢٠٠).\n- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ -: \" فأقره النبي ﷺ على ذلك ولم يأمره بالإعادة؛ لأن مَن خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالبًا أو قاطعًا، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء \" انتهى من \" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين \" (١٢/ ٤٠٢).","vol":"4","page":120},{"text":"ولقول سلمان لأبي الدرداء: \" ... إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه\"، فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال له النبي - ﷺ -: \"صدق سلمان\" (١)، ومن حق النفس على المسلم أن لا يضرَّها مع وجود رخصة الله تعالى؛ ولقول النبي - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٢)، والله تعالى أعلم، وأحكم، وأرحم (٣).\nعليه فإن من رحمة الله بعباده أن التكليف يسقط مع العجز عنه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]\nوفيما يأتي بعض الأمراض التي رُخص بها للصائم الإفطار:\n١ - بعض أمراض الكلى الحادة والمزمنة (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم يرَ عليه قضاء إذا كان أوفق له، برقم ١٩٦٨.\n(٢) أحمد، ٥/ ٢٢٦، ٢٢٧، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، برقم ٢٢٤٠، من حديث عبادة - ﵁ -، ومن حديث ابن عباس ﵄، برقم ٢٢٤١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٨٩٦.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢١٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣، ومجالس شهر رمضان، له، ص ٨٦.\n(٤) تقوم الكليتان بوظائف عديدة منها تنقية الدم من الفضلات الآزوتية، ومراقبة توازن الماء والشوارد في الدم، والحفاظ على توازن قلوي حامضي ثابت في الجسم، وإذا كانت الكليتان سليمتين فالصوم لهما راحة وعافية، أما عندما تصبح الكلى مريضة، فلا تستطيع القيام بالكفاءة المطلوبة لتركيز البول والتخلص من المواد السامة كالبولة الدموية وغيرها.\nومن هنا يصبح الصيام عبئًا على المريض المصاب بالفشل الكلوي، وخصوصًا في المناطق الحارة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة الدموية والكرياتنين في الدم، وينبغي على أي مريض مصاب بمرض كلوي استشارة طبيبه قبل البد بالصيام، فإذا لم يتناول مريض الكلى كمية كافية من الماء فقد يصاب بالفشل الكلوي.\nأ) الحالات الحادة من أمراض الكلى:\nقد يحتاج المصاب بمرض كلوي حاد دخول المستشفى وتلقِّي العلاج هناك، وفي هذه الحالة ينبغي عدم الصوم.\nومن هذه الحالات التهاب الحويضة والكلية الحاد، والتهاب المثانة الحاد والقولنج الكلوي، والتهاب الكبب والكلية الحاد.\nب) الحصيات الكلوية:\nإذا لم يكن لدى المرء حصيات كلوية من قبل فلا داعي للقلق في شهر رمضان، أما الذين لديهم حصيات كلوية، أو قصة تكرر حدوث حصيات في الكلى، فقد تزداد حالتهم سوءًا بالجفاف إذا لم يشرب المريض السوائل بكميات كافية.\nويستحسن في مرضى الحصيات بالذات الامتناع عن الصيام في الأيام الشديدة الحرارة، حيث تقل كمية البول بدرجة ملحوظة مما يساعد على زيادة حجم الحصيات، ويعود تقدير الحالة إلى الطبيب المختص.\nوعمومًا ينصح مرضى الحصيات الكلوية بتناول كميات وافرة من السوائل في المساء وعند السحور، مع تجنب التعرض للحر والمجهود المضني أثناء النهار.\nج) التهاب الحويضة والكلية المزمن:\nوقد تؤدي هذه الحالة بعد فترة من الزمن إلى حدوث الفشل الكلوي، ولهذا يستحسن عدم الصوم، فقد يزيد ذلك من احتمال حدوث الفشل الكلوي، ويعود تقرير ذلك إلى الطبيب المعالج.\nد) التهاب الكبب والكلى المزمن:\nوفيه تصاب الكلى بخلل في وظائفها، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث (التناذر الكلوي) وفيه يصاب المريض بوذمة (انتفاخ) في الساقين، وبنقص في ألبومين الدم، وظهور كميات كبيرة من البروتين في البول.\nوينصح هؤلاء المرضى بعدم الصوم، وخاصة إذا كان المرض مصحوبًا بالتناذر الكلوي وارتفاع ضغط الدم أو الفشل الكلوي.\nهـ) الفشل الكلوي المزمن:\nتمر بعض أمراض الكلى بمراحل قد تنتهي بما يسمى الفشل الكلوي المزمن، وذلك حينما يتخرب قسم كبير من أنسجة الكليتين، ويشكو المريض حينئذ من الإعياء والفواق وكثرة التبول، والتبول الليلي والعطش.\nويرتفع في تلك الحالة مستوى البولة الدموية والكرياتنين، وقد يزداد بوتاسيوم الدم، وينصح مرضى الفشل الكلوي المزمن بعدم الصوم، أما إذا كان المريض يتلقى الغسيل الكلوي فربما يستطيع الصوم في اليوم الذي لا يجري فيه غسيل الكلى، ويفطر في يوم الغسيل الكلوي، ومرة أخرى ينبغي على المريض استشارة طبيبه المختص في ذلك.","vol":"4","page":122},{"text":"٢ - السكري (١).\n٣ - السرطانات (٢):\n_________\n(١) السكري هو مرض مركب (متلازمة)، يتميز بارتفاع مزمن في سكر الدم، نتيجةً لتضافر عوامل بيئية ووراثية متعددة، و(الإنسولين) هو هرمون بروتيني، يُفرَز من خلايا (بيتا)، من خلايا تعرف بجزر (لانجرهانز)، نسبةً للطبيب الذي اكتشفها، وهي في غدة البنكرياس، وهو المنظم الرئيس لسكر الدم،\nينتج مرض السكري عن فقدان هرمون (الأنسولين)، أو عن قلة كميته، أو قلة استجابة خلايا الجسم له في كثيرٍ من الحالات، وهرمون (الأنسولين) له فاعلية أساسية في عمليات الاستقلاب والتعامل مع الغذاء بشكل عام، ومع السكر بشكل خاص، لإنتاج الطاقة اللازمة للجسم، وبناء الأنسجة المختلفة.\nويؤدي فقدانه (الكمي أو النوعي) إلى تراكم السكر في الدم بدرجات لم تعتد عليها أنسجة الجسم، مما يتسبب في إحداث اختلالات عديدة، قد تظهر على المدى القريب أو البعيد.\nيقسم مرضى السكر إلى فئتين، فئة تستطيع الصوم وأخرى تُمنع من الصوم.\nأ) مريض السكري الذي يستطيع الصوم: مريض السكري الكهلي (سكري النضوج) الذي يعالج بالحمية الغذائية فقط.\nمريض السكري الكهلي الذي يعالج بالحمية الغذائية والأقراض الخافضة لسكر الدم: وهذه الفئة تقسم بدورها إلى قسمين:\n١ - المريض الذي يتناول حبة واحدة يوميًا: يستطيع الصيام عادة، على أن يفطر بعد أذان المغرب مباشرة على تمرتين أو ثلاث تمرات مع كأس من الماء، وبعد صلاة المغرب يتناول وجبة الدواء ثم يبدأ بالوجبة الرئيسية للإفطار.\n٢ - الذي يتناول حبتين يوميًا: يستطيع الصوم عادة، على أن يتناول حبة واحدة قبل الإفطار ونصف حبة قبل السحور بدلًا من الحبة الكاملة التي كان يتناولها قبل شهر رمضان، وهكذا لأكثر من حبتين يوميًا، بحيث يكون المبدأ إنقاص جرعة ما قبل السحور إلى النصف بناء على توصية طبيبه المعالج.\nب) مريض السكري الذي لا يستطيع الصوم:\n١ - مريض السكري الشبابي (المريض الذي يصاب بمرض السكري دون الثلاثين عامًا من العمر).\n٢ - مريض السكري الذي يحقن بكمية كبيرة من الإنسولين (أكثر من ٤٠ وحدة دولية يوميًا)، أو الذي يتعاطون الإنسولين مرتين يوميًا.\n٣ - المريض المصاب بالسكري غير المستقر.\n٤ - المريضة الحامل المصابة بالسكري.\n٥ - المريض المسنّ المصاب بالسكري لسنين طويلة، وفي الوقت نفسه يعاني من مضاعفات مرض السكر المتقدمة.\n٦ - المريض الذي أصيب بحماض ارتفاع السكر قبل شهر رمضان بأيام أو في بدايته.\nوينبغي التأكيد على الحقائق التالية:\n١ - يجب على المريض الذي يصاب بنوبات نقص السكر أو الارتفاع الشديد في سكر الدم أن يقطع صيامه فورًا، لأنه يضطر إلى علاج فوري.\n٢ - ينبغي تقسيم الوجبات إلى ثلاثة أجزاء متساوية، الأولى عند الإفطار، والثانية بعد صلاة التراويح، والثالثة عند السحور.\n٣ - يفضّل تأجيل وجبة السحور قدر الإمكان.\n٤ - الحذر من الإفراط في الطعام، وخاصة الحلويات أو السوائل المحلاَّة.\nوبصفة عامة فإن السماح بالصيام أو عدمه إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناولها يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره.\n(٢).السرطان مصطلح عام يشمل مجموعة من الأمراض التي بإمكانها أن تصيب كل أعضاء الجسم وفي مختلف الفئات العمرية بما في ذلك الأجنة التي لم تر النور بعد، ويتميز السرطان أو الورم الخبيث بالتولد السريع لخلايا شاذة قادرة على النمو والانقسام من غير حدود وعلى غزو أنسجة مجاورة وتدميرها أو الانتقال إلى أنسجة بعيدة من خلال نقائل Métastases ويرجع تحول الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية إلى حدوث تغييرات في المادة الجينية الموروثة بسبب التعرض لعوامل مسرطنة كالأشعة والتدخين وبعض المواد الكيماوية أو الإصابة ببعض الفيروسات.\nلكل سرطان مساره الخاص ودرجات في التطور وترسانة علاج مقننة ونسب في حظوظ الشفاء كما أن لكل سرطان استراتيجية العلاج الخاصة به لا من حيث نوعية العلاجات التي تتراوح بين العلاج الجراحي والإشعاعي والكيمياوي والجيني والهرموني والمناعي ... إلخ، ولا من حيث نوعية التأليف والجمع بين واحد أو أكثر من هذه الأسلحة العلاجية ولا من حيث توقيتها وتتابعها في الزمن العلاجي.\nلذلك فإن المواقف تتلون كثيرا عندما يمتثل مرضى السرطان للاستشارة الطبية للسؤال عن مدى قدرتهم على الصيام. فمرضى السرطان ليسوا رجلا واحدا أو امرأة واحدة، وإنما لكل مريض نوع سرطانه ودرجة هذا السرطان ومحطته العلاجية التي وصل إليها ومضاعفاته الآنية والمنتظرة وعواقبه المحتملة أيضا في حالة الصيام. وهكذا فإن القرار يختلف بحسب ما إذا كان السرطان لازال نشيطا أو في حالة انتكاسة أو كان في مراحله النهائية أو كان على العكس في حالة هجوع أو تم الشفاء منه نهائيا أو كان لا يزال يقطع صحراء رحلة العلاج. لكن الملاحظ أنه على الرغم من جدية المرض فإن مرضى السرطان يبرهنون دائما عن ميل قوي لتأدية مختلف العبادات ويبدون حماسا واستعدادا قويين لصيام رمضان قصد التقرب إلى الله والاستزادة في الدعاء، لذلك واعتبارا لهذا السياق فقد استقر رأي العديد من الفقهاء والأطباء المسلمين أن دور الطبيب يقتصر فقط على توضيح الرؤية للمريض وعرض المعلومات العلمية والطبية الخاصة بحالته وتبيان الرأي الطبي من صيام المريض أو إفطاره دون إجبار المريض على أي قرار، فالقرار يبقى في النهاية قراره.\nولكن لابد لنا أن نطرح سؤالا من نوع آخر دأبنا دائما على طرحه. هل يا ترى يفيد الصيام مرضى السرطان؟ قد يبدو هذا السؤال مدهشا للكثير من الناس. لكن الجواب عنه سيكون مفاجئا لهم أكثر. إذ إن الدكتور شلتون وهو رائد من رواد العلاج بالصوم يؤكد أن الجسم لما يلجأ خلال الصيام لاستعمال الأنسجة الزائدة فيه يتسبب في إتلاف بعض الخلايا الشاذة وبالتالي فإن للصوم دورا في الوقاية من السرطان، إذ من شأنه إذا كان دوريا ومنتظما أن يمكن الجسم من التخلص من بعض الخلايا الخبيثة والمستترة القابعة في انتظار اغتنام فرصة للتكاثر والتوالد والانقسام العشوائي والتحول إلى أورام سرعان ما ستنتشر داخل الجسم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أكدت بعض الدراسات المنجزة أخيرا بالولايات المتحدة أن الصوم لا يفيد فقط في الوقاية من السرطان وإنما يفيد أيضا في علاجه من خلال ترشيد العلاج الكيمياوي.\nفقد كشفت بعض التجارب المنشورة نتائجها حديثا أن إجبار الفئران على الصوم لمدة يومين يمنع الآثار الضارة للعلاج الكيمياوي على الخلايا السليمة مما يفتح أبوابا جديدة من الأمل لملايين المرضى بالسرطان ذلك أن الفئران الصائمة احتفظت بنشاطها رغم خضوعها للعلاج بجرعات مرتفعة من العلاج الكيمياوي في حين نفق نصف عدد المجموعة التي ظلت تتغدى بشكل طبيعي وأصيب النصف الباقي بالوهن والنحول.\nإن هذه النتائج التي أكدتها أيضا اختبارات أجريت على خلايا بشرية في الأنابيب تجعل من الصيام مفتاحا سحريا لإشكالية كبيرة تؤرق وتقض مضاجع أطباء العلاج بالمواد الكيمياوية الذين يسعون لجعل هذا العلاج أكثر انتقائية وأكثر دقة. حيث إنهم يرددون أنه قد يصبح باستطاعتهم التحكم أكثر فأكثر في انتشار السرطان بل وشفاء المرضى منه إذا استثنى العلاج الكيمياوي الخلايا السليمة واستهدف فقط الخلايا العليلة، متحولا بذلك إلى علاج غير مدمر لباقي الجسد. ويفسر الأطباء هذه الظاهرة التي تبشر بانقلاب كبير في مفاهيم علاج الأورام الخبيثة يقوده «الصيام»، الشعيرة التي أمر بها الله ﷾ بكون حرمان الخلايا السليمة من الغذاء الذي تحتاج إليه ليمدها بالحيوية يضعها في حالة استنفار وتأهب قصوى للاستمرار على قيد الحياة، بحيث تصبح على درجة عالية من المقاومة للضغوط أو الدمار الذي يحمله إليها هذا العلاج الكيمياوي، وهكذا قد تكون نتيجة الصيام أن يصبح بإمكان الأطباء علاج المزيد من حالات السرطان باستخدام جرعات قوية من العلاج الكيمياوي لا تؤثر في الخلايا السليمة وإنما يقتصر مفعولها على الخلايا السرطانية فقط لتقليص الورم أو تخليص الجسم منه بتدميره.\nوفي انتظار التصديق على هذه الفتوحات الجديدة التي يبشر بها الصيام في علاج داء السرطان لابد لنا أن نفصل الحالات التي يكون فيها الإفطار مطلوبا لمرضى السرطان والحالات التي يمكنهم الصيام فيها.\nإن الإفطار يكون ضروريا إذا كان الصيام سيفاقم حالة المريض أو كان يتناقض أو يتعارض مع طبيعة العلاج وخطته.\nبداية لا بد من التذكير أن عددا من أمراض السرطان قد صارت ممكنة الشفاء فإذا كان المريض قد تماثل للعافية واستعاد صحته ويعيش حياة طبيعية أو كان المرض في حالة هجوع وكان مسيطرا عليه ومتحكما فيه كان المريض لا يخضع إلا لمراقبة روتينية عادية. فإن المريض أو بالأحرى من كان مريضا بالسرطان في بعض الحالات يمكنه الصيام دون خوف أو قلق.\nلكن إذا كان المرض لازال في طور نشيط وفعال أو كان المريض لازال خاضعا للعلاج الكيماوي فيمكنه الإفطار، لأن لهذا العلاج تأثيرا ووطأة على الصحة العامة للجسم يستحيل معها إرهاقه بعبء إضافي كالصيام، كما أنه يتطلب مقادير كبيرة من السوائل ويتضمن عددا من التأثيرات الجانبية كالإجهاد والأرق والغثيان وتساقط الشعر.\nأما في حالة مرضى السرطان الذين يوجدون في مرحلة متقدمة جدا من المرض والذين ليست لهم حظوظ للشفاء حيث لا يخضعون إلا لعلاجات مخففة تستهدف الترويح عنهم فقط ومواكبتهم في مرحلتهم النهائية هاته، فإن الطبيب المعالج للمريض هو من يعود إليه تقرير ما إذا كان الصيام سيزيد من معاناة وألم مريضه أم لا، وهكذا فإنه يرخص له غالبا في الإفطار دون أن يجبره على ذلك.\nوخلاصة القول: إن عالم السرطان عالم شاسع جدا وأمراضه كثيرة ومتنوعة تنوع أعضاء وخلايا الجسم ورحلة علاجه طويلة وشاقة لكنها غير مستحيلة دائما لذلك فإن قرار الإفطار والصيام يقتضي أن يعرف أين وصل السرطان؟ وأين بلغت خطة العلاج وأين يوجد المريض داخل كل هذا؟ وهذا لن يتأتى بالشكل المطلوب إلا داخل عيادة طبيب معالج يشرف على تتبع خطة علاج مريضه ويشهد على قصة صراعه مع المرض ويحظى بثقته طبيا وإنسانيا وعقائديا. (مقال للدكتور خالد فتحي: مريض السرطان والصيام، موقع مغرس).","vol":"4","page":123},{"text":"حيث ان الصوم قد يسبب له الضرر فيجب عليه الفطر والله ﷾ يحب ان تؤتي رخصه كما تؤتي عزائمه، ومرضى السرطان بشكل خاص يمرون بظروف صحية صعبة عند تلقيهم للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي، ويعانون من الآثار الجانبية للعلاج، فيشق عليهم الصيام، بالاضافة الى انهم يجب عليهم تناول الأدوية الكيماوية إما عن طريق الفم أو عن طريق الوريد وفي كلتا الحالتين قد يشعرون بالتعب والإرهاق، فمن حقهم الأخذ برخصة الله تعالى في الإفطار، أما بعد ذلك اذا شعر المريض بقدرته التامة على الصيام دون تدهور لأعراض مرضهم فحينئذ لا بأس في ذلك.\n٤ - الإسهال الحاد:\nيعدّ الإسهال الحاد والشديد، مبيحًا لإفطار الصائم، لأن المريض في مثل تلك الحالة في حاجة ماسة إلى السوائل والأملاح لتعويض ما يفقده منها وإلا أصابه الفشل الكلوي المميت أو الفشل في الدورة الدموية، فضلًا عن أن هذا المريض يحتاج إلى بعض الأدوية المتكررة الضرورية.\nويضاف إلى ذلك حالات القيء التي تؤدي إلى فقدان السوائل وكذلك الأملاح.\n٥ - الحمى الشديدة:\nأيضًا فإن من الأمراض المبيحة للإفطار في رمضان، حالات الحميات الشديدة، حيث ترتفع درجة حرارة الجسم، ويزيد الاحتراق، ويكون المريض في أمس الحاجة للدواء والغذاء المناسب في فترات متقاربة.\n٦ - التهاب الصدر الحاد والسل الرئوي (١):\nخاصة في مراحله المتقدمة، لأن المريض في مسيس الحاجة لغذاء كاف، أما حالات الدرن المتماثلة للشفاء، ففي إمكان المريض أن يصوم.\n٧ - قرحة المعدة (٢):\n_________\n(١) كثيرًا ما تأتي أمراض الصدر فجأة على شكل التهاب في القصبات أو التهاب في الرئة.\nأ) التهاب القصبات الحاد: إذا كانت حالة التهاب القصبات الحاد بسيطة، فإن المريض يستطيع تناول علاجه ما بين الإفطار والسحور، أما إذا احتاج الأمر لمضادات حيوية تعطى كل ٦ – ٨ ساعات، أو إذا كانت الحالة شديدة فينصح بالإفطار حتى يشفى من الالتهاب.\nب) التهاب القصبات المزمن: وفيه يشكو المريض من سعال مترافق ببلغم يوميًا ولمدة ثلاثة أشهر متتابعة ولسنتين متتابعتين على الأقل.\nوإذا كانت حالة المريض مستقرة استطاع الصيام دون مشقة تذكر، أما في الحالات الحادة التي تحتاج إلى مضادات حيوية أو موسعات القصبات أو البخاخات الحاوية على مواد موسعة للقصبات فيقدّر الطبيب المختص ما إذا كان المريض يستطيع الصوم أم لا.\nج) الربو القصبي: قد تكون نوبات الربو خفيفة لا تحتاج إلى تناول أدوية عن طريق الفم، كما يمكن إعطاء المريض الأقراص المديدة التأثير عند الإفطار والسحور، وكثير من مرضى الربو من يحتاج إلى تناول بختين أو أكثر من بخاخ الربو عند الإحساس بضيق في الصدر، ويعود بعدها المريض إلى ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، ولا ينبغي للمريض عند حدوث الأزمة متابعة الصيام، بل عليه تناول البخاخ فورًا، ومن العلماء الأفاضل من أفتى بأن هذه البخاخات لا تفطر.\nولكن ينبغي الإفطار قطعًا عند حدوث نوبة ربو شديدة حيث كثيرًا ما يحتاج المريض إلى دخول المستشفى لتلقي العلاج المكثف لها.\nكما ينبغي الإفطار إذا ما أصيب بنوبة ربو لم تستجب للعلاج المعتاد، ويجب التنبه إلى أن الانقطاع عن الطعام والشراب في تلك الحالات يقلل بشكل واضح من سيولة الإفرازات الصدرية، وبالتالي يصعب إخراجها.\nد) السل (التدرُّن الرئوي): يستطيع المريض المصاب بالسل الصيام إذا كانت حالته العامة جيدة وفي غياب أية مضاعفات، شريطة أن يتناول المريض دواءه بانتظام، وتعطى أدوية السل عادة مرة واحدة أو مرتين في اليوم، أما في المرحلة الحادة من المرض فيستحسن عدم الصيام حتى يتحسن وضع المريض العام.\n(٢) وينبغي على مريض القرحة المصاب بإحدى الحالات التالية للإفطار:\nالقرحة الحادة: وذلك حين يشكو المريض من أعراض القرحة. كالألم عند الجوع، أو ألم يوقظه من النوم.\nفي حال حدوث انتكاسة حادة في القرحة المزمنة: وينطبق في تلك الحالة ما ينطبق على القرحة الحادة.\nوكذلك الأمر عند الذين تستمر عندهم أعراض القرحة رغم تناول العلاج بانتظام.\nعند حدوث مضاعفات القرحة، كالنزيف الهضمي، أو عند عدم التئام القرحة رغم الاستمرار بالعلاج الدوائي.","vol":"4","page":125},{"text":"ومن المعروف أنه في حالة إصابة الإنسان بقرحة المعدة، فإنه يشعر بآلام شديدة بسبب زيادة إفرازات الحامض المعدي، ومن ثم نراه في حاجة شديدة إلى تناول اللبن مثلًا أو بعض العقاقير الطبية الضرورية.\n٨ - التهاب وتليف الكبد ومرض الاستسقاء:\nوفي هذه الحالات لا يستطيع الإنسان الصيام، ويكون الصوم خطرًا على الصحة العامة للمريض.\nينصح المصابون بأمراض الكبد المتقدمة كتشمع الكبد وأورام الكبد بالإفطار، كما ينصح بالإفطار أيضًا المصابون بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد، أو الاستسقاء في البطن (الحبن).\n٩ - الأنيميا أو فقر الدم:\nوهذا المرض له أسباب كثيرة، والمصابون به يحتاجون إلى غذاء قوي وعقاقير لا غنى عنها.\n١٠ - تجلط الأوعية الدموية:\nوسبب امتناع المريض بهذا المرض عن صيام شهر رمضان، لأن الجفاف الناتج عن عدم شرب السوائل لفترة طويلة، قد يزيد هذه الحالة سوءًا.\n١١ - أمراض القلب (١)\n_________\n(١) لا شك أن في الصيام فائدة عظيمة لكثير من مرضى القلب، ولكن هناك حالات معينة قد لا تستطيع الصيام.\nأ) ارتفاع ضغط الدم:\nيفيد الصيام في علاج ارتفاع ضغط الدم، فإنقاص الوزن الذي يرافق الصيام يخفض ضغط الدم بصورة ملحوظة، كما أن الرياضة البدنية من صلاة تراويح وتهجد وغيرها تفيد في خفض ضغط الدم المرتفع.\n\nوإذا كان ضغط الدم مسيطرًا عليه بالدواء أمكن للمريض الصيام شريطة أن يتناول أدويته بانتظام، فهناك حاليًا أدوية لارتفاع ضغط الدم تعطى مرة واحدة أو اثنتان في اليوم.\nب) فشل القلب (قصور القلب):\nفشل القلب نوعان: فشل القلب الأيسر وفشل القلب الأيمن، ويشكو المريض عادة من ضيق النفس عند القيام بالجهد، وقد يحدث ضيق النفس أثناء الراحة، وينصح المصاب بفشل القلب الحاد بعدم الصيام، حيث يحتاج لتناول مدرَّات بولية وأدوية أخرى مقوية لعضلة القلب وكثيرًا ما يحتاج إلى علاج في المستشفى.\nأما إذا تحسنت حالته واستقر وضعه، وكان لا يتناول سوى جرعات صغيرة من المدرات البولية فقد يمكنه الصيام.\nوينبغي استشارة طبيب القلب المسلم فهو الذي يقرر ما إذا كان المريض قادرًا على الصوم أم لا، إذ يعتمد على شدة المرض وكمية المدرات البولية التي يحتاج إليها.\nج) الذبحة الصدرية:\nتنجم الذبحة الصدرية عادة عن تضييق في الشرايين التاجية المغذّية لعضلة القلب.\nوإذا كانت أعراض المريض مستقرة بتناول العلاج، ولا يشكو المريض من ألم صدري أمكنه الصيام في شهر رمضان، بعد أن يراجع طبيبه للتأكد من إمكانية تغيير مواعيد تعاطي الدواء.\nأما مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو الذين يحتاجون لتناول حبوب النيتروغليسرين تحت اللسان أثناء النهار فلا ينصحون بالصوم، وينبغي عليهم مراجعة الطبيب لتحديد خطة العلاج.\nد) جلطة القلب (احتشاء العضلة القلبية):\nتنجم جلطة القلب عن انسداد في أحد شرايين القلب التاجية، وهذا ما يؤدي إلى أن تموت خلايا المنطقة المصابة من القلب، ولا ينصح مرضى الجلطة الحديثة، وخاصة في الأسابيع الستة الأولى بعد الجلطة بالصيام، أما إذا تماثل المريض للشفاء، وعاد إلى حياته الطبيعية، فيمكنه حينئذ الصيام، شريطة تناوله الأدوية بانتظام.\nهـ) أمراض صمامات (دسامات) القلب:\nتنشأ أمراض صمامات القلب عادة عن إصابة هذه الصمامات بالحمى الرئوية (الحمى الروماتيزمية) في فترة الطفولة، فيحدث تضيق أو قلس (قصور) في الصمام نتيجة حدوث تليف في وريقات الصمام.\nوإذا كانت حالة المريض مستقرة، ولا يشكو من أعراض تذكر أمكنه الصيام، أما إذا كان المريض يشكو من ضيق النفس ويحتاج إلى تناول المدرات البولية فينصح بعدم الصوم.\nو) من هم مرضى القلب الذين ينصحون بعدم الصيام؟\n١ - المرضى المصابون بفشل القلب (قصور القلب) غير المستقر.\n٢ - مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو غير المستجيبة للعلاج.\n٣ - مرضى الجلطة القلبية الحديثة.\n٤ - حالات التضيق الشديد أو القصور الشديد في صمامات القلب.\n٥ - الحمى الرئوية (الروماتيزمية) النشطة.\n٦ - الاضطرابات الخطيرة في نظم القلب.\n٧ - خلال فترة الأسابيع التي تعقب عمليات جراحة القلب.","vol":"4","page":126},{"text":"١٢ - بعض أمراض الغدد (١).\n١٣ - بعض حالات الأمراض العصبية والنفسية (٢).\n١٤ - أمراض الجهاز الحركي:\nمثل: التهاب المفاصل الروماتيزمية الحادة أو التهاب المفاصل الروماتورية حيث ان المريض يحتاج لتناول جرعات من الدواء في مواعيد محددة للعلاج لتخفيف الآلام، كذلك فإن المريض يحتاج لكمية كافية من البروتينات لتقوية جهاز المناعة وتعويض الأنسجة التالفة نتيجة الاصابة بهذه الأمراض.\n_________\n(١) الغدد الصماء: هي مجموعة من الأعضاء في جسم الإنسان تختص بإفراز الهرمونات. وأهم هذه الغدد: الغدة النخامية، والغدرة الدرقية، والغدد الكظرية، ومجاورات الدرق، والمبيضان والخصيتان والبنكرياس.\nأ) أمراض الغدد الدرقية:\n١ - فرط نشاط الغدة الدرقية: وينجم عن إفراز كميات زائدة من هرمون الثيروكسين، ويشكو المريض عادة من تضخم في الغدة الدرقية (في أسفل الرقبة) ونقص في الوزن ورجفان وخفقان.\nوإذا كانت حالة المريض مستقرة أمكنه الصوم، شريطة تناول الأدوية بانتظام.\n٢ - قصور الغدة الدرقية: ويشكو المريض في هذه الحالة من الوهن والإعياء الشديد ونقص في النشاط الفكري والعصبي. ويعطى هرمون الثيروكسين مرة واحدة يوميًا كعلاج لهذه الحالة، وبذلك يمكن للمريض الصيام دون أي تأثير خاص.\n٣ - أورام الغدة الدرقية: ليس للصوم تأثير على أورام الغدة الدرقية، ويمكن للمريض الصيام، وعلاج أورام الدرق عادة جراحي.\n٤ - التهابات الغدة الدرقية الحادة: وتسبب عادة ألمًا في الغدة وقد تحدث الحمى، مما قد يجعل الصوم غير ممكن في المرحلة الحادة، شأنه في ذلك الأمراض الحادة، أما الالتهابات المزمنة للغدة الدرقية فلا تتعارض عادة مع الصوم.\nب) أمراض الغدة الكظرية: الكظران غدتان تقعان فوق الكليتين وتفرزان عدة هرمونات أهمها الكورتيزول والألدوسترون والهرمونات التناسلية. وأمراضها عادة غير شائعة وأهمها:\n١ - مرض كوشينغ: وفيه يحدث وهن في الجسم، وارتفاع ضغط الدم، وبدانة مركزية تتجنب الأطراف وتدور في الوجه، كما قد يحدث فيه مرض السكر، ولا ينصح فيه بالصوم.\n٢ - مرض أديسون: ويحدث فيه قصور في إفراز الكورتيزول، نتيجة تلف في الغدد الكظرية، ويحدث فيه انخفاض في ضغط الدم ووهن شديد وتغير في لون البشرة يميل إلى السواد ... إلخ.\nوينبغي فيه تجنب الصوم، خصوصًا وأنه قد يصاحبه هبوط سكر الدم.\n٣ - الورم القتامي: وهو مرض نادر يسبب ارتفاعًا متأرجحًا في ضغط الدم ونوبات من التعرق والخفقان والوهن العام.\nوينصح فيه بتجنب الصوم، والاستئصال الجراحي لهذا الورم يتلوه عادة شفاء تام، مما يجعل الصوم ممكنًا.\nج) أمراض الغدة النخامية: وهي أيضًا أمراض نادرة، وأهمها مرض (ضخامة النهايات) وقصور الغدة النخامية، وينصح فيهما بعدم الصوم.\n(٢) من الأمراض العصبي:\nأ) الصرع: يستطيع المصاب بالصرع أو الاختلاجات الصيام، شريطة أن يتناول الأدوية المضادة للاختلاج بانتظام، فهناك حاليًا أدوية تعطى مرة واحدة باليوم للسيطرة على الاختلاجات.\nب) الاكتئاب: يستطيع مريض الاكتئاب الصيام شريطة أن يتناول الأدوية المضادة للاكتئاب بانتظام، وتعطى هذه الأدوية عادة مرة أو مرتين في اليوم.\nج) مريض الفصام: لا يجوز لمريض الفصام الصيام، فإن التوقف عن استعمال أدوية الفصام قد يؤدي إلى نوبات من العنف والضلالات الخاطئة والهلاوس، وقد يؤدي ذلك إلى الاعتداء على الآخرين.","vol":"4","page":127},{"text":"كذلك الحالات الشديدة للنقرس الحاد «داء الملوك» تحتاج كمية كبيرة ومستمرة من السوائل لتقليل نسبة تركيز حمض البوليك «حمض اليوريك» في الدم والتخلص منه عن طريق افرازه في الكلى وتجنب مضار التركيز العالي لحمض اليوريك في الدم والذي يسبب ارتفاع ضغط الدم ويعمل على تكوين حصى الكلى والحالب.\n١٥ - أمراض العيون:\nوذلك مثل العين المصابة بالمياه الزرقاء «الجلوكوما» قد يؤدي الصيام عن شرب الماء نهارا خصوصا في الأيام الحارة والأيام التي تزداد فيها الرطوبة فيكثر العرق وفقدان الماء من الجسم الذي يؤدي إلى تركيز الدم وزيادة خاصية الضغط الاسموزي والذي يعود إلى المستوى الطبيعي بعد الافطار عندما يتناول الإنسان كميات مناسبة من السؤال فإنه يؤدي إلى زيادة حجم الدم ونقص في الارتفاع الذي حدث لقوة الضغط الاسموزي أثناء الصيام.\nوفقد السوائل من الجسم والضغط الاسموزي هو الذي يعمل على توازن السوائل بين الأنسجة والأوعية الدموية ومريض الجلوكوما «المياه الزرقاء» لا يستطيع عمل هذه الموازنة بالإضافة إلى استعماله لقطرة خاصة مرات عدة في اليوم، كذلك مريض الشبكية الملتهبة نتيجة لارتفاع نسبة السكر في الدم والذي يحتاج للأدوية لعلاج هذا الالتهاب الحاد في الشبكية.\nكما ننبه المسلم بان تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيَّسر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص، فهو يملك ما يكفيه من المعطيات التي تمكنه من نصح مريضه بإمكانية الصوم أو عدمه.\nوإذا حدث له المرض في أثناء يوم من أيام رمضان وهو صائم وشقَّ عليه إتمامه جاز له الفطر؛ لوجود المبيح للفطر، وذلك إذا ما اشتد المرض بزيادة الألم والحمى والمشقة الفادحة، مع أن هذه الشدة لا يتيسر قياسها بمقياس علمي، ما عدا درجة الحرارة، وحتى هذه يمكن أن يسأل سائل: أية درجة حرارة يجوز أو يجب الفطر بسببها؟ وقد نقلت بعض الكتب مقياسا واحدا لشدة المرض: وهو إذا لم يستطع المريض الصلاة قائما. نقله القرطبي وعدة مراجع أخرى عن الحسن.\nوإذا برئ في نهار رمضان وقد أفطر أول النهار للعذر لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطرًا أول النهار؛ لأن الصوم لا يصح إلا بنية قبل طلوع الفجر، ثم الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وينبغي له الإمساك بقية يومه (١) ويجب عليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢).\nوإذا ثبت عن طريق الطبيب الثقة المسلم (٣) الحاذق الموثوق بدينه وأمانته أن الصوم يجلب له المرض أو يزيد مرضه، ويؤخر بُرْأَه؛ فإنه يجوز له الفطر، محافظةً على صحته، واتقاءً للمرض، ويقضي عن هذه الأيام التي أفطرها (٤)، والله تعالى أعلم (٥).\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة، ١/ ٥٧: \"فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم، مثل: الحائض تطهر، والمسافر يقدم، والمريض يصح، فإن القضاء يجب عليهم رواية واحدة؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضًا\". [شرح العمدة، ١/ ٥٧ - ٥٩].\nقال ابن مفلح في الفروع، ٤/ ٤٣١: \"وإذا طهرت حائض أو نفساء أو قدم مسافر، أو أقام مفطر، أو برئ مريض مفطرًا لزمهم الإمساك على الأصح\"، وهو الذي يفتي به شيخنا ابن باز. انظر: مجموع الفتاوى له، ١٥/ ١٩٣، وكذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء \"فتاوى رمضان\"، ١/ ٣٢٤، فتوى رقم ١٩٥٤، ٢٠٧١، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٢١٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٤، والآية: ١٨٥.\n(٣) وقال جماعة لابد أن يكون مسلما، أو بالعرف المتعارف عليه بأن هذا المرض مزمن لا يرجى برؤه.\n(٤) قال الإمام ابن قدامة: \"والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفًا مما يتجدّد بصيامه من زيادة المرض، وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه\". المغني لابن قدامة، ٤/ ٤٠٣، ٤/ ٤٠٤، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٣٦٩، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢١٤.\n(٥) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥٧ - ٥٩، وقد ذكر رحمه الله تعالى اختلاف العلماء في مسألة: الإمساك للمريض إذا برئ، والمسافر إذا قدم، والحائض إذا طهرت.\nوانظر: المغني، ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٥، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٢٢٣، وكتاب الفروع، لابن مفلح،\n٤/ ٤٣١ - ٤٣٩، ومجالس شهر رمضان لابن عثيمين، ص ٨٨.","vol":"4","page":128},{"text":"وقد اختلف العلماء في حكم إجزاء الصوم ولو صام مع هذه الحالة:\n١ - قال الجمهور: إن صام، وقَع صيامه، وأجْزَأه، وبه قال شيخ الإسلام إن تحمَّله وصام.\n٢ - في حين ذهَب أهل الظاهر إلى أنه لا يُجزئه، وأنَّ فرْضَه هو أيَّام أُخَر.\nقال أبو محمد ابن حزم ﵀: لا يجزئه الصوم؛ لأن الله - تعالى - جعل للمريض عدة من أيام أخر، فلو صام في مرضه فهو كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان، فلا يجزئه ويجب عليه القضاء.\nوقول أبي محمد هذا مبني على القاعدة المشهورة، أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئًا، فإذا قلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه؛ لأنه صام ما نهي عنه كالصوم في أيام التشريق، وأيام العيدين لا يحل، ولا يصح، وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين من المرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا فنقول: إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله ﷿، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم، والله ﷿ يقول: ﴿﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾﴾ [النساء: ٢٩] (١).\nوسبب الاختلاف: تردّد قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤] بين أن يُحمل على الحقيقة، فلا يكون هناك محذوف أصلًا، أو يُحمل على المجاز، فيكون التقدير: فأفطَر، فعِدَّة من أيَّام أُخر، وهذا الحذف هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب، فمَن حمَل الآية على الحقيقة، ولَم يَحملها على المجاز، قال: إنَّ فرْضَ المريض عدَّةٌ من أيَّام أُخر؛ لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾، ومن قدَّر: \"فأفطَر\"، قال: إنما فرْضُه عدَّة من أيام أُخر إذا أفطَر.\nد- المريض الذي يخاف من زيادة المرض أو طوله أو بطء برئه أو ضرر فيجوز له الفطر (٢).\nقال القرطبي رحمه الله تعالى: \"وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيده صح له الفطر\" (٣).\nوهذا الرأي معناه أن المريض يفطر حتى لو كان عند فطره ليس بشدة، ولكنه يخشى إذا صام أن يشتد مرضه.\nوقد عبر محمود شلتوت عن هذا الرأي تعبيرا بليغا بقوله: \"فإذا تعرض المسافر أو المريض للضرر ولو بالظن القوي وجب عليه الإفطار وكان الصوم حينئذ إعراضا عن رخصة الله، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة باسم التدين والطاعة، وما ذلك إلا التنطع والعصيان\" (٤).\nوعبر القرطبي عن هذا الرأي بوضوح بقوله: \"أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل\" (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح الممتع: ٦/ ٣٤١.\n(٢) يُقرِّر الفقهاء - رحمهم الله تعالى -: أنَّ المريض إذا خَشِي من الإتيان بالمطلوبات الشرعيَّة على وجْهها - ومعنا هنا الصوم خاصة - ضررًا؛ من ألَمٍ شديد، أو زيادة مرضٍ، أو تأخُّر برءٍ، أو فساد عضو، أو حصول تشوُّهٍ، أو هلاكٍ، أو فساد منفعة عضوه، فإنه يَعدل إلى الأحكام المُخفَّفة، وبذلك يترك الصوم إلى الفطر، والأمراض تَختلف اختلافًا كثيرًا، فلم يَصِح المرض ضابطًا؛ لذا اعتبرت الحكمة، وهو ما يخاف منه الضَّرر، فوجَب اعتبارُه، فدار الحكم مع المَظنَّة وجودًا وعدمًا، وهذا خلافًا لِمَن توقَّعه ولَم يَخشَه، بل كان مُستقر الحال سليمًا، فمتى لَم يَخف الضَّرر، لَم يُفطر.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٦.\n(٤) من توجيهات الإسلام. القاهرة: دار القلم، الطبعة الثالثة، ١٩٦٦، ص ٣٦٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٢٧٦.","vol":"4","page":129},{"text":"واتفق علماء المذاهب الأربعة أن الصائم يفطر إذا زاد مرضه بالصيام وتأخر شفاؤه، وتعرض لمشقة شديدة أو خطر على حياته (١).\nالنوع الثاني من المرض: المريض العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا لا يُرجى زواله، كالكبير الهرم، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وذلك بإخبار الطبيب المسلم الثقة الحاذق، فحينئذٍ لا يجب على هذا العاجز الصيام؛ لأنه لا يستطيعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الإمام ابن المنذر ﵀: \"وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجِزَيْن عن الصوم أن يفطرا\" (٢)، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام معادلًا للصيام حين كان التخيير بينهما أوَّل ما فرض الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلًا من الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادل له (٣).\nقال ابن عباس ﵄: \" ... الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا\" (٤)، وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: \"وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر، عامًا أو عامين، كلَّ يومٍ مسكينًا: خبزًا ولحمًا، وأفطر\" (٥).\nويُخيَّر العاجز عن الصيام، لكبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى برؤه في صفة الإطعام بين أمرين:\nالأمر الأول: يفرِّق طعامًا على المساكين، لكل مسكين نصف صاعٍ على الصحيح؛ لأن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة: \" ... أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع\" (٦)، والصاع النبوي أربع حفنات بكَفَّيْ الرجل المعتدل، وهو يزن تقريبًا ثلاثة كيلو، أما نصف الصاع فيزن كيلو ونصف كيلو تقريبًا، وهو اختيار الشيخ ابن باز ﵀، إذ قال: \"عن كل يومٍ نصف صاعٍ من قوت البلد: من تمرٍ، أو أرزٍ، أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب\" (٧)، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حيث قالوا: \" ... وهو نصف صاعٍ عن كل يومٍ من قوت البلد، وهو كيلو ونصف تقريبًا\" (٨).\nالأمر الثاني: يجوز أن يُصلحَ طعامًا، ويدعوَ إليه من المساكين بقدر الأيام التي عليه؛ لأن أنس بن مالك - ﵁ - \"أطعم بعد ما كبر عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا: خبزًا ولحمًا وأفطر\" (٩). قال ابن باز ﵀: \"إذا كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يشق عليهما الصوم فلهما الإفطار ويطعمان عن يوم مسكينًا: إما بتشريكه معهما في الطعام، أو دفع نصف صاع من التمر، أو الحنطة، أو الأرز للمسكين كل يوم ... \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، قسم العبادات، وزارة الأوقاف، قسم المساجد، القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الرابعة، ١٣٥٠ هـ، ١٩٣٩ مـ، ص ٤٥٦.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص ٦٠.\n(٣) مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، ص ٧٦، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢١٨ - ٢٢٢.\n(٤) البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿أيامًا معدودات ...﴾ الآية، برقم ٤٥٠٥.\n(٥) البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ [البقرة: ١٨٤] في ترجمة الباب قبل الحديث رقم ٤٥٠٥.\n(٦) متفق عليه من حديث كعب بن عجرة - ﵁ -: البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، برقم ١٨١٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، برقم ٨٤ – (١٢٠١).\n(٧) مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٠٣، ١٥/ ٢٠١ - ٢٠٥.\n(٨) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ١٧٨، و١٠/ ١٧٤ – ١٨٩. [وأعضاء اللجنة هم: عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رئيس اللجنة.\n(٩) البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿أيامًا معدودات ...﴾ قبل الحديث رقم ٤٥٠٥، وتقدم.\n(١٠) مجمع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٠٢.","vol":"4","page":130},{"text":"وقال الشيخ ابن باز في فدية الإطعام عن الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، الذين لا يُطيقون الصيام: قال ﵀: \"يدفع الطعام للفقراء والمساكين، ويجوز دفعه كله إلى مسكين واحد ... \" (١)، وقال ﵀ في موضع آخر: \"وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره ... \" (٢). والله تعالى أعلم (٣).\nوأما صوم المسن، فقد اتفق العلماء على عدم وجوب الصيام على المسن الذي لا يستطيعه، أو يشق عليه مشقة شديدة تجهده أو يتضرر منها بالهلاك أو فوات عضو من الأعضاء، أو بالمرض (٤).\nوقد نقل الإجماع على ذلك عدد من العلماء، ومنهم:\n- ابن المنذر -رحمه الله تعالى- فقال: \"وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم أن يفطروا\" (٥).\n- ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- فقال: \"أجمع العلماء على أن للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يطيقان الصوم الإفطار، ثم اختلفوا في الواجب عليهما\" (٦).\n- ابن رشد -رحمه الله تعالى- فقال: \"وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا (٧).\nاستدل أهل العلم على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصيام أو يشق عليه مشقة شديدة بأدلة من الكتاب (٨) والأثر (٩) والإجماع (١٠) والمعقول.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٠٥.\n(٢) المرجع السابق، ١٥/ ٢٠٤.\n(٣) انظر: الأعذار المبيحة للفطر في: المغني والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٣٦٤ - ٣٨٥، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٧، وشرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٢٠٥ - ٢٦٦، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٢٩٣ - ٤٠٨، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٤٣٥ – ٤٥٠، والروض المربع تحقيق الطيار وجماعة، ٤/ ٢٨٩ - ٢٩٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٧٢ - ٣٨٤، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٥/ ٢٠٧ - ٢١٨، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ١٠/ ١٤٩ - ٢٤٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٥٩ - ١٧٤، ومجموع فتاوى الصيام، جمع عبد المقصود، ١/ ٢٣١ - ٣٧٥، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ١٨١ - ٢٤٧، ومجالس شهر رمضان لابن عثيمين، ص ٧٥ - ٩٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٣٤٧ - ٣٦٥، وجامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ٣٩٣ - ٤١٤.\n(٤) انظر: المبسوط: ٣/ ١٠٠، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١٣٥، وفتح القدير: ٢/ ٣٥٠، والمدونة الكبرى: ١/ ٢١٠، وبداية المجتهد ١/ ٣٤٤، وعقد الجواهر الثمينة: ١/ ٣٦٧، والحاوي الكبير: ٣/ ٣٣٢، والمجموع: ٦/ ٢٥٨، والبيان: ٣/ ٤٦٦، والمغني: ٤/ ٣٩٥، والمحرر: ١/ ٢٢٨، وكشاف القناع ٢/ ٣٠٩.\n(٥) الإجماع ص / ٤٧.\n(٦) الاستذكار ١٠/ ٢١٣.\n(٧) بداية المجتهد ١/ ٣٥١.\n(٨) من الأدلة في الكتاب:\n١ - ... قول الله ﷾: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ...﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n٢ - ... وقوله تعالى: ﴿... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...﴾ [الحج: ٧٨].\n٣ - ... وقوله تعالى: ﴿... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوجه الاستدلال أن هذه الآيات الكريمات تضمنت أن الله –تعالى- لا يكلف أحدًا الإتيان بما لا يستطيع من أنواع العبادات، وأن الحرج مرفوع في الدين، وأن الله يريد بالمكلفين اليسر ولا يريد بهم العسر، فإذا كان المسن لا يستطيع الصيام، أو يشق عليه مشقة شديدة، فإنه لا يلزمه الصوم ولا يجب عليه بدلالة هذه الآيات الكريمات، وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي تشابهها. (انظر: الاستدلال بها في: الاستذكار ١٠/ ٢١٧، وكشاف القناع ٢/ ٣٠٩).\n٤ - ﴿.. فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.﴾ [البقرة: ١٨٤].\nاستدل العلماء بالآية الكريمة على عدم وجوب الصيام على المسن حسب تفسيرات مختلفة في معنى الآية، ولهم ثلاثة أوجه:\nالأول: أن المقصود بالآية الكريمة الذين لا يطيقون الصوم، أي لا يستطيعون الصوم فلهم الإفطار وعليهم فدية طعام مسكين على تقدير حرف «لا» وقد جاءت نظائر لمثل هذا التقدير في الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: ﴿... يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أي لئلا تضلوا، وكقوله تعالى:\n﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ...﴾ [الأنبياء: ٣١]، أي لئلا تميد بهم. (انظر: المبسوط ٣/ ١٠٠، وفتح القدير ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧).\nالثاني: أن الآية الكريمة على ظاهرها محكمة وليست بمنسوخة ولكنها خاصة بطائفة من الناس، فهي في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا [انظر: فتح الباري ٨/ ٢٨، ٢٩].\nقال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: \"ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا\" (خرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب «أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا ..» ص ٨٥٢ برقم ٤٥٠٥).\nالثالث: أن الآية الكريمة تدل على جواز الفطر لمن يستطيع الصوم مع المشقة؛ لأن الطاقة هي أن يقدر الإنسان على الشيء مع الشدة والمشقة، فمن كان يقدر على الصوم مع المشقة الشديدة يجوز له الفطر. (انظر: الاستذكار ١٠/ ٨، وتفسير روح المعاني للألوسي ٢/ ٥٩).\n(٩) أما الآثار:\nما رواه الحسن البصري وإبراهيم النخعي -رحمهما الله تعالى- أن أنس بن مالك – ﵁ - لما كبر أطعم عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر، عامًا أو عامين\". (أخرجه البخاري معلقًا في كتاب التفسير باب «أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر ...» قبل حديث رقم ٤٥٠٥ وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/ ٧٢ برقم ١٢٢١٧. قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «الخبر بذلك عن أنس صحيح متصل رواه حماد بن زيد، وحماد بن مسلمة، ومعمر بن راشد عن ثابت البناني» الاستذكار ١٠/ ٢١٢، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: «وروى عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكينًا كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام ابن ملاس عن مروان عن معاوية عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر». فتح الباري ٨/ ٢٨).\n٦ - ... ما ثبت من قول ابن عباس -﵄- في تفسير الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾.\nفقال: \"هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا\" ([البخاري، كتاب التفسير، باب \"أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... \" الآية، برقم ٤٥٠٥).\nوجه الاستدلال: أن أنسًا وابن عباس ﵃ يريان جواز الفطر للمسن (فتح الباري ٨/ ٢٩).\n(١٠) وقد نقل الإجماع على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة غير واحد من العلماء، ومنهم ابن عبد البر (الاستذكار ١٠/ ٢١٣)، وابن حزم (مراتب الإجماع ص /٤٠)، وابن رشد (بداية المجتهد ١/ ٣٥١)، وابن المنذر (الإجماع ص/٤٧).\n٨ - أن كبير السن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك لا سبيل له إلا الفطر لرفع الحرج والمشقة عنه (البحر الرائق ٢/ ٥٠١).","vol":"4","page":131},{"text":"وقد صرح العلماء في المذهبين الحنفي والشافعي على أن المسن الذي يشق عليه الصوم ومع ذلك صام فإن صومه صحيح ويجزئه، وهو قياس مذهب المالكية والحنابلة (١).\nقال السرخسي -رحمه الله تعالى-: \"وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة ... ولنا أن الصوم قد لزمه لشهود الشهر، حتى لو تحمل المشقة وصام كان مؤديًا للفرض\" (٢).\nوقال النووي -رحمه الله تعالى-: \"واتفقوا على أنه لو تكلف – أي المسن – الصوم فصام فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع\" (٣).\nوهو مقتضى مذهب المالكية وقياسه في مسألة صوم المريض الذي يشق عليه الصوم ويصوم.\nقال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: \"أن المريض الحامل على نفسه إذا صام فإن ذلك يجزئ عنه، فدل ذلك أنه رخصة له\" (٤).\nفهذا قولهم في المريض، ويقاس عليه المسن الذي يتحمل المشقة ويصوم بجامع وقوع المشقة والجهد وتحمل ذلك في الكل، وهو كذلك مفهوم مذهبهم في المسن الذي يشق عليه الصوم أن له أن يفطر.\nقال ابن رشد -رحمه الله تعالى-: \"وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا\" (٥).\n_________\n(١) انظر: المبسوط ٣/ ١٠٠، والعناية ٢/ ٣٥٦، والحاوي الكبير ٣/ ٣٣٢، والمجموع ٦/ ٢٥٨، والاستذكار ١٠/ ٨٣، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢/ ٦١٣.\n(٢) المبسوط ٣/ ١٠٠.\n(٣) المجموع ٦/ ٢٥٨.\n(٤) الاستذكار ١٠/ ٨٣.\n(٥) بداية المجتهد ١/ ٣٥١.","vol":"4","page":132},{"text":"فقولهم: «أن لهما أن يفطرا» يدل على أنهم لا يوجبون الإفطار عليهما، وبناء عليه فالصوم يكون جائزًا إذن.\nوهذا القول أيضًا قياس مذهب الحنابلة في المريض؛ إذ إنهم يرون أن المريض الذي يجوز له الفطر لو تكلف وصام فإن صومه يجزئه، ويسقط عنه الفرض مع الكراهية (١).\nقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: \"فإن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهًا، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله –تعالى- وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه\" (٢).\nوبناء على هذا، يمكن القول أنه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في صحة صيام المسن الذي يجوز له الفطر بسبب المشقة وإجزائه مع الكراهة عند الحنابلة خاصة.\nاستدل أهل العلم لقولهم بصحة صيام المسن الذي يجوز له الفطر بسبب المشقة، وأن ذلك يجزئه بما يأتي:\n١ - ... أن الصوم في هذه الحالة واجب على المسن، وجواز الفطر له إنما كان لرفع الحرج، فإذا تحمل وأتى بالواجب فقد أخذ بالعزيمة وترك الرخصة، فيجوز له ذلك ويجزئه (٣).\n٢ - ... أنه يجزئه الصوم ويصح منه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها (٤).\n٣ - ... أنه يجزئه الصوم ويصح منه كما تجزئ الصلاة قائمًا للمعذور الذي تجوز له الصلاة قاعدًا، ويتكلف ويصلي قائما (٥).\nوهذان الدليلان الأخيران ذكرهما ابن قدامة -رحمه الله تعالى- لجواز الصيام للمريض وإجزائه له مع تحمل المشقة، ويصح الاستدلال بهما هنا بجامع تحمل المشقة في كلا الحالين، ولكون ترك الجمعة، والقيام، والصيام رخصة في جميع هذه الحالات، والإتيان بها عزيمة. والله أعلم.\nوفي سؤال هل الصوم أفضل للمسن أم الفطر؟\nنقول بأن العلماء أجمعوا على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة، وعُرف أنه لا خلاف بينهم في صحة صيامه مع تحمل المشقة، وأن ذلك يجزئه، ولكن هل الصوم أفضل له أم الفطر؟\nلم أجد للعلماء في المذاهب الأربعة قولًا في هذه المسألة المتعلقة بالمسن خاصة -فيما اطلعت عليه- ولكنهم اختلفوا في الأفضلية بالنسبة للمريض والمسافر.\nوالمسن الذي يشق عليه الصيام يأخذ حكمهما بجامع المشقة والجهد؛ وعليه يمكن قياس مسألتنا على ما ذكروه فيهما، وقد اختلفوا في بيان الأفضلية بالنسبة للمسافر والمريض على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول (٦): أن الفطر أفضل، وإلى هذا ذهب الشافعية (٧)، وهو قول الحنابلة مع كراهية الصوم (٨).\n_________\n(١) انظر: المغني ٤/ ٤٠٤، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢/ ٦١٣.\n(٢) المغني: ٤/ ٤٠٤.\n(٣) انظر: المبسوط ٣/ ١٠٠، والعناية ٢/ ٣٥٦، والاستذكار ١٠/ ٨٣ والمغني ٤/ ٤٠٤.\n(٤) انظر: المغني ٤/ ٤٠٤.\n(٥) انظر: المغني ٤/ ٤٠٤، والكافي لابن قدامة ٢/ ٢٢٥.\n(٦) استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾ [البقرة الآية رقم ١٨٥].\nوجه الاستدلال: أن الفطر أيسر فكان أفضل (المغني ٤/ ٤٠٨، ومعونة أولى النهي ٣/ ٣٢).\n٢ - ... حديث ابن عمر -﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ١٠٨ برقم: ٥٨٦٦ من حديث ابن عمر ﵄، وابن خزيمة برقم ٢٠٢٧ ولفظه «كما يحب أن تترك معصيته»، وابن حبان برقم ٦/ ٤٥١ برقم: ٢٧٤٢ ولفظه «كما يحب أن تؤتى عزائمه» ٢/ ٦٩ برقم: ٣٥٤، وخرجه البيهقي في الكبرى: ٣/ ١٤٠ برقم: ٥١٩٩، والطبراني في الكبير: ١٠/ ٨٤ برقم ١٠٠٣٠، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن» ٢/ ١٦٢، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد برقم ٥٨٦٦ و٥٨٧٣).\nوجه الاستدلال: أن إتيان رخص الله تعالى مرغَّبٌ فيها، والفطر في حالة المرض من رخصه تعالى فكان أفضل. (انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢/ ٦١٣)\n٣ - أن الصوم مع المرض وتحمل المشقة فيه إضرار بالنفس، ولذا كان الفطر أفضل. (انظر: المغني ٤/ ٤٠٤، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢/ ٦١٣).\n٤ - أن في صيام المريض مع جواز الفطر له وتحمل المشقة، ترك لتخفيف الله –تعالى- ورخصته، فكان الفطر أفضل. (المغني ٤/ ٤٠٤، وشرح الزركشي على مختصر بالخرقي ٢/ ٦٢٣).\n(٧) انظر: الحاوي ٣/ ٣٠٤، والمجموع ٦/ ٢٦١.\n(٨) انظر: المغني ٤/ ٤٠٤، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢/ ٦١٣.","vol":"4","page":133},{"text":"القول الثاني (١): أن الصوم أفضل لهما، وإلى هذا ذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣).\n_________\n(١) استدل أصحاب القول الثاني القائلون بأفضلية الصوم بالأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية رقم ١٨٤].\nوجه الاستدلال: أن الله تعالى قال: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (فبين أن الصيام خير لمن يقدر عليه دون مشقة (انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٩٠، وفتح القدير لابن الهمام ٢/ ٣٥١).\nويمكن أن يناقش وجه الاستدلال: بأن الآية محمولة على أنها منسوخة، وأن هذا الحكم عام لمن يطيق الصيام؛ فهو مخير بين الصيام أو الفطر مع الفدية ثم نسخ الحكم، أو أنه محمول على عدم وجود المشقة المبيحة وهذا خارج النزاع إذ إن مسألتنا في المسن الذي شق عليه الصوم.\n٢ - ... ما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري – ﵁ - ... قال: كنا نغزو مع رسول الله – ﵁ - ... في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن» (أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية: ٤٣٣ برقم: ١١١٦).\nوجه الاستدلال: قال النووي -رحمه الله تعالى-: «وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم عن إطاقة بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة» (صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٢٥٠).\n٣ - حديث أنس – ﵁ - ... قال سئل رسول الله – ﷺ - ... عن الصوم في السفر فقال: «من أفطر فرخصة ومن صام فالصوم أفضل» (أخرجه المقدسي: الأحاديث المختارة: ٦/ ٢٩٠ – ٢٩١ برقم: ٢٣٠٧، وقال: «إسناده صحيح»، وكنز العمال ٨/ ٥٠٥، قال الألباني –رحمه الله تعالى-: «الصواب في هذا الحديث الوقف وأنه شاذ ضعيف مرفوعًا، سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم ٩٣٢).\nوجه الاستدلال: بأن الحديث دل على أن الأفضل الصيام لكونه عزيمة والفطر رخصة فالإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة. (انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٢٥٠، وإعلاء السنن ٩/ ١٤٨، والحاوي الكبير ٣/ ٣٠٥، وفتح القدير ٢/ ٣٥١).\nويمكن أن يناقش وجه الاستدلال: بأن الحديث ورد حال السفر، وأنه رُخِّصَ للمسافر الفطر والعلة في الفطر للمسافر هي: السفر وليست المشقة، ولذا استوى الأمران من حيث إباحة الفطر والصوم وترجح الصوم إما لكونه العزيمة أو لتحقق القوة وعدم الحاجة للفطر وهي المشقة، أما مسألتنا فهي الفطر للمسن لوجود المشقة فالعلة هي المشقة وقد وجد ذلك فكان الأفضل له الفطر لكونه الأيسر المباح له لما سبق من أدلة القول الأول كما أن المشقة إذا تحققت للمسافر فالفطر أفضل لما ثبت من أحاديث صحيحة نهى فيها النبي – ﷺ - ... عن الصيام في السفر كقوله – ﷺ - ... «ليس من البر الصوم في السفر» (أخرجه البخاري: كتاب: الصوم، باب: قول النبي - ﷺ - لمن ظل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر»: ٣٦٩ برقم: ١٩٤٦، ومسلم: كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر: ٤٣٢ برقم: ١١١٥)، ولكن كل هذا ورد في السفر وليس في المريض وكبير السن.\n٤ - ... أن المريض والمسافر إما أن يصوما في رمضان أو في غيره، ورمضان أفضل الوقتين فكان الصيام أفضل من الفطر (انظر: فتح القدير ٢/ ٣٥١، والبحر الرائق ٢/ ٤٩٤).\n٥ - أن الفطر بالنسبة للمريض والمسافر رخصة شرعت لرفع الحرج عنه، والصيام عزيمة والإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة فكان الصيام أفضل. (انظر: فتح القدير ٢/ ٣٥١، وبداية المجتهد ١/ ٣٤٥).\n٦ - أن في الصوم إبراء للذمة، وبالفطر تبقى الذمة مشغولة. (انظر: المجموع ٦/ ٢٦١).\nويمكن أن تناقش الأدلة العقلية بما يلي:\n١ - أما الدليل الأول فيسلم به حال العذر بالسفر أو المرض الموجب للقضاء عند الإقامة والشفاء أما مسألتنا فهي للمسن الذي سينتقل للبدل وهو الإطعام فلا قضاء عليه فهو في كل يوم يزداد مرضه وضعفه ولا يرجى شفاؤه في الغالب.\n٢ - أما الدليل الثاني فلا يسلم به بل الاتيان بالرخصة عند تحقق موجبها أفضل لكون الصيام مع المشقة يلحق ضررًا بالمسن الضعيف.\n٣ - أما الدليل الثالث فإن المسن إذا افطر لا تكون ذمته مشغولة إذا أطعم عن كل يوم مسكينًا.\n(٢) فتح القدير ٢/ ٣٥١، والبحر الرائق ٢/ ٤٩٤.\n(٣) المدونة الكبرى ١/ ٢٠١، والاستذكار ١٠/ ٧٩.","vol":"4","page":134},{"text":"القول الثالث (١): استواء الأمرين الفطر والصوم وإلى هذا ذهب بعض العلماء (٢).\nوهذا يقتضي أن يكون لهم في المسن هذه الأقوال الثلاثة بجامع أن الفطر في الحالات الثلاثة رخصة، وبجامع وجود المشقة فيهما كما سبق بيانه.\nولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول القائل بأن الفطر أفضل لأنه الأيسر للمسن حال تحقق المشقة نظرًا لقواعد الشريعة العامة ومقاصدها في التيسير ورفع الحرج وإذا كانت المشقة يتحملها المسن ولا تضره فالصيام في حقه أفضل لأدلة القول الثاني.\nوتجدر الإشارة بأن المفتي في مسألةٍ ما، تستدعي مزيد خبرة واختصاص، لا علاقة بها بالعلم الشرعي في الغالب، وإنما بالعلم التجريبي، أو الفني، أو المهني، ونحو ذلك، هو بمثابة القاضي في الأحكام، يلزمه الرجوع للخبراء، واستشارة أهل الفن والمعرفة.\nقال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فلا يخبر المرء بحقيقة الأمر، وبواطنه وغوامضه، مثل من هو عالم بدقائقه، بصير بتفاصيله، ومن كانت هذه حاله وجب الرجوع إليه في ذلك، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما هو مقرر في الأصول.\nقال الماوردي: \"يرجع الحاكم (٣) في التقويم (٤) إلى غيره؛ لأن لكل جنسٍ ونوعٍ: أهل خبرةٍ، وهم أعلم بقيمته من غيرهم\" (٥).\nوعقد ابن فرحون في تبصرة الحكام بابًا في القضاء بقول أهل المعرفة، وقال: \"ويجب الرجوع إلى قول أهل البصر والمعرفة\" (٦)، وتبعه على ذلك الطرابلسي الحنفي في معين الحكام (٧).\nومما يشهد لذلك في السنة؛ اعتبار قول القائف لخبرته وعلمه بهذا الفن.\nيقول ابن القيم معلقًا على الاستناد إلى القافة: \"والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة؛ لأن القول بها حكمٌ يستند إلى درْك أمورٍ خفية وظاهرة، توجب للنفس سكونًا؛ فوجب اعتباره، كنقد الناقد، وتقويم المقوّم\" (٨).\nفتبين مما تقدم أن المفتي في بعض المسائل، لا يستطيع أن يحرر فتوىً، أو يصدر حكمًا شرعيًا، بدون تصور المسألة، وإفادة أهل الاختصاص له في ذلك.\n_________\n(١) واستدل أصحاب القول الثالث القائلون باستواء الأمرين بما ثبت من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله – ﷺ - ... عن الصيام في السفر فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». (أخرجه البخاري: كتاب: الصوم، باب: الصوم في السفر والإفطار: ٣٦٩ برقم: ١٩٤٣، ومسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر ص ٤٣٤ ورقمه ١١٢١).\nوجه الاستدلال: أن رسول الله – ﷺ - ... خيره بين الأمرين فدل على استوائهما. (بداية المجتهد ١/ ٣٤٦).\nويمكن أن يناقش وجه الاستدلال بأن هذا التخيير إنما هو عند عدم وجود المشقة والعذر الظاهر المبيح للفطر أما إذا تحققت المشقة فالفطر أفضل.\n(٢) ذكره ابن رشد في بداية المجتهد ١/ ٣٤٥، ولم ينسبه إلى أحد.\n(٣) أي: القاضي، ومثله: المفتي.\n(٤) وغيره، مما يحتاج فيه إلى خبير وعالم به.\n(٥) الحاوي (١٦/ ٢٠١).\n(٦) انظر: تبصرة الاحكام: ٢/ ٧٢.\n(٧) انظر: معين الأحكام: ١٣٠.\n(٨) الطرق الحكمية (ص ٢١٩).","vol":"4","page":135},{"text":"ومن ذلك ما طرأ في الطب الحديث، من كثير من الأدوية والعقاقير، وما حصل أيضًا من تنوّع للأمراض وتجددها، وتفاوت أحوالها من حيث الخطورة والتوسط والاعتدال، مما لا يمكن معها إصدار وصفٍ منضبطٍ لها من غير الأطباء المتخصصين في هذه المجالات.\nوقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين، إلى أن الأمر في ذلك يعود لتقدير الطبيب ورأيه، في كثير من الحالات، مهما أصدرنا أحكامًا إجمالية، أو أُطرًا عامة (١)، وهذا حق، لا ينبغي أن يكون مجالًا للخلاف عليه، فالحكم على المريض بأن الصوم يضره، أو يؤثر فيه؛ يحتاج إلى طبيب عالج ذات المريض، وتابع حالته التي هو عليها، فتلك قضايا أعيان وأفراد.\nيقول أحد الباحثين الأطباء، بعد أن فصّل أحوال مريض السكري مع الصيام: \"وبصفة عامة، فإن السماح بالصيام أو عدمه، إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناوله، يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره (٢).\nوقال بعد أن تحدث عن حال الحامل والمرضع مع الصيام: \"لا يمكن إطلاق قول حاسم على كل الحوامل والمرضعات، بحيث نقول: إن هناك حامل أو مرضع تستطيع الصيام، وأخرى لا تقدر عليه\" (٣).\nوقال في خاتمة جزلة لبحثه: \"إن تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيسّر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص\" (٤).\nوكل ما تقدم يأكّد شأن الرجوع إلى الطبيب، واعتبار قوله، والاستناد إلى رأيه واجتهاده.\nإلا أن ذلك ليس حكمًا مطلقًا، بل لا بد من توافر شروط، إذا قامت في الطبيب، وجب الرجوع له، منها:\n١ - الصدق والأمانة.\n٢ - الحذق والمهارة.\n٣ - الإسلام (٥).\n٤ - الذكورة (٦).\n٥ - العدد (٧).\nومنشأ الخلاف في المسائل المتقدمة (٨): هل (الخبرة) من باب الشهادة أم الرواية؟ .\n- ... فمن ذهب إلى أنها من باب الشهادة اشترط لها الإسلام، والذكورية، والعدد اثنين، وقال بهذا بعض العلماء (٩).\n_________\n(١) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ١٨٥، ٢٧٥، ٢٨٠، ٢٨١، ٤١٣). وكان مفتي الديار السعودية، ورئيس قضاتها، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (ت ١٣٨٩ هـ)، ممن يرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء، بل وينقض أحكام من دونه من القضاة، مستندًا إلى رأي الأطباء. يراجع: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١١/ ٢٢٣ - ٢٢٥).\n(٢) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ٢٧٥) بحث د. حسان شمسي باشا، وكذلك كتابه: الدليل الطبي والفقهي للمريض في شهر الصيام (ص ٩٠).\n(٣) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ٢٨٠) السابق.\n(٤) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (٢/ ٢٨١) السابق.\n(٥) وقيل: لا يشترط أن يكون مسلمًا، فيجوز ولو كان كافرًا.\n(٦) وقيل: لا تشترط الذكورة، فتكفي الطبيبة.\n(٧) وقيل: لا يشترط العدد، فيكفي فيه الواحد.\n(٨) نظر تحريرٌ لهذه المسألة، في أول فرقٍ من كتاب الفروق للقرافي (١/ ٤ - ١٧)، حيث جعل الخبر ثلاثة أقسام:\n١ - رواية محضة؛ كالأحاديث النبوية.\n٢ - شهادة محضة؛ كإخبار الشهود عن الحقوق.\n٣ - مركب من الشهادة والرواية. وجعل تحت القسم الثالث عددًا من الصور، منها بعض الخبراء، وسبب الخلاف فيها هذا التركيب.\n(٩) ينظر: تبصرة الحكام (٢/ ٢١) وتبعه في معين الحكام (ص ١١٧)، المغني (١٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤). وتخففوا من هذه الشروط عند الضرورة.","vol":"4","page":136},{"text":"- ... ومن رأى أنها من باب الرواية، أجاز الاستفادة بخبرة الكافر، والمرأة، واكتفى بواحد. وهو اختيار آخرين، كابن القيم (١)، وبعض المالكية (٢)، وذهب إليه جمعٌ من العلماء المعاصرين (٣).\nوفيما يظهر أن الشرطين الأولين كافيان، وهما الصدق والأمانة، والحذق والمهارة، ولا يضير بعد ذلك كونه كافرًا، أو امرأة، أو واحدًا، وما من شك أن الطبيب المسلم أفضل، واتفاق طبيبين أبلغ من الواحد، وأبعد عن الغلط والوهم.\nولا يخفى ما في اشتراط هذه الشروط مجتمعة، من ضيق وعنت، لا يقوى عليه كثيرٌ من المفتين، فضلًا عن المرضى المحتاجين لمن يرشدهم، ويبين لهم الحكم اللائق بحالتهم المرضية، وكيف نطالبهم وهم على هذه الحال من الضعف، بطبيبين رجلين مسلمين، مع ما هو معلوم من انتشار مهنة الطب والتمريض بين النساء، وندرة توافر طبيبين يعاينان حالة واحدة من المرضى.\nفهذا النبي ﷺ استعان بخبيرٍ كافر، في ظرفٍ حالك، وأمرٍ عصيب، ولم يمنعه كفره، من الاستعانة به، والوثوق برأيه، وذلك عندما هاجر من مكة إلى المدينة.\nفقد أخرج البخاري من حديث عائشة ﵂: \"أن النبي ﷺ، ومعه أبو بكر، استأجر رجلًا هاديًا خرّيتًا، والخريت: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه؛ فدفعا إليه راحلتيهما، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل\" (٤).\nويظهر من الحديث، أهمية شرطي: (الصدق والأمانة، والحذق والمهارة).\nبقي أن يُضاف هنا، أن الطبيب يمكن له مع إنارة الطريق للمفتي؛ أن يرشد المريض بنفسه، إذا كان لديه من العلم الشرعي في مجال الصيام والرُّخص الشرعية، ما يؤهّله لذلك، فمن المتقرر عند المحققين من أهل العلم جواز تجزؤ الاجتهاد، ولا شك أن إسناد الحكم الشرعي إلى أهله أولى، مُكتفين من أهل الطب والتطبيب؛ تبصيرَ المفتين والفقهاء، بما يحتاجونه من دقائق المهنة الطبية وتفاصيلها، في الحالات المرضية التي تتطلب بيان حكم فقهي، أو فتوى شرعية.\nوإنما قصدت من هذه الإضافة؛ لفت انتباه الباحثين، وأنظار المجتهدين، إلى أن ثمة حالات قد تضيق على المريض المستفتي، ولا يجد أمامه من خيار سوى استفتاء الخبير، وهو الطبيب المختص، وهذا يجعل التبعة على الأطباء الفضلاء أكبر، في سعيهم إلى التفقه في شرع الله تعالى، ما يكفي تأهيلهم لذلك، مُستشعرين مكانتهم، وحاجة الناس لهم.\nثَانِيًا: السَّفَرُ:\nالسُّفْر جمع سافر، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون، بمعنىً. وسُمِّيَ المسافر مسافرًا؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسُمِّيَ السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظهِر ما كان خافيًا منها (٥).\n_________\n(١) الطرق الحكمية (ص ١٢٨).\n(٢) عقد ابن فرحون بابًا في القضاء بقول رجل بانفراده، وما يجري مجرى ذلك، وفرّع تحته جملة من الصور، منهم بعض الخبراء (كالطبيب، والمترجم، والخارص، والملاح ...). ينظر: تبصرة الحكام (١/ ٢٢٩ - ٢٣٥).\n(٣) كالشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع (٦/ ٣٢٩) والاستدلال الآتي بحديث البخاري منه، وهو ظاهر اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، واللجنة الدائمة للفتوى، وهيئة كبار العلماء في السعودية في قرارٍ لها، ونصت في أحد مضامينه، على الاستناد على خبر طبيب أمين حاذق، في إمكانية الصيام من عدمه. ينظر: فتاوى ابن باز (١٥/ ٢٩٦). ولم تذكر غيره من قيود.\n(٤) رقم (٢٢٦٣). وتبويب البخاري يدل على أن ذلك إنما جاز للضرورة، حيث بوّب فقال: (بابٌ: استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، وعامل النبي ﷺ يهود خيبر).\n(٥) لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل السين، ٤/ ٣٦٨.","vol":"4","page":137},{"text":"فظهر أن السفر: قطع المسافة، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر: هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصدًا مكانًا يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (١).\nوقيل: السفر لغة: قطع المسافة.\nوشرعًا: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل، ومشي الأقدام (٢). والمسافر: هو من قصد سيرًا وسطًا ثلاثة أيام ولياليها وفارق بيوت بلده (٣).\nوالسفر أنواع:\nأ- سفرٌ حرامٌ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله، أو حرمه رسوله - ﷺ -، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (٤).\nب- سفر واجب، مثل السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب.\nج- سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.\nد- سفر مباح، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.\nهـ- سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة، إلا في أمر لا بد منه (٥)؛ لقول النبي - ﷺ -: \"لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده\" (٦).\nفهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيحرم على كل مسلم أن يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمَّد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والسفر المستحب، والمباح، وله أن يأخذ برخص السفر من: الفطر في شهر رمضان، وقصر الصلاة، وغير ذلك من الرخص التي شرعها رسول الله - ﷺ - (٧).\nويشترط في السفر المرخص في الفطر ما يأتي:\nأ - أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ طَوِيلا مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ.\n_________\n(١) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد روَّاس، ص ٢١٩.\n(٢) التعريفات للجرجاني، ص ١٥٧.\n(٣) المرجع السابق، ص ٢٦٦.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩٢.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ١١٤ - ١١٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٦) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، برقم ٢٩٩٨ من حديث ابن عمر ﵄.\n(٧) اختلف العلماء ﵏ في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر، من: الفطر في رمضان، والقصر، والجمع، وصلاة النافلة على الراحلة، وصلاة المتنفل الماشي، والمسح على الخفين، والعمائم، والخمار ثلاثة أيام بلياليها، وترك الرواتب، وترك بعض الأعمال المستحبة التي يشغل عنها في السفر، على أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: رخص السفر تكون في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، أما السفر المحرم والمكروه، فلا تباح فيه هذه الرخص.\nالقول الثاني: لا يترخص برخص السفر إلا في الحج والعمرة، والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المحرم والمكروه والمباح فلا.\nالقول الثالث: لا يأخذ برخص السفر إلا في سفر الطاعة؛ لأن النبي - ﷺ - إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.\nالقول الرابع: ذهب الإمام أبو حنيفة، وشيخ الإسلام بن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر والفطر، وجميع رخص السفر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا دون سفر، وهذا القول هوالصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر\". [مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٠٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥ - ١١٧، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١١٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٤٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٠ - ٣٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩٣، والفتاوى له، ١٥/ ٢٦٠، ٢٧٤ - ٢٨١. قلت: لكن من قصد بسفره التحيل على الفطر، فالفطر عليه حرام، ولايجوز له ذلك؛ لأن الحيل لاتبيح المحرمات، ولا تبطل الواجبات، فيحرم السفر؛ لأنه وسيلة إلى الفطر، ويحرم الفطر لعدم العذر. [حاشية الروض المربع لابن قاسم، ٣/ ٣٧٥]. قال العلامة ابن عثيمين ﵀: \"لا يجوزللإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحًا \". [مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٩/ ١٣٣].","vol":"4","page":138},{"text":"ب - أَنْ لَا يَعْزِمَ الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ خِلَالَ سَفَرِهِ.\nج - أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ، بَلْ فِي غَرَضٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ: لِأَنَّ الْفِطْرَ رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفٌ، فَلَا يَسْتَحِقُّهَا عَاصٍ بِسَفَرِهِ، بِأَنْ كَانَ مَبْنَى سَفَرِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، كَمَا لَوْ سَافَرَ لِقَطْعِ طَرِيقٍ مَثَلًا.\nوللمسافر أن يفطر في رمضان وغيره، بدلالة الكتاب والسنة، الإجماع:\n- أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n- وأما السنة؛ فلقول النبي - ﷺ -: \"إن الله وضع عن المسافر الصوم \" (١)، وأحاديث كثيرة.\n- وأما الإجماع، فأجمع المسلون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة؛ وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر (٢).\nقال الإمام البخاري ﵀: \"باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمَّى النبي - ﷺ -، يومًا وليلةً سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخًا\" (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قوله: بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر ولا يسوغ له في أقلَّ منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة\" (٤)، وكأن البخاري ﵀ يشير إلى حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور عنده في الباب (٥)، وهو قول النبي - ﷺ -: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة\" (٦) (٧).\nوقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: \"لاتقصر إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٨)، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمّ\" (٩)، والمسافة من مكة إلى الطائف ثمانية وثمانون كيلو، ومن مكة إلى جدة تسعة وسبعون كيلو، ومن مكة إلى عسفان ثمانية وأربعون ميلًا. وهذه المسافة عليها الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي والإمام مالك رحمهم الله تعالى (١٠).\nيقول ابن باز: \"الأولى في هذا أن ما يعدُّ سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصرٍ، وجمعٍ، وفطرٍ، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا، وما لا فلا، ولكن إذ عمل المسلم بقول الجمهور، وهو أن ما يعدُّ سفرًا: هو يومين قاصدين ... فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ... لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند\n_________\n(١) الترمذي، برقم ٧١٥، وأبو داود، برقم ٢٤٠٨، وابن ماجه، برقم ١٦٦٧، والنسائي، برقم ٢٢٧٣، ويأتي تخريجه.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٤٥.\n(٣) البخاري، كتاب القصر، باب في كم يقصر الصلاة؟ قبل الحديث رقم ١٠٨٦، قال الحافظ ابن حجر، عن أثر ابن عمر وابن عباس هذا: \"وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك\". [فتح الباري،\n٢/ ٥٦٦]. وقال الألباني ﵀ عن أثر ابن عباس وابن عمر ﵄: \"صحيح ... وصله البيهقي في سننه، ٣/ ١٢٧: أن ابن عمر وابن عباس كان يصليان ركعتين ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك، وإسناده صحيح\". [إرواء الغليل، ٣/ ١٧].\n(٤) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٥) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٦، ويأتي تخريج الحديث.\n(٦) ليس معها حرمة: أي محرم. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٨.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب القصر، باب: في كم يقصر الصلاة؛ برقم ١٠٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب سفرالمرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٣٨.\n(٨) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. [معجم البلدان، ٤/ ١٢١].\n(٩) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٣٧، وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، ٢/ ٤٤٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤: \"وإسناده صحيح\".\n(١٠) انظر: الخرشي على خليل، ٢/ ٥٦، والمجموع للنووي، ٤/ ٣٢٢، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٣٧.","vol":"4","page":139},{"text":"وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل، حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان: هي سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريبًا\" (١). وقال ﵀ أيضًا: \"وقال بعض أهل العلم: إنه يحدد بالعرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العرف يُسَمَّى سفرًا، وما لا فلا، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم، وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت (٢)، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم (٣)، فينبغي الالتزام بذلك \" (٤)، والله أعلم (٥).\nوأما المسافة الني تناط بها الرخصة، فيقدر البريد بأربعة فراسخ، والفرسخ يقدر بثلاثة أميال. وعلى ذلك فتكون المسافة مقدرة بثمانية وأربعون ميلًا، و(الميل) - وهو فارسي معرب- فقد اختلف في تقديره اختلافا كبيرا وفيما يلي إشارة إلى أهم أقوال العلماء في بيانه وما شهر أو صحح منها وبيان المراد منه بالمتر المعروف الآن:\nالقول الأول: الميل: هو منتهى مدّ البصر من الأرض؛ لأن البصر يميل عن وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم الجوهري.\nالثاني: أن ينظر إلى شخص بعيد يقف على أرض مستوية فلا يدرى أرجل هو أو امرأة.\nالثالث: ما قاله النووي: أنه ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وشهر هذا القول الحافظ ابن حجر ثم قال: قد حرر بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجد ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا: يكون الميل -بذراع الحديد في القول المشهور-خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا.\nالرابع: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان.\nالخامس: هو أربعة آلاف ذراع.\nالسادس: ثلاثة آلف وخمسمائة ذراع، قاله الخرشي، وصححه بعض العلماء.\nالسابع: ثلاثة آلاف ذراع.\nالثامن: ألفا ذراع.\n_________\n(١) عن د. سعيد، قال: سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧.\n(٢) المسافة: جاء تحديد المسافة من فعل ابن عمر وابن عباس - ﵃ - كما تقدم بأربعة برد: جمع بريد، والبريد مسيرة نصف يوم، وسُمِّيَ بريدًا؛ لأنهم كان فيما مضى إذا أرادوا المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، فيرتبون بين كل نصف يوم مستقرًا ومستراحًا يكون فيه خيل إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس؛ لتستريح وركب فرسًا آخر إلى مسيرة نصف يوم، فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحًا آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان عليها ثم يركب آخر وهكذا، لأن هذا أسرع، وفي الرجوع بالعكس، فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم، فتكون الأربعة البرد مسيرة يومين، وقَدَّرُوا البريد بالمسافة الأرضية بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدَّروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، والميل كيلو وستين في المائة أي ١٦٠٠ م، فأربعة برد= ١٦٠٠×٤٨ ميلًا = ٧٦،٨ كيلو. وقد ثبت أن ابن عباس ﵄ كما تقدم أنه قال: \"لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان، والطائف، وجدة\"، والمسافة بين مكة والطائف ٨٨ كيلو، وبين مكة وجدة ٧٩. فإذا قصد المسافر هذه المسافة فله أن يأخذ برخص السفر عند الجمهور.\nوأما في الزمن فقيل: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإبل المحملة، \"قاصدان\" يعني معتدلان، بمعنى أن الإنسان لا يسير منها ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثيرا النزول والإقامة، فهما يومان قاصدان. [الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٦٧].\n(٣) أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فاختار: أنه لا حد للسفر بالمسافة بل كل ما يُعدُّ سفرًا في العرف، ويتزود له الإنسان ويبرز للصحراء؛ لأنه يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد، فهو سفر، ورجح هذا جمع من أهل العلم، منهم العلامة ابن عثيمين، واختاره ابن قدامة في المغني، وقال شيخنا ابن باز: \"الأولى في هذا أن ما يُعدُّ سفرًا تلحقه أحكام السفر ... \"، ولكنه يرجح قول الجمهور احتياطًا للعبادة. [انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١١ – ١٣٥، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٥/ ٢٥٢ - ٤٥١، والاختيارات للسعدي، ص ٦٥، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٥٦٧].\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٥٦٧، وانظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٢٠٣.\n(٥) وقد نقلت كلام أهل العلم في هذه المسألة في كتاب صلاة المؤمن، ١/ ٦٧٤ - ٦٨٣ في المتن والحواشي، فليراجعه من شاء.","vol":"4","page":140},{"text":"التاسع: خمسمائة ذراع وصححه ابن عبد البر (١).\nوإذا ما رجعنا إلى الأقوال المشهورة أو المصححة وهى الأقوال المنسوبة إلى النووي والخرشي وابن عبد البر، فإننا نجد أن أصح هذه الأقوال -من حيث مطابقته للواقع-: هو قول الخرشي. ونبين ذلك فيما يلي:\nأ- طول المسافة على ما قاله النووي -إذا عرفنا أن الذراعين يقدران بمتر واحد، وأنّ كل ألف متر تقدر بكيلو متر واحد- هو ١٢٧ كم (سبعة وعشرون ومائة كيلو مترًا).\nب- وعلى ما قاله الخرشي فإن طول المسافة هو ٨٤ كم (أربعة وثمانون كيلو مترًا).\nجـ- وعلى ما صححه ابن عبد البر يكون طول المسافة هو (١٢) كم (اثنا عشر كيلو مترًا).\nوإذا ما راجعنا هذه الأطوال على العلامات المادية التي ضبطت عليها المسافة التي أنيطت بها الرخصة، وهى من مكة إلى جدة، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى عسفان، فإننا نجد أن المسافة مقدرة الآن بين مكة وجدة بـ ٧٥ كيلو مترًا (خمسة وسبعون) كيلومترًا، وبين مكة وعسفان بحوالي ٨٠ كم (ثمانون) كيلومترًا، وبين مكة والطائف من ٨٠ إلى ٨٥ كم (من ثمانين إلى خمسة وثمانين) كيلومترًا.\nوإذا لاحظنا الاتساع العظيم لمكة وجدة، مما جعل العمران يزحف إلى الطريق الموصل بينهما فيقتطع منها حوالي ١٠ كم عشرة كيلومترات؛ أي خمسة من كل ناحية، إذا عرفنا ذلك: وجدنا أن أمثل الأقوال هنا في تحديد مقدار الميل: هو قول الخرشي.\nوبناء على هذا فإنه يمكننا القول: بأن المسافة التي تناط بها رخصة الفطر والقصر هي ٨٤ كم (أربعة وثمانون) كيلو مترا أو ما يقاربها. والله أعلم.\nثالثا: - الحائض والنفساء:\nإذا حاضت المرأة أو نفست: أفطرت، فإن صامت لم يجزئها، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء، لايحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة ﵂: \"كنا نحيض على عهد رسول الله - ﷺ - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة\" (٢)، والأمر إنما هو للنبي - ﷺ -، وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم\" (٣)، والحائض والنفساء سواءٌ؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وحكمه حكمه، ومتى وُجدَ الحيض أو النفاس في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله بعد طلوع الفجر أو في آخره، قبل غروب الشمس، ولو صامت الحائض أو النفساء مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها (٤).\nوإذا طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان لم يصحَّ صومها بقيةَ اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وعليها الإمساك بقية اليوم في أصح قولي العلماء؛ لزوال العذر الشرعي الذي أبيح لها الفطر من أجله\" (٥)، وإذا طهرت الحائض أو النفساء في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب\n_________\n(١) انظر هذه الأقول وغيرها في نيل الأوطار جـ ٣ ص ٢٣٣ مطبعة مصطفى الحلبي الطبعة الأخيرة. والمجموع جـ ٤ ص ١٩٠ وحاشية الرهوني على الزرقاني جـ ٢ ص ١٢٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، برقم ٣٢١، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، برقم ٣٣٥.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم ٣٠٤ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم ١٣٢ - (٨٠)، ورواه مسلم أيضًا عن ابن عمر ﵄، برقم ٧٩.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٩٧.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، في إمساك الحائض إذا طهرت، أثناء النهار على قولين:\nالقول الأول: يلزمها الإمساك بقية اليوم؛ لزوال العذر الشرعي، وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀، وعليه أكثر أصحابه، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وقال به الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح؛ لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك. قال شيخنا ابن باز ﵀: \"عليها الإمساك في أصح قولي العلماء، بزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم، كما لو ثبت رؤية رمضان نهارًا؛ فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده؛ فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء؛ لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم والله ولي التوفيق\". [مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ١٩٣]. قال ابن مفلح ﵀: \"وإذا طهرت حائض أو نفساء، أو قدم مسافر، أو أقام مفطر، أو برئ مريض مفطرًا لزمهم الإمساك على الأصح\". [كتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٤٣١]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم مثل: الحائض تطهر، والمسافر يقدم، والمريض يصح؛ فإن القضاء يجب عليهم رواية واحدة؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضًا\". [شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥٧ – ٥٩]. [وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ١٠/ ٢١٠، وفتاوى رمضان لأشرف عبد المقصود، نقلًا عن اللجنة الدائمة، الفتوى رقم ١٩٥٤، ١/ ٣٢٤]، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٣٦١ - ٣٦٣].\nالقول الثاني: لا يلزمها الإمساك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب مالك والشافعي، وذكر عن ابن مسعود - ﵁ -، وهذا القول الذي يرجحه ابن عثيمين ﵀ في مؤلفاته، كالشرح الممتع، ومجموع الفتاوى. والصواب القول الأول. والله تعالى أعلم. [انظر: المقنع والشرح الكبير، ٧/ ٣٦١، ٣٦٣، والشرح الممتع،\n٦/ ٣٤٤، ومجالس رمضان، لابن عثيمين، ص ٩٢ - ٩٣].","vol":"4","page":141},{"text":"عليها الصوم؛ لأنها أصبحت من أهل الصيام، وليس فيها ما يمنعه، ويصح صومها حينئذٍ ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لقول عائشة وأم سلمة ﵄: كان رسول الله - ﷺ - يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم\" (١) (٢).\nرابعا: - الشيخوخة والهرم\nويقصد به كبير السن الذي لا يستطيع الصيام، أو يشقُّ عليه الصيام مشقةً ظاهرةً يجوز له أن يفطر، ويجب عليه أن يُطعِم مسكينًا عن كل يوم من رمضان، وإذا وصل الكبير إلى درجة الخرَف فلم يَعُد يَعقل شيئًا، فإنه يزول عنه التكليف، ولا يلزمه شيء، فلا يُصام عنه، ولا يُطعَم عنه. والله أعلم.\nخامسا: - الحامل والمرضع\nوذلك لحديث أنس بن مالك الكعبي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله - ﷿ - وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام\" (٣).\nقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: \"وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولد هما تفطران ثم تقضيان\" (٤).\nوالحامل والمرضع لهما ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: إذا خافتا على أنفسهما فقط، فحكمهما كالمريض: مع عدم المشقة مطلقًا: أي لا يشق عليها الصيام فيحرم عليها الإفطار، ويجب الصوم، ومع المشقة التي تتحملها يكره الصيام، ومع المشقة التي لا تتحملها أو تضرها يحرم عليها الصيام. وعليها أن تقضي عدد الأيام التي أفطرتها فقط بلا خلاف في هذه الحال.\nالحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما الضرر، فتفطران؛ لإنقاذ معصومٍ، وتقضيان الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح بدون إطعام.\nالحالة الثالثة: إذا خافتا على أنفسهما وولديهما أفطرتا، وتقضيان عدد الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: \"والصواب أنهما إذا خافتا على ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا بدون إطعام\" (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا، برقم ١٩٢٥، ١٩٢٦، ومسلم، كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، برقم ١١٠٩.\n(٢) وانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٩٣.\n(٣) أحمد في المسند بلفظه، ٣١/ ٣٩٢، برقم ١٩٠٢٧، ورقم ٢٠٣٢٦، وابن ماجه بلفظه أيضًا، برقم ١٦٦٧، والنسائي، برقم ٢٢٧٤، وأبو داود، برقم ٢٤٠٨، وصححه الألباني، في صحيح السنن في المواضع السابقة، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٦٤، وصحح سنن الترمذي، ١/ ٣٨٢، وصحيح النسائي، ٢/ ١٣٥، وصحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧١.\n(٤) البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قبل الحديث رقم ٤٥٠٥، وأثر الحسن البصري وصله عبد بن حميد من طريقين عنه، وأثر إبراهيم النخعي، وصله عبد بن حميد أيضًا من طريق أبي معشر عنه. [فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٧٩ – ١٨٠].\n(٥) سمعته أثناء تقريره على سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي، الحديث رقم ٧١١.","vol":"4","page":142},{"text":"والراجح أنه لايجب الإطعام مع الصيام، لأن حكم الحامل والمرضع كالمريض في جميع الأحوال على الصحيح من أقوال أهل العلم، والله أعلم (١).\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم الحامل والمرضع على أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: إن حكمهما حكم المريض في جميع الأحوال، سواء كان خوفهما على أنفسهما أو على ولديهما، أو على أنفسهما وولديهما، فعليهما الإفطار عند الخوف، وتقضيان بدون إطعام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فالحامل والمرضع كالمريض تمامًا؛ ولحديث أنس بن مالك الكعبي - ﵁ - \"إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم\" [أحمد، ٣١/ ٣٩٢، وأهل السنن، وتقدم تخريجه]، فدل على أنهما كالمسافر في الصوم تفطران عند الخوف على أنفسهما أو ولديهما، وتقضيان الصيام بدون إطعام كما يقضي المسافر، وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري، وعطاء، والزهري، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه؛ لحديث أنس الكعبي المذكور آنفًا؛ لأنه لم يأمر فيه النبي - ﷺ - بكفارة؛ ولأنه فطر أبيح لعذر فلم يجب به كفارة، كالمريض، وممن قال بهذا المباركفوري، ونقله عن العلامة الشاه ولي الله، قال: \"والظاهر عندي أنهما في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط، والله تعالى أعلم\". قال شيخنا ابن باز ﵀ تعليقًا على تحفة الأحوذي: \"وهذا هو الصواب\"، وهو الذي يقرره ﵀ كما سمعته في تقريراته على أحاديث المنتقى، الحديث رقم ٢١١٥، ورقم ٢١١٦، وعلى صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٥٠٥، وعلى سنن الترمذي بشرح المباركفوري \"تحفة الأحوذي\"، الحديث رقم ٧١١. وفي مجموع الفتاوى له، ١٥/ ٢٢٣ – ٢٢٨، ورجحه العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٦/ ٣٦٢، بقوله: \"وهذا القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض والمسافر، يلزمهما القضاء فقط دون الإطعام\". وقال ابن عثيمين أيضًا في مجموع الفتاوى، ١٩/ ١٦٠: \"وأنا أميل إلى القول إنه ليس عليهما إلا القضاء ولا إطعام ... \". وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٢١٩ - ٢٢٦: \"إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من الصوم أفطرت وعليها القضاء فقط، ... وكذلك المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان، أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه، أفطرت وعليها القضاء فقط، شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم، أو يخشى على نفسه مضرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة، الآية: ١٨٥].\nالقول الثاني: التفصيل في الحامل والمرضع، فإن خافتا على أنفسهما الضرر إذا صامتا فلهما الفطر، وعليهما القضاء لا غير، وهذا لا خلاف فيه. لأنهما بمنزلة المريض الذي يخاف على نفسه الضرر.\nوإن خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما أفطرتا وقضتا، كالحالة الأولى.\nوإن خافتا على ولديهما الضرر، أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، وبالإطعام مع القضاء في هذه الحالة، قال به مجاهد، والإمام أحمد، والشافعي، وذكر رواية عن الإمام مالك. وأما الرواية الأخرى عن الإمام مالك ففرّق فيها بين الحامل والمرضع، فقال: الحبلى تقضي ولا تكفّر لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقضي وتكفّر؛ لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل؛ ولأن الحمل متصل بالحامل، والخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها، وبه قال الليث.\nواستدل من أوجب الكفارة مع القضاء على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما ولم تخافا على نفسيهما، بما رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٤]، قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا [قال أبو داود: يعني على أولادهما: أفطرتا وأطعمتا]. [أبو داود، برقم ٢٣١٨، ولكن ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص ١٨١، فقال: \"شاذ\" وروي ذلك عن ابن عمر، ولكن الذي يظهر أن ابن عباس وابن عمر ﵄ يقولان بالإطعام دون قضاء كما سيأتي. [انظر: شرح العمدة لابن تيمية،\n١/ ٢٤٥ –٢٤٩].\nالقول الثالث: الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما أو على أنفسهما، تطعمان ولا تقضيان، وبه قال ابن عمر وابن عباس ﵄، قال عبد الله بن عمر ﵄ عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها: \"تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مُدًّا من حنطة\". [رواه الشافعي في مسنده،\n١/ ٢٧٨، والبيهقي، ٢/ ٢٣٠، وعبد الرزاق في مصنفه، ٤/ ٢١٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ١٩ –٢٠. وعن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس: \"الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي\". وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٠.، وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، ص ٦٥، والطبري في تفسيره، ٣/ ٤٢٧، عن ابن عباس بلفظ: \"إذا خافت الحامل والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينًا ولا يقضيان صومًا\".وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: أثبتت للحبلى والمرضع\".أبوداود، برقم ٢٣١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٨].\nولكن هذا القول ضعفه كثير من أهل العلم، حتى وإن صح عن ابن عباس، وابن عمر ﵄؛ لقول النبي - ﷺ -: \"إن الله - ﷿ - وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام\". [رواه أحمد وأهل السنن كما تقدم]، فدل هذا الحديث الصحيح على أن الحامل والمرضع كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان، وقال شيخنا ابن باز بأن القول بالإطعام للحامل والمرضع بدون قضاء: \"قول ضعيف مرجوح\"، وقال أيضًا: \"الصواب في هذا أن على الحامل والمرضع القضاء، وما يُروى عن ابن عباس وابن عمر أن على الحامل والمرضع الإطعام [فقط بدون قضاء] هو قول مرجوح مخالف للأدلة الشرعية، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والحامل والمرضع تلحقان بالمريض، وليستا في حكم الشيخ الكبير العاجز، بل هما في حكم المريض، فتقضيان إذا استطاعتا ذلك، ولو تأخر القضاء، وإذا تأخر القضاء مع العذر الشرعي فلا إطعام بل قضاء فقط، أما إذا تساهلت الحامل أو المرضع ولم تقضِ مع القدرة، فعليها مع القضاء الإطعام إذا جاءها رمضان الآخر ولم تقضِ تساهلًا وتكاسلًا ... \". [مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٢٤، ٢٢٥، و٢٢٧].\n[وانظر: في الحامل والمرضع وأحكامهما المراجع الآتية:\nالمغني لابن قدامة، ٤/ ٣٩٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٣٨١، والفروع لابن مفلح، ٤/ ٤٤٦، والروض المربع بتحقيق الطيار ومجموعة من العلماء، ٤/ ٢٩٢، ونيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٧٠، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٢٤٤ - ٢٥٣، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ٧/ ٤٦، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٣/ ٤٠١ - ٤٠٤، وفتح الباري، لابن حجر ٨/ ١٧٩، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٢١٧ - ٢٣٨، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٢٣ - ٢٢٨، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٩/ ١٥٧ - ١٦٦، ومجالس شهر رمضان له، ص ١٩٣، والشرح الممتع، له ٦/ ٣٥٧ - ٣٦٤، وزاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٣٠ - ٣١].","vol":"4","page":143},{"text":"سادسا: -الإكراه\nويقصد به المكره على الفطر إكراهًا ملجئًا، بحيث ألزمه غيره: أن يتناول شيئًا من مفسدات الصوم، فأفطر بذلك دفعًا للضرر أو الهلاك عن نفسه، أو يعتدي عليه عدوٌّ ويهدده بالقتل إن لم يفطر، أو يتوعّده بقطع عضو منه، أو بإلحاق الضرر بولده أو ماله، فيفطر ولا شيء عليه، ولكن بشرط أن يكون المُكْرِه قادرًا على إنزال الهلاك به؛ لقول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النحل: ١٠٦]، فقد رفع الله الحكم عمَّن كفر مكرهًا وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا رفع الله حكم الكفر عمَّن أكره عليه فما دونه أولى؛ ولقول النبي - ﷺ - من حديث أبي ذر - ﵁ -: \"إن الله تجاوزلي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" (١)، وعن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (٢)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تجاوز لأمتي عما توسس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلّم به، وما استكرهوا عليه\" (٣) من الإكراه أن يُكره الرجل الفاسق زوجته إكراهًا ملجئًا، على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة، فصيامها صحيح، ولا قضاء عليها ولا كفارة [على الصحيح من قولي العلماء] (٤)، ولا يحل له إكراهها، ويأثم عند الله تعالى إثمًا عظيمًا يهلك به نفسه. ويُلحق بالإكراه: الصائم إذا طار إلى جوفه غبار بغير اختياره، أو دخل في بطنه شيء بغير اختياره، كأن يتمضمض أو يستنشق فينزل إلى جوفه شيء من الماء بغير اختياره، فصيامه صحيح ولا قضاء عليه (٥) فالمكره مضطر لدفع الضرر أو الهلاك عن نفسه، فجاز له الإفطار، والله تعالى أعلم.\nسابعا: - الفطر لدفع ضرورة:\nمن احتاج للفطر؛ لدفع ضرورة غيره، كإنقاذ معصومٍ: من غرقٍ، أو حريقٍ، أو هدمٍ، أو نوعٍ من أنواع الهلاك، فإذا لم يستطع إنقاذ المعصوم إلا بالإفطار أفطر، وأنقذه؛ لأنَّ إنقاذ المعصوم من الهلكة\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٣، والبيهقي في السنن،\n٧/ ٣٥٦، والحاكم، ٢/ ١٩٨، وصححه، وابن حبان، برقم ٧١٧٥، وحسنه النووي في الأربعين، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٧٨.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، برقم، ٢٠٤٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٧٨، وفي الإرواء، برقم ٨٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، برقم ٢٠٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٨٧، وفي الإروار، برقم ٨٢.\n(٤) اختلف العلماء في إكراه المرأة على الجماع، هل عليها القضاء لليوم الذي حصل الإكراه على الجماع فيه أو لا؛ فقال بعضهم: عليها القضاء دون الكفارة، وقال بعضهم: لا قضاء عليها ولا كفارة، وظاهر الأدلة أنها ليس عليها قضاء ولا كفارة، والله أعلم. [انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٨، وفتاوى ابن باز، ١٥/ ٣٠٧، ومجالس رمضان لابن عثيمين، ص ١٧٣، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٣٠١ - ٣٢٦].\n(٥) مجالس رمضان لابن عثيمين، ص ١٧٣.","vol":"4","page":144},{"text":"واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره، وليس عليه إطعام على الصحيح من قولي العلماء إنما عليه قضاء لذلك اليوم الذي أفطره لإنقاذ المعصوم، ويدخل في ذلك إنقاذ المعصوم بالتبرع بالدم إذا خشي عليه الهلاك إلا بالتبرع، والله تعالى أعلم (١).\nثامنا: -إرهاق الجوع والعطش:\nمن غلبه الجوع أو العطش الشديد الذي يخاف معه الهلاك على نفسه (٢)، أو نقصان العقل، أو ذهاب البصر أو السمع أو بعض الحواس الأخرى، فيجوز أن يفطر بما يسدّ رمقه، ثم يُكمل صيامه ويقضي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٥)، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)؛ وقضى رسول الله - ﷺ - أن: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٧)، وهذا بمنزلة من فقد الطعام والشراب، ثم وجد الميتة، فله أن يأكل منها ما يسد رمقه ثم يُمسك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٨)؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٩) وغير ذلك من الأدلة (١٠).\nتاسعا: - الفطر بسبب الجهاد:\nمن احتاج إلى الفطر للتقوي به على الجهاد في سبيل الله تعالى في قتاله العدُوَّ فإنه يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، سواء كان الجهاد في السفر، أو في بلده إذا حضره العدو ولم يستطع الجهاد إلا بالتقوّي عليه بالإفطار؛ لأن في ذلك دفاعًا عن المسلمين، وإعلاءً لكلمة الله - ﷿ -؛ ولقول النبي - ﷺ - في غزوة فتح مكة: \"إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم\" قال أبو سعيد - ﵁ - \"فكانت رخصةً، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: إنكم مصبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا\" وكانت عزمة فأفطرنا (١١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: \"فلو اتفق مثل هذا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوِّهم، فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحُّهما دليلًا، أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية، لما لقوا العدو بظاهر دمشق (١٢)، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر في السفر تنبيه على إباحته في هذه الحالة؛ فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختصّ بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛ ولأنّ مشقّة الجهاد أعظم من مشقة السفر؛ ولأنّ المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم\n_________\n(١) انظر: الإنصاف للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٧/ ٣٨٥، المسألة السادسة، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٤٤٨، وتصحيح الفروع للمرداوي المطبوع مع كتاب الفروع، ٤/ ٤٤٨ - ٤٥٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٣٦٢، ومن قال يلزمه الإطعام مع القضاء، استدل بالقياس على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، ومن قال: لا يلزمه إلا القضاء فقط استدل بأن النص ورد في الحبلى والمرضع دون غيرهما. وقد تقدم أن الصواب أن الحبلى والمرضع لايلزمهما إلا القضاء فقط. [انظر: الشرح الممتع، ٦/ ٣٦٢ - ٣٦٤].\n(٢) قيد ذلك شيخنا ابن باز بشرط عدم التساهل. [انظر: مجموع الفتاوى، له، ١٥/ ٢٥٥].\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٢٩.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٧) ابن ماجه، برقم ٢٣٤٠، وأحمد، ١/ ٣١٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،\n٢/ ٢٥٨، وتقدم تخريجه.\n(٨) سورة المائدة، الآية: ٣\n(٩) سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.\n(١٠) انظر: الصيام، للدكتور عبد الله الطيار، ص ٩٥.\n(١١) مسلم، برقم ١١٢٠، وتقدم تخريجه.\n(١٢) كان ذلك في سنة ٧٠٢ هـ، وفي هذه الوقعة قتل من التتار أمة عظيمة.","vol":"4","page":145},{"text":"من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأنّ الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (١)، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة ... وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى من مجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبَّه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها ... \" (٢)، والله تعالى أعلم، وأحكم (٣).\nفهذه أنواع تسعة لمن يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، وقد جمعها بعضهم بقوله (٤):\nوعوارض الصوم التي قد يُغتفر للمرء فيها تسع تستطر\nحَبَلٌ، وإرضاعٌ، وإكراهٌ، سَفَر ... مرضٌ، جهاد، جوعة، عطش، كِبَر\nوأما مقدار الفدية، فعند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضًا عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر (٥).\nأما الفدية عند أكثر الفقهاء، فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد، وسواء كان التأخير لعام أو لعامين، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم، إذا كان قد مضى عليه رمضانان، وصححه المتأخرون منهم (٦).\nواختلف في من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، وذكروا وجوها:\nأحدها: أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد، وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه، إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله (٧).\nأما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة، وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان (٨).\nوالثاني: أن من فرط في قضاء الصيام، فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه.\nوقد قال بذلك: طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية (٩).\nالثالث: أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان، وهذا رأي أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس (١٠).\nالقرآن\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(٢) زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٥٢ - ٥٤.\n(٣) انظر مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، ٩٤ - ٩٥.\n(٤) انظر: تحقيق الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٥/ ٢٦٨، والناقل لهذين البيتين، المحقق للكتاب عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح، حاشية واحد من ٥/ ٢٦٨، وتذكير الأنام بدروس الصيام، لسعد الحجري، ص ٢٠٨.\n(٥) فتح القدير ج ٢ ص ٣٥٧.\n(٦) المجموع ج ٦ ص ٣٤٢.\n(٧) فتح القدير للكمال ج ٢ ص ٣٥٨.\n(٨) المجموع ج ٦ ص ٣٤٣، والزرقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٦، والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٤.\n(٩) انظر: المغني ج ٣ ص ١٥٢، المجموع ج ٦ ص ٣٤٣، السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٥، المصنف ج ٤ ص ٢٣٩.\n(١٠) المغني ج ٣ ص ١٥٢، والمجموع ج ٦ ص ٣٤٣، والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٥.","vol":"4","page":146},{"text":"﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]\nالتفسير:\nشهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق، فيه أوضح الدلائل على هدى الله، وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره. ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة، ولتكملوا عدة الصيام شهرًا، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير.\nقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ \" أي هذه الأيام هى شهر رمضان الذي بدئ فيه بإنزال القرآن\" (١).\nقال الصابوني: \" أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن\" (٢).\nو(الشهر): \"هو مدة ما بين الهلالين؛ وسمي بذلك لاشتهاره؛ قال الطبري: \" أصله من (الشهرة)، يقال منه: (قد شَهر فلانٌ سَيْفه)، إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهرُه شهرًا، وكذلك (شَهر الشهر)، إذا طلع هلاله، (وأشهرْنا نحن)، إذا دخلنا في الشهر\" (٣).\nقال الواحدي: \" الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم\" (٤).\nقال الليث: \"والشهر: ظهور الشيء، وسمي (٢) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به\" (٥).\nوقال الزجاج: \"إنما سمي الشهر شهرا لشهرته وبيانه\" (٦).\nوقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة (٧):\nيرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ\nوقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ\" (٨).\nقال الفراء: \"ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا\" (٩).\nوقد اختلف العلماء في الهلال (١٠):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٤.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٥٦٩.\n(٥) اللسان: ٤/ ٢٣٥١ (شهر).\n(٦) معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٩، وانظر: اللسان: ٤/ ٢٣٥١ (شهر).\n(٧) البيت في \"ديوانه\" ص ٥٦١، وورد في \"البحر المحيط\": نحيل.\n(٨) التفسير البسيط: ٣/ ٥٧٠، وانظر: في معاني الشهر: \"تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٤، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٦٧، والمفردات: ٢٧٣، واللسان: ٤/ ٢٣٥١ (شهر).\n(٩) التفسير البسيط: ٣/ ٥٧٠، وانظر: في معاني الشهر: \"تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٤، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٦٧، والمفردات: ٢٧٣، واللسان: ٤/ ٢٣٥١ (شهر).\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣١.","vol":"4","page":147},{"text":"أحدهما: أن الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم يُرَ.\nوالثاني: أن الهلال ما رئي واشتهر.\nقال ابن عثيمين: \" والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي - حتى يرى، ويتبين، ويُشهد إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحوه\" (١).\nو﴿رَمَضَانَ﴾ مضاف إليه ممنوع من الصرف بسبب العلمية وزيادة الألف، والنون؛ مأخوذ من الرَّمْض؛ واختلف لماذا سمي برمضان على قولين:\n١ - فقيل: لأنه يرمض الذنوب - أي يحرقها بالأعمال الصالحة، فرمضان مصدر رمض إذا احترق (٢).\nجاء في معجم الوسيط: \" رَمِضَ: اشتد حرُّه\" (٣).\n٢ - وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء؛ فسمي شهر رمضان. لأنه غالبًا ما يصادف زمن الرمضاء، وهو الذي يشتد فيه الحر في جزيرة العرب، فسمي بذلك من الرمض وهو شدة الحر.\nقال القرطبي: \" ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء ممدودة: شدة الحر، ومنه الحديث: \"صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال\". خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر، فهو مأخوذ من الرمضاء\" (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣١.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١.\n(٣) نعجم الوسيط: ١/ ٣٧٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٠.\nاستخدم العرب قبل الإسلام أسماء للأشهر القمرية التي كانوا يعملون بها وقتئذ، إلى أن تغيرت تلك الأسماء وتوحدت في ربوع الأرض العربية لتأخذ صورتها المعروفة عليها منذ أواخر القرن الخامس الميلادي – في عهد كلاب – الجد الخامس للنبي ﷺ. وفيما يأتي معاني باقي أشهر العربية:\n- محرم: سُمِّيَ بذلك لأن العرب قبل الإسلام حرموا القتال فيه.\n- صفر: سمي بذلك لأن ديار العرب كانت تَصْفَر أي تخلو من أهلها، لخروجهم فيه ليقتاتوا ويبحثوا عن الطعام ويسافروا هربا من حر الصيف.\n- ربيع الأول: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع فلزمه ذلك الاسم.\n- ربيع الآخِر: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الربيع أيضا فلزمه ذلك الاسم، ويقال فيه \"ربيع الآخِر\" ولا يقال \"ربيع الثاني\"؛ لأن الثاني تُوحي بوجود ثالث، بينما يوجد ربيعان فقط.\n- جُمادى الأولى: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الشتاء حيث يتجمد الماء؛ فلزمه ذلك الاسم.\nجمادى الآخِرة: سمي بذلك لأن تسميته جاءت في الشتاء أيضًا؛ فلزمه ذلك الاسم. ويقال فيه \"جمادى الآخِرة\" ولا يقال\"جمادى الثانية\"؛ لأن الثانية توحي بوجود ثالثة، بينما يوجد جُماديان فقط.\nرجب: سمي بذلك لأن العرب كانوا يعظمونه بترك القتال فيه، يقال رجب الشيءَ أي هابه وعظمه.\n- شعبان: سمي بذلك لأن العرب كانت تتشعب فيه (أي تتفرق)؛ للحرب والإغارات بعد قعودهم في شهر رجب.\n- رمضان: سمي بذلك اشتقاقا من الرمضاء، حيث كانت الفترة التي سمي فيها شديدة الحر، يقال: رمضت الحجارة .. إذا سخنت بتأثير الشمس.\n- شوال: سُمّي بذلك لأنه تسمى في فترة تشوَّلت فيها ألبان الإبل (نقصت وجف لبنها).\nذو القعدة: سمي بذلك لأن العرب كانت تقعد فيه عن القتال على اعتباره من الأشهر الحرم.\nذو الحجة: سمي بذلك لأن العرب عرفت الحج في هذا الشهر.\nيتبين لنا أن لتسمية هذه الأشهر القمرية، بهذه الأسماء المعروفة اليوم: أسباب ومعانٍ اشتقت منها، ذكرها أهل العلم، قال الحافظ ابن كثير ﵀: \" ذَكَرَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ سَمَّاهُ «الْمَشْهُورُ فِي أَسْمَاءِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ» أَنَّ الْمُحَرَّمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَهْرًا مُحَرَّمًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَقَلَّبُ بِهِ فَتُحِلُّهُ عَامًا وَتُحَرِّمُهُ عَامًا. قَالَ: وَيُجْمَعُ عَلَى مُحَرَّمَاتٍ وَمَحَارِمَ ومحاريم، وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حِينَ يَخْرُجُونَ لِلْقِتَالِ وَالْأَسْفَارِ، يُقَالُ صَفِرَ الْمَكَانُ إِذَا خَلَا وَيُجْمَعُ عَلَى أَصْفَارٍ، وشهر رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِارْتِبَاعِهِمْ فِيهِ، وَالِارْتِبَاعُ الْإِقَامَةُ فِي عِمَارَةِ الربيع، وَيُجْمَعُ عَلَى أَرْبِعَاءَ كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة كرغيف وأرغفة، وربيع الْآخِرُ كَالْأَوَّلِ. وجُمَادَى سُمِّيَ بِذَلِكَ لِجُمُودِ الْمَاءِ فِيهِ.\nقَالَ: وَكَانَتِ الشُّهُورُ فِي حِسَابِهِمْ لَا تَدُورُ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ إِذْ كَانَتْ شُهُورُهُمْ منوطة بالأهلة فلا بُدَّ مِنْ دَوَرَانِهَا فَلَعَلَّهُمْ سَمَّوْهُ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَا سُمِّيَ، عِنْدَ جُمُودِ الْمَاءِ فِي الْبَرْدِ، وَيُجْمَعُ عَلَى جُمَادِيَّاتٍ كَحُبَارَى وحُبَارِيَّاتٍ، وَقَدْ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ جمادى الأولى والأول، وجمادى الْآخِرُ وَالْآخِرَةُ.\nورَجَبٌ مِنَ التَّرْجِيبِ وَهُوَ التَّعْظِيمُ وَيُجْمَعُ عَلَى أَرْجَابٍ ورِجَابٍ ورَجَبَاتٍ. وشَعْبَانُ مِنْ تَشَعُّبِ الْقَبَائِلِ وَتَفَرُّقِهَا لِلْغَارَةِ وَيُجْمَعُ عَلَى شَعَابِينَ وشعبانات. ورمضان مِنْ شِدَّةِ الرَّمْضَاءِ، وَهُوَ الْحُرُّ، يُقَالُ رَمِضَتِ الْفِصَالُ: إِذَا عَطِشَتْ، وَيُجْمَعُ عَلَى رَمَضَانَاتٍ وَرَمَاضِينَ وَأَرْمِضَةٍ. وشَوَّالٌ مِنْ شَالَتِ الْإِبِلُ بِأَذْنَابِهَا لِلطِّرَاقِ (يعني الضِّراب).\nقَالَ: وَيُجْمَعُ عَلَى شَوَاوِلَ وَشَوَاوِيلَ وَشَوَّالَاتٍ. والْقَعْدَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ، قُلْتُ: وَكَسْرِهَا، لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَنِ الْقِتَالِ وَالتَّرْحَالِ، وَيُجْمَعُ عَلَى ذَوَاتِ الْقَعْدَةِ. والْحِجَّةُ بكسر الحاء، قلت: وفتحها، سمي بذلك لإقامتهم الْحَجَّ فِيهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى ذَوَاتِ الْحِجَّةِ \".انتهى من\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١٢٨ - ١٢٩). وينظر: \"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام\"، للعلامة المؤرخ جواد علي (١٦/ ٩١) وما بعدها.\nولا حرج في ذكر أسماء الشهور، وشرح معانيها، وأصل اشتقاقها، وسبب تسيمتها بذلك، كما ذكره المؤرخون واللغويون، خاصة إذا كانت هناك مصلحة تعليمية في ذلك، مع أن أصل الاشتقاق تنوسي، ولم يبق له تعلق بأسماء الشهور، لدورانها في فصول السنة، كما هو معروف، ولا علاقة لذلك بشيء من أحكامها الشرعية المعروفة.","vol":"4","page":148},{"text":"٣ - وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. والرمضاء: الحجارة المحماة (١).\n٤ - وقيل: هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت -، وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية (ناتق) وأنشد للمفضل (٢):\nوَفِي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَةِ الوَغَى ... وَوَلَّتْ عَلَى الأَدْبَارِ فُرْسَانُ خَثْعَمَا (٣)\nقال الزمخشري: \" أراد رمضان لأنه ينتق الصوّام كما يرمضهم \" (٤).\nقلت: والقول الثاني هو الأقرب؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام (٥)، فرمضان مشتق من الأصل رمض، وفي ذلك إشارة إلى حر الصيف، مما يدل على الفصل الذي وقع فيه هذا الشهر من فصول السنة. قال القرطبي: \"، يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسمي بذلك\" (٦).\nقال الطبري: \"وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال: (رمضان)، ويقول: \"لعله اسمٌ من أسماء الله\" (٧) \" (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١.\n(٢) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٩٢، واللسان (نتق)، وتاج العروس: (نتق)، وأساس البلاغة (نتق)، والدر المصون: ١/ ٢٦٢. نتق عرى حباله وذلك إذا جذبها فاسترخت عقدها وعراها فانتتقت.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١.\n(٤) أساس البللاغة: (نتق).\n(٥) قال القرطبي: \" قال أهل التاريخ: أول من صام رمضان نوح ﵇ لما خرج من السفينة. وقد تقدم قول مجاهد: كتب الله رمضان على كل أمة، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم، والله أعلم\". (تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٠).\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١.\n(٧) هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ؛ فالمُثَنَّى - شَيْخُ الطَّبريِّ - هُوَ: ابنُ إبراهيمَ، لَمْ أَعْثُرْ لَهُ عَلَى ترجمةٍ، وبقيَّةُ إسنادِهِ ثقاتٌ، وقدْ تُوبِعَ سفيانُ الثَّوريُّ عليهِ، تابعَهُ طلحةُ بنُ عمرٍو: أَخْرَجَهُ ابنُ عَسَاكِرَ في \" تاريخِ دمشقَ \" (٢٦/ ٢٤٠) مِنْ طَرِيقِ تمَّامِ بنِ محمَّدٍ الحافظِ، أخبرنا أبي، حدَّثنا أبو الفضلِ العبَّاسُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ ربيعةَ السُّلميُّ، حدَّثنا أبو مُوسَى عمرانُ بنُ مُوسَى الطَّرسوسيُّ، حدَّثنا أبو محمَّدٍ [كذا في الأَصْلِ، والصَّوابُ أنَّ كنيتَهُ أبو عليٍّ] سُنَيْدُ بنُ دَاوُدَ، حدَّثنا وكيعٌ، عَنْ طلحةَ بنِ عمرٍو، عَنْ مجاهدٍ؛ قَالَ: لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رمَضَانَ؛ لَعَلَّهُ اسْمٌ منْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - ﷿ _.\n\nأقولُ: هَذَهِ مُتَابَعَةٌ لا يُفْرَحُ بها؛ لأنَّ إسنادَهَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ فأبو الفضلِ العبَّاسُ بنُ محمدٍ هُوَ: العبَّاسُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللَّهِ، نُسِبَ إلى جَدِّهِ، تَرْجَمَ لهُ ابنُ عَسَاكِرَ في \" تاريخِ دمشقَ \"، وأخرجَ هَذَا الأثرَ في ترجمتِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ جَرْحًا وَلا تَعْدِيلًا، وسُنَيْدُ بنُ دَاوُدَ هُوَ: حسينُ بنُ دَاوُدَ، وسُنيدٌ لقبٌ لهُ، ضُعِّفَ، وطلحةُ بنُ عمرٍو هُوَ: ابنُ عثمانَ المكِّيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ.\nوأَشَارَ البيهقيُّ في \" السُّننِ الكبرى \" (٤/ ٢٠٢) إلى أَثَرِ مجاهدٍ هَذَا، وذَكَرَ أنَّ الطَّريقَ إليهِ ضَعِيفٌ.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥. قال الطبري: حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد: أنه كره أن يقال: \" رمضان \"، ويقول: لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: \" شهر رمضان \".","vol":"4","page":149},{"text":"في حين اعترض الإمام النووي على كون (رمضان) من أسماء الله، فقال: \"وزعموا أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى قال البيهقي وروي ذلك عن مجاهد والحسن والطريق إليهما ضعيف ورواه عن محمد بن كعب واحتجوا بحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان\"، وهذا حديث ضعيف ضعفه البيهقي وغيره والضعف فيه بين فإن من رواته نجيح السندي وهو ضعيف سيء الحفظ \" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قراءتان (٢):\nإحداهما: ﴿شَهْرُ﴾، بالرفع وهي قراءة الجماعة: على الابتداء، وفي خبره قولان (٣):\nالأول: أن الخبر قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.\nوالثاني: أنه ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والمعنى: هي شهر رمضان. قله الأخفش (٤).\nوذلك \"لأن قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (٥)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ \" (٦).\nالثالث: ويجوز أن يكون ﴿شَهْرُ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ صفة، والخبر ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل، قاله أبو علي (٧).\nوالقراءة الثانية: ﴿شَهْرَ﴾، بالنصب، روي عن مجاهد وشهر بن حوشب، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو (٨)، ومعناه: الزموا شهر رمضان أو صوموا، و﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ نعت له، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا، لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ \" (٩).\nوقال الرماني: \" يجوز نصبه على البدل من قول ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] \" (١٠).\nواختلف هل يقال (رمضان) دون أن يضاف إلى شهر، وفيه وجهان (١١):\nأحدهما: لايجوز أن يقال (رمضان)، دون أن يضاف إلى شهر، قيل: كره ذلك مجاهد وقال: \" لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: ﴿شهر رمضان﴾ \" (١٢).\n_________\n(١) المجموع: ٦/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٢، والحجة لقراء السبعة: ١/ ٤٧ - ٤٨، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٧٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٢، والحجة لقراء السبعة: ١/ ٤٧ - ٤٨، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٧٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١.\n(٤) انظر: معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٥٢.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ١١٢.\n(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٥٧٠.\n(٧) انظر: الحجة للقراء السبعة: ١/ ٤٨.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٥٤، وإعراب القرآن: ١/ ٢٨٦، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة: ١٢ عن مجاهد، ورواية عن عاصم.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٢.\n(١٠) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٢.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (٢٨١١): ص ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥، قال أبو طالب المكي: \" وقد كان مجاهد يقول: لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان، وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسندًا\". (قوت القلوب: ٢/ ١٧٧).\nعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٤٣) لوكيع، وقد رواه ابن عساكر من طريقه كما ذكر الأخ نادر.\nقال الخطابي في شأن الدعاء (٤٣): حدثنا ابن السماك قال حدثنا يحيى بن أبي طالب قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال حدثنا طلحة بن عمرو عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: (لا يقولن أحدكم جاء رمضان، وذهب رمضان، فلعله اسم من أسماء الله).\nفطلحة بن عمرو لم يسمعه من مجاهد، إنما سمعه من حميد الأعرج.\nقال الخطابي: وها هنا حرف يروى عن مجاهد، أنا مرتاب بصحته أبدًا، وهو ما يروى عنه من قوله ... ثم ساقه.\nوقال (ص ١١٠): وهذا شيء لا أعرف له وجهًا بحال، وأنا أرغب عنه ولا أقول به.\nجاء في صبح الأعشى (٢/ ٤٠٣): وقد روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال: لا تقل رمضان، ولكن قل كما قال الله ﷿: شهر رمضان؛ فإنك لا تدري ما رمضان.\nروي عن عطاء بن أبي رباح، ولم أقف عليه مسندًا. نسبه لعطاء، ابن بطال في شرح الصحيح (٤/ ١٩)، وابن مفلح في الفروع (٤/ ٤١٥)، والعيني في عمدة القاري (١٦/ ٢٥٢)،، وغيرهم.\nقال ابن النحاس: كان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال: رمضان.","vol":"4","page":150},{"text":"قال القرطبي: \" وهذا القول استند على أخبار ضعيفة، منها:\n- قول رسول الله ﷺ: \" لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ - تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ\" (١).\n- وفي خبر آخر عَنِ - وعن ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: \" لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وقُمْتُ رَمَضَانَ، ولا صَنَعْتُ في رَمَضَانَ كَذَا وَكَذَا؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسماءِ اللَّهِ العِظَامِ، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ في كتابِهِ\" (٢).\nالثاني: وقيل: يجوز أن يقال (رمضان) دون الإضافة. وهذا قول الجمهور.\nوالصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها، روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا كان أوّلُ ليلة من رمضان: صُفِّدت (٣) الشياطين ومردة الجن (٤)، وغُلِّقت\n_________\n(١) حديث ضعيف، أَخْرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في \" الكاملِ \" (٧/ ٥٣) - وَمِنْ طَرِيقِهِ: البيهقيُّ في \" السُّننِ الكُبرى \" (٤/ ٢٠١ - رقم: ٧٦٩٣)، وابنُ الجوزيِّ في \" الموضوعاتِ \" (٢/ ١٨٧) - قالَ: حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي معشرٍ، حدَّثني أبي، عنْ سعيدٍ المَقْبُريِّ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ: \" لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ - تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ \".\nقَالَ الإمامُ النَّوويُّ - ﵀ - في \" الأَذْكَارِ \" (ص: ٨٨٩): \" وَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ البيهقيُّ، والضَّعفُ عَلَيْهِ ظَاهرٌ، ولَمْ يذكرْ أحدٌ رَمَضَانَ في أسماءِ اللَّهِ - تعالى _، مَعَ كثرةِ منْ صَنَّفَ فِيهَا \".\nوقالَ القرطبيُّ في \" تفسيرِهِ \" (٢/ ٢٩٢): \" وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ فإنَّهُ منْ حديثِ أبي معشرٍ نجيحٍ، وهو ضعيفٌ \".\nوقالَ ابنُ الجوزيِّ: \" هذا حديثٌ موضوعٌ لا أَصْلَ لَهُ، ...، ولَمْ يذكرْ أَحَدٌ في أسماءِ اللَّهِ - تعالى - رَمَضَانَ، ولا يجوزُ أنْ يُسمَّى بهِ إجْمَاعًا \".\nأقولُ: بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ، وَلا يَصِلُ إِلى دَرَجَةِ الوَضْعِ؛ فَأَبُو معشرٍ هُوَ: نجيحُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ السِّنْدِيُّ المدنيُّ - إِمَامُ المغَازِي والسِّيرِ _، وَهُوَ ضعيفٌ، كَانَ قَدْ تغيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ تغيُّرًا شَدِيدًا؛ لِذَا كَانَ يَضْطَرِبُ في حَدِيثِهِ، وَلا يُقِيمُ الإِسْنَادَ، وَهَذَا الحَدِيثُ ممَّا اضْطَرَبَ في إِسْنَادِهِ:\nفَقَدْ أَخْرَجَهُ ابنُ أبي حَاتمٍ في \" التَّفسيرِ \" (رقم: ١٦٧٣) فقالَ: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، حدَّثنا أبو معشرٍ، عنْ محمَّدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، وسعيدٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تعالى _، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ.\nأقولُ: كَذَا وَقَفَهُ عَلَى أبي هُريرةَ ولَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَرَنَ معَ سعيدٍ المَقْبُريِّ محمَّدًا القُرظيَّ، وضعَّفَ إسنادَهُ السُّيوطيُّ في \" الشَّماريخِ في علمِ التَّأريخِ \" (ص: ٤٠)، وقدْ أخرجهُ البيهقيُّ في \" السُّننِ الكُبرى \" (٤/ ٢٠٢ - رقم: ٧٦٩٤) من طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويِّ، عنْ محمَّدِ بنِ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، عنْ أبي معشرٍ، عنْ محمَّدِ بنِ كعبٍ؛ قالَ: ...، فَذَكَرَ نحوهُ، فَوَقَفَهُ عَلَى محمَّدٍ القُرظيِّ، قالَ البيهقيُّ: \" وهو أَشْبَهُ \"، أَيْ: بالصَّوابِ، أمَّا أبو حَاتمٍ - كما في \" العِلَلِ \" (١/ ٢٤٩ - رقم: ٧٣٤) - فقدْ رَجَّحَ أنَّهُ منْ قولِ أبي هُرَيْرةَ كَمَا في الرِّوايةِ السَّابقةِ.\n(٢) حديث منكر. أخْرَجَهُ تمَّامٌ في \" فوائدِهِ \" (رقم: ٢٢٩) منْ طَرِيقِ سليمانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا ناشبُ بنُ عمرٍو أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ، حدَّثنا مقاتلُ بنُ حيَّانَ، عنِ الضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ.\n(٣) صُفِّدت الشياطين ومردة الجنِّ: أي شُدَّت، وأُوثقت بالأغلال، والصَّفَد: بفتحتين، والصِّفاد – بالكسر -: ما يوثق به الأسير: من قِدٍّ، وقيدٍ وغلٍ، والأصفاد: القيود، واحدها صفد. قال الله تعالى: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد﴾ أي مشدودين بعضهم ببعضٍ في القيود والأغلال، وكل من شدّدته شدًا وثيقًا فقد صفدته. [انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٥٣، ومختار الصحاح للرازي، ص ١٥٣، وتفسير البغوي، ٣/ ٤٢].\n(٤) صفدت الشياطين ومردة الجن: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صفِّدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها: إنما تغلُّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين: كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية. [المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي، ٣/ ١٣٦، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٤٩، وفتح الباري لابن حجر، ٤/ ١١٤].","vol":"4","page":151},{"text":"أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة\"، وفي لفظ للبخاري: \"وفتحت أبواب السماء\"، وفي لفظ لمسلم: \"وفتح أبواب الرحمة\"، وفي لفظ للبخاري ومسلم: \"وسلسلت الشياطين\" (١).\nوفي حديث آخر: \"أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله - ﷿ - عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فقد حرم \"، ولفظ أحمد: \"تفتح فيه أبواب الجنة \" بدلًا من \"أبواب السماء\" (٢).\nوربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان، قال الشاعر (٣):\nجَارِيةٌ في دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ ... أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ\nجَارِيةٌ في رَمَضَانَ المَاضِي ... تَقْطَعُ الحَدِيثَ بِالإِيمَاضِ\nوهذا اختيار الجمهور: قَالَ الإِمَامُ النَّوويُّ - ﵀-: \" والصَّوابُ - واللَّهُ أعلمُ - مَا ذَهَبَ إليهِ الإمامُ أَبُو عبدِ اللَّهِ البُخاريُّ في \" صَحِيحِهِ \"، وغيرُ وَاحِدٍ منَ العُلماءِ المُحقِّقينَ؛ أنَّهُ لا كَرَاهَةَ مُطْلقًا كَيْفَمَا قَالَ؛ لأنَّ الكَرَاهَةَ لا تَثْبُتُ إلاَّ بالشَّرْعِ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَرَاهَتِهِ شَيْءٌ، بلْ ثَبَتَ في الأحاديثِ جوازُ ذَلِكَ، والأحاديثُ فيهِ منَ الصَّحِيحَيْنِ وغيرِهِمَا أكثرُ منْ أنْ تُحْصَرَ، ولَوْ تَفَرَّغْتُ لجمعِ ذَلِكَ رَجوتُ أنْ يَبْلُغَ أحاديثُهُ مِئِينَ، لكنَّ الغرضَ يحصلُ بحَدِيثٍ وَاحِدٍ \" (٤).\nوَقَالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: \" وَقَدْ يُتَمَسَّكُ لِلتَّقْيِيدِ بالشَّهرِ بِوُرُودِ القُرآنِ بِهِ حيثُ قالَ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، مَعَ احْتِمَالِ أنْ يكونَ حَذْفُ لفظِ شَهْرٍ منَ الأَحَادِيثِ منْ تَصَرُّفِ الرُّواةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ في عَدَمِ جَزْمِ المُصنِّفِ - يعني: البُخاريَّ - بالحُكْمِ، ونُقِلَ عنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الكَرَاهِيةُ، وعنِ ابنِ البَاقِلاَّنِيِّ - مِنْهُمْ _، وكَثِيرٍ منَ الشَّافعيَّةِ: إنْ كَانَ هُنَاكَ قرينةٌ تَصْرِفُهُ إلى الشَّهرِ فلا يُكْرَهُ، والجمهورُ عَلَى الجَوَازِ\" (٥).\nوَقَالَ السُّيُوطيُّ: \" قَالَ النُّحَاةُ: وشَهْرُ رَمَضَانَ أَفْصَحُ منْ تَرْكَ الشَّهْرِ \" (٦).\nومعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي \"إبتديء فيه إنزاله\" (٧)، إذ \"نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان. ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه\" (٨).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، بابٌ: هل يقال رمضان، أو شهر رمضان؟ ومن رأى كلَّه واسعًا، برقم ١٨٩٨، ورقم ١٨٩٩، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل رمضان، برقم\n٢ - (١٠٧٩)، والترمذي واللفظ له برقم ٦٨٢، والنسائي، برقم ٢٠٩٧.\n(٢) النسائي، كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على معمر، برقم ٢١٠٨، وأحمد برقم ٧١٤٨، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٥٦: «حسن صحيح».\n(٣) ينسب هذا الرجز لرؤبة، انظر: التمام في تفسير أشعار هذيل: ٩٥، والمغني: ٨٧، وأمالي المرتضى: ١/ ٦٣، وابن يعيش: ٦/ ٩٣، والخزانة: ٣/ ٤٨١.\n(٤) الأذكار: ٨٨٩.\n(٥) فتح الباري: ٤/ ١١٣.\n(٦) الشماريخ في علم التاريخ: ٤٠.\n(٧) روح المعاني: ٢/ ٦١.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٥.","vol":"4","page":152},{"text":"قال صاحب الكشاف: \"ومعنى ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا\" (١).\nوعن النبي ﵊: \" نزلت صُحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراةُ لست مَضَين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاثَ عَشرة خلت، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان \" (٢).\nوقال ابن عباس قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر: ١] \" (٣).\nقال الشنقيطي: قوله تعالى ﴿الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾، لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر: ١]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق وفي معنى إنزاله وجهان:\nالأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا كما ثبت عن ابن عباس ﵄.\nوالثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم\" (٤).\nو﴿الْقُرْءَانُ﴾: \"مصدر مثل الغفران، والشكران؛ كلها مصادر؛ ولكن هل هو بمعنى اسم الفاعل؛ أو بمعنى اسم المفعول؟ قيل: إنه بمعنى اسم المفعول - أي المقروء؛ وقيل: بمعنى اسم الفاعل - أي القارئ؛ فالمعنى على الأول واضح؛ والمعنى على الثاني: أنه جامع لمعاني الكتب السابقة؛ أو جامع لخيري الدنيا، والآخرة؛ ولا يمتنع أن نقول: إنه بمعنى اسم الفاعل، واسم المفعول؛ وهل المراد بـ ﴿القرآن﴾ الجنس، فيشمل بعضه؛ أو المراد به العموم، فيشمل كله؟ قال بعض أهل العلم: إن «أل» للعموم فيشمل كل القرآن؛ وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين المتأخرين؛ وعلى هذا القول يشكل الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان، وفي شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة ... في جميع الشهور؛ ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس ﵄ أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان، وصار جبريل يأخذه من هذا البيت، فينزل به على رسول الله -ﷺ- (٥)؛ لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن «أل» هنا للجنس؛ وليست للعموم؛ وأن معنى: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله، كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] أي ابتدأنا إنزاله\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: \"رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ وقَصْد المنهج\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج: \" ﴿هدى للناس﴾، قال: يهتدون به\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٢٧.\n(٢) رواه أحمد في المسند: ١٧٠٥١ (٤: ١٠٧ حلبي)، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن عمران أبي العوام، بهذا الإسناد، وهو إسناد صحيح. ونقله ابن كثير ١: ٤٠٦، عن المسند. وكذلك السيوطي ١: ١٨٩، وزاد نسبته إلى محمد بن نصر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٦. عن ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(٤) أضواء البيان: ١/ ٧٤ - ٧٥.\n(٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٣٠، والبيهقي في دلائل النبوة ٧/ ٣١ والأسماء والصفات ٣٠٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٨.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٦٥١): ص ١/ ٣١١.","vol":"4","page":153},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" أنزل وهو هداية للناس بإعجازه\" (١).\nقال الزمخشري: \" أى\" أنزل وهو هداية للناس إلى الحق\" (٢).\nقال الصابوني: أي: \" حال كونه هداية للناس لما فيه من إِرشاد وإِعجاز\" (٣).\nقال المراغي: أي: \" لهداية الناس إلى الصراط السوىّ والنهج المستقيم، ومن التذكر لهدايته أن يعبد في هذا الشهر ما لا يعبد في غيره، ليكون ذلك كفاء فيضه الإلهى بالإحسان، وتظاهر نعمه على عباده، فهو من شعائر ديننا، ومواسم عبادتنا\" (٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين: قوله تعالى \" ﴿هدًى﴾: مفعول من أجله؛ أو حال من ﴿القرآن﴾؛ فإذا كانت مفعولًا من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس؛ وإذا كانت حالًا فالمعنى: أنزل هاديًا للناس - وهذا أقرب؛ و﴿هدًى﴾ من الهداية؛ وهي الدلالة؛ فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم، ودنياهم؛ و﴿للناس﴾ أصلها الأناس؛ ومنه قول الشاعر (٥):\nكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تدْخُلُ بينهم ... دويهية تصفر منها الأَْنَامِلُ\nلكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة تخفيفًا، كما حذفت من «خير» و«شر» اسمي تفضيل؛ والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض، ويستعين به؛ فقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، أي كل الناس يهتدون به - المؤمن، والكافر - الهداية العلمية؛ أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين، كما في أول السورة؛ فهو للمتقين هداية علمية، وعملية؛ وللناس عمومًا فهو هداية علمية (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: وآيات \" واضحات مكشوفات، مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل\" (٧).\nقال السدي: \" أما وبينات من الهدى فبينات من الحلال والحرام\" (٨).\nقال الصابوني: أي: \"وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: أنزل \"وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل\" (١٠).\nقال المراغي: أي: \" مع وضوح آياته وإرشادها إلى الحق، وجعلها فارقة بين الحق والباطل، والفضائل والرذائل\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق، ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.\n(٢) الكشاف: ١/ ٢٢٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(٥) البيت للبيد بن ربيعة، انظر: الشعر والشعراء: ٢٧٩، والأغاني: ١٤/ ٩٩. وقوله دويهية هو تصغير داهية، ويروى في مكانه خويخية وهو مصغر خوخة - بفتح فسكون - وهى الباب الصغير، أي أنه سينفتح عليهم باب يدخل إليهم منه الشر، والمراد بالانامل الاظفار وصفرتها تكون بعد الموت.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٣ ..\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٢٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٥٤): ص ١/ ٣١١.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/! ٠٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٢٢٧.\n(١١) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.","vol":"4","page":154},{"text":"قال ابن عثيمين: \" المعنى: أن القرآن اشتمل على الآيات البينات - أي \"الواضحات\" (١)؛ فهو جامع بين الهداية، والبراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار، وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قولان:\nأحدهما: أن المراد: القرآن يفرق بين الحق، والباطل. وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: أن الفرقان: التوراة. قاله أبو صالح (٣).\nوالراجح أن ﴿َالْفُرْقَانِ﴾: \"مصدر، أو اسم مصدر؛ والمراد أنه يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين الخير، والشر؛ وبين النافع، والضار؛ وبين حزب الله، وحرب الله؛ فرقان في كل شيء؛ ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة؛ وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور؛ فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة\" (٤).\nقال الزمخشري: \"فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى﴾ بعد قوله: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾؟ قلت: ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ \" أي: فمن شهد منكم دخول الشهر بأن لم يكن مسافرا فليصمه\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه\" (٧).\nقال القرطبي: أي: من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى: فمن كان حاضرًا مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر\" (٩).\nقال المراغي: \" وشهوده برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره أن يصومه، والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم\" (١٠).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ﴾ [البقرة: ١٨٥] على قولين (١١):\nأحدهما: أنه بمعنى: شاهد، وعلى هذا القول يرد إشكال في قوله تعالى: ﴿الشهر﴾؛ لأن الشهر مدة ما بين الهلالين؛ والمدة لا تشاهد؛ والجواب أن في الآية محذوفًا؛ والتقدير: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه.\nالثاني: وقيل: بمعنى حضر.\nوالقول الثاني أصح: أن المراد بـ ﴿شهد﴾ حضر؛ ويرجح هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يقابل الحضر. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وجهان من القراءة (١٢):\nأحدهما: قراءة العامة بجزم اللام في ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾.\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٢٨.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٦٥٥): ص ١/ ٣١١.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٢٢٧.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٩) الكشاف: ١/ ٢٢٨.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٧٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٤.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٩.","vol":"4","page":155},{"text":"الثا ني: وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام: ﴿فَلِيَصُمْهُ﴾.\nقال القرطبي: \"وهي لام الأمر وحقها الكسر إذا أفردت، فإذا وصلت بشيء ففيها وجهان: الجزم والكسر، وإنما توصل بثلاثة أحرف: بالفاء كقوله ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ٣]. والواو كقوله: ﴿وَلْيُوفُوا﴾ [الحج: ٢٩]. وثم كقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ [الحج: ٢٩] \" (١).\nواختلف العلماء في معنى (شهود الشهر) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]، على أقوال (٢):\nأحدها: أنه مُقام المقيم في داره. قالوا: فمن دخل عليه شهرُ رمضان وهو مقيم في داره، فعليه صوم الشهر كله، غابَ بعدُ فسافر، أو أقام فلم يبرح.\nوهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة - أربعة من الصحابة - وأبو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني (٣).\nفقالوا: \"وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، والمعنى عندهم: من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر، ومن أدركه حاضرا فليصمه\" (٤).\nالثاني: أنه من شهد أول الشهر وآخره، فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر. قاله أبو اسحاق ومغيرة والحسن بن سعد والشعبي وشعبة وقتادة (٥)، وهو قول الجمهور.\nالثالث: أنه يعني: فمن شهده عاقلا بالغًا مكلفًا فليصمه، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٦).\nوالصواب هو القول الثاني، إذ عليه تدل الأخبار الثابتة. والله تعالى أعلم.\nثم اختلف أهل العلم في المرَض الذي أباح الله معه الإفطار، وأوجب معه عده من أيام أخر، وقد تقدم الحديث حول هذا الموضوع في الآية السابقة. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ \" أي ومن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر فعليه صيام أيام أخر\" (٧).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٤٩ ومابعدها. وتفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٥٤. قال الطبري: \" كانوا يقولون: من دخل عليه شهرُ رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومه، فإن جُنّ بعد دُخوله عليه وهو بالصفة التي وصفنا، ثم أفاقَ بعد انقضائه، لزمه قضاءُ ما كان فيه من أيام الشهر مغلوبًا على عقله، لأنه كان ممن شهده وهو ممن عليه فُرض.\nقالوا: وكذلك لو دخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنونٌ، إلا أنه ممن لو كان صحيحَ العقل كان عليه صَوْمه، فلن ينقضي الشهر حتى صَح وَبرأ، أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو أكثر من ذلك، فإنّ عليه قضاءُ صوْم الشهر كله، سوى اليوم الذي صامه بَعد إفاقته، لأنه ممن قد شَهد الشهر. قالوا: ولو دَخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنون، فلم يفق حتى انقضى الشهرُ كله، ثم أفاق، لم يلزمه قضاء شيء منه، لأنه لم يكن ممن شَهده مكلَّفًا صَوْمَه.\nثم قال: وهذا تأويل لا معنى له، لأنّ الجنون إن كانَ يُسقط عمن كان به فَرْضَ الصومِ، من أجل فقد صاحبه عَقله جميع الشهر، فقد يجب أن يكونَ ذلك سبيلَ كل من فقد عقله جميع شهر الصوم. وقد أجمع الجميعُ على أن من فقد عقله جميع شَهر الصوم بإغماء أو بِرْسام، (١) ثم أفاق بعد انقضاء الشهر، أن عليه قضاءُ الشهر كله. ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأمة. وإذ كان إجماعًا، فالواجب أن يكون سبيلُ كل من كان زائلَ العقل جميع شهر الصوم، سبيلَ المغمى عليه. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويل الآية غير الذي تأوَّلها قائلو هذه المقالة: من أنه شُهود الشهر أو بعضه مكلفًا صومَه. وإذا بطل ذلك، فتأويل المتأوِّل الذي زعم أن معناه: فمن شهد أوله مقيما حاضرًا فعليه صَوْم جميعه، أبطلُ وأفسدُ، لتظاهر الأخبار عن رَسول الله ﷺ أنه خرج عَام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صَام بعضه، وأفطرَ وأمر أصحابه بالإفطار. حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: \" سافرَ رسول الله ﷺ في رمضان من المدينة إلى مكة، حتى إذا أتى عُسْفان نزل به، فدعا بإناء فوضعه على يَده ليراه الناسُ، ثم شربه\". (تفسير الطبري: ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥).\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.","vol":"4","page":156},{"text":"قال الطبري: أي: \" ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر في الشهر فأفطر، فعليه صيامُ عدة الأيام التي أفطرها، من أيام أخرَ غير أيام شهر رمضان\" (١).\nقال الصابوني: \" وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" وهذه الجملة سبقت؛ لكن لما ذكر ﷾: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها قد يظن الظان أنه نسخ حتى فطر المريض والمسافر؛ فأعادها ﷾ تأكيدًا لبيان الرخصة، وأن الرخصة - حتى بعد أن تعين الصيام - باقية؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ وعليه فليست هذه الجملة من الآية تكرارًا محضًا؛ بل تكرار لفائدة؛ لأنه تعالى لو قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ولم يقل: ﴿ومن كان ....﴾ إلخ، لكان ناسخًا عاما\"ً (٣).\nقال المراغي: \" أعيد ذكر رخصة الإفطار مرة أخرى، لئلا يظن أن صوم هذا الشهر محتم لا تتناوله رخصة، أو تتناوله ولكنها غير محمودة، ولا سيما بعد تعظيم أمر الصوم فيه، لما له من المناقب والمزايا التي سبق ذكرها، حتى روى أن بعض الصحابة ﵃ مع علمهم بالرخصة في القرآن كانوا يتحامون الفطر في السفر، حتى إن النبي ﷺ كان يأمرهم به في بعض الأسفار فلا يمتثلون حتى يفطر هو\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، \" أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي أن ييسر عليكم بوضعه عنكم الصوم في السفر والمرض\" (٦).\nقال الطبري: أي: يريد الله التخفيفَ عليكم، والتسهيل عليكم؛ ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر عليكم، فلذلك أباح الفطر في السفر والمرض\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة\" (٩).\nقال ابن عباس: \" (اليسر): الإفطار في السفر، و(العسر): الصيام في السفر\" (١٠). وروي، عن الضحاك وعمر بن عبد العزيز، نحو ذلك (١١).\nقال الشعبي: \"إذا اختلف عليك أمران فانظر أيسرهما فإنه أقرب إلى الحق، إن الله أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٥٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٤.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٧٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٥٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٤٧٥.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٢٢٨.\n(١٠) تفسير الطبري (٢٨٩٣): ص ٣/ ٤٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم (١٦٦٠)، و(١٦٦٣): ص ١/ ٣١٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٦٠)، و(١٦٦٣): ص ١/ ٣١٣.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٥٩): ص ١/ ٣١٣.","vol":"4","page":157},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: والمقصود \"ليست الإرادة الكونية؛ لأن الله ﷾ لو أراد بنا اليسر كونًا ما تعسرت الأمور على أحد أبدًا؛ فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا الشرعية؛ ولهذا لا تجد - والحمد لله - في هذه الشريعة عسرًا أبدًا\" (١).\nوقرئ: \" ﴿اليسر﴾، و﴿العسر﴾ بضمتين\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ \"أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم\" (٣).\nقال الربيع بن أنس: \" عدة رمضان\" (٤).\nقال الفراء: أي: \" فِي قضاء ما أفطرتم\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني: \" عدةَ ما أفطرتم، من أيام أخر، أوجبت عليكم قضاءَ عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم، أو إقامتكم من سفركم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي: ويريد الله منا شرعًا أن نكمل العدة\" (٧).\nقال المراغي: \" أي رخص لكم في الإفطار في حالى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر، وأن تكملوا العدة، فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده، وبذا تحصّلون خيراته، ولا يفوتكم شىء من بركاته\" (٨).\nقال الثعلبي: \" وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها\" (٩).\nواختلف أهل اللغة في عطف (الواو) التي في قوله ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفيه قولان (١٠):\nأحدها: أنها عاطفة على ما قبلها، كأنه قيل: ويُريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله. قاله الثعلبي (١١).\nالثاني: وقال الفراء-واختراه الطبري (١٢) -: \"هذه (اللام) التي في قوله: ﴿ولتكملوا﴾ لام (كي) لو ألقيتْ كان صوابًا، والعرب تُدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها، ولا تكون شرطًا للفعل الذي قبلها وفيها (الواو)، ألا ترى أنك تقول: جئتك لتحسن إلي، ولا تقول: جئتك ولتحسن إليّ، فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن جئتك، وهو في القرآن كثيرٌ، منه قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]، ومنه قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، لو لم تكن فيه (الواو) كان شرطًا على قولك: أريْناهُ ملكوت السموات والأرض ليكون، فإذا كانت (الواو) فيها فلها فعل مضمر بعدها، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، أريناه\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٥.\n(٢) الكشاف: ١/ ٢٢٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٦٥): ص ١/ ٣١٤.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ١١٣.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٤٧٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٥.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٧٥.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٤٧٨.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٣.","vol":"4","page":158},{"text":"والقول الثاني أولى بالصواب، \" لأن قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾، ليس قبله (لام) بمعنى (اللام) التي في قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾ فتعطف بقوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾ عليها - وإن دخول (الواو) معها، يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها، إذ كانت (الواو) لو حذفت كانت شرطًا لما قبلها من الفعل\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿َلِتُكْمِلُوا﴾ [البقرة: ١٨٥]، قراءتان (٢):\nإحداهما: ﴿َلِتُكْمِلُوا﴾، بتشديد الميم. قرأ بها أبو بكر عن عاصم.\nوالثانية: ﴿َلِتُكْمِلُوا﴾، بالتخفيف، قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم.\nقال أبو علي: \"وروى علي بن نصر وهارون الأعور وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ مشدّدة، وقال أبو زيد عن أبي عمرو كلاهما: مشددة ومخففة، وقال اليزيدي وعبد الوارث عنه: إنه كان يثقّلها، ثم رجع إلى التخفيف\" (٣).\nقال الرازي: \" وهما لغتان: أكملت وكملت\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا الله على مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، \"أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين\" (٥).\nقال زيد بن اسلم: \" التكبير يوم الفطر\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي: \" تكبروه لهدايتكم\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \" ولتعظموا الله ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ولتعظِّموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به، من الهداية\" (٩).\nقال المراغي: أي: من الأحكام التي فيها سعادتكم في الدنيا والآخرة، وذلك بذكر عظمته وحكمته في إصلاح حال عباده، بتربيتهم بما يشاء من الأحكام، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص التي تليق بحالهم\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وجهان من التفسير (١١):\nأحدهما: أن المراد منه التعظيم لله شكرا على ما وفق على هذه الطاعة.\nوالتكبير يتضمن: \"الكِبَرَ بالعظمة، والكبرياءِ، والأمورِ المعنوية؛ والكِبَر في الأمور الذاتية؛ فإن السموات السبع، والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في كف أحدنا؛ والله أكبر من كل شيء\" (١٢).\nوالثاني: أن المراد منه التكبير ليلة الفطر (١٣). حكاه الثعلبي عن أكثر العلماء (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٧٨.\n(٢) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٧، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٢٥٨.\n(٣) الحجة: ٢: ٢٧٤، وانظر: السبعة: ١٧٧.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٥٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٦٦): ص ١/ ٣١٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٦.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٣ - ٧٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٤٨٨.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٧٥.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٥٩، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٧٤.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٦.\n(١٣) وقال الشافعي: \"وأحب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكره ذلك غداة الفطر، واحتج الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ وقال: معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل: إحداها: اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير؟ فقال في القديم: ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها، وقال في الجديد: ليلة الفطر أوكد لورود النص\nفيها وثانيها: أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وقال مالك: لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه، وروي هذا عن أحمد، وقال إسحق: إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللا بحصول هذه الهداية، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت وثالثها: مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة، وقيل فيه قولان آخران أحدهما: إلى خروج الإمام والثاني: إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير\". [مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٥٩].\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٤.","vol":"4","page":159},{"text":"قال ابن كثير: \"ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩، ٤٠]؛ ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات\" (١).\nعن ابن المبارك قال: \"سمعت سفيان يقول: ﴿ولتكبِّروا الله على ما هداكم﴾، قال: بلغنا أنه التكبير يوم الفطر\" (٢).\nوقال ابن زيد: \"كان ابن عباس يقول: حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبرِّوا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله تعالى ذكره يقول: \" ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم \" (٣).\nقال ابن عباس: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ \" (٤).\nولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وفي مقابلَته مذهبُ أبي حنيفة - ﵀ - أنه لا يُشْرَع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه، على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم (٥).\nقال ابن عثيمين: \"وعبر بـ ﴿على﴾ دون اللام إشارة - والله أعلم - إلى أن التكبير يكون في آخر الشهر؛ لأن أعلى كل شيء آخره؛ و﴿ما هنا مصدرية تسبك هي، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: على هدايتكم؛ وهذه الهداية تشمل: هداية العلم؛ وهداية العمل؛ وهي التي يعبر عنها أحيانًا بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، \" أي ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \" على نعمه\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" وإرادة أن تشكروا\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٥.\n(٢) أخرجه الطبري (٢٩٠٢): ص ٣/ ٤٧٩.\n(٣) أخرجه الطبري (٢٩٠٣): ص ٣/ ٤٧٩.\n(٤) خرجه البخاري باب الذكر بعد الصلاة رقم (٨٤١/ ٨٤٢ فتح)، وأخرجه مسلم (٥٨٣) باب: الذكر بعد الصلاة وزاد: \" أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \" كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ \".\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/! ٠٩.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ٢٢٨، ونقله القاسمي: في محاسن التأويل: ٢/ ٢٧.","vol":"4","page":160},{"text":"قال الطبري: أي: \" ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم\" (١).\nقال ابن كثير: \" إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" و﴿تَشْكُرُونَ﴾ على أمور أربعة؛ إرادة الله بنا اليسر؛ عدم إرادته العسر؛ إكمال العدة؛ التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله ﷿ عليها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ و(الشكر) هو القيام بطاعة المنعم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله ﷿ في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان.\n٢ - ومنها: فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله ﷾ فرض على عباده صومه.\n٣ - ومنها: أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر؛ وقد سبق في التفسير هل هو ابتداء إنزاله؛ أو أنه نزل كاملًا؛ والظاهر أن المراد ابتداء إنزاله؛ لأن الله - ﵎ - يتكلم بالقرآن حين إنزاله؛ وقد أنزله جل وعلا مفرقًا؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون القرآن كله نزل في هذا الشهر.\n٤ - ومنها: أن القرآن كلام الله ﷿؛ لأن الذي أنزله هو الله، كما في آيات كثيرة أضاف الله ﷾ إنزال القرآن إلى نفسه؛ والقرآن كلام لا يمكن أن يكون إلا بمتكلم؛ وعليه يكون القرآن كلام الله ﷿؛ وهو كلامه ﷾ لفظه، ومعناه.\n٥ - ومنها: ما تضمنه القرآن من الهداية لجميع الناس؛ لقوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾.\n٦ - ومنها: أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه فلا فائدة في الآيات، كما قال ﷿: ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١].\n٧ - ومنها: أن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين النافع، والضار؛ وبين أولياء الله، وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه.\n٨ - ومنها: وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يومًا، أو برؤية هلاله؛ وقد جاءت السنة بثبوت دخوله إذا رآه واحد يوثق بقوله (٤).\n٩ - ومنها: لا يجب الصوم قبل ثبوت دخول رمضان.\nويتفرع على هذا أنه لو كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم، أو قتر يمنع من رؤية الهلال فإنه لا يصام ذلك اليوم؛ لأنه لم يثبت دخول شهر رمضان؛ وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ بل ظاهر حديث عمار بن ياسر ﵄ أن من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم -ﷺ- (٥): أي أن صيامه إثم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٧٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٠٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٣٦.\n(٤) راجع أبا داود ص ١٣٩٧، كتاب الصيام، باب ١٤: في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، حديث رقم ٣٣٤٢؛ والدارمي ٢/ ٩، كتاب الصوم، باب ٦: الشهادة على رؤية هلال رمضان، حديث رقم ١٦٩١؛ قال الألباني في صحيح أبي داود: \"صحيح\" (٢/ ٥٥، حديث رقم ٢٣٤٢).\n(٥) راجع أبا داود ص ١٣٩٦، كتاب الصيام، باب ١٠: كراهية صوم يوم الشك، حديث رقم ٢٣٣٤؛ والترمذي ص ١٧١٤، أبواب الصوم، باب ٣: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، حديث رقم ٦٨٦؛ والنسائي ص ٢٢٣٠، كتاب الصيام، باب ٣٧: صيام يوم الشك، حديث رقم ٢١٩٠؛ وابن ماجة ص ٢٥٧٥، أبواب ما جاء في الصيام، باب ٣: ما جاء في صيام يوم الشك، حديث رقم ١٦٤٥؛ والدارمي ٢/ ٥ من كتاب الصوم، باب ١؛ في النهي عن صيام يوم الشك، حديث رقم ١٦٨٢؛ قال الألباني في صحيح أبي داود: \"صحيح\" (٢/ ٥٢، حديث رقم ٢٣٣٤).","vol":"4","page":161},{"text":"١٠ - ومن فوائد الآية: التعبير بـ ﴿شهر رمضان﴾؛ قال أهل العلم: «وهذا أولى»؛ ويجوز التعبير بـ «رمضان» - بإسقاط «شهر»؛ لقول النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ... ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا» (١)، وقوله -ﷺ-: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» (٢)؛ ولا عبرة بقول من كره ذلك.\n١١ - ومن فوائد الآية: تيسير الله - ﵎ - على عباده، حيث رخص للمريض الذي يشق عليه الصوم، وللمسافر مطلقًا أن يفطرا، ويقضيا أيامًا أخر.\n١٢ - ومنها: إثبات الإرادة لله ﷿؛ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:\nإرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة؛ ويلزم منها وقوع المراد سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥]؛ وهذه الآية، كقوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩].\nوإرادة شرعية: بمعنى المحبة؛ ولا يلزم منها وقوع المراد؛ ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله ﷿؛ ومنها قول الله ﵎: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٧، ٢٨].\n١٣ - ومن فوائد الآية: أن شريعة الله ﷾ مبنية على اليسر، والسهولة؛ لأن ذلك مراد الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (٣)؛ وكان -ﷺ- يبعث البعوث، ويقول: «يسروا ولا تعسروا؛ وبشروا ولا تنفروا» (٤)؛ «فإنما بعثتم ميسرين؛ ولم تبعثوا معسرين» (٥).\n١٤ - ومنها: انتفاء الحرج والمشقة والعسر في الشريعة؛ لقوله ﷿: ﴿ولا يريد بكم العسر﴾.\n١٥ - ومنها: أنه إذا دار الأمر بين التحليل، والتحريم فيما ليس الأصل فيه التحريم فإنه يغلب جانب التحليل؛ لأنه الأيسر، والأحب إلى الله.\n١٦ - ومنها: الأمر بإكمال العدة؛ أي بالإتيان بعدة أيام الصيام كاملًا.\n١٧ - ومنها: مشروعية التكبير عند تكميل العدة؛ لقوله الله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾؛ والمشروع في هذا التكبير أن يقول الإنسان: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ وإن شاء أوتر فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ وإن شاء أوتر باعتبار الجميع فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ فالأمر في هذا واسع - ولله الحمد.\n١٨ - من فوائد الآية: أن الله يشرع الشرائع لحكمة، وغاية حميدة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾.\n١٩ - ومنها: الإشارة إلى أن القيام بطاعة الله من الشكر؛ ويدل لهذا قول النبي ﷺ: \"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥، كتاب الإيمان، باب ٢٨: صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، رقم ٣٨؛ وأخرجه مسلم ص ٧٩٧، كتاب صلاة المسافرين، باب ٢٥، الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث رقم ١٧٨١ [١٧٥] ٧٦٠.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٤٨، كتاب الصوم، باب ٥: هل يقال رمضان أو شهر رمضان ...، حديث رقم ١٨٩٨؛ وأخرجه مسلم ص ٨٥٠، كتاب الصيام، باب ١: فضل شهر رمضان، حديث رقم ٢٤٩٥ [١] ١٠٧٩.\n(٣) سبق تخريجه ١/ ٢٤٣.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٨، كتاب العلم، باب ١١: ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة، حديث رقم ٦٩، وأخرجه مسلم ص ٩٨٥، كتاب الجهاد والسير، باب ٣: في الأمر بالتيسير وترك التنفير، حديث رقم ٤٥٢٨ [٨] ١٧٣٤، واللفظ للبخاري.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٢٠، كتاب الوضوء، باب ٥٨: صب الماء على البول في المسجد، حديث رقم ٢٢٠.","vol":"4","page":162},{"text":"الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك\" (١)؛ وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح.\n٢٠ - ومنها: أن من عصى الله ﷿ فإنه لم يقم بالشكر، ثم قد يكون الإخلال كبيرًا؛ وقد يكون الإخلال صغيرًا - حسب المعصية التي قام بها العبد.\nتنبيه:\n١ - استنبط بعض الناس أن من كانوا في الأماكن التي ليس عندهم فيها شهور، مثل الذين في الدوائر القطبية، يصومون في وقت رمضان عند غيرهم عدة شهر؛ لأن الشهر غير موجود؛ وقال: إن هذا من آيات القرآن؛ فقد جاء التعبير صالحًا حتى لهذه الحال التي لم تكن معلومة عند الناس حين نزول القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾.\n٢ - وقد جاءت الإشارة في السنة النبوية في كيفية صلاة وصيام أهل القطبين (الشمالي والجنوبي)، وهما من العبادات المرتبطة بسير الشمس، فإن النبي ﷺ لما حدث أصحابه عن المسيح الدجال قالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا، اقدروا له قدره\" (٢).\nفلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوما واحدا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع الفجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعا وعشرين ساعة، لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه إلى كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه، إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله تعالى أعلم (٣).\n٣ - وأما حكم الصيام والصلاة في البلاد التي يطول نهارها، فإذا كانت أوقات الصلاة تتمايز بحيث يمكن معرفة كل وقت بعلاماته الشرعية الدالة عليه فالواجب أن تصلى كل صلاة في وقتها الذي جعله الله تعالى وقتا لها، وكذا إذا كان الليل والنهار يتمايزان بحيث يمكن الصيام وفق ما دلت عليه نصوص الشرع فالواجب هو أن يصام جميع النهار وإن طال، وقد أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قرارا بهذا الشأن فصلت فيه كيفية الصلاة والصيام في البلاد التي يطول نهارها أو يقصر جدا، ونحن ننقل هذا القرار بطوله لما فيه من الفائدة لعموم المسلمين ولما فيه من إزالة الإشكال والإبهام عن هذه المسألة.\nجاء في قرار الهيئة: من يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدًا في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء/٧٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء/١٠٣].\nولما ثبت عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ\" (٤).\nإلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولًا وفعلًا، ولم تفرق بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره، ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بَيَّنها رسول الله ﷺ. هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم.\nوأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم، ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعًا وعشرين ساعة، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط، وإن كان قصيرًا، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة/١٨٧]، ومن عجز عن إتمام صوم يومه لطوله، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضًا شديدًا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/١٨٥]، وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/٢٨٦]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج/٧٨].\nومن كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفًا ولا تطلع فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلًا، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض، لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف حتى قال: \"يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ\" (٥).\nولما ثبت من حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ. . . الحديث\" (٦).\nوثبت أن النبي ﷺ حَدَّث أصحابه عن المسيح الدجال، فقالوا: مَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: \"أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ\" (٧)، فلم يعتبر اليوم الذي كالسنة يومًا واحدًا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتبارًا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسؤول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد\n_________\n(١) رواه مسلم: (١٠١٥).\n(٢) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر المسيح الدجال وصفته، برقم (٢٩٣٧).\n(٣) وبهذا التفصيل المذكور أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.\n(٤) رواه مسلم (٦١٢).\n(٥) رواه مسلم (١٦٢).\n(٦) رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١).\n(٧) رواه مسلم (٢٩٣٧). من حديث النواس بن سمعان","vol":"4","page":163},{"text":"إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.\nوكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه، في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعًا وعشرين ساعة؛ لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله ولي التوفيق. انتهى منه بلفظه.\nوأما تقدير وقت الصوم والصلاة بتوقيت مكة مع وجود ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة فلا شك في كونه من أكبر الخطأ.\nقال العلامة العثيمين ﵀ في فتوى له: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال النبي ﷺ: \"إن بلالًا لا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\" (١) وقال أيضًا: \"إذا أقبل الليل من ههنا (وأشار إلى المشرق) وأدبر النهار من ههنا (وأشار إلى المغرب) وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\" (٢).\nففي هذه الآية الكريمة والحديثين الثابتين عن رسول الله ﷺ دليل ظاهر على وجوب الإمساك على الصائم من حين أن يطلع الفجر حتى تغرب الشمس في أي مكان كان من الأرض، سواء طال النهار أم قصر، إذا كان في أرض فيها ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة، والولاية التي أنتم فيها: فيها ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة، فيلزم من كان يصوم فيها أن يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بدلالة الكتاب والسنة على ذلك، ومن أفتى بأن من كان في بلد يطول نهاره عليه فإنه يصوم بقدر نهار المملكة العربية السعودية فقد غلط غلطًا بينًا، وخالف الكتاب والسنة، وما علمنا أن أحدًا من أهل العلم قال بفتواه. نعم من كان في بلد لا يتعاقب فيه الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة كبلد يكون نهارها يومين، أو أسبوعًا، أو شهرًا، أو أكثر من ذلك فإنه يقدر للنهار قدره، ولليل قدره من أربع وعشرين ساعة؛ لأن النبي ﷺ لما حدَّث عن الدجال، وأنه يلبث في الأرض أربعين يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كالأيام المعتادة، قالوا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا. اقدروا له قدره\" (٣).\nوقد اختلف العلماء المعاصرون فيم يقدر الليل والنهار في البلاد التي يكون ليلها ونهارها أكثر من أربع وعشرين ساعة، وفيه أقوال:\nالأول: فقال بعضهم: يقدر بالتساوي فيجعل الليل اثني عشر ساعة والنهار مثله، لأن هذا قدرهما في الزمان المعتدل والمكان المعتدل.\n_________\n(١) البخاري (١٩١٩) ومسلم (١٠٩٢). نْ ابْنِ عُمَرَ وعَائِشَةَ ﵃ أَنَّ بِلالا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ \".\nقال النووي ﵀: فِيهِ: جَوَاز الأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع وَسَائِر الأَشْيَاء إِلَى طُلُوع الْفَجْر\n(٢) رواه البخاري (١٨٥٣). قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام بن عروة قال سمعت أبي يقول سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \" إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.\n(٣) رواه البخاري (٢٩٣٧) ..","vol":"4","page":164},{"text":"والثاني: وقال بعضهم: يقدر بحسب مدتهما في مكة والمدينة، لأنهما البلدان اللذان نزل فيهما الوحي، فتحمل مدة الليل والنهار على المعروف فيهما إذا لم تعرف للبلد مدة ليل ونهار خاصة به.\nوالثالث: وقال بعضهم: يقدر بحسب مدتهما في أقرب بلد يكون فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة.\nوالقول الأخير هو أقرب الأقوال إلى الصحة، لأن إلحاق البلد في جغرافيته بما هو أقرب إليه أولى من إلحاقه بالبعيد، لأنه أقرب شبهًا به من غيره، لكن لو شق الصوم في الأيام الطويلة مشقة غير محتملة بحيث لا يمكن تخفيفها بالمكيفات والمبردات ويخشى منها الضرر على الجسم أو حدوث مرض، فإنه يجوز الفطر حينئذ، ويقضي في الأيام القصيرة؛ لقوله تعالى في سياق آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَاذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصلاةَ وَءَاتُوا الزكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوخلاصة ما سبق: أن من كان في بلد فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة لزمه صيام النهار وإن طال، إلا أن يشق عليه مشقة غير محتملة يخشى منها الضرر، أو حدوث مرض فله الفطر وتأخير الصيام إلى زمن يقصر فيه النهار. والله تعالى أعلم.\nوبجميع ما تقدم يتبين لك أن الواجب على هذه الجالية هو فعل الصلوات في أوقاتها، وكذا يلزمهم الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن شق عليهم الصوم بحيث كانوا يخشون الضرر فإن لهم الفطر ويقضون الصوم في الأيام القصيرة، وأنهم لا ينتقلون إلى التقدير إلا إذا لم تتمايز الأوقات وحينئذ يقدرون الأوقات بحسب أقرب البلاد التي تتمايز فيها الأوقات إليهم على الراجح. والله تعالى أعلم.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]\nالتفسير:\nوإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه، وليؤمنوا بي، لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده، القرب اللائق بجلاله.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدهما: أخرج الطبري عن الحسن قال: \" سأل أصحاب النبي ﷺ النبيَّ ﷺ: أين ربُّنا؟ فأنزل الله تعالى ذكره: \" وإذا سألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان \" الآية\" (١). وروي عن صلب بن حكيم، عن أبيه، عن جده (٢)، والضحاك (٣)، نحو قول الحسن.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٢٩٠٥): س ٣/ ٤٨١ (مرسل)، وذكره ابن حجر عن عبدالرزاق في تفسيره، ولم أجده في \"تفسيره\" وكذلك من قبلي عبدالحكيم محمد الأنيس محقق العجاب، وكذا أحمد شاكر، إذ قال هذا الأخير: \"لم أجده في تفسير عبد الرزاق. فلعله. موضوع آخر من كتبه\". فهل نقله ابن حجر من تفسيره مباشرة أم اعتمد على رواية الطبري عنه؟ والله أعلم. [انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٤٣٣].\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٩٠٤): ص ٣/ ٤٨٠، وعليه اقتصر السيوطي في \"اللباب\" \"ص ٣٣\".\n(٣) العجاب: ١/ ٤٣٤. قال ابن حجر: \" وذكر ابن ظفر عن الضحاك، قال: سأل بعض الصحابة النبي ﷺ، فذكر نحوه\".","vol":"4","page":166},{"text":"والثاني: أخرج الفريابي (١) والطبري عطاء: \"لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠] قالوا: في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب﴾، إلى قوله: ﴿لعلهم يَرُشدون﴾ \" (٢)، وروي عن السدي (٣)، وابن صالح (٤)، نحو ذلك.\nالثالث: وقال مجاهد: \" ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١١٥] \" (٥).\nالرابع: وقال قتادة: \" ذكر لنا أنه لما أنزل الله ﴿ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟ فأنزل الله: ﴿وإذا سَألك عبادي عَنّي فإنّي قريبٌ﴾ إلى قوله: ﴿يرشدون﴾ \" (٦).\nالخامس: قال مقاتل بن سليمان: \" اعترف رجال من المسلمين عند ذلك بما كانوا يصنعون بعد العشاء [أي: أنهم كانوا يأتون نساءهم بعد أن يناموا في الصيام]، فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا، فأنزل الله﷿- ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾ \" (٧). وقد ذكر القصة مطولا عن عمر بن الخطاب، وصرمة بن أنس بن صرمة بن مالك من بني عدي بن النجار (٨).\nوذكره ابن ظفر عنه أيضا وذكر فيه القصة عن عمر بن الخطاب وعن صرمة بن أنس أبي قيس (٩)، قال ابن حجر: \"وهذا يستلزم أن هذه الآية مؤخرة في النزول، وإن كانت متقدمة في التلاوة\" (١٠).\nالسادس: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: \" أن يهود المدينة قالوا: يا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تتزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، فنزلت هذه الآية\" (١١). وفي رواية أخرى: \" وإن غلظ كل سماء خمسمائة عام\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: العجاب: ١/ ٤٣٣.\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٩٠٧)، و(٢٩٠٨): ص ٣/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٩٠٩): ص ٣/ ٤٨٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٩١٠): ص ٣/ ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٥) أخرجه الطبري (٢٩١١): ص ٣/ ٤٨٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٢٩١٢): تص ٣/ ٤٨٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٦٣.\n(٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٦٢ - ١٦٣. إذ يقول: \" كان في الصوم الأول أن الرجل إذا صلى العشاء الآخرة أو نام قبل أن يصليها حرم عليه الطعام والشراب والجماع كما يحرم بالنهار على الصائم ثم إن عمر بن الخطاب﵁- صلى العشاء الآخرة ثم جامع امرأته فلما فرغ ندم وبكا فلما أصبح أتى النبيﷺ- فأخبره، فقال: يا نبي الله، إني أعتذر إلى الله﷿- ثم إليك من نفسي هذه الخاطئة واقعت أهلي بعد الصلاة، فهل تجد لي رخصة، فقال له النبيﷺ-: لم تك جديرا بذلك يا عمر، فرجع حزينا: ورأى النبيﷺ- صرمة بن أنس بن صرمة بن مالك من بني عدي بن النجار عند العشاء، فقال النبيﷺ-: يا أبا قيس، مالك طليحا، فقال: يا رسول الله، ظللت أمس في حديقتي فلما أمسيت أتيت أهلي، وأرادت المرأة أن تطعمني شيئا سخنا، فأبطأت علي بالطعام، فرقدت فأيقظتني وقد حرم علي الطعام، فأمسيت وقد أجهدني الصوم. واعترف رجال من المسلمين عند ذلك بما كانوا يصنعون بعد العشاء فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا فأنزل الله﷿- وإذا سألك عبادي عني فإني قريب\".\nوقد عقب ابن كثير على هذه الروايات بقوله: \"وهكذا روى عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم فى سبب نزول هذه الآية فى عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع وفى صرمة بن قيس فأباح الله الجماع والطعام والشراب فى جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا .. \". [تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢١].\nوما كان عمر خليقا أن يفعل ذلك كما ورد فى حديث ابن عباس الوارد فى: (ابن كثير ١/ ٢٢٠)، ومع ذلك كانت زلة عمر سببا فى تيسير الله ورحمته بنا فى الصيام.\n(٩) انظر: العجاب: ١/ ٤٣٥.\n(١٠) العجاب: ١/ ٤٣٥. ولاشك بأن مثل هذا الأمر لا يمكن الاعتماد فيه على قول بلا سند!\n(١١) زاد المسير: ١/ ١٨٩، وانظر: العجاب: ١/ ٤٣٥، وقال: ذكره الماوردي ونسبه إلى الكلبي\". ولم نقف عليه في النكت والعيون، وقد ذكر أربعة أقوال في سبب نزول هذه الآية.\n(١٢) العجاب: ١/ ٤٣٥.","vol":"4","page":167},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: \" وإذا سَألك يا محمد عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم\" (١).\nقال المراغي: \" أخبرهم بأني قريب منهم ليس بينى وبينهم حجاب، ولا ولىّ ولا شفيع يبلغنى دعاءهم وعبادتهم، أو يشاركنى في إجابتهم وإثابتهم\" (٢).\nقال الزمخشري: \"تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وقوله ﵊: \"هو بينكم وبين أعناق رواحلكم\" (٣) \" (٤).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، على أقوال (٥):\nأحدها: أن المراد قريب الإجابة.\nوالثاني: قريب من سماع الدعاء.\nوالثالث: قريب بالعلم.\nوالرابع: قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام.\nقال المراغي: \" وإجابة الدعاء: تقبّله ممن أخلص له وفزع إليه، سواء وصل إليه ما طلبه في ظاهر الأمر أم لم يصل، ونحو الآية قوله في سورة ق: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وعلى هذا فلا داعى لرفع الصوت في الدعاء، ولا إلى الوساطة بينهم وبينه في طلب الحاجات كما كان يفعله المشركون من التوسل بالشفعاء والوسطاء\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ \" أي أجيب دعوة من دعاني إِذا كان عن إِيمان وخشوع قلب\" (٧).\nقال البيضاوي: \" تقرير للقرب، ووعد للداعي بالإجابة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي إذا صدق في دعائه إياي بأن شُعر بأنه في حاجة إلى الله، وأن الله قادر على إجابته، وأخلص الدعاء لله بحيث لا يتعلق قلبه بغيره\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول، دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: \"الدعاء هو العبادة قال ربكم ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ \" (١٠)، فسمي الدعاء عبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي دعائي\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٨٠.\n(٢) تفسير المراغي: ٢/ ٧٦.\n(٣) رواه الترمذي (٣٣٧٤): ص ٥/ ٤٢٧، متفق عليه من حديث أبى موسى الأشعرى قال \"كنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة. فلما قفلنا أشرفنا على المدينة، فكبر الناس، ورفعوا أصواتهم. فقال النبي ﷺ: إن ربكم ليس بأصم ولا غائب، هو بينكم وبين رءوس رواحلكم\".\n(٤) الكشاف: ١/ ٢٢٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٠٨.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ٧٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٢.\n(١٠) سنن أبي داود (١٤٧٩)، ومسند أحمد (١٨٣٥٢).\n(١١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٠٨.","vol":"4","page":168},{"text":"قال السدي: \" ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذين يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه إياه، وإن لم يكن له رزق في الدنيا، ذخره له إلى يوم القيامة، أو دفع، عنه به مكروها\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، تأويلان (٢):\nأحدهما: معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني، فعبر عن السماع بالإجابة، لأن السماع مقدمة الإجابة.\nوالثاني: أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقًا للمصلحة أو مخالفًا لها، فإن كان مخالفًا للمصلحة لم تجز الإجابة إليه، وإن كان موافقًا للمصلحة، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين: إما أن يكون مستكملًا شروط الطلب أو مقصورًا فيها: فإن استكملها جازت إجابته، وفي وجوبها قولان (٣):\nأحدهما: أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإجابة.\nوالثاني: أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب، فصارت الإجابة إليها تفضلًا.\nوإن كان مقصورًا في شروط الطلب لم تجب إجابته، وفي جوازها قولان (٤):\nأحدهما: لا تجوز، وهو قول من أوجبها مع استكمال شروطها.\nوالثاني: تجوز، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها.\nوفي قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، قراءتان (٥):\nإحداهما: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعي إِذَا دَعَاني﴾ بإثبات الياء فيهما في الوصل، وهي قراءة أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو.\nوالثانية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، بحذف الياء وصلا ووقفا.\nقال البغوي: \"وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة، ويثبت يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] أي\" فليستجيبوا لي بالطاعة\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي فليجيبوني\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي فليجيبوا لي\" (٩).\nقال البيضاوي: \" إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم\" (١٠).\nقال المراغي: أي: \"أي ليستدعوا مني الإجابة (١١).\nقال الواحدي: \" أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنى أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٦٨): ص ١/ ٣١٤.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣.\n(٥) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٤٨٣.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٥٥.\n(٩) تفسير ان عثيمين: ٢/ ٣٤٢.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.\n(١١) انظر: تفسير المراغي: ١/ ٢٠٥.\n(١٢) التفسير البسيط: ٣/ ٥٩٤.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٢٢٩.","vol":"4","page":169},{"text":"قال الصابوني: \" أي إِذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي\" (١).\nقال المراغي: \"أي وإذ كنت قريبا منهم مجيبا دعوة من دعانى، فليستجيبوا لى بالقيام بعمل ما أمرتهم به\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، أربعة تأويلات (٣):\nأحدها: أن الإستجابة بمعنى الإجابة، يقال استجبت له بمعنى أجبته، وهذا قول أبي عبيدة (٤).\nلأن (استجاب) بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي أجاب، وكما قال الله تعالى: ﴿والذين استجابوا لربهم﴾ [الشورى: ٣٨]، ومنه قول كعب بن سعد الغنويّ (٥):\nوَدَاعٍ دَعَا يَامَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيب\nأي فلم يجبه.\nوالثاني: أن الإستجابة طلب الموافقة للإجابة، وهذا قول ثعلب (٦).\nوالثالث: أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة. وهذا معنى قول مجاهد (٧)، وابن جريج (٨)، والربيع بن أنس (٩) ..\nوالرابع: فليستجيبوا لي، يعني فليدعوني. قاله أنس بن مالك (١٠).\nقال الثعلبي: \" والاجابة من الله تعالى الإعطاء، ومن العبد الطّاعة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: \" وليصدقوا بي فإني قريب سريع الإجابة أجيبهم\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" أمر بالثبات والمداومة عليه.\" (١٣).\nقال القاسمي: \" أمرٌ بالثبات على ما هم عليه\" (١٤).\nقال الطبري: \" أي: \" وَليصدِّقوا بي، إذا همُ استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وَرَاء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: \"أي: وليؤمنوا بأني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان\" (١٦)،\nأخرج الطبري عن أبي رجاء الخراساني: \" ﴿وليؤمنوا بي﴾، يقول: أني أستجيب لهم\" (١٧). وروي عن أنس بن مالك (١٨) نحوه.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٣١١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٥) ديوانه: ١٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢٥ والخزانة ٢: ٩٥، وأمالي الشجري ٢: ٢٣١، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٦.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٧٠): ص ١/ ٣١٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٧٠): ص ١/ ٣١٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٧٠): ص ١/ ٣١٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٦٩): ص ١/ ٣١٥.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٥.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٦٤.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/! ٢٥.\n(١٤) محاسن التأويل: ١/ ٢٠١.\n(١٥) تفسير الطبري: ٣/ ٤٨٤.\n(١٦) تفسير ان عثيمين: ٢/ ٣٤٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٩١٦): ص ٣/ ٤٨٤.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٧١): ص ١/ ٣١٥.","vol":"4","page":170},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وجهان من التفسير (١):\nأحدهما: ليؤمنوا في أني أجيب دعاءهم. قاله أبو رجاء (٢).\nوالثاني: أن ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته.\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ أي: \" لكي يهتدوا\" (٣).\nقال البيضاوي: أي: \" راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد\" (٥).\nقال الربيع: \" يقول: لعلهم يهتدون\" (٦). وروي عن أبي العالية (٧) نحو ذلك.\nقال السعدي: \" أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ \" (٨).\nو(الرشد): \"يطلق على معانٍ: منها: حُسن التصرف، كما في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]؛ ولا شك أن من آمن بالله، واستجاب له فإنه أحسن الناس تصرفًا، ويوفّق، ويُهدى، وتُيسر له الأمور، كما قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وقال تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ - ٧] \" (٩).\nقال المراغي: \" الرشد والرشاد ضد الغىّ والفساد (١٠): أي إن الأعمال إذا صدرت بروح الإيمان يرجى أن يكون صاحبها راشدا مهتديا، أما إذا صدرت اتباعا للعادة وموافقة المعاشرين فلا تعدّ للرشاد والتقوى، بل ربما زادت فاعلها ضراوة في الشهوات، وفسادا في الأخلاق، كما يشاهد ذلك لدى الصائمين الذين يصومون تقليدا لآبائهم وعشيرتهم لا بإخلاص لربهم وابتغاء لمثوبته\" (١١).\nوقيل: \"الرَّشَد أخص من الرُّشْد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا\" (١٢).\nوإن قيل فما وجه قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ﴿أدعوني أستجب لكم﴾ وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين على أقوال (١٣):\nأحدهما: أن معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب.\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٥٦.\n(٢) تفسير الطبري (٢٩١٦): ص ٣/ ٤٨٤.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/! ٢٥.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٥٩٥.\n(٦) أخرجه الطبري (٢٩١٧): ص ٣/ ٤٨٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٧٢): ص ١/ ٣١٥.\n(٨) تفسير السعدي: ٨٧.\n(٩) تفسير ان عثيمين: ٢/ ٣٤٢.\n(١٠) انظر: المفردات: ٢٠٢.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٣١١.\n(١٢) المفردات: ٢٠٢.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٧٥، وتفسير المراغي: ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦.","vol":"4","page":171},{"text":"والثاني: أن معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إن شئت، كما قال: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام: ٤١﴾، أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو: أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا.\nروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ\" (١).\nوالثالث: أنه عام، ومعنى قوله ﴿أُجِيب﴾ أي اسمع، ويقال ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة.\nوالرابع: أن معنى الآية: أنه لا يخيِّب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءا والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه، الله إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" (٢).\nوالخامس: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته.\nوالسادس: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَرْشُدُونَ﴾] البقرة: ١٨٦]، وجوها من القراءة (٤):\nأحدها: ﴿يَرْشَدُونَ﴾، بفتح الشين.\nوالثاني: ﴿يَرشِدون﴾، بكسر الشين. قرأ بها ابن أبي عبلة وأبو حيوة (٥).\nوالثالث: ﴿يُرْشَدُون﴾، بضم الياء، وفتح الشين (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله ﷾ ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام؛ ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام.\nوقال بعض أهل العلم: يستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام - أي عند الإفطار.\n٢ - ومنها: رأفة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي﴾، حيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا، وتعطفًا عليهم.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٢٠٩٦).\nرواه البخاري مختصرا في الدعوات - باب: يستجاب للعبد ما لم يستعجل: ١١/ ١٤٠. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل برقم (٢٧٣٥) ٤/ ٢٠٩٥ واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: ٥/ ١٩٠.\n(٢) رواه الترمذي: في الدعوات - باب: في انتظار الفرج عن جابر: ١٠/ ٢٤ وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. والحاكم: ١/ ٤٩٣ وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: ٣/ ١٨ عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: ٥/ ١٨٦.\n(٣) انظر: تفسير المراغي: ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٢٢٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٥٦، ومعاني القرآن للأخفش: ١/ ١٧٢، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٢٥.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٥٦.\n(٦) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٧٢.","vol":"4","page":172},{"text":"٣ - ومنها: إثبات قرب الله ﷾؛ والمراد قرب نفسه؛ لأن الضمائر في هذه الآية كلها ترجع إلى الله؛ وعليه فلا يصح أن يحمل القرب فيها على قرب رحمته، أو ملائكته؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، ويقتضي تشتيت الضمائر بدون دليل؛ ثم قرب الله ﷿ هل هو خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ أو هو عام؟ على قولين؛ والراجح أنه خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ لأنه لم يَرد وصف الله به على وجه مطلق؛ وليس كالمعية التي تنقسم إلى عامة، وخاصة.\nفإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق~: ١٦، ١٧]- وهذا عام؟ فالجواب أن المراد بالقرب في هذا الآية قرب ملائكته بدليل قوله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق~: ١٧]، ومثلها قوله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]: فإن المراد بها قرب الملائكة الذين يقبضون الروح.\nفإن قال قائل: كيف الجمع بين قربه جل وعلا وعلوه؟\nفالجواب: أن الله أثبت ذلك لنفسه - أعني القرب، والعلو؛ ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين صفتين متناقضتين؛ ولأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته؛ فهو قريب في علوه عليٌّ في دنوه.\n٤ - ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله؛ لقوله تعالى: ﴿أجيب﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يُسمعَ ما دعا به.\n٥ - ومنها: إثبات قدرة الله؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.\n٦ - ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.\n٧ - ومنها: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله ﷿، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله، وجوده؛ لقوله تعالى: ﴿إذا دعان﴾.\n٨ - ومنها: أن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعًا إلى الله، وإلحاحًا في الدعاء؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع﴾.\n٩ - ومنها: أن الإنابة إلى الله ﷿، والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله تعالى: ﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾.\n١٠ - ومنها: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما؛ فمن تعبد لله ﷾ وهو ضعيف الإيمان بأن يكون عنده تردد - والعياذ بالله - أو شك فإنه لا ينفعه؛ أو يكون عنده إنكار، كما يفعل المنافقون: فإنهم يتعبدون إلى الله ﷿ ظاهرًا؛ لكنهم ليس عندهم إيمان؛ فلا ينفعهم.\n١١ - ومنها: إثبات الأسباب، والعلل؛ ففيه رد على الجهمية، وعلى الأشاعرة؛ لأنهم لا يثبتون الأسباب إلا إثباتًا صوريًا، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها لكن يكون الفعل عندها.\nالقرآن\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]\nالتفسير:\nأباح الله لكم في ليالي شهر رمضان جماعَ نسائكم، هنَّ ستر وحفظ لكم، وأنتم ستر وحفظ لهن. علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم؛ بمخالفة ما حرَّمه الله عليكم من مجامعة النساء بعد العشاء في ليالي الصيام -وكان ذلك","vol":"4","page":173},{"text":"في أول الإسلام-، فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد، وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس. ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد؛ لأن هذا يفسد الاعتكاف وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى. تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام. بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس؛ كي يتقوه ويخشَوْه.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: ذكر أبو إسحاق عن البراء ابن عازب قال: \"كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإن قَيْس بن صِرْمة الأنصاري كان صائمًا، وكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حَضَر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينُه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا\" (١).\nوالثاني: أخرج البخاري من طريق أبي إسحاق: \"سمعت البراء قال: لما نزل صومُ رمضان كانوا لا يقرَبُون النساء، رَمَضَان كُلّه، وكان رجَال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ \" (٢).\nقال الحافظ ابن حجر: \" الآية نزلت في الأمرين معًا\" (٣).\nوالثالث: أخرج الواحدي عن سهل بن سعد قال: \"نزلت هذه الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾، ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ وكان رجال إذا أرادو الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار\" (٤).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٩٣٨): ص ٣/ ٤٩٥. وحديث البراء في كتاب الصيام في البخاري-فتح-: ٤/ ١٥٤ رقم: ١٩١٥ ونصه (كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي-ثم ذكر قصة قيس بن صرمة وأنه غشي عليه منتصف النهار من الجوع لكونه نام قبل أن يأكل-فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ).\n(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٠٨).\n(٣) أي: الأكل والشرب ومباشرة النساء. انظر: فتح الباري: ٤/ ١٥٦ - ١٥٧. وقد نص على ذلك الطبري في جامع البيان: ٣/ ٤٩٣ (... كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين أحدهما: جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٨٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٧٥. أما نزول الآية في الأكل والشرب فواضح في قصة قيس بن صرمة المذكورة في حديث البراء قبل، وأما نزولها في الجماع فجاء من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ أن عمر واقع امرأته بعد أن نامت ظنًا منه أنها تتعلل بذلك، لكن ابن أبي ليلى لم يلق معاذًا كما أبان ذلك الحافظ في الفتح: ٨/ ٣١، وحديث ابن أبي ليلى عن معاذ في المسند-تحقيق الزين-: ١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٩ رقم: ٢٢٠٢٣ وسق أبي داود: ١/ ٣٤٤ - ٣٤٧ رقم: ٥٠٦ والمستدرك للحاكم: ٢/ ٢٧٤ وغيرها، وظاهر صنيع الحافظ في الفتح: ٨/ ٣١ تحسينه له إذ قال: (وقد جاء عنه-أي: ابن أبي ليلى-فيه: حدثنا أصحاب محمد ... فكأنه سمعه من غير معاذ أيضًا، وله شواهد ...) وحسنه أيضًا: الحميدان في تخريجه لأسباب نزول الواحدي: ٥٠ - ٥١. وانظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٤٩٣ - ٥٠٣ إذ روى من طريق ابن عباس نحو ذلك، ومن طريق أصحاب مجاهد وعطاء وعكرمة والسدي وقتادة وثابت نحو ذلك، لكن لم يزد واحد منهم في القصة على تسمية عمر، إلا في حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عند ابن جرير إذ ورد فيه: (وضع كعب بن مالك مثل ذلك)، انظر: الفتح: ٨/ ٣١. وأسباب النزول للواحدي-تخريج الحميدان: ٤٩ - ٥٢، لباب النقول للسيوطي: ٣٤ - ٣٥، العجاب في أسباب النزول لابن حجر: -تحقيق الأنيس-: ١/ ٤٣٦ - ٤٤٧.\n(٤) أسباب النزول: ٥٢ - ٥٣. وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٨/ ١٨٢ - ح: ٤٥١١) ومسلم (٢/ ٧٦٧ - ح: ١٠٩١) والطبراني (المعجم الكبير: ٦/ ١٧٩ - ح: ٥٧٩١) وابن جرير (٢/ ١٠٠) عن سهل بن سعد ﵁ به. ويشهد له:\n* ما أخرجه البخاري (فتح الباري: ٨/ ١٨٢ -: ٤٥٠٩) ومسلم (٢/ ٧٦٦ - ح: ١٠٩٠) وأبو داود (٢/ ٧٦٠ - ح: ٢٣٤٩) والترمذي (٥/ ٢١١ - ح: ٢٩٧١) والنسائي (جامع الأصول: ٢/ ٢٨) والطبراني (المعجم الكبير: ١٧/ ٧٩ - ح: ١٧٢ - ١٧٩) وابن جرير (٢/ ١٠٠) عن عدي بن حاتم قال:\nلما نزلت: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض وعقالا أسود أعرف الليل والنهار، فقال رسول الله ﷺ: \"إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار\". وهذا لفظ مسلم.\nوالراجح أن هذا ليس سبب نزول وإنما هو فهم خاطئ من عدي ﵁ بعد نزول الآية بينه له النبي ﷺ، والله أعلم. [انظر: حاشية أسباب النزول: ٥٢].","vol":"4","page":174},{"text":"قال ابن كثير: \" هذه رُخْصة من الله تعالى للمسلمين، ورَفْع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مَشَقة كبيرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \" أي أبيحٍ لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم\" (٢).\nقال الطبراني: أي: \"أُبيْحَ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ، والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي أحل لكم ليلة الصيام الجماع، لأنه كان في أول فرض الصيام الجماع محرما في ليلة الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة والنوم، فأحل الله الجماع والأكل والشراب إلى وقت طلوع الفجر\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني: أحل الله لكم، أي: \"أطلق لكم وأبيح\" (٥).\nقال القرطبي: \" لفظ ﴿أُحِلَّ﴾، يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ\" (٦).\nقال ابن عباس: \" ﴿الرفث﴾، الجماعُ، ولكن الله كريم يَكني\" (٧)، وروي عن مجاهد (٨)، وقتادة (٩)، وسالم بن عبدالله (١٠)، والسدي (١١)، مثل ذلك.\nقال الزجاج: ﴿الرفث﴾: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، والمعنى ههنا كناية عن الجماع\" (١٢).\nقال ابن عرفة: \"الرفث ههنا الجماع (١٣).\nوقد أجمع المفسرون على أنَّ المراد بـ (الرَّفَثُ) هو كناية عن الجماع، وأصله فاحش القول (١٤)، وقد علّل بعضهم إيثار هذه اللقطة الدالة على معنى القبح في هذا الموضع، وهو استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥١٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١٢٥.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٤٨٧.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٣١٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٢٩٢٠): ص ٣/ ٤٨٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٩٢٤): ص ٣/ ٤٨٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٩٢٣): ص ٣/ ٤٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٩٢٧): ص ٣/ ٤٨٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٩٢٨): ص ٣/ ٤٨٨.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٥٥.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٣١٥.\n(١٤) ينظر: معاني القرآن، الفراء ١/ ١١٤، ومعاني القرآن للزجّاج ١/ ٢٢١، والتبيان في تفسير القرآن ٢/ ١٣٢، وإرشاد العقل السليم ١/ ٣١٧.","vol":"4","page":175},{"text":"سماه اختيانا لأنفسهم (١). إذْ كان الرّجل إذا أمسى حلَّ له الأكل، والشرب، والجماع إلى أنْ يصلي العشاء الآخرة، أو يرقد، فإذا صلاّها، أو رقد ولم يفطر، حرّم عليه الطّعام، والشّراب، والنّساء إلى القابلة. وقد واقع عدد من الرجال نساءهم بعد العشاء، فاعترفوا للرسول (﵌) فنزلت الآية (٢).\nوفي تقديم الظرف (لَيْلَةَ الصِّيَامِ) على (الرَّفَثُ) تشويق؛ لأنّ ما حقّه التقديم إذا تأخّر تبقى النفس إليه مترقبة فيتمكن وقت وروده فضل تمكن (٣).\nوفي اللغة العربية تدل كلمة (الرفث) (٤) على معنيين:\nأحدهما: رفث اللسان: قيل: الرفث أصله قول الفحش، يقال: رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح، ومنه قول العجاج (٥):\nوربِّ أسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ\nفالمقصود بـ (الرفث) هنا القول الذي يصدر من اللسان.\nوكذلك جاء في أساس البلاغة: \"رَفثَ في كلامه، وأرفثَ، وترفّثَ: أفْحشَ وأفْصحَ بما يجب أنْ يُكنّى عنه من ذكر النّكاح \" (٦) ثم استشهد بقول العجاج السابق.\nقال الخليل: \"الرّفث: الجماع، رفثَ إليها وتَرْفثَ، وهذه كناية وفلان يَرفثُ، أي: يقول الفُحش، وقال ابن عباس: الرفث ما قيل عند النّساء، وقوله ﷿: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ) إنّما نهى عن قول الفحش\" (٧).\nالثاني: ويأتي (الرفث) بمعنى الوقاع نفسه، بدليل قول الشاعر أيضًا (٨):\nويرين من أنس الحديث زوانيا ... وبهن عن رفث الرجال نفار\nفالمراد بالرفث هنا هو الوقاع.\nقلت: ولا شك أن الرفث الذي حُرم في الصوم ليس هو كل ما يتعلق بالجماع حتى النظر من الرجل إلى امرأته النظرة بشهوة إلى غير ذلك؛ لأن هذا مما لم نعرفه من قبل ولو أطلقنا ذلك لترتب على ذلك ضرر كبير، والله ﵎ ما جعل علينا في الدين من حرج.\nوقد روي أنها في قراءة عبد الله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفوثُ إلى نسائكم﴾ (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قراءتان (١٠):\n_________\n(١) ينظر: التفسير الكبير ٥/ ٩٠، الكشاف ١/ ٢٥٧.\n(٢) ينظر: الكشاف ١/ ٢٥٦.\n(٣) ينظر: إرشاد العقل السليم ١/ ٣١٧.\n(٤) وردت هذه اللفظة في القرآن في موضعين الأول في الآية السابقة، والثاني في البقرة آية (١٩٧).\n(٥) ديوانه ١/ ٤٥٦ وفيه: حجيج نَظمِ. من رجز له طويل، حمد فيه الله ومجده بقوله:\nفَالحَمْد ِللهِ العَلِيِّ الأَعْظَمِ ... ذِي الجَبَرُوتِ والجَلالِ الأَفْخَمِ\nوَعَالِمِ الإِعْلانِ والمُكَتَّمِ ... وربّ كُلِّ كَافِرٍ ومُسْلِمِ\nثم عطف على قوله: \" ورب كل كافر ومسلم \" عطوفًا كثيرة، حتى انتهى إلى ما أنشده الطبري:\nوربِّ أسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عن اللَّغَا وَرفَثِ التَّكَلُّمِ\nوالأسراب جمع سرب: وهو القطيع أو الطائفة من القطار الظباء والشاء والبقر والنساء، وجعله هذا للحجاج. والحجيج: الحجاج. وكظم جمع كاظم: وهو الساكت الذي أمسك لسانه وأخبت، من الكظم (بفتحتين) وهو مخرج النفس. واللغا واللغو: السقط ومالا يعتد به من كلام أو يمين، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.\n(٦) أساس البلاغة ٢٣٨، وينظر: لسان العرب، مادة (رفث) / ١٩٣.\n(٧) العين: مادة (رفث) ٢/ ١٦١.\n(٨) لم أتعرف على قائله، وهو من شواهد: تفسير القرطبي: ٢/ ٣١٥. والدر المنثور: ١/ ١٨٦.\n(٩) تفسير الطبري ٣/ ٤٨٧.، يقال: \" هو الرفثُ والرُّفوث.\n(١٠) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٦.","vol":"4","page":176},{"text":"إحدهما: ﴿الرَّفَثُ﴾، قراءة الجمهور.\nوالثانية: ﴿الرُّفُوثُ﴾، برفع الواو والفاء وبواو، قرأ بها ابنُ مسعود والأعمشُ\nوالرفوثُ والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع، قال الشاعرُ (١):\nفَضَلْنَا هُنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ ... وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرُ الرَّفَثِ\nوقال القُتَيبيُّ: \"الرَّفَثُ: هُوَ الإفْصَاحُ عَمَّا تُحِبُّ أنْ يُكْنَى بهِ عَنْ ذِكْرِ النِّكَاحِ؛ وَأصْلُهُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبيْحُ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقر: ١٨٧]، أي \"هن سَكَنٌ لكم وأنتم سَكَنٌ لَهن\" (٣).\nقال صاحب الكشاف: \" هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"أي تعليل حل الرفث إلى النساء ليلة الصيام - لأن الزوج لا يستغني عن زوجه فهو لها بمنزلة اللباس؛ وكذلك هي له بمنزلة اللباس؛ وعبر سبحانه باللباس لما فيه من ستر العورة، والحماية، والصيانة؛ وإلى هذا يشير قول النبي ﷺ: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج\" (٥) (٦).\nقال الراغب: \" جعل اللباس كناية عن الزوج، لكونه سترًا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس يمنع أن تبدو السوءة، وعلى ذلك جعلت المرأة إزارًا، وسمي النكاح حصنا، لكونه حصينًا لذويه عن تعاطي القبيح.\nقال الأصم: \"أي: كأن يعطي كل واحد على الآخر ما يتعاطاه من الاختيارمن قولهم: لبست عليه ذيلي\" (٧).\nقال الشوكاني: \" وجعل النساء لباسا للرجال والرجال لباسا لهن لإمتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالإمتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه قال أبو عبيدة وغيره يقال للمرأة لباس وفراش وإزار وقيل إنما جل كل واحد منهما لباسا للآخر لأنه يستره عنده الجماع عن أعين الناس\" (٨).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قولان (٩):\nأحدها: بمنزلة اللباس، لإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه، يستتر به كالثوب الملبوس، كما قال النابغة الجعدي (١٠):\nإذا ما الضّجِيعُ ثَنَى جِيدَها ... تَثَنّت عليه فَكانَتْ لِباسًا\nفكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد ب \" اللباس \"، كما يكنى ب \" الثياب \" عن جسد الإنسان، كما قالت ليلى، وهي تصف إبلا ركبها قومٌ (١١):\n_________\n(١) البيت من شواهد الطبراني:: ١/ ١٢٥، ولم أتعرف على قائله:\n(٢) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٥.\n(٣) قاله ابن عباس، انظر: تفسيرالطبري (٢٩٣٤): ص ٣/ ٤٩٢.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٠.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٤٣٨، كتاب النكاح، باب ٣: من لم يستطع الباءة فليصم، حديث رقم ٥٠٦٦، وأخرجه مسلم ص ٩١٠، كتاب النكاح، باب ١: استحباب النكاح لمن تقات نفسه إليه ووجد مؤنة ...، حديث رقم ٣٣٩٨ [١] ١٤٠٠.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٩٨.\n(٨) تفسير الفتح القدير: ١/ ١٨٧.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٤.\n(١٠) انظر:: الصحاح: مادة (لبس) ٢/ ١٣١، والشعر والشعراء: ٢٥٥، ومجاز القرآن: ٢٧، وتأويل مشكل القرآن: ١٠٧، والبيت في ديوانه ٨١، وفيه: تداعتْ فكانَتْ عليه لِباسًا\n(١١) المعاني الكبير ١: ٤٨٦، وتأويل مشكل القرآن: ١٠٧ وغيرهما. وقولهما: \" رموها بأثواب \" قالوا: تعني بأجسام خفاف (المعاني) والصواب في ذلك أن يقال: أن هؤلاء الركب قد لوحتهم البيد وأضتتهم، فلم يبق فيهم إلا عظام معروقة عليها الثياب، لا تكاد ترى إلا ثوبًا يلوح على كل ضار وضامر، ولذلك شبهت الإبل عليها ركبها بالنعام المنفر. والمنفر: الذي ذعر فانطلق هاربًا يخفق في الأرض. [حاشية الطبري: ٣/ ٤٩٠].","vol":"4","page":177},{"text":"رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ، فَلا تَرَى ... لَهَا شَبَهًا إلا النَّعَامَ المُنَفَّرَا\nيعني: رموها بأنفسهم فركبوها. وكما قال الهذليّ (١):\nتَبَرَّأُ مِنْ دَمِ القَتيلِ وَوَتْرِهِ ... وَقَدْ عَلِقَتْ دَمَ القَتِيلِ إزَارُهَا\nيعني ب \" إزارها \"، نفسها (٢).\nوالثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباسًا﴾ [النبأ: ١٠] أي سكنًا، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٨٩]، وهذا قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦).\nو(اللباس) في اللغة تعني: \"ما واريْتَ به جسَدَكَ\" (٧). وهي مصدر قولك لبستُ الثوبَ ألبسُ، واللباس ما يُلبس، وكذلك الملبس، واللِبس بالكسر مثله، ولباس الرّجل: امرأته، وزوجها: لباسها (٨).\nوقد لاحظ ابن فارس دلالة المخالطة، والمداخلة في مادة (لبس) إذْ قال: \"اللام والباء والسين أصل صحيح واحد، يدلّ على مخالطة ومداخلة، من ذلك لبستُ الثوبَ ألبسهُ، وهو الأصل، ومنه تتفرع الفروع .... ومن الباب: اللباس، وهي امرأة الرّجل، والزّوج لباسها\" (٩).\nوهذه الدلالة هي التي فسر بها العلماء قوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾، إذْ المعنى: تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وقيل أيضا: إنّما جعل كل واحد منهما لباسًا للآخر لاعتناقهما، واشتمال كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه؛ أو لأنّ كل واحد منهما يستر على صاحبه، ويمنعه من الفجور (١٠).\nوهذه الجملة مستأنفة مبينة لسبب الإحلال، وهو صعوبة الصبر على النّساء في هذا الوقت، فلو فُرض الصوم على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان من الصعوبة الإمساك عن التقرب من النّساء، وفيه\n_________\n(١) ديوانه: ٢٦، والمعاني الكبير: ٤٨٣، ومشكل القرآن: ١٠٨ وغيرها. من قصيدة له عجيبة، يرثى بها صديقه وحميمه نشيبة بن محرث، استفتحها متغزلا مشببًا بصاحبته أم عمرو، واسمها فطيمة، وقال قبل هذا البيت، يلوم نفسه على هجرها ويقول:\nفَإنَّكَ مِنْهَا والتَّعَذُّرَ، بَعْدَ مَا ... لَجِجْتَ، وشطَّتْ مِنْ فُطَيْمَةَ دَارُهَا\nكَنَعْتِ الَّتِي ظَلَّت تُسَبِّع سُؤْرَهَا ... وَقَالتْ: حَرَامٌ أنْ يرَجَّلَ جَارُهَا\nتبرَّأُ مِنْ دَم القَتِيل. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nيقول أنت في انتفاءك من حبها بعد اللجاجة فيه، كهذه المرأة التي قتلت قتيلا وحازت بزه، أي سلاحه، وأخفته. قال الأصمعي في خبر هذه المرأة: هذه امرأة نزل بها رجل فتحرجت أن تدهنه وترجل شعره، ثم جاء كلب فولغ في إنائها فغسلته سبع مرات. وذلك بعين الرجل، فتعجب منها ومن ورعها. فبينا هو كذلك، أتاها قوم يطلبون عندها قتيلا، فانتفلت من ذلك - أي أنكرت - وحلفت. ثم فتشوا منزلها، فوجدوا القتيل وسلاحه في بيتها \".\nيقول أنت كهذه المرأة، تجحد حب صاحبتك، وتظهر أنك قد كبرت وانتهيت عن الجهل والصبا، ولو فتش قلبك. لرأوا حبك لها لا يزال يتأجج ويشتعل.\n(٢) انظر تفسير الطبري: ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣٤): س ٣/ ٤٩٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣٠): س ٣/ ٤٩٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣١): س ٣/ ٤٩٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣٢): س ٣/ ٤٩٢.\n(٧) العين: مادة (لبس) ٧/ ٢٦٢.\n(٨) ينظر: الصحاح: مادة (لبس) ٢/ ١٣١، والبيت في ديوانه ٨١، وفيه: تداعتْ فكانَتْ عليه لِباسًا\n(٩) مقاييس اللغة، مادة (لبس) ٥/ ٢٣٠.\n(١٠) ينظر: مجمع البيان ٢/ ١٤، والكشاف ١/ ٢٥٧، وإرشاد العقل السليم ١/ ٣١٧.","vol":"4","page":178},{"text":"من العنت والمشقة الشديدة ما لا يكون في وقت النهار، لإمكان الاستعانة عليه بالبعد عن المرأة (١). وممّا يدلّ على قلة صبر الرّجل على المرأة تقديم قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، ففيه ظهور لاحتياج الرّجل إلى المرأة فضلًا عن أنّ الرّجل هو البادئ لطلب ذلك الفعل، ولا تكاد المرأة تطلب ذلك الفعل لغلبة الحياء عليها (٢).\nوثمة سبب آخر لذلك التقديم ينبغي الالتفات إليه، وهو أنّ الخطاب في أول الآية موجّه للرجل فناسب ذلك تقديم ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾. والله أعلم.\nوذكر الرازي في تشبيه الزوجين باللباس وجوها (٣):\nأحدها: أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا.\nوقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن (٤).\nقال الطبري: \" ورجح هذا التصحيح عندي: متجردين في فراش واحد، بمنزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما: هو (لباس) لصاحبه\" (٥).\nوثانيها: إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر \"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه\" (٦).\nقال الطبراني: \"يقال: لِمَا سترَ الشيءَ وواراهُ لباسًا، فجازَ أن يكون كلُّ واحد منهما لصاحبه سِترًا عما لا يحل، كما روي في الخبر \" مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ نِصْفَ دِيْنِهِ \" (٧).\nوثالثها: أنه تعالى جعلها لباسا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس.\nورابعها: يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.\nوخامسها: ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور.\nوسادسها: أن يكون جَعل كلَّ واحد منهما لصاحبه (لباسًا)، لأنه سَكنٌ له، كما قال جل ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [سورة الفرقان: ٤٧]، يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه، وكذلك زوجة الرجل سَكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٨٩].\nفيكون كل واحد منهما (لباسًا) لصاحبه، بمعنى سكونه إليه. وبذلك كان مجاهد يقول: \" ﴿هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن﴾، يقول: سكنٌ لهن\" (٨).\n_________\n(١) ينظر: الكشاف ١/ ٢٥٧، والتحرير والتنوير ٢/ ١٥٤.\n(٢) ينظر: البحر المحيط ٢/ ٥٦.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٦٩ ومابعدها.\n(٤) أخرجه الطبري (٢٩٢٩): ص ٣/ ٤٩١.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٤٩٠.\n(٦) حديث \"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه ... \" قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: \"لم نجد له ثبوتا\" ا. هـ. وقريب منه ما رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم (واللفظ له) عن أنس مرفوعا (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في سلسلة الصحيحة. (ر. المعجم الأوسط للطبراني: ٧٦٤٣، ٨٧٨٩، مستدرك الحاكم: ٢/ ١٦١، مشكل الوسيط لابن الصلاح - بهامش الوسيط: ٥/ ٢٤، سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٢/ ١٦٠ ح ٦٢٥).\n(٧) تفسير الطبرني: ١/ ١٢٥.\n(٨) تفسير الطبري (٢٩٣٠): ص ٣/ ٤٩٢.","vol":"4","page":179},{"text":"والقول الأخير هو الأقرب الى الصواب، والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ \"أي علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم\" (١).\nقال النسفي: أي: \"تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير\" (٢).\nقال صاحب الكشاف: \"والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة\" (٣).\nقال الطبراني: \"أي عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَظْلِمُونَ أنفُسَكم بمعصيتكم وجِماعِكم بعد العشاءِ الأخيرة في ليالِي الصَّومِ\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"أي تخادعونها بإتيانهن، بحيث لا تصبرون\" (٥).\nقال المراغي: \" أي تخونون أنفسكم بعمل شىء تعدونه حراما\" (٦)، أو: \"تنقصونها بعض ما أحل لها من اللذات\" (٧)، \"إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به، إذ قد ذهب بهم اجتهادهم إلى أنهم يحرمون على أنفسهم بعد النوم في الليل ما يحرم على الصائم في النهار، لكنهم قد خانوا أنفسهم بحسب اعتقادهم فهم عاصون بما فعلوا\" (٨).\nوفي سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم، شيئان (٩):\nأحدهما: إتيان النساء.\nالثاني: الأكل والشرب.\nوالظاهر - والله أعلم -: \"أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن هذا الأمر هين؛ أو بأنه صار في حال لا تحرم عليه زوجته؛ وما أشبه ذلك؛ وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى أحدهم العشاء الآخرة، أو إذا نام قبل العشاء الآخرة فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم لم يصبر؛ فبين الله ﷿ حكمته، ورحمته بنا، حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \"أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \"أي: تاب عليكم بنسخ الحكم الأول الذي فيه مشقة؛ وتجاوز عما وقع منكم من مخالفة\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٧٩.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ١٠٦.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٠.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٧.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ٧٨.\n(٧) تفسير المراغي: ٩/ ١٣٩.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٧٨.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٧.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٧.","vol":"4","page":180},{"text":"قال المراغي: \" أي فقبل توبتكم وعفا عن خيانتكم أنفسكم، إذ خالفتم ما كنتم تعتقدون حين فهمتم من قوله: ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، تحريم ملامسة النساء ليلا، أو تحريمها بعد النوم كتحريم الأكل والشرب\" (١).\nقال النسفي: \" ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور، ﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ما فعلتم قبل الرخصة\" (٢).\nقال أهل العلم: \"والنسخ إلى الأسهل توبة كما في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فيعبر الله ﷿ عن النسخ بالتوبة إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل محرم؛ أو بترك واجب\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، تأويلان (٤):\nأحدهما: العفو عن ذنوبهم.\nوالثاني: العفو عن تحريم ذلك بعد النوم.\nقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \" أي فالآن إذ أحلّ لكم الرفث إليهنّ بالنصّ الصريح، باشروهن\" (٥).\nقال الماوردي: \" يريد به الجماع، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة، وكان ذلك منه بيانًا لما كان في جماع عمر \" (٦).\nقال ابن عاشور: يقول: فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم، والأمر للإباحة، وليس معنى قوله ﴿فَالْآنَ﴾ إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذ\"ٍ (٧).\nقال ابن عثيمين: أي: \" فالآن بعد التحريم، وبعد تحقيق التوبة، والعفو باشروهن\" (٨).\nقال الطبراني: \"أي جامِعُوهن في ليالِي الصومِ فهو حلالٌ لكم. سُميت الْمُجَامَعَةُ مباشرةً؛ لتلاصُقِ بَشَرَةِ كلِّ واحد منهما لصاحبهِ (٩).\nقال ابن عباس: \" المباشرة الجماع، ولكنّ الله كريمٌ يكني\" (١٠). وفي رواية أخرى: ولكن الله يكني ما شاء بما شاء\" (١١).\nوقال ابن جريج: \" قلت لعطاء قوله: \" فالآن باشرُوهن \" قال: الجماع\" (١٢).\nو(البشَرة): هي أعلى جلد الوجه والجسد من الإنسان، وهو البَشَر اذا جمعته، وجمع الجمع أبشار، ومنه اشتقت مباشرة الرّجل المرأة لتضامّ أبشارهما؛ أو باشر الرّجل المرأة، أي: إفضاؤه ببشرته إلى بشرتها (١٣).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٨٠.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ١٠٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٧.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٥.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٨٠.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٢٤٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن عاشور: ٢/ ١٨٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٨.\n(٩) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٦.\n(١٠) تفسير الطبري (٢٩٥٣): ص ٣/ ٥٠٣.\n(١١) أخرجه الطبري (٢٩٥٨): ص ٣/ ٥٠٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (٢٩٥٧): ص ٣/ ٥٠٤.\n(١٣) ينظر: العين، مادة (بشر) ٦/ ٢٥٩، ومقاييس اللغة، مادة (بشر) ١/ ٢٥١.","vol":"4","page":181},{"text":"ولم تخرج دلالة هذه اللفظة عند المفسرين عن هذا المعنى إذْ ذكروا أنّ المراد هو الجماع، وعبّر عنه القرآن بالمباشرة؛ لأنّ المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. وثمة رأي آخر يرى أنّ المباشرة هي الجماع فما دونه (١). والأمر هنا للإباحة، وليس المراد ب (الآن) الإشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه (الآن) اتّضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم (٢). فهو بمثابة رخصة قد نزلت ولم تكن قبل ذلك لهم (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \"أي\" اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" وذلك بالجماع الذي يحصل به الإنزال (٥).\nقال المراغي: أي: \" واطلبوا بتلك المباشرة ما قدر لهذا الجنس بمقتضى الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل، ولإحصان كل منهما الآخر وصده عن الحرام \" (٦).\nقال ابن عاشور: \" والابتغاء الطلب، وما كتبه الله: ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضًا للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض\" (٧).\nوقد اختلفوا في تأويل قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، على أوجه:\nأحدها: طلب الولد، وهو قول مجاهد (٨)، وشعبة (٩)، وعكرمة (١٠)، والحسن بن أبي الحسن (١١)، والسدي (١٢)، وابن عباس (١٣)، والربيع (١٤)، وابن زيد (١٥)، والضحاك بن مزاحم (١٦).\nوالثاني: ليلة القدْر، وهو قول ابن عباس (١٧)، وكان يقرأ ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.\nوالثالث: ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه، وهذا قول قتادة (١٨).\nوالصواب ما قاله مجاهد- والله أعلم-: أي\" واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم\" (١٩).\nوقرأ ذلك بعضهم: ﴿وَاتَّبِعُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢٠).\n_________\n(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٢/ ١٣٣، وتفسير البيضاوي ١/ ١٧٢، والتفسير الكبير ٢/ ٩٢.\n(٢) ينظر: التحرير والتنوير ٢/ ١٥٥.\n(٣) ينظر: معاني القرآن، الفراء ١/ ١١٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٨.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٨.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ٨٠.\n(٧) تفسير ابن عاشور: ٢/ ١٨٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٩٦٥): ص ٣/ ٥٠٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٩٦٦): ص ٣/ ٥٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٩٦٧): ص ٣/ ٥٠٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٩٦٨): ص ٣/ ٥٠٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢٩٦٩): ص ٣/ ٥٠٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٩٧٠): ص ٣/ ٥٠٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٩٧٤): ص ٣/ ٥٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٩٧٥): ص ٣/ ٥٠٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٩٧٦): ص ٣/ ٥٠٧.\n(١٧) تفسير الطبري (٢٩٧٧)، و(٢٩٧٨): ص ٣/ ٥٠٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٢٩٧٩)، و(٢٩٨٠): ص ٣/ ٥٠٨.\n(١٩) تفسير النسفي: ١/ ١٠٦.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٣/ ٥٠٨.","vol":"4","page":182},{"text":"قال عطاء بن أبي رباح: \"قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وابتغوا﴾، أو ﴿اتبعوا﴾،؟ قال: أيتهما شئت! قال: عليك بالقراءة الأولى\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \" أي كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي لكم الأكل، والشرب، حتى يظهر ظهورًا جليًا يتميز به بياض النهار من سواد الليل\" (٣).\nوقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، على أقوال (٤):\nأحدها: يعني بقوله: ﴿الْخَيْطُ الأبْيَضُ﴾، ضوءَ النهار، وبقوله: ﴿الْخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ سوادَ الليل. وهذا قول الجمهور (٥).\nقال الحافظ ابن حجر: \" ومعنى الآية: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار\" (٦).\nقال الطبري: \" صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: \" الخيط الأبيض من الخيط الأسود\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٠٨. عن الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٠٩ وما بعدها.\n(٥) وهذا قول عامة أهل العلم إذ قال به ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٧٤، والزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢٥٧، والطبري في جامع البيان: ٣/ ٥١٣، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٨٦، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ٩١ وقال: (والمراد فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل)، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣١٦ - ٣١٧، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٩٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٩٣، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٥، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٣٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٥١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٣، وغيرهم. ونسب الطبري في جامع البيان: ٣/ ٥١٧ إلى آخرين أن المراد بالخيط الأبيض ضوء الشمس وأورد آثارًا عن حذيفة وعلي وابن مسعود والأعمش وأبي بكر بن عياش يمكن أن يفهم منها ذلك. وعزاه الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١١٩ للأعمش، وقال بعد ذكره مع بعض الأقوال الضعيفة: (وهذه المذاهب انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها). كما عزاه الألوسي في روح المعاني: ٢/ ٦٧، للأعمش والإمامية قائلًا: (وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر وكذا الإمامية ...). وقد تعقب ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٦ هذا القول فقال: (وحكى أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها، قلت: وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (البخاري-فتح-: ٢/ ١٢٣ رقم: ٦٢٢ و: ٤/ ١٦٢ رقم: ١٩١٨ - ١٩١٩، مسلم: ٢/ ٧٦٨ رقم: ١٠٩٢) أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر﴾ لفظ البخاري ....). وقد قال ابن عبد البر في التمهيد: ١٠/ ٦٢: (والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا إجماع علماء المسلمين). واعلم بأنه قد خالف بعض أهل اللغة في بداية النهار فقال النضر بن شميل: أول النهار طلوع الشمس واستشهد ببعض الأشعار، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٩٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥. وقد أورد بعض ذلك ابن عبد البر في التمهيد: ١٠/ ٦٢ وفسر تلك الأشعار بأنها على القرب لا الحقيقة ثم قال: (وليست الأشعار واللغات مما يثبت بها شريعة ولا دين). وانظر: في أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس المجمل لابن فارس: ٣/ ٨٤٥ معجم مقاييس اللغة له أيضًا: ٥/ ٣٦٢، لسان العرب لابن منظور: ٦/ ٤٥٥٧، تهذيب اللغة للأزهري: ٦/ ٢٦٧\n(٦) الفتح: ٤/ ١٦٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٥١٣ - ٥١٤.","vol":"4","page":183},{"text":"والثاني: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل. وهذا قول علي (١)، وروي عن ابراهيم التيمي (٢)، والبراء (٣)، وعبدالله بن مسعود (٤)، وسالم مولى أبي حذيفة (٥)، إبراهيم (٦)، وحبان بن الحارث (٧)، نحو ذلك.\nوعلة من قال هذا القول: أنَّ القول إنما هو النهارُ دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوعُ الشمس، كما أنّ آخرَه غروبُها. قالوا: ولو كان أوله طلوعُ الفجر، لوَجب أن يكون آخرَه غروبُ الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أنَّ آخر النهار غروب الشمس، دليلٌ واضح على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه تسحر بعد طُلوع الفجر، أوضحُ الدليل على صحة قولنا (٨).\nوعن زر، عن حذيفة قال: \" كان النبي ﷺ يتسحَّر وأنا أرى مواقعَ النَّبل. قال: قلت أبعدَ الصبح؟ قال: هو الصبح، إلا أنه لم تطلع الشمس\" (٩).\nوعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \" إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه \" (١٠).\nوعن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناءُ في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم!، فشربها\" (١١).\nوالصواب-والله أعلم- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" ﴿الخيط الأبيض﴾ بياض النهار، و﴿الخيط الأسود﴾ سوادُ الليل\" (١٢). وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ (١٣):\n_________\n(١) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠١): ص ٣/ ٥١٩، و(٣٠١٠): ص ٣/ ٥٢٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٩٩٨): ص ٣/ ٥١٧ - ٥١٨.\n(٣) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٢): ص ٣/ ٥٢٠.\n(٤) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٣): ص ٣/ ٥٢٠.\n(٥) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٤): ص ٣/ ٥٢٠ - ٥٢١.\n(٦) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٥)، و(٣٠٠٦)، و(٣٠٠٧)، و(٣٠٠٨): ص ٣/ ٥٢٠ - ٥٢٢.\n(٧) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٩): ص ٣/ ٥٢٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٥٢٤.\n(٩) تفسير الطبري (٣٠٢٣)، و(٣٠١٢): ص ٣/ ٥٢٥.\n(١٠) تفسير الطبري (٣٠١٥) ص: ٣/ ٥٢٦.\nوالحديث رواه أحمد في المسند: ١٠٦٣٧ (٢: ٥١٠ حلبي)، عن روح بن عبادة، بهذا الإسناد واللفظ.\nورواه أحمد أيضًا: ٩٤٦٨ (٢: ٤٢٣ حلبي)، عن غسان بن الربيع، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وقرن إليه إسنادا آخر مرسلا، عن يونس، عن الحسن، عن النبي ﷺ.\nورواه أبو داود: ٢٣٥٠، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي. عن حماد بن سلمة، به. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ١: ٤٢٦، من طريق عبد الأعلى، وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه \". ووافقه الذهبي.\n(١١) تفسير الطبري (٣٠١٧): ص ٣/ ٥٢٧.\nرواه الطبري بإسنادين: فرواه عن بن حميد، عن يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد - ثم استأنف إسنادا آخر، فرواه عن محمد بن علي بن الحسن، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، فاجتمع الطريقان في الحسين بن واقد، عن أبي غالب، إلخ. ويحيى بن واضح: هو أبو تميلة، مضت ترجمته: ٣٩٢.\nأبو غالب: هو صاحب أبي أمامة، وقد اختلف في اسمه: فقيل: \" حزور \"، بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشددة وآخره راء. وقيل: \" سعيد بن الحزور \"، وهو الذي اقتصر عليه ابن سعد ٧/ ٢/٧. واختصر البخاري في الكبير ٢/ ١/١٢٤ على \" حزور \". وترجمه ابن أبي حاتم في الترجمتين ١/ ٢/٣١٥ - ٣١٦، ثم ٢/ ١/١٣، وقال في الموضع الثاني: \" وحزور أصح \". وهو ثقة، وتكلم فيه بعضهم. ووثقه الدارقطني، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها. مترجم في التهذيب ١٢: ١٩٧ - ١٩٨.\nأبو أمامة: هو الباهلي، واسمه: \" صدي \" بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء \" بن عجلان \". وهو صحابي معروف مات سنة ٨٦ وقد جاوز المئة، لأنه ثبت أنه كان ابن ٣٠ سنة أو ٣٣. ووقع في ابن سعد ٧/ ٢/١٣١ - ١٣٢ أنه مات وهو ابن ٦١ سنة! وهو خطأ فاحش. وهذا الحديث صحيح الإسناد.\n(١٢) أخرجه احمد (١٨٨٨٥): ص ٤/ ٣٧٧، والترمذي (٢٩٧٠): ص ٥/ ١٩٥.\n(١٣) الأصمعيات: ٢٨ من أبيات. يصف فرسا خرج عليه للصيد، واللسان (خيط). وفي الأصمعيات: \" خير أنارا \" ولا معنى لها. والسدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس، وهي أيضًا: اختلاط الضوء والظلمة جميعا، كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أولى الإسفار. قال عمارة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة. وأراد أبو دؤاد اختلاط الظلمة والضوء. ولاح: بدا وظهر من بعيد. والخيط: اللون هنا يكون ممتدا كالخيط.","vol":"4","page":184},{"text":"فَلَمَّا أضَاءت لَنَا سُدْفَةٌ ... وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا\nوأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله ﷺ أنه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون ﷺ شَرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاةُ - صلاة الفجر - هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه.\nوأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة: \" أنّ النبي ﷺ كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل \"، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: \" هو الصبح \" (١)، وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب: \" هذا فلان \" شبها، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول: \" هو هو \" تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة: \" هو الصبح \"، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه.\nوفي قوله تعالى ذكره: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل﴾، أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدًّا لمن لزَمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \" أي ثم أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس\" (٣).\nقالت عائشة: \" - يعني: أنها كرهت الوصال\" (٤).\nقال أبو العالية: \" قال: قال الله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي: أكملوا الصيام على وجه التمام؛ إلى دخول الليل؛ وذلك بغروب الشمس؛ لقول النبي ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا - وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٦)؛ وبمجرد غروب الشمس - أي غروب قرصها - يكون الإفطار؛ وليس بشرط أن تزول الحمرة، كما يظن بعض العوام؛ إذًا الصوم محدود: من، وإلى؛ فلا يزاد فيه، ولا ينقص\" (٧).\nقال النسفي: \"أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي الوصال، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب، وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم\" (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٠١٣): ص ٣/ ٥٢٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٥٣٠ - ٥٣١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٣٠٢٧): ص ٣/ ٥٣٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٣٠٢٦): ص ٣/ ٥٣٤.\n(٦) أخرجه البخاري ص ١٥٣، كتاب الصوم، باب ٤٣: متى يحل فطر الصائم، حديث، رقم ١٩٥٤، وأخرجه مسلم ص ٨٥٣، كتاب الصيام، باب ١٠ بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، حديث رقم ٢٥٥٨ [٥١] ١١٠٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٠٦.","vol":"4","page":185},{"text":"قال مالك: \" كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلةَ ستَّ عشرة وليلة سبعَ عشرة من رمضان لا يفطر بينهما، فلقيته فقلت له: يا أبا الحارث ماذا تجدُه يقوِّيك في وصَالك؟ قال: السمْن أشرُبه أجده يُبلّ عروقي، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي\" (١).\nقال الطبري: \" قيل: وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة (٢) لنفسه والقوة لا على طلب البرّ لله بفعله. وفعلهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: \" اخشَوشِنوا (٣) وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة\" \"، يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خَفْض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبُنوا ويحتموا عن أعدائهم\" (٤).\nثم قال: \"وقد رَغِب - لمن واصل - عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل، فعن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد ﷺ رَجمُوه\" (٥) \" (٦).\nوعن ابن عمر: \"أنّ رسول الله ﷺ نَهى عن الوصال، قالوا: إنك تُواصلُ يا رَسول الله! قال: إني لست كأحدٍ منكم، إني أبيت أُطعَم وأسقَى\" (٧).\nوقد روي عن النبي ﷺ الإذنُ بالوصال من السحر إلى السَّحر (٨)، فعن أبي سعيد الخدري: \"أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل حتى السَّحر. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إنّي أبيت لي مُطعم يُطعمني، وَساقٍ يسقيني\" (٩).\nوعن أمِّ وَلد حاطب بن أبي بَلتعة: \"أنها مرّت برسول الله ﷺ وهو يتسحَّر، فدعاها إلى الطعام فقالت: إنّي صَائمة، قال: وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: أين أنت من وصال آل محمد ﷺ من السَّحر إلى السَّحر\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \"أي: و\"لا تجامعوا نساءكم، في حال عُكوفكم في المساجد \" (١١).\nقال المراغي: \" أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم فى المساجد للعبادة، فإن المباشرة نهطل الاعتكاف ولو ليلا كما تبطل الصيام نهارا\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣٠٣٠): ص ٣/ ٥٣٥.\n(٢) الخموصة \" مصدر خمص بطنه خمصا (بسكون الميم وفتحها) وخماصة. ولم يذكروا \" الخموصة \" في كتب اللغة، وهو عربي عريق كقولهم: الفسالة والفسولة، والرذالة والرذولة، وفارس بين الفراسة والفروسة، ورجل جلد بين الجلادة والجلودة، وبطل بين البطالة والبطولة، وأشباه ذلك \". [حاشية الطبري: ٣/ ٥٣٥].\n(٣) اخشوشن الرجل: لبس الخشن وتعوده، وأكل الخشن، وعاش عيشا خشنا وبالغ في التخشن. وتمعدد الرجل: تشبه بعيش معد بن عدنان في التشظف وترك التزيي بزي العحم. يعني: اصبروا على عيش معد في الحضر والسفر، وتشبهوا بلباسه، ودعوا زي الأعاجم. النزو: الوثب، يأمرهم أن يثبوا على الخيل وثبا بلا استعانة بركاب. والركب جمع ركاب: وهو ما يكون في سرج الفرس يضع الراكب فيه رجله، فإذا كان مثله في رحل البعير سمي \" الغرز \". [حاشية الطبري: ٣/ ٥٣٥].\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٥٣٦.\n(٥) أخرجه الطبري (٣٠٣٢): ص ٥/ ٥٣٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٣٠٣٣): ص ٥/ ٥٣٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٣٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٣٠٣٤): ص ٥/ ٥٣٦ - ٥٣٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (٣٠٣٥): ص ٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٣٩.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ٧٩ - ٨٠.","vol":"4","page":186},{"text":"قال الصابوني: \" أي لا تقربوهن ليلًا أو نهارًا ما دمتم معتكفين في المساجد\" (١).\nقال النسفي: \" بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف\" (٢).\nقال قتادة: \"كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقي امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك، وأخبرهم أنّ ذلك لا يصلح حتى يَقضيَ اعتكافه\" (٣).\nوقال مالك بن أنس: لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرُها، ولا يتلذذ منها بشيء، قُبلةٍ ولا غيرها\" (٤).\nوذكر (المباشرة) عقب قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ لئلا يظن أن المباشرة المأذون فيها شاملة حال الاعتكاف؛ والضمير «هن» يعود على النساء؛ وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ حال من الواو في قوله تعالى: ﴿لَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾؛ و﴿عاكفون﴾ اسم فاعل من عكف يعكف؛ والعكوف على الشيء ملازمته، والمداومة عليه؛ ومنه قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، أي مديمون ملازمون؛ والاعتكاف في الشرع هو التعبد لله ﷾ بلزوم المساجد لطاعة الله (٥).\nقال الطبري: \"والعكوف، أصله المقام، وحبسُ النفس على الشيء، كما قال الطِّرِمَّاح بن حَكيم (٦):\nفَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكفًّا ... عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ\nيعني بقوله: (عكفا)، مقيمة، وكما قال الفرزدق (٧):\nتَرَى حَوْلَهُنَّ المُعْتَفِينَ كأنَّهُمْ ... عَلَى صَنَمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ \" (٨)\nوقد اختلف أهل التأويل في معنى (المباشرة) التي عنى الله بقوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفيه أقوال (٩):\nأحدها: عني بالمباشرة: الجماع، دون غيره من معاني (المباشرة). وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعطاء (١١)، والضحاك (١٢)، والربيع (١٣)، وقتادة (١٤)، والسدي (١٥)، ومجاهد (١٦). وهو قول الأكثرين (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٢) انظر: تفسير النسفي: ١/ ١٠٦ - ١٠٧. قال النسفي: والجملة في موضع الحال، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد.\n(٣) تفسير الطبري (٣٠٤٣): ص ٣/ ٥٤١.\n(٤) أخرجه الطبري (٣٠٥٠): ص ٣/ ٥٤٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٩.\n(٦) ديوانه: ١٥٣، واللسان (بنو) غير منسوب عن ثعلب، ورواه: \" بينهن قتيل \". وقال الثعالبي في المضاف والمنسوب: ٢١٩: \" بنات الليل \": الأحلام، والنساء، وأهوال الليل، والمنى، وبكلها جاء الشعر \". وأراد الطرماح: ما يعالج من ذكرى صاحبته، وما يخالط ذلك من منى وهموم وشقاء يشقى به من حسرة وشوق ولهفة. وهو بيت جميل المعنى، جيد التصوير. جعل ذكرياته قد استدارت حوله تبكي عليه، وهو بينهن صريع قد قضى نحبه.\n(٧) ديوانه: ٥٦١، والنقائض: ٥٦٣، من أبيات جياد يصف فيها قدور أهله الكرام، يقول قبله:\nوَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ أنّ قُدُورنَا ... ضَوَامِنُ للأرْزَاقِ والرِّيحُ زَفْزَفُ\nنَعَجِّلُ للضِّيفَانِ في المَحْلِ بالقِرَى ... قُدُروًا بمَعْبُوطٍ، تُمَدُّ وتُعْزَفُ\nتُفَرَّغُ فِي شِيزَىَ كأنَّ جِفَانَهَا ... حِيَاضُ جِبًي، منها مِلاءٌ ونُصَّفُ\nالشيزى: خشب منه القدور تصنع. حياض جبي: حياض يجمع فيها الماء فهي ملأى أبدا. والمعتفون: الذين جاءوا يطلبون الرزق. يصفهم جياعا قد ثبتوا في أماكنهم ينتظرون، متلهفين وهم يكظمون أنفسهم، قد ماتت أصواتهم، كأنهم عباد قد خشعوا وخضعوا وأملوا.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٣٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٠ ومابعدها.\n(١٠) تفسير الطبري (٣٠٣٧): ص ٣/ ٥٤٠.\n(١١) تفسير الطبري (٣٠٣٨): ص ٣/ ٥٤٠.\n(١٢) تفسير الطبري (٣٠٣٩): ص ٣/ ٥٤١.\n(١٣) تفسير الطبري (٣٠٤٢): ص ٣/ ٥٤١.\n(١٤) تفسير الطبري (٣٠٤٣): ص ٣/ ٥٤١.\n(١٥) تفسير الطبري (٣٠٤٤): ص ٣/ ٥٤١.\n(١٦) تفسير الطبري (٣٠٤٥): ص ٣/ ٥٤١.\n(١٧) وقال به: الطبري في جامع البيان: ٣/ ٥٠٤، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٩٦، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٠٧، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٤٥، والسمين في الدر المصون: ١/ ٤٧٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣١٣، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٣، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٦٥. وذكر الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٧١ \"عن الأصم أن المباشرة في الآية الجماع وما دونه، وهو قول مردود، محجوج بقول من سبق من أئمة التفسير\"، على أن مكيًا في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٥٥، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١١٦ قد ذكرا أنه لا اختلاف في ذلك.","vol":"4","page":187},{"text":"والثاني: أن المراد: جميع معاني (المباشرة)، من لَمْس وقُبلة وجماع. قاله: مالك بن أنس (١)، وابن زيد (٢).\nقال الطبري: \"وعلة من قال هذا القول: أن الله تعالى ذكره عمّ بالنهي عن المباشرة، ولم يخصص منها شيئا دون شيء. فذلك على ما عمَّه، حتى تأتي حُجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرةً دون مباشرةٍ\" (٣).\nوالصواب هو قول الجمهور، بأن معنى المباشرة: الجماعُ، أو ما قام مقامَ الجماع، مما أوجبَ غسلا إيجابَه، والأظهر-والله أعلم-أن المباشرة جائزة إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم لحديث عائشة قبل (٤)، وغير جائزة إن كان يغلب على ظنه الوقوع في مفسدات الصوم لأنه يعرض صومه للفساد (٥).\nواختاره الطبري فقال: \"وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين: إما جعل حكم الآية عامًّا، أو جَعل حكمها في خاصٍّ من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ: أن نساءه كنّ يُرجِّلنه وهو معتكف، فلما صح ذلك عنه، عُلم أنّ الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع\" (٦).\nوعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرَجِّله\" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٠٥٠): ص ٣/ ٥٤٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٠٥١): ص ٣/ ٥٤٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٣.\n(٤) كما في حديث عائشة في البخاري-فتح-: ٤/ ١٧٦ رقم: ١٩٢٧: \"كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه\". . [ورواه مالك في الموطأ، ص ٣١٢، ومسلم ١: ٩٥، وأبو داود: ٢٤٦٧]. والمراد بالمباشرة هنا: دواعي الوطء من ضم ومعانقة ومس ونحو ذلك، وقد ذهب الحنفية كما في المبسوط للسرخسي: ٣/ ٥٨ - ٥٩، وحاشية ابن عابدين: ٣/ ٣٩٦، والشافعية كما في نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ١٧٤، ومغني المحتاج للشربيني: ١/ ٤٣١، والحنابلة كما في الكافي لابن قدامة: ١/ ٣٦٠، والإنصاف للمرداوي: ٣/ ٣٢٨، وحاشية الروض المربع لابن قاسم: ٣/ ٤٢٥ إلى جوازها للصائم إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم-الإنزال أو الجماع-، وإلى كراهتها إن كان لا يأمن. وذهب المالكية كما في المدونة: ١/ ٢٦٨، والذخيرة للقرافي: ٢/ ٥٠٤، ومواهب الجليل للحطاب: ٢/ ٤١٦ إلى كراهتها لمن أمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم، وإلى حرمتها لمن شك في أمنه أو جزم بعدم الأمن، وذكر القرافي في الذخيرة أن المذهب التسوية في الحرمة بين الحالين.\n(٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٩٣ - ٩٤، سبل السلام للصنعاني: ٢/ ٣١١ - ٣١٢، الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين: ٦/ ٤٣٢ - ٤٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٣.\n(٧) رواه مالك في الموطأ، ص: ٣١٢، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. فزاد في الإسناد \" عمرة \" بين عروة وعائشة. وكذلك رواه مسلم ١: ٩٥، وأبو داود: ٢٤٦٧ - كلاهما من طريق مالك. وكذلك رواه الترمذي ٢: ٧٢، من طريقه، مع خطأ من الناسخين. وقال أبو داود: \" لم يتابع أحد مالكا على \" عروة عن عمرة \". ورواه معمر وزياد بن سعد وغيرهما: عن الزهري: عن عروة، عن عائشة \". وقال الترمذي: \" هكذا رواه غير واحد: عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة. هكذا روى الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة \". وقال الحافظ في الفتح ٤: ٢٣٦ \" واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك - من المزيد في متصل الأسانيد \". وهذا من الحافظ - عندي - تكلف لا داعي له. ومالك، على إمامته وعلمه وحفظه. يخطئ كما يخطئ الناس، فالظاهر أنه نسي في بعض أحيانه، فجعل \" عروة عن عمرة \" بدل \" عروة وعمرة \". وقد ثبت عن مالك أنه كان يرويه أحيانا على الصواب.","vol":"4","page":188},{"text":"قال الطبري: \"فإذْ كان صحيحا عن رسول الله ﷺ ما ذكرنا من غَسل عائشة رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: \" ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد \"، غيرُ جميع ما لزمه اسم \" المباشرة \" وأنه معنيٌّ به البعض من معاني المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك، وكان مجمَعًا على أنّ الجماع مما عُني به، كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه، وذلك كلُّ ما قام في الالتذاذ مقامه منَ المباشرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ \"أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها\" (٢).\nقال النسفي: أي \"أحكامه المحدودة، فلا تقربوها بالمخالفة والتغيير\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أي الأحكام التي ذكرت، ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾، نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل، فضلًا عن أن يتخطى عنه\" (٤).\nقال الضحاك: \" ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، يقول: معصية الله - يعني المباشرةَ في الاعتكاف (٥).\nقال ابن كثير: \" أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرّمنا، وذِكْر غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله، أي: شرعها الله وبيَّنها بنفسه، فلا تجاوزوها، وتعتدوها\" (٦).\nقال المراغي: \" أي إن هذه الأحكام المشتملة على الإيجاب والتحريم والإباحة هى حدود الله وأحكامه فلا تقربوها، إذ من قرب من الحد أو شك أن يتعداه كالشاب يداعب امرأته في النهار يوشك ألا يملك إربه، فيقع في المباشرة المحرّمة، أو يفسد صومه بالإنزال، فالاحتياط يقتضى ألا يقرب الحدّ حتى لا يتجاوزه بالوقوع فيما بعد\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" وإنما نهى عن قربانها حتى نبعد عن المحرم، وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾؛ فالمحرمات ينبغي البعد عنها، وعدم قربها\" (٨).\nوالـ ﴿حُدُودُ﴾: \"جمع حد؛ و(الحد) في اللغة المنع؛ ومنه حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها؛ فمعنى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي موانعه؛ واعلم أن حدود الله نوعان:\nأحدهما: حدود تمنع من كان خارجها من الدخول فيها؛ وهذه هي المحرمات؛ ويقال فيها: ﴿فلا تقربوها﴾.\nوالثاني: وحدود تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ وهذه هي الواجبات؛ ويقال فيها: ﴿فلا تعتدوها﴾ \" (٩).\nوقد تعددت أقوال اهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفيه أربعة أقوال:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٥ - ٥٤٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٠٧.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٦.\n(٥) تفسير الطبري (٣٠٥٨): ص ٣/ ٥٤٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٠.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ٨٠.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٥٠.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠.","vol":"4","page":189},{"text":"أحدها: أن المراد: \" هذه الأشياءَ حدّدتها لكم، وأمرْتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها، وحرَّمتها فيها عليكم، فلا تقرَبوها. وهذا معنى قول عبدالرحمن بن زيد (١)، واختاره الطبري (٢).\nوالثاني: أن ﴿حدود الله﴾ فشروطه. قاله السدي (٣).\nوالثالث: أن ﴿حدود الله﴾ معاصيه، قاله الضحاك (٤)، ومقاتل (٥).\nوالرابع: أنه طاعة الله. قاله ابن عباس (٦).\nوفي تسمية (المحرمات) بحدود الله وجهان (٧):\nأحدهما: لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان.\nوالثاني: لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود.\nقوله تعالى: ﴿كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: مثلَ ذلك البيان يبين الله \"شرائعه\" (٨)،\nقال ابن كثير: فـ\"كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ\" (٩).\nوفي تفسير (الآيات) في قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُءَيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وجهان (١٠):\nأحدهما: يعني بآياته علامات متعبداته.\nوالثاني: أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام.\nو(آيات) جمع آية؛ \"وهي في اللغة: العلامة؛ والمراد بها في الشرع: العلامة المعينة لمدلولها\" (١١).\nقوله تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، \" أي يتقون المحارم\" (١٢).\nقال البيضاوي: أي يتقون: \" مخالفة الأوامر والنواهي\" (١٣).\nقال ابن كثير: أي: \"يَعْرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] \" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" أبيِّن ذلك لهم ليتقوا مَحارمي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطي وَغضبي، بتركهم رُكوبَ ما أبيِّن لهم في آياتي أني قد حرَّمته عليهم، وأمرتهم بهجره وتركه\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: \"أي يتقون الله ﷿، وتقوى الله ﷾ هي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في (التقوى) \" (١٦).\nوفي تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وجهان من التفسير:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٦.\n(٣) تفسير الطبري (٣٠٥٧) ص: ٣/ ٥٤٧.\n(٤) تفسير الطبري (٣٠٥٨) ص: ٣/ ٥٤٧، وتفسير ابن أبي حاتم (١٦٩٥): ص ١/ ٣٢٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٢٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٩٣): ص ٢/ ٣١٩.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٠٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٠.\n(١٠) انظر: النكت والعيون ١/ ٢٤٨.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٥٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٦.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٠.\n(١٥) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٧.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٥٠.","vol":"4","page":190},{"text":"أحدهما: أن المعنى لعلهم يتقون المعاصي. قاله مقاتل بن حيان (١).\nوالثاني: أن المراد: لعلهم يطيعون. وهذا قول مجاهد (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: رحمة الله تعالى بعباده؛ لنسخ الحكم الأول إلى التخفيف، حيث كانوا قبل ذلك إذا ناموا، أو صلّوا العشاء في ليالي رمضان حرمت عليهم النساء، والطعام، والشراب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر.\n٢ - ومنها: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه؛ لقوله تعالى: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾؛ لأنه مُضَمن معنى الإفضاء.\n٣ - ومنها: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إلى نسائكم﴾ ما لم يخالف شرطًا بين الزوجين؛ وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز أن يستمتع بشيء من زوجته حتى يعلن النكاح - وليس بصحيح لكن هنا شيء يخشى منه؛ وهو الجماع؛ فإنه ربما يحصل حمل؛ وإذا حصل حمل مع تأخر الدخول ربما يحصل في ذلك ريبة؛ فإذا خشي الإنسان هذا الأمر فليمنع نفسه لئلا يحصل ريبة عند العامة.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن الزوجة ستر للزوج؛ وهو ستر لها؛ وأن بينهما من القرب كما بين الثياب، ولابسيها؛ ومن التحصين للفروج ما هو ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾.\n٥ - ومنها: إثبات العلة في الأحكام؛ لقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم﴾؛ لأن هذه الجملة لتعليل التحليل.\n٦ - ومنها: ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾.\n٧ - ومنها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه؛ وذلك إذا أوقعها في معاصي الله، فإن هذا خيانة؛ وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾.\n٨ - ومن فوائد الآية: إثبات التوبة لله؛ لقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾؛ وهذه من الصفات الفعلية.\n٩ - ومنها: إثبات عفو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وعفا عنكم﴾.\n١٠ - ومنها: ثبوت النسخ خلافًا لمن أنكره؛ وهو في هذه الآية صريح؛ لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ يعني: وقبل الآن لم يكن حلالًا.\n١١ - ومنها: أن النسخ إلى الأخف نوع من التوبة إلا أن يراد بقوله تعالى: ﴿تاب عليكم وعفا عنكم﴾ ما حصل من اختيانهم أنفسهم.\n١٢ - ومنها: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد؛ ويستثنى من ذلك الوطء في الدبر، والوطء حال الحيض، أو النفاس.\n١٣ - ومنها: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصدًا بوطئه طلب الولد؛ لقوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾؛ وذكروا عن عمر ﵁ أنه لا يجامع إلا إذا اشتهى الولد؛ ولكن مع ذلك لا يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة؛ فهذا ليس فيه منع؛ بل فيه أجر؛ لقول النبي ﷺ: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم؛ أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم؛ قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٣).\n١٤ - من فوائد الآية: جواز الأكل، والشرب، والجماع في ليالي الصيام حتى يتبين الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٩٨): ص ١/ ٣٢٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٦٩٩): ص ١/ ٣٢٠.\n(٣) أخرجه مسلم ص ٨٣٧، كتاب الزكاة، باب ١٦: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم ٢٣٢٩ [٥٣] ١٠٠٦.","vol":"4","page":191},{"text":"أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السُّحور، وتأخيره؛ وهذا الاستنباط له غور؛ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقًا بالمكلف؛ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به؛ فما دام نسخ التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق؛ وهذا استنباط جيد تعضده الأحاديث - مثل قول الرسول ﷺ: «تسحروا فإن في السَّحور بركة» -؛ ففيه بركة لكونه معينًا على طاعة الله؛ وفيه بركة لأنه امتثال لأمر رسول الله -ﷺ-؛ وفيه بركة لأنه اقتداء برسول الله -ﷺ-؛ وفيه بركة لأنه يغني عن عدة أكلات، وشرابات في النهار؛ وفيه بركة لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ فهذه خمسة أوجه من بركته.\n١٥ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لو طلع عليه الفجر وهو يجامع، ثم نزع في الحال فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ لأن ابتداء جماعه كان مأذونًا فيه؛ ولكن استدامته بعد أن تبين الفجر حرام، وعلى فاعله القضاء والكفارة، إلا أن يكون جاهلًا؛ وقد قيل: إنه إذا نزع في هذه الحال فعليه كفارة؛ لأن النزع جماع؛ لكنه قول ضعيف؛ إذ كيف نلزمه بالقضاء والكفارة مع قيامه بما يجب عليه - وهو النزع -.\n١٦ - ومنها: جواز أن يصبح الصائم جنبًا، لأن الله أباح الجماع حتى يتبين الفجر، ولازم هذا أنه إذا أخر الجماع لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه كان يصبح جنبًا من جماع أهله، ثم يصوم (١).\n١٧ - ومنها: جواز الأكل، والشرب، والجماع مع الشك في طلوع الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين﴾؛ فإن تبين أن أكله، وشربه، وجماعه، كان بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه.\n١٨ - ومنها: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم، ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾؛ وكذلك رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس.\n١٩ - ومن فوائد الآية: بيان خطأ بعض جهال المؤذنين الذين يؤذنون قبل الفجر احتياطًا - على زعمهم -؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، والشرب، والجماع، حتى يتبين الفجر؛ ولأن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (٢)؛ وهو أيضًا مخالف للاحتياط؛ لأنه يستلزم أن يمتنع الناس مما أحل الله لهم من الأكل، والشرب، والجماع، وأن يقدِّم الناس صلاة الفجر قبل طلوع الفجر؛ وأيضًا فإنه يفتح بابًا للمتهاون، حيث يعلم أنه أذن قبل الفجر فلا يزال يأكل إلى أمد مجهول، فيؤدي إلى الأكل بعد طلوع الفجر من حيث لا يشعر؛ ثم اعلم أن الاحتياط الحقيقي إنما هو في اتباع ما جاء في الكتاب، والسنة - لا في التزام التضييق والتشديد -.\n٢٠ - ومن فوائد الآية: أنه لو أكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طلع فصيامه صحيح؛ لأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر؛ وما كان مأذونًا فيه فإنه لا يرتب عليه إثم، ولا ضمان، ولا شيء؛ ومن القواعد الفقهية المعروفة: «ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون»؛ وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]؛ وتؤيده أيضًا نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها - وهو فعل عدي بن حاتم ﵁، حيث كان يضع عقالين تحت وسادته أحدهما أبيض، والآخر أسود -؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٥١، كتاب الصوم، باب ٢٥: اغتسال الصائم، حديث رقم ١٩٣١؛ وأخرجه مسلم ص ٨٥٥، كتاب الصيام، باب ١٣: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، حديث رقم ٢٥٨٩ [٧٥] ١١٠٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٥٠، كتاب الأذان، باب ١١، أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، حديث رقم ٦١٧، وأخرجه مسلم ص ٨٥٢، كتاب الصيام، باب ٨: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، حديث رقم ٢٥٣٦ [٣٦] ١٠٩٢.","vol":"4","page":192},{"text":"فيأكل وهو يتسحر حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم يمسك؛ فأخبر النبي ﷺ، وبين له النبي ﷺ المراد في الآية، ولم يأمره بالقضاء (١).\n٢١ - ومن فوائد الآية: الإيماء إلى كراهة الوصال؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا حتى يتبين﴾؛ والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعًا لا يأكل بينهما؛ وقد كان الوصال مباحًا، ثم نهاهم الرسول ﷺ عنه، وقال: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (٢)؛ ورغب -ﷺ- في تعجيل الفطر، فقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٣)؛ وهذا من باب أن الشيء قد يكون مأذونًا فيه، وليس بمشروع؛ فالوصال إلى السَّحَر مأذون فيه، ولكن ليس بمشروع؛ ومثال آخر: الصدقة عن الميت: فهذا أمر مأذون فيه، وليس بمشروع.\n٢٢ - ومن فوائد الآية: أن الاعتبار بالفجر الصادق الذي يكون كالخيط ممتدًا في الأفق؛ وذكر أهل العلم أن بين الفجر الصادق والفجر الكاذب ثلاثة فروق:\nالفرق الأول: أن الصادق مستطير معترض من الجنوب إلى الشمال؛ والكاذب مستطيل ممتد من الشرق إلى الغرب.\nوالفرق الثاني: أن الصادق متصل بالأفق؛ وذاك بينه، وبين الأفق ظلمة.\nوالفرق الثالث: أن الصادق يمتد نوره، ويزداد؛ والكاذب يزول نوره ويظلم.\n٢٣ - ومن فوائد الآية: أن بياض النهار، وسواد الليل يتعاقبان، فلا يجتمعان؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾.\n٢٤ - ومنها: أن الأفضل المبادرة بالفطر؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الليل﴾؛ وقد جاءت السنة بذلك صريحًا، كما في قوله -ﷺ-: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».\n٢٥ - ومنها: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.\n٢٦ - ومنها: أن الصيام الشرعي ينتهي بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الليل﴾؛ وقد فسر النبي ﷺ ذلك بقوله -ﷺ-: «إذا أقبل الليل من هاهنا -، وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٤).\n٢٧ - ومنها: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف؛ لأن الله أقره، ورتب عليه أحكامًا، وقوله تعالى: ﴿في المساجد﴾ بيان للواقع؛ لأن الاعتكاف المشروع لا يكون إلا في المساجد.\n٢٨ - ومنها: أن الاعتكاف مشروع في كل مسجد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿في المساجد﴾؛ فلا يختص بالمساجد الثلاثة - كما قيل به -؛ وأما حديث حذيفة: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (٥) - يعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - فإن صح فالمراد به الاعتكاف الكامل.\n٢٩ - ومنها: أن ظاهر الآية أن الاعتكاف يصح في كل مسجد - وإن لم يكن مسجد جماعة -؛ وهذا الظاهر غير مراد لوجهين:\n_________\n(١) راجع البخاري ص ١٤٩ – ١٥٠، كتاب الصوم، باب ١٦: قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل)، حديث رقم ١٩١٦؛ ومسلمًا ص ٨٥٢، كتاب الصيام، باب ٨: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ...، حديث رقم ٢٥٣٣ [٣٣] ١٠٩٠.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٥٣، كتاب الصوم، باب ٤٨: الوصال، حديث رقم ١٩٦٣.\n(٣) اخرجه البخاري ص ١٥٣، كتاب الصوم، باب ٤٥: تعجيل الفطرن حديث رقم ١٩٥٧، وأخرجه مسلم ص ٨٥٣، كتاب الصيام، باب ٩: فضل السحور وتأكيد استحبابه، حديث رقم ٢٥٥٤ [٤٨] ١٠٩٨.\n(٤) سبق تخريجه ٢/ ٣٤٩.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق موقوفًا ٣/ ٣٤٨، حديث رقم ٨٠١٦؛ وأخرجه الطحاوي مرفوعًا في شرح مشكل الآثار ٧/ ٢٠١، وقال شعيب في تحقيق مشكل الآثار: ورواية من وقفه على حذيفة أصح وأقوى وأثبت (مشكل الآثار للطحاوي بتحقيق شعيب الأرناؤوط ٧/ ٢٠٣).","vol":"4","page":193},{"text":"الوجه الأول: أن «أل» في ﴿المساجد﴾ للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ ﴿المساجد﴾ المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة.\nالوجه الثاني: أنه لو جاز الاعتكاف في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة للزم من ذلك أحد أمرين: إما ترك صلاة الجماعة - وهي واجبة -؛ وإما كثرة الخروج إليها - وهذا ينافي الاعتكاف، أو كماله -.\n٣٠ - ومن فوائد الآية: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف.\n٣١ - ومنها: أن الجماع مبطل للاعتكاف؛ وجه كونه مبطلًا أنه نهي عنه بخصوصه؛ والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها.\n٣٢ - ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم أن الاعتكاف يكون في رمضان، وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكر حكمه عقب آية الصيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السنة: فإن النبي ﷺ لم يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان حين قيل له: «إن ليلة القدر في العشر الأواخر»؛ وكان اعتكافه في العشر الأول، والأوسط يتحرى ليلة القدر؛ فلما قيل له: «إنها في العشر الأواخر» ترك الاعتكاف في العشر الأول، والأوسط.\n٣٣ - ومنها: أن أوامر الله حدود له؛ وكذلك نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾.\n٣٤ - ومنها: أنه ينبغي البعد عن المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه؛ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ألا وإن لكل ملِك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه» (١).\n٣٥ - ومنها: أن الله ﷾ يبين للناس الآيات الكونية، والشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس﴾؛ والآيات الكونية هي المخلوقات؛ فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا﴾ [الروم: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم: ٢٠] ... إلخ؛ وكانت المخلوقات آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها.\nوالآيات الشرعية: هي ما أنزله الله تعالى على رسله، وأنبيائه من الوحي؛ فإنها آيات شرعية تدل على كمال منزلها ﷾ في العلم، والرحمة، والحكمة، وغير ذلك مما تقتضيه أحكامها، وأخبارها؛ وجه ذلك أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق، والبيان، والمصلحة، كما قال تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣]؛ فأحسن الأخبار أخبار الوحي: القرآن، وغيره؛ وأصلحها للخلق قصصها، كما قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١]؛ وإذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وأصلحها للعباد في معاشهم، ومعادهم، كما قال تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]؛ ولو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسوله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ بهذا تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله ﷾.\n٣٦ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التعطيل، وغيرهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله، وصفاته؛ وجه ذلك أنهم لما قالوا: المراد بـ «اليد» النعمة، أو القوة؛ والمراد بـ «الاستواء» الاستيلاء؛ والمراد بكذا كذا - وهو خلاف ظاهر اللفظ، ولا دليل عليه - صار القرآن غير بيان للناس؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان.\n_________\n(١) أخرجه البخاري بدون ذكر اعتكاف النبي ﷺ العشر الأول ص ١٥٧، كتاب فضل ليلة القدر، باب ١: فضل ليلة القدر، حديث رقم ٢٠١٦، وأخرجه مسلم تامًا ص ٨٦٧، كتاب الصيام، باب ٤٠: فضل ليلة القدر والحث على طلبها ...، حديث رقم ٢٧٧١ [٢١٥] ١١٦٧.","vol":"4","page":194},{"text":"٣٧ - ومنها: أن العلم سبب للتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾؛ ووجهه أنه ذكره عقب قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس﴾؛ فدل هذا أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فكلما ازداد الإنسان علمًا بآيات الله ازداد تقًى؛ ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف.\n٣٨ - ومنها: علو مرتبة التقوى؛ لكون الآيات تبين للناس من أجل الوصول إليها.\nمسألة:\nلو أذن المؤذن للفجر وفي يد الصائم الإناء يشرب منه فهل يجب عليه أن ينزل الإناء، أو له أن يقضي نهمته منه؟ على مذهب الإمام أحمد يجب أن ينزل الإناء؛ بل يجب لو كان في فمه ماء لفْظه؛ وكذلك الطعام؛ وهذا هو ظاهر القرآن؛ لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر بأنه لو أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه (١)؛ فإن كان هذا الحديث صحيحًا فإنه يحمل على أن المؤذن قد احتاط فيؤذن قبل الفجر - أي لا يؤخر الأذان إلى أن يطلع الفجر -؛ لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيرًا فسُمح للإنسان أن يقضي نهمته من الإناء الذي في يده؛ وإنما حملناه على ذلك لظاهر الآية، ولقول النبي ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (٢)، وقد يقال: الحديث على ظاهره؛ ووجهه: أن هذا الشارب شرع في شربه في وقت يسمح له فيه، فكان آخر شربه تبعًا لأوله، كما قال النبي ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»؛ ويكون هذا مما سامح به الشارع.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]\nالتفسير:\nولا يأكل بعضكم مال بعض بسبب باطل كاليمين الكاذبة، والغصب، والسرقة، والرشوة، والربا ونحو ذلك، ولا تلقوا بالحجج الباطلة إلى الحكام؛ لتأكلوا عن طريق التخاصم أموال طائفة من الناس بالباطل، وأنتم تعلمون تحريم ذلك عليكم.\nفي سبب نزول الآية: قال الواحدي: \" قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أشوع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النبي - ﷺ - في أرض\n_________\n(١) انظر: أحمد ص ٧٥٢، حديث رقم ١٠٦٣٧؛ وأبا داود ص ١٣٩٨، كتاب الصيام، باب ١٨؛ الرجل يسمع النداء والإناء على يده، حديث رقم ٢٣٥٠؛ والحاكم ١/ ٤٢٦، كتاب الصوم؛ وتفسير الطبري ٣/ ٥٢٦، تفسير سورة البقرة آية رقم ١٨٧، حديث ٣٠١٥؛ وفي سنده حماد بن سلمة: قال الحافظ في التقريب: \"ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة\"؛ وذكره الذهبي في جملة ذكرهم من الثقات الذين تكلم فيهم بعض الأئمة بما لا يرد أخبارهم، فحديثهم إن لم يكن في أعلى مراتب الصحيح فلا ينزل عن رتبة الحسن، إلا الأحاديث التي تكلم فيه من أجلها، فينبغي التوقف فيها (راجع كتاب: ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق ص ٢٧، ٧٠ – ٧١)، وفي سنده أيضًا محمد بن عمرو بن علقمة؛ قال الذهبي: حسن الحديث (ميزان الاعتدال ٣/ ٦٧٣)؛ ولم ينفرد به محمد بن عمرو، بل تابعه عمار بن أبي عمار (راجع أحمد ص ٧٥٣، حديث رقم ١٠٦٣٨)؛ قال أبو حاتم في عمار: ثقة لا بأس به (الجرح والتعديل ٦/ ٣٨٩ رقم ٢١٦٧). وأما الحديث فقد قال الحاكم فيه: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٢٦، كتاب الصوم)؛ وقال الألباني: \"حسن صحيح\" (صحيح أبي داود ٢/ ٥٧، حديث رقم ٢٣٥٠)؛ وذكره في السلسلة الصحيحة (المجلد الثالث، ص ٣٨٢، حديث رقم ١٣٩٤)، وقال عبد القادر الأرناؤوط: \"إسناده صحيح\" (جامع الأصول ٦/ ٣٧١، حاشية رقم ٢).\n(٢) أخرجه البخاري ص ٤٧، كتاب مواقيت الصلاة، باب ٢٩: من أدرك من الصلاة ركعة، حديث رقم ٥٨٠، وأخرجه مسلم ص ٧٧٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٣٠، من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، حديث رقم ١٣٧١ [١٦١] ٦٠٧.","vol":"4","page":195},{"text":"وكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: \" ولا يأكلْ بعضكم أموال بعضٍ فيما بينكم بالباطل\" (٢).\nقال الطبري: \" وأكله ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه، إذ جعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل، ونَظيرُ ذلك قولهُ تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١١] (٣)، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩] بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا، لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزُه كلامز نفسه\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: لا يأكل بعضكم مالَ بعضٍ. فأضافَ الأموالَ إليهم؛ لأن المؤمنين كجسد واحدٍ في توادِّهم وتعاطفِهم وتَرَاحمِهم، كذا قال رسول الله - ﷺ - (٥)، ومثله قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] \" (٦).\nوالعرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: أخي وأخوك أيُّنا أبطش. يعني: أنا وأنت نصْطرع، فننظر أيُّنا أشدّ، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه، ومن ذلك قول ثعلبة بن عمرو العبدي (٧):\nأخِي وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْرِ ... لَيْسَ بِهِ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ (٨)\n_________\n(١) أسباب النزول: ٥٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٩.\n(٣) قال في التفسير الكبير: ١/ ١١٦: \"اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾، بقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وهذا مخالف لها؛ لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره\".\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٢.\n(٦) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\" أخرجه البخاري في الأدب باب: رحمة الناس والبهائم (٦٠١١)، ومسلم في: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم، وتعاضدهم (٢٥٨٦) (٦٠١١) كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ومسلم (٢٥٨٦) كتاب البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.\n(٧) المفضليات: ٥١٣، وتأويل مشكل القرآن: ١١٤، معجم ما استعجم: ١٠٣٨. وفي المطبوعة: \" ليس لنا \"، وأثبت ما في المراجع، وكأنها الصواب. ويقال: ليس بالدار عريب، أي ليس بها أحدا. و\" النسير \"، تصغير \" النسر \"، وهو مكان بديار بني سليم. بيد أن ياقوت نقل عن الحازمي أنه بناحية نهاوند، واستشهد بهذا البيت. فإن يكن ذلك فابن أم حزنة هذا إسلامي: قال ياقوت، قال سيف: \" سار المسلمون من مرج القلعة نحو نهاوند، حتى انتهوا إلى قلعة فيها قوم، ففتحوها، وخلفوا عليها النسير بن ثور في عجل وحنيفة. وفتحها بعد فتح نهاوند، ولم يشهد نهاوند عجلي ولا حنفي، لأنهم أقاموا مع النسير على القلعة، فسميت به \" (انظر تاريخ الطبري ٤: ٢٤٣، ٢٥١).\nفإن صح أن ابن أم حزنة كان في بعث المسلمين، كان هذا البيت مؤيدا لهذا القول. فإنه يقول له: أنا وأنت ببطن النسير، ليس معنا فيه من أبناء معد (وهم العرب) أحد. وأما عن الحازمي إذا كان الموضع ببلاد العرب، فهو يقول: ليس به أحد، وقوله \" من معد \" فضول من القول. وقد ترجح عندي أنه شاعر إسلامي، من بعض شعره في المفضليات رقم ٧٤، وفي الوحشيات رقم: ٢١٧، (وانظر من نسب إلى أمه رقم: ٢٢، ٣٢)، وله شعر في حماسة البحتري: ٩٧، ١٠٣.\nوإن صحت رواية الطبري: \" ليس لنا من معد عريب \". فعريب، في هذا البيت، هو صاحبه الذي ذكره في أول الشعر فقال:\nإِنَّ عَرِبيًا وَإِنْ سَاءَني ... أَحَبُّ حَبِيبٍ وَأَدْنَى قَرِيبْ\nفيكون قوله: \" معد \" مصدر \" عد يعد \". يقول: أنا وأنت ببطن النسير وحدنا، لا يعد معنا أحد، يعني أنهما خاليين بالمكان، ليس لك من ينصرك ولا لي من ينصرني، فهناك يظهر صاحب للبأس منهما، وقال بعد البيت:\nفأقْسَم بِاللهِ لا يَأتَلِي ... وأقْسَمْتُ إِنْ نلتُهُ لا يَؤُوبْ\nفَأَقْبَلَ نَحْوِي عَلَى قُدْرةٍ ... فَلَمَّا دَنَا صَدَقَتْه الكَذُوبْ\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٨ - ٥٤٩.","vol":"4","page":196},{"text":"قال القرطبي: \" الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة \"النساء\". وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال قوم: المراد بالآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين\" (١).\nوفي الآية إن المراد بالأكل ما هو أعم منه، فيشمل الانتفاع بغير الأكل من الملبوسات، والمفروشات، والمسكونات، والمركوبات؛ لكنه خَص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع؛ الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له وهو منفصل عنه؛ ويفترش الفراش فينتفع به وهو منفصل عنه إلا أنه ألصق به من البيت؛ ويلبس ثوبًا فينتفع به وهو منفصل عنه؛ إلا أنه ألصق به من الفراش؛ والإنسان يأكل الأكل فينتفع وهو متصل ممازج لعروقه؛ فكان أخص أنواع الانتفاع، وألصقها بالمنتفع؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم - ﵏ - أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود؛ لا يصرفه في الأكل والشرب يتغذى بهما البدن وهما أخص انتفاع بالمال؛ فإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لا تأكلوا أموالكم﴾ وهو أخص الانتفاع، والذي قد يكون الإنسان في ضرورة إليه: لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات فكيف بغيره! ! ! وقوله تعالى ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي في العقود من إجارات، وبيوع، ورهون، وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين؛ فتصدق البينية فيها (٢).\nو(الباطل): \"كل ما أخذ بغير حق\" (٣).\nقال الواحدي: \" معنى (الباطل) في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل\" (٤).\nقال القرطبي: \" الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة، وتبطل أي اتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] قال قتادة: هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] يعني الشرك والبطلة: السحرة\" (٥).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان من التفسير (٦):\nأحدهما: بالغصب والظلم.\nوالثاني: بالقمار والملاهي.\nقوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، \"أي تدفعوها إِلى الحكام رشوة\" (٧).\nقال الطبري: أي \" وتخاصموا بها يعني: بأموالكم إلى الحكام\" (٨).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٤.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٢، وانظر: تهذيب اللغة\" ١/ ٣٥٠ (بطل)، والصحاح: ٤/ ١٦٣٥، والمفردات: ٦١، واللسان: ١/ ٣٠٢ (بطل).\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٩.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٩.","vol":"4","page":197},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة\" (١).\nقال الواحدي: \" أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام\" (٢).\nقال الإمام الشوكاني: \" المعنى: أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة\" (٣).\nقال القرطبي: \"فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان (٥):\nأحدهما: أي تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، بأن تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة؛ ثم تخاصمه عند القاضي، فيقول القاضي للمدعي عليك: (هاتِ بينة)؛ وإذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين؛ فإذا حلفت برئت؛ فهنا توصلت إلى جحد مال غيرك بالمحاكمة.\nوالثاني: أن المعنى: توصلوها إليهم بالرشوة ليحكموا لكم.\nوكلا القولين صحيح، والله أعلم.\nقال مجاهد في قول الله: \" ﴿وتُدلوا بها إلى الحكام﴾، قال: لا تخاصم وأنت ظالم\" (٦).\nوقال قتادة في قوله: \" ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ قال: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئا كان حراما عليك\" (٧)، وروي عن السدي (٨)، وعكرمة (٩)، وابن زيد (١٠)، نحو ذلك.\nوفي هذا المال قولان (١١):\nأحدهما: أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها، حكم بجحوده فيها.\nوالثاني: أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمي عليها.\nقال الطبري: وأصل (الإدلاء): إرسال الرجل الدلو في سَبب متعلقا به في البئر، فقيل للمحتج لدعواه: \" أدلَى بحجة كيت وكيت \" إذا كان حجته التي يحتج بها سببا له، هو به متعلقٌ في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدَلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة، يقال فيهما جميعا - أعني من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو في البئر بسبب: \" أدلى فلان بحجته، فهو يُدلي بها إدلاء وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٣.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٤.\n(٣) تفسير فتح القدير: ١/ ١٨٩. ثم قال: \" وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج فمن حكم له القاضي بشيء مستندا في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور فلا يحل له أكله فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وهكذا إذا أرشى الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال وقد روى عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك وهو مردود لكتاب الله تعالى ولسنة رسول الله (ﷺ) \". (تفسير الفتح القدير: ١/ ١٨٩). فقد ورد في الصحيحين كما سبق: عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: \"ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْملْهَا، أو ليذَرْها\". (صحيح البخاري برقم (٢٤٥٨، ٦٩٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧١٣) من حديث أم سلمة ﵂).\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(٦) تفسير الطبري (٣٠٦٠): ص ٣/ ٥٥٠.\n(٧) تفسير الطبري (٣٠٦٣): ص ٣/ ٥٥١.\n(٨) تفسير الطبري (٣٠٦٤): ص ٣/ ٥٥١.\n(٩) تفسير الطبري (٣٠٦٥): ص ٣/ ٥٥١.\n(١٠) تفسير الطبري (٣٠٦٦): ص ٣/ ٥٥١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٥٥٢ - ٥٥٣.","vol":"4","page":198},{"text":"قال الماوردي: \" ﴿وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ﴾، مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته، ويحتمل وجهًا ثانيًا معناه: وتقيموا الحجة بها عند الحاكم، من قولهم: قد أدلى بحجته إذا قام بها\" (١).\nوقال الواحدي: \" وأصل (الإدلاء) في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب المستقي الماء بالدلو\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان من الإعراب (٣):\nأحدهما: أن يكون قوله: ﴿وتُدْلوا﴾ جزما عطفا على قوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة أُبَيٍّ بتكرير حرف النهي: ﴿وَلا تدلوا بها إلى الحكام﴾.\nقال الزمخشري: \" و﴿تدلوا﴾: مجزوم، داخل في حكم النهى\" (٤).\nوالثاني: النصب على الصرْف، أي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر (٥):\nلا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ\nيعني: لا تنه عن خلق وأنتَ تأتي مثله\nقال الطبري: \"وهو أنْ يكون في موضع جزم على ما ذُكر في قراءة أبيّ أحسن منه أن يكون نَصبا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، \"أي ليعينوكم على أخذ طائفة من أموال الناس بالباطل\" (٧).\nقد يقول قائل: إن في قوله تعالى: ﴿لتأكلوا﴾ إشكالًا؛ لأنه تعالى قال: ﴿ولا تأكلوا﴾، ثم قال تعالى: ﴿لتأكلوا﴾ كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟\nفنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل؛ اللام هنا للعاقبة - يعني أنكم إذا فعلتم ذلك وقعتم في الأكل - أكل فريق من أموال الناس -؛ وتأتي اللام للعاقبة، كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾ [القصص: ٨]: فآل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض؛ ولكن كانت هذه العاقبة (٨).\nو﴿فَرِيقًا﴾: \"يعني قطعة وطائفة (٩)، \"وسمي فريقًا؛ لأنه يُفْرَق عن غيره؛ فهذا فريق من الناس، يعني طائفة منهم افترقت، وانفصلت\" (١٠).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٢٤٨.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٣ - ٦١٤، وانظر: معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٤ (دلو)، والمفردات: ١٧٨، والتفسير الكبير: ٥/ ١١٨.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١١٥، وتفسير الطبري: ٣/ ٥٥٢.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٣.\n(٥) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٥٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٥.\n(٩) الدر المنثور: ١/ ٤٨٩.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٥.","vol":"4","page":199},{"text":"قال الإمام الشوكاني: \" ﴿﴿فَرِيقًا﴾، أي قطعة أو جزءا أو طائفة فعبر بالفريق عن ذلك، واصل الفريق القطة من الغنم تشذ عن معظمها وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم\" (١).\nولو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه لا فريقًا منه؟ فالجواب من وجهين (٢):\nالأول: أنه لو أكل جميع مال المدعى عليه لم يأكل جميع أموال الناس؛ لأن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس.\nالثاني: أنه إذا كان النهي عن أكل فريق من أموال المدعى عليه فهو تنبيه بالأدنى على الأعلى.\nقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، قيل: \" هي أموال الأيتام، وقيل: هي الودائع. والأوْلى العموم، وأن ذلك عبارة عن أخذ كل مال يتوصل إليه في الحكومة بغير حق\" (٣).\nو﴿بِالْإِثْمِ﴾: معناه: \" بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله\" (٤).\nقال الثعلبي: \"بالباطل\" (٥).\nقال ابن عباس: \"باليمين الكاذبة يقطع بها مال أخيه\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان (٧):\nأحدهما: لتأكلوا بعض أموال الناس بالإثم، فعبر عن البعض بالفريق.\nوالثاني: على التقديم والتأخير، وتقديره: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم.\nوفي (أكله) ثلاثة أوجه (٨):\nأحدها: بالجحود. قاله ابن عباس (٩)، والحسن (١٠)، ومقاتل بن حيان (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، وقتادة (١٣)، والسدي (١٤)، وعكرمة (١٥)، وابن زيد (١٦).\nوالثاني: بشهادة الزور. قاله الكلبي (١٧).\nوالثالث: برشوة الحكام.\nوقال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين (١٨):\nأحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة.\n_________\n(١) تفسير فتح القدير: ١/ ١٨٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٣) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٦٤.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٤٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٤.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٢١١.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٠٥٩): ص ٣/ ٥٥٠.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، وذكر ابن أبي حاتم (١٧٠٤): ص ١/ ٣٢١، عن الحسن أنه قال: \"لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم\".\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٠٤): ص ١/ ٣٢١.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٠٤): ص ١/ ٣٢١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٠٦٣): ص ٣/ ٥٥١.\n(١٤) تفسير الطبري (٣٠٦٤): ص ٣/ ٥٥١.\n(١٥) تفسير الطبري (٣٠٦٥): ص ٣/ ٥٥١.\n(١٦) تفسير الطبري (٣٠٦٦): ص ٣/ ٥٥١.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥.\n(١٨) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٤٠، وزاد المسير: ١/ ١٩٤، ونقل عن القاضي يعلى أن الباطل على وجهين: أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه كالسرقة. والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر.","vol":"4","page":200},{"text":"والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: وأنتم تعلمون\" أنكم مبطلون تأكلون الحرام\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني تعلمون أنكم تدعون الباطل\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" إنكم مبطلون\" (٣).\nقال القرطبي: \"أي \"بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية\" (٤).\nقال الزمخشري: \" ولاريب بأن \"ارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ\" (٥).\nقال ابن عباس: \"فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما\" (٦).\nوقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: \"ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْملْهَا، أو ليذَرْها\" (٧).\nقال ابن كثير: \"فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وزْره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ [أي: طائفة] ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجون في كلامكم\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، معنيان (٩):\nأحدهما: وأنتم تعلمون أنها للناس.\nوالثاني: وأنتم تعلمون أنها إثم.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تحريم أكل المال بالباطل؛ و«الباطل» كل شيء ليس لك به حق شرعًا.\n٢ - ومنها: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾؛ ولأن الأموال تقوم بها أمور الدين، وأمور الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥].\n٣ - ومنها: تحريم الرشوة؛ لقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق.\n٤ - ومنها: أن الحاكم يحكم بما ظهر له - يعني يقضي بما سمع -؛ كما قال الرسول ﷺ: «إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع» (١٠)؛ لقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾؛ وهذه فيمن يدعي ما ليس له، ويخاصم، ويقيم بينة كذبًا؛ أو يجحد ما عليه، ويخاصم، ويحلف كاذبًا؛ كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام؛\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٢) اخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠٥): ص ١/ ٣٢٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٤٠.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٣.\n(٦) تفسير الطبري (٣٠٥٩): ص ٣/ ٥٥٠.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٢٤٥٨، ٦٩٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧١٣) من حديث أم سلمة ﵂.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢١.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٩.\n(١٠) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٧، حديث رقم ٢٧١٥٣، واللفظ له؛ وأخرجه البخاري ص ٥٨١، كتاب الحيل، باب ١٠: حديث رقم ٦٩٦٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨١، كتاب الأقضية، باب ٣: بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن، حديث رقم ٤٤٧٣ [٤] ١٧١٣.","vol":"4","page":201},{"text":"لكن إن علم الحاكم أن الحق بخلاف ما سمع فالواجب عليه التوقف في الحكم، وإحالة القضية إلى حاكم آخر ليكون هو شاهدًا بما علم.\n٥ - ومن فوائد الآية: تيسير الله ﷾ على الحكام بين الناس، حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة؛ وإلا لكان الحكام في حرج، ومشقة؛ وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له - وإن كان خلاف الواقع - فلا إثم عليه.\n٦ - ومنها: أن من حُكم له بما يعتقد أنه حق فلا إثم عليه؛ لكن لو تبين له بعد الحكم أنه لا حق له وجب عليه الرجوع إلى الحق؛ مثاله: لو فرض أن غريمه أوفاه؛ لكنه ناسٍ، وحلف أنه لم يوفه، وحُكم له فلا إثم عليه؛ لكن متى ذكر أنه قد أوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه.\n٧ - أجمع أهل السنة على أن من أكل مالا حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق، وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتى درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك، وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه (١).\n٨ - من الفوائد: أن \"الحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر\" (٢).\nالقرآن\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩]\nالتفسير:\nيسألك أصحابك -أيها النبي-: عن الأهلة وتغيُّر أحوالها، قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت مثل الصيام والحج، ومعاملاتهم. وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله، ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.\nاختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، على قولين (٣):\nأحدهما: أنها \"نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ \" (٤).\nوقال الواحدي: \" قال معاذ بن جبل: يا رسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٥).\nوالثاني: قال ابن عباس: \"سأل الناسُ رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس﴾، يعلمون بها حَلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم\" (٦). وروي عن قتادة (٧)، والربيع (٨)، وابن جريج (٩)، نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢١.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٥٣ وما بعدها، وأسباب النزول: ٥٣.\n(٤) أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور للسيوطي ١/ ٤٩٠، وذكره في العجاب عن اكلبي، انظر: العجاب: ١/ ٤٥٤ وذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره.: ١/ ١٦٥.\n(٥) أسباب النزول: ٥٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٣٠٧٣): ص ٣/ ٥٥٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٠٦٧): ص ٣/ ٥٥٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٠٦٨): ص ٣/ ٥٥٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٠٧٠): ص ٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤.","vol":"4","page":202},{"text":"وأما سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، ففيه وجوه:\nأحدهما: أخرج الواحدي والطبري، وغيرهما عن البراء بن عازب أنه قال: \"كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل باب، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية\" (١).\nوالثاني: أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء قال: \" كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا البيوت من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ \" (٢).\nوالثالث: أخرج الواحدي عن جابر قال: \"كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينما رسول الله - ﷺ - في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر وإنه خرج معك من الباب فقال له: \"ما حملك على ما صنعت؟ \" قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: \"إني أحمسي\" قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ \" (٣). وأخرج الطبري عن الزهري (٤) مثل ذلك.\nوالرابع: وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك دينا إلا أن يكون من الحمس، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية سموا حمسا لشدتهم في دينهم، قالوا: فدخل رسول الله - ﷺ - ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله - ﷺ - \"لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ \" فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول الله - ﷺ - \"إني أحمسي\" قال الرجل: إن كنت أحمسيا فإني أحمسي، ديننا واحد رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٥). وأخرج الطبري عن الزهري مثله (٦).\nقال ابن حجر معلقا على كلام الواحدي: \" وهذا جمعه من آثار مفرقة ولم أجده عن واحد معين\" (٧).\nوالسادس: قال الماوردي ما حاصله أنه قيل: إنها نزلت في من كان يأتي النساء في غير قبلهن، وكنى عن النساء بالبيوت للإِيواء إليهن، وعن الوطء في غير القبل بالإتيان من جهة الظهر، ونسبه لابن زيد (٨).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٥٤، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٦٢١ - ح: ١٨٠٣) ومسلم (٤/ ٢٣١٩ - ح: ٣٠٢٦) والطيالسي (منحة المعبود: ٢/ ١٢ - ح: ١٩٢٧)، والطبري (٣٠٧٥): ص ٣/ ٥٥٨.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٧١٤): ص ١/ ٣٢٤. اسناده ضعيف.\n(٣) أسباب النزول: ٥٣، وأخرجه الحاكم (لباب النقول: ٣٦) وابن خزيمة (فتح الباري: ٣/ ٦٢١) من طريق الأعمش به. وسنده صحيح على شرط مسلم (فتح الباري: ٣/ ٦٢١).\n(٤) انظر: تفيبر الطبري (٣٠٨٢): ص ٣/ ٥٥٨.\n(٥) أسباب النزول: ٥٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٠٨٢): ص ٣/ ٥٥٨.\n(٧) العجاب: ١/ ٤٥٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٠.","vol":"4","page":203},{"text":"واستبعده ابن عطية قائلًا: \" ... فبعيد مغير نمط الكلام (١).\nالسابع: وقال الماوردي أيضا: \"أنه في النسيء وتأخير الحج به، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حرامًا بتأخير الحج، والشهر الحرام حلالًا بتأخير الحج عنه، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلًا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه، والخلف والظهر في كلام العرب واحد، حكاه ابن بحر \" (٢).\nوفي ذلك بعد أيضًا، فإن لم يُحْمَل ما لا بعد فيه مما ورد في سبب نزول الآية على تعدد الأسباب فما في الصحيح أصح (٣) كما قال الحافظ ابن حجر (٤).\nقال القرطبي: \" اتصل هذا [أي دخول البيت من ظهورها] بذكر مواقيت الحج، لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا.\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ \" أي\" يسألونك يا محمد عن الهلاك لم يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ \" (٦).\nو﴿الأهِلَّةِ﴾ جمع هلال؛ وهو غُرّة القمر حين يراها الناس، يقال لها: هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك (٧).\nوقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا (٨).\nواختلف في سبب تسميته هلالا على أقوال (٩):\nأحدها: أن \"الإِهلال الصراخُ \" (١٠)، إذ: \"سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته \" (١١)؛ ومنه: الاستهلال؛ والإهلال هو رفع الصوت، كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: \"أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال\" (١٢)، يعني بالتلبية؛ ومنه قولهم: (استهل المولود) إذا ظهرت حياته بصراخه.\nوالثاني: سمي بذلك \"لأنه من البيان والظهورِ، أي: لظهورهِ وقتَ رؤيَتِهِ بعد خَفَائِهِ، ولذلك يُقال: تَهَلَّلَ وَجْهُهُ: ظَهَرَ فيه بِشْرٌ وسرورٌ وإنْ لم يَكُنْ رفَعَ صوتَه\" (١٣)، ومنه قول تأبَّط شرًّا (١٤):\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٦٢.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٢٥٠.\n(٣) وهو قول البراء بن عازب﵁عند البخاري في صحيحه-فتح-: ٣/ ٧٢٧ رقم: ١٨٠٣ (نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبِل بابه، فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وظاهر قول البراء هذا اختصاص ذلك بالأنصار، وقد أبان الحافظ في الفتح: ٣/ ٧٢٧ أن سائر العرب كانوا كذلك إلا قريشًا. وهناك أقوال أخرى في سبب نزول الآية ذكرها ابن حجر في العجاب-تحقيق الأنيس-: ١/ ٤٥٥ – ٤٦٥.\n(٤) انظر: الفتح: ٣/ ٧٢٨.\n(٥) تفسير القرطبي ٢/ ٣٤٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٦١٦.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٦١٦.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢، والدر المصون: ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٦١٦.\n(١٠) الدر المصون: ٢/ ٢٨٥.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٠٧.\n(١٢) سنن الترمذي (٨٢٩): ص ٣/ ١٥٣، وسنن أبي داود (١٨١٤): ص ٢/ ١٦٣.وأحمد (١٦١٢٢): ٤/ ٥٥.\n(١٣) الدر المصون: ٢/ ٣٠٣.\n(١٤) ديوان الهذليين: ٢/ ٩٤، والخزانة: ٨/ ١٩٤، قال البغدادي: \"والعارض من السحاب: ما يعرض في جانب من السماء، يقول: نظرت في وجهه رأيت أسارير وجهه تشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق\".","vol":"4","page":204},{"text":"وإذا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِه ... بَرَقَتْ كبَرْقِ العارضِ المُتَهَلِّلِ\nقال الزمخشري: \"الشهر: الهلال لشهرته وظهوره، قال ذو الرمة يصف رجلا بحدّة الطّرف (١):\nفأصبح أجلى الطرفِ ما يستشفه ... يرى الشهرَ قبلَ الناسِ وهو نحيلُ\" (٢)\nقال السمين الحلبي: \" يقولون: رأيت الشهر: أي هلاله، ثم أطلق على الزمان لطلوعه فيه\" (٣).\nوفي سبب التعبير بالهلال عن الشهر قولان:\nأحدهما: لحلوله فيه، كما قال الشاعر (٤):\nأخوان من نجد على ثقة ... والشهر مثل قلامة الظفر\nالثاني: أنه سمي شهرا، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه (٥).\nوقد اختَلَفَ اللغويون: إلى متى يسمى هِلالًا، وفي أقوال (٦):\nأحدها يسمى هلالًا لليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالًا إِلى أن يعود في الشهر التالي. وهذا قول الجمهور.\nالثاني: وقيل: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يكونُ قمرًا.\nالثالث: أنه يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا. قاله أبو الهيثم (٧).\nالرابع: أنه يقال له هلالٌ إلى أن يُحَجِّرُ، وتحجيرُه أن يستديرَ له كالخيطِ الرقيق\"، ويُقال له بَدْرٌ من الثانيةَ عشرةَ إلى الرابعةَ عشرةَ. قاله الأصمعي (٨).\nالخامس: وقيل: \"يُسَمَّى هلالًا إلى أن يَبْهَرَ ضَوءُه سوادَ الليل، وذلك إنَّما يكونُ في سبعِ ليالٍ\".\nوالهلالُ يكونُ اسمًا لهذا الكوكبِ، ويكونُ مصدرًا، يقال: هَلَّ الشهرُ هلالًا (٩).\nقال الزجاج: \" والذي عندي وما عليه الأكثر أنه يسمى هلالًا ابنَ ليلتين، فإِنه في الثالثة يَبِين ضوؤه\" (١٠).\nوالجمهور على إظهار نونِ ﴿عَنْ﴾ قبل (لام) ﴿الأهلَّة﴾، وورش على أصِله من نقلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها، وقُرِىءَ شاذًا: ﴿علَّ هِلَّة﴾ وتوجيهُها أنه نَقَلَ حركةَ همزة (أهلة) إلى (لام) ِ التَّعريفِ، وأدغم (نونَ) ﴿عن﴾ في (لام) التعريف لسقوطِ همزةِ الوصلِ في الدذَرْج، وفي ذلك اعتدادٌ بحركةِ الهمزةِ المنقولةِ وهي لغةُ مَنْ يقول: (لَحْمَر) من غيرِ همزةِ وصلٍ (١١).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، \" أي: فقل لهم إِنها أوقات لعبادتكم ومعالم تعرفون بها مواعيد الصوم والحج والزكاة\" (١٢).\n_________\n(١) ديوانه: ٦٧١. وانظر: أساس البلغة (شهر)، والشطر الثاني في اللسان (شهر).\n(٢) الفائق في غريب الحديث: ١/ ٢٧٠.\n(٣) الدر المصون: ٢/ ٢٧٩.\n(٤) لم أقف على قائله، والبيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٤٩، ووالقرطبي في تفسيره: ٢/ ٢٤٢.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٩، والدر المصون: ٢/ ٣٠٣.\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٦١٦، والدر المصون: ٢/ ١٨٤.\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٥٩، والدر المصون: ٢/ ٣٠٣.\n(٩) الدر المصون: ٢/ ٣٠٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٦٠.\n(١١) الدر المصون: ٢/ ٣٠٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.","vol":"4","page":205},{"text":"قال البغوي: أي: \"فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة\" (١).\nقال البيضاوي: \" أمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها. وخصوصًا الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، اعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم ووعد حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة\" (٣).\nقال النيسابوري: \" وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته\" (٤).\nو(المواقيت): \"جمع ميقات، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، قراءتان (٦):\nإحداهما: ﴿وَالْحَجَّ﴾ بفتح الحاء، وهي قراءة الجمهور.\nوالثانية: ﴿وَالْحَجِّ﴾ بكسرها في جميع القرآن، قرأ بها ابن أبي إسحاق.\nقال سيبويه: \" ﴿َالْحَجَّ﴾ بالفتح، كالرد والشد، وبالكسر كالذكر، مصدران بمعنى، وقيل بالفتح مصدر وبالكسر الإسم\" (٧).\nقال الإمام الشوكاني: \" وإنما أفرد سبحانه ﴿الْحَجِّ﴾، بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ولا يجوز فيه النسيء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سالوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه\" (٨).\nوردّ الشيخ ابن عثيمين على هذا الرأي قائلا: \"وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا الرسول ﷺ عن السبب في كون الهلال يبدو صغيرًا، ثم يكبر؛ فأجاب الله ﷾ ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله ﷾ خلقها على هذا الوجه؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح\" (٩).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٢١١.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥.\n(٤) انظر: تفسير النيسابوري: ٢/ ٢٧٤.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.\n(٦) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٨.\n(٧) انظر: تفسير الفتح القدير: ١/ ١٩٠.\n(٨) تفسير الفتح القدير: ١/ ١٩٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٨.","vol":"4","page":206},{"text":"قلت: ظاهر الأخبار الواردة عن الصحابة الكرام أنهم سألوا عن أحوال شكل الهلال ولكن هذا لايمنع أن يكون المراد من سؤالهم معرفة الحكمة في ذلك. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي: \"وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها\" (١).\nقال الصابوني: \" أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية\" (٢).\nعن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوْا البيت من ظهره، فأنزل الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ \" (٣).\nو﴿البر﴾: \"هو الخير الكثير؛ وسمي الخير برًا لما فيه من السعة؛ ومنه في الاشتقاق ﴿الْبِرُّ﴾ - الذي هو الخلاء: وهو ما سوى البنيان - لسعته\" (٤).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿الْبُيُوتَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، على وجهين (٥):\nأحدهما:: ﴿الْبُيُوتَ﴾، بضم الباء. قرأ بها أبو عمرو.\nوالثاني:: ﴿الْبُيُوتَ﴾، بكسر الباء. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائيّ.\nواختلف عن نافع فروى المسيّبيّ وقالون: ﴿الْبُيُوتَ﴾ بكسر الباء، وقال ورش عن نافع: أنه ضمّ الباء من الْبُيُوتَ، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر وابن جمّاز عنه: أنه ضمّها، واختلف عن عاصم أيضا (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ أي: \" ولكن العمل الصالح الذي يقربكم من الله في اجتناب محارم الله\" (٧).\nقال الزجاج: \" أعلمهم أن البر التقي، والمعنى: ولكن البر برُّ من اتقى مخالفةَ أمر اللَّه ﷿\" (٨).\nقال البيضاوي: أي\" وإنما البر: بر من اتقى المحارم والشهوات\" (٩)\nقال ابن عثيمين: \" لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به اتقاء الله ﷿؛ البر هو التقوى؛ هذا هو حقيقة البر؛ لا أن تتقي دخول البيت من بابه\" (١٠).\nقال أبو عبيدة: أي: \" اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩]، قراءتان (١٢):\nإحداهما: ﴿وَلكِنَ الْبِرُ مَنِ اتَّقى﴾، بتخفيف النون في ﴿لكِن﴾، ورفع ﴿البر﴾، قرأ بها نافع وابن عامر. على أن تكون ﴿لكن﴾ مخففة من الثقيلة مهملة؛ و﴿البرُّ﴾ مبتدأ.\nوالثانية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾، بتشديد النون في ﴿لكِنَّ﴾، ونصب ﴿الْبِرَّ﴾، على أن ﴿لكنّ﴾ عاملة؛ و﴿الْبِرَّ﴾ اسمها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٣) صحيح البخاري برقم (٤٥١٢).\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٩.\n(٥) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٨ - ١٧٩، والحجة للقراء السعبة: ٢/ ٢٨١.\n(٦) انظر: الحجة للقراء السعبة: ٢/ ٢٨١.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤١.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٦٣.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.\n(١١) مجاز القرآن: ١/ ٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.","vol":"4","page":207},{"text":"وإن قيل: قوله تعالى: ﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: ﴿الْبِرَّ﴾ اسم معنى؛ و﴿مَنِ اتَّقَى﴾ اسم جثة؛ كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟\nفالجواب أنه يخرج على واحد من أوجه ثلاثة (١):\nالوجه الأول: أن يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البار.\nالوجه الثاني: أن يكون المصدر على تقدير محذوف؛ أي: ولكن البر بر من اتقى.\nالوجه الثالث: أن هذا على سبيل المبالغة أن يجعل ﴿مَنِ اتَّقَى﴾ نفس البر، كما يصفون المصدر فيقولون: فلان عدل، ورضا.\nقوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي: \"أدخلوها كعادة الناس من الأبواب\" (٢).\nقال الزجاج: \" فأمرهم اللَّه بترك سنة الجاهلية في هذه\nالحماسة\" (٣).\nقال الراغب: \" أي تحروا في كل عمل إتيان الشيء من وجهه تنبيها أن ما يطلب من غير وجهه صعب مناله\" (٤).\nقال البيضاوي: \" إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها\" (٥).\nقال الطبري: \" فأتوها [أي البيوت] من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] أي \"اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه\" (٧).\nقال البيضاوي: أي: \" في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله، لكي تظفروا بالهدى والبر\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، لأجل أن تنالوا الفلاح\" (٩).\nقال الطبري: أي: \"واتقوا الله أيها الناس، فاحذروه وارهبوه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ في جَنَّاته والخلودَ في نعيمه\" (١٠).\nقال الإمام الشوكاني: \"أي: تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب وهم المفلحون\" (١١).\nروي عن محمد بن كعب القرظي انه كان يقول في هذه الآية: \" ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني\" (١٢).\nو(الفلاح): \"هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤١.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٦٣.\n(٤) تفسير الراغب: ١/ ٤٠٢.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤١.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٠.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٤١٦.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٧١٨): ص ١/ ٣٢٥.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧١.","vol":"4","page":208},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين، وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا.\n٢ - ومنها: عناية الله ﷾ برسوله -ﷺ-، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه؛ وهذا من معونة الله للرسول -ﷺ-، وعنايته به.\n٣ - ومنها: بيان علم الله، وسمعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾؛ علم الله بسؤالهم، وسمعه، ورحمهم بالإجابة.\n٤ - ومنها: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شؤون دينهم، ودنياهم؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس\n٥ - ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم - وهو الأهلة -؛ فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس﴾؛ وأما ما حدث أخيرًا من التوقيت بالأشهر الإفرنجية فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يومًا، وبعضها ثلاثين يومًا، وبعضها واحدًا وثلاثين يومًا من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسية يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم - بخلاف الأشهر الهلالية فإن لها علامة حسية يعرفها كل أحد -.\n٦ - ومنها: أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله تعالى: ﴿والحج﴾.\n٧ - ومنها: أن البر يكون بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾.\n٨ - ومنها: أن العادات لا تجعل غير المشروع مشروعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ مع أنهم اعتادوه، واعتقدوه من البر؛ فمن اعتاد شيئًا يعتقده برًا عُرِض على شريعة الله.\n٩ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ فإن هذه الآية كما تناولت البيوت الحسية كذلك أيضًا تناولت الأمور المعنوية؛ فإذا أردت أن تخاطب مثلًا شخصًا كبير المنزلة فلا تخاطبه بما تخاطب سائر الناس؛ ولكن ائت من الأبواب؛ لا تتجشم الأمر تجشمًا؛ لأنك قد لا تحصل المقصود؛ بل تأتي من بابه بالحكمة، والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور.\n١٠ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷾ إذا نهى عن شيء فتح لعباده من المأذون ما يقوم مقامه؛ فإنه لما نفى أن يكون إتيان البيوت من ظهورها من البر بيّن ما يقوم مقامه، فقال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ وله نظائر منها قوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ ومنها قول النبي ﷺ لمن قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله ندًا؛ بل ما شاء الله وحده» (١)؛ والأمثلة في هذا كثيرة.\n١١ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n١٢ - ومنها: أن التقوى تسمى برًا.\n١٣ - ومنها: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾.\nالقرآن\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه أحمد ١/ ٢١٤، حديث رقم ١٨٣٩؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، راجع فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/ ٢٥٣، باب ٣٣٩: قول الرجل ما شاء الله وشئت، حديث رقم ٧٨٣؛ وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٤٠، باب ٢٣١: في الرجل يقول: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم ٢٦٢٨٢، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: فالإسناد حسن ١/ ٢١٧، حديث رقم ١٣٩، وقال في صحيح الأدب المفرد: صحيح ص ٢٩٢.","vol":"4","page":209},{"text":"وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله.\nفي سبب نزول الآية: قا الواحدي: \" قال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما صد عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله ﷺ؛ فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - ﷺ - وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، في الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ يعني قريشا\" (١).\nاختلف أهل التفسير في في حكم هذه الآية، على قولين (٢):\nأحدهما: أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين، أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة، وهذا قول الربيع (٣)، وابن زيد (٤).\nوالثاني: أنها ثابتة في الحكم، أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة، والاعتداء الذي نهوا عنه: قتل النساء والولدان، وهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وعمر بن عبد العزيز (٧).\nوالراجح هو القول الثاني، أي أن الآية محكمة ولم تنسخ، واختاره جمهور أهل التفسير، وقد اختاره أبو جعفر النحاس فقال: \"وهذا أصح القولين في السنة والنظر (٨):\nفأما السنة: فحديث ابن عمر: \" أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان (٩).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٥٥.\n(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١٠٧، والنكت والعيون: ١/ ٢٥١، وتفسير الطبري: ٣/ ٥٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٠٨٩): ص ٣/ ٥٦١ - ٥٦٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٠): ص ٣/ ٥٦٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٤): ص ٣/ ٥٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٢)، (٣٠٩٣): ص ٣/ ٥٦٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٥): ص ٣/ ٥٦٣.\n(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١ - ٧ - ١٠٨، ونقله القرطبي في تفسيره بتصرف: انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٨.\n(٩) جاء في الصَّحيحَين عن نافع: أنَّ عبدالله - ﵁ - أخبرَه: أنَّ امرأةً وُجدت في بعض مغازي النبي - ﷺ - مقتولة، فأنكر رسولُ الله - ﷺ - قتْلَ النِّساء والصِّبيان\". [البخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤)].\nوفي لفظ: \"فنهى رسول الله - ﷺ - عن قتْلِ النِّساء والصِّبيان\". [(البخاري (٢٧٩٢)، ومسلم (٣٢٨٠)].\nومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح: أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالدُ بن الوليد، فمرَّ أصحابُ رسول الله - ﷺ - على امرأةٍ مقتولة ممَّا أصابتِ المُقدِّمة، فوقفوا ينظرون إليها، ويتعجَّبون من خَلقها، حتى لحقهم رسول الله - ﷺ - على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما كانتْ هذه لتقاتِل\"، فقال لأحدهم: \"الْحقْ خالدًا فقلْ له: لا تقتلوا ذُريَّة، ولا عسيفًا\". (أحمد (١٧١٥٨)، وأبو داود (٢٦٦٩).\nوقد ذكر المحقِّقون أنَّ هذه الواقعة كانت في غزوة حنين.\nومنها أيضًا: ما رواه مسلم وأبو داود عن سليمان بن بُريدةَ، عن أبيه: أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"اغزُوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتِلوا مَن كَفَر بالله، اغزوا ولا تَغدِروا، ولا تَغلُّوا ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا\". أخرجه مسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٣).\nوفي رواية عند البيهقي وغيره: \"ولا تقتلوا وليدًا طِفلًا، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا\". أخرجه البيهقي في الكبرى (١٧٩٣٤).\nوفي شرح معاني الآثار للطحاوي بسند صحيح: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا بعث جيوشَه قال: \"لا تقتلوا الوِلْدان\"، وفي رواية: \"لا تقتلوا شيخًا كبيرًا\"، وفي رواية \"لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً\".شرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٢٢١).\nوعن ابن عمر - ﵄ - قال: كتب عمر - ﵁ - إلى الأجناد: \"لا تقتلوا امرأة ولا صبيًّا\".\nومن وصايا أبي بكر لأمراء الجُند: \"لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هَرمًا، ولا تقطعوا شجَرًا مُثمرًا، ولا تُخرِّبُنَّ عامرًا، ولا تَعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلَّا لمأكلة، ولا تُغرقُنَّ نخلًا ولا تحرقنَّه، ولا تغلل، ولا تجبُن\".قال ابن كثير في كتابه إرشاد الفقيه (٢/ ٣٢٠): رُوِيَ هذا عن أبي بكرٍ من وجوه كثيرة.\nوعن يَزيد بن هُرْمُز: أنَّ نجدَةَ كتبَ إلى ابن عبَّاس - ﵄ - يسأله عن قتْل أطفال المشركين، فكتب إليه ابن عبَّاس - ﵄ -: \"إنَّك كتبتَ إليَّ تسأل عن قتل أطفال المشركين، فإنَّ رسول الله - ﷺ - لم يقتلْهم، وأنت فلا تقتلْهم، إلَّا أن تعلمَ منهم ما عَلِم الخَضِرُ من الغلام حين قتلَه\". أخرجه مسلم (١٨١٢).\nفلا يُقتل أحدٌ بذنب غيره، ولا يُؤخذ ابنٌ بجريرة أبيه، أو امرأة بجريرة زوجها، ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، وهذا أسمى معاني العدالة والرَّحمة.\nروى النسائي بسند صحيح عن مسروق عن عبدالله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رِقابَ بعض، ولا يُؤخذ الرَّجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه\".أخرجه النسائي (٤١٢٧).\nوالأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة.","vol":"4","page":210},{"text":"وأما النظر: فإن (فاعل) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ﵁ يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، أخرجه مالك وغيره (١) (٢).\n_________\n(١) وفيما يأتي نص الوصية:\n\"إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم توليًا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربًا إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعًا، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له\".\n(الكامل في التاريخ: ١٣/ ٢٥٠). ثم علق عليها ابن الأثير قائلا: \"وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر \".\nوانظر: عمدة القاري: جزء ١٦ - صفحة ٨٩١، والطبقات الكبرى: ٥/ ٥٣٣، وتاريخ الطبري: ٢/ ٢٠٩.\nومن فوائد هذه الوصية:\nـ ... أن الولايات والمناصب ليست حقًا ثابتًا لأصحابها وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلى أن يَعْزلهم إذا أساؤوا وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلى مضاعفة الجهد في بذل الطاقة ليصل إلى مستوى أعلى من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلى الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا، فيخل بمسئولته ويعرّض من تحت ولايته إلى أنواع من الفساد والفوضى والنزاع.\n_ ... إن تقوى الله ﷿ هي أهم عوامل النجاح في العمل، لأن الله تعالى مطلع على ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فَحَريٌّ بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لا تلتزم بتقوى الله تعالى.\n_ ... التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان على الإنحراف عن الطريق المستقيم، إذا كان ما عليه الآباء والأجداد مخالفًا للاستقامة، إضافة إلى أنه يضعف من الإنتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله.\n_ ... الإيجاز في الموعظة فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، فيضيع المقصود، ويغلب على السامع الأعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغًا عن استيعاب ما يقول والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغًا فإن الملل يأخذ بالسامع فلا يعي ما يقول المتكلم.\n_ ... إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجًا صالحًا للقدوة الحسنة فإن ذلك يكون سببًا في صلاح من هم تحت رعايته.\n_ ... الإهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهرًا ومخْبرًا مَظْهَرًا من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومَخْبَرًا من ناحية الخشوع فيها وحضور القلب مع الله تعالى، فإن هذه الصلاة الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذّب السلوك، وتقوِّي القلوب، وتبعث على ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذًا للمسلم عند الشدائد.\n_ ... إكرام رسل العدو إذا قدموا مع الاحتراس منهم، وعدم تمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلى الإسلام فيما إذا عرف العالم ما يتحلى به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لا يصل هذا الإكرام إلى حد إطلاعهم على بطانة أمور المسلمين، بل ينبغي إطلاعهم على قوة جيش المسلمين ليُرهبوا بذلك أقوامهم.\n_ ... الاحتفاظ بالأسرار، وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيما يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التعرف في الأمور وإن تغيرت وجوهها ما دام سرُّه حبيسًا في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور ولم يستطع التحكم فيها.\n_ ... إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر، فإنه لا يستطيع أن يفيد من استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضية فإنه يكون قد جنى على نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة.\n_ ... أن على القائد وكل مسئول أن يكون مخالطًا لمن ولي أمرهم على مختلف طبقاتهم ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له على تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولا يختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لا يصل إليه من المعلومات إلا ما كان من طريق هؤلاء، وقد لا يكشفون له الأمور بكل تفصيلاتها، فقد يحللون له الأمور على غير وجهها الصحيح.\n_ ... الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة من مكامن الخطر، واختبار الحرّاس الأمناء من ذوي النباهة وعدم وضع الثقة الكاملة بهم، بل لا بدَّ من الرقابة عليهم حتى يؤتى المسلمون من قبلهم.\n_ ... أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكًا وسطًا، فلا يتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرِّئه على مزيد من المخالفة، ويجريْ غيره على ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضى وينفلت الأمر، ولا يشتد في العقوبة فينفِّر الرعية، ويدفعهم إلى التسخط والتحزب، بل تكون عقوبته بحكمة واتزان بعد النظر والتروي بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة، ولا دفع إلى النقد والتسخط.\n_ ... أن يكون لدى المسئول يقظة وإنتباه لكل ما يجري في حدود المسئولية المناطة به حتى يشعر أفراد الرعية بأن هناك إهتمامًا بأمورهم فيزيد المحسن إحسانًا ويقتصر المسيء عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم، فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر على الجميل، وهذا الخيط ما دام قائمًا فإنه يمنع أصحاب الجنوح من إرتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضى، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوى الله تعالى فإن أهم الحواجز التي تحول دون الإنطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور لأنها تحتاج إلى قوة رادعة وهذه لها سلبياتها المعروفة.\n_ ... أن يحرص المسئول على مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة وإن سمع منهم ما يكره أحيانًا من النقد والتوجيه، فإن ذلك يعود عليه وعلى من استرعاه الله أمرهم بالنفع، وأن لا يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.\n_ ... أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لا يجبن، فإن جُبنه يسري على جنده فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسئول شجاعًا في مواجهة المواقف، وأن لا يضعف فيسري ضعفه على من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوى الأداء ويضعف الإنتاج.\n_ ... أن يتجنب القائد الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسئول أية استفادة دنيوية من علمه لا تحل له شرعًا، مثل أخذ الهدايا التي يقصد لها دفعها الاستفادة من المسئول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب إلى الفقر، ويدفع النصر.\n_ ... ومن هذه الفوائد تبين لنا عظمة الوصية التي أوصى بها أبو بكر ﵁ أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين وأنه كان يتصور ما قد يواجهه قواده فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات، وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجِّل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة، وجاء في رواية أن أبا بكر ﵁ لم ينس اللمسات الإنسانية في وصيته لجيش يزيد حيث وصاه بدستور المسلمين للحرب المكون من عشرة نقاط تجسد إنسانية الحضارة الإسلامية وروحها المفعمة بالرحمة، والشفقة، وقد جاءت هذه الوصية على شكل مقتبس من رسول الله ﷺ فقد قال: أيها الناس: قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تفسدوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا ولا شيخًا كبيرًا، ولا إمرأة، ولا تقعروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بعيرًا إلا لأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له .. اندفعوا باسم الله. وقد استفاد منها يزيد بن أبي سفيان غاية الاستفادة، ولما فتح الشام، في عهد عمر ولّى الفاروق يزيد فلسطين وناحيتها، ثم لما مات أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، فلما مات معاذ بن جبل استخلف يزيد بن أبي سفيان، ثم مات يزيد فاستخلف أخاه معاوية، وكان موت هؤلاء كلهم في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة: وقيل: مات يزيد سنة تسع عشرة بعد فتح قيسارية، وقيل: بل مات قبل فتح قيسارية وإنما افتتحها معاوية. وقال أبو إسماعيل محمد بن عبد الله البصري: جزع عمر على يزيد جزعًا شديدًا، وكتب إلى معاوية بولايته على الشام.\n(انظر: التبيين في أنساب القرشيين: ٢٠٥).\n(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١٠٧ - ١٠٨، نقله القرطبي بتصرف، انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٨.","vol":"4","page":211},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠]، \" أي قاتلوا لإِعلاء دين الله من قاتلكم من الكفار\" (١).\nقال البيضاوي: \" جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه\" (٢).\nقال الزمخشري: و\"المقاتلة في سبيل اللَّه: هو الجهاد لإعلاء كلمة اللَّه وإعزاز الدين\" (٣).\nوالمرادُ بـ (السبيلِ): دينُ الله، لأنَّ السبيلَ في الأصلِ الطريقُ، فتُجُوِّز به عن الدينِ، لَمّا كان طريقًا إلى الله (٤).\nقال ابن عثيمين: أي: قاتلوا: \"في دينه، وشرعه، ولأجله\" (٥).\nقال الشيخ السعدي: \" وفي تخصيص القتال ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حثّ على الإخلاص، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، أي: الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" أي: [يقاتلونكم] ليصدوكم عن دينكم؛ وهذا القيد للإغراء، لأن الإنسان إذا قيل له: (قاتل من يقاتلك)، اشتدت عزيمته، وقويت شكيمته\" (٨).\nقال ابن كثير: \"إنما هو تَهْييج وإغراء بالأعداء الذين همّتْهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، أي: \" ولا تظلموا\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" فتبدؤا في الحرم بالقتال محرمين\" (١١).\nقال القاسمي: أي: \"بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عن قتاله، من النساء، والشيوخ، والصبيان، وأصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد. أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة\" (١٢).\nقال الصابوني: أي \"لا تبدأوا بقتالهم، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم\" (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.\n(٣) تفسير الكشاف: ٢/ ٢٣٥، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٠٨.\n(٤) الدر المصون: ٢/ ٢٨٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٣.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ٨٩. وفي المعنى نفسه يقول ابن عثيمين: \" فسبيل الله ﷾ يتناول الدين، وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده؛ فهو يتضمن الإخلاص، والمتابعة؛ ولهذا قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين؛ فإن المقاتِل يَعرض رقبته لسيوف الأعداء؛ فإذا لم يكن مخلصًا لله خسر الدنيا والآخرة: قتل، ولم تحصل له الشهادة؛ فنبه بتقديم المراد ﴿في سبيل الله﴾ ليكون قتاله مبنيًا على الإخلاص\". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٣].\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٥.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٨.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ٥٠.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤٢.","vol":"4","page":213},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي ... ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بُرَيدة أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: \"اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تَغْدروا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا أصحاب الصوامع\" (١) \" (٢).\nقال السعدي: \"والنهي عن الاعتداء (٣)، يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل، من النساء، والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها]، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: إن الله لا يحب \"الذين يجاوزون حدوده\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" لا يريد بهم الخير\" (٦).\nقال الطبري: أي إن الله لا يحب الذين\" يستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم\" (٧).\nقال الصابوني: أي: \" فإِنه تعالى لا يحب من ظلم أو اعتدى\" (٨).\nقال القاسمي: ﴿المعتدين﴾ \" أي: المتجاوزين حكمه في هذا وغيره \" (٩).\nقال الآلوسي: \" ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما\" (١٠).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أن اعتداء مرسوم الله وتجاوز حكمه في كل أمر مذموم\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، أربعة أقاويل (١٢):\nأحدها: أن الاعتداء قتال من لم يقاتل. قاله ابن عباس (١٣).\nوالثاني: أنه قتل النساء والولدان. قاله ابن عباس (١٤)، وروي، عن عمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم برقم (١٧٣١) والمسند (٥/ ٣٥٢).\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٤.\n(٣) يقول الشيخ ابن عثيمين في تفسيره: ٢/ ٣٧٣،: \"والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله، والاعتداء في حق المقاتَلين؛ أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ -؛ وأما في حق المقاتَلين فمثل أن نُمَثِّل بهم؛ لأن النبي ﷺ نهى عن المثلة\". (راجع مسلم ص ٩٨٥، كتاب الجهاد والسير، باب ٢: تأمير الإمام الأمراء على البعوث ...، حديث رقم ٤٥٢٢ [٣] ١٧٣١).\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٨٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٤.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٥٠.\n(١٠) روح المعاني: ٢/ ٧٥.\n(١١) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٤٠٥.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٢١): ص ١/ ٣٢٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٢١): ص ١/ ٣٢٥.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٢٥.","vol":"4","page":214},{"text":"والثالث: أنه القتال على غير الدِّين.\nوالرابع: أنه إتيان المحرمات والمنهيات. قاله الحسن (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا﴾؛ ووجوب أن يكون في سبيل الله - أي في شرعه، ودينه، ومن أجله -؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وقد دل الكتاب والسنة على أنه إذا كان العدو من أهل الكتاب - اليهود، والنصارى - فإنهم يدعون إلى الإسلام؛ فإن أبوا أخذت منهم الجزية؛ فإن أبوا قوتلوا؛ واختلف العلماء فيمن سواهم من الكفار: هل يعاملون معاملتهم؛ أو يقاتلون إلى أن يسلموا؛ والقول الراجح أنهم يعاملون معاملتهم، كما يدل عليه حديث بريدة (٢) الثابت في صحيح مسلم؛ وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٣) - وهو يدل على أن أخذ الجزية ليس خاصًا بأهل الكتاب -.\n٢ - ومنها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذْكر للمخاطب ما يهيجه على الامتثال؛ لقوله تعالى: ﴿الذين يقاتلونكم﴾؛ هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج، والإغراء؛ فإن قلنا: «إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا»، اختلف الحكم.\n٣ - ومنها: تحريم الاعتداء حتى على الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾؛ وعلى المسلمين من باب أولى؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لمن يبعثهم، كالسرايا والجيوش: «لا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا» (٤)؛ لأن هذا من العدوان.\n٤ - ومنها: إثبات محبة الله - أي أن الله يحب -؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾؛ وجه الدلالة: أنه لو كان لا يحب أبدًا ما صح أن ينفي محبته عن المعتدين فقط؛ فما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم.\n٥ - ومنها: حسن تعليم الله ﷿، حيث يقرن الحكم بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾؛ وقد سبق ذكر فوائد قرن الحكم بالعلة.\nالقرآن\n﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١]\nالتفسير:\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٢٤): ص ١/ ٣٢٦.\n(٢) المراجع السابق.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٢٥٥، كتاب الجزية والموادعة، باب ١: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، حديث رقم ٣١٥٦، ٣١٥٧.\n(٤) صحيح مسلم (١٧٣١): \"وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ - قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِابْنِ حَيَّانَ - فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ\".","vol":"4","page":215},{"text":"واقتلوا الذين يقاتلونكم من المشركين حيث وجدتموهم، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو \"مكة\". والفتنة -وهي الكفر والشرك والصد عن الإسلام- أشد من قتلكم إياهم. ولا تبدؤوهم بالقتال عند المسجد الحرام تعظيمًا لحرماته حتى يبدؤوكم بالقتال فيه، فإن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم فيه. مثل ذلك الجزاء الرادع يكون جزاء الكافرين.\nاختلف أهل التفسير في حُكمِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقررة: ١٩١]، على قولين (١):\nأحدهما: أنها منسوخةٌ؛ نُهُوا عن الابتداء بالقتالِ، ثُم نُسِخَ ذلك، واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فأمر بقتلهم في الحل والحرم. قاله قتادة (٢).\nالثاني: أنه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، قاله الربيع ابن أنس (٣)، وابن زيد (٤)، وقتادة (٥) في أحد قوليه. وهو اختيار الطبري (٦)، وقال الرازي: \" وهذا الكلام ضعيف\" (٧).\nوالثالث: قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ [البقرة: ١٩١]، أي: حيث ادركتموهم في الحل والحرمِ. قاله مقاتل (٨).\nالرابع: وقيل أنها بحديث أنس ﵁: \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ\" (٩). قال ابن الجوزي: \"وهذا باطل من وجهين:\nأحدهما: أن القرآن لا ينسخ إلا القرآن، ولو أجزنا نسخه بالسنة لاحتجنا إلى أن نعتبر في نقل ذلك الناسخ ما اعتبرنا في نقل المنسوخ، وطريق الرواية لا يثبت ثبوت القرآن.\nوالثاني: أن النبي ﷺ قد بين أنه إنما خص بالإباحة في ساعة من نهار، والتخصيص ليس بنسخ، لأن النسخ ما رفع الحكم على الدوام كما كان ثبوت حكم المنسوخ على الدوام.\nفالحديث دال على التخصيص لا على النسخ، ثم إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخا ومنسوخا وصح العمل بهما فيكون قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ في غير الحرم بدليل قوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ وكذلك قوله: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي: في غير الحرم بدليل قوله عقب ذلك ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾.ولوجاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان مما أوضحنا إحكام الآية وانتفى النسخ عنها\" (١٠).\n\nالثاني: أن هذه آيةٌ مُحْكَمةٌ؛ ولا يجوزُ الابتداءُ في القتال في الحرمِ. وهو قولُ مجاهدٍ (١١) وأكثرِ المفسرين (١٢).\nقال القرطبي: \" وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (١٣) \" (١٤).\nكما ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في مكة: \" فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، \" أي: اقتلُوا الذينَ يبدأُونَكم بالقتالِ من أهلِ مكَّةَ حيث وجدتُّمُوهم\" (١٦).\nقال الطبري: أي: \" اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم\" (١٧).\nقال الثعلبي: أي: \" واقتلوهم حيث أبصرتم مقابلتهم وتمكنتم من قتلهم\" (١٨).\nقال الزجاج: أي: \"لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره.\" (١٩).\nو﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، أي: \"وجدتموهم\" (٢٠)، ومنه قول حسان (٢١):\nفإما يثقفن بني لؤي ... جذيمة إن قتلهم دواء\nوقيل نسخت الآية الأولى بهذه الآية، وأصل الثقافة الحذق والبصر بالأمور (٢٢).\nقال صاحب الكشاف: \" و(الثقف): وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه: رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال (٢٣):\n_________\n(١) انظر: نواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٦): ص ٣/ ٥٦٧، و(٣١١٠): ص ٣/ ٥٦٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٧): ص ٣/ ٥٦٧.\n(٤) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٥٢، وانظر: تفسير الطبري (٣١١١): ص ٣/ ٥٦٨. ولفظه: \" كان هذا قد حُرِّم فأحل الله ذلك له، فلم يزل ثابتا حتى أمره الله بقتالهم بعدُ\".\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٥): ص ٣/ ٥٦٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٨.\n(٧) مفاتبح الغيب: ٥/ ٢٨٩.\n(٨) انظر: ذكره عن مقاتل، الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٨٨، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١/ ٢٥٢، وزاد المسير: ١/ ٢٥٢، والطبراني في تفسيره: ١/ ١٣٤، وبنحوه رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٦.\n(٩) صحيح البخاري (١٧٤٩): ص ٢/ ٦٥٥، والترمذي (١٦٩٣): ص ٤/ ١٧٥، والنسائي (٢٨٦٧): ص ٥/ ٢٠١، وأبي داود (٢٦٨٥): ص ٣/ ٦٠.\n(١٠) نواسخ القرآن: ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٨): ص ٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(١٢) واختاره ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٠٠، وفي مختصر عمدة الراسخ الورقة الرابعة، وقد أورد النحاس في ناسخه: ٢٦ الإحكام عن ابن عباس من طريق طاؤس، وعن مجاهد وابن أبي نجيح، وعن طاؤس أيضا، كما ذكر الإحكام مكي بن أبي طالب في ناسخه: ١٣٢ عن مجاهد وطاؤس. ولكن مكي بن أبي طالب اختار نسخها، وعلل ذلك: \"لأن قتال المشركين فرض لازم في كل موضع، وسورة براءة نزلت بعد البقرة بمدة\" وقد رأينا رد ابن الجوزي على هذه النظرية.\n(١٣) انظر: أحكام القرآن لان العربي: ١/ ١٠٧.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥١.\n(١٥) صحيح البخاري (١٧٣٧): ص ٢/ ٦٥٢، والفتح (١٥١٠): ص ٣/ ٥٢٥، في باب (باب فضل الحرم)، ومسلم في صحيحه (١٠٩/ ٤ ح: ٣٣٦٨). متفق عليه.\n(١٦) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١٣٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٤.\n(١٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٨.\n(١٩) معاني القرآن: ١/ ٢٦٣.\n(٢٠) انظر: تفسير البقاعي: ١/ ٤٩٤.\n(٢١) ورد البيت في قصيدة مطولة يمدح حسان بن ثابت رسول الله ﷺ فيها، وذلك قبل فتح مكة ويهجو أبا سفيان بن حرب، وكان قد هجا النبي ﷺ قبل إسلامه، فيقول:\nفإمّا تثقفنّ بنو لؤيّ ... جذيمة إنّ قتلهم شفاء\nوبنو لؤي: يرجع نسبهم إلى لؤي بن غالب بن فهر من قريش من عدنان، من سلسلة النسب النبوي، كنيته أبو كعب، كان التقدم في قريش لبنيه وبني بنيه، وهم بطون كثيرة. (انظر: جمهرة الأنساب: ١١/ ١٦٥. والطبري: ٢/ ١٨٦. والأعلام: ٥/ ٢٢٥). وجذيمة: يرجع نسبهم إلى جذيمة بن مالك بن نصر، من بني أسد بن خزيمة، وفي بنيه يقول النابغة الذبياني: (بنو جذيمة حي صدق سادة). (انظر: سبائك الذهب ٥٨. واللباب ١/ ٢١٦. والأعلام: ٢٠/ ١١٤).\n(٢٢) انظر: تفسير النسفي: ١/ ٢١٣.\n(٢٣) البيت لعمرو ذي الكلب الهذلي، وهو عمرو بن العجلان بن عامر ينتهي نسبه إلى هذيل، شاعر مقدام مغوار، انظر البيت في ديوان الهذليين: (٣/ ١١٤).","vol":"4","page":216},{"text":"فَإمَّا تَثْقَفُونِى فَاقْتُلُونِى ... فَمَنْ أثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُودِ\" (١)\nوقال الليث: \"ثقفنا فلانا في موضع كذا، أي أخذناه، ومصدره: الثقف\" (٢).\nوقال ابن دريد: \"ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته: إذا ظفرت به\" (٣)، واحتج بقوله تعالى ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧].\nونحو هذا قال ابن قتيبة: \"تظفر بهم\" (٤).\nوقال الزجاج: \"تصادفنهم\" (٥).\nوأصله الإدراك بسرعة، قال مقاتل: \"فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي: \"أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي شرّدوهم من أوطانهم وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من مكة\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، \" أي فتنة المؤمن عن دينه أشدُّ من قتله\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: فكفرهم في هذه الأمكنة أشد من القتل\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" يعني وشركهم بالله ﷿ أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحرم الإحرام\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا عليه، مُحقًّا فيه\" (١٢).\nقال قتادة: \"يقول: الشرك أشدُّ من القتل\" (١٣)، وروي عن مجاهد (١٤)، والربيع (١٥)، والضحاك (١٦)، وابن زيد (١٧)، مثل ذلك.\nقال ابن عثيمين: \" (الفتنة): هي صدّ الناس عن دينهم، كما قال تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾ [البروج: ١٠]؛ فصد الناس عن دينهم فتنة أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا؛ لكن الفتنة تقطعهم من الدنيا، والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١] \" (١٨).\nواختلف في قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] على اقوال (١٩):\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٦.\n(٢) تهذيب اللغة (ثقف): ١/ ٤٨٩، والنص في كتاب العين (ثقف): ٥/ ١٣٨ مختصرا.\n(٣) جمهرة اللغة: (ثقف): ١/ ٤٢٩، وتهذيب اللغة (ثقف): ١/ ٤٨٩.\n(٤) تفسير غريب القرآن: ١٧٩.\n(٥) معاني القرآن وإعرابه: ٢/ ٤٢٠.\n(٦) تفسير مقاتل: ١٢٣.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٢١٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٦٤.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٨. ونقله الواحدي بتمامه، انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٦٢٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٥.\n(١٣) تفسير الطبري (٣٠٩٨)، و(٣٠٩٩): ص ٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٦)، و(٣٠٩٧): ص ٣/ ٥٦٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٠): ص ٥٦٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٣): ص ٣/ ٥٦٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٤): ص ٣/ ٥٦٦.\n(١٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧.\n(١٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ٣٥١.","vol":"4","page":217},{"text":"أحدها: أن المراد: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. وهذا قول قتادة (١)، ومجاهد (٢)، والربيع (٣)، والضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، واختاره الطبري (٦).\nالثاني: أن المعنى: شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به.\nقال القرطبي: \"وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبدالله التميمي (٧) في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبدالله بن جحش، على ما يأتي بيانه، قاله الطبري وغيره (٨).\nالثالث: أن (الفتنة): إقدام الكفار على الكفر، وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم حتى أخرجوهم من أهليهم وديارهم. ذكره الرازي (٩)، وأبو حيان (١٠).\nالرابع: أنها العذاب الدائم في الآخرة الذي يلزمهم بسبب كفرهم، ذكره الرازي (١١)، وأبو حيان (١٢).\nالخامس: أنها صد المؤمنين عن المسجد الحرام، وهتكهم لحرمات الله، وذلك أشد من قتلهم فيه؛ لأنه منع للعباد من العبودية الحقة لله﷿-، ذكره الرازي (١٣)، وأبو حيان (١٤).\nالسادس: أن (الفتنة) هاهنا: العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم. قاله الكسائي (١٥).\nوالراجح هو القول الأول، بأن (الفتنة): يعني الشرك، وهو قول عامة المفسرين (١٦)، ولا يعارض هذا الإجماع ما ورد عن السلف في معنى الفتنة في الآية، إذ كل هذه الأقوال من باب التفسير بالمثال واللازم فهو من باب اختلاف التنوع الذي لا يخرق الإجماع والمراد بالفتنة في الآية فتنة العبد في دينه على عمومها بأي صورة وقعت، وذلك أشد من قتله بكل حال. والله أعلم.\nقال الطبري: \"أصل ﴿الفتنة﴾ (١٧) الابتلاءُ والاختبار\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٨)، و(٣٠٩٩): ص ٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٦)، و(٣٠٩٧): ص ٣/ ٥٦٥، وانظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٠٦، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٠): ص ٥٦٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٣): ص ٣/ ٥٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٠٤): ص ٣/ ٥٦٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٥.\n(٧) هو أول قتل قتيلا بالاسلام من المشركين، شهد بدرا، وفيه نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، مات في أول خلافة عمر. انظر: الإصابة: ١٠/ ٢٩٣، والاستيعاب بهامش الإصابة: ١١/ ١٥.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٠.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٩٠.\n(١٠) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٦.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٩٠.\n(١٢) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٦.\n(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٩٠.\n(١٤) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٦.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٨، والبحر المحيط: ٢/ ٦٦.\n(١٦) انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٥٦٥، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٤، معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٠٦، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٦، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٦٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٠٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٠، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٠١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٥١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٥٥، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ١٢٢، روح المعاني للألوسي: ٢/ ٧٦. وذكر الإجماع الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٨٨، وقد حكى الإجماع عليه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٥١ إذ قال: \"يعني بالفتنة الكفر في قول الجميع، وإنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة\". وانظر: فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٨٣، الإجماع في التفسير للخضيري: ٢٢٤.\n(١٧) يقول النسفي: \"وقيل: الفتنة عذاب الآخرة. وقيل: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به أشد عليه من القتل. وقيل لحكيم: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت\". (تفسير النسفي: ١/ ١٠٨).\n(١٨) تفسير اطبري: ٣/ ٥٦٥، وانظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٠٦، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٤/ ٤٧٢، الصحاح للجوهري: ٦/ ٢١٧٥، جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٤٤ و: ٣/ ٥٦٥، البحر المحيط لأبي حيان ٢/ ٦٦.","vol":"4","page":219},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: \" وأصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار إلى المكروه: فتارة في الكفر كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ \" (١).\nقال القاسمي: \". إذ لا بلاء على الإِنْسَان أشد من إيذائه على اعتقاده الذي تمكّن من عقله ونفسه\" (٢).\nقال الطبراني: \" وسُمِّيَ الكفرُ فتنةً؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنةَ تؤدي إلى الهلاكِ\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، \" أي لا تبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم بقتالكم فيه\" (٤).\nقال ابن عثيمين: أي\" لا تقاتلوهم في مكة، إلا أن يَبْدَؤوكم بالقتال فيه\" (٥).\nقال ابن كثير: \"فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للقتال، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لَمَّا تألبت عليه بطونُ قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]،، وقال: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي \"إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم\" (٧).\nقال البيضاوي: أي: \" فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"وتأمل كيف قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي إِن بدءوكم بالقتال، فلكم حينئذٍ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم\" (١٠).\nوقد اختلف في قراءة تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، على وجهين (١١):\nأحدهما: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ﴾، جميعها بالألف. قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.\nوالمعنى: \"ولا تبتدئوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدأوكم به، فإن بدأوكم به هناك عند المسجد الحرَام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثَواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة، القتلُ في الدنيا، والخزي الطويل في الآخرة\" (١٢).\n_________\n(١) الفتح: ١١/ ٥١٣.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٥١.\n(٣) تفسير الطبراني: ١/ ١٣٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧. [بتصرف بسيط].\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٧.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٧٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(١١) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٩ - ١٨٠، وتفسير الطبري: ٣/ ٥٦٦، وتفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٦.","vol":"4","page":220},{"text":"الثاني: ﴿ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم﴾، كلها بغير ألف. وهي قراءة حمزة والكسائي.\nوالمعنى: \"ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به\" (١).\nوقوله ﴿فاقتلوهم﴾ في نفس الآية فإن هذه وحدها بغير ألف باتفاق منهم (٢).\nقال الواحدي: \" وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم\" (٣).\nقال حمزة الزيات: \"قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: ﴿ولا تَقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم كذلك جَزاءُ الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم﴾، إذا قَتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل قالوا: \" قُتلنا \"، وإذا ضُرب منهم رجل قالوا: \" ضربنا \" (٤).\nوالقراءة الأولى هي الأقرب إلى الصواب، \" لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه ﷺ وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يَقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذِن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قَبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٥] ونحو ذلك من الآيات\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، \"أي: هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي: \"مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا؛ لقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم: فإنه لا قتال فيها؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾؛ وقال بعض أهل العلم: لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط؛ من أهمها القدرة على ذلك.\n٢ - ومنها: أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا؛ المعاملة بالمثل؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلًا بمثل سواءً بسواء.\n٣ - ومنها: الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين﴾ [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨].\n٤ - ومنها: أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٦.\n(٢) انظر: السبعة: ١٨٠.\n(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٦٢٦.\n(٤) تفسير الطبري (٣١٠٩): ص ٣/ ٥٦٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧.","vol":"4","page":221},{"text":"فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ لأن استعمار الأفكار فتنة؛ واستعمار الديار أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك؛ فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة.\n٥ - ومنها: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.\n٦ - ومنها: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله -ﷺ-: \"فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -ﷺ- فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\" (١)؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة.\n٧ - ومن فوائد الآية: المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾.\n٨ - ومنها: وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية؛ وقد يكون مستحبًا؛ وقد يكون فرض عين - وذلك في أربعة مواضع -:\nالموضع الأول: إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين؛ ولا يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].\nالموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال.\nالموضع الثالث: إذا احتيج إليه؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون؛ فإنه يتعين عليه.\nالموضع الرابع: إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ...﴾ [التوبة: ٣٨ إلى قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ...﴾ [التوبة: ٣٩] الآية.\nوما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضًا إلا إذا كان هناك قدرة؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل؛ ولهذا قيدها الله ﷿ بقوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج - حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم -.\nفالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية؛ ويتعين في مواضع؛ وهذا الفرض - كغيره من المفروضات - من شرطه القدرة؛ أما مع العجز فلا يجب؛ لكن يجب أن يكون العزم معقودًا على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله؛ لقول النبي ﷺ: «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق» (٢).\n٩ - ومن فوائد الآية: إثبات العدل لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾؛ والجزاء من جنس العمل.\n_________\n(١) سنن النسائي (٢٨٧٦)، مناسك الحج.\n(٢) أخرجه مسلم ص ١٠١٩، كتاب الإمارة، باب ٤٧ ذم من مات ولم يغز ...، حديث رقم ٤٩٣١ [١٥٨] ١٩١٠.","vol":"4","page":222},{"text":"القرآن\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ [البقرة: ١٩٢]\nالتفسير:\nفإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام، ودخلوا في الإيمان، فإن الله غفور لعباده، رحيم بهم.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]؛ أي فإن انتهوا عن \"القتال والكفرِ\" (١).\nقال الواحدي: \"أي: عن الكفر\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" عن الشرك والقتال\" (٣).\nقال الطبري: اي: \" فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا\" (٤).\nقال ابن كثير: \" فإن تَركُوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة\" (٥).\nوعن مجاهد: \"فإن تابوا \" (٦).\nوقال مقاتل: \"عن قتالكم وأسلموا\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي: فإن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفّوا عنهم\" (٨).\nويحتمل قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]؛ وجهان من التفسير (٩):\nأحدهما: أي كفوا عن قتالكم. ويكون المراد بقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾: طلب مغفرة المسلمين لهم بالكف عنهم.\nوالثاني: أن المراد: كفوا عن قتالكم، وعن كفرهم. ويكون المراد بقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أن الله غفر لهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢]، أي: \"فإن الله يغفر لهم ما سبق، فهو رحيم بعباده\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يغفر ما كان في شركهم إذا أسلموا\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" يغفر لهم ما قد سلف\" (١٢).\nقال الصابوني: أي: \" فإِن الله يغفر لمن تاب وأناب\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨، وانظر: تفسير الطبراني: ١/ ١٣٥.\n(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٦٢٧.\n(٣) الكشاف: ١/ ٢٣٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٥.\n(٦) تفسير الطبري (٣١١٢): ص ٣/ ٥٦٩، وتفسير ابن أبي حاتم (١٧٣١): ص ١: ٣٢٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (١٧٣٠): ص ١/ ٣٢٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨١.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٩١.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (١٧٣١): ص ١/ ٣٢٧.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.","vol":"4","page":223},{"text":"قال الطبري: \" ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، وأناب إلى الله من معاصيه التي سلفت منه وأيامه التي مَضت، ﴿رَحِيمٌ﴾ به في آخرته بفضله عليه، وإعطائه ما يعطى أهل طاعته من الثواب بإنابته إلى محبته من معصيته\" (١).\nقال الطبراني: أي: \"فإن اللهَ ﴿غَفُورٌ﴾ لِما مضَى من جَهْلِهم ولِما سلَفَ من كُفرِهم، و﴿رَحِيْمٌ﴾ بهم بعد تَوبَتِهم وإسلامِهم\" (٢).\nقال ابن كثير: أي: \" يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظَمُه ذَنْب أنْ يغفره لمن تاب منْه إليه \" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تمام عدل الله ﷾، حيث جعل أحكامه، وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة فقال تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾.\n٢ - ومنها: وجوب الكف عن الكفار إذا انتهوا عما هم عليه من الكفر؛ فلا يؤاخذون بما حصل منهم حال كفرهم؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].\n٣ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة، أو حكم؛ وهما «الغفور»، و«الرحيم».\n٤ - ومنها: أخذ الأحكام الشرعية مما تقتضيه الأسماء الحسنى؛ ولها نظائر؛ منها قوله تعالى في المحاربين: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤].\n\nالقرآن\n﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]\nالتفسير:\nواستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين، حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله، ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره. فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم؛ فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم.\nقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي: \" وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم، حتى لا يكون شركٌ بالله (٤).\nقال القرطبي: \" أي: كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر\" (٥).\nقال الطبري: أي: \": وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يُعبد دونه أحدٌ، وتضمحلَّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكونَ العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان\" (٦).\nقال الصابوني: \"أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٩.\n(٢) تفسير الطبراني: ١/ ١٣٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.","vol":"4","page":224},{"text":"قال قتادة: \"حتى لا يكون شرك\" (١)، وروي عن ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥)، وابن زيد (٦)، نحو ذلك.\nقال الثعلبي: \" يعني قاتلوهم حتّى يسلموا فليس يقبل من المشرك الوثني جزية ولا يرضى منه إلّا بالإسلام وليسوا كأهل الكتاب بالذين يؤخذ منهم الجزية والحكمة فيه على ما قال المفضل بن سلمة إن مع أهل الكتاب كتبا منزلة فيها الحقّ وإن كانوا قد حرفوها فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل [وأهواء] صغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم ويتدبرونها فيقفوا على الحق منها ويمنعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب ولم يكن لأهل الأوثان من يرشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائدا في اشراكهم فإنّ الله تعالى لن يرضى منهم إلّا بالإسلام أو القتل عليه\" (٧).\nوأصل الفتنة: \"الاختبار والامتحان، مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي: و\"يكونَ دينُ الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \"وحده، فلا يعبد دونه شيء\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي\" خالصًا له ليس للشيطان فيه نصيب\" (١١).\nقال ابن عباس: \" ويخلص التوحيد لله\" (١٢).\nوروي، عن أبي العالية وقتادة والربيع بن أنس (١٣): قالوا: \"حتى يقول: لا إله إلا الله\" (١٤).\nوقال الحسن وزيد بن أسلم: \"حتى لا يعبد إلا الله\" (١٥).\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: \" إنّي أمرتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحسابهم على الله\" (١٦).\nوقد ثبت في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري، قال: سُئِل النبي ﷺ عن الرجل يُقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣١١٣): ص ٣/ ٥٧٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣١١٨): ص ٣/ ٥٧٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١١٥)، و(٣١١٦): ص ٣/ ٥٧٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١١٧): ص ٣/ ٥٧٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١١٩): ص ٣/ ٥٧١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٠): ص ٣/ ٥٧١.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٩.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٥، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٩.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٣٥): ص ١/ ٣٢٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢١٢٢): ص ٣/ ٥٧٢.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٣٥): ص ١/ ٣٢٨.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٣٥): ص ١/ ٣٢٨.\n(١٦) صحيح البخاري برقم (٢٥) وصحيح مسلم برقم (٢٢). وفي الصحيحين: \"أمرْتُ أنْ أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\".\n(١٧) صحيح البخاري برقم (٢٨١٠، ٣١٢٦) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٤).","vol":"4","page":225},{"text":"قال المراغي: \" أي: ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج فيه إلى مداهنة ومحاباة، أو استخفاء ومداراة\" (١).\nقال الطبري: \"وأما ﴿الدِّينُ﴾، الذي ذكره الله في هذا الموضع، فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، ومن ذلك قول الأعشى (٢):\nهُوَ دَانَ الرِّبَابَ، إِذْ كَرِهُوا الدِّيـ ... نَ، دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ\nيعني بقوله: (إذ كرهوا الدين)، إذ كرهوا الطاعة وأبوْها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٣]، \"أي: فإن انتهوا عما كانوا عليه وأسلموا\" (٤).\nقال ابن كثير: أي \": فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" \" فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودَخلوا في ملّتكم، وأقرُّوا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجهادَهم\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" عن الشرك\" (٧).\nقال القرطبي: وذلك \"إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب، على ما يأتي بيانه في \"براءة\" وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي: \" أي فلا سبيلَ ولا حجَّةَ في القتلِ في الْحَرَمِ والشهرِ الحرام إلا على الظالمين\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" فإنه لا ينبغي أن يُعتدى إلا على الظالمين - وهم المشركون بالله، والذين تركوا عبادته وعبدوا غيرَ خالقهم\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" أي فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم، فوضع العلة موضع الحكم\" (١١).\nقال ابن كثير: أي: \" فكُفُّوا عنهم، فإنّ مَنْ قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلا عُدْوَانَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وجهان (١٣):\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ٩١.\n(٢) ديوانه: ١٢، قالها في مدح الأسود بن المنذر اللخمي، أخي النعمان بن المنذر لأمه، وأم الأسود من تيم الرباب. هذا قول أبي عبيدة، والصواب ما قال غيره: أنه قالها في مدح المنذر بن الأسود، وكان غزا الحليفين أسدا وذبيان، ثم أغار على الطف، فأصاب نعما وأسرى وسبيا من رهط الأعشى بني سعد بن ضبيعة بن ثعلبة، والأعشى غائب. فلما قدم وجد الحي مباحا. فأتاه فأنشده، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم، ففعل. والرباب (بكسر الراء) هم بنو عبد مناة بن أد: تيم وعدي وعوف وثور، اجتمعوا فتحالفوا مع بني عمهم ضبة بن أد، على بني عمهم تميم بن أد. فجاؤوا برب (تمر مطبوخ) فغمسوا فيه أيديهم، فسموا \" الرباب \"، ثم خرجت ضبة عنهم، واكتفت بعددها. وقوله: \" دان الرباب \" أي أذلهم واستعبدهم وحملهم على الطاعة. وقوله: \" دراكا \"، متتابعا يدرك بعضه بعضا. والصيال: السطرة. صال على عدوه: وثب عليه وسطا. يقول تابع غزوهم والسطو حتى دانو بالطاعة.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧١.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٩١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٢.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤.\n(٩) تفسير الطبراني: ١/ ١٣٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٢.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٣.","vol":"4","page":226},{"text":"أحدهما: إن معناه فلا سبيل، كما في قوله تعالى في قصة موسى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، أي لا سبيل عليّ.\nالثاني: وقيل: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ أي لا مقاتلة؛ وفيه قولان:\nالأول: أنها من باب مقابلة الشيء بمثله لفظ،؛ لأنه سببه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وليس معناه: أن فعلكم هذا عدوان؛ لكن لما صار سببه العدوان صح أن يعبر عنه بلفظه.\nقال البيضاوي: \" وسمي جزاء الظلم باسمه \" (١).\nالثاني: أن المعنى: \"أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم\" (٢).\nقال القرطبي: \"وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان\" (٣).\nقال الواحدي: \" فسمي الذي عليهم عدوانا، كقوله: عدوانا، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قتل ونهب واسترقاق\" (٤)\nواختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] على وجهين (٥):\nأحدهما: أن ﴿الظلم﴾ في الآية يعني (الكفر).\nقال قتادة: \"الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله\" (٦). وروي عن عكرمة (٧)، والربيع (٨)، وأبي العالية (٩) مثل ذلك.\nالثاني: أن معنى قوله: \" ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾، أي: فلا تقاتل إلا من قاتل. قاله مجاهد (١٠)، وروي عن عن السدي (١١)، نحو ذلك.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الأمر بقتالهم مقيد بغايتين؛ غاية عدمية: ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي حتى لا توجد فتنة؛ و«الفتنة» هي الشرك، والصد عن سبيل الله؛ والغاية الثانية إيجابية: ﴿ويكون الدين لله﴾ بمعنى: أن يكون الدين غالبًا ظاهرًا لا يعلو إلا الإسلام فقط؛ وما دونه فهو دين معلو عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون (١٢).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٦٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤.\n(٦) أخرجه الطبري (٣١٢٤): ص ٣/ ٥٧٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٦): ص ٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٥): ص ٣/ ٥٧٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣٨): ص ١/ ٣٢٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٧)، و(٣١٢٨): ص ٣/ ٥٧٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٩): ص ٣/ ٥٧٤.\n(١٢) قال البخاري: \" قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ]﴾ الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عُبَيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. قالا ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. زاد عثمان ابن صالح عن ابن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافري أن بُكَير بن عبد الله حدثه، عن نافع: أن رجلا أتى ابن عمر فقال [له] يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بُني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال: فعلنا على عهد النبي ﷺ وكان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. صحيح البخاري برقم\". (٤٥١٣ - ٤٥١٥).","vol":"4","page":227},{"text":"٢ - ومنها: أنه إذا زالت الفتنة، وقيام أهلها ضد الدعوة الإسلامية - وذلك ببذل الجزية - فإنهم لا يقاتلون.\n٣ - ومنها: أنهم إذا انتهوا - إما عن الشرك: بالإسلام؛ وإما عن الفتنة: بالاستسلام - فإنه لا يعتدى عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾.\n٤ - ومنها: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾؛ وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة بالفعل - يعني: أن تسمية المجازاة اعتداءً من باب المشاكلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل.\nالقرآن\n﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤]\nالتفسير:\nقتالكم -أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان، يعاقب بمثل فعله، ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته، ولا حرج عليكم في ذلك؛ لأنهم هم البادئون بالعدوان، وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال قتادة: \" أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله: ﴿الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص﴾ \" (١). وروي عن ابن عباس (٢)، ومجاهد، ومقسم (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، وأبي العالية (٧)، وعطاء (٨)، نحو ذلك (٩).\nوقد ذكر ابن حجر أن عمرة القضاء سميت بذلك من قاضاه إذا عاوضه لا من قاضاه إذا عاهده، فقال: \"ويرجح الثاني تسميتها قصاصا، قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] قال السهيلي (١٠): تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها، قلت: كذا رواه ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣١٣٣): ص ٣/ ٥٧٦، وانظر: أسباب النول للواحدي: ٥٥ - ٥٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٨): ص ٣/ ٥٧٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٤): ص ٣/ ٥٧٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٥): ص ٣/ ٥٧٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٧): ص ٣/ ٥٧٧ - ٥٧٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٦): ص ٣/ ٥٧٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣٨): ص ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٤١): ص ٣/ ٥٧٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٥ وما بعدها.\n(١٠) الروض الأنف: ٧/ ٢٥، ونقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية: ٤/ ٢٢٦، وانظر: السيرة النبوية في فتح الباري للشنقيطي: ٣/ ٢٦.","vol":"4","page":228},{"text":"جرير (١)، وعبد بن حميد (٢) بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي (٣) في مغازيه (٤)، وقال ابن إسحاق (٥): بلغنا عن ابن عباس فذكره، ووصله الحاكم في الإِكليل (٦) عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقدي (٧) \" (٨).\nوالثاني: ذكر الماوردي عن الحسن البصري مرسلًا: \"أن مشركي العرب، قالوا للنبي ﷺ: أنُهِيْتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال: نعم، فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]: \"أي الشهر الحرام يقابل بذلك الشهر الحرام\" (١٠).\nقال المراغي: أي: إن\"هتك حرمته بهتك حرمته، فلا تبالوا بالقتال فيه إذا اضطررتم للدفاع عن دينكم وإعلاء كلمته\" (١١).\nقال الصابوني: \"أي إِذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا حرمة الشهر واستحلوا دماءكم فافعلوا بهم مثله\" (١٢).\nقال الماوردي: \"أي: إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم\" (١٣).\nقال النسفي: أي \"هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: أي: \" إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه؛ وهذا في انتهاك الزمن؛ وقوله تعالى فيما سبق: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، في انتهاك المكان\" (١٥).\n_________\n(١) في جامع البيان: ٣/ ٥٧٦ رقم: ٣١٣١ - ٣١٣٢.\n(٢) عزاه له السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٣٧٣، وذكره الواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: ٥٥ - ٥٦، والطبري في جامع البيان: ٣/ ٥٧٦ رقم: ٣١٣٣ بسند صحيح عن قتادة، وهو قول ابن عباس ومقسم والسدي والربيع والضحاك كما في العجاب لابن حجر-تحقيق الأنيس-: ١/ ٤٦٨ - ٤٧١، وجامع البيان للطبري: ٣/ ٥٧٥ - ٥٧٩، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦٩، وغيرها.\n(٣) هو: أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، له كتاب المغازي، توفي عام: ١٤٣ هـ. انظر: طبقات ابن سعد: ٧/ ٢٥٢، تهذيب الكمال للمزي: ١٢/ ٥، تقريب التهذيب لابن حجر: ٤٠٩.\n(٤) كتاب المغازي لم يطبع، وقد نقل ذلك عنه العيني في عمدة القاري: ١٤/ ٢٧١، وانظر: السيرة النبوية في فتح الباري للشنقيطي: ٣/ ٢٦.\n(٥) انظر: سيرة ابن هشام: ٤/ ٣، البداية والنهاية لابن كثير: ٤/ ٢٢٧.\n(٦) الإكليل كتاب في أيام النبي ﷺ وأزواجه وأحاديثه، كما ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٦٧ - ١٦٨. وهو من الكتب النادرة توجد منه نسخة كاملة في مكتبة دار العلوم الألمانية كما أفاد ذلك صاحبا معجم المصنفات الواردة في فتح الباري: ٧٤، وقد أورد الواقدي الأثر بسنده إلى ابن عباس في المغازي: ٢/ ٧٣١ - ٧٣٢.\n(٧) هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المديني القاضي، إمام واسع العلم وأحد أوعيته، متروك متفق على ضعفه، قال الذهبي: \"ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم\"، توفي عام: ٢٠٧ هـ. انظر: طبقات ابن سعد: ٧/ ٣٣٤، سير أعلام النبلاء للذهب: ١١/ ٤٥٤، التقريب لابن حجر: ٨٨٢.\n(٨) الفتح: ٧/ ٥٧١.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٢٥٢، وانظر: العجاب: ١/ ٤٧٠ - ٤٧١، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٦٩، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٢٩٢\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢.\n(١١) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢ - ١١٣.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٢٥٢،\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ١٠٨.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٤.","vol":"4","page":229},{"text":"قال الطبري: \": وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة ﴿الشهرَ الحرام﴾، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه: ذا القَعدة، لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، أي: \"وكل حرمة يجرى فيها القصاص\" (٢).\nقال النسفي: \"فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك \" (٣).\nقال المراغي: \" أي يجب مقاصة المشركين على انتهاك حرمة الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا، فهم قد انتهكوا حرمة شهركم بالصدّ عن البيت الحرام وفيه تعرّض للقتال، فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم مكة عنوة وقهرا، فإن منعوكم في هذه السنة عن قضاء العمرة وقاتلوكم فاقتلوهم\" (٤).\nقال البيضاوي: \" احتجاج عليه، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص. فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم\" (٥).\nو(القصاص): هو \"المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بـ (الحرم) كل ما يحترم من زمان، أو مكان، أو منافع، أو أعيان؛ لأن «حُرُم» جمع حرام؛ و«حرمات» جمع حُرُم؛ فالمعنى: أن المحترم يقتص منه بمحترم آخر؛ ومعنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تنتهك حرمته: فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر؛ ومن انتهك عِرض مؤمن انتهك عِرض مثله؛ ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله؛ وهكذا، وكل هذا التأكيد من الله ﷿ في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها؛ ولكن الله تعالى سلاهم بذلك بأن الحرمات قصاص؛ فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم؛ ولهذا قال تعالى مفرعًا على ذلك: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ \" (٧).\nقال القرطبي: كان في أول الإسلام: إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال، وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد ﷺ والجنايات ونحوها لم ينسخ\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، أي: فمن تجاوز عليكم\" بالقتالِ في الحرمِ، فكافئوه وقاتلوهُ كمثلِ ما فعلَ\" (٩).\nقال ابن عثيمين: أي \"من تجاوز الحد في معاملتكم سواء كان ذلك بأخذ المال، أو بقتل النفس، أو بالعرض، أو بما دون ذلك، أو أكثر، فاعتدوا عليه بمثله\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٨.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٧.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٠٨.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢.\n(٥) تفسيرالبيضاوي: ١/ ١٢٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٩.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤.\n(٩) تفسير الطبراني: ١/ ١٣٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٥.","vol":"4","page":230},{"text":"قال الصابوني: \" أي ردوا عن أنفسكم العدوان فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام فقابلوه وجازوه بالمثل، فالأول ظلم، والثاني عدل\" (١).\nقال الطبراني: \" وسَمَّى الجزاءَ اعتداءً على مقابلةِ اللفظِ\" (٢).\nقال المراغي: \" أي إن الاعتداء المحظور ما كان ابتداء، أما ما كان على سبيل القصاص فهو اعتداء مأذون فيه\" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، على أقوال (٤):\nأحدها: أن \"هذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازي منهم أن يجازِيَ بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفوَ فَهو، أمثل فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية\". قاله ابن عباس (٥).\nالثاني: أن معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة. قاله مجاهد (٦).\nوالقول الثاني هو الأشبه بالصواب، \" لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله: \" وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم \" والآيات بعدها، وقوله: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه \" إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة، فمعلوم بذلك أن قوله: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم \" مدنيّ لا مكيّ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم \" نظيرُ قوله: \" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم \" وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه، وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦] \" (٧).\nوفي (الاعتداء) وجهان من التفسير (٨):\nأحدهما: أنه من (العُدْوَان)، وَهوَ مجاوزة الحدّ ظُلْمًا وَبغيًا. ويكون معنى الآية: فمن جاوز حدّه ظُلْمًا وَبغيًا، فقاتلكم في الشهر الحرام فكافِئُوه بمثل ما فعل بكم.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٢) تفسير الطبراني: ١/ ١٣٦.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢. ثم قال: \" وبهذه الآية استدل الشافعي على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به، فيذبح إذا ذبح ويخنق إذا خنق، ويغرق إذا أغرق وهكذا. وفي الآية أيضا إيماء إلى أن قتال الأعداء كقتال المجرمين بلا هوادة ولا تقصير، ير المراغي، فمن يقاتل بالقذائف النارية أو بالمدافع أو بالغازات السامة يقاتل بمثلها حتى يمتنع عن الظلم والعدوان، والفتنة والاضطهاد، ويوجد الأمان والاطمئنان بين الناس\".\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٨٠ وما بعدها.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٤٢): ص ٣/ ٥٨٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٤٣): ص ٣/ ٥٨٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٥٨١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٨١ - ٥٨٢.","vol":"4","page":231},{"text":"قال القرطبي: \" (الاعتداء) هو التجاوز، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي يتجاوزها، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك\" (١).\nوالثاني: أن يكون بمعنى (العدو) الذي هو شدٌّ ووثوب، من قول القائل: (عدا الأسد على فَريسته)، فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل (التاء) في (عدا)، فتقال: (افتعل) مكان (فعل)، كما يقال: اقترب هذا الأمر، بمعنى (قرب)، واجتلب كذلك، بمعنى (جَلب) وما أشبه ذلك.\nواختلف في (الباء) في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾] ١٩٤]، على وجهين (٢):\nأحدهما: أنها زائدة، إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم؛ على أن تكون «مثل» هنا مفعولًا مطلقًا - أي عدوانًا، أو اعتداءً مثل اعتدائه -.\nوالثاني: أنها ليست زائدة.\nوالقول الثاني هو الصواب، أي: أنّها أصلية، وأن المعنى: \"اعتدوا عليه بمثله؛ فالباء للبدل؛ بحيث يكون المثل مطابقًا لما اعتدى عليكم به في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمنه، وفي مكانه؛ فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم فاقتلوه؛ وإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه؛ فتكون الباء هنا دالة على المقابلة، والعوض\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، \"أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: أي \"اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدَّوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان إذا ظُلِم فإنه قد يتجاوز، ويتعدى عند القصاص\" (٥).\nقال صاحب الكشاف: أي: \" في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، أي: \" واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة\" (٧).\nقال المراغي: أي: \"واعلموا أن الله مع المتقين بالمعونة والتأييد، والنصر والتمكين، والغلبة لهم على أعدائهم تأييدا لدينه وإعلاء لكلمته\" (٨).\nقال البيضاوي: \" فيحرسهم ويصلح شأنهم\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد به العلم مع الاعتقاد\" (١٠)، أي اعلموا واعتقدوا جازما.\nقال الطبري: ﴿المتقين﴾: أي: \"الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه\" (١١).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٨.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٨٢.","vol":"4","page":232},{"text":"١ - من فوائد الآية: تسلية الله ﷿ للمسلمين بأنهم إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها في الشهر الحرام من السنة الثانية، كما حصل في الحديبية.\n٢ - ومنها: أن الحرمات قصاص؛ يعني أن من انتهك حرمتك لك أن تنتهك حرمته مثلًا بمثل؛ ولهذا فرع عليها قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾.\n٣ - ومنها: أن المعتدي لا يجازى بأكثر من عدوانه؛ لقوله تعالى: ﴿بمثل ما اعتدى عليكم﴾؛ فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي بأكثر للتشفي؛ ومن ثم قال العلماء: «إنه لا يقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان، أو نائبه» خوفًا من الاعتداء؛ لأن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه، فربما يعتدي بأكثر.\n٤ - ومنها: وجوب تقوى الله ﷿ في معاملة الآخرين؛ بل في كل حال؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n٥ - ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾؛ والمعية تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علمًا، وقدرة، وسلطانًا، وسمعًا، وبصرًا، وغير ذلك من معاني الربوبية؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ وأما الخاصة فهي المقيدة بوصف، أو بشخص؛ مثال المقيدة بوصف قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومثال المقيدة بشخص قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله تعالى فيما ذكره عن نبيه (ص): ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠].\nتنبيه:\nاعلم أن ما أثبته الله لنفسه من المعية لا ينافي ما ذَكر عن نفسه من العلو لأنه ﷾ ليس كمثله شيء، ولا يقاس بخلقه؛ فمعيته ثابتة مع علوه ﵎؛ وإذا كان العلو، والمعية لا يتناقضان في حق المخلوق - فإنهم يقولون: «ما زلنا نسير والقمر معنا»، ولا يعدون ذلك تناقضًا مع أن القمر في السماء - فثبوت ذلك في حق الخالق من باب أولى -؛ وبهذا يبطل قول من زعم أن معية الله تستلزم أن يكون في الأرض مختلطًا بالخلق؛ فإن هذا قول باطل باتفاق السلف المستنِد على الكتاب، والسنة في إثبات علو الله فوق خلقه؛ وتفصيل القول في هذا مدوَّن في كتب العقائد.\n٦ - ومن فوائد الآية: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿واعلموا﴾؛ ولم يقتصر على مجرد أن يخبر بها؛ بل أمرنا أن نعلم بذلك؛ وهذا أمر فوق مجرد الإخبار.\n٧ - ومنها: بيان إحاطة الله ﷿ بالخلق، وتأييده بالمتقين الذين يقومون بتقواه؛ ووجه ذلك: أنه من المعلوم بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة أن الله فوق جميع الخلق؛ ومع ذلك أثبت أنه مع الخلق.\n٨ - ومنها: فضيلة التقوى، حيث ينال العبد بها معية الله؛ فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك، ويؤيدك، ويثبتك فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾.\nالقرآن\n﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]\nالتفسير:\nواستمروا- أيها المؤمنون- في إنفاق الأموال لنصرة دين الله تعالى، والجهاد في سبيله، ولا توقعوا أنفسكم في المهالك بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق فيه، وأحسنوا في الانفاق والطاعة، واجعلوا عملكم كله خالصًا لوجه الله تعالى. إن الله يحب أهل الإخلاص والإحسان.\nفي سبب نزول الآية أقوال:","vol":"4","page":233},{"text":"أحدها: أخرج الطبري عن عامر: \"أن الأنصارَ كان احتبس عليهم بعضُ الرزق، وكانوا قد أنفقوا نَفقاتٍ، قال: فَساءَ ظنُّهم وأمسكوا. قال: فأنزل الله: ﴿وأنفقوا في سَبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم\" (١).\nوالثاني: أخرج الواحدي \"عن النعمان بن بشير في قول الله - ﷿ - ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله هذه الآية\" (٢).\nوالثالث: أنها نزلت في الإنفاق من الحرام، قاله: عكرمة (٣).\nوالرابع: أنها نزلت في اقتحام معسكر العدو الذي لا طاقة لهم به (٤).\nوالخامس: أنها نزلت في الإسراف بإنفاق المال، قاله: أبو علي (٥).\nوالسادس: أنها نزلت في إحباط العبد عمله بالمن أو الرياء والسمعة (٦).\nوالأظهر أن الآية نزلت في النفقة، لكن لفظ (التهلكة) عام يشمل جميع ما يصلح لذلك، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، \" أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات\" (٧).\nقال المراغي: \" أي وابذلوا المال في وسائل الدفاع عن بيضة الدين، فاشتروا السلاح والكراع وعدد الحرب التي لعدوكم مثلها إن لم تزيدوا عليه حتى لا يكون له الغلب عليكم\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي: \" ابذلوا الأموال في الجهاد في سبيل الله؛ ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من الجهاد ليشمل كل ما يقرب إلى الله ﷿، ويوصل إليه\" (٩).\nو(سبيل الله): \"طاعته (١٠)، والسبيل في الأصل: الطريق (١١)، ويذكر ويؤنث (١٢)، والتأنيث أكثر (١٣)، وسبيل الله: عام يقع على كل عمل خالص أريد به التقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات (١٤)، وإذا أطلق أريد به الجهاد غالبًا\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣١٥٣): ص ٣/ ٥٨٥.\n(٢) أسباب النزول: ٥٧، وأخرجه الطبراني (مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧) وابن جرير (٢/ ١١٨) وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: ١/ ١٩٤) عن النعمان ﵁ به.\nوصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧) والحافظ ابن حجر (فتح الباري: ٨/ ١٨٥)، ويشهد له: ما أخرجه الحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٧٥) والترمذي وابن مردوية (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٩) عن البراء ﵁ نحوه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٦٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٠.\n(٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١١٦، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٥٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٠.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٧٠.\n(٦) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٧٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٩٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٩.\n(١٠) انظر: تفسير للقرطبي: ٢/ ٣٦٢.\n(١١) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٤٣٦، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٢٤، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ١٣٠، الزاهر لابن الأنباري: ٢/ ١٩٧، المفردات للراغب: ٢٢٣ وزاد: الذي فيه سهولة.، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٥، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٤٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٣.\n(١٢) مثال التذكير قوله﷿-: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] ومثال التأنيث قوله﷿-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]. انظر: لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠، تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٤٣٦، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٢٤، الزاهر لابن الأنباري: ٢/ ١٩٦، المذكر والمؤنث له أيضًا: ١/ ٣٩٤.\n(١٣) نص على ذلك ابن الأثير في: النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩، وذكر ذلك عنه ابن منظور في: لسان العرب: ٣/ ١٩٣٠، والزبيدي في: تاج العروس: ١٤/ ٣٢٥.\n(١٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٥. مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٤٦ معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢١٥، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠.\n(١٥) الهدي: ١٣٦. وانظر: المصادر السابقة في الهامش السابق وكلام الحافظ هنا قريب من عبارة ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩.","vol":"4","page":234},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أي: \" لا تلقوأنفسكم إلى ما يهلككم\" (١).\nقال الطبري: أي: \"ولا تستسلموا للهلكة، فتُعطوها أزمَّتكم فتهلكوا\" (٢).\nقال القرطبي: \" أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم\" (٣).\nقال القاسمي: أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلًا به \" (٤).\nقال الصابوني: أي: \" ولا تبخلوا في الانفاق فيصيبكم الهلاك ويتقوى عليكم الأعداء\" (٥).\nقال المراغي: \" أي إنكم إن لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال وإعداد للعدّة فقد أهلكتم أنفسكم\" (٦).\nقال أبو عبيدة والزجاج والثعلبي: \" ﴿التَّهْلُكَة﴾: \"من الهلاك\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"ويشمل الهلاك: الحسي والمعنوي، فالمعنوي مثل أن يدع الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه؛ والحسي أن يعرض نفسه للمخاطر، مثل أن يلقي نفسه في نار، أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط، أو ما أشبه ذلك\" (٨).\nقال المبرد: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، أراد: أنفسكم، فعبّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] \" (٩).\nقال الراغب: \" (الهلاك) انتهاء الشيء في الفساد، وله سمي الموت هلاكا، وقيل للعذاب والخوف في الفقر والبخل وما يجري مجراها مما يؤدي إلى الهلاك هلاكا، والمفازة مهلكة والتهلكة ما يؤدي إلى الهلاك، وامرأة هلوك كأنها تتهالك في مشيها إشارة إلى نحو قول الشاعر (١٠):\nمريضات أدبات التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا\nوكني بالهلوك عن الفاجرة لتماثلها.\nوالهالكي كان رجلًا حدادا من قبيلة هالك، فسمت العرب كل حداد باسمه كما سمي كل بناء هاجريا\" (١١).\nوفي تفسير (التهلكة) في الآية الكريمة قولان (١٢):\nأحدهما: معناه: إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي عصيتم الله فهلكتم.\nوالثاني: أن المراد: هلكتم بتقوية عدوكم عليكم. أجازه الزجاج (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٥٩٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٦٣.\n(٤) تفسير القاسمي: ٢/ ٥٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ٩٣.\n(٧) مجاز القرآن: ١/ ٦٨، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٦، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٩٠.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٩.\n(٩) مجمع البيان: ١/ ٥١٥، وانظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٩١.\n(١٠) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الراغب في تفسيره: ١/ ٤١٠.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٠.\n(١٢) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٦٦.","vol":"4","page":235},{"text":"وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، على أقوال (١):\nأحدها: أن المعنى: أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، فتهلكوا بالإثم. قاله حذيفة (٢) (٣)، وابن عباس (٤)، وروي عن عكرمة (٥)، ومحمد بن كعب القرظي (٦)، وعامر (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة، (٩)، والسدي (١٠)، والحسن (١١)، وابن جريج (١٢)، والضحاك (١٣)، مثل ذلك.\nقال ابن حجر: \" وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرًا في حديث أبي أيوب (١٤) أخرجه مسلم (١٥) والنسائي (١٦) وأبو داود (١٧) (١٨) والترمذي (١٩) وابن حبان (٢٠) والحاكم (٢١) من طريق أسلم [أبي] (٢٢) عمران (٢٣)\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٨٣ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وتفسير كثير: ١/ ٢٨٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٣، الدر المنثور للسيوطي: ١/ ٣٧٤.\n(٢) هو: أبو عبد الله حذيفة بن اليمان (حُسَيل، وقيل: حِسْل) بن جابر العبسي حليف الأنصار، صحابي بن صحابي، صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، عالم شجاع، من السابقين إلى الإسلام، شهد أحدًا والمشاهد بعدها وله بها ذكر حسن، وفضله ومناقبه كثيرة. توفي عام: ٣٦ هـ. انظر: الحلية لأبي نعيم: ١/ ٢٧٠، الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ ٢٧٧، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٢/ ٣٦١، الإصابة لابن حجر: ١/ ٣١٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٤٤)، و(٣١٤٥): ص ٣/ ٥٨٣.\nوقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة\". صحيح البخاري برقم (٤٥١٦)\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٤٦)، و(٣١٤٧)، و(٣١٤٨)، و(٣١٤٩): ص ٣/ ٥٨٤.\nوقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة\". صحيح البخاري برقم (٤٥١٦)\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٥٠): ص ٣/ ٥٨٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٥١): ص ٣/ ٥٨٤ - ٥٨٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣١٥٣): ص ٣/ ٥٨٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٥٤): ص ٣/ ٥٨٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣١٥٥)، و(٣١٥٦): ص ٣/ ٥٨٥ - ٥٨٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣١٥٧): ص ٣/ ٥٨٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣١٥٩)، و(٣١٦٠): ص ٣/ ٥٨٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣١٦١): ص ٣/ ٥٨٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٦٤): ص ٣/ ٥٨٧.\n(١٤) هو: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري من كبار الصحابة، شهد بدرًا ونزل النبي ﷺ عليه حين قدم المدينة، مات غازيًا الروم عام: ٥٠ هـ، وقيل: بعدها. انظر: طبقات ابن سعد: ٣/ ٤٨٤، أسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ٨٠، التقريب لابن حجر: ٢٨٦.\n(١٥) بحثت عنه كثيرًا في صحيح مسلم فلم أجده، ويغلب على ظني عدم وجوده فيه لأمور كثيرة منها: أ-أن الحافظ نفسه في العجاب-تحقيق الأنيس-: ١/ ٤٧٩ - ٤٨٠ عند ذكره سبب نزول الآية لم يعزه لمسلم. ب-أن ابن كثير أورده في تفسيره: ١/ ٢٨٥ ولم يعزه لمسلم بل عزاه لأبي داود والترمذي والنسائي وعبد ابن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبي يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه. جـ-أن الحاكم قال في المستدرك: ٢/ ٢٧٥ بعد إيراده له (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). د-أن السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥ أورده ولم يعزه لمسلم بل عزاه لمن عزاه لهم ابن كثير، وزاد عليه: ابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه. هـ-أنه قد سبقني إلى التنبيه إلى ذلك الحميدان في تخريجه لأسباب النزول للواحدي: ٥٧ - ٥٨. و-أن أحدًا من العلماء المعاصرين كأحمد شاكر في تخريجه لابن جرير والأرناؤوط في تخريجه لابن حبان لم يعزه له.\n(١٦) في سننه الكبرى: ٦/ ٢٩٩ رقم: ١١٠٢٩، وفي التفسير: ١/ ٢٣٨ رقم: ٤٩.\n(١٧) هو: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، إمام ثقة، حافظ فقيه، صاحب السنن، من كبار أهل العلم. توفي عام: ٢٧٥ هـ، انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٤٠٤، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٣/ ٢٠٣، تقريب التهذيب لابن حجر: ٤٠٤.\n(١٨) سنن أبي داود: ٣/ ٢٧ رقم: ٢٥١٢.\n(١٩) جامع الترمذي: ٥/ ٢١٢ رقم: ٢٩٧٢ وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب).\n(٢٠) صحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: ١١/ ٩ - ١٠ رقم: ٤٧١١.\n(٢١) المستدرك: ٢/ ٢٧٥ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(٢٢) في الطبعة السلفية (أسلم بن عمران) وهو تصحيف، والصواب (أسلم أبي عمران) والتصحيح من المصادر الحديثية في الهوامش السابقة.\n(٢٣) هو: أبو عمران أسلم بن يزيد التجيبي مولى عمير بن تميم، ثقة، توفي بعد المائة. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٢/ ٣٠٧، تهذيب الكمال للمزي: ٢/ ٥٢٨، تقريب التهذيب لابن حجر: ١٣٥.","vol":"4","page":236},{"text":"قال: \"كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلًا فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإِقامة التي أردناها\" (١) \" (٢).\nوالثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد، فتهلكوا بالضعف، وهذا قول زيد ابن أسلم (٣).\nوالثالث: أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي، فلا تتوبوا، وهذا قول البراء بن عازب (٤)، وعبيدة السلماني (٥)، وروي عن النعمان بن بشير (٦) (٧) نحوه.\nوالرابع: أن تتركوا الجهاد في سبيل الله، فتهلكوا، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري (٨).\nوالخامس: أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو، وهذا قول أبي القاسم البلخي (٩).\nوالسادس: أنه عام محمول على جميع ذلك كله، وهو قول أبي جعفر الطبري (١٠).\nوالقول الأول أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ (١١)، والاحسن أن يقال أن قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، عام في كل ماذكر، \" لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله\" (١٢). والله تعالى أعلم.\nوقد ذكر الراغب الأصفهاني في الآية تأويلان بنظرين (١٣):\nأحدهما: إنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام.\nوالثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. قال الراغب: \"فالإِنْسَان، كما أنه منهي عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام\n_________\n(١) وصححه-إضافة إلى الترمذي والحاكم وابن حبان-الألباني في صحيح الترمذي: ٣/ ٥ رقم: ٢٣٧٣، والأرناووط في تخريجه لابن حبان: ١١/ ١٠ - ١١ رقم: ٤٧١١، وغيرهما.\n(٢) الفتح: ٨/ ٣٣٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٦٦): ص ٣/ ٥٨٧، وتتفسير ابن ابي حاتم (١٧٤٥): ص ١/ ٣٣١، وانظر: معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٦٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٦٢، الدر المنثور للسيوطي: ١/ ٣٧٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٦٧)، و(٣١٦٨)، و(٣١٦٩)، و٣١٧٠)، و(٣١٧١)، و(٣١٧٢): ص ٣/ ٥٨٨ - ٥٨٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٧٣)، و(٣١٧٤)، و(٣١٧٥)، و(٣١٧٦)، و(٣١٧٧)، و(٣١٧٨): ص ٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨.\n(٦) هو: أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صحابي ابن صحابيين، سكن الشام وولي إمرة الكوفة ثم حمص، وبها قتل عام: ٦٥ هـ. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: ٤/ ٦٠، أسد الغابة لابن الأثير: ٥/ ٣١٠، الإصابة لابن حجر: ٣/ ٢٩٥.\n(٧) رواه الواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: ٥٧، والطبراني في الأوسط: ٦/ ٣١٤ رقم: ٥٦٦٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧ (رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح)، وصححه السيوطي في لباب النقول: ٣٧، وعزاه في الدر المنثور: ١/ ٣٧٥ أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٧٩)، و(٣١٨٠): ص ٣/ ٥٩٠ - ٥٩١.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٩١ - ٥٩٤.\n(١١) انظر: الفتح: ٨/ ٣٣٨. فالآية على ذلك تحتمل جميع المعاني المقبولة، انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٠، المفردات للراغب: ٥٤٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧، فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق خان: ١/ ٣٩٢، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ١٤١، روح المعاني للألوسي: ٢/ ٧٨، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٣، وانظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٩٣.\n(١٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٠ - ٤١١.","vol":"4","page":237},{"text":"عن الجهاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥]، أي: و\"تحرّوا فعل الإحسان\" (٢).\nقال القاسمي: أي: الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجلِّه الإنفاق\" (٣).\nقال ابن زيد: \"عودوا على من ليس في يده شيء\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي أنفقوا في سبيل الله\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي أحسنوا في جميع أعمالكم\" (٦).\nوقال البغوي: \" أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء\" (٧).\nقال القرطبي: \"أي: في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم\" (٨).\nقال الطبري: \" أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنُّب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيَّ، ومن الإنفاق في سبيلي، وَعَوْدِ القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة\" (٩).\nقال المراغي: \" أي وأحسنوا كل أعمالكم وجوّدوها ولا تهملوا إتقان شىء منها، ويدخل ذلك التطوع بالإنفاق في سبيل الله لنشر دعوة الدين \" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"أي: افعلوا الإحسان في عبادة الخالق؛ وفي معاملة المخلوق؛ أما الإحسان في عبادة الخالق فقد فسره النبي ﷺ بقوله: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (١١)؛ وأما الإحسان في معاملة الخلق: فأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به من بذل المعروف، وكفّ الأذى\" (١٢).\nقال الراغب: \"الإحسان: هو تحري العدالة والزيادة عليها، ولهذا قال:\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] \" (١٣).\nقال الشيخ السعدي: \"ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا، الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي ﷺ: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن\n_________\n(١) انظر: تفسير راغب الأصفهاني: ١/ ٤١٠ - ٤١١.، ونقله القاسمي في تفسيره: ٢/ ٥٤.\n(٢) تفسير القاسمي: ٣/ ٥٥.\n(٣) تفسير القاسمي: ٣/ ٥٥.\n(٤) تفسير الطبري (٣١٨٤): ص ٣/ ٥٩٥. عن يونس.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٦٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢١٧.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٥٩٥.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ٩٣.\n(١١) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٧: سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان ...، حديث رقم ٥٠؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨١، كتاب الإيمان، باب ١: بيان الإيمان والإسلام ...، حديث رقم ٩٣ [١] ٨.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٩.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١١.","vol":"4","page":238},{"text":"تراه، فإنه يراك\" (١)، فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره\" (٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥]، وجوه:\nأحدها: أنه عنى به الإحسان في آداء الفرائض، وهو قول بعض الصحابة (٣).\nوالثاني: أن المراد: وأحسنوا الظن بالله، وهو قول عكرمة (٤)، وابن عباس (٥).\nوالثالث: عُودُوا بالإحسان على مَنْ ليس بيده شيء، وهذا قول زيد بن أسلم (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أي\" حتى يحبكم الله وتكونوا من أوليائه المقربين\" (٧).\nقال الزجاج: أي\" فمن أنفق في سبيل الله فمحسن\" (٨).\nقال أبو السعود: \" أي يريد بهم الخيرَ\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" تعليل للأمر بالإحسان؛ ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافيًا للمؤمن أن يقوم بالإحسان\" (١٠).\nقال الراغب: \"نبّه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله؛ والزكاة تدخل في هذا الإنفاق؛ بل هي أول ما يدخل؛ لأنها أوجب ما يجب من الإنفاق في سبيل الله؛ وهي أوجب من الإنفاق في الجهاد، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام.\n٢ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ ويدخل في هذا: القصد، والتنفيذ - أن يكون القصد لله -، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كما قال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\n٣ - ومنها: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾؛ والإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب، وفعل المحرم؛ أو بعبارة أعم: يتناول كل ما فيه هلاك الإنسان، وخطر في دينه، أو دنياه.\n٤ - ومنها: أن ما كان سببًا للضرر فإنه منهي عنه؛ ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان حرام؛ لأنه يضر باتفاق الأطباء، كما أن فيه ضياعًا للمال أيضًا؛ وقد نهى (ص) عن إضاعة المال (١٢).\n٥ - ومنها: الأمر بالإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾؛ وهل الأمر للوجوب، أو للاستحباب؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٧: سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان ...، حديث رقم ٥٠؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨١، كتاب الإيمان، باب ١: بيان الإيمان والإسلام ...، حديث رقم ٩٣.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٢): ص ٣/ ٥٩٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٣): ص ٣/ ٥٩٥، وابن ابي حاتم (١٧٥٢): ص ١/ ٣٣، وزاد: \" يبر بكم\".\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٦٣٧، والبحر المحيط: ٢/ ٧١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٤): ص ٣/ ٥٩٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٦٦.\n(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ٢٠٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٩.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١١.\n(١٢) أخرجه البخاري ص ٥٤٣، كتاب الرقاق، باب ٢٢، ما يكره من قيل وقال، حديث رقم ٦٤٧٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢، كتاب الأقضية، باب ٥: النهي عن كثرة السؤال ...، حديث رقم ٤٤٨٦ [٤٤] (٥٩٣).","vol":"4","page":239},{"text":"الجواب: أما الإحسان الذي به تمام الواجب فالأمر فيه للوجوب؛ وأمّا الإحسان الذي به كمال العمل فالأمر فيه للاستحباب.\n٦ - ومنها: فضيلة الإحسان، والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾.\n٧ - ومنها: إثبات المحبة لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافًا للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنًى لا يكون بمثابته؛ فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة؛ وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين؛ وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين؛ فقد أثبت النبي ﷺ أن أُحُدًا - وهو حصى - جبل يحبنا ونحبه (١)؛ والإنسان يجد أن دابته تحبه، وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه؛ وكذلك غيره من المواشي؛ والإنسان يجد أنه يحب نوعًا من ماله أكثر من النوع الآخر.\nالقرآن\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦]\nالتفسير:\nوأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله تعالى. فإن منعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحرام بهما مانع كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى؛ لكي تَخْرُجوا من إحرامكم بحلق شعر الرأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتم محصرين حتى ينحر المحصر هديه في الموضع الذي حُصر فيه ثم يحل من إحرامه، كما نحر النبي ﷺ في \"الحديبية\" ثم حلق رأسه، وغير المحصر لا ينحر الهدي إلا في الحرم، الذي هو محله في يوم العيد، اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق. فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من رأسه يحتاج معه إلى الحلق -وهو مُحْرِم- حَلَق، وعليه فدية: بأن يصوم ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يذبح شاة لفقراء الحرم. فإذا كنتم في أمن وصحَّة: فمن استمتع بالعمرة إلى الحج وذلك باستباحة ما حُرِّم عليه بسبب الإحرام بعد انتهاء عمرته، فعليه ذبح ما تيسر من الهدي، فمن لم يجد هَدْيًا يذبحه فعليه صيام ثلاثة أيام في أشهر الحج، وسبعة إذا فرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى أهليكم، تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها. ذلك الهَدْيُ وما ترتب عليه من الصيام لمن لم يكن أهله من ساكني أرض الحرم، وخافوا الله تعالى وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجر.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أخرج ابن أبي حاتم\" عن صفوان بن أمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخا بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: وأتموا الحج والعمرة لله\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد والسير، باب ٧١: فضل الخدمة في الغزو، حديث رقم ٢٨٨٩، وأخرجه مسلم ص ٩٠٥، كتاب الحج، باب ٨٥ فضل المدينة ٣٣٢١ [٤٦٢] ١٣٦٥.","vol":"4","page":240},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: أين السائل عن العمرة؟ فقال: ها أنا ذا. فقال له: الق عنك ثيابك ثم أغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت- يعني صانعا- في حجك، فاصنعه في عمرتك\" (١).\nوالثاني: وقال مقاتل بن سليمان: إن\" أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم. فأمر الله﷿- النبيﷺ- والمسلمين أن يتموهما لله فقال: وأتموا الحج والعمرة لله وهو ألا يخلطوهما بشيء\" (٢).\nوالثالث: قال القرطبي: \" أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتفاضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد. فأمر الله ﷾ بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة\" (٣).\nوالرابع: أخرج الواحدي \"عن كعب بن عجرة قال: \"فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾ وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: \" احلق وافده صيام ثلاثة أيام، أو النسك، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع\" (٤).\nقال ابن حجر: \" ثم اختلف في سَنَتِه (٥) فالجمهور على أنها سنة ست (٦)؛ لأنها نزلت فيها ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٧)، وهذا ينبني على أن المراد بالإِتمام ابتداء الفرض (٨)، ويؤيده قراءة علقمة (٩) (١٠) ومسروق (١١) (١٢)\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (١٧٦١): ص ١/ ٣٣٤، وقال ابن كثير: حديث غريب وسياق عجيب ١/ ٣٣٤. وقال ابن حجر: \"وهذا الحديث رواته ثقات لكن وقع في سياق السند وهم فإنه في الصحيح من طريق عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه فسقط من هذه الرواية كلمتان قوله: \"ابن يعلى\" وقوله: \"عن أبيه\" فصار ظاهره أنه من مسند صفوان بن أمية وهو ابن خلف الجمحي وإنما هو من رواية صفوان بن يعلى بن أمية التميمي، وقد أخرجه البخاري والنسائي من طرق عن عطاء وليس عند أحد منهم ذكر نزول هذه الآية في هذه القصة\". [العجاب: ١/ ٤٨٦، وانظر: \"صحيح البخاري\" كتاب \"الحج\" باب غسل الخلوق \"الفتح\" \"٣/ ٣٩٣ \"، وكتاب \"العمرة\" باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج \"الفتح\" \"٣/ ٦١٤\" وفي مواضع أخرى و\"صحيح مسلم\" أول، كتاب الحج\" \"٢/ ٨٣٦ - ٨٣٨\" و\"سنن أبي داود\" \"المناسك\" باب الرجل يحرم في ثيابه \"٢/ ١٦٤ - ١٦٥\"، و\"جامع الترمذي\" كتاب \"الحج\" باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أوجبه \"٣/ ١٩٦ - ١٩٧\"، \"سنن النسائي\" كتاب \"المناسك\"، الجبة في الإحرام \"٥/ ١٣٠ - ١٣١\" ورواه في الكبرى أيضًا كما في \"التحفة\" \"٩/ ١١٠ - ١١٢\". هذا وقد قال الحافظ في \"الفتح\" \"٣/ ٦١٤\": \"ولم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل حينئذ من القرآن وقد استدل به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلى، لكن وقد وقع عند الطبراني في الأوسط من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتنازل الهيئات والصفات\". ولم يذكر رواية ابن أبي حاتم وقد ذكرها هنا فكأنه ذهل عنها. ومما يلاحظ أنه لم يشر هنا إلى حديث الطبراني! \". [انظر: حاشية العجاب: ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧].\n(٢) وذكره القرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٦٩. وذكره ابن حجر في العجاب عن القرطبي عن مقاتل. والصحيح أن القرطبي لم ينسب الكلام الى مقاتل، انظر: العجاب: ١/ ٤٨٧.\n(٣) القرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٦٩.\n(٤) أسباب النزول: ٥٩، والعجاب: ١/ ٤٨٨.\n(٥) أي: في سنة فرضه؛ والمراد: الحج، قال ابن حجر في الفتح: ٣/ ٤٤٢ (واختلف هل هو على الفور أو التراخي؟ وهو مشهور، وفي وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سنته: فالجمهور على أنها سنة ست ...).\n(٦) هذا أحد الأقوال في المسألة، وفي نسبته إلى الجمهور نظر، فمن قال: يجب على التراخي والمراد بالإتمام: ابتداء الفرض، وهم الشافعية ومن وافقهم من أهل المذاهب قالوا: كان الفرض سنة ست بهذه الآية، ومن قال: يجب على الفور والمراد بالإتمام: الإكمال بعد الشروع، وهم جل أهل المذاهب قالوا: كان الفرض أواخر سنة تسع بقوله﷿-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولكن الذي ينبغي أن لا يختلف فيه أن هذه الآية تدل على مشروعية الحج والعمرة، سواء قلنا بدلالتها على الفرض أم عدم دلالتها. انظر: فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٥، الذخيرة للقرافي: ٣/ ١٨١، معرفة السنن والآثار للبيهقي: ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١، عمدة القاري للعيني: ٩/ ١٢٢، وغيرها.\n(٧) لا خلاف بين أهل العلم على أن هذه الآية نزلت سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله ﷺ عن مكة، وقد حكى الاتفاق على ذلك جماعة منهم: ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١١٩ - ١٢٠، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢١٦، والشنقيطي في أضواء البيان ٥/ ١٠٩ - ١١٠، وجزم بذلك ابن القيم في زاد المعاد: ٢/ ١٠١ و٣/ ٥٩٥، وابن الهمام في فتح القدير: ٢/ ٣٢٥، وابن عابدين في حاشيته: ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١، والقرافي في الذخيرة: ٣/ ١٨١، والماوردي في الحاوي الكبير: ٤/ ٢٤ - ٢٥، وغيرهم.\n(٨) قال به جماعة منهم: الفخر الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٥٠ - ١٥١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٦.\n(٩) هو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الكوفي، تابعي أدرك النبي ﷺ ولم يره، إمام حافظ، ثقة ثبت، فقيه عابد، عالم الكوفة ومقرؤها، لازم ابن مسعود، وكان أعلم الناس به وأشبههم بسمته وهديه، توفي عام: ٦٢ هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٦/ ٤٠٤، الحلية لأبي نعيم: ٢/ ٩١، الكاشف للذهبي: ٢/ ٢٤٢، الإصابة لابن حجر: ٣/ ١١٠.\n(١٠) جامع البيان للطبري: ٤/ ٧ رقم: ٣١٨٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٢.\n(١١) هو: أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي الكوفي، تابعي أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، إمام حافظ، فقيه مقرئ، عابد من كبار أصحاب ابن مسعود، توفي عام: ٦٣ هـ، وقيل قبلها. انظر: تاريخ بغداد للخطيب: ١٣/ ٢٣٢، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٤/ ٦٣، الإصابة لابن حجر: ٣/ ٤٩٢.\n(١٢) لم أجد قراءته في جامع البيان للطبري: ٤/ ٧ - ٢١، وقد أوردها عنه القسطلاني في إرشاد الساري: ٤/ ٥، والشوكاني في نيل الأوطار: ٥/ ٣.","vol":"4","page":241},{"text":"وإبراهيم النخعي (١) بلفظ: ﴿وأقيموا﴾ أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإِتمام الإِكمال بعد الشروع (٢)، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك (٣) \" (٤).\nالخامس: أخرج ابن حجر عن مجاهد قال: \"كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا عفا الأثر وتولى الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ تغييرا لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصا للناس\" (٥).\nالسادس: أخرج الطبري عن ابن زيد، قال: \" كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم. فقطعه الله حين أعلم نبيه ﷺ بمناسكهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \"أي: أدوهما تامّين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم، على ما أمركم الله من حدودهما\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي \"ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج، والعمرة، أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي ﷺ يقوم به و(اللام) في قوله تعالى: ﴿لله﴾ تفيد الإخلاص، يعني مخلصين لله ﷿ ممتثلين لأمره\" (٩).\nوفي قراءة عبد الله: ﴿وَأَقِيمُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ﴾ (١٠).\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٤/ ٧ رقم: ٣١٨٦. وينبغي أن تحمل هذه القراءة على التفسير كما أشار إلى ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٧٢.\n(٢) اختار هذا القول جل المفسرين كالطبري في جامع البيان: ٤/ ٢٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١١٨ - ١١٩، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٥٤ ونسبه للشعبي وأبي بردة وابن زيد ومسروق، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ١١٤، وابن جزي في التسهيل: ١/ ١١٣، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٧٨. وهو الظاهر لدلالة ما بعده عليه، فإن الله﷿قال: (فَإِن أُحْصِرْتُم)، والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع ويوجب ما استيسر من الهدي. انظر: أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ١٣٢، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٢١٧.\n(٣) قال قوم: إنه فُرِض سنة خمس، واستدلوا على ذلك بأن قصة ضمام بن ثعلبة-وفيها سؤال رسول الله ﷺ عن فرض الجج عليه كانت سنة خمس-، والأرجح أن قدومه كان سنة تسع، انظر: سيرة ابن هشام: ٤/ ١٦٢، البداية والنهاية لابن كثير: ٥/ ٦٠ - ٦١، الإصابة لابن حجر: ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، أضواء البيان للشنقيطي: ٥/ ١٢٢.\n(٤) الفتح: ٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٥) العجاب: ١/ ٤٩٤، وانظر \"صحيح البخاري\" \"كتاب \"الحج\"، باب التمتع والقرآن والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي \"الفتح\" \"٣/ ٤٢٢\".\n(٦) تفسير الطبري (٣٧٠٣): ص ٤/ ١٤٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٠، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٤.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٥): ص ٤/ ٧.","vol":"4","page":242},{"text":"وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على وجوه (١):\nأحدها: يعني وأتموا الحج لمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسنتها، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعلقمة بن قيس (٤)، وإبراهيم (٥)، والربيع (٦).\nوالثاني: أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك، وهذا قول علي (٧)، وطاوس (٨)، وسعيد بن جبير (٩).\nوالثالث: أن إتمام العمرة، أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه، حتى لا يلزم دم لجبران نقصان، وهذا قول قتادة (١٠)، والقاسم بن محمد (١١).\nوالرابع: أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك، لأجلهما، لا تريد غيرهما من تجارة، ولا مكسب، وهذا قول سفيان الثوري (١٢).\nوالخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما، وهذا قول الشعبي (١٣)، وأبي بردة (١٤)، وابن زيد (١٥)، ومسروق (١٦)، وعطاء (١٧)، وعلي بن حسين (١٨)، وسعيد بن جبير (١٩) في أحد قوليه.\nوالصواب-والله أعلم- أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \"أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما وإيجابهما على ما أمِر به من حدودهما وسنَنِهما\" (٢٠).\nوقد اختلف أهل العلم في (العمرة) هل هي واجبة أم تطوّع، وفيه قولان:\nأحدهما: أن الله أوجب العمرة وجوبَ الحج، واحتجوا على ذلك بقراءة ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾ بنصبها، أي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، بمعنى أقيموا فرضَ الحجّ والعمرةَ. وهذا قول الشعبي (٢١)، وعطاء (٢٢)، وسعيد بن جبير (٢٣) في أحد قوليه.\nالثاني: أن (العمرة) تطوع، وهذا قول عبدالله بن مسعود (٢٤)، وسعيد بن جبير (٢٥)، وإبراهيم (٢٦)، والشعبي (٢٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٩٦ وما بعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٨): ص ٤/ ٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٩): ص ٤/ ٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٨٥): ص ٤/ ٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٩١): ص ٤/ ٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٩٠): ص ٤/ ٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣١٩٣)، و(٣١٩٤): ص ٤/ ٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٩٦)، و(٣١٩٧): ص ٤/ ٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣١٩٥): ص ٤/ ٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣١٩٨)، و(٣١٩٩): ص ٤/ ٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٠): ص ٤/ ٩ - ١٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠١): ص ٤/ ١٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: (٣٢٠٥): ص ٤/ ١١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٣): ص ٤/ ١٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٢): ص ٤/ ١٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٦)، و(٣٢٠٧): ص ٤/ ١١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٢١٠): ص ٤/ ١٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٨): ص ٤/ ١١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٨)، و(٣٢٠٩): ص ٤/ ١١.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٥): ص ٤/ ١١. وقد روي عن الشعبي خلافا عن هذا القول. إذ أخرج عنه الطبري: \" العمرة تطوع\". (تفسير الطبري (٣٢٢١): ص ٤/ ١٤).\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٣٢١٠): ص ٤/ ١٢.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٣٢٠٩): ص ٤/ ١١ - ١٢.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٣٢١٥): ص ٤/ ١٤.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٣٢١٦): ص ٤/ ١٤.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٣٢١٧)، و(٣٢١٨)، و(٣٢١٩)، و(٣٢٢٠): ص ٤/ ١٤.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٣٢٢١): ص ٤/ ١٤.","vol":"4","page":243},{"text":"وهؤلاء رأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نَصْبهم ﴿والعمرةَ﴾، وقالوا: بأن العمرة من الأعمال ما قد يلزم العبدَ عمله وإتمامُه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ الدخول فيه فرضًا عليه. وذلك كالحج التطوُّع، ولا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أنّ عليه المضيَّ فيه وإتمامه، ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدخولُ فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غيرُ فرضٍ واجب الدخولُ فيها ابتداءً، غير أن على من دخل فيها وأوجبَها على نفسه إتمامَها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضها. قالوا: وإنما أوَجبنا فرضَ الحجّ بقوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] (١).\nوالصواب أن \"العمرة تطوع لا فرض\" (٢). وقد روي عن النبي ﷺ: أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟، فقال: \" لا، وأن تعتمروا خيرٌ لكم\" (٣).\nوعن أبي صالح الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ: الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوع\" (٤).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على وجهين (٥):\nأحدهما: ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾، بالنصب عطفا على ﴿الْحَجَّ﴾.\nوالثاني: ﴿وَالْعُمْرَةُ﴾، بالرفع، على أنه من أعمال البِرِّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله: ﴿لله﴾.\nوأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ بنصب ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾، عطفا على قوله ﴿الحجّ﴾، بمعنى الأمر بإتمامهما له. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"أي: فإن\" منعتم عن إتمامها\" (٧).\nقال القاسمي: إي: وإذا \" حبسكم عدو عن إتمام الحجج أو العمرة وأردتم التحلل\" (٨).\nوقد اختلف أهلم العلم في تفسير (الإحصار) الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي، وفيه ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠.\n(٣) رواه أحمد: ١٤٤٤٩ (٣: ٣١٦ حلبي)، عن ابن معاوية، عن الحجاج بن أرطاة، بهذا الإسناد، نحوه.\nورواه الترمذي ٢: ١١٣، من طريق عمر بن علي، والبيهقي ٤: ٣٤٩، من طريق عبد الواحد بن زياد - كلاهما عن الحجاج، به، نحوه. وقال الترمذي: \" هذا حديث حسن صحيح \". رجح البيهقي أن المحفوظ روايته موقوفا من كلام جابر، وقد أطال الحافظ ابن حجر، في التلخيص، ص ٢٠٤، في إعلال المرفوع وترجيح الموقوف.\n(٤) الحديث مرسل. ورواه الشافعي في الأم ٢: ١١٣، قال: \" فاختلف الناس في العمرة، فقال بعض المشرقيين: العمرة تطوع. وقال سعيد بن سالم، (هو القداح، شيخ الشافعي) واحتج بأن سفيان الثوري أخبره عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله ﷺ قال: الحج الجهاد، والعمرة تطوع. فقلت له: أتثبت مثل هذا عن النبي ﷺ؟ فقال: هو منقطع \". ثم ذهب الشافعي يقيم عليه الحجة - أن تكون العمرة واجبة \". إلى آخر ما قال. وقد روى البيهقي ٤: ٣٤٨ هذا الحديث المرسل، من طريق الشافعي. ثم نقل عنه بعض ما نقلته.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٢.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٥٦.","vol":"4","page":244},{"text":"أحدهما: أنه كل حابس من عدوّ، أو مرض، أو عذر، وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وعطاء (٣)، وقتادة (٤)، وإبراهيم (٥)، وعروة بن الزبير (٦)، ومقاتل بن حيان (٧)، وأبي حنيفة (٨).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] يعني به: حاصرًا، أي حابسًا\" (٩).\nوالثاني: أنه الإحصار بالعدوّ، دون المرض، وهو قول ابن عباس (١٠)، وابن عمر (١١)، وطاوس (١٢)، والزهري (١٣)، وزيد بن أسلم (١٤)، وأنس بن مالك (١٥)، والشافعي (١٦).\nقالوا: \"فإنما أنزل الله هذه الآية في حَصْر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلتْ فيه\" (١٧).\nوالثالث: أن الإحصار من كل شيء مؤذي. قاله الثوري (١٨).\nوالصواب أن تفسير الآية مرادٌ بها إحصارُ غير العدوّ وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، ويدل عليه كلمة (الأمنُ) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، لأن (الأمن) لا يكون إلا بزوال الخوف، وإذ كان ذلك كذلك، \"فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية، هو الخوف الذي يكون بزواله الأمنُ \" (١٩).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: \"فعليكم ما تيسر من الهدي الشرعي\" (٢٠).\nقال الصابوني: أي: \" فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرةٍ أو شاة\" (٢١).\nقال ابن عثيمين: \"وهو ما كان ثنيًا مما سوى الضأن؛ لقول النبي ﷺ: \"لا تذبحوا إلا مسنَّة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن\" (٢٢)؛ وهذا النهي يشمل كل ما ذبح تقربًا إلى الله ﷿ من هدي، أو أضحية، أو عقيقة\" (٢٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٤): ص ٤/ ٢٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٧)، و(٣٢٢٨): ص ٤/ ٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٢٢٩): ص ٤/ ٢٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٠)، و(٣٢٣١): ص ٤/ ٢٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٣): ص ٤/ ٢٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٢ - ٢٣. قال الراغب: \" ظاهر قوله تعالى: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها، وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدو مسلم أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدو وإحصار المرض. لولا أن الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن تتعدى إلا بدلالة. ولأن قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو.\nوقد يقال: العبرة في أمثاله بعمومه، كما ذهب إليه ثلة من السلف\". [تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٢].\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٥)، و(٣٢٣٦)، و(٣٢٣٧): ص ٤/ ٢٣ - ٢٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٦.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٨): ص ٤/ ٢٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢١ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(١٧) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٣٥.\n(١٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥ - ٢٦.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٢.\n(٢١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٢٢) أخرجه مسلم ص ١٠٢٨، كتاب الأضاحي، باب ٢: سن الأضحية، حديث رقم ٥٠٨٢ [١٣] ١٩٦٣.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٢.","vol":"4","page":245},{"text":"قال القاسمي: \"وأعلى الهدي بدنة، وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أُحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة \" (١).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان:\nأحدهما: أنه شاةُ، وهو قول ابن عباس (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، وعطاء (٥)، والسدي (٦)، وعلقمة (٧)، وإبراهيم (٨)، وأبي جعفر (٩)، وعلي (١٠)، ومالك (١١)، وأكثر الفقهاء.\nوالثاني: أنه من الإبل والبقر، سن دون سن، وهو قول عمر (١٢)، وعائشة (١٣)، ومجاهد (١٤)، وطاوس (١٥)، وعروة (١٦).\nقال الثعلبي: \" وأقوى الأقوال بالصواب قول من قال إنه شاة، لأنه أقرب إلى التيسر، ولأن الله سمي الشاة هديا في قوله هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وفي الظبي شاة\" (١٧).\nقال الطبري: و﴿الهدي﴾، إنما سمي (هديا)، \"لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه، يقال منه: أهديت الهدي إلى بيت الله، فأنا أهديه إهداء، كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره: أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها، ويقال للبدنة (هدية)، ومنه قول زهير بن أبي سلمى، يذكر رجلا أسر، يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى (١٨):\nفلم أر معشرا أسروا هديا ... ولم أر جار بيت يستباء! \" (١٩)\nوفي اشتقاق ﴿الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان (٢٠):\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٥٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٢٣٩)، و(٣٢٤٠)، و(٣٢٤١)، و(٣٢٤٢)، و(٣٢٤٣)، و(٣٢٤٤)، و(٣٢٤٥): ص ٤/ ٢٧، و(٣٢٤٩)، و(٣٢٥٠): ص ٤/ ٢٨، و(٣٢٥٦)، و(٣٢٥٧)، و(٣٢٥٨)، و(٣٢٦٠)، و(٣٢٦١): ص ٤/ ٢٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٢٤٦): ص ٤/ ٢٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٢٤٧): ص ٤/ ٢٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٢٥١)، و(٣٢٥٢): ص ٤/ ٢٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٢٥٣): ص ٤/ ٢٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٢٥٤): ص ٤/ ٢٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٢٥٩): ص ٤/ ٢٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٢٦٢): ص ٤/ ٢٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٢٦٣)، و(٣٢٦٤): ص ٤/ ٢٩ - ٣٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٢٦٦): ص ٤/ ٣٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٢٧٠)، و(٣٢٧١)، و(٣٢٧٢)، و(٣٢٧٣)، و(٣٢٧٤)، و(٣٢٧٥)، و(٣٢٧٦)، و(٣٢٧٧)، و(٣٢٧٨): ص ٤/ ٣٠ - ٣٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٢٧٠): ص ٤/ ٣١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٢٧٩): ص ٤/ ٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٢٧٩): ص ٤/ ٣٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٢٨٢): ص ٤/ ٣٢.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠٠.\n(١٨) ديوانه: ٧٩ من قصيدة كريمة، قالها في ذم بني عليم بن جناب من كلب. وكان رجل من بني عبد الله بن غطفان قد أتاهم فأكرموه وأحسنوا جواره، بيد أنه كان مولعا بالقمار فنهوه عنه، فأبى إلا المقامرة. فقمر مرة فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا عليه، وأخذت منه امرأته في قماره. والهدي: الرجل ذو الحرمة المستجير بالقوم فسموه كما قال الطبري بما يهدي إلى البيت، فهو لا يرد عن البيت ولا يصاب، وقوله: \" فستباء \" أي تؤخذ امرأته وتنكح، ثم قال لهم بعد البيت: وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي، عهدهما سواء والمنادي: المجالس في النادي أما بيوت الحي.\n(١٩) تفسير الطبري: ٤/ ٣٥.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.","vol":"4","page":246},{"text":"أحدهما: أنه مأخوذ من الهدية. قاله أبو علي (١).\nوالثاني: مأخوذ من قولهم: هديتُه هَدْيًا، إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد.\nوفي ﴿الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قراءتان (٢):\nإحداهما: ﴿الْهَدْيِ﴾، بالتخفيف.، وهي لغة أهل الحجاز.\nوالثانية: ﴿الهديّ﴾، بكسر الدال وتشديد الياء، قراءة مجاهد والزهري وابن هرمز وأبي حيوة، ورواه عصمة عن عاصم.\nوشاهد الهديّ مثقلًا من كلامهم قول الفرزدق (٣):\nحَلَفتُ بربِّ مكة والمصَلَّى ... وَأَعنَاقِ الهديِّ مقلّدَاتِ\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإِحصار\" (٤).\nقال الطبري: \"وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه. فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتى يبلغ الهدي - الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه - محله\" (٥).\nوفي محل هدي المحصر، ثلاثة أقاويل (٦):\nأحدها: حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم، وهذا قول ابن عمر (٧)، والمِسْوَر بن مخرمة (٨)، ومروان بن الحكم (٩)، وبه قال الشافعي (١٠).\nوالقول الثاني: أنه الحَرَم، وهو قول عليّ (١١)، وابن عباس (١٢)، وابن مسعود (١٣)، وعطاء (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦)، وبه قال أبو حنيفة (١٧).\nوالقول الثالث: أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئًا نسكه، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله -ﷺ-، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه، وهذا مروي عن ابن عباس (١٨)، وعائشة (١٩)، وبه قال مالك (٢٠).\n_________\n(١) انظر: الحجة: ١/ ١٨٧.\n(٢) انظر: الحجة: ١/ ١٨٧، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٥. والبحر المحيط: ٢/ ٧٤،\n(٣) ديوانه/ ١٢٧، وأورده اللسان أيضا في مادة «هدى» ومقلدات: علق في أعناقها ما يدل على أنها هدي.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٣٦.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٢٩١): ص ٣/ ٣٨ - ٣٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٢٩٢): ص ٣/ ٣٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٢٩٢): ص ٤/ ٣٩.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٣٠٢): ص ٤/ ٤٣ - ٤٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٣٠٠)، و(٣٣٠١): ص ٤/ ٤٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٢٩٤)، و(٣٢٩٥)، و(٣٢٩٦)، و(٣٢٩٧)، و(٣٢٩٨)، و(٣٢٩٩): ص ٣/ ٤١ - ٤٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٣٠٣)، و(٣٣٠٤): ص ٣/ ٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٣٠٥): ص ٣/ ٤٤.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٧٧): ص ١/ ٣٣٧.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٣١٠): ص ٣/ ٤٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٣٠٩): ص ٣/ ٤٧.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.","vol":"4","page":247},{"text":"واختلفوا في المحل الذي يحل المحصر يبلغ هديه إليه، على قولين (١):\nأحدهما: أن ﴿مَحِلَّهُ﴾، يحتمل أن تكون اسم زمان؛ والمعنى: حتى يصل إلى يوم حلوله - وهو يوم العيد -؛ وثبتت السنة بأن من قدّم الحلق على النحر فلا حرج عليه (٢).\nوالثاني: أن المعنى: حتى يذبح الهدي؛ وتكون الآية فيمن ساق الهدي؛ ويؤيد هذا أن النبي ﷺ سئل ما بال الناس حلوا ولم تحل؟ فقال -ﷺ-: \"إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر\" (٣).\nقال القاسمي: أي حتى يصل الهدي \"الموضع الذي يحلّ فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقر فيه، يعني: موضع الإحصار، وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه - شائع. ولما اعتمر النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: \"فمن كان منكم معشر المحرمين مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقمل وصداع فحلق في الإحرام\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" ولا تحلقوا رؤسكم حال الإحرام إلا أن يضطر الرجل حلقه إما لمرض يحتاج إلى مداواته، أو به أذى من رأسه من هوام وصداع\" (٦).\nقال الطبري: أي\" ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر، إما لمرض، وإما لأذى برأسه، من هوام أو غيرها، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محله\" (٧).\nقال ابن جريج: \"قلت لعطاء: ما ﴿أذى من رأسه﴾؟ قال: القمل وغيره، والصدع، وما كان في رأسه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي \"فعليه فدية يفدي بها نفسه من العذاب، والفدية: \"إما صيام ثلاثة أيام، أو يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين، أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \" ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ست مساكين لكل مسكين نصف صاع أو نسك أو ذبيحة واحدها نسكة\" (١٠).\nقال الماوردي: \"وأما النسك، فشاة\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٣.\n(٢) راجع البخاري ص ١٠، كتاب العلم، باب ٢٣: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، حديث رقم ٨٣؛ ومسلمًا ص ٨٩٥، كتاب الحج، باب ٥٧: جواز تقديم الذبح على الرمي ...، حديث رقم ٣١٥٦ [٣٢٧] ١٣٠٦.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٢٣ – ١٢٤، كتاب الحج، باب ٣٤: التمتع والقران، والإفراد ...، حديث رقم ١٥٦٦، وأخرجه مسلم ص ٨٨٣، كتاب الحج، باب ٢٥: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث رقم ٢٩٨٤ [١٧٦] ١٢٢٩.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٥٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠١.\n(٧) تفسيير الطبري: ٤/ ٥٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٣٣٢٣): ص ٤/ ٥٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.","vol":"4","page":248},{"text":"وقرأ الحسن: \" ﴿أو نسك﴾، تخفيفا وهي لغة تميم\" (١).\nواختلف أهل العلم في مبلغ الصيام الذي أوجبه الله على من حلق شعره من المحرمين، وفيه قولان:\nأحدهما: أنه صيام ثلاثة أيام، وهذا قول علي (٢)، ومجاهد (٣)، وعطاء (٤)، وأبي مالك (٥)، وعلقمة، وإبراهيم (٦)، وكعب بن عجزة (٧)، والسدي (٨)، والربيع (٩)، وبه قال الشافعي (١٠).\nوالقول الثاني: أنه صيام عشرة أيام كصيام المتمتع، وهو قول الحسن (١١)، وعكرمة (١٢).\nواختلفوا في مقدار الصدقة التي أوجبها الله تعالى على من حلق شهره من المحرمين، وفيه قولان (١٣):\nأحدهما: ستة مساكين، وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام.\nوالقول الثاني: إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام.\nقوله تعالى ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين\" (١٤).\nقال البيضاوي: أي: \" الإِحصار. أو كنتم في حال سعة وأمن\" (١٥).\nقال الشيخ السعدي: \" أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره\" (١٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم﴾ [البقرة: ١٩٦] قولان:\nأحدهما: من مرضكم. وهو قول علقمة (١٧)، وروي عن عروة (١٨)، نحو ذلك.\nوالثاني: من خوفكم. قاله قتادة (١٩)، والربيع (٢٠).\nوالقول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، \" لأن (الأمن) هو خلاف (الخوف)، لا خلاف (المرض)، إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته، وذلك معنى بعيد\" (٢١).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٣٧٠): ص ٤/ ٧١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٢٦٢)، و(٣٣٦٣): ص ٤/ ٧٠، و(٣٣٦٦): ص ٤/ ٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٣٦١): ص ٤/ ٧٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٣٦٠): ص ٤/ ٧٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٣٦٣): ص ٤/ ٧٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٣٦٤): ص ٤/ ٧٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٣٦٥): ص ٤/ ٧١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٣٦٧): ص ٤/ ٧١.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٣٧٤)، و(٣٣٧٥): ص ٤/ ٧٢ - ٧٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٣٧٥): ص ٤/ ٧٣.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٠.\n(١٦) تفسير السعدي: ١/ ٩٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤١٥): ص ٤/ ٨٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٤١٦): ص ٤/ ٨٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٤١٧): ص ٤/ ٨٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٤١٨): ص ٤/ ٨٦.\n(٢١) تفسير الطبري: ٤/ ٨٧. ثم قال: \" وإنما قلنا: إن معناه: الخوف من العدو، لأن هذه الآيات نزلت على رسول الله ﷺ أيام الحديبية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم\". (تفسير الطبري: ٤/ ٨٧).","vol":"4","page":249},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"أي \"فمن أتى بالعمرة متمتعًا بحله منها بما أحل الله له من محظورات الإحرام، إلى ابتداء زمن الحج؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها\" (٣).\nواختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل (٤):\nأحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج، إذا حَلَّ منه بالإحصار، ثم عاد إلى بلده متمتعًا بعد إحلاله، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني، صار متمتعًا بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين، وهذا قول الزبير (٥).\nوالثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ، وهذا قول السدي (٦).\nوالثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمرًا في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ، وهذا قول ابن عباس (٧)، وابن عمر (٨)، ومجاهد (٩)، وعطاء (١٠)، وابن أبي ليلى (١١)، وسعيد بن المسيب (١٢)، والشافعي (١٣)، وهو قول الجمهور.\nوالأظهر قول الجمهور، قال النحاس مستدلًا لقولهم: \"ويدلك على أن حكم غير المحصر في هذا الحكم كالمحصر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهذا للمحصر وغيره سواء، وكذلك التمتع\" (١٤). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: \" \" فعليه ما تيسّر من الهدي\" (١٥).\nقال الصابوني: \" وهو شاة يذبحها شكرًا لله تعالى\" (١٦).\nقال ابن عثيمين: أي \"فعليه ما استيسر من الهدي شكرًا لله على نعمة التحلل؛ ويقال في هذه الجملة ما قيل في الجملة التي سبقت في الإحصار\" (١٧).\nقال صاحب الكشاف: \" واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى اللَّه تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج. وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّمًا عليه إلى أن يحرم من الحج\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٢٧، والمحرر الوجيز: ٢/ ١١٤ - ١١٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٤١٩)، و(٣٤٢٠)، و(٣٤٢١): ص ٤/ ٨٨ - ٨٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٢٧): ص ٤/ ٩٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٦): ص ٤/ ٩١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٠)، و(٣٤٣١): ص ٤/ ٩٠ - ٩١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٤٢٨)، و(٣٤٢٩): ص ٤/ ٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٢): ص ٤/ ٩١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٣): ص ٤/ ٩١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٤): ص ٤/ ٩١.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.\n(١٤) معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٢٣، وانظر: تفسير للطبري: ٤/ ٨٨، والتحرير والتنوير: ٢/ ٢٢٦، وغيرها.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧١.\n(١٨) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤١.","vol":"4","page":250},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي: فمن لم يجد الهدي، أو ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في أثناء الحج، وفي أشهره، وسبعة إذا رجعتم من الحج بإكمال نسكه، أو إذا رجعتم إلى أهليكم\" (٢).\nقال الشيخ السعدي: \" أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله\" (٣).\nقال ابن حجر: \"أي: لم يجد الهدي بذلك المكان، ويتحقق ذلك: بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه (٤) حينئذ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه فينقل إلى الصوم كما هو نص القرآن (٥)، والمراد بقوله: (فِيْ الحَجِّ) أي: بعد الإِحرام به\" (٦) \" (٧) ... \" وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السر فيه: أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإِطعام (٨) \" (٩) ... والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاث (١٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٤.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ٩٠.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٦٧ المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١١٧، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٩٩، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٩٢، فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق خان: ١/ ٣٩٨.\n(٥) يريد قوله﷿-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ والمسألة مجمع عليها، انظر: التمهيد لابن عبد البر: ٨/ ٣٤٩، المغني لابن قدامة: ٥/ ٣٦٠، المجموع للنووي: ٧/ ١٨٦، وفي المعنى من كتب المعاني والتفسير انظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٢٤ - ١٢٥، جامع البيان للطبري: ٤/ ٩٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٦٧، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٢٢٨.\n(٦) هذا اختيار منه﵀لمذهب الشافعي في الجديد، وأقوال أهل العلم الأخرى مبسوطة في كتب الفقه والتفاسير المعتنية بالأحكام. وخلافهم مبني على تحديد المضاف المقدر في قوله (في الحَجّ) فبعضهم قال: في وقت الحج، وعليه يجوز لمن لم يجد الهدي الصيام في أشهر الحج، وبعضهم قدره: في وقت أفعال الحج، وعليه يجوز لمن لم يجد الهدي الصيام من بعد إحرامه إلى انتهاء أشهر الحج، وبعضهم قدره ظرف مكان، أي: في مكان الحج، فلم يلحظ الوقت وبالتالي جوز لمن لم يجد الهدي أن يصوم الثلاثة أيام ما دام بمكة. انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ١٠١ - ١٠٤، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٨٧، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٣٠، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٦٧، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٠٠، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٤٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١١٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٩١ - ٢٩٢، وغيرها.\n(٧) الفتح\" ٣: ٦٣١ - ٦٣٢.\n(٨) قال ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٩٠ [قلت: وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه مخير في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق وهو ثلاثة آصع ... وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أي ذلك فعله أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال: (انْسُك شاة أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام) فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة]. وانظر: معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٢٣.\n(٩) الفتح: ٤/ ٢٠.\n(١٠) يريد حديث كعب بن عجرة﵁عند البخاري-فتح-: ٤/ ١٦ رقم: ١٨١٤ عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: (احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة﴾.","vol":"4","page":251},{"text":"و\"قوله (وَسَبعَةٍ إِذَا رَجَعتُم) ... ومعنى الرجوع: التوجه من مكة فيصومها في الطريق إن شاء (١)، وبه قال إسحاق بن راهوية (٢) (٣) \" (٤).\nواختلف أهل التفسير في الثلاثة أيام التي أوجب الله عليه صومهن في الحج، وفيه قولان (٥):\nأحدهما: بعد إحرامه وقبل يوم النحر، وهذا قول علي (٦)، وابن عباس (٧)، وابن عمر (٨)، وعروة (٩)، والحسن (١٠)، والحكم (١١)، وإبراهيم (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)، وعطاء (١٤)، ومجاهد (١٥)، وطاوس (١٦)، وعامر (١٧)، وقتادة (١٨)، والسدي (١٩)، والربيع (٢٠)، وأبو جعفر (٢١)، والشافعي في الجديد (٢٢).\nوالثاني: أنها أيام التشريق، وهذا قول عائشة (٢٣)، وعلي (٢٤)، وعروة (٢٥)، وابن عُمر في رواية سالم عنه (٢٦)، والشافعي في القديم (٢٧). وهو الظاهر (٢٨).\n_________\n(١) في معنى الرجوع في الآية ثلاثة أقوال: أ-أنه الفراغ من الحج والرجوع من منى، قاله عطاء وسعيد بن جبير وأبو حنيفة ومالك في أحد قوليه. ب-أنه الفراغ من أعمال الحج والشروع في الرجوع إلى الأهل، وهو القول الذي ذكره الحافظ. جـ-أنه الوصول إلى الأهل، وهو الأرجح، وحكى عليه الإجماع الطبري في جامع البيان: ٤/ ١٠٧ ويسنده حديث ابن عمر﵄عند البخاري: -فتح-: ٣/ ٦٣٠ رقم: ١٦٩١، ومسلم: ٢/ ٩٠١ رقم: ١٢٢٧ وفيه: (فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله). وانظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٣١، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٠٨، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٥٧، مفاتيح الغيب للرازي: ١/ ٢٥٧، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٤٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٢٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٠١، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٩٢، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٩٢، فتح البيان لصديق خان: ١/ ٣٣٩. وما حكاه الطبري من الإجماع متعقب بالخلاف المذكور إلا أن يكون مراد أصحاب القولين الأولين أن قوله تعالى: (وَسَبعَةٍ إذَا رَجَعتُم) على سبيل الرخصة لا العزم، وأن المتمتع الذي لم يجد الهدي لو شق على نفسه وصام قبل الرجوع إلى أهله جاز دون أن يكون الرجوع فيها الرجوع من أعمال الحج أو الشروع في السفر. انظر: الإجماع في التفسير للخضيري: ٢٢٩ - ٢٣١.\n(٢) هو: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن عبد الله الحنظلي المروزي المعروف بابن راهوية، ثقة حافظ مجتهد مفسر، قرين الإمام أحمد بن حنبل، قال أبو داود: بأنه تغير قبل موته بيسير، توفي عام: ٢٣٨ هـ، من تصانيفه: المسند وقد طبعت بعض أجزائه، وله كتاب التفسير في عداد المفقود، وقد قام بجمع مروياته في التفسير: ياسين قارئ في الجامعة الإسلامية. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١١/ ٣٥٨، تهذيب التهذيب لابن حجر: ١/ ١٩٠، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٠٣.\n(٣) انظر في نسبة القول إليه: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٠١، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٩، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٩٢، فتح البيان لصديق خان: ١/ ٣٣٩.\n(٤) الفتح: ٣/ ٥٠٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٩٤ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٨): ص ٤/ ٩٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٨): ص ٤/ ٩٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٠): ص ٤/ ٩٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤١): ص ٤/ ٩٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٢): ص ٤/ ٩٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٣): ص ٤/ ٩٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٤): ص ٤/ ٩٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٥): ص ٤/ ٩٥، و(٣٤٥٥): ٤/ ٩٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٦): ص ٤/ ٩٥، و(٣٤٤٨): ص ٤/ ٩٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٦)، و(٣٤٤٧): ص ٤/ ٩٥ - ٩٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٤٦): ص ٤/ ٩٥ - ٩٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤٥٠): ص ٤/ ٩٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٤٥٣): ص ٤/ ٩٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٤٥٤): ص ٤/ ٩٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٤٥٧): ص ٤/ ٩٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٤٦١): ص ٤/ ٩٧.\n(٢٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٣٤٦٣): ص ٤/ ٩٨.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٣٤٦٢): ص ٤/ ٩٨.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٣٤٦٩): ص ٤/ ٩٨ - ٩٩.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٦٤)، و(٣٤٦٥)، و(٣٤٦٦)، و(٣٤٦٧): ص ٤/ ٩٨.\n(٢٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(٢٨) لما يسنده من الأخبار، فقد روي عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر، أن يصوم أيام التشريق مكانها\". [أخرجه الطبري (٣٤٧٠): ص ٣/ ١٠٠، ورواه الطحاوي في معاني الآثار ١/ ٤٢٧، ووأصل معناه ثابت في البخاري ٤/ ٢١١، موقوفا].","vol":"4","page":252},{"text":"واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين (١):\nأحدهما: لا يجوز، وهذا قول ابن عمر (٢)، وابن عباس (٣).\nوالثاني: يجوز.\nواختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين (٤):\nأحدهما: عشر ذي الحجة، ولا يجوز قبلها، وعطاء (٥)، وأبي جعفر (٦).\nوالثاني: في أشهر الحج، ولا يجوز قبلها، وهو قول مجاهد (٧)، وطاوس (٨).\nوالصواب: \"أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهن لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي، من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه، إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله، أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة\" (٩). والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٤٨٣)، و(٣٤٨٥): ص ٤/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٤٨٤): ص ٤/ ١٠٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٤٧٦)، و(٣٤٧٧)، و(٣٤٧٨): ص ٤/ ١٠٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٧٩): ص ٤/ ١٠٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤٧٢)، و(٣٤٧٣)، و(٣٤٧٤)، و(٣٤٧٥): ص ٤/ ١٠١ - ١٠٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٤٧٢): ص ٤/ ١٠١.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ١٠٣ - ١٠٤. ثم قال الطبري: \" وإنما قلنا: له صوم أيام التشريق، لما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قبل، (١) فإن صامهن قبل إحرامه بالحج فإنه غير مجزئ صومه ذلك من الواجب عليه من الصوم الذي فرضه الله عليه لمتعته. وذلك أن الله جل وعز إنما أوجب الصوم على من لم يجد هديا ممن استمتع بعمرته إلى حجه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجه غير مستحق اسم \" متمتع \" بعمرته إلى حجه. وإنما يقال له قبل إحرامه \" معتمر \"، حتى يدخل بعد إحلاله في الحج قبل شخوصه عن مكة. فإذا دخل في الحج محرما به - بعد قضاء عمرته في أشهر الحج، ومقامه بمكة بعد قضاء عمرته حلالا حتى حج من عامه - سمي \" متمتعا \". فإذا استحق اسم \" متمتع \" لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده.\nفأما إن صامه قبل دخوله في الحج - وإن كان من نيته الحج - فإنما هو رجل صام صوما ينوي به قضاء عما عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين، ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنه غير مجزئ من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث.\nفإن ظن ظان أن صوم المعتمر - بعد إحلاله من عمرته، أو قبله، وقبل دخوله في الحج - مجزئ عنه من الصوم الذي أوجبه الله عليه إن تمتع بعمرته إلى الحج، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ. لأن الله جل ثناؤه جعل لليمين تحليلا هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها، محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم، تكفيرا لما يظن أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه.\nومن أبى ما قلنا في ذلك ممن زعم أن للمعتمر الصوم قبل إحرامه بالحج، قيل له: ما قلت فيمن كفر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الجمرات، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟ فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحج التي أوجب الله في تضييعه على المحرم، أو في فعله، كفارة، فإن سوى بين جميع ذلك قاد قوله، وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيم صحيح، إذا كفر قبل دخول الشهر، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسأل: عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن قاد قوله في ذلك، خرج من قول جميع الأمة، وإن أبى شيئا من ذلك، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحج، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .. (تفسير الطبري: ٤/ ١٠٤ - ١٠٦).","vol":"4","page":253},{"text":"وفي زمان صيام السبعة الأيام في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان (١):\nأحدهما: إذا رجعتم من حجكم في طريقكم، وهو قول مجاهد (٢)، ومنصور (٣).\nوالثاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم، وهو قول عطاء (٤)، وقتادة (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والربيع (٧).\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أربعة تأويلات (٩):\nأحدها: أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى، وهو قول الحسن (١٠).\nوالثاني: عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع.\nوالثالث: أنه خارج مخرج الخبر، ومعناه معنى الأمر، أي تلك عشرة، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها.\nوالرابع: تأكيد في الكلام، وهو قول ابن عباس (١١).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] (١٢)، ولا يكون الـ (خر) إلا من فوق، فأما من موضع آخر، فإنما يجوز على سعة الكلام\" (١٣).\nقال الواحدي: \" وإنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، للتأكيد، كقول الفرزدق (١٤):\nثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ ... وسادسة تميل إلى شمام\nوكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] \" (١٥).\nوقال الزجاج: \" والذي في هذا - واللَّه أعلم - أنه لما قيل ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، جاز أن يَتَوهم المتوهمُ أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع - فأَعلم اللَّه ﷿ - أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى: المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٤٨٦)، و(٣٤٨٧)، و(٣٤٨٨): ص ٤/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٤٨٩): ص ٤/ ١٠٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٤٩١)، و(٢٤٩٣): ص ٤/ ١٠٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٤٩٥): ص ٤/ ١٠٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٩٧): ص ٤/ ١٠٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤٩٦): ص ٤/ ١٠٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٠٨ - ١٠٩، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٤٩٨)، و(٣٤٩٩): ص ٤/ ١٠٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٧، والمحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٩.\n(١٢) ومنه قوله الله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢].\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٠٩.\n(١٤) \"ديوانه\" ٢/ ٨٣٥، ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٣، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٢٠ وشمام: اسم جمل ينظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٥٢ (عشر).\n(١٥) التفسير البسيط: ٤/ ٢٤ - ٢٥.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.","vol":"4","page":254},{"text":"قال الطبري: \" وأولى هذه الأقوال عندي [بالصواب] قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي التمتع بالعمرة إلى الحج، لمن لم يكن حاضرًا المسجد الحرام\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي هذا الفرض على من لم يكن من أهله بمكة\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي ذلك التمتع أو الهَدْي خاص بغير أهل الحرام، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي\" (٥).\nواختلف في المراد بـ ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على أربعة أقاويل:\nأحدها: أنهم أهل الحرم دون غيرهم، وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وطاوس (٩)، ونافع (١٠)، والأعرج (١١)، وهو قول مالك (١٢)، واختاره الطحاوي (١٣) ورجحه (١٤).\nواختاره الشيخ ابن عثيمين قائلا: \"وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه؛ بل هم من محل آخر؛ وهذا هو الذي ينضبط\" (١٥).\nوالثاني: أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت، وهو قول مكحول (١٦)، وعطاء (١٧)، وهو قول الشافعي في القديم (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٠٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٠٩\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٦٩.\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ٢٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٥٠٢)، و(٣٥٠٤): ص ٤/ ١١٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٥٠٢)، و(٣٥٠٣): ص ٤/ ١١٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٥٠٥): ص ٤/ ١١٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٥٠٨): ص ٤/ ١١١.\n(١٠) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩٦، عمدة القاري للعيني: ٩/ ٢٠٥.\n(١١) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩٦، عمدة القاري للعيني: ٩/ ٢٠٥.\n(١٢) المدونة لسحنون: ١/ ٤٠٦، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩٦، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي-اختصار الجصاص-: ٢/ ١٠٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٠٤. عمدة القاري للعيني: ٩/ ٢٠٥، إلا أن مالكًا يلحق أهل ذي طوى بأهل مكة.\n(١٣) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الطحاوي الأزدي الحنفي إمام حافظ، فقيه محدث، توفي عام: ٣٢١ هـ، له تصانيف عظيمة منها: شرح معاني الآثار، شرح مشكل الآثار، اختلاف العلماء. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/ ٢٧، الوافي بالوفيات للصفدي: ٨/ ٩، طبقات الفقهاء للشيرازي: ١٤٢، حسن المحاضرة للسيوطي: ١٩٨.\n(١٤) الذي في مختصر اختلاف العلماء للطحاوي-اختصار الجصاص-: ٢/ ١٠٢ - ١٠٣ أنهم أهل الحرم، وكتاب الطحاوي كتاب كبير لم يتمه فيما ذكر ابن النديم في الفهرست: ٢٩٢ وقال:: والذي خرج منه نحو ثمانين كتابًا على ترتيب كتب الاختلاف\"، وقال حاجي خليفة في كشف الظنون: ١/ ٣٢ عنه \"وهو في مائة ونيف وثلاثين جزءًا\"، ولم يظفر به إلى الآن والكتاب المطبوع باسم (اختلاف الفقهاء) -تحقيق: محمد صغير المعصومي-هو جزء من مختصر الجصاص لا من كتاب الطحاوي، انظر: مقدمة الكتاب د. عبد الله نذير أحمد: ١/ ٨٤ - ٨٨. واختار هذا القول أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٨١، وحكى الإجماع عليه ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١١٩، وصحح الإجماع الخضيري في كتابه: الإجماع في التفسير: ٢٣٢ - ٢٣٤، ويبدو أن مرادهم بمكة البيوتات التي كانت حول الكعبة لا مكة اليوم والتي تجاوزت حدود الحرم-وسيأتي مزيد إيضاح بعد-.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٥٠٩)، و(٣٥١٠: ص ٤/ ١١١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٥١١): ص ٤/ ١١١.\n(١٨) أي: في العراق، انظر: عمدة القاري للعيني: ٩/ ٢٠٥.","vol":"4","page":255},{"text":"والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه، كأهل عرفة، والرجيع، وهو قول الزهري (١)، وعطاء (٢)، وابن زيد (٣).\nوالرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (٤)، ووافقه أحمد (٥).\nوالظاهر، هو القول الأول، أي: أنهم أهل الحرم دون غيرهم (٦)، لأن الله﷿قال: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمسجد الحرام هنا: الحرم؛ إذ يبعد أن يكون مرادًا به الكعبة أو المسجد إذ لا سكنى لأهل أحد فيه، وإلحاق غيره في حكمه بعيد، وقصره على بعضه أبعد. والله أعلم.\nواختلف في تفسير الإشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على قولين:\nأحدهما:\nأحدهما: أن (ذَلِك) في الآية إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه-: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾، وبالتالي فلا متعة ولا قران على حاضري المسجد الحرام (٧).\nوالثاني: أن (ذَلِكَ) في الآية إشارة إلى لزوم الهدي أو بدله على المتمتع واللذان يجبان على غير حاضري المسجد الحرام، وهو قول مالك والشافعي والجمهور، ويدل له عود الإشارة على أقرب مذكور في الآية (الهدي أو بدله) واللام في (لِمَنْ) على هذا القول بمعنى على (٨).\nوفي (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان:\nأحدهما: أن معناها: (على). قاله الفراء (٩).\nأي: \"ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله - ﷺ -: \"اشترطي لهم الولاء\" (١٠). أي: عليهم\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٤): ص ٤/ ١١٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٢)، و(٣٥١٣)، و(٣٥١٦): ص ٤/ ١١٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٧): ص ٤/ ١١٢.\n(٤) الحاوي الكبير للماوردي: ٤/ ٥٠ - ٥١، روضة الطالبين للنووي: ٣/ ٤٦، المهذب للشيرازي: ١/ ٢٠١، نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ٣٢٦.\n(٥) الفروع لابن مفلح: ٣/ ٣١٢، الإنصاف للمرداوي: ٣/ ٤٤٠، المغني لابن قدامة: ٥/ ٣٥٦، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: ١/ ٢٧٩.\n(٦) انظر: كلام ابن حزم المتين في ذلك في المحلى: ٥/ ١٤٧ - ١٤٩، على أن الطبري في جامع البيان: ٤/ ١١٠ قد حكى الإجماع على دخول أهل الحرم في المراد بحاضري المسجد الحرام، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٩٢، وقد تعقب حكاية الطبري لذلك الإجماع ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١١٩ قال: (وليس كما قال)، وذكر التعقب القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٠٤، وتعقب ابن عطية صحيح فقد وقع في دخول بعض أجزاء الحرم غير المتصلة بمكة (القرية) في ذلك الزمن خلاف قال ابن القاسم في المدونة: ١/ ٤٠٦ عن مالك: (... وإنما الذين لا يكون عليهم هدي إن قرنوا أو تمتعوا أهل مكة نفسها وأهل ذي طوى قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة، وإنما أهل مكة الذين لا متعة عليهم ولا دم قران إن قرنوا أهل مكة القرية نفسها وأهل ذي طوى، قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة)، ومنى من الحرم كما لا يخفى، وانظر في حكاية ذلك عن مالك: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٧١ - ١٧٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٨١.\n(٧) وهو قول أبي حنيفة، واختاره من المفسرين الطبري في جامع البيان: ٤/ ١٠٩ - ١١٠ ونسبه للربيع والسدي، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٨٠ - ٨١، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٠٧، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٨٤ ويدل له أنه أتى باللام في قوله (لِمَن) دون على.\n(٨) واختار هذا القول من المفسرين الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٧١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٢٤، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٨، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠. ولكلا القولين حظ من النظر، وانظر أيضًا: الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٤٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١١٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٩٣، فتح البيان لصديق خان: ١/ ٤٠٠.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ٤/ ٢٦.\n(١٠) أخرجه البخاري (٢١٦٨) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (١٥٠٤) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.\n(١١) التفسير البسيط: ٤/ ٢٦.","vol":"4","page":256},{"text":"والثاني: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي: الزموا تقوى الله ﷿، وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٣).\nقال السعدي: أي: \" في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية\" (٤).\nقال الطبري: \" بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بين لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرم فيها عليكم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \" واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره\" (٦).\nقال الطبري: \"أي تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد المؤاخذة، والعقوبة، لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" وسميت المؤاخذة عقابًا؛ لأنها تأتي عقب الذنب\" (٨).\nقال السعدي: \" من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب إتمام الحج، والعمرة؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين الواجب منهما، وغير الواجب؛ ووجه هذا الظاهر: العموم في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾؛ فيكون شاملًا للفريضة، والنافلة؛ ويؤيده أن هذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ السنة التي يسميها العلماء سنة الوفود.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن العمرة، والحج سواء في وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿الحج والعمرة﴾.\n٣ - ومنها: أنه لا تجوز الاستنابة في شيء من أفعال الحج، والعمرة؛ فلو أن أحدًا استناب شخصًا في أن يطوف عنه، أو أن يسعى عنه، أو أن يقف عنه بعرفة، أو أن يقف عنه بمزدلفة، أو أن يرمي عنه الجمار، أو أن يبيت عنه في منى فإنه حرام؛ لأن الأمر بالإتمام للوجوب؛ فيكون في ذلك رد لقول من قال من أهل العلم: إنه تجوز الاستنابة في نفل الحج، وفي بعضه: أما الاستنابة في نفل الحج - كل النسك - فهذا له موضع آخر؛ وأما في بعضه فالآية تدل على أنها لا تصح.\n_________\n(١) انظر: الدر المصون\" ٢/ ٣٢١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٥.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٩٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ١١٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ١١٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٩٥.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ٩٠.","vol":"4","page":257},{"text":"٤ - ومن فوائد الآية: الحذر مما يفعله بعض الناس الآن من التساهل في رمي الجمرات، حيث إنهم يوكلون من يرمي عنهم بدون عذر مخالفة لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؛ وعليه فلا يصح رمي الوكيل حينئذ؛ لقوله (ﷺ): «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي مردود عليه؛ أما إذا كان لعذر كالمريض، والخائف على نفسه من شدة الزحام إذا لم يكن وقت آخر للرمي يخف فيه الزحام فلا بأس أن يستنيب من يرمي عنه؛ ولولا ورود ذلك عن الصحابة لقلنا: إن العاجز عن الرمي بنفسه يسقط عنه الرمي كسائر الواجبات، حيث تسقط بالعجز؛ ويدل لعدم التهاون بالتوكيل في الرمي أن النبي ﷺ لم يأذن لسودة بنت زمعة أن توكل؛ بل أمرها أن تخرج من مزدلفة، وترمي قبل حطمة الناس (٢)؛ ولو كان التوكيل جائزًا لمشقة الزحام لكان الرسول ﷺ يبقيها معه حتى تدرك بقية ليلة المزدلفة، وتدرك صلاة الفجر فيها، وتدرك القيام للدعاء بعد الصلاة؛ ولا تُحْرَم من هذه الأفعال؛ فلما أذن لها في أن تدفع بليل عُلم بأن الاستنابة في الرمي في هذا الأمر لا يجوز؛ وكذلك لو كان جائزًا لأذن للرعاة أن يوكلوا، ولم يأذن لهم بأن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا.\n٥ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ يعني أتموها لله لا لغيره؛ لا تراعوا في ذلك جاهًا، ولا رتبة، ولا ثناءً من الناس.\n٦ - ومنها: أن الحج، والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا﴾؛ والأمر للوجوب؛ ويدل على أنه للوجوب قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، حيث أوجب الهدي عند الإحصار؛ أما غيرهما من العبادات فإن النفل لا يجب إتمامه؛ لأن النبي ﷺ دخل على أهله ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، حيس؛ قال: أرينيه؛ فلقد أصبحت صائمًا؛ فأكل» (٣)؛ لكن يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح - كحاجة إلى قطعه، أو انتقال لما هو أفضل منه -.\n٧ - ومن فوائد الآية: أنه إذا أحصر الإنسان عن إتمام الحج والعمرة فله أن يتحلل؛ ولكن عليه الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾.\n٨ - ومنها: أن الله تعالى أطلق الإحصار، ولم يقيده؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لأن الفعل لو بُني للفاعل، وذُكر الفاعل اختص الحكم به؛ فإذا قلت مثلًا: «أقام زيد عمرًا» صار المقيم زيدًا؛ وإذا قلت: «أقيم عمرٌو» صار عامًا؛ فظاهر الآية شمول الإحصار لكل مانع من إتمام النسك؛ فكل ما يمنع من إتمام النسك فإنه يجوز التحلل به، وعليه الهدي؛ أما الإحصار بالعدو فأظنه محل إجماع فيتحلل بالنص، والإجماع؛ النص: تحلل الرسول ﷺ في الحديبية (٤)؛ والإجماع: لا نعلم في هذا مخالفًا؛ وأما الحصر بغير عدو، كمرض، أو كسر، أو ضياع نفقة، أو ما أشبه ذلك مما لا يستطيع معه إتمام الحج، والعمرة؛ فإن العلماء\n_________\n(١) هذا لفظ الامام البخاري (٢٦٩٧)، وفي رواية الإمام مسلم (١٧١٨): \" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد \". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. يزيد: هو ابن هارون، وإبراهيم أبن سعد: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه الطيالسي (١٤٢٢)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨)، وابوداود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، وأبو يعلى (٤٥٩٤)، وأبو عوانة ٤/ ١٧ - ١٨ و١٨، وابن حبان (٢٦) و(٢٧)، وابن عدي في \"الكامل\" ١/ ٢٤٧، والدارقطني في \"السنن\" ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥، واللالكائي - في \"الاعتقاد\" (١٩٠) و(١٩١)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٣٥٩) و(٣٦٠) و(٣٦١)، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١١٩، وفى \"معرفة السنن والآثار\" ١٤/ ٢٣٤، والبغوي في\" شرح السنة\" (١٠٣) من طرق عن إبراهيم بن سعد، بهذا الإسناد. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه من أوجه عن إبراهيم ابن سعد. وأخرجه الدارقطني ٤/ ٢٢٥ من طريق سهل بن صقير، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من صنع في ماله ما ليس في كتاب الله، فهو مردود\".\nقال الدارقطني: قوله: عن الزهري، خطأ قبيح.\n(٢) راجع صحيح البخاري ص ١٣٢، كتاب الحج، باب ٩٨: من قدم ضعفة أهل بليل ...، حديث رقم ١٦٨١، وصحيح مسلم ص ٨٩٢، كتاب الحج، باب ٤٩: استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهن، حديث رقم ٣١١٨ [٢٩٣] ١٢٩٠.\n(٣) أخرجه مسلم ص ٨٦٢، كتاب الصيام، باب ٣٢ جواز صوم النافلة ...، حديث رقم ٢٧١٥ [١٧٠] ١١٥٤.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٢١٧ – ٢١٩، كتاب الشروط، باب ١٥: الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢.","vol":"4","page":258},{"text":"اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه لا يتحلل، ويبقى محرمًا حتى يزول المانع؛ ومنهم من قال: إنه يتحلل، كالحصر بالعدو؛ حجة الأولين: أن الله تعالى قال: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ والآية نزلت في شأن قضية الحديبية؛ وهم قد أحصروا بعدو؛ فيكون الحصر هنا خاصًا بالعدو؛ ودليل آخر: يقولون: ضباعة بنت الزبير لما جاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ أنها مريضة، وأنها تريد الحج قال لها: «حجي واشترطي» (١)؛ فلو كان الإحصار بالمرض مبيحًا للتحلل ما احتيج إلى اشتراط؛ فكانت تدخل في النسك، وإذا عجزت تحللت؛ وأجاب القائلون بأن الحصر عام بحصر العدو وغيره بأن الآية مطلقة: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لم تقيد بحصر العدو؛ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن العلة في جواز التحلل بحصر العدو عدم القدرة على إتمام النسك؛ وهذا حاصل بالحصر بغير العدو؛ والشرع لا يفرق بين متماثلين؛ وأجابوا عن حديث ضباعة بأن يقال: إن الفائدة من حديث ضباعة أنه إذا حصل مرض يمنع من إتمام النسك فإنها تتحلل بلا شيء؛ وأما إذا لم تشترط فإنها لا تتحلل إلا بدم؛ وحينئذ تظهر فائدة اشتراط من خاف أن يعوقه مرض، أو نحوه عن إتمام النسك؛ والفائدة هي أنه لا يجب عليه الهدي لو تحلل بهذا الحصر؛ والصواب القول الثاني: أن الإحصار يكون بالعدو، وبغيره.\nفإن قال قائل: إن قوله تعالى في سياق الآية: ﴿فإذا أمنتم﴾ يشير إلى أن الإحصار المذكور بعدو؟\nفالجواب: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، كما هو قول المحققين من أهل أصول الفقه، وغيرهم؛ ونظير ذلك حديث جابر ﵁: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (٢)؛ فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود ...» الخ لا يستلزم اختصاص الشفعة بما له حدود، وطرق؛ بل الشفعة ثابتة في كل مشترك على القول الراجح.\n٩ - ومن فوائد الآية: وجوب الهدي على من أحصر؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.\n١٠ - ومنها: أن من تعذر، أو تعسر عليه الهدي فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ ولم يذكر الله بديلًا عند العجز؛ وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يجد هديًا صام عشرة أيام، ثم حلّ - قياسًا على هدي التمتع -؛ ولكن هذا القياس ليس بصحيح من وجهين:\nالوجه الأول: أنه مخالف لظاهر الآية؛ لأن الله لم يذكر بديلًا للهدي.\nالوجه الثاني: أن تحلل المتمتع تحلل اختياري؛ وأما المحصر فتحلله اضطراري.\n١١ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على المحصر الحلق عند التحلل؛ لأن الله ﷾ لم يذكره؛ وهو أحد القولين في المسألة؛ والقول الثاني: وجوب الحلق؛ لثبوته بالسنة؛ لأن النبي ﷺ أمر به، وغضب على الصحابة حين تأخروا في تنفيذه؛ ولا يغضب النبي ﷺ لترك مستحب؛ لا يغضب إلا لترك واجب.\n١٢ - ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأن الله ﷾ لم يذكره؛ ولو كان القضاء واجبًا لذكره الله ﷿؛ وهذا يشمل من حصر في فريضة؛ ومن حصر في نافلة؛ لكن الفريضة إذا حصر عن إتمامها يلزمه فعلها بالخطاب الأول؛ لا على أنه بدل عن هذه التي أحصر عنها؛ فمثلًا رجلًا شرع في حج الفريضة، ثم أحصر عن إتمامها، فذبح الهدي، وتحلل؛ فيجب الحج عليه بعد ذلك؛ لكن ليس على أنه قضاء؛ لكن على أنه مخاطب به في الأصل؛ وتسمية العمرة التي وقعت بعد صلح الحديبية عمرة القضاء ليست لأنها\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٤٤٠، كتاب النكاح، باب ١٦: الأكفاء في الدين وقله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشر فجعله نسبًا وصهرًا)، حديث رقم ٥٠٨٩، وأخرجه مسلم ص ٨٧٦، كتاب الحج، باب ١٥: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، حديث رقم ٢٩٠٢ [١٠٤ ١٢٠٧.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٧١، كتاب البيوع، باب ٩٦: بيع الشريك من شريكه، حديث رقم ٢٢١٣، وأخرجه مسلم ص ٩٥٧، كتاب المساقاة، باب ٢٨ الشفعة، حديث رقم ٤١٢٨ [١٣٤ واللفظ للبخاري.","vol":"4","page":259},{"text":"قضاء عما فات؛ ولكنها من «المقاضاة» - وهي المصالحة -؛ ولذلك لم يأت بها كل من تحلل من عمرة الحديبية.\n١٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون هذا الهدي مما يصح أن يهدَى: بأن يكون بالغًا للسن المعتبر سالمًا من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿من الهدي﴾؛ و«أل» هنا للعهد الذهني المعلوم للمخاطب؛ وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ: «لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (١).\nفإن قال قائل: هل يؤكل من هذا الهدي أم لا؟\nفالجواب: يؤكل؛ كل شيء فيه: ﴿فما استيسر﴾ فهو يؤكل؛ وأما ما فيه: «فعليه» فإنه لا يؤكل؛ فجزاء الصيد لا يؤكل منه؛ وفدية الأذى لا يؤكل منها؛ لأن الله جعلها كفارة؛ أما ما استيسر من الهدي هنا، وفي التمتع فإنه يؤكل منه.\n١٤ - ومن فوائد الآية: تحريم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾؛ والنهي عام لكل الرأس، ولبعضه؛ إذًا لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأن النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قلت لك: «لا تأكل هذه الخبزة» وأكلت منها فإنك لم تمتثل.\n١٥ - ومنها: أنه لا يحرم حلق شعر غير الرأس؛ لأن الله خص النهي بحلق الرأس فقط؛ وأما الشارب، والإبط، والعانة، والساق، والذراع، فلا يدخل في الآية الكريمة؛ لأنه ليس من الرأس؛ والأصل الحل؛ وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر؛ قالوا: لا يحرم على المحرم حلق شيء من الشعر المباح حلقه سوى الرأس؛ لأن الله ﷾ خصه فقال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾؛ ولأن حلقه يفوت به نسك بخلاف غيره من الشعور؛ ولكن أكثر أهل العلم ألحقوا به شعر بقية البدن؛ وقالوا: إنه يحرم على المحرم أن يحلق أيّ شعر من بدنه حتى العانة -قياسًا على شعر الرأس؛ لأن العلة في تحريم حلق شعر الرأس الترفه، وإزالة الأذى؛ وهذا حاصل في حلق غيره من الشعور؛ وهذا القياس غير صحيح لوجهين:\nالوجه الأول: أنه مخالف لظاهر النص، أو صريحه.\nالوجه الثاني: أن بين شعر الرأس وغيره فرقًا كثيرًا: فإن حلق شعر الرأس يتعلق به التحلل من النسك؛ فهو عنوان التحلل؛ بخلاف غيره من الشعور.\nوأما التعليل بأنه للترفه، ودفع الأذى ففيه نظر؛ ثم لو سلمنا ذلك فأين دفع الأذى في حلق شعر العانة، وشعر الساق، ونحو ذلك؟ ! وأين الدليل على منع المحرم من الترفه مع أنه يجوز له التنظف، والاغتسال، والتظلل من الشمس، واستعمال المكيفات؟ !\nوهل تلحق الأظافر بشعر الرأس؟\nالجواب: لا تلحق؛ فالأظافر ليست شعرًا؛ وليست في الرأس أيضًا؛ فهي أبعد من إلحاق شعر بقية البدن بشعر الرأس؛ ووجه البعد أنها ليست من نوع الشعر؛ صحيح أنها تشبه الشعر من حيث إنها جزء منفصل؛ لكنها ليست من نوع الشعر؛ ولذلك من لم ير تحريم حلق شعر بقية البدن فإنه لا يرى تحريم قص الأظافر من باب أولى؛ ولكن جمهور أهل العلم على أن تقليم الأظافر محرم على المحرِم قياسًا على تحريم حلق شعر الرأس؛ والعلة: ما في ذلك من الترفه، والتنعم؛ ولكن هذه العلة غير مسلمة:\nأولًا: لأن العرب في زمنهم لا يترفهون بحلق الرأس؛ بل الرفاهية عندهم إنما هي في إبقاء الرأس، وترجيله، وتسريحه، ودهنه، والعناية به؛ فليست العلة إذًا في حلق شعر الرأس: الترفه.\nثانيًا: أن العلة لا بد أن تطَّرد في جميع معلولاتها؛ وإلا كانت باطلة؛ وهذه العلة لا تطرد بدليل أن المحرم لو ترفه، فتنظف، وتغسل، وأزال الوسخ عنه، ولبس إحرامًا جديدًا غير الذي أحرم به لم يحرم عليه ذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١٠٢٨، كتاب الأضاحي، باب ٢: سن الأضحية، حديث رقم ٥٠٨٢ [١٣] ١٩٦٣.","vol":"4","page":260},{"text":"وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطًا للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظرًا لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنب ذلك مراعاة لقول الجمهور.\n١٦ - ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقًا؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحًا؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففدية ...﴾؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقًا؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى.\nفإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟\nفالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي ﷺ؛ فقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقًا فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففدية﴾؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقًا يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: ﴿أو به أذًى﴾؛ فلو قدرنا محرِمًا رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئًا يسيرًا لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول ﷺ: فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه (١)؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول ﷺ افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير.\n١٧ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلق إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم مستدلين بقوله (ص): «إني لبدت رأسي وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر» (٢)؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول ﷺ حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر»؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيرًا على الأمة؛ فإن النبي ﷺ سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال (ص): «افعل ولا حرج» (٣).\n١٨ - ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ...﴾ إلخ.\n١٩ - ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تفرق على الفقراء - كما بينت ذلك السنة -؛ والسنة تبين القرآن، كما\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٤٤، كتاب جزاء الصيد، باب ١١: الحجامة للمحرم، حديث رقم ١٨٣٦، وأخرجه مسلم ص ٨٧٥، كتاب الحج، باب ١١: جواز الحجامة للمحرم، حديث رقم ٢٨٨٦ [٨٨ ١٢٠٣.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٢٣ - ١٢٤، كتاب الحج، باب ٣٤: التمتع والقران، والإفراد ...، حديث رقم ١٥٦٦، وأخرجه مسلم ص ٨٨٣، كتاب الحج، باب ٢٥: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث رقم ٢٩٨٤ [١٧٦] ١٢٢٩.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٠، كتاب العلم، باب ٢٣: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها حديث رقم ٨٣، وأخرجه مسلم ص ٨٩٤، كتاب الحج، باب ٥٧: جواز تقديم الذبح على الرمي. حديث رقم ٣١٥٦ [٣٢٧ ١٣٠٦.","vol":"4","page":261},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى.\n٢٠ - ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو».\n٢١ - ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.\n٢٢ - ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء - ﵏ - من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل.\n٢٣ - ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة ...﴾.\n٢٤ - ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس - مع أنه من محظورات الإحرام - إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صيامًا؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم.\n٢٥ - ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حلًا إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون: «إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر»؛ لكن الله ﷾ يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج.\n٢٦ - ومنها: أنه إذا حل من عمرته حل الحل كله؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع﴾؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك.\n٢٧ - ومنها: أن من لم يحل من عمرته لا يسمى متمتعًا؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾؛ وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء أن القارن غير متمتع؛ لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارن يسمى متمتعًا في لسان الصحابة؛ وذلك؛ لأن بعض الصحابة عبر عن حج النبي ﷺ بالتمتع، فقالوا: تمتع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج (١)؛ ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لم يحل من إحرامه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «لا شك أن النبي ﷺ حج قارنًا؛ والمتعة أحب إليّ»؛ ولهذا كان وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع؛ ووجوب الهدي على القارن فيه خلاف؛ وجمهور أهل العلم على وجوب الهدي عليه؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في العلة: هل هي حصول النسكين في سفر واحد؛ فيكون قد ترفه بسقوط أحد السفرين؛ أو العلة التمتع بالتحلل بين العمرة، والحج؛ فمن قال بالأول أوجب الهدي على القارن؛ ومن قال بالثاني لم يوجبه؛ لأنه لم يحصل للقارن تحلل بين النسكين.\n٢٨ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على الإنسان أن يقترض للهدي إذا لم يكن معه ما يشتري به الهدي - ولو كان غنيًا - لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.\n٢٩ - ومنها: تيسير الله على العباد؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ والدين كله من أوله إلى آخره مبني على اليسر.\n٣٠ - ومنها: بلاغة القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٣٣، كتاب الحج، باب ١٠٤: من ساق البدن معه، حديث رقم ١٦٩٢؛ وأخرجه مسلم ص ٨٨٣، كتاب الحج، باب ٢٤، وجوب الدم على المتمتع ...، حديث رقم ٢٩٨٣ [١٧٥ ١٢٢٨.","vol":"4","page":262},{"text":"٣١ - ومنها: أن من لم يجد الهدي، أو ثمنه، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج: أولها من حين الإحرام بالعمرة؛ وآخرها آخر أيام التشريق؛ لكن لا يصوم يوم العيد؛ لتحريم صومه؛ ولا ينبغي أن يصوم يوم عرفة؛ ليتفرغ للدعاء والذكر وهو نشيط؛ وعلى هذا فيجوز لمن كان عادمًا للهدي من متمتع أو قارن أن يصوم من حين إحرامه بالعمرة.\nفإن قال قائل: هذا ظاهر في القارن؛ لأنه إذا صام من حين إحرامه فقد صام في الحج؛ لكنه في المتمتع فيه إشكال؛ لأن المتمتع يحل بين العمرة والحج؟\nوالجواب: عن هذا الإشكال أن نقول: إن النبي ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج» (١)؛ ولأن المتمتع من حين إحرامه بالعمرة فقد نوى أن يحج.\n٣٢ - ومن فوائد الآية: أن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾.\n٣٣ - ومنها: أنه يجوز التتابع، والتفريق بين الأيام الثلاثة، والأيام السبعة؛ لأن الله ﷾ أطلق، ولم يشترط التتابع؛ ولو كان التتابع واجبًا لذكره الله، كما ذكر وجوب التتابع في صيام كفارة القتل، وصيام كفارة الظهار.\n٣٤ - ومنها: تيسير الله - ﵎ - على عباده، حيث جعل الأكثر من الصيام بعد رجوعه؛ لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾.\n٣٥ - ومنها: أن الهدي، أو بدله من الصيام لا يجب على من كان حاضر المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾؛ وقد سبق أن الصحيح أنهم من كانوا داخل حدود الحرم؛ وعلى هذا إذا تمتع أهل جدة، أو الطائف، أو أهل الشرائع فعليهم الهدي؛ ولكن هل لحاضر المسجد الحرام التمتع؟\nالجواب: نعم؛ لأن حاضر المسجد الحرام قد تدخل عليه أشهر الحج وهو خارج مكة، ثم يرجع إلى أهله في مكة في أشهر الحج، فيحرم بعمرة يتمتع بها إلى الحج.\nفإن كان شخص في مكة للدراسة، لكن وطنه الرياض، أو المدينة، وتمتع فعليه الهدي؛ لأن أهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإقامته في مكة ليست إقامة استيطان؛ والمراد أن يكون مستوطنًا في مكة.\nوإذا كان له مَقَرَّان - في الطائف، وفي مكة -؛ يعني من أهل مكة والطائف، فهنا نقول: إن نظرنا إلى مقره في الطائف قلنا: ليس من حاضري المسجد الحرام؛ وإن نظرنا إلى مقره في مكة قلنا: هو من حاضري المسجد الحرام؛ فنعتبر الأكثر: إذا كان أكثر إقامته في الطائف فليس من أهل المسجد الحرام؛ وإذا كان أكثر إقامته في مكة فهو من حاضري المسجد الحرام.\n٣٦ - ومن فوائد الآية: فضيلة المسجد الحرام؛ لوصف الله ﷾ له بأنه حرام - أي ذو حرمة -؛ ومن حرمته تحريم القتال فيه، وتحريم صيده، وشجره، وحشيشه، وأن من أراد الإلحاد فيه بظلم أذاقه الله من عذاب أليم؛ وبسط ذلك في المطولات.\n٣٧ - ومنها: وجوب تقوى الله ﷿، وتهديد من خالف ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾.\n٣٨ - ومنها: أن العلم بشدة عقوبة الله من أهم العلوم؛ ولهذا أمر الله ﷾ به بخصوصه؛ لأنه يورث الخوف من الله، والهرب من معصيته.\n٣٩ - ومنها: أن العقوبة على الذنب لا تنافي الرحمة؛ إذ من المعلوم أن رحمة الله سبقت غضبه؛ لكن إذا عاقب من يستحق العقاب فإن ذلك من رحمة المعاقب؛ لأن هذه العقوبة إن كانت في الدنيا فهي كفارة له؛ وإن كانت في الآخرة فما دون الشرك أمره إلى الله: إن شاء عذب؛ وإن شاء غفر.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٨٠ – ٨٨١، كتاب الحج، باب ١٩: حجة النبي ﷺ، حديث رقم ٢٩٥٠ [١٤٧ ١٢١٨.","vol":"4","page":263},{"text":"٤٠ - ومنها: أن شدة العقاب من كمال المعاقِب، وبسط قوته، وسلطانه؛ ولا يوصف الله ﷾ إلا بالكمال؛ بل أمَرَنا أن نعلم ذلك في قوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٩٨]؛ إذًا فإذا عاقبت ولدك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة، فأكبرت العقوبة فإنك تُحمَد، ولا تذم؛ ولهذا قال (ص): «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» (١)؛ لأنه إذا بلغ عشرًا صار تركه إياها، والإخلال بها أعظم.\nتنبيه:\nكثير من الناس كلما رأوا مخالفة من شخص في الإحرام قالوا: «عليك دم»؛ لو قال: حككت رأسي فسقطت منه شعرة بدون اختيار ولا قصد قالوا: «عليك دم»؛ وهذا غلط:\nأولًا: لأنه خلاف ما أمر الله به؛ والله أوجب واحدة من ثلاث: صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك؛ فإلزامهم بواحدة معينة فيها تضييق عليهم، وإلزام لهم بما لا يلزمهم.\nثانيًا: أن الدم في أوقات النحر في أيام منى غالبه يضيع هدرًا؛ لا ينتفع به.\nثالثًا: أن فيه إخفاءً لحكم الله ﷿؛ لأن الناس إذا كانوا لا يفدون إلا بالدم، كأنه ليس فيه فدية إلا هذا؛ وليس فيه إطعام، أو صيام! فالواجب على طالب العلم أن يختار واحدًا من أمرين:\n* إما أن يرى الأسهل، ويفتي بالأسهل.\n* وإما أن يقول: عليك هذا، أو هذا، أو هذا؛ واختر لنفسك.\nأما أن يذكر الأشد فقط، ويسكت فهذا خلاف ما ينبغي للمفتين.\nالقرآن\n﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]\nالتفسير:\nوقت الحج أشهر معلومات، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. فمن أوجب الحج على نفسه فيهن بالإحرام، فيحرم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية، ويحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي، والجدال في الحج الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، فيجازي كلا على عمله. وخذوا لأنفسكم زادًا من الطعام والشراب لسفر الحج، وزادًا من صالح الأعمال للدار الآخرة، فإن خير الزاد تقوى الله، وخافوني يا أصحاب العقول السليمة.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال ابن عباس قال: \"كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله - ﷿ - ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ \" (٢).\nالثاني: قال الواحدي: \" قال عطاء بن أبي رباح: كان الرجل يخرج فيحمل كله على غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ج ٢/ ١٨٧، حديث رقم ٦٧٥٦، وأخرجه أبو داود ص ١٢٥٩، كتاب الصلاة، باب ٢٦: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم ٤٩٥، وفيه سوار بن أبي حازم قال الحافظ في التغريب: صدوق له أوهام؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ١/ ١٤٥، وله شاهد من حديث سبرة بن معبد (الإرواء ١/ ٢٦٦).\n(٢) أسباب النزول: ٦٢، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٣٨٤ - ح: ١٥٢٣) وأبو داود (٢/ ٣٤٩ - ح: ١٧٣٠) والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم في تاريخه (فتح الباري: ٣/ ٣٨٤) وعبد بن حميد وابن حبان (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٩) وابن جرير (٢/ ١٦٢) كلهم عن عكرمة به ويشهد له: ما أخرجه الطبري (٣٧٣٠): ٤/ ١٥٦، وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم (فتح الباري: ٣/ ٣٨٤) عن عكرمة مرسلا نحوه. وسنده صحيح.\n(٣) أسباب النزول: ٦٢.","vol":"4","page":264},{"text":"قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي\" وقت الحج أشهر معلومات\" (١).\nقال الصابوني: \" أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي: شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة\" (٢).\nويحتمل التقدير في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن التقدير: الحج حج أشهر معلومات، أو أشهر الحج أو وقت الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.\nوالثاني: ويمكن حمله على غير إضمار، وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج اتساعًا بكون الحج يقع فيها كقولهم: ليل نائم (٣). قاله الواحدي (٤).\nومنه قول الخنساء (٥):\nتَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدْبَارُ\nإذ جعلت الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما.\nوكما قال مُتَمِّم (٦) (٧):\nلَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ... ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا\nفجعل دَهره الجزع في قوله: (ولا جزعٍ)، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (٨).\nوالثالث: أن المراد: وقت إحرام الحج؛ لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أن المراد وقت الإِحرام به. قاله أبو إسحاق (٩).\nوالتقدير الأول أقرب، وهو قول الأكثرين (١٠). والله أعلم.\nوقد اختلف أهل العلم في أشهر الحج على ثلاثة أقوال (١١):\nأحدها:: هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وهو قول ابن عباس (١٢)، وابن عمر (١٣)، وعطاء (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وعامر (١٦)، والسدي (١٧)، ومجاهد (١٨)، والشعبي (١٩)، والحسن (٢٠)، والضحاك (٢١)، والشافعي (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١١٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٣) لما كان النوم فيه جعل نائمًا، كذلك ها هنا، اتسع في الأشهر وأخرجت عن الظرف، وكقوله تعالى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]. [التفسير البسيط: ٤/ ٢٨].\n(٤) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٢٨، والبسيط للواحدي-مخطوط-: ١/ ١٢١ ب بتصرف. وانظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٣١٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٨٩، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٨٦.\n(٥) ديوان الخنساء: ٣٨٣، والشعر والشعراء: ٢١٥.\n(٦) هو: متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع، أبو نهشل، صحابي شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاء أخيه مالك، توفي سنة ٣٥ هـ انظر: \"أسد الغابة\" ٥/ ٥٢، ٥٨، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٠٩.\n(٧) \"ديوانه\" ص ١٠٦، \"لسان العرب\" ١/ ١٣ (أبن)، ٣/ ١٤٤٠ (دهر).\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٢٩.\n(٩) المهذب: ١/ ٢٠٠.\n(١٠) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١٩، جامع البيان للطبري: ٤/ ١١٤، بحر العلوم للسمرقندي: ١/ ١٩٢، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٢٠، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٨٦، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٤٦، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٢٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٤٠٥، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٣٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٩٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٨٤، مفاتيح الغيب للرازي: ١/ ١٧٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٩٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٨٩، فتح البيان لصديق خان: ١/ ٤٠١، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٢٣١، روح المعاني للألوسي: ٢/ ٨٤، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ١٥٢، والفتح: ٣/ ٤٩١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١١٤ وما بعدها.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٩)، و(٣٥٢٠)، و(٣٥٢١)، و(٣٥٢٣)، و(٣٥٢٤): ص ٤/ ١١٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣٢)، و(٣٥٣٣): ص ٤/ ١١٦ - ١١٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣١): ص ٤/ ١١٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٥٢٥)، و(٣٥٢٦)، و(٣٥٢٧): ص ٤/ ١١٥ - ١١٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٥٢٨): ص ٤/ ١١٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٥٢٩): ص ٤/ ١١٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣٠)، و(٣٥٣١): ص ٤/ ١١٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣١): ص ٤/ ١١٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣١): ص ٤/ ١١٦.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣١): ص ٤/ ١١٦، و(٣٥٣٤)، و(٣٥٣٥): ص ٤/ ١١٧.\n(٢٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٩.","vol":"4","page":265},{"text":"وقالوا أن \"قصد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ إلى تعريف خلقه ميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة. قالوا: فأما العمرة، فإن السنة كلها وقت لها، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه اعتمر في بعض شهور الحج، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة، علم أن معنى قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ إنما هو ميقات الحج، شهران وبعض الثالث\" (١).\nثم اختلف هؤلاء على أربعة أوجه:\nالأول: قال ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وابن الزبير (٤) وآخرون (٥): عشر ليال من ذي الحجة.\nوالثاني: قال أبو حنيفة (٦) وأحمد (٧): يدخل يوم النحر.\nوالثالث: وقال الشافعي (٨) في المشهور المصحح عنه: لا يدخل يوم النحر.\nوالرابع: وقال بعض أتباع الشافعي (٩): تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته.\nقال ابن حجر: \" هو شاذ\" (١٠).\nالثاني: أنه شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بأسرها، وهذا قول قتادة، وطاوس، ومجاهد، وابن عمر (١١)، وعطاء (١٢)، ومجاهد (١٣)، والربيع (١٤)، وقتادة (١٥)، وطاوس (١٦)، وابن شهاب (١٧)، وهو مذهب مالك (١٨)، ونقل عن الإِملاء للشافعي (١٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٢٠.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٤/ ١١٦ - ١١٧ رقم: ٣٥٣٢ - ٣٥٣٣، سنن سعيد بن منصور تحقيق الحميد-: ٣/ ٧٨٧ رقم: ٣٣١، المستدرك للحاكم: ٢/ ٢٧٦، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في التلخيص، السنن الكبرى للبيهقي: ٤/ ٣٤٢، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٣٠٢، وغيرها. وهناك قول آخر عنه أنها: شوال وذو القعدة وذو الحجة، ذكره ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ١١٧ رقم: ٣٥٣٧ - ٣٥٣٨، وسعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٧٨٤ رقم: ٣٢٩، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٣٠٣، وغيرهم.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٤/ ١١٥ رقم: ٣٥١٩ - ٣٥٢٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٩٤، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(٤) السنن الكبرى للبيهقي: ٤/ ٣٤٢، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٩٤، المغني لابن قدامة: ٥/ ١١٠، عمدة القارى للعيني: ٩/ ١٩١ وغيرها.\n(٥) كعمر وعلي وابن مسعود وعطاء وطاووس ومجاهد والنخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وابن جرير وغيرهم. انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ١١٥ - ١١٧ و: ١٢٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٩٤، المغني لابن قدامة: ٥/ ١١٠، عمدة القاري للعيني: ٩/ ١٩١ وغيرهما.\n(٦) انظر: حاشية ابن عابدين: ٣/ ٤٧٤، فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ٤٣٣، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٧٣، وغيرها.\n(٧) انظر: المغني لابن قدامة: ٥/ ١١٠ - ١١١، الإنصاف للمرداوي: ٣/ ٤٣١.\n(٨) انظر: الحاوي الكبير للماوردي: ٤/ ٢٧، المهذب للشيرازي: ١/ ٢٠٠، المجموع للنووي: ٧/ ١٣١، وروضة الطالبين له: ٣/ ٣٧، حلية العلماء للقفال: ٣/ ٢٥١، نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ٢٥٦.\n(٩) ذكره النووي في المجموع: ٧/ ١٣١ قائلًا: (وحكى الخراسانيون وجهًا ...)، وفي روضة الطالبين: ٣/ ٣٧ وقال عنه: (وهو شاذ مردود)، وذكره الرملي في نهاية المحتاج: ٣/ ٢٥٧.\n(١٠) انظر: الفتح: ٣/ ٤٩١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣٦)، و(٣٥٣٧)، و(٣٥٣٨): ص ٤/ ١١٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٥٣٩): ص ٤/ ١١٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٥٤٢): ص ٤/ ١١٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٥٤٠): ص ٤/ ١١٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٥٤١): ص ٤/ ١١٧ - ١١٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٥٤٣): ص ٤/ ١١٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٥٤٤): ص ٤/ ١١٨.\n(١٨) هذا القول نسبه لمالك جماعة من أهل العلم كابن رشد في بداية المجتهد: ١/ ٦٠٩، وابن قدامة في المغني: ٥/ ١١٠، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٠٩، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٧٣، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٩٤، والقفال في حلية العلماء: ٣/ ٢٥٢، والعيني في عمدة القاري: ٩/ ١٩١، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٨٥، وغيرهم، وانظر: الإشراف على مذاهب الخلاف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢١٩. وهناك قول آخر عنه، وهو: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ذكره جماعة من أهل العلم كابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٠٥، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٩٦، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢٣٢، والحطاب في مواهب الجليل: ٣/ ١٥.\n(١٩) نص على ذلك النووي في المجموع: ٧/ ١٣١، وفي روضة الطالبين: ٣/ ٣٧، وقال عنه: (وهذا أشذ وأبعد)، وذكر أنه قول الشافعي في القديم ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٩٤، والعيني في عمدة القاري: ٩/ ١٩١.","vol":"4","page":266},{"text":"قال الطبري: ومعنى قولهم أن \"وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهن من غير شهور العمرة، وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة، وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن\" (١).\nالثالث: هو شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، وهذا قول أبي حنيفة (٢).\nقلت: وأجمع العلماء (٣) على أن المراد بأشهر الحج: ثلاثة، أولها شوال لكن اختلفوا هل هي هي ثلاثة بكاملها أم شهران، والصواب أن \"الحج شهران وعشر من الثالث، لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج، ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لم يكن معنيا به جميعه، صح قول من قال: وعشر ذي الحجة، فإن قال قائل: فكيف قيل: \" الحج أشهر معلومات \" وهو شهران وبعض الثالث؟ قيل: إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول: \" له اليوم يومان منذ لم أره \"، وإنما تعني بذلك: يوما وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم ونصف. وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة، ثم يخرجه عاما على السنة والشهر، فيقول: زرته العام، وأتيته اليوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك، وفي ذلك الحين، فكذلك \" الحج أشهر \"، والمراد منه: الحج شهران وبعض آخر\" (٤).\nقوله تعالى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، \" أي من ألزم نفسه الحجَّ بالإحرام والتلبية\" (٥).\nقال الواحدي: \" أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية\" (٦).\nقال الراغب: أي: \" أي التزم حكمه\" (٧).\nقال القرطبي: \" أي الزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٢٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٩.\n(٣) ذكر إجماعهم: ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٣٢، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٧٣، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢٣٢، وابن رشد في بداية المجتهد: ١/ ٦٠٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.\n(٦) التفسير البسيط: ٤/ ٣٣.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٧.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٦. وذلك عند الشافعي بالنية فقط وبها يصير محرمًا عنده وعند أبي حنيفة- رحمه ألفة بالنية، ومع سوق الهدى أو التلبية. (انظر تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٧).","vol":"4","page":267},{"text":"واختلف في أصل (الفرض) في اللغة على قولين:\nأحدهما: أن الفرض في اللغة: الحز في القِدْح وفي الزند وغيره. قاله ابن الأعرابي (١).\nقال القرطبي: \" ومنه فرضة القوس والنهر والجبل. ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح\" (٢).\nوالثاني: وقيل: (فرض) أي: أبان (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]، بالتخفيف، وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].\nقال الواحدي: \" وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا\" (٤).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وفيه تأويلان (٥):\nأحدهما: أنه الإهلال بالتلبية، وهو قول ابن عمر (٦)، وعطاء (٧)، وسفيان الثوري (٨)، ومجاهد (٩)، وإبراهيم (١٠)، وطاوس (١١)، والقاسم بن محمد (١٢).\nوالثاني: أنه الإحرام، وهو قول ابن عباس (١٣)، وإبراهيم (١٤)، وعطاء (١٥)، والحسن (١٦)، وقتادة (١٧)، والضحاك (١٨)، والشافعي.\nوالصواب هو القول الثاني، لإجماع الجميع أن فرض الحج الإحرام. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، \" أي فلا يقرب النساء ولا يستمتع بهن فإنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة: ٣/ ٧٧١ (فرض).\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٦.\n(٣) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٣٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٦.\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ٣٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٢١ وما بعدها.\n(٦) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٥٤): ص ٤/ ١٢١، و(٣٥٥٨): ص ٤/ ١٢٢.\n(٧) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٥٥): ص ٤/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٨) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٥٦): ص ٤/ ١٢٢.\n(٩) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٥٧)، و(٣٥٦٠): ص ٤/ ١٢٢.\n(١٠) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٥٩): ص ٤/ ١٢٢.\n(١١) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦١): ص ٤/ ١٢٢.\n(١٢) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦٢): ص ٤/ ١٢٢.\n(١٣) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦٣): ص ٤/ ١٢٢، و(٣٥٦٨): ص ٤/ ١٢٣.\n(١٤) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦٤): ص ٤/ ١٢٣، و(٣٥٧٠): ص ٤/ ١٢٤.\n(١٥) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦٥): ص ٤/ ١٢٣.\n(١٦) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦٦): ص ٤/ ١٢٣.\n(١٧) انظر: تتفسير الطبري (٣٥٦٧): ص ٤/ ١٢٣.\n(١٨) انظر: تتفسير الطبري (٩٤): ص ٤/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.","vol":"4","page":268},{"text":"قال المراغي: \" أي لا يفعل الحاج شيئا من هذه الأفعال لأنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فينبغى أن يتجرد عن عاداته وعن التمتع بنعيم الدنيا، وينسلخ عن مفاخره ومميزاته عن غيره بحيث يتساوى الغنى والفقير والصعلوك والأمير، وفي هذا تهذيب للنفس وإشعار لها بالعبودية لله تعالى\" (١).\nوختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] في هذا الموضع، على أقوال:\nأحدها: أنه الجماع، وهو قول ابن عمر (٢)، وابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وعمرو بن دينار (٥)، وعطاء (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والسدي (١٠)، والربيع (١١)، وإبراهيم (١٢)، وعكرمة (١٣)، والضحاك (١٤)، والزهري (١٥)، وابن زيد (١٦).\nوالثاني: أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ، وهو قول الحسن البصري (١٧).\nوالثالث: أنه الإفْحَاشُ للمرأة في الكلام، وذلك بأن يقول: إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية، وهو قول ابن عباس (١٨)، وابن عمر (١٩)، وعطاء (٢٠)، وأبو العالية (٢١)، وطاوس (٢٢)، وكعب القرظي (٢٣).\nواختلف أهل التأويل في معنى (الفسوق)، التي نهى الله عنها في هذا الموضع، على أقوال (٢٤):\nأحدها: أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام، من قتل صيد، وحلق شَعْر، وتقليم ظفر، وهو قول عبد الله بن عمر (٢٥).\nوالثاني: أنه السباب، وهو قول ابن عباس (٢٦)، وابن عمر (٢٧)، والحسن (٢٨)، وعطاء (٢٩)، والسدي (٣٠)، ومجاهد (٣١)، وإبراهيم (٣٢).\n_________\n(١) تفسيرالمراغي: ٢/ ١٠٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٥٩٣): ص ٤/ ١٢٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٥٩٤)، و(٣٥٩٥)، و(٣٥٩٦)، و(٣٥٩٧)، و(٣٥٩٨)، و(٣٥٩٩)، و(٣٦٠٠): ص ٤/ ١٢٩ - ١٣٠، و(٣٦٠٩)، و(٣٦١٠): ص ٤/ ١٣١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٦٠٢): ص ٤/ ١٣١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٦٠٣)، و(٣٦٠٤): ص ٤/ ١٣١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٦٠٥): ص ٤/ ١٣١، و(٣٦١٧): ص ٤/ ١٣٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٦٠٦)، و(٣٦١١): ص ٤/ ١٣١، و(٣٦١٥): ص ٤/ ١٣٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٦٠٧)، و(٣٦٠٨): ص ٤/ ١٣١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٦١٢): ص ٤/ ١٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٦١٣): ص ٤/ ١٣٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٦١٤): ص ٤/ ١٣٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٦١٦): ص ٤/ ١٣٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٦١٩)، و(٣٦٢٠): ص ٤/ ١٣٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٦٢١): ص ٤/ ١٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٦٢٧): ص ٤/ ١٣٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٦٢٨): ص ٤/ ١٣٣.\n(١٧) ذكره الماوردي عنه، انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٩. وأخرج الطبري عن الحسن (٣٦٠٢): ص ٤/ ١٣٠: \" الرفث: غشيان النساء\".وانظر: (٢٦٢٣): ص ٤/ ١٣٣. وانظر: ابن أبي حاتم (١٨٢٤): ص ١/ ٣٤٦، وفيه أن الرفث: الجماع.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٥٧١)، و(٣٥٧٣)، و(٣٥٧٤): ص ٤/ ١٢٥ - ١٢، و(٣٥٩٠)، و(٣٥٩٢): ص ٤/ ١٢٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٥٧٥): ص ٤/ ١٢٦، و(٣٥٩١): ص ٤/ ١٢٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٥٧٧)، و(٣٥٧٨)، و(٣٥٧٩): ص ٤/ ١٢٧، و(٣٥٨٧): ص ٤/ ١٢٨.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٥٨٠)،: ص ٤/ ١٢٨، و(٣٥٨٣): ص ٤/ ١٢٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٣٥٧٢): ص ٤/ ١٢٦، و(٣٥٨٢)، و(٣٥٨٥)، و(٣٥٨٦)، و(٣٥٨٨)، و(٣٥٨٩): ص ٤/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٣٥٧٦): ص ٤/ ١٢٦.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٣٥ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٩.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٣٦٥٥)، و(٣٦٥٦): ص ٤/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٣٦٥٨): ص ٤/ ١٣٨.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٣٦٥٧)، و(٣٦٥٩): ص ٤/ ١٣٨.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٣٦٦٤): ص ٤/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٣٦٦٣): ص ٤/ ١٣٨.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٣٦٥٧): ص ٤/ ١٣٨.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٣٦٦٠): ص ٤/ ١٣٨، و(٣٦٦٦): ص ٤/ ١٣٩.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (٣٦٦٢)، و(٣٦٦٧): ص ٤/ ١٣٨.","vol":"4","page":269},{"text":"والثالث: أنه الذبح للأصنام، وهو قول عبد الرحمن بن زيد (١).\nوالرابع: أنه التنابز بالألقاب، وهو قول الضحاك (٢).\nوالخامس: أنه المعاصي كلها، وهو قول ابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وعطاء (٥)، وطاوس (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وكعب القرظي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، وإبراهيم (١١)، والزهري (١٢)، والربيع (١٣)، وعكرمة (١٤).\nوالراجح أن معنى قوله تعالى ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾، النهي عن معصية الله في إصابة الصيد، وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه (١٥) والله تعالى أعلم.\nقال الراغب: \"إن قيل: الفسوق محظور في كل حال، فكيف خص به الحج؟ قيل: الفسوق هاهنا يعني الأشياء المحظور تعاطيها في حال، [الحج] كالصيد والطيب، واللباس، وإن لم ليكون فسقًا في غير الحج؟ قيل: تخصيص الحج به تنبيه على شرفه وعظم موقعه، كقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان ظلم النفس في كل حال مكروهًا، وكما قال: \" إذا صام أحدكم فلا يجهل، فلا يرفث، فإن جهل عليه فليقلْ: إني صائم \" (١٦) \" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: \" ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين\" (١٨).\nقال الراغب: \" أي: لا يجوز المماراة، وقيل معناه: لا شك أن فرضه مقرر في ذي الحجة بخلاف ما فكله النساءة، قيل: هو حث على التحاب وقيل: \" هو حث على التحاب والنظافة وترك ما يؤدي إلى التباغض \"، وكل ذلك يصح إرادته\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٦٦٨): ص ٤/ ١٣٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٦٦٩): ص ٤/ ١٣٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٦٣١): ص ٤/ ١٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٦٣٥): ص ٤/ ١٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٦٣٢)، و(٣٦٣٣)، و(٣٦٣٤): ص ٤/ ١٣٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٦٣٦): ص ٤/ ١٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٦٣٧): ص ٤/ ١٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٦٤٠): ص ٤/ ١٣٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٦٣٩): ص ٤/ ١٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٦٤٣): ص ٤/ ١٣٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٦٤٦): ص ٤/ ١٣٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٦٤٨): ص ٤/ ١٣٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٦٥٠): ص ٤/ ١٣٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٦٥١)، و(٣٦٥٢): ص ٤/ ١٣٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٤٠.\n(١٦) رواه البخاري (١٨٩٤) ومسلم (١١٥١). \" ذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ.\n(١٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٧ - ٤١٨. ثم قال: وقيل قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ إشارة إلى أن من التزم هذا الفرض وتحراه يمنعه عن الرفث والفسوق، وكأنه نبه على علة ما أوجه لأجله الحج، فهو تهذيب اللسان عن الخنا، وإصلاح البدن [بالمنع] من تعاطي الفسق، كما جعل الصلاة علة لترك الفحشاء والمنكر، والصوم علة للتقوى في قوله: (لعلكم تتقون)، والزكاة علة لتزكية النفس في قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ نهي على ما تقدم\". (تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٨).\n(١٨) تفسير الكشاف: ٢/ ٢٤٣.\n(١٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٨.","vol":"4","page":270},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: \"يشمل الجدال فيه، وفي أحكامه، والمنازعات بين الناس في معاملاتهم؛ مثال الجدال فيه: أن يقال: «ما هو الحج؟»، فيحصل النزاع؛ أو «متى فُرض؟»، فيحصل النزاع فيه؛ ومثاله في أحكامه: النزاع في أركانه، وواجباته، ومحظوراته؛ ومثال النزاع بين الناس في معاملاتهم: أن يتنازع اثنان في العقود، فيقول أحدهما: «بعتك»، والثاني يقول: «لم تبعني»؛ أو يقول: «بعتك بكذا»، ويقول الثاني: «بل بكذا»؛ أو يتنازع اثنان عند أنابيب الماء في الشرب، أو الاستسقاء، أو عند الخباز\" (١).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، على أقوال (٢):\nأحدها: هو أن يجادل الرجل صاحبه، يعني يغضبه، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعطاء (٤)، ومجاهد (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، وعمرو بن دينار (٧)، والحسن (٨)، والضحاك (٩)، والربيع (١٠)، وإبراهيم (١١)، وعكرمة (١٢) والزهري (١٣)، وقتادة (١٤).\nالثاني: هو السباب، وهو قول ابن عمر (١٥)، وقتادة (١٦).\nوالثالث: أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجًّا، وهذا قول محمد بن كعب القرظي (١٧).\nوالرابع: أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم، وهذا قول القاسم بن محمد (١٨).\nوالخامس: أنه اختلافهم في مواقف الحج، أيهم المصيب موقف إبراهيم، وهذا قول ابن زيد (١٩).\nوالسادس: أنه خبر من الله تعالى عن استقامة وقت الحج على ميقات واحد لا يتقدمه ولا يتأخره، وبطول فعل النسيء. قاله مجاهد (٢٠)، والسدي (٢١).\nوالسابع: أن معناه ألاّ جدال في وقته لاستقراره، وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام، فربما حجوا في ذي القعدة، وربما حجوا في صفر، وهذا قول أبي جعفر الطبري (٢٢).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٤١ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧٠)، و(٣٦٧١)، و(٣٦٧٢): ص ٤/ ١٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧٣): ص ٤/ ١٤١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧٥): ص ٤/ ١٤٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧٤): ص ٤/ ١٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧٦): ص ٤/ ١٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧٧): ص ٤/ ١٤٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٦٨١): ص ٤/ ١٤٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٦٨٣): ص ٤/ ١٤٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٦٨٤): ص ٤/ ١٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٦٨٨): ص ٤/ ١٤٣ - ١٤٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٦٨٩)، و(٣٦٩٥): ص ٤/ ١٤٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٦٨٩)، و(٣٦٩٥): ص ٤/ ١٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٦٩٧)، و(٣٦٩٨)، و(٣٦٩٩): ص ٤/ ١٤٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٧٠٠): ص ٤/ ١٤٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٦٧١): ص ٤/ ١٤٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٧٠٢): ص ٤/ ١٤٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٧٠٣): ص ٤/ ١٤٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٧٠٤)، و(٣٧٠٥)، و(٣٧٠٦)، و(٣٧٠٧)، و(٣٧٠٨)، و(٣٧١٠)، و(٣٧١١)، و(٣٧١٢)، و(٣٧١٣)، و(٣٧١٥)، و(٣٧١٦): ص ٤/ ١٤٦ - ١٤٨.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٧٠٩): ص ٤/ ١٤٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٤٨ - ١٤٩.","vol":"4","page":271},{"text":"والصواب في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، أنه \"قد بطل الجدال في الحج ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فيه ولا مراء. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه\" (١).\nقال الزمخشري: \"وإنما أمر باجتناب ذلك المنفيات، وهو واجب الاجتناب في كل حال، لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد بالنفي وجوب انتفائها، وأنها حقيقة بأن لا تكون\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قراءتان (٣):\nإحداهما: ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾، بِالضَّمِّ فيهمَا والتنوين. قرا بها ابن كثير وأبو عمرو.\nقال الزمخشري: \" لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهى، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج وذلك أنّ قريشًا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج\" (٤).\nوالثانية: ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾، بالنصب بغير تنوين. وهي قراءة الباقون.\nوأما ﴿جدالَ﴾ فإنها بالبناء على الفتح على القراءتين (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، \"أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"أي يحيط به علمًا\" (٧).\nقال البغوي: أي: \" أي لا يخفى عليه فيجازيكم به\" (٨).\nقال الطبري: أي\" فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاء مرضاتي وطلب ثوابي، فأنا به عالم، ولجميعه محص، حتى أوفيكم أجره، وأجازيكم عليه، فإني لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني ما أردتم بأعمالكم، لأني مطلع على سرائركم، وعالم بضمائر نفوسكم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعْلا حَثَّهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفرَ الجزاء يوم القيامة\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري ٤/ ١٤٩.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٨٠.\n(٤) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٥) انظر: السبعة في القراءات: ١٨٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٥.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٢٢٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ١٥٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٤٧.","vol":"4","page":272},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]، \"أي: تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد\" (١).\nقال القاسمي: أي: \"وتزودوا ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم عن الناس، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم\" (٢).\nقال الزمخشري: قيل: \"كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت اللَّه أفلا يطعمنا فيكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم، ومعناه: وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى\" (٣).\nروي عن ابن عباس، قال: \" كان أهل اليمن يَحُجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ \" (٤).\nوعن ابن عمر، قال: \"كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله: \" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى \" فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق\" (٥).\nوعن سعيد بن جبير في قوله: \" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى \"، قال: الكعك والزيت (٦).\nوعن الشعبي في قوله: \" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى \" قال: التمر والسويق (٧).\nوعن حنظلة سئل سالم عن زاد الحاج، فقال الخبز والتمر\" (٨).\nوعن الضحاك قوله: \" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى \"، وخير زاد الدنيا المنفعة من اللباس والطعام والشراب\" (٩).\nوبذلك فإن معنى الآية: \"وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم، فإنه لا بر لله جل ثناؤه في ترككم التزود لأنفسكم ومسألتكم الناس ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٦٢.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٤.\n(٤) صحيح البخاري برقم (١٥٢٣) وسنن أبي داود برقم (١٧٣٠). من حديث ورقاء فأخرجه البخاري، عن يحيى بن بشر، عن شَبَابة. وأخرجه أبو داود، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المُخَرَّمي، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوروى ابن جرير وابن مَرْدُويه من حديث عَمْرو بن عبد الغفار [عن محمد بن سوقة] عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا - ومعهم أزوادهم - رموا بها، واستأنفوا زادًا آخر؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فَنُهوا عن ذلك، وأمِرُوا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق. وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. (تفسير الطبري: ٤/ ١٥٦).\n(٥) تفسير الطبري (٣٧٢٩): ص ٤/ ١٥٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ١٥٧. عن عمرو بن علي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن سوقة، عن سعيد بن جبير.\nوفي رواية أخرى: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: هو الكعك والسويق. (تفسير الطبري: ٤/ ١٥٧).\nوفي روياة أخرى: حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير: \" وتزودوا \" قال: السويق والدقيق والكعك. (تفسير الطبري: ٤/ ١٥٩).\nوفي رواية أخرى: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير: \" وتزودوا فإن خير الزاد التقوى \"، قال: الخشكانج والسويق. (تفسير الطبري: ٤/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(٧) تفسير الطبري (٣٦٣٧): ص ٤/ ١٥٧.\n(٨) تفسير الطبري (٣٦٣٦: ص ٤/ ١٥٧.\n(٩) تفسير الطبري (٣٧٥٤): ص ٤/ ١٦٠.","vol":"4","page":273},{"text":"، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم لحجكم وفعل ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا\" (١).\nوثمة وجه آخر: \"وهو أن قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أمر باتخاذ الزاد، هو طعام السفر، وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ إرشاد إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، لما ذكر اللباس الحسي منه مرشدًا إلى اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنه خير من هذا وأنفع\" (٢).\nقال صاحب الكشاف: \"أى اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإنّ خير الزاد اتقاؤها\" (٣).\nقال الراغب: \"حث على تقوى الله واقتناء الأعمال الصالحة، والإعراض عن الدنيا سوى ما يتوصل به إلي الآخرة\" (٤).\nوبذلك فإنه يحتمل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، ثلاثة تأويلات (٥):\nأحدها: تزوّدوا بالأعمال الصالحة، فإن خير الزاد التقوى.\nوالثاني: أنها نزلت في قوم من أهل اليمن، كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فنزلت فيهم ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾، يعني من الطعام.\nوالثالث: أن المعنى: اتخذوا زادًا لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم -وهذا أفضل النوعين. قاله شيخنا ابن عثيمين (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: و\"اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام\" (٨).\nقال صاحب الكشاف: أي \" وخافوا عقابي يا أُولِي الْأَلْبابِ يعنى أن قضية اللب تقوى اللَّه، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له\" (٩).\nقال الطبري: \" وخص جل ذكره بالخطاب بذلك أولي الألباب، لأنهم هم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا، إذ كانوا أشباحا كالأنعام، وصورا كالبهائم، بل هم منها أضل سبيلا\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" ثم قال ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الالْبَابِ﴾ تحريكًا لامتثال الأمر بالتقوى، لأنه لا يحذر العواقب، إلاّ مَن كان ذا لبٍّ، فهو الذي تقوم عليه حجة الله، وهو القابل للأمر والنهي، وإذا كان ذو اللب لا يتقي الله، فكأنه لا لب له .. الظاهر من اللب أنه لب مناط التكليف، فيكون عامًا، لا اللب الذي هو مكتسب بالتجارب، فيكون خاصًا، لأن المأمور باتقاء الله هم جميع المكلفين\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٦١.\n(٢) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٦٣.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٤.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٥.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٦٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ١٦١.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٩٣.","vol":"4","page":274},{"text":"قال الراغب: \" لما أمر بالتقوى، أمر أن يكون هو تعالى المقصود بها، وقيل: تقواه حفظ النفس إن نالها عقابه أو يتخطاها ثوابه، وذلك منعها متابعة الهوى، وحملها على طريق الهدى، وذلك على ثلاثة منازل:\nالأول: ترك الكفر والكبائر.\nوالثاني: ترك المحارم وأداء الفرائض اللذين يقتضيهما إلتزام الشرائع،\nوالثالث: حفظ القلوب عن التلفت إلى الذنوب، وهو المغنى، بقول من قال: \" التقوى هي التبرؤ من كل شك سوى الله تعالي، ولا يحصل الثالث إلا بحصول الثاني، ولا الثاني إلا بحصول الأول \"، وعنى هاهنا الغاية، ولهذا خص أولوا الألباب بالخطاب، فاللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتبار اللب، قيل لضعيف العقلي \" يراعة \"، \" وقصبة \"، و\" منخوب \" و\" خاوي الصدر \"، وقال﷿- ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ \" (١).\nو(الالباب): \" جمع لب؛ أي يا أصحاب العقول؛ ووجه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها\" (٢).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿واتَّقُونِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، على وجهين (٣):\nأحدهما:: ﴿واتَّقُونِي﴾، بإثبات الياء على الأصل، في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وهي قراءة أبو عمرو، ورواية ابن جماز وإسماعيل عن نافع.\nوالثاني:: ﴿واتَّقُونِ﴾، بحذف (الياء)، في الوصل والوقف، للتخفيف ودلالة الكسرة عليه، إذ قرأ بها عاصم وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، ورواية المسيبي وقالون وغيرهما عن نافع.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تعظيم شأن الحج، حيث جعل الله له أشهرًا مع أنه أيام - ستة أيام -؛ وقد جعل الله له أشهرًا ثلاثة حتى يأمن الناس، ويتأهبوا لهذا الحج؛ ولهذا ما بعد الحج أقصر مما قبله؛ الذي قبله: شهران وسبعة أيام؛ والذي بعده: سبعة عشر يومًا فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه؛ فطُلب منه العودة؛ بخلاف ما إذا كان قبله.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن أشهر الحج ثلاثة؛ لقوله تعالى: ﴿أشهر﴾؛ وهي جمع قلة؛ والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر؛ هذا المعروف في اللغة العربية؛ ولا يطلق الجمع على اثنين، أو اثنين وبعض الثالث إلا بقرينة؛ وهنا لا قرينة تدل على ذلك؛ لأنهم إن جعلوا أعمال الحج في الشهرين وعشرة الأيام يرد عليه أن الحج لا يبدأ فعلًا إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وينتهي في الثالث عشر؛ وليس العاشر؛ فلذلك كان القول الراجح أنه ثلاثة أشهر كاملة؛ وهو مذهب مالك؛ وهو الصحيح؛ لأنه موافق للجمع؛ وفائدته أنه لا يجوز تأخير أعمال الحج إلى ما بعد شهر ذي الحجة إلا لعذر؛ لو أخرت طواف الإفاضة مثلًا إلى شهر المحرم قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه ليس في أشهر الحج والله تعالى يقول: ﴿الحج أشهر﴾؛ فلا بد أن يقع في أشهر الحج؛ ولو أخرت الحلق إلى المحرم فهذا لا يجوز؛ لأنه تعدى أشهر الحج.\nوهل هذه الأشهر من الأشهر الحرم؟\n_________\n(١) تفسير الراغب: ١/ ٤١٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٥.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٩٩.","vol":"4","page":275},{"text":"الجواب: أن اثنين منها من أشهر الحرم، وهما ذو القعدة، وذو الحجة؛ وواحد ليس منها -وهو شوال كما أن «المحرم» من الأشهر الحرم، وليس من أشهر الحج؛ فرمضان شهر صيام؛ وشوال شهر حج؛ وذو القعدة شهر حج، ومن الحرم؛ وذو الحجة شهر حج، ومن الحرم؛ والمحرم من الحرم، وليس شهر حج.\n٣ - ومن فوائد الآية: الإحالة على المعلوم بشرط أن يكون معلومًا؛ لقوله تعالى: ﴿معلومات﴾؛ وهذا يستعمله الفقهاء كثيرًا يقولون: هذا معلوم بالضرورة من الدين؛ وأمر هذا معلوم؛ وما أشبه ذلك؛ فلا يقال: إنه لم يبين؛ لأنه ما دام الشيء مشهورًا بين الناس معروفًا بينهم يصح أن يعَرِّفه بأنه معلوم؛ ومن ذلك ما يفعله بعض الكتاب في الوثائق: يقول: «باع فلان على فلان كذا، وكذا» -وهو معلوم بين الطرفين -يجوز وإن لم تفصل ما دام معلومًا؛ فإضافة الشيء إلى العلم وهو معلوم يعتبر من البيان.\n٤ - ومنها: أن من تلبس بالحج، أو العمرة وجب عليه إتمامه، وصار فرضًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]؛ فسمى الله تعالى أفعال الحج نذورًا؛ ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فلم يبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار.\n٥ - ومنها: وجوب إتمام النفل في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض﴾؛ والفرض لا بد من إتمامه.\n٦ - ومنها: أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ فلم يرتب الله أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج؛ ومعلوم أنه إذا انتفت أحكام العمل فمعناه أنه لم يصح العمل، وهذا مذهب الشافعي -﵀أنه إذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج لم ينعقد إحرامه؛ ولكن هل يلغو، أو ينقلب عمرة؟ في هذا قولان عندهم؛ أما عندنا مذهب الحنابلة؛ فيقولون: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد؛ ولكنه مكروه -يكره أن يحرم بالحج قبل أشهره - ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة: أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد حجًا؛ والظاهر أيضًا أنه لا ينعقد، ولا ينقلب عمرة؛ لأن العبادة لم تنعقد؛ وهو إنما دخل على أنها حج؛ فلا ينعقد لا حجًا، ولا عمرة.\n٧ - ومن فوائد الآية: أن المحظورات تحرم بمجرد عقد الإحرام - وإن لم يخلع ثيابه من قميص، وسراويل، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ لأنه جواب الشرط؛ وجواب الشرط يكون تاليًا لفعله؛ فبمجرد أن يفرض فريضة الحج تحرم عليه المحظورات.\n٨ - ومنها: أن الإحرام ينعقد بمجرد النية - أي نية الدخول إلى النسك؛ وتثبت بها الأحكام - وإن لم يلبّ؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾.\n٩ - ومنها: تحريم الجماع، ومقدماته بعد عقد الإحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾؛ وجواب الشرط يكون عقب الشرط؛ فبمجرده يحرم الرفث.\n١٠ - ومنها: تحريم الفسوق؛ لقوله تعالى: ﴿فلا فسوق﴾.\nفإن قال قائل: الفسوق محرم في الإحرام، وغيره.\nفالجواب: أنه يتأكد في الإحرام أكثر من غيره.\n١١ - ومنها: تحريم الجدال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾؛ والجدال إن كان لإثبات الحق، أو لإبطال الباطل فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنًى من هذا العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]؛ وأما الجدال لغير هذا الغرض فإنه محرم حال الإحرام؛ فإن قلت: أليس محرمًا في هذا، وفي غيره لما يترتب عليه من العداوة، والبغضاء، وتشويش الفكر؟\nفالجواب: أنه في حال الإحرام أوكد.","vol":"4","page":276},{"text":"١٢ - ومنها: البعد حال الإحرام عن كل ما يشوش الفكر، ويشغل النفس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾؛ ومن ثم يتبين خطأ أولئك الذين يزاحمون على الحجر عند الطواف؛ لأنه يشوش الفكر، ويشغل النفس عما هو أهم من ذلك.\n١٣ - ومنها: الحث على فعل الخير؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ يدل على أنه سيجازي على ذلك، ولا يضيعه؛ قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾ [طه: ١١٢].\n١٤ - ومنها: أن الخير سواء قلّ، أو كثر، فإنه معلوم عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ وهي نكرة في سياق الشرط؛ والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.\n١٥ - ومنها: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾.\n١٦ - ومنها: الحث على التزود من الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾.\n١٧ - ومنها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسيّ من طعام، وشراب، ونفقة، لئلا يحتاج في حجه، فيتكفف الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا﴾.\n١٨ - ومنها: أن التقوى خير زاد، كما أن لباسها خير لباس؛ فهي خير لباس؛ لقوله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ وهي خير زاد؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾.\n١٩ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقون﴾.\n٢٠ - ومنها: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقون يا أولي الألباب﴾.\n٢١ - ومنها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلًا على نقص عقله - عقل الرشد؛ بخلاف قول النبي ﷺ: «ما رأيت من ناقصات عقل، ودين» (١)؛ فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك؛ فإن مناط التكليف عقل الإدراك؛ ومناط المدح عقل الرشد؛ ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون؟ نقول: هم عقلاء عقول إدراك؛ لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد؛ ولهذا دائمًا ينعى الله عليهم عدم عقلهم؛ والمراد عقل الرشد الذي به يرشدون.\nالقرآن\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]\nالتفسير:\nليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح من التجارة في أيام الحج. فإذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من \"عرفات\" -وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام -\"المزدلفة\"-، واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه، ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق.\nلما أمر الله بالتزود، وبيَّن أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى، قد يقول قائل: إذا اتجرت أثناء حجي صار عليّ في ذلك إثم؛ ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج؛ فبين الله ﷿ أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: أخرج الواحدي عن أبي أمامة التيمي قال: \"سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكرى في هذا الوجه، وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا قال: ألستم تلبون؟ ألستم تطوفون؟ ألستم تسعون بين الصفا والمروة؟ ألستم ألستم؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٦، كتاب الحيض، باب ٦: ترك الحائض الصوم، حديث رقم ٣٠٤، وأخرجه مسلم ص ٦٩٢، كتاب الإيمان، باب ٣٤: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، حديث رقم ٢٤١ [١٣٢] ٧٩.","vol":"4","page":277},{"text":"قال: قلت: بلى قال: إن رجلا سأل النبي - ﷺ - عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ فدعاه فتلا عليه حين نزلت. فقال: \"أنتم الحجاج\" (١).\nالثاني: وأخرج الواحدي عن ابن عباس قال: \"كان ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا، ذلك حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ في مواسم الحج\" (٢).\n\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، \"أي: \" ليس عليكم أيها المؤمنون حرج أن تلتمسوا فضلا من عند ربكم\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي لا حرج ولا إثم عليكم في التجارة في أثناء الحج فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية\" (٤).\nقال القرطبي: \" ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال ورخص في التجارة، وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة، قال الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] \" (٥).\nيقال منه: ابتغيت فضلا من الله - ومن فضل الله - أبتغيه ابتغاء، إذا طلبته والتمسته، وبغيته أبغيه بغيا، كما قال عبد بني الحسحاس (٦):\nبغاك، وما تبغيه حتى وجدته ... كأنك قد واعدته أمس موعدا\nيعني طلبك والتمسك (٧).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٦٣، وأخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٨٤ - ح: ١٨١) وأبو داود (٢/ ٣٥٠ - ح: ١٧٣٣) والحاكم (المستدرك: ١/ ٤٤٩) والدارقطني (٢/ ٢٩٢ - ح: ٢٥٠ ٢٥٥) وابن أبي حاتم (لباب النقول: ٣٩) وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي (فتح القدير: ١/ ٢٠٣) والطبري (٣٧٦٥): ث ٤/ ١٦٤، كلهم من طريق أبي أمامة التيمي به وهو حديث صحيح صححه الحاكم والشيخ أحمد شاكر (تفسير الطبري بتحقيقه: ٤/ ١٦٤) والشيخ أحمد البنا (الفتح الرباني: ١٨/ ٨٥) ومحقق جامع الأصول (حاشية جامع الأصول: ٢/ ٣٧).\n(٢) أسباب النزول: ٦٣، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٣٩٥ - ح: ١٧٧٠) وأبو داود (٢/ ٣٥١ - ح: ١٧٣٤) والطبراني (المعجم الكبير: ١١/ ١١٣ - ح: ١١٢١٣) وابن جرير (٢/ ١٦٤، ١٦٥) وسعيد بن منصور وعبد الرزاق (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٩) من طريق عمرو بن دينار به. ويشهد له:\n١ - ما أخرجه الطبري (٣٧٦٨): ص ٤/ ١٦٥، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد (فتح القدير: ١/ ٢٠٣) عن ابن عباس ﵄ نحوه وفيه ضعف بسبب يزيد بن أبي زياد (تقريب التهذيب: ٢/ ٣٦٥ - رقم ٢٥٤) لكن يتقوى بما قبله.\n٢ - ما أخرجه الطبري (٣٧٦٥): ص ٤/ ١٦٥ - ١٦٦، وسعيد بن منصور وعبد الرزاق (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٠) عن رجل من بني تيم - وهو أبو أمامة - عن ابن عمر بنحو الرواية السابقة عن أبي أمامة: إنا قوم نكري .. ح. وصححه الشيخ أحمد محمد شاكر (تفسير الطبري بتحقيقه: ٤/ ١٦٩).\n٣ - ما أخرجه ابن جرير الطبري (٣٧٦٥): ص ٢/ ١٦٤، عن ابن عمر ﵄ مختصرا بمعناه، وقواه الحافظ ابن كثير (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٠).\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٦٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٣.\n(٦) ديوانه: ٤١. وهذا البيت متعلق بثلاثة أبيات قبله، هو تمام معناها في ذكر الموت: رأيت المنايا لم يهبن محمدا ... ولا أحدا ولم يدعن مخلدا\nألا لا أرى على المنون ممهلا ... ولا باقيا إلا له الموت مرصدا\nسيلقاك قرن لا تريد قتاله ... كمي إذا ما هم بالقرن أقصدا\nبغاك وما تبغيه. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوقوله: \" حتى وجدته \" رواية الديوان \" إلا وجدته \". ورواية الطبري عزيزة فهي شاهد قل أن نظفر به على أن \" حتى \" تأتي بمعنى \" إلا \" في الاستثناء وقد ذكر ذلك ابن هشام في المغني ١: ١١١ قال بعد ذكر وجوه \" حتى \": \" وبمعنى إلا في لاستثناء، وهذا أقلها وقل من يذكره \".\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٦٣.","vol":"4","page":278},{"text":"قال ابن عباس: \"لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده\" (١).\nوقرأ ابن عباس: (في مواسم الحج) (٢).\nقال ابن حجر: \"وهي قراءة معدودة من الشاذ الذي صح إسناده (٣)، وهو حجة (٤)، وليس بقرآن\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ \" أي إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها\" (٦).\nقال البقاعي: أي: \"أوقعتم الإفاضة\" (٧).\nقال الواحدي: \" أي: دفعتم بكثرة، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا\" (٨).\nقال الزجاج: \"قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف\" (٩).\nوقال أبو حيان متعقبا هذا القول: \"ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك\" (١٠).\nومعنى (الإفاضة)، في اللغة: \"الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه (١١):\nوكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ... يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ\nوأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة.\nقال الراعي (١٢):\nوأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ... من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا\nوأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] \" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣٧٦١): ص ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٢) أي: قرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).\n(٣) قراءة ابن عباس رواها البخاري-فتح-: ٤/ ٣٣٨ رقم: ٢٠٥٠، وهي أيضًا: قراءة ابن مسعود وابن الزبير، انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٢٦، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٤، تفسير عبد الرزاق: ١/ ٧٨ وفيه أبا الزبير بدل ابن الزبير، وأظنه تصحيفًا لأن ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٩٩، ذكرها عن عبد الرزاق بسنده وقال ابن الزبير. وانظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول: ٢/ ٦٨٦ - ٦٨٧.\n(٤) أي: في التفسير، قال ابن حجر في الفتح: ٣/ ٦٩٦ (... فهي على هذا من القراءة الشاذة وحكمها عند الأئمة حكم التفسير)، وقال أبو حيان عن هذه القراءة في البحر: ٢/ ٩٤ (والأولى جعل هذا تفسيرًا، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة).\n(٥) انظر: الفتح: ٤/ ٣٤٠. والقراءة الشاذة لها حكم خبر الآحاد، فمتى صح سندها إلى الصحابي وجب العمل بها، ومتى ضعف لم يجز العمل بها.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٧) تفسير البقاعي: ٨/ ٣٧٧.\n(٨) التفسير البسيط: ٤/ ٤٥.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٧٢.\n(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٩٥.\n(١١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد يصف الحمُرُ، ضمن قصيدة من \"المفضليات\" ص ١٢٦، \"ديوان الهذليين\" ١/ ٦ والبيت في \"اللسان\" مادة: ريب، وصدع. والرِّبابة: بكسر الراء: الرقعة تجمع فيها قداح الميسر، واليَسَر. صاحب الميسر، شبه الأُتُن بالقداح لتجمعهن وتراكمهن، وشبه الحمار الوحشي بالضارب الذي يفرق القداح ويجمعها. وينظر: \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ١٨.\n(١٢) البيت للراعي النميري من لاميته المطولة التي كان يرمى من لم يحفظها من أولاده وحفدته بالعقوق في \"ديوانه\" ٥٢، وفي \"جمهرة اللغة\" لابن دريد ٢/ ١٧٩ وذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧١٩ (فيض) والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٧ ويروى: من ذي الأباطل، قال ياقوت في \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٧٩: قال ثعلب: ذو الأبارق وحقيل موضع واحد، فأراد: من ذي الأبارق إذا رعينه، والكَظْم. إمساك الفم، فلما ابتل مافي بطونها أفضن بجرة. والمعنى: أنها إذا رعت حقيلًا أفاضت بذي الأبارق.\n(١٣) التفسير البسيط: ٤/ ٤٥، وانظر: في مادة (فيض): \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٤٦، \"المفردات\" ص ٣٩٠، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٠٨، قال الزجاج في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٢: وكل ما في اللغة من باب الإفاضة، فليس يكون إلا من تفرقة أو كثرة.","vol":"4","page":279},{"text":"قال القرطبي: \"وأصل الإفاضة: الاندفاع؛ ومنه الإفاضة في الكلام، والاستمرار فيه؛ ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار: (مفيض)، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي (١):\nفقلت لها ردي إليه جنانه ... فردت كما رد المنيح مفيض (٢)\nويقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير (٣):\nوأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله\nوحديث مستفيض، أي شائع\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" والتعبير بـ ﴿أفضتم﴾ يصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع\" (٥).\nوفي معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ ثلاثة أقوال (٦):\nأحدها: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع، كفيض الإناء عن امتلاء.، والمعنى: إذا دفعتم بكثرة. قاله الزجاج (٧).\nوالثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم. وهذا اختيار الطبري (٨).\nوالثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان.\nوفي ﴿عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، قولان:\nأحدهما: أنها (جمع) عرفة.\nوالثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج (٩).\nقال البقاعي: و﴿عَرَفَاتٍ﴾، \"جمع (عرفة)، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق\" (١٠).\nواختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل (١١):\nأحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة.\nوالثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة. قاله نعيم بن أبي هند (١٢).\nوالثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم.\nوالرابع: أنه سمي بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها. وهذا معنى قول ابن عباس (١٣).\n_________\n(١) لم أجد هذا البيت في مكان، ومن القصيدة ثلاثة أبيات في الحيوان ٦: ٣٤٣ من هذا الشعر، وهي أبيات جياد. والمنيح: أحد القداح الأربعة التي ليس لها غرم ولا غنم في قداح الميسر، ولكن قد يمنح صاحبه شيئا من الجزور. ولا أتبين معنى البيت حتى أعرف ما قبله، وأعرف الضمائر فيه إلى من تعود.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٧٠.\n(٣) ديوانه ١٢٤. يمدح حصن بن حذيفة الفزاري.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٤.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢١.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠٩، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٠، والبحر المحيط: ٣/ ٨٣\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٥.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٢.\n(١٠) تفسير البقاعي: ١/ ٢٢٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٧٩٣): ص ٤/ ١٧٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٧٩٧): ص ٤/ ١٧٤.","vol":"4","page":280},{"text":"والخامس: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب.\nوالسادس: أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا (عرفة) و(عرفات)، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه، ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالًا﴾ [الأعراف: ٤٨].\nوالصواب - والله أعلم - أن هذا القول الأخير أقرب الأقوال؛ وكذلك القول: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أعرف الأماكن التي حوله.\nو﴿عَرَفَاتٍ﴾ مشعر حلال خارج الحرم؛ ومع ذلك فهو الحج، كما قال الرسول ﷺ: \"الحج عرفة\" (١)؛ والحكمة من الوقوف فيها أن يجمع الحاج في نسكه بين الحل والحرم؛ ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم بالعمرة من التنعيم (٢)؛ لتجمع فيها بين الحل والحرم\" (٣).\nوفي تنوين ﴿عَرَفَات﴾ [البقرة: ١٩٨]، ثلاثة أوجه (٤):\nأحدها: قراءة الجماعة ﴿عَرَفَاتٍ﴾ بالتنوين.\nقال النحاس: \" لأن التنوين ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين هذا الجيد\" (٥).\nوالثاني: وحكى سيبويه عن العرب، حذف التنوين من ﴿عَرَفَات﴾، يقوله: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين (٦).\nوالثالث: وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة (٧)، وأنشدوا (٨):\nتنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال\nوالقول الأول أحسن، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات، والكسرة مقابلة الياء في مسلمين، والتنوين مقابل النون (٩).\nوتسمى عرفات المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وإلال، على وزن (هلال)، ويقال للجبل في وسطها: جَبَلُ الرحمة (١٠). قال أبو طالب في قصيدته المشهورة (١١):\nوبالمشعَر الأقصى إذا قصدوا له ... إلال إلى تلك الشِّراج القَوَابل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ص ١٣٦٧، كتاب المناسك، باب ٦٨: من لم يدرك عرفة، حديث رقم ١٩٤٩، وأخرجه الترمذي ص ١٩٥١، كتاب تفسير القرآن، باب ٢: ومن سورة البقرة، حديث رقم ٢٩٧٥، وأخرجه النسائي ص ٢٢٨٣، كتاب المناسك، باب ٢١١: فمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، حديث رقم ٣٠٤٧، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦٥٩، كتاب المناسك، باب ٥٧: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، حديث رقم ٣٠١٥، وأخرجه الدارمي ٢/ ٨٢، كتاب المناسك، باب ٥٤: بما يتم الحج، حديث رقم ١٨٨٧، وقال الألباني في الإرواء (صحيح)، ٤/ ٢٥٦، حديث رقم ١٠٦٤.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٧، كتاب الحيض، باب ١٥: امتشاط المرأة ...، حديث رقم ٣١٦؛ وأخرجه مسلم ص ٨٧٦، كتاب الحج، باب ١٧: بيان وجوه الإحرام ...، حديث رقم ٢٩١٠ [١١١] ١٢١١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٢.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠٩.\n(٥) إعراب القرآن: ١/ ١٠٢.\n(٦) انظر: إعراب القرآن: ١/ ١٠٢.\n(٧) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٧٧.\n(٨) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ٣١؛ وخزانة الأدب ١/ ٥٦؛ والدرر ١/ ٨٢؛ ورصف المباني ص ٣٤٥؛ وسر صناعة الإعراب ص ٤٦٧؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١٩؛ وشرح التصريح ١/ ٨٣؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٣٥٩؛ وشرح المفصل ١/ ٤٧؛ والكتاب ٣/ ٢٣٣؛ والمقاصد النحوية ١/ ١٩٦؛ والمقتضب ٣/ ٣٣٣، ٤/ ٣٨؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص ٤٤؛ وشرح المفصل ٩/ ٣٤. تنورتها: تبصرت نارها من بعيد. أذرعات: بلد في أطراف الشام. يثرب: اسم مدينة، وهي التي هاجر إليها الرسول -ﷺ- فيما بعد، فسميت المدينة المنورة. أدنى: أقرب. نظر عال: أي يحتاج إلى نظر بعيد.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٤.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٥٢.\n(١١) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٧٤).","vol":"4","page":281},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، \"فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات، وقيل: بصلاة المغرب والعشاء (٢).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: الصلاة، والدعاء عند المشعر الحرام\" (٣).\nواختلف في قوله: ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على أقوال:\nأحدها: أنه مزدلفة. وهو قول الجمهور (٤).\nوالثاني: أنه جبل يقف عليه الإمام في مزدلفة، يسمى: قزح. قاله جمع من أهل العلم والتفسير (٥).\nويدل لهذا القول حديث جابر﵁- وفيه: \"حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ... الحديث\" (٦)، ففرق بين مزدلفة والمشعر الحرام.\nوالأظهر أن المشعر الحرام في الآية مزدلفة لا الجبل بخصوصه، وذلك لسببين:\nأحدهما: \"لأن الفاء في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات\". قاله الرازي (٧).\nوالثاني: ولأن الذكر مأمور به والأصل في الأمر الوجوب، ولا ذكر واجب سوى الصلاة، ولا يصح حمل الذكر عليها في القول الآخر لأن الوقوف في المشعر إنما يشرع بعد صلاة الفجر (٨).\nقال الطبري: \" (المشاعر) هي المعالم، من قول القائل: شعرت بهذا الأمر، أي علمت، فـ (المشعر)، هو المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ \"أي: واذكروه لهدايتكم\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة\" (١١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٧٥.\n(٤) حكى الإجماع على هذا القول: الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٧ إذ قال: (ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة)، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والربيع والحسن وقتادة، انظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٣٧ - ١٣٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢١٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠١، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٦ - ٩٧. وقال به: الطبري في جامع البيان: ٤/ ١٧٥، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٧٣، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٦١، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٢٩، والواحدي في الوسيط: ١/ ٣٠٤، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢١٣، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٩٤، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٣٨، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٠١، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٣، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢١، وابن جزيء في التسهيل لعلوم التنزيل: ١/ ١١٥، وغيرهم.\n(٥) كالزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٤٨، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٩، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٠٨، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢١٩، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٠٧.\n(٦) رواه مسلم: ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢ رقم: ١٢١٨.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٢٨\n(٨) انظر: روح المعاني للألوسي: ٢/ ٨٨، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ١٥٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ١٧٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٣.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.","vol":"4","page":282},{"text":"قال الشيخ السعدي: \"أي: اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"وهو أمر بالذكر مرة أخرى؛ لكن لأجل التعليل الذي بعده وهو الهداية\" (٢).\nوفي (الكاف) في قوله تعالى: كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وجهان من الإعراب:\nأحدهما: أنها جاءت بمعنى (اللام) تفيد التعليل؛، أي: اذكروه لأجل هدايته إياكم (٣).\nو(الكاف) قد تأتي بمعنى (التعليل)، كما قال ابن مالك في الألفية (٤):\nشبه بكاف وبها التعليل ... قد يعنى وزائدًا لتوكيد ورد\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]؛ وكما في التشهد في قوله: \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... \"، أي لأنك صليت على إبراهيم فصل على محمد؛ فهو توسل إلى الله تعالى بفعل سبق منه نظير ما سألته (٥).\nوالثاني: أنها للتشبيه، في موضع نصب إما على النعت لمصدر محذوف، أي: ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة، وإما على الحال من ضمير المصدر المقدر، وإما على الحال من فاعل اذكروا (٦).\nقال ابن عثيمن: \"ويحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ وعليه فيكون الأمر بذكره ثانية عائدًا على الوصف، أي اذكروه على الصفة التي هداكم إليها، أي على حسب ما شرع؛ وعليه فلا تكرار؛ لأن الأمر بالذكر أولًا أمر بمطلق الذكر، والأمر به ثانية أمر بكونه على الصفة التي هدانا إليها\" (٧).\nقال القرطبي: \" كرر الأمر تأكيدا، كما تقول: ارم. ارم. وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة وأمر بشكرها \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ أي: \" وما كنتم من قبله إلّا من الضالين\" (٩).\nقال الصابوني: أي: \"فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإِيمان وشرائع الدين\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: من\"الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه\" (١١).\nقال ابن كثير: \" قيل: من قبل هذا الهدي، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح\" (١٢).\nواختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على ثلاثة أقوال (١٣):\nأحدها: أنه يعود على القرآن. أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٩٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٣.\n(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٧، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٩٥، روح المعاني للألوسي: ٢/ ٨٨.\n(٤) شرح ألفية ابن مالك، لابن عثيمين: ٩/ ٤١.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٣.\n(٦) انظر: إملاء ما من الرحمن للعكبري: ١/ ٨٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٧، الدر المصون للسمين: ١/ ٤٩٥، روح المعاني للألوسي: ٢/ ٨٨، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٢٤٢، وغيرها.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٣.\n(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٦.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ١١٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(١١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٧.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٥٥.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧، وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٤.","vol":"4","page":283},{"text":"والثاني: أنه يعود على الرسول. وذلك كناية عن غير مذكور.\nوالثالث: أنه يعود على الهدى. اختاره القرطبي (١).\nقال ابن عثيمين: \" وكل ذلك محتمل؛ وكل ذلك متلازم؛ فالهدى جاء من القرآن، ومن النبي ﷺ\" (٢).\nو﴿الضَّالِّينَ﴾: \"يشمل الضال عن جهل؛ والضال عن علم؛ فالضال عن جهل: الذي لم يعلم بالحق أصلًا؛ والضال عن علم: الذي ترك الطريق الذي ينبغي أن يسلكه وهو الرشد؛ والعرب من قبل هذا الدين ضالون؛ منهم من كان ضالًا عن جهل؛ ومنهم من كان ضالًا عن علم؛ فمثلًا قريش لا تفيض من عرفة؛ وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة؛ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم؛ فلا نخرج عنه؛ فكانوا يقفون في يوم عرفة في مزدلفة، ولا يفيضون من حيث أفاض الناس؛ وإذا جاء الناس وباتوا فيها خرجوا جميعًا إلى منى؛ وهذا من جهلهم، أو عنادهم\" (٣). وفي معنى (إنْ)، و(اللام) في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وجهان (٤):\nأحدهما: ﴿إن﴾ بمعنى (ما)، و(اللام)، في ﴿لمن﴾ بمعنى (إلا)، (٥)، كما قال الشاعر (٦):\nثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة الرحمن\nوالمعنى: وما كنتم من قبل هداية الله إياكم لما هداكم له من ملة خليله إبراهيم التي اصطفاها لمن رضي عنه من خلقه إلا من الضالين.\nوالثاني: توجيه ﴿إنْ﴾ إلى (قد).\nوالمعنى: واذكروا الله أيها المؤمنون كما ذكركم بالهدى، فهداكم لما رضيه من الأديان والملل، وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين (٧).\nومن ذلك قوله تعالى ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، أي: \" أي: وما نظنك إلا من الكاذبين\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء، أما إن الحج دون تجارة أفضل، لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها.\n٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه، وشرائه أن يكون مترقبًا لفضل الله لا معتمدًا على قوته، وكسبه؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾.\n٣ - ومنها: ظهور منة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب؛ وأن ذلك من مقتضى ربوبيته ﷾، حيث قال تعالى: ﴿فضلًا من ربكم﴾.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(٥) هذا توجيه الكوفيين انظر المعنى لابن هشام ١: ١٩١ وغيره.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(٨) تفسير البقاعي: ١/ ٢٣٠.","vol":"4","page":284},{"text":"٤ - ومنها: مشروعية الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾؛ وهو ركن من أركان الحج؛ لقول النبي ﷺ: «الحج عرفة» (١)؛ لو قال قائل: إن قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ ليس أمرًا بالوقوف بها.\nفالجواب: أنه لم يكن أمرًا بها؛ لأنها قضية مسلمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾.\n٥ - ومنها: أنه يشترط للوقوف بمزدلفة أن يكون بعد الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾؛ فلو أن أحدًا مر بمزدلفة في الليل، ووقف بها يدعو، ثم وقف بعرفة يدعو بها، ثم رجع إلى منى لم يجزئه الوقوف بمزدلفة؛ لأنه في غير محله الآن؛ لأن الله ذكره بعد الوقوف بعرفة.\n٦ - ومنها: أن الصلاة من ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾؛ والنبي ﷺ أول ما بدأ: بالصلاة (٢)؛ ولا شك أن الصلاة ذكر لله؛ بل هي روضة من رياض الذكر: فيها قراءة، وتكبير، وتسبيح، وقيام، وركوع، وسجود، وقعود؛ كل ذلك من ذكر الله: ذكر بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ثم من خاصية الصلاة أن كل عضو من أعضاء البدن له ذكر خاص به، وعبادة تتعلق به.\n٧ - ومنها: بيان أن مزدلفة من الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾.\n٨ - ومنها: جواز المبيت في مزدلفة في جميع نواحيها؛ لقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾.\n٩ - ومنها: أن عرفة مشعر حلال؛ لأنها من الحل؛ ولهذا يجوز للمحرم أن يقطع الأشجار بعرفة.\n١٠ - ومنها: أن مزدلفة مشعر من المشاعر؛ فيكون فيه رد على من قال: إن الوقوف بها سنة؛ والقول الثاني: أنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة؛ والقول الثالث: أنه واجب يصح الحج بدونه؛ ولكن يجبر بدم؛ وأنا أتوقف بين كونها ركنًا، وواجبًا؛ أما أنها سنة فهو ضعيف؛ لا يصح.\n١١ - ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يذكر الله تعالى لما أنعم عليه به من الهداية؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ إذا جعلنا الكاف للتعليل؛ وإن جعلناها للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الوجه الذي هداكم له؛ فيستفاد منها أن الإنسان يجب أن يكون ذكره لله على حسب ما ورد عن الله ﷿.\n١٢ - ومنها: أن الذكر المشروع ما وافق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾؛ والهداية نوعان: هداية دلالة: وهذه عامة لكل أحد؛ فكل أحد قد بين الله له شريعته سواء وفِّق لاتباعها، أم لا؛ ودليلها قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا﴾ [الإنسان: ٣]؛ والثاني: هداية توفيق بأن يوفق الله العبد لاتباع الهدى؛ ومنها قوله تعالى حين ذكر من ذكر من الأنبياء: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] أي لا توفق للهدى من أحببته، أو من أحببت هدايته.\n١٣ - ومن فوائد الآية: تذكير الإنسان بحاله قبل كماله؛ ليعرف بذلك قدر نعمة الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾؛ ومن هذا قول النبي ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي» (٣)؛ ومنه قول الملَك للأبرص والأقرع: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرًا فأغناك الله» (٤) الحديث؛ فالتذكير بالنعم بذكر الحال، وبذكر الكمال بعد النقص مما يوجب للإنسان أن يزداد من شكر نعمة الله عليه.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ص ١٣٦٧، كتاب المناسك، باب ٦٨: من لم يدرك عرفة، حديث رقم ١٩٤٩، وأخرجه الترمذي ص ١٩٥١، كتاب تفسير القرآن، باب ٢: ومن سورة البقرة، حديث رقم ٢٩٧٥، وأخرجه النسائي ص ٢٢٨٣، كتاب المناسك، باب ٢١١: فمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، حديث رقم ٣٠٤٧، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦٥٩، كتاب المناسك، باب ٥٧: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، حديث رقم ٣٠١٥، وأخرجه الدارمي ٢/ ٨٢، كتاب المناسك، باب ٥٤: بما يتم الحج، حديث رقم ١٨٨٧، وقال الألباني في الإرواء (صحيح)، ٤/ ٢٥٦، حديث رقم ١٠٦٤.\n(٢) راجع البخاري ص ١٣٢، كتاب الحج، باب ٩٥: الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، حديث رقم ١٦٧٢.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٣٥٤، كتاب المغازي، باب ٥٧: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم ٤٣٣٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٤٥، كتاب الزكاة، باب ٤٦: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، حديث، رقم ٢٤٢٦ [١٣٩] ١٠٦١.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٢٨٢ – ٢٨٣، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٥١: حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل، حديث رقم ٣٤٦٤، وأخرجه مسلم ص ١١٩١ – ١١٩٢، كتاب الزهد والرقائق، باب ١: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث رقم ٧٤٣١ [١٠] ٢٩٦٤.","vol":"4","page":285},{"text":"القرآن\n﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]\nالتفسير:\nوليكن اندفاعكم من \"عرفات\" التي أفاض منها إبراهيم ﵇ مخالفين بذلك من لا يقف بها من أهل الجاهلية، واسألوا الله أن يغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور لعباده المستغفرين التائبين، رحيم بهم.\nفي سبب نزول الآية، أخرج البخاري عن عائشة﵂- قالت: \"كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمّون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ \" (١).\nوفي المعنى نفيه أخرج الواحدي عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: \"أضللت بعيرا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه بعرفة، فرأيت رسول الله - ﷺ - واقفا مع الناس بعرفة، فقلت: هذا من الحمس ماله هنا؟ ! \" (٢).\nقال القرطبي: \" قيل: الخطاب للحمس (٣) (٤)، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، وكانوا يقولون: نحن قطين الله، فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم إن عرفة موقف إبراهيم ﵇ لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم: أفيضوا مع الجملة\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: \" أي ثمّ انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس\" (٦).\nقال الزمخشري: \" يقول: ثم لتكن إفاضتكم مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ\" (٧).\nقال ابن عاشور: أي: \" من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة \" (٨).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٥١٥ - ح: ١٦٦٥) (٨/ ١٨٦ - ح: ٤٥٢٠) ومسلم (٢/ ٨٩٣، ٨٩٤ - ح: ١٢١٩ \"١٥١، ١٥٢\") والترمذي (٣/ ٢٣١ - ح: ٨٨٤) والطبري (٤/ ١٦٩) كلهم من طريق ابن عروة عن أبيه به، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٦٥.\n(٢) أسباب النزول: ٦٤، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٥١٥ - ح: ١٦٦٤) ومسلم (٢/ ٨٩٤ - ح: ١٢٢٠) والإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٢/ ١٢٣ - ح: ٣٢٥) والحميدي (مسند الحميدي: ١/ ٢٥٥ - ح: ٥٥٩) عن جبير بن مطعم به. ويشهد له:\n* ما أخرجه ابن خزيمة وإسحاق بن راهوية (فتح الباري: ٣/ ٥١٦) عن جبير بن مطعم نحوه، وإسناده صحيح. ويشهد للرواية الأولى كذلك:\n* ما أخرجه الطبري (٣٨٣٣): ص ٤/ ١٧٠، من طريق حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس مثله وإسناده ضعيف بسبب حسين (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٣/ ٥٧ - رقم: ٢٥٨) (تفسير الطبري بتحقيق أحمد شاكر: ٤/ ١٨٦) لكن يتقوى بالأصل.\n(٣) الحُمْس: هم قريش وكل ابن أخت وحليف لهم، والأحمس في كلام العرب: الشديد، وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم في مناسك الحج، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحمًا ولا يضربون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ١٨٧، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ١/ ٤٤٠، وتهذيب اللغة للأزهري: ٤/ ٣٥٤، وفتح الباري لابن حجر: ٣/ ٣٠٣، وغيرها.\n(٤) ورد في حديث جبير بن مطعم في البخاري-فتح-: ٣/ ٦٠٢ رقم: ١١٦٤ قال: (أضللت بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي ﷺ واقفًا بعرفة، فقلت: هذا والله من الحُمْس، فما شأنه ها هنا؟)، قال سفيان: الحمس يعنى: قريشًا، وكانت تسمى الحمس وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وانظر: معجم المصنفات الواردة في فتح الباري: ٣٦٥ رقم: ١١٦٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٧.\n(٨) التحرير والتنوير: ٢/ ٢٤٤.","vol":"4","page":286},{"text":"قال الشيخ السعدي: \" أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، من لدن إبراهيم ﵇ إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بـ \"منى \"ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك\" (١).\nوقد اختلف أهل التفسير في المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ ومن ﴿النَّاسُ﴾ الذين أمروا بالإفاضة، وفيه قولان (٢):\nأحدهما:: أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون الحمس، لا يخرجون من الحرم في حجهم، ويقفون مزدلفة، ويقولون نحن من أهل الله، فلا نخرج من حرم الله، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وهي موقف إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يعني جميع العرب، وهذا قول عائشة (٣)، وابن عباس (٤)، وعروة (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، والسدي (٨)، والربيع (٩)، وعبدالله بن أبي نجيح (١٠).\nوالثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني بالناس إبراهيم، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وكان القائل واحدًا، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك (١١).\nوالقول الأول أصح (١٢)، أي: \" أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله\" (١٣).\nقال ابن حجر: \" الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي (١٤) وغيره (١٥) من طريق يزيد بن شيبان (١٦) قال: ... كنا وقوفًا بعرفة فأتانا ابن مربع (١٧) فقال: \"إني رسول الله إليكم، يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم ... الحديث\"، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله: ﴿مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ بل هو على الأعم من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة﵂ (١٨) \" (١٩).\nوذكروا لـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وجهين (٢٠):\nأحدهما: ما قاله الضحاك من أن معناه: \"ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم\" (٢١).\nوالثاني: ﴿ثم أفيضوا﴾ من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها، فاذكروا الله عنده كما هداكم.\nوإن لأهل العلم في الإفاضة المذكورة في قوله﷿-: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قولان:\nأحدهما: أنها الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقال به: عائشة (٢٢)، وابن عباس (٢٣)، وعروة (٢٤)، ومجاهد (٢٥)، وقتادة (٢٦)، والسدي (٢٧)، والربيع (٢٨)، وغيرهم (٢٩).\nوالثاني: أنها الإفاضة من مزدلفة إلى منى. قال به الضحاك (٣٠) وقوم معه (٣١).\nوالراجح: قول الضحاك. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي و\"اطلبوا المغفرة من الله\" (٣٢).\nقال الصابوني: \" أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي\" (٣٣).\nقال ابن عثيمين: \" والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية\" (٣٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]؛ أي: \" فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة\" (٣٥).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٩٢.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧، وتفسير الطبري: ٤/ ١٨٤ وما بعدها، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٦١، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢١٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٣٢٨، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٢٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠٢، وغيرها.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣١): ص ٤/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٣): ص ٤/ ١٨٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٢): ص ٤/ ١٨٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٥): ص ٤/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٧): ص ٤/ ١٨٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٨): ص ٤/ ١٨٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٩): ص ٤/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٠): ص ٤/ ١٨٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٢): ص ٤/ ١٨٩.\n(١٢) وقد اختاره جماعة من أهل العلم كالطبري في جامع البيان: ١/ ١٩٠، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ٩٩، وابن التين كما في عمدة القاري للعيني: ١٠/ ٥، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٨٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٩٠.\n(١٤) جامع الترمذي: ٣/ ٢٢١ رقم: ٨٨٣ وقال: (حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: ١/ ٢٦٢ رقم: ٧٠٠.\n(١٥) كأبي داود في سننه: ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠ رقم: ١٩١٩، والنسائي في المجتبى-بشرح السيوطي وحاشية السندي-: ٥/ ٢٥٥.\n(١٦) هو يزيد بن شيبان الأزدي، ويقال: الدئلي، صحابي، انظر: الإصابة لابن حجر: ٣/ ٦٢٢، تقريب التهذيب له أيضًا: ١٠٧٦.\n(١٧) هو: زيد بن مِرْبَع بن قيظي، صحابي أكثر ما يجيء مبهمًا، وقيل اسمه يزيد، وقيل: عبد الله، انظر: الإصابة لابن حجر: ٣/ ٦٢٤، تقريب التهذيب له أيضًا: ٣٥٦.\n(١٨) انظر: حديثها في البخاري-فتح-: ٣/ ٦٠٢ رقم: ١٦٦٥، و٨/ ٣٥ رقم: ٤٥٢٠ - وتقدم في الهامش: ٣، ص: ٥٠٣.\n(١٩) الفتح: ٣/ ٦٠٣ - ٦٠٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٩٢ - ١٩٤.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٢): ص ٤/ ١٨٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣١): ص ٤/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٣): ص ٤/ ١٨٦.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٢): ص ٤/ ١٨٥.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٥): ص ٤/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٧): ص ٤/ ١٨٧.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٨): ص ٤/ ١٨٧.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٩): ص ٤/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(٢٩) انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ١٨٤ - ١٨٩، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠٢، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٦١، أسباب النزول للواحدي-تحقيق الحميدان: ٦٤ - ٦٥، وغيرهم. وقد عزاه البغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٣٠ لأكثر أهل التفسير، ونسبه ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٣٩ للجماعة، وحكى الإجماع عليه ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ١٩٠، وقال الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٤ عنه: (هو الصحيح لاتفاق السلف عليه، والضحاك لا يزاحم به هؤلاء فهو قول شاذ). ونص على أنه المراد-سوى من سبق-جماعة من المفسرين كالسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٩٤، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٤٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢٨، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٩، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٠٩ وغيرهم.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٢): ص ٤/ ٢٨٩.\n(٣١) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٣٢٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٩ وغيرها. وقد جعل هذا القول ظاهر القرآن جماعة منهم ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ١٩٠ - ١٩١ وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٩٩، والسمين في الدر المصون: ١/ ٤٩٦ وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٠٨ وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢٤٤.\n(٣٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٨. [بتصرف بسيط].\n(٣٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٣٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٨.\n(٣٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.","vol":"4","page":287},{"text":"قال ابن عثيمين: \" هذه الجملة تعليل للأمر؛ أي استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر؛ فإنه ﷾ غفور رحيم\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، تأويلان (٢):\nأحدهما: استغفروه من ذنوبكم.\nوالثاني: استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإفاضة.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب المبيت بمزدلفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق؛ ومتى أفاض الإنسان من حيث أفاض الناس فإنه يلزم من ذلك أن يكون قد بات بمزدلفة.\n٢ - ومنها: أن هذا النسك كان أمرًا معلومًا يسير الناس عليه من قديم الزمان؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.\n٣ - ومنها: أن الناس في أحكام الله تعالى سواء؛ فلا يخص أحد بحكم من الأحكام إلا لمعنًى يقتضي ذلك؛ والمعنى المخصِّص يكون من قِبَل الشرع - لا من قبل الهوى، والعادة -؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾؛ ولا يشكل على قولنا هذا ما ورد في قصة أبي بردة بن نيار أنه ذبح في عيد الأضحى أضحية قبل الصلاة؛ ولما خطب النبي ﷺ وقال: «إن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، وأن شاته شاة لحم» قام أبو بردة فقال: «يا رسول الله، إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: نعم؛ ولن تجزئ عن أحد بعدك» (٣)؛ لأن المراد بقوله (ص): «لن تجزئ عن أحد بعدك» أي بعد حالك؛ بمعنى: أن من جرى له مثله فإنها تجزي عنه؛ هكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ - وهو ظاهر -؛ وكذلك لا يشكل على هذا قصة سالم مولى أبي حذيفة الذي كان قد تبناه؛ فلما أبطل الله التبني جاءت زوجة أبي حذيفة إلى رسول الله ﷺ تستفتيه في سالم أنه كان يدخل عليها؛ يعني: وكأنه أحد أبنائها؛ فقال لها النبي ﷺ: «أرضعيه تحرمي عليه» (٤)؛ فإنه ليس خاصًا به؛ بل لو جرى لأحد مثل ما جرى لسالم لحكمنا له بمثل ما حكم به النبي ﷺ لسالم؛ لكن هذا لا يمكن بعد نسخ التبني؛ إذ لا يمكن أحدًا أن يتبنى؛ وعلى هذا فالصورة التي تلحق بقصة سالم ممتنعة.\n٤ - ومنها: أنه يشرع أن يستغفر الله ﷿ في آخر العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله﴾.\n٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الغفور»، و«الرحيم»؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي المغفرة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من الحكم بمقتضاهما؛ وهو أنه يغفر ويرحم كما قال تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥].\n٦ - ومنها: قرن الحكم بالعلة؛ لقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾؛ وقرن الحكم بالعلة في مثل هذا يفيد الإقدام، والنشاط على استغفار الله ﷿.\nالقرآن\n﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦١.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٧٥، كتاب العيدين، باب ٥: الأكل يوم النحر، حديث رقم ٩٥٥، وأخرجه مسلم ص ١٠٢٧ – ١٠٢٨، كتاب الأضاحي، باب ١: وقتها، حديث رقم ٥٠٧٠ [٥] ١٩٦١.\n(٤) أخرجه مسلم ص ٩٢٣، كتاب الرضاع، باب ٧: رضاعة الكبير، حديث رقم ٣٦٠٢ [٢٨] ١٤٥٣، وأصله في البخاري.","vol":"4","page":288},{"text":"فإذا أتممتم عبادتكم، وفرغتم من أعمال الحج، فأكثروا من ذكر الله والثناء عليه، مثل ذكركم مفاخر آبائكم وأعظم من ذلك. فمن الناس فريق يجعل همه الدنيا فقط، فيدعو قائلا ربنا آتنا في الدنيا صحة، ومالا وأولادًا، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب؛ لرغبتهم عنها وقَصْرِ هَمِّهم على الدنيا.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: روي عن مجاهد في قوله: \" ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، قال: \"كانوا إذا قَضَوا مناسكهم وقفوا عند الجَمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفَعال آبائهم، فنزلت هذه الآية\" (١).\nوالثاني: وقال الحسن: \"كانت الأعراب إذا حدثوا وتكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: \" فإذا فرَغتم من حَجكم فذبحتم نَسائككم\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها\" (٥).\nوفي (المناسك) ها هنا، تفسيران:\nأحدهما: أنها الذبائح، وهذا قول مجاهد (٦).\nوالثاني: ما أمروا بفعله في الحج، وهذا قول عطاء (٧)، والحسن البصري (٨).\nقال القرطبي: \"قيل: المناسك هي شعائر الحج، لقوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" (٩) (١٠).\nو\"قضيتم\" هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها\" (١١).\nوقد ذكر إسماعيل بن أحمد النيسابوري (١٢) في (كتاب: الوجوه والنظائر): أن لفظة (قضى) في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجهًا: منها (الفراغ)، وذلك مثل قوله تعالى ﴿فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِككُم﴾ (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: \" فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣٨٥٢): ص ٤/ ١٩٧، وانظر: تفسير الطبري (٣٨٥١)، و(٣٨٥٣)، و(٣٨٥٤): ص ٣/ ١٩٧.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٦٥.\n(٣) تفسسير الطبري: ٤/ ١٩٥.\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ٥٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٥): ص ٤/ ١٩٥.\n(٧) انظر: تفسيرابن أبي حاتم (١٦٨٦): ص ٢/ ٣٥٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٢، والبحر المحيط: ٢/ ٦٣.\n(٩) صححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (٩١٩٢)؛ وفي صحيح الجامع برقم (٥٠٦١).\n(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.\n(١١) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.\n(١٢) هو: أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد النيسابوري الحيري، أحد الأعلام، مفسر زاهد، توفي عام: ٤٣٠ هـ، له كتاب الكفاية في التفسير، وله تصانيف في القرآن والقراءات والحديث والوعظ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٧/ ٥٣٩، طبقات الشافعية للسبكي: ٤/ ٢٦٥، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٠٦.\n(١٣) كتاب الوجوه والنظائر مخطوط، انظر: الفهرس الشامل للتراث العربي والإسلامي المخطوط-قسم التفسير وعلومه-المجمع الملكي في الأردن: ١٢/ ٩٤، موارد الحافظ ابن حجر في علوم القرآن لمحمد أنور: ٣٠٨.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.","vol":"4","page":290},{"text":"قال القرطبي: \" يقول: \"فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم، بل أشد\" (١).\nوأبو عمرو كان يدغم الكاف في الكاف وكذلك ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، لأنهما مثلان (٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" قال كثير من النحويين: إن ﴿أو﴾ بمعنى: (بل)؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ أن ﴿أو﴾ هنا ليست بمعنى (بل)؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى (بل) تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء\" (٣).\nقال الراغب: \" لفظ ﴿أو﴾ وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله﷿- وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب .. وإذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم، فالباري﷿- أولى بأن يذكر\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، تأويلان (٥):\nأحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى.\nوالثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها.\nوفي قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أربعة أوجه من التفسير (٦):\nأحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقًا وافتخروا بمناقب آبائهم، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، وهذا قول مجاهد (٧)، وقتادة (٨)، ووسعيد بن جبير (٩)، وعكرمة (١٠)، وأبو بكر بن عياش (١١).\nوالثاني: أن معناه، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء، إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه، وهذا قول عطاء (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، وابن عباس (١٥).\nوالثالث: أنهم كانوا يدعون، فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبّة، كثير المال، فاعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فأُمِرُوا بذكر الله، كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكرًا، وهو قول السدي (١٦).\nوالرابع: أن المعنى: \"معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم\" (١٧).\nقال أبو الجوزاء لابن عباس: \" إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما\" (١٨).\nوالقول الأول أولى، وهو اختيار جمهور المفسرين، إذ \"كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين\" (١٩).\nقوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، \"أي: من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة \" (٢٠).\nقال الزمخشري: أي: \" اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة\" (٢١).\nقال أبو بكر بن عياش: \"كانوا يَعني أهلَ الجاهلية يقفون - يعني بعد قضاء مناسكهم - فيقولون: \" اللهم ارزقنا إبلا! اللهم ارزقنا غنمًا! \"، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ \" (٢٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: \" وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب\" (٢٣).\nقال الطبراني: أي: \"ولا ثوابٍ\" (٢٤).\nقال ابن عثيمن: \"لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى\" (٢٥).\nقال الزمخشري: \" ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا\" (٢٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠].\n٢ - ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿أو أشد ذكرًا﴾.\n٣ - ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي/ ٢/ ٤٣٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٥.\n(٤) تفسير الراغب: ١/ ٤٢٤.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٩٥ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٢، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٥٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٨): ص ٤/ ١٩٦، و(٣٨٥٢)، و(٣٨٥٣)، و(٣٨٥٤): ص ٤/ ١٩٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٥)، و(٣٨٥٦): ص ٤/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٧): ص ٤/ ١٩٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٧): ص ٤/ ١٩٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٠): ص ٤/ ١٩٦١٩٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٩)، و(٣٨٦١): ص ٤/ ١٩٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٠): ص ٤/ ١٩٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٣): ص ٤/ ١٩٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٤): ص ٤/ ١٩٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٦): ص ٤/ ١٩٩.\n(١٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.\n(١٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢.\n(١٩) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.\n(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٢١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٨.\n(٢٢) تفسير الطبري (٣٨٦٩): ص ٤/ ٢٠١.\n(٢٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٢٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٢.\n(٢٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٣.\n(٢٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٨.","vol":"4","page":291},{"text":"القرآن\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١]\nالتفسير:\nومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، وفي الآخرة الجنة، واصرف عنَّا عذاب النار. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، ولهذا كان أكثر دعاء النبي ﷺ، كما ثبت في الصحيحين.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، \" أي: ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة\" (٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، أربعة أقوال (٣):\nأحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة (٤).\nوالثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، وهو قول أكثر أهل العلم (٥).\nوالثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ، والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وهو قول الحسن (٦)، والثوري (٧).\nوالرابع: أن الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة، وهو قول ابن زيد (٨)، والسدي (٩).\nقال الآلوسي: \"والظاهر أن الـ (حسنة) وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلا وإنما هو من باب التمثيل\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحًا مسرورًا\" (١١).\nقال الطبري:: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجَّ بَيته، يسألون ربهم، وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٣.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٧٦): ص ٤/ ٢٠٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٧٨)، و(٣٨٧٩)، و(٣٨٨٠): ص ٤/ ٢٠٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨١): ص ٤/ ٢٠٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨٢): ص ٤/ ٢٠٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨٣): ص ٤/ ٢٠٥.\n(١٠) روح المعاني: ٢/ ٩١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.","vol":"4","page":292},{"text":"قال الشيخ السعدي: \" والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة، هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء به، والحث عليه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، \"أي ونجّنا من عذاب جهنم\" (٢).\nقال البيضاوي: \" بالعفو والمغفرة\" (٣)\nقال الراغب: أي: و\"احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار\" (٤).\nقال الطبري: أي: \"اصرف عنا عَذاب النار\" (٥).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" أي اجعل لنا وقاية من عذاب النار؛ وهذا يشمل شيئين:\nالأول: العصمة من الأعمال الموجبة لدخول النار.\nالثاني: المغفرة للذنوب التي توجب دخول النار\" (٦).\nوقد جمعت هذه الدعوة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ كل خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا، تشمل كل مطلوب دنيوي - من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلمٍ نافع، وعمل ٍ صالح، ومركب هين، وثناء جميل. . . إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين - ولا منافاة بينها - فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصَات، وتيسير الحساب. . . وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار: فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأن منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾.\n-من فوائد الآية: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾.\n٢ - ومنها: أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة.\n٣ - ومنها: إثبات الآخرة.\n٤ - ومنها: إثبات النار، وعذابها.\n٥ - ومنها: إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته؛ إذ لا يدعى إلا من اتصف بذلك.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٩٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٢.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٢٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٤.\n(٧) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٦٧.","vol":"4","page":294},{"text":"٦ - وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: \"اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" (١)\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٢]\nالتفسير:\nأولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب، مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]، \" أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \"لكل فريق نصيبًا من جنس ما كسبوا\" (٣).\nقال الواحدي: \" هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة\" (٤).\nقال الطبري: \" فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه\" (٥).\nقال القاسمي: \"وسمي الدعاء كسبًا؛ لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب\" (٦).\nقال قتادة: \"أي حظٌّ من أعمالهم\" (٧).\nوقال عطاء: \" مما عملوا من الخير\" (٨).\nوقال ابن زيد: \"لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا\" (٩).\n_________\n(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٢٢).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله ﷺ [يقول]: \"اللهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\". (المسند: ٣/ ١٠١).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، [وعبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد] عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رَجُلا من المسلمين قد صار مثل الفَرْخ. فقال له رسول الله ﷺ: \"هل تدعو الله بشيء أو تسأله إيَّاه؟ \" قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله! لا تطيقه - أو لا تستطيعه - فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \". قال: فدعا الله، فشفاه.\nانفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي - به. (المسند: ٣/ ١٠٧).\nوقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد - مولى السائب - عن أبيه، عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ورواه البغوي في شرح السنة (٧/ ١٢٨) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٠١) \"موارد\" من طريق يحيى القطان عن ابن جريج به نحوه. ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحو ذلك. وفي سنده ضعف. سنن ابن ماجة برقم (٢٩٥٧).والله أعلم.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٨.\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ٦١.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٦٨.\n(٧) تفسير الطبري (٣٨٨٤): ص ٤/ ٢٠٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦٠.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٨٨٩): ص ٢/ ٣٦٠.\n(٩) تفسير الطبري (٣٨٨٥): ص ٤/ ٢٠٧.","vol":"4","page":295},{"text":"قيل أن قوله تعالى: ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له، وأن لهم بعض ما كسبوا، وهو ما كان للآخرة، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [٤٦: الكهف] (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]، تفسيران:\nأحدهما: أ، المعنى: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء. قاله الزجاج (٢).\nوالثاني: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن له منه حظ. وهذا معنى قول قتادة (٣).\nوفي المشار إليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، قولان (٤):\nأحدهما: أن الإشارة تعود إلى التقسيم الثاني الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ فهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ لقوله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾ [النساء: ٨٥].\nقال القرطبي: \"أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة\" (٥).\nوالثاني: أن الإشارة تعود إلى مورد التقسيم كله، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].\nوالقول الأول هو الأظهر؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، أي: والله محصٍ للعمل بأسرع الحساب (٦).\nقال مجاهد: \" سريع الإحصاء\" (٧).\nقال محمد نووي الحاوي: فهو \"سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين\" (٨).\nقال الزمخشري: أي\" يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه\" (٩).\nقال الطبري: \" وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك. فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر\" (١٠).\nقال القرطبي: \" إن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقول الحق: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(١) انظر: التفسير القرآيني للقرآن، د. عبدالكريم الخطيب: ١/ ٢١٦.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨٤): ص ٤/ ٢٠٧.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣٤، وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٨٩٠): ص ٢/ ٣٦٠.\n(٨) مراح لبيد لكشف معنى القرآن مجيد، محمد بن عمر نووي الحاوي: ١/ ٦٨.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨.","vol":"4","page":296},{"text":"وسلم: \"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب\" (١) الحديث، فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه، لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته.\nوفي قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، وجوه من التفسير (٢):\nأحدها: أن المعنى: أن الله سريع المجازاة للعباد بأعمالهم.\nوالثاني: أن المعنى: لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].\nقال الحسن: \"حسابه أسرع من لمح البصر، وفي الخبر \"إن الله يحاسب في قدر حلب شاة\" (٣).\nوالثالث: أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق.\nوقيل لعلي بن أبي طالب ﵁: \" كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم\" (٤).\nوالرابع: وقيل: معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة.\nقال القرطبي: \"والكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا\" (٥).\nوقد ذكر ابن عثيمين، في تفسير: السرعة في الآية وجهان:\nأحدهما: سرعة الزمن: بمعنى: أن حساب الله قريب، كما في قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].\nوالثاني: سرعة محاسبة الله للخلق: أي أن نفس حسابه سريع.\nقال ابن عثيمين: \" والثاني أبلغ؛ فإن الله ﷿ يحاسب الخلائق كلها في يوم واحد، ويعطي كل إنسان ما يستحقه من ذلك الحساب؛ ومحاسبة الله للخلائق على نوعين؛ النوع الأول للمؤمنين؛ والنوع الثاني للكافرين؛ أما حساب المؤمنين فإن الله ﷾ يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، ويقول له: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر ويعترف، فيقول الله ﷿ له: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٦)؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «من نوقش الحساب عذب؛ فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا﴾ فقال النبي ﷺ: ذلك العرض» (٧)؛ أي تعرض الأعمال على الشخص حتى يقر؛ فإذا أقر بها قال الله تعالى له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»؛ وأما غير المؤمنين فإنهم لا يحاسبون كذلك؛ وإنما الأمر كما قال شيخ الإسلام: لا يحاسبون حساب من توزن حسناته، وسيئاته؛ لأنهم لا حسنات لهم؛ ولكن تحصى أعمالهم، وتحفظ، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها؛ يعني: وينادى عليهم على رؤوس الخلائق: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] \" (٨) (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٣٣). من حديث ابن ابي اوفى.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣٥. وتفسير الكشاف: ١/ ٢٤٩. ولم يذكرا للحديث راويا ولا تخريجا.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣٥. وتفسير الكشاف: ١/ ٢٤٩. ولم يذكرا للحديث راويا ولا تخريجا.\n(٤) انظر: تفسير الثعالبي: ١/ ١٥٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣٥.\n(٦) أخرجه البخاري ص ١٩٢، كتاب المظالم، باب ٢: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، حديث رقم ٢٤٤١؛ وأخرجه مسلم ص ١١٥٨، كتاب التوبة، باب ٨: في سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار، حديث رقم ٧٠١٥ [٥٢] ٢٧٦٨.\n(٧) اخرجه البخاري ص ٥٤٨، كتاب الرقاق، باب ٤٩: من نوقش الحاسب عذب، حديث رقم ٦٥٣٦.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧.\n(٩) تعددت أقوال المفسرن في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:\nفقيل: أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من العقد وغيره.\nوقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب.\nوقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم.\nوقيل: معنى: \" السرعة \": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على من فعل به ذلك ولا كلفة. (الهداية إلى النهاية في علم القرآن وتفسيره: أبو محمد مكي بن أبي طالب: ١/ ٢٧٠).","vol":"4","page":297},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الثواب يكون بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾؛ لكنه بالعدل في العقوبة؛ وبالفضل في المثوبة.\n٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿مما كسبوا﴾.\n٣ - ومنها: إثبات الحساب؛ لقوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾.\n٤ - ومنها: تمام قدرة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾.\n٥ - ومنها: إثبات علم الله؛ لأن المحاسِب لا بد أن يكون لديه علم يقابل به من يحاسبه.\nالقرآن\n﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]\nالتفسير:\nواذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. فمن أراد التعجل وخرج من \"مِنى\" قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا ذنب عليه، ومن تأخر بأن بات بـ \"مِنى\" حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فلا ذنب عليه، لمن اتقى الله في حجه. والتأخر أفضل؛ لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي ﷺ. وخافوا الله- أيها المسلمون- وراقبوه في كل أعمالكم، واعلموا أنكم إليه وحده تُحْشَرون بعد موتكم للحساب والجزاء.\nلما ذكر الله - ﵎ - أفعال الحج ذكر ما بعد انتهاء أفعال الحج؛ وهو ذكر الله تعالى في أيام معدودات؛ وهي أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر؛ والثاني عشر؛ والثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ والذكر هنا يشمل كل ما يتقرب به إلى الله ﷿ من قول أو فعل في هذه الأيام؛ فيشمل التكبير في تلك الأيام مطلقًا، ومقيدًا؛ والنحر من الضحايا، والهدايا؛ ورمي الجمار؛ والطواف، والسعي إذا وقعا في هذه الأيام؛ بل والصلاة المفروضة، والتطوع؛ وقد قال النبي ﷺ: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١)، وقال -ﷺ-: «أيام التشريق أيام أكل، وشرب، وذكر لله ﷿» (٢) (٣).\n\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي \" أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات،، وهي أيام رَمي الجمار\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٦/ ٦٤، حديث رقم ٢٤٨٥٥، وأخرجه أبو داود ص ١٣٦٢، كتاب المناسك، باب ٥٠: في الرمل، حديث رقم ١٨٨٨، وأخرجه الترمذي ص ١٧٣٧، كتاب الحج، باب ٦٤: ما جاء كيف ترمي الجمار، حديث رقم ٩٠٢، وأخرجه الدارمي ٢/ ٧١، كتاب المناسك، باب ٣٦: الذكر في الطواف والسعي بين الصفا والمروة، حديث رقم ١٨٥٣، وأخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٤٥٩، كتاب المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٨٦٠، كتاب الصيام، باب ٢٣: تحريم صوم أيام التشريق ...، حديث رقم ٢٦٧٧ [١٤٤] ١١٤١.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.","vol":"4","page":298},{"text":"قال الطبري: أي\" أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار. أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار\" (١).\nو﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، هي: \" أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] \" (٢).\nقال صاحب الكشاف: \" الأيام المعدودات. أيام التشريق، وذكر اللَّه فيها: التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار\" (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: \" تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ \" (٤).\nوقد تعددت أقوال أهل العلم في تحديد (أيام المعدودات) على وجوه (٥):\nأحدها: أنها أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده\". قاله ابن عباس (٦).\nورُوي عن ابن عمر (٧)، وابن الزبير (٨)، وأبي موسى (٩)، وعطاء (١٠)، ومجاهد (١١)، وعكرمة (١٢)، وسعيد ابن جُبَير (١٣)، وأبي مالك (١٤)، وإبراهيم النخَعي (١٥)، ويحيى بن أبي كثير (١٦)، والحسن (١٧)، وقتادة (١٨)،\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٩.\n(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٧٥، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٣٣، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٤٠ - ١٤١، وفتح الباري لابن حجر: ٥/ ٥٣٠، وغيرها.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٩.\n(٤) الفتح ٢/ ٥٣١.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢١٨، وروح المعاني للألوسي: ٢/ ٩٣، وفتح البيان لصديق خان: ١/ ٤١٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨٦)، و(٣٨٨٧)، و(٣٨٨٨)، و(٣٨٨٩)، و(٣٨٩٠)، و(٣٨٩١)، و٣٨٩٢): ص ٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩، وتفسير ابن أبي حاتم (١٨٩٥): ص ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٩٣): ص ٤/ ٢٠٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٩٥)، و(٣٨٩٦)، و(٣٨٩٧)، و(٣٨٩٨): ص ٤/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٩٩): ص ٤/ ٢١٠.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩٠١): ص ٤/ ٢١٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٩٠٣): ص ٤/ ٢١٠.","vol":"4","page":299},{"text":"والسدي (١)، والزهري (٢)، والربيع بن أنس (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل بن حيّان (٥)، ومالك بن أنس (٦)، وابن زيد (٧)، وغيرهم - مثل ذلك (٨).\nوالثاني: أنها ثلاثة أيام، يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيِّهنّ شئت، وأفضلها أولها. وهذا قول علي بن أبي طالب\" (٩)، وابن عمر (١٠).\nالثالث: أن المعدودات أيام العشر، والمعلومات أيام النحر. حكاه الثعلبي عن عماد بن إبراهيم (١١)، وفي رواية مجاهد عن ابن عباس (١٢)، وهو اختيار الفراء (١٣)، وكذا حكى مكي والمهدوي\" (١٤).\nالرابع: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، قاله المروزي (١٥).\nوالقول الأول هو المشهور، وعليه أكثر العلماء (١٦)، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فدل على ثلاثة بعد النحر (١٧). والله أعلم.\nقال القرطبي: \"ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهي أيام رمي الجمار، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر، فقف على ذلك\" (١٨).\nوقد روي أن رسول الله ﷺ قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر \" (١٩).\nوفي رواية أخرى: \"\" لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿ \" (٢٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٩٠٥): ص ٤/ ٢١٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٩٠٦): ص ٤/ ٢١٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٩٠٨): ص ٤/ ٢١٠ - ٢١١.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٩٠٧): ص ٤/ ٢١٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩١٠): ص ٤/ ٢١١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦١، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٩٤): ص ٢/ ٣٦٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٠) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٩.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١١٧.\n(١٢) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٩.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٢٢.\n(١٤) وقال ابن زيد: \"الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق\"، وفيه بعد، لأن ظاهر الآية يدفعه. وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال به. (انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣).\n(١٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٦٩.\n(١٦) حكى الإجماع على أن المراد بالأيام المعدودات أيام التشريق جمع من أهل العلم كالجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٣١، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٦٣، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ١، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٠٨، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ١١٠، وإلكيا الهراس في أحكام القرآن: ١/ ١٧٧، وانظر: الإجماع في التفسير للخضيري: ٢٤١ - ٢٤٦.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١١٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١.\n(١٨) تفسير القرطبي: ٣/ ١.\n(١٩) رواه أحمد في المسند: ٧١٣٤ عن هشيم بهذا الإسناد. ورواه أيضًا: ٩٠٠٨ (٢: ٣٨٧ حلبي) عن عفان عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة. ورواه الطحاوي في معاني الآثار ١: ٤٢٨ من طريق سعيد بن منصور عن هشيم به. ولم ينفرد عمر بن أبي سلمة بروايته. فرواه ابن ماجه: ١٧١٩ من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال البوصيري في زوائده: \" إسناده صحيح على شرط الشيخين \".\nوسيأتي عقب هذا من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.\n(٢٠) رواه أحمد في المسند: ١٠٦٧٤، ١٠٩٣٠ (٢: ٥١٣، ٥٣٥ حلبي) عن روح ابن عبادة بهذا الإسناد. وكذلك رواه الطحاوي ١: ٤٢٨ ونسباه للطبري فقط.","vol":"4","page":300},{"text":"وعن عمرو بن دينار: أن رسول الله ﷺ بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله\" (١).\nواختلف أهل اللغة في (الألف واللام) في قوله تعالى ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وفيه وجهان:\nأحدهما: أن الألف والتاء في ﴿معدودات﴾ لأقل العدد. قاله الكوفيون.\nوالثاني: أنهما للقليل والكثير، قاله البصريون، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] والغرفات كثيرة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: \" من تعجل قبل تمام الأيام الثلاثة، وأنهى حجه فلا إثم عليه\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه\" (٤).\nقال البغوي: يعني: \"لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله\" (٥).\nقوله تعالى ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: و\"من تأخر إلى اليوم الثالث في منى لرمي الجمرات فلا إثم عليه\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر الثاني - فلا حرج عليه أيضًا\" (٧).\nوقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، على أقوال (٨):\nأحدها: أن المعنى: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره. وهذا قول عطاء (٩)، والحسن (١٠)، وعكرمة (١١)، ومجاهد (١٢)، والسدي (١٣)، وقتادة (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وابن عمر (١٦).\nوالثاني: أن معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك. قاله إبراهيم (١٧)، وابن عمر (١٨)، وابن عباس (١٩)، وابن مسعود (٢٠)، ومجاهد (٢١)، ومعاوية بن قُرة (٢٢)، وغيرهم (٢٣).\n_________\n(١) رواه الطحاوي ١: ٤٢٨ من طريق سعيد بن منصور عن هشيم بهذا الإسناد. وذكره ابن كثير ١: ٤٧٥ ولم يذكر تخريجه. وذكره السيوطي ١: ٢٣٥ منسوبا للطبري فقط.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٢٣٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٢١٥ وما بعدها.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٩١٧): ص ٤/ ٢١٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٩١٨): ص ٤/ ٢١٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٩١٩): ص ٤/ ٢١٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٩٢٠): ص ٤/ ٢١٥ - ٢١٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٩٢١): ص ٤/ ٢١٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٩٢٣): ص ٤/ ٢١٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٢٤)، و(٣٩٢٥)، و(٣٩٢٦): ص ٤/ ٢١٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٩٢٧): ص ٤/ ٢١٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩٣٧): ص ٤/ ٢١٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٩٣٩): ص ٤/ ٢١٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤١): ص ٤/ ٢١٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤٣): ص ٤/ ٢١٩.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤٠): ص ٤/ ٢١٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤٤): ص ٤/ ٢١٩.\n(٢٣) وروي مثل ذلك علي بإسناد مرسل، وأبي ذر وسالم بن عبد الله وأبي العالية والشعبي والضحاك ومطرف بن الشخير وأبي مالك وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس والسدي. [انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٨٩٨): ص ٢/ ٣٦١].","vol":"4","page":301},{"text":"الثالث: أن معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره. قاله أبو العالية (١)، وإبراهيم (٢)، وابن زيد (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥)، وابن عباس (٦).\nالرابع: أن معنى ذلك: ﴿فمن تعجل في يومين﴾ من أيام التشريق ﴿فلا إثم عليه﴾، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه. قاله محمد بن أبي صالح (٧)، وابن عباس (٨).\nالخامس: أن المعنى: ﴿فمن تعجل في يومين﴾ من أيام التشريق فنفر ﴿فلا إثم عليه﴾، أي مغفورٌ له - ﴿ومن تأخر﴾ فنفر في اليوم الثالث ﴿فلا إثم عليه﴾، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه. وهذا معنى قول قتادة (٩)، وابن مسعود (١٠).\nوالصواب: في تفسير ذلك: \" ﴿فمن تعجل في يومين﴾ من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني \" فلا إثم عليه \"، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده \" ومن تأخر \" إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول، \" فلا إثم عليه \"، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.\nوهذا الإختيار لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ أو: خبَثَ الحديد \" (١١)، وروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك\" (١٢).\nوقرأ سالم بن عبدالله ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ بوصل الألف تخفيفا، والعرب قد تستعمله، قال الشاعر (١٣):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤٦): ص ٤/ ٢٢٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤٧): ص ٤/ ٢٢٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٩٤٩): ص ٤/ ٢٢٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥٠): ص ٤/ ٢٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥١): ص ٤/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥٢): ص ٤/ ٢٢١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥٣): ص ٤/ ٢٢١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥٤): ص ٤/ ٢٢١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥٥): ص ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٩٥٥): ص ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(١١) رواه ابن ماجه: ٢٨٨٧ بإسنادين من طريق ابن عيينة ومن طريق عبيد الله بن عمر - كلاهما عن عاصم بن عبيد الله. وقال البوصيري في زوائده: \" مدار الإسنادين على عاصم ابن عبيد الله، وهو ضعيف. والمتن صحيح من حديث ابن مسعود رواه الترمذي والنسائي \"، يريد الحديثين السابقين.\nوذكره السيوطي ١: ٢١١ وزاد لابن أبي شيبة، والبيهقي.\n(١٢) رواه الطبري عن إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس.\nوهذا الحديث. بهذا الإسناد - لم أجده في موضع آخر من المراجع من حديث ابن عباس. ومعناه ثابت في أحاديث أخر صحاح. انظر الترغيب والترهيب ٢: ١٠٥ - ١١٣ ومجمع الزوائد ٣: ٢٠٧ - ٢٠٩، ٢٧٤ - ٢٧٧.\n(١٣) لم أتعرف على قائله، وذكره القرطبي: ٣/ ١٤، وأبو علي الفارسي في الحجة: ٣/ ٢١١، وأورد معه في الجزء الأخير من كتابه بيتا آخر هو:\nوفتحات في اليدين أربعا.\nولم ينسبه. ونقله ابن جني عنه في الخصائص ٣/ ١٥١. وانظر المحتسب ١/ ١٢٠ والبحر المحيط ٥/ ٥٢.","vol":"4","page":302},{"text":"إن لم أقاتل فالبسوني برقعا (١)\nقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: \" لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه\" (٢).\nقال الفراء: \" يقول: قتل الصيد فى الحرم\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي ما ذكر من الأحكام لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل\" (٤).\nقال البيضاوي: \" أي الذي ذكر من التخيير، أو من الأحكام لمن اتقى، لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به، أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما\" (٥).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" الظاهر أنها قيد للأمرين جميعًا للتعجل والتأخر، بحيث يحمل الإنسان تقوى الله ﷿ على التعجل أو التأخر\" (٦).\nوقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"من حج فلم يرفث ولم يفسق\" (٧).\nقال ابن مسعود: \"إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق، وقال أبو العالية ذهب إئمه أن اتقى فيما بقي من عمره [﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم] (٨).\nقال الزمخشري: \" ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقى: لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحرّز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند اللَّه\" (٩).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وجوها:\nأحدها: أن المعنى: لمن اتقى معاصي الله. قاله ابن عباس (١٠).\nوالثاني: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى على حجه. قاله ابن مسعود (١١).\nوالثالث: المعنى: أن اتقى فيما بقي. وهذا قول أبي العالية (١٢)، والربيع بن أنس (١٣).\nوالرابع: أن المعنى: لمن اتقى الصيد وهو محرم. قاله ابن عباس (١٤) في رواية أبي صالح عنه.\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، \" أي: خافوا الله تعالى\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٣٥.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ١٢٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٨.\n(٧) صحيح مسلم (١٣٥٠): ص ٢/ ٩٨٤، وأحمد (٧٠٩٦): ص ٢/ ٢٢٩.\n(٨) انظر: الطبري: ٤/ ٢٢٩، أسباب النزول للواحدي ص (٩٦).\n(٩) الكشاف: ١/ ٢٥٠.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠٦): ص ٢/ ٣٦٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠٧): ص ٢/ ٣٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠٨): ص ٢/ ٣٦٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠٨): ص ٢/ ٣٦٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٠٩): ص ٢/ ٣٦٣.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٧.","vol":"4","page":303},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" في مجامع أموركم ليعبأ بكم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في أدائه والقيام به\" (٢).\nو(تقوى الله): هو \" اتخاذ وقاية من عذاب الله ﷿ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، \" أي: واعلموا أنكم مجموعون إليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" للجزاء بعد الإِحياء. وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق\" (٥).\nوفي قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: \"تنبيه على أنه لا بد من الإيمان بهذا الحشر، والاستعداد له\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت؛ لكن هذا على سبيل الخصوص.\n٢ - ومنها: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل، والتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾.\n٣ - ومنها: سعة فضل الله ﷿، وتيسيره في أحكامه، حيث جعل الإنسان مخيرًا أن يبقى ثلاثة أيام، أو يتعجل في اليومين.\n٤ - ومنها: أنّه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن ﴿في﴾ للظرفية؛ والظرف يحيط بالمظروف؛ فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين بعد الرمي الواقع بعد الزوال.\n٥ - ومنها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين؛ فكثير من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد، واليوم الحادي عشر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ وهي أيام التشريق؛ وأيام التشريق إنما تبتدئ من الحادي عشر.\n٦ - ومنها: أن الأعمال المخير فيها إنما ينتفي الإثم عنها إذا فعلها الإنسان على سبيل التقوى لله ﷿ دون التهاون بأوامره؛ لقوله تعالى: ﴿لمن اتقى﴾؛ فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله ﷿ والأخذ بتيسيره فهذا لا إثم عليه؛ وأما من فعلها على سبيل التهاون، وعدم المبالاة فإن عليه الإثم بترك التقوى، وتهاونه بأوامر الله.\nتنبيه:\nلا يستفاد من الآية جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر، والخامس عشر مع أن الله تعالى أطلق: ﴿... ومن تأخر﴾؛ لأن أصل الذكر في أيام معدودات؛ وهي ثلاثة أيام؛ فيكون المعنى؛ من تأخر في هذه الأيام المعدودات؛ وهي الأيام الثلاثة.\n٧ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٧.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٩.","vol":"4","page":304},{"text":"٨ - ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾.\n٩ - ومنها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾؛ لأن الإنسان إذا علم أنه سيحشر إلى الله ﷿، وأنه سيجازيه فإنه سوف يتقي الله، ويقوم بما أوجب الله، ويترك ما نهى الله عنه؛ وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله ﷿ يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله دون بقية الأركان التي يؤمن بها؛ وذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم؛ وهو القيام بطاعة الله ورسوله.\n١٠ - لا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟ فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف ﵃. وفي المختصر: ولا يكبر النساء دبر الصلوات، والأول أشهر، لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل، قاله في المدونة (١).\n١١ - واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير، فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس: \"يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق\". وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول، قول عمر وعلي وابن عباس ﵃، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء. وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا. وقال زيد بن ثابت: \"يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق\". قال ابن العربي: فأما من قال: يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر، لأن الله تعالى قال: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وأيامها ثلاثة، وقد قال هؤلاء: يكبر في يومين، فتركوا الظاهر لغير دليل. وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق، فقال: إنه قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فذكر \" عرفات\" داخل في ذكر الأيام، هذا كان يصح لو كان قال: يكبر من المغرب يوم عرفة، لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى.\nواختلفوا في لفظ التكبير، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، رواه زياد بن زياد عن مالك. وفي المذهب رواية: يقال بعد التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفي المختصر عن مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد (٢).\n١٢ - أما في مسألة وقت الأضاحي فالراجح في ذلك مذهب الشافعي، ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال (٧) للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنَّه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النَّفْر الآخِر. وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، ولكن لا يصح مرفوعا (٣) والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره، حتى ترتج منى تكبيرًا (٤).\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٤.\n(٣) سنن الدارقطني (٢/ ٤٩، ٥٠) من طرق عن جابر ﵁.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦١ - ٥٦٢.","vol":"4","page":305},{"text":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]\nالتفسير:\nوبعض الناس من المنافقين يعجبك -أيها الرسول- كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة، ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام، وفي هذا غاية الجرأة على الله، وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين.\nقال القرطبي: \" لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا - في قوله ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]- والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا الكفر\" (١).\nفيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين؛ منهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ ومنهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ هنا قسم الناس أيضًا إلى قسمين: إلى مؤمن؛ وإلى منافق؛ فقال تعالى في المنافق: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤].\nوقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية (٢):\nأحدها: قال السدي: \"نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي - وهو حليفٌ لبني زُهره - وأقبل إلى النبيّ ﷺ بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق! وذلك قوله: \" ويشهد الله على ما في قلبه \" ثم خرج من عند النبي ﷺ فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع، وعقر الحُمُرُ، فأنزل الله ﷿: ﴿وإذا تولى سعَى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرْثَ والنسل﴾. وأما ﴿ألد الخصام﴾ فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ونزلت فيه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ إلى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١٣] \" (٣).\nوالثاني: أنها نزلت في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله ﷺ بالرَّجيع.\nقال ابن عباس: \"لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله ﷿ في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: \" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا \" أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام \" ويشهد الله على ما في قلبه \" أي من النفاق - \" وهو ألد الخصام \" أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك \" وإذا تولى \" - أي: خرج من عندك \" سعىَ في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحَرثَ والنسل والله لا يحب الفساد \" - أي: لا يحبّ عمله ولا يرضاه \" وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسْبُه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله \" الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك - يعني هذه السرّية\" (٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٢ - ٢٣٣، وأسباب النزول: ٦٥.\n(٣) تفسير الطبري (٣٩٦١): ص ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٤) تفسير الطبري (٣٩٦٢): ص ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١.","vol":"4","page":306},{"text":"والثالث: أنه عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله: ﴿ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه﴾، اختلافَ سريرته وعلانيته.\nقال أبو معشر نجيح: \" سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أعليّ يجترءون، وبي يغترُّون! ! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران! ! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﷿: \" ومنَ الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرثَ والنسل والله لا يحبَ الفساد \" فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ (١). وروي عن نَوْف (٢)، وقتادة (٣)، ومجاهد (٤)، والربيع (٥)، وعطاء (٦)، مثل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، \" أي ومن الناس فريق يعجبك قوله\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي: ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه\" (٨).\nقال القاسمي: \"أي بعض الناس\" يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه\" (٩).\nقال صاحب الكشاف: \" أى يروقك ويعظم في قلبك. ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس (١٠).\nقال الراغب\" التعجب حيرة تعرض للإنسان عن جهل سبب الشيء وليس هو شي ماله في ذاته حالة، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة أعجبني كذا، أي ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع\" (١٢).\nوالخطاب في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، يحتمل وجهين (١٣):\nأحدهما: أنه خطاب للرسول -صلى الله عليم وسلم-.\nوالثاني: أنه لكل من يتأتى خطابه.\nقال ابن عثيمين: \" والأولى الثاني\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، \" أي في هذه الحياة فقط\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣٩٦٤): ص ٤/ ٢٣٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٥): ص ٤/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٦): ص ٤/ ٢٣٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٧): ص ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٨): ص ٤/ ٢٣٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٩): ص ٤/ ٢٣٣.\n(٧) تفسير المراغي: ٢/ ١١٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٩) تفسير القاسمي: ٢/ ٧٠.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٠.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٢٧.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٢.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.","vol":"4","page":307},{"text":"قال الصابوني: \" أما الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطّلع على القلوب والسرائر\" (١).\nقال المراغي: \" وأنت في هذه الحياة الدنيا، لأنك تأخذ بالظواهر، وهو منافق يظهر غير ما يضمر ويقول ما لا يفعل، فهو يعتمد على خلابة اللسان، فى غش المعاشرين والأقران، ويوهم أنه صادق الإيمان، نصير للحق خاذل للباطل، متّق لله في السر والعلن، مجتنب للفواحش ما ظهر منها وما بطن\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةٍ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، قولان (٣):\nأحدهما: يعني من الجميل والخير.\nوالثاني: من حب رسول اللهﷺ-، والرغبة في دينه.\nوذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وجهين من التفسير (٤):\nأحدهما: أنه متعلق بمحذوف حالًا من ﴿قوله﴾؛ والتقدير: قوله حال كونه فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم في أمور الدين.\nوالثاني: أن المعنى: القول الذي يعجب حتى في الدين؛ لكن لا ينتفع به في الآخرة؛ إنما ينتفع به في الدنيا فقط.\nقوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، \" أي ويحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول ويدعي\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي يظهر لك الإِيمان ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق\" (٦).\nقال الطبراني: أي: \" يقول هذا المنافق: اللهُ شهيدٌ على ما في قلبي كما هو على لسانِي من الإيمانِ\" (٧).\nقال البغوي: \"يعني قول المنافق: والله إني بك مؤمن ولك محب\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي: يحلف بالله على الإيمان بك والمحبة لك، وأن الذي في قلبه موافق للسانه لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة، أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق - على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] \" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، ثلاثة تأويلات (١٠):\nأحدها: أن يقول: اللهم اشهد عليّ فيه، وضميره بخلافه.\nوالثاني: معناه: وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه. وهذا قول ابن عباس (١١). ويسنده قراءة ابن مُحَيْصن: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.\nوالثالث: معناه: ويستشهد الله على صحة ما في قلبه، ويعلم أنه بخلافه. وهي في قراءة ابن مسعود ﴿وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. وهذا معنى قول السدي (١٢)، وابن زيد (١٣)، ومجاهد (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٢) تفسير المراغي: ٢/ ١١٠.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١١٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٧) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٥.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٢٣٥.\n(٩) تفسير القاسمي: ٢/ ٧١.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٢): ص ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧١): ص ٤/ ٢٣٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٠): ص ٤/ ٢٣٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٢): ص ٤/ ٢٣٤.","vol":"4","page":308},{"text":"وذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ وجهين (١):\nالأول: أن المعنى استمراره في النفاق؛ لأن الله - ﵎ - يعلم ما في قلبه من هذا النفاق؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه.\nوالقول الثاني: أن المعنى: أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا؛ فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان، والتمسك به وهو كاذب في ذلك؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وعندي أن المعنيين لا يتنافيان؛ كلاهما حق؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق؛ وهو أيضًا يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه: ﴿وهو ألد الخصام﴾ يعني: أعوجهم، وأكذبهم؛ و﴿الخصام﴾ يحتمل أن يكون مصدرًا؛ ويحتمل أن يكون جمعًا؛ إن كان مصدرًا ففعله: خاصم يخاصم، مثل: جادل يجادل؛ وقاتل يقاتل؛ وعلى هذا: ﴿ألد الخصام﴾ تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام؛ وإن كان جمعًا فمفرده: خَصِم؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذبًا؛ ويكون أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأنَّ المعنى؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، فيه قراءتين (٣):\nإحداهما: ﴿ويَشْهَدُ اللهُ﴾، بفتح الياء، وضم الجلالة ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قرأ بها ابن محيصن.\nوالمعنى: \"والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه\" (٤).\nوالثانية: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، بضم (الياء)، ونصب الجلالة، وهي قراءة الجمهور.\nوالمعنى: أنه \"يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب\" (٥).\nوالراجح من القراءة: ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾، بمعنى \"يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه\" (٦). والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، أي: وهو \"شديد الخصومة\" (٧).\nقال الطبراني: أي: \" جَدِلٌ بالباطل\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي شديد الصخومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٣.\n(٦) تفسيرالطبري: ٤/ ٣٣٥.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٣٥.\n(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٥.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.","vol":"4","page":309},{"text":"قال المراغي: \" أي وهو قوى في الجدل لا يعجزه أن يغشّ الناس بما يظهر من الميل إليهم والسعى في إصلاح شئونهم\" (١).\nقال السعدي: \" إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم\" (٢).\nو(الألد) من الرجال: الشديد الخصومة، قال تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] (٣).\nقال الثعلبي: \"يقال: رجل الدّ وامرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ\" (٤).\nقال الطبري: \" يقال: قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً (٥)، فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: \" لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر (٦):\nثُمَّ أُرَدِّي بِهِمُ من تُرْدِي ... تَلُدُّ أقْرَانَ الخُصُومِ اللُّدِّ\" (٧)\nقال الحافظ ابن حجر: \" الألد: الشديد اللَّدَد، أي: الجدال (٨)، مشتق من اللُدَيْدَين، وهما صفحتا العنق (٩)، والمعنى أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قَوِيَ\" (١٠).\nوفي (الخصام) قولان:\nأحدهما: أنه مصدر، وهو قول الخليل (١١)، وأبو عبيدة (١٢)، واختيار الطبري (١٣).\nوالثاني: أنه جمع (خَصْمٍ)، وهو قول الزجاج (١٤).\nوفي تفسير قوله تعالى ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، أربعة أوجه (١٥):\nأحدها: أنه ذو جدال إذا كلمك وراجعك، وهو قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧).\nوالثاني: يعني أنه غير مستقيم الخصومة، لكنه معوَجُّها، وهذا قول مجاهد (١٨)، والسدي (١٩).\nقال الطبري: \" وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد\" (٢٠).\nوالثالث: يعني أنه كاذب في قوله. وهذا قول الحسن البصري (٢١).\nوالرابع: أنه شديد القسوة في معصية الله، وهو قول قتادة (٢٢).\nوقد روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ- قال: \"أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ\" (٢٣).\nوفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان (٢٤):\nأحدهما: أنه صفة للمنافق، وهذا قول ابن عباس (٢٥)، وقتادة (٢٦)، ومجاهد (٢٧)، والربيع (٢٨)، وعطاء (٢٩)، والحسن (٣٠).\nوالثاني: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وهو قول السدي (٣١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾؛ وكذلك من الناس من يعجبك فعله؛ ولكنه منطوٍ على الكفر - والعياذ بالله؛ ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما يقتضيه الظاهر؛ لأن ما في القلوب لا نعلمه؛ ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب؛ وإنما نحاسبهم على حسب الظاهر.\n٢ - ومنها: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه إما مما أظهره؛ وإما مما أبطنه - حسب ما سبق.\n٣ - ومنها: الإشارة إلى ذم الجدل، والخصام؛ لقوله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾؛ لأن الخصومات في الغالب لا يكون فيها بركة؛ وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٣٢) أي الإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وما من إنسان في الغالب أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل يريد بذلك نصرة قوله فقط؛ وبذلك يحرم بركة العلم؛ أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب لا يحتاج إلى مجادلات كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم علومهم ناقصة البركة لا خير فيها؛ وتجد أنهم\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٢/ ١١٠.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٢٣، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٢، ولسان العرب: ٧/ ٤٠٢٠، وتهذيب اللغة: ٤/ ٣٢٥٤.\n(٤) الثعلبي: ٢/ ١٢٢\n(٥) قال شاكر في حاشية \"تفسير الطبري\" عن لدادة: مصدر لم أجده في كتب اللغة التي بين يدي. [تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٥]. قلت: والصحيح: \"لداد\". قال الثعلبي: \" يقال منه لددت يا هذا وأنت تلد لدّا ولداد\". [تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٢].\n(٦) لم أعرف قائله. والبيت الثاني في اللسان (لدد) روايته \" ألد أقران \". والبيتان جميعا في معاني القرآن للفراء ١: ١٢٣ بتقديم البيت الثاني على الأول، وروايته: \" اللُّدّ أقران الرجال اللُّدِّ \"\nوكأنه تصحيف وخطأ وصوابه \" ألد \" كما في اللسان. وكان في الطبري \" ثم أردى وبهم. . \" بزيادة واو، والصواب ما في معاني القرآن.\n(٧) انظر: تفسير الطبري/٤/ ٢٣٥.\n(٨) انظر: لسان العرب لابن منظور: ٥/ ٤٠٢٠، تاج العروس للزبيدي: ٥/ ٢٣٨.\n(٩) هذا قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٧٧، والراغب في المفردات: ٤٤٩، وهناك قولان آخران هما: أ-أنه مشتق من لُدَيْدَي الوادي، وهما جانباه سميا بذلك لاعوجاجهما. ب-أنه مشتق من لَدَّه إذا حبسه؛ فكأنه يحبس خصمه عن مفاوضته. انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٠٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٠٥.\n(١٠) الفتح: ٥/ ١٢٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٥.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٧.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٥ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٣): ص ٤/ ٢٣٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٤)، و(٣٩٧٥): ص ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٦)، و(٣٩٧٧): ص ٤/ ٢٣٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٨): ص ٤/ ٢٣٦.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٦.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٩): ص ٤/ ٢٣٦.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٤): ص ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٢٣) رواه البخاري (٢٣٢٥): ص ٢/ ٨٦٧.\n(٢٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٥.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٢)، و(٢٩٦٣): ص ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٦): ص ٤/ ٢٣٢.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٧): ص ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٨): ص ٤/ ٢٣٣.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦٩): ص ٤/ ٢٣٣.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٣٩٧٩): ص ٤/ ٢٣٦.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦١): ص ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وابن أبي حاتم (١٩١٣): ص ٢/ ٣٦٤.\n(٣٢) أخرجه البخاري ص ١٩٣، كتاب المظالم والغصب، باب ١٥: قول الله تعالى: (وهو ألد الخصام)، حديث رقم ٢٤٥٧، وأخرجه مسلم ص ١١٤٢، كتاب العلم، باب ١: في الألد الخصم، حديث رقم ٦٧٨٠ [٥] ٢٦٦٨.","vol":"4","page":310},{"text":"يخاصمون، ويجادلون، وينتهون إلى لا شيء؛ لا ينتهون إلى الحق؛ لأنهم لم يقصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه؛ فكل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم؛ وأما من جادل ليصل إلى العلم، ولإثبات الحق، وإبطال الباطل فإن هذا مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥].\n٤ - ومنها: إثبات علم الله ﷿ بما في الصدور؛ لقوله تعالى: ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله ﷿.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]\nالتفسير:\nوإذا خرج من عندك أيها الرسول، جَدَّ ونَشِط في الأرض ليفسد فيها، ويتلف زروع الناس، ويقتل ماشيتهم. والله لا يحب الفساد.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: ٢٠٥]، أي: و\" إذا أعرضَ عنك، وذهب\" (١).\nقال الثعلبي: أي: \" أدبر وأعرض عنك\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" أدبر وانصرف عنك\" (٣).\nقال ابن عباس: \" أي: خرج من عندك\" (٤). وروي عن السدي (٥) نحو ذلك.\nوقد اختلف في قوله تعالى ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: ٢٠٥] على أقوال:\nأحدها: أنه يعني: وإذا خرج من عندك (سعى). قاله ابن عباس (٦).\nوالثاني: أن المعنى: إذا غضب. وهذا قول ابن جريج (٧).\nوالثالث: المعنى: يلي في الأرض، فيعمل فيها بالعدوان والظلم. قاله أبو حجاج (٨).\nوالرابع: تولى عن قوله الذي أعطاه. قاله الحسن (٩).\nالخامس: ملك الأمر وصار واليا. قاله الضحاك (١٠).\nقوله تعالى: ﴿سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]، أي: \"أسرعَ مشيًا في الأرض لِيَعْصِيَ فيها ويضُرَّ المؤمنين\" (١١).\nقال الشيخ السعدي: \" أي: يجتهد على أعمال المعاصي، التي هي إفساد في الأرض\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿سَعَى فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وجهان (١٣):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١٤٥.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٩٢٤): ص ٢/ ٣٦٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦٦.\n(٦) تفسير الطبري (٣٩٨٠): ص ٤/ ٢٣٧.\n(٧) تفسير الطبري (٣٩٨١): ص ٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٢٥): ص ٢/ ٣٦٦.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.\n(١١) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٥.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٣.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.","vol":"4","page":311},{"text":"احدهما: أي عمل فيها.\nوالثاني: وقيل: سار ومشى.\nوالأول أظهر، لأن (السعي) في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى (١):\nوَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ ... قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا\nيعني بذلك: عمل لهم في المكارم (٢).\nقال الراغب: \" (السعي): مشي سريع، ومنه قيل: السعي بين الصفا والمروة، فجعل مستعارًا للتصرف، ولأجله قيل لجابي الصدقة ساع، وقيل للوقيعة في الغير سعاية، وذلك كاستعارة المشي لهما في قوله ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ \" (٣).\nواختلف أهل التأويل في معنى (الإفساد) الذي أضافه الله ﷿ إلى هذا المنافق، وفيه قولان (٤):\nأحدهما: أن الإفساد يكون من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما فعل الأخنس بن شريق.\nوالثاني: أن معناه: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين. وهذا قول ابن جريج (٥).\nقال الطبري: \" والأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه ﴿سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل﴾، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم\" (٦).\nوالصواب أنه يدخل في الإفساد جميع المعاصي، ولم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، \" أي: يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان، والحيوان\" (٧).\nقال السعدي: \" فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" يعني: يكون سعيه سببًا لفساد الحرث، والحيوانات؛ لأن المعاصي سبب لذلك؛ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، لقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]، ولقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦] \" (٩).\nقال الصابوني: \" معناه: أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية\" (١٠).\nوفي معنى (الحرث) في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قولان:\nأحدهما: أن الحرث النساء والنسل الأولاد.\n_________\n(١) ديوانه: ٢٥، وقيس هو قيس بن معد يكرب الكندي، كان يكثر مدحه والثناء عليه.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٢٨٠ - ٤٢٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٨ وما بعدها.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٨٣): ص ٤/ ٢٣٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٨) تفسير السعدي: ٩٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.","vol":"4","page":313},{"text":"قال الزجاج: \"وهذا غير منكر، لأن المرأة تسمى حرثا - قال الله ﷿: (نساؤكم حرث لكم)، وأصل هذا إنما هو في الزرع، وكل ما حرث. فيشبه ما منه الولد بذلك\" (١).\nوالثاني: أن (الحرث) هو ما تعرفه من الزرع. لأنه إذا أفسد في الأرض أبطل - بإفساده وإلقائه الفتنة - أمر الزراعة.\nقال الثعلبي: \" قال المفسّرون: (الحرث): ما تحرثون من النبات، و(النسل): \"نسل كل دابة والنّاس منهم\" (٢) \" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في وجه (إهلاك) هذا المنافق (الحرث)، على قولين (٤):\nأحدهما: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قوم من المسلمين وعقرًا لحمُرهم. قاله السدي (٥)، وأبو العالية (٦).\nوالثاني: أنه \"إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ. قاله مجاهد (٧).\nوالراجح قول السدي، لأنه أشبه بظاهر الآية. والله تعالى أعلم.\nوقد اختلف أهل التفسير في وجه (إهلاك) هذا المنافق (النسل)، على قولين (٨):\nأحدهما: بالسبي والقتل. وهذا معنى قول مالك (٩).\nوالثاني: بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل.\nوكلا القولين تحتملهما الآية. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وجوها من القراءة (١٠):\nالوجه الأول: ﴿وَيُهْلِكُ﴾، برفع الكاف على الابتداء (١١)، قرأ بها الحسن وابن أبي إسحاق.\nوفي رفعه أقوال (١٢):\nالأول: أن يكون معطوفا على ﴿يعجبك﴾.\nوالثاني: أن يكون معطوفا على ﴿سعى﴾، لأن معناه يسعى ويهلك. قاله أبو حاتم.\nوالثالث: أن التقدير: وهو يهلك. أي يعتقد ذلك. أجازه الزجاج (١٣).\nوالوجه الثاني: ﴿وَيُهْلِكَ﴾، بالنصب، وهي قراءة الجمهور.\nقال الثعلبي: \"ويصدّقها قراءة أبي: ﴿وليهلك﴾ \" (١٤).\nو(الحرث) في اللغة: الزرع، وقيل الكسب (١٥).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٢) هذا قول ابن عباس، انظر: تفسير الطبري (٣٩٨٦) - (٣٩٩٠): ص ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢. وروي عن مجاهد وقتادة، والضحاك، وعطاء، ومكحول مثل ذلك. انظر تلك الأخبار في: تفسير الطبري (٣٩٩١) - (٣٩٩٧): ص ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٩ وما بعدها.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٨٤): ص ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٢٩): ص ٢/ ٣٦٦.\n(٧) انطر: تفسير الطبري (٣٩٨٥): ص ٤/ ٢٤٠.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٢٨): ص ٢/ ٣٦٦.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٧.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٧.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٧.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(١٥) انظر: اللسان (حرث).","vol":"4","page":314},{"text":"و(النسل): \"مصدر نسل إذا خرج منفصلًا ومنه: نسل الوبر والريش، والنسالة للساقط منه، ونسل إذا أسرع، قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ \" (١)، \" أي: يسرعون؛ لأنه إسراع الخروج بحدة\" (٢)، وقوله تعالى: ﴿من كل حدب ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦] ومنه قول امرىء القيس (٣):\nوإنْ كنتِ قدساءَتكِ مني خليقةٌ ... فَسُلّي ثيابِي من ثيابِك تَنسُلِ\nقال الواحدي: \" و(النسل): الولد؛ لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والنسل: نسل آدم، وأصل الحرف من النُّسُول، وهو الخروج\" (٤).\nقال الراغب: \" وسمي الولد نسلًا، لكونه ناسلًا عن أبويه، بيّن تعالي حال هذا المعجب في الدنيا المرائي المجادل بأنه إذا تولى عمن يرائي سلي في الإفسال وإهلاك الحرث والنسل، وذلك معاندة لله فيما حث عليه في قوله ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وما دل عليه قول النبي﵇- لما خلق الله المعيشة جعل البركة في الحرث والنسل، ولجأ أن من فعل ذلك فإن الله لا يحبه، أي لا يرضى فعله\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، \" أي والله لا يرضى الفساد ولا يحبه\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه\" (٧).\nقال الطبراني: أي والله \"لا يرضَى المعاصي\" (٨).\nقال الطبري: \" والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق\" (٩).\nقال الشيخ السعدي: \" وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا\" (١٠).\nوقال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب.\nوقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض.\nقال ابن عثيمين: \"\" بيان أن عمله هذا مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد؛ وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى؛ ﴿والله لا يحب المفسدين﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فالله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين؛ فالفساد نفسه مكروه إلى الله؛ والمفسدون أيضا مكروهون إليه لا يحبهم\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٢٨٠ - ٤٢٩.\n(٢) التفسير البسيط: ٤/ ٧٨.\n(٣) شرح المعلقات السبع: ١٩. قال الزوزني: \" من الناس من جعل الثياب في هذا البيت بمعنى القلب، كما حملت الثياب على القلب في قول عنترة: [الكامل]: فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بحرم\nوقد حملت الثياب في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهرْ﴾ [المدثر: ٤]، على أن المراد به القلب، فالمعنى على هذا القول: إن ساءك خلق من أخلاقي وكرهت خصلة من خصالي فردي على قلبي أفارقك، ولا معنى على هذا القول: استخرجي قلبي من قلبك يفارقه. النسول: سقوط الريش والوبر والصوف والشعر، يقال: نسل ريش الطائر ينسل نسولا، واسم ما سقط النسيل والنسال؛ ومنهم من رواه تنسلي وجعل الانسلاء بمعنى التسلي، والرواية الأولى أولاهما بالصواب، ومن الناس من حمل الثياب في البيت على الثياب الملبوسة وقال: كنى بتباين الثياب وتباعدها عن تباعدهما، وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك أي: ففارقيني وصارميني\".\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ٧٨، وانظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٥٦٣ (نسل)، والمفردات: ٤٩٣، والنهاية في غريب الحديث: ٩٣١، (ط. ابن الجوزي).\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٢٨٠ - ٤٢٩.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ١١١.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٣.\n(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٤٣.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ٩٣.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٦.","vol":"4","page":315},{"text":"ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وجوها من التفسير (١):\nأحدها: معناه لا يحب أهل الفساد. قاله الماوردي (٢).\nوالثاني: لا يمدح الفساد، ولا يثني عليه.\nوالثالث: أنه لا يحب كونه دينًا وشرعًا.\nوالرابع: لا يحب العمل بالفساد، ولا يرضى به. وهذا قول ابن عباس (٣).\nوالخامس: لا يأمر به. قاله القرطبي (٤).\nوالسادس: لا يحبه من أهل الصلاح.\nوالسابع: أن قطع الورق (٥)، والذهب، من الفساد في الأرض. قاله سعيد بن المسيب (٦).\nوالثامن: أنه شق الثياب، لا على وجه المصلحة (٧).\nقلت: وعموم تلك الأقوال تدخل ضمن المعنى المراد من الآية، والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح (٨). والله أعلم.\nقال المراغي: \" وفي الآية إيماء إلى أن تلك الصفات المحمودة في الظاهر لا تكون مرضية عند الله إلا إذا أصلح صاحبها عمله، لأن الله لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن المعاصي سبب لهلاك الحرث، والنسل؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥]؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦].\n٢ - ومنها: إثبات محبة الله ﷿ للصلاح؛ لقوله تعالى ﴿والله لا يحب الفساد﴾؛ فإن قيل: هذا نفي، وليس بإثبات؛ قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة؛ ولو كان لا يحب أبدًا لم يكن هناك فرق بين الفساد، والصلاح؛ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح.\n٣ - ومنها: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾؛ ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذرًا من التعرض لأمر لا يحبه الله.\n٤ - ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب (١٠).\nالقرآن\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [البقرة: ٢٠٦]\nالتفسير:\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٦، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٣٥): ص ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٨.\n(٥) أي الدرهم. انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٧٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٣٦): ص ٢/ ٣٦٨.\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٧٩، والبحر المحيط: ٢/ ١١٧.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٨.\n(٩) تفسير المراغي: ٢/ ١١١.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ١٨.","vol":"4","page":316},{"text":"وإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد، وقيل له: اتق الله واحذر عقابه، وكُفَّ عن الفساد في الأرض، لم يقبل النصيحة، بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام، فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا، ولبئس الفراش هي.\nقال القرطبي: \" هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبدالله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصيني! \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أي إذا قيل له\" خف الله\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"أي إذا قال له أهل العلم، والإيمان اتق الله -أي اتخذ وقاية من عذاب الله بترك الكفر، والفساد\" (٣).\nقال الطبراني: \" أي إذا قيلَ لها المنافق: احذرْ عقوبةَ الله ولا تفسدْ\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي إذا وُعظ هذا الفاجر وذكِّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح\" (٥).\nقال المراغي: \" أي إن ذلك المفسد إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ف﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أي \"حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم\" (٧).\nقال الثعلبي: \" أي: حملته العزّة وحمية الجاهليّة على الفعل بالإثم والعزة والقوّة والمنعة\" (٨).\nقال صاحب الكشاف: أى \"حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلى عنه ضرارا ولجاجا. أو على ردّ قول الواعظ\" (٩).\nقال الصابوني: \" حملته الأنفة وحمية الجاهلية، على الفعل بالإثم، والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد، وأمعن في العناد\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي\" إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق - امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢] \" (١١).\nقال المراغي: أي: \" أسرع إليه الغضب، وعظم عليه الأمر وأخذته الأنفة وطيش السفه، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله\" (١٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والعزة قد تكون وصفًا محمودًا؛ وقد تكون وصفًا مذمومًا، فالمعتز بدينه محمود، كما قال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨]؛ والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة إذا أُمر بالدين والإصلاح مذموم\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، تأويلان (١٤):\nأحدهما: معناه دعته العزة إلى فعل الإثم.\nوالثاني: معناه إذا قيل له اتق الله، عزت نفسه أن يقبلها، للإثم الذي منعه منها.\nوالمراد بـ ﴿الإثم﴾: \"الذنب الموجب للعقوبة؛ فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم\" (١٥).\nواختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية على قولين (١٦):\nأحدهما: أنه عنى بها كل فاسق ومنافق، وهذا معنى قول علي (١٧)، وعمر (١٨)، وابن عباس (١٩) -﵃-.\nوالثاني: أنه عنى به الأخنس بن شريق. قاله السدي (٢٠).\nو(العزة) في اللغة: القوة والشدة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] (٢١).\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى (العزة) في قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، على أقوال (٢٢):\nأحدها: أن العزة هنا: (الحمية)، ومنه قول الشاعر (٢٣):\nأخذته عزة من جهله ... فتولى مغضبا فعل الضجر\nوالثاني: أنه العزة هنا: (المنعة وشدة النفس)، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه.\nوالثالث: أن: المعنى إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا، ازداد إقداما على المعصية. قاله قتادة (٢٤).\nقال القرطبي: \"والمعنى حملته العزة على الإثم\" (٢٥).\nوالرابع: وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره: ﴿َبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢] (٢٦).\nقال أهل العلم: \" معنى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾: حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته\" (٢٧).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٧.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٦) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٣٦.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٤.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٧.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٦.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٣٩٩٨): ص ٤/ ٢٤٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٣٩٩٩): ص ٤/ ٢٤٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٣٩٩٩): ص ٤/ ٢٤٥.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٣٩٦١): ص ٤/ ٢٢٩.\n(٢١) انظر: لسان العرب «عزز): ص ٥/ ٣٧٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢٣) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد ابن الجوزي في زاد امسير: ١/ ٢٢٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢٤) ذكره الواحدي عن قتادة في \"الوسيط\" ١/ ٣١١، والقرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢٥) تفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢٦) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٢٧) التفسير البسيط: ٤/ ٧٩.","vol":"4","page":317},{"text":"وتعددت أقوال أهل العلم في نوع (الباء) في قوله تعالى ﴿بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] على وجوه (١):\nأحدها: أنها بمعنى (اللام)، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة (٢):\nوكأن ربا أو كحيلا معقدا ... حش الوقود به جوانب قمقم\nأي: حش الوقود له (٣).\nوالثاني: أن تكونَ (الباء) للسببيةِ، بمعنى أنَّ إثمَه كان سببًا لأخْذِ العِزَّةِ له، كما في قول الشاعر (٤):\nأَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ ... فَتَوَلَّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ\nوالثالث: أنْ تكونَ (الباء) للتعديةِ، من قولك\"أخذته بكذا، إذا حملته عليه وألزمته إياه. وهذا قول الزمخشري (٥).\nوقال السيوطي: \"وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازم نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿[وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ] بِسَمْعِهِمْ﴾، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو: \"صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ\" أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخرَ\" (٦).\nوالرابع: أن تكونَ للمصاحبةِ، فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهانِ (٧):\nالأول: أن تكونَ حالًا من ﴿العزَّةُ﴾، أي: ملتبسةً بالإِثمِ.\nوالثاني: أن تكنَ حالًا من المفعولِ أي: أَخَذَتْهُ ملتبسًا بالإِثمِ.\nوبذلك فإن معنى (الباء) يختلف بحسب التأويلات. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أي: \" كفاهُ النارُ في الآخرة عقوبة ونَكالًا\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي كافيه [الجهنم] معاقبة وجزاء\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: هي كافيته عقوبة في ذلك\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"أي كافيه؛ وهو وعيد له بها\" (١١).\nقال المراغي: \" أي إن النار مصيره ويكفيه عذابها جزاء له على كبريائه وحميته حمية الجاهلية، وستكون مهاده ومأواه، وهى بئس المهاد وشره، فلا راحة فيها، ولا اطمئنان لأهلها\" (١٢).\nو(الحسْب): \"بمعنى الكافي، كما قال الله تعالى: ﴿فقل حسبي الله﴾ [التوبة: ١٢٩] أي كافيني؛ وقال تعالى: ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي كافينا؛ فقوله تعالى؛ ﴿فحسبه جهنم﴾ أي كافيته؛ والمعنى: أنه يكون من أهلها - والعياذ بالله و﴿جهنم﴾ اسم من أسماء النار؛ قيل: إنها كلمة معربة، وأنها ليست من العربية الفصحى؛ وقيل: بل هي من اللغة الفصحى، وأن أصلها من الجهمة؛ وهي الظلمة؛ ولكن زيدت فيها النون للمبالغة؛ وعلى كلٍّ فإن ﴿جهنم﴾ اسم للنار التي أعدها الله ﷾ للكافرين؛ وسميت بذلك لبعد قعرها، وظلمتها - والعياذ بالله -\"\" (١٣).\nقال الواحدي: \" يقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله، قال امرؤ القيس (١٤):\nفَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا ... وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ\nأي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني\" (١٥).\nواختلف أهل العربية في أصل (الجهنم) على قولين:\nأحدهما: أنها اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تصرف وتنون، للتعريف والعجمة. قاله يونس وأكثر النحويون (١٦).\nوالثاني: أنها سم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم لم تصرف وتنون، للتعريف والتأنيث.\nقال قطرب: \"حكي لنا عن رؤبة أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]: أي: \"وبئس هذا الفراش والمهاد\" (١٨).\nقال الطبري: \" ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التي أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه\" (١٩).\nقال النسفي: \" يعني ولبئس الفراش ولبئس القرار\" (٢٠).\nأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ﴿ولبئس المهاد﴾ قال: \"بئس المنزل\" (٢١).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قول الله: ولبئس المهاد قال: \"بئس ما مهدوا لانفسهم\" (٢٢).\nقال ابن عثيمين: \"اللام هنا للابتداء؛ أو موطئة للقسم - أي: وواللَّهِ لبئس المهاد - وهذا أقرب؛ و«بئس» فعل جامد لإنشاء الذم؛ وفاعلها ﴿المهاد﴾؛ وهي من الأفعال التي تحتاج إلى مخصوص بالذم؛ والمخصوص محذوف؛ أي: ولبئس المهاد مهاده، حيث كانت جهنم\" (٢٣).\nو(المهاد): \"جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد\" (٢٤).\nوفي سبب تسمية الجهنم ها هنا مهادا، قولان (٢٥):\nأحدهما: أنها سميت بذلك على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في الثبوت عليه.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٩. والدر المصون: ٢/ ٣٣٢.\n(٢) ديوانه: ٢٢، والرب، بالضم: سلافة خثارة كل ثمر بعد اعتصارها، والكحيل: القطران، يطلى به الإبل، انظر: القاموس (رب، كحل)، والمعقد: الذي أوقد تحته النار حتى انعقد وغلظ، وحشّ: بمعنى احتشّ، أي: اتّقد. انظر: شرح القصائد السبع، لابن الأنباري: ٣٣٢.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٤) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد ابن الجوزي في زاد امسير: ١/ ٢٢٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥١.\n(٦) الدر المصون: ٢/ ٣٣٢.\n(٧) انظر: الدر المصون: ٢/ ٣٣٢.\n(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٦.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ١٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٤.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٧.\n(١٢) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٧.\n(١٤) ديوان امرئ القيس\" ص ١٧١، وينظر: \"الزاهر\" ١/ ٩٦، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣١١.\n(١٥) التفسير البسيط: ٤/ ٨١.\n(١٦) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٨١، وفي \"لسان العرب\" ٢/ ٧١٥ (جهن).\n(١٧) التفسير البسيط: ٤، ٨١، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٨١، \"المفردات\" ١٠٩، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٨، \"لسان العرب\" ٢/ ٧١٥ \"جهن\".\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٧.\n(١٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٤٦.\n(٢٠) بحر العلوم: ١/ ١٦٣.\n(٢١) الفتح القدير: ١/ ٢١٠.\n(٢٢) تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦٨.\n(٢٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٢.\n(٢٤) التفسير البسيط: ٤/ ٨١، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٧١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٦١، \"المفردات\" ص ٤٧٩، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٨٦ \"مهد\".\n(٢٥) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٨١ - ٨٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠، والتفسير الكبير: ٥/ ٢٢٠، والبحر المحيط: ٢/ ١١٨.","vol":"4","page":318},{"text":"قال الطبراني: \" والْمِهَادُ: الْفِرَاشُ الْمُوطِئُ للنومِ كما يُمهد للطفلِ؛ فلما كان المعذَّبُ يُلْقَى في نار جنهم، جعل ذلك مهادًا له على معنى: أنَّ جهنم للكافرِ مكان كالمهادِ للمؤمن في الجنةِ\" (١).\nقال القرطبي: \" وسمي جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار\" (٢).\nوالثاني: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤]، على جِهَةِ البَدَلْ، ونظيره من الكلام قولهم (٣):\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينِهم ضرب وجيع\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات يأنف أن يؤمر بتقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ فهو يأنف، كأنه يقول في نفسه: أنا أرفع من أن تأمرني بتقوى الله ﷿؛ وكأن هذا الجاهل تعامى عن قول الله تعالى لأتقى البشر: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ١]؛ وقال تعالى في قصة زينب: ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].\n٢ - ومنها: البلاغة التامة في حذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله﴾؛ ليشمل كل من يقول له ذلك؛ فيكون رده لكراهة الحق.\n٣ - ومنها: التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين؛ فمن رد آمرًا بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين؛ والواجب على المرء إذا قيل له: «اتق الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» تعظيمًا لتقوى الله.\n٤ - ومنها: أن الأنفة قد تحمل صاحبها على الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾.\n٥ - ومنها: أن هذا العمل موجب لدخول النار؛ لقوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾.\n٦ - ومنها: القدح في النار، والذم لها؛ لقوله تعالى: ﴿ولبئس المهاد﴾؛ ولا شك أن جهنم بئس المهاد.\n٧ - يُحكى: أنَّ يهوديًا كانت له حاجةٌ إلى هارون الرشيد، فاختلفَ إلى بابهِ زمانًا فلم يَقْضِ حاجتهُ، فوقفَ يومًا على الباب، فخرجَ هارونُ وهو يسعى بين يديهِ، فقال لهُ: اتَّقِ اللهَ يا أميرَ المؤمنين! فَنَزَلَ هارونُ عن دابَّته وَخَرَّ سَاجِدًا؛ فلما رفعَ رأسهُ أمَرَ بحاجته فَقُضِيَتْ. فقيلَ له: يا أميرَ المؤمنين، نَزَلْتَ عن دابَّتك لقولِ يهوديٍّ؟ ! قال: لا، ولكنْ ذكرتُ قولَ اللهِ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٤).\nوأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله، فسقط، فوضع خده على الأرض تواضعا لله\" (٥).\nالقرآن\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]\nالتفسير:\nوبعض الناس يبيع نفسه طلبًا لرضا الله عنه، بالجهاد في سبيله، والتزام طاعته. والله رءوف بالعباد، يرحم عباده المؤمنين رحمة واسعة في عاجلهم وآجلهم، فيجازبهم أحسن الجزاء.\n_________\n(١) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٦. وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٩. حيث قال: \" والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي\".\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨١، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠، نسبه الشنتمري في شواهد الكتاب: ٣٦٠، لعمرو بم معدي كري، وهو في الخزانة: ٩/ ٢٥٧.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٩، وتفسير الطبراني: ١/ ١٤٦.\n(٥) الفتح القدير: ١/ ٢١٠.","vol":"4","page":320},{"text":"قال ابن كثير: \"لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ \" (١).\nوهكذا القرآن مثاني تثَنَّى فيه الأمور؛ فيؤتى بذكر الجنة مع النار؛ وبذكر المتقين مع الفجار ... لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة؛ ثم ليبقى الإنسان بين الخوف، والرجاء - لا يغلب عليه الخوف فيقنط من رحمة الله -؛ ولا الرجاء فيأمن مكر الله؛ فإذا سمع ذكر النار، ووعيدها، وعقوبتها أوجب له ذلك الخوف؛ وإذا سمع ذكر الجنة، ونعيمها، وثوابها أوجب له ذلك الرجاء؛ فترتيب القرآن من لدن حكيم خبير ﷾؛ وهو الموافق لإصلاح القلوب؛ ولهذا نرى من الخطأ الفادح أن يؤلف أحد القرآن مرتبًا على الأبواب والمسائل كما صنعه بعض الناس؛ فإن هذا مخالف لنظم القرآن، والبلاغة، وعمل السلف؛ فالقرآن ليس كتاب فقه؛ ولكنه كتاب تربية، وتهذيب للأخلاق؛ فلا ترتيب أحسن من ترتيب الله؛ ولهذا كان ترتيب الآيات توقيفيًا لا مجال للاجتهاد فيه؛ وكان النبي ﷺ إذا نزلت الآية قال: «ضعوا هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا» (٢) (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها، وفيه وجوه (٤):\nأحدها: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله. قاله قتادة (٥).\nوالثاني: قال الربيع: \" كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي ﷺ ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلُّوا عني، فألحق بهذا الرجل! فأبوْا. ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلُّوا عنه! ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج; فأنزل الله ﷿ على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾، الآية. فلما دنا من المدينة تلقاه عُمر في رجال، فقال له عمر: رَبح البيعُ! قال: وبيعك فلا يخسر! قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا\" (٦).\nوالثالث: قال عكرمة: \" نزلت في صُهيب بن سنان، وأبي ذرّ الغفاري جُندب بن السَّكن أخذ أهل أبي ذرّ أبا ذرّ، فانفلت منهم، فقدم على النبي ﷺ، فلما رجع مهاجرًا عرَضوا له، وكانوا بمرِّ الظهران، فانفلت أيضًا حتى قدم على النبي ﵊. وأما صُهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرًا فأدركه قُنقذ بن عُمير بن جُدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلَّى سبيله\" (٧).\nوالرابع: قال سعيد بن المسيب: \"أن صهيبا أقبل مهاجرا نحو النبي ﷺ، فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل وانتثل (٨) كنانته، فقال: يا معشر قريش، قد علمتم أني أرماكم رجلا بسهم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي، ما بقي في يدي منه شيء، ثم شأنكم بعد. وقال: إن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وتخلون سبيلي؟ قالوا: فدلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم، وأنزل على رسول الله ﷺ القرآن: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد﴾، فلما رأى رسول الله صهيبا، قال له رسول الله ﷺ: ربح البيع يا أبا\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٤.\n(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٣/ ٤٠٣، باب ٢١٥: بيان مشكل ما اختلف فيه عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس ﵄ في الأنفال وبراءة وهل هما سورتان أو سورة واحدة.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٤٧ وما بعدها.\n(٥) تفسير الطبري (٤٠٠٠): ص ٤/ ٢٤٧، وابن أبي حاتم (١٩٤٢): ص ٢/ ٣٦٩.\n(٦) تفسير الطبري (٤٠٠٠): ص ٤/ ٢٤٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٠٠١): ص ٤/ ٢٤٧.\n(٨) أي استخرج ما فيها من السهام.","vol":"4","page":322},{"text":"نحيى- ربح البيع يا أبا نحيى ربح البيع يا أبا يحي. وقرأ عليه القرآن، يعني قوله: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد﴾ \" (١). وروي عن أبي العالية (٢)، نحو ذلك.\nويروى أن رسول الله ﷺ قال له: \"ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب\" (٣).\nقال الثعلبي: \" قال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان المخزومي مولى عبد الله [بن جدعان] التيمي\" (٤).\nوالخامس: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته (٥)، وهذا قول ابن عباس والضحاك (٦).\nوالسادس: أنها نزلت في سرية الرجيع (٧). قاله ابن عباس (٨).\nوالسابع: أنها\" نزلت في علي بن أبي طالب حين هرب النبيّ ﷺ من المشركين إلى الغار مع أبي بكر الصديق ونام عليّ على فراش النبيّ ﷺ. قاله ابن عباس (٩).\nوالثامن: وقيل: عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهادٍ في سبيله، أو أمرٍ بمعروف (١٠).\nقال الحسن: \" نزلت في أن المسلم لقي الكافرَ فقال له: \" قل لا إله إلا الله \"، فإذا قلتها عصمتَ دمك ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرِيَنَّ نفسي لله! فتقدم فقاتل حتى قتل\" (١١).\n_________\n(١) أهرجه ابن أبي حاتم (١٩٣٩): ص ٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٦٩.\n(٣) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٢٧) عن هوذة، عن عوف، عن أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبا، فذكر نحوه، ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٥١) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، فذكر نحو القصة.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(٥) انظر فتح الباري: ٧/ ٣٧٨ - ٣٧٩ وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٢/ ٥٦ - ٦٦.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤، وزاد المسير: ١/ ٢٢٣.\n(٧) قال البغوي: \" وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم، فبعث رسول الله ﷺ خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال أبو هريرة: \"بعث رسول الله ﷺ عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري فساروا فنزلوا ببطن الرجيع بين مكة والمدينة ومعهم تمر عجوة فأكلوا فمرت عجوز فأبصرت النوى فرجعت إلى قومها بمكة وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب محمد ﷺ، فركب سبعون رجلا منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم، قال أبو هريرة ﵁: ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله بن طارق، ونثر عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظماء المشركين ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاط به المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فأرسل الله رجلا من الدبر - وهي الزنابير - فحمت عاصما فلم يقدروا عليه فسمي حمي الدبر فقالوا دعوه حتى تسمي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء وأمطرت مطرا كالعزالي فبعث الله الوادي غديرا فاحتمل عاصما به فذهب به إلى الجنة وحمل خمسين من المشركين إلى النار وكان عاصم قد أعطى الله تعالى عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا\". [ذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، والحديث لم أره بهذا السياق. وأصل الحديث محفوظ دون ذكر نزول الآيات، ودون بعض ألفاظه وقد أخرجه البخاري (٣٠٤٥ و٣٩٨٩) و(٤٠٨٦ و٧٤٠٢) وأبو داود (٢٦٦٠ و٢٦٦١) والطيالسي ٢٥٩٧ وأحمد (٢/ ٢٩٤) و(٢٩٥ و٣١٠ - ٣١١) وعبد الرزاق ٩٧٣٠ وابن حبان ٧٠٤٩ والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤) من طرق من حديث أبي هريرة بنحوه دون ذكر عجزه وهو خبر الزبير والمقداد بن عمرو، وانظر هذا الخبر في «السيرة النبوية» لابن هشام (٣/ ١٣٤ - ١٤٦)].\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول حين بلغه أن الدبر منعته يقول: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في حياته\". [تفسير البغوي: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥].\n(٨) انظر: تفسيرر ابن أبي حاتم (١٩٤١): ص ٢/ ٣٦٩.\n(٩) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ٢/ ١٢٦، وانظر: سد الغابة: ٤/ ٢٥، والمستدرك على الصحيحين: ٣/ ١٣٢، ومسند أحمد: ١/ ٣٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤، ٢٥١، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٥.\n(١١) أخرجه الطبري (٤٠٠٦): ص ٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠.","vol":"4","page":323},{"text":"وقال المغيرة: \"بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقُتِل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال: كذبوا، أليس الله ﷿ يقول: \" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد \"؟ \" (١).\nوالقول الأخير أصح؛ لكونها للعموم حتى لو صح أن سبب نزولها قصة صهيب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أعلم.\nواختاره الطبري قائلا: والصواب أن الله \"عُنى بها الأمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جل ثناؤه وصَف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلافَ ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا نُهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به إثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية، وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صُهيب، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب، والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها\" (٢).\nوقال ابن كثير: \" وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] \" (٣).\nقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، \" أي ومن الناس فريق يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنا لها غير مرضاته\" (٤).\nقال القاسمي: أي: \"يبيعها ببذلها في طاعة الله\" (٥).\nقال الثعلبي: \" أي يطلب رضا الله\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" يبذلها في الجهاد، وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل\" (٧).\nقال السيوطي: أي \": يَبْذُل نفسَه في اللَّهِ، وقيل: بل هو على أصلِهِ من الشِّراء وذلك أَنَّ صُهَيْبًا اشترى نفسَه من قريشٍ لمَّا هاجَرَ، والآيةُ نَزَلَتْ فيه\" (٨).\nقال الصابوني: أي\" ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طالبا لمرضاته ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله\" (٩).\nومعنى (يَشْري): يَبيع، وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه (١٠)، وقال الشاعر (١١):\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٠٠٤): ص ٤/ ٢٤٩.\nوذكر الطبري أخبارا أخرى تؤكد بأن المعنيين في الآية: هم كل من شار نفسه في طاعة الله ووجهاد في سبيله، انظر: تفسيره (٤٠٠٣)، و(٤٠٠٥)، و(٤٠٠٦)، و(٤٠٠٧): ص ٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٥.\n(٤) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢،\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٧٣.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥١.\n(٨) الدر المصون: ٢/ ٣٣٥.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٨٢، و\"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦، \"الأضداد\" للأصمعي ١٨، ١٩، \"أضداد ابن السكيت\" ١٨٥، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٦٩.\n(١١) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، انظر: اللسان (برد): ص ٣/ ٨٧، و(شرى): ص ١٤/ ٤٢٧.","vol":"4","page":324},{"text":"وَشَرَيْتُ بُرْدًا ليتني ... من بعدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ\nقال ابن منظرو: \" وشريت أي بعت\" (١).\nأما (اشترى) فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ و﴿نَفْسَهُ﴾ يعني ذاته.\nقال الفراء: \" وللعرب في (شروا) و(اشتروا) مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا\" (٢).\nقال الراغب: \" الشراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ \" (٣).\nو﴿مرضات الله﴾: \"أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله ﷿ -؛ فيكون قد باع نفسه مخلصًا لله في هذا البيع\" (٤).\nوالكسائي: يميل ﴿مرضاة الله﴾، كل القرآن (٥)، \"ليدل على أن (الألف) فيها منقلبة عن (الباء)، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب\" (٦).\nوكان حمزة (٧) يقف على ﴿مرضات﴾ بالتاء، والباقون يقفون عليها بالهاء (٨)، \"وحجته ما حكاه سيبويه (٩) عن أبي الخطاب (١٠)، أنه كان يقول: طَلْحَتْ، ومنه قول الشاعر (١١):\nما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ... مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ\nدارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ... بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ\nوإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد (١٢).\nويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول الراجز (١٣):\n_________\n(١) اللسان (برد): ص ٣/ ٨٧، وانظر: (شرى): ص ١٤/ ٤٢٧.\n(٢) تهذيب اللغة: ٢/ ١٨٦٩، وانظر: اللسان (شرى) ١٤/ ٤٢٨، والمفردات\" ص ٢٦٣.\n(٣) المفردات: ٢٦٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٥١.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.\n(٦) التفسير البسيط: ٤/ ٨٣، وانظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠ بمعناه، وحروف الاستعلاء هي حروف التفخيم، وهي سبعة مجموعة في قولك: خص ضغط قظ.\n(٧) وحكاه القرطبي عن الكسائي بدل حمزة. وأظنه تصحيف، لان القرطبي نقله عن ابن عططية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٢، وفيه حمزة، انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢.\n(٨) انظر: السبعة: ١٨٠، والحجة: ٢/ ٢٩٩، وفي: التيسير: ص ٦٠، \"أن الكسائي وأبا عمرو كانا يقفان على هاء تأنيث رسمت في المصاحف تاء بالهاء، وهو قياس مذهب ابن كثير\".\n(٩) انظر: الكتاب: ٤/ ١٦٧.\n(١٠) أبو الخطاب، هو: عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الأكبر.\n(١١) الرجز لسؤر الذئب، في \"شرح شواهد الشافية\" ٤/ ٢٠٠ مع اختلاف في الرواية، وينظر: \"الخصائص\" ١/ ٣٠٤ \"المحتسب\" ٢/ ٩٢. \"لسان العرب\" ٢/ ٧٨٧ \"جحف\". وقوله: تَسْتَنّ، أي: تجري بدمعها، من سننت الماء: إذا أرسلته بغير تفريق، وضعت موضع رب، وجوز وسط، والتيهاء: المفازة التي يتيه فيها سالكها، والجحفة: الترس، شبه التيهاء بظهر الترس في الملامسة.\n(١٢) انظر: الحجة: ٢/ ٣٠١، والتفسير البسيط: ٤/ ٨٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٢.\n(١٣) لم أتعرف على قائله، انظر: اللسان (رهن)، وزعم ابن جني أن هذا الشعر جاهلي، انظر: \"المحتسب\" ١/ ١٠٨، \" الخصائص\" ٣/ ٣٢٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٠١، ورهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه.","vol":"4","page":325},{"text":"إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ... وجَعَلَتْ أمْوالَها في الحُطَمي\nارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي\nأراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، أي: والله \"عظيم الرحمة بالعباد\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: يرأف بكم\" (٣).\nقال العلماء: (الرأفة): \" هي أرق الرحمة، وألطفها\" (٤).\nقال الصابوني: أي: \" يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه (٥).\nقال الطبري: \" والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته\" (٦).\nقال القاسمي: \" حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره \" (٧).\nقال المراغي: \" فيجازيهم على العمل القليل نعيما دائما، ولا يكلفهم إلا ما في وسعهم عمله، ويشترى منهم أموالهم لأنفسهم وهى ملكه تعالى بما لا يعدّ ولا يحصى من رحمته وإحسانه وكرمه، ويرفع هممهم ليبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل فيهم، ولولا ذلك لغلب شرّ المفسدين في الأرض، فلا يبقى فيها صلاح كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ \" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿رَءُوفٌ﴾ قراءتان (٩):\nإحداهما: مد الهمزة على وزن فعول.\nوالثانية قصرها على وزن فعُل.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تقسيم الناس إلى قسمين؛ القسم الأول: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ والقسم الثاني: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾.\n٢ - ومنها: بلاغة هذا القرآن حيث يجعل الأمور مثاني؛ إذا جاء الكلام عن شيء جاء الكلام عن ضده.\n٣ - ومنها: فضل من باع نفسه لله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾.\n٤ - ومنها: الإشارة إلى إخلاص النية؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾.\n_________\n(١) انظر: الحجة: ٢/ ٣٠٠ - ٣٠٢، والتفسير البسيط: ٤/ ٨٤ - ٨٥، والدر المصون: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٩٤٣): ص ٢/ ٣٦٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٥١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥١.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٧٣.\n(٨) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢ - ١١٣.\n(٩) انظر تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٥١.","vol":"4","page":326},{"text":"٥ - ومنها: إثبات الرضا لله؛ لقوله تعالى: ﴿مرضات الله﴾؛ ورضا الله صفة حقيقية لله ﷿ متعلقة بمشيئته؛ وينكرها الأشاعرة وأشباههم من أهل التعطيل؛ ويحرفون المعنى إلى أن المراد برضا الله إما إثابته؛ أو إرادة الثواب.\n٦ - ومنها: استحباب تقديم مرضاة الله على النفس؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام المدح، والثناء.\n٧ - ومنها: إثبات الرأفة لله؛ لقوله تعالى: ﴿والله رؤوف بالعباد﴾.\n٨ - ومنها: عموم رأفة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿بالعباد﴾؛ هذا إذا كان ﴿العباد﴾ بالمعنى العام؛ أما إذا قلنا بالمعنى الخاص فلا يستفاد ذلك؛ واعلم أن العبودية لها معنيان: خاص؛ وعام؛ والخاص له أخص؛ وهو خاص الخاص؛ فمن العام قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]؛ وأما الخاص فمثل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ المراد بهم عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات؛ فيخرج من لم يتصف بها؛ وأما الأخص مثل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]؛ هذه عبودية الأخص - عبودية الرسالة -.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا، ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، عاملين بجميع أحكامه، ولا تتركوا منها شيئًا، ولا تتبعوا طرق الشيطان فيما يدعوكم إليه من المعاصي. إنه لكم عدو ظاهر العداوة فاحذروه.\nقال عكرمة: \"نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود - قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبِت فيه! وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل! فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ \" (١). وأخرج الطبري (٢) والواحدي (٣) عن ابن عباس مثله.\nوذكره مقاتل بن سليمان قال: سبب نزولها\" أن عبد الله بن سلام، وسلام بن قيس، وأسيد وأسد ابنا كعب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنو أهل التوراة استأذنوا النبيﷺ- في قراءة التوراة في الصلاة. وفي أمر السبت وأن يعملوا ببعض ما في التوراة. فقال الله﷿- خذوا سنة محمدﷺ- وشرائعه، فإن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله، فقال: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ \" (٤). كذا أورده ابن ظفر (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٠١٦): ص ٤/ ٢٥٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٧): ص ٤/ ٢٥٦. ولفظه: \" يعني أهل الكتاب\". وروي مثله عن الضحاك، انظر: تفسير الطبري (٤٠١٨): ص ٤/ ٢٥٦.\n(٣) انظر: أسباب النزول: ٦٧. وفيه: \" عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي - ﷺ - قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا وقالوا للنبي لله - ﷺ - إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية\". [في إسناده عبد الغني بن سعيد - وهو الثقفي - وهو ضعيف (لباب النقول: ١٩) وضعفه الحافظ بن كثير من جهة المعنى كذلك. (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٤٨)].\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٨٠. وانظر: العجاب: ١/ ٥٣٠.\n(٥) انظر: العجاب: ١/ ٥٣٠.","vol":"4","page":327},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٠٨]، أي: \"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة\" (١).\nقال الصابوني: \" خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية\" (٢).\nقال ابن عثيمين: الخطاب للمؤمنين؛ وابتداء الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب؛ ولا يتطلب التنبيه إلا ما كان مهمًا\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، أي: \" استسلموا لله وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه\" (٤).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني في شرائع الإسلام كلها\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي ادخلوا في الإسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكما وتتركوا حكما، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلا، فالإسلام كل لا يتجزأ\" (٦).\nقال الشيخ السعدي: \" أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" المراد به الإسلام؛ وهو الاستسلام لله - تعالى - ظاهرا، وباطنا\" (٨).\nوفي المراد بالدخول في السلم، أقوال (٩):\nأحدها: الدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١) في أحد قوليه-، وقتادة (١٢) في أحد قوليه-، والسدي (١٣)، وابن زيد (١٤)، والضحاك (١٥)، وعكرمة (١٦)، وطاوس (١٧).\nوالثاني: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو قول الربيع (١٨)، وقتادة (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وابن عباس (٢١) في رواية الضحاك عنه.\nوالرابع: يعني: الموادعة. قاله قتادة (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥.\n(٤) تفسير القاسمي: ٢/ ٧٤.\n(٥) تفسير مقاتل: ١/ ١٨٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٨.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٩٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥١ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٧، وتقسير القرطبي: ٣/ ٢٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٠): ص ٤/ ٢٥٢، وابن أبي حاتم (١٩٤٥)، و(١٩٤٧): ص ٢/ ٣٧٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٠٨): ص ٤/ ٢٥٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٠٩): ص ٤/ ٢٥٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠١١): ص ٤/ ٢٥٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٣): ص ٤/ ٢٥٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٤): ص ٤/ ٢٥٢.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٧): ص ٢/ ٣٧٠.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٧): ص ٢/ ٣٧٠.\n(١٨) تفسير الطبري (٤٠١٥): ص ٤/ ٢٥٢.\n(١٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٦): ص ٢/ ٣٧٠.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٦): ص ٢/ ٣٧٠.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٩): ص ٢/ ٣٧٠.","vol":"4","page":328},{"text":"والخامس: في أنواع البر كلها. قاله مجاهد (١)، والثوري (٢).\nقلت: فالسلم هنا بمعنى الإسلام، ورجحه الطبري كذلك (٣)، وقد ورد في الشعر العربي بأن السلم تعني الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي (٤):\nدَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ... رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا\nأي: \"دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (٥)، بعد وَفاة رسول الله ﷺ\" (٦).\nقال الراغب: \" عنى بالسلم سلم العبد الله - ﷿، وذلك أن الإنسان في كفره، وكفران نعمة الله كالمحارب له، ولهذا يسمى الكافر المحارب في نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وسلم العباد لله على ثلاثة أضرب:\nضرب يتقدمه إلى الإيمان: وهو الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ويسلب ماله وهو المعني بقوله﵇: \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم \" (٧).\nواثنان بعد الإيمان: أحدهما أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعًا أو كرهًا، والثاني: أن يكون سليمًا من الشيطان وأوليائه، وسليمًا فيما يجري من قضائه، وبه يحصل [دار السلام المذكورة في قوله تعالى]: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ وهذا غاية ما ينتهي إليه للعبد من المنازل الثلاث وإن كان لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم هو المغني بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو الذي تمناه يوسف ﵇- بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ \" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، قراءتان (٩):\nإحداهما: ﴿ادخلوا في السَّلم﴾ بفتح السين. قرأ بها ابن كثير ونافع والكسائي، وهي قراءة عامة قراء أهل الحجاز.\nوهؤلاء وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.\nوقال أبو علي: \" قول ابن كثير ونافع والكسائي: ﴿أدْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة/ ٢٠٨] يحتمل أمرين:\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٨): ص ٢/ ٣٧٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٣. إذ قال: \" وأولى التأويلات بقوله: \" ادخلوا في السلم \"، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة\".\n(٤) ديوانه: ١٦ من معلقته النبيلة. والضمير في \" قلتما \" للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك في حرب عبس وذبيان. وقوله: \" واسعًا \" أي: قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب. وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما، ليصطلح الناس.\n(٥) هو الأشعث بن قيس الكندين وكان وفد على رسول الله ﷺ في السنة العاشرة في سبعين راكبا من كندة ثم ارتد فيمن ارتد من العرب. وقاتل في الردة حتى هزم ثم استسلم وأسر وقدموا به على أبي بكر فقال له أبو بكر: ماذا تراني أصنع بك؟ فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث: تمن علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت. فقال أبو بكر: قد فعلت! فزوجه ام فروة بنت أبي قحافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق. ثم شهد الفتوح حتى مات سنة ٤٠، وله ثلاث وستون سنة.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٤.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٢٥) وصحيح مسلم برقم (٢٢). وفي الصحيحين: \"أمرْتُ أنْ أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\".\n(٨) تفسير الراغب: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣، والسبعة: ١٨٠ - ١٨١، والحجة: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.","vol":"4","page":329},{"text":"أحدهما: يجوز أن يكون لغة في (السّلم) الذي يعنى به الإسلام.\nوالثاني: ويجوز أن يريدوا بفتحهم الأول من قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾: الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعًا بينهم، وفي دينهم، وغلّظ على المسلمين في المسايفة بينهم؛ كان صلحًا في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصلح، والمراد به الإسلام\" (١).\nوالقراءة الثانية: وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر (السين)، وهم مختلفون في تفسيره على قولين:\nأحدهما: توجيهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة.\nوالثاني: توجيهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن \" (السين) تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى (٢):\nوَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ\nوقال الجوهري: \"والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح: سلم\" (٣)، ومنه قول الشاعر (٤):\nأنائل إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي\nوالقراءة الأوْلى بالصواب من قرأ بكسر (السين)، لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة (٥). والله أعلم.\nقال الرازي: \"أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، والإسلام إنما سمي إسلامًا لهذا المعنى. وغلب اسلم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضًا راجع إلى هذا المعنى، لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه (٦).\nوقد اختلف أهل العلم في أي الفريقين دعى إلى الإسلام كافة، وفيه أقوال (٧):\nأحدها: أن المأمور بها المسلمون، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها، وهو قول وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤).\n_________\n(١) الحجة: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣. [بتصرف بسيط].\n(٢) ديوانه: ١٦ من معلقته النبيلة. والضمير في \" قلتما \" للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك في حرب عبس وذبيان. وقوله: \" واسعًا \" أي: قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب. وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما، ليصطلح الناس.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣، وانظر: الحجة: ٢/ ٢٩٤، واللسان (سلم)، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ١٠٥.\n(٤) البيت لمسعدة بن البختري يقوله في نائلة بنت عمر بن يزيد الأسيدي وكان يهواها. انظر الأغاني ١٣/ ٢٧١ وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج/ ٤٣ واللسان/ سلم/ وضبطت سلم فيه بكسر السين وتسكين اللام.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٥ - وما بعدها.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٠): ص ٤/ ٢٥٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢١): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٢): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٣): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٤): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٥): ص ٤/ ٢٥٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٦): ص ٤/ ٢٥٨.","vol":"4","page":330},{"text":"قال الطبري: \" وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه، وإذا كان ذلك معناه، كان قوله ﴿كافة﴾ من صفة ﴿السلم﴾، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به\" (١).\nوالثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمِروا بالدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (٢)، والضحاك (٣).\nوالثالث: أنها نزلت نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود. وهو قول عكرمة (٤).\nوالصواب أن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في ﴿الذين آمنوا﴾ المصدِّقون بمحمد ﷺ، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله ﷿ كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم \" الإيمان \"، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض (٥).\nوقد روي عن مجاهد في قول الله ﷿: \" ادخلوا في السلم كافة \"، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، تأويلان (٧):\nأحدهما: عائد إلى الذين آمنوا، أن يدخلوا جميعًا في السلم. وتكون ﴿كافة﴾ حالًا من الواو في قوله تعالى: ﴿ادخلوا﴾، وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤).\nوالثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. فتكون ﴿كافة﴾ حالًا من ﴿السلم﴾. وهو أحد قولي مجاهد (١٥).\nوالأقرب-والله أعلم-: المعنى الأول؛ \"لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعًا في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن ﴿كافة﴾ حال من ﴿السلم﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعًا، ولا تدعوا شيئًا من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٧): ص ٤/ ٢٥٦، وتفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٥): ص ٢/ ٣٧٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٨): ص ٤/ ٢٥٦.\n(٤) تفسير الطبري (٤٠١٦): ص ٤/ ٢٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٩): ص ٤/ ٢٥٧.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٠): ص ٤/ ٢٥٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢١): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٢): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٣): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٤): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٥): ص ٤/ ٢٥٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٦): ص ٤/ ٢٥٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٩): ص ٤/ ٢٥٧.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥ - ٦ ..","vol":"4","page":331},{"text":"قال الراغب: \" ويجوز أن يكون ﴿كافة﴾ حالا من ﴿السلم﴾، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب. قال (١):\nالسِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ... وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ\nعلى أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها\" (٢).\nورجحه ابن كثير قائلا: \" ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول، وهو أنَّهم أمروا [كلهم] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًا ما استطاعوا منها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، \" أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان\" (٤).\nقال البيضاوي: \" بالتفرق والتفريق\" (٥).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعنى تزيين الشيطان فإن السنة الأولى بعد ما بعث محمدﷺ- ضلالة من خطوات الشيطان\" (٦).\nقال القاسمي: \" أي: طرقه التي يأمركم بها فـ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] و: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] \" (٧).\nقال الصابوني: \" أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة\" (٩).\nو﴿خُطُوَاتِ﴾: \"جمع خُطوة؛ و(الخطوة) في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿خُطُوَاتِ﴾، وجوه من القراءة (١١):\nأحدها: ﴿خُطُوَاتِ﴾، بضم (الطاء) مثقلة. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم.\nوالثانية:: ﴿خُطُوَاتِ﴾، بضم (الطاء) خفيفة. في رواية ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير.\nوالثالث: ﴿خُطْوَاتِ﴾، بسكون (الطاء) خفيفة. قرأ بها نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة.\nقا القاسمي: و\"ضم (الطاء) من ﴿خطوات﴾ وإسكانها لغتان: حجازية وتميمية، وقد قرئ بهما في السبع\" (١٢).\nقال الطبري: \" وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، تفسيران:\n_________\n(١) البيت لعباس بن مرداس كما في اللسان (أبس): ص ٦/ ٣. وفيه يخاطب خفاف بن ندبة.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٢.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٦.\n(٤) تفسير فتح القدير: ١/ ٢١١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.\n(٦) تفسير مقاتل: ١/ ١٨٠.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٧٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٤/ ٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٤/ ٦.\n(١١) انظر: السبعة: ١٧٤.\n(١٢) تحاسن التأويل: ٢/ ٧٤.\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٨.","vol":"4","page":332},{"text":"أحدهما: أن\"خطوات الشيطان: عمله\". قاله ابن عباس (١).\nوالثاني: أن إتباع خطوات الشيطان: \"طاعته\". وهذا قول السدي (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]،، أي: \"فإنه عدو لكم ظاهر العداوة\" (٣).\nقال البيضاوي: أي\" ظاهر العداوة\" (٤).\nقال مُطَرِّف: \"أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان\" (٥).\nقال الطبراني: \" فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وهو لَم يُبْدِ لنا شخصهُ؟ قِيْلَ: قد كانَ إبداؤهُ العداوةَ لأبينا آدمَ ﵇ حين امتنعَ من السُّجودِ له وقال: أنا خيرٌ منه، فكان إبداؤُه وإظهاره العداوةَ لأبينا آدم ﵇ أبداءً وإظهارًا لنا\" (٦).\nقال الشيخ السعدي: \" والعدو المبين، لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وما به الضرر عليكم\" (٧).\nو(العدو): \"من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد (الوليّ) \" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] معنيان (٩):\nأحدهما: مبين لنفسه.\nوالآخر: مبين بعدوانه.\nوكلا القولين صحيحين، لأن \" الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة\" (١٠).\nواختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين (١١):\nأحدهما: بامتناعه من السجود لآدم.\nوالثاني: بقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" فإن قال قائل: كيف يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾؟ [الحجرات: ١٤]، قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: ﴿فِي السِّلْمِ﴾؛ وهو قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾؛ فيكون الأمر هنا منصبًا على قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾؛ و﴿كَافَّةً﴾ اسم فاعل يطلق على من يكف غيره؛ فتكون التاء فيه للمبالغة، مثل: راوية، ساقية، علامة ... وما أشبه ذلك؛ والتاء في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافًا؛ والتاء للمبالغة؛ قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، أي كافًا لهم عمَّا يضرهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لأن هذا النداء تشريف وتكريم.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٥١): ص ٢/ ٣٧١.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٥٢): ص ٢/ ٣٧١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٨.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٥٣): ص ٢/ ٣٧١.\n(٦) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٨.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ٩٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧.","vol":"4","page":333},{"text":"٢ - ومنها: أن الإيمان مقتض لامتثال الأمر؛ لأن الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحكم لا يقرن بوصف إلا كان لهذا الوصف أثر فيه؛ وهذه الفائدة مهمة؛ ولا شك أن الإيمان يقتضي امتثال أمر الله ﷿.\n٣ - ومنها: وجوب تطبيق الشرع جملة، وتفصيلًا؛ لقوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾.\n٤ - ومنها: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبس به باعتبار استمراره عليه، وعدم الإخلال بشيء منه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾؛ ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله﴾ [النساء: ١٣٦] يعني: استمروا على ذلك.\n٥ - ومنها: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضًا الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو﴾ [فاطر: ٦]، ثم قال تعالى: ﴿فاتخذوه عدوًا﴾؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدوًا لنا، فليس من العقل - فضلًا عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله ﷿: يأمر بـ «الفحشاء» - وهي عظائم الذنوب؛ و«المنكر» - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول ﷺ أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال (١)، والشرب بالشمال (٢)، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال (٣)؛ وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (٤)؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.\n٦ - ومن فوائد الآية: تحريم التشبه بالكفار؛ لأن أعمال الكفار من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؛ ولا أنكر من الكفر - والعياذ بالله.\n٧ - ومنها: شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾.\n٨ - ومنها: أنه لا يمكن أن يأمرنا الشيطان بخير أبدًا؛ إذ إن عدوك يسره مساءتك، ويغمه سرورك؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا﴾ [فاطر: ٦].\n٩ - ومنها: قرن الحكم بعلته؛ لقوله تعالى: ﴿لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ ثم علل: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس؛ فإن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع؛ وإن كانت ذات دليل من العقل، والقياس قرنها بدليل من العقل، والقياس؛ وفائدة ذكر العلة أنه يبين سمو الشريعة وكمالها؛ وأنه تزيد به الطمأنينة إلى الحكم؛ وأنه يمكن إلحاق ما وافق الحكم في تلك العلة.\nالقرآن\n﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٩]\nالتفسير:\nفإن انحرفتم عن طريق الحق، من بعد ما جاءتكم الحجج الواضحة من القرآن والسنة، فاعلموا أن الله عزيز في ملكه لا يفوته شيء، حكيم في أمره ونهيه، يضع كل شيء في موضعه المناسب له.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١٠٣٩، كتاب الأشربة، باب ١٣: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، حديث رقم ٥٢٦٥ [١٠٥] ٢٠٢٠.\n(٢) راجع مسلمًا ص ١٠٣٩، كتاب الأشربة، باب ١٣: آداب الطعام والشراب وأحكامها، حديث رقم ٥٢٦٥ [١٠٥] ٢٠٢٠.\n(٣) راجع ابن ماجة ص ٢٦٧٥، كتاب الأطعمة، باب ٨: الأكل باليمين، حديث رقم ٣٢٦٦؛ قال الألباني: \"صحيح\" (صحيح ابن ماجة ٢/ ٢٢٥، حديث رقم ٢٦٤٣ – ٣٢٦٦).\n(٤) أخرجه البخاري ص ٥٩ – ٦٠، كتاب الأذان، باب ٩٣: الالتفات في الصلاة، حديث رقم ٧٥١.","vol":"4","page":334},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم﴾ [البقرة: ٢٠٩]، أي: \" فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه\" (١).\nقال الطبري: \" فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه\" (٢).\nقال البيضاوي: \" عن الدخول في السلم\" (٣)\nقال الرازي: \" أي: أخطأتم الحق وتعديتموه\" (٤).\nقال ابنُ حِبان: \"أي: أخْطَأْتُمْ\" (٥).\nقال الزجاج: \" تنحيتم عن القصد والشرائع\" (٦).\nقال الواحدي: \" تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل\" (٧).\nقال القرطبي: \" أي تنحيتم عن طريق الاستقامة\" (٨).\nقال الشوكاني: \" أي تنحيتم عن طريق الاستقامة\" (٩).\nقال الطبراني: \" إن عَدَلْتُمْ عن الطريقِ المستقيم بالخروجِ عن طاعةِ الله إلى المعصية\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام\" (١١).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم﴾ [البقرة: ٢٠٩]، على أقوال:\nأحدها: معناه عصيتم (١٢).\nوالثاني: معناه تركتم الإسلام. قاله ابن عباس (١٣).\nوالثالث: إن ضللتم وهذا قول السدي\" (١٤).\nقلت: وإن تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله ﴿زللتم﴾، فإن المعاني متقاربة. والله تعالى أعلم.\nوأصل (الزلل) في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه (١٥).\nوقرأ أبو السمَّالِ العدوي ﴿فَإِنْ زَلِلْتُمْ﴾ بكسر اللام الأولى، وهما لغتان كضللت وضللت (١٦)، والمعنى \"فإن ضللتم وعرجتم عن الحق\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٩.\n(٣) تفسير الالبيضاوي: ١/ ١٣٤، ونقله الزمخشري بتمامه في الكشاف: ١/ ٢٥٣.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٥٤.\n(٥) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٩.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٨٠.\n(٧) التفسير البسيط: ٤/ ٩٢.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٢١١.\n(١٠) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٨.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبر (٤٠٢٨): ص ٤/ ٢٦٠. وحكا الطبراني عنه: \" مَعْنَاهُ: فَإنْ مِلْتُمْ إلَى أوَّلِ شَرِيْعَتِكُمْ مِنْ تَحْرِيْمِ لُحُومِ الإبلِ وَالسَّبْتِ\". [تفسير الطبراني: ١/ ١٤٩].\n(١٤) انظر: تفسير الطبر (٤٠٢٧): ص ٤/ ٢٥٩.\n(١٥) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٥٥٠ - ١٥٥١، والمفردات: ٢١٩، والتفسير البسيط: ٤/ ٩٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٤، وفتح القدير: ١/ ٢١١.\n(١٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٥٤، وتفسير الطبراني: ١/ ١٤٩.\n(١٧) فتح القدير: ١/ ٢١١.","vol":"4","page":335},{"text":"قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]؛ أي: \"من\nبعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق\" (١).\nقال الواحدي: \" يعنى: القرآن ومواعظه\" (٢).\nقال البيضاوي: \" الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق\" (٣).\nقال القرطبي: \" أي المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد ﷺ والتعريف به\" (٤).\nقال الطبري: \" من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي\" (٥).\nقال الطبراني: \" الدَّلالاتِ وَالْحُجَجِ؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ وَشَرَائِعَهُ\" (٦).\nقال الزمخشري: \" أى الحج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق\" (٧).\nقال الشوكاني: \" أي الحجج الواضحة والبراهين الصحيحة أن الدخول في الإسلام هو الحق\" (٨).\nقال الراغب: \" ولفظ ﴿البينات﴾ عام فيما حولنا من المعارف العقلية والسمعية\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، أربعة تأويلات:\nأحدها: أنها حجج الله ودلائله.\nوالثاني: محمد، وهو قول السدي (١٠).\nيدل عليه بأن محمدًا ﷺ والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين.\nوالثالث: الإسلام (١١).\nوالرابع: القرآن والإسلام، وهو قول ابن جريج (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي \"اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه، حكيم في خلقه وصنعه\" (١٣) (١٤).\nقال الربيع: \" عزيز في نقمته، حكيم في أمره (١٥).\nقال البيضاوي: ﴿عزيز﴾: \"لا يعجزه الانتقام، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا ينتقم إلا بحق\" (١٦).\nقال الزجاج: \" معنى ﴿عزيز﴾: لا يعجزونه ولا يعجزه شيء. ومعنى ﴿حكيم﴾، أي حكيم فيما فطركم عليه، وفيما شرع لكم من دينه\" (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٨.\n(٢) التفسير البسيط: ٤/ ٩٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٩.\n(٦) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٩.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢١١.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٩): ص ٤/ ٢٦٠.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٣٠): ص ٤/ ٢٦٠.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٩.\n(١٤) يحكى أن قارئا قرأ ﴿غفور رحيم﴾ فسمعه أعرابي فأنكره، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه. (مفاتيح الغيب: ٥/ ١٨٠).\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠٣١): ص ٤/ ٢٦٠.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤، وانظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣، وفتح القدير: ١/ ٢١١.\n(١٧) معاني القرآن: ١/ ٢٨٠.","vol":"4","page":336},{"text":"قال القرطبي: \" ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه ما يريده. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله\" (١).\nوقوله: ﴿فَاعْلَمُوا﴾ نهاية في الوعيد؛ لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام - في الزجر - أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم (٢).\nوذكر أهل العلم أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ (٣):\nأحدها: عزة قدْر: أي أنه ﷿ عظيم القدر -؛ لقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة ...﴾ [الزمر: ٦٧] الآية.\nوالثاني: عزة قهر: فمعناها الغلبة - أي أنه ﷾ غالب لا يغلبه شيء -؛ وهذا أظهر معانيها.\nوالثالث: عزة امتناع: ومعناها أنه يمتنع أن يناله السوء - مأخوذ من قولهم: (أرض عزاز) أي قوية صلبة لا تؤثر فيها الأقدام.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الوعيد على من زلّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ فإن قيل: من أين يأتي الوعيد؟ قلنا: من قوله تعالى: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾؛ لأن من معاني «العزة» الغلبة، والقهر؛ و«الحكمة»: تنزيل الشيء في مواضعه؛ فإذا كان هناك غلبة وحكمة، فالمعنى: أنه سينزِّل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته.\n٢ - ومنها: أن الله تعالى أقام البينات بالعباد؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾.\n٣ - ومنها: أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ ولهذا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا حجة عليه حتى تقوم عليه البينة.\n٤ - وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع (٤).\n٥ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من صفات؛ لقوله تعالى: ﴿فاعلموا﴾ علم اعتراف، وإقرار، وقبول، وإذعان؛ فمجرد العلم لا يكفي؛ ولهذا فإن أبا طالب كان يعلم أن النبي ﷺ على حق، وأنه رسول الله؛ لكنه لم يقبل، ولم يذعن؛ فلهذا لم ينفعه إقراره؛ فالإيمان ليس مجرد اعتراف بدون قبول وإذعان.\n٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما «العزيز»، و«الحكيم» -؛ وإثبات ما تضمناه من صفة - وهي العزة، والحُكم، والحكمة.\nالقرآن\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٧٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤.","vol":"4","page":337},{"text":"ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله ﷿ على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه. وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.\nقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، \"أي: ما ينتظرون شيئًا إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة\" (١).\nقال المراغي: \" فهل ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب في ظلل من الغمام عند خراب العالم وقيام الساعة، وتأتي الملائكة وتنفّذ ما قضاه الله يومئذ\" (٢).\nقال الواحدي: \" هل ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب\" (٣).\nقال الشوكاني: أي: \"إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة\" (٤).\nقال الزمخشري \"إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه كقوله: ﴿َوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾\n، ﴿جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾ ويجوز أن يكون المأتى به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ \" (٥).\nقال النسفي: \" أي أمر الله وبأسه كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] [النحل: ٣٣]، ﴿فَجَآءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] [الأعراف: ٤]، أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله: ﴿فاعلموا أن الله عزيز﴾ \" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي يأتيهم الله نفسه؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله\" (٧).\nوقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ (٨):\nفيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ... مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ\nوإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ... به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ\nفلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر (٩):\nونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ... إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا\nهذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر (١٠):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.\n(٢) تفسير المراغي: ٢/ ١١٦.\n(٣) التفسير البسيط\" ٤/ ٩٦ - ٩٧.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢١١.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١١٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢.\n(٨) ديوانه: ٢٣٣، من قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.\n(٩) البيت في \"المفضليات\" ١/ ٥٦ ولم ينسبه. وقوله وأمن كذا في المخطوطة وفي \"المفضليات\": (وامق) ولعلها أصوب.\n(١٠) البيت في \"الحلة السيراء\" ١/ ٩٤، وفي \"محاضرات الأدباء\" ٢/ ٧٣. ولم أهتد لقائله ..","vol":"4","page":338},{"text":"ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ... إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ\nهذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (١).\nثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط (٢).\nوالنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل واحد، وهي طلب الإدراك، فمن تلك المعاني (٣):\nأولا: النظر، بمعنى: الانتظار، كقوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، وقال الحطيئة (٤):\nوقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة ... للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي\nوالناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني.\nثانيا: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَالْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا.\nثالثا: الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: ٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ [ق: ٦].\nرابعا: والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا.\nو(الظُّلَّة): \"ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، أراد: غيمًا تحته سموم\" (٥).\nو(الظلل من الغمام): \"عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة، والجمع ظلل، قال تعالى: ﴿شكور وإذا غشيهم موج كالظلل﴾ (لقمان: ٣٢) وقرأ بعضهم: ﴿إلا أن يأتيهم الله في ظلال من الغمام﴾ فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة، كقلال وقلة، وأن يكون جمع ظل\" (٦).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٩٣ - ٩٤، وتهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، \"المفردات\" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٤.\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٩٣ - ٩٤، وتهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، \"المفردات\" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٤.\n(٣) انظر: في معاني النظر \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، \"المفردات\" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، والتفسير البشيط: ٤/ ٩٥ - ٩٦.\n(٤) البيت للحطيئة كما في \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٦ (نظر).\n(٥) التفسير البسيط: ٤/ ٩٦. وانظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٥ - ٢٢٤٨ (ظل)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨، \"المفردات\" ٣١٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٠، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٣ - ٢٧٥٦ (ظلل).\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦٠.","vol":"4","page":339},{"text":"العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث. ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ \" (١).\nقال الواحدي: \" فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد - ﷺ - إلا العذاب\" (٢).\nوقرئ: (ظلال) وهي جمع ظلة، كقلة وقلال أو جمع ظل (٣).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، على وجهين (٤):\nأحدهما: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾، بالرفع عطفًا على لفظ الجلالة، \"وفي قراءة عبدالله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والملائكة فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ \" (٥).\nيعني: \"وتأتيهم الملائكة أيضًا محيطة بهم، كما قال الله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا * وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره (٦) أن السماء تشقق؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة ...؛ كل من وراء الآخر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿صفًا صفًا﴾ [الفجر: ٢٢] يعني صفًا بعد صف؛ ثم يأتي الرب ﷿ للقضاء بين عباده؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله؛ ولا أحد يحيط علمًا بكيفيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ [طه: ١١٠] \" (٧).\nقال أبو العالية: \" تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله ﷿ فيما شاء\" (٨).\nقال أبو جعفر الرازي: \"وهي في بعض القراءة: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام﴾، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنَزَّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] \" (٩).\nوالثاني: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾، بالجر عطفا على ﴿ظُلَل﴾ أو على ﴿الْغَمَامِ﴾.\nوالمعنى: \"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة\" (١٠).\nوالصواب بالرفع، \"عطفًا بها على اسم الله ﵎، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٢) التفسير البسيط: ٤/ ٩٧.\n(٣) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١، وتفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥.\n(٦) راجع تفسير الطبري ٢٤/ ٤١٨ – ٤٢٠، تفرد به إسماعيل بن رافع، وقد اختلف فيه (ذكره ابن كثير في تفسيره سورة الأنعام ٢/ ٢٣٩)؛ قال الحافظ في التقريب: \"ضعيف الحفظ\"؛ وقال الدارقطني وغيره: \"متروك الحديث\" (ميزان الاعتدال ١/ ٢٢٧)؛ وقال الذهبي: \"ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، قال: وسمعت محمدًا – يعني البخاري – يقول: هو ثقة مقارب الحديث\" (المرجع السابق)؛ وقال البخاري في التاريخ الكبير: \"محمد بن يزيد بن أبي زياد روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل، ولم يصح\" ١/ ٢٦٠، رقم ٨٢٩)؛ وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٣٤، تفسير سورة الأنعام آية رقم ٧٣): \"وروينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات ... \"؛ وقال أيضًا (٢/ ٢٣٩): \"وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعلها سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك\".\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٣.\n(٨) تفسير الطبري (٤٠٣٢): س ٤/ ٢٦١.\n(٩) تفسير الطبري (٤٠٣٣): ص ٤/ ٢٦١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦١.","vol":"4","page":340},{"text":"٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] \" (١).\nو(الملائكة): عالم غيبي مخلوقون من نور خلقهم الله ﷿ لعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون\" (٢).\nوكذلك اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠]، على وحهين (٣):\nأحدهما: ﴿في ظُلَل﴾: على أنها جمع (ظُلَّة)، و(الظُلَّة)، تجمع (ظُلل وظِلال)، كما تجمع (الخُلَّة)، \" (خُلَل وخِلال)، و(الجلَّة)، (جُلَلٌ وجلال).\nوالثاني: ﴿في ظلال﴾: على أنها جمع (ظُلَّة)، كما ذكرنا من جمعهم (الخلة) (خلال)، وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع (ظِلّ)، لأن (الظلُّة) و(الظِّل) قد يجمعان جميعًا (ظِلالا).\nوالصواب من القراءة ﴿ظُللٍ من الغمام﴾، وذلك \"لخبر روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا (٤)، فدل بقوله (طاقات)، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد (الظلل) (ظلة)، وهي الطاق واتباعًا لخط المصحف، وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف\" (٥).\nوقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل ﴿الملائكة﴾، ومن الذي يأتي فيها، وفيه قولان (٦):\nأحدهما: أنه من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة.\nقال مجاهد: \" هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة\" (٧).\nوقال قتاده: \" يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت\" (٨).\nوقال عكرمة: \" طاقات من الغمام، والملائكة حوله قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت\" (٩).\nوالثاني: أن قوله: ﴿في ظلل من الغمام﴾ من صلة فعل ﴿الملائكة﴾، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء.\nقال الربيع: \" ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٣ - ١٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٤) أخرج الطبري (٤٠٣٨): ص ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥: عن ابن عباس: \"أن النبي ﷺ قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله: \" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر \".\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(٧) تفسير الطبري (٤٠٣٤): ص ٤/ ٢٦٣.\n(٨) تفسير الطبري (٤٠٣٥): ص ٤/ ٢٦٣.\n(٩) تفسير الطبري (٤٠٣٦): ص ٤/ ٢٦٣.\n(١٠) تفسير الطبري (٤٠٣٧): ص ٤/ ٢٦٤.","vol":"4","page":341},{"text":"والراجح أنه من صلة فعل الرب ﷿، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، وقد روي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر﴾ \" (١) (٢) (٣).\nوقد اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وذكروا في ذلك وجوها (٤):\nأحدها: أنه لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه ﷿ من المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله ﷻ، أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.\nوالثاني: أن إتيانه ﷿، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.\nوالثالث: أن معنى قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال: (قد خشينا أن يأتينا بنو أمية)، يراد به: حُكمهم.\nذهب الرازي إلى أن معنى قوله: ﴿أن يأتيهم الله﴾ أي يأتيهم أمره وبأسه فهو على حذف مضاف مثل قوله: ﴿واسأل القرية﴾ واستدل على ذلك بالآية الأخرى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك﴾ (٥).\nقال ابن عثيمين: \" وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل\" (٦).\n_________\n(١) حديث ضعيف، وذكره السيوطي ١: ٢٤١ - ٢٤٢ ونسبه لابن جرير والديلمي فقط.\nونقل قبله نحو معناه، موقوفًا على ابن عباس ونسبه لعبد بن حميد، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولعله موقوفًا أشبه بالصواب.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٣) قال ابن عاشور: \"وقوله تعالى: ﴿في ظلل من الغمام﴾ أشد إشكالًا من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى، وتأويله إما بأن (في) بمعنى (الباء) أي: يأتيهم بظلل من الغمام، وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيويًا، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه ﴿وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا يقولوا سحاب مركرم﴾ [الطور: ٤٤]، وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب، أو على كلامه تعالى، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني، وفي تفسير القرطبي والفخر قيل: إن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل، فأما على جعل ضمير ﴿ينظرون﴾ مقصودًا به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكمًا أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين، فإنهم قالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] واعتقدوا أن الله في الغمام، أو يكون المراد تعريضًا بالمشركين، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان.\nوقرأه الجمهور (والملائكة) بالرفع عطفًا على اسم الجلالة، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملًا في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازًا في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك:\nأتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى ... ونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل\nفأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال (عليك دليل) \" (التحرير والتنوير: ٢/ ٢٨٧).\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٥ وما بعدها، وتفسير الثعلبي: ٢: ١٢٩ - ١٣٠.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥، ثم قال: \" فنحن نقول: الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله ﷿؛ وهو أعلم بنفسه؛ وهو يريد أن يبين لعباده، كما قال تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ وإذا كان يريد أن يبين، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عِيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد؛ وليس في كلامه نقص في البلاغة؛ إذًا فكلامه في غاية ما يكون من العلم؛ وغاية ما يكون من إرادة الهدى؛ وغاية ما يكون من الفصاحة، والبلاغة؛ وغاية ما يكون من الصدق؛ فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يراد به ظاهره؟ ! كلا؛ لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره؛ إذًا المراد إتيان الله نفسه؛ ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، ومثل قوله تعالى: ﴿أو يأتي أمر ربك﴾ [النحل: ٣٣]؛ لأننا نقول: إن هذا من أمور الغيب؛ والصفات توقيفية؛ فنتوقف فيها على ما ورد؛ فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه؛ والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون المراد به إتيان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم؛ بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد\". [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥ - ١٦].","vol":"4","page":342},{"text":"والرابع: أن معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وكما يقالَ: \" قطع الوالي اللص أو ضربه \"، وإنما قطعه أعوانُه.\nوالخامس: أن يكون معنى الإتيان هاهنا راجعا إلى الجزاء، فسمّى الجزاء إتيانا كما سمّى التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتيانا فقال عزّ من قائل: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال في قصّة بني النضير: ﴿فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قاله الثعلبي (١).\nقلت: والأوْلى السكوت عن الخوض في معناها؛ وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وذلك لما فيه من الاشتباه والتشبيه. والله أعلم.\nقال الشيخ السعدي: \" وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله ﷺ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ظاهرها بل صريحها، دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل، أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.\nوأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات، يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه، تبع لذواتهم، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه.\nويقال أيضا، لمن أثبت بعض الصفات، ونفى بعضا، أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه، وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع، وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك، ونفيك لبعضه، فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته، وما نفيته، ولن تجد إلى الفرق سبيلا فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة، أجابك به أهل السنة، لما نفيته.\nوالحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته، فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول\" (٢).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٠.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٤ - ٩٥.","vol":"4","page":343},{"text":"قال ابن سريج: \"وقد صح عند جميع أهل السنة إلى زماننا أن جميع الأخبار الصادقة عن رسول الله - ﷺ - يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منها، كما ورد مثل قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها، فلا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها\" (١).\nوقال الصابوني\" \"ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله - ﷺ - وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ﷿، وكذلك يثبتون ما أنزله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ \" (٢).\nقلت: وردت آثار صحيحة عن السلف الصالح في أحاديث الصفات، بأنها: \"تمر كما جاءت بلا كيف\"، وعن بعضهم: \"قراءته تفسيره\"، وفيما يأتي أذكر بعض تلك الآثار (٣):\nالأول: قال أحمد بن نصر: \"سألت سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ) قلت: يا أبا محمد أريد أسألك، قال: لا تسأل. قلت: إذا لم أسألك فمن أسأل؟ فقال: سل.\nقلت: ما تقول في هذه الأحاديث التي رويت نحو: القلوب بين أصبعين، وأن الله يضحك أو يعجب ممن يذكره في الأسواق؟\nفقال: أمروها كما جاءت بلا كيف\" (٤).\nوقال في رواية: \"كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن، فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل\" (٥).\nوفي لفظ: \"كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكون عنه\" (٦).\nوالثاني: قال الوليد بن مسلم: \" سألتُ الأوزاعي (١٥٧ هـ) وسفيان الثوري (١٦١ هـ) ومالك بن أنس مالك بن أنس (١٧٩ هـ) والليث بن سعد (١٧٥ هـ)، عن هذه الاحاديث التي فيها الصفة والرؤية والقرآن فقال: \"أمروها كما جاءت بلا كيف\" (٧).\nوفي رواية: \" سألت سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي في الرؤية والصفات قال: أمروها على ما جاءت، ولا تفسروها\" (٨).\nوالثالث: قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله [أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)] عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال: \"قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت، قال: فقلت له: إن رجلا اعترض في بعض هذه الأخبار كما جاءت، فقال: \"يجفى\"، وقال: \"ما اعتراضه في هذا الموضع، يسلم الأخبار كما جاءت\" (٩).\n_________\n(١) الأربعين في صفات رب العالمين: ص ٩٥، وانظر: \"مختصر العلو\" للذهبي ٢٢٦.\n(٢) عقيدة السلف أصحاب الحديث: ١٩١.\n(٣) انظر: الحجة في بيان المحجة\" ٢/ ١٢٣، و\"تفسير أبي المظفر السمعاني\" ٢/ ٦٠، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤١، و\"الفتاوى\" لابن تيمية ١٦/ ٤٠٩، و\"اجتماع الجيوش الإسلامية\" ص ١٩٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٦٦.\n(٤) مراسيل أبي داود (ص ١٨٢) تحقيق: عبد الله الزهراني - دار الصميعي؛ والصفات للدارقطني (ص ٧١)؛ والعلو للعلي الغفار للذهبي (ص ١٥٦)؛ سير أعلام النبلاء (ج ٨ ص ٤٦٧).\n(٥) كتاب الصفات للدارقطني (ص ٧٠)؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج ٣ ص ٤٣١).\n(٦) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٦٨)؛ الأسماء والصفات للبيهقي (ج ٢ ص ١٥٨ و٣٠٧).\n(٧) علل ابن أبي حاتم (ج ٥ ص ٤٦٨) عن أبيه عن الهيثم بن خارجة.\n(٨) معجم ابن المقرئ: ص ١١١.\n(٩) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني: ص ٦٩.\nسير أعلام النبلاء للذهبي (ج ٨ / ص ١٦٢) من طريق أبي بكر الخلال؛ والشريعة للأجري (ج ٣ ص ١١٤٦)، وفيهما أنه سألهم عن أحاديث الصفات.\nكتاب الصفات للدارقطني: ٧٥، ولفظها: \"عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: \"أمضها بلا كيف.\"\nشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج ٣ ص ٥٠٣) ولفظها: \"عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف\".","vol":"4","page":344},{"text":"وقال عبد الله: \"سألت أبي (الإمام أحمد بن حنبل) ﵀ عن قوم يقولون: لما كلم الله ﷿ موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى إن ربك ﷿ تكلم بصوت، هذه الاحاديث نرويها كما جاءت\" (١).\nوقد صرح الإمام أحمد في قول آخر له بالإيمان بحديث الرؤية على ظاهره، فقال: \"والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح، وأن النبي ﷺ قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا تناظر فيه أحدا\" (٢).\n- سُئِل الإمام أحمد عن قول النبي ﷺ لعلي ﵁: ”من كنت مولاه فعلي مولاه“ ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء\" (٣).\n- قال أبو بكر المروذي: سألتُ أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن قول النبي ﷺ لعلي ﵁: ”أنت مني بمنزلة هارون من موسى“ ايش تفسيره؟ قال: \"أسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا، الخبر كما جاء\" (٤).\nوالرابع: قال أبو عيسى الترمذي (٢٧٩ هـ): \"وقد رُوي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا ما يُذكر فيه أمرُ الرؤية أن الناس يرون ربهم وذِكرُ القَدَم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رَوَوا هذه الأشياء، ثمَّ قالوا: \" تُرْوى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يُقالُ: كَيفَ؟، وهذا الذي اخْتَاره أهل الحديث أن يَرْووا هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تُفسر ولا تتوهَّمُ ولا يُقالُ: كيفَ، وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. ومعنى قوله في الحديث \"فيعرفهم نفسه\" يعني يتجلى لهم\" (٥).\nوالخامس: وقال ابن أبي عاصم (ت. ٢٨٧ هـ): \"ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: ... وإثبات رؤية الله ﷿، يراه أولياؤه في الآخرة، نظر عيان، كما جاءت الأخبار\" (٦).\nوالسادس: قال أبو منصور الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ) - بعد ذكر حديث أن جهنم تمتلئ حتى يضع الله فيها قدمه-: \"وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباس الدُّورِي أنه سأل أبا عبيدٍ عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية فقال: \"هذه أحاديث رواها لنا الثقاتُ عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي ﵇؛ وما رأينا أحدًا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها.\" أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت\" (٧).\nوالسابع: وقال أبو سليمان الخطابي (ت. ٣٨٨ هـ) في حديث النزول: (هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها، وإجراءها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها.) ثم ذكر آثار\n_________\n(١) السنة لأبي بكر الخلال (ج ١ ص ٢٤٧) بسند صحيح، قال: \"حدثنا أبو بكر المروذي .. \" وذكره؛ والشريعة للآجري (ج ٣ ص ١١٥٤)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (ج ١ ص ١٣٨).\n(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/ ١٥٧ - ١٥٨ بسنده؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى بسنده ٢/ ١٧٢ و١٧٣.\n(٣) السنة لأبي بكر الخلال ٢/ ٣٤٦ بسند صحيح.\n(٤) السنة للخلال: ٢/ ٣٤٧ سنده صحيح.\n(٥) الجامع الكبير للترمذي المعروف بـ\"سنن الترمذي: ٤/ ٣١٨.\n(٦) كتاب السنة لابن أبي عاصم: ١/ ١٠٢٨.\n(٧) تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري: ٩/ ٤٥ - ٤٦.","vol":"4","page":345},{"text":"السلف التي فيها \"أمروها كما جاءت\" (١).\nوالثامن: وقال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. ٥٣٥ هـ)، وقد سُئل عن صفات الرب تعالى فقال: \"مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره» ثم قال: أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل\" (٢).\nوالتاسع: وقال الذهبي (ت. ٧٤٨ هـ): \"وكما قال سفيان وغيره \"قراءتها تفسيرها\"، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف مع إتفاقهم أيضا أنها لا تُشْبِه صفات البشر بوجه إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته\" (٣).\nوالله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، أي: \"وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" أمر إهلاكهم وفرغ منه، وضع الماضي موضع المستقبل لدنوه وتيقن وقوعه\" (٥).\nقال الواحدي: \"أي: فرغ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي: انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم، فريق في الجنة وفريق في السعير\" (٧).\nقال البغوي: \" أي وجب العذاب، وفرغ من الحساب، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة\" (٨).\nقال رسول الله ٠ ﷺ-: \"إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ مِنْ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: \" ﴿وقضى الامر﴾، يقول: قامت الساعة\" (١٠).\nوأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم قال: \"إلى الله المرجع\" (١١).\nواختلف عطف الجملة: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، على وجهين (١٢):\nأحدهما: إنها معطوفة على: ﴿أن يأتيهم﴾ فتكون في حيّز الأمر المنتظر بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؛ وإلا أن يقضى الأمر؛ ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه؛ وعلى هذا فيكون محل الجملة النصب؛ لأن (تأتيهم الملائكة) منصوبة - يعني: هل ينظرون إلا إتيانَ الله في ظلل من الغمام، وإتيانَ الملائكة، وانقضاءَ الأمر.\n_________\n(١) الأسماء والصفات للبيهقي: ٢/ ٣٧٧.\n(٢) العلو للعلي الغفار للذهبي: ص ٢٦٣؛ وكتاب العرش له: ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠.\n(٣) العلو للعلي الغفار: ص ٢٥١.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٩.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.\n(٦) التفسير البسيط: ٤/ ٩٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٠.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٢٤١.\n(٩) مسند الإمام أحمد (٥٢١): ص ١/ ٧٣.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٦٦): ص ٢/ ٣٧٣.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٦٧): ص ٢/ ٣٧٣.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٤/ ١٣.","vol":"4","page":346},{"text":"والثاني: أنها جملة مستأنفة؛ أي: وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم؛ و﴿الأمر﴾ بمعنى الشأن؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة؛ ولهذا قال بعده: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، يعني: \" وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة\" (١).\nقال الواحدي: \" أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء\" (٢).\nقال الصابوني: أي\" وإلي الله وحده مرجع الناس جميعًا\" (٣).\nقال الراغب: \" أي ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استرد ما كان فوضه إليه، وقيل: عنى بالأمور الأرواح، وسماها أمورًا من حيث إنها من الإبدعات المشار إليها بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقال: ولهذا لما سئل سكان الروح قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي هو من الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وعلى ذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، ويكون رجوعها إنما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة إلى أن ينشئها النشأة الأخرى على ما قضاه تعالى\" (٤).\nوقد اختلفت القراءة في قوله ﴿تُرْجَعُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، على ثلاثة أوجه (٥):\nأحدها: ﴿تَرْجِعُ﴾، بفتح التاء، وكسر الجيم. قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي، أي تصير، كقوله تعالى: ﴿ألا إلى الله تصير الامور﴾ (الشورى: ٥٣) وقوله: ﴿إن إلينا إيابهم * وإلى الله * مرجعكم﴾ [هود: ٤، المائدة: ٤٨، الغاشية: ٢٥].\nوالثاني: ﴿تُرْجَعُ﴾ بضم التاء، وفتح الجيم. وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به؛ لأن ﴿إلى الله﴾ متعلق بـ ﴿ترجع﴾، على معنى ترد، يقال: رجعته أي رددته، قال تعالى: ﴿ولئن رجعت إلى ربى﴾ [فصلت: ٥٠] وفي موضع آخر: ﴿ولئن رددت إلى ربى﴾ [الكهف: ٣٦] وفي موضع آخر: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال تعالى: ﴿رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] أي ردني.\nقال القفال ﵀: \"والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه ﷻ، وهو ﷻ يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة\" (٦).\nوالثالث: ﴿تُرْجَعُ﴾ بالتأنيث لجريان جمعِ التكسير مَجْرى المؤنث، وهي قراءة الجمهور، إلاَّ أنَّ حمزةَ والكسائي ونافعًا قرؤوا ببنائِه للفاعل، والباقون ببنائِه للمفعول، و(رجع) يُستعمل متعديًا تارةً ولازمًا أخرى، وقال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سُمِع في المتعدي (أرجع) رباعيًا وهي لغةٌ ضعيفة، ولذلك أَبَت العلماءُ أن تَجْعَل قراءَة مَنْ بناه للمفعول مأخوذةً منها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٩.\n(٢) التفسير البسيط: ٤/ ١٠٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٠.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٥.\n(٥) انظر: السبعة: ١٨١، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦٢، والدر المصون: ٣/ ٣٤٢.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦٢.","vol":"4","page":347},{"text":"والرابع: ﴿يُرْجَعُ﴾ بالتذكير وببنائه للمفعول، قرأ بها خارجة عن نافع، لأن تأنيثه مجازي، والفاعلُ المحذوفُ في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول: إمَّا اللهُ تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لَمَّا كانت ذواتُهم وأحوالُهم شاهدةً عليهم بأنهم مَرْبوبون مَجْزِيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورَهم إلى خالقها.\nوإنما أدخل جل وعزّ \" (الألف واللام) في ﴿الأمور﴾، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: \" يعجبني العسل - والبغل أقوى من الحمار \"، فيدخل فيه \" الألف واللام \"، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وعيد هؤلاء بيوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ...﴾ إلخ.\n٢ - ومنها: أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث؛ منها قول الله - ﵎ -: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦]، وقوله (ص): «أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه» (٢).\n٣ - وأما عقيدة السلف في الصفات: فقد ذكرنا، بأنها: \"تمر كما جاءت بلا كيف\"، وعن بعضهم: \"قراءته تفسيره\". والله تعالى أعلم.\n٤ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.\n٥ - ومنها: إثبات عظمة الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿في ظلل من الغمام﴾؛ فـ ﴿ظلل﴾ نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] يعني تثور ثورانًا بهذا الغمام العظيم من كل جانب؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار ﷾؛ وهذا يفيد عظمة الباري ﷾.\n٦ - ومنها: أن الملائكة أجسام خلافًا لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير.\n٧ - ومنها: أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء؛ فليس بعده شيء؛ إما إلى الجنة؛ وإما إلى النار؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدًا للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤].\n٨ - ومنها: أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أي الأمور الكونية، والشرعية؛ قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠]؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله - ﵎ -؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة؛ لكن كان القضاة مرجعًا للناس بإذن الله تعالى.\n٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء -؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافًا لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله ﷿؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء.\n١٠ - ومن فوائد الآية: عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه؛ لقوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٠.\n(٢) أخرجه مسلم ص ١١٧٨/ كتاب الفتن، باب ٥: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم ٧٢٥٨ [١٩] ٢٨٨٩.","vol":"4","page":348},{"text":"القرآن\n﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ [البقرة: ٢١١]\nالتفسير:\nسل -أيها الرسول- بني إسرائيل المعاندين لك: كم أعطيناهم من آيات واضحات في كتبهم تهديهم إلى الحق، فكفروا بها كلها، وأعرضوا عنها، وحَرَّفوها عن مواضعها. ومن يبدل نعمة الله -وهي دينه- ويكفر بها من بعد معرفتها، وقيام الحجة عليه بها، فإن الله تعالى شديد العقاب له.\nقوله تعالى ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: \"سل يا محمد بني إسرائيل – توبيخا لهم وتقريعا\" (١).\nقال البغوي: \" أي سل يا محمد يهود المدينة\" (٢).\nقال الماوردي: \" ليس السؤال على وجه الاستخبار، ولكنه على وجه التوبيخ \" (٣).\nقال الزجاج: \" الخطاب للنبي - ﷺ - والمعنى له ولسائر المؤمنين وغيرهم. المعنى أنهم أعطوا آيات بينات قد تقدم ذكرها، وقد علموا صحة أمر النبي - ﷺ - وجحدوا، وهم عالمون بحقيقته\" (٤).\nو﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، \"أي بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ والمراد من ينتمي إليه؛ لا أبناء صلبه خاصة\" (٥).\nوفي المراد بسؤاله بني إسرائيل، ثلاثة أقاويل (٦):\nأحدها: أنبياؤهم.\nوالثاني: علماؤهم.\nوالثالث: جميعهم. والآيات البينات: فَلْقُ البحر، والظلل من الغمام، وغير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿سل﴾ أصلها اسأل؛ فنقلت حركة الهمزة إلى السين، ثم حذفت تخفيفًا؛ ثم حذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها (٧).\nوللعرب في سقوط ألف الوصل في (سل) وثبوتها في (اسأل) وجهان (٨):\nأحدهما: حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها.\nوالوجه الثاني: أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله: ﴿سل بني إسرائيل﴾ وقوله: ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ [ن: ٤٠]. وثبت في العطف، مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] قاله علي بن عيسى (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، قراءتان (١٠):\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٠.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٤١.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٢٦٩.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٨١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٩.\n(٧) انظر: معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٤ - ١٢٥، \"التبيان\" للعكبري ص ١٢٩.\n(٨) انظر: معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٤ - ١٢٥، \"التبيان\" للعكبري ص ١٢٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٧.\n(٩) هو أبو الحسن الرماني النحوي المعتزلي. توفي (٣٨٤ هـ)، السير: ١٦/ ٥٣٣.\n(١٠) انظر: المحرر الوجير: ١/ ٢٨٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٧.","vol":"4","page":349},{"text":"إحداهما: ﴿اسأل﴾ على الأصل. قرأ بها أبو عمرو في رواية عباس (١) عنه.\nوالثاني ﴿اسل﴾ على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال: الاحمر.\nقوله تعالى ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: \"كم أعطينا آباءهم وأسلافهم من دلالة واضحة\" (٢).\nقال الصابوني: \" كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات، وحجج قاطعات تدل على صدقه؟ ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا\" (٣).\nوقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، على وجوه:\nأحدها: أنها البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد -ﷺ- (٤).\nقال القرطبي: \"كم جاءهم في أمر محمد ﵇ من آية معرفة به دالة عليه\" (٥).\nوالثاني: أن \"المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى وهي التسع\" (٦). وهذا قول مجاهد (٧)، والربيع (٨).\nقال الرازي: \"أي: معجزات موسى ﵇، نحو فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى ﵇ من السحاب، وإنزال التوراة عليهم، وتبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١١]، \"أي: من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي ومن يجعل بدلها كفرًا، كما يدل لذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] (١١).\nقال الطبري: أي: \" ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام، من العمل والدخول فيه فيكفر به\" (١٢).\nعن مجاهد في قوله: ﴿ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾، قال: يكفر بها\" (١٣)، وروي عن السدي (١٤)، والربيع (١٥)، مثل ذلك.\nقال الزجاج: \" يعني به في هذا الموضع حجج الله الدالة على أمر نبيه - ﷺ -\" (١٦).\nوفي ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١١]، ههنا أقوال (١٧):\n_________\n(١) هو ابن الفضل، قاضي الموصل، أبو الفضل الأنصاري الواقفي. ولم يشتر لأن لم يجلس للإقراء، توفي (١٨٦ هـ). انظر: معرفة القراء الكبار للذهبي: ١/ ٣٣٧.\n(٢) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٢٤١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٠.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٠٤٠): ص ٤/ ٢٧١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٠٤١): ص ٤/ ٢٧١.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧١.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٢.\n(١٣) تفسير الطبري (٤٠٤٣): ص ٤/ ٢٧٣.\n(١٤) تفسير الطبري (٤٠٤٤): ص ٤/ ٢٧٣.\n(١٥) تفسير الطبري (٤٠٤٥): ص ٤/ ٢٧٣.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٢٨١.\n(١٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٦.","vol":"4","page":350},{"text":"أحدهما: أن المراد آياته ودلائله، وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان:\nالوجه الأول: فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى ﵇، قال: المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٥].\nوالوجه الثاني: ومن قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد ﵇، قال: المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها. وهذا قول الزجاج (١).\nوالقول الثاني: المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى\nهو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات.\nالقول الثالث: أن النعم: الإسلام وما فرض من شرائع دينه. وهذا قول الطبري (٢).\nوالصواب، أن قوله (نعمة الله) عام لجميع عباده من وقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها. والله أعلم.\nقال الشوكاني: \"والمراد بـ ﴿النعمة﴾ هنا ما جاءهم من الآيات وقال ابن جرير الطبري النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنا من كان فوقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب\" (٣).\nقال القرطبي: (النعم) \" لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد ﷺ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد ﷺ فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا\" (٤).\nوقرئ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ بالتخفيف (٥).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: \" ن بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها\" (٦).\nقال البيضاوي: \" وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: \" فإِن عقاب الله له أليم وشديد\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي شديد التعذيب\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" أليم عذابه\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: أي قوي الجزاء بالعقوبة؛ وسمي الجزاء عقوبة، وعقابًا؛ لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به\" (١١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٨١.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٢.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٤.\n(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٨١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩.","vol":"4","page":351},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينة الدالة على صدق رسله؛ لقوله تعالى: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾.\n٢ - ومنها: تقريع بني إسرائيل الذين كفروا بآيات الله، وتوبيخهم؛ لأن المراد بالسؤال هنا سؤال توبيخ.\n٣ - ومنها: أن الآيات من نعم الله؛ لأنها تحمل المرء على الإيمان؛ وفي الإيمان نجاته، وكرامته؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾.\n٤ - ومنها: أن الآيات مبينة لما أتت دالةً عليه.\n٥ - ومنها: التحذير من تبديل نعمة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾ [البقرة: ٢١١]؛ والمراد: تبديل الشكر بالكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾.\n٦ - ومنها: إثبات شدة العقاب من الله لمن بدل نعمته بالكفر؛ وهذا من تمام عدله وحكمته.\nالقرآن\n﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ [البقرة: ٢١٢]\nالتفسير:\nحُسِّن للذين جحدوا وحدانية الله الحياةُ الدنيا وما فيها من الشهوات والملذات، وهم يستهزئون بالمؤمنين. وهؤلاء الذين يخشون ربهم فوق جميع الكفار يوم القيامة؛ حيث يدخلهم الله أعلى درجات الجنة، وينزل الكافرين أسفل دركات النار. والله يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.\nذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية وجوها (١):\nأحدها: قال ابن عباس في رواية الكلبي: \"نزلت هذه الآية في مشركي العرب: أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعّمون بما ينقل لهم في الدنيا من المال ونسوا يوم المعاد وَيَسْخَرُونَ من المؤمنين الذين يعزفون عن الدنيا، ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيّا لاتبعه أشرافنا وإنما تبعه الفقراء مثل أبي عمارة وصهيب وعمار وجابر بن عبد الله وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخبّاب وأمثالهم\" (٢).\nويسنده ما أخرجه ابن أبي حاتم: عن ابن جريج، قال: \"قالت قريش: لو كان محمد نبيا، لاتبعه ساداتنا واشرافنا. والله ما اتبعه الا اهل الحاجة مثل ابن مسعود واصحابه \" (٣).\nقال القرطبي في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: \"المراد رؤساء قريش\" (٤).\nوقال الشوكاني: \" والمراد بـ ﴿الذين كفروا﴾ رؤساء قريش أو كل كافر\" (٥).\nوالثاني: قال عطاء: \"نزلت في رؤساء اليهود ووفدهم من بني قريضة والنضير والقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريضة والنضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره\" (٦).\nوالثالث: قال مقاتل: \"نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم\" (٧).\nقال الرزاي: \" واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم (٨).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٧، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٣١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣١، وانظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٧.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٧٥): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣١، وانظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٧.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣١، وانظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٧.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٧.","vol":"4","page":352},{"text":"قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]، أي: \" زينت للكافرين شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا\" (١).\nقال المراغي: \" أي حسنت الحياة الدنيا للكافرين وأشربت محبتها في قلوبهم فتهالكوا عليها، وتهافتوا فيها، وأعرضوا عن الدين حين ظنوا أن منافعها قد تفوتهم\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة «زُيّنَ» على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض\" (٣).\nوفي المزين لهم ثلاثة أقوال:\nأحدها: زينها لهم الشيطان بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله الحسن (٤)، وابن كيسان (٥)، والزجاج (٦).\nقال الشوكاني: \" والمزين هو الشيطان أو الأنفس المجبولة على حب العاجلة\" (٧).\nوالثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن، وهو قول المعتزلة (٨).\nقال الرازي: و\"هذا ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا﴾ يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف\" (٩).\nقال القرطبي: \" ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه\" (١٠).\nوالثالث: أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم.\nقال القرطبي: \" والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر\" (١١).\nقال الواحدي: \" وإنما فعل الله ذلك بهم للابتلاء، كما قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] \" (١٢).\nويدل على صحة هذا التأويل وجهان (١٣):\nالوجه الأول: قراءة من قرأ ﴿زَيَّنَ للذين كفروا﴾ بفتح، الزاي (١٤)، على البناء للفاعل، يعني: الله تعالى.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧١. [بتصرف بسيط].\n(٢) تفسي المراغي: ٢/ ١١٨.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٠.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٠، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٨.\n(٩) مفاتيخ الغيب: ٦/ ٣٦٨.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.\n(١٢) التفسير البسيط: ٤/ ١٠٥.\n(١٣) انظر: ومفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٨، والتفسير البسيط: ٤/ ١٠٥.\n(١٤) بها قرأ أبي بن كعب، والحسن ومجاهد، وحميد، وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو حيوة. ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨.","vol":"4","page":353},{"text":"والثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].\nقال البغوي: \"الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها\" (١).\nوقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه\" (٢).\nقال الراغب: \" التزيين التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، نحو: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ \" (٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: والتزيين جعل الشيء بهيًا في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ فأصل التزيين جعل الشيء بهيًا جميلًا جذابًا (٤).\nو﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: \"يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ [آل عمران: ١٤] (٥) \".\nو﴿الدنيا﴾: \" فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول ﷺ: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٦)؛ وموضع السوط مقدار متر تقريبًا\" (٧).\nوقد خص ﴿الذين كفروا﴾ بالذكر، لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق ﵁ حين قدم عليه بالمال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا (٨).\nقال الشوكاني: \" وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدينا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق ايهم أحسن عملا لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة والمسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة\" (٩).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ [البقرة: ٢١٢]، على ثلاثة أوجه (١٠):\nأحدها:: ﴿زُيِّنَ﴾. بضم (الزاي) على البناء للمفعول. وهي قراءة الجمهور.\nوالثاني: ﴿زَيِّنَ﴾، بفتح (الزاي) على بناء الفاعل، قرأ بها مجاهد وحميد بن قيس (١١)، أبي بن كعب، والحسن وابن محيصن وأبو حيوة.\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٢٧٠، وانظر: زاد المسير: ١/ ٢٢٨.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٤.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٦.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١.\n(٦) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٠، حديث رقم ٢٣١٨٣؛ وأخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد والسير، باب ٧٣: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم ٢٨٩٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢١ - ٢٢.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨ - ٢٩.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٣١٣.\n(١٠) انظر: الدر المصون: ٢/ ٣٧١، والمحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٣، وزاد المسير: ١/ ٢٢٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.\n(١١) حميد بن قيس المكي الأعرج القارئ، ثقة، أخذ عرضا عن مجاهد (ت ٢٢٤ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٦٥.","vol":"4","page":354},{"text":"قال النحاس: \"وهي قراءة شاذة، لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر\" (١).\nوالثالث: ﴿زينت﴾ بإظهار العلامة، وهي قراءة ابن أبي عبلة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي (٢).\nواختلف في سبب عدم تأنيث (الحياة) في الآية على أقوال:\nأحدها: أنه لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة. وهذا قول الفراء (٣).\nوالثاني: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء. وهذا قول الزجاج (٤).\nوالثالث: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث. وهذا قول اابن الأنباري (٥).\nومن ذلك قول الشاعر (٦):\nإن امرأ غرّه منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢]، أي\" ويستهزءون بالفقراء من المؤمنين\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوله: ﴿ويسخرون من الذين امنوا﴾، ويقولون: ما هؤلاء علي شيء، استهزاء وسخريا\" (٨).\nقال ابن عطية: \" إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي ﷺ كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم\" (٩).\nقال الصابوني: أي \"وهم مع ذلك يهزأون ويسخرون بالمؤمنين، يرمونهم بقلة العقل، لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] \" (١٠).\nقال الشوكاني: \" والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر وأساطين الضلال وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا ومن حرمه شقيا خاسرا وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم إلتفاتهم إلى الدنيا وزينتها\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]، \" أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة يوم القيامة\" (١٢).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ١٠٦.\n(٢) انظر معاني القرآن للفراء: ١/ ١٢٥.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٢٥.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٨١.\n(٥) معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٩\n(٦) لم أتعرف على قائله والبيت في تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣١، وزاد المسير: ١/ ٣٠٥، ولسان العرب: ٥/ ١١.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٢.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٧٤. عن محمد بن يحيى، انبا الحسن بن عمرو بياع السابري، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧١.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.","vol":"4","page":355},{"text":"قال ابن عثيمين: \" أي فوقهم مرتبة، ومنزلة؛ وهذا ما أعاضهم الله به، حيث كان أولئك الذين كفروا يسخرون بهم في الدنيا، فجعلهم الله فوقهم يوم القيامة؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥] \" (١).\nقال ابن عطية: \" ومعنى الفوق هنا في الدرجة والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] \" (٢).\nقال الطبراني: \" يعني الذينَ اتَّقَوا الشركَ والفواحش والكبائرَ فوقَ الكفار يوم القيامة، في الجنةِ يكون المؤمنون في عِلِّيِّيْنَ والكفارُ في الجحيم\" (٣).\nو(التقوى): \" وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، عن علم وبصيرة\" (٤).\nوقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الفوقية، على أقوال (٥):\nأحدها: أن المراد: الفوقية في الكرامة والدرجة، لأنهم في الجنة والكفار في النار. وهذا معنى قول قتادة (٦).\nوالثاني: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض.\nوالثالث: أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم.\nوالرابع: أن يكون المراد: أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٤].\nوالخامس: المراد: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، وهي مع بطلانها منقضية، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية.\nوالسادس: وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخرة في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقرا من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك.\nقال ابن عطية: \" وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك\" (٧).\nفيمكن القول بأن \"المراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة والكفار في النار لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥.\n(٣) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٩. وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٥٦): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥.","vol":"4","page":356},{"text":"الكفر وقتل أهله وأسرهم وتشريدهم وضرب الجزية عليهم ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة قوله\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، أي: والله \"يرزق من يشاء من خَلْقه، ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة\" (٢).\nقال الضحاك: \"يعني من غير تبعة في الآخرة\" (٣).\nقال عطاء: \"سالت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾، قال: تفسيرها: ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه \" (٤).\nوعن سعيد بن جبير، بغير حساب قال: \"لا يحاسب الرب\" (٥).\nوقال ميمون ابن مهران: ﴿بغير حساب﴾، قال: غدقا\" (٦). وروى عن الوليد بن قيس (٧)، نحو ذلك.\nقال الصابوني: \" أي والله يرزق أولياءه رزقًا واسعًا رغدًا، لا فناء له ولا انقطاع\" (٨).\nقال الطبري: \" والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته\" (٩).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أي يعطي من يشاء من فضله بغير محاسبة على ذلك؛ فهم يأخذون أجرهم يوم القيامة مجانًا؛ لأن العوض قد سبق؛ ويحتمل أن المعنى بغير تقدير - أي لا يقدَّر لهم ذلك -؛ بل يعطون ما تشتهيه أنفسهم، كما قال ﵎: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾ [الانشقاق: ٢٥] أي غير مقطوع؛ لأن رزق الله لا نهاية له لا سيما الرزق في الآخرة\" (١٠).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وجهان من التفسير (١١):\nأحدهما: المعنى: والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة.\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٨.\nكما جاء في الحديث: \"ابن آدم، أَنْفقْ أُنْفقْ عليك\"، وقال النبي ﷺ: \"أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا\". [رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٩٢) من طريق يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥١)].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي الصحيح أن مَلَكين ينزلان من السماء صَبيحة كل يوم، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا. ويقول الآخر: اللهم أعط مُمْسكا تلفًا. وفي الصحيح \"يقول\nابن آدم: مالي، مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لَبسْتَ فأبليتَ، وما تصدقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\". وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يَجمَعُ من لا عقل له. [المسند (٦/ ٧١) من حديث عائشة ﵂].\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٧٨): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٧٩): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٠): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٠): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٤.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥، وفتح القدير: ١/ ٢١٣.","vol":"4","page":357},{"text":"والثاني: أن يكون المعنى أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد.\nوالثالث: ويحتمل أن يكون ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعدد، ففضله كله بغير حساب. وهذا معنى قول ميمون بن مهران (١)، والوليد بن قيس (٢).\nوالرابع: ويحتمل أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى: عَطاءً حِسابًا [النبأ: ٣٦]، فالمعنى في ذلك محسبا، وأيضا فلو كان عدا لكان الحساب في الجزاء والمثوبة لأنها معادة وغير الحساب في التفضل والإنعام.\nوالخامس: أن المعنى:: \"ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه \". وهذا قول ابن عباس (٣)، وروي عن سعيد بن جبير (٤)، نحو ذلك.\nقال الشيخ السعدي: \" فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان، ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك، فلا يعطيها إلا من يحب\" (٥).\nوقد ذكر الرازي: أن قوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين (٦).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٠): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٠): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٧٨): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٧٩): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ٩٥.\n(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠ - ١١.\nثم قال: \" فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها:\nأحدها: أنه يرزق من يشاء في الآخرة، وهم المؤمنون بغير حساب، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له، ولا انقطاع، وهو كقوله: ﴿فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾ (غافر: ٤٠) فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب.\nوثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال: ﴿فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله﴾ (النساء: ١٧٣) فالفضل منه بلا حساب.\nوثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته.\nورابعها: أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عما كان، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.\nوخامسها: أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهيا لا محالة، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله: ﴿بغير حساب﴾ وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى.\nوسادسها: ﴿بغير حساب﴾ أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئا، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان، لا بسبب الاستحقاق.\nوسابعها: ﴿بغير حساب﴾ أي يزيد على قدر الكفاية يقال: فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال: ينفق بغير حساب وثامنها: ﴿بغير حساب﴾ أي يعطي كثيرا لأن ما دخله الحساب فهو قليل.\nواعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم. (تفسير الراي: ٦/ ٣٧٠ - ٣٧١).","vol":"4","page":358},{"text":"قال الراغب: \" (وأعطاه بغير حساب)، إذا أعطاه أكثر مما يستحق وأقل مما يستحق والأول هو المقصود هاهنا، وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لاحتمال اللفظ، وإيهامه:\nالأول: يعطيه [عطاء] أكثر مما يستحقه.\nالثاني: يعطيه ولا يأخذ منه.\nالثالث: يعطيه عطاءً لا يحويه حصر العباد، لقول الشاعر (١):\nعطاياهُ تحْصَى قبل إحصائها القطرُ\nالرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته أي ضايقته\nالخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه أي يكفيه، وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا وفي الآخرة.\nالسادس: إن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ تنبيهًا أن لا فضيلة في المال، ولا إكرام لمن يوسع عليه ما لم يستعن به في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية، ولهذا قال أمير المؤمنين: \" من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مكر به فقد خدع عن عقله \".\nالسابع: يعطي أولياءه بلا تبعه ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذاك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب، وفي وقت ما يجب وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي: \" من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة \"، وعلى هذا قال لسليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تحر فيما أعطيناك الوجه الذي لا تبعة فيه عليك ولا حساب، الثامن: أن الله ﷿- يقابل المؤمني في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾.\nالتاسع: وهو يقارب ذلك إن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا خطر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: انخداع الكافرين بالحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾.\n٢ - ومنها: أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم، وغرضهم؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتمًا به طالبًا له.\n٣ - ومنها: أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿للذين كفروا﴾؛ ولهذا كان الرسول ﷺ إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول: «لبيك! إن العيش عيش الآخرة» (٣) لتوجيه النفس إلى إجابة الله؛ لا إلى إجابة رغبتها، ثم يقنع النفس أيضًا: أني ما صددتك وأجبت الرب ﷿ إلا لخير؛ لأن العيش عيش الآخرة؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة﴾ [الزمر: ١٥]؛ هذه هي الخسارة: خسروا أنفسهم؛ لأن مآلهم النار - والعياذ بالله -؛ وأهلوهم أيضًا الذين في النار لا يهتم\n_________\n(١) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الراغب في تفسيره: ١/ ٤٣٩.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩.\n(٣) أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٣٠٤، حديث رقم ٧٩٢، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٨، باب: كان إذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، حديث ١٣١٠٠، أخرجه البيهقي بسنده إلى الشافعي، والحديث مرسل لأنه عن مجاهد أنه قال كان النبي ﷺ ...، الحديث.","vol":"4","page":359},{"text":"بعضهم ببعض؛ كل - والعياذ بالله - شقيّ فيما هو فيه؛ والحاصل أنا نقول: ينبغي لكل إنسان حين يرى في الدنيا ما يعجبه أن يقول كما قال الرسول ﷺ.\n٤ - ومن فوائد الآية: حقارة الدنيا؛ لوصفها بالدنيا؛ وهي من الدنوّ زمنًا، ورتبة؛ زمنًا؛ لأنها قبل الآخرة؛ ورتبة؛ لأنها قليل بالنسبة للآخرة؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلا مشوبًا بتنغيص قبله، وبعده؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير؛ لأن له فيه أجرًا، كما أخبر الرسول ﷺ في قوله: «عجبًا للمؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له؛ وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» (١)؛ والمؤمن إذا ابتلي بالبلاء الجسمي، أو النفسي يقول: هذه نعمة من الله يكفِّر الله بها عني سيئاتي؛ فإذا أحس هذا الإحساس صار هذا الألم نعمة؛ لأن الإنسان خطّاء دائمًا؛ وهذه الأشياء لا شك أنها - والحمد لله - تكفير للسيئات؛ فإن صبر واحتسب صارت رفعة للدرجات؛ فالآلام، والبلايا، والهم، والغم، تكفير بكل حال؛ ولكن مع الصبر والاحتساب يكون عملًا صالحًا يثاب عليه، ويؤجر عليه.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن لا نركن إلى هذه الحياة، ونطمئن إليها؛ بل نجعل همتنا منصرفة إلى الدار الآخرة؛ وهذا لا ينافي أن نتمتع وننعم بما أحل الله لنا مع الاستقامة في ديننا.\n٦ - ومنها: أن الكفار لا يزالون يسلطون أنفسهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون﴾ بالفعل المضارع؛ لأن المضارع يدل على الاستمرار، والحال، والاستقبال؛ فهم دائمًا في سخرية من الذين آمنوا.\n٧ - ومنها: أن العبرة بكمال النهاية؛ لقوله تعالى: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾.\n٨ - ومنها: تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ يعني: اصبروا؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم؛ فما دمتم تعرفون أن هذه عادة الكفار فإن الإنسان يصبر؛ إذا عرف الإنسان أن هذا شيء لا بد منه يكون مستعدًا له، وقابلًا له، وغير متأثر.\n٩ - ومنها: البشرى للمؤمنين الذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة.\n١٠ - ومنها: إثبات أفعال الله ﷾ المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء﴾ فتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد الأفعال الاختيارية - يعني المتعلقة بمشيئة الله -؛ وهي ثابتة لله ﷿ على وجه الحقيقة؛ وأمثلتها في القرآن كثيرة.\n١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ وكل ما في الكون واقع بمشيئة الله؛ والمشيئة تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ قوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: ﴿ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي، وعقلي؛ فمن السمع: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣]؛ فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله ﷾ سمى نفسه بأنه «حكيم»؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة.\n١٢ - ومن فوائد الآية: كثرة رزق الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿بغير حساب﴾ بمعنى أنه يعطي عطاءً لا يبلغه الحساب، كما قال تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١].\nالقرآن\n﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١١٩٦، كتاب الزهد والرقائق، باب ١٣: المؤمن أمره كله خير، حديث رقم ٧٥٠٠ [٦٤] ٢٩٩٩.","vol":"4","page":360},{"text":"كان الناس جماعة واحدة، متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم، فبعث الله النبيين دعاة لدين الله، مبشرين مَن أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه؛ ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اخْتَلَف في أمر محمد ﷺ وكتابه ظلمًا وحسدًا إلا الذين أعطاهم الله التوراة، وعرفوا ما فيها من الحجج والأحكام، فوفَّق الله المؤمنين بفضله إلى تمييز الحق من الباطل، ومعرفة ما اختلفوا فيه. والله يوفِّق من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم.\nقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: \"كان الناس على دين واحد\" (١).\nقال الصابوني: \" أي كانوا على الإيمان والفطرة المستقيمة، فاختلفوا وتنازعوا\" (٢).\nقال الشوكاني: \"أي مقصدهم واحد غير مختلف\" (٣).\nقال الطبري: \"كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد\" (٤).\nقال القاسمي: \"أي: وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد. وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم، أي: ما وجدوا إلا ليكونوا كذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] أي: انحرفوا عن الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كل خير لهم وسعادة، إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل، ولما كانوا لم يخلقوا سدىً منّ الله عليهم بما يبصّرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من بعثة الأنبياء وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية\" (٥).\nقال القفال: \" الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الأئتمام\" (٦).\nو(الأمة): \"مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته\" (٧).\nوقد اختلف المفسسرون في معنى (الأمة) في هذه الآية ومن المعني بـ (الناس) (٨):\nأحدها: أنهم كانوا على الحق، فاختلفوا بعد ذلك، وهو قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، والضحاك (١١).\nفاتفقوا على أن المراد بالأمة هي شريعة الحق، ولكن اختلفوا في (الناس) على وجهين:\nالوجه الأول: قيل المراد بـ ﴿الناس﴾: \" القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح\" (١٢). وهذا قول ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤).\nقال ابن عباس: \"كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله ﴿كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا﴾ \" (١٥).\n_________\n(١) انظر: فتح القدير: ١/ ٢١٣. وتفسير البغوي: ١/ ٢٤٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٧.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٧٢.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٥ وما بعدها.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٥٥): ص ٤/ ٢٧٨، و(٤٠٤٨): ص ٤/ ٢٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٧)، و(١٩٨٥): ص ٢/ ٣٧٦، وتفسير الطبري (٤٠٤٩): ص ٤/ ٢٧٦.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٦): ص ٢/ ٣٧٦.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٤٨): ص ٤/ ٢٧٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٤٩): ص ٤/ ٢٧٦.\n(١٥) تفسير الطبري (٤٠٤٨): ص ٤/ ٢٧٥، ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٤٦ - ٥٤٧ وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه \" ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":361},{"text":"قال قتادة: \" كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ\" (١).\nفتفسير (الأمة) على هذا القول: (الدين)، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣] [المائدة: ٤٨]، \"يراد به أهل دين واحد وملة واحدة\" (٢)، وكما قال النابغة الذبياني (٣):\nحَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ؟\nيعني ذا الدين (٤).\nقال القرطبي: \" منذ خلق الله آدم ﵇ إلى أن بعث محمدا ﷺ خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين\" (٥).\nالوجه الثاني: أن كلمة ﴿الناس﴾، المراد نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين، ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وهذا قول الكلبي الواقدي (٦).\nوروي عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: \" ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتاب بعد الاختلاف\" (٧).\nوالثاني: أن (الأمة) تعني: طاعة الله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله ﷿ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [سورة النحل: ١٢٠]، يعني بقوله (أمة)، إمامًا في الخير يُقتدى به، ويُتَّبع عليه.\nوالمراد بـ ﴿الناس﴾: آدم وذريته، إذ كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. وهذا قول مجاهد (٨)، والثوري (٩).\nوعلى هذا القول يجوز تسمية الواحد باسم الجماعة، لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ (الأمة)، كما يقال: فلان أمة وحده، يقول مقام الأمة، وقد يجوز أن يكون سماه بذلك، لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، فلما كان آدم ﷺ سببًا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك ﴿أمة﴾ (١٠).\nوالثالث: أن معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرَج ذرية آدمَ من صلبه، فعرضهم على آدم. وهذا قول أبي بن كعب (١١)، وابن زيد (١٢).\nوهذا القول له وجهين:\nالأول: أن المعني بـ ﴿الناس﴾: \"آدم وحده، وسمى ناسا لأنه أصل النسل\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٠٤٩): ص ٤/ ٢٧٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.\n(٣) ديوانه: ٤٠، واللسان (أمم) من قصيدته المشهورة في اعتذاره للنعمان. يقول: أيتهجم على الإثم ذو دين، وقد أطاع الله واخبت له، فيحلف لك كاذبا يمين غموس كالتي حلفت بها، لأنفي عن قلبك الريبة في أمري.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٩٨٤): ص ٢/ ٣٧٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨١): ص ٢/ ٣٧٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨١): ص ٢/ ٣٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.\n(١١) انظر: تفسير طبري (٤٠٥٣): ص ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(١٢) انظر: تفسير طبري (٤٠٥٤): ص ٤/ ٢٧٨.\n(١٣) فتح القدير: ١/ ٢١٣.","vol":"4","page":362},{"text":"والثاني: أن المعني بـ ﴿الناس﴾: \"آدم وحواء\" (١).\nوهذا القول نظيرُ قول ابن عباس: إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح، إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابن عباس.\nوالقول الأول أصح الأقوال سندا ومعنى، وبه قال جمهور المفسرين (٢)، \"لأن الناس كانوا على ملة آدم، ﵇، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا، ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال: ﴿وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، \" أي: فبعث الله الأنبياء لهداية الناس، مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني: أرسل الله رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب وينذرون من عصى الله فكفر به، بشدّة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار\" (٥).\nقال الثعلبي: \" ﴿مُبَشِّرِينَ﴾، بالثواب من آمن وأطاع، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾، محذّرين بالعذاب من كفر وعصى\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" المعنى أنهم اختلفوا؛ فبعث الرسل\" (٧).\nو﴿بَعَثَ﴾ بمعنى أرسل، كقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ [الحديد: ٢٥]؛ والمراد بـ ﴿النبيين﴾ هنا الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾ (٨).\nقال القرطبي: \" وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة، فإن الناس يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في \"الأعراف\" إن شاء الله تعالى\" (٩).\nقال الشوكاني: \" قيل جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]: \"هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشرًا، والآخر منذرًا؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله ﷿ لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله من خالف أمره؛ قال الله - ﵎ -: ﴿لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا﴾ [الكهف: ٢]؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٢) منهم الفخر الرازي، إذ ذكر وجوها لتصويبه، فقال: هذا قول أكثر المحققين\". [انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٧٢ - ٣٧٣].\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١ - ٣٢.\n(١٠) فتح القدير: ١/ ٢١٣.","vol":"4","page":363},{"text":"أجرًا حسنًا ماكثين فيه أبدًا؛ ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: \" وأنزل مع الرسل، الكتب السماوية لهداية البشرية\" (٢).\nقال القاسمي: أي: وأنزل معهم\" كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة، لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه\" (٣).\nقال القرطبي: \" ﴿الْكِتَابَ﴾ اسم جنس بمعنى الكتب\" (٤)، كذا قاله الشوكاني (٥)، خلاف الطبري (٦).\nواختلف في نوع (الألف واللام) في ققوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين:\nأحدهما: أنها للجنس. قاله الجمهور.\nوالثاني: أنها للعهد. قاله الطبري (٧) خلافا للجمهور.\nوالراجح هو قول الجمهور، وأما قول الطبري، فهو خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتابًا؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و«كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به (٨). والله أعلم.\nقال البيضاوي: ﴿الكتاب﴾: \" يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتابًا يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وجهان:\nأحدهما: أي \"ما جاءت به الكتب فهو حق\" (١٠). أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل\" (١١).\nوالثاني: أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه.\nقال ابن عثيمين: \" وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و«الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما قال الله - ﵎ -: ﴿وتمَّت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] \" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٧.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٢.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢١٣.\n(٦) إذ يرى بأن الألف واللام للعهد. انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠،، إذ يرى بأن الألف واللام في (الكتاب) للعهد، والمراد التوراة. يقول: \" وأنزل معهم الكتابَ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه \"، يعني بذلك: ليحكم الكتاب - وهو التوراة - بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه\".\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨.\n(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨.\n(١١) التفسير البسيط: ٤/ ١١٢.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١١.","vol":"4","page":364},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: ليحكم\" بين الناس \"في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق\" (١).\nقال الصابوني: أي\" حال كونها منزلة لمصالح الناس، في أمر الدين الذي اختلفوا فيه\" (٢).\nقال الزمخشري: أي\" لِيَحْكُمَ اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه \" (٣).\nوفي عود الضمير إلى ﴿النبيين﴾، هنا إشكال: \"وهو أن ﴿ليحكم﴾ مفرد؛ و﴿النبيين﴾ جمع؛ لكن قالوا: لما كان النبيون جمعًا؛ والجمع له أفراد، صار ﴿ليحكم﴾ أي كل فرد منهم (٤).\nقال القاسمي: أي: \" من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب\" (٥).\nواختلاف الناس بأن: \"بعضهم قال: الحق كذا؛ وبعضهم قال: الحق كذا؛ خصمان لا بد بينهما من حَكَم؛ وهو ما جاءت به الرسل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ و«ما» اسم موصول؛ واسم الموصول من ألفاظ العموم؛ فيشمل كل ما اختلف فيه الناس من الدقيق والجليل، في مسائل الدين والدنيا (٦).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين (٧):\nأحدهما:: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾، بفتح (الياء) وضم (الكاف)، وهي قراءة العامة.\nولهذه القراءة وجهان (٨):\nأحدهما: على سعة الكلام كقوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾.\nوالآخر: أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.\nوالثاني: وقرأ الجحدري (ليحكم) على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي «لنحكم».\nقال ابن عطية: \" وأظنه تصحيفا لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: في الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي: في الكتاب\" (١١).\nقال الصابوني: \"أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير، المنزل لإزالة الاختلاف\" (١٢).\nوفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قولان:\nأحدهما: في الحق.\nوالثاني: في الكتاب وهو التوراة. قاله الماوردي (١٣).\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٧.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٩٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٩.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٤، والمحرر الوجيز: ١/ ٢٨٦.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٤.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٦.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٨.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧١.","vol":"4","page":365},{"text":"والثالث: في التوراة والإنجيل. قاله الواحدي (١).\nقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: إلا الذين\" أعطوه\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بهم هنا الأمم\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أعطوه وهم اليهود والنصارى\" (٤).\nقال الطبري: \" عني، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها\" (٥).\nقال القاسمي: أي: إلا الذين \"علموه فبدّلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف\" (٦).\nقال البيضاوي: \" أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجا للاختلاف سببًا لاستحكامه\" (٧).\nقال ابن عطية: \" و﴿الذين أوتوه﴾: أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، \"أي: من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب\" (٩).\nقال الصابوني: \" فقد كان خلافهم عن بينة وعلم، لا عن غفلة وجهل \" (١٠).\nقال القاسمي: أي من بعد أن جائتهم: \"الدلائل الواضحة\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" أى: ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببا في شدّة الاختلاف واستحكامه\" (١٣).\nوقد اختلف أهل العربية في حكم ومعنى ﴿مِنْ﴾ التي في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وفيه قولان (١٤):\nاحدهما: أن ﴿مِنْ﴾، للذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له، والمعنى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، بغيًا بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات.\nوقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لا معنى لما قال هذا القائل، ولا لتقديم (البغي) قبل ﴿من﴾، لأن ﴿من﴾ إذا كان الجالب لها (البغي)، فخطأ أن تتقدمه، لأن (البغي) مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه.\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١١٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨١.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨١.\n(١٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٢.","vol":"4","page":366},{"text":"والثاني: أن (الذين) مستثنى، وأنّ ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ مستثنى باستثناء آخر، وأن تفسير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات فكأنه كرر الكلام توكيدًا.\nوالقول الثاني أشبه بتفسير الآية، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا، فذلك أشبه تفسير الآية (١). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: \" حسدًا بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم\" (٢).\nقال أبيّ بن كعب: \" بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض\" (٣).\nقال البيضاوي: أي: \" حسدا بينهم وظلمًا لحرصهم على الدنيا\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي حسدًا من الكافرين للمؤمنين\" (٥).\nو(البغي): \"هو العدوان\" (٦).\nقال الشوكاني: \" أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم والقبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببا في شدة الخلاف\" (٧).\nقال الصابوني: \"أي حسدا من الكافرين للمؤمنين\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أى: \" فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف\" (٩)، بمشيئته.\nقال البيضاوي: هداهم\" للحق الذي اختلف فيه من اختلف، بأمره أو بإرادته ولطفه\" (١٠).\nقال الطبري: \" فوفق [الله] الذي آمنوا وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد ﷺ المصدّقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه\" (١١).\nقال الشوكاني: \"أي فهدى الله أمة محمدﷺ- إلى الحق وذلك بما بينه لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم وقيل معناه فهدى الله أمة محمد للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم فإن بعضهم كذب كتاب بعض وقيل إن الله هداهم إلى الحق من القبلة وقيل هداهم ليوم الجمعة وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود وجعلته النصارى ربا وقيل المراد بالحق الإسلام\" (١٢).\nوقال الفراء (١٣) إن في الآية قلبا وتقديره: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير الطبري (١٤)، وضعفه ابن عطية (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٢.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٩٩١): ص ٢/ ٣٧٧.\n(٤) تفسير ابيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢١٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٨.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(١٠) تفسير ابيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٣.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢١٤.\n(١٣) انظرك معاني القرآن: ١/ ١٣١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧.\n(١٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٧.","vol":"4","page":367},{"text":"واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ١١٣]، على وجوه:\nأحدها: أي بمشيئته، وإرادته؛ ولكنه ﷾ لا يشاء شيئًا إلا لحكمة. قاله ابن عثيمين (١).\nوالثاني: أي: بعلمه. قاله الزجاج (٢).\nقال النحاس: \" وهذا غلط\" (٣).\nوالثالث: أي: بأمره، لأنك إذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه\". قاله النحاس (٤).\nقال ابن عطية: \" والإذن هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية\" (٥).\nوالرابع: أي: بعلمه وإرادته. قاله الثعلبي (٦).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على أقوال:\nأحدها: أراد الجمعة، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها، فجعلها اليهود السبت، وجعلها النصارى الأحد، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، فهدى الله الذين آمنوا إليها، وهذا قول أبي هريرة (٧)، واختاره الطبري (٨).\nوالثاني: أنهم اختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله للقبلة، وهذا قول ابن زيد (٩).\nوالثالث: أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها. وهذا معنى أبو العالية (١٠)، والسدي (١١)، والربيع (١٢).\nوالمراد بالهداية هنا: \"هداية التوفيق المسبوقة بهداية العلم، والإرشاد؛ لأن الجميع قد جاءتهم الرسل بالكتب، وبينت لهم؛ لكن لم يوفق منهم إلا من هداهم الله\" (١٣).\nو(الإيمان) في اللغة: \"التصديق؛ ولكنه في الشرع التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ وليس مجرد التصديق إيمانًا؛ إذ لو كان مجرد التصديق إيمانًا لكان أبو طالب مؤمنًا لأنه كان يقر بأن محمدًا -صلى\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٨٥.\n(٣) إعراب القرآن: ١/ ١٠٧، وانظر: فتح القدير: ١/ ٢١٤.\n(٤) إعراب القرآن: ١/ ١٠٧، وانظر: فتح القدير: ١/ ٢١٤.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٧.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٤.\n(٧) تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٩) والحديث مخرج في الصحيحين. رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. وكذلك رواه أحمد في المسند: ٧٦٩٢ ن عن عبد الرزاق. ورواه الشيخان وغيرهما. فانظر المسند أيضًا: ٧٢١٣، ٧٣٠٨، ٧٣٩٣، ٧٣٩٥، ٧٦٩٣.\nونص الحديث: \" قال النبي ﷺ: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أوّلُ الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى\".\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦١): ص ٤/ ٢٨٤.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٣): ص ٢/ ٣٧٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٣): ص ٤/ ٢٨٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٢): ص ٤/ ٢٨٥.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.","vol":"4","page":368},{"text":"الله عليه وسلم- صادق، ويقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل لكنه لم يَقبل، ولم يُذعن، فلم يكن مؤمنا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: والله \"يهدي من يشاء هدايته إلى طريق الحق، الموصل إلى جنات النعيم\" (٢).\nقال البيضاوي: أي إلى صراط: \" لا يضل سالكه\" (٣).\nقال الطبري: \" والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه\" (٤).\nقال السعدي: \" فعمَّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا يقولوا: ﴿ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته\" (٥).\nوالهداية هنا بمعنى الدلالة، والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني\" ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو ﷾ يهدي من يشاء إذا كان أهلًا للهداية؛ كما أنه ﷾ يجعل الرسالة في أهلها فإنه يجعل الهداية في أهلها، كما قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]، كذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته\" (٧).\nقال القرطبي: \" وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ رد على المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبد بهداية نفسه\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: وله الحكم والحجة البالغة\" (٩).\nوالـ ﴿صراط﴾ في اللغة: \"هو الطريق الواسع؛ وسمي صراطًا - وقد يقال -: (زراطًا) بالزاي؛ لأنه يبتلع سالكه بسرعة دون ازدحام، ولا مشقة، كما أنك إذا بلعت اللقمة بسرعة يقال: «زرطها»؛ وقال بعضهم: هو الطريق الواسع المستقيم؛ لأن المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة؛ وجعل قوله تعالى: ﴿مستقيم﴾ صفة مؤكدة؛ وعلى كل حال ﴿الصراط المستقيم﴾ الذي ذكره ﷿ بينه ﷾ في سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]؛ فهو الصراط الذي يجمع بين العلم، والعمل؛ وإن شئت فقل: بين الهدى، والرشد؛ بخلاف الطريق غير المستقيم الذي يحرم فيه السالك الهدى، كطريق النصارى؛ أو يحرم فيه الرشد، كطريق اليهود\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿صِرَاطٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قراءتان (١١):\nإحداهما: ﴿صِرَاطٍ﴾، بالصاد. قراءة الجمهور.\nوالثانية: ﴿سِرَاطٍ﴾، بالسين. وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو في رواية عبيد بن عقيل.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٨.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٦.\n(٥) تفسير السعدي: ٩٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧١.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١.\n(١١) انظر: السبعة: ١٠٥ - ١٠٦.","vol":"4","page":369},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن دين الإسلام هو الفطرة؛ لقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾؛ فقبل أن يحصل ما يفتنهم كانوا على دين واحد - دين الإسلام -.\n٢ - ومنها: الحكمة في إرسال الرسل؛ وهي التبشير، والإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾.\n٣ - ومنها: أن النبوة لا تنال بالكسب؛ وإنما هي فضل من الله؛ لقوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين﴾.\n٤ - ومنها: أن من يوصف بالتبشير إنما هم الرسل، وأتباعهم؛ وأما ما تسمى به دعاة النصرانية بكونهم مبشرين فهم بذلك كاذبون؛ إلا أن يراد أنهم مبشرون بالعذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]؛ وأحق وصف يوصف به هؤلاء الدعاة أن يوصفوا بالمضللين، أو المنَصِّرين؛ وما نظير ذلك إلا نظير من اغتر بتسمية النصارى بالمسيحيين؛ لأن لازم ذلك أنك أقررت أنهم يتبعون المسيح، كما إذا قلت: «فلان تميمي»؛ إذًا هو من بني تميم؛ والمسيح ابن مريم يتبرأ من دينهم الذي هم عليه الآن كما قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ...﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قوله تعالى: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ...﴾ [المائدة: ١١٧] الآيتين؛ ولأنهم ردوا بشارة عيسى بمحمد ﷺ، وكفروا بها؛ فكيف تصح نسبتهم إليه؟ ! ! والحاصل أنه ينبغي للمؤمن أن يكون حذرًا يقظًا لا يغتر بخداع المخادعين، فيجعل لهم من الأسماء، والألقاب ما لا يستحقون.\n٥ - ومنها: أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى أوامر، ونواهي؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾؛ لأن الإنذار: عن الوقوع في المخالفة؛ والبشارة: لمن امتثل، وأطاع.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الكتب نازلة من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾.\n٧ - ومنها: علو الله ﷾؛ لأنه إذا كانت الكتب نازلة من عنده لزم أن يكون هو عاليًا؛ لأن النزول يكون من فوق إلى تحت.\n٨ - ومنها: أن الواجب الرجوع إلى الكتب السماوية عند النزاع؛ لقوله تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ وإلا لضاعت فائدة الكتب المنزلة؛ ومن المعلوم أن الكتاب المنزل على محمد ﷺ مصدق لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن عليه؛ فيجب الرجوع إليه وحده؛ لأن ما سبقه منسوخ به.\n٩ - ومنها: رحمة الله ﷿ بالعباد، حيث لم يكلهم إلى عقولهم؛ لأنهم لو وكِلوا إلى عقولهم لفسدت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾ [المؤمنون: ٧١]؛ فكل إنسان يقول: العقل عندي؛ والصواب معي؛ ولكن الله تعالى بعث النبيين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.\n١٠ - ومنها: أن الناس لو رجعوا إلى الكتاب المنزل عليهم لحصل بينهم الاجتماع، والائتلاف.\n١١ - ومنها: أن الخلاف بين الناس كائن لا محالة؛ لقوله تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن: ٢]؛ ولولا هذا ما قامت الدنيا؛ ولا الدين؛ ولا قام الجهاد؛ ولا قام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ ولم يمتحن الصادق من الكاذب.\n١٢ - ومن فوائد الآية: أن أولئك الذين اختلفوا في الشرع كانوا قد أوتوا الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة أن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات","vol":"4","page":370},{"text":"١٣ - ومن فوائد الآية: كمال التوبيخ واللوم على هؤلاء ما هو ظاهر؛ لأنه كان الواجب، والأحرى بهؤلاء الذين أوتوه ألا يختلفوا فيه؛ بل يتفقوا عليه؛ لكنهم اختلفوا فيه مع تفضل الله عليهم بإيتائه؛ لقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه﴾.\n١٤ - ومنها: بيان ضعف ما يروى عن الرسول ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (١)؛ فالاختلاف ليس برحمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]؛ نعم، دخول المختلفين تحت عفو الله رحمة إذا اجتهدوا، حيث إن الله ﷿ لم يعذب المخطئ؛ فالمختلفون تسعهم الرحمة إذا كانوا مجتهدين؛ لأن من اجتهد فأصاب فله أجران؛ ومن اجتهد فأخطأ فله أجر؛ أما أن نقول: «إن الخلاف بين الأمة رحمة» فلا.\n١٥ - ومنها: أن فعل الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات إنما كان ذلك بغيًا منهم؛ لقوله تعالى: ﴿بغيًا بينهم﴾؛ فالذين اختلفوا في محمد ﷺ من اليهود والنصارى إنما كان اختلافهم بغيًا وعدوانًا؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ وكذلك الذين اختلفوا في محمد ﷺ من قريش كان كفرهم بغيًا وعدوانًا.\n١٦ - ومنها: أن كل مخالف للحق بعد ما تبين له فهو باغٍ ضال - وإن قال: أنا لا أريد البغي، ولا أريد العدوان -.\n١٧ - ومنها: أنه متى تبين الحق وجب اتباعه - ولو كان قد قال بخلافه من قبل -؛ فيدور مع الحق حيث دار.\n١٨ - ومنها: رحمة الله ﷿ بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾.\n١٩ - ومنها: أن الإيمان سبب للهداية للحق.\n٢٠ - ومنها: أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ...﴾؛ لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان؛ وما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه؛ ولهذا كان الصحابة أقرب إلى الحق ممن بعدهم لا في التفسير، ولا في أحكام أفعال المكلفين، ولا في العقائد أيضًا؛ لأن الهداية للحق علقت بالإيمان؛ ولا شك أن الصحابة أقوى الناس إيمانًا؛ قال الرسول ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢)، ولهذا ذهب الإمام أحمد - ﵀ - إلى أن قول الصحابي حجة ما لم يخالف النص؛ فإن خالف نصًا فليس بحجة؛ أو يخالفه صحابي آخر؛ فإن خالفه صحابي آخر نظر في الترجيح أيهما أقرب إلى الصواب.\n٢١ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء الذي هداه الله ألا يعجب بنفسه، وألا يظن أن ذلك من حوله، وقوته؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله﴾، ثم قال تعالى: ﴿بإذنه﴾ أي أمره الكوني القدري؛ ولولا ذلك لكانوا مثل هؤلاء الذين ردوا الحق بغيًا وعدوانًا.\n٢٢ - ومنها: الإيماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الهداية من الله؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا﴾.\n٢٣ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله﴾، وكذلك لقوله تعالى: ﴿بإذنه﴾.\n٢٤ - ومنها: أن أفعال العباد واقعة بإرادة الله وخلقه.\n٢٥ - ومنها: أن إذن الله نوعان: كوني، وشرعي؛ وسبق بيانهما في قوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ [البقرة: ٩٧].\n_________\n(١) سبق تخريجه ٢/ ٢٧٢.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٠٩، كتاب الشهادات، باب ٩: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، حديث رقم ٢٦٥٢، وأخرجه مسلم ص ١١٢٢، كتاب فضائل الصحابة، باب ٥٢: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، حديث رقم ٦٤٧٢ [٢١٢] ٢٥٣٣.","vol":"4","page":371},{"text":"٢٦ - ومنها: إثبات مشيئة الله في أفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يهدي من يشاء﴾.\n٢٧ - ومنها: أن كل ما سوى الشرع فهو طريق معوج؛ لقوله تعالى: ﴿إلى صراط مستقيم﴾.\n٢٨ - ومنها: أن الشرع لا ضيق فيه، ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صراط واسع، ومستقيم.\n٢٩ - ومنها: الإشارة إلى الطرق الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في سورة الفاتحة؛ وهي طريق الذين أنعم الله عليهم؛ وطريق المغضوب عليهم؛ وطريق الضالين؛ الذين أنعم الله عليهم: هم الرسل، وأتباعهم؛ والمغضوب عليهم: اليهود، وأمثالهم؛ والضالون: النصارى، وأمثالهم؛ وهذا بالنسبة للنصارى قبل أن يبعث الرسول ﷺ؛ أما لما بعث الرسول ﷺ، وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم كاليهود بالنسبة لدين المسيح؛ لأن اليهود كانوا مغضوبًا عليهم، حيث جاءهم عيسى فكذبوه بعد أن علموا الحق؛ وبعد ما بعث عيسى واتبعه النصارى وطال الأمد، ابتدعوا ما ابتدعوا من الدين، فضلُّوا؛ فصاروا ضالين؛ لكن لما بعث محمد ﷺ كذبوه، وأنكروه؛ فصاروا من المغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق، وخالفوه.\nالقرآن\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]\nالتفسير:\nبل أظننتم -أيها المؤمنون-أن تدخلوا الجنة، ولمَّا يصبكم من الابتلاء مثل ما أصاب المؤمنين الذين مضوا من قبلكم: من الفقر والأمراض والخوف والرعب، وزُلزلوا بأنواع المخاوف، حتى قال رسولهم والمؤمنون معه -على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى-: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين.\nاختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية على قولين:\nأحدهما: قال: قتادة (١)، والسدي (٢)، وجمهور المفسرين، أنها \"نزلت يومَ الأحزاب، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١] \" (٣).\nوالثاني: وقال عطاء: \" لما دخل رسول الله -ﷺ- وأصحابه المدينة اشتد الضر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله - ﷺ - وأسر قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم ﴿أم حسبتم﴾ الآية\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: \" بل ظننتم\" (٥) أن تدخلوا الجنة\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلو الجنة بدون ابتلاءٍ وامتحان واختبار\" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٥): ص ٤/ ٢٨٩. وفيه: \" نزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسولَ الله ﷺ وأصحابه بلاءٌ وحصرٌ، فكانوا كما قال الله جل وعزّ: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ \". ورواه ابن المنذر: (فتح القدير: ١/ ٢١٥) عنه به، وإسناده صحيح.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٤): ص ٤/ ٢٨٩. وفيه: \" نزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم: \" ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا \". [الأحزاب: ١٢] \".\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٩، وانظر: أسباب النزول: ٦٧.\n(٤) أسباب النول للواحدي: ٦٧، تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤.\n(٥) تفسير القرطبي:، وصفوة التفاسير: ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبراني: ١/ ١٥٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢.","vol":"4","page":372},{"text":"قال الزمخشري: \" ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعًا لرسول اللَّه ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: ﴿أم حسبتم﴾ \" (١).\nو﴿أَمْ﴾: منقطعة، ومعنى الهمزة فيها، للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده (٢).\nوالخطاب في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾، \"يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي ﷺ، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم\" (٣).\nو﴿الجنة﴾ في اللغة: \"البستان كثير الأشجار؛ وفي الشرع: هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]؛ أي \" أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين، من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار\" (٦).\nقال القاسمي: \"والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدل\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وجهان:\nأحدهما: أي: \" شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم\". قاله الطبري (٨).\nوالثاني: أن المعنى: \" سنتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] \".وهذا قول الربيع بن أنس (٩)، وبه قال ابن كثير (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"أي صفة ما وقع لهم؛ و(المثل) يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ [الرعد: ٣٥] أي صفتها كذا، وكذا؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ [البقرة: ١٧] أي شبههم كشبه الذي استوقد نارًا؛ و﴿خلوا﴾ بمعنى مضوا؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿من قبلكم﴾ إذا كانت ﴿خلوا﴾ بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [البقرة: ٦٠]؛ فإن الإفساد هو العثو؛ ومع ذلك جاء حالًا من الواو؛ فهو مؤكد لعامله\" (١١).\nأخرج ابن أبي حاتم عن مفضل قال: \"سالت أبا صخر، عن قوله: ﴿ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾، يقول: ولم اضربكم ببلايا كما بلوت الذين من قبلكم، بلوتهم بالباساء والضراء وزلزلوا \" (١٢).\nواخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن انس: ﴿ولما ياتكم﴾، يقول: \"ولما تبتلوا\" (١٣).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٢٥٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ٤/ ٢٨٨.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٨): ص ٢/ ٣٧٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٧): ص ١/ ٣٧٩.\n(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٨): ص ١/ ٣٧٩.","vol":"4","page":373},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي\"حلّت بهم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"أصابتهم إصابة مباشرة\" (٢).\nفالمسّ حقيقته: \"اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل، ومسُّ سَقر: ما يصيب من نارها، ومسَّه الفقر والضر: إذا حل به، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ [يونس: ١٢]، ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] \" (٣).\nقول تعالى ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: \"الفقر\" (٤).\nقال القاسمي: أي: \"الشدائد\" (٥).\nقال البغوي: أي: \" الفقر والشدة والبلاء\" (٦).\nقال الطبراني: \" أي الشدَّةُ وهي القتلُ\" (٧).\nقال أبو صخر: \"يقول: بلوتهم بالبأساء\" (٨).\nقال الفخر: \" أما ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة\" (٩).\nقال ابن عباس: \"أخبر الله سبحانه المؤمنين، أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مستهم البأساء والضراء﴾ \" (١٠).\nقال السدي: \" أصابهم هذا يوم الأحزاب\" (١١).\nوفي تفسير: ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ (١٢) [البقرة: ٢١٤]، قولان:\nأحدهما: أنه الفقر. قاله ابن مسعود (١٣)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٤).\nوالثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (١٥).\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢/ ٣١٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢/ ٣١٦.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ٩٦.\n(٥) محاسن التأويل: ٨٣.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٥.\n(٧) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٣.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٠١): ص ١/ ٣٨٠.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٦/ ١٦.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٩): ص ١/ ٣٧٩.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٠٠): ص ١/ ٣٧٩.\n(١٢) الباء والهمزة والسين أصل واحد يدل على الشدة وما ضارعها، فالبأس: الشدة في الحرب، يقال: رجل ذو بأس، أي: ذو شجاعة وشدة، والبؤس: الشدة والضنك في العيش، يقال: بَئِس الرجل فهو بائس إذا اشتدت حاجته. انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٣/ ١٠٧، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٣٢٨، الصحاح للجوهري: ٣/ ٩٠٦ - ٩٠٧، لسان العرب لابن منظور: ١/ ١٩٩.\nوانظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٤٥٠، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٩٧، ومن قال: من البؤس قال: المراد بالبأساء: شدة الفقر، ومن قال: من البأس، قال: المراد بالبأساء: شدة القتال، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٧٠، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٨٨.\n(١٣) انظر: ابن أبي حاتم (١٥٦٣): ص ١/ ٢٩١، و(٢٠٠٢): ص ١/ ٣٧٩.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٩١.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٤): ص ١/ ٢٩١.","vol":"4","page":374},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: \"الأمراض في أبدانهم\" (١).\nقال البغوي: \" المرض والزمانة\" (٢).\nقال القاسمي: \"والآلام\" (٣).\nقال الطبراني: \" والبلاءُ والفقرُ والمرض\" (٤).\nقال الفخر: \"وأما ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه\" (٥).\nواختلف في قوله: ﴿الضَّرَّاءِ﴾ (٦) [البقرة: ١٧٧]، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه السقم. قاله السدي (٧)، وروي عن ابن عباس (٨)، وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (٩).\nالثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (١٠).\nالثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: \"وأزعجوا إزعاجًا شديدًا بما أصابهم من الشدائد\" (١٢).\nقال القاسمي: أي: \"أزعجوا، مما دهمهم من الأهوال والإفراغ، إزعاجا ًشديدًا شبيهًا بالزلزلة التي تكاد تهدّ الأرض وتدك الجبال\" (١٣).\nقال ابن عباس: \"وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم \" (١٤).\nقال ابن كثير: \" ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خَوْفًا من الأعداء زلْزالا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا\" (١٥).\nقال الشوكاني: أي: \" خوفوا وأزعجوا إزعاجا شديدا\" (١٦).\nقال البغوي: \" أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا\" (١٧).\nقال ابن عثيمين: أي: \"زلزلة القلوب بالمخاوف، والقلق، والفتن العظيمة، والشبهات، والشهوات \" (١٨).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ٩٦.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٥.\n(٣) محاسن التأويل: ٨٤.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٣.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٦/ ١٩.\n(٦) عن قتادة قال: كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب ﷺ (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة الأنبياء: ٨٣]. (تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٠٣): ص ٢/ ٣٨٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ١/ ٢٩١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٥٦٥): ص ١/ ٢٩١.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ٨٤.\n(١٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٠٣): ص ١/ ٣٧٩.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧١.\n(١٦) فتح القدير: ١/ ٢١٦.\n(١٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٥.\n(١٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩.","vol":"4","page":375},{"text":"قال ابن عاشور: \" أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] \" (١).\nقال السعدي: أي: \" بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به\" (٢).\nقال السدي: \" أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ \" (٣).\nقال القرطبي: \" (الزلزلة) تعني شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، فمعنى \"زلزلوا\" خوفوا وحركوا. والزلزال - بالفتح - الاسم. والزلازل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج\" (٤).\nقال الراغب: \" (الزلزلة): شدة الحركة، وأصلها زل، ولزيادة المعنى زيد لفظه، وعلى هذا دل ودلدل، وما أشبهه به من المضعف مع الحرف المكرر بين تعالى أنه لا سبيل للناس كافة إلي الجنة إلا بتحمل المشاق، ولهذا ولهذا قال ﵇: \"حفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات \" (٥)، فخاطب هذه الأمة بأنه محال أن ترجو تحصيل الجنة إلا بما جرى به حكم الله في الذين سلفوا، وهو أن تنالكم البأساء أي الفقر، والضراء أي المصائب، والزلزلة أي المخاوف، وبذلك أثنى على المؤمنين فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وليس ذلك في الأمور الإلهية فقط، بل في عامة الملاذ لا سبيل إلى منحة إلا بمنحة، ولا إلى لذة إلا بشدة، ولهذا قيل: ولابْد دُون الشهدِ من أثرِ النحلِ\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: \" حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه: متى يأتي نصر الله\"\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه\" (٨).\nقال الشوكاني: \"أي استمر ذلك إلى غاية، هي قول الرسول ومن معه\" (٩) (١٠).\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢/ ٣١٦.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٠٠٤): ص ٢/ ٣٨٠.\n(٤) تفسير اقرطبي: ٣/ ٣٤.\n(٥) صحيح مسلم (٢٨٢٣): ص ٤/ ٢١٧٤، ومسند الإمام أحمد (٨٧٢١): ص ٢/ ٣٨٠.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٢١٦.\n(١٠) قال افخر: \"في الآية إشكال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد ﴿متى نصر الله﴾. والجواب عنه من وجوه:\nأحدها: أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ (الحجر: ٩٧) وقال تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك * أن لا * يكونوا مؤمنين﴾ (الشعراء: ٣) وقال تعالى: ﴿حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى﴾ (يوسف: ١١٠) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه: ﴿متى نصر الله﴾ حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال، وهذا هو الجواب المعتمد.\nوالجواب الثاني: أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما: ﴿متى نصر الله﴾ والثاني: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين: فالذين آمنوا قالوا: ﴿متى نصر الله﴾ والرسول ﷺ قال: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله: ﴿ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله﴾ والمعنى: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وأما من الشعر فقول امرىء القيس:\nكأن قلوب الطير رطباويابسا ... لدي وكرها العناب والحشف البالي\nفالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا\" (مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٠ - ٢١).","vol":"4","page":376},{"text":"قال الراغب: قيل معناه: على سبيل الإبطاء، ثم تداركوا، وعادوا إلى معرفتهم\" (١).\nقال البغوي: أي: \" ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر\" (٢).\nقال الصابوني: \" وذلك استبطاء منهم للنصر، لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإذا كان الرسل – مع علو كعبهم في الصبر والثبات – قد عيل صبرهم، وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق، كان ذلك دليلا على أن الشدة بلغت منتهاها\" (٣)\nقال الراغب: \" أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهى الأمر في الشدة وتماديه في العظم، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي: انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الله تعالى، وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر - والذين آمنوا وهم الأثبت بعده، العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر -\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول﴾ [البقرة: ٢١٤] قراءتان (٦):\nإحداهما: ﴿يَقُولُ﴾، بالرفع، قرأ بها نافع، وذلك على إلغاء عمل ﴿حتى﴾، ومن ذلك قول الفرزدق (٧):\nفيا عجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع\nقال النحاس: \"فعلى هذه القراءة بالرفع وهي أبين وأصحّ معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى\" (٨).\nوفي رواية الفراء عن محمد بن الجهم، \"أن الكسائي كان يقرؤها دهرا رفعا ثم رجع إلى النصب\" (٩).\nهذه\nقال القرطبي: \"والرسول هنا شعْيا (١٠) في قول مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟ . وروي عن الضحاك قال: يعني محمدا ﷺ، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم\" (١١).\nوالثانية: ﴿يَقُولَ﴾ بالنصب، وهي قراءة الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم، وذلك على إعمال ﴿حتى﴾ الناصبة،؛ وهي لا تعمل إلا في المستقبل (١٢).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٣.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٤.\n(٦) انظر: السبعة: ١٨١ - ١٨٢، وتفسير الطبري: ٤/ ٢٩٠، وإعراب القرآن: ١/ ١٠٨، ونقله القرطبي: ٣/ ٣٤.\n(٧) ديوانه: ٤١٩، هجا كليب بن يربوع رهط جرير، وجعلهم من الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: رهط الفرزدق، وهما ابنا دارم\n(٨) إعراب القرآن: ١/ ١٠٨، ونقله القرطبي: ٣/ ٣٤.\n(٩) السبعة: ١٨١ - ١٨٢.\n(١٠) من أنبياء بني إسرائيل، بعث بعد موسى. انظر: تاج العروس (سعى، أشعى).\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٥.\n(١٢) وإن قيل: ما وجه نصبها وهي حكاية عن شيء مضى؟\nفالجواب: ما قاله المعربون: أنه نصب على حكاية الحال؛ وإذا قدرنا حكاية الحال الماضية صار ﴿يقول﴾ مستقبلًا بالنسبة لقوله تعالى: ﴿مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾؛ و﴿الرسول﴾: المراد به الجنس - أي حتى يقول الرسول من هؤلاء الذين زلزلوا، ومستهم البأساء، والضراء -؛ و﴿معه﴾ المصاحبة هنا في القول، والإيمان - أي يقولون معه وهم مؤمنون به -؛ ﴿متى نصر الله﴾: الجملة مقول القول؛ والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه. (تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥).","vol":"4","page":377},{"text":"قال مكي: \"وهو الاختيار، لأن جماعة القراء عليه\" (١).\nقال الطبري: \" إذا كان ما قبل (حتى) من الفعل على لفظ (فعل) متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب (يفعل)، وإعمال (حتى)، وذلك نحو قول القائل: ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك وجعل ينظر إليك حتى يثبتك، فالصحيح من الكلام - الذي لا يصح غيره - النصبُ بـ (حتى)، كما قال امرؤ القيس (٢):\nمَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهمْ ... وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ\nفنصب (تكل)، والفعل الذي بعد (حتى) ماض، لأن الذي قبلها من (المطو) متطاول.\nوالصحيح من القراءة: ﴿وزلزلوا حتى يقولَ الرسول﴾، نصب ﴿يقول﴾، إذ كانت (الزلزلة) فعلا متطاولا، مثل: المطو بالإبل، و(الزلزلة) في هذا الموضع: الخوف من العدو، لا (زلزلة الأرض)، فلذلك كانت متطاولة وكان النصبُ في ﴿يقول﴾ وإن كان بمعنى: (فعل) أفصحَ وأصحَّ من الرفع فيه\" (٣).\nوقرأ الأعمش: \" ﴿وزلزلوا ويقول الرسول﴾، بالـ ﴿واو﴾ بدل ﴿حتى﴾. وفي مصحف ابن مسعود: ﴿وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول﴾ \" (٤).\nقال ابن عطية: وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: \" ألا إن نصر الله لك ولأمتك يا محمد قريب عاجل\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي ألا فأبشروا فإِنه حان أوانه\" (٧)\nقال الزمخشري: أي: \" فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر\" (٨).\nقال الزجاج: \" فأعلم أولياءه أنه ناصرهم لا محالة، وأن ذلك قريب منهم كما قال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] \" (٩).\nقال المراغي: أي: \" فهو سينصركم على عدوكم، ويكفيكم شرّ أهل البغي ويؤيد دعوتكم، ويجعل كلمتكم العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى\" (١٠).\n_________\n(١) الكشف في وجوه القراءات السبع: ١/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(٢) ديوانه: ١٨٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٣ وسيبويه ١: ٤١٧/ ٢: ٢٠٣، ورواية سيبويه: \" سريت بهم \" وفي الموضع الثاني منه روى: \" حَتَّى تَكِلَّ غَزِيّهم \" مطا بالقوم يمطو مطوًا: مد بهم وجد في السير. يقول: جد بهم ورددهم في السير حتى كلت مطاياهم فصارت من الإعياء إلى حال لا تحتاج معها إلى أرسان تقاد بها، وصار راكبوها من الكلال إلى إلقاء الأرسان وطرحها على الخيل. لا يبالون من تبعهم وإعيائهم، كيف تسير، ولا إلى أين.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١، وانظر: معاني القرآن ١/ ١٣٢ - ١٣٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨، وانظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٣٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨، وانظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٣٥.\n(٦) تفسير الطبراني: ١/ ١٩٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٨) تفسير الكشاف: ٢/ ٢٥٧.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٨٧، ونقله الواحدي في التفسير البسيط: ٤/ ١٢٤.\n(١٠) تفسير المراغي: ٢/ ١٢٨.","vol":"4","page":378},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" فقيل لهم ذلك اسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات، ومكابدة الشدائد والرياضات\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافًا لمرامهم بالقرب، وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، يحتمل وجهان من التفسير (٣):\nأحدهما: أن في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان.\nقال ابن عطية: \"وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر\" (٤).\nوالثاني: أن يكون ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول، فيكون جملة استئنافية يخبر الله بها خبرًا مؤكدًا بمؤكدين: ﴿ألا﴾؛ و﴿إن﴾.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وكلاهما صحيح\" (٥).\nقال ابن عاشور: قوله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بـ ﴿أَلا﴾، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعبًا، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول -ﷺ - بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة\" (٦).\nوفي حديث أبي رَزين: \"عَجب ربّك من قُنُوط عباده، وقُرْب غيثه فينظر إليهم قَنطين، فيظل يضحك، يعلم أنّ فرجهم قريب\" الحديث (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: عناية الله ﷿ بهذه الأمة، حيث يسليها بما وقع بغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ...﴾ إلخ؛ وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة؛ فالرسول ﷺ لما جاءه أصحابه يشكون إليه بمكة فأخبرهم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه» (٨) تثبيتًا للمؤمنين.\n٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الجنة.\n٣ - ومنها: أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله ﷿.\n٤ - ومنها: حكمة الله ﷿، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحانًا حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ [محمد: ٣١]؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار؛ أيضًا لا\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٦.\n(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ٢١٥.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٥ - ٣٦.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥.\n(٦) التحرير والتنوير: ٢/ ٣١٦.\n(٧) رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٨١) من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين به، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٨٥): \"هذا إسناد فيه مقال\".\n(٨) أخرجه البخاري ص ٥٧٩، كتاب الإكراه، باب ١: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، حديث رقم ٦٩٤٣.","vol":"4","page":379},{"text":"يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان؛ فعليك يا أخي بالصبر؛ قد تؤذى على دينك؛ قد يستهزأ بك؛ وربما تلاحَظ؛ وربما تراقَب؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل؛ فالرسول ﷺ كان ساجدًا لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام -؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل؛ ويبقى ساجدًا حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون (١)؛ فاصبر، واحتسب؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت؛ وإذا مت على الصبر لله ﷿ انتقلت من دار إلى خير منها.\n٥ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه - وهو الله ﷿ -؛ لقوله تعالى: ﴿متى نصر الله﴾.\n٦ - ومنها: أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل يقولون ما قالوا؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله﴾؛ يتفقون على هذه الكلمة استعجالًا للنصر.\n٧ - ومنها: تمام قدرة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾.\n٨ - ومنها: حكمة الله، حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن - مع أنه قريب -.\n٩ - ومنها: أن الصبر على البلاء في ذات الله ﷿ من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة.\n١٠ - ومنها: تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقبًا للنصر المبشرين به.\n١١ - ومنها: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح: «حفت الجنة بالمكاره» (٢)؛ لأن هذه مكاره؛ ولكنها هي الطريق إلى الجنة.\n١٢ - ومنها: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ...﴾ إلخ.\nالقرآن\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]\nالتفسير:\nيسألك أصحابك -أيها النبي- أي شيء ينفقون من أصناف أموالهم تقربًا إلى الله تعالى، وعلى مَن ينفقون؟ قل لهم: أنفقوا أيَّ خير يتيسر لكم من أصناف المال الحلال الطيب، واجعلوا نفقتكم للوالدين، والأقربين من أهلكم وذوي أرحامكم، واليتامى، والفقراء، والمسافر المحتاج الذي بَعُدَ عن أهله وماله. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى به عليم.\nوفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: \"نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية\" (٣). وذكره مقاتل (٤)، والثعلبي (٥)، وابن عسكر في ذيل الأعلام، ونسبه إلى ابن فطيس (٦) (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٢، كتاب الوضوء، باب ٦٩: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، حديث رقم ٢٤٠، وأخرجه مسلم ص ٩٩٧، كتاب الجهاد والسير، باب ٣٩: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين، حديث رقم ٤٦٤٩ [١٠٧] ١٧٩٤.\n(٢) أخرجه مسلم ص ١١٦٩، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ١: صفة الجنة، حديث رقم ٧١٣٠ [١] ٢٨٢٢.\n(٣) أسباب النزول: ٦٨، ورواية أبي صالح ضعيفة، وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩.\n(٤) انظرـ تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٠٧، والعجاب: ١/ ٥٣٣ - ٥٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٦.\n(٦) ابن فطيس هو الإمام العلامة الوزير القاضي أبو المطرف: عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس القرطبي المالكي ولد سنة \"٣٤٧\" وتوفي سنة \"٤٠٢\" ومن مؤلفاته: \"القصص\" ثلاث مجلدات، و\"أسباب النزول\" في مائة جزء، وغير ذلك انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" \"١٧/ ٢١٠ - ٢١٢\" و\"تذكرة الحافظ\" \"٣/ ١٠٦٠\" للذهبي و\"طبقات المفسرين\" للداودي \"١/ ٣٨٥ - ٣٨٧\" وغيرهما مما هو في هامش السير، وقد تصحف فطيس في \"مفحمات الأقران\" \"ص ١٠٧\" إلى نطيس!\n(٧) نقله عنه السيوطي في كتابه \"مفحمات الأقران في مبهمات القرآن\" \"ص ٢٠\".","vol":"4","page":380},{"text":"والثاني: أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي بسنده الواهي عن عطاء عن ابن عباس: \"نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: إن لي دينارا، فقال: \"أنفقه على نفسك\"، قال: إن لي دينارين، قال: \"أنفقهما على أهلك\"، قال: فإن لي ثلاثة، قال: \"أنفقها على خادمك\"، قال: فإن لي أربعة، قال: \"أنفقها على والدتك\"، قال: فإن لي خمسة، قال: \"أنفقها على قرابتك\"، قال: فإن لي ستة، قال: \"أنفقها في سبيل الله هو أحسنها\" (١) (٢).\nوالثالث: وقال قتادة في سبب نزولها: \"أهمتهم النفقة فسألوا نبي الله ﷺ فنزلت ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر﴾ \" (٣)، وأخرج الطبري نحوه عن مجاهد (٤)، وأبي نجيح (٥)، وابن جريج (٦).\nواختلف في نسخ حكم هذه الآية على قولين (٧):\nأحدهما: قال السدي: \"يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقةُ ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة\" (٨)، وأخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس (٩) نحو ذلك.\nقال البغوي: \"قال أهل التفسير: كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة\" (١٠).\nوالثاني: وقال جماعة: أنها غير منسوخة. وهذا قول مقاتل (١١)، وابن جريج (١٢) وغيرهما، وهو الصحيح.\nأخرج ابن أبي حاتم عن وقال مُقَاتل بن حَيّان: \" قوله: ﴿يسئلونك ماذا ينفقون﴾، وهي: النفقة في التطوع\" (١٣). ونقله ابن كثير في تفسيره دون اسناد (١٤).\nقال ابن الجوزي: \" والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع فحكمها ثابت غير منسوخ، لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة\n_________\n(١) وهذا سياق منكر والمعروف في هذا المتن غير هذا السياق، وهو ما أخرجه أحمد (المسند ٢/ ٤٧١)، وأبو داود (السنن- الزكاة، ب في صلة الرحم ٢/ ٣٢٠)، والنسائي (الزكاة، ب الصدقة عن ظهر غنى ٢/ ٦٢)، وابن حبان (موارد الظمآن ح ٨٢٨)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤١٥) عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال يومًا لأصحابه: \"تصدقوا\". فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار. قال: \"أنفقه على نفسك\" قال: إن عندي آخر. قال: \"أنفقه على زوجتك\". قال: إن عندي آخر. قال: \"أنفقه على ولدك\". قال: إن عندي آخر. قال: \"أنفقه على خادمك\". قال: إن عندي آخر قال: \"أنت أبصر\".\n(٢) وذكره الواحدي في رواية عطاء دون سند: ٦٨.\n(٣) العجاب: ١/ ٥٣٦، وعزاه السيوطي \"١/ ٥٨٥\" إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٩): ص ٤/ ٢٩٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠٧٠): ص ٤/ ٢٩٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٩): ص ٤/ ٢٩٣.\n(٧) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٤.\n(٨) تفسير الطبري (٤٠٦٨): ص ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٠): ص ٢/ ٣٨١.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٥.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٠٧): ص ٢/ ٣٨١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٩): ص ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٠٧): ص ٢/ ٣٨١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.","vol":"4","page":381},{"text":"وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه، لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل (فبينت) لهم وجوه الفضل\" (١).\nقال ابن عطية: \"ووهم المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن جريج (٢) وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها \" (٣).\nقال القرطبي: \" وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك\" (٤).\nوقال ابن كثير: \" وقال السدي: نَسَختها الزكاة. وفيه نظر\" (٥).\nقال الطبري: \"وهذا الذي قاله السدي: من أنه لم يكن يوم نزلت هذه الآية زكاةٌ، وإنما كانت نفقةً ينفقها الرجل على أهله، وصدقةً يتصدق بها، ثم نسختها الزكاة قولٌ ممكن أن يكون كما قال: وممكن غيره. ولا دلالة في الآية على صحة ما قال، لأنه ممكن أن يكون قوله: \" قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين \" الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] \" (٦).\nوقال الفخر الرازي: \" قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها (٧):\nأحدها: قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة.\nوثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع.\nوثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة.\nورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة.\nفظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ\" (٨).\n_________\n(١) نواسخ القرآن: ١/ ٢٥٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٦٩): ص ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.","vol":"4","page":382},{"text":"وقال الشربيني: \"ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعًا أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ\" (١).\nقال مالك \"ليس عليه (٢) أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]؛ \" أي: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي: شيء ينفقونه من أصناف الأموال\" (٥).\nقال ابن كثير: \" يسألونك كيف ينفقون\" (٦). قاله ابن عباس ومجاهد.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والسؤال هنا عن المنفَق؛ لا على المنفق عليه؛ أي يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنسًا، وقدرًا، وكيفًا\" (٧).\nقال الشوكاني: \" السائلون هنا هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على انه الأولى بالقصد لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه وقيل إنه قد تضمن قوله ﴿ما انفقتم من خير﴾ بيان ما ينفقونه وهو كل خير وقيل إنهم إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر\" (٨).\nوفي قوله: ﴿ماذا﴾ [البقرة: ٢١٥]، وجهان من الإعراب (٩):\nأحدهما: أن يكون ﴿ماذا﴾ بمعنى: أيّ شيء؟، فيكون نصبًا بقوله: ﴿ينفقون﴾، فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أيَّ شيء ينفقون؟، ولا يُنصَب بـ (يسألونك).\nوالثاني: الرفع، وللرفع في ذلك وجهان:\nالوجه الأول: أن يكون (ذا) الذي مع (ما) بمعنى (الذي)، فيرفع (ما) بـ (ذا) و(ذا) لِـ (ما)، و﴿ينفقون﴾ من صلة (ذا)، فإن العرب قد تصل (ذا) و(هذا)، كما قال يزيد بن مفرغ الحميري (١٠):\nعَدَسْ! مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أمنْتِ وهذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ!\nفـ (تحملين) من صلة (هذا)، فيكون تأويل الكلام حينئذ: يسألونك ما الذي ينفقون؟ .\n_________\n(١) تفسير السراج المنير: ١/ ١٦٠.\n(٢) أي الولد.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩١.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢١٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(١٠) تاريخ الطبري ٦: ١٧٨ والأغاني ١٧: ٦٠ (ساسي) ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٨ والخزانة: ٢: ٢١٦، ٥١٤ واللسان (عدس) من أبيات في قصة يزيد بن مفرغ مع عباد بن زياد بن أبي سفيان، وكان معاوية ولاه سجستان فاستصحب معه يزيد بن مفرغ فاشتغل عنه بحرب الترك. فغاظ ذلك ابن مفرغ واستبطأ جائزته، فبسط لسانه في لحية عباد وكان عباد عظيم اللحية فقال: ألا لَيْتَ اللِّحَى كانت حشيشًا ... فنَعْلِفَها خيولَ المسلمينَا فعرف عباد ما أراد فطلبه منه، فهجاه وهجا معاوية باستلحاق زياد بن أبي سفيان فأخذه عبيد الله بن زياد اخو عباد، فعذبه عذابًا قبيحًا، وأرسله إلى عباد، ثم أمرهما معاوية بإطلاقه فلما انطلق على بغلة البريد، قال هذا الشعر الذي أوله هذا البيت. وقوله: \" عدس \" زجر للبغلة، حتى صارت كل بغلة تسمى \" عدس \". والشعر شعر جيد فاقرأه في المراجع السالفة.","vol":"4","page":383},{"text":"والوجه الثاني: أن تكون ﴿ماذا﴾ بمعنى: أيّ شيء، فيرفع ﴿ماذا﴾، وإن كان قوله: ﴿ينفقون﴾ واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه، وهو ﴿ينفقون﴾، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال لبيد بن ربيعة (١):\nألا تَسْأَلانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاِولُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضلالٌ وَبَاطِلُ\nوكما قال مزاحم العقيل (٢):\nوَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ\nفرفع (كل) ولم ينصبه (بعارف)، إذ كان معنى قوله: \" وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف \" جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]؛ أي: \" فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل\" (٣).\nقال الصابوني: أي\" قل لهم يا محمد اصرفوا في هذه الوجوه\" (٤).\nوقوله ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٥]، أي: \" من مال\" (٥).\nقال الشربيني: \" أي: مال قليلًا كان أو كثيرًا\" (٦).\nقال الراغب: \"فسمي (المال) خيرا تنبيها أن الذي يجوز إنفاقه هو الحلال الذي يتناوله اسم الخير، كما قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ثم بين تعالي أن كل ما يفعلونه لا يخفى عليه على الوجه الذي يفعلونه، [تنبيها أنه يجازى به] نحو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [اللزلة: ٧ - ٨] \" (٧).\nوقرأ علي بن أبي طالب ﴿يفعلوا﴾ بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة (٨).\nقال الطبري: \" و﴿الخير﴾ الذي قال جل ثناؤه في قوله: ﴿قل ما أنفقتم من خير﴾، هو المال الذي سأل رسولَ الله ﷺ أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية\" (٩).\nقال الفخر: \" المراد من الخير هو المال لقوله ﷿: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [العاديات: ٨] وقال: ﴿إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه\n_________\n(١) ديوانه: ٢/ ٢٧ القصيدة: ٤١، وسيبويه ١: ٤٠٥ والخزانة ٢: ٥٥٦ ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٩ وغيرها. والشاهد فيه أنه رفع \" نحب \" وهو مردود على \" ما \" في \" ماذا \". فدل ذلك على أن \" ذا \" بمعنى \" الذي \" وما بعده من صلته، فلا يعمل فيما قبله. والنحب: النذر. يقول: أعليه نذر في طول سعيه الذي ألزم به نفسه؟ والنحب: الحاجة وهي صحيحة المعنى في مثل هذا البيت يقول: أهي حاجة لا بد منها يقضيها بسعيه، أم هي اماني باطلة يتمناهان لو استغنى عنها وطرحها لما خسر شيئًا، ولسارت به الحياة سيرًا بغير حاجة إلى هذا الجهاد المتواصل، والاحتيال المتطاول؟\n(٢) ديوانه: ٢٨، وسيبويه ١: ٣٦ ن ٧٣، شاهدا على نصب \" كل \" ورفعها ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٩ وقال: لم \" أسمع أحدًا نصب \" كل وشرح شواهد المغني: ٣٢٨. وقوله: \" تعرفها المنازل \" بنصبها على حذف الخافض أو الظرف أي تعرف صاحبتك بالمنازل من منى. فيقول: لا أعرف أحدًا يعرفها ممن يغشى مني فأسأله عنها.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٠.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٤.\n(٦) تفسير السراج المنير: ١/ ١٦٠.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٤.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٢.","vol":"4","page":384},{"text":"قول آخر وهو أن يكون قوله: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى\" (١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون؛ وعما ينفقون فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنفقتم من خير﴾؛ ففي هذا بيان ما ينفقون؛ وفي قوله تعالى: ﴿فللوالدين ...﴾ بيان ما ينفقون فيه ً\" (٢).\nو﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾: أي \"الأب، والأم وإن علوا\" (٣).\nقال القاسمي: ذكر الوالدين\" قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما مع كونه صلة الوصل\" (٤).\nو﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾: \"جمع أقرب؛ وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفِق \" ليكون صلة وصدقة\" (٥)؛ فأخ، وابن أخ: فالأقرب الأخ؛ وعم، وابن عم: فالأقرب العم؛ وابن أخ، وعم: فالأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه إذا اجتمع عم، وابن أخ في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ؛ لقول النبي ﷺ: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» (٦)؛ والقرابة لهم حق؛ لأنهم من الأرحام؛ لكن الأقرب أولى من الأبعد؛ ويدخل في ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأولاد من بنين، وبنات - وإن نزلوا -\" (٧).\nقال الرازي: \" والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد\" (٨).\nو﴿وَالْيَتَامَى﴾: \"جمع يتيم؛ وهو مشتق من اليتم، والانفراد؛ والمراد به من مات أبوه ولم يبلغ؛ \" لأن فيهم الفقر مع العجز\" (٩)، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ فهذا إذا بلغ استقل بنفسه، فلم يكن يتيمًا\" (١٠).\nقال الفخر: \" وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب، وأشرب على الضياع\" (١١).\nو﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: \"جمع مسكين؛ وهو المعدم الذي ليس عنده مال؛ سمي كذلك؛ لأن الفقر قد أسكنه، وأذله؛ والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير؛ وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين؛ وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فيفترقان؛ وتجد في القرآن أن الفقير يأتي وحده، والمسكين يأتي وحده؛ والفقير، والمسكين يجتمعان؛ ففي قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.\n(٦) أخرجه البخاري ص ٥٦٣، كتاب الفرائض، باب ٩: ميراث الجد مع الأب والإخوة، حديث رقم ٦٧٣٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٥٨، كتاب الفرائض، باب ١: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، حديث رقم ٤١٤١ [٢] ١٦١٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.","vol":"4","page":385},{"text":"من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩] يدخل فيه الفقير؛ وكذلك هنا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] ذكر الصنفين جميعًا\" (١).\nقال الرازي: \" وحاجة هؤلاء [المساكين] أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى\" (٢).\nو﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: \" هو المسافر الذي انقطع به السفر؛ \" لأنه كالفقير لغيبة ماله\" (٣)، \"فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر\" (٤).\nو﴿السبيل﴾: \"هو الطريق؛ وسمي ابنًا للسبيل؛ لأنه ملازم له - أي للسبيل -؛ وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له، كما يقال: «ابن الماء» لطير الماء؛ لأنه ملازم له؛ وإنما ذكر الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه: قد يحتاج ولا يُعلَم عن حاجته\"\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]، \" أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله، وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء\" (٦).\nقال قتادة: \"محفوظ ذلك عند الله، عالم به شاكر له وانه لا شيء اشكر من الله ولا اجزا بخير من الله\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي إن تفعلوا خيرًا فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه\" (٨).\nقال ابن كثير: \"أي: مهما صَدَرَ منكم من فعل معروف، فإن الله يعلَمُه، وسيجزيكم على ذلك أوفرَ الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدًا مثقالَ ذَرّة\" (٩).\nقال الفخر: أي\" وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: ﴿أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] \" (١٠).\nوهذه الجملة شاملة لكل خير: هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير؛ فعمم الله؛ والجملة شرطية: فعل الشرط فيها: ﴿تفعلوا﴾؛ وجوابه جملة: ﴿فإن الله به عليم﴾؛ والغرض منها بيان إحاطة الله علمًا بكل ما يفعلونه من خير، فيجازيهم عليه (١١).\nوإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟\nفالجواب: أن قوله: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ قد تضمن بيان ما ينفقونه - وهو كل مال عدّوه خيرًا - وبني الكلام على ما هو أهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال حسان (١٢):\nإن الصنيعة لا تكون صنيعةً ... حتى يصاب بها طريق المصنع\nفإذا صنعت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دَعِ (١٣)\nقال البيضاوي: \" سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره\" (١٤).\nفيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. فيما تقدم هذا. والله أعلم.\nوقد أجاب الراغب على هذا السؤال بجوابين (١٥):\nأحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ولكن حذف حكاية السؤال، أحدهما إيجازًا ودل عليه بالجواب بقوله: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ كأنه قيل: المنفَق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء؛ فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة\nالجواب الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه. لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه. وسؤال تعلم، وحق المعلم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه - طلبه المريض أو لم يطلب. فلما كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال، بين لهم الأمرين جميعًا. إن قيل: كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم. .؟ قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على السؤال عن العلم؛ وقد وقع سؤالهم لرسول الله (ﷺ) في القرآن أكثر من اثنتي عشرة مرة.\n٢ - ومنها: أن من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه؛ فإنهم سألوا عما ينفقون، وكان الجواب عما ينفقون، وفيما ينفقون؛ ونظير ذلك أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١٦).\n٣ - ومنها: فضل الإنفاق على الوالدين، والأقربين؛ وأنه مقدم على الفقراء، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم؛ ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٠.\n(٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٠١١): ص ٢/ ٣٨٢.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥.\n(١٢) ديوان حسان تحقيق د. وليد عرفات (١/ ٤٩٣) رقم القصيدة ٣٢٩.\nروي أنه مرّ أبو الديك - وكان معتوها - على معلم كتاب في جبانة كندة وهو ينشد:\n(إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع)\nفقال أبو الديك: كذب، لا يكون المعروف معروفا حتى يصرف في أهله وفي غير أهله، ولو كان لا يصرف إلا في أهله؛ كيف ينالني منه شيء؟ ! [انظر: المجالسة وجواهر العلم، أبوبكر الدينوري المالكي: ٣/ ٣٥٢].\nوذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن جعفر أنه قال: \"هذان البيتان يبخلان الناس ولكن أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا\". [إصطناع المعروف: ٥٢].\n(١٣) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٩٨.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٦.\n(١٥) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٤.\n(١٦) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦١، حديث رقم ٨٧٢١، وأخرجه أبو داود ص ١٢٢٨، كتاب الطهارة، باب ٤١، الوضوء بما البحر، حديث رقم ٨٣، وأخرجه الترمذي ص ١٦٣٨، كتاب الطهارة، باب ٥٢: ما جاء في ماء البحر أنه طهور، حديث رقم ٦٩، وأخرجه النسائي ص ٢١٠٨، كتاب المياه، باب ٤: الوضوء بماء البحر، حديث رقم ٣٣٣، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٠٠، كتاب الطهارة وسننها، باب ٣٨: الوضوء بما البحر، حديث رقم ٣٨٦؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح ١/ ٣٣.","vol":"4","page":386},{"text":"قال الفخر: \" اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين﴾ (الإسراء: ٢٣) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق\" (١).\n٤ - ومنها: أن لليتامى حقًا في الإنفاق - ولو كانوا أغنياء -؛ لأنه خصهم بالذكر، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ فإن كانوا يتامى، ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة؛ وإذا كانوا أقارب، ويتامى، ومساكين اجتمع فيهم ثلاثة استحقاقات؛ وإذا كانوا مع ذلك أبناء سبيل اجتمع فيهم أربعة استحقاقات.\n٥ - ومنها: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾.\n٦ - ومنها: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًا، أو عملًا بدنيًا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله ﷾ يعلمه، وسيجازي عليه؛ لأن ﴿من خير﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فتكون للعموم.\n٧ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يحقر من المعروف شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير﴾؛ ويقول النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٢).\nمسألة:\nهل يعطى ابن السبيل إذا سأل، أو يعطى وإن لم يسأل؟ هذا على أوجه:\n١ - أن تعلم أنه لا يحتاج، كما لو كان غنيًا تعرف أنه غني، ومر بالبلد عابرًا؛ فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه؛ حتى لو أعطيته لرأى في ذلك نقيصة له.\n٢ - أن يغلب على ظنك أنه محتاج؛ ولكنه متعفف يستحيي أن يسأل؛ فالأولى إعطاؤه - وإن لم يسأل -؛ بل قد يجب.\n٣ - أن تشك في أمره هل يحتاج أم لا؛ فأعرض عليه الإيتاء؛ ثم اعمل بما يقتضيه الحال.\nالقرآن\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].\nالتفسير:\nفرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.\nاختلف العلماء في حكم هذه الآية، على قولين (٣):\nالقول الأول: أن الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٣.\n(٢) اخرجه البخاري، ١١١، كتاب الزكاة، باب ١٠: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\"، حديث رقم ١٤١٧، وأخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ٢٠: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ...، حديث رقم ٢٣٤٨ [٦٧] ١٠١٦.\n(٣) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٨، وتفسير البغوي: ١/ ٢٤٦.","vol":"4","page":387},{"text":"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق\" (١).\nقال سعيد بن المسيب: \" أنه فرض على كل مسلم في عينه أبدًا، وهذا قول سعيد بن المسيب، حكاه الماوردي\" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾: \"وذلك ان الله ﵎ امر النبيﷺ- والمؤمنين بمكة، بالتوحيد واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وان يكفوا ايديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة، نزلت سائر الفرائض واذن لهم في القتال، فنزلت: ﴿كتب عليكم القتال﴾ يعني فرض عليكم، واذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه\" (٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب، في قول الله: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾: \" فالجهاد مكتوب على كل أحد، غزا أو قعد فالقاعد، عدة، ان استعين به اعان، وان استغيث به اغاث، وان استنفر نفر، وان استغنى عنه قعد\" (٤).\nوأخرج الطبري عن داود بن أبي عاصم، قال: \"قلت لسعيد بن المسيب: قد أعلم أن الغزو واجبٌ على الناس! فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لي\" (٥).\nوالقول الثاني: أنها منسوخة، لأنها تقتضي وجوب القتال على الكل؛ لأن الكل خوطبوا بها، وكتب بمعنى فرض.\nقال ابن جريج سألت عطاء: \"أواجب الغزو على الناس من أجل هذه الآية؟ فقال: لا، إنما كتب على أولئك حينئذ\" (٦).\nوقال ابن أبي نجيح: سألت مجاهدا: هل الغزو واجب على الناس؟ فقال: لا. إنما كتب عليهم يومئذ\" (٧).\nوقال أبو إسحاق الفزاري: \"سألت الأوزاعي عن قول الله ﷿: \" كتب عليكم القتال وهو كره لكم \"، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم؟ قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا\" (٨).\nوقد اختلف أرباب هذا القول في ناسخها على قولين (٩):\nأحدهما: أنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قاله عكرمة (١٠).\nوالثاني: قوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢].\n_________\n(١) رواه مسلم: في الإمارة باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (١٩١٠) ٣/ ١٥١٧، ووالبخاري في (الصحيح - الجهاد، ب الغدوة والروحة في سبيل الله ح ٢٧٩٢)، وأخرجه البغوي فقال: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبيّ الفراتي أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا سعيد بن عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٣، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٨.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٢): ص ٢/ ٣٨٢.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٥): ص ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\nونقل ابن كثير قول الهري: \" وقال الزهري: الجهادُ واجب على كلّ أحد، غزا أو قعد؛ فالقاعد عليه إذَا استعين أن يَعينَ، وإذا استُغيثَ أن يُغيثَ، وإذا استُنْفرَ أن ينفر، وإن لم يُحتَجْ إليه قعد\". (تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٣).\n(٥) تفسير الطبري (٤٠٧٥): ص ٤/ ٢٩٧.\n(٦) أخرجه الطبري (٤٠٧٢): ص ٤/ ٢٩٥.\n(٧) ذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٤٠٧٤): ص ٤/ ٢٩٦.\n(٩) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٧.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٣): ص ٢/ ٣٨٢، وأخرجه الطبري (٤٠٧٣): ص ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦.","vol":"4","page":389},{"text":"وقد زعم بعضهم أنها ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه، وذلك أن الجهاد كان على ئلاث طبقات (١):\nالأولى: المنع من القتال، وذلك مفهوم من قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ [النساء: ٧٧].\nثم فنسخت بهذ الآية ووجب بها التعين على الكل، وساعدها قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ [التوبة: ٤١].\nثم استقر الأمر على أنه إذا قام بالجهاد قوم سقط على الباقين بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢].\nقال ابن الجوزي: \" والصحيح أن قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾ محكم وأن فرض الجهاد لازم للكل، إلا أنه من فروض الكفايات، إذا قام به قوم سقط عن الباقين فلا وجه للنسخ\" (٢).\nوقال أبو جعفر النحاس في هذه الآية: \"وأما قول من قال: أن الجهاد فرض بالآية فقول صحيح، وهذا قول حذيفة، وعبد الله بن عمرو، وقول الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا، إلا أنه فرض يحمله بعض الناس عن بعض، فإن احتيج إلى الجماعة نفروا فرضا واجبا، لأن نظير كتب عليكم القتال كتب عليكم الصيام\" (٣).\nوقال مكي بن أبي طالب: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل\" (٤).\nوقال ابن عطية: \"والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين\" (٥).\nوالراجح -والله أعلم- هو ما قاله ابن الجوزي، وهو قول الجمهور،: إذ أن الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، وذلك \"لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله ﷿: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [سورة النساء: ٩٥]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أي: \"فُرض عليكم قتال المشركين\" (٧).\nقال البغوي: \"أي: فرض عليكم الجهاد\" (٨).\nقال القاسمي: أي \" قتال المتعرضين لقتالكم، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] \" (٩).\nوقرأ قوم ﴿كتب عليكم القتل﴾، وقال الشاعر (١٠):\nكتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول (١١)\nفـ «الكتْب» هنا بمعنى (الفرْض)، كما في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿القتال﴾ أي قتال أعداء الله الكفار؛ و﴿القتال﴾ مصدر قاتل (١٢).\nقال القرطبي: \" والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبي ﷺ في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] ثم أذن له في قتال المشركين عامة\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أي: \" وهو مكروه لكم\" (١٤).\nقال البغوي: أي: \"شاق عليكم\" (١٥).\nقال القرطبي: \" وهو كره في الطباع\" (١٦).\nقال ابن كثير: \" أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقْتَلَ أو يجرحَ مع مشقة السفر ومجالدَة الأعداء\" (١٧).\nقال الشوكاني: \" يعنى القتال وهو مشقة عليكم\" (١٨)\nقال الصابوني: \"وهو شاق ومكروه على نفوسكم، لما فيه من بذل المال، وخطر هلاك النفس\" (١٩).\nقال بعض أهل المعاني: \"هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى\" (٢٠).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: القتال هو مشقة لكم \" (٢١).\nوقال قتادة: \"شديد عليكم\" (٢٢).\nوقال معاذ بن مسلم: \"الكُرْه: المشقة، والكَرْه الإجبار\" (٢٣).\nوقد كان بعض أهل العربية يقول: (الكُره والكَره)، لغتان بمعنى واحد، وقال بعضهم: (الكره) بضم (الكاف) اسم و(الكره) بفتحها مصدر (٢٤).\nو﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني: وهو مكروه لكم -؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا، مثل: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ [الطلاق: ٦] يعني: محمول؛ وقول الرسول ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢٥)، أي مردود (٢٦).\n_________\n(١) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٧.\n(٢) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٧.\n(٣) الناسخ والمنسوخ: ١١٨.\n(٤). انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٢٩؛ والإيضاح ص: ١٣٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٩ ..\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٦، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٨، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٣٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٣٤، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٧٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٢٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٤٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٥٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣١٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٢٠، وغيرها.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٦.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٨٦.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٨.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٨.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٦.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٣.\n(١٨) فتح القدير: ١/ ٢١٦.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨١.\n(٢٠) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٦.\n(٢١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٠١٦): ص ٢/ ٣٨٣.\n(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٠١٦): ص ٢/ ٣٨٣.\n(٢٣) تفسير الطبري (٤٠٧٧): ص ٤/ ٢٩٥.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٨.\n(٢٥) سبق تخريجه ١/ ٩١.\n(٢٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٨.","vol":"4","page":390},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم عن عن عكرمة، في قوله: \" ﴿كتب عليكم القتال وهو كره﴾ لكم قال: نسختها هذه الآية: ﴿سمعنا واطعنا﴾ \" (١)، يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا: ﴿سمعنا وأطعنا﴾.\nقال ابن عرفة: \"الكره، المشقة والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه، هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، يقال: كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراها. وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات\" (٢).\nقلت-القرطبي-: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس، وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق\" (٣).\nوقال الراغب: \" الكره في الإنسان يستعمل على ضربين، أحدهما ما يعاف من حيث الطبع، والثاني ما يعاف من حيث الفعل وإن مال إليه الطبع، ولهذا يصح أن يوصف الشيء بأنه مراد مكروه، والكره والكره قيل هما واحد في معنى نحو الضعف والضعف وقيل بل الكره المشقة التي يحمل عليها الإنسان بإكراه، والكره ما يتحمله بلا إكراه، من غيره، وقيل للحرب كريهة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]،: أي: و\"عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم، في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئا وفيه كل النفع والخير\" (٦).\nقال الشوكاني: \" يعنى الجهاد قتال المشركين وهو خير لكم ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لأنّ القتالَ يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذرَاريهم، وأولادهم (٨).\nقال الطبري: أي: \" ولا تكرهوا القتالَ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا تركَ الجهاد، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: الجهاد، قتال المشركين: وهو خير لكم ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة \" (١٠).\nوقال السدي: \" يقول: ان في القتال الغنيمة والظهور والشهادة، ولكم في القعود، الا تظهروا على المشركين ولا تستشهدوا ولا تصيبوا شيئا\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٣): ص ٢/ ٣٨٢، وأخرجه الطبري (٤٠٧٣): ص ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨ - ٣٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٨ - ٣٩.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨١.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢١٦.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٨.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٨): ص ٢/ ٣٨٣.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٩): ص ٢/ ٣٨٣.","vol":"4","page":391},{"text":"قال الشيخ الشنقيطي: \"لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه في قوله ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] \" (١).\nقال القرطبي: \": ﴿عسى﴾: بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و\"عسى\" من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله﴾ [التحريم: ٥]. وقال أبو عبيدة: \"عسى\" من الله إيجاب\" (٢).\nقال أبو مالك: \" كل شيء في القران: (عسى|) فهو واجب الا حرفين، حرف في التحريم: ﴿عسى ربه ان طلقكن﴾، وفي بني اسرائيل: ﴿عسى ربكم ان يرحمكم﴾ \" (٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" ﴿عَسَى﴾ تأتي لأربعة معانٍ: للرجاء؛ والإشفاق؛ والتوقع؛ والتعليل؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي -؛ فإن الله ﷿ لا يتَرجى؛ كل شيء عنده هين؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيرًا؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية، ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل؛ فإذا العاقبة تكون حميدة؛ فحينئذ يكون كره شيئًا وهو خير له؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال ﷿ آمرًا نبيه أن يقول: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢]- يعني: لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر؛ وإما الشهادة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، \" أي لعلَّكم تحبُّون القعودَ عن الجهاد وهو شرٌّ لكم، تُحرمون الفتحَ والغنيمة والشهادةَ، ويتسلطُ عليكم العدوُّ\" (٥).\nقال القرطبي: \" وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي وقد تحب نفوسكم شيئا وفيه كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال – وإن كرهتموه– خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه – وإن أحببتموه – شرا لأن فيه الذل والفقر، وحرمان الأجر\" (٧).\nقال ابن كثير: \" وهذا عام في الأمور كلّها، قد يُحِبّ المرءُ شيئًا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القُعُود عن القتال، قد يَعْقُبُه استيلاء العدو على البلاد والحكم\" (٨).\n_________\n(١) أضواء البيان: ٦٢، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمنثور: ١/ ٣٢٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٧): ص ٢/ ٣٨٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٩.\n(٥) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٥.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩. ثم قال القرطبي: \" قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟ ! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أم تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:\nرب أمر تتقيه ... جر أمرا ترتضيه\nخفي المحبوب منه ... وبدا المكروه فيه\"\n(تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩).\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٣.","vol":"4","page":393},{"text":"قال الشوكاني: وقد تحبوا شيئا \" يعنى القعود عن الجهاد، فيجعل الله عاقبته شرا فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" \"يقول: القعود عن الجهاد: وهو شر لكم فيجعل الله عاقبته شرا لكم، فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، \" والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، وأنتم لا تعلمون\" (٣).\nقال الصابوني: أي: \" الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه صلاحكم، في دنياكم وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به ربكم\" (٤).\nقال الطبراني: \" أي يعلمُ ما فيه مصلحتُكم وما هو خيرٌ في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادرُوا إلى ما أُمرتم به إذ ليس كلُّ ما تشتهون خيرًا، ولا كل ما تحذرون شرًّا\" (٥).\nقال الضحاك: يعلم من كل أحد ما لا تعلمون \" (٦).\nقال الطبري: أي: \" فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبَرُ بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون\" (٨).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ بألطف وجه على أن ما كتب عليهم من القتال خير لهم بأوضح الأدلة وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهية لأمر وفيه الخير، فيجوز أن يكون كراهتكم لما كتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، فيجوز أن تكون محبتكم لما أحببتموه شرًا، ثم نبه أن هذا الجائز كونه عندكم هو واجب كونه في نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إذا كان الله - ﷿ - يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد قضي بأن ذلك خيرا، فإنما قضي به لأنه خير، وإذا كان خيرا فيحبب أن تحبوه، ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادته، والشر يجب كراهته، وعلى نحوه دل قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وإياه قصد الشاعر (٩):\nقضى الله في بعِض المكارهِ للفْتَىَ ... برُشدٍ وقي يعضِ الهَوَى مَأ يُحَاذِرُ\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فرضية الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾؛ لكن لابد من شروط؛ منها القدرة على قتال العدو بحيث يكون لدى المجاهدين قدرة بشرية، ومالية، وعتادية؛ ومنها أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره.\n٢ - ومنها: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به.\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢١٦.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٠): ص ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٩. [بتصرف بسيط].\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.\n(٥) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٥.\n(٦) تفسير ابن ابي حاتم (٢٠٢١): ص ٢/ ٣٨٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٣.\n(٩) البيت من شواهد الراغب في تفسيره: ١/ ٤٤٥.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦.","vol":"4","page":394},{"text":"٣ - ومنها: أن البشر لا يعلمون الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم﴾.\n٤ - ومنها: أن الله قد يحكم حكمًا شرعيًا، أو كونيًا على العبد بما يكره وهو خير له.\n٥ - ومنها: عموم علم الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم﴾؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]: كلها محذوفة المفاعيل: آواك، وآوى بك أيضًا؛ وأغناك، وأغنى بك؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي» (١).\n٦ - ومنها: ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم لا تعلمون﴾، كما قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال ممتنًا على رسوله -ﷺ-: ﴿وعلَّمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣].\nالقرآن\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]\nالتفسير:\nيسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.\nاختلف العلماء في سبب نزول الآية على أقوال (٢):\nأحدها: قال مجاهد: \"إن رجلا من بني تميم أرسله النبي ﷺ في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنزل الله جل وعز: \" قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به \" وصد عن المسجد الحرام \" وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله \" من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله\" (٣). وروي نحوه عن جندب بن عبد الله (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٣٥٤، كتاب المغازي، باب ٥٧: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم ٤٣٣٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٤٥، كتاب الزكاة، باب ٤٦: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، حديث، رقم ٢٤٢٦ [١٣٩] ١٠٦١.\n(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠.\n(٣) تفسير الطبري (٤٠٨٧): ص ٤/ ٣٠٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٨٦): ص ٤/ ٣٠٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٢): ص ٢/ ٣٨٤.","vol":"4","page":395},{"text":"والثاني: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن مقسم مولى ابن عباس: \"لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه في جمادى، فقتله. وهو أول قتيل قتل من المشركين، فعير المشركون المسلمين، فقال: أتقتلون في الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ \" (١).\nقال الزهري: \" كان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل له بعد ذلك\" (٢).\nوالثالث: قال السدي: \" ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ﴾، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل [بطن] مَلَل، فلما نزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله ﷺ. فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد ﷺ.\nفلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي ﷺ: حتى ننظر ما فعل صاحبانا! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب! فقال المسلمون: إنما قتلناه في جُمادى! - وقيل: في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب. فأنزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة: \" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير \" لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: ﴿وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل﴾ \" (٣).\nقال القرطبي: \"والقول بأن نزولها في قصة عبدالله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي ﷺ بعثه مع تسعة رهط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين، وقيل في رجب\" (٤).\nواختلف العلماء في نسخ حكم هذه الآية على قولين (٥):\nالقول الأول: أنها منسوخة، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. قاله علي بن أبي طالب (٦)، وسعيد بن المسيب (٧)، وسليمان بن يسار (٨)، وسفيان الثوري (٩)، وعطاء بن ميسرة (١٠)، وهذا قول الجمهور.\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٣): ص ٢/ ٣٨٤.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٣): ص ٢/ ٣٨٤.\n(٣) تفسير الطبري (٤٠٨٣): ص ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٤١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣١٣ - ٣١٤.\n(٦) انظر: ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧١.\n(٧) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠.\n(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن: ١/ ٢٧١. سليمان بن يسار الهلالي مولى ميمونة ﵂ روى عن الصحابة والتابعين أحد فقهاء السبعة كان ثقة رفيعا كثير الحديث، ولد سنة (٢٤ هـ) وقيل (٢٧ هـ) وتوفي سنة (١٠٦ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: التهذيب ٤/ ٢٢٨ - ٢٣٠.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٥): ص ٢/ ٣٨٥.\n(١٠) تفسير الطبري (٤٠٩٧): ص ٤/ ٣١٣.","vol":"4","page":396},{"text":"أخرج الطبري عن الزهري قال: كان النبي ﷺ، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد\" (١).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق الفزاري قال: \"سألت سفيان الثوري عن قول الله: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾، قال: هذا شيء منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وفي غيره\" (٢).\nثم اختلفوا في ناسخها على أقوال (٣):\nأحدها: قيل: نسخها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: ٥].\nقال عطاء بن ميسرة: \"أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في (براءة)، قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]: يقول: فيهن وفي غيرهن\" (٤).\nوروى عبد خير بن يزيد الهمداني عن علي ﵇ في قوله: \" ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ [البقرة: ٢١٧]، قال: نسختها ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] \" (٥).\nوالثاني: وقيل نسخها غزو النبي ﷺ ثقيفا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام.\nوالثالث: وقيل: نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة.\nقال القرطبي: \" وهذا ضعيف، فإن النبي ﷺ لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم (٦).\nوالرابع: وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية، قال: فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي ﷺ عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١].\nالقول الثاني: أن ذلك حكم ثابتٌ، لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا.\nأخرج الطبري عن ابن جريج، قال: \" قلت لعطاء: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ﴾، قلت: ما لهم! وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٠٩٨): ص ٤/ ٣١٣.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٥): ص ٢/ ٣٨٥.\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠، وتفسير القرطبي: ٣/ ٤٣ - ٤٤.\n(٤) تفسير الطبري (٤٠٩٧): ص ٤/ ٣١٣.\n(٥) نواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٣.","vol":"4","page":397},{"text":"فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب. قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك\" (١).\nقال ابن عطية: \" وقال عطاء: «لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم»، وهذا ضعيف\" (٢).\nوقد عد هذه الآية من المنسوخة معظم كتب النسخ، ويقول النحاس: \"أجمع العلماء على نسخ هذه الآية إلا عطاء\" (٣).\nوقال مكي بن أبي طالب: \"أكثر العلماء على أنها منسوخة إلا عطاء ومجاهد\" (٤).\n؛ واختار النسخ الطبري (٥).\nوالصواب هو قول عطاء بن ميسرة: \"من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]، وهو قول الجمهور. والله أعلم.\nواختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين (٦):\nأحدهما: أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله -ﷺ-، واستحلوا قتاله فيه، وهو قول الأكثر.\nوالثاني: أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك. فأخبرهم الله تعالى: أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم، وهذا قول قتادة (٧).\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ \" أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ \" (٨).\nقال الزمخشري: \" المعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام\" (٩).\nقال الشوكاني: \" والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما ولا تغير على عدو والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد به الجنس؛ فيشمل كل الأشهر الحرم؛ وهي أربعة: ذو القعدة؛ وذو الحجة؛ ومحرم؛ ورجب؛ و﴿قتال فيه﴾ بدل اشتمال؛ فيكون السؤال عن القتال فيه\" (١١).\nقال الراغب: \"إن قيل: ما فائدة ذكر الشهر ثم إبدال القتال منه ولم يقل: يسألونك عن قتال في الشهر؟ قيل: في ذكر الشهر أولًا، ثم إبدال القتال منه ولم يقل: (يسألونك عن قتال في الشهر) قيل: في ذكر الشهر أولًا بنية أن السؤال عن القتال لأجل الشهر لا لغيره، ولو قيل: (يسألونك عن قتال الشهر) لكان\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٠٩٩): ص ٤/ ٣١٤. وأخرج ابن الجوزي نحوه عن ابن جريج، انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٧٠.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٠.\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٣٠ - ٣٢\n(٤) انظر: الإيضاح ص: ١٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣١٤ - ٣١٥.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٤.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٢.\n(٩) الكشاف: ١/ ٢٥٨.\n(١٠) فتح القدير: ١/ ٢١٨.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠.","vol":"4","page":398},{"text":"يصح أن يفيد أن الغرض في السؤال عن القتال لا لتعظيم الشهر، بل لشيء آخر، وعلى هذا إذا قيل: \" سُرق زيد ثوبه \" تنبيها أن المقصد أن يذكر حال زيد، لا أن يخبر بسرقة ثوب ما\" (١).\nواختلف في اعراب ﴿قِتَالٍ﴾، في قوله تعالى: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وفيه وجوه (٢):\nأحدها: أنه بدل الاشتمال من (الشهر)، لأن القتال يقع في الشهر. قاله الزجاج (٣)، الواحدي (٤)، والزمخشري (٥)، وغيرهم.\nومثله قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ﴾ [البروج: ٤ - ٥]، ومنه قول الأعشى (٦):\nلَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم\nومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال (٧).\nوالثاني: أنه مخفوض على التكرير، والتقدير: عن قتالٍ فيه، قاله الكسائي، وهو معنى قول الفراء: مخفوض بـ (عن) مضمرة.\nوكذلك هو في قراءة: ابن مسعود والربيع (٨).\nقال القاسمي: \" وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار\" (٩).\nوالثالث: وقيل: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله: ﴿قتال فيه كبير﴾.\nثم ابتدأ فقال: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مرتفع بالعطف على الابتداء، وخبره قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، قاله الزجاج (١٠)، ووافقه الواحدي (١١).\nوالرابع: أنه مجرور على الجوار. قاله أبو عبيدة (١٢).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٧.\n(٢) انظر: معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٧، \"التبيان\" ص ١٣٢، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤٥، ومحاسن التأويل: ٢/ ٨٩ - ٩٠.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٨.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٢٥٨.\n(٦) ديوانه\" ص ١٧٧. \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٦٥، وابن يعيش في \"تفسيره\" ١/ ٣٨٦، \"شواهد المغني\" ٢٩٧.\nقوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء. ينظر: \"شرح الديوان\"، \"مجاز القرآن\"، \"المعجم المفصل\" ٧/ ١١٧.\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٨.\n(٨) وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١، \"المصاحف\" لابن أبي داود ٥٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٦٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٥.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٨٩. هذا قول الزجاج في ارتفاع (الصد).\nوقد وذكر الفراء في ارتفاع الصَّدِّ وجهين آخرين، غُلِّطَ فيهما:\nأحدهما: أنه عطف على قوله: ﴿كَبِيرٌ﴾ يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا بالله، وهو خطأ بإجماع من الأمة.\nوالوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة ﴿كَبِيرٌ﴾ المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ﴾، وإخراج أهله منه لا يكون أكبر عند الله من الكفر به، ومن قال: إنه أكبر فهو غالط بالإجماع \". قاله الواحدي [انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٩ - ١٤٠].\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٩.\n(١٢) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٧٢.","vol":"4","page":399},{"text":"قال القاسمي: \" وهو أبعد، لأن الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ، ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة\" (١).\nواعترض النحاس فقال: \" لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله ﷿ ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله ﷿ على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن»، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] (٢):\nفما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما \" (٣).\nوالخامس: وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام، تقديره: أجائز قتال فيه؟\nقال النحاس: \"فأمّا (قتالٌ فيه) (٤) بالرفع، فغامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: قل لهم: \" القتال فيه أمر كبير مستنكر \" (٦).\nقال الصابوني: أي: \"قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر\" (٧).\nقال الراغب: \" إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشروط النكرة المذكورة إدا أعيد ذكرها أن يُعاد معرفًا نحو سألتني عن رجل، والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي﵇- لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، وقد قال: \" أحلت لي ساعة من نهار) \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \" ومنع المؤمنين عن دين الله\" (٩).\nقال القاسمي: أي: \"عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإن النبي ﷺ: سمى الحج: سبيل الله\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جملة استئنافية لبيان أن ما فعله هؤلاء الكفار من الصد عن سبيل الله، والكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله؛ فهذه أربعة أشياء يفعلها المشركون الذين اعترضوا على القتال في الشهر الحرام أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام؛ و﴿صد﴾ يجوز أن\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٣.\n(٢) الشاهد لعبدة بن الطبيب في ديوانه ٨٨، والأغاني ١٤/ ٧٨، ٢١/ ٢٩، وخزانة الأدب ٥/ ٢٠٤، وديوان المعاني ٢/ ١٧٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٩٢، وشرح المفصل ٣/ ٦٥، والشعر والشعراء ٢/ ٧٣٢، والكتاب ١/ ٢٠٨، ولمرداس بن عبدة في الأغاني ١٤/ ٨٦.\n(٣) إعراب القرآن: ١/ ١٠٩.\n(٤) قرأ بها الأعرج، انظر: فتح القدير: ١/ ٢١٨.\n(٥) إعراب القرآن: ١/ ١١٠.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢١٨\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٢.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٧.\n(٩) صفوة التفاسير: ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠","vol":"4","page":400},{"text":"تكون من الفعل اللازم - أي صدهم أنفسَهم عن سبيل الله -؛ ويجوز أن تكون من المتعدي - أي صدهم غيرهم عن سبيل الله -؛ وكلا الأمرين حاصل من هؤلاء المشركين (١).\nقال الطبري: \" (الصدّ) عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه\" (٢).\nقال الواحدي: \" ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (٣)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن البيت عام الحديبية\" (٤).\nوالمراد بـ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريقه الموصل إليه، أي شريعته (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \" وكفر بالله ﷿\" (٦)\nقال الصابوني: أي: \" وكفرهُم بالله\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \" وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة\" (٨).\nوفي خفض ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه يُخْفَضُ بالعطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥].\nوالثاني: أن ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مخفوض بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وعن المسجد. قاله الفراء (٩).\nقال الواحدي: \" أُنكر عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام\" (١٠).\nوالثالث: وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: وإخراج\" أهل المسجد الحرام وهم رسول الله -ﷺ- والمؤمنون\" (١٢).\nقال الصابوني: أي: \" وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته\" (١٣).\nقال القاسمي: أي: وإخراج \"أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله -ﷺ- والمؤمنون الذين هم أولياؤه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٠٠.\n(٣) انظر: في (الصد): تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٨٤، ١٩٨٥، \"المفردات\" ص ٢٧٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٠٩ \"صد\".\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ١٤٠.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٤١.\n(١٠) التفسير البسيط: ٤/ ١٤١.\n(١١) انظر: إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٨، \"التبيان\" ص ١٣٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٦، والتفسير البسيط: ٤/ ١٤١.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ١٧٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(١٤) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠.","vol":"4","page":401},{"text":"قال ابن عثيمين: \"يعني بـ ﴿أهله﴾ النبي ﷺ، وأصحابه الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بسبب إيذاء المشركين لهم، وتضييقهم عليهم حتى خرجوا بإذن الله ﷿ من مكة إلى المدينة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي أعظم إثمًا، وجرمًا من القتال في الشهر الحرام (٢).\nقال الواحدي: أي: \" أعظم وزرًا وعقوبة\" (٣).\nقال الشوكاني: \" أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره\" (٤).\nقال الصابوني: \" أعظم وزرًا وذنبا عند الله، من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبى والمؤمنين أعظم وأشنع\" (٥).\nقال القاسمي: \" جرمًا مما فعلته السرية: من قتلهم إياهم في الشهر الحرام، لأن الإخراج فتنة \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، \" أي: فتنة المسلم عن دينه، ليردوه إلى الكفر بعد إيمانه، أكبر عند الله من القتل\" (٧).\nقال ابن عطية: أي: \" والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام\" (٨).\nقال الزجاج: المعنى: \" وهذه الأشياء كفر، والكفر أكبر من\nالقتل\" (٩).\nقال القاسمي: \" أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر. .! \" (١٠).\nقال الشوكاني: \" والمراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبيﷺ-، وقيل المراد بالفتنة الاخراج لأهل الحرم منه وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها وهذا ارجح من الوجهين الأولين لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وانهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام\" (١١).\nوقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير ﴿الفتنة﴾ [البقرة: ٢١٧ [، وفيه وجوه:\nأحدها: أن الفتنة في الآية: الكفر أو الشرك. وهذا قول ابن عمر (١٢)، وابن عباس (١٣) ومجاهد (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وقتادة (١٦)، والشعبي (١٧)، وابن الزبير (١٨)، ومقسم مولى ابن عباس (١٩)، وغيرهم (٢٠)، وبه قال جمع من أهل التفسير (٢١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.\n(٣) التفسير البسيط: ٤/ ١٤١.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢١٨ - ٢١٩\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٠.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٩٠.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢١٩.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٣٥): ص ٢/ ٣٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٧): ص ٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٥): ص ٤/ ٣٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٨): ص ٤/ ٣٠٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٠٩٥): ص ٤/ ٣١١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٠٩٤): ص ٤/ ٣١١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٣٤): ص ٢/ ٣٨٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٦): ص ٤/ ٣٠٨.\n(٢٠) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٤٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٣٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٦٢، معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٧٠، وغيرها.\n(٢١) وقد ذهب إلى ذلك أيضًا: الفراء في معاني القرآن: ١/ ١٤١، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٩٠، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٨٢، والطبري في جامع البيان: ٤/ ٣٠١، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠١، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٤٠، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٣٨، والدامغاني في الوجوه والنظائر: ٣٤٧ - ٣٤٨، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٤٧، والواحدي في الوسيط: ١/ ٣٢١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٤٨، على اختلاف بينهم في التعبير بلفظ الكفر أو الشرك.","vol":"4","page":402},{"text":"والثاني: أن المراد بالفتنة: الإخراج والشرك. قاله جماعة المفسرين (١).\nوالثالث: أن المراد بها فتنة المسلمين عن دينهم-أي: بالتعذيب-ليرجعوا. قاله جماعة أخرى من المفسرين (٢).\nقال الشوكاني-بعد ذكره لبعض الأقوال: \"وهذا أرجح [أي: فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها] من الوجهين الأولين (الكفر أو الإخراج) لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وأنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام\" (٣).\nوالأوْلى حمل الفتنة في الآية على جميع الوجوه التي يحتملها السياق، والظاهر أنه لا تعارض بين أقوال المفسرين في الآية، إذ بعضهم أطلق الكفر وإطلاقه يتضمن تعذيب المؤمنين وإخراجهم من ديارهم وصدهم عن المسجد الحرام بسبب إيمانهم بالله ورسوله وكفرهم بالطاغوت، وبعضهم ذكر بعض تلك الصور الكفرية وهو تفسير منهم بالجزء والمثال ولا ضير، والله أعلم\nقال ابن القيم: \" وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، ويدل عليه قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي: لم يكن مال شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها-أي: الفتنة-: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتن به\" (٤).\n\nو(الفتنة) في كلام العرب: \" الابتلاء والامتحان\" (٥).\nويعني بـ ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: \"الصد عن سبيل الله، ومنع المؤمنين، وإيذاؤهم؛ و«الفتنة» بمعنى: «إيذاء المؤمنين» قد جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \" لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم أيها المؤمنون\" (٧).\n_________\n(١) ذكر الزمخشري في الكشاف: ١/ ٥٧ أن المراد بالفتنة في الآية الإخراج أو الشرك، وذهب البيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١١٥ إلى أن المراد بها الإخراج والشرك، وذهب أبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢١٧ إلى أن المراد بها ما ارتكبه المشركون من الإخراج والشرك وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء، وقد ذهب إلى ذلك أيضًا: ابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٣٣٠.\n(٢) منهم: الرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٣١٥، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٢٣، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٣٦، والألوسي في روح المعاني ٢/ ١٠٩، وانظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٤٩.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٣٢٣، وانظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٣٦، وفتح البيان لصديق خان: ١/ ٤٣٦.\n(٤) زاد المعاد: ٣/ ١٦٩.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٤/ ٢٩٦، لسان العرب لابن منظور: ٥/ ٣٣٤، الصحاح للجوهري: ٦/ ٢١٧٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥١.\n(٧) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٩٣، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.","vol":"4","page":403},{"text":"قال الصابوني: \" أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم\" (١).\nقال الزمخشري: \" إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \" حتى \"يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر\" (٣).\nقال الصابوني: أي: \" حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال\" (٤).\nو﴿حتى﴾ معناها التعليل كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أى: يقاتلونكم كى يردّوكم (٥).\nقوله تعالى ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \"إن \"قدروا على ردَّتكم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي: \"ولن يستطيعوا ذلك\" (٧).\nقال الصابوني: أي: \" إِن قدروا فهم غير نازعين عن كفرهم وعدوانهم\" (٨).\nقال القاسمي: أي: \"وفيه استبعاد لاستطاعتهم، فهو كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" ومثل هذه الجملة الشرطية تأتي لبيان العجز عن الشيء، كقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ ومن المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض\" (١٠).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أنهم لا يردونكم، لأنهم لا يستطيعون، وذلك نحو قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ \" (١١).\nقال الشوكاني: \" قوله ﴿ولا يزالون﴾ ابتداء كلام يتضمن الإخبار من الله ﷿ للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر ان استطاعوا ذلك وتهيأ لهم منكم والتقيد بهذا الشرط مشعر باستعباد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه\" (١٢).\nقال الشيخ الشنقيطي: \"قوله تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾، لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ﴿المائدة: ٣] الآية\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: و\"من يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر\" (١٤).\nقال الزمخشري: أي: \" ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٩.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٩٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٥) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٩.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٩٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٩٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٧.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢١٩.\n(١٣) أضواء البيان: ١/ ٩٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٣.\n(١٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٩.","vol":"4","page":404},{"text":"قال القاسمي: \" وبناء صيغة الافتعال من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك\" (١).\nقوله تعالى ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \"فيموت على الكفر\" (٢).\nقال الصابوني: \" ثم يموت على الكفر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: \"فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه\" (٤).\nقال الآلوسي: \" أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن\" (٥)\nقال القاسمي: أي: \"بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت، إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾، ويسقط ثوابهم، فلا يجزون ثمة بحسناتهم في ﴿الْآخِرَةِ﴾ \" (٦).\n\nقال ابن عثيمين: أي \"اضمحلت ما قدموه من عمل صالح في الدنيا والآخرة؛ فلا يستفيدون بأعمالهم شيئًا في الدنيا من قبول الحق، والانشراح به؛ ولا في الآخرة؛ لأن أعمالهم ضاعت عليهم بكفرهم\" (٧).\nقال القاسمي: \"أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت\" (٨).\nقال الشوكاني: \" (حبط): معناه بطل وفسد ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام\" (٩).\nقال الزمخشري: \" وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها. وعند أبى حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلمًا\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها الأعمال النافعة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: \"الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها\" (١٢).\nو﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾، أي: أهلها الملازمون لها\" (١٣).\nقال أبو السعود: \" أي مُلابِسوها ومُلازِموها\" (١٤).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٩٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٥) روح المعاني: ٢/ ١١٠.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٩٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٣.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٩٣.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٢١٩.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٩.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٤/ ٣٨٤.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٣.\n(١٤) تفسير ابي السعود: ١/ ٢١٧.","vol":"4","page":405},{"text":"قال الطبري: يعني: \" هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية\" (١).\nقال الصابوني: أي: \"وهم مخلدون في جهنم، لا يخرجون منها أبدا\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الرسول ﷺ هو مرجع الصحابة في العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾.\n٢ - ومنها: اهتمام الصحابة ﵃ بما يقع منهم من المخالفة؛ وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾.\n٣ - ومنها: أن الرسول ﷺ لا يعلم كل الأحكام؛ بل لا يعلم إلا ما علمه الله ﷿؛ ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قل قتال فيه كبير ...﴾.\nوينبني على هذه المسألة: هل للرسول --ﷺ- أن يجتهد، أو لا؟ والصواب أن له أن يجتهد؛ ثم إذا اجتهد فأقره الله صار اجتهاده بمنزلة الوحي.\n٤ - ومنها: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾؛ وهل هذا الحكم منسوخ، أو باق؟ للعلماء في ذلك قولان؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحكم منسوخ؛ وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرمًا، ثم نسخ؛ القول الثاني: أن الحكم باقٍ، وأن القتال في الأشهر الحرم حرام؛ دليل من قال: «إنه منسوخ» قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣]، وأن الرسول ﷺ قاتل ثقيفًا في شهر ذي القعدة (٣)؛ وهو شهر حرام؛ وأن غزوة تبوك كانت في رجب (٤)؛ وهو شهر حرام؛ والذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ على تحريمه؛ ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص؛ فهي مخصصة بقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾؛ وأما قتال الرسول ﷺ أجيب عنه بأنه ليس قتال ابتداء؛ وإنما هو قتال مدافعة؛ وقتال المدافعة لا بأس به حتى في الأشهر الحرم؛ إذا قاتلونا نقاتلهم؛ فثقيف كانوا تجمعوا لرسول الله فخرج إليهم الرسول ﷺ ليغزوهم؛ وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمعوا له فخرج إليهم ليدافعهم؛ فالصواب في هذه المسألة أن الحكم باقٍ، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم؛ لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام.\n٥ - ومنها: أن الأشهر قسمان: أشهر حرم؛ وأشهر غير حرم.\nويتفرع على هذه الفائدة: أن الله يختص من خلقه ما شاء؛ فهناك أماكن حرام، وأماكن غير حرام؛ وأزمنة حرام، وأزمنة غير حرام؛ وهناك رسل، وهناك مرسَل إليهم؛ وهناك صديقون، وهناك من دونهم؛ والله ﷿ كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة، والأمكنة.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر؛ وكل منهما درجات؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» (٥)؛ وحدُّ الكبائر اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة؛ وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول ﷺ: هذا من الكبائر؛ وعدّها سردًا؛ ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة؛ يعني أن لها حدًا - أي ضابطًا يجمعها -؛ ليست معينة: هذه، وهذه، وهذه؛ ثم اختلفوا في الضابط، فقال بعضهم: كل ذنب لعن فاعله فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه حدّ في الدنيا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ٤/ ٣٨٤.\n(٣) راجع: زاد المعاد ٣/ ٥٠٢.\n(٤) راجع: زاد المعاد ٣/ ٥٢٦.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٢٠٩، كتاب الشهادات، باب ١٠: ما قيل في شهادة الزور، حديث رقم ٢٦٥٤، وأخرجه مسلم ص ٦٩٣، كتاب الإيمان، باب ٣٨: الكبائر وأكبرها، حديث رقم ٢٩ [١٤٣] ٨٧.","vol":"4","page":406},{"text":"فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة؛ لكن شيخ الإسلام ﵀ قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رتب عليه عقوبة خاصة سواء كانت لعنة؛ أو غضبًا؛ أو حدًا في الدنيا؛ أو نفي إيمان؛ أو تبرؤًا منه؛ أو غير ذلك؛ فالذنب إذا قيل: لا تفعل كذا؛ أو حرم عليك كذا؛ أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة بهذا الذنب فهو صغيرة؛ أما إذا رتب عليه عقوبة - أيَّ عقوبة كانت - فإنه يكون من الكبائر -؛ فالغش مثلًا كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة - وهي البراءة منه، كما قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني» (١)؛ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة؛ وهي قوله --ﷺ-: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢)؛ وكون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة؛ لقوله --ﷺ-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٣)؛ وعدوانه على جاره أكبر؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (٤)؛ وهذا الضابط أقرب الضوابط في تعريف الكبيرة؛ ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء؛ بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رتب عليه من العقوبة؛ فقطاع الطريق مثلًا أعظم جرمًا من اللصوص.\n٧ - ومن فوائد الآية: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾؛ ويحتمل أن مجموع هذه الأفعال الأربعة أكبر عند الله من القتال؛ لا أن كل واحد منها أكبر عند الله.\n٨ - ومنها: أن أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق؛ فكل من صد عن الخير فهو صاد عن سبيل الله؛ ولكن هذا الصد يختلف باختلاف ما صد عنه؛ من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء - مثل مشركي قريش؛ ومن صد عن شيء أقل، كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف؛ ولكن لا شك أن هذا جرم؛ فالنهي عن المعروف من صفات المنافقين.\n٩ - ومنها: عظم الصد عن المسجد الحرام؛ ولذلك صور متعددة؛ فقد يكون بمنع الناس من الحج؛ ولكن لو قال وليّ الأمر: أنا لا أمنعهم؛ ولكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا؛ فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول ﷺ من لا يصلح للجهاد من الجهاد (٥)؟ أو نقول: إن في هذا نظرًا؟ هذه المسألة تحتاج إلى نظر بعيد؛ وهل مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص؛ أو لا؟ .\nوقد يكون الصد بإلهائهم، وإشغالهم عن فعل العبادات؛ وقد يكون بتحقير العبادات في أنفسهم؛ وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم، ويدَعوه.\n١٠ - ومن فوائد الآية: تقديم ما يفيد العليّة؛ لقوله تعالى: ﴿عن الشهر الحرام قتال فيه﴾؛ المسؤول عنه القتال في الشهر الحرام؛ لكنه قدم الشهر الحرام؛ لأنه العلة في تحريم القتال؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فقدم العلة على الحكم لتنفر النفوس من الفعل قبل الحكم به؛ فيقع الحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٦٩٥، كتاب الإيمان، باب ٤٣: قول النبي ﷺ من غشنا فليس منا، حديث رقم ٢٨٤ [١٦٤] ١٠٢.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٣، كتاب الإيمان، باب ٧: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم ١٣: وأخرجه مسلم ص ٦٨٨، باب ١٧: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، حديث رقم ١٧٠ [٧١] ٤٥.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٥٠٩، كتاب الأدب، باب ٣١: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم ٦٠١٩، وأخرجه مسلم ص ٦٨٨، كتاب الإيمان، باب ١٩: الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير ...، حديث رقم ١٧٣ [٧٤] ٤٧.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٥٠٩، كتاب الأدب، باب ١٢٩: إثم من لا يأمن جاره بوائقه، حديث رقم ٦٠١٦، واللفظ له، وأخرجه مسلم بطريق أخرى ص ٦٨٨، كتاب الإيمان باب ١٨: بيان تحريم إيذاء الجار، حديث رقم ١٧٢ [٧٣] ٤٦.\n(٥) راجع البخاري ص ٢١١، كتاب الشهادات، باب ١٨: بلوغ الصبيان وشهادتهم، حديث رقم ٢٦٦٤، وأخرجه مسلم ص ١٠١٣، كتاب الإمارة، باب ٢٣: بيان سن البلوغ، حديث رقم ٤٨٣٧ [٩١] ١٨٦٨.","vol":"4","page":407},{"text":"١١ - ومن فوائد الآية: تفاوت الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أكبر عند الله﴾؛ وبتفاوت الذنوب يتفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، كما قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)؛ فيكون في ذلك رد على من أنكروا زيادة الإيمان، ونقصانه؛ وللناس في ذلك ثلاثة أقوال؛ منهم من قال: إن الإيمان يزيد، وينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد، ولا ينقص؛ وبحث ذلك على وجه التفصيل، والترجيح في كتب العقائد؛ والراجح أن الإيمان يزيد، وينقص.\n١٢ - ومن فوائد الآية: تسلية الله ﷿ للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين، حيث قاتلوا في الشهر الحرام.\n١٣ - ومنها: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿وإخراج أهله منه﴾؛ فمع أن المشركين ساكنون في مكة؛ لكنهم ليسوا أهله، كما قال تعالى: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾ [الأنفال: ٣٤].\n١٤ - ومنها: التحذير من الفتنة؛ لقوله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾.\n١٥ - ومنها: أن الفتنة - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم؛ لأن غاية ما في قتلهم أن تفوتهم الحياة الدنيا؛ أما صدهم عن الإيمان لو صدوا عنه لفاتتهم الدنيا والآخرة؛ وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الدجال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه» (٢)؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص.\n١٦ - ومن فوائد الآية: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين بكل وسيلة ولو أدى ذلك إلى القتال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾؛ ولهذا كان الغزو الفكري، والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي؛ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر؛ وأما ذاك فصدام مسلح ينفر الناس منه بالطبيعة؛ فلا يمكنون أحدًا أن يقاتلهم؛ أما هذا فسلاح فتاك يفتك بالأمة من حيث لا تشعر؛ فانظر كيف أفسد الغزو الفكري والخلقي على الأمة الإسلامية أمور دينها، ودنياها؛ ومن تأمل التاريخ تبين له حقيقة الحال.\n١٧ - ومن فوائد الآية: تيئيس الكافرين أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إن استطاعوا﴾؛ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله، ويكون في آخر الزمان، فتهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق.\n١٨ - ومنها: الحذر من الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾؛ وكلمة: ﴿لا يزالون﴾ تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأن محاولتهم ارتداد المسلمين عن دينهم مستمرة.\n١٩ - ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾.\n٢٠ - ومنها: أن من ارتد عن دينه، ثم عاد إليه لم يبطل عمله السابق؛ لقوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٩٥، كتاب المظالم والغصب، باب ٣٠: النهي بغير إذن صاحبه، حديث رقم ٢٤٧٥، وأخرجه مسلم ص ٦٩٠، باب ٢٤: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ...، حديث رقم ١٠٢ [١٠٠] ٥٧.\n(٢) أخرجه أحمد ج ٤/ ٤٣١، حديث رقم ٢٠١١٦، وأخرجه أبو داود ص ١٥٣٧، كتاب الملاحم، باب ١٤: خروج الدجال، حديث رقم ٤٣١٩، واللفظ لأحمد، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح ٣/ ٣٠.","vol":"4","page":408},{"text":"٢١ - ومنها: أن المرتد مخلد في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.\n٢٢ - ومنها: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾؛ فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يرث؛ وأما أن يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون؛ ولكن الصحيح أنه لا توارث؛ لعموم قوله --ﷺ- في حديث أسامة: \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\" (١).\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]\nالتفسير:\nإن الذين صَدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه والذين تركوا ديارهم، وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه. والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم رحمة واسعة.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أخرج الطبري بسنده الصحيح عن \"المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم - أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزل الله: ﴿إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ \" (٢).\nوالثاني: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن جندب بن عبد الله قال: \"بعث رسول اللهﷺ- رهطا، وبعث عليهم عبد الله بن جحش، فقال بعض المشركين: ان لم يكونوا اصابوا وزرا فليس لهم اجر، فأنزل الله ﷿: ﴿ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم﴾ \" (٣).\nوالثالث: ونقل ابن ظفر عن الزهري قال: طلما فرج الله عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من الغم؛ لقتالهم في الشهر الحرام طمعوا في الثواب. فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون هذه غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فنزلت هذه الآية\" (٤).\nقال الزمخشري\" روى أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت: ﴿أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ يعني\" إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به\" (٦).\nقال القاسمي: أي صدقوا\" بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٦٥، كتاب الفرائض، باب ٢٦: لا يرث المسلم الكافر ...، حديث رقم ٦٧٦٤؛ وأخرجه مسلم ص ٩٥٨، كتاب الفرائض، باب ٢٣: لا يرث المسلم الكافر ...، حديث رقم ٤١٤٠ [١] ١٦١٤.\n(٢) تفسير الطبري (٤١٠٢): ص ٤/ ٣١٩.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٠): ص ٢/ ٣٨٨.\n(٤) العجاب: ١/ ٥٤٤، وانظر: \"الدر المنثور\" \"١/ ٦٠٣ - ٦٠٤\" رواية يزيد بن رومان عن عروة وقرون ابن إسحاق به الزهري انظر \"تفسير الطبري\" \"٤/ ٣٠٢\" \"٤٠٨٢\" و\"السيرة\" لابن هشام \"١/ ٦٠٥\" و\"أسباب النزول\" للواحدي \"ص ٦٢\" هذا وقد علق الناسخ في الهامش هنا \"قد تقدم في القولة السابقة ما يتعلق بسبب نزول هذه الآية أيضًا\".\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٧.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٩٤.","vol":"4","page":409},{"text":"و(الإيمان) في اللغة: \" التصديق: قال تعالى عن إخوة يوسف قائلين لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ وأما في الشرع فهو التصديق المستلزم للقبول والإذعان\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ أي: و\" الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم، إلى غيرها هجرة\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي: والذين فارقوا الأهل والأوطان\" (٣).\nقال الشوكاني: \" الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وترك الأول لإيثار الثاني والهجر ضد الوصل والتهاجر التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام\" (٤).\nقال القاسمي: \" فتركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام\" (٥).\nقال البغوي: \" فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم\" (٦).\nو(الهجر) في اللغة: الترك؛ وأصل المهاجرة: \" (المفاعلة)، من هجرة الرجل الرجلَ للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئًا لأمر كرهه منه\" (٧).\nقال القرطبي: \" والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني. والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله\" (٨).\nو(الهجر) في الشرع له معنيان (٩):\nأحدهما: معنى عام: وهو هجر ما حرم الله ﷿، كما قال النبي ﷺ: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١٠).\nوالثاني: معنى خاص: وهو أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله، بأن يكون هذا البلد بلد كفر لا يقيم فيه الإنسان دينه؛ فيهاجر من أجل إقامة دين الله، وحماية نفسة من الزيغ، كما جاء في الحديث صحيح: «من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١١)؛ والمراد بالهجرة في الآية ما يشمل المعنيين: العام، والخاص.\nقال الراغب: \" الهجر: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو بالنسيان والقلب، والهاجرة الساعة التي تمنع عن السير كأنها هجرت الناس بحرها، والهجار حبل يشد به الفحل، فيصير سببًا لهجرانه الإبل، وجعل بناؤه على بناء الآلات، كالعقال والزمام، والهجر: الكلام المهجور لقبحه، وقيل: هجر فلان إذا\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٤.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢١٨.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٩٤.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٨.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٢.\n(١٠) أخرجه البخاري ص ٣، كتاب الإيمان، باب ٤: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث رقم ١٠.\n(١١) أخرجه البخاري ص ١، كتاب الوحي، باب ١: كيف كان بدء الوحي ...، حديث رقم ١، وأخرجه مسلم ص ١٠١٩، كتاب الإمارة، باب ٤٥: قوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات\"، حديث رقم ٤٩٢٧ [١٥٥] ١٩٠٧.","vol":"4","page":410},{"text":"هدى عن قصد واهجر المريض إذا هذي عن غير قصد والجهد: تحمل المشقة ومجاهدة العدو ومقاومته ببذل الجهد، وجهدت رأيي واجتهدته أتعبته بالفكر والنظر\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، اي: \"وجاهدوا الأعداء لإعلاء دين الله\" (٢).\nقال الطبري: \" وقاتلوا وحاربوا\" (٣).\nوأصل (المجاهدة): \" (المفاعلة) من قول الرجل: قد جَهَد فلان فلانًا على كذا، إذا كرَبَه وشقّ عليه\" (٤).\nوالاجتهاد والتجاهد: \"بذل الوسع والمجهود\" (٥).\nفـ (الجهاد) هو بَذْلُكَ الجهد لأمر مطلوب؛ والجهد معناه الطاقة، كما قال تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾، [التوبة: ٧٩] يعني إلا طاقتهم؛ وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء؛ وإلا فكل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا كان جهاد النفس يسمى جهادًا؛ ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر عن النبي ﷺ أنه لما رجع من تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (٦) يعني: جهاد النفس؛ ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة لحملها على فعل الطاعة، وترك المعصية (٧).\nو﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: \"طريقه ودينه\" (٨).\nقال البغوي: في \"طاعة الله\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ أي: أولئك\"يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي أولئك الموصوفون بالأوصاف الحميدة، هم الجديرون أن ينالوا رحمة الله\" (١١).\nقال الشوكاني: \" \"معناه يطمعون، وإنما قال ﴿يرجون﴾ بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ\" (١٢).\nقال القاسمي: أي يرجون: \"جنته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم\" (١٣).\nقال البغوي: \" أخبر أنهم على رجاء الرحمة\" (١٤).\nوتصدير خبر ﴿إن﴾ باسم الإشارة للبعيد يدل على علو همتهم؛ فيكون في ذلك تنويه بذكرهم من وجهين (١٥):\nالأول: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو.\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٠.\n(٦) انظر: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ١٢٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٨.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٨.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢١٨.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ٩٤.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٤.","vol":"4","page":411},{"text":"والثاني: أن تعدد المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين؛ فيكون في ذلك توكيد على توكيد.\nو(الرجاء): \" الطمع في حصول ما هو قريب؛ ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به؛ وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم؛ والذي فعلوه: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فإذا لم يرْجُ هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟ ! ! فهؤلاء هم أهل الرجاء؛ فالرجاء لا بد له من أسباب؛ وحسن الظن لا بد له من أسباب\" (١).\nقال القرطبي: \" ﴿ويرجون﴾ معناه يطمعون ويستقربون، وإنما قال \"يرجون\" وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين:\nأحدهما: لا يدري بما يختم له.\nوالثاني: لئلا يتكل على عمله.\nوالرجاء ينعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء، والرجاء من الأمل ممدود، يقال: رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال: ما أتيتك إلا رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال بشر يخاطب بنته (٢):\nفرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا\nوما لي في فلان رجية، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] أي لا تخافون عظمة الله، قال أبو ذؤيب (٣):\nإذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل\nأي لم يخف ولم يبال.\nوالرجا - مقصور -: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا. والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، فيقصرون ولا يمدون\" (٤).\nوالمراد بـ (الرحمة) هنا \"يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (٥)؛ فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك»؛ أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا أدخله الجنة التي هي رحمته\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ أي: والله\" ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة\" (٧).\nقال الصابوني: \" والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة\" (٨).\nقال القاسمي: \" ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لهتكهم حرمة الشهر: ﴿رَّحِيمٌ﴾ بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٤.\n(٢) ديوانه: ٧٤، وانظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري: ١/ ١٢٣.\n(٣) شرح أشعار الهذليين: ١٤٠، وتخريجه فيه: ص ١٣٨١)، وانظر: خزانة الأدب: ٥/ ٤٩٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٠.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٤١٤، كتاب التفسير، باب ١: قوله تعالى: (وتقول هل من مزيد)، حديث رقم ٤٨٥٠، وأخرجه مسلم ص ١١٧٢، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ١٣: النار يدخلها الجبارون ...، حديث رقم ٧١٧٢ [٣٤] ٢٨٤٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٩٤.","vol":"4","page":412},{"text":"أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن السدى: \"ثم رجع إلى اصحاب النبي -ﷺ-، فغفر لهم فقال: ﴿ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ \" (١).\nوقد يقول قائل: \"ما محل ذكر اسم الله «الغفور» هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟\nالجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثًا بعد السلام؛ وأما ذكر «الرحيم» فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته؛ وسبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين\" (٢).\nقال الراغب: \"ونهى عن تضييع الشهر الحرام والمسجد الحرام، وعن تهييج الفتنة نبه على فضل من هاجر وجاهد في سبيل الله محافظة على ذلك، فمن المفسرين من حمل المهاجرة على مهاجرة الأهل والولد، كهجرة النبي﵇- وأصحابه والمجاهدة على الغزو، ومنهم من قال: عنى ذلك هجران الشهوات، ومجاهدة الهوى ... وهذه المنازل الثلاث التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ولا سبيل إلي المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى الجهاد في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلي ذلك فحق له أن يرجو رحمته\" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، والهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا﴾ الآية.\n٢ - ومنها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة؛ لأنه جعل الجهاد معطوفًا على الهجرة؛ ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًا.\n٣ - ومنها: مراعاة الإخلاص في الهجرة، والجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وأما بدون الإخلاص فهجرته إلى ما هاجر إليه؛ واعلم أنه يقال: في كذا؛ ولكذا؛ وبكذا؛ تقول مثلًا: جاهدت لله؛ وجاهدت بالله؛ وجاهدت في الله؛ فـ «لله»: اللام لبيان القصد؛ فتدل على الإخلاص؛ و«بالله»: الباء للاستعانة؛ فتدل على أنك جاهدت مستعينًا بالله؛ و«في الله»: «في» للظرفية؛ فتدل على أن ذلك الجهاد على وفق شرع الله - لم يتعد فيه الحدود -.\n٤ - ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله؛ بل يكون راجيًا؛ ولكنه يرجو رجاءً يصل به إلى حسن الظن بالله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾؛ لأنهم لا يغترون بأعمالهم؛ ولا يُدْلُون بها على الله؛ وإنما يفعلونها وهم راجون رحمة الله.\n٥ - ومنها: إثبات اسمي «الغفور»، و«الرحيم» لله ﷿؛ وإثبات ما دلَّا عليه من المغفرة والرحمة؛ وما يترتب على ذلك من غفران الذنوب والرحمة؛ فبالمغفرة يزول المكروه من آثار الذنوب؛ وبالرحمة يحصل المطلوب.\n٦ - ومنها: كمال رحمة الله بالخلق؛ فلله على العامل عملًا صالحًا ثلاث نعم عظيمة:\nالأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح؛ وذلك بما أنزله من الوحي على رسله؛ بل هي أعظم النعم.\nالثانية: توفيقه لهذا العمل الصالح؛ لأن الله قد أضل أممًا عن العمل الصالح.\nالثالثة: ثوابه على هذا العمل الصالح ثوابًا مضاعفًا: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٣): ص ٢/ ٣٨٨.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٤ - ٦٥.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.","vol":"4","page":413},{"text":"وهذا مما يدل على كمال رحمة الله بالخلق: أنه ينعم، ثم يشكر المنعمَ عليه، كما قال تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].\nالقرآن\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]\nالتفسير:\nيسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.\nوفي سبب نزولها، ثلاثة أقوال (١):\nأحدهما: عن عمر -﵁-؛ قال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا؛ فإنها تذهب المال والعقل؛ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ التي في سورة البقرة؛ فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا؛ فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فكان منادي رسول الله - ﷺ - إذا أقام إلى صلاة نادى: \"أن لا يقربن الصلاة سكران\"؛ فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فقال: اللهمَ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا؛ فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ قال عمر: انتهينا انتهينا\" (٢). [صحيح]\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول: ٧١، والعجاب: ١/ ٥٤٥، وزاد المسير: ١/ ٢٣٩.\n(٢) أخرجه أبو داود (رقم ٣٦٧٠) -ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٨٥)، و\"السنن الصغير\" (٣/ ٣٢٧ رقم ٣٣٢٨) -، والترمذي (رقم ٣٠٤٩)، والنسائي (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧)، وأحمد (١/ ٥٣) -ومن طريقه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٣٨، ١٣٩) -، وابن أبي شيبة (٧/ ١١٢ رقم ٣٨٢٤) -مختصرًا-، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٤٣)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٦/ ٤٣٠ رقم ٥١٩٣)، والنحاس في \"ناسخ القرآن\" (ص ٤٠)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩ رقم ٢٠٤٤، ٣/ ٩٥٨ رقم ٥٣٥١)، وعلي بن المديني؛ كما في \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٦٧)، وأبو يعلى في \"مسنده\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٠٥) -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١/ ٣٦٧، ٣٦٨ رقم ٢٥٦) -، والبزار في \"مسنده\" (١/ ٤٦٨ رقم ٣٣٤ - البحر الزخار) -مختصرًا-، والدارقطني في \"العلل\" (٢/ ١٨٦)، و\"الأفراد\" (٢/ ٣٠ - أطراف الغرائب)، وابن جرير الطبريفي \"جامع البيان\" (١٢٥١٢): ص ١٠/ ٥٦٦، وأبو الشيخ؛ كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٠٥) -ومن طريقه الواحدي في \"الوسيط\" (٢/ ٢٢٢، ٢٢٣) -، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ١٣٦ رقم ١٤٩٣) كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة عن عمر به.\nقال علي بن المديني؛ كما في \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٦٧) -: \"هذا حديث كوفي صالح الإسناد\".\nوقال ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" (١/ ٢٦٢ و٢/ ٩٦١)، والحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٩): \"قال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح، وصححه الترمذي\".\nقلنا: وصححه الضياء المقدسي.\nقال الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ١٨٤، ١٨٥): \"رواه إسرائيل وزكريا بن أبي زائدة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عمر القصة بطولها، وذكر الآيات في تحريم الخمر، وخالفهم حمزة الزيات -وهو صدوق ربما وهم-؛ فرواه عن أبي إسحاق عن حارثه بن مضرب عن عمر حدثنا به- ثم ساقه بإسناده\".\nقلنا: وكذا أخرجه الحاكم (٤/ ١٤٣) من طريق حمزة.\n\"وقال إسحاق بن منصور -السلولي- عن إسرائيل [أخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٣٩ رقم ١٤٩٤)] والفريابي عن الثوري وقيس -وهو ابن الربيع، وهو صدوق تغير لما كبر؛ أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه؛ فحدث به- عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن عمر.\nوالصواب قول من قال: عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر، والله أعلم\". اهـ.\nقلنا: في هذا الحديث اختلاف كما قال الدارقطني.\nرواه خلف بن الوليد وإسماعيل بن جعفر والفريابي وعبيد الله بن موسى ووكيع خمستهم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر.\nوخالفهم إسحاق بن منصور -وهو صدوق- فقال: عن أبي إسحاق عن عمرو الأودي عن عمر.\nوالصواب: رواية الجماعة؛ أما الثوري؛ فروي عنه على الوجهين، والذي رواه عنه على الوجه الآخر -رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون- هو الفريابي، وفيه قال الحافظ (٢/ ٢٢١): \"ثقة فاضل، يقال: أخطأ في شيء من حديث سفيان\".\nقلنا: لعل هذا منها.\nأما رواية قيس؛ فهي ضعيفة، ولا تصح؛ لمخالفتها لرواية الجماعة، والله أعلم.\nقلنا: أما ابن كثير -﵀-؛ فقد وهم حينما ذكر عن الترمذي تصحيحه للحديث؛ ذلك أن الترمذي قال عقب روايته للحديث: \"وقد روي عن إسرائيل مرسلًا؛ حدثنا. . . ثم قال: وهذا أصح\".\nوالحديث صححه الألباني -﵀-، والشيخ أحمد شاكر -﵀- في تعليقه على المسند (رقم ٣٧٨).\nوقد أعله قوم بأن أبا ميسرة الراوي عنه لم يسمع منه؛ كما قال أبو زرعة في \"المراسيل\" (رقم ١٤٣) -ونقله عنه العلائي في \"جامع التحصيل\" (رقم ٥٧١) -.\nقلنا: وهذا ليس بشيء؛ فقد صرح البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ رقم ٣٥٧٦) أنه سمع منه ومن ابن مسعود، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٠٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.","vol":"4","page":414},{"text":"والثاني: أن نفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فأنزل الله هذه الآية\" (١).\nقال مقاتل: \"نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ونفر من الأنصار\"، (٢) \"أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية\" (٣).\nوقال الثعلبي: \"نزلت في عمر بن الخطاب -﵁- ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله -ﷺ-، فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية \" (٤). وذكره الواحدي بتمامه (٥).\nوالثالث: أخرج ابن أبي حاتم (٦) بسنده عن \"يحيى، انه بلغه ان معاذ بن جبل (٧)، وثعلبة (٨) اتيا رسول الله -ﷺ- فقالا: يا رسول الله ان لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من اموالنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ويسئلونك ماذا ينفقون﴾ \" (٩) [ضعيف].\n_________\n(١) انظر: الوسيط للواحدي: ١/ ٣١٦، أسباب النزول ص (١٠٢ - ١٠٣) المستدرك للحاكم: ٢/ ٢٧٨.\n(٢) ما بعد هذا لم أجده في \"تفسير مقاتل، واإنما زاده ابن حجر في العجاب: ١/ ٥٤٥.\n(٣) العجاب: ١/ ٥٤٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٤١، وانظر: العجاب: ١/ ٥٤٥.\n(٥) انظر: أسباب النزول: ٧١.\n(٦) وعزاه له أيضًا ابن حجر في العجاب-تحقيق: الأنيس-: ١/ ٥٤٦، والسيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٣.\n(٧) هو: أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، من أعيان الصحابة، شهد العقبة الثانية وبدرًا وما بعدها، إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن. توفي عام: ١٨ هـ. انظر: طبقات ابن سعد: ٣/ ٥٨٣، أسد الغابة لابن الأثير: ٥/ ١٨٧، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١/ ٤٤٣، تقريب التهذيب لابن حجر: ٩٥٠.\n(٨) ثعلبة لم أهتد إلى تعيينه إذ في الصحابة﵃أكثر من رجل بهذا الاسم، انظر: الإصابة لابن حجر: ١٩٩/ ١ - ٢٠٣.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم: (٢٠٦٨) ص ٢/ ٣٩٣. ثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي ثنا أبان بن يزيد العطار ثنا يحيى به.\nقلنا: ورجاله ثقات معروفون؛ لكن فيه انقطاع.","vol":"4","page":416},{"text":"وفي السياق نفسه روي عن ابن عباس: \" أن نفرًا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي - ﷺ -، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه \" (١). [ضعيف]\nقال الصابوني: \" لما ذكر تعالى أحكام القتال، وبين الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق وإعزاز الدين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجي، ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح (المجتمع الداخلي) على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، لتقوم دعائمها على أسس متينة، وتبقى صرحًا شامخًا لا تؤثر في الأعاصير\" (٢).\nقال الدكتور عبدالكريم الخطيب: \"في هذه الآية: إشارة حادّة من إشارات السماء، إلى أمرين من أمور الجاهلية، كانت حياتهم متلبسة بهما، دائرة فى فلكهما، وهما الخمر والميسر، وقد كان هذان المنكران متلازمين، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر .. فحيث كان خمر كان معه ميسر، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رءوس النّدمان .. ولهذا قرنهما الله سبحانه فى هذا المقام .. الخمر والميسر، ودمغهما بالإثم، والحكم - كما ترى - أنهما يحملان فى كيانهما قدرا كبيرا من الإثم، إلى جانب ما يحملان من نفع .. وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، \" أي: يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي يسألك الناس، أو الصحابة ﵃\" (٥).\nقال الماوردي: \" يعني: يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر والميسر وشربها\" (٦).\nقال القرطبي: \" السائلون هم المؤمنون (٧). كذا قاله الشوكاني (٨).\nو«الخمر»: \" كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب\" (٩).\nقال الطبري: و\" ﴿الخمر﴾ كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" وسمي خمرا لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٠٧) -ومن طريقه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٢/ ٣٨١ رقم ٢٠٠٦) -: عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق ..\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٥.\n(٣) التفسير القرآني للقرآن: ١/ ٢٣٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٧.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٢٧٦.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ٥١.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٢٠.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٠.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٢١.","vol":"4","page":417},{"text":"قال الصابوني: \" ﴿الخمر﴾ المسكر من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه، وقولهم: خمرت الغناء أي غطيته\" (١).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: \"قام عمر على. فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: الا وان الخمر نزل تحريمها يوم نزل، من خمس: من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير والخمر: ما خامر العقل، ثلاثا\" (٢).\nوقال سعيد بن المسيب: \"إنما سميت الخمر، لأنها صفا صفوها وسفل كدرها\" (٣).\nقال القرطبي: \" والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره، ومنه \" خمروا آنيتكم\" فالخمر تخمر العقل، أي تغطيه وتستره ... والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر (٤).\nوقال الراغب: \" الخمر: ستر الشيء وقال لما يستتر به خمار، لكن للخمار صار الخمار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت المرأة، وتخمرتُ، وخمرتُ الإناء غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، ودخل في خمار الناس أي في جماعتهم يسترونه، والخمار الموروث من الخمر جعل ماؤه ماء الأدواء، نحو الكباد، والصداع، وخامره الحزن إذا استولى عليه حتى سترفهمه وفكره، وبنحوه سوي غمًا، وأصله من الستر، ومن الناس من جعل الخمر اسمًا لدى مسكر، ومنهم من جعله اسمًا للمتحد من التمر والعنب، لقوله﵇-: \" الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة \"، ومنهم من جعلها اسمًا لما لم يكن مطبوخًا، ثم كمية الطبخ الذي يخرجها عن كونه خمرًا مختلف فيها\" (٥).\nوقد ذكر ابن القيم: بأن \"في تسمية الخمر خمرا، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه.\nوالثاني: لأنها تخمر العقل أي تستره.\nوالثالث: لأنها تخمر أي تغطي.\nذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم \" (٦).\nوقال أهل العلم بأن \"سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر، والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك؛ ولهذا سألوا النبي ﷺ عن حكمهما - لا عن معناهما -؛ لأن المعنى معلوم\" (٧).\nقال القرطبي: \" قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر، وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٧): ص ٢/ ٣٨٩.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٩): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٥١ - ٥٢.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٢٣٩.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٧.","vol":"4","page":418},{"text":"ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ثم قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] على ما يأتي بيانه في «المائدة» \" (١).\nوقد أنزل الله في الخمر أربع آيات (٢):\nإحداها: آية تبيحه: وهي قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾ [النحل: ٦٧]. نزلت بمكة \" وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم\" (٣).\nوالثانية: آية تعرض بالتحريم: وهي هذه الآية، \" فشربها قوم وتركها آخرون\" (٤).\nوالثالثة: آية تمنعه في وقت دون آخر، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، \" فقل من شربها\" (٥).\nوالرابعة: آية تمنعه دائمًا مطلقًا: وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ...﴾ [المائدة: ٩٠] الآيات.\nقال القفال ﵀: \"والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى﴾ فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر\" (٦).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن ابن عمر يقول: \"نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر﴾ الآية. فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله. قال: فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية: ﴿لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى﴾ فقيل: حرمت الخمر فقالوا يا رسول الله انا لا نشربها قرب الصلاة. فسكت عنهم. ثم نزلت: ﴿يايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام﴾ الآية، فقال رسول اللهﷺ -: حرمت الخمر\" (٧).\nو﴿الْمَيْسِرُ﴾: من قولهم: يسَرَ لي هذا الأمر، إذا وجب لي، فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا، و«الياسر» الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر،: ياسرٌ ويَسَر، كما قال الشاعر (٨):\nفَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ... يُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا\nوكما قال النابغة (٩):\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٢.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٦): ص ٢/ ٣٨٩، وأخرج ابن أبي حاتم عن انس بن مالك، قال: \"كنا نشرب الخمر فانزلت: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير فقلنا نشرب منها ما ينفعنا فانزلت في المائدة: ٦ انما الخمر والميسر الاية. قالوا اللهم قد انتهينا، فارقناها إذ نودي: الا ان الخمر قد حرمت قال ثابت لانس: وما كان خمركم؟ قال: فضيخكم هذا\". [تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٨): ص ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩].\n(٨) ديوانه: ١٧، من قصيدة يذكر فيها فتوح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، سلف منها بيتان في ٢: ١٥٧. واقرأ التعليق هناك رقم: ٢. ولمعت الرايات: خفقت. وقوله: \" يوجه الأرض \" يعني جيش عمر، أي يقشر وجهها من شدة وطئه وكثرته وسرعة سيره، يشبهه بالسيل. يقال: \" وجه المطر الأرض \"، قشر وجهها وأثر فيه. وقوله: \" يستاق الشجر \"، يقول: جيشه كالسيل المنفجر المتدافع يقشر الأرض، ويختلع شجرها، ويسوقه.\n(٩) لم أعرف قائله. والغبين والمغبون: الخاسر. واختلع (بالبناء للمجهول): أي قمر ماله وخسره، فاختلع منه، أي انتزع. والمخالع المقامر، والمخلوع: المقمور ماله. يقول: إنه بات ليلته حزينًا كاسفًا مطرقًا، إطراق المقامر الذي خسر كل شيء، فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقًا متحسرا على ما أصابه ونكبه.","vol":"4","page":419},{"text":"أَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ القِدَاح بوَفْرِهِ ... أَسِفٌ تآكَلَهُ الصِّدِيقُ مُخَلَّعُ (١).\nيعني: بالـ «ياسر»: المقامر.\nوقيل للقمار: «ميسر»؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم (٢).\nقال الراغب: «الميسر»: آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسرًا تشبيهًا به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسرًا، وسمي ذلك يسرًا لاعتقادهم أنه غني للفقراء\" (٣).\nقال القرطبي: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾: \"قمار العرب بالأزلام\" (٤)\nقال الصابوني: \" ﴿الميسر﴾: القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار، لأنه سبب الغنى\" (٥).\nوقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير: ﴿الْمَيْسِرُ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجوه:\nأحدها: أنه القمار. قاله ابن عمر (٦)، ومجاهد (٧)، وروي عن عبد الله بن مسعود (٨)، وابن عباس (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والحسن (١١)، وعطاء (١٢)، وطاوس (١٣)، ومحمد بن سيرين (١٤)، وقتادة (١٥)، والضحاك (١٦)، وكحول (١٧)، والسدي (١٨)، ومقاتل (١٩).\nوالثاني: أنه الشطرنج. قاله علي (٢٠).\nالثالث: أنه بيع اللحم بالشاة والشاتين (٢١).\nالرابع: أن كل ما لهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر. وهذا قول القاسم بن محمد (٢٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٩.\n(٦) تفسير الطبري (٤١٢٧): ص ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٠): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٧) تفسير الطبري (٤١٠٧): ص ٤/ ٣٢٢.\n(٨) تفسير الطبري (٤١٠٨): ص ٤/ ٣٢٢.\n(٩) تفسير الطبري (٤١٢١): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٠) تفسير الطبري (٤١٢٤): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١١) تفسير الطبري (٤١١٥): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٢) تفسير الطبري (٤١١٦): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٣) تفسير الطبري (٤١١٦): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٤) تفسير الطبري (٤١١١): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٥) تفسير الطبري (٤١٢٠): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٦) تفسير الطبري (٤١٢٥): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٧) تفسير الطبري (٤١٢٩): ص ٤/ ٣٢٥.\n(١٨) تفسير الطبري (٤١٢٢): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٠.\n(٢٠) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٤): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٥): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٦): ص ٢/ ٣٩١.","vol":"4","page":420},{"text":"الخامس: أنه الضرب بالقداح على الأموال والثمار. قاله الأعرج (١).\nالسادس: أنه الضرب بالكعاب (٢).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن يزيد بن شريح، ان النبيﷺ-، قال: \"ثلاث من الميسر: الصغير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب\" (٣).\nقال القرطبي: \"وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: \"قل لهم إن في تعاطي الخمر والميسر ضررا عظيما وإثما كبيرا\" (٥).\nقال البغوي: \"أي\" وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش\" (٦).\nقال النيسابوري: \" أي إنهما من الكبائر\" (٧).\nقال مجاهد: \"هذا أوَّل ما عِيبَتْ به الخمر\" (٨).\nوقد تدل لفظة (الإثم) في كلام العرب، على معنيين:\nأحدهما: العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]\nقال ابن عثيمين: \"فقوله ﴿إثم﴾ أي عقوبة؛ أو كان سببًا للعقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، ويقال: (فلان آثم) أي مستحق للعقوبة\" (٩).\nومنه قول الشاعر [ينسب إلى بشر] (١٠):\nوكان مُقامنا نَدْعُو عليهم ... بأبْطَحَ ذي المجازِ له أَثَامُ\nوالثاني: الخمر، \" لأن شربها سبب في الإثم\" (١١).\nقال الشاعر (١٢):\nشَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ\nفعبر عن الخمر بالإثم لما كان مسببا عنها (١٣).\nوقول الآخر (١٤):\nنشرب الإثم في الصباحِ جهارا ... فترى الكاس بيننا مستعارا\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٧): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٨): ص ٢/ ٣٩١.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٨): ص ٢/ ٣٩١.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩١.\n(٦) تفسير البغي: ١/ ٢٥٣.\n(٧) تفسير النيسابوري: ٢/ ٣٩٤.\n(٨) تفسير الطبري (٤١٣٢): ص ٤/ ٣٢٥.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٨.\n(١٠) انظر: المحكم (١٠/ ١٨٥)، وتهذيب اللغة (١٥/ ١٦٠)، واللسان (أثم).\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٥.\n(١٢) البيت من الوافر وهو بلا نسبة في لسان العرب (٦/ ١٢) \"إثم\"، وتهذيب اللغة (١٥/ ١٦١)، وتاج العروس \"إثم\"، وفي البحر (٢/ ١٥٧)، والدر المصون (١/ ٤٧٩) وغيرهم.\n(١٣) الدر المصون: ١/ ٤٧٩.\n(١٤) انظر: لسان العرب (أثم): ص (١٢/ ٦)، وتهذيب اللغة (١٥/ ١٦١)، وتاج العروس (أثم).","vol":"4","page":421},{"text":"وقال السمين الحلبي: \" والذي قاله الحذاق: إن الإثم ليس من أسماء الخمر. قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون اسما للخمر؛ لأن العرب لم تسم الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام\" (١).\nوقد ذكر أهل التفسير في إثم ﴿الخمر﴾ قولين:\nأحدهما: أن\" إثم الخمر أنّ الرجل يشرَب فيسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنعَ الحق ويظلم\". قاله السدي (٢).\nوالثاني: أنه \"يعني ما ينقُص من الدين عند من يشربها\". قاله ابن عباس (٣).\nوفي المعنى نفسه قال سعيد بن جبير: \"قال الله: فيهما اثم كبير لان في شرب الخمر والقمار، ترك الصلاة، وترك ذكر الله \" (٤).\nقلت: وقول السدي أولى بالتفسير، أي \"زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظمُ الآثام، وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله\" (٥). والله أعلم.\nوقال القرطبي: \" إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله، إلى غير ذلك\" (٦) (٧).\nوقال الراغب: \" وأشار الله﷿- بقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان، ديني ودنيوي، والدنيوي ضربان، نفع ضروري، ونفع غير ضروري، فالضروري كالأكل والجماع اللذين لو تصورناهما مرتفعين لارتفع بارتفاع الجماع نوع الحيوان، وبارتفاع اجل أشخاص الحيوان، ونفع غير ضروري، كالتنقل بعد الأكل وترك التحلل بعده، والخمر نفعها دنيوي غير ضروري، فإن نفعها تقوية الأبدان المسنة، وهضم طعام والمعاونة على الباءة والزيادة في الرطوبة والحرارة الغريزيتين، وليس ذلك بضروري ولا متحقق النفع فيه، وفيهما إثم متحقق أو مظنون، والعقل يقتضي أن يتحاشى من الترام الإثم المظنون للنفع المتحقق الذي ليس بضروري، فكيف من النفع المظنون؟، ومن هذا الوجه صار الخمر فيما بين الأمم المتقدمة مترددة بين خمر، ودم، وإباحة، وحظر، وتركها عامة في العقول الراجحة لما أراد الله ﵎ تحريم الخمر على الناس لما رأى في\n_________\n(١) الدر المصون: ٥/ ٣٠٦، واللباب: ٩/ ٩٧، ويروى عن ابن عباس والحسن البصري أنهما قالا: «الإثم: الخمر». قال الحسن: «وتصديق ذلك قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]. [انظر: تنوير المقباس في تفسير ابن عباس: ١٢٦].\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤١٣١): ص ٤/ ٣٢٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤١٣٣): ص ٤/ ٣٢٥.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٦٠): ص ٢/ ٣٩١.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٥.\n(٧) قد ألف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرات المسكرات.\nولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأرواح، وما ينشأ عنها من الخسران المالي، ومما قرره بعض الأطباء منهم هذه الجمل:\n١ - إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده.٢ - إنها لا تفيد شيئًا في قضاء الأعمال.٣ - إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد.٤ - إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجر إلى الفقر والشقاء.٥ - هي من المسكنات كالبنج والإيثر.٦ - إنها تعد للأمراض المعدية.٧ - إنها تعد بنوع خاص للتدرن والسل.٨ - إنها تضر في ذات الرئة والحمى التيفودية أكثر مما تنفع.٩ - إنها تقرب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت، وتطيل مدة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة.١٠ - إنها تعد لضربة الشمس والرعن في أيام الحر.١١ - إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد.١٢ - إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.١٣ - إنها كثيرًا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرحة.١٤ - إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. ١٥ - إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم.١٦ - إن الامتناع عنها مما يقضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري.","vol":"4","page":422},{"text":"ذلك من المصلحة، وعلم من غريزتهم التي غرزها عليها إن كثيرًا منهم إذا ردع عما ألفه واستحسنه لا يكاد يرتدع ابتداء بتقبيح السكر في نفوسهم، ولكونه منافيًا لذكر الله وعبادته، فقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فلما رسخ ذلك في نفوسهم أنزل قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وكأن في هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة، فلما قوي ذلك في نفوسهم فال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ \" (١).\nثم قال: وعلى قريب من هذا الكلام (٢) في الميسر، لكن كان أمره أخف، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسرًا، ومنهم من قاسه عليه، وقد روي عن النبي﵇- \" من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله \" (٣).\nوقال الطبري: \"وأما إثم ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾، فلما \"فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة: ٩١] \" (٤). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: \" ومنافع مادية ضئيلة\" (٥).\nقال القاسمي: أي: \" دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كدّ في الميسر\" (٦).\nقال البغوي: \" فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" وتأمل قوله تعالى: ﴿منافع للناس﴾؛ لأنها منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس؛ وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون\" (٨).\nقال الطبري: \"فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها (٩):\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(٢) يقصد قوله السابق في سبب تحريم الخمر. وهو قوله: \"\" وأشار الله﷿- بقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان .... \". (تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥١.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٩٦.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٩.\n(٩) ديوانه: ٦١، والأشربة لابن قتيبة: ٧٠ والبيتان مصحفان تصحيفًا قبيحًا في المطبوعة، في البيت الأول \" صحاها \" بالصاد المهملة، و\" ما تفك أداتها \". وفي البيت الثاني \" عده نشواتها \" وفي الأشربة \" عدة \"، وفي الديوان \" غدوة نشواتها \" (بضم الغين ونصب التاء بفتحتين). ونسخة الديوان أيضًا كثيرة التصحيف، فآثرت قراءة الكلمة \" عزة \". وذلك أن الأعشى يقول قبل البيتين:\nلَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شاربًا ... لَمُخْتَلِفٌ آصَالُها وَغَدَاتُها\nثم بين في البيت الثاني أنها في \" الضحى \" - وهو الغدوة - تعقب خبث النفس والكآبة والهموم المؤذية. ثم أتبع ذلك بما يكون عند العشي من طيب النفس واللذة - فلا معنى لإعادة ذكر \" الغدوة \" مرة أخرى، بل إنه لو فعل لنقض على نفسه البيت السالف، فصارت الخمر في الغدوة أو الضحى، مخبثة للنفس، ومبهجة لها في وقت واحد، وهذا باطل. فالصواب عندي أن تقرأ \" عزة لنشواتها \"، كقوله أيضًا:\nمِنْ قَهْوَةٍ بَاتَتْ بِبَابِلَ صَفْوَةٍ ... تَدَعَ الفَتَى مَلِكًا يَمِيلُ مُصَرَّعًا\nويؤيد ذلك أن ابن قتيبة قدم قبل الأبيات السالفة: \" وقال في الخمر أنها تمد في الأمنية \" ثم ذكر الأبيات، فمعنى ذلك أنها تريه أنه صار ملكًا عزيزًا يهب المال الكثير إذا انتشى.\nوقوله: \" ما تغب أذاتها \" من قولهم: \" غب الشيء \" أي بعد وتأخر. تقول: \" ما يغبك لطفي \" أي ما يتأخر عنك يومًا، بل يأتيك كل يوم، تعني متتابعًا.","vol":"4","page":423},{"text":"لَنَا مِنْ ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ ... وذِكْرَى هُمُوم مَا تُغِبُّ أَذَاتُهَا\nوَعِنْد العِشَاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ ... وَمَالٌ كَثِير، عِزَّةٌ نَشَوَاتُهَا\nوكما قال حسان (١):\nفَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا، مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ\nوقال القرطبي: أما المنافع \"في الخمر فربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماسكة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي. هذا أصح ما قيل في منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعف، وتعين على الباه، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي اللون، إلى غير ذلك من اللذة بها\" (٢)، ثم استشهد بقول حسان السابق، وقول الآخر (٣):\nفإذا شربت فإنني ... رب الخورنق والسدير\nوإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير\nوأما منافع ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ففيه قولان:\nأحدهما: اكتساب المال من غير كدّ.\nوالثاني: ما يصيبون من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يتياسرون على الجزور فإذا أفلح الرجل منهم على أصحابه نحروه ثم اقتسموه أعشارًا على عدة القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة (٤):\nوَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ إلَى النَّدَى ... وَنِيَاطِ مُقْفِرَةٍ أَخَافُ ضَلالَهَا\nوهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧).\nقال الطبري: \"وأما منافع «الميسر»، فما يصيبون فيه من أنصِباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلجَ الرجلُ منهم صاحبَه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح \" (٨).\nوقال القرطبي: \" ومنفعة ﴿الميسر﴾ مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب، فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء\n_________\n(١) ديوانه: ٤، والكامل ١: ٧٤، وغيرهما، ونهنهه عن الشيء: زجره عنه وكفه ومنعه. أي: لا نخاف لقاء العدو.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٨.\n(٤) ديوانه: ٢٣. الأيسار جمع يسر: وهو الذي يضرب القداح، واللاعب أيضًا، وهو المراد هنا. ورواية الديوان \" دعوت لحتفها \" والمقفرة: المفازة المقفرة. ونياط المفازة: بعد طريقها، كأنها نيطت - أي وصلت - بمفازة أخرى، لا تكاد تنقطع. وهو بيت من أبيات جياد يتمدح فيها الأعشى بفعله، يقول:\nوَسَبِيئَةٍ ممّا تُعَتِّقُ بَابِلٌ ... كَدَمِ الذَّبِيحِ، سَلَبْتُهَا جِرْيالَهَا\nوَغَرِيبَةٍ تَأتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ ... قَد قُلْتُهَا لِيُقَالَ: مَنْ ذَا قالَهَا! !\nوجَزُورِ أيْسَارٍ. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوكان الميسر عندهم من كرم الفعال.\n(٥) تفسير الطبري (٤١٣٧): ص ٤/ ٣٢٨، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٢.\n(٦) تفسير الطبري (٤١٣٤): ص ٤/ ٣٢٨.، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٢.\n(٧) تفسير الطبري (٤١٣٥): ص ٤/ ٣٢٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٧.","vol":"4","page":424},{"text":"، ومن بقي سهمه آخر كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء. وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين\" (١).\nوقد اختلفت القرأءة في قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجهين (٢):\nأحدهما: ﴿قل فيهما إثم كبيرٌ﴾، بالباء الموحدة، قرأ بها عُظْم أهل المدينة وبعضُ الكوفيين والبصريين، بمعنى قل: في شرب هذه، والقمار هذا، كبيرٌ من الآثام.\nواحتج أصحاب هذا القول: بـ\"أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. وأيضا فاتفاقهم على \"أكبر\" حجة لـ \"كبير\" بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض \"أكثر\" بالثاء المثلثة، إلا في مصحف عبدالله بن مسعود فإن فيه \"قل فيهما إثم كثير\" \"وإثمهما أكثر\" بالثاء مثلثة في الحرفين\" (٣).\nقال الراغب: \" فكبير لقوله تعالي: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، وبقوله الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وعظيم وكبير متلازمان \" (٤).\nوالثاني: ﴿قل فيهما إثمٌ كثيرٌ﴾ بالثاء المثلثة، وهي قراءة الكسائيّ وحمزة، بمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن (الإثم) بمعنى (الآثام)، وإن كان في اللفظ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثرة.\nواستندوا في قراءتهم بأن \"النبي ﷺ لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها (٥). وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام. و\"كثير\" بالثاء المثلثة يعطي ذلك\" (٦).\nوالراجح هو من قرأ بـ (الباء): ﴿قل فيهما إثم كبير﴾، وذلك \"لإجماع جميعهم على قوله: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، وقراءته بالباء، وفي ذلك دلالة بيّنة على أن الذي وُصف به الإثم الأول من ذلك، هو العظم والكبَر، لا الكثرة في العدد، ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" والفرق بينهما (أي القرائتين)، أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضًا الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا - ﵀ - في هذا المكان أضرارًا كثيرة جدًا؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إثم كبير﴾، أو ﴿إثم كثير﴾؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده؛ كبيرًا باعتبار كيفيته\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: \"ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" لأن العقوبة في الآخرة؛ وأما النفع ففي الدنيا؛ وعذاب الآخرة أشق، وأبقى\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٧.\n(٢) انظر: السبعة: ١٨٢، والحجة: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٢٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥١.\n(٥) مسند الإمام أحمد (٤٧٧٢): ص ٢/ ٢٥، والحديث: \" لُعِنَتْ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ لُعِنَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبُهَا وَسَاقِيهَا وَبَائِعُهَا وَمُبْتَاعُهَا وَعَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَحَامِلُهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَآكِلُ ثَمَنِهَا\".\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٩.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٩.","vol":"4","page":425},{"text":"قال الطبري: \" أي: \" والإثم بشرب الخمر هذه والقمار هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما ... وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتَل بعضهم بعضًا، وإذا ياسرُوا وقع بينهم فيه بسببه الشرُّ، فأدَّاهم ذلك إلى ما يأثمون به\" (١).\nقال الشوكاني: \"أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي وضررهما أعظم من نفعهما، فإن ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجره القمار من خراب البيوت ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك محسوس مشاهد، وإذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه، ظهر خطر المنكر الخبيث\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهّدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا، قال عمر لما قرأت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] ... وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكب، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلائل على غلبة الأول - ما لا يخفى على ما نطق به\" (٤).\nوقرأ أبيّ: ﴿وإثمهما أقرب من نفعهما﴾ (٥).\nقال الدكتور عبدالكريم الخطيب: \" ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع، والنفع لا يقابل الإثم، وإنما يقابل الضرّ .. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا .. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا .. فى جسده وماله، جدير به أن يخيفه ويزعجه، ويقيمه منهما على حذر وتخوف، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟ .\nهذا، وليس جمع «المنافع» بالذي يرجّح كفة الشر على الخير، فى جانب الخمر والميسر، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما .. فمن صانع للخمر، إلى جالب لها، إلى بائع، إلى ساق، إلى مغنّ فى حانها .. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر، وفى طريقها .. وكذلك الميسر وأصناف الناس الذين يجتمعون عليه، ويعملون فى ميدانه! .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٢٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٩٦.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٢٢.","vol":"4","page":426},{"text":"أما الإثم فهو الإثم، وإن تعددت مصادره، واختلفت موارده، والوصف الذي يلحقه هو الذي يفرق بين إثم وإثم، فيقال إثم كبير، أو عظيم، أو غليظ، أو يسكت عنه فلا يوصف بوصف ما .. ويكفى فى وصفه فى هذه الآية أن يقال: (إثم كبير) فيكون وصفا جامعا لكل منكر\" (١).\nقال أهل العلم: \" نزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يُصرَّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث\" (٢).\nوقد قال عددٌ من أهل التفسيبر: معنى ذلك: \"وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما\" (٣).\nقال القرطبي: \" أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم الكبير بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم\" (٤).\nبهذا فإن في قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، تأويلان:\nأحدهما: أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم، وهو قول ابن عباس (٥)، والربيع (٦)، والضحاك (٧)، ومقاتل بن حيان (٨).\nوالثاني: أن كلاهما قبل التحريم يعني الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما، وهو قول سعيد بن جبير (٩).\nوالصواب أن هذه الآية \"نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما، إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما - على ما وصفنا - لا الإثم بعد التحريم\" (١٠). والله أعلم.\nوقد تواترت الأخبار على صحة ما قلناه، وبه قال أهل التفسير:\nأخرج الطبري بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: \" ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثمٌ كبير ومنافع للناس﴾، فكرهها قوم لقوله: ﴿فيها إثم كبير﴾، وشربها قوم لقوله: \" ومنافع للناس \"، حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سورة النساء: ٤٣]، قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [سورة المائدة: ٩٠] فقال عمر: ضَيْعَةً لك! اليوم قُرِنْتِ بالميسر! \" (١١).\nوعن أبي توبة المصري، قال، سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله ﷿ في الخمر ثلاثًا، فكان أول ما أنزل: \" يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير \" الآية، فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه! ثم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية، قالوا: يا رسول الله، لا نشربها عند قرب الصلاة. قال: ثم نزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ\n_________\n(١) التفسير القرآني للقرآن: ١/ ٢٣٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.\n(٥) تفسير الطبري (٤١٤١): ص ٤/ ٣٣٠.\n(٦) تفسير الطبري (٤١٣٩): ص ٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٧) تفسير الطبري (٤١٤٠): ص ٤/ ٣٣٠.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٦٧): ص ٢/ ٣٩٣.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٦٤): ص ٢/ ٣٩٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٣٣٠.\n(١١) تفسير الطبري (٤١٤٢): ص ٤/ ٣٣٠.","vol":"4","page":427},{"text":"وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية، قال: فقال رسول الله ﷺ: حُرِّمت الخمر \" (١).\nوعن عكرمة والحسن قالا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ و\" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما \"، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، الآية\" (٢).\nوعن أبي القَمُوص زيد بن علي قال: أنزل الله ﷿ في الخمر ثلاثَ مرات. فأول ما أنزل قال الله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبرُ من نفعهما﴾، قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان فدخلا في الصلاة فجعلا يَهْجُران كلامًا لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله ﷿ فيهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها - فيما زعم أبو القموص - رجلٌ، فجعل ينوح على قتلى بدر (٣):\nتُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْروٍ ... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ رَهْطِكِ مِنْ سَلامِ\nذَرِيني أَصْطَبِحْ بَكْرًا، فَإنِّي ... رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ\nوَوَدَّ بَنُو المُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ ... بِأَلْفٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ سَوَامِ\nكَأَيٍّ بالطَّو ... مِنْ الشِّيزَى يُكَلَّلُ بالسَّنَامِ\nكَأَيٍّ بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ... مِنَ الفِتْيَانِ والحُلَلِ الكِرَامِ\nقال: فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فجاء فزِعًا يجرُّ رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، فرفع رسول الله ﷺ شيئًا كان بيده ليضربه، قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله! والله لا أطعمُها أبدًا! فأنزل الله تحريمها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فقال عمر بن الخطاب ﵁: انتهينا، انتهينا! ! \" (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤١٤٣): ص ٤/ ٣٣١.\n(٢) تفسير الطبري (٤١٤٤): ص ٤/ ٣٣٣.\n(٣) تنسب هذا الشعر لأبي بكر الصديق، ونفي عائشة لذلك. وهذه الأبيات بعض أبيات من شعر لأبي بكر بن شعوب، اختلطت بشعر بحير بن عبد الله بن عامر القشيري. ومراجع الأبيات جميعًا هي: سيرة ابن هشام ٣: ٣٠ وتاريخ ابن كثير ٣: ٣٤١، والوحشيات لأبي تمام: ٤٢٥، والاشتقاق: ٦٣، ونسب قريش: ٣٠١، ومن نسب لأمه (نوادر): ٨٢، وكنى الشعراء (نوادر): ٢٨٢، والبخاري ٥: ٦٥، وفتح الباري ٧: ٢٠١، والإصابة (ترجمة أبي بكر بن شعوب)، وغيرها.\nوالبيت الأول والرابع والخامس، من أبيات رواها ابن هشام، والبخاري لأبي بكر بن شعوب، من الشعر الذي ذكر فيه قتلى بدر، والذي يقول في آخره: يُحَدِّثُنَا الرّسُولُ بأَنْ سَنَحْيَا ... وَكَيفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ!\nوكان أبو بكر قد أسلم فيما يقال. أما البيتان الثاني والثالث فهما من أبيات قالها بحير بن عبد الله القشيري، يرثي هشام بن المغيرة، وكان شريفًا مذكورًا، وكانت قريش تؤرخ بموته، ولما مات نادى مناد بمكة: \" اشهدوا جنازة ربكم \"! فقال بحير يرثيه أبياتًا أولها: ذَرِيني أَصْطَبحْ يَا بَكْرُ، إِنِّي ... رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ\nوقد رواها لبحير بن عبد الله، الآمدي في المؤتلف والمختلف، وأبو تمام في الوحشيات، وابن دريد في الاشتقاق، ولكن المصعب في نسب قريش روى هذا البيت والذي يليه لأبي بكر بن شعوب في رثاء هشام. والصواب فيما أرجح مع من خالف المصعب. فإن البيتين الثاني والثالث، ظاهر أنهما مقحمان هنا، وهما ليسا في رواية الثقات، وفيهما ذكر هشام ورثاؤه، وهشام مات قبل الإسلام وقبل يوم بدر بدهر طويل. وشهد بدرًا ولداه الحارث بن هشام، وأبو جهل بن هشام فلا معنى لذكره في رثاء قتلى بدر. هذا خلط في الرواية، حتى لو صح أن البيتين لأبي بكر بن شعوب.\n(٤) تفسير الطبري (٤١٤٥): ص ٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤.","vol":"4","page":428},{"text":"وعن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربعُ آيات: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، فتركوها، ثم نزلت: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [سورة النحل: ٦٧]، فشربوها ثم نزلت الآيتان في \" المائدة \": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ \" (١).\nوعن السدي قال: \" نزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ولم يفهمها. فأنزل الله ﷿ يشدد في الخمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار، أو ينتصف، فيقومون إلى صَلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلوا العَتَمة - وهي العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر، سكروا وأخذوا في الحديث. فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري، فرفع لَحْي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نَسْخ الخمر وتحريمها وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ \" (٢).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾،: لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعضٌ، حتى نزل تحريمها في \" سورة المائدة\" (٣).\nوعن قتادة: قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، فذمَّهما الله ولم يحرِّمهما، لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل. ثم أنزل الله في \" سورة النساء \" أشد منها: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم حرامًا. ثم أنزل الله جل وعز في \" سورة المائدة \" بعد غزوة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها\" (٤).\nوعن الربيع قوله: \"ر يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، قال النبي ﷺ: إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر. قال: ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فحرّمت الخمر عند ذلك\" (٥).\nوقال ابن زيد في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية كلها، قال: نسخت ثلاثةً، في \" سورة المائدة \"، وبالحدّ الذي حدَّ النبي ﷺ، وضَرْب النبيِّ ﷺ. قال: كان النبي ﷺ يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤١٤٦): ص ٤/ ٣٣٤.\n(٢) تفسير الطبري (٤١٤٧): ص ٤/ ٣٣٤.\n(٣) تفسير الطبري (٤١٤٨): ص ٤/ ٣٣٥.\nوفي رواية (٤١٤٩): ص ٤/ ٣٣٥: \" هذا أول ما عِيبت به الخمر\".\n(٤) تفسير الطبري (٤١٥٠): ص ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٥) تفسير الطبري (٤١٥١): ص ٤/ ٣٣٦.\n(٦) تفسير الطبري (٤١٥٢): ص ٤/ ٣٣٦.","vol":"4","page":429},{"text":"وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على تحريم الخمر، وذلك من وجهين:\nأحدهما: لأن الله تعالى قد قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام.\nقال ابن عطية: \"ليس هذا النظر بجيد، لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر \" (١).\nوالثاني: لأنه سماه إثما، وقد حرم الإثم في آية أخرى، وهو قوله ﷿: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ فقالوا: الإثم أراد به الخمر، بدليل قول قال الشاعر (٢):\nشَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ\nفعبر عن الخمر بالإثم لما كان مسببا عنها (٣).\nقال القرطبي: \"وهذا أيضا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية، وإنما قال: ﴿قل فيهما إثم كبير﴾ ولم يقل: قل هما إثم كبير ... وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية \"المائدة\" وعلى هذا أكثر المفسرين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: ويسألونك ماذا \"يتصدقون به من أموالهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: \"أنفقوا العفو\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم (٧) بسنده عن \"يحيى، انه بلغه ان معاذ بن جبل (٨)، وثعلبة (٩) اتيا رسول الله -ﷺ- فقالا: يا رسول الله ان لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من اموالنا؟ فأنزل الله ﷿ ويسئلونك ماذا ينفقون\" (١٠).\nقال الراغب: \" إن قيل؟ كيف أعيد السؤال عما ينفقون وجواب بين الجوابين؟\nقيل: أما الأول: فسؤال عن الجنس الذي ينفق، وعمن ينفق عليه، فبين لهم الأمران، وأما السؤال هاهنا فعن القدر المنفق، فأجيبوا بحسبه، فبين أن الذي ينفق هو العفو\" (١١).\nواختلف أهل التأويل في معنى: ﴿الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، في هذا الموضع على وجوه (١٢):\nأحدها: أن معناه: الفضل. وهذا قول ابن عباس (١٣).وروي عن عبد الله بن عمر ومجاهد وعطاء والحسن وعكرمة، وابن زيد (١٤)، ومحمد بن كعب وقتادة والقاسم وسالم وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو ذلك (١٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.\n(٢) البيت من الوافر وهو بلا نسبة في لسان العرب (٦/ ١٢) \"إثم\"، وتهذيب اللغة (١٥/ ١٦١)، وتاج العروس \"إثم\"، وفي البحر (٢/ ١٥٧)، والدر المصون (١/ ٤٧٩) وغيرهم.\n(٣) انظر: الدر المصون: ١/ ٤٧٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠ - ٦١.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٩٧.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٣.\n(٧) وعزاه له أيضًا ابن حجر في العجاب-تحقيق: الأنيس-: ١/ ٥٤٦، والسيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٣.\n(٨) هو: أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، من أعيان الصحابة، شهد العقبة الثانية وبدرًا وما بعدها، إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن. توفي عام: ١٨ هـ. انظر: طبقات ابن سعد: ٣/ ٥٨٣، أسد الغابة لابن الأثير: ٥/ ١٨٧، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١/ ٤٤٣، تقريب التهذيب لابن حجر: ٩٥٠.\n(٩) ثعلبة لم أهتد إلى تعيينه إذ في الصحابة﵃أكثر من رجل بهذا الاسم، انظر: الإصابة لابن حجر: ١٩٩/ ١ - ٢٠٣.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم: (٢٠٦٨) ص ٢/ ٣٩٣.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٣٧ وما بعدها.\n(١٣) تفسير الطبري (٤١٥٣): ص ٤/ ٣٣٧، وتفسير ابن ابي حاتم (٢٠٦٩): ص ٢/ ٣٩٣.\nونسبه له أيضا: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٦٣٣، والطبراني في معجمه الكبير: ١١/ ٣٨٦ رقم: ١٢٠٧٥، والبيهقي في شعب الإيمان: ٧/ ٢٣ و٢٤ رقم: ٣١٤٢، وسعيد بن منصور في سننه-تحقيق الحميد-: ٣/ ٨٣٨ رقم: ٣٦٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٣ وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد وابن المنذر. كما عزاه له ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٤٢، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٧٨، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٥٨، وغيرهم.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٠٦٩): ص ٢/ ٣٩٣.","vol":"4","page":430},{"text":"والثاني: أن معنى ذلك: الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا. وهذا قول الحسن (١)، وعطاء (٢)، ومجاهد (٣).\nقال ابن حجر: \" وأخرج عبد بن حميد (٤) أيضًا من وجه آخر عن الحسن قال: أن لا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس، فعرف بهذا المراد بقوله: الفضل، أي: مالا يؤثر في المال فيمحقه\" (٥).\nوالثالث: أن معنى ذلك: خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرًا. قاله ابن عباس -في أحد قوليه- (٦).\nوالرابع: أن معنى ذلك: ما طابَ من أموالكم. قاله الربيع (٧)، وقتادة (٨).\nوالخامس: أن معنى ذلك: الصدقة المفروضة. قاله مجاهد\" (٩).\nوالسادس: أنه اليسر من كل شيء، قاله طاووس (١٠).\nوالسابع: أن المراد: مالا يتبين في اموالكم وكان هذا قبل ان تقرض الصدقة. قاله ابن عباس (١١).\nوالراجح أن ﴿العفو﴾: هو \"الفضلُ من مالِ الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ بالإذن في الصدقة، وصَدقته في وجوه البر\" (١٢).\nوقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: \"أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله ما أصبحت أملك غيرها! فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤١٦٢): ص ٤/ ٣٣٨.\n(٢) تفسير الطبري (٤١٦٣): ص ٤/ ٣٣٨.\n(٣) تفسير الطبري (٤١٦٤): ص ٤/ ٣٣٨.\n(٤) عزاه له ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣١٧، والسيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٣، وذكره عن الحسن ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ٣٣٨ و٣٣٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٥٨، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٦٣٤، والعيني في عمدة القاري: ٢١/ ١٢.\n(٥) الفتح: ٩/ ٤٠٨.\n(٦) تفسير الطبري (٤١٦٦): ص ٤/ ٣٣٩.\n(٧) تفسير الطبري (٤١٦٧): ص ٤/ ٣٣٩، وتفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٣٩٣.\n(٨) تفسير الطبري (٤١٦٨): ص ٤/ ٣٣٩، وتفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٣٩٣.\n(٩) تفسير الطبري (٤١٦٩): ص ٤/ ٣٤٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٣. وانظر الخبر في: النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٦٣٢، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٣ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد، وعزاه لمجاهد أيضًا: ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٤٢، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٧٨، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ١٥٨. وعزاه ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٦٢ لقيس بن سعد.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٧٠): ص ٢/ ٣٩٣.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٧٣): ص ٢/ ٣٩٤، وتفسير الطبري (٤١٦٠): ص ٤/ ٣٣٨، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٦٣١، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٣ وزاد نسبته لابن المنذر، وكذا عزاه لابن عباس مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٦٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٤٠.","vol":"4","page":431},{"text":"قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: \" يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس! ! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى\" (١).\nقال الطبري: \" فإذا كان الذي أذن ﷺ لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو \" العفو \" من مال الرجل، إذْ كان \" العفو \"، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه: \" حتى عَفَوْا \" بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر (٢):\nوَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ\nيعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: \" خذ ما عفا لك من فلان \"، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله: \" قل العفو \" لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله ﷺ بقوله: \" خير الصدقة ما أنفقت عن غنى \"، وأذِنهم به\" (٣).\nثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد، وفي ذلك ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، والصحابة كانوا يكتسبون المال ويمسكون قدر الحاجة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وهي قوله﷿-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. قاله ابن عباس (٤)، وعطاء الخراساني (٥)، والسدي (٦).\nوالثاني: أنها مُثْبَتة الحكم غير منسوخة، وأن المراد بالعفو الصدقة الواجبة. قاله مجاهد (٧).\nوالثالث: أنها محكمة مخصوصة بالتطوع. نسبه النحاس إلى أكثر المفسرين (٨).\n_________\n(١) رواه أبو داود: ١٦٧٣، عن موسى بن إسمعيل، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٤١٣، من طريق موسى بن إسمعيل، به وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه \". ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي ١: ٢٥٣ - ٢٥٤، وزاد نسبته لابن سعد، وهو في طبقات ابن سعد ٤/ ٢/١٩، من وجه آخر، من رواية \" عمر بن الحكم بن ثوبان \"، عن جابر. حذفه بالشيء رماه به. تكفف الناس: تعرض لمعروفهم باسطا يده، ليتلقى منهم ما يتصدقون به عليه. وقوله: \" عن ظهر غني \" أي عن غنى يستقيم به أمره ويقوى.\nوالحديث وأخرجه الطبري بسنده: عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هرون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله.\n(٢) البيت للبيد بن ربيعة. انظر: ديوانه قصيدة ٢: ١٩، وهذا البيت من أبيات يفخر فيها بإكرامهم الضيف، ولا سيما في الشتاء، يقول إذا جاء الشتاء ببرده وقحطه:\nفَلا نَتَجَاوَزُ العَطِلاتِ مِنْها ... إلى البَكْرِ المُقَارِبِ والكَزُوم\nولكنّا نُعِضّ السَّيْف. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوالضمير في \" منها \" للإبل. يقول: لا نتجاوز عند الذبح فندع النوق الطوال الأعناق السمينات، إلى بكر دنيء أو بكر هرم، ولكننا نعض السيف، أي نضرب بالسيف حتى يعض في اللحم - بعراقيب السمينات العظام الأسنمة، وهي الكوم، جمع كوماء.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(٤) تفسير الطبري (٤١٧٤)، و(٤١٧٥): ص ٤/ ٣٤٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٧٤): ص ٢/ ٣٩٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤١٧٦): ص ٤/ ٣٤٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٠.\n(٧) تفسير الطبري (٤١٧٧): ص ٤/ ٣٤٤.\n(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٦٣١ - ٦٣٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٦٨ - ١٦٩، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٨٣ - ٨٤، الناسخ والمنسوخ لهبة بن سلامة: ٥١ - ٥٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٦١ - ٦٢، النسخ في القرآن لمصطفى زيد: ٢/ ٦٦٥ - ٦٧٠ الفقرات رقم: ٩٣٥ - ٩٤٤، وغيرها.","vol":"4","page":432},{"text":"والأظهر هو القول الأخير؛ لأن الآية لا دليل فيها على الإيجاب، وكون فرض الزكاة نزل بعدها لا يلزم منه أن الأمر بإنفاق العفو منسوخ. وعليه فالزكاة واجبة وإنفاق العفو مشروع-مستحب-، وبالتالي لا نسخ في الآية، لأن الواجب لا ينسخ التطوع، والله أعلم.\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجهين (١):\nأحدهما: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾، نصبًا. وهي قراءة عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قرأة الكوفيين.\nوالنصب على تقدير ﴿ماذا﴾ مفعولًا مقدمًا؛ و﴿العفو﴾ منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: أنفقوا العفوَ، فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أيّ شيء ينفقون؟\nوالثاني: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ رفعًا، قرأ بها أبو عمرو (٢)، والحسن وقتادة (٣)، وروي عن بن عامرٍ نصب الواو أيضًا (٤).\nوذلك على تقدير ﴿ما﴾ اسمَ استفهام مبتدأ؛ و﴿ذا﴾ اسمَ موصول خبرًا؛ فيكون ﴿العفو﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو العفو، فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، العفو.\nقال الطبري: \" ولو نصب ﴿العفو﴾، ثم جعل ﴿ماذا﴾ حرفين، بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ينفقون العفو ورفع الذين جعلوا ﴿ماذا﴾ حرفًا واحدًا، بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، خبرًا، كان صوابًا صحيحًا في العربية\" (٥).\nوقال النحاس: \"إن جعلت (ذا) بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى: الذي ينفقون هو العفو، وإن جعلت (ما) و(ذا) شيئا واحدا، كان الاختيار النصب على معنى: قل ينفقون العفو\" (٦).\nوكلا القراءتين صحيح، كما قال ابن كثير: \" وكلاهما حسن متَّجَه قريب\" (٧)، لأن المعنيين متقاربين، ولكن القراءة بالنصب أشهر ومن قرأ به أكثر. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: \" كما فصَّل لكم هذه الأحكام وبينَها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده\" (٨).\nقال المفضل بن سلمة: \"أي في أمر النفقة\" (٩).\nقال الفخر الرازي: \" معناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي كما يبين لكم الأحكام يبين لكم المنافع والمضار، والحلال والحرام\" (١١).\nقال الدكتور عبدالكريم الخطيب: \" أي بمثل هذا البيان الواضح الشافي يبين الله لكم أحكامه فى آياته المحكمة، لتكونوا على رجاء من التعرف على مواقع الخير والشر، فتقبلوا على الخير وأهله،\n_________\n(١) انظر: السبعة: ١٨٢، والحجة: ٢/ ٣١٥، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧.\n(٢) انظر: السبعة: ١٨٢.\n(٣) حكاه الشوكاني عن ابن كثير، انظر: فتح القدير: ٢/ ٢٢٣.\n(٤) انظر: الحجة: ٢/ ٣١٥.\n(٥) معاني القرآن للنحاس: ١/ ١١١، وانظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٨٥، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٤٧.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٠.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٢.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٠٣.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.","vol":"4","page":433},{"text":"وتجتنبوا الشر ودواعيه، ولتفرقوا بين ما هو للدنيا وما هو للآخرة، فذلك هو الذي يقيمكم على الصراط المستقيم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"أي مثل هذا البيان (٢)، و(البيان) بمعنى الإظهار؛ يقال: بينته، فتبين - أي ظهر -؛ و﴿الآيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمعلومها؛ والمعنى: أن الله يبين لعباده الأحكام الشرعية بيانًا واضحًا\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: مثل هذا البيان في الخمر والميسر ﴿يبين الله لكم الآيات﴾: لأن خطاب النبي - ﷺ - مشتمل على خطاب أمته، كما قال ﷿: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١] \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، \" أي: لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر\" (٥).\nقال الآلوسي: أي: لتتفكروا \" في الآيات فتسنتنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها\" (٦).\nوقيل في الكلام تقديم وتأخير (٧): \"أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة، فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية، فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى\" (٨).\nقال القرطبي: \"أي: لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى\" (٩).\nقال البغوي: أي: \" هكذا: يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة\" (١٠).\nقال ابن عاشور: \" أي: ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة\" (١١).\nو(التفكر) إعمال الفكر للوصول إلى الغاية؛ و(لعل) للتعليل؛ واسمها: الكاف؛ وخبرها: جملة: ﴿تتفكرون﴾.\nقال الراغب: \" وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، فيه حث على تجنب الخمر والميسر، وتنبيه على تحريمهما، فإن في التفكر في الدنيا والآخرة معرفتهما ومعرفة منافعهما، وأن النفع القليل في الدنيا لا يجب أن يشترى بكثير الإثم في الآخرة\" (١٢).\nأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير القرآني للقرآن: ١/ ٢٣٩.\n(٢) انظر: نظم الدرر: ١/ ٥٢١.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٠.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٩٣، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٢٥٣.\n(٥) نظم الدرر: ١/ ٤١٨،\n(٦) روح المعاني: ٢/ ١١٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٠. قال ابن عثيمين: \" قوله تعالى: ﴿في الدنيا والآخرة﴾ [البقرة: ٢٢٠]، متعلق بـ ﴿تتفكرون﴾ أي في شؤونهما، وأحوالهما\".\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٣.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٢.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٣.\n(١١) التحرير والتنوير: ٢/ ٣٥٣.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٢.\n(١٣) تفسير الطبري (٤١٧٨): ص ٤/ ٣٤٨، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٤.","vol":"4","page":434},{"text":"وعن الصغق التميمي، قال: \"شهدت الحسن، وقرا هذه الآية في البقرة: لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم ان الدنيا دار بلاء ثم دار فناء وليعلم ان دار الاخرة، دار جزاء، ثم دار بقاء \" (١).\nوعن قتادة في قوله: ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا\" (٢).\nوعن ابن جريج قال: قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضًا\" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على معرفة أحكام الله ﷾ فيما يفعلونه، ويأتونه من مآكل، ومشارب، وغيرها.\n٢ - ومنها: أن الدين الإسلامي جاء بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد.\n٣ - ومنها: المقارنة في الأمور بين مصالحها، ومفاسدها.\n٤ - ومنها: ترجيح المصالح على المفاسد، أو المفاسد على المصالح حسب ما يترتب عليها.\n٥ - ومنها: أنه مهما كثرت المنافع في الخمر والميسر، فإن الإثم أكبر من منافعهما.\n٦ - ومنها: حرص الصحابة ﵃ على معرفة ما يُبذل، ويُنفَق؛ لقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾.\n٧ - ومنها: أن الأفضل في الإنفاق أن ينفق الإنسان ما يزيد على حاجته.\n٨ - ومنها: أن دفع الحاجة أفضل من الإنفاق؛ لقوله تعالى: ﴿قل العفو﴾ أي ما زاد على حاجتكم، كما سبق بيانه.\n٩ - ومنها: أن الله - ﵎ - قد بين لعباده البيان التام في آياته الكونية، والشرعية.\n١٠ - ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾.\n١١ - ومنها: الحث على التفكر في آيات الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾.\n١٢ - ومنها: أن التفكر لا يقتصر على أمور الدنيا؛ بل هو في أمور الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة﴾.\n١٣ - ومنها: التدرج في تربية هذه الأمة علمًا وعملًا: التدرج في انتزاع العادات الضارة، وذلك بالتخلي عنها شيئًا فشيئًا والتدرج في نقل الناس من حياة الفوضى والتفلت إلى حياة النظام والتقييد بالمعايير الإسلامية الصحيحة، فقد بُعث النبي - ﷺ - إليهم وهم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله ومع الله، ويسفكون الدماء ويشربون الخمر ويزنون، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويتعاملون بالربا الفاحش، ويلعبون الميسر، ويستقسمون بالأزلام، وينكحون نساء الآباء ويجمعون بين الأختين ويكرهون الفتيات على البغاء، وذكر العلماء في كتب التاريخ أن الحروب كانت تقع بين القبائل العربية لأوهى الأسباب ومجرد حب الانتقام، حتى أدى هذا إلى قطع حبال المودة بينهم وجعلهم شيعًا متباغضة يتربص كل فريق منهم بغيره الدوائر، واعتادوا على كثير من\n_________\n(١) تفسير ابن ابي حاتم (٢٠٧٦): ص ٢/ ٣٩٤.\n(٢) تفسير الطبري (٤١٧٩): ص ٤/ ٣٤٨.، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٤.\nوفي خبر آخر عنه، أخرجه الطبري (٤١٨١) قص ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩: \" قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، وأنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة\".\n(٣) تفسير الطبري (٤١٨٠): ص ٤/ ٣٤٨.","vol":"4","page":435},{"text":"هذه الأخلاق المنحطة وتغلغلت فيهم حتى صارت جزءًا لا يتجزأ منهم ومن المعلوم أنه يصعب على المرء والمجتمع ترك هذه الأمور مرة واحدة لأن للعقائد حتى ولو كانت باطلة وللعادات ولو كانت مستهجنة سلطانًا على النفوس، والناس أَسْرى ما أَلفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة وطالبهم بالتخلي عما هم منغمسون فيه من كفر وجهل وشرك مرة واحدة لما استجاب إليه أحد ولكن القرآن نجح معهم في هدم العادات الباطلة وانتزاعها بالتدريج بسبب نزول القرآن عليهم شيئًا فشيئًا (١).\nوأبلغ دليل على ذلك هو انتزاع الخمر من ذلك المجتمع الذي كان يشربه كالماء، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: ﴿حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر، فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله - ﷿ - على نبيه - ﷺ - ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خَلَط في قراءته فأنزل الله فيها آية أغلظ منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقالوا: انتهينا يا رب، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، فقال النبي - ﷺ - لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم﴾ (٢).\nومن هذا الحديث نستنبط أن الخمر حرمت على مراحل فتاب الناس والصحابة منها حتى جرت في سكك المدينة، ولو حرمت دفعة واحدة لاستمروا عليها، ولذلك تقول عائشة ﵂ ﴿إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل (٣) فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا أبدًا﴾ (٤).\nوالتدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، فبدأت الآيات تنزل على النبي - ﷺ - سالكة التدرج في تربية الأمة، فأول ما نزلت الآيات المتعلقة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره والتوحيد وما يتعلق بذلك من أمور العقيدة، بدأت الآيات أولًا بفطامهم عن الشرك والإباحية وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، فإذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه انتقل بهم بعد ذلك إلى العبادات فبدأهم بالصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الأمور الأخرى، ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع، بخلاف القسم المدني فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية وتفصيل ما أجمل قبل ذلك (٥).\n_________\n(١) انظر مناهل العرفان ١ ٥٦، المدخل لدراسة القرآن الكريم ٧٢.\n(٢) أخرجه الإمام احمد في المسند، انظر الفتح الرباني، كتاب التفسير، باب قول الله (يسألونك عن الخمر والميسر) ١٨ ٨٥، ٨٦ وإسناده ضعيف، وله شواهد تقويه منها حديث عمر بن الخطاب (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًّا) فنزلت الآيات الثلاثة بالتدريج، حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٨ ٨٦، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب في تحريم الخمر ٣ ٣٢٥، وأخرجه الترمذي في سننه كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة ٥ ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥ وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ٢ ٢٧٨.\n(٣) سور القرآن على أربع أقسام وأنواع فمنها السبع الطوال أولها البقرة، ومنها المئون، والمثاني، والمفصل: ما وَلِيَ المثاني من قصار السور، وسمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة، انظر الإتقان ١ ١٧٩، ١٨٠.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ص ١٠٨٧ (٤٩٩٣).\n(٥) المدخل لدراسة القرآن ٧٤.","vol":"4","page":436},{"text":"لذا أنزل القرآن مفرقًا فحصلت النتيجة المطلوبة وهي التغير في العادات من حسن إلى أحسن ومن شر إلى خير ومن تفرق في الكلمة إلى اتحاد واعتصام بحبل الله المتين فكانت خير الأمم.\nالقرآن\n﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠]\nالتفسير:\nيسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.\n\nفي قوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ثلاثة أوجه من التفسير (١):\nأحدهما: أنه يتعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، فيكون المعنى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، وتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع.\nوالثاني: أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا، حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم.\nوالثالث: أن يتعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ على معنى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون.\nقال القرطبي: \" والآية متصلة بما قبل، لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى\" (٢).\nوفى الانتهاء بفاصلة الآية السابقة عند قوله تعالى: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ثم بدء الآية بعدها بقوله سبحانه: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فى هذا الأسلوب القرآني تحريض على استحضار العقل دائما، ودعوته إلى النظر المطلق فى رحاب هذا الكون، وفى كل ما يدور فى فلك الحياة .. ثم يجىء بعد هذا، النظر إلى أمور الدنيا فى مواجهة الآخرة، وما يدّخر منها لهذا اليوم العظيم، وعندئذ يجىء النظر صائبا، ويقع متمكنا، بعد أن يكون العقل قد دار دورته الشاملة فى هذا الكون الرحيب! ! (٣).\nوقد اختلف أهل التأويل في سبب نزول الآية على أقوال (٤):\n_________\n(١) انظر: الكشاف: ١/ ٢٦٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٢.\n(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن: ١/ ٢٣٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٤٩ وما بعدها، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٢.","vol":"4","page":437},{"text":"أحدها: أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: \"لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم\" (١). وروي عن سعيد بن جبير (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، مثل ذلك.\nوالثاني: قال ابن عباس: \" كان يكون في حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾، فأحل خُلطتهم\" (٦). وروي عن الشعبي (٧)، وعطاء بن أبي رباح (٨).\nوالثالث: وقال ابن عباس: \" إن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوِزر، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى، فقال الله: ﴿قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم﴾ إلى آخر الآية\" (٩). وروي عن السدي (١٠)، والضحاك (١١)، نحو ذلك.\nوالرابع: وقيل: إن السائل عبدالله بن رواحة (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: ويسألونك \"عن مخالطةِ اليتامى\" (١٣).\nقال البقاعي: \" أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها، ونحو ذلك مما يعسر حصره\" (١٤).\nقال الصابوني: \"ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم؟ أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ \" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤١٨٣): ص ٤/ ٣٥٠. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٧٢، نقله ابن كثير في تفسيره: ١/ ٥٨١. وإسناده ضعيف؛ لأن عطاء بن السائب قد اختلط في آخر عمره، وجرير إنما سمع منه بعد الاختلاط (تهذيب التهذيب: ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٧) حاشية جامع الأصول (٢/ ٣٨) لكنه يتحسن بشواهده ومنها:\nوهذا الأثر رواه بمعناه: أبو داد في الزكاة، باب صلة الرحم: ٢/ ٢٦٠، وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان. والنسائي في الزكاة، باب اليد العليا: ٥/ ٦٢. والإمام أحمد في المسند: ٢/ ٢٥١، ٤٧١ عن أبي هريرة وصححه الحاكم على شرط مسلم: ١/ ٤١٥. وابن حبان في موارد الظمآن برقم (٨٢٨)، والشافعي ٢/ ٤١٨، ٤١٩. والبغوي في شرح السنة: ٦/ ١٩٣، وانظر تعليق المحقق. ومحمد بن عجلان، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة (التقريب ٢/ ١٩٠ وميزان الاعتدال ٣/ ٦٤٤).\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤١٨٤): ص ٤/ ٣٥٠، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٧١ - ٧٢. وإسناده ضعيف بسبب موسى بن مسعود.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤١٨٥): ص ٤/ ٣٥٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤١٨٦): ص ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤١٨٨): ص ٤/ ٣٥١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤١٩٠): ص ٤/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤١٩٠): ص ٤/ ٣٥٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤١٩٦): ص ٤/ ٣٥٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤١٩٦): ص ٤/ ٣٥٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤١٩٥): ص ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤١٩٧): ص ٤/ ٣٥٤.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٦، وزاد المسير: ١/ ٢٤٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٢.\n(١٣) تفسير الطربراني: ١/ ١٥٩.\n(١٤) تفسير البقاعي: ١/ ٤١٨.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.","vol":"4","page":438},{"text":"و﴿الْيَتَامَى﴾: \"جمع يتيم؛ وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ؛ مشتق من اليتم - وهو الانفراد؛ واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية، ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الوصاية به كثيرًا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: \"فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير من اعتزالهم\" (٢).\nقال القاسمي: \"أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خيرٌ من مجانبتهم\" (٣).\nوقرأ طاووسُ: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ إليهم﴾ بمعنى الإصلاحِ لأموالهم من غير أجرةٍ ولا أخذِ عِوَضٍ منهم خيرٌ وأعظم أجرًا (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: وإذا \"تعاشروهم ولم تجانبوهم، فهم إخوانكم في الدين\" (٥).\nقال ابن كثير: \"وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين\" (٦).\nقال الصابوني: \" إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم، فهم إخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوة النسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح والنفع\" (٧).\nقال القاسمي: \"ومن حقوق الأخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع \" (٨).\nقال البغوي: \" وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا\" (٩).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"؛ وكلمة: ﴿إصلاح﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحًا لهم فهو خير؛ وحذف المفضل عليه للعموم، كقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]؛ هذه الجملة في شمولها، وعمومها، ووضوحها كالجملة الأولى\" (١٠).\nوقرأ أبو مُخَلَّدٍ: \" ﴿فَإِخْوَانَكُمْ﴾ بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانَكم (١١).\nقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: \" والله يعلم المفسد في أمورهم بالمخالطة من المصلح لها بها فيجازي كلا حسب فعله أو نيته\" (١٢).\nقال ابن زيد: \"الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟ \" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٩٨.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٢٦٣، وتفسير الطبراني: ١/ ١٥٩.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٩٨.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٩٨.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٤.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨.\n(١١) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٩.\n(١٢) روح المعاني: ٢/ ١١٧.\n(١٣) تفسيبر الطبري (٤٢٠١): ص ٤/ ٣٥٨.","vol":"4","page":439},{"text":"قال الشعبي: \" فمن خالط يتيمًا فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعلْ\" (١).\nقال الراغب: \"أن الله تعالى لا تخفى عليه مقاصد الإنسان فيما يفعله معهم\" (٢).\nقال ابن كثير: \"يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح\" (٣).\nقال الطبراني: \" أي يعلمُ من كان غرضهُ بالمخالطة إصلاحَ أمر اليتامى، ومن يكون غرضهُ إفسادَ أمرهم\" (٤).\nقال الصابوني: \"أي والله تعالى أعلم وأدرى، بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلا بعمله\" (٥).\nو(العلم) هنا: علم معرفة؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولًا واحدًا؛ وكأنه ضمن (العلم) معنى التميز؛ يعني يعلمه، فيميز بين هذا، وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضًا في الثواب، والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي؛ والإصلاح الديني، والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، يعني: \" لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم\" (٧).\nقال مجاهد: \"لحرم عليكم المرعى والأدْم\" (٨).\nقال ابن عباس: \" يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] \" (٩).\nقال قتادة: \" لجهدكم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة\" (١٠).\nقال السدي: \" ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾، لشدد عليكم\" (١١).\nوقال ابن زيد: \" لشقّ عليكم في الأمر. ذلك العنتُ (١٢).\nوقال ابن عباس: \" ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقًا (١٣).\nقال ابن حجر: \" أي: أحرجكم\" (١٤).\n_________\n(١) تفسيبر الطبري (٤٢٠٢): ص ٤/ ٣٥٨.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٢.\n(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٢.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٤.\n(٨) تفسير الطبري (٤٢٠٣): ص ٤/ ٣٥٨. قال الطبري: \": يعني بذلك مجاهد: رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكلَ من إدامه. لأنه كان يتأول في قوله: \" وإن تخالطوهم فإخوانكم \"، أنه خُلْطة الوليّ اليتيم بالرِّعْي والأدْم\". (تفسير الطبري: ٤/ ٣٥٩).\n(٩) تفسير الطبري (٤٢٠٤): ص ٤/ ٣٥٩.\n(١٠) تفسير الطبري (٤٢٠٥): ص ٤/ ٣٥٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٧): ص ٤/ ٣٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٨): ص ٤/ ٣٥٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٩): ص ٤/ ٣٥٩.\n(١٤) الهدي: ١٦٨. وهو تفسير ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، أورده ابن أبي حاتم في تفسيره-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٦٦ - ٦٦٧ رقم: ١٧٦٧، وابن جرير في جامع البيان: ٤/ ٣٥٩ رقم: ٤٢٠٤، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٥٧، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٣١، وزاد نسبته لابن المنذر، وكذا نسبه له ابن حجر في الفتح: ٥/ ٤٦٢، وانظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٦٦ - ٦٦٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٢ - ١٦٣، البسيط للواحدي-مخطوط-: ١/ ١٣٤ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٥٦ وغيرها. وهذه الأقوال متقاربة المعنى، كما سيأتي، وكذا نص على تقاربها أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٦٣.","vol":"4","page":440},{"text":"قال أبو عبيدة واليزيدي: \"مَعْنَاهُ: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَهْلَكَكُمْ\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي: لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديرًا بالغًا، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها\" (٢).\nقال القاسمي: أي: \"لحملكم على العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء\" (٣).\nقال الصابوني: \"لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدد عليكم، ولكنه يسر عليكم الدين وسهله رحمة بكم\" (٤).\nقال الطبراني: \" أي لأثَّمكم في مخالطتهم وضيَّق عليكم. والعَنَتُ: الإثمُ؛ ويسمى الفُجُور عَنَتًا؛ لِما فيه من الإثمِ. وأصلُ العَنَتِ: الشدَّةُ والمشقَّة؛ يقال: عَقَبَةٌ عَنُوتٌ؛ أي شاقَّة كَئُودٌ\" (٥).\nقال الطبري: \" ولو شاء الله لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالَهم، فجَهَدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخَّص لكم فيه وسهله عليكم، رحمةً بكم ورأفةً\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديرًا بالغًا، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها\" (٧).\nقال ابن كثير: \" ولو شاء لضيّق عليكم وأحرجَكم، ولكنه وَسَّع عليكم، وخفَّف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]،، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة\" (٨).\nقال الراغب: \" والإعنات من: عنت العظم عنتًا، أصابه وهي أوكسر، وقد أعنته، وكل ما يؤثم أو يشق عنت .. [و] أنه لم يقصد إعناتًا فيما أوصاهم به في هذه الآيات المختلفة\" (٩).\nوقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، على وجهين (١٠):\nأحدهما: لَشدّد عليكم، وهو قول السدي (١١)، ومجاهد (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن زيد (١٤)، وابن عباس (١٥) -في أحد قوليه-.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٦٧ رقم: ١٧٦٨، وجامع البيان للطبري: ٤/ ٣٦٠ - ٣٦١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٣، وغريب القرآن وتفسيره لليزيدي: ٩٢، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٩٤، وتفسير الطبراني: ١/ ١٥٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٢.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١١٤ - ١١٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٤.\n(٥) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣٥٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٢.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٥٨ وما بعدها.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٧): ص ٤/ ٣٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٣): ص ٤/ ٣٥٨. قال الطبري: \": يعني بذلك مجاهد: رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكلَ من إدامه. لأنه كان يتأول في قوله: \" وإن تخالطوهم فإخوانكم \"، أنه خُلْطة الوليّ اليتيم بالرِّعْي والأدْم\". (تفسير الطبري: ٤/ ٣٥٩).\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٥): ص ٤/ ٣٥٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٨): ص ٤/ ٣٥٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٥): ص ٤/ ٣٥٩.","vol":"4","page":441},{"text":"والثاني: لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا، وهو قول ابن عباس (١).\nوالقولان، وإن اختلفت ألفاظ قائليها، فإنهما متقاربان في المعاني، والآية تحتمل المعنيين، لأن (الإعنات): \"الحمل على مشقة لا تطاق ثقلًا\" (٢)، وإن \" من حُرِّم عليه شيء فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشيء، ومن ضُيق عليه في شيء فقد أحْرِج فيه، ومن أحرج في شيء أو ضيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكل ذلك عائد إلى معنى: الشدة والمشقة\" (٣).\nوإن كان والقول الأول الأقرب لسياق الآية، وهو قول جمهور أهل التفسير. والله تعالى أعلم.\nوقرئ: ﴿لعنتكم﴾، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: \"هو تعالى الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم فيما يشرع لعباده من الأحكام\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي: غالب على ما أراد حَكِيمٌ أي: فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" إن الله ﴿عزيز﴾ في سلطانه، ﴿حكيم﴾ في أحكامه وتدبيره\" (٧).\nقال البيضاوي: أي: \" غالب يقدر على الاعنات. حَكِيمٌ يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" هذه الجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، تعليل لما سبق من قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم كأنه قال: ولو شاء الله لأعنتكم؛ لأن له العزة، والحكم؛ و(العزيز)، و(الحكيم) اسمان من أسماء الله تقدم معناهما، وأنواعهما\" (٩).\nالفوائد:\n١ - سؤال الصحابة ﵃ عن اليتامى كيف يعاملونهم؛ وهذا السؤال ناتج عن شدة خوف الصحابة ﵃ فيما يتعلق بأمور اليتامى؛ لأن الله تعالى توعد من يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾.\n٢ - ومنها: مراعاة الإصلاح فيمن ولاه الله على أحد.\n٣ - ومنها: أن الإنسان إذا راعى ما يرى أنه أصلح، ثم لم يكن ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يدركه؛ لا بما لا يدركه.\n٤ - ومنها: فضيلة الإصلاح في الولايات، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾؛ فإن المقصود بهذه الجملة الحث على الإصلاح.\n٥ - ومنها: جواز مخالطة الأيتام في أموالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.\nقال القرطبي: \" لما أذن الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم، تصرف الوصي في البيع والقسمة وغير ذلك، على الإطلاق لهذه\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٠٩): ص ٤/ ٣٥٩.\n(٢) انظر: البسيط للواحدي-مخطوط-: ١/ ١٣٤ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٥٦، وضح البرهان في مشكلات القرآن لبيان الحق النيسابوري: ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وانظر النص على احتمالها للمعنيين في: تهذيب اللغة للأزهري: ٢/ ٢٧٤، لسان العرب لابن منظور: ٤/ ٣١٢١، تاج العروس للزبيدي: ٣/ ٩٣ - ٩٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٦٠.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٢٦٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٤.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١١٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣٦١ [بتصرف بسيط].\n(٨) تفسير ابيضاوي: ١/ ١٣٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٣.","vol":"4","page":442},{"text":"الآية. فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه، لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة. لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم\" (١).\n٦ - ومنها: أنه يجب في المخالطة أن يعاملهم معاملة الإخوان؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾؛ ففي هذه الجملة الحث، والإغراء على ما فيه الخير لهم، كما يسعى لذلك الأخ لأخيه.\n٧ - ومنها: إطلاق الأخ على من هو دونه؛ لأن اليتيم دون من كان وليًا عليه؛ وهذه الأخوة أخوة الدين.\n٨ - ومنها: التحذير من الإفساد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾.\n٩ - ومنها: عموم علم الله - ﵎ -، حيث يعلم كل دقيق، وجليل.\n١٠ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾؛ وهذه المشيئة لما يفعله الله تعالى، ولما يفعله العباد؛ لقوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣].\n١١ - ومنها: أن الدين يسر، ولا حرج فيه، ولا مشقة؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾.\nوقد احتج الجبائي بهذه الآية، فقال: إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن قوله: ﴿ولو شاء الله لاعنتكم﴾ يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف، ولو كان مكلفا بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق (٢).\n١٢ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله ﷿؛ وهما «العزيز»، و«الحكيم»؛ وإثبات ما دلا عليه من صفة.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١]\nالتفسير:\nولا تتزوجوا -أيها المسلمون- المشركات عابدات الأوثان، حتى يدخلن في الإسلام. واعلموا أن امرأة مملوكة لا مال لها ولا حسب، مؤمنةً بالله، خير من امرأة مشركة، وإن أعجبتكم المشركة الحرة. ولا تُزَوِّجوا نساءكم المؤمنات -إماء أو حرائر- للمشركين حتى يؤمنوا بالله ورسوله. واعلموا أن عبدًا مؤمنًا مع فقره، خير من مشرك، وإن أعجبكم المشرك. أولئك المتصفون بالشرك رجالا ونساءً يدعون كل مَن يعاشرهم إلى ما يؤدي به إلى النار، والله سبحانه يدعو عباده إلى دينه الحق المؤدي بهم إلى الجنة ومغفرة ذنوبهم بإذنه، ويبين آياته وأحكامه للناس؛ لكي يتذكروا، فيعتبروا.\nاختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية على قولين (٣):\nأحدها: قال السدي: \"نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداءُ، وأنه غضب عليها فلطمها. ثم فزع فأتى النبي ﷺ فأخبره بخبرها، فقال له النبي ﷺ: \" ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوءَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: هذه مؤمنة! فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتِقنَّها ولأتزوجنَّها! ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٣.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧.\n(٣) انظر: أسباب النزول: ٧٣، والعجاب: ١/ ٥٥١ - ٥٥٣، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٧.","vol":"4","page":443},{"text":"فقالوا: تزوج أمة! ! وكانوا يريدون أن يَنكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم: ﴿ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركة﴾ و﴿عبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك﴾ \" (١).\nوالثاني: قال مقاتل بن حيان: \"نزلت في أبي مرثد الغنوي، استأذن النبي - ﷺ - في عناق أن يتزوجها، وهي امرأة مسكينة من قريش، وكانت ذات حظ من جمال وهي مشركة وأبو مرثد مسلم، فقال: يا نبي الله إنها لتعجبني، فأنزل الله - ﷿ - ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ \" (٢).\nوالثالث: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: \"أن رسول الله - ﷺ - بعث رجلا من غني يقال له: مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة، ليخرج ناسا من المسلمين بها أسراء؛ فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، فأتته فقالت: ويحك يا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله - ﷺ - استأذنته في ذلك ثم تزوجتك، فقالت له: أبي تتبرم؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله - ﷺ - راجعا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي في سببها، فقال: يا رسول الله، أتحل أن أتزوجها؟ فأنزل الله ينهاه عن ذلك قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ \" (٣).\nوالرابع: قال مقاتل بن حيان: \" ﴿قوله: ولأمة مؤمنة﴾، بلغنا والله أعلم أنها كانت أمة لحذيفة سوداء فأعتقها وتزوجها حذيفة، يعني: ونسخ من هذه الآية نساء أهل الكتاب وأحلهن للمسلمين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، \" أي لا تتزوجوا بهن حتى يؤمنَّ\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركاتٍ، غير أهل الكتاب، حتى يؤمنَّ فيصدِّقن بالله ورسوله وما أنزل عليه\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي لا تتزوجوا أيها المسلمون بالمشركات من غير أهل الكتاب حتى يؤمن بالله واليوم الآخر\" (٧).\nقال ابن عثيمين: أي: حتى\" أي يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد\" (٨).\nقال ابن جريج: أي: \" المشركات - لشرفهن - حتى يؤمن\" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٢٢٥): ص ٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٧٣، عن ابن عباس، وإسناده ضعيف.\n(٢) أسباب النزول: ٧٣، وابن أبي حاتم (٢١٠٠): ص ٢/ ٣٩٨، وإسناده ضعيف معضل، وأخرجه ابن المنذر (فتح القدير: ١/ ٢٢٤)، وانظر: والعجاب: ١/ ٥٥٢.\n(٣) أسباب النزول: ٧٤، والعجاب: ١/ ٥٥٢، إسناده ضعيف جدا. قال الحافظ في كتابه \"الكافي الشاف\" \"١/ ٢٦٤ \": \"نزولها في هذه القصة ليس بصحيح فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان رجلًا شديدًا، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، الحديث بطوله وفيه: حتى نزلت ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: فدعاني رسول الله ﷺ فقرأها علي وقال: \"لا تنكحها\". وكذا أخرجه أحمد وإسحاق والبزار وقال: لا نعلم لمرثد بن أبي مرثد حديثًا أسنده إلا هذا انتهى\" ونقله المناوي في \"الفتح السماوي\" \"١/ ٢٦٢ - ٢٦٣\" ولم يصرح باسم مصدره.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢١٠٣): ص ٢/ ٣٩٩، وأورد القصة ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة: ٢/ ٧٧٢. وذكره القرطبي: ٤/ ٦٩، فقال: \" نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، فقال لها حذيفة: يا خنساء، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها\".\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣٦٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٦.\n(٩) تفسير الطبري (٤٢٢٦): ص ٤/ ٣٦٩.","vol":"4","page":444},{"text":"و(النكاح) في الأصل \"الضم، والجمع\" (١)؛ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (٢):\nأيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ\nيعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا، وسهيل - وهما نجمان معروفان -؛ الأول في الشمال؛ والثاني في الجنوب؛ فقوله: «كيف يجتمعان» يدل على أن النكاح في الأصل الجمع، والضم (٣).\nواختلف في أصل (النكاح) في اللغة، على أقوال:\nأحدها: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في عقد التزويج.\nقال الأزهري: \"أصل النِّكاح في كلام العرب الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لانَّه سبب الوطء المباح\" (٤).\nوالثاني: أنَّ النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء وعقد التزويج، أي مشترك لفظي، كالعين: للباصرة والجارية.\nقال الجوهري: \"النِّكاح الوطء. وقد يكون العقد، تقول العرب: نكحتُها \"بضم التاء\" ونكحت هي أي تزوجت، وهي ناكح في بني فلان أي هي ذات زوج منهم، وقال (٥):\nلصلصلة اللِّجام برأس طِرْفٍ ... أحبّ إليّ من أن تنكحيني واستنكحها\nبمعنى نكحها، وأنكحها أي زوَّجها، ورجل نُكَحةٌ، كثير النِّكاح.\nوالنُّكح والنِّكح \"أي: بضم النون وكسرها وإسكان الكاف فيهما\" لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال لأمِّ خارجة عند الخِطبة \"بكسر الخاء\" خُطْب \"أي: بكسر الخاء وضمها وإسكان الطاء\" فتقول: نُكْحُ \"أي: بضم النون\" حتى قالوا: أسرع من نكاح أمِّ خارجة\" (٦).\nقال الفيروزآبادي: \"النِّكاح الوطء والعقد له، نكح كمنع وضرب\" (٧).\nقال الزبيدي شارحًا تلك العبارة: \"النِّكاح بالكسر في كلام العرب الوطء في الأصل. وقيل هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنَّه سبب للوطء المباح\" (٨).\nقال ابن فارس: \"نكح\" النون والكاف والحاء أصل واحد وهو البِضاع (٩)، ونَكَح ينكِح \"أي بكسر الكاف\"، وامرأة ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. والنِّكاح يكون العقد دون الوطء يقال: نكحتُ: تزوَّجت. وأنكحتُ غيري \"بضم تاء المتكلم فيهما\" (١٠).\n_________\n(١) القاموس الفقهي، سعدي أبو حبيب: ٣٦٠.\n(٢) ديوانه: ص ٤٣٨، وورد في \"الشعر والشعراء\" ٣٧٤ وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، \"الأغاني\" ١/ ٢٣٢، \"الصحاح\" (عمر) ٢/ ٧٥٦، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٠٨، \"الروض الأنف\" ٣/ ١٣٥، \"شرح المفصل\" ٩/ ٩١ (عجز)، \"اللسان\" (عمر) ٥/ ٣١٠٠ برواية: (يجتمعان)، \"الخزانة\" ٢/ ٢٨، وورد غير منسوب في:\n\"المقتضب\" ٢/ ٣٢٩، القرطبي ١٠/ ٤١، وأبي حيان ٥/ ٤٦٢، والألوسي ١٤/ ٧٣، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٦.\n(٤) تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ١٠٣)، وعنه اللسان (٢/ ٦٢٦) مادة (نكح).\n(٥) انظر: مادة (طرف) في مقاييس اللغة (٣/ ٤٤٨)، الصحاح (٤/ ١٣٩٣)، القاموس (٣/ ١٧٢)، اللسان (٩/ ٢١٤). و(طِرْفٍ): بكسر الطاء المهملة وإسكان الراء، هو الفرس الكريم.\n(٦) الصحاح: ١/ ٤١٣.\n(٧) القاموس: ١/ ٢٦٣.\n(٨) تاج العروس: ٢/ ٢٤٢.\n(٩) البِضاع: بكسر الباء الموحدة: هو الجماع. ومنه المثل \"كمعلِّمة أمِّها البِضَاع\"\nيضرب لمن يعلِّم من هو أعلم منه. انظر مادة (بضع). مقاييس اللغة (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والصحاح (٣/ ١١٨٧).\n(١٠) مقاييس اللغة لابن فارس: ٥/ ٤٧٥.","vol":"4","page":445},{"text":"قال ابن جنِّي: \"سألت أبا علي الفارسي عن قولهم \"نكحها\"، فقال: فرّقت العرب فرقًا لطيقًا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: \"نكح فلانة\" أو \"بنت فلان\" أرادوا تزويجها والعقد عليها، وإذا قالوا \"نكح امرأته\" لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأنّه بذكر امرأته وزوجته تستغنى عن العقد\" (١).\nالثالث: أنّه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (٢).\nالرابع: أنّه حقيقة في الجمع والضَّمِّ والتداخل. أي مطلقًا، سواء كان حسيًّا أم معنويًّا.\nقال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، وعن المبرِّد عن البصريين أنّه الجمع، قال الشاعر (٣):\nأيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ\nومن وروده في الضمِّ قولهم: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض. ومنه قول الشاعر:\nضممت إلى صدري معطَّر صدرها ... كما نكحت أمُّ الغلام صبيَّها\nأي كما ضمَّته (٤).\nومن وروده في الدخول قولهم: نكح النومُ عينَه إذا غلبه، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ومنه قول المتنبي (٥):\nأنكحتْ صمُّ حصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ ... تَغَشْمَرَتْ بي إليك السهلَ والجبلا\" (٦).\nقال القرطبي: \" ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا\" (٧).\nقال الراغب: \" النكاح اسم للعقد، واستعير للجماع بدلالة أن عامة أسماء الجماع كنايات، وأنهم يتحاشون النكاح من التصريح بذكر الجماع، وآلاته، كما يتحاشون من إظهاره حتى سموا ذلك العضو \" السوءة \"، ولم يستعيروا اسم الجماع وآلاته إلا فيما يقصدون به سبعة، نحو: شَوَّرَبِهِ إذا خجله وجعله بحيث كأنه أبدى شواره، والشوار مع ذلك كناية للفرح، وبهذا يعلم أن النكاح وفي اللغة مستعار للجماع\" (٨).\nوأما (النكاح) في الشرع: \"فهو عقد على مُحَلَّلة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج، والولادة، والاستمتاع، وغير ذلك\" (٩).\nو﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾: \"مع مشركة؛ والمشركة، أو المشرك، هو من جعل لله شريكًا فيما يختص به سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء، والصفات؛ فمن اتخذ إلهًا يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون -؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء في الكون، أو معينًا لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: المبدع (٧/ ٣)، الإنصاف (٨/ ٣)، شرح النووي (٩/ ١٧١)، فتح الباري (٩/ ١٠٣)، شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٢٤).\n(٢) نظر: تاج العروس (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، فتح القدير لابن الهمام (٣/ ١٨٥)، البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٨٢).\n(٣) ديوانه: ص ٤٣٨، وورد في \"الشعر والشعراء\" ٣٧٤ وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، \"الأغاني\" ١/ ٢٣٢، \"الصحاح\" (عمر) ٢/ ٧٥٦، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٠٨، \"الروض الأنف\" ٣/ ١٣٥، \"شرح المفصل\" ٩/ ٩١ (عجز)، \"اللسان\" (عمر) ٥/ ٣١٠٠ برواية: (يجتمعان)، \"الخزانة\" ٢/ ٢٨، وورد غير منسوب في:\n\"المقتضب\" ٢/ ٣٢٩، القرطبي ١٠/ ٤١، وأبي حيان ٥/ ٤٦٢، والألوسي ١٤/ ٧٣، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.\n(٤) الزرقاني على الموطأ: ٣/ ١٢٤.\n(٥) شرح ديوانه للمعري ١/ ٦٧.\n(٦) الزرقاني على الموطأ: ٣/ ١٢٤.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٧.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٦.","vol":"4","page":446},{"text":"وقراءة الجمهور: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾، بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم، كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه (١).\nوقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية: هل نزلت مرادًا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟ (٢):\nأحدها: أنها نزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت، أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٤ - ٥].\nوهذا قول ابن عباس (٣)، وبه قال مالك بن أنس (٤)، والحسن البصري (٥)، ومجاهد (٦)، والربيع (٧)، وسفيان بن سعيد الثوري (٨)، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (٩).\nقال القرطبي: وعلى هذا القول\" يتناولهن العموم، ثم نسخت آية \"المائدة\" بعض العموم. وهذا مذهب مالك ﵀، ذكره ابن حبيب، وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم\" (١٠).\nقال الراغب: \"والنهي عن نكاح المشركات عام فيمن ليس من أهل الكتابة ولم يدخل في ذلك أهل الكتاب لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الآية، والنكاح يجب المودة لقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقد نهانا عن مودتهم، فيجب أن لا نواصلهم! قيل: المودة النهي عنها هي الدينية لا المودة النفعية أو الشهوية، فإنا إذا أوددناهم لنفع ما، فإنما نود النفع كمودتنا لذمي يعيننا على مدافعة المشركين، فقوله: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ عنى بها المودة الدينية\" (١١).\nقال الشنقيطي: \" الآية ظاهر عمومه شمول الكتابيات ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] \" (١٢).\nالثاني: أنها أنزلت مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها. وهذا قول قتادة (١٣)، وسعيد بن جبير (١٤)، وهو أحد قولي الشافعي (١٥).\nالثالث: أنها أنزلت مرادًا بها كل مشركة من أيّ أصناف الشرك كانت، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة، وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً، ولا نُسخ منها شيء.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٧، وانظر: فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٦٢ وما بعدها.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢١٢): ص ٤/ ٣٦٢.\n(٤) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١٩٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٢١٣): ص ٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٢١٤): ص ٤/ ٣٦٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٢١٦): ص ٤/ ٣٦٣.\n(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١٩٤، والنكت والعيون: ١/ ٢٨١، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٧.\n(٩) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١٩٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٧، وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٦، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ١٩٤.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٤.\n(١٢) أضواء البيان: ١/ ٢١٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢١٧)، و(٤٢١٨)، و(٤٢١٩): ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٢٢٠): ص ٤/ ٣٦٣.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٦٧.","vol":"4","page":447},{"text":"ودليل هذا القول ما أخرجه الطبري بسنده عن شهر بن حوشب قال: \"سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرَّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال الله تعالى ذكره: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [سورة المائدة: ٥]، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ غضبًا شديدًا، حتى همّ بأن يسطُو عليهما. فقالا نحن نطلِّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب! فقال: لئن حل طلاقُهن لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صَغَرة قِماءً\" (١).\nوالصواب-والله أعلم- ما قاله قتادة: \" بأن الله تعالى عنى بقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾، من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أنّ الله تعالى ذكره أحل بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ - للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي: وامرأة مؤمنة \" خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها، من حسب أو جاه أو سلطان\" (٣).\nقال القرطبي: \" إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة، وإن كانت ذات الحسب والمال\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال والحسب والمال، فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خيرٌ عند الله منها، ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإنّ الإماء المسلمات عند الله خير مَنكحًا منهن\" (٥).\nقال ابن عثيمين: أطلق الخيرية ليعم كل ما كان مطلوبًا في المرأة؛ ﴿ولو أعجبتكم﴾ أي سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها، ومالها، وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب\" (٦).\nقال الشوكاني: \" أي ولرقيقة مؤمنة، [خير من مشركة]، ولو أعجبتكم المشركة من جهة كونها ذات جمال أو مال أو شرف\" (٧).\nوقيل المراد بالأمة: الحرة، لأن الناس كلهم عبيدالله وإماؤه والأول أولى لما سيأتي لأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى (٨).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ أن الاعتبار بإعجابكم، فليس الإعجاب إلا من ثمرة الجهل بحقيقة الشيء والجهل لا يوجب حكمًا، فإذن لا اعتبار بإعجابكم\" (٩).\nفإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: ﴿خير من مشركة﴾ مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من أحد وجهين (١٠):\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٢٢١): ص ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٦٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٣٦٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٧.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٧.","vol":"4","page":448},{"text":"الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق - وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه -، كما قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].\nالثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال، ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ولو أعجبتكم﴾؛ فبين ﷾ أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها فإن نكاح المؤمنة خير منه.\nقوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي: \"ولا تُزَوّجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات\" (١)، حتى يؤمنوا.\nقال البغوي: \" هذا إجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي ولا تزوجوا بناتكم من المشركين – وثنيين كانوا أو أهل كتاب – حتى يؤمنوا بالله ورسوله\" (٣).\nقال الطبري: \" أن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي: \"ولرجل مؤمن - ولو كان عبدًا حبشيًا - خير من مشرك، وإن كان رئيسًا شريفا\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه\" (٧).\nوكان أبو جعفر محمد بن عليّ يقول: \"هذا القولُ من الله تعالى ذكره، دلالةٌ على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة\" (٨).\nوقال قتادة والزهري: لا يحل لك أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك\" (٩).\nوقال عكرمة والحسن البصري: \"حرَّم المسلمات على رجالهم - يعني رجال المشركين\" (١٠).\nقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، \" أي: أولئك المذكورون من المشركين والمشركات، الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم، يدعونكم إلى ما يوصلكم إلى النار وهو الكفر والفسوق فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم\" (١١).\nقال البغوي: \" أي إلى الأعمال الموجبة للنار\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٤، وانظر: فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٠.\n(٨) تفسير الطبري (٤٢٢٧): ص ٤/ ٣٧٠\\. حكاه عنه الطبري، ولفظ أبي جعفر: \" النكاح بوليّ في كتاب الله، ثم قرأ: ﴿ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ برفع التاء\".\n(٩) تفسير الطبري (٤٢٢٨): ص ٤/ ٣٧٠.\n(١٠) تفسير الطبري (٤٢٣٠): ص ٤/ ٣٧٠.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(١٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٦.","vol":"4","page":449},{"text":"قال الشوكاني: \" أي إلى الأعمال الموجبة للنار فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله\" (٢).\nقال الراغب: \" أي إلى الأفعال الوجبة للنار، وواجب اجتناب الداعي إلى النار الحامل عليها فواجب مجانبتهم إذن، وعلى هذا قال - ﵇ - \" لا تترائى ناراهما \" (٣) \" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: معاشَرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أُولئِكَ إشارة إلى المشركات والمشركين، أى يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي يدعون الناس إلى النار بأقوالهم، وأفعالهم، وأموالهم؛ حتى إنهم يبنون المدارس، والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعًا، ومكرًا؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾ [الأنفال: ٣٦] \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي \"وهو تعالى يريد بكم الخير ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم\" (٩).\nقال الشوكاني: \" أي إلى الأعمال الموجبة للجنة وقيل المراد أن أولياء الله هم المؤمنون يدعون إلى الجنة\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \"أي يدعو الناس إلى الجنة بالحث على الأعمال الصالحات؛ ومغفرة الذنوب بالحث على التوبة، والاستغفار\" (١١).\nقال الراغب: \" والداعي إلى الجنة واجب إتباعه، وعلى هذا دل قوله - ﷿ - حكاية عمن أخبر عنه: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي \"بقضائه وإرادته\" (١٣).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧١.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٤.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٦٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٤/ ٧٧ - ٧٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧١.\n(١٠) فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٨.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٥.\n(١٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٦.","vol":"4","page":450},{"text":"قال ابن كثير: \"أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه\" (١).\nقال الطبري: أي\" بإعلامه إياكم سبيلَه وطريقَه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة\" (٢).\nقال الراغب: \" أي بعلمه وأمره وآياته وحججه ودلائله العقلية والشرعية من أنكم إذا فعلتم ذلك، فأنتم أهل لرجاء التذكر وحقيقة التذكر الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما استثبته القلب\" (٣).\nقال الزمخشري: \" بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي بأمره، قاله الزجاج\" (٥).\nوقرأ الحسن: \" ﴿والمغفرةُ بإذنه﴾، بالرفع، أى: والمغفرة حاصلة بتيسيره\" (٦).\nقال بعض أهل العلم: والإذن على قسمين (٧):\nأحدهما: إذن كوني: وهو ما يتعلق بالمخلوقات، والتقديرات، ومنه قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوالثاني: إذن شرعي: وهو ما يتعلق بالتشريعات، ومنه تعالى: ﴿ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] يعني شرع لكم.\nوالظاهر أن الإذن في هذه الآية (٨) - والله أعلم - يشمل القسمين؛ لأن دخول الإنسان فيما يكون سببًا للجنة، والمغفرة كوني؛ وما يكون سببًا للجنة، والمغفرة هذا مما شرعه الله.\nقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي والله يوضح \"أوامره ونواهيه للناس\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي يوضح حججه وأدلته للناس\" (١٠).\nقال البطري: \" ويوضح حججه وأدلته في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله لعباده\" (١١).\nو﴿آيات﴾: \" جمع آية؛ وهي العلامة القاطعة التي تستلزم العلم بمدلولها، كما قال تعالى: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي \"ليتعظون\" (١٣).\nقال الصابوني: أي: \" ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر والخبيث والطيب\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دَعَّاءٌ إلى النار والخلود فيها، والآخر دَعَّاءٌ إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم. ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبيّ [غَبين] الرأي مدخول العقل\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧١.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٥.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٦٤.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٢٤.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٦٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٨.\n(٨) يقصد الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧١.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٧٨.\n(١٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٦.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٦.\n(١٥) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧١.","vol":"4","page":451},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه يحرم على المؤمن نكاح المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾؛ ويستثنى من ذلك أهل الكتاب من اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ [المائدة: ٥]، فإن هذه الآية: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات ...﴾ مخصِّصة لآية البقرة؛ و«أل» في قوله تعالى: ﴿اليوم﴾ للعهد الحضوري تفيد أن هذا الحكم ثبت في ذلك اليوم نفسه؛ والآية في سورة المائدة، ونزولها بعد نزول سورة البقرة؛ لكن مع كون ذلك مباحًا فإن الأولى أن لا يتزوج منهن؛ لأنها قد تؤثر على أولاده؛ وربما تؤثر عليه هو أيضًا: إذا أعجب بها لجمالها، أو ذكائها، أو علمها، أو خلقها، وسلبت عقله فربما تجره إلى أن يكفر.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا، وعدمًا؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يؤمن﴾؛ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح؛ ومتى وجد الشرك حرم النكاح.\n٣ - ومنها: أن الزوج وليّ نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾؛ فوجه الخطاب للزوج.\n٤ - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعًا.\n٥ - ومنها: تفاضل الناس في أحوالهم، وأنهم ليسوا على حد سواء؛ لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾.\n٦ - ومنها: الرد على الذين قالوا: «إن دين الإسلام دين مساواة»؛ لأن التفضيل ينافي المساواة؛ والعجيب أنه لم يأت في الكتاب، ولا في السنة لفظة «المساواة» مثبتًا؛ ولا أن الله أمر بها؛ ولا رغب فيها؛ لأنك إذا قلت بالمساواة استوى الفاسق، والعدل؛ والكافر، والمؤمن؛ والذكر، والأنثى؛ وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ لكن جاء دين الإسلام بكلمة هي خير من كلمة «المساواة»؛ وليس فيها احتمال أبدًا، وهي «العدل»، كما قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]؛ وكلمة «العدل» تعني أن يسوى بين المتماثلين، ويفرق بين المفترقين؛ لأن «العدل» إعطاء كل شيء ما يستحقه؛ والحاصل: أن كلمة «المساواة» أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين؛ وأكثر المسلمين - ولا سيما ذوو الثقافة العامة - ليس عندهم تحقيق، ولا تدقيق في الأمور، ولا تمييز بين العبارات؛ ولهذا تجد الواحد يظن هذه الكلمة كلمة نور تحمل على الرؤوس: «الإسلام دين مساواة»! ونقول: لو قلتم: «الإسلام دين العدل» لكان أولى، وأشد مطابقة لواقع الإسلام.\nالقرآن\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]\nالتفسير:\nويسألونك عن الحيض- وهو الدم الذي يسيل من أرحام النساء جِبِلَّة في أوقات مخصوصة-، قل لهم -أيها النبي-: هو أذى مستقذر يضر من يَقْرَبُه، فاجتنبوا جماع النساء مدة الحيض حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع الدم، واغتسلن، فجامعوهن في الموضع الذي أحلَّه الله لكم، وهو القبل لا الدبر. إن الله يحب عباده المكثرين من الاستغفار والتوبة، ويحب عباده المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار.","vol":"4","page":452},{"text":"اختلف في سبب نزولها على أقوال (١):\nأحدها: أخرج الواحدي عن أنس: \"أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك فأنزل الله - ﷿ - ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية\" (٢)، ورواه مسلم (٣) وأبو داود (٤).\nوأخرج الطبري نحوه عن قتادة (٥)، والربيع (٦).\nوالثاني: قال مجاهد: \" كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ إلى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾، - في الفرج لا تعدوه\" (٧).\nالثالث: أن السائل الذي سأل رسول الله ﷺ عن ذلك كان ثابتَ بن الدَّحداح الأنصاري. قاله ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، ومقاتل بن حيان (١٠).\nوالرابع: أخرج الواحدي عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - في قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ قال: \" إن اليهود قالت: من أتى امرأته من دبرها كان ولده أحول، فكان\nنساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاءوا إلى رسول الله - ﷺ - فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض، وعما قالت اليهود، فأنزل الله - ﷿ - ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ يعني الاغتسال ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ يعني القبل ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فإنما الحرث حيث ينبت الولد ويخرج منه\" (١١).\nقال القرطبي: \" قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: \"ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣، وتفسير القرطبي: ٣/ ٨٠ - ٨١.\n(٢) أسباب النزول: ٧٤.\n(٣) مسلم: ٢٤٦/ ١ رقم: ٣٠٢.\n(٤) أبو داود: ٢/ ٦٢٠ رقم: ٢١٦٥، وهو عند أحمد في مسنده-تحقيق الزين-: ١١/ ٢٢٠ رقم: ١٣٥١٠، والطيالسي في مسنده: ٢٧٣ رقم: ٢٠٥٢، والترمذي في جامعه: ٥/ ٢١٤ رقم: ٢٩٧٧، والنسائي في المجتبى: ١/ ١٥٢، وابن ماجة في سننه: ١/ ٢١١ رقم: ٦٤٤، والدارمي في سننه: ١/ ٢٥٨ رقم: ١٠٤٣، والواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: ٧٤، وابن أبي حاتم في تفسيره-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٧٦ رقم: ١٧٩٢ وغيرهم.\n(٥) تفسير الطبري (٤٢٣١): ص ٤/ ٣٧٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٢٣٢): ص ٤/ ٣٧٣.\n(٧) تفسير الطبري (٤٢٣٣): ص ٤/ ٣٧٣.\n(٨) كما في زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٢٣٤): ص ٤/ ٣٧٤، وانظر: الدر المنثور للسيوطي: ١/ ٤٦١، وقاله أيضًا: ابن عباس كما في زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨، ومقاتل بن حيان كما في تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٧٧ رقم: ١٧٩٤، وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي: ٤٦١/ ١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١١٠): ص ٢/ ٤٠٠، ورواه وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي: ٤٦١/ ١.\n(١١) أسباب النزول: ٧٥، وإسناده ضعيف بسبب خصيف، بالإضافة لضعف متنه ونكارته، إذ أن فيه خلطا بين سببين مختلفين، والله أعلم.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٨١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٢.","vol":"4","page":453},{"text":"قال الصابوني: \" أي يسألونك يا أيها الرسول عن إتيان النساء في حالة الحيض، أيحل أم يحرم؟ \" (١).\nقال القاسمي: المحيض: \" وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمى الحيض أيضًا \" (٢).\nقال الراغب: \" المحيض: وقت الحيض وموضعه، وقد قيل: يقال للحيض محيض، على أن المصدر في هذا الباب يجئ على (مفعل)، نحو: معاش ومعاد، وقول الشاعر (٣):\nلا يستطيع بها الفراد مقيلا\nفالأظهر: أنه مكان وإن كان قد قيل هو مصدر، وقيل ما في ترك مكال ومكيل، أي كيل وهو أيضا محتمل، والحيض هو الدم الخارج من الرحم على وصف مخصوص في وقت مخصوص ويتعلق به منع الصلاة، والصوم، وحظر الجماع، وانقضاء العدة، واجتناب دخول المسجد ومس المصحف، وقراءة القرآن، وأن تصير المرأة به في الابتداء مكلفة\" (٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين: ﴿الْمَحِيضِ﴾: \"يحتمل أن تكون مصدرًا ميميًا فتكون بمعنى الحيض؛ أو تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض؛ وهو الفَرْج؛ ولكن الأرجح الاحتمال الأول؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾؛ فإنه لا يحتمل عوده إلى مكان الحيض\" (٥).\nوأصل الحيض في اللغة: \"السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض\" (٦).\nوأنشد المبردُ عن عمارة بن عقيل (٧):\nأجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنّ حَيْضَات السُّيولِ الطَّواحِمِ\nقال: ومعنى (حيّضت): سيِّلت (٨).\nقال الأزهري: \"ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]،: أي \" هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها\" (١٠).\nقال القاسمي: \" أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه وكراهة له\" (١١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: أي \"لكل من الزوج، والزوجة، وبيان ذلك عند الأطباء\" (١٢) (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٦.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٠.\n(٣) البيت للراعي النميري في معاني القرآن للأخفش: ١/ ٣٦٩، واللسان، مادة (زلل). وصدره: بَيْتُ مَرافقهنّ فوق مزلة.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨١.\n(٦) التفسير البسيط: ٤/ ١٧١.\n(٧) البيت في \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٧١ \"حيض\"، ٥/ ٢٦٤٥ \"طعم\". والذَّوَاري والذاريات: الرياح.\n(٨) انظر: تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٦، \"اللسان\" ٢/ ١٠٧١ \"حيض، والتفسير البسيط: ٤/ ١٧٢.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٦ \"حاض\".\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٥.\n(١١) محاسن التأويل: ٣/ ١٠١.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨١.\n(١٣) أثبتت دراسات كثيرة جدًا الأضرار الهائلة للجماع في فترة المحيض، ومنها دراسة قام بها مركز Centers for Public Health Research and Evaluation في الولايات المتحدة وتبين من خلالها أن الدورة الشهرية هي فترة حرجة بالنسبة للمرأة، ويجب على الزوج أن يمتنع عن الجماع أثناء هذه الفترة.\nولقد أثبتت الدراسات العلمية أن الجماع أثناء فترة الحيض تساهم في انتشار الأمراض الجنسية المعدية، ولذلك ينصح الخبراء بضرورة الامتناع عن الجماع أثناء الدورة الشهرية .. لأن هذه العادة تسبب مشاكل والتهابات للمرأة وأذى للرجل من خلال انتشار بعض البكتريا الضارة، وبعض الفيروسات وبخاصة فيروس الإيدز. وأثبتت دراسة علمية أن الجماع أثناء الدورة الشهرية له أضرار كثيرة منها التسبب بالعقم لدى النساء.\nلم يحرم الشرع عملا على المسلم الا رحمة به وحفظا له من الضرر وصيانة له من الخطر واليكم ما اثبته الطب الحديث من ضرر جماع الحائض لا عليها فقط بل حتى على زوجها.!\nذكر الدكتور البار أن الأذى لا يقتصر على ما ذكره من نمو الميكروبات في الرحم والمهبل الذي يصعب علاجه، ولكن يتعداه إلى أشياء أخرى هي:\n١. امتداد الالتهابات إلى قناتي الرحم فتسدها، مما قد يؤدي إلى العقم أو إلى الحمل خارج الرحم، وهو أخطر أنواع الحمل على الإطلاق.\n٢. امتداد الالتهاب إلى قناة مجرى البول، فالمثانة فالحالبين فالكلى، وأمراض الجهاز البولي خطيرة ومزمنة.\n٣. ازدياد الميكروبات في دم الحيض وخاصة ميكروب السيلان.\nيقول الدكتور محيي الدين العلبي:\nيجب الامتناع عن جماع المرأة الحائض لأن جماعها يؤدي إلى اشتداد النزف الطمثي، لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزّق وسريعة العطب، كما أن جدار المهبل سهل الخدش، وتصبح إمكانية حدوث الالتهابات كبيرة مما يؤدي إلى التهاب الرحم أو يحدث التهاب في عضو الرجل بسبب الخدوش التي تحصل أثناء عملية الجماع، كما أن جماع الحائض يسبب اشمئزازًا لدى الرجل وزوجه على السواء بسبب وجود الدم ورائحته، مما قد يكون له تأثير على الرجل فيصاب بالعنة (البرود الجنسي).\nوذكر الدكتور محمد البار متحدثًا عن الأذى الذي في المحيض:\nيُقذف الغشاء المبطّن للرحم بأكمله أثناء الحيض .. ويكون الرحم متقرحًا نتيجة لذلك، تمامًا كما يكون الجلد مسلوخًا فهو معرّض بسهولة لعدوان البكتيريا الكاسح .. ويصبح دخول الميكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطرًا داهمًا على الرحم.\nويبين لنا الدكتور البار أن المرأة الحائض تكون في حالة جسمية ونفسية لا تسمح لها بالجماع، فإن حدث فإنه يؤذيها أذى شديدًا، ثم يعرض لنا ما يصحب المرأة أثناء حيضها من علل وأوجاع وآلام فيقول:\n١ - يصاحب الحيض آلام تختلف في شدتها من امرأة إلى أخرى، وأكثر النساء يصبن بآلام وأوجاع الظهر واسفل البطن، وبعض النساء تكون آلامهن فوق الاحتمال مما يستدعي استعمال الأدوية والمسكنات، ومنهن مَن يحتجن إلى زيارة الطبيب من أجل ذلك.\n٢ - تصاب كثير من النساء بحالة من الكآبة والضيق أثناء الحيض وخاصة عند بدايته، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج سريعة الاهتياج قليلة الاحتمال، كما أن حالتها العقلية والفكرية تكون في أدنى مستوى لها أثناء الحيض.\n٣ _تصاب بعض النساء بالصداع النصفي (الشقيقة) قرب بداية الحيض، وتكون الآلام مبرحة وتصحبها زغللة في الرؤية وقيء.\n٤ - تقل الرغبة الجنسية لدى المرأة وخاصة عند بداية الطمث، بل إن كثيرًا من النساء يكن عازفات تمامًا عن الاتصال الجنسي أثناء الحيض، ويملن إلى العزلة والسكينة، وهو أمر فسيولوجي وطبيعي، إذ إن فترة الحيض هي فترة نزيف دموي من قعر الرحم (الغشاء المبطن للرحم من الداخل). وتكون الأجهزة التناسلية بأكملها في حالة شبه مرضية فالجماع في هذه الآونة ليس طبيعيًا ولا يؤدي أي وظيفة بل على العكس يؤدي إلى الكثير من الأذى.\n٥ - على الرغم من أن الحيض عملية فسيولوجية (طبيعية) بحتة، فإن استمرار فقدان الدم كل شهر يسبب نوعًا من فقر الدم لدى المرأة، وخاصة إذا كان الحيض شديدًا غزيرًا في كميته.\n٦ - تصاب الغدد الصماء بالتغير أثناء الحيض، فتقل إفرازاتها الحيوية المهمة للجسم إلى أدنى مستوى لها أثناء الحيض.\n٧ - تنخفض درجة حرارة المرأة أثناء الحيض درجة مئوية كاملة، وذلك لأن العلميات الحيوية التي لا تتوقف في الكائن الحي تكون في أدنى مستوى لها أثناء الحيض، وتسمى هذه العمليات بالأيض أو الاستقلاب، ونتيجة لذلك يقل إنتاج الطاقة من الجسم، كما تقل عمليات التمثيل الغذائي.\n٨ - ومع انخفاض درجة حرارة الجسم في المرأة نتيجة للعوامل السابقة يبطئ النبض وينخفض ضغط الدم، فيسبب الشعور بالدوخة والفتور والكسل.\nوأخيرًا يذكر الدكتور البار أنه ظهر بحث قدمه البروفيسور عبدالله باسلامة إلى المؤتمر الطبي السعودي السادس جاء فيه أن الجماع أثناء الحيض قد يكون أحد أسباب سرطان عنق الرحم، ويحتاج هذا الأمر إلى مزيد من الدراسة للتأكد.","vol":"4","page":454},{"text":"قال الصابوني: أي \" فقل لهم: إنه شيء مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى للزوجين\" (١).\nقال الطبري: \" (والأذى) هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى \" أذى \" لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة\" (٢).\nقال الراغب: \"، والأذى: اسم لما ينال النفس منه مكروه\" (٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٤.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٧.","vol":"4","page":455},{"text":"وقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، على أقوال متقاربة (١):\nأحدها: أنه قَذَر. قاله السدي (٢)، وقتادة (٣).\nقال القرطبي: \" والأذى كناية عن القذر على الجملة. ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي الحديث: \"وأميطوا عنه الأذى\" (٤) يعني بـ \"الأذى\" الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة. وفي حديث الإيمان: \"وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" (٥) أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار. وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] \" (٦).\nالثاني: أنه دمٌ. قاله مجاهد (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، [البقرة: ٢٢٢]، أي اجتنبوا؛ \"جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي في زمن الحيض، إن حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصود هذا النهي ترك المجامعة\" (٩).\nقال ابن كثير: \"يعني [في] الفرج\" (١٠).\nقال القاسمي: \" ولما كان الْإِنْسَان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرمًا، صرح بتحريمه بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء﴾ \" (١١).\nقال الصابوني: \" أي اجتنبوا معاشرة النساء في حالة الحيض\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بـ ﴿الْمَحِيضِ﴾ هنا مكان الحيض - وهو الفرج -؛ فهي ظرف مكان؛ أي لا تجامعوهن في فروجهن؛ لأنه مكان الحيض\" (١٣).\nقال ابن عباس: \"يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ\" (١٤).\nقال القاسمي: \" أي: فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه \" (١٥).\nوقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، على أقوال (١٦):\nأحدها: أن الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٤ وما بعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٣٥): ص ٤/ ٣٧٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٣٦): ص ٤/ ٣٧٤.\n(٤) أخرجه أحمد (١٦٢٢٦)، وعلقه البخاري بصيغة الجزم في الرواية (٥٤٧٢).\n(٥) أخرجه أحمد (٨٩٢٦)، ومسلم (٣٥)، من حديث أبي هريرة-رضيا لله عنه-\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٥ - ٨٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٢٣٧): ص ٤/ ٣٧٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٥.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٥.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ١٠١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨١.\n(١٤) تفسير الطبري (٤٢٣٨): ص ٤/ ٣٧٥.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٠١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٥ وما بعدها، وتفسير القرطبي: ٣/ ٨٦.","vol":"4","page":456},{"text":"عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى\" (١).\nوأخرج الطبري سنده عن \"ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ! فوالله لقد كان النبي ﷺ ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين\" (٢).\nواستدلّ قائلو هذه المقالة: \"بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ\" (٣).\nقال القرطبي: \"وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه \" (٤).\nقال الشوكاني: \"وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني انه يجب على الرجل ان يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك بشيء ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين\" (٥).\nوالثاني: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم. وهذا قول عائشة (٦)، وأم سلمة (٧)، وابن عباس (٨)، والحسن (٩)، ومجاهد (١٠)، وعامر (١١)، وعكرمة (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٢٣٩): ص ٤/ ٣٧٥.\n(٢) تفسير الطبري (٤٢٤٠): ص ٤/ ٣٧٦. والحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٣٣٢ (حلبي) عن يزيد بن هرون، بهذا الإسناد، نحوه، مع بعض اختصار. وهو في روايته عن ميمونة جزمًا، ليس فيه الشك بينها وبين حفصة. وهو الصواب ولعل الشك هنا من الطبري، أو من شيخه تميم بن المنتصر. ثم إن ابن إسحاق خطأ هنا في جعل الحديث \" عن الزهري، عن عروة \". ولعل الخطأ من يزيد بن هرون. والصواب أنه \" عن الزهري، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة \". وبذلك تضافرت الروايات في هذا الإسناد، كما سيأتي. ويؤيده أن ابن سعد ذكر في ترجمتها أنها تروي عن عروة، وروى بإسناده خبرًا عنها عن عروة بن الزبير. و\" حبيب مولى عروة \": هو حبيب الأعور، مولى عروة بن الزبير. وهو تابعي ثقة، قال ابن سعد: \" مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية \". وأخرج له مسلم في صحيحه.\nوالحديث رواه - على الصواب - البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣١٣، من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، قال: \" أخبرني حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ، أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس. . . \"، فذكره مطولا.\nثم إن الحديث معروف من هذا الوجه على الصواب، مختصرًا بدون ذكر قصة ابن عباس.\nفرواه أحمد في المسند ٦: ٣٣٢ (حلبي)، عن حجاج وأبي كامل، عن الليث، عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة، ولم يذكر لفظه، وأحاله على الرواية السابقة. ثم رواه بعد ذلك، ص: ٣٣٥ - ٣٣٦، عن حجاج وأبي كامل، بالإسناد نفسه. وذكر لفظه مختصرًا عن ميمونة، دون القصة.\nوكذلك رواه أبو داود: ٢٦٧، وابن حبان في صحيحه ٢: ٥٦٩ (مخطوطة الإحسان). والبيهقي ١: ٣١٣ - كلهم من طريق الليث بن سعد، به. وكذلك رواه النسائي ١: ٥٤ - ٥٥، ٦٧، من طريق يونس والليث - كلاهما عن ابن شهاب، به مختصرًا.\nفعن هذه الروايات كلها استيقنت أن رواية ابن إسحاق - هنا وعند أحمد - \" عن الزهري، عن عروة \" خطأ.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٦.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٢٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٢٤٢): ص ٤/ ٣٧٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٢): ص ٤/ ٣٨٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٢٤٨): ص ٤/ ٣٧٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٣): ص ٤/ ٣٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٥): ص ٤/ ٣٨٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٦): ص ٤/ ٣٨٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٧): ص ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.","vol":"4","page":457},{"text":"واستدل صاحب هذا القول من خلال \"الأخبار المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله ﷺ. فلما صحّ ذلك عن رسول الله ﷺ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: \" فاعتزلوا النساءَ في المحيض \"، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها\" (١).\nوالثالث: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. وهذا قول شريح (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، وابن عباس-في رواية سعيد بن جبير (٤).\nواحتج هؤلاء بصحة الخبر عنه ﷺ (٥)، قالوا: \"فما فعل النبي ﷺ من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية\" (٦).\nوالراجح أن \"للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم\" (٧). والله تعالى أعلم (٨) (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨١. ومن تلك الأخبار:\n- قالت عائشة: \"كان رسول الله ﷺ يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن\". (رواه مسلم في صحيحه برقم: ٢٩٧).\n- وفي الصحيح عن عائشة، قالت: كنت أتعرّق العَرْق وأنا حائض، فأعطيه النبي ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب (صحيح مسلم برقم: ٣٠٠).\n- وقال أبو داود: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صُبْح سمعت خلاسًا الهَجَري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد، وإني حائض طامث، فإن أصابه مني شيء، غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصاب - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه. (سنن أبي داود برقم: ٢٦٩).\nقال ابن كثير: \"فأما ما رواه أبو داود: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة: أنها قالت: كنتُ إذا حضْتُ نزلت عن المثَال على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر\". (سنن أبي داود برقم: ٢٧١) - فهو محمول على التنزه والاحتياط\". (تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٦).\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٨): ص ٤/ ٣٨١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٦١): ص ٤/ ٣٨١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٩): ص ٤/ ٣٨١.\n(٥) من تلك الأخبار ما أخرجه الطبري:\n- (٤٢٦٢): ص ٤/ ٣٨٢: عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها فأتزرت\".\n- (٤٢٦٣): ص ٤/ ٣٨٢: عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة: أن النبي ﷺ كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار.\n- (٤٢٦٤): ص ٤/ ٣٨٢: عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٣.\n(٨) وأما حكم مجامعة المستحاضة، فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:\nالمذهب الأول: المنع، وهو مروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها كما في السنن الكبرى للبيهقي، وهو قول ابن سيرين والزهري وإبراهيم النخعي وسليمان بن يسار وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، واستدل هؤلاء بأن دم الاستحاضة أذى كدم الحيض، والله تعالى حرم وطء الحائض لذلك. فقال: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) [البقرة: ٢٢٢]\nوالمذهب الثاني: الجواز، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، مستدلين بعدة أمور:\n- منها: أن هذا الدم ليس دم حيض قطعًا لقول النبي ﷺ: \" إنما ذلك عرق وليس بالحيضة\" متفق عليه، وعلى ذلك فلا يأخذ شيئًا من أحكام الحيض.\n- ومنها: أن الأذى الذي يحصل لمن جامع الحائض لا يحصل لمن جامع المستحاضة.\n- ومنها: أن العبادات أعظم حرمة من الجماع، فالمستحاضة في لزوم العبادة كالطاهر فكذلك في مسألة الجماع، ومنها أن أم حبيبة وحمنة ﵄ كانتا تستحاضان على عهد رسول الله ﷺ، وكان زوج كل منهما يجامعها، ولو كانت مجامعة المستحاضة ممنوعة لكان ذلك معروفًا لديهما وخاصة أنهما من أجلاء الصحابة، فأم حبيبة كانت زوج عبد الرحمن بن عوف، وحمنة كانت زوج طلحة بن عبيد الله.\nثم إن كثيرًا من أحكام المستحاضة مروي عن هاتين الصحابيتين الجليلتين، ولم ينقل عنهما فيما نقل عنهما من تلك الأحكام أنه لا تجوز مجامعة المستحاضة.\nوهذا المذهب الثاني هو الراجح - إن شاء الله تعالى- لقوة أدلته وشدة وجاهته ولذلك كثر القائلون به. والله أعلم. (انظر: اسلام ويب).\n(٩) ومن جامع النساء فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:\nأحدهما: نعم، لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: \"يتصدق بدينار، أو نصف دينار\". (المسند (١/ ٢٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٦٦) وسنن الترمذي برقم (١٣٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٨٢). وفي لفظ للترمذي: \"إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار\". وللإمام أحمد أيضًا، عنه: أن رسول الله ﷺ جعل في الحائض تصاب، دينارًا فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار).\nوالقول الثاني: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ﷿، لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه [قد] روي مرفوعًا كما تقدم وموقوفًا، وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تفسير لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع، [وقد قال به طائفة من السلف. قال القرطبي: وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ]. (تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٧).","vol":"4","page":458},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي و\"لا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن\" (١).\nقال الطبري: \" ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه\" (٢).\nقال الصابوني: \" والمراد من الآية التنبيه على أن الغرض (عدم المعاشرة) لا عدم القرب منهن، وعدم مؤاكلتهن ومجالستهن، كما كان يفعل اليهود إذا حاضت عندهم المرأة\" (٣).\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، على وجهين (٤):\nأحدهما: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بضم (الهاء) وتخفيفها. وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم.\nإذ وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن.\nأخرج الطبري سنده \"عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال: انقطاع الدم\" (٥)، وروي عن سفيان (٦)، وعكرمة (٧)، نحو ذلك.\nوالثانية: ﴿حَتَّى يطهَّرن﴾ بتشديد (الهاء) وفتحها. قرأ بها عاصم في رواية أبي بكر والمفضل وحمزة والكسائي.\nوهؤلاء عنوا به: حتى يغتسلن بالماء. وشددوا (الطاء)، لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت (التاء) في (الطاء)، لتقارب مخرجيهما.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(٤) انظر: السبعة: ١٨٢، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٨٣ وما بعدها.\n(٥) تفسير الطبري (٤٢٦٦): ص ٤/ ٣٨٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٢٦٧): ص ٤/ ٣٨٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٢٦٨): ص ٤/ ٣٨٤.","vol":"4","page":459},{"text":"والصواب \"قراءة من قرأ: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر\" (١).\nقال القرطبي: \" وفي مصحف أبي وعبدالله ﴿يتطهرن﴾، وفي مصحف أنس بن مالك ﴿ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن﴾ \" (٢).\nقال الطبري: \"وإنما اختُلف في (التطهر) الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.\nفقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها.\nوقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.\nوقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.\nفإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها. وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف \" الهاء \" وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، وقبل اغتسالها وتطهُّرها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي\" فإذا اغتسلن\" (٤).\nقال ابن عثيمين: وجمهور أهل العلم على أن المراد (اغتسلن)؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضًا؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، أي اغتسلوا (٥).\nقال الطبري: \" فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء\" (٦).\nقال الراغب: \" دل أن ذلك شرط في إباحتها وأن لا يصح وطؤها إلا بانقطاع دمها\" (٧).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] وجوها (٨):\nأحدها: فإذا اغتسلن. قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، وعكرمة (١١)، والحسن (١٢)، وإبراهيم (١٣). وهو قول الجمهور (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٤) وهو قول جمهور أهل التفسير، إذ قال به: الطبري في جامع البيان: ٤/ ٣٨٧، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠٥، والزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢٩٧، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: ١/ ٢١٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٩، والو احدي في الوسيط: ١/ ٣٢٨، والوجيز: ١/ ٣٢٨، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٧٣، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٦١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٥٩، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٢٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٨٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٦٨، وابن جزيء في التسهيل: ١/ ١٢١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١١٨، والنسفي في تفسيره: ١/ ١١١، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٢٢، والقاسمي في محاسن التأويل: ٣/ ٢٢٢، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥ وما بعدها.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٢٦٩): ص ٤/ ٣٨٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٠): ص ٤/ ٣٨٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧١): ص ٤/ ٣٨٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٣): ص ٤/ ٣٨٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٥): ص ٤/ ٣٨٦.\n(١٤) انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٣٨٦، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٨ وغيرها. وقال به: ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ٣٨٧، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠٥، والزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢٩٧، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: ١/ ٢١٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٩، والو احدي في الوسيط: ١/ ٣٢٨، والوجيز: ١/ ٣٢٨، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٧٣، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٦١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٥٩، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٢٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٨٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٦٨، وابن جزيء في التسهيل: ١/ ١٢١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١١٨، والنسفي في تفسيره: ١/ ١١١، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٢٢، والقاسمي في محاسن التأويل: ٣/ ٢٢٢، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩، وغيرهم. وأجاز بعض من أباح للرجل أن يأتي امرأته بعد انقطاع الدم وقبل الغسل-على خلاف بينهم هل ذلك بإطلاق أم بعد مضي أكثر مدة الحيض، وهي عندهم عشرة أيام-أن يكون المراد بِالتطهر في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْن﴾ انقطاع دم الحيض، وحملوا التطهر هنا على الطهر في قوله: ﴿حتَّى يَطْهُرْن﴾ على قراءة التخفيف. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٦٥ - ١٦٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٨٢، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٨.","vol":"4","page":460},{"text":"والثاني: أن المعنى: فإذا تطهَّرن للصلاة. قاله طاوس (١)، وعطاء (٢)، ومجاهد (٣).\nوالثالث: أن المراد بالتطهر: غسل الموضع. قاله الأوزاعي (٤)، وتبعه الالباني (٥) في ذلك.\nقال أبو حيان: \" وسبب الخلاف أن يحمل التطهر بالماء، على التطهر الشرعي أو اللغوي، فمن حمله على اللغوي قال: تغسل مكان الأذى بالماء، ومن حمله على الشرعي حمله على أخف النوعين وهو الوضوء لمراعاة الخفة أو على أكمل النوعين وهو أن تغتسل كما تغتسل للجنابة إذ به يتحقق البراءة من العهدة\" (٦).\nوالراجح قول الجمهور وهو أن المراد بـ: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإذا اغتسلن؛ لأن الغسل هو الذي يحل لها ما كان محرمًا عليها من صلاة ونحوها بعد الحيض بإجماع، فتفسير الآية به هو الأولى. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، \"فأتوهنَّ في المكان الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد القُبُل لا الدبر\" (٧).\nقال الطبري: يعني: \"فجامعوهن\" (٨).\nقال القرطبي: \" أمر إباحة، وكنى بالإتيان عن الوطء\" (٩).\nقال القاسمي: \" أي: فجامعوهن من المكان الذي أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو القبل، ولا تتعدّوه إلى غيره\" (١٠).\n\nقال ابن كثير: \" وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر، ومنهم من يقول: إنه [أي الجماع بعد كل حيضة] للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يُرَدّ الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا فواجب، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٦): ص ٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧.\n(٢) انظر: النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٣، ومفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٧٣، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٨.\n(٣) انظر: النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٣، ومفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٧٣، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٨.\n(٤) انظر: بداية المجتهد لابن رشد: ١/ ١١٣، فقه الإمام الأوزاعي للجبوري: ١/ ١١٣. وأجاز ابن حزم في المحلى: ١/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٥) انظر: آداب الزفاف في السنة المطهرة: ١٢٩.\n(٦) في البحر المحيط: ٢/ ١٦٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥. ثم قال الطبري: \" فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ؟\nقيل: لا. فإن قال: فما معنى قوله إذًا: \" فأتوهن \"؟ قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر في حال الحيض، وذلك كقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [سورة المائدة: ٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الجمعة: ١٠]، وما أشبه ذلك\". (تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥).\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٠.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٢.","vol":"4","page":461},{"text":"انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، أو مباحًا فمباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح\" (١).\nوقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٢):\nأحدها: أن معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك: الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض. وهذا قول ابن عباس (٣)، وعكرمة (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، وإبراهيم (٨).\nقال ابن كثير: \" وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر\" (٩).\nوالثاني: أن المعنى: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه. وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض. فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. وهو قول أبي رزين (١٠)، والضحاك (١١)، والسدي (١٢)، وأحد قولي: عكرمة (١٣)، وقتادة (١٤)، وابن عباس (١٥).\nالثالث: أن المراد: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور. وهو قول ابن حنيفة (١٦).\nقال ابن عثيمين: \" والمراد بالإتيان الجماع - كني بالإتيان عن المجامعة -؛ والأمر هنا للإباحة\" (١٧).\nوقد ذكر العلماء في معنى ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وجهين (١٨):\nأحدهما: أنها بمعنى (في)، \"كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي في يوم الجمعة، وقوله ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي في الأرض\" (١٩).\nفيكون المعنى: فأتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه؛ وهو الفرج.\nوالثاني: أنها للابتداء؛ فهي على بابها؛ أي: \"فأتوهن من هذه الطريق من حيث أمركم الله؛ وهو أن تطؤوهن في الفروج؛ لقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣]، و(الحرث): \"هو موضع الزرع؛ وموضع الزرع هو القبل؛ فيكون معنى قوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أي من قُبُلهن؛ وليس من الدبر\" (٢٠)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٧ - ٥٨٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٨ ومابعدها.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٧): ص ٤/ ٣٨٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٩): ص ٤/ ٣٨٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٢٨٠): ص ٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٢٨١): ص ٤/ ٣٨٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٢٨٦): ص ٤/ ٣٨٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٢٨٩): ص ٤/ ٣٩٨.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٢٩١): ص ٤/ ٣٩١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٩٨): ص ٤/ ٣٩٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٩٧): ص ٤/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٩٥): ص ٤/ ٣٩١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٢٩٦): ص ٤/ ٣٩١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٢٩٠): ص ٤/ ٣٩٠.\n(١٦) تفسير الطبري (٤٣٠١): ص ٤/ ٣٩٢.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ٤/ ٣٨٥.\n(١٨) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٢٧.\n(١٩) فتح القدير: ١/ ٢٢٧.\n(٢٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨٢.","vol":"4","page":462},{"text":"قال الشوكاني: وقيل \"ان المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه أي من غير صوم وإحرام وأعتكاف وقيل إن المعنى ومن قبل الطهر لا من قبل الحيض وقيل من قبل الحلال لا من قبل الزنا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أيإن الله\" يحب التائبين من الذنوب\" (٢).\nقال الطبري: التوابين\" المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: من الذنب وإن تكرر غشْيانه\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"و﴿التوابين﴾ صيغة مبالغة تفيد الكثرة؛ فالتوابون كثيرو التوبة؛ و(التوبة) هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته\" (٥).\nقال القاسمي: \" وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها - بارتكاب بعض الناس لما نهُوا عنه - وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أي: وإن الله يحب\" المتنزهين عن الفواحش والأقذار\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى\" (٨).\nقال القاسمي: أي \"المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان فيغير المأتى\" (٩).\nوقد تعددت اقوال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، على وجوه (١٠):\nأحدها: التوابون من الذنوب والشرك، والمتطهرون: أي بالماء من الجنابة والأحداث، قاله عطاء (١١).\nقال ابن عثيمين: \"و﴿المتطهرين﴾ أي \"الذين يتطهرون من الأحداث، والأخباث\" (١٢).\nوالثاني: أن المعنى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾، من الذنوب، ﴿ويحب المتطهرين﴾، من أدبار النساء أن يأتوها. وهذا قول مجاهد (١٣).\nوالثالث: أن المعنى: ﴿ويحب المتطهرين﴾، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها. وهو قول مجاهد مجاهد (١٤) أيضا.\nوالرابع: أن \"المتطهرون الذين لم يذنبوا (١٥).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٢٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٨.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨٢.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٨.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٢.\n(١٠) اظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٩١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٣٠٢): ص ٤/ ٣٩٥.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٣٠٥): ص ٤/ ٣٩٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٣٠٦): ص ٤/ ٣٩٥.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٩١. ثم قال: \" فإن قيل: كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب، قيل: قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه، كما ذكر في آية أخرى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ [الملائكة: ٣٢] \".","vol":"4","page":463},{"text":"والقول الأول هو الراجح -والله أعلم-، فالمراد التوابين من الذنوب والمتطهرون من الجنابة والأحداث، لأنه الأظهر بسياق الآية.\nقال ابن عثيمين: \" وجمع بين ذلك ﴿التطهر﴾، وبين التوبة؛ لأن (التوبة) تطهير الباطن؛ و(التطهر) تطهير الظاهر\" (١).\nقال الراغب: \" ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ تنبيها أن من كان منه شيء من ذلك، فحق عليه أن يتوب ويتطهر من بعد، والتطهر عام في استعمال الماء، وتطهر القلوب من الذنوب والتوبة اجتناب الذنب والتطهر عمل الصالحات، وجعل التوبة مقدمة على التطهير تنبيهًا أن اجتناب القاذورات مدرجة إلى فعل الخيرات، وعظم أمر المتطهرين حيث جعلهم محبوبيه، وروي خريم بن ساعدة قال: يا رسول الله: من الذين قال الله - ﷿ - فيهم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟ فقال ﵇: \" نعم الرجل منهم خريم \" (٢)، ويدل على إرادة هذا المعنى بالتطهر قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ \" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تتابع أسئلة الصحابة ﵃ على رسول الله --ﷺ-.\n٢ - ومنها: حرص الصحابة على العلم، حيث يسألون رسول الله --ﷺ- عن مثل هذه الأمور.\n٣ - ومنها: أنه لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من سؤال العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾.\n٤ - ومنها: أن الله ﷿ قد يتولى الإجابة فيما سئل عنه رسول الله --ﷺ-، حيث قال تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾.\n٥ - ومنها: أن المحيض - وهو الحيض - أذًى؛ لأنه قذر، ونجس؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بغسله قليله، وكثيره؛ فقد كان النساء يصيب ثيابهن الحيض، فيسألن النبي ﷺ عن ذلك فيأمرهن بحته، ثم قرصه بالماء، ثم نضحه (٤) - أي غسله -.\n٦ - ومنها: تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿هو أذًى فاعتزلوا﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة: إثبات الحكمة فيما شرعه الله ﷿؛ لكن من الحكمة ما هو معلوم للخلق؛ ومنها ما ليس بمعلوم؛ لكننا نعلم أن جميع أحكام الله الشرعية والقدرية مقرونة بالحكمة.\n٧ - ومن فوائد الآية: تقديم علة الحكم عليه حتى تتهيأ النفوس لقبول الحكم، والطمأنينة إليه؛ ويكون قبوله فطريًا؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ وقد يتقدم الحكم على العلة - وهو الأكثر كما في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وكما في الحديث الصحيح: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» (٥).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٨٣.\n(٢) رواه أحمد (٣٤٥): ص ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، وإسناده ضعيف.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.\n(٤) راجع البخاري ص ٢١ كتاب الوضوء، باب ٦٣: غسل الدم، حديث رقم ٢٢٧؛ وصحيح مسلم ص ٧٢٧، كتاب الطهارة باب ٣٣: نجاسة الدم، وكيفية غسله؛ حديث رقم ٦٧٥ [١١٠] ٢٩١.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٥٣٠، كتاب الاستئذان، باب ٤٧: إذا كانوا أكثر من ثلاثة ...، حديث رقم ٦٢٩٠، وأخرجه مسلم ص ١٠٦٦، كتاب السلام، باب ١٥: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، حديث رقم ٥٦٩٦ [٣٧] ٢١٨٤.","vol":"4","page":464},{"text":"٨ - ومن فوائد الآية: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ وقد بينت السنة ماذا يعتزل منهن - وهو الجماع -؛ لقول النبي ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١).\n٩ - ومنها: منة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذًى مضر بالمرأة، ومضر بالرجل.\n١٠ - ومنها: تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾.\n١١ - ومنها: وجوب جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن﴾؛ وقد قال به بعض أهل العلم؛ ولكن هذا القول ضعيف جدًا؛ والصواب أن الأمر فيه لرفع الحظر؛ لأنه ورد بعد النهي؛ ويبقى الحكم على ما كان عليه قبل النهي.\n١٢ - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله لا زمانًا ولا مكانًا فيما أباحه الله من إتيان أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾.\n١٣ - ومنها: جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾؛ ولم يحدد الجهة التي تؤتى منها المرأة.\n١٤ - ومنها: أنه لا يباح وطؤها في الدبر؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، ولقوله تعالى في المحيض: ﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ ومن المعلوم أن أذى الغائط أقبح من أذى دم الحيض؛ وهذا - أعني تحريم وطء الدبر - قد أجمع عليه الأئمة الأربعة؛ ولم يصح عن أحد من السلف جوازه؛ وما روي عن بعضهم مما ظاهره الجواز فمراده إتيانها من الدبر في الفرج.\n١٥ - ومنها: إثبات محبة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾؛ والمحبة صفة حقيقية لله ﷿ على الوجه اللائق به؛ وهكذا جميع ما وصف الله به نفسه من المحبة، والرضا، والكراهة، والغضب والسخط، وغيرها؛ كلها ثابتة لله على وجه الحقيقة من غير تكييف ولا تمثيل.\n١٦ - ومنها: أن محبة الله من صفاته الفعلية - لا الذاتية -؛ لأنها علقت بالتوبة؛ والتوبة من فعل العبد تتجدد؛ فكذلك محبة الله ﷿ تتعلق بأسبابها؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية.\n١٧ - ومنها: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، وأنها من أسباب محبة الله للعبد؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾.\n١٨ - ومنها: محبة الله تعالى للمتطهرين؛ لقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾.\n١٩ - ومنها: حسن أسلوب القرآن؛ لأنه جمع في هذه الآية بين التطهر المعنوي الباطني، والتطهر الحسي الظاهري؛ لقوله تعالى: ﴿يحب التوابين﴾ - وهي طهارة باطنة -؛ وقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾ - وهي طهارة ظاهرة -.\nالقرآن\n﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣]\nالتفسير:\nنساؤكم موضع زرع لكم، تضعون النطفة في أرحامهن، فَيَخْرج منها الأولاد بمشيئة الله، فجامعوهن في محل الجماع فقط، وهو القبل بأي كيفية شئتم، وقَدِّموا لأنفسكم أعمالا صالحة بمراعاة أوامر الله، وخافوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه للحساب يوم القيامة. وبشِّر المؤمنين -أيها النبي- بما يفرحهم ويسرُّهم من حسن الجزاء في الآخرة.\nفي سبب نزولها أقوال:\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٧٢٨، كتاب الحيض، باب ٣: جواز غسل الحائض رأس زوجها ...، حديث رقم ٦٩٤ [١٦] ٣٠٢.","vol":"4","page":465},{"text":"أحدها: أخرج الطبري بسنده عن مرة الهمداني قال: \"أن رجلا من اليهود لقي رجلا من المسلمين فقال له: أيأتي أحدكم أهلهُ باركًا؟ قال: نعم. قال: فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾، يقول: كيف شاء، بعد أن يكون في الفرج\" (١).\nوالثاني: وأخرج الطبري بسنده عن عبد الله بن علي: أنه بلغه أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا يومًا ورجل من اليهود قريبٌ منهم، فجعل بعضهم يقول: إنيّ لآتي امرأتي وهي مضطجعة. ويقول الآخر: إني لآتيها وهي قائمة. ويقول الآخر: إني لآتيها على جنبها وباركةً. فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم! ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة! فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم﴾، فهو القُبُل\" (٢).\nوالثالث: وقال الربيع: \" ذكر لنا - والله أعلم - أن اليهود قالوا: إن العرب يأتون النساء من قِبَل إعجازهن، فإذا فعلوا ذلك، جاء الولد أحول، فأكذب الله أحدوثتهم فقال: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ \" (٣). وأخرج الواحدي عن جابر بن عبدالله (٤) نحو ذالك.\nوالرابع: قال نافع: \" كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم. قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، فقال: أتدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا! قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن\" (٥). وروي عن ابن عباس (٦) مثل ذلك.\nوالخامس: وقال عطاء بن يسار: \"أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، الآية\" (٧).\nوالسادس: وقال مجاهد: \"عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأساله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهن مقبلاتٍ ومدبراتٍ. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك، وقلن: هذا شيء لم نكن نُؤْتَى عليه! فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث. يقول: ائت الحرث من حيث شئت \" (٨). وأخرجه الواحدي في رواية الكلبي عن ابن عباس (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٣١٥): ص ٤/ ٤٠٠.\n(٢) تفسير الطبري (٤٣١٨): ص ٤/ ٤٠٠.\n(٣) تفسير الطبري (٤٣٢٢): ص ٤/ ٤٠٢.\n(٤) انظر: اسباب النزول: ٧٦ - ٧٧، والحديث أخرجه البخاري (فتح الباري: ٨/ ١٨٩ - ح: ٤٥٢٨) ومسلم (٢/ ١٠٥٨، ١٠٥٩ - ح: ١٤٣٥) والحميدي (مسند الحميدي: ٢/ ٥٣٢ - ح: ١٢٦٣) وأبو داود (٢/ ٦١٨ - ح: ٢١٦٣) والترمذي (٥/ ٢١٥ -: ٢٩٧٨) وابن جرير (٢/ ٢٣٤، ٢٣٥) وابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٠) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: ٤/ ٢١ - ح: ٢٠٢٤) كلهم عن سفيان به.\n(٥) تفسير الطبري (٤٣٢٥): ص ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤.\n(٦) تفسير الطبري (٤٣١٩): ص ٤/ ٤٠٣ - ٤٠١.\n(٧) تفسير الطبري (٤٣٣٤): ص ٤/ ٤٠٨. وهذا حديث مرسل، لأن عطاء بن يسار تابعي. وقوله \" أثفرها \": من \" الثفر \"، بفتح الثاء المثلثة والفاء، وهو ما يوضع للدابة تحت ذنبها يشد به السرج. شبه ذلك الفعل بوضع الثفر على دبر الدابة.\n(٨) تفسير الطبري (٤٣٣٧): ص ٤/ ٤٠٩. وأخرجه الواحدي: ٧٦، أخرجه أبو داود (٢/ ٦١٨ - ح: ٢١٦٤) والحاكم (المستدرك: ٢/ ١٩٥، ٢٧٩) والطبراني (المعجم الكبير: ١١/ ٧٧ - ح: ١١٠٩٧)، والدارمي وابن المنذر والبيهقي (فتح القدير: ١/ ٢٢٨) عن ابن عباس به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ويشهد له: ما أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٨٧، ٨٨ - ح: ١٨٦، ١٨٧) وابن جرير (٢/ ٢٣٥) والترمذي (٥/ ٢١٥ - ح: ٢٩٧٩) وغيرهم عن أم سلمة نحوه، وحسنه الترمذي وهو كما قال.\n(٩) انظر: أسباب النزول: ٧٨.","vol":"4","page":466},{"text":"والسابع: وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: \"جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكتُ! ! قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حوَّلتُ رحلي الليلة! قال: فلم يردّ عليه شيئًا، قال: فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، أقبِل وأدبِر، واتق الدُّبر والحيْضة \" (١). وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (٢).\nوالثامن: وقال حنش الصنعاني عن ابن عباس: أن ناسًا من حميرَ أتوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه عن أشياء، فقال رجل منهم: يا رسول الله، إنّي رجل أحب النساء، فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله تعالى ذكره في سورة (البقرة) بيان ما سألوا عنه، وأنزل فيما سأل عنه الرجل: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم﴾، فقال رسول الله ﷺ: ائتها مُقبلةً ومُدبرةً، إذا كان ذلك في الفرج \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، يعني: \" نساؤكم مُزدَرَعُ أولادكم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثًا للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشرًا سويًا\" (٥).\nعن ابن عباس: \" ﴿فأتوا حرثكم﴾، قال: منبت الولد\" (٦).\nوعن السدي: \" ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، أما (الحرث)، فهي مَزْرَعة يحرث فيها\" (٧).\nقوله تعالى: \" ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي \"كيف شئتم، قائمة وقاعدة ومضطجعة، بعد أن يكون في مكان الحرث \" الفرج \" وهو رد لقول اليهود: إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: كيف شئْتم مقبلة ومدبرة في صِمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي من حيث شئتم؛ فـ ﴿أنى﴾ ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث\" (١٠).\nقال الطبري: \" فانكحوا مزدرَع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٣٤٧): ص ٤/ ٤١٢ - ٤١٣. والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٧٠٣ عن شيخه حسن بن موسى الأشيب بهذا الإسناد وقد خرجناه هناك، ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه ٦: ٣٦٤ - ٣٦٥ (مخطوطة الإحسان) والبيهقي ٧: ١٩٨. ويشهد له ما أخرجه النسائي في \"العشرة\" (حاشية جامع الأصول: ٢/ ٤٣) عن ابن عمر ﵄: \"أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله الآية\". وسنده قوي.\n(٢) انظر: أسباب النزول: ٧٧ - ٧٨، والحديث أخرجه الإمام أحمد (الفتح الرباني: ١٨/ ٨٨ - ح: ١٨٩) والترمذي (٥/ ٢١٦ - ح: ٢٩٨٠)، والطبراني (المعجم الكبير: ١٢/ ١٠ - ح: ١٢٣١٧) وعبد بن حميد والضياء المقدسي في \"المختارة\" (فتح القدير: ١/ ٢٢٨) كلهم من طريق يعقوب القمي به. وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٩) وهو حسن.\n(٣) تفسير الطبري (٤٣٤٨): ص ٤/ ٤١٣. والحديث ذكره ابن كثير ١: ٥١٤ - ٥١٥ من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن يونس عن ابن وهب عن ابن لهيعة. بهذا الإسناد. وذكره السيوطي ١: ٢٦٢ - ٢٦٣، وزاد نسبته للطبراني والخرائطي. وروى أحمد في المسند: ٢٤١٤ - نحوه ولكن فيه أن السائلين كانوا من الأنصار. وإسناده ضعيف، من أجل رشدين بن سعد في إسناده.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٧. عن محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٧. عن موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٨.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٨.","vol":"4","page":467},{"text":"و\" الإتيان \" في هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع\" (١).\nواختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (٢):\n١ - فقال بعضهم: معنى ﴿أنَّى﴾، (كيف) (٣).\nومن قال إن ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: (كيف)، فالمعنى عنده تخيير في الصفات والهيئة، وفيه قولان:\nأحدهما: أن ذلك على الإطلاق، أي: على أي حالة اختارها الواطئ مقبلة ومدبرة، على شق أو قائمة أو مضطجعة وغير ذلك من الصفات إذا اتقى الدبر والحيض، وهو قول: ابن عباس ومجاهد وعطية والسدي وابن قتيبة في آخرين.\nثانيهما: أن ذلك بالنسبة إلى العزل والمعنى: إن شاء عزل، وإن شاء لم يعزل، وهو قول سعيد بن المسيب.\nأخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن عباس: \" فأتوا حرثكم أنّى شئتم \"، قال: يأتيها كيف شاء، ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض\" (٤).\nكذا قاله عكرمة ومجاهد وابن كعب ومرة الهمداني وقتادة والسدي وعبدالله بن علي وابن حجر (٥) (٦).\n٢ - وقال آخرون معنى قوله: \" أنى شئتم \"، متى شئتم (٧).\nومن قال: إن ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: (متى) فالمعنى: في أي زمان أردتم، أي من زمن الطهر، وقد اختاره السيوطي وابن عاشور (٨).\nقال الضحاك: \" ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، يقول: مَتى شئتم\" (٩).\nوقال ابن عباس: \" أنى شئتم من الليل والنهار\" (١٠).\n٣ - وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئتم، وحيث شئتم (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٨ وما بعدها.\n(٣) هو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وعطية. انظر: جامع البيان لابن جرير: ٤/ ٣٩٨ - ٤٠٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٥١ - ٢٥٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٧٠. وقال به أيضًا: الفراء في معاني القرآن: ١/ ١٤٤، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٩٨، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٨٥، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠٥، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: ١/ ٢١١، والواحدي في الوسيط: ١/ ٣٢٩، وبيان الحق النيسابوري في وضح البرهان: ١/ ٢٠٦، وابن جزيء في التسهيل: ١/ ١٢١، والجلال المحلي في تفسير الجلالين-بحاشية الفتوحات الإلهية-: ١/ ١٨٠، وهو ظاهر ما ذهب إليه الرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٧٨، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٧٠ - ١٧١.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٨. عن أبي كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(٥) انظر: الهدي: ٨٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٩٨ - ٤٠٠.\n(٧) هو قول ابن الحنفية والضحاك، وروي عن ابن عباس وابن جبير، انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٤٠٣، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٥٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٧٠.\n(٨) انظر: همع الهوامع: ٤/ ٣١٧، والتحرير: ٣/ ٣٧١ - ٣٧٢.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٣. عن حسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٣. قا الطبري: \" حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي - وهو عمار الدُّهني -، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو: يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى! فقرأ: \" ويسألونك عن المحيض \" حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثَمَّ أمرت أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها: \" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \"؟ فقال: إي! ويحك! وفي الدُّبُر من حَرْث! ! لو كان ما تقول حقًّا، لكان المحيض منسوخًا! إذا اشتغل من ههنا، جئتَ من ههنا! ولكن: أنى شئتم من الليل والنهار\".\n(١١) حيث ظرف مكان، وعبر عنه بعضهم بأين، وهو محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس، ونسب إلى سعيد ابن المسيب ونافع ومحمد بن كعب القرظي وابن الماجشون، وقال به: ابن القيم في الزاد: ٤/ ٢٦١. وانظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٤٠١ - ٤٠٢، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٥٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٩٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٤.","vol":"4","page":468},{"text":"واحتج هؤلاء بقول ابن عمر \" أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فأنزل الله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ \" (١).\nوما روي عن عطاء بن يسار: \"أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنزل الله تعالى ذكره: \" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \" الآية\" (٢).\nعن نافع، قال: قرأتُ ذاتَ يوم: \" نساؤكم حرْثٌ لكم فائتوا حرثكم أنى شئتم \"، فقال ابن عمر: أتدري فيمَ نزلتْ؟ قلتُ: لا! قال: نزلتْ في إتيان النساء في أدْبارهنّ\" (٣).\nوقيل لزيد بن أسلم: \"إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن. فقال زيد: أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله\" (٤).\nوري عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم: \" كذب العبد، أو: العلجُ، على أبي \"! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإنَّ الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نشتري الجواري فنُحمِّض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ قال: الدُّبُر.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٧. عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر.\nأبو بكر بن أبي أويس: هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني الأعشى، وهو ثقة.\nسليمان بن بلال أبو أيوب المدني: ثقة معروف، أخرج له الأئمة الستة.\nوهذا الحديث نقله ابن كثير ١: ٥١٧، من رواية النسائي، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كمثل رواية الطبري وإسناده سواء. ونقله الحافظ في التلخيص: ٣٠٧ - ٣٠٨، والسيوطي ١: ٢٦٥ - ٢٦٦، ونسباه للنسائي والطبري فقط.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٨. عن يونس قال، أخبرني ابن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.\nوهذا حديث مرسل، لأن عطاء بن يسار تابعي. وقوله \" أثفرها \": من \" الثفر \"، بفتح الثاء المثلثة والفاء، وهو ما يوضع للدابة تحت ذنبها يشد به السرج. شبه ذلك الفعل بوضع الثفر على دبر الدابة.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٤. عن يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع.\nوفي رواية أخرى: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم قال، حدثنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الكرابيس، عن ابن عون، عن نافع قال: كنت أمسك على ابن عُمر المصحف، إذ تلا هذه الآية: \" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، فقال: أن يأتيها في دبرها\". (تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٤).\nوكذا الرواية الثالثة التي ذكرناها في أسباب النزول.\nوهذه الأحاديث الثلاثة صحيحة ثابتة عن ابن عمر. وهي حديث واحد بأسانيد ثلاثة. وقد روى البخاري ٨: ١٤٠ - ١٤١ معناه عن نافع، عن ابن عمر، بثلاثة أسانيد. ولكنه كنى عن ذلك الفعل ولم يصرح بلفظه. وأطال الحافظ في الإشارة إلى كثير من أسانيده. وذكره السيوطي ١: ٢٦٥، ونسبه لمن ذكرنا.\nونقل الحافظ في الفتح ٨: ١٤١، عن ابن عبد البر، قال: \" ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه \". ونحو هذا نقل السيوطي ١: ٢٦٦ عن ابن عبد البر.\nوفي رواية أخرى قال الطبري: \" حدثني أبو قلابة قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: \" فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، قال: في الدبر\". (٤/ ٤٠٦).\nوأبو قلابة، شيخ الطبري: هو الرقاشي الضرير الحافظ، واسمه: عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن محمد، وهو ثقة، روى عنه الأئمة، منهم ابن خزيمة، وابن جرير، وأبو العباس الأصم. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث: \" رجل صدوق، أمين مأمون، كتبت عنه بالبصرة \". وقال الطبري: \" ما رأيت أحفظ منه \". مترجم في التهذيب. ابن أبي حاتم ٢/ ٢/٣٦٩ - ٣٧٠، وتاريخ بغداد ١٠: ٤٢٥ - ٤٢٧، وتذكرة الحفاظ ٢: ١٤٣ - ١٤٤. عبد الصمد: هو ابن عبد الوارث.\nوهذا الخبر رواه البخاري ٨: ١٤٠ - ١٤١، عن إسحاق، هو ابن راهويه، عن عبد الصمد. ولكنه حذف المكان بعد حرف \" في \"، فلم يذكر لفظه. وذكر الحفاظ في الفتح أنه صريح في رواية الطبري هذه.\nونقله ابن كثير ١: ٥١٧، عن الطبري بإسناده. ونقله السيوطي ١: ٢٦٥، ونسبه للبخاري وابن جرير.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٥. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال، حدثنا الدراوردي قال، قيل لزيد بن أسلم.","vol":"4","page":469},{"text":"فقال ابن عمر: أفْ! أفْ! يفعل ذلك مؤمن! - أو قال: مسلم! - فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع\" (١).\nوأخرج الطبري سنده عن \"موسى بن أيوب الغافقي قال: قلت لأبي ماجد الزيادي: إنّ نافعًا يحدث عن ابن عمر في دُبر المرأة. فقال: كذب نافع! صحبت ابن عمر ونافعٌ مملوكٌ، فسمعته يقول: ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا (٢).\nوعن قتادة قال: سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: هل يفعل ذلك إلا كافر! قال روح: فشهدت ابن أبي مليكة يُسأل عن ذلك فقال: قد أردته من جارية لي البارحةَ فاعتاص عليّ، فاستعنت بدهن أو بشحم. قال: فقلت له، سبحان الله! ! أخبرنا قتادة أنّ أبا الدرداء قال: هل يفعل ذلك إلا كافر! فقال: لعنك الله ولعن قتادة! فقلت: لا أحدث عنك شيئًا أبدًا! ثم ندمت بعد ذلك\" (٣).\nقال ابن كثير: \"وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، فالله أعلم\" (٤).\nوقال الطحاوي: \"حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب، عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول ... فذكر. قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم\" (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٥. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس.\nوهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٥٢١ - ٥٢٢، عن هذا الموضع، ونقله الحافظ في الفتح ٨: ١٤٢، والتلخيص، ص: ٣٠٨، مختصرًا، ونسبه أيضًا للنسائي والطحاوي، وقال في الفتح: \" وأخرجه الدارقطني، من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. وقال: هذا محفوظ عن مالك صحيح \".\nونقله السيوطي ١: ٢٦٦، مطولا، ونقل كلام الدارقطني.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٦. عن محمد بن إسحاق قال، أخبرنا عمرو بن طارق قال، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن موسى بن أيوب الغافقي.\nوأبو ماجد الزيادي: تابعي، ترجمه البخاري في الكنى، رقم: ٦٨٨، وابن أبي حاتم ٤/ ٢/٤٥٥ ورويا عنه هذا الخبر، بلفظين مختلفين، مخالفين لما هنا.\nفقال البخاري: \" أبو ماجد الزيادي، سمع ابن عمر، قال: ما نظرت إلى فرج امرأة منذ أسلمت. قاله يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، سمع موسى بن أيوب، عن أبي ماجد \".\nوقال ابن أبي حاتم: \" أبو ماجد الزيادي، سمع عبد الله بن عمرو، قال: ما نظرت إلى فرجي منذ أسلمت. روى عنه موسى بن أيوب الغافقي. سمعت أبي يقول ذلك \".\nوالظاهر أن \" عبد الله بن عمرو \"، عند ابن أبي حاتم - تحريف ناسخ أو طابع. ولكن لا يزال الاختلاف قائمًا في المعنى بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين رواية الطبري هذه. ولم أجد ما يرجح إحداها على غيرها.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٧. عن أبي مسلم قال، حدثنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن قتادة.\nوهذا الخبر هو في الحقيقة خبران، أولهما عن أبي الدرداء، وثانيهما أثر عن ابن أبي مليكة لا يصلح للاستدلال. فكلامنا عن خبر أبي الدرداء.\nوقد رواه الطبري هنا بإسناده إلى قتادة، \" قال: سئل أبو الدرداء. . . \"، وهو منقطع. فقد رواه أحمد في المسند: ٦٩٦٨ م بإسناده إلى قتادة، قال: \" وحدثني عقبة بن وساج، عن أبي الدرداء، قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر \"؟ ! . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧: ١٩٩. وقد خرجناه في شرح المسند.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٩٨ - ٥٩٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٩.","vol":"4","page":470},{"text":"وقال القرطبي: \"وممن ينسب إليه هذا القول - وهو إباحة وطء المرأة في دبرها - سعيد ابن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون. وهذا القول في العتبية. وحكى ذلك عن مالك في كتاب له أسماه كتاب السر، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب السر ووقع هذا القول في العتبية، وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من رواية كثيرة من كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن هذا لفظه قال: وحكى الكيا الهراسي الطبري عن محمد بن كعب القرظي أنه استدل على جواز ذلك بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ* وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ الشعراء: [١٦٥، ١٦٦] \" (١).\nقال ابن كثير معلقا على كلام القرطبي: \" يعني مثله من المباح ثم رده بأن المراد بذلك من خلق الله لهم من فروج النساء لا أدبارهن قلت: وهذا هو الصواب وما قاله القرظي إن كان صحيحًا إليه فخطأ. وقد صنف الناس في هذه المسألة مصنفات منهم أبو العباس القرطبي وسمى كتابه إطهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار\" (٢).\n٤ - وقال آخرون: معنى ذلك: ائتوا حرثكم كيف شئتم - إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا.\nقاله سعيد بن المسيب وابن عباس (٣).\n٥ - وقال آخرون: معنى: \" أنى شئتم \"، من حيث شئتم، وأي وجه أحببتم.\nومن قال إن (أَنَّى) بمعنى: (حيث) أو (أين) فالمعنى عنده: من حيث شئتم على تقدير من قبل الظرف، ولا يصح أن يكون المعنى في أي مكان شئتم لعدم جواز إتيان المرأة في الدبر على الصحيح.\nروي عن ابن عباس: أنه كان يكره أن تُؤتى المرأة في دبرها، ويقول: إنما الحرث من القُبُل الذي يكون منه النسل والحيض وينهى عن إتيان المرأة في دُبُرها ويقول: إنما نزلت هذه الآية: \" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، يقول: من أيّ وجه شئتم\" (٤).\nعن عكرمة: \" فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، قال: ظهرها لبطنها غير مُعاجَزة - يعني الدبر\" (٥).\nكذا قاله الربيع ومجاهد وعطاء (٦).\nوروي عن حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة قالت: قدِم المهاجرون فتزوجوا في الأنصار، وكانوا يُجَبُّون، وكانت الأنصار لا تفعل ذلك، فقالت امرأة لزوجها: حتى آتي النبي ﷺ فأسأله عن ذلك! فأتت النبيَّ ﷺ فاستحيت أن تسأله، فسألتُ أنا، فدعاها رسول الله ﷺ فقرأ عليها: \" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، \" صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا \" (٧).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٣ - ٩٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٠٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠١. عن سهل بن موسى الرازي قال، حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠١. عن ابن حميد قال حدثنا ابن واضح قال، حدثنا العتكي، عن عكرمة.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٤٠١ - ٤٠٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٤١١. عن أبي كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن سابط، عن حفصة.\nعبد الله بن عثمان بن خثيم القاري المكي: تابعي، ثقة حجة، كما قال ابن معين. و\" خثيم \": بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة، مصغرًا. ووقع في المطبوعة، هنا، وفي: ٤٣٤٤ \" جشم \"، وهو تصحيف. عبد الرحمن بن سابط: تابعي معروف، مضت ترجمته: ٥٩٩. حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: تابعية ثقة.\nوالحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٣٠٥ (حلبي)، عن عفان، عن وهيب، عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم، بهذا الإسناد، نحوه، مطولا. ونقله ابن كثير ١: ٥١٥ عن رواية المسند. وواقع في مطبوعته تحريف وتصحيف.\nورواه البيهقي ٧: ١٩٥، بنحوه مختصرًا، من طريق سفيان، ومن طريق روح بن القاسم - كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم.\nوذكره السيوطي ١: ٢٦٢، مطولا. وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والدارمي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\nالصمام ما أدخل في فم القارورة تسد به. فسمى الفرج به، لأنه موضع صمام، على التشبيه وحذف المضاف. ومعناه: في مسلك واحد.","vol":"4","page":471},{"text":"واختار هذا القول ابن حجر، إذ يقول: \" فمن الأحاديث الصالحة الإِسناد (١) حديث خزيمة بن ثابت (٢) أخرجه أحمد (٣) والنسائي (٤) وابن ماجة (٥)، وصححه ابن حبان (٦)، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧) والترمذي (٨)، وصححه ابن حبان (٩) أيضًا، وحديث ابن عباس، وقد تقدمت الإِشارة إليه (١٠)، وأخرجه الترمذي (١١) من وجه آخر بلفظ: \"لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر\"، وصححه ابن حبان (١٢) أيضًا، وإذا كان ذلك\n_________\n(١) أي: في الدلالة على حرمة إتيان المرأة في دبرها.\n(٢) هو: أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري الأوسي الخَطْمِي، ذو الشهادتين، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، وقتل مع علي بصفين عام: ٣٧ هـ، ولم يقاتل معه حتى قتل معه عمار بن ياسر﵃ أجمعين-. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: ٢/ ٤٤٨، أسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ١٣٣، الإصابة لابن حجر: ٤٢٤/ ١.\n(٣) أحمد في المسند-تحقيق الزين-: ١٦/ ١١٦ رقم: ٢١٧٥١ ولفظه: (لا يستحي الله من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن) وهو في المسند أيضًا: ١٦/ ١١٧ رقم: ٢١٧٥٥ و: ١٦/ ١١٩ رقم: ٢١٧٦٢ و: ١٦/ ١٢١ رقم: ٢١٧٧١.\n(٤) النسائي في الكبرى: ٥/ ٣١٦ - ٣١٩ رقم: ٨٩٨٢ - ٨٩٩٥.\n(٥) ابن ماجة في السنن: ١/ ٦١٩ رقم: ١٩٢٤.\n(٦) صحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: ٩/ ٥١٢ - ٥١٣ رقم: ٤١٩٨. قلت: وهو عند الطبراني في معجمه الكبير: ٤/ ٨٩ - ٩٠ رقم: ٣٧٣٨ - ٣٧٤٣، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧/ ١٩٦ - ١٩٨، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: ١٥/ ٤٣٠ رقم: ٦١٣٢، والشافعي في الأم: ٥/ ١٣٧، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(٧) أحمد في المسند-تحقيق الزين-: ٩/ ١٦٣ رقم: ٩٢٦١ و٩/ ٤٠٧ رقم: ١٠١٢١، ولفظه (من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه فقد برئ مما أنزل على محمد﵊-).\n(٨) الترمذي في جامعه الصحيح: ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم: ١٣٥.\n(٩) لم أهتد إليه في صحيحه-ترتيب ابن بلبان-، وليس في باب الحيض والاستحاضة عند ذكر الإباحة للمرء أن يضاجع امرأته إذا كانت حائضًا: ٤/ ١٩٧ - ٢٠٣، ولا في باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن: ٩/ ٥١٢ - ٥١٨، ولا في كتاب الكهانة والسحر: ١٣/ ٥٠٦ - ٥٠٨، كما لم أهتد إليه بأي لفظ آخر من الألفاظ الواردة عن أبي هريرة والتي ذكرها النسائي في الكبرى: ٥/ ٣٢٢ - ٣٢٤، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، كما أن الحافظ في تلخيص الحبير: ٣/ ٣٦٨ - ٣٧٠، لم يعزه لابن حبان مع جمعه للطرق. والحديث عند أبي داود في السنن: ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦ رقم: ٣٩٠٤، وابن ماجة في سننه: ١/ ٢٠٩ رقم: ٦٣٩، والنسائي في سننه الكبرى: ٥/ ٣٢٣ رقم: ٩٠١٧، والدارمي في سننه: ١/ ٢٧٣ رقم: ١١٢٤.\n(١٠) في فتح الباري: ٨/ ٣٩ قال: [فروى أبو داود: (٢/ ٦١٨ رقم: ٢١٦٤) عن ابن عباس-وفيه-فسرى أمرهما حتى بلغ رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، في الفرج)، وأخرجه أحمد (في المسند-تحقيق الزين-: ٣/ ٢٠٧ رقم: ٢٧٠٣)، والترمذي: (في الجامع الصحيح: ٥/ ٢١٦ رقم: ٢٩٨٠) من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: (جاء عمر فقال: يا رسول هلكت. حولت رحلي البارحة فأنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة). قلت: وهو عند النسائي في الكبرى: ٥/ ٣١٤ رقم: ٨٩٧٧، والطبراني في معجمه الكبير: ١٢/ ١٠ رقم: ١٢٣١٧، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧/ ١٩٨، والواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: ٧٧ - ٧٨، والطبري في جامع البيان: ٤/ ٤١٢ - ٤١٣ رقم: ٤٣٤٧، وابن أبي حاتم في التفسير-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٩٤ رقم: ١٨٤١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٥٩، وابن حبان في صحيحه-ترتيب ابن بلبان-: ٩/ ٥١٦ رقم: ٤٢٠٢، وأبي يعلى في مسنده: ٥/ ١٢١ رقم: ٢٧٣٦.\n(١١) في جامعه الصحيح: ٣/ ٤٦٠ رقم: ١١٦٥.\n(١٢) صحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: ٩/ ٥١٧ - ٥١٨ رقم: ٤٢٠٤ وهو في مسند أبي يعلى: ٤/ ٢٦٦ رقم: ٢٣٧٨، والسنن الكبرى للنسائي: ٥/ ٣٢٠ رقم: ٩٠٠١، والمحلى لابن حزم: ٩/ ٢٢١. وقد ذهب جماعة من أئمة الحديث كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري إلى أنه لا يثبت في الباب حديث. انظر: فتح الباري: ٨/ ٣٩، تلخيص الحبير: ٣/ ٣٦٨، لكن قال الصنعاني في سبل السلام: ٣/ ٢٣٥ (روي هذا الحديث بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب﵁وعمر وخزيمة وعلي بن طلق وطلق بن علي وابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر والبراء وعقبة بن عامر وأنس وأبو ذر وفي طرقه جميعها كلام ولكنه مع كثرة الطرق واختلاف الرواة يشد بعض طرقه بعضًا)، وإلى هذا ذهب الحافظ في الفتح: ٨/ ٣٩ - ٤٠، والشوكاني في الدراري المضية: ٢/ ٦٨، وصديق خان في الروضة الندية: ٢/ ٨٩، كما قال بصحة أو حسن بعض هذه الأحاديث: الألباني في إرواء الغليل: ٧/ ٦٥ - ٦٨ رقم: ٢٠٠٥ - ٢٠٠٦، وشعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان-بترتيب ابن بلبان-: ٩/ ٥١٢ - ٥١٨، وعبد القادر الأرناووط في تخريجه لجامع الأصول لابن الأثير: ٥/ ٦٥، وحسين أسد في تخريجه لمسند أبي يعلى: ٤/ ٢٦٦.","vol":"4","page":472},{"text":"صلح أن يخصص عموم الآية، ويحمل على الإِتيان في غير هذا المحل بناء على أن معنى ﴿أَنَّى﴾ (حيث)، وهو المتبادر إلى السياق، ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر (١)، والله أعلم\" (٢).\nوقال الطبري: قوله ﴿أنى شئتم﴾، يعني: \"من أيّ وجه شئتم، وذلك أن (أنَّى) في كلام العرب كلمة تدلّ إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب، وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها، فقال الكميت بن زيد (٣):\nتَذَكَّر مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبَهُ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلْ\nوقال أيضًا (٤):\nأَنَّى وَمِنْ أَيْنَ - آبَكَ - الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ\nفيجاء بـ \" أنى \" للمسألة عن الوجه، وبـ \" أين \" للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أيّ وجه، ومن أي موضع راجعك الطرب؟\nقال الطبري: \" والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: \" فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، كيف شئتم - أو تأوله بمعنى: حيث شئتم أو بمعنى: متى شئتم أو بمعنى: أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر: \" أنى تأتي أهلك؟ \"، لكان الجواب أن يقول: \" من قُبُلها، أو: من دُبُرها \"، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذْ سئلت: (أَنَّى لَكِ هَذَا) أنها قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره: \" فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، إنما هو: فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى - وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: \" فأتوا حرثكم أنى شئتم \"، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكره: ﴿حرث لكم﴾، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم. وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال: ائته من وجهه؟ وبيِّنٌ بما بينا، صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس: من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: \" إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها، جاء الولد أحول\"\" (٥).\n_________\n(١) فالحافظ ابن حجر في قوله أبقى اللفظ على حقيقته ولم يتجه إلى القول بالمجاز، لكن لم أرَ من نص عليه، وإن كان الأولى حمل كلام من قال بأن (أَنَّى) في الآية بمعنى حيث أو أين على ذلك. والله تعالى أعلم.\n(٢) الفتح: ٨/ ٣٩ - ٤٠.\n(٣) اللسان (أبل) آمره يؤامره: شاوره. وقوله: \" نفيسه \" جعل النفس نفسين، لأن النفس تأمر. المرء بالشيء وتنهى عنه، وذلك في كل مكروه أو مخوف فجعلوا ما يأمره \" نفسًا \" وما ينهاه \" نفسًا \" وقد بينها الممزق العبدي في قوله:\nأَلا مَنْ لِعَيْنٍ قَدْ نَآهَا حَمِيمُهَا ... وَأَرَّقَنِي بَعْدَ المَنَامِ هُمُومُها\nفَبَاتَتْ له نَفْسَانِ شَتَّى هُمُومُها ... فنَفْسٌ تُعَزِّيهَا ونفْسٌ تَلُومُها\nو\" الهجمة \": القطعة الضخمة من الإبل من السبعين إلى المئة. ويقال: \" رجل أبل \" إذا كان حاذقا بمصلحة الإبل والقيام عليها. ولم أجد شعر الكميت، ولكني أرجح أن هذا البيت من أبيات في حمار وحش، قد أخذ أتنه (وهي إناثه) ليرد بها ماء، فوقف بها في موضع عين قديمة كان شرب منها، فهو متردد في موقفه، فشبهه يراعى الإبل الكثيرة، إذا كان خبيرًا برعيتها فوقف بها ينظر أين يسلك إلى الماء والمرعى.\n(٤) الهاشميات: ٣١. قوله: \" آبك \" معترضة بين كلامين كما تقول: \" ويحك \" بين كلامين وسياقه \" أنى ومن أين الطرب \"؟ و\" آبك \" بمعنى \" ويلك \" يقال لمن تنصحه ولا يقبل ثم يقع فيما حذرته منه، كأنه بمعنى: أبعدك الله! دعاء عليه؟ من ذلك قول رجل من بني عقيل:\nأَخَبَّرْتَنِي يَا قَلْبُ أَنَّكَ ذُو غَرًى ... بَليْلَي؟ فَذُقْ مَا كُنْتَ قبلُ تَقُولُ! فآبَكَ!\nهلاَّ وَاللَّيَالِي بِغِرَّةٍ ... تُلِمُّ وَفِي الأَيَّامِ عَنْكَ غُفُولُ! !\nبيد أن أبا جعفر فسر \" آبك \" بمعنى: \" راجعك الطرب \" من الأوبة، وهو وجه في التأويل، ولكن الأجود ما فسرت والشعر بعده دال على صواب ما ذهبت إليه.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٥ - ٤١٦.","vol":"4","page":473},{"text":"وقال القرطبي: \" هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم\" (١).\nقلت: الأولى حمل كلام من قال بأن ﴿أَنَّى﴾ في الآية بمعنى (حيث) أو (أين) على ذلك، لثبوت النهي عن إتيان النساء في أدبارهن عن النبي ﷺ (٢)، ولأنه لو صح جواز إتيان النساء في أدبارهن عن النبي\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٣. ثم قال: \" معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة، كما ذكرنا آنفا. و\"أنى\" تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من \"كيف\" ومن \"أين\" ومن \"متى\"، هذا هو الاستعمال العربي في \"أنى\". وقد فسر الناس \"أنى\" في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبوبه بـ \"كيف\" ومن \"أين\" باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها بـ \"أين\" إلى أن الوطء في الدبر مباح، وممن نسب إليه هذا القول: سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبدالملك بن الماجشون، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى \"كتاب السر\". وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له \"كتاب سر\". ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب \"جماع النسوان وأحكام القرآن\". وقال الكيا الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]. وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكيا: وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد.\nقلت: هذا هو الحق في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر أن العلماء لم اختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبدالعزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك، لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث، لقوله تعالى:: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم، ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله ﷿: ﴿أنى شئتم﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه \"تحريم المحل المكروه\". ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه \"إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار\".\nقلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به ﵁. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض بهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! وأسند عن خزيمة بن ثابت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن\". ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة\" وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \" تلك اللوطية الصغرى \" يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله ﷺ استغني به عما سواه\". (تفسير القرطبي: ٤/ ٩٤ - ٩٥).\n(٢) من الأحاديث في نهي إتيان النساء من الدبر والتي ذكرها ابن كثير:\n- قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه - وعن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن\". ذكره الدارقطني في العلل (٢/ ١٦٧) قال: \"ولم يذكر طاوسا في حديث عمرو بن دينار، وقول عثمان بن اليمان أصحها\".\n- وقد رواه النسائي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال: \"لا تأتوا النساء في أدبارهن\". سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٨).\n- وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٩). الموقوف أصح.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا غُنْدَر ومعاذ بن معاذ قالا حدثنا شعبة عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد - أو يزيد بن طلق - عن النبي ﷺ قال: \"إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن\". ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٤/ ٣٨٤) من طريق غندر في مسند علي بن طلق، ولا أدري كيف وقع هنا يزيد بن طلق، وقد بين الحافظ الصواب في ذلك، والله أعلم.\nوكذا رواه غير واحد، عن شعبة. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق، كما تقدم، والله أعلم.\n- حديث آخر: قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الحَرَميّ، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"محاش النساء حرام\". ورواه الدولابي في الكنى (٢/ ٨٥).\nوقد رواه إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، وشعبة، وغيرهم، عن أبي عبد الله الشقري - واسمه سلمة بن تمام: ثقة - عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود - موقوفًا. وهو أصح.\nطريق أخرى: قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تأتوا النساء في أعجازهن\" الكامل لابن عدي (٣/ ٢٠٦). محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه، فيهما مقال.\nوقد روي من حديث أبي بن كعب (حديث أبي بن كعب رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٤٥٧) من طريق أبي قلابة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب به) والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (حديث عقبة بن عامر رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة به. وأبي ذر، وغيرهم. وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم.\n- وقال الثوري، عن الصَّلت بن بَهْرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليا عن إتيان امرأة في دبرها، فقال: سفلت، سَفَّلَ الله بك! ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].\nوقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه يحرمه.\n- قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري، أنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدُّبر. فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟\nوكذا رواه ابن وهب وقتيبة، عن الليث، به. وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم.\n- وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصين، حدثني إسماعيل بن روح: سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن: قال: ما أنتم قوم عرب. هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدو الفرج.\nقلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون: إنك تقول ذلك؟ ! قال: يكذبون علي، يكذبون علي.\nقال ابن كثير: فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف: أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء.\nوقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة، حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته عنه نظر.\nقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال. يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي. (انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٨ - ٥٨٩).","vol":"4","page":474},{"text":"ﷺ لما أمر الله باعتزال النساء في المحيض لأنه إذا انشغل القبل بالحيض جاز إتيانهن في الدبر، ومما يدل على حرمة ذلك أيضًا سبب النزول الذي سبق ذكره من حديث عمر وفيه: أن النبي ﷺ، قال له بعد نزول الآية: \"أقبل وأدبر واتقِ الدبر والحيضة\" (١).\nكما يدل على حرمة ذلك قوله﷿-: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فإن كلمة (حَرْثَ) تدل على أن الإباحة لم تقع إلا في موضع الحرث فقط، وهو مزرع الذرية. يقول ابن عطية في كلام له نفيس ما نصه: \"وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُم﴾ معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وأئمة: من أي وجهة شئتم، مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و(أَنَّى) إنما تجيء سؤالًا أو إخبارًا عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن حتى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس (أَنَّى) في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بـ (كيف) (٢) ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها بأين إلى أن الوطء في الدبر جائز روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضًا عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر، ... وروي عن مالك شيء في نحوه ... وقد كذب ذلك على مالك .... \" (٣).\nثم ذكر أحاديث في حرمة إتيان المرأة في دبرها ثم قال: \"وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن اتضح عنه-أي: النبي ﷺحرمة ذلك، والله المرشد لا رب غيره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي \"قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة\" (٥).\nقال القرطبي: \" أي قدموا ما ينفعكم غدا\" (٦).\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (٧):\n١ - عن السدي: أما قوله: \" وقدموا لأنفسكم \"، فالخيرَ\" (٨).\n٢ - وعن ابن عباس: \" وقدموا لأنفسكم \"، قال: يقول: \" بسم الله \"، التسمية عند الجماع\" (٩).\nقاله\"ابن عباس وعطاء\" (١٠) وابن كثير (١١).\nوقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس قال: \"قال رسول الله ﷺ: \"لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا\" (١٢).\n٣ - وقيل ابتغاء الولد والنسل، لأن الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة.\n٤ - . وقيل: هو التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا.\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند: ٢٧٠٣ عن شيخه حسن بن موسى الأشيب بهذا الإسناد وقد خرجناه هناك. ونزيد أنه رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه ٦: ٣٦٤ - ٣٦٥ (مخطوطة الإحسان) والبيهقي ٧: ١٩٨.\n(٢) الكتاب: ٤/ ٢٣٥.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ٤/ ٣٩٧.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٦ وما بعدها.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٧. عن موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٧. عن القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء - قال: أراه عن ابن عباس.\n(١٠) اتظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٩٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٩.\n(١٢) صحيح البخاري برقم (١٤١).","vol":"4","page":476},{"text":"٥ - وقيل: هو تقدم الإفراط، كما قال النبي ﷺ: \"من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم\" الحديث.\nوالقول الأول هو الراجح، إذ أن قوله تعالى ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾: \" أمرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم، عُدّةً منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب، فإنه قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١١٠ \\ وسورة المزمل: ٢٠] \" (١). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.\nقال ابن عثيمين: \" لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه\" (٢).\nقال القرطبي: \"أي فهو مجازيكم على البر والإثم. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: \" إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا\" - ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ (٣). أخرجه مسلم بمعناه\" (٤).\nقال القاسمي: \" فلا تجترئوا على المعاصي\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي خافوا الله باجتناب معاصيه، وأيقنوا بأن\nمصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: \"صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم\" (٧).\nقال القاسمي: \" صائرون إليه فاستعدوا للقائه\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ....﴾ [الانشقاق: ٦ - ٧]، الآيات\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي \"بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم\" (١٠)\nقال القاسمي: \" بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] \" (١١).\nقال القرطبي: \" تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي أخبرهم بما يسرهم؛ و«المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٧.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٦.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٨.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٢.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٩٨.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٨.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٦.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.","vol":"4","page":477},{"text":"قال الطبري: \" وهذا تحذيرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه: أن يأتوا شيئًا مما نهاهم عنه من معاصيه وتخويفٌ لهم عقابَه عند لقائه، كما قد بيَّنا قبل وأمرٌ لنبيه محمد ﷺ أن يبشر من عباده، بالفوز يوم القيامة وبكرامة الآخرة وبالخلود في الجنة، من كان منهم محسنًا مؤمنًا بكتبه ورسله، وبلقائه، مصدِّقًا إيمانَه قولا بعمله ما أمره به ربُّه، وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه من حقوقه، وبتجنُّبه ما أمره بتجنُّبه من معاصيه\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن النساء حرث للرجال؛ بمعنى موضع زراعة.\n٢ - ومنها: أن الرجل حرٌّ في الحرث: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل؛ لكن عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف في كل ما يعاملها به؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n٣ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول كثرة النسل؛ لقوله تعالى: ﴿حرث لكم﴾؛ وإذا كانت حرثًا فهل الإنسان عندما يحرث أرضًا يقلل من الزرع، أو يكثر من الزرع؟\nفالجواب: الإنسان عندما يحرث أرضًا يكثر من الزرع؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ: «تزوجوا الودود الولود» (٢)؛ وأما القول بتحديد النسل فهذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين يريدون من المسلمين ألا يكثروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، واستغنوا بأنفسهم عنهم: حرثوا الأرض، وشغَّلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد، وغير ذلك من المصالح؛ فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذلة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء؛ ثم هل الأمر بيد الإنسان في بقاء النسل الذي حدده؟ ! فقد يموت هؤلاء المحدَّدون؛ فلا يبقى للإنسان نسل.\n٤ - ومن فوائد الآية: جواز إتيان المرأة في محل الحرث من أيّ جهة؛ قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾.\n٥ - ومنها: مشروعية أن ينوي الإنسان بجماعه الولد؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم﴾؛ فجعل الإتيان للحرث؛ فكأنه أشار إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتي المرأة من أجل طلب الولد؛ وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه ما جامع إلا بقصد الولد؛ وعلى كل حال الناس مختلفون في هذا؛ ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد، ويريد بذلك قضاء الوطر.\n٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه المرأة التي أضيفت له، وسميت حرثًا له كما يحافظ على حرث أرضه.\n٧ - ومنها: أنه يشرع للمرء أن يقدم لنفسه عند الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾؛ وسبق معنى قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾.\n٨ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n٩ - ومنها: وجوب معاملة الأهل حسب ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله؛ ولقوله تعالى: ﴿من حيث أمركم الله﴾.\n١٠ - ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾.\n١١ - ومنها: إثبات رؤية الله؛ لقوله تعالى: ﴿ملاقوه﴾؛ والملاقاة في الأصل المقابلة مع عدم الحاجب.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٩.\n(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٨، حديث رقم ١٢٦٤٠، وأخرجه أبو داود ص ١٣٧٤، كتاب النكاح، باب ٣، النهي عن تزوج من لم يلد من النساء، حديث رقم ٢٠٥٠/أ، وأخرجه النسائي ص ٢٢٩٦، كتاب النكاح، باب ١١: كراهية تزويج العقيم، حديث رقم ٣٢٢٩.","vol":"4","page":478},{"text":"١٢ - ومنها: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أمر بالتقوى قال تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾.\n١٣ - ومنها: أن من البلاغة إذا أخبرت إنسانًا بأمر هام أن تقدم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا﴾؛ وهذا مما يزيد الإنسان انتباهًا وتحسبًا لهذه الملاقاة.\n١٤ - ومنها: أن المؤمنين ناجون عند ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾.\n١٥ - ومنها: أن البشارة للمؤمنين مطلقة، حيث قال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾.\n١٦ - ومنها: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة؛ ووجهه: عدم التقييد؛ وقد قال الله ﷾ في آية أخرى: ﴿لهم البشرى في الحياة وفي الآخرة﴾ [يونس: ٦٤]؛ وسئل النبي ﷺ عنها فقال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» (١).\n١٧ - ومنها: تحذير غير المؤمنين من هذه الملاقاة؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾؛ فدل ذلك على أن غير المؤمنين لا بشرى لهم.\n١٨ - ومنها: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علق البشارة عليه؛ فقال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤]\nالتفسير:\nولا تجعلوا -أيها المسلمون- حلفكم بالله مانعًا لكم من البر وصلة الرحم والتقوى والإصلاح بين الناس: بأن تُدْعَوا إلى فعل شيء منها، فتحتجوا بأنكم أقسمتم بالله ألا تفعلوه، بل على الحالف أن يعدل عن حلفه، ويفعل أعمال البر، ويكفر عن يمينه، ولا يعتاد ذلك. والله سميع لأقوالكم، عليم بجميع أحوالكم.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٢):\nأحدها: قال الكلبي: \"نزلت في عبد الله بن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه بشير بن النعمان، وذلك أن ابن رواحة حلف أن لا يدخل عليه أبدا، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية\" (٣).\nوالثاني: وقال سعيد بن المسيب: \"كان الإيلاء من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك لا أيما ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر وأنزل الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية\" (٤).\nوالثالث: قال مقاتل بن سليمان: \" نزلت في أبي بكر الصديق﵁- وفي ابنه عبد الرحمن. حلف أبو بكر﵁- ألا يصله حتى يسلم. وذلك أن الرجل كان إذا حلف قال: لا يحل إلا إبرار القسم. فأنزل الله﷿- ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾، يقول: لا يحلف على ما هو في معصية\" (٥).\nوالرابع: ةقال ابن جريج: \" نزلت في أبي بكر، في شأن مِسْطَح\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٥، ٢٣٠٦٢، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٠٩، كتاب تعبير الرؤيا، باب ١: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، حديث رقم ٣٨٩٨، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجة ٢/ ٣٣٨، حديث رقم ٣١٤٦.\n(٢) انظر: أسباب النزول: ٧٨ - ٧٩، والعطاب: ١/ ٥٧٦ - ٥٧٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٩٧.\n(٣) أسباب النزول: ٧٩.\n(٤) أسباب النزول: ٧٩.\n(٥) تفسير مقاتل: ١/ ١٩٢، والعجاب/ ١/ ٥٧٦.\n(٦) تفسير الطبري (٤٣٦٨): ص ٤/ ٤٢٣.","vol":"4","page":479},{"text":"وذلك\" حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض مع أهل الإفك\" (١).\nوالخامس: قال ابن عباس: \" كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله ﷿ عن ذلك فقال: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا﴾ \" (٢).\nوالسادس: قال الربيع: \" ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾، أي: ولا تجعلوا الحلف بالله \"حاجزًا لما حلفتم عليه\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي لا تجعلوا الحلف بالله، سببًا مانعًا عن فعل الخير\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا تصيروا الحلف بالله معترضًا بينكم، وبين ما حلفتم عليه\" (٧).\nقال القرطبي: \" المعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر\" (٨).\nقال البغوي: لاتجعلوا \"الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى، يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر\" (٩).\nقال ابن حجر: \" والمراد: لا تجعل اليمين الذي حلفت أن لا تفعل خيرًا-سواء كان ذلك من عمل أو (١٠) ترك سببًا يعتذر به عن الرجوع عما حلفت عليه خشية من الإثم المرتب على الحنث؛ لأنه لو كان إثمًا حقيقة لكان عمل ذلك الخير رافعًا له بالكفارة المشروعة، ثم يبقى ثواب البر زائدًا على ذلك (١١).\nوالـ (عُرْضَةً) في اللغة جاءت على معان عدة (١٢):\nأحدها: العرضة النصبة، يقال جعلت فلانا عرضة لكذا، أي نصبة. قاله الجوهري.\nوالثاني: أن العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق (١٣):\nمِنْ كُلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُولُ\n_________\n(١) أسباب النزول: ١/ ٥٧٦.\n(٢) تفسير الطبري (٤٣٦١): ص ٤/ ٤٢٢.\n(٣) تفسير الطبري (٤٣٦٦): ص ٤/ ٤٢٣.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٦٧. ومحاسن التأويل: ٢/ ١٠٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٣٠٠\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩١. [بتصرف بسيط].\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٩٨.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٢.\n(١٠) لو أتى هنا بأَمْ بدل أو لكان أولى؛ لأن بعض النحويين لا يجيز (أو) بعد همزة التسوية الظاهرة كقوله﷿-: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، والمحذوفة نحو قول الحافظ هنا. انظر: مغني اللبيب لابن هشام: ١/ ٤٣، البرهان للزركشي: ٤/ ١٨٦، دراسات لأسلوب القرآن الكريم د. عضيمة: القسم الأول: ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.\n(١١) الفتح: ١١/ ٥٣٠.\n(١٢) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٣٠.\n(١٣) ديوانه: ٩. نضح الرجل بالعرق نضحا، فض به حتى سال سيلانًا. ونضاحة: شديدة النضح. والذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، وهو من الناس والحيوان جميعا: العظم الشاخص خلف الأذن. وسيلان عرقها هناك، ممدوح في الإبل. والطامس: الدارس الذي أمحى أثره. والأعلام: أعلام الطريق، تبنى في جادة الطريق ليستدل بها عليه إذا ضل الضال. وأرض مجهولة: إذا كان لا أعلام فيها ولا جبال، فلا يهتدي فيها السائر. يقول: إذا نزلت هذه المجاهل، عرفت حينئذ قوتها وشدتها وصبرها على العطش والسير في الفلوات.","vol":"4","page":480},{"text":"يعني بـ (عرضتها): قوتها وشدتها (١).\nوقال عبدالله بن الزَّبير (٢):\nفهذِي لأَيّامِ الحُرُوبِ وَهَذِه ... للَهْوِي وهذِي عُرْضَةٌ لارْتِحالِنا\nومثله قول أوس بن حجر (٣):\nوأدماء مثل العجل يوما عرضتها ... لرحلى وفيها جرأة وتقاذف\nقال الطبري: \" (العُرْضة)، في كلام العرب، القوة والشدة. يقال منه: \" هذا الأمر عُرْضة لك \" يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: \" فلانة عُرْضة للنكاح\"، أي قوة (٤).\nوالثالث: أن (العرضة): الهمة، ومنه قول حسان (٥):\nوقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء\nأي همتها ويقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه.\nوالرابع: أن (العرضة): أي الحاجز والمانع للشيء.\nقال الزمخشري: \" ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزًا ومانعًا منه. تقول: فلان عرضة دون الخير\" (٦).\nقال البغوي: \" والعرضة: أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء\" (٧).\nوالخامس: أن (العرضة) أيضًا: المعرض للأمر (٨). قال الشاعر (٩):\nدَعُونِي أَنُحْ مِنْ قَبْلِ نَوْحِ الْحَمَائِمِ ... ولَا تَجْعَلُونِى عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ\nيريد: اتركوني أنح من الشوق ولا تجعلوني معرضا للوم اللوائم (١٠).\nو(اليمين): \"أصله العضو، واستعير للحلف لما جرت به العادة في تصافح المتعاقدين، وعلى هذا قال الشاعر (١١):\nقلتُ كَفِّي لكِ رَهْنٌ بالرضى ... وازعُمي يا هندُ قالتْ قد وَجَبْ فوضع\nالكف: موضع اليمين\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٤.\n(٢) الزبير: بفتح الزاي، الأسدي، كوفي، له نظم بديع، توفي زمن الحجاج، انظر: السير: ٣/ ٣٨٣، والبيت في الدر المضون: ٢/ ٤٥٩، واللباب: ٤/ ٨٧، وتفسير القرطبي: ٣/ ٩٨.\n(٣) ديوانه: ٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٤.\n(٥) ديوانه: ٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ٢٦٧.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٢.\n(٨) الكشاف: ١/ ٢٦٧.\n(٩) البيت من شواهد الزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٦٧، واللباب: ٤/ ٨٨، وولم ينسباه، وقيل لأبي تمام، انظر: التحرير والتنوير: ١٤/ ١٣، ويروى: لنوح الحمائم، فهو علة للمعلل مع علته. والعرضة: المعرض للأمر، أى: ولا تجعلوني معرضا للوم اللوائم. أو المراد باللوائم: أنواع اللوم مبالغة، على حد: جد جده، لأن اللائم حقيقة فاعل اللوم.\n(١٠) انظر: التفسير الوسيط للطنطاوي: ١/ ٥٠٠.\n(١١) من شواهد الراغب في تفسيره: ١/ ٤٦٠.\n(١٢) القائل عمر بن أبي ربيعة، كما في ديوانه: ٣٨٦ وفيه: أن كفي ... فاقبلي يا هند، واللسان: (زعم): ١٢/ ٢٦٥. وقال الراغب في تفسيره: \"قالت الشاعرة\"، ولم ينسبها، انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٠.","vol":"4","page":481},{"text":"قال الزمخشري: \" وسمى المحلوف عليه يمينًا لتلبسه باليمين، كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: \"إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك\" (١)، أى على شيء مما يحلف عليه\" (٢).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، على وجوه: (٣):\nأحدها: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال: (عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك) أو (قد حلفت بالله أن لا أفعله)، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله. وهذا قول طاوس (٤)، وابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وعطاء (٨)، والضحاك (٩)، والسدي (١٠)، وإبرهيم (١١). وهذا قول جمهور أهل التفسير (١٢).\nوهذا على أن معنى ﴿عُرْضَةً﴾ أي: علة يتعلل بها في بره، من عَرَض العودَ على الإناء إذا صيره حاجزًا له ومانعًا منه، والمعنى نهيهم عن أن يحلفوا بالله على أنهم لا يبرون ولا يتقون، ويقولون: لا نقدر أن نفعل ذلك لأجل حلفنا، ويحتمل أن تكون ﴿عُرضَةً﴾ بمعنى القوة من قولهم: جمل عرضة للسفر، أي: قوي عليه، والمعنى: لا تجعلوا اليمين باسمه تعالى قوة لأنفسكم في الامتناع عن البر.\nالثاني: أن المعنى: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير. قاله ابن عباس (١٣)، وإبراهيم (١٤)، ومجاهد (١٥)، والربيع (١٦)، وعائشة (١٧)، وابن جريج (١٨)، ومكحول (١٩).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٦٣٤٣): ص ٦/ ٢٤٧٢.\n(٢) الكشاف: ١/ ٢٦٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤١٩ وما بعدها. وتفسير القرطبي: ٣/ ٩٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٣٥١): ص ٤/ ٤٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٣٥٣): ص ٤/ ٤٢٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٣٥٤): ص ٤/ ٤٢٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٣٥٥): ص ٤/ ٤٢٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٣٦٦): ص ٤/ ٤٢٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٣٦٧): ص ٤/ ٤٢٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٣٥٨): ص ٤/ ٤٢٣. وذكر السدي في آخر كلامه: \" وهذا قبل أن تنزل الكفَّارات\". وقد اعترض الطبري على قول السدي: بأن الآية نزلت قبل أن تنزل الكفَّارات، ووصفه بأنه\" قولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، والخبر عما كان، لا تدرك صحته إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مِثلها وخلافها على أحد.\nثم قال: وغير محال أن تكون هذه الآية نزلت بعد بيان كفارات الأيمان في \" سوره المائدة \"، واكتفى بذكرها هناك عن إعادتها ههنا، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجبَ من الكفارات في الأيمان التي يحنث فيها الحال\". [تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٦].\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٣٥٩): ص ٤/ ٤٢٣.\n(١٢) إن هذا التفسير للآية قول أكثر المفسرين؛ إذ قال به: الفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري والطبري وآخرون. انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٧٠٠ - ٧٠٢، جامع البيان للطبري: ٤/ ٤١٩ - ٤٢٥، معاني القرآن للفراء: ١/ ١٤٤، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٨٥، معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٨٧، البسيط للواحدي: ١٣٦١ أ، والوسيط له: ١/ ٣٣٠، بحر العلوم للسمرقندي: ١/ ٢٠٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٨٥، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٧٥، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ٢٠٧، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣١٢، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٥٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٨١، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٦٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٩٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٧٦ - ١٧٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٣٠، وضح البرهان لبيان الحق النيسابوري: ١/ ٢٠٦، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٨، تفسير النسفي: ١/ ١١٢، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٤٠، فتح البيان لصديق خان: ١/ ١١٢، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٣٧٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٣٦٠): ص ٤/ ٤٢٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٣٦٢): ص ٤/ ٤٢٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٣٦٥): ص ٤/ ٤٢٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦٢): ص ٤/ ٤٢٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٦٢): ص ٤/ ٤٢٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٣٦٨): ص ٤/ ٤٢٣.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٣٧١): ص ٤/ ٤٢٤.","vol":"4","page":482},{"text":"الثالث: أن المراد من الآية: النهي عن الجرأة على الله بكثرة الحلف به؛ لأن مَن أكثر من ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له ولذا قال الله﷿-: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال سبحانه ذامًا مَنْ أكثر مِن اليمين ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، والعرب تمتدح بقلة الأيمان، حتى قال قائلهم (١):\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن صدرت منه الألية برت\nقال القرطبي: \" وعلى هذا\" أن تبروا\" معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن\" (٢).\nوقال مالك بن أنس: \"بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء\" (٣).\nوالرابع: أن المراد: النهي عن أن يحلف الرجل بالله ليفعلن الخير والبر، فيقصد في قيامه بفعل الخير البرُ في يمينه وعدم الحنث فيها لا الرغبة في القيام بالبر والمسابقة في الخيرات، وعرضة هنا بمعنى مفعول من العرض أيضًا.\nوالخامس: وقيل: المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل (٤).\nوالسادس: وقيل: أن المعنى: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس، و﴿عرضة﴾ أيضًا هنا بمعنى مفعول من العرض أيضًا (٥).\nوالصواب أن \"معنى ذلك: لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس، وهذا اختيار جمهور أهل التفسير. والله تعالى أعلم.\nكما أن الأقوال السابقة محتملة جميعا، ولكن القول الأول أظهرها؛ إذ يشهد له ويقويه قوله ﷺ، لعبد الرحمن ابن سمرة-: \"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني\" (٦).\nوقوله ﷺ: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها وليكفر عن يمينه\" (٧).\nوقوله ﷺ: \" من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى\" (٨) وغيرها.\nكما يدل عليه سبب النزول على اختلاف فيه وضعف (٩).\n_________\n(١) البيت لكثير، وهو في ديوانه: ٨٥، وفيه: فإن سبقت، بدل: وإن صدرت، قوله: الاليّة: أي: اليمين، وجمعها: ألايا، انظر: تاج العروس (ألا).\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٧.\n(٤) انظر: مجمع البيان: ٢/ ٢١٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٩٧.\n(٥) انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٤٢٣، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٥، البسيط للواحدي: ١/ ١٣٦ ب، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٧٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، مفاتيح الغيب للرازي: ١/ ٨٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٩٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٧٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٤٧، وضيح البرهان للنيسابوري: ١/ ٢٠٧، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١١٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٤١، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ٨.\n(٦) رواه البخاري-: ١١/ ٦١٦ رقم: ٦٧٢١، مسلم: ٣/ ١٢٦٨ - ١٢٦٩ رقم: ١٦٤٩.\n(٧) رواه مسلم: ٣/ ١٢٧١ - ١٢٧٢ رقم: ١٦٥٠.\n(٨) رواه مسلم: ٣/ ١٢٧٢ رقم ١٦٥١.\n(٩) انظر: أسباب النزول للواحدي-تحقيق: أيمن شعبان-: ٦٩ - ٧٠، العجاب في بيان الأسباب-مخطوط غير مرقم-: عند ذكره سبب نزول الآية، جامع البيان للطبري: ٤/ ٤٤٣، البسيط للواحدي-: ١/ ١٣٦ أ، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٥٤، البحر المحيط لأبي حيان ٢/ ١٧٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٩٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٦٢، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٨٥ أ-١٨٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٤٨، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١١٨، أسباب النزول الواردة في كتاب جامع البيان للبلوط: ١/ ٢٥٤ رقم: ٢٤٧، وغيرها.","vol":"4","page":483},{"text":"وترك ذكر (لا) من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، كما قال أمرؤ القيس (١):\nفَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي\nبمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح، فحذف \" لا \"، اكتفاء بدلالة الكلام عليها (٢).\nواختلف في تعلق (اللام) في قوله ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، على ثلاثة أوجه (٣):\nأحدها: أنها متعلقة بالفعل، أى ولا تجعلوا اللَّه لأيمانكم برزخًا وحجازًا. قاله الزمخشري (٤).\nوالثاني: أنها متعلقة بقوله: ﴿عُرْضَةً﴾، لما فيها من معنى الاعتراض، بمعنى لا تجعلوه شيئا يعترض البر، من اعترضني كذا.\nوالثالث: أنها للتعليل (٥).\nقوله تعالى ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، \" أى إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا\" (٦).\nقال الزمخشري: \" لأن الحلاف مجترئ على اللَّه، غير معظم له، فلا يكون برًا متقيًا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم\" (٧).\nقال البيضاوي: \"علة للنهي، أي: أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلّاف مجترئ على الله تعالى، والمجترئ عليه لا يكون برًا متقيًا ولا موثوقًا به في إصلاح ذات البين\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي: لا تجعلوه تعالى سببا مانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس\" (٩).\nقال القرطبي: \" معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" أي لا تجعلوا الله مانعا للأيمان التي هي بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس\" (١١).\nو(الإصلاح) بين الناس: أي: \"الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مَأثَم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" فـ (البر) فعل الخيرات؛ و(التقوى) هنا اجتناب الشرور؛ و(الإصلاح بين الناس) التوفيق بين المتنازعين حتى يلتئم بعضهم إلى بعض، ويزول ما في أنفسهم\" (١٣).\n_________\n(١) ديوانه: ١٤١. وهو من قصيدته التي لا تبارى وهي مشهورة وما قبل البيت وما بعده مشهور.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٥.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٢٦٧.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٢٦٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ٢٦٨.\n(٧) الكشاف: ١/ ٢٦٨.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٧.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٣٣٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٦.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩١.","vol":"4","page":484},{"text":"وقد اختلف أهل العلم في تفسير ﴿البر﴾ الذي عناه الله تعالى في الآية على قولين (١):\nأحدهما: أنه فعل الخير كله.\nوالثاني: أنه البر بذي رحمه.\nوالراجح هو القول الأول، وذلك \" أن أفعال الخير كلها من (البر)، ولم يخصص الله في قوله: ﴿أن تبرُّوا﴾ معنى دون معنى من معاني (البر)، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني (البر) \" (٢). والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي \" أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدَّوْها\" (٣).\nقال ابن عباس: \" كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله ﷿ عن ذلك فقال: \" ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس \" الآية. قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضًا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون، ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: \" أن تبروا وتتقوا \"، الآية\" (٤).\nواختلف في اعراب موضع ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، على ثلاثة أوجه:\nالوجه الاول: موضع ﴿أن﴾ النصب، ويكون على ثلاث تقديرات:\nالأول: (في أن تبرّوا) ثم حذف (في) فتعدّى الفعل. قاله الزجاج (٥)، والنحاس (٦).\nوالثاني: (كراهية أن تبروا)، ثم حذفت، ذكره النحاس (٧) والمهدوي (٨).\nوالثالث: (لئلا تبرّوا). ذكره النحاس (٩).\nالوجه الثاني: الخفض، وذلك على قول الخليل والكسائي، التقدير: في أن تبروا، فأضمرت (في) وخفضت بها. ذكره النحاس (١٠).\nوالثالث: الرفع بالابتداء وحذفت الخبر. والتقدير أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أو أمثل مثل طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٢١]. ذكره النحاس (١١).\nقال الزجاج: \" والنصب في (أن) في هذا الموضع، هو الاختيار عند جميع النحويين\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، \" أي والله سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأيمانكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم\" (١٤).\nقال القرطبي: ﴿سميع﴾ أي لأقوال العباد، ﴿عليم﴾ بنياتهم\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٤، ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٤) تفسير الطبري (٤٣٧٢): ص ٤/ ٤٢٦.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٩٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٩٨.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٩٩.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٨.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٩.","vol":"4","page":485},{"text":"قال الشوكاني: أي \" ﴿سميع﴾ لأقوال العباد، ﴿عليم﴾ بما يصدر منهم\" (١).\nقال الطبري: \" ﴿والله سميع﴾، لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال: والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم، ﴿عليم﴾ بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، الخير تريدون أم غيره؟ لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن، وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ. يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: نهي الإنسان عن جعل اليمين مانعة له من فعل البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ والنهي للتحريم إذا كانت مانعة له من واجب؛ وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير» (٣).\n٢ - ومنها: الحث على البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ وجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعًا من فعل البر فما بالك إذا لم يكن هناك يمين.\n٣ - ومنها: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وتصلحوا بين الناس﴾؛ فنص عليه مع أنه من البر؛ والتنصيص على الشيء بعد التعميم يدل على العناية به، والاهتمام به؛ ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رأب الصدع، ولمّ الشعث، وجمع الشمل؛ وهذا خلاف من يفعلون ما يوجب القطيعة بين الناس، مثل النميمة - فهي توجب القطيعة بين الناس -؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة نمام» (٤).\n٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و«العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وما تضمناه من حكم، وأثر.\n٥ - ومنها: تحذير الإنسان من المخالفة؛ وجهه: أنه إذا كان الله سميعًا عليمًا فإياك أن تخالف ما أمرك به؛ فإنك إن خالفته بما يُسمَع سَمِعك؛ وبما يُعلَم عَلِمك؛ فاحذر الله ﷿.\nالقرآن\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]\nالتفسير:\nلا يعاقبكم الله بسبب أيمانكم التي تحلفونها بغير قصد، ولكن يعاقبكم بما قصدَتْه قلوبكم، والله غفور لمن تاب إليه، حليم بمن عصاه حيث لم يعاجله بالعقوبة.\nقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: \"لا يعاقبكم الله ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية\" (٥).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٣٣٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٧.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٥٥٤، كتاب الإيمان والنذور، باب ١: قول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله في إيمانكم)، حديث رقم ٦٦٢٢، وأخرجه مسلم ص ٩٦٧، كتاب الإيمان، باب ٣: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها ...، حديث رقم ٤٢٨١ [١٩] ١٦٢٥.\n(٤) أخرجه مسلم ٦٩٦، كتاب الإيمان، باب ٤٥: بيان غلظ تحريم النميمة، حديث رقم ٢٩٠ [١٦٨] ١٠٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠١.","vol":"4","page":486},{"text":"قال القاسمي: \" أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية - إذا لم تقصدوا هتك حرمته - وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها\" (١).\nقال ابن عباس: \" هي: بلى والله، ولا والله\" (٢).\nقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: هو قول الرجل في بيته: \" كلا والله \" و\" بلى والله \" (٣).\nو(اللغو): معناه في اللغة: \"الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به\" (٤).\nقال الراغب: \" اللغو: المطروح الذي لا يفيد من الكلام، يقال: ألغى في كلامه، ولغًا، وقد يقال في غيره تشبيهًا، كقول الشاعر (٥):\nكما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا\nويكني باللغو عن القبيح من الكلام، وأصله من لغي العصافير\" (٦).\nقال البغوي: \" اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به\" (٧).\nقال الطبري: \": و(اللغو) من الكلام في كلام العرب، كلّ كلام كان مذمومًا وسَقَطًا لا معنى له مهجورًا، يقال منه: \" لغا فلان في كلامه يلغُو لَغْوًا \" إذا قال قبيحًا من الكلام، ومنه قول الله تعالى ذكره: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [سورة القصص: ٥٥]، وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [سورة الفرقان: ٧٢]. ومسموع من العرب: \" لَغَيْتُ باسم فلان \"، بمعنى أولعت بذكره بالقبيح. فمن قال: \" لَغَيْت \"، قال: \" ألْغَى لَغًا \"، وهي لغة لبعض العرب، ومنه قول الراجز (٨):\nوَرَبِّ أَسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّم ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ \" (٩)\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١١٠.\n(٢) تفسير الطبري (٤٣٧٣): ص ٤/ ٤٢٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٩. عن محمد بن موسى الحرشي قال، حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني قال، حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء.\nز محمد بن موسى بن نفيع الحرشي البصري روى عنه الترمذي والنسائي وقال النسائي \" صالح \" وذكره ابن حبان في الثقات، ووهاه أبو داود وضعفه. مات سنة ٢٤٨. وكان في المطبوعة: \" الحرسي \" وهو تصحيف. وحسان بن إبراهيم الكرماني العنزي قاضي كرمان. روى عن سعيد بن مسروق وسفيان بن سعيد الثوري، وعنه حميد بن مسعدة وغيره. قال أحمد: \" حديثه حديث أهل الصدق \". وقال النسائي \" ليس بالقوي \" مات سنة ١٨٦. و\" إبراهيم الصائغ \" هو: إبراهيم بن ميمون الصائغ، روى عن عطاء وغيره. قال أبو حاتم: \" لا بأس به، يكتب حديثه \". قتله أبو مسلم الخراساني سنة ١٣١ يعرندس، قال أبو داود: كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء سيبها.\nهذا وقد روى هذا الحديث أبو داود في سننه ٣: ٣٠٤ رقم: ٣٢٥٤ عن حميد بن مسعدة، عن حسان بن إبراهيم. . \" ثم قال: \" روى هذا الحديث داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفا على عائشة وكذلك رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول وكلهم عن عطاء عن عائشة موقوفا \". ورواه مالك في الموطأ: ٢: ٤٧٧ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفًا، كما سيأتي في روايات الطبري. ورواه البخاري موقوفًا أيضًا (١١: ٤٧٦ فتح الباري) واستقصى الحافظ القول فيه. وانظر سنن البيهقي ١٠: ٤٨ وما بعدها.\n(٤) التفسير البسيط: ٤/ ١٩٣.\n(٥) البيت لذي الرمة، انظر الديوان ٢/ ١٣٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠١٦، \"عمدة الحفاظ\" للسمين الحلبي ٤/ ٣٤. \"اللسان\" ٧/ ٤٠٤٩ مادة \"لغا\". وصدر البيت:\n\" ويَهْلِكُ بينها المَرْئِيُّ فيها\"\nوالبيت قاله ذو الرمة يهجو هشام بن قيس المرئي، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة.\n(٦) تفسير الراغب: ١/ ٤٦١.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٣.\n(٨) البيت لرؤبة بن العجاج، انظر: ديوانه: ٥٩. والأسراب جمع سرب: وهو القطيع أو الطائفة من القطار الظباء والشاء والبقر والنساء، وجعله هذا للحجاج. والحجيج: الحجاج. وكظم جمع كاظم: وهو الساكت الذي أمسك لسانه وأخبت، من الكظم (بفتحتين) وهو مخرج النفس. واللغا واللغو: السقط ومالا يعتد به من كلام أو يمين، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.\n(٩) افسير الطبري: ٤/ ٤٤٦.","vol":"4","page":487},{"text":"قال ابن عثيمين: (اللغو) في اللغة الشيء الساقط؛ والمراد به هنا اليمين التي لا يقصدها الحالف، كقول: (لا واللَّهِ)؛ (بلى والله) في عرض حديثه؛ ويبين ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] أي نويتم عقده؛ و(الأيمان) جمع يمين؛ وهو القسم؛ والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة - هي الواو، والباء، والتاء -؛ مثل: (والله)، و(بالله)، و(تالله) \" (١).\nوقد اختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، على أقوال (٢):\nأحدها: أن المعنى: لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر اسم الله، من غير قصد الحلف، كقول أحدكم: بلى والله، ولا والله، لا يقصد به اليمين. وهذا قول عائشة (٣)، وابن عباس (٤)، الشعبي (٥)، وعامر (٦)، وأبو قلابة (٧)، وأبو صالح (٨)، وعطاء (٩)، وعكرمة (١٠)، ومجاهد (١١).\nقال المروزي: \"لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها\" (١٢).\nوالثاني: أن اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، وهذا قول أبي هريرة (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والسدي (١٦)، وقتادة (١٧)، والربيع (١٨)، وابن أبي طلحة (١٩)، ويحيى بن سعيد (٢٠)، وسليمان بن يسار (٢١)، والحسن (٢٢)، وإبراهيم (٢٣)، ومكحول (٢٤)، وأبي مالك (٢٥)، وزياد (٢٦)، وعامر (٢٧)، وزرارة بن أوفى (٢٨).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٢ - ٩٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٢٧ وما بعدها، وتفسير القرطبي: ٣/ ٩٩، وصفوة التفاسير: ١/ ٣٩٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٣٧٣) - (٤٣٨٢): ص ٤/ ٤٢٧ - ٤٣٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٣٧٣): ص ٤/ ٤٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٣٨٤): ص ٤/ ٤٣٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٣٨٦): ص ٤/ ٤٣٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٣٨٨): ص ٤/ ٤٣٠.\n(٨) تفسير الطبري (٤٣٨٩): ص ٤/ ٤٣٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٣٩١): ص ٤/ ٤٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٣٩٢): ص ٤/ ٤٣١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٤٠١): ص ٤/ ٤٣٢.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٤٠٢): ص ٤/ ٤٣٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٤٠٣): ص ٤/ ٤٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٤١٠): ص ٤/ ٤٣٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٤٢٤): ص ٤/ ٤٣٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٤١٩): ص ٤/ ٤٣٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٢٥): ص ٤/ ٤٣٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٤٢٨): ص ٤/ ٤٣٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٤٢٨): ص ٤/ ٤٣٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٤٤٠٥): ص ٤/ ٤٣٣.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٤٤٠٦): ص ٤/ ٤٣٣.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٤٤١٣): ص ٤/ ٤٣٤.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٤٤٣٠): ص ٤/ ٤٣٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٤٤١٧): ص ٤/ ٤٣٥.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٤٤١٨): ص ٤/ ٤٣٥.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٤٤٢٢): ص ٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٢١): ص ٤/ ٤٣٥.","vol":"4","page":488},{"text":"والثالث: أن اللغو: من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب، على غير عقد قلب ولا عزم، ولكن وُصْلةً للكلام. قاله ابن عباس (١)، وطاوس (٢).\nواحتجوا بقوله -ﷺ-: \"لا يمين في غضب\" (٣).\nوالرابع: أن اللغو في اليمين: الحلفُ على فعل ما نهى الله عنه، وترك ما أمر الله بفعله. وهذا قول سعيد بن جبير (٤)، وابن عباس (٥)، وسعيد بن المسيب (٦)، وأبي بكر (٧)، وعروة بن الزبير (٨) ومسروق (٩)، والشعبي (١٠).\nواحتج هؤلاء بحديث رسول الله ﷺ: \" من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية لله فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رَحِمٍ فلا يمينَ له \" (١١).\nوبما روي \"عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: من حلف على يمينِ قطيعةِ رحم أو معصية لله، فبِرُّه أن يحنَث بها ويرجع عن يمينه\" (١٢).\nوالخامس: أن اللغو من الأيمان: كل يمين وصَل الرجل بها كلامه، على غير قصدٍ منه إيجابَها على نفسه. قاله إبراهيم (١٣)، ومجاهد (١٤)، وعائشة (١٥) في رواية عروة عنها.\nواستندوا بحديث الحسن بن أبي الحسن، قال: \"مرَّ رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون - يعني: يرمون - ومع النبي ﷺ رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت! فقال الذي مع النبي ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله! قال: كلا أيمان الرُّماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة\" (١٦).\nوالسادس: أن اللغو من الأيمان، ما كان من يمينٍ بمعنى الدعاء من الحالف على نفسه: إن لم يفعل كذا وكذا، أو بمعنى الشرك والكفر. وهذا قول زيد بن أسلم (١٧)، وابن زيد (١٨).\nوالسابع: أن اللغو في الأيمان: ما كانت فيه كفارة. قاله ابن عباس (١٩)، والضحاك (٢٠).\nوالثامن: أن اللغو من الأيمان: هو ما حنث فيه الحالف ناسيًا. قاله إبراهيم (٢١).\nوالراجح-والله أعلم- أن الأيمان اللاغية، هي \"التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه: \"لا والله \"و\"بلى والله \"وكحلفه على أمر ماض، يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب، وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال\" (٢٢).\nو(الأيْمان): \"جمع يمين، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا. وقيل: يمين فعيل من اليمن، وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن، قال زهير:\nفتجمع أيمن منا ومنكم\" (٢٣)\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: ولكن يعاقبكم بما اقترفته قللوبكم بالقصد إليه وهي اليمين المعقودة (٢٤).\nقال الطبري: يعني \"ما تعمدت\" (٢٥).\nقال الزجاج: \" أي بعزمكم على ألا تبروا وألا تتقوا، وأن تعتلوا في ذلك بأنكم قد حلفتم\" (٢٦).\nقال الواحدي: \" أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية\" (٢٧).\nقال الطبراني: \" بما عزمتم وقصدتُم وتعمدتُم؛ لأن كَسْبَ القلب العقدُ والنيةُ\" (٢٨).\nقال البغوي: \" أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية\" (٢٩).\nقال القاسمي: \" أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النية\" (٣٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٤٣٣): ص ٤/ ٤٣٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٤٣٤): ص ٤/ ٤٣٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٤٤٣٥): ص ٤/ ٤٣٩. إسناد هـ صحيح، وهذا الحديث ذكره الحافظ في الفتح ١١/ ٤٩٠ ونسبه للطبراني في الأوسط، ثم قال: \" وسنده ضعيف \". ولم أجده في مجمع الزوائد. وإنما ضعفه الحافظ فيما أرى والله أعلم - بأنه ذهب إلى تضعيف سليمان بن أبي سليمان.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٤٣٦): ص ٤/ ٤٣٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٤٤٨): ص ٤/ ٤٤١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٤٤٢): ص ٤/ ٤٤٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٤٤٢): ص ٤/ ٤٤٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٤٢): ص ٤/ ٤٤٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٤٤٧): ص ٤/ ٤٤١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٤٤٩): ص ٤/ ٤٤٢.\n(١١) تفسير الطبري (٤٤٥٢): ص ٤/ ٤٤٢. والحديث: رواه الحاكم في المستدرك ٤: ٣٠٠ من طريق الحسن بن علي بن عفان العامري. والبيهقي في السنن الكبرى ١٠: ٢٣ من طريق أحمد بن عبد الحميد الحارثي - كلاهما عن أبي أسامة، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \". وتعقبه الذهبي فقال: \" عبد الرحمن: متروك \" وقال أبو حاتم: \" شيخ \" و\" عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة \": ثقة كما مضى في: ٣٨٢٧. ومعنى الحديث ثابت من أوجه كثيرة، مجموعًا ومفرقًا في المسند: ٦٧٣٢، ٦٧٨٠، ٦٧٨١، ٦٩٣٢، ٦٩٩٠.\n(١٢) تفسير الطبري (٤٤٥٣): ص ٤/ ٤٤٢.وهذا حديث ضعيف جدًا. فيه: حارثة بن محمد: هو حارثة بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن يروي عن جدته أم أبيه عمرة بنت عبد الرحمن وهو ضعيف جدًا. قال البخاري في الكبير ٢/ ١/٨٧، والصغير: ١٧٤، والضعفاء: ١١ - \" منكر الحديث \" وقال أحمد: \" ضعيف ليس بشيء \". وقال البخاري في الصغير: \" لم يعتد أحمد بحارثة بن أبي الرجال \". والحديث لم أجده في شيء من المراجع.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٤٥٤): ص ٤/ ٤٤٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٤٥٦): ص ٤/ ٤٤٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٤٥٧): ص ٤/ ٤٤٣.\n(١٦) تفسير الطبري (٤٤٥٨): ص ٤/ ٤٤٣. وهذا الحديث نقله ابن كثير ١: ٥٢٧ عن هذا الموضع. وقال: \" هذا مرسل حسن، عن الحسن \" ولعله أعجبه الجناس والسجع أما المرسل فإنه ضعيف، لجهالة الواسطة بعد التابعي كما هو معروف. ونقله السيوطي أيضًا ١: ٢٦٩ ولم ينسبه لغير الطبري.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٤٥٩): ص ٤/ ٤٤٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٦٢): ص ٤/ ٤٤٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٤٦٣): ص ٤/ ٤٤٥.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٤٦٤): ص ٤/ ٤٤٥.\n(٢١) تفسير الطبري (٤٤٥): ص ٤/ ٤٤٦.\n(٢٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠١.\n(٢٣) تفسير القرطبي: ٣/ ١٠١ - ١٠٢.\n(٢٤) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٣٠.\n(٢٥) تفسير الطبري: ٤/ ٤٤٩.\n(٢٦) معاني القرآن: ١/ ٢٩٩.\n(٢٧) التفسير البسيط: ٤/ ١٩٩.\n(٢٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٦٥.\n(٢٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٣.\n(٣٠) محاسن التأويل: ٢/ ١١٠.","vol":"4","page":489},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: أي: بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح - فالاستدلال بها في الإِيمان - بالكسر - واضح للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب (١) (٢).\nقال الشنقيطي: \" لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب هو عقد اليمين بالنية والقصد وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة هي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام وذلك في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] \" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في المعنى الذي أوعد الله تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، عبادَه أنه مؤاخذهم به، وفي ذلك أقوال (٤):\nأحدها: أن المعنى الذي أوعد الله عبادَه مؤاخذتهم به: هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل. قاله ابن عباس (٥)، وإبراهيم (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨).\n_________\n(١) الفتح: ١/ ٨٩. ومراد الحافظ هنا بيان أن التصديق اللساني ليس بكاف ليوجد الإيمان في الاصطلاح الشرعي، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك عمل القلب وهو: خوفه ومحبته ورجاؤه وتوكله ... ونحو ذلك، هذا بالإضافة إلى قول القلب وهو التصديق، وعمل الجوارح، انظر: الهامش السابق.\n(٢) وقال قبل ذلك: \" الإِيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب\". وقد جعلت الكرامية: الإيمان قول اللسان وإن خالفه اعتقاد القلب، والجهمية: جعلت الإيمان اعتقاد القلب فقط وإن خالفه اللسان، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد القلب وقول اللسان، والمعتزلة والخوارج قالت: هو حقيقة واحدة من الاعتقاد والنطق والعمل إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأهل السنة وسلف الأمة؛ يجعلونه حقيقة مركبة من القول والعمل فالقول عندهم: قول القلب وهو التصديق، وقول اللسان وهو النطق. والعمل عندهم: عمل القلب كالمحبة والخوف والرجاء والتوكل والتوبة ... الخ وعمل الجوارح، وهذا لا يعني عندهم أن الإيمان لا يحصل إلا بفعل العمل كله، بل قد يكون العبد مؤمنًا مع تخلف بعض العمل، لكنه ينقص من إيمانه بمقدار ما نقص من عمله. ومن الأدلة الدالة لأهل السنة على أن الإيمان تصديق بالقلب قوله﷿-: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، ومن الأدلة الدالة لهم على أن الإيمان عمل بالقلب قوله﷿-: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله-سبحانه-: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ومن الأدلة الدالة لهم على أن الإيمان قول باللسان قوله﷿-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] وقوله سبحانه: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. ومن الأدلة الدالة لهم على أن الإيمان عمل بالجوارح قوله ﷺ: عند البخاري-فتح-: ١/ ٦٧ رقم: ٩، ومسلم: ١/ ٦٣ رقم: ٣٥ واللفظ له: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). وقوله ﷺ لوفد عبد القيس عند البخاري-فتح-: ١/ ١٥٧ رقم: ٥٣، ومسلم: ١/ ٤٦ رقم: ١٧ (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس). وقوله ﷺ عند مسلم: ١/ ٦٩ رقم: ٤٧ (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). وانظر: الإيمان لابن تيمية: ١٦٢ - ١٦٣ و: ٢٩٢ - ٢٩٣، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: ١/ ١٧٢، التمهيد لابن عبد البر: ٩/ ٢٣٨ و: ٢٤٣، شرح السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ١/ ٣٠٧، شرح الطحاوية لابن أبي العز: ٢/ ٤٧٤، شرح السنة للبغوي: ١/ ٣٨ - ٤٠، نواقض الإيمان القولية والعملية د. العبد اللطيف: ١٥ - ١٦، منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال الفتح لمحمد كندو: ٩٣٣ - ٩٣٤. ولا يفهم من كلام الحافظ ابن حجر﵀هنا أنه يقول بخروج العمل من مسمى الإيمان إذ قال في الفتح: ١/ ٦٦ (والجامع بين الآية والحديث أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى البر كما هي داخلة في مسمى الإيمان)، وانظر الفتح: ١/ ٩٨.\n(٣) أضواء البيان: ١/ ٩٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٤٩ وما بعدها.\n(٥) تفسير الطبري (٤٤٦٩): ص ٤/ ٤٥٠.\n(٦) تفسير الطبري (٤٤٦٦): ص ٤/ ٤٤٩.\n(٧) تفسير الطبري (٤٤٧٠): ص ٤/ ٤٥٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٢): ص ٤/ ٤٥٠ - ٤٥١.","vol":"4","page":490},{"text":"قال الطبري: \" والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، في الآخرة بها بما شاء من العقوبات - وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو. وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوًا، فأما ما كسبته القلوب وعقدت فيه على الإثم، فلم يكن يوجبُ فيه الكفارة. وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل، وإذ كان ذلك تأويلَ الآية عندهم، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك، كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفًا (١) \" (٢).\nوالثاني: أن المعنى الذي أوعد الله تعالى عبادَه المؤاخذةَ بهذه الآية، هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا. وفي ذلك أوجب الله عندهم الكفارة، دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطئ في حلفه، يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف، وليس ذلك كذلك. وهذا قول قتادة (٣)، والربيع (٤)، وروي عن عطاء (٥)، والحكم (٦) نحو ذلك.\nقال الطبري: \" وكأنَّ قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل مؤاخذة الله عبدَه على ما كسبه قلبه من الأيمان الفاجرة، إلى أنها مؤاخذةٌ منه له بها بإلزامه الكفارة فيه\" (٧).\nوالثالث: أن لذلك معنيان: أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارةَ منه، والآخر منهما مؤاخذٌ به في الآخرة إلا أن يعفو. وهذا معنى قول السدي (٨).\nقال الطبري: \" وكأنَّ قائل هذه المقالة، وجَّه تأويل قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، إلى غير ما وجَّه إليه تأويل قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، وجعل قوله: \" بما كسبت قلوبكم \"، الغموسَ من الأيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل - وقوله: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾، اليمينَ التي يستأنف فيها الحِنث أو البرَّ، وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبرَّ فيها\" (٩).\nوالرابع: أنه اعتقاد الشرك بالله والكفر. وهذا قول زيد بن اسلم (١٠)، وابن زيد (١١).\nوالصواب: \"إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان، فالذي تكسبه قلوبهم من الأيمان هو ما قصدته وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده، وذلك يكون منها على وجهين:\nأحدهما: على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثمًا، وبفعله مستحقًا المؤاخذةَ من الله عليها. وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله، وعلى الشيء الذي قد فعله أنه لم يفعله، قاصدًا قِيلَ الكذب، وذاكرًا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله، أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه\n_________\n(١) انظر: تلك الأخبار في تفسير الطبري: ٤/ ٤٣٩ - ٤٤٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٣): ص ٤/ ٤٥٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٣ م): ص ٤/ ٤٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٤ م): ص ٤/ ٤٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٤ م): ص ٤/ ٤٥٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٥): ص ٤/ ٤٥٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٦): ص ٤/ ٤٥٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٧): ص ٤/ ٤٥٤.","vol":"4","page":492},{"text":"قد فعل. فيكون الحالف بذلك - إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله - في مشيئة الله يوم القيامة، إن شاء واخذه به في الآخرة، وإن شاء عفا عنه بتفضله، ولا كفارة عليه فيها في العاجل، لأنها ليست من الأيمان التي يحنث فيها. وإنما تجب الكفارة في الأيمان بالحنث فيها. والحالف الكاذب في يمينه، ليست يمينه مما يُتْبَدَأ فيه الحنث، فتلزم فيه الكفارة.\nوالوجه الآخر منهما: على وجه العزم على إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك. فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه. فإذا حنِث فيه بعد حلفه، كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه - من الحلف بالله على إثم وكذِب - في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارةً لذنبه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: والله \" غفور لعباده، حليم عليهم\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي واسع المغفرة لا يعاجل عبادة بالعقوبة\" (٣).\nقال القرطبي: \" صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد وقصد وآخذكم بما تعمدته قلوبكم وتكلمت به ألسنتكم وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة\" (٥).\nقال الطبري: \" ﴿والله غفورٌ﴾ لعباده فيما لَغَوْا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء وَاخذهم بها ولما واخذهم به فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها، وغير ذلك من ذنوبهم، ﴿حليمٌ﴾ في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبةَ على معاصيهم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" (الحليم): هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها\" (٧).\nقال الواحدي: \" معنى الحلم في كلام العرب: الأناة والسكون، والعرب تقول: ضع الهودج على أحلم الجمال، أي: على أشدها تؤدة في السير. ومنه الحلم؛ لأنه يرى في حال السكون، وحلمة الثدي لأنها تحلم المرتضع، أي: تسكنه، والحلمة: القراد، مشبهة بحلمة الثدي، ومعنى الحليم في صفة الله: الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعصاة\" (٨).\nقال الراغب: \" (الحلم): ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال الله تعالى: ﴿أم تأمرهم أحلامهم﴾ [الطور: ٣٢] قيل معناه: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل\" (٩).\nقال السمين الحلبي: \" (الحلم): أصله ضبط عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله فمعناه: الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: عدم مؤاخذة العبد بما لم يقصده في لفظه؛ وهذه الفائدة قاعدة عظيمة يترتب عليها مسائل كثيرة؛ منها لو جرى لفظ الطلاق على لسانه بغير قصد لم تطلق امرأته؛ ولو طلق في حال غضب شديد لم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١٠٢.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٣١.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٣.\n(٨) التفسير البسيط: ٤/ ٢٠٠، وانظر: هذيب اللغة: ١/ ٩٠٨، وعمدة الحفاظ: ١/ ٥١٦ - ٥١٨، \"اللسان\" ٢/ ٩٧٩ - ٩٨٢.\n(٩) المفردات: ١٣٦.\n(١٠) عمدة الحفاظ: ١/ ٥١٦.","vol":"4","page":493},{"text":"تطلق امرأته؛ ولو قال كفرًا في حال فرح شديد لم يكفر، كما في حديث: «للَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم ...» (١) الحديث؛ ولو أكره على كلمة الكفر فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر؛ وأمثلتها كثيرة.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن المدار على ما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾.\n٣ - ومنها: أن للقلوب كسبًا، كما للجوارح؛ فأما ما حدَّث به الإنسان نفسه دون اطمئنان إليه فإنه لا يؤاخذ به؛ لأنه ليس بعمل؛ ولهذا جاء في الحديث قول النبي ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٢).\n٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين؛ وهما «الغفور»، و«الحليم»؛ وما تضمناه من وصف، وحكم.\n٥ - ومنها: الإشارة إلى أن من مغفرة الله وحلمه أن أسقط المؤاخذة باللغو في الأيمان.\n٦ - ومنها: أن لا نيأس من رحمة الله؛ لأنه غفور؛ وأن لا نأمن مكر الله؛ لأنه حليم؛ فيكون العبد سائرًا إلى الله بين الرجاء والخوف.\n\nالقرآن\n﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]\nالتفسير:\nللذين يحلفون بالله أن لا يجامعوا نساءهم، انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا قبل فوات الأشهر الأربعة، فإن الله غفور لما وقع منهم من الحلف بسبب رجوعهم، رحيم بهم.\nفي سبب نزول الآية: قال قتادة: \"كان أهل الجاهلية [يعدون] الإيلاء طلاقا فحد لهم أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر يمينه وكانت امرأته، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ بها فهي تطليقه\" (٣). وأخرجه الطبري (٤)، وذكر الثعلبي (٥)، والواحدي (٦).\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: \"للذين يحلفون على ترك وطء زوجاتهم\" (٧).\nقال الطبري: \" للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم\" (٨).\nقال الماوردي: \" وفي الكلام حذف، تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم لكنه إنما دل عليه ظاهر الكلام\" (٩).\nو(اللام) في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ﴾ يحتمل أن تكون للإباحة؛ ويحتمل أن تكون للتوقيت؛ يعني: أنه يباح للمولين أن يتربصوا أربعة أشهر؛ أو أن لهم وقتًا محددًا بأربعة أشهر (١٠).\nو﴿يُؤْلُونَ﴾ أي: \"يحلفون\". قاله سعيد بن جبير (١١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٣١، كتاب الدعوات، باب ٤: التوبة، حديث رقم ٦٣٠٨، وأخرجه مسلم ص ١١٥٣، كتاب التوبة، باب ١: في الحض على التوبة ...، حديث رقم ٦٩٥٣ [٢] ٢٦٧٥.\n(٢) أخرجه البخاري في ٤٥٥، كتاب الطلاق، باب ١١: الطلاق في الإغلاق والكره ...، حديث رقم ٥٢٦٩، وأخرجه مسلم ص ٦٩٩، كتاب الإيمان، باب ٥٨: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم ٣٣١ [٢٠١] ١٢٧.\n(٣) العجاب: ١/ ٥٧٩،\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٩٨): ص ٤/ ٤٨٥. من طريق سعيد.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦٨. من طريق سعيد.\n(٦) انظر: أسباب النزول: ٧٩. من طريق عطاء عن ابن عباس.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٦.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٢٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٨) /ص ٤/ ٤٥٦.","vol":"4","page":494},{"text":"قال الطبري: \"و(الألية): الحلف، يقال: آلى فلان يُؤْلي إيلاء وأليَّة، كما قال الشاعر (١):\nكَفَيْنَا مَنْ تَغَيَّبَ في تُرَابٍ ... وَأَحْنَثْنَا أَليَّةَ مُقْسِمِينَا\nويقال: \"أَلْوة وأُلْوة \"، كما قال الراجز (٢):\nيَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَتِي\nوقد حكي عنهم أيضًا أنهم يقولون: (إلوة) مكسورة الألف\" (٣).\nومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقال الشاعر (٤):\nفآليت لا أنفك أحدو قصيدة ... تكون وإياها بها مثلا بعدي\nوقال آخر (٥):\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت\nوقال ابن دريد (٦):\nألية باليعملات يرتمي ... بها النجاء بين أجواز الفلا\nو﴿مِن﴾: قيل إنها بمعنى (عن)؛ يعني يحلفون عن وطء نسائهم؛ وقيل: إنها على بابها؛ فهي مبينة لموضع الإيلاء - يعني: الحلف -؛ و﴿نسائهم﴾ أي زوجاتهم (٧).\nوقرأ عبد اللَّه: ﴿للذين آلوا من نسائهم﴾، يقال: آلَى يُؤْلِي إِيلَاءً، وَتَأَلَّى تَأَلِّيًا، وَائْتَلَى ائْتِلَاءً، أي: حلف، ومنه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢].\nوقرأ أبيّ وابن عباس: ﴿يقسمون من نسائهم﴾ \" (٨).\nقال القرطبي: \"ومعلوم أن يقسمون، تفسير يؤلون\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي \"انتظار أربعة أشهر\" (١٠).\nقال البغوي: \"والتربص: التثبت والتوقف\" (١١)، ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١]، أي انتظروا.\nقال ابن عثيمين: \" (والتربص) شبيه بـ (الصبر) لموافقته إياه في الحروف - وإن خالفه في الترتيب -؛ و(الصبر) بمعنى حبس النفس، وانتظارها؛ ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي مدة أربعة أشهر؛ فينتظرون لمدة أربعة أشهر ابتداءً من إيلائهم\" (١٢).\n_________\n(١) البيت من شواهد الطبري: ٤/ ٤٥٦. ولم أجد قائله.\n(٢) البيت من شواهد الطبري: ٤/ ٤٥٦. ولم أتعرف على قائله.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٥.\n(٥) البيت لكثير، وهو في ديوانه: ٨٥، وفيه: فإن سبقت، بدل: وإن صدرت، قوله: الاليّة: أي: اليمين، وجمعها: ألايا، انظر: تاج العروس (ألا).\n(٦) شرح مقصورة ابن دريد للتبريزي: ٨٢، وقال في شرحه: أية باليعملات: أي: قسما باليعملات.\n(٧) انظر: والكشاف: ١/ ٢٦٨، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٤٢٩. ونسبها هو والرازي لابن مسعود﵁-، وذكر ابن خالوية في القراءات الشاذة: ١٣، قراءة ابن مسعود: اللائي ألُوا.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٠٢، والقراءات الشاذة لابن خالوي: ١٣، والإشراف لابن المنذر: ٤/ ٢٢٦، والكشاف: ١/ ٢٦٨، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٤٢٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٠٢.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ١٠٢.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٥.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٥.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٥.","vol":"4","page":495},{"text":"قال القرطبي: \"وقد آلى النبي ﷺ وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم (١). وقيل: لأن زينب ردت عليه هديته، فغضب ﷺ فآلى منهن، ذكره ابن ماجة\" (٢).\nواختلف أهل التفسير في صفة اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته، على أقوال (٣):\nأحدها: أن اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته: أن يحلف عليها في - حال غضب على وجه الضِّرار - أن لا يجامعها في فرجها، فأما إن حلف على غير وجه الإضرار، وعلى غير غضب، فليس هو موليًا منها. علي-كرم الله وجهه- (٤)، وابن عباس (٥)، والحسن (٦) وعطاء (٧)، وابن شهاب (٨).\nقال الطبري: \" وعلة من قال: \" إنما الإيلاء في الغضب والضَرار \": أنّ الله تعالى ذكره إنما جعل الأجلَ الذي أجَّل في الإيلاء مخرجًا للمرأة من عَضْل الرجل وضراره إياها، فيما لها عليه من حُسن الصحبة والعِشرة بالمعروف. وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ولا مُضارًا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبًا بذلك رضاها، وقاضيًا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك مُوليًا، لأنه لا معنى هنالك لَحِق المرأةَ به من قِبَل بعلها مساءةٌ وسوء عشرة، فيجعل الأجل - الذي جُعل للمولي - لها مخرجًا منه\" (٩).\nوالثاني: سواءٌ إذا حلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها في فرجها، كان حلفه في غضب أو غير غضب، كلّ ذلك إيلاء. وهذا قول إبراهيم (١٠)، وابن سيرين (١١)، والشعبي (١٢).\nقال الطبري: \" وأما علة من قال: \" الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء\"، عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: \" للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر \" بعضًا دون بعض، بل عمّ به كلَّ مُولٍ ومُقسِم. فكل مقسِم على امرأته أن لا يغشاها مدةً هي أكثر من الأجل الذي جَعل الله له تربُّصه، فمُولٍ من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مُولٍ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعل له تربُّصه\" (١٣).\nوالثالث: أن كل يمين حلف بها الرجل في مَسَاءة امرأته، فهي إيلاء منه منها، على الجماع حلف أو غيره، في رضًا حلف أو سخط. قاله الشعبي (١٤)، وابن أبي ذئب العامري (١٥)، والقاسم، وسالم، وإبراهيم (١٦)، والحكم (١٧)، وسعيد بن المسيب (١٨).\n_________\n(١) برقم (١٤٧٨)، من حديث جابر ﵁. وهو عند أحمد (١٤٥١٥).\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٠٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٥٦ وما بعدها.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٤٧٩): ص ٤/ ٤٥٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٤٨٦): ص ٤/ ٤٥٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٤٩٣): ص ٤/ ٤٦٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٤٩٤): ص ٤/ ٤٦١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٤٩٥): ص ٤/ ٤٦١.\n(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٤٦٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٤٩٦): ص ٤/ ٤٦١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٤٩٨): ص ٤/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠١): ص ٤/ ٤٦٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤٦٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠٣): ص ٤/ ٤٦٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠٤): ص ٤/ ٤٦٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠٥): ص ٤/ ٤٦٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠٦): ص ٤/ ٤٦٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠٨): ص ٤/ ٤٦٣.","vol":"4","page":496},{"text":"قال الطبري: \" وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم: أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدَّه للمُولي مخرجًا للمرأة مِن سوء عشرتها بعلها إياها وضراره بها. وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقرَبها، بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضِّرار، من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءَها أو يغيظها. لأن كل ذلك ضررٌ عليها وسوء عشرة لها\" (١).\nوالراجح هو \"قولُ من قال: كل يمين منَعت المقسم الجماعَ أكثر من المدة التي جعل الله للمولي تربُّصَها، قائلا في غضب كان ذلك أو رضًا. وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك\" (٢). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: فإن\"رجعوا عن اليمين بالوطء\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح\" (٤).\nقال الماوردي: \" والفيء: والرجوع من حال إلى حال\" (٥).\nقال القرطبي: \" معناه رجعوا، ومنه ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ومنه قيل للظل بعد الزوال: فيء، لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال: فاء يفيء فيئة وفيوءا. وإنه لسريع الفيئة، يعني الرجوع، قال (٦):\nفَفاءَتْ وَلَمْ تَقْضِ الَّذِي أَقْبَلَتْ لَهُ ... وَمِنْ حَاجَةِ الإنْسَانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا \" (٧)\nوقد اختلف العلماء فيما يكون به المولي فائيا، على أقوال (٨):\nأحدها: أنه لا يكون فائيًا إلا بالجماع. وهذا قول ابن عباس (٩)، ومسروق (١٠)، وعامر (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، والشعبي (١٣)، وسعيد بن المسيب (١٤)، والحكم (١٥).\nوهو قول من قال إن المُوِلَي هو الحالف على الجماع دون غيره (١٦).\nقال الطبري: \" وأما قولُ من رأى أنّ الفيء هو الجماع دون غيره، فإنه لم يجعل العائقَ له عذرًا، ولم يجعل له مخرجًا من يمينه غيرَ الرجوع إلى ما حلف على تركه، وهو الجماع\" (١٧).\nوالثاني: أن الجماع لغير المعذور، والنية بالقلب. وهذا قول الحسن (١٨)، وعكرمة (١٩)، وأبي وائل وإبراهيم (٢٠)، وأبي الشعثاء (٢١)، وسعيد بن المسيب (٢٢)، والربيع (٢٣)، وحماد (٢٤)، علقمة (٢٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٦٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٦٥.\n(٣) تفسير البغوي: ٤/ ٢٦٥.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١١١.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٢٨٨.\n(٦) البيت لسحيم عبد بني الحساس، انظر: ديوانه: ١٩ وحماسة ابن الشجري: ١٦٠ وغيرهما من قصيدته الغراء العجيبة. والضمير في قوله: \" ففاءت \" إلى صاحبته التي ذكرها وذكر ما بينه وبينها. ورواية الطبري وابن الشجري أحب إي من رواية الديوان: \" ولم تقض الذي هو أهله \". يقول: عادت إلى أهلها وقد أضاعت ما كانت مزمعة أن تفعله، أنساها حبه وغزله ما كانت نوته وإرادته. فيعزيها بأن المرء ربما طلب قضاء شيء ويشاء الله غيره فإذا هو لا يقتضيه.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ١٠٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٨٩، وتفسير الطبري: ٤/ ٤٦٦ وما بعدها.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٥٠٩): ص ٤/ ٤٦٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٥١٣): ص ٤/ ٤٦٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٥١٥): ص ٤/ ٤٦٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥١٧): ص ٤/ ٤٦٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٤): ص ٤/ ٤٦٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٢): ص ٤/ ٤٦٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٤): ص ٤/ ٤٦٨.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٨٩.\n(١٧) تفسير الطبري: ٤/ ٤٧٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٥)، و(٤٥٢٧): ص ٤/ ٤٦٨ - ٤٦٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٥): ص ٤/ ٤٦٨.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٨): ص ٤/ ٤٦٩.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٤٥٢٩): ص ٤/ ٤٦٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥٣٩): ص ٤/ ٤٧١.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٤٥٤٠): ص ٤/ ٤٧١.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٣٨): ص ٤/ ٤٧٠ - ٤٧١.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٤٥٣٢): ص ٤/ ٤٧٠.","vol":"4","page":497},{"text":"والثالث: أن (الفيء): المراجعة باللسان بكلّ حال. قاله إبراهيم (١)، والحسن (٢)، وأبي قلابة (٣)، ومن قال إن المُولي هو الحالف على مساءة زوجته.\nومذهب الجمهور: أن (الفيء) هو الجماع، \"لأن الرجل لا يكون موليًا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدةَ التي ذكرنا، للعلل التي وصفنا قبلُ. فإذ كان ذلك هو الإيلاء، فالفيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه، لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان للذي آلى عليه خلافًا، لأنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه، الحكمَ الذي بينه الله لهم في كتابه، كان الفيء إلى ذلك، معلومٌ أنه فعلُ ما آلى على تركه إن أطاقه، وذلك هو الجماع. غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء - الذي هو جماعٌ - بعذر، فغير جائز أن يكون تاركًا جماعها على الحقيقة، لأن المرء إنما يكون تاركًا ما له إلى فعله وتركه سبيل. فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل، فغير كائنٍ تاركَهُ، وإذ كان ذلك كذلك، فإحداث العزم في نفسه على جماعها، مجزئ عنه في حال العذر، حتى يجد السبيل إلى جماعها. وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهدَ على نفسه في تلك الحال بالأوبة والفيء، كان أعجبَ إلي\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: \" فإِن الله يغفر ما صدر منهم من إِساءة ويرحمهم\" (٥).\nقال القاسمي: أي: \"لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم\" (٦).\nقال الزمخشري: \" يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقًا منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"أي يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على ألا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ وليس من العشرة بالمعروف أن يحلف الإنسان ألا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر؛ فإن فعل فقد عرض نفسه للعقوبة؛ لكنه إذا رجع غفر الله له؛ و﴿غفور﴾ أي ذو مغفرة، كما قال تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]؛ والمغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه مأخوذة من «المغفر»؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام؛ وفي المغفر تغطية، ووقاية؛ و﴿رحيم﴾ أي ذو رحمة، كما قال تعالى: ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ فهو مشتق من الرحمة المستلزمة للعطف، والحنوّ، والإحسان، ودفع النقم\" (٨).\nقال القرطبي: \" ولم يذكر كفارة، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية\" (٩).\nوقد اختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، على ثلاثة أقوال (١٠):\nأحدها: أنه أراد غفران الإثم وعليه الكفارة، والتفسير: \" ﴿فإن الله غفور﴾ للمُولين من نسائهم فيما حنِثوا فيه من إيلائهم، فإن فاؤوا فكفّروا أيمانهم، بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم من الكفارة، ﴿رحيم﴾ بهم، بإسقاطه عنهم العقوبة في العاجل والآجل على ذلك، بتكفيره إياه بما فرض عليهم من الجزاء والكفارة، وبما جعل لهم من المَهَل الأشهرَ الأربعة، فلم يجعل فيها للمرأة التي آلى منها زوجها ما جعل لها بعد الأشهر الأربعة\" (١١). وهذا قول ابن عباس (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)، وإبراهيم (١٤)، وقتادة (١٥)، والربيع (١٦)، وعكرمة (١٧).\nوالثاني: أنه تعالى غفور بتخفيف الكفارة وإسقاطها، والتفسير: \" ﴿فإن الله غفورٌ﴾ لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهنّ، من الحِنْث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تَغْشَوْهنّ ﴿رحيم﴾ بكم في تخفيفه عنكم كفَّارةَ أيمانكم التي حلفتم عليهن، ثم حنِثتم فيه\" (١٨). وهذا قول الحسن (١٩)، وإبراهيم (٢٠).\nوهذا قول من زعم أن الكفارة لا تلزم فيما كان الحنث برًا.\nوالثالث: أن المعنى: فإنه تعالى غفور لمأثم اليمين، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتفكير، قاله ابن زيد (٢١).\nوالراجح -والله أعلم - هو القول الأول، وذلك لأن \" الحنث موجبٌ الكفارةَ في كل ما ابتدئ فيه الحنث من الأيمان بعد الحلف، على معصية كانت اليمين أو على طاعة\" (٢٢).\nالفوائد\n١ - من فوائد الآيتين: ثبوت حكم الإيلاء؛ لأن الله تعالى وقَّت له أربعة أشهر.\n٢ - ومنها: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله تعالى: [من نسائهم﴾؛ فلو حلف أن لا يطأ أمته لم يثبت له حكم الإيلاء؛ ولو حلف أن لا يطأ امرأة، ثم تزوجها، لم يكن له حكم الإيلاء - لكن لو جامع وجبت عليه كفارة يمين -.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٥٤١): ص ٤/ ٤٧٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥٤٢): ص ٤/ ٤٧٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٥٤٤): ص ٤/ ٤٧٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٤٧٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١١١.\n(٧) الكشاف: ١/ ٢٦٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٥ - ٩٦.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ١١٠.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٢٨٩، وتفسير الطبري: ٤/ ٤٧٤ وما بعدها.\n(١١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥٥٠): ص ٤/ ٤٧٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٥٥١): ص ٤/ ٤٧٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٥٢): ص ٤/ ٤٧٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٥٥٤): ص ٤/ ٤٧٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٥٥٥): ص ٤/ ٤٧٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٥٤٩): ص ٤/ ٤٧٥.\n(١٨) تفسير الطبري: ٤/ ٤٧٤.\n(١٩) تفسير الطبري (٤٥٤٦): ص ٤/ ٤٧٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٥٤٨): ص ٤/ ٤٧٤ - ٤٧٥.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥٦): ص ٤/ ٤٦، والنكت والعيون: ١/ ٢٨٩.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٤/ ٤٧٧.","vol":"4","page":498},{"text":"٣ - ومنها: أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾؛ فيفيد أن ابتداء المدة من الإيلاء.\n٤ - ومنها: حكمة الله ﷿، ورحمته بعباده في مراعاة حقوق الزوجة؛ وكما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده، فيكون ظالمًا.\n٥ - ومنها: أن المولي يوقف عند مضي أربعة أشهر، ويقال له: إما أن تفيء؛ وإما أن تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾.\n٧ - ومنها: صحة الإيلاء من غير المدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾؛ والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد الصحيح.\n٨ - ومنها: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق محرم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾؛ فإن المغفرة لا تكون إلا في مقابلة ذنب.\n٩ - ومنها: أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾.\nمسألة:\nهل يصح الإيلاء من الصغير الذي لم يبلغ؟\nالجواب: لا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾؛ والصبي لا تنعقد منه اليمين؛ لأنه غير مكلف.\n١٠ - ومنها: إثبات اثنين من أسماء الله ﷾؛ وهي «الغفور»، و«الرحيم»، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام.\nالقرآن\n﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]\nالتفسير:\nوإن عقدوا عزمهم على الطلاق، باستمرارهم في اليمين، وترك الجماع، فإن الله سميع لأقوالهم، عليم بمقاصدهم، وسيجازيهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، \" أي وإِن صمّموا على عدم المعاشرة والامتناع عن الوطء\" (١).\nقال الثعلبي: \" أي حققوا وصدّقوا ونووا\" (٢).\nقال البغوي: أي: \" حققوه بالإيقاع\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \"أي قصدوه بعزيمة تامة؛ ويدل على أن العزم هنا بمعنى القصد أنه تعدى بنفسه إلى الطلاق؛ ولو كان العزم بمعناه الأصلي لتعدى بـ (على)؛ فإنك تقول: (عزم على كذا)؛ ولا تقول: (عزم كذا) \" (٤).\nقال السعدي: \" أي: امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي: وقع العزم منهم عليه والقصد له\" (٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦٩.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٦٥.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٦.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١٠١.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١١١.","vol":"4","page":499},{"text":"قال القرطبي: \" العزيمة: تتميم العقد على الشيء ... العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله\" (١).\nقال الراغب: \"دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب أولها السابح، ثم الخاطر، تم التخيل والتفكر فيه، ثم الإرادة، ثم الهمة، ثم العزم، فالهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو العقد على إمضائه، ولهذا قال﷿- ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ويقال: (مالفلان عزمه) أي عقد على إمضائه ... ويقال: المعود عزائم تصورًا أنك قد عقدت على الشيطان أو الداء أن يمضي إراداتك فيما سميته ... والطلاق: تخلية عن وثاق أو داء أو انقباض وإمساك، ومنه: \" طلقت المرأة عند الولادة وبالتخليه عن الوثاق شبه الطلق في العدو، ورجل طلق الوجه وطلق اليدين \" (٢).\nوقرأ ابن عباس ﴿وإن عزموا السّراح﴾ (٣). قال الثعلبي: \" وهو الطلاق أيضا\" (٤).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] على أربعة أقوال (٥):\nأحدها: أن عزيمة الذي لا يفيء حتى تمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك. واختلف من قال بهذا في الطلاق الذي يلحقها على قولين:\nأحدهما: طلقة بائنة، وهو قول عثمان (٦)، وعليّ (٧)، وابن زيد، وزيد بن ثابت (٨)، وابن مسعود (٩)، وابن عمر (١٠)، وابن عباس (١١)، والحسن (١٢)، وقتادة (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، والضحاك (١٦)، ومحمد (١٧)، وإبراهيم (١٨)، وعطاء (١٩)، وعوف (٢٠)، وقبيصة بن ذؤيب قبيصة بن ذؤيب (٢١)، وشريح (٢٢)، وسالم بن عبدالله (٢٣)، وأبي سلمة بن عبدالرحمن (٢٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١١٠.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٥.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٨٩، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٦٩.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٦٩.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠، وتفسير الطبري: ٤/ ٤٧٧ وما بعدها.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٥٦٠)، و(٤٥٦١)، و(٤٥٦٢)، و(٤٥٦٣): ص ٤/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٥٥٧): ص ٤/ ٤٧٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٥٦٠)، و(٤٥٦٣): ص ٤/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٥٦٨): ص ٤/ ٤٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٥٦٧)، و(٤٥٧٠)، و(٤٥٧١)، و(٤٥٨٠): ص ٤/ ٤٨٠ - ٤٨٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٥٧٤): ص ٤/ ٤٨١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥٨٩): ص ٤/ ٤٨٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٥٩٨): ص ٤/ ٤٨٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٩٩): ص ٤/ ٤٨٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠٠): ص ٤/ ٤٨٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠١): ص ٤/ ٤٨٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٥٩٠)، و(٤٥٩١): ص ٤/ ٤٨٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٥٩٢): ص ٤/ ٤٨٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٥٨٧): ص ٤/ ٤٨٣.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٥٩٥): ص ٤/ ٤٨٥.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٤٥٨٣): ص ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٤٥٨٤): ص ٤/ ٤٨٣.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٤٥٨٦): ص ٤/ ٤٨٣.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٤٥٨٦): ص ٤/ ٤٨٣.","vol":"4","page":501},{"text":"والثاني: طلقة رجعية، وهو قول ابن المسيب (١)، وأبي بكر بن عبد الرحمن (٢)، ومكحول (٣)، وربيعة (٤)، وابن شبرمة (٥).\nالثاني: أن تمضي الأربعة الأشهر، يستحق عليها أن يفيء، أو يطلق، وهو قول عمر (٦)، وعلي في رواية عمرو بن سلمة (٧)، وابن أبي ليلى (٨) عنه، وعثمان في رواية طاووس عنه (٩)، وأبي الدرداء (١٠)، وعائشة (١١)، وابن عمر في رواية نافع (١٢) وابن جبير (١٣) عنه، وسعيد بن المسيب (١٤)، وطاوس (١٥)، ومجاهد (١٦)، وعمر بن عبدالعزيز (١٧)، وابن عباس (١٨)، وابن زيد (١٩)، ومالك (٢٠)، ومحمد بن كعب القرظي (٢١)، والقاسم بن محمد (٢٢).\nوأخرج الطبري عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: \"سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق\" (٢٣).\nوالثالث: ليس الإيلاء بشيء، وهو قول ابن عمر (٢٤) في رواية ميمون بن مهران عنه، سعيد بن المسيب (٢٥)، في رواية عمرو ابن دينار عنه.\nوالرابع: وإن امتنعوا من الفيئة، بعد استيقاف الإمام إيّاهم على الفيء أو الطلاق. وهذا قول إبراهيم (٢٦) في رواية الأعمش عنه.\nوالراجح هو القول الأول، وهو \"إن لم يفئ ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية له رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جدا\" (٢٧).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، أي: فإن الله سميع لأقوالهم ومنها الطلاق؛ عليم بأحوالهم ومنها مفارقة زوجاتهم\" (٢٨).\nقال الثعلبي: أي: \" ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيّاتهم، وفيه دليل على أنّها لا تطلّق بعد مضي الأربعة الأشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان لأنه شرط فيه العزم\" (٢٩).\nقال السعدي: \"فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة\" (٣٠).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وجهان (٣١):\nأحدهما: يسمع إيلاءه.\nوالثاني: يسمع طلاقه.\nكما ذكروا في قوله تعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وجهان (٣٢):\nأحدهما: يعلم نيته.\nوالثاني: يعلم صبره.\nقال الراغب: \" ونبه تعالى بقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أنه عارف بضميره ومقاله في إيلائه وتطليقه\" (٣٣).\nقال الحرالي: \"وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه \" (٣٤).\nالفوائد:\n١ - ومنها: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ والضمير يعود على «الذين يؤلون من نسائهم».\n٢ - ومنها: أن الله ﷾ لا يحب الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم\n٣ - ومنها: أن الطلاق لا يقع بمجرد تمام مدة الإيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ فإن قيل: لو امتنع عن الفيئة، والطلاق فهل يجبر على أحدهما؟\nفالجواب: نعم؛ يجبر على أحدهما إذا طالبت الزوجة بذلك؛ لأنه حق لها؛ فإن أبى فللحاكم أن يطلق، أو يفسخ النكاح؛ والفسخ أولى من الطلاق لئلا تحسب عليه طلقة، فيضيق عليه العدد - أي عدد الطلاق -.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠٢)، و(٤٦٠٣): ص ٤/ ٤٨٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠٢)، و(٤٦٠٥): ص ٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠٤): ص ٤/ ٤٨٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠٨): ص ٤/ ٤٨٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٦٠٩): ص ٤/ ٤٨٧ - ٤٨٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦١١) - (٤٦١٣): ص ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٦١٤): ص ٤/ ٤٨٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٦١٦): ص ٤/ ٤٨٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٦٢١): ص ٤/ ٤٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٦٢٣) - (٤٦٢٥): ص ٤/ ٤٩٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٦٢٧)، و(٤٦٢٩)، و(٤٦٣٠)، و(٤٦٣١)، و(٤٦٣٢)، و(٤٦٣٣): ص ٤/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٦٣٤) - (٤٦٣٦): ص ٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٦٤٠): ص ٤/ ٤٩٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٦٢٦): ص ٤/ ٤٩٠ - ٤٩١، و(٤٦٤٣) - (٤٦٤٧): ص ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٦٤٨): ص ٤/ ٤٩٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥١): ص ٤/ ٤٩٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥٣): ص ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥٤): ص ٤/ ٤٩٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥٦): ص ٤/ ٤٩٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥٧): ص ٤/ ٤٩٦ - ٤٩٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٤٦٥٩): ص ٤/ ٤٩٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٠): ص ٤/ ٤٩٧.\n(٢٣) تفسير الطبري (٤٦٤٢): ص ٤/ ٤٩٣.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٢): ص ٤/ ٤٩٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦١): ص ٤/ ٤٩٧.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٤)، و(٤٦٦٥): ص ٤/ ٤٩٨.\n(٢٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٥.\n(٢٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٦.\n(٢٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٦.\n(٣٠) تفسير السعدي: ١/ ١٠١.\n(٣١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٠.\n(٣٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٠.\n(٣٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٥.\n(٣٤) محاسن التأويل: ١/ ١١٢.","vol":"4","page":502},{"text":"٤ - قال الشيخ السعدي: \" ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء، خاص بالزوجة، لقوله: ﴿من نسائهم﴾ وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه بعد الأربعة، يجبر إما على الوطء، أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا\" (١).\n٥ - ومنها: إثبات اثنين من أسماء الله ﷾؛ وهي «السميع»، و«العليم»؛ وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام.\n٦ - ومنها: الإشارة إلى أن الفيئة أحب إلى الله من الطلاق؛ لأن ذلك نوع من التهديد.\n------------------------------------------------------\nانتهى المجلد الرابع من التفسير ويليه المجلد الثامن بإذن الله\nوبدايته تفسير الآية (٢٢٨) من سورة البقرة.\n\nفهرست المجلد الرابع\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]\n﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤]\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥]\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٦]\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١٠١.","vol":"4","page":503},{"text":"الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]\n﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]\n﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]\n﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]\n﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]\n﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]\n﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩]\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]","vol":"4","page":505},{"text":"﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١]\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ [البقرة: ١٩٢]\n﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]\n﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤]\n﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦]\n﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]\n﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]\n﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠]\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١]\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٢]\n﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]\n﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [البقرة: ٢٠٦]","vol":"4","page":506},{"text":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]\n﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٩]\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]\n﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ [البقرة: ٢١١]\n﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ [البقرة: ٢١٢]\n﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣]\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]\n﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠]\n﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا","vol":"4","page":507},{"text":"تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١]\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]\n﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣]\n﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤]\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]\n﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]\n﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]","vol":"4","page":508},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء الخامس\nسورة البقرة الآية (٢٢٨ - ٢٨٦)\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"5","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"5","page":2},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾","vol":"5","page":3},{"text":"القرآن\n﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]\nالتفسير:\nوالمطلقات ذوات الحيض، يجب أن ينتظرن دون نكاح بعد الطلاق مدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات على سبيل العدة؛ ليتأكدن من فراغ الرحم من الحمل. ولا يجوز لهن تزوج رجل آخر في أثناء هذه العدة حتى تنتهي. ولا يحل لهن أن يخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض، إن كانت المطلقات مؤمنات حقًا بالله واليوم الآخر. وأزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في العدة. وينبغي أن يكون ذلك بقصد الإصلاح والخير، وليس بقصد الإضرار تعذيبًا لهن بتطويل العدة. وللنساء حقوق على الأزواج، مثل التي عليهن، على الوجه المعروف، وللرجال على النساء منزلة زائدة من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف والقِوامة على البيت وملك الطلاق. والله عزيز له العزة القاهرة، حكيم يضع كل شيء في موضعه المناسب.\nفي سبب نزول الآية، أقوال:\nأحدها: قال عبد الرزاق: \"حدثنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن﴾ قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر فنهاهن الله عن ذلك\" (١). واخرجه الطبري (٢).\nوالثاني: أخرج الطبري من طريق أسباط بن نصر عن السدي في هذه الآية: \" فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها: هل بك حمل؟ فتكتمه إرادةَ أن تفارقه، فيطلقها وقد كتمته حتى تضع. وإذا علم بذلك فإنها تردّ إليه، عقوبةً لما كتمته، وزوجها أحق برجعتها صاغرةً \" (٣).\nوالثالث: قال القرطبي: \" حكي أن رجلا من أشجع أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي وهي حبلى، ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري فأنزل الله الآية، وردت امرأة الأشجعي عليه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: \"والنساء اللاتي طلقهن أزواجهن، ينتظرن في العدة، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج، ثلاث حيض\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي الواجب على المطلقات المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول الشافعي ومالك - أو ثلاث حِيَض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إِن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] \" (٦).\nقال القاسمي: \" هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت\" (٧).\n_________\n(١) تفسيره: ٢٩، وانظر: العجاب: ١/ ٥٨٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٧٥٠): ص ٤/ ٥٢١.\n(٣) تفسير الطبري (٤٧٥٣): ص ٤/ ٥٢٣. وانظر: العجاب: ١/ ٥٨٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١١٢. لم نقف عليه.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٧ - ٩٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٣٣.","vol":"5","page":4},{"text":"قال الشوكاني: \" قوله ﴿المطلقات﴾ يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول ثم خصص بقوله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فوجب بناء العام على الخاص وخرجت من هذا العموم المطلقة قبل الدخول وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] \" (١).\nقال الحافظ ابن حجر: \"والمراد بالمطلقات هنا: ذوات الحيض (٢)، كما دلت عليه آية سورة الطلاق المذكورة قبل (٣)، والمراد بالتربص: الانتظار (٤) \" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن ﴿أنفسهن﴾ توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن\" (٦).\nقال الطبري: \" ﴿المطلقات﴾: اللواتي طُلِّقن بعد ابتناء أزواجهن بهنّ، وإفضائهم إليهن، إذا كن ذوات حيض وطهر\" (٧).\nقال القرطبي: \" ﴿والمطلقات﴾ لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية \"الأحزاب\": ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] \" (٨).\nو\" (التربص) الانتظار ... وهذا خبر والمراد الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] \" (٩)، و\"إن قيل: كيف استعير لفمظ الخبر للأمر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؟ قيل: لما كانت العدة تحصل من الرأي بانقضاء الأيام، نوتها أو لم تنوها، أجدت أو لم تجد صار لفظ الخبر أملك له من لفظ الأمر، ويدلك على صحة هذا الاعتبار إتيان جميع العدد بلفظ\" (١٠).\nوفي إعراب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٣٥.\n(٢) أي: الحرائر البالغات المدخول بهن، غير الحوامل، وغير من لا يحضن لصغر أو كبر. انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٤٩٩، تفسير مقاتل-مخطوط-: ٣٠ ب، البسيط للواحدي –مخطوط-: ١/ ١٣٨ ب، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٩٣ - ١٩٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٨٥ - ١٨٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٦٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١١٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٢/ ٩٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٨٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٣٤، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٤٨، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٣٨٩، فتح البيان لصديق خان: ٣/ ١٣، أضواء البيان للشنقيطي: ١٤٩/ ١.\n(٣) أي: قوله﷿-: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وقد ذُكِرَت في الصحيح-فتح-: ٩/ ٣٧٩.\n(٤) أي: والتلبث والتوقف والتثبت والتأني والترقب والمكث، كل ذلك قاله أهل اللغة والتفسير في معنى التربص. انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٤٥٦، الكشف والبيان للثعلبي-مخطوط-: ٢/ ١٠٤ ب، البسيط للواحدي-مخطوط-: ١/ ١٣٨ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ٨٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٥٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٦٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٠٨ و١١٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٧٥، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٥١، تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ١٨١، الصحاح للجوهري: ٣/ ١٠٤١، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٥٥٨، تاج العروس للزبيدي: ٩/ ٢٨٧.\n(٥) الفتح: ٩/ ٣٨٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٤٩٩.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ١١٢.\n(٩) تفسير القطربي: ٣/ ١١٢ - ١١٣.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٨.","vol":"5","page":5},{"text":"أحدها: أنه خبر يراد به الأمر. وهذا قول الأكثرين (١). كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وجاز لأن المعنى مفهوم، وفائدة ذلك:\nأولا: رفع إيهام أن العدة لا تحصل إلا بالقصد والاختيار، وتعريف العباد أنه إذا انقضت العدة حصل المقصود، أفاده الرازي (٢).\nثانيا: أن \"إخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودًا\"، أي: ثقة بالاستجابة. قاله الزمخشري (٣).\nوالثاني: أنه أمر لفظًا ومعنى، على إضمار اللام في ﴿يَتَربَّصْن﴾. وهذا قول الكوفيين.\nوالثالث: أنه على بابه (أي: الخبر)، وفي الآية حذف، والتقدير: وحكم المطلقات أن يتربصن.\nقال ابن العربي: \"قال جماعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ﴾ خبر معناه الأمر، وهذا باطل، بل هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع\" (٤).\nوهذا الذي ذكره ابن العربي-وإن كان مستقيمًا من حيث المعنى-استبعده جدًا أبو حيان (٥)، والسمين (٦)، للحاجة فيه إلى تقدير الحذف في موضعين والأصل عدمه، ولا خلاف في المعنى على الأقوال الثلاثة، والله أعلم.\nوقد اختلف العلماء في عدة الأمة على قولين (٧):\nأحدهما: أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان. وهذا قول الجمهور.\nواحتجوا بقوله ﵇: \"طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ\" (٨)، فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا، إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف.\nوروي عن ابن عمر: \"أيهما رق نقص طلاقه\" (٩)، وقالت به فرقة من العلماء (١٠).\nقال الشيخ السعدي: \"، وسياق الآية يدل على أن المراد بها الحرة\" (١١).\nوالثاني: أن عدة الأمة كعدة الحرة، إلا أن تكون مضت في ذلك سنة: فإن السنة أحق أن تتبع. قاله ابن سيرين (١٢).\nوالثالث: إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء، وهذا قول الأصم عبدالرحمن بن كيسان، وداود بن علي، وجماعة أهل الظاهر (١٣).\n_________\n(١) منهم: الثعلبي في الكشف والبيان-مخطوط-: ٢/ ١٠٧ أ، الواحدي في البسيط-مخطوط-: ١/ ١٣٨ ب، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٦٥، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٩٢، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٦٠، وأبو البركات ابن الأنباري في البيان في غريب إعراب القرآن: ١/ ١٥٦، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ١١٢ وقال: (هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجري)، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٣٤، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١١٩، والألوسي في روح المعاني ٢/ ١٣١، والقاسمي في محاسن التأويل: ٣/ ٢٤٢، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٣٨٨.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٩٢.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٣٦٥.\n(٤) أحكام القرآن: ١/ ١٨٦.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ١٨٥.\n(٦) انظر: الدر المصون: ١/ ٥٥٣.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ١١٧ - ١١٨.\n(٨) سنن الترمذي (١١٨٢): ٣/ ٤٨٨. حديث ضعيف، انفرد به مظاهر بن أسلم.\n(٩) أخرجه عبدالرزاق (١٢٩٥٧) - (١٢٩٥٩)، والدارقطني: ٤/ ٣٨.\n(١٠) انظر: الإستذكار: ١٨/ ٩٨ - ٩٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ١١٨.\n(١١) تفسير السعدي: ١/ ١٠١.\n(١٢) انظر: مسند عبدالرزاق (١٢٨٨٠)، والإشراف لابن المنذر: ٤/ ٢٩١، والاستذكار: ١٨/ ١٩٢.\n(١٣) انظر: الإستذكار: ١٨/ ٩٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ١١٨.","vol":"5","page":6},{"text":"والطلاق لغةً: مصدر طَلَقَت المرأة وطَلُقَت (١) تطلُق طلاقًا فهي طالق، ويدل على الترك والتخلية، يقال طلَّق البلاد أي تركها، وأطلق الأسير أي خلًاّه، ويستعمل في معان أخر فيطلق على الصفو الطيب الحلال فيقال هو لك طلق أي حلال، ويطلق على البعد يقال طلق فلان إذا تباعد، ويطلق على الخروج يقال أنت طِلْقٌ من هذا الأمر أي خارج من (٢).\nوهذه المعاني المذكورة إذا أمعنا النظر فيها وجدنا بينها وبين مقصود الطلاق ترابطًا واضحًا فالمطلق تارك لزوجته وهو أيضًا قد أحلها لغيره، وقد باعدها بفراقه لها وقد خرج أيضًا عن العقد الذي كان يربطهما، فالطلاق قد اجتمعت فيه هذه المعاني جميعًا (٣).\nوقد تنوعت عبارات الفقهاء، وتعددت تعريفاتهم للطلاق في العرف الشرعي، هو: \"حلُّ قيد النكاح [أو بعضه] (٤) في الحال أو المآل بلفظ مخصوص\" (٥).\nوقد دلَّ على مشروعية الطلاق الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.\n- أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].\n- وأما السنة: فقوله ﷺ: \"إنما الطلاق لمن أخذ بالساق\" (٦)، وما ورد عنه ﷺ أنه طلق حفصة ﵂ ثم راجعها (٧).\n- والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا (٨).\n- وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جوازه وهو واقع منذ الصدر الأول في الإسلام إلى هذا الزمان لا ينكره أحد (٩).\nوالمعقول يؤيد جوازه الحكمة من مشروعيته، إذ شرع الله الزواج ليكون دائمًا مؤبدًا إذ به تتحقق المنافع والمصالح المرادة منه، ولا بد لتحقيق أهداف النكاح العظيمة من وجود المودة والتفاهم بين الزوجين فإذا حصل ما يقطع هذه المودة ويفسد هذا التفاهم مما هو واقع وكثير، لأسباب مشاهدة، كأن تفسد أخلاق أحد الزوجين فيندفع في تيار الفسق والفجور ويعجز المصلحون عن ردة إلى سواء الصراط، أو يحدث بين\n_________\n(١) بفتح اللام وضمها كما قال ثعلب من أهل اللغة (اللسان ٤/ ٢٦٩٦) وهو ما ذكره صاحب المطلع (٣٣٣).\n(٢) اللسان (٤/ ٢٦٩٦)؛ مجمل اللغة (٣/ ٣٣٠)؛ ومعجم مقاييس اللغة (٣/ ٤٢٠) وما بعدها، مادة (طلق).\n(٣) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٢٥٨) عن الطلاق في الشرع: (وهو موافق لبعض مدلوله اللغوي) وفيما ذكرته تعقيب عليه، قال البعلي في المطلع ص (٣٣٣) عن الطلاق في الشرع: (وهو عائد إلى معناه لغة) أهـ وتجد مثله في الدر النقي (٣/ ٦٧١).\n(٤) وهو الذي عرَّفه به في الدر المختار، ومعناه متفق عليه بين أهل العلم، وقد أضفت لتعريفه قيدًا وهو (أو بعضه) وفائدته إدخال الطلاق الرجعي، انظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم (٦/ ٤٨٢)؛ وانظر: أمثلة لتعريفات الطلاق في فتح القدير؛ وشرح العناية (٣/ ٣٢٥)؛ البهجة في شرح التحفة (١/ ٣٣٦)؛ وانظر أيضًا: التعريفات ص (١٤١)؛ ومعجم لغة الفقهاء ص (٢٩١).\n(٥) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه (٢/ ٤١٤).\n(٦) رواه ابن ماجة في سننه كتاب (الطلاق) باب طلاق العبد، برقم (٢٠٨١)، والدارقطني في سننه كتاب (الطلاق والخلع والإيلاء) (٤/ ٣٧) من حديث ابن عباس ﵄، ورواه الدارقطني مرسلًا عن عكرمة وعن عصمة ابن مالك، وفي إسناد المرفوع عند الدارقطني أحمد بن الفرج مختلف فيه. انظر: لسان الميزان (١/ ٢٦٦)، والكامل لابن عدي (١/ ١٩٠) وفي إسناده عند ابن ماجة ابن لهيعة وهو ضعيف، وللحديث طرق يقوي بها، انظر: التعليق المغني (٤/ ٣٧) وزوائد ابن ماجة بحاشية السنن، وقد حسن الحديث الألباني في الإرواء (٢٠٤١)، وصحيح سنن ابن ماجة (١/ ٣٥٥).\n(٧) رواه أبو داود في سننه كتاب (الطلاق) باب في المراجعة رقم (٢٢٨٠) وابن ماجة في سننه كتاب (الطلاق) باب حديثا سويد بن سعيد رقم (٢٠١٦) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وإسناده صحيح، وأخرجه النسائي في سننه كتاب (الطلاق) باب الرجعة رقم (٣٥٦٠) من حديث ابن عمر وإسناده صحيح، وفي الباب عن أنس وعمار. انظر إن شئت مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٤)، وإرواء الغليل رقم (٢٠٧٧)، والسلسلة الصحيحة (٢٠٠٧)، وانظر: قصة طلاقها في سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٢٧)، الإصابة (٤/ ٥٢).\n(٨) انظر: نيل الأوطار (٦/ ٢٤٧)، وجمع الفوائد (١/ ٦٧١).\n(٩) ممن نقل الإجماع على مشروعيته ابن قدامة في المغني (١٠/ ٣٢٣)، وانظر: (حاشية الروض المربع) لابن قاسم (٦/ ٤٨٢).","vol":"5","page":7},{"text":"الزوجين تنافر في الطباع وتخالف في العادات أو يلقى في نفس أحدهما كراهية الآخر والسَّأم منه والتبرم من أفعاله وقد يكون الزوج عقيمًا أو قد يصيبه مرض معد خطير أو قد يغيب غيبة لا يعلم فيها حاله، ولا حياته من موتِهِ، وقد يصاب بضيق ذلك اليد فلا يستطيع الإنفاق على زوجته وليست بخليه فتنكح غيره.\nوهذه الأمثلة وليست من الخيال في شيء تفسد على البيت نظامه وتعكر عليه صفوه، فينحرف الزوجان في البحث على لذة بديلة أو سكن غير ما يجدانه في نكاحهما، وينحرف الأولاد حيث لا كافل لهم ولا راعي لشؤونهم ولا قائم بحقوقهم وينشأ الأطفال نشأة يملؤها التشاؤم، ويغلب عليها الحزن والانطواء في مجتمع أسري كهذا.\nلهذه الأمور وغيرها كثير؛ أباح الله الطلاق ليكون علاجًا لهذا الوضع الرديء، والحال المفجع، والخطب الأليم، الذي أصاب الأسرة التي هي اللَّبنة الأولى لبناء المجتمع.\nولأن الإسلام دين رب العالمين الذي هو أعلم بمصالح العباد من أنفسهم، ولأنه الدين الصالح لكل زمان ومكان، فقد حرص على وقاية المجتمعات من كل داهية تفتك به وكل فجيعة تلم به، وكل نكبة تصيبه، فقد شرع الطلاق ليتخلص به الزوجان من حياة مقلقة، وصلة موجعة، وارتباط مؤلم، ومن ثم ينقب كل منهما عمّن هو خير من سابقه، وأجدر بالارتباط به، قال تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلًا من سعته وكان الله واسعا حكيمًا﴾ [سورة النساء، الآية ١٣٠] (١).\nواختلفوا في (الأقراء)، على قولين (٢):\nأحدهما: أنها (الحِيَضُ). وهو قول عمر (٣)، وعليّ (٤)، وابن مسعود (٥)، ومجاهد (٦)، والربيع (٧)، وقتادة (٨)، والضحاك (٩)، وابن عباس (١٠)، وعمرو بن دينار (١١)، وعكرمة (١٢)، والسدي (١٣)، والحسن وأبي موسى الأشعري (١٤)، وعبدالله وعلي وسعيد بن جبير (١٥)، وإبراهيم (١٦)، وعثمان (١٧)، وأبيّ (١٨)، ومعبد الجهني (١٩).\n_________\n(١) انظر: حجة الله البالغة) (٢/ ١٣٨)؛ تفسير آيات الأحكام للصابوني (١/ ٣٤٣) وما بعدها؛ الأحوال الشخصية ص (٣٢٧)؛ تنظيم الأسرة ص (٧٦)؛ تنظيم الإسلام المجتمع ص ٨٩، كلها لمحمد أبو زهرة. ومن محاسن الدين الإسلامي، سعدي: ص (٢٣، ٢٤)؛ الفقه الإسلامي وأدلته (٧/ ٣٥٨)؛ الزواج والطلاق وآثارهما للدكتور عبد الودود السريتي ص (٥، ٦)، وانظر: في تاريخ الطلاق وأحكامه عند المسلمين وغيرهم، دائرة المعارف، للمعلم بطرس البناني (١١/ ٣٢٧، ٣٢٨)؛ دائرة معارف القرن العشرين، لفريد وجدي (٥/ ٧٧٣) وما بعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٤٩٩ وما بعدها، والنكت والعيون: ٢/ ٢٩٠ وما بعدها، وتفسير القرطبي: ٣/ ١١٨ وما بعدها.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧٧)، (٤٦٨٠)، و(٤٦٨١)، و(٤٦٨٢)، و(٤٦٨٣)، و(٤٦٨٤)، و(٤٦٨٥)، (٤٦٨٦): ص ٤/ ٥٠١ - ٥٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٦٨٩)، و(٤٦٩٣)، و(٤٦٩٨): ص ٤/ ٥٠٤ - ٥٠٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧٥)، و(٤٦٨٠)، و(٤٦٨١)، و(٤٦٨٢)، و(٤٦٨٣)، و(٤٦٨٤)، و(٤٦٨٥)، و(٤٦٨٨): ص ٤/ ٥٠١ - ٥٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٦): ص ٤/ ٥٠٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٧): ص ٤/ ٥٠٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٨): ص ٤/ ٥٠٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٦٦٩): ص ٤/ ٥٠٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧٠): ص ٤/ ٥٠٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧١): ص ٤/ ٥٠٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧٢): ص ٤/ ٥٠١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧٤): ص ٤/ ٥٠١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٦٧٨)، و(٤٦٧٩)، و(٤٦٨٧): ص ٤/ ٥٠١ - ٥٠٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٦٩٠): ص ٤/ ٥٠٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٦٩١): ص ٤/ ٥٠٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٦٩٤): ص ٤/ ٥٠٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٦٩٤): ص ٤/ ٥٠٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٦٩٦): ص ٤/ ٥٠٥.","vol":"5","page":8},{"text":"وقال به مالك وأبو حنيفة وأهل الكوفة (١)، وقد احتجوا بقول الشاعر (٢):\nيا رُبَّ ذي صغن عليّ فارض ... له قروءٌ كقروءِ الحائض\nقال الزجاج: \" وما احتج به أهل اللغة مما يقوي مذهبهم\" (٣).\nوالثاني: أنها الأطهار. وهو قول عائشة (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وعلي (٦)، وابن عمر (٧)، وسالم بن عبدالله (٨)، وأبان بن عثمان (٩)، وسليمان (١٠).\nوكذا قاله الشافعي وأهل الحجاز (١١)، واستشهدوا بقول الأعشى (١٢):\nوَفيِ كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا\nمُوَرِّثَةٍ مَالا وَفِي الذِّكْرِ رِفْعةً ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءٍ نِسَائِكَا\nفالذي ضاع هنا الأطهار لا الحيض (١٣)، \"لأنّه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع اقراءهنّ أي أطهارهن، ومن قال بهذا القول قال: إذا حاضت المرأة الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلّت للزواج\" (١٤).\nقال الراغب: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، \" أي ثلاثة دخول من الطهر في الحيض وليس حقيقة هذا إلا ما قاله الشافعي دون ما قاله غيره في أنها إذا رأت الدم ثلاث مرات، فقد انقضى عدتها، وجعل غيره حصول ثلاثة أطهار تتعقبها ثلاث حيض\" (١٥).\nقلت: إن سبب اختلاف أهل التفسير في معنى (القروء) يعود إلى الإختلاف في المعنى اللغوي للكلمة، فـ (القروء) في كلام العرب: جمع (قُرْء)، وقد تجمعه العرب (أقراء)، يقال في (فعل) منه: أقرأت المراة، إذا صارت ذات حيض وطُهر، فهي تقرئ إقراء.\nوقد واختلفوا في اشتقاق (القرء) على قولين (١٦):\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٠٣، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٧٠، والنكت والعيون: ١/ ٢٩١.\n(٢) مجالس ثعلب: ٣٦٤، والمعاني الكبير: ٨٥٠، ١١٤٣، والحيوان ٦: ٦٦ - ٦٧، والأضداد: ٢٢، وكتاب القرطين ١: ٤٤، ٧٧، واللسان (فرض)، وغيرها، وصواب إنشاده:\nيارب مولى حاسد مباغض ... عليّ ذي ضغن وضب فارض\nوالضب: الغيظ والحقد تضمره في القلب. قروء وأقراء جمع قرء (بضم فسكون): وهو وقت الحيض قال ابن قتيبة: \"أي له أوقات تهيج فيها عداوته\"، وقال الجاحظ: \"كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم يستعر، ثم يخبو ثم يستعر\".\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٣٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٧٠٠) - (٤٧٠٣): ص ٤/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٧٠٥)، و(٤٧٠٧)، و(٤٧٠٨)، و(٤٧٠٩)، و(٤٧١٠)، و(٤٧١١)، و(٤٧١٢)، و(٤٧١٣)، و(٤٧١٦)، و(٤٧١٧)، و(٤٧١٨)، و(٤٧٢٠) - (٤٧٢٥): ص ٤/ ٥٠٧ - ٥١١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٧٠٩): ص ٤/ ٥٠٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٧١١)، و(٤٧١٥)، و(٤٧١٦): ص ٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٧١٨): ص ٤/ ٥٠٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧١٩): ص ٤/ ٥٠٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٠٦ - ٥١١.\n(١١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٠٣، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٧٠، والنكت والعيون: ١/ ٢٩١.\n(١٢) ديوانه: ٦٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٧٤ وغيرهما كثير. يمدح هوذة بن على الحنفي، وقد ذكر فيها من فضائل هوذة ومآثره ما ذكر. جشم الأمر يجشمه جثما وجشامة: تكلفه على جهد ومشقة وركب أجسمه والعزيم والعزيمة والعزم: الجد وعقد القلب على أمر أنك فاعله. والعزاء: حسن الصبر عن فقد ما يفقد الإنسان. يقول لهوذة: كم من لذة طيبة صبرت النفس عنها في سبيل تشييد ملكك بالغزو المتصل عامًا بعد عام.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٠٤.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧٠.\n(١٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٦.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩١.","vol":"5","page":9},{"text":"أحدهما: أن القرء الاجتماع، ومنه أخذ اسم القرآن لاجتماع حروفه، وقيل: قد قرأ الطعام في شدقه وقرأ الماء في حوضه إذا جمعه، وقيل: ما قرأتِ الناقة سَلَى قط، أي لم يجتمع رحمها على ولد قط، قال عمرو بن كلثوم (١):\nذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرِ ... هَجَانَ اللون لم تقرَأْ جَنِينَا\nفقوله (لم تقرَأْ): أي: لم تضم في رحمها ولدًا قط (٢).\nوهذا قول الأصمعي (٣)، والأخفش (٤)، والكسائي (٥)، والزجاج (٦)، والشافعي (٧).\nوالثاني: أن القرء الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجِيؤه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (٨)، واختاره الطبري (٩).\nولذلك قالت العرب: قرأت حاجةُ فلان عندي، بمعنى دنا قضاؤها، وحَان وقت قضائها، واقرأ النجم، إذا جاء وقت أفوله، وأقرأ، إذا جاء وقت طلوعه، كما قال الشاعر (١٠):\nإذَا مَا الثُّرَيَّا وَقَدْ أقْرَأَتْ ... أَحَسَّ السِّمَا كَانِ مِنْها أُفُولا\nوقيل: \" أقرأت الريح \"، إذا هبت لوقتها، كما قال مالك بن الحارث الهذلي (١١):\nشَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ ... إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ\nبمعنى: هبت لوقتها وحين هُبوبها.\nومن ذلك قول الأعشى ميمون بن قيس (١٢):\nوَفيِ كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا\nمُوَرِّثَةٍ مَالا وَفِي الذِّكْرِ رِفْعةً ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءٍ نِسَائِكَا\nولذلك قال ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبّيْش: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" (١٣).\nبمعنى: دعي الصلاة أيام إقبال حيضك، إذ جعل (القُرء): وقت الطهر (١٤).\n_________\n(١) البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته. انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني ص ١٢٩، وانظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢٧١)، ولسان العرب (١/ ١٢٤). والعيطل: الطويل العنق من النوق. والأدماء: البيض منها\n(٢) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ١ - ٣.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩١.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٧.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩١، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢ - ٢٩١٤ مادة (قرأ)، \"المفردات\" ص ٣٩٩ - ٤٠٠، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٠، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٤ - ٣٥٦٥ مادة (قرأ).\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٠٥.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩١.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٢، ومعاني القرآن للزجاج ١/ ٣٠٤، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٩١٢ - ٢٩١٤ مادة (قرأ)، والمفردات: ص ٣٩٩ - ٤٠٠، وعمدة الحفاظ: ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٠، واللسان: ٦/ ٣٥٦٤ - ٣٥٦٥ مادة (قرأ).\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥١١.\n(١٠) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٥/ ١١١. ولم أتعرف على قائله.\n(١١) ديوان الهذليين ٣: ٨٣ وشيء الشيء يشنأه شناءة: كرهه. والعقر: اسم مكان و\" خليل \" الذي نسب إليه هو جد جرير بن عبد الله البجلي.\n(١٢) ديوانه: ٦٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٧٤ وغيرهما كثير. يمدح هوذة بن على الحنفي، وقد ذكر فيها من فضائل هوذة ومآثره ما ذكر. جشم الأمر يجشمه جثما وجشامة: تكلفه على جهد ومشقة وركب أجسمه والعزيم والعزيمة والعزم: الجد وعقد القلب على أمر أنك فاعله. والعزاء: حسن الصبر عن فقد ما يفقد الإنسان. يقول لهوذة: كم من لذة طيبة صبرت النفس عنها في سبيل تشييد ملكك بالغزو المتصل عامًا بعد عام.\n(١٣) رواه أبو دواد والنسائي من طريق المنذرين المغير، عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن رسول الله ﷺ قال لها: \" دعى الصلاة أيام أقرائك \". ثم قال: \" ولكن المنذر هذا مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات \" وكذلك قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/ ١/٢٤٢. وانظر سنن أبي داود ١: ١١٤ - ١١٧ تفصيل ذلك. وانظر البخاري (فتح الباري ١: ٣٤٨ - وما بعده من أبواب الحيض) ومسلم ٤: ١٦ - ٢١ وفاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥١١ - ٥١٢.","vol":"5","page":10},{"text":"قال الماوردي: \" فمن جعل القرْء اسمًا للحيض، فلأنه وقت خروج الدم المعتاد، ومن جعله اسمًا للطهر، فلأنه وقت احتباس الدم المعتاد \" (١).\nقال الراغب: \" والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسمًا للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما، لأن عادة العرب أن كل اسم موضوع لمعنيين معًا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة هي للخوان والطعام، وقد سمي كل واحد منهما بانفراده مائدة، وعلى ذلك الظعينة والكأس والراوية، فكذلك القرؤ، وليس هما اسمًا للطهر مجردًا بدلالة أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمر بها الدم، والنفساء لا يقال لهما ذلك\" (٢).\nوالراجح أن قوله تعالى ﴿قُرُوءٍ﴾، جمع قَرْء بفتح القاف؛ وهو الحيض؛ وهو رأي الجمهور؛ لقول النبي ﷺ في المستحاضة: \"تجلس أيام أقرائها\" (٣) أي حيضها؛ فقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي ثلاث حيض. والله تعالى أعلم (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: \"ولا يباح للمطلقات أن يخفين ما في أرحامهن من حبلٍ أو حيض استعجالًا في العدة وإِبطالًا لحق الزوج في الرجعة\" (٥).\nقال القاسمي: \" من الحيض أو الولد، استعجالا في العدة أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة\" (٦).\nو(الأرحام): جمع رحم؛ \"وهو مقر الحمل؛ وسمي رحمًا؛ لأنه ينضم على الجنين، ويحفظه؛ فهو كذوي الأرحام من انضمامهم على قريبهم، وحنوهم عليه، وعطفهم عليه\" (٧).\nوذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة تأويلات (٨):\nأحدها: أنه الحيض، وهو قول عكرمة (٩)، والزهري (١٠)، وإبراهيم النخعي (١١)، وعطية (١٢).\nإذ \"حرّم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلَّقوهن، في الطلاق الذي عليهم لهنّ فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن\" (١٣).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٢٩٢.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦.\n(٣) أخرجه النسائي ص ٢١٠٩، كتاب الحيض، باب ٥: جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت، حديث رقم ٣٦١، وقال الألباني: صحيح (صحيح النسائي ١/ ١٢٠ – ١٢١)، حديث رقم ٣٥٩.\n(٤) وقد ذكر القاسمي: \" و(القرء): من الأضداد، يطلق على الحيض والطهر. نص عليه من أئمة اللغة: أبو عبيد والزجاج وعمرو بن العلاء وغيرهم. والبحث في ترجيح أحدهما طويل الذيل، استوفاه الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) فانظره. ولمن نظر إلى موضوعه اللغويّ أن يقول: تنقضي العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض. فأيهما اعتبرته المعتدة خرجت عن عهدة التكليف به. والله أعلم\". (محاسن التأويل: ٢/ ١٣٤).\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٣٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٩.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٢، وتفسير الطبري: ٤/ ٥١٦ وما بعدها.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧٣١): ص ٤/ ٥١٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٧٢٧): ص ٤/ ٥١٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٧٢٨)، و(٤٧٢٩)، و(٤٧٣٠): ص ٤/ ٥١٦ - ٥١٧.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٢): ص ٢/ ٤١٦.\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ٥١٦.","vol":"5","page":11},{"text":"والثاني: أنه الحمل والحيض جميعا. قاله ابن عمر (١)، ومجاهد (٢)، والربيع (٣)، وابن زيد (٤)، والضحاك (٥)، وابن عباس (٦)، والشعبي (٧)، والحكم بن عتيبة (٨)، وهذا قول جمهور أهل التفسير.\nوالثالث: أنه الحمل، قاله عمر (٩)، وابن عباس (١٠)، ومحمد بن كعب القرظي (١١)، والسدي (١٢)، والنخعي (١٣) - في أحد قوليه-، وقتادة (١٤)، ومقاتل بن حيان (١٥).\nثم اختلف قائلو ذلك في السبب الذي من أجله نُهِيتْ عن كتمان ذلك الرجلَ، وفيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: نهيت عن ذلك لئلا تبطل حقَّ الزوج من الرجعة، إذا أراد رجعتها قبل وضعها وحملها. قاله عمر (١٦)، وابن عباس (١٧)، وعكرمة (١٨).\nوالثاني: أن السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك أنهن في الجاهلية كنّ يكتمنَه أزواجهن، خوف مراجعتهم إياهُنّ، حتى يتزوجن غيرهم، فيُلحق نسب الحمل - الذي هو من الزوج المطلِّق - بمن تزوجته. فحرم الله ذلك عليهن. قاله قتادة (١٩).\nوالثالث: أن السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك، هو أنّ الرجل كان إذا أراد طلاق امرأته سألها هل بها حملٌ؟ كيلا يطلقها، وهي حامل منه للضرر الذي يلحقُه وولدَه في فراقها إن فارقها، فأمِرن بالصدق في ذلك ونُهين عن الكذب. قاله السدي (٢٠).\nوالراجح هو القول الثاني، وهو قول الجمهور، فـ \"الذي نُهيت المرأة المطلَّقة عن كتمانه زوجها المطلِّقَها تطليقة أو تطليقتين مما خلق الله في رحمها - الحيضُ والحبَل، لأنه لا خلاف بين الجميع أنّ العِدّة تنقضي بوضع الولد الذي خلق الله في رحمها، كما تنقضي بالدم إذا رأته بعد الطهر الثالث، في قول من قال: \" القُرء \" الطهر، وفي قول من قال: هو الحيض، إذا انقطع من الحيضة الثالثة، فتطهرت بالاغتسال\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٧٣٤): ص ٤/ ٥١٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٢١٩١): ص ٢/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٧٣٥)، و(٤٧٣٧) - (٤٧٤٣): ص ٤/ ٥١٨ - ٥١٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٧٤٤): ص ٤/ ٥١٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٧٤٥): ص ٤/ ٥١٩ - ٥٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٧٤٦): ص ٤/ ٥٢٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩١): ص ٢/ ٤١٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩١): ص ٢/ ٤١٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩١): ص ٢/ ٤١٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٠): ص ٢/ ٤١٥.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٠): ص ٢/ ٤١٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٠): ص ٢/ ٤١٥.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٠): ص ٢/ ٤١٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٠): ص ٢/ ٤١٥.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٠): ص ٢/ ٤١٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٧٤٧): ص ٤/ ٥٢٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٧٤٨): ص ٤/ ٥٢١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٧٤٩): ص ٤/ ٥٢١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧٥٠) - (٤٧٥٢): ص ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٧٥٣): ص ٤/ ٥٢٣.\n(٢١) تفسير الطبري: ٤/ ٥٢٣. ثم قال: \" فإذا كان ذلك كذلك وكان الله تعالى ذكره إنما حرَّم عليهن كتمانَ المطلِّق الذي وصفنا أمره، ما يكونُ بكتمانهن إياه بُطُول حقه الذي جعله الله له بعد الطلاق عليهن إلى انقضاء عِدَدهن، وكان ذلك الحق يبطل بوضعهن ما في بطونهن إن كن حواملَ، وبانقضاء الأمراء الثلاثة إن كن غير حوامل علم أنهن منَهيَّات عن كتمان أزواجهن المطلِّقِيهنَّ من كل واحد منهما، - أعني من الحيض والحبل - مثل الذي هنَّ مَنْهيَّاتٌ عنه من الآخر، وأن لا معنى لخصوص مَنْ خصّ بأن المراد بالآية من ذلك أحدهما دون الآخر، إذ كانا جميعًا مما خلق الله في أرحامهن، وأنّ في كل واحدة منهما من معنى بُطول حق الزوج بانتهائه إلى غاية، مثل ما في الآخر.\nويُسأل من خصّ ذلك - فجعله لأحد المعنيين دون الآخر - عن البرهان على صحة دعواه من أصْل أو حجة يجب التسليم لها، ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.\nوأما الذي قاله السدي من أنه معنيٌّ به نهي النساء كتمانَ أزواجهن الحبلَ عند إرادتهم طلاقهن، فقولٌ لما يدل عليه ظاهر التنزيل مخالف، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: \" والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلقَ الله في أرحامهن \"، بمعنى: ولا يحل أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الثلاثة القروء، إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر.\nوذلك أنّ الله تعالى ذكره ذكر تحريم ذلك عليهن، بعد وصفه إياهن بما وَصفهن به، من فراق أزواجهن بالطلاق، وإعلامهن ما يلزمهن من التربُّص، معرِّفًا لهن بذلك ما يحرُم عليهن وما يحلّ، وما يلزمُهن من العِدَّة ويجبُ عليهن فيها. فكان مما عرّفهن: أنّ من الواجب عليهن أن لا يكتمن أزواجَهن الحيض والحبَل الذي يكون بوضع هذا وانقضاء هذا إلى نهاية محدودة انقطاعُ حقوق أزواجهن ضرارًا منهنّ لهم، فكان نهيُه عما نهاهن عنه من ذلك، بأن يكون من صفة ما يليه قبله ويتلوه بعده، أولى من أن يكون من صفة ما لم يَجْرِ له ذِكر قبله\". (تفسير الطبري: ٤/ ٥٢٣ - ٥٢٤).","vol":"5","page":12},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي \"إِن كنَّ حقًا مؤمنات بالله ويخشين من عقابه\" (١).\nقال الصابوني: \"وهذا تهديد لهنَّ حتى يخبرن بالحق من غير زيادة ولا نقصان لأنه أمر لا يُعلم إِلاّ من جهتهنَّ\" (٢).\nقال القاسمي: \" أي: \"إن جرين على مقتضى الإيمان به، المخوف من ذاته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، المخوف من جزائه. ودلّ هذا على أن المرجع في هذا إليهنّ. لأنه أمر لا يعلم إلّا من جهتهن. ويتعذر إقامة البينة على ذلك. فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحقّ. وهذه الآية دالة على أنّ كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه، فأمره عند الله شديد\" (٣).\nوقال ابن عثيمين: \"قوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ هذه الجملة فيها إغراء لالتزام الحكم السابق؛ وهي تشبه التحدي؛ يعني إن كن صادقات في الإيمان بالله، واليوم الآخر فلا يكتمن حملهن\" (٤).\nقال القرطبي: \" ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حضت، وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل، لتقطع حقه من الارتجاع\" (٥).\nقال الراغب: \" فليس ذلك شرطًا في أنهن إذا لم يكن مؤمنات، يجوز أن يكتمن، وإنما ذلك تنبيه أنه مناف للإيمان، وأنه ليس من فعل المؤمن، كقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ \" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن \"سعيد بن جبير قال: جاء أعرابي فسأل: من أعلم أهل مكة؟ فقيل له: سعيد بن جبير. فسأل عنه فإذا هو في حلقة، وهو حديث السن. زاد يوسف فقال: إن هذا الحدث. فقيل له: هو هذا. قالا: جميعا فسأله ابن أخ له تزوج امرأة، ثم عرض بينهما فرقة، وبها حبل، فكتمت حبلها حتى وضعت. هل له أن يراجعها؟ قال: لا. قال: فاشتد على الأعرابي. فقال له سعيد: ما تصنع بامرأة لا تؤمن بالله واليوم الآخر. فلم يزل يزهده فيها حتى زهد فيها\" (٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٣٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ١١٨.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٨.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٣): ص ٢/ ٤١٦.","vol":"5","page":13},{"text":"و﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، المراد: \"يوم القيامة؛ وإنما سمي اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده؛ فالناس إذا بعثوا يوم القيامة فليس هناك موت؛ بل إما خلود في الجنة؛ وإما خلود في النار؛ وذكر اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فعل الطاعات، واجتناب المنهيات؛ لأنه يعلم أن أمامه يومًا يجازى فيه الإنسان على عمله؛ فتجده يحرص على فعل المأمور، وترك المحظور\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾، \" أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير\" (٢).\nقال الصابوني: \"وأزواجهن أحقُّ بهنَّ في الرجعة من التزويج للأجانب إِذا لم تنقض عدتهن وكان الغرض من الرجعة الإِصلاح لا الإِضرار، وهذا في الطلاق الرجعي\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة، أو تطليقتين وهي حامل، فهو أحق برجعتها ما لم تضع\" (٤).\nو(البعولة)، جمع (بعل)، وهو الزوج للمرأة، و(البعل) هو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿قال يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا﴾ [هود: ٧٢] أي: زوجي، ومنه قول جرير (٥):\nأَعِدُّوا مَعَ الحَلْيِ المَلابَ فَإنَّمَا ... جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وَأَنْتُمْ حَلائِلُهْ\nوقد يجمع (البعل) (البعولة)، و(البعول)، كما يجمع (الفحل) (والفحول) و(الفحولة)، و(الذكر) (الذكور) (والذكورة)، وكذلك ما كان على مثال (فعول) من الجمع، فإن العرب كثيرًا ما تدخل فيه (الهاء) (٦).\nوسمي الزوج بعلًا مع أنه مطلِّق؛ لأن الأحكام الزوجية في الرجعية باقية إلا ما استثني (٧).\nو﴿إِصْلاحًا﴾ أي ائتلافًا، والتئامًا بين الزوج، وزوجته، وإزالة لما وقع من الكسر بسبب الطلاق، وما أشبه ذلك (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: \"ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٩٩ - ١٠٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢١٩٥): ص ٢/ ٤١٧.\n(٥) ديوانه: ٤٨٢ والنقائض: ٦٥٠ وطبقات فحول الشعراء: ٣٤٧. من نقيضة عجيبة كان من أمرها أن الحجاج قال لهما: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية. فجاء الفرزدق قد لبس الخز والديباج وقعد في قبة. وشاور جرير دهاة قومه بني يربوع فقالوا: ما لباس آبائنا إلا الحديد! فلبس جرير درعًا وتقلد سيفًا، وأخذ رمحًا وركب فرسًا وأقبل في أربعين فارسًا من قومه. فلما رأى الفرزدق قال:\nلَبِسْتُ سِلاحِي والفَرَزْدَقُ لُعْبِةً ... عَلَيْهِ وِشَاحًا كُرَّجٍ وَجَلاجِلُهْ\nأَعِدُّوا مَعَ الحَلْيِ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوالكرج: الخيال الذي يلعب به المخنثون كأنه \" خيال الظل \" فيما أظن. والجلاجل: الأجراس ويروى: \" أعدوا مع الخز \" وهو الحرير. والملاب: طيب من الزعفران تتخلق به العروس في زينتها لجلوها. والحلائل جمع حليلة. وهي الزوجة. ولشد ما سخر جرير من ابن عمه! !\n(٦) تنظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٢٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ١٠٢. ثم قال: \" ومرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف، وهو: العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص والعوائد.\nوفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة، والمعاشرة، والمسكن، وكذلك الوطء - الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق\".","vol":"5","page":14},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ﴾ أي للزوجات سواء كن مطلقات، أو ممسكات، فكما أن على الزوجة أن تتقي الله تعالى في حقوق زوجها، وأن تقوم بما فرض الله عليها؛ فلها أيضًا مثل الذي له في أنه يجب على الزوج أن يعاشرها بالمعروف، وأن يقوم بحقها الذي أوجب الله عليه (١).\nولما كانت المماثلة تقتضي المساواة أخرج ذلك بقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ أي فضل في العقل، والحقوق؛ وهذا من باب الاحتراس حتى لا يذهب الذهن إلى تساوي المرأة، والرجل من كل وجه (٢).\nقال ابن كثير: \" فلْيؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته، في حجة الوداع: \"فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهُنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" (٣) \" (٤).\nوعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ \" (٥).\nوأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: \"إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ \" (٦).\nقال الراغب: \"يتبين أن لكل واحد على الآخر حقًا كحق الآخر، فمما تشاركا فيه مراعاتهما للمعنى الذي شرع لأجله النكاح وهو طلب النسل، وتربية الولد، ومعاشرة كل واحد منهما للآخر بالمعروف وحفظ المنزل، وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت أيديهما، حماية كل واحد على الآخر بقدر جهده وحده\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة أوجه من التفسير (٨):\nأحدها: ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة، فيما أوجبه الله تعالى عليهن لأزواجهن، وهو قول الضحاك (٩)، وابن زيد (١٠).\nوالثاني: ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين، مثل ما لأزواجهن، وهو قول ابن عباس (١١).\nوالثالث: أن الذي لهن على أزواجهن، ترك مضارتهن، كما كان ذلك لأزواجهن، وهو قول أبي جعفر (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي \"وللرجال على النساء ميزةٌ\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٠.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٠.\n(٣) صحيح مسلم (١٢١٨): ٢/ ٨٨٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٩ - ٦١٠.\n(٥) سنن أبي داود (٢١٤٢): ٢/ ٢٤٥.\n(٦) تفسير الطبري (٤٧٦٨): ص ٤/ ٥٣٢.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٩.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٢ وما بعدها، وتفسير الطبري: ٤/ ٥٣١ وما بعدها.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧٦٦): ص ٤/ ٥٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٧٦٧): ص ٤/ ٥٣١.\n(١١) تفسير الطبري (٤٧٦٨): ص ٤/ ٥٣٢.\n(١٢) انظر: تفسيره: ٤/ ٥٣٣. إذ يقول: \" فحرَّم الله على كل واحد منهما مضارَّة صاحبه، وعرّف كلّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقب ذلك بقوله: \" ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف \" فبيِّنٌ أن الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته، مثل الذي له على صاحبه من ذلك.\nفهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره. وقد يحتمل أن يكون كل ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلا في ذلك، وإن كانت الآية نزلت فيما وصفنا، لأن الله تعالى ذكره قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حقه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك وابن عباس وغير ذلك\".\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.","vol":"5","page":15},{"text":"قال الصابوني: \" هي فيما أمر تعالى به من القوامة والإِنفاق والإِمرة ووجوب الطاعة فهي درجة تكليفٍ لا تشريف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] \" (١).\nقال السعدي: \" أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ سبعة أوجه (٣):\nأحدها: فضل الميراث والجهاد، وهو قول مجاهد (٤)، وقتادة (٥).\nوالثاني: أنه الإمْرَةُ والطاعة، وهو قول الضحاك وزيد بن أسلم (٦)، وابنه عبد الرحمن (٧).\nوالثالث: أنه إعطاء الصداق، وأنه إذا قذفها لاعنها، وإن قذفته حُدَّتْ، وهو قول الشعبي (٨).\nوالرابع: أفضاله عليها، وأداء حقها إليها، والصفح عما يجب له من الحقوق عليها، وهو قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠).\nوالخامس: أنه \"يطلقها، وليس لها من الأمر شيء\". قاله أبو مالك (١١).\nوالسادس: وقيل: \" فضيلة بما أنفقوا عليهن من أموالهم\". قاله مقاتل بن حيان (١٢).\nوالسابع: أن جعل له لحْية، وهو قول حميد (١٣).\nقال القرطبي: \" وهذا إن صح عنه، فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١. وقال الرغب الأصفهاني: \" وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ﴾ هو من وجه تنبيه لفضل الرجل على المرأة بالجملة، ومن وجه كالاستثناء بأن له عليها حقا، ليس لها عليه، أما فضله عليها، فقد نبه علبه بقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ودل عليه النبي﵇ بقوله: \" إنكن ناقصات الدين والعقول\" ... [رواه البخاري (٢٩٨): بلفظ: مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ ...]، وقيل: من نقصها أن شر ما في الرجال الجبن والبخل، وهما خير ما في النساء، ولكونهن ناقصات عظم الله نسبة البنات إليه أكثر كما تعظيمه نسبة الابن، وإلا كانا منكرين، فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، وقال: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، وقال: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، وعظم تعالي نسبة الملائكة إلى الأنوثة، فقال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾.\nولكن الأنوثية نقص جعل القوه الانفعالية أنثى، والقوة الفاعلة ذكر حتى شبهوا السماء بالفحل والأرض باللقوحة، وقالوا حديد ذكر، وحديد أنثى، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، أي أصنامًا مفعولة غير فاعله، وأما فضل حقوقه عليها، فقيل: عشرة أشياء جعل الطلاق إليه من دونها، وإباحة ضربها عند النشوز، أو هجران فراشها، ووجوب إجابتها إياه دعاها إلى الفراش، والائتمار له إذا نهاها عن الخروج، وأن ميراثه منها أكثر من ميراثها منه، وأنه إذا قذفها فله إسقاط الحد باللعان، وليس لها ذلك وأن له أن يجمع بينها وبين غيرها، وليس لها أن تجمع بينه وبين غيرة، وليس لها أن تصوم تطوعًا ولا أن تحج فرضًا إلا بإذنه، وله ذلك من دون إذنها.\nوإلى وهذه الجملة أشار بقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ونبه بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أنه يحكم بكل ما يشاء، فلا يغالب لعزة، ويتقن كل ما يفعله فيصيب بحكمته، وفيه وعد وإبعاد على مجازاتهما فيما يتحريانه من صلاح وفساد\". (تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠).\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٣، وتفسير الطبري: ٤/ ٥٣٣ وما بعدها.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٧٦٩) - (٤٧٧٠): ص ٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧١): ص ٤/ ٥٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧٢): ص ٤/ ٥٣٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧٣): ص ٤/ ٥٣٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧٥): ص ٤/ ٥٣٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧٦): ص ٤/ ٥٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٠٢): ص ٢/ ٤١٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٠٠): ص ٢/ ٤١٧.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٠٣): ص ٢/ ٤١٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧٧): ص ٤/ ٥٣٥.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١٢٥.","vol":"5","page":16},{"text":"وقول ابن عباس أقربها إلى الصواب، \"وهو أن الـ ﴿درجة﴾ التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفحُ من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ عَقيب قوله: ﴿ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف﴾، فأخبر تعالى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها في مراجعته إياها في أقرائها الثلاثة وفي غير ذلك من أمورها وحُقوقها، مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إياه ما خلق الله في أرحامهنّ وغير ذلك من حقوقه.\nثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداءَ بعض ما أوجب الله لهم عليهن، فقال تعالى ذكره: \" وللرجال عليهن درجة \" بتفضّلهم عليهن، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله: \" ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها \" لأن الله تعالى ذكره يقول: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ \" (١).\nقوله تعالى ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: والله \"غالب ينتقم ممن عصاه، حكيم في أمره وتشريعه\" (٢).\nقال الربيع: \" ﴿عزيز﴾ في نقمته، ﴿حكيم﴾ في أمره\" (٣).\nقال السعدي: \"أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم، الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه\" (٤).\nقال الطبري: \" ﴿والله عزيز﴾ في انتقامه ممن خالف أمره، وتعدَّى حدوده، فأتى النساء في المحيض، وجعل الله عُرضة لأيمانه أن يبرَّ ويتقي، ويصلح بين الناس، وعضَل امرأته بإيلائه، وضَارَّها في مراجعته بعد طلاقه، ولمن كتم من النساء ما خلق الله في أرحامهن أزواجهن، ونكحن في عددهن، وتركنَ التربُّص بأنفسهن إلى الوقت الذي حده الله لهن، وركبن غير ذلك من معاصيه \" حكيم \" فيما دبَّر في خلقه، وفيما حكم وقضَى بينهم من أحكامه .. وإنما توعَّد الله تعالى ذكره بهذا القول عباده، لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرَّم عليهم أو نهاهم عنه، من ابتداء قوله: \" ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ \" إلى قوله: \" وللرجال عليهن درجة \" ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو النُّهى، وليذكر أولو الحجى، فيتقوا عقابه، ويحذروا عذابه\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب اعتداد المطلقة بثلاث حيض؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾؛ وهي جملة خبرية بمعنى الأمر؛ قال البلاغيون: إذا جاء الأمر بصيغة الخبر كان ذلك توكيدًا له؛ كأنه أمر واقع صح أن يخبر عنه.\n٢ - ومنها: قوة الداعي في المرأة للزواج؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾؛ فكأن النفس تحثها على أن تنهي علاقتها بالأول، وتتزوج؛ فقيل: «تربصي بنفسك» أي انتظري؛ مثل أن تقول: تربصتُ بكذا، وكذا، وكذا.\n٣ - ومنها: وجوب العدة بثلاث حيض على كل مطلقة سواء كان طلاقها بائنًا أم لا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٣) تفسير الطبري (٤٧٧٨): ص ٤/ ٥٣٨.\n(٤) تفسير السعدي ١/ ١٠١.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٥٣٧ - ٥٣٨.","vol":"5","page":17},{"text":"ويستثنى من ذلك: من لا تحيض لصغر، أو إياس: فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤].\nويستثنى أيضًا من طلقت قبل الدخول، والخلوة: فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nويستثنى أيضًا الحامل؛ فعدتها إلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤].\nفهذه ثلاث مسائل مستثناة من عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن من فارق الزوجة بغير طلاق فليس عليها أن تعتد بثلاث حيض، كالمختلعة؛ وعليه فيكفي أن تستبرئ بحيضة؛ وهذا هو القول الراجح.\n٥ - ومنها: أنه لو طلقها في أثناء الحيض لم يحتسب بالحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ وجهه: أن الحيض لا يتبعض؛ فتلغى بقية الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ ولا بد لها من ثلاث حيض جديدة؛ وإلا يلزم على ذلك أن تكون عدتها ثلاثة قروء وبعض القرء؛ وهو خلاف النص؛ وهذا على القول بأن طلاق الحائض واقع؛ ولكن الصواب أن طلاق الحائض لا يقع؛ لحديث ابن عمر (١)؛ ولقول النبي ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)؛ ولنصوص أخرى دلت على عدم وقوع طلاق الحائض.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الطلاق لا يقع قبل النكاح منجزًا كان، أو معلقًا؛ معينًا كان، أو مطلقًا؛ فلو قال لامرأة: «إن تزوجتك فأنت طالق» فتزوجها لم تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾؛ ولا طلاق إلا بعد قيد - وهو عقد النكاح -.\n٧ - ومنها: أنه يرجع إلى قول المرأة في عدتها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾؛ وجه ذلك أن الله جعل قولها معتبرًا؛ ولو لم يكن معتبرًا لم يكن لكتمها أيّ تأثير؛ فإذا ادعت أن عدتها انقضت، وكان ذلك في زمن ممكن فإنها تصدق؛ وهي مؤتمنة على ذلك؛ أما إذا ادعت أن عدتها انقضت في زمن لا يمكن فإن قولها مردود؛ لأن من شروط سماع الدعوى أن تكون ممكنة؛ ودعوى المستحيل غير مسموعة أصلًا.\n٨ - ومن فوائد الآية: أن المطلقة البائن عدتها ثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾؛ فيشمل حتى البوائن؛ وهو قول جمهور العلماء؛ حتى لو كانت بائنًا بالثلاث؛ فإنها لا بد أن تعتدّ بثلاثة قروء؛ وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: إن كانت المسألة إجماعية فالإجماع معتبر، وهو حجة؛ وإن لم تكن إجماعية فإن القول بأن المبانة تعتد بحيضة واحدة قول وجيه؛ فعلق القول به على وجود مخالف؛ وقد وجد؛ ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾؛ فإن هذا الحكم إنما هو للرجعيات؛ فيكون العموم مخصصًا بذكر الحكم المختص ببعض أفراده؛ وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء - وهي أنه إذا ورد لفظ عام، ثم فرع عليه حكم يتعلق ببعض أفراده فهل يكون ذلك مخصصًا لعمومه -؛ أو يقال: إن ذكر حكم يختص ببعض الأفراد لا يقتضي التخصيص؛ ومن أمثلته حديث جابر: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (٣)؛ إذا نظرنا إلى أول الحديث: «في كل ما\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٤٥٣، كتاب الطلاق، باب ١: وقول الله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة)، حديث رقم ٥٢٥١؛ ومسلمًا ص ٩٢٦ – ٩٢٧، كتاب الطلاق، باب ١: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ...، حديث رقم ٣٦٥٢ [١] ١٤٧١.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٥: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٦٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢ - ٩٨٣، كتاب الأقضية، باب ٨: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٤٤٩٣ [١٨] ١٧١٨، واللفظ لمسلم.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٧١، كتاب البيوع، باب ٩٦: بيع الشريك من شريكه، حديث رقم ٢٢١٣، وأخرجه مسلم ص ٩٥٧، كتاب المساقاة، باب ٢٨ الشفعة، حديث رقم ٤١٢٨ [١٣٤] واللفظ للبخاري.","vol":"5","page":18},{"text":"يقسم» وجدنا أن الشفعة تجري في كل شيء؛ وإذا نظرنا إلى آخره: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق»، قلنا: إن الشفعة لا تجري إلا فيما كان له حدود، وطرق - وهو الأرض -.\nو«الشفعة» أن ينتزع الشريك حصة شريكه التي باعها لطرف ثالث؛ مثال ذلك: زيد شريك لعمرو في أرض؛ فباع عمرو نصيبه لخالد؛ فلزيد أن يأخذ هذا النصيب من خالد بالثمن الذي يستقر عليه العقد؛ فإذا كان لشخصين سيارة واحدة، وباع أحدهما نصيبه من هذه السيارة لشخص ثالث فللشريك أن يأخذ هذا النصيب ممن اشتراه بثمنه على مقتضى أول الحديث العام؛ لكن قوله تعالى: «فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق» يقتضي أن لا شفعة له في نصيب شريكه في السيارة؛ لأنه لا حدود، ولا طرق فيها؛ والمسألة ذات خلاف معروف في كتب الفقه.\n٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي ذكر ما يوجب القبول، والعمل؛ لقوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.\n١٠ - ومنها: أنه ينبغي تحذير المؤتمن الذي لا يعلم بأمانته إلا الله ﷿ من عذاب يوم الآخر إن هو لم يقم بواجب الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.\n١١ - ومنها: إثبات اليوم الآخر.\n١٢ - ومنها: أن الرجعية في حكم الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق﴾؛ فأثبت أنه بعل.\nفإن قال قائل: ألا يمكن أن يقال: ﴿بعولتهن﴾ فيما مضى؛ لأن الشيء قد يعبر عنه بعد انتهائه، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢]؛ وهم لا يؤتونها إلا بعد زوال اليتم؛ كما أنه قد يعبر عن الشيء قبل وجوده، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ [يوسف: ٣٦]؛ وهو إنما يعصر عنبًا ليكون خمرًا؟\nفالجواب: أن الأصل خلاف ذلك؛ ولا يصار إلى خلاف الأصل إلا بدليل؛ لأن الأصل أن الوصف متحقق في الموصوف حتى يتبين زوال الوصف عنه؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الرجعية زوجة في حكم الزوجات؛ وينبني على ذلك أن كل ما يترتب على الزوجية فهو ثابت للرجعية إلا أنهم استثنوا بعض المسائل.\n١٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إن أرادوا إصلاحًا﴾؛ وقال بعض أهل العلم: «إن هذا ليس على سبيل الشرط؛ ولكنه على سبيل الإرشاد»؛ وهو خلاف ظاهر الآية؛ والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع إلا بهذا الشرط.\n١٤ - ومنها: أنه لا رجعة بعد انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أحق بردهن في ذلك﴾.\n١٥ - ومنها: أن للزوجة حقًا كما أن عليها حقًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن﴾.\n١٦ - ومنها: إثبات الرجوع إلى العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهكذا كل ما جاء، ولم يحدد بالشرع فإن مرجعه إلى العرف.\n١٧ - ومنها: استعمال الاحتراس؛ وأنه لا ينبغي الإطلاق في موضع يخشى فيه من التعميم؛ لقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ أي حقوق الرجال أكثر من حقوق النساء؛ ولهذا كان على الزوجة أن تطيع زوجها؛ وليس على الزوج أن يطيع زوجته؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ وهذا من معنى الدرجة؛ ودرجة الرجال على النساء من وجوه متعددة؛ فالدرجة التي فضل بها الرجال على النساء في العقل، والجسم، والدين، والولاية، والإنفاق، والميراث، وعطية الأولاد.","vol":"5","page":19},{"text":"الأمر الأول: العقل؛ فالرجل عقله أكمل من عقل المرأة؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن؛ قلن: ما نقصان العقل يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة الرجل بشهادة امرأتين؟ فذلك نقصان عقلها» (١).\nالأمر الثاني: الجسم؛ فإن الرجل أكمل من المرأة في الجسم؛ فهو أنشط من المرأة، وأقوى في الجسم.\nالأمر الثالث: الدين؛ فإن الرجل أكمل من المرأة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ قال في المرأة: «إنها ناقصة في الدين»؛ وفَسر ذلك بأنها إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؛ ولهذا يجب على الرجل من الواجبات الدينية ما لا يجب على المرأة، كالجهاد مثلًا.\nالأمر الرابع: الولاية؛ فقد فضل الرجل على المرأة في الولاية؛ فإن الله ﷾ جعل الرجل قوامًا على المرأة؛ فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض؛ ولهذا لا يحل أن تتولى المرأة ولاية عامة أبدًا - لا وزارة، ولا غير وزارة -؛ فالولاية العامة ليست من حقوق النساء أبدًا، ولا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة.\nالأمر الخامس: الإنفاق؛ فالزوج هو الذي ينفق على المرأة؛ وقد قال النبي ﷺ: \"اليد العليا خير من اليد السفلى\" (٢)؛ و(اليد العليا): هي المعطية؛ و(السفلى): الآخذة.\nالأمر السادس: الميراث، وعطية الأولاد؛ فإن للذكر مثل حظ الأنثيين.\n١٨ - ومن فوائد الآية: أن الذين لهم درجة على النساء هم الرجال الذين هم جديرون بهذا الوصف؛ وأما من جعل نفسه بمنزلة النسوة فهذا يكون شرًا من المرأة؛ لأنه انتكس من الكمال إلى الدون؛ ومن ثم لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء؛ والمتشبهات من النساء بالرجال (٣)؛ حتى لا يعتدي أحد على حق؛ أو على اختصاصات أحد.\n١٩ - ومنها: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: «العزيز»، و«الحكيم»؛ وما تضمناه من صفة - وهي العزة في (العزيز) -؛ والحكمة، والحكم في «الحكيم»؛ وما يترتب على ذلك من أثر.\nالقرآن\n﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]\nالتفسير:\nالطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان، واحدة بعد الأخرى، فحكم الله بعد كل طلقة هو إمساك المرأة بالمعروف، وحسن العشرة بعد مراجعتها، أو تخلية سبيلها مع حسن معاملتها بأداء حقوقها، وألا يذكرها مطلقها بسوء. ولا يحل لكم- أيها الأزواج- أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه، إلا أن يخاف الزوجان ألا يقوما بالحقوق الزوجية، فحينئذ يعرضان أمرهما على الأولياء، فإن خاف الأولياء عدم إقامة الزوجين حدود الله، فلا حرج على الزوجين فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل طلاقها. تلك الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تتجاوزوها، ومن يتجاوز حدود الله تعالى فأولئك هم الظالمون أنفسهم بتعريضها لعذاب الله.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٦، كتاب الحيض، باب ٦: ترك الحائض الصوم، حديث رقم ٣٠٤، وأخرجه مسلم ص ٦٩٢، كتاب الإيمان، باب ٣٤: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، حديث رقم ٢٤١ [١٣٢] ٧٩.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١١٢، كتاب الزكاة، باب ١٨: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، حديث رقم ١٤٢٧، وأخرجه مسلم ص ٨٤١، كتاب الزكاة، باب ٣٢: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى ...، حديث رقم ٢٣٨٦ [٩٥] ١٠٣٤.\n(٣) راجع البخاري ص ٥٠١، كتاب اللباس، باب ٦١: المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، حديث رقم ٥٨٨٥.","vol":"5","page":20},{"text":"أحدها: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن \"هشام بن عروة عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا، ولا أؤيدك أبدا وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك فأتت رسول الله ﷺ، فذكرت له، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾. قال هشام: ولم يكن لهم شيء ينتهون إليه من الطلاق\" (١).\nوالثاني: أخرج الطبري بسنده الصحيح عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت أبي ابن سلول، أنها كانت عند ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ، فقال: \" يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا، إلا أني كرهت دمامته! فقال لها: أتردين الحديقة \" قالت: نعم! فردت الحديقة وفرق بينهما\" (٢).\nوالثالث: أخرج الواحدي عن عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أنها أتتها امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق، قالت: \"فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - قال: فنزلت: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: عدد الطلاق الذي يستحق الزوج فيه الردّ والرجعة: اثنتان\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"يعني أن الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان: بأن يطلق مرة، ثم يراجع، ثم يطلق مرة، ثم يراجع\" (٥).\nقال الشوكاني: \"أي الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان أي الطلقة الأولى والثانية إذلارجعة بعد الثالثة وإنما قال سبحانه ﴿مرتان﴾ ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة كذا قال جماعة من المفسرين\" (٦).\nوقد اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] على قولين (٧):\nالاول: أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث، وأنه يملك في الاثنين الرجعة ولا يملكها في الثالثة. وهذا قول قتادة (٨)، وابن زيد (٩)، وعروة (١٠)، والسدي (١١)، وعكرمة (١٢).\nوذلك لأن \"أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه، فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدًّا، حرَّم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأتَه المطلقة، إلا بعد زوج، وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٠٦): ص ٢/ ٤١٨، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤٧٧٩): ص ٤/ ٥٣٩، والواحدي في أسباب النزول: ٧٩ - ٨٠، وأخرجه الإمام مالك (الموطأ برواية يحيى بن يحيى: ٤٠٣ - ح: ١٢٤٢) والترمذي (٣/ ٤٩٧ - ح: ١١٩٢)، والشافعي وعبد بن حميد (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٧١) والبيهقي (فتح القدير: ١/ ٢٣٩) كلهم من طريق هشام به. وهو صحيح الإسناد، إلا أنه مرسل. (حاشية جامع الأصول: ٢/ ٤٦).\n(٢) تفسير الطبري (٤٨١٠): ص ٤/ ٥٥٦.\n(٣) أسباب النزول: ٨٠، وأخرجه الترمذي (٣/ ٤٩٧) والحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٧٩) وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: ١/ ٢٣٩) من طريق يعلى بن شبيب المكي به. وإسناده ضعيف بسبب يعلى (تقريب التهذيب: ٢/ ٣٧٨) - رقم: ٤٠٥).\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٣٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٨.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨١)، و(٤٧٨٢): ٤/ ٥٤٠\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨٣): ص ٤/ ٥٤٠\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٧٧٩): ص ٤/ ٥٣٩ - ٥٤١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨٤): ص ٤/ ٥٤٠\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨٥): ص ٤/ ٥٤١\n(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ٥٣٨ - ٥٣٩.","vol":"5","page":21},{"text":"الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قول طلقة واحدة، وهو قول عبد الله بن مسعود (١)، وعبد الله بن عباس (٢)، ومجاهد (٣).\nوالراجح هو القول الأول، لأنه أولى بظاهر الآية، و\"الآية إنما هي دليل على عدد الطلاق الذي يكون به التحريم، وبُطولُ الرجعة فيه، والذي يكون فيه الرجعة منه. وذلك أن الله تعالى ذكره قال في الآية التي تتلوها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فعرَّف عباده القدرَ الذي به تحرُم المرأة على زوجها إلا بعد زوجٍ - ولم يبين فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه، والوقتَ الذي لا يجوز ذلك فيه، فيكون موجَّهًا تأويلُ الآية إلى ما روي عن ابن مسعود ومجاهد ومن قال بمثل قولهما فيه\" (٤). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، \"أي ليس لكم بعد المرتين إلا الإمساك بالمعروف\" (٥).\nقال الصابوني: أي: \"وليس بعدهما إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة\" (٦).\nقال الشوكاني: \" أي فأمساك بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف أي بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" فعليكم إمساك بمعروف، أي: بما يتعارفه الناس من العشرة الطيبة الحسنة -\" (٨).\nقال الضحاك: \"المعروف: أن يحسن صحبتها\" (٩).\nقال ابن عباس: \" ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: \"أو الطلاق بإحسان\" (١١).\nقال الشوكاني: \" أي بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها\" (١٢).\nقال الصابوني: يعني: \"بألا يظلمها من حقها شيئًا ولا يذكرها بسوء ولا ينفّر الناس عنها\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي إطلاق لهن؛ وهو كقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ والمراد بـ (الإحسان) هنا أن يمتعها بشيء يجبر كسرها، ويطيب قلبها\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" يسرحها، ولا يظلمها من حقها شيئًا\" (١٥).\nقال السدي: \" الإحسان: أن يوفيها حقها، فلا يؤذيها، ولا يشتمها\" (١٦).\nقال الضحاك: \" التسريح بإحسان: أن يدعها حتى تمضي عِدَّتها، ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلَّقها. فذلك التسريح بإحسان، والمتعة على قَدْر الميسرة\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨٦): ص ٤/ ٥٤١\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨٧): ص ٤/ ٥٤٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٧٨٨)، و(٤٧٨٩): ص ٤/ ٥٤٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٥٤٣ - ٥٤٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٢/ ١٧٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٨.\n(٩) تفسير الطبري (٤٧٩٩): ص ٤/ ٥٤٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٥٤٨. عن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٤١٢.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٨.\n(١٥) تفسير الطبري (٤٨٠١): ص ٤/ ٥٤٨.\n(١٦) تفسير الطبري (٤٨٠٣): ص ٤/ ٥٤٨.\n(١٧) تفسير الطبري (٤٨٠٤): ص ٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩.","vol":"5","page":22},{"text":"قال الشوكاني: \" عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة مرتان، وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثا أو واحدة فقط فذهب إلى الأول الجمهور وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق وقد قررته في مؤلفاتي تقريرا بالغا وأفردته برسالة مستقلة\" (١).\nوقد ذكر العلماء بأن الطلاق على قسمين من حيث الصيغة: الصريح والكناية (٢) (٣).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٢) إن المتأمل في حال المجتمعات الإسلامية يلحظ تزايدًا مطردا في نسب الطلاق، حتى وصلت النسب إلى مستوً لا يمكن تقبله في بعض البلدان الإسلامية، ولعل من جملة الأسباب التي أدت إلى ذلك جهل كثير من الناس بأحكام الطلاق، ومتى يقع الطلاق، ومتى لا يقع، وألفاظه إلى غير ذلك، وبناء عليه كان لا بد من إطلالة فقهية على بعض أحكام الطلاق، ومن تلك الأحكام معرفة أنواع الطلاق وأقسامه، ويمكن أن يقسم الطلاق إلى أقسام عدة باعتبارات عدة، فنقول:\nأولا: أقسام الطلاق من حيث الصفة (انظر: المغني: (٧/ ٢٧٨، وتحفة الفقهاء، السمرقندي: ٢/ ١٧١ - ١٧٥):\n١ - الطلاق السني: وهو أن يطلق الرجل المرأة فى طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها فلا يطلقها طلقة أخرى وهي لا زالت في العدة، قال ابن قدامة: \"ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، أنه مصيب للسنة، مطلق للعدة التي أمر الله بها. قاله ابن عبد البر، وابن المنذر\"١.\n٢ - الطلاق البدعي: وهو أن يطلق الرجل امرأته وهي حائض أو نفساء، أو فى طهر قد جامعها فيه، أو يطلقها ثلاثًا في كلمة واحدة فيقول: أنت طالق ثلاثًا، أو ثلاثًا في كلمات متفرقة فيقول: أنت طالق، طالق، طالق.\nوالطلاق البدعي كالسني عند عامة أهل العلم من حيث وقوعه، ومن أهل العلم من لا يوقعه، وليس المقام هنا مقام تفصيل لذلك، إذ المقصود بيان أقسام الطلاق كما تقدم.\nثانيا: أقسام الطلاق من حيث الرجعة وعدمها:\nالطلاق الرجعى: وهو ما يملك معه الزوج حق مراجعة مطلقته في عدتها من غير استئناف عقد جديد، وهو ما كان دون الثلاث في المدخول بها، وبدون عوض، فيثبت له حق الرجعة ما دامت في عدتها، ويكفيه أن يقول لها: \"لقد راجعتك\".\nالطلاق البائن: وهو الذى لا يملك المطلق معه حق الرجعة، ويقع الطلاق بائنًا في صور هي:\n١ - أن يطلقها طلاقًا رجعيًا، فلا يراجعها حتى تنقضي عدتها.\n٢ - أن يطلقها على مال تدفعه مخالعة.\n٣ - أن يطلقها قبل الدخول بها.\n٤ - أن يطلقها ثلاثًا في كلمة واحدة، أو متفرقات في المجلس، أو يطلقها ثالثة بعد اثنتين قبلها؛ فتبين منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.\nثالثا: أقسام الطلاق من حيث الصيغة:\n١ - الطلاق الصريح: وهو ما لا يحتاج المطلق معه إلى نية الطلاق، بل يكفي فيه لفظ الطلاق الصريح كأن يقول: أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو الطلاق له لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال القاضي أبو الحسن: صريح ألفاظ الطلاق كثيرة، وبعضها أبين من بعض: الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلية والبرية. وقال الشافعي: الصريح ثلاثة ألفاظ، وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق، قال الله تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقد قال عمر بن عبدالعزيز: \"لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، فمن قال: البتة، فقد رمى الغاية القصوى\". (موطأ مالك ١١٧٠: ١/ ٤١٣)، وقد روي عن علي قال: \" الْخَلِيَّةُ وَالْبَرِيَّةُ وَالْبَتَّةُ وَالْبَائِنُ وَالْحَرَامُ إِذَا نَوَى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثَّلَاثِ\". (كتاب السنن الكبرى: ٧/ ٣٤٤) من حديث الشعبي.\n٢ - الطلاق الكناية: وهو ما يحتاج فيه إلى نية الطلاق، إذ اللفظ غير صريح فى الدلالة عليه كأن يقول: \"الحقي بأهلك\"، أو غير ذلك، فهنا لا بد في وقوع الطلاق من نية الطلاق، فلو قال لم أنو بهذا اللفظ الطلاق قبل منه ولم يقع طلاقا.\nوالفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية، بل بمجرد اللفظ يقع الطلاق، والكناية تفتقر إلى نية، والحجة لمن قال: إن الحرام والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في الطلاق حتى عرفت به، فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق، كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض، ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبين وأظهر وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله.\nوقد جاء في \" حاشية البجيرمي على الخطيب \" (٣/ ٤٩١): \" قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ) وَضَابِطُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ لِلَّفْظِ إشْعَارٌ قَرِيبٌ بِالْفُرْقَةِ، وَلَمْ يَشِعْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا \" انتهى.\nوجاء في \" الموسوعة الفقهية \" (٢٩/ ٢٦): \" كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكِنَائِيَّ فِي الطَّلاقِ هُوَ: مَا لَمْ يُوضَعِ اللَّفْظُ لَهُ، وَاحْتَمَلَهُ، وَغَيْرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ أَصْلا لَمْ يَكُنْ كِنَايَةً، وَكَانَ لَغْوًا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ \" انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"كل ما يحتمل الفراق، فهو كناية \" انتهى من \" الشرح الممتع \" (١٣/ ٧٠).\nولا يقع الطلاق بألفاظ الكنايات، إلا بشرطين: أن ينوي الشخص الطلاق، وأن يأتي بلفظ دال عليه، فلو تلفظ الشخص بلفظ لا يدل على الطلاق لا شرعًا ولا عرفًا، وكانت نيته من ذلك اللفظ: الطلاق، فإنه لا يقع طلاقه\nقال ابن القيم ﵀: \" وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ، وَيَأْتِيَ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهِ، فَلَوِ انْفَرَدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَلَا الْعِتَاقُ. وَتَقْسِيمُ الْأَلْفَاظِ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، وَإِنْ كَانَ تَقْسِيمًا صَحِيحًا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَلَيْسَ حُكْمًا ثَابِتًا لِلَّفْظِ لِذَاتِهِ، فَرُبَّ لَفْظٍ صَرِيحٍ عِنْدَ قَوْمٍ، كِنَايَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ، أَوْ صَرِيحٌ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، كِنَايَةٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَفْظُ السَّرَاحِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الطَّلَاقِ، لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، لَزِمَهُ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ ... \"انتهى من \" زاد المعاد \" (٥/ ٢٩١).\nوقد نقل عن الإمام أحمد ﵀ ما يفيد أن الدعاء الذي يدل على الطلاق يكون من ألفاظ الطلاق.\nفإنه سئل عمن قال لزوجته: فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فقَالَ: \" إنْ كَانَ يُرِيدُ أنه دُعَاءً يَدْعُو بِهِ فَأَرْجُو أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ \". \" مسائل أبي داود للإمام أحمد\" (ص ٢٣٩)، \"الإنصاف\" (٨/ ٤٧٨).\nوقد علق عليه ابن مفلح في \" الفروع\" (٩/ ٣٨) قائلا: \"فَلَمْ يَجْعَلْهُ شَيْئًا مَعَ نِيَّةِ الدُّعَاءِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَيْءٌ مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ، أَوْ الْإِطْلَاقِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِرَاقَ صَرِيحٌ، أَوْ لِلْقَرِينَةِ\".\nثم ذكر ما يشبه هذه المسألة ثم قال: \"فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ الْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَظَهَرَ أَنَّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَيْنِ: هَلْ يَعْمَلُ بِالْإِطْلَاقِ لِلْقَرِينَةِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، أَمْ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ؟ \" انتهى.\nومعنى هذا: أن الدعاء بـ \"فرق الله بين وبينك في الدنيا والآخرة\" هو من كنايات الطلاق، وقد نقل عن الإمام أحمد روايتان في كنايات الطلاق، وأن القول الراجح هو أن كنايات الطلاق لا يقع بها الطلاق إلا بالنية، ولا تكفي القرينة، والله تعالى أعلم.\nرابعا: أقسام الطلاق من حيث التنجيز والتعليق:\n١ - الطلاق المنجز: هو ما تطلق به الزوجة فى الحال، كقوله: \"أنت طالق\"، فلا يعلق وقوع الطلاق على أمر ما.\n٢ - الطلاق المعلق: هو ما رتب وقوع الطلاق فيه على حصول أمر في المستقبل، بأداة من أدوات الشرط مثل إن، وإذا، ومتى، ولو ونحوها، كأن يقول الرجل لزوجته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، أو إذا سافرت إلى بلدك فأنت طالق، أو إن خرجت السوق فأنتي طالق، أو متى زرت فلانة فأنت طالق، فلا يقع الطلاق إلى عند حصول ذلك الأمر.\n(٣) وقد أُثير فى هذه الأيام فتوى شاذة تمس الحرمات التى نهى الله عن قربها والأبضاع التي جاء الدين الحنيف بصيانتها وحفظها. وظهر بيننا من تجرّء على الفتيا فى مسائل الطلاق، وركب ظهور العواصف، ظنًا منه أن العاصفة سترفعه ونسى انها قاصفة تُردي به فى واد سحيق، فنفث الفتاوى الشاذة بلا علم واجتهد مع النص واستقرار الأحكام وأظهر كل عوراء وعرجا من شاذ الفتاوى ومستنكر الأقوال. وراح يبعث فى أقوال مهجورة ضررها أكبر من نفعها.\nوسوف نتناول في فوائد الآية: الرد على من أفتى بأن الطلاق بالقول الصريح لا يقع إلا عند توثيقه لدى الجهات المختصة وفى حضور الشهود. والله المستعان.","vol":"5","page":23},{"text":"وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وذكروا فيه قولان (١):\nالأول: أن هذا في الطلقة الثالثة. وهذا قول عطاء (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وهذا التفسير نقله الطبري (٥) (٦) وغيره (٧) عن الجمهور (٨).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٤، وتفسير الطبري: ٤/ ٥٤٤ وما بعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٧٩٠): ص ٤/ ٥٤٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٧٩٤): ص ٤/ ٥٤٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٧٩٥): ص ٤/ ٥٤٦.\n(٥) جامع البيان للطبري: ٤/ ٥٤٤ - ٥٤٦ رقم: ٤٧٩٠ - ٤٧٩٥.\n(٦) وهو اختيار الطبري، انظر: تفسيره: ٤/ ٥٤٧. وبعد أن ذكر القول الثاني، علّق عليه قائلا: \" وهذا مذهب مما يحتمله ظاهرُ التنزيل، لولا الخبرُ الذي ذكرته عن النبي ﷺ، الذي رواه إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين، فإنّ اتباع الخبر عن رسول الله ﷺ أولى بنا من غيره، فإذْ كان ذلك هو الواجب، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآية: الطلاقُ الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة، مرتان. ثم الأمرُ بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية، إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة حتى تبينَ منهم، فيبطل ما كان لهم عليهنّ من الرجعة، ويصرن أملك بأنفسهن منهن \".\n(٧) الاستذكار لابن عبد البر: ١٨/ ١٥٨، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٢٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(٨) قال أبو حيان في البحر: ٢/ ١٩٣ - ١٩٤: \" ... فهو قول مجاهد وعطاء وجمهور السلف وعلماء الأمصار\"، وحكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر في الاستذكار: ١٨/ ١٥٨، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٢٧ - ١٢٨، وفي حكايته﵀للإِجماع نظر؛ إذ المسألة فيها خلاف مشهور، انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٥٣٩، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٩٤، البسيط للو احدي-مخطوط-: ١/ ١٣٩ ب، التمام لما صح في الروايتين والثلاث والأربع عن الإمام للقاضي أبي حسين بن أبي يعلى: ٢/ ١٥٧، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٠٥، الإجماع في التفسير للخضيري: ٢٥٢ - ٢٥٣، وغيرها. وهو اختيار مقاتل في تفسيره: ٣٠ ب، وابن جرير في جامع البيان: ٤/ ٥٤٧، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٩٤، والسمين في الدر المصون: ١/ ٥٥٧، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٥٣، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ٢٠، وغيرهم.","vol":"5","page":24},{"text":"قال الكرماني: \"أو التسريح بإحسان: عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة\" (١).\nويسند القول ما أخرجه الطبري وغيره (٢) عن أبي رزين قال، أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أرأيت قوله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ فأين الثالثة؟ قال رسول الله ﷺ: \" إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ بإحسان \" هي الثالثة\" (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: \" وسنده حسن لكنه مرسل؛ لأن أبا رزين لا صحبة له (٤)، وقد وصله الدارقطني (٥) من وجه آخر عن إسماعيل فقال: عن أنس (٦) لكنه شاذ، والأول هو المحفوظ (٧) \" (٨).\nوالثاني: أنه عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف أو تسريح بإحسان، بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن، فيصرن أملك لأنفسهن. وهو قول السدي (٩)، والضحاك (١٠) (١١).\nقال ابن حجر: \" وقد رجح إلكيا الهراسي (١٢) من الشافعية في كتاب: (أحكام القرآن) له قول السدي، ودفع الخبر لكونه مرسلًا، وأطال في تقرير ذلك بما حاصله أن فيه زيادة فائدة، وهي بيان حال المطلقة وأنها تَبِين إذا انقضت عدتها، قال: وتؤخذ الطلقة الثالثة من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ اهـ\" (١٣).\n_________\n(١) شرح الكرماني لصحيح البخاري: ١٩/ ١٨٢.\n(٢) كابن أبي حاتم في التفسير-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٧٥٦ رقم: ٢١٧٢، وسعيد بن منصور في سننه-تحقيق الأعظمي-: ١/ ٣٤٠ - ٣٤١ رقم: ١٤٥٦ - ١٤٥٧، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧/ ٣٤٠، وعبد الرزاق في التفسير: ١/ ٩٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ٢/ ٥٠ رقم: ٢٣٩، ومعاني القرآن: ١/ ٢٠٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٧٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٩٥ وزاد نسبته لوكيع وأحمد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.\n(٣) تفسير الطبري (٤٧٩١) - (٤٧٩٣): ٤/ ٥٤٥. وهو حديث مرسل ضعيف.\n(٤) قلت: ولذا ضعفه ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٩١، وأحمد شاكر في تخريجه لأحاديث الطبري: ٤/ ٥٤٥، وانظر ما كتبه اللاحم في تحقيقه للناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٥٠ - ٥١، والغامدي في تخريجه لأحاديث وآثار القسم الثاني من سورة البقرة من تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٧٥٦.\n(٥) هو: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني، إمام زمانه، حافظ عصره، شيخ الإسلام، انتهى إليهم علم الأثر والمعرفة بالعلل مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد، توفي عام: ٣٨٥ هـ، له مصنفات أشهرها: السنن، وعلل الحديث. انظر: تاريخ بغداد للخطيب: ١٢/ ٣٤، وفيات الأعيان لابن خلكان: ٣/ ٢٩٧، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٦/ ٤٤٩، تذكرة الحفاظ له أيضًا: ٣/ ٩٩١.\n(٦) سنن الدارقطني: ٤/ ٤، وهو عن أنس عند البيهقي في السنن الكبرى أيضًا: ٧/ ٣٤٠.\n(٧) قال الدارقطني: ٤/ ٤ عقيب حديث أنس: (كذا قال عن أنس، والصواب عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسل عن النبي ﷺ) ونحوًا من ذلك قال البيهقي في السنن الكبرى: ٧/ ٣٤٠، وقال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على الدارقطني-بهامش السنن-: ٤/ ٤ (الحديث رواه البيهقي وابن مردويه من طريق عبد الواحد بن زياد مثله سندًا ومتنًا)، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: ٣/ ٤٢١: (وهو في المراسيل لأبي داود كذلك، قال عبد الحق: المرسل أصح، وقال ابن القطان: المسند أيضًا صحيح، ولا مانع أن يكون له في الحديث شيخان).\n(٨) الفتح: ٩/ ٢٧٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٧٩٦): ص ٤/ ٥٤٦.-٥٤٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٧٩٧)، و(٤٧٩٨): ص ٤/ ٥٤٧.\n(١١) وانظر: النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٩٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٦٣، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٠٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٢٧، وغيرها. وهو اختيار القاضي أبي حسين ابن أبي يعلى في التمام: ٢/ ١٥٧، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٥، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٧٠، وغيرهم.\n(١٢) هو: أبو الحسن عماد الدين علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بإلكيا الهراسي، علامة فقيه مفسر، شيخ الشافعية في عصره، ومدرس النظامية، أحد الفصحاء، اتهم بمذهب الباطنية وهو بريء، توفي عام: ٥٠٤ هـ، له تصانيف حسنة منها: أحكام القرآن وشفاء المسترشدين في مباحث المجتهدين. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: ٣/ ٢٨٦، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٩/ ٣٥٠، طبقات الشافعية للسبكي: ٧/ ٢٣١، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ١/ ٣١٩.\n(١٣) أحكام القرآن لإلكيا الهراسي: ١/ ٢٤٩.","vol":"5","page":25},{"text":"ثم قال الحافظ: \"والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري (١) من حديث ابن عباس بسند صحيح، قال: \"إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئًا\"\" (٢).\nقلت: قول ابن عباس لا يدل على أكثر من أن التسريح يراد به التطليق، وهو أمر مسلم به إذ لا ذكر للآية في أثره، ولا يلزم منه كون المراد بالتسريح في الآية التطليق، ومرسل أبي رزين ضعيف للإِرسال فإن ثبت فهو القول ولا قول لأحد بعد قوله ﷺ، ويحمل الطلاق في قوله﷿-: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ على أنه التسريح في قوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ويكون المعنى: فإن سرحها التسريحة الثالثة فلا تحل له من بعده حتى تنكح زوجًا غيره، وإن لم يثبت فالقولان محتملان.\nوالراجح -والله أعلم- هو قول السدي والضحاك، وذلك لوجوه أربعة، ذكرها الرازي في تفسيره (٣):\nأحدها: أن الفاء في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن التسريح، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله: فإن طلقها طلقة رابعة وذلك لا يجوز.\nوالثاني: أنه في حال حمل التسريح في الآية على ترك المراجعة في العدة تكون الآية متناولة لجميع الأحوال؛ لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو المراد بقوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أو لا يراجعها وهو المراد بقوله: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أو يطلقها الثالثة وهو المراد بقوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nوالثالث: أن ظاهر لفظ التسريح يدل على الإرسال والإهمال مما يدل على أن حمل التسريح في الآية على عدم المراجعة أولى من حمله على التطليق.\nوالرابع: أنه قال بعد ذكر التسريح: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] والمراد به الحلغ، ولا يصح الخلع بعد الطلقة الثالثة.\nقال الرازي بعد ذكره تلك الوجوه: \"فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول، فإن صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: \"لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما دفعتم إِليهن من المهور شيئًا ولو قليلًا\" (٥).\nقال الطبري: \" ولا يحل لكم أيها الرجال، أن تأخذوا من نسائكم، إذا أنتم أردتم طلاقهن - لطلاقكم وفراقكم إياهن شيئا مما أعطيتموهن من الصداق، وسقتم إليهن، بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان، وذلك إيفاؤهن حقوقهن من الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم\" (٦).\nقال الشوكاني: \" وتنكير ﴿شيئا﴾ للتحقير أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك هو\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٤/ ٥٤٢ رقم: ٤٧٨٧، وهو عند ابن أبي حاتم في التفسير-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٧٥٥ رقم: ٢١٧٠، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٤٩٦ وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٢) الفتح: ٩/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٥.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٥. وانظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٦٣، التمام لما صح في الروايتين والثلاث والأربع عن الإمام لابن أبي يعلى: ٢/ ١٥٧، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٢٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٧٠، أحكام القرآن لإلكيا الهراسي: ٢/ ٢٤٩، وغيرها.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٥٤٩.","vol":"5","page":26},{"text":"الذي تتعلق به نفس الزوج وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى\" (١).\nوقد اختلف أهل العلم في الخطاب الموجه في قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، على قولين (٢):\nأحدهما: أن الخطاب للأزواج، أي لا يحل للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن. وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: أن الخطاب فيه للأئمة والحكام ليطابق قوله ﴿فإن خفتم﴾، فإن الخطاب فيه للأئمة والحكام وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك.\nوالقول الأول أولى، وذلك لقوله تعالى ﴿مما آتيتموهن﴾، \"فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جدا لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم وقيل إن الثاني أولى لئلا يتشوش النظم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: \"إِلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا عدم إقامة حدود الله التي حدها للزوجين وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة\" (٥).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، على وجهين (٦):\nأحدهما: ﴿يُخَافَآ﴾، قراءة حمزة وحده.\nعلى البناء للمجهول والفاعل محذوف، وهو الأئمة والحكام، واختاره أبو عبيد قال لقوله ﴿فإن خفتم﴾ فجعل الخوف لغير الزوجين، وقد احتج بذلك من جعل الخلع إلى السلطان وهو سعيد بن جبير (٧)، والحسن وابن سيرين، وقد ضعف النحاس اختيار أبي عبيد المذكور (٨).\nوالثاني: ﴿يَخَافَآ﴾، بفتح (الياء)، وهي قراءة معظم أهل الحجاز والبصرة.\nوذلك بمعنى إلا أن يخاف الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله، وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: ﴿إِلاَّ أَن يظنا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ (٩).\nوالعرب قد تضع (الظن) موضع (الخوف)، و(الخوف) موضع (الظن) في كلامها، لتقارب معنييهما، كما قال أبو الغول الطهوي (١٠):\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٦) انظر: السبعة: ١٨٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٨١٨): ص ٤/ ٥٥٨.\n(٨) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٥٠. قال الطبري: \" حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني ثور، عن ميمون بن مهران قال: في حرف أبي بن كعب أن الفداء تطليقة. قال: فذكرت ذلك لأيوب، فأتينا رجلا عنده مصحف قديم لأبي خرج من ثقة، فقرأناه فإذا فيه: ﴿إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله، فإن ظنا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ \". (تفسير الطبري: ٤/ ٥٥٠).\n(١٠) البيت في نوادر أبي زيد: ٤٦ ومعاني القرآن للفراء ١: ١٤٦ وتفسير الطبري: ٤/ ٥٥٠ و٥/ ٤٠، وهو شاعر اسلامي عاش في الدولة المروانية، ولم أجد خبر \" نصيب \" و\" سلام \" وربما كان نصيب هذا هو أبو الحجناء نصيب الأسود مولى عبد العزيز بن مروان. فإن أبا الغول، كما أسلفت شاعر إسلامي كان في الدولة المروانية وهجا حمادا (الأغاني ٥: ١٦٢) وقال له أيضًا فيما روى أبو زيد في نوادره ص: ٤٦\nولقد ملأت على نصيب جلده بمساءة إن الصديق يعاتب","vol":"5","page":27},{"text":"أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبي\nبمعنى: ما ظننت.\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجوها (١):\nأحدها: أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق، وهو قول ابن عباس (٢) والضحاك (٣).\nوالثاني: أن لا تطيع له أمرًا، ولا تبرّ له قَسَمًا، وهو قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، والشعبي (٦)، وإبراهيم (٧)، والربيع (٨)، والزهري (٩)، وعروة (١٠)، وعامر (١١)، والسدي (١٢)، ومقسم (١٣) ومجاهد (١٤).\nوالثالث: هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة، وهو قول عطاء (١٥).\nوالرابع: أن يكره كل واحد منهما صحبة الآخر، فلا يقيم كل واحد منهما ما أوجب الله عليه من حق صاحبه. وهو قول عامر (١٦)، طاووس (١٧)، وسعيد بن المسيب (١٨)، والقاسم بن محمد (١٩).\nوأولى هذه الأقوال بالصواب: \"قول من قال: لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها، حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه - في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه - منهما جميعا، على ما ذكرناه عن طاوس والحسن، ومن قال في ذلك قولهما; لأن الله تعالى ذكره إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته، عند خوف المسلمين عليهما أن لا يقيما حدود الله\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي \"فإِن خفتم سوء العشرة بينهما وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٩٥، وانظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٥٧ وما بعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٨٠٧): ص ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢١): ص ٤/ ٥٥٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٨١٢): ص ٤/ ٥٥٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٢): ص ٤/ ٥٥٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٤): ص ٤/ ٥٦٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٦): ص ٤/ ٥٦٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٨١٩): ص ٤/ ٥٥٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٠): ص ٤/ ٥٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٨١٣): ص ٤/ ٥٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٨١٧): ص ٤/ ٥٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٧): ص ٤/ ٥٦٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٨): ص ٤/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٨٢٩): ص ٤/ ٥٦١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٨٣٠): ص ٤/ ٥٦٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٨٣١): ص ٤/ ٥٦٠ - ٥٦١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٨٣٢): ص ٤/ ٥٦٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٨٣٤): ص ٤/ ٥٦٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٨٣٣): ص ٤/ ٥٦٢.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٤/ ٥٦٢. أما طلب الطلاق من أجل التزوج برجل أخرى، فقد قال رسول الله - ﷺ -\" المُخْتِلعَاتُ والمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ\". مسند الإمام أحمد (٩٠٩٤): ٢/ ٤١٤. من حديث وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة .. يعني التي تخالع زوجها لميلها إلى غيره، وقوله \" المنتزعات \": الظاهر أن معناها معنى \" المختلعات \": كأنها تنتزع نفسها من عقد الزواج ومن سلطان الزوج عليها.\nوعنه ﷺ أنه قال: \" أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ \".مسند الإمام أحمد (٢١٨٧٤: ٥/ ٢٧٧) من حديث أيوب عن أبي قلابة عمن حدثه عن ثوبان.\n(٢١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.","vol":"5","page":28},{"text":"قال الشوكاني: \" أي إذا خاف الأئمة والحكام أو المتوسطون بين الزوجين وإن لم يكونوا أئمة وحكاما عدم إقامة حدود الله من الزوجين وهي ما أوجبه عليهما\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: \" فلا إثم على الزوجين فيما بذلته فداءً لنفسها عن المقام معه\" (٢).\nقال الشوكاني: \"أي لا جناح على الرجل في الأخذ وعلى المرأة في الإعطاء، بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شئ من المال يرضي به الزوج فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج وانه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف وهو الذي صرح به القرآن\" (٣).\nقال الصابوني: \"فلا إِثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله\" (٤).\nقال القاسمي: \"أي: لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به، ولا عليها في إعطائه. وهذه الآية أصل في الخلع\" (٥).\nوحكى ابن المنذر عن بعض أهل العلم: \"انه لا يحل له ما أخذ ولا يجبر على رده وهذا في غاية السقوط\" (٦).\nوإن قيل: \"لماذا جاءت الآية بنفي الجناح عليهما؟ فالجواب أن طلب الفداء والطلاق حرام على الزوجة بدون سبب؛ وحرام على الزوج أيضًا أن يأخذ شيئًا مما آتاها بدون سبب\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَليهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجهان (٨):\nأحدهما: افتدت به نفسها من الصداق وحده من غير زيادة، وهو قول عليّ (٩)، وعطاء (١٠)، والربيع (١١)، والزهري (١٢)، وعمرو بن شعيب (١٣)، وابن المسيب (١٤)، وطاوس (١٥)، والشعبي (١٦)، والحكم (١٧)، والحسن (١٨).\nوالقول الثاني: يجوز أن تُخَالِعَ زوجها بالصداق وبأكثر منه، وهذا قول عمر (١٩)، وعثمان (٢٠)، وعبد الله بن عمر (٢١)، وابن عباس (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، والنخعي (٢٤)، وقبيصة بن ذؤيب (٢٥)، والشافعي (٢٦).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٨.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٣٨.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٣٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٨٥٢): ص ٤/ ٥٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٨٤٦) - (٤٨٤٨): ص ٤/ ٥٧٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٨٤٥): ص ٤/ ٥٧٣٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٨٤٦): ص ٤/ ٥٧٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٨٤٦): ص ٤/ ٥٧٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٨٥٧): ص ٤/ ٥٧٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٨٥٨): ص ٤/ ٥٧٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٨٤٩) - (٤٨٥١): ص ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٨٥٣): ص ٤/ ٥٧٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٤٨٥٤): ص ٤/ ٥٧٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٨٧٠): ص ٤/ ٥٧٨.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٤٨٦٣) - (٤٨٦٥): ص ٤/ ٥٧٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٤٨٧١)، و(٤٨٧٣): ص ٤/ ٥٧٨، ٥٧٩.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٤٨٧٢): ص ٤/ ٥٧٩.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٤٨٦٦) - (٤٨٧٠): ص ٤/ ٥٧٧ - ٥٧٨.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٤٨٦٥): ص ٤/ ٥٧٧.\n(٢٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦.","vol":"5","page":29},{"text":"وقد \"احتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية، وأنه غير جائزة إحالة ظاهر عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لهاقالوا: ولا حجة يجب التسليم لها بأن الآية مراد بها بعض الفدية. دون بعض من أصل أو قياس، فهي على ظاهرها وعمومها\" (١).\nوالقول الثاني هو الأفرب إلى الصواب، واختاره الشوكاني قائلا: \"وظاهر القرآن الجواز، لعدم تقييده بمقدار معين وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وروى مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين\" (٢).\nوقد اختلف العلماء في نسخها، على قولين (٣):\nأحدهما: أن الخلع منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَآتَيتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وهذا قول بكر بن عبدالله (٤).\nقال الشوكاني: \" وهو قول خارج عن الإجماع ولا تنافي بين الإثنين\" (٥).\nوالثاني: أن حكمها ثابت في جواز الخلع. وهذا قول الجمهور.\nوقد روى أيوب، عن كثير مولى سَمُرة \"أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِيَ بامرأة ناشزة، فأمر بها إلى بيت كثير، فحبسها ثلاثًا، ثم دعاها فقال: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما وجدتُ راحة منذ كنت إلا هذه الليالي التي حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها\" (٦).\nوالراجح هو قول الجمهور، فـ\"إذا خيف من الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله - على سبيل ما قدمنا البيان عنه - فلا حرج عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها، من قليل ما تملكه وكثيره مما يجوز للمسلمين أن يملكوه، وإن أتى ذلك على جميع ملكها. لأن الله تعالى ذكره لم يخص ما أباح لهما من ذلك على حد لا يجاوز، بل أطلق ذلك في كل ما افتدت به. غير أني أختار للرجل استحبابا لا تحتيما إذا تبين من امرأته أن افتداءها منه لغير معصية لله، بل خوفا منها على دينها أن يفارقها بغير فدية ولا جعل. فإن شحت نفسه بذلك، فلا يبلغ بما يأخذ منها جميع ما آتاها\" (٧).\nقال الطبري: \" فأما ما قاله بكر بن عبد الله، من أن هذا الحكم في جميع الآية منسوخ بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فقول لا معنى له، فنتشاغل بالإبانة عن خطئه لمعنيين:\nأحدهما: إجماع الجميع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين، على تخطئته وإجازة أخذ الفدية من المفتدية نفسها لزوجها، وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره.\nوالآخر: أن الآية التي في \" سورة النساء \" إنما حرم الله فيها على زوج المرأة أن يأخذ منها شيئا مما آتاها، بأن أراد الرجل استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خوف من المسلمين عليهما مقام أحدهما\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٥٧٥.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٣٩.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٨٧٧)، و(٤٨٧٩): ص ٤/ ٥٨٠، وانظر الأثران في: الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس: ٦٨ وأحكام القرآن للجصاص ١: ٣٩٢ والقرطبي: ٣: ١٣٩.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٣٩.\n(٦) كتاب السنن الكبرى: ٧/ ٣١٥. وفي مصنف عبدالرزاق (١١٨٥١): ٦/ ٥٠٥: \" اخْلَعْهَا وَيْحَكَ وَلَوْ مِنْ قُرْطِهَا\".\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٥٨٠ - ٥٨١.","vol":"5","page":30},{"text":"على صاحبه أن لا يقيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وإذا كان الأمر كذلك، فقد ثبت أن أخذ الزوج من امرأته مالا على وجه الإكراه لها والإضرار بها حتى تعطيه شيئا من مالها على فراقها حرام، ولو كان ذلك حبة فضة فصاعدا، وأما الآية التي في \" سورة البقرة \" فإنها إنما دلت على إباحة الله تعالى ذكره له أخذ الفدية منها في حال الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله بنشوز المرأة، وطلبها فراق الرجل، ورغبته فيها. فالأمر الذي أذن به للزوج في أخذ الفدية من المرأة في \" سورة البقرة \" ضد الأمر الذي نهى من أجله عن أخذ الفدية في \" سورة النساء \"، كما الحظر في \" سورة النساء \"، غير الإطلاق والإباحة في \" سورة البقرة \"، فإنما يجوز في الحكمين أن يقال أحدهما ناسخ إذا اتفقت معاني المحكوم فيه، ثم خولف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة، وأما اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد، فذلك هو الحكمة البالغة، والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل\" (١).\nوقد زعم الفراء أن في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجهان (٢):\nأحدهما: أن يكون مرادا به: فلا جناح على الرجل فيما افتدت به المرأة دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا كما قال في \" سورة الرحمن \": ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وهما من الملح لا من العذب، قال: ومثله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وإنما الناسي صاحب موسى وحده، ومثله في الكلام أن تقول: \" عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما \"، وإنما تركب إحداهما، وتستقي على الأخرى، وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها في الكلام.\nوالوجه الآخر: أن يشتركا جميعا في أن لا يكون عليهما جناح، إذ كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم. اشتركت فيه، لأنها إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم، احتاجت إلى مثل ذلك.\nوالقولان فيهما نظر، وقد اعترض عليهما الطبري في تفسيره (٣).\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: \"تلك شرائعه فَلا تتجاوزوها بالمخالفة والرفض\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي أحكام النكاح والفراق المذكورة هي حدود الله التي أمرتم بامتثالها فلا تعتدوها بالمخالفة لها\" (٥).\nقال الصابوني: أي \"هذه الأحكام العظيمة من الطلاق والرجعة والخلع وغيرها هي شرائع الله وأحكامه فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها إِلى غيرها ممّا لم يشرعه الله\" (٦).\nقال السعدي: \" ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي، أحكامه التي شرعها لكم، وأمر بالوقوف معها\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٥٨١ - ٥٨٢.\n(٢) انظر: معاني القرآن ١/ ١٤٧ - ١٤٨. ونقله الطبري في تفسيره: ٤/ ٥٧١ - ٥٧٢.\n(٣) اعترض الطبري على الوجهين اللتين ذكرهما الفراء قائلا: \" فلم يصب الصواب في واحد من الوجهين، ولا في احتجاجه فيما احتج به من قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، فأما قوله: ﴿فلا جناح عليهما﴾ فقد بينا وجه صوابه، وسنبين وجه قوله: \" يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان \" في موضعه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى. وإنما خطأنا قوله ذلك، لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الحرج عن الزوجين إذا افتدت المرأة من زوجها على ما أذن، وأخبر عن البحرين أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، فأضاف إلى اثنين. فلو جاز لقائل أن يقول: \" إنما أريد به الخبر عن أحدهما، فيما لم يكن مستحيلا أن يكون عنهما \"، جاز في كل خبر كان عن اثنين - غير مستحيلة صحته أن يكون عنهما - أن يقال: \" إنما هو خبر عن أحدهما \". وذلك قلب المفهوم من كلام الناس والمعروف من استعمالهم في مخاطباتهم، وغير جائز حمل كتاب الله تعالى ووحيه جل ذكره على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود\". (تفسير الطبري: ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣).\n(٤) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ١٣٨.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٣٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٢.","vol":"5","page":31},{"text":"قال العلماء: \"إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: ﴿فلا تقربوها﴾ \" (١).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجهين:\nأحدهما: أن المعنى: تلك طاعة الله فلا تعتدوها. قاله الضحاك (٢).\nوالثاني: أن الطلاق من حدود الله فلا تعتدوها. قاله ابن شهاب (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي و\"من خالف أحكام الله، فقد عرَّض نفسه لسخط الله وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد\" (٤).\nقال الضحاك: \"يقول: \" من طلق على غير هذا فقد ظلم نفسه\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي: [الظالمين] لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه. وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد\" (٦).\nقال الشيخ السعدي: \" وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله؟ والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة، وحقوق العباد، لا يترك الله منها شيئا، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك، تحت المشيئة والحكمة\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: حكمة الله ﷿ ورحمته في حصر الطلاق بالثلاث بأنه لا رجعة بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يطلِّق الإنسان زوجته عدة طلقات؛ فإذا قاربت انتهاء العدة راجع، ثم طلق، فتستأنف العدة؛ فإذا شارفت الانقضاء راجع، ثم طلق؛ فإذا شارفت الانقضاء راجع ثم طلق ... وهكذا؛ فتبقى المرأة معذبة: لا مزوجة، ولا مطلقة؛ فتبقى معلقة؛ فجعل الله الأمر في ثلاث طلقات فقط.\n٢ - ومنها: اعتبار التكرار بالثلاث؛ وهذه لها نظائر كثيرة؛ فالسلام ثلاث؛ والاستئذان ثلاث؛ ورد الكلام إذا لم يفهم من أول مرة ثلاث؛ وفي الوضوء والعبادات أيضًا تكرار الثلاث كثير؛ فإذًا الثلاث تعتبر تكرارًا يكتفى به في كثير من الأمور.\n٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ وصف يجب أن يكون معتبرًا؛ فإذا طلقت امرأتك؛ فقلت: أنت طالق؛ فقد طلقت؛ فإذا قلت ثانية: «أنت طالق» فكيف تورد طلاقًا على مطلقة؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال: طلقت؛ وهنا قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ ولهذا قال الفقهاء - ﵏ -: لو أن الرجل طلق امرأته، وحاضت مرتين، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية؛ بل تبني على ما مضى؛ وإذا حاضت الثالثة، وطهرت انقضت عدتها؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة؛ ولأن الله ﷾ قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾؛ والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون: إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة؛ فإذًا هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٢٦): ص ٢/ ٤٢٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٢٧): ص ٢/ ٤٢٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٢٩): ص ٢/ ٤٢٢.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٣٨.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"5","page":32},{"text":"به؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)؛ وقد قال شيخنا عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه»؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقدًا جديدًا؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو الذي أفتي به؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة: أنت طالق؛ فليس إلا مرة واحدة فقط؛ ويدل على هذا قول تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ أي مرة بعد مرة؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين؛ إما إمساك بمعروف؛ أو تسريح بإحسان؛ وأما أن يردها مع الإيذاء، والمنة، والتقصير، أو يسرحها بجفوة وعدم إحسان فلا يجوز.\n٥ - ومنها: بيان حكمة الله في تشريعه ﷾؛ إذ قال تعالى في الإمساك: ﴿بمعروف﴾؛ لأنه إذا ردها جبر قلبها بالرد؛ وقال تعالى في التسريح: ﴿بإحسان﴾؛ لأنه سيفارقها، فيحتاج إلى زيادة في معاملتها بالتي هي أحسن حتى ينضم إلى الفراق الإحسانُ - والله أعلم -.\n٦ - ومنها: تحريم أخذ الزوج شيئًا مما أعطى زوجته من مهر، أو غيره؛ إلا أن يطلقها قبل الدخول والخلوة فله نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧].\n٧ - ومنها: جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾.\n٨ - ومنها: أن ذلك إنما يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله؛ أما مع استقامة الحال فلا يجوز طلب الخلع؛ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (٢).\n٩ - ومنها: أهمية النكاح، وبيان أنه راجع إلى الأسرة كلها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾.\n١٠ - ومنها: أن للوسائل أحكام المقاصد؛ يؤخذ ذلك من جواز أخذ الإنسان من امرأته ما آتاها، أو بعضه إذا خيفت المفسدة في البقاء على الزوجية.\n١١ - ومنها: اعتبار المفاسد، وسلوك الأهون لدفع الأشد؛ لأن الأخذ من مال الزوجة محرم بلا شك - كما قال تعالى -؛ لكن إذا أريد به دفع ما هو أعظم من تضييع حدود الله ﷿ صار ذلك جائزًا؛ وهذه القاعدة لها أصل في الشريعة؛ منه قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فإنّ سبّ آلهة المشركين واجب؛ ولكن إذا كان يخشى من ذلك أن يسبوا الله عدوًا بغير علم صار سبّ آلهتهم ممنوعًا.\n١٢ - ومنها: جواز الخلع بأكثر مما أعطاها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فهو يشمل ما افتدت به من كثير، أو قليل؛ وقيل: إن هذا العموم عائد على قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾؛ فيكون المعنى: فيما افتدت به مما آتيتموهن؛ وعلى هذا فلا يأخذ منها أكثر مما أعطاها؛ ويمكن أن يقال: إن كانت هي التي أساءت، وطلبت الخلع فلا بأس أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ وإلا فلا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٥: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٦٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢ - ٩٨٣، كتاب الأقضية، باب ٨: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٤٤٩٣ [١٨] ١٧١٨، واللفظ لمسلم.\n(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٧، حديث رقم ٢٢٧٣٨، وأخرجه أبو داود ص ١٣٨٧، كتاب الطلاق، باب ١٧: في الخلع، حديث رقم ٢٢٢٦، وأخرجه الترمذي ص ١٧٦٩، كتاب الطلاق واللعان، باب ١١: ما جاء في المختلعات، حديث رقم ١١٨٧، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦٠٠، كتاب الطلاق، باب ٢١: كراهية الخلع للمرأة، حديث رقم ٢٠٥٥، وأخرجه الدارمي ٢٠/ ٢١٦، كتاب الطلاق، باب ٦: النهي عن أن تسأل المرأة زوجها طلاقها، حديث رقم ٢٢٧٠، وأخرجه ابن حبان ٦/ ١٩١، ذكر تحريم الله الجنة على السائلة طلاقها ...، حديث رقم ٤١٧٢، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٠٠ قال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ١٧: صحيح.","vol":"5","page":33},{"text":"١٣ - ومن فوائد الآية: أن المخالَعة ليست رجعية؛ بمعنى أن الفراق في الخلع فراق بائن فلا سبيل لإرجاعها إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: ﴿افتدت به﴾؛ فإذا كان فداءً فالفداء فيه عوض عن شيء؛ وإذا استلم الفداء لا يمكن أن يرجع المفدى عنه - وهو الزوجة - إلا بعقد جديد.\n١٤ - ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فإن الزوجة تتصرف في مالها كما تشاء في الحدود الشرعية سواء وافق زوجها على هذا التصرف، أم لم يوافق؛ ما دامت امرأة حرة رشيدة فلا اعتراض للزوج عليها؛ وهذه الفائدة قد ينازع فيها.\n١٥ - ومنها: عظم شأن النكاح، وما يتعلق به؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾؛ فبين أن هذا من حدود الله، ونهى عن تعديه؛ وقد سبق الفرق بين قوله تعالى: ﴿فلا تعتدوها﴾، وقوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾.\n١٦ - ومنها: أن لله ﷿ أن يحكم في عباده بما شاء؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾.\n١٧ - ومنها: أنه لا حاكم للخلق، ولا مشرِّع، إلا الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾؛ ولو كان مشرع غيره لكان يمكن لكل إنسان أن يشرع لنفسه - ولو كان في ذلك تعدي حدود الله ﷾ -.\n١٨ - ومنها: أن الخلع لا بد فيه من رضا الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فإذا كانت الفدية منها فلا بد من رضاها؛ وأما إذا كانت الفدية من غيرها فإنه لا يشترط رضاها، كما لو أن أحدًا من الناس رأى أن بقاء هذه المرأة مع زوجها فيه ضرر عليه في دينه؛ فذهب إليه، وأعطاه فدية ليخلع هذه المرأة، ويسلم من شرها؛ فهذا جائز - حتى وإن لم ترض بذلك -.\n١٩ - ومنها: تحريم تعدي حدود الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾؛ والظلم حرام.\n٢٠ - ومنها: أن التعدي لحدود الله ظلم عظيم؛ يؤخذ من حصر الظلم في تعديها، ومن الإتيان به في الجملة الاسمية الخبرية: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾.\n٢١ - ومنها: جواز الطلاق الثلاث المتفرق؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ إلى أن قال: ﴿فإن طلقها﴾ يعني الثالثة؛ فهنا لا شك أن الطلاق متفرق؛ لأنه تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ ثم أدخل الفداء بينهما، وبين الطلاق الثالث؛ فدل هذا على أنه طلاق متفرق؛ وهذا جائز بالإجماع؛ أما إذا جمع الثلاث جميعًا في دفعة واحدة، مثل أن يقول: «أنت طالق ثلاثًا»، أو «أنت طالق طالق طالق» يريد الثلاث؛ أو «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»؛ فقد اختلف أهل العلم في جواز ذلك؛ فمنهم من قال بإباحته، ونفوذه - فتبين به المرأة بينونة كبرى -؛ ومنهم من قال بتحريمه، ونفوذه؛ ومنهم من قال بتحريمه، ويقع واحدة؛ ومنهم من قال بتحريمه، وأنه لا يقع لا واحدة، ولا أكثر؛ فإذًا الأقوال أربعة؛ والصحيح أنه حرام، وأنه لا يقع إلا واحدة (١)؛ وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وعليه يدل الكتاب، والسنة؛ لأنه لا تقع البينونة إلا إذا طلقها بعد طلاق مرتين؛ والطلاق مرتين لا يكون إلا إذا كان بينهما رجعة، أو عقد؛ أما أن يرسل طلاقًا بعد طلاق فهذا ليس بشيء.\n٢٢ - هناك من أفتى بأن الطلاق الشفوى للمتزوجات رسميًا لا يترتب عليه أثرًا شرعيًا حتى يوثق لدا الجهات المتختصة وقالوا: بل تظل هذه المطلقة شفويًا مرهونة على ذمة زوجها حتى يصدر لها وثيقة الطلاق الرسمية التى من تاريخها تبدأ المطلقة السير فى آثار الطلاق الشرعية مما يجعل الحكم بوقوع الطلاق الشفوى محل نظر، وفيما يأتي ذكر أدلتهم ومناقشتها:\n_________\n(١) هذا اختيار الشيخ ابن عثيمين، انظر: تفسيره: ١/ ١٠٩.","vol":"5","page":34},{"text":"أ- أن الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ به فى بعض الأحوال \" كوجود الحيض أو المس فى الطهر الذى يراه الظاهرية وابن تيمية وابن القيم مانعًا من إيقاع الطلاق، وهو المعروف بالطلاق البدعى، حيث يلزم من وجود هذا المانع فى نظرهم عدم الطلاق، ولا يلزم من عدمه وجود الطلاق ولا عدمه.\nقالوا: ومن أمثلة موانع الطلاق أيضًا وجود حال الغضب المغيرة لوضع الزوج عن عادته بحيث لو كان فى حال اعتداله لما طلق، وهذا عند ابن تيمية وابن القيم، واشترط الجمهور لعدم وقوع طلاق الغضبان شدة الغضب لدرجة الهذيان واختلاط الكلام. وبهذا يتضح أكذوبة الحكم بوقوع كل ألفاظ الطلاق، استنادًا إلى حديث ما يمكن تسميته بعد توسع الفقهاء فى تطبيقه بأنه «سيف الأسر»، وهو ما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى بإسناد حسن وصححه الحاكم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: \"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة\" (١).\nفهل يهدم هذا الحديث أصول العقود والتصرفات التى تقوم على أسبابها وشروطها وانعدام موانعها، أم يجب عند تطبيق هذا الحديث أن يكون فى ظل تلك الأصول الثلاثة «وجود السبب، وتحقق الشرط، وانعدام المانع؟» إذا أردنا الانتصار لأصول المعاملات فليس أمامنا فى تفسير هذا الحديث إلا أن نقول إنه إذا وقع أى عقد من «النكاح أو الطلاق أو الرجعة» على وجهه المعتبر عند الناس بوجود سببه وتحقق شرطه وانعدام موانعه فإننا نحكم بصحته حتى لو كان على وجه اللعب أو الهزل، كمن يريد مفاجأة زوجته فقدم لها مظروفًا بداخله وثيقة رسمية بطلاقها معتمدة من الجهات المعنية وبتوقيعه، فهنا نحكم بوقوع الطلاق حتى ولو كان تصرف هذا الزوج على وجه اللعب أو الهزل. أما إذا انعدم سبب الطلاق، أو تخلف شرط من شروط صحته، أو وجد مانع من موانع الحكم بصحته فهو والعدم سواء حتى ولو وقع لفظه بالجد لا بالهزل. وهذا هو الفقه الذى يحفظ الأسر من الضياع الذى يسببه أصحاب الفتاوى الطائشة الموهومون بحاكمية حديث «ثلاث جدهن جد» على الأصول المرعية فى العقود والتصرفات من ضرورة انضباطها بالأحكام الجعلية الثلاثة \"السببية والشرطية والمانعية\" (٢).\nالجواب عنه من وجهين:\nالأول: أن هذا كله خارج محل النزاع وهذه المسائل – التى قاسوا عليها - معتبرة فى الشرع وهى قديمة ولها أدلتها فى الكتاب والسنة وهى مؤصلة فى كتب الفقه والدواوين. فلا نزاع معهم فى عدم وقوع طلاق المكره ولا طلاق السكران ولا طلاق الغضبان الذى أغلق عليه غضبه.\n_________\n(١) الحديث رواه أبو داود (٢١٩٤) والترمذي (١١٨٦) وقال: حديث حسن غريب والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ورواه ابن ماجه (٢٠٣٩) والدارقطني (٣٥٩٣). ورواه الطحاوي في معاني الآثار (١١/ ٢٧٥) كلهم من حديث عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة عن رسول الله ﴿ﷺ﴾\nورواه الحاكم (٢٨٥٤) في مستدركه في أول كتاب الطلاق وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعبد الرحمن بن أردك من ثقات المدنيين وتعقبه الذهبي وضعفه\nوقال ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢١٠): عبدالرحمن بن حبيب مختلف فيه قال النسائي منكر الحديث ووثقه غيره فهو على هذا حسن الحديث.\nوقال العيني في نخب الأفكار (١١/ ٢٧٧): حسن\nوحسنه الألباني ﵀ في الإرواء (٦/ ٢٢٨) وقال:\nوالذي يتلخص عندي مما سبق أن الحديث حسن بمجموع طريق أبي هريرة الأولى التي حسنها الترمذي وطريق الحسن البصري المرسلة وقد يزداد قوة بحديث عبادة بن الصامت والآثار المذكورة عن الصحابة فإنها ولو لم يتبين لنا ثبوتها عنهم عن كل واحد منهم تدل على أن معنى الحديث كان معروفًا عندهم. اهـ\nوقال ابن عثيمين في فتاوى نور على الدرب (١٠/ ٣٧١): حديث صحيح\nورواه ابن عدي (٢/ ٢٦١) من طريق غالب عن الحسن عن أبي هريرة بلفظ (الطلاق والعتاق والنكاح)\nقال الملا علي القارئ في كتابه مرقاة المصابيح،نقلا عن ابن المنذر ... قال أبو بكر الغفاري: وروي \" والعتق \" ولم يصح شيء منه، قال المنذري: إن أراد أنه ليس شيء منه على شرط الصحيح فكلامه صحيح، وإن أراد به أنه ضعيف ففيه نظر فإنه حسن كما قال الترمذي أهـ\n(٢) الطلاق الشفهي مقال رقم (٥) د سعد الدين الهلالى ١٢ يناير ٢٠١٥","vol":"5","page":35},{"text":"إنما النزاع هنا فى رجل قال لامرأته: أنت طالق ولم يلحق به أو بها مانع من هذه الموانع يبطل تلفظه بالطلاق. فلا هى حائض ولا هو قد جامعها فى مدة طهرها ولا هو متلبس بغضب أو سكر أو إكراه.\nفإن كانوا يقصدون عدم وقوع الطلاق بهذه الصور بحيث يدور مذهبهم فى فلكها ولا يخرج عنها وحاله التقييد بما جاءت به النصوص فى الكتاب والسنة فاللهم نعم وأيدينا على أيديهم. فهذا هو الذى عليه فقهاء السلف من الصحابة رضوان الله عليهم وممن تبعهم بأحسان.\nأما إطلاق القول بعدم وقوع الطلاق دون توثيق فهو قول ظاهر البطلان، عار من البرهان ولا تقوم به حجة ولا تصلح معه محجة.\nالثاني: فوقوع الطلاق بالقول الصريح هو حكم الله وحكم رسوله وعليه أجمعت الأمة وهو ظاهر بيّن ليس دونه سحاب، وعليه جماهير أهل العلم وعليه استقرت الفتوي وانتشر في الأفاق أنتشار الهواء في جو السماء، وحضوره في دواوين أهل العلم لا يخفى على بصير.\nفالله تعالى يقول ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] نص عام لم يشترط الله تعالى لإيقاع الطلاق به كتابةً أو إشهادًا أو توثيقًا. فمن اشترط لإيقاع الطلاق شيئا من ذلك فقد تعدى وأدخل فى الدين ما ليس فيه لقوله ﷺ \"ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرطه مئة مرة، شرط الله أحق وأوثق\" (١).\nب- قالوا أن الحكم بإيقاع الطلاق اللفظى دون توثيق هو فى الحقيقة دعوة للزنا صراحة، لإنه لو طلق رجل امرأته وسافر إلى بلد أخرى وتركها، لن تسطيع أخذ حقها قانونا -لأن المحاكم مكدسة بالقضايا – فلن تستطيع إثبات الطلاق والبتالى لو غاب عنها مدة طويلة لن تستطيع الزواج من آخر ومعظمهم يصبرون على هذا الأمر، والبعض الآخر ينحرف عن الطريق السليم.\nوالجواب عنه:\nأن هذا استدلالٌ باطل وحجةٌ واهية وتعاطف مذموم وليس في محله، لقد جعل الشرع الحكيم مخارجًا وسبلًا شرعية ومحكمة تكفل معالجة هذه المشكلات التي يصنعها إهمال الزوج تارة وغضبه تارة أخرى، كإقامة البينة على أن زوجها طلقها أو الاختلاع منه أو غير ذلك من السبل، فالشاهد أن الله تعالى لم يترك لأحد من خلقه التشريع لعباده ولا التبديل فى دينه بل أختص به دون خلقه فلا تجد أية تضرب أية ولا حديثا يخالف حديثا ولا إجماعا يضاد مصلحةً للمسلمين ولا نقصا يخل دينا، يقول الله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ويقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nيقول أبو حامد الغزالي ﵀ في المستصفى: \" لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فكل مصلحة كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب أو السنة أو الإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥٦١)، ومسلم (١٥٠٤) (٦)، وأبو داود (٣٩٢٩)، والترمذي (٢١٢٤) من حديث أم المؤمنين عائشة.\nوقد اتفق الفقهاء على أن صريح الطلاق هو لفظ الطلاق ومشتقاته، وكذلك ترجمته إلى اللغات الأعجمية؛ لأن الطلاق وضع لحل قيد النكاح خصيصا، ولا يحتمل غيره.\nفيقع الطلاق باللفظ الصريح بدون حاجة إلى نية أو دلالة حال، فإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق وكان قاصدا للفظ ولم يكن به مانع يبطل إعمال هذا اللفظ من سكر أو جنون أو إكراه أو غير ذلك من الموانع المعتبرة عند الفقهاء وقع طلاقه (حتى وإن كان مازحا).\n(٢) المستصفى ١/ ٣١٠ - ٣١١","vol":"5","page":36},{"text":"ج- ومن استدلالاتهم أن الذمم والمقاييس الشرعية اختلفت في هذا العصر، فكان لا بد من الذهاب إلى هذا القول مخافةً أن يدعي الزوج عدم طلاقه زوجته أو تدعي هي العكس. جدير بالذكر أن الزواج قديمًا لم يكن بعقد رسمي وكان بإيجاب وقبول وشهادين، وقول «زوجتك وقبلت»، واستحدث بعد ذلك الوثائق والتسجيل في المحكمة وذلك لما خربت الذمم.\nالجواب عنه من وجوه:\nالأول: أن ما قُطِعَ بالشّرعِ ثبوتُهُ، أو كان على غلبة الظَّنِّ حكمًا شرعيًّا؛ فإنهُ لا يتغيّر بتغير الأزمان ولا يتبدّل بتبدل الذمم والطباع، وهذا من جملة الأحكام الشّرعيّة الثّابتة بالكتاب والسُّنَّة ومنها حكم الطلاق الذي ملّكه اللهُ تعالى للزوج. فالشّريعة لا تدور مَعَ دَوَرانِ شهواتِ النّاس واحتياجاتِهم المحضةِ، وإنّما تتجدّد بتجدّدِ النّظرِ في النّصوص الشّرعيّة والاستنباطِ منها.\nفتثبت بذلك الفتوى حينئذ؛ لأن مبناها ليس على زمانٍ أو مكانٍ أو عرفٍ أو حالٍ معين، وهناك من الفتاوى ما تكون مبنية على عرفٍ معين أو معنى معين، أو في حالٍ معينة، فإذا تغيرت هذه الأحوال والأعراف، تغيرت الأحكام، وبالتالي تتغير الفتوى إلى ما يناسب حال الناس واحتياجهم، وأعرافهم، وزمانهم ومكانهم بما لا يخالف النصوص الشرعية.\nقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: \"فاعلم أنّ ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد؛ فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأنّ الشّرع موضوع على أنّه دائم أبدي لو فُرض بقاء الدّنيا من غير نهاية، والتّكليف كذلك؛ لم يحتج في الشّرع على مزيد، وإنّما معنى الاختلاف أنّ العوائد إذا اختلفت رَجَعَت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يحكم به عليها؛ كما في البلوغ مثلًا، فإن الخطاب التّكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف. فسقوط التّكليف قبل البلوغ، ثمّ ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنّما وقع الاختلاف في العوائد والشّواهد\" (١).\nالثاني: أنه لا يجوز ترك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة وإجماعات السلف قرنا بعد قرن، قولًا وعملًا وفُتيا لمجرد احتمالات ومخاوف من تصرف بعض الأفراد الذين يتجرؤون على الشريعة وأحكامها وعلى هدم زيجاتهم وبيوتهم.\nقال ابن القيم ﵀: \"فصل: في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص وذكر إجماع العلماء على ذلك، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا). [الأحزاب: ٣٦]. وذكر ﵀ جملة من الأدلة من الكتاب والسنة والأقوال الموقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم\" (٢).\nالثالث: لا ينبغى للزوجين أن يتغافلا عن عظم جناية الكذب في هذا الباب، لأن كذب الزوج يعني استمتاعه بالفرج الحرام، وكذب الزوجة فيه استحلال مال زوجها بغير حق والله تعالى يقول ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠].\nالرابع: إذا كانت الذمم قد خربت فى هذا الزمان فهل يأمنون التلاعب في الأوراق الموثقة والتزوير فيها، وهل يأمنون الكذب عند القاضي وإحضار رجالٍ لا يتورعون عن شهادة الزور؟ ومن تتبع مثل هذا في زماننا سيجد ما تشيب منه الرؤوس.\n_________\n(١) الموافقات للشاطبي\n(٢) إعلام الموقعين ٢/ ١٩٩","vol":"5","page":37},{"text":"د- إكثار الأزواج ألفاظ الطلاق الشفوية التي يندفعون إليها بسبب ضغوط الحياة بدون إرادة الطلاق الحقيقي، وقبول كثير منهم أدنى المبررات الفقهية التي تقضي بعدم احتساب لفظ الطلاق الشفوي طلاقًا شرعيًا. فهل يعقل أن ينهدم هذا البنيان بكلمة في ساعة غضب أو حتى مزاح.\nالجواب عنه: أنه استدلال ساقط، عارٍ عن البرهان، فإن الزوج الذى يطلّق إما أنه مالك للفظ الطلاق، قادر على منعه، كامل الأهلية عند النطق به، وإما أن يكون مغلوبًا عليه بإكراه (١) أو غضب شديد أو ذهاب عقل، أو غير ذلك.\nولا ثالث لهاتين الحالتين، فإن كانت الأولى وقع طلاقه وتحمل تبيعات فعله كباقى التصرفات التى تصدر منه كالبيع والهبة والزواج، فالشّرع لا يدور مَعَ دَوَرانِ أهواء النّاس وأمزجتهم وشهواتهم، ولا يتنزّل على كل ما تركن إليهم نفوسهم. أما إن كانت الثانية فهذا لا يقع طلاقه فى أصح قولى العلماء.\nهذا وينبغي أن يعلم أن العجلة في تسرُّع بعض الناس في الطلاق، واستعجال بعض الرجال في إطلاق لفظ الطلاق على امرأته من غير أناءة في الأمور، لمجرَّد خصام، أو َ نزاع، أو اختلافٍ فى وجهة نظر، أوعدم قيام المرأة بشيء من الواجبات، أو تقصيرها في بعض الأمور، يؤدِّي ببعض الحمقى إلى أن يتسرَّع فيطلِّق المرأة لأتفه الأسباب وأحقرها، ولسبب لا يستحق شيئًا من ذلك، فيهدم بيته، ويفرِّق أسرته، ويشتِّت أولادَه، لماذا؟ لبعض الأمور التي يمكن تلافيها والصبر عليها، يقول النبي ﷺ \" إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا\" (٢)، وقال: \" لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ\" (٣)، وقال: \" ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ\" (٤) \" (٥)\nهـ-أن الإسلام يعمل دوما على حفظ تماسك الأسرة واستمرارها وتماسكها إلى أقصى درجة ممكنة حتى تتحقق الغاية من الزواج الذى جعله الله آية من آياته.\nوجوابه من وجهين:\nالأول: لا يختلف مسلمان على أن هذا المقصد محمود، مرغب فيه، بل تحصيله واجب في الجملة، مجمع عليه من الأمة سلفًا وخلفا. لأن القرآن الكريم والسنة المطهرة كلاهما حث الزوج على إمساك الزوجة والصبر على أذاها وتحمل ذلك منها؛ والطلاق رغم كونه حلالًا إلا أنه بغيض إلى الله تعالى لما فيه من تشريد أسرةٍ وتشتيت شملٍ وتعريض لفتنةٍ، وما شرعه الله ﷿ إلا رحمة بعباده وتوسعة علهم حين تستعصي الحياة الزوجية ويستحيل دوامها على ما يحبه الله ويرضاه.\n_________\n(١) طلاق المكره لا يقع في قول جماهير أهل العلم منهم عمر بن الخطاب ﵁، وقول علي بن أبي طالب ﵁، وقال به من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير رضي الله عن الجميع، وبه أفتى مجاهد وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمةُ الله عليهم: أن من أكره وتحققت فيه شروط الإكراه أنه لا يحكم بطلاقه، ولا يحتسب بتلك الطلقة، واستدلوا بدليل الكتاب والسنة والعقل؛ أما دليلهم من الكتاب: فإنه ﷾ قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله ﷾ أسقط عن المكره الردة بالقول، وهي لفظٌ من الألفاظ، وأعظم ما يتلفظ به الردة، قال الإمام ابن العربي وغيره من أئمة التفسير: إن هذه الآية الكريمة أصلٌ في إسقاط مؤاخذة المكره في كل ما يقول ويفعل، فإذا كانت الردة لا تقع وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، فمن باب أولى غيرها من الألفاظ، وعلى هذا فالآية الكريمة واضحة الدلالة على أن المكره لا يؤاخذ بقوله، وجاءت السنة تؤكد ما دل عليه القرآن، فإن النبي ﷺ قال في حديث ابن عباس ﵄ عند ابن ماجة والحاكم وصححه غير واحدٍ من العلماء: (إن الله وضع لأمتي)، وفي روايةٍ: (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وفي هذا دليل على أن الله وضع ورفع عن المكره المؤاخذة، فدل على أنه إذا طلق لا ينفذ طلاقه، وأكدوا هذا بما جاء في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا طلاق في إغلاق)، رواه الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ حسن.\n(٢) صحيح مسلم: (١٤٦٨). من حديث ابي هريرة.\n(٣) صحيح مسلم (١٤٦٩).\n(٤) صحيح مسلم (١١٨٤) من حديث أبي هريرة.\n(٥) من خطبة للشيخ عبد العزيز آل الشيخ سنة ١٤٢٣ هـ","vol":"5","page":38},{"text":"الثاني: لا يتعارض هذا المقصد مع تشريع الطلاق وإعطاء الزوج الحق في إنهاء العلاقة الزوجية، وهذا الحق له وحده لا يشاركه فيه غيره إلا في مواضع محصورة ومستثناه تقدم ذكرها.\nيقول ابن عاشور ﵀: \"وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذه العلاقة فاحتيج إلى الطلاق للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوبًا لكلا الزوجين\" (١).\nقال الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه \"الموافقات\": \"أدلة الشريعة لا تتعارض في نفس الأمر، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن قد يقع التعارض في فهم الناظرين\" (٢).\nو- أن الإشهاد على الطلاق ضروري، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يتم الطلاق إلا به لحماية الأسرة من الانهيار بفعل بعض الأهواء والنزوات الشخصية التى لا تستند إلى العقل.\nوجواب ذلك من وجهين:\nالأول: أنه أجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق (٣).\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٢/ ٣٧٩.\n(٢) الموافقات في أصول الشريعة، ٤/ ٢١٧.\n(٣) علم أن جمهور أهل العلم يذهبون إلى عدم اشتراط الإشهاد على الطلاق لوقوعه، بل وينقلون الإجماع على هذا كما فعل الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى وغيره، وإن اختلفوا في استحبابه من عدمه على قولين.\nوذهب آخرون منهم ابن عباس وعمران بن حصين وعطاء والضحاك والسدي وابن حزم ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر والإمام الألباني وغيرهم من العلماء إلى اشتراط الإشهاد في الطلاق ووجوبه.\nوعمدة القائلين بهذا القول – الثاني - هو قول الله ﷿ في سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: ١ - ٢].\nفقالوا أن الأمر بالإشهاد في هذه الآية عائد على الطلاق والرجعة معًا، وقال غيرهم بل هو عائد على الأمر بالرجعة، ومن ثم اختلفوا في دلالة هذا الأمر فمن قائل أنه للوجوب، ومن أو للندب، أو للإرشاد.\nقال السمعاني في تفسيره (٥/ ٤٦١): \" قوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الإشهاد واجب في الطلاق والرجعة بظاهر الآية.\nوالقول الثاني: أن الإشهاد يجب في الرجعة ولا يجب في المفارقة وهو أحد قولي الشافعي ﵁ وهو قول طاوس من التابعين.\nوالقول (الثالث): أنه يندب إلى الإشهاد في الرجعة، ولا يجب، وعليه أكثر أهل العلم، وهو قول آخر الشافعي ﵀ عليه \" ا. هـ\nوقال القنوجي في نيل المرام من تفسير آيات الأحكام (٤٥١): \" وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعا للتنازع وحسما لمادة الخصومة. والأمر للندب كما في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوقيل: إنه للوجوب. وإليه ذهب الشافعي. قال: الإشهاد واجب للرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد\" ا. هـ\nوالظاهر من سياق الآيات أن الأمر عائد على الطلاق والرجعة معًا، بل إن السورة بأكملها باسم الطلاق، فهي بيان لأحكامه ومسائله. ولا يضر أن يكون الأمر بالإشهاد عائد على الأمرين معًا.\nقال في التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٠٩): \" ﴿وأشهدوا ذوي عدل﴾ منكم ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما لأن الإشهاد جعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيدا وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى جميعها.\nوظاهر صيغة الأمر الدلالة على الوجوب فيتركب من هذين أن يكون الإشهاد على المراجعة وعلى بت الطلاق واجبا على الأزواج لأن الإشهاد يرفع أشكالا من النوازل وهو قول ابن عباس وأخذ به يحيى بن بكير من المالكية والشافعي في أحد قوليه وابن حنبل في أحد قوليه وروي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبي قلابة وعطاء. وقال الجمهور: \"الإشهاد المأمور به الإشهاد على المراجعة دون بت الطلاق \".\nواختار هذا القول – أي أن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق والرجعة – كثير من المفسرين، وإليك بعضًا من أقوالهم في هذه المسألة – وأنا أنقل كلامهم أن الأمر هنا عائد على الطلاق والرجعة معًا، وأعرف أن منهم من يقول بأن دلالة الأمر هنا ليست للوجوب ولهم قول آخر في حكم التطليق بدون الإشهاد، فاعرف هذا، لأن المراد من نقل أقوالهم تأييد القول بأن الأمر عائد على الطلاق والرجعة معًا -:\nقال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٥٠): \" أمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار الزوج \".\nوقال ابن أبي زمنين في تفسيره (٤/ ٤٠٢): \" قَوْله: ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ يَعْنِي: على الطَّلَاق والمراجعة\".\nقال الثعلبي في تفسيره (٩/ ٣٣٥): \" ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على الرجعة والفراق \".\nقال الواحدي في تفسيره (١١٠٧): \" على الرَّجعة أو الفراق \".\nقال البغوي في تفسيره (٨/ ١٥٠): \" على الرجعة والفراق. أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق \".\nقال في الكشاف (٤/ ٥٥٥): \" ﴿وَأَشْهِدُوا﴾: يعنى عند الرجعة والفرقة جميعا \".\nقال ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٩٧): \" قال المفسرون: أشهدوا على الطلاق، أو المراجعة \".\nقال البقاعي في نظم الدرر (٢٠/ ١٤٨): \" ﴿وأشهدوا﴾ أي على المراجعة أو المفارقة ﴿ذوي عدل﴾ أي مكلفين حرين ثقتين يقظين ﴿منكم﴾ أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب إليه \".\nقال السيوطي: (٨/ ١٩٣) \" عند الطلاق وعند المراجعة \".\nقال الشوكاني: (٦/ ٣٠٠) في مسألة الإشهاد على الرجعة: \" ومن الأدلة على عدم الوجوب: أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في تيسير البيان، والرجعة قرينته، فلا يجب فيها، كما لا يجب فيه \" انتهى من \"نيل الأوطار\".\nقال أبو السعود في تفسيره (٨/ ٢٦١): \"عند الرجعةِ والفرقة قطعا للتنازع وهذ أمرُ ندبٍ \".\nقال الألوسي في روح المعاني (١٤/ ٣٣٠): \" وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبريا عن الريبة وقطعا للنزاع، وهذا أمر ندب \".\nقال السعدي (٨٦٩): \" ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ على طلاقها ورجعتها ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: رجلين مسلمين عدلين، لأن في الإشهاد المذكور، سدًا لباب المخاصمة، وكتمان كل منهما ما يلزمه بيانه\".\nقال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله تعالى – في كتابه \" نظام الطلاق في الإسلام \" (صفحة: ٨٠): الظاهر من سياق الآيتين أن قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معا والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب- إلا بقرينة، ولاقرينة هنا تصرفه عن الوجوب. بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب: لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل - وهو أحد طرفي العقد – وحده، سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قبل المرأة، وحقوق للمرأة قبل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له فوقع عمله باطلا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره. وهذا الذي اخترناه هو قول ابن عباس. فقد روى عنه الطبري في التفسير (ج ٢٨ ص ٨)، قال: \" إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ عند الطلاق وعند الرجعة \". وهو قول عطاء أيضا. فقد روى عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: \" النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود \" نقله السيوطي في الدر المنثور (ج ٦ ص ٢٣٢) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (ج ٣ ص ٤٥٦). وكذلك هو قول السدي. فقد روى عنه الطبري قال في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: \" على الطلاق والرجعة \". انتهى.\nوقال ابن حزم في المحلى (ج ١٠ ص ٢٥١ بواسطة كتاب الشيخ أحمد شاكر): \" فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعا لقول الله تعالى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ولم يُفرق ﷿ بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وكل من طلق ولم يشهد ذوى عدل، أو رجع ولم يشهد ذوى عدل: - متعديا لحدود الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ \" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد \".\nفإن قال قائل أن الإجماع قد نقل على خلاف هذا؟\nيقال: هذا إجماع مدعى! وكم من إجماع سيق بدون بينة ولا برهان، وبرهان ذلك ما رواه أبو داود (٢١٨٦) وكذا ابن ماجه (٢٠٢٥) عن جعفر بن سليمان الضبعى عن يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: \" أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: \" طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد \".\nقال الشيخ الألباني ﵀ في إرواء الغليل (٢٠٧): قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.\nوله طريق أخرى، فقال ابن أبى شيبة (٧/ ٧٧/٢): أخبرنا الثقفى عن أيوب عن محمد عن عمران بن حصين به.\nوأخرجه البيهقى (٧/ ٣٧٣) من طريق قتادة ويونس عن الحسن وأيوب عن ابن سيرين به.\nقلت: وهو منقطع لأن محمد بن سيرين لم يسمع من عمران بن حصين \" انتهى\nوما في تفسير الطبري (٢٣/ ٤٤٤): \"حدثني عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: (إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها، أشهد رجلين كما قال الله (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) عند الطلاق وعند المراجعة \".\nوما في مصنف ابن أبي شيبة (١٩٠٠٤) حدثنا أبو بكر قال: نا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن ابن الزبير طلق امرأته فلم يعلنها [٣] سَنَةً، فقال ابن عمر: \" بئس ما صنع\".\nوما فيه أيضًا (١٧٧٧٩) \"حدثنا أبو بكر قال: نا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّةَ عن جُوَيْبِر عن الضَّحَّاك في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: (أُمِرُوا أن يُشْهِدُوا عند الطلاق والرجعة\".\nوفيه (١٧٧٨١) حدثنا أبو بكر قال: نا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: \"الفرقة، والرجعة بالشهود \".\nوفيه (١٩٠٠٥) حدثنا أبو بكر قال: نا وكيع، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن محمد بن المنتشر، \" أن شريحا طلق امرأته، فكتمها الطلاق حتى انقضت عدتها، فعابوا ذلك عليه\".\nوما في تفسير الطبري (٢٣/ ٤٤٤): حدثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) قال: \" على الطلاق والرجعة\"، في تفسير ابن كثير (٨/ ١٤٥): \" وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ قال: \" لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله، ﷿، إلا أن يكون من عذر\".\nومما يؤيد هذا الرأي أيضًا ويدل عليه: خطورة الطلاق والمترتب عليه فلإن كان بناء هذه الأسرة مفتقر إلى الإشهاد فإن افتقار هدمها إلى هذا أولى وأجدر: قال الإمام الألباني في الشريط الثامن من سلسلة الهدى والنور: \"لا يرتاب عاقل في أن الطلاق بالنسبة للنكاح هو كالهدِم بالنسبة للبناء، فإنسان يبني دارا ثم يهدمها، يبني دارا ينفق عليها أموال طائلة وأوقات عديدة وو تكاليف ثم ما إذا أراد هدمها، هدمها بساعة من نهار، الهدِم أصعب من البناء، لأنه يضيع على الإنسان جهود كثيرة وكثيرة جدًا، النِكاح هو بناء لأسرة حينما يتزوج المسلم فإنما يضع الأساس لإقامة أسرة مسلمة، وكلنا يعلم قول الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (لا نكاح إلا بولي وشاهِدَيْ عدل) فأي نكاح لم يتحقق فيه الشهود العدول فلا يعتبر نكاحًا شرعيًا، وهو بناء، فالطلاق الذي قلنا إنه أخطر من هذا النكاح فهو كالهدم بالنسبة للبناء، العقل والنظر السليم يؤيد أن يشترط فيه الإشهاد، ومعنى ذلك أن إنسانًا ما قرر وعزم كما قال –﷿-:) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (، عزم على الطلاق، ولكن هذا الطلاق وضع له الشارع الحكيم شروطًا وهذه الشروط هي في الواقع كالعرقلة لمنع وقوع هذا الطلاق، لأن الطلاق –كما قلنا- يترتب من وراءه هدم الأسرة، فقال أن السُّنّة الإشهاد، فكأن الشارع الحكيم يقول للمطلق: لو عزمت على الطلاق وأردت تنفيذه فأتي بشاهدين، كما إذا أردت أن تنكح فخذ [..] الولي وأتي بشاهدين، وإلا فلا نكاح لك\" انتهى.\nإذن فإن الإشهاد على الطلاق فيه سد باب على المتلاعبين بحقوق زوجاتهم، وفيه سد لباب المخاصمة، وكتمان كل منهما ما يلزمه بيانه، كما سبق من كلام العلامة السعدي. وفيه الابتعاد عن الريبة وقطع للمنازعة، كما سبق من كلام الألوسي وغيره.\nورجح الشيخ عمرو سليم في كتابه (الجامع في أحكام الطلاق) (ص ١٦١) استحباب الإشهاد، وناقش من قال بوجوبه، ثم أبطل القول باشتراطه، وقال: القول ببطلان الطلاق والرجعة بترك الإشهاد باطل لا دليل عليه، وعلى تقدير أن الأمر في الآية يقتضي الوجوب، فمخالفته لا تبطل أثر الطلاق ولا المراجعة، والدليل على ذلك: أن الله سبحانه قد أمرنا في الطلاق باستقبال النساء في عدتهن في طهر لم يجامعها فيه زوجها، فلما خالف ابن عمر ﵄ هذا الأمر وطلق امرأته وهي حائض، أجازه النبي ﷺ، كما تقدم تقريره، فهو قد خالف الأمر الوارد في آية الطلاق، ولم يمنع هذا من أن يحسب عليه طلقة، فكذلك هو الحال بالنسبة لمن خالف الأمر في الإشهاد. اهـ.\nوهذا هو الصواب-والله أعلم-؛ فإنه على افتراض وجوب الإشهاد، فإن هذا لا يعني اشتراطه بحيث لا يقع الطلاق إلا به! قال أبو الوليد ابن رشد في (المقدمات الممهدات) (ص ٢/ ٢٨٠): فإذا قلنا: إنه واجب، فمعنى ذلك أنه يكون بتركه آثما لتضييع الفروج وما يتعلق بذلك، من غير أن يكون ذلك شرطا في صحة الطلاق والرجعة. اهـ.\nوقال الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير) (ص: ٢٨/ ٣٠٩) بعد أن تعرض للخلاف في الوجوب أو الاستحباب، قال: واتفق الجميع على أن هذا الإشهاد ليس شرطا في صحة المراجعة أو المفارقة؛ لأنه إنما شرع احتياطا لحقهما، وتجنبا لنوازل الخصومات؛ خوفا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو أن تموت هي فيدعي هو ذلك، وكأنهم بنوه على أن الأمر لا يقتضي الفور، على أن جعل الشيء شرطا لغيره يحتاج إلى دليل خاص غير دليل الوجوب؛ لأنه قد يتحقق الإثم بتركه ولا يبطل بتركه ما أمر بإيقاعه معه، مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وبالثوب المغصوب. اهـ.","vol":"5","page":39},{"text":"الثاني: وقع في عهد النبي ﷺ بعض قضايا الطلاق ولم يثبت ولو في واحدة منها الأمر بالإشهاد وفيما يلى نورد بعضًا منها:\n- أخرج الإمام أحمد (١)، عن ابن عباس، قال: \" طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ: \" كيف طلقتها؟ \" قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: \" في مجلس واحد؟ \" قال: نعم قال: \" فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت \" فلو كان الإشهاد واجبا لسأل رسول الله ركانة: هل أشهدت على طلاق امرأتك؟ . إذ إنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.\n_________\n(١) المسند (٢٣٨٧).","vol":"5","page":41},{"text":"- وأخرج مسلم (١)، وغيره من حديث عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ النبي ﷺ فقال: \" مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا \"\n- والحديث روى بألفاظ وروايات كثيرة ولم يثبت فيها أمره لابن عمر بالإشهاد\n- وفي الموطأ، وغيره: \" أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا وَقَالَ لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ \" (٢).\n- وأخرج أحمد (٣)، وغيره أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء، فنكحها رجل، فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: \"حتى يذوق الآخر من عسيلتها\".\n- وأخرج البخاري (٤)، وغيره أن ابنة الجون، لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: \"لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك\" فطلقها رسول الله ولم يشهد.\n- وأخرج أحمد (٥)، وغيره عن عبد الله بن عمر، قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فأتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له، فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال لي رسول الله ﷺ: \" يا عبد الله طلق امرأتك \" فطلقتها \" وهذا صريح في أنه لم يأمره بالإشهاد على طلاقه.\nوهنا يجب على الأزواج والزوجات الحذر وعدم التساعل في مسائل الطلاق، فقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: تساهل الناس بلفظ الطلاق، ثم يأتون إلى العلماء يستفتونهم في هذا، هل من كلمة توجيهية عن هذا؟\nفأجاب ﵀: نعم، نوصي إخواننا جميعًا بالحذر من التساهل في الطلاق، لأنه يفرق بين الرجل وأهله، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول ﷺ: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" (٦)، هكذا جاء عنه ﵊ بإسناد حسن، فالمشروع للمؤمن أن يتحفظ وأن يحذر ما يفرق بينه وبين أهله، وأن يعالج الأمور والمشاكل التي بينه وبين أهله بالحكمة والكلام الطيب وبالأسلوب الحسن، لا بالطلاق، فالطلاق يفرق بين الزوجين، فينبغي للمؤمن أن يحذر الطلاق إلا عن وطر عن قصد عن رغبة في الطلاق فلا بأس، وإلا فليحذر أن يقع الطلاق بسبب المشاكل والغضب، بل يتحرى حل المشاكل بالكلام الطيب والأسلوب الحسن الذي تنهى به المشاكل من دون وقوع في الطلاق، أما إذا كان يرغب بالطلاق لسوء خلقها أو لأسباب أخرى فلا بأس، الله شرع الطلاق، يطلق واحدة لا يزيد عليها، يطلق واحدة، والحمد لله، طلقة واحدة\" (٧).\nويقول د حسام عفانة: التساهل في الطلاق واقعٌ من كثيرٍ من الأزواج، فيطلقون زوجاتهم لأتفه الأسباب، كالخلافات البسيطة على الطعام أو الشراب أو الخروج من البيت ونحوها من الأسباب التافهة، فيخربون بيوتهم بأيديهم بانفعالاتٍ وقتيةٍ، ومن ثمَّ يندمون على ما فعلوا، ويصير الواحد منهم يتنقل من شيخٍ\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٤٧١).\n(٢) موطأ مالك (١١٢٦): ١/ ٣٩٩.\n(٣) المسند (١٨٣٧).\n(٤) صحيح البخاري (٥٢٥٤).\n(٥) المسند (٥٠١١).\n(٦) رواه أبو داود (٢١٧٨) وابن ماجة (٢٠١٨).\n(٧) تفريع لفتوى صوتية من موقع الشيخ ﵀","vol":"5","page":42},{"text":"إلى آخر ليحصل على فتوى تعيدُ له زوجته، وكأن ورقة المفتي أو الشيخ هي التي تسمح له باستمرار زواجه، ولا يدرك هؤلاء الإثم الذي وقعوا فيه، فمن طلق زوجته بدعيًا فهو آثمٌ لوقوعه في الحرام، وكذلك فإنهم يتحملون تبعات الطلاق المالية والاجتماعية كتفكك الأسرة وتشريد الأطفال. ومن أوضح الأمثلة على تساهل بعض الأزواج في الطلاق تلاعبهم بألفاظ الطلاق وادعاؤهم أنهم لا يقصدون الطلاق، ومن المعلوم أن جماهير أهل العلم قد اتفقوا على وقوع الطلاق عند صدور لفظ الطلاق عن الزوج، وإن لم يكن قاصدًا للطلاق، كأن يكون هازلًا، وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ثلاثٌ جِدُهنَّ جِدٌ وهزلهُنَّ جِد، النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ\" (١).\nومن أمثلة التساهل في الطلاق الحلفُ بالطلاق، فإن هذه الصيغة ليست طلاقًا عند جماعة من الفقهاء واعتبروها من لغو الكلام، ومن الفقهاء من اعتبرها يمينًا، فإذا وقع الحنث فيه تلزم كفارةُ يمينٍ، وقد اعتبر قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية أن الحلف بالطلاق لا يقع به طلاقٌ، إذا كان يُقصد به الحملُ على فعل شيءٍ أو تركه، وأما جمهور الفقهاء بما فيهم الأئمة الأربعة في المعتمد عندهم، فقالوا إن الحلف بالطلاق يُعتبر طلاقًا. وعلى كل حالٍ فإن صور التساهل في الطلاق من الأزواج كثيرة، سواء كانت في العدد أو في الأحوال وغيرها، ومعلوم أن الطلاق مبغوضٌ كما روي في الحديث \" أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ\" (٢).\nكما ويجب على المفتين الحذر من التساهل في مسائل الطلاق، وللإمام الشاطبي كلام نفيس فذا الموضوع، إذ يقول: \"المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يَحمِل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ... بلا إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين ... وقد رد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل، وقال لمعاذ ﵁ لما أطال بالناس الصلاة: أفتّان أنت يا معاذ؟ ... ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا ... ولأنه إذا ذهب بالمستفتي مذهب العنت والحرج بُغّض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة\" (٣).\nوقال العلامة ابن القيم: \"من أفتى الناس، وليس بأهلٍ للفتوى، فهو آثمٌ عاصٍ، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك؛ فهو آثمٌ أيضًا. قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علمٌ بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب، وهو يَطبُّ الناس، بل هو أسوأُ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين. وكان شيخنا -ابن تيمية﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء أَجُعلت محتسبًا على الفتوى، فقلت له يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ، ولا يكون على الفتوى محتسب\" (٤).\nالقرآن\n﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]\n_________\n(١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٢٢٨.\n(٢) رواه أبو داود (٢١٧٨) وابن ماجة (٢٠١٨)\n(٣) الموافقات في أصول الشريعة، ٤/ ٦٠٧ - ٦٠٨.\n(٤) إعلام الموقعين ٤/ ٢١٧","vol":"5","page":43},{"text":"التفسير:\nفإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة، لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد، ومهر جديد، إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين. وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم المنتفعون بها.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: فإن طلقها \"المرة الثالثة بعد المرتين\" (١).\nقال ابن كثير: \" أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي فإن وقع منه ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وجهان (٤):\nأحدهما: أنها الطلقة الثالثة. وهو قول السدي (٥)، وقتادة (٦)، وابن عباس (٧)، والضحاك (٨)، وبه قال جمهور أهل التفسير.\nوالثاني: أن ذلك تخيير لقوله تعالى: ﴿أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو قول مجاهد (٩). واختاره الطبري (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَهُ﴾ [القرة: ٢٣٠]، أي: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره \" (١١).\nقال ابن عباس: \" يقول: إن طلقها ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره\" (١٢). وروي عن السدي (١٣) نحوه.\nقال القرطبي: \"وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه\" (١٤).\nوقد اختلف العلماء فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل، فذكروا فيه وجهان (١٥):\nأحدهما: أن مجرد العقد كاف.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١١٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٢١.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٣٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٨٦ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٩٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٥): ص ٤/ ٥٨٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨١): ص ٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦ ..\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٢): ص ٤/ ٥٨٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٣): ص ٤/ ٥٨٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٦)، و(٤٨٨٧): ص ٤/ ٥٨٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٨٧. قال الطبري: \" والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب، للذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال - أو سئل فقيل: هذا قول الله تعالى ذكره: \" الطلاق مرتان \" فأين الثالثة؟ قال: \" فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان \". فأخبر ﷺ، أن الثالثة إنما هي قوله: \" أو تسريح بإحسان \" فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: \" فإن طلقها فلا تحل لا من بعد حتى تنكح زوجا غيره \" من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته\".\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٣٠): ص ٢/ ٤٢٢.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٢٢.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٧.\n(١٥) انظر: تفسير القطرطبي: ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.","vol":"5","page":44},{"text":"أي: أن نكاح الثاني إذا طلقها منه، أحلها للأول سواء دخل بها أو لم يدخل، وهو قول سعيد بن المسيب ومن وافقه (١).\nقال الشوكاني: \" وقد أخذ بظاهر الآية سعيد ابن المسيب ومن وافقه، قالوا: يكفي مجرد العقد لأنه المراد بقوله ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَهُ﴾ \" (٢).\nوقد اعترض عليه ابن المنذر قائلا: \" ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال: أما الناس فيقولون: لا تحل، للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوجها زواجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، والسنة مستغنى بها عما سواها\" (٣).\nقال القرطبي -بعد أن ذكر قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير-: \" وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والله أعلم\" (٤).\nوقد قال بعض علماء الحنفية: \"من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه، ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء\" (٥).\nوالثاني: أنه لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال.\nأي: أنها لا تحل للأول بنكاح الثاني، حتى يدخل بها فتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، للسنّة المروية فيه، وهو قول الجمهور (٦).\nقال الشيخ السعدي: \" ويشترط أن يكون نكاح الثاني، نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول، فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد، لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها، ثم فارقها وانقضت عدتها\" (٧).\nقال القرطبي: \" وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك، وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ابن العربي: ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها، وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ فإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال، لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن. قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب\" (٨).\n_________\n(١) انظر: الاستذكار: ١٦/ ١٥٦ - ١٥٧، والتمهيد: ٣/ ٢٣٠.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٣٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٨.\n(٦) قال الشوكاني: \" وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى انه لا بد مع العقد من الوطء لما ثبت عن النبي (ﷺ) من اعتبار ذلك وهو زيادة يتعين قبولها ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب ومن تابعه وفي الآية دليل على انه لابد من ان يكون ذلك نكاحا شرعيا مقصودا لذاته لا نكاحا غير مقصود لذاته بل حيلة للتحليل وذريعة إلى ردها إلى زوج الأول فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذم فاعله وانه التيس المستعار الذي لعنه الشارع ولعن من اتخذه لذلك\". (فتح القدير: ١/ ٢٣٩).\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٢.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٨.","vol":"5","page":45},{"text":"والراجح هو قول الجمهور، والدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه، ويؤيده حديث عائشة، قالت: \" جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ (١) الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ. فَقَالَ: \"أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ \" (٢).\n_________\n(١) هو: رفاعة بن سموال القرظي، من بني قريظة وهو خال صفية بنت حييّ بن أخطب-أم المؤمنين- وج النبي ﷺ، فإن أمها برّة بنت سموال. انظر: الإصابة: ٢/ ٤٠٨. وأسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ٢٧١.\n(٢) رواه البخاري (٢٦٣٩) ومسلم (١٤٣٣). وروايات الحديث تدل على أنه تزوجها وهو راغب في التمسك بها، ولم يطلقها بمجرد طلبها الطلاق، وإنما هي أرادت أن تعود لزوجها الأول، فبين لها النبي ﷺ أنها لا يحل لها ذلك حتى يدخل بها الزوج الثاني، وهي كانت قد ذكرت أنه لم يدخل بها.\nوروى مسلم (١٤٣٣): عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \"طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: \"لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ \".\nوهذا الحديث له عشرة اسانيد في وجوب الدخول بالمطلقة ثلاثا حتى تحل لزوجها الأول، وهذا أمر مجمع عليه ثبت بالدلائل المتواترة. ويجب أن يكون الزوج الثاني راغبا في المرأة قاصدا لدوام عشرتها، مما هو القصد الصحيح للزواج. أما إذا تزوجها ودخل بها قاصدا تحليلها للزوج الأول أو كان ذلك مفهوما من واقع الحال - فإن هذا هو المحلل الذي لعنه رسول الله ﷺ ولعن المحلل له. وكان نكاح هذا الثاني باطلا لا تحل به المعاشرة.\nوقال ابن عبد البر ﵀: \" وفي قوله ﷺ لامرأة رفاعة: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) دليل على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضر العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحق صاحبه اللعنة \" انتهى.\"التمهيد\" (١٣/ ٢٢٧).\nوقال ابن القيم ﵀: \" لا أثر لنية الزوجة ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا. وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: \"حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" \" انتهى. إعلام الموقعين\" (٤/ ٤٥ - ٤٦).\nو(العسيلة): مصغر عسل؛ وأُنِّث لأنَّ العسلَ مؤنث، وقيل: إنه يذكَّر ويؤنث، وقد اختلف في المرادِ بذلك:\nأ- فقيل: إنزال المني، وأنَّ التحليل لا يكون إلا بذلك. والعسيلة في اللغة تطلق على النطفة أو ماء الرجل.\nب- وقيل: ذوق العسيلةِ كناية عن المجامعة؛ وهو تغيب الحشفة من الرجل في فرج المرأة، ويكفي منه ما يوجب الحد والصداق.\nج- وقيل: إنَّ العسيلة هي لذة الجماع، وقد شبهت بالعسل للذته، والعرب تسمي كلَّ شيء تستلذه: عسلًا.\n(انظر: النهاية في غريب الحديث: ٦٠٣، والمغني لابن باطيش ١/ ٥٢٦، وفتح الباري (مقدمة) ص ١٦٥، وعارضة الأحوذي لابن العربي: ٥/ ٤٧، والموسوعة الفقهية الكويتية (عسيلة): ٣٠/ ٩٩، وسبل السلام، محمد بن إسماعيل الكحلاني؛ الجزء الثالث، كتاب النكاح، مكتبة الحلبي، الطبعة الرابعة، ١٩٦٠ ص: ١٢٨).\nفهذا الحديث يدل على أنه لا بد فيمن طلقها زوجها ثلاثًا ثم تزوجها زوج آخر من الوطء فلا تحل للأول إلا بعده، فقد يجوز رجوعها إلى زوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني ويعقبه الطلاق منه لكن شرط أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليلها للأول، فالمُحلل مرفوض في الشرع.\n\nونكاح التحليل: هو أن ينكحها من أجل أن يحلها لزوجها الأول، ثم يطلقها، وهو محرم وفاسد في قول عامة أهل العلم، ولا تحل به المرأة لزوجها الأول. وسواء في ذلك إذا صرح بقصده عند العقد، واشترطوا عليه أنه متى أحلها لزوجها طلقها، أو لم يشترطوا ذلك وإنما نواه في نفسه فقط. وانظر: \"المغني\" (٧/ ٥٧٤).\nوقد روى أبو داود (٢٠٧٦) أن النبي ﷺ قال: (لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ). وصححه الألباني في \" صحيح أبي داوود \" .. والْمُحَلِّلَ هو من تزوجها ليحلها لزوجها الأول. وَالْمُحَلَّلَ له هو زوجها الأول.\nوروى ابن ماجة (١٩٣٦) عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟)، قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) وحسنه الألباني في \" صحيح سنن ابن ماجة \".\nوروى عبد الرزاق (٦/ ٢٦٥) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو يخطب الناس: \" والله لا أوتى بمحلٍّ ومحلَّل له إلا رجمتهما \".\nقال ابن قدامة ﵀: \" ونكاح المحلل فاسد،، يثبت فيه سائر أحكام العقود الفاسدة، ولا يحصل به الإحصان، ولا الإباحة للزوج الأول، كما لا يثبت في سائر العقود الفاسدة \". انتهى من \"المغني\" (٧/ ٥٧٤).\nقلت: ولا بد أن يكون نكاح الزوج الثاني نكاح رغبة في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، فأما إذا كان الثاني إنما قصد أن يحلها للأول فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بلعنه، فقال ﷺ: لعن الله المحلل والمحلل له. رواه أبوداود (٢٠٧٦) وابن ماجة (١٩٣٦)، وروى الحاكم أن رجلًا جاء ابن عمر ﵄، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله\". (السنن الكبرى: ٧/ ٢٠٨) وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ المُحَلِّلِ قَالَ: \" لَا نِكَاحَ إِلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ، لَا نِكَاحُ دَلْسَةٍ، وَلَا مُسْتَهْزِئٌ بِكِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَذُقِ الْعُسَيْلَةَ \". المعجم الكبير: (١١٥٦٧): ١١/ ٢٢٦).","vol":"5","page":46},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: \"الزوج الثاني\" (١).\nقال مقاتل: \" ﴿فإن طلقها﴾: هذا الذي نكحها بعد ما جامعها\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فإن طلق المرأة - التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي\" فلا بأس أن تعود إِلى زوجها الأول بعد انقضاء العدّة\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا تزوجت بعد الأول، فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلت له \" (٥).\nقال علي: \"أشكل علي قوله: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾، فدرست القرآن، فعرضت أنه يعني: إذا طلق الزوج الأخير، رجعت إلى زوجها الأول المطلق ثلاثا\" (٦).\nقال ابن المنذر: \"أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم انقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات\" (٧).\nقال القرطبي: \" فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين، كيلا يغر المرأة من نفسه. وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال له ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أو داء في الفرج لم يجز لها أن تغره، وعليها أن تبين له ما بها من ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٧٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٣٣): ص ٢/ ٤٢٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٥٩٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٥) تفسير الطبري (٤٩٠٥): ص ٤/ ٥٩٧.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٢٣٤) /ص ٢/ ٤٢٣.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٢.\nقال القرطبي: \" واختلفوا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوج غيره ثم ترجع إلى زوجها الأول، فقالت طائفة: تكون على ما بقي من طلاقها، وكذلك قال الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعمران بن حصين وأبو هريرة. ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبدالله بن عمرو بن العاص، وبه قال عبيدة السلماني وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن نصر. وفيه قول ثان وهو \"أن النكاح جديد والطلاق جديد\"، هذا قول ابن عمر وابن عباس، وبه قال عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبدالله يقولون: أيهدم الزوج الثلاث، ولا يهدم الواحدة والاثنتين! قال: وحدثنا حفص عن حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبدالله كانوا يقولون: يهدم الزوج الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث، إلا عبيدة فإنه قال: هي على ما بقي من طلاقها، ذكره أبو عمر. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. وفيه قول ثالث وهو: إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد، وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقي، هذا قول إبراهيم النخغي\". (تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٢ - ١٥٣).","vol":"5","page":47},{"text":"لم يدخل بها فلها نصفه. وإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق، وقد روي أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها برصا فردها وقال: \"دلستم علي\" (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: \" إِن كان ثمة دلائل تشير إِلى الوفاق وحسن العشرة\" (٣).\nقال الطبري: أي: \"إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله، وإقامتهما حدود الله: العمل بها، وحدود الله: ما أمرهما به، وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه، وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما\" (٤).\nقال النسفي: \" إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله\" (٥).\nقال الراغب: \" وعلق بالظن، لأن ما يكون من الإنسان في المستقبل من الممكنات لا سبيل إلى معرفته إلا بالظن، وليس شرطًا في صحة النكاح، بل في إباحته ورفع المآثم، لأن العقد صحيح، فإن ظنا أن لا يقيما حدود الله، وبين أن تلك الحدود بينها لقوم يعلمون- تنبيهًا أنهم هم الذين يتبينونها، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ \" (٦).\nقال ابن عثيمين: ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي\" ما أوجبه الله على كل منهما من المعاشرة بالمعروف\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي و\"تلك شرائع الله وأحكامه\" (٨).\nقال مقاتل بن حيان: \"تلك طاعته\" (٩).\nو﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾: \" أي: أحكامه المحميّة من التغيير والمخالفة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: \" يوضحها ويبينها لذوي العلم والفهم الذين ينظرون في عواقب الأمور\" (١١).\nقال القرطبي: \" لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي لقوم ذوي استعداد، وقبول للعلم\" (١٣).\n_________\n(١) كتاب السنن الكبرى: ٧/ ٢١٤، وومجمع الزوائد (٧٦٠٧): ٤/ ٣٠٠. من حديث حميل بن زيد: عن عبدالله بن عمر. وجميل ضعيف فيه اضطراب كثير.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٥٩٨.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٢٣.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٧٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١١٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٣٧): ص ٢/ ٤٢٣.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣١.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٤.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١١٦. ثم قال: \" ﴿يبينها﴾، أي يوضحها الله ﷿، ويظهرها؛ فكل الحدود التي يريدها الله من العباد قد بينها بيانًا كاملًا؛ والبيان يكون بالكتاب، ويكون بالسنة؛ فما لا يوجد في كلام الله يوجد في سنة الرسول ﷺ؛ وما لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله -ﷺ- نصًا بعينه فإنه يوجد بمعناه؛ وذلك بالقياس الصحيح الذي يتساوى فيه الأصل، والفرع في العلة فيلحق هذا بهذا؛ فبيان الله تعالى للحدود متنوع.","vol":"5","page":48},{"text":"قال القاسمي: \"أي: يكشف اللبس عنها لقوم فيهم نهضة وجدّ في الاجتهاد فيجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت، فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا [الأنفال: ٢٩]، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢] \" (١).\nقال ابن عاشور: \"وإقحام كلمة (لقوم) للإيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله لآيات لقوم يعقلون [البقرة: ١٦٤] \" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تحريم المطلقة ثلاثًا على مطلقها حتى تتزوج؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾.\n٢ - ومنها: أن نكاح الزوج الثاني على وجه لا يصح لا تحل به للأول؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾؛ ولا يكون زوجًا إلا بعقد صحيح؛ ولذلك لو تزوجها الثاني بنية تحليلها للأول فنكاحه غير صحيح؛ فلا تحل به للأول.\n٣ - ومنها: حلها للزوج الأول بعد مفارقة الثاني لها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ وظاهر الآية الكريمة أنها تحل للأول بمجرد عقد الثاني عليها، ومفارقته لها؛ لكن السنة بينت أنه لا بد من وطء الثاني وطأً تامًا بانتشار؛ وذلك أن امرأة رفاعة القرظي بانت منه بالثلاث؛ فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير - بفتح الزاي، وكسر الباء -؛ ولم يكن يقدر على الجماع؛ فأتت النبي ﷺ، وقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فَبَتَّ طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ولم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب، وقالت بثوبها؛ فقال لها النبي ﷺ: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» (٣).\n٤ - ومن فوائد الآية: أن الزوجة المطلقة ثلاثًا لو وطئت بملك اليمين فإنها لا تحل للزوج الأول؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾؛ مثال ذلك: امرأة مملوكة لشخص وقد تزوجها شخص آخر، فطلقها الزوج الآخر، ثم انقضت عدتها، وجامعها سيدها بحكم ملك اليمين، ثم أراد زوجها الأول أن يتزوجها فلا يمكن أن يتزوجها؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾.\n٥ - ومنها: إطلاق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ والمعروف عند الفقهاء أن الرجعة إعادة مطلقة غير بائن إلى عصمة زوجها؛ هذه هي الرجعة عندهم؛ لكن هذا اصطلاح خاص؛ أما في القرآن فتطلق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ هذا وقد قسم بعض أهل العلم المراجعة شرعًا إلى ثلاثة أقسام؛ فقالوا: قد يراد بها العقد؛ وقد يراد بها إعادة المطلقة رجعيًا إلى عصمة زوجها، كما في اصطلاح الفقهاء؛ وقد يراد بالمراجعة أن تعاد المرأة إلى عصمة زوجها بدون طلاق، كما في حديث ابن عمر - ﵄ - حين طلق امرأته وهي حائض؛ فقال النبي ﷺ لعمر: «مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس» (٤)؛ فالمراد بقوله (ص): «فليراجعها» أن يردها إلى عصمته، ويلغي الطلاق، كما لو تبايع رجلان على عقد فاسد، وقلت لهما: «تراجعا» أي راجعا العقد، أو ألغياه؛ فالمراد بالمراجعة في\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٢) التحرير والتنوير: ٢/ ٤٢١.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٢٠٨، كتاب الشهادات، باب ٣: شهادة المختبئ، حديث رقم ٢٦٣٩، وأخرجه مسلم ص ٩١٨، كتاب النكاح، باب ١٧: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى ...، حديث رقم ٣٥٢٦ [١١١] ١٤٣٣.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٤٥٣، كتاب الطلاق، باب ١: وقول الله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)، حديث رقم ٥٢٥١، وأخرجه مسلم ص ٩٢٦ – ٩٢٧، كتاب الطلاق، باب ١: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ...، حديث رقم (٣٦٥٢).","vol":"5","page":49},{"text":"حديث ابن عمر إلغاء الطلاق على القول الصحيح - وإن كان الجمهور على أنها مراجعة مطلقة حسب اصطلاح الفقهاء -.\n٦ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله؛ أي أن يقوم كل منهما بمعاشرة الآخر بما يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ وجه ذلك: أنهما إذا تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئًا، وعناءً، وتعبًا، وخسارة مالية؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى.\n٧ - ومنها: الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلة؛ لأن طلب اليقين في المستقبل من باب التكليف بما لا يطاق؛ لقوله تعالى: ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾؛ وقد قال الله - ﵎ -: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال: «قد فعلت» (١).\nويتفرع على هذه الفائدة فائدة مهمة: وهي إذا حلف الإنسان على المستقبل بناءً على غلبة الظن، فتبين بخلافه فلا كفارة فيه؛ لأنه يحلف على ما في نفسه، وعلى ظنه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\n٨ - ومن فوائد الآية: عناية الله ﷾ بعباده في بيان ما يجب عليهم في عبادتهم، وفي معاملة بعضهم لبعض حتى لا تحصل الفوضى المؤدية إلى النزاع الذي قد يصل إلى القتال.\n٩ - ومنها: أنه إذا لزم من فعل المباح شيء محرم صار الشيء المباح حرامًا؛ لأن رجوع الزوجة حلال في الأصل؛ فإذا لم يظن الإنسان أنه يقوم بالحدود صار حرامًا؛ وهو في الأصل حلال؛ وعلى هذا فنقول: إذا استلزم العقد إبطالًا لواجب، أو وقوعًا في محرم صار ذلك حرامًا؛ وهي في مسائل كثيرة؛ منها: لو تبايع رجلان تلزمهما الجمعة بعد ندائها الثاني: فالبيع حرام، والعقد باطل؛ لأنه وقوع فيما حرم الله ﷿.\n١٠ - ومنها: أنه لا يعرف هذه الحدود، ويتبينها إلا من كان من ذوي العلم؛ فكلما كان أعلم كانت الحدود في حقه أبين وأظهر؛ فطالب العلم يتعلم من اللفظ مسائل أخرى؛ فالعلم يغذي بعضه بعضًا؛ وطالب العلم رابح بكل حال؛ فهو ليس كطالب المال قد يشتري السلعة وهو يظن الربح، ثم يخسر؛ فطالب العلم أيّ مسألة يعلمها فإنها مفتاح له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يبينها لقوم يعلمون﴾.\n١١ - ومن فوائد الآية: أنه لا شيء في دين الله يكون مجهولًا لكل أحد؛ لا من العبادات، ولا من المعاملات؛ فكل شيء مبيَّن؛ فإن قيل: هناك أشياء تشكل على أهل العلم، ولا يعرفون حكمها؟\nفالجواب: أن الخلل هنا ليس في النص؛ ولكنه فيمن يستنبط الأحكام من النص؛ فقد يكون لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو عدوان في قصده؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «رُبَّ مبلغ أوعى من سامع» (٢)؛ وقد يكون الخلل في إعراض الإنسان عن التدبر، وبذْل الاجتهاد، وطلبِ الحق؛ وقد يكون عند الإنسان علم، وفهم، وجلد، وتدبر؛ لكن هناك ذنوبًا تحول بينه، وبين وصوله للحق، كما في قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٣، ١٤]؛ لأن المعاصي تُظلم القلب؛ وإذا أظلم القلب لا يستنير؛ وكيف يتبين له الحق وهو مظلم؟ ! ولهذا قال الله ﷾ لنبيه ﷺ: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ١٠٦ أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية أنه ينبغي لمن سئل عن علم أن يستغفر الله ﷿ حتى تزول عنه الذنوب باستغفاره، ويتبين له الحق؛ وعلى هذا فنقول: إن جميع الأحكام التي تتعلق بالعبادات، أو المعاملات قد بينها\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٦٩٩، كتاب الإيمان، باب ٥٧، بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٣٦ كتاب الحج، باب ١٣٢: الخطبة أيام منى، حديث رقم ١٧٤١.","vol":"5","page":50},{"text":"الله لكن العيب عيب المستدل؛ فالأدلة واضحة كافية؛ لكن المستدل قد تخفى عليه الأحكام للأسباب التي ذكرناها، وغيرها.\nويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي غلط من قال: «إن النصوص لم تستوعب جميع الأحكام، وأننا محتاجون إلى العقول في الأحكام»؛ فإن الله ﷾ قال: ﴿يبينها لقوم يعلمون﴾؛ فالنصوص كافية من كل ناحية.\n١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل ما خالف شريعة الله فليس من أحكام الله؛ لقوله تعالى: ﴿يبينها﴾.\n١٣ - ومنها: أن الخلع ليس بطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية؛ ولو كان الخلع طلاقًا لكان قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ هي الطلقة الرابعة؛ وهذا خلاف إجماع المسلمين؛ لأن المرأة تبين بالطلاق الثلاث بإجماعهم؛ وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقًا؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخلع فسخ بأي لفظ كان - ولو بلفظ الطلاق -، وقال: إن هذا هو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾؛ ولم يذكر صيغة معينة؛ لأنه إنما يعتبر في العقود بمعانيها لا بألفاظها؛ فما دام هذا الطلاق الذي وقع من الزوج إنما وقع بفداء من المرأة افتدت نفسها به - فهذا لا يمكن أن نعده طلاقًا ولو وقع بلفظ الطلاق؛ وما ذكره ﵀ فإنه منظور فيه إلى المعنى؛ وما قاله غيره - من أنه إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقًا - فقد نظر فيه إلى اللفظ؛ ولا ريب أن من تأمل الشريعة وجد أنها تعتني بالمعنى أكثر من الاعتناء باللفظ؛ أما الألفاظ فهي قوالب للمعاني؛ وأنت إذا ألبست المرأة ثوب رجل لا تكون رجلًا؛ كما أنك إذا ألبست رجلًا ثوب امرأة لم يكن امرأة؛ فالألفاظ عبارة عن قوالب تدل على ما وراءها؛ فإذا صار المعنى هو التخلص من الزوج بهذا الفداء فكيف يحسب طلاقًا؟ !\n١٤ - ومن فوائد الآية: تعظيم شأن النكاح بأن الله ذكر له حدودًا في عقده، وفي حله؛ لأنه يترتب عليه مسائل كثيرة من المحرمية، والنسب، والميراث، وغير ذلك - كحقوق الزوجية -؛ ولهذا اشترط فيه أن يكون بِوَلي؛ فالمرأة تستطيع أن تبيع كل مالها؛ لكن لا تستطيع أن تزوج نفسها، كما اشترط فيه الإشهاد على رأي كثير من أهل العلم؛ وكل العقود لا يشترط فيها ذلك؛ وأيضًا اشترط فيه الإعلان على رأي بعض أهل العلم؛ والعقود الأخرى لا يشترط فيها ذلك؛ وأيضًا أنه لا يصلح العقد في بعض الأحوال، والأزمان؛ وهذا يشاركه فيه بعض العقود؛ وكل ذلك من باب الأهمية في هذا العقد العظيم الذي تترتب عليه هذه الأمور الكبيرة.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]\nالتفسير:\nوإذا طَلَّقتم النساء فقاربن انتهاء عدتهن، فراجعوهن، ونيتكم القيام بحقوقهن على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. واحذروا أن تكون مراجعتهن بقصد الإضرار بهن لأجل الاعتداء على حقوقهن. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه باستحقاقه العقوبة، ولا تتخذوا آيات الله وأحكامه لعبًا ولهوًا. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام. واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة، واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة، يُذكِّركم الله بهذا، ويخوفكم من المخالفة، فخافوا الله وراقبوه، واعلموا أن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كلا بما يستحق.\nفي سبب نزول الآية، قال ابن عباس: \" كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قيل انقضاء عدتها، ثم يطلقها. يفعل ذلك يضارها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية \" (١).\nقال ابن كثير: \"هذا أمر من الله ﷿ للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، \" أي إِذا طلقتم يا معشر الرجال النساء طلاقًا رجعيًا\" (٣).\nوالخطاب هنا لعامة الناس؛ أي إذا طلق الأزواج نساءهم (٤).\nقال القاسمي: \" أي: طلاقا رجعيا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي\" أي قاربن انقضاء أجل العدة وشارفن آخرها\" (٦).\nقال الصابوني: \"وقاربن انقضاء العدة\" (٧).\nقال القرطبي: \" معنى ﴿بَلَغْنَ﴾ قاربن، بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي، لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى\" (٨).\nقال الشوكاني: \" البلوغ إلى الشئ، معناه الحقيقي الوصول إليه ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلا مجازا لعلاقة مع قرينة كما هنا فإنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأن المرأة إذا قد بلغت آخر جزء من مدة العدة وجاوزته إلى الجزء الذي هو الأجل للأنقضاء فقد خرجت من العدة ولم يبق للزوج عليها سبيل\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، \" أي: فراجعوهنّ من غير ضرار ولا أذى\" (١٠).\nقال القرطبي: \" الإمساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها، ولذلك قال جماعة من العلماء: إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: \" أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن بإِحسان من غير تطويل العدّة عليهن\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٩١٣): ص ٥/ ٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٢٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٣.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٦) فتح القدير: ٥/ ٢٤١، وانظر: محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٨) افسير القرطبي: ٣/ ١٥٥.\n(٩) فحت القدير: ١/ ٢٤٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.","vol":"5","page":51},{"text":"قال القاسمي: \"بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن\" (١).\nقال القرطبي: يعني \"فطلقوهن\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ \" أي: ولا تراجعوهن إِرادة الإِضرار بهنّ\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: بالرجعة ضِرارًا، أي: مضارة بإزالة الألفة وإيقاع الوحشة وموجبات النفرة\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"أي\"لا تمسكوهن لأجل الإضرار بهن؛ وقد مر أنهم كانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضايقة؛ فحدد الله المراجعة باثنتين، وأنه بعد الثالثة لا رجوع حتى تنكح زوجًا غيره\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي بقصد الإِضرار، قال القفال: الضرّار هو المضارّة كقوله: ﴿مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] أي ليضاروا المؤمنين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، \" أي: لتكون عاقبة أمركم الاعتداء أو للتعليل\" (٧).\nقال الطبري: أي\": لتظلموهن بمجاوزتكم في أمرهن حدودي التي بينتها لكم\" (٨).\nقال الصابوني: \" لتظلموهن بالإِلجاء إِلى الافتداء، وفيه زجرٌ لما كان عليه الناس حيث كان الزوج يترك المعتدة حتى إِذا شارفت انقضاء العدّة يراجعها للإِضرار بها ليطوّل عليها العدّة لا للرغبة فيها\" (٩).\nأخرج الطبري بسنده \"عن مسروق: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا﴾، قال: يطلقها، حتى إذا كادت تنقضي راجعها، ثم يطلقها، فيدعها، حتى إذا كادت تنقضي عدتها راجعها، ولا يريد إمساكها: فذلك الذي يضار ويتخذ آيات الله هزوا\" (١٠)، وروي نحوه عن ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، والحسن (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، والربيع (١٦)، والسدي (١٧)، ومقاتل بن حيان (١٨)، وابن شهاب (١٩)، وعطية (٢٠).\nو(اللام) في قوله تعالى ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ للعاقبة؛ والمعنى: لتقعوا في الاعتداء؛ أي أن عاقبة أمركم إذا أمسكتموهن ضرارًا هي الاعتداء؛ واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ «لام كي» تارة يراد بها التعليل؛ وتارة تكون زائدة؛ وتارة تكون للعاقبة؛ فتكون للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]؛ وتكون زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ [النساء: ٢٦]؛ فإذا جاءت بعد\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٢.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٨.\n(٩) صفوة التفاسبر: ١/ ١٣٣.\n(١٠) تفسير الطبري (٤٩٠٩): ص ٥/ ٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٩١٣): ص ٥/ ٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٩١١)، و(٤٩١٢): ص ٥/ ٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٩١٠): ص ٥/ ٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٩١٦): ص ٥/ ٩ - ١٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٩١٨): ص ٥/ ١٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٩١٤): ص ٥/ ٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٩٢٠): ص ٥/ ١٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٨ وما بعدها، وتفسير ابن كثير: ١/ ٦٢٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٩١٥): ص ٥/ ٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٤٩٢٢): ص ٥/ ١١.","vol":"5","page":52},{"text":"الإرادة فهي زائدة؛ لأن فعل الإرادة يتعدى بنفسه؛ وتأتي للعاقبة: وهي إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود، مثل قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾ [القصص: ٨] (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، \" أي: من يمسكها للإِضرار بها أو ليكرهها على الافتداء\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: \" فقد ظلم بذلك العمل نفسه لأنه عرّضها لعذاب الله\" (٣).\nقال الزجاج: \"يعني عرض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله\" (٤).\nقال النسفي: \" بتعريضها لعقاب الله\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي: بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" وأضاف الظلم إلى نفسه - وإن كان ظلمه واقعًا على غيره -؛ لأنه جلب على نفسه الإثم، والعقوبة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تتخذوا آيَاتِ الله هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، \"أي: لا تهزءوا بأحكام الله وأوامره ونواهيه فتجعلوا شريعته مهزوءًا بها بمخالفتكم لها\" (٨).\nقال القرطبي: \"لا تتخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو فإنها جد كلها، فمن هزل فيها لزمته\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"أي لا تجعلوها مهزوءًا بها؛ أي موضع استهزاء بحيث لا تعملون بها استخفافًا بها\" (١٠).\nقال النسفي: \" أي جدوا بالأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزوًا\" (١١).\nقال القاسمي: \" أي: أوامره ونواهيه مهزوّا، بها بأن تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة عليها\" (١٢).\nوأخرج ابن كثير بسنده \"عن عبادة بن الصامت، في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ يقول للرجل زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا. ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح\" (١٣).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٦.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٢٣.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٢.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٤.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٢٣.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٣.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣٠. ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده برقم (٥٠١) \"زوائده\" من طريق آخر، فرواه من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت به مرفوعا.\n(١٤) سنن أبي داود برقم (٢١٩٤) وسنن الترمذي برقم (١١٨٤) قال حسن غريب. وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٣٩).","vol":"5","page":54},{"text":"وقيل: \"المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين، ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا، وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه\" (١).\nقال القرطبي: \" ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾ [البقرة: ٢٣١]، \" أي: واذكروا فضل الله عليكم بهدايتكم للإِسلام\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم\" (٤).\nقال القرطبي: \" أي بالإسلام وبيان الأحكام\" (٥).\nقال النسفي: \" بالإسلام وبنبوة محمد ﵇\" (٦).\nقال القاسمي: \" أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم\" (٧).\nقال الشوكاني: \"أي النعمة التي صرتم فيها بالإسلام وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء وظلمات بعضها فوق بعض\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"أي اذكروا باللسان، وبالقلب، وبالجوارح، نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشكرها؛ فإن الغفلة عن ذكر النعم سبب لعدم الشكر، وقوله تعالى: ﴿نعمة الله﴾ مفرد مضاف؛ والمفرد المضاف يدل على العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]؛ ولو كان المراد بالنعمة مدلولها الإفرادي لكان إحصاؤها ممكنًا؛ المهم أن نعمة الله هنا عامة؛ ونعم الله لا تحصى أجناسها فضلًا عن أفرادها؛ فقوله تعالى: ﴿نعمة الله عليكم﴾ يشمل كل النعم - وإن دقت؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]،؛ أي: \" وما أنعم به عليكم من القرآن العظيم والسنّة المطهّرة\" (١٠).\nقال النسفي: \" من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها\" (١١).\nقال القرطبي: \" ﴿والحكمة﴾ هي السنة المبينة على لسان رسول الله ﷺ مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن؛ ﴿والحكمة﴾ أي السنة النبوية\" (١٣).\nقال الشوكاني: \"أفرد الكتاب والحكة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولا أوليا تنبيها على خطرهما وعظم شأنهما\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي \"يذكِّركم به ترغيبًا، وترهيبًا\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣١.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٦.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٢٤.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٣.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٤٢.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٢٤.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٧.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٥.\n(١٤) فتح القدير: ١/ ٢٤٢.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٥.","vol":"5","page":55},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم\" (١).\nقال الصابوني: \" أي يرشدكم ويذكّركم وهدي رسوله إِلى سعادتكم في الدارين\" (٢).\nقال القرطبي: \" أي يخوفكم\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على المخالفة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، \"أي: خافوا الله وراقبوه في أعمالكم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: فيما تأتون وفيما تذرون\" (٦).\nقال النسفي: \" فيما امتحنكم به\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" ما أكثر ما يأمر الله ﷿ بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب، والأعمال؛ و(التقوى) فعل أوامر الله، واجتناب نواهيه تقربًا إليه، وخوفًا منه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: \" واعلموا أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالكم\" (٩).\nقال ابن كثير: أي \": فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أمر بالعلم بأن الله بكل شيء عليم؛ فلا يخفى عليه شيء، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ [آل عمران: ٥] \" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن لكل طلاق أجلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾؛ الأجل هنا مجمل؛ ولكنه مبين في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وغيرها من الآيات الدالة على العدة.\nويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مجملًا أحيانًا، ومفصلًا أحيانًا؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [هود: ١]؛ وفائدة الإتيان بالإجمال، ثم التفصيل: أنه إذا ورد النص مجملًا فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك المجمل، وبيان ذلك المبهم؛ فيكون في ذلك شدة الاشتياق إلى العلم.\n٢ - ومن فوائد الآية: جواز المراجعة بعد تمام العدة قبل أن تغتسل؛ لقوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن﴾؛ وجه الدلالة أن قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن﴾ جواب للشرط في قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون الإمساك، أو التسريح، بعد بلوغ الأجل ضرورة أن المشروط يقع بعد الشرط؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الإمام أحمد - ﵀ - إلى أن للزوج أن يراجع زوجته بعد طهرها من الحيضة الثالثة حتى تغتسل؛ فلو طهرت في الصباح بعد الفجر، ثم لم تغتسل إلا لصلاة الظهر، وراجعها زوجها فيما بين طهارتها، واغتسالها صحت المراجعة؛\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ١٥٧.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣١.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ١٢٤.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٥.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢٥.","vol":"5","page":56},{"text":"وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة؛ وأوَّلوا قوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن﴾ أن المعنى: قاربن بلوغ أجلهن؛ وأنه لا رجعة بعد الطهر من الثالثة؛ والقول الأول أصح؛ لأنه هو ظاهر الآية؛ وهو الوارد عن الصحابة ﵃؛ ويكون هذا من باب التوسعة على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في المجلس؛ وإلا فالعقد قد تم بالإيجاب، والقبول؛ لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما؛ وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان، وطبيعته: إنه إذا منع من الشيء صار في شوق إليه؛ فإذا حصله فقد يزهد فيه.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن الإمساك بمعروف، أو التسريح بمعروف واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾.\n٤ - ومنها: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول؛ أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك؛ ومما هو معروف أن ما يجري بين الأزواج أحيانًا من المشاحنة، وادعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك حتى يطالبها بالحلي الذي أعطاها؛ خلاف المعروف الذي أمر الله به.\n٥ - ومنها: عناية الله ﷿ بعباده في أن يتعاملوا بينهم بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يقيم وحدة الأمة؛ فإن الأمة إذا لم تتعامل بالمعروف - بل بالمنكر، والإساءة - تفرقت، واختلفت؛ فالأمة الإسلامية أمة واحدة، كما قال الله تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\n٦ - ومنها: تحريم إمساك المطلقة - أي مراجعتها - للإضرار بها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾.\n٧ - ومنها: أن كل من عامل أخاه ضرارًا فهو معتدٍ؛ فلا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة؛ وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: \"من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه\" (١)؛ وجاء في حديث آخر: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٢)؛ فالمضارة بين المسلمين محرمة؛ لذلك قال تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾.\n٨ - ومنها: أن المضارة عدوان؛ لقوله تعالى: ﴿لتعتدوا﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو للتعليل - أي سواء كان المقصود من المضارة الاعتداء؛ أو لم يقصد الاعتداء لكن حصل.\n٩ - ومنها: تحريم ظلم الإنسان لنفسه؛ لأن الله تعالى نهى عن هذه الأشياء، ثم قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾.\n١١ - ومنها: أن فعل المعاصي ظلم للنفس؛ فلا يقول الإنسان: «أنا حر أفعل ما أشاء، وأصبر على العذاب»؛ هذا خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ فظلم الغير عدوان، وحرام؛ وظلم النفس أيضًا عدوان، وحرام؛ وفي الحديث: «ولنفسك عليك حقًا» (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٣، حديث ١٥٨٤٧، وأخرجه الترمذي ص ١٨٤٧، كتاب البر والصلة، باب ٢٧: ما جاء في الخيانة والغش، حديث رقم ١٩٤٠؛ وأخرجه أبو داود ص ١٤٩٢، كتاب القضاء باب ٣١: في القضاء، حديث رقم ٣٦٣٥، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٧، كتاب الأحكام، باب ١٧: من بنى في حقه ما يضر جاره، حديث رقم ٢٣٤٢، قال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٤٠٤: حسن.\n(٢) أخرجه أحمد ١/ ٣١٣، حديث رقم ٢٨٦٧ من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٧، كتاب الأحكام، باب ١٧: من بني في حقه ما يضر جاره، حديث رقم ٢٣٤٠؛ وأخرجه مالك في الموطأ مرسلًا ٢/ ٥٧١، كتاب الأقضية، باب ٢٦، القضاء في المرفق، وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي سعيد الخدري ٢/ ٥٧ – ٥٨، وقال حديث صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٤٣، حديث رقم ٢٥٠، صحيح.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٥٤، كتاب الصوم، باب ٥١: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ...، حديث رقم ١٩٦٨.","vol":"5","page":57},{"text":"١٢ - ومنها: أن من ظلم غيره بعدوانه عليه فقد ظلم نفسه في الحقيقة؛ لأن المظلوم إذا لم يتخلص الظالم من مظلمته في الدنيا فسوف يؤخذ من حسناته للمظلوم في الآخرة؛ فإذا فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم؛ فطرحت عليه، ثم طرح في النار؛ ولذلك عبر الله عن الإضرار بالزوجة في إمساكها بقوله تعالى: ﴿فقد ظلم نفسه﴾ مع أنه ظالم للزوجة أيضًا.\n١٣ - ومنها: إغراء المخاطب باجتناب ظلم غيره؛ لأن الظالم قد يظن أنه منتصر على المظلوم؛ فإذا علم أنه ظالم لنفسه تهيب ذلك، واستقام على العدل.\n١٤ - ومنها: أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية؛ وهي ما جاءت به الرسل من الشرع؛ وآيات كونية؛ وهي هذه الكائنات التي نشاهدها في السموات، والأرض، والشمس، والقمر؛ أما كون ما جاءت به الرسل من الشرع آية فلأنها أمور لا يمكن أن يأتي البشر بمثلها - ولا سيما القرآن الكريم -؛ وأما كون هذه الكائنات آيات كونية فإن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها؛ وقد تحدى الله ﷿ أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئًا من هذه الكائنات، فقال ﷿: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣]؛ فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها، كلها آيات تدل على أن الله ﷾ هو الخالق؛ وعلى وحدانيته، وعلى قدرته، وتمام حكمته، كما قيل:\nوفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.\n١٥ - ومن فوائد الآية: تحريم اتخاذ آيات الله هزوًا سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزوًا أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله ﷿، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة؛ وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله ﷿؛ وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك؛ فالأول له حكم العصاة؛ فإن كانت معصيته كبيرة تبلغ به الكفر فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق؛ وإلا فهو دون الفاسق - كما لو كانت من صغائر الذنوب، ولم يصر عليها -؛ وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا، ومضوا، وأن هذا العصر لا يصلح للعمل بهذا الشرع؛ فهذا لا شك أنه كافر؛ وإذا استهزأ مستهزئ بحامل الشريعة، أو العامل بها من أجل حمله الشريعة، أو عمله بها فهو كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال ﷿ في أولئك النفر الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء»؛ قال الله ﷾ فيهم: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا»، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضًا كفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون»، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤]؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار.\nومثال اتخاذ الآيات الكونية هزوًا: لو نزل المطر في أيام الصيف - وهذا لم تجر به العادة - فقال: «ما هذا التبديل! يوم أن يكون الناس محتاجين إلى المطر في الشتاء لا يجيء؛ والآن يأتي!» وهذا يمكن أن يوجد من بعض الفجرة الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ أو مثلًا يُغْلَبُ قوميون من العرب - تغلبهم اليهود مثلًا، فيقول المستهزئ بآيات الله الكونية -: «ما هذا؟ كيف يكون النصر لليهود على العرب - على بني كنعان، وعدنان، وقحطان؛ كيف هذا وهم بنو إسرائيل؟ !» وما أشبه ذلك؛ لكن المؤمن يستسلم لأمر الله ﷿ الكوني كما","vol":"5","page":58},{"text":"يستسلم لأمره الشرعي؛ ويرى أنه في غاية الحكمة، وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه، وأن ما حدث فهو واقع موقعه، وأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن الله ﷿ حكيم؛ لا يصنع شيئًا إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآية الكونية يمكن أن يكون؛ وقد نهى الله تعالى أن تتخذ آياته هزوًا؛ وهو عام للكونية، والشرعية؛ لكن بما أن الآية في سياق الآية الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها بالآيات الكونية.\n١٦ - ومن فوائد الآية: أن المخالفة نوع من الاستهزاء؛ لأنك إذا آمنت بأن الله ﷿ هو الرب العظيم الذي له الحكم، وإليه الحكم، ثم عصيته فكأنك تستهزئ بهذه العظمة؛ فلو أن ملكًا من الملوك - ولله المثل الأعلى - نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه، وعلى عينه تخالف هذا الأمر، فسيقول لك: «أنت تستهزئ بي؛ لأني نهيتك، ففعلتَ ما نهيتك عنه أمامي»؛ فالمعصية نوع من الاستهزاء بالله ﷿ - وإن كانت ليست من النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام -.\n١٧ - ومن فوائد الآية: وجوب ذكر نعمة الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾؛ والذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ فذكرها باللسان أن تقول: أنعم الله عليّ بكذا، كما قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ فتثني على الله ﷿ بها تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت عليّ به من المال، أو الزوجة، أو الأولاد، أو ما أشبه ذلك؛ وذكرها بالقلب أن تستحضرها بقلبك معترفًا بأنها نعمة من الله؛ وذكرها بالجوارح أن تعمل بطاعة الله، وأن يُرى أثر نعمته عليك.\n١٨ - ومن فوائد الآية: أن منة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل منة؛ يؤخذ ذلك من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على أهميتها.\n١٩ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ لأن ما أنزل الله إما أن يكون عينًا قائمة بنفسها؛ أو صفة قائمة بموصوفها؛ فأما الأول فمخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥]؛ وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وكما في هذه الآية: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ وهذا يكون صفة لله ﷿ غير مخلوقة.\n٢٠ - ومن فوائد الآية: أن شريعة الله ﷿ كلها حكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أنه لا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا في طلب الحكمة، أو أن نتمحل حكمة بعيدة قد تكون مرادة لله، أو غير مرادة؛ لأننا نعلم أن كل ما شرعه الله فهو لحكمة؛ ومن الحكمة امتحان العبد بالامتثال فيما لا يعلم حكمته؛ ولهذا لما سئلت عائشة - ﵂ -: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نقضي الصلاة» (١)؛ فجعلت الحكمة أمر الله، ورسوله؛ أما السؤال عن الحكمة من باب الاسترشاد فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يسألون الرسول ﷺ عن حكمة بعض الأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ والسؤال على هذا الوجه من باب طلب العلم الذي يزداد به المؤمن إيمانًا، وعلمًا؛ وأما السؤال عن الحكمة بحيث لا يستسلم الإنسان للحكم، ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا ضلال، واستكبار عن الحق، واتباع للهوى، وجعل الشريعة تابعة لا متبوعة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٧، كتاب الحيض، باب ٢٠: لا تقضي الحائض الصلاة، حديث رقم ٣٢١، وأخرجه مسلم ص ٧٣٣، كتاب الحيض، باب ١٥: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم ٧٦٣ [٦٩] ٣٣٥.","vol":"5","page":59},{"text":"٢١ - ومن فوائد الآية: أن ما جاء في كتاب الله موعظة يتعظ بها العبد؛ و«الاتعاظ» معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرة إلى ما فيه منفعة؛ يقال: وعظته فاتعظ - أي انتفع، وترك ما فيه مضرته إلى ما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١].\n٢٢ - ومنها: ثبوت رحمة الله ﷿، وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾؛ فرحمة الله تعرف بآثارها.\n٢٣ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n٢٤ - ومنها: عموم علم الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿أن الله بكل شيء عليم﴾.\n٢٥ - ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لأنه إذا علم أن الله بكل شيء عليم حذر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، وقال تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾.\n٢٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى تقع منهم؛ وهذا كان الغلاة يقولونه قديمًا؛ قال شيخ الإسلام: «ومنكروه اليوم قليل»؛ والقدرية هم الذين يقولون: إن للعبد مشيئة، وقدرة مستقلتين عن الله ﷿.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nاحدها: أخرج الواحدي عن الحسن أنه قال في قول الله - ﷿ - ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا﴾ الآية، قال: \"حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال: كنت زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليها أبدا قال: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله - ﷿ - هذه الآية فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فزوجتها إياه\" (١).\nوالثاني: قال السدي: \"نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها. فأما جابر فقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية! وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته. فنزلت هذه الآية\" (٢).\n_________\n(١) اسباب النزول: ٨٠ - ٨١، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٩/ ١٨٣ - ح: ٥١٣٠) وأبو داود (٢/ ٥٦٩ - ح: ٢٠٨٧) وابن جرير (٢/ ٢٩٧) والحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٨٠) وابن أبي حاتم وابن مردويه (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٢) والدارقطني (الصحيح المسند للوادعي: ١٩) من طريق يونس بن عبيد عن الحسن به.\nوفي رواية أخرى أخرج الواحدي عن معقل بن يسار أنه قال: \"كانت لي أخت فخطبت إلي وكنت أمنعها الناس، فأتاني ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب، فقلت: منعتها الناس وزوجتك إياها، ثم طلقتها طلاقا له رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها، لا أزوجك أبدا فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه\". [أسباب النزول: ٨١، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير: ٢٠/ ٢٠٥ - ح: ٤٦٨) وابن جرير (٢/ ٢٩٨) والطيالسي (منحة المعبود: ٢/ ١٤ - ح: ١٩٣٤) من طريق عباد به. وإسناده حسن].\n(٢) تفسير الطبري (٤٩٣٩): ص ٥/ ٢١ - ٢٢. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٨٢، ووابن المنذر (فتح القدير: ١/ ٢٤٤) وابن مردويه (لباب النقول: ٤٧) من طريق عمرو بن حماد به.\nوقد سبق تضعيف هذا السند، ولذا قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - \"والصحيح الأول\" (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٢) - يعني حديث معقل بن يسار - وتبعه الإمام السيوطي (لباب النقول: ٤٧).","vol":"5","page":60},{"text":"والثالث: أنها نزلت عمومًا في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن يعضلها عن النكاح، وهذا قول ابن عباس (١)، والضحاك (٢)، والزهري (٣)، ومسروق (٤)، وإبراهيم (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، \" أي إِذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن \" (٦).\nقال الشافعي: \" خاطب الأولياء، وأن هذا انقضاء الأجل، لا الأشراف على انقضائه\" (٧).\nقال الزجاج: \" هذا مخاطبة للأولياء، وفي هذا دليل أن أمر الأولياء بين، لأن المطلقة التي تراجع إنما هي مالكة بضعها إلا أن الولي لا بد منه\" (٨).\nقا الماوردي: \" بلوغ الأجل ها هنا [تناهيه]، بخلاف بلوغ الأجل في الآية التي قبلها، لأنه لا يجوز لها أن تنكح غيره قبل انقضاء عدتها، قال الشافعي: فدخل اختلاف المعنيين على افتراق البلوغين \" (٩).\nقال الزجّاج: \"الأجل آخر المدة وعاقبة الأمور، قال لبيد (١٠):\nوَاخْزُها بالبرِّ للهِ الأجَلّ.\nيريد عاقبة الأمور\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٢]، \"أي: فلا تمنعوهن يا معشر الأولياء من العودة لأزواجهن إِذا صلحت الأحوال بين الزوجين وظهرت أمارات الندم ورضي كل منهما إِلى العودة لصاحبه والسير بما يرضي الله\" (١٢).\nقال الزجاج: أي فلا\" تمنعوهن وتحبسوهن، من أن ينكحن أزواجهن\" (١٣).\nقال الشافعي: \" قال للولي: لا يعضلها عن النكاح إن أرادته كنعها منه\" (١٤).\nقال الماوردي: \" فنهى الله ﷿ أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من الأزواج\" (١٥).\nوفي معنى (العضل)، قولان (١٦):\nأحدهما: أنه المنع، ومنه قولهم: داء عضال إذا امتنع من أن يُداوَى، وفلان عُضَلَةٌ أي داهية، لأنه امتنع بدهائه.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٩٤١): ص ٥/ ٢٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٩٤٥): ص ٥/ ٢٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٩٤٤): ص ٥/ ٢٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٩٤٢): ص ٥/ ٢٢ - ٢٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٩٤٣): ص ٥/ ٢٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٧) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٣٨٠.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٣١٠.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٢٩٨.\n(١٠) ديوانه ط بيروت ١٤١ برواية: \" واخزها، وانظر: اللسان (كذب، جلل، خزا)، وأساس البلاغة (خزى)، وكتاب العين: ٤/ ٢٩١، وصدره:\n\"غيرَ أن لا تكذبِنْها في التُّقَى\"\n(١١) حكاه عنه الثعلبي في تفسيره: ٢/ ١٧٩، ولم اجده في معاني القرآن.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٣١٠.\n(١٤) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٣٨٠.\n(١٥) النكت والعيون: ١/ ٢٩٨.\n(١٦) النكت والعيون: ١/ ٢٩٨.","vol":"5","page":61},{"text":"والقول الثاني: أن العضل الضيق، ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش الفضاء، إذا ضاق بهم، ومنه أيضا \" الداء العضال \" وهو الداء الذي لا يطاق علاجه، لضيقه عن العلاج، وتجاوزه حد الأدواء التي يكون لها علاج، ومنه قول ذي الرمة (١):\nولم أقذف لمؤمنة حصان ... بإذن الله موجبة عضالا\nوفي قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وجهان من التفسير (٢):\nأحدهما: إذا تراضى الزوجان.\nوالثاني: إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي.\nقال الشافعي: \" وهذه أبين آية في كتاب اللَّه تعالى دلالة على: أن ليس للمرأة أن تتزوج بغير ولي \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، \"أي ما نهيتكم عنه من الإِضرار والعضل يُنصح به ويوعظ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لأنه هو المنتفع بالمواعظ الشرعية\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يصدق بالله، فيوحده، ويقر بربوبيته، ومن يؤمن باليوم الآخر، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، أي الاتعاظ بما ذكر والتمسك بأوامر الله خير وأنفع لكم وأطهر من الآثام وأوضار الذنوب\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" نكاحهن أزواجهن، ومراجعة أزواجهن إياهن، بما أباح لهن من نكاح ومهر جديد \" أزكى لكم \"، أيها الأولياء والأزواج والزوجات\" (٧).\nقال الثعلبي: \" وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حبّ لم يؤمن بأن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحلّ الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما إن سبق إلى قلوبهم منهما لعلّهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، \" أي والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشرائع وأنتم لا تعلمون ذلك\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: الله يعلم ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل، وأنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه من النفع والصلاح، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور علمكم\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿والله يعلم﴾ ما فيه مصلحتكم، ونقاؤكم، وطهركم، وأنتم لا تعلمون ذلك\" (١٢).\n_________\n(١) ديوانه ٤٤١، من أبيات وصف بها صنعة شعره فقال:\nوشعر قد أرقت له غريب ... أجنبه المساند والمحالا\nغرائب قد عرفن بكل أفق ... من الآفاق تفتعل افتعالا\nفبت أقيمه، وأقد منه ... قوافي لا أعد لها مثالا\nغرائب قد عرفن بكل أفق ... من الآفاق تفتعل افتعالا\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٢٩٨.\n(٣) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٣٧٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٢٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٢٩.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٣.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٣١١.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٤.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٣٧.","vol":"5","page":62},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه لا يحل عقد النكاح قبل انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾؛ فإن النكاح في العدة باطل إلا ممن كانت العدة له إذا لم يكن طلاقه بينونة كبرى.\n\n٢ - ومنها: تحريم منع الولي موليته أن تنكح من رضيته؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾.\n٣ - ومنها: أن النكاح لا بد فيه من ولي؛ وأن المرأة لا تزوج نفسها؛ وجه ذلك أنه لو كانت تملك العقد لنفسها ما كان للعضل تأثير؛ فلولا أن عضلهم مؤثر ما قال الله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾؛ لأنهم لو عضلوا، ولم يكن الولي شرطًا لزوجن أنفسهن؛ وربما ينازع منازع في دلالتها على ذلك؛ لأنه قد يقول: إن الله نهى عن منعهن؛ والإنسان قد يمنع بحسب العادة، أو العرف ابنته، أو موليته من أن تنكح زوجًا - وإن كان يمكنها أن تتزوج هي بنفسها -؛ لأنها لا تريد أن تخالفهم مخافة المعرة، واللوم من الناس؛ بمعنى أن الآية ليست صريحة واضحة في أنه لا يمكن النكاح إلا بولي؛ لأنه ممكن أن يكون لها حق تزويج نفسها لكن يمنعها أبوها، ويقول: إذا زوجتِ نفسك قاطعتك، أو هجرتك؛ وعلى فرض أنها لا تدل على ذلك فهناك أدلة أخرى تدل على اشتراط الولي، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقول النبي ﷺ: «لا نكاح إلا بولي» (١).\n٤ - ومن فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى، أو ما يستقبل مع أنه في الحال لا يتصف به؛ وذلك قوله تعالى: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾؛ لأنه إذا كان المراد من طلقت، ثم أراد زوجها أن يعود إليها، فهم أزواجهن باعتبار ما مضى؛ وإن كان المراد الخطّاب الذين يخطبونهن بعد انقضاء العدة فهم أزواجهن باعتبار المستقبل؛ وقد جاء التعبير عن الماضي، والمستقبل في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢] مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا؛ فهذا تعبير عن الماضي؛ وقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وهو لا يعصر الخمر؛ ولكن يعصر عنبًا يكون خمرًا؛ فهذا تعبير عن المستقبل.\n٥ - ومن فوائد الآية: اعتبار الرضا في عقد النكاح سواء كان من الزوج، أو من الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾؛ فالرضا شرط لصحة النكاح سواء أكانت المرأة بكرًا، أم ثيبًا؛ وسواء أكان الولي أباها، أم غيره - على القول الراجح -؛ وأنه ليس للأب، ولا لغيره أن يجبر المرأة على النكاح؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر؛ ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: أن تسكت» (٢)؛ وورد في صحيح مسلم: «البكر يستأذنها أبوها» (٣)؛ وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يزوج ابنته وهي كارهة؛ بل لا بد من رضاها؛ والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع شيئًا من مالها إلا برضاها، فكيف يملك أن يزوجها بدون رضاها؟ ! فلو أن رجلًا أكره ابنته أن تشتري هذا البيت فالعقد غير صحيح مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارهة أن تبيعه بعد يوم، أو\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٤، حديث رقم ١٩٧٤٧، وأخرجه أبو داود ص ١٣٧٦، كتاب النكاح، باب ١٨: في الولي، حديث رقم ٢٠٨٥، وأخرجه الترمذي ص ١٧٥٧، كتاب النكاح، باب ١٤: ما جاء لا نكاح إلا بولي، حديث رقم ١١٠١، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٨٩، كتاب النكاح، باب ١٥: لا نكاح إلا بولي، حديث رقم ١٨٨١؛ كما أخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ١٦٩ - ١٧٠) وأقره الذهبي على تصحيحه؛ وقال الألباني في الإرواء ٦/ ٢٣٥: صحيح.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٤٤٤، كتاب النكاح، باب ٤٢: لا ينكح الأب وغيره البكر ...، حديث رقم ٥١٣٦؛ وأخرجه مسلم ص ٩١٤، كتاب النكاح، باب ٩: استئذان الثيب ...، حديث رقم ٣٤٧٣ [٦٤] ١٤١٩.\n(٣) أخرجه مسلم ص ٩١٤، كتاب النكاح، باب ٩: استئذان الثيب ...، حديث رقم ٣٤٧٧ [٦٧] ١٤٢١.","vol":"5","page":63},{"text":"يومين؛ فكيف يملك أن يكرهها على أن تتزوج برجل لا تريده؟ ! فالشريعة جاءت من لدن حكيم خبير؛ فالصواب بلا شك أنه لا يحل للإنسان أن يجبر ابنته على نكاح من لا تريد مهما كان؛ لكن إذا أرادت إنسانًا ليس مرضيًا في دينه، وخلقه فللولي أن يأبى - ولو بقيت لا تتزوج طوال عمرها -؛ فليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بذلك؛ وما يترتب على المأمور فغير محظور؛ فإن قيل: يرد على ذلك تزويج أبي بكر عائشة من النبي ﷺ ولها ست سنين؟\nفالجواب: أن يقال: لن يرد مثل هذه الصورة؛ لأننا نعلم علم اليقين أن عائشة سترضى برسول الله (ﷺ)، ولا تبغي به بديلًا؛ ولذلك لما أمره الله ﷿ أن يخير نساءه فبدأ بها ﵂، وقال ﷺ: «لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك؛ قالت: يا رسول الله، أفي هذا أستأمر أبوي؟ ! إنني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» (١)؛ وعلى هذا لا يتم الاستدلال بها على تزويج المرأة بغير إذنها.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن المرأة لو رضيت الزوج على وجه غير معروف - بل على وجه منكر لا يقره الشرع - فإنها لا تمكن من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ فلو أن المرأة رضيت هذا الخاطب لفسقه، وانسلاخه من الدين - وإن لم يصل إلى حد الكفر - فلوليها أن يمنعها؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾.\n٧ - ومنها: إثبات اليوم الآخر - وهو يوم القيامة -؛ لقوله تعالى: ﴿من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما ذكر في ذلك اليوم من البعث، والحساب، والصراط، ودنوّ الشمس، والعرق، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب والسنة مجملًا أحيانًا، ومفصلًا أحيانًا؛ بل قال شيخ الإسلام ﵀ -: يدخل فيه الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وغير ذلك.\n٨ - ومنها: أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ذلكم أزكى لكم﴾؛ فهو ينمي النفس، وينمي الإيمان، وينمي الأخلاق، وينمي الآداب؛ فكلما كان الإنسان أشد تطبيقًا لأحكام الله كان ذلك أزكى له.\n٩ - ومنها: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان؛ يعني أطهر للقلب؛ لأن الأعمال الصالحة تطهر القلب من أرجاس المعاصي؛ ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن من الحيوية، والنشاط، والسرور، والفرح ما ليس عند غيره؛ ويعرف ذلك في وجهه؛ فالإنسان صاحب المعاصي مظلم الوجه كاسف البال؛ ولو فرح بما فرح من زهرة الدنيا فهو فرح خاسر؛ لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام، وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته، ليس كذلك؛ وأسعد الناس في الدنيا أطهرهم قلبًا.\n١٠ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى نقص الإنسان في علمه؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ فنفى عن الإنسان العلم - والمراد نفي كماله؛ لأن الإنسان له علم، كما قال الله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [النور: ٣٣] لكن لنقصان علمه نفى الله عنه العلم؛ وهنا قال تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾؛ فإذا كان الله يعلم، ونحن لا نعلم فإن مقتضى ذلك أن نستسلم غاية الاستسلام لأحكامه ﷾، وأن لا نعارضها بعقولنا مهما كانت؛ ولهذا ينعى الله ﷿ على الكفار والمشركين عدم العقل؛ وكل ما خالف الشرع فليس بعقل.\nالقرآن\n﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٩٤، كتاب المظالم، باب ٢٥: الغرفة والعلية المشرفة ...، حديث رقم ٢٤٦٨؛ وأخرجه مسلم ص ٩٣٩، كتاب الطلاق، باب ٤: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية، حديث رقم ٣٦٨١ [٢٢] ١٤٧٥.","vol":"5","page":64},{"text":"ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]\nالتفسير:\nوعلى الوالدات إرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين لمن أراد إتمام الرضاعة، ويجب على الآباء أن يكفُلوا للمرضعات المطلقات طعامهن وكسوتهن، على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا قدر طاقتها، ولا يحل للوالدين أن يجعلوا المولود وسيلة للمضارة بينهما، ويجب على الوارث عند موت الوالد مثل ما يجب على الوالد قبل موته من النفقة والكسوة. فإن أراد الوالدان فطام المولود قبل انتهاء السنتين فلا حرج عليهما إذا تراضيا وتشاورا في ذلك؛ ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود. وإن اتفق الوالدان على إرضاع المولود من مرضعة أخرى غير والدته فلا حرج عليهما، إذا سلَّم الوالد للأم حقَّها، وسلَّم للمرضعة أجرها بما يتعارفه الناس. وخافوا الله في جميع أحوالكم، واعلموا أن الله بما تعملون بصير، وسيجازيكم على ذلك.\nقال الشوكاني: \"لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الرضاع لأن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد ولهذا قيل إن هذا خاص بالمطلقات وقيل هو عام\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: \"واللاتي ولدن من المطلقات\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي: على جميع الوالدات أن يرضعن أولادهن مدى حولين كاملين لا زيادة عليهما\" (٣).\nقال القاسمي: أي: \"أنهن أحق برضاعهم من غيرهم\" (٤).\nقال السدي: \" فالرجل يطلق امرأته وله منها ولد، وأنها ترضع له ولده بما يرضع له غيرها\" (٥)، وروي ونحوه عن الضحاك (٦).\nقال الصابوني: \"أي الواجب على الأمهات أن يرضعن أولادهن\" (٧).\nقال الطبري: \" وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان المولود له ولد، حيا موسرا، لأن الله تعالى ذكره قال في \" سورة النساء القصرى \" ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]، فأخبر تعالى ذكره: أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها\" (٨).\nو(الأولاد) يشمل الذكور، والإناث، كما في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]؛ والجملة خبرية بمعنى الأمر؛ وإتيان الأمر بصيغة الخبر أبلغ من الأمر المحض؛ كأنه حين يأتي بصيغة الخبر أمر مستقر يتحدث عنه (٩)، وقيل \"هو خبر على بابه ليس هو في معنى الأمر على حسب ما سلف في قوله ﴿يتربصن﴾ \" (١٠).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٤٤. وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٦٠.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٤.\n(٣) تفسير المراغي: ٢/ ١٨٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٣١.\n(٥) تفسير الطبري (٤٩٦٧): ص ٥/ ٣٨ ..\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٩٦٨): ص ٥/ ٣٨ - ٣٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/! ٣٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٣١.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٤٣.\n(١٠) فتح القدير: ١/ ٢٤٤.","vol":"5","page":65},{"text":"قال الراغب: \" وذكر جماعة من الفقهاء أن قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ أمر وإن كان لفظه خبرًا، لأنه لو كان خبرًا لم يقع مخبره بخلافه، وهذه قضية إنما تصح في كل خبر لفظه لا يحتمل التخصيص، فأما إذا كان عاما يمكن أن يخصص على وجه يخرج من كونه كذبًا، فادعاء ذلك فيه ليس بواجب، وهذه الآية مما يمكن ذلك فيه، ثم ذلك لو كان أمرا لكان أمرًا للوالدات، وقد علم أن الأم وإن لم تكن مكلفة فهي أحق برضاعها، فإن قيل: فإذا لم يكن أمرا فما وجهه؟\nقيل أخبر الله تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات أحق بإرضاع أولادهن سواء كانت في حبالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية، ولهذا قال ﵇: في الأمر إنها أحق بالولد ما لم تتزوج\" (١).\nثم أكد الله هذين الحولين بقوله تعالى: ﴿كاملين﴾ أي بدون نقص (٢).\nقال الطبري: \"وإنما ذكر ﴿كاملين﴾، لأنه قد يقال: فلان فعل كذا سنتين \" وإن كان ذلك في سنة وبعض الأخرى، وكذا يقال: شهرين ويومين، فأريد إزالة هذه الشبهة، وقال الفقهاء: لما جعل الرضاع حولين وقال في موضع: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، نبه على أن الولد قد يولد لستة أشهر، وفيه تنبيه على لطيفة، وهو أن الولد متى كان زمان حمله وفاصله أقل ثلاثين شهرا أضر ذلك به، فإذا ولد لسبعة أشهر لم يضره أن ينقص رضاعه عن الحولين، وجعل ابن عباس ذلك حكما شرعيًا، وقال: يجب أن يكون الحمل والرضاع هذا القدر\" (٣).\nوالحول السنة، قاله مجاهد (٤)، وفي أصله قولان (٥):\nأحدهما: أنه مأخوذ من قولهم: حال الشيء إذا انقلب عن الوقت الأول ومنه قيل: تحول فلان من مكان كذا، إذا انتقل عنه.\nوالثاني: أنه مأخوذ من التحول عن المكان، وهو الانتقال منه إلى المكان الأول.\nقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي: إِذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه\" (٦).\nقال الراغب: \"أي: هذا التوقيت ليس بفرض، لكن لمن أراد إتمام الرضاعة، وفيه تنبيه أنه لا وفيه تنبيه أنه لا يجوز تجاوز ذلك وأن لا حكم للرضاع بعد الحولين ويقويه ما روي جابر أنه قال ﵇: \" لا رضاع بعد حولين كاملين\" (٧) (٨).\nقال ابن عثيمين: لمن أراد\" أن يأتي بها على وجه التمام؛ فإنها لا تنقص عن حولين\" (٩).\nواختلف أهل التفسير فيما دلت عليه هذه الآية من رضاع حولين كاملين، على قولين (١٠):\nأحدهما: أن ذلك في التي تضع لستة أشهر فإن وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحدًا وعشرين شهرًا، استكمالًا لثلاثين شهرًا، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وهذا قول ابن عباس (١١).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٨١.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٤٣.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٨١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٩٤٨): ص ٥/ ٣١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٢ والنكت والعيون: ١/ ٢٩٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٥.\n(٧) سنن الدارقطني: (٤٢٨٣) /٩: ص ٣/ ٤٠٨. من حديث ابن عباس.\n(٨) ١ تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٣ - ٣٨، والنكث والعيون: ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٠) - (٤٩٥٢): ص ٥/ ٣٤.","vol":"5","page":66},{"text":"والثاني: أن ذلك أمر برضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه أن يرضع حولين كاملين، وهذا قول عطاء (١)، والثوري (٢)، وأحد قولي ابن عباس (٣).\nوالثالث: أن المراد: أنه لا رضاع بعد الحولين، فإن الرضاع إنما هو كان في الحولين. قاله عبدالله ابن مسعود (٤)، وابن عمر، (٥) وابن عباس (٦)، والعلقمة (٧)، والشعبي (٨).\nوالرابع: أن في قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، دلالة من الله تعالى ذكره عباده، على أن فرضا على والدات المولودين أن يرضعنهم حولين كاملين، ثم خفف تعالى ذكره ذلك بقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات، إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين، وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود، كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود. قاله قتادة (٩)، والربيع (١٠).\nوالراجح هو القول الثاني، أما \"الذي روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر: وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في رضاع المولود إذا اختلف والداه في رضاعه، وأن لا رضاع بعد الحولين يحرم شيئا، وأنه معني به كل مولود، لستة أشهر كان ولاده أو لسبعة أو لتسعة\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قراءتان (١٢):\nإحداهما: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، بـ (الياء) في قوله ﴿يتم﴾، ونصب رالرضاعة﴾، بمعنى: لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده. وهي قراءة عامة أهل المدينة والعراق والشام.\nوالثانية: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ تُتِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾، بـ (التاء) في (تتم)، ورفع ﴿الرضاعة﴾ بصفتها. وهي قراءة بعض أهل الحجاز.\nوالصواب هو قراءة من قرأ ب - (الياء) في (يتم) ونصب ﴿الرضاعة﴾، \"لأن الله تعالى ذكره قال: \" والوالدات يرضعن أولادهن \"، فكذلك هن يتممنها إذا أردن هن والمولود له إتمامها وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة، دون القراءة الأخرى\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي: على والد الطفل نفقة أمّه المطلقة مدّة الإرضاع\" (١٤).\nقال القاسمي: \" أي: طعامهنّ ولباسهنّ\" (١٥).\nقال سفيان: \"على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف\" (١٦). وروي نحوه عن الربيع (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٤): ص ٥/ ٣٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٥): ص ٥/ ٣٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٣): ص ٥/ ٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٣): ص ٥/ ٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٦): ص ٥/ ٣٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٦): ص ٥/ ٣٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٩٥٩): ص ٥/ ٣٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٩٦٠): ص ٥/ ٣٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٩٦٥): ص ٥/ ٣٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٩٦٦): ص ٥/ ٣٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٢ - ٤٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣.\n(١٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٤.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٤.\n(١٦) تفسير الطبري (٤٩٧١): ص ٥/ ٤٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٩٧٢): ص ٥/ ٤٤.","vol":"5","page":67},{"text":"قال القرطبي: \" في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط\" (١).\nقال الطبري: \" ويعني بـ (الرزق): ما يقوتهن من طعام، وما لا بد لهن من غذاء ومطعم، و﴿كسوتهن﴾، ويعني: بـ (الكسوة): الملبس\" (٢).\nقال ابن عاشور: \" والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجرا عن إرضاعها، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم، وعقبه بقوله: لا تكلف نفس إلا وسعها\" (٣).\nثم ذكر أهل العلم في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجهين (٤):\nأحدهما: أن ذلك في الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها فلها رزقها من الغذاء، وكسوتها من اللباس، ومعنى بالمعروف أجرة المثل، وهذا قول الضحاك (٥).\nوالثاني: أنه يعني به الأم ذات النكاح، لها نفقتها وكسوتها بالمعروف في مثلها، على مثله من يسار، وإعسار.\nقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي \"بما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب\" (٦).\nقال القاسمي: \" وهو قدر الميسرة كما فسّره قوله تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها﴾، يعني طاقتها\" (٧).\nقال الضحاك: \"إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا، فتراضيا على أن ترضع حولين كاملين، فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة، لا نكلف نفسا إلا وسعها\" (٨).\nقال الطبري: \" فأمر كلا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته، كما قال تعالى ذكره: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [سورة الطلاق: ٧] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي: لا تلزم نفس إلا بما تتسع له قدرتها بحيث لا ينتهى إلى الضيق\" (١٠).\nقال الطبري: \"لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \"يقول لا يكلف الله نفسا في نفقة المراضع إلا ما أطاقت\" (١٢). وروي عن أبي مالك وقتادة، ومقاتل بن حيان والثوري، نحو ذلك (١٣).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٦٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣ - ٤٤.\n(٣) التحرير والتنوير: ٢/ ٤٣٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٠٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٩٧٩): ص ٥/ ٤٤.\n(٦) التحرير والتنوير: ٢/ ٤٣٢.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٤.\n(٨) تفسير الطبري (٤٩٧٠): ص ٥/ ٤٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٤٤.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٧٦): ص ٢/ ٤٣٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٣٠.","vol":"5","page":68},{"text":"قال سفيان: \" إلا ما أطاقت\" (١).\nقال النسفي: أي: \"وجدها أو قدر إمكانها\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي تكون النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلّف نفسًا إِلا وسعها\" (٣).\nقال البيضاوي: \" تعليل لإيجاب المؤمن والتقييد بالمعروف، ودليل على أنه ﷾ لا يكلف العبد بما لا يطيقه وذلك لا يمنع إمكانه\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه وقيل المراد لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الاجرة ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"التكليف معناه إلزام ما فيه مشقة؛ أي لا يلزم الله ﷿ نفسًا إلا ما تقدر عليه\" (٦)، والوسع، بتثليث الواو: الطاقة، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء، وهو ضد ضاق عنه، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول، وأصله استعارة .. فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملا ذا مشقة باتساع الظرف للمحوى، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلا عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة (٧).\nقال القاسمي: \" والمعنى: أنّ أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته، ولا يبلغ إسراف القدرة\" (٨).\nقال صاحب الكشاف: \" وقرئ (لا تكلف) بفتح التاء و(لا نكلف) بالنون\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لا تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي لا تمتنع الأم من إرضاعه إضرارًا بالأب، ولا ينزع الأب الولد من أمه إضرارًا بها\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي: لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما ليس في وسعه، ولا يضاره بسبب الولد\" (١١).\nقال الثعلبي: \" فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه بعد ما عرفها تضارّه بذلك\" (١٢).\nقال القاسمي: \" أي: يأخذ ولدها منها بعد رضاها بإرضاعه ورغبتها في إمساكه وشدة محبتها له، ولا الأب بطرح الولد عليه\" (١٣).\nقال الصابوني: \" أي: لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا في تعهده ويقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارَّ أحدهما الآخر بسبب الولد فترفض الأم إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، وينتزع الأب الولد منها إِضرارًا بها مع رغبتها في إِرضاعه ليغيط أحدهما صاحبه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٤٩٧٣): ص ٥/ ٤٥.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ١٢٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٤.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٤٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٤٤.\n(٧) انظر: التحرير والتنوير: ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٤.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٢٧٩.\n(١٠) النكت والعيون: ٣٠٠.\n(١١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٤.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨٢.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٤.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٥ - ١٣٦.","vol":"5","page":69},{"text":"قال الزمخشري: أي: \"لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبى: اطلب له ظئرًا، وما أشبه ذلك ولا يضارّ مولود له امرأته بسبب ولده، بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها ولا يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، ولا يكرهها على الإرضاع. وكذلك إذا كان مبنيًا للمفعول فهو نهى عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق بها الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد: ويجوز أن يكون (تُضَارَّ) بمعنى تضر، وأن تكون الباء من صلته، أى لا تضرّ والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه وتعهده، ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها. ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد\" (١).\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿لا تُضَارَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على وجوه (٢):\nأحدها: ﴿لا تُضَارُّ﴾، بالرفع على الإخبار، قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي، وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول، وأن يكون الأصل: تضارر بكسر الراء، وتضارر بفتحها.\nوالثاني: رلا تُضَارَّ﴾، بالفتح. قراءة الجمهور.\nوالثالث: ﴿لا تُضَارِّ﴾، بالكسر على النهى، قرأ بها الحسن،\nقال الرازي: \"وهو جائز في اللغة\" (٣)، وهو محتمل للبناءين أيضًا.\nويبين ذلك أنه قرئ ﴿لا تضارَرْ﴾، و﴿لا تضارِرْ﴾، بالجزم وفتح (الراء) الأولى وكسرها.\nوالرابع: ﴿لا تضارّْ﴾، بالسكون مع التشديد على نية الوقف. قراءة أبي جعفر.\nوالخامس: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، قرأ بها الأعرج، وهو من ضاره يصيره. ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر، أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونا.\nوالسادس: وعن كاتب عمر بن الخطاب: ﴿لا تضرر﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي وعلى الوارث مثلُ ما على والد الطفل من الإِنفاق على الأم والقيام بحقوقها وعدم الإِضرار بها\" (٤).\nواختلف أهل التفسير في ﴿الْوَارِثِ﴾ الذي عناه الله تعالى، فذكروا فيه وجوها (٥):\nأحدها: أن الوارث هو المولود نفسه، وهذا قول قبيصة بن ذؤيب (٦) (٧)، وبشير بن نصر المزني (٨)، والضحاك (٩).\nومعنى الآية على هذا الوجه: وعلى الوارث المولود، مثل ما كان على المولود له.\nوالثاني: أنه الباقي من والدي بعد وفاة الآخر منهما، وهو قول سفيان (١٠).\nوالثالث: أنه وارث الولد، وهذا قول الحسن (١١)، والسدي (١٢)، وقتادة (١٣).\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٨٠.\n(٢) انظر: السبعة: ١٨٣، وتفسير الكشاف: ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٤ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٩٩، ومفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٦) هو: أبو سعيد قبيصة بن ذؤيب بن حَلْحَلَة الخزاعي المدني الوزير من أولاد الصحابة، له رؤية، إمام كبير، فقيه محدث، توفي عام: ٨٦ هـ، وقيل: بعدها. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٤/ ٢٨٢، الإصابة لابن حجر: ٣/ ٢٥٤، تهذيب التهذيب لابن حجر: ٣/ ١٥٤، طبقات الحفاظ للسيوطي: ٢١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٦): ص ٥/ ٥٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٥): ص ٥/ ٥٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٨): ص ٥/ ٥٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٩): ص ٥/ ٥٩ - ٦٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٢٩٠): ص ٢/ ٤٣٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٩٨٧): ص ٥/ ٥٤ - ٥٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٩٨٦): ص ٥/ ٥٤.","vol":"5","page":70},{"text":"ومعنى الآية: وعلى وارث الصبي إذا كان أبوه ميتا، مثل الذي كان على أبيه في حياته.\nواعترض عليه ابن حجر قائلا: \" وأما قول الحسن ومن تابعه فتعقب بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فلما وجب على الأب الإِنفاق على من يرضع ولده ليغذي ويربي، فكذلك يجب عليه إذا فطم فيغذيه بالطعام كما يغذيه بالرضاع مادام صغيرًا، ولو وجب مثل ذلك على الوارث لوجب إذا مات عن الحامل أنه يلزم العصبة بالإِنفاق عليها لأجل ما في بطنها، وكذا يلزم الحنفية إلزام كل ذي رحم محرم (١).\nثم اختلف قائلوا هذه المقالة (٢) في وارث المولود، الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف، فذكروا أربعة أقاويل (٣):\nأحدها: أن وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتًا سواء كان عمًا أو أخًا أو ابن أخ أو ابن عم دون النساء من الورثة، وهذا قول عمر بن الخطاب (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعبدالله بن عتبة (٧)، وإبراهيم (٨)، وعطاء (٩)، والضحاك (١٠).\nوالثاني: أن ورثته من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (١١)، وأحمد وإسحاق (١٢).\nوالثالث: أنهم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم (١٣)، كابن العم والمولى ومن أشبههما، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (١٤).\n_________\n(١) استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين-كما أفاد ذلك الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٤٢٩ - إذ تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات فاحتمل في الوارث أن يكون مضافًا إلى واحدٍ من هؤلاء، والعلماء لم يَدَعُوا وجهًا يمكن القول به إلا وقال به بعضهم. انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٣١، ولذا وصلت الأقوال في قول الله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثْ) إلى عشرة كما في البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢١٧، وانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٣ - ٦٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨ - ١٧١، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦. والأظهر-والله أعلم-أن المراد بالوارث: وارث الأب؛ لأنه الوارث على الحقيقة، أما وارث الصبي أو الوالدة فليسا بوارثين إلا على سبيل المجاز، لأن الصبي والوالدة حيين وحمل الكلام على الحقيقة أولى. والأظهر أيضًا-والله أعلم-أنها تجب على كل وارث على مقدار إرثه سواء أكان إرثه بفرض أم تعصيب أم برحم، للعموم في الآية وعدم التقييد فيها بمحرم أو بغير محرم، وأيضًا ليكون الغرم بمقدار الغنم. وهذا القول هو اختيار ابن أبي ليلى وابن تيمية ود. زيدان، ولكن ينبغي أن يكون هذا الوجوب بشروط أهمها: أن يكون المنفق عليه معسرًا غير قادر على الكسب حقيقة أو حكمًا، وأن يكون من تجب عليه النفقة واجدًا لنفقة نفسه ومن هو أقرب إليه منه. انظر: المبسوط للسرخسي: ٥/ ٢٢٣، كشاف القناع للبهوتي: ٣/ ٣١٤، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٦، المفصل في أحكام المرأة لـ د. عبد الكريم زيدان: ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٦.\n(٢) وهو قول: قول الحسن، والسدي، وقتادة.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٥ - ٦٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٩٨٩): ص ٥/ ٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٧) - (٤٩٩٩): ص ٥/ ٥٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٠): ص ٥/ ٥٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٥): ص ٥/ ٥٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٦): ص ٥/ ٥٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٠): ص ٥/ ٥٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠١): ص ٥/ ٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٢): ص ٥/ ٥٧ - ٥٨.\n(١٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٧ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٣ أ. زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨.\n(١٣) المقصود بـ (ذي رحم محرم): من لا يحل النكاح فيما بينه وبين من تجمعهما هذه القرابة المحرمية كالأعمام والعمات والأخوال والخالات، ولابد أن تكون المحرمية بجهة القرابة، فإن لم تكن بجهة القرابة كما لو كانت بجهة الرضاع كالأخ من الرضاع، فلا نفقة له. انظر: حاشية ابن عابدين: ٣/ ٦٢٧، المفصل في أحكام المرأة لعبد الكريم زيدان: ١٠/ ١٩٨.\n(١٤) نظر قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٨، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٧ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٣ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٣١، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢١٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٥٥، المبسوط للسرخسي: ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤، حاشية ابن عابدين: ٣/ ٦٢٧، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٣، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٢٠، فتح القدير لابن الهمام: ٤/ ٤١٩، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٨٣، تبيين الحقائق للزيلعي: ٣/ ٦٤، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٦ - ٦٧، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨، روح المعاني للألوسي: ٢/ ١٤٧، وغيرها.","vol":"5","page":71},{"text":"اعترض علي هذا القول ابن حجر، قائلا: \"وأما قول الحنفية فيلزم منه أن النفقة تجب على الخال لابن أخته، ولا تجب على العم لابن أخيه (١)، وهو تفصيل لا دلالة عليه من الكتاب ولا السنة ولا القياس، قاله إسماعيل القاضي (٢) (٣) \" (٤).\nوالثالث: أنهم الأجداد ثم الأمهات، وهذا قول الشافعي.\nوالراجح هو القول الأول، وهو قول قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم؛ ومن قال بقولهم، من أنه معني بالوارث: المولود وفي قوله: ﴿مثل ذلك﴾، أن يكون معنيا به: مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف، إن كانت من أهل الحاجة، ومن هي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فيها، ولا زوج لها تستغني به، وإن كانت من أهل الغنى والصحة، فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعه (٥) (٦).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أقوال (٧):\n_________\n(١) الأظهر أن الجملة: ولا تجب على ابن العم لابن عمه، أي: الوارث؛ لأن العم ذو رحم محرم لابن أخيه. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٨ - ٦٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢١٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨، حاشية ابن عابدين: ٣/ ٦٢٧.\n(٢) هو: أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري الجهضمي المالكي، قاضي بغداد، شيخ الإسلام، إمام حافظ، فقيه مفسر، كان شديدًا على أهل البدع، توفي عام: ٢٨٢ هـ، له تصانيف شهيرة منها: أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله، ومعاني القرآن وإعرابه، وكتاب في القراءات. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٣/ ٣٣٩، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٠٦، طبقات المفسرين للأدنه وي: ٤١.\n(٣) في كتابه معاني القرآن، كما أفاد ذلك القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٦٨، ونقْل الحافظ عنه هنا بتصرف.\n(٤) الفتح: ٩/ ٤٢٥.\n(٥) وهو اختيار الطبري، انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٦٥ - ٦٦. وعلّل اختياره بقوله: \" وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب مما عداه من سائر التأويلات التي ذكرناها، لأنه غير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله تعالى ذكره قول إلا بحجة واضحة، على ما قد بينا في أول كتابنا هذا، وإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: \" وعلى الوارث مثل ذلك \"، محتملا ظاهره: وعلى وارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له ومحتملا وعلى وارث المولود له مثل الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود، وغير ذلك من التأويلات، على نحو ما قد قدمنا ذكرها وكان الجميع من الحجة قد أجمعوا على أن من ورثة المولود من لا شيء عليه من نفقته وأجر رضاعه، وصح بذلك من الدلالة على أن سائر ورثته، غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قبل أبيه أو أمه، في حكمه، في أنهم لا يلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع، إذ كان مولى النعمة من ورثته، وهو ممن لا يلزمه له نفقة ولا أجر رضاع. فوجب بإجماعهم على ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثني حكمه، وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا - من أنه معني به ورثة المولود - فبطول القول الآخر وهو أنه معني به ورثة المولود له سوى المولود أحرى. لأن الذي هو أقرب بالمولود قرابة ممن هو أبعد منه إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه، فالذي هو أبعد منه قرابة، أحرى أن لا يصح وجوب ذلك عليه\".\n(٦) قال ابن حجر: \"وسبب الاختلاف: حمل المثلية في قوله: (مِثلُ ذَلِك) على جميع ما تقدم أو على بعضه، والذي تقدم الإِرضاع والإِنفاق والكسوة وعدم الإِضرار، قال ابن العربي: \"قالت طائفة: لا يرجع الجميع بل إلى الأخير وهذا هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع إلى الجميع فعليه الدليل؛ لأن الإِشارة بالإِفراد، وأقرب مذكور هو عدم الإِضرار فرجح الحمل عليه\". [أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥ والنقل عنه بتصرف، وقد صحح هذا القول القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٧٠ وتعقبه الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٦٦ فقال: \" ... فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه\"].\nوبن العربي: هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، إمام حافظ، فقيه مفسر، توفي عام: ٥٤٣ هـ. له تصانيف بديعة منها: أحكام القرآن وعارضة الأحوذي وقانون التأويل وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٢٠/ ١٩٧، الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٥٩٠، طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ١٦٢، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف: ١/ ١٣٦.\n() أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥ والنقل عنه بتصرف، وقد صحح هذا القول القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٧٠ وتعقبه الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٦٦ فقال: (... فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه).\n(٧) اظر: تفسير الطبري: ٥/ ٦٠ - ٦٦.","vol":"5","page":72},{"text":"أحدها: أن على الوارث مثل ما كان على والده من أجرة رضاعته ونفقته، وهو قول الحسن (١)، وابن عباس (٢)، وقتادة (٣)، وإبراهيم (٤)، وعبدالله بن عتبة (٥)، والشعبي (٦)، ومجاهد (٧).\nوالثاني: أن على الوارث مثل ذلك في ألاَّ تضار والدة بولدها، وهذا قول ابن عباس (٨)، والشعبي (٩) والضحاك (١٠)، والزهري (١١)، ومجاهد (١٢) والجمهور (١٣).\nالثالث: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: وعلى وارث المولود، مثل الذي كان على المولود له، من رزق والدته وكسوتها بالمعروف. قاله الضحاك (١٤)، والسدي (١٥) وآخرون (١٦).\nالرابع: أن معنى ذلك: وعلى الوارث مثل ما ذكره الله تعالى ذكره. وهو قول عطاء (١٧).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: \"فإن أراد والد المولود ووالدته فصال ولدهما من اللبن\" (١٨).\nقال السدي: \" يقول: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين\" (١٩)، وروي ونحوه عن ابن عباس (٢٠)، والضحاك (٢١).\nقوله تعالى: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: \"بتراضي الأب والأم وبمشاورتهما\" (٢٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٢٤): ص ٥/ ٦٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٠٢٩): ص ٥/ ٦٢ - ٦٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٠): ص ٥/ ٦٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٠١٠) - (٥٠١٣): ص ٥/ ٦٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٠١٤): ص ٥/ ٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٠١٩): ص ٥/ ٦١\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٠٢٦): ص ٥/ ٦٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٣): ص ٥/ ٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٢٩١): ص ٢/ ٤٣٣، والسنن الكبرى للبيهقي: ٧/ ٤٧٨، المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ١٦٧، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٣، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢١٨، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٤، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٥١٤ وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٩) تفسير الطبري (٥٠٣٤): ص ٥/ ٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٢٩١): ص ٢/ ٤٣٣، والكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٨ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٣ أ، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢١٨، الناسخ والمنسوخ له أيضًا: ٢/ ٦٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٢، وغيرهم.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٣): ص ٥/ ٦٣\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٦): ص ٥/ ٦٤\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٥): ص ٥/ ٦٣، والسنن الكبرى للبيهقي: ٧/ ٤٧٨، وتفسير وتفسير ابن أبي حاتم (٢٢٩١): ص ٢/ ٤٣٣، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٢، وغيرهم.\n(١٣) هو أيضًا قول الزهري والضحاك، واختيار الزجاج وابن العربي والقرطبي، ونسبه ابن عطية لمالك وجميع أصحابه وجماعة من العلماء. انظر: المدونة لسحنون: ٢/ ٢٦٦، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣١٣، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢١٨، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٨ أ، جامع البيان للطبري: ٥/ ٦٣ - ٦٤ رقم: ٥٠٣٣ - ٥٠٣٦، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٠١، المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ١٦٧، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٣، البسيط للوا حدي: ١/ ١٤٣ أ، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢١٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٧٠، وغيرها.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٨): ص ٥/ ٦٤\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٠٣٩): ص ٤/ ٦٤ - ٦٥.\n(١٦) انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٦١ - ٦٣، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٧٩٨ - ٨٠٠، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢١٨، المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ١٦٦ - ١٦٧، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٧ ب و١١٨ أ، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٥، وغيرها.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٠): ص ٥/ ٦٥.\n(١٨) تفسير الطبري: ٥/ ٦٧.\n(١٩) تفسير الطبري (٥٠٤١): ص ٥/ ٦٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٢): ص ٥/ ٦٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٣): ص ٥/ ٦٧.\n(٢٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٥.","vol":"5","page":73},{"text":"قال مجاهد: \"غير مسيئين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما ﴿فلا جناح عليهما﴾ \" (١).\nقال الطبري: \"عن تراض منهما وتشاور فيما فيه مصلحة المولود لفطمه\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي صادرا عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي فإِذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: \" فلا إِثم عليهما\" (٥)، \"إن لم يرضعا ولدهما سنتين\" (٦).\nقال الماوردي: \" والفصال: الفصام، سمي فصالًا لانفصال المولود عن ثدي أمه، من قولهم قد فاصل فلان فلانًا إذا فارقه من خلطة كانت بينهما. والتشاور: استخراج الرأي بالمشاورة (٧).\nوفي زمان هذا الفِصال عن تراض قولان (٨):\nأحدهما: أنه قبل الحولين إذا تراضى الوالدان بفطام المولود فيه جاز، وإن رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجز، وهذا قول مجاهد (٩)، وقتادة (١٠)، والزهري (١١)، والسدي (١٢)، وسفيان (١٣) وابن زيد (١٤).\nوالقول الثاني: أنه قبل الحولين وبعده، وهذا قول ابن عباس (١٥).\nوالراجح هو القول الأول، يعني: فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، لأن تمام الحولين غاية لتمام الرضاع وانقضائه، ولا تشاور بعد انقضائه، وإنما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته. وهو اختيار الإام الطبري (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُم﴾ [البقرة: ٢٣٣]، \" أي: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم المراضع الأجنبيات\" (١٧).\nقال مجاهد: خيفة الضيعة على الصبي\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٥٠٥٣): ص ٥/ ٦٩ - ٧٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٦٩.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٤٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٥.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٣٠١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٦٧ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٠١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٦): ص ٥/ ٦٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٥): ص ٥/ ٦٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٩): ص ٥/ ٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٠٤٤): ص ٥/ ٦٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٠٥٠): ص ٥/ ٦٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٠٥١): ص ٥/ ٦٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٠٥٢): ص ٥/ ٦٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٧٠. وقال بعد ترجيحه القول الأول: \"فإن ظن ذو غفلة أن للتشاور بعد انقضاء الحولين معنى صحيحا إذ كان من الصبيان من تكون به علة يحتاج من أجلها إلى تركه والاغتذاء بلبن أمه فإن ذلك إذا كان كذلك، فإنما هو علاج، كالعلاج بشرب بعض الأدوية، لا رضاع، فأما الرضاع الذي يكون في الفصال منه قبل انقضاء آخره تراض وتشاور من والدي الطفل الذي أسقط الله تعالى ذكره لفطمهما إياه الجناح عنهما، قبل انقضاء آخر مدته، فإنما حده الحد الذي حده الله تعالى ذكره بقوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، على ما قد أتينا على البيان عنه فيما مضى قبل\".\n(١٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٢.\n(١٨) تفسير الطبري (٥٠٥٦): ص ٥/ ٧١.","vol":"5","page":74},{"text":"قال السدي: \" إن قالت المرأة: \" لا طاقة لي به فقد ذهب لبني \" فتُسترْضَع له أخرى\" (١).\nقال القاسمي: \" يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها أو إرادتها أن تتزوج\" (٢).\nقال البغوي: أي: إذا اردتم ان تسترضعوا\" لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع لبن أو أردن النكاح\" (٣).\nقال الشنقيطي: \" ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك إذا سلم الأجرة المعينة في العقد ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك ولكنه بينه في سورة (الطلاق) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ل [الطلاق: ٦] والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به\" (٤).\nقال الشوكاني: \" قال الزجاج التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة وعن سبيويه أنه حذف اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين والمفعول الأول محذوف والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يعني: \"فلا إثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر\" (٦).\nقال الطبري: \"الجناح: فالحرج\" (٧)، وأخرج بسنده عن ابن عباس: \" ﴿فلا جناح عليهما﴾، فلا حرج عليهما\" (٨).\nقال القاسمي: يعني إذا\" سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور. والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع، والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع\" (٩).\nوقوله تعالى ﴿ما آتيتم﴾ بالمد، أي: أعطيتم، وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير، فإنه قرأ بالقصر أي: فعلتم، ومنه قول زهير (١٠):\nوما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل (١١)\nوفي قوله تعالى: ﴿إذا سَلَّمْتُم مَّا آتَيتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، للعلماء فيه ثلاثة تأويلات (١٢):\nأحدها: إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، وهذا قول مجاهد (١٣)، والسدي (١٤)، ونقله الربيع عن عطاء (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٥٠٥٩): ص ٥/ ٧٢.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٥.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٧٩.\n(٤) أضواء البيان: ١/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٤٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٧٠.\n(٨) تفسير الطبري (٥٠٥٥): ص ٥/ ٧١.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٥.\n(١٠) ديوانه: ١١٥، وانظر: فتح القدير: ١/ ٢٤٦، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٣٥، والبحر المحيط: ٢/ ٢١٨.\n(١١) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٤٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٧٢ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٠١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٠٦٣): ص ٥/ ٧٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٠٦٥): ص ٥/ ٧٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٠٦٦): ص ٥/ ٧٣.","vol":"5","page":75},{"text":"والثاني: إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان في إرضاعه، وهذا قول قتادة (١)، والزهري (٢) والربيع (٣).\nوالثالث: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء أم المرضع، من الأجرة، بالمعروف. قاله سفيان (٤).\nوالراجح من التفسير هو \"وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم إلى تمام رضاعهن، ولم تتفقوا أنتم ووالدتهم على فصالهم، ولم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح عليكم أن تسترضعوهم ظؤورة، إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهن أو لغير علة إذا سلمتم إلى أمهاتهم وإلى المسترضعة الآخرة حقوقهن التي آتيتموهن بالمعروف، يعني بذلك المعنى: الذي أوجبه الله لهن عليكم، وهو أن يوفيهن أجورهن على ما فارقهن عليه، في حال الاسترضاع، ووقت عقد الإجارة.\nوهذا هو المعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه على بعضه مجاهد والسدي ومن قال بقولهم في ذلك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: \"اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره\" (٦).\nقال المراغي: \" أي واخشوا الله فلا تفرطوا في شاء من هذه الأحكام مع توخّى الحكمة فيها\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، واعلموا أن الله \" لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها\" (٨).\nقال القاسمي: \" فيه من الوعيد والتحذير عن مخالفة أحكامه ما لا يخفى\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي راقبوا الله في جميع أفعالكم فإِنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم\" (١٠).\nقال المراغي: \" واعلموا أن الله بصير بأعمالكم فهو يجازيكم عليها، فإذا قمتم بحقوق الأطفال بتراض وتشاور واجتنبتم المضارّة كان الأولاد قرة أعين لكم في الدنيا وسبب المثوبة في الآخرة، وإن أنتم اتبعتم أهواءكم وعمل كل منكم على مضارة الآخر كان الأولاد بلاء وفتنة لكم في الدنيا واستحققتم عذاب الله في الآخرة، فما أشد هذا التهديد والوعيد على ترك العناية بالأطفال ومضارة كل من الوالدين للآخر من أجل أولادهما، فليعتبر بذلك المسلمون ولا يجعلوا تربية الأولاد موكولة إلى المصادفة، والعناية بها دون العناية بسلعة التاجر، وأدوات الصانع، وماشية الزارع، وما أبعد المسلمين اليوم عن اتباع مناهج دينهم واتباع وصاياه، ولله الأمر من قبل ومن بعد\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب الإرضاع على الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٦٧): ص ٥/ ٧٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٠٦٨): ص ٥/ ٧٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٠٦٩): ٥/ ٧٣ - ٧٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٠٧٠): ص ٥/ ٧٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٧٤.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٤٦.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٢.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٢٦.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٢.","vol":"5","page":76},{"text":"٢ - ومنها: أن الله ﷿ أرحم بخلقه من الوالدة بولدها؛ لأنه أمرها أن ترضع مع أن فطرتها، وما جبلت عليه تستلزم الإرضاع؛ وهذا؛ لأن رحمة الله أعظم من رحمة الأم بولدها؛ ومثله قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]؛ فلأن الله أرحم بأولادنا منا أوصانا فيهم.\n٣ - ومنها: أن الرضاع التام يكون حولين كاملين؛ لقوله تعالى: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة\n٤ - ومنها: توكيد اللفظ لينتفي احتمال النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كاملين﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]: فأكدها بـ ﴿كاملة﴾؛ لئلا يتوهم واهم في تلك العشرة الكاملة أن تفريق الثلاثة والسبعة يقتضي أن يكون كل عدد منفردًا عن الآخر.\n٥ - ومنها: أنه ينبغي استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه على الشيء؛ لقوله تعالى: ﴿يرضعن أولادهن حيث أضاف الأولاد إلى المرضعات.\n٦ - ومنها: أنه يجوز النقص عن الحولين؛ لكن ذلك بالتشاور، والتراضي؛ لقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لكن يجب أن نعلم أن الإتمام تارة يكون واجبًا إذا ترتب على تركه إخلال بواجب، كقوله -ﷺ-: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (١)؛ وتارة يكون من باب الكمال، كما في هذه الآية: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما ...﴾ إلخ؛ ولو كان الإتمام إتمام واجب لم يكن فيه خيار؛ فإن قيل: هل تجوز الزيادة على الحولين؟\nفالجواب: أنه ينظر في حال الطفل إن بقي محتاجًا إلى اللبن زيد بقدره؛ وإن لم يكن محتاجًا فقد انتهت مدة رضاعته؛ وقوله تعالى: ﴿الرضاعة﴾ هي اسم مصدر بمعنى الإرضاع الذي يحتاجه الطفل.\n٧ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية في قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، وقدرته، واختياره، ويقولون: «الإنسان ليس له إرادة، ولا قدرة؛ إنما هو مجبر على عمله»؛ فلا يرون فرقًا بين الذي يتحرك ارتعاشًا، والذي يتحرك اختيارًا.\n٨ - ومنها: أن الولد هبة للوالد؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾؛ فبعض العلماء استنبط أن هذه الآية تدل على أن الوالد موهوب له؛ وعلى كل حال هذا شبيه بقول النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك» (٢).\n٩ - ومنها: أنه قد يكون للشيء الواحد سببان؛ فالرزق، والكسوة هنا لهما سببان، كفقير غارم؛ وإذا تخلف أحد السببين بقي حكم السبب الآخر؛ فلو فرض أن امرأة ناشز لا تطيع زوجها فيما يجب عليها، وهي ترضع ولده كان لها الرزق، والكسوة لا بالزوجية - لأنها ناشز - ولكن بالرضاعة.\nفإن قيل: إذا كان سبب الرزق، والكسوة الزوجية أصبح الرضاع عديم التأثير.\nقلنا: لا؛ لأننا إذا قلنا: إن تخلف الإنفاق بالزوجية، وجب بالرضاع - هذه واحدة؛ ثانيًا: أنه ربما يترتب لها من الطعام والكسوة إذا كانت ترضع ما لا يترتب لو كانت لا ترضع؛ فالمرضع ربما تحتاج إلى غسل ثيابها دائمًا من الرضاعة، وتحتاج إلى زيادة طعام، وشراب.\n١٠ - ومن فوائد الآية: اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهذا ما لم يخالف الشرع؛ فإن خالفه رد إلى الشرع.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥١: كتاب الأذان، باب ٢٠: قول الرجل فاتتنا الصلاة، حديث رقم ٦٣٥، وأخرجه مسلم ص ٧٧١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٢٨: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ...، حديث رقم ١٣٥٩ [١٥١] ٦٠٢.\n(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٠٤، حديث رقم ٦٩٠٢، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٤، كتاب التجارات، باب ٦٤، ما للوالد من مال ولده، حديث رقم ٢٢٩١.","vol":"5","page":77},{"text":"١١ - ومنها: أنه يجب على المولود له رزقهن، وكسوتهن بالمعروف؛ فيرجع إلى العرف في نوع الرزق، وكميته، وكيفيته؛ وكذلك الكسوة.\n١٢ - ومنها: وجوب الإنفاق على المولود له من زوج، أو غيره للمرضع؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائنًا منه؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية، والإرضاع؛ وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد - وهو الإرضاع؛ ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان - كما سبق - كما في الزوج يكون ابن عم، فيرث بالزوجية، والقرابة.\n١٣ - ومنها: أن المعتبر حال الزوجة؛ لا حال الزوج؛ فيرجع تقدير الرزق والكسوة إلى حال الزوجة، فكأنه قال: الرزق الذي يصلح لمثلها، والكسوة التي تصلح لمثلها؛ وعلى هذا فإذا كان الزوج فقيرًا وهي غنية يُلزَم بنفقة غني، وكسوة غني؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المعتبر حال الزوج، واستدل بقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]؛ وأجيب عن الآية بأن المراد: رزقهن من أمثالكم، وكسوتهن من أمثالكم؛ وبهذا تجتمع الآيتان؛ وقال بعض أهل العلم: بل نعمل بالآيتين جميعًا، فنقول: المعتبر حال الزوج، والزوجة جميعًا: إن كانا موسرين فنفقة الموسر؛ وإن كانا معسرين فنفقة المعسر؛ وإن كان أحدهما فقيرًا، والآخر غنيًا فنفقة المتوسط؛ والراجح أن المعتبر حال الزوج - وهو مذهب الشافعي -.\n١٤ - - قال القرطبي: \"في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم، فهي في الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح، وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز، خير بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية (١).\n١٥ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷿ لا يكلف نفسًا ما لا تطيق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها، أي طاقتها.\nويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله ﷿ بعباده، وأن الله ﷾ لا يكلفهم إلا ما يطيقون.\n١٦ - ومن فوائد الآية: تحريم المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾؛ وقال النبي ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٢)، وقال ﷺ: \"من ضار ضار الله به\" (٣)؛ ولا فرق بين أن تكون المضارة من الوالدة للمولود له، أو بالعكس؛ لأن الآية تحتمل هذا، وهذا.\n١٧ - ومنها: وجوب النفقة للمولود على الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾؛ وإيجاب النفقة للمرضع من أجل الرضيع دليل على وجوب الإنفاق على الرضيع نفسه.\n١٨ - ومنها: أنه يجوز للأم أن تفطم الولد قبل تمام الحولين؛ لكن بشرط التراضي، والتشاور؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١٦٤.\n(٢) أخرجه أحمد ١/ ٣١٣، حديث رقم ٢٨٦٧ من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٧، كتاب الأحكام، باب ١٧: من بني في حقه ما يضر جاره، حديث رقم ٢٣٤٠؛ وأخرجه مالك في الموطأ مرسلًا ٢/ ٥٧١، كتاب الأقضية، باب ٢٦، القضاء في المرفق، وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي سعيد الخدري ٢/ ٥٧ - ٥٨، وقال حديث صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٤٣، حديث رقم ٢٥٠، صحيح.\n(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٣، حديث ١٥٨٤٧، وأخرجه الترمذي ص ١٨٤٧، كتاب البر والصلة، باب ٢٧: ما جاء في الخيانة والغش، حديث رقم ١٩٤٠؛ وأخرجه أبو داود ص ١٤٩٢، كتاب القضاء باب ٣١: في القضاء، حديث رقم ٣٦٣٥، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٧، كتاب الأحكام، باب ١٧: من بنى في حقه ما يضر جاره، حديث رقم ٢٣٤٢، قال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٤٠٤: حسن.","vol":"5","page":78},{"text":"١٩ - ومنها: عناية الله ﷿ بالرضَّع؛ لأنه لم يبح فطامهم قبل الحولين إلا بعد التراضي بين الوالدة، والمولود له، والتشاور.\n٢٠ - ومنها: أنه لا يكفي المراضاة بين الزوجين في الفطام؛ بل لا بد أن يكون هذا بعد التشاور، والمراجعة في الأمر حتى إذا تبينت مصلحة الطفل جاز ذلك.\n٢١ - ومنها: جواز استرضاع الإنسان لولده المراضع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾؛ ولو أن الأم طلبت أن ترضعه، وقال الأب: ترضعه غيرها أجبر الأب على موافقة الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾؛ فبدأ بـ ﴿الوالدات﴾؛ لأن الأم أشفق، ولبنها لطفلها أطيب؛ ولأن ذلك أدعى إلى التعاطف بين الأم، وولدها.\nفإن قيل: لو طلبت عليه أجرة أكثر من غيرها فهل يلزمه إجابتها؟\nفالجواب: إن كانت الزيادة يسيرة وجبت إجابتها؛ وإن كانت كثيرة لم تلزم إجابتها.\nفإن قيل: هل للأم أن تطلب الأجرة إذا كانت مع المولود له؟\nفالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم؛ والراجح أنه ليس لها ذلك اكتفاءً بإنفاق الزوج عليها بالزوجية.\n٢٢ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان تسليم العوض بالمعروف - أي بدون مماطلة، وبدون نقص -؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾.\n٢٣ - ومنها: أنه لا يجب للأجير إلا ما اتفق عليه في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم﴾؛ فلو أن المستأجر طلب منه أن يزيد في الأجرة فإنه لا يلزمه؛ حتى ولو زادت المؤن فلا يلزمه شيء سوى ما اتفقا عليه.\n٢٤ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n٢٥ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من الصفات؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾.\n٢٦ - ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله؛ لأنه ﷾ بعد أن أمر بالتقوى قال: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ يحذرنا من مخالفة أمره بذلك.\n٢٧ - ومنها: عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾؛ و﴿ما﴾ اسم موصول عام.\n٢٨ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾، وقوله تعالى: ﴿آتيتم﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم﴾؛ فهذه عدة شواهد تردّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله ليس له إرادة فيه.\n٢٩ - ومنها: إثبات بصر الله، وعلمه بما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون بصير﴾.\n٣٠ - ومنها: أن وساوس القلوب لا يؤاخذ بها؛ لأنها ليست من الأعمال؛ لقول النبي ﷺ: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم (١).\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]\nالتفسير:\nوالذين يموتون منكم، ويتركون زوجات بعدهم، يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يخرجن من منزل الزوجية، ولا يتزيَّنَّ، ولا يتزوجن، فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج، والتزين، والزواج على الوجه المقرر شرعًا. والله ﷾ خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها، وسيجازيكم عليها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٦٦٤).","vol":"5","page":79},{"text":"في سبب نزول الآية: أخرج الواحدي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثت عن مقاتل بن حيان في هذه الآية: أن رجلا من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد رجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النبي - ﷺ - فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف ولم يعط امرأته شيئا، غير أنه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول\" (١).\nقال الشوكاني: \" لما ذكر سبحانه عدة الطلاق واتصل بذكر ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر عدة الوفاة لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق\" (٢).\nواختلف في حكم الآيتين [البقرة: ٢٤٠، والبقرة: ٢٣٤]، على قولين (٣):\nأحدهما: أن الآية الأولى (٤) منسوخة بالآية الثانية، حيث كانت العدة في الجاهليَّة وأول الإسلام حولًا، ثُمَّ نسخت بأربعة أشهر وعشرًا. وهذا قول الجمهور.\nقال النحاس: قال أكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله جل وعز: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠]، لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام إذا توفي الرجل، وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث\" (٥).\nوالثاني: أن الآية غير منسوخة، لأن النص القرآني لم يصرح بالعدة، وإنَّما قال ذلك متاع لها إن أرادت سبعة أشهر وعشرين ليلة تقضيها في البيت، فالواجب في العدة أربعة أشهر وعشرًا، وما زاد إلى الحول فهو وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت. وهذا قول مجاهد (٦)، وابن عباس (٧) في رواية عطاء عنه.\nقال ابن حجر: \" فالتحقيق: أن لا نسخ هناك بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: والذين\"يموتون وتتوفى آجالهم\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي والرجال الذين يموتون منكم، ولهم زوجات\" (١٠).\nقال القاسمي: والذين\"يموتون من رجالكم\" (١١).\nقال البغوي: \" وتوفى واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا\" (١٢).\n_________\n(١) أسباب النزول: ٨٣ - ٨٤.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٤٨.\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢٣٩ - ٢٤٠ وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٦٥، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٤ ب، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢١٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٨١، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب: ١٨٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٧٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٩، المغني لابن قدامة: ١١/ ٢٢٨، أضواء البيان للشنقيطي: ١/ ٢١٧، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٤٤، أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية للخطيب: ٩٤.\n(٤) وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\n(٥) الناسخ والمنسوخ: ٢٣٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٥٨٦): ص ٥/ ٢٥٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٥٨٧): ص ٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩.\n(٨) الفتح: ٨/ ٥٢٤.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٧٩.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ١٧٤.\n(١١) تفسير القاسمي: ٢/ ١٥٥.\n(١٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٧٩.","vol":"5","page":80},{"text":"قال الرازي: \" وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا كاملا، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كاملا، ويقال: توفي فلان، وتوفي إذا مات، فمن قال: توفي، كان معناه قبض وأخذ ومن قال: توفى، كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿يتوفون﴾ بضم الياء - أي يتوفاهم الله -؛ وذلك بقبض أرواحهم عند الموت؛ وقد أضاف الله التوفي إليه تارة، كما في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢]؛ وإلى ملك الموت تارة، كما في قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]؛ وإلى رسله - وهم الملائكة - تارة، كما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١]، فإضافتها إلى الله؛ لأنها بأمره؛ وإلى ملك الموت؛ لأنه الذي يقبض الروح؛ وإلى الرسل؛ لأنهم يقبضونها من ملك الموت يصعدون بها إلى السماء؛ ولذلك بني الفعل في الآية لما لم يسم فاعله؛ ليشمل كل ذلك (٢).\nوقرأ علي -﵁- ﴿يَتوفون﴾ بفتح الياء\" (٣)، أي\" أى يستوفون آجالهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: و\"يتركون أزواجا\" (٥) بعدهم.\nو(الأزواج): جمع زوج - وهو من عقد له النكاح من رجل، أو امرأة -؛ إلا أن الفرضيين - ﵏ - اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج؛ والمرأة يقال لها زوجة من أجل التمييز بينهما في قسمة الميراث (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي \"ينتظرن، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج\" (٧) لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام، حدادًا على أزواجهنَّ.\nقال السعدي: \" والحكمة في ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل (٨)، وكذلك الأمة، عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام\" (٩).\nقال القرطبي: \" التربص: التأني والتصبر عن النكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا\" (١٠).\nوقال ابن العربي ﵀: \"هو الانتظار\" (١١).\nوقال الحافظ بن كثير ﵀: \"هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال\" (١٢).\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ١٠٨.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٨٢.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٢٧٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٤.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٤.\n(٨) إن عدة المرأة الحامل: أجلها أن تضع حملها، ولو بعد الوفاة بوقت يسير، قال ابن المنذر ﵀: \" وأجمعوا أنها لو كانت حاملًا لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه فوضعت حملها أن عدتها منقضية \" [الإجماع ١٢٢]، وقال ابن قدامة ﵀: \" وأجمعوا أيضًا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا أجلها وضع حملها، إلا ابن عباس، وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين، وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي ﷺ فردَّ عليه النبي قوله، وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة \" [المغني ١١/ ٢٢٧].\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١٠٤.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ١٧٦.\n(١١) أحكام القرآن ١/ ٢٠٨.\n(١٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤١٩.","vol":"5","page":81},{"text":"قال الصابوني: \" أي على النساء اللواتي يموت أزواجهن أن يمكثن في العدّة أربعة أشهر وعشرة أيام حدادًا على أزواجهنَّ\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن «أنفسهن» توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن\" (٢).\nوللعلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قولان (٣):\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء من الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧) إلى أن المراد بالآية عشر ليال بأيامها، فلا تحل حتى تدخل اليلة الحادية عشرة.\nقال ابن عطية ﵀: \"قال جمهور أهل العلم: ويدخل في ذلك اليوم العاشر وهو من العدة لأن الأيام مع الليالي\" (٨).\nوقال ابن المنذر ﵀: \"والعشرة التي مع الأربعة الأشهر عشرة أيام بلياليها\" (٩).\nوالتمسوا لتذكير العدد في الآية عللًا فقالوا: إن المعنى وعشر مدد كل مدة يوم وليلة، وقالوا: ذكر العدد في الآية تغليبًا لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال فلما كان أول الشهر الليلة غلّب الليل، وقالوا أيضًا إن التذكير أخف في اللفظ من التأنيث (١٠).\nوأورد بعضهم فقال: إن تذكير اللفظ وإرادة الأيام والليالي غير جائز في اللغة. قال الطبري ﵀: \" فإن جاز ذلك المعنى فيه ما قلت – أي التذكير وإرادة الأيام والليالي جميعًا -. فهل تجيز: (عندي عشر) وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟ قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام غير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال والنساء وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة إذا أبهمت العدد غلبت في الليالي حتى إنهم فيما روي لنا يقولون: (صمنا عشرًا من شهر رمضان) لتغليبهم الليالي على الأيام وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك فإن أظهروا مع العدد مفسرة أسقطوا من عدد المؤنث (الهاء) وأثبتوها في عدد المذكر كما قال تعالى ذكره: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فأسقط الهاء من سبع وأثبتها في\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٤.\n(٣) انظر: أحكام الإحداد: ٨٠ - ٨٧.\n(٤) انظر: حاشية رد المحتار ٩/ ٢٧٥، شرح فتح القدير ٣/ ٣١٣.\n(٥) الكافي للمالكية ص ٢٩٤.\n(٦) زاد المحتاج ٣/ ٥١٢.\n(٧) الإنصاف ٩/ ٢٧٥.\n(٨) المحرر الوجيز ٢/ ٢١٦.\n(٩) الإقناع ٢/ ٣٢٤.\n(١٠) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ٣/ ١٨٦ المحرر الوجيز ٢/ ٢١٦، الفتوحات الإلهية ١/ ١٩٠.","vol":"5","page":82},{"text":"الثمانية. وأما بنو آدم فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء ثم أبهمت عددها: أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث (١)، وذكر نحوه النووي ﵀ (٢).\nالقول الثاني: اختار الأوزاعي ويحي بن أبي كثير وبعض السلف وابن حزم ﵀ اقتصار الحكم على الليالي فتخرج المرأة من العدة في يوم العاشر فليس من العدة بل انقضت عدتها بانقضاء عشر ليال واستندوا إلى ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأ ﴿وعشر ليال﴾ (٣).\nوالراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار الشيخ محمد العثيمين (٤)، ومهما يكن من أمر فإن المسلم إذا اختلطت عليه الأمور واشتبه الحلال بالحرام وجب عليه الأخذ بالأحوط، والاحتياط هنا أن لا تخرج من عدتها إلا بتمام يوم العاشر والفارق بين القولين من حيث المدة لا يكاد يذكر فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه والله أعلم.\nقال الصابوني: \" وهذا الحكم [أي التربص أربعة أشهر وعشر أيام]، لغير الحامل (٥) أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] \" (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري ٢/ ٢/٥١٥.\n(٢) انظر: شرح مسلم ١٠/ ١١٢.\n(٣) انظر: احكام الحداد: ٨٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٥.\n(٥) عدة الحائل هي غير الحامل. وهي إما أن تكون مدخولًا بها أو غير مدخول بها وكلا الصنفين عدته من الوفاة أربعة أشهر وعشر. لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولما أخرجه الشيخان مرفوعًا \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا [رواه البخاري في مواضع، وهو بهذا السياق في كتاب الطلاق باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا ٣/ ٤٢٠ برقم (٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، ٥٣٣٧). ورواه مسلم (٢/ ١١٢٣ - ١١٢٥) برقم (١٤٨٦) وفي رواية له (٢/ ١١٢٧) برقم (١٤٩٠) عن حفصة ﵂ زاد: \" فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا \"].\nفظاهر الآية والحديث يشملهما فلا فرق بين مدخول بها وغير مدخول بها. قال الزركشي ﵀: \"ولا فرق بين قبل الدخول وبعده إعمالًا لعموم الآية والخبر \". [شرح الزركشي ٥/ ٥٥٢] ..\nوقال ابن القيم ﵀: وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقًا كما دل عليه عموم القرآن والسنة\" [زاد المعاد/ ٦٦٤. وانظر: الأحكام لابن دقيق العيد (٢/ ١٩٥ – ١٩٩).].\nولما كانت غير المدخول بها تفارق المدخول بها في عدة المفارقة حال الحياة ورد النص الدال لى استوائهما في المفارقة بالوفاة.\nفعن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود ﵁: \" لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث \" فقام معقل بن سنان ﵁ فقال: \"قضى رسول الله - ﷺ - في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت \" ففرح بها ابن مسعود. [رواه النسائي واللفظ له (٦/ ١٢١) برقم (٣٣٥٤)، وأبو داود (٢/ ٥٨٨) والترمذي (٣/ ٤٤١)، وابن ماجه (١/ ٦٠) برقم (١٨٩١)، والإمام أحمد (٣/ ٤٨٠). وابن حبان (الإحسان) (٩/ ٤٠٩) برقم (٤١٠٠) والحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٠) وقال بعد سرد رواياته ٢/ ١٨١: \" فصار الحديث صحيحًا على شرط الشيخين \". ووافقه الذهبي وقال الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٣٥٩: \" هو كما قالا\". قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ٣/ ١٩١: \" وصححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده والبيهقي في الخلافيات \". وقال شيخنا عبد العزيز بن باز أثابه الله: \" إسناده لا بأس به \"].\nوهذا قد أجمع عليه العلماء ﵏.\nقال ابن المنذر ﵀: \"وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر مدخولًا بها أو غير مدخول، صغيرة لم تبلغ أو كبيرة قد بلغت \". [الإجماع ص ١٠٨] وحكاه أيضًا في الإشراف [الإشراف على مذاهب العلماء ص ٢٧٤].\nوإذا ثبت لزوم العدة للحائل مدخولًا بها أو غير مدخول فإن النصوص دلت على أن مدة الإحداد هي مدة العدة كما تقدم، فتحد الحائل المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا. قال ابن قدامة ﵀: \"فإن قيل: ألا حملتم الآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لعلى المدخول بها. كما قلتم في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قلنا إنما خصصنا هذه بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nولم يرد تخصيص عدة الوفاة ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين.\nأحدهما: أن النكاح عقد عمر فإذا مات انتهى والشيء إذا انتهى تقرت أحكامه كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدة من أحكامه.\nالثاني: أن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان وهذا ممتنع في حق الميت فلا يؤمن أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه ومماله من ينفيه فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها من التصرف والمبيت في غير منزلها حفظًا لها. [المغني ١١/ (٢٢٣ – ٢٢٤)].\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.","vol":"5","page":83},{"text":"وقد أختلف أهل العلم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها على قولين (١).\nالقول الأول: أن الحامل أجلها أن تضع حملها ولو بعد الوفاة بوقت يسير ولو قبل دفنه. وهو مذهب أكثر العلماء (٢)، ومنهم الأئمة الأربعة (٣).\nوحكى ابن قدامة الإجماع عليه فقال: \" وأجمعوا أيضًا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا وضع حملها إلا ابن عباس. وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين (٤)، وحكاه أيضًا ابن عبدالبر ﵀.\nواحتجوا في قولهم بالأدلة الآتية:\nأولا: قال الله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فالآية دالة على أن كل حامل أجلها وضع الحمل ومعلوم عند جمهور المفسرين أن آية الطلاق متأخرة عن آية البقرة، قال ابن مسعود ﵁: \" نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى \" (٥) وهو قال جمهور الصحابة ﵃ (٦) ومن بعدهم، قال ابن النحاس: وهذا أعني أن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَال﴾ ناسخة للتي في البقرة أو مبينة لها – قول أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء (٧)، والذي جعلهم يقولون هذا هو تعارض العمومين فإن عموم البقرة يشمل الحامل والحائل وعموم آية الطلاق يشمل المطلقة والمتوفى عنها فلا بد من حمل أحد العمومين لآية البقرة وبهذا نعمل بالآيتين فنقول: كل متوفى عنها تعتد أربعة أشهر وعشرًا إلا الحامل فإن أجلها وضع حملها (٨).\nواستدل بعضهم على شمول آية ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَال﴾ للمتوفى عنها بما روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه سأل النبي - ﷺ - عن قوله تعالى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَال﴾ للمطلقة ثلاثًا؟ فقال - ﷺ - \" هي للمطلقة ثلاثًا وللمتوفى عنها زوجها \" إلا أن الحديث لا يصح عند التحقيق ولو صح لكان نصًا في محل النزاع.\n_________\n(١) انظر: أحكام الإحداد: ٧٠ وما بعدها.\n(٢) الإشراف على مذاهب العلماء ص ٢٨١.\n(٣) انظر: شرح فتح القدير ٤/ ٣١٠، المدونة ٢/ ٤٢٠، الأم ٥/ ٢٢٠، الكافي ٣/ ٣٠٢.\n(٤) المغني ١١/ ٢٢٧.\n(٥) رواه البخاري ٣/ ٣١٣.\n(٦) الناسخ والمنسوخ في القرآن ص ٩٠.\n(٧) المصدر السابق.\n(٨) انظر: المغني (١١/ ٢٢٧ – ٢٢٨)، فتح الباري ٩/ ٤٧٤.","vol":"5","page":84},{"text":"ثانيا: عن أم سلمة ﵂ زوج النبي - ﷺ -: أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين فمكثت قريبًا من عشر ليال ثم جاءت النبي - ﷺ - فقال: انكحي \" رواه الجماعة (١).\nوروايات هذا الحديث متعددة كلها فيها إذن النبي - ﷺ - لسبيعة في النكاح إذا وضعت حملها ورده لما قال أبو السنابل ﵁. وهذا الحديث متأخر عن آية البقرة فإن القصة إنما وقعت في حجة الوداع فإن زوجها الذي توفي عنها هو سعد بن خولة ﵂ وقد توفي في حجة الوداع كما في الصحيحين ولفظه: فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. فتبين بهذا أن عموم آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ مخصوص بآية الطلاق: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nقال القرطبي ﵀: \" فبين الحديث – أي حديث سبيعة الأسلمية – أن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين\" (٢).\nوقال ابن عبدالبر ﵀: \"لما كان عموم الآيتين معارضًا – أعني قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقوله ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُن﴾ - لم يكن بد من بيان رسول الله - ﷺ - لمراد الله منهما على ما أمره الله ﷿ بقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبين رسول الله - ﷺ - مراد الله من ذلك بما أفتى به سبيعة الأسلمية، فكل ما خالف لك فلا معنى له من جهة الحجة وبالله التوفيق (٣).\nوقال البغوي ﵀: \" وعامة الفقهاء خصوا الآية بخبر سبيعة (٤).\nوعلل الجمهور لهذا القول بتعليلين، قال ابن قدامة ﵀: \" ويحقق أن العدة إنما شرعت لمعرفة براءتها من الحمل، ووضعه أدل الأشياء على البراءة منه فوجب أن تنقضي به العدة ولأنه لا خلاف في بقاء العدة ببقاء الحمل فوجب أن تنقضي به كما في حق المطلقة (٥).\nالقول الثاني: أن الحامل تعتد بأطول الأجلين، روي هذا عن علي وابن عباس ﵃ (٦)، واختاره ابن سحنون ﵀ (٧) (٨).\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص ١٠ – ١١.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٧٥.\n(٣) التمهيد ٢٠/ ٣٧.\n(٤) شرح السنة ٩/ ٣٠٦.\n(٥) المغني ١١/ ٢٢٨.\n(٦) الإشراف على مذاهب العلماء ص ٢٨١.\n(٧) فتح الباري: ٩/ ٤٧٤.\n(٨) وعلة قولهم هذا هو تعارض العمومين، عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ﴾ وعموم قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.","vol":"5","page":85},{"text":"قال ابن حجر: \" وهو شذود مردود (١)؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع (٢)، والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عام في كل من مات عنها زوجها يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عام أيضًا يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عِدَد المطلقات، كالآيسة والصغيرة قبلهما، ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم لكن قصروه على من مضت عليها العدة ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم (٣).\nويترجح قول الجمهور أيضًا بأن الآيتين، وإن كانتا عامتين من وجه خاصتين من وجه فكان الاحتياط أن لا تنقضي العدة إلا بآخر الأجلين، لكن لما كان المعنى المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم-ولا سيما فيمن تحيض-يحصل المطلوب بالوضع، ووافق ما دل عليه حديث (٤) (٥) ويقويه قول ابن مسعود في تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة (٦) \" (٧).\nقال ابن عبدالبر ﵀: \" وأما مذهب علي وابن عباس – في هذه المسألة – فمعناه الأخذ باليقين.\nوجملة ﴿يَتَرَبَّصْن﴾ خبر ﴿َالَّذِينَ﴾؛ وفيها أشكال، حيث لم يوجد رابط يربطها بالمبتدأ؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ليس فيها ضمير يعود على ﴿َالَّذِينَ﴾؛ فاختلف الناس في كيفية الربط بين المبتدأ، والخبر على قولين (٨):\nأحدهما: أن التقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم؛ وعلى هذا يكون الضمير: في (بعدهم) هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ، والخبر.\nوالثاني: أن التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن؛ فقدر المبتدأ.\nقال ابن عثيمين: \"هذان وجهان؛ ولكن الأول أيسر من الثاني، وأقرب. والله أعلم\" (٩).\nقال الماوردي: \"والإِحْدَادُ: الامتناع من الزينة، والطيب، والترجل، والنُّقْلة\" (١٠).\n_________\n(١) أي: موافقة سحنون من المالكية لعلي﵁كما نقله المازري وغيره بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد آخر الأجلين خلافًا لقول جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار الذين يقولون بأنها تحل بوضع الحمل وتنقضي عدة الوفاة بذلك. انظر: فتح الباري: ٩/ ٣٨٤، المعلم بفوائد مسلم للمازري: ٢/ ١٣٦، إكمال المعلم للأبي: ٥/ ٢٣٧.\n(٢) ذكر الإجماع واستقراره غير واحد من أهل العلم، انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٦٦، الأم للشافعي: ٥/ ٢٢٣، الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: ٤/ ٢٨١، الاستذكار لابن عبد البر: ١٨/ ١٧٧ - ١٧٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٣، المغني لابن قدامة: ١١/ ٢٢٧، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٧٤، إعلام الموقعين لابن القيم: ٢/ ٨٦، الروضة الندية لصديق خان: ٢/ ١٤٥، روح المعاني للألوسي: ٢/ ١٤٩، أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية للخطيب: ٩٤.\n(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٧٥، الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: ٤/ ٢٨١، الاستذكار لابن عبد البر: ١٨/ ١٧٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٦٦، المبسوط للسرخسي: ٦/ ٣١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٧٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٩، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية للخطيب: ٨٩ - ٩٠.\n(٤) هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية، صحابية، زوج سعد بن خولة، لها رواية في الصحيحين. انظر: الإصابة لابن حجر: ٤/ ٣١٧، تقريب التهذيب لابن حجر: ١٣٥٧.\n(٥) رواه البخاري في صحيحه-فتح-: ٩/ ٣٧٩ رقم: ٥٣١٨ عن أم سلمة زوج النبي ﷺ: (أن امرأة من أسلم-يقال لها: سبيعة-كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بَعْكَك فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبًا من عشر ليال ثم جاءت النبي ﷺ فقال: انكحي).\n(٦) البخاري-فتح-: ٨/ ٥٢٢ رقم: (٤٩١٠).\n(٧) الفتح: ٩/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٣.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٣٠٢.","vol":"5","page":86},{"text":"وقد اختلف أهل العلم في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين (١):\nأحدهما: أن الإِحْدَاد فيها واجب، وهو قول ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، والزهري (٤).\nوالثاني: ليس بواجب، وقالوا: \": إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل، فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه\" (٥). وهو قول الحسن (٦)، وابن عباس (٧) في أحد قوليه.\nواستدلوا بدليلين:\nالأول: حديث أسماء بنت عميس ﵂: روى عبد الله ابن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لمّا أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله -ﷺ-: \" تَسَلَّبي ثَلاثًا ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ\" (٨).\nقال ابن القيم ﵀ في بيان وجه استدلالهم بهذا الحديث: \" قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها، فإن أم سلمة ﵂ روت حديث الإحداد وأنه - ﷺ - أمرها به إثر موت أبي سلمة لا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر ﵄ (٩).\nثانيًا: ما رواه ابن عمر ﵁ مرفوعًا: \"لا إحداد فوق ثلاث\" (١٠).\nوالراجح هو قول الجمهور، وقد أجابوا عما استدل به أصحاب القول الثاني بما يلي:\nأولا: - أما حديث أسماء بنت عميس:\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٠٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٣): ص ٥/ ٨٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٢): ص ٥/ ٨٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٨٥ - ٨٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٨٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٥): ص ٥/ ٨٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٦): ص ٥/ ٨٥.\n(٨) رواه الإمام أحمد (٦/ ٣٦٩، ٤٣٨)، ولفظه [أي أحمد]: دخل علي رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: \" لا تحدي بعد يومك هذا\"، وروا ابن حبان (الإحسان) واللفظ له (٧/ ٤١٨)، برقم (٣١٤٨) والبيهقي (٧/ ٤٣٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٧٥) والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٩٣) برقم (٣٦٩) بلفظ \" تسكني ثلاثًا \" وقد ذكر أهل العلم لهذا الحديث ثلاثة علل: ١ - لانقطاع بين عبد الله بن شداد وأسماء، ٢ - الكلام في محمد بن طلحة، ٣ - شذوذ في لفظ الحديث.\nأما الإسناد: قال البيهقي: \"لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقد قيل فيه: عن أسماء، فهو مرسل، ومحمد بن طلحة ليس بالقوي، والأحاديث قبله أثبت فالمصير إليها أولى\".\nلكن تعقبه ابن التركماني بقوله: قلت: \"ابن شداد لم يُذكر من المدلسين والعنعنة من غير المدلس محمولة على الاتصال إذا ثبت اللقاء أو أمكن\". (سنن البيهقي مع الجوهر النقي) (٧/ ٤٣٨).\nوقال الحافظ: \"وهذا تعليل مدفوع؛ فقد صححه أحمد\". (الفتح: ١٢/ ٢٣٣).\nوقال الألباني: \"أما الانقطاع فدعوى باطلة؛ فإن عبد الله من كبار التابعين الثقات، ولد على عهد النبي r، وأسماء خالته، ولم يُرمَ بتدليس\". (السلسلة الصحيحة) (٧/ ٦٨٤).\nوبهذا يتبين أن هذه العلة مردودة.\n(٩) زاد المعاد ٥/ ٦٩٧.\n(١٠) قال الحافظ فى \" الفتح \" ٩/ ٤٨٧: ذكر الأثرم أن أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه \" لا إحداد فوق ثلاث \" فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه أ. هـ. ويحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء والله أعلم.","vol":"5","page":87},{"text":"أ- أن الحديث شاذ، وبهذا قال أحمد وإسحاق رحمهما الله (١) وأشار إلى هذه العلة البيهقي ﵀ فقال: والأحاديث قبله أثبت والمصير إليها أولى وبالله التوفيق (٢).\nوقال في معرفة السنن والآثار: \" والحديث في إحدادها ثابت فالمصير إليه أولى وبالله التوفيق (٣).\nوحكى الحافظ ابن حجر ﵀ عن شيخه العراقي القول بشذوذه، قال ﵀: \" وأجاب – يعني شيخه – بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وأجمعوا على خلافه (٤).\nوقال ابن القيم ﵀ عن رواية من روايات حديث أسماء ﵂: \" وفي الحديث الثاني حجاج بن أرطأة ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث (٥).\nب- أن الحديث منقطع الإسناد، قال البيهقي ﵀: \" فلم يثبت سماع عبدالله من أسماء وقد قيل فيه: عن أسماء فهو مرسل (٦).\nوقد قال أبو محمد بن حزم ﵀: \" هذا منقطع لا حجة فيه لأن عبدالله بن شداد لم يسمع من رسول الله - ﷺ - شيئًا \" (٧).\nوقد أجاب عن هذه العلة الحافظ ابن حجر ﵀ فقال \" وهذا تعليل مدفوع فقد صححه أحمد ولكنه قال: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد، قلت وهو مصير منه إلى أنه يعله بالشذوذ \" (٨).\nوأعله البيهقي أيضًا بأن فيه محمد بن طلحة ليس بالقوي (٩).\nقال الألباني أثابه الله معلقًا على كلام البيهقي ﵀: \" ورجال أحمد رجال الصحيح\" (١٠).\nج- أن الحديث منسوخ، قال الطحاوي ﵀ في كلامه على حديث أسماء: ففي هذا الحديث أن الإحداد لم يكن على المعتدة في كل عدتها وإنما في وقت منها ثم نسخ ذلك وأمرت بأن تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا (١١)، وساق بعد هذا الكلام الأحاديث الناسخة. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وليس فيها ما يدل على النسخ لكنه يكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال فجرى على عادته (١٢).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٨٠.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٤٣٨.\n(٣) معرفة السنن والآثار ١١/ ٢٢٢.\n(٤) فتح الباري ٩/ ٤٨٧.\n(٥) زاد المعاد ٥/ ٦٩٧.\n(٦) السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٤٣٨.\n(٧) المحلي ١٠/ ٢٨٠.\n(٨) فتح الباري ٩/ ٤٨٧.\n(٩) السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٤٣٨.\n(١٠) مجمع الزوائد ٣/ ١٧.\n(١١) شرح معاني الآثار ٢/ ٧٥.\n(١٢) فتح الباري ٩/ ٤٨٧.","vol":"5","page":88},{"text":"د- أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإحداد المعروف الذي فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث، أو لكونها كانت حاملًا فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها فنهاها بعدها عن الإحداد ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: \" ثلاثًا\" لأنه يحمل على أنه - ﷺ - أُطلع على أن عدتها تنقضي عند الثلاث، ولعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد (١).\nولا تخلو هذه الأجوبة من نقاش وأصح ما أجاب به العلماء على هذا الحديث القول بشذوذه كما قال أحمد واسحاق والبيهقي رحمهم الله تعالى.\nثانيًا: الجواب على حديث ابن عمر.\nأجاب الإمام أحمد لما سئل عن هذا الحديث قائلا: \" هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وهذا – أي حديث ابن عمر – يحتمل أن يكون لغير المعتدة، فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء والله أعلم (٣).\nنستنتج مما سبق بأن ما ذهب إليه عامة أهل العلم هو الموافق للنصوص وأنه ليس مع المخالف ما يقاوم أدلة الجمهور والله أعلم (٤) (٥).\n_________\n(١) فتح الباري: ٩/ ٤٨٧.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) جاء في موسوعة الفقه الاسلامي:\nحكمة مشروعية العدة (موسوعة الفقه الإسلامي: ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢):\nشرع الله ﷿ العدة لتحقيق المصالح الآتية:\n١ - التأكد من براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.\n٢ - إتاحة الفرصة للمطلق أن يراجع زوجته إذا ندم، كما في الطلاق الرجعي.\n٣ - تعظيم شأن النكاح، وأنه لا ينعقد إلا بشروط، ولا ينفك إلا بتريث وانتظار.\n٤ - رعاية حق الزوج وأقاربه، وإظهار التأثر لفقده، وإبداء وفاء الزوجة لزوجها بعدم انتقالها لغيره إلا بعد مدة محددة.\n٥ - صيانة حق الحمل إن كانت المفارقة حاملًا.\nوالعدة واجبة على كل امرأة مات عنها زوجها قبل الدخول أو بعده، أو فارقها زوجها بعد الدخول بطلاق، أو خلع، أو فسخ.\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ ... [البقرة: ٢٣٤].\n٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ... [البقرة: ٢٢٨].\n٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].\n٤ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n(٥) قد كانت المرأة في الجاهلية تحدّ على زوجها شر حداد وأقبحه، فكانت تمكث سنة كاملة لا تمسّ طيبا ولا زينة، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، ثم تخرج بعد ذلك، وكان لهم في ذلك عادات سخيفة وخرافات شائنة.\nحتى إذا حال عليها الحول خرجت بأقبح منظر وأفظع مرأى، فتؤتى بدابة – حمار أو شاة أو طائر – فتمسح به جلدها فلا يكاد يعيش بعدما تتمسح به مما يجد من أوساخها وروائحها. وقد ذكر النبي - ﷺ - بعض النساء لما أرادت أن تترخص لابنتها في الكحل فقال - ﷺ -: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالعرة على رأس الحول\". وقد سئلت زينب – راوية الحديث عن أم سلمة ﵂ – وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: \" كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حشفًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر السنة ثم تؤتى بدابة – حمار أو شاة أو طائر – فتفتض به فقلما بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. [رواه البخاري في مواضع، وهو بهذا السياق في كتاب الطلاق باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا ٣/ ٤٢٠ برقم (٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، ٥٣٣٧)، ورواه مسلم (٢/ ١١٢٣ - ١١٢٥) برقم (١٤٨٦) وفي رواية له (٢/ ١١٢٧) برقم (١٤٩٠) عن حفصة ﵂ زاد: \"فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا \"].\nإلى أن جاء الإسلام فأصلح من ذلك، فجعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرم فيها إلا الزينة والطيب والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدى الزواج، وما منع النظافة ولا الجلوس في كل مكان في البيت مع النساء والمحارم من الرجال، والكحل الذي منعه النبي ﷺ هو كحل الزينة لا كحل التداوى بدليل حديث الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: \"اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار\". (التمهيد لما في الموطا من المعاني والأسانيد: ١٧/ ٣١٠)، والمسلمات اليوم لا يسرن على طريق واحدة في الحداد، فمنهن من يغلون في الحداد ويغرقن في النّوح والندب والخروج من مألوف العادات في المعيشة، حتى يزدن على ما كان عليه نساء الجاهلية، ولا يخصصن الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على الولد السنة والسنتين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين، فالخير كل الخير للمسلمين أن يصلحوا هذه العادات الرديئة في الحداد، إذ لا فائدة فيها إلا إفناء المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش والماعون، وفساد آداب المعاشرة والشقاء في أحوال المعيشة، وما ينجم عن ذلك من الأمراض، ولا سيما لدى ضعفاء الأمزجة. (انظر: تفسير المراغي: ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).","vol":"5","page":89},{"text":"أما حداد المرأة على القريب، فقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على جواز إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ: \" لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا \" (١).\nولا يجوز للمرأة أن تزيد على ثلاثة أيام على غير الزوج، وللزّوج منعها من الإحداد على القريب، لأن حقه عليها أعظم من حق القريب.\nقال ابن القيم ﵀: \" فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز \" (٢).\nوقال العيني ﵀: \" قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن من مات أبوها أو ابنها، وكانت ذات زوج وطالبها زوجها في الثلاثة أيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضى له عليها بالجماع فيها \" (٣).\nواختار جوازه على كل ميت الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد العثيمين أثابهما الله عملًا بعموم الحديث (٤).\nوذهب بعض أهل العلم إلى عدم جوازه على الأجنبي مطلقًا، وخصه بعضهم بما إذا وجدت الريبة قال الهيثمي ﵀: \" وبحث الأذرعي حرمته من أجنبية على أجنبي ولو بعض يوم، وهو متجه حيث وجدت ريبة وإلا كأن حزنت عليه لنحو علمه وصلاحه وصداقته لنحو والدها وإحسانه إليها ولا ريبة بوجه فلا حرمة كما هو ظاهر\" (٥).\nوما قاله متوجه إلا أنه لا يخالف ما تقدم عن جمهور العلماء إذ إن كلامهم ﵏ على المسألة من حيث الأصل دون ما قد يعرض لها مما يؤدي إلى تحريمه. وأما ما ذكره عن الأذرعي فلا وجه له وظاهر السنة يرده والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، \" أي: فإذا انقضت عدتهن\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: فلا إِثم عليكم أَيها الأولياء في الإذن لهنّ بالزواج وفعل ما أباحه لهنّ الشرع من الزينة والتعرض للخطّاب\" (٧).\nقال السعدي: أي: \"من مراجعتها للزينة والطيب، على وجه غير محرم ولا مكروه\" (٨).\n_________\n(١) صحيح البخاري (١٢٢١): ص ١/ ٤٣٠. من حديث زينب بنت أبي سلمة.\n(٢) زاد المعاد: ٥/ ٦٩٦.\n(٣) عمدة القارئ: ٨/ ٦٤.\n(٤) انظر: أحكام الإحداد، الشيخ خالد المصلح: ٤٣.\n(٥) فتح الجواد ٢/ ٢٠٣.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ١٠٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١٠٤.","vol":"5","page":90},{"text":"قال مجاهد: \" ﴿المعروف﴾: النكاح الحلال الطيب\" (١)، وروي نحوه عن السدي (٢) والزهري (٣).\nقال النسفي:: أي: \"بالوجه الذي لا ينكره الشرع\" (٤).\nقال الزمخشري: \" والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهنّ\" (٥).\nقال الشيخ السعدي: \" وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء .. وفي خطابه للأولياء بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئًا محرمًا عليها في هذه العدة لزم وليها أن يمنعها؛ وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء - لكن بالمعروف\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: والله\" عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها\" (٨).\nقال السعدي: أي: \"عالم بأعمالكم، ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"أي عليم ببواطن الأمور؛ فالخبير أخص من العليم\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر.\n٢ - ومنها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء كانت صغيرة، أم كبيرة؛ لقوله تعالى: ﴿أزواجًا﴾، وأطلق؛ فأما الكبيرة فتقوم بما يلزمها من الإحداد؛ وأما الصغيرة فالمخاطب بذلك وليها يجنبها ما تتجنبه المحادة الكبيرة.\n٣ - ومنها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء دخل بها، أم لم يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿أزواجًا﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق؛ فإن الطلاق قبل الدخول، والخلوة لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n٤ - ومنها: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج، ولا تتعرض للزواج؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾، كما تقول: تربص بكذا، وكذا - يعني لا تتعجل.\n٥ - ومنها: أن السرية لا تلزمها عدة الوفاة؛ لأنها ليست بزوجة.\n٦ - ومنها: أنه لو تبين عند الوفاة أن النكاح باطل لم تعتد بالوفاة، مثل أن يتبين عند وفاته أنها أخته من الرضاع؛ لأنه تبين أن النكاح باطل - وجوده كالعدم -.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٥٠٩٣): ص ٥/ ٩٣.\n(٢) تفسير الطبري (٥٠٩٦): ص ٥/ ٩٤.\n(٣) تفسير الطبري (٥٠٩٧): ص ٥/ ٩٤.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٢٦.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٨٢.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١٠٤.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٥.","vol":"5","page":91},{"text":"٧ - ومنها: أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت تحيض، أو لا تحيض؛ ويستثنى من ذلك الحامل؛ فعدتها إلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]؛ ولا عدة للمتوفى عنها زوجها سوى هاتين.\n٨ - ومنها: حكمة الله بتقدير عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر؛ وعلق الحكم بهذا العدد، ولم يعلقه بالأقراء - كما في المطلقات -؛ لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر؛ وزيدت العشرة للاستثبات؛ هكذا قال بعض أهل العلم؛ ولكن عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل؛ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد لا يدخل بها؛ وقد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل؛ وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل؛ ثم الاحتياط بأربعة أشهر وعشر: يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة؛ فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر؛ وعندي - والله أعلم - أن الحكمة أنهم لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولًا كاملًا في العدة بعد موت زوجها، وتبقى في بيت صغير، كالخباء لها، ولا تمس الماء أبدًا؛ تأكل، وتشرب حتى لا تموت؛ وتبقى بعرقها، ورائحتها، وحيضها، ونتنها لمدة سنة كاملة؛ فإذا تمت السنة أتوا لها بفأرة، أو عصفور، فقالوا لها: «امحشي به فرجك»؛ فقلّ ما تتمسح بشيء إلا مات من الرائحة الكريهة؛ مدة سنة ربما يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان؛ ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة؛ فأخذت البعرة، ورمت بها، كأنها تقول: كل ما مر عليّ فهو أهون من رمي هذه البعرة؛ فجاء الإسلام، وأبدل الحول بأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر: ثلث حول؛ وعشرة أيام: ثلث شهر؛ والثلث كثير؛ فأُتي من الحول بثلثه، ومن الشهر بثلثه؛ فإن تبينت هذه الحكمة، وكانت هي مراد الله فهذا من فضل الله؛ وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد؛ وهذا كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم ما الحكمة فيها.\n٩ - ومن فوائد الآية: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمل، وخروج من البيت، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم﴾.\n١٠ - ومنها: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾ إشارة إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء؛ فيكونون مسؤولين عنهن.\n١١ - ومنها: اعتبار العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ والعرف معتبر إذا لم يخالف الشرع؛ فإن خالف الشرع فلا يعتبر.\n١٢ - ومنها: إثبات علم الله ﷿ بالظاهر، والخفي؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾؛ والخبير هو العليم ببواطن الأمور؛ ومن كان عليمًا ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها من باب أولى.\n١٣ - ومنها: التحذير من مخالفة هذا الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي احذروا من مخالفته؛ فإن الله بما تعملون خبير.\nالقرآن\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]\nالتفسير:\nولا إثم عليكم -أيها الرجال- فيما تُلَمِّحون به مِن طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا في أثناء عدتهن، ولا ذنب عليكم أيضًا فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن. علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدَّات، ولن تصبروا على السكوت عنهن، لضعفكم؛ لذلك أباح لكم أن تذكروهن تلميحًا أو إضمارًا في النفس، واحذروا أن تواعدوهن على النكاح سرًا بالزنى أو الاتفاق على الزواج في أثناء العدة، إلا أن تقولوا قولا يُفْهَم منه أن مثلها يُرْغَبُ فيها الأزواج، ولا تعزموا","vol":"5","page":92},{"text":"على عقد النكاح في زمان العدة حتى تنقضي مدتها. واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فخافوه، واعلموا أن الله غفور لمن تاب من ذنوبه، حليم على عباده لا يعجل عليهم بالعقوبة.\nقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيكُم﴾ [البقرة: ٢٣٥]، \"أي: لا إثم عليكم\" (١).\nو(الجناح): \"الإثم، وهو أصح في الشرع وقيل: بل هو الأمر الشاق، وهو أصح في اللغة؛ قال الشاعر (٢):\nإذا تعلو براكبها خليجا ... تذكر ما لديه من الجناح\nوالمخاطبة لجميع الناس؛ والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة، أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: \" بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح\" (٤).\nقال الصابوني: أي: \"بخطبة النساء المتوفّى عنهن أزواجهن في العدّة، بطريق التلميح لا التصريح\" (٥).\nقال الخازن: اي: من طلب نكاح \"المعتدات في عدتهم\" (٦).\nقال القاسمي: \" في التعريض بخطبتكم النساء المتوفى عنهن أزواجهنّ قبل انقضاء العدة لتتزوجوهن بعد انقضائها\" (٧).\nقال الخازن: \" و(التعريض): ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده ولكن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وقيل هو الإشارة إلى الشيء بما يفهم السامع مقصوده من غير تصريح به وقيل التعريض من الكلام ما له ظاهر وباطن\" (٨).\nقال القاسمي: \" و(التعريض): إفهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة ولا مجازا. كأن يقال لها: إنك جميلة أو صالحة، أو ربّ راغب فيك، أو من يجد مثلك\" (٩).\nقال ابن عثيمين: و(التعريض) هو أن يأتي الإنسان بكلام لا يصرح فيه بمراده؛ لكنه مقارب، كنا قال الماروردي: \" فهو الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح\" (١٠)، مثل أن يقول للمرأة: (إني في مثلكِ لراغب)؛ (إنكِ امرأة يرغب فيكِ الرجال)؛ (إذا انقضت العدة فأخبريني)؛ وعلى هذا فقس؛ فهذا ليس فيه تصريح أن يخطبها لا لنفسه، ولا لغيره؛ لكنه يسمى تعريضًا؛ والتعريض، والتلويح بمعنًى واحد\" (١١).\nوأما (الخطِبة) فمعناها: \"أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها، ويطلبها إليه؛ فهي\"طلب النكاح\" (١٢)، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأنه عظيم؛ وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول - حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة، وأهلها، ويخطب فيهم - يعني يتكلم بخطبة،\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٩.\n(٢) البيت نسبه القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٨٧ إلى الشماخ، والصواب أنه لبشر بن أبي خازم، وهو في ديوانه: ٩٠، الرواية فيه: إذا ركبت بصاحبها ....\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ١٨٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٦) تفسير الخازن: ١/ ١٦٩.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٨.\n(٨) تفسير الخازن: ١/ ١٦٩.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٥٨.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٣٠٤.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٩.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٠٤.","vol":"5","page":93},{"text":"ثم يبدي أنه يرغبها؛ ومع ذلك يفرقون بين الخِطبة بالكسر؛ وبين الخُطبة بالضم؛ فيقول: الخُطبة بالضم: \" وأما الخُطبة بالضَّمِ فهي كلام يتضمن وعْظًا أو بلاغًا\" (١)، وما أشبه ذلك؛ والخِطبة بالكسر: هي طلب المرأة لتكون زوجة للطالب؛ والمراد بـ ﴿النساء﴾ من مات عنهن أزواجهن\" (٢).\nقال البغوي: \" روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال: يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله ﷺ وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ، قد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله ﷿ وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده\" (٣) \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: أو \" أضمرتم في أنفسكم خطْبَتَهُنّ\" (٥).\nقال النسفي: \" أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين\" (٦).\nقال ابن عثيمين: أي \"أخفيتم، وأضمرتم في أنفسكم\" (٧)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [المتحنة: ١]\nقال البيضاوي: \" أو أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحًا ولا تعريضًا\" (٨).\nقال الماوردي: \" يعني ما أسررتموه من عقدة النكاح\" (٩).\nقال الطبري: \" أو أخفيتم في أنفسكم، فأسررتموه، من خطبتهن، وعزم نكاحهن وهن في عددهن، فلا جناح عليكم أيضا في ذلك، إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله\" (١٠).\nقال مجاهد: \"الإكنان: ذكر خطبتها في نفسه، لا يبديه لها. هذا كله حل معروف\" (١١).\nوروي نحوه عن السدي (١٢)، القاسم بن محمد (١٣)، وابن زيد (١٤)، وسفيان (١٥)، والحسن (١٦).\nيقال: كننته في البيت أو في الأرض، إذا خبأته فيه، ومنه قوله تعالى ذكره: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [سورة الصافات: ٤٩]، أي مخبوء، ومنه قول الشاعر (١٧):\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٣٠٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٩.\n(٣) أخرجه ابن المبارك في كتاب النكاح، راه الدارقطني من رواية محمد بن الصلت عن عبد الرحمن بن سليمان، وهو ابن الغسيل انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص ٢١.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٢٨٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣٩.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٢٧.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٩.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٦.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٠٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ١٠٢.\n(١١) تفسير الطبري (٥١٢٦): ص ٥/ ١٠٣.\n(١٢) تفسير الطبري (٥١٢٨): ص ٥/ ١٠٣.\n(١٣) تفسير الطبري (٥١٢٩): ص ٥/ ١٠٣.\n(١٤) تفسير الطبري (٥١٣٠): ص ٥/ ١٠٣.\n(١٥) تفسير الطبري (٥١٣١): ص ٥/ ١٠٤.\n(١٦) تفسير الطبري (٥١٣٢): ص ٥/ ١٠٤.\n(١٧) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري: ٥/ ١٠٢، ومعاني الفراء ١: ١٥٢، واللسان (كنن). قداميات جمع قدامى، والقدامى واحد. وجمع، وهو هنا واحد. والقدامى والقوادم في الطير: عشر ريشات في كل جناح. وقوله: \" ثلاث من ثلاث قداميات \"، كأنه يريد أنه اختار من قوادم ثلاث من الطير، ثلاث ريشات من ريشه، وكأنه يريد ذلك لأسهمه، يريش الأسهم بها. والصقيع: الذي يسقط بالليل، شبيه بالثلج.","vol":"5","page":94},{"text":"ثلاث من ثلاث قداميات ... من اللائي تكن من الصقيع (١)\nقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، \"أي: قد علم الله أنكم ستذكرونهن: \"إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم؛ فرخص في التعريض دون التصريح\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي قد علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن فرفع عنكم الحرج\" (٣).\nقال البيضاوي: \" ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ\" (٤).\nعن الحسن: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾، قال: الخطبة\" (٥).\nقال مجاهد: \"ذكرك إياها في نفسك. قال: فهو قول الله: \" علم الله أنكم ستذكرونهن \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: \"ولكنْ لا تواعدوهنَّ بالنكاح سرّا\" (٧).\nقال المراغي: \" فإن المواعدة على هذه الحال مدرجة للفتنة، ومظنّة للقيل والقال، بخلاف التعريض فإنه يكون على ملأ من الناس، فلا عار فيه ولا عيب، ولا يكون وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه\" (٨).\nوذكر العلماء في (السر) في قوله تعالى: ﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وجوها (٩):\nأحدها: أنه الزنى، قاله أبو مِجْلَز (١٠)، وأبو الشعثاء - جابر بن زيد - (١١) والحسن البصري (١٢)، وإبراهيم النخعي وقتادة (١٣)، والضحاك (١٤)، والربيع بن أنس (١٥)، وسليمان التيمي (١٦)، والسدي (١٧)، وهو معنى رواية العَوفي عن ابن عباس (١٨).\nواختاره قال الطبري قائلا: \" وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، تأويل من قال: السر، في هذا الموضع، (الزنا)، وذلك أن العرب تسمي الجماع وغشيان الرجل المرأة (سرا)، لأن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه، فيسمى لخفائه (سرا)، من ذلك قوله رؤبة بن العجاج (١٩):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٠٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٩٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٦.\n(٥) تفسير اطبري (٥١٣٣): ص ٥/ ١٠٤.\n(٦) تفسير الطبري (٥١٣٤): ص ٥/ ١٠٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣٩، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥١٣٧): ص ٥/ ١٠٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥١٣٦): ص ٥/ ١٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥١٤٠) - (٥١٤٣): ص ٥/ ١٠٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥١٤٦): ص ٥/ ١٠٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥١٤٩): ص ٥/ ١٠٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٢): ص ٥/ ١٠٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥١٥١): ص ٥/ ١٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥١٤٤): ص ٥/ ١٠٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٠): ٥/ ١٠٧.\n(١٩) ديوانه: ١٠٤، واللسان (عسق) (عشق) (فرك) (سرر)، وفي اللسان في بعض مواده \" إسرارها \" بالكسر، وهو خطأ، وفي بعضها \" الغسق \"، وهو خطأ أيضًا. والأسرار جمع سر. والعسق، مصدر \" عسق به يعسق \": لزمه وأولع به. والفرك (بكسر الفاء وسكون الراء) بغضة الرجل امرأته، أو بغضة امرأته له. وامرأة فارك وفروك، تكره زوجها. ورجل مفرك (بتشديد الراء). لا يحظى عند النساء. والعشق (بكسر فسكون) والعشق (بفتحتين) مصدر \" عشق يعشق \". والضمير في قوله: \" فعف \"، عائد إلى حمار الوحش الذي يصفه ويصف أتنه. والضمير في \" أسرارها \" عائد إلى الأتن.","vol":"5","page":95},{"text":"فعف عن أسرارها بعد العسق ... ولم يضعها بين فرك وعشق\nيعني بذلك: عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك، ومنه قول الحطيئة (١):\nويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع\nوكذلك يقال لكل ما أخفاه المرء في نفسه: (سرا)، ويقال: هو في سر قومه، يعني: في خيارهم وشرفهم.\nثم قال: فلما كان \" السر \" إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأوجه الثلاثة، وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله: \" ولكن لا تواعدوهن سرا \"، وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو \" السر \" الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعد بين المتواعدين، و(السر) الذي بمعنى الغشيان والجماع، فلما لم يبق غيرهما، وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به، صح أن الآخر هو المعني به\" (٢).\nالثاني: ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عِددهن ألا ينكحن غيركم، وهذا قول ابن عباس (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والشعبي (٥)، ومجاهد (٦)، وعكرمة (٧)، والسدي (٨) وقتادة (٩) وسفيان (١٠).\nالثالث: ألا تنكحوهن في عِددهن سرًا، وهو قول عبد الرحمن بن زيد (١١).\nالرابع: أن يقول لها: لا تفوتني نفسك، وهو قول مجاهد (١٢).\nالخامس: الجماع، وهو قول الشافعي (١٣).\nوقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، \" أي إلا وعدا معروفا، وهو التعريض الذي سبق\" (١٤).\nقال الشافعي: أي: \" قولًا حسنًا لا فحش فيه\" (١٥).\nقال المراغي: \"أي لا تواعدوهن بالمستهجن، ولكن واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات إلى نحو ذلك\" (١٦).\n_________\n(١) ديوانه: ٩٣، واللسان (أنف) يمدح بني رياح وبني كليب من بني يربوع. أنف كل شيء: طرفه وأوله. والقصاع جمع قصعة: وهي الجفنة الضخمة. يذكر عفتهم وحفاظهم وامتناعهم من انتهاك حرمة الجارة، واقتراف الإثم في حقها، ويصف كرمهم وإيثارهم جارهم بالطعام على أنفسهم، فلا يتقدمونه إلى الطعام حتى يأخذ منه ما يشتهي وما يكفيه. وقبل البيت: فليس الجار جار بني رياح ... بمقصى في المحل ولا مضاع\nهم صنعوا لجارهم، وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ١١٠ - ١١١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٤): ص ٥/ ١٠٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٥): ص ٥/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٧): ص ٥/ ١٠٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٦): ص ٥/ ١٠٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥١٥٦): ص ٥/ ١٠٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥١٦١): ص ٥/ ١٠٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥١٦٢): ص ٥/ ١٠٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥١٦٣): ص ٥/ ١٠٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥١٧١): ص ٥/ ١١٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥١٦٩): ص ٥/ ١٠٩ - ١١٠.\n(١٣) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٣٩١، ونقله الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٠٤.\n(١٤) التحرير والتنوير: ٢/ ٤٥٣.\n(١٥) تفسير الشافعي: ١/ ٣٩١.\n(١٦) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٨.","vol":"5","page":96},{"text":"قال الصابوني: \" إِلا بطريق التعريض والتلويح وبالمعروف الذي أقرّه لكم الشرع\" (١).\nقال البيضاوي: \"وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة، أو إلا مواعدة بقول معروف. وقيل إنه استثناء منقطع من سرًا وهو ضعيف لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو غير موعود. وفيه دليل حرمة تصريح خطبة المعتدة وجواز تعريضها إن كانت معتدة وفاة. واختلف في معتدة الفراق البائن والأظهر جوازه\" (٢).\nقال الرازيّ: \" لما أذن في أول الآية بالتعريض، ثم نهى عن المسارة معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم\" (٣).\nقال ابن عاشور: \" فإن القول المعروف من أنواع الوعد إلا أنه غير صريح، وإذا كان النهي عن المواعدة سرا، علم النهي عن لمواعدة جهرا بالأول\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \"يقول: إني فيك لراغب، وإني لأرجو أن نجتمع\" (٥).\nقال ابن عباس: \": هو قوله: \" إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك \" (٦).\nقال مجاهد: \"يعني التعريض\" (٧).\nقال السدي: \" هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها فيقول: \" والله إنكم لأكفاء كرام، وإنكم لرغبة، وإنك لتعجبيني، وإن يقدر شيء يكن \". فهذا القول المعروف\" (٨).\nقال الضحاك: \"المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها، فيأتيها الرجل فيقول: \" احبسي علي نفسك، فإن لي بك رغبة، فتقول: \" وأنا مثل ذلك \"، فتتوق نفسه لها. فذلك القول المعروف\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٤٣٩]، أي \"ولا تصمموا تصميما جازما على الارتباط الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهى عدتها\" (١٠).\nقال النسفي: \" ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو ولا تقطعوا عقدة النكاح\" (١١).\nقال الطبري: \" ولا تصححوا عقدة النكاح في عدة المرأة المعتدة، فتوجبوها بينكم وبينهن، وتعقدوها قبل انقضاء العدة يبلغن أجل الكتاب الذي بينه الله تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، \"حتى ينتهي ما كتب من العدة\" (١٣).\nقال مجاهد: \"حتى تنقضي العدة\" (١٤). وروي نحوه عن السدي (١٥) وقتادة (١٦) والربيع (١٧) وابن عباس (١٨) والضحاك (١٩) والشعبي (٢٠) وسفيان (٢١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٦.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٢.\n(٤) التحرير والتنوير: ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(٥) تفسير الطبري (٥١٧٢): ص ٥/ ١١٣ - ١١٤.\n(٦) تفسير الطبري (٥١٧٣): ص ٥/ ١١٤.\n(٧) تفسير الطبري (٥١٧٤): ص ٥/ ١١٤.\n(٨) تفسير الطبري (٥١٧٦): ص ٥/ ١١٤.\n(٩) تفسير الطبري (٥١٧٩): ص ٥/ ١١٥.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٩.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٢٧.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ١١٥.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٦.\n(١٤) تفسير الطبري (٥١٨٠): ص ٥/ ١١٥.\n(١٥) تفسير الطبري (٥١٨١): ص ٥/ ١١٥ - ١١٦.\n(١٦) تفسير الطبري (٥١٨٢): ص ٥/ ١١٦.\n(١٧) تفسير الطبري (٥١٨٣): ص ٥/ ١١٦.\n(١٨) تفسير الطبري (٥١٨٤): ص ٥/ ١١٦.\n(١٩) تفسير الطبري (٥١٨٦): ص ٥/ ١١٦.\n(٢٠) تفسير الطبري (٥١٨٧): ص ٥/ ١١٦.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٥١٨٩): ص ٥/ ١١٦.","vol":"5","page":97},{"text":"قال أبو حيان: \" وإذا كان العزم منهيًا عنه فأحرى أن ينهي عن العقدة \" (١).\nوقد ذكر العلماء في لفظ العزم وجوها (٢):\nالأول: أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله [آل عمران: ١٥٩]\nالقول الثاني: أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال: عزمت عليكم، أي أوجبت عليكم ويقال: هذا من باب العزائم لا من باب الرخص، وقال ﵊: \"عزمة من عزمات ربنا\" (٣)، وقال: \"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه\" (٤).\nقال الرازي\": \"ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز، وعلى هذا فقوله: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾، أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلا، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين\" (٥).\nالقول الثالث: قال القفال ﵀: \"إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح، لأن المعنى: لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح، كما تقول: عزمت عليك أن تفعل كذا\" (٦).\nو(أجل) الشيء: \"منتهاه، وغايته؛ أي حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله ﷾\" (٧).\nوفي ﴿الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، قولان (٨):\nالأول: المراد منه: المكتوب، والمعنى: تبلغ العدة المفروضة آخرها، وصارت منقضية.\nوالثاني: أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، كقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته.\nقال النسفي: \" وسميت العدة كتابًا لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته\" (٩).\nقال الرازي: \"وإنما حسن أن يعبر عن معنى: فرض، بلفظ كتب، لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٢.\n(٣) مسند الإمام احمد (١٩٥١٤): ص ٥/ ٢، وسنن النسائي (٢٤٤٤): ص ٥/ ١٦. من حديث بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن لابيه عن جده. سنن ابي داود (١٥٧٥): ص ٢/ ١٠١.\n(٤) مصنف أبي شيبة: ٦/ ٢٣٤، والسنن الكبرى: ٣/ ١٤٠. والمعجم الكبير: (١٠٠٣٠): ص ١٠/ ٨٥.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٢.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦١. وقال: والمراد بـ ﴿الكتاب﴾، هنا - كما ذكره المفسرون - \"العدة؛ لأن الله ﷾ فرضها؛ فهي مفروضة؛ يعني حتى يبلغ المفروض أجله؛ والمفروض هي العدة؛ ويحتمل أن يكون المراد بـ ﴿الكتاب﴾ هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت، أو طلاق، أو نحوه، كأن يقال مثلًا: توفي في يوم كذا؛ ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾ يعني اضبطوها، وحرروها؛ وعلى هذا فيكون المعنى الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب العدة من وفاة، أو طلاق\". [تفسيره: ١/ ١٦١].\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٤.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ١٢٧.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣.","vol":"5","page":98},{"text":"قال ابن كثير: \" وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: \"واعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه فى قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا أن تعزموا على ما حظر عليكم من قول أو فعل\" (٢).\nقال البغوي: \" أي فخافوا الله\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: فانووا الخير، ولا تنووا الشر، خوفا من عقابه ورجاء لثوابه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر\" (٥).\nقال الرازي: \" وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية\" (٦).\nقال المراغي: \"وقد جاء هذا التحذير عقب ذكر الأحكام المتقدمة على سنن القرآن من قرن الأحكام بالموعظة ترغيبا وترهيبا، ليكون ذلك آكد في المحافظة عليها والعناية بها\" (٧).\nوقيل: \"المعنى ما في أنفسكم من هواهنّ، وقيل: من الوفاء والإخلاف\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل أمر؛ وأتى ﷾ به للأهمية، والتحذير من المخالفة؛ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه (٩).\nواختلف في الضمير (الهاء) في قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، على وجهين:\nأحدهما: أنها تعود على الله تعالى، أي: فاحذروا عقابه (١٠).\nوالثاني: ويحتمل أن تعود على ما لا يجوز من العزم، أي فاحذروا ما لا يجوز ولا تعزموا عليه. قاله الزمخشري (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: \"واعلموا أن الله غفور رحيم لما فرط منكم من الذنب، حليم لا يعجل بالعقوبة (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤٠. ثم قال: \" واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد. واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب، وسليمان بن يسار: أن عمر، ﵁، قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا.\nقالوا: ومأخذ هذا: أن الزوج لما استعجل ما أجل الله، عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد، كالقاتل يحرم الميراثَ. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد، لقول علي: إنها تحل له. قلت: ثم هو (٦) منقطع عن عمر. وقد روى الثوري، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق: أن عمر رجع عن ذلك وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان\". [تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤٠ - ٦٤١].\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٩.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٨٣.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١٠٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤٢.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٩.\n(٨) تفسيبر البحر المحيط: ٢/ ٢٣٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦١.\n(١٠) انظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٩.\n(١١) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٨٤.\n(١٢) التفسير الواضح: ١/ ١٥٣.","vol":"5","page":99},{"text":"قال السعدي: غفور \"لمن صدرت منه الذنوب، فتاب منها، ورجع إلى ربه، ﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم، مع قدرته عليهم\" (١).\nقال ابن كثير: \" ثم لم يُؤْيِسْهُم من رحمته، ولم يُقْنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ \" (٢).\nقال المراغي: \" أي واعلموا أن الإنسان إذا تعدى حدود الله وأراد الرجوع إليه بالتوبة يغفر له، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا بصالح أعمالهم ما أفسدوا بما سبق من زلّاتهم، فعليكم أن تجتنبوا أسباب العقوبة، وتعملوا بما أمرتم به، وتغتنموا زمان الحياة القصيرة حتى لا تأسوا على ما فاتكم\" (٣).\nوالـ ﴿غفور﴾ مأخوذ من: الـ (غَفْر) وهو الستر مع الوقاية؛ والمراد به ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ والـ (حليم) هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها\" (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾.\n٢ - ومنها: تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله تعالى: ﴿فيما عرضتم به﴾ فنفي الجناح عن التعريض - وهو دون التصريح - يدل على تحريم التصريح؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدهن سرًا﴾.\nتكميلًا لهذه الفائدة نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحًا وتعريضًا؛ وتباح تصريحًا وتعريضًا؛ وتحرم تصريحًا لا تعريضًا؛ فالأول: في الرجعية لغير زوجها؛ فيحرم على الإنسان أن يخطب الرجعية لا تصريحًا، ولا تعريضًا؛ والرجعية هي المعتدة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد؛ لأنها زوجة، كما قال تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى أن قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ والتي تحل تصريحًا وتعريضًا هي البائن من زوجها بغير الثلاث، كالمطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها بسبب، وما أشبه ذلك؛ فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضًا، وتصريحًا، وأن يتزوجها؛ والتي تباح تعريضًا لا تصريحًا كل مبانة لغير زوجها؛ فيجوز لغير زوجها أن يعرض بخطبتها بدون تصريح، كالمتوفى عنها زوجها تجوز خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.\n٣ - ومن فوائد الآية: جواز إضمار الإنسان في نفسه خطبة امرأة لا يجوز له التصريح بخطبتها؛ لقوله تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾.\n٤ - ومنها: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه، ولغيره؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾؛ فلو قال شخص: «إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان المتوفى عنها زوجها» يحدث غيره: فلا بأس به.\n٥ - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من الوفاة بالنكاح، فيقول: «إذا انتهت عدتك فإنني سأتزوجك»؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدهن سرًا﴾.\n٦ - ومنها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولًا معروفًا﴾.\n٧ - ومنها: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة إلا من زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤١.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٤٣٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٦٢.","vol":"5","page":100},{"text":"ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أن النكاح باطل؛ لقوله -ﷺ-: \"فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل - وإن كان مائة شرط\" (١)، وقوله -ﷺ-: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٢)؛ فلو عقد عليها في العدة فالعقد باطل؛ وهل له أن يتزوجها بعد انقضاء العدة؟ اختلف العلماء - ﵏ - هل تحل له لزوال المانع؛ وهو قول الجمهور؛ أو لا تحل له عقوبة له لتعجله الشيء قبل أوانه على وجه محرم؛ في المسألة قولان؛ وينبغي أن يرجع في ذلك إلى حكم الحاكم فيحكم بما يراه أصلح للعباد.\n٨ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى العناية بالعدة، وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾.\n٩ - ومنها: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾؛ ومن فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه، وتحرص عليه حتى تدركه؛ فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان، ولا ينساه.\n١٠ - ومنها: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾.\nويتفرع على هذا: أن لا يضمر الإنسان في نفسه ما لا يرضاه الله ﷿.\n١١ - ومنها: أن هذا القرآن العظيم مثاني - بمعنى تُثَنَّى فيه الأمور، والمواضيع؛ فإذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار؛ وإذا ذكر الرجاء ذكر معه الخوف ... وهكذا؛ وقد نص الله على ذلك فقال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني﴾ [الزمر: ٢٣]- وهو هذا القرآن؛ ومثاله في هذه الآية: أن الله ﷾ لما حذَّر قال: ﴿واعلموا أن الله غفور حليم﴾.\n١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و«الحليم»؛ وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن للصفة؛ فإذا كان متعديًا فهو يتضمن الحكم؛ وإن كان غير متعدٍّ لم يتضمنه؛ وربما يدل على أكثر من صفة بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة: مطابقة، وتضمن، والتزام؛ فـ «المطابقة» دلالة اللفظ على جميع معناه؛ و«التضمن» دلالته على بعض معناه؛ و«الالتزام» دلالته على لازم خارج؛ مثل «الخالق» من أسماء الله؛ دلالته على الذات، والخلق: مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو على الخلق وحده: تضمن؛ ودلالته على العلم، والقدرة: التزام؛ فلا يمكن أن يكون خالقًا إلا أن يكون عالمًا قادرًا؛ لأنه لا يخلق من لا يقدر؛ ولا يخلق من لا يعلم؛ فلا بد أن يكون عالمًا قادرًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فذكر العلم، والقدرة بعد أن ذكر أنه خلق؛ ولا يمكن أن يكون هناك خلق إلا أن يعلم كيف يخلق، ويقدر على ذلك.\nالقرآن\n﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٠١ - ٢٠٢، كتاب المكاتب، باب ٣: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم ٢٥٦٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٣٧، كتاب العتق، باب ١: ذكر سعاية العبد، حديث رقم ٣٧٧٩ [٨] ١٥٠٤.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٥: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٦٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢ - ٩٨٣، كتاب الأقضية، باب ٨: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٤٤٩٣ [١٨] ١٧١٨، واللفظ لمسلم.","vol":"5","page":101},{"text":"لا إثم عليكم -أيها الأزواج- إن طلقتم النساء بعد العقد عليهن، وقبل أن تجامعوهن، أو تحددوا مهرًا لهن، ومتِّعوهن بشيء ينتفعن به جبرًا لهن، ودفعًا لوحشة الطلاق، وإزالة للأحقاد. وهذه المتعة تجب بحسب حال الرجل المطلِّق: على الغني قَدْر سَعَة رزقه، وعلى الفقير قَدْر ما يملكه، متاعًا على الوجه المعروف شرعًا، وهو حق ثابت على الذين يحسنون إلى المطلقات وإلى أنفسهم بطاعة الله.\nفي سبب نزول الآية قال مجاهد: \"نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فقال له النبي ﷺ: \"أطلقتها؟ \" قال: نعم إني لم أجد نفقة. قال: \"متعها بقلنسوتك أما إنها لا تساوي شيئا، ولكن أردت أن أحيي سنة\" (١).\nقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [القرة: ٢٣٦]، أي: \" لا يلزمكم شاء من المهر وغيره عند طلاقكم للنساء\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: \" ما لم تجامعوهن\" (٤).\nقال المراغي: أي: \" قبل الدخول بهن\" (٥).\nوقرأ ابن مسعود: ﴿من قبل أن تجامعوهن﴾، أخرجه عنه ابن جرير (٦).\nواختلف أهل العلم في إعراب ﴿ما﴾ [البقرة: ٢٣٦]، على ثلاثة أقوال (٧):\nالأول: هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، أي: مدة عدم مسيسكم.\nوالثاني: ونقل أبو البقاء: أنها شرطية، من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني قيدا للأول كما في قولك: إن تأتني أن تحسن إلي أكرمك، أي: إن تأتني محسنا إلي، والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسين لهن، ومنها قوله تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط.\nوالثالث: وقيل إنها موصولة أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.\nقلت: المعنى واحد؛ ولكن الاختلاف في الإعراب. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿ما لم تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قراءتان (٨):\nالأولى: قرأ حمزة والكسائي: ﴿تُماسوهن﴾، بالألف على المفاعلة، وكذلك في \"الأحزاب\" (٩).\nوحجتهم: أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعا وأيضا يدل على ذلك قوله تعالى: من قبل أن يتماسا [المجادلة: ٣] وهو إجماع.\nالثانية: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ بغير الألف. وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.\n_________\n(١) العجاب: ١/ ٥٩٦، ربما كان هذا القول من تفسير ابن ظفر نقله عنه ابن حجر، ولم اجد الخبر في تفسير الطبري وابن كثير والسيوطي، ورأيت مثله غير منسوب لقائل في \"تفسير مقاتل بن سليمان\" \"١/ ١٢٣\" وفيه بدل قوله: \"أطلقتها\". وجوابه: \"هل متعتها بشيء؟ \" قال: لا قال: \"متعها ... \" إلخ وقد نقله ابن الجوزي في زاده \"١/ ٢٧٩\"، وانظر: تفسير الخازن: ١/ ١٧٠.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٤١.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٥٢.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢٥٢.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٤٤١.\n(٦) نقلا عن: فتح القدير: ١/ ٢٥٢.\n(٧) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٥٢.\n(٨) انظر: السبعة: ١٨٣ - ١٨٤، وتفسير الطبري: ٥/ ١١٨ - ١١٩، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٤، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦٧.\n(٩) وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].","vol":"5","page":102},{"text":"واحتجوا بإجماعهم على قوله: ﴿ولم يمسسني بشر﴾ [آل عمران: ٤٧]، فجعل المسّ من جانب واحد وهو الرجل، ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله: ﴿لم يطمثهن﴾ [الرحمن: ٥٦] وكقوله: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ [النساء: ٢٥] وأيضا المراد من هذا المس: الغشيان، وذلك فعل الرجل، ويدل في الآية الثانية على المراد من هذا المس الغشيان، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار، وبعض من قرأ: ﴿تماسوهن﴾ قال: إنه بمعنى (تمسوهن)، لأن فاعل قد يراد به فعل، كقوله: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وهو كثير (١).\nقلت: إن كلا القولين بمعنًى واحد؛ والمراد به الجماع؛ لكن جرت عادة العرب - والقرآن بلسان عربي مبين - أن يُكَنوا عما يستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه؛ ولكل من القراءتين وجه كما سبق. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: \" أو توجبوا لهن صداقا واجبا\" (٢).\nقال ابن عباس: \"الفريضة: الصداق\" (٣).\nقال الدكتور محمد الحجازي: أي: \"وقبل أن تحددوا لهن صداقا\" (٤).\nقال المراغي: \" إلا إذا سميتم لهن مهرا\" (٥).\nقال الزمخشري: \" إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر\" (٦).\nقال السعدي: \" وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسر لها، فإنه ينجبر بالمتعة\" (٧).\nقال النسفي: \"وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى إن سمى لها مهر، وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصف مهر المثل بل تجب المتعة\" (٨).\nوأصل (الفرض) في اللغة: الواجب، كما قال الشاعر (٩):\nكَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ، كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ\nيعني: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا. ولذلك قيل: \" فرض السلطان لفلان ألفين، يعني بذلك: أوجب له ذلك، ورزقه من الديوان (١٠).\nوكما يقال: فرض السلطان لفلان في الفيء، يعني أوجب له ذلك (١١).\nوذكر العلماء في معنى ﴿أو﴾ في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وجوها (١٢):\nأحدها: أنها بمعنى (الواو)، أي: ولم تفرضوا لهن فريضة.\nقال الراغب: \"و﴿أو﴾ فى نحو هذا الموضع يفيد ما يفيد (الواو) على وجه، وذاك أنه إذا قيل: \" افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو يقتضي أن يفعله إن جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعًا، لأنه\n_________\n(١) انظر: العجاب: ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ١٢٠.\n(٣) تفسير الطبري (٥١٩٢): ص ٥/ ١٢٠.\n(٤) تفسير الواضح: ١/ ١٥٣.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٤٤١.\n(٦) الكشاف: ١/ ٢٨٤.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٥.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٢٧.\n(٩) البيت للنابغة الجعدي، انظر: معاني القرآن للفراء ١: ٩٩، ١٣١، ومشكل القرآن: ١٥٣، والإنصاف: ١٦٥، وأمالي الشريف ١: ٢١٦، والصاحبي: ١٧٢، وسمط اللآلي: ٣٦٨، واللسان (زنا).\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ١٢٠.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٠٥.\n(١٢) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٥٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٥.","vol":"5","page":103},{"text":"قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: \" جالس الحسين وابن سيرين \" يقتضي أنه إذا جالسهما، فقد امتثل، وعلى هذا قوله﷿: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] (١)، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] (٢)، فظاهر الآية يقتضي أنه لم يكن مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران، فلها المتعة كالأمثلة المتقدمة\" (٣).\nقال الرازي: \" وذكر كثير من المفسرين أن (أو) هاهنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعا والله أعلم\" (٤).\nوالثاني: أن في الكلام حذفًا وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة.\nوالثالث: أنها بمعنى (إلا)، والمعنى: إلا أن تفرضوا.\nوالرابع: أنها بمعنى (حتى)، أي: حتى تفرضوا.\nقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: \"أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على حسب أحوالكم في الغنى والإقتار\" (٥).\nقال الطبري: أي \" وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم، على أقداركم ومنازلكم من الغنى والإقتار\" (٦).\nقال ابن كثير: \"معناه: أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن\" (٧).\nقال ابن حجر: \" وهو (٨) ما يعطي الزوج المطلقة بعد طلاقها إحسانًا إليها، وأما غير المدخول بها فمتاعها ما فرض لها\" (٩).\nوفي ﴿قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قراءتان (١٠):\nإحداهما: ﴿قَدَرُهُ﴾ بفتح الدال؛ قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم.\nوالثانية: ﴿قَدْرُهُ﴾ بسكونها؛ وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر.\nقال ابن عثيمين: \" فعلى القراءة الأولى يكون المعنى ما يقدِر عليه؛ وعلى الثانية يكون المعنى بقَدْره، أي بقدر سعته\" (١١).\nو﴿الْمُوسِعِ﴾: \" هو الغني الكثير المال؛ و﴿المُقْتِر﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء\" (١٢).\nقال ابن حجر: ﴿الْمُوسِعِ﴾ \" أي: من يكون ذا سعة (١٣).\nواختلف في قدر (المتعة) على ثلاثة أقاويل (١٤):\n_________\n(١) أي: \"وكفورا\". [تفسير ابن القرطبي: ٣/ ٢٠٠].\n(٢) معناه \"وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون\". [تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٠].\nومنه قوله: ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وما كان مثله.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٩٠.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٦.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٠٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ١٢٠.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٠.\n(٨) أي: متاع المطلقة.\n(٩) الهدي: ١٩٥.\n(١٠) انظر: السبعة: ١٨٤.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦٨.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦٨.\n(١٣) الفتح: ٨/ ٤٦٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٢١ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٥.","vol":"5","page":104},{"text":"أحدها: أن المتعة الخادم، ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة، وهو قول ابن عباس والشعبي وعامر والربيع بن أنس وقتادة وعبدالرحمن بن عوف وابن سيرين وابن شهاب (١).\nوالثاني: أنه قدر نصف صداق مثلها، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢).\nوالثالث: أنه مُقَدَّر باجتهاد الحاكم، وهو قول الشافعي (٣).\nوالراجح هو القول الأول، بأن \"الواجب من ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عسره ويسره، كما قال الله تعالى ذكره: \" على الموسع قدره وعلى المقتر قدره \"، لا على قدر المرأة. ولو كان ذلك واجبا للمرأة على قدر صداق مثلها إلى قدر نصفه، لم يكن لقيله تعالى ذكره: \" على الموسع قدره وعلى المقتر قدره \"، معنى مفهوم ولكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن\" (٤).\nواختلفوا في وجوب (المتعة) في قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦]، على أقوال (٥):\nأحدها: أنه تجب المتعة لكل مطلقة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن. قاله سعيد بن جبير (٦)، وأبو العالية (٧)، والحسن (٨). وانتصر له الطبري (٩).\nالثاني: أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها، فلا متعة لها. وهو قول ابن عمر (١٠)، وسعيد بن المسيب (١١)، ومجاهد (١٢)، ونافع (١٣)، وابن ابي نجيح (١٤)، وشريح (١٥).\nالثالث: أنها حق لكل مطلقة، غير أن منها ما يقضى به على المطلق، ومنها ما لا يقضى به عليه، ويلزمه فيما بينه وبين الله إعطاؤه. قاله الزهري (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٢١ - ١٢٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٢٤. قال ابن كثير: \"ذهب أبو حنيفة، ﵀، إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها\". [تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤١].\nوجاء في موسوعة الفقه الاسلامي [٤/ ٦٨ - ٦٩]: \" يجب على الزوج نصف المهر إذا طلق زوجته قبل الدخول بها، وكان قد فرض لها صداقًا.\nوإن طلقها قبل الدخول، ولم يفرض لها صداقًا، فلا مهر لها، لكن تجب عليه المتعة للمرأة حسب يُسْر الزوج وعُسْره، قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧] \".\n(٣) وهو قول الشافعي في الجديد: \"لا يجبر الزوج على قدر معلوم، إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليَّ أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة. وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرًا إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا؛ لما روي عن ابن عمر، ﵄\". [تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤١].\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ١٢٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٢٥ وما بعدها، وتفسير ابن كثير: ١/ ٦٤١ - ٦٤٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٢١١): ص ٥/ ١٢٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٢٠٩): ص ٥/ ١٢٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٢٠٩)، و(٥٢١٠)، و(٥٢١٤): ص ٥/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٢٥ - ١٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٢١٥): ص ٥/ ١٢٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٢١٧) - (٥٢٢٠): ص ٥/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٢٢١)، و(٥٢٢٢): ص ٥/ ١٢٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٢٢٣): ص ٥/ ١٢٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٢٢٤): ص ٥/ ١٢٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٢٢٦)، و(٥٢٢٧): ص ٥/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٢٢٩)، و(٥٢٣٠): ص ٥/ ١٢٨ - ١٣٠.","vol":"5","page":105},{"text":"الرابع: أنها غير واجبة، وإنما الأمر بها ندب وإرشاد، وهو قول شريح (١).\nالخامس: أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق، وهو قول الشافعي (٢).\nقال الطبري: \" وكأن قائلي هذا القول ذهبوا في تركهم إيجاب المتعة فرضا للمطلقات، إلى أن قول الله تعالى ذكره: \" حقا على المحسنين \"، وقوله: \" حقا على المتقين \"، دلالة على أنها لو كانت واجبة وجوب الحقوق اللازمة الأموال بكل حال، لم يخصص المتقون والمحسنون بأنها حق عليهم دون غيرهم، بل كان يكون ذلك معموما به كل أحد من الناس، وأما موجبوها على كل أحد سوى المطلقة المفروض لها الصداق، فإنهم اعتلوا بأن الله تعالى ذكره لما قال: \" وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين \"، كان ذلك دليلا على أن لك مطلقة متاعا سوى من استحدثناه الله تعالى ذكره في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ. فلما قال: \" وإذ طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم \"، كان في ذلك دليل عندهم على أن حقها النصف مما فرض لها، لأن المتعة جعلها الله في الآية التي قبلها عندهم، لغير المفروض لها. فكان معلوما عندهم بخصوص الله بالمتعة غير المفروض لها، أن حكمها غير حكم التي لم يفرض لها إذا طلقها قبل المسيس، فيما لها على الزوج من الحقوق\" (٣).\nوالراجح هو قول من قال: \" لكل مطلقة متعة، لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض. فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام، إلى باطن خاص، إلا بحجة يجب التسليم لها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِين﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: \" تمتيعًا بالمعروف حقًّا على المؤمنين المحسنين\" (٥).\nقال المراغي: \"وجعل هذه المتعة حقا واجبا على من يريد الإحسان في معاملة المرأة بما يتعارفه الناس بينهم\" (٦).\nقال البغوي: \" أي: بما أمركم الله به من غير ظلم\" (٧).\nقال القرطبي: \" أي يحق ذلك عليهم حقا\" (٨).\nقال ابن حجر: \" المتاع: ما يتمتع به، أي: ينتفع\" (٩).\nو﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أي على فاعلي الإحسان، و(الإحسان) هنا ما كان موافقًا للشرع؛ فإذا قرن بـ (العدل) صار المراد بـ (الإحسان) الفضل الزائد على العدل، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]؛ فـ (الإحسان) تارة يراد به موافقة الشرع - ولو كان شيئًا واجبًا -؛ وتارة يراد به ما زاد على الواجب؛ وهذا إذا قُرن بـ «العدل» (١٠).\nوذكر العلماء بأن \" الحكمة في شرع هذه المتعة، أن في الطلاق قبل الدخول امتهانا وسوء سمعة لها، لأن فيه إيهاما للناس بأن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه شاء من أخلاقها، فإذا هو متعها متاعا حسنا تزول هذه الغضاضة، ويكون ذلك شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قبله لا من قبلها ولا علة فيها، فتحتفظ بما كان لها من صيت وشهرة طيبة، ويتسامع الناس ويقولون إن فلانا أعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر وهو معترف بفضلها، لا أنه رأى فيها عيبا، أو رابه من أمرها شاء، فيكون ذلك كالمرهم لجرح القلب، وجبر وحشة الطلاق.\nوقد أثر عن الحسن السبط، أنه متّع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم فقالت: \"متاع قليل من حبيب مفارق\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾؛ وربما يشعر قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ أن الأولى عدم ذلك؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها، وقدم إليها الصداق فيه شيء على المرأة، وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره، وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٥٢٣١) - (٥٢٣٣): ص ٥/ ١٢٩.\n(٢) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٣٣٧ - ٣٣٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ١٢٩ - ١٣٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ١٣٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ٤٤١.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ١٨٤.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٠.\n(٩) الهدي: ١٩٥، وانظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٢/ ٢٩١، لسان العرب لابن منظور: ٦/ ٤١٢٧، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٥/ ٢٩٣، القاموس المحيط للفيروزآبادي: ٦٨٦، البسيط للواحدي: ١/ ١٢١ أ، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٩، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٦٥، المفردات للراغب: ٤٦١، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي: ٦٣٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦٨.\n(١١) رواه الطبري بنحوه في تفسيره (٥٢٠٦): ص ٥/ ١٢٣، من طريق عبد الرزاق به، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٤١، وتفسير البغوي: ١/ ٤٤١. وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن الحسن بن علي ﵄ كان كثير التزوج، كثير التطليق.\nقال ابن كثير ﵀: \" قالوا: وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا، مصداقا، يقال إنه أحصن سبعين امرأة \" انتهى من \"البداية والنهاية\" (٨/ ٤٢).\nوذكرا نحوا من هذا الذهبي ﵀ في \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٢٥٣)، وينظر أيضا: \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (١٣/ ٢٥١)، \"تاريخ الإسلام\" للذهبي (٤/ ٣٧)، \"محاضرات الأدباء\"، للراغب الأصفهاني (١/ ٤٠٨).\nولكن لا بد لنا أن نعلم أن كثيرا من مرويات التاريخ لا تصح، ولذلك يجب علينا أن نكون منها على حذر، وخاصة إذا كانت تخص أحدا من أعلام الإسلام وسادات المسلمين.\nقال الحافظ العراقي ﵀ في \"ألفية السيرة\" (ص: ١) \" \"وليعلمِ الطالبُ أنَّ السّيَرَا تَجمَعُ ما صحَّ وما قدْ أُنْكرَا\".\nوقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀: \" على أن حاجة التاريخ إلى معرفة أحوال ناقلي الوقائع التاريخية، أشد من حاجة الحديث إلى ذلك؛ فإن الكذب والتساهل في التاريخ أكثر \" انتهى. علم الرجال وأهميته\" (ص: ٢٤).\nوما ورد من كون الحسن بن علي ﵄ كان قد تزوج بأكثر من سبعين امرأة، أو تسعين، ونحو ذلك من الروايات، لم نقف على إسناد تقوم به الحجة لشيء منها، فينبغي التوقف في قبولها، والتريث في التعويل عليها.\nيقول الدكتور علي محمد الصلابي في كتابه عن الحسن بن علي ﵁ (ص: ٢٧): \" وقد ذكر المؤرخون أن من زوجاته، خولة الفزازية، وجعدة بنت الأشعث، وعائشة الخثعمية، وأم إسحاق بنت طلحة بنت عبيد الله التميمي، وأم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري، وهند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وأم عبد الله وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي وامرأة من بني ثقيف وامرأة من بني عمرو بن أهيم المنقري، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة. وربما تجاوز هذا العدد بقليل، وهو كما ترى لا يمتّ إلى الكثرة المزعومة بصلة، بعرف ذلك العصر.\nوأما ما رواه رواة الأثر، في كونه تزوج سبعين، وفي بعض الروايات تسعين، والبعض الآخر مائتين وخمسين، والبعض الآخر ثلاثمائة، وروي غير هذا؛ إلا أنه من الشذوذ بمكان، وهذه الكثرة المزعومة موضوعة. وأما الروايات فهي كالتالي: ... \" ثم شرع في تخريج هذه المرويات وبيان ضعفها ووهائها، فانظره في المصدر السابق (ص ٢٨ – ٣١). ثم قال حفظه الله (ص: ٣١): \" إن الروايات التاريخية التي تشير إلى الأعداد الخيالية في زواج الحسن بن علي ﵁ لا تثبت من حيث الإسناد، وبالتالي لا تصلح للاعتماد عليها نظرًا للشبه والطعون التي حامت حولها\".\nإلى أن قال: \"ومن هنا تتضح أهمية علم الجرح والتعديل والحكم على الروايات والدور العظيم الذي قام به علماء الحديث في بيان زيف مثل هذه الأخبار.\nولذلك ننصح الباحثين في تاريخ صدر الإسلام بالاهتمام بنقد مثل هذه الروايات، حتى يميزوا صحيحها من سقيمها، فيقدموا للأمة خدمة جليلة ولا يتورطوا مثل ما تورط فيه بعض السادة الذين لا نشك في نواياهم، بسبب اعتمادهم في بحوثهم على الروايات الضعيفة والموضوعة \" انتهى.\nولعل الحافظ ابن كثير ﵀ أشار إلى أن ما ورد في ذلك لم يصح بقوله: \" يقال إنه أحصن سبعين امرأة \" فتصديره الكلام بصيغة التمريض مشعر بعدم الثبوت، أو على الأقل بعدم الوقوف على إسناد تقوم به الحجة في ذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":106},{"text":"٢ - ومنها: إطلاق المس على الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿ما لم تمسوهن﴾.\n٣ - ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر؛ لقوله تعالى: ﴿أو تفرضوا﴾ يعني: ما لم تفرضوا لهن فريضة؛ وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة، وشرط ألا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح غير صحيح - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وهو الراجح؛ لأن الله اشترط للحل المال؛ قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]؛ ولأن النكاح إذا شرط فيه عدم المهر صار بمعنى الهبة؛ والنكاح بالهبة خاص بالنبي ﷺ؛ والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يشترط المهر ويعيَّن؛ وإما أن يسكت عنه؛ وإما أن يشترط عدمه؛ ففي الحال الأولى يكون النكاح صحيحًا، ولا نزاع فيه؛ وفي الثانية النكاح صحيح، ولها مهر المثل؛ وفي الثالثة موضع خلاف بين أهل العلم؛ وسبق بيان الراجح.\n٤ - ومن فوائد الآية: وجوب المتعة على من طلق قبل الدخول، ولم يسم لها مهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾.\n٥ - ومنها: أن ظاهر الآية الكريمة أنه إذا خلا بها، ولم يمسها لم يكن عليه إلا المتعة؛ لكن الصحابة ألحقوا الخلوة بها بالمسيس في وجوب العدة؛ وقياس ذلك وجوب مهر المثل إذا خلا بها، ولم يسم لها صداقًا.\n٦ - ومنها: أن العبرة في المتعة حالُ الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره؛ وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.\n٧ - ومنها: امتناع التكليف بما لا يطاق؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾؛ وهذه القاعدة دل عليها القرآن في عدة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n٨ - ومنها: مراعاة الأحوال في الأحكام؛ فيثبت في كل حال ما يناسبها؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.\n٩ - ومنها: أن للعرف اعتبارًا شرعيًا؛ لقوله تعالى: ﴿متاعًا بالمعروف﴾.\n١٠ - ومنها: أن الحق إما أن يكون في الأخبار، أو يكون في الأحكام؛ فإن كان في الأخبار فهو الصدق؛ وإن كان في الأحكام فهو العدل؛ وقد يجمع بين العدل وبين الصدق، فيحمل الصدق على الخبر؛ والعدل على الأحكام، مثل قوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nالقرآن\n﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧]\nالتفسير:\nوإن طلَّقتم النساء بعد العقد عليهن، ولم تجامعوهن، ولكنكم ألزمتم أنفسكم بمهر محدد لهن، فيجب عليكم أن تعطوهن نصف المهر المتفق عليه، إلا أنْ تُسامِح المطلقات، فيتركن نصف المهر المستحق لهن، أو يسمح الزوج بأن يترك للمطلقة المهر كله، وتسامحكم أيها الرجال والنساء أقرب إلى خشية الله وطاعته، ولا تنسوا -أيها الناس- الفضل والإحسان بينكم، وهو إعطاء ما ليس بواجب عليكم، والتسامح في الحقوق. إن الله بما تعملون بصير، يُرغِّبكم في المعروف، ويحثُّكم على الفضل.\nاختلف أهل العلم في هذه الآية على ثلاثة أقوال (١):\nأحدها: قالت فرقة منها مالك وغيره: إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع؛ إذ يتناولها قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٠، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٣.","vol":"5","page":107},{"text":"والثاني: أنه نسخت هذه الآية الآية التي في (الأحزاب): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٩]، لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. وهذا قول سعيد بن المسيب (١).\nوالثالث: أنه نسخت هذه الآية الآية التي قبلها، إذا كان لم يدخل بها وقد كان سمى لها صداقا، فجعل لها النصف ولا متاع لها. وهذا قول قتادة (٢).\nقال القرطبي: \"قول سعيد وقتادة فيه نظر؛ إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن\" (٣).\nوقال ابن القاسم: \"كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة \"الأحزاب\" فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط. وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكل مطلقة عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها، ولم يعن بالآية إسقاط متعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، \" أي: وإِذا طلقتموهن قبل الجماع\" (٥).\nقال أبو مسلم: \"وإنما كنى تعالى بقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ عن المجامعة، تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به\" (٦).\nوفي قراءة: ﴿تماسوهن﴾، وسبق توجيههما، ومعناهما، في الآية السابقة (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي \"وقد كنتم ذكرتم لهنَّ مهرًا معينًا\" (٨).\nقال القاسمي: أي: \"سميتم لهن مهرا مقدّرا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: \" فلهنّ نصف ما سميتم لهنّ من المهر\" (١٠).\nقال القرطبي: \"أي: فالواجب نصف ما فرضتم من المهر، فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع \" (١١).\nقال الشوكاني: \"وهذا مجمع عليه\" (١٢).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ﴾ [البقرة: ٢٣٧] على وجوه (١٣):\nالأول: قرأ الجمهور ﴿فَنِصْفُ﴾ بالرفع.\nالثاني: وقرأت فرقة ﴿فَنِصْفَ﴾ بنصب (الفاء)؛ المعنى: فادفعوا نصف.\nالثالث: وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﴿فَنُصْفُ﴾ بضم (النون) في جميع القرآن، وهي لغة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٥٢١٧) - (٥٢٢٠): ص ٥/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٢٤٩): ص ٥/ ١٤٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٣.\n(٤) المدونة: ٢/ ٣٣٢، ونقله القرطبي بتماه، انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٦١.\n(٧) انظر: السبعة: ١٨٣ - ١٨٤، وتفسير الطبري: ٥/ ١١٨ - ١١٩، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٤، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٦١.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ١٦١.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٤.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٥٣.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٤.","vol":"5","page":109},{"text":"الرابع: وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال: (نصف ونصف ونصيف) لغات ثلاث في (النصف)؛ وفي الحديث: \" لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\" (١)، أي نصفه. والنصيف أيضا القناع.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: \" إلا أن يعفو المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه\" (٢).\nقال الضحاك: \"المرأة تترك الذي لها\" (٣)، وروي نحوه عن عكرمة (٤)، وابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والربيع (٧)، وشريح (٨)، ونافع (٩)، والسدي (١٠)، والزهري (١١)، وأبي صالح (١٢)، والشعبي (١٣)، وابن المسيب (١٤)، وابن زيد (١٥)، وسفيان (١٦).\nقال البغوي: \" إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج\" (١٧).\nقال الصابوني: \" إِلا إِذا أسقطت المطلّقة حقها\" (١٨).\nقال القاسمي: أي: \"المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، تقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا ..؟ \" (١٩).\nقا المراغي: \" وحق الإسقاط إنما يكون للمرأة البالغة الرشيدة\" (٢٠).\nوقد اختلف أهل التفسير فيمن عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذكروا فيه ثلاثة أقاويل (٢١):\nأحدها: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وهو قول ابن عباس (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، وطاووس، والحسن (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، ومعمر (٢٦)، والسدي (٢٧)، وعلقمة (٢٨) وإبراهيم (٢٩)، والأسود بن زيد، وعطاء (٣٠)، والشعبي (٣١)، وشريح في أحد قوليه وأبي صالح (٣٢)، وزيد (٣٣)، وربيعة (٣٤)، ومالك (٣٥) والزهري (٣٦) (٣٧).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٣٤٧٠): ص ٣/ ١٣٤٣، ومسند الإمام أحمد (١١٢١٤): ص ٣/ ٦٤. من حديث ابي سعيد.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٣): ص ٥/ ١٤٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٣): ص ٥/ ١٤٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٤): ص ٥/ ١٤٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٥): ص ٥/ ١٤٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٧): ص ٥/ ١٤٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٨): ص ٥/ ١٤٣ - ١٤٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٢٦٠): ص ٥/ ١٤٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٢٦١): ص ٥/ ١٤٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٢٦٢)، و(٥٢٦٣): ص ٥/ ١٤٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٢٥٣): ص ٥/ ١٤٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٢٦٥): ص ٥/ ١٤٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٢٦٦): ص ٥/ ١٤٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٢٧١): ص ٥/ ١٤٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٢٦٧): ص ٥/ ١٤٥.\n(١٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٨٦.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٧.\n(١٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٦١.\n(٢٠) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٢.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٤٦ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٥٢٧٤): ص ٥/ ١٤٦.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠٥): ص ٥/ ١٤٩.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٥٢٩٠) - (٥٢٩٤): ص ٥/ ١٤٨.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠١)، و(٥٣١١)، و(٥٣١٢): ص ٥/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠١): ص ٥/ ١٤٩.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠٦): ص ٥/ ١٤٩.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٥٢٧٦) - (٥٢٧٩): ص ٥/ ١٤٦.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٥٢٩٥): ص ٥/ ١٤٨.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٥٢٩٨): ص ٥/ ١٤٩.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٥٢٩٧): ص ٥/ ١٤٩.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (٥٢٩٩): ص ٥/ ١٤٩.\n(٣٣) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠٧)، و(٥٣٠٨): ص ٥/ ١٥٠.\n(٣٤) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠٨): ص ٥/ ١٥٠.\n(٣٥) انظر: تفسير الطبري (٥٣٠٩): ص ٥/ ١٥٠.\n(٣٦) انظر: تفسير الطبري (٥٣١٠): ص ٥/ ١٥٠.\n(٣٧) وهو ما ذهب إليه النحاس والزمخشري وابن المنير وابن عطية. وفي هذا القول قوة وضعف، فقوته: أن معنى العفو فيه معقول؛ لأن الولي يتنازل ويتسامح للزوج عن النصف الذي دفعه من المهر، وأما ضعفه فمن جهتين: الأولى: أن عقدة النكاح ليست بيد الولي بل بيد الزوج، والثانية: أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج بما لا يملكه بل تملكه موليته. انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٥٥، جامع البيان للطبري: ٥/ ١٥٨، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٨٤٢، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٢٥ - ١٢٦ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٦ ب، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣١٩، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٣٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٢٥، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٧٥، الإنصاف بحاشية الكشاف-لابن المنير: ١/ ٣٧٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٥٣، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٨١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٠٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٣٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٨٦، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٢٦، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٧٩، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٦٣، وغيرها.","vol":"5","page":110},{"text":"ومعنى الآية: \" أو يترك، الذي يلي على المرأة عقد نكاحها من أوليائها، للزوج النصف الذي وجب للمطلقة عليه قبل مسيسه فيصفح له عنه، إن كانت الجارية ممن لا يجوز لها أمر في مالها\" (١).\nالثاني: هو الزوج، وبه قال: علي (٢)، وشريح (٣)، وابن عباس (٤) -في احد قوليه-، وسعيد بن المسيب (٥)، وجبير بن مطعم (٦)، ومحمد بن سيرين (٧)، ومجاهد (٨)، وأيوب (٩)، وعامر (١٠)، وأبو حذيفة، وطاوس (١١)، ومحمد بن كعب القرظي (١٢)، والشعبي ونافع (١٣)، والربيع (١٤)، والضحاك (١٥)، وسفيان (١٦) وسعيد بن عبدالعزيز (١٧) (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ١٤٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٣١٤): ص ٥/ ١٥١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٣١٦): ص ٥/ ١٥١ - ١٥٢، و(٥٣٢٨) - (٥٣٣٧): ص ٥/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٣١٧): ص ٥/ ١٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٣٣٨): ص ٥/ ١٥٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٣٢٢): ص ٥/ ١٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٣٢٥): ص ٥/ ١٥٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٣٤٠): ص ٥/ ١٥٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٣٤٣): ص ٥/ ١٥٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٣٢٧): ص ٥/ ١٥٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٣٤٩): ص ٥/ ١٥٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٣٥٠): ص ٥/ ١٥٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٣٥٢): ص ٥/ ١٥٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٣٥٣): ص ٥/ ١٥٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٣٥٦): ص ٥/ ١٥٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٣٥٧): ص ٥/ ١٥٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٣٦٠): ص ٥/ ١٥٨.\n(١٨) وهو اختيار الفراء وابن جرير والواحدي وابن الجوزي والبيضاوي والشوكاني. وفي هذا القول قوة وضعف أيضًا، فقوته: أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج؛ لأنه هو الذي إليه رفعه بالطلاق، وأما ضعفه: فلكون العفو منه غير معقول، وما ذكر من أن المراد بعفوه أن يعطيها بقية المهر ليكون كاملًا فغير ظاهر؛ لأن العفو لا يطلق على الزيادة والإحسان بل على التنازل والمسامحة. انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٥٥، جامع البيان للطبري: ٥/ ١٥٨، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٨٤٢، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٢٥ - ١٢٦ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٦ ب، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣١٩، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٣٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٢٥، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٧٥، الإنصاف بحاشية الكشاف-لابن المنير: ١/ ٣٧٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٥٣، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٨١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٠٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٣٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٨٦، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٢٦، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٧٩، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٦٣، وغيرها. وقد نص على أن الآية من المجمل المركب جماعة من أهل العلم، انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار: ٣/ ٤١٦، المستصفى للغزالي: ١/ ٣٦٢، روضة الناظر لابن قدامة: ١٨١.","vol":"5","page":111},{"text":"قالوا: \" ومعنى ذلك: أو يعفو الذي بيده نكاح المرأة فيعطيها الصداق كاملا\" (١).\nوروي عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قال: \" الذي بيده عقدة النكاح \"، الزوج، يعفو أو تعفو \" (٢).\nوالثالث: هو أبو بكر، والسيد في أمته، وهو قول مالك (٣).\nوالراجح هو القول الأول، أي: أن المقصود به هو (الزوج)، وذلك لأمور منها:\nأولا: أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة.\nوالثاني: أن عفوه بإكمال المهر صادر عن مالك مطلق التصرف في ماله بخلاف الولي.\nوالثالث: بخصوص تسمية الزيادة عفوًا وإن كان بخلاف الظاهر لكن لما كان الغالب على الأزواج أنهم يسوقون المهر كاملًا عند العقد كان العفو معقولًا؛ لأن الزوج على هذه الحال ترك النصف لها بعدم مطالبتها بالنصف واسترجاعه منها.\nوالرابع: أن قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ يدل على أنه الزوج؛ لأن الفضل يكون في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره (٤).\nقال ابن عثيمين: \"وفي قوله تعالى: ﴿عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين طرفي الحبل\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: \"وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى\" (٦).\nقال الخازن: \" وعفو بعضكم عن بعض أيها الرجال والنساء أقرب إلى حصول التقوى\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ١٥١.\n(٢) أخرجه الطبري (٥٣٥٥): ص ٥/ ١٥٧، قال ابن كثير في تفسيره ١: ٥٧٣ - ٥٧٤: \" قال ابن أبي حاتم: ذكر ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ولى عقدة النكاح، الزوج - وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة، وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب أن رسول الله. . . - فذكره، ولم يقل عن أبيه عن جده \".\nوقال البيهقي في السنن ٨: ٢٥١ - ٢٥٢: \" وروي عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ: ولى عقدة النكاح الزوج. قال البيهقي: \" وهذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به، والله أعلم \".\nوالحديث في تفسير الطبري: ٥/ ١٥٧، أخرجه عن المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٠٧.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١٠٥. واختاره ابن عثيمين قائلا: \" ولأنه إذا قيل: هو الزوج صار العفو من جانبين؛ إما من الزوجة، كما يفيده قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ أو من الزوج، كما يفيده قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؛ وإذا قيل: إنه وليّ المرأة صار العفو من جانب واحد؛ وهو الزوجة، أو وليها؛ ويؤيد الترجيح قوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾؛ ولو كان المراد وليّ المرأة لقال تعالى: «وأن يعفوَ» بالياء، وفتح الواو؛ فإن قيل: كيف يكون الزوج عافيًا وهو الباذل؟ فالجواب أن هذا مبني على الغالب؛ وهو أن الزوج قد سلم المهر؛ فإذا طلقها قبل الدخول صار له عند المرأة نصف المهر؛ فإذا عفا عن مطالبتها به صار أقرب للتقوى\". [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٧٢].\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٢.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٢٨٧.\n(٧) تفسير الخازن: ١/ ١٧٢.","vol":"5","page":112},{"text":"قال النسفي: \" أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج\" (١).\nقال المراغي: \" أي إن من عفا من الرجال والنساء فهو المتّقى، فأحيانا تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر، وأحيانا في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا سبب داع منها، وقد يكون بالعكس، والمراد بالتقوى هنا تقوى الله المطلوبة في كل أمر، إذ العفو أكثر ثوابا وأجرا، أو المراد تقوى الريبة بما يترتب على الطلاق من التباغض، إذ السماح بالمال يذهب هذا الأثر ويعيد الصفاء إلى القلوب\" (٢).\nواختلف أهل التفسير فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذكروا فيه قولين (٣):\nأحدهما: أنه خطاب للزوج وحده، وهو قول الشعبي (٤).\nوتفسير الآية على هذا القول: \"وأن تعفوا أيها المفارقون أزواجهم، فتتركوا لهن ما وجب لكم الرجوع به عليهن من الصداق الذي سقتموه إليهن، أو تتموا لهن، بإعطائكم إياهن الصداق الذي كنتم سميتم لهن في عقدة النكاح إن لم تكونوا سقتموه إليهن أقرب لكم إلى تقوى الله\" (٥).\nوالثاني: أنه خطاب للزوج والزوجة، وهو قول ابن عباس (٦)، وسعيد بن عبدالعزيز (٧).\nومعنى الآية على هذا القول: \" وأن يعفوا، أيها الناس، بعضكم عما وجب له قبل صاحبه من الصداق قبل الافتراق عند الطلاق، أقرب له إلى تقوى الله\" (٨).\nوالراجح هو قول القول الأول، أي أن معنى ذلك: \"وأن يعفو بعضكم لبعض أيها الأزواج والزوجات، بعد فراق بعضكم بعضا عما وجب لبعضكم قبل بعض، فيتركه له إن كان قد بقي له قبله. وإن لم يكن بقي له، فبأن يوفيه بتمامه أقرب لكم إلى تقوى الله\" (٩).\nوفي قوله تعالى ﴿تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وجهان من القراءة (١٠):\nالأول: ﴿تَعْفُوا﴾ بالتاء باثنتين من فوق. قراءة الجمهور.\nالثاني: ﴿وأن يعفوا﴾ بالياء، قرأ بها أبو نهيك والشعبي، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح.\nقال القرطبي: \"ولم يقرأ (وأن تعفون) بالتاء فيكون للنساء\" (١١).\nوفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، تأويلان (١٢):\nأحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه.\nوالثاني: أقرب إلى اتقاء معاصي الله.\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ١٢٨.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ١٦٢ - ١٦٣، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٣٦٣): ص ٥/ ١٦٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٣٦١): ص ٥/ ١٦٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٣٦٢): ص ٥/ ١٦٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٨.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٨.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٠٧.","vol":"5","page":113},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي \"ولا تتركوا الإفضال بينكم بالتسامح، والعفو\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ولا تغفلوا، أيها الناس، الأخذ بالفضل بعضكم على بعض فتتركوه\" (٢).\nقال النسفي: \" أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض\" (٣).\nقال البغوي: \"أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي لا تنسوا أيها المؤمنون الجميل والإِحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودّة والإِحسان والجميل بين الزوجين، فإِذا كان الطلاق قد تمَّ لأسباب ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعًا لروابط المصاهرة ووشائج القربى\" (٥).\nقال الثعلبي: \" ومعنى (الفضل): إتمام الرجل الصداق أو ترك المرأة النصف، حثّ الله تعالى الزوج والمرأة على الفضل والإحسان وأمرهما جميعا أن يسبقا إلى العفو\" (٦).\nقال السعدي: \"ثم رغب في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم\" (٧).\nقال المراغي: \" أي ينبغى لمن تزوج من أسرة ثم طلق، ألا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم، ولكن المسلمين نسوا دينهم أو تناسوه، وجروا على عكس هذا، فصارت روابط الصهر وسائر أنواع القرابة واهنة ضعيفة، وإنك لو رأيت ما يجرى بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات وما يكيد به بعضهم لبعض، لوجدت أنهم تجافوا أوامر شريعتهم وجعلوا إلههم هواهم، فالرجال يتركون نساءهم بلا نفقة حتى يضطررن أحيانا إلى بيع أعراضهن، أو يذرونهن كالمعلقات، فلا هم يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان حتى يفتدين منهم بالمال، والمطلقات المعتدات بالأقراء يزعمن أن الحيض قد حبس عنهن، فتمضى السنة أو أكثر منها ولا تنقضى عدتهن بزعمهن، وما الغرض من هذا إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقاما منه، ولكن العمل الآن في المحاكم المصرية على أن نفقة العدة لا تزيد على سنة قمرية (٣٥٤ يوما)، وإذا حدث طلاق - كان بين أسرتي الزوجين حرب عوان ونصبت كل منهما للأخرى الحبائل والأشراك، لتوقعها في مهاوى الهلاك، فأين هؤلاء من كتاب الله وشرعه، إنهم ليسوا منه في شاء، فقد عميت أبصارهم وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون\" (٨).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٧٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٤.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٢٨.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٢٨٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩٤.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣.","vol":"5","page":114},{"text":"روي عن مجاهد: في قوله تعالى \" ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: \"إتمام الزوج الصداق، أو ترك المرأة الشطر\" (١).\nوعن الربيع في قوله: \" ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: يقول ليتعاطفا\" (٢).\nوعن قتادة: \" ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير﴾، يرغبكم الله في المعروف، ويحثكم على الفضل\" (٣).\nوعن الضحاك في قوله: \" ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: المرأة يطلقها زوجها وقد فرض لها ولم يدخل بها، فلها نصف الصداق. فأمر الله أن يترك لها نصيبها، وإن شاء أن يتم المهر كاملا. وهو الذي ذكر الله: \" ولا تنسوا الفضل بينكم \" (٤).\nوعن السدى: \" ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، حض كل واحد على الصلة - يعني الزوج والمرأة، على الصلة\" (٥).\nوعن أبي وائل في قوله: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: \"هو الرجل يتزوج فيعينه أو المكاتب فيعينه وأشباه هذا من العطية\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قراءتان (٧):\nإحداهما: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ بضم (الواو). قراءة الجمهور:\nوالثانية: ﴿وَلا تَنْسَوِا الْفَضْلَ﴾، بكسر (الواو). قرأ بها يحيى بن يعمر.\nوالثالث: ﴿ولا تناسوا الْفَضْلَ﴾. قرأ بها علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة.\nقال القرطبي: \" وهي قراءة متمكنة المعنى؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه. قال مجاهد: الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، \" أي إن الله بكل ما تعملون من خير وشر عليم\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" لا يضيع تفضلكم وإحسانكم\" (١٠).\nقال القرطبي: \"خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم\" (١١).\nقال المراغي: \" ختم سبحانه الآية بالتذكير باطلاعه تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضا، ترغيبا في المحاسنة والفضل، وترهيبا لأهل المخاشنة والجهل، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذّى الإيمان وتبعث على الامتثال\" (١٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري (٥٣٦٥): ص ٥/ ١٦٥.\n(٢) تفسير الطبري (٥٣٦٩): ص ٥/ ١٦٥.\n(٣) تفسير الطبري (٥٣٧٠): ص ٥/ ١٦٥.\n(٤) تفسير الطبري (٥٣٧١): ص ٥/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(٥) تفسير الطبري (٥٣٧٢): ص ٥/ ١٦٦.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٦٧): ص ٢/ ٤٤٦.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٨.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٧٣.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٧.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٨.\n(١٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٣.","vol":"5","page":115},{"text":"١ - من فوائد الآية: أنه إذا طلقها قبل المسيس وقد سمى لها صداقًا وجب لها نصف المهر.\n٢ - ومنها: أنه إذا خلا بها، ولم يمسها لم يكن عليه إلا نصف المهر؛ لكن الصحابة ألحقوا الخلوة بها بالمسيس في وجوب العدة؛ وقياس ذلك وجوب المهر كاملًا إذا خلا بها.\n٣ - ومنها: جواز الطلاق قبل المسيس مع تعيين المهر؛ وجهه أن الله أقر هذه الحال، ورتب عليها أحكامًا؛ ولو كانت حرامًا ما أقرها، ولا رتب عليها أحكامًا؛ وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهرًا؛ لأن الآية قبلها فيما إذا طلِّقت قبل المسيس ولم يسمَّ لها مهر؛ وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمي لها مهر؛ وإن طلقت بعد المسيس؛ إن سُمي لها مهر فلها المهر كاملًا؛ وإن لم يسمَّ لها مهر فلها مهر المثل.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وقد فرضتم﴾.\n٥ - ومنها: جواز إسقاط المرأة ما وجب لها من المهر عن الزوج، أو بعضه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ ويشترط لذلك أن تكون حرة بالغة عاقلة رشيدة.\n٦ - ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها - ولو على سبيل التبرع - لقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها - وإن كان عليها دين يستغرق؛ أو نقول: إن كان عليها دين يستغرق فليس لها أن تعفو؟ يحتمل هذا، وهذا؛ وظاهر الآية العموم؛ لكن تبرع المدين لا ينفذ على القول الراجح إذا كان يضر بالغرماء؛ لكن قد يقال: هذا ليس تبرعًا محضًا؛ وإنما هو إسقاط ما وجب على الغير؛ وليس كالتبرع المحض الذي ينتزع من مال المدين.\n٧ - ومنها: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؛ ويقال فيما إذا كان مدينًا كما قيل في عفو الزوجة.\n٨ - ومنها: أن النكاح من العقود؛ لقوله تعالى: ﴿عقدة النكاح﴾ ويترتب على هذه الفائدة جواز التوكيل فيه؛ لأن النبي ﷺ وكَّل في العقود؛ فيجوز أن يوكل الإنسان من يعقد النكاح له؛ وحينئذٍ يقول وليّ المرأة لوكيل الزوج: زوجت موكِّلَك فلانًا بنتي فلانة؛ ولا يصح أن يقول: زوجتك بنتي فلانة؛ ويقول وكيل الولي للزوج: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانة؛ ولا يصح أن يقول: زوجتك فلانة بنت فلان؛ لأن لا بد من النص على الوكالة، حيث إنه لا بد من الشهادة على عقد النكاح؛ وإذا لم يصرح بما يدل على الوكالة أوهم أن العقد للوكيل؛ وقال بعض العلماء: إنه إذا كان معلومًا عند الجميع أن العقد بوكالة لم يحتج إلى ذكر موكل؛ والأول أحوط سدًا للباب؛ لئلا يدعي الوكيل أنه فسخ الوكالة، ونوى العقد لنفسه.\nوهل يثبت لعقد النكاح ما يثبت لعقد البيع من خيار المجلس، أو خيار الشرط؟ أما خيار المجلس فلا يثبت؛ لأن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار» (١)؛ ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق، ونظر، وبحث؛ بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة، وعن حرص على الربح بدون أن يتروى الإنسان؛ واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع.\nلكن هل يثبت فيه خيار الشرط فالمذهب أنه لا يثبت فيه خيار الشرط؛ واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٢)، وقوله (ص): «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا» (٣)؛ وهذا القول قد تحتاج إليه المرأة فيما إذا أراد الزوج أن يسكنها مع أهله؛ فتشترط عليه الخيار؛ وهذا له حالان:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٦٢، كتاب البيوع، باب ١٩: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا، حديث رقم ٢٠٧٩، وأخرجه مسلم ص ٩٤٢، كتاب البيوع، باب ١١، الصدق في البيع والبيان، حديث رقم ٣٨٥٨ [٤٧] ١٥٣٢.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢١٦، كتاب الشروط، باب ٦: الشروط في المهر عند عقدة النكاح، حديث رقم ٢٧٢١، وأخرجه مسلم ص ٩١٤، كتاب النكاح، باب ٨: الوفاء بالشروط في النكاح، حديث رقم ٣٤٧٢ [٦٣] ١٤١٨.\n(٣) أخرجه أبو داود ص ١٤٨٩، كتاب الأقضية، باب ١٢، في الصلح، حديث رقم ٣٥٩٤، وفي سنده كثير بن زيد؛ قال الحافظ فيه: صدوق يخطئ؛ وقال الألباني: فمثله حسن الحديث إن شاء الله ما لم يتبين خطؤه، كيف وهو لم يتفرد به (الإرواء ٥/ ١٤٣)، حديث ١٣٠٣، وقال في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٢/ ٣٩٥.","vol":"5","page":116},{"text":"الحال الأولى: أن تشترط عليه الخيار في أصل العقد: فَتَفسَخ النكاح إذا لم يمكن المقام معهم.\nالحال الثانية: أن تشترط عليه الخيار في البقاء مع أهله - يعني إن استقامت الحال؛ وإلا أنزلها في بيت آخر.\n٩ - ومن فوائد الآية: الترغيب في العفو؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾؛ وقد حث الله على العفو، وبيَّن أن أجر العافي على الله ﷿؛ ولكنه تعالى قيد ذلك بما إذا كان العفو إصلاحًا فقال تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠].\n١٠ - ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ لقوله تعالى: ﴿أقرب للتقوى﴾.\n١١ - ومنها: أن الناس يتفاضلون في الإيمان؛ لأن تفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ والأعمال من الإيمان، كما قد تقرر في غير هذا الموضع.\n١٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾؛ وقد جاء في الحديث: «رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع؛ سمحًا إذا اشترى؛ سمحًا إذا اقتضى» (١)؛ فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر؛ والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله.\n١٣ - ومنها: إحاطة علم الله ﷾، وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾.\n١٤ - ومنها: الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل السيء؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة مقتضاه: احرصوا على العمل الصالح؛ فإنه لن يضيع؛ واحذروا من العمل السيء؛ فإنكم تجازون عليه؛ لأن كلًا معلوم عند الله ﷾.\nالقرآن\n﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]\nالتفسير:\nحافظوا -أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها، وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر، وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين.\nفي سبب نزول الآية: أخرج الطبري عن إبراهيم، ومجاهد أنهما قالا: \" كانوا يتكلمون في الصلاة، يأمر أحدهم أخاه بالحاجة، فنزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، قال: فقطعوا الكلام، و(القنوت): السكوت، و(القنوت) الطاعة\" (٢). وروي نحوه عن ابن مسعود (٣)، وزيد بن أرقم (٤)، والسدي (٥)، وابن زيد (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٦٢، كتاب البيوع، باب ١٦: السهولة والسماحة في الشراء والبيع ...، حديث رقم ٢٠٧٦، وأخرجه ابن ماجة واللفظ له ص ٢٦٠٨، باب ٢٨: السماحة في البيع، حديث رقم ٢٢٠٣.\n(٢) تفسير الطبري (٥٥٣٤): ص ٥/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٥٢٢): ص ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٧): ص ٢/ ٤٤٩، وتفسير الطبري (٥٥٢٤): ص ٥/ ٢٣١، والحديث رواه البخاري-فتح-: ٣/ ٨٨ رقم: ٢٠٠، ومسلم: ١/ ٣٨٣ رقم: ٥٣٩، ونصه: \"إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية، فأمرنا بالسكوت\".\nقال ابن حجر: \" وحديث زيد بن أرقم ظاهر في أن المراد بالقنوت: السكوت\". [الفتح: ٣/ ٩٠].\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٥٢١): ص ٥/ ٢٣١.\n(٦) ذهب إلى أن القنوت في الآية السكوت، انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٣١ - ٢٣٤، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ٣١٠. واختاره من المفسرين ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٢٢٧، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٤٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٢١٤، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٨٤، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٥٦ - ٥٧ وذلك لحديث زيد بن أرقم المذكور قبل.","vol":"5","page":117},{"text":"قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: \" واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء الصلوات في أوقاتها\" (١).\nقال مسروق: \"المحافظة عليها: المحافظة على وقتها، وعدم السهو عنها\" (٢).\nقال الطبري: \" واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، وتعاهدوهن والزَمُوهن\" (٣).\nقال البغوي: \" أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها\" (٤).\nقال القاسمي: أي\"داوموا على أدائها لأوقاتها مع رعاية فرائضها وسننها من غير إخلال بشيء منها\" (٥).\nوفي معنى (المحافظة) في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قولان (٦):\nأحدهما: ذكرها.\nوالثاني: تعجيلها.\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: \"وخاصة صلاة الوسطى \" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي الوسطى بينها، أو الفضلى منها خصوصًا وهي صلاة العصر\" (٨).\nوقد اختلف السلف والخلف في ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، على أقوال (٩):\nأحدها: أنها صلاة العصر، وهو قول عليّ (١٠)، وابن عباس (١١)، وأبي هريرة (١٢)، وأبي سعيد الخدري (١٣)، وإبراهيم (١٤)، والحسن (١٥)، وزر بن حبيش (١٦)، وقتادة (١٧)، والضحاك (١٨)، وأبي أيوب (١٩)، وعائشة (٢٠)، وأم سلمة (٢١)، وحفصة (٢٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٨.\n(٢) أخرجه الطبري: (٥٣٧٨): ص: ٥/ ١٦٨ ..\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٧.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٢٨٧.\n(٥) تفسير القاسمي: ٢/ ١٦٣.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٠٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٨.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٤٧.\n(٩) في المسألة خلاف عريض بين أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، قال ابن المسيب: \"كان أصحاب النبي ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه\"، انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦٥، كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى للدمياطي: ١٥٥، ولذا كتب فيها كل من الدمياطي والزبيدي رسالة، وبلغت الأقوال في تعيينها فوق أربعين قولًا كما في تاج العروس: ١٠/ ٧٤٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٣٨٠): ص ٥/ ١٦٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٤): ص ٢/ ٤٤٨،، والكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٣٨ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٧ أ، سنن سعيد ابن منصور: ٣/ ٩٠١، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٣٤، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٠٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٠٥ وغيرها.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٤١٢)، و(٥٤١٣): ص ٥/ ١٧٩.\n(١٢) انظر تفسير الطبري (٥٣٨٧): ص ٥/ ١٧٠، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٣٨ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٧ أ، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٨٨، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٠٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٣٤، المحلى لابن حزم: ٣/ ١٧٨، كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى للدمياطي: ٤٠ وغيرها.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٣٩١): ص ٥/ ١٧٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٢): ص ٥/ ١٧٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٣٩٩): ص ٥/ ١٧٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٧): ص ٥/ ١٧٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٨): ص ٥/ ١٧٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٩): ص ٥/ ١٧٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٥٤١٨): ص ٥/ ١٨١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٥٣٩٣) - (٥٣٩٧): ص ٥/ ١٧٣ - ١٧٦.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٥٣٩٨): ص ٥/ ١٧٦.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٥٢): ص ٥/ ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"5","page":118},{"text":"وهذا القول هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة (١)، وقول أحمد (٢)، والذي صار إليه معظم الشافعية (٣) لصحة الحديث فيه.\nقال الترمذي: \"هو قول أكثر علماء الصحابة\" (٤).\nقال الماوردي (٥): \"هو قول جمهور التابعين\" (٦).\nقال ابن عبد البر: \"هو قول أكثر أهل الأثر\" (٧).\nقال ابن حجر: \" وبه قال من المالكية: ابن حبيب (٨) (٩) وابن العربي (١٠) وابن عطية (١١) (١٢)، ويؤيده أيضًا ما روى مسلم عن البراء بن عازب: \"نزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وصلاة\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٣٨ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٧ أ، شرح السنة للبغوي: ٢/ ٢٣٧، المحلى لابن حزم: ٣/ ١٨٠، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦١، نيل الأوطار للشوكاني: ١/ ٣٩٣، شرح مسلم للنووي: ٥/ ١٧٩، المبسوط للسرخسي: ١/ ٤١، التمهيد لابن عبد البر: ٤/ ٢٨٩، وغيرها.\n(٢) انظر: المحلى لابن حزم: ٣/ ١٨٠، شرح مسلم للنووي: ٥/ ١٧٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦١، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٨٢، نيل الأوطار للشوكاني: ١/ ٣٩٣، التمهيد لابن عبد البر: ٤/ ٢٨٩، وغيرها.\n(٣) كالماوردي في الحاوي: ٢/ ٨، والنووي في شرحه لمسلم: ٥/ ١٧٩ - ١٨٠، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٦٥، وابن المنذر فيما نقله عنه النووي في شرح مسلم: ٥/ ١٧٩، ونقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار: ١/ ٣٩٣، وغيرهم.\n(٤) سنن الترمذي: ١/ ٣٤٢.\n(٥) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري القاضي الشافعي، إمام عظيم القدر، كان يوافق المعتزلة بالقول بالقدر، اشتغل بالفقه والحديث والتفسير والسير والأصول. توفي عام: ٤٥٠ هـ له تصانيف شهيرة منها: النكت والعيون في التفسير، والحاوي الكبير، والأحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين. انظر: تاريخ بغداد للخطيب: ١٢/ ١٠٢، طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ٢٦٧، البداية والنهاية لابن كثير: ١٣/ ٤٣، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٤٢٧.\n(٦) الحاوي الكبير: ٢/ ٧.\n(٧) التمهيد: ٤/ ٢٨٩.\n(٨) هو: أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون المالكي السلمي الأندلسي، من كبار المالكية، كان عالمًا بالتاريخ والأدب، توفي عام: ٢٣٨ هـ، له مصنفات منها: تفسير الموطأ والواضحة وأدب النساء. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٤/ ١٢٢، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٢/ ١٠٢، جذوة المقتبس لابن فتوح الحميدي: ٢٨٢.\n(٩) كما في التمهيد لابن عبد البر: ٤/ ٢٨٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢١٠.\n(١٠) كذا نسب هنا ابن حجر لابن العربي بأن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ فإن لم يكن اطلع عليه في أحد كتبه فيغلب على ظني أنه نسبه له بواسطة القرطبي في جامعه: ٣/ ٢١٠ فإنه قال: (وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب، واختاره ابن العربي في قبسه، وابن عطية في تفسيره ...)، والذي جعل القرطبي يقول ذلك قول ابن العربي في القبس: ١/ ٣١٨ [ولحديث البخاري: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) وهذا نص] لكنه عاد بعد ذلك وقال في: ١/ ٣٢٠ (... وإنما يكون مأزق الإشكال بين الصبح والعصر، والصبح أكثر فضائل منها ... فقوي بذلك كله أنها صلاة الصبح حسب ما ذهب إليه مالك﵁-، ولله دره فما كان أرحب ذراعه في النظر وأسرع حوصلته في الوعي، والله أعلم). على أن ابن العربي في كتابه عارضة الأحوذي: ١/ ٢٩٥ بعد أن ساق الأقوال قال: (والصحيح أنها مخفية)، وقال في كتابه أحكام القرآن: ١/ ٢٢٦ (وأما من قال إنها غير معينة فلتعارض الأدلة وعدم الترجيح، وهذا هو الصحيح فإن الله أخبأها في الصلوات الخمس كما خبأ ليلة القدر في رمضان).\n(١١) هو: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عبد الرؤوف الغرناطي الأندلسي إمام كبير، قاض فقيه، شيخ المفسرين، عالم بالحديث والنحو واللغة والأدب، توفي عام: ٥٤١ هـ، له مصنفات أشهرها: المحرر الوجيز في التفسير. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٩/ ٥٨٧، الصلة لابن بشكوال: ١/ ٣٦٧، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢٦٥.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٥.","vol":"5","page":119},{"text":"العصر﴾، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخت فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت\" (١) (٢).\nالقول الثاني: أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت (٣)، وأبي سعيد الخدري (٤)، وابن عمر (٥)، وحفصة (٦).\nالقول الثالث: أنها صلاة المغرب، لأنها ليست بأقلها ولا بأكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله (ﷺ) لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها. وهذا قول قبيصة بن ذؤيب (٧).\nالقول الرابع: أنها صلاة الصبح، وهو قول أنس بن مالك (٨)، وأبي موسى الأشعري (٩)، وأبي أمامة (١٠)، وجابر بن عبد الله (١١)، وأبي العالية (١٢)، وعبيد بن عمير (١٣)، مجاهد (١٤)، وعطاء (١٥)، عكرمة (١٦)، والربيع (١٧)، وهو احد قولي ابن عباس (١٨)، وابن عمر (١٩).\nواحتجوا بأنه \" لا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح، فعلم بذلك أنها هي دون غيرها\" (٢٠).\nالقول الخامس: أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها، ليكون أبعث لهم على المحافظة على جميعها، وهذا قول نافع (٢١)، وابن المسيب (٢٢)، والربيع ابن خثيم (٢٣).\nالقول السادس: أن الصلاة الوسطى: صلاة الجمعة خاصة.\nالقول السابع: أن الصلاة الوسطى صلاة الجماعة من جميع الصلوات.\nالقول الثامن: صلاة الجمعة؛ لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا.\nالقول التاسع: أنها الصلوات الخمس بجملتها؛ والمعنى: حافظوا عليهن كلهن، لأن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾؛ يعم الفرض والنفل ثم خص الفرض بالذكر. وهو قول عبدالله (٢٤) في رواية ونافع عنه.\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/ ٤٣٨ رقم: ٦٣٠، ولفظ مسلم: (نزلت).\n(٢) انظر: الفتح: ٨/ ٤٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٤٤٦) - (٥٤٥٠): ص ١٩٩ - ٢٠٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٤٥١): ص ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٤٥١)، و(٥٤٥٥) - (٥٤٥٧): ص ٥/ ٢٠١ - ٢٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٤٥٨): ص ٥/ ٢٠٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٤٧١): ص ٥/ ٢١٤.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٦): ص ٢/ ٤٤٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٤٨٠): ص ٥/ ٢١٩. وهو عبدالله بن قيس.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٦): ص ٢/ ٤٤٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٤٨٣): ص ٥/ ٢١٩.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٦): ص ٢/ ٤٤٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٦): ص ٢/ ٤٤٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٤٨٧): ص ٥/ ٢١٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٤٨٤): ص ٥/ ٢١٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٤٨٥): ص ٥/ ٢١٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٤٨٩): ص ٥/ ٢١٩.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٦): ص ٢/ ٤٤٨.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٦): ص ٢/ ٤٤٨.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٥/ ٢٢٠.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٥٤٩٠): ص ٥/ ٢٢٠.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٥٤٩٢): ص ٥/ ٢٢١.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٥٤٩١): ص ٥/ ٢٢٠.\n(٢٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٤٨.","vol":"5","page":120},{"text":"قلت: وجل هذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها، لعدم وجود النص الصحيح الذي يسندها، وأقواها قولان:\nالأول: أنها العصر، وهو قول الجمهور (١).\nالثاني: أنها الفجر، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، ومذهب مالك وقول الشافعي وبعض أصحابه (٢).\nوفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه (٣):\nأحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلًا، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.\nوالثاني: لأنها أوسط الصلاة عددًا، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان.\nوالثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى.\nقال ابن حجر: \"و(الأوسط): الأعدل من كل شيء، وليس المراد به التوسط بين الشيئين؛ لأن فُعلى معناها: التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص (٤)، والوسط: بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما؛ بخلاف المتوسط فلا يقبلهما؛ فلا ينبني منه أفعل تفضيل (٥) (٦).\n_________\n(١) وهو الذي اختاره سوى من ذكر من المصنفين في المعاني والتفسير: ابن جرير في جامع البيان: ٥/ ٢٢١، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٣٢٠، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٨، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩١، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٧٣٦، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٢٦، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٣٥، وغيرهم. وعمدة هذا القول الأحاديث الصحيحة الصريحة، ومنها: حديث علي﵁عند البخاري-فتح-: ٨/ ٤٣ رقم: ٤٥٣٣، ومسلم: ١/ ٤٣٦ رقم: ٦٢٧ أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: (حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا)، وحديث ابن مسعود﵁عند مسلم: ١/ ٤٣٧ رقم: ٦٢٨ قال: (حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر). ويشكل عليه ما أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم: ٢٥، وأحمد في المسند-تحقيق شاكر والزين-: ١٧/ ٣٣٤ رقم: ٢٤٣٢٩، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ رقم: ٦٢٩، وأبو داود في سننه: ١/ ٢٨٧ رقم: ٤١٠، والترمذي في جامعه: ٥/ ٢١٧ رقم: ١٩٨٢، والنسائي في سننه الصغرى: ١/ ٢٣٦ وغيرهم عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: \"أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بِلغتها آذنتها فأملت عليّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة العصر ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ وذلك بإثبات الواو في (وصلاة العصر) والواو عاطفة، والعطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الصلاة الوسطى. وقد أجاب عنها كثير من أهل العلم بأجوبة مختلفة، فمنهم من رده بزعمه أن القراءة الشاذة لا توجب علمًا ولا عملًا كابن العربي في القبس: ١/ ٣١٩، والصحيح أنها متى صحت فإن لها حكم خبر الآحاد فلا تثبت بها القراءة ولكن يثبت بها الحكم. وأجاب آخرون بغير ذلك كابن حزم في المحلى: ٣/ ١٧٥ - ١٧٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٢١٣، والدمياطي في كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى: ٩٣ - ٩٧، والشوكاني في نيل الأوطار: ١/ ٣٩٩، وفتح القدير: ١/ ٣٨٢، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ٥٤ - ٥٥، وغيرهم. وأوجز القوم عبارة مع الوفاء بالمقصود ابن حجر في الفتح: ٨/ ٤٥ إذ ذكر حجج من قال بأن الصلاة الوسطى غير العصر ومنها حديث عائشة هذا ثم قال: \"فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى. وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسنادًا وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها: (وهي العصر) فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيحع عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) بغير واو، أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات، وبأن قوله: (والصلاة الوسطى والعصر) لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولًا والعصر ثم نزلت ثانيًا بدلها والصلاة الوسطى، فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدمًا على النص الصريح بأنها صلاة العصر\".\n(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر: ٤/ ٢٨٤، شرح السنة للبغوي: ٢/ ٢٣٥، شرح مسلم للنووي: ٥/ ١٧٩، القبس لابن العربي: ١/ ٣٢٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢١٠ - ٢١١ وغيرها. وهذا القول مع صحته عن عدد من أصحاب رسول الله ﷺ فلا تُقَاوَم بقولهم النصوص النبوية الصحيحة الصريحة التي إذا أشرق نورها غاب ما سواها، انظر: كشف المغطى للدمياطي: ١٥٥، شرح مسلم للنووي: ٥/ ١٨٠، الحاوي للماوردي: ٢/ ٨ - ٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦٥، نيل الأوطار: ١/ ٣٩٦، وفتح القدير: ١/ ٣٨١ كلاهما للشوكاني، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ٥٦ وغيرها.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٣٠٩.\n(٤) انظر: شرح ابن عقيل: ٢/ ١٧٤ و: ٢/ ١٥٤، وأوضح المسالك لابن هشام: ٣/ ٢٨٦ و: ٣/ ٢٦٧، والتطبيق الصرفي للراجحي: ٩٤.\n(٥) انظر نحو من هذا الكلام في: الدر المصون للسمين: ١/ ٥٨٩، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٤٠، وقد ذهب إلى ذلك الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٨٠، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ٥٢. والأمر فيه اختلاف كما أبان ذلك أبو حيان في البحر: ٢/ ٢٤٠ إذ قال: (وهل سميت الوسطى لكونها بين شيئين من وسط فلان يَسِط إذا كان وسطًا بين شيئين، أو من وسط قومه إذ فضلهم، فيه قولان ...)، وقد ذهب إلى القول الأول ابن جرير في جامع البيان: ٥/ ٢٢٧، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٨، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩١، كما أجاز الأمرين الزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٧٦، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٢٦، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٣٥.\n(٦) الفتح: ٨/ ٤٣.","vol":"5","page":121},{"text":"قوله تعالى: ﴿﴿وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي \"قوموا لله في صلاتكم خاشعين\" (١).\nقال السعدي: \": ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة\" (٢).\nوقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى (القنوت) في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، على أقوال (٣):\nأحدها: يعني مطيعين، قاله ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن والشعبي (٦)، وجابر بن زيد (٧)، وعطاء (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وسعيد بن عبدالعزيز (١٠)، والضحاك (١١)، وقتادة (١٢)، وعطية (١٣)، وعكرمة (١٤)، ومقاتل بن حيان (١٥)، وطاووس (١٦).\nوالثاني: ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم، وهو قول ابن مسعود (١٧)، وزيد بن أرقم (١٨) (١٩)، والسدي (٢٠)، وابن زيد (٢١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٨.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٨٦٠ - ٨٦٤، تفسير الطبري: ٥/ ٢٢٨ - ٢٣٦، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٧ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٦٤ - ١٦٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٠٩ - ٣١٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٨٤، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٤٢، وغيرها.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٥٠٨): ص ٥/ ٢٢٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٥١٢): ص ٥/ ٢٣٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٤٩٨): ص ٥/ ٢٢٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٥٠٠): ص ٥/ ٢٢٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٥٠١): ص ٥/ ٢٢٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٥٠٢): ص ٥/ ٢٢٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٥١٩): ص ٥/ ٢٣١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٤): ص ٥/ ٢٢٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥١٤): ص ٥/ ٢٣٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٥١٥): ص ٥/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٤٠٤): ص ٥/ ٢٢٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٨): ص ٢/ ٤٤٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٥٢٠): ص ٥/ ٢٣١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٥٢٢): ص ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(١٨) هو: أبو عمر أو أبو عامر زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان الأنصاري الخزرجي، صحابي شهد مع النبي ﷺ سبعة عشر غزوة، استصغر يوم أحد وأول مشاهده الخندق، وأنزل الله في تصديقه سورة المنافقين. توفي عام: ٦٦ هـ، وقيل: ٦٨ هـ. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: ٢/ ١٠٩، أسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ٣٤٢، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٣/ ١٦٥، الإصابة لابن حجر: ١/ ٥٤٢.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٧): ص ٢/ ٤٤٩، وتفسير الطبري (٥٥٢٤): ص ٥/ ٢٣١، والحديث رواه البخاري-فتح-: ٣/ ٨٨ رقم: ٢٠٠، ومسلم: ١/ ٣٨٣ رقم: ٥٣٩، ونصه: \"إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية، فأمرنا بالسكوت\".\nقال ابن حجر: \" وحديث زيد بن أرقم ظاهر في أن المراد بالقنوت: السكوت\". [الفتح: ٣/ ٩٠].\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٥٥٢١): ص ٥/ ٢٣١.\n(٢١) ذهب إلى أن القنوت في الآية السكوت، انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٣١ - ٢٣٤، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ٣١٠. واختاره من المفسرين ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٢٢٧، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٤٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٢١٤، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٨٤، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٥٦ - ٥٧ وذلك لحديث زيد بن أرقم المذكور قبل.","vol":"5","page":122},{"text":"والثالث: خاشعين، نهيأ عن العبث والتفلت، وهو قول مجاهد (١)، والربيع بن أنس (٢).\nوالرابع: داعين، وهو مروي عن ابن عباس (٣).\nوالخامس: طول القيام في الصلاة، وهو قول مجاهد (٤)، أيضًا.\nوإذا دققنا النظر في الأقوال السابقة نرى بأنه لا تعارض بينها، لأن أصل القنوت في اللغة الطاعة كما أفاد ذلك ابن فارس (٥)، وابن سيدة وابن منظور (٦)، وابن قتيبة (٧)، والطبري، والذي قال: \"وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: (وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِين) قول من قال: تأويله: مطيعين، وذلك أن أصل القنوت الطاعة، وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهاه عنه من الكلام فيها ... وقد تكون الطاعة فيها بالخشوع وخفض الجناح وإطالة القيام وبالدعاء لأن كل ذلك غير خارج من أحد معنيين: من أن يكون مما أُمِر به المصلي أو مما ندب إليه، والعبد بكل ذلك لله مطيع وهو لربه فيه قانت\" (٨).\nوقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء (٩)، وعليه يجوز أيضًا أن يسمى مديم الطاعة قانتًا، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلو القنوت (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾؛ والأصل في الأمر الوجوب.\nفإن قيل: إن النوافل لا تجب المحافظة عليها؟\nفالجواب أنه لا مانع من استعمال المشترك في معنييه؛ فتكون المحافظة على الفرائض واجبة؛ وعلى النوافل سنة.\n٢ - ومنها: فضيلة صلاة العصر؛ لأن الله خصها بالذكر بعد التعميم؛ وهي أفضل الصلاتين المفضلتين - العصر، والفجر؛ وقد بين النبي ﷺ فضلهما في أحاديث؛ منها قوله (ص): «من صلى\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٥٥٢٨) - (٥٥٣١): ص ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥٣٢): ص ٥/ ٢٣٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٥٣٣): ص ٥/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٨١): ص ٢/ ٤٤٩.\n(٥) معجم مقاييس اللغة ٥/ ٣١.\n(٦) اللسان: ٥/ ٣٧٤٨.\n(٧) تأويل مشكل القرآن: ٤٥٢.\n(٨) انظر تفسيره: ٥/ ٢٣٦.\n(٩) واختلف في أصل (القنوت)، على ثلاثة أوجه [انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٠]:\nأحدها: أن أصله الدوام على أمر واحد.\nوالثاني: أصله الطاعة.\nوالثالث: أصله الدعاء.\n(١٠) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٦٠٥، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ٣٢١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢١٤، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٨٤، فتح البيان لصديق خان: ١/ ٥٦ - ٥٧، وقال الرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ١٦٥ \"هو اختيار علي بن عيسى\".","vol":"5","page":123},{"text":"البردين دخل الجنة» (١)، وقوله (ص): «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» (٢).\n٣ - ومنها: وجوب القيام؛ لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله﴾.\n٤ - ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿لله﴾.\n٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا تعبد لله أن يستشعر أمر الله؛ لأنه أبلغ في الامتثال، والطاعة؛ وكذلك ينبغي أن يستحضر أنه متأسٍ برسول الله (ص) كأنما يشاهده رأي عين؛ لقول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣) - فتتم له المتابعة.\n٦ - ومنها: الأمر بالقنوت لله ﷿؛ وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿قانتين﴾.\n٧ - ومنها: تحريم الكلام في الصلاة - بناءً على سبب النزول؛ وهو أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية؛ فأمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام.\n٨ - ومنها: وجوب القيام في الصلاة؛ ويستثني من ذلك:\nأ - صلاة النافلة؛ لدلالة السنة على جوازها من قاعد؛ هذا إذا جعلنا قوله تعالى: ﴿الصلوات﴾ عامة؛ وأما إذا جعلناها خاصة بالفرائض فلا استثناء.\nب - ويستثني أيضًا الخائف، مثل أن يصلي خلف الجدار إن قام علم به عدوه فمال عليه؛ وإن صلى جالسًا سَلِم.\nج - ويستثني أيضًا العاجز؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].\nد - ويستثني أيضًا المأموم القادر على القيام إذا صلى إمامه العاجز عنه قاعدًا من أول صلاته؛ لقول النبي ﷺ في الإمام: «إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون» (٤)؛ أما إذا طرأ عليه العجز في أثناء الصلاة فإن المأمومين يتمونها قيامًا؛ لقصة صلاة أبي بكر بالناس، حيث ابتدأ بهم الصلاة قائمًا؛ فلما حضر النبي ﷺ في أثناء الصلاة صلى جالسًا، وأتموا خلفه قيامًا (٥).\nالقرآن\n﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [البقرة: ٢٣٩]\nالتفسير:\nفإن خفتم من عدو لكم فصلوا صلاة الخوف ماشين، أو راكبين، على أي هيئة تستطيعونها ولو بالإيماء، أو إلى غير جهة القبلة، فإذا زال خوفكم فصلُّوا صلاة الأمن، واذكروا الله فيها، ولا تنقصوها عن هيئتها الأصلية، واشكروا له على ما علَّمكم من أمور العبادات والأحكام ما لم تكونوا على علم به.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، \" أي: فإِذا كنتم في خوفٍ من عدوٍ أو غيره\" (٦).\nقال السعدي: \" لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: \" فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: ماشين على أقدامكم أو على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت\" (٩).\nقال القرطبي: \" والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم: رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رجل وراجل ورجل - \"بضم الجيم\" وهي لغة أهل الحجاز\" (١٠).\nواختلف في قدر صلاته على ثلاثة أقوال (١١):\nأحدها: أنها على عددها تُصَلَّى ركعتين. قاله إبراهيم (١٢)، والزهري (١٣)، والربيع (١٤)، وهو قول الجمهور (١٥).\nوالثاني: أن تُصَلَّى ركعة واحدة إذا كان خائفًا. وهذا قول الحسن (١٦)، والحكم (١٧)، وقتادة (١٨)، وحماد (١٩)، وجابر (٢٠).\nوالثالث: إن استطاع صلى ركعتين وإلا فواحدة. قاله قتادة (٢١)، والحسن (٢٢) في أحد قوليهما.\nواختلفوا في وجوب الإِعادة عليه بعد أمنه، فذهب أهل الحجاز إلى سقوط الإِعادة عنه لعذره، وذهب أهل العراق إلى وجوب الإِعادة عليه لأن مشيه فيها عمل ليس منها (٢٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]، \" أي: فإِذا زال الخوف وجاء الأمن، فأقيموا الصلاة مستوفية لجميع الأركان كما أمركم الله وعلى الوجه الذي شرعه لكم\" (٢٤).\nقال مجاهد: \"خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة\" (٢٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٤٧، كتاب مواقيت الصلاة، باب ٢٦: فضل صلاة الفجر، حديث رقم ٥٧٤، وأخرجه مسلم ص ٧٧٦، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٣٧: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث رقم ٤٣٨ [٢١٥] ٦٣٥.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٤٥: كتاب مواقيت الصلاة، باب ١٦: فضل صلاة العصر، حديث رقم ٥٥٤، وأخرجه مسلم ص ٧٧٦، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٣٧: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث رقم ١٤٣٤ [٢١١] ٦٣٣.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٥١، كتاب الأذان، باب ١٨، الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ...، حديث رقم ٦٣١.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٥٥، كتاب الأذان، باب ٥١، إنما جعل الإمام ليؤتم به، حديث رقم ٦٨٩، وأخرجه مسلم ص ٧٤٣، كتاب الصلاة، باب ١٩: ائتمام المأموم بالإمام، حديث رقم ٩٢٦ [٨٢] ٤١٢.\n(٥) راجع صحيح البخاري ص ٥٥، كتاب الأذان، باب ٥١: إنما جعل الإمام ليؤتم به، حديث رقم ٦٨٧؛ وأخرجه مسلم ص ٧٤٤، كتاب الصلاة، باب ٢١: استخلاف الإمام ...، حديث رقم ٩٣٦ [٩٠] ٤١٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢١٢.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥٣٥) - (٥٥٣٨): ص ٥/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٥٤٩): ص ٥/ ٢٤١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٠): ص ٥/ ٢٤١.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٤): ص ٥/ ٢٤٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٤) - (٥٥٥٧): ص ٥/ ٢٤٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٤) - (٥٥٥٧): ص ٥/ ٢٤٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٤) - (٥٥٥٧): ص ٥/ ٢٤٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٥٥٦٣): ص ٥/ ٢٤٣.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٢): ص ٥/ ٢٤١.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥٥٣): ص ٥/ ٢٤٢.\n(٢٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٠.\n(٢٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٢٥) أخرجه الطبري (٥٥٧٠): ص ٥/ ٢٤٧.","vol":"5","page":124},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \" فإذا أمنتم من العدو\" (١)، صلوا كما علمكم\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: زال الخوف عنكم، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ \" (٣).\nوذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]، تأويلان (٤):\nأحدهما: معناه فإذا أمنتم فصلّوا كما علّمكم.\nقال ابن زيد: \"فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم - إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة\" (٥).\nقال القرطبي: \" أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان\" (٦).\nقال الصابوني: \" وهذه كقوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُوا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] والذكرُ في الآية يراد به الصلاة الكاملة المستوفية للأركان، قال الزمخشري: المعنى اذكروه بالعبادة كام أحسن إِليكم بما علمكم من الشرائع وكيف تصلون في حال الخوف والأمن\" (٧).\nقال السعدي: \" وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها\" (٨).\nوالثاني: يريد فاذكروه بالثناء عليه والحمد له، كما علمكم من أمر دينكم ما لم تكونوا تعلمون.\nقال ابن عباس: \" يعني: كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه\" (٩).\nقال القرطبي: \"وقيل: معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء؛ ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - ومن فوائد الآية: سعة رحمة الله ﷿، وأن هذا الدين يسر؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾؛ لأن هذا من التيسير على العباد.\n٢ - ومنها: جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿فرجالًا﴾؛ لأن الراجل - وهو الماشي - يتحرك حركة كثيرة.\n٣ - ومنها: جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿أو ركبانًا﴾؛ أما في حال الأمن فلا تجوز الصلاة على الراحلة إلا النافلة؛ إلا إذا تمكن من الإتيان بالصلاة على وجه التمام فإنه يجوز؛ ولهذا جوزنا الصلاة في السفينة، وفي القطار، وما أشبه ذلك؛ لأنه سيأتي بها على وجه التمام بخلاف الراحلة من بعير، وسيارة، وطائرة إلا أن يكون في الطائرة مكان متسع يتمكن فيه من الإتيان بالصلاة كاملة: فتصح؛ لكن إذا خاف الإنسان خروج الوقت يصلي على أي حال - ولو مضطجعًا - في أيّ مكان.\n٤ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء القيام بالعبادة على التمام متى زال العذر؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾.\n٥ - ومنها: أن الصلاة من الذكر؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾؛ والكلام هنا في الصلاة.\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٨٦): ص ٢/ ٤٥١.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٨٨): ص ٢/ ٤٥١.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٠ - ٣١١.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٥٧١): ص ٥/ ٢٤٨.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٨٩): ص ٢/ ٤٥١.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٥.","vol":"5","page":125},{"text":"٦ - ومنها: بيان منة الله علينا بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾.\n٧ - ومنها: بيان نقص الإنسان لكون الأصل فيه الجهل، حيث قال تعالى: ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يُعَلِّمَه الله ﷿.\n٨ - ومنها: الرد على القدرية الذين يقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله»؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمكم﴾؛ والرد على الجبرية أيضًا؛ لتوجيه الأوامر إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا﴾، وقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾، وما أشبههما؛ لأننا لو قلنا بأن العبد مجبر صار توجيه الخطاب إليه نوعًا من العبث؛ لأنه أمر بما لا يطاق، ولا يمكن تطبيقه.\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]\nالتفسير:\nوالأزواج الذين يموتون ويتركون زوجات بعدهم، فعليهم وصيةً لهنَّ: أن يُمَتَّعن سنه تامة من يوم الوفاة، بالسكنى في منزل الزوج من غير إخراج الورثة لهن مدة السنة؛ جبرًا لخاطر الزوجة، وبرًا بالمتوفَّى. فإن خرجت الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة فلا إثم عليكم -أيها الورثة- في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه. وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا.\nاختلف السلف ومن تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة (١):\nالقول الأول: يرى الجمهور بأن الآية منسوخة (٢).\nفالناسخ هو قوله﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، حيث عدة المتوفى عنها زوجها فيها: أربعة أشهر وعشرًا، والمنسوخ هذه الآية حيث عدة المتوفى عنها زوجها فيها: حولًا كاملًا.\nالثاني: وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، ومنهم: ابن عباس (٣)، والضحاك (٤)، ومجاهد (٥)، وعطاء (٦)، وابن زيد (٧)، وابن كثير (٨)، والسعدي (٩)، وابن عثيمين (١٠)، وغيرهم.\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لهبة الله بن سلامة: ٥٥، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٩١، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٧ ب، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٨٦، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٤٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٩٢، روح المعاني للألوسي: ٢/ ١٥٩، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٧١، وغيرها.\n(٢) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٩١، والناسخ والمنسوخ لهبة الله بن سلامة: ٥٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣١١، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٧٠، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٤٤، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٩٢، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٨٦، روح المعاني للألوسي: ٢/ ١٥٩، معرفة الناسخ والمنسوخ لأبي عبد الله محمد بن حزم: ٣٢٥، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب: ١٥٣ - ١٥٥، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٤/ ٦٠١، العدة لأبي يعلى: ٣/ ٧٨٠، الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي: ١/ ٨١، مناهل العرفان للزرقاني: ٢/ ١٥٨ وغيرها.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٥٧٤): ص ٥/ ٢٥٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٥٧٥): ص ٥/ ٢٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٥٧٧): ص ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٥٧٧): ص ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٥٧٨): ص ٥/ ٢٥٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٣٨، و١/ ٦٥٨ - ٦٦٠.\n(٩) انظر: تفسير السعدي: ١٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٨٦.","vol":"5","page":127},{"text":"والقول الثاني هو الأظهر، قال السعدي بعد ذكره القول بالنسخ: \"وهذا القول لا دليل عليه، ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرًا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولًا كاملًا جبرًا لخاطرها وبرأ بميتهم، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، \"أي: يقبضون من رجالكم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: \" ويتركون زوجاتهم\" (٣)، بعد الموت.\nقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: \"كتب الله عليهم وصية\" (٤) لأزواجهم.\nقال ابن كثير: \" أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١] \" (٥).\nقال الزمخشري: \" أن يوصوا قبل أن يحتضروا\" (٦).\nقال المراغي: \" أي وصية من الله لأزواجهم\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \"أي عهدًا لأزواجهم؛ ولا تكون الوصية إلا في الأمر الذي له شأن، وبه اهتمام\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً﴾ [البقرة: ٢٤٠]، قراءتان (٩):\nالأولى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بالنصب، وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو وحمزة، وحفص عن عاصم، بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم، أو: عليهم أن يوصوا وصية لأزواجهم.\nوالثانية: ﴿وَصِيِّةٌ لأزْوَاجِهِمْ﴾ بالرفع؛ قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، ثم اختلفوا في وجه رفعهاعلى قولين (١٠):\nأحدها: أنها رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية، وواحتجوا في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله.\nومعنى الكلام على هذا الوجه: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، كتبت عليهم وصية لأزواجهم - ثم ترك ذكر \" كتبت \"، ورفعت \" الوصية \" بذلك المعنى، وإن كان متروكا ذكره.\nوالثاني: أن (الوصية) مرفوعة بقوله: ﴿لأزواجهم﴾، فتأول: لأزواجهم وصية.\nوالراجح هو القول الأول، وهو أن تكون (الوصية) إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم. \"لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت، فإذا أظهرت بدأت به قبلها، فتقول: جاءني رجل اليوم، وإذا قالوا: رجل جاءني اليوم، لم يكادوا أن يقولونه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه ب (هذا)، أو غائب قد علم المخبر عنه خبره، أو بحذف (هذا) وإضماره وإن حذفوه، لمعرفة السامع بمعنى المتكلم، كما قال الله تعالى ذكره: (سورة أنزلناها) [سورة النور: ١] و﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة التوبة: ١]، فكذلك ذلك في قوله: ﴿وصية لأزواجهم﴾ \" (١١).\nوالصواب هو القراءة بالرفع ﴿وَصِيِّةٌ﴾، وذلك \"لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا كان حقا لها قبل نزول قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٤]، وقبل نزول آية الميراث ولتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن، أو لم يوصوا لهن به\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿مَّتَاعًا إِلَى الحول﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: \"بأن تمتَّع أزواجهم بعدهم حولًا كاملا\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أى ينفق عليهنّ من تركته\" (١٤).\nقال الشوكاني: \"ن يمتعن بعدهم حولا كاملا بالنفقة والسكنى من تركتهم\" (١٥).\nوقرأ أبىّ: متاع لأزواجهم متاعا. وروى عنه: فمتاع لأزواجهم. ومتاعا نضب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل، وعلى قراءة أبىّ متاعا نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع كقولك: الحمد للَّه حمد الشاكرين، وأعجبنى ضرب لك زيدًا ضربا شديدًا. وغَيْرَ إِخْراجٍ مصدر مؤكد، كقولك: هذا القول غير ما تقول. أو بدل من متاعًا. أو حال من الأزواج، أى غير مخرجات (١٦).\nقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: \" لهن ذلك المتاع وهن مقيمات في البيت غير مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه\" (١٧).\nقال ابن عثيمين: \"أي: من الورثة الذين يرثون المال بعد الزوج؛ ومنه البيت الذي تسكن فيه الزوجة\" (١٨).\nقال القرطبي: \" معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها\" (١٩).\nقال الزمخشري: \" ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبى حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب مِنْ مَعْرُوفٍ مما ليس بمنكر شرعًا. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ مع قوله: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ \" (٢٠).\nقال المراغي: \" وهذا الأمر أمر ندب واستحسان لا أمر وجوب وإلزام تهاون فيه الناس كما تهاونوا فى كثير من المندوبات\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٨، وحاشية د. اللاحم على الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٨٨ - ٩٠، وتفسير السعدي: ٨٨، النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد: ٢/ ٧٨١ رقم: ١١٦٥.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٥٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ٢٨٩.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٨٥.\n(٩) انظر: السبعة: ١٨٤، وتفسير الطبري: ٥/ ٢٥٠، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٢٥٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٢٨٩.\n(١٥) فتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(١٦) انظر: الكشاف: ١/ ٢٨٩.\n(١٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٩.\n(١٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٨٥.\n(١٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٢٠) الكشاف: ١/ ٢٨٩.\n(٢١) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٩.","vol":"5","page":128},{"text":"واختلف في نصب قوله ﴿غَيْرَ﴾ على أربعة أقوال (١):\nالأول: نصب على المصدر، كأنه قال لا إخراجا. قاله الأخفش (٢).\nالثاني: وقيل: نصب، لأنه صفة المتاع.\nالثالث: وقيل: نصب على الحال من الموصين، أي: متعوهن غير مخرجات.\nالرابع: وقيل: بنزع الخافض، أي من غير إخراج. قاله الفراء (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، \"أي: فإِن خرجن مختارات راضيات\" (٤).\nقال الشوكاني: \"يعني: باختيارهن قبل الحول\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: \" أي لا حرج على الولي والحاكم وغيرهما\" (٦).\nقال الصابوني: \" فلا إِثم عليكم يا أولياء الميت\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: \"في تركهن أن يفعلن ما لا ينكره الشرع، كالتزين والتطيب والتعرض للخُطّاب\" (٨).\nقال الشوكاني: \" من التعرض للخطاب والتزين لهم\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك\" (١٠).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، على أربعة أقوال (١١):\nالأول: أي بما هو معروف في الشرع غير منكر.\nقال الشوكاني: \"وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول وليس ذلك بحتم عليهن\" (١٢).\nقال القرطبي: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ \" الآية: \" أي لا حرج على أحد ولِيٍّ أو حاكم أو غيره؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا\" (١٣).\nالثاني: وقيل المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن.\nضعّفه الشوكاني، \"لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله ﴿فيما فعلن﴾ \" (١٤).\nالثالث: وقيل: \"لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٣٢، ومفاتيح الغيب: ٦/ ١٦٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٦٠. وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦،\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨، وفتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(١٤) فتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.","vol":"5","page":129},{"text":"الرابع: وقيل: \"لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة. لأنه قال \"من معروف\" وهو ما يوافق الشرع\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي \"والله عزيز غالب على أمره يعاقب من خالفه، حكيم يراعى فى أحكامه مصالح عباده\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي: هو سبحانه غالبٌ في ملكه حكيم في صنعه\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي: ذو عزة، وحُكم، وحِكمة\" (٤).\nقال القرطبي: \" ﴿والله عزيز﴾ صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي محكم لما يريد من أمور عباده\" (٥).\nقال المراغي: \" ومن عزته وقدرته أن يحوّل الأمم من عادات ضارة، إلى عادات نافعة تقتضيها المصلحة، كتحويل العرب من عادتهم في العدة والحداد، إذ كانوا يجعلون المرأة أسيرة ذليلة مقهورة في عقر دارها سنة كاملة - إلى ما هو خير من ذلك وهو إكرامها في بيت زوجها بين أهله، وعدم الحجر على حريتها إذا أرادت الخروج منه ما دامت في حظيرة الشرع وآدابه\" (٦).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والخطاب لعموم الأمة؛ وليس خاصًا بالصحابة ﵃؛ لأن القرآن نزل للجميع إلى يوم القيامة؛ فالخطاب الموجود فيه عام لكل الأمة؛ إلا إذا دل دليل على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًّا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠] \" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الزوجة تبقى زوجيتها حتى بعد الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ويذرون أزواجًا﴾؛ ولا يقول قائل: إن المراد باعتبار ما كان؛ لأن هذا خلاف الأصل.\nفإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك فإنها لا تحل لأحد بعده؟\nقلنا: هي مقيدة بمدة العدة؛ ويدل على ذلك أن المرأة إذا مات زوجها جاز أن تغسله؛ ولو كانت أحكام الزوجية منقطعة ما جاز لها أن تغسِّل زوجها.\n٢ - ومنها: أنه يشرع للزوج أن يوصي لزوجته أن تبقى في بيته، وينفق عليها من تركته لمدة حول كامل؛ هذا ما تفيده الآية؛ فهل هذا الحكم منسوخ، أو محكم؟ على قولين للعلماء؛ أحدهما: أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ ويؤيده ما في صحيح البخاري حينما سئل عثمان ﵁: لماذا أبقيت هذه الآية وهي منسوخة؛ ولماذا وضعتها بعد الآية الناسخة - وكان الأولى أن تكون المنسوخة قبل الآية الناسخة لمراعاة الترتيب؟ فأجاب عثمان ﵁ بأنه لا يغير شيئًا من مكانه (٨)؛ وذلك لأن الترتيب بين الآيات توقيفي؛ فهذه الآية توفي رسول الله (ص) وهي تتلى في القرآن، وفي مكانها؛ ولا يمكن أن تغير؛ وعلى هذا فتكون هذه الآية منسوخة بالآية السابقة بالنسبة للعدة؛ وأما بالنسبة لما يوصي به الزوج من المال فهو منسوخ بآية المواريث - وهي\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٤٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ٤٥٠.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٨٥.\n(٨) راجع البخاري ص ٣٧١، كتاب التفسير، باب ٤٠: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن ...،)، حديث رقم ٤٥٣٠.","vol":"5","page":131},{"text":"قوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾ [النساء: ١٢]، وقول النبي ﷺ: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث» (١).\nوالقول الثاني: أن الآية محكمة؛ فتحمل على معنًى لا يعارض الآية الأخرى؛ فيقال: إن الآية الأخرى يخاطَب بها الزوجة: تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرًا؛ والآية الثانية يخاطَب بها الزوج ليوصي لزوجته بما ذُكر.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷿ ذو رحمة واسعة حتى أوصى الزوج بأن يوصي لزوجته مع أن الزوج قد جعل الله فيه رحمة لزوجته حين قال لله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]؛ ورحمة الله ﷿ لهذه الزوجة أعظم من رحمة الزوج لها.\n٤ - ومنها: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها أن تبقى في البيت أن تخرج، ولا تنفذ وصيته؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾؛ لأن هذا شيء يتعلق بها، وليس لزوجها مصلحة فيه.\nويتفرع عليه لو أوصى الزوج الزوجة ألا تتزوج من بعده لا يلزمها؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت مدة الحول فلأن لا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى.\nوكذلك يؤخذ منه قياسًا كل من أوصى شخصًا بأمر يتعلق بالشخص الموصى له فإن الحق له في تنفيذ الوصية، وعدم تنفيذها.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن المسؤولين عن النساء هم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾.\n٦ - ومنها: أن على الرجال الإثم فيما إذا خرجت المرأة عن المعروف شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾.\nويتفرع على هذا أن كل مسؤول عن شخص إذا تمكن من منعه عن المنكر فإنه يمنعه؛ ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن الإنسان ما دام مسؤولًا فإنه إذا فرط في مسؤوليته كان وازرًا، ووزره على نفسه.\n٧ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن المعروف في جميع أحوالها؛ و«المعروف» هو ما أقره الشرع والعرف جميعًا؛ فلو خرجت في لباسها، أو مشيتها، أو صوتها، عن المعروف شرعًا فهي آثمة؛ وعلينا أن نردعها عن الخروج على هذا الوجه.\n٨ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «العزيز»، و«الحكيم»؛ وإثبات ما تضمناه من صفة سواء كان ذلك عن طريق اللزوم، أو المطابقة، أو التضمن؛ وهي العزة، والحكمة، والحُكم؛ وقد سبق تفسير ذلك.\n٩ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة على سبيل الإطلاق، لأن الله ﷾ أطلق: قال: ﴿عزيز حكيم﴾؛ فيكون عزيزًا في كل حال؛ وحكيمًا حاكمًا في كل حال.\nالقرآن\n﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]\nالتفسير:\nوللمطلقات متاع من كسوة ونفقة على الوجه المعروف المستحسن شرعًا، حقًا على الذين يخافون الله ويتقونه في أمره ونهيه.\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٧، حديث رقم ٢٢٦٥٠، وأخرجه أبو داود ص ١٤٣٧، كتاب الوصايا، باب ٦: ما جاء في الوصية للوارث، حديث، رقم ٢٨٧٠، وأخرجه الترمذي ص ١٨٦٤، كتاب الوصايا، باب ٥: ما جاء لا وصية لوارث، حديث رقم ٢١٢٠؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦٤٠، كتاب الوصايا، باب ٦: لا وصية لوارث، حديث رقم ٢٧١٣، قال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٢٠٧، حسن صحيح، راجع الإرواء ٦/ ٨٧، حديث رقم ١٦٥٥.","vol":"5","page":132},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، \" أي واجبٌ على الأزواج أن يُمتِّعوا المطلقات بقدر استطاعتهم جبرًا لوحشة الفراق\" (١).\nقال الشنقيطي: وهذا\" يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب ... وهذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس \" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قوله: \" ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، وهي المطلقة التي يطلقها بل أن يمسها، ولم يسم لها صداقا، فأمر الله أن يمتعها على قدر عسره ويسره، فأما التي سمى لها الصداق فلها نصف الصداق\" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في المعنية بهذه الآية من المطلقات على أقوال (٤):\nالأول: قيل هي المتعة وأنها واجبة لكل مطلقة، وهو قول عن الشافعي (٥)، ﵀، وإليه ذهب سعيد بن جبير (٦)، والزهري (٧)، وأبو العالية (٨)، وأحد قولي عطاء (٩)، واختاره ابن جرير (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" وقوله تعالى: ﴿وللمطلقات﴾ من ألفاظ العموم؛ لأن «أل» فيها اسم موصول؛ فيشمل كل المطلقات بدون استثناء؛ وهن من فارقهن أزواجهن؛ وسمي طلاقًا؛ لأن الزوجة قبله في قيد النكاح؛ ولهذا قال النبي ﷺ: \"اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان\" (١١) أي: أسيرات؛ وقال تعالى عن امرأة العزيز: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ و﴿سَيِّدَهَا﴾: زوجها\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضًا لها أو مطلقًا قبل المسيس أو مدخولا بها\" (١٣).\nالثاني: وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن الأزواج، وهذا قول عطاء ومجاهد (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٢) أضواء البيان: ١/ ١٥٢.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٩٩): ص ٢/ ٤٥٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وفتح القدير: ١/ ٢٦٠.\n(٥) انظر: تفسير الشافعي: ١/ ٤٢٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٥٩٢): ص ٥/ ٢٦٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٠٢): ص ٢/ ٤٥٤.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٠٢): ص ٢/ ٤٥٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٤٠٢): ص ٢/ ٤٥٤.\n(١١) أخرجه أحمد ٥/ ٧٣، حديث رقم ٢٠٩٧١؛ واللفظ له وأخرجه من طريق أبي حرة ٥/ ٧٢ – ٧٣، حديث رقم ٢٠٩٧١، وأخرجه الترمذي ص ١٧٦٦، كتاب الرضاع، باب ١١: ما جاء في حق المرأة على زوجها حديث رقم ١١٦٣، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٨٨، كتاب النكاح، باب ٣: حق المرأة على الزوج، حديث رقم ١٨٥١، وفي سنده سليمان بن عمرو بن الأحوص؛ قال عبد القادر الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول لابن الأثير ٥/ ٥٠٤، حاشية رقم _١): (لم يوثقه غير ابن حبان، وللحديث شواهد في الصحيحين منها حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ، فالحديث صحيح. أهـ. وقال الألباني في صحيح ابن ماجة ١/ ٣١١: حسن، وقال في الإرواء: في إسناده جهالة لكن له شاهد يتوقى به من حديث عم أبي حرة الرقاش، فالحديث بمجموع الطريقين حسن إن شاء الله تعالى ٧/ ٥٤، ٩٦، ٩٧. أهـ. باختصار.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٠.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٣، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٢٧.","vol":"5","page":133},{"text":"الثالث: وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآية، لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]، قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم نرد أن نحسن. فأنزل الله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾، فوجب ذلك عليهم. وبهذا فإن الآية نسخ محض، وهو قول ابن زيد (١).\nوأخرج ابن أبي حام بسنده \"عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي بعدها: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، نسخت ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ \" (٢).\nوأخرج أيضا \"عن عتاب بن خصيف، في قوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، قال: كان ذلك قبل الفرائض\" (٣).\n\nالرابع: وقيل المراد بالمتعة هنا نفقة العدة (٤).\nوالراجح هو القول الأول، وهو: أن الله تعالى ذكره أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة، \"لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء، خصوصا من النساء، فبين في الآية التي قال فيها: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٩]، ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس، وبقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٨]، حكم المدخول بهن، وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن، وحكم الكوافر والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: \" وللمطلقات متاع بالمعروف \" ذكر جميعهن، وأخبر بأن لهن المتاع، كما خص المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية\" (٥) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]، أي: \" أي نفقة العدة\" (٧).\nوالمتاع: هو \"ما تتمتع به من لباس، وغيره\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، يعني \"بقدر الإمكان، جبرا لوحشة الفراق\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"يعني: هذا المتاع مقيد بالمعروف - أي ما يعرفه الناس -؛ وهذا قد يكون مفسَّرًا بقوله تعالى: ﴿وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعًا بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: المتاع على الموسر بقدر إيساره؛ وعلى المعسر بقدر إعساره\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٥٥٩٥): ص ٥/ ٢٦٤.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٠٠): ص ٢/ ٤٥٤.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم: (٢٤٠١): ص ٢/ ٤٥٤.\n(٤) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٨٩،\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٦) قال الشنقيطي: \" وقوله ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾، يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: (حقا على المحسنين (وقال: (حقا على المتقين (قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.\nقال مقيده عفا الله عنه هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: (على المحسنين (و) على المتقين (تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس \". [أضواء البيان: ١/ ١٥٢].\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٠.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٢، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٠.","vol":"5","page":134},{"text":"قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، أي: \" وهذه المتعة حقٌّ لازم على المؤمنين المتقين لله\" (١).\nقال المراغي: \" والذي يفعل ذلك من أشرب قلبه تقوى الله والخوف من عقابه، فهو الذي يجود بالمال تطييبا للقلوب وإزالة للضغن\" (٢).\nقال الطبري: \"فأما (المتقون)، فهم الذين اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على ما كلفهم القيام بها خشية منهم له، ووجلا منهم من عقابه\" (٣).\nو(التقوى): هي القيام بطاعة الله على علم وبصيرة؛ وما أحسن ما قاله بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله (٤).\nروي \"عن ابن عباس: ﴿المتقين﴾، أي: الذين يحذرون من الله عقوبته وترك ما يعرفون من الهوى، ويرجون رحمته، بتصديق ما جاء منه\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فأنه لا يعني أنه لا يجب على غير المتقين؛ ولكن تقييده بالمتقين من باب الإغراء، والحث على لزومه؛ ويفيد أن التزامه من تقوى الله ﷿؛ وأن من لم يلتزمه فقد نقصت تقواه (٦).\nقال الماوردي: \" وإنما خص المتقين بالذكر - وإن كان عامًا - تشريفًا لهم\" (٧).\nوقد أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن \"يعلي ابن حكيم، قال: سمعت رجلا سأل سعيد بن جبير عن المتعة، على كل أحد هي؟ قال: لا. قال: فعلى من؟ قال: على المتقين\" (٨).\nوعنه أيضا بسنده عن حسين بن حفص، قال: قال سفيان وإن طلقها وقد دخل بها، فسمى لها مهرا، فعليه المتعة ولا يجبر على ذلك، ولكن يقال له: متع إن كنت من المتقين، من غير أن يجبر عليه\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وللمطلقات﴾؛ ويستثنى من ذلك:\nأ - من طلقت قبل الدخول وقد فرض لها المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nب - من طلقت بعد الدخول فلها المهر: إن كان مسمًّى فهو ما سمي؛ وإن لم يكن مسمًّى فمهر المثل؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من طلقت بعد الدخول فلها المتعة على زوجها مطلقًا؛ لعموم الآية.\n٢ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تأكيد الحقوق التي قد يتهاون الناس بها؛ لقوله تعالى: ﴿حقًّا على المتقين﴾.\n٣ - ومنها: أنه ينبغي ذكر الأوصاف التي تحمل الإنسان على الامتثال فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور؛ لقوله تعالى: ﴿حقًّا للمتقين﴾؛ لأن عدم القيام به مخالف للتقوى؛ والقيام به من التقوى.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٥٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٠.\n(٥) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٠٦): ص ٢/ ٤٥٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٠ - ١٩١.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٣١١.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٠٤): ص ٢/ ٤٥٤.\n(٩) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٠٥): ص ٢/ ٤٥٤.","vol":"5","page":135},{"text":"٤ - ومنها: اعتبار العرف؛ لقوله تعالى: ﴿متاعًا بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ وهذا ما لم يكن العرف مخالفًا للشرع؛ فإن كان مخالفًا له وجب رده إلى الشرع.\n٥ - ومنها: أن التقوى تحمل على طاعة الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.\nالقرآن\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ [البقرة: ٢٤٢]\nالتفسير:\nمثل ذلك البيان الواضح في أحكام الأولاد والنساء، يبيِّن الله لكم آياته وأحكامه في كل ما تحتاجونه في معاشكم ومعادكم؛ لكي تعقلوها وتعملوا بها.\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، أي مثلَ ذلك البيان السابق يبين الله لكم آياته.\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن \"سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿كذلك﴾ [البقرة: ٢٤٢]، يعني: هكذا يبين الله لكم آياته\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي يبين الآيات لأجلكم حتى تتبين لكم، وتتضح\" (٢).\nقال القاسمي: \"أي: مثل ذلك البيان الشافي يبين الله لكم، في جميع المواضع آياته الدالة على أحكامه\" (٣).\nقال الراغب: \" نبه أنه كما بين لكم هذه الأحكام يبين لكم سائر الآيات العقلية والسمعية لتكونوا أقرب إلى استعادة العمل المكتسب\" (٤).\nومعنى (البيان) التوضيح؛ أي \"أن الله يوضحه حتى لا يبقى فيه خفاء\" (٥).\nو﴿آيَاتِهِ] [البقرة: ٢٤٢]، أي: \"حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم\" (٦).\nو(الآيات): جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمدلولها؛ وتشمل الآيات الكونية والشرعية؛ فإن الله ﷾ بيّن لنا من آياته الكونية والشرعية ما لا يبقى معه أدنى شبهة في أن هذه الآيات علامات واضحة على وجود الله ﷿، وعلى ما له من حكمة، ورحمة، وقدرة (٧).\nوفي إعراب قوله ﴿لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، وجهان (٨):\nالأول: يحتمل أن تكون اللام لتعدية الفعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾.\nوالثاني: ويحتمل أن تكون اللام للتعليل؛ أي يبين الآيات لأجلكم حتى تتبين لكم، وتتضح.\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]؛ \"أي لتكونوا من ذوي العقول الرشيدة\" (٩).\nروي عن \"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿يعقلون﴾ [البقرة: ٢٤٢]، قال: يتفكرون\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٠٧): ص ٢/ ٤٥٥، عن أبي زرعة، ثنا نحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٢.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٣.\n(٤) تفسير الراغب: ١/ ٤٩٨.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٢.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٢.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٢.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم: (٢٤٠٨): ٢/ ٤٥٥.","vol":"5","page":136},{"text":"قال السعدي: \" لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها\" (١).\nقال الصابوني: \"لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها\" (٢).\nقال القاسمي: \"لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها\" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: منة الله على عباده بتبيين الآيات؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾.\n٢ - ومنها: أن مسائل النكاح والطلاق، قد يخفى على الإنسان حكمتها؛ لأن الله جعل بيان ذلك إليه، فقال تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم﴾.\n٣ - ومنها: الرد على المفوضة - أهل التجهيل؛ وعلى أهل التحريف - الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم آياته﴾؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن الله لم يبين ما أراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وأنها بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم معناها؛ وأهل التحريف يقولون: إن الله لم يبين المعنى المراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وإنما وكل ذلك إلى عقولنا؛ وإنما البيان بما ندركه نحن بعقولنا؛ فنقول: لو كان الأمر كما ذكرتم لكان الله ﷾ يبيّنه؛ فلما لم يبين ما قلتم علم أنه ليس بمراد.\n٤ - ومن فوائد الآية: الثناء على العقل، حيث جعله الله غاية لأمر محمود - وهو تبيين الآيات؛ والمراد عقل الرشد السالم من الشبهات، والشهوات - أي الإرادات السيئة.\n٥ - ومنها: إثبات العلة لأفعال الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾.\n٦ - ومنها: أنه لا يمكن أن يوجد في الشرع حكم غير مبين؛ لقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم آياته﴾؛ والآيات هنا جمع مضاف؛ فيعم.\nفإن قال قائل: إننا نجد بعض النصوص تخفى علينا؟\nفالجواب: أن ذلك إما لقصور في فهمنا؛ وإما لتقصير في تدبرنا؛ وإما لنقص في علومنا؛ أما أن النص نفسه لم يبين فهذا شيء مستحيل.\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم، وهم ألوف كثيرة؛ خشية الموت من الطاعون أو القتال، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من قدر الله، ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة؛ ليستوفوا آجالهم، وليتعظوا ويتوبوا؟ إن الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله عليهم.\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، \" أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم\" (٤).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٩.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.","vol":"5","page":137},{"text":"قال القاسمي: \" أي: ممن تقدمكم من الأمم من ديارهم، التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت\" (١).\nوالخطاب هنا إما لرسول الله -ﷺ-؛ أو لكل من يتأتى خطابه؛ والأخير أحسن؛ لأنه أعم؛ و(الرؤية) هنا رؤية الفكر؛ لا رؤية البصر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي \"ألم تعلم بإعلامي إياك، وهو من رؤية القلب\" (٣).\nقال القرطبي: \"وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ﴿ألم ترْ﴾ بجزم (الراء)، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة، لأن الأصل ألم ترء\" (٤).\nقال الزمخشري: قوله تعالى\" ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وجهان (٦):\nأحدهما: يعني مُؤْتَلِفِي القلوب، وهو قول ابن زياد (٧).\nأي \"لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم\" (٨).\nوالثاني: يعني ألوفًا في العدد. قاله ابن عباس (٩)، ووهب بن منبه (١٠)، والحجاج بن أرطأة (١١)، والسدي (١٢) ومجاهد (١٣) وعطاء (١٤) ومحمد بن إسحاق (١٥)، وهو قول الجمهور وهو الصحيح.\nواختلف قائلوا هذا في عددهم على أربعة أقاويل (١٦):\nأحدها: كانوا أربعة آلاف، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس (١٧).\nوالثاني: كانوا ثمانية آلاف.\nوالثالث: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا، وهو قول السدي (١٨).\nوالرابع: كانوا أربعين ألفًا، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا (١٩).\nقال الماوردي: \"والألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف\" (٢٠).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٤.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٤، وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ٢٩٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٦٦ وما بعدها، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠، والنكت والعيون: ١/ ٣١٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٨): ص ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٥٩٦): ص ٥/ ٢٦٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٥٩٨): ص ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠١): ص ٥/ ٢٦٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٢): ص ٥/ ٢٧٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٣): ص ٥/ ٢٧٠ - ٢٧١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٤): ص ٥/ ٢٧١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٧): ص ٥/ ٢٧١.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٢.\n(١٧) اخرجه الطبري (٥٥٩٦): ص ٥/ ٢٦٦.\n(١٨) أخرجه الطبري (٥٦٠٢): ص ٥/ ٢٧٠.\n(١٩) أخرجه الطبري (٥٦٠٥): ص ٥/ ٢٧١.\n(٢٠) النطت والعيون: ١/ ٣١٢.","vol":"5","page":138},{"text":"والصواب أن عدد القوم، كان أكثر من عشرة آلاف، \"دون من حده بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: \" ألوف \". وإنما يقال \" هم آلاف \"، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف. وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف\" (١).\nقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الموت﴾ [البقرة: ٢٤٣]، \"أي خوفًا من الموت وفرارًا منه\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وجهين (٣):\nأحدهما: أنهم فرّوا من الطاعون، وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وعمرو بن دينار (٦)، وقتادة (٧)، وهلال بن يساف (٨).\nأخرج الطبري بسنده \"عن ابن عباس في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضا ليس فيها موت! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: رموتوا﴾، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ \" (٩).\nوالثاني: أنهم فروا من الجهاد، وهذا قول الضحاك (١٠)، ومطر (١١)، وهو وأحد قولي ابن عباس (١٢).\nوأصح الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء، وهو اختيار جمهور أهل التفسير (١٣). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، \" أي: قال الله لهم موتوا فماتوا ثم أحياهم\" (١٤).\nقال النسفي: \" أي فأماتهم الله، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وفضائه\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٢٧٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٧٤ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣١٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٥٩٦): ص ٥/ ٢٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٩): ص ٥/ ٢٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٦١١): ص ٥/ ٢٧٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٦١٣): ص ٥/ ٢٧٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٦١٤): ص ٥/ ٢٧٥.\n(٩) تفسير الطبري (٥٥٩٦): ص ٥/ ٢٦٦، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨١، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \"، وقال الذهبي \" ميسرة، لم يرويا له وروى له البخاري في الأدب المفرد. وانظر ابن كثير ١: ٥٩٠، والدر المنثور ١: ٣١٠. و\" ميسرة \"، هو: \" ميسرة بن حبيب النهدي \"، مترجم في التهذيب.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤١٧): ص ٢/ ٤٥٦.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤١٧): ص ٢/ ٤٥٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥٦٩): ص ٥/ ٢٦٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٤١٧): ص ٢/ ٤٥٦.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٢.\n(١٤) فتح القدير: ١/ ٢٦١.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.","vol":"5","page":139},{"text":"قال الشوكاني: \" هو أمر تكوين عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا قوله ثم أحياهم\" (١).\nقال البغوي: \" أمر تحويل كقوله ﴿كونوا قردة خاسئين\"﴾ [البقرة: ٦٥] \" (٢).\nقال ابن العربي: \"أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم؛ وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها\" (٣).\nقال الماوردي: و\"إنما فعل ذلك معجزة لنبي من أنبيائه كان اسمه شمعون من أنبياء بني إسرائيل، وأن مدة موتهم إلى أن أحياهم الله سبعة أيام \" (٤).\nوقد ذكر العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قولان (٥):\nأحدهما: يعني فأماتهم الله، كما يقال: قالت السماء فمطرت، لأن القول مقدمة الأفعال، فعبر به عنها.\nوالثاني: أنه تعالى قال قولًا سمعته الملائكة.\nقال القرطبي: \" و﴿موتوا﴾ أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حكي أن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا؛ فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين \"موتوا\"، والله أعلم\" (٦).\nقال السعدي: ثم إن الله تعالى أحياهم\" إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، \" أي: ذو إِنعام وإِحسان على الناس حيث يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصّرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة\" (٨).\nقال البغوي: قيل هو على العموم في حق الكافة في الدنيا، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين\" (٩).\nقال النسفي: \" حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم، أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" التنكير في قوله ﴿فضل﴾ للتعظيم أي لذو فضل عظيم على الناس جميعا، أما هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الإعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أي: ولكن أكثر الناس لا يقومون بشكر الله ﷿ حين يتفضل عليهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم\" (١٣).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٦١.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٢.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٣١٣.\n(٥) انظر: تفسير االقرطبي: ٣/ ٢٣١، والنكت والعيون: ١/ ٣١٢.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣١.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٤.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٦١.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦١.","vol":"5","page":140},{"text":"قال الصابوني: \" أي لا يشكرون الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون\" (١).\nقال السعدي: \" فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم\" (٢).\nو«الشكر»: \"طاعة المتفضل\" (٣).\nالفوائد\n١ - من فوائد الآية: أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله تعالى: ﴿حذر الموت فقال لهم الله موتوا﴾؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال في الطاعون: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر وأنه، لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد\" (٥).\n٢ - ومنها: تمام قدرة الله ﷿ بإماتة الحيّ، وإحياء الميت؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا﴾؛ فماتوا بدليل قوله تعالى: ﴿ثم أحياهم﴾.\n٣ - ومنها: أن فيها دلالة على البعث؛ وجهه: أن الله أحياهم بعد أن أماتهم.\n٤ - ومنها: أن بيان الله ﷿ آياته للناس، وإنقاذهم من الهلاك من فضله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾.\n٥ - ومنها: أن لله نعمة على الكافر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿على الناس﴾؛ ولكن نعمة الله على الكافر ليست كنعمته على المؤمن؛ لأن نعمته على المؤمن نعمة متصلة بالدنيا والآخرة؛ وأما على الكافر فنعمة في الدنيا فقط.\n٦ - ومنها: أن الشاكر من الناس قليل؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾.\n٧ - ومنها: أن العقل يدل على وجوب شكر المنعم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾؛ وهذا على سبيل الذم؛ فيكون من لا يشكر مذمومًا عقلًا، وشرعًا.\n٨ - ومنها: أن كلام الله ﷾ بحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا﴾؛ فيكون فيه رد على من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه.\n٩ - ومنها: أن معنى قوله تعالى: ﴿إذا أراد شيئًا أن يقول له كن﴾ [يس: ٨٢] أن الله ﷿ يتكلم بما أراد؛ لا أن يقول: ﴿كن﴾ فقط؛ بل يتكلم بما أراد: كن كذا؛ كن كذا؛ لأن الكلام بكلمة ﴿كن﴾ مجمل؛ ولما قال الله للقلم: «اكتب قال: رب ماذا أكتب؟» (٦)؛ فيصير معنى ﴿كن﴾ أي الأمر المستفاد من هذه الصيغة؛ ولكنه يكون\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٦.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٢٨٤، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٥٤: حديث رقم ٣٤٧٣، وأخرجه مسلم ص ١٠٧١، كتاب السلام، باب ٣٢: الطاعون والطيرة، والكهانة ...، حديث رقم ٥٧٧٢ [٩٢] ٢٢١٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦١.\n(٦) أخرجه الترمذي ص ١٨٦٨، كتاب القدر، باب ١٧: إعظام أمر الإيمان بالقدر، حديث رقم ٢١٥٥؛ وأبو داود ص ١٥٦٨، كتاب السنة، باب ١٦: في القدر، حديث رقم ٤٧٠٠؛ والحاكم ٢/ ٤٩٨، كتاب التفسير، تفسير سورة (ن والقلم)؛ وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي؛ وأخرجه ابن أبي عاصم من عدة طرق في كتاب السنة ١/ ٤٨ – ٤٩، باب ذكر القلم، وصحهها الألباني، وذكر الحديث في صحيح أبي داود، وقال: \"صحيح\" (٣/ ١٤٨، حديث رقم ٤٧٠٠)؛ وقال عبد القار الأرناؤوط في جامع الأصول: \"وهو حديث صحسح بطرقه\" (٤/ ١٨، حاشية رقم ١).","vol":"5","page":141},{"text":"أمرًا خاصًا؛ فلو كان الله ﷾ يريد أن ينزل مطرًا؛ لا يقول: ﴿كن﴾ فقط؛ بل يكون بالصيغة التي أراد الله ﷿.\n١٠ - ومن فوائد الآية: جواز حذف ما كان معلومًا، وأنه لا ينافي البلاغة؛ وهو ما يسمى عند البلاغيين بإيجاز الحذف؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾؛ والتقدير: «فماتوا ثم أحياهم»؛ وهذا كثير في القرآن، وكلام العرب.\n١١ - ومنها: أنه ﷾ يمدح نفسه بما أنعم به على عباده؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لا أحد أحب إليه المدح من الله» (١)؛ فهو ﷾ يحب أن يُمدح، ويُحمد؛ لأن ذلك صدق، وحق؛ فإنه ﷾ أحق من يُثنى عليه، وأحق من يُحمَد؛ وهو ﷾ يحب الحق.\n١٢ - ومنها: أن من طبيعة البشر الفرار من الموت؛ لقوله تعالى: ﴿خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يستعد للذي يحذر منه وهو لا يدري متى يفجؤه.\nالقرآن\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة: ٢٤٤]\nالتفسير:\nوقاتلوا -أيها المسلمون- الكفار لنصرة دين الله، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنيَّاتكم وأعمالكم\nقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، أي وقاتلوا \"لإعلاء دينه\" (٢).\nقال البغوي: \" أي في طاعة الله أعداء الله\" (٣).\nقال الطبري: \" ﴿وقاتلوا﴾ أيها المؤمنون في دينه الذي هداكم له، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي في الطريقة الموصلة إليه - وهي شريعته -؛ وهذا يشمل النية، والعمل؛ أما النية فأن يكون الإنسان قاصدًا بقتاله أن تكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه؛ أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٥)؛ وأما العمل فأن يكون جهاده على وفق الشرع\" (٦).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده \"عن سعيد بن جبير، في قول الله ﷿: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، يعني: في طاعة الله\" (٧).\nقال الصابوني: \" أي قاتلوا الكفار لإِعلاء دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٣٨٣، كتاب تفسير القرآن سورة الأعراف، باب ١: قول الله ﷿: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منا وما بطن)، حديث رقم ٤٦٧٣، وأخرجه مسلم ص ١١٥٦، كتاب التوبة، باب ٦: غيرة الله تعالة وتحريم الفواحش، حديث رقم ٦٩٩٢ [٣٣] ٢٧٦٠.\n(٢) تفسير الجلالين: ١/ ٥٣.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٠.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٢٥١ - ٢٥٢، كتاب فرض الخمس، باب ١٠: من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، حديث رقم ٣١٢٦، وأخرجه مسلم ص ١٠١٨، كتاب الإمارة، باب ٤٢: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث رقم ٤٩٢٠ [١٥٠] ١٩٠٤، واللفظ لمسلم.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٩.\n(٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٢٧): ٢/ ٤٥٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.","vol":"5","page":142},{"text":"قال الطبري: أي: \" وقاتلوا أيها المؤمنون في دينية الذي هداكم، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم، الصادين عن سبيل ربكم، ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم، ولا تجبنوا عن حربهم، فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم، فتذلوا، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، الذين قصصت عليكم قصتهم، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم، وصرفتها عن حوبائهم، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني، فإن من حيي منكم فأنا أحييه، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله\" (١).\nقال المراغي: \" لقتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمة الحق، وتأمين الدعوة، ونشر الدين، حتى لا يغلب أهله، ولا يصدهم صادّ عن إقامة شعائره، وتلقين أوامره، والدفاع عن بلاد الإسلام إذا همّ الطامع في اغتصابها والتمتع بخيراتها، وإرادة إذلالها، والعدوان على استقلالها، فهذا أمر لنا بأن نتحلّى بالشجاعة، ونلبس سرابيل القوة، ليخشى العدو بأسنا، ويرهب جانبنا، ونكون أعزاء ونحيا حياة سعيدة في دنيانا وأخرانا\" (٢).\nقال القاسمي: \" وأصل السبيل هو الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة الضرر العام. وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب\" (٣).\nقال الراغب: \" وأقرب الأعداء إلى الإنسان وأصعبها دفاعًا وأكثرهم أذى الهوى المدلول عليه بقوله: \" جهادك هواك\" (٤)، وقوله: \"أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك\" (٥)، وقوله لما رجعوا من تبوك: \" جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\" (٦) ... وصعوبة مجاهدته أنه عدو يخفي وتخفى مكائده، ونحو هذا نظر الشاعر حيث قال (٧):\nرمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي\nوعلى هذا قوله ﷿: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، وقوله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ \" (٨).\nواختلف أهل التفسير في من عنى الله تعالى بهذا الخطاب، على قولين (٩):\nالأول: قال الجمهور: الخطاب لأمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله.\nقال القرطبي: \"وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا\" (١٠).\nوعلى هذا القول فإن (الواو) في قوله ﴿وَقَاتِلُوا﴾، عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام، قال النحاس: \" ﴿وَقَاتِلُوا﴾، أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء\" (١١)، وقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به (١٢).\nالقول الثاني: وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل. قاله الضحاك (١٣).\nو(الواو) على هذا في قوله ﴿وَقَاتِلُوا﴾ عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا (١٤).\nقال الطبري: \"ولا وجه لقول من زعم أن قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم\" (١٥).\nوالظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، بأن هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا. وبه قال أكثر أهل التفسير.\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، \" واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها\" (١٦).\nقال محمد بن إسحاق: \"أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٠.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٥٥.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٥.\n(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ إلا عند الراغب في تفسيره: ١/ ٥٠٢، وفي الذريعة إلى مكارم الشريعة: ١٠٣، وقد روي ذلك عن الحسن البصري، انظر: ذم الهوى لابن الجوزي حديث رقم (٢٨).\n(٥) رواه البيهقي في الزهد باسناد ضعيف وله شاهد من حديث أنس .. والمشهور على الالسنة: اعدى عدوك .. إهـ (كشف الخفاء ١/ ١٤٣) قال العراقي في تخريج الاحياء (كتاب عجائب القلب): اخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان احد الوضاعين. إهـ وقال الزبيدي في شرح الاحياء ٧/ ٢٠٦ تعقيبًا على العراقي: ووجدتُ بخط ابن حجر ما نصّه: وللحديث طرق اخرى غير هذه من حديث أنس.\n(٦) ورد بلفظ\" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر \"، قال الألباني في \" السلسلة الضعيفة والموضوعة \" (٥/ ٤٧٨)، منكر، رواه البيهقي بسند ضعيف في الزهد الكبير (٣٧٤): ص ١٩٨، قاله الحافظ العراقي في تحقيق أحاديث الإحياء، نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٥١١)، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: هو كلام إبراهيم بن أبي عبلة وليس بحديث، نقله أيضا العجلوني عن الحافظ في الكشف، وهذا ملخص ما ذكره العجلوني، وفي رواية البيهقي: (قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب)، ورواه الخطيب البغدادي بلفظ: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه)، وقد روياه جميعا عن جابر، كذا في كشف الخفاء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في \"الفتاوى\" (١١/ ١٩٧): أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في عزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، فلا أصل له)، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله\" انتهى.\"مجموع فتاوى ابن باز\" (٢٦/ ٣٨١).\n(٧) البيت لعمرو بن قميئة، انظر: ديوانه: ٤٦، وغريب أبي عبيد: ٢/ ١٤٦، وتفسير الراغب: ١/ ٥٠٢.\nوبنات الدهر: أحداثه، خطوبه ومصائبه. ليس برام: ليس من شأنه أن يرمي، عاجز عن الرماية.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٠١ - ٥٠٢.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٢٦): ص ٢/ ٤٥٩.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.\n(١٥) انظر: تفسيره: ٥/ ٢٨١ - ٢٨٢. وعلّل قائلا: \"لأن قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾، لا يخلو - إن كان الأمر على ما تأولوه - من أحد أمور ثلاثة:\n١ - إما أن يكون عطفا على قوله: \" فقال لهم الله موتوا \"، وذلك من المحال أن يميتهم، ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله.\n٢ - أو يكون عطفا على قوله: \" ثم أحياهم \"، وذلك أيضا مما لا معنى له. لأن قوله: \" وقاتلوا في سبيل الله \"، أمر من الله بالقتال، وقوله: \" ثم أحياهم \"، خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض، لو كانا جميعا خبرين، لاختلاف معنييهما. فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟\n٣ - أو يكون معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله، ثم أسقط \" القول \"، كما قال تعالى ذكره: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [سورة السجدة: ١٢]، بمعنى يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر. فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها\". [تفسير الطبري: ٥/ ٢٨١ - ٢٨٢].\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(١٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٢٨): ص ٢/ ٤٦ - . عن محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة ثنا محمد بن إسحاق.","vol":"5","page":143},{"text":"قال القاسمي: \" وفي قوله تعالى: واعلموا أن الله سميع عليم بعث على صدق النية والإخلاص، كما في الصحيحين: \"عن أبي موسى ﵁ قال: \"سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (١) \" (٢).\nقال الزمخشري: أي\" يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون عَلِيمٌ بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" وختم الله هذه الآية بالأمر بعلمنا بأن الله سميع عليم تحذيرًا من المخالفة، وترغيبًا في الموافقة؛ فنقوم بما أوجب علينا، ونجتنب ما حرم علينا\" (٥).\nقال الدكتور محمد حجازي: \" وتشير الآية الكريمة إلى أن موت الأمم غالبا له سببان:\nالأول: الجبن وضعف العزيمة.\nوالثاني: البخل وعدم الإنفاق، ولذلك قرن الله - ﷾ - الآية السابقة بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، ولقد رغب الله في الإنفاق، إذ عبر بالقرض عن الإنفاق، من يقرض الله الذي له خزائن السموات والأرض والذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يضاعف له في ثوابه أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله ومن أصدق من الله حديثا\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الأمر بقتال الكافرين؛ وهو إما فرض عين، أو فرض كفاية، أو مستحب على حسب ما قرره العلماء؛ وقد سبق الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠].\n٢ - ومنها: الأمر بالقتال على وجه الإخلاص لله تعالى بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾.\n٣ - ومنها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياءً؛ لأن إيجاب الإخلاص في القتال يقتضي تحريم القتال لغير ذلك؛ اللهم إلا أن يكون دفاعًا عن النفس فهو مباح؛ بل قد يجب.\nفإن قيل: لو قاتل دفاعًا عن وطنه لأنه بلد إسلامي؛ فيقاتل دفاعًا عنه لهذا الغرض؛ فهل يكون قتالًا في سبيل الله؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: العلم، ٤٥ - باب من سأل وهو قائم عالما جالسا، حديث ١٠٥ ونصه: عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه (وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما)، فقال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ﷿».\nوأخرجه مسلم في: الإمارة، حديث ١٥٠.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٣) الكشاف: ١/ ٢٩٠.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩٩.\n(٦) التفسير الواضح: ١/ ١٥٧.","vol":"5","page":144},{"text":"فالجواب: نعم؛ لأن نيته أن لا يفرق بين وطنه وغيره إذا كان ذلك لحماية الإسلام.\n٤ - ومن فوائد الآية: وجوب التمشي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة من طاعة الأمير، والصبر عند اللقاء، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك.\n٥ - ومنها: التحذير من مخالفة الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾؛ فإن مقتضى ذلك أن نحذر من مخالفته؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا.\n٦ - ومنها: الترغيب في موافقة الشرع؛ فإن ذلك لا يضيع عند الله؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا.\n٧ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله تعالى؛ وهما «السميع»، و«العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وحُكم؛ وقد سبق تفصيل «السمع» الذي وصف الله ﷿ به نفسه.\nالقرآن\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]\nالتفسير:\nمن ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقًا حسنًا احتسابًا للأجر، فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟ والله يقبض ويبسط، فأنفقوا ولا تبالوا؛ فإنه هو الرزاق، يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه وحده ترجعون بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم.\nفي سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن ابن عباس، قال: أتت اليهود محمدا ﷺ حين أنزل الله إليه من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فقالوا: يا محمد افتقر ربك، يسأل عباده؟ فأنزل الله ﷿: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء\" (١).\nوروي \"عن ابن عمر قال: لما نزلت مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فقال رسول الله ﷺ: رب زد أمتي، فنزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال: رب زد أمتي فنزل ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠٠] \" (٢).\nقال السعدي: \" ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، \" أي من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإِعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير\" (٤).\nقال ابن عطية: \" وقوله ﴿حسنا﴾، معناه تطيب فيه النية ويشبه أيضا أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته\" (٥).\nقال النسفي: \" بطيبة النفس من المال الطيب\" (٦).\nوقد ذكر العلماء في قوله ﷿: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، تفسيران (٧):\n_________\n(١) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٢٩): ٢/ ٤٦٠.\n(٢) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٣٥): ص ٢/ ٤٦١.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٥) المحرر الوجي: ١/ ٣٣٠.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٣.","vol":"5","page":146},{"text":"أحدهما: أنه النفقة في الجهاد، وهو عمر بن الخطاب (١) وابن زيد (٢).\nوالثاني: النفقة في الأهل. وهو قول زيد بن أسم (٣).\nوالثالث: وقيل: أن القرض الحسن هو: ذكر: \"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" (٤).\nوالرابع: أنة: أبواب البر، وهو قول الحسن (٥)، ومنه قول لبيد (٦):\nفإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ ... إنّما يَجْزي الفَتَى لَيسَ الجَمَلْ\nقال الحسن: وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا: إن الله يستقرض منا، فنحن أغنياء، وهو فقير، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحَنْ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].\nوالراجح-والله أعلم- أن (القرض الحسن) في هذه الآية، هو النفقة في سبيل الله، إذ \"يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيله\" (٧)، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وتعددت المعاني حسب السياق (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٣١): ص ٢/ ٤٦٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٦٢٤): ص ٥/ ٢٩٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٣٢): ص ٢/ ٤٦٠.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٣٣): ص ٢/ ٤٦١: \" حدثنا أبو سعيد بن نحيى بن سعيد القطان، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبيه، عن شيخ لهم أنه كان إذا سمع السائل يقول: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذا القرض\".\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٣.\n(٦) ديوانه: ٩١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٢.\n(٨) تكرر لفظ (القرض الحسن) في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، ورغم هذا التعدد في الذكر لم يختلف المعنى المراد في آية من الآيات، بل كان المقصود دائما هو الترغيب في الانفاق العام في وجوه الخير والبر، كالجهاد في سبيل الله وإطعام الجائعين وكسوة العارين وتعليم الجاهلين وتطبيب المصابين.\nإذ أورد القرآن الكريم فى القرض ست آيات فى خمس سور جميعها مدنية أية واحدة فى أربع سور؛ وهي [المائدة: ١٢] و[التغابن: ١٧] و[البقرة: ٢٤٥] و[المزمل: ٢٠] وآيتين فى سورة [الحديد ١٨ و١١]. وقد عبر القرآن الكريم عن القرض وهو اسم بألفاظ مختلفة مشتقة من الفعل الماضي الثلاثى (قرض) بصيغة الفعل المضارع والأمر كذلك المصدر كما يلى: - أقرضتم: ﴿وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢]- وأقرضوا: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ([الحديد: ١١]- وأقرضوا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠]- تقرضوا: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]- يقرض: وقد ورد مرتين فى آيتين فى سورتين كالتالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد: ١١]- قرضا: ورد لفظ قرضا ست مرات فى سورة البقرة والمائدة والحديد والتغابن والمزمل كما يلى: - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ البقرة: ٢٤٥﴾ - ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]- ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]- ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨]- ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]- ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوالقرض فى الإسلام هو أنسب الطرق وأهم الوسائل التى تؤدى إلى نهضة المجتمع وإشاعة الأمن والسلام فى ربوعه وتؤدى إلى الرواج الاقتصادى وحل المشكلات الاجتماعية وذلك لما نستخلصه مما سبق ذكره:\nأولا: أن القرض يحفظ كرامة الإنسان المقترض من ذل السؤال ويفتح له باب الأمل فى عمل يعيش منه أولًا ورد القرض للمقرض فضلًا على أن المقرض لا يحب أن يمن بما قدمه وأن يخفى القرض ولا يفصح عنه.\nثانيًا: أن رد القرض مضمون وواجب على المقترض رده فإن تعثر: ﴿\"فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nثالثًا: أن الله ﷾ يرد القرض على المقرض أضعافًا مضاعفه وأضعافًا كثيرة فثوابه أعظم من الصدقة ونهيب بالجهات الرسمية والمعنية بالدعوة إلى الله كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والعلماء والداعين إلى الله أن يبينوا لعموم المسلمين معنى القرض الحسن وأثره على أمن المجتمع وشيوع المحبة فى ربوعه.","vol":"5","page":147},{"text":"قال القاضي أبو محمد عبد الحق: \"واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء وقد ذهبت اليهود في مدة النبي ﷺ إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض وهذا بين الفساد\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، يعني: \"فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافًا كثيرة\" (٢).\nقال الصابوني: \"لأنه قرضٌ لأغنى الأغنياء ربّ العالمين ﷻ وفي الحديث\"مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلا ظَلُومٍ\" (٣) \" (٤).\nروي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟ ! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: يدك! قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها، فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة\" (٥).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، على قولين (٦):\nأحدهما: بالواحد سبعمائة ضعف، وهو قول ابن زيد (٧).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٣) صحيح مسلم (٧٥٨): ص ١/ ٥٢٢، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٦٢٠): ص: ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥. باسناد ضعيف. وأخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٣٠): ص ٢/ ٤٦٠.\nوجزء الحسن بن عرفة برقم (٨٧) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٤١٧) تحقيق الدكتور الحميد، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠١) عن خلف به نحوه، وحميد الأعرج ضعيف، لكن للحديث شواهد من حديث أنس وعمر ﵄.\nولقصة أبي الدحداح أصل آخر صحيح. من حديث أنس، رواه أحمد في المسند: ١٢٥٠٩ (٣: ١٤٦ حلبي)، بإسناد صحيح: \" عن أنس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي ﷺ: أعطها إياه بنخلة في الجنة، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي! ففعل، فأتى النبي ﷺ، . فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها. فقال رسول الله ﷺ: كم من عذق راح، لأبي الدحداح، في الجنة. قالها مرارا، قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها \".\nوحديث أنس هذا في مجمع الزوائد ٩: ٣٢٣ - ٣٢٤. وقال: \" رواه أحمد، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح \". ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد سقط نحو سطر أثناء الحديث، يصحح من هذا الموضع.\nوله أصل ثان صحيح. فروى مسلم في صحيحه ١: ٢٦٤، عن جابر بن سمرة، قال: \" صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح، ثم أتى بفرس عري، فعقله رجل فركبه، فجعل يتوقص به، ونحن نتبعه نسعى خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن لنبي ﷺ قال: كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح \". \" أو قال شعبة: لأبي الدحداح \".\nو(أبو الدحداح): هو ثابت بن الدحداح، أو ابن الدحداحة. ويكنى \" أبا الدحداح \" أو \" أبا الدحداحة \"، مترجم في الإصابة ١: ١٩٩. ثم ترجمه في الكنى ٧: ٥٧ - ٥٨، وذكر الخلاف في أنه واحد أو اثنان. ثم زعم أن الحق أن الثاني غير الأول! واستدل بحديث نقله من رواية أبي نعيم ضعيف، وأن في إسناده رجلا \" واهى الحديث \"! ! فسقط الاستدلال به دون ريب. الحائط: بستان النخيل إذا كان عليه جدار يحيط به، فإن لم يكن عليه الحائط فهو \" ضاحية \".\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٣١٣.\n(٧) أخرجه الطبري (٥٦١٧): ص ٥/ ٢٨٣. عن يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد.","vol":"5","page":148},{"text":"والثاني: لا يعلمه أحد إلا الله، وهو قول السدي (١).\nقال الشنقيطي: \"لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] \" (٢).\nوقد اختلف القراء في قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] على أربع قراءات:\nالأولى: قراءة عاصم بالألف والنصب، أي: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾.\nوالثانية: قراءة ابن عامر بالتشديد والنصب أي: ﴿فيضعَّفَه﴾.\nوالثالثة: قراءة ابن كثير بالتشديد والرفع أي: ﴿فيضعَّفُه﴾.\nوالرابعة: قراءة الباقين بالألف والرفع أي: ﴿فيضاعفُه﴾.\nوالقراءتان بمعنى واحد، كما نص على ذلك الأزهري (٣)، والمهدوي (٤)، وغيرهما.\nوقال أبو حيان \"وفرق بعضهم بين يضاعف ويضعف، فقال: التضعيف لما جعل مثلين، والمضاعفة لما زيد عليه أكثر من ذلك\" (٥).\nوقد وجه الحافظ ابن حجر (٦) قراءة النصب على أن الفعل منصوب بأن مضمرة في جواب الاستفهام، وهو جواب له على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الاستفهام وإن وقع عن المقرض لفظًا فهو عن الإقراض معنى، كأنه قال: أيقرض الله أحد قرضًا، فيضاعفَه له. وهناك توجيه آخر، وهو أن الفعل منصوب بإضمار أَنْ عطفًا على المصدر المفهوم من (يُقْرضُ) في المعنى، فيكون مصدرًا معطوفًا على مصدر، والتقدير: من ذا الذي يكون منه إقراض فمضاعفة من الله. كما وجه﵀قراءة الرفع بأنه رفع على الاستئناف، والتقدير: فهو يضاعفه، وهناك توجيه آخر وهو أن (فَيُضَاعِفَهُ) معطوف على صلة الذي، أي: ﴿يُقْرِضُ﴾ (٧).\nوكان أبو عمرو لا يسقط (الألف) من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿يضعف لها العذاب﴾ [الأحزاب: ٣٠]، فإنه بغير (ألف) كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بـ (الألف) ورفع (الفاء)، فالرفع في (الفاء) يتخرج على وجهين:\nأحدهما: العطف على ما في الصلة، وهو ﴿يقرض﴾.\nوالآخر: أن يستأنف الفعل ويقطعه.\nقال أبو علي: والرفع في هذا الفعل أحسن، وقال القاضي أبو محمد، لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفا له،\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٣٦): ص ٢/ ٤٦٢. عن أبي زرعة ثنا عمرو بن حماد ثنا أسباط، عن السدي.\n(٢) أضواء البيان: ١/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٣) انظر: القراءت وعلل النحويين فيها: ١/ ٨٥.\n(٤) انظر: شرح الهداية: ١/ ٢٠١.\n(٥) تفسير البحر الحيط: ٢/ ٢٤٨. وانظر في نسبة القراءات: الإقناع لابن الباذش: ٢/ ٦٠٩، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي: ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، التبصرة لمكي: ٤٤١، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١/ ٤٤٣، الوافي للقاضي: ٢٢١.\n(٦) انظر: الفتح: ١٣/ ٤٠٧.\n(٧) معاني القرآن للفراء: ١/ ١٥٧، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥، القراءات وعلل النحويين فيها للأزهري: ١/ ٨٥، شرح الهداية للمهدوي: ١/ ٢٠١، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ١٠٢، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٩ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٨١ مشكل إعراب القرآن لمكي: ١/ ١٣٣، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي: ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، البيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات ابن الأنباري: ١/ ١٦٤، إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٣٢٤، المحرر الوجيز لابن عطية ٢/ ٢٥٠، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٥٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٥٩٥، وغيرها","vol":"5","page":149},{"text":"تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ ﴿من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم﴾ [الأعراف: ١٨٦]، بجزم ﴿نذرهم﴾ لما كان معنى قوله ﴿فلا هادي له﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، \" أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحانًا\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك\" (٤).\nقال النسفي: \" يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة\" (٥).\nقال الطبري: \" أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه\" (٦).\nقال الحافظ ابن حجر: \" البسط: كناية عن سعة رحمته\" (٧).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وذكروا فيه وجهان (٨):\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٤.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٨.\n(٧) الهدي: ٩٢، ومعنى (يَبْصُطُ) في الآية يوسع، والبسط في اللغة: السعة، انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٢٤٧، لسان العرب لابن منظور: ١/ ٢٨٢، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٤٨، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٢٥، جامع البيان للطبري: ٥/ ٢٨٩، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٩٥، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٢٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٧٢، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٨٩، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٢٠١، وغيرها. والبسط والسعة نوع من الرحمة لا كناية عنها إذ للبسط معنى معلوم في اللغة، ومعنى الفعل في حق الله﷿جلي يعرفه كل من قرأ النص من العالمين بلغة العرب، انظر: كتاب التوحيد لابن منده: ٢/ ٩٣، التدمرية لابن تيمية: ٢٩ - ٣٠، صفات الله﷿للسقاف: ٦٥ - ٦٧.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٣١٣. القبض لغةً من مصدر: قبضه يقبضه قبضًا، وهو خلاف البسط، وفي أسماء الله تعالى: \"القابض\" أي هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد وبلطفه وحكمته، ويقبض الأرواح عند الممات، ويقال: قبض المريض إذا توفي، وإذا أشرف على الموت، والقبض بمعنى الأخذ فيقال: قبضت مالي قبضًا، أي أخذته، وقال ابن منظور: وأصله في جناح الطائر، قال الله تعالى ﴿وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [سورة الملك: الآية ١٩]. [انظر: القاموس المحيط، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، ولسان العرب: مادة \"قبض].\nوالقُبْضة بالضم: ما قبضت عليه من شيء، يقال: أعطاه قُبضة من سويق أو تمر، أي كفًّا منه، وربما جاء بالفتح، ثم نقل عن الليث أن القبضة: ما أخذته بجمع كفك كله، فإذا كان بأصابعك فهي القبصة بالصاد، وقال ابن الأعرابي: القبض قبولك المتاع وإن لم تحوله، ثم قال ابن منظور: والقبض تحويلك المتاع إلى حيزك، والقبض: التناول للشيء بيدك ملامسة ...، وصار الشيء في قبضي وقبضتي أي في ملكي. [لسان العرب: ص ٣٥١٣. ونحن حقًّا لسنا مع التأويل في مثل هذه الآيات، وإنما نثبت لله تعالى ما أثبته لذاته العلية مع التنزيه، وعدم التشبيه].\nذا كان القبض في اللغة هو أخذ أي شيء، أو التمكن منه فإنه في الاصطلاح الفقهي أخص منه حيث هو مخصص بالمعقود عليه، لكنه ثار الخلاف بين الفقهاء في تحديد مفهومه تبعًا لوجهات نظرهم المختلفة في كيفية تمام القبض. ثم إن أكثر الفقهاء لم يريدوا أن يضعوا تعريفًا جامعًا لجميع أقسام القبض، وإنما بينوه من خلال أنواعه، كما أنهم أرجعوا أمره كقاعدة أساسية إلى العرف، ولذلك ننقل نصوص الفقهاء بشيء من الإِيجاز للوصول إلى حقيقة القبض.\nفعند الحنفية – كما يقول الكاساني -: \"التسليم والقبض عندنا هو التخلية، والتخلي، وهو أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلمًا للمبيع، والمشتري قابضًا له، وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى البائع\"، وذكر ابن عابدين أن من شروط التخلية التمكن من القبض بلا حائل، ولا مانع، ولكن صاحب \"الأجناس\" اشترط شرطًا ثالثًا، وهو أن يقول \"خليت بينك وبين المبيع\". [بدائع الصنائع، ط. الإِمام بالقاهرة: ٧/ ٣٢٤٨، ورد المحتار على الدر المختار، ط. دار إحياء التراث العربي: ٤/ ٤٢، والفتاوى الهندية، ط. دار إحياء التراث العربي: ٣/ ١٥].","vol":"5","page":150},{"text":"أحدهما: يعني في الرزق (١)، وهو قول الحسن (٢) وابن زيد (٣).\nوالثاني: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء، وهو قول الزجاج.\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن قتادة، في قوله: ﴿يقبض ويبصط﴾، قال: يقبض الصدقة ويبسط ويخلف\" (٤).\nقال ابن عطية: \"قرأ ابن كثير ﴿يبسط﴾ بالسين ونافع بالصاد ﴿يبصط﴾ في المشهور عنه، وقال الحلواني عن قالون عن نافع إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع ﴿يبسط﴾ بالسين\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، أي \"يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم\" (٦).\nقال المراغي: \" والرجوع إلى الله ضربان:\nالأول: رجوع في هذه الحياة بالسير على سننه الحكيمة، ونظمه في الخليقة، بأن يعرف المرء أن الغنى يكون بعمل العامل وتوفيق الله وتسخيره، وأن البذل من فضل الله يأتي بالمنافع الخاصة للباذل، وبالمنافع العامة لقومه الذين يعتز بهم ويسعد بسعادتهم، وأن تركه يعقبه مفاسد ومضار عامة وخاصة للأمم والأفراد، وأنه لا يستقل بعمله مهما أوتي من رجاحة عقل، بل له حاجة إلى معونة الله وتوفيقه بتسخير الأسباب له.\nوالثاني: رجوع في الآخرة حين تظهر للمرء نتائج أعماله وآثار أفعاله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] \" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الأمر بقتال الكافرين؛ وهو إما فرض عين، أو فرض كفاية، أو مستحب على حسب ما قرره العلماء؛ وقد سبق الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠].\n٢ - ومنها: الأمر بالقتال على وجه الإخلاص لله تعالى بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾.\n_________\n(١) انظر تفسير القبض في الآية بالمنع والتقتير والتضييق في: معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٤٨، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٢٥، جامع البيان للطبري: ٥/ ٢٨٩، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٩٥، المفردات للراغب: ٣٩١، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٨٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٧٢، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٢٠١ وغيرها.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٠.\n(٤) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٣٨): ص ٢/ ٤٦٢.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣١.\n(٦) صفوة التفااسير: ١/ ١٤١.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٥٨.","vol":"5","page":151},{"text":"٣ - ومنها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياءً؛ لأن إيجاب الإخلاص في القتال يقتضي تحريم القتال لغير ذلك؛ اللهم إلا أن يكون دفاعًا عن النفس فهو مباح؛ بل قد يجب.\nفإن قيل: لو قاتل دفاعًا عن وطنه لأنه بلد إسلامي؛ فيقاتل دفاعًا عنه لهذا الغرض؛ فهل يكون قتالًا في سبيل الله؟\nفالجواب: نعم؛ لأن نيته أن لا يفرق بين وطنه وغيره إذا كان ذلك لحماية الإسلام.\n٤ - ومن فوائد الآية: وجوب التمشي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة من طاعة الأمير، والصبر عند اللقاء، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك.\n٥ - ومنها: التحذير من مخالفة الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾؛ فإن مقتضى ذلك أن نحذر من مخالفته؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا.\n٦ - ومنها: الترغيب في موافقة الشرع؛ فإن ذلك لا يضيع عند الله؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا.\n٧ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله تعالى؛ وهما «السميع»، و«العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وحُكم؛ وقد سبق تفصيل «السمع» الذي وصف الله ﷿ به نفسه.\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- قصة الأشراف والوجهاء من بني إسرائيل من بعد زمان موسى؛ حين طلبوا من نبيهم أن يولي عليهم ملكا، يجتمعون تحت قيادته، ويقاتلون أعداءهم في سبيل الله. قال لهم نبيهم: هل الأمر كما أتوقعه إنْ فُرِض عليكم القتال في سبيل الله أنكم لا تقاتلون؛ فإني أتوقع جبنكم وفراركم من القتال، قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال في سبيل الله، وقد أَخْرَجَنَا عدوُّنا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر؟ فلما فرض الله عليهم القتال مع الملِك الذي عيَّنه لهم جَبُنوا وفرُّوا عن القتال، إلا قليلا منهم ثبتوا بفضل الله. والله عليم بالظالمين الناكثين عهودهم.\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \" أي: ألم ينته إلى علمك قصص هؤلاء الملأ من بنى إسرائيل\" (١).\nقال الصابوني: \" أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم\" (٢).\nقال البغوي: \" والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء\" (٣).\nقال الرازي: \" (الملأ): الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال الشاعر (٤):\nوقال لها الأملاء من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٤٦١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٦.\n(٤) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠١، وأساس البلاغة: ٢/ ٢٢٤، والعين: ٨/ ٣٤٦.","vol":"5","page":152},{"text":"وأصلها من الملء، وهم الذين يملؤون العيون هيبة ورواء، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا، وقال الزجاج: الملأ الرؤساء، سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب بما يحتاج إليه، من قولهم: ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملئ\" (١).\nوالخطاب في الآية إما للرسول -ﷺ-؛ وخطاب زعيم الأمة خطاب له، وللأمة؛ لأنها تبع له؛ وإما أنه خطاب لكل من يتوجه له الخطاب؛ فيكون عامًا في أصل وضعه؛ الفرق بين المعنيين أن الأول عام باعتبار التبعية للمخاطب به أولًا - وهو الرسول ﷺ؛ والثاني عام باعتبار وضعه - يعني: ألم تر أيها المخاطب (٢).\nكما أن الاستفهام هنا الظاهر أنه للتشويق - يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها -؛ لأن التقرير إنما يكون في أمر كان معلومًا للمخاطب؛ فيُقَرَّر به، كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]؛ وأما هذا فهو أمر ليس معلومًا للمخاطب إلا بعد أن يخبر به؛ فيكون هنا للتشويق، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة﴾ [الصف: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]، وما أشبهها؛ أما لو كان يخاطب من كان عالمًا بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير (٣).\nقال النسفي: الملأ: \" الأشراف لأنهم يملأون القلوب جلالة والعيون مهابة\" (٤).\nقال البغوي: \" والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] يعني: \"من بعد موته\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِّيٍ لَهُم﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \"أي حين قالوا لنبيِّهم\" (٧).\nواختلف أهل التفسير في ذلك النبي على أقاويل (٨):\nأحدها: أنه شمويل (٩)، وهو قول وهب بن منبه (١٠).\nوالثاني: يوشع بن نون، وهو قول قتادة (١١).\nوالثالث: شمعون، \"وهو من نسل هارون\" (١٢)، وهو قول السدي (١٣).وقال: \"إنما سمي \" شمعون \"، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما، فاستجاب الله لها دعاءها، فرزقها، فولدت غلاما فسمته \" شمعون \"، تقول: الله تعالى سمع دعائي\" (١٤).\nوروي عن مجاهد، قال: شمؤل\" (١٥).\nوالرابع: وقيل: الشمول بن حنة بن العاقر. عن أبي عبيدة (١٦).\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠١.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠٦.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٦.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٤.\n(٩) لم يرد له ذكر في نسب (شمويل) من كتاب القوم، بل هو عندهم (صموئيل) بن (القانة).\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٦٢٦)، و(٥٦٢٧): ص ٥/ ٢٩٢ ..\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٤٢): ص ٢/ ٤٦٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(١٣) أخرجه الطبري (٥٦٢٨): ص ٥/ ٢٩٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(١٥) أخرجه الطبري (٥٦٢٩): ص ٥/ ٢٩٣.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٤١): ص ٢/ ٤٦٢.","vol":"5","page":153},{"text":"الخامس: يوشع (١). قاله قتادة (٢). وقال: \"وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما\" (٣).\nوالأولى أن نقول بأن الله ﷾ أبهمه؛ ولو كان في معرفة اسمه فائدة لكان الله ﷿ يبيّن اسمه لنا؛ لكن ليس لنا في ذكر اسمه فائدة؛ المهم أنه نبي من الأنبياء. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلَكًا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \"أقم لنا أميرًا واجعله قائدًا لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: عيِّن لنا ملكا، ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي مُرْ لنا بملك، أو أقم لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله؛ وكان أمرهم في ذلك الوقت فوضوي ليس عندهم ملك يدبر أمورهم، ويدبر شؤونهم؛ والناس إذا كان ليس لهم ولي أمر صار أمرهم فوضى .. ولهذا أمر النبي ﷺ القوم إذا سافروا أن يؤمِّروا أحدهم عليهم (٦) حتى لا تكون أمورهم فوضى\" (٧).\nقال الزمخشري: أي \"أنهض للقتال معنا أميرًا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره، طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول اللَّه ﷺ من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره\" (٨).\nقال السعدي: \"ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر\" (٩).\nوقوله تعالى ﴿نُقاتِلْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \"قرئ بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال، أى ابعثه لنا مقدّرين القتال. أو استئناف كأنه قال لهم: ما تصنعون بالملك؟ فقالوا: نقاتل. وقرئ: يقاتل بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لملكا، وخبر عسيتم\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فسرها الرسول -ﷺ أحسن تفسير، وهو \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (١١).\nوأخرج ابن ابي حاتم بسنده عن \"سعيد في قوله: في سبيل الله يعني: في طاعة الله ﷿\" (١٢).\nوفي سبب سؤالهم لذلك قولان (١٣):\n_________\n(١) يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.\n(٢) اخرجه الطبري (٥٦٣٠): ص: ٥/ ٢٩٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٢٩٣. يعني المذكورين في قوله تعالى في [سورة المائدة: ٢٣] ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، الآية.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٦) راجع أبا داود ص ١٤١٦، كتاب الجهاد، باب ٨٠: في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، حديث رقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩؛ وقال الشوكاني: رجالهما رجال الصحيح إلا علي بن بحر وهو ثقة (نيل الأوطار ٨/ ٢٥٦) &lt; وقل الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح (٢/ ١٢٥، حديث رقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩).\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠٧.\n(٨) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١.\n(١١) أخرجه البخاري ص ٢٥١ - ٢٥٢، كتاب فرض الخمس، باب ١٠: من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، حديث رقم ٣١٢٦، وأخرجه مسلم ص ١٠١٨، كتاب الإمارة، باب ٤٢: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث رقم ٤٩٢٠ [١٥٠] ١٩٠٤، واللفظ لمسلم.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٤٨): ص ٢/ ٤٦٤، عن أبي زرعة، ثنا نحيى، ثنا ابن لهيعة، حدثني عطاء عن سعيد.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٤.","vol":"5","page":154},{"text":"أحدهما: أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة، وهو قول السدي (١).\nوالثاني: أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم، فسألوا قتالهم، وهو قول وهب بن منبه (٢)، والربيع (٣) وابن جريج (٤) والضحاك (٥).\nقوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] \"أنهض للقتال معنا أميرًا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره\" (٦).\nقوله تعالى ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: \" أي قال لهم نبيّهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه\" (٧).\nقال النسفي: أي: \" هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون\" (٨).\nقال البغوي: \" ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾: استفهام شك\" (٩).\nقال الزمخشري: \" بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل هل مستفهمًا عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أنّ المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ معناه التقرير\" (١٠).\nقال الراغب: \" أي: هل طمعتم في أنفسكم أن تقوم بذلك وأن لا تجن؟ \" (١١).\nقال السعدي: \" أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم\" (١٢).\nوقوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فيه قراءتان:\nالأولى: قرأ نافع: ﴿عسيتم﴾ بكسر (السين) كل القرآن، والكسر لغة في (عسى) إا اتصل بمضر خاصة، وقد حكي في اسم الفاعل (عَسٍي)، فهذا يدل على كسر (السين) في الماضي (١٣).\nقال صاحب الكشاف: \" وقرئ (عسِيتم) بكسر السين وهي ضعيفة\" (١٤).\nوقال أبو حاتم: \"ليس للكسر وجه\" (١٥).\nالثانية: وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة بدليل قوله تعالى: ﴿عسى ربكم﴾ \" (١٦)، وهي هنا للتوقع؛ فيكون المعنى: هل يتوقع منكم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا؟\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥٦٣٥): ص ٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٥٦٣١): ص ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٣) أخرجه الطبري: (٥٦٣٢: ص ٥/ ٢٩٦.\n(٤) أخرجه الطبري: (٥٦٣٣): ص ٥/ ٢٩٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٦٣٤): ص ٥/ ٢٩٨.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٦.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٠٦.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(١٣) انظر: كتاب سيبويه: ١/ ٢٩١، وتفسير النسفي: ١/ ١٢٤، والقاموس المحيط (بسط)، والكشف عن وجوه القراءات السبه لمكي بن ابي طالب: ١/ ٣٠٣.\n(١٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١.\n(١٥) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٦٤، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن ابي طالب: ١/ ٣٠٣.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ٢٩٦.","vol":"5","page":155},{"text":"وتجدر الإشارة بأن الفتح في السين، هي اللغة الفاشية، وعليها اجمع القراء، ونافع معهم، إذا لم يتصل الفعل بضمير، وايضا إذا مساواة الفعل، مع المضمر والمظهر، أولى من المخالفة بينهما، لأن المضمر عقيب المظهر، فواجب أن يكون مثله، وهو الإختيار لأجماع القراء عليه مع المضمر والمظهر، وإنما خالفهم نافع وحده مع المضمر (١)، وبه قرأ الحسن وطلحة (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] يعني: \"وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه\" (٣).\nقال الزمخشري: \"وأىّ داع لنا إلى ترك القتال، وأى غرض لنا فيه\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي أيُّ سببٍ لنا في ألاّ نقاتل عدونا\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه\" (٦).\nواختلف في إعراب (أن) في قوله تعالى ﴿ألّا﴾ (٧):\nالقول الأول: قال الأخفش (أن) في قوله (وما لنا ألا نقاتل) زائدة.\nقال الرازي\"وهذا ضعيف لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل\" (٨).\nقال الطبري: وقال آخرون منهم: (أن) ها هنا زائدة بعد ﴿ما لن﴾، كما تزاد بعد (لما) و(لو)، وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. قال: ومعناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله؟ فأعمل ﴿أن﴾ وهي زائدة، وقال الفرزدق (٩):\nلو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إذن للام ذوو أحسابها عمرا\nوالمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب (ولا) زائدة فأعملها.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٢٩٢، ومغني اللبيب: ١٥٣.\n(٢) انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن ابي طالب: ١/ ٣٠٣.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٧) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٦٤.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠٣.\n(٩) ديوانه: ٢٨٣، والخزانة ٢: ٨٧، والعيى (الخزانة) ٢: ٣٢٢ يهجو عمر بن هبيرة الفزاري وهو أحد الأمراء وعمال سليمان بن عبد الملك. وقومه. فزارة ابن ذبيان، من ولد غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر. وهو شعر جيد في بابه، وقبل البيت أبيات منها:\nيا قيس عيلان، إني كنت قلت لكم ... يا قيس عيلان: أن لا تسرعوا الضجرا\nإني متى أهج قوما لا أدع لهم ... سمعا، إذ استمعوا صوتي، ولا بصرا\nثم قال بعد ذلك أبيات: لو لم تكن غطفان. . . . . . .\nهذا مجمع من رأيت يذهب إلى إن \" الذنوب \" جمع \" ذنب \"، وهو عندي ليس بشيء، وإنما انحطوا في آثار الأخفش، حين استشهد بالبيت على إعمال \" لا \" الزائدة. وصواب البيت عندي (لا ذنوب لها) وليس في البيت شاهد عندئذ. والظاهر أن الأخفش أخطأ في الاستشهاد به. والذنوب (بفتح الذال): الخط والنصب، وأصله الدلو الملأى. وهو بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾، أي حظا من العذاب. قال الفراء: \" الذنوب الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب به إلى الحظ والنصيب \". وقال الزمخشري: \" ولهم ذنوب من كذا \" أي نصيب، قال عمرو ابن شأس:\nوفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب.\nأقول: يقول الفرزدق: لو لم تكن غطفان خسيسة لاحظ لها من الشرف والحسب والمروءة - \" إذن للام ذوو أحسابها عمرا \". وبذلك يبرأ البيت من السخف ومن تكلف النحاة. هذا وانظر هجاء الفرزدق لعمر بن هبيرة في طبقات فحول الشعراء: ٢٨٧ - ٢٨٨ وقوله: فسد الزمان وبدلت أعلامه ... حتى أمية عن فزارة تنزع\nيقول: تبدلت الدنيا، حتى صارت أمية تحتمي بفزارة وتصدر عن رأيها. يتعجب من ذلك لخسة فزارة عنده.","vol":"5","page":156},{"text":"وأنكر [ذلك] آخرون. وقالوا: غير جائز أن تجعل (أن) زائدة في الكلام، وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل - فلا وجه لدعوى مدع أن ﴿أن﴾ زائدة، معنى مفهوم صحيح. قالوا: وأما قوله:\nلو لم تكن غطفان لا ذنوب لها\nفإن (لا) غير زائدة في هذا الموضع، لأنه جحد، والجحد إذا جحد صار إثباتا. قالوا: فقوله: لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها، إثبات الذنوب لها، كما يقال: ما أخوك ليس يقوم، بمعنى: هو يقوم\" (١).\nالقول الثاني: وقال الفراء هو محمول على المعنى، أي: وما منعنا، كما تقول: مالك ألا تصلي. وقيل المعنى واي شيء لنا في أن لا نقاتل.\nقال النحاس \"وهذا أجودها\" (٢).\nالثالث: قال الكسائي: معنى وما لنا ألا نقاتل أي شيء لنا في ترك القتال؟ ثم سقطت كلمة (في).\nقال الرازي: \" ورجح أبو علي الفارسي، قول الكسائي على قول الفراء، قال: وذلك لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر، والتقدير: ما يمنعنا من أن نقاتل، إذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره، وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى\" (٣).\nواختلف في اعراب ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ﴾ [البقرة: ٢٤٦] على وجهين (٤):\nالأول: وهو قول المبرد: أن (ما) في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه، قال: ما لنا نترك القتال، وعلى هذا الطريق يزول السؤال.\nالوجه الثاني: أن نسلم أن (ما) هاهنا بمعنى الاستفهام.\nقال الطبري: \"فإن قيل: وما وجه دخول (أن) في قوله: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله﴾، وحذفه من قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [سورة الحديد: ٨]، قيل: هما لغتان فصيحتان للعرب: تحذف \" أن \" مرة مع قولها: \" ما لك \"، فتقول: \" ما لك لا تفعل كذا \"، بمعنى: ما لك غير فاعله، كما قال الشاعر (٥):\nما لك ترغين ولا ترغو الخلف\nوذلك هو الكلام الذي لا حاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته، لفشو ذلك على ألسن العرب، وتثبت (أن) فيه أخرى، توجيها لقولها: \" ما لك \" إلى معناه، إذ كان معناه: ما منعك؟ كما قال تعالى ذكره: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [سورة الأعراف: ١٢]، ثم قال في سورة أخرى في نظيره: (مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) [سورة الحجر: ٣٢]، فوضع \" ما منعك \" موضع \" ما لك \"، و\" ما لك \" موضع \"\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٠٠ - ٣٠٤.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٦٤.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠٣.\n(٤) انظر/ كفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠٣.\n(٥) البيت من شواهد الطبري: ٥/ ٣٠٠، ولم أعرف قائله، وإن كنت أذكر أنى قرأته مع أبيات أخر من الرجز. وهو في معاني القرآن للفراء ١: ١٦٣، واللسان (خلف). والخلفة (بفتح الخاء وكسر اللام) الناقة الحامل، وجمعها خلف، وهو نادر، وهذا البيت شاهده، وإنما الجمع السائر أن يقال للنوق الحوامل \" مخاض \"، كقولهم: \" امرأة، ونسوه \"، وهذا الراجز يقول لناقته: ما زغاؤك، والحوامل لا ترغو؟ يعني أنها إنما ترغو حنينا إلى بلاده وبلادها. حيث فارق من كان يحب، كما قال الشماطيط الغطفاني لناقته: أرار الله مخك في السلامى ... إلى من بالحنين تشوقينا! !\nفإني مثل ما تجدين وجدي، ... ولكني أسر وتعلنينا!\nوبي مثل الذي بك، غير أني ... أجل عن العقال، وتعقلينا!","vol":"5","page":157},{"text":"ما منعك \"، لاتفاق معنييهما، وإن اختلفت ألفاظهما، كما تفعل العرب ذلك في نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه، كما قال الشاعر (١):\nيقول إذا اقلولى عليها وأقردت: ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم؟\nفأدخل في (دائم) (الباء) مع (هل)، وهي استفهام. وإنما تدخل في خبر (ما) التي في معنى الجحد، لتقارب معنى الاستفهام والجحد\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \" وقد أخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ \" (٣).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده \" عن السدي قوله: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾: بأداء الجزية\" (٤).\nقال الصابوني: \" قال تعالى بيانًا لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن\" (٥).\nقال الزمخشري: \"وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين\" (٦).\nقال السعدي: \" بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" والإنسان إذا أُخرج من داره، وبنيه فلا بد أن يقاتل لتحرير البلاد، وفكّ الأسرى\" (٨).\nقال الراغب: \" أنكروا أن يكون منهم تضجيع في قتال أعدائهم، فجعل حجتهم شيئين هما غاية ما يحنق، وهو انزعاجهم عن مقارهم الذي هو شريك القتل، وقيل الولد الذي هو أصعب على الإنسان من قتل نفسه، وفي حكاية ذلك إشارة إلى ذمهم من وجهين أحدهما أنهم قالوا: أن تكلفوا، وقد قيل: فلما قام الإنسان بواجب التزامه، ابتدأ ولهذا لما روجع النبي - ﷺ - في الحج، فقيل: \" ألعامنا هذا؟ أم للأبد؟ قال: بل للأبد\" (٩)، وذم الله (بني إسرائيل) في التزامهم الرهبانية، ثم قصروا فيها، والثاني: أنهم لم يلزموا القتال كما يجب أن يلزم، فإن المقاتلة في سبيل الله يجب أن لا يكون لها سمعة واجتلاب ثناء أو شفاء\n_________\n(١) البيت للفرزدق، انظر: ديوانه: ٩٦٣،، والنقائض: ٧٥٣، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٦٤، واللسان (قرد) (قلا) (هلل) يهجمو جريرا، ويعرض بالبعث، وقبله، يعرض بأن قوم جرير، وهم كليب بن يربوع، كان يغشون الأتن:\nوليس كليبي، إذا جن ليله ... إذا لم يجد ريح الأتان، بنائم\nيقول - إذا اقلولي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوقد شرحه ابن بري على هذه الرواية شرحا فاسدا جدا في \" قرد \"، وشرحه ابن الأعرابي أيضًا في (قلا) على هذه الرواية، فكان أيضًا شرحا شديد الفساد. ورغم أنه أراد امرأة يزنى بها. والصواب أنه أراد ما ذكرت من غشيان إناث الحمير، لا إناث البشر! ! وقوله: \" اقلولي \" أي علا على ظهرها مستوفزا قلقا لا يستقر، واختيار الفرزدق لهذا الحرف عجب من العجب في تصوير ما أراد. وأقرد الرجل وغيره: سكن وتماوت. يريد أن الأتان قد رضيت فأسمحت فسكت له. فلما بلغ ذلك منه ومنها قال: \" ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم \"، يكشف عن شدة حبه وشغفه بذلك، وأنه يأسف ويتحسر علي أنه أمر ينقضي ولا يدوم. وقد زعموا أن \" هل \" هنا بمعنى الجحد أي ليس أخو عيش لذيذ بدائم. (اللسان: هلل).\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٤٩): ص ٢/ ٤٦٤، عن أبي زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠٨.\n(٩) صحيح البخاري (١٢١٦): ص ٢/ ٨٨٤. من حديث جابر بن عبدالله.","vol":"5","page":158},{"text":"مغيطة وكذا يجب أن تكون سائر الأفعال المحمودة وهم لما قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ قصدوا شفاء الغيظ لا ائتمار الرب، فعلم أنهم لا يصبرون في مواطن الحق على ما يجب\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \" أي فلما فرض عليهم القتال بعد سؤال النبي ذلك وبعث الملك\" (٢).\nعن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى ﴿كتب﴾ [البقرة: ٢٤٦]،: \"يعني فرض\" (٣).\nقال القرطبي: \"أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: \"أعرضوا عنه\" (٥).\nقال القرطبي: \" أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي أعرضوا عن هذا الغرض، ولم يقوموا به\" (٧).\nقال المراغي: \" أعرضوا وتخلفوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله بعد مشاهدة العدوّ وشوكته\" (٨).\nقال السعدي: \" لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم .. فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِلا قَلِيلا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: \" إِلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا\" (١٠).\nو(القليل) ما دون الثلث؛ لقول الرسول ﷺ: \"الثلث كثير\" (١١)؛ وهي منصوبة على الاستثناء.\nقال السعدي: \" فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة\" (١٢).\nقال الشوكاني: \" واختلف في عدد القليل الذين استثناهم الله سبحانه وهم الذي اكتفوا بالغرفة\" (١٣).\nقال النسفي: \"وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر\" (١٤)، \" وهم الذين عبروا النهر مع طالوت\" (١٥).\nقال القرطبي: \"وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلة إِلى الدَّعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإِذا حضرت الحرب جُبنت وانقادت لطبعها\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٦٢.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٥٠): ص ٢/ ٤٦٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠٨.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٤٦٢.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(١١) أخرجه البخاري ص ١٠١، كتاب الجنائز، باب ٣٦: رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة، حديث رقم ١٢٩٥، وأخرجه مسلم ص ٩٦٢، كتاب الوصية، باب ١: الوصية بالثلث، حديث رقم ٤٢٠٩ [٥] ١٦٢٨.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(١٣) فتح القدير: ١/ ٢٦٤.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٥.","vol":"5","page":159},{"text":"قال المراغي: \" ذاك أن الأمم إذا قهرها العدو تهن قوّتها ويغلب عليها الجبن وتلبس ثوب الذل والمسكنة، فإذا أراد الله إحياءها بعد موتها نفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون، فيعملون ما لا يعمله الأكثرون\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، \" والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم\" (٣).\nقال النسفي: \"وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد\" (٤).\nقال الصابوني: \" وعيدٌ لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصيانًا لأمره تعالى\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" ومقتضى علمه بهم أن يجازيهم على ظلمهم؛ والظلم هنا ليس لفعل محرم؛ ولكنه لترك واجب؛ لأن ترك الواجب كفعل المحرم؛ فيه ظلم للنفس، ونقص من حقها\" (٦).\nقال المراغي: \" أي بالذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعا عنها، وحفظا لحقوقها، فيصبحون في الدنيا أذلاء مستضعفين، وفي الآخرة أشقياء معذبين، وفي هذا وعيد لأمثالهم لا يخفى\" (٧).\nقال الرازي: \" أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك: وقاتلوا في سبيل الله فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجرا عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثا على الجهاد، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك والله أعلم\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الحث على النظر، والاعتبار؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل﴾.\n٢ - ومنها: أن في هذه القصة عبرًا لهذه الأمة، حيث إن هؤلاء القوم الذين كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم.\n٣ - ومنها: تحذير هذه الأمة عن التولي عن القتال إذا كتب عليهم.\n٤ - ومنها: أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها؛ لقولهم: ﴿ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله﴾.\n٥ - ومنها: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الملك؛ لقولهم: ﴿ابعث لنا ملكًا﴾ يخاطبون النبي؛ فالنبي له السلطة أن يبعث لهم ملكًا يتولى أمورهم ويدبرهم.\n٦ - ومنها: إذا طلب الإنسان شيئًا من غيره أن يذكر ما يشجعه على إجابة الطلب؛ لقولهم: ﴿نقاتل في سبيل الله﴾؛ فإن هذا يبعث النبي ويشجعه على أن يبعث لهم الملك.\n٧ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾.\n٨ - ومنها: امتحان المخاطَب بما طلب فعله، أو إيجادَه من غيره: هل يقوم بما يجب عليه نحوه، أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿هل عسيتم إن كتب القتال ألا تقاتلوا﴾.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٤٦٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٠٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٥.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠٨.\n(٧) تفسير المراغي: ١/ ٤٦٢.\n(٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠٣.","vol":"5","page":160},{"text":"٩ - ومنها: أن الإنسان بفطرته يكون مستعدًا لقتال من قاتله؛ لقولهم: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾؛ ولهذا تجد الجبان إذا حُصر يأتي بما عنده من الشجاعة، ويكون عنده قوة للمدافعة.\n١٠ - ومنها: أن من مبيحات القتال إخراج الإنسان من بلده، وأهله ليرفع ظلم الظالمين؛ لقولهم: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾؛ لكن لو كان إخراجهم بحق - كما فعل النبي ﷺ في بني النضير (١) - فلا حق لهم في المقاتلة، أو المطالبة - ولو أسلموا -؛ لأن الله أورث المسلمين أرضهم، وديارهم، وأموالهم؛ والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين؛ قال الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\n١١ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع الصبر على ترك المحظور، أو القيام بالمأمور؛ فإذا ابتُلي نكص؛ لقوله تعالى: ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم﴾ مع أنهم كانوا في الأول متشجعين على القتال.\n١٢ - ومنها: الإشارة إلى قول النبي ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (٢)، وقوله (ص): «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» (٣)؛ ويشبه هذا أن بعض الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به؛ ثم لا يوفون به، كما في قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين*فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون﴾ [التوبة: ٧، ٧٦].\n١٣ - ومن فوائد الآية: أن البلاء موكل بالمنطق؛ لأنه قال لهم: ﴿هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا﴾؛ فكان ما توقعه نبيهم واقعًا؛ فإنهم لما كتب عليهم القتال تولوا.\n١٤ - ومنها: أن بعض السؤال يكون نكبة على السائل، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١].\n١٥ - ومنها: وجوب القتال دفاعًا عن النفس؛ لأنهم لما قالوا: ﴿وقد أخرجنا﴾ قال تعالى: ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ أي فرض عليهم؛ ليدافعوا عن أنفسهم، ويحرروا بلادهم من عدوهم؛ وكذلك أبناءهم من السبي.\n١٦ - ومنها: تحذير الظالم من الظلم - أيَّ ظلم كان -؛ لقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين﴾؛ فإن هذه الجملة تفيد الوعيد والتهديد للظالم.\n١٧ - ومنها: تحريم الظلم لوقوع التهديد عليه.\n١٨ - ومنها: أن ترك الواجب من الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿تولوا إلا قليلًا منهم والله عليم بالظالمين﴾ أي المتولين الذين فرض عليهم القتال، ولم يقوموا به؛ فدل ذلك على أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إما فعل محرم؛ وإما ترك واجب.\nالقرآن\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٣٢٩، كتاب المغازي، باب ١٤: حديث بني النضير ...، حديث رقم ٤٠٢٨؛ ومسلمًا ص ٩٩١، كتاب الجهاد والسير، باب ٢٠: إجلاء اليهو من الحجاز، حديث رقم ٤٥٩٢ [٦٢] ١٧٦٦.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٣٨، كتاب الجهاد والسير، باب ١١٢: كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أو ل النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، حديث رقم ٢٩٦٦، وأخرجه مسلم ص ٩٨٦، كتاب الجهاد والسير، باب ٦: كراهة تمني لقاء العدو ...، حديث رقم ٤٥٤٢ [٢٠] ١٧٤٢.\n(٣) أخرجه أحمد ج ٤/ ٤٣١، حديث رقم ٢٠١١٦، وأخرجه أبو داود ص ١٥٣٧، كتاب الملاحم، باب ١٤: خروج الدجال، حديث رقم ٤٣١٩، واللفظ لأحمد، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح ٣/ ٣٠.","vol":"5","page":161},{"text":"﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]\nالتفسير:\nوقال لهم نبيهم: إن الله قد أرسل إليكم طالوت مَلِكًا إجابة لطلبكم، يقودكم لقتال عدوكم كما طلبتم. قال كبراء بني إسرائيل: كيف يكون طالوت مَلِكًا علينا، وهو لا يستحق ذلك؟ لأنه ليس من سبط الملوك، ولا من بيت النبوة، ولم يُعْط كثرة في الأموال يستعين بها في ملكه، فنحن أحق بالملك منه؛ لأننا من سبط الملوك ومن بيت النبوة. قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم وهو سبحانه أعلم بأمور عباده، وزاده سَعَة في العلم وقوة في الجسم ليجاهد العدو. والله مالك الملك يعطي ملكه مَن يشاء من عباده، والله واسع الفضل والعطاء، عليم بحقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، \" أي: أخبرهم نبيّهم\" (١).\nقال الطبري: \" وقال للملأ من بني إسرائيل نبيهم شمويل\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿نَبِيُّهُمْ﴾ بتشديد (الياء)؛ وفي قراءة: ﴿نبيئهم﴾ بالهمز (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، \"بأنَّ الله تعالى قد ملَّك عليهم طالوت ليكونوا تحت إِمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون أميرًا عليهم\" (٤).\nقال السعدي: \" فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض\" (٥).\nقال ابن كثير: \" لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا منهم فعين لهم طالوت وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط\" (٦).\nقال صاحب الكشاف: \" طالُوتَ اسم أعجمى كجالوت وداود. وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم. ووزنه إن كان من الطول (فعلوت) منه، أصله طولوت، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق حنطا حنطة، وبشمالا لها رخمانا رخيما بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما لو كان عربيا، وكان أحد سببيه العجمة لكونه عبرانيا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، \" أي: كيف يكون ملكًا علينا\" (٨).\nقال النسفي: \" أي كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له\" (٩).\nوقد قال مجاهد: \"قوله: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾، قال: كان أمير الجيش\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، \" والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك\" (١١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٠٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢١٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (٥٦٤٧): ص ٥/ ٣١١.\n(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.","vol":"5","page":162},{"text":"جاء في تفسير الجلالين: \" لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا\" (١).\nقال ابن كثير: \" وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل: دباغًا\" (٢).\nقال القاسمي: \"أي لأن فينا من هو سبط الملوك دونه\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" كأنهم يرون أن الملِك لا يكون إلا كابرًا عن كابر، وأن هذا لم يسبق لأحد من آبائه أنه تولى الملْك بخلافنا نحن؛ فإن الملوك كانوا منا؛ فكيف جاءه الملك؟ ! \" (٤).\nأخرج ابن ابي حاتم \"عن السدي، عن أبي مالك، قوله: ﴿أنى﴾ يعني: من أين؟ \" (٥).\nوعن الربيع بن أنس: \" ﴿قالوا أنى يكون له الملك علينا﴾: كيف يكون له الملك علينا؟ \" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿أَنَّى﴾: كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أي\"وأنه فقير، لا بد للملك من مال يعتضد به\" (٨).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده \"عن السدي وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال القوم: ما كنت قد أكذب منك الساعة، ونحن سبط المملكة، وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك، فقال النبي ﷺ: إن الله اصطفاه عليكم\" (٩).\nوعن ابن عباس: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، فإنهم لم يقولوا ذلك، إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان، كان في أحدهما النبوة، وكان في الآخر الملك، فلا يبعث نبي إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحدا، إلا من كان من سبط الملك، وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من واحد من السبطين، فاختاره عليهم وزاده بسطة في العلم والجسم، ومن أجل ذلك قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه وليس واحدا من السبطين قال: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾، وروي عن سعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ببعض ذلك\" (١٠).\nوري \"عن عكرمة قال: كان طالوت سقاء يبيع الماء\" (١١).\nقال النسفي: \" وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب ﵇، والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط بنيامين، وكان رجلًا سقاء أو دباغًا فقيرًا\" (١٢).\nروي عن السدي \"قوله: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ قال: أتى بعصى مقدار الرجل الذي يبعث فيهم ملكا فقال: أن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها. وكان طالوت رجلا سقاء، يسقي على حمار له، فضل حماره، فانطلق يطلبه في الطريق فلما رأوه، دعوه وقاسوه بها، فكان مثلها، فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال القوم: ما كنت قط أكذب منك الساعة، ونحن سبط المملكة،\n_________\n(١) تفسير الجلالين: ١/ ٥٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢١٢.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٥٤): ص ٢/ ٤٦ ..\n(٦) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٥٥): ص ٢/ ٤٦٥.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٢.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٥٢): ص ٢/ ٤٦٤.\n(١٠) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٥٦): ص ٢/ ٤٦٥.\n(١١) أخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٣٩): ص ٥/ ٣٠٩. عن أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠، وانظر: الكشاف: ١/ ٢٩٢.","vol":"5","page":163},{"text":"وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال، فنتبعه لذلك، فقال النبي: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم\" (١).\nوقال \"عبد الصمد بن معقل: سمعت وهبا يقول وزاده بسطة في العلم والجسم قال: فاجتمع بنو إسرائيل فكان طالوت فوقهم من منكبه فصاعدا\" (٢).\nقال الزمخشري: \" وروى أنّ نبيهم دعا اللَّه تعالى حين طلبوا منه ملكا، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه. ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها\" (٤).\nقال ابن كثير: \" وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف\" (٥).\nقال الحرالي: \"فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم. فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢]، ولم يؤت سعة من المال، أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت الملك. والثاني أنه مملق. والملك لا بد له من مال يعتضد به .. فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك، وإنما الملك بإيتاء الله، فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم\" (٦).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: ما الفرق بين الواوين في: (وَنَحْنُ أَحَقُّ)، (وَلَمْ يُؤْتَ)؟ قلت: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، قد انتظمتهما معا في حكم واو الحال. والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أي: \" إِنّ الله اختاره عليكم\" (٨).\nعن الضحاك: \" ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾، قال: اختاره عليكم\" (٩). ونحوه عن ابن زيد (١٠).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده \"عن عبد الله بن عباس قوله: ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾: فاختاره عليكم. وروي عن أبي مالك مثل ذلك\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك\" (١٢).\nقال النسفي: \" أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٦١): ص ٢/ ٤٦٦.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٦٢) /ص ٢/ ٤٦٦.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٢.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٩.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٦٥٠): ص ٥/ ٣١٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٦٥١): ص ٥/ ٣١٣.\n(١١) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٥٧): ص ٢/ ٤٦٦. وكذا رواه الطبري (٥٦٤٩): ص ٥/ ٣١٢.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(١٣) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.","vol":"5","page":164},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أي: \" فضله عليكم بالعلم والجسم\" (١).\nقال ابن عباس: \" ﴿وزاده بسطة﴾، يقول: فضيلة\" (٢).\nوعن وهب بن منبه: \" ﴿وزاده بسطة في العلم﴾، قال: العلم بالحرب\" (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: \" قوله: ﴿بسطة﴾: أي: زيادة وفضلًا (٤).\nوعن ابن عباس: \" ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾، يقول: كان عظيما جسيما، يفضل بني إسرائيل بعنقه ورأسه\" (٥).\nعن وهب بن منبه قال: \"لما قالت بنو إسرائيل: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ قال: واجتمع بنو إسرائيل فكان طالوت فوقهم من منكبيه فصاعدا\" (٦).\nوقال ابن إسحاق: \"وكان طالوت رجلا قد أعطي بسطة في الجسم وقوة في البطش وشدة في الحرب، مذكور بذلك في الناس\" (٧).\nوقال السدي: \"أتى النبي ﷺ بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا، فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا. فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها. فقاسوا طالوت بها فكان مثلها\" (٨).\nوقال ابن زيد: \" ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾، بعد هذا\" (٩).\nيعني: مع اصطفائه إياه، بسط له مع ذلك في العلم والجسم.\nقال ابن كثير: \" أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه\" (١٠).\nقال السعدي: \"أي: بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئا\" (١١).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٥٨): ص ٢/ ٤٦٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٥٩): ص ٢/ ٤٦٦.\n(٤) الهدي: ٩٢. وهذه عبارة أبي عبيدة في المجاز: ١/ ٧٧، وزاد: وكثرة، وعبارات أهل العلم في تفسيرها متقاربة. انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٣١٣، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٢، وتفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٩١٣، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٤٢ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٠ أ، المفردات للراغب: ٤٦، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٧٩، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ٧١، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٩٢، وغيرها.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٦٠): ص ٢/ ٤٦٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٥٦٥٢): ص: ٥/ ٣١٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٦٣): ٢/ ٤٦٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٦٥٣): ص ٥/ ٣١٣.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٦٥٤): ص ٥/ ٣١٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(١١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.","vol":"5","page":165},{"text":"قال النسفي: \" قالوا: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه .. والبسطة السعة والامتداد، والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيمًا لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.\" (١).\nقال القاسمي: \" لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره، رد عليهم ذلك:\nأوّلا: بأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.\nوثانيا: بأن العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة. وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر قاله أبو السعود\" (٢).\nقال الزمخشري: \" والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها. وقيل: قد أوحى إليه ونبئ، وذلك أنّ الملك لا بدّ أن يكون من أهل العلم، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيما يملأ العين جهارة لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب\" (٣).\nقوله تعالى: \" ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، \" أي: يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إِرثٍ أو مال\" (٤).\nعن وهب بن منبه: \" ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾، الملك بيد الله يضعه حيث شاء، ليس لكم أن تختاروا فيه\" (٥).\nعن مجاهد، \"قوله: ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾، قال: سلطانه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه [وحكمته] ورأفته بخلقه\" (٧).\nقال النسفي: أي \"الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي يعطي ملكه من يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته، كما قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ [آل عمران: ٢٦] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، \" أي واسع الفضل عليمٌ بمن هو أهلٌ له فيعطيه إِياه\" (١٠).\nروي عن سعيد بن جبير، \"في قوله: ﴿عليم﴾، يعني: عالم بها\" (١١).\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ١٣١.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٦٥٥): ص ٥/ ٣١٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٦٤): ص ٢/ ٤٦٧، وانظر: تفسير مجاهد ١/ ١١٤.\nوالطبري (٥٦٥٦): ص ٥/ ٣١٤.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٣١.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٦٥): ص ٢/ ٤٦٧.","vol":"5","page":166},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه\" (١).\nقال الزمخشري: \" ﴿واسِعٌ﴾: يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للملك\" (٢).\nقال الطبري: \" ﴿والله واسع﴾ بفضله فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء ﴿عليم﴾ بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل: إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به\" (٣).\nقال السعدي: \" لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد\" (٤).\nقال النسفي: \" أي واسع الفضل والعطاء يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للملك فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي ذو سعة في جميع صفاته؛ واسع في علمه، وفضله، وكرمه، وقدرته، وقوته، وإحاطته بكل شيء، وجميع صفاته، وأفعاله؛ و﴿عليم﴾ أي ذو علم بكل شيء؛ ومنه العلم بمن يستحق أن يكون ملكًا، أو غيرَه من الفضل الذي يؤتيه الله ﷾ من يشاء\" (٦).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَاسِعٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ثلاثة أقاويل (٧):\nأحدها: واسع الفضل، فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ، كما يقال فلان كبير، بمعنى كبير القَدْر.\nالثاني: أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه.\nوالثالث: أنه بمعنى ذو سعة.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن نبيهم وافقهم على أن يبعث إليهم ملِكًا ليقاتلوا في سبيل الله؛ فدعا الله ﷿، فاستجاب له.\n٢ - ومنها: كمال تعظيم الأنبياء لله تعالى، وحسن الأدب معه؛ لقول نبيهم: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا﴾؛ ولم يقل: إني بعثت.\n٣ - ومنها: أن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم﴾.\n٤ - ومنها: إسناد الفضل إلى أهله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم﴾.\n٥ - ومنها: أن الله قد يعطي المُلك من لا يترقبه - لكونه غير وجيه، ولا من سلالة الملوك.\n٦ - ومنها: اختيار الألفاظ التي يكون بها إقناع المخاطَب، وتسليمه للأمر الواقع؛ لقول نبيهم: ﴿إن الله قد بعث لكم﴾؛ فإنه أبلغ في الإقناع، والتسليم من قوله: إني بعثت لكم.\n٧ - ومنها: أن المعترض يذكر وجه اعتراضه لمخاطبه؛ لقولهم: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٣٢٤ - ٣١٥.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢١٤.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٥.","vol":"5","page":167},{"text":"٨ - ومنها: أن استفهام هؤلاء القوم يحتمل أن يكون المراد به الاعتراض؛ ويحتمل أن يراد به الاستكشاف، والبحث عن السبب بدون اعتراض: كيف كان ملكًا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ فإن كان الأول فإن حالهم تقتضي الذم؛ لأنهم كيف يعترضون وهم الذين طلبوا أن يبعث لهم ملكًا! ! ! وإن كان الثاني فلا اعتراض عليهم، ولا لوم عليهم.\n٩ - ومنها: أن المجيب يختار ما يكون به الإقناع بادئًا بالأهم فالأهم؛ لقول نبيهم في جوابه: ﴿إن الله اصطفاه عليكم ...﴾ إلخ؛ فبدأ بذكر ما لا جدال فيه - وهو اصطفاء الله عليهم -؛ ثم ذكر بقية المؤهلات: وهي أن الله زاده بسطة في العلم، وتدبير الأمة، والحروب، وغير ذلك، وأن الله زاده بسطة في الجسم: ويشمل القوة، والطول ...؛ وأن الله ﷿ هو الذي يؤتي ملكه من يشاء، وفعله هذا لابد وأن يكون مقرونًا بالحكمة: فلولا أن الحكمة تقتضي أن يكون طالوت هو الملك ما أعطاه الله ﷿ الملك؛ وأن الله واسع عليم: فهو ذو الفضل الذي يمده إلى من يشاء من عباده؛ فله أن يتفضل على من يشاء؛ الله أعلم حيث يجعل رسالته؛ والله أعلم أيضًا حيث يجعل ولايته.\n١٠ - ومن فوائد الآية: أن الملك تتوطد أركانه إذا كان للإنسان مزية في حسبه، أو نسبه، أو علمه، أو قوته؛ يؤخذ هذا أولًا من قولهم: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾؛ وثانيًا من قوله: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾.\n١١ - ومنها: بيان أن تقدير الله ﷿ فوق كل تصور؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾ مع أنهم قَدَحوا فيه من وجهين: أنهم أحق بالملك منه، وأنه فقير؛ فبيّن نبيهم أن الله اصطفاه عليكم بما تقتضيه الحكمة.\n١٢ - ومنها: أنه كلما كان ولي الأمر ذا بسطة في العلم، وتدبير الأمور، والجسم، والقوة كان أقوَم لملكه، وأتم لإمرته؛ لقوله تعالى: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾.\n١٣ - ومنها: أن ملك بني آدم مُلك لله؛ لقوله تعالى: ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾؛ فهذا المَلِك في مملكته هو في الحقيقة ما مَلَكَ إلا بإذن الله ﷿؛ فالمُلْك لله ﷾ وحده يؤتيه من يشاء.\n١٤ - ومنها: أن ملكنا لما نملكه ليس ملكًا مطلقًا نتصرف فيه كما نشاء؛ بل هو مقيد بما أذن الله به؛ ولهذا لا نتصرف فيما نملك إلا على حسب ما شرعه الله؛ فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء - يتلفه ويحرقه، ويعذبه إذا كان حيوانًا - فليس له ذلك؛ لأن ملكه تابع لملك الله ﷾.\n١٥ - ومنها: إثبات المشيئة لله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى تابعة لحكمته؛ لقوله ﷿: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\n١٦ - ومنها: أن أفعال الله ﷾ تقع بمشيئته لا مكره له؛ لأنه المهيمن على كل شيء.\n١٧ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما ﴿واسع﴾، و﴿عليم﴾، وما تضمناه من وصف، أو حكم.\n١٨ - ومنها: إثبات سعة الله ﷿ في إحاطته، وصفاته، وأفعاله.\nالقرآن\n﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨]\nالتفسير:\nوقال لهم نبيهم: إن علامة ملكه أن يأتيكم الصندوق الذي فيه التوراة -وكان أعداؤهم قد انتزعوه منهم- فيه طمأنينة من ربكم تثبت قلوب المخلصين، وفيه بقية من بعض أشياء تركها آل موسى وآل هارون، مثل العصا وفُتات الألواح تحمله الملائكة. إن في ذلك لأعظم برهان لكم على اختيار طالوت ملكًا عليكم بأمر الله، إن كنتم مصدقين بالله ورسله.","vol":"5","page":168},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي: قال لهم نبيهم: إن\" علامة ملكه\" (١).\nقال ابن كثير: \" يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي علامة ملكه واصطفائه عليكم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي \"يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة\" (٤).\nعن ابن إسحاق: \" ﴿أن يأتيكم التابوت فيه﴾ قال: فيرد عليكم\" (٥).\nقال الزمخشري: \"التَّابُوتُ: صندوق التوراة. وكان موسى ﵇ إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرّون\" (٦).\nقال: وهب بن منبه عن صفة تابوت موسى: \"كان نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي \" أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار\" (٨).\nقال ابن كثير: \" قيل: معناه فيه وقار، وجلالة\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت؛ ونظيره ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْه﴾ [التوبة: ٤٠] أي أنزل عليه ما سكن به قلبه\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وقيل: أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان معهم في الحرب\" (١١).\nقال القاسمي: \"أي: وقار وجلال وهيبة. أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على الحرب\" (١٢).\nوذكر أهل العلم في معنى الـ ﴿سَكِينَةٌ﴾ أقوال (١٣):\nأحدها: ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان، وهذا قول عليّ ﵇ (١٤).\nوالثاني: أنها طست من ذهبٍ من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وهذا قول ابن عباس (١٥) والسدي (١٦)، ورجّحه الحافظ ابن حجر قائلا: \" وأما التي (١٧) في قوله تعالى: (فِيهِ سَكينَة مِّن رَّبِّكُم) فيحتمل قول السدي وأبي مالك\" (١٨) (١٩).\nوالثالث: وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهر وجناحان. قاله مجاهد (٢٠) (٢١) وابن عباس في أحد قوليه (٢٢) وأبن مالك (٢٣) نحوه في احدلى الروايات.\nوالرابع: وقيل: بل هي رأس هرة ميتة. قاله وهب بن منبه (٢٤).\nالخامس: أنها روح من الله تعالى يتكلم، وهذا قول وهب بن منبه (٢٥).\nوالسادس: أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٢٦)، والحسن (٢٧).\nوالسابع: أنها الرحمة، وهو قول الربيع ابن أنس (٢٨)، وابن عباس (٢٩).\nوالثامن: أنها الوقار، وهو قول قتادة (٣٠).\nوالتاسع: أنها عصى موسى، قاله عكرمة (٣١).\nوالراجح-والله أعلم- هو تفسير (السكينة) بطمأنينة القلب وسكينته؛ إذ أن إتيان التابوت تحمله الملائكة إليهم وفيه بقية مما ترك آل موسى وال هارون فيه طمأنينة لقلوبهم وسكينة لنفوسهم، والله أعلم (٣٢)، وهو ما قاله عطاء بن أبي رباح بأن السكينة: من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها، وهو اختيار الطبري، إذ يقول: \"وذلك أن (السكينة) في كلام العرب (الفعيلة)، من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا،\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٧١): ص ٢/ ٤٦٨.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣.\n(٧) أخرجه الطبري (٥٦٦٤) \"ص ٥/ ٣٢٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(١١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٦.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٦٦٥): ص ٥/ ٣٢٦.\n(١٥) اخرجه الطبري (٥٦٧٨): ص ٥/ ٣٢٨.\n(١٦) أخرجه الطبري (٥٦٧٩): ص ٥/ ٣٢٨.\n(١٧) أي: السكينة.\n(١٨) هو: أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي، تابعي ثقة، مشهور بكنيته، توفي بعد المائة. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٧/ ٥٥، تهذيب التهذيب لابن حجر: ٨/ ٢٤٥، تقريب التهذيب له أيضًا: ٧٧٦.\n(١٩) الفتح: ٨/ ٦٧٥، يرى الحافظ أن لفظ السكينة مقولة بالاشتراك على المعاني التي ذكرها في الفتح: ٨/ ٦٧٥؛ فيحمل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بهذه الآية يحتمل أن يكون قول السدي وأبي مالك، بأن السكينة: طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء، وقال أبو مالك: هي التي ألقى فيها موسى الألواح والتوارة والعصا، انظر: الفتح: ٨/ ٦٧٥. وقول السدي انظره في: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٩٢١، جامع البيان للطبري: ٥/ ٣٢٨، سنن سعيد بن منصور-تحقيق: الحميد-: ٣/ ٩٤٢ رقم: ٤٢٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣١٦. وأما قول أبي مالك فانظره في معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٥١، وعمدة القاري للعيني: ٢٠/ ٣١ إذ قال: (طست من ذهب ألقى فيها موسى﵇الألواح والتوراة والعصا). وهو عند ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٩٢١ رقم: ٢٧١٩ لكنه اقتصر على ذكر الألواح فقط.\nولا يخفى على أهل العلم بأن ما جعله الحافظ محتملًا في تأويل الآية يحتاج إلى نص نبوي صحيح، ولا يصح الاعتماد فيه على قول السدي وأبي مالك اللذين تلقفاه فيما يبدو عن مسلمي أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما.\n(٢٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٧٥): ص ٢/ ٤٦٩. وانظر: تفسير مجاهد: ١/ ١١٤.\n(٢١) وأخرجه الطبري (٥٦٧٢): ص: ٥/ ٣٢٧: .\n(٢٢) قال ابن أبي حاتم (٢٤٧٥): ص ٢/ ٤٦٨.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٦٩.\n(٢٤) أخرجه الطبري (٥٦٧٧): ص ٥/ ٣٢٨.\n(٢٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٨٠): ٥/ ٣٢٩.\n(٢٦) أخرج ابن ابي حاتم (٢٤٨٠): ص ٢/ ٤٦٩. وأخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٨٢): ٥/ ٣٢٩.\n(٢٧) أخرج ابن أبي حاتم (٢٤٨٠): ص ٢/ ٤٦٩.\n(٢٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٧٠. وأخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٨٣): ص ٥/ ٣٢٩.\n(٢٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٨١): ص ٢/ ٤٦٩.\n(٣٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٢): ص ٢/ ٤٧٠. وأخرجه الطبري (٥٦٨٤): ص: ٥/ ٣٢٩.\n(٣١) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٣): ص ٢/ ٤٧٠.\n(٣٢) أنظر معنى السكينة في اللغة في: معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٢٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٥٩، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ٢٠٥٣، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ٨٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٩٣ و٣٩٧، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ٧٣، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٣٠٥، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لأبي شهبة: ١٧٠ - ١٧١، تعليق محققي معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٩٩.","vol":"5","page":169},{"text":"إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيمة، وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر (١):\nلله قبر غالها! ماذا يجن؟ ... لقد أجن سكينة ووقارا\nوإذا كان معنى (السكينة) ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك على ما قاله علي بن أبي طالب على ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه وما قاله السدي، لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس، وتثلج بهن الصدور، وإذا كان معنى (السكينة) ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التي كانت في التابوت، التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها، إنما هي مسماة بالفعل وهي غيره، لدلالة الكلام عليه\" (٢)\nومما يعضد بأن السكينة أمر معنوي وتدل على ما تسكن إليها النفوس، ما رواه مسلم عن البراء قال: \" كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ\" (٣).\nوفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث وفيه: فقال رسوله الله ﷺ: \" تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ\" (٤).\nقال القرطبي: فأخبر ﷺ عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تنزل أبدا مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم\" (٥).\nوقرأ أبو السمال: سكينة، بفتح السين والتشديد، قال الزمخشري: \"وهو غريب\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، يعني: \" وفيه أيضًا بقية من آثار آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة\" (٧).\nقال ابن عباس: \"فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إلى التابوت، حتى وضعته عند طالوت\" (٨).\nوقال السدي: \"فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وسلموا الملك لطالوت\" (٩).\nوقال الربيع: \"وكان موسى فيما ذكر لنا، ترك التابوت عند فتاه يوشع بن نون، وهو في البرية، فذكر لنا أن الملائكة حملته من البرية حتى وضعته في دار طالوت، فأصبح التابوت في داره\" (١٠).\nوتعددت أقوال أهل التفسير في معنى (البقية)، وذكروا فيها أوجها (١١):\n_________\n(١) البيت من شواهد الطبري: ٥/ ٣٣٠، وأنشده ابن بري لأبي عريف الكليبي.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٠.\n(٣) صحيح مسلم (٧٩٥): ص ١/ ٥٤٨.\n(٤) صحيح مسلم (٧٩٦): ص ١/ ٥٤٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩٤.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٦٦٠): ص ٥/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٦٩): ص ٢/ ٤٦٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٧٠): ص ٢/ ٤٦٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٧٠ - ٤٧١، والنكت والعيون: ١/ ٣١٦.","vol":"5","page":170},{"text":"أحدها: أن البقية: رضاض (١) الألواح. قاله ابن عباس (٢) (٣) (٤) وروي عن عكرمة (٥) والسدي (٦) وقتادة (٧) نحو ذلك.\nوالثاني: أنها: العلم والتوراة، وهو قول عطاء (٨).\nوالثالث: أنها: الجهاد في سبيل الله، وهو قول الضحاك (٩) (١٠).\nوالرابع: أنها: التوراة وشيء من ثياب موسى، وهو قول الحسن.\nوالخامس: أنها: ثياب موسى وثياب هارون ولوحان من التوراة، والمن. قاله أبو صالح (١١) (١٢)، والثوري (١٣)، وعطية بن سعد (١٤).\nالسادس: أنها: العصا والنعلان. قاله الثوري (١٥) (١٦).\nالسابع: أنها: العصا وحدها. قاله وهب بن منبه (١٧).\nقال ابن عطية: \" والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة\" (١٨).\nوقال الطبري: \"وجائز أن يكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها، والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك، وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم. ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا. وإذ كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول\" (١٩).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] على قولين (٢٠):\nأحدهما: قالوا: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما، لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما.\nوالثاني: وقيل: مما تركه موسى وهرون. والآل مقحم لتفخيم شأنهما.\n_________\n(١) رضاض الشيء: فتاته تاج العروس ٥/ ٣٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٥٦٨٥): ص ٥/ ٣٣١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٤٨٤): ص ٢/ ٤٧٠.\n(٤) وفي رواية اخرى اخرج الطبري (٥٦٩٨): ص/٥/ ٣٣٣.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٦٩٢): ص ٥/ ٣٣١.\n(٦) أخرجه الطبري (٥٦٩٠): ص ٥/ ٣٣١.\n(٧) أخرجه الطبري (٥٦٨٨)، و(٥٦٨٩): ٥/ ٣٣١.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٦٩٩): ص: ٥/ ٣٣٤.\n(٩) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٧): ص ٢/ ٤٧١.\n(١٠) واخرجه الطبري (٥٧٠٠): ص ٥/ ٣٣٤.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٨٥)، و(٢٤٨٦):: ص ٢/ ٤٧٠.\n(١٢) واخرجه الطبري (٥٦٩٤): ص ٥/ ٣٣٢.\n(١٣) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٨): ص ٢/ ٤٧١.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٦٩٥): ص ٥/ ٣٣٢.\n(١٥) أخرجه الطبري (٥٦٩٦): ص ٥/ ٣٣٣.\n(١٦) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٨): ص ٢/ ٤٧١.\n(١٧) أخرجه الطبري (٥٦٩٧): ص ٥/ ٣٣٣.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٤.\n(١٩) تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.","vol":"5","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمْلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، اختلف أهل التفسير في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت، على قولين (١):\nالأول: قيل: تحمله الملائكة بين السماء والأرض، حتى تضعه بين أظهرهم. قاله ابن عباس (٢)، وابن زيد (٣)، والسدي (٤)، وقتادة (٥).\nالثاني: وقال آخرون: معنى ذلك: تسوق الملائكة الدواب التي تحمله. قاله الثوري (٦)، وقتادة (٧)، ووهب بن منبه (٨).\nوالراجح هو القول الأول، لأن ظاهر اللفظ يدل عليه، إذ قال تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمْلائِكَةُ﴾، ولو قال تأتي به الملائكة، لجاز القول الثاني، قال الطبري: \"لأن \" الحمل \" المعروف، هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال \" حمله \" بمعنى معونته الحامل، وبأن حمله كان عن سببه فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه، في تعارف الناس إياه بينهم. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات، أولى من توجيهه إلى الأنكر، ما وُجد إلى ذلك سبيل\" (٩).\nواختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم على قولين (١٠):\nالأول: قال ابن عباس (١١)، ووهب بن منبه (١٢)، كان في أيدي العمالقة، غلبوا عليه بني إسرائيل.\nالثاني: وقال قتادة (١٣)، والربيع (١٤): كان في بريّة التيه، خَلَّفَه هناك يوشع بن نون.\nوالراجح هو القول الاول، \" وذلك أن الله تعالى ذكره قال مخبرا عن نبيه في ذلك الزمان قوله لقومه من بني إسرائيل: \" إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت \"، و\" الألف واللام \" لا تدخلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المتخاطبين به. وقد عرفه المخبر والمخبر. فقد علم بذلك أن معنى الكلام: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، الذي كنتم تستنصرون به، فيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتا من التوابيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك، لقيل: إن آية ملكه أن يأتيكم تابوت فيه سكينة من ربكم\" (١٥).\nقال الزمخشري: \"وقرئ: ﴿يحمله﴾، بالياء\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، \" أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أنّ الله اختاره ليكون ملكًا عليكم\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٤ وما بعدها.\n(٢) اخرجه الطبري (٥٧٠١): ص ٥/ ٣٣٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٧٠٢): ص: ٥/ ٣٣٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٧٠٣): ص ٥/ ٣٣٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٧٠٤): ص ٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٥٧٠٥): ٥/ ٣٣٦.\n(٧) أخرجه في تفسيره (٢٤٩٠): ص ٢/ ٤٧٢.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧٠٦): ص ٥/ ٣٣٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣١٦ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣١٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٦٦٠): ص: ٥/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(١٢) اخرجه الطبري (٥٦٥٨): ص ٥/ ٣١٧ - ٣١٩.\n(١٣) أخرجه الطبري (٥٦٦٢): ص ٥/ ٣٢٤.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٦٦٣): ص ٥/ ٣٢٤.\n(١٥) تفسير الطبري: ٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥.\n(١٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.","vol":"5","page":173},{"text":"عن سعيد بن جبير، \"في قول الله: ﴿ذلك﴾ يعني: هذا\" (١).\nعن ابن عباس: \" ﴿إن في ذلك لآية﴾ قال: علامة\" (٢).\nوقال محمد بن إسحاق: \" ﴿إن في ذلك لآية لكم﴾، أي: رسول الله إليكم إن كنتم مؤمنين\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي: \"إِن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر\" (٥).\nوروي عن سعيد في قول الله ﴿مؤمنين﴾ قال: \"مصدقين\" (٦).\nقال الطبري: \" أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل: إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون حاملته الملائكة \" لآية لكم \"، يعني: لعلامة لكم ودلالة، أيها الناس، على صدقي فيما أخبرتكم: أن الله بعث لكم طالوت ملكا، أن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتهمتموني في خبري إياكم بذلك \" إن كنتم مؤمنين \"، يعني بذلك: إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: رحمة الله ﷾ بعباده، حيث يؤيد الأمور بالآيات لتقوم الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه﴾؛ ولو شاء الله ﷿ لفعل ما يفعل بدون آية، وانتقم من المكذبين، والمستكبرين؛ ولكن من رحمته ﷿ أنه يبعث بالآيات حتى تطمئن القلوب، وحتى تقوم الحجة؛ ولهذا ما من رسول أرسل إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر؛ وحصول الآيات حكمة ظاهرة؛ لأنه لو خرج رجل من بيننا، وقال: أنا رسول الله إليكم: «افعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه؛ وإلا فإن دماءكم وأموالكم حلال لي»؛ فإنه لا يطاع؛ ولكن من رحمة الله ﷿، وحكمته أن جعل للرسل آيات حتى تقوم الحجة، ويستجيب الناس.\n٢ - ومن فوائد الآية: ما في التابوت من الآيات العظيمة، حيث كان هذا التابوت مشتملًا على ما تركه آل موسى، وآل هارون من العلم، والحكمة من وجه؛ وكان أيضًا سكينة للقوم تسكن إليه نفوسهم، وقلوبهم، ويزدادون قوة في مطالبهم.\n٣ - ومنها: أن للسكينة تأثيرًا على القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فيه سكينة من ربكم﴾؛ وتأمل كيف أضافه إلى ربوبيته إشارة إلى أن في ذلك عناية خاصة لهؤلاء القوم؛ والسكينة إذا نزلت في القلب اطمأن الإنسان، وارتاح، وانشرح صدره لأوامر الشريعة، وقَبِلها قبولًا تامًا.\n٤ - ومنها: إثبات الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿تحمله الملائكة﴾؛ وفي قوله تعالى: ﴿الملائكة﴾ دليل على أن التابوت كبير.\n٥ - ومنها: أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾.\n٦ - ومنها: تأكيد الشيء بأدوات التأكيد، والتكرار؛ وهنا في هذه الآية اجتمع التكرار، والأدوات؛ فقوله تعالى: ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾، ثم قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لكم﴾: فهذا أكد بالتكرار؛ وأكد أيضًا بـ ﴿إن﴾، واللام: ﴿إن في ذلك لآية لكم﴾: فهذا أكد بالأدوات.\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٩١): ص ٢/ ٤٧٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٩٢): ص ٢/ ٤٧٢.\n(٣) اخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٩٣): ص: ٢/ ٤٧٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٧ - ٦٦٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٩٤): ص: ٢/ ٤٧٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٧.","vol":"5","page":174},{"text":"٧ - ومنها: فضيلة الإيمان، وأن الإيمان أكبر ما يكون تأثيرًا في الانتفاع بآيات الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾.\n٨ - ومنها: أن الإنسان إذا ازداد إيمانًا ازداد فهمًا لكتاب الله ﷾، وسنّة رسوله -ﷺ-؛ لأن الشيء إذا علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف، وينقص بنقصانه؛ فكلما تم الإيمان كان انتفاع الإنسان بآيات الله أكثر، وفهمه لها أعظم.\n٩ - ومنها: أن الملائكة أجسام؛ لقوله تعالى: ﴿تحمله الملائكة﴾؛ وأما قول من يقول: إنهم عقول فقط؛ أو أنهم أرواح، وليس لهم أجسام فقول ضعيف؛ بل باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة﴾ [فاطر: ١]؛ والنبي ﷺ رأى جبريل على خلقته - أو على صورته - التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق (١).\nالقرآن\n﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩]\nالتفسير:\nفلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه؛ ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي، ومن لم يذق الماء فإنه مني؛ لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه. فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه، إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرْفة اليد، وحينئذ تخلف العصاة. ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه -وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم، قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء، فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله، يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية. والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره، وحسن مثوبته.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي: \" أي فلما خرج طالوت من البلد يصحبه هؤلاء الجند\" (٢).\nقال الزمخشري: فلما \" انفصل عن بلده بالجنود\" (٣).\nقال البغوي: \"أي خرج بهم\" (٤).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده \" عن محمد بن كعب القرظي، قال: فسار طالوت بالجنود إلى جالوت، يعني قوله: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ \" (٥).\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٤١٥، كتاب التفسير، ٥٣ سورة النجم، باب (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)، حديث رقم ٤٨٥٨، وصحيح مسلم ص ٧٠٨، كتاب الإيمان، باب ٧٧: معنى قول الله ﷿: (ولقد رءاه نزلة أخرى ...)، حديث رقم ٤٣٢ [٢٨٠] ١٧٤.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٦٩.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٤.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٣٠١.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٩٦): ص ٢/ ٤٧٢.","vol":"5","page":175},{"text":"وقال السدي: \" يعني قوله: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ قال: فخرجوا معه، وهم ثمانون ألفا، وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند فلا يجتمع إليه أصحابه، حتى يهزم هو، من لقي\" (١).\nوقوله ﴿فَصَلَ﴾، يعني: \" شخص بالجند ورحل بهم\" (٢). قال القرطبي: \" فصلت الشيء فانفصل، أي قطعته فانقطع\" (٣).\nقال الراغب: \" الجند: يقال للعسكر اعتبارًا بالغلظة من الجند، أي الأرض الغليظة ثم يقال: لكل مجتمع جند، نحو: \"الأرواح جنود مجندة .. \" (٤) \" (٥).\nروي \"عن وهب بن منبه قال: خرج بهم طالوت حين استوسقوا له، ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة، أو ضرير معذور، أو رجل في ضيعة لا بد له من تخلف فيها\" (٦).\nوعن السدي قال: \"لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي: \" أي مختبركم به\" (٨).\nقال النسفي: أي: مختبركم ليتميز المحقق في الجهاد من المعذر\" (٩).\nقال البغوي: قال: إن الله \"مختبركم ليرى طاعتكم - وهو أعلم -\" (١٠).\nعن قتادة في قول الله تعالى: \" ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾، قال: إن الله يبتلي خلقه بما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه\" (١١).\nوعن ابن عباس: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ يقول: بالعطش\" (١٢).\nوقيل: إن طالوت قال ذلك، \"لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا، فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ \" (١٣).\nروي عن وهب بن منبه قال: \"لما فصل طالوت بالجنود قالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا! فقال لهم طالوت: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ الآية\" (١٤).\nقال القرطبي: \" استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعله الإلهام ابتلاء من الله لهم. ومن قال لم يكن نبيا قال: أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٩٥): ص ٢/ ٤٧٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٠.\n(٤) صحيح مسلم (٢٦٣٨): ص ٤/ ٢٠٣١. من حديث أبي هريرة.\n(٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥١١.\n(٦) اخرجه الطبري (٥٧٠٧): ص ٥/ ٣٣٩.\n(٧) أخرجه الطبري (٥٧٠٨): ص ٥/ ٣٣٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢١.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ١٣١.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣٠١.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٧٠٩): ص ٥/ ٣٣٩، واخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٩٨): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٩٧): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٣٤٠.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٧١٠): ص ٥/ ٣٤٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥١.","vol":"5","page":176},{"text":"وقد اختلفوا في (النهر) على ثلاثة أقوال (١):\nالأول: حُكِيَ عن ابن عباس (٢) والربيع (٣) وقتادة (٤) وعكرمة (٥): أنه نهر بين الأردن وفلسطين.\nقال ابن كثير: \" وهو نهر الشريعة المشهور\" (٦) (٧).\nوالثاني: وقيل إنه نهر فلسطين. وهو قول السدي (٨) وأحد قولي ابن عباس (٩).\nوالثالث: وقيل هو نهر الأردن. قاله ابن شوذب وهو أحد روايات ابن عباس (١٠).\nوفي سبب ابتلاءهم بالنهر قيل: أنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا، روي عن \" وهب بن منبه قال: لما فصل طالوت بالجنود قالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا! فقال لهم طالوت: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ الآية\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \"أي من شرب منه فلا يصحبني\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان\" (١٣).\nقال الماوردي: \" أي: ليس من أهل ولايتي\" (١٤).\nقال البغوي: \" أي ليس من أهل ديني وطاعتي\" (١٥).\nقال القرطبي: \" ﴿شرب﴾، قيل: معناه كرع\" (١٦).\nوقد ورد في الحديث \"من غشنا فليس منا\" (١٧) أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا، قال نابغة الذبياني (١٨):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٣٩ وما بعدها.\n(٢) أخرجه الطبري (٥٧١٤): ص ٥/ ٣٤٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٧١٢): ص ٥/ ٣٤٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٧١٢): ص ٥/ ٣٤٠.\n(٥) قال ابن ابي حاتم (٢٥٠١): ص ٢/ ٤٧٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٨.\n(٧) نهر يمر في بلاد الشام، يبلغ طوله حوالي ٢٥١ كم وطول سهله حوالي ٣٦٠ كم ويتكون عند التقاء ثلاثة روافد هي بانياس القادم من سورياواللدان القادم من شمالي فلسطين والحاصباني القادم من لبنان مشكلا نهر الأردن العلوي، الذي يصب في بحيرة طبرية التي تكونت جراء حدوث الوادي المتصدع الكبير. وقد كون هذا الشق عدة بحار وبحيرات أخرى مهمة، وعند خروجه من بحرية طبرية يكون نهر الأردن السفلي ويصب فيه أيضا روافدنهر اليرموك ونهر الزرقاء ووادي كفرنجة وجالوت، ويفصل النهر بين فلسطين التاريخية والأردن إلى ان يصب في مياه البحر الميت المعروفة بملوحتها العالية.\nوقد دارت في تلك المنطقة معارك كثيرة على ضفاف نهر الأردن مثل معركة اليرموك بين الروم والمسلمين في منطقة اليرموك شمال الأردن والتي أنتصر فيها المسلمين. وحديثا في الثلث الأخير من القرن العشرين أحداث كمعركة الكرامةبين الجيش الأردني والجيش الإسرائيلي وانتصر فيها الأردنيون.\nوقد روى البزار بسند حسن والطبراني وابن مندة في كتاب معرفة الصحابة، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٤٩) وقال: رجال البزار ثقات، عن نُهَيْك بن صريم السكوني قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال، على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه».\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧١٦): ص: ٥/ ٣٤١.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٧١٥): ص ٥/ ٣٤١.\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٩٩): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٠٠): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٧١٠): ص ٥/ ٣٤٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٢.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٣١٧.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٠١.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٢.\n(١٧) صحيح مسلم (١٠١): ص: ١/ ٩٩، من حديث أبي هريرة.\n(١٨) ديوانه: ١٩٩. والكتاب: ٢/ ٢٩٠، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٢.","vol":"5","page":177},{"text":"إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني\nوقول الشاعر (١):\nفإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا\nوهذا كثير في كلام العرب؛ يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه: لست مني (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \" أي: من لم يشرب منه ولم يذقه فإِنه من جندي الذين يقاتلون معي\" (٣).\nقال الطبري: \" ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني، يقول: هو من أهل ولايتي وطاعتي، والمؤمنين بالله وبلقائه\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي لم يذقه. من: طعم كعلم الشيء، إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا، وفي إيثاره على (لم يشربه) إشعار بأنه محظور تناوله ولو مع الطعام\" (٥) (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \" أي لكن من اغترف قليلًا من الماء ليبلَّ عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك\" (٧).\nقال الطبري: \"ومن لم يطعم ماء ذلك النهر، إلا غرفة يغترفها بيده، فإنه مني\" (٨).\nعن ابن عباس: \" ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ وأجزأ من اغترف غرفة بيده، وانقطع عنه العطش\" (٩). وروي عن السدي، نحو ذلك\" (١٠).\nوأخرج ابن ابي حاتم بسنده \"عن الحسن، قوله: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾، قال: في تلك الغرفة، ما شربوا وسقوا دوابهم\" (١١).\nوقال أبو عمرو: (الغرفة): تكون من المرقة والغرفة باليد\" (١٢).\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١٣):\nالأولى: قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بالفتح ﴿غَرْفَةً﴾.\nالثانية: وقرأ الباقون ﴿غُرْفَةً﴾ بالضم.\n_________\n(١) البيت للعرجي، وهو في ديوانه: ١٠٩، والأضداد: ٦٤، وشواهد الكشاف: ٤/ ٣٦٩. والنقاخ: الماء العذب، والبرد: النوم.\n(٢) انظر: تفسير القطربي: ٣/ ٢٥٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٣٤٢.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٢.\n(٦) قال القرطبي: \" دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا، قال ابن العربي: وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر قال مالك: لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد بن الحسن: هو مما يكال ويوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه ربا؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا\". [تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٢].\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٣٤٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٠٤): ص ٢/ ٤٧٤.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٧٤.\n(١١) تفسير ابن ابي حاتم (٢٥٠٥): ص ٢/ ٤٧٤.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٠٧): ص ٢/ ٤٧٤.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٧.","vol":"5","page":178},{"text":"والفرق بينهما أن (الغُرفة) بالضم اسم للماء المشروب، و(الغَرفة) بالفتح اسم للفعل، قال الكسائي: \"الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف، والغرفة: بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر\" (١).\nقال الراغب: \" والغرف تناول الماء، ويقال للمعترف غرفة، وللمرة غرفة، والغريف الماء المعرض للاغتراف، وتصور منه الرفع، فسمي العلية غرفة تشبيهًا بالمغترف، وبهذا النظر سمي مشربة، وسمي الغمام مادام عرفه كأنه لرطوبته معترف\" (٢).\nقال القرطبي: \" الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المغرفة، والغَرف مثل الاغتراف .. وقال بعض المفسرين: الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال علي ﵁: الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن (٣):\nلا يدلفون إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغدران بالراح\nالدليف: المشي الرويد\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \" أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش\" (٥).\nقال القاسمي: أي: شربوا \"إلى حد الارتواء\" (٦).\nروي عن قتادة: \" ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه\" (٧).\nوعن الربيع: \" ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، يعني المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرا، فشربوا منه إلا قليلا منهم يعني المؤمنين منهم. كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه\" (٨).\nواختلفوا في (القليل) الذين لم يشربوا على قولين:\nالأول: فقال السدي: \"كانوا أربعة آلاف\" (٩).\nالثاني: وقال سعيد بن جبير: \"ثلاثمائة وبضعة عشر\" (١٠).\nوالقول الثاني هو الصحيح، يدل عليه ما روي \"عن البراء قال: كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة\" (١١).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٣٠١.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١١.\n(٣) هو أبو نواس، والبيت في ديوانه: ١٦٤، والبيت من شواهد المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٢.\n(٧) أخرجه الطبري (٥٧١٧): ص ٥/ ٣٤٣.\n\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧١٩): ص ٥/ ٣٤.\nوفي رواية ابن ابي حاتم (٢٥٠٩): ص ٢/ ٤٧٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٧٢٠): ص ٥/ ٣٤٤. وابن ابي حاتم (٢٥٠٢): ص ٢/ ٤٧٣.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥١٠): ص ٢/ ٤٧٥.\n(١١) رواه البخاري في المغازي: باب: عدة أصحاب بدر: ٧/ ٢٩٠. وذكر ابن أبي حاتم وجهين آخرين: (٢٥١٤): عن غنيم بن قيس، قال لنا الأشعري: أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت، يوم جالوت. قال: كم كنتم؟ قال: خمسين ومائتين، أو خمسين وثلاثمائة.\nوالوجه الثاني: (٢٥١٥): \"عن سعيد بن جبير، قال عدة أصحاب طالوت، عدد أصحاب النبي ﷺ يوم بدر ... ثلاثمائة وستون\". [انظر: تفسيره: ٢/ ٤٧٥].","vol":"5","page":179},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \" أي: لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب\" (١).\nروي عن ابن عباس: \" ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾، قال: فبرأ الذين شربوا من الإيمان، وأثبت الذين اغترفوا بأيديهم، فأثبت لهم الإيمان\" (٢).\nقال القرطبي: \" وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة\" (٣).\nقال الراغب: \" وجوز الطريق وسطه، و(جاز منه) كأنه عبر الجوز، فكثر حتى صار الجايز لما لا يكره، وعلى نحوه قيل سائغ، وهو من ساغ الطعام في الحلق، وجاوز، وتجاوز استعير له هذا البناء\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، يعني: قال فريق منهم: \"لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة\" (٥).\nقال القاسمي: \" لأنه سلبت شجاعتهم\" (٦).\nروي \" عن السدي قال: فنظروا إلى جالوت، رجعوا وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند، فلا يجتمع إليه أصحابه، حتى يهزم هو من لقي\" (٧).\nوعن الربيع، قال: \"فجاء جالوت في عدد كثير وعدة\" (٨).\nوقد اختلف أهل التفسير في الذين قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٩):\nأحدهما: أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين، وهو قول الحسن (١٠)، وقتادة (١١)، وابن زيد (١٢).\nوالثاني: وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده، لأنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر، وهو قول ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤).\nوالراجح هو القول الثاني، وهو اختيار جمهور المفسرين (١٥). والله أعلم.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢ - ١٤٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥١٢): ص ٢/ ٤٧٥.\n(٣) تفسير القطرطبي: ٣/ ٢٥٥.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٢.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥١٦): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥١٧): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٨.\n(١٠) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣١٨. ولم اجد الرواية عند الطبري وابن ابي حاتم.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٧٣٦): ص ٥/ ٣٥١ ..\n(١٢) أخرجه الطبري (٥٤٣٨): ص: ٥/ ٣٥١.\n(١٣) أخرجه الطبري (٥٧٢٢): ص: ٥/ ٣٤٥.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٧٣٤): ص ٥/ ٣٥٠.\n(١٥) قال الرازي: \" لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده، وفيه قولان:\nالأول: أنه ما عبر معه إلا المطيع، واحتج هذا القائل بأمور:\nالأول: أن الله تعالى قال: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فالمراد بقوله: الذين آمنوا معه الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.\nالحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت فمن شرب منه فليس مني أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى فشربوا منه أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.\nالحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.\nالقول الثاني: أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق، وهذه الحجة ضعيفة، وبيان ضعفها من وجوه:\nأحدها: يحتمل أن يقال: إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف، أقصى ما في الباب أن يقال: إن الفاء في قوله: فلما جاوزه تقتضي أن يكون قولهم: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت﴾ إنما وقع بعد المجاوزة، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال: إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضا زائل.\nوالجواب الثاني: أنه يحتمل أن يقال: المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى.\nفالقسم الأول: هم الذين قالوا: لا طاقة لنا اليوم.\nوالقسم الثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة.\nوالجواب الثالث: يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: / لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز الجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر\". [مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٢ - ٥١٣].","vol":"5","page":180},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \" أي: قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت\" (١).\nروي عن السدي: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾: الذين يستيقنون\" (٢).\nقال البغوي: \"\" يستيقنون\" (٣).\nوقد ذكر العلماء في (الظن) ها هنا وجوها (٤):\nأحدها: أنه بمعنى اليقين، ومعناه: الذين يستيقنون أنهم ملاقوا الله، \" أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد\" (٥).\nروي \"عن سعيد: في قوله: الذين يظنون أنهم ملاقوا الله قال: الذين شروا أنفسهم لله، ووطنوها على الموت\" (٦).\nومن ذلك قول دريد بن الصُّمّة (٧):\nفقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج ... سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ\nأي تيقنوا.\nوالثاني: بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في الوقعة.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥١٨): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٠٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٨، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٣.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥١٩): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٧) ديوان دريد بن الصمة الجشمي: جمعه وحققه وشرحه محمد خير البقاعي، تقديم الدكتور شاكر الفخام منشورات دار قتيبة ١٤٠١ هـ: ص ٤٧، وقد ورد البيت في: اللسان: ١٧/ ١٤٣، وتأويل مشكل القرآن: ١٤٤.","vol":"5","page":181},{"text":"قال القرطبي: \" و(الظن) هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شكا لا علما، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل\" (١). وقد قال رسول اللهﷺ-: \" مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ\" (٢).\nوالثالث: قيل: معنى ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾، أي: ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك لأن أحدا لا يعلم عاقبة أمره، فلا بد أن يكون ظانا راجيا وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره.\nقال الرازي: \" وهذا قول أبي مسلم وهو حسن\" (٣).\nوالرابع: أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة، ولا يكون بنية خالصة فحينئذ لا يكون الفعل طاعة، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص.\nالخامس: وقيل: يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر (٤)، وإنما جعله ظنا لا يقينا لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعا إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن.\nقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي كثيرًا ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإِرادة الله ومشيئته\" (٥).\nقال الرازي: \" وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت، لا جرم قيل في صفتهم: إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله\" (٦).\nعن ابن عباس\" ﴿بإذن الله﴾، يقول: بأمر الله\" (٧).\nقال ابن كثير: \" فشجعهم علماؤهم [وهم] العالمون بأن وعد الله حق فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد\" (٨).\nقال الصابوني: \" فليس النصر عن كثرة العدد وإِنما النصر من عند الله\" (٩).\nقال البغوي: \" بقضائه وإرادته\" (١٠).\nقال ابن حجر: \" قوله: ﴿فِئَةً﴾ أي: جماعة\" (١١). من \"فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٥.\n(٢) صحيح البخاري (٦١٤٢): ص ٥/ ٢٣٨٦. من حديث عبادة بن الصامت.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٣.\n(٤) قال الرازي: فالمراد بالـ ﴿سكينة﴾ على قول بعض المفسرين \"أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها، فقوله: الذين يظنون أنهم ملاقوا الله يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر\". [مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٣].\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٢٣): ص ٢/ ٤٧٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣٠٢.\n(١١) الهدي: ١٧٨، وهذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: ١/ ٧٧، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩٣، والثعلبي في الكشف والبيان: ١/ ١٤٧ أ، والواحدي في البسيط: ١/ ١٥١ ب، وابن جرير في جامع البيان: ٥/ ٣٥٢، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ٢٦٥، وابن منظور في لسان العرب: ٥/ ٣٣٣٦، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٩٤، وغيرهم. والمراد بالجماعة: الجماعة المتظاهرة الذين يرجع بعضهم إلى بعض في التعاون والتعاضد. انظر: المفردات للراغب: ٣٨٩. وفسر قوم الفئة: بالفرقة، انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٣٢، ومعاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٥٤، وتهذيب اللغة للأزهري: ١٥/ ٥٨٠، والصحاح للجوهري: ٦/ ٣٤٥١، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٩٩، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ٣١٨، ولا فرق في المعنى إذ المراد واحد، والله أعلم.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٥.","vol":"5","page":182},{"text":"وروي \"عن قتادة: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾، قال: تلقى المؤمنين، بعضهم أفضل من بعض جدا وعزما، وهم كلهم مؤمنون\" (١).\nوعن ابن عباس: \" ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾: فأثبت الله الإيمان لهؤلاء الذين قالوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله\" (٢). قال القرطبي: \" وفي قولهم ﵃: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه.\nقلت-أي القرطبي-: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري: قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي ﷺ قال: \"هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم\". فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة. قال الله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم\" (٣).\nقلت: إذا كان الإمام القرطبي يقول عن زمانه هذا الوصف، وهو قريب من الصدر الأول، فماذا نقول نحن عن زماننا! ! إنا لله وإنا إليه راجعون.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، \" أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله\" (٤).\nقال الرازي: \" يحتمل أن يكون هذا قولا للذين قالوا: ﴿كم من فئة قليلة﴾، ويحتمل أن يكون قولا من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر\" (٥).\nوعن عطاء بن دينار، \"أن سعيد بن جبير، قال: الصبر اعتراف العبد لله، بما أصاب منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر\" (٦).\nوقال ابن زيد: \"الصبر في بابين: فصبر على ما أحب الله وإن ثقل، وصبر على ما يكره وإن نازعت إليه الهوى. فمن كان هكذا فهو من الصابرين\" (٧).\nوقد ذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني: أن \"هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٢٠): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٢١): ص ٢/ ٤٧٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٢٤): ص ٢/ ٤٧٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٢٥): ص ٢/ ٤٧٧.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥١.","vol":"5","page":183},{"text":"قال القرطبي: \"ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيح من غير هذا\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه ينبغي للقائد أن يتفقد جنوده؛ لقوله تعالى: ﴿فصل طالوت بالجنود﴾ أي مشى بهم، وتدبر أحوالهم، ورتبهم.\n٢ - ومنها: أنه يجب على القائد أن يمنع من لا يصلح للحرب سواء كان مخذلًا، أو مرجفًا، أو ملحدًا؛ لقوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾؛ والفرق بين المخذل، والمرجف، أن المخذِّل هو الذي يخذل الجيش، ويقول: ما أنتم بمنتصرين؛ والمرجف هو الذي يخوف من العدو، فيقول: العدو أكثر عددًا، وأقوى استعدادًا ... وما أشبه ذلك.\n٣ - ومنها: أن من الحكمة اختيار الجند؛ ليظهر من هو أهل للقتال، ومن ليس بأهل؛ ويشبه هذا ما يصنع اليوم، ويسمى بالمناورات الحربية؛ فإنها عبارة عن تدريب، واختيار للجند، والسلاح: كيف ينفذون الخطة التي تعلَّموها؛ فيجب أن نختبر قدرة الجند على التحمل، والثبات، والطاعة؛ والأساليب الحربية مأخوذة من هذا؛ ولكنها متطورة حسب الزمان.\n٤ - ومنها: أن طالوت امتحنهم على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: من شرب من النهر كثيرًا؛ فهذا قد تبرأ منه.\nالوجه الثاني: من لم يشرب شيئًا؛ فهذا من طالوت - أي من جنوده المقربين -.\nالوجه الثالث: من شرب منه غرفة بيده؛ فهذا لم يتبرأ منه؛ وظاهر الآية أنه مثل الوجه الثاني.\nوهذا الابتلاء: أولًا ليعلم به من يصبر على المشقة ممن لا يصبر؛ فهو كالترويض والتمرين على الصبر؛ ثانيًا: ليعلم به من يمتثل أوامر القائد، ومن لا يمتثل.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾؛ وهذا أمر يشهد به الحال. قال الله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣]؛ وقال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]؛ وثبت عن النبي ﷺ أن بعث النار من بني آدم تسعُمائة وتسعةٌ وتسعون من الألف (٢)؛ فالطائع قليل، والمعاند كثير.\n٦ - ومنها: جواز إخبار الإنسان بالواقع إذا لم يترتب عليه مفسدة؛ لأنهم قالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ وقد يقال: إن هذا لا تدل عليه الآية؛ وأن فيها دليلًا على أن الجبان في ذُعر دائم، ورعب؛ لقولهم: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾.\n٧ - ومنها: أن الإيمان موجب للصبر، والتحمل؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾.\n٨ - ومنها: أن الله ﷾ يبتلي عباده إما بفوات محبوب؛ أو حصول مكروه؛ ليعلم ﷾ صبرهم؛ ولهذا نظائر؛ منها ما قصه سبحانه عن بني إسرائيل حين حرم عليهم صيد الحوت في يوم السبت؛ فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا؛ وفي غير يوم السبت لا يرون شيئًا؛ فصنعوا حيلة؛ وهي أنهم وضعوا شباكًا في يوم الجمعة؛ فإذا جاءت الحيتان يوم السبت دخلت في هذا الشباك، ثم نشبت فيه؛ فإذا كان يوم الأحد استخرجوها منه؛ فكان في ذلك حيلة على محارم الله؛ ولهذا انتقم الله منهم؛ ووقع ذلك أيضًا للصحابة - رضوان الله عليهم - وهم في حال الإحرام: فابتلاهم الله بصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ ولكنهم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥١.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٧١، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ٧، قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم ٣٣٤٨، وأخرجه مسلم ص ٧١٨، كتاب الإيمان، باب ٩٦، قوله: \"يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين\"، حديث رقم ٥٣٢ [٣٧٩] ٢٢٢.","vol":"5","page":184},{"text":"﵃ امتنعوا عن ذلك؛ وهؤلاء - أعني أصحاب طالوت - ابتلاهم الله ﷾ بهذا النهر، وكانوا عطاشًا، فقال لهم نبيهم: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾.\n٩ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷿ عند الابتلاء يرحم الخلق بما يكون فيه بقاء حياتهم؛ لقوله تعالى هنا: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾؛ لأنهم لا بد أن يشربوا للنجاة من الموت.\n١٠ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿فمن شرب﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا من اغترف﴾، حيث أضاف الفعل إليهم.\n١١ - ومنها: أن القليل من الناس هم الذين يصبرون عند البلوى؛ لقوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾.\n١٢ - ومنها: أن من الناس من يكون مرجفًا، أو مخذِّلًا؛ لقوله تعالى: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ هؤلاء مخذِّلون؛ وفي نفس الوقت أيضًا مرجفون.\n١٣ - ومنها: أن اليقين يحمل الإنسان على الصبر، والتحمل، والأمل، والرجاء؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾؛ مع اليقين قالوا هذا القول لغيرهم لما قال أولئك: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ فردوا عليهم.\n١٤ - ومنها: إثبات ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦].\n١٥ - ومنها: أن الظن يأتي في محل اليقين؛ بمعنى أنه يستعمل الظن استعمال اليقين؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾.\n١٦ - ومنها: أنه قد تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة بإذن الله؛ وهذا قد وقع فيما سبق من الأمم، ووقع في هذه الأمة مثل غزوة «بدر»؛ وقد تُغلَب الفئة الكثيرة، وإن كان الحق معها، كما في غزوة «حنين»؛ لكن لسبب.\n١٧ - ومنها: أن الوقائع، والحوادث لا تكون إلا بإذن الله؛ وهذا يشمل ما كان من فعله تعالى؛ وفعل مخلوقاته؛ لقوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾.\n١٨ - ومنها: إثبات الإذن لله ﷾؛ وهو ينقسم إلى قسمين: إذن كوني؛ وإذن شرعي؛ ففي هذه الآية: إذن كوني؛ وفي قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]: هذا شرعي؛ وفي قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] هذا شرعي أيضًا.\n١٩ - ومنها: فضيلة الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾.\n٢٠ - ومنها: إثبات المعية لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾؛ فإن قلت: هذه الآية ظاهرها تخصيص معية الله بالصابرين مع أنه في آيات أخرى أثبت معيته لعموم الناس؛ فقال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤]؛ هذا عام، وقال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ فالجواب: أن هذه المعية خاصة تقتضي الإثابة، والنصر، والتأييد؛ وتلك معية عامة تقتضي الإحاطة بالخلق علمًا، وسمعًا، وبصرًا، وسلطانًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ والمعية التي أضافها الله إلى نفسه منها ما يقتضي التهديد؛ ومنها ما يقتضي التأييد؛ ومنها ما هو لبيان الإحاطة، والشمول؛ فمثال الذي يقتضي التأييد قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ ومثال الذي يقتضي التهديد قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم","vol":"5","page":185},{"text":"إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ [النساء: ١٠٨]؛ ومثال ما يقتضي الإحاطة قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤].\nفإن قلت: ما الجمع بين إثبات المعية لله ﷿، وإثبات العلوّ له؟ .\nفالجواب: أنه لا تناقض بينهما؛ إذ لا يلزم من كونه معنا أن يكون حالًّا في الأمكنة التي نحن فيها؛ بل هو معنا وهو في السماء، كما نقول: القمر معنا، والقطب معنا، والثريا معنا، وما أشبه ذلك مع أنها في السماء.\n٢١ - ومن فوائد الآية: الترغيب في الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾؛ والصبر ثلاثة أنواع:\nالأول: صبر على طاعة الله: بأن يحبس الإنسان نفسه على الطاعة، فيقوم بها من غير ملل، ولا ضجر.\nالثاني: الصبر عن محارم الله: بأن يحبس نفسه عما حرم الله عليه من قول، أو عمل.\nالثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة: بأن يحبس نفسه عن التسخط على ما يقدره الله من المصائب العامة، والخاصة.\nوأعلاها الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.\nالقرآن\n﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]\nالتفسير:\nولما ظهروا لجالوت وجنوده، ورأوا الخطر رأي العين، فزعوا إلى الله بالدعاء والضراعة قائلين: ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيمًا، وثبت أقدامنا، واجعلها راسخة في قتال العدو، لا تفر مِن هول الحرب، وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين.\nقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا ظهروا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، أي: \" ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لجالوت وجنوده وشاهدوا أمامهم من العدد والعدد\" (١).\nقال القاسمي: \" إذ دنوا منه\" (٢).\nقال النسفي: \" خرجوا لقتالهم\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي ظهروا في الفضاء المتسع وجهًا لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي ظهر طالوت، وجنوده؛ مأخوذ من (البراز)، وهي الأرض الواسعة البارزة الظاهرة\" (٥) (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لما واجه حزب الإيمان - وهم قليل - من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت - وهم عدد كثير\" (٧).\n_________\n(١) التفسير الواضح: ١/ ١٦٢.\n(٢) محاسن التأويل/ ٢/ ١٨٣.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢٨.\n(٦) قال الطبري: \" ومعنى قوله: ﴿برزوا﴾ صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر منها واستوى. ولذلك قيل للرجل القاضي حاجته: \" تبرز \"، لأن الناس قديما في الجاهلية، إنما كانوا يقضون حاجتهم في البراز من الأرض. وذلك كما قيل: \" تغوط \"، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في \" الغائط \" من الأرض، وهو المطمئن منها، فقيل للرجال: \" تغوط \" أي صار إلى الغائط من الأرض\". [تفسير الطبري: ٥/ ٣٥٤].\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.","vol":"5","page":186},{"text":"قال المراغي: \" ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد والعدد\" (١).\nقال أبو حيان: \" والمبارزة في الحرب، أن يظهر كل قرن لصاحبه بحيث يراه قرنه\" (٢).\nقال الراغب: \" البرز: المكان المرتفع، وبرز \" حصل فيه \"، وصار عبارة عن الظهور، وقيل للمشهور بالفضل: برز، و\" امرأة برزة \" قيل عفيفة، لأن رفعة المرأة بالعفة، لأن لفظ البرزة اقتضى ذلك، والأكثر أن البرزة هي التي لا تستقر\" (٣).\nقال القرطبي: \" ﴿بَرَزُوا﴾ صاروا في البَراز وهو الأفيح من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل. ويقال: إن البر من من نسله، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عكرمة: في تسعين ألفا \" (٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن \" وهب بن منبه يحدث، قال: لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله، أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله. قال: فألبسه طالوت سلاحه، فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال: إن الله لم ينصرني عليه، لم يغنني السلاح شيئا، فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم. قال: ويلك، ما خرجت إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة .. لأبددن لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع، فقال له داود: بل أنت عدو الله، شر من الكلب. فأخذ داود حجرا، فرماه بالمقلاع، فأصاب بين عينيه، حتى نفذت في دماغه، فصرخ جالوت وانهزم من معه، واحتز داود رأسه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، \" أي: أنزل علينا صبرًا من عندك\" (٦).\nقال القاسمي: \"أي: أفضه علينا وأكرمنا به لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولا لأنه ملاك الأمر\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" إفراغ الشيء على الشيء يدل على عمومه له؛ والمعنى املأ قلوبنا، وأجسادنا صبرًا حتى نثبت\" (٩).\nقال الصابوني: \" ربنا أفضْ علينا صبرًا يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٤٧١.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ١٩٨.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٦.\n(٥) تفسير ابن ابي حاتم (٢٥٢٦)، و(٢٥٢٧): ص ٢/ ٤٧٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(٧) محاسن التأويل/ ٢/ ١٨٣.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣. قال الصابوني: دعوا الله ضارعين إِليه بثلاث دعوات تفيد إِدراك أسباب النصر، فقالوا:\nأولًا: ربنا أفضْ علينا صبرًا يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك.\nثانيا: قالوا: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلًا إِلى قلوبنا.\nثالثا: وقالوا ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده. [انظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣].","vol":"5","page":187},{"text":"قال الراغب: \" والفرغ: خلو المكان لما فيه، وخلو ذي الشغل من شغله، وسمي فرغ الدلو فرغًا باعتبار انصباب الماء عنه، وضربه ضربة مفرغة لدم البدن\" (١).\nقال الشوكاني: \" الإفراغ: الصب أي اصببه علينا حتى يفيض ويغمرنا\" (٢).\nقال أبو حيان: \" الصبر: هنا حبس النفس للقتال، فزعوا إلى الدعاء لله تعالى فنادوا بلفظ الرب الدال على الإصلاح وعلى الملك، ففي ذلك إشعار بالعبودية. وقولهم: أفرغ علينا صبرًا سؤال بأن يصب عليهم الصبر حتى يكون مستعليًا عليهم، ويكون لهم كالظرف وهم كالمظروفين فيه \" (٣).\nقال القرطبي: \" ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم؛ وهذا كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآية، وكان رسول الله ﷺ إذا لقي العدو يقول في القتال: \"اللهم بك أصول وأجول\" (٤)، وكان ﷺ يقول إذا لقي العدو: \" اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم\" (٥)، ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، \" أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلًا إِلى قلوبنا\" (٧).\nاخرج ابن ابي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق أنه قال: \" ﴿وثبت أقدامنا﴾، قال: سألوه أن يثبت أقدامهم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز\" (٩).\nقال النسفي: \" بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا\" (١٠).\nقال السعدي: \" وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١٣.\n(٢) فتح القدير: ٢/ ٢٣٥.\n(٣) البحر المحيط: ٢/ ١٩٨.\n(٤) لم اجد الحديث بهذا اللفظ، وفي رواية: \" كان إذا أراد سفرا قال: اللهم بك أصول، وبك أجول، وبك أسير\". أخرجه أحمد (١/ ٩٠ و١٩١)، والبزار (٣١٢٦)، وابن جرير الطبري في \"التهذيب\" (رقم ٧ - مسند علي) وصححه، عن أبي سلام عبدالملك ابن مسلم بن سلام، عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعد، عن علي ﵁: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: فذكره.\nقلت-الألباني-: وهذا إسناد ضعيف؛ رجاله ثقات غير عمران بن ظبيان؛ فقال البخاري: \" فيه نظر\".\nوالحديث عزاه السيوطي لأحمد، فقال المناوي: \"وكذا البزار - برقم (٣١٢٦) لكن فيه \"وبك أقاتل\" مكان \"وبك أسير\" -، قال الهيثمي: \"رجالهما ثقات\" اهـ. فإشارة المصنف لحسنه تقصير، بل حقه الرمز لصحته. كذا قال، وكأنه لم يرجع بنفسه إلى إسناد الحديث ليتعرف على رجاله، وليتبين له تساهل الهيثمي في توثيقهم، وفيهم عمران هذا الذي ضعفه الأئمة، ولم يوثقه غير يعقوب بن سفيان ثم ابن حبان على تناقضه فيه.\nوالحديث قد صح من حديث أنس ﵁ نحوه؛ لكن في الغزو، وقال: \"وبك أقاتل\" مكان \"وبك أسير\". وهو لفظ البزار. وهو مخرج في \"الكلم الطيب\" (١٢٦)، وفي \"صحيح أبي داود\" (٢٣٦٦). انظر: لسلسلة الضعيفة والموضوعة \" ٩/ ١٨٧.\n(٥) رواه أحمد (١٩٧٣٥) أبو داود (١٥٣٧) والنسائي في الكبرى (١٠٤٣٧) وابن حبان (٤٧٦٥) والحاكم (٢٦٢٩) والطبراني في الكبير والأوسط جميعهم من طريق معاذ بن هشام به، ورواه عن قتادة غير هشام وقد أعرضت عن ذكرهم طلبًا للإختصار، وظاهر سنده الصحة إلى أنه منقطع. والله أعلم.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٥٢٩): ص ٢/ ٤٧٨.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(١١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.","vol":"5","page":188},{"text":"قال ابن عثيمين: \" يعني اجعلها ثابتة لا تزول: فلا نفر، ولا نهرب؛ وربما يراد بـ «الأقدام» ما هو أعم من ذلك؛ وهو تثبيت القلوب أيضًا\" (١).\nقال الشوكاني: \" هذا عبارة عن القوة وعدم الفشل يقال ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له ولم يزل عنه وثبت قدمه في الحرب إذا كان الغلب له والنصر معه\" (٢).\nقال أبو حيان: \" قال أبو حيان: \" وهو كناية عن تشجيع قلوبهم وتقويتها، ولما سألوا ما يكون مستعليًا عليهم من الصبر سألوا تثبيت أقدامهم وإرساخها\" (٣).\nقال الراغب: \" الثبات: اللزوم في المكان، وعنه استعير قول ثابت، أي صحيح لا يبطل، وفلان ثبت المقام لمن لا يبرح موقفه في الحرب منهزمًا\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، \" أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي قوِّنا عليهم حتى نغلبهم\" (٦).\nقال الشوكاني: \" وذكر النصر بعد سؤال تثبيت الأقدام لكون الثاني هو غاية الأول\" (٧).\nقال أبو حيان: \" أي: أعنا عليهم، وجاؤوا بالوصف المقتضي لخذلان أعدائهم، وهو الكفر، وكانوا يعبدون الأصنام، وفي قولهم: ربنا، إقرار لله تعالى بالوحدانية، وقرار له بالعبودية\" (٨).\nقال المراغي: \" ولقد راعوا الترتيب الطبيعي في الدعاء بحسب الأسباب الغالبة، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأولى الناس بنصر الله المؤمنون\" (٩).\nقال القاسمي: \" وهذه الآية تدل على أن من حزبه أمر فإنه ينبغي له سؤال المعونة من الله، والتوفيق، والانقطاع إليه تعالى\" (١٠).\nقال السعدي: \" من هاهنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارا\" (١١).\nقال الراغب: \" ونصر الله عنده قد يكون بزيادة قوته وجرأته، وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائه، وغير ذلك، ولم يعن أنهم رغبوا إلى الله ﷿ - في ذلك بالقول فقط، فالقول ليس بمغن ما لم يعاضده فعل، ولا الفعل بمغن ما لم تعاضده النية، فالمعنى لما برزوا رغبوا إلى الله بمقالهم واجتهادهم ونياتهم أن يمدهم بالصبر، وتثبيت القدم والنصرة على الكفرة\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن من تمام العبودية أن يلجأ العبد إلى ربه عند الشدائد؛ لقوله تعالى: ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢٨.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٦٥.\n(٣) البحر المحيط: ٢/ ١٩٨.\n(٤) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥١٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢٨.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٦٦.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ١٩٨.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٤٧١.\n(١٠) محاسن التأويل/ ٢/ ١٨٣.\n(١١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١٣.","vol":"5","page":189},{"text":"٢ - ومنها: أن التجاء الإنسان إلى الله عند الشدائد سبب لنجاته، وإجابة دعوته، لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ وأما اعتماد الإنسان على نفسه، واعتداده بها فسبب لخذلانه، كما قال تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾ [التوبة: ٢٥]؛ وهذا مشهد عظيم في الواقع؛ فإن كثيرًا من الناس إذا أعطاه الله ﷾ نعمة في بدنه، أو ماله، أو أهله يرى أن ذلك من حوله، وقوته، وكسبه؛ وهذا خطأ عظيم؛ بل هو من عند الله؛ هو الذي منّ به عليك؛ فانظر إلى الأصل - لا إلى الفرع -؛ والنظر إلى الفرع، وإهمال الأصل سفه في العقل، وضلال في الدين؛ ولهذا يجب عليك إذا أنعم الله عليك بنعمة أن تثني على الله بها بلسانك، وتعترف له بها في قلبك، وتقوم بطاعته بجوارحك.\n٣ - ومن فوائد الآية: اضطرار الإنسان إلى ربه في تثبيت قدمه على طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وثبت أقدامنا﴾.\n٤ - ومنها: ذكر ما يكون سببًا للإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾؛ لم يقولوا: على أعدائنا؛ كأنهم يقولون: انصرنا عليهم من أجل كفرهم؛ وهذا في غاية ما يكون من البعد عن العصبية، والحمية؛ يعني ما طلبنا أن تنصرنا عليهم إلا لأنهم كافرون.\nالقرآن\n﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١]\nالتفسير:\nفهزموهم بإذن الله، وقتل داود -﵇- جالوتَ قائدَ الجبابرة، وأعطى الله ﷿ داود بعد ذلك الملك والنبوة في بني إسرائيل، وعَلَّمه مما يشاء من العلوم. ولولا أن يدفع الله ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا، وهم أهل المعصية لله والشرك به، لفسدت الأرض بغلبة الكفر، وتمكُّن الطغيان، وأهل المعاصي، ولكن الله ذو فضل على المخلوقين جميعًا.\nقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥١]، \" أي: غلبوهم وقهروهم\" (١).\nقال القرطبي: \" فكسروهم\" (٢).\nقال الشوكاني: \" الهزم الكسر ومنه سقاء منهزم أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف ومنه ما قيل في زمزم إنها هزمة جبريل أي هزمها برجله فخرج الماء والهزم ما يكسر من يابس الحطب وتقدير الكلام فأنزل الله عليهم النصر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ذكر أهل التفسير في (الهزيمة) قولان:\nأحدهما: أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازًا.\nوالثاني: أنهم لما ألجئوا إليها صاروا سببًا لها، فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء.\nقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي: \"بنصر الله\" (٤).\nقال البغوي: \" أي بعلم الله تعالى\" (٥).\nوقال الشوكاني: \" أي بأمره وإرادته\" (٦).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٦.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٦٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٠٢.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٦٦.","vol":"5","page":190},{"text":"قال النسفي: \" بقضائه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ذكر أهل التفسير في (الهزيمة) قولان:\nأحدهما: أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازًا.\nوالثاني: أنهم لما ألجئوا إليها صاروا سببًا لها، فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء.\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] وجهين:\nأحدهما: بأمر الله لهم بقتالهم.\nالثاني: بمعونة الله لهم على قتالهم.\nقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي: \"باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره\" (٢).\nقال القرطبي: \" وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود بن إيشى - بكسر الهمزة\" (٣).\nقال البن كثير: \" ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة\" (٤) (٥).\nواختلفوا، هل كان داود عند قتله جالوت نبيًا؟ (٦):\nالأول: ذهب بعضهم أنه كان نبيًا، واحتجوا بأن هذا الفعل الخارج عن العادة، لا يكون إلا من نبي.\nالثاني: وقال الحسن: \"لم يكن نبيًا\" (٧)، لأنه لا يجوز أن يُوَلي مَنْ ليس بنبي على نبي.\nقال ابن السائب: \"وإنما كان راعيًا فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته من بعد\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، \" أي: أعطى الله داود ملك بني إسرائيل والفهم والنبوة\" (٩).\nوعن السدي: \"قوله: ﴿وآتاه﴾ يقول: وأعطاه\" (١٠). ونحوه عن سعيد بن جبير (١١).\nوعن السدي كذلك: \"مُلِّك داودُ بعدما قتل طالوتَ، وجعله الله نبيًّا، وذلك قوله: \" وآتاه الله الملك والحكمة \"، قال: الحكمة هي النبوة، آتاه نبوّة شمعون وملك طالوت\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" الملك الذي كان بيد طالوت ﴿والحكمة﴾ أي: النبوة بعد شمويل\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(٥) اخرج الطبري (٥٧٤٥): ص ٥/ ٣٦٤.\n(٦) انظر: النكت والعيوين: ١/ ٣٢٠ - ٣٢١، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٦ - ٥١٧.\n(٧) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٢١،\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٣٢١،\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٣.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٥٣١): ص ٢/ ٤٧٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٥٣٢): ص ٢/ ٤٨٠.\n(١٢) اخرجه الطبري (٥٧٤٨): ص: ٥/ ٣٧١.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.","vol":"5","page":191},{"text":"وعن الربيع بن أنس في قوله: \" ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾، فصار هو الرئيس عليهم وأعطوه الطاعة\" (١).\nوروي \"عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال الحكمة: العقل في الدين\" (٢).\nقال السعدي: \"أي: منَّ عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم\" (٣).\nقال الزمخشري: \" في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿َعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، \"أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ\" (٥).\nقال الراغب: \" إشارة إلى العلوم النبوية التي لا وصول إليها إلى بالوحي\" (٦).\nقال السعدي: \"من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك [ص ١٠٩] لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك\" (٧).\nقال الزمخشري: \" من صنعة الدروع وكلام الطير والدواب وغير ذلك\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي\" (٩).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿َعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أوجه (١٠):\nأحدهما: صنعة الدروع والتقدير في السرد، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].\nوالثاني: كلام الطير وحكمة الزبور (١١).\nالثالث: وقيل: أنه فعل الطاعات والأمر بها، واجتناب المعاصي والنهي عنها (١٢).\nالرابع: وقيل: أن الله آتَى داودَ ملك طالوت ونبوَّة أشمويل. وهو قول السدي (١٣).\nقال القرطبي: \" والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه ﷺ\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي\" ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٥٣٤): ص ٢/ ٤٨٠.\n(٢) تفسير ابن ابي حاتم (٢٥٣٦): ص ٢/ ٤٨٠.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٦، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١٤.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٨) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٦، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٠ - ٣٧١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢١.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢١.\n(١٣) اخرجه الطبري (٥٧٤٨): ص: ٥/ ٣٧١.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٨.\n(١٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٦، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.","vol":"5","page":192},{"text":"وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: \" لولا القتال والجهاد\" (١).\nقال الطبري: \" ولولا أنّ الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له والإيمان به بعضًا، وهم أهلُ المعصية لله والشرك به - كما دفعَ عن المتخلِّفين عن طالوتَ يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار\" (٤).\nقال الراغب: وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾، تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه لما استتب أمر العالم، ولهذا قال الدين والملك مقترنان، وتوأمان لا يفترقان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر، لأن الدين أس، والملك حارس، ومالا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع\" (٥).\nواختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد على أقوال (٦):\nأحدهما: أن الله يدفع الهلاك عن البر بالفاجر، قاله عليّ كرم الله وجهه (٧)، ومجاهد (٨).\nوالثاني: يدفع بالمجاهدين عن القاعدين. قاله الكلبي (٩).\nوالثالث: قيل: \"هذا الدفع بما شرع على السنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا\" (١٠).\nقال القرطبي: \"وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله\" (١١).\nوقد روي \"عن ابن عباس، في قوله: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض قال: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج، عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي\" (١٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة [٢٥١]، اختلفوا في كسر (الدال) وفتحها وإدخال (الألف) وإسقاطها، فذكروا وجوها (١٣):\nالأول: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ بغير ألف هاهنا، وفي الحج: ﴿إن الله يدفع﴾ [الآية: ٣٨] (١٤).\nالثاني: وقرأ نافع: ﴿ولولا دفاع الله﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ بألف فيهما جميعًا.\nالثالث: وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ بغير ألف، و﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ بألف.\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٤٠): ص ٢/ ٢٨١.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٩.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥١٤.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١، والنكت والعيون: ١/ ٣٢١.\n(٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٥٧٥١): ص ٥/ ٣٧٣.\n(٨) اخرجه الطبري في تفسيره (٥٧٤٩) و(٥٧٥٠): ص ٥/ ٣٧٣. وابن ابي حاتم (٢٥٣٨): ص ٢/ ٤٨٠.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٢٩.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦١.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦١.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٣٧): ص ٢/ ٤٨٠.\n(١٣) انظر: الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي: ٢/ ٣٥٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٩، وتفسير البغوي: ١/ ٣٠٧، وبحر المحيط: ٢/ ٢٧٨.\n(١٤) في السبعة: وفي سورة الحج و: إن الله يدفع. يريد في مكانين من الحج: في الآية ٤٠ وهي قوله سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ ... الآية والآية الثانية ٣٨ المذكورة هنا.","vol":"5","page":193},{"text":"الرابع: وروى عبد الوهاب عن أبان عن عاصم: ولولا دفاع الله بألف (١).\nقال أبو علي: \" (دفاع) يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدرًا لفعل، كالكتاب واللّقاء، ونحو ذلك من المصادر لتي تجيء على فعال. كما يجيء على فعال نحو: الجمال والذّهاب. ويجوز أن يكون مصدرًا لفاعل، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالدفاع يجوز أن يكون مصدرًا لهذا، كالقتال، ونظيره الكتاب في أنه جاء مصدرًا لفاعل وفعل، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] الكتاب فيه مصدر كاتب، كما أن المكاتبة كذلك، وقال تعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالكتاب مصدر لكتب الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لأن المعنى: كتب هذا التحريم عليكم كتابًا، وكذلك قوله: كِتابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران: ١٤٥] كأنّ معنى دفع ودافع سواء، ألا ترى أن قوله (٢):\nوَلَقَدْ حَرَصْتُ بِأَنْ أُدافِعَ عَنْهُم ... فَإِذا الْمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَع\nفوضع أدافع موضع أدفع، كأن المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنية، فإذا المنية لا تدفع، كأنّ المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنيّة، فإذا المنيّة لا تدفع، وقال أمية (٣):\nلولا دفاع الله ضلّ ضلالنا ... ولسرّنا أنّا نتلّ ونوأد\nقال أبو علي الفارسي: \"وإذا كان كذا فقوله: إن الله يدفع، ويدافع يتقاربان، وليس يدافع كيضارب، ومما يقوي ذلك قوله: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، وليس للمفاعلة التي تكون من اثنين هنا وجه\" (٤).\nواختار أبو عبيدة قراءة الجمهور ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ وأنكر أن يقرأ \"دفاع\" وقال: \"لأن الله ﷿ لا يغالبه أحد. قال مكي: هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم \"الله\" في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله\" (٥).\nويرى الطبري بأن القراءتين تحملان المعنى نفسه، فقال: \" والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القرأة، وجاءت بهما جماعة الأمة، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالةُ معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء فمدافعه عنه بشيء دافع، ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع، فهو لمدافعه مدافع، ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده محاولين مغالبة حزب الله وجنده، وكان في محاولتهم ذلك محاولةُ مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النُّصرة. وذلك هو معنى \" مدافعة الله \" عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فبيِّنٌ إذًا أن سَواءً قراءةُ من قرأ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، وقراءة من قرأ: ﴿ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض﴾، في التأويل والمعنى\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَّفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي: \" لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض\" (٧).\nقال السعدي: أي: \"لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه\" (٨).\n_________\n(١) انظر: كتاب السبعة ١٨٧.\n(٢) وهو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت من قصيدته المشهورة في رثاء بنيه الخمسة الذين ماتوا في يوم واحد. انظر ديوان الهذليين: ١/ ٢.\n(٣) اللسان (ضلل) وعنه في ديوانه ٣٦١ وروايته: لولا وثاق الله. ولا شاهد فيه. والوثاق: ما يوثق به من حبل أو سواه- ونتلّ: نصرع- ونوأد: ندفن أحياء.\n(٤) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٢.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.","vol":"5","page":194},{"text":"قال الربيع: \" لهلك من في الأرض \" (١). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٢).\nقال الزمخشري: \" لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض\" (٣).\nوللعلماء في قوله تعالى: ﴿لَّفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وجهان (٤):\nأحدهما: لفسد أهل الأرض.\nوالثاني: لعم الفساد في الأرض. وفي هذا (الفساد) وجهان (٥):\nأحدهما: الكفر: أي لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض.\nوالثاني: القتل: بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين.\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، \" ولكن الله ذو فضل على الناس جميعا\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: مَنٌّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله\" (٧).\nقال السعدي: \"حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها\" (٨).\nقال النسفي: \" بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح\" (٩).\nقال القرطبي: \" بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن مَنْ صَدَق اللجوء إلى الله، وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه.\n٢ - ومنها: أنه يجب على المرء إذا اشتدت به الأمور أن يرجع إلى الله ﷿.\n٣ - ومنها: إضافة الحوادث إلى الله ﷿ - وإن كان من فعل الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿فهزموهم﴾: هذا فعلهم - لكن ﴿بإذن الله﴾؛ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء، وخذلان هؤلاء.\n٤ - ومنها: شجاعة داود - ﵊ -، حيث قتل جالوت حين برز لهم؛ والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة؛ لأنه إذا قُتِل المبارِز أمام جنده فلا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوهن، والرعب؛ ويجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من بارزه؛ لأن المقام مقام حرب؛ وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه؛ فلا حرج أن يخدعه؛ ويُذكر أن عمرو بن ودّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به عليّ، وقال: «ما خرجت لأبارز رجلين»؛ فظن عمرو أن أحدًا قد لحقه، فالتفت، فضربه علي (١١)؛ هذه خدعة؛ ولكنها جائزة؛ لأن المقام مقام حرب؛ هو يريد أن يقتله بكل وسيلة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥٧٥٢): ص ٥/ ٣٧٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٤١): ص ٢/ ٤٨١.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٦.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢١.\n(٥) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٦.\n(٦) تفسير الواضح: ١/ ١٦٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٠.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦١.\n(١١) لم أقف على هذا السياق، وإنما وقفت على قول علي ﵁ لعمرو بن عبد ود: \"يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوكم رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال: فإني أدعوك إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال علي: فإني أدعوك إلى النزال، فقال: لم يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك، قال علي: لكني والله أحب أن أقتلك، ... \" فتنازلا، وتجاولا، فقتله علي ﵁، والواقعة وقعت في غزوة الخندق؛ راجع: سيرة ابن هشام ٣/ ١٣٤ – ١٣٥؛ والسيرة النبوية لابن كثير – مقتبسة من البداية والنهاية – ٣/ ٢٠٢ – ٢٠٣؛ وسير أعلام النبلاء، السيرة النبوية ١/ ٤٩٢ – ٤٩٣.","vol":"5","page":195},{"text":"٥ - ومن فوائد الآية: أن داود - ﵊ - أوتي الملك، والنبوة؛ لقوله تعالى: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾.\n٦ - ومنها: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وعلمه مما يشاء﴾؛ فالنبي نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله ﷾؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ [النساء: ١١٣].\n٧ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وعلمه مما يشاء﴾؛ ولكن اعلم أن مشيئة الله تابعة لحكمته، كما قال الله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا * وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠].\n٨ - ومنها: أن الله ﷿ يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض، ومن عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾؛ وفساد الأرض يكون بالمعاصي، وترك الواجبات؛ لقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠].\n٩ - ومنها: إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضًا ليقوم دين الله، فدفعَ الكافرين بجهاد المؤمنين؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض؛ لأنه لا معارض لهم؛ ولكن الله ﷿ يعارض هذا بهذا.\n١٠ - ومنها: أن من الفساد في الأرض هدم بيوت العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا﴾ [الحج: ٤٠]؛ وهذا تفسير لقوله تعالى هنا: ﴿لفسدت الأرض﴾؛ أو هو ذكر لنوع من الفساد.\n١١ - ومنها: إثبات فضل الله تعالى على جميع الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ حتى الكفار؛ لكن فضل الله على الكفار فضل في الدنيا فقط بإعطائهم ما به قوام أبدانهم؛ أما في الآخرة فيعاملهم بعدله بعذابهم في النار أبد الآبدين؛ وأما بالنسبة للمؤمنين فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا، والآخرة.\nالقرآن\n﴿ِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾) [البقرة: ٢٥٢]\nالتفسير:\nتلك حجج الله وبراهينه، نقصُّها عليك -أيها النبي- بالصدق، وإنك لمن المرسلين الصادقين.\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: \" هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم\" (١).\nو﴿آيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمدلولها، قال الطبري: \" ﴿آيات الله﴾، حججه وأعلامه وأدلته\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، وجهين (٣):\nالأول: قيل: ﴿آيات الله﴾: هي القرآن.\nالثاني: وقيل: أنها الآيات التي تقدمت في القصص السابق من خروج أولئك الفارين من الموت، وإمامة الله لهم دفعة واحدة، ثم أحياهم إحياءة واحدة، وتمليك طالوت على بني إسرائيل وليس من أولاد ملوكهم،\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٧.\n(٣) انظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٧٩.","vol":"5","page":196},{"text":"والإتيان بالتابوت بعد فقده مشتملًا على بقايا من إرث آل موسى وآل هارون، وكونه تحمله الملائكة معاينة على ما نقل عن ترجمان القرآن ابن عباس، وذلك الابتلاء العظيم بالنهر في فصل القيظ والسفر، وإجابة من توكل على الله في النصرة، وقتل داود جالوت، وإيتاء الله إياه الملك والحكمة، فهذه كلها آيات عظيمة خوارق، تلاها الله على نبيه بالحق أي مصحوبة، بالحق لا كذب فيها ولا انتحال، ولا بقول كهنة، بل مطابقًا لما في كتب بني إسرائيل.\nقلت: أن الثاني هو الأظهر، وعليه جمهور المفسرين، قال الشوكاني: \"وآيات الله هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، \"أي ننزل عليك جبريل بها\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"نقرؤها عليك؛ والمراد تلاوة جبريل، كما قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين* على قلبك﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، \"أي: اليقين الذي لا يرتاب فيه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل\" (٥).\nقال الشوكاني: \" والمراد ﴿بالحق﴾ هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب والمطلعين على أخبار العالم\" (٦).\nقال الزمخشري: \"باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" الحق في الأخبار: هو الصدق؛ وفي الأحكام: هو العدل؛ والباء إما للمصاحبة؛ أو لبيان ما جاءت به هذه الآيات؛ والمعنى أن هذه الآيات حق؛ وما جاءت به حق\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: \" إنك لمرسل متبع في طاعتي\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" إخبار من الله سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه وتثبيتا لجنانه وتشييدا لأمره\" (١١).\nقال الزمخشري: \" حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار\" (١٢).\nوالجملة مؤكدة بـ ﴿إن﴾، واللام؛ لتحقيق رسالة النبي ﷺ.\nقال القرطبي: \" نبه الله تعالى نبيه ﷺ أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل\" (١٣).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٦٦، وانظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٧.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٤.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٤.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٠.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٦٦.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٣٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٨.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٦٦.\n(١٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٣٢.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦١.","vol":"5","page":197},{"text":"قال السعدي: \" فهذه شهادة من الله لرسوله برسالته التي من جملة أدلتها ما قصه الله عليه من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله إياه لما كان عنده بذلك علم بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدل أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون\" (١).\nقال الراغب: \"إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذا الموضع؟ وهل خفي ذلك عليه حتى يذكره به؟ وما تعلق ذلك بما قبله؟\nقيل: يجوز أن يكون تقديره ﴿وإنك لمن المرسلين بها﴾، لكن لفظة بها إيجاز، أو يجوز أن تكون الآية متقدمتين محذوفتي النتيجة على تقدير: إذا كان حال المرسلين وأممهم ما نتلوه عليك، وأنت مرسل إلى قومك كما أرسل المرسلون إلى قومهم، فلا عجب أن تجري مع قومك مجرى أمرهم مع قومهم، والإشارة بذلك إلى معنى قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ \" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات آيات الله ﷾ الشرعية؛ لأن المراد بـ «الآيات» هنا: الشرعية - وهي القرآن -.\n٢ - ومنها: أن الله تعالى يتلو على نبيه ما أوحاه إليه؛ لقوله ﷿: ﴿نتلوها عليك بالحق﴾؛ ولكن هل الذي يتلو ذلك هو الله، أو جبريل؟ اقرأ في آية القيامة: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨]؛ يعني إذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه؛ فجبريل يتلوه على النبي ﷺ وقد تلقاه من الله ﷾.\n٣ - ومنها: أن القرآن كله حق من الله، ونازل بالحق؛ لأن الباء في قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ للمصاحبة، والملابسة أيضًا؛ فهو نازل من عند الله حقًا؛ وهو كذلك مشتمل على الحق؛ وليس فيه كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه؛ بل أحكامه كلها عدل؛ وأخباره كلها صدق.\n٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين﴾.\n٥ - ومنها: أن هناك رسلًا آخرين غير الرسول؛ لقوله تعالى: ﴿لمن المرسلين﴾؛ ولكنه -ﷺ- كان خاتم النبيين؛ إذ لا نبي بعده.\nالقرآن\n﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]\nالتفسير:\nهؤلاء الرسل الكرام فضَّل الله بعضهم على بعض، بحسب ما منَّ الله به عليهم: فمنهم مَن كلمه الله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وفي هذا إثبات صفة الكلام لله ﷿ على الوجه اللائق بجلاله، ومنهم مَن رفعه الله درجاتٍ عاليةً كمحمد ﷺ، بعموم رسالته، وختم النبوة به، وتفضيل أمته على جميع الأمم، وغير ذلك. وآتى الله تعالى عيسى ابن مريم ﵇ البينات المعجزات الباهرات، كإبراء مَن ولد أعمى بإذن الله تعالى، ومَن به برص بإذن الله، وكإحيائه الموتى بإذن الله، وأيده بجبريل ﵇. ولو شاء الله ألا يقتتل الذين جاؤوا مِن بعد هؤلاء الرسل مِن بعد ما جاءتهم البينات ما اقتتلوا، ولكن\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١٠٨.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١٥.","vol":"5","page":198},{"text":"وقع الاختلاف بينهم: فمنهم مَن ثبت على إيمانه، ومنهم مَن أصر على كفره. ولو شاء الله بعد ما وقع الاختلاف بينهم، الموجب للاقتتال، ما اقتتلوا، ولكن الله يوفق مَن يشاء لطاعته والإيمان به، ويخذل مَن يشاء، فيعصيه ويكفر به، فهو يفعل ما يشاء ويختار.\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: \" هؤلاء رسلي\" (١).\nقال الصابوني: \" أي أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من أنبائهم يا محمد هم رسل الله حقًا\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ثلاثة أوجه (٣):\nالأول: قيل: هو اشارة إلى جميع الرسل فتكون الالف واللام للإستغراق.\nالثاني: وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة.\nالثالث: وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبيﷺ.\nقال القاسمي: \" من ذكر منهم في هذه السورة أو المعلومة للنبيّ ﷺ\" (٤).\nقال الزمخشري: \"إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه ﷺ\" (٥) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿تلك﴾ التاء هنا اسم إشارة؛ وأشار إلى «الرسل» بإشارة المؤنث؛ لأنه جمع تكسير؛ وجمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في تأنيث فعله، والإشارة إليه، كما قال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ و﴿الأعراب﴾ مذكر، لكن لما جُمع جَمع تكسير صح تأنيثه؛ وتأنيثه لفظي؛ لأنه مؤول بالجماعة؛ والمشار إليه هم المرسل الذين دلّ عليهم قوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ [البقرة: ٢٥٢] (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: \" هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض\" (٨).\nقال القاسمي: \" بأن خص بمنقبة ليست لغيره\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"يعني \"جعلنا بعضهم أفضل من بعض في الوحي؛ وفي الأتباع؛ وفي الدرجات؛ والمراتب عند الله ﷾\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات\" (١١).\nقال الشوكاني: \" والمراد بتفضيل بعضهم على بعض أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر فكان الأكثر مزايا فاضلا والآخر مفضولا وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] \" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(٣) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٦٨.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٧.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧.\n(٦) وفي عدد الرسل، اخرج ابن أبي حاتم: (٢٥٥٠): ص: ٢/ ٤٨٢: عن أبي أمامة، قال: \"قلت: يا نبي الله: كم الأنبياء؟ قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك: ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا\".\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٨.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٧.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٦.\n(١١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٦٨. ثم قال: \" وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ \"لا تفضلوني على الأنبياء\" [صحيح البخاري في تفسير سورة الأعراف بلفظ: \"لا تخيروني من بين الانبياء\" وفي لفظ آخر \"لا تفضلوا بين الأنبياء\" [صحيح مسلم (٢٣٧٣). وفي لفظ \"لا تخيروا بين الانبياء\" [صحيح البخاري: ٢٢٨١: ص ٢/ ٨٤٩]، فقال قوم إن هذا القول منه (ﷺ) كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل وقيل إنه قال (ﷺ) ذلك على سبيل التواضع كما قال (لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى\" [صحيح البخاري (٣٢١٥): ص ٣/ ١٢٤٤: بلفظ: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى]، تواضعا مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله \"أنا سيد ولد آدم\" [صحيح مسلم: ٢٢٧٨: ص ٤/ ١٧٨٢]، وقيل إنما نهى ذلك قطعا للجدال والخصام في الأنبياء فيكون مخصوصا بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأمونا وقيل إن النهي إنما هو من جهة النبوة فقط لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات والكرامات وقيل إن المراد النهي عن التفضيل لمجرد الأهواء والعصبية وفي جميع هذه الأقوال ضعف وعندي أنه لا تعارض بين القرآن والسنة فإن القرآن دل على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منا خافية وليست بمعلومة عند البشر فقد يجهل اتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلا عن مزايا غيره والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلا وهذا مفضولا لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو باقلها فإن ذلك تفضيل بالجهل وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له وهو ممنوع منه فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض انبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنيباء فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه فمن تعرض للجمع بينهما زاعما أنهما متعارضان فقد غلط غلطا بينا\". [فتح القدير: ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩].","vol":"5","page":199},{"text":"قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فيه وجوها (١):\nالأول: أن التفضيل في الآخرة، لتفاضلهم في الأعمال، وتحمل الأثقال.\nوالثاني: أن التفضيل في الدنيا، بأن جعل بعضهم خليلًا، وبعضهم كليمًا، وبعضهم مَلِكًا، وسَخَّر لبعضهم الريح والشياطين، وأحيا ببعضهم الموتى، وأبرأ الأكمه، والأبرص (٢).\nوالثالث: التفضيل بالشرائع، فمنهم من شرع، ومنهم من لم يشرع.\nوالرابع: وقيل بالعلم. روي ذلك عن زيد بن أسلم (٣).\nقال الراغب: \" فإن الله تعالى جعل لمن رشحه للنبوة فضائل خصه بها، ابتداء وفضائل هداه إليها ليصيبها، فما خصهم به أن جعل كل واحد في نفسه وأخلاقه معرى من عاهة تشينه، وأيده بأنواع كرامات وزيادة معاون تشرح صدره، وحدد عليه في كل وصايا تسدده، وعاتبه في أذى زلة ظهر منه، فهذا التفضيل الذي جعله ابتداء، وأما تفضيله لهم بالحكم، فعلى حسب ما يظهر من أفعالهم، فمعلوم أنه ليس حظ يونس - ﵊ - حيث حذر نبينا - ﵊ أن يكون مثله في الصبر بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ كحظ الذين حثه على الاقتداء بهم في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، فالتفضيل يحصل بالأمرين، وللتفاضل بينهم قال ﵊: \" فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وختم بي النبيون، وأرسلت إلى الناس كافة \" (٤)، ولما كانت هذه الأشياء موهبية لا مكتسبة، قال ﵊: \" أنا سيد ولد آدم ولا فخر \" تنبيهًا أن الفخر لا يستحق إلا بالمكسوب دون الموهوب، ونحو هذه الآية في تفضيل بعض الأنبياء على بعض قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وهذا حكم في الملائكة بقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ \" (٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٢، وتفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٢) أخرج ابن ابي حاتم (٢٥٥١): ص ٢/ ٤٨٢: عن قتادة \" اتخذ الله براهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وجعل عيسى كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، وهو عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه، وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورا، وغفر لمحمد بن عبد الله، ما تقدم من ذنبه وما تأخر\".\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٥٥٢): ص ٢/ ٤٨٣.\n(٤) صحيح مسلم (٥٢٣): ص ١/ ٣٧١. من حديث أبي هريرة، ولفظه: \" فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ\".\n(٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥١٦ - ٥١٧.","vol":"5","page":200},{"text":"قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، \" أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير\" (١).\nقال مجاهد: \" كلم الله موسى\" (٢). وروي عن الشعبي، نحو ذلك (٣).\nقال القاسمي: \"تفصيل التفضيل أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى ﵇\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، اختلفت القراءة فيه على وجوه (٥):\nالأولى: قرأ الجمهور ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾: بالتشديد ورفع الجلالة، والعائد على: من، محذوف تقديره من كلمه.\nالثاني: وقد قرئ ﴿كَلَّمَ اللَّهَ﴾ بالنصب، والفاعل مستتر في: كلم، يعود على: ﴿من﴾.\nالثالث: وقرأ أبو المتوكل، وأبو نهشل، وابن السميفع: ﴿كالم الله﴾ بالألف ونصب الجلالة من المكالمة، وهي صدور الكلام من اثنين، ومنه قيل: كليم الله، أي: مكالمه، (فعيل) بمعنى (مفاعل): كجليس وخليط.\nقال أبو حيان: \" ورفع الجلالة أتم في التفضيل من النصب، إذ الرفع يدل على الحضور والخطاب منه تعالى للمتكلم، والنصب يدل على الحضور دون الخطاب منه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: \"ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة\" (٧).\nقال الزمخشري: \"أى: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء كان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة\" (٨).\nوروي عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿درجات﴾: قال\"يعني: فضائل\" (٩).\nقال المراغي: \" ومنهم من رفعه الله على غيره من الرسل بمراتب متباعدة في الكمال والشرف\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"والظاهر أنه أراد محمدًا ﷺ، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منفيًا على سائر ما أوتى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيرًا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمدًا وغيرهما من أولى العزم من الرسل\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" فمحمد ﷺ له الوسيلة؛ وهي أعلى درجة في الجنة، ولا تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال النبي ﷺ: «وأرجو أن أكون أنا هو» (١٢)؛ وفي المعراج وجد النبي صلى الله\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٤٨٠.\n(٢) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٥٣): ص ٢/ ٤٨٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٨٣.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٧.\n(٥) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧، والبحر المحيط: ٢/ ٢٨٢.\n(٦) البحر المحيط: ٢/ ٢٨٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٨.\n(٨) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٥٣): ص ٢/ ٤٨٣.\n(١٠) تفسير المراغي: ١/ ٤٨٠.\n(١١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(١٢) أخرجه مسلم ص ٧٣٨، كتاب الصلاة، باب ٧: استحباب القول مثل قول المؤذن ...، حديث رقم ٨٤٩ [١١] ٣٨٤.","vol":"5","page":201},{"text":"عليه وسلم إبراهيم في السماء السابعة؛ وموسى في السادسة؛ وهارون في الخامسة؛ وإدريس في الرابعة (١)؛ وهكذا؛ وهذا من رفع الدرجات\" (٢).\nوقال الشوكاني: \" هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء ويحتمل أن يراد به نبينا (ﷺ) لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله ويحتمل أن يراد به إدريس لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكانا عليا وقيل إنهم أولوا العزم وقيل إبراهيم ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع فلا يجوز لنا التعرض للبيان له إلا ببرهان من الله ﷾ أو من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ولم يرد ما يرشد إلى ذلك فالتعرض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء وقد نهينا عنه وقد جزم كثير من أئمة التفسير انه نبينا (ﷺ) وأطالوا في ذلك واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات ومزايا الكمال وخصال الفضل وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب قد وقعوا في خطرين وارتكبوا نهيين وهما تفسير القرآن بالرأي والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء وإن لم يكن ذلك تفضيلا صريحا فهو ذريعة إليه بلا شك ولا شبهة لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبي الفلاني انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهي عنه وقد أغنى الله نبينا المصطفى (ﷺ) عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل والفواضل فإياك أن تتقرب إليه (ﷺ) بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن\" (٣).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وجهين (٤):\nأحدهما: أن أوحى إلى بعضهم في منامه، وأرسل إلى بعضهم الملائكة في يقظته.\nوالثاني: أن بعث بعضهم إلى قومه، وبعث بعضهم إلى كافة الناس.\nقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، \"وآتينا عيسى ابن مريم الحجج والأدلة على نبوته\" (٥).\nقال الشوكاني: \" أي: الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات وإبراء المرضى وغير ذلك\" (٦).\nقال السعدي: \" الدالات على نبوته وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" أي: الآيات البينات الدالة على رسالته، ويراد بها الإنجيل، وما جرى على يديه من إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله، ونحو ذلك\" (٨).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده \"عن ابن عباس: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾، أي: الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه الروح، فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب، مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه\" (٩).\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٢٦٠، كتاب بدء الخلق، باب ٦: ذكر الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، حديث رقم ٣٢٠٧؛ ومسلمًا ص ٧٠٥، كتاب الإيمان، باب ٧٤: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات، حديث رقم ٤١١ [٢٥٩] ١٦٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٦.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٦٩.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٩.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٦٩.\n(٧) تفسير السعدي: ١/ ١٠٩.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٧.\n(٩) تفسير ابن ابي حاتم (٢٥٥٥): ص ٢/ ٤٨٣.","vol":"5","page":202},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،: أي و\"قويناه\" (١) بروح القدس.\nقال الطبري: \" وقويناه وأعناه بروح الله، وهو جبريل\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ذكر أهل التفسير فيه وجوها (٣):\nأحدهما: بجبريل ﵇ يلازمه في أحواله، \" كما قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ [النحل: ١٠٢]؛ فـ «روح القدس» هو جبريل؛ أيد الله عيسى به، حيث كان يقويه في مهام أموره عندما يحتاج إلى تقوية\" (٤).\nوالثاني: بأن نفخ فيه من رُوحه.\nوالثالث: بالإيمان واليقين الذي أيده به الله وقواه على ما أمر به.\nالرابع: ما معه من العلم المطهر الآتي من عند الله؛ والعلم، أو الوحي يسمى روحًا، كما قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢].\nقال الراغب: \" وروح القدس إشارة إلى ما خص به عيسى مما كان يحي به الموتى ملكًا، أو قوة، أو اسمًا من أسمائه أو علمًا، وقد فسر بكل ذلك، وسمي جبريل - ﵇ - روح القدس، والروح الأمين في قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ وفي قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ \" (٥).\nقال الزمخشري: \"فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين اللَّه وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا ﷺ هو الذي أوتى منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها. كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم﴾ [البقرة: ٢٥٣]، \" أي: لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاؤوا بعد الرسل\" (٧).\nقال الشوكاني: \" أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا\" (٨).\nقال الطبري: \" ولو أراد الله أن يحجزهم - بعصمته وتوفيقه إياهم - عن معصيته فلا يقتتلوا، ما اقتتلوا ولا اختلفوا\" (٩).\nقال الزمخشري: \" من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضا\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: \" من بعد ما جاءهم من آيات الله ما أبان لهم الحق، وأوضح لهم السبيل\" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٧٩.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٢، وتفسير السعدي: ١/ ١٠٩، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٧.\n(٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥١٧.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨١.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٠.","vol":"5","page":203},{"text":"قال السدي: ﴿البينات﴾، أي \"الحلال والحرام\" (١).\nو﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ أي \"الآيات البينات؛ وهو الوحي الذي جاءت به الرسل، وغيره من الآيات الدالة على رسالتهم\" (٢).\nقال السعدي: البينات\" الموجبة للاجتماع على الإيمان\" (٣).\nقال النسفي: الآيات: \" المعجزات الظاهرات\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي هذا القتال حصل بعدما زال اللبس، واتضح الأمر، ووجدت البينات الدالة على صدق الرسل؛ ومع ذلك فإن الكفار استمروا على كفرهم، ورخصت عليهم رقابهم، ونفوسهم في نصرة الطاغوت؛ وقاتلوا المؤمنين أولياء الله ﷿؛ كل ذلك من أجل العناد، والاستكبار\" (٥).\nوقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى ﴿مِن بَعْدِهِم﴾ [البقرة: ٢٥٣] وذكروا ثلاثة أوجه (٦):\nالأول: أي من بعد الرسل.\nالثاني: وقيل: من بعد موسى وعيسى ومحمد لأن الثاني مذكور صريحا والأول والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله ﴿منهم من كلم الله﴾.\nالثالث: وقال قتادة: \": من بعد موسى وعيسى\" (٧). وروي مثله عن الربيع (٨).\nالرابع: وقال السدي: \"من بعد محمد ﷺ\" (٩).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فيه وجهين (١٠):\nأحدهما: ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة.\nوالثاني: ولو شاء الله لاضطرهم إلى الإيمان، ولما حصل فهيم خيار.\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: ولكن شاء الإختلاف فاختلفوا\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي ولكنَّ الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم\" (١٢).\nقال قتادة: \"قوله: ﴿ولكن اختلفوا﴾ يعني اليهود والنصارى، يقول: هذا القرآن لهم ما اختلفوا فيه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: \"، فمنهم من ثبت على الإِيمان ومنهم من حاد وكفر\" (١٤).\nقال أبو حيان: \" من آمن بالتزامه دين الرسل واتباعهم، ومن كفر باعراضه عن اتباع الرسل حسدًا وبغيًا واستئثارًا بحطام الدنيا\" (١٥).\n_________\n(١) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٥٦): ص ٢/ ٤٨٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٨.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٩.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٣٣.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٣٨.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وتفسير الطبري: ٥/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٧) أخرجه الطبري: (٥٧٥٨): ص ٥/ ٣٨٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧٥٩): ص ٥/ ٣٨١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٥٧): ص ٢/ ٤٨٤.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٢.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٨٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٥٨): ص ٢/ ٤٨٤.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(١٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٨٤.","vol":"5","page":204},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يعني: ولو أراد الله ما اقتتل الذين من بعد الرسل (١).\nقال الراغب: أي \"لو شاء الله ما اختلفوا وكانوا أمة واحدة، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية\" (٢).\nقال الشوكاني: \" ولو شاء الله عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف، ما اقتتلوا\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون\" (٤).\nقال السعدي: \" فكان موجب هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب\" (٥).\nقال أبو حيان: \" ﴿وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾، قيل: الجملة تكررت توكيدًا للأولى، قاله الزمخشري (٦).\nوقيل: لا توكيد لاختلاف المشيئتين، فالأولى: ولو شاء الله أن يحول بينهم وبين القتال بأن يسلبهم القوى والعقول، والثانية: ولو شاء الله أن يأمر المؤمنين بالقتال، ولكن أمر وشاء أن يقتتلوا، وتعلق بهذه الآية مثبتو القدر ونافوه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يعني\" يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا\" (٨).\nقال الطبري: \"بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه\" (٩).\nقال الزمخشري: \" من الخذلان والعصمة\" (١٠).\nقال الشوكاني: \"لا راد لحكمه ولا مبدل لقضائه فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد\" (١١).\nقال الصابوني: \" ولكنّ الله حكيم يفعل ما فيه المصلحة، وكلُّ ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد\" (١٢).\nقال السعدي: \" فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله ﷺ من الاستواء والنزول والأقوال، والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الرسل ﵈ يتفاضلون؛ لقوله تعالى: ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾.\n٢ - ومنها: أن فضل الله يؤتيه من يشاء؛ حتى خواص عباده يفضل بعضهم على بعض؛ لأن الرسل هم أعلى أصناف بني آدم، ومع ذلك يقع التفاضل بينهم بتفضيل الله.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٠.\n(٢) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥١٨.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١٠٩.\n(٦) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٨.\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٨٤.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٠٩.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٣٨١.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٩.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(١٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٩.","vol":"5","page":205},{"text":"ويتفرع عليها فائدة أخرى: أن الله يفضل أتباع الرسل بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكما قال النبي ﷺ: «خير الناس قرني» (١)؛ كما أن من كان من الأمم أخلص لله، وأتبع لرسله فهو أفضل ممن دونه من أمته؛ لأن الرسل إذا كانوا يتفاضلون فأتباعهم كذلك يتفاضلون؛ فإن قلت: كيف نجمع بين هذه الآية المثبتة للتفاضل بين الرسل؛ وبين قوله -ﷺ-: «لا تخيروني على موسى» (٢)، ونهيه -ﷺ- أن يفاضل بين الأنبياء؟\nفالجواب: أن يقال: في هذا عدة أوجه من الجمع؛ أحسنها أن النهي فيما إذا كان على سبيل الافتخار والتعلِّي: بأن يفتخر أتباع محمد ﷺ على غيرهم، فيقولوا: «محمد أفضل من موسى» مثلًا؛ أفضل من عيسى؛ وما أشبه ذلك؛ فهذا منهي عنه؛ أما إذا كان على سبيل الخبر فهذا لا بأس به؛ ولهذا قال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٣).\n٣ - ومن فوائد الآية: إثبات الكلام لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾؛ وكلام الله ﷿ عند أهل السنة، والجماعة من صفاته الذاتية الفعلية؛ فباعتبار أصله من الصفات الذاتية؛ لأنه صفة كمال؛ والله ﷿ موصوف بالكمال أزلًا، وأبدًا؛ أما باعتبار آحاده - أنه يتكلم إذا شاء - فهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. قال الله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ حصل الكلام بعد مجيئه لميقات الله؛ ولهذا حصل بينهما مناجاة: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فقال تعالى: ﴿لن تراني﴾ بعد أن قال موسى: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾؛ هذا هو الحق في هذه المسألة؛ وزعمت الأشاعرة أن كلام الله ﷿ هو المعنى النفسي - أي المعنى القائم بنفسه -؛ وأما ما يسمعه المخاطب به فهو أصوات مخلوقة خلقها الله ﷿ لتعبر عما في نفسه؛ وقد أبطل شيخ الإسلام هذا القول من تسعين وجهًا في كتاب يسمى بـ «التسعينية».\n٤ - ومن فوائد الآية: أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة له؛ لأن الله تعالى ساق قوله: ﴿منهم من كلم الله﴾ على سبيل الثناء، والمدح.\nومنه يؤخذ علوّ مقام المصلي؛ لأنه يخاطب الله ﷿، ويناجيه كما أخبر بذلك النبي ﷺ: فإذا قال المصلي: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: «حمدني عبدي»؛ وإذا قال المصلي: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: «أثنى عليّ عبدي» (٤) إلى آخر الحديث؛ فالله تعالى يناجي المصلي، وإن كان المصلي لا يسمعه؛ لكن أخبر بذلك الصادق المصدوق -ﷺ-.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الفضائل مراتب، ودرجات؛ لقوله تعالى: ﴿ورفع بعضهم درجات﴾؛ وهذا يشمل الدرجات الحسية، والدرجات المعنوية؛ فالنبي ﷺ له الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال الرسول ﷺ: «وأرجو أن أكون أنا هو» (٥)؛ كذلك مراتب أهل الجنة درجات: قال النبي ﷺ: «إن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف من فوقهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٠٩، كتاب الشهادات، باب ٩: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، حديث رقم ٢٦٥٢، وأخرجه مسلم ص ١١٢٢، كتاب فضائل الصحابة، باب ٥٢: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، حديث رقم ٦٤٧٢ [٢١٢] ٢٥٣٣.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٨٩، كتاب الخصومات، باب ١: ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي، حديث رقم ٢٤١١، وأخرجه ص ١٠٩٥، كتاب الفضائل، باب ٤٢: من فضائل موسى، حديث رقم ٦١٥٣ [١٦٠] ٢٣٧٣.\n(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٢، حديث رقم ١١٠٠٠؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٧٠، كتاب تفسير القرآن، باب ١٧: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم ٣١٤٨؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٩، كتاب الزهد، باب ٣٧: ذكر الشفاعة، حديث رقم ٤٣٠٨؛ ومدار الحديث على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، والحديث صحيح بطرقه وشواهده، منها ما أخرجه الدارمي في المقدمة بمعناه ١/ ٣٩، حديث رقم ٤٧؛ وما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦، وقال الألباني في تخريجه: صحيح الإسناد ٢/ ٣٥٦، وقال في صحيح الترمذي: صحيح ٣/ ٧١، حديث رقم ٢٥١٦ - ٣٣٦٩.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ص ٧٤٠، كتاب الصلاة، باب ١١: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم ٨٧٨ [٣٨] ٣٩٥.\n(٥) أخرجه مسلم ص ٧٣٨، كتاب الصلاة، باب ٧: استحباب القول مثل قول المؤذن ...، حديث رقم ٨٤٩ [١١] ٣٨٤.","vol":"5","page":206},{"text":"- يعني العالية - كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين» (١).\n٧ - ومن فوائد الآية: إثبات أن عيسى نبي من أنبياء الله؛ لقوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾؛ والله ﷿ أعطاه آيات ليؤمن الناس به؛ ومن الآيات الحسية لعيسى ابن مريم إحياء الموتى بإذن الله؛ وإخراجهم من القبور؛ وإبراء الأكمه، والأبرص؛ وأن يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيرًا يطير بالفعل بإذن الله؛ وهناك آيات شرعية مستفادة من قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ على أحد التفسيرين السابقين.\n٨ - ومنها: أن البشر مهما كانوا فهم في حاجة إلى من يؤيدهم، ويقويهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾.\n٩ - ومنها: الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾؛ أي قويناه؛ ولازم ذلك أنه يحتاج إلى تقوية؛ والذي يحتاج إلى تقوية لا يصلح أن يكون ربًّا، وإلهًا.\n١٠ - ومنها: الثناء على جبريل ﵇ حيث وصف بأنه روح القدس؛ ومن وجه آخر: حيث كان مؤيِّدًا للرسل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾.\n١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾.\n١٢ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل﴾؛ لأن القدرية يقولون: إن فعل العبد ليس بمشيئة الله؛ وإنما العبد مستقل بعمله؛ وهذه الآية صريحة في أن أفعال الإنسان بمشيئة الله.\n١٣ - ومنها: أن قتال الكفار للمؤمنين كان عن عناد، واستكبار؛ لا عن جهل؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾.\n١٤ - ومنها: لطف الله بالعباد، حيث كان لا يبعث رسولًا إلا ببينة تشهد بأنه رسول؛ وشهادة الله ﷿ لأنبيائه بالرسالة تكون بالقول، وبالفعل؛ مثالها بالقول: قوله تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]؛ ومثالها بالفعل: تأييد الله للرسول، ونصره إياه، وتمكينه من قتل أعدائه.\n١٥ - ومنها: بيان حكمة الله ﷿ في انقسام الناس إلى مؤمن، وكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾؛ ولولا هذا ما استقام الجهاد، ولا حصل الامتحان.\n١٦ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿آمن﴾، و﴿كفر﴾، حيث أضاف الفعل إلى العبد؛ وهم يرون أن الإنسان مجبر على عمله، ولا ينسب إليه الفعل إلا على سبيل المجاز كما يقال: أحرقت النار الخشب؛ وهذه الآية ترد عليهم.\n١٧ - ومنها: إثبات أن الله ﷾ هو خالق أفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿يفعل ما يريد﴾؛ مع أن الفعل فعل العبد: فالاقتتال فعل العبد؛ والاختلاف فعل العبد؛ لكن لما كان صادرًا بمشيئة الله ﷿ وبخلقه، أضافه الله ﷿ إلى نفسه.\n١٨ - ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾؛ والإرادة التي اتصف الله بها نوعان: كونية، وشرعية؛ والفرق بينهما من حيث المعنى؛ ومن حيث المتعلق؛ ومن حيث الأثر؛ من حيث المعنى: «الإرادة الشرعية» بمعنى المحبة؛ و«الإرادة الكونية» بمعنى المشيئة؛ ومن حيث المتعلق: «الإرادة الكونية» تتعلق فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه؛ فإذا قيل: هل أراد الله الكفر؟ نقول: بالإرادة الكونية: نعم؛ وبالشرعية: لا؛ لأن «الإرادة الكونية» تشمل ما يحبه الله، وما لا يحبه؛ و«الإرادة الشرعية» لا تتعلق إلا فيما\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٦٣، كتاب بدء الخلق، باب ٨: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم ٢٣٥٦، وأخرجه مسلم ص ١١٧٠، كتاب صفة الجنة، باب ٣: ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء، حديث رقم ٧١٤٤ [١١] ٢٨٣١.","vol":"5","page":207},{"text":"يحبه الله؛ ومن حيث الأثر: «الإرادة الكونية» لا بد فيها من وقوع المراد؛ و«الإرادة الشرعية» قد يقع المراد، وقد لا يقع؛ فمثلًا: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: ٢٧]: الإرادة هنا شرعية؛ لو كانت كونية لكان الله يتوب على كل الناس؛ لكن الإرادة شرعية: يحب أن يتوب علينا بأن نفعل أسباب التوبة.\nفإن قيل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؛ هل هو مراد بالإرادة الشرعية، أو بالإرادة الكونية؟ قلنا: مراد بالإرادتين كلتيهما؛ وما تقولون في إيمان أبي طالب؟ قلنا: مراد شرعًا؛ غير مراد كونًا؛ ولذلك لم يقع؛ وما تقولون في فسق الفاسق؟\nقلنا: مراد كونًا لا شرعًا؛ إذًا نقول: قد تجتمع الإرادتان، كإيمان أبي بكر؛ وقد تنتفيان، مثل كفر المسلم؛ وقد توجد الإرادة الكونية دون الشرعية، مثل كفر الكافر؛ وقد توجد الشرعية دون الكونية، كإيمان الكافر.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]\nالتفسير:\nيا من آمنتم بالله وصدَّقتم رسوله وعملتم بهديه أخرجوا الزكاة المفروضة، وتصدَّقوا مما أعطاكم الله قبل مجيء يوم القيامة حين لا بيع فيكون ربح، ولا مال تفتدون به أنفسكم مِن عذاب الله، ولا صداقة صديق تُنقذكم، ولا شافع يملك تخفيف العذاب عنكم. والكافرون هم الظالمون المتجاوزون حدود الله.\nقال ابن كثير: \" يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أي: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله.\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك. يعني استمع لها.؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"تقدم مرارًا، وتكرارًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية المطلوب؛ لأن النداء يقتضي التنبيه؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة، وتوجيه النداء للمؤمنين يدل على أن التزام ما ذكر من مقتضيات الإيمان سواء كان أمرًا، أو نهيًا؛ وعلى أن عدم امتثاله نقص في الإيمان؛ وعلى الحث، والإغراء، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا، مثل ما تقول للحث، والإغراء: يا رجل افعل كذا، وكذا؛ أي لأن ذلك من مقتضى الرجولة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، \" أي \"أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إِيّأه\" (٤).\nروي \"عن سعيد بن جبير في قول الله ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾، يعني: من الأموال\" (٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير ١/ ١٩٦، تحقيق أسعد أحمد الطيب، وسنده: قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك ثنا مسعر ثنا معن وأبو عون أو أحدهما أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود ...، ونعيم بن حماد قال الحافظ فيه: صدوق يخطئ كثيرا، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: أرجو أن يكون باقي حديثه مستقيما، الكامل لابن عدي ٨/ ٢٥١ - ٢٥٦، ولم يذكر ابن عدي هذا الأثر ومعن هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ت. التهذيب، وأبو عون، كما في التهذيب هو أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله الأعور؛ وكلاهما ثقة، لكن معن بن عبد الرحمن لم يدرك عبد اله بن مسعود، لأن الحافظ عده من الطبقة السابعة، وأما أبو عون فإنه مات سنة ١١٠ هجريا، وعبد الله بن مسعود مات سنة ٣٣ هـ، ت. التهذيب [٩/ ٢٨٥، ٦/ ٢٥]، فيبعد أن يكون قد أدرك ابن مسعود، فيكون حديث معن وأبي عون عن ابن مسعود مرسلا.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٦٤): ص ٢/ ٤٨٥.","vol":"5","page":208},{"text":"قال البغوي: \" حث على الإنفاق وإشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه\" (١).\nوقال الأصمّ وأبو عليّ: \"أراد النفقة في الجهاد\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله، و﴿مِمَّا رَزَقْناكُمْ﴾، أي مما أعطيناكم؛ (من) يحتمل أن تكون بيانية؛ أو تبعيضية؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين.\" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في نوع الإنفاق في الآية، على أوجه (٤):\nالأول: قال الحسن (٥): هي الزكاة المفروضة.\nقال الزمخشري: \" أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به\" (٦).\nالثاني: وقال يحيى بن آدم: \"هي الصدقة\" (٧).\nالثالث: وقال ابن جريج (٨) وسعيد بن جبير (٩): هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع.\nوالراجح-والله أعلم- هو قول ابن جريج ومن وافقه، بأن الآية تجمع بين الزكاة والتطوع، واختاره ابن عطية، قائلا: \"وهذا صحيح، فالزكاة واجبة والتطوع مندوب إليه وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله ويقوي ذلك قوله في آخر الآية ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال\" (١٠).\nقال القرطبي: \"وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه، وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، وحذرهم من الإمساك إلى أن يجئ يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة، كما قال: \" ﴿فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق﴾ \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، \" يعني: يوم القيامة\" (١٢).\nقال القاسمي: \" ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، هو يوم القيامة\" (١٣).\nقال الشوكاني: \"أي: أنفقوا ما دمتم قادرين، من قبل أن يأتي ما لا يمكنكم الانفاق فيه\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، \" أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٤٨٤.\n(٢) تفسير القاسمي: ٢/ ١٨٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٤٥.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٦.\n(٥) نقلا عن تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٦.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٩.\n(٧) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٦٣): ص ٢/ ٤٨٥.\n(٨) أخرجه الطبري بسنده (٥٧٦٠): ص ٥/ ٣٨٢.\n(٩) نقلا عن تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٦.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٩.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٦.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٩.\n(١٤) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.","vol":"5","page":209},{"text":"قال ابن عثيمين: \" وإنما قال ﷾: ﴿لا بيع﴾؛ لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع، والشراء؛ فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره؛ لكن يوم القيامة ليس فيه بيع\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أي: \" ولا تجدون صديقًا يدفع عنكم العذاب\" (٢).\nقال ابن كثير: \" ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته بل ولا نسابته كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] \" (٣).\nوقداختلف المفسرون في تفسير (الخلة)، على ثلاثة أوجه متقاربة:\nالأول: قيل: (الخلة) هي: المودة (٤).\nقال الراغب: \" الخلة من تخلل الود نفسه ومخالطته، كقوله (٥):\nقَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا\" (٦)\nيعني أن حبها دخل إلى مسالك الروح، فامتزج بروحه، فصار له كالحياة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر\" (٧)؛ ولكنه ﷺ، اتخذه حبيبًا، وقيل له: من أحب النساء إليك؟ قال ﷺ: \"عائشة\"؛ قيل: ومن الرجال؟ قال ﷺ: \"أبوها\" (٨)؛ فأثبت المحبة؛ وكان أسامة بن زيد يسمى \"حِب رسول الله\" أي حبيبه؛ إذًا الخلة أعلى من المحبة (٩).\nقال الراغب: \"ولهذا يقال: تمازج روحانا، والمحبة: البلوغ بالود إلى حبة القلب، من قولهم: حببته: إذا أصبت حبة قلبه، لكن إذا استعملت المحبة في الله فالمراد بها مجرد الإحسان، وكذا الخلة، فإن جاز في أحد اللفظين جاز في الآخر؛ فأما أن يراد بالحب حبة القلب، والخلة التخلل، فحاشا له سبحانه أن يراد فيه ذلك، وقوله تعالى: ﴿لا بيع فيه ولا خلة﴾ [البقرة/٢٥٤]، أي: لا يمكن في القيامة ابتياع حسنة ولا استجلابها بمودة، وذلك إشارة إلى قوله سبحانه: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم/٣٩]، وقوله: ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ [إبراهيم/٣١]، فقد قيل: هو مصدر من خاللت، وقيل: هو جمع، يقال: خليل وأخلة وخلال والمعنى كالأول\" (١٠).\nالثاني: وقيل: الخلة: خالص المودة (١١).\nقال الشوكاني: \" والخلة خالص المودة مأخوذة من تخلل السرار بين الصديقين أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له\" (١٢).\nالثاني: وفسرها جماعة بالصداقة (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٤٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.\n(٤) فسرها بذلك: الراغب في المفردات: ١٥٣، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٢٢.\n(٥) لبيت في البصائر ٢/ ٥٥٧ ولم ينسبه؛ وهو لبشار بن برد في أدب الدنيا والدين: ص ١٤٦؛ وتفسير الراغب: ١/ ٥٢٠.\n(٦) مفردات انظر مفردات الراغب، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (مادة خ ل ل) ولسان العرب باب اللام فصل الخاء، والمنهاج شرح مسلم بن الحجاج للنووي: ٣/ ٥٦، وفتح الباري: ٧/ ٢٣\n(٧) أخرجه البخاري ص ٣٩، كتاب الصلاة، باب ٨٠: الخوخة والممر في المسجد، حديث رقم ٤٦٦؛ وأخرجه مسلم ص ١٠٩٧، كتاب فضائل الصحابة، باب ١: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، حديث رقم ٦١٧٠ [٢] ٢٣٨٢.\n(٨) أخرجه البخاري ص ٢٩٨، كتاب المناقب، باب، حديث رقم ٣٦٦٢؛ أخرجه مسلم ص ١٠٩٨، كتاب فضائل الصحابة، باب ١ من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، حديث رقم ٦١٧٧ [٨] ٢٣٨٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(١٠) مفردات انظر مفردات الراغب، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (مادة خ ل ل) ولسان العرب باب اللام فصل الخاء، والمنهاج شرح مسلم بن الحجاج للنووي: ٣/ ٥٦، وفتح الباري: ٧/ ٢٣\n(١١) فسرها بها: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٢٦٦، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٤٠٢.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(١٣) فسرها بها: الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٣٣٥، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٥٩، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩٣، والثعلبي في الكشف والبيان: ١/ ١٥٤ أ، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٣١٠، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٣٠٢، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٧٧، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٧١ و٢٧٦، والسمين في الدر المصون: ١/ ٦١٢، .","vol":"5","page":210},{"text":"وأما السمين الحلبي: \" والخلة: الصداقة، كأنها تتخلل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي وسطها\" (١).\nقلت: ولا ضير من الآراء السابقة، إذ أن المؤدى واحد، وإن كان الأدق تعبير الراغب ومن وافقه، لأن (الخلة) هي المحبة التي تخلَلَت القلب فصارت خلاله، أي: في باطنه، والمراد بها في الآية أن لا صداقة ولا مودة ولا محبة نافعة عند الله﷿إلا ما كانت له تعالى كما قال﷿-: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أي: \" ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له\" (٢).\nقال الصابوني: \" ولا شفيعًا يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إِلا أن يأذن الله ربّ العالمين\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين\" (٤).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة/ ٢٥٤]، وفيه وجهان (٥):\nالأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وفي سورة إبراهيم: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [الآية: ٣١] مثله أيضًا، وفي الطور: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الآية: ٢٣] مثله.\nالثاني: وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: كلّ ذلك بالرّفع والتنوين (٦).\nقال الشوكاني: \"وهما لغتان مشهورتان للعرب ووجهان معروفان عند النحاة، فمن الأول: قول حسان (٧):\nألا طعان ألا فرسان عادية ... ألا يحشئوكم حول التنانير\nومن الثاني: قول الراعي (٨):\nوما صرمتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل\nويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض ونصب البعض كما هو مقرر في علم الإعراب\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، \" أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا\" (١٠).\n_________\n(١) الدر المصون: ٢/ ٥٣٨.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.\n(٥) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.\n(٦) السبعة: ١٨٧.\n(٧) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٧٩ \"الحاشية\"؛ وتخليص الشواهد ص ٤١٤؛ والجنى الداني ص ٣٨٤؛ وخزانة الأدب ٤/ ٦٩، ٧٧، ٧٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢١٠؛ والكتاب ٢/ ٣٠٦؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٣٦٢؛ واللفظ في تلك المصادر: [فما هجرتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل]، ولخداش بن زهير في شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٥٨؛ ولحسان أو لخداش في الدرر ٢/ ٢٣٠؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص ٨٠؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٣١٨؛ وهمع الهوامع ١/ ١٤٧.\nاللغة: الطعان: الضرب بالرمح. الفرسان العادية: المقاتلون الظالمون، أو كثيروا العدو وسريعوه. التجشؤ: معروف، صوت يصدر عن امتلاء المعدة. التنانير: جمع تنور وهو الموقد الذي كانوا يخبزون فيه.\n(٨) البيت للراعي النميري في ديوانه ص ١٩٨؛ وتخليص الشواهد ص ٤٠٥؛ وشرح التصريح ١/ ٢٤١؛ وشرح المفصل ٢/ ١١١، ١١٣؛ والكتاب ٢/ ٢٩٥؛ ولسان العرب ١٥/ ٢٥٤ \"لقا\"؛ ومجالس ثعلب ص ٣٥؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٦؛ واللمع ص ١٢٨. شرح المفردات: صرمتك: أي قطعت حبل ودك، ويروى \"هجرتك\".\n(٩) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.","vol":"5","page":211},{"text":"قال المراغي: أي \" والتاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم\" (١).\nقال الشوكاني: \" فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعا يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافرًا، والكافر بالله هو الظالم المعتدي الذي يستحق العقاب\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]؛ وأخبر النبي ﷺ: أن أعظم الظلم أن تجعل لله ندًا وهو خلقك (٤) (٥).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وجهين (٦):\nالأول: قيل: \" أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون، وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد\" (٧).\nقال الزمخشري: \" أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال ﴿وَالْكافِرُونَ﴾ للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ \" (٨).\nالثاني: وقيل: \"يحتمل أن يكون المعنى: والكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأموال في غير مواضعها. فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم في أن لا تنفقوا فتضعوا أموالكم في غير مواضعها\" (٩).\nقال القاسمي: \" وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات، قبل فواتها بهجوم ما يخشى معه الفوت، من موت أو غيره\" (١٠).\nوقد روي ابن ابي حاتم بسنده \"عن عطاء بن دينار، أنه قال: الحمد لله الذي قال ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، ولم يقل: الظالمون هم الكافرون\" (١١).\nوروي \"عن الجعفي يقول: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ قال: الكافرون بالنعم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، حيث صدرها بالنداء.\n٢ - ومنها: أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلًا؛ المؤمن جواد بعلمه؛ جواد بجاهه؛ جواد بماله؛ جواد ببدنه.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٤٨٥.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٤٥.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٣٦٧، كتاب تفسير القرآن، ٢ سورة البقرة، باب ٣: قوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون)، حديث رقم ٤٤٧٧، وأخرجه مسلم ص ٦٩٣، كتاب الإيمان، باب ٣٧: بيان كون الشرك أقبح الذنوب ...، حديث رقم ٢٥٧ [١٤١] ٨٦.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٦) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ١٨٩.\n(٧) محاسن اتأويل: ٢/ ١٨٩.\n(٨) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٩.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٩.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٩.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٦٧): ص ٢/ ٤٨٥.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٦٨): ص ٢/ ٤٨٦.","vol":"5","page":212},{"text":"٣ - ومنها: بيان منة الله علينا في الرزق؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ ثم للأمر بالإنفاق في سبيله، والإثابة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾.\n٤ - ومنها: التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه؛ الكسب سبب؛ لكن المسبِّب هو الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله، كما في قول القائل: إنما أوتيته على علم عندي.\n٥ - ومنها: الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له.\n٦ - ومنها: أن الميت إذا مات فكأنما قامت القيامة في حقه؛ لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ...﴾ إلخ.\n٧ - ومنها: أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله.\n٨ - ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأنه تعالى أعقب قوله: ﴿ولا شفاعة﴾ بقوله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨].\n٩ - ومنها: أن الكفر أعظم الظلم؛ ووجه الدلالة منه: حصر الظلم في الكافرين؛ وطريق الحصر هنا ضمير الفصل: ﴿هم﴾.\n١٠ - ومنها: أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم﴾؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله (ص) أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له» (١).\n١١ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا﴾، حيث أضاف الفعل إلى المنفقين؛ والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يفعل باختياره؛ وهذا القول يرد عليه السمع، والعقل - كما هو مقرر في كتب العقيدة -.\n١٢ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ لأننا نعلم أن رزق الله يأتي بالكسب؛ ويأتي بسبب لا كسب للإنسان فيه؛ فإذا أمطرت السماء وأنت عطشان، وشربت فهذا رزق لا كسب لك فيه، ولا اختيار، لكن إذا بعت، واشتريت، واكتسبت المال فهذا لك فيه كسب؛ والله ﷿ هو الذي أعطاك إياه؛ لو شاء الله لسلبك القدرة؛ ولو شاء لسلبك الإرادة؛ ولو شاء ما جلب لك الرزق.\n١٣ - ومنها: أن إنفاق جميع المال لا بأس به؛ وهذا على تقدير ﴿من﴾ بيانية؛ بشرط أن يكون الإنسان واثقًا من نفسه بالتكسب، وصِدق التوكل على الله.\nمسألة (١):\nظاهر الآية الكريمة أن الإنفاق مطلق في أي وجه من وجوه الخير؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد في آيات أُخر، مثل قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٦١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ وعلى هذا فيكون إطلاق الآية هنا مقيدًا بالآيات الأُخر التي تدل على أن الإنفاق المأمور به ما كان في سبيل الله - أي في شرعه -.\nمسألة (٢):\nظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقًا؛ وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذه الآية وبين النصوص الأخرى الدالة على إثبات الشفاعة في ذلك اليوم؛ فيقال: الجمع أن يحمل مطلق هذه الآية على المقيد بالنصوص الأخرى، ويقال؛ إن النصوص الأخرى دلت على أن هناك شفاعة؛ لكن لها ثلاثة شروط: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ وإذنه في الشفاعة.\nالقرآن\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٩٦٣، كتاب الوصية، باب ٣: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم ٤٢٢٣ [١٥] ١٦٣١.","vol":"5","page":213},{"text":"﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]\nالتفسير:\nالله الذي لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، الحيُّ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء، لا تأخذه سِنَة أي: نعاس، ولا نوم، كل ما في السماوات وما في الأرض ملك له، ولا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة، وما خلفهم من الأمور الماضية، ولا يَطَّلعُ أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه. وسع كرسيه السماوات والأرض، والكرسي: هو موضع قدمي الرب -ﷻ- ولا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه، ولا يثقله سبحانه حفظهما، وهو العلي بذاته وصفاته على جميع مخلوقاته، الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء. وهذه الآية أعظم آية في القرآن، وتسمى: آية الكرسي.\nوهذه الآية أعظم آية في كتاب الله\" وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات\" (١)، كما سأل النبي ﷺ أبيّ بن كعب، وقال: «أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر» (٢)؛ ولهذا من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جدًا (٣)، وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية سيد آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه \" (٤).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١١١.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٨٠٥، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ٤٤: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، حديث رقم ١٨٨٥ [٢٥٨] ٨١٠.\nوردت عدة أحاديث صحيحة تدل على أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم منها: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٥٣، والطبراني في المعجم الكبير: ٩/ ١٤٢ - ١٤٣ رقم: ٨٦٥٩، والبيهقي في شعب الإيمان: ٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم: ٢١٧٣: \"عن شُتَير بن شَكَل قال حدثنا عبد الله أن أعظم آية في كتاب الله﷿-: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ...﴾ إلى آخر الآية، فقال مسروق: صدقت\". واللفظ لسعيد، وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣٢٣ وقال: \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح\".\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٠.\n(٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥١) وعزاه للمصنف والترمذي ومحمد بن نصر وابن المنذر والحاكم والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧ رقم ٦٠١٩).\nوالحميدي في \"مسنده\" (٢/ ٤٣٧ رقم ٩٩٤).\nكلاهما عن سفيان، به، ولفظ عبد الرزاق نحوه، ولفظ الحميدي مثله، إلا أنه زاد في آخره: \"آية الكرسي\"، وهذه الزيادة عند عبد الرزاق أيضا.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٦٠ - ٥٦١) و(٢/ ٢٥٩) من طريق الحميدي.\nومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥/ ٣٢٧ رقم ٢١٧١).\nوأخرجه محمد بن نصر في \"قيام الليل\" (ص ١٥١ / المختصر) من طريق محمود ابن غيلان، عن سفيان، به نحوه.\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٣٧) من طريق إبراهيم بن بشار، عن سفيان به مثله، وزاد في آخره: \"الله لا إله إلا هو الحي القيوم\".\nوأخرجه الترمذي في \"سننه\" (٨/ ١٨١ رقم ٣٠٣٨) في فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي.\nوالحاكم في الموضعين السابقين من \"المستدرك\"، ومن طريقه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥/ ٣١٣ رقم ٢١٥٨)، كلاهما من طريق زائدة بن قدامة، عن حكيم، به بلفظ: \"لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة\"، زاد الترمذي: \"وفيها آية هي سيدة أي القرآن: آية الكرسي\".\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير لوهن في رواياته، إنما تركاه لغلوه في التشيع\"، ووافقه الذهبي، وتعقبهما الألباني؛ حيث ذكر الحديث في \"السلسلة الضعيفة\" (٣/ ٥٢٤ - ٥٢٥ رقم ١٣٤٨) وحكم عليه بالضعف، ثم ذكر كلام الحاكم، ثم تعقبه بقوله: \"ليس كما قال، وإن وافقه الذهبي في تلخيصه؛ فإن أقوال الأئمة فيه إنما تدل على أنهم تركوه لسوء حفظه وليس لفساد مذهبه ... \"، ثم ذكر بعض أقوال الأئمة فيه.\nوهناك ما يشهد لمعناه، عدا قوله: \"إن لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة\":\nفمن ذلك ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١/ ٥٦ رقم ٢٥٨) في صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، عن أبي بن كعب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \" قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ \" قال: قلت: الله لا إله إلا الله هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري، وقال: \"والله ليهنك العلم أبا المنذر\".\nوأخرج مسلم أيضا في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٩ رقم ٢١٢) في صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\".\nوأخرج البخاري في \"صحيحه\" (٩/ ٥٥ رقم ٥٠١٠) في فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، من حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان الذي كان يسرق من الزكاة التي وكله رسول الله - ﷺ - بها، وفيه يقول الشيطان: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لم يزل معك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي - ﷺ -: \"صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان\"","vol":"5","page":214},{"text":"قال القرطبي: \" هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية .. نزلت ليلا ودعا النبي ﷺ زيدا فكتبها\" (١).\nوفي مدى جواز تفاضل آي القرآن العظيم ومنه الأسماء الحسنى، قد بحث أرباب العلم والسادة الفقهاء هذه المسألة من جميع الوجوه، وكانت آراؤهم مختلفة كالآتي (٢):\nالقول الأول: رأي المجيزين للتفاضل بين الآيات وكذلك الاسماء الحسنى.\nأولًا: رأي أبي حامد الغزالي: ذهب أبو حامد الغزالي إلى اعتماد التفضيل وأن بعض الآيات أشرف من بعض مستدلًا على ذلك بما ذكرناه من أحاديث واردة في تفضيل بعض السور على بعض، يقول الغزالي: \"لعلك تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل القرآن على بعض والكل قول الله تعالى، فكيف يفارق بعضها بعضًا؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض، فاعلم: أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الجوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الأخبار على شرف بعض الآيات، وعلى تضعيف الأجر في بعض السور المنزلة\" (٣)، ثم ساق الغزالي الأدلة المبينة تفاضل السور والآيات، كما ذكرناها في المباحث الأولى من هذا البحث.\nوقال أيضًا: \"والأخبار الواردة في فضائل قوارع القرآن بتخصيص بعض الآيات والسور بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى قاطبة من كتب الحديث إن أردته\" (٤).\nثانيًا: رأى القاضي عياض: بعد أن ذكر ما ورد في تفضيل آية الكرسي قال: \"فيه حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله تعالى\" (٥).\nثالثًا: رأي العلامة القاسمي: بعد أن أورد فضائل سورة الفاتحة قال: \"واستدل بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض كما هو المحكي عن كثير من العلماء منهم إسحاق بن راهويه،\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٨.\n(٢) أنظر: الدر المنظم في اسم الله الأعظم، دراسة وتحقيق: د. جابر بن ايد السميري (بحث منشور في الشبكة الألكترونية).\n(٣) جواهر القرآن ودرره للغزالي، ص ٣٧، وانظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٩.\n(٤) جواهر القرآن، ص ٣٨، وانظر: تفسير القرطبي ١/ ١٢٦.\n(٥) شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٩٣ - ٩٤، وانظر: فتح الباري ٩/ ٥٤، ٦٥.","vol":"5","page":215},{"text":"وأبو بكر بن العربي، وابن الحصار من المالكية وذلك بيّن واضح\" (١)، ويقصد بقوله: بيّن واضح من خلال الأخبار الصحيحة الواردة في هذا المجال.\nرابعًا: رأي الإمام القرطبي: بعد أن ذكر الاختلاف قال: \"وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودًا مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وما كان مثلها، والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق\" (٢).\nإذًا هذا التفضيل الذي ذهب إليه القرطبي بالنظر إلى ما تضمنته هذه السور والآيات من المعاني والأصول لا من ناحية الأجر والثواب فقط كما ذهب إليه الطرف الآخر، وذكر القرطبي أن هذا الاختيار هو اختيار مجموعة من العلماء كالقاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار لما ورد من أخبار في هذا المجال حتى قال ابن الحصار: \"عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص\" (٣)، ونقل عن ابن العربي قوله: \"ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها – الفاتحة – وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها؛ لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل، صار أفضل الكل؛ كقولك زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس، وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها؛ حتى قيل: إن جميع القرآن فيها ... وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم ... وهي تضمنت التوحيد والعبادة\" (٤).\nخامسًا: رأي ابن تيمية: أفرد ابن تيمية لهذه المسألة ومتعلقاتها كتابًا خاصًا سماه (جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الله من أن \"قل هو الله أحد\" تعدل ثلث القرآن)، حيث دلل على ما ذهب إليه من جواز التفضيل بالأدلة الكثيرة ورد على من ينفي ذلك وأنه يعارض بنفيه جميع الأدلة الشرعية المؤيدة للتفاضل فقال: \"وفي الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة المشهورة\" (٥)، ثم يذهب يبين في أي شيء يحصل التفاضل فيقول: \"فمعلوم أن الكلام له نسبتان، نسبة إلى المتكلم فيه، فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضًا ... \"فقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب كلاهما كلام الله وهما مشتركان في هذه الجهة، ولكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه: فهذا كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه، وهذا كلام الله الذي يتكلم عن بعض خلقه، ويخبر به عنه ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين ... \" (٦)، ثم تابع شرحه لما ذهب إليه قائلًا: \"فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى، كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان هذا كلامًا عظيمًا معظمًا يكلم الله به ... \" (٧)، ونسب إلى السلف الصالح القول بالتفاضل فقال: \"والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم\" (٨).\n_________\n(١) تفسير القاسمي ١/ ٢٣٩، وانظر: مجموع الفتاوى، ١٧/ ٥٦، ٧٣، ٧٦، ٧٧.\n(٢) تفسير القرطبي ١/ ١٢٧، وانظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي ١/ ٤٤٠.\n(٣) تفسير القرطبي ١/ ١٢٧، وانظر: تفسير القاسمي ١/ ٢٤٠.\n(٤) تفسير القرطبي ١/ ١٢٧، وانظر: فتح الباري ١١/ ٩٨، ٩٩، والإتقان للسيوطي، وشرح صحيح مسلم ٦/ ٩٣ - ٩٤، وزاد المعاد ١/ ١٢٠.\n(٥) جواب أهل العلم والإيمان، ص ٧١، وانظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٦.\n(٦) جواب أهل الإيمان، ص ٧٢، وانظر: شفاء العليل لابن القيم، ص ٨٥.\n(٧) جواب أهل الإيمان، ص ٧٢، وانظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ١٠.\n(٨) جواب أهل الإيمان، ص ٣١، وانظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٧٠، وانظر: شفاء العليل لابن القيم، ص ٥٨٤.","vol":"5","page":216},{"text":"القول الثاني: آراء الرافضين لمسألة التفضيل بين سور وآي القرآن الكريم وأدلتهم:\nذكر الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي مسألة التفضيل فقال: \"وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو حاتم ابن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما ... احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه\" (١).\nونقل عن ابن حبان قوله: \"أعظم سورة، أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض\" (٢).\nوقال النووي: \"وفي التفضيل خلاف للعلماء فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والعلماء لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله نقص به وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل\" (٣).\nوالراجح في هذه المسألة-والله أعلم-، ثبوت التفضيل لما جاء من الأخبار الصحيحة فيه وأن التفضيل يكون في التفاوت في المعاني ولا مانع أن يكون في زيادة الثواب، أما ما ذهب إليه المانعون من التفضيل خوفًا من دخول النقصان على القرآن فلا معنى له؛ لأن الجميع متفق على أن السور والآيات كلام الله فهو من هذا الجانب لا يتفاضل كما قال ابن تيمية وغيره، ولكن من ناحية المعاني فلا يخفى على أحد كما قال عز الدين بن عبد السلام: \"كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره فـ \"قل هو الله أحد\" أفضل من ﴿تب يدا أبي لهب﴾ \" (٤)، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي للأدلة الصريحة وقال: \"إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم مقتضاها، فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته\" (٥).\nبل ربما يكون منع التفاضل إنكار لموجب النصوص الشرعية، فإن المثبت لهذه المفاضلة معتصم بالكتاب والسنة، وأما النافي فليس معه آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله - ﷺ - وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه، ومنازعه يبين أن العقل إنما دل على نقيضه، وأن خطأه معلوم بصريح المعقول، كما هو معلوم بصحيح المنقول (٦).\nبل إذا نظرت في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال ابن تيمية: \"فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى، فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى، وأيضًا فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله، مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، \" أي: ما إله إلا هو\" (٨).\nقال جابر بن زيد: \"اسم الله الأعظم هو: الله\" (٩).\nوقال ابن عباس: \" ﴿لا إله إلا هو﴾: توحيده\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" أي: لا معبود بحق إلا هو\" (١١).\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٨، وانظر: إيثار الحق، ص ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٨.\n(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٩٣.\n(٤) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٩.\n(٥) السابق ١/ ٤٤٢، وانظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٩٧.\n(٦) انظر: جواب أهل العلم والإيمان، ص ١٠٣، ١٥٩.\n(٧) السابق، ص ٢٨، وانظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٦ - ١٥.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٠.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٦٩): ص ٢/ ٤٨٦.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٧٠): ص ٢/ ٤٨٦.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٧١.","vol":"5","page":217},{"text":"قال ابن كثير: \" إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق\" (١).\nقال السيوطي\" يريد الذي ليس معه شريك فكل معبود من دونه فهو خلق من خلق لا يضرون ولا ينفعون ولا يملكون رزقا ولا حياة ولا نشورا\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"و﴿إله﴾ بمعنى مألوه؛ و«المألوه» بمعنى المعبود حبًا، وتعظيمًا؛ ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا الله ﷾؛ والآلهة المعبودة في الأرض، أو المعبودة وهي في السماء - كالملائكة - كلها لا تستحق العبادة؛ وهي تسمى آلهة؛ لكنها لا تستحق ذلك؛ الذي يستحقه رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢] (٣).\nقال السعدي: \" أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، \" أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا\" (٥).\nقال السيوطي: \"الذي لا يبلى\" (٦).\nعن الربيع قوله: \" ﴿الحي﴾، حي لا يموت\" (٧). وروي عن قتادة نحو ذلك (٨).\nقال السعدي: \" فالحي: من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة\" (٩).\nوقد ذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أربعة تأويلات (١٠):\nأحدها: أنه سمى نفسه حيًا لصَرْفِه الأمور مصارِفها، وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حي بالتقدير لا بحياة.\nوالثاني: أنه حي بحياة هي له صفة.\nوالثالث: أنه اسم من أسماء الله تَسَمَّى به، فقلناه تسليمًا لأمره.\nوالرابع: أن المراد بالحي: الباقي، قاله السدي (١١)، ومنه قول لبيد (١٢):\nفإمّا تَرَيْني اليَوْمَ عِندَكِ سالِمًا ... فَلستُ بأحْيا مِنْ كِلابٍ وجَعْفَرِ\nقوله تعالى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: \" القائم على كل شيء\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨.\n(٢) الدر المنثور: ٢/ ٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨.\n(٦) الدر المنثور: ٢/ ٩.\n(٧) أخرجه الطبري (٥٧٦٣): ص ٥/ ٣٨٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٥٧١): ص ٢/ ٤٨٦.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٧ وما بعدها، ونقلها الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٢٣.\n(١١) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧١، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٠٦، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٣.\n(١٢) ديوانه: ٤٤، والبيت وردت في كتب التفاسير بلفظ (إذا ما تَرَيَنِّي اليومَ أصْبَحْتُ سَالِمًا)، أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧١، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٠٦، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٣، وأضواء البيان: ٣/ ٤١٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٨.","vol":"5","page":218},{"text":"قال السيوطي: \" الذي لا يزول\" (١).\nقال ابن كثير: أي \" القيم لغيره .. فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون أمره كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] \" (٢).\nقال السعدي: \" القيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره\" (٣).\nوقال ابن عثيمين: ﴿القيوم﴾، أي: \"القائم على نفسه فلا يحتاج إلى أحد من خلقه؛ والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه\" (٤).\nوقرأ وابن مسعود وعلقمة وإبراهيم النخعي والأعمش: ﴿القَيَّام﴾ بالألف، وروي ذلك عن عمر (٥).\nقال الشوكاني: \" ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب واصح بناء وأثبت علة\" (٦).\nوقوله ﴿الْقَيُّومُ﴾ أصله (القيووم)، سبق عين الفعل، وهي (واو)، (ياء) ساكنة، فأدغمتا فصارتا (ياء) مشددة، وكذلك تفعل العرب في كل (واو) كانت للفعل عينا، سبقتها (ياء) ساكنة. ومعنى قوله: ﴿القيوم﴾، القائم برزق ما خلق وحفظه، كما قال أمية بن الصلت الثقفي (٧):\nلم تخلق السماء والنجوم ... والشمس معها قمر يعوم\nقدره المهيمن القيوم ... والجسر والجنة والجحيم\nإلا لأمر شأنه عظيم (٨).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وجوها (٩):\nالأول: القائم بتدبير خلقه، قاله الربيع (١٠)، وروي عن مجاهد (١١) وقتادة (١٢) والسدي (١٣) والضحاك (١٤)، نحو ذلك.\nالثاني: يعني القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم به، لا يخفى عليه شيء منه، قاله الحسن (١٥)، ونحوه عن مقاتل بن سليمان (١٦).\nالثالث: أنه الذي لا يزول ولا يحول، قاله ابن عباس (١٧) والحسن (١٨).\n_________\n(١) الدر المنثور: ٢/ ٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥١.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨، وفتح القدير: ١/ ٢٧١.\n(٦) فتح القدير: ١/ ٢٧١.\n(٧) ديوانه: ٥٧، والقرطبي ٣: ٢٧١، وتفسير أبي حيان ٢٥: ٢٧٧، والقرطبي (قمر يقوم)، وهو لا معنى له، والصواب (قمر يعوم)، عامت النجوم تعوم عوما: جرب، مثل قولهم: سبحت النجوم في الفلك تسبح سبحا.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٨ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٧٢): ص ٢/ ٤٨٦. واخرجه الطبري (٥٧٦٦): ص ٥/ ٣٨٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٧٣): ص ٢/ ٤٨٦. وأخرجه الطبري (٥٧٦٥): ص ٥/ ٣٨٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٧٤): ص ٢/ ٤٨٦.\n(١٣) أخرجه الطبري (٥٧٦٧): ص ٥/ ٣٨٨. قال: \" وهو القائم\". ونقل عنه القرطبي: أن معنى ﴿القيوم﴾، أي \"الحي الباقي\"، ثم استشهد له بقول لبيد [ديوانه: ٤٤]:\nفإما تريني اليوم أصبحت سالما ... فلست بأحيا من كلاب وجعفر\nأي: \"فلست بأبقى\". [أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧١، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٠٦، ورواية الديوان: فإمّا تَرَيْني اليَوْمَ عِندَكِ سالِمًا].\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٧٦٨): ص ٥/ ٣٨٩. قال: \"القائم الدائم\".\n(١٥) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧١. ونقل عبدالله بن حسن الأزهري ذلك عن سعيد بن جبير. انظر: [حاشية لقط الدرر بشرح متن نخبة الفكر: ١٤]، ونقل الماوردي عنه تفسير ﴿القيوم﴾ بمعنى \"القائم الوجود\". [انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٣].\n(١٦) أنظر: تفسيره: ١/ ٨٦.\n(١٧) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧١. نقل القرطبي عن ابن عباس هذا القول ومن ثم استشهد بأبيات أمية بن أبي الصلت السابق التي ذكرها الطبري، وعنده (قمر يقوم)، وهو لا معنى له، والصواب (قمر يعوم) / كما أن موطن الشاهد للأبيات عند الطبري هو للدلالة على أن معنى (القيوم) هو: \"القائم برزق ما خلق وحفظه\" [تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٨]، في حين أن القرطبي استشهد بالأبيات للدلالة على أن معناها: \": أنه الذي لا يزول ولا يحول\".\n(١٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥٧٥): ص ٢/ ٤٨٧.","vol":"5","page":219},{"text":"الرابع: أنه العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي هو عالم به (١).\nالخامس: وقيل: أنه اسم من أسماء الله، مأخوذ من الاستقامة (٢).\nوقد روي \"عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله -ﷺ- قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و﴿إلهكم إله واحد﴾ [فصلت: ٦] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، \"أي لا يعتريه نعاس، ولا نوم\" (٤).\nقال الطبري: \" لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم\" (٦).\nو(السِنَة): النعاس، قاله ابن عباس (٧) والحسن (٨) والضحاك (٩) وجوبير (١٠) والسدي (١١) والربيع (١٢) ورافع (١٣) وابن يد (١٤)، وهو قول الجمهور\" (١٥)، والمعنى: أنه-سبحانه-لا يغفل عن تدبير أمر الخلق (١٦).\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٣.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٤.\n(٣) اخرجه عبد بن حميد في المتحب (١٥٧٦): ص ٢/ ٤١٥. وإسناده ضعيف: فيه عبيد الله بن أبي زياد وهو ضعيف وشهر بن حوشب متكلم فيه. وأخرجه أبو داود حديث رقم \"١٤٩٦\"، ولفظه: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، والترمذي حديث رقم \"٣٤٧٨\" وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه حديث رقم \"٣٨٥٥\"، وأحمد \"٦/ ٤٦\" ولفظه عنده: عن أسماء بنت يزيد قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في هذين الآيتين: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ ﴿الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾: \"إن فيهما اسم الله الأعظم\"، والدارمي \"٢/ ٤٥٠\".\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥١.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٣٨٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨. وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\". [صحيح مسلم برقم (١٧٩)].\n(٧) أخرجه الطبري (٥٧٦٩): ص ٥/ ٣٩١.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧٧١): ص ٥/ ٣٩١.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٧٧٢): ص ٥/ ٣٩١.\n(١٠) أخرجه الطبري (٥٧٧٣): ص ٥/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٧٧٥): ص ٥/ ٣٩٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (٥٧٧٦): ص ٥/ ٣٩٢.\n(١٣) أخرجه الطبري (٥٧٧٧): ص ٥/ ٣٩٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٧٧٨): ص ٥/ ٣٩٢.\n(١٥) النكت والعيون: ١/ ٣٢٤، وانظر: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٢٧٢.\n(١٦) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٣/ ٧٨، الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٢١٤، لسان العرب لابن منظور: ٦/ ٤٨٣٩، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٣، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٣٧، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٦١، جامع البيان للطبري: ٥/ ٣٨٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٠٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٧٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٨٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٧١، الدر المصون للسمين.: ١/ ٦١٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٠٣، وغيرها.","vol":"5","page":220},{"text":"قال الماوردي: \"والنعاس ما كان في الرأس، فإذا صار في القلب صار نومًا، وفرَّق المفضل بينهما، فقال: السِّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه، قال عدي بن الرقاع (١):\nوسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم\" (٢)\nوذكر الطبري بأن (الوسن): خثورة النوم (٣) في عين الإنسان، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (٤):\nتعاطى الضجيع إذا أقبلت ... بعيد النعاس وقبل الوسن\nوقوله الآخر (٥):\nباكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال\nيعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه: \" وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان \"، إذا كان كذلك (٦).\n_________\n(١) من أبيات له في الشعر والشعراء: ٦٠٢، والأغانى ٩: ٣١١، ومجاز القرآن ١: ٧٨، واللسان (وسن) (رنق)، وفي جميعها مراجع كثيرة، وقبل البيت في ذكرها صاحبته \" أم القاسم \":\nوكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم\nوسنان أقصده النعاس .......... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nيصطاد يقظان الرجال حديثها ... وتطير بهجتها بروح الحالم\nوالجآذر بقر الوحش، وهي حسان العيون. وجاسم: موضع تكثر فيه الجآذر. و\" أقصده النعاس \" قتله النعاس وأماته. يقال: \" عضته حبة فإقصدته \"، أي قتلته على المكان - أي من فوره. و\" رفقت \" أي خالطت عينه. وأصله من ترنيق الماء، وهو تكديره بالطين حتى يغلب على الماء. وحسن أن يقال هو من ترنيق الطائر بجناحيه، وهو رفرفته إذا خفق بجناحيه في الهواء فثبت ولم يطر، وهذا المجازأعجب إلى في الشعر.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٣٢٤.\n(٣) الخثورة: نقيض الرقة، يقال: \" خثر اللبن والعسل ونحوهما \"، إذا ثقل وتجمع، والمجاز منه قولهم: \" فلان خاثر النفس \" أي ثقيلها، غير طيب ولا نشيط، قد فتر فتورا. واستعمله الطبري استعمالا بارعا، فجعل للنوم \" خثورة \"، وهي شدة الفتور، كأنه زالت رقته واستغلط فثقل، وهذا تعبير لم أجده قبله.\n(٤) ديوانه: ١٥، وهو يلي البيت الذي سلف ١: ٣٤٥، ٣٤٦، وفي ذكر نساء استمع بهن:\nإذا هن نازلن أقرانهن ... وكان المصاع بما في الجون\nتعاطى الضجيع ........... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nصريفية طيبا طعمها ... لها زبد بين كوب ودن\nوقوله \" تعاطى \" من قولهم للمرأة: \" هى تعاطى خلها \" أي صاحبها - أن تناوله قبلها وريقها.\nوقوله: \" أقبلت \"، هو عندي بمعنى: سامحت وطاوعت وانقادت، من \" القبول \" وهو الرضا. ولم يذكر ذلك أصحاب اللغة، ولكنه جيد في العربية، شبيه بقولهم: \" أسمحت \"، من السماح، إذا أسهلت وانقادت ووافقت ما يطلبه صاحبها. وذلك هو الجيد عندي. ليس من الإقبال على الشيء. بل من القبول. ويروي مكمان ذلك: \" إذا سامها \"، ورواية الديوان: \" بعيد الرقاد وعند الوسن \"\nوالصريفية: الخمر الطيبة، جعلها صريفية، لأنها أخذت من الدن ساعتئذ، كاللبن الصريف وهو اللبن الذي ينصرف من الضرع حارا إذا حلب. وفي الديون: \" صليفية \"، باللام، والصواب بالراء يقول: إذا انقادت لصاحبها بعيد رقادها، أو قبل وسنها، عاطته من ريقها خمرا صرفا تفور بالزبد بين الكوب والدن، ولم يمض وقت عليها فتفسد. يقول: ريفها هو الخمر، في يقظتها قبل الوسن - وذلك بدء فتور الفس وتغير الطباع - وبعد لومها، وقد تغيرت أفواه البشر واستكرهت روائحها ينفي عنها العيب في الحالين. وذلك قل أن يكون في النساء أو غيرهن.\n(٥) ديوانه: ٥، واللسان (غرب)، من قصيدة جليلة، أفضى فيها إلى ذكر صاحبته له يقول قبله:\nوكأن الخمر العتيق من الإسفنط ... ممزوجة بماء زلال باكرتها الأغراب ....................... ... ...............................\nالإسفنط: أجود أنواع الخمر وأغلاها. وباكرتها، أي في أول النهار مبادرة إليها.\nوالأغراب جمع غرب (بفتح فسكمون)، وهو القدح. والسيال: شجر سبط الأغصان، عليه شوك أبيض أصوله أمثال ثنايا اعذارى، وتشبه به أسنانهن يقول: إذا نامت لم يتغير طيب ثغرها، بل كأن الخمر تجرى بين ثناياها طيبة الشذا. وقوله: \" باكرتها الأغراب \"، وهو كفوله في الشعر السالف أنها \" صريفية \" أي أخذت من دنها لسعتها. يقول: ملئت الأقداح منها بكرة، يعنى تبادرت إليها الأقداح من دنها، وذلك أطيب لها.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٠ - ٣٩١.","vol":"5","page":221},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي \" له ملك جميع ما في السموات وما في الأرض، لا شريك له في ذلك\" (١).\nقال البغوي: \" ملكا وخلقا\" (٢).\nقال الصابوني\" أي جميع ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه\" (٣).\nقال الطبري: \"يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض\" (٥).\nقال ابن كثير: \" إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله:\n﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] \" (٦).\nقال ابن عطية: \" وجاءت العبارة بـ ﴿ما﴾، وإن كان في الجملة من يعقل، من حيث المراد الجملة والموجود\" (٧).\nقال أبو حيان: \" و: ﴿ما﴾، للعموم تشمل كل موجود، و: اللام، للملك أخبر تعالى أن مظروف السموات والأرض ملك له تعالى، وكرر: ما، للتوكيد. وكان ذكر المظروف هنا دون ذكر الظرف، لأن المقصود نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، لأن ما عبد من دون الله من الأجرام النيرة التي في السموات: كالشمس، والقمر، والشعرى؛ والأشخاص الأرضية: كالأصنام، وبعض بني آدم، كل منهم ملك لله تعالى، مربوب مخلوق\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: \"من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم\" (٩).\nقال السعدي: أي: \" لا أحد يشفع عنده بدون إذنه\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي: لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إِلا إِذا أذن له الله تعالى\" (١١).\nقال الطبري: \" وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى! فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" حتى أعظم الناس جاهًا عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي ﷺ يوم القيامة - وهو أعظم الناس جاهًا عند الله؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله لكمال سلطانه جلّ وعلا، وهيبته؛ وكلما كمل السلطان صار أهيب للملِك، وأعظم؛ حتى إن الناس لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم؛ وانظر وصف رسولِ قريشٍ النبي ﷺ مع أصحابه، حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا؛ كل ذلك من باب التعظيم\" (١٣). و(الشفاعة) في اللغة: مصدر من الشفع ضد الوتر (١٤)؛ وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة (١٥)؛ فشفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم بعدما يلحقهم من الهمّ، والغمّ ما لا يطيقون (١٦): شفاعة لدفع مضرة؛ وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة (١٧): شفاعة في جلب منفعة (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢١/ ٥٦١.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٣١٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢/ ١٩٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٥.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤١.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٥.\n(١٠) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٥.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(١٤) انظر: معجم مقاييس اللغة: (شفع): ٥١٠.\n(١٥) انظر: القول المفيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٤٣٣).\n(١٦) مسند أحمد (٩٣٤٠): ص ٢/ ٤٣٦. قال: \"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ فَدُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ لِمَ ذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ ﷿ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ﷿ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَ آدَمَ ﷺ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ ﵇ إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا ﷺ فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ نُوحٌ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ [ص: ٤٣٦] يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ فَذَكَرَ كَذِبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى ﵇ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قَالَ هَكَذَا هُوَ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَأَقُومُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَبْوَابِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى\".\n(١٧) قال مسلم (٢٩٧): ص ١/ ١٨٨: \" وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ\".\n(١٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٢.","vol":"5","page":222},{"text":"قال القرطبي: \" وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى؛ كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] \" (١).\nوقال ابن عطية: \"والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعماله صالحة\" (٢).\nقال الشوكاني: \" ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من عباده يقدر على أن ينفع أحدا منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم مالا يقادر قدره ولا يبلغ مداه\" (٣).\nقال أبو حيان: \" والإذن هنا معناه الأمر، كما ورد: إشفع تشفع، أو العلم أو التمكين إن شفع أحد بلا أمر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني: \"أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه\" (٥)\nقال الحجاي: \"العالم وحده بالخفيات يعلم الكليات والجزئيات\" (٦).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وجوها (٧):\nأحدهما: ما بين أيديهم: هو ما قبل خلقهم، وما خلفهم: هو ما بعد موتهم.\nالثاني: ما بين أيديهم: هو الدنيا، وما خلفهم: الآخرة. قاله الحكم (٨) وروي نحوه عن ابن مجاهد (٩) وجريج (١٠) والسدي (١١).\nالثالث: ما بين أيديهم: ما أظهروه، وما خلفهم: ما كتموه.\nالرابع: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي المستقبل؛ ﴿وما خلفهم﴾ أي الماضي، قاله الشيخ ابن عثيمين (١٢).\nقال أبو حيان: \" والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات وكنى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به، كما تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، وأنت تعني بذلك جميع جسده، واستعيرت الجهات لأحوال المعلومات، فالمعنى أنه تعالى عالم بسائر أحوال المخلوقات، لا يعزب عنه شيء، فلا يراد بما بين الأيدي ولا بما خلفهم شيء معين. كما ذهبوا إليه\" (١٣).\nقال السعدي: \" فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤١.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٢٧٢.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٦.\n(٦) التفسير الواضح: ١/ ١٦٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧٨١): ص ٥/ ٣٩٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٧٨٢): ص ٥/ ٣٩٦.\n(١٠) أخرجه الطبري (٥٧٨٣): ص ٥/ ٣٩٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٧٨٤): ص ٥/ ٣٩٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٣. ثم قال: \" وقد قيل بعكس هذا القول؛ ولكنه بعيد؛ فاللفظ لا يساعد عليه\".\n(١٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.\n(١٤) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.","vol":"5","page":223},{"text":"قال ابن عثيمين: \" و«العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله ﷿ يعلم الأشياء علمًا تامًا شاملًا لها جملة، وتفصيلًا؛ وعلمه ليس كعلم العباد\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: \" لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه\" (٢).\nعن السدي: \" ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، يقول: لا يعلمون بشيء من علمه \" إلا بما شاء \"، هو أن يعلمهم\" (٣).\nقال الشوكاني: \" والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته\" (٤).\nقال القاسمي: \" الإحاطة تقتضي الحفوف بالشيء من جميع جهاته، والاشتمال عليه، والعلم هنا المعلوم لأن علم الله الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، كما جاء في حديث موسى والخضر: \"ما نقص علمي وعلمك من علمه إلاّ كما نقص هذا العصفور من هذا البحر\" (٥)، والاستثناء يدل على أن المراد بالعلم المعلومات، وقالوا: اللهم اغفر علمك فينا، أي معلومك، والمعنى: لا يعلمون من الغيب الذي هو معلوم الله شيئًا إلاّ ما شاء أن يُعلمهم، قاله الكلبي. وقال الزجاج: إلا بما أنبأ به الأنبياء تثبيتًا لنبوتّهم\" (٦).\nقال الطبري: \" أنه العالم الذي لا يخفي عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه، فأراد فعلمه، وإنما يعني بذلك: أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم؟ ! يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها، يعلمها، لا يخفي عليه صغيرها وكبيرها\" (٧).\nوقد ذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثلاثة معاني (٨):\nالمعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله ﷾ من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه.\nالمعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه.\nالمعنى الثالث: وقيل: إلا بما أنبأ الأنبياء تثبيتا لنبوتهم (٩).\nوقوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإن ﴿ما﴾ يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفًا؛ والتقدير: إلا بما شاءه (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤١.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٧٨٦): ص ٥/ ٣٩٧.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢٧٢.\n(٥) صحيح البخاري (١٢٢): ص ١/ ٥٧. من حديث أبي بن كعب.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(٨) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٣، وتفسير أبي المظفر السمعاني: ٢/ ٣٩٤، والوسيط: ١/ ٣٦٨، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٢، وتفسير العز بن عبالسلام: ١/ ٣٣١.\n(٩) أنظر: تفسير أبي المظفر السمعاني: ٢/ ٣٩٤، والوسيط: ١/ ٣٦٨، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٢.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤.","vol":"5","page":225},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني: شمل، وأحاط\" (١)، كرسيه السماوات والأرض.\nقال الشوكاني: \" (الكرسي) الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة وأخطئوا في ذلك خطأ بينا وغلطوا غلطا فاحشا، وقال بعض السلف إن الكرسي هنا عبارة عن العلم، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ... والحق القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطا واسعا\" (٢).\nقال ابن عاشور: \" والجمهور قالوا: إن الكرسي مخلوق عظيم، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته\" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في (الكرسي) الذي وصفه الله تعالى بأنه وسع السماوات والأرض، وذكروا فيه أوجها (٤):\nالاول: أنه علم الله، قاله ابن عباس (٥). ورجحه الطبري (٦).\nالثاني: ملك الله، أي: \": وسع ملكه، تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك\" (٧).\nالثالث: أنه العرش نفسه، قاله الحسن (٨). قال القاسمي: \" وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيّها مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨]، فالعرش والكرسيّ هما شيء واحد وإنما سماه هنا. كرسيّا، إعلاما باسم له آخر\" (٩).\nواختاره ابن عاشور، قائلا: \" وهذا هو الظاهر لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية وتكرر ذكر العرش، ولم يرد ذكرهما مقترنين، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم [المؤمنون: ٨٦] \" (١٠).\nالرابع: عظمة الله. اختاره القفال قائلا: \"المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله تعالى وكبريائه وتعزيزه، خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم\" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٤.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٢.\n(٣) التحرير والتنوير: ٣/ ٢٣.\n(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٦، وتفسير الطبري: ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(٥) أخرجه الطبري (٥٧٨٧): ص ٥/ ٣٩٧، وانظر: المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٩٣، حديث رقم ١٢٤٠٤؛ وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٦)؛ وراجع مستدرك الحاكم ٢/ ٢٨٢، كتاب التفسير، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nوفي سند هذا القول ضعفا قال ابن منده: \"وهذا حديث مشهور عن مطرِّف عن جعفر بن أبي المغيرة لم يتابعْ عليه\"اهـ، وقال أيضا: \"ورواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسيُّ علمه ولم يتابَع عليه جعفرٌ وليس هو بالقويّ في سعيد بن جُبير\"اهـ. الردّ على الجهمية: ١/ ٢١، وينظر: ميزان الاعتدال: ١/ ٤١٧ ترجمة جعفر بن أبي المغيرة، والسنة لعبد الله بن أحمد: ٢/ ٥٠٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١.\n(٧) تفسير الكشاف/ ١/ ٣٠١.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٧٩٥): ص ٥/ ٣٩٩.\nوممن رجح أنّ المراد بالكرسي العرش: الزجاج: ١/ ٢٨٨ وابن الأنباري إذ يقول: \" الذي نذهب إليه ونختاره: القول الأول؛ لموافقته الآثار، ومذاهب العرب، والذي يحكى عن ابن عباس: أَنَّه عِلْمُه، إنما يروى بإسناد مطعون وقيل إن كرسيه قًدْرَتَهُ التي بها يُمسك السماوات والأرض، من قولهم: اِجْعَلْ لهذا الحائطِ كرسيًا، أي: اِجعَلْ له ما يعمِدُه ليمسكه حكاه الزجاج وغيره\". وينظر: تهذيب اللغة ولسان العرب: (كرس) والقرطبي: ٣/ ٢٧٧ ومجموع الفتاوى: ٦/ ٥٨٤ والعلو للذهبي: ص ١١٧ وعمدة القاري: ١٨/ ١٢٦.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٢.\n(١٠) التحرير والتنوير: ٣/ ٢٣.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.","vol":"5","page":226},{"text":"الخامس: أنه: موضع القدمين. قاله ابن عباس (١)، أبو موسى (٢) والسدي (٣) والضحاك (٤) ومسلم البطين (٥)، وقالوا بأن الكرسي هو موضع القدمين، \"لأن الجالس على عرش يكون مرتفعا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربع\" (٦).\nقال الطبري: \" ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله ﷺ حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي ﷺ، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، إذا ركب، من ثقله \" (٧) \" (٨).\nثم قال: \" وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: \" هو علمه \" (٩)، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ \" (١٠).\nوقد ذكر العلماء بأن أصل الكرسي (العلم)، ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب: كراسة، قال أبو ذؤيب:\nمالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... ولا بكرسيّ عليم الغيب مخلوق\n_________\n(١) راجع المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٩٣، حديث رقم ١٢٤٠٤؛ وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٦)؛ وراجع مستدرك الحاكم ٢/ ٢٨٢، كتاب التفسير، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nقال ابن عثيمين: \" و«الكرسي» هو موضع قدمي الله ﷿؛ وهو بين يدي العرش كالمقدمة له؛ وقد صح ذلك عن ابن عباس موقوفًا، ومثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه؛ وما قيل من أن ابن عباس ﵄ يأخذ عن بني إسرائيل فلا صحة له؛ بل الذي صح عنه في البخاري [راجع البخاري ص ٦١٢ – ٦١٣، كتاب الاعتصام بالسنة، باب ٢٥: قول النبي ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\"، حديث رقم ٧٣٦٣]، أنه كان ينهى عن الأخذ عن بني إسرائيل\". [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٤].\n(٢) أخرجه الطبري (٥٧٨٩): ص ٥/ ٣٩٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٧٩٠): ص ٥/ ٣٩٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٧٩١): ص ٥/ ٣٩٨.\n(٥) أخرجه الطبري: (٥٧٩٢): ص ٥/ ٣٩٨.\n(٦) التحرير والتنوير: ٣/ ٢٣.\n(٧) أخرجه الطبري موقوفا (٥٧٩٦): ص ٥/ ٤٠٠. رواه أبو داود في كتاب السنة من سنته (رقم: ٤٧٢٦).\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٠.\n(٩) قال الشيخ محمود شاكر محقق تفسير الطبري، معلقا على قول الطبري: \" العجب لأبي جعفر، كيف تناقض قوله في هذا الموضع! فإنه بدأ فقال: إن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، من الحديث في صفة الكرسي، ثم عاد في هذا الموضع يقول: وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن، فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه. فإما هذا وإما هذا، وغير ممكن أن يكون أولى التأويلات في معنى \" الكرسي \" هو الذي جاء في الحديث الأول، ويكون معناه أيضًا \" العلم \"، كما زعم أنه دل على صحته ظاهر القرآن. وكيف يجمع في تأويل واحد، معنيان مختلفان في الصفة والجوهر! ! .... \" [تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١].\nقلت: لا تناقض في كلام الإمام الطبري، فهو قال: أنّ الأولى الأخذ بما دلّ عليه الحديث، ثم بيّن أن السياق القرآني عنده دلّ على ترجيح القول الآخر، والترجيح بالسياق لا يتعارض مع الترجيح بالحديث هنا، إذ ليس في صحيح الحديث هنا أنّ النبي ﷺ فسّر المراد بالكرسي في الآية ولا فسره بعلم الله أو العرش، ف الطبري يثبت الكرسي على ماجاء به الأثر بغض النظر عما إذا كان هو المراد بهذه الاية.\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١ - ٤٠٢.","vol":"5","page":227},{"text":"وقول الراجز (١):\nحتى إذا ما احتازها تكرسا\nيعني علم.\nوقيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض، لأنهم الذين بهم تصلح الأرض، قال الشاعر (٢):\nيحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية ... كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ\nأي علماء بحوادث الأمور، ونوازلها (٣).\nقال الطبري: \". والعرب تسمي أصل كل شيء \" الكرس \"، يقال منه: \" فلان كريم الكرس \"، أي كريم الأصل، قال العجاج (٤):\nقد علم القدوس مولى القدس ... أن أبا العباس أولى نفس\nبمعدن الملك الكريم الكِرْس\nيعني بذلك: الكريم الأصل، ويروى: في معدن العز الكريم الكِرْس\" (٥)\nقال الماوردي: \"فدلت هذه الشواهد، على أن أصح تأويلاته، ما قاله ابن عباس، أنه علم الله تعالى\" (٦).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" فأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله ﷿؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وأئمة التحقيق؛ وقد قيل: إن «الكرسي» هو العرش؛ ولكن ليس بصحيح؛ فإن «العرش» أعظم، وأوسع، وأبلغ إحاطة من الكرسي؛ وروي عن ابن عباس أن ﴿كرسيه﴾: علمه؛ ولكن هذه الرواية أظنها لا تصح عن ابن عباس (٧)؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى لهذه الكلمة في اللغة العربية، ولا في الحقيقة الشرعية؛ فهو بعيد جدًا من أن يصح عن ابن عباس ﵄؛ فالكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» (٨)؛ وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا\n_________\n(١) لم أتعرف على الراجز، وقوله: احتازها، أي حازها وضمها إلى نفسه. ولا أدرى إلى أي شيء يعود الضمير: إلى القانص أم إلى كلبه؟ والاستدلال بهذا الرجز على أنه يعنى بقوله: \" تكرس \"، علم، لا دليل عليه، حتى نجد سائر الشعر، ولم يذكره أحد من أصحاب اللغة.\n(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري: ٥/ ٤٠٢، والماوردي: ١/ ٣٢٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١ - ٤٠٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٤) ديوانه: ٧٨، واللسان (قدس) (كرس). و\" القدس \" هو الله - سبحانه الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص. والقدس. ومولاها: ربها. وقد سلف تفسير معنى \" القدس \" و\" القدس \" في هذا التفسير ١: ٤٧٥، ٤٧٦/ ٢: ٣٢٢، ٣٢٣. و\" أبو العباس \" هو أبو العباس السفاح، الخليفة العباسي. وروى صاحب اللسان \" القديم الكرس \"، و\" المعدن \" (بفتح الميم وكسر الدال): مكان كل شيء وأصله الثابت، ومنه: \" معدن الذهب والفضة \"، وهو الموضع الذي ينبت الل فيه الذهب والفضة، ثم تستخرج منه، وهو المسمى في زماننا \" المنجم \". يقول: أبو العباس أولى نفس بالخلافة، الثابتة الأصل الكريمته.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري ٥/ ٣٩٧ – ٣٩٨، القول في تأويل قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض)، حديث رقم ٥٧٨٧ – ٥٧٨٨؛ ذكر ابن أبي العز أن المحفوظ عن ابن عباس أن الكرسي هو موضع القدمين (شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧١) وذكر شعيب الأرناؤوط: أن أثر ابن عباس في تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين أصح إسنادًا (شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧١، حاشية رقم ١)، وذكر محمود شاكر أنه إذا كان أثر ابن عباس في تفسير الكرسي بالعلم صحيح الإسناد فإن الخبر الآخر صحيح على شرط الشيخين (تفسير الطبري ٥/ ٤٠١، حاشية رقم ١).\n(٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه ١/ ٢٨٧، باب ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ ...، حديث رقم ٣٦٢؛ وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال أبو حاتم وأبو زرعة: كذاب، وقال علي بن الجنيد: صدق أبو حاتم ينبغي أن لا يحدث عنه (ميزان الاعتدال ١/ ٧٣)؛ وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٣٩٩، تحقيق أحمد شاكر وفي سنده ابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي: قال البخاري: ضعفه عليّ جدًا، وقال النسائي وأحمد ويحيى: ضعيف (ميزان الاعتدال ٢/ ٥٦٤؛ وقال شعيب في تخريج شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧٠، ٣٧١) ضعيف.","vol":"5","page":228},{"text":"من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله ﷿: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ [ق: ٦]؛ ولم يقل: أفلم ينظروا إلى الكرسي؛ أو إلى العرش؛ لأن ذلك ليس مرئيًا لنا؛ ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به\" (١).\nقلت: إن (الكرسيّ) باتّفاق علماء أهل السنّة هو جَرْم مخلوق غير العرش، خلافا لمن قال إنّه العرش نفسه، والمشهور في تفسير (الكرسيّ) أنه موضع القدمين، وهو قول السلف لم يثبت خلافه عنهم بسند صحيح، الا في رواية لجعفر بن أبي المغيرة عن ابن عباس لم يتابع عليه على ذلك أحد، كما أن علم الله تعالى قد وسع كل شيء فلا يصح قصره على السماوات والارض، والخلاصة أن على العبد أن يؤمن بصفات الله تعالى دون تأويل ولا تعطيل ويمرها كما جاءت بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا يجوز أن يخوض أحد في كيفيّة ذلك كما هو مقرّر في أصول اعتقاد أهل السنّة، وأما التنطع في إثبات ما لم يرد به الكتاب والسنة فالواجب تركه. والله تعالى أعلم (٢).\nوقوله تعالى ﴿وَسِعَ﴾ [البقرة ٢٥٥]، قرأ الجمهور ﴿وَسِعَ﴾، بكسر (السين)، وقراء شاذا بسكونها (وَسْعَ)، وقراء أيضًا شاذا (٣) (وسْعُ) بسكونها وضم العين (٤)، وقراء أيضا: \" ﴿وَسْعُ كرسيه﴾ بفتح الواو وسكون السين ورفع العين على الابتداء\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: \" ولا يثقل عليه حفظ السموات والأرض\" (٦).\nقال الصابوني: \"أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما\" (٧).\nقال ابن عباس: \" لا يثقل عليه حفظهما\" (٨). وروي نحو ذلك عن قتادة (٩) والحسن (١٠) والضحاك (١١)، وعبدالرحمن المديني (١٢)، ومجاهد (١٣)، والسدي (١٤)، والربع (١٥)، وابن زيد (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(٢) قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: \" هذه الأحاديث التي يقول فيها: ضحك ربنا من قنوط عباده وقرْب غِيَره، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك قدمه فيها، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حق، حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها \". [رواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ١٩٨)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٤٩)].\nوقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: \"وأما من حرَّف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧]، وقوله ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]؟ أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية، وكان ملكه على الماء ويكون موسى ﵇ آخذا بقائمة من قوائم المُلْك؟ هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول.\nوأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقد قيل: هو العرش، والصحيح: أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره\" [شرح العقيدة الطحاوية \" ص ٣١٢، ٣١٣].\n(٣) وهي قراءة يعقوب الحضرمي. [النكت والعيون: ١/ ٣٢٦].\n(٤) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.\n(٥) الدر المصون: ٢/ ٥٤٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٨) أخرجه الطبري (٥٨٠٠): ص ٥/ ٤٠٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٥٨٠١): ص ٥/ ٤٠٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (٥٨٠٢): ص ٥/ ٤٠٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٨٠٤): ص ٥/ ٤٠٤.\n(١٢) أخرجه الطبري (٥٨٠٦): ص ٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٥٨٠٧): ص ٥/ ٤٠٥\n(١٤) أخرجه الطبري (٥٨٠٨): ص ٥/ ٤٠٥.\n(١٥) أخرجه الطبري (٥٨٠٩): ص ٥/ ٤٠٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (٥٨١٠): ص ٥/ ٤٠٥.","vol":"5","page":229},{"text":"قال الطبري: \" ولا يشق عليه ولا يثقله\" (١).\nقال السيوطي\" \"ولا يفوته شيء مما في السموات والأرض\" (٢).\nقال ابن حجر: \" أي: ولا يثقله، يقال: آده يؤوده إذا أثقله\" (٣).\nقال القاسمي: \" ﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾ أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: آده الأمر أودا وأوودا (كقعود) بلغ منه المجهود والمشقة حِفْظُهُما أي السموات والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد\" (٤).\nقال أبو حيان: \" قرأ الجمهور: يؤوده بالهمز، وقراء شاذًا بالحذف، كما حذفت همزة أناس، وقراء أيضًا: يووده، بواو منضمومة على البدل من الهمزة\" (٥).\nوقد ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] وجوها (٦):\nالأول: لا يثقله حفظهما، وهو قول الجمهور (٧).\nالثاني: لا يتعاظمه حفظهما، حكاه أبان بن تغلب (٨). وأنشد (٩):\nألا بكِّ سلمى اليوم بت جديدها ... وضَنّت وما كان النوال يؤودها\nالثالث: وقيل: \"لا يشغله حفظ السموات عن حفظ الأرضين، ولا حفظ الأرضين عن حفظ السموات\" (١٠).\nواختلفوا في الكناية بـ (الهاء) في قوله تعالى ﴿يَئُودُهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى ماذا تعود؟ على قولين (١١):\nأحدهما: إلى اسم الله، وتقديره ولا يُثقل الله حفظ السموات والأرض.\nوالثاني: تعود إلى الكرسي، وتقديره ولا يثقل الكرسيَّ حفظهما.\nقال أبو حيان: \" والظاهر الأول لتكون الضمائر متناسبة لواحد ولا تختلف، ولبعد نسبة الحفظ إلى الكرسي\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني\" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته\" (١٣).\nقال المراغي: \" أي: وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه\" (١٤)\nقال ابن عثيمين: \" أي: ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء\" (١٥).\nوقد ذكر أهل التفسير في معنى قوله ﴿الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: ٣٥٥]، ثلاثة أقوال (١٦):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٣.\n(٢) الدر المنثور: ٢/ ١٠.\n(٣) الهدي: ٧٧،\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٢.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.\n(٦) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.\n(٧) انظر: هذا التفسير في: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٣، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٣٨، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٦٦، جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٠٣، تهذيب اللغة للأزهري: ١٤/ ٢٢٧، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ١٥٥، لسان العرب لابن منظور: ١/ ١٦٨، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٣ ب، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٧٩، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٢٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٠٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٨٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢٧٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٧٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٦١٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٠٤، وغيرها.\n(٨) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.\n(٩) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٢٦.\n(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٦، والبحر المحيط: ٢/ ٢٠٩.\n(١٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٥.\n(١٤) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٠.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٥٦.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٦.","vol":"5","page":230},{"text":"الأول: العلي بالاقتدار ونفوذ السلطان.\nقال ابن عطية: \" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز\" (١).\nقال النسفي: \"العلي \" في ملكه وسلطانه\" (٢).\nالثاني: العلي عن الأشباه والأمثال.\nقال الطبري: وهؤلاء \"أنكروا أن يكون معنى ذلك: وهو العلي المكان، وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلو المكان، لأن ذلك وصفه بأنه في مكان دون مكان\" (٣).\nالثالث: وقيل: \"العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه أن لا يحكى\" (٥).\nقال الشوكاني: \" والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف والنزاع فيه كائن بينهم والأدلة من الكتاب والسنة معروفة ولكن الناشئ على مذهب يرى غيره خارجا عن الشرع ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها والكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل ويتبين به الصحيح من الفاسد، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١]، ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، وقال الشاعر (٦):\nفلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر (٧)\nيعني غلبناهم وقهرناهم واستولينا عليهم.\nقال الماوردي: \"وفي الفرق بين العلي والعالي، وجهان محتملان (٨):\nأحدهما: أن العالي هو الموجود في محل العلو، والعلي هو مستحق العلو.\nوالثاني: أن العالي هو الذي يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، والعلي هو الذي لا يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، فعلى هذا الوجه، يجوز أن نصف الله بالعليّ، ولا يجوز أن نصفه بالعالي، وعلى الوجه الأول يجوز أن نصفه بهما جميعًا \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني\" عظيم القدر والخطر والشرف\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" ﴿العظيم﴾، الذي قد كمل في عظمته\" (١١).\nقال الطبري: \" ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه\" (١٢).\nقال القاسمي: \" أي أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي: ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته\" (١٤).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٢.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ١٤٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٢.\n(٦) لم أتعرف على قائئله، والبيت من شواهد فتح القدير: ١/ ٢٧٢، ومجمع البيان: ١/ ٧١.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٧٢.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٦.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٢٦.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٩.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٨١١): ص ٥/ ٤٠٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٥.\n(١٣) محاسن التأويل: ١/ ١٩٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٦.","vol":"5","page":231},{"text":"قال السعدي: \" الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء\" (١).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وذكروا فيه ثلاثة أوجه (٢):\nالأول: قالوا: ﴿العظيم﴾، معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه.\nأي: أن معنى ﴿العظيم﴾ في هذا الموضع: المعظم، صرف (المفعل) إلى (فعيل)، كما قيل للخمر المعتقة، خمر عتيق، كما قال الأعشى (٣):\nوكأن الخمر العتيق من الإس ... فنط ممزوجة بماء زلال\nقال ابن عطية: \" ﴿الْعَظِيمُ﴾ هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام\" (٤).\nالثاني: وقيل: ﴿العظيم﴾، هو أن له عظمة هي له صفة.\nوقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد، لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك، وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة الأولى، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه (معظم)، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال (٥).\nالثالث: وقال آخرون: \"بل قوله: إنه (العظيم) وصف منه نفسه بالعظم، وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي ﴿الله﴾؛ ﴿الحي﴾؛ ﴿القيوم﴾؛ ﴿العلي﴾؛ ﴿العظيم﴾؛ وما تضمنته من الصفات.\n٢ - ومنها: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾.\n٣ - ومنها: إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة.\n٤ - ومنها: إثبات صفة الحياة لله ﷿؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، كما قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ [الحديد: ٣]، وقال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧].\n٥ - ومنها: إثبات القيومية لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿القيوم﴾؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره: فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا؛ ونحن محتاجون إلى الأولاد، والأولاد يحتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى المال، والمال محتاج إلينا من جهة حفظه، وتنميته؛ والكل محتاج إلى الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]؛ وما من أحد يكون قائمًا على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣]؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٣) ديوانه: ٥، وقد مضى هذا البيت في تعليقنا آنفًا: ٣٩٠، تعليق: ٣. والزلال: الماء الصافى العذب البارد السائغ في الحلق.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٢.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٧.","vol":"5","page":232},{"text":"٦ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى غني عما سواه؛ وأن كل شيء مفتقر إليه تعالى؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧]، وقوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ [الحج: ٤٠]؛ فأثبت أنه يُنصر؟\nفالجواب: أن المراد بنصره تعالى نصر دينه.\n٧ - ومنها: تضمن الآية لاسم الله الأعظم الثابت في قوله تعالى: ﴿الحي القيوم﴾؛ وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في «البقرة»؛ و«آل عمران»؛ و«طه»؛ في «البقرة»: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ وفي «آل عمران»: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾؛ وفي «طه»: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ [طه: ١١١]؛ قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في ﴿الحي﴾؛ وصفة الإحسان، والسلطان في ﴿القيوم﴾.\n٨ - ومن فوائد الآية: امتناع السِّنَة والنوم لله ﷿؛ وذلك لكمال حياته، وقيوميته، بحيث لا يعتريهما أدنى نقص؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين؛ أحدهما: الإيمان بانتفاء الصفة المذكورة؛ والثاني: إثبات كمال ضدها؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر، وإن كان يرد عليه النقص من بعض الوجوه؛ لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقصٌ أبدًا بوجه من الوجوه؛ مثال ذلك: إذا قيل: «فلان كريم» فقد يراد به أنه كريم في الأغلب الأكثر؛ فإذا قيل: «فلان كريم لا يبخل» عُلم أن المراد كمال كرمه، بحيث لا يحصل منه بخل؛ وهنا النفي حصل بقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾؛ فدل على كمال حياته، وقيوميته.\n٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الصفات المنفية؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ و«الصفات المنفية» ما نفاه الله عن نفسه؛ وهي متضمنة لثبوت كمال ضدها.\n١٠ - ومنها: عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾.\nويتفرع على كون الملك لله ألا نتصرف في ملكه إلا بما يرضاه.\n١١ - ومنها: أن الحكم الشرعي بين الناس، والفصل بينهم يجب أن يكون مستندًا على حكم الله؛ وأن اعتماد الإنسان على حكم المخلوقين، والقوانين الوضعية نوع من الإشراك بالله ﷿؛ لأن الملك لله ﷿.\n١٢ - ومنها: تسلية الإنسان على المصائب، ورضاه بقضاء الله ﷿، وقدره؛ لأنه متى علم أن الملك لله وحده رضي بقضائه، وسلّم؛ ولهذا كان في تعزية النبي ﷺ لابنته أنه قال: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى» (١).\n١٣ - ومنها: عدم إعجاب الإنسان بما حصل بفعله؛ لأن هذا من الله؛ والملك له.\n١٤ - ومنها: اختصاص الله تعالى بهذا الملك؛ يؤخذ من تقديم الخبر: ﴿له ما في السموات﴾؛ لأن الخبر حقه التأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصر.\n١٥ - ومنها: إثبات أن السموات عدد؛ لقوله تعالى: ﴿السموات﴾؛ وأما كونها سبعًا، أو أقل، أو أكثر، فمن دليل آخر.\n١٦ - ومنها: كمال سلطان الله لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾؛ وهذا غير عموم الملك؛ لكن إذا انضمت قوة السلطان إلى عموم الملك صار ذلك أكمل، وأعلى.\n١٧ - ومنها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾؛ وإلا لما صح الاستثناء.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٠٠، كتاب الجنائز، باب ٣٢: قول النبي ﷺ: \"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه\" إذا كان النوح من سنته، حديث رقم ١٢٨٤، وأخرجه مسلم ص ٨٢٢، كتاب الجنائز، باب ٦: البكاء على الميت، حديث رقم ٢١٣٥ [١١] ٩٢٣.","vol":"5","page":233},{"text":"١٨ - ومنها: إثبات الإذن - وهو الأمر -؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾؛ وشروط إذن الله في الشفاعة: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\n١٩ - ومنها: إثبات علم الله، وأنه عام في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.\n٢٠ - ومنها: الرد على القدرية الغلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾؛ فإثبات عموم العلم يرد عليهم؛ لأن القدرية الغلاة أنكروا علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت.\n٢١ - ومنها: الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج، والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأن مذهبهما أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة.\n٢٢ - ومنها: أن الله ﷿ لا يحاط به علمًا كما لا يحاط به سمعًا، ولا بصرًا؛ قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ [طه: ١١٠].\n٢٣ - ومنها: أننا لا نعلم شيئًا عن معلوماته إلا ما أعلمنا به؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ على أحد الوجهين في تفسيرها.\n٢٤ - ومنها: تحريم تكييف صفات الله؛ لأن الله ما أعلمنا بكيفية صفاته؛ فإذا ادعينا علمه فقد قلنا على الله بلا علم.\n٢٥ - ومنها: الرد على الممثلة؛ لأن ذلك قول على الله بلا علم؛ بل بما يعلم خلافه؛ لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١].\n٢٦ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿إلا بما شاء﴾.\n٢٧ - ومنها: عظم الكرسي؛ لقوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾.\n٢٨ - ومنها: عظمة خالق الكرسي؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق.\n٢٩ - ومنها: كفر من أنكر السموات، والأرض؛ لأنه يستلزم تكذيب خبر الله؛ أما الأرض فلا أظن أحدًا ينكرها؛ لكن السماء أنكرها من أنكرها، وقالوا: ما فوقنا فضاء لا نهاية له، ولا حدود؛ وإنما هي سدوم، ونجوم، وما أشبه ذلك؛ وهذا لا شك أنه كفر بالله العظيم سواء اعتقده الإنسان بنفسه، ووهمه؛ أو صدَّق من قال به ممن يعظمهم إذا كان عالمًا بما دل عليه الكتاب والسنّة.\n٣٠ - ومنها: إثبات قوة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾.\n٣١ - ومنها: أنه ﷾ لا يثقل عليه حفظ السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق~: ٣٨].\n٣٢ - ومنها: إثبات ما تتضمنه هذه الجملة: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ وهي العلم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحكمة، والقوة.\n٣٣ - ومنها: أن السموات، والأرض تحتاج إلى حفظ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ ولولا حفظ الله لفسدتا؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليمًا غفورًا﴾ [فاطر: ٤١].\n٣٤ - ومنها: إثبات علو الله ﷾ أزلًا، وأبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وهو العلي﴾؛ و﴿العلي﴾ صفة مشبهة تدل على الثبوت، والاستمرار؛ وعلوّ الله عند أهل السنة، والجماعة ينقسم إلى قسمين؛ الأول: علو الذات؛ بمعنى أنه سبحانه نفسه فوق كل شيء؛ وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ وتفصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ وخالفهم في ذلك طائفتان؛ الأولى: من قالوا: إنه نفسه في كل مكان في السماء، والأرض؛ وهؤلاء حلولية الجهمية، ومن وافقهم؛ وقولهم باطل بالكتاب، والسنّة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ الطائفة الثانية: قالوا: إنه لا يوصف بعلوّ، ولا غيره؛ فهو ليس فوق العالم، ولا تحته، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا متصل، ولا منفصل؛ وهذا قول يكفي تصوره في رده؛ لأنه يَؤول إلى القول بالعدم المحض؛ إذ ما من موجود إلا وهو فوق، أو تحت، أو عن يمين، أو شمال، أو متصل، أو منفصل؛ فالحمد لله الذي هدانا للحق؛ ونسأل الله أن يثبتنا عليه؛ والقسم الثاني: علو الصفة: وهو أنه كامل الصفات من كل وجه لا يساميه أحد في ذلك؛ وهذا متفق عليه بين فرق الأمة، وإن اختلفوا في تفسير الكمال.\n٣٥ - ومن فوائد الآية: الرد على الحلولية، وعلى المعطلة النفاة؛ فالحلولية قالوا: إنه ليس بعالٍ؛ بل هو في كل مكان؛ والمعطلة النفاة قالوا: لا يوصف بعلو، ولا سفل، ولا يمين، ولا شمال، ولا اتصال، ولا انفصال.\n٣٦ - ومنها: التحذير من الطغيان على الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾؛ ولهذا قال الله في سورة النساء: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًا كبيرًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ فإذا كنت متعاليًا في نفسك فاذكر علو الله ﷿؛ وإذا كنت عظيمًا في نفسك فاذكر عظمة الله؛ وإذا كنت كبيرًا في نفسك فاذكر كبرياء الله.\n٣٧ - ومنها: إثبات العظمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿العظيم﴾.\n٣٨ - ومنها: إثبات صفة كمال حصلت باجتماع الوصفين؛ وهما العلوّ، والعظمة.\nالقرآن\n﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]\nالتفسير:\nلكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال. فَمَن يكفر بكل ما عُبِد من دون الله ويؤمن بالله، فقد ثبت واستقام على الطريقة المثلى، واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nالقول الأول: قيل: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام، وقد تعددت الروايات في ذلك على النحو الآتي (١):\nأولا: أخرج الطبري بسنده \" عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٧ وما بعدها، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.","vol":"5","page":234},{"text":"ذكره: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ \" (١). وروي عن سعيد بن جبير (٢)، وعامر (٣) والشعبي (٤) نحو ذلك.\nثانيا: روي \"عن مجاهد في قول الله: \" لا إكراه في الدين \" قال: كانت في اليهود بني النضير، أرضعوا رجالا من الأوس، فلما أمر النبي ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم! فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية\" (٥). وروي عن الحسن (٦) نحو ذلك.\nثالثا: أخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن مجاهد، قال: كانت الأنصار يكرهون اليهود على إرضاع أولادهم، فأنزل الله ﴿لا إكراه في الدين﴾ \" (٧) (٨).\nرابعا: روي \"عن ابن عباس قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي ﷺ: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك \" (٩).\nوروي عن السدي (١٠) نحو ذلك.\nالقول الثاني: وقيل: \"نزلت هذه الآية في خاص من الناس\" (١١)، فلا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم.\nأخرج الطبري عن \" قتادة في قوله: \" لا إكراه في الدين \"، قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت معهم الجزية، ولم يقتلوا\" (١٢).\nوروي نحو لك عن ابن عباس (١٣)، والضحاك (١٤).\nالقول الثالث: وقيل: \" أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥٨١٢): ص ٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨. عن سعد بن جبير مرسلا، والبيهقي في السنن: ٩/ ١٨٦، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر تفسير النسائي ١/ ٢٧٣، ٢٧٦، والنحاس في معاني القرآن ١/ ٢٦٦ وللشوكاني كلام مفيد حول هذه الآية فلينظر فتح القدرير ١/ ٢٧٥. وأخرج الواحدي بسنده قطعة منه دون قول النبي ﷺ \"قد خير أصحابكم ... أسباب النزول: ٨٣.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٨١٣): ص ٥/ ٤٠٨، و(٥٨١٨): ص ٥/ ٤١٠.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٨١٤): ص ٥/ ٤٠٨.\n(٤) أنظر تفسير الطبري (٥٨٢٣): ص ٥/ ٤١١ - ٤١٢. و(٥٨٢٤): ص ٥/ ٤١٢، وزاد فيه: \": قال: كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير، فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام\".\n(٥) أخرجه الطبري (٥٨٢٠): ص/٥/ ٤١١. و(٥٨٢١) و(٥٨٢٢): ص ٥/ ٤١١.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٦): ص ٥/ ٤١٢.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٢): ص ٢/ ٤٩٣.\n(٨) قال ابن قدامة: \"كره الإمام أحمد الارتضاع بلبن الفجور والمشركات، وقال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز: اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية؛ لأنه ربما أفضى إلى شبه أمه المرضعة في الفجور، ولأنه يخشى أن يميل إلى مرضعته في الدين. ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: إن الرضاع يغيّر الطباع\". [المغني: ٨/ ١٥٥].\n(٩) رواه الطبري (٥٨١٧): ص ٥/ ٤٠٩.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٨١٩): ص ٥/ ٤١٠. وزاد في روايته: \" فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله ﷺ، فقال (٢) إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال: \" لا إكراه في الدين \".\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٤.\n(١٢) تفسير الطبري: (٥٨٢٨): ص ٥/ ٤١٣. ونحوه في رواية أخرى (٥٨٢٧): ص ٥/ ٤١٢ - ٤١٣، و(٥٨٣٠): ص ٥/ ٤١٣. وأخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٦١٢): ص ٢/ ٤٩٤. بلفظ: \" كانت العرب ليس لهم دين، فأكرهوا على الدين بالسيف، قال: ولا تكره اليهود ولا النصارى ولا المجوس، إذا أعطوا الجزية\".\n(١٣) أنظر:: تفسير الطبري (٥٨٣٢): ص ٥/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٩): ص ٥/ ٤١٣).\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨١.","vol":"5","page":235},{"text":"القول الرابع: وقيل: أن معناها \"لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها\" (١).\nقال ابن كثير: \" وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا\" (٢)، \"لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء\" (٣).\nوقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية، هل هي منسوخة أم محكمة:\nالأول: قال جماعة: أنها منسوخة، لأن رسولَ الله - ﷺ - قد أكرَه العرب على دين الإسلام، وقاتَلهم، ولم يرضَ منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قولُه - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون﴾ [الفتح: ١٦] (٤).\nوهو قول زيد بن أسلم (٥)، وعكرمة (٦)، وابن زيد (٧)، واالسدي (٨)، وسليمان بن موسى (٩)، وقد ذهب إلى هذا كثيرٌ من المفسرين (١٠) (١١).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٢.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(٤) قلت: إن القول بالنسخ يعارضه أنه ﷺ أخذ الجزية من بعض الكفار مقابل الكف عنهم، وهذا ما يُضعف القول بالنسخ، كما أن النسخ لا يصار إليه، ويقال به إلا بعد العجز عن الجمع بين الدليلين.\nوقد يكون معنى (الكره) هو الكره النفسي، وليس الإكراه في دخول الدين، روي عن أنس: \"أن رسول الله ﷺ قال لرجل: \"أسلم\" قال: إني أجدني كارها. قال: \"وإن كنت كارها\"، قال ابن كثير معلقا على الحديث: \" لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: \"أسلم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص\". [تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣]، والحديث في: [المسند (٣/ ١٨١)، وأبو بكر الشافعي في \" الرباعيات \" (١/ ٩٨/ ١) والضياء في \" المختارة \" (١٠٠/ ١ - ٢)].\nقال ابن رجب الحنبلي - ﵀ - في شرحه لصحيح البخاري: (ج ١ / ص ٢٨): \"وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له\".\n(٥) أخرجه الطبري (٥٨٣٣): ص ٥/ ٤١٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦١٥): ص ٢/ ٤٩٤.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٥): ص ٥/ ٤١٢.\n(٨) قال ابن أبي حاتم (٢٦١٥): ص ٢/ ٤٩٤: وري عن السدي أنها منسوخة، فأمر بالقتال، في سورة براءة\".\n(٩) أنظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٩٩.\n(١٠) أنظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ٣٠٠، ونسبه الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٧٥ إلى كثير من المفسرين، واحتمله الشنقيطي في دفع إيهام الاضطراب ص ٣٣، فقال: «وعلى كل حال، فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها ﴿لاإكراه في الدين﴾ الآية، والمتأخر أولى من المتقدم، والعلم عند الله تعالى\".\n(١١) ومن القائلين بالنسخ: الشيخ ابن عاشور وقد ذكره في تفسيره \"التحرير والتنوير\"، وحاصل ما قاله في هذا الصدد: إن آية ﴿لا إكراه في الدين﴾ ناسخة لآيات القتال، وأن هذه الآية -وأيضًا حسب رأي ابن عاشور- نزلت بعد فتح مكة، واستخلاص بلاد العرب، فنسخت حكم القتال على قبول الإسلام، ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام، وهو المعبَّر عنه بالذمة، ووضَّح هذا فعل النبي ﷺ، بعد فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا\"اذهبوا فأنتم الطلقاء\") السنن الكبرى: ٩/ ١١٨).\nوكلام ابن عاشور صريح، أو على الأقل ما يُفهم منه، أن آية ﴿لا إكراه في الدين﴾، ناسخة لآيات القتال، وحاكمة عليها؛ وهذا القول فيه تسجل عليه بعض الملاحظات الآتية:\nأولا: أن القول بالنسخ لا يصار إليه -كما هو مقرر أصوليًّا- إلا عند عدم إمكانية الجمع بين الأدلة، والجمع هنا ممكن، وبالتالي فلا مجال للقول بالنسخ هنا.\nثانيا: أن ما ذهب إليه ابن عاشور مخالف لما عليه أكثر أهل العلم، في توجيه هذه الآية، وقد عرفنا مذهب الجمهور آنفًا، وأن آية ﴿لا إكراه﴾ خاصة بأهل الكتاب.\nثالثا: ثم إنا نقول: إن المتتبع لسيرة النبي ﵊ وهديه، يجد أن سيرته على خلاف ما قرره ابن عاشور، بخصوص تشريع آيات الجهاد؛ وذلك أن مجاهدة الكافرين كانت ثابتة في سيرته ﷺ، إلى حين وفاته ﵊، يرشد لهذا أمره بتجهيز جيش أسامة لقتال الروم قبل وفاته بمدة قصيرة.\nرابعا: على أن من المعلوم من تاريخ نزول الآيات، أن سورة براءة -وفيها آيات الجهاد- هي من أواخر ما نزل من القرآن، فإذا كان لا بد من القول بالنسخ، فالأصوب أن يقال: إن آيات الجهاد -الواردة في سورة براءة- هي الناسخة لآية البقرة وليس العكس، وهذا مذهب بعض أهل العلم. .","vol":"5","page":237},{"text":"الثاني: وقال آخرون: أنها محكمة، ولكنها خاصة بأهل الكتاب، فإنهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدُّوا الجزية، وكانوا تحت حكم المسلمين؛ أما غيرهم فيجبرون عليه، بل الذين يُكْرَهون هم أهلُ الأوثان، فلا يُقبَل منهم إلا الإسلام، أو السيف.\nوإلى هذا ذهَب: الشعبي (١)، والحسن (٢)، وقتادة (٣)، والضحاك (٤)، وهو قول أكثر أهل العلم (٥).\nوقد استدلوا لما ذهبوا إليه، بروايات، نذكر منها:\nأولا: رواية ابن عباس التي ذكرناها في سبب النزول (٦).\nثانيا: رواية زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: \"سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: اسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق. قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ \" (٧).\nثالثا: ما روي عن إسحاق قال: كنت مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى. فيقول: ﴿لا إكراه في الدين﴾، ويقول: يا إسق لو أسلمت، لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين\" (٨).\nرابعا: ما وروي عن مجاهد أنه كان يقول لغلام له نصراني: \"يا جرير أسلم. ثم قال: هكذا كان يقال لهم\" (٩).\nقال ابن قدامة ﵀: \" وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم: لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا\" (١٠).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٣): ص ٥/ ٤١١.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٦): ص ٥/ ٤١٢.\n(٣) تفسير الطبري: (٥٨٢٨): ص ٥/ ٤١٣. ونحوه في رواية أخرى (٥٨٢٧): ص ٥/ ٤١٢ - ٤١٣، و(٥٨٣٠): ص ٥/ ٤١٣. وأخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٦١٢): ص ٢/ ٤٩٤.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٩): ص ٥/ ٤١٣.\n(٥) القول بأن الآية محكمة رجحه أكثر العلماء كأبي عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢٨٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ١٠١، والطبري في جامع البيان ٤/ ٥٥٣، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٩٤، وغيرهم.\n(٦) انظر تفسير الطبري (٥٨١٢): ص ٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨. عن سعد بن جبير مرسلا، والسنن للبيهقي: ٩/ ١٨٦.\n(٧) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢٥٩. (حديث موقوف).\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٦١٠): ص ٢/ ٤٩٣.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣١): ص ٥/ ٤١٣.\n(١٠) المغني: ١٠/ ٩٦.","vol":"5","page":238},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" فلا يصح كفر المكره بغير حق، ولا إيمان المكره بغير حق؛ كالذمي الموفى بذمته، كما قال تعالى فيه ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ بخلاف المكره بحق، كالمقاتلين من أهل الحرب، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام، أو إعطاء الجزية، إن كان القتال على أحدهما\" (١).\nوهذا القول الثاني اختاره الطبري وصوَّبه، وحمل عليه معنى الآية، فقال: \"وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في خاصِّ من الناس\"، ثم قال: \"عنى بقوله تعالى ذكره: ﴿لا إكراه في الدين﴾ أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا\" (٢).\nوالناظر في كتب التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين لم يخرجوا عن هذين القولين، في الأغلب، ورجَّح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة بأهل الكتاب ومن شاكلهم، وإن كان ثمة من ملاحظة نبديها على هذا المسلك، فهي أن نقول: إن القول بالتخصيص هنا لا يرفع التعارض الواقع بين الآيات موضوع الحديث، ناهيك على أن القاعدة التفسيرية تقرر: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nوبذلك فالذي يقتضيه النظر بين الأدلة، وما تقتضيه قواعد الأصول، أن نقول: إن إمكانية الجمع هنا ممكنة، وبالتالي فلا وجه للقول بالنسخ هنا، والأصوب أن يقال: يُعمل بهاتين الآيتين، كل في موضعه، وكل بحسب ظرفه؛ فآية البقرة: ﴿لا إكراه في الدين﴾، يُعمل بها على مستوى الأفراد، فلا يُكره أحدٌ على اعتناق الإسلام والدخول فيه، أما آيات الجهاد والقتال، فيُعمل بها عندما يُواجَه هذا الدين من قِبَل أعدائه، أو يُمنع من تبليغ رسالة رب العالمين، إذ هي الهدف الأساس من دعوة الإسلام، ليكون ﴿الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] (٣)، وبذلك تلتئم الأدلة وتتفق، ويُحمل كل دليل بحسب ظرفه وسياقه (٤). والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: \" لا يكره أحد في دين الإسلام عليه\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار\" (٦).\nو(الإكراه): الإرغام على الشيء (٧).\n_________\n(١) الإستقامة: ٢/ ٣٢٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٤.\n(٣) قال الزرقاني ﵀: \" أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده، وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله\". [مناهل العرفان: ٢/ ٤٠٦].\n(٤) نستنتج بأن الآية لا تعني إجبار الناس على الدخول في دين الله قهرا وقسرا، ولكن تعني أن الإسلام سهل بيّن لا إكراه في الدخول فيه؛ فمن دخل فيه كان من أهله، ومن لم يدخل فيه فإما أن يكون من أهل الذمة والعهد، فهذا له ذمته وعهده، وعليه دفع الجزية، وإما أن يكون من المحاربين، فهذا لا بد من محاربته وقتاله لئلا يفسد في الأرض، وينشر بها الكفر والفساد، فقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، لا ينافي الأمر بقتال المشركين الذين يصدون عن دين الله، ويفسدون في الأرض، وينشرون فيها الكفر والشرك والفساد؛ فقتالهم من أعظم المصالح التي بها تعمر الأرض ويعم أهلها الأمن والاستقرار. كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقد جاءت الشريعة بتحقيق المصالح وتعطيل المفاسد.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٥.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٣.\n(٧) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤. وقال الراغب: \" والكره يقال على ضربين: أحدهما: أن يكون مفسرًا من خارج، وذلك على أحد الأوجه الثلاثة، إما بأن يهدد بالضرب أو يضرب حتى يفعل، وإما أن تؤخذ يده فيفعل بها، فيكون في هذا كلالة، وإما أن يدعوه من يزينه في عينه.\nوالثاني: ما يكون مفسرًا من داخل، وذلك إما بخوف يستشعره، وإما بهوى يغلبه\". [تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣٠].","vol":"5","page":239},{"text":"قال ابن كثير: \"أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا\" (١).\nوقال ابن جزي ﵀: \" ﴿لا إكراه في الدين﴾، المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه ويدل على ذلك قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن الكفر غي، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، تحتمل وجهين (٣):\nالأول: نفي، بمعنى النهي، أي: لا تكرهوا أحدًا على الدين (٤).\nالثاني: أو بمعنى النفي؛ أي أنه لن يدخل أحد دين الإسلام مكرَهًا؛ بل عن اختيار؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾.\nو﴿الدين﴾ يطلق على أمرين (٥):\nأولا: - العمل: وذلك مثل مثل قوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩].\nثانيا: الجزاء: مثل قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] أي يوم الجزاء؛ وقد قيل: «كما تدين تدان»؛ أي كما تعمل تجازى.\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بـ ﴿الدين﴾ هنا العمل؛ والمراد به دين الإسلام بلا شك؛ فـ (أل) هنا للعهد الذهني (٦)؛ يعني الدين المفهوم عندكم أيها المؤمنون؛ وهو دين الإسلام\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: \"قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة\" (٨).\nقال البغوي: \" أي الإيمان من الكفر والحق من الباطل\" (٩).\nقال أبو حيان: \" أي: استبان الإيمان من الكفر، وهذا يبين أن الدين هو معتقد الإسلام\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" بنصب الأدلة الواضحة وبعثة الرسول الداعي إلى الإيمان، وهذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين، لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول في الدين طوعًا من غير إكراه\" (١١).\nقال ابن عثيمين: قد تميّز الهدى من الضلال (١٢). وقال: \"و﴿الرشد﴾ معناه حسن المسلك، وحسن التصرف: بأن يتصرف الإنسان تصرفًا يحمد عليه؛ وذلك بأن يسلك الطريق الذي به النجاة؛ ويقابل بـ «الغي» كما هنا؛\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٢.\n(٢) التسهيل: ١٣٥.\n(٣) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤، وتفسير الكشاف: ١/ ٣٠٤.\n(٤) قال الزمخشري: \"وقيل: هو إخبار في معنى النهى، أى لا تتكرهوا في الدين\". [تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٤].\n(٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤.\n(٦) وقيل: \"بدل من الإضافة أي: في دين الله\". [تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢١٠].\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤.\n(٨) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٣.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٣١٤.\n(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٢١٠.\n(١١) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢١٠.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤.","vol":"5","page":240},{"text":"والمراد - ﴿الرشد﴾ هنا الإسلام؛ وأما ﴿الغي﴾ فهو سوء المسلك: بأن يسلك الإنسان ما لا يحمد عليه لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ والمراد به هنا الكفر\" (١).\nقال الراغب: \" (الغي) كالجهل، إلا أن الجهل يقال اعتبارًا بالاعتقاد والغي اعتبارًا بالأفعال، ولهذا يقال: الجهل بالعلم، والغي بالرشد، ويقال لمن أصاب رشد، ولمن أخطأ غوى، وعلى هذا قال الشاعر (٢):\nومن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِمَا (٣)\nأي: من يخب فلا يصب خيرًا لا يعدم على خيبته من يلوم (٤).\nقال ابن عطية: \" والْغَيِّ مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق\" (٥).\nوقال أهل العلم أن تَبَيُّن الرشد من الغي يكون بعدة طرق (٦):\nأولًا: بالكتاب؛ فإن الله ﷾ فرَّق في هذا الكتاب العظيم بين الحق، والباطل؛ والصلاح، والفساد؛ والرشد، والغي، كما قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]؛ فهذا من أقوى طرق البيان.\nثانيًا: بسنة النبي ﷺ؛ فإنها بينت القرآن، ووضحته؛ ففسرت ألفاظه التي تشكل، ولا تعرف إلا بنص؛ وكذلك وضحت مجملاته، ومبهماته؛ وكذلك بينت ما فيه من تكميلات يكون القرآن أشار إليها، وتكملها السنة، كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. الطريق الثالث: هدي النبي ﷺ، وسلوكه في عبادته، ومعاملته، ودعوته؛ فإنه بهذه الطريقة العظيمة تبين للكفار، وغير الكفار حسن الإسلام؛ وتبين الرشد من الغيّ.\nالطريق الرابع: سلوك الخلفاء الراشدين؛ وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ؛ فإن بطريقتهم بان الإسلام، واتضح؛ وكذلك من كان في عصرهم من الصحابة على سبيل الجملة لا التفصيل؛ فإنه قد تبين بسلوكهم الرشد من الغي.\nقال ابن عثيمين: \"هذه الطرق الأربع تبين فيها الرشد من الغي؛ فمن دخل في الدين في ذلك الوقت فقد دخل من هذا الباب؛ ولم يصب من قال: إن الدين انتشر بالسيف، والرمح\" (٧).\nقرأ الجمهور: (الرشد)، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (الرشاد) بالألف، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد (الرّشد) بفتح الراء والشين، وروي عن الحسن (الرّشد) بضم الراء والشين (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، \"أي: ومن ينكر الطاغوت، ويتبرأ منه\" (٩).\nقال القاسمي: \" فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان باللَّه\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله\" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٢) البيت للمرقش الأصغر، كما في إصلاح المنطق: ٢٢٧، والمفضليات: ٢/ ٤٧، واللسان ومعجم مقاييس اللغة (غوى)، وصدره: فمن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٢٩.\n(٤) أنظر: الهداية إلى بلوغ النهاية: ٦/ ٣٨٩٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٦.\n(٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٦.\n(١٠) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٤.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣.","vol":"5","page":241},{"text":"و(الكفر) في اللغة: مأخوذ من الستر؛ ومنه سمي (الكُفُرَّى) لوعاء طلع النخل؛ لأن الإنسان الكافر ستر نعمة الله عليه، وستر ما تقتضيه الفطرة من توحيد الله ﷿ (١).\nقال ابن عثيمين: ولا يكفي الكفر بالطاغوت؛ لأن الكفر تخلٍّ، وعدم؛ ولا بد من إيجاد؛ الإيجاد: قوله تعالى: ﴿ويؤمن بالله﴾ بالجزم عطفًا على ﴿يكفر﴾؛ والإيمان بالله متضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته إيمانًا يستلزم القبول، والإذعان - القبول للخبر، والإذعان للطلب سواء كان أمرًا، أو نهيًا؛ فصار الإيمان بالله مركبًا من أربعة أمور مستلزمة لأمرين؛ ثم اعلم أن معنى قولنا: الإيمان بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته المراد الإيمان بانفراده بهذه الأشياء: بالألوهية؛ والربوبية؛ والأسماء، والصفات؛ وبالوجود الواجب - فهو ﷾ منفرد بهذا بأنه واجب الوجود\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، سبعة أقوال (٣):\nأحدها: أنه الشيطان (٤)، وهو قول عمر بن الخطاب (٥)، ومجاهد (٦)، والشعبي (٧)، والضحاك (٨)، وقتادة (٩)، والسدي (١٠)، وعكرمة (١١)، واختاره ابن كثير (١٢)، والقاسمي (١٣) وآخرون.\nوالثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (١٤)، ومحمد ابن سيرين (١٥) والشعبي (١٦).\nوالثالث: الكاهن، وهو قول جابر (١٧)، وسعيد بن جبير (١٨)، والرفيع (١٩)، وابن جريج (٢٠).\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٦.\n(٢) أنظر: ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤١٦ - ٤١٨، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(٤) قال الشنقيطي: \" قال بعض العلماء: (الطاغوت): الشيطان، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، أي يخوفكم من أوليائه. وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقوله: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ وقوله: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء﴾، والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطان (وقال: (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ﴿وقال عن خليله ابرهيم﴾ يا أبت لا تعبد الشيطان وقال: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، إلى غير ذلك من الآيات\". [أضواء البيان: ١/ ١٥٩].\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٤) و(٥٨٣٥): ص ٥/ ٤١٧. وابن ابي حاتم (٢٦١٨): ص ٢/ ٤٩٥.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٦): ص ٥/ ٤١٧.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٧): ص ٥/ ٤١٧.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٨): ص ٥/ ٤١٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٩): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٠): ص ٥/ ٤١٧.\n(١١) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ﴾، قبل الحديث رقم ٤٥٨٣، ولفظه: \"الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ\".\n(١٢) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣، إذ يقول: \" ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها\".\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٤.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤١): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٢): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٦) أنظر تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٠): ص ٢/ ٤٩٥.\n(١٧) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ﴾، قبل الحديث رقم (٤٥٨٣)، ولفظه: \"\"كَانَتْ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا: فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ\".\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٣): ص ٥/ ٤١٨.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٤): ص ٥/ ٤١٨. والرفيه:، هو أبو العالية الرياحي.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٥): ص ٥/ ٤١٨.","vol":"5","page":242},{"text":"والرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (١). روي ذلك عن مالك (٢).\nوالخامس: مَرَدَة الإنس والجن (٣).\nوالسادس: وقيل: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنسانًا أو صنمًا، روي ذلك عن الإمام مالك (٤)، وابن القيم (٥)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (٦).\nوالسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ذكره الماوردي (٧).\nوالراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (٨)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (٩) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم.\nواختلفوا في أصل كلمة ﴿الطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، على وجهين (١٠):\nالقول الأول: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (١١):\nأ- قال الشوكاني: \"الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد\" (١٢).\nب-قال سيبويه: \"هو اسم مذكَّر\" (١٣) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير.\nج- وقال أبو على الفارسي: \"إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام\" (١٤)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧، تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٢): ص ٢/ ٤٩٥.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(٤) ذكره القرطبي في تفسيره، ٥/ ٢٤٨، عن ابن وهب، عن الإمام مالك، وانظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص ٤٤.\n(٥) وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت ما ذكره ابن القيم / بقوله: \"والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع\". [إعلام الموقعين عن رب العالمين، ١/ ٥٠].\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤١٩.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(٨) انظر: المفردات فى غريب القرآن للأصفهانى: ٣٠.٤\n(٩) قال أبو حيان بعد أن سرد الأقوال في معنى (الطاغوت): \" وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلًا، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها\". [البحر المحيط: ٢/ ٢١٠].\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٨.\n(١١) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٧٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٨١، والبحر المحيط: ٢/ ٥٩٩، وفتح البيان في مقاصد القرآن: ٢/ ٩٩، والحجة للقراء السبعة: ٤/ ١٣٧.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٥.\n(١٣) الكتاب: ٣/ ٢٤٠. وذكر صاحب اللسان (طغى)، قال ابن منظور: يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهي مشتقة من طغى، والطاغوتُ الشيطان، والكاهِنُ، وكلُّ رأْسٍ في الضَّلالة، وقد يكون واحدًا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو مثل الفُلْكِ يُذَكَّرُ ويؤنَّث، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، والطاغوتُ يكونُ من الأَصْنامِ، ويكون من الجِنِّ والإِنس، ويكون من الشياطين، وجمعُ الطاغوتِ: طَواغِيتُ، والطَّوَاغِي: جمع طاغيَةٍ، ويجوز أَن يُراد بالطَّواغِي: من طَغَى في الكُفرِ، وجاوَزَ الحَدَّ\". [لسان العرب لابن منظور، ١٥/ ٧، مادة (طغى)، ومقاييس اللغة، ٣/ ٣٢٢، مادة (طغى)، والمصباح المنير، ٢/ ٢٧٣، مادة (طغى)].\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(١٥) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٠.","vol":"5","page":243},{"text":"وقيل: \"أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ\" (١).\nثم اختلف في لفظ الطاغوت أمفرد هو أم جمع على قولين:\nالأول: أنه جمع، قاله المبرد ورده عليه جماعة كالفارسي وابن عطية وآخرون (٢).\nالثاني: أنه مفرد، واختلفوا على قولين:\nأ-أنه مصدر على وزن فَعَلُوت، أي: طَغَيُوِت، فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصار على وزن فَلَعُوت، أي: طَيَغُوت، ثم قلبت لامه (الياء) ألفا فصار طاغوت. وهو مصدر يوصف به الواحد والجمع، نظير قولهم: رجل عدل وقوم عدل، إذ في الكلام دليل على الواحد أو الجماعة، وهو قولهم: رجل أو قوم، وقد وجد هنا ما يرجح كون المراد به الجماعة وهو قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وذلك ما جعله الزجاج (٣) شرطًا للجواز، وذلك ظاهر قول الكسائي وأبي حاتم والطبري وأبي علي الفارسي والواحدي والزبيدي وآخرين (٤).\nب-أنه اسم جنس مفرد لطائفة جاوزت الحد في الطغيان، وقد اختار هذا القول أبو حيان (٥)، وحُمِل عليه قول سيبويه بأن: الطاغوت اسم مفرد (٦).\nالقول الثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِن بِاللهِ﴾، أي: \" ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن سعيد بن جبير، يعني قوله: ﴿ويؤمن بالله﴾ يعني: يصدقون بتوحيد الله\" (٩).\nقال ابن كثير: \" ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو\" (١٠).\nقال ابن عطية: وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي\" فقد استمسك من الدين بأقوى سبب\" (١٢).\nقال الطبري: \" فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه\" (١٣).\nقال ابن كثير: \"فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم\" (١٤).\nقال القاسمي\" أي: فقد تمسك من الدين بأقوى سبب. وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم. هي في نفسها محكمة مبرمة قوية. وربطها قويّ شديد\" (١٥).\n_________\n(١) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٦٩.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٥، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ١٦ - ١٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٧٢.\n(٣) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٣٤٠.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٨/ ١٦٨، جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٢٨، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٦٢ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٤ ب، فتح الباري لابن حجر: ٩/ ١٧٨.\n(٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٨٣.\n(٦) انظر: الكتاب لسيبويه: ٣/ ٢٤٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٠٧.\n(٧) نقلا عن الماوردي في النكت والعيون: ٣٢٨. ولم اجده في تفسير ابي مسلم الأصفهاني المشهور بابن بحر.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٩.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٣): ص ٢/ ٤٩٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٩.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٤.","vol":"5","page":244},{"text":"قال البغوي: \" أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين\" (١).\nقال ابن حجر: \" قوله: ﴿الوُثْقَى﴾ تأنيث الأوثق، مأخوذ من الوَثاق بالفتح (٢)، وهو حبل أو قيد يُشدُّ به الأسير والدابة\" (٣).\nقال الطبري: \" و﴿العروة﴾، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي المقبض القوي الذي ينجو به؛ والمراد به هنا الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لأن به النجاة من النار\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ذكر أهل العلم فيه سبعة أوجه (٦):\nأحدها: الإيمان بالله، وهو قول مجاهد (٧).\nوالثاني: سنة الرسول (٨).\nوالثالث: التوفيق (٩).\nوالرابع: القرآن، قاله السدي (١٠) وأنس بن مالك (١١).\nوالخامس: هو الحب في الله والبغض في الله. قاله سالم بن أبي الجعد (١٢).\nوالسادس: هو قول: لا إله إلا الله. قاله سعيد بن جبير (١٣) والضحاك (١٤) وابن عباس (١٥) ومجاهد (١٦).\nوالسابع: هو الإسلام، قاله السدي (١٧).\nقال الراغب-بعد أن ذكر بعض الأقوال الالسابقة-: \"فنظرات منهم إلى مبتدى الدين ومنتهاه، وكله صحيح\" (١٨).\nوقال ابن عطية: \" وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد\" (١٩).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٣١٤.\n(٢) انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٢١، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٣١٤، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢٨٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٦١٧، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٣٤، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤١٠، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ١٠٠.\n(٣) الهدي: ٢١٤، وانظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٩/ ٢٦٦، لسان العرب لابن منظور: ٦/ ٤٧٦٤، النهاية لابن الأثير: ٥/ ١٥١، المفردات للراغب: ١/ ٥١٢، تاج العروس للزبيدي: ١٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٤/ ٢٦٧.\n(٦) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٤، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٨، والمحرر الوجيز: ٢/ ٢٢ - ٢٣.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٧) و(٥٨٤٨): ص ٥/ ٤٢١، وابن ابي حاتم (٢٦٢٧): ص ٢/ ٤٩٦.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٢.\n(٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٢.\n(١٠) نقلا عن تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٤.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٥): ص ٢/ ٤٩٦.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٦): ص ٢/ ٤٩٦، ونقله ابن كثير في تفسيره: ١/ ٦٨٤.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٥٠): ص ٥/ ٤٢١، و(٥٨٥١): ص ٥/ ٤٢٢. ونقله ابن كثير في تفسيره: ١/ ٦٨٤.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٥٢): ص ٥/ ٤٢٢.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٤): ص ٢/ ٤٩٦.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٩٦.\n(١٧) تفسير الطبري (٥٨٤٩): ص ٥/ ٤٢١. وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٩٦.\n(١٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣٢.\n(١٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.","vol":"5","page":245},{"text":"قال ابن كثير: \" وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، يعني \" لا انكسار لها\" (٢).\nقال البغوي: \"لا انقطاع لها\"، وكذا قاله السدي (٣) ومعاذ بن جبل (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا انقطاع، ولا انفكاك لها؛ لأنها محكمة قوية\" (٥).\nقال ابن كثير: \" وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد\" (٦).\nوسئل معاذ بن جبل عن قول الله: \" ﴿قد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها قال: لا انفصام لها يعني: لا انقطاع لها- مرتين- دون دخول الجنة\" (٧).\nقال ابن أبي حاتم: \"وروي عن السدي نحو ذلك\" (٨).\nوروي عن مجاهد في قوله: \" ﴿لا انفصام لها﴾، قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم\" (٩).\nوأصل الفصم: القطع (١٠)، وقيل: الفصم بالفاء: القطع إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة (١١). ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١٢):\nومبسمها عن شتيت النبات ... غير أكس ولا منفصم\nقال ابن عطية: \" والانفصام: الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة، ومن ذلك قول ذي الرمة (١٣):\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: (٥٨٥٥): ص ٥/ ٤٢٣.\n(٤) نقلا عن تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٤. ولفظ قوله: \" لا انقطاع لها دون دخول الجنة\".\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٤.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٨): ص ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧ ..\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٩٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٥٣): ص ٥/ ٤٢٣. وابن ابي حاتم (٢٦٢٩): ص ٢/ ٤٩٧.\n(١٠) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٣٩، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٢، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٢٨ وعزاه للسدي، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٣١٤، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٨٧، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٣٤. وعبر قوم بالكسر بدل القطع، انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٢٣، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٤ أ، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٩، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٣.\n(١١) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٢١٣، الصحاح للجوهري: ٥/ ٢٠٠٢ و: ٢٠١٣، لسان العرب لابن منظور: ٥/ ٣٤٢٤ و: ٣٦٥٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢٨٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٧٢ و٢٨٣، الدر المصون للسمين: ١/ ٦١٨، والفتح: ١/ ٢٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٠٦، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٨٦، والأخيران لم يذكرا القصم.\n(١٢) ديوانه: ٢، ونقله الطبري: ٥/ ٤٢٢. من قصيدة من جيد شعر الأعشى، وقبله أبيات من تمام معناه:\nأتهجر غانية أم تلم ... أم الحبل واه بها منجذم\nأم الرشد أحجى فإن امرءا ... سينفعه علمه إن علم\nكما راشد تجدن امرءا ... تبين، ثم انتهى إذ قدم\nعصى المشفقين إلى غيه ... وكل نصيح له يتهم\nوما كان ذلك إلا الصبا ... وإلا عقاب امرئ قد أثم\nونظرة عين على غرة ... محل الخليط بصحراء زم\nومبسمها .............. ... . . . . . . . . . . . .\nفبانت وفي الصدر صدع لها ... كصدع الزجاجة ما يلتئم\nوقوله: \" ومبسهما \" منصوب عطفا ما قبله، وهو مصدر ميمى، أي ابتسامها. والشتيت: المتفرق المفلج، يعنى: عن ثغرها شتيت النبات، غير متراكب نبتة الأسنان. والأكس، من الكسس (بفتحتين): وهو أن يكون الحنك الأعلى أقصر من الأسفل، فتكون الثنيتان العلييان وراء السفليين من داخل الفم. وهو عيب في الخلفية. ورواية الديوان: \" منقصم \" وهي أجود معنى.\n(١٣) ديوانه: ٥٧٢. يصف غزالا قد انحنى في نومه، فشبّهه بدملج قد انفصم.","vol":"5","page":246},{"text":"كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم\" (١)\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، \" أي سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم\" (٢).\nقال القاسمي: \"اعتراض تذييليّ حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق، بما فيه من الوعد والوعيد\" (٣).\nقال البغوي: \" ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ قيل: لدعائك إياهم إلى الإسلام، ﴿عَلِيم﴾ بحرصك على إيمانهم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سَمِيعٌ من أجل النطق وعَلِيمٌ من أجل المعتقد\" (٥).\nقال السعدي: \" فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها\" (٦).\n\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه لا يكره أحد على الدين لوضوح الرشد من الغي؛ لقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾؛ هذا على القول بأنها خبرية؛ أما على القول بأنها إنشائية فإنه يستفاد منها أنه لا يجوز أن يكره أحد على الدين؛ وبينت السنة كيف نعامل الكفار؛ وذلك بأن ندعوهم إلى الإسلام؛ فإن أبوا فإلى بذل الجزية؛ فإن أبوا قاتلناهم.\n٢ - ومنها: أنه ليس هناك إلا رشد، أو غي؛ لأنه لو كان هناك ثالث لذُكر؛ لأن المقام مقام حصر؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤].\n٣ - ومنها: أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾؛ فمن آمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن.\n٤ - ومنها: أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾؛ وجه هذا أنه ﷾ جعل الكفر بالطاغوت قسيمًا للإيمان بالله؛ وقسيم الشيء غير الشيء؛ بل هو منفصل عنه.\n٥ - ومنها: أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لقوله تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾.\n٦ - ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ يؤخذ ذلك من اسم التفضيل: ﴿الوثقى﴾؛ لأن التفضيل يقتضي مفضلًا، ومفضلًا عليه؛ ولا شك أن الأعمال تتفاضل بنص القرآن، والسنة؛ قال تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾؛ [الملك: ٢] و﴿أحسن﴾ اسم تفضيل؛ وهذا دليل على أن الأعمال تتفاضل بالحُسن؛ وسئل النبي ﷺ: «أي العمل أحب إلى الله قال: الصلاة على وقتها» (٧) وقال ﷾ في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (٨)؛ ويلزم من تفاضل الأعمال تفاضل العامل: كلما كان\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٥.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٣١٤.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ١١٠.\n(٧) أخرجه البخاري ص ٤٤، كتاب مواقيت الصلاة، باب ٥: فضل الصلاة لوقتها، حديث رقم ٥٢٧، وأخرجه مسلم ص ٦٩٣، كتاب الإيمان، باب ٣٦: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث رقم ٢٥٣ [١٣٨] ٨٥.\n(٨) أخرجه البخاري ص ٥٤٥ – ٥٤٦، كتاب الرقاق، باب ٣٨: التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢.","vol":"5","page":247},{"text":"العمل أفضل كان العامل أفضل؛ وتفاضل الأعمال يكون بعدة أمور: بحسب العامل؛ بحسب العمل جنسه، أو نوعه؛ بحسب الزمان؛ بحسب المكان؛ بحسب الكيفية، والمتابعة؛ بحسب الإخلاص لله؛ بحسب الحال.\nمثاله بحسب العامل: قول النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه» (١).\nومثاله بحسب العمل: جنسه، ونوعه؛ فالصلاة مثلًا أفضل من الزكاة؛ والزكاة أفضل من الصيام؛ هذا باعتبار الجنس؛ ومثاله باعتبار النوع: الفريضة من كل جنس أفضل من النافلة؛ فصلاة الفجر مثلًا أفضل من راتبة الفجر.\nومثاله بحسب الزمان: قوله -ﷺ-: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٢)، وقوله -ﷺ-: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (٣).\nومثاله بحسب المكان قوله -ﷺ-: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٤).\nومثاله بحسب الكيفية؛ بمعنى أن كيفية العبادة تكون أفضل من كيفية أخرى، كالخشوع في الصلاة قال تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢].\nمثاله بحسب المتابعة: قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل؛ لأن القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى بحسب ذلك الوصف.\nومثاله بحسب الإخلاص أنه كلما كان العامل أشد إخلاصًا لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشرك؛ ومثاله بحسب الحال: العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة، والإقبال؛ ولهذا كان العامل في أيام الصبر له أجر خمسين من الصحابة لكثرة الإعراض عن الله ﷿، وعن دينه؛ فلا يجد أحدًا يساعده، ويعينه؛ بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به، ويسخر به؛ ومن تفاضلها باعتبار الحال أن العفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ؛ لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ؛ فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ؛ ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني أشد من عقوبة الشاب؛ لقوله -ﷺ-: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعة لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» (٥).\n٧ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله - هما «السميع العليم»، وما تضمناه من صفة.\n\nالقرآن\n﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٩٩، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب، حديث رقم ٣٦٧٣، وأخرجه مسلم ص ١١٢٣، كتاب فضائل الصحابة، باب ٥٤، تحريم سب الصحابة ﵃، حديث رقم ٦٤٨٧ [٢٢١] ٢٥٤٠.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٩٦٩، كتاب العيدين، باب ١١، فضل العمل في أيام التشريق، حديث رقم ٩٦٩؛ وأخرجه الترمذي ص ١٧٢٢، كتاب الصوم، باب ٥٢: ما جاء في العمل في أيام العشر، حديث رقم ٧٥٧؛ واللفظ له.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٢٢٩، كتاب الجهاد، باب ٣٦: فضل الصوم في سبيل الله، حديث رقم ٢٨٤٠، وأخرجه مسلم ص ٨٦٢، كتاب الصوم، باب ٣١: فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه ...، حديث رقم ٢٧١٣ [١٦٨] ١١٥٣.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٩٢، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، باب ١: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم ١١٩٠، وأخرجه مسلم ص ٩٠٨، كتاب الحج، باب ٩٤: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، حديث رقم ٣٣٧٤ [٥٠٥] ١٣٩٤.\n(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ٢/ ٢١؛ وقال المنذري في الترغيب والترهيب رواته محتج بهم في الصحيح ٢/ ٥٨٧، ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين، حديث رقم ٩.","vol":"5","page":248},{"text":"التفسير:\nالله يتولى المؤمنين بنصره وتوفيقه وحفظه، يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان. والذين كفروا أنصارهم وأولياؤهم الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، يُخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، أولئك أصحاب النار الملازمون لها، هم فيها باقون بقاء أبديًا لا يخرجون منها.\nفي سبب نزول الآية، روي عن \"المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾، إلى ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم، فلما جاءهم محمد -ﷺ- كفروا به، وأنزلت فيهم هذه الآية\" (١).\nقال ابن عطية: \" فكأن هذا القول أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى ظلمات. ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص. بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب، ومترتب في الناس جميعا. وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه. وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر ما: أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل فيه البتة\" (٢).\nقوله تعلى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، \" أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي أمورهم\" (٣).\nقال الطبري: \" نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه\" (٤).\nقال القاسمي: أي حافظهم وناصرهم\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"أي: متوليهم؛ والمراد بذلك الولاية الخاصة\" (٦).\nقال الشوكاني: \"الولي (فعيل) بمعنى (فاعل) وهو الناصر\" (٧).\nقال ابن عطية: \" الـ (وَلِيُّ) فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه\" (٨).\nقال الراغب: \" الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارة بالمكان، فيقال له الولاية وتارة بالنصر فيقال له الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضرب باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يقال للخادم والمخدوم مولى، وولي، لأن كل واحد منهما يوالي الآخر الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق، والكناية، وقال: أهل اللغة: المولى المالك، والمملوك والمعتق والمعتق والناصر والمنصور وابن العم والحليف والجار والقيم، وأخذوا في كل ذلك المتطابقين، لكون كل واحد مهما مواليًا للآخر بوجه\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥٨٥٩): ص ٥/ ٤٢٦. وفي رواية ابن أبي حاتم (٢٦٣٠): ٢/ ٤٩٧: \"حدثنا أبى، ثنا يحي بن المغيرة، ابنا جرير، عن منصور، عن عبدة ابن أبي لبابة، عن مقسم أو مجاهد، في قول الله ﷿: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور قال: كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به، فلما بعث محمد ﷺ، آمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فقال: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور يخرجهم من كفرهم بعيسى إلى إيمان بمحمد ﷺ. وروي عن أبي مالك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك\".\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٥.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٥.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧١.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٧٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.\n(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥٣٣.","vol":"5","page":249},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، \"أى: أرادوا أن يؤمنوا\" (١).\nقال الشوكاني: \" الذين ارادوا الإيمان لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبه التي تعرض للمؤمنين فلا يحتاج إلا تقدير الارادة\" (٢).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجوها (٣):\nالأول: يتولاهم بالنصرة.\nوالثاني: مرشدهم وولي هدايتهم. قاله الحسن (٤).\nالثالث: وقيل: محبهم.\nالرابع: وقيل: متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره.\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سُبُل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير\" (٥)\nقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: \" يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان\" (٦).\nقال الصابوني: أي\" يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إِلى نور الإِيمان والهداية\" (٧).\nقال الطبري: \"وإنما جعل ﴿الظلمات﴾ للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه. فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر [عن] أبصار القلوب\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فيه وجهان:\nأحدهما: من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، قاله قتادة (٩)، وبمعناه قال: الضحاك (١٠)، والربيع (١١).\nوالثاني: يخرجهم من ظلمات العذاب في النار، إلى نور الثواب في الجنة (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" وجمع ﴿الظلمات﴾ باعتبار أنواعها؛ لأنها إما ظلمة جهل؛ وإما ظلمة كفر؛ وإما ظلمة فسق؛ أما ظلمة الجهل فظاهرة: فإن الجاهل بمنزلة الأعمى حيران لا يدري أين يذهب كما قال تعالى: ﴿أَوَمن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾ [الأنعام: ١٢٢] وهذا صاحب العلم؛ ﴿كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]: وهذا صاحب الجهل؛ وأما ظلمة الكفر فلأن الإيمان نور يهتدي به الإنسان، ويستنير به قلبه، ووجهه؛ فيكون ضده - وهو الكفر - على العكس من ذلك؛ أما ظلمة الفسق فهي ظلمة جزئية تكبر، وتصغر بحسب ما معه من المعاصي؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ أخبر أن\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٤.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٦.\n(٣) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٣١٥.\n(٤) نقلا عن تفسير البغوي: ١/ ٣١٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٥.\n(٩) أظر: تفسير الطبري (٥٨٥٦): ص ٥/ ٤٢٥.\n(١٠) أظر: تفسير الطبري (٥٨٥٧): ص ٥/ ٤٢٥.\n(١١) أظر: تفسير الطبري (٥٨٥٨): ص ٥/ ٤٢٥.\n(١٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٨.","vol":"5","page":250},{"text":"العبد إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء (١) - والسواد ظلمة، وتزول هذه النكتة بالتوبة، وتزيد بالإصرار على الذنب؛ فالظلمات ثلاث: ظلمة الجهل، والكفر، والمعاصي؛ يقابلها نور العلم، ونور الإيمان، ونور الاستقامة\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، \" أي وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين\" (٣).\nاخرج ابن ابي حاتم \"عن مقاتل، قوله: ﴿والذين كفروا﴾، يعني: أهل الكتاب\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي كفروا بكل ما يجب الإيمان به سواءً كان كفرهم بالله، أو برسوله، أو بملائكته، أو باليوم الآخر، أو بالقدر، أو غيرها مما يجب الإيمان به\" (٥).\nقال ابن كثير: \" وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات\" (٦).\nقال الزمخشري: \" والذين كفروا أولياؤهم الشياطين\" (٧).\nقال القاسمي: \" أي: الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق\" (٨).\nقال الراغب: \" والنور: عبارة عن العلم والإيمان والظلمة عن ضدهما، ووجه ذلك أنه لما كان للإنسان نظرات بنظر وتبصر، ويرى بهما البصر الحاس في الرأس والبصيرة في القلب، فكما أن البصر لا يستغنى في إدراك ما يدركه من المعقولات عن نور يمده وهو نور التوفيق والإيمان، ويقال لفقد البصرين عمى، ولفقد النورين ظلمة، وأعظمهما ضررًا فقد البصيرة ونور العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلم يعد فقد البصر عمى، بالإضافة إلى فقد البصيرة، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني بذلك كلا النورين والظلمتين\" (٩).\nقال ابن عطية: \" في هذه الآية تقتضي أنه اسم جنس، ولذلك قال أَوْلِياؤُهُمُ بالجمع، إذ هي أنواع\" (١٠).\nوفي قراءة الحسن بن أبي الحسن، ﴿أولياؤهم الطواغيت﴾، يعني الشياطين (١١).\nقال ابن عثيمين: \" إذا تأملت هذه الجملة ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾، والتي قبلها تجد فرقًا بين التعبيرين في الترتيب: ففي الجملة الأولى قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ لأمور ثلاثة:\nأحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولًا استبشر به.\nثانيًا: التبرك بتقديم ذكر اسم الله ﷿.\nثالثًا: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولًا، فأخرجهم من الظلمات إلى النور.\nأما الجملة الثانية: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ ولو كانت الجملة على سياق الأولى لقال: «والطاغوت أولياء الذين كفروا»؛ ومن الحكمة في ذلك:\nأولًا: ألّا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٧٠٢، كتاب الإيمان، باب ٦٤: رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب ...، حديث رقم ٣٦٩ [٢٣١] ١٤٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧١ - ٢٧٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٣١): ص ٢/ ٤٩٧.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٤.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٥.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣٣.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.\n(١١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.","vol":"5","page":251},{"text":"ثانيًا: أن الطاغوت أهون، وأحقر من أن يُبدأ به، ويُقدّم.\nثالثًا: أن البداءة بقوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾ أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: \" يخرجونهم من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة\" (٢).\nقال الصابوني: \"يخرجونهم من نور الإِيمان إِلى ظلمات الشك والضلال\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: أهل الكتاب، كانوا آمنوا بمحمد ﷺ وعرفوا أنه رسول الله ﷺ ويجدونه في كتبهم، وكانوا هـ مؤمنين، قبل أن يبعث، فلما بعثه الله كفروا وجحدوا وأنكروا، فذلك خروجهم من النور، يعني من إيمانهم بمحمد ﷺ قبل ذلك، ويعني بالظلمات: كفرهم بمحمد ﷺ\" (٤).\nقال ابن أبي حاتم: \"وروي عن الربيع بن أنس وقتادة وأبي مالك، نحو ذلك\" (٥).\nقال ابن كثير: \" ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك\" (٦).\nقال القاسمي: يخرجونهم\" بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال والإغواء من الإيمان الفطريّ الذي جبل عليه الناس كافة، أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبيّ ﷺ إِلَى ظلمات الكفر والغي\" (٧).\nقال الشوكاني: \" والمراد بالنور في قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [٢٥٧]، ما جاء به انبياء الله من الدعوة إلى الدين فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر أي قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء، وقيل المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج\" (٨).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجهين (٩):\nأحدهما: يخرجونهم من نور الهدى إلى ظلمات الضلالة.\nقال الواقدي: \"كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام، \"وجعل الظلمات والنور\" فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه\" (١٠).\nوالثاني: يخرجونهم من نور الثواب إلى ظلمة العذاب في النار.\nفإن قيل: فكيف يخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه؟ فعن ذلك ثلاثة اجوبة (١١):\nأحدهما: أنها نزلت في قوم مُرْتَدِّين، قاله مجاهد (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٢.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٣٢): ص ٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٩٨.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٧) محاسن التأويل: ١/ ١٩٥.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٧٦.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣١٥.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٩، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٣.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٢٩.","vol":"5","page":252},{"text":"أي: \" يراد بهذا من كانوا على الإيمان أولًا، ثم أُخرجوا كما هو ظاهر اللفظ\" (١).\nوالثاني: أنها نزلت فيمن لم يزل كافرًا، وإنما قال ذلك لأنهم لو لم يفعلوا ذلك بهم لدخلوا فيه، فصاروا بما فعلوه بمنزلة من قد أخرجهم منه.\nوالثالث: أنهم كانوا على الفطرة عند أخذ الميثاق عليهم، فلما حَمَلُوهم على الكفر أخرجوهم من نور فطرتهم، \"فإن كل مولود يولد على الفطرة؛ فكانوا على الفطرة السليمة، والإيمان، ثم أخرجوهم، كقوله -ﷺ-: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٢) \" (٣).\nقال القاسمي: \" وإفراد ﴿النور﴾ لوحدة الحق، كما أن جمع ﴿الظلمات﴾ لتعدد فنون الضلال\" (٤). وقال ابن كثير: \" ولهذا وحد تعالى لفظ ﴿النور﴾ وجمع ﴿الظلمات﴾؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: هؤلاء الذين كفروا\" ماكثون في نار جهنم لا يخرجون منها أبدًا\" (٦).\nقال ابن عثيمين: قوله ﴿أُولَئِكَ﴾، أي: المشار إليه الذين كفروا، ودعاتهم، هم أهل النار الملازمون لها (٧).\nقال ابن عطية: \" وحكم عليهم بالخلود في النار لكفرهم\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه تحصل به ولاية الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.\n٢ - ومنها: إثبات الولاية لله ﷿؛ أي أنه ﷾ يتولى عباده؛ وولايته نوعان؛ الأول: الولاية العامة؛ بمعنى أن يتولى شؤون عباده؛ وهذه لا تختص بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠] يعني الكافرين؛ والنوع الثاني: ولاية خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]، وكما في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾؛ ومقتضى النوع الأول أن لله تعالى كمال السلطان، والتدبير في جميع خلقه؛ ومقتضى النوع الثاني: الرأفة، والرحمة، والتوفيق.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾.\n٤ - ومنها: أن الكافرين أولياؤهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين، أو معبودين، أو مطاعين.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٣.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٠٨، كتاب الجنائز، باب ٩٢: ما قيل في أولاد المشركين، حديث رقم ١٣٨٥، وأخرجه مسلم ص ١١٤١، كتاب القدر، باب ٦: معنى كل مولود يولد على الفطرة ...، حديث رقم ٦٧٥٥ [٢٢] ٢٦٥٨.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٣.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.","vol":"5","page":253},{"text":"٥ - ومنها: براءة الله ﷿ من الذين كفروا؛ يؤخذ من المنطوق، والمفهوم؛ فالمفهوم في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ فمفهومه: لا الذين كفروا؛ المنطوق من قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ وهذا مقابل لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.\n٦ - ومنها: سوء ثمرات الكفر، وأنه يهدي إلى الضلال - والعياذ بالله؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾؛ وهذا الإخراج يشمل ما كان إخراجًا بعد الوقوع في الظلمات، وما كان صدًّا عن النور؛ وعلى الثاني يكون المراد بإخراجهم من الظلمات: استمرارهم على الظلمات.\n٧ - ومنها: أن الكفر مقابل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ولي الذين آمنوا والذين كفروا ...﴾ إلخ؛ ولكن هل معنى ذلك أنه لا يجتمع معه؟ الجواب أنه قد يجتمع معه على القول الراجح الذي هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقول النبي ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)؛ وهذا الكفر لا يرفع الإيمان لقول الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ...﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠]؛ فأثبت الأخوة الإيمانية مع الاقتتال الذي قال عنه النبي ﷺ: إنه كفر؛ وانظر إلى الإنسان يكون فيه كذب - وهو من خصال المنافقين؛ ويكون فيه حسد - وهو من خصال اليهود؛ ويكون فيه صدق - وهو من خصال المؤمنين؛ ويكون فيه إيثار - وهو من صفات المؤمنين أيضًا؛ لكن الكفر المطلق - وهو الذي يخرج من الإسلام - لا يمكن أن يجامع الإيمان.\n٨ - ومن فوائد الآية: إثبات النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾؛ والنار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]؛ فقال تعالى: ﴿أعدت﴾ بلفظ الماضي؛ والإعداد هو التهيئة؛ وثبت عن النبي ﷺ في غير حديث أنه رآها: ففي صلاة الكسوف عرضت عليه النار، ورأى فيها عمرو بن لُحيّ يجر قصبه في النار (٢)؛ ورأى المرأة التي تعذب في هرة؛ ورأى صاحب المحجن يعذب (٣)؛ المهم أن النار موجودة أبدية؛ وليست أزلية؛ لأنها مخلوقة بعد أن لم تكن؛ ولكنها أبدية لا تفنى: قال تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ [فاطر: ٣٦]؛ وذكر تأبيد أهلها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ وبهذا يعرف بطلان قول من يقول: «إنها تفنى»؛ وأنه قول باطل مخالف للأدلة الشرعية.\n٩ - ومنها: أن الكافرين مخلدون في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾؛ والصاحب للشيء: الملازم له.\n١٠ - ومنها: أن الخلود خاص بالكافرين؛ وأن من يدخل النار من المؤمنين لا يخلّد؛ لقوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾؛ يعني: دون غيرهم.\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٦: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، حديث رقم ٤٨، وأخرجه مسلم ص ٦٩١، كتاب الإيمان، باب ٢٨: بيان قول النبي ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، حديث رقم ٢٢١ [١١٦] ٦٤.\n(٢) راجع البخاري ص ٢٨٧، كتاب المناقب، باب ٩: قصة خزاعة، حديث رقم ٣٥٢١؛ ومسلمًا ص ١١٧٣، كتاب الجنة، باب ١٣: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم ٧١٩٢ [٥٠] ٣٨٥٦.\n(٣) راجع مسلمًا ص ٨٢٠، كتاب الكسوف، باب ٣: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث رقم ٢١٠٢ [١٠] ٩٠٤.","vol":"5","page":254},{"text":"هل رأيت -أيها الرسول- أعجب مِن حال هذا الذي جادل إبراهيم ﵇ في توحيد الله تعالى وربوبيته؛ لأن الله أعطاه المُلْك فتجبَّر وسأل إبراهيمَ: مَن ربُّك؟ فقال ﵇: ربي الذي يحيي الخلائق فتحيا، ويسلبها الحياة فتموت، فهو المتفرد بالإحياء والإماتة، قال: أنا أحيي وأميت، أي أقتل مَن أردتُ قَتْلَه، وأستبقي مَن أردت استبقاءه، فقال له إبراهيم: إن الله الذي أعبده يأتي بالشمس من المشرق، فهل تستطيع تغيير هذه السُّنَّة الإلهية بأن تجعلها تأتي من المغرب؛ فتحيَّر هذا الكافر وانقطعت حجته، شأنه شأن الظالمين لا يهديهم الله إلى الحق والصواب.\nقال الشوكاني: \" في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي خاصم إبراهيم (٢).\nقيل: \"هو نمرود بن كنعان\". قاله مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والسدي (٦)، وابن زيد (٧) وابن إسحاق (٨)، وزيد بن أسلم (٩)، وابن جريج (١٠). وبه قال جمهول المفسرين.\nقال البغوي: \"وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية؟ \" (١١).\nقال الشوكاني: \" وهمزة الاستفهام لإنكار النفي والتقرير المنفي أي ألم ينته علمك أو نظرك إلى هذا الذي صدرت منه المحاجة\" (١٢).\nقال القرطبي: \" ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: هذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التعجب، أي اعجبوا له، وقال الفراء: \"ألم تر\" بمعنى هل رأيت، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿ألم تر﴾ يحتمل الأمرين؛ يعني: ألم تنظر يا محمد، أو: ألم تنظر أيها المخاطب\" (١٤).\nقال ابن عطية: \" وهي رؤية القلب .. والضمير في ﴿رَبِّهِ﴾ يحتمل أن يعود على إبراهيم ﵇، ويحتمل أن يعود على ﴿الَّذِي حَاجَّ﴾ \" (١٥).\nقال الماوردي: \"هو النمرود بن كنعان، وهو أول من تجبّر في الأرض وادّعى الربوبية\" (١٦).\nقال ابن عثيمين: \" «حاجه» أي ناظره، وأدلى كل واحد بحجته؛ و«الحجة» هي الدليل، والبرهان، و﴿في ربه﴾، أي في وجوده، وفي ألوهيته\" (١٧).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٧٧.\n(٢) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣١٥، وتفسير الطبري: ٥/ ٤٢٩.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٦١) و(٥٨٦٢) و(٥٨٦٣)، و(٥٨٦٤): ص ٥/ ٤٣٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٥) و(٥٨٦٦): ص ٥/ ٤٣١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٧): ص ٥/ ٤٣١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٨): ص ٥/ ٤٣١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٩): ص ٥/ ٤٣١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٠): ص ٥/ ٤٣١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧١): ص ٥/ ٤٣١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٢): ص ٥/ ٤٣١.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٣١٥.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٧.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٣.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٨.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.\n(١٦) النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(١٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٨.","vol":"5","page":255},{"text":"قال ابن عطية: \" وقرأ علي بن أبي طالب (ألم تر) بجزم الراء\" (١)، \" والجمهور بتحريكها، وحذفت الياء للجزم\" (٢).\nوفي الآية ذكر «إبراهيم» في ثلاث مرات؛ وفيها قراءتان: ﴿إبراهيم﴾، و﴿إبراهام﴾؛ وهما سبعيتان (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، \" أي: لأن آتاه الله\" (٤) الملك.\nقال البغوي: \" أي لأن آتاه الله الملك، فطغى أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه\" (٥).\nقال الشوكاني: \" أي لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله (٦)، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر كما يقال عاديتنى لأني أحسنت إليك أو وقت أن آتاه الله الملك\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" أنه حاج إبراهيم لكونه أُعطي مُلكا\" (٨).\nقال المراغي: \" أي إن الذي أورثه الكبر والبطر، وحمله على الإسراف فى الغرور والإعجاب بقدرته حتى حاجّ إبراهيم - هو إيتاء الله إياه الملك\" (٩).\nقال الحراليّ: \"وفي إشعاره أن الملك بلاء وفتنة على من أوتيه\" (١٠).\nقال القاسمي: \" يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر. فحاج لذلك، أو حاجه لأجله، وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه الشكر، كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] \" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" و«أل» في قوله تعالى: ﴿الملك﴾ الظاهر أنها لاستغراق الكمال - أي ملكًا تامًا لا ينازعه أحد في مملكته؛ لأن الله لم يعطه ملك السموات، والأرض؛ بل ولا ملك جميع الأرض؛ وبهذا نعرف أن فيما ذُكر عن بعض التابعين من أنه ملك الأرض أربعة - اثنان مؤمنان؛ واثنان كافران (١٢) - نظرًا؛ ولم يُمَلِّك الله جميع الأرض لأيّ واحد من البشر؛ ولكن يُمَلِّك بعضًا لبعض؛ والله ﷿ يقول: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ أما أن يَملِك واحد من البشر جميع الأرض فهذا مستحيل في سنة الله ﷿ فيما نعلم\" (١٣).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وجهين (١٤):\nأحدهما: هو النمرود، لما أوتي الملك حاجَّ في الله تعالى، وهو قاله مجاهد (١٥)، وقتادة (١٦)، والربيع (١٧)، والسدي (١٨)، وابن زيد (١٩) وابن إسحاق (٢٠)، وزيد بن أسلم (٢١)، وابن جريج (٢٢)، والحسن (٢٣)، وابن عباس (٢٤)، وبه قال جمهور المفسرين (٢٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٦، وتفسير القاسمي: ٢/ ١٩٦.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٣١٥.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٧.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٧٧.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٨.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٦.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(١٢) أخرجه الطبري (٥٨٧٣): ص ٥/ ٤٣٣.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٩.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٦١) و(٥٨٦٢) و(٥٨٦٣)، و(٥٨٦٤): ص ٥/ ٤٣٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٥) و(٥٨٦٦): ص ٥/ ٤٣١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٧): ص ٥/ ٤٣١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٨): ص ٥/ ٤٣١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٥٨٦٩): ص ٥/ ٤٣١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٠): ص ٥/ ٤٣١.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧١): ص ٥/ ٤٣١.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٢): ص ٥/ ٤٣١.\n(٢٣) نقلا عن النكت والعيون: ١/ ٣٢٩.\n(٢٤) الدر المنثور: ٢/ ٢٥.\n(٢٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٦.","vol":"5","page":256},{"text":"والثاني: وقيل: هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود، قاله أبو حذيفة (١)، والمهدوي (٢).\nواحتجوا، بأن\" الله تعالى لا يؤتي الملك الكفرة، لأن ذلك مفسدة ينزه الله تعالى عنها\" (٣).\nقال ابن عطية: \" قال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة، وهذا تحامل من التأويل\" (٤).\nوالراجح هو قول الجمهور، لأن \" السلطان من الأغراض الدنيوية، كالمال، والجاه، والأولاد، وذلك مما يؤتي المؤمن والكافر امتحانا واختبارًا\" (٥).\nقال الراغب: \" إن قيل: أليس قلت: إن الملك اسم لما فيه العدالة، فكيف يصح أن يقال ذلك لما يتوارد للكافر؟\nقيل: إن الملك الحقيقي الذي يجوز للإنسان المتسمي به هو ذاك لكن الناس يستعملونه فيمن يتسلط على الناس على أي وجه كان فتسمية الله تعالي إياه بذلك إنما هو على زعمه، وزعم أتباعه، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فسماه عزيزًا لا بالحقيقة لكن على ما كان يتسمى به\" (٦).\nوفي المحاجّة وجهان محتملان (٧):\nأحدهما: أنه معارضة الحجة بمثلها.\nوالثاني: أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها.\nواختلفوا في وقت هذه المناظرة، على قولين (٨):\nالأول: قال مقاتل: \"حين كسر الأصنام سجنه نمروذ ثم أخرجه ليحرقه بالنار. فقال لإبراهيم﵇-: من ربك ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وإياه أعبد ومنه أسأل\" (٩).\nالثاني: وقيل: \"أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة\" (١٠)، قاله السدي (١١)،\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، \"أي حين قال له إِبراهيم مستدلًا على وجود الله\" (١٢).\n_________\n(١) نقلا عن النكت والعيون: ١/ ٣٢٩.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٦.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣٩.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٦.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣٩.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥٣٩.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(٨) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢١٥.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٣٦): ص ٢/ ٤٩٨. ونقله ابن كثير في تفسيره: ٣/ ٦٨٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.","vol":"5","page":257},{"text":"قال القاسمي: أي: \"حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه\" (١).\nقال الشوكاني: قوله\" ﴿إذ قال إبراهيم﴾ هو ظرف لحاج، وقيل بدل من قوله ﴿أن آتاه الله الملك﴾، على الوجه الأخير وهو بعيد\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، \" يعني: \" \"ربي الذي بيده الحياة والموت\" (٣).\nقال الطبري: يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء\" (٤).\nقال الصابوني: \"إِن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده ربُّ العالمين\" (٥).\nقال القاسمي: \"أي بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي يجعل الجماد حيًا؛ ويميت ما كان حيًا، فبينما نرى الإنسان ليس شيئًا مذكورًا إذا به يكون شيئًا مذكورًا، كما قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ [الإنسان: ١]؛ ثم يبقى في الأرض؛ ثم يُعدَم ويَفنى\" (٧).\nقال الماوردي: \" يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل، فعارض اللفظ بمثله، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" ومعنى «الرب» الخالق المالك المدبر؛ وهذه الأوصاف لا تثبت على الكمال، والشمول إلا لله ﷿\" (١٠).\nوقرأ حمزة ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، بإسكان الياء وكذلك: ﴿حرم ربي الفواحش﴾ [الأعراف: ٣٣]، و﴿عن آياتي الذين يتكبرون﴾ [الأعراف: ١٤٦]، و﴿قل لعبادي الذين﴾ [إبراهيم: ٣١]، و﴿آتاني الكتاب﴾ [مريم: ٣٠]، و﴿مسني الضر﴾ [الانبياء: ٨٣]، و﴿عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، و﴿عبادي الشكور﴾ [سبأك ١٣]، و﴿مسني الشيطان﴾] ص: ٤١]، و﴿إن أرادني الله﴾ [الزمر: ٣٨]، و﴿إن أهلكني الله﴾ [الملك: ٢٨]، أسكن الياء فيهن حمزة، ووافق ابن عامر والكسائي في ﴿لعبادي الذين آمنوا﴾ وابن عامر ﴿آياتي الذين﴾ وفتحها الآخرون (١١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ: أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: قال: \"وأنا أيضًا أحيي وأميت\" (١٢).\nقال القاسمي: \" أي بالقتل والعفو عنه\" (١٣).\nوعن عكرمة في قوله: \" ﴿أنا أحيي وأميت﴾، يقول: أنا أقتل من شئت، وأترك من شئت\" (١٤).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧٩.\n(١١) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣١٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٤٧): ص ٢/ ٤٩٩.","vol":"5","page":258},{"text":"قال الشوكاني: \" فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكافر فلو قال له ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسا لخناقه وإرسالا لعنان المناظرة\" (١).\nقال المراغي: \" أي أنا أحيى من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم ﷺ، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة بالموت - وفي جواب نمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فيه وجهان:\nالأول: أنه قال ذلك تلبيسا، فقال أكثر المفسرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى (٣).\nروي ذلك عن قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" والحقيقة أنه ما أحيا، ولا أمات هنا؛ وإنما فعل ما يكون به الموت في دعوى الإماتة؛ واستبقى ما كان حيًا في دعواه الإحياء؛ فلم يوجِد حياة من عنده\" (١١).\nالثاني: وقيل: بل قال ذلك مكابرة؛ يعني: \"هو يعلم أنه لا يحيي، ولا يميت؛ كأنه يقول لإبراهيم: إذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي، وأميت؛ ثم إن إبراهيم ﵇ انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] \" (١٢).\nقال ابن كثير ردا على القول الأول: \" والظاهر - والله أعلم - أنه ما أراد هذا (١٣)؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ \" (١٤).\nقرأ جمهور القراء ﴿أنا أحيي﴾، بطرح (الألف) التي بعد (النون) من: ﴿أنا﴾ في الوصل، إذا تلتها ألف مفتوحة أو مضمومة، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، كما في قول الأعشى (١٥):\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٧٧.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٢، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٣): ص ٥/ ٤٣٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٤) (٥٨: ص ٥/ ٤٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٥) و(٥٨٧٦): ص ٥/ ٤٣٣ - ٤٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٧): ص ٥/ ٤٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٨): ص ٥/ ٤٣٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٩): ص ٥/ ٤٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٠): ص ٥/ ٤٣٦.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.\n(١٣) أي: لم يقلها تلبيسا.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(١٥) ديوانه ٥٣. وروايته فيه:\nفما أنا أم ما انتحالي القوا ... ف بعد المشيب كفى ذاك عارًا\nوذكره أبو حيان في البحر ٢/ ٢٨٨، وأورده المبرد شاهدًا على إثبات ألف أنا في الوصل ضرورة ثم قال: والرواية الجيدة: فكيف يكون انتحال القوافي بعد .... (الكامل ١/ ٣٨٤).\nوالمعنى: ينفي عن نفسه ما اتهم به عند الممدوح من أنه يسطو على شعر غيره وينتحله لنفسه.","vol":"5","page":259},{"text":"فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيب كفى ذاك عارا\nومنه قول الشاعر (١):\nأنا شيخ العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذرّيت السّناما\nفوقفوا جميعا بالألف (٢).\nقال أحمد بن موسى: \" فإنّ ورشا وأبا بكر بن أبي أويس وقالون رووا: إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن مثل: أَنَا أُحْيِي وأَنَا أَخُوكَ، [يوسف/ ٦٩] إلّا في قوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء/ ١٥] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القرّاء، وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، ولم يختلفوا في حذفها، إذا لم تلقها همزة إلا في قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] \" (٣).\nقال أبو علي الفارسي: \" القول في ﴿أَنَا﴾ أنّه ضمير المتكلم، والاسم: الهمزة والنون، فأما الألف فإنّما تلحقها في الوقف، كما تلحق الهاء له في نحو: مسلمونه، فكما أنّ الهاء التي تلحق للوقف، إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء؛ سقطت، كذلك هذه الألف تسقط في الوصل، والألف في قولهم: أنا، مثل التي في: حيّهلا، في أنها للوقف، فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء، سقطت، لأن ما يتصل به يقوم مقامه. مثل همزة الوصل في الابتداء، في نحو «٣»: ابن واسم وانطلاق، واستخراج. فكما أنّ هذه الهمزة إذا اتّصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت، ولم تثبت، لأن ما يتّصل به يتوصّل به إلى النطق بما بعد الهمزة، فلا تثبت الهمزة لذلك؛ كذلك الألف في أَنَا والهاء إذا اتصلت الكلم التي هما فيها بشيء، سقطتا ولم يجز إثباتهما، كما لم تثبت به همزة الوصل، لأن الهمزة في هذا الطّرف، مثل الألف والهاء في هذا الطرف\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: \" فإن الله الذي هو ربي يأتي بالشمس من مشرقها، فأت بها - إن كنت صادقا أنك إله - من مغربها! \" (٥).\nقال القاسمي: \" أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت فأت بها من المغرب\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي إِذا كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين ﷻ فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة\" (٧).\nقال المراغي: \" أي إن ربي الذي يعطى الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته، هو الذي يطلع الشمس من المشرق، فهو المكوّن لهذه الكائنات على ذلك النظام البديع، والسنن الحكيمة التي نشاهدها، فإن كنت\n_________\n(١) البيت لحميد بن بحدل الكلبي، انظر المنصف ١/ ١٠ وفيه: «سيف العشيرة ... حميدًا» وابن يعيش ٣/ ٩٣ والخزانة ٢/ ٣٩٠ وشرح شواهد الشافية ٤/ ٢٢٣، والصحاح أنن. وفي الأساس (ذرى) ونسبه لحميد، وعنه أثبته العلامة الميمني في ديوان حميد بن ثور ص ١٣٣ مع التحفظ فقال: الأساس (ذرى) لحميد، كذا بلا نسبة والصواب ما تقدم، وجعله ابن عصفور من الضرائر فقال: ومنها إثبات ألف أنا في الوصل إجراء لها مجرى الوقف، وأنشد بيت الأعشى السابق، وبيت حميد هذا (انظر الضرائر ص ٤٩ - ٥٠).\n(٢) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٧٧، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٦.\n(٣) السبعة في القراءات: ١٨٨، وانظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٥٩.\n(٤) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٦٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٢.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩","vol":"5","page":260},{"text":"تستطيع أن تفعل كما يفعل، فغيّر لنا شيئا من هذه النظم، فالشمس تطلع من المشرق فحوّلها وائت بها من المغرب\" (١).\nقال النسفي: \" كلمه من وجه لا يعاند، وكانوا أهل تنجيم، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال: إن ربي يحرك الشمس قسرًا على غير حركتها، فإن كنت ربًا فحركها بحركتها فهو أهون\" (٢).\nفإن قيل: فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء؟ ففيه جوابان (٣):\nأحدهما: أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيدًا عليه في الحجة.\nوالجواب الثاني: أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه، قطعًا له واستظهارًا عليه.\nقال الشوكاني: \" لكون لهذه الحجة لا تجري فيها المغالطة لا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة\" (٤).\nقال القاسمي: \" ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم ﵇، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام\" (٥).\nوقال ابن كثير: وقيل: \" أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية، وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة\" (٦).\nقال: ﴿فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ فإن قيل فَهَلاَّ عارضه النمرود بأن قال: فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان (٧):\nأحدهما: أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة.\nوالجواب الثاني: وقيل: إنما لم يقله لأنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه.\nقال البغوي: \" والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم ﵇\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: \" أي تحير ودهش وانقطعت حجته\" (٩).\nقال سفيان: \"فسكت، فلم يجبه بشيء\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٧.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ١٣٥.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(٤) محاسن التأويل: ١/ ٢٧٧.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٧.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣١٧.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٣٩): ص ٢/ ٤٩٩.","vol":"5","page":261},{"text":"وقال ابن إسحاق: \" وقعت عليه الحجة يعني: نمروذ\" (١).\nقال ابن كثير: أي\" خرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة\" (٢).\nقال القاسمي: \" تحيّر ودهش وغلب بالحجة، لما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام\" (٣).\nقال المراغي: \" أي فدهش ولم يجد جوابا، وكأنما ألقمه حجرا\" (٤).\nقال الحافظ ابن كثير: \" أي: ذهبت حجته\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي أُخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتًا دهشًا لا يستطيع الجواب\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي تحير، واندهش، ولم يحرِ جوابًا؛ فغلب إبراهيم الذي كفر؛ لأن وقوف الخصم في المناظرة عجز\" (٧).\nقال ابن عاشور: \" و﴿بهت﴾، فعل مبني للمجهول يقال بهته فبهت بمعنى أعجزه عن الجواب فعجز أو فاجأه بما لم يعرف دفعه قال تعالى: بل تأتيهم بغتة فتبهتهم [الأنبياء: ٤٠] وقال عروة العذري (٨):\nفما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب\nومنه البهتان وهو الكذب الفظيع الذي يبهت سامعه\" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فيه وجهان (١٠):\nأحدهما: يعني تحيّر.\nوالثاني: معناه انقطع، وهو قول أبي عبيدة.\nوقرئ: ﴿فَبَهَت الَّذِي كَفَرَ﴾، بفتح (الباء) و(الهاء)، بمعنى: أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان.\nقال الشوكاني: قال ابن جني: قرأ أبو حيوة (فبهت) بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في بهت بكسر (الهاء)، قال: وقرأ ابن السميفع فبهت بفتح (الباء) و(الهاء) على معنى: فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون (بهت) بفتحهما لغة في (بهت)، وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة (فبهت)، بكسر (الهاء)، قال: والأكثر بالفتح في (الهاء) \" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٤٠): ص ٢/ ٤٩٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٧.\n(٥) الهدي: ٩٥، وأصل البهت: التَّحيُر والدهشة، والمعنى: أنه انقطع وسكت متحيرًا؛ لذهاب حجته وبطلانها. انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٣٠٧، الصحاح للجوهري: ١/ ٢٤٤، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٩، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٤١، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٤، جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٣٢، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٥ ب، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٩، المفردات للراغب: ٦٣، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ٢٩، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٨٥، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٢١، الدرر المبثثة في الغرر المثلثة للفيروزآبادي: ٥٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.\n(٨) البيت لكثير عزة في ديوانه ص ٥٢٢؛ والحماسة الشجرية ١/ ٥٢٨؛ وسمط اللآلي ص ٤٠٠؛ وللمجنون في ديوانه ص ٤٩؛ وللأحوص في ملحق ديوانه ص ٢١٣؛ والأغاني ٤/ ٢٥٠؛ وخزانة الأدب ٢/ ١٧؛ ولعروة بن حزام في خزانة الأدب ٨/ ٥٦٠، ٥٦١؛ والشعر والشعراء ص ٦٢٦. فجاءة: بغتة. أبهت: أدهش وأتحير، والمعنى: إذا ما قصدت الحبيبة، لم يكن مني إلا أن أفاجأ برؤيتها فيعقد لساني، وكأني غير قادر على الكلام.\n(٩) التحرير والتنوير: ٣/ ٣٤.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٧٨.","vol":"5","page":262},{"text":"قال ابن عطية: \" وقد تأول قوم في قراءة من قرأ فَبُهِتَ بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة\" (١).\nقال الشوكاني: \" وقال سبحانه ﴿فبهت الذي كفر﴾، ولم يقل: فبهت الذي حاج، إشعار بأن تلك المحاجة كفر\" (٢).\nقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، \" أي: لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة والبرهان بخلاف أوليائه المتقين\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \"أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة، لما هم عليه من الضلالة\" (٤).\nوعن السدي: \" ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ قال: إلى الإيمان\" (٥).\nقال الطبري: \" والله لا يهدي أهل الكفر إلى حجة يدحضون بها حجة أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة، لأن أهل الباطل حججهم داحضة\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد\" (٧).\nقال الواحدي: \" لا يجعل جزاءهم على ظلمهم أن يهديهم\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا. بل حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦] \" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي: لا يوفقهم للهداية\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" إخبار لمحمد ﵇ وأمته، والمعنى: لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم، لأنه لا هدى في الظلم، فظاهره العموم، ومعناه الخصوص، كما ذكرنا، لأن الله قد يهدي الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الإيمان. ويحتمل أن يكون الخصوص فيمن يوافي ظالما\" (١١).\nقال الراغب: \" أي: لا يقبلون منه هدايته لهم، وإذا لم يقبلوا منه لم يعطهم، وإذا لم يعطهم فهو لم يهدهم، وأيضا فالظلم هاهنا مناف للهداية، فإنه جحود ألاء الله، والامتناع من قبولها والهداية تقتضي تحري العدالة، فإذا الهداية والظلم كالمتضادين لا يجتمعان\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي إن الله لا يهدى من أعرض عن قبول الهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، اتباعا لهواه وشهواته التي تزين له ما هو فيه، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضلّ صلالا بعيدا\" (١٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٧.\n(٢) الفتح القدير: ١/ ٢٧٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٥٨٨١): ص ٥/ ٤٣٨، وابن أبي حاتم (٢٦٤٠): ص ٢/ ٤٩٩.\n(٥) الدر المصون: ٢/ ٢٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.\n(٨) التفسير الوسيط: ١/ ٣٧٢.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٦.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨١.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٧.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٠.\n(١٣) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٧.","vol":"5","page":263},{"text":"قال ابن عاشور: \" وإنما انتفى هدي الله لقوم الظالمين لأن الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره، والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، والقرآن مملوء بذلك، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصب وترويج الباطل والخطإ\" (١).\nقال الطبري: \" (الظلم): وضع الشيء في غير موضعه، والكافر وضع جحوده ما جحد في غير موضعه، فهو بذلك من فعله ظالم لنفسه\" (٢).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وجهين (٣):\nأحدهما: لا يعينهم على نصرة الظلم.\nوالثاني: لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم.\nويحتمل الظلم هنا وجهين (٤):\nأحدهما: أنه الكفر خاصة.\nوالثاني: أنه التعدي من الحق إلى الباطل.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن الكريم في عرض الأمور العجيبة معرض التقرير، والاستفهام؛ لأن «التقرير» يحمل المخاطَب على الإقرار؛ و«الاستفهام» يثير اهتمام الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام، والتقرير.\n٢ - ومنها: بيان كيف تصل الحال بالإنسان إلى هذا المبلغ الذي بلغه هذا الطاغية؛ وهو إنكار الحق لمن هو مختص به، وادعاؤه المشاركة؛ لقوله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾.\n٣ - ومنها: أن المحاجة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحق من مقامات الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾.\n٤ - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة، والمحاجة؛ لأنها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؛ ومن طالع كتب شيخ الإسلام ونحوها تعلَّم المناظرة - ولو لم يدرسها فنًا.\n٥ - ومنها: أن النعم قد تكون سببًا للطغيان؛ لأن هذا الرجل ما طغى وأنكر الخالق إلا لأن الله آتاه الملك؛ ولهذا أحيانًا تكون الأمراض نعمة من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمة على العبد؛ لأن الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رغد، وفي عيش هنيء فإنه ربما يطغى، وينسى الله ﷿.\n٦ - ومنها: صحة إضافة الملكية لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾.\n٧ - ومنها: أن ملك الإنسان ليس ملكًا ذاتيًا من عند نفسه؛ ولكنه معطى إياه؛ لقوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾؛ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦].\n٨ - ومنها: فضيلة إبراهيم -ﷺ-، حيث قال مفتخرًا، ومعتزًا أمام هذا الطاغية: ﴿ربي﴾؛ فأضافه إلى نفسه، كأنه يفتخر بأن الله ﷾ ربه.\n٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾؛ وهذه المسألة أنكرها كثير من علماء الكلام؛ وعللوا ذلك بعلل عليلة؛ بل ميتة لا أصل لها؛ لأنهم قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ وإن الحوادث إن كانت كمالًا كان فقدها نقصًا؛ وإن كانت نقصًا فكيف يتصف الله بها! إذًا هي ممتنعة؛ لأنها نقص على كل تقدير؛ وحينئذٍ يجب أن ننزه الله عنها، وأن تكون ممتنعة عليه؛ والجواب عن ذلك أن\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٣/ ٣٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٧.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٠.","vol":"5","page":264},{"text":"قولكم: «الحوادث لا تقوم إلا بحادث» مجرد دعوى؛ ونحن نعلم أن الحوادث تحدث منا، ولكنها ليست سابقة بسبقنا؛ ولا يعد ذلك فينا نقصًا؛ فالحوادث تحدث بعد مَن أحدثها؛ ولا مانع من ذلك؛ فمن الممكن أن يكون المتصف بها قديمًا وهي حادثة؛ وأما قولكم: «إنها إن كانت كمالًا كان فقدها نقصًا؛ وإن كانت نقصًا فكيف يوصف بها»؟ فنقول: هي كمال حال وجودها؛ فإذا اقتضت الحكمة وجودها كان وجودها هو الكمال؛ وإذا اقتضت الحكمة عدمها كان عدمها هو الكمال.\n١٠ - ومن فوائد الآية: أن الإحياء والإماتة بيد الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾؛ إذًا فاعتمد على الله ﷿، ولا تخف، ولا تقدر أسبابًا وهمية؛ مثلًا دعيت إلى أيّ عمل صالح فقلت: أخشى إن عملت هذا العمل أن أموت؛ نقول: هذا إذا كان مجرد وهم فإن هذه الخشية لا ينبغي أن يبني عليها حكمًا، بحيث تمنعه من أمر فيه مصلحته، وخيره.\n١١ - ومنها: أن الإنسان المجادل قد يكابر فيدعي ما يعلم يقينًا أنه لا يملكه؛ لقول الرجل الطاغية: ﴿أنا أحيي وأميت﴾؛ ومعلوم أن هذا إنما قاله في مضايقة المحاجة؛ والإنسان في مضايقة المحاجة ربما يلتزم أشياء هو نفسه لو رجع إلى نفسه لعلم أنها غير صحيحة؛ لكن ضيق المناظرة أوجب له أن يقول هذا إنكارًا، أو إثباتًا.\n١٢ - ومنها: حكمة إبراهيم -ﷺ-، وجودته في المناظرة سواء قلنا: إن هذا من باب الانتقال من حجة إلى أوضح منها، أو قلنا: إنه من باب تفريع حجة على حجة.\n١٣ - ومنها: الرد على علماء الهيئة الذين يقولون: إن إتيان الشمس ليس إتيانًا لها بذاتها؛ ولكن الأرض تدور حتى تأتي هي على الشمس؛ ووجه الرد أن إبراهيم قال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾؛ إذًا الله أتى بها من المشرق؛ وهم يقولون: إن الله لم يأت بها من المشرق؛ ولكن الأرض بدورتها اطلعت عليها؛ ونحن نقول: إن الله لم يقل: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق؛ فأدرها حتى تُرى من المغرب! ويجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق: قال الله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]؛ فإذا كان يقول في كلامه إن الشمس: «تأتي»، و«تطلع»، و«تغرب»، و«تزول»، و«تتوارى»؛ كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس؛ لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك، ونضيفها إلى الأرض! ! ! ويوم القيامة سيقول الله لنا: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥]؛ لا يقول: ماذا أجبتم العالم الفلكي الفلاني؛ على أن علماء الفلك قديمًا، وحديثًا مختلفون في هذا؛ لم يتفقوا على أن الأرض هي التي بدورانها يكون الليل، والنهار؛ وما دام الأمر موضع خلاف بين الفلكيين أنفسهم؛ فإننا نقول كما نقول لعلماء الشرع إذا اختلفوا: «إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»؛ بل نقول: لو جاء علماء الفلك بأجمعهم ما عدلنا عن ظاهر القرآن حتى يتبين لنا أمر محسوس؛ وحينئذ نقول لربنا إذا لاقيناه: إنك قلت - وقولك الحق: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقلت: ﴿اتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]؛ ونحن ما وسعنا إلا أن نقول: إن قولك: ﴿وترى الشمس إذا طلعت﴾ [الكهف: ١٧] أي إذا طلعت رأي العين؛ لا في حقيقة الواقع؛ لأننا علمنا بحسنا، وبصرنا بأن الذي يكون به تعاقب الليل، والنهار هو دوران الأرض؛ أما والحس لم يدل على هذا؛ ولكنه مجرد أقيسة ونظريات، فإنني أرى أنه لا يجوز لأحد أن يعدل عن كلام ربه الذي خلق، والذي أنزل القرآن تبيانًا لكل شيء لمجرد قول هؤلاء.\n١٤ - ومن فوائد الآية: أن الحق لا تمكن المجادلة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾.\n١٥ - ومنها: إثبات أن من جحد الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾؛ وهذه هي النكتة في الإظهار مقام الإضمار؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر.","vol":"5","page":265},{"text":"١٦ - ومنها: الإشارة إلى أن محاجة هذا الرجل محاجة بباطل؛ لقوله تعالى: ﴿الذي كفر﴾؛ لأن الذين كفروا هم الذين يحاجون حجة باطلة؛ قال الله تعالى: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [الكهف: ٥].\n١٧ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان حرّ: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه؛ وهذه الآية واضحة في أن الهداية بيد الله.\n١٨ - ومنها: التحذير من الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ ومن الظلم أن يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك؛ لأن العدل أن تنصاع للحق، وألا تكابر عند وضوحه؛ ولهذا ضل من ضل من أهل الكلام؛ لأنه تبين لهم الحق؛ ولكن جادلوا؛ فبقوا على ما هم عليه من ضلال.\n١٩ - ومنها: أن الله لا يمنع فضله عن أحد إلا إذا كان هذا الممنوع هو السبب؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ فلظلمهم لم يهدهم الله؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥].\n٢٠ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أظلم كان عن الهداية أبعد؛ لأن الله علق نفي الهداية بالظلم؛ وتعليق الحكم بالظلم يدل على عليته؛ وكلما قويت العلة قوي الحكم المعلق عليه.\n٢١ - ومنها: أن من أخذ بالعدل كان حريًا بالهداية؛ لمفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله، فصاحب العدل حري بأن يهديه الله ﷿؛ فإن الإنسان الذي يريد الحق ويتبع الحق - والحق هو العدل - غالبًا يُهدى، ويوفّق للهداية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية عبارة من أحسن العبارات؛ قال: «من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق»؛ وهذه كلمة مأخوذة من القرآن منطوقًا، ومفهومًا.\nالقرآن\n﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]\nالتفسير:\nأو هل رأيت -أيها الرسول- مثل الذي مرَّ على قرية قد تهدَّمت دورها، وخَوَتْ على عروشها، فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثم ردَّ إليه روحه، وقال له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتًا؟ قال: بقيت يومًا أو بعض يوم، فأخبره بأنه بقي ميتًا مائة عام، وأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه، وكيف حفظهما الله من التغيُّر هذه المدة الطويلة، وأمره أن ينظر إلى حماره كيف أحياه الله بعد أن كان عظامًا متفرقة؟ وقال له: ولنجعلك آية للناس، أي: دلالة ظاهرة على قدرة الله على البعث بعد الموت، وأمره أن ينظر إلى العظام كيف يرفع الله بعضها على بعض، ويصل بعضها ببعض، ثم يكسوها بعد الالتئام لحمًا، ثم يعيد فيها الحياة؟ فلما اتضح له ذلك عِيانًا اعترف بعظمة الله، وأنه على كل شيء قدير، وصار آية للناس.\nقال القاسمي: هذه الآية \" استشهاد على ما ذكر تعالى من ولايته للمؤمنين وتقرير له، معطوف على الموصول السابق\" (١).\nقال المراغي: \" وقد أبهم الله القرية فلم يذكر مكانها ولا المارّ عليها، بل اقتصر على موضع العبرة، وما به تقوم الحجة ولم يعن بما فوق ذلك حتى لا يشغل القارئ أو السامع به\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \" أي: أرأيت مثل الذي مرّ على قرية\" (٣).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٩.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠. و﴿القرية﴾، مأخوذة من القَرْي؛ وهي الجمع؛ وتطلق على الناس المجتمعين في البلد؛ وتطلق على البلد نفسها - حسب السياق - فمثلًا في قوله تعالى: ﴿قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ [العنكبوت: ٣١] المراد بـ ﴿القرية﴾ هنا المساكن؛ لأنه تعالى قال: ﴿أهل هذه القرية﴾؛ وأما في قوله تعالى: ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾ فالمراد بـ «القرية» هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: ﴿أهلكناها﴾، وقوله تعالى: ﴿وهي ظالمة﴾: وهذا لا يوصف به البلد، فتبين أن القرية يراد بها أحيانًا البلد التي هي محل مجتمع الناس؛ ويراد بها القوم المجتمعون - على حسب السياق؛ وكما قال أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها﴾ [يوسف: ٨٢]: فالمراد بـ ﴿القرية﴾ هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾؛ لأن السؤال لا يمكن أن يوجه إلى القرية التي هي البناء؛ وإذا كانت «القرية» تطلق على أهل القرية بنص القرآن فلا حاجة إلى أن نقول: هذا مجاز أصله: واسأل أهل القرية؛ لأنا رأينا في القرآن الكريم أن «القرية» يراد بها الساكنون. [انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٨].","vol":"5","page":266},{"text":"قال الطبري: \" قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] عطف على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، وإنما عطف قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ على قوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، وإن اختلف لفظاهما، لتشابه معنييهما. لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، بمعنى: هل رأيت، يا محمد، كالذي حاج إبراهيم في ربه؟ ثم عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، لأن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه، وإن خالف لفظه لفظه\" (١).\nقال القاسمي: \" وإيثار (أو) الفارقة على (الواو) الجامعة للاحتراز عن توهم اتحاد المستشهد عليه من أول الأمر. والكاف إما اسمية جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر\" (٢).\nواتفق أهل العلم بأن ﴿أو﴾ للعطف حملا على المعنى، واختلفوا في التقدير على قولين (٣):\nالأول: فعند الكسائي والفراء، يكون التقدير: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية.\nالثاني: وقال المبرد: المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو كالذي مر على قرية. فأضمر في الكلام من هو.\nقال القرطبي: \"وقرأ أبو سفيان بن حسين ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ بفتح الواو، وهي واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام الذي معناه التقرير\" (٤).\nواختلفوا في الذي مر على قرية على خمسة أقاويل (٥):\nأحدها: أنه عزيز (٦)، قاله ناحية بن كعب (٧)، وسليمان بن بريدة (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠)، وعكرمة (١١)، والسدي (١٢)، والضحاك (١٣)، وابن عباس (١٤)، وعلي بن أبي طالب (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٨.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٢.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٨، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤ - ٥٤٣، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٧، وتفسير الطبري: ٥/ ٤٣٩ وما بعدها، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٠٠ وما بعدها.\n(٦) قال السيوطي: \"أخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: كان أمر عزير وبختنصر في الفترة\". [الدر المنثور: ٢/ ٢٩].\nوقال: \"وأخرج إسحق وابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح قال: كان أمر عزير بين عيسى ومحمد\". [الدر المنثور: ٢/ ٢٩].\nوقال أيضا: \"أخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كانت قصة عزير وبختنصر بين عيسى وسليمان\". [الدر المنثور: ٢/ ٢٩].\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٢): ص ٥/ ٤٣٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٣): ص ٥/ ٤٣٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٥) و(٥٨٨٤): ص ٥/ ٤٣٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٦): ص ٥/ ٤٣٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٧): ص ٥/ ٤٣٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٨): ص ٥/ ٤٤٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٩): ص ٥/ ٤٤٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٠): ص ٥/ ٤٤٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٤١): ص ٢/ ٥٠٠.","vol":"5","page":267},{"text":"والثاني: أنه إرْمياء (١)، وهو قول وهب (٢)، وعبدالله بن عبيد بن عمير (٣)، وبكر بن مضر (٤).\nوالثالث: أنه الخَضِر، وهو قول ابن إسحاق (٥).\nوالرابع: وقيل أنه حزقيل بن بوزا. روي ذلك عن سليمان بن محمد الأسلمي السياري الجاري (٦).\nالخامس: وقال الزمخشري: \"والمار كان كافرا بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: أنى يحيى\" (٧).\nقال الطبري: \" ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَلِهِ البيان على اسم قائل ذلك. وجائز أن يكون ذلك عزيرا، وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم\" (٨).\nوقد قال الزمخشري: \" وقيل هو عزيز أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم ﵇. وقوله: أنى يحيي اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي\" (٩).\nواختلفوا في (القرية) على ثلاثة اقوال (١٠):\nالأول: هي بيت المقدس، لما خرّبه بُخْتنصَّر، وهذا قول وهب (١١) وقتادة (١٢)، والضحاك (١٣)، وعكرمة (١٤)، والربيع بن أنس (١٥).\nوالثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد (١٦).\n_________\n(١) وأخرج الطبري بسنده (٥٨٩١): ص ٥/ ٤٤٠: عن \"ابن إسحاق، قال: اسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل - أورميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون بن عمران\".\nثم رده ونقضه في تاريخه: ١/ ١٩٤ وما قبلها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٢) و(٥٨٩٣) و(٥٨٩٤): ص ٥/ ٤٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٥) و(٥٨٩٦): ص ٥/ ٤٤٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٦٤٣): ص ٢/ ٥٠٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٧): ص ٥/ ٤٤٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٠): ص ٥/ ٤٤٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٤٢): ص ٢/ ٥٠٠.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧. قال الزمخشري: \" فإن قلت: فإن كان المار كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافرا\". [تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨].\nعلّق الغمام أحمد بن محمد المعروف بابن المنير، قائلا: \" وهذا سؤال عجيب، والجواب عنه أعجب منه، ومن سلم لهذا السائل أن الله تعالى لا يسوغ أن يكلم الكافر؟ وهل هذا إلا خطب بلا أصل؟\nأليس أن إبليس رأس الكفر ومعدنه ومع هذا قال الله تعالى: (فاخرج منها فإنك رجيم ...) إلى آخر الآية ويقول تعالى للكفار وهم بين أطباقها يعذبون (اخسؤا فيها ولا تكلمون) ولأن هذا الأمر متيقن وقوعه فضلا عن جوازه أول العلماء قوله تعالى: (ولا يكلمهم الله) بمعنى ولا يكلمهم بما يسرهم وينفعهم. هذا وجه تعجبي من السؤال. وأما الجواب فقد أسلفت آنفا رده بأن إيمان هذا المار على القول بأنه كان كافرا إنما حصل في آخر القصة بعد أن تبينت له الآيات. وأما كلام الله تعالى فمن أول القصة. قلت: الزمخشري كفانا مؤنة هذا الفضل سؤالا وجوابا والله المستعان\". [تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨/ الهامش (١)].\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٤٢ وما بعدها، وتفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٨) و(٥٨٩٩) و(٥٩٩): ص ٥/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠١): ص ٥/ ٤٤٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٢): ص ٥/ ٤٤٣، و(٥٩٠٦): ص ٥/ ٤٤٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٣): ص ٥/ ٤٤٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٤): ص ٥/ ٤٤٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٥): ص ٥/ ٤٤٤. قال الطبري: \" حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾، قال: قرية كان نزل بها الطاعون ثم اقتص قصتهم التي ذكرناها في موضعها عنه، إلى أن بلغ ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، في المكان الذي ذهبوا يبتغون فيه الحياة، فماتوا ثم أحياهم الله، ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [سورة البقرة: ٢٤٣]، قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، فوقف ينظر، فقال: \" أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه \" إلى قوله ﴿لم يتسنه﴾ \".\nواعترض ابن عطية على قول ابن زيد، قائلا: \" وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول هي إلى العظام والأجساد، وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها، والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٧].","vol":"5","page":268},{"text":"والثالث: وحكى النقاش أن قوما قالوا هي \"المؤتفكة\" (١).\nقال ابن كثير: \" فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: \" خالية ساقطة حيطانها على سقوفها\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وهي خالية من أهلها وسكانها\" (٤).\nقال ابن حجر: \" أي: لا أنيس فيها\" (٥)\nقال ابن كثير: \" أي: ليس فيها أحد من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُويا (٦).\nقال الراغب: \" الخو: خلو الوعاء، يقال: خلت الدار، تخوي خواء، وخوي النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهًا بذلك، وأخوي أبلغ من خوي، كما أن أسقي أبلغ من سقى، وخوي جوف فلان خوي، والتخوية: ترك ما بين الشيئين خاليًا ... والعرش: ما ارتفع من البناء، ويقال ذلك للسقف والسطح، وسمي السرير به تشبيهًا، أو عبر به عن أمر الإنسان، وقيل: استوى عرشه، وتل عرشه، والتعريش بناء ذلك وبه شبهه تعريش الكرم، وسمي المعررش منه عريشًا، وقيل: عرش الحمار إذا رفع رأسه وجعله كعرش، وعرشان الفرس شعر عرفه تشبيها بعريش الكريم\" (٧).\nوذكر أهل التفسير في تفسير قوله ﴿خَاوِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، قولان (٨):\nأحدهما: الخراب، من: خَوِي البيت بكسر الواو يَخْوِي خِوَى إذا سقط. وهو قول ابن عباس (٩) والضحاك (١٠) والربيع (١١) والسدي (١٢) وابن قتيبة (١٣)، واختيار ابن جرير (١٤) والواحدي (١٥) والشوكاني (١٦) وصديق خان (١٧).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٧، وهي قرية (سذوم) بالذال المعجمة على وزن رسول؛ القرية العظمى من قرى لوط. وقد اختلف العلماء في تحديد أسماء القرى التابعة لسذوم، وفي عددها، وفي عدد سكّان قراهم بعامّة؛ فقيل أربعمائة ألف وقيل غير ذلك. انظر: تفسير الطبري ١٢/ ٩٧، ٢٧/ ٧٩، تفسير القرطبي ٧/ ٢٤٧، ٩/ ٨١، البداية والنهاية لابن كثير ١/ ١٨٢، تفسير ابن كثير ٢/ ٤٥٥، حاشية الصاوي على الجلالين ٢/ ١٠٤، روح المعاني للآلوسي ١٢/ ١١٢.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٨.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٤٤.\n(٥) الهدي، ابن حجر: ١٢١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٨.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٠.\n(٨) انظر: معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٣١٧، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٠٩، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٣١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٦): ص ٥/ ٤٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٦): ص ٥/ ٤٤٥، و(٥٩٠٧): ص ٥/ ٤٤٦، وتفسير ابن ابي حاتم: (٢٦٤٥): ص ٢/ ٥٠٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٨): ص ٥/ ٤٤٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٩): ص ٥/ ٤٤٦.\n(١٣) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٤.\n(١٤) انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٦.\n(١٥) انظر: البسيط للواحدي: ١/ ١٥٥.\n(١٦) انظر: فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤١٥.\n(١٧) انظر: فتح البيان لصديق خان: ٢/ ١٠٥.","vol":"5","page":269},{"text":"والثاني: الخالية، من خَوَى البيت بفتح الواو يَخْوَى خِوَاء-ممدودًا-إذا خلا من الناس والبيوت قائمة، وهو قول قتادة (١)، واختيار الزجاج (٢) والنحاس (٣) وأبي حيان (٤) والسمين (٥).\nوالقول الأول أظهر؛ لقوله﷿: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: ساقطة على سقفها، والله أعلم، وكلام الحافظ ابن حجر (٦)، جمع بين القولين، فالقرية خاوية من السكان لا أنيس فيها سواء تهدمت بيوتها أم لم تتهدم، وهذا ما يتفق عليه القولان.\nقوله تعالى: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: \"على أبنيتها\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \" عن الضحاك، في قوله: ﴿على عروشها﴾: سقوفها\". وقال: \"وروي عن السدي، نحو ذلك\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها\" (٩).\nو(العُرُوش)، تعني: الأبنية والبيوت، واحدها (عَرْش)، وجمع قليله (أعرُش)، وكل بناء فإنه (عرش)، ويقال: عَرَش فلان دارًا يعرِش ويعرُش عرشًا، ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٧]، يعني يبنون، ومنه قيل: عريش مكه، يعني به: خيامها وأبنيتها (١٠).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وجهين:\nأحدهما: يعمرها بعد خرابها، \" وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه\" (١١). روي ذلك عن قتادة (١٢) والربيع (١٣).\nقال القاسمي: \" أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها، فكان منه كالوقوع في الظلمات، فأراه الدليل على الإحياء الحقيقيّ في نفسه مبالغة في قلع الشبهة، إخراجا له منها إلى النور\" (١٤).\nقال المراغي: \" ومراده بذلك استبعاد عمرانها بالبناء والسكان بعد أن خربت وتفرّق أهلها\" (١٥).\nقال ابن عطية: \" وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان\" (١٦).\nوالثاني: يعيد أهلها بعد هلاكهم. قاله السدي (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: (٢٦٤٦): ص ٢/ ٥٠٠.\n(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٤٢.\n(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٨٥.\n(٥) انظر: الدر المصون: ٢/ ٥٥٩.\n(٦) أي: \" أي: لا أنيس فيها\". [الهدي: ١٢١].\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٣٣١.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٤٧): ص ٢/ ٥٠١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٤٥.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٤٨): ص ٢/ ٥٠١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٤٨): ص ٢/ ٥٠١.\n(١٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(١٥) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨.\n(١٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٤٩): ص ٢/ ٥٠١. قال السدي: \"ليس تكذيبا منه وشكا\".","vol":"5","page":270},{"text":"قال الطبري: \" قال بعضهم: كان قيله ما قال من ذلك شكًّا في قدرة الله على إحيائه، فأراه الله قُدرته على ذلك يضربه المثلَ له في نفسه، ثم أراه الموضع الذي أنكر قُدرته على عمارته وإحيائه، أحيا ما رآه قبل خرابه، وأعمرَ ما كان قبل خرابه\" (١).\nواعترض ابن عطية على القول الذي نقله الطبري قائلا: \" وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر، والصواب أن لا يتأول في الآية شك\" (٢).\nوفي سبب قيله: ﴿أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] روي عن السدي: \"أن عُزَيْرًا مرّ جائيًا من الشام على حمار له معه عصيرٌ وعنب وتين; فلما مرّ بالقرية فرآها، وقف عليها وقلَّب يده وقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ليس تكذيبًا منه وشكًّا فأماته الله وأمات حِمارَه فهلكا، ومرّ عليهما مائة سنة. ثم إن الله أحيا عزيرًا فقال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يومًا أو بعض يوم! قيل له: بل لبثت مائة عام! فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير (لم يتسنَّه)، الآية\" (٣). وروي عن وهب (٤)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \"أي أمات الله ذلك السائل، واستمر ميتًا مائة سنة\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"أي قبض روحه\" (٦) (٧).\nقال المراغي: أي فجعله الله فاقد الحسّ والحركة دون أن تفارق الروح البدن، ثم أعاده إلى ما كان عليه أوّلا\" (٨).\nقال ابن عطية: \" وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد\" (٩).\nقال أسباط: \" فأماته الله وأمات حماره وهلكا، ومر عليهما مائة سنة\" (١٠).\nوقال الحسن: \" هذا رجل من بني إسرائيل مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ قال: فعاقبه الله بقوله ذلك: فأماته الله مائة عام (١١) وحماره صافن إلى جنبه، لا يطعم ولا يسقى حتى أتى عليه مائة عام طعامه وشرابه إلى جنبه، فذلك مائة عام\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٩١٣): ص ٥/ ٤٥٦.\n(٤) أخرجه الطبري (٥٩١٠): ص ٥/ ٤٤٧ - ٤٥٣ و(٥٩١١): ٤٥٣ - ٤٥٥، و(٥٩١٢): ص ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٩.\n(٧) و\"قوله تعالى ﴿مائة﴾ فيها ألف بين الميم، والهمزة؛ والميم مكسورة، والألف عليها دائرة إشارة إلى أن الألف هذه تكتب، ولا ينطق بها؛ وبهذا نعرف خطأ من ينطقون بها: «مَائة» بميم مفتوحة؛ ومن قرأ بها في القرآن فقد لحن لحنًا يجب عليه أن يعدله؛ وبعض الكتاب المعاصرين يكتبها بدون ألف كـ «فِئة» يعني: ميم، وهمزة، وتاء؛ وهذا أحسن إلا في رسم المصحف؛ فيتبع الرسم العثماني؛ وإلا إذا أضيف إليها عدد كـ «ثلاثمائة» و«أربعمائة»؛ فتكتب الألف، ولا ينطق بها\" [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٩].\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠. قال: \" ﴿وأماته﴾: أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا مثل ما حدث لأهل الكهف، والبعث: الإرسال من بعثت الناقة إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أوّلا حيا عاقلا مستعدا للنظر والاستدلال، وقد دلت تجارب الأطباء في العصر الحديث على أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا لكنه يكون فاقد الحسّ والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات وهو النوم المستغرق ويستعمله أهل الرياضيات في الهند، فقد شوهد شاب قد نام نحو شهر ثم أصيب بدخل في عقله، وآخرون ناموا أكثر من ذلك، ومتى ثبت هذا فالذى يحفظ الأجسام مثل هذه المدة قادر أن يحفظها مائة سنة وثلاثمائة سنة، فهذا من الممكنات لا من المستحيلات وقد تواتر به النص فيجب التسليم به، والتجارب التي عملت تقرب بيان إمكانه من أذهان الذين يعسر عليهم أن يميزوا بين ما هو مستبعد لعدم إلفه في مجرى العادة، وما هو محال لا يقبل الثبوت لذاته، ولم يتسنه: أي لم يتغير ولم يفسد، من قولهم تسنه الشيء مرت عليه السنون والأعوام، وآية: علامة دالة على قدرة الله، وننشزها: أي نرفعها من الأرض ونردها إلى أماكنها من الجسد\". [تفسير المراغي: ١/ ٤٩٩].\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٥٠): ص ٢/ ٥٠١.\n(١١) قال الراغب: \" والعام: مدة تعوم الشمس في أفلاكها المختصة بها، وذلك اعتبارا بنحو ما قال﷿- ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والاعتيام اختيار الشيء، وأصله أن يسير الإنسان كسابح فيه يتناول ما يريد، ولهذا قال الشاعر: وكنت في نعمائه سابحًا \". [تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٠].\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٥١): ص ٢/ ٥٠١.","vol":"5","page":271},{"text":"قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾، أي: \" ثم أثاره حيًّا من بعد مماته\" (١).\nقال البغوي: \" أي أحياه\" (٢).\nقال ابن عطية: \" أحياه وجعل له الحركة والانتقال\" (٣).\nقال الصابوني: \" ثم أحياه الله ليريه كمال قدرته\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه وبعض أجزائه إلى بعض بعد تفرقها\" (٥).\nروي \"عن السدي في قوله: ﴿ثم بعثه﴾: ثم إن الله أحيا عزيرا\" (٦).\nقال علي بن أبي طالب: \" فأول ما خلق منه عيناه\" (٧).\nقال قتادة: \" فأماته الله أول النهار، فلبث مائة عام، ثم بعثه\" (٨).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن قتادة، في قوله: ثم بعثه في آخر النهار\" (٩). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن الربيع بن أنس: ثم بعث قبل غروب الشمس\" (١٠).\nوقال وهب بن منبه: \" إن إرميا، لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب، وقف في ناحية الجبل، فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثم رد الله من رد من بني إسرائيل، على رأس سبعين سنة من حين أماته، يعمرونها ثلاثين سنة، تمام المائة، فلما ذهبت المائة رد الله إليه روحه، وقد عمرت، فهي على حالها الأولى\" (١١).\nوروي عن الربيع (١٢) وابن جريج (١٣) نحو ذلك.\nقال ابن عثيمين: \" ولعل قائلًا يقول: إن المتوقع أن يقول: «ثم أحياه» ليقابل ﴿أماته﴾؛ لكن «البعث» أبلغ؛ لأن «البعث» فيه سرعة؛ ولهذا نقول: انبعث الغبار بالريح، وما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على أن الشيء يأتي بسرعة، واندفاع؛ فهذا الرجل بعثه الله بكلمة واحدة؛ قال مثلًا: «كن حيًا»، فكان حيًا\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ: كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: كم\" مكثت ميتا\" (١٥).\nقال البغوي: \" أي: كم مكثت؟ \" (١٦).\nقال الطبري: \"أي: \" كم قدرُ الزمان الذي لبثتَ ميتًا قبل أن أبعثك من مماتك حيًّا؟ \" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥٧.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٥): ص ٢/ ٥٠٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٤): ص ٢/ ٥٠٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٢): ص ٢/ ٥٠١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٦): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٥٦): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٣): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩١٦): ص ٥/ ٤٥٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩١٧): ص ٥/ ٤٥٩.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٠.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠.\n(١٧) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥٨.","vol":"5","page":272},{"text":"قال الصابوني: \"أي قال له ربه بواسطة الملك كم مكثت في هذه الحال\" (١).\nقال ابن عطية: والسؤال على جهة التقرير، و﴿كم﴾ في موضع نصب على الظرف (٢).\nواختلفوا في القائل له: ﴿كم لبثت﴾، على ثلاثة أقاويل (٣):\nأحدها: أنه ملك. يقال: لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت؟ (٤)\nوالثاني: نبي.\nوالثالث: أنه بعض المؤمنين المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: قال: \" لبثتُ ميتًا إلى أن بعثتني حيًّا يومًا واحدًا أو بعض يوم\" (٥).\nقال الزمخشري: \" ﴿أو بعض يوم﴾، بناء على الظن\" (٦).\nقال القاسمي: \" قاله بناء على التقريب والتخمين. أو استقصارا لمدة لبثه\" (٧).\nقال المراغي: \" قال لبثت يوما أو بعض يوم بناء على ظنه وتخمينه\" (٨).\nقال الماوردي: \"لأن الله تعالى أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة عام آخر النهار، فقال: يومًا، ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ \" (٩).\nقال البغوي: \" وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بل بعض يوم\" (١٠).\nقال الطبري: \" فكان قوله: ﴿أو بعض يوم﴾ رجوعًا منه عن قوله: ﴿لبثت يومًا﴾ \" (١١).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \" عن قتادة في قول الله: قال كم لبثت قال لبثت يوما ثم التفت، فرأى بقية الشمس قال أو بعض يوم\" (١٢). قال ابن أبي حاتم: \" وروي عن الحسن والربيع بن أنس نحو ذلك\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \"أي: بل مكثت ميتًا مائة سنة كاملة\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿بل﴾ هنا للإضراب الإبطالي، يعني: لم تلبث يومًا، أو بعض يوم؛ بل لبثت مائة عام\" (١٥).\nقال القاسمي: \" وإنما سأله تعالى ليظهر له عجره عن الإحاطة بشئونه. وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة، ربما يتوهم أنه هيّن في الجملة، بل بعد مدة طويلة. وينحسم به مادة استبعاده بالمرة. ويطلع في تضاعيفه على\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٤.\n(٤) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥٨.\n(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٣٢.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٧): ص ٢/ ٥٠٢. والطبري (٥٩١٤): ص ٥/ ٤٥٨، و(٥٩١٥): ص ٥/ ٤٥٨ - ٤٥٩.\n(١٣) انظر: ابن أبي حاتم (٢٦٥٧): ص ٢/ ٥٠٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩١.","vol":"5","page":273},{"text":"أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى. وهو إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع، على ما كان عليه دهرا طويلا، من غير تغيّر مّا\" (١).\nقال علي بن ابي طالب: \" خرج عزير نبي الله من مدينته، وهو شاب، فمر على قرية خربة ف قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه فأول ما خلق منه عيناه، فنظر إلى عظامه ينصب بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ثم نفخ فيه الروح، فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام، قال: فأتى مدينته، وقد ترك جارا له إسكافا شابا، فجاء وهو شيخ\" (٢).\nوقد اختلفوا في إدغام (الثّاء) في (التاء) من قوله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و﴿لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، و[المؤمنون: ١١٢] (٣):\nالقراءة الأولى: فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كلّ القرآن ذلك بإظهار (الثاء).\nالقراءة الثانية: وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائيّ بالإدغام.\nقال أبو علي: \"من بيّن ﴿لبثت﴾ ولم يدغم، فلتباين المخرجين، وذلك أنّ الظاء والذال والثاء من حيّز، والطاء والتاء والدال من حيّز، فلمّا تباين المخرجان، واختلف الحيّزان لم يدغم، ومن أدغم أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنّهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتّفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافًا يسيرًا فأدغم، وأجراهما مجرى المثلين. ويقوّي ذلك وقوع نحو هذا حرفي رويّ في قصيدة واحدة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي\" انظر إلى طعامك وشرابك الذي بقي مائة عام لم يتغير ولم يفسد\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أبهمه الله ﷿ فلم يبين من أي نوع هو [الطعام والشراب]؛ و«الطعام» كل ما له طعم من مأكول، ومشروب؛ لكنه إذا قرن بالشراب صار المراد به المأكول\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: \"لم يتغيّر\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لم تغيِّره السِّنون التي أتت عليه\" (٨).\nقال الراغب: \" أي لم يتغير بمرور السنين عليه\" (٩).\nقال القاسمي: \" قال سبحانه ﴿فَانْظُرْ﴾، لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا [وهو أن طعامك وشرابك]، لم يتغيّر في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد\" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن قتادة: \"كان طعامه الذي معه، سلة من تين\" (١١). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن وهب بن منبه ومجاهد، نحو ذلك\" (١٢).\nوروي \"عن السدي: فانظر إلى طعامك من التين والعنب\" (١٣).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٨): ص ٢/ ٥٠٣.\n(٣) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٦٧.\n(٤) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٦٧.\n(٥) التفسير الواضح: ١/ ١٧٤.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩١.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥٩.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٢.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٥٩): ص ٢/ ٥٠٣.\n(١٢) انظر: ابن أبي حاتم (٢٦٥٩): ص ٢/ ٥٠٣.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦٠): ص ٢/ ٥٠٣.","vol":"5","page":274},{"text":"وروي عن\"وهب بن منبه في قوله: فانظر إلى طعامك وشرابك قال: قلة فيها ماء\" (١).\nوقال قتادة: \" وشرابه: زق من عصير\" (٢).\nوروي \" عن مجاهد: ﴿فانظر إلى طعامك﴾ قال: سلة تين، ﴿وشرابك﴾: قال: زق خمر\" (٣).\nوذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ثلاثة أقوال (٤):\nالأول: معناه لم يتغيّر، من الماء الآسن وهو غير المتغير، وهذا قول ابن عباس (٥) ومجاهد-في أحد قوليه- (٦) والحسن (٧) وقتادة (٨) والسدي (٩) وابن زيد (١٠) والضحاك (١١)، وعكرمة (١٢)، وحميد الأعرج (١٣) وأبي مالك (١٤) ووهب (١٥) وبكر بن مضر (١٦)، ابن حجر (١٧).\nقال البغوي: \" فكان التين كأنه قطف في ساعته والعصير كأنه عصر في ساعته\" (١٨).\nالقول الثاني: لم ينتن، قاله مجاهد (١٩).\nقال الطبري: \" وأحسب أن مجاهدًا والربيع (٢٠) ومن قال في ذلك بقولهما، رأوا أن قوله: ﴿لم يتسنه﴾ من قول الله تعالى ذكره: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣] بمعنى المتغير الريح بالنتن، من قول القائل: \" تسنَّن \". وقد بينت الدلالة فيما مضى على أنّ ذلك ليس كذلك، فإن ظن ظانّ أنه من \" الأسَن \" من قول القائل: \" أسِنَ هذا الماء يأسَنُ أسَنًا، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، فإنّ ذلك لو كان كذلك، لكان الكلام: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتأسَّن، ولم يكن ﴿يتسنه﴾ \" (٢١).\nالقول الثالث: معناه لم تأتِ عليه السنون فيصير متغيرًا، قاله أبو عبيد (٢٢)، وأبو عمرو بن العلاء (٢٣).\nقال ابن حجر: \"أي: لم تمضي عليه السنون الماضية كأنه ابن ليلة\" (٢٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦١): ص ٢/ ٥٠٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦٢): ص ٢/ ٥٠٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦٣): ص ٢/ ٥٠٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٣/ ١٠١٩ - ١٠٢٠، وجامع البيان للطبري: ٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣١١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣، و(٢٦٦٥): ص ٢/ ٥٠٤، والطبري (٥٩٢٦): ص ٥/ ٤٦٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣، و(٢٦٦٥): ص ٢/ ٥٠٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣، والطبري (٥٩٢١) و(٥٩٢٢): ص ٥/ ٤٦٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٦): ص ٢/ ٥٠٤. والطبري (٥٩٢٣): ص ٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣، والطبري (٥٩٢٨): ص ٥/ ٤٦٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٢٤) و(٥٩٢٥): ص ٥/ ٤٦٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٢٧): ص ٥/ ٤٦٥.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣، و(٢٦٦٥): ص ٢/ ٥٠٤.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٤): ص ٢/ ٥٠٣، و(٢٦٦٥): ص ٢/ ٥٠٤، والطبري (٥٩٢٠): ص ٥/ ٤٦٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٩٢٩): ص ٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦.\n(١٧) انظر: الهدي: ١٤١.\n(١٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠.\n(١٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٦٧): ص ٢/ ٥٠٤، والطبري (٥٩٣٠) و(٥٩٣١) و(٥٩٣٢): ص ٥/ ٤٦٦.\n(٢٠) لم يذكر الطبري خبرا عن \" الربيع \" قبل، فأخشى أن يكون سقط من الناسخ خبره.\n(٢١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧.\n(٢٢) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٢.\n(٢٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦٨): ص ٢/ ٥٠٤.\n(٢٤) الفتح: ٨/ ٤٧، وقال الزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٩٠ موضحًا هذا القول: (ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّه) لم تمر عليه السنون التي مرت عليه، يعني: هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة).","vol":"5","page":275},{"text":"قال الطبري: \"ومعنى قوله: ﴿لم يتسنَّه﴾، لم يأت عليه السنون فيتغيَّر، على لغة من قال: \" أسنهت عندكم أسْنِه \": إذا أقام سنة، وكما قال الشاعر (١):\nوَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلا رُجَّبِيَّةٍ ... وَلكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الجَوائِحِ\nفجعل (الهاء) في (السنة) أصلا وهي اللغة الفصحى (٢) (٣).\nوقد اختار الأئمة: القول الأول؛ لأن مسنون-كما قال الزجاج-ليس معناه متغير، وإنما معناه: مصبوب على سنة الأرض (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لم يتسنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فيه وجهان من القراءة (٥):\nاحدهما: ﴿لَمْ يَتَسَنَّ﴾، بحذف (الهاء) في الوصل، وإثباتها في الوقف، وهو قراءة يعقوب (٦) وعامة قراء الكوفة.\n_________\n(١) البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، انظر: معاني القرآن للفراء ١: ١٧٣. والأمالى ١: ٢١، وسمط اللآلى: ٣٦١، وتهذيب الألفاظ: ٥٢٠، واللسان (عرا) (قرح) (سنه) (خور) (رجب)، والإصابة في ترجمته، من أبيات يقولها في دين كان قد أدانه فطولب به، فاستغلت في قضائه بقومه فقصر واعنه. وترتيبها فيها أستظهر: وَأَصْبَحْتُ قد أنكَرْتُ قوْمِي كَأَنَّنِي ... جَنَيْتُ لَهُمْ بالدَّيْنِ إحْدَى الفَضَائِحِ\nأَدِينُ، وَمَا دَيْنِي عَلَيْهِم بِمَغْرَمٍ ... وِلكِنْ عَلَى الشُّمِّ الجِلادِ القَرَاوِحِ\nعَلَى كُلِّ خَوَّارٍ، كَأَنَّ جُذُوعَها ... طُلِينَ بِقَارٍ أوْ بِحَمْأَةِ مَائِحِ\nوَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلا رُجَّبِيَّةٍ ... وَلَكنْ عَرَايَا فِي السِّنِينِ الجَوَائِحِ\nَدِينُ عَلَى أَثْمَارِهَا وَأُصُولِهَا ... لِمَوْلًى قَرِيبٍ أو لآخَرَ نَازِحِ\nدان يدين: استقرض مالا. والشم: الطوال. والجلاد: الشديدة الصبر على العطش والحر والبرد، يعنى النخل. والقراوح جمع قراوح: وهي النخلة التي انجرد كربها وطالت، وذلك أجود لها. والخوار: الغزيرة الحمل. وجعلها مطلية بالفار أو بالحمأة، لأن جذوعها إذا كانت كذلك فهو أشد لها وأكرم. والمائح: الذي يمتاح من البئر، أي يستقي. والسنهاء: التي حملت عاما، ولم تحمل آخر، وهذا من عيب النخل. وقوله: \" رجبية \" (بضم الراء وتشديد الجيم المفتوحة، أو فتحها بغير تشديد) وكلتاهما نسبة شاذة إلى الرجبة (بضم فسكون): وذلك أن تعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها أن تقع لطولها وكثر حملها، فيبني تحتها دكان ترجب به - أي تعمد به. وذلك حين تبلغ إلى الضعف، ولكنه يكرمها بذلك. والعرايا جمع عربة: وهي التي يوهب ثمرها في عامها. يفعل بها ذلك لكرمه. والجوائح: السنين المجدبة الشداد التي تجتاح المال.\nيقول لقومه: قد جئت أستدينكم، على أن أؤدي من نخلي ومالي، ففيم الجزع؟ أتخافون أن يكون ديني مغرما تغرمونه! ! وهذه نخلي أصف لكم من جودتها وكرمها ما أنتم به أعلم.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(٣) قال أبو علي: \" السنة تستعمل على ضربين:\nأحدهما: يراد به الحول والعام.\nوالآخر: يراد به الجدب، خلاف الخصب.\nفمما أريد به الجدب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف/ ١٣٠]، ومنه ما يروى من\nقوله: «اللهمّ سنين كسنيّ يوسف». [أخرجه البخاري في الفتح برقم ١٠٠٦ استسقاء وبرقم ٤٨٢١ تفسير سورة الدخان، وبرقم ٦٣٩٣ دعوات ومسلم برقم ٦٧٥ مسافرين وبرقم ٢٧٩٩ صفات المنافقين وأبو داود برقم ١٤٤٢ وتر والترمذي برقم ٣٢٥١ تفسير والنسائي ٢/ ٢٠١ افتتاح. وانظر شأن الدعاء للخطابي ص ١٩١ - ١٩٢].\nوقول عمر: إنّا لا نقطع في عرق ولا في عام السّنة» [تلخيص الحبير ٤/ ٧٨]، فلا يخلو عام السنة من أن يريد به الحول أو الجدب، فلا يكون الأول لأنّه يلزم أن يكون التقدير: عام العام، ولا يكون عام العام، كما لا يكون حول الحول، فإذا لم يستقم هذا، ثبت الوجه الآخر\". [الحجة للقراء السبعة: [٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠].\n(٤) وممن اختاره من العلماء: كالفراء في معاني القرآن: ١/ ١٧٢، وأبي عبيدة في المجاز: ١/ ٨٠، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٣٤٣، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٨٠، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩٤، والطبري في جامع البيان: ٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والسمين في الدر المصون: ١/ ٣٢٦، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٩٠، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٤١٦، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ١٠٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٦٠ - ٤٦١، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(٦) قراءة يعقوب هي أيضًا قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر، وهي: حذف الهاء وصلًا وإثباتها وقفًا على أن الهاء للسكت، وهاء السكت من خواص الوقف. انظر: القراءات وعلل النحويين فيها للأزهري: ١/ ٩١ - ٩٢، النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ١٤٢، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١١٨، المهذب في القراءات العشر د. محمد سالم محيسن: ١/ ١٠١.","vol":"5","page":276},{"text":"قال أبو علي: \"ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف .. وكان حمزة يحذفهنّ في الوصل، وكان الكسائيّ يحذف الهاء في الوصل من قوله:\n﴿يَتَسَنَّهْ﴾ و﴿اقْتَدِهْ﴾ ويثبتها في الوصل في الباقي\" (١).\nوالقراءة الثانية: ﴿لم يتسنَّه﴾، بإثبات (الهاء) في الوصل والوقف، وهذه قراءة عامة قرأة أهل المدينة والحجاز.\nقال أبو علي: \"فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلّها بإثبات الهاء في الوصل\" (٢).\nقال الطبري: \": والصواب من القراءة عندي في ذلك إثباتُ \" الهاء \" في الوصل والوقف، لأنها مثبتةٌ في مصحف المسلمين، ولإثباتها وجهٌ صحيح في كلتا الحالتين في ذلك\" (٣).\nوقد أخرج الطبري بسنده \" عن سليمان بن عمير، قال: حدثني هانئ مولى عثمان، قال: كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله: (لم يتسنّ)، أو (لم يتسنَّه)، فقال عثمان: اجعلوا فيها (هاء) \" (٤).\nوقال هانئ البربري: \"كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب فيها: ﴿لَمْ يَتَسَنَّ﴾ و﴿فَأَمْهِلِ الْكَافِرِين﴾ [الطارق: ١٧] و﴿لا تَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ﴾ [الروم: ٣٠]، قال: فدعا بالدواة، فمحا إحدى اللامين وكتب: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، ومحا ﴿فأمْهِلْ﴾ وكتب ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾، وكتب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ألحق فيها (الهاء) \" (٥).\nقال الطبري: \" ولو كان ذلك من (يتسنى) أو (يتسنن) لما ألحق فيه أبيّ (هاء) لا موضع لها فيه، ولا أمرَ عثمان بإلحاقها فيها، وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبيّ بن كعب\" (٦).\nقال ابن عطية: \"وقرأ ابن مسعود: (وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه)، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره: (وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة) \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \" يعني: انظر إلى عظام حمارك\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي: \" انظر إليه بعينك، فنظر إلى حماره تلوح عظامه ليس فيه لحم، ولا عصب، ولا جلد\" (٩).\nقال السدي: ﴿وانظر إلى حمارك﴾، وقد هلكت وبليت عظامه\" (١٠).\nوقال مجاهد: \" يعني قوله: ﴿وانظر إلى حمارك﴾: فنظر إلى حماره، حين يحييه الله\" (١١).\n_________\n(١) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٦٩. والباقي هي الآيات: ﴿وما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة/ ٢٨]، و﴿سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة/ ٢٩] و﴿ما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة/ ١٠].\n(٢) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٦٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤٦١.\n(٤) تفسير الطبري: ٥٩١٨): ص ٥/ ٤٦٣.\n(٥) أخرجه الطبري: (٥٩١٩): ص ٥/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٦٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٩.\n(٨) الدر المصون: ٢/ ٢٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩١.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٧٠): ص ٢/ ٥٠٤.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٧١): ص ٢/ ٥٠٤.","vol":"5","page":277},{"text":"أخرج ابن أبي حاتم بسنده \" عن عكرمة: ﴿وانظر إلى حمارك﴾، قال: لما قام نظر إلى مفاصله متفرقة، فمضى كل مفصل إلى صاحبه، فلما اتصلت المفاصل كسيت لحما\" (١).\nوري عن الربيع بن أنس: \" ﴿وانظر إلى حمارك﴾، وكأن حماره عنده كما هو\" (٢).\nقال البغوي: \" فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر\" (٣).\nقال المراغي: \" كيف نخرت عظامه، وتقطعت أوصاله وتمزقت، ليستبين لك طول لبثك، وتطمئن بذلك نفسك\" (٤).\nوقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وذكروا وجوها (٥):\nالأول: فقال بعضهم: قال الله تعالى ذكره ذلك له، بعد أن أحياه خلقًا سويًّا، ثم أراد أن يحيي حماره تعريفًا منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها، فقال: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؟ مستنكرًا إحياء الله إياها. قاله وهب (٦)، والسدي (٧).\nالثاني: وقال آخرون منهم: بل قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه، قالوا: وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح، وذلك بعد أن سواه خلقًا سويًّا، وقبل أن يحيى حماره. قاله مجاهد (٨)، وابن جريج (٩).\nالثالث: وقال آخرون: بل جعل الله الروح في رأسه وبصره، وجسدُه ميتٌ، فرأى حماره قائمًا كهيئته يوم ربطه، وطعامه وشرابه كهيئته يوم حَلَّ البقعة. ثم قال الله له: انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها. قاله وهب (١٠)، والضحاك (١١)، وقتادة (١٢)، والربيع (١٣)، وابن زيد (١٤)، وبكر بن مضر (١٥).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قولُ من قال: إن الله تعالى ذكره بعث قائل: ﴿أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ من مماته، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مرّ بها بعد مماتها عيانًا من نفسه وطعامه وحماره. فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مرّ بها خاويةً على عروشها، وجعل ما أراه من العِبرة في طعامه وشرابه، عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجِنانها. وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل، وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويل الآية، لأنّ قوله: ﴿وانظر إلى العظام﴾ إنما هو بمعنى: وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزُها، ثم نكسوها لحمًا، وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعًا نظيرُ الذي لحق عظامَ من خوطب بهذا الخطاب، فلم يمكن صرف معنى قوله: (وانظر إلى العظام) إلى أنه أمرٌ له بالنظر إلى\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٦٩): ص ٢/ ٥٠٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٦٩): ص ٢/ ٥٠٤.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٦٧ وما بعدها.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٩٣٣): ص ٥/ ٤٦٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٩٣٤): ص ٥/ ٤٦٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٩٣٥) و(٥٩٣٦): ص ٥/ ٤٦٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٩٣٧): ص ٥/ ٤٦٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٩٣٨): ص ٥/ ٤٧٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٠) و(٥٩٤١): ص ٥/ ٤٧٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٢): ص ٥/ ٤٧١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٣): ص ٥/ ٤٧٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٤): ص ٥/ ٤٧١ - ٤٧٢\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٥): ص ٥/ ٤٧٢.","vol":"5","page":278},{"text":"عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمرُ بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه، لأن الله تعالى ذكره جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرةً وعظةً\" (١).\nواختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، على وجهين (٢):\nالأول: فقال الأكثرون: أراد به عظام حماره.\nالثاني: وقال قوم\" \"أراد به عظام هذا الرجل، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير، وتقدير الآية: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديرهما: وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ولنجعلك آية للناس\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \" أي لنصيِّرك علامة للناس على قدرتنا\" (٤).\nقال الطبري: \" ولنجعلك حجة على من جهل قدرتي، وشكَّ في عظمتي\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي فعلنا ما فعلنا، من إحيائك بعد ما ذكر، لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل. ولنجعلك آية للناس على البعث\" (٦).\nعن الربيع بن أنس: \"قوله: ﴿آية﴾، يقول: عبرة\" (٧).\nقال ابن عطية: \" معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا\" (٨).\nقال المراغي: \" أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك وإحياء حمارك، وحفظ ما معك من الطعام والشراب، ليزيل تعجبك، ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك، ولنجعلك آية للناس، أما كونه آية له فواضح، وأما كونه آية للناس فلأن علمهم بموته مائة عام ثم بحياته بعد ذلك يكون من أكبر الآيات التي يهتدى بها من يشاهدها، إلى كمال قدرة الله وعظيم سلطانه\" (٩).\nوقيل: \"كان آية للناس، بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده، شابًّا وهم شيوخ\" (١٠).\nوقد اختلفوا في موضع كون هذا الرجل آية، على قولين (١١):\nالأول: قال الأعمش: \"موضع كونه آية، هو أنه جاء شابا على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخا\" (١٢).\nقال عكرمة: \" كان بعث ابن لمائة وأربعين، شابا، وكان ولده أبناء مائة سنة، وهم شيوخ\" (١٣). وروي عن عبدالله مثله (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٣.\n(٢) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٠٣٢١.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٢١.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩١.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٤.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٧٧): ص ٢/ ٥٠٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٠.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٥٠١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٤.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٠.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٧٣): ص ٢/ ٥٠٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٧٤): ص ٢/ ٥٠٥.","vol":"5","page":279},{"text":"قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن المنهال بن عمرو والأعمش قالا: جاء شاب وولده شيوخ\" (١).\nوالثاني: وقيل: \" بل موضع كونه آية، أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حيا من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعا\" (٢).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن السدي، يعني قوله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾، قال: فرجع إلى أهله، فوجد داره قد بيعت وبنيت وهلك من كان يعرفه، فقال: اخرجوا من داري، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عزير.\nقالوا: أليس قد هلك عزير، منذ كذا وكذا؟ قال: فإني أنا هو، كان من حالي، وكان. فلما عرفوا ذلك، خرجوا له من الدار فدفعوها إليه\" (٣).\nقال ابن عطية: \" وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض\" (٤).\nوقال عباد بن منصور: \"سألت الحسن، عن قوله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾، قال: فكان هذا عبدا نفعه الله بما أراه من العبرة في نفسه وجعله آية للناس\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \" أي تأمل في عظام حمارك النخرة كيف نركّب بعضها فوق بعض وأنت تنظر\" (٦).\nقال القاسمي\" أي عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء، [إذ] نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه\" (٧).\nقال المراغي: \" أي إن القادر على أن يكسو هذه العظام لحما ويمدها بالحياة ويجعلها أصلا لجسم حى - قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية، وكذلك القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى آلاف السنين، فبعض أفعاله تعالى يشبه بعضا\" (٨).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى:: ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وجوها (٩):\nالأول: قال ابن عباس: \" ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾: نشخصها عضوا عضوا\" (١٠).\nالثاني: قال وهب بن منبه: \"يعني في قوله: ﴿كيف ننشزها﴾ قال: فجعل ينظر إلى العظام، كيف يلتئم بعضها إلى بعض\" (١١).\nالثالث: وعن السدي\" \"قوله: وانظر إلى العظام كيف ننشزها يقول: نحركها ثم نكسوها، فبعث الله ريحا، فجاءته بعظام الحمار من كل سهل وجبل، ذهبت به الطير والسباع، فاجتمعت، وركب بعضها في بعض، وهو ينظر، وصار حمارا من عظام، ليس له لحم ولا دم\" (١٢).\nالرابع: وريوي: \"عن أبي حفص مبشر بن عبيد، في قراءته: ﴿كيف ننشزها﴾، قال: نقيمها\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٧٤): ص ٢/ ٥٠٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٠.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٧٦): ص ٢/ ٥٠٥، والطبري (٥٩٤٧): ص ٥/ ٤٧٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٧٥): ص ٢/ ٥٠٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٠١.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٧٨): ص ٢/ ٥٠٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٧٩): ص ٢/ ٥٠٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٨٠): ص ٢/ ٥٠٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم: (٢٦٨١): ص ٢/ ٥٠٦.","vol":"5","page":280},{"text":"قال الطبري: \" والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، أن يقال: أن الله تعالى ذكره، أخبر أنه حمل الذي وصف صفته في هذه الآية حُجة للناس، فكان ذلك حُجة على من عرفه من ولده وقوْمه ممن علم موته، وإحياءَ الله إياه بعد مماته، وعلى من بُعث إليه منهم\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أربعة قراءات (٢):\nالأولى: ﴿نُنْشِرُهَا﴾ بالراء المهملة وضم النون، قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو وذلك قراءة عامة قرأة أهل المدينة، بمعنى: وانظر إلى العظام كيف نحييها، ثم نكسوها لحمًا، قاله مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وابن زيد (٥).\nقال الطبري: \" واحتج بعض قرَأة ذلك بالراء وضم نون أوله، بقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، فرأى أنّ من الصواب إلحاق قوله: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشرها﴾ به.\" (٦).\nقال الماوردي: \"والنشور: الحياة بعد الموت، مأخوذ من نشر الثوب، لأن الميت كالمطوي، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت، فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل: نُشِرَ وأُنشِر \" (٧).\nوالقراءة الثانية: قرأ بها الباقون ﴿ننشِزُها﴾، بالزاي المعجمة، يعني نرفع بعضها إلى بعض (٨)، وذلك قراءة عامة قرأة الكوفيين.\nوأصل (النشوز) الارتفاع، ومنه قيل: \" قد نشز الغلام \"، إذا ارتفع طوله وشبَّ، ومنه \" نشوز المرأة \" على زوجها، بأن تطيح ببصرها إلى بشر صارفة له عن زوجها، كقول الفرزدق (٩):\nإدا جلست عند الإمام كأنها ... بها رفقة من ساعة يستحيلها\nوكقول الأخر (١٠):\nإذا الليل عن نشز تخلى رميته ... بأمثال أبصار النساء القواري\nومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأرض: \" نَشَز ونَشْز ونشاز \"،، فإذا أردت أنك رفعته، قلت: \" أنشزته إنشازًا \"، و\" نشز هو \"، إذا ارتفع (١١).\nفمعنى قوله: \" ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ في قراءة من قرأ ذلك بالزاي: كيف نرفعُها من أماكنها من الأرض فنردُّها إلى أماكنها من الجسد\" (١٢). وبه قال ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣. وتفسير الطبري: ٥/ ٤٧٥ - ٤٧٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٥٠) و(٥٩٥١): ص ٥/ ٤٧٦ - ٤٧٦\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٥٢): ص ٥/ ٤٧٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٥٣): ص ٥/ ٤٧٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٧.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٨) قال ابن عطية: \" ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلا قلبلا، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: ١١] أي فارتفعوا شيئا شيئا كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة:\nنشز\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١].\n(٩) ديوانه: ٢/ ٦٠٦، والكامل: ٢/ ٩٣٩، والمفردات: ٨٠٦. من قصيدة يخاطب بها زوجته، وفي رواية\"ترى رفقة من خلفها\"، ومعنى: تستحيلها: تتبيّن حالاتها.\n(١٠) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الراغبـ انظر: تفسيره: ١/ ٥٤١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٥ - ٤٧٦، وتفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٨) ص: ٥/ ٤٧٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٤٩) ص: ٥/ ٤٧٦.","vol":"5","page":281},{"text":"القراءة الثالثة: وقرأ ذلك بعضهم: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَنْشُرُهَا﴾، بفتح النون من أوله وبالراء. كأنّه وجّه ذلك إلى مثل معنى: نَشْرِ الشيء وطيِّه، وذلك قراءة غير محمودة، لأن العرب لا تقول: نشر الموتى، وإنما تقول: \" أنشر الله الموتى \"، فنشروا هم \" بمعنى: أحياهم فحيُوا هم. ويدل على ذلك قوله: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) [الأنبياء: ٢١]؛ .. وعلى أنه إذا أريد به حَيِي، الميت وعاش بعد مماته، قيل: نَشَر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١):\nحَتَّى يَقُولَ النَّاسَ مِمَّا رَأَوْا: ... يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ\nوروي سماعًا من العرب: \" كان به جَرَبٌ فنَشَر \"، إذا عاد وَحَيِيَ\" (٢).\nالقراءة الرابعة: وقرأ أبي بن كعب: ﴿كيف ننشيها﴾ بالياء (٣).\nقال الطبري: \" والقول في ذلك عندي أنّ معنى \" الإنشاز \" ومعنى \" الإنشار \" متقاربان، لأن معنى \" الإنشاز \": التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام، ومعنى \" الإنشار \" إعادة الحياة إلى العظام، وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما وإن اختلفا في اللفظ، فمتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئًا يقطعُ العذر ويوجب الحجة، فبأيِّهما قرأ القارئ فمصيب، لانقياد معنييهما، ولا حجة توجب لإحداهما القضاءَ بالصواب على الأخرى، فإن ظنّ ظانٌ أن \" الإنشارَ \" إذا كان إحياءً، فهو بالصواب أولى، لأن المأمور بالنظر إلى العظام وهي تنُشر إنما أمر به ليرى عيانًا ما أنكره بقوله: ﴿أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؟ [فقد أخطأ]، فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع، إنما عنى به ردُّها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه، وهو يُحيى، لإعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات. والذي يدل على ذلك قوله: ﴿ثم نكسوها لحمًا﴾، ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشزت بعد أن كسيت اللحم. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معنى \" الإنشاز \" تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد، وكان ذلك معنى \" الإنشار \" وكان معلومًا استواء معنييهما، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه، وأما القراءة الثالثة، فغير جائزةٍ القراءةُ بها عندي، وهي قراءة من قرأ: \" كَيْفَ نَنْشُرُهَا \" بفتح النون وبالراء، لشذوذها عن قراءة المسلمين، وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \" أي نسترها به\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي نسترها باللحم؛ فشاهد ذلك بعينه، فاجتمع عنده آيتان من آيات الله؛ إبقاء ما يتغير على حاله - وهو طعامه، وشرابه؛ وإحياء ما كان ميتًا - وهو حماره\" (٦).\nقال ابن عطية: \" والكسوة: ما وارى من الثياب، وشبه اللحم بها\" (٧).\n_________\n(١) ديوانه: ١٠٥، وسيأتي في التفسير ١٩: ١٤/ ٢٥: ٣٢/ ٣٠: ٣٦ (بولاق) وهو في أكثر الكتب، وقد مضى بيتان منها في ١: ٤٧٤، تعليق: ٢/ ٣: ١٣١. وقبله يذكر صاحبته، فأجاد وأبدع: عَهْدِي بِهَا فِي الحَيِّ قَدْ سُرْبِلَتْ ... هَيْفَاءَ مِثْلَ المُهْرَةِ الضَّامِرِ\nقَدْ نَهَدَ الثَّدْيُ عَلَى نَحْرِهَا ... فِي مُشْرِقٍ ذِي صَبَحٍ نَاثِرِ\nلَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتًا إلَى نَحْرِهَا ... عَاشَ، وَلَمْ يُنْقَلْ إِلى قَابِرِ\nحتَّى يَقُولَ الناسُ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nالصبح (بفتحتين) بريق اللون والحلى والسلاح، تراه مشربًا كالجمر يتلألأ. ونائر: نير. يقال: \" نار الشيء فهو نير ونائر \" و\" أنار فهو منير \".\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٧ - ٤٧٨.\n(٣) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٢.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.","vol":"5","page":282},{"text":"قال الطبري: \" نكسوها \": نُلبسها ونُواريها به كما يواري جسدَ الإنسان كسوتُه التي يلبَسُها. وكذلك تفعل العرب، تجعل كل شيء غطَّى شيئًا وواراه، لباسًا له وكُسوة، ومنه قول النابغة الجعدي (١):\nفَالْحَمْدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبَالا\nفجعل الإسلام - إذ غطَّى الذي كان عليه فواراه وأذهبه - كُسوةً له وسِربالا\" (٢).\nقال السدي: \"إن الله كسا العظام لحما ودما، فقام حمارا من لحم ودم، ليس في روح، ثم أقبل ملك يمشي، حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فنهق الحمار\" (٣).\nوروي\" عن عكرمة يعني قوله: ﴿ثم نكسوها لحما﴾، قال: لما اتصلت المفاصل، كسيت لحما، ثم كسي اللحم عصبا، ثم مد الجلد عليها، ثم نفخ في منخره، فنهق\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: \" فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي فلما رأى الآيات الباهرات\" (٦).\nقال القاسمي\"أي: اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكليّ، وظهر له كيفية الإحياء\" (٧).\nقال المراغي: \"أي فلما ظهر له إحياء الميت عيانا\" (٨).\nقال ابن عثيمين: أي تبين لهذا الرجل - الذي مر على القرية، واستبعد أن يحييها الله بعد موتها؛ أو استبطأ أن الله ﷾ يحييها بعد موتها، وحصل ما حصل من آيات الله ﷿ بالنسبة له، ولحماره، ولطعامه، وشرابه - تبين له الأمر الذي تحقق به قدرة الله ﷿\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" فلما اتضح له عيانًا ما كان مستنكرًا من قدرة الله وعظمته عنده قبل عيانه ذلك، قالَ أَعْلَمُ \" (١٠).\nاعترض عليه ابن عطية قائلا: \" وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف\" (١١).\n_________\n(١) ديوانه: ٨٦، في هجائه ابن الحيا، والحيا أمه، واسمه سوار بن أوفي القشيري - وكان هجا الجعدي وسب أخواله من الأزد، وهم بأصبهان متجاورون، فقال في ذلك قصيدته التي أولها: إِمَّا تَرَي ظُلَلَ الأَيَّامِ قَدْ حَسَرَتْ ... عنِّي، وشَمَّرْتُ ذَيْلًا كَانَ ذَيَّالا\nوينسب هذا البيت إلى \" لبيد بن ربيعة العامري \" وإلى \" قردة بن نفاثة السلولي \"، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: ٢٢٨: \" وقد قال أكثر أهل الأخبار أن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم.\nوقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: ... \" وذكر البيت، ثم قال: وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولى، وهو أصح عندي \". ثم عاد في ص ٥٣٦، فذكر قردة بن نفائة السلولى فقال: \" كان شاعرًا، قدم على رسوله الله ﷺ في من بني سلول، فأمّره عليهم بعد أن أسلم وأسلموا، فأنشأ يقول: بَانَ الشَّبَابُ فَلَمْ أَحْفِلْ بِهِ بَالا ... وَأَقْبَلَ الشَّيْبُ والإِسْلامُ إِقْبَالا\nوَقَدْ أُرَوِّي نَدِيمِي مِنْ مُشَعْشَعَةٍ ... وَقَدْ أُقَلِّبُ أَوْرَاكًا وَأَ كْفَالا\nالْحَمْدُ لله. . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوقد قيل إن البيت للبيد. قال أبو عبيدة: لم يقل لبيد في الإسلام غيره \". وذكر ذلك أبو الفرج في أغانيه ١٤: ٩٤، وغيره. وانظر معجم الشعراء: ٣٣٨، ٣٣٩، والشعر والشعراء: ٢٣٢ والمعمرين ٦٦، وديوان لبيد، الزيادات: ٥٦. وغيرها كثير.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٨٢): ص ٢/ ٥٠٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٨٣): ص ٢/ ٥٠٦.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٢.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨١.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.","vol":"5","page":283},{"text":"قال الزمخشري: \" وقرأ ابن عباس ﵄: ﴿فلما تبين له﴾، على البناء للمفعول\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، \" قال أيقنت وعلمت علم المشاهدة أن الله على كل شيء قدير\" (٢).\nقال القاسمي: \" فخرج من الظلمات إلى النور.\" (٣).\nقال ابن كثير: \"أي: أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك\" (٤).\nقال المراغي: \" قال: أعلم علما يقينيّا مؤيدا بآيات الله في نفسى وفي الآفاق، أن الله على كل شاء من الأشياء التي من جملتها ما شاهدته، قدير لا يستعصى عليه أمر\" (٥).\nقال الحسن: \" ذكر لنا- والله أعلم- أن أول شيء خلقه الله منه، عيناه، ثم جعل يخلق بعد، بقية خلقه وهو ينظر بعينيه، كيف يكسو العظام لحما، ليعتبر ويعلم أن الله يحي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، فلما رأى ما أراه الله من ذلك، أجاب ربه خيرا، في معرفته، فقال: ﴿أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ \" (٦).\nوقال محمد بن إسحاق: \" ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، أي: إن الله على كل ما أراد بعباده، من نقمة، أو عفو قدير\" (٧).\nقال ابن عثيمين: و«العلم» - كما سبق - هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا لما هو عليه؛ وعدم الإدراك هو الجهل البسيط؛ وإدراك الشيء على غير ما هو عليه: هو الجهل المركب؛ وعدم الجزم: شك؛ أو ظن؛ أو وهم؛ فإن تساوى الأمران فهو شك؛ وإن ترجح أحدهما فالراجح ظن؛ والمرجوح وهم (٨).\nوأما والـ «القدرة» فصفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ [فاطر: ٤٤]: لما نفى أن يعجزه شيء قال تعالى: ﴿إنه كان عليمًا قديرًا﴾ فلما نفى العجز، ذكر القدرة، والعلم مقابلها\" (٩).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى \" ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، على قراءتين (١٠):\nالقراءة الأولى: ﴿قَالَ اعْلَمْ﴾، على معنى الأمر، بوصل (الألف) من (اعلم)، وجزم (الميم) منها، وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة، ويذكرون أنها في قراءة عبد الله: ﴿قِيلَ اعْلَمْ﴾، على وجه الأمر من الله الذي أحيي بعد مماته، فأمر بالنظر إلى ما يحييه الله بعد مماته.\nوكذلك روي عن ابن عباس (١١).\nوقال الربيع: \"ذكر لنا، والله أعلم، أنه قيل له: ﴿انظر﴾، ! فجعل ينظر إلى العظام كيف يتواصَلُ بعضها إلى بعض، وذلك بعينيه، فقيل: ﴿اعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ (١٢).\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٨.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٨٤): ص ٢/ ٥٠٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٨٦): ص ٢/ ٥٠٧.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٨١ - ٤٨٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٨.\n(١١) أخرجه الطبري (٥٩٥٤): ص ٥/ ٤٨١. و(٥٩٥٥): ص ٥/ ٤٨٢.\n(١٢) تفسير الطبري (٥٩٥٦): ص ٥/ ٤٨٢.","vol":"5","page":284},{"text":"قال أبو علي: \" قال: أَعْلَمُ على لفظ الأمر، فالمعنى: يؤول إلى الخبر، وذاك أنّه لما تبيّن له ما تبيّن من الوجه الذي ليس لشبهة عليه منه طريق، نزّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا مما تفعله العرب، ينزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبيّ فيخاطبها كما تخاطبه قال (١):\nتذكّر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل\nفجعل عزمه على وروده الشرب له لجهد العطش، وعلى تركه الورود مرة لخوف الرامي وترصّد القانص نفسين له.\nومن ذلك قول الأعشى (٢):\nأرمي بها البيد إذا هجّرت ... وأنت بين القرو والعاصر\nفقال: أنت، وهو يريد نفسه، فنزّل نفسه منزلة سواه في مخاطبته لها مخاطبة الأجنبيّ.\nومثل ذلك قوله (٣):\nودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيّها الرّجل\nفقال: ودّع، فخاطب نفسه كما يخاطب غيره، ولم يقل:\nلأودّع، وعلى هذا قال: أيّها الرجل، وهو يعني نفسه. وقال (٤):\nألم تغتمض عيناك ليلة أرمدًا\nفكذلك قوله لنفسه ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، نزّله منزلة الأجنبيّ المنفصل منه، لتنبهه على ما تبيّن له ممّا كان أشكل عليه.\nقال أبو الحسن (٥): وهو أجود في المعنى\" (٦) (٧).\n_________\n(١) البيت للكميت بن زيد أنشده صاحب التاج في (أبل) ونسبه للكميت، وكذلك اللسان (أبل) بلفظة (شربه) بضم الشين وذكره الطبري في تفسيره ٢/ ٣٩٨. وفي القرطبي ٣/ ٢٩٧ عند تفسير قوله تعالى: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال ابن عطية: وتأنس أبو عليّ في هذا المعنى بقول الشاعر: وأورد البيت .... يؤامر نفسه: يشاورها. والهجمة: عدد من الإبل قريب من المائة. والإبل بكسر الباء: اسم فاعل من أبل كفرح: إذا أحسن رعية الإبل، والقيام عليها.\n(٢) البيت في اللسان (قرا) للأعشى وفيه: «إذ أعرضت» بدل «إذا هجّرت».\nوليس في ديوان الأعشى. وهو أشبه بقصيدته التي يهجو فيها علقمة بن علاثة ويذكر في آخرها ناقته. انظر ديوانه ص ١٤٧ والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها.\n(٣) ديوانه: ٥٥.\n(٤) صدر بيت للأعشى عجزه:\nوعادك ما عاد السليم المسهّدا والسليم يطلق على اللديغ تفاؤلًا، وهو مطلع قصيدة للأعشى يمدح بها النبي ﵌. انظر ديوانه/ ١٣٥. واستشهد به القرطبي مع سابقه في تفسيره ٣/ ٢٩٧ عن أبي علي للمعنى الذي ذكره أبو علي هنا.\n(٥) هو علي بن سليمان الأخفش الأصغر، أبو الحسن، شيخ أبي علي الفارسي، ذكره ابن العديم ممن أخذ عنهم الفارسي. توفي في بغداد (٣١٥ هـ) انظر بغية الوعاة ٢/ ١٦٧، ومجلة المجمع ٤/ ٧٤٣ سنة ١٩٨٣ م.\n(٦) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٧) قلت: إن هذه الظاهرة التي تحدث عنها أبو علي، تسمى بـ (التجريد)، وكان أبو علي الفارسي وابن جني من أوائل من تعرض لهذه الظاهرة، فقال ابن جني\"اعلم ان هذا الفصل من فصول العربية طريف ورأيت أبا علي﵀- به غريا معنيا ... ومعناه ان العرب قد تعتقد ان في الشيء من نفسه معنى آخر كأنه حقيقته ومحصوله، وقد يجري ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها. وذلك مثل قولهم: لئن لقيت زيدا لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر ... وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه، حتى كأنها تقابله أو تخاطبه\". [الخصائص: ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤].\nوقسمه ابن الأثير على قسمين [انظر: المثل السائر: ٢/ ١٥٩ - ١٦٣]:\nالأول/ التجريد المحض: وهو أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، أي ان الخطاب موجه لغير الشاعر لكنه يريد به نفسه، \"إذ تنشطر ذات الشاعر إلى شطرين، شطر مخاطب وشطر مخاطب، فيقيم الشاعر حوارا داخليا لكنه حوار قاس، وان هذا الأسلوب يغدو شكل من أشكال مواجهة الذات وحوارها ولومه.\nالثاني/ التجريد غير المحض: فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك.\" وهو شكل من أشكال الحوار إذ لا يكون فيه الحضور للضمائر، وإنما يكون للنفس الذي تشكل مصدرا لإحساس الإنسان وهواجسه وانفعالاته، فالشاعر يخاطب مكمن الشعور والإحساس.\nوالتجريد شكل من أشكال الحوار الذي يريد الإنسان من خلاله أن يبرز مشاعره، وله خصوصيته في الإيحاء، ومن كونه شكلا بلاغيا مرتبطا بهدف ما، وذلك من خلال السياق الذي ورد فيه.\nلمزيد من المعلومات انظر: [الطراز: ٣/ ٧٣ - ٧٤، التلخيص في علوم البلاغة: ٢٦٨، نهاية الإرب في فنون الأدب: ٧/ ١٥٦، الفوائد: ٢٣٠/ ٢٣٣، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها: ٢/ ٤٠ - ٤٧].","vol":"5","page":285},{"text":"القراءة الثانية: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾، على وجه الخبر عن نفسه للمتكلم به، بهمز (ألف) ﴿أعلم﴾ وقطعها، ورفع (الميم)، بمعنى: \"فلما تبين له من قدرة الله وعظيم سلطانه بمعاينته ما عاينه، قال المتبيِّن ذلك: أعلم الآن أنا أنّ الله على كل شيء قدير\" (١).\nوبذلك قرأ عامة قرأة أهل المدينة، وبعض قرأة أهل العراق، وبذلك فسّر معناه، جماعة من أهل التفسير: منهم وهب (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤)، والضحاك (٥)، وابن يد (٦).\nقال الطبري: \" وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ﴿اعْلَمْ﴾، بوصل (الألف) وجزم (الميم)، على وجه الأمر من الله تعالى ذكره للذي قد أحياه بعد مماته، بالأمر بأن يعلم أن الله الذي أراه بعينيه ما أراه من عظيم قدرته وسلطانه، من إحيائه إياه وحمارَه بعد موت مائة عام وبَلائه، حتى عادَا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظِه عليه طعامه وشرابه مائة عام حتى ردَّه عليه كهيئته يوم وضعه غير متغير، على كل شيء قادرٌ كذلك، وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بالصواب دون غيره; لأن ما قبله من الكلام أمرٌ من الله تعالى ذكره: قولا للذي أحياه الله بعد مماته، وخطابًا له به، وذلك قوله: ﴿فانظر إلى طعامك وشرَابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك ... وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾، فلما تبين له ذلك جوابًا عن مسألته ربَّه: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ قال الله له: ﴿اعلم أن الله﴾ الذي فعل هذه الأشياء على ما رأيت على غير ذلك من الأشياء قديرٌ كقدرته على ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالى ذكره لخليله إبراهيم ﷺ بعد أن أجابه عن مسألته إياه في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فأمر إبراهيم بأن يعلم، بعد أن أراه كيفية إحيائه الموتى، أنه عزيز حكيم، فكذلك أمر الذي سأل فقال: ﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ بعد أن أراه كيفية إحيائه إياها أن يعلم أنّ الله على كل شيء قدير\" (٧).\nوقال ابن عطية: قوله تعالى ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: \"أنا أعلم أن الله على كل شيء قدير، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري، بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله: الله لا إله إلا هو ونحو هذا. وقال أبو علي: \"معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل\" (٨).\nقال ابن عطية: يعني علم المعاينة\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث ينوع الأدلة، والبراهين على الأمور العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾؛ فهذه الآية وما قبلها، وما بعدها كلها في سياق قدرة الله ﷿ على إحياء الموتى.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٥٧) و(٥٩٥٨): ص ٥/ ٤٨٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٥٩): ص ٥/ ٤٨٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٠): ص ٥/ ٤٨٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦١): ص ٥/ ٤٨٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٢): ص ٥/ ٤٨٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٣ - ٤٨٤.\n(٨) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٣.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.","vol":"5","page":286},{"text":"٢ - ومنها: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يهتم الإنسان بأعيان أصحاب القصة؛ إذ لو كان هذا من الأمور المهمة لكان الله يبين ذلك: يقول: فلان؛ ويبين القرية.\n٣ - ومنها: أن العبرة بالمعاني والمقاصد دون الأشخاص.\n٤ - ومنها: إطلاق القرية على المساكن؛ لقوله تعالى: ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ مع أنه يحتمل أن يراد بهذه الآية المساكن، والساكن؛ لأن كونها خاوية على عروشها يدل على أن أهلها أيضًا مفقودون، وأنهم هالكون.\n٥ - ومنها: قصور نظر الإنسان، وأنه ينظر إلى الأمور بمعيار المشاهَد المنظور لديه؛ لقوله هذا الرجل: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؛ فكونك ترى أشياء متغيرة لا تستبعد أن الله ﷿ يزيل هذا التغيير؛ وكم من أشياء قدَّر الناس فيها أنها لن تزول، ثم تزول؛ كم من أناس أمَّلوا دوام الغنى، ودوام الأمن، ودوام السرور، ثم أعقبه ضد ذلك؛ وكم من أناس كانوا على شدة من العيش، والخوف، والهموم، والغموم، ثم أبدلهم الله ﷾ بضد ذلك.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا استبعد وقوع الشيء - ولكنه لم يشك في قدرة الله - لا يكفر بهذا.\n٧ - ومنها: بيان قدرة الله ﷿ في إماتة هذا الرجل لمدة معينة، ثم إحيائه؛ لقوله تعالى: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾.\n٨ - ومنها: إثبات الكلام لله ﷿، والقول، وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿قال كم لبثت﴾؛ والأولى الأخذ بظاهر القرآن، وأن القائل هو الله ﷿.\n٩ - ومنها: جواز امتحان العبد في معلوماته؛ لقوله تعالى: ﴿كم لبثت﴾.\n١٠ - ومنها: الرد على الأشاعرة الذين قالوا: «إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الأصوات التي سمعها موسى، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - وغيرهما ممن كلمه الله هي أصوات خلقها الله ﷿ لتعبر عما في نفسه»؛ وأن هذا القول مقتضاه إنكار القول من الله ﷿.\n١١ - ومنها: بيان حكمة الله، حيث أمات هذا الرجل، ثم بعثه ليتبين له قدرة الله ﷿.\n١٢ - ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه، وأنه إذا خالف الواقع لا يعد مخطئًا؛ لقوله تعالى: ﴿قال لبثت يومًا أو بعض يوم﴾ مع أنه لبث مائة عام.\n١٣ - ومنها: أن الله قد يمنّ على عبده بأن يريه من آياته ما يزداد به يقينه؛ لقوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك ...﴾ إلخ.\n١٤ - ومنها: أن قدرة الله فوق ما هو معتاد من طبيعة الأمور، حيث بقي هذا الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير.\n١٥ - ومنها: الرد على أهل الطبيعة الذين يقولون: إن السنن الكونية لا تتغير؛ لقوله تعالى: ﴿لم يتسنه﴾: لكون هذا الطعام، والشراب لم يتغير لمدة مائة سنة، والرياح تمر به، والشمس، والحر.\n١٦ - ومنها: جواز الانتفاع بالحُمُرِ؛ لقوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾.\n١٧ - ومنها: ثبوت الملكية فيها: لأن الله أضاف الحمار إلى صاحبه؛ فقال تعالى: ﴿حمارك﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول النبي ﷺ: «إن الله ﷿ إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١)؛ وإثبات الملكية يقتضي حل الثمن؟\n_________\n(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٩٥، حديث رقم ٢٦٧٨، واللفظ له، وأخرجه أبو داود ص ١٤٨٣، كتاب البيوع، باب ٦٤: في ثمن الخمر والميتة، حديث رقم ٣٤٨٨، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٣٧٠: صحيح.","vol":"5","page":287},{"text":"فالجواب: أنها إذا بيعت للأكل فهو حرام؛ لأنه هو المحرم؛ وأما إذا بيعت للانتفاع فهذا حلال؛ لأن الانتفاع بها حلال؛ إذًا فهذا لا يعارض الحديث؛ فإذا اشترى الحمار للأكل فالثمن حرام؛ وإن اشتراه للمنفعة فالمنفعة حلال، وثمنها حلال.\n١٨ - ومن فوائد الآية: أن الله يحدث للعبد ما يكون عبرة لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾؛ ومثل ذلك قوله تعالى في عيسى بن مريم، وأمه: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾ [الأنبياء: ٩١].\n١٩ - ومنها: أنه ينبغي التفكر فيما خلقه الله ﷿، وأحدثه في الكون؛ لأن ذلك يزيد الإيمان، حيث إن هذا الشيء آية من آيات الله.\n٢٠ - ومنها: أنه ينبغي النظر إلى الآيات على وجه الإجمال، والتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾: مطلق؛ ثم قال تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ...﴾ إلخ؛ فيقتضي أن نتأمل أولًا في الكون من حيث العموم، ثم من حيث التفصيل؛ فإن ذلك أيضًا يزيدنا في الإيمان.\n٢١ - ومنها: أن الله ﷿ جعل اللحم على العظام كالكسوة؛ بل هو كسوة في الواقع؛ لقوله تعالى: ﴿ثم نكسوها لحمًا﴾، وقال تعالى: ﴿فكسونا العظام لحمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ ولهذا تجد اللحم يقي العظام من الكسر والضرر؛ لأن الضرر في العظام أشد من الضرر في اللحم.\n٢٢ - ومنها: أن الإنسان بالتدبر، والتأمل، والنظر يتبين له من آيات الله ما لا يتبين لو غفل؛ لقوله تعالى: ﴿فلما تبين له ...﴾ إلخ.\n٢٣ - ومنها: بيان عموم قدرة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾.\n٢٤ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾؛ لأن من الأشياء فعل العبد؛ والله ﷾ قادر على فعل العبد؛ وعند القدرية المعتزلة أن الله ليس بقادر على أفعال العبد؛ لأن العبد عندهم مستقل خالق لفعله، وأن الله ﷾ لم يخلق أفعاله.\n٢٥ - ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فأماته الله ... ثم بعثه﴾؛ وهذه أفعال متعلقة بمشيئته، واختياره: متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل؛ متى شاء خلق، ومتى شاء أمات؛ ومتى شاء أذل، متى شاء أعز.\n٢٦ - ومنها: أن كلام الله ﷿ بحروف، وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى: ﴿كم لبثت﴾، وقوله تعالى: ﴿بل لبثت مائة عام﴾؛ فإن مقول القول حروف بصوت سمعه المخاطَب، وأجاب عليه بقوله: ﴿لبثت يومًا أو بعض يوم﴾؛ ولكن الصوت المسموع من كلام الله ﷿ ليس كصوت المخلوقين؛ الحروف هي الحروف التي يعبر بها الناس؛ لكن الصوت: لا؛ لأن الصوت صفة الرب ﷿؛ والله ﷾ يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].\n٢٧ - ومنها: أنه يلزم من النظر في الآيات العلم، واليقين؛ لقوله تعالى: ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾.\n٢٨ - ومنها: أنه يمكن الرد على الجبرية على قراءة: «اعلم»؛ لأنه لو كان الإنسان مجبورًا لكان توجه الخطاب إليه بالأمر والتكليف، لغوًا وعبثًا.\n٢٩ - ومنها: ثبوت كرامات الأولياء؛ وهي كل أمر خارق للعادة يجريه الله ﷿ على يد أحد أوليائه تكريمًا له، وشهادةً بصدق الشريعة التي كان عليها؛ ولهذا قيل: كل كرامة لوليّ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ و«الولي» كل مؤمن تقي؛ لقوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].\n٣٠ - ومنها: وجوب العلم بأن الله على كل شيء قدير.","vol":"5","page":288},{"text":"القرآن\n﴿َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]\nالتفسير:\nواذكر -أيها الرسول- طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية البعث، فقال الله له: أَوَلم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن أطلب ذلك لأزداد يقينًا على يقيني، قال: فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم نادِهن يأتينك مسرعات. فنادى إبراهيم ﵇، فإذا كل جزء يعود إلى موضعه، وإذا بها تأتي مسرعة. واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، \" ألم تر إذ قال إبراهيم\" (١).\nقال الطبري: \" وإنما صلح أن يعطف بقوله: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ على قوله: ﴿أو كالذي مرّ على قرية﴾، وقوله: ﴿ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه﴾، لأن قوله: ﴿ألم تر﴾ ليس معناه: ألم تر بعينيك، وإنما معناه: ألم تر بقلبك، فمعناه: ألم تعلم فتذكر، فهو وإن كان لفظه لفظ \" الرؤية \" فيعطف عليه أحيانًا بما يوافق لفظه من الكلام، وأحيانًا بما يوافق معناه\" (٢).\nو﴿إبراهيم﴾ -ﷺ- هو الأب الثالث للأنبياء؛ فالأول: آدم؛ والثاني: نوح؛ والثالث: إبراهيم، كما قال الله ﷾: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى في نوح: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: ٧٧]؛ وآدم معلوم أنه أبو البشر: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦] (٣).\nقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: ربّي \" اجعلني أنظر، وأرى بعيني\" (٤)، كيف تحيي الموتى.\nقال ابن عثيمين: \"والسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان؛ لأن إبراهيم لم يشك في القدرة؛ ولا عن معنى الإحياء؛ لأن معنى الإحياء عنده معلوم؛ لكن أراد أن يعلم الكيفية: كيف يحيي الله الموتى بعد أن أماتهم، وصاروا ترابًا وعظامًا\" (٥).\nقال الصابوني: \" سأل الخليل عن الكيفية مع إِيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الموتى﴾: يحتمل وجهين (٧):\nالأول: أيّ موتى يكونون.\nالثاني: أن المراد به الموتى من بني آدم.\nإذا نظرنا إلى لفظ ﴿الموتى﴾ وجدناه عامًا؛ يعني أيّ شيء يحييه الله أمامه فقد أراه؛ فيترجح الاحتمال الأول.\nواختلف أهل التفسير في سبب مسألة إبراهيم، على أقوال (٨):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٩.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٩.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٥ وما بعدها.","vol":"5","page":289},{"text":"الأول: أنه أنه رأى دابة قد تقسَّمتها السباعُ والطيرُ، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها، وهذا قول ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، والضحاك (٣)، وابن جريج (٤)، وابن يد (٥).\nقال الطبري: \" فيزداد يقينًا برؤيته ذلك عيانًا إلى علمه به خبرًا، فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به\" (٦).\nوالثاني: لمنازعة النمرود له في الإحياء، قاله ابن إسحاق (٧)، والحسن (٨) فيما معناه.\nقال الطبري: القولان الأول والثاني: \" متقاربا المعنى، في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا\" (٩).\nالثالث: وقال آخرون: بل كانت مسألته ذلك ربَّه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك، ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيِّدًا.\nوإلى هذا القول ذهب الطحاوي (١٠)، وهو المروي عن السدي (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، وعبدالله بن المبارك (١٣).\nالرابع: وقيل: قال ذلك لربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. روي فيما معنى ذلك عن عطاء بن أبي رباح (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعطاء (١٦)، وهذا اختيار الطبري (١٧).\nواستندوا في قولهم على ما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \" نحنُ أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي \" (١٨) (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٨٧): ص ٢/ ٥٠٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٣): ص ٥/ ٤٨٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٤): ص ٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦، وابن ابي حاتم (٢٦٨٧): ص ٢/ ٥٠٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٥): ص ٥/ ٤٨٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٦): ص ٥/ ٤٨٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٧): ص ٥/ ٤٨٧.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٨٨): ص ٢/ ٥٠٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٧.\n(١٠) شرح مشكل الآثار: ١/ ١٨٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٨): ص ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨، وابن ابي حاتم (٢٦٨٩): ص ٢/ ٥٠٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٩): ص ٥/ ٤٨٩.\n(١٣) أعلام الحديث للخطابي: (٣/ ١٥٤٦)، والأسماء والصفات للبيهقي: (٢/ ٤٨٨)، وشرح السنة للبغوي: ١/ ١١٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٢): ص ٥/ ٤٩٠. و(٥٩٧٤): ص ٥/ ٤٩١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٠) و(٥٩٧١): ص ٥/ ٤٨٩ - ٤٩٠.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٩٠): ص ٢/ ٥٠٨. قال: \"دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال: رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى\".\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(١٨) أخرجه الطبري (٥٩٧٣): ص ٥/ ٤٩٠. ورواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١]: (١٢/ ٤٢): رقم (٣٣٧٢)، وفي التفسير: باب قوله: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) [يوسف: ٥٠]: (١٥/ ٣٣٧) رقم (٤٦٩٤) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: (١/ ٤٨١) رقم (٣٩٩) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: (١٥/ ٤٢٧) رقم (٦٢٩١).\n(١٩) إن العلماء قد بينوا معنى هذا الحديث بل وعدوه من فضائل إبراهيم [ولذلك رواه مسلم كما سبق في كتاب الفضائل: باب من فضائل إبراهيم]، وقالوا المراد من الحديث: تنزيه إبراهيم -﵇ ونبينا محمد -ﷺ- عن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في معنى الحديث على عدة أقوال أقواها:\nالقول الأول: أن المراد بهذا الحديث نفي الشك عن إبراهيم، فكأنه -﵇- قال: إن إبراهيم لم يشك، ولو كان الشك متطرقًا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم -﵇- من باب أولى ألا يشك. قال ذلك -﵇- على سبيل التواضع وهضم النفس.\nوإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء كابن قتيبةتأويل مختلف الحديث: (٩١ - ٩٢)، والطحاويشرح مشكل الآثار: (١/ ١٨٤)، والخطابيأعلام الحديث: (٣/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦)، والحميديفسير غريب ما في الصحيحين: (٢٩٢)، وابن عطيةلمحرر الوجيز: (٢/ ٣٠٣)، وابن حزمالفصل: (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، والقاضي عياضالشفاء: (٣١٠)، وابن الجوزيكشف المشكل: (٣/ ٣٥٨)، والنوويشرح النووي على مسلم: (٢/ ٥٤٢)، وصفي الرحمن المباركفوريمنة المنعم في شرح صحيح مسلم: (١/ ١٣٣)، (٤/ ٦٣)، وابن عثيمينتفسير القرآن له: (٣/ ٣٠٥)، والقول المفيد على كتاب التوحيد: (١/ ٢١٩)، وغيرهم [نظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال: (٩/ ٥٢٥)، والأسماء والصفات للبيهقي: (٢/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل: (١/ ٢٤٨)، وإكمال المعلم للقاضي عياض: (١/ ٤٦٥)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، وشرح النووي على مسلم: (٢/ ٥٤٢)، وفتح الباري: (٦/ ٤١٢].\nقال الخطابي: \" مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\"؛ اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم -﵇-، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما\".أعلام الحديث: (٣/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦).\nوقال ابن الجوزي: \" مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس\".كشف المشكل: (٣/ ٣٥٨).\nالقول الثاني: أن النبي -﵊- سمّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكًا، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم -﵇- اسمَ الشك، وإلا فإبراهيم كان مؤمنًا موقنًا، ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولكن الرسول -﵇- عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة.\nوإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيميةمجموع الفتاوى: (١٥/ ١٧٨)، وابن القيممدارج السالكين: (١/ ٥٠٧).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا كما أخبر الله عنه بقوله: (أولم تؤمن قال بلى) ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: (ولكن ليطمئن قلبي) فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي -﵇- شكًا لذلك بإحياء الموتى\".مجموع الفتاوى: (١٥/ ١٧٨).","vol":"5","page":290},{"text":"قال الطبري، مرجحا هذا القول: \" وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحَّ به الخبر عن رسول الله صلى أنه قال، وهو قوله: \" نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ \" (١)، وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرضَ في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا (٢): من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليعاين ذلك عيانًا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه: ﴿أولم تؤمن﴾؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب! لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رُؤيتي هذا الحوت\" (٣)، وكذا روي عن ابن يد (٤).\nوقد اعترض ابن عطية على هذا القول، فقال: \" فأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله، أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥٩٧٣): ص ٥/ ٤٩٠. ورواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١]: (١٢/ ٤٢): رقم (٣٣٧٢)، وفي التفسير: باب قوله: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) [يوسف: ٥٠]: (١٥/ ٣٣٧) رقم (٤٦٩٤) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: (١/ ٤٨١) رقم (٣٩٩) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: (١٥/ ٤٢٧) رقم (٦٢٩١).\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٦): ص ٥/ ٤٨٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٥): ٥/ ٤٩١.","vol":"5","page":291},{"text":"ولهذا قال النبي ﵇: «ليس الخبر كالمعاينة» (١)، وأما قول النبي ﵇ نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم ﵇ أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي ﵇ أنه قال: ذلك محض لإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل ﵇. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به، يدلك على ذلك قوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون كَيْفَ خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، كَيْفَ نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وكَيْفَ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فليزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل ﵇ هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة\" (٢).\nواعترض كثير من المفسرين على اختيار الطبري، فهذا القاسمي يقول، \" وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله، واستدلوا بما صح عنه ﷺ وفي الصحيحين وغيرهما من قوله: «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» (٣)، وبما روي عن ابن عباس أنه قال: \"ما في القرآن عندي آية أرجى منها، إذ رضي الله من إبراهيم قوله ﴿بَلى﴾، قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان\" (٤)، أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له، قال ابن عطية: \"وهو عندي مردود\" (٥). يعني قول هذه الطائفة\" (٦).\nوالراجح أن سيدنا إبراهيم -﵇- لم يشك في قدرة الله - ﷿ - على إحياء الموتى، ولكنه أراد أن يتحول من علم اليقين الذي أوحاه الله - ﷿ - إليه إلى عين اليقين وهو ما تراه العين وتشاهده، حتى يزداد القلب اطمئنانا على ما به من إيمان، وكيف يشك إبراهيم - ﵇ - في إحياء الله الموتى، وقد حاج الملك وبرهن له على قدرة الله ﵎ - على كل شيء ومنها إحياء الموتى، فكيف يحاجج الملك بما يشك فيه؟ ! (٧).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢١٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٣.\n(٣) أخرجه الطبري (٥٩٧٣): ص ٥/ ٤٩٠. ورواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١]: (١٢/ ٤٢): رقم (٣٣٧٢)، وفي التفسير: باب قوله: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) [يوسف: ٥٠]: (١٥/ ٣٣٧) رقم (٤٦٩٤) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: (١/ ٤٨١) رقم (٣٩٩) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: (١٥/ ٤٢٧) رقم (٦٢٩١).\n(٤) المستدرك (١/ ٦٠) وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٢.\n(٦) تفسير القاسمي: ٢/ ١٩٩.\n(٧) وكيف يشك في هذا الأمر، وقد حاج طاغية عصره في هذه القضية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ومن ثم فكيف يسوغ لمن حاج خصمه بقضية الإحياء والموت، أن يشك فيها بعد ذلك؟ ! ألا يدل ذلك على جهل هؤلاء المدعين وكذبهم على أنبياء الله تعالى؟ ! إن إبراهيم - ﵇ - لا يتكلم في الإحياء، وإنما كان شكه في أن الله سبحانه قد لا يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى، ولنضرب مثالا على ذلك، ولله المثل الأعلى. إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلى محدث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا. إذن فالاطمئنان جاء لمراد في كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات مقصورة ومتخيلة [انظر: تفسير الشعراوي: ٢/ ١٣٩].\nواستنادا إلى ما سبق فقد كان سؤال إبراهيم - ﵇ - عن كيفية إحياء الموتى، وكيفية جمع الأجزاء لا عن الإحياء نفسه، فإنه ثابت ومقرر، ويدل على ذلك وقوع السؤال بكيف التي تسأل عن الهيئة والكيفية، والإنسان يؤمن بما لا يعرف كيفيته، وفي فطرته الرغبة في استكناه أشياء هو مؤمن بها، ولكنه يود لو يقف على أسرارها وخفاياها، وطلب الخليل - ﵇ - رؤية كيفية إحياء الموتى من هذا القبيل، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة في أصل الإيمان بالبعث، الذي عرفه بالوحي والبرهان، دون المشاهدة والعيان [عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي: ٢٨٢].\nفالمعرفة التفصيلية أقوى وأرسخ من المعرفة الإيمانية المؤدية إلى التردد بين الكيفيات المتعددة مع الطمأنينة إلى القدرة على الإحياء.\nيقول الشيخ محمد عبده في قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أولم تؤمن﴾ - وهو أعلم بإيمانه ويقينه - إرشاد إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده، ويكتفي به في هذا المقام، فلا يتعداه إلى ما ليس من شأنه، كأنه يقول: إن الإيمان بهذا السر الإلهي، والتسليم فيه لخبر الوحي، ودلالته، وامتثاله هو منتهى ما يطلب من البشر، فلو كان وراء الإيمان والتسليم مطلع لناظر لبينه الله تعالى لك، وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن - ﵇ - تأديب للمؤمنين كافة، ومنع لهم عن التفكر في كيفية التكوين وإشغال العقول بما استأثر الله تعالى به، فيما لا يليق بهم البحث عنه. [تفسير المنار: ٣/ ٥٣ - ٥٤].\nإذن، فالسؤال ليكف الفكر عن تخيل كيفيات الإحياء؛ إذ تتعين عنده كيفية إحياء الموتى، ذلك، وقد وردت في الآية أقوال عديدة، تنفي الشك عن إبراهيم - ﵇ - وأول هذه الأقوال قول النبي ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى ...». [البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم (٥١)﴾ (الحجر) (٣١٩٢)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﵇ (٦٢٩١)].\nوالحديث ينفي الشك عن إبراهيم - ﵇؛ حيث إن النبي - ﷺ - لما سمع من يقول: إن إبراهيم - ﵇ - شك، ومحمد - ﷺ - لم يشك؛ فرد عليهم بهذا الحديث، أي: إذا لم نشك نحن، فإبراهيم أولى ألا يشك.\nفالسؤال كان لزيادة الإيمان واليقين؛ لأن درجاته تتفاوت بالمعاينة، ينتقل الإنسان فيه من علم اليقين إلى عين اليقين، والعلم ينقسم إلى ضروري - وهو الحاصل من غير استدلال لظهوره - ونظري - يتوقف على نظر واستدلال لكونه غير بدهي، والشك ممتنع في الضروري، ومحتمل في النظري، وقد أراد الخليل أن ينتقل من النظري إلى الأعلى منه وهو الضروري. وليس معنى هذا أن إبراهيم - ﵇ - وقع منه شك في علمه النظري، بل إن النظري من حيث هو يجوز جريان الشك عليه، وفرق بين الشك وجوازه. [انظر: عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم: ٢٨١ - ٢٨٢].\nوبهذا يتبين لنا أن سؤال إبراهيم - ﵇ - عن كيفية إحياء الموتى كان من أجل أن ينتقل من علم اليقين، الذي يؤمن به إيمانا لا شك فيه ولا تردد إلى عين اليقين الذي يزيد القلب اطمئنانا بما يراه ويشاهده.","vol":"5","page":292},{"text":"قال المراغي: \"وليس في سؤال إبراهيم ما يشعر بالشك، فالإنسان قد جبل على طلب المزيد في العلم والرغبة في الوقوف على أسرار الخليقة، وأكمل الناس علما أشدهم رغبة في طلب الوقوف على المجهولات، فطلب إبراهيم رؤية كيفية إحياء الموتى طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة بالبعث إذ قد عرفه بالوحى والدليل\" (١).\nفنعتقد جزما بأنه ليس المقصود هنا أن إبراهيم﵇- كان يشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، ونحتجّ بذلك في وجهين:\nالأول: أن إبراهيم﵇- قد قال ﴿بلى﴾، وهذا يزيل كل لبس، وينفي كل توهم في نسبة الشك في القدرة إلى إبراهيم.\nوالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أولم تؤمن﴾ للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ﴿أولم تؤمن﴾: ألست قد آمنت. لتقرير إيمان إبراهيم﵇- (٢).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٠.","vol":"5","page":293},{"text":"قال ابن عطية: \" إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا\" (١).\nالثاني: أن سؤال إبراهيم -﵇- إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان كما هو صريح قوله: ﴿كيف تحيي الموتى﴾.\nقال ابن عطية: \" وإذا تأملت سؤاله -﵇-، وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكًا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول. نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله ... و﴿كيف﴾ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر\" (٢).\nقال الماوردي: \" ولأي الأمرين كان، فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال (٣).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: \" ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم -ﷺ-\" (٤).\nقال الأخفش: \" ألست قد صدقت\" (٥).\nقال المراغي: \" ألم تعلم ذلك وتؤمن يأنى قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألنى إراءته؟ \" (٦).\nقال الشوكاني: \" أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءته\" (٧).\nقال ابن عباس: \" قال أولم تؤمن يا إبراهيم أني أحي الموتى؟ قال بلى يا رب\" (٨).\nوالاستفهام في قوله ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير، فهو كقول جرير (٩):\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\nأي: أنتم خير الخلائق.\nقال ابن حجر: \" الاستفهام للتقرير، ووجهه: أنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإِحياء\" (١٠).\nوروي \"عن سعيد بن جبير في قوله: أولم تؤمن قال بلى يعني: أو لم تؤمن أني خليلك\" (١١). وروي عن السدي (١٢) نحوه.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: \" أي بلى آمنت\" (١٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٣٠٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٣٠٣.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٣٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ١٩٩.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٣.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٢٨١.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٩١): ص ٢/ ٥٠٨.\n(٩) شرح ديوانه، للصاوي: ٧٨، وهي ضمن أبيات في مدح عبدالملك بن مروان (ت ١١٠ هـ)، و(خيرمن ركب المطايا) كناية عن (صفة) الأفضلية في الشجاعة؛ لربطها بالركوب؛ وبالتالي الفروسية، و(راح): جمع راحة، وهي باطن الكف. وغرضه أكرم الناس، فقوله: (أندى العالمين بطون راح) دلالة على كرمهم. الجمع بين هاتين الصفتين- اللتين تُعتبران عند العرب من أهم الصفات – ووضعهما في صيغة اسم التفضيل، والتعبيرعنها بصيغة الاستفهام التقريري؛ لكل ذلك اعتبر البيت من أفضل ما قِيْلَ في المدح.\n(١٠) الفتح: ٦/ ٤٧٤، وانظر: البسيط للواحدي: ١/ ١٥٧ ب، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ٤٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٠٠، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٩٨، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٠.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٩٢): ص ٢/ ٥٠٩.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٩٣): ص ٢/ ٥٠٩. ولفظه: \" قال: أولم تؤمن بأني خليلك؟ يقول: تصدق؟ قال: بلى\".\n(١٣) تفسير القاسمي: ٢/ ١٩٩.","vol":"5","page":294},{"text":"قال المراغي: \" قال بلى علمت ذلك وصدقت بالخبر\" (١).\nقال الشوكاني: \" علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، \" أي: ليزداد طمأنينة\" (٣).\nقال الطبري: \" ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه\" (٤).\nقال القرطبي: \" أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا\" (٥).\nقال البغوي: \" أي ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة\" (٦).\nقال ابن حجر: \" أي: ليزيد سكونًا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدق، ولكن للعيان لطيف معنى\" (٧).\nقال القاسمي: \" ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي\" (٨).\nقال المراغي: \" ولكن تاقت نفسى للخبر والوقوف على كيفية هذا السر ليطمئن قلبى بالعيان بعد خبر الوحى\" (٩).\nقال الأخفش: \" أي: قلبي ينازعني الى النظر فاذا نظرت اطمأن قلبي\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" ولكن سالت ليطمئن قلبي باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان\" (١١).\nقال النسفي: \" ولكن لأزيد سكونًا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال، وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري\" (١٢).\nقال القرطبي: \" والطمأنينة: اعتدال وسكون، فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال ﵇: «اركع حتى تطمئن راكعًا ... اسجد حتى تطمئن ساجدًا» (١٣)، \" [أي تستقر] \" (١٤)، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة الإحياء\" (١٥).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أربعة أوجه:\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٣.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٨١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٢.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٠.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٢.\n(٧) الفتح: ٦/ ٤٧٥.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٩. ثم قال: \"فإنّ تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكّا في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه. ولهذا قال النبيّ ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة» [أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢١٥.].\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٣. ثم قال المراغي: \" وفي إرشاد إبراهيم خليله تأديب لعامة المؤمنين، ومنع لهم عن التذكر في كيفية الخلق والتكوين، فإن هذا مما استأثر الله تعالى بعلمه\".\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ١٩٩.\n(١١) فتح القدير: ١/ ٢٨١.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(١٣) أخرجه البخاري ص ٦٠، كتاب الأداب، باب ٩٥: وجوب القراءة للإمام والمأموم ...، حديث رقم ٧٥٧؛ وأخرجه مسلم ص ٧٤٠، كتاب الصلاة، باب ١١: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ...، حديث رقم ٨٨٥ [٤٥] ٣٩٧.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٠.","vol":"5","page":295},{"text":"أحدها: يعني ليزداد يقينًا إلى يقينه، هكذا قال الحسن (١)، وقتادة (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والضحاك (٤)، والربيع (٥).\nوهذا قول جمهور أهل العلم (٦).\nقال القسمي: \" ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة، لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية\" (٧).\nوالثاني: أراد ليطمئن قلبي أنك اتخذتني خليلًا، وهذا قول ابن السائب (٨)، والسدي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠).\nوالثالث: أنه لم يردبه رؤية القلب، وإنما أراد به رؤية العين، قاله الأخفش (١١)، وروي ذلك عن الضحاك (١٢).\nقال الشوكاني: \" ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة\" (١٣).\nالرابع: وقال بعضهم: \"لأزداد إيمانا مع إيماني\" (١٤)، قاله مجاهد (١٥)، وإبراهيم (١٦)، وسعيد بن جبير (١٧).\nقال ابن عطية: \" ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض\" (١٨).\nالخامس: وقيل: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. قاله ابن عباس (١٩).\nوقد ذكر البعض تأويلات لا وجه لها، قال ابن حجر: \" وحكى ابن التين (٢٠) عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله: ﴿قَلْبِي﴾ رجلًا صالحًا كان يصحبه سأله عن ذلك (٢١)، وأبعد منه ما حكاه القرطبي\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٠٢): ص ٢/ ٥١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٩) و(٥٩٨٠): ص ٥/ ٤٩٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٦) و(٥٩٧٧): ص ٥/ ٤٩٢، و(٥٩٨٣): ص ٥/ ٤٩٣، وابن ابي حاتم (٢٦٩٧): ص ٢/ ٥٠٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٨): ص ٥/ ٤٩٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٨١): ص ٥/ ٤٩٣.\n(٦) انظر نحوًا من هذا الكلام في الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩١ - ٣٩٢، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٤٥، جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٨٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣١٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٠١، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤١٩، وغيرها.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٠.\n(٨) نقلا عن: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٠، والنكت والعيون: ١/ ٣٣٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٩): ص ٥/ ٤٨٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٩٩): ص ٢/ ٥١٠.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٨.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٠١): ص ٥/ ٥١٠.\n(١٣) فتح القدير: ١/ ٢٨١.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٨٤): ص ٥/ ٤٩٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٩٨٤): ص ٥/ ٤٩٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٥٩٨٥): ص ٥/ ٤٩٣، وابن أبي حاتم (٢٦٩٨): ص ٢/ ٥١٠.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٣.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٨٦): ص ٥/ ٤٩٤، وابن ابي حاتم (٢٦٩٥) و(٢٦٩٦): ص ٢/ ٥٠٩.\n(٢٠) هو: أبو محمد عبد الواحد بن التين السفاقسي، شيخ علامة، محدث مفسر فقيه، توفي عام: ٦١١ هـ، له مصنفات أشهرها شرحه للصحيح. انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج لبابا التنبكتي: ١٨٨، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف: ١٦٨.\n(٢١) لعل ذلك في كتابه: المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح، انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة: ١/ ٥٤٦، الإمام البخاري وصحيحه لعبد الغني عبد الخالق: ٢٣٣، معجم المصنفات الواردة في فتح الباري لمشهور حسن وزميله: ٢٢٧ رقم: ٦٦٣، ولم أجد من ذكر هذا القول غيره.","vol":"5","page":296},{"text":"المفسر (١) عن بعض الصوفية: \"أنه سأل من ربه أن يريه كيف يُحيي القلوب\" (٢) \" (٣). قال القرطبي: \" وهذا فاسد مردود\" (٤).\nوالراجح في هذه المسألة: أن إبراهيم﵇- سأل ربه أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين، وقد فصلنا القول فيه في محور سبب مسألة إبراهيم. والله تعالى أعلم.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، \" أي أخذ أربعة طيور\" (٥).\nقال الشوكاني: وخص الطير بذلك، قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان\" (٦).\nقال أبو حيان: \" وأمره بالأخذ للطيور وهو: إمساكها بيده ليكون أثبت في المعرفة بكيفية الإحياء، لأنه يجتمع عليه حاسة الرؤية، وحاسة اللمس ... والطير اسم جمع لما لا يعقل، يجوز تذكيره وتأنيثه، وهنا أتى مذكرًا لقوله تعالى ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ وجاء على الأفصح في اسم الجمع في العدد حيث فصل: بمن، فقيل: أربعة من الطير يجوز الإضافة، كما قال تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ونص بعض أصحابنا على أن الإضافة لاسم الجمع في العدد نادرة لا يقاس عليها، ونص بعضهم على أن اسم الجمع لما لا يعقل مؤنث، وكلا القولين غير صواب\" (٧).\nوقد تعددت الأقوال في نوع الطيور في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فذكروا فيه وجوها:\nالأول: هن: الديك، والطاووس، والغراب، والحمام، قاله مجاهد (٨)، ومحمد بن إسحاق (٩)، وحجاج (١٠)، وابن زيد (١١)، وعكرمة (١٢).\nوالثاني: أربعة من الشقانين، قاله ابن عباس (١٣).\nوالثالث: قيل: وز ورال (١٤) وديك وطاوس. قاله ابن عباس (١٥).\n_________\n(١) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الخزرجي المالكي القرطبي، عالم عباد زاهد، إمام متقن متبحر في العلم، توفي عام: ٦٧١ هـ، له مصنفات منها: الجامع لأحكام القرآن، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، شرح الأسماء الحسنى، التذكار في أفضل الأذكار، انظر: الديباج المذهب لابن فرحون: ٢/ ٣٠٨، نفح الطيب للمقري: ٢/ ١١٠، طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٦٩، غاية النهاية لابن الجزري: ٢/ ٨.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠ وقال عقب إيراده له: (وهذا فاسد مردود بما تعقبه من البيان ذكره الماوردي)، وهو عند الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٣٤.\n(٣) الفتح: ٦/ ٤٧٤ - ٤٨٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٦) فتح القدير: ١/ ١٨٢. ثم قال: \"وقيل إن الطير همته الطيران في السماء والخليل كانت همته العلو وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير وكل هذه لا تثمن ولا تغني من جوع وليست إلا خواطر أفهام وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله وعللا لما يرد في كلامه وهكذا قيل ما وجه تخصيص هذا العدد فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد فقيل إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد العبودية فأعطى أربعا على قدر الربوبية وقيل إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب اركان الحيوان ونحو ذلك من الهذيان\".\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٢٤.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٩١): ص ٥/ ٤٩٤ - ٤٩٥، وابن أبي حاتم (٢٧٠٣): ص ٢/ ٥١٠.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٩٠): ص ٥/ ٤٩٤.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٩٢): ص ٥/ ٤٩٥.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٩٣): ص ٥/ ٤٩٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٠٣): ٢/ ٥١٠.\n(١٣) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٤.\n(١٤) فرخ النعام. [انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥١١].\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٠٤): ص ٢/ ٥١١.","vol":"5","page":297},{"text":"والرابع: وقيل: الغرنوق (١) والطاوس، والديك، والحمامة. قاله ابن عباس (٢).\nوالراجح أن نقول: بأن الله تعالى لم يعينها، وأن \"محاولة تعيينهن لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا أكانت هذه الطيور إوَزًّا، أم حمامًا، أم غربانًا، أم أيَّ نوع من نواع الطيور؛ لأن الله لم يبينها لنا؛ ولو كان في تبيينها فائدة لبيَّنها الله ﷿\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُتَّهم لنص عليه القرآن\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، \" أي: أملهن، واضممهن إليك\" (٥).\nقال الصابوني: \" فضمهنَّ إِليك، ثم اقطعهن، ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة\" (٦).\nقال النسفي: وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئآتها وحلاّها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض\" (٨).\nقال الأخفش: \" أي: قطعهن\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أوثقهن\" (١٠).\nقال أبو عليّ: «صرت» يقع على إمالة الشيء، يقال صرته، أصوره: إذا أملته إليك، وعلى قطعه، يقال: صرته أي: قطعته، فمن الإمالة قول الشاعر (١١):\nعلى أنّني في كلّ سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور\nفقالوا: الأصور: المائل العنق. ومن الإمالة قوله (١٢):\n_________\n(١) طائر أسود طويل العنق واللسان ١٠/ ٢٨٧. قال ابن أبي حاتم: \"والغرنوق: الكركي\". [تفسيره: ٢/ ٥١١].\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٠٥): ص ٢/ ٥١١.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٩.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ١٩٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٠.\n(١١) البيت من شواهد: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٩. ولم أتعرف على قائله.\n(١٢) البيت في أمالي القالي ٢/ ٥٢ وكتاب الفرق ص ١٩٩ - وفي المصادر الآتية- برواية: يصوع بدل يصور، قال البكري في السمط ٢/ ٦٨٥:\nأنشده أبو عبيد في الغريب، وإنما صحّة اتصاله كما أنا مورده:\nوجاءت خلعة دبس صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم\nيفرّق بينها صدع رباع ... له ظأب كما صخب الغريم\nوقال في التنبيه ص ٩٣: هذا ما اتبع فيه أبو علي (القالي) - ﵀- لط من تقدّمه، فأتى ببيت من أعجاز بيتين أسقط صدورهما، والشعر للمعلى العبدي وأنشد البيتين.\nوالبيتان بهذه الرواية ما عدا (دبس) فإنّها وردت في المصادر (دهس) - أوردهما صاحب اللسان في مادة (زنم) ونسبهما للمعلى بن حمّال العبدي، ويتراءى لنا من هذه الرواية أن بيت المصنف ملفق من البيتين، ولكن الغريب في الأمر أن المصادر تناولت البيت بروايته المذكورة عند الفارسي ونسبته لأوس بن حجر! .\nففي اللسان (ظأب) أنشده الأصمعي لأوس بن حجر وقال: وليس أوس بن حجر هذا هو التيمي لأنّ هذا لم يجيء في شعره. قال ابن بري: هذا البيت للمعلى بن جمال العبدي. اهـ منه ثم ذكره في مادة (ظرب، صدع، عنق) لأوس وفي التاج لأوس أيضًا. وكذلك نسبه الأزهري في التهذيب ١/ ٢٥٤ لأوس.\nوالظاهر عندنا من رواية الفارسي للبيت الآتي، وقوله: وكذلك قول الآخر:\nوجاءت خلعة دهس صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم\nأن هنالك تداخلًا بين الروايتين، وربّما كان الشعر لشاعرين مختلفين، وتوافق عجزا البيتين عندهما إمّا من وقع الحافر على الحافر كما يقولون، وإمّا أن أحدهما أخذ من الآخر، وهذا في نظرنا ما يفسر الاختلاف في نسبة الشعر مرة لأوس وأخرى للمعلى ثم إن البيت الثاني: في كتاب الأضداد للأصمعي ص ٣٣ برواية وكانت خلعة دهسًا صفايا ... وفي الأضداد لابن السكيت ص ١٨٧ برواية المصنف، وفي المكانين نسب البيت للعبدي وكذلك في مجاز القرآن ١/ ٨١ ونظام الغريب للربعي ص/ ١٧٩، هنالك اختلاف بين (جمّال وحمّال) بين المصادر، وفي تفسير الطبري ٣/ ٥٤ بدون نسبة. فبعيد أن يتناقل هؤلاء الثقات بيتًا ملفقًا من البيتين، كما قال البكري، دون أن يتنبهوا له. وانظر ديوان أوس في الملحقات ص ١٤٠ فإنهما برواية اللسان (زنم).\nوقوله: يصوع: يسوق ويجمع، وعنوق ج عناق: للأنثى من ولد المعر، والأحوى: أراد به تيسًا أسود. والحوّة: سواد يضرب إلى حمرة. والزنيم: لذي له زنمتان في حلقه. وظاب التيس وظأبه (مهموز وبدون همز):\nصياحه عند الهياج.\nوفي مجاز القرآن: ولون الدّهاس: لون الرمل، كأنه تراب رمل أدهس.\nخلعة: خيار شائه. صفايا: غزار. [انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٠ - ٣٩١].","vol":"5","page":298},{"text":"يصور عنوقها أحوى زنيم ... له ظاب كما صخب الغريم\nفهذا لا يكون إلّا من الإمالة وكذلك قول الآخر (١):\nجاءت خلعة دهس صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم\nومن القطع قول ذي الرّمّة (٢):\nصرنا به الحكم وعيّا الحكما\nقال أبو عبيدة: فصلنا به الحكم (٣).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٤) على وجوه:\nالقراءة الأولى: قرأت الجماعة: بضم (الصاد): ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ (٥).\nوذلك من قول القائل: صُرْت إلى هذا الأمر، إذا ملت إليه، ويقال: إني إليكم لأصْوَر، أي: مشتاق مائل، ومنه قول الشاعر (٦):\nاللهُ يَعْلَمُ أنَّا فِي تَلَفُّتِنَا ... يَوْمَ الفِرَاقِ إلَى أَحْبَابِنَا صُورُ\nومنه قول الطرماح (٧):\n_________\n(١) سبق تخريجه في الهامش السابق.\n(٢) البيت في اللسان (صور) وفيه: وأعيا بدل عيّا، ونسبه إلى العجاج، مع بيتين آخرين، وذكر الأبيات الثلاثة الدكتور عبد الحفيظ السطلي في ملحقات ديوان العجاج ٢/ ٣٣٥ عن اللسان. ولم نجد البيت في ديوان ذي الرمة.\n(٣) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٢.\n(٤) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠، وتفسير الطبري: ٥/ ٤٩٥ - ٤٩٦، وتفسير البغوي: ١/ ٣٢٣.\n(٥) انظر: النشر لابن الجزري: ٢/ ٢٣٢، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١/ ٤٥٠، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١١٨، المهذب في القراءات العشر د. محمد سالم محيسن: ١/ ١٠٢، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة للقاضي: ٥٢. وقراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب متصلة الإسناد بابن عباس. انظر: الإقناع لابن الباذش: ١/ ٧٤ - ١٠٢، الغاية لابن مهران: ٢٤ - ٦٨، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١٩ - ٣٢.\n(٦) لم أتعرف على قائله، وأنشده الفراء. اللسان (صور) والخزانة ١: ٥٨، وشرح شواهد المغني: ٢٦٦ وغيرها كثير. وبعد البيت بيت من الشواهد المستفيضة:\nوَأَنَّنِي حَوْثُمَا يَثْنِي الهَوَى بَصَرِي ... مِنْ حَوْثُمَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ\n(٧) ديوانه: ١٥٢، وهو من أبيات جياد، قبله:\nإِذَا ذُكِرَتْ سَلْمَى لَهُ، فَكَأَنَّمَا ... تَغَلْغَلَ طِفْلٌ فِي الفُؤَادِ وَجِيعُ\nوَإِذْ دَهْرُنَا فِيهِ اغْتِرَارٌ، وَطَيْرُنَا ... سَوَاكِنٌ فِي أَوْكَارِهِنَّ وُقُوعُ\nقَضَتْ مِنْ عِيَافٍ وَالطَّرِيدَةِ حَاجَةً ... فَهُنَّ إلى لَهْوِ الحَدِيثِ خُضُوعُ\nعَفَائِفُ إلاّ ذَاكَ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nفَآلَيْتُ أَلْحَى عَاشِقًا مَا سَرَى القَطَا ... وَأَجْدَرَ من وادِي نَطَاةَ وَلِيعُ\nقوله: \" طفل \"، أي من هم الهوى والحب، ينمو منذ كانوا أطفالا. وعياف، والطريدة، لعبتان من لعب صبيان الأعراب، فيقول: إن سلمى وأترابها، قد أدركن وكبرن، فترفعن عن لعب الصغار والأحداث، وحبب إليهن الحديث والغزل. فهن يخضعن له ويملن، ولكنهن عفيفات مسلمات، ليس لهن من نزوات الصبا إلا الأحاديث والغزل، وإلا أن يعطف قلوبهن الهوى والعشق، والهوى صروع قتال، يصرع من يلم به. فلما رأى ذلك منهز ومن نفسه، أقسم أن لا يلوم محبًّا على فرط عشقه. وقوله: \" أجدر \" أي أخرج الشجر ثمره كالحمص. والوليع: طلع النخل. ووادي نطاة: بخبير، وهو كثير النخل.","vol":"5","page":299},{"text":"عَفَائِفُ إِلا ذَاكَ أَوْ أَنْ يَصُورَهَا ... هَوًى، والْهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ\nيعني بقوله: (أو أن يصورها هوى)، يميلها (١).\nفمعنى قوله: ﴿فصُرْهن إليك﴾ اضممهن إليك ووجِّههن نحوك، كما يقال: \" صُرْ وجهك إليّ \"، أي أقبل به إليّ، ومن وَجَّه قوله: ﴿فصرهن إليك﴾ إلى هذا التأويل، كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكرُه استغناءً بدلالة الظاهر عليه. ويكون معناه حينئذ عنده: قال: ﴿فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك﴾، ثم قطعهن، (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا﴾.\nوقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم (الصاد): قطِّعهن، كما قال توبة بن الحميِّر (٢):\nفَلَمَّا جَذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا\nفَأَدْنَتْ لِيَ الأسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَا ... بِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا\nيعني: يقطعها.\nوإذا كان ذلك تأويل قوله: ﴿فصرهن﴾، كان في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إليك فصِرهن ويكون ﴿إليك﴾ من صلة ﴿خذ﴾ (٣).\nالقراءة الثانية: وقرأ جماعة من أهل الكوفة: ﴿فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، بالكسر، بمعنى: قطعهن (٤).\nوقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون: ﴿فصُرهن﴾ ولا ﴿فصرهن﴾ بمعنى: قطعهن، في كلام العرب - وأنهم لا يعرفون كسر (الصاد) و(ضمها) في ذلك إلا بمعنى واحد، وأنهما جميعًا لغتان بمعنى (الإمالة) وأن كسر (الصاد) منها لغة في هذيل وسليم، وأنشدوا لبعض بني سليم (٥):\nوَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... عَلَى الِّليتِ قِنْوَانُ الكُرُوم الدَّوَالِح\nقال أبو علي: \"فمعنى هذا يميل الجيد من كثرته\" (٦).\nومثل هذا قول الآخر (٧):\nوقامت ترائيك مغدودنا ... إذا ما ما تنوء به آدها\nقال أبو علي: \" فقد ثبت أنّ الميل والقطع، يقال في كلّ واحد منهما\" (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(٢) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٥/ ٤٩٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٤ - ٤٩٧.\n(٤) قراءة حمزة (فَصِرْهُنَّ) قرأ بها أيضًا أبو جعفر وخلف ورويس عن يعقوب من العشرة، انظر: النشر لابن الجزري: ٢/ ٢٣٢، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١/ ٤٥٠، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١١٨، المهذب في القراءات العشر د. محمد سالم محيسن: ١/ ١٠٢، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة للقاضي: ٥٢. وقراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب متصلة الإسناد بابن عباس. انظر: الإقناع لابن الباذش: ١/ ٧٤ - ١٠٢، الغاية لابن مهران: ٢٤ - ٦٨، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١٩ - ٣٢.\n(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبر في تفسيره: ٥/ ٤٩٧، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٧٤، اللسان (صير) الفرع الشعر التام الحثل، وحف أسود حسن كثير عزيز، الليت صحفة العنق. وهما الليتان، قنوان: جمع قنو (بكسر فسكون) وهو عذق النحل وما فيه من الرطب. والدوالح جمع دالح: وهو المثقل بالحمل هنا. وأصله فيما يمشي، يقال بعير دالح: إذا مشى بحمله الثقيل مشيًا غير منبسط. وكذلك السحاب دالح، أي مثقل بطيء المر. وهي استعارة جيدة محكمة.\n(٦) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٢.\n(٧) البيت رابع أبيات من قصيدة أبياتها ٢٠/ عشرون بيتا لحسان في ديوانه ١/ ١١٣، وذكره صاحب اللسان/ غدن/ والبيت في المحتسب ١/ ٣١٩ والمنصف ٣/ ١٣، ٣٠ عن أبي علي.\n(٨) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٢.","vol":"5","page":300},{"text":"واختلف في (الضم) و(الكسر) على قولين (١):\nأحدهما: أن معناه متفق ولفظهما مختلف.\nفقال نحويو البصرة: ﴿فصرهن إليك﴾ سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معنيٌّ به في هذا الموضع التقطيع. قالوا: وهما لغتان: إحداهما: \" صار يصور \"، والأخرى: \" صَار يصير \"، واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل (٢)، وببيت المعلَّى بن جَمَّال العبدي (٣):\nوَجَاءَت خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُورُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ\nبمعنى: يفرِّق عنوقها ويقطعها، وببيت خنساء (٤):\nلَظَلَّتْ الشُّمُّ مِنْهَا وَهْيَ تَنْصَارُ\nيعني بالشم: الجبال، أنها تتصدع وتتفرق، وببيت أبي ذؤيب (٥):\nفَانْصَرْنَ مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُرُوجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ\nقالوا: فلقول القائل: \" صُرْت الشيء \"، معنيان: أملته، وقطعته. وحكوا سماعًا: \" صُرْنا به الحكم \": فصلنا به الحكم (٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.\n(٢) وهو قوله [تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧]:\nفَلَمَّا جَذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا\nفَأَدْنَتْ لِيَ الأسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَا ... بِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا\n(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨١ وأمالي القالي ٢: ٥٢، والتنبيه: ٩٣، وسمط اللآلي: ٦٨٥، ٦٨٦، ثم في لسان العرب (ظأب) (ظاب) (صور) (دهس) (خلع) (صوع) (عنق) (زنم)، وفي كتب أخرى، ويأتي البيت منسوبًا لأوس بن حجر هكذا: يَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمٌ ... لَهُ ظَأْب كمَا صَخِبَ الغرِيمُ\nوهو بيت ملفق، وصواب رواية الشعر مادة (زنم) من اللسان: وجَاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ\nيُفَرِّقُ بَيْنَهَا صَدْعٌ رَبَاعٌ ... لَهُ ظَأْبٌ كَما صَخِبَ الغَرِيمُ\nالخلعة بكسر الخاء وضمها: خيار المال، يعنى المعزي التي سيقت إليه، كانت كلها خيارًا. والدهس جمع دهساء: وهي من المعزى، السوادء المشربة حمرة لا تغلو. وقوله: \" يصوع \" هذه الرواية أخرى بمعنى يفرق. وذلك إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل في الشاء صاعها، أي فرقها إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل في الشاء صاعها، أي فرقها إذا أراد سفادها. وعنوق جمع عناق: وهي أنثي المعز. وهو جمع عزيز. والأحوى: الذي تضرب حمرته إلى السواد، يعنى تيس المعز، ويعنى أنه كريم. والزنيم: الذي له زنمتان في حلقة. والصدع (بفتح الصاد وسكون الدال أو فتحها): وهو الفتى الشاب المدمج الخلق، الصلب القوي. ورباع: أي دخل في السنة الرابعة، وذلك في عز شبابه وقوته. وظأب التيس: صوته وجلبته وصياحه وصخبه، وهو أشد ما يكون منه عند السفاد. والغريم: الذي له الدين على المدين، ويقال للمدين غريم. يقول: إذا أراد سفادها هاج وفرقها، وكان له صخب كصخب صاحب الدين على المدين الذي يماطله ويماحكمه ويلويه دينه.\n(٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٨١ ومصراع الخنساء ليس في ديوانها، وهو في الأضداد للأصمعي وابن السكيت ص ٣٣ - ١٨٧ وللأنباري ٢٣ وتفسير الطبري ٣/ ٥٤ والغريبين واللسان/ صور/ وصدر البيت «كما في البحر المحيط ٢/ ٣٠٠: فلو يلاقي الذي لاقيته حضن\n(٥) ديوانه: ١٢ المفضليات: ٨٧٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٨١، والأضداد للأصمعي وابن السكيت ٣٣، ١٨٧. وهذه الرواية التي رواها أبو عبيدة والأصمعي وابن السكيت والطبري \" فانصرن \"، رواية غربية، وهي في سياقه الشعر أغرب. وأنا أنكر معناها وأجده مخلا بالشعر. وذلك أن سياقه في صفة ثور الوحش، ثور من قد تقضى شبايه، لم تزل كلاب القناص تروعه حتى شعفت فؤاده. فإذا أصبح الصباح داخله الفزع خشية أن يباكره صياد بكلا به. فهو لا يزال يرمي بعينه في غيوب الأرض ثم يغضي ليتسمع، فيصدق سمعه ما يرى. وهو عندئذ واقف في الشمس يتشمس من ندى الليل، فيقول أبو ذؤيب: فَغَدَا يُشَرِّقُ مَتْنَهُ، فَبَدَا لَهُ ... أُولَى سَوَابِقِها قَرِيبًا تُوزَعُ\nيقول: بدت له طلائع الكلاب قد دنت منه، والقناص يكفها حتى يرسلها جميعا عليه. فَاهْتَاجَ من فَرَعٍ، وسَدَّ فُرُوجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ\nيقول هاجه الفزع فعدا عدوًا شديدًا والكلاب من خلفه وحواليه قد أخذت عليه مذهبه. ويروى \" فانصاع من فزع \" أي ذهب في شق. والغبر الضواري: هي كلاب الصياد، \" منها وافيان \": كلبان سالما الأذنين. والأجدع: مقطوع الأذن. إما علامة له، وإما من طول ممارسته لصيد الثيران وضربها له بقرونها حتى انقطعت آذانه.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٤ - ٥٠٠.","vol":"5","page":301},{"text":"القراءة الثالثة: بتشديد (الراء) مع (ضم) أوله (كسره) من: صَرَّه يصِرُّه، إذا جمعه (١).\nالقراءة الرابعة: ونقل أبو البقاء (٢): تثليث (الراء) في هذه القراءة (٣).\nقال ابن حجر: \"وهي شاذة\" (٤).\nوالراجح هو قول البصريين، بأن معنى الضم في (الصاد) من قوله: ﴿فصرهن إليك﴾ والكسر، سواء بمعنى واحد - وأنهما لغتان، معناهما في هذا الموضع: فقطعهن - وأنّ معنى \" إليك \" تقديمها قبل \" فصرهن \"، من أجل أنها صلة قوله: ﴿فخذ﴾، وذلك \" لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله: ﴿فصرهن﴾ غير خارج من أحد معنيين: إما \" قطِّعهن \"، وإما \" اضْمُمْهن إليك \"، بالكسر قرئ ذلك أو بالضم. ففي إجماع جميعهم على ذلك على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين، أعني الكسر والضم أوضح الدليل على صحّة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحويي الكوفيين; لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله: ﴿فصرهن﴾ بمعنى فقطعهن، على أنّ أصل الكلام \" فاصرهن \"، ثم قلبت فقيل: \" فصِرْهن \" بكسر \" الصاد \"، لتحول \" ياء \"، \" فاصرهن \" مكان رائه، وانتقال رائه مكان يائه، لكان لا شكّ - مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم - قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده، وبينه إذا قرئ بضمها، إذ كان غير جائز لمن قلب \" فاصِرهن \" إلى \" فصِرهن \" أن يقرأه \" فصُرْهن \" بضم \" الصاد \"، وهم، مع اختلاف قراءتهم ذلك، قد تأولوه تأويلا واحدًا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا. ففي ذلك أوضحُ الدليل على خطأ قول من قال: إن ذلك إذا قرئ بكسر \" الصاد \" بتأويل: التقطيع، مقلوب من: \" صَرِي يَصْرَى \" إلى \" صار يصير \" وجهل من زعم أن قول القائل: \" صار يصور \"، و\" صار يصير \" غير معروف في كلام العرب بمعنى: قطع\" (٥).\nوعلى القول المختار وهو قول البصريين (٦)، فإن في تفسير ﴿فَصُرْهُنَّ﴾، سة أقاويل:\nأحدها: معناه انْتُفْهُنَّ بريشهن ولحومهن، قاله مجاهد (٧)، وقتادة (٨).\nوالثاني: قَطِّعْهُن، قاله ابن عباس (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والحسن، وأبي مالك (١١)، وعكرمة (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، والسدي (١٦)، والربيع (١٧)، وابن إسحاق (١٨)، وأبو أسود الدؤلي (١٩).\n_________\n(١) أي: (فَصُرَّهُنَّ) و(فَصِرَّهُنَّ)، انظر المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني: ١/ ١٣٦، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٢.\n(٢) هو: أبو البقاء محب الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي الحنبلي الضرير، صاحب الإعراب، مقرئ فقيه مفسر فرضي لغوي، كان كثير المحفوظ، دينًا حسن الأخلاق متواضعًا. توفي عام: ٦١٠ هـ، له تصانيف شهيرة منها: تفسير القرآن، وإملاء ما من به الرحمن، وإعراب الشواذ، وعدُّ الآي، وإعراب الحديث. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٢٢/ ٩١، إنباه الرواة للقفطي: ٢/ ١١٦، الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب: ٢/ ١٠٩، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢٣١.\n(٣) إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ١١١.\n(٤) الفتح: ٨/ ٤٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٠١.\n(٦) بأن معناه متفق ولفظهما مختلف.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٢) و(٦٠٠٣): ص ٥/ ٥٠٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٤): ص ٥/ ٥٠٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٩٩٤) و(٥٩٩٥) و(٥٩٩٦): ص ٥/ ٥٠٢، وابن ابي حاتم (٢٧٠٦) و(٢٧٠٧): ص ٢/ ٥١١، وابن ابي حاتم (٢٧١١): ص ٢/ ٥١٢، كما أخرجه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٧٢ - ٩٧٣ رقم: ٤٤٣، والبيهقي في البعث والنشور: ١/ ٢٢ رقم: ١١، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٥٩٣ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٩٩): ص ٥/ ٥٠٢ - ٥٠٣، وتفسير ابن ابي حاتم (٢٧١٢): ص ٢/ ٥١٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٩٨): ص ٥/ ٥٠٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٠): ص ٥/ ٥٠٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠١): ص ٥/ ٥٠٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٥): ص ٥/ ٥٠٣. ولفظه\"فمزقهن\".\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٦): ص ٥/ ٥٠٣. قال: \" وهو بالنبطية (صرّى)، وهو التشقيق\".\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٧): ص ٥/ ٥٠٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٨): ص ٥/ ٥٠٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٩): ص ٥/ ٥٠٤.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٠٨): ص ٢/ ٥١١.","vol":"5","page":302},{"text":"والثالث: اضْمُمْهُن إليك، قاله وعطاء (١).\nوالرابع: أَمِلْهُن إليك (٢).\nوالخامس: أوثقهن، قاله ابن عباس (٣)، واختاره ابن كثير (٤).\nوالسادس: أجمعهن، قاله ابن زيد (٥).\nوالسابع: علمهن، قاله أبو الجوزاء (٦).\nوالقول الثاني: أن معنى الضم والكسر مختلف، وفي اختلافهما أربعة أقوال (٧):\nالأول: قاله أبو عبيدة أن معناه بالضم: اجْمَعْهن، وبالكسر: قَطِّعْهُنّ.\nوالثاني: قال ابن التين: ﴿صُرهن﴾ بضم الصاد معناها: ضُمَّهن، وبكسرها: قَطِّعهن (٨).\nوالثالث: قاله الكسائي ومعناه بالضم: أَمِلْهُنّ، وبالكسر: أقْبِلْ بهن.\nوالرابع: وعن الفراء: الضم: مشترك، والكسر: القطع فقط (٩).\nقال ابن حجر: \" وذكر صاحب (المغرب) أن هذه اللفظة: بالسريانية (١٠)، وقيل: بالنبطية (١١)، لكن المنقول أولًا يدل على أنها بالعربية، والعلم عند الله تعالى\" (١٢).\nقال الطبري: \"فسواءٌ قرأ القارئ ذلك بضم (الصاد): ﴿فصُرْهن إليك﴾ أو كسرها ﴿فصِرْهن﴾ إذ كانت لغتين معروفتين بمعنى واحد، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبّهما إليّ أن أقرأ به ﴿فصُرْهن إليك﴾، بضم (الصاد)، لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما في إحياء العرب\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: ثم\" ضع على كل جبل منهن بعضا\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٠١١): ص ٥/ ٥٠٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٠): ص ٥/ ٥٠٥، وتفسير ابن ابي حاتم (٢٧٠٩): ص ٢/ ٥١١، وانظر: الدر المنثور: ١/ ٥٩٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٢): ص ٥/ ٥٠٥.\n(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧١٠): ص ٢/ ٥١٢. ولفظه: \" قال: علمهن، حتى كان إذا دعاهن أتينه. ثم شققهن، فدعاهن، فأتينه كما كن يأتينه قبل أن يشققن\".\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٥.\n(٨) انظر: المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح، انظر الهامش: ٤ ص: ٥٨٢.\n(٩) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٧٤، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٨٦، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٢.\n(١٠) قال أبو الأسود: هي بالسريانية، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٢، ولم أجدها في كتاب المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي ص: ٢٦٦.\n(١١) هذا قول ابن عباس، انظر: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٣/ ١٠٤١ رقم: ٣٠٥٤، جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٠٢ رقم: ٥٩٩٤، وعزاه لهما السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٥٩٣، وانظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٠، والدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٢، وقال بنبطيتها أيضًا: عكرمة كما في جامع البيان لابن جرير: ٥/ ٥٠٣ رقم: ٦٠٠٠، ونقل السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: ١٠٦ عن ابن المنذر عن وهب أنها بالرومية.\n(١٢) الفتح: ٨/ ٤٩، قال السمين في الدر المصون: ١/ ٦٣٢: (والجمهور على أنها عربية لا معربة)، وانظر: تعليق د. التهامي الراجي على المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: ١٠٦.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٠٤.\n(١٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠١.","vol":"5","page":303},{"text":"قال الصابوني: \" أي فرِّق أجزاءهن على رءوس الجبال\" (١).\nقال السعدي: \" واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" والله أعلم بالحكمة من تعيين العدد، والجبال\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فيه أربعة أقاويل (٤):\nأحدها: أنها كانت أربعة جبال، قاله ابن عباس (٥)، والحسن، وقتادة (٦)، والربيع (٧)، وابن إسحاق (٨)، وابن زيد (٩).\nوالثاني: أنها كانت سبعة، قاله ابن جريج (١٠)، والسدي (١١)، وابن عباس (١٢).\nوالثالث: كل جبل، قاله مجاهد (١٣)، والضحاك (١٤).\nوالرابع: أنه أراد جهات الدنيا الأربع، وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، فمثّلها بالجبال، قاله ابن بحر.\nوالراجح: هو قول مجاهد ومن وافقه، \"وهو أن الله تعالى ذكره أمرَ إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن، على جميع الأجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها أجزاء. لأن الله تعالى ذكره قال له: ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا﴾ و(الكل) حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه، لفظه واحد ومعناه الجمع، فإذا كان ذلك كذلك، فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيمَ بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة، عليها خارجةً من أحد معنيين: إما أن تكون بعضًا، أو جميعا، فإن كانت \" بعضًا \" فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيلُ إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه، أو يكون \" جميعا \"، فيكون أيضًا كذلك، وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على \" كل جبل \"، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، وإمَّا ما في الأرض من الجبال.\nفأما قول من قال: \" إن ذلك أربعة أجبل \"، وقول من قال: \" هن سبعة \"، فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به، وإنما أمر الله إبراهيم ﷺ أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل، ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهنَّ متفرقات متبدِّدات في أماكن مختلفة شتى، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض، فيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال أطيارًا أحياءً يطرن، فيطمئنّ قلب إبراهيم، ويعلم أنّ كذلك جَمْعُ الله أوصال الموتى لبعث القيامة، وتأليفه أجزاءهم بعد البلى وردّ كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الردَى\" (١٥).\nواختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتًا، أم لا؟ على قولين (١٦):\nأحدهما: أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتًا، ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى كيف يحيي الله الموتى كما سأل ربه، وهو قول الأكثرين.\nوالثاني: أنه فَرَّقَهُن أحياء، ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه، يستدل بعودهن إليه بالدعاء، على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً، ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتًا له، قاله ابن بحر.\nقال الماوردي: فإنْ قيل: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فعنه جوابان (١٧):\nأحدهما: أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح.\nوالثاني: أن الأحوال تختلف، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن.\nوقرأ عاصم برواية أبي بكر ﴿جُزْءًا﴾ مثقلا مهموزا، والآخرون بالتخفيف والهمز، وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي بلا همز ﴿جزا﴾ وأراد به بعض الجبال، الباقون مهموز مخفف، وهي لغات، ومعناه النصيب (١٨).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي ثم: \"نادهنَّ\" (١٩).\nقال النسفي: \" قل لهن تعالين بإذن الله\" (٢٠).\nقال الطبري: \" أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل: \" تعالين بإذن الله \" (٢١).\nقال ابن عباس: \" فدعا باسم الله الأعظم\" (٢٢).\nوقال مجاهد: \" باسم إله إبراهيم تعالين\" (٢٣).\nقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: \" يأتينك مسرعات\" (٢٤).\nقال النسفي: \" أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن\" (٢٥).\nقال السعدي: \" أي: تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران\" (٢٦).\nوللمفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿سعيًا﴾؛ قولان (٢٧):\nأحدهما: أن (السعي) هنا بمعنى الطيران؛ فالمعنى: يأتينك طيرانًا لا نقص فيهن؛ لأن سعي كل شيء بحسبه؛ وسعي الطيور هو الطيران.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠١.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٤): ص ٥/ ٥٠٦، وابن ابي حاتم (٢٧١٥): ص ٢/ ٥١٢ - ٥١٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٥): ص ٥/ ٥٠٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٦): ص ٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٧): ص ٥/ ٥٠٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٨): ص ٥/ ٥٠٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٠١٩): ص ٥/ ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٠٢٠): ص ٥/ ٥٠٨.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧١٦): ص ٢/ ٥١٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠٢١) و(٦٠٢٢): ص ٥/ ٥٠٨، و(٦٠٢٣): ص ٥/ ٥٠٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٢٤) و(٦٠٢٥): ص ٥/ ٥٠٩.\n(١٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٠٩ - ٥١٠.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٥.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(١٨) انظر: القرطبي: ٣/ ٣٠١، وتفسير البغوي: ١/ ٣٢٤.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٢٠) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(٢١) تفسير الطبري: ٥/ ٥١١. ثم قال: \" فإن قال قائل: أمِر إبراهيم أن يدعوهنّ وهن ممزَّقات أجزاء على رؤوس الجبال أمواتًا، أم بعد ما أحيِين؟ فإن كان أمر أن يدعوهنّ وهن ممزقات لا أرواح فيهن، فما وجه أمر من لا حياة فيه بالإقبال؟ وإن كان أمر بدعائهن بعد ما أحيين، فما كانت حاجة إبراهيم إلى دعائهن، وقد أبصرهن يُنْشرن على رؤوس الجبال؟ قيل: إن أمر الله تعالى ذكره إبراهيمَ ﷺ بدعائهن وهن أجزاء متفرقات، إنما هو أمر تكوين كقول الله للذين مسخهم قرَدة بعد ما كانوا إنسًا: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [البقرة: ٦٥] لا أمرَ عبادةٍ، فيكون محالا إلا بعد وجُود المأمور المتعبَّد\".\n(٢٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧١٧): ص ٢/ ٥١٣.\n(٢٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧١٨): ص ٢/ ٥١٣.\n(٢٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٢٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(٢٦) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٢٧) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٢.","vol":"5","page":304},{"text":"الثاني: أن المراد بـ (السعي): المشي بسرعة على الأرجل.\nقال ابن عثيمين: \"ولكن الأولى - فيما يظهر لنا - هو الطيران؛ لأن كونهن يمشين على الأرجل لا يدل على كمالهن؛ إذ إن الطائر إذا كُسر جناحه صار يمشي؛ لكن كونهن يطرن أبلغ؛ لأنه كأنهن أتين على أكمل الحياة، والوجوه\" (١).\nواخرج ابن أبي حاتم بسنده \" عن ابن عباس، يعني قوله: يأتينك سعيا قال: فرجع كل نصف إلى نصفه، وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير رؤس، حتى انتهت إلى قدمه، تريد رؤسها بأعناقها، فلما رآها وما تفعل، رفع قدمه، فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه فعادت كما كانت، فقال إبراهيم حين رأى ذلك: ﴿أعلم أن الله عزيز حكيم﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي عزيز\" لا يعجز عما يريده، حكيم في تدبيره وصنعه\" (٣).\nقال ابن إسحاق: \": عزيز في بطشه، حكيم في أمره\" (٤).\nوأخرج ابن ابي حاتم \" عن ابن عباس، في قوله: واعلم أن الله عزيز حكيم يقول: مقتدر على ما يشاء\" (٥).\nوعن الربيع: \" ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ في نقمته ﴿حكيم﴾ في أمره\" (٦).\nقال النسفي: \" ﴿عزيز﴾، لا يمتنع عليه ما يريده، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا ممانع لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئا عبثا\" (٩)\nقال ابن عثيمين: \" والله ﷾ يقرن كثيرًا بين هذين الاسمين: «العزيز» و«الحكيم»؛ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته: يرى نفسه عزيزًا غالبًا، فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حكمة؛ والحكيم من المخلوقين قد لا يكون عزيزًا؛ فإذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة، ولم تفته الأمور؛ فجمع الله لنفسه بين العزة، والحكمة؛ وسبق الكلام عليهما مفصلًا\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن التوسل إلى الله بربوبيته من آداب الدعاء التي يتوسل بها الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿رب﴾؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية؛ إذ إنه فعل؛ وكل ما يتعلق بأفعال الرب فهو من مقتضيات الربوبية؛ ولهذا قال رسول الله -ﷺ- حين ذكر الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء:\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٢.\n(٢) تفسير ابن ابي حاتم (٢٧١٩): ص ٢/ ٥١٣. وفي رواية أخرى عنه (٢٧٢٠): ص ٢/ ٥١٣: \" يعني قوله: يأتينك سعيا فجعل خليل الرحمن ينظر إلى القطرة تلقى القطرة، والريشة تلقى الريشة، حتى صرن أحياء ليس لهن رؤس، فجئن إلى رؤسهن، فدخلن فيها\".\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٠٢٦): ص ٥/ ٥١١.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٢١): ص ٢/ ٥١٣. وبه عنه في معنى قوله ﴿حكيم﴾، قال: \" حكيم محكم لما أراد، وفعل هذا وأرانيه من آياته\". [تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥١٤].\n(٦) أخرجه الطبري (٦٠٢٧): ص ٥/ ٥١٢.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٠.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٢.","vol":"5","page":305},{"text":"«يقول: يا رب! يا رب!» (١)؛ ولو تأملت أكثر أدعية القرآن لوجدتها مصدرة بـ «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية.\n٢ - ومنها: أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه، لقوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾؛ لأنه إذا رأى بعينه ازداد يقينه.\n٣ - ومنها: أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين؛ لقوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾؛ لأن إبراهيم ﵇ عنده خبر اليقين بأن الله قادر؛ لكن يريد عين اليقين؛ ولهذا جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (٢)؛ وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم؛ وعين؛ وحق؛ كلها موجودة في القرآن؛ مثال «علم اليقين» قوله تعالى: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين﴾ [التكاثر: ٥]؛ ومثال «عين اليقين» قوله تعالى: ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر: ٧]؛ ومثال «حق اليقين» قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ [الواقعة: ٥٦]؛ نضرب مثالًا يوضح الأمر: قلت: إن معي تفاحة حلوة - وأنا عندك ثقة؛ فهذا علم اليقين: فإنك علمت الآن أن معي تفاحة حلوة؛ فأخرجتُها من جيبي، وقلت: هذه التفاحة؛ فهذا عين اليقين؛ ثم أعطيتك إياها، وأكلتَها وإذا هي حلوة؛ هذا حق اليقين.\n٤ - ومن فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية؛ بمعنى أن الله ﷾ له أفعال تتعلق بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿تحيي الموتى﴾.\n٥ - ومنها: تمام قدرة الله ﷾ بإحياء الموتى؛ وقد قرر الله ذلك في آيات كثيرة.\n٦ - ومنها: إثبات الكلام لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن﴾، وقوله تعالى: ﴿قال فخذ أربعة﴾؛ والله ﷾؛ يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء؛ بما شاء: من القول؛ متى شاء: في الزمن؛ كيف شاء: في الكيفية.\n٧ - ومنها: أن كلام الله ﷾ بحروف، وأصوات مسموعة؛ لوقوع التحاور بين الله ﷿، وإبراهيم -ﷺ-.\n٨ - ومنها: إثبات أن إبراهيم مؤمن بقدرة الله ﷿ على إحياء الموتى؛ لقوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن قال بلى﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (٣)؛ فأثبت شكًا فينا، وفي إبراهيم، وأننا أحق بالشك من إبراهيم؟ فالجواب أن الحديث لا يراد به هذا المعنى؛ لأن هذا معنًى يخالف الواقع؛ فليس عند الرسول ﷺ شك في إحياء الموتى؛ وإنما المعنى أن إبراهيم لم يشك؛ فلو قدر أنه يشك فنحن أحق بالشك منه؛ وما دام الشك منتفيًا في حقنا فهو في حقه أشد انتفاءً؛ فإذا عُلم أننا الآن نؤمن بأنه تعالى هو القادر، فإبراهيم أولى منا بالإيمان بذلك؛ هذا هو معنى الحديث، ولا يحتمل غيره؛ فإن قلت: لا زال هنا إشكال؛ وهو: هل إبراهيم أكمل إيمانًا من محمد ﷺ؟ فالجواب: لا؛ ولكن قاله -ﷺ- على سبيل التواضع؛ ولهذا قرن بينه وبين قوله (ﷺ): «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» (٤)؛ فيوسف بقي في السجن بضع سنين، وجاءه رسول الملك يدعوه؛ فقال له: لا أخرج، ﴿ارجع إلى\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ١٩: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم ٢٣٤٦ [٦٥] ١٠١٥.\n(٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٥١، حديث رقم ١٨٤٣، وفيه هشيم بن بشير، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، وقد عنعن في هذا الحديث، وقال الترمذي: (سمعت إسحاق بن منصور يقول: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع هشيم حديث أبي بشر: ليس الخبر كالمعاينة، وأخرج ابن حبان له شاهدًا ٨/ ٣٣، باب، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به هشيم، حديث رقم ٦١٨١، وأخرج الحاكم الشاهد له، ٢/ ٣٨٠، كتاب التفسير، سورة الأنبياء، وقال صحيح على شرط الشيخين، واقره الذهبي وقال: سمعه من أبي بشر ثقتان.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٢٧٤، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ١١، قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم ...) ...، حديث رقم ٣٣٧٢، وأخرجه مسلم ص ٧٠٣، كتاب الإيمان، باب ٦٩: زيادة طمأنينة لقلب بتظاهر الأدلة، حديث رقم ٣٨٢ [٢٣٨] ١٥١.\n(٤) التخريج السابق.","vol":"5","page":307},{"text":"ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠]؛ مع أن غيره لو حبس سبع سنين، وقالوا له: «اخرج»، فإنه يخرج؛ هذا مقتضى الطبيعة؛ لكن يوسف - ﵊ - كان حليمًا حازمًا؛ قال: لا أخرج حتى تظهر براءتي كاملة؛ فتبين من هذا أنه لا يلزم من قول الرسول ﷺ هذا أن يكون إبراهيم أقوى إيمانًا.\n٩ - ومن فوائد الآية: إثبات زيادة الإيمان في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾؛ ففيه رد على من قال: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ولا ريب أن هذا القول ضعيف؛ لأن الواقع يكذبه؛ والنصوص تكذبه أيضًا: ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤]، وقال تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون﴾ [التوبة: ١٢٤]؛ وفي السنة: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» (١)؛ فالإيمان يزيد كمية، وكيفية؛ فمثال زيادة الكمية: أن الذي يسبح عشرًا أزيد إيمانًا من الذي يسبح خمسًا؛ والذي يصلي عشر ركعات أزيد إيمانًا من الذي يصلي ستًا؛ وأما زيادة الكيفية فمثالها: رجل صلى ركعتين بطمأنينة، وخشوع، وتأمل فإيمانه أزيد ممن صلاهما بسرعة؛ كذلك يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب: كلما كثرت الآيات لدى الإنسان فلا شك أن إيمانه يزداد قوة، ورسوخًا؛ اقرأ قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] أي على طرَف ﴿فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١]: هذا إيمانه ضعيف مهزوز: إن لم تأته فتنة فهو مستقر؛ وإن أتته فتنة - شبهة، أو شهوة - انقلب على وجهه؛ فمثلًا نحن الآن في المملكة العربية السعودية ليس عندنا - ولله الحمد - أحد يعارضنا في العقيدة؛ فليس عندنا معتزلة، ولا جهمية، ولا جبرية ...، فنحن ثابتون على الفطرة؛ ولكن لو يبتلى الإنسان، فيأتيه واحد من عفاريت الإنس جيد في المجادلة، والمحاجة من المعتزلة لأوشك أن يؤثر عليه، وينقله إذا لم يكن لديه رسوخ في العلم، والإيمان؛ كذلك لو أن إنسانًا عنده إيمان لكن تعرضت له امرأة ذات منصب، وجمال، وأغرته حتى وقع في الفاحشة؛ وإنسان آخر تعرضت له هذه المرأة فقال: «إني أخاف الله» تجد الفرق بينهما؛ فالمهم أن القول الراجح الذي لا شك فيه، والذي تدل عليه الأدلة السمعية، والواقعية أن الإيمان يزيد، وينقص.\n١٠ - ومن فوائد الآية: جواز الاقتصار في الجواب على الحرف الدال عليه؛ لقوله تعالى: ﴿بلى﴾؛ وعليه فلو قيل للرجل: ألم تطلق زوجتك؟ فقال: «بلى»: طلقت؛ ولو قيل للرجل عند عقد النكاح: أقبلت النكاح، وقال: «نعم» انعقد النكاح؛ لأن حرف الجواب يغني عن ذكر الجملة.\n١١ - ومنها: امتنان الله على العبد بما يزداد به إيمانه، لقوله تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يأتينك سعيًا﴾.\n١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «العزيز» و«الحكيم»؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العزة، والحكمة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس؛ يعني: ليس كل صفة يؤخذ منها اسم؛ لكن كل اسم يؤخذ منه صفة؛ لأن أسماء الله ﷿ أعلام، وأوصاف؛ فكل اسم من أسمائه متضمن للصفة التي دل عليها اشتقاقه، أو لوازمها.\nالقرآن\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٦، كتاب الحيض، باب ٦: ترك الحائض الصوم، حديث رقم ٣٠٤، وأخرجه مسلم ص ٦٩٢، كتاب الإيمان، باب ٣٤: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، حديث رقم ٢٤١ [١٣٢] ٧٩.","vol":"5","page":308},{"text":"ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله. ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة، فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف الأجر لمن يشاء، بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام. وفضل الله واسع، وهو سبحانه عليم بمن يستحقه، مطلع على نيات عباده.\nقال القرطبي: \" لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم، روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: \"لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: \"رب زد أمتي\" فنزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال رسول الله ﷺ: \"رب زد أمتي\" فنزلت ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] \" (١)، وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك\" (٢).\nقال ابن عطية: \" هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع\" (٣).\nواختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٤):\nالأول: روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف ﵄، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبدالرحمن بأربعة آلاف فقال: \"يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول الله ﷺ: \"بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت\" (٥)، وقال عثمان: \"يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما\" (٦).\nالثاني: وقيل: نزلت في نفقة التطوع (٧).\nالثالث: وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة (٨).\nقال القرطبي: \" ولا حاجة إلى دعوى النسخ، لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا\" (٩).\n_________\n(١) صحيح ابن حبان برقم (١٦٤٨) \"موارده\".\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٥٠٨): ص ٦/ ١٨٥١. ومسند البزار برقم (٢٢١٦) \"كشف الأستار\" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢): \"وفيه عمرو بن أبي سلمة، وثقه العجلي، وأبو خيثمة وابن حبان وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما ثقات\".\n(٦) أسباب النزول للواحدي: ٨٧. وذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. ونسبه للكلبي، والعجاب فيس بيان الأسباب: ١/ ٦٢١.\nوانظر عن هذا التجهيز \"الفتح\" \"٥/ ٤٠٨ و٧/ ٥٤\"، والأقتاب جمع قتب وهو كما في \"القاموس\" \"ص ١٥٧\": \"الأكاف الصغير على قدر سنام البعير\" والأحلاس جمع حِلْس وهو كما في \"القاموس\" أيضًا \"ص ٦٩٤\": \"كساء على ظهر البعير تحت البرذعة\".\nوقال البخاري في \"صحيحه\"، كتاب \"الوصايا\"، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا ... \" وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"من حفر رومة فله الجنة\"، فحفرته ألستم تعلمون أنه قال: \"من جهز جيش العسرة فله الجنة\"، فجهزته قال: فصدقوه بما قال\" \"الفتح\" \"٥/ ٤٠٦ - ٤٠٨\" وذكره دون سند في كتاب \"فضائل الصحابة\" مناقب عثمان \"الفتح\" \"٧/ ٥٢\" وهل حفر عثمان رومة أم اشتراها؟ خلاف ويمكن الجمع انظر \"الفتح\" \"٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨\".\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.\n(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.","vol":"5","page":309},{"text":"قال الراغب: \" إن قيل: كيف تعلق هذه الآية بما قبلها؟ قيل: إن ذلك متعلق بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وما بينه وبين هذه الآية، اعتراضات مرغبة للإنسان في فرضه من حث على قناعة هي أس الجود، وذكر عظمة المستقرض وإرشاد لمن يستقرض منهم، وبين في يده أن فرضه هو الإنفاق في سبيله وأن مضاعفته هو بأن يجعل للواحد سبع مائة وأنه يضاعف مع ذلك لمن يشاء مضاعفة لا يضبط عدها، ولا يعرف حدها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٦١]، \" أي مثل الذين ينفقون المال يبتغون به رضا الله وحسن مثوبته\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿في سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فيه وجوه (٣):\nالأول: يعني في الجهاد، قاله السدي (٤)، وابن زيد (٥)، والربيع (٦)، ومكحول (٧)، واختاره الطبري (٨).\nقال ابن عطية: \" وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك الحديث الصحيح\" (٩).\nوالثاني: في طاعة الله. قاله سعيد بن جبير (١٠).\nوالثالث: وقال الربيع: \"فكان من بايع النبي ﷺ بالمدينة ولم يذهب وجها إلا بإذنه، كانت الحسنة له بسبعمائة ضعف. ومن بايع على الإسلام، كانت الحسنة له عشر أمثالها\" (١١).\nالرابع: وقال ابن عباس: \"نفقة الحج والجهاد سواء، الدرهم بسبعمائة، لأنه في سبيل الله\" (١٢).\nالخامس: وقيل: النفقة في جميع أبواب الخير (١٣). وبه قال جمع من العلماء.\nقال الراغب: سبيل الله \" هو لكل ما يتوصل به إلى الله عز جل\" (١٤).\nقال ابن عطية: \"وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا\" (١٥).\nالسادس: وقيل: سبيل الله ﷾ هو شرعه (١٦).\nقال العلامة ابن عثيمين﵀-: \" وسبيل الله ﷾ هو شرعه، لأنه يهدي إليه، ويوصل إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ وأضيف إلى الله لسببين؛ السبب الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده، وشرعه لهم؛ والسبب الثاني: أنه موصل إليه؛ ويضاف «السبيل» أحيانًا إلى سالك السبيل؛ فيقال: سبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٨.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٢٨): ٥/ ٥١٣، وابن أبي حاتم (٢٧٢٦): ص ٢/ ٥١٤.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٢٩): ٥/ ٥١٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٣٠): ٥/ ٥١٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٢٢): ص ٢/ ٥١٤، ونقله ابن كثير في تفسيره: ١/ ٦٩١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥١٣.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٢٣): ص ٢/ ٥١٤.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٢٧): ص ٢/ ٥١٥.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٢٨): ص ٢/ ٥١٥.\n(١٣) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٤.\n(١٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٨.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.\n(١٦) وهو قول ابن عثيمين، انظر: تفسيره: ٣/ ٣٠٨.","vol":"5","page":310},{"text":"الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥]؛ ولا تناقض بينهما؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوه؛ وإلى الله باعتبار أنه الذي شرعه، وأنه موصل إليه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، أي: \" كمن يزرع حبة فى أرض مغلة فتنبت سبع سنابل\" (٢).\nقال البغوي: كمثل حبة أخرجت سبع سنابل (٣).\nقال المراغي: أي \" تخرج ساقا تتشعب منه سبع شعب\" (٤).\nقال الزمخشري: \" ومعنى إنباتها سبع سنابل، أن تخرج ساقا يتشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة وهذا التمثيل تصوير للإضعاف، كأنها ماثلة بين عينى الناظر\" (٥).\nقال القرطبي: \" كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر\" (٦).\nقال ابن عطية: \"والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيرا ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس (٧):\nآليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس\" (٨)\nوقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، \" في كل سنبلة منها مائة حبة\nقال الصابوني: \"أي كل سنبلةٍ منها تحتوي على مائة حبة فتكون الحبة قد أغلَّتْ سبعمائة حبة، وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر لمن أخلص في صدقته\" (١٠).\nقال الراغب: \" يقال النبت لما له نمو في أصل الحلقة يقال تنبت الصبي والشعر والسن وفلان حسن النية ويستعمل النبات فيما له ساق، وما ليس له ساق وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له، وأنبت الغلام إذا راهق، كأنه صار ذا نبتة وفلان في منبت خير كناية عن الأصل .. والسنبلة فيعلة من السبل يقال: أسبل الزرع، وسنبل\" (١١).\nقال القاسمي: \" أي: أنبتت ساقا انشعب سبع شعب، خرج من كل شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها\" (١٢).\nوروي \" عن عكرمة، في قوله: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾، فذلك سبعمائة\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٦.\n(٣) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٥.\n(٤) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٦.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٠.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٣.\n(٧) البيت للمتلمس في ديوانه ص ٩٥؛ وتخليص الشواهد ص ٥٠٧؛ والجنى الداني ص ٤٧٣؛ وخزانة الأدب ٦/ ٣٥١؛ وشرح التصريح ١/ ٣١٢؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢٩٤؛ والكتاب ١/ ٣٨؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٥٤٨؛ وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ٩٩. آليت: أقسمت. حب العراق: ما ينبته من حبوب. أطعمه: آكله.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٢.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٨.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٢٥): ٢/ ٥١٤.","vol":"5","page":311},{"text":"قال ابن كثير: \" وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ﷿، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة\" (١).\nوفي مضاعفة ذلك في غير ذلك من الطاعات، قولان (٢):\nأحدهما: أن الحسنة في غير ذلك بعشرة أمثالها، قاله ابن زيد (٣).\nوالثاني: يجوز مضاعفتها بسبعمائة ضعف، قاله الضحاك (٤).\nوقال أبو عمرو الداني: \"قرأ بعضهم ﴿مائة حبة﴾، بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، أي: \" أي يزيد ثوابًا لمن يشاء حسب ما تقتضيه حكمته\" (٦).\nقال الصابوني: \"يضاعف الأجر لمن أراد على حسب حال المنفق من إِخلاصه وابتغائه بنفقته وجه الله\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: بحسب إخلاصه في عمله\" (٨).\nقال المراغي: أي \" فيزيده زيادة لا حصر لها\" (٩).\nقال القرطبي: \"يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقا في عمله، ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر، خلافا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة\" (١٠).\nوقد وردت في السنة أحاديث كثيرة في تضعيف الحسنة إلى سبمعمائة ضعف، منها:\n- جاء في الصحيحين: وغيرهما عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عزّ وجلى: \"إلّا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به» (١١).\n- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيّب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل» (١٢).\n- وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم عن ابن مسعود قال: «جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (١٣).\n- وأخرج أحمد والطبراني والبيهقيّ عن بريدة قال: «قال رسول الله ﷺ: النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله. الدرهم بسبعمائة ضعف» (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩١.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٦.\n(٣) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٣٢): ص ٥/ ٥١٥ - ٥١٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(٩) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٢.\n(١١) أخرجه مسلم في: الصيام، حدث ١٦٤ ونصه: .... يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك».\n(١٢) أخرجه البخاري في: التوحيد، ٢٣ - باب قول تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ. ومسلم في: الزكاة، حديث ٦٣.\n(١٣) أخرجه مسلم في: الإمارة، حديث ١٣٢.\n(١٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٣٥٥ من ج ٥.","vol":"5","page":312},{"text":"- وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن رسول الله ﷺ قال: من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله، وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" (١).\nقال ابن كثير: \" وهذا حديث غريب\" (٢).\nقال الطبري: \" فإن قال قائل: وهل رأيتَ سنبلة فيها مائة حبة أو بلغتْك فضرب بها مثل المنفقَ في سبيل الله ماله؟\nقيل: إن يكن ذلك موجودًا فهو ذاك، وإلا فجائز أن يكون معناه: كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، إنْ جَعل الله ذلك فيها.\nويحتمل أن يكون معناه: في كل سنبلة مائة حبة; يعني أنها إذا هي بذرت أنبتت مائة حبة فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبة، مضافًا إليها، لأنه كان عنها\" (٣). وعلى هذا الوجه فسّره الضحاك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، يحتمل أمرين (٥):\nأحدهما: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء من عباده أجرَ حسناته، بعد الذي أعطى غير منفق في سبيله، دون ما وعد المنفق في سبيله من تضعيف الواحدة سبعمائة. فأما المنفق في سبيله، فلا ينقصة عما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة. قاله الضحاك (٦).\nوالثاني: وقيل: يضاعف الزيادة على ذلك لمن يشاء. قال الطبري: \" وهذا قول ذكر عن ابن عباس من وجه لم أجد إسناده، فتركت ذكره\" (٧).\nقال الطبري: \" والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف، لمن يشاء من المنفقين في سبيله. لأنه لم يجر ذكر الثواب والتضعيف لغير المنفق في سبيل الله، فيجوز لنا توجيه ما وعد تعالى ذكره في هذه الآية من التضعيف، إلى أنه عِدَة منه على [العمل في غير سبيله، أو] على غير النفقة في سبيل الله\" (٨).\nقال ابن حجر: \" والآية محتملة للأمرين فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها (٩)، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس المخرج عند المصنف في الرقاق، ولفظه: \"كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة\" (١٠) \" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٣٠): ص ٢/ ٥١٥، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٧٦١) عن هارون بن عبد الله به.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٣١): ص ٥/ ٥١٥، وانظر: تفسير البغوي [١/ ٣٢٥]: إذ يقول\" فإن قيل فما رأينا سنبلة فيها مائة حبة فكيف ضرب المثل به؟ قيل: ذلك متصور، غير مستحيل، وما لا يكون مستحيلا جاز ضرب المثل به وإن لم يوجد، معناه: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ فما حدث من البذر الذي كان فيها كان مضاعفا إليها وكذلك تأوله الضحاك\".\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥١٥ - ٥١٦، وتفسير البغوي: ١/ ٣٢٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٣٢): ص ٥/ ٥١٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥١٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥١٦.\n(٩) ذكر الاحتمالين كل من: الماوردي-نفسه-في النكت والعيون: ١/ ٣٣٦، والطبري في جامع البيان: ٥/ ٥١٦، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ٣١٠، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٩٣، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٣٠٥، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٣١٦، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٤٢٣، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ١١٥، والقاسمي في محاسن التأويل: ٣/ ٣٢٦، واختار الطبري والقرطبي والشوكاني وصديق خان المضاعفة على السبعمائة.\n(١٠) أخرجه البخاري في صحيحه-فتح-: ١١/ ٣٣١ رقم: ٦٤٩١ لكن لفظه: (فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة).\n(١١) الفتح: ١/ ١٢٣ - ١٢٤.","vol":"5","page":313},{"text":"ثم قال: \"فالأول هو المحقق من سياق الآية، والثاني محتمل، ويؤيد الجواز سعة الفضل\" (١).\nقال الراغب: \" فإن قيل: كيف قال في موضع: ﴿يُضَاعِفُ﴾، وفي موضع: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال هاهنا ما يدل على أنه يحادي بواحد سبع مائة:\nقيل: في ذلك طريقتان:\nإحداهما: أن الخيرات تختلف باختلاف العالمين واختلاف نياتهما.\nوالثاني: أن تختلف باختلاف الأعمال.\nفالأول: هو أن الناس فيما يتحرونه من أفعال الخير بالقول المجمل ثلاثة أضرب على ما قصد تعالى من ظالم ومقتصد وسابق أما الظالم: فالمتحري للخير مخافة سلطان ومذمة إنسان وتخويف عالم إياه من النار ونحو ذلك، وأما المقتصد: فالمتحري للخير مخافة عقاب الله ورجاء ثوابه من حيث ما قد تحقق وعده ووعيده، وأما السابق: فالمتحري للخير قصدا لوجه الله خالصا وثوابهم يختلف باختلاف مقاصدهم ولهذا قال ﵊ في السابقين حاكيا عن الله ﷿ - \" أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ \" (٢) الخبر.\nوالثاني: وهو أن يختلف باختلاف الأعمال وبيان ذلك أن السخاء أفضل أفعال العباد بدلالة قول النبي - ﷺ -: \" السخاء شجرة من أشجار الجنة، أغصانها متدليات في الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار، فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار \" (٣).\nوقيل لبعض الحكماء: \" أي شيء من أفعال العباد أشبه بفعل الله \"؟ فقال: \" السخاء، وأفضل الجود ما كان عن ضيق \"، ولهذا قال الشاعر (٤):\nليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل\nوقد علم أن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا مضيفين سيما في ابتداء الإسلام وأفضل الإنفاق ما يقصد به وجه الله لعز وجل -، وأفضل ما يقصد به وجهه ما يجعل في سبيل الله، وأفضل سبيل ينفق فيه ما كان أكثره غنى، وقد علم أنه لا جهاد أكبر من جهاد النبي - ﷺ - ولا قوم أكفر ممن كان يحاد بهم ولا زمان أحوج إلى محاربتهم من زمانه وكل وأحد من هذه الخصال يجري مجرى فعل يستحق\n_________\n(١) الفتح: ١١/ ٣٣٤، بل يجزم بوقوع المضاعفة فوق سبعمائة ضعف حديث ابن عباس﵄والذي سبق ذكره. [أخرجه البخاري في صحيحه-فتح-: ١١/ ٣٣١ رقم: ٦٤٩١].\n(٢) رواه البخاري (٣٠٧٢) ومسلم (٢٨٢٤) وعنده: (بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ).\n(٣) تذكرة الموضوعات (٦٣)، التعقبات (٤٠)، التنزيه (٢/ ١٣٩)، وضعيف الجامع (٣٣٤٠)، والقواعد المجموعة (٢١٢)، والكشف الإلهي (٤٤٤)، واللآلئ (٢/ ٩٣)، والموضوعات (٢/ ١٨٣). والحديث: ورواه ابن عدي (١/ ٢٣٥) وابن شاهين في الترغيب (٢٦٤) والدارقطني في الأجواد (٦) والخطيب (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤) والبيهقي في الشعب (١٠١٣٨): ص (٧/ ٤٣٥) وابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٨٢) والسيوطي في بغية الوعاة (٢/ ٤٠٣) من طريق محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد، نا عبد العزيز بن عمران الزهري، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ آخر، وأوله: \"السخاء شجرة في الجنة\".\nقال العراقي في تخريج الإحياء (٣٢٩٤): فيه عبد العزيز بن عمران الزهري ضعيف جدا.\nقلت: وابن أبي حبيبة ضعيف، وساق ابن عدي الحديث من مناكيره، ولكن يظهر أنه مناكير ابن عمران، والله أعلم.\nوقال الألباني في الضعيفة (٨/ ٣٥٠): هذا إسناد ضعيف جدا. وخرّج فيه اللفظ المذكور.\n(٤) البيت للمقنع الكندي، نسبه إليه أبو تمام في الحماسة (شرح الحماسة للمرزوقي: ١٧٣٤)، والسيوطي في شرح شواهد المغني: ١/ ٣٧٢، والبغدادي في شرح أبيات مغني اللبيب: ٣/ ١٠٢، وذكره الأشموني ٥٦٠/ ٣، والسيوطي في الهمع ٩/ ٢، \"الفضول\" المال الزائد \"سماحة\" الجود والكرم.، يقول الشاعر: إن إعطاءك من زيادات مالك لا يعد سماحة، إلا أن تعطي في حالة قلة المال.","vol":"5","page":314},{"text":"مثوبة محددة، فعظم الله تعالى أمر الإنفاق في سبيله في زمانه، وجعل له من الثواب ما لم يجعل لغيره من الأعمال.\nووجه ثالث: وهو أن الإنسان متى تحرى فعل الخير على ما يجب وكما يجب يدعوه ذلك إلى أن يزيد في فعل الخير فلا يزداد، حتى إنما يصير مثل ملك فيه الفضيلة وبازدياده في الإيمان وفعل الخيرات يزداد ثوابه، فحيث ما ذكر التضعيف، فأشار إلى الحالة الأولى وحيث ما ذكر عشرة أمثالها وسبعمائة فإلى الأحوال المتوسطات وحيث ما ذكر، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فإلى المنتهيات والغايات وأنها لا يحصرها عدد كما قال: ﵊: \" ما لا عين رأت ولا أذن سمعت \" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾] البقرة: ٢٦١]، أي: \"أي واسع الفضل عليم بنيَّة المنفق\" (٢).\nقال البغوي: أي والله: \" ﴿وَاسِعٌ﴾: غني، يعطي عن سعة، و﴿عَلِيمٌ﴾: بنية من ينفق ماله\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق\" (٤).\nقال الطبري: \"\nقال المراغي: \" أي: إنه تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحد عطاؤه، وهو عليم بمن يستحق هذه المضاعفة\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"أي ذو سعة في جميع صفاته؛ فهو واسع العلم، والقدرة، والرحمة، والمغفرة، وغير ذلك من صفاته؛ فإنها صفات واسعة عظيمة عليا؛ و﴿عليم﴾ أي ذو علم - وهو واسع فيه - وعلمه شامل لكل شيء جملة، وتفصيلًا؛ حاضرًا، ومستقبلًا، وماضيًا\" (٦).\nوعن سعيد بن جبير: في قوله ﴿عليم﴾: قال: \"يعني: عليم بما يكون\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ﴾] البقرة: ٢٦١]، فيه وجوه (٨):\nأحدها: واسع لا يَضِيق عن الزيادة، عليم بمن يستحقها، قاله ابن زيد (٩)، واختاره الطبري (١٠) وابن كثير (١١).\nوالثاني: واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة، عليم بما كان من النفقة.\nالثالث: وقيل: \" معنى ذلك: ﴿والله واسع﴾، لتلك الأضعاف، ﴿عليم﴾ بما ينفق الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله\" (١٢).\nالرابع: واسع القدرة، عليم بالمصلحة. قاله الماوردي (١٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: ضرب الأمثال؛ وهو تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم.\n_________\n(١) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٤٤٨ - ٤٥٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٧.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٣١): ص ٢/ ٥١٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٠٣٣): ص ٥/ ٥١٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥١٦.\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٥١٧.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٧.","vol":"5","page":315},{"text":"٢ - ومنها: أن القرآن على غاية ما يكون من البلاغة، والفصاحة، لأن الفصاحة هي الإفصاح بالمعنى، وبيانه؛ وضرب الأمثال من أشد ما يكون إفصاحًا، وبيانًا: قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].\n٣ - ومنها: فضيلة الإنفاق في سبيل الله؛ لأنه ينمو للمنفق حتى تكون الحبة سبعمائة حبة.\n٤ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾ بأن يقصدوا بذلك وجه الله ﷿.\n٥ - ومنها: الإشارة إلى موافقة الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ لأن ﴿في﴾ للظرفية؛ والسبيل بمعنى الطريق؛ وطريق الله: شرعه؛ والمعنى: أن هذا الإنفاق لا يخرج عن شريعة الله؛ والإنفاق الذي يكون موافقًا للشرع هو ما ذكره بقوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nومعنى إنفاقهم في شرع الله أن يكون ذلك إخلاصًا لله، واتباعًا لشرعه؛ فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله؛ مثل «المرائي»: رجل أنفق في الجهاد، أو أنفق في الصدقة على المساكين؛ لكنه أنفق ليقال: إن فلانًا جواد؛ أو أنه كريم؛ هذا ليس في سبيل الله، لأنه مراء؛ لم يقصد وجه الله ﷿؛ إذًا لم يرد السبيل الذي يوصل إلى الله؛ ولا يهمه أن يقبل الله منه، أو لا يقبل؛ المهم عنده أنه يقال عند الناس: إنه رجل كريم، أو جواد.\nوأما أن يكون على حسب شريعة الله: فإن أنفق في وجه لا يرضى به الله فليس في سبيل الله - وإن أخلص لله - كرجل ينفق على البدع يريد بذلك وجه الله - وهذا كثير: كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع؛ هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه خلاف شريعة الله؛ فلا يكون في سبيل الله.\n٦ - ومن فوائد الآية: إثبات الملكية للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿أموالهم﴾؛ فإن الإضافة هنا تفيد الملكية.\n٧ - ومنها: وجه الشبه في قوله تعالى: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾؛ فإن هذه الحبة أنبتت سبع سنابل؛ وشبهها الله بذلك؛ لأن السنابل غذاء للجسم، والبدن؛ كذلك الإنفاق في سبيل الله غذاء للقلب، والروح.\n٨ - ومنها: أن ثواب الله، وفضله أكثر من عمل العامل؛ لأنه لو عومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة؛ فتكون الحبة الواحدة سبعمائة حبة؛ بل أزيد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾.\n٩ - ومنها: إثبات الصفات الفعلية - التي تتعلق بمشيئة الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿يضاعف﴾؛ و«المضاعفة» فعل.\n١٠ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿لمن يشاء﴾؛ ولكن هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ أي أن الترجيح يكون فيها بدون سبب؛ أو هي مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة؟ الجواب أنها مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة؛ وعليه فخذ هذا مقياسًا: كل شيء علقه الله على المشيئة فإنه مقيد بالحكمة؛ ودليله قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\n١١ - ومنها: أن الله له السلطان المطلق في خلقه؛ ولا أحد يعترض عليه؛ لقوله تعالى: ﴿يضاعف لمن يشاء﴾؛ ولهذا لما تناظر رجل من المعتزلة، وآخر من أهل السنة قال له المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى أحسن إلي، أم أساء؟ - يريد أن يبين أن أفعال العباد لا تدخل في إرادة الله؛ لأنه إذا دخلت في إرادة الله فإن هذا الذي قضى عليه بالشقاء، ومنع الهدى يكون إساءة من الله إليه، فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء؛ وإن منعك فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فغُلب المعتزلي؛ لأنه ليس لك حق على الله واجب؛ والله ﷾ يؤتي فضله من يشاء.","vol":"5","page":316},{"text":"١٢ - ومن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: «الواسع»، و«العليم»؛ لقوله تعالى: ﴿واسع عليم﴾؛ وإثبات ما تضمناه من صفة؛ وهما السعة، والعلم.\n١٣ - ومنها: الحث، والترغيب في الإنفاق في سبيل الله؛ يؤخذ هذا من ذكر فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فإن الله لم يذكر هذا إلا من أجل هذا الثواب؛ فلا بد أن يعمل له.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢]\nالتفسير:\nالذين يخرجون أموالهم في الجهاد وأنواع الخير، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات مَنًّا على مَن أعطَوه ولا أذى بقول أو فِعْلٍ يشعره بالتفضل عليه، لهم ثوابهم العظيم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في هذه الدنيا.\nقال ابن عطية: \" لما تقدم في الآية التي قبل هذه ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك الحكم إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه منا ولا أذى، وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه:\n- إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه، فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه.\n- وإما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه، وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى.\n- وإما أن ينفق مضطرا دافع غرم إما لماتة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وحرج بوجه من وجوه الحرج آذى\" (١).\nوقد اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٢):\nالأول: قيل: إن هذه الآية، نزلت في عثمان بن عفان ﵁، قال عبدالرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله ﷺ فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: \" ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان\" (٣).\nالثاني: وقيل: أن إنها نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف ﵄، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبدالرحمن بأربعة آلاف فقال: \"يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول الله ﷺ: \"بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت\" (٤)، وقال عثمان: \"يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما\" (٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٤٥٦.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.\n(٣) أخرجه أحمد (٢٠٦٣٠)، والترمذي (٣٧٠١) وحسّنه.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٥٠٨): ص ٦/ ١٨٥١. ومسند البزار برقم (٢٢١٦) \"كشف الأستار\" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢): \"وفيه عمرو بن أبي سلمة، وثقه العجلي، وأبو خيثمة وابن حبان وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما ثقات\".\n(٥) أسباب النزول للواحدي: ٨٧. وذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. ونسبه للكلبي، والعجاب فيس بيان الأسباب: ١/ ٦٢١.\nوانظر عن هذا التجهيز \"الفتح\" \"٥/ ٤٠٨ و٧/ ٥٤\"، والأقتاب جمع قتب وهو كما في \"القاموس\" \"ص ١٥٧\": \"الأكاف الصغير على قدر سنام البعير\" والأحلاس جمع حِلْس وهو كما في \"القاموس\" أيضًا \"ص ٦٩٤\": \"كساء على ظهر البعير تحت البرذعة\".\nوقال البخاري في \"صحيحه\"، كتاب \"الوصايا\"، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا ... \" وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"من حفر رومة فله الجنة\"، فحفرته ألستم تعلمون أنه قال: \"من جهز جيش العسرة فله الجنة\"، فجهزته قال: فصدقوه بما قال\" \"الفتح\" \"٥/ ٤٠٦ - ٤٠٨\" وذكره دون سند في كتاب \"فضائل الصحابة\" مناقب عثمان \"الفتح\" \"٧/ ٥٢\" وهل حفر عثمان رومة أم اشتراها؟ خلاف ويمكن الجمع انظر \"الفتح\" \"٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨\".","vol":"5","page":317},{"text":"قال ابن حجر: \"وقال مقاتل بمعناه مختصرا\" (١).\nالثالث: وقال ابن ظفر: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن، أما أبو بكر فأنفق جميع ماله، وأما الباقون فأنفق نصف ما عنده وكذا ابن عوف وأما عثمان فاشترى بئر رومة وجهز جيش العسرة وأما علي فباع حائطا له باثني عشر ألفا فتصدق بجميعها وأصبح يوما وليس عنده سوى أربعة دراهم فتصدق بها وكان كثير الإيثار على نفسه\" (٢).\nوقال أبو سعيد الخدري: \"رأيت رسول الله - ﷺ - رافعا يده يدعو لعثمان ويقول: \"يا رب إن عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه\" فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ﴾ الآية\" (٣).\n\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: \" الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله\" (٤).\nقال الطبري: \"الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم وفي حَمُولاتهم، وغير ذلك من مؤنهم\" (٥).\nقال ابن عطية: \"وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: \" ولا يعقبون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات بالمنِّ على من أحسنوا إِليه\" (٧).\nقال البغوي: \" وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول أعطيتك كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها\" (٨).\nقال السعدي: \" ولا يتبعونها بما ينقصها ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدد عليه إحسانه ويطلب منه مقابلته\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا يحصل منهم بعد الصدقة مَنٌّ بأن يظهر المنفِق مظهر المترفع على المنفَق عليه\" (١٠).\nقال القاسمي: \" ﴿مَنًّا﴾: وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقا\" (١١).\n_________\n(١) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٢٢.\n(٢) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٢٢.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٨٧، والحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٨٣) وصححه وهو كما قال، ويشهد له: ما أخرجه النسائي (فتح القدير: ١/ ٢٩١) والحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٨٤) والدارقطني (٢/ ١٣٠ - ح: ١١) والطبراني (المعجم الكبير: ٦/ ٩٣ - ح: ٥٥٦٧) والبيهقي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم (فتح القدير: ١/ ٢٩١) عن سهل بن حنيف بمعناه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (انظر حاشية جامع الأصول: ٤/ ٦١٩ والتعليق المغني على الدارقطني: ٢/ ١٣٠ - ١٣٢).\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥١٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١٣.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٣.","vol":"5","page":318},{"text":"وقد ذكر أهل العلم في تفسير (المنّ) قولان (١):\nالأول: المن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها (٢) مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه.\nوالثاني: وقيل: المن: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه.\nقال القرطبي: والمن من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره (٣)، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وروى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \" ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى \" (٤). وفي بعض طرق مسلم: \" المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة \" (٥) \" (٦).\nو(المنّ) في اللغة على وجوه:\nأولا: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري (٧):\nفمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما ... كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ\nومن النعمة: قوله - ﷺ -: \"ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة \" (٨).\nيريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم. قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٢).\nوالمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٩).\nومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة (١٠):\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٨، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦.\n(٢) انظر المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦.\n(٣) انظر: صحيح مسلم (١٠٦)، وسنن أبي داود (٤٠٨٧)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي: ٥/ ٨١، وابن ماجة (٢٢٠٨) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n(٤) سنن النسائي: ٥/ ٨٠، وهو في مسند أحمد (٦١٨٠). قوله \"الديوث\": هو الذي لا يغار على أهله، انظر: النهاية لابن الأثير (ديث).\n(٥) صحيح مسلم عقب (١٠٦).\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٨.\n(٧) البيت أورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل، وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري؟، وذكره الواحدي في تفسيره: ٤/ ٤٠٨.\n(٨) أخرجه البخاري (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر من المسجد، ومسلم (٢٣٨٢) كتاب: \"فضائل الصحابة\"، باب: من فضائل أبي بكر، والإمام أحمد في \"مسنده\" واللفظ له حديث رقم (١٥٤٩٢).\n(٩) ينظر في معاني المن: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٩ - ٣٤٦٠ (مادة: منن)، \"المفردات\" ٤٧٧، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٧٩، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ١٣١ - ١٣٢. وذكر الراغب أن المنة يراد بها: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ويقبح ذلك، قيل: المنة تهدم الصنيعة، ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النعمة حسنت المنة، وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] فالمنة منهم بالقول، ومنة الله عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر.\n(١٠) البيت أورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري، واستشهد به الواحدي في تفسيره: ٤/ ٤١٠.","vol":"5","page":319},{"text":"أَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً ... فَنَيْلُكَ مَمْنُون لِذَاك قليلُ\nفالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة، وذكرها الذي يكدرها.\nوالعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم (١):\nزَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ\nتَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ ... وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٢)\n\nقوله تعالى: ﴿وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: \" ولا بالأذى\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان\" (٤).\nقال السعدي: \" ولا أذية له قولية أو فعلية\" (٥).\nقال القرطبي: \" و(الأذى): السب والتشكي، وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه\" (٦).\nقال البغوي: \" أن يعيره فيقول إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل من الأذى هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه\" (٧).\nقال النسفي: \" هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه\" (٨).\nوقال الضحاك: \" أن لا ينفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى\" (٩).\nوقال الحسن: \" إن أقواما يبعثون الرجل منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل، ويعطيه النفقة، ثم يمنه ويؤذيه، ومنه ما أنفق، يقول: أنفقت في سبيل الله كذا وكذا، من منه، من غير محتسبه عند الله، وأذى، يؤذي به الرجل الذي أعطاه، من ماله ويقول: ألم أعطك من مالي كذا وكذا؟ ألم أنفق عليك كذا وكذا؟ يمن عليه، وأذى يؤذيه، فذلك من القول له، إذ قال الله: الذين ينفقون أموالهم\" (١٠).\nوقال زيد بن أسلم: \"لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي أسهما وجعبة، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم\" (١١).\nقال الآلوسي: \" وإنما قدم (المنّ) لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة ﴿لا﴾ لشمول النفي لاتباع كل واحدة منهما، و﴿ثُمَّ﴾ للتفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأنّ المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه\" (١٣).\n_________\n(١) البيتان من قول الخُرَيمي، نسبهما إليه في \"عيون الأخبار\" ٣/ ١٦٠، و\"دلائل الإعجاز\" ١/ ٣٦٠ وروايتهم، وعند الناس بدل في العالم.\n(٢) انظر: تفسير البسيط: ٤/ ٤٠٨ - ٤١٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٨.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٠٣٦): ص ٥/ ٥١٩.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٢٧٣٢): ص ٢/ ٥١٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٣٥): ص ٥/ ٥١٨.\n(١٢) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٣.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦. ثم قال: \" وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأن الأولى التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم. قال: ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين.\nقال ابن عطية: وفي هذا القول نظر، لأن التحكم فيه باد\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦].","vol":"5","page":320},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [البقرة: ٢٦٢]، \" أي: لهم ثواب ما قدموا من الطاعة عند الله\" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: ثوابهم على الله، لا على أحد سواه\" (٢).\nقال ابن عطية: وضمن الله الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر الجنة\" (٣).\nقال الشوكاني: \"وقوله ﴿عند ربهم﴾ فيه تأكيد وتشريف\" (٤).\nوذكروا بأن قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [البقرة: ٢٦٢]، يحتمل وجهان (٥):\nالأول: يحتمل أن ثوابه عند الله ﷾ ملتزم به، ولا بد أن يوفيه.\nوالثاني: ويحتمل معنى آخر، وهو أن الثواب هذا يكون في الجنة التي سقفها عرش الرحمن؛ وهذه عندية مكان، ولا ينافي ما سبق من عندية العهد، والالتزام بالوفاء؛ فتكون الآية شاملة للمعنيين، وأرى بأن كلا المعنيين صحيحين. والله أعلم.\nقال ابن عثيمين: \" وسمى الله ﷾ الثواب أجرًا؛ لأنه ﷿ تكفل للعامل بأن يجزيه على هذا العمل؛ فصار كأجر الأجير\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: \" أي لا يعتريهم فزعٌ يوم القيامة\" (٧).\nقال الطبري: \" عند مقدمهم على الله وفراقهم الدنيا، ولا في أهوال القيامة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي مما يستقبل\" (٩).\nقال ابن عطية: \" ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، فيه تأويلان (١١):\nأحدهما: لا خوف عليهم في فوات الأجر (١٢).\nوالثاني: لا خوف عليهم في أهوال الآخرة، قاله الطبري (١٣)، وابن كثير (١٤)، والقاسمي (١٥)، والصابوني (١٦) وآخرون.\nقوله تعالى: ﴿﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: ولا هم يحزنون \" على ما خلفوا وراءهم في الدنيا\" (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٧.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٢٨٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١٣.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥١٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١٣.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٧.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٧.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥١٩.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(١٥) أنظر: محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٣.\n(١٦) انظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥١٩.","vol":"5","page":321},{"text":"قال ابن عثيمين: \" أي على ما مضى - لكمال نعيمهم - لأن المنعَّم لو أصابه الحزن، أو الخوف لتنغص نعيمه\" (١).\nقال القاسمي: \" على فائت من زهرة الدنيا، لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك\" (٢).\nقال ابن كثير: \" ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: [على] ما خلفوه من الأولاد وما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك\" (٣).\nقال ابن عطية: ونفى\" الحزن على ما سلف من دنياه، لأنه يغتبط بآخرته\" (٤).\nقال المراغي: \" ولا هم يحزنون حين يحزن الباخلون الممسكون عن الإنفاق في سبيل الله، إذ هم أهل السكينة والاطمئنان والسرور الدائم\" (٥).\nقال محمد الحجازي: \" ولا هم يحزنون وقت أن يحزن البخيل ويندم على إمساكه رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، يحتمل وجهين (٧):\nأحدهما: لا يحزنون على ما أنفقوه.\nوالثاني: لا يحزنون على ما خلفوه.\nقال الشوكاني: \" وقوله ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ظاهرة نفي الخوف عنهم في الدارين لما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول وكذلك ﴿ولا هم يحزنون﴾ يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم\" (٨).\nقال الشنقيطي: \" يفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في وله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية \" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾.\n٢ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله، ومتابعة الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾.\n٣ - ومنها: أن من أتبع نفقته منًّا، أو أذى، فإنه لا أجر له؛ لقوله تعالى: ﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم﴾؛ فإذا أتبع منًّا، أو أذًى بطل أجره، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤].\n٤ - ومنها: أن المن والأذى يبطل الصدقة؛ وعليه فيكون لقبول الصدقة شروط سابقة، ومبطلات لاحقة؛ أما الشروط السابقة فالإخلاص لله، والمتابعة؛ وأما المبطلات اللاحقة فالمن، والأذى.\nمسألة (١):\nهل مجرد إخبار المنفِق بأنه أعطى فلانًا دون منّ منه بذلك يعتبر من الأذى؟ الجواب: نعم؛ لأن المعطى تنزل قيمته عند من علم به؛ لكن لو أراد بالخبر أن يقتدي الناس به فيعطوه فليس في هذا أذًى؛ بل هو لمصلحة\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١٤.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٨.\n(٦) التفسير الواضح: ١/ ١٧٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٧.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٨٤.\n(٩) أضواء البيان: ١/ ١٥٨.","vol":"5","page":322},{"text":"المعطى؛ أما إن ذكر أنه أعطى، ولم يعيِّن المعطى فهذا ليس فيه أذى؛ ولكن يخشى عليه الإعجاب، أو المراءاة.\nمسألة (٢):\nهل المنفق عليه إذا أحس بأن المنفق منّ عليه، أو ربما أذاه هل الأفضل أن يبقى قابلًا للإنفاق أو يرده؟ الجواب الأفضل أن يرده لئلا يكون لأحد عليه منة؛ ولكن إذا رده بعد القبض فهل يلزم المنفِق قبوله؟ الجواب: لا يلزمه قبوله؛ لأنه خرج عن ملكه إلى ملك المنفق عليه؛ فيكون رده إياه ابتداء عطية.\n٥ - ومن فوائد الآية: إثبات العندية لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾؛ والعندية تفيد القرب؛ فيكون الله ﷿ في مكان، وبعض الأشياء عنده، وبعض الأشياء بعيدة عنه؛ ولكن كلها قد أحاط الله بها؛ كلها بالنسبة إليه - إلى علمه، وقدرته، وسلطانه، وربوبيته - كلها سواء - لكن لا شك أن من كان حول العرش ليس كمن حول الفرش؛ ولكن يجب أن نعلم أن المكان ليس محيطًا به، كما قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]؛ لأنه ﷾ فوق كل شيء؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ويَسْلَمون من المحبطات لا ينالهم خوف في المستقبل، ولا حزن على الماضي؛ لقوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.\nالقرآن\n﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣]\nالتفسير:\nكلام طيب وعفو عما بدر مِن السائل مِن إلحافٍ في السؤال، خير من صدقة يتبعها من المتصدق أذى وإساءة. والله غني عن صدقات العباد، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.\nقال ابن عطية: \" هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء. لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، \"أي: ردّ جميل من المسؤول\" (٢).\nقال البغوي: \" أي: كلام حسن، ورد على السائل جميل\" (٣).\nقال الطبري: \" قولٌ جميل، ودعاءُ الرجل لأخيه المسلم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم\" (٥).\nقال الآلوسي: \" أي كلام جميل يرد به السائل مثل يرحمك الله يرزقك الله إن شاء الله تعالى أعطيك بعد هذا\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي ردُّ السائل بالتي هي أحسن\" (٧).\nقال القرطبي: \" و(القول المعروف) هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله\" (٨).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧.\n(٢) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢١٣.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(٦) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٩.","vol":"5","page":323},{"text":"قال السعدي: \" أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له\" (١).\nوقد تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] على وجوه (٢):\nالأول: أن يدني إن أعطى.\nالثاني: يدعو إن منع. قاله الكلبي (٣).\nالثالث: وقيل عدة حسنة.\nالرابع: وقال الضحاك: نزلت في إصلاح ذات البين (٤).\nالخامس: وقيل: \"القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه\" (٥).\nقال أبو حيان: \"وهذا كله على أن يكون الخطاب مع المسؤول لأن الخطاب في الآية قبل هذا، وفي الآية بعد هذا، إنما هو مع المتصدّق وقيل: الخطاب للسائل، وهو حث له على إجمال الطلب، أي يقول قولًا حسنًا من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى حيث لا ضرورة، ويكسب خير من مثال صدقة يتبعها أذى، واشترك القول المعروف والمغفرة مع الصدقة التي يتبعها أذى في مطلق الخيرية، وهو: النفع، وإن اختلفت جهة النفع، فنفع القول المعروف والمغفرة باقٍ، ونفع تلك الصدقة فانٍ، ويحتمل أن يكون الخيرية هنا من باب قولهم: شيء خير من لا شيء. وقال الشاعر (٦):\nومنعك للندى بجميل قول ... أحب إليّ من بذل ومنَّه\nوقال آخر فأجاد (٧):\nإن لم تكن ورق يومًا أجودبها ... للمعتفين فإني لينُ العودِ\nلا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالي وإما حسن مردود\" (٨).\nقال القرطبي: \": ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ابتداء والخبر محذوف، أي قول معروف أولى وأمثل، ذكره النحاس والمهدوي\" (٩)، قال ابن عطية: \"وفي هذا ذهاب برونق المعنى، وإنما يكون المقدر كالظاهر\" (١٠).\nوقال النحاس: \"ويجوز أن يكون ﴿قول معروف﴾ خبر ابتداء محذوف، أي الذي أمرتم به قول معروف\" (١١)، قال أبو حيان: \"وجوز أن يكون: قول معروف، خبر مبتدأ محذوف تقديره: المأمور به قول معروف، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله: يتبعها، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، \" أي: عفو عن ظلم قولي أو فعلي\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" وسترٌ منه عليه لما علم من خَلَّته وسوء حالته\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٢) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦، والنكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(٣) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٤) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٦) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٧) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣١، وبعده:\nلا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالي وإما حسن مردود\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٩.\n(١٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٠.","vol":"5","page":324},{"text":"قال ابن حجر: \" أي: عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول\" (١).\nقال القرطبي: \" المغفرة هنا: الستر للخلة وسوء حالة المحتاج، والمعنى -والله أعلم-: وفعل يؤدي إلى المغفرة، خير من صدقة يتبعها أذى \" (٢).\nقال أبو حيان: \"وعفو من السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول من إلحاح أو سب أو تعريض بسبب، كما يوجد في كثير من المستعطين .. والمغفرة، أي: الستر على نفسه والكف عن إظهار ما ارتكب من المآثم\" (٣).\nقال السعدي: الصفح\" لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي\" (٤).\nقال البغوي: \" أي تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره\" (٥).\nقال الصابوني: والصفحُ عن إِلحاحه\" (٦).\nقال الآلوسي: \" أي ستر لما وقع من السائل من الالحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسئول وصفح عنه\" (٧).\nقال ابن عطية: \"والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج. ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوما بكلام فصيح، فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال اللهم غفرا، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، ذكر أهل العلم وجوها (٩):\nأحدها: يعني العفو عن أذى السائل، بأن \"يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند رده\" (١٠).\nقال النقاش: \" يقال معناه: ومغفرة للسائل إن أغلظ أو جفا إذا حرم\" (١١)، \"خير من التصدق عليه من المن والأذى\" (١٢).\nوالثاني: يعني بالمغفرة: السلامة من المعصية (١٣).\nوالثالث: أنه ترك الصدقة والمنع منها، قاله ابن بحر (١٤).\nوالرابع: هو يستر عليه فقره ولا يفضحه به، أي: \"ستر خلة المحتاج، وسوء حاله\" (١٥). قاله الطبري (١٦).\nالخامس: وقال الكلبي والضحاك: بتجاوز عن ظالمه (١٧).\n_________\n(١) الفتح: ٣/ ٣٢٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٠\n(٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٧) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٧.\n(٩) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣١، والنكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(١١) المحرر الوجي: ١/ ٣٥٧.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٠.\n(١٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(١٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٠.\n(١٧) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.","vol":"5","page":325},{"text":"السادس: وقيل: \" ويجوز أن يكون مثل قولك: تفضل الله عليك، أكبر من الصدقة التي تمن بها، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها\" (١).\nالسابع: وقيل: نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل (٢).\nقال الآلوسي: \"يحتمل أن يراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره من السائل\" (٣).\nالثامن: وقيل: \" مغفرة السائل ما يشق عليه من رد المسئول خَيْرٌ للمسؤول من تلك الصدقة\" (٤)، أي: معذرة منه للمسؤول؛ لكونه رده ردًا جميلًا (٥).\nقال أبو حيان: \"أي عفو من جهة السائل، لأنه إذا رده ردًّا جميلًا عذره\" (٦).\nالعاشر: وقيل: \"هو الدعاء والتأسي والترجئة بما عند الله\" (٧).\nالحادي عشر: وقيل: \"الدعاء لأخيه بظهر الغيب\" (٨).\nالثاني عشر: وقيل: \"الأمر بالمعروف خير ثوابًا عند الله من صدقة يتبعها أذى\" (٩).\nالثالث عشر: وقيل: \"التسبيحات والدعاء والثناء والحمد لله\" (١٠).\nالرابع عشر: وقيل: المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة\" (١١).\nقال السعدي: \" ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرما، لأن المنّة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه، والذّل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٣]، أي: \" خيرٌ عند الله وأفضل من إِعطائه ثم إيذائه أو تعييره بذلّ السؤال\" (١٣).\nقال الطبري: \" يعني يشتكيه عليها، ويؤذيه بسببها\" (١٤).\nقال البغوي: أي من \" منّ وتعيير للسائل أو قول يؤذيه\" (١٥).\nقال أبو حيان: يعني: \" أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٠.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٣) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤. واختاره ابن حجر، وقال أنه \"أظهر\": [الفتح: ٣/ ٣٢٧]، أي: عفو الله ومغفرته للمسؤول بسبب رده الجميل للسائل خير من صدقة يتبعها أذى، والرد الجميل فسر به قوله﷿-: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٢٠، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٣٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٢٤.\n(٤) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.\n(٥) انظر هذه الأقوال الثلاثة في تفسير المغفرة في: الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٧٨ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٨ ب، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٧، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٤، فتح القدير للشوكاني: ١/ ١١٩، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ١١٩، وغيرها.\n(٦) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٣٢١.\n(٩) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٠.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(١٦) البحر المحيط: ٢/ ٢٣١.","vol":"5","page":326},{"text":"قال الماوردي: \"ويحتمل الأذى هنا وجهين: أحدهما: أنه المنّ. والثاني: أنه التعيير بالفقر\" (١).\nقال الآلوسي: \" وإنما لم يذكر المنّ لأن الأذى يشمله وغيره، وذكره فيما تقدم اهتماما به لكثرة وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم عنه\" (٢).\nويحتمل قوله: ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٣]، وجهين (٣):\nأحدهما: خير منها على العطاء.\nوالثاني: خير منها عند الله.\nروي عن عمرو بن دينار قال: \" بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف، ألم تسمع قوله: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾ \" (٤).\nوروي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب\" (٥).\nوعن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى\" (٦).\nوعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، أي: \" أي مستغن عن صدقة العباد، لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بالصدقة\" (٨).\nقال البراء: \" والله غني عن صدقاتكم\" (٩).\nوقيل: الله \"غني، لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤونة المنّ والأذى ويرزقهم من جهة أخرى\" (١٠).\nقال أبو حيان: \"أي غني عن الصدقة، حليم بتأخر العقوبة، وقيل: غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي، حليم عن معاجلة العقوبة، وهذا سخط منه ووعيد\" (١١).\nقال ابن عباس: \" (الغني)، الذي كمل في غناه، و(الحليم)، الذي قد كمل في حلمه\" (١٢).\nوعنه أيضا: \" أخبر الله عباده بحلمه وعطفه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته\" (١٣).\nقال الصابوني: \" أي مستغنٍ عن الخلق حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره\" (١٤).\nقال الآلوسي: \" والجملة تذييل لما قبلها مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعا\" (١٥).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(٢) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٨.\n(٤) تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٣): ص ٢/ ٥١٦.\n(٥) صحيح مسلم (١٠٦).\n(٦) المستدرك (٤/ ١٤٦) وسنن النسائي (٥/ ٨٠).\n(٧) سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢١).\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٣٦): ص ٢/ ٥١٦.\n(١٠) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.\n(١١) البرح المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (٦٠٣٨): ص ٥/ ٥٢١.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٣٧): ص ٢/ ٥١٧.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١٥) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.","vol":"5","page":327},{"text":"و(الحلم) يعني تأخير العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية (١):\nوهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان\nقال القرطبي: \" أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد، وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من منّ وآذى بصدقته\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" \"وجمع الله في هذه الآية بين «الغِنى» و«الحِلم»؛ لأن الآية في سياق الصدقة، فبين ﷿ أن الصدقات لا تنفع الله؛ وإنما تنفع من يتصدق؛ والآية أيضًا في سياق من أتبع الصدقة أذى ومِنّة؛ وهذا حري بأن يعاجَل بالعقوبة، حيث آذى هذا الرجل الذي أعطاه المال لله؛ ولكن الله حليم يحلم على عبده لعله يتوب من المعصية\" (٣).\nقال السعدي: \" ولكن رحمته وإحسانه وحلمه لا يمنعه من معاجلته للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه\" (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة القول المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة ...﴾؛ و«القول المعروف» كل ما عرفه الشرع، والعادة؛ مثال ذلك: أن يأتي رجل يسأل مالًا بحاله، أو قاله؛ فكلمه المسؤول، وقال: ليس عندي شيء، وسيرزق الله، وإذا جاء شيء فإننا نجعلك على البال، وما أشبه ذلك؛ فهذا قول معروف ليِّن، وهيِّن.\n٢ - ومنها: الحث على المغفرة لمن أساء إليك؛ لكن هذا الحث مقيد بما إذا كانت المغفرة إصلاحًا؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ أما إذا لم تكن المغفرة إصلاحًا، مثل أن أغفر لهذا الجاني، ثم يذهب، ويسيء إلى الآخرين، أو يكرر الإساءة إليَّ، فإن الغفر هنا غير مطلوب.\n٣ - ومنها: أن الأعمال الصالحة تتفاضل، ويلزم من تفاضلها تفاضل العامل، وزيادة الإيمان، أو نقصانه.\n٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغني» و«الحليم»؛ وإثبات ما دلا عليه من الصفات.\n٥ - ومنها: المناسبة في ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين؛ لأن في الآية إنفاقًا؛ وإذا كان الله ﷿ هو الذي يخلِف هذا الإنفاق فإنه لكمال غناه؛ كذلك المغفرة عمن أساء إليك: فإن المغفرة تتضمن الحلم، وزيادة؛ فختم الله الآية بالحلم؛ وقد يقال: إن فيه مناسبة أخرى؛ وهي أن المن بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ والله ﷾ حليم على أهل الكبائر؛ إذ لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، والله أعلم.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤]\nالتفسير:\nيا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تُذْهِبُوا ثواب ما تتصدقون به بالمنِّ والأذى، فهذا شبيه بالذي يخرج ماله ليراه الناس، فيُثنوا عليه، وهو لا يؤمن بالله ولا يوقن باليوم الآخر، فمثل ذلك مثل حجر أملس عليه تراب\n_________\n(١) نونية ابن قيم: ٢٠٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٠.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١٧.\n(٤) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.","vol":"5","page":328},{"text":"هطل عليه مطر غزير فأزاح عنه التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك هؤلاء المراؤون تضمحلُّ أعمالهم عند الله، ولا يجدون شيئًا من الثواب على ما أنفقوه. والله لا يوفق الكافرين لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: يا أيها الذين\" صدّقوا الله ورسوله\" (١).\nقال أبو حيان: \" لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع منًا ولا أذىً، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلًا للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَن وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، إي لا تحبطوا\" أجور صدقاتكم\" (٣)، بالمن والأذى.\nقال ابن عثيمين: \" و«المن» إظهار أنك مانّ عليه، وأنك فوقه بإعطائك إياه؛ و«الأذى» أن تذكر ما تصدقت به عند الناس فيتأذى به\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. فإنهما إساءتان ينافيان الإحسان المعتبر في الصدقة\" (٥).\nقال ابن كثير: \" فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى\" (٦).\nقال ابن حجر: \" وأما قوله: ﴿بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾، فهو الذي يذكر عطاءه ليمتدح به\" (٧).\nوقوله تعالى ﴿بِالْمَن﴾، فيه وجهان (٨):\nالأول: بالمن على السائل.\nقال مقاتل: \" هو الرجل يمن صدقته\" (٩).\nالثاني: وقال ابن عباس ﵄: بالمن على الله تعالى بسبب صدقته.\nقال أبو حيان: \" والظاهر أن قوله: بالمن، معناه على الفقير، وهو قول الجمهور\" (١٠).\nقا أبو حيان: \"والأذى للسائل\" (١١).\nقال ابن حجر: \" فإن الظاهر أن المراد بـ (الأذى) في الآية إنما هو ما يكون من جهة المسؤول للسائل، فإنه عطف على المنّ وجمع معه بـ (الواو) \" (١٢).\nوقد أخرج ابن ابي حاتم بسنده \" عن مقاتل بن حيان في قول الله: ﴿بالمن والأذى﴾، قال: يؤذي الذي يتصدق عليه\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢١.\n(٢) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٢٠.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٤.\n(٧) الهدي: ٢٠٠، وانظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٨٩، تفسير ابن كثير: ١/ ٣٩٣.\n(٨) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٤١): ص ٢/ ٥١٧.\n(١٠) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(١١) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(١٢) الفتح: ٣/ ٣٢٧. وانظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥١٧، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٧٧ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٨ ب، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ٤٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣١٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٨، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ١١٧.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٤٢): ص ٢/ ٥١٧.","vol":"5","page":329},{"text":"قال الشوكاني: \" الإبطال للصدقات إذهاب أثرها وإفساد منفعتها أي لا تبطلوها بالمن والأذى أو بأحدهما\" (١).\nقال أبو حيان: \"ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله. والسدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذى لا تتقبل، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة، فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله\" (٢).\nقال القرطبي: \" وهذا حسن\" (٣).\nوللعلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قولان (٤).\nالأول: أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلًا، لأنه إذا اقصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان.\nوالثاني: وقال القاضي عبد الجبار: \"معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت، فلا يصح أن تبطل. فالمراد إذن إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصير إبطاله بما يأتيه من المن والأذى\" (٥).\nقال أبو حيان: \"والمعنيان تحملهما الآية\" (٦).\nوقد ذكر أهل العلم في هذا (المنفق) قولين (٧):\nأحدهما: أنه المنافق، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم، هذه نيته، لا ينفق لرضا الله. وطلب ثواب الآخرة، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر.\nوالثاني: وقيل: المراد به الكافر المجاهر، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله ولا يريد بإنفاقه إلاّ الثناء عليه.\nوقد رجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره (٨).\nقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، \" أي كالمرائي الذي يبطل إِنفاقه بالرياء\" (٩).\nقال الآلوسي: \" أي لا تبطلوها مشابهين الذي يبطل إنفاقه بالرياء\" (١٠).\nقال ابن كثير: \"أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه\" (١١).\nوقرأ طلحة بي مصرف: ﴿رياءً﴾ بابدال الهمزة الأولى (ياءً) لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: \" ولا يصدق بوحدانية الله ورُبوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته\" (١٣).\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٢٨٥.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١١.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٥) نقله أبو حيان في تفسيره: ٢/ ٢٣٢.\n(٦) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٧) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٨) انظر: تفسيرالبحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١٠) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٤.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٤.\n(١٢) انظر: تفسيرالبحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٢.","vol":"5","page":330},{"text":"روي \"عن مقاتل بن حيان، في قول الله: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، يعني: المنافق\" (١).\nوقال سعيد بن جبير: \"لا يصدقون بتوحيد الله\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، \" أي: مثل ذلك المرائي بإِنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب يظنه الظانُّ أرضًا طيبةً منبتة\" (٣).\nقال قتادة: \" هذا مثل ضربه الله تعالى، لأعمال الكفار، يوم القيامة\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي كشِبْه صفوان، وهو الحجر الأملس\" (٥).\nوقد اختلف في الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، على قولين (٦):\nالأول: فالظاهر أنه عائد على ﴿يُنفِقُ مَالَه رِئَآءَ النَّاسِ﴾ لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافر المباهي، المثل بصفوان عليه تراب، يظنه الظان أرضًا منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، فيبقى صلدًا منكشفًا، وأخلف ما ظنه الظان، كذلك هذا المنافق يرى الناس أن له أعمالًا كما يُرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.\nوهذا اختيار الطبري (٧).\nوالثاني: وقيل: الضمير في ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائد على المانِّ المؤذي، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس، والثاني: بصفوان عليه تراب، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى افراد.\nوقوله تعالى: ﴿صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فيه وجهان (٨):\nأحدهما: أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه (٩).\nقال الطبري: \" الصفوان \" واحدٌ وجمعٌ، فمن جعله جمعًا فالواحدة \" صفوانة \"، بمنزلة: تمرة وتمر ونخلة ونخل، ومن جعله واحدًا، جمعه \" صِفْوان، وصُفِيّ، وصِفِيّ، كما قال الشاعر (١٠):\nمَوَاقعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ\nو(الصفوان) هو (الصفا)، وهي الحجارة الملس\" (١١)، قاله ابن عباس (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، وقتادة (١٦)، وعكرمة (١٧)، والحسن (١٨)، ومقاتل بن حيان (١٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٤٤): ص ٢/ ٥١٨.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٤٥): ص ٢/ ٥١٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٤٦): ص ٢/ ٥١٨.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٤/ ٣٢٠.\n(٦) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٤، والنكت والعيون: ١/ ٣٣٩.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٥٧٥، وتفسير البسيط: ٤/ ٤١٣.\n(١٠) البيت للأخليل الطائي، انظر: الجمهرة ٣: ١٣٥، والمخصص ١٠: ٩٠، ومجالس ثعلب: ٢٤٩، والحيوان ٢: ٣٣٩، والقالي ٢: ٨، واللسان (صفا) و(نفا) وكلهم رواه \" متنيه \" إلا ابن دريد فإنه أنشده:\nكأنّ مَتْنَيَّ من النَّفِيِّ ... مِنْ طُولِ إشْرَافِي على الطّوِيِّ\nوالنفي: ما تطاير من دلو المستقى. ومن روى \" متني \" فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه. وأما من روى \" متنيه \"، فإنه عنى غيره. وهو الأصح فيما أرجح، وقد قال الأزهري: \" هذا ساق كان أسود الجلدة، استقى من بئر ملح، فكان يبيض نفي الماء على ظهره إذا ترشش. لأنه كان ملحًا \". فإذا صح ذلك، كانت رواية البيت الذي يليه \" من طول إشراف \" بغير ياء الإضافة، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهري، لتشبيهه في البيت الثالث. و\" الطوي \" البئر المطوية بالحجارة.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٣ - ٥٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٧): ص ٥/ ٥٢٨، و(٦٠٥٢): ص ٥/ ٥٢٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٨): ص ٥/ ٥٢٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٩): ص ٥/ ٥٢٨، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٧): ص ٢/ ٥١٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠٥٠): ص ٥/ ٥٢٩، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٧): ص ٢/ ٥١٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٥١): ص ٥/ ٥٢٩، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٧): ص ٢/ ٥١٨.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٧): ص ٢/ ٥١٨.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٧): ص ٢/ ٥١٨.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٤٧): ص ٢/ ٥١٨.","vol":"5","page":331},{"text":"والثاني: أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة، حكاه أبان بن تغلب.\nقال الأصمعي: \"الصَّفْواء أو الصَّفْوان والصَّفَا مقصور كلُّه واحدٌ\" (١).\nوقرأ ابن المسيب، والزهري: (صفوان) بفتح الفاء، قيل: وهو شاذ في الأسماع. إنما بابه المصادر: كلغليان والتروان، وفي الصفات نحو: رجل صيحان، وتيس عدوان (٢).\nقال ابن حجر: ﴿صَفْوَان﴾، \" أي: صخرة ملساء بإسكان الفاء (٣) ووهم من فتحها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: \"فإِذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى صلدًا أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلًا\" (٥).\nأخرج الطبري \" عن ابن عباس: ﴿فتركه صلدًا﴾ قال: تركها نقية ليس عليها شيء\" (٦).\nوروي نحوه عن السدي (٧)، والضحاك (٨)، وقتادة (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب \" (١٠).\nقال الصابوني: \" كذلك هذا المنافق، يظن أن له أعمالًا صالحة فإِذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت\" (١١).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢٢ (مادة: صفا)، وينظر في المادة نفسها: \"المفردات\" ٢٨٦ - ٢٨٧، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٦٨ - ٢٤٦٩.\n(٢) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٢٤٩، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ٢٩٢، الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٤٠١، تاج العروس للزبيدي: ١٩/ ٦٠٢، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٨٢، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٤٧، جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٢٣ - ٥٢٤، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٩ أ، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٧٩ أ، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣١٤. وقد اختلف في كون صفوان مفرد أو جمع، فقيل: مفرد، وهو ظاهر قول الحافظ هنا، وقال به الكسائي، ورده المبرد، وقيل: جمع، وهو قول الأكثر وقال به الطبري، وقيل: اسم جنس وهو اختيار أبي البقاء العكبري إذ قال: (والجيد أن يقال: هو جنس لا جمع، ولذلك عاد الضمير إليه بلفظ الإفراد في قوله: (عَلَيه تُرَابٌ). انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٨٢، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ١١٢، جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٢٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣١٤، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٧، وغيرها.\n(٤) الهدي: ١٥٣، ذكَر الفتح لغة جمع من أهل العلم، وهي قراءة سعيد بن المسيب والزهري، انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣١٥، المحتسب لابن جني: ١/ ١٣٧ - ١٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٧، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ١١٢، وقد نقل الزبيدي في تاج العروس: ١٩/ ٦٠٢ قول الحافظ هنا.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٥٨): ص ٥/ ٥٢٩ - ٥٣٠، وقوله (٦٠٥٩): ص ٥/ ٥٣٠، وقوله (٦٠٦٢): ص ٥/ ٥٣٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٥٧): ص ٥/ ٥٢٩، وابن ابي حاتم (٢٧٤٣): ص ٢/ ٥١٧، والمعجم الكبير للطبراني (١١١٦).\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠٦٠): ص ٥/ ٥٣٠، ولفظه (فتركه جلدا)، وفي تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٤٩): ص ٢/ ٥١٨، لفظه (فتركه يابسا خاسئا لا ينبت شيئا).\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٠٦١): ص ٥/ ٥٣٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٤.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.","vol":"5","page":332},{"text":"أخرج الطبري بسنده \" عن قتادة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿على شيء مما كسبوا﴾، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاةَ الحجرَ ليس عليه شيء، أنقى ما كان عليه\" (١).\nوروي نحوه عن الربيع (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، وابن عباس (٥)، وابن جريج (٦)، وابن يد (٧).\nقال الشوكاني: \" مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضا منبتة طيبة فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا أي أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه فكذلك هذا المرائي فإن نفقته لا تنفعه كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب\" (٨).\nو(الوابل): المطر الشديد (٩) العظيم (١٠) (١١)، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (١٢)، كما قال أمرؤ القيس (١٣):\nسَاعَةً ثُمَّ انْتَحَاهَا وَابِلٌ ... سَاقِطُ الأكْنَافِ وَاهٍ مُنْهَمِرُ\nقال الأخفش: \" وقوله ﴿أخذا وبيلا﴾ [المزمل: ١٦]، من ذا، يعني: شديدا\" (١٤).\nقال القرطبي: \" وضرب وبيل، وعذاب وبيل أي شديد\" (١٥).\nو(الصَّلْد): الأملسُ اليابس (١٦)، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي: \" قِدْرٌ صَلود \"، \" وقد صَلدت تصْلُدُ صُلودًا، ومنه قول تأبط شرًّا (١٧):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٠): ص ٥/ ٥٢٦ - ٥٢٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤١): ص ٥/ ٥٢٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٢): ص ٥/ ٥٢٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٣): ص ٥/ ٥٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٤): ص ٥/ ٥٢٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٥): ص ٥/ ٥٢٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٦): ص ٥/ ٥٢٨.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٢٨٥.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣١١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٤. قال: \" وهو المطر الشديد العظيم\".\n(١١) أخرج ابن أبي حاتم (٢٧٤٨) ص ٢/ ٥١٨: \" عن عكرمة، في قوله: فأصابه وابل والوابل: المطر فذهب بما عليه، وروي عن وهب بن منبه والسدى وعطاء الخرساني والحسن والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة نحو ذلك، غير أن الربيع بن أنس وقتادة قالا: المطر الشديد\".\n(١٢) ينظر في وبل: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٢٩، \"المفردات\" ٥٢٦، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٥٥ (مادة: وبل).\n(١٣) ديوانه: ٩٠، وطبقات فحول الشعراء: ٧٩، وغيرهما كثير. وهو من أبيات روائع، في صفة المطر والسيل أولها: دِيَمةٌ هَطْلاءُ فِيهَا وَطَفٌ ... طَبَقَ الأَرْضِ تَحَرَّي، وَتَدِرّْ\nثم قال بعد قليل: \" ساعة \" أي فعلت ذلك ساعة، \" ثم انتحاها \" أي قصدها، والضمير فيه إلى \" الشجراء \" في بيت سباق. و\" ساقط الأكناف \"، قد دنا من الأرض دنوًّا شديدًا، كأن نواحيه تتهدم على الشجراء. \" منهمر \": متتابع متدفق. واقرأ تمام ذلك في شرح الطبقات.\n(١٤) معاني القرآن: ١/ ٢٠٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٣.\n(١٦) قال النقاش: \"الأصلد: الأجرد بلغة هذيل\". [تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٣].\n(١٧) ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي أبو زهير، من شعراء الصعاليك، وأحد لصوص العرب المغيرين، اشتهر بسرعة العدو حتى إن الخيل لا تلحقه، وسمي تأبط شرًّا؛ لأنه تأبط سيفا وخرج، فقيل لأمه: أين هو؟ فقالت: تأبط شرا وخرج، وقيل غير ذلك. ينظر \"الشعر والشعراء\" ١/ ٩٣، \"وسمط اللالي\" ١/ ١٥٨.\nوالبيت في اللسان (جلب) (عزل)، وغيرهما، الجلب (بكسر الجيم أو ضمها وسكون اللام): هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل، ويقال أيضًا: هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. ورواية الطبري في المخطوطة تقتضي المعنى الأول: والقرة (بكسر القاف) والقر (بضمها): البرد الشديد، يقول: لست امرءًا خاليا من الخير، بل مطيفًا بالأذى، كهذا السحاب المخيل المتراكم، مخيف برعده، ويلذغ ببرده، ولا غيث معه. أما رواية اللسان وغيره، فشرحها على معنى السحاب الرقيق جيد. وقوله: \" أعزل \" من \" عزل الشيء يعزله \" إذا نحاه جانبًا وأبعده، كما سموا الزمل المنقطع المنفرد المنعزل \" أعزل \"، فهو من صميم مادة اللغة، وإن لم يأتوا عليه في كتب اللغة بشاهد. وهذا شاهده بلا شك. أما قوله في الرواية الأخرى \" معزل \" فهو بمعنى ذلك أيضًا: معتزل عن الخير، أو معزول عنه. وهو مصدر ميمي من ذلك، جاء صفة، كما قالوا: \" رجل عدل \"، وكما قالوا \" فلان شاهد مقنع \" أي رضا يقنع به، مصدر ميمي من \" قنع \"، وهذا بيان لا تجده في كتب اللغة فقيده واحفظه. [انظر: حاشية الطبري: ٥/ ٥٢٥].\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ١٧٤، وفي \"تفسير الطبري\" ٣/ ٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٧، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٣٠ (عزل) والجلب: هو السحاب المعترض، تراه كأنه جبل، والمعنى: لست برجل لا نفع فيه، ومع ذلك فيه أذى كالسحاب الذي فيه ريح وقِرٌّ، ولا مطر فيه. ينظر \"لسان العرب\" ٢/ ٦٤٩ (جلب).","vol":"5","page":333},{"text":"وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ رَعْدٍ وَقِرَّةٍ ... وَلا بِصَفًا صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ أعْزَلِ\nو(الصلد) من الحجارة: الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره (١)، وهو من الأرَضين ما لا ينبت فيه شيء، وكذلك من الرؤوس، كما قال رؤبة (٢):\nلَمَّا رَأَتْنِي خَلَقَ المُمَوَّهِ ... بَرَّاقَ أَصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَهِ\nوقال بعض بني أسد في الأرض الصلدة (٣):\nوإنِّي لأرجو الوَصْلَ منكِ كَما رَجَا ... صَدَى الجَوْفِ مُرْتَادًا كداه صُلود\nفقوله (صلود): جمعُ صَلْد، وأصله من قولهم: صَلَدَ الزَّنْدُ وأصلد: إذا لم يوْرِ نارًا (٤).\nقال الواحدي: \"وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق وعمل المنّان الموذي، يعنى: أن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالًا كما يُرى التُرابُ على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل؛ لأنه لم يكن لله، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، فلا يقدر أحد (من الخلق) على ذلك التراب الذي أزاله المطر عن الصفا، كذلك هؤلاء في العمل الذي حبط، إذا قدموا على ربهم لم يجدوا شيئًا\" (٥).\nوقال القاضي عبد الجبار: \"ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثله أولًا بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى. ثم مثله ثانيًا بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار. ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلًا، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح القول في الإحاطة والتكفير\" (٦).\nوفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وجهان (٧):\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٨٢، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٧، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٩٠، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٧٩ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٩، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٠٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣١٥، وغيرها.\n(٢) ديوانه: ١٦٥، وذكره في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٤٢، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٨١ مادة: صلد، والضمير في \" رأتني \" إلى صحابته التي ذكرها في أول الشعر و\" خلق \": بال. و\" المموه \" يقال:: وجه مموه \" أي مزين بماء الشباب، ترقرق شبابه وحسنه. وقوله \" خلق المموه \"، بحذف \" الوجه \" الموصوف بذلك. يقول: قد بلي شبابي وأخلق. \" أصلاد الجبين \"، يعني أن جبينه قد زال شعره، فهو يبرق كأنه صفاة ملساء لا نبات عليها. و\" الأجله \". الأنزع الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته ومقدم جبينه، وذلك كله بعد أن كان كما وصف نفسه: بَعْدَ غُدَانِيِّ الشَّبَابِ الأَبْلَهِ\nفاستنكرته صاحبته، بعد ما كان بينه وبينها في شبابه ما كان، وليت شعري ماذا كان يبغي رؤبة منها، وقد صار إلى المصير الذي وصف نفسه! ! .\n(٣) لم أتعرف على قائله، والبيت غير منسوب في \"ديوان الحماسة\" ٢/ ١٦٥، وهو من شواهد الواحدي في تفسيره: ٤/ ٤١٤.\n(٤) ينظر في صلد: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٤٢، \"المفردات\" ٢٨٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٨١، وانظر: تفسير البسيط: ٤/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(٥) تفسير البسيط: ٤/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(٦) نقله عنه أبو حيان في تفسيره: ٢/ ٢٣٢.\n(٧) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣٢.","vol":"5","page":334},{"text":"الأول: عائد على الصفوان.\nوالثاني: وقيل: يحتمل أن يعود على التراب.\nوأما الضمير في قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فعائد على الصفوان، \"وهذه الجملة جعل فيها العمل الظاهر: كالتراب، والمانّ المؤذي، أو المنافق كالصفوان، ويوم القيامة كالوابل، وعلى قول المعتزلة: المنّ والأذى كالوابل، وقال القفال: وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذرًا في أرض طيبة، فهو يتضاعف له وينمو، ألا ترى أنه ضرب المثل في ذلك بجنة فوق ربوة؟ فهو يجده وقت الحاجة إليه. وأما المان والمؤذي والمنافق، فكمن بذر في الصفوان لا يقبل بذرًا ولا ينمو فيه شيء، عليه غبار قليل أصابه جود فبقي مستودع بذر خاليًا، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئًا\" (١).\n\nقوله تعالى: ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، \" أي لا ينتفعون بما فعلوه رياء ولا يجدون له ثوابا\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: على ثواب شيء\" (٣).\nقال القرطبي: \" يعني المرائي والكافر والمان، على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم .. فعبر عن النفقة بالكسب، لأنهم قصدوا بها الكسب\" (٤).\nقال الصابوني: أي: \"لا يجدون له ثوابًا في الآخرة فلا ينتفع بشيءٍ منها أصلًا\" (٥).\nوروي \"مقاتل بن حيان في قول الله: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾، يعني به: نفقاتهم\" (٦).\nقال ابن ابي حاتم: \" أنهم لا يؤجرون عليها، ولا تنفعهم يوم القيامة\n، وكان مقاتل، ما فسر فسره عن رجال من التابعين، منهم الضحاك بن مزاحم، وجابر بن زيد\" (٧).\nوأخرج ابن ابي حاتم \" عن الربيع، في قوله: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾، يومئذ، كما ترك المطر الصفا نقيا، ليس عليه شيء\" (٨).\nثم قال: \"وروي عن قتادة، نحو قول الربيع\" (٩).\nوقد اختلف أهل اللعلم في الضمير في قوله ﴿يَقْدِرُونَ﴾ [البقرة: ٣٦٤]، على وجهين (١٠):\nالأول: قيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ ويكون من باب الالتفات، إذ هو رجوع من خطاب إلى غيبة، والمعنى: أنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على الانتفاع بشيء مما كسبتم، وهذا فيه بعد. وقيل: هو عائد على ﴿كَالَّذِى يُنفِقُ﴾ لأن: كالذي جنس، فلك أن تراعي لفظه كما في قوله: ﴿يُنفِقُ مَالَه رِئَآءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ﴾ فأفرد الضمير، ولك أن تراعي المعنى، لأن معناه جمع، وصار هذا ﴿كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ ثم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.\n_________\n(١) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٣.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٨٥.\n(٣) التفسير البسيط: ٤/ ٤١٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٥٠): ص ٢/ ٥١٩.\n(٧) انظر: تفسيره: ٢/ ٥١٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٥١): ص ٢/ ٥١٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥١٩.\n(١٠) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤.","vol":"5","page":335},{"text":"قال ابن عطية: \"وقد انحمل الكلام قبل على لفظ: الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب، ولو انحمل أولًا على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ\" (١).\nوالثاني: قيل: هو عائد على معلوم غير مذكور المعنى لا يقدر أحد من الخلق على الانتفاع بذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي على الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وزال ما كان فيه، فكذلك المان والمؤذي والمنافق، لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة. وقيل: هو عائد على المرائي الكافر أو المنافق، أو على المان، أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم، وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه، وعبروا عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا﴾ وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية.\nقوله تعالى: ﴿والله لا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي \"لا يهديهم إِلى طريق الخير والرشاد\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا يهدي سبحانه الكافرين هداية توفيق؛ أما هداية الدلالة فإنه سبحانه لم يَدَع أمة إلا بعث فيها نبيًا؛ لكن الكافر لا يوفقه الله لقبول الحق؛ و﴿الكافرين﴾ أي الذين حقت عليهم كلمة الله، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] \" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿والله لا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فيه وجهان (٤):\nالأول: قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين.\nقال أبو حيان: \" يعني الموافقين على الكفر، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض\" (٥).\nوقال الطبري: \" لا يسدّدهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، فيوفقهم لها، وهم للباطل عليها مؤثرون، ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون\" (٦).\nوالثاني: وقيل: \"لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم\" (٧).\nقال أبو حيان: \" وفي هذا ترجح لمن قال: إن ضرب المثل عائد على الكافر\" (٨).\n\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تحريم المن، والأذى في الصدقة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾.\n٢ - ومنها: بلاغة القرآن، حيث جاء النهي عن المنّ، والأذى بالصدقة بهذه الصيغة التي توجب النفور؛ وهي: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾؛ فإنها أشد وقعًا من «لا تَمُنّوا، ولا تؤذوا بالصدقة».\n٣ - ومنها: أن المن والأذى بالصدقة يبطل ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾.\n٤ - ومنها: أن المن والأذى بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ وجه ذلك: ترتيب العقوبة على الذنب يجعله من كبائر الذنوب؛ وقد قال شيخ الإسلام في حد الكبيرة: «كل ذنب رُتب عليه عقوبة خاصة، كالبراءة منه، ونفي الإيمان، واللعنة، والغضب، والحد، وما أشبه ذلك»؛ وهذا فيه عقوبة خاصة؛ وهي إبطال العمل؛ ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٤٥٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٢١.\n(٤) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٤١٥. ومعاني القرآن\" ١/ ٣٤٧.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٦.\n(٧) معاني القرآن\" ١/ ٣٤٧.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٤.","vol":"5","page":336},{"text":"يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (١).\n٥ - ومنها: أن المنّ والأذى بالصدقة مناف لكمال الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾؛ كأنه يقول: «إن مقتضى إيمانكم ألا تفعلوا ذلك؛ وإذا فعلتموه صار منافيًا لهذا الوصف، ومنافيًا لكماله».\n٦ - ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس ليقربه إلى الذهن؛ لقوله تعالى: ﴿فمثله كمثل صفوان ...﴾ إلخ.\n٧ - ومنها: تحريم مراءاة الناس بالعمل الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾؛ والتسميع كالمراءاة؛ والفرق بينهما أن المراءاة فيما يُرى - كالأفعال - والتسميع بما يقال.\n٨ - ومنها: أن من راءى الناس بإنفاقه ففي إيمانه بالله، وباليوم الآخر نقص؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر﴾؛ لأن الذي يرائي لو كان مؤمنًا بالله حق الإيمان لجعل عمله لله خالصًا لله؛ ولو كان يؤمن باليوم الآخر حق الإيمان لم يجعل عمل الآخرة للدنيا؛ لأن مراءاة الناس قد يكسب بها الإنسان جاهًا في الدنيا فقط؛ مع أنه لا بد أن يتبين أمره؛ وإذا تبين أنه مراءٍ نزلت قيمته في أعين الناس؛ يقول الشاعر:\nثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عاري أنت لا تظن أنك إذا راءيت الناس أنك ستبقى مخادعًا لهم؛ بل إن الله ﷾ سيظهر ذلك؛ ما أسر إنسان سريرة إلا أظهرها الله سبحانه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.\n٩ - ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر؛ وهو يوم القيامة.\n١٠ - ومنها: بلاغة القرآن في التشبيه؛ لأنك إذا طابقت بين المشبه، والمشبه به، وجدت بينهما مطابقة تامة.\n١١ - ومنها: إثبات كون القياس دليلًا صحيحًا؛ وجه ذلك: التمثيل، والتشبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنه دليل على القياس؛ لأن المقصود به نقل حكم هذا المشبه به إلى المشبه.\n١٢ - ومنها: أن الرياء مبطل للعمل؛ وهو نوع من الشرك؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢)؛ فإن قصد بعمله إذا رآه الناس أن يتأسى الناس به، ويسارعوا فيه فهي نية حسنة لا تنافي الإخلاص؛ لأن النبي ﷺ صلى على المنبر، وقال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي» (٣)؛ وفي الحج كان (ص) يقول: «لتأخذوا مناسككم» (٤)؛ وهو داخل في قول النبي ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥).\n١٣ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى تحسر هؤلاء عند احتياجهم إلى العمل، وعجزهم عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾؛ وعجز الإنسان عن الشيء بعد محاولة القدرة عليه أشد حسرة من عدمه بالكلية؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطامًا﴾ [البقرة: ٦٣ - ٦٥]؛ وكونه حطامًا ينظرون إليه أشد حسرة من كونه لم ينبت أصلًا؛ وقوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجًا﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]؛ وكونه بين أيديهم أجاجًا لا يستسيغون شربه أشد مما لو لم يوجد أصلًا؛ والإنسان العاقل يجعل\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٦٩٦، كتاب الإيمان، باب ٤٦: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية ...، حديث رقم ٢٩٣ [١٧١] ١٠٦.\n(٢) أخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد، باب ٤: تحريم الرياء، حديث رقم ٧٤٧٥ [٤٦] ٢٩٨٥.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٧٢، كتاب الجمعة، باب ٢٦: الخطبة على المنبر، حديث رقم ٩١٧؛ وأخرجه مسلم ص ٧٦٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ١٠: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة ...، حديث رقم ١٢١٦ [٤٤] ٥٤٤.\n(٤) أخرجه مسلمص ٨٩٣، كتاب الحج، باب ٥١: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا حديث رقم ٣١٣٧ [٣١٠] ١٢٩٧.\n(٥) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ٢٠: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ...، حديث رقم ٢٣٥١ [٦٩] ١٠١٧.","vol":"5","page":337},{"text":"العمل لله: لله؛ والعمل للناس: للناس؛ أنا قد أحب أن أخرج للناس في ثوب جميل: لا بأس أن أتجمل ليراني الناس على هذه الحال؛ لكن أصلي ليراني الناس أصلي: لا يصح؛ لأن العمل لله يجب أن يكون لله لا يشاركه فيه أحد.\n١٤ - ومن فوائد الآية: أن من قضى الله عليه بالكفر لا تمكن هدايته؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين الواقع من أن الله ﷾ هدى قومًا كافرين كثيرين؟ فالجواب أن من هدى الله لم تكن حقت عليهم كلمة الله؛ فأما من حقت عليه كلمة الله فلن يُهْدى، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].\n١٥ - ومنها: أن المنافق كافر؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ بعد أن ذكر ما يتعلق بصفة المنافق؛ وهو الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر؛ وهذا ينطبق تمامًا على المنافقين؛ ولا ريب أن المنافقين كفار - وإن تظاهروا بالإسلام - ولكن هل نعاملهم معاملة الكفار؟ الجواب: لا نعاملهم معاملة الكفار؛ لأن أحكام الدنيا تجري على الظاهر؛ وأحكام الآخرة تجري على الباطن والسرائر، كما قال تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصِّل ما في الصدور﴾ [العاديات: ٩، ١٠]، وقال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق: ٩]؛ ولأنه لو عومل الناس في الدنيا على السرائر لكان في ذلك تكليف ما لا يطاق من وجه؛ وكان في ذلك الفوضى التي لا نهاية لها من وجه آخر؛ أما تكليف ما لا يطاق فلأننا لا نعلم ما في صدور الناس؛ فلا يمكن أن نحكم عليه؛ وأما الفوضى فلأنه يستطيع كل ظالم له ولاية أن يعاقب هذا الرجل، أو يعدم هذا الرجل بحجة أنه مبطن للكفر؛ ولما استؤذن النبي ﷺ في قتل المنافقين قال: «لا أقتلهم؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (١).\nالقرآن\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]\nالتفسير:\nومثل الذين ينفقون أموالهم طلبًا لرضا الله واعتقادًا راسخًا بصدق وعده، كمثل بستان عظيم بأرض عالية طيبة هطلت عليه أمطار غزيرة، فتضاعفت ثمراته، وإن لم تسقط عليه الأمطار الغزيرة فيكفيه رذاذ المطر ليعطي الثمرة المضاعفة، وكذلك نفقات المخلصين تُقبل عند الله وتُضاعف، قلَّت أم كثُرت، فالله المُطَّلِع على السرائر، البصير بالظواهر والبواطن، يثيب كلا بحسب إخلاصه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]،\nقال السعدي: \" أي: قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي: ينفقونها طلبًا لمرضاته وتصديقًا بلقائه تحقيقًا للثواب عليه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾، يحتمل وجهين (٤):\nأحدهما: في نُصرة أهل دينه من المجاهدين.\nوالثاني: في معونة أهل طاعته من المسلمين.\nقوله تعالى:: ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]،\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٤٢٠، كتاب التفسير، باب ٥: قوله تعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم) الآية، حديث رقم ٤٩٠٥، وأخرجه مسلم ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة، باب ١٦: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، حديث رقم ٦٥٨٣ [٦٣] ٢٥٨٤.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٤) أنظر: النكت العيون: ١/ ٣٣٩.","vol":"5","page":338},{"text":"قال الطبري: \" وتثبيتًا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقًا، من قول القائل: \" ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمر \" - إذ صححت عزمَه، وحققته، وقويت فيه رأيه - \" أثبته تثبيتًا \"، كما قال ابن رواحة (١):\nفَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ ... مُوسَى، وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا\nقال السعدي: \" أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم\" (٢).\nوقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أربعة تأويلات (٣):\nأحدها: تثبيتًا من أنفسهم بقوة اليقين، والنصرة في الدين، وهو معنى قول الشعبي (٤)، وقتادة (٥)، وأبو صالح (٦)، وابن زيد (٧)، والسدي (٨).\nوالثاني: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قاله مجاهد (٩)، والحسن (١٠).\nقال الطبري: \" تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأولوا قوله: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾، بمعنى: \" وتثبُّتًا \"، فزعموا أنّ ذلك إنما قيل كذلك، لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويل كذلك، لكان: \" وتثبتًا من أنفسهم \" ; لأن المصدر من الكلام إن كان على \" تفعَّلت \" \" التفعُّل \"، فيقال: \" تكرمت تكرمًا \"، و\" تكلمت تكلمًا \"، وكما قال جل ثناؤه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، من قول القائل: \" تخوّف فلان هذا الأمر تخوفًا \". فكذلك قوله: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾، لو كان من \" تثبَّت القومُ في وضع صدقاتهم مواضعها \"، لكان الكلام: \" وتثبُّتًا من أنفسهم \"، لا \" وتثبيتًا \". ولكن معنى ذلك ما قلنا: من أنه: وتثبيتٌ من أنفس القوم إياهم، بصحة العزم واليقين بوعد الله تعالى ذكره\" (١١).\nوالثالث: يعني احتسابًا لأنفسهم عند الله، قاله ابن عباس، وقتادة (١٢).\nقال الطبري: \" وهذا القول أيضًا بعيد المعنى من معنى \" التثبيت \"، لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى \" الاحتساب \"، إلا أن يكون أراد مفسِّرُه كذلك: أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها. فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام، فليس الاحتساب بمعنًى حينئذ للتثبيت، فيترجَم عنه به\" (١٣).\nوالرابع: توطينًا لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله، قاله بعض المتكلمين.\nقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾، \"أي: كمثل بستان كثير الشجر بمكانٍ مرتفع من الأرض\" (١٤).\n_________\n(١) سيرة ابن هشام ٤: ١٦، وابن سعد ٣/ ٢ /٨١، والمختلف والمؤتلف للآمدي: ١٢٦ والاستيعاب ١: ٣٠٥، وطبقات فحول الشعراء: ١٨٨، من أبيات يثني فيها على رسول رب العالمين. وروى الآمدي وابن هشام السطر الثاني \" في المرسلين ونصرًا كالذي نصروا \". ولما سمع رسول الله عليه وسلم هذا البيت، أقبل عليه بوجهه مبتسمًا وقال: \" وإياك فثبت الله \".\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٤.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠، وتفسير الطبري: ٥/ ٥٣١ وما بعدها.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٣): ص ٥/ ٥٣١، و(٦٠٦٤): ص ٥/ ٥٣٢.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٥): ص ٥/ ٥٣٢.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٦): ص ٥/ ٥٣٢.\n(٧) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩.\n(٨) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٧) و(٦٠٦٨) و(٦٠٦٩): ص ٥/ ٥٣٢.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٠): ص ٥/ ٥٣٣، و(٦٠٧١): ص ٥/ ٥٣٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٣.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٣): ص ٥/ ٥٣٤.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٤.\n(١٤) محاسن التأويل: ١/ ١٥٣.","vol":"5","page":339},{"text":"قال الآلوسي: \" أي: بستان بنشز من الأرض، والمراد تشبيه نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة، واعتبر كونها في ربوة لأن أشجار الربى تكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا للطافة هوائها وعدم كثافته بركوده\" (١).\nقال السعدي: \" أي: كثيرة الأشجار غزيرة الظلال، من الاجتنان وهو الستر، لستر أشجارها ما فيها، وهذه الجنة بمحل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس\" (٢).\nقال القرطبي: \" الجنة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم\" (٣).\nوقال المبرد والفراء: \"إذا كان في البستان نخل، فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس\" (٤).\nو(الربوة): \"المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا، معه في الأغلب كثافة تراب، وما كان كذلك فنباته أحسن، ولذلك خص الربوة بالذكر\" (٥).\nقال الطبري: \"وإنما وصفها بذلك جل ثناؤه، لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ، وجنان ما غلُظ من الأرض أحسنُ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، مما رقَّ منها، ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة (٦):\nمَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ\nفوصفها بأنها من رياض الحزن (٧)، لأن الحزون: غرسها ونباتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها\" (٨).\nوقال السدي: \" ﴿بربوة﴾: أي برباوة، وهو ما انخفض من الأرض\" (٩). قال ابن عطية: \"وهذه عبارة قِلقة، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٦.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٥.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٥.\n(٦) ديوانه: ٤٣، البيت من قصيدته المشهورة، يصف شذا صاحبته حين تقوم:\nإِذَا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أَصْوِرَةً ... وَالزَّنْبَقُ الوَرْدُ مِن أَرْدَانِهَا شَمِلُ\nمَا رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ\nيُضَاحِكُ الشَّمسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ بعَميم النَّبْتِ مُكْتَهِلُ\nيَوْمًا بِأَطْيَبَ منها نَشْرَ رَائِحَةٍ ... وَلا بِأَحْسَنَ مِنْهَا إِذْ دَنَا الأُْصُلُ\nضاع المسك يضوع، وتضوع: تحرك وسطع رائحته. وأصورة جمع صوار: وهو وعاء المسك، أو القطعة منه. والورد: الأحمر، وهو أجود الزنبق. وشمل: شامل، عدل به من \" فاعل \" إلى \" فعل \". والحزن: موضع في أرضى بني أسد وبني يربوع، وهو أرض غليظة كثيرة الرياض ممرعة، وهو مربع من أجل مرابع العرب. مسبل: مرسل ماء على الأرض. هطل: متفرق غزيز دائم والكوكب: النور والزهر، يلمع كأنه كوكب. شرق: ريان، فهو أشد لبريقه وصفائه. مؤزر: قد صار عليه النبات كالإزار يلبسه اللابس، تغطى الخضرة أعواده. ونبت عميم: ثم وطال والتف. واكتهل النور: بلغ منتهى نمائه، وذلك أحسن له. يقول: ما هذه الروضة التي وصف زهرها ونباتها ما وصف ... بأطيب من صاحبته إذا قامت في أول يومها، حين تتغير الأفواه والأبدان من وخم النوم.\nوالأصل جمع أصيل: وهو وقت العشي، حين تفتر الأبدان من طول تعب يومها، فيفسد رائحتها الجهد والعرق. [انظر: حاشية تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٥].\n(٧) اعترض عليه ابن عطية قائلا: \" ورياض الحزن ليس من هذا كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال له الحزن، وقل ما يصلح هواء تهامة إلا بالليل، ولذلك قالت الأعرابية:\nزوجي كليل تهامة\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٩].\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(٩) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٩، ولفظه في رواية الطبري (٦٠٧٨): ص ٥/ ٥٣٧: \" برابية من الأرض\".\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٩.","vol":"5","page":340},{"text":"قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، في معنى (الربوة) ثلاثة أقاويل (١):\nأحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض. قاله مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والضحاك (٤)، والربيع (٥)، وابن عباس (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وروي عن وعطاء ومقاتل نحو ذلك (٨).\nوالثاني: وقيل هي المُسْتَوِية. قاله الحسن (٩).\nوالثالث: كل ما ارتفع عن مسيل الماء، قاله اليزيدي (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فيه ثلاثة قراءات (١١):\nالأولى: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ بفتح (الراء)، وفي سورة المؤمنين (١٢) مثله، \" وبها قرأ بعض أهل الشام، وبعض أهل الكوفة، ويقال إنها لغة لتميم\" (١٣).\nالثانية: وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿بِرُبْوَةٍ﴾ بضم الراء وفي سورة المؤمنين مثله، \" وبها قرأت عامة قرأة أهل المدينة والحجاز والعراق\" (١٤).\nقال أبو عليّ: قال أبو عبيدة: \"الرّبوة: الارتفاع عن المسيل، وقال أبو الحسن: ربوة. وقال بعضهم: بربوة، وربوة، ورباوة، ورباوة، كلّ من لغات العرب، وهو كلّه في الرابية، وفعله: ربا يربو\" (١٥).\nقال أبو الحسن: \"والذي نختار: ﴿رُبوة﴾، بضم الراء وحذف الألف\" (١٦).\nقال أبو عليّ: يقوّي هذا الاختيار أنّ جمعه ربى، ولا يكاد يسمع غيره، وإذا كان فعله: ربا يربو إذا ارتفع؛ فالرابية؛ والرّبوة، إنّما هو لارتفاع أجزائها عن صفحةالمكان التي هي بها، ومنه الرّبا \" (١٧).\nالثالثة: وقرأ فيما ذكر ابن عباس (رِبوه)، بكسر الراء (١٨).\nوقال الطبري: \" وغير جائز عندي أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين: إما بفتح (الراء)، وإما بضمها، لأن قراءة الناس في أمصارهم بإحداهما. وأنا لقراءتها بضمها أشدّ إيثارًا مني بفتحها، لأنها أشهر اللغتين في العرب. فأما الكسر، فإنّ في رفض القراءة به، دِلالةٌ واضحة على أن القراءة به غير جائزة\" (١٩).\nقوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، \" أي أصابها مطر غزير\" (٢٠).\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٤): ص ٥/ ٥٣٦، و(٦٠٧٥): ص ٥/ ٥٣٧.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٦): ص ٥/ ٥٣٧.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٧): ص ٥/ ٥٣٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٨): ص ٥/ ٥٣٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٨٠): ص ٥/ ٥٣٧.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٦٠): ص ٢/ ٥٢٠.\n(٨) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٢٠.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٨١): ص ٥/ ٥٣٧.\n(١٠) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(١١) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦. والسبعة: ١٩٠.\n(١٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠].\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٦.\n(١٥) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٥.\n(١٦) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٥.\n(١٧) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٦، قال السيوطي: \" أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه كان يقرؤها ﴿بربوة﴾ بكسر الراء\". [الدر المنثور: ٢/ ٤٦].\n(١٩) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٦.\n(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.","vol":"5","page":341},{"text":"قال مقاتل: \" أصاب الجنة المطر\" (١).\nوفي معنى (الوابل) وجوه:\nإحداها: المطر الشديد (٢).\nوالثاني: المطر الغزير، قال عطاء: الوابل: \"الجود من المطر\" (٣) (٤).\nومنه قول عدي بن زيد (٥):\nقليل لها مني وإن سخطت بأن ... أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا\nقوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: \"فأخرجت ثمارها جنيَّة مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من الأرض\" (٦).\nقال الزمخشري: \" مثْلَي ما كانت تثمر بسبب الوابل\" (٧).\nقال الطبري: \" فإنه يعني الجنة: أنها أضعف ثمرها ضعفين حين أصابها الوابل من المطر\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك، وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها\" (٩).\nقال البغوي: \"أي أضعفت في الحمل\" (١٠).\nقال عطاء: \"حملت في السنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين\" (١١).\nوقال عكرمة: \"حملت في السنة مرتين\" (١٢). كما قيل في قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] (١٣).\nو(الأُكُل)، هو الشيء المأكول، لأن من شأنه أن يؤكل، وأما (الأَكْل) بفتح (الألف) وتسكين (الكاف)، فهو: فِعْل الآكل، يقال منه: أكلت أكلا وأكلتُ أكلة واحدة، ومنه قول الشاعر (١٤):\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٦١): ٢/ ٥٢٠.\n(٢) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٦٢|): ص ٢/ ٥٢١.\n(٤) انظر مادة (جود) في الصحاح في اللغة: ٢/ ٤٦١ لقاموس المحيط: ١٤٨٩، المعجم الوسيط: ٢/ ٧٨٤، ومعجم مقاييس اللغة: ٢١٣. وقيل الجوْد من المطر: هو المطر التام العام، وقال الأنباري: هو المطر الذي يرضى أهله وقد جاد المطر ويجود جودا فهو جود، ومنه قول لبيد:\nرُزِقَتْ مرابيعَ النجومِ وَصَابَهَا ... وَدْقٌ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُها\n\nالودق: المطر، الرواعد: ذوات الرعد من السحاب واحدتها راعدة، والرهام والرهم: جمعا رهمة: وهي المطرة التي فيها لين. [انظر: شرح المعلقات السبع الطوال: ١٦٢].\n(٥) البيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(٦) محاسن التأويل: ١/ ١٥٣.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٨.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١١٤.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨، وتفسير الالوسي: ٢/ ٣٦.\n(١١) نقلا عن: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(١٢) نقلا عن: تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(١٣) انظر: تفسير الالوسي: ٢/ ٣٦.\n(١٤) البيت لأبي مضرس النهدي، أنظر: حماسة الشجري: ٢٤، من أبيات جياد، وقبله، بروايته، وهي\nالتي أثبتها: وإنِّي لَمِنْ قَوْمٍ إذا حَارَبُوا العِدَى ... سَمَوا فَوْقَ جُرْدٍ للطِّعَانِ كِرَامِ\nوإنِّي إذَا مَا القُوتُ قَلَّ لَمُؤْثِرٌ ... رَفِيقِي عَلى نفْسِي بِجُلِّ طَعَامِي\nفمَا أكْلَةٌ إنْ نِلْتُهَا بِغَنِيمَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوقوله: \" بغرام \"، أي بعذاب شديد. والغرام: اللازم من العذاب والشر الدائم.","vol":"5","page":342},{"text":"وَمَا أَكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ... وَلا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُهَا بِغَرَام\nقال ابن عطية: \" وإضافة (الأُكْل) \" إلى الجنة، إضافة اختصاص، كسرج الدابة وباب الدار، وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة\" (١).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، بناء على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان:\nالقول الأول: قالوا: \" ﴿ضِعْفَيْنِ﴾، معناه: اثنين مما يظن بها ويحرز من مثلها\" (٢)، لأن ضعف الشيء مثله زائدًا عليه، وضعفاه: مثلاه زائدًا عليه (٣).\nوالثاني: وقيل \"ضعف الشيء مثلاه\" (٤).\nقال الماوردي: \" والأول قول الجمهور\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أُكُلَهَا﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فيه قراءتان (٦):\nالأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿أُكْلها﴾ بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل: (أكله) أو كان غير مضاف إلى مكنى مثل (أكل خمط) فثقل أبو عمرو ذلك، وخففاه.\nوالثانية: وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل.\nقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: فإن لم ينزل عليها المطر الغزير: \" فمطر صغير القطر، يكفيها لكرم منبتها\" (٧).\nقال البغوي: \" أي فطش، وهو المطر الضعيف الخفيف ويكون دائما\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي فإِن لم ينزل عليها المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف أو يكفيها الندى لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها فهي تنتج على كل حال\" (٩).\nقال ابن عطية: \" ثم أكد تعالى مدح هذه الربوة بأنها إن لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل، وذلك لكرم الأرض\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" فإن لم يكن الوابلُ أصابها، أصابها طل، وذلك في الكلام نحو قول القائل: \" حَبَست فرسين، فإن لم أحبس اثنين فواحدًا بقيمته \"، بمعنى: إلا أكن، لا بدَّ من إضمار (كان)، لأنه خبر، ومنه قول الشاعر (١١):\nإِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ... وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بها بُدَّا\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(٦) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٩.\n(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٣.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(١١) البيت من شواهد الطبري: ٥/ ٥٤١، وانظر: حاشية الأمير على مغنى اللبيب ١/ ٢٥ قال: \" في حاشية السيوطي \" قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي، يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية \"، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى: ٣٣، وومعانى الفراء: ٦١، ١٧٨ وقبل البيت يقول لامرأته:\nرمتنى عن قوس العدو، وباعدت ... عبيدة، زاد الله ما بيننا بعدا.","vol":"5","page":343},{"text":"وقال الآلوسي: \" والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها والطل- الرذاذ من المطر وهو اللين منه\" (١).\nواختلف أهل العلم في التقدير في قوله تعالى: ﴿فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وفيه وجهان (٢):\nالأول: قال المبرد: \"تقديره فَطَلٌّ يكفيها\" (٣).\nوالثاني: وقال آخرون: التقدير فالذي أصابهم طل.\nقال ابن عطية: \"فشبه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا\" (٤).\nقال الماوردي: \"، فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع، وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع، ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره، كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر\" (٥).\nوقال البغوي: \" وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص فيقول: كما أن هذه الجنة تريع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر، كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته أو كثرت، وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد\" (٦).\nوفي تفسير (الطلّ) ثلاثة أقوال (٧):\nإحداها: أنه: المستدق من القطر الخفيف، قاله قتادة (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، وابن عباس (١٢)، وهو مشهور اللغة (١٣).\nوالثاني: وقيل: أنه الرذاذ من المطر (١٤). قاله مقاتل (١٥).\n_________\n(١) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٦.\n(٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٣) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري: (٦٠٨٤): ص ٥/ ٥٣٩. ولفظه: \" ﴿فطل﴾ أي: طشّ\". وهو المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ، انظر: اللسان (طش).\nوفي الحديث: \"أصابنا من الليل طش من المطر\". [مسند أحمد (٩٥١): ص ١/ ١١٧. من حديث علي بن ابي طالب-كرّم الله وجهه-. قال الهيتمي في المجمع: ٦/ ٧٦: رواه البزاز ورجاله ثقات، انظر: الأستار: ١٧٦٢، والحاكم: ٣/ ١٨٧ - ١٨٨، وسنده حسن.\nومنه حديث الشعبي وسعيد في قوله تعالى: ﴿وينزل من السماء ماء﴾، قال: طش يوم بدر\". [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٢٤].\nومنه حديث الحسن: \" أنه كان يمشي في طش ومطر \". [النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٢٤].\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: (٦٠٨٦): ص ٥/ ٥٣٩.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري: (٦٠٨٥): ص ٥/ ٥٣٩.\n(١١) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٦٨): ص ٢/ ٥٢١.\n(١٢) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(١٣) أنظر: . انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٣/ ٢٩٤، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٥٢، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ٤٠٦، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٤٨، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٧، جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٣٩، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٨١ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٩ ب. وفسره قوم بالندى، قال أبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٣٠٢ (وهذا تجوُّز)، وانظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٦٤٢، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣١٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣١٧، وفتح القدير: ١/ ٢٨٦.\n(١٤) الرذاذ: أي المطر الخفيف، يقال: أرذ المطر إرذاذا. ومنه قول علقمة الفحل [المفضليات: ٣٩١]:\nحتَّى تذكَّرَ بيْضاتٍ وهيَّجَه ... يومُ رذاذٍ عليه الرِّيحُ مغْيومُ\nومنه قول البحتري [ديوانه: ١/ ٤٠]:\nبَكَتِ السّماءُ بِها رَذَاذَ دُموعِها ... فَغَدَتْ تَبَسَّمُ عن نُجُومِ سَمَاءِ\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٦٧): ص ٢/ ٥٢١.","vol":"5","page":344},{"text":"والثالث: وقال قوم (الطل) الندى. قاله ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل (٥). قال ابن عطية: وهذا تجوز وتشبيه\" (٦).\nأخرج الطبري \" عن السدي قوله: ﴿فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصيبها وابل فطل﴾، يقول: كما أضعفتُ ثمرة تلك الجنة، فكذلك تُضاعف ثمرة هذا المنفق ضِعفين\" (٧).\nوقال الضحاك: \" هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله\" (٨).\nوقال الربيع: \" هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن\" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده \" عن قتادة، قوله: والله بما تعملون بصير هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف، كما ليس لخير هذه الجنة خلف، على أي حال كان، إما وابل، وإما طل\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، \"أي: لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد\" (١١).\nوقال ابن عطية: \" وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وعد ووعيد\" (١٢).\nقال الآلوسي: \" فيجازي كلّا من المخلص والمرائي بما هو أعلم به، ففي الجملة ترغيب للأوّل، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغنى رؤيته من لا تغنى رؤيته شيئا وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه\" (١٣).\nقال الطبري: \" وإنما يعني بهذا القول جل ذكره، التحذيرَ من عقابه في النفقات التي ينفقها عباده وغير ذلك من الأعمال أن يأتي أحدٌ من خلقه ما قد تقدّم فيه بالنهي عنه، أو يفرّطَ فيما قد أمر به، لأن ذلك بمرأى من الله ومَسمَع، يعلمه ويحصيه عليهم، وهو لخلقه بالمرصاد\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: و﴿البصير﴾، هنا كونه من \"العلم أحسن ليشمل ما نعمله من الأقوال؛ فإن الأقوال تسمع، ولا تُرى؛ وليشمل ما في قلوبنا؛ فإن ما في قلوبنا لا يُسمع، ولا يُرى؛ وإنما يعلم عند الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦] \" (١٥).\nوقوله تعالى: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فيه قراءتان (١٦):\nالأولى: قراءة الجماعة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: (٦٠٨٢): ص ٥/ ٥٣٩.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٦٥): ص ٢/ ٥٢١.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: (٦٠٨٣): ص ٥/ ٥٣٩، ونقله البغوي في تفسيره: ١/ ٣٢٨.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٢١.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٢١.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٧) تفسير الطبري (٦٠٨٨): ص ٥/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٨٩): ص ٥/ ٥٤٠.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٩٠): ص ٥/ ٥٤٠.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٦٩): ٢/ ٥٢٢، وتفسير الطبري (٦٠٨٨): ص ٥/ ٥٤٠.\n(١١) محاسن التأويل: ١/ ١٥٣.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠، وانظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٤١، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣١٧، والمحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣١٩، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٢٦.\n(١٣) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٤١.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٢٧.\n(١٦) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.","vol":"5","page":345},{"text":"والثانية: وقرأ الزهري ﴿يعملون﴾ بالياء. قال ابن عطية: \" كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض\" (١).\n\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه لا إنفاق نافع إلا ما كان مملوكًا للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿أموالهم﴾؛ فلو أنفق مال غيره لم يقبل منه إلا أن يكون بإذن من الشارع، أو المالك.\nفإن قال قائل: عندي مال محرم لكسبه، وأريد أن أتصدق به فهل ينفعني ذلك؟\nفالجواب: إن أنفقه للتقرب إلى الله به: لم ينفعه، ولم يسلم من وزر الكسب الخبيث؛ والدليل قوله -ﷺ-: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٢)؛ وإن أراد بالصدقة به التخلص منه، والبراءة من إثمه: نفعه بالسلامة من إثمه، وصار له أجر التوبة منه - لا أجر الصدقة.\nولو قال قائل: عندي مال اكتسبته من ربا فهل يصح أن أبني به مسجدًا، وتصح الصلاة فيه؟\nفالجواب: بالنسبة لصحة الصلاة في هذا المسجد هي صحيحة بكل حال؛ وبالنسبة لثواب بناء المسجد: إن قصد التقرب إلى الله بذلك لم يقبل منه، ولم يسلم من إثمه؛ وإن قصد التخلص سلم من الإثم، وأثيب - لا ثواب باني المسجد - ولكن ثواب التائب.\n٢ - ومن فوائد الآية: بيان ما للنية من تأثير في قبول الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾.\n٣ - ومنها: اشتراط الإخلاص لقبول الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾.\n٤ - ومنها: أن الإنفاق لا يفيد إلا إذا كان على وفق الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾؛ وجه ذلك أن من ابتغى شيئًا فإنه لا بد أن يسلك الطريق الموصل إليه؛ ولا طريق يوصل إلى مرضات الله إلا ما كان على وفق شريعته في الكم، والنوع، والصفة؛ كما قال تعالى في الكم: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ وقال تعالى في النوع: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٤]، وقال النبي ﷺ: «لا يقبل الله إلا الطيب» (٣)؛ وفي الصفة قال الله تعالى: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ...﴾ إلخ [البقرة: ٢٦٤].\n٥ - ومن فوائد الآية: إثبات رضا الله؛ لقوله تعالى: ﴿مرضات الله﴾؛ وهو من الصفات الفعلية.\n٦ - ومنها: بيان أن تثبيت الإنسان لعمله، واطمئنانه به من أسباب قبوله؛ لقوله تعالى: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾؛ لأن الإنسان الذي لا يعمل إلا كارهًا فيه خصلة من خصال المنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ [التوبة: ٥٤].\n٧ - ومنها: فضل الإنفاق على وجه التثبيت من النفس؛ لأنه يندفع بدافع نفسي؛ لا بتوصية من غيره، أو نصيحة.\n٨ - ومنها: إثبات القياس؛ لقوله تعالى: ﴿مثل ... كمثل ...﴾؛ وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق أن كل مثال في القرآن سواء كان تمثيليًا، أو إفراديًا، فهو دليل على ثبوت القياس.\n٩ - ومنها: أنه يحسن في التعليم أن يبين المعقول بالمحسوس؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل جنة بربوة﴾؛ وهذا من البلاغة؛ لأنه يقرب المعقول إلى أذهان الناس.\n١٠ - ومنها: اختيار المكان الأنفع لمن أراد أن ينشئ بستانًا؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل جنة بربوة﴾.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٢) صحيح مسلم (١٠١٥).\n(٣) صحيح مسلم (١٦٩٠).","vol":"5","page":346},{"text":"١١ - ومنها: بركة آثار المطر؛ لقوله تعالى: ﴿فآتت أكلها ضعفين﴾؛ ولهذا وصف الله المطر بأنه مبارك في قوله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماءً مباركًا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد﴾ [ق~: ٩] الآيتين.\n١٢ - ومنها: أنه إذا كان مكان البستان طيبًا فإنه يكفي فيه الماء القليل؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾.\n١٣ - ومنها: إثبات علم الله، وعمومه؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون بصير﴾.\n١٤ - ومنها: التحذير من مخالفة الله ﷿؛ لكونه عالمًا بما نعمل.\nالقرآن\n﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة: ٢٦٦]\nالتفسير:\nأيرغب الواحد منكم أن يكون له بستان فيه النخيل والأعناب، تجري من تحت أشجارِه المياه العذبة، وله فيه من كل ألوان الثمرات، وقد بلغ الكِبَر، ولا يستطيع أن يغرس مثل هذا الغرس، وله أولاد صغار في حاجة إلى هذا البستان وفي هذه الحالة هبَّت عليه ريح شديدة، فيها نار محرقة فأحرقته؛ وهكذا حال غير المخلصين في نفقاتهم، يأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم. وبمثل هذا البيان يبيِّن الله لكم ما ينفعكم؛ كي تتأملوا، فتخلصوا نفقاتكم لله.\nذكر أهل العلم في معنى هذا المثل أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنه مثل لمن أحسن العمل ثم انعكس سيرته. وهو قول عمر بن الخطاب (١)، وابن عباس (٢)، وقد روي عن قتادة (٣) والربيع (٤)، والضحاك (٥)، وعكرمة (٦)، نحو ذلك، واختاره جمع من أهل التفسير (٧).\nالقول الثاني: وقيل: أن الآية مثل آخر لنفقة الرياء. قاله السدي (٨) ورجحه الطبري (٩).\nالقول الثالث: وقيل: هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا، فيحصل في الآخرة على الحسرة العظمى (١٠). قاله مجاهد (١١).\nالقول الرابع: وقيل: أنه مثل لمن عمل عملا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها ثم عمل أعمالا تفسده (١٢). روي عن ابن زيد (١٣) نحو هذا المعنى، واختاره السعدي (١٤)، والبغوي (١٥)، والزمخشري (١٦) وآخرون.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤٥٣٨)، وانظر: تفسير الطبري (٦٠٩٦) ص: ٥/ ٥٤٤، و(٦٠٩٧): ص ٥/ ٥٤٦\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٧٨): ص ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤، وتفسير الطبري (٦٠٩٦) ص: ٥/ ٥٤٤، و(٦٠٩٧): ص ٥/ ٥٤٦، وأخرج الطبري فيما معناه (٦٠٩٤) و(٦٠٩٥) ص: ٥/ ٥٤٤ - ٥٤٥، و(٦٠٩٨): ص ٥/ ٤٤٦، (٦١٠١) ص: ٥/ ٥٤٨، وابن ابي حاتم (٢٧٧٢): ص ٢/ ٥٢٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٩٩): ٥/ ٥٤٧.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٠٢) ص: ٥/ ٥٤٩، وابن أبي حاتم (٢٧٧٠): ص ٢/ ٥٢٢.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٠٤): ص ٥/ ٥٥٠.\n(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٧٤): ص ٢/ ٥٢٣.\n(٧) منهم الآلوسي في: روح المعاني: ٢/ ٣٨.، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٦٩٦، وغيرهم.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠٩١): ٥/ ٥٤٣، وتفسير ابن ابي حاتم (٢٧٧٥): ص ٢/ ٥٢٣.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٤٤. وقال في موضع آخر: \" وهذا المثل الذي ضربه الله للمنفقين أموالهم رياء الناس في هذه الآية، نظير المثل الآخر الذي ضربه لهم بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ \". [تفسير الطبري: ٥/ ٥٤٣].\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٢.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٩٢) و(٦٠٩٣): ص ٥/ ٥٤٤، وابن ابي حاتم (٢٧٧١): ص ٢/ ٥٢٢.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٠٣): ص ٥/ ٥٤٩.\n(١٤) انظر: تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(١٥) انظر: تفسيره: ١/ ٣٢٩.\n(١٦) أنظر: تفسير الكشاف: ١/ ٣١٣.","vol":"5","page":347},{"text":"والقول الأول أحسن من أن يكون تمثيلا لمن يبطل صدقته بالمنّ والأذى والرياء، وفصل عنه لاتصاله بمنا ذكر بعده أيضا لأن ذلك لا عمل له، وأجيب بأن له عملا يجازى عليه بحسب ظاهر حاله وظنه وهو يكفي للتمثيل المذكور، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع أحسنية ذلك لا سيما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدث رضي الله تعالى عنه (١).\nقال ابن عطية: \" وهذا أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام، وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، أي: \" أيحب أحدكم\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما سيتبين من آخر الآية؛ و(يود) أي يحب؛ و(الود) خالص المحبة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \" يعني بستانًا\" (٥).\nوقرأ الحسن: \" ﴿له جنات﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \"أي: فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر\" (٨).\nوقال السعدي: \" وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتا وفاكهة وحلوى\" (٩).\nقال الراغب: \" النخيل: سمي بذلك لأنه منخول الأشجار وصفوها وذاك أنه أكرم ما ينبت، لكونه مشبها بالحيوانات في الاحتياج، الأنثى منها إلى الفحل في التلقيح وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر بعده\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \"أي: تمر الأنهار من تحت أشجارها\" (١١).\nقال السعدي: \" وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" وظاهر كلمة ﴿أنهار﴾ أن الماء عذب، وجمع ﴿الأنهار﴾ باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذًا يعتبر هذا البستان كاملًا من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضًا جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك - هذا هو المشهد الأول من الآية\" (١٣).\n_________\n(١) أنظر: روح المعاني: ٢/ ٣٨.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٤١.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٤١.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠، وتفسير الكشاف: ١/ ٣١٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٠.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٥٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣١.","vol":"5","page":348},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \"أي: ينبت له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج\" (١).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده\" عن عكرمة، قوله: ﴿فيها من كل الثمرات﴾، فما في الدنيا من شجرة إلا وهي في الجنة، حتى الحنظل\" (٢).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف قال (جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) ثم قال: (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)، قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما - وإن كانت محتوية على سائر الأشجار - تغليبًا لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ بعد قوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾ [البقرة: ٢٦٦]، أي: \" أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب\" (٤).\nقال السعدي: \"ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل وزاد حرصه\" (٥).\nقال الآلوسي: \" أي: أثر فيه علو السن والشيخوخة وهو أبلغ من كبر\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي: أصاب صاحب الجنة الكِبَر، فعجز عن تصريفها، والقيام عليها\" (٧).\nقال الراغب: \" ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾، تنبيه على معنى التأثير والنكاية فيه، كقول الشاعر (٨):\nرمتني بنات الدهر من حيث لا أرى\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، أي: \"وله أولاد صغار لا يقدرون على الكسب\" (١٠).\nقال البغوي: يعني\" أولاد صغار ضعاف عجزة\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" يعني صغارًا، أو عاجزين؛ فالأب كبير؛ والذرية ضعفاء - إما لصغرهم، أو عجزهم\" (١٢).\nقال الطبري: \" صغارٌ أطفال\" (١٣).\nقال الآلوسي: \" وترك التعبير بصغار مع مقابلة الكبر، لأنه أنسب كما لا يخفى\" (١٤).\nقال أبو حيان: \" ويحتمل أن يراد بضعفاء: محاويج\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٧٦): ص ٢/ ٥٢٣.\n(٣) تفسير الكشاف: ٢/ ٣١٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٥) تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(٦) روح المعاني: ٢/ ٣٧.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣١.\n(٨) الشاعر هو عمرو بن قميئة، انظر: ديوانه: ٤٦، وغريب أبي عبيد: ٢/ ١٤٦، وتفسير الراغب: ١/ ٥٠٢.\nوعجز البيت: فكيف بمن يرمي وليس برامي\nوبنات الدهر: أحداثه، خطوبه ومصائبه. ليس برام: ليس من شأنه أن يرمي، عاجز عن الرماية.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٩.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٤٣.\n(١٤) روح المعاني: ٢/ ٣٧.\n(١٥) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٧.","vol":"5","page":349},{"text":"وعن ابن عباس: \" ﴿وله ذرية ضعفاء﴾، قال: مثل ضرب\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \"أي أصاب تلك الحديقة ريح عاصفة شديدة معها نار فأحرقت الثمار والأشجار\" (٢).\nقال أبو حيان: \" وفي العطف بالفاء في قوله: فأصابها إعصار، دليل على أنها حين أزهت وحسنت للانتفاع بها أعقبها الإعصار .. وقد فسر أنها هلكت بالصاعقة\" (٣).\nو(الإعصار): ريح عاصف شديدة، تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، تجمع (أعاصير) (٤)، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري (٥):\nأُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوارُهُمْ ... أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ العِرَاقِ المُبَذَّرِ\nوفي سبب تسميتها بالإعصار قولان:\nالأول: قال المهدوي: \" قيل لها إِعْصارٌ، لأنها تلتف كالثوب إذا عصر\" (٦).\nقال ابن عطية: \"وهذا ضعيف\" (٧).\nقال القرطبي: \"بل هو صحيح، لأنه المشاهد المحسوس، فإنه يصعد عمودا ملتفا\" (٨).\nوالثاني: وقيل: \"إنما قيل للريح إعصار، لأنه يعصر السحاب، والسحاب معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء. وإما لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سيده: إن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٧٧): ص ٢/ ٥٢٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٨.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٢/ ١٥، الصحاح للجوهري: ٢/ ٧٥٠، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٤/ ٣٤٣، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٤٩، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٧، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٩٤، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٨٣ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٠ أ، جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٥١، وتفسير الكشاف: ١/ ٣١٣.\n(٥) أنظر: تاريخ الطبري ٦/ ١٧٨، والأغاني ١٧/ ١٧٨.\nالبيت ضمن أبيات ثلاثة قالها ابن مفرغ في خبره مع بن زياد، حين هجاه، وهجا معاوية بن أبي سفيان (وانظر ما سلف ٤: ٢٩٣ وتعليق: ٢) وفارق عبادًا مقبلًا إلى البصرة، فطاف بأشرافها من قريش يسجير بهم، فما كان منهم إلا الوعد، ثم أتي المنذر بن الجارود (من عبد القيس) فأجاره وأدخله داره، ووشى الوشاة به إلى عبيد الله بن زيادة أنه دار المنذر. وكان المنذر في مجلس عبيد الله، فلم يشعر إلى بابن مفرغ قد أقيم على رأسه، فقام المنذر فقال: أيها الأمير، قد أجرته! فقال: يا منذر، واله يمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي، ثم تجيره على! فأمر به فسقى دواء وحمل على حمار يطاف به وهو يسلح في ثيابه من جراء الدواء، فقال عندئذ لعبيد الله بن زياد:\nيَغْسِلُ المَاءُ مَا صَنَعْتَ وَقَولِي ... راسِخٌ مِنْكَ فِي العِظَامِ البَوالِى\nثم هجا المنذر بن الجارود فقال:\nتَرَكْتُ قُرَيْشًا أَنْ أُجَاوِرَ فِيهمُ ... وَجَاورْتُ عبدَ القَيْس أَهْلَ المُشَقَّرِ\nناسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارُهُمْ ... أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ العِرَاقِ المبَذَّرِ\nفَأَصْبَحَ جَارِي مِنْ جَذِيمةَ نَائمًا ... ولا يمنَعُ الجِيرَانَ غَيْرُ المُشَمِّرِ\nوقوله: \" من فسو العراق \"، وذلك أن عبد القيس ونبي حنيفة وغيرهم من أهل البحرين وما جاورها، كانوا يعيرون بالفسو، لأن بلادهم بلاد نخل فيأكلونه، ويحدث في أجوافهم الرياح والقراقير. والمبذر: من التبذير، وهو الإسراف في المال وتشتيه وتفريقه. وهذه صفة قد انتزعها ابن مفرغ أحسن انتزاع في هذا الموضع، فجعلت سخرتته بالمنذر بن الجارود، ألذع ما تكون، مع روعة قوله: \" أعاصير \"! !\nقد جاء الأخطل بعد ذلك فهجا ابنه أيضًا مالك بن المنذر بن الجارود، فقال له: وَعَبْدُ القَيْسِ مُصْفَرٌ لِحَاهَا ... كَأَنَّ فُسَاءَهَا قِطَعُ الضَّبَابِ! !\nفبلغ منه ما بلغ! !، وانظر طبقات فحول الشعراء: ٢٩٨، ٢٩٩، والتعليق هناك.\n[وقبل أن يسرد شرح قصة البيت، قال المحقق: \"ولكنى رأيت شارحًا شرحه على ذلك، فأشهد الله كاد يقتلني من فرط الضحك! \". انظر: حاشية الطبري: ٥/ ٥٥١].\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤١.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٩.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٩.","vol":"5","page":350},{"text":"وذكر أهل العلم في تفسير ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، قولين (١):\nأحدهما: أنها: ريح فيها سموم شديدةٌ، قاله ابن عباس (٢)، وقتادة (٣) والسدي (٤)، والربيع (٥) ظن ومجاهد (٦).\nوالثاني: هي ريح فيها برد شديد. قاله الحسن (٧) والضحاك (٨).\nقال ابن حجر: \" والأول أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ نَار﴾ (٩).\nوقوله تعالى: ﴿فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، فيه قولان:\nالأول: \"فذهبت أحوج ما كان إليها\". قاله الحسن (١٠).\nالثاني: \" فاحترق بستانه\". قاله ابن عباس (١١).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \"أي: مِثل ذلك البيان\" (١٢)، يبيّن الله لكم آياته.\nقال أبو حيان: \" أي: مثل هذا البيان تصرف الأمثال المقربة الأشياء للذهن، يبين لكم العلامات التي يوصل بها إلى اتباع الحق\" (١٣).\nأخرج ابن أبي حاتم\" عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾، يعني: ما ذكر\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿الآيات﴾ يشمل الآيات الكونية، والشرعية - يبينها الله، ويوضحها\" (١٥).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يحتمل وجهين (١٦):\nأحدهما: يوضح لكم الدلائل.\nوالثاني: يضرب لكم الأمثال.\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، \" أي: كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما تضمنته من العبر وتعلموا بموجبها\" (١٧).\nقال الطبري: \" لتتفكروا بعقولكم، فتتدبّروا وتعتبروا بحجج الله فيها وتعملوا بما فيها من أحكامها، فتطيعوا الله به\" (١٨).\nقال القرطبي: \" كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء\" (١٩).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٥٢ وما بعدها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦١٠٥) و(٦١٠٦) و(٦١٠٧) و(٦١٠٨) و(٦١٠٩) و(٦١١٠) و(٦١١١): ص ٥/ ٥٥٢ - ٥٥٣، وابن ابي حاتم (٢٧٧٩) و(٢٧٨١): ص ٢/ ٥٢٤.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١١٢) و(٦١١٣): ص ٥/ ٥٥٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١١٤): ص ٥/ ٥٥٣ - ٥٥٤، وانظر: ابن ابي حاتم (٢٧٧٩) و(٢٧٨١): ص ٢/ ٥٢٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٦١١٥): ص ٥/ ٥٥٤.، وانظر: تفسير: ابن ابي حاتم (٢٧٧٩) وو (٢٧٨١): ص ٢/ ٥٢٤.\n(٦) انظر: تفسير: ابن ابي حاتم: ص ٢/ ٥٢٤\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦١١٦): ص ٥/ ٥٥٤. وابن ابي حاتم (٢٧٨٠): ص ٢/ ٥٢٤.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦١١٧): ص ٥/ ٥٥٤.\n(٩) الفتح: ٦/ ٣٤٧، ورجحه أيضًا: العيني في عمدة القاري: ١٥/ ١٢٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتمم (٢٧٨٢): ص ٢/ ٥٢٤.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتمم (٢٧٨٣): ص ٢/ ٥٢٥.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣٢.\n(١٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٨.\n(١٤) تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٨٤): ص ٢/ ٥٢٥.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣٢.\n(١٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤١.\n(١٧) روح المعاني: ٢/ ٣٨.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٥٤.\n(١٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٢٠.","vol":"5","page":351},{"text":"قال أبو حيان\" أي: تعلمون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا، وفيما هو باق لكم في الآخرة، فتزهدون في الدنيا، وترغبون في الآخرة\" (١).\nقال الصابوني: \" لكي تتفكروا وتتدبروا بما فيها من العبر والعظات\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" و«التفكر» إعمال الفكر فيما يراد\" (٣).\nقال ابن عطية: \" و﴿لَعَلَّكُمْ﴾، ترجّ في حق البشر، أي إذا تأمل من يبين له هذا البيان رجي له التفكر وكان أهلا له\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يحتمل ثلاثة أوجه:\nإحداها: تعتبرون، لأن المفكر معتبر (٥).\nوالثاني: تهتدون، لأن الهداية التَّفَكُّر (٦).\nالثالث: تطيعون، قاله مجاهد\" (٧).\nوروي عن ابن عباس: \" ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾، يعني: في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها\" (٨).\nوروي عن قتادة: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾: هذا مثل ضربه الله فاعقلوا عن الله أمثاله، يقول: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة؛ لأنه أقرب إلى الفهم؛ وجه ذلك أن الله ﷾ ضرب مثلًا للمانّ بالصدقة بصاحب هذه الجنة؛ ووجه الشبه سبقت الإشارة إليه.\n٢ - ومنها: جواز ضرب المثل بالقول؛ فهل يجوز ضرب المثل بالفعل - وهو ما يسمى بالتمثيل؟\nالجواب: نعم، يجوز لكن بشرط ألا يشتمل على شيء محرم؛ ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل:\nأولًا: أن يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل؛ لأن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (١٠).\nثانيًا: أن يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة، وأئمة المسلمين؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم؛ والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم - لا سيما إذا عُلم من حال الممثِّل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقًا وقد تقمص شخصية هذا الرجل التَّقي الذي له قدره، وفضله في الأمة، فإن هذا قد يحط من قدره بهذا الذي قام بدور في التمثيلية.\nثالثًا: أن يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب، أو الحمار؛ لأن الله لم يذكر التشبيه بالحيوانات إلا في مقام الذم، كقوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار﴾ [الجمعة: ٥]، وقوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو\n_________\n(١) البحر المحيط: ٢/ ٢٣٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣٢.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.\n(٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤١.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤١.\n(٧) أخرجه الطبري (٦١١٨): ص ٥/ ٥٥٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٦١١٩): ص ٥/ ٥٥٥.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٨٦): ص ٢/ ٥٢٥.\n(١٠) أخرجه البخاري ص ٥٠١، كتاب اللباس، باب ٦١: المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، حديث رقم ٥٨٨٦.","vol":"5","page":352},{"text":"شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ...﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] الآيتين؛ وكذلك السنة لم تأت بالتشبيه بالحيوان إلا في مقام الذم، كقول النبي ﷺ: «الذي يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة كمثل الحمار يحمل أسفارًا» (١)، وقوله: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» (٢).\nرابعًا: أن يتضمن تمثيل دَور الكافر، أو الفاسق؛ بمعنى أن يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دَور الكافر، أو دَور الفاسق؛ لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه: أن يتذكر يومًا من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه، ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية؛ لكن لو فعل هل يكون كافرًا؟\nالجواب: لا يكون كافرًا؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر إلى نفسه؛ بل صور نفسه صورة من ينسبه إلى نفسه، كمن قام بتمثيل رجل طلق زوجته؛ فإن زوجة الممثل لا تطلق؛ لأنه لم ينسب الطلاق إلى نفسه؛ بل إلى غيره.\nوقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفر، ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن، وكلام أهل العلم؛ أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦]: وهؤلاء القوم يدعون أنهم يخوضون، ويلعبون؛ يعني: على سبيل التسلية ليقطعوا بها عناء الطريق؛ ويقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر - ولو مازحًا - فإنه يكفر؛ قالوا: وهذا الرجل مازح ليس جادًّا؛ فالجواب أن نقول: إن النبي ﷺ قال: «ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (٣): فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق يمزح عليها فإنها تطلق؛ فهل تقولون: إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته فإنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا؛ وكلنا يقول: لا؛ والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلى نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره؛ ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق؛ ولا يكفر لو قام بدوره تمثيل الكافر؛ لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى؛ وهي أنه لعله يتأثر قلبه في المستقبل، حيث يتذكر أنه كان يومًا من الدهر يمثل دور الكافر؛ ثم إنه ربما يعَيَّر به فيقال مثلًا: أين أبو جهل؟ ! إذا قام بدوره.\nويمكن أن نأتي بدليل على جواز التمثيل؛ وذلك في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأقرع، والأعمى، والأبرص؛ فالملك أتى الأبرص، والأقرع، والأعمى، وسألهم ماذا يريدون؛ كل ذكر أمنيته؛ فأعطاه الله ﷾ أمنيته؛ ثم عاد إليهم المَلَك مرة أخرى؛ عاد إلى الأبرص بصورته، وهيئته - يعني أبرص فقيرًا - وقال له: «إني رجل فقير، وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» (٤)؛\n_________\n(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٠، حديث رقم ٢٠٣٣، قال الحافظ في البلوغ: [رواه أحمد بإسناد لا بأس؛ وهو يفسر حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا: \"إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت\"]، وقال الهيثمي: (رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير؛ وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الناس ووثقه النسائي في رواية) (مجمع الزوائد ٢/ ١٨٧)، وقال أحمد شاكر، في تخريج المسند ٣/ ٣٢٦: إسناده حسن.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٠٤، كتاب الهبة، باب ١٤: هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها، حديث رقم ٢٥٨٩، وأخرجه مسلم ص ٩٦٠، كتاب الهبات، باب ٢: تحريم الرجوع في الصدقة بعد القبض ...، حديث رقم ٤١٧٠ [٥] ١٦٢٢.\n(٣) أخرجه أبو داود ص ١٣٨٤، كتاب الطلاق، باب ٩: في الطلاق على الهزل، حديث رقم ٢١٩٤؛ وأخرجه الترمذي ص ١٧٦٩، كتاب الطلاق واللعان، باب ٩: ما جاء في الجد والهزل في الطلاق، حديث رقم ١١٨٤، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٩٩، كتاب الطلاق، باب ١٣: من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا، = =حديث رقم ٢٠٣٩، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٨، كتاب الطلاق، وقال: [حديث صحيح الإسناد وعبد الرحمن بن حبيب هذا هو ابن أردك من ثقات المدنيين]، وعقب الذهبي: [قلت: فيه لين]: وقال الحافظ: [مختلف فيه، قال النسائي: ٣/ ٢٣٦)، وقال الألباني: حسن (صحيح أبي داود ٢/ ٩).\n(٤) أخرجه البخاري ص ٢٨٢ - ٢٨٣، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٥١: حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل، حديث رقم ٣٤٦٤، وأخرجه مسلم ص ١١٩١ - ١١٩٢، كتاب الزهد والرقائق، باب ١: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث رقم ٧٤٣١ [١٠] ٢٩٦٤ ..","vol":"5","page":353},{"text":"فالملَك يمثل دور رجل فقير - وهو ليس بفقير - وأبرص - وليس بأبرص - وكذلك بالنسبة للأقرع، والأعمى؛ فبعض العلماء استدل بهذا الحديث على جواز التمثيل.\nفعليه نقول إذا كان التمثيل لا يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها، أو غيرها، فإنه لا بأس به، وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه، فيأتي إليك يقرع الباب؛ تقول: مَن؟ يقول: أنا زيد - وليس هو بزيد؛ فهذا كاذب؛ لكن يأتي إنسان يقول: أنا أمثل دور فلان، ويعرف الناس أنه ليس فلانًا؛ فليس بكذب؛ لكنه إذا نسب القول إلى شخص معيَّن فهذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين؛ أما إذا حكى قصة رجل بوصفه - لا بعينه - فليس بكذب.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷾ يبين لعباده الآيات الشرعية، والكونية؛ كلها مبينة في كتابه ﷾ أتم بيان.\n٤ - ومنها: الحث على التفكر، وأنه غاية مقصودة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾؛ فالإنسان مأمور بالتفكر في الآيات الكونية، والشرعية؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة؛ لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكر فيه؛ أما ما لا يمكن الوصول إليه بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت، وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله ﷿: هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة؛ ولهذا جاء في الأثر: «تفكروا في آيات الله ولا تفكروا في ذات الله» (١)؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه؛ وغاية لا تمكن الإحاطة بها، كما قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ فلا يجوز لأحد أن يتفكر في كيفية استواء الله ﷿ على العرش؛ بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف، أو التمثيل، أو التعطيل - ولا بد؛ وأما التفكر في معاني أسماء الله فمطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك - ﵀ - لما سئل: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]: كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]\nالتفسير:\nيا من آمنتم بي واتبعتم رسلي أنفقوا من الحلال الطيب الذي كسبتموه ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تقصدوا الرديء منه لتعطوه الفقراء، ولو أُعطِيتموه لم تأخذوه إلا إذا تغاضيتم عما فيه من رداءة ونقص. فكيف ترضون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟ واعلموا أن الله الذي رزقكم غني عن صدقاتكم، مستحق للثناء، محمود في كل حال.\nفي سبب نزول الآية: روي عن البراء أنه قال: \"نزلت فينا هذه الآية كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرة نخله وقلته فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام إذا جاع أحدهم أتى القنو فضربه فيسقط من البسر والتمر ما يأكله، وكان أناس ممن لا يرغب في الخير يجيء أحدهم بالقنو فيه\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ٦/ ٢٥٠ حديث رقم ٦٣١٩؛ وفي سنده الوازع بن نافع عن سالم عن ابن عمر، وقال: لم يروه عن سالم إلا الوازع بن نافع. أهـ. وقال العراقي في الوازع بن نافع: متروك [تخريج إحياء علوم الدين ٤/ ٤٢٤، حاشية (١)]، وقال: أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عباس في الحلية بالمرفوع منه بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه آخر أصح منه. أهـ. المرجع السابق.","vol":"5","page":354},{"text":"الحشف [و] بالقنو فيه الشيص [و] بالقنو وقد انكسر فيعلقه، قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يعني: يا أيها الذين\" صدقوا بالله ورسوله وآي كتابه\" (٢).\nقال الزهري: إذا قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فالنبي ﷺ، منهم\" (٣).\nسبق أن قلنًا بأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ والتنبيه على الشيء دليل على الاهتمام به، وأن تصديره بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد عدة فوائد (٤):\nأولًا: الإغراء؛ و«الإغراء» معناه الحث على قبول ما تخاطَب به؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: «إذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه» (٥)؛ ولهذا لو ناديتك بوصفك، وقلت: يا رجل، يا ذكي، يا كريم. معناه: يا من توصف بهذا اجعل آثار هذا الشيء باديًا عليك.\nثانيًا: أن امتثال ما جاء في هذا الخطاب من مقتضيات الإيمان؛ كأنه تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إن إيمانكم يدعوكم إلى كذا وكذا.\nثالثًا: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأنه لو حقق هذا الوصف لامتثل ما جاء في الخطاب.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في الجامع كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤\" \"٢٩٨٧\" وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح\"، وكذلك نقله القرطبي في: الجامع: ٣/ ٢١١، ونقل قوله ابن كثير: ١/ ٣٢٠، \"وليس فيه \"صحيح\"! وعزاه السيوطي في: اللباب: ٤٩، إلى ابن ماجه ايضًا وفي: الدر المنثور: ٢/ ٨٥، إلى آخرين فانظره.\nوالحاكم في المستدرك: (٢/ ٢٨٤)، ولفظه: \"نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا عند جذاذ النخل من حيطانها يخرجون أفناء من التمر والبسر فيعلقونها على حبل بين أسطوانتين في المسجد فيأكل منه فقراء المهاجرين الحديث فنزلت\".\nوقال الحاكم بعد ذكره: \"هذا حديث غريب صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي، ونسب ابن كثير \"١/ ٣٢٠\" إلى الحاكم قوله: \"صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه\".\nوأخرج الحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤، من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن جابر، قال: [أمر] النبي ﷺ بزكاة الفطر بصاع من تمر فجاء رجل بتمر رديء فنزلت\".\nوقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. ونقله السيوطي عنه: (٢/ ٥٩)، ورواه الواحدي ايضًا: (٨١ - ٨٢).\nوأخرجه الفريابي، عن جعفر عن أبيه مرسلا لم يذكر جابر وزاد فيه فقال رسول الله ﷺ: \"لا يجزين هذا التمر\". فنزلت وأمر النبي ﷺ [الذي يخرص التمر] أن لا يجيزه\". أنظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٢٣.\nوعزاه السيوطي: ٢/ ٥٨ - ٥٩، إلى عبد بن حميد فقط وليس فيه: فقال رسول الله: \"لا يجزين هذا التمر\" ومنه استدركت ما بين المعقوفين.\nوأخرج عبد بن حميد والنسائي، من طريق أبي أمامة بن سهل: \" كان المنافقون يتلومون شرار ثمرهم الصدقة فنزلت\". أنظر سنن النسائي: (٢٤٩٢): ص ٥/ ٤٣.\nوأخرجه ابن ابي حاتم بسنده (٢٨٠٣): ص ٢/ ٥٢٨، و(٢٧٩٠): ص ٢/ ٥٢٦، عن ابن عباس، ولفظه: \" ان أصحاب رسول الله ﷺ يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله على نبيه: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم\".\n\nوذكره أبو داود مختصرا في سننه (١٦٠٧): ص ٢/ ١١٠ - ١١١، وأخرجه الثعلبي في تفسيره (١/ ١٤٢). وانظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٢٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٥٥٥.\n(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٨٧): ص ٢/ ٥٢٥.\n(٤) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٨٩١): ص ٣/ ٧١٨. وسنده: قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك ثنا مسعر ثنا معن وأبو عون أو أحدهما أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود ...، ونعيم بن حماد قال الحافظ فيه: صدوق يخطئ كثيرًا، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: أرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا، الكامل لابن عدي ٨/ ٢٥١ - ٢٥٦، ولم يذكر ابن عدي هذا الأثر ومعن هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ت. التهذيب، وأبو عون، كما في التهذيب هو أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله الأعور؛ وكلاهما ثقة، لكن معن بن عبد الرحمن لم يدرك عبد اله بن مسعود، لأن الحافظ عده من الطبقة السابعة، وأما أبو عون فإنه مات سنة ١١٠ هجريًا، وعبد الله بن مسعود مات سنة ٣٣ هـ، ت. التهذيب [٩/ ٢٨٥، ٦/ ٢٥]، فيبعد أن يكون قد أدرك ابن مسعود، فيكون حديث معن وأبي عون عن ابن مسعود مرسلًا.","vol":"5","page":355},{"text":"قوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾: بعد أن ذكر الله ﷾ فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منَّ بصدقته، أو أنفق رياءً، حثَّ على الإنفاق؛ لكن الفرق بين ما هنا، وما سبق: أن ما هنا بيان للذي ينفَق منه؛ وهناك بيان للذي ينَفق عليه.\nقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، \" أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه\" (١).\nقال الراغب: \" كل ما يناله الإنسان بريح أو أجرة عمل ... وتخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان مما يكتسبه أضن منه مما يرثه، فإذا الموروث معقول من فحواه\" (٢).\nأخرج ابن ابي حاتم \" عن ابن عباس، قوله: ﴿أنفقوا﴾، يقول: تصدقوا\" (٣). وروي عن مقاتل، نحو ذلك (٤).\nقال ابن عطية: \" وكَسَبْتُمْ معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه\" (٥).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وفيه أربعة أقاويل:\nأحدها: يعني به الذهب والفضة، وهو قول عليّ (٦) -كرّم الله وجهه-، والسدي (٧). واختاره ابن كثير (٨).\nوالثاني: يعني التجارة، قاله مجاهد (٩)، ونحوه عن عائشة (١٠) -﵂.\nوالثالث: الحلال (١١).حكي ذلك عن ابن زيد (١٢). قال ابن عطية: \" وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه\" (١٣).\nوالرابع: من جيد ما كسبتم، أي: أطيب الأموال وأنفسه. قاله ابن عباس (١٤).\nوالخامس: وقيل: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾، يعني: المغزل. روي ذلك عن عليّ (١٥) -كرّم الله وجهه-.\nالسادس: أنه يقصد به الحض على الإنفاق. قاله ابن عطية (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٣.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٨٨): ص ٢/ ٥٢٥.\n(٤) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم:: ص ٢/ ٥٢٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦١٢٦): ص ٥/ ٥٥٦.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦١٣٠): ص ٥/ ٥٥٧.\n(٨) انظر: تفسيره: ١/ ٦٩٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦١٢١) و(٦١٢٢) و(٦١٢٣) و(٦١٢٤) و(٦١٢٧) و(٦١٢٨): ص ٥/ ٥٥٦، وابن أبي حاتم (٢٧٩٣) و(٢٧٩٤): ص ٢/ ٥٢٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٩٢): ص ٢/ ٥٢٦.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٢.\n(١٢) نقل عنه ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١، ولفظه: \" من حلال ما كسبتم، قال: وقوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾، أي: الحرام\".\n(١٣) المحرر الوجي: ١/ ٣٦١.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٢٩): ص ٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧، وابن ابي حاتم (٢٧٨٩): ص ٢/ ٥٢٦.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩١): ص ٢/ ٥٢٦.\n(١٦) قال ابن عطية: \" وقوله: ﴿مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط. ثم دخل ذكر الطيب تبيينا لصفة حسنة في المكسوب عاما وتعديدا للنعمة كما تقول: أطعمت فلانا من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجود والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن خبيث\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١ - ٣٦٢]. ولفظ عبدالله بن معقل في رواية الطبري (٦١٢٥): ص ٥/ ٥٥٦: \": ليس في مال المؤمن من خبيث، ولكن لا تيمموا الخبيث منه تنفقون\".\nوفي رواية ابن أبي حاتم (٢٧٩٩): ص ٢/ ٥٢٧: \"كسب المسلم لا يكون خبيثا\".","vol":"5","page":356},{"text":"والراجح-والله أعلم- هو قول ابن عباس، ويسنده سبب النزول. وهو قول الجمهور (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أي: \" ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض\" (٢).\nقال الماوردي: \" من الزرع والثمار\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" قال بعضهم: إنه معطوف على ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾؛ يعني: «ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض»؛ ولكن الصحيح الذي يظهر أنه معطوف على قوله تعالى: ﴿طيبات﴾؛ يعني: «أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض»؛ لأن ما أخرج الله لنا من الأرض كله طيب ملك لنا، كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩] \" (٤).\nوقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، على أقوال:\nالأول: قيل: النخل. حكي ذلك عن مجاهد (٥). ويدل عليه حديث حجاج (٦).\nالثاني: وقيل: النبت والثمار. وهو أحد قولي مجاهد (٧)، وروي نحوه عن مقاتل (٨)، والسدي (٩)، وعلي (١٠) -كرّم الله وجهه-.\nواختلف المتأولون هل المراد بهذا (الإنفاق)، على ثلاثة أقوال (١١):\nأحدهما: هي الزكاة المفروضة. قاله عبيدة السلماني (١٢)، وعلي (١٣) -كرّم الله وجهه-، ومحمد بن سيرين (١٤).\nوالثاني: هي في التطوع، قاله بعض المتكلمين (١٥). واختاره ابن كثير (١٦).\nوالثالث: أنها \" عام في الواجب والتطوع\" (١٧).\nقال ابن عطية: \" نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول للوجوب، والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع .. والأمر على هذا القول على\n_________\n(١) حكي قول الجمهور ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٧.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٣٤٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٩.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩٥): ص ٢/ ٥٢٧، وأخرجه الطبري (٦١٣٢) و(٦١٣٣): ص ٥/ ٥٥٧.\n(٦) قال ابن أبي حاتم: \" وفي حديث حجاج: ثنا به: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾: من النخل كانوا يتصدقون بحشفه وشراره فنهوا عن ذلك، فأمروا أن يتصدقوا بطيبه\". [تفسير ابن أبي حتم: ٢/ ٥٢٧].\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٩٥): ص ٢/ ٥٢٧، وأخرج عنه الطبري (٦١٣٤): ص ٥/ ٥٥٧): ولفظه: \"الثمار\". والفرق بين النبت والثمر. أن (النبات): ما أخرجته الأرض من شجر ونحوه، والثمار فاكهة الشجر، وثمار الأرض خيراتها. [أنظر: المعجم الوجيز: (نبت): ص ٥٩٩].\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩٦): ص ٢/ ٥٢٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٦١٣٥): ص ٥/ ٥٥٨. ولفظه: \" هذا في التمر والحب\".\n(١٠) الطبري (٦١٣١): ص ٥/ ٥٥٧.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٠٠): ص ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨. ولفظه: \" هذا في الزكاة المفروضة، ولا بأس أن يتصدق بالتمرة. والدرهم الزيف خير من التمرة\". قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن عبيدة بخلاف هذا\"، وأخرجه الطبري في تفسيره (٦١٦٣) و(٦١٦٤): س ٥/ ٥٦٩.\n(١٣) أخرجه الطبري (٦١٣١): ص ٥/ ٥٥٧، ولفظه: \" يعني من الحب والثمر وكل شيء عليه زكاة\".\n(١٤) أخرجه الطبري (٦١٦٦): ص ٥/ ٥٧٠، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٠.\n(١٦) أنظر: تفسيره: ١/ ٦٩٧.\n(١٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٤.","vol":"5","page":357},{"text":"الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، \" أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه\" (٢).\nقال الطبري: \" ولا تعمدوا، ولا تقصدوا .. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ولا تؤموا﴾ من (أممت)، وهذه من (يممت)، والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ\" (٣).\nوروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعا أولها هذا الحرف، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب ﴿ولا تيمّموا﴾ بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال: يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ ﴿ولا تؤمموا﴾ بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم (٤).\nقال الراغب: \" وأصل التيمم قصد اليم أي لجة البحر، ثم صار في التعارف القصد نحو، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، ويممته وأممته، قيل هما واحد، وقال الخليل: أممته: قصدته من أمامه، ويممته: قصدته من أي جهة كان\" (٥)، ومنه قول ميمون بن قيس الأعشى (٦):\nتيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن\nوقول امرئ القيس (٧):\nتيمّمت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظّلّ عرمضها طام\nقال الشافعي: يعني - واللَّه أعلم -: تأخذونه لأنفسكم ئمن لكم عليه حق، فلا تنفقوا ما لا تأخذون لأنفسكم، يعني: لا تعطوا مما خبث عليكم -واللَّه أعلم - وعندكم طيب .. فحرام على من عليه صدقة أن يعطي صدقة من شرها\" (٨).\nقال الماوردي: \"التيمم: التعمد، قال الخليل: تقول أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه، ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان، وقال غيره: هما سواء، والخبيث: الرديء من كل شيء\" (٩).\nروي \"عن البراء بن عازب، في قوله: ﴿ولا تيمموا﴾ يقول: لا تعمدوا\" (١٠). وروي عن مقاتل بن حيان، نحو ذلك\" (١١).\nوفي تفسير ﴿الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، هنا قولان:\nأحدهما: أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة، فنزلت هذه الآية، وهو قول عليٍّ، والبراء بن عازب (١٢).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٥٨.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٣.\n(٦) ديوانه: ١٦، وهو من قصيدته التي أثنى فيها على قيس بن معد يكرب الكندي، وهي أول كلمة قالها له، وامهمه: الفلاة المقفرة البعيدة، لا ماء بها ولا أنيس، والشزن والشزونة: الغلظ من الأرض.\n(٧) ملحق ديوانه: ٤٧٦، واللسان (عرمض)، والبحر: ٥/ ٤٩٦، وضارج: اسم موضع، والعرمض: الطحلب.\n(٨) تفسير الشافعي: ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٤٣.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩٧): ص ٢/ ٥٢٧.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ٢/ ٥٢٧.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٩٨): ص ٢/ ٥٢٧.","vol":"5","page":358},{"text":"والثاني: وقيل: الحشف والدرهم الزيف، وما لا خير فيه. قاله عبدالله بن معقل (١)، وروي عن عبيدة (٢) نحو ذلك.\nوالثالث: أن الخبيث هو الحرام، قاله ابن زيد (٣).\nقال الراغب: \" إن قيل: لم قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ ولم يقل: (ولا تنفقوا الخبيث) مع أن اللفظ كان أوجز؟\nقيل: لأن القبيح من الإنسان أن يقصد الخبيث أي الرديء من جملة ما في يده فيخصه بالإنفاق في سبيل الله، فأما إنفاق الرديء لمن ليس له غير ذلك، أو لمن لا يقصده خصوصا فغير مذموما\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أي: \"لو أعطيتموه ما أخذتموه\"، إِلا إِذا تساهلتم وأغمضتم البصر\" (٥).\nقال الطبري: \" ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم، إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم\" (٦).\nقال ابن كثير: فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون\" (٧).\nقال ابن عطية: \" كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع .. أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم\" (٨).\nقال الراغب: \" والإغماض والتغميض غض البصر ويستعمل في الترخص كالإغضاء\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فيه أربعة تأويلات:\nأحدها: إلا أن تتساهلوا (١٠)، يعني: \" ولستم بآخذي الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم\" (١١). وهو قول عبيدة (١٢)، والبراء بن عازب (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والربيع (١٦)، والضحاك (١٧).\nوالثاني: إلا أن تحطوا في الثمن، أي \"لو وجدتموه في السوق يباع، ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه\" (١٨)، قاله الحسن (١٩)، وروي نحوه عن قتادة (٢٠)، وعلي بن أبي طالب (٢١) ﵁.\nقال ابن عطية: وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة\" (٢٢).\nوالثالث: إلا بوكس، فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج (٢٣).\nوالرابع: إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه وتتجوّزوا، قاله السدي، وعبدالله بن معقل (٢٤) ويسنده قول الطِّرِمّاح، كما سيأتي (٢٥).\nالخامس: على استحياء (٢٦)، يعني: \" ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث لو أهدي لكم، إلا أن تغمضوا فيه، فتأخذوه وأنتم له كارهون، على استحياء منكم ممن أهداه لكم\" (٢٧). قاله البراء بن عازب\" (٢٨).\nقال ابن عطية: \" وهذا يشبه كون الآية في التطوع\" (٢٩).\nالسادس: وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه. قاله ابن زيد (٣٠).\nالسابع: وقيل: \"ولستم بآخذي هذا الرديء من حقكم إلا أن تغمضوا من حقكم\" (٣١). روي ذلك عن ابم معقل (٣٢).\nوالراجح أن الله أمر إخراج الجيد من الأموال الطيب، وأما في الصدقة، فمكروه أن يعطي فيها إلا الأجود من المال والأطيب. وقال الطبري\" والصدقة قربان المؤمن فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد، لأن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته، أو لعظم خطره وأحسن موقعا من المسكين، وممن أعطيه قربة إلى الله ﷿ من الجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه\" (٣٣).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿تُغْمِضُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧]، على وجوه (٣٤):\nالأول: قرأ جمهور الناس ﴿إلا أن تغمضوا﴾ بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم (٣٥).\nالثاني: وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا (٣٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩٩): ص ٢/ ٥٢٧.\n(٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٠١): ص ٢/ ٥٢٨.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٣.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٧.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٣.\n(١٠) قال الرازي: \" وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا\". [مفاتيح الغيب: ٥/ ٧٧.].\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٤.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٠): ص ٥/ ٥٦٤.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥١): ص ٥/ ٥٦٤.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٢) و(٦١٥٤): ص ٥/ ٥٦٤.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٣): ص ٥/ ٥٦٤.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٥): ص ٥/ ٥٦٤.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٦): ص ٥/ ٥٦٤.\n(١٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٦.\n(١٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٠٥): ص ٢/ ٥٢٩، والطبري (٦١٥٧): ص ٥/ ٥٦٦.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٨): ص ٥/ ٥٦٦.\n(٢١) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.\n(٢٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.\n(٢٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٣.\n(٢٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٠٦): ص ٢/ ٥٢٩.\n(٢٥) وهو قوله (ديوانه: ٨٦):\nلم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ... م رجال يرضون بالإغماض\n(٢٦) أنظر: مفاتبح الغيب: ٧/ ٥٥. قال: \"، فقوله ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ يقول لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم\".\n(٢٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٦.\n(٢٨) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٩): ص ٥/ ٥٦٦.\n(٢٩) المرحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣.\n(٣٠) أنظر: تفسير الطبري (٦١٦٢): ص ٥/ ٥٦٧، ولفظه: \": يقول: لست آخذا ذلك الحرام حتى تغمض على ما فيه من الإثم قال: وفي كلام العرب: أما والله لقد أخذه، ولقد أغمض على ما فيه \" وهو يعلم أنه حرام باطل\". ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣.\n(٣١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٧.\n(٣٢) أنظر: تفسير الطبري (٦١٦١): ص ٥/ ٥٦٧.\n(٣٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٩.\n(٣٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣.\n(٣٥) قال ابن عطية: \" فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراما على قول ابن زيد، وإما لكونه مهديا أو مأخوذا في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان\". [المحرر الوجيز: ١/ ٢٦٢].\n(٣٦) قال ابن عطية: \" الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣].","vol":"5","page":359},{"text":"الثالث: وروي عن الزهري أيضا: ﴿تغمّضوا﴾ بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة.\nالرابع: وحكى مكي عن الحسن البصري ﴿تغمّضوا﴾، مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء.\nالخامس: وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا، قال أبو عمرو معناه: \"إلا أن يغمض لكم\" (١).\nوذكر ابن عطية في أصل كلمة ﴿تغمّضوا﴾ في كلام العرب، وجهين:\nالأول: من قول العرب: أغمض الرجل في أمر كذا، إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم (٢):\nلم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ... م رجال يرضون بالإغماض\nالثاني: وإما أن تنتزع من: تغميض العين، لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه، ومنه قول الشاعر (٣):\nإلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمى\nوهذا كالإغضاء عند المكروه.\nقال ابن عطية: \"وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجدا والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، \" أي أنه سبحانه غني عن نفقاتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء\" (٥).\nقال البراء: \" واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم\" (٦).\nوأخرج ابن أبن ابي حاتم\" عن مقاتل بن حيان، في قوله: ﴿واعلموا أن الله غني﴾: في سلطانه عما عندكم\" (٧).\nقال ابن عطية: \" نبه تعالى على صفة (الغنى)، أي: لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، و﴿حَمِيدٌ﴾، معناه: محمود في كل حال، وهي صفة ذات\" (٨).\n_________\n(١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣. قال ابن عطية: \" قال ابن جني: معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محمودا إلى غير ذلك من الأمثلة\".\n(٢) ديوانه: ٨٦، من قصيدة مجد فيها قومه، وقبله:\nإننا معشر شمائلنا الصبر، ... إذا الخوف مال بالأحفاض\nنصر للذليل في ندوة الحي، ... مرائيب للثأي المنهاض\nمن يرم جمعهم يجدهم مر ... اجيح حماة للعزل الأحراض\nالأحفاض: الإبل الصغار الضعاف، ويعنى الضعاف من الناس، لا يصبرون في حرب. مرائيب: من الرأب، وهو الإصلاح، مصلحون. والثأى: الفساد. والمنهاض: الذي فسد بعد صلاح فلا يرجى إصلاح إلا بمشقة. مراجيح: حلماء لا يستخفهم شيء. والأحراض: الضعاف الذين لا يقاتلون. والإغماض: التغاضي والمساهلة. يقول نحن أهل بأس وسطوة، فما أصاب منا أحد فنجا من انتقامنا، ولسنا كأقوام يرضون بالضيم، فيتغاضون عن إدراك تأثرهم ممن نال منهم.\n(٣) لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في العمدة لابن رشيق: ٧٥، وتفسير الفتح القدير: ١/ ٢٨٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٢٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٠٧): ص ٢/ ٥٢٩، والطبري (٦١٦٧): ص ٥/ ٥٧١.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٠٨): ص ٢/ ٥٢٩.\n(٨) المحرر الوجي: ١/ ٣٦٣.","vol":"5","page":360},{"text":"قال ابن كثير: فالله \"وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير، كقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليَعلمْ أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافًا كثيرة من يقرض غَيْرَ عديم ولا ظلوم، وهو الحميد، أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" ووجه المناسبة في ذكر «الحميد» بعد «الغني» أن غناه ﷿ غِنًى يحمد عليه؛ بخلاف غنى المخلوق؛ فقد يحمد عليه، وقد لا يحمد؛ فلا يحمد المخلوق على غناه إذا كان بخيلًا؛ وإنما يحمد إذا بذله؛ والله ﷿ غني حميد؛ فهو لم يسألكم هذا لحاجته إليه؛ ولكن لمصلحتكم أنتم\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ فإن هذا وصف يقتضي امتثال أمر الله؛ وهذا يدل على فضيلة الإيمان.\n٢ - ومنها: أن من مقتضى الإيمان امتثال أمر الله، واجتناب نهيه؛ ووجهه أن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا﴾؛ فلولا أن للإيمان تأثيرًا لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغوًا لا فائدة منه.\n٣ - ومنها: وجوب الإنفاق من طيبات ما كسبنا؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا﴾؛ والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل صارف عن الوجوب.\n٤ - ومنها: وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لقوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾؛ ولا شك أن عروض التجارة كسب؛ فإنها كسب بالمعاملة.\n٥ - ومنها: أن المال الحرام لا يؤمر بالإنفاق منه؛ لأنه خبيث؛ والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.\nفإذا قال قائل: ماذا أصنع به إذا تبت؟\nفالجواب أنه يرده على صاحبه إن أخذه بغير اختياره؛ فإن كان قد مات رده على ورثته؛ فإن لم يكن له ورثة فعلى بيت المال؛ فإن تعذر ذلك تصدق به عمن هو له؛ أما إذا أخذه باختيار صاحبه كالربا، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، فإنه لا يرده عليه؛ ولكن يتصدق به؛ هذا إذا كان حين اكتسابه إياه عالمًا بالتحريم؛ أما إن كان جاهلًا فإنه لا يجب عليه أن يتصدق به؛ لقوله تعالى: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n٦ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾؛ ووجه الدلالة: أنه لو كان الإنسان مجبرًا على عمله لم يصح أن يوجه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنه لا يقدر على زعم هؤلاء الجبرية؛ ولأن الله أضاف الكسب إلى المخاطَب في قوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾؛ ولو كان مجبرًا عليه لم يصح أن يكون من كسبه؛ وليعلم أن مثل هذا الدليل في الرد على الجبرية كثير في القرآن، وإنما نذكره عند كل آية لينتفع بذلك من يريد إحصاء الأدلة على هؤلاء؛ وإلا فالدليل الواحد كافٍ لمن أراد الحق.\n٧ - ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾؛ وظاهر الآية وجوب الزكاة في الخارج من الأرض مطلقًا سواء كان قليلًا، أم كثيرًا؛ وسواء كان مما يوسَّق، ويكال، أم لا؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وهو أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض مطلقًا لعموم الآية؛ ولكن الصواب ما دلت عليه السنة من أن الزكاة لا تجب إلا في شيء معين جنسًا، وقدرًا؛ فلا تجب\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤١.","vol":"5","page":362},{"text":"الزكاة في القليل؛ لقول النبي ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١)؛ و«الوسق» هو الحِمل؛ ومقدار خمسة أوسق: ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي.\nولا تجب الزكاة إلا فيما يكال؛ وذلك من قوله (ص): «ليس فيما دون خمسة أوسق»؛ و«الوسق» كما ذكرت هو الحمل؛ وهو ستون صاعًا؛ وعليه فلا تجب الزكاة في الخضراوات مثل: التفاح، والبرتقال، والأترج، وشبهها، لأن السنة بينت أنه لا بد من أن يكون ذلك الشيء مما يوسق.\nتنبيه:\nلم يبين في الآية مقدار الواجب إنفاقه من الكسب، والخارج من الأرض؛ ولكن السنة بينت أن مقدار الواجب فيما حصل من الكسب ربع العشر؛ ومقدار الواجب في الخارج من الأرض العشر فيما يسقى بلا مؤونة؛ ونصفه فيما يسقى بمؤونة.\n٨ - ومن فوائد الآية: ما يتبين من اختلاف التعبير في قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾؛ فلماذا عبر في الأول تعبيرًا يدل على أن ذلك من فعل العبد؛ وفي الثاني عبر تعبيرًا يدل على أنه ليس من فعل العبد؟ الأمر في ذلك واضح؛ لأن نمو التجارة بالكسب، وغالبه من فعل العبد: يبيع، ويشتري، ويكسب؛ أما ما خرج من الأرض فليس من فعل العبد في الواقع، كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤].\n٩ - من فوائد الآية: وجوب الزكاة في المعادن؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ لكن العلماء يقولون: إن كان المعدن ذهبًا أو فضة وجبت فيه الزكاة بكل حال؛ وإن كان غير ذهب، ولا فضة، كالنحاس، والرصاص، وما أشبههما ففيه الزكاة إن أعده للتجارة؛ لأن هذه المعادن لا تجب الزكاة فيها بعينها؛ إنما تجب الزكاة فيها إذا نواها للتجارة.\nوهل يستفاد من الآية وجوب الزكاة في الركاز - والركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية - أي مدفون الجاهلية؛ يعني ما وجد من النقود القديمة، أو غيرها التي تنسب إلى زمن بعيد بحيث يغلب على الظن أنه ليس لها أهل وقتَ وجودها؟ لا يستفاد؛ لكن السنة دلت على أن الواجب فيه الخمس (٢)؛ ثم اختلف العلماء ما المراد بالخمس: هل هو الجزء المشاع - وهو واحد من خمسة؛ أو هو الخمس الذي مصرفه الفيء؟ على قولين؛ وبسط ذلك مذكور في كتب الفقه.\n١٠ - ومن فوائد الآية: تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾.\n١١ - ومنها: إذا ضمت هذه الآية إلى حديث ابن عباس حين بعث النبي معاذًا إلى اليمن، وقال: «إياك وكرائم أموالهم» (٣)، تبين لك العدل في الشريعة الإسلامية؛ لأن العامل على الزكاة لو قصد الكرائم من الأموال صار في هذا إجحاف على أهل الأموال؛ ولو قصد الرديء صار فيه إجحاف على أهل الزكاة؛ فصار الواجب وسطًا؛ لا نلزم صاحب المال بإخراج الأجود؛ ولا نمكنه من إخراج الأردأ؛ بل يخرج الوسط.\n١٢ - ومنها: الإشارة إلى قاعدة إيمانية عامة؛ وهي قول الرسول ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤)؛ ووجه الدلالة أن الله ﷾ قال: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١١٤، كتاب الزكاة، باب ٣٢، زكاة الورق، حديث رقم ١٤٤٧؛ وأخرجه مسلم ص ٨٣١، كتاب الزكاة، باب ١: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، حديث رقم ٢٢٦٣ [١] ٩٧٩.\n(٢) راجع البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦٦: في الركاز الخمس، حديث رقم ١٤٩٩؛ ومسلمًا ص ٩٨١، كتاب الحدود، باب ١١: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، حديث رقم ٤٤٦٥ [٤٥] ١٧١٠.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦٣: أخذ الصدقة من الأغنياء ...، حديث رقم ١٤٩٦؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨٤، كتاب الإيمان، باب ٧: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم ١٢١ [٢٩] ١٩.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٣، كتاب الإيمان، باب ٧: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم ١٣.","vol":"5","page":363},{"text":"فيه﴾؛ فالإنسان لا يرضى بهذا لنفسه فلماذا يرضاه لغيره؟ ! ! فإذا كنت أنت لو أُعطيت الرديء من مال مشترك بينك وبين غيرك ما أخذته إلا على إغماض، وإغضاء عن بعض الشيء؛ فلماذا تختاره لغيرك، ولا تختاره لنفسك؟ ! ! وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يعامل به غيره؛ وهو أن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر؛ وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (١)، هذه قاعدة في المعاملة مع الناس؛ ومع الأسف الشديد أن كثيرًا من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم على هذا الوجه؛ كثير من الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة.\n١٣ - ومن فوائد الآية: إثبات القياس؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾؛ يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك فلا ترضاه لغيرك؛ أي قس هذا بهذا.\n١٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة؛ وهما «غني» و«حميد».\nالقرآن\n﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨]\nالتفسير:\nهذا البخل واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر، ويغريكم بالبخل، ويأمركم بالمعاصي ومخالفة الله تعالى، والله ﷾ يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم ورزقا واسعا. والله واسع الفضل، عليم بالأعمال والنيَّات.\nعن عبد الله بن مسعود قال: \" قال رسول الله ﷺ \"إن للشيطان لَلَمّة بابن آدم، وللمَلك لَمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلَمْ أنه من الله، فَلْيحمَد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان\". ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ الآية\" (٢).\nقال ابن عطية: \" هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمرا بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى الصدقة، بين ﷿ فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا رب غيره\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، أي: الشيطان\" يخوفكم بالفقر\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يقول: لا تنفق مالك وأمسكه عليك، فإنك تحتاج إليه\" (٥).\nقال الماوردي: \" وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو تصدق\" (٦).\nقال أبو حيان: \" يقول للرجل أمسك فإن تصدّقت افتقرت\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١٠٠٩، كتاب الإمارة، باب ١٠: وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، حديث رقم ٤٧٧٣ [٤٤] ١٨٤٢.\n(٢) سنن الترمذي برقم (٤٠٧٤): ص ٤/ ٢٨٨، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٥١)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٠)، وقال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه ابن ابي حاتم (٢٨١٠): ص ٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨١١): ص ٢/ ٥٣٠، والطبري (٦١٦٨): ص ٥/ ٥٧١.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٣٤٣.\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٠.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٨.","vol":"5","page":364},{"text":"قال الصابوني: \" أي الشيطان يخوفكم من الفقر إِن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة\" (١).\nوقيل: \"عنى فقر الآخرة وهو أن يخيل إليه أن لا جزاء ولا شُكورًا وقيل هو بأن يخوفه، الفقر في آخر عمره\" (٢).\nو\" ذكر عن سفيان عن منصور: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾، قال: طول الأمل\" (٣).\nقال الراغب: \" المشهور من (الفقر) عند العامة الحاجة، وأصله كثير الفقار ومن قولهم: فقرته نحو كبدته، وبطنته، وبهذا النظر سمى الحاجة والداهية فاقرة، نحو: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ \" (٤).\nوإن قيل: على أي وجه يتصور وعد الشيطان؟\nقيل: إن ذلك تسليط النفس ووساوسه ولهذا قال هاهنا في الشيطان: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ قال في غيرها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لما جريا مجرى واحدا، ال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، وقال في أخرى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية\" (٥).\nوروى أبو حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ: \" ﴿الفُقر﴾، بضم الفاء، وهي لغة. وقراء: ﴿الفَقَر﴾، بفتحتين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، يحتمل وجوها:\nإحداها: بالشح، أي \"بالبخل ومنع الزكاة\" (٧).\nوقال الكلبي: \"كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا\" (٨).\nقال القاسمي: \" والفاحش، عند العرب، البخيل. قال طرفة (٩):\nأرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد\nقال الحراليّ: \"الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع\" (١٠)، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء. لمناسبة ذكر الفقر. وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة، ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله\" (١١).\nوقال الراغب: \" الفحش والفحشاء كل منكر من المقال والفعال وإن كان قد خصها بعضهم هاهنا بالبخل\" (١٢).\nوالثاني: بالمعاصي. قاله مقاتل (١٣) وسعيد بن جبير (١٤)، وابن المبارك (١٥)، وحكي نحوه عن ابن عباس (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨١٢): ص ٢/ ٥٣٠.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٥.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٥ - ٥٦٦.\n(٦) البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٣.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٣.\n(٩) البيت في ديوانه: ٣٤.\n(١٠) نقلا عن: محاسن التأويل: ٢/ ٣٠٨.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ٣٠٨.\n(١٢) تفسير الراغب: الأصفهاني: ١/ ٥٦٥. ثم أنشد قول طرفة السابق [ديوانه: ٣٤]:\nأرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨١٤): ص ٢/ ٥٣٠\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٣٠\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٨١٧): ص ٢/ ٥٣٠.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨١٣): ص ٢/ ٥٣٠. ولفظه: ويأمركم بالفحشاء: بالسوء\".","vol":"5","page":365},{"text":"أي: \" ويأمركم بمعاصي الله ﷿، وترك طاعته\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخَلاق\" (٢).\nوالثالث: الزنا (٣). قاله ابن عباس (٤)، وروي عن الحسن وعكرمة والسدي، نحو ذلك (٥).\nوالرابع: الكلمة السيئة، ومنه قول الشاعر (٦):\nولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا\nقال أبو حيان: \" وكأن الشيطان يعد الفقر لمن أراد أن يتصدق، ويأمره، إذ منع، بالرد القبيح على السائل، وبخه وأقهره بالكلام السيء\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، \"أي وهو سبحانه يعدكم على إِنفاقكم في سبيله مغفرةً للذنوب\" (٨).\nقال قتادة: \" مغفرة لفحشائكم\" (٩).\nوقال ابن عباس: \" ﴿والله يعدكم مغفرة منه﴾: على هذه المعاصي\" (١٠).\nوروي \"عن مقاتل بن حيان، قوله: ﴿والله يعدكم مغفرة منه﴾، لذنوبكم عند الصدقة\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء\" (١٢).\nقال أبو حيان: \" أي سترًا لذنوبكم مكافأة للبذل\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وفضلًا﴾، \"أي: زيادة\" (١٥).\nوروي عن\" ابن عباس: \" ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلا﴾ قال: في الرزق\" (١٦).\nوقال قتادة: \"فضلا لفقركم\" (١٧).\nوقال مقاتل: \" يعني: أن يخلفكم نفقاتكم\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٧١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٠.\n(٣) أنظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨١٥): ص ٢/ ٥٣٠\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٣٠\n(٦) البيت للمرار بن سلامة العقيلي، وهو من شواهد سيبويه، وقد أنشده في كتابه مرتين: إحداهما في (١/ ٣) ونسبه للمرار بن سلامة، والثانية في (١/ ٣٠٢) ونسبه لرجل من الانصار، ولم يعينه.\nالفحشاء \" الشئ القبيح، وتقول: أفحش الرجل في كلامه، وفحش تفحيشا، وتفحش، إذا أردت أنه يتكلم بقبيح الكلام.\n(٧) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٦١٦٩): ص ٥/ ٥٧١، وابن أبي حاتم (٢٨١٧): ص ٢/ ٥٣٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨١٦): ص ٢/ ٥٣٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨١٨): ص ٢/ ٥٣١.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٠.\n(١٣) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(١٤) المحرر الوجي: ١/ ٣٦٤.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤٧.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨١٩): ص ٢/ ٥٣١.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٢٠): ص ٢/ ٥٣١.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٢١): ص ٢/ ٥٣١.","vol":"5","page":366},{"text":"قال البغوي: \" أي رزقا خلفا\" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر\" (٢).\nقال القاسمي: \" خلفا وثوابا في الآخرة\" (٣).\nقال الصابوني: \" وخلفًا لما أنفقتموه زائدًا عن الأصل\" (٤).\nقال أبو حيان: \" زيادة على مقتضى ثواب البذل. وقيل: وفضلًا، أن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثوابًا عليه في الآخرة\" (٥).\nقال ابن عطية: \"والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل [أي بالمغفرة والفضل] قد وعد الله تعالى\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"فالصدقة تزيد المال؛ لقوله تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله -ﷺ-: «ما نقصت صدقة من مال» (٧) \" (٨).\nقال أبو حيان: ثم ذكر تعالى في مقابلة وعد الشيطان وعد الله بشيئين: أحدهما: الستر لما اجترحوه من الذنوب، والثاني: الفضل وهو زيادة الرزق والتوسعة في الدنيا والآخرة\" (٩).\nوذكر النقاش: \"أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه\" (١٠)، قال ابن عطية: \"وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة «عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة» وفي القرآن مصداقه:\nوهو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩] \" (١١).\nقال الراغب: \" إن قيل: من حق مقابلة اللفظ في قوله ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أن يقول (والله يعدكم الغنى)، ويأمركم بالمعروف أو بالبر فليست المغفرة مقابلة للفقر ولا الفضل للفحشاء وإن كان مقابلًا به، فلم لم يذكر في: (الله يأمركم)، والله يأمركم والله في الحقيقة يأمر فأما الشيطان فهو المسؤول الموسوس؟\nقيل: قابل الفقر بالمغفرة والفضل، والفضل أعم من الغنى، لأنه يتناوله وغيره، فبين أنه يعد بالغنى وزيادات فضل فأتى في مقابلة وعد الشيطان بالمغفرة، أنه يغفر مع ذلك انقيادكم للشيطان، وسائر الذنوب ولما كان أمر الشيطان بالفحشاء إنما هو لأجل وعده بالفقر لأن من خاف بخل بماله، والبخل سبب ارتكاب سائر الفواحش ولهذا قال - ﵊: \" وأي داء أدوى من البخل؟ \" (١٢)، صار مستغنى أن يذكر\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٠.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(٥) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.\n(٧) أخرجه مسلم ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة، باب ١٩: استحباب العفو والتواضع، حديث ربم ٦٥٩٢ [٦٩] ٢٥٨٨.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤٧.\n(٩) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.\n(١٢) هذا المثل جزء من حديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد: ١١١/ح ٢٩٦ عن جابر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: (مَن سَيدُكُم يَا بَني سَلَمَةَ؟) قُلنا: جَدُ بن قَيسٍ، عَلى أنَّا نُبَخِّلَهُ. قال: (وَأَيُ دَاءٍ أَدوَى مِنَ البُخلِ، بَلْ سَيِدُكُم: عَمرو بن الجَمُوح) وكانَ عَمرو عَلى أَصنَامِهم في الجَاهِليةِ، وكانَ يُولِمُ عَن رسولِ الله ﷺ إِذا تَزَوجَّ.». وصححه ابن حجر في تغليق التعليق على صحيح البخاري: ٣/ ٣٤٦، والرباني في صحيح الأدب المفرد برقم: ٢٩٦.","vol":"5","page":367},{"text":"في مقابله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بما ذكر من قوله: ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ لأن أمر الله تعالى بالخيرات والحسنات معلوم وإنما المجهول أمر الشيطان، إذ كان أمره يخفى على الجهال وإنما يعرفه أولوا الألباب\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، \" أي: واسع بالجود والفضل على من أنفق، عليم بنيات من أنفق\" (٢).\nقال أبو حيان: \"وقيل: عليم أين يضع فضله\" (٣).\nأي: والله ﴿وَاسِعٌ﴾ \"يوسع على من يشاء، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم ونياتكم\" (٤).\nقال الطبري: \" ﴿والله واسع﴾، الفضل الذي يعدكم أن يعطيكموه من فضله وسعة خزائنه ﴿عليم﴾ بنفقاتكم وصدقاتكم التي تنفقون وتصدقون بها، يحصيها لكم حتى يجازيكم بها عند مقدمكم عليه في آخرتكم\" (٥).\nقال القاسمي: \" وَاللَّهُ واسِعٌ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات إغواء الشياطين لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾.\n٢ - ومنها: أن للشيطان تأثيرًا على بني آدم إقدامًا، أو إحجامًا؛ أما الإقدام: فيأمره بالزنى مثلًا، ويزين له حتى يُقْدم عليه؛ وأما الإحجام: فيأمره بالبخل، ويعده الفقر لو أنفق؛ وحينئذٍ يحجم عن الإنفاق.\n٣ - ومنها: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿يعدكم الفقر﴾؛ فالشيطان هو الذي يفتح لك باب التشاؤم يقول: «إذا أنفقت اليوم أصبحت غدًا فقيرًا؛ لا تنفق»؛ والإنسان بشر: ربما لا ينفق؛ ربما ينسى قول الله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩]، وقول رسوله (ص): «ما نقصت صدقة من مال».\n٤ - ومنها: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب؛ في الخبر: يعده الفقر؛ في الطلب: يأمره بالفحشاء؛ فهو عدو مخبرًا، وطالبًا - والعياذ بالله.\n٥ - ومنها: أن البخل من الفواحش؛ لأن المقام مقام إنفاق؛ فيكون المراد بالفاحشة: البخل، وعدم الإنفاق.\n٦ - ومنها: أن من أمر شخصًا بالإمساك عن الإنفاق المشروع؛ فهو شبيه بالشيطان؛ وكذلك من أمر غيره بالإسراف فالظاهر أنه شيطان؛ لقوله تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا﴾ [الإسراء: ٢٧].\n٧ - ومنها: البشرى لمن أنفق بالمغفرة، والزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ شتان ما بين الوعدين: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾؛ ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ فالله يعدنا بشيئين: المغفرة، والفضل؛ المغفرة للذنوب؛ والفضل لزيادة المال في بركته، ونمائه.\nفإن قال قائل: كيف يزيد الله تعالى المنفِق فضلًا ونحن نشاهد أن الإنفاق ينقص المال حسًا؛ فإذا أنفق الإنسان من العشرة درهمًا صارت تسعة؛ فما وجه الزيادة؟\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٦.\n(٢) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٣) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤١.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ١٤٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٧٥.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٨.","vol":"5","page":368},{"text":"فالجواب: أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهر؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ ومن تصدق بما يعادل تمرة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يربيها له حتى تكون مثل الجبل؛ وأما بالنسبة للزيادة الحسية في الدنيا فمن عدة أوجه:\nالوجه الأول: أن الله قد يفتح للإنسان باب رزق لم يخطر له على بال؛ فيزداد ماله.\nالوجه الثاني: أن هذا المال ربما يقيه الله ﷾ آفات لولا الصدقة لوقعت فيه؛ وهذا مشاهد؛ فالإنفاق يقي المال الآفات.\nالوجه الثالث: البركة في الإنفاق بحيث ينفق القليل، وتكون ثمرته أكثر من الكثير؛ وإذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد ينفق الإنسان شيئًا كثيرًا في أمور لا تنفعه؛ أو تضره؛ وهذا شيء مشاهد.\n٨ - ومنها: أن هذه المغفرة التي يعدنا الله بها مغفرة عظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿منه﴾؛ لأن عظم العطاء من عظم المعطي؛ ولهذا جاء في الحديث الذي وصى به النبي ﷺ أبا بكر: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني» (١).\n٩ - ومنها: أنه ينبغي للمنفق أن يتفاءل بما وعد الله؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ فإذا أنفق الإنسان وهو يحسن الظن بالله ﷿ أن الله يغفر له الذنوب، ويزيده من فضله كان هذا من خير ما تنطوي عليه السريرة.\n١٠ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: ﴿واسع﴾، و﴿عليم﴾؛ وما تضمناه من صفة؛ ويستفاد من الاسمين، والصفتين إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأن الاسم من أسماء الله إذا قرن بغيره تضمن معنًى زائدًا على ما إذا كان منفردًا مثل قوله تعالى: ﴿فإن الله كان عفوًا قديرًا﴾ [النساء: ١٤٩]؛ فالجمع بين العفْوِ والقدرة لها ميزة: أن عفوه غير مشوب بعجز إطلاقًا؛ لأن بعض الناس قد يعفو لعجز؛ فقوله تعالى: ﴿واسع عليم﴾: فالصفة الثالثة التي تحصل باجتماعهما: أن علمه واسع.\nالقرآن\n﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]\nالتفسير:\nيؤتي الله الإصابة في القول والفعل مَن يشاء من عباده، ومن أنعم الله عليه بذلك فقد أعطاه خيرًا كثيرًا. وما يتذكر هذا وينتفع به إلا أصحاب العقول المستنيرة بنور الله وهدايته.\nقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، أي: يعطي الحكمة لمن يشاء من عباده (٢).\nقال المراغي: \" أي إنه تعالى يعطى الحكمة والعلم النافع المصرّف للإرادة لمن يشاء من عباده، فيميز به الحقائق من الأوهام، ويسهل عليه التفرقة بين الوسواس والإلهام وآلة الحكمة العقل المستقل بالحكم في إدراك الأشياء بأدلتها، وفهم الأمور\" (٣).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن حميد بن عبد الله بن زيد المزي قال: قضى علي بن أبي طالب بقضية على عهد رسول الله ﷺ، فبلغت النبي ﷺ فأعجبته، فقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٨٣٤، كتاب الأذان، باب ١٤٩: الدعاء قبل السلام، حديث رقم ٨٣٤؛ وأخرجه مسلم ١١٤٨، كتاب الذكر والدعاء، باب ١٤: الدعوات والتعوذ، حديث رقم ٦٨٦٩ [٤٨] ٢٧٠٥.\n(٢) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥١.\n(٣) تفسير المراغي: ١/ ٥١٩.\n(٤) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٣٠): ص ٢/ ٥٣٣.","vol":"5","page":369},{"text":"وقرأ الربيع بن خيثم بالتاء في: ﴿تؤتي﴾، وفي: ﴿تشاء﴾، على الخطاب، وهو التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب (١).\nوقد جاءت كلمة الحكمة في اللغة بعدة معان، منها:\n١ - العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل.\nوأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم، ومنعه عن الفساد (٢).\n٢ - والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويُقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (٣).\n٣ - والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب (٤).\n٤ - والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل (٥).\n٥ - والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل (٦).\n٦ - والحكيم: المانع من الفساد، ومنه سُمِّيت حَكَمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرَس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة، الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزداد عليها ما ليس منها.\nوالحكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء، إذا أتقنه، ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكم وحكيم على التكثير (٧).\n٧ - والحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرَس، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح، ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (٨).\n٨ - والحُكْمُ: هو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته: إذا أخذت على يديه، والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا: منعته عما يريد (٩).\nومما تقدم يتضح ويتبين أن الحكمة يظهر فيها معنى المنع، فقد استعملت في عدة معان تتضمن معنى المنع: فالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم، والحلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب، والعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل، والنُّبُوّة، والقرآن، والإنجيل: فالنبي إنما بُعِثَ لمنع من بعث إليهم من عبادة غير\n_________\n(١) أنظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢.\n(٢) القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفى سنة ٨١٧ هـ، باب الميم، فصل الحاء، ص ١٤١٥، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء ١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم ص ٦٢.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة حكم ١/ ١١٩، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٠، والمعجم الوسيط، مادة: حكم، ١/ ١٩٠.\n(٤) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص ٦٢.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير باب الحاء مع الكاف، مادة: حكم،\n١/ ٤١٩.\n(٦) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، كتاب الحاء، مادة: حكم، ص ١٢٧.\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١/ ٢٨٨، بتصرف يسير.\n(٨) انظر: المصباح المنير، لأحمد بن محمد الفيومي، المتوفى سنة ٧٧٠ هـ، مادة: الحكم،\n١/ ١٤٥، وتاج العروس، ٨/ ٢٥٣.\n(٩) مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، ٢/ ٩١، باب الحاء والكاف، مادة: حكم.","vol":"5","page":370},{"text":"اللَّه، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها اللَّه تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح.\nومن فسر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: \"الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه\" (١).\nواختلف أهل التفسير في ﴿الْحِكْمَةَ﴾، في هذا الموضع، على وجوه (٢):\nأحدها: الفقه في القرآن، قاله ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وأبي العالية (٥)، ومجاهد (٦)، وروي نحوه عن أبي الدرداء (٧)، ومقاتل (٨)، والحسين بن واقد (٩).\nوالثاني: العلم بالدين، قاله ابن زيد (١٠)، ومالك (١١).\nقال الصابوني: \" أي يعطي العلم النافع المؤدي إِلى العمل الصالح من شاء من عباده\" (١٢).\nوالثالث: النبوّة. قاله السدي (١٣)، وأبو سنان (١٤).\nوالرابع: الخشية، قاله الربيع (١٥)، وأبو العالية (١٦)، وسعيد بن جبير (١٧)، وروي نحوه عن مطر بن الوراق (١٨).\nوالخامس: الإصابة في القول والفعل، قاله مجاهد (١٩).\nقال الزمخشري: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾، أي: \"يوفق للعلم والعمل به\" (٢٠).\n_________\n(١) مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، ٢/ ٧.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٧٦ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٧٧): ص ٥/ ٥٧٦، و(٦١٨٢): ص ٥/ ٥٧٧، وابن ابي حاتم (٢٨٢٢): ص ٢/ ٥٣١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٧٨)، و(٦١٧٩): ص ٥/ ٥٧٦، ونحوه ابن أبي حاتم (٢٨٣٣): ص ٢/ ٥٣٣، و(٢٨٣٤): ص ٢/ ٥٣٣، ولفظه: \" القرآن\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٠): ص ٥/ ٥٧٦ - ٥٧٧.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨١): ص ٥/ ٥٧٧، وابن ابي حاتم (٢٨٢٣): ص ٢/ ٥٣١.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٣١): ص ٢/ ٥٣٣. ولفظه: \" قراءة القرآن، والفكرة فيه\".\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٣٢): ص ٢/ ٥٣٣. ولفظه: \" قراءة القرآن ظاهرا\".\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣٥): ص ٢/ ٥٣٣. ولفظه: \" استظهار القرآن\".\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٦)، و(٦١٨٧): ص ٥/ ٥٧٨.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٨): ص ٥/ ٥٧٨، وابن ابي حاتم (٢٨٢٩): ص ٢/ ٥٣٢، ونحو هذا المعنة أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣٧): ص ٢/ ٥٣٤. ولفظه: \"العلم: الحكمة، نور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل\".\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٢): ص ٥/ ٥٧٩، وابن ابي حاتم (٢٨٢٨): ص ٢/ ٥٣٢، ونقله ابن عطية في: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٤٠): ص ٢/ ٥٣٤.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩١): ص ٥/ ٥٧٨.\n(١٦) ابن ابي حاتم (٢٨٢٤): ص ٢/ ٥٣١. ولفظه: \" الحكمة: الخشية، فإن خشية الله رأس كل حكمة\".\nذكر السيوطي في الدرّ (٢/ ٦٦): \" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿يؤت الحكمة﴾ قال: الخشية لأن خشية الله رأس كل حكمة وقرأ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. [سورة فاطر: ٢٨] \". بزيادة لفظ ﴿وقرأ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). [سورة فاطر: ٢٨] \"، ولكنني لم اجد هذه الزيادة، إلا في روياة الطبري عن الربيع (٦١٩١): ٥/ ٥٧٨: \"حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: \" يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة \" الآية، قال: \" الحكمة \" الخشية، لأن رأس كل شيء خشية الله. وقرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. [سورة فاطر: ٢٨].\n(١٧) أنظر: الدر المنثور: ٢/ ٦٧. أخرجه ابن منذر.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٣٦): ص ٢/ ٥٣٣، ولفظه: \"بلغنا أن الحكمة خشية الله، والعلم بالله\".\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٣)، و(٦١٨٤)، و(٦١٨٥): ص ٥/ ٥٧٧، وابن ابي حاتم (٢٨٢٥): ص ٢/ ٥٣٢.\n(٢٠) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦.","vol":"5","page":371},{"text":"والسادس: الكتابة، قاله مجاهد (١).\nوالسابع: العقل، قاله زيد بن أسلم (٢).\nالثامن: الفهم. قاله إبراهيم (٣).\nالتاسع: أن تكون الحكمة هنا صلاح الدين وإصلاح الدنيا. قاله الماوردي (٤).\nالعاشر: السنة. قاله السدي (٥).\nقال ابن عطية: \"وهذه الأقوال كلها -ما عدا قول السدي-، قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول. وكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة. وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس\" (٦).\nوقال القرطبي: \" وهذه الأقوال كلها ما عدا السدي (٧) والربيع (٨) والحسن (٩)، قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة، لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم. وفي البخاري: \"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين\" (١٠) \" (١١).\nقال ابن كثير: \" والصحيح أن الحكمة - كما قاله الجمهور - لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبَع، كما جاء في بعض الأحاديث: \"من حفظ القرآن فقد أدْرِجَت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه\" (١٢) \" (١٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: \" وأصحّ ما قيل في الحكمة أنها: وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله\" (١٤).\nقال الزمخشري: \"والحكيم عند اللَّه: هو العالم العامل\" (١٥).\n_________\n(١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٤٤.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٢٩): ص ٢/ ٥٣٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٠): ص ٥/ ٥٧٨، وابن ابي حاتم (٢٨٢٦): ص ٢/ ٥٣٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٢٧): ص ٢/ ٥٣٢.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.\n(٧) أي: العلم: النبوة. [انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠]. وسبق تخريجه.\n(٨) أي الحكمة: الخشية. [انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠]. وسبق تخريجه.\n(٩) أي: الحكمة الورع. [انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠]. نقله عنه.\n(١٠) صحيح البخاري: (٧١): ص ١/ ٣٩.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠.\n(١٢) الحديث ضعيف مرفوعا، أنظر: السلسلة الضعيفة (١١/ ١٩٩ - ٢٠١/ ٥١١٨) ..\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠١.\n(١٤) وهذا غاية التحقيق في معنى الحكمة، فقد قيل في معناها أقوال كثيرة، انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٧٦ - ٥٧٩، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٣/ ١٠٩٩ - ١٢٠٤، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٨٦ أ، البسيط للواحدي: ١/ ٨٨ أو: ١/ ١٦٠ ب، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٩٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٣٣٤، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٤٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٢٤، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٣٠، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٩٨، مدارج السالكين لابن القيم: ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩. والذي يظهر أن الحكمة حكمتان، الأولى: علمية، وهي: الفهم والعلم والاطلاع على بواطن الأشياء. والأخرى عملية، وهي: فعل الصواب، ووضع الشيء في محله، وقد أفاد ذلك ابن القيم في مدارج السالكين: ٢/ ٤٧٩، والرازي في مفاتيح الغيب: ٧/ ٧٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٣٠، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٢٠.\n(١٥) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦.","vol":"5","page":372},{"text":"وقال القاسمي: \"قال كثيرون: الحكمة إتقان العلم والعمل. وبعبارة أخرى معرفة الحق والعمل به، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولبّ وإصابة رأي. وهي في هذا الموضع في معنى الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي محكم. وهو فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] \" (١).\nقال ابن عثيمين: \"و﴿الحكمة﴾ مِن أحكم بمعنى أتقن؛ وهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وتستلزم علمًا، ورشدًا، فالجاهل لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة؛ والسفيه لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة\" (٢).\nوقال الطبري: (الحكمة): من (الحكم) وفصل القضاء، وأنها الإصابة ... وإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة. وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره مفهما خاشيا لله فقيها عالما، وكانت النبوة من أقسامه، لأن الأنبياء مسددون مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في بعض الأمور، \" والنبوة \" بعض معاني (الحكمة) \" (٣).\nوقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولًا في تعريف الحكمة (٤) (٥)، وعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: \"الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه\".\nفجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلانًا لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبين الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهمًا، خاشيًا للَّه، فقيهًا، عالمًا، عاملًا بعلمه، ورعًا في دينه ... والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام - مسددون، مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، \"أي: من يعطه الله ﷾ الحكمة فقد أعطاه خيرًا كثيرًا\" (٧).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩.\n(٢) تفسير ابن عثيمن: ٣/ ٣٥١.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٧٩.\n(٤) انظر: تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف، أبو حيان الأندلسي، ٢/ ٣٢٠.\n(٥) انظر: تفسير مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية في المصادر التالية: جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦٠، ٦١، وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري المطبوع بهامش تفسير الطبري، ١/ ٤١٣، وتفسير البغوي، ١/ ٢٥٦، ١/ ١١٦، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، ١/ ٣٢٤، ١/ ١٤٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ٢/ ١٣١، ٣/ ٦٠، ٦١، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ١/ ١٨٤، ١/ ٣٢٣، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي، ١/ ٣٨٧، ٣/ ٤١، وفتح القدير للشوكاني، ١/ ٢٨٩، ١/ ١٤٤، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، ١/ ٤٧٢، ٢/ ٢٩، ٣/ ٧٥، ٣/ ٢٦٣، وتفسير المراغي، ١/ ٢١٤، ٢/ ١٩، ٣/ ٤١، وتفسير السعدي، ١/ ١٧٣، ١/ ٢٩٠، ٦/ ١٥٤، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، ١/ ٣١٢، ١/ ١٣٩، ٣٩٩، ٢/ ٩٩٧، وصفوة المفاهيم والآثار لعبد الرحمن الدوسري، ٢/ ٣٦٠، ٤١٦، ٣/ ٤٩٨، ٤٩٩، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٦/ ٦٦، ٦٧،\n٩/ ٢٢/ ٢٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٩/ ١٧٠، ومدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٧٨، ٤٧٩، والتفسير القيم لابن القيم، ص ٢٢٧، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، ١/ ٦٧، ٧٠، ٦/ ٥٣١، ٧/ ١٠٠، ١٠/ ٥٢٢، ٥٢٩/ ٥٤٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٧/ ٣٣، ٦/ ٩٨، ١٥/ ١٢، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٨٢، ٧/ ٥٨، ١٠/ ٣٢٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٣٥٤، ٣٥٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥١.","vol":"5","page":373},{"text":"قال مكحول: \"إن القرآن جزء من اثنين وسبعين جزءا من النبوة، وهو الحكمة التي قال الله: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ \" (١).\nقال الزمخشري: \" و﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتى أىّ خير كثير\" (٢) (٣).\nقال أبو حيان: \" وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها\" (٤).\nقال القاسمي: \"وفي إيلاء هذه الآية لما قبلها إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله الحكمة\" (٥).\nقال القرطبي: \" يقال: إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك: \" ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وسمى هذا خيرا كثيرا، لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وسمى العلم والقرآن ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ \" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" فإن قال قائل: ما وجه اختلاف التعبير بين قوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة﴾؟\nفالجواب: - والله أعلم - أن الحكمة قد تكون غريزة؛ وقد تكون مكتسبة؛ بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلًا عن الناس؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعم كل طرق الحكمة التي تأتي - سواء أوتي الحكمة من قبل الله ﷿، أو من قِبل الممارسة والتجارب؛ على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، فيه ثلاثة قراءات (٨):\nالأولى: قرأ الجمهور مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهو ضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت.\nالثانية: وقرأ الزهري ويعقوب: ﴿وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ﴾، بكسر التاء مبنيا للفاعل.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣٩): ص ٢/ ٥٣٤.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦.\n(٣) اعترض عليه أبو حيان قائلا: \" وهذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم، ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره، أي خير كثير، إنما هو على أن يجعل خير صفة لخير محذوف، أي: فقد أوتي خيرًا، أي خير، كثير. ويحتاج إلى إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب، وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي، فإنما تضاف للفظ مثل الموصوف، تقول: مررت برجل أي رجل كما قال الشاعر [الدر المصون: ٢/ ٦٠٦، وهمع الهوامع: ١/ ٩٢، والدر اللوامع: ١/ ٧٠]:\nدعَوْتُ امْرَأً أَيَّ امْرِئٍ فَأَجَابَنِي ... وَكُنْتُ وَإِيَّاهُ مَلاذًا وَمَوْئِلًا\nوإذا تقرر هذا، فهل يجوز وصف ما يضاف إليه؟ أي: إذا كانت صفة، فتقول: مررت برجل أيّ رجل كريم، أو لا يجوز؟ يحتاج جواب ذلك إلى دليل سمعي، وأيضًا ففي تقديره: أي خير كثير، حذف الموصوف وإقامة أي الصفة، ولا يجوز ذلك إلاّ في ندور، لا تقول: رأيت أي رجل، تريد رجلًا، أي رجل إلاّ في ندور نحو قول الشاعر [ديوان الفرزدق: ١/ ٤١٧]:\nإذا حارب الحجّاج أيّ منافق ... علاه بسيف كلّما هزّ يقطع\nيريد: منافقًا، أي منافق، وأيضًا: ففي تقديره: خيرًا كثيرًا أيّ كثير، حذف أي الصفة، وإقامة المضاف إليه مقامها، وقد حذف الموصوف به، أي: فاجتمع حذف الموصوف به وحذف الصفة، وهذا كله يحتاج في إثباته إلى دليل\". [البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢].\n(٤) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥١.\n(٨) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٣١.","vol":"5","page":374},{"text":"قال الزمخشري: \"بمعنى: ومن يؤته اللَّه الحكمة\" (١). قال أبو حيان: \" فإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك، ليس في يؤت ضمير نصب حذف، بل مفعوله مقدّم بفعل الشرط، كما تقول: أيًا تعط درهمًا أعطه درهمًا\" (٢).\nالثالثة: وقرأ الأعمش: ﴿ومن يؤته الحكمة﴾، بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول: ليؤت، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في: يؤت، عائد على الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، أي \"ما يتعظ بآيات الله إلا أصحاب العقول الذين يتصرفون تصرفًا رشيدًا\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام\" (٤).\nقال الزمخشري: \" يريد الحكماء العلام العمال. والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق\" (٥).\nقال القاسمي: أي: وما \" يتعظ بأمثال القرآن والحكم، [إلا] ذوو العقول من الناس، الخالصة من شوائب الهوى. وهم الحكماء\" (٦).\nقال الطبري: \" فأخبر جل ثناؤه أن المواعظ غير نافعة إلا أولي الحجا والحلوم، وأن الذكرى غير ناهية إلا أهل النهي والعقول\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة﴾؛ وهذه من الصفات الفعلية.\n٢ - ومنها: أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾؛ فإذا منّ الله ﷾ على العبد بعلم، ورشد، وقوة، وقدرة، وسمع، وبصر فلا يترفع؛ لأن هذه الصفات من الله ﷿؛ ولو شاء الله لحرمه إياها، أو لسلبه إياها بعد أن أعطاه إياها؛ فقد يسلب الله العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه؛ وربما يسلب منه الحكمة؛ فتكون كل تصرفاته طيشًا، وضلالًا، وهدرًا.\n٣ - ومنها: إثبات المشيئة لله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ واعلم أن كل شيء علقه الله ﷾ بمشيئته فإنه تابع لحكمته البالغة؛ وليس لمجرد المشيئة؛ لكن قد نعلم الحكمة؛ وقد لا نعلمها؛ قال الله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\n٤ - ومنها: إثبات الحكمة لله ﷿؛ لأن الحكمة كمال؛ ومعطي الكمال أولى به؛ فنأخذ من الآية إثبات الحكمة لله بهذا الطريق.\n٥ - ومنها: الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾.\n٦ - ومنها: وجوب الشكر على من آتاه الله الحكمة؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب الشكر.\n٧ - ومنها: أن بلوغ الحكمة متعدد الطرق؛ فقد يكون غريزيًا جبل الله العبد عليه؛ وقد يكون كسبيًا يحصل بالمران، ومصاحبة الحكماء.\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠١.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٠.","vol":"5","page":375},{"text":"٨ - ومنها: منّة الله ﷾ على من يشاء من عباده بإيتائه الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾.\n٩ - ومنها: فضيلة العقل؛ لقوله تعالى: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان؛ فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل؛ والعقل ليس هو الذكاء لأن العقل نتيجته حسن التصرف - وإن لم يكن الإنسان ذكيًا؛ والذكاء؛ قوة الفطنة - وإن لم يكن الإنسان عاقلًا؛ ولهذا نقول: ليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكيًا؛ لكن قد يجتمعان؛ وقد يرتفعان؛ وهناك عقل يسمى عقل إدراك؛ وهو الذي يتعلق به التكليف، وهذا لا يلحقه مدح، ولا ذم؛ لأنه ليس من كسب الإنسان.\n١٠ - ومن فوائد الآية: أن عدم التذكر نقص في العقل - أي عقل الرشد؛ لقوله تعالى: ﴿وما يذَّكر إلا أولو الألباب﴾؛ فإن الحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف، ونقص بنقص ذلك الوصف.\n١١ - ومنها: أنه لا يتعظ بالمواعظ الكونية أو الشرعية إلا أصحاب العقول الذين يتدبرون ما حصل من الآيات سابقًا، ولاحقًا؛ فيعتبرون بها؛ وأما الغافل فلا تنفعه.\nالقرآن\n﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠]\nالتفسير:\nوما أعطيتم من مال أو غيره كثير أو قليل تتصدقون به ابتغاء مرضات الله أو أوجبتم على أنفسكم شيئًا من مال أو غيره، فإن الله يعلمه، وهو المُطَّلِع على نياتكم، وسوف يثيبكم على ذلك. ومَن منع حق الله فهو ظالم، والظالمون ليس لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، \" يعني أي صدقة تصدقتم\" (١).\nقال البغوي: \" فيما فرض الله عليكم\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي ما بذلتم أيها المؤمنون من مال\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، أي: \" أو نذرتم من شيء في سبيل الله\" (٤).\nقال البغوي: \"أي: ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني \" بالنذر \"، ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله، وتقربا به إليه: من صدقة أو عمل خير\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، أي: \" فإِن الله يعلمه ويجازيكم عليه\" (٧).\nقال الآلوسي: \"كناية عن مجازاته سبحانه عليه وإلا فهو معلوم\" (٨).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، ثلاثة اوجه (٩):\nالأول: قال مجاهد: \"يحصيه\" (١٠).\nالثاني: قال الزجاج: \"يجازي عليه\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٠.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٨) روح المعاني: ٢/ ٤٢.\n(٩) أنظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(١٠) أخرجه الطبري (٦١٩٣)، و(٦١٩٤): ص ٥/ ٥٨١، وابن ابي حاتم (٢٨٤١): ص ٢/ ٥٣٥.\n(١١) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.","vol":"5","page":376},{"text":"والثالث: وقيل: يحفظه (١).\nقال البغوي: \"يحفظه حتى يجازيكم به\" (٢).\nقال أبو حيان: \"وهذه الأقوال متقاربة\" (٣).\nقال البغوي: \" وإنما قال: يعلمه، ولم يقل: يعلمها لأنه رده إلى الآخر منهما كقوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾ [النساء: ١١٢]، وإن شئت حملته على (ما) كقوله: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [[البقرة: ٢٣١]، ولم يقل بهما\" (٤).\nوقال الطبري: \" فإن قال لنا قائل: فكيف قال: ﴿فإن الله يعلمه﴾، ولم يقل: (يعلمهما)، وقد ذكر النذر والنفقة، قيل: إنما قال: ﴿فإن الله يعلمه﴾، لأنه أراد: فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم، فلذلك وحد الكناية\" (٥).\nوقد ذكر أهل اللغة في التقدير في قوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وجهين (٦):\nالأول: قال النحاس: \"التقدير ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ فإن الله يعلمها، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ثم حذف\" (٧).\nالثاني: ويجوز أن يكون التقدير: وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على \"ما\" كما أنشد سيبويه لامرئ القيس:\nفَتُوِضحَ فَالِمقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ (٨)\nويكون ﴿أو نذرتم من نذر﴾ معطوفا عليه. قال ابن عطية: \"ووحد الضمير في ﴿يعلمه﴾ وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص\" (٩).\nقال القرطبي: \" وهذا حسن: فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر. والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه، تقول: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر - بضم الذال - وينذر - بكسرها -. وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" وتضمنت هذه الآية وعدًا ووعيدًا بترتيب علم الله على ما أنفقوا أو نذروا، ومن نفقة\" (١١).\nقال القرطبي: \" أي من كان خالص النية فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم، يذهب فعله باطلا\" (١٢).\nقال الشوكاني: \" فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول والوعيد لمن جاء بعكس ذلك ووحد الضمير مع كون مرجعه شيئين هما النفقة والنذر لأن التقدير وما أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمها أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه\" (١٣).\n_________\n(١) أنظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٥.\n(٣) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨١.\n(٦) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣١.\n(٨) شرح المعلقات السبع: ١٣ - ١٤.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٢.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٣.\n(١٣) فتح القدير: ١/ ٢٩٠.","vol":"5","page":377},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]،\nقال البغوي: أي: وليس للـ\"واضعين الصدقة في غير موضعها بالرياء أو يتصدقون من الحرام، [من] أعوان يدفعون عذاب الله عنهم \" (١).\nقال الصابوني: \" أي: وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في معاصي الله، من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله\" (٢).\nقال الطبري: \" وما لمن أنفق ماله رئاء الناس وفي معصية الله، وكانت نذوره للشيطان وفي طاعته .. [من] من ينصرهم من الله يوم القيامة، فيدفع عنهم عقابه يومئذ بقوة وشدة بطش، ولا بفدية (٣).\nقال القاسمي: ﴿وَما لِلظَّالِمِينَ﴾: \" أي: الذين ينفقون رئاء الناس، أو يضعون الإنفاق في غير موضعه. أو بضم المنّ والأذى إليه، أو بالإنفاق من الخبيث، أو يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور\" (٤).\nقال المراغي: \" أي وما للذين ظلموا أنفسهم ولم يزكوها من رذيلة البخل، أو من رذيلة المن والأذى، وظلموا الفقراء والمساكين بمنع ما أوجبه الله لهم وظلموا الأمة بترك الإنفاق في مصالحها العامة - من أنصار لهم ينصرونهم يوم الجزاء، فيدفعون عنهم بجاههم أو بمالهم، وهذا كقوله: ﴿ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ \" (٥).\nقال الآلوسي: ﴿وَما لِلظَّالِمِينَ﴾: \" أي الواضعين للأشياء في غير مواضعها التي يحق أن توضع فيها فيشمل المنفقين بالرياء والمنّ والأذى، والمتحرين للخبيث في الإنفاق، والمنفقين في باطل والناذرين في معصية والممتنعين عن أداء ما نذروا في حق، والباخلين بالصدقة مما آتاهم الله تعالى من فضله، وخصهم أبو سليمان الدمشقي بالمنفقين بالمنّ والأذى والرياء والمبذرين في المعصية ومقاتل بالمشركين ولعل التعميم أولى\" (٦).\nو(الظالم): \"هو الواضع للشيء في غير موضعه، وإنما سمى الله المنفق رياء الناس، والناذر في غير طاعته، ظالما، لوضعه إنفاق ماله في غير موضعه، ونذره في غير ماله وضعه فيه، فكان ذلك ظلمه\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، أي من: \"أعوان يدفعون عذاب الله عنهم\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي من أعوان ينصرونهم من عقاب الله\" (٩).\nقال الآلوسي: \" أي أعوان ينصرونه من بأس الله تعالى لا شفاعة ولا مدافعة\" (١٠).\nقال الحراليّ: \"ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخيّ وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم، بوضع القهر موضع البر، ناصرا\" (١١).\nوقال شريح: \" الظالم ينتظر العقوبة، والمظلوم ينتظر النصر\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨١.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩.\n(٥) تفسير المراغي: ١/ ٥٢١.\n(٦) روح المعاني: ٢/ ٤٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨١.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٥.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩.\n(١٠) روح المعاني: ٢/ ٤٢.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩.\n(١٢) أخرجا ابن ابي حاتم (٢٨٢٤): ص ٢/ ٥٣٥.","vol":"5","page":378},{"text":"واختلف في تفسير (الظَّالِمِينَ) في هذه الآية على وجوه (١):\nالأول: هم المشركون. قاله مقاتل (٢).\nالثاني: وقال أبو سليمان الدمشقي: \"هم المنفقون بالمن والأذى والرياء، والمبذورن في المعصية\" (٣).\nالثالث: وقيل: المنفقو الحرام (٤).\nقال أبو حيان: ظاهره العموم، فكل ظالم لا يجد له من ينصره ويمنعه من الله\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من نفقة﴾، وكلمة ﴿نفقة﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فهي تعم؛ وعلى ذلك تشمل القليل، والكثير؛ لكن الثواب عليها مشروط بأمرين: الإخلاص لله؛ وأن تكون على وفق الشرع.\n٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإن الله يعلمه﴾؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله.\n٣ - ومنها: أن ما نذره الإنسان من طاعة فهو معلوم عند الله.\n٤ - هل تدل الآية على جواز النذر؟\nالجواب: الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلًا: «إن سرَقتَ فإن الله يعلم سرقتك»؛ فإن هذا لا يعني أن السرقة جائزة؛ وعلى هذا فالآية لا تعارض نهي النبي ﷺ عن النذر (٦)؛ لأن النهي عن النذر يعني إنشاءه ابتداءً؛ فأما الوفاء به فواجب إذا كان طاعة؛ لقول النبي ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٧).\n٥ - ومنها: عموم علم الله بكل ما ينفقه الإنسان، أو ينذره من قليل، أو كثير.\n٦ - ومنها: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقًا؛ وجه ذلك: أنه إذا كان الله يعلمه فلا بد أن يقع على حسب علمه؛ وإلا لزم أن يكون الله غير عالم؛ ولهذا قال بعض السلف: جادلوهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا.\n٧ - ومنها: أن الله ﷾ لا ينصر الظالم؛ لقوله تعالى: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾؛ ولا يرد على هذا ما وقع في أُحد من انتصار الكافرين لوجهين:\nالوجه الأول: أنه نوع عقوبة، حيث حصل من بعض المسلمين عصيانهم لأمر النبي ﷺ، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ [آل عمران: ١٥٢].\nالوجه الثاني: أن هذا الانتصار من أجل أن يمحق الله الكافرين؛ لأن انتصارهم يغريهم بمقاتلة المسلمين؛ حتى تكون العاقبة للمسلمين، كما قال تعالى: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤١].\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٢) نقلا عن: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٤) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٣.\n(٦) راجع البخاري ص ٥٥٣، كتاب القدر، باب ٦: إلقاء العبد النذر إلى القدر، حديث رقم ٦٦٠٨؛ ومسلمًا ص ٩٦٤، كتاب النذر، باب ٢: النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا، رقم ٤٢٣٧ [٢] ١٦٣٩.\n(٧) أخرجه البخاري ص ٥٥٩، كتاب الإيمان والنذور، باب ٢٨: النذر في الطاعة (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر)، حديث رقم ٦٦٩٦.","vol":"5","page":379},{"text":"٨ - ومن فوائد الآية: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه؛ لأنه لو أجيب لكان نصرًا له؛ وقد قال تعالى: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١].\n٩ - ومنها: الثواب على القليل، والكثير؛ وفي القرآن ما يشهد لذلك، مثل قوله تعالى: ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ [التوبة: ١٢١]، وقوله تعالى في آخر سورة الزلزلة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].\nالقرآن\n﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١]\nالتفسير:\nإن تظهروا ما تتصدقون به لله فنِعْمَ ما تصدقتم به، وإن تسرُّوا بها، وتعطوها الفقراء فهذا أفضل لكم؛ لأنه أبعد عن الرياء، وفي الصدقة -مع الإخلاص- محو لذنوبكم. والله الذي يعلم دقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وسيجازي كلا بعمله.\nوفي سبب نزول الآية أقوال (١):\nأحدها: قال الكلبي: \"لما نزلت: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ الآية قالوا: يا رسول الله أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ \" (٢).\nوالثاني: أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم قال: أنزلت في أبي بكر وعمر، أما عمر فجاء بنصف ماله، حتى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر فجاء بماله كله، يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ قال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر، وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، ما استبقنا إلى باب خير قط، إلا كنت سابقنا اليه\" (٣).\nقال السيوطي: \" وقصة إتيان أبي بكر وعمر بالمال وردت من طريق موصولة، ولكن ليس فيها ذكر نزول الآية أخرجها أبو داود (٤)، وصححها الترمذي (٥)، والحاكم (٦)، من رواية زيد ين أسلم عن أبيه عن عمر به\" (٧).\n_________\n(١) أنظر: أسباب النزول للواحدي: ٨٩، والبحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٨٩، والعجاب في بيان الأسب: ١/ ٦٢٧، حديث مرسل جيد الإسناد، وقد وصله ابن أبي حاتم وانظر: تفسير ابن كثير: ١٠/ ٣٢٣، وفتح القدير: ١/ ٢٩٣، عن ابن عباس ﵄ ويشهد له: ما أخرجه النسائي وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي (فتح القدير: ١/ ٢٩٣) والحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٨٥) والطبراني (المعجم الكبير: ١٢/ ٥٤ - ح ١٢٤٥٣) عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم وهم مشركون فأنزل الله عليهم، صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا (وانظر حاشية معجم الطبراني الكبير: ١٢/ ٥٤).\n(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٤٨): ص ٢/ ٥٣٦، حديث منقطع، وانظر: العجاب في بيان الاسباب: ١/ ٦٢٨، وزاد السيوطي: ٢/ ٨٥، نسبته إلى ابن مردويه والأصبهاني في \"الترغيب\"وابن عساكر.\n(٤) في سننه، كتاب الزكاة، باب الرخصة في ذلك بعد باب الرجل يخرج من ماله (١٦٧٨): ص ٢/ ١٢٩.\n(٥) في \"جامعه\" كتاب \"المناقب\" باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما (٣٦٧٥): ص ٥٧٤/ ٥، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٦) في \"مستدركه\"، كتاب \"الزكاة\" \"١/ ٤١٤\" وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(٧) العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٢٨.","vol":"5","page":380},{"text":"الثالث: وروي عن يزيد بن ابي حبيب: \"إنما نزلت هذه الآية: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾، في الصدقة على اليهود والنصارى\" (١).\nقوله تغالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١]، \" أي: إن تظهروا إعطاء الصدقات\" (٢).\nقال الطبري: \" إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: \" فنعم الشيء هي\" (٤).\nقال ابن عطية: \" ثناء على إبداء الصدقة\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿نِعِمّا﴾ [البقرة: ٢٧١]، في إعرابه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن (ما) بعد (نعم) معرفة تامة، والتقدير: نعم الشيء، فبولغ فيه (٦).\nوهذا التقدير مبني على أن (ما) بعد (نعم) معرفة تامة، لا تفتقر إلى صلة، في محل رفع فاعل بالفعل و(هي) مخصوص بالمدح، والمعنى: إن تبدو الصدقات بينكم فنعم الشيء إبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح، إلا أنه حذف وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، وهذا القول أي: أن (ما) معرفة تامة في محل رفع فاعل.\nقال به سيبويه (٧) والمبرد وابن السراج في آخرين (٨).\nالثاني: وذهب آخرون إلى أن (ما) نكرة تامة غير موصوفة في محل نصب تمييز للفاعل المستتر وجوبًا، والمفسر (ما)، و(هي) مخصوص بالمدح، والمعنى: إن تبدو الصدقات بينكم فنعم شيئًا إبداؤها.\nوهذا قول أبي علي الفارسي (٩) والواحدي (١٠) وابن عطية (١١) وأبي حيان (١٢).\nالثالث: وذهب الفراء (١٣) إلى أن (ما) لا موضع لها من الإعراب، وأنها مع (نعم) ركبت تركيبًا واحدًا كحبذا، وجمهور المحققين على خلاف هذا القول (١٤).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] على وجوه (١٥):\nاحدها: ﴿فَنِعِمَّا﴾ بكسر النون، والعين ساكنة. قرأه نافع في غير رواية ورش وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضّل.\nوالثاني: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بكسر النون والعين. قرأه ابن كثير وعاصم في رواية حفص، ونافع في رواية ورش.\nوالثالث: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بفتح النون وكسر العين. قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي، وكلّهم شدّد الميم (١٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦١٩٩): ص ٥/ ٥٨٣.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤، وانظر: روح المعاني: ٢/ ٤٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٢.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥.\n(٦) وهذا تقدير الزجاج في معاني القرآن: ١/ ٣٥٤، والطبري في جامع البيان: ٥/ ٥٨٢، والعكبري في إملاء ما من به الرحمن: ١/ ١١٥.\n(٧) الكتاب لسيبويه: ١/ ٧٣.\n(٨) أنظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ٧٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٧، مشكل إعراب القرآن لمكي: ١/ ١٤١.\n(٩) الحجة للفارسي: ٢/ ٢٩٨.\n(١٠) البسيط للواحدي: ١/ ١٦١.\n(١١) المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣٣.\n(١٢) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(١٣) معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٧.\n(١٤) أنظر: شرح الكافية الشافية لابن مالك: ٢/ ١١١٣، أوضح المسالك لابن هشام: ٣/ ٢٧٩، قطر الندى له: ٣٥، همع الهوامع للسيوطي: ٥/ ٣٩.\n(١٥) الحجة للقراءة السبعة: ٢/ ٣٩٦.\n(١٦) انظر: السبعة: ١٩٠.","vol":"5","page":381},{"text":"قال أبو عليّ: \"من قرأ ﴿فَنِعِمَّا﴾، بسكون العين من (فَنِعِمَّا) لم يكن قوله مستقيما عند النحويين، لأنّه جمع بين ساكنين، الأول منهما ليس بحرف مدّ ولين، والتقاء الساكنين عندهم إنّما يجوز إذا كان الحرف الأول منهما حرف لين، نحو: دابّة وشابّة، وتمودّ الثوب، وأصيم (١)، لأنّه ما في الحروف من المدّ يصير عوضًا من الحركة، ألا ترى أنّه إذا صار عوضًا من الحرف المتحرك المحذوف من تمام بناء الشعر عندهم، فأن يكون عوضًا من الحركة أسهل.\nوقد أنشد سيبويه شعرًا قد اجتمع فيه الساكنان (٢)، على حدّ ما اجتمعا في (فَنِعِمَّا) في قراءة من أسكن العين وهو (٣):\nكأنّه بعد كلال الزاجر ... ومسحي مرّ عقاب كاسر\nوأنكره أصحابه (٤)، ولعل أبا عمرو أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو: ﴿بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، و﴿َيَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] فظنّ. السامع الإخفاء إسكانًا للطف ذلك في السّمع وخفائه.\nوأمّا من قرأ: ﴿فَنِعِمَّا﴾، فحجّته أنّه أصل الكلمة نعم، ثم كسر الفاء من أجل حرف الحلق. ولا يجوز أن يكون ممن قال: نعم، فلمّا أدغم حرّك، كما يقول: ﴿يَهْدِي﴾ [يونس: ٣٥]، ألّا ترى أنّ من قال: هذا قدّم مالك، فأدغم، لم يدغم نحو قوله: هذا قدم مالك، وجسم ماجد، لأنّ المنفصل لا يجوز فيه ذلك كما جاز في المتصل قال سيبويه: أمّا قول بعضهم في القراءة: فَنِعِمَّا، فحرك العين، فليس على لغة من قال: نعم ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نعم فحرك العين. وحدّثنا أبو الخطاب (٥): أنّها لغة هذيل، وكسر، كما قال: لعب. ولو كان الذي يقول: نعمّا ممن يقول في الانفصال: نعم لم يجز الإدغام على قوله، لما يلزم من تحريك الساكن في المنفصل. وأمّا من قال: ﴿فَنِعِمَّا﴾ فإنّما جاء بالكلمة على أصلها، وهو نعم كما قال (٦):\nما أقلّت قدماي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ\n_________\n(١) قوله: تمود لم ترد في المعاجم وأوردها سيبويه ٢/ ٤٠٧ والرضي في شرح الشافية ٢/ ٢١٢ وأصيم: تصغير أصمّ.\n(٢) وقد ردّ ابن جني في سر صناعة الإعراب والمحتسب على من ظن أن سيبويه جمع بين الساكنين فقال: «قال سيبويه كلامًا يظن به في ظاهره أنه أدغم الحاء في الهاء، بعد أن قلب الهاء الحاء، فصار في ظاهر قوله:\n«مسحّ». واستدرك أبو الحسن ذلك عليه وقال: إن هذا لا يجوز إدغامه؛ لأنّ السين ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين. فهذا لعمري تعلق بظاهر لفظه، فأمّا حقيقة معناه؛ فلم يرد محض الإدغام وإنّما أراد الإخفاء؛ فتجوّز بذكر الإدغام، وليس ينبغي لمن قد نظر في هذا العلم أدنى نظر أن يظن سيبويه ممن يتوجه عليه هذا الغلط الفاحش حتى يخرج فيه من خطأ الإعراب إلى خطأ الوزن. لأنّ هذا الشعر من مشطور الرجز، وتقطيع الجزء الذي فيه السين والحاء: «ومس حهي» مفاعلن، فالحاء: بإزاء عين مفاعلن، فهل يليق بسيبويه أن يكسر شعرًا، وهو من ينبوع العروض، وبحبوحة وزن التفعيل؟ !» ا. هـ. (من سرّ الصناعة ١/ ٦٦).\n(٣) البيت من شواهد سيبويه ٢/ ٤١٣ على إدغام الهاء في الحاء في كلمة «مسحي» كما جاء رسمها في الكتاب، وأصله: «مسحه» وفي سرّ صناعة الإعراب ص ٦٥ والمحتسب ١/ ٦٢. قال الأعلم: يريد- سيبويه- أنّه أخفى الهاء عند الحاء في قوله: «مسحه» وسماه إدغاما لأنّ الإخفاء عنده ضرب من الإدغام، ولا يجوز الإدغام في البيت لانكسار الشعر. وكذلك بيّنه ابن جني.\n(٤) من أمثال أبي الحسن الأخفش الذي ذكره ابن جني.\n(٥) هو الأخفش الأكبر.\n(٦) البيت من شواهد التبريزي في شرح الحماسة ٢/ ٨٥ لطرفة برواية المصنف، وعجزه في شرح الكافية ٤/ ٢٣٩، وفي سيبويه ٢/ ٤٠٨ برواية:\nما أقلّت قدم ناعلها ... نعم الساعون في الحي الشّطر\nونقله ابن جني عن شيخه أبي علي في المحتسب ١/ ٣٤٢، ٣٥٧ والخصائص ٢/ ٢٢٨ برواية:\nما أقلت قدمي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ\nورواية البيت في: ديوان طرفة: ٧٢:\nحالتي والنفس قدما إنّهم ... نعم الساعون في القوم الشطر\nوقد استوفى الكلام على الشاهد البغدادي في خزانة الأدب ٤/ ١٠١. وفي اللسان (برر). المبرّ: الغالب، من أبرّه يبرّه: إذا قهره بفعال أو غيره.","vol":"5","page":382},{"text":"ولا يجوز أن يكون ممن يقول: قبل الإدغام نعم، كما أن من قال: نعمّا لا يكون ممن قال قبل الإدغام: نعم، ولكن ممن يقول نعم، فجاء بالكلمة على أصلها وكل حسن\" (١).\nواختلف أهل العلم في المعني بالـ (صدقات) هنا، التطوع أم الفرض (٢):\nالأول: قيل الألف واللام للعهد، فتصرف إلى المفروضة، فإن الزكاة نسخت كل الصدقات (٣)، وبه قال الحسن (٤)، وقتادة (٥)، ويزيد بن أبي حبيب (٦)، وأبو جعفر (٧).\nالثاني: المراد هنا صدقات التطوّع دون الفرض. قاله سفيان (٨)، وهو قول جمهور المفسرين (٩)، لأن \"الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" والصدقات ظاهر العموم، فيشمل المفروضة والمتطوّع بها\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: \" وإن تستروها فلم تعلنوها\" (١٢).\nقال الآلوسي: \" أي تسروها\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: \" وتعطوها الفقراء في السر\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: \" فهو أفضل لكم، لأن ذلك أبعد عن الرياء\" (١٥).\nقال القاسمي: \" أي من العلانية، لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات\" (١٦).\nقال الآلوسي: أي: \" فالإخفاء خير لكم\" (١٧).\nقال الطبري: \" فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها\" (١٨).\nقال ابن القيم: \"وتأمَّل تقييده - تعالى - الإخفاءَ بإيتاء الفقراء خاصةً، ولم يَقُلْ: وإن تُخفوها فهو خيرٌ لكم، فإنَّ من الصَّدَقة ما لا يُمكن إخفاؤه، كتجهيز جيشٍ، وبناء قنطرةٍ، وإجراء نهرٍ، أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء، ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تَخْجِيلِه بين الناس، وإقامته مقامَ الفضيحة، وأن يرى النَّاسُ\n_________\n(١) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن عبد الله بن عباس، قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ فكان هذا يعمل به، قبل أن تنزل، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفضيلها، انتهت الصدقات إليها\". [تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٤٣): ص ٢/ ٥٣٥].\nقال ابن أبي حاتم: \"وروي عن مقاتل بن حيان، أنها منسوخة\". [تفسيره: ٢/ ٥٣٥].\nوقال النقاش: \"إن هذه الآية نسخها قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [البقرة: ٢٧٤] \". [المحرر الوجي: ١/ ٣٦٥].\n(٤) نقلا عن: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(٥) نقلا عن: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(٦) نقلا عن: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(٧) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٤٤): ص ٢/ ٥٣٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٤٥): ص ٢/ ٥٣٦.\n(٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥، وتفسير القرطبي: ٣: ٣٣٢، والبحر الميط: ٢/ ٢٤٤.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٢.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤.\n(١٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٨٢.\n(١٣) روح المعاني: ٢/ ٤٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٢.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(١٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢١٠.\n(١٧) روح المعاني: ٢/ ٢٤٥.\n(١٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٢.","vol":"5","page":383},{"text":"أنَّ يده هي اليد السُّفلى، وأنَّه لا شيءَ له؛ فيزهدون في معاملته ومعاوَضته، وهذا قدرٌ زائدٌ من الإحسان إليه لمجرد الصَّدَقة، مع تضمُّنه الإخلاص ... \" (١).\nوقد اختلفوا: هل الأفضل إظهار الصدقات أم إخفاؤها، وفيه وجوه (٢):\nأحدها: إسرار صدقة التطوع أفضل مِن إظهارها، لأنه من الرياء أبعد، فأما الزكاة فإبداؤها أفضل، لأنه من التهمة أبعد، وهو قول ابن عباس (٣)، وسفيان (٤)، وأبو جعفر (٥).\nوحكى الطبري الإجماع على إظهار الصدقة المفروضة، واختاره، القاضي أبو يعلى (٦).\nقال ابن حجر: \" وأما الآية فظاهرة في تفضيل صدقة السر\" (٧).\nوقال القرطبي: \" مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: \" أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" (٨)، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ: \"إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة\" (٩)، وفي الحديث: \"إن صدقة السر تطفئ غضب الرب\" (١٠) \" (١١).\nقال ابن العربي: \"وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر، بيد أن علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة\" (١٢).\nثم قال القرطبي: \"هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل، وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن القيم: ١٧٠.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٧): ص ٥/ ٥٨٣، وابن ابي حاتم (٢٨٤٧): ص ٢/ ٥٣٦.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٨): ص ٥/ ٥٨٣.\n(٥) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٤٤): ص ٢/ ٥٣٥. ولفظه: \": ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ يعني: الزكاة المفروضة\". وتفسير ابن أبي حاتم (٢٨٥٠): ص ٢/ ٥٣٧. ولفظه: \" وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يعني: التطوع\".\n(٦) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠١.\n(٧) الفتح: ٣/ ٣٣٩. أي: إذا أعطيت للفقراء وذوي الحاجات لقوله﷿-: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، أما إذا صرفت الصدقة لغير الفقراء كالمشاريع الخيرية ونحوها فليس في الآية ما يدل على فضيلة صدقة السر، والأمر خاضع للمصلحة، فإذا لم يخش المتصدق على نفسه رياء، وكان في إظهارها أسوة وتنشيطًا لذوي الأموال في البذل والعطاء، كان الإظهار أفضل، والله أعلم. انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٨٤، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٨٧ ب، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٩٩، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٣٣، تيسير الكريم الرحمن للسعدي: ٩٦ وغيرها.\n(٨) صحيح البخاري (٦٨٦٠): ص ٦/ ٢٦٥٩.\n(٩) سنن النسائي (١٦٦٣): ص ٣/ ٢٢٥.\n(١٠) المعجم الكبير (١٠١٨): ص ١٩/ ٤٢١.\n(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٢.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٤. وللعِزُّ بن عبدالسَّلام كلام نفيس في تفاوُتِ فضلِ الإسرار والإعلان بالطَّاعات، إذ يقول: \"فإن قيل: هلِ الإخفاءُ أفضلُ من الإعلان؛ لما فيه من اجتناب الرِّياء، أو لا؟ فالجوابُ: أن الطَّاعات ثلاثةُ أَضْرُبٍ:\nأحدها: ما شُرِعَ مجهورًا، كالأذان والإقامة والتَّكبير، والجَهْر بالقراءة في الصَّلاة والخُطَبِ الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الجمعة والجماعات، وغير ذلك، فهذا لا يُمكن إخفاؤه، فإن خاف فاعِلُه الرِّياءَ؛ جاهَدَ نفسَهُ في دَفْعِهِ إلى أن تحضره نيَّةُ الإخلاص، فيأتي به مُخْلَصًا كما شُرِعَ؛ فيَحْصُل على أَجْرِ ذلك الفعل، وعلى أَجْرِ المُجاهِد؛ لما فيه من المصلحة المتعدِّية.\nالثاني: ما يكون إسرارُهُ خيرًا من إعلانه، كإسرار القراءة في الصلاة، وإسرار أَذْكارها، فهذا إسرارُهُ خيرٌ من إعلانه.\nالثالث: ما يُخفَى تارةً ويُظهَرُ أخرى، كالصَّدَقات، فإنْ خاف على نفسه الرِّياء، أو عَرَفَ ذلك مِن نفسه، كان الإخفاء أفضلَ من الإبداء؛ لقوله - تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] \" [قواعد الأحكام: ١/ ١٥٢].","vol":"5","page":384},{"text":"والثاني: أن إخفاء الصدقتين فرضًا ونفلًا أفضل، قاله يزيد بن أبي حبيب (١)، والحسن (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤).\nقال المهدوي: \"قيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء فيهما أفضل في مدة النبي ﵇، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع\" (٥). قال ابن عطية: \"وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء\" (٦).\nوالثالث: وقيل: إن إخفاء الصدقات على فقراء اليهود والنصارؤ أفضل، وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة تطوع، فإخفاؤه أفضل من علانيته. قاله يزيد بن أبي حبيب (٧).\nقال ابن عطية: \" وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري (٨): أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل\" (٩).\nقال الطبري: \" ولم يخصص الله من قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾، شيئا دون شيء، فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه وإظهاره سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية، حكم سائر الفرائض غيرها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، \" أي ويمحو عنكم بعض ذنوبكم\" (١١).\nقال الصابوني: \"أي: يزيل بجميل أعمالكم سيء آثامكم\" (١٢).\nقال السعدي: \" ففيه دفع العقاب\" (١٣).\nقال الآلوسي: \" أي والله يكفر أو الإخفاء، والإسناد مجازي\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" السيئة: هي ما يسوء المرء عمله، أو ثوابه\" (١٥).\nوذكر أهل التفسير في إعراب ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، ثلاثة أوجه (١٦):\n_________\n(١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.\n(٢) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢٨٤٩.\n(٤) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٤٩): ص ٢/ ٥٣٧.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٩): ص ٥/ ٥٨٣.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤. وسيأتي كلامه.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤.\n(١١) تفسير المراغي: ١/ ٥٢٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/! ٥٦.\n(١٣) تفسير السعدي: ١/ ١١٦.\n(١٤) روح المعاني: ٢/ ٤٣.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥٨.\n(١٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥، والبحر المحيط: ٢/ ٢٦٤.","vol":"5","page":385},{"text":"أحدها: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة تقديرها: ويكفر عنكم سيئاتكم. قاله بعض نحويي البصرة (١)، قال ابن عطية: \" وذلك منهم خطأ\" (٢).\nوالثاني: وقيل: أنها تبعيضية، أي: \"نكفر الصفائر من الذنوب (٣)، \" لأن الصدقات لا يكفر بها جميع السيئات\" (٤)، قال الماوردي: \"إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة، الصغائر\" (٥).\nوالثالث: وقيل: أنها سببية، والتقدير: من أجل ذنوبكم (٦). قال أبو حيان وهذا \"ضعيف\" (٧).\nوذكروا في (تكفير السيئات) وجهين (٨):\nأحدهما: يسترها عليهم.\nوالثاني: يغفرها\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، على وجوه (٩):\nأحدها: روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: ﴿وتكفر عنكم﴾، بالتاء، وكان يقول: \" الصدقة هي التي تكفر\" (١٠).\nوالثاني: وقرأ ابن عامر: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالياء والرفع، وكذلك حفص عن عاصم (١١).\nبمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتكم.\nوالثالث: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ونكفر﴾، بالنون وجزم الراء.\nيعني: \"وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم بمعنى: مجازاة الله ﷿ مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها\" (١٢).\nقال أبو علي: \" وأمّا من جزم فقال: ﴿ونكفرْ عنكم﴾، فإنّه حمل الكلام على موضع قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، لأنّ قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ ْ في موضع جزم، ألّا ترى أنّه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، لجزم.\nفقد علمت أنّ قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في موضع جزم فحمل قوله: ويكفر على الموضع، ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [الأعراف: ١٨٦] (١٣) لأنّ قوله: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾: في أنّه في موضع جزم مثل قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ ْ.\nومثله في الحمل على الموضع، قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، حمل قوله ﴿وَأَكُنْ﴾ على موضع قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، لأنّ هذا موضع فعل مجزوم، لو قال: (أخّرني إلى أجل قريب أصّدق)، لجزم، فإذا ثبت أنّ قوله: فأصّدق في موضع فعل مجزوم حمل قوله: أَكُنْ عليه، ومثل ذلك قوله الشاعر (١٤):\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٦.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٧، وروح المعاني: ٢/ ٤٣ - ٤٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣٦.\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٤٣.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.\n(٦) أنظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٦.\n(٧) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٦.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.\n(٩) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠، وتفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤ - ٥٨٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٥١): ص ٢/ ٥٣٧.\n(١١) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٠٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤.\n(١٣) أنظر: الكتاب: ١/ ٤٤٨.\n(١٤) البيت في شرح أبيات المغني ٦/ ٢٩٦ نقلا عن الحجة وفي تهذيب اللغة للأزهري ١٥/ ٦٥٣ وفيه: «أيّا فعلت» مكان «أنّى سلكت».","vol":"5","page":386},{"text":"أنّى سلكت فإنّني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد\nفحمل قوله وأزدد على موضع قوله: فإنني لك كاشح.\nومثله قول الآخر، وأظنّه أبا دؤاد (١):\nفأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا\nفأمّا النون والياء في قوله: نكفّر، ويكفّر، فمن قال: ويكفّر فلأن ما بعده على لفظ الإفراد، فيكفّر أشبه بما بعده من الإفراد منه بالجمع\" (٢).\nالرابع: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ونكفر﴾، بالنون والرفع.\nقال أبو عليّ: \"من قرأ ﴿ونكفر عنكم﴾، من سيئاتكم فرفع، كان رفعه من وجهين:\nأحدهما: أن يجعله خبر مبتدأ محذوف تقديره: ونحن نكفّر عنكم سيئاتكم.\nوالآخر: أن يستأنف الكلام ويقطعه مما قبله، فلا يجعل الحرف العاطف للاشتراك ولكن لعطف جملة على جملة\" (٣).\nقال الطبري: \"وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: ﴿ونكفر عنكم﴾ بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته. وإذا قرئ كذلك، فهو مجزوم على موضع \" الفاء \" في قوله: \" فهو خير لكم \". لأن \" الفاء \" هنالك حلت محل جواب الجزاء\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي \"هو سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي: عليم ببواطن الأمور كظواهرها\" (٦).\nقال ابن عطية: \" وقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وعد ووعيد\" (٧).\nقال المراغي: \" أي فما تفعلونه في صدقاتكم من الإسرار والإعلان، فالله خبير به، عليم بأمره، ومجازيكم عليه، وفي هذا ترغيب في إعطاء الصدقات سرا\" (٨).\nقال الصابوني: \"والآية ترغيب في الإِسرار\" (٩).\nقال الآلوسي: \" ﴿وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء ﴿خَبِيرٌ﴾: عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك كله، ففي الجملة ترغيب في الإعلان والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية، ويجوز أن يكون الكلام مساقا للترغيب في الثاني لقربه ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثير مدح\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" تم الله بهذه الصفة لأنها تدل على العلم بما لطف من الاشياء وخفي، فناسب الإخفاء ختمها بالصفة المتعلقة بما خفي\" (١١).\nالفوائد:\n_________\n(١) البيت في ديوانه جمع كرنباوم ص ٣٥٠ ومعاني القرآن للفراء ١/ ٨٨ والخصائص ١/ ١٧٦، ٢/ ٣٤١، ٤٢٤ وابن الشجري ١/ ٢٨٠ والنقائض ١/ ٤٠٨، وتأويل مشكل القرآن ص ٤٠، وهو من شواهد شرح أبيات المغني ٦/ ٢٩٢، واللسان (علل).\n(٢) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٣) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٠٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/! ٥٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٧.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٢٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(١٠) روح المعاني: ٢/ ٤٤.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٦.","vol":"5","page":387},{"text":"١ - من فوائد الآية: الحث على الصدقة، والترغيب فيها سواء أبداها، أو أخفاها.\n٢ - ومنها: أن إخفاء الصدقة أفضل من إبدائها؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص؛ وأستر للمتصدق عليه؛ لكن إذا كان في إبدائها مصلحة ترجح على إخفائها - مثل أن يكون إبداؤها سببًا لاقتداء الناس بعضهم ببعض، أو يكون في إبدائها دفع ملامة عن المتصدق، أو غير ذلك من المصالح - فإبداؤها أفضل.\n٣ - ومنها: أن الصدقة لا تعتبر حتى يوصلها إلى الفقير؛ لقوله تعالى: ﴿وتؤتوها الفقراء﴾. ويتفرع على هذا فرعان:\nأحدهما: أن مؤونة إيصالها على المتصدق.\nالثاني: أنه لو نوى أن يتصدق بماله، ثم بدا له ألا يتصدق فله ذلك؛ لأنه لم يصل إلى الفقير.\n٤ - ومنها: تفاضل الأعمال - أي أن بعض الأعمال أفضل من بعض؛ لقوله تعالى: ﴿فهو خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يكون بأسباب:\nأ - منها التفاضل في الجنس، كالصلاة - مثلًا - أفضل من الزكاة، وما دونها.\nب - ومنها التفاضل في النوع؛ فالواجب من الجنس أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (١).\nج - ومنها التفاضل باعتبار العامل لقوله -صلى الله علسه وسلم-: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (٢).\nد - ومنها التفاضل باعتبار الزمان، كقوله (ص) في العشر الأول من ذي الحجة: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٣)، وكقوله تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣].\nهـ - ومنها التفاضل بحسب المكان، كفضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره.\nو- ومنها التفاضل بحسب جودة العمل وإتقانه، كقوله (ص): «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة؛ والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٤).\nز - ومنها التفاضل بحسب الكيفية، مثل قوله (ص): «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ...»، وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٥).\nوتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ لأن الإنسان يشرف، ويفضل بعمله؛ وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان؛ لأن الإيمان قول، وعمل؛ فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان - أعني زيادة الإيمان، ونقصانه - وهو مذهب أهل السنة، والجماعة.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن الصدقة سبب لتكفير السيئات؛ لقوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل»، ثم تلا (ص): ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع ...﴾ (٦) [السجدة: ١٦].\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٤٥ - ٥٤٦، كتاب الرقاق، باب ٣٨: التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٩٩، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب، حديث رقم ٣٦٧٣، وأخرجه مسلم ص ١١٢٣، كتاب فضائل الصحابة، باب ٥٤، تحريم سب الصحابة ﵃، حديث رقم ٦٤٨٧ [٢٢١] ٢٥٤٠.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٩٦٩، كتاب العيدين، باب ١١، فضل العمل في أيام التشريق، حديث رقم ٩٦٩؛ وأخرجه الترمذي ص ١٧٢٢، كتاب الصوم، باب ٥٢: ما جاء في العمل في أيام العشر، حديث رقم ٧٥٧؛ واللفظ له.\n(٤) أخرجه البخاري ص ٤٢٥، كتاب تفسير القرآن، باب ٨٠: سورة عبس، حديث رقم ٤٩٣٧؛ وأخرجه مسلم ص ٨٠٣، كتاب صلاة المسافرين، باب ٣٨، فضل الماهر بالقرآن ...، حديث رقم ١٨٦٢ [٢٤٤] ٧٩٨ واللفظ له.\n(٥) أخرجه البخاري ص ٥٣، كتاب الأذان، باب ٣٦: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ...، حديث رقم ٦٦٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٤٠، كتاب الزكاة، باب ٣٠: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم ٢٣٨٠ [٩١] ١٠٣١.\n(٦) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣١، حديث رقم ٢٢٣٦٦، وأخرجه الترمذي ص ١٩١٥، كتاب الإيمان، باب ٨: ما جاء في حرمة الصلاة، حديث رقم ٢٦١٦، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧١٥، كتاب الفتن، باب ١٢، كف اللسان في الفتنة، حديث رقم ٣٩٧٣، وفيه عاصم بن أبي النجود قال الذهبي فيهك في الحديث دون الثبت صدوق يهم (ميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٧)، لكن أخرج الحاكم من طويق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتبة عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ ... مثله (٢/ ٤١٢ – ٤١٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وقال الألباني في صحيح ابن ماجة ٢/ ٣٥٩: صحيح، وقال شعيب في تخريج جامع العلوم والحكم ٢/ ١٣٤ حاشية (١): حديث صحيح بطرقه.","vol":"5","page":388},{"text":"٦ - ومنها: إثبات أفعال الله الاختيارية - كما هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾؛ فإن تكفير السيئات حاصل بعد العمل الذي يحصل به التكفير.\n٧ - ومنها: بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد؛ لقوله تعالى: ﴿من سيئاتكم﴾.\n٨ - ومنها: إثبات اسم الله ﷿ «الخبير»؛ وإثبات ما دل عليه من صفة.\n٩ - ومنها: تحذير العبد من المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾؛ فإن إخباره إيانا بذلك يستلزم أن نخشى من خبرته ﷿ فلا يفقدنا حيث أمرنا، ولا يرانا حيث نهانا.\nالقرآن\n﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢]\nالتفسير:\nلست -أيها الرسول- مسئولا عن توفيق الكافرين للهداية، ولكن الله يشرح صدور مَن يشاء لدينه، ويوفقه له. وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله، والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله. وما تنفقوا من مال -مخلصين لله- توفوا ثوابه، ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه.\nقال البغوي: \" وهذا في صدقة التطوع، أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة، فأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة\" (١).\nوفي سبب نزول الآية وجهان (٢):\nأحدهما: روي عن ابن عباس قال: \"كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون﴾ \" (٣). وروي نحوه عن قتادة (٤)، والربيع (٥).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(٢) أنظر: أسباب النزول للواحدي: ٨٩، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٢٨.\n(٣) تفسير الفريابي (٧٢): ص ٢٦، المعجم الكبير (١٢٤٥٣): ص ١٢/ ٥٤، وأورده الهيثمي في: المجمع: ٦/ ٣٢٤\" فسقط منه قوله: ﴿يَكْرَهُون﴾ وقال: \"رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف ورواه البزار، بنحوه ورجاله ثقات\".\nوأخرجه الطبري موصولا بسنده عن ابن عباس: (٦٢٠٢): ص ٥/ ٥٨٧، و(٦٢٠٤)، و(٦٢٠٥): ص ٥/ ٥٨٨، وبسنده عن سعيد بن جبير (٦٢٠٣): ٥/ ٥٨٧.\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٥٢): ص ٢/ ٥٣٧، ولفظه (لأنسابهم).\nوأخرج الواحدي بسنده: \" عن ابن الحنفية قال:\nكان المسلمون يكرهون أن يتصدقوا على الفقراء المشركين حتى نزلت هذه الآية، فأمروا أن يتصدقوا عليهم\". [أسباب النزول: ٨٩].\nوقال الكلبي: \" وقال الكلبي: اعتمر رسول الله عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها يسألانها، وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكم شيئا حتى أستأمر رسول الله - ﷺ - فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فأمرها رسول الله - ﷺ - بعد نزول هذه الآية، أن تصدق عليهما، فأعطتهما ووصلتهما. قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وأرادوهم على أن يسلموا فاستأمروا رسول الله - ﷺ - فنزلت هذه الآية فأعطوهم بعد نزولها\". [أسباب النزول للواحدي: ٩٠].\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٠٦): ص ٥/ ٥٨٨.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٠٧): ص ٥/ ٥٨٨.","vol":"5","page":389},{"text":"والثاني: أخرج ابن ابي حاتم بسنده \" عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، أنه كان يأمر بألا يصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿ليس عليك هداهم﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك، من كل دين\" (١).\nقال ابن ابي حاتم: \"وروي عن السدي، أنه قال: المشركين\" (٢).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن يزيد بن أبي الحبيب: \" إنما أنزلت هذه الآية على اليهود والنصارى\" (٣) (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، \" أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس، فإِنك لست بمؤاخذ بجزيرة من لم يهتد، إِنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب\" (٥).\nقال الحسن: \" لا نكلف محمدا -﵇- بهداهم، إلا أن يبلغ رسالته\" (٦).\nقال الطبري: \" ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها\" (٧).\nقال البغوي: \"فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها\" (٨).\n\nقال الشوكاني: \" أي ليس بواجب عليك أن تجعلهم مهديين قابلين لما أمروا به ونهوا عنه\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٥٣): ص ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٨. مرسل جيد الإسناد. ويشهد له القول الأول من السبب النزول.\nوأخرج الطبري (٦٢٠١): ص ٥/ ٥٨٧: \" عن شعبة، قال: كان النبي ﷺ لا يتصدق على المشركين، فنزلت: \" وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله \"، فتصدق عليهم\".\nوأخرج الطبري أيضا بسنده عن سعيد بن جبير (٦٢٠٩): ص ٥/ ٥٨٩. ولفظه: \" كانوا يتصدقون [على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ: لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم. فنزلت: هذه الآية، مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام] \".\nوأخرج ابن شيبة في مصنفه (٧٣): ص ٣/ ٦٨: \"عن سعيد بن جبير قال: \"قال رسول الله - ﷺ - \"لا تصدقوا إلا على أهل دينكم\"، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾ فقال رسول الله - ﷺ - \"تصدقوا على أهل الأديان\".\n(٢) تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٣٨. وأخرجه الطبري (٦٢٠٨): ص ٥/ ٥٨٨ - ٥٨٩، ولفظه: \" أما \" ليس عليك هداهم \"، فيعني المشركين، وأما \" النفقة \" فبين أهلها\".\n(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٦٣): ص ٢/ ٥٣٩.\n(٤) قال القرطبي: \" قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله ﵇: \"أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم\". قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا. وقال المهدوي: رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطية: وهذا مردود بالإجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة: تصرف إليهم زكاة الفطر. ابن العربي: وهذا ضعيف لا أصل له. ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين، وقد قال النبي ﷺ: \" أغنوهم عن سؤال هذا اليوم\" يعني يوم الفطر.\nقلت-القرطبي-: وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين. وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة، وهو أحد القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. قال ابن عطية: وهذا الحكم متصور للمسلمين مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين\". [أنظر: تفسيره: ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨].\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٥٥): ص ٢/ ٥٣٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٧.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٢٩٢.","vol":"5","page":390},{"text":"قال القاسمي: \" أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الإتيان بما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من المساوئ المعدودة كالمنّ والأذى والإنفاق من الخبيث والبخل\" (١).\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين .. وقيل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ليس متصلا بما قبل، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" والهدى المنفي هنا هدى التوفيق؛ وأما هدى البيان فهو على الرسول ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]؛ ولقوله تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] ... إلى آيات كثيرة تدل أن على الرسول ﷺ أن يهدي الناس هداية الدلالة، والإرشاد؛ أما هداية التوفيق فليست على الرسول، ولا إلى الرسول؛ لا يجب عليه أن يهديهم؛ وليس بقدرته ولا استطاعته أن يهديهم؛ ولو كان بقدرته أن يهديهم لهدى عمه أبا طالب؛ ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن هذا إلى الله ﷾ وحده\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، أي والله\" يرشد من يشاء\" (٤) إلى الإسلام.\nقال الصابوني: \" والله يهدي من شاء من عباده إِلى الإِسلام\" (٥).\nقال القاسمي: \" بخلق الهداية في قلبه عقيب بيانك لجريان سنته بخلق الأشياء عقيب أسبابها، لا على سبيل الوجوب. بل على سبيل الاختيار، أفاده المهايميّ\" (٦).\nقال البغوي: \"وأراد به هداية التوفيق، أما هدي البيان والدعوة فكان على رسول الله ﷺ، فأعطوهم بعد نزول الآية\" (٧).\nقال ابن عطية: \" أي يرشده، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"وهذا كالاستدراك لما سبق؛ أي لمّا نفى كون هدايتهم على الرسول ﷺ بين أن ذلك إلى الله ﷿ وحده؛ فيهدي من يشاء ممن اقتضت حكمته هدايته\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، يعني: \" أيّ شيء تنفقونه من المال\" (١٠).\nقال سفيان بن عيينة: \"هو الصدقة\" (١١).\nوقال الحسن: \" نفقة المؤمن نفسه\" (١٢).\nقال السعدي: \" أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر\" (١٣).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢١١.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٧.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٦) نحاسن التأويل: ٢/ ٢١١.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٧.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٥٨): ص ٢/ ٥٣٨.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٥٧): ص ٢/ ٥٣٨.\n(١٣) تفسير السعدي: ١١٦.","vol":"5","page":391},{"text":"قال ابن عطية: \" والخير في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] وقوله تعالى: مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة: \"كل خير في كتاب الله فهو المال\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَلأنْفُسِكُم﴾ [البقرة: ٢٧٢]، \"أي\" تعملونه لأنفسكم\" (٢).\nقال أبو عبيدة: لأهل دينكم\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: نفعه راجع إليكم\" (٤).\nقال الصابوني: \" فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم\" (٥).\nقال القاسمي: \" فلم تمنون به على الناس وتؤذونهم؟ ونظائر هذا القرآن كثيرة كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] \" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي: وليس لله ﷿؛ فالله ﷾ لا ينتفع به؛ بل لأنفسكم تقدمونه؛ وما لا تنفقونه فقد حرمتم أنفسكم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، أي: \"لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله\" (٨).\nقال عطاء الخراساني: \" إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله\" (٩).\nوقال الحسن: \" نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق- إلا ابتغاء وجه الله\" (١٠).\nقال القاسمي: \" نفي في معنى النهي. أي فلا تستطيلوا به على الناس ولا تراؤوا به\" (١١).\nقال الراغب: \" أي ما تنفقون لهم إلا تقربًا إلي الله ﷿-، فمعلوم أن من خص بنفقته هؤلاء، فإنه لم يقصد إلا وجه الله\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي لا تجعلوا إِنفاقكم إِلا لوجه الله لا لغرضٍ دنيوي\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" لا تنفقون إنفاقًا ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله؛ فأما ما ابتغي به سوى الله فلا ينفع صاحبه؛ بل هو خسارة عليه\" (١٥).\nقال السعدي: \" هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص\" (١٦).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٥٩): ص ٢/ ٥٣٩.\n(٤) تفسير السعدي: ١١٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢١١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٦٢.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٦٠): ص ٢/ ٥٣٩.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٦١): ص ٢/ ٥٣٩.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ٢١١.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٧٤.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦٣.\n(١٦) تفسير السعدي: ١/ ١١٧.","vol":"5","page":392},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، \"أي أيّ شيء تنفقونه من المال\" (١).\nقال ابن عثيمين: يعني\" أيَّ: خير تنفقونه من الأعيان، والمنافع قليلًا كان أو كثيرًا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، \" أي: يوفر لكم جزاؤه\" (٣).\nقال ابن عثيمين: أي: تعطَونه وافيًا من غير نقص، بل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي فإِن أجره وثوابه أضعافًا مضاعفة تنالونه\" (٥).\nقال ابن زيد: \" هو مردود عليك، فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه؟ إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، أي: \" ولا تنقصون شيئاص من حسناتكم\" (٧).\nقال سلمة بن إسحاق: \" أي: لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا\" (٨).\nقال البغوي: \"لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا\" (٩).\nقال القاسمي: أي لا تنقصون من حسناتكم، كما لا يزاد على سيئاتكم\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن هداية الخلق لا تلزم الرسل؛ ونعنى بذلك هداية التوفيق؛ أما هداية الدلالة فهي لازمة عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧].\n٢ - ومنها: أن الإنسان إذا بلغ شريعة الله برئت ذمته؛ لقوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾؛ ولو كانت ذمته لا تبرأ لكان ملزمًا بأن يهتدوا.\n٣ - ومنها: إثبات أن جميع الأمور دقيقها، وجليلها بيد الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾.\n٤ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾؛ لأنهم يقولون: «إن العبد مستقل بعمله، ولا تعلق لمشيئة الله ﷾ فيه».\n٥ - ومنها: إثبات المشيئة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾.\n٦ - ومنها: أن هداية الخلق بمشيئة الله؛ ولكن هذه المشيئة تابعة للحكمة؛ فمن كان أهلًا لها هداه الله؛ لقوله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ ومن لم يكن أهلًا للهداية لم يهده؛ لقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، ولقوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦٣.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٦) أخرجه الطبري: (٦٢١٠): ص ٥/ ٥٨٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٦٥): ص: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٣٣٧.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٢١١.","vol":"5","page":393},{"text":"٧ - ومنها: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾؛ وليس في الآية دليل على منع أن يتصدق الإنسان بعمله على غيره؛ ولكنها تبين أن ما عمله الإنسان فهو حق له؛ ولهذا جاءت السنة صريحة بجواز الصدقة عن الميت، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي قال: «يا رسول الله، إن أمي أفتلتت نفسها وأُراها لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم تصدق عنها» (١)؛ وكذلك حديث سعد بن عبادة حين تصدق ببستانه لأمه (٢)؛ إذًا فالآية لا تدل على منع الصدقة عن الغير؛ وإنما تدل على أن ما عمله الإنسان لا يصرف إلى غيره.\n٨ - ومن فوائد الآية: أن الإنفاق الذي لا يُبتغى به وجه الله لا ينفع العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾.\n٩ - ومنها: التنبيه على الإخلاص: أن يكون الإنسان مخلصًا لله ﷿ في كل عمله؛ حتى في الإنفاق وبذل المال ينبغي له أن يكون مخلصًا فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾؛ فالإنفاق قد يحمل عليه محبة الظهور، ومحبة الثناء، وأن يقال: فلان كريم، وأن تتجه الأنظار إليه؛ ولكن كل هذا لا ينفع؛ إنما ينفع ما ابتغي به وجه الله.\n١٠ - ومنها: إثبات وجه الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء وجه الله﴾؛ وأهل السنة والجماعة يقولون: إن لله ﷾ وجهًا حقيقيًا موصوفًا بالجلال والإكرام لا يماثل أوجه المخلوقين؛ وأنه من الصفات الذاتية الخبرية؛ و«الصفات الذاتية الخبرية» هي التي لم يزل، ولا يزال متصفًا بها، ونظير مسماها أبعاض وأجزاء لنا.\nوأهل التعطيل ينكرون أن يكون لله وجه حقيقي، ويقولون: المراد بـ «الوجه» الثواب، أو الجهة، أو نحو ذلك؛ وهذا تحريف مخالف لظاهر اللفظ، ولإجماع السلف؛ ولأن الثواب لا يوصف بالجلال والإكرام؛ والله ﷾ وصف وجهه بالجلال والإكرام، فقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧].\n١١ - ومنها: الإشارة إلى نظر وجه الله؛ لقوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء وجه الله﴾؛ وهذا - أعني النظر إلى وجه الله - ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف؛ لقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]؛ فقد فسر النبي ﷺ «الزيادة» بأنها النظر إلى وجه الله (٣) ... إلى آيات أخرى؛ وأما السنة فقد تواترت بذلك؛ ومنها قوله (ص): «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» (٤)؛ وأما إجماع السلف فقد نقله غير واحد من أهل العلم.\n١٢ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يُنْقص من عمله شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾.\n١٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق من الحرام لا يقبل؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ ووجهه: أن الحرام ليس بخير؛ بل هو شر.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٢٢، كتاب الوصايا، باب ١٩: ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، حديث رقم ٢٧٦٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٣٦، كتاب الزكاة، باب ١٥: وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، حديث رقم ٢٣٢٦ [٥١] ١٠٠٤؛ واللفظ للبخاري.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٢١، كتاب الوصايا، باب ١٦: إذا قال: أرضي وبستاني صدقة الله، حديث رقم ٢٧٥٦.\n(٣) راجع مسلمًا ص ٧٠٩، كتاب الإيمان، باب ٨٠: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، حديث رقم ٤٤٩ [٢٩٧] ١٨١، ٤٥٠ [٢٩٨] ١٨١.\n(٤) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ص ١٩٠٨، كتاب صفة الجنة، باب ١٧: منه تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة ...)، حديث رقم ٢٥٥٤، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٤٨٨، كتاب السنة، باب ١٣: فيما أنكرت الجهمية، حديث رقم ١٧٨، واللفظ للترمذي؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي: \"صحيح\" ٢/ ٣١٥، حديث رقم ٢٠٦٩، والحديث له طرق أخرى في البخاري ومسلم لكن اللفظ يختلف.","vol":"5","page":394},{"text":"١٤ - ومنها: نفي الظلم في جزاء الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم لا تظلمون﴾؛ وهذا يستلزم كمال عدله؛ فإن الله ﷿ كلما نفى عن نفسه شيئًا من الصفات فإنه مستلزم لكمال ضده.\nالقرآن\n﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣]\nالتفسير:\nاجعلوا صدقاتكم لفقراء المسلمين الذين لا يستطيعون السفر؛ طلبًا للرزق لاشتغالهم بالجهاد في سبيل الله، يظنهم مَن لا يعرفهم غير محتاجين إلى الصدقة؛ لتعففهم عن السؤال، تعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم، لا يسألون الناس بالكُليَّة، وإن سألوا اضطرارًا لم يُلِحُّوا في السؤال. وما تنفقوا مِن مال في سبيل الله فلا يخفى على الله شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمَّه يوم القيامة.\nفي سبب نزول الآية وجوه (١):\nأحدها: قال مقاتل: \"هم أهل الصفة منهم أبو هريرة وابن مسعود والموالي أربعمائة رجل لا أموال لهم بالمدينة، فإذا كان الليل أووا إلى الصفة فأمر الله بالنفقة عليهم\" (٢).\nوالثاني: أخرج ابن ابي حاتم عن مجاهد: \" قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ قال: مهاجري قريش بالمدينة مع النبي ﷺ، أمر بالصدقة عليهم\" (٣). وروي نحوه عن أبي جعفر (٤)، والسدي (٥).\nوالثالث: وأخرج ابن ابي حاتم \" عن سعيد، في قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾، قال: قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقا\" (٦).\nوالرابع: وروي عن السدي، قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾، حصرهم المشركون في المدينة\" (٧).\nالخامس: وروي \"عن رجاء بن حيوة في قول الله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض﴾، قال: لا يستطيعون تجارة\" (٨). وروي عن السدي، مثل ذلك (٩).\nالسادس: وقيل الفقراء عامة دون تحديد. حكي عن السدي (١٠)، نحو هذا المعنى.\nقال ابن عطية: \" ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم\" (١١).\n_________\n(١) أنظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٣٣ - ٦٣٤.\n(٢) تفسيره: ١/ ١٤٤. وفي المعنى نفسه ذكر السيوطي في [العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٣٣]: \"قال ابن ظفر: قال ابن عباس: نزلت في الفقراء أهل الصفة مهاجرة الأعراب. قال الثعلبي: كانوا نحوا من أربعمائة رجل لا مساكن لهم بالمدينة ولا عشائر، أووا إلى صفة المسجد، فيجيئون السوق بالنهار ويتعلمون القرآن بالليل وقالوا: نخرج في كل سرية فحض الله الناس على [فراغ في الأصل، ويصح المعنى لو قدرنا: \"النفقة\" أو \"الصدقة\"]، فكان الرجل إذا كان عنده فضل أتاهم به\" ..\n(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٦٥): ص ٢/ ٥٤٠، والطبري (٦٢١٢): ص ٥/ ٥٩١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٣): ص ٥/ ٥٩١.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٤): ص ٥/ ٥٩١.\n(٦) تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٦٦): ص ٢/ ٥٤٠.\n(٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٦٨): ص ٢/ ٥٤٠.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٦٩): ص ٢/ ٥٤٠.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٤٠. لا أعلم هل قصد بذلك ما أخرجه الطبري عن السدي (٦٢١٤): ص ٥/ ٥٩١: \" ولفظه: \"فقراء المهاجرين\"؟ الذي ثبتناه في النقطة (الثانية).\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١١) ص: ٥/ ٥٩٠، ولفظه: \" وأما (النفقة) فبين أهلها، فقال: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ \".\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.","vol":"5","page":395},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، \"أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي منعوا من الخروج من ديارهم في شريعته\" (٢).\nقال ابن كثير: \" يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم\" (٣).\nقال ابن عطية: ﴿أُحْصِرُوا﴾: أي: \"حبسوا ومنعوا .. [أي]: أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو، إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذرا \" (٤).\nقال الطبري: \" الذين جَعلهم جهادُهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسَهم فيحبسونها عن التصرُّف فلا يستطيعون تصرّفًا\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي حبسوا أنفسهم في طاعته تعالى من جهاد أو غيره\" (٦).\nوذهب بعض اللغويين إلى أن (أحصر) و(حصر) بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره ونقله ابن عطية (٧).\nوقوله تعالى ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام، أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو صدقاتكم للفقراء. أي المحتاجين إلى النفقة (٨).\nوقوله تعالى ﴿الفقراء﴾ جمع فقير؛ و«الفقير» هو المعدم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من «الفقر» الموافق لـ «القفر» في الاشتقاق الأكبر - الذي يتماثل فيه الحروف دون الترتيب؛ و«القفر» الأرض الخالية، كما قال الشاعر (٩):\nوقبرُ حربٍ بمكانٍ قفر ... وليس قربَ قبرِ حرب قبر\nفـ «الفقير» معناه الخالي ذات اليد؛ ويقرن بـ «المسكين» أحيانًا؛ فإذا قرن بـ «المسكين» صار لكل منهما معنى؛ وصار «الفقير» من كان خالي ذات اليد؛ أو من لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف؛ والمسكين أحسن حالًا منه، لكن لا يجد جميع الكفاية؛ أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدًا؛ فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت (١٠).\nوقوله تعالى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، يحتمل وجهين (١١):\nأحدهما: الجهاد.\nوالثاني: الدخول في شريعة الإسلام.\nقال ابن عطية: \" واللفظ يتناولهما\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٤.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٠.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢١٢.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.\n(٨) أنظر: محاسن التأويل: ٢/ ٢١٢.\n(٩) البيت من الرجز، ولا يعرف قائله، ولعله مصنوع.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦٧.\n(١١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٨.","vol":"5","page":396},{"text":"وفي تفسير قوله تعالى ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أربعة أقاويل (١):\nأحدها: حَصَروا أنفسهم في سبيل الله للغزو، أي: أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار، قاله قتادة (٢)، وابن زيد (٣). ورجحه الطبري (٤).\nوالثاني: منعهم الكفار بالخوف منهم، قاله السدي (٥).\nوالثالث: منعهم الفقر من الجهاد. يعني: أن فقرهم وضعفهم منعهم من السفر لجهاد العدو ومقارعته (٦). وهو محتمل.\nوالرابع: منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش. اختاره الحافظ ابن حجر (٧).\nقال الشنقيطي: \" لم يبين هنا سبب فقرهم؛ ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الآية \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، \"أي: لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض للتجارة والكسب\" (٩).\nقال القاسمي: \" أي ذهابا فِي ﴿الْأَرْضِ﴾ لاكتساب أو تجارة\" (١٠).\nقال الآلوسي: \" أي مشيا فيها وذهابا للتكسب والتجارة\" (١١).\nقال الطبري: \" لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد، ابتغاءَ المعاش وطَلبَ المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات، رهبةَ العدوّ وخوفًا على أنفسهم منهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٢ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٦.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٥): ص ٥/ ٥٩٢.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٦): ص ٥/ ٥٩٢.\n(٤) أنظر تفسيره: ٥/ ٥٩٠.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٧): ص ٥/ ٥٩٢. قال الطبري: \" ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدّيّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصروا في سبيل الله، ولكنه \" أحصِروا \"، فدلّ ذلك على أن خوفهم من العدوّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبَسوا - وهم في سبيل الله - أنفسَهم، لا أنّ العدوَّ هم كانوا الحابِسِيهم.\nوإنما يقال لمن حبسه العدوّ: \" حصره العدوّ \"، وإذا كان الرّجل المحبَّس من خوف العدوّ، قيل: \" أحصره خوفُ العدّو \". [تفسيره: ٥/ ٥٩٢].\n(٦)، انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٩٣، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٣ أ، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٢٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٨، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٤٦، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ٨٦، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٠٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٥٥.\n(٧) الفتح: ٣/ ٤٠٠. ولفظه: \": \"منعهم الاشتغال به من الضرب في الأرض-أي: التجارة-؛ لاشتغالهم به عن التكسب\". وظاهر صنيع الحافظ هنا التفريق بين (حصر) و(أحصر)، وأن الإحصار: يكون بالعدو، والحصر: يكون بغيره من الأعذار، كما هو تفسير السدي وغيره. انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٩١، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٣ أ، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٣٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٤٠ - ٣٤١.\n(٨) أضواء البيان: ١/ ١٥٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٢١٢.\n(١١) روح المعاني: ٢/ ٤٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٣.","vol":"5","page":397},{"text":"عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية [المزمل: ٢٠] \" (١).\nقال ابن عطية: \" كانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة\" (٢).\nقال القرطبي: \" وقيل: معنى ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾، أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. والأول أظهر\" (٣).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وجهين:\nأحدهما: يعني تصرفًا، قاله ابن زيد (٤).\nوالثاني: يعني تجارة، قاله قتادة (٥)، والسدي (٦)، ورجاء بن حيوة (٧).\nوالضرب في الأرض هو السفر فيها، قال﷿-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وظاهر الآية أنه السفر للتجارة والتكسب كما هو قول جمهور المفسرين. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، \"أي: يظنهم الذي لا يعرف حالهم أغنياء موسرين من شدة تعففهم\" (٨).\nقال ابن كثير: \": الجاهلُ بأمْرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم\" (٩).\nقال قتادة: \": يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف\" (١٠).\nقال الطبري: \" من تعففهم عن المسألة، وتركهم التعرض لما في أيدي الناس، صبرًا منهم على البأساء والضراء\" (١١).\nقال القرطبي: \" أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء، وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه\" (١٢).\nقال الماوردي: من التعفف: يعني من التقنع والعفة والقناعة\" (١٣).\nقال القاسمي: \" والتلويح به قناعة بما أعطاهم مولاهم، ورضا عنه، وشرف نفس\" (١٤).\nقال الحسن: \" دلّ الله المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٤.\n(٢) المحرر الوجي: ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(٣) تفسيره: ٣/ ٣٤١، ويقصد بالأول قوله: \" لكون البلاد كلها كفرا مطبقا\". [تفسيره: ٣/ ٣٤٠].\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٢٠): ص ٥/ ٥٩٣. ولفظه: \" كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فَضْل الله\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٨): ص ٥/ ٥٩٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٩): ص ٥/ ٥٩٣، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٤٠.\n(٧) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٦٩): ص ٢/ ٥٤٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (٦٢٢١): ص ٥/ ٥٩٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٣.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤١.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٣٤٦.\n(١٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢١٢.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٧١): ص ٢/ ٥٤١.","vol":"5","page":398},{"text":"و(التعفف): هو تَرْك مسألة الناس، من (العفة) عن الشيء، والعفة عن الشيء، تركه، كما قال رؤبة (١):\nفَعَفَّ عَنْ أسْرَارِهَا بَعْدَ العَسَقْ ... وَلَمْ يَضَعْها بيْنَ فَرك وعشق\nيعني بَرئ وتجنَّبَ (٢).\nوقوله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ [البقرة: ٢٧٣]، فيه قراءتان (٣):\nالأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ﴿يَحْسِبُهُمُ﴾ بكسر السين في كلّ القرآن.\nالثانية: وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾، بفتح السين في كلّ القرآن (٤).\nقال أبو علي الفارسي: \"القراءة بـ (تحسَب) بفتح السّين أقيس، لأنّ الماضي إذا كان على فعل نحو حسب، كان المضارع على يفعل مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، وشذّ يحسب فجاء على يفعل في حروف أخر. والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذا عن القياس\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فإن ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس، لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (٦).\nقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: \"تعرفهم يا محمد بعلامتهم وآثارهم\" (٧).\nقال الصابوني: \"أي: تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد\" (٨).\nقال ابن كثير: \" بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وفي الحديث الذي في السنن: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (٩)، ثم قرأ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥] \" (١٠).\nوروي \" عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ليس المسكين بالطواف عليكم، فتعطونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا\" (١١).\nوذكر أهل التفسير في المراد بقوله تعالى ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] هُنَا ستة أقوال:\nأحدها: التخشع والتواضع، قاله مجاهد (١٢).\nوالثاني: الفقر، قاله السدي (١٣).\n_________\n(١) ديوانه: ١٠٤، واللسان (عسق) (عشق) (فرك) (سرر)، وفي اللسان في بعض مواده \" إسرارها \" بالكسر، وهو خطأ، وفي بعضها \" الغسق \"، وهو خطأ أيضًا. والأسرار جمع سر. والعسق، مصدر \" عسق به يعسق \": لزمه وأولع به. والفرك (بكسر الفاء وسكون الراء) بغضة الرجل امرأته، أو بغضة امرأته له. وامرأة فارك وفروك، تكره زوجها. ورجل مفرك (بتشديد الراء). لا يحظى عند النساء. والعشق (بكسر فسكون) والعشق (بفتحتين) مصدر \" عشق يعشق \". والضمير في قوله: \" فعف \"، عائد إلى حمار الوحش الذي يصفه ويصف أتنه. والضمير في \" أسرارها \" عائد إلى الأتن.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٤.\n(٣) أنظر: الحجة للقراءة السبعة: ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣. وككذلك ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ٢٧٨].له الحكم نفسه.\n(٤) وقال هبيرة عن حفص، أنّه كان يفتح، ثم رجع إلى الكسر. [أنظر: السبعة: ١٩١ - ١٩٢، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٠٢].\nهبيرة: هو ابن محمد التمار أبو عمر الأبرش. [انظر الطبقات: ٢/ ٣٥٣].\n(٥) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٠٣.\n(٦) أنظر: المحرر الوجي: ١/ ٣٦٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٩) رواه الترمذي في السنن برقم (٣١٢٧).\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٧٥): ص ٢/ ٥٤١. وأخرجه أحمد في المسند (١٠١٩١): ص ٢/ ٥٠٦، والحديث روي بلفظ آخر عند ابن ابي حاتم (٢٨٧٦): ص ٢/ ٥٤١ - ٥٤٢، والبخاري في صحيحه في كتاب الزكاة (١٤٠٦): ص ٢/ ٥٣٧، ومسلم في كتاب الزكاة (١٠٣٩): ص ٢/ ٧٢٠، والدارمي في سننه (١٦١٥): ص ١/ ٤٦٢.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٧٢): ص ٢/ ٥٤١، والطبري (٦٢٢٢)، و(٦٢٢٣)، و(٦٢٢٤): ص ٥/ ٥٩٦.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٧٣): ص ٢/ ٥٤١، والطبري (٦٢٢٥): ص ٥/ ٥٩٦.","vol":"5","page":399},{"text":"والثالث: وقيل: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. حكي ذلك عن الربيع (١).\nوالرابع: وقيل: تعرفهم برثاثة ثيابهم. ذكره ابن زيد (٢).\nوالخامس: وقال الضحاك: \"صفرة ألوانهم من الجوع والضر\" (٣).\nالسادس: وقال قوم، وحكاه مكي: \"هي أثر السجود\" (٤). قال ابن عطية: \" وهذا حسن، لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبدا\" (٥).\nوالأظهر اختلاف ذلك من فقير إلى آخر. والله أعلم.\nقال الطبري: \" الله ﷿ أخبر نبيَّه ﷺ أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبيُّ ﷺ يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعِيان، فيعرفُهم وأصحابه بها، كما يُدرك المريضُ فيعلم أنه مريض بالمعاينة.\nوقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر، بالمعاينة دون الوصف. وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض، نظيرُ آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثيابَ الرثة، فيتزيّى بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصّفة على أنّ الموصوف به مختلٌّ ذو فاقة. وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصف الله نظير ما يُعرف أنه مريض عند المعاينة، دون وَصْفه بصفته\" (٦).\nوأصل (السيما): من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، وقال آخرون: أصل السيما: الارتفاع، لأنها علامة رفعت للظهور (٧).\nومن العرب من يقول: (بسيمائهم) فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسَدٍ، فإنهم يقولون: (بسيميائهم) ; ومن ذلك قول الشاعر (٨):\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٧٤): ص ٢/ ٥٤١، والطبري (٦٢٢٦): ص ٥/ ٥٩٦.\n(٢) تفسير الطبري (٦٢٢٧): ص ٥/ ٥٩٦.\n(٣) نقلا عن تفسير البغوي: ١/ ٣٣٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٧.\n(٧) أنظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٣/ ١١٢، جمهرة اللغة لابن دريد: ٣/ ١٠٧٤، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ١١٨ - ١١٩.\n(٨) هو ابن عنقاء الفزاري، وعنقاء أمه، وقد اختلف في اسمه، فقال القالي في أماليه ١: ٢٣٧: \" أسيد \"، وقال الآمدي في المؤلف والمختلف: ١٥٩، وقال المرزباني في معجم الشعراء: \" فيس بن بجرة \" (بالجيم)، أو \" عبد قيس بن بجرة \"، وفي النقائض: ١٠٦ \" عبد قيس ابن بحرة \" بالحاء الساكنة وفتح الباء، وهكذا كان في أصل اللآليء شرح أماني القالي: ٥٤٣، وغيره العلامة الراجكوتي \" بجرة \" بضم الباء وبالجيم الساكنة عن الإصابة في ترجمة \" قيس بن بجرة \" وفي هذه الترجمة أخطاء كثيرة. وذكر شيخنا سيد بن علي المرصفي في شرح الكامل ١: ١٠٨ أنه أسيد بن ثعلبة ابن عمرو. وهذا كاف في تعيين الاختلاف. وابن عنقاء، عاش في الجاهلية دهرًا، وأدرك الإسلام كبيرًا، وأسلم.\nوالبيت في: الأغاني ١٧/ ١١٧، الكامل ١/ ١٤، ومعجم الشعراء: ١٥٩، ٣٢٣، أمالى القالي ١/ ٢٣٧، الحماسة ٤/ ٦٨، وسمط اللآليء: ٥٤٣، وغيرها كثير. من أبيات جياد في قصة، ذكرها القالي في أماليه. وذلك أن ابن عنقاء كان من أكثر أهل زمانه وأشدهم عارضة ولسانًا، فطال عمره، ونكبه دهره، فاختلت حاله، فمر عميلة بن كلدة الفزاري، وهو غلام جميل من سادات فزارة، فسلم عليه وقال: ياعم، ما أصارك إلى ما أدري؟ فقال: بخل مثلك بماله، وصوني وجهى عن مسألة الناس! فقال والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أردي من حالك. فرجع ابن عنقاء فأخبر أهله، فقالت: لقد غرك كلام جنح ليل! ! فبات متململا بين اليأس والرجاء. فلما كان السحر، سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا؟ فقال: هذا عميلة ساق إليك ماله! ثم قسم عميلة ماله شطرين وساهمه عليه، فقال ابن عنقاء فيه يمجده:\nرَأَىنِي عَلَى مَا بِي عُمَيْلَةُ فَاشْتَكَى ... إِلَى مَالِهِ حَالي أسرَّ كَمَا جَهَرْ\nدَعَانِي فآسَانِي وَلَوْ ضَنَّ لَمْ أَلُمْ ... عَلَى حِينَ لا بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ\nفَقُلْتُ لَهُ خيرًا وأَثْنَيْتُ فِعْلَهُ ... وَأَوْفَاكَ مَا أَبْلَيْتَ مَنْ ذَمَّ أَوْ شَكَرْ\nغُلامٌ رَمَاهُ الله بِالخَيْرِ يافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ\nكَأَنَّ الثُريَّا عُلِّقَتْ في جَبِينِهِ ... وَفِي خَدِّهِ الشِّعْرَي وَفِي وَجْهِهِ القَمَرْ\nإذا قِيلَتِ العَوْرَاءُ أَغْضَى كَأَنّهُ ... ذَلِيلٌ بِلا ذُلّ وَلَوْ شَاءَ لانْتَصَرْ\nكَرِيمٌ نَمَتْهُ لِلمكَارِمِ حُرَّةٌ ... فَجَاءَ وَلا بُخْلٌ لَدَيْهِ ولا حَصَرْ\nوَلَمَّا رَأَى المَجْدَ استُعيرت ثِيَابُه ... تَرَدَّى رِدَاءً وَاسِعَ الذّيْلِ وَأتْزَرْ\nوهذا شعر حر، ينبع من نفس حرة وقال أبو رياش فيما انتقده على أبي العباس المبرد: \" لا يروي بيت ابن عنقاء: \" رماه الله بالحسن ... \" إلا أعمى البصيرة، لأن الحسن مولود، وإنما هو: رماه الله بالخير يافعًا \".\nوقوله: \" لا تشق على البصر \"، أي لا تؤذيه بقبح أو ردة أو غيرهما، بل تجلي بها العين، وتسر النفس وترتاح إليها. [حاشية الطبري: ٥/ ٥٩٤ - ٥٩٥].","vol":"5","page":400},{"text":"غُلامٌ رَمَاهُ اللهُ بالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ (١)\nقوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: \" لا يسألونك الناس شيئًا أصلًا فلا يقع منهم إِلحاح\" (٢).\nقال الآلوسي: \" أي إلحاحا، وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، وقيل: سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يُلحْون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة\" (٤).\nقال عطاء في وصفهم: \"إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء\" (٥).\nوفي انتصاب قوله تعالى (إِلْحَافًا)، ثلاثة أوجه (٦):\nأحدها: على أنه مصدر في موضع الحال، أي: لا يسألون في حال الإِلحاف.\nوالثاني: أنه مفعول لأجله، أي: لا يسألون لأجل الإِلحاف.\nوالثالث: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: يلحفون إلحافًا، والجملة المقدرة حال من فاعل (يَسالُون).\nقال ابن حجر: \" وهل المراد نفي المسألة فلا يسألون أصلًا، أو نفي السؤال بالإِلحاف خاصة، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف؛ فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال، ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافًا فلا يستلزم الوقوع\" (٧).\nواختلف العلماء في معنى قوله ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، على قولين (٨):\nالأول: قيل هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا، أي لايسألون البتة. قاله الطبري (٩) والزجاج (١٠).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٤ - ٥٩٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٣) روح المعاني: ٢/ ٤٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٥.\n(٥) نقلا عن: تفسير البغوي: ١/ ٣٣٨.\n(٦) انظر: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٣٤٠، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ١١٦، مشكل إعراب القرآن لمكي: ١/ ١٤٢، البيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات ابن الأنباري: ١/ ١٧٩، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٣٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٥٧، روح المعاني للألوسي: ٣/ ٤٧.\n(٧) الفتح: ٨/ ٥٠.\n(٨) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(٩) أنظر: تفسيره: ٥/ ٥٩٩.\n(١٠) نقلا عن تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٣.","vol":"5","page":401},{"text":"ومنه قول الشاعر (١):\nعَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ إِذَا سَافَهُ الْعَوْدَ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرا\nيريد نفى المنار والاهتداء به (٢).\nقال القرطبي: \" وعلى هذا جمهور المفسرين، يكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح\" (٣).\nالثاني: وقال قوم: \"إن المراد نفي الإلحاف، أي أنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين\" (٤).\nوالذي ذهب إليه الأكثرون كالفراء والزجاج والطبري وابن الأنباري وأكثر أهل المعاني والتفسير –كما نسب ذلك لهم الواحدي والقرطبي والشوكاني-أن المعنى: لا يسألون الناس البتة لا بإلحاف ولا بغير إلحاف ووجهه: أن التعفف صفة ثابتة لهم لا تفارقهم ومجرد السؤال ينافيها، وأيضًا أن كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء من التعفف لا يكون إلا مع عدم السؤال البتة (٥).\nقال ابن عطية: \" والآية تحتمل المعنيين: نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، ويكون قوله: ﴿لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا﴾ لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس، كما تقول: هذا رجل خير لا يقتل المسلمين .. وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ داخلا في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل\" (٦).\nوقال ابن عثيمين: \" هل النفي للقيد؛ أو للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد؛ أي أنهم لا يلحون في المسألة؛ ولكن يسألون؛ وإن نظرنا إلى مقتضى السياق ترجح أنهم لا يسألون الناس مطلقًا؛ فيكون النفي نفيًا للقيد - وهو الإلحاف، والمقيد - وهو السؤال؛ والمعنى أنهم لا يسألون مطلقًا؛ ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء؛ بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم؛ ولكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم - وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألح - وإن كان فقيرًا - يثقل عليك، وتمل مسألته؛ حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه؛ فتحرمه، أو تنهره مع علمك باستحقاقه؛ وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف ترق له، وتعطيه أكثر مما تعطي السائل\" (٧).\nوقال أبو حيان: \" \"إذا نفي حكم عن محكوم عليه بقيد فالأكثر في لسان العرب انصراف النفي لذلك القيد، فيكون المعنى على هذا ثبوت سؤالهم ونفي الإلحاح، أي: وإن وقع منهم سؤال فإنما يكون بتلطف وتستر لا بإلحاح\" (٨).\n_________\n(١) البيت لامرئ القيس انظر: ديوانه، ص/ ٦٤.\n(٢) أنظر: تفسير الكشاف: ١/ ٣١٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٣.\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٨١، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٥٧، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤، جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٩٨ - ٥٩٩، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٩١ ب و: ١/ ١٩٢ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٣ ب، البيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات بن الأنباري: ١/ ١٧٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٤٠ - ٣٤٢، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٤٧، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٢٩، مفاتيح الغيب للرازي ٧/ ٨٨، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.\n(٧) تفسيره: ٣/ ٣٦٩.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٣٢٩.","vol":"5","page":402},{"text":"وقد ذكر أهل التفسير في معنى (الإلحاف) وجوها (١):\nأحدها: الإلحاف، يعني: أن يسأل وله كفاية. قال رسول الله ﷺ: \"من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف، والوقية: أربعون درهما\" (٢).\nوالثاني: أنه الاشتمال بالمسألة، ومنه اشتق اسم اللحاف (٣).\nوالثالث: أنه الحلف في المسألة. قاله السدي (٤).\nوالرابع: أنه الإلحاح في المسألة. قاله ابن زيد (٥).\nالخامس: وقيل: أن الإلحاف: هو فرط المدح لدى السائل في حال العطاء، وفرط الذم لديه في حال المنع (٦).\nو«الإلحاف» والإلحاح واللَّجاجُ والإِحفاءُ بمعنى واحد، يقال: ألحفَ وألحَّ في المسألةِ: إذا لَجَّ فيها، وفي الحديث: \"من سأل وله أربعون فقد ألحف\" (٧) (٨).\nواختلف في اشتقاق لفظة (الإلحاف) على أقوال (٩):\nأحدها: أنها: مشتقة من اللِّحاف، لأنه يشتملُ الناسَ بمسألتِه ويَعُمُّهم، كما يشتملُ اللِّحافُ من تحتِه ويُغَطِّيه، ومنه قول ابن الأحمر (١٠):\nيظلُّ يَحُفُّهُنَّ بقَفْقَفَيْهِ ... ويَلْحَفُهُنَّ هَفْهافًا ثَخِينا\nيصف ذكر نعام يحضن بيضا، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك.\nومنه قول طرفة (١١):\nثمَّ راحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ... يُلْحِفُون الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ\nأي يلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء (١٢).\nقال الراغب: \" والإلحاف استشعار المسألة والاستقصاء فيها وتذرعها، يقال: لحفته: أي ألبسته إلحافا ككسوته، أي ألبسته كساءً\" (١٣).\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٧٧): ص ٢/ ٥٤٢، ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٤٤٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٨٤٦) من طريق عبد الله بن يوسف، عن عبد الرحمن ابن أبي الرجال به.\nورواه أحمد في مسنده: ٤/ ٣٦، ولفظه: \" \"من سأل وله أوقية - أو عدلها - فقد سأل إلحافا\"؟ .\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٧.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٢٩): ص ٥/ ٦٠٠.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٣٠): ص ٦٠٠.\n(٦) أخرج الطبري بسنده (٦٢٣١): ص ٥/ ٦٠٠: \" عن قتادة قوله: \" لا يسألون الناس إلحافًا \"، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: \" إن الله يحب الحليمَ الغنيّ المتعفف، ويبغض الغنيّ الفاحشَ البذِاء السائلَ الملحفَ قال: وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: إن الله ﷿ كره لكم ثلاثًا: قيلا وقالا وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال. فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدرَ ليلته، حتى يُلقى جيفةً على فراشه، لا يجعلُ الله له من نهاره ولا ليلته نصيبًا. وإذا شئت رأيته ذَا مال [ينفقه] في شهوته ولذاته وملاعبه، وَيعدِ له عن حقّ الله، فذلك إضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطًا ذراعيه، يسأل الناس في كفيه، فإذا أعطي أفرط في مدحهم، وإنْ مُنع أفرط في ذَمهم\".\n(٧) رواه النسائي في باب الزكاة بشرح السيوطي: ٥/ ٩٨.\n(٨) أنظر: الدر المصون: ٢/ ٦٢٦.\n(٩) أنظر: الدر المصون: ٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧.\n(١٠) اللسان: هفف-قفف، والبحر: ٢/ ٣٢٦، والهفهافان: الجناحان، وكذلك القفقفان.\n(١١) ديوانه: ٦٥، والأشموني: ٢/ ١٩٠، والهداب: الخيوط التي تبقى في طرفي الثوب من عرضيه، والأرز: الثياب.\n(١٢) أنظر: الدر المصون: ٢/ ٦٢٦.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٧٤.","vol":"5","page":403},{"text":"الثاني: وقيل: بل اشتقاقُ للفظةِ من «لَحْفِ الجبل» وهو المكانُ الخَشِنُ، ومجازُه أنَّ السائلَ لكثرة سؤالِه كأنه استعمل الخشونةَ في مسألتِه.\nالثالث: وقيل: بل هي (من لحَفَني فلانٌ)، أي: أعطاني فَضْلَ ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، \" أي ما أنفقتموه في وجوه الخير فإِن الله يجازيكم عليه أحسن الجزاء\" (٢).\nقال قتادة: \" محفوظ ذلك عن الله، عالم به، شاكر له، وأنه لا شيء أشكر من الله، لا أجزأ بخير من الله\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه\" (٤).\nقال الآلوسي: \" فيجازيكم به وهو ترغيب في الإنفاق لا سيما على هؤلاء\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" هذه الجملة شرطية ذيلت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثًا على الإنفاق؛ لأنه إذا كان الله عليمًا بأيّ خير ننفقه فسيجازينا عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أنه لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب؛ لقوله تعالى: ﴿لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾؛ لأنه عُلم منه أنهم لو كانوا يستطيعون ضربًا في الأرض، والتكسب فإنهم لا يعطون؛ ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول ﷺ يسألانه الصدقة صعَّد فيهما النظر وصوَّبه، ثم قال: «إن شئتما أعطيتكما؛ ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» (٧)؛ فإذا كان الإنسان يستطيع الضرب في الأرض والتجارة والتكسب، فإنه لا يعطى؛ لأنه وإن كان فقيرًا بماله؛ لكنه ليس فقيرًا بعمله.\n٢ - ومن فوائد الآية: فضيلة التعفف؛ لقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾.\nقلت: فهذا الصنف من الفقراء، أفضل ما وضعت فيهم النفقات لدفع حاجتهم، قال الغزاليّ: ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة، ويستكشف عن بواطن أحوال أهل الخير والتجمل، ممن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى. أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته، فهو يتعيش في جلباب التجمل. فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال\". كما ينبغي أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة كأن يكون أهل علم. فإن ذلك إعانة له على العلم. والعلم أشرف العبادات مهما صحّت فيه النية. وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم. فقيل له: لو عممت! فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء. فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم. فتفريغهم للعلم أفضل (٨).\n_________\n(١) أنظر: الدر المصون: ٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٧٩): ص ٢/ ٥٤٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٧.\n(٥) روح المعاني: ٢/ ٤٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٦٩.\n(٧) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٤، حديث رقم ١٨١٣٥، أخرجه أبو داود ص ١٣٤٤، كتاب الزكاة، باب ٢٤: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، حديث رقم ١٦٣٣؛ وأخرجه النسائي ص ٢٢٥٦، كتاب الزكاة، باب ٩١: مسالة القوي المكتسب، حديث رقم ٢٥٩٩، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح ٢/ ٢٢٨، والإرواء ٣/ ٣٨١، حديث رقم ٨٧٦.\n(٨) أنظر: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، الشيخ محمد جمال الدين القاسمي: ٥٣ - ٥٤، ونقله القاسمي بتصرف بسيط في محاسن التأويل: ٢/ ٢١٢.","vol":"5","page":404},{"text":"٣ - ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطنًا ذا حزم، ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل؛ فقال تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾؛ فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة، وحزم، ونظر في الأمور.\n٤ - ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿من التعفف﴾؛ فإن ﴿من﴾ هنا سببية؛ أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء.\n٥ - ومنها: الإشارة إلى الفراسة، والفطنة؛ لقوله تعالى: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾؛ فإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوو الفراسة؛ وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة، ولا بُعد نظر يخدع بأدنى سبب؛ وكم من إنسان عنده قوة فراسة، وحزم، ونظر في العواقب يحميه الله ﷾ بفراسته عن أشياء كثيرة.\n٦ - ومنها: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾؛ وقد كان من جملة ما بايع النبي ﷺ أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئًا؛ حتى إن الرجل ليسقط سوطه من على بعيره، فينزل، فيأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني إياه (١)؛ كل هذا بعدًا عن سؤال الناس.\nوالسؤال - أي سؤال المال - لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويُسَر؛ فإنه لا بأس به؛ بل قد يكون السائل مثابًا مأجورًا لإدخاله السرور على أخيه؛ كما لو سأل إنسان صديقًا له يعرف أنه يكون ممتنًا بهذا السؤال؛ وقد قال النبي ﷺ في اللحم الذي على البرمة: «هو على بريرة صدقة؛ ولنا هدية» (٢).\n٧ - ومن فوائد الآية: بيان عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾؛ فأيّ خير يفعله العبد فإن الله به عليم.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]\nالتفسير:\nالذين يُخْرجون أموالهم مرضاة لله ليلا ونهارًا مسرِّين ومعلنين، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. ذلك التشريع الإلهي الحكيم هو منهاج الإسلام في الإنفاق لما فيه مِن سدِّ حاجة الفقراء في كرامة وعزة، وتطهير مال الأغنياء، وتحقيق التعاون على البر والتقوى؛ ابتغاء وجه الله دون قهر أو إكراه.\nاختلفوا في سبب نزولها على ستة أقاويل (٣):\nأحدها: أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه، كانت معه أربعة دراهم فأنفقها على أهل الصفّة، أنفق في سواد الليل درهمًا، وفي وضح النهار درهمًا، وسرًا درهمًا، وعلانية درهمًا، قاله ابن عباس (٤) ومقاتل (٥)، والكلبي (٦)، ومجاهد بن جبر (٧).\n_________\n(١) راجع صحيح مسلم ص ٨٤٢، كتاب الزكاة، باب ٣٥: كراهة المسألة، حديث رقم ٢٤٠٣ [١٠٨] ١٠٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦١: الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ، حديث رقم ١٤٩٣، وأخرجه مسلم ص ٨٤٩، كتاب الزكاة، باب ٥٢، إباحة الهدية للنبي ﷺ ولبني هاشم وبني المطلب ...، حديث رقم ٢٤٨٥ [١٧٠] ١٠٧٤.\n(٣) أنظر: أسباب النول للواحدي: ٩٠ - ٩١، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٣٤ - ٦٣٥، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٧.\n(٤) أخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٩٢، بسند حسن، ورواه الطبراني في المعجم الكبري (١١١٦٤): ص ١١/ ٩٧، وأورده الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣٢٤، وقال: \"فيه عبد الوهاب ابن مجاهد وهو ضعيف\" وهو من طريق عبد الرزاق، وانظر: الدر المنثور: ٢/ ١٠٠.\n(٥) انظر: تفسيره: ١/ ١٤٥، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٣٤.\n(٦) أنظر: أسباب النول للواحدي: ٩٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨٣): ص ٢/ ٥٤٣. قال ابن كثير: ضعيف: ١/ ٧٠٨. وانظر تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨.","vol":"5","page":405},{"text":"والثاني: وقال ابن جريج: \"نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم عليا ولا غيره\" (١)، قلت: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عون مثله (٢)\nوالثالث: وقيل نزلت في أبي بكر الصديق﵁- حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية (٣).\nوالرابع: أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله لأنهم ينفقون بالليل والنهار سِرًّا وعلانية، قاله عبدالله بن بشر الغافقي (٤)، وأبود الدرداء (٥)، وأبو ذر (٦)، وابن عباس (٧)، والأوزاعي (٨)، وروي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول، نحو ذلك (٩).\nوروي عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: \"نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ في أصحاب الخيل\" (١٠).\nوالخامس: وقيل: \"أنها خاصة في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار، لأنه يرتفق بها كل مار في ليل أو نهار، في سر وعلانية، فكانت أعم لأنها تؤخذ عن الإرادة وتوافق قدر الحاجة\" (١١).\nوالسادس: أنها عامة نزلت في \"المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير\". قاله قتادة (١٢).\nقال ابن عطية: \" والآية وإن كانت نزلت في علي ﵁، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولا محكما، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية\" (١٣).\nقال الآلوسي: \" أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه، لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات والله أعلم\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا\" (١٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٨٢): ص ٢/ ٥٤٣.\n(٣) ذكره البيضاوي في تفسيره: ١/ ١٨٥، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣١٩، ووأبو حيان في البحر: ٢/ ٢٥٠، والرازي في مفاتيح الغيب: ٧/ ٧١.وآخرون، وهي رواية مرسلة لم أعرف قائلها من الصحابة والتابعين.\n(٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.\n(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١، والدر المنثور: ٢/ ١٠٠.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٧.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٨١): ص ٢/ ٥٤٣، وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.\n(٨) عزاه إليه الواحدي بدون سند، أنظر: أسباب النزول: ٩٠ - ٩١.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٤٣، وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨٠): ص ٢/ ٥٤٢. ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١٢٨٣) من طريق سليمان بن عبد الرحمن به، وفي إسناده سعيد بن سنان متروك.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٧.\n(١٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧١.\n(١٤) روح المعاني: ٧/ ٧١.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٧. وكما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص - حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع -: \"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في امرأتك\". [المسند (٤/ ١٢٢) وصحيح البخاري برقم (٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٠٠٢)].\nوروي عن النبي ﷺ، أنه قال: \"إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة\". [المسند (٤/ ١٢٢) وصحيح البخاري برقم (٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٠٠٢)].","vol":"5","page":406},{"text":"قوله تعالى: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، \" أي الذين ينفقون في سبيل الله ابتغاء مرضاته\" (١).\nقال الراغب: \"يرى البعض بأن إنفاق الأموال\"ليس إنفاق المقتنيات فقط، بل كل ما خص الله به الإنسان من النفس والبدن في العبادة والعلم والجاه وغير ذلك، لكن الأظهر أنه إنفاق المقتنيات\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿بالليل والنهار سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي: \"في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهر\" (٣).\nقال الراغب: \" ﴿َعَلانِيَةً﴾: ما عرفه الناس أنه صدقة، وبالسر مالا يعرفه صدقة إلا أولوا البصائر، وإلى هذا أشار من قال إنها نزلت، في النفقة على الخيل فإن الإنفاق على الخيل في الظاهر ليس بقربة\" (٤).\nقال الزمخشري: \" يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال\" (٥).\nقال ابن القيم: \" ذكر عموم الأوقات، وعموم الأحوال فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار وعلى أي حالة وجد من سر وعلانية\" (٦).\nقال القاسمي: \" وفي تقديم الليل على النهار والسر على العلانية، إيذان بمزية الإخفاء على الإظهار (٧).\nقال المراغي: \" وإنما قدم الليل على النهار، والسر على العلانية للإيماء إلى تفضيل صدقة السر على صدقة العلانية، وجمع بين السر والعلانية للإيماء إلى أن لكل منهما موضعا تقتضيه المصلحة قد يفضل فيه سواه، إذ الأوقات والأحوال لا تقصد لذاتها\" (٨).\nوفي نصب قوله تعالى: ﴿سِرًَّا وعلانِيَةً﴾، ثلاثةُ أوجهٍ (٩):\nأحدُهما: أنهما حالان ممَّا تقدَّم، وفيهما ثلاثةُ التأويلاتِ في «زيد عَدْل»، أي: ذوي سر وعلانية أو مُسِرِّين ومُعْلِنين، أو جُعِلوا نفسَ السِّرِّ والعَلانية مبالغةً.\nوالثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وَقْتَيْ سِرٍّ وعلانية.\nوالثالث: أنهما منصوبان على المصدرِ، أي إنفاق سرّ وإنفاق علانية.\nقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، \" أي لهم ثواب ما أنفقوا\" (١٠) عند ربهم.\nقال ابن كثير: \" أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٧٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٤) تفسير الراغب: الأصفهاني: ١/ ٥٧٦.\n(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٩.\n(٦) تفسير القران الكريم: ١٦٠.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٥١٢.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٣٠.\n(٩) أنظر: الدر المصون: ٧/ ١٠٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٨.\n(١٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٦.","vol":"5","page":407},{"text":"قال البن عثيمين: \" أي ثوابهم عند الله؛ وسمي أجرًا؛ لأنه يشبه عقد الإجارة التي يعوَّض فيه العامل على عمله؛ وهذا الأجر قد بُين فيما سبق بأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١] \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي: \"ولا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" فهم لا يحزنون على ما سبق؛ ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله ﷿؛ ولا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم أنفقوه عن طيب نفس\" (٣).\nقال الحراليّ: \"فأفضلهم المنفق ليلا سرّا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية. فهم بذلك أربعة أصناف\" (٤).\nقال الراغب: \" والقصد بالآية في الجملة نفقة من لا يرائي أن لا يداحي وإنما يقصد به مرضاة الله فقط\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلًا، أو نهارًا، أو سرًا، أو جهارًا.\n٢ - ومنها: كثرة ثوابهم؛ لأنه ﷾ أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾؛ والثواب عند العظيم يكون عظيمًا.\n٣ - ومنها: أن الإنفاق يكون سببًا لشرح الصدر، وطرد الهم، والغم؛ لقوله تعالى: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؛ وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه؛ وقد ذكر ابن القيم - ﵀ - في زاد المعاد أن ذلك من أسباب انشراح الصدر.\n٤ - ومنها: كرم الله ﷿ حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه، أجرًا لفاعله؛ كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم.\n٥ - ومنها: كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله؛ وذلك لانتفاء الخوف، والحزن عنهم.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]\nالتفسير:\nالذين يتعاملون بالربا -وهو الزيادة على رأس المال- لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون؛ ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، في أن كلا منهما حلال، ويؤدي إلى زيادة المال، فأكذبهم الله، وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا؛ لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات، ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك. فمن بلغه نهي الله عن الربا فارتدع، فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه، وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه، فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين، ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٣.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢١٥.\n(٥) تفسير الرابغ الأصفهاني: ١/ ٥٧٦.","vol":"5","page":408},{"text":"قال ابن كثير: \"لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات - شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، \"أي: الذين يتعاملون بالربا\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: استحلاله لأكله\" (٣).\nقال الطبري: أي\" الذين يُرْبون\" (٤).\nقال ابن عثيمين: أي الذين يأخذون الربا فينتفعون به بأكل، أو شرب، أو لباس، أو سكن، أو غير ذلك؛ لكنه ذكر الأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، وأكثرها إلحاحًا\" (٥).\nقال القرطبي: \" يأكلون\" يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل\" (٦).\nو(الربا) في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩] أي: اهتزت بأشجارها وعشبها، وربت أي: زادت، وليس المراد الأرض نفسها، بل المراد ما ينبت فيها؛ وفي الشرع: زيادة في شيئين منع الشارع من التفاضل بينهما (٧).\nقال مجاهد: \" كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدّينُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني! فيؤخَّر عنه\" (٨).\nوقال قتادة: \" أن ربا أهل الجاهلية: يبيعُ الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٨٦): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٦٠٢.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٤.\n(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٨.\n(٧) أنظر: الشرح الممتععلى زاد المستنقع: ٨/ ٣٩٢.\nوالربا من كبائر الذنوب، وهو محرم في جميع الأديان السماوية؛ لما فيه من عظيم الأضرار، وكثير الأخطار.\n١ - قال الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n٢ - وقال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].\n٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». [متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٦)، واللفظ له، ومسلم برقم (٨٩)].\n٤ - وأخرج ابن ابي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس قال: \" نهى الله ﷿ عن الربا كأشد النهي، وتقدم فيه: فاتقوا الربا والريبة. وكان يقول: الربا من الكبائر\". [تفسير ابن ابي حاتم: (٢٨٩٣): ص ٢/ ٥٤٥].\nوالربا المحرم في الإسلام نوعان:\nالأول: ربا النسيئة: وهو أصل الربا، ولم تكن العرب في الجاهلية تعرف سواه، وهو الذي كانوا يأخذونه بسبب تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد، وقد ثبت تحريمه بالقرآن والسنة.\nوهو الذي حذرهم الله منه بقوله سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].\nالثاني: ربا البيوع: ويسمى ربا الفضل، وقد حرم سدا للذرائع؛ لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة، لاشتماله على زيادة بدون عوض.\nوهو بيع النقود بالنقود مع الزيادة، أو الطعام بالطعام مع الزيادة، وقد ثبت تحريمه بالسنة.\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق، إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء». [متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢١٧٦)، ومسلم برقم (١٥٨٤)، واللفظ له]. [أنظر: موسوعة الفقه الإسلامي، محمد التويجري: ٣/ ٤٧٢].\n(٨) أخرجه الطبري (٦٢٣٥)، و(٦٢٣٦): ص ٦/ ٨.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٢٣٧): ص ٦/ ٨.","vol":"5","page":409},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: \" لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إِلا كما يقوم المصروع من جنونه\" (١).\nقال الطبري: أي: لا يقومون في الآخرة من قبورهم، إلا كما يقوم الذي يتخبله الشيطان من مَسِّه إياه (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرًا\" (٣).\nقال القرطبي: \" في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس\" (٤).\nيقال: قد مُسّ الرجل وأُلقِ، فهو مَمسوس ومَألوق، كل ذلك إذا ألمّ به اللَّمَمُ فجُنّ، ومنه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]، ومنه قول الأعشى (٥):\nوَتُصْبحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى، وكأَنَّمَا ... أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أَوْلَقُ\nوقوله تعالى: ﴿لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، اختلف المفسرون في هذا القيام، وفيه أقوال (٦):\nأحدها: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا، فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين، كمن أصابه الشيطان بجنون. قاله ابن عباس (٧)، وروي عن عوف بن مالك، وسعد بن جبير والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (٨).\nوالثاني: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله يخرجون من الأجداث سراعا [المعارج: ٤٣] إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون، ويسقطون، ويريدون الإسراع، ولا يقدرون، وهذا القول غير الأول لأنه يريد أن أكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن، وهذا ليس من الجنون في شيء.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٥٤.\n(٥) ديوانه: ١٤٧، وروايته \" من غب السرى \"، ورواية اللسان (ألق)، \" ولق \"، وهو من قصيدته البارعة في المحرق. ويصف ناقته فيقول قبل البيت، وفيها معنى جيد في صحبة الناقة: وَخَرْقٍ مَخُوفٍ قَدْ قَطَعْتُ بِجَسْرَةٍ ... إذَا خَبَّ آلٌ فَوْقَهُ يَتَرَقْرقُ\nهِيَ الصَّاحِبُ الأدْنَى، وَبَيْنى وَبَيْنَها ... مَجُوفٌ عِلافِيُّ وقِطْعٌ ونُمْرُقُ\nوَتُصْبِحُ عَنْ غبّ السُّرَى. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوالخرق: المفازة الواسعة تتخرق فيها الرياح. وناقة جسرة: طويلة شديدة جريئة على السير. وخب: جرى. والآل: سراب أول النهار. \" يترقرق \": يذهب ويجيء. وقوله: \" هي الصاحب الأدنى \"، أي هي صاحبه الذي يألفه ولا يكاد يفارقه، وينصره في الملمات. و\" المجوف \": الضخم الجوف. و\" العلافى \": هو أعظم الرجال أخرة ووسطًا، منسوبة إلى رجل من الأزد يقال له \" علاف \". و\" القطع \": طنفسة تكون تحت الرحل على كتفي البعير. و\" النمرق والنمرقة \": وسادة تكون فوق الرحل، يفترشها الراكب، مؤخرها أعظم من مقدمها، ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل وواسطته. و\" غب السرى \": أي بعد سير الليل الطويل. و\" الأولق \": الجنون. ووصفها بالجنون عند ذلك، من نشاطها واجتماع قوتها، لم يضعفها طول السرى. [حاشية الطبري: ٦/ ١١].\n(٦) أنظر: مفاتيح الغيب: ٧/ ٧٦، وتفسير ابن عثيمين:\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٨٩): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٨) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.","vol":"5","page":410},{"text":"قاله ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، والسدي (٧)، وابن يد (٨)، وابن مسعود (٩)، والحسن (١٠)، وعكرمة (١١)، ومقاتل (١٢)، واختاره الطبري (١٣).\nويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء عن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله ﷺ: \"أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا\" (١٤).\nوالثالث: أنه مأخوذ من قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: ٢٠١] وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطا، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجابا بينه وبين الله تعالى، فالخبط الذي كان حاصلا في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة، وأوقعه في ذلك الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا.\nالرابع: إنهم لا يقومون عند التعامل بالربا إلا كما يقوم المصروع؛ لأنهم - والعياذ بالله - لشدة شغفهم بالربا كأنما يتصرفون تصرف المتخبط الذي لا يشعر؛ لأنهم سكارى بمحبة الربا، وسكارى بما يربحونه - وهم الخاسرون؛ فيكون القيام هنا في الدنيا؛ شبَّه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على الربا العظيم - الذي يتضخم المال من أجل الربا - بالإنسان المصروع الذي لا يعرف كيف يتصرف؛ وهذا قول كثير من المتأخرين؛ وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر؛ ولكن الله شبَّه حالهم حين طلبهم الربا بحال المصروع من سوء التصرف؛ وكلما كان الإنسان أشد فقرًا كانوا له أشد ظلمًا؛ فيكثرون عليه الظلم لفقره؛ بينما حاله تقتضي الرأفة، والتخفيف؛ لكن هؤلاء ظلمة ليس همهم إلا أكل أموال الناس.\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، يعني: أن آكلي الربا \"لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ يعني: كالمصروع الذي يتخبطه الشيطان؛ و«التخبط» هو الضرب العشوائي؛ فالشيطان يتسلّط على ابن آدم تسلطًا عشوائيًا، فيصرعه؛ فيقوم هؤلاء من قبورهم يوم القيامة كقيام\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٠)، (٦٢٤١): ص ٦/ ٩. فيه: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، قال النسائي: \" ليس به بأس \"، وقال في الضعفاء: \" ليس بالقوي \"، وقال أحمد وابن معين: \" ثقة، ونقل عنه ابن أبي حاتم دون ذكر السند، أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٢): ص ٦/ ٩. ... فيه: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، أنظر الهامش السابق. وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده الصحيح (٢٨٨٨): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٣٨)، و(٦٢٣٩): ص ٦/ ٨ - ٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٣)، و(٦٢٤٤): ص ٦/ ٩ - ١٠.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٥): ص ٦/ ١٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٦): ص ٦/ ١٠.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٧): ص ٦/ ١٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٨): ص ٦/ ١٠.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٨٧): ص ٢/ ٥٤٤.\n(١٠) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٤٩.\n(١١) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.\n(١٣) أنظر: تفسيره: ٦/ ٨.\n(١٤) رواه الإمام أحمد في مسنده: (٢/ ٣٥٣)، وابن ماجة في سننه برقم (٢٢٧٣)، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، به. وفي إسناده ضعف. قال المنذري: علي بن زيد هو ابن جدعان، فيه كلام كثير في تضعيفه.","vol":"5","page":411},{"text":"المصروعين - والعياذ بالله - يشهدهم الناس كلهم؛ وهذا القول هو قول جمهور المفسرين\" (١). قال ابن عطية: \" ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم﴾ \" (٢).\nواختلفوا في مس الجنون، هل هو بفعل الشيطان؟ (٣):\nالقول الأول: أنه من فعل الله بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه، ينسب إلى الشيطان مجازًا تشبيهًا بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه.\nوالقول الثاني: أنه من فعل الشيطان بتمكين الله له من ذلك في بعض الناس دون بعض، لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرِّبَا﴾ \"أي: ذلك التخبط والتعثر (٤) بسبب استحلالهم ما حرّمه الله، وقولهم: الربا كالبيع فلماذا يكون حرامًا؟ \" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" فهو الرجل إذا حل ماله على صاحبه فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل، وأزيدك على مالك، فإذا فعل ذلك قيل لهم: هذا ربا. قالوا: سواء علينا أن زدنا في أول البيع، أو عند محل المال فهما سواء، فذلك قوله: قالوا إنما البيع مثل الربا: لقولهم: إن زدنا في أول البيع أو عند محل المال، فهما سواء\" (٦).\nقال ابن عطية: \" معناه عند جميع المتأولين في الكفار، وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾، ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية\" (٧).\nقال ابن عثيمين: الباء في قوله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، \" للسببية؛ يعني أنهم عُمّي عليهم الفرق بين البيع، والربا؛ أو أنهم كابروا فألحقوا الربا بالبيع؛ ولذلك عكسوا التشبيه، فقالوا: إنما البيع مثل الربا، ولم يقولوا: «إنما الربا مثل البيع»، كما هو مقتضى الحال\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تربي، أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبي ﷺ بقوله يوم عرفة\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: إنما جُوزُوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٤.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٩.\n(٤) قال سعيد في قوله تعالى ﴿ذلك﴾: \" يعني: الذين نزل بهم\". [أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٩٠): ص ٢/ ٥٤٤].\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٩١): ص ٢/ ٥٤٥.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٥.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٥٦. وسيأتي بيانه في قول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. والحديث رواه أبو داود في السنن برقم (٣٣٣٤) والترمذي في السنن برقم (٣٠٨٧).","vol":"5","page":412},{"text":"باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا! \" (١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \" يحتمل أن يكون من تمام اعتراض الكفار حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: فلم أحل هذا وحرم هذا؟ ويحتمل أن يكون ردًا عليهم، ويكون اعترافهم بحكم العقل، والرد عليهم بحكم الشرع الذي لا معقب لحكمه، وعلى الثاني أكثر المفسرين (٢).\nواستبعد بعض الحذاق الأول (٣)، وليس ببعيد إلا من جهة أن جوابهم بقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ إلى آخره يحتاج إلى تقدير، والأصل عدمه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرّم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع\" (٥) (٦).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.\n(٢) نسبه لأكثر المفسرين الرازي في مفاتيح الغيب: ٧/ ٩٩، وصححه من ثلاثة وجوه:\nالأول: أن القول بأن الجملة من كلام الكفار يحتاج إلى إضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين، والإضمار خلاف الأصل.\nالثاني: أن المسلمين أبدًا كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية، ولو كانت من كلام الكفار لما فعلوا ذلك.\nالثالث: أنه تعالى ذكر عقبها ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وظاهر ذلك أنهم لما ذكروا الشبهة ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ كشف الله عن فسادها، ولو لم يكن قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكورًا، وبالتالي لم يكن قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ﴾ لائقًا بهذا الموضع. وقال أيضًا: بأنه من كلام الله تعالى جمع من أهل العلم: كالواحدي في البسيط: ١/ ١٦٤ ب، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ٣٣٥، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٣٤١، والسمين في الدر المصون: ١/ ٦٦٣، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٦٦، والألوسي في روح المعاني: ٣/ ٥٠، وغيرهم، وهذا القول هو الأظهر.\n(٣) أظنه يريد السمين في الدر المصون: ١/ ٦٦٣ فإنه قال بعد إيراده له: (وهو بعيد جدًا).\n(٤) الفتح: ٨/ ٥١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٦) وللشافعي في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا، فعلى هذا اختلف في قوله، هل هو من العموم الذي أريد به العموم، أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين:\nأحدهما: أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص.\nوالثاني: أنه عموم أريد به الخصوص.\nوفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن العموم الذي أريد به العموم: أن يكون الباقي من العموم من بعد التخصيص أكثر من المخصوص، والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص.\nوالفرق الثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ، وأن ما أريد به العموم متأخِر عن اللفظ ومقترن به، [هذا] أحد أقاويله:\nوالقول الثاني: أنه المجمل الذي لا يمكن [أن] يستعمل في إحلال بيع أو تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل.\nوهذا فرق ما بين العموم والمجمل، أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. فعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها، هل هو لتعارض فيها أو لمعارضة غيرها لها على وجهين:\nأحدهما: أنه لمَّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها.\nوالثاني: أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعًا فصارت بالسنة مجملة.\nوإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه: هل هو إجمال في المعنى دون اللفظ، لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعًا وحرّم بيعًا.\nوالوجه الثاني: أن الإجمال في لفظها ومعناها، لأنه لما عدل بالبيع عن إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معًا، فهذا شرح القول الثاني.\nوالقول الثالث: أنها داخلة في العموم والمجمل، فيكون عمومًا دخله التخصيص، ومجملًا لحقه التفسير، لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في المعنى، فيكون اللفظ عمومًا دخله التخصيص، والمعنى مجملًا لحقه التفسير.\nوالوجه الثاني: أن عمومها في أول الآية من قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وإجمالها في آخرها من قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فيكون أولها عامًا دخله التخصيص، وآخرها مجملًا لحقه التفسير.\nوالوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملًا، فلما بَيَّنَهُ الرسول صار عامًا، فيكون داخلًا في المجمل\nقبل البيان، في العموم بعد البيان. [انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠].","vol":"5","page":413},{"text":"قال سعيد بن جبير: \" فأكذبهم الله تبارك أسمع لقولهم: سواء علينا أن زدنا في أول البيع أو عند محل المال، فقال: وأحل الله البيع وحرم الربا\" (١).\nقال الزمخشري: \" إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللَّه وتحريمه\" (٢).\nقال الطبري: \" فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وَجه البيع، والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، سواء\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" فأبطل الله هذه الشبهة بما ذكر\" (٤).\nقال القاسمي: \" إنكار لتسويتهم بينهما. إذ الحل مع الحرمة ضدان. فإنّى يتماثلان؟ ودلالة على أن القياس يهدمه النص. لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه\" (٥).\nقال ابن كثير: \": قالوا: ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو الحكيم العليم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل\" (٦).\nقال القرطبي: \" قال جعفر بن محمد الصادق رحمهما الله: حرم الله الربا ليتقارض الناس .. وقال بعض الناس: حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، \" أي من بلغه نهيُ الله عن الربا\" (٨).\nقال المخشري: \" فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهى عن الربا\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي من بلغه حكم الربا بعد أن تعامل به\" (١٠).\nقال الشنقيطي: أي: \"أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا\" (١١)\nقال القاسمي: \" أي بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا .. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيء الموعظة للتربية\" (١٢).\nقال السدي: \" أما الموعظة فالقرآن\" (١٣).\nوقال سعيد بن جبير: \" يعني البيان الذي في القرآن، في تحريم الربا، فانتهى عنه\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٩٢): ص ٢/ ٥٤٥.\n(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٣٢١.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ١٣.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٦.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٢٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٥٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٢١.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٦.\n(١١) أضواء البيان: ١/ ١٥٩.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٢٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٩٤): ص ٢/ ٥٤٥، والطبري (٦٢٥٠): ص ٦/ ١٤.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٩٥): ص ٢/ ٥٤٥.","vol":"5","page":414},{"text":"وفي قوله تعالى ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ وجهان (١):\nأحدهما: التحريم.\nوالثاني: الوعيد.\nقال ابن عطية: \" \"وسقطت علامة التأنيث في قوله: ﴿فَمَنْ جاءَهُ﴾، لأن تأنيث (الموعظة) غير حقيقي وهو بمعنى وعظ، وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَانْتَهَى﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: \" فانتهى حال وصول الشرع إليه\" (٣).\nقال الزمخشري: \"فتبع النهى وامتنع\" (٤).\nقال الصابوني: أي: فانتهى عن التعامل بالربا (٥).\nقال سفيان: \"تاب\" (٦).\nقال القاسمي: \" أي فاتعظ بلا تراخ، وتبع النهي\" (٧).\nقال الشنقيطي: \" أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: \" فله ما مضى قبل التحريم\" (٩).\nقال السدي: \"وأما ﴿ما سلف﴾، فله ما أكل من الربا\" (١٠). وروي نحوه عن سعيد بن جبير (١١).\nوقال سفيان: \" سمعنا في قوله: ﴿ما سلف﴾، قال: مغفورا له\" (١٢).\nقال الماوردي: \"يعني ما أكل من الربا لا يلزمه رَدُّه\" (١٣).\nقال القاسمي: \" أي ما تقدم أخذه قبل التحريم ولا يسترد منه\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" أي ما أخذه من الربا قبل العلم بالحكم\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" فله ما سلف من المعاملة، لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: \"وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس\" (١٦)، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف\" (١٧).\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٠.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٢١.\n(٥) أنظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٩٦): ٢/ ٥٤٥.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٢٢٦.\n(٨) أضواء البيان: ١/! ٥٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (٦٢٥٠): ص ٦/ ١٤، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٦.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٩٨): ص ٢/ ٥٤٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٠٠): ص ٢/ ٥٤٦.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٣٥٠.\n(١٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢٢٦.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٦.\n(١٦) قال الشيخ أحمد شاكر، ﵀، في عمدة التفسير (٢/ ١٨٩): \"وهم الحافظ ابن كثير، ﵀، فإن هذا لم يكن له يوم فتح مكة، بل كان في حجة الوداع في خطبته ﷺ بعرفه\". قلت: جاء هذا مصرحا في رواية عمرو بن الأحوص قال: سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع يقول: \"ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع ... \" فذكر الحديث، رواه أبو داود في السنن برقم (٣٣٣٤) والترمذي في السنن برقم (٣٠٨٧).\nوأخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٢٥): ص ٢/ ٥٥١. ولفظه: \" عن سليمان بن الأحوص عن أبيه، قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال: ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وأول ربا موضوع، ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع كله\".\n(١٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.","vol":"5","page":415},{"text":"قال ابن عطية: \" وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، و﴿سَلَفَ﴾، معناه: تقدم في الزمن وانقضى\" (١)، قال أبو حيان: \"وهذا على قول من قال: الآية مخصوصة بالكفار، ومن قال: إنها عامة فمعناه: فله ما سلف، قبل التحريم\" (٢).\nقال الشنقيطي: \" ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].\nوقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.\nومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبي -ﷺوالمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين (٣) وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، \" أي: أمره موكول إِلى الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه\" (٥)\nقال المخشري: \" يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به\" (٦).\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، خمسة أوجه (٧):\nأحدها: في المحاسبة والجزاء. ويكون الضمير عائدا على (المنتهي) بعد التحريم.\nوالثاني: في العفو عنه وإسقاط التبعية. وذلك أن يكون الضمير عائدا على ﴿ما سَلَفَ﴾.\nوالثالث: في العصمة والتوفيق. روي ذلك عن سعيد بن جبير (٨)، ومقاتل (٩).\nوذلك أن يكون الضمير عائدا على (ذي الربا)، بمعنى: \"أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا\"\" (١٠).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٥٣.\n(٣) صحيح البخاري (٣٦٧١): ص ٣/ ١٤٠٩ باب قصة أبي طالب.\n(٤) أضواء البيان: ١/ ١٥٩ - ١٦٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ٣٢١.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٥.\n(٨) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٠١): ص ٢/ ٥٤٦. ولفظه: \" يعني: بعد التحريم، وبعد تركه، إن شاء عصمه، وإن شاء لم يفعل\".\n(٩) نقلا عن: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٥٤.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٦١، وانظر: روح المعاني: ٢/ ٤٩.","vol":"5","page":416},{"text":"واختار هذا القول النحاس، قائلا: \"وهذا قول حسن بين، أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على التحريم وإن شاء أباحه\" (١).\nوالرابع: في إمرار تحريم الربا أو غير ذلك. ويكون الضمير عائدا على (الربا).\nوالخامس: أن يعود الضمير على المنتهي، ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير، كما تقول وأمره إلى طاعة وخير وموضع رجاء. وكما تقول وأمره في نمو أو إقبال إلى الله وإلى طاعته (٢).\nقال الآلوسي: \" ومن الناس من جعل الضمير المجرور لـ ﴿ما سَلَفَ﴾ أو لـ ﴿الربا﴾، وكلاهما خلاف الظاهر \" (٣).\nقال أبو حيان: \" الظاهر أن الضمير في: ﴿أمره﴾، عائد على المنتهي، إذ سياق الكلام معه، وهو بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿﴿وَمَنْ عَادَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، \" أي ومن عاد إِلى التعامل بالربا واستحله بعد تحريم الله له\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: في الربا بعد التحريم، فاستحله، لقولهم: إنما البيع مثل الربا\" (٦).\nوأخرج ابن ابي حاتم \"عن سفيان في قوله: ﴿ومن عاد﴾، قال: من لم يتب حتى يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون\" (٧).\nقال الآلوسي: \" أي: رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي إلى تحليل الربا بعد النص\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، \" فهو من المخلدين في نار جهنم\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لا يموتون\" (١٢).\nوقد أتى باسم الإشارة الدال على البعد في قوله ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ وذلك لسفوله، أي هوى بعيدًا؛ و﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾، أي: أهلها الملازمون لها؛ وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١٣).\nقال القاسمي: \" ومن أحل ما حرم الله ﷿ فهو كافر، فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٦١.\n(٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٦١.\n(٣) روح المعاني: ٢/ ٤٩.\n(٤) البحر المحيط: ٢/ ٢٥٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٠٢): ص ٢/ ٥٤٦.\n(٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٠٣): ص ٢/ ٥٤٧.\n(٨) روح المعاني: ٢/ ٤٩.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٢٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٠.\n(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٠٤): ص ٢/ ٥٤٧.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٦.","vol":"5","page":417},{"text":"كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع. ولا شك أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها، مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات، بما يتوهمه من الخيالات- فقد كفر ثم ازداد كفرا. وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن. وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل إذا للمعتزلة على اعتزالهم في هذه الآية. والله الموفق\" (١).\nقال ابن عاشور: \" وجعل العائد خالدا في النار إما لأن المراد العود إلى قوله: إنما البيع مثل الربا، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نفاق فإن كثيرا منهم قد شق عليهم ترك التعامل بالربا، فعلم الله منهم ذلك وجعل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم، فالخلود على حقيقته. وإما لأن المراد العود إلى المعاملة بالربا، وهو الظاهر من مقابلته بقوله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى والخلود طول المكث كقول لبيد (٢):\nفَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدَ مَا يَبِيْنُ كَلامُهَا\nومنه: خلد الله ملك فلان.\nوتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها، وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن إذ الناس يومئذ قريب عهدهم بكفر. ولا بد من الجمع بين أدلة الكتاب والسنة\" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: التحذير من الربا، حيث شبه آكله بمن يتخبطه الشيطان من المس.\n٢ - ومنها: أن من تعامل بالربا فإنه يصاب بالنهمة العظيمة في طلبه.\n٣ - ومنها: أن الشيطان يتخبط بني آدم فيصرعه؛ ولا عبرة بقول من أنكر ذلك من المعتزلة، وغيرهم؛ وقد جاءت السنة بإثبات ذلك؛ والواقع شاهد به؛ وقد قسم ابن القيم - ﵀ - في زاد المعاد الصرع إلى قسمين: صرع بتشنج الأعصاب؛ وهذا يدركه الأطباء، ويقرونه، ويعالجونه بما عندهم من الأدوية، والثاني: صرع من الشيطان؛ وذلك لا علم للأطباء به؛ ولا يعالج إلا بالأدوية الشرعية كقراءة القرآن، والأدعية النبوية الواردة في ذلك.\n٤ - ومن فوائد الآية: بيان علة قيام المرابين كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ وهي: ﴿أنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ يعني: فإذا كان مثله فلا حرج علينا في طلبه.\n٥ - ومنها: مبالغة أهل الباطل في ترويج باطلهم؛ لأنهم جعلوا المقيس هو المقيس عليه؛ لقولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾؛ وكان مقتضى الحال أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع.\n٦ - ومنها: أن الحكم لله - ﵎ - وحده؛ فما أحله فهو حلال؛ وما حرمه فهو حرام سواء علمنا الحكمة في ذلك، أم لم نعلم؛ لأنه تعالى رد قولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾؛ فكأنه قال: ليس الأمر إليكم؛ وإنما هو إلى الله.\n٧ - ومنها: أن بين الربا والبيع فرقًا أوجب اختلافهما في الحكم؛ فإنا نعلم أن الله تعالى لا يفرق بين شيئين في الحكم إلا وبينهما فرق في العلة، والسبب المقتضي لاختلافهما؛ لقوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨]، وقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠].\n٨ - ومنها: أن ما أخذه الإنسان من الربا قبل العلم فهو حلال له بشرط أن يتوب، وينتهي؛ لقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾.\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٢) ديوانه: ١١٤.\n(٣) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٠ - ٩١.","vol":"5","page":418},{"text":"٩ - ومنها: أنه لو تاب من الربا قبل أن يقبضه فإنه يجب إسقاطه؛ لقوله تعالى: ﴿فانتهى﴾؛ ومن أخذه بعد العلم فإنه لم ينته؛ ولهذا قال النبي ﷺ في عرفة في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع؛ وأول ربًا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» (١)؛ فبين (ص) أن ما لم يؤخذ من الربا فإنه موضوع.\n١٠ - ومنها: رأفة الله تعالى بمن شاء من عباده؛ لقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى﴾؛ وهذه ربوبية خاصة تستلزم توفيق العبد للتوبة حتى ينتهي عما حرم الله عليه.\n١١ - ومنها: التحذير من الرجوع إلى الربا بعد الموعظة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.\n١٢ - ومنها: التخويف من التفاؤل البعيد لمن تاب من الربا؛ لأنه تعالى قال: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾؛ يعني أن الإنسان يتفاءل، ويؤمل؛ لأن الأمر قد لا يكون على حسب تفاؤله.\n١٣ - ومنها: بيان عظم الربا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.\nالقرآن\n﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]\nالتفسير:\nيذهب الله الربا كله أو يحرم صاحبه بركة ماله، فلا ينتفع به، وينمي الصدقات ويكثرها، ويضاعف الأجر للمتصدقين، ويبارك لهم في أموالهم. والله لا يحب كل مُصِرٍّ على كفره، مُسْتَحِلٍّ أكل الربا، متمادٍ في الإثم والحرام ومعاصي الله.\nقوله تعالى: قوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، \"أي: ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته\" (٢).\nقال ابن عباس: \"يَنقص\" (٣).\nوقال سعيد بن جبير: \"يضمحل\" (٤).\nوقال الحسن: \" ذلك يوم القيامة، يمحق الله الربا يومئذ وأهله\" (٥).\nوقال مقاتل: \" ما كان من ربا، وإن ثري، حتى تغبط به صاحبه، يمحقه الله ﷿\" (٦).\nقال الطبري: \"، ينقُصُ الله الرّبا فيذْهبه\" (٧).\nقال ابن عطية: أي: \" ينقص ويذهب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه\" (٨).\nقال الماوردي: \" أي ينقصه شيئًا بعد شيء، مأخوذ من محاق الشهر لنقصان الهلال فيه\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي يُذهب ربحه ويمحو خيره وإِن كان زيادة في الظاهر\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يَحْرمَه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّم\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٨٠ – ٨٨١، كتاب الحج، باب ١٩: حجة النبي ﷺ، حديث رقم ٢٩٥٠ [١٤٧] ١٢١٨.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٤.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٢٥١): ص ٦/ ١٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٠٥) ص: ٢/ ٥٤٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٠٦) ص: ٢/ ٥٤٧.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٠٧): ص ٢/ ٥٤٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٣.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٥٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.","vol":"5","page":419},{"text":"﴾ [الأنفال: ٣٧]، وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّه﴾ [الآية] (١) [الروم: ٣٩] \" (١).\nقال ابن حجر: \"وأن اكتساب المال من غير حله، وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه فيصير غير مبارك\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فيه وجهان (٣):\nأحدهما: يبطله يوم القيامة إذا تصدق به في الدنيا.\nوالثاني: يرفع البركة منه في الدنيا مع تعذيبه عليه في الآخرة.\nقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، أي: \" يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يضاعف الصدقات\" (٥).\nقال ابن حجر: \"أي: ينميها\" (٦).\nقال ابن عطية: \" معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفا\" (٧).\nقال البغوي: \" أي: يثمرها ويبارك فيها في الدنيا، ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى\" (٨).\nقال الصابوني: \" ويُكثر الصدقات وينميّها وإِن كانت نقصانًا في الشاهد\" (٩).\nوقد روي عن النبي -ﷺ-، أنه قال: \"إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل\" (١٠).\nوقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] قولين (١١):\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٣.\n(٢) الفتح: ١١/ ٢٥٣. معنى محق المال: ذهاب بركته وعدم انتفاع صاحبه به، وهو المعنى الذي ذكره الحافظ، أو ذهابه بالكلية من يد صاحبه، كل ذلك في الدنيا، بالإضافة إلى العقاب عليه في الأخرى. انظر: الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٩٧ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٥ أ، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٤٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٣١، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٥٠، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ١٠٢ - ١٠٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٦٢، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٠٥، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٣٦، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ٢٧٦، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٤١، فتح البيان لصديق خان: ٣/ ١٤١، روح المعاني للألوسي: ٣/ ٥١، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٣٧٠.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ١٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٠٩): ص ٢/ ٥٤٧.\n(٦) الهدي: ١٢٧. ويزيدها في الدنيا، ويُكَثِّر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة، انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٥/ ٢٧٢، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٢/ ٤٨٣، الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٤٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٤٧، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٦٢، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٠٦، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٣٦، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٣٧٠.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٣.\n(٨) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٠) رواه أحمد في مسنده: ١/ ٣٩٥، وابن ماجة في سننه (٢٢٨٩)، ولفظه \"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة\". [وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٩): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\"].\nوذكر الطبري (٦٢٥٢): ص ٦/ ١٥: عن عبدالله ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: \" الرّبا وَإن كثُر فإلى قُلّ \". وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧.\nوفي الشأن نفسه روي عنه ﷺ، أنه قال: \"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس\". [المسند (١/ ٢١) وسنن ابن ماجة برقم (٢١٥٥)].\nوروي عنه ﷺ، أنه قال: \" إنّ الله ﷿ يقبلُ الصّدقة ويأخذها بيمينه فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد، وتصديقُ ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة: ١٠٤]، و﴿يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصّدَقات﴾ \". [أخرجه الطبري في تفسيره (٦٢٥٣) ص: ٦/ ١٦، وإبن أبي حاتم (٢٩٠٨): ص ٢/ ٥٤٧، ورواه احمد في المسند (١٠٠٩٠)، والترمذي في كتاب الزكاة (٦٥٩)]. [وانظر فيما معناه من الأخبار في تفسير الطبري (٦٢٥٤) و(٦٢٥٥): ص ٦/ ١٨، و(٦٢٥٦): ص ٦/ ١٩، و(٦٢٥٧): ص ٦/ ١٩ - ٢٠].\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥١.","vol":"5","page":420},{"text":"أحدهما: يثمر المال الذي خرجت منه الصدقة.\nوالثاني: يضاعف أجر الصدقة ويزيدها، وتكون هذه الزيادة واجبة بالوعد لا بالعمل.\nقال ابن عطية: \" وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة\" (١).\nوقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فيه قراءتين (٢):\nالأولى: بضم الياء والتخفيف، من: ربا الشيء يربو وأرباه يربيه أي: كثّره ونماه ينميه.\nوالثانية: وقرئ: ﴿ويُرَبِّي﴾ بالضم والتشديد، من التربية (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، \" أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل\" (٤).\nأخرج ابن أبي حاتم \" عن سفيان بن عيينة، قوله: ﴿والله لا يحب﴾، قال: لا يقرب\" (٥).\nقال الطبري: \": والله لا يحب كل مُصرٍّ على كفر بربه، مقيم عليه، مستحِلّ أكل الربا وإطعامه، \" أثيم \"، متماد في الإثم، فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه التي وعظه بها في تنزيله وآي كتابه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"إذا نفى الله تعالى المحبة فالمراد إثبات ضدها، وهي الكراهة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل\" (٨).\nوذكر أهل التفسير في معنى ﴿الكَفَّار﴾ [البقرة: ٢٧٦] وجهين (٩):\nأحدهما: الذي يستر نعم الله ويجحدها.\nوالثاني: هو الذي يكثر فعل ما يكفر به.\nوفي معنى (الأثيم) وجهان (١٠):\nأحدهما: أنه من بَّيت الإِثم.\nوالثاني: الذي يكثر فعل ما يأثم به.\nقال ابن عثيمين: \" و«الكَفّار» كثير الكفر، أو عظيم الكفر؛ و«الأثيم» بمعنى الآثم، كالسميع بمعنى السامع\" (١١).\nقال ابن عطية: \" يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾، ووصف الكفار ب أَثِيمٍ، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض\" (١٢).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٣.\n(٢) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٣ - ٧١٤.\n(٣) ومنه قوله ﷺ: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله ليقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى يكون مثل الجبل\". [صحيح البخاري برقم (١٤١٠) وبرقم (٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤)].\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٥.\n(٥) تفسير ابن ابي حاتم (٢٩١٠): ص ٢/ ٥٤٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٢١.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(٨) تفسير الطبري: ١/ ٧١٥ - ٧١٦.\n(٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥١.\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٣.","vol":"5","page":421},{"text":"وقيل في تفسير قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾، أي: \"محسنا صالحا بل يريده مسيئا فاجرا، ويحتمل أن يريد والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم، وهذه تأويلات مستكرهة، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل الله تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به، وحرص على حفظه، وتظهر دلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود الكافر على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن، ولما انقضى ذكرهم عقب بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالين\" (١).\nقال الصابوني: \" وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإِيذان بأنه من فعل الكفار\" (٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: محق الربا: إما حسًا، وإما معنًى، كما سبق.\n٢ - ومنها: التحذير من الربا، وسد أبواب الطمع أمام المرابين.\n٣ - ومنها: أن الله يرْبي الصدقات - أي يزيدها؛ والزيادة إما أن تكون حسية؛ وإما أن تكون معنوية؛ فإن كانت حسية فبالكمية، مثل أن ينفق عشرة، فيخلف الله عليه عشرين؛ وأما المعنوية فأن يُنْزل الله البركة في ماله.\n٤ - ومنها: مقابلة الضد بالضد؛ فكما أن الربا يُمحَق، ويزال؛ فالصدقة تزيد المال، وتنميه؛ لأن الربا ظلم، والصدقة إحسان.\n٥ - ومنها: إثبات المحبة لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾؛ ووجه الدلالة أن نفي المحبة عن الموصوف بالكفر، والإثم يدل على إثباتها لمن لم يتصف بذلك - أي لمن كان مؤمنًا مطيعًا؛ ولولا ذلك لكان نفي المحبة عن «الكفار الأثيم» لغوًا من القول لا فائدة منه؛ ولهذا استدل الشافعي - ﵀ - بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] على أن الأبرار يرون الله ﷿؛ لأنه لما حجب الفجار عن رؤيته في حال الغضب دل على ثبوتها للأبرار في حال الرضا؛ وهذا استدلال خفي جيد؛ والمحبة الثابتة لله ﷿ هي محبة حقيقية تليق بجلاله، وعظمته؛ وليست - كما قال أهل التعطيل - إرادة الثواب، أو الثواب؛ لأن إرادة الثواب ناشئة عن المحبة؛ وليست هي المحبة؛ وهذه القاعدة - أعني إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله - اتفق عليها علماء السلف، وأهل السنة والجماعة؛ لأن ما يتحدث الله به عن نفسه أمور غيبية يجب علينا الاقتصار فيها على ما ورد.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]\nالتفسير:\nإن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا الأعمال الطيبة، وأدَّوا الصلاة كما أمر الله ورسوله، وأخرجوا زكاة أموالهم، لهم ثواب عظيم خاص بهم عند ربهم ورازقهم، ولا يلحقهم خوف في آخرتهم، ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم.\nقال ابن كثير: \" ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون\" (٣).\n_________\n(١) المحرر الوجي: ١/ ٣٧٣.\n(٢) صفوة التفسير: ١/ ١٥٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٦.","vol":"5","page":422},{"text":"قال ابن عاشور: هذه الآية: \"جملة معترضة لمقابلة الذم بالمدح، وقد تقدم تفسير نظيرتها قريبا. والمقصود التعريض بأن الصفات المقابلة لهاته الصفات صفت غير المؤمنين. والمناسبة تزداد ظهورا لقوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: إن الذين\"آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي صدّقوا بالله\" (٣).\nقال الآلوسي: أي: \" بما وجب الإيمان به\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم، من تحريم الربا وأكله، وغير ذلك من سائر شرائع دينه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٧٧]، \" أي: وعملوا الأعمال الصالحات؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ\" (٦).\nقال الطبري: \" ﴿وعملوا الصالحات﴾، التي أمرهم الله ﷿ بها، والتي نَدَبهم إليها\" (٧).\n\nقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: \" وأدَّوا الصلاة كما أمر الله ورسوله ا\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"أي: وأتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وعطْفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونُص عليها لأهميتها\" (٩).\nقال الطبري: أي: ﴿وأقاموا الصلاة﴾ المفروضة بحدودها، وأدّوها بسُنَنها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، \"أي: أوعطوا الزكاة مستحقها\" (١١).\nقال الطبري: \" ﴿وآتوا الزكاة﴾ المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الرّبا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم\" (١٢).\nو«الزكاة»: هي النصيب الذي أوجبه الله ﷿ في الأموال الزكوية؛ وهو معروف في كتب الفقه\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" وخص الصَّلاةَ والزَّكاةَ بالذكر وقد تضمنهما عمل الصَّالِحاتِ تشريفا لهما، وتنبيها على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال\" (١٤).\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٥١.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٢١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٢١.\n(٨) التفسير الميسر: ١/ ٤٧\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٢١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢١.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٣.","vol":"5","page":423},{"text":"قال الآلوسي: تخصيص الصلاة والزكاة، \"بالذكر مع اندارجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى أعظم الأعمال البدنية. والثانية أفضل الأعمال المالية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، \"أي: لهم ثوابهم عند الله\" (٢).\nقال قتادة: \"أجر كبير على حسناتهم، وهي الجنة\" (٣).\nقال الآلوسي: \"الموعود لهم حال كونه عِنْدَ رَبِّهِمْ وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف\" (٤).\nقال الطبري: \"يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصَدَقتهم يوم حاجتهم إليه في معادهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: \" ولا يلحقهم خوف في آخرتهم\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" أي فيما يستقبل من أمرهم\" (٧).\nقال القاسمي: أي: لاخوف عليهم\"يوم الفزع الأكبر\" (٨).\nقال الطبري: \" يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا، بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله ﷿ من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: \" ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي فيما مضى من أمرهم\" (١١).\nقال القاسمي: \" لأنهم فرحون بما آتاهم ربهم ووقاهم عذاب الجحيم\" (١٢).\nقال الطبري: \" ﴿ولاهم يحزنزن﴾ على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به، إذا عاينوا جزيل ثواب الله ﵎، وهم على تركهم ما ترَكوا من ذلك في الدنيا ابتغاءَ رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وُعدوا على تركه\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الحث على الإيمان، والعمل الصالح؛ لأن ذكر الثواب يستلزم التشجيع، والحث، والإغراء.\n٢ - ومنها: أنه لابد مع الإيمان من العمل الصالح؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى يقوم بواجبه - أي واجب الإيمان: وهو العمل الصالح.\n٣ - ومنها: أن العمل لا يفيد حتى يكون صالحًا؛ والصلاح أن ينبني العمل على أمرين: الإخلاص لله ﷿ - وضده الشرك؛ والمتابعة - وضدها البدعة؛ فمن أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل مبتدع لم يقبل منه؛ ومن أتى بعمل مشروع لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه؛ وأدلة هذا معروفة.\n_________\n(١) روح المعاني: ٢/ ٥١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٨): ص ١/ ١٢٩\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٥١.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٢١.\n(٦) التفسير الميسر: ٤٧\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨١.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٢١ - ٢٢.\n(١٠) التفسير الميسر: ٤٧\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨١.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢.","vol":"5","page":424},{"text":"٤ - ومنها: بيان أهمية إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.\n٥ - ومنها: أن هذين الركنين - أعني إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - أعلى أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ للنص عليهما من بين سائر الأعمال الصالحة.\n٦ - ومنها: أن الله ﷾ ضمن الأجر لمن آمن، وعمل صالحًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾.\n٧ - ومنها: الإشارة إلى عظمة هذا الثواب؛ لأنه أضافه إلى نفسه - ﵎ - والمضاف إلى العظيم يكون عظيمًا.\n٨ - ومنها: أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع - الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة - ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢].\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]\nالتفسير:\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال (١):\nالأول: قال السدي: \" نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجلٍ من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، يُسلِفان في الرِّبا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله ﴿ذروا ما بقي﴾ من فضل كان في الجاهلية ﴿من الربا﴾ \" (٢). وروي نحوه عن ابن جريج (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل (٥).\nوالثاني: روي الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: \"بلغنا والله أعلم أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله تعالى رسوله على مكة، وضع يومئذ الربا كله، فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا وضع عن الناس غيرنا، فقال بنو عمرو بن عمير: صولحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فنزلت هذه الآية والتي بعدها: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله يقول الله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون﴾ فتأخذون أكثر ﴿ولا تظلمون﴾ فتبخسون منه\" (٦).\nوالثالث: وقال آخرون: \"نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إذا أنتما أخذتما حظكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما ففعلا؛ فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله\n_________\n(١) أنظر: أسباب النزول للواحدي: ٩٣ - ٩٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٦٢٥٨) ص: ٦/ ٢٢ - ٢٣، وابن أبي حاتم (٢٩١٣): ص ٢/ ٥٤٨، وانظر: أسباب النزول للواحدي: ٩٣ - ٩٤.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٥٩): ص ٦/ ٢٣.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٦٠): ص ٦/ ٢٣.\n(٥) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩١١)، ص ٢/ ٥٤٨، و(٢٩١٥): ص ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(٦) أسباب النزول للواحدي: ٩٣، وأخرجه ابن منده وأبو يعلى (لباب النقول: ٥٠) من طريق الكلبي به.","vol":"5","page":425},{"text":"- ﷺ - فنهاهما وأنزل الله تعالى هذه الآية، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما\" (١). روي ذلك عن عطاء وعكرمة (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أي: \" يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله خافوا الله\" (٣).\nقال ابن كثير: \"أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون\" (٥).\nوالجملة ندائية؛ فائدتها: تنبيه المخاطب، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه (٦).\nقال ابن عاشور: \" وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب ولأن ترك الربا من جملتها، فهو كالأمر بطريق برهاني\" (٧).\nقال الطبري: أي\" خافوا الله على أنفسكم، فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه\" (٨).\nوذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وجهين (٩):\nأحدهما: يأ أيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم.\nوالثاني: يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم.\nوقال ابن فورك: \"يحتمل أنه يريد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بمن قبل محمد من الأنبياء، ﴿ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا\" (١٠). قال ابن عطية: \"وهذا مردود بما روي في سبب الآية\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أي: \" اتركوا ما بقي من الربا\" (١٢).\nأخرج ابن أبي حاتم\"عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾، قال: ما بقي على الناس\" (١٣).\nقال ابن كثير: \"أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" اتركوا طلب ما بقي لكم من فَضْل على رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تُربوا عليها\" (١٥).\nقال الصابوني: \" واتركوا ما لكم من الربا عند الناس\" (١٦).\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٩٣.\n(٢) أنظر: أسباب النزول للواحدي: ٩٣.\n(٣) التفسير الميسر: ٤٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٢.\n(٧) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢.\n(٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥١.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٤.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٤.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٢.\n(١٣) تفسير ابن ابي حاتم (٢٩١٤): ص ٢/ ٥٤٨.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٦.\n(١٥) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.","vol":"5","page":426},{"text":"قال ابن عاشور: \" اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا\" (١).\nقال مجاهد: \" كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فيه أربعة أوجه من القراءات (٣):\nأحدهما: ﴿مَا بَقِيَ﴾ وهي قراءة الجمهور.\nالثانية: «ما بقِيْ» بكسر القاف وإسكان الياء، قرأه الحسن (٤)، وهذا كما قال جرير (٥):\nهو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف\nوقال عمر بن أبي ربيعة (٦):\nكم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر\nإني لأجذل أن أمشي مقابله ... حبًا لرؤية من أشبهت في الصور\nأصله (ما رضي) و(أن أمشي) فأسكنها وهو في الشعر كثير، ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء، ومن هذه اللغة أحب أن أدعوك، وأشتهي أن أقضيك، بإسكان الواو والياء (٧).\nقال ابن عطية: وفي هذا نظر\" (٨).\nوالثالثة: «ما بقى»، بالألف، قرأه الحسن (٩) وهي لغة طيء، يقولون للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، وقال الشاعر (١٠):\nلعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى ... على الأرض قيسي يسوق الأباعرا\nوالرابعة: «الرّبو»، بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو، قرأه أبو السّمّال، وقال أبو الفتح: \"شذ هذا الحرف في أمرين: أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما، والآخر وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم\" (١١).\nقال ابن عطية: \"وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل، نحو يغزو ويدعو وأما ذو الطائية بمعنى الذي فشاذة جدا، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع، فيقول رأيت ذا قام، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة\" (١٢).\nالخامسة: «الربا»، بالإمالة، ولك لمكان الكسرة في الراء، قراءه بذلك الكسائي وحمزة، وأما الباقون بالتفخيم، لفتحة الباء (١٣).\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩١٢): ص ٢/ ٥٤٨.\n(٣) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٦٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥.\n(٤) أنظر: المحتسب: ١/ ١٤١، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة: ص ١٧، لأبيّ ﵁.\n(٥) ديوانه: ٣٠٨، وفيه: فارضوا ما قضى .... وأورده برواية المصنف ابن جني في المحتسب: ١/ ١٤١، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٢٢، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٢٥٥، وابن هشام في المغني: ٨٧٨. وتسكين آخر «رضى» ونحوه: لغة شاذة. ماضى العزيمة: نافذ الحكم، ليس في حكمه جنف: أى ميل عن الحق إلى غيره.\n(٦) ديوانه: ١٢٤.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥، والمحتسب: ١/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥.\n(٩) أنظر: الكشاف: ١/ ٤٠١، والبحر المحيط: ٢/ ٢٥٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة: ص ١٧، لأبيّ ﵁.\n(١٠) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد القرطبي في تفسيره: ٣/ ٣٦٩، وأبي حيان في البحر: ٢/ ٢٥٥، ولكنه أورده شاهدا على قراءة: (ما بقيْ) بالياء الساكنة.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٦٩.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥.\n(١٣) أنظر: التيسير: ٤٩.","vol":"5","page":427},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أي: مصدقين\" بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا وغير ذلك\" (١).\nروي \"عن سعيد، في قوله: إن كنتم مؤمنين يعني: مصدقين\" (٢).\nقال الطبري: \" إن كنتم محققين إيمانكم قولا وتصديقكم بألسنتكم، بأفعالكم\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" هذا من باب الإغراء، والحث على الامتثال؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقًا فدعوا ما بقي من الربا؛ وهذه الجملة يقصد بها الإغراء، والإثارة - أعني إثارة الهمة، فإن قلت: كيف يوجِّه الخطاب للمؤمنين، ويقول: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ أفلا يكون في هذا تناقض؟ فالجواب: ليس هنا تناقض؛ لأن معنى الثانية التحدي؛ أي إن كنتم صادقين في إيمانكم فاتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا\" (٤).\nوحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال: \"إِنْ في هذه الآية بمعنى إذ\" (٥). قال ابن عطية: وهذا مردود لا يعرف في اللغة\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بلوغ القرآن أكمل البلاغة؛ لأن الكلام في القرآن يأتي دائمًا مطابقًا لمقتضى الحال؛ فإذا كان الشيء مهمًا أحاطه بالكلمات التي تجعل النفوس قابلة له؛ وهذا أكمل ما يكون من البلاغة.\n٢ - ومنها: أنه إذا كان الشيء هامًا فإنه ينبغي أن يصَدَّر بما يفيد التنبيه من نداء، أو غيره.\n٣ - ومنها: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾؛ و«التقوى» وصية الله لعباده الأولين، والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١].\n٤ - ومنها: وجوب ترك الربا - وإن كان قد تم العقد عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾؛ وهذا في عقد استوفي بعضه، وبقي بعضه.\n٥ - ومنها: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام - وإن عقدت في حال الشرك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾، ولقول النبي ﷺ في خطبته في عرفة عام حجة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع؛ وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» (٧)؛ ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت في الكفر على وجه باطل، وزال سبب البطلان قبل الإسلام فإنها تبقى على ما كانت عليه؛ مثال ذلك: لو تبايع رجلان حال كفرهما بيعًا محرمًا في الإسلام، ثم أسلما فالعقد يبقى بحاله؛ ومثال آخر: لو تزوج الكافر امرأة في عدتها، ثم أسلما بعد انقضاء عدتها فالنكاح باق؛ ولهذا أمثلة كثيرة.\n٦ - ومن فوائد الآية: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك؛ لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾؛ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تؤخذ لئلا يستعين بها على الربا؛ وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر؛ فنقول: أأنتم أعلم أم الله! ! ! وقد قال الله تعالى: ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾؛ والاستحسان في مقابلة النص باطل.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٦.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٢٦): ص ٢/ ٥٤٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٤.\n(٧) أخرجه مسلم ص ٨٨٠ - ٨٨١، كتاب الحج، باب ١٩: حجة النبي ﷺ، حديث رقم ٢٩٥٠ [١٤٧] ١٢١٨.","vol":"5","page":428},{"text":"فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكًا غير إسلامي، ولو تركناه لهم صرفوه إلى الكنائس، وإلى السلاح الذي يقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم، ونما به رباهم؛ فنقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خوطبنا به؛ والنتائج ليست إلينا؛ ثم إننا نقول: هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل هي قد دخلت في أموالنا حتى نقول: إننا أخرجنا من أموالنا ما يستعين به أعداؤنا على كفرهم، أو قتالنا؟\nوالجواب: أن الأمر ليس كذلك؛ فإن هذه الزيادة التي يسمونها فائدة ليست نماءَ أموالنا؛ فلم تدخل في ملكنا؛ ثم إننا نقول له: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة؛ في إصلاح طرق؛ في بناء مساجد تخلصًا منه، أو تقربًا به؛ نقول له: إن فعلت ذلك تقربًا لم يقبل منك، ولم تسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك؛ وإذا صرفته على أنه ملكك لم يقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث؛ ومن اكتسب مالًا خبيثًا فتصدق به لم يقبل منه؛ لقول النبي ﷺ: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (١)؛ وإن أخرجته تخلصًا منه فأي فائدة من أن تلطخ مالك بالخبيث، ثم تحاول التخلص منه؛ ثم نقول أيضًا: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يخرج هذا تخلصًا منه؟ ! فربما إذا رأى الزيادة الكبيرة تغلبه نفسه، ولا يخرجها؛ أيضًا إذا أخذت الربا، وقال الناس: إن فلانًا أخذ هذه الأموال التي يسمونها الفائدة؛ أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؟ ! لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تخرج هذا المال، وتتخلص منه.\nولهذا أرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾؛ ولم يوجه العباد إلى شيء آخر.\n٨ - ومن فوائد الآية: أن ممارسة الربا تنافي الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ ولكن هل يُخرج الإنسانَ من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج أنه يخرجه من الإيمان إلى الكفر؛ فهو عند الخوارج كافر، كفرعون، وهامان، وقارون؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان؛ لكنه يُخشى عليه من الكفر لا سيما آكل الربا؛ لأنه غذي بحرام؛ وقد قال النبي ﷺ حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام: «فأنى يستجاب لذلك» (٢) - نسأل الله العافية.\n٩ - ومن فوائد الآية: رحمة الله ﷾ بعباده، حيث حرم عليهم ما يتضمن الظلم؛ وأكد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وقوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ والحكم: ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾.\nالقرآن\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]\nالتفسير:\nفإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله، وإن رجعتم إلى ربكم وتركتم أَكْلَ الربا فلكم أَخْذُ ما لكم من ديون دون زيادة، لا تَظْلمون أحدًا بأخذ ما زاد على رؤوس أموالكم، ولا يظلمكم أحد بنقص ما أقرضتم.\nقال ابن كثير: \" وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٧٩]، يعني: \"فإن لم تتركوا ما بقي من ربا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ١٩: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم ٢٣٤٦ [٦٥] ١٠١٥.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ١٩: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم ٢٣٤٦ [٦٥] ١٠١٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٦.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٦.","vol":"5","page":429},{"text":"قال قتادة: \" فإن لم تؤمنوا بتحريم الربا\" (١).\nقال الطبري: \" فإن لم تذَروا ما بقي من الربا\" (٢).\nقال الآلوسي: \" أي ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي وإِن لم تتركوا التعامل بالربا فأيقنوا\" (٤).\nقال أبو حيان: \" ظاهره: فإن لم تتركوا ما بقي من الربا، وسمي الترك فعلًا، وإذا أمروا بترك ما بقي من الربا من ذلك الأمر بترك إنشاء الربا على طريق الأولى والأحرى\" (٥).\nوقال الرازي: \"فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه، فأذنوا بحرب من الله ورسوله، ومن ذهب إلى هذا قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام خرج من الملة كما لو كفر بجميعها\" (٦).\nوقال مقاتل بن حيان: \"قوله: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل، أن اعرض عليهم هذه الآية فإن فعلوا، فلهم رؤس أموالهم، وإن أبوا، فآذنهم بحرب من الله ورسوله\" (٧) ..\nقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، \" أي: فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم\" (٨).\nقال ابن عباس: \": يُقال يوم القيامة لآكل الرّبا: خذ سلاحك للحرْب\" (٩).\nوفي رواية أخرى له: \" فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله\" (١٠).\nوقال قتادة: \" أوْعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بَهْرَجًا أينما ثقفوا\" (١١).\nوقال الربيع: \" أوعد الآكلَ الرّبا بالقتل\" (١٢).\nقال الطبري: \": وهذه الأخبار كلها تنبئ عن أن قوله: (فأذنوا بحرب من الله) إيذان من الله ﷿ لهم بالحرب والقتل، لا أمر لهم بإيذان غيرهم\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: أي: أعلنوا الحرب على الله ورسوله (١٤).\nقال الآلوسي: \" أي فأيقنوا- وبذلك قرأ الحسن- وهو التفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩١٧): ص ٢/ ٥٤٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٣.\n(٣) روح المعاني: ٢/ ٥٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٥٦.\n(٦) مفاتيح الغيب: ٧/ ٨٤.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩١٨): ص ٢/ ٥٤٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٢٦٢)، و(٦٢٦٣): ص ٦/ ٢٥، وابن أبي حاتم (٢٩٢٠): ص ٢/ ٥٥٠، وأخرج عنه ابن أبي حاتم (٢٩١٩): ص ٢/ ٥٥٠: \" فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه\".\nوأخرج أيضا (٢٩٢١): ص ٢/ ٥٥٠: \" عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل، لاستتابهم، فإن تابوا، وإلا وضع فيهم السلاح\".\n(١٠) أخرجه الطبري (٦٢٦٧): ص ٦/ ٢٦. وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٥٠.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٢٦٤) و(٦٢٦٥): ص ٦/ ٢٥ - ٢٦، وابن أبي حاتم (٢٩٢٢): ص ٢/ ٥٥٠، وزاد في لفظه: \" إياكم، وما خالط هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، ولا تلجئنكم إلى معصية الله فاقة\".\nوالبهرج: الشيء المباح. والمكان بهرج: غير حمى. وبهرج دمه: أهدره وأبطله. وفي الحديث: أنه بهرج دم ابن الحارث.\n(١٢) أخرجه الطبري (٦٢٦٦): ص ٦/ ٢٦.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٦.\n(١٥) روح المعاني: ٢/ ٥٢.","vol":"5","page":430},{"text":"وذكروا في تفسير قوله تعالى ﴿فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وجهين (١):\nأحدهما: إن لم تنتهوا عن الربا أموت النبي بحربكم.\nوالثاني: إن لم تنتهوا عنه فأنتم حرب الله ورسوله، يعني أعداءه.\nقلت: الوجه الثاني يحتمله الآية وبه قال الأكثرون، والأول بعيد. والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى ﴿فَأْذَنُوا﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فيه قراءتان:\nالأولى: ﴿فَأْذَنُوا﴾، بإسكان الهمزة وفتح الذال، وهو المشهور (٢)، قال أبو عبيدة: \"معنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾، فأيقنوا (٣)، قال الطبري: \" بمعنى: كونوا على علم وإذن\" (٤).\nوالثانية: وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم (٥): (فآذِنُوا) بالمد وكسر الذال (٦)، أي: آذنوا غيركم وأعلموهم (٧). قال الطبري: بمعنى: \" أعلمُوهم وأخبروهم بأنكم علىَ حرْبهم\" (٨).\nقال أبو علي: \" فآذنوا بحرب فتقديره: فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول هنا محذوف على قوله: وقد أثبت هذا المفعول المحذوف هنا، في قوله ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة، ففي أمرهم بالإعلام ما يعلمون هم أيضا أنهم حرب إن لم يمتنعوا عمّا نهوا عنه من وضع الرّبا عمن كان عليه. وليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم\" (٩).\nقال ابن عطية: \"والقراءتان عندي سواء لأن المخاطب في الآية محضور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل لهم: «فأذنوا» فقد عمهم الأمر، وإن قيل لهم: «فآذنوا» بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضا، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحا لهم في الارتياء والتثبيت أي فأعلموا نفوسكم هذا ثم انظروا في الأرجح لكم، ترك الربا أو الحرب\" (١٠).\nوالقراءة الأولى أوضح في مراد السياق (١١). والله أعلم.\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٢.\n(٢) هي قراءة العشرة غير حمزة وشعبة، انظر: الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١٢١، النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ٢٣٦، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١/ ٤٥٨، البدور الزاهرة للقاضي: ٥٤، المهذب في القراءات العشر د. محمد سالم محيسن: ١/ ١٠٨.\n(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٨٣، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٥٩، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٠٩، وقال قوم: المعنى: اعلموا، والمراد واحد. انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٥/ ١٦، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٨، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٧٧، الصحاح للجوهري: ٥/ ٢٠٦٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٢٤.\n(٥) هو: أبو بكر عاصم بن بهدلة-وهو أبو النجود-الأسدي مولاهم الكوفي، إمام حجة في القراءة، أحد القراء السبعة، صدوق له أوهام في الحديث، وحديثه في الصحيحين مقرون، توفي عام: ١٢٧ هـ، وقيل: بعد ذلك. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٦/ ٣٤١، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٥/ ٢٥٦، التقريب لابن حجر: ٤٧١، غاية النهاية لابن الجزري: ١/ ٣٤٦.\n(٦) انظر: تخريج القراءة في المصادر المذكورة في الهامش رقم: ٢.\n(٧) أي: بأنكم على حربهم، وانظر: في معنى القراءتين: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٥٩، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٩٨، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٠٩، جامع البيان للطبري: ٦/ ٢٤، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٩٨ ب، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٥٢، زاد الميسر لابن الجوزي: ١/ ٣٣٣، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٥٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٣٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٤٤، روح المعاني للألوسي: ٣/ ٥٣ وغيرها. وقراءة الجمهور: (فأْذَنُوا) أمر من أَذِن الثلاثي، يقال: أَذِن بالشيء إذا عَلِم به، واستمع إليه. وقراءة حمزة وشعبة: (فَآذِنُوا) أمر من آذَن الرباعي، يقال: آذَن بالشيء إذا أَعْلَم به.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٢٤.\n(٩) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٣.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(١١) أنظر: الفتح: ٨/ ٥٢. قال الطبري: \" وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: \" فأذَنوا \" بقصر ألفها وفتح ذالها، بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه، وكونوا على إذن من الله ﷿ لكم بذلك، وإنما اخترنا ذلك، لأن الله ﷿ أمر نبيه ﷺ أن ينبذ إلى من أقام على شركه الذي لا يُقَرُّ على المقام عليه، وأن يقتُل المرتدّ عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، آذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يُؤذنوه. فإذْ كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركا مقيمًا على شركه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكون كان مسلمًا فارتدَّ وأذن بحرب. فأي الأمرين كان، فإنما نُبذ إليه بحرب، لا أنه أمر بالإيذان بها إن عَزَم على ذلك. لأن الأمر إن كان إليه، فأقام على أكل الربا مستحلا له ولم يؤذن المسلمون بالحرب، لم يَلزمهم حرْبُه، وليس ذلك حُكمه في واحدة من الحالين، فقد علم أنه المأذون بالحرب لا الآذن بها\". [تفسيره: ٦/ ٢٤ - ٢٥].","vol":"5","page":431},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، \"أي: بأخذ الزيادة\" (١).\nقال الضحاك: \" إن عملتم بالذي أمرتكم فلكم رؤس أموالكم\" (٢).\nقال البغوي: \" أي تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه\" (٣).\nقال الآلوسي: \" عما يوجب الحرب\" (٤).\nقال الطبري: \" فتركتم أكلَ الربا وأنبتم إلى الله ﷿\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" أي رجعتم إلى الله ﷾ من معصيته إلى طاعته؛ وذلك هنا بترك الربا؛ والتوبة من الربا، كالتوبة من غيره - لابد فيها من توافر الشروط الخمسة المعروفة\" (٦).\nقال الرازي: \"والمعنى على القول الأول: تبتم من معاملة الربا، وعلى القول الثاني: من استحلال الربا\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم \" عن مقاتل بن حيان، قوله: وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا فتركوه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: \" فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان\" (٩).\nقال الطبري: \"\"من الديون التي لكم على الناس، دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربًا منكم\" (١٠).\nوروي عن النبي ﷺ، أنه قال يوم الفتح: \" ألا إن ربا الجاهلية موضوعٌ كله، وأوَّل ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب \" (١١).\nقال الضحاك: \" وضع الله الرّبا، وجعل لهم رءوس أموالهم\" (١٢).\nقال قتادة: \" والمال الذي لهم على ظهور الرجال، جعل لهم رءوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئًا\" (١٣). وروي نحوه عن السدي (١٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن \"ابن وهب، عن ملك وسألته عن قول الله: ﴿وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾، قال: إنما ذلك في أهل الإسلام\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿رؤوس﴾ جمع رأس؛ و«الرأس» هنا بمعنى الأصل؛ أي لكم أصول الأموال؛ وأما الربا فليس لكم\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: \" من غير زيادة ولا نقصان\" (١٧).\nقال ابن كثير: \"أي: بوضع رؤوس الأموال أيضا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه\" (١٨).\nقال البغوي: \" ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بطلب الزيادة ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان عن رأس المال\" (١٩).\nقال ابن عطية: \" لا تَظْلِمُونَ في أخذ الربا وَلا تُظْلَمُونَ في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم، فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل، لأن \"مطل الغني ظلم\" (٢٠)، كما قال ﷺ\" (٢١).\nقال الماوردي: \" ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾: بأن تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾، بأن تمنعوا رؤوس أموالكم\" (٢٢).\nوروي عن النبيﷺ-: \"ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون\" (٢٣).\nوقال ابن عباس: \" ﴿لا تَظلمون﴾، فتُربون، ﴿ولا تظلمون﴾، فتنقصون\" (٢٤).\nوقال ابن زيد: \" لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلا لا يحلُّ لكم\" (٢٥).\nوقال الضحاك: \" لا تَظْلِمُونَ: لا تأخذوا غير رؤس أموالكم\" (٢٦)، وعنه أيضا: \" ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ قال: لا يظلمكم الذي لكم عليهم أموالكم\" (٢٧).\nقال أبو علي: \"موضع «لا تظلمون» نصب على الحال من لكم، التقدير: فلكم رءوس أموالكم غير ظالمين ولا مظلومين\" (٢٨).\nقال أحمد بن موسى: \"قرءوا كلّهم: لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٧٩] بفتح التاء الأولى وضم الثانية، وروى المفضّل عن عاصم لا تُظْلِمُونَ وَلا تَظْلَمُونَ بضم التاء الأولى وفتح الثانية (٢٩).\nقال أبو علي:\nقال أبو علي: ويرجح تقديم: ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾، وهي قراءة الجماعة، لأنها تناسب قوله ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾، في إسناد الفعلين إلى الفاعل فيجيء «تظلمون» بفتح التاء أشكل بما قبله (٣٠).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٧.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٢٣): ص ٢/ ٥٥٠.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٥.\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٥٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٦.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٧/ ٨٤.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٢٤): ص ٢/ ٥٥١.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦.\n(١١) حديث خطبته ﷺ في حجة الوداع، رواه مسلم ٨/ ١٨٢، ١٨٣، في حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع. وسنن البيهقي ٥/ ٢٧٤، ٢٧٥. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٧، وقال \" أخرج أبو داود والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع. . . \"، وانظر ابن كثير ٢/ ٦٥. وأخرجه الطبري (٦٢٧٢)، و(٦٢٧٣) ص: ٦/ ٢٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (٦٢٦٩): ص ٦/ ٢٧.\n(١٣) أخرجه الطبري (٦٢٦٨): ص ٦/ ٢٦ - ٢٧. وأخرج نحوه (٦٢٧٠): ص ٦/ ٢٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٧١): ص ٦/ ٢٧، وابن ابي حاتم (٢٩٢٦): ص ٢/ ٥٥١.\n(١٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٢٧): ص ٢/ ٥٥١.\n(١٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٧.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٧١٧.\n(١٩) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٥.\n(٢٠) صحيح البخاري (٢١٦٦): ص ٢/ ٧٩٩. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٥.\n(٢٢) النكت والعيون: ١/ ٣٥٢.\n(٢٣) رواه أبو داود في السنن برقم (٣٣٣٤) عن مسدد به، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٠٥٥) من طريق أبي الأحوص به.\n(٢٤) أخرجه الطبري (٦٢٧٤) ص: ٦/ ٢٨، وابن أبي حاتم (٢٩٢٨): ص ٢/ ٥٥١، ولفظه: \" قوله: ﴿فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون﴾ فتربون\"، و(٢٩٣٠): ص ٢/ ٥٥١، ولفظه: تُظْلَمُونَ: فتنقصون\".\n(٢٥) أخرجه الطبري (٦٢٧٥) ص: ٦/ ٢٨.\n(٢٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٢٢٩): ص ٢/ ٥٥١.\n(٢٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٣١): ص ٢/ ٥٥٢.\n(٢٨) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٣.\n(٢٩) السبعة: ١٩٢.\n(٣٠) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٤.","vol":"5","page":432},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل، ولا الترك؛ لأنه مجبر؛ وحقيقة قولهم تعطيل الأمر والنهي؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما أمر به، ولا ترك ما نهي عنه.\n٢ - ومنها: أن المصِرّ على الربا معلن الحرب على الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان معلنًا الحرب على الله، ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله، ورسوله - وهم المؤمنون؛ وذلك بدلالة الالتزام؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله، ورسوله؛ فالمؤمنون هم حزب الله ﷿ ورسوله.\n٣ - ومن فوائد الآية: عظم الربا لعظم عقوبته؛ وإنما كان بهذه المثابة ردعًا لمتعاطيه عن الاستمرار فيه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأت على ذنب دون الشرك؛ ولهذا جاء في الحديث الذي طرقه متعددة: «إن الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه» (١)؛ وهذا كلٌّ يستبشعه؛ فالربا ليس بالأمر الهين؛ والمؤمن ترتعد فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية.\n٤ - ومنها: أنه يجب على كل من تاب إلى الله ﷿ من الربا ألا يأخذ شيئًا مما استفاده من الربا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾.\n٥ - ومنها: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال من الربا لأيّ غرض كان؛ سواء أخذه ليتصدق به، أو ليصرفه في وجوه البر تخلصًا منه، أو لغير ذلك؛ لأن الله أمر بتركه؛ ولو كان هنا طريق يمكن صرفه فيه لبينه الله ﷿.\n٦ - ومنها: الإشارة إلى الحكمة من تحريم الربا - وهي الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾.\nفإن قال قائل: إن بعض صور الربا ليس فيه ظلم، مثل أن يشتري صاعًا من البر الجيد بصاعين من الرديء يساويانه في القيمة؛ فإنه لا ظلم في هذه الصورة؛ قلنا: إن العلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها فإن الحكم لا ينتقض بفقدها؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه أتي إليه بتمر جيد فسأل: «من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديّ فبعت منه صاعين بصاع، فقال النبي ﷺ: أوَّه أوَّه! عين الربا عين الربا لا تفعل» (٢)؛ ثم أرشدهم إلى أن يبيعوا التمر الرديء بالدراهم؛ ويشتروا بالدراهم تمرًا جيدًا؛ فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض صور الربا لا يخرجه عن الحكم العام للربا؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها؛ ولهذا أمثلة كثيرة؛ ودائمًا نجد في كلام أهل العلم أن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعم، ولا ينظر للعلة.\n٧ - ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿ورسوله﴾.\n٨ - ومنها: رحمة الله ﷾ بالعباد، حيث أرسل إليهم الرسل؛ لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها، ويضرها على وجه التفصيل لقصورها؛ إنما تعرفه على سبيل الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل؛ فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق.\n٩ - ومنها: مراعاة العدل في معاملة الناس بعضهم مع بعض؛ لقوله تعالى: ﴿فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة بلفظ: (الربا ثلاثة وسبعون باب أ) بدون (أيسرها ...) ص ٢٦١٣، كتاب التجارات، باب ٥٨: التغليظ في الربا، حديث رقم ٢٢٧٥؛ وقال الألباني في صحيح ابن ماجة: (صحيح) ٢/ ٢٧ – ٢٨، وأخرجه الحاكم بتمامه ٢/ ٣٧، كتاب البيوع، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.\n(٢) أخرجه البخاري ص ١٨١، كتاب الوكالة، باب ١١: إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود، حديث رقم ٢٣١٢، وأخرجه مسلم ص ٩٥٤، كتاب المساقاة، باب ١٨: بيع الطعام مثلًا بمثل، حديث رقم ٤٠٨٣ [٩٦] ١٥٩٤.","vol":"5","page":433},{"text":"القرآن\n﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]\nالتفسير:\nوإن كان المدين غير قادر على السداد فأمهلوه إلى أن ييسِّر الله له رزقًا فيدفع إليكم مالكم، وإن تتركوا رأس المال كله أو بعضه وتضعوه عن المدين فهو أفضل لكم، إن كنتم تعلمون فَضْلَ ذلك، وأنَّه خير لكم في الدنيا والآخرة.\nفي سبب نزول الآية: قال الكلبي: \"قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكن الربا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، \"أي إِذا كان المستدين معسرًا\" (٢).\nقال ابن عثيمين: أي \"إن وجِد صاحب إعسار، لا يستطيع الوفاء (٣).\nقال الطبري: \" وإن كان الغريم ذا عسرة\" (٤).\nقال ابن عاشور: أي \"وإن حصل ذو عسرة، أي غريم معسر، وفي الآية حجة على أن (ذو) تضاف لغير ما يفيد شيئا شريفا\" (٥).\nقال ابن عطية: \" و«العسرة» ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة\" (٦).\nأخرج ابن ابي حاتم عن \" محمد بن إسحاق، أخبرني من لا أتهم عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا جميعا: من لم يكن له إلا مسكن (فهو والله) معسر، ممن أمر الله بإنظاره\" (٧).\nوقرأ الأعمش «وإن كان معسرا فنظرة»، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، «فإن كان» بالفاء ذُو عُسْرَةٍ بالواو (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، \" فعليكم أن تمهلوه إِلى وقت اليسر\" (٩).\nقال مجاهد: \"يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخَّره\" (١٠). وري نحو ذلك عن السدي (١١).\nقال الصابوني: \" لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينة: إِمّا أن تَقْضي وإِمّا أن تُرْبي\" (١٢).\nقال الطبري: \" فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة، كما قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) [سورة البقرة: ١٩٦] \" (١٣).\n_________\n(١) أسباب النول للواحدي: ٩٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٢٩.\n(٥) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦. قال ابن عطية: \" وارتفع ذُو عُسْرَةٍ ب كانَ التامة التي هي بمعنى وجد وحدث. هذا قول سيبويه وأبي علي وغيرهما، ومن هنا يظهر أن الأصل الغنى ووفور الذمة، وأن العدم طارئ حادث يلزم أن يثبت. وقال بعض الكوفيين، حكاه الطبري: بل هي كانَ الناقصة والخبر محذوف، تقديره وَإِنْ كانَ من غرمائكم ذُو عُسْرَةٍ وارتفع قوله: فَنَظِرَةٌ على خبر ابتداء مقدر، تقديره فالواجب نظرة، أو فالحكم نظرة\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦].\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٣٣): ص ٢/ ٥٥٢.\n(٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (٦٢٩٣)، و(٦٢٩٤): ص ٦/ ٣٢.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٣٦): ص ٢/ ٥٥٢.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٩.","vol":"5","page":435},{"text":"قال ابن عطية: \" والنظرة: التأخير\" (١).\nوفي قوله تعالى ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: مفعلة من اليسر، وهو أن يوسر (٢)، وهو قول الأكثرين، والمعنى: \"فعليكم أن تنظروه حتى يُوسر بالدَّين الذي لكم، فيصيرَ من أهل اليُسر به\" (٣)،\nقاله: ابن عباس (٤)، وشريح (٥)، وإبراهيم (٦)، والربيع (٧)، وقتادة (٨)، ومجاهد (٩)، والضحاك (١٠)، وأبان بن عثمان (١١) وعمر بن عبدالعزيز (١٢).\nوالثاني: إلى الموت، قاله أبو جعفر (١٣)، وإبراهيم النخعي (١٤)، ومحمد بن علي (١٥).\nوالثالث: إلى الغنى. قاله السدي (١٦).\nقال الطحاوي: \"كان الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جل وعز: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ \" (١٧)، قال القرطبي: \"واحتجوا بحديث رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سرق قال: كان لرجل علي مال - أو قال دين - فذهب بي إلى رسول الله ﷺ فلم يصب لي مالًا فباعني منه، أو باعني له\" (١٨). أخرجه البزار بهذا الإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبدالرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما\" (١٩).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(٢) والميسرة: \"المرحمة والمشأمة\". [تفسير الطبري: ٦/ ٢٩].\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٢٧٧): ص ٦/ ٢٩، و(٦٢٨٥): ٦/ ٣٠، وانظر: الخبر (٦٢٨٣): ص ٦/ ٣٠. ولفظه: \" إنما أمر في الربا أن ينظر المعسر، وليست النَّظِرة في الأمانة، ولكن يؤدِّي الأمانة إلى أهلها\". وانظر الخبر (٦٢٨٧) ص: ٦/ ٣٢، وابن أبي حاتم (٢٩٣٢): ص ٢/ ٥٥٢: ولفظه فيهما: \" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة \"، يعني المطلوب\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٧٨): ص ٦/ ٢٩. ونحوه في (٦٢٨١): ص: ٦/ ٣٠ - ٣١.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٧٩): ص ٦/ ٣٠، وأنظر: تفسير الطبري (٦٢٩٠) ص: ٦/ ٣٢، و(٦٢٩٢): ص ٦/ ٣٢.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٨٠): ص ٦/ ٣٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٨٢): ص ٦/ ٣١.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٢٩٣)، و(٦٢٩٤): ص ٦/ ٣٢. سبق ذكره في تفسير قوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\n(١٠) نظر: تفسير الطبري (٦٢٨٦): ص ٦/ ٣١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٣٨): ص ٢/ ٥٥٣.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٣٨): ص ٢/ ٥٥٣.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٨٨) ص: ٦/ ٣٢، وابن أبي حاتم (٢٩٣٩): ص ٢/ ٥٥٣.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٩١) ص: ٦/ ٣٢.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٨٩) ص: ٦/ ٣٢.\n(١٦) نظر: تفسير الطبري (٦٢٨٤): ص ٦/ ٣١، وابن أبي حاتم (٢٩٤٠): ص ٢/ ٥٥٣.\n(١٧) نقلا عن تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧١.\n(١٨) سنن الدارقطني (٣٠٢٥): ص ٤/ ١٩. وله وجهين آخرين:\nأحدهما: (٣٠٢٦): ص ٤/ ١٩: \"ثنا علي بن إبراهيم، نا ابن خزيمة، نا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، نا مرحوم بن عبد العزيز، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الله بن زيد، عن أبيهما، [ص: ٢٠] أنه كان في غزاة فسمع رجلا ينادي آخر، يقول: يا سرق يا سرق فدعاه، فقال: ما سرق؟، فقال: سمانيه رسول الله ﷺ، إني اشتريت من أعرابي ناقة ثم تواريت عنه فاستهلكت ثمنها، فجاء الأعرابي يطلبني، فقال له الناس: ائت رسول الله ﷺ فاستعدي عليه، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن رجلا اشترى مني ناقة ثم توارى عني فما أقدر عليه، قال: «اطلبه»، قال: فوجدني فأتى بي النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله إن هذا اشترى مني ناقة ثم توارى عني، فقال: «أعطه ثمنها»، قال: فقلت: يا رسول الله استهلكته، فقال رسول الله ﷺ: «فأنت سرق»، ثم قال للأعرابي: «اذهب فبعه في السوق وخذ ثمن ناقتك»، فأقامني في السوق فأعطى في ثمنا، فقال للمشتري: ما تصنع به؟، قال: أعتقه، فأعتقني الأعرابي\".\nوالثاني: (٣٠٢٧): ٢/ ٢٠ - ٢١: \" ثنا علي، نا محمد بن إسحاق بن خزيمة، نا بندار، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، نا يزيد بن أسلم، قال: رأيت شيخا بالإسكندرية يقال له سرق، فقلت: «ما هذا الاسم؟»، فقال: اسم سمانيه رسول الله ﷺ ولن أدعه، قلت: لم سماك؟، قال: قدمت المدينة فأخبرتهم أن مالي يقدم فباعوني فاستهلكت أموالهم، فأتوا بي إلى رسول الله ﷺ، فقال لي: «أنت سرق»، وباعني بأربعة أبعرة، فقال الغرماء للذي اشتراني: ما تصنع به؟، قال: أعتقه، قالوا: فلسنا بأزهد منك في الأجر، فأعتقوني بينهم وبقي اسمي\".\n(١٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧١.","vol":"5","page":436},{"text":"قال المهدوي: \"وقال بعض العلماء هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي: أن النبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام\" (١)، قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي ﷺ فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ\" (٢).\nوقال ابن عاشور: \" وقد قيل: إن ذلك كان حكما في الجاهلية وهو حكم قديم في الأمم كان من حكم المصريين، ففي القرآن الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [يوسف: ٧٦]. وكان في شريعة الرومان استرقاق المدين، وأحسب أن في شريعة التوراة قريبا من هذا، وروي أنه كان في صدر الإسلام، ولم يثبت\" (٣).\nويجوز في إعراب قوله تعالى: ﴿نَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وجهان (٤):\nأحدهما: أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير: فعليكم نظرة؛ أو فله نظرة.\nوالثاني: بأن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب عليه نظرة؛ أي إنظار إلى ميسرة؛ أي: إيسار.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿نَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠] على وجوه (٥):\nأحدها: قراءة الجماعة «نَظِرَةٌ» بكسر الظاء.\nوالثاني: وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن: «فنظرة» بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية.\nوالثالث: وقرأ عطاء بن أبي رباح «فناظرة» على وزن فاعلة، وقال الزجّاج: هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكقوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]، وكقوله: ﴿يَعْلَمُ خَآاِنَةَ الاعْيُنِ﴾، فيكون قوله ﴿فناظرة﴾، وقال:: قرأ عطاء فناظره: بمعنى: فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو: صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم: مكان عاشب، وباقل، بمعنى: ذو عشب وذو بقل، وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها\" (٦).\nالرابع: ﴿فناظروه﴾، قرأه عبد الله، أي: فأنتم ناظروه. أي: فأنتم منتظروه (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فيه ثلاثة قراءات (٨):\nالأولى: ﴿ميسُرة﴾ بضمها. وهي قراءة نافع.\nوالثانية: ﴿ميسَرة﴾ بفتح السين، وهي قراءة باقي السبعة وجمهور الناس.\nوالثالثة: ﴿ميسره﴾، بضم السين وكسر الراء، وهي قراءة شاذة، قرأءه عطاء بن أبي رياح ومجاهد.\nوكلّهم قلب الهاء تاء ونوّنها (٩).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(٣) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٦.\n(٤) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩٠.\n(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.، وانظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٥٧.\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٥٧.\n(٨) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٤ - ٤١٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٧٧.\n(٩) أنظر: السبعة: ١٩٢.","vol":"5","page":437},{"text":"قال أبو عليّ: \"القراءة الأولى أولى، لأنّ الكلمة بفتح العين منها أكثر من الضمّ، ومفعلة بناء مبني على التأنيث، ألا ترى أن مفعلا بغير هاء بناء لم يجيء في الآحاد؟ \" (١).\nواختلف أهل العلم: هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة: واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال؟ وفيه قولان (٢):\nأحدهما: أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها.\nقاله: ابن عباس (٣)، وشريح (٤)، وإبراهيم (٥) وابن عبيد بن عمير (٦).\nوالثاني: أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن، لظاهر الآية، وهو قول ابن عباس (٧)، وعطاء (٨)، والضحاك (٩).\nقال الماوردي: وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص، وفي غيره من الديون بالقياس \" (١٠).\nقال ابن عطية: \" وكأن القول [الأول] يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدين ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة\" (١١).\nقال ابن عاشور: \" ومورد الآية على ديون معاملات الربا، لكن الجمهور عمموها في جميع المعاملات ولم يعتبروا خصوص السبب لأنه لما أبطل حكم الربا صار رأس المال دينا بحتا، فما عين له من طلب الإنظار في الآية حكم ثابت للدين كله\" (١٢).\nوقال الطبري: \" والصواب من القول في قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، أنه معنيٌّ به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله ﷺ، ولهم عليهم ديون قد أربَوْا فيها في الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا، وبقبض رؤوس أموالهم، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا، أو إنظار من كان منهم معسرا برؤوس أموالهم إلى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قِبْل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله - الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإرباء - إليه، إن كان موسرا، وإن كان معسرا، كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضل على رأس المال مبطلا عنه.\nغير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا، وإياهم عنى بها، فإن الحكم الذي حكم الله به: من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه، حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حل عليه، وهو بقضائه\n_________\n(١) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٥.\n(٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٧.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري: (٦٢٧٧): ص ٦/ ٢٩، و(٦٢٨٥): ٦/ ٣٠، وانظر: الخبر (٦٢٨٣): ص ٦/ ٣٠، وابن أبي حاتم (٢٩٣٤)، و(٢٩٣٥): ص ٢/ ٥٥٢.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٧٨): ص ٦/ ٢٩. ونحوه في (٦٢٨١): ص: ٦/ ٣٠ - ٣١، وانظر: ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٢.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٢.\n(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٢.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٩٦): ص ٦/ ٣٣.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٣٧): ص ٢/ ٥٥٢.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٩٥): ص ٦/ ٣٣.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٣٥٣.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٧.\n(١٢) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٦.","vol":"5","page":438},{"text":"معسر: في أنه منظر إلى ميسرته، لأن دين كل ذي دين، في مال غريمه، وعلى غريمه قضاؤه منه - لا في رقبته. فإذا عدم ماله، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع، وذلك أن مال رب الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون في رقبة غريمه، أو في ذمته يقضيه من ماله، أو في مال له بعينه، فإن يكن في مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم، فقد بطل دين رب المال، وذلك ما لا يقوله أحد، ويكون في رقبته، فإن يكن كذلك، فمتى عدمت نفسه، فقد بطل دين رب الدين، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبين إذا، إذ كان ذلك كذلك، أن دين رب المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته، لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل، لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه، سبيل، لأنه غير مانعه حقا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بمطله إياه بالحبس\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، \"أي: تُبرءوا المعسر في دينه\" (٢) فهو أكرم وأفضل.\nقال البغوي: \" أي تتركوا رءوس أموالكم إلى المعسر\" (٣).\nقال ابن عاشور: \" أي أن إسقاط الدين عن المعسر والتنفيس عليه بإغنائه أفضل، وجعله الله صدقة لأن فيه تفريج الكرب وإغاثة الملهوف\" (٤).\nأخرج ابن أبي حاتم \" عن إبراهيم: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾، قال: برأس المال\" (٥). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن قتادة والسدي والربيع ومقاتل بن حيان، نحو ذلك\" (٦).\nوقال سعيد بن جبير: \" من تصدق بدين له على معدم، فهو أعظم لأجره\" (٧). وفي رواية أخرى له: \" ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾: فهو أعظم لأجره، ومن لم يتصدق عليه لم يأثم، ومن حبس معسرا في السجن، فهو آثم، لقوله: فنظرة إلى ميسرة ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل، كتب ظالما\" (٨).\nقال الطبري: \" وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على هذا المعسر، ﴿خير لكم﴾ أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته\" (٩).\nقال الآلوسي: \" أي وتصدقكم على معسري غرمائكم برؤوس أموالكم كلا أو بعضا، أكثر ثوابا من الإنظار، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" وندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره\" (١١).\nقال ابن عاشور: \" وإن أريد بالعسرة ضيق الحال وإضرار المدين بتعجيل القضاء فالطلب يحتمل الوجوب، وقد قال به بعض الفقهاء، ويحتمل الندب، وهو قول مالك والجمهور، فمن لم يشأ لم ينظره ولو ببيع جميع ماله لأن هذا حق يمكن استيفاؤه، والإنظار معروف والمعروف لا يجب. غير أن المتأخرين بقرطبة\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٣٣ - ٣٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩٠.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٥.\n(٤) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٦.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٤١): ص ٢/ ٥٥٣.\n(٦) أنظر: تفسيره: ٢/ ٥٥٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٤٢): ص ٢/ ٥٥٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٤٣): ص ٢/ ٥٥٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٣٥.\n(١٠) روح المعاني: ٢/ ٥٣.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٧.","vol":"5","page":439},{"text":"كانوا لا يقضون عليه بتعجيل الدفع، ويؤجلونه بالاجتهاد لئلا يدخل عليه مضرة بتعجيل بيع ما به الخلاص\" (١).\nوقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فيه قراءتان (٢):\nالأولى: «تصّدقوا» بتشديد الصاد على الإدغام من تتصدقوا. وهي قراءة الجمهور.\nوالثانية: «وأن تصدقوا» بتخفيف الصاد، وهي وقراءة عاصم.\nوالثالثة: «وأن تصدقوا» بفك الإدغام، وذلك في مصحف عبد الله بن مسعود.\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وجهان:\nالأول: وأن تصدقوا \" برؤوس أموالكم على الغني والفقير منهم \" خير لكم. روي نحو ذلك عن قتادة (٣)، وإبراهيم (٤).\nقال ابن عطية: \" وليس في الآية مدخل للغني\" (٥).\nوالثاني: أن معنى ذلك: وأن تصدقوا به على المعسر، خير لكم. قاله السدي (٦)، والربيع (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩).\nقال الطبري: \" وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: معناه: \" وأن تصدقوا على المعسر برءوس أموالكم خير لكم \" لأنه يلي ذكر حكمه في المعنيين. وإلحاقه بالذي يليه، أحب إلي من إلحاقه بالذي بعد منه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠]، \"أي: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه\" (١١).\nقال الطبري: \" إن كنتم تعلمون \" موضع الفضل في الصدقة، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه\" (١٢).\nقال الصابوني: أي: \" إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا\" (١٣).\nقال الآلوسي: \" وفيه تحريض على الفعل\" (١٤).\nقال الصابوني: \"إِن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل والأجر العظيم\" (١٥).\nقال ابن عثيمين: \"هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث على العلم؛ «مستقلة» أي أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنًى فاسدًا: أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم؛ فإن لم نكن نعلم\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٦.\n(٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٧.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٩٨): ص ٦/ ٣٥ - ٣٦.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٩٩)، و(٦٣٠٠)، و(٦٣٠١): ص ٦/ ٣٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٧. واعترض على كلام الطبري قائلا: \" وقال الطبري: وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة أقوالا لقتادة وإبراهيم النخعي لا يلزم منها ما تضمنته ترجمته، بل هي كقول جمهور الناس .. \".\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٠٢) ص: ٦/ ٣٦.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٠٣) ص: ٦/ ٣٦.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٠٤)، و(٦٣٠٥)، و(٦٣٠٦) ص: ٦/ ٣٦ - ٣٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٠٦) ص: ٦/ ٣٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٣٧\n(١١) روح المعاني: ٢/ ٥٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٣٥.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩١.\n(١٤) روح المعاني: ٢/ ٥٣.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.","vol":"5","page":440},{"text":"فليس خيرًا لنا؛ ولا شك أن هذا معنًى فاسد لا يراد بالآية؛ لكن المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا\" (١).\nوقيل: يحتمل قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] تأويلان (٢):\nأحدهما: يعني أن من كان مؤمنا فهذا حكمه.\nوالثاني: معناه إذا كنتم مؤمنين.\nوقد روي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها، فدعوا الربا والريبة\" (٣).\nوعن عامر: \"أن عمر ﵁ قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" أما بعد، فإنه والله ما أدري لعلنا نأمركم بأمر لا يصلح لكم، وما أدري لعلنا ننهاكم عن أمر يصلح لكم، وإنه كان من آخر القرآن تنزيلا آيات الربا، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم \" (٤).\nوأخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن عباس أنه قال: \"آخر ما أنزل على رسول الله ﷺ آية الربا، وإنا لنأمر بالشيء لا ندري لعل به بأسا، وننهى عن الشيء لعله ليس به بأس\" (٥).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩١.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٢.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٠٣٨): ص ٦/ ٣٧ - ٣٨. والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٤٦، عن يحيى، وهو القطان. و: ٣٥٠، عن ابن علية - كلاهما عن ابن أبي عروبة. بهذا الإسناد.\nورواه ابن ماجه: ٢٢٧٦، من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، به.\nوذكره ابن كثير ٢: ٥٨، عن الموضع الأول من المسند.\nوذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٦٥، وزاد نسبته لابن الضريس، وابن المنذر. وأشار إليه في الإتقان ١: ٣٣، موجزا، منسوبا لأحمد وابن ماجه فقط.\nوهذا الحديث - على جلالة رواته وثقتهم - ضعيف الإسناد، لانقطاعه. فإن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، كما بينا في شرح المسند: ١٠٩، وانظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص: ٢٦ - ٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٠٣٩): ص ٦/ ٣٨. اسناده ضعيف، لأن في اسناده الشعبي وهو لم يدرك عمر.\n(٥) أخرجه الطبري (٦٣١٠): ص ٦/ ٣٨.\nقال ابن عطية: \"ومعنى هذا عندي أنها من آخر ما نزل، لأن جمهور الناس وابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وغيرهم، قال: آخر آية قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين، وروي أن قوله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا﴾ نزلت قبل موت النبي ﷺ بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وروي بثلاث ليال، وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه قال ﵇ اجعلوها بين آية الربا وآية الدين [لم أقف على تخريجه]، وحكى مكي أن النبي ﷺ قال جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية، من البقرة\". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨].\nقلت: اختلف أهل العلم في آخر آية نزلت من القرآن، على أقوال متعددة، تكلم فيها كلٌّ بما أداه إليه اجتهاده، وليس في شيء من ذلك خبر عن المعصوم، يمكن القطع به، ومن تلك الأقوال:\nالقول الأول: أن آخر آية نزلت هي آية الربا، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] روى ذلك البخاري عن ابن عباس ﵄.\nالقول الثاني: أن آخر آية نزلت آية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] رواه النسائي عن ابن عباس وسعيد بن جبير.\nالقول الثالث: أن آخر آية نزلت آية الدين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢]. فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدين.\nوقد جمع بين هذه الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، فروى كل واحد بعض ما نزل بأنه آخر ما نزل.\nالقول الرابع: أن آخر آية نزلت قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣].\nوهنالك أقوال أخرى منها آية الكلالة، كما روى ذلك الشيخان عن البراء بن عازب ﵄.\nومن أحسن ما قيل في هذا الاختلاف قول من قال: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر أية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب. والله أعلم.\nوقد قال الزرقاني: \"وقد رجّح الزرقاني بأن آخر آية نزولا هو قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وذلك لأمرين:\nأحدهما: ما تحمله هذه الآية في طياتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين، بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم المعاد وما تنوه به من الرجوع إلى الله واستيفاء الجزاء العادل من غير غبن ولا ظلم وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة في سياقها.\nثانيهما: التنصيص في رواية ابن أبي حاتم السابقة على أن النبي ﷺ عاش بعد نزولها تسع ليال فقط ولم تظفر الآيات الأخرى بنص مثله\". [مناهل العرفان: ١/ ٧٠].","vol":"5","page":441},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: ثبوت رحمة الله ﷿؛ وجه ذلك أنه أوجب على الدائن إنظار المدين؛ وهذا رحمة بالمعسر.\n٢ - ومنها: حكمة الله ﷿ بانقسام الناس إلى موسر، ومعسر؛ الموسر في الآية: الدائن؛ والمعسر: المدين؛ وحكمة الله ﷿ هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها، ولذلك بدأ الشيوعيون - الذين يريدون أن يساووا بين الناس - يتراجعون الآن؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الخلاف؛ قال ﷿: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ ولولا هذا الاختلاف لم يمكن أن يسخر لنا أحد ليعمل ما نريد؛ لأن كل واحد ندّ للآخر؛ فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله ﷿، وشرعه من التفاوت بينهم: فهذا موسر؛ وهذا فقير؛ حتى يتبين بذلك حكمة الله ﷿، وتقوم أحوال العباد.\n٣ - ومن فوائد الآية: وجوب إنظار المعسر - أي إمهاله حتى يوسر؛ لقوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾؛ فلا تجوز مطالبته بالدَّين؛ ولا طلب الدَّين منه.\n٤ - ومنها: أن الحكم يدور مع علته وجودًا، وعدمًا؛ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة - وهي العسرة - حتى تجوز مطالبته.\nولو أن الناس مشوا على تقوى الله ﷿ في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل؛ لكن نجد الغني يماطل: يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي؛ فيقول: غدًا؛ ويأتيه غدًا فيقول: بعد غد؛ وهكذا؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مطل الغني ظلم» (١)؛ ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا يُنظرون المعسر، ولا يرحمونه؛ يقول له: أعطني؛ وإلا فالحبس؛ ويحبس فعلًا - وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، ولا مطالبته، ولا طلب الدين؛ بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر؛ لأن طلبه مع الإعسار معصية؛ والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حدّ فيها، ولا كفارة.\n٥ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإبراء من الدَّين، وأنه صدقة؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ والإبراء سنة؛ والإنظار واجب؛ وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ ووجه ذلك أن الواجب ينتظم في السنة؛ لأن إبراء المعسر من الدَّين إنظار، وزيادة؛ وعلى هذا فيبطل إلغاز من ألغز بهذه المسألة، وقال: «لنا سنة أفضل من الواجب»، ومثل ذلك قول بعضهم في الوضوء ثلاثًا:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٧٨، كتاب الحوالات، باب ١: الحوالة وهل يرجع في الحوالة، حديث رقم ٢٢٨٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٥٠، كتاب المساقاة، باب ٧: تحريم مطل الغني وصحة الحوالة ...، حديث رقم ٤٠٠٢ [٣٣] ١٥٦٤.","vol":"5","page":442},{"text":"«إنه أفضل من الوضوء واحدة مع أن الواحدة واجب، والثلاث سنة»؛ فيُلغِز بذلك، ويقول: «هنا سنة أفضل من واجب»؛ فيقال له: هذا إلغاز باطل؛ لأن هذه السنة مشتملة على الواجب؛ فهي واجب، وزيادة؛ وصدق الله، حيث قال في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه» (١)؛ وهذا الحديث يبطل مثل هذه الألغاز التافهة.\n٦ - ومن فوائد الآية: تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض؛ وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية أن العمال يختلفون، كما قال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ [النساء: ٩٥]، وكما قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠].\nويتفرع على تفاضل العمال بتفاضل الأعمال: تفاضل الإيمان، لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة، والجماعة؛ فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.\n٧ - ومن فوائد الآية: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾.\n٨ - وهل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئ من الزكاة: فلو أن إنسانًا أبرأ فقيرًا، ثم قال: أبرأته عن زكاتي؛ لأن الله سمى الزكاة صدقة؛ فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...﴾؟\nفالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وجعْل الدَّين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب؛ والمراد بالخبيث هنا الرديء - وليس الحرام؛ لأن العين مُلك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء؛ والدَّين الذي على معسر مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار؛ وحينئذٍ يكون هذا الدَّين بمنزلة المال التالف؛ فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن إبراء الغريم المعسر لا يجزئ من الزكاة بلا نزاع؛ ولو قلنا: يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأتكم ونويتها من الزكاة؛ فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة؛ وهذا لا يجوز؛ ولهذا لو خيرت شخصًا، وقلت له: أنا أعطيك عشرة ريالات نقدًا، أو أحولك على إنسان فقير معسر عنده العشرة فإنه يختار العشرة نقدًا؛ ولا يتردد؛ بل لو خيرته بين عشرة نقدًا، وعشرين في ذمة معسر لاختار العشرة؛ فصارت العشرة المنقودة بالنسبة للدَّين من باب الطيب؛ وذاك من باب الرديء؛ وبهذا يتبين أنه لا يجزئ إبراء المدين المعسر عن زكاة مال بيد مالكه؛ لأنه من باب تيمم الخبيث؛ إذًا نقول: لا يجوز إبراء الفقير، واحتساب ذلك من الزكاة؛ نعم لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن الدَّين الذي في ذمة المعسر - إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدَّين - لكان ذلك مجزئًا؛ لأن هذا صار من جنس المال الذي أديت الزكاة عنه.\nالخلاصة:\nتبين مما ذكر من الآيتين أن المعاملة بالدَّين ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يأخذ به ربًا؛ وهذا محرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nالثاني: أن يكون المدين معسرًا؛ فلا تجوز مطالبته، ولا طلب الدّين منه حتى يوسر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.\nالثالث: أن يبرئ المعسر من دينه؛ وهذا أعلى الأقسام؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٥٤٥ - ٥٤٦، كتاب الرقاق، باب ٣٨ التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢.","vol":"5","page":443},{"text":"تتمة:\nفي هذه الآية وجوب الإنظار إلى ميسرة؛ ومن المعلوم أن حصول الميسرة مجهول؛ وهذا لا يضر؛ لأنه ليس من باب المعاوضة؛ ولكن لو اشترى فقير من شخص، وجعل الوفاء مقيدًا بالميسرة فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان؛ فأكثر العلماء على عدم الجواز لأن الأجل مجهول؛ فيكون من باب الغرر المنهي عنه؛ والقول الثاني: أن ذلك جائز لحديث عائشة ﵂ أنها قالت للنبي (ص): «قدم لفلان اليهودي بزّ من الشأم لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة؛ فأرسل إليه فامتنع» (١)؛ ولأن هذا مقتضى العقد إذا علم البائع بإعسار المشتري؛ إذ لا يحلّ له حينئذٍ أن يطلب منه الثمن حتى يوسر؛ وهذا القول هو الراجح.\nالقرآن\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]\nالتفسير:\nواحذروا -أيها الناس- يومًا ترجعون فيه إلى الله، وهو يوم القيامة، حيث تعرضون على الله ليحاسبكم، فيجازي كل واحد منكم بما عمل من خير أو شر دون أن يناله ظلم. وفي الآية إشارة إلى أن اجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية، تكميل للإيمان وحقوقه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل الصالحات.\nقال ابن عاشور: \" جيء بقوله: واتقوا يوما تذييلا لهاته الأحكام لأنه صالح للترهيب من ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به أو ندب إليه، لأن في ترك المنهيات سلامة من آثامها، وفي فعل المطلوبات استكثارا من ثوابها، والكل يرجع إلى اتقاء ذلك اليوم الذي تطلب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح\" (٢).\nقوله تعالى:: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، \" أي احذروا يومًا سترجعون فيه إِلى ربكم\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح\" (٤).\nوقوله تعالى ﴿يَوْمًا﴾: هو يوم القيامة، وتنكيره للتهويل (٥)، \" كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيبا\" (٦).\nوفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مضاف محذوف، تقديره: إلى حكم الله وفصل قضائه (٧).\nواختلف أهل التفسير في تحديد هذا (اليوم) المحذر منه، على قولين (٨):\nالأول: قال جمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية.\nوالثاني: وقال قوم: هو يوم الموت.\nقال ابن عطية: \"والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية\" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فيه وجهان (١٠):\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٦/ ١٤٧ حديث رقم ٢٥٦٥٦، وأخرجه الترمذي ص ١٧٧٢، كتاب البيوع، باب ٧: ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، حديث رقم ١٢١٣، وأخرجه النسائي ص ٢٣٨٦، كتاب البيوع، باب ٧٠: البيع إلى الأجل المعلوم، حديث رقم ٤٦٣٢؛ وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٣ – ٢٤، كتاب البيوع، وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٤ – ٥: صحيح.\n(٢) التحرير والتنوير: ٣/ ٩٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٤) الوسيط: ١/ ٣٩٩.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٩٨.\n(٦) روح المعاني: ٢/ ٥٣.\n(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٣.","vol":"5","page":444},{"text":"أحدهما: يعني إلى جزاء الله.\nوالثاني: إلى ملك الله.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، على وجوه (١):\nأحدها: ﴿تَرْجِعُونَ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم، على أنه مبني للفاعل، أي تصيرون إلى الله، وهي قراءة أبي عمرو وحده.\nوالثاني: وقرأ الآخرون ﴿تُرْجَعُونَ﴾، بضم التاء وفتح الجيم، على أنه مبني لما لم يسم فاعله، أي: تردون إلى الله تعالى.\nوالثالث: وقرأ أبي بن كعب: ﴿تردون﴾، بضم التاء، حكاه عنه ابن عطية (٢).\nوالرابع: وقرأ عبد الله: ﴿يردون﴾. حكاه عنه الزمخشري (٣).\nالخامس: وقرأ أبي: ﴿تصيرون﴾. حكاه عنه الزمخشري (٤).\nالسادس: وقرأ الحسن \"يًرجَعون\" بالياء، حكاه عنه ابن عطية (٥)، على معنى يرجع جميع الناس، قال ابن جني: \"كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم: ﴿واتقوا يوما﴾ ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقا بهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٢٨١]، أي: \" ثم توفى كل نفسٍ حسابها\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: ما عملت من خير أو شر\" (٨).\nوقال ابن عباس: \" يريد ثواب عملها، خيرا بخير، وشرا بشر\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" أي تعطى ثوابها، وأجرها المكتوب لها - إن كان عملها صالحًا؛ أو تعطى العقاب على عملها - إن كان عملها سيئًا .. و(التوفية) بمعنى الاستيفاء؛ وهو أخذ الحق ممن هو عليه\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿مَّا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١]، أي \"ما حصلت عليه من ثواب الحسنات، وعقوبة السيئات\" (١١).\nوقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١]، تأويلان (١٢):\nأحدهما: جزاء ما كسبت من الأعمال.\nوالثاني: ما كسبت من الثواب والعقاب.\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]، \" أي: لا ينقص ثوابهم، ولا يزاد عقابهم\" (١٣).\nقال ابن عباس: \"يريد: وهم لا ينقصون، لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٧ - ٤١٨، والسبعة: ١٩٣.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(٣) أنظر: الكشاف: ١/ ٣٢٣.\n(٤) أنظر: الكشاف: ١/ ٣٢٣.\n(٥) أنظر: انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(٦) المحتسب: ١/ ١٤٥، وقيّدها بضم الياء، وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٧٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٤٥): ص ٢/ ٥٥٤.\n(٩) الوسيط: / ١/ ٣٩٩.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩٧.\n(١٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٣.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٨٧.\n(١٤) ذكره في: الوسيط/ ١/ ٣٩٩.","vol":"5","page":445},{"text":"قال المراغي: \" أي: لا ينقصون من ثوابهم ولا يزدادون على عقابهم\" (١).\nقال أبو حيان: \" أي: لا ينقصون مما يكون جزاء العمل الصالح من الثواب، ولا يزادون على جزاء العمل السيء من العقاب\" (٢).\nقال الطبري: \" وكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟ ! \" (٣).\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: \" وهم لا يظلمون يعني: من أعمالهم، لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" في هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان. وهذا رد على الجبرية\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ جملة استئنافية؛ ويحتمل أن تكون جملة حالية من ﴿كل نفس﴾؛ لكن الأول أظهر (٦)، وأعاد الضمير أولا مفردا اعتبارا باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن، ولك أن تقول: إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله (٧).\nقال الصابوني: \" وقد ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية لجامعة المانعة التي كانت آخر ما نزل من القرآن وبنزولها انقطع الوحي، وفيها تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد\" (٨).\nوقال السعدي: \" وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك\" (٩).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن \" سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ﴾، يعني: ﴿توفى كل نفس﴾، يعني: برا أو فاجرا. وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول\" (١٠). وروي نحوه عن ابن عباس (١١)، وعطية (١٢)، والسدي (١٣)، وسعيد بن المسيب (١٤).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ١/ ٥٤٨.\n(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٥٩.\n(٣) تفسير الططبري: ٦/ ٤٢.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٤٦): ص ٢/ ٥٥٤.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(٦) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٩٧.\n(٧) أنظر: روح المعاني: ٢/ ٥٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٩.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١١٧ - ١١٨.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٤٤): ص ٢/ ٥٥٤، وانظر سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٥٧)، وتفسير الثوري: ٧٣، وتفسير ابن كثير: ١/ ٧٢١.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٣١١)، و(٦٣١٢)، و(٦٣١٥): ٦/ ٣٩ - ٤٠.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٣١٣): ص ٦/ ٤٠.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٣١٤): ص ٦/ ٤٠.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣١٦): ص ٦/ ٤٠.","vol":"5","page":446},{"text":"وقد اختلف العلماء في تعيين آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، واستند كل منهم إلى آثار ليس فيها حديث مرفوع إلى النبي، فكان هذا من دواعي الاشتباه وكثرة الخلاف على أقوال شتى، وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في تفسير الآية السابقة (١)، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب اتقاء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾؛ واتقاؤه يكون بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه.\n٢ - ومنها: أن التقوى قد تضاف لغير الله - لكن إذا لم تكن على وجه العبادة؛ فيقال: اتق فلانًا، أو: اتق كذا؛ وهذا في القرآن والسنة كثير؛ قال الله ﷾: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١]؛ لكن فرق بين التقويين؛ التقوى الأولى تقوى عبادة، وتذلل، وخضوع؛ والثانية تقوى وقاية فقط: يأخذ ما يتقي به عذاب هذا اليوم، أو عذاب النار؛ وفي السنة قال النبي ﷺ: «اتق دعوة المظلوم» (٢)؛ فأضاف «التقوى» هنا إلى «دعوة المظلوم»؛ واشتهر بين الناس: اتق شر من أحسنت إليه؛ لكن هذه التقوى المضافة إلى المخلوق ليست تقوى العبادة الخاصة بالله ﷿؛ بل هي بمعنى الحذر.\n٣ - ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ترجعون فيه إلى الله﴾.\n٤ - ومنها: أن مرجع الخلائق كلها إلى الله حكمًا، وتقديرًا، وجزاءً؛ فالمرجع كله إلى الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ [العلق: ٨]، أي في كل شيء.\n٥ - ومنها: إثبات قدرة الله ﷿؛ وذلك بالبعث؛ فإن الله ﷾ يبعث الخلائق بعد أن كانوا رميمًا، وترابًا.\n٦ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا﴾؛ لأن توجيه الأمر إلى العبد إذا كان مجبرًا من تكليف ما لا يطاق.\n٧ - ومنها: أن الإنسان لا يوفى يوم القيامة إلا عمله؛ لقوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾؛ واستدل بعض العلماء على أنه لا يجوز إهداء القرب من الإنسان إلى غيره؛ أي أنك لو عملت عملًا صالحًا لشخص معين؛ فإن ذلك لا ينفعه، ولا يستفيد منه؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿توفى كل نفس ما كسبت﴾؛ لا ما كسب غيرها؛ فما كسبه غيره فهو له؛ واستثني من ذلك ما دلت السنة على الانتفاع به من الغير كالصوم؛ لقول النبي ﷺ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٣)؛ والحج؛ لقول النبي ﷺ للمرأة التي استفتته أن تحج عن أبيها وكان شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة قالت: أفأحج عنه قال: «نعم» (٤)؛ وكذلك المرأة التي استفتته أن تحج عن أمها التي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت قالت: أفأحج عنها قال ﷺ: «نعم» (٥)؛ وكذلك الصدقة؛ لقول النبي ﷺ لمن استفتاه أن\n_________\n(١) وهي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].\n(٢) أخرجه البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦٣: أخذ الصدقة من الأغنياء ...، حديث رقم ١٤٩٦؛ وأخرجه مسلم ص ٦٨٤، كتاب الإيمان، باب ٧: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم ١٢١ [٢٩] ١٩.\n(٣) أخرجه البخاري ص ١٥٢، كتاب الصوم، باب ٤٢: من مات وعليه صوم، حديث رقم ١٩٥٢؛ وأخرجه مسلم ص ٨٦١، كتاب الصيام، باب ٢٧: قضاء الصوم عن الميت حديث رقم ٢٦٩٢ [١٥٣] ١١٤٧.\n(٤) أخرجه البخاري ص ١٢٠، كتاب الحج، باب ١، وجوب الحج وفضله ...، حديث رقم ١٥١٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٠٠، كتاب الحج، باب ٧١: الحج عن العاجز لزمانه وهرم ...، حديث رقم ٣٢٥١ [٤٠٧] ١٣٣٤.\n(٥) أخرجه البخاري ص ١٤٥، كتاب الحج، باب ٢٢: الحج والنذور عن الميت، حديث رقم ١٨٥٢.","vol":"5","page":447},{"text":"يتصدق عن أمه: «نعم» (١)؛ وأذن لسعد بن عبادة أن يتصدق بمخرافه عن أمه (٢)؛ وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلمًا فإنه ينتفع به بالنص، والإجماع؛ أما النص ففي الكتاب، والسنة؛ أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]؛ وأما السنة ففي قوله (ص): «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (٣)، وكان (ص) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» (٤)؛ وأما الإجماع: فإن المسلمين كلهم يصلون على الأموات، ويقولون في الصلاة: «اللهم اغفر له، وارحمه»؛ فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك.\nوالخلاف في انتفاع الميت بالعمل الصالح من غيره فيما عدا ما جاءت به السنة معروف؛ وقد ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن أيّ قربة فعلها، وجعل ثوابها لميت مسلم قريب، أو بعيد نفعه ذلك؛ ومع هذا فالدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه؛ لأنه الذي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٥)؛ ولم يذكر العمل مع أن الحديث في سياق العمل.\nوأما ما استدل به المانعون من إهداء القرب من مثل قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣] فإنه لا يدل على المنع؛ بل على أن سعي الإنسان ثابت له؛ وليس له من سعي غيره شيء إلا أن يجعل ذلك له؛ ونظير هذا أن تقول: «ليس لك إلا مالك»، فإنه لا يمنع أن يقبل ما تبرع به غيره من المال.\nوأما الاقتصار على ما ورد فيقال: إن ما وردت قضايا أعيان؛ لو كانت أقوالًا من الرسول ﷺ قلنا: نعم، نتقيد بها؛ لكنها قضايا أعيان: جاءوا يسألون قالوا: فعلت كذا، قال: نعم، يجزئ؛ وهذا مما يدل على أن العمل الصالح من الغير يصل إلى من أُهدي له؛ لأننا لا ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله، صليت ركعتين لأمي، أو لأبي، أو لأخي أفيجزئ ذلك عنه، أو يصل إليه ثوابه لا ندري ماذا يكون الجواب؛ ونتوقع أن يكون الجواب: «نعم»؛ أما لو كانت هذه أقوال بأن قال: «من تصدق لأمه أو لأبيه فإنه ينفعه»، أو ما أشبه ذلك لقلنا: إن هذا قول، ونقتصر عليه.\n٨ - ومن فوائد الآية: أن الصغير يكتب له الثواب؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس﴾.\nفإن قال قائل: وهل يعاقب على السيئات؟\nفالجواب: «لا»؛ لقول النبي ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة ...»، وذكر منها: «الصغير حتى يحتلم» (٦)؛ ولأنه ليس له قصد تام لعدم رشده؛ فيشبه البالغ إذا أخطأ، أو نسي.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٢٢، كتاب الوصايا، باب ١٩: ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، حديث رقم ٢٧٦٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٣٦، كتاب الزكاة، باب ١٥: وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، حديث رقم ٢٣٢٦ [٥١] ١٠٠٤؛ واللفظ للبخاري.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٢٢١، كتاب الوصايا، باب ١٦: إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله، حديث رقم ٢٧٥٦.\n(٣) أخرجه مسلم ٨٢٧، كتاب الجنائز، باب ١٩: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، حديث رقم ٢١٩٩ [٥٩] ٩٤٨.\n(٤) أخرجه أبو داود ص ١٤٦٥، كتاب الجنائز، باب: ٦٧ الاستفغار عند القبر للميت، حديث رقم ٣٢٢١، وأخرجه الحاكم ١/ ٣٧٠، كتاب الجنائز، وقال: صحيح، وقال الذهبي: صحيح (المرجع السابق ١/ ٣٧١) وقال: عبد الله بن بحير ليس بالعمدة، ومنهم من يقويه، وهانئ روى عنه جماعة، وليس له ذكر في الكتب الستة (المرجع السابق)، وقال النسائي: ليس به بأس (ت التهذيب ٩/ ٢٣)، أخرج له أبو داود هذا الحديث، وأخرج الترمذي وابن ماجة حديثًا آخر: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى ...)، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٣٠٥: صحيح؛ وقال عبد القادر في تخريج جامع الأصول ١١/ ١٤٩، حديث رقم ٨٦٥٨ حاشية (١): ‘إسناده حسن.\n(٥) أخرجه مسلم ص ٩٦٣، كتاب الوصية، باب ٣: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم ٤٢٢٣ [١٥] ١٦٣١.\n(٦) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٠ – ١٠١: حديث رقم ٢٥٢٠١؛ وأخرجه أبو داود ص ١٥٤٤، كتاب الحدود، باب ١٧: في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، حديث رقم ٤٣٩٨؛ وأخرجه النسائي ص ٢٣١٢، كتاب الطلاق باب ٢١: من لا يقع طلاقه من الأزواج، حديث رقم ٣٤٦٢؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٩٩، كتاب الطلاق، باب ١٥: طلاق المعتوه والصغير والنائم، حديث رقم ٢٠٤١، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٥، كتاب الحدود، باب ١: رفع القلم عن ثلاثة، حديث رقم ٢٢٩٦، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٩، كتاب البيوع، وقال: صحيح على شرط مسلم؛ وأقره الذهبي، ومدار الحديث على حماد بن أبي سليمان: اختلفوا فيه؛ وقال الذهبي: وثقه ابن معين وغيره (الميزان ١/ ٥٩٥)؛ فهو حسن الحديث (تحرير التقريب ١/ ٣١٩)، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ٥٥: صحيح، وقال عبد القادر في تخريج جامع الأصول ٣/ ٦١١، حاشية (٣): إسناده حسن.","vol":"5","page":448},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]\nالتفسير:\nيا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله محمدًا ﷺ إذا تعاملتم بدَيْن إلى وقت معلوم فاكتبوه؛ حفظًا للمال ودفعًا للنزاع. ولْيقُم بالكتابة رجل أمين ضابط، ولا يمتنع مَن علَّمه الله الكتابة عن ذلك، ولْيقم المدين بإملاء ما عليه من الدَّيْن، وليراقب ربه، ولا ينقص من دينه شيئا. فإن كان المدين محجورًا عليه لتبذيره وإسرافه، أو كان صغيرًا أو مجنونًا، أو لا يستطيع النطق لخرس به أو عدم قدرة كاملة على الكلام، فليتولَّ الإملاء عن المدين القائم بأمره، واطلبوا شهادة رجلين مسلمَيْن بالِغَيْن عاقلَيْن من أهل العدالة. فإن لم يوجد رجلان، فاطلبوا شهادة رجل وامرأتين ترضون شهادتهم، حتى إذا نَسِيَتْ إحداهما ذكَّرتها الأخرى، وعلى الشهداء أن يجيبوا مَن دعاهم إلى الشهادة، وعليهم أداؤها إذا ما دعوا إليها، ولا تَمَلُّوا من كتابة الدَّين قليلا أو كثيرًا إلى وقته المعلوم. ذلكم أعدل في شرع الله وهديه، وأعظم عونًا على إقامة الشهادة وأدائها، وأقرب إلى نفي الشك في جنس الدَّين وقدره وأجله. لكن إن كانت المسألة مسألة بيع وشراء، بأخذ سلعة ودفع ثمنها في الحال، فلا حاجة إلى الكتابة، ويستحب الإشهاد على ذلك منعًا للنزاع والشقاق، ومن الواجب على الشاهد والكاتب أداء الشهادة على وجهها والكتابة كما أمر الله. ولا يجوز لصاحب الحق ومَن عليه الحق الإضرار بالكُتَّاب والشهود، وكذلك لا يجوز للكُتَّاب والشهود أن يضارُّوا بمن احتاج إلى كتابتهم أو شهادتهم، وإن تفعلوا ما نهيتم عنه فإنه خروج عن طاعة الله، وعاقبة ذلك حالَّة بكم. وخافوا الله في جميع ما أمركم به، ونهاكم عنه، ويعلمكم الله جميع ما يصلح دنياكم وأخراكم. والله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء من أموركم، وسيجازيكم على ذلك.\nلما ذكر تعالى الربا وبيَّن ما فيه من قباحة وشناعة، لأنه زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه وهو كسب خبيث يمقته الإِسلام ويحرمه، أعقبه بذكر القرض والحسن بلا فائدة وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن، وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد والمجتمع (١).\nقال ابن عباس: \"لما حرم الله تعالى الربا، أباح السلم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ الآية\" (٢). قال ابن عطية: \"معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا\" (٣).\n_________\n(١) أنظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٦٠.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٨/ ٥، والشافعي في \"الأم\" ٣/ ٩٣، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٦ - ١١٧، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.","vol":"5","page":449},{"text":"وهذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله؛ وهي في المعاملات بين الخلق؛ وأقصر آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]، لأنها خمسة أحرف؛ وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط؛ إحداهما: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية؛ والثانية قوله تعالى: ﴿﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ...﴾ [الفتح: ٢٩] الآية؛ فقد اشتملت كل واحدة منهما على جميع الحروف الهجائية (١).\nوري عن سعيد بن المسيب: \"أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّيْن\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله\" (٣).\nوسبق أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان، قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك، يعني استمع لها،؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٤) (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" إذا تبايعتم بدين\" (٦).\nقال الصابوني: \"إِذا تعاملتم بدينٍ مؤجل\" (٧).\nوفي قوله تعالى ﴿تداينتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، تأويلان (٨):\nأحدهما: تجازيتم.\nوالثاني: تعاملتم.\nقال الواحدي: \" التداين: تفاعل، من الدين، ومعناه: داين بعضكم بعضا وتبايعتم بدين، قال أهل اللغة: \"القرض غير الدين؛ لأن القرض أن يقترض الإنسان دراهم أو دنانير أو حبا وتمرا وما أشبه ذلك ولا يجوز فيه الأجل، والأجل في الدين جائز\" (٩) (١٠).\nويقال من الدين: ادان: إذا باع سلعته بثمن إلى أجل، ودان بدين: إذا أقرض، ودان استقرض، وأنشد الأحمر (١١):\nندين ويقضي الله عنا وقد نرى ... مصارع قوم لا يدينون ضيعا\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠٣.\n(٢) أخرجه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٧٢١.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير ١/ ١٩٦، تحقيق أسعد أحمد الطيب، وسنده: قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك ثنا مسعر ثنا معن وأبو عون أو أحدهما أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود ...، ونعيم بن حماد قال الحافظ فيه: صدوق يخطئ كثيرًا، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: أرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا، الكامل لابن عدي ٨/ ٢٥١ - ٢٥٦، ولم يذكر ابن عدي هذا الأثر ومعن هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ت. التهذيب، وأبو عون، كما في التهذيب هو أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله الأعور؛ وكلاهما ثقة، لكن معن بن عبد الرحمن لم يدرك عبد اله بن مسعود، لأن الحافظ عده من الطبقة السابعة، وأما أبو عون فإنه مات سنة ١١٠ هجريًا، وعبد الله بن مسعود مات سنة ٣٣ هـ، ت. التهذيب [٩/ ٢٨٥، ٦/ ٢٥]، فيبعد أن يكون قد أدرك ابن مسعود، فيكون حديث معن وأبي عون عن ابن مسعود مرسلًا.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٤.\n(٩) أنظر: اللسان: (أجل): ١/ ٣٢.\n(١٠) البسيط: ٤/ ٤٨٣.\n(١١) البيت للعجير السلولي، في \"لسان العرب\" ٣/ ١٤٦٨ (مادة: دين)، \"تاج العروس\" (مادة: دين)، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٣٧، ينظر: \"المعجم المفصل في شواهد اللغة\" ٤/ ٢٤٩. قال ابن بري: صوابه ضيع بالخفض على الصفة لقوم وقبله:\nفعد صاحب اللحام سيفا تبيعه ... وزد درهما فوق المغالين واخنع","vol":"5","page":450},{"text":"فهذا على معنى يستقرض، وادان: إذا كثر عليه الدين، وتدين واستدان: إذا أخذ الدين (١)، قال الشاعر (٢):\nيعيرني بالدين قومي وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدا\nقال المفسرون: \"كل حق مؤجل فهو داخل تحت قوله: ﴿إذا تداينتم بدين﴾ \" (٣).\nقال ابن الأنباري: \"إنما ذكر الدين مع أن ﴿تداينتم﴾ يدل عليه؛ لأن التداين يكون بمعنيين:\nأحدهما: التداين بالمال.\nوالآخر: التداين بمعنى: المجازاة، من قولهم: كما تدين تدان، والدين: الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتلخيص أحد المعنيين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \"إلى وقت معلوم وقتموه بينكم\" (٥).\nقال ابن عباس: \"إلى أجل معلوم\" (٦).\nقال ابن عطية: \" ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل\" (٧).\nقال الواحدي: \" الأجل في اللغة: الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدين: محله، لانقضاء التأخير فيه، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا: إذا تأخر، والآجل: نقيض العاجل\" (٨).\nقال الطبري: \" وقد يدخل في ذلك القرض والسلم، وكل ما جاز [فيه] السلم مسمى أجل بيعه، يصير دينا على بائع ما أسلم إليه فيه، ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة. كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى، إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه\" (٩).\nوروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في السلم خاصة (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ] [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" فاكتبوا الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى\" (١١).\nقال أبن عباس: \" فأمر بالشهادة عند المداينة، لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى\" (١٢).\nقال الصابوني: \" وهذا إِرشاد منه تعالى لعباده بكتابة المعاملات المؤجلة ليكون ذلك أحفظ وأوثق لمقدارها وميقاتها\" (١٣).\nقال ابن كثير: \"أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ\" (١٤).\n_________\n(١) ينظر في دين: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٣٧، \"المفردات\" ص ١٨١، \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٨.\n(٢) البيت للمقنع الكندي، ينظر \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٨ مادة: (دين)، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٣٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨ ويروى البيت هكذا:\nيعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧٨٣.\n(٤) أنظر: \"تفسير الثعلبي: ٢/ ١٧٨٣، والبسبط للواحدي: ٤/ ٤٨٥، وقيل: إنها جاءت للتوكيد، كقوله: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]. و\"تفسير الطبري\" ٣/ ١١٧، و\"المدخل لتفسير كتاب الله\": للحدادي ٢٩٦ ص، و\"تفسير أبي المظفر السمعاني\" ٢/ ٤٦١.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٤٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥٠): ٢/ ٥٥٥.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٨.\n(٨) البسيط: ٤/ ٤٨٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٤٣.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري: (٦٣١٧)، و(٦٣١٨)، و(٦٣١٩)، و(٦٣٢٠)، و(٦٣٢١): ص ٦/ ٤٤ - ٤٥، وابن أبي حاتم (٢٩٤٧)، و(٢٩٤٨): ص ٢/ ٥٥٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥١): ص ٢/ ٥٥٥.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٢.","vol":"5","page":451},{"text":"قال الواحدي: \" الكتابة والإشهاد اللذان ذكرا في هذه الآية للتداين، والمبايعة\" (١).\nواختلف أهل العلم في اكتتاب الكتاب بذلك على من هو عليه، هل هو واجب أو هو ندب، وفيه قولان (٢):\nأحدهما: أنه ندب، وقالوا: كان اكتتاب الكتاب بالدين فرضا، فنسخه قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وهو قول أبي سعيد الخدري (٣)، والشعبي (٤)، وعامر (٥)، وعطاء (٦)، وابن زيد (٧)، والحسن (٨)، وهو اختيار الفراء (٩)، والأنباري (١٠).\nوالثاني: أنه فرض، قاله الضحاك (١١)، وابن جريج (١٢)، والربيع (١٣)، وكعب (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وسعيد بن جبير (١٦)، وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء، نحو ذلك (١٧).\nقال ابن عطية: \"وقال جمهور العلماء: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق، وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصا بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، وأما الطبري ﵀ فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج (١٨)، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك\" (١٩).\n_________\n(١) البسيط: ٤/ ٤٨٥.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤٧ وما بعدها.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٣٧): ص ٦/ ٥٠.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٢٧)، و(٦٣٢٩)، و(٦٣٣٠): ص ٦/ ٤٨ - ٤٩، و(٦٣٣٥)، و(٦٣٣٦): ص ٦/ ٥٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٦. نقله دون ذكر السند.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٢٨): ص ٦/ ٤٨، و(٦٣٣٤): ص ٦/ ٤٩ - ٥٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٣١): ص ٦/ ٤٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٣٢): ص ٦/ ٤٩.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٣٣): ص ٦/ ٤٩، وابن أبي حاتم: (٣٠٢١): ص ٢/ ٥٦٦.\n(٩) أنظر: معاني القران: ١/ ١٨٣، قال فيه: \"هذا الأمر ليس بفريضة، إنما هو أدب ورحمة من الله، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس\n(١٠) أنظر: البسيط للواحدي: ٤/ ٤٨٦، قال فيه: \" وهو اختيارنا؛ لاتفاق أكثر العلماء عليه، ولأن الأمر لو كان حتما لم يكن المسلمون ليقدموا على خلاف نص القرآن في أسواقهم، ولكان فيه أعظم التشديد على الناس والتغليظ، والنبي - ﷺ - يقول: \"بعثت بالحنفية السمحة\".\nوالحديث: رواه أحمد ٥/ ٢٦٦. قال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص ١٠٩: وسنده حسن.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٢٢): ص ٦/ ٤٧، وابن ابي حاتم (٢٩٥٢): ص ٢/ ٥٥٥، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٦. نقل عنه ذلك دون ذكر السند.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٢٣): ص ٦/ ٤٧.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٢٤)، و(٦٣٢٥): ص ٦/ ٤٧ - ٤٨، وابن أبي حاتم (٢٩٥٣): ص ٢/ ٥٥٥.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٢٦): ص ٦/ ٤٨.\n(١٥) المغني ٦/ ٣٨١.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠٢٠): ص ٢/ ٥٦٦.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم ٢/ ٥٦٦. نقل عنهم ذلك دون ذكر السند.\n(١٨) أنظر: تفسيره: ٦/ ٤٦ وما بعدها.\n(١٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٩.","vol":"5","page":452},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي وليكتب لكم كاتب عادل مأمون لا يجور على أحد الطرفين\" (١).\nقال مقاتل: \" أمر الكاتب أن يكتب بينهما بالعدل \" (٢).\nوقال سعيد بن جبير \": ﴿وليكتب بينكم﴾، بين البائع والمشتري\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: بالقسط والحق، ولا يَجُرْ في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان\" (٤).\nوقوله ﴿بِالْعَدْلِ﴾، أي \"بالاستقامة، وهو ضد الجور؛ والمراد به ما طابق الشرع\" (٥).\nروي \"عن السدي، في قوله: ﴿بالعدل﴾، يقول: بالحق\" (٦).\nقال قتادة: \" اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا، ولا يزيدن فيه باطلا\" (٧).\nوقال سعيد بن جبير: \" ﴿كاتب بالعدل﴾، يعني: يعدل بينهما في كتابه لا يزد على المطلوب، ولا ينقص من حق الطالب\" (٨).\nقال الشوكاني: \" أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانبين وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر بل يتحرى الحق بينهم والمعدلة فيهم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي ولا يمتنع أحد من الكتابة بالعدل كما علّمه الله\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي: لا يمتنع كاتب الكتابة إذا طلب منه ذلك\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي: على الطريقة التي علمه الله من الكتابة أو كما علمه الله بقوله ﴿بالعدل﴾ \" (١٢).\nقال الضحاك: \" ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله كما أمره الله\" (١٣)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سُئِل أن يكتبَ للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فَلْيتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٢) أخرجه: تفسير ابنأبي حاتم (٢٩٥٥): ص ٢/ ٥٥٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥٦): ص ٢/ ٥٥٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥٨): ص ٢/ ٥٥٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٦٣٣٨): ص ٦/ ٥٠.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٥٧): ص ٢/ ٥٥٦.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٣٠٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠٣.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٣٠٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٦٤): ص ٢/ ٥٥٧، و(٢٩٥٩): ص ٢/ ٥٥٦.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٦٣): ص ٢/ ٥٥٧.","vol":"5","page":453},{"text":"\"إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخْرَق\" (١)، وفي الحديث الآخر: \"من كتم علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار\" (٢) \" (٣).\nو(الكاف) في قوله تعالى: ﴿كَمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، تحتمل وجهين (٤):\nأحدهما: أن تكون للتشبيه؛ فالمعنى حينئذ: أن يكتب كتابة حسب علمه بحيث تكون مستوفية لما ينبغي أن تكون عليه.\nوالثاني: أن تكون الكاف للتعليل؛ فالمعنى: أنه لما علمه الله فليشكر نعمته عليه، ولا يمتنع من الكتابة.\nوقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا استكتب ذلك، وذكروا وجوها (٥):\nأحدها: أنه فرض على الكفاية كالجهاد، قاله مجاهد (٦)، وعطاء (٧)، وعامر (٨)، والربيع (٩).\nوالثاني: أنه واجب عليه في حال فراغه، قاله السدي (١٠)، والشعبي (١١)، وعطاء (١٢)، ومقاتل (١٣).\nوالثالث: أنه ندب، قاله مجاهد (١٤).\nوالرابع: أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾، قاله الضحاك (١٥)، والربيع (١٦)،\nقال الطبري: \" ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك، ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه\" (١٧).\nوقال ابن عطية: وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ٧٧] وهو من باب عون الضائع\" (١٨).\nوقال الرازي: \"نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي ﷺ يقول: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (١٩) \" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي: تلك الكتابة المعلمة\" (٢١).\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥١٨) من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٤) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥١ وما بعدها.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٣٣٩)، و(٦٣٤١)، و(٦٣٤١): ص ٦/ ٥٢، وابن أبي حاتم (٢٩٦٠): ص ٢/ ٥٥٦.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٤٠): ص ٦/ ٥٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٣٤٥): ص ٦/ ٥٣.\n(٩) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: (٢٩٦٥): ص ٢/ ٥٥٧، وانظر تفسيره: ٢/ ٥٥٦. ذكره دون سند.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٣٤٥): ص ٦/ ٥٣، وابن أبي حاتم (٢٩٦٢): ص ٢/ ٥٥٧.\n(١١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(١٢) أنظر: تفسر ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٥٦. ذكره دون سند.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٦١): ص ٢/ ٥٥٧.\n(١٤) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٥٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٣٤٣): ص ٦/ ٥٢.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٤٤): ص ٦/ ٥٣.\n(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٣٠٥٤.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٩.\n(١٩) رواه أحمد ٥/ ٢٦٦. قال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص ١٠٩: وسنده حسن.\n(٢٠) مفاتيح الغيب: ٧/ ٩٢.\n(٢١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٤.","vol":"5","page":454},{"text":"قال القاسمي: \"أمر بها بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين\" (٣).\nقال الواحدي: \" الإملال والإملاء: لغتان، قال الفراء: أمللت: لغة الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥].\nومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي، لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه\" (٤).\nقال أبو حيان: أي: فليكتب الكاتب، وليملل من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود عليه بأن الدين في ذمّته، والمستوثق منه بالكتابة\" (٥).\nقال القاسمي: \"أي: وليكن المملي على الكاتب، المدين وهو الذي عليه الحق، لأنه المقر المشهود عليه\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \"وليملل الذي عليه الحق يعني المطلوب. يقول ليمل ما عليه من الحق، على الكاتب، من حق المطلوب\" (٧). وروي عن الضحاك (٨)، ومقاتل (٩)، نحو ذلك.\nقال البغوي: \" يعني: المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد، جاء بهما القرآن، فالإملال هاهنا، والإملاء قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] \" (١٠).\nوروي عن الشافعي، في قوله: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾، إنما معناه: أن يقر، قط، بالحق، ليس معناه أن يملي\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \"وليخش المملي، اللَّهَ رَبَّهُ\" (١٢).\nقال البغوي: \" يعني الممل\" (١٣).\nقال أبو حيان: أي\" فيما يمليه ويقربه\" (١٤).\nقال القاسمي: \" جمع ما بين الاسم الجليل والنعت الجميل، للمبالغة في التحذير\" (١٥).\nوروي \"عن قتادة: ﴿وليتق الله ربه﴾، يتقي الله شاهد في شهادته، لا ينتقص منها حقا، ولا يزيد فيها باطلا، (اتقا) الله كاتب، في (كتابته) لا يدعن منه حقا، ولا يزيدن فيه باطلا\" (١٦).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٤) تفسير الوسيط: ١/ ٤٠٣.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٦٠.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٦٦): ص ٢/ ٥٥٧.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٧. ذكره دون سند.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٨. ذكره دون سند.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٦٧): ص ٢/ ٥٥٧.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٤.\n(١٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٩.\n(١٤) البحر المحيط: ٢/ ٢٦٠.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٤.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٦٩): ص ٢/ ٥٥٨.","vol":"5","page":455},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي\" ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يكتم منه شيئًا\" (٢).\nقال الواحدي: \" أمرَ منْ عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي لا ينقص شَيْئًا مما عليه من الدين\" (٤).\nقال الربيع: \" لا يظلم منه شيئًا\" (٥). وروي نحوه عن الحسن (٦)، وقتادة (٧).\nوقال ابن زيد: \" لا ينقص من حقّ هذا الرجل شيئًا إذا أملى\" (٨)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٩)، ومقاتل (١٠) والضحاك (١١).\nقال ابن عطية: \" والبخس: النقص بنوع من المخادعة والمدافعة\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي إِن كان المدين ناقص العقل مبذرًا\" (١٣).\nروي \"عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿فإن كان الذي عليه الحق﴾، يعني: المطلوب\" (١٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه أربعة تأويلات (١٥):\nأحدها: أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب، وهو قول مجاهد (١٦)، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير نحو ذلك (١٧).\nوالثاني: أنه الطفل الصغير. قاله السدي (١٨)، والضحاك (١٩).\nوالثالث: أنه المبذر لماله (٢٠)، المُفْسِد في دينه، وهو معنى قول الشافعي.\nوالرابع: الذي يجهل قدر المال، ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره.\nقال الطبري: \" السفيه في هذا الموضع: الجاهل بالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه \"، لما قد بينا قبل من أن معنى \" السفه \" في كلام العرب: الجهلُ، وقد يدخل في قوله: \" فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا \"، كل جاهل بصواب ما يُملّ من خطئه، من صغير وكبير، وذكر وأنثى. غير أن الذي هو أولى\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٣٤٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٣) الوسيط: ١/ ٤٠٣.\n(٤) محاسن التأ، يل: ٢/ ٢٣٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٦٣٤٦): ص ٦/ ٥٦، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٥٨. ذكره دون سند.\n(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٧١): ص ٢/ ٥٥٨.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٨.\n(٨) أخرجه الطبري (٦٣٤٧): ص ٦/ ٥٦.\n(٩) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٧٠): ص ٢/ ٥٥٨.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٨٤): ص ١/ ٧١، وأنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٨. ذكره دون سند.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٨. ذكره دون سند.\n(١٢) المحرر الوجي: ١/ ٣٨٠.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٧٢): ص ٢/ ٥٥٨.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٤٨): ص ٦/ ٥٧، وابن ابي حاتم (٢٩٧٣): ص ٢/ ٥٥٩.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٥٩. ذكر ذلك دون سند.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٤٩): ص ٦/ ٥٧، وابن ابي حاتم (٢٩٧٤): ٢/ ٥٥٩. وابن المنذر (٨٥): ص ١/ ٧٢.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٠): ص ٦/ ٥٧.\n(٢٠) قاله ابن كثير: ١/ ٧٢٤.","vol":"5","page":456},{"text":"بظاهر الآية أن يكون مرادًا بها: كلُّ جاهل بموضع خطأ ما يملّ وصوابه: من بالغي الرجال الذين لا يُولىَّ عليهم والنساء\" (١).\nوقال ابن عطية: \" والسفيه: المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة (٢):\nمشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم\nوهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يعني: \" أو كان صبيًا أو شيخًا هرمًا\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: عاجزا أو أخرسا، أو رجلا به حمق\" (٥).\nقال ابن عطية: \" والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: صغيرًا أو مجنونًا\" (٧).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجوها (٨):\nأحدها: أنه الأحمق، قاله مجاهد (٩)، والسدي (١٠)، والشعبي (١١).\nوالثاني: أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعيٍّ أو خُرْسٍ، قاله الطبري (١٢).\nالثالث: أنه الشيخ الكبير (١٣).\nالرابع: أنه الضعيف العقل لعته أو جنون (١٤).\nالخامس: أنه الذي يستحق أن يحجر. قاله الشافعي (١٥).\nقال ابن عطية: \" والغائب عن موضع الإشهاد، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، و﴿وَلِيُّهُ﴾: وكيله، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق، وقال بعض الناس: السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول حسن (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨.\n(٢) ديوانه: ٧٥١؛ وخزانة الأدب ٤/ ٢٢٥؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٨؛ والكتاب ١/ ٥٢؛ ٦٥؛ والمحتسب ١/ ٢٣٧؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٣٦٧؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٣٩؛ والخصائص ٢/ ٤١٧؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٨٣٨؛ ولسان العرب ٣/ ٢٨٨ \"عرد\"، ٤/ ٤٤٦ \"صدر\"، ١١/ ٥٣٦ \"قبل\"، ١٣/ ٤٩٩ \"سفه\"؛ والمقتضب ٤/ ١٩٧. وتسفهت الريح الشيء: حركته. النواسم: الرياح الضعيفة الهبوب. المعنى: يصف الشاعر اهتزاز النساء حين يمشين بالرماح التي تستخفها الرياح فتزعزعها.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٧٥): ص ٢/ ٥٥٩.\n(٦) المحر الوجيز: ١/ ٣٨٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٥): ص ٦/ ٥٨، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٠، ذكره دون سند.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٤): ص ٦/ ٥٨، وابن المنذر (٨٥): ص ١/ ٧٢، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٠، ذكره دون سند.\n(١١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٨.\n(١٣) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٤٩.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٣٤٩.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٥٩.\n(١٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٠.","vol":"5","page":457},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي: لا يستطيع الإِملاء بنفسه لعيٍّ أو خرسٍ أو عُجْمة\" (١).\nروي\" عن سعيد بن جبير، في قول الله: أو لا يستطيع يعني: لا يحسن\" (٢). وروي عن الضحاك نحو ذلك (٣).\nوري عن سعيد بن جبير، في قوله ﴿أن يمل هو﴾، قال: \"أن يمل ما عليه\" (٤).\nقال ابن كثير: \"إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه\" (٥).\nوقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثلاثة تأويلات (٦):\nأحدها: أنه العييّ الأخرس، قاله ابن عباس (٧).\nوالثاني: أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة، أو جهل بما له وعليه.\nوالثالث: أنه المجنون.\nقوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: \"فليملل قيِّمه أو وكيله بالعدل من غير نقصٍ أو زيادة\" (٨).\nقال الزمخشري: \" الذي يلي أمره من وصىّ إن كان سفيها أو صبيا، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. وقوله تعالى ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾، فيه أنه غير مستطيع ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه\" (٩).\nروي \"عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿فليملل﴾: ولي الحق حقه بالعدل\" (١٠). وروي عن الضحاك بن مزاحم، نحو ذلك (١١).\nوقوله تعالى ﴿بِالْعَدْلِ﴾ - معناه \"بالحق وقصد الصواب\" (١٢).\nقال السمين: \" وقراء هنا شاذا: «وليمل» بالإدغام\" (١٣).\nوذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى ﴿وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أربعة أقوال (١٤):\nأحدها: ولي اليتيم. قاله الحسن (١٥).\nوالثاني: طالب الحق. قاله مقاتل بن حيان (١٦)، والفراء (١٧).\nوالثالث: يعني: الطالب، ولا يزداد شيئا. قاله سعيد بن جبير (١٨)،\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٧٦): ص ٢/ ٥٥٩.\n(٣) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم ٢/ ٥٥٩. ذكره دون سند.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٧٧): ص ٢/ ٥٥٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، وتفسير البغوي: ١/ ٣٤٩.\n(٧) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٢٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٧٨): ص ٢/ ٥٥٩.\n(١١) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٥٩. ذكره دون سند.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٨٠.\n(١٣) الدر المصون: ٢/ ٦٥٣.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٧٩): ص ٢/ ٥٥٩، وابن المنذر (٩٠): ص ١/ ٧٣.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٨٠): ص ٢/ ٥٦٠، وابن المنذر (٨٨): ١/ ٧٢.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن المنذر (٨٩): ١/ ٧٣.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٨١): ص ٢/ ٥٦٠.","vol":"5","page":458},{"text":"والرابع: ولي المطللوب (السفيه أو الضعيف)، قاله أبو عبيد (١)، وابن جريج (٢)\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، تأويلان (٣):\nأحدهما: وليّ مَنْ عليه الحق، وهو قول الضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، وسعيد بن المسيب (٦).\nوالثاني: وليّ الحق، وهو صاحبه، قاله ابن عباس (٧)، والربيع (٨)، واختاره الطبري (٩).\nوضعّف ابن عطية القول الثاني، قائلا: \" وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع أَنْ يُمِلَّ بمرضه إذا كان عاجزا عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به، وهذا معنى لم تعن الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \"واستشهدوا على حقوقكم شاهدين\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثيقة\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أمْرٌ بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة\" (١٣).\nقال الزمخشري: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، أي: \" من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء\" (١٤).\nروي \" عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿واستشهدوا﴾، يعني: على حقكم\" (١٥). وروي عن الربيع بن أنس، نحو ذلك (١٦).\nوقال مجاهد: \" إذا باع بالنقد، أشهد ولم يكتب، وإذا باع بالنسيئة، كتب وأشهد\" (١٧).\nقال ابن عطية: \" الاستشهاد: طلب الشهادة وعبر ببناء مبالغة في شَهِيدَيْنِ دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه كأنها إشارة إلى العدالة\" (١٨).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجوها (١٩):\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن المنذر (٨٩): ١/ ٧٣.\n(٢) أنظر: تفسير ابن المنذر (٩١): ص ١/ ٧٣.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٣): ص ٦/ ٦٠.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٦): ص ٦/ ٦٠.\n(٦) أنظر: تفسير ابن المنذر (٨٧): ص ١/ ٧٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٣٥٢): ص ٦/ ٥٩، ونقله ابن عطبة في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٠.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥١): ص ٦/ ٥٩، ونقله ابن عطبة في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٠.\n(٩) أنظر: تفسيره: ٦/ ٥٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٦٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٣٢٦.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٨٢): ص ٢/ ٥٦٠.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٠. ذكره دون سند.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢/ ٥٦٠) ص: ٢/ ٥٦٠.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.","vol":"5","page":459},{"text":"أحدها: من أهل دينكم (١).\nوالثاني: من أحراركم، قاله مجاهد (٢).\nوالثالث: من أهل دينكم أحرار. قاله سعيد بن جبير (٣).\nوالرابع: ذوي عدل من رجالكم. قاله الضحاك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يعني: فإن لم تكن البينة برجلين، فبرجل وامرأتين\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان\" (٦).\nقال الربيع: \" ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، وذلك في الدين\" (٧).\nوروي عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك: \"ولا يجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين، في الحقوق، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل. ولا يجوز شهادة رجل وامرأة، لأن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء\" (٨).\nقال ابن عطية: \" والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم: بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور\" (٩).\nقال ابن كثير: وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه .. \" \"يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكُن أكثر أهل النار\"، فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا - يا رسول الله - أكثر أهل النار؟ قال: \"تُكْثرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن\". قالت: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: \"أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تَعْدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين\" (١٠) \" (١١).\nوقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، مرتفع بأحد ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن تقدر: فليستشهد رجل وامرأتان.\nوالثاني: فليكن رجل وامرأتان. ويصح أن تكون يَكُونا هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار.\nوالثالث: وإما فرجل وامرأتان يشهدون.\nوعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا «وامرأتان» بهمز الألف ساكنة (١٢).\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٧)، و(٦٣٥٨) ص: ٦/ ٦٠ - ٦١، وابن ابي حاتم (٢٩٨٤): ص ٢/ ٥٦٠.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٨٥): ص ٢/ ٥٦٠ - ٥٦١.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٨٦): ص ٢/ ٥٦١.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٨٧): ص ٢/ ٥٦١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٨٨): ص ٢/ ٥٦١.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٠) صحيح مسلم برقم (٨٠).\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.\n(١٢) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.","vol":"5","page":460},{"text":"قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" من العدول المرتضَى دينهُم وصلاحهم\" (١).\nقال الزمخشري: \" ممن تعرفون عدالتهم\" (٢).\nقال الصابوني: \" ممن يُوثق بدينهم وعدالتهم\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه وجهان (٤):\nأحدهما: أنهم الأحرار المسلمون العدول، قاله الربيع (٥) والضحاك (٦)، ومقاتل (٧)، وإبراهيم (٨)، وابن عباس (٩)، وهو قول الجمهور (١٠).\nوالثاني: أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا، وهو قول شريح (١١)، وإسحاق بن راهويه (١٢)، وأحمد بن حنبل (١٣)، وعثمان البتّي (١٤)، وأبي ثور (١٥).\nقال ابن عطية: \"وقوله تعالى: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾، نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم\" (١٦).\nقال ابن بكير وغيره: \"قوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾، مخاطبة للحكام\" (١٧).قال ابن عطية: \"وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، وفي قوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دليل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي: تنسى إحدى المرأتين الشهادة فتذكّرها الأخرى، وهذا علةٌ لوجوب الاثنين لنقص الضبط فيهن\" (١٩).\nقال الزمخشري: \" أن لا تهتدى إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له\" (٢٠).\nقال سعيد بن جبير في قول الله: \" ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾، يعني: تذكرها التي حفظت شهادتها\" (٢١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٦٢.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٢٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٥٩): ص ٦/ ٦٢، وانب أبي حاتم (٢٩٨٧): ص ٢/ ٥٦١.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٦٠): ص ٦/ ٦٢، ونحوه انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٨٦): ص ٢/ ٥٦١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٩١): ص ٢/ ٥٦١.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٩٠): ص ٢/ ٥٦١.\n(٩) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٨٩): ص ٢/ ٥٦١.\n(١٠) قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء: \"لا تجوز شهادة العبد\" [المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١].\n(١١) نقل عنه ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٢) نقل عنه ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٣) نقل عنه ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٤) نقل عنه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(١٦) المحرر الوجي: ١/ ٣٨١.\n(١٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨١.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٢٠) الكشاف: ١/ ٣٢٦.\n(٢١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٩٩٦): ص ٢/ ٥٦٢.","vol":"5","page":461},{"text":"قال الواحدي: \" أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين، فتقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة، والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها\" (١).\nقال ابن عطية: \" ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن يخبر به، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بمرادها، وهذا من أنواع أبرع الفصاحة، إذ لو قال رجل لك: أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال السامع: ولم تدعم حائطا قائما؟ فيجب ذكر السبب فيقال: إذا مال. فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة\" (٢).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين (٣):\nأحدهما: لئلا تضل، قاله أهل الكوفة.\nوالثاني: كراهة أن تضل، قاله أهل البصرة.\nوفي المراد به وجهان (٤):\nأحدهما: أن تخطاء.\nوالثاني: أن تَنْسَى، قاله الحسن (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، ومقاتل (٧)، وأبو عبيد (٨)، روي عن الربيع بن أنس والسدي والضحاك نحو ذلك (٩).\nقال ابن عطية: \" والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالا، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه تأويلان (١١):\nأحدهما: أنها تجعلها كَذَكَرٍ من الرجال، قاله سفيان بن عيينة (١٢).\nوالثاني: أنها تذكرها إن نسيت، قاله قتادة، والسدي (١٣)، والضحاك (١٤)، والربيع (١٥)، وابن زيد (١٦).\nقال ابن كثير: \"ومن قال إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر فقد أبعد، والصحيح الأول\" (١٧).\nوقال الزمخشري: \" ومن بدع التفاسير: فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر إِذا ما دُعُوا ليقيموا الشهادة\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الوسيط: ١/ ٤٠٤.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٢.\n(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٩٢): ص ٢/ ٥٦٢،\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٩٣)، و(٢٩٩٤): ص ٢/ ٥٦٢،\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٩٥): ص ٢/ ٥٦٢.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٢.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٢. نقل ذلك عنهم دون سند.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٢.\n(١١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٦١): ص ٦/ ٦٣.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: (٦٣٦٤): ص ٦/ ٦٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري: (٦٣٦٥): ص ٦/ ٦٧.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري: (٦٣٦٣): ص ٦/ ٦٧.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري: (٦٣٦٦): ص ٦/ ٦٧.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤ - ٧٢٥.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٤٢٦.","vol":"5","page":462},{"text":"واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفيه وجهان (١):\nأحدهما: قرأ حمزة وحده: ﴿إِنْ تَضِلُّ﴾، بكسر الألف، ﴿فَتُذَكِّرُ﴾، بالتشديد والرفع وكسر ﴿إن﴾.\nوالثاني: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ﴾ نصبا، قرأها الباقون، غير أنّ ابن كثير وأبا عمرو خفّفا الكاف وشدّدها الباقون.\nقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أو تحملها إِذا طلب منهم ذلك\" (٢).\nقال ابن عطية: \" نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية .. وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله ﴿وَلا يَأْبَ﴾، منسوخ بقوله ﴿لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾، [البقرة: ٢٨٢] \" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه ثلاثة تأويلات (٤):\nأحدها: لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب، قاله عطاء (٥)، وعطية العوفي (٦)، وعامر (٧)، والشعبي (٨)، والحسن (٩)، وروي عن عن مجاهد، في إحدى الروايات وسعيد بن جبير وربيعة وزيد بن أسلم، نحو ذلك (١٠).\nوالثاني: لإِقامتها وأدائها عند الحاكم، قاله مجاهد (١١)، وأبو مجلز (١٢)، وعكرمة (١٣)، وعطاء (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وسعيد بن جبير (١٦)، والسدي (١٧)، وقتادة (١٨)، وابن زيد (١٩)، ورجحه الطبري (٢٠).\nوالثالث: أنها للتحمل والأداء جميعًا، قاله الحسن (٢١)، وابن عباس (٢٢).\nقال ابن عطية: \" والآية كما قال الحسن: جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود وإلا من تعطل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف\n_________\n(١) أنظر: السبعة: ١٩٤، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤١٨ - ٤١٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٦٨ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٥٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٩٦): ص ٦/ ٧٣.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٩٥): ص ٦/ ٧٣.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٩٩): ص ٢/ ٥٦٣، وتفسير الطبري (٦٣٨١): ص ٦/ ٧١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٣. ولفظه: \" هي بالخيار ما لم يشهد\".\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٨٥): ص ٦/ ٧١.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٣. نقل ذلك دون سند.\n(١١) أنظر: (تفسير الطبري (٦٣٧٥)، و(٦٣٧٦)، و(٦٣٧٧)، و(٦٤٧٨)، و(٦٣٨٩): ص ٦/ ٧٠ - ٧١.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: (٦٣٨٠): ص ٦/ ٧١.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٨٢): ص ٦/ ٧١، وابن أبي حاتم (٢٩٩٨): ص ٢/ ٥٦٣.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٨٣)، و(٦٣٨٤): ص ٦/ ٧١، و(٦٣٨٧)، و(٦٣٩١): ص ٦/ ٧٢.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٨٦): ص ٦/ ٧١.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٨٨)، و(٦٣٨٩): ص ٦/ ٧٢.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٩٠) ص: ٦/ ٧٢.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٩٢) ص: ٦/ ٧٢.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٩٣) ص: ٦/ ٧٢ - ٧٣.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٦/ ٧٣ - ٧٤. قال فيه: \" وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يأب الشهداء من الإجابة، إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذُ من الذي عليه ما عليه، للذي هو له\".\n(٢١) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٧١)، و(٦٣٧٤): ص ٦/ ٦٩ - ٧٠.\n(٢٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٧٣): ص ٦/ ٧٠.","vol":"5","page":463},{"text":"قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء\" (١).\nوقال ابن كثير: \" وقيل - وهو مذهب الجمهور -: المراد بقوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة قوله: ﴿الشُّهَدَاء﴾ والشاهد حقيقة فيمن تحمَّل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم\" (٢).\nنفهم من الكلام بأن الشهادة \"فرضُ ذلك على مَن دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره، فأما إذا وُجد غيره فهو في الإجابة إلى ذلك مخيَّر، إن شاء أجاب، وإن شاء لم يجب\" (٣). وهذا قول الشعبي (٤)، وروي عن الربيع (٥)، وابن عباس (٦)، وقتادة (٧) نحو ذلك.\nكما وتكون الشهادة واجبة: إذا تعينت عليه؛ بأن يعلم أنه إذا لم يؤدها ضاع الحق، قال في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: \"ولا يحل لأحد الشاهدين أن يمتنع من الأداء، ويحيل المشهود له على يمينه مع الشاهد الآخر؛ لأن في الحلف كلفة، وكثير من الناس من يكره اليمين ولو تحقق صدق حلفه، فإن فعل الشاهد ذلك فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ الآية\"، (٨) وهل تتعين إذا دعي إليها وقد تحملها غيره؟ قولان:\nالأول: يؤثم؛ لأنه تعين بدعوته، وهو منهي عن الامتناع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوالثاني: لا يأثم؛ لأن غيره يقوم مقامه، والأول أصح (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي لا تملّوا أن تكتبوا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا إِلى وقت حلول ميعاده\" (١٠).\nروي \" عن مقاتل، في قول الله: ﴿ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله﴾، جمعت الصغير والكبير في الدين، سواء أمر أن يشهد عليه، وأن يكتب\" (١١).\nوروي \" عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿إن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله﴾، يعني: أن تكتبوا قليل الحق وكثيره إلى أجله لأن الكتاب أحصى للأجل والمال\" (١٢).\nقال الواحدي: \" لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر\" (١٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٦٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٧٠): ص ٦/ ٦٩، ولفظه: \": إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد، فإذا لم يوجد غيره شهد\".\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٠١): ص ٢/ ٥٦٣. ولفظه: \" كان الرجل يطوف في القوم الكثير، يدعوهم ليشهدهم، فلا يتبعه منهم أحد فأنزل الله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا\".\n(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠٠٢): ص ٢/ ٥٦٣. ولفظه: \" قوله: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾، يعني: من احتيج إليه من المسلمين، فشهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي\".\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٣. نقل عنه دون ذكر السند.\n(٨) (٢/ ٩٣).\n(٩). السيل الجرار ٦/ ٧٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٠٤): ص ٢/ ٥٦٤.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٠٥): ص ٢/ ٥٦٤.\n(١٣) تفسير الوسيط\" ١/ ٤٠٥.","vol":"5","page":464},{"text":"قال ابن كثير: \" هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ﴿وَلا تَسْأَمُوا﴾ أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة\" (١).\nقال ابن عطية: \" وقدم الصغير اهتماما به، وهذا النبي الذي جاء عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم، فخيف عليهم أن يملوا الكتب\" (٢).\nوقوله تعالى ﴿ولا تسأموا﴾، يعني: \"لا تملوا\" (٣)، يقال منه: سئمتُ فأنا أسأم سَآمة وسَأمةً، ومنه قول لبيد (٤):\nوَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبيدُ؟\nومنه قول زهير (٥):\nسَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ، وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ عَامًا، لا أَبَالَكَ، يَسْأَمِ\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" ما أمرناكم به من كتابة الدين أعدل في حكمه تعالى\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو أعدل\" (٧) عند الله.\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين:\nأحدهما: ذلكم أعدل عند الله. قاله السدي (٨). وري عن سعيد بن جبير وسفيان نحو ذلك (٩).\nالثاني: ذلكم طاعة الله. قاله الضحاك (١٠).\nروي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: \" ﴿ذلكم﴾ يعني: الكتاب\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" وأثبت للشهادة لئلا تنسى\" (١٢).\nقال الواحدي: \" أي: أبلغ في الاستقامة، لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا\" (١٤).\nقال الزمخشري: \"أي\" وأعون على إقامة الشهادة\" (١٥)\nوذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين:\nأحدهما: \" وأصوب للشهادة\". قال سعيد بن جبير (١٦)، وقاله الطبري (١٧)، أي: \"أصحُّ لها، مأخوذ من الاستقامة\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٣.\n(٣) قاله عطاء، أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٠٣): ص ٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤.\n(٤) ديوانه، القصيدة رقم: ٧، يذكر فيها طول عمره، ومآثره في ماضيه.\n(٥) شرح المعلقات السبع: ٨٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٦٣٩٨): ص ٧٧، وابن ابي حاتم (٣٠٠٧): ص ٢/ ٥٦٤.\n(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٤.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠٠٨): ص ٢/ ٥٦٤.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٠٦): ص ٢/ ٥٦٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٣) تفسير الوسيط: ١/ ٤٠٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٣٢٧.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٠٩): ص ٢/ ٥٦٤.\n(١٧) أنظر: تفسيره: ٦/ ٧٧.\n(١٨) النكت والعيون: ١/ ٣٥٧.","vol":"5","page":465},{"text":"والثاني: \"أثبت للشهادة\". قاله سفيان (١). أي: \"أحفظ لها، مأخوذ من القيام، بمعنى الحفظ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ ترتابوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: \" وأقرب أن لا تشكّوا في قدر الدَّيْن والأجل\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \" وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يحتمل ثلاثة وجوه:\nأحدها: \" أن لا تشكوا في الشهادة\". قاله السدي (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وسفيان (٨). أي: \"ألاّ ترتابوا بالشاهد أن يضل\" (٩).\nوالثاني: وقيل: أي: ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره \" (١٠).\nوالثالث: وقال الضحاك: ﴿أدنى ألا ترتابوا﴾، يقول: \"أجدر ألا تنسوا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي: إِلا إِذا كان البيع حاضرًا يدًا بيد والثمن مقبوضًا\" (١٢).\nقال الواحدي: \" أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة، فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه، لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها\" (١٤).\nقال ابن عطية: \"لما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير كالأملاك ونحوها، وقوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾، يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا تقوى البينونة به ولا يعاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك بمبايعة الدين \" (١٥).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١٠): ص ٢/ ٥٦٥.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٣٥٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٤) الوسيط: ١/ ٤٠٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.\n(٦) أخرجه الطبري (٦٣٩٩): ٦/ ٧٨، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ٢/ ٥٦٥، نقله دون ذكر السند.\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠١٢): ص ٢/ ٥٦٥.\n(٨) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٥. نقله دون ذكر السند.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٥٧.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٣٥٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١٣): ص ٢/ ٥٦٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٣) الوسيط: ١/ ٤٠٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٣.","vol":"5","page":466},{"text":"أحدهما: أن تكون التجارة يدا بيد. قاله الضحاك (١)، وسعيد بن جبير (٢).\nوالثاني: أن تكون التجارة معكم بالبلد. قاله السدي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يحتمل وجهين:\nأحدهما: ليس فيها أجل. قاله سعيد بن جبير (٤). وروي عن مقاتل بن حيان، نحو ذلك ..\nوالثاني: أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يحتمل وجهين (٦):\nأحدهما: تتناقلونها من يد إلى يد.\nوالثاني: تكثرون تبايعها في كل وقت.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، على وجهين (٧):\nأحدهما: ﴿تِجارَةً﴾ بالنصب، وهي قراءة عاصم وحده.\nوالثاني: ﴿تِجارَةٌ﴾، بالرفع، وهي قراءة الباقون.\nقال أبو بكر: \"وأشكّ في ابن عامر\" (٨).\nوالقراءة الثانية شاذة، ولا يعترض بالشاذ على الحجة، ومما جاء نصبا قول الشاعر (٩):\nأَعَيْنيَ هَلا تَبْكِيَانِ عِفَاقَا ... إذَا كانَ طَعْنًا بَيْنَهُمْ وعِنَاقَا\nوقول الآخر (١٠):\nوَلِلهِ قَومِي: أَيُّ قَوْمٍ لِحُرَّةٍ ... إذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا! !\nوإنما تفعل العرب ذلك في النكرات، من إتباع أخبار النكرات أسماءَها (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي: فلا بأس بعدم كتابتها لانتفاء المحذور\" (١٢).\nقال سعيد بن جبير: \"ليس عليكم جناح يعني: حرج\" (١٣)، \"ألا تكتبوها يعني: التجارة الحاضرة\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي أشهدوا على حقكم مطلقًا سواءً كان البيع ناجزًا أو بالدين لأنه أبعد عن النزاع والاختلاف\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦٤٠١): ص ٦/ ٨٠. ولفظه: \"أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله، وأمر ما كان يدًا بيد أن يُشهد عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخصّ لهم أن لا يكتبوه\".\n(٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠١٤): ص ٢/ ٥٦٥. ولفظه: \" قول الله: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة﴾، يعني: يدا بيد\".\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠١٥): ص ٢/ ٥٦٥، ولفظه: \" معكم بالبلد\". وأخرجه الطبري (٦٤٠٠): ص ٦/ ٧٩. ولفظه: \" معكم بالبلد تَرَوْنها، فتأخذُ وتعطى، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها\".\n(٤) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠١٦): ص ٢/ ٥٦٦.\n(٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٧.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٧) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٣٦.\n(٨) السبعة: ١٩٤.\n(٩) لم أتعرف على قائله، والبيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٦، وتفسير الطبري: ٦/ ٨٠.\n(١٠) البيت لعمرو بن شأس، معاني القرآن للفراء ١: ١٨٦، سيبويه ١: ٢٢، وصدره في سيبويه منسوبًا لعمرو بن شأس: \" بَني أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا \"\n(١١) أنظر: تفسير الطبري: ٨٠ - ٨١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١٩): ص ٢/ ٥٦٦.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠١٩): ص ٢/ ٥٦٦.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.","vol":"5","page":467},{"text":"قال ابن كثير: \" يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن، فأشهدوا على حقكم على كل حال\" (١).\nقال القاسمي: \" أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الإختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعني التجارة الحاضرة. على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: أشهدوا على حقكم، إذا كان فيه أجل، أو لم يكن، فأشهدوا على حقكم على كل حال\" (٣). وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك، نحو ذلك\" (٤).\nقال الطبري: \" وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونَسَائه\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَشَهِدُوآ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، اختلفوا فيه على قولين (٦):\nأحدهما: أنه فرض، وهو قول الضحاك (٧)، وابن عمرو (٨)، وعطاء (٩)، وداود بن علي (١٠). ورجح ذلك الطبري (١١).\nوالثاني: أنه ندب، وهو قول الحسن (١٢)، والشعبي (١٣)، ومالك (١٤)، والشافعي (١٥)، والواحدي (١٦).\nقال ابن عطية: \" والوجوب في ذلك قلق أما في الدقائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه، فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]،، أي \"لا يضرب صاحبُ الحق الكُتَّاب والشهود\" (١٨).\nقال الواحدي: \" نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة\" (١٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٢٠): ص ٢/ ٥٦٦.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٦. نقله دون ذكر السند.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٨٢.\n(٦) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٨.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٠٦)، و(٦٤٠٧): ص ٦/ ٨٤.\n(٨) نقلا عن: ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٤.\n(٩) نقلا عن: ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٤.\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٨٤ - ٨٥، حيث قال: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أنّ الإشهاد على كل مَبيع ومُشترًي، حقٌّ واجبٌ وفرضٌ لازم، لما قد بيَّنا: من أن كلَّ أمرٍ لله ففرضٌ، إلا ما قامت حُجته من الوجه الذي يجب التسليم لهُ بأنه ندبٌ وإرشاد\".\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٠٣)، و(٦٣٠٤): ص ٦/ ٨٣.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٠٢)، و(٦٤٠٥): ص ٦/ ٨٣ - ٨٤.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٨.\n(١٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٨.\n(١٦) الوسيط: ١/ ٤٠٦.\n(١٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٤.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٩) الوسيط: ١/ ٤٠٦.","vol":"5","page":468},{"text":"وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أربعة تأويلات (١):\nأحدها: أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يُستشهد، قاله طاووس (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، وابن زيد (٥)، وروي عن زيد بن أسلم (٦)، نحو ذلك.\nوالثاني: أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب، ويمنع الشاهد أن يشهد، قاله ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، وعطاء (٩).\nوالثالث: أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران، قاله عكرمة (١٠)، والضحاك (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن عباس (١٣)، والسدي (١٤)، والربيع (١٥)، وطاوس (١٦)، وروي عن سعيد بن جبير وعطية ومقاتل نجو ذلك (١٧).\nقال ابن عطية: ولفظ المضارة إذ هو من اثنين يقتضي هذه المعاني كلها\" (١٨).\nرابعًا: وقال عطاء: وكان السلطان القاضي لا يترك رجلا يشتم رجلا ولا يشتم شهيدا، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ \" (١٩).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: \" ولا يضار كاتب ولا شهيد \"، بمعنى: ولا يضارهما من استكتَبَ هذا أو استشهدَ هذا، بأن يأبى على هذا إلا أن يكتبَ له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى على هذا إلا أن يجيبه إلى الشهادة وهو غير فارغ على ما قاله قائلو ذلك من القول الذي ذكرنا قبل\" (٢٠).\nقال الزمخشري: \" وقرأ الحسن: ولا يضار، بالكسر\" (٢١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي إِن فعلتم ما نهيتم عنه فقد فسقتم بخروجكم عن طاعة الله\" (٢٢).\nقال الطبري: \" وإن تضارّوا الكاتب أو الشاهدَ، وما نُهيتم عنه من ذلك فإنه إثم بكم ومعصيةٌ\" (٢٣).\n_________\n(١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٨.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٠٨): ص ٦/ ٨٥.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٠٩): ص ٦/ ٨٥، وابن أبي حاتم (٣٠٢٣): ص ٢/ ٥٦٧.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٠)، (٦٤١١)، و(٦٤١٢)،: ص ٦/ ٨٦، وابن ابي حاتم (٣٠٢٦): ص ٢/ ٥٦٧.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٣): ص ٦/ ٨٦.\n(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقله دون سند.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٦): ص ٦/ ٨٧.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٧): ص ٦/ ٨٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٤)، و(٦٤١٥): ص ٦/ ٨٧.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٨): ص ٦/ ٨٧، و(٦٤٢٣): ص ٦/ ٨٨، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقل عنه ذلك دون ذكر السند.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤١٩): ص ٦/ ٨٨، و(٦٤٢٥)، و(٦٤٢٦): ص ٦/ ٨٩.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٢٠)، و(٦٤٢٤): ص ٦/ ٨٨، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقل عنه ذلك دون ذكر السند.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٢١)، و(٦٤٢٢): ص ٦/ ٨٨، وابن أبي حاتم (٣٠٢٢): ص ٢/ ٥٦٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٢٧): ص ٦/ ٨٩، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقل عنه ذلك دون ذكر السند.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٢٨): ص ٦/ ٨٩ - ٩٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقل عنه ذلك دون ذكر السند.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٢٩): ص ٦/ ٩٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقل عنه ذلك دون ذكر السند.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٧. نقل عنهم ذلك دون ذكر السند.\n(١٨) المحر الوجيز: ١/ ٣٨٤.\n(١٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٢٥): ص ٢/ ٥٦٧.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٦/ ٩٠.\n(٢١) الكشاف: ١/ ٣٢٧.\n(٢٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٢٣) تفسير الطبري: ٦/ ٩١.","vol":"5","page":469},{"text":"قال الواحدي: \"أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به\" (١).\nقال ابن كثير: \": إن خالفتم ما أمرتم به، وفعلتم ما نَهِيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه\" (٢).\nوأختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، على وجهين:\nأحدهما: \"أن تضاروا الكاتب أو الشاهد، أو ما نهيتم عنه فإنه فسوق بكم\" (٣)، قاله سعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس (٤)، نحو هذا.\nوالثاني: \"وإن لم تفعلوا الذي أمركم الله في آية الدين، فإنه إثم ومعصية\" (٥). قاله مقاتل بن حيان: ﴿وإن تفعلوا﴾، وروي عن الضحاك (٦)، مثل ذلك.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثلاثة أقوال (٧):\nأحدها: أن الفسوق المعصية، قاله ابن عباس (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠)، ومقاتل (١١)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن دينار نحو ذلك (١٢).\nوالثاني: أنه الكذب، \" ومعنى ذلك: وإن يضارّ كاتبٌ فيكتبَ غير الذي أملَى المملي، ويضارّ شهيدٌ فيحوِّلَ شهادته ويغيرَها، ﴿فإنه فسوق بكم﴾ \" (١٣)، قاله ابن زيد.\nوالثالث: أن الفسوق المأثم.\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي \"خافوا الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين\" (١٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \" أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره\" (١٦).\nقال الطبري: \" وخافوا الله، أيها المتداينون في الكتاب والشهود، أن تضاروهم، وفي غير ذلك من حدود الله أن تُضِيعوه، ويبين [الله] لكم الواجب لكم وعليكم، فاعملوا به\" (١٧).\n_________\n(١) الوسيط: ١/ ٤٠٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٧.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٢٨): ص ٢/ ٥٦٨.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٨. ذكره دون سند.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٢٧): ص ٢، ٥٦٨.\n(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٨. نقله دون سند.\n(٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٨.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٣١): ص ٦/ ٩٢، وابن ابي حاتم (٣٠٢٩): ص ٢/ ٥٦٨.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٣٢): ص ٦/ ٩٢.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٣٠): ص ٦/ ٩١، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٨. نقل عنه ذلك دون سند.\n(١١) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠٢٧): ص ٢/ ٥٦٨.\n(١٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٨. نقل عنهم دون ذكر السند.\n(١٣) أنظر/ تفسير الطبري (٦٤٣٣): ص ٦/ ٩٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠٩.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٧.\n(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ٩٢.","vol":"5","page":470},{"text":"قال القرطبي: \" وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانا، أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] \".\nقال سعيد بن جبير: \" ثم خوفهم فقال: ﴿واتقوا الله﴾، ولا تعصوه فيهما\" (١).\nأخرج الطبري عن الضحاك قوله: \" ﴿ويعلمكم الله﴾، قال: هذا تعليم علَّمكموه فخذُوا به\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، \"أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء من الأشياء\" (٣).\nروي عن: \"سعيد بن جبير في قول الله: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، يعني: من أعمالكم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات\" (٥).\nقال الراغب: \" فإنما قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ حمل في معان مفترقة:\nفإن الأول: حث على تقوى الله.\nوالثاني: تذكير بنعمه.\nوالثالث: تعظيم له متضمن لوعد ووعيد شديد وفصد عظيم كل واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظ (الله) فيها\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها.\n٢ - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سببًا لقبوله ذلك الحكمَ.\n٣ - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصًا كليًا، أو نقصًا جزئيًا.\n٤ - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات- التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين.\n٥ - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله ﷿، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل.\nفإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول ﷺ حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصًا - أي فاسدًا -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٧)؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة».\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٣٠): ص ٢/ ٥٦٨.\n(٢) تفسير الطبري (٦٤٣٤): ص ٦/ ٩٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٣١): ص ٢/ ٥٦٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٧.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٩٢.\n(٧) أخرجه مسلم ص ١٠٩٣، كتاب الفضائل، باب ٣٨: وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي، حديث رقم ٦١٢٨ [١٤١] ٢٣٦٣.","vol":"5","page":471},{"text":"فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء! ! ! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه.\n٦ - ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿تداينتم بدين﴾ سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضًا، أو أجرة، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعًا.\n٧ - ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿بدين إلى أجل مسمى﴾؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿مسمى﴾ - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غررًا؛ وقد قال النبي ﷺ: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١)؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية.\n٨ - ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلمًا؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه.\n٩ - ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفًا لغيره، كوليّ اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه.\n١٠ - ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿بينكم﴾؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما.\n١١ - ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسنًا للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب﴾.\n١٢ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و«العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب.\n١٣ - ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى: ﴿كاتب بالعدل﴾؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين.\n١٤ - ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى ﴿فليكتب﴾ - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٧٤، كتاب السلم، باب ٢: السلم في وزن معلوم، حديث رقم ٢٢٤١، وأخرجه مسلم ص ٩٥٧، كتاب المساقاة، باب ٢٥: السلم، حديث رقم ٤١١٨ [١٢٧] ١٦٠٤.","vol":"5","page":472},{"text":"١٥ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾.\n١٦ - ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل.\nفإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة.\n١٧ - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله ﷿.\n١٨ - ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: ﴿فليكتب﴾.\n١٩ - ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد.\nلكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟ !\nفالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾.\n٢٠ - ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وكتابة الإنسان على نفسه إقرار؛ وإقرار الإنسان على نفسه مقبول.\n٢١ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ﷿ على من عليه الحق، وأن يتحرى العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾.\n٢٢ - ومنها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذْكَر كلُّ ما يكون به التحذير؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾؛ ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لأن الرب ﷿ خالق مالك مدبر.\n٢٣ - ومنها: أنه يحرم على من عليه الدَّين أن يبخس منه شيئًا لا كمية، ولا نوعًا، ولا صفة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يبخس منه شيئًا﴾.\n٢٤ - ومنها: أن الوليّ يقوم مقام المولَّى عليه في الإملال؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾.\n٢٥ - ومنها: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه؛ والضعف؛ وعدم الاستطاعة؛ السفه: ألا يحسن التصرف؛ والضعيف يشمل الصغير، والمجنون؛ ومن لا يستطيع يشمل من لا يقدر على الإملال لخرس، أو عييّ، أو نحو ذلك.\n٢٦ - ومنها: قبول قول الوليّ فيما يقر به على مولّاه؛ لقوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾.\n٢٧ - ومنها: وجوب مراعاة العدل على الوليّ؛ لقوله تعالى: ﴿بالعدل﴾؛ فلا يبخس من له الحق؛ ولا يبخس من عليه الحق ممن هو مولى عليه.\n٢٨ - ومنها: طلب الإشهاد على الحق.\n٢٩ - ومنها: أن البينة إما رجلان؛ وإما رجل، وامرأتان؛ وجاءت السنة بزيادة بينة ثالثة - وهي الرجل، ويمين المدّعي؛ وأنواع طرق الإثبات مبسوطة في كتب الفقهاء.\n٣٠ - ومنها: أنه لابد في الشاهدين من كونهما مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه.","vol":"5","page":473},{"text":"٣١ - ومنها: قصر حفظ المرأة وإدراكها عن حفظ الرجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال.\n٣٢ - ومنها: جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به، فذكر؛ لقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾؛ فإن ذُكِّر ولم يذكر لم يشهد.\n٣٣ - ومنها: تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي للشهادة؛ وهذا تحته أمران:\nالأمر الأول: أن يُدعى لتحمل الشهادة؛ وقد قال العلماء في هذا: إنه فرض كفاية؛ وظاهر الآية الكريمة أنه فرض عين على من طلبت منه الشهادة بعينه؛ وهو الحق؛ لأنه قد لا يتسنى لطالب الشهادة أن يشهد له من تُرضى شهادته.\nالأمر الثاني: أن يُدعى لأداء الشهادة؛ فيجب عليه الاستجابة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\n٣٤ - ومن فوائد الآية: النهي عن السأَم في كتابة الدَّين سواء كان صغيرًا، أو كبيرًا؛ والظاهر أن النهي هنا للكراهة.\n٣٥ - ومنها: أنه إذا كان الدَّين مؤجلًا فإنه يبيَّن الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أجله﴾.\n٣٦ - ومنها: أن ما ذُكر من التوجيهات الإلهية في هذه الآية فيه ثلاثة فوائد:\nالأولى: أنه أقسط عند الله - أي أعدل عنده لما فيه من حفظ الحق لمن هو له، أو عليه.\nالثانية: أنه أقوم للشهادة؛ لأنه إذا كتب لم يحصل النسيان.\nالثالثة: أنه أقرب لعدم الارتياب.\n٣٧ - ومن فوائد الآية: العمل بالكتابة، واعتمادها حجةً شرعية إذا كانت من ثقة معروف خطه؛ ويؤيد هذا قوله (ﷺ): «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١).\n٣٨ - ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وأقوم للشهادة﴾. فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة.\n٣٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب، وشك؛ لقوله تعالى: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة: أن دين الإسلام يريد من معتنقيه أن يكونوا دائمًا على اطمئنان، وسكون.\nويتفرع أيضًا منها: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري، أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان، واضطرابه.\nويتفرع عليه أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محلّ قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ وربما يؤيد هذا الأثرُ المشهور: «رحم الله امرئ كفّ الغيبة عن نفسه» (٢)؛ لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٢٢٠، كتاب الوصايا، باب ١: الوصايا، حديث رقم ٢٧٣٨، وأخرجه مسلم ص ٩٦٢، كتاب الوصية، باب ١: وصية الرجل مكتوبة عنده، حديث رقم ٤٢٠٤ [١] ١٦٢٧، واللفظ لمسلم.\n(٢) ذكره العجلوني في كتاب \"كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس\" بلفظ: \"رحم الله امراءًا جب الغيبة عن نفسه\" ١/ ٥١٣، حديث رقم ١٣٦٧، ولم يذكر أصلًا لهذا الأثر.","vol":"5","page":474},{"text":"يرتابوا في أمري؛ لا تقل هكذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء.\n٤٠ - ومن فوائد الآية: جواز الاتجار؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة﴾؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التي دلت عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام من نصوص أخرى؛ إذًا هذا المطلق الذي هو التجارة مقيد بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط.\n٤١ - ومنها: أن التجارة نوعان: تجارة حاضرة، وتجارة غير حاضرة؛ فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير حاضر.\n٤٢ - ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛ لقوله تعالى: ﴿تديرونها بينكم﴾؛ فأما الشيء الراكد الذي لا يدار فهل يسمى تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛ ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما هي في المال الذي يدار - يعني يتداول؛ ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها تجارة راكدة؛ وهذا يقع كثيرًا فيما إذا فسدت التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أيّ إنسان يأتي، فيبيعون عليه.\n٤٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة - ولو كان ثمنها غير منقود؛ بخلاف ما إذا تداين بدين إلى أجل مسمى؛ فإنه تجب كتابة الدَّين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾.\n٤٤ - ومنها: الأمر بالإشهاد عند التبايع؛ وهل الأمر للوجوب؛ أو للاستحباب؛ أو للإرشاد؟ فيه خلاف؛ والراجح أنه ليس للوجوب؛ لأن النبي ﷺ اشترى، ولم يُشهِد (١)؛ والأصل عدم الخصوصية؛ ولأن إيجابه فيه شيء من الحرج، والمشقة؛ لكثرة تداول التجارة؛ اللهم إلا أن يكون التصرف للغير، كالوكيل، والوليّ؛ فربما يقال بوجوب الإشهاد في المبايعات الخطيرة.\n٤٥ - ومن فوائد الآية: أن الإشهاد ينبغي أن يكون حين التبايع؛ بمعنى أنه لا يتقدم، ولا يتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تبايعتم﴾؛ لأن العقد لم يتم إذا كان الإشهاد قبله؛ وإذا كان بعده فربما يكون المبيع قد تغير.\n٤٦ - ومنها: تحريم مضارة الكاتب، أو الشهيد: سواء وقع الإضرار منهما، أو عليهما.\n٤٧ - ومنها: أن المضارة سواء وقعت من الكاتب، أو الشاهد، أو عليهما، فسوق؛ والفسق يترتب عليه زوال الولايات العامة والخاصة إلا ما استثني؛ والفاسق يُهجر إما جوازًا؛ أو استحبابًا، أو وجوبًا - على حسب الحال - إن كان في الهجر إصلاح له.\nفإن قال قائل: أفلا يشكل هذا على القاعدة المعروفة أن الفسق لا يتصف به الفاعل إلا إذا تكرر منه، أو كان كبيرة؟ .\nفالجواب: أن الله ﷾ حكم على المضارة بأنها فسوق؛ والقرآن يَحكم، ولا يُحكَم عليه.\n٤٨ - ومن فوائد الآية: أن هذا الفعل فسوق لا يخرج من الإيمان؛ لأنه لم يصف الفاعل بالكفر؛ بل قال تعالى: ﴿فإنه فسوق بكم﴾؛ ومجرد الفسق لا يخرج من الإيمان؛ ولكن الفسق المطلق يخرج من الإيمان؛ لأن الخروج عن الطاعة خروجًا عامًا يخرج من الإيمان، ويوجب الخلود في النار، كما قال الله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلًا بما كانوا\n_________\n(١) راجع أحمد ص ١٦١٤ – ١٦١٥، حديث رقم ٢٢٢٢٨؛ وأبا داود ص ١٤٩٠ – ١٤٩١، كتاب القضاء، باب ٢٠: إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد يجوز له أن يقضي به، حديث رقم ٣٦٠٧؛ والنسائي ص ٢٣٨٨، كتاب البيوع، باب ٨١: التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، حديث رقم ٤٦٥١؛ ومستدرك الحاكم ٢/ ١٧ – ١٨، كتاب البيوع؛ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (المرجع السابق)؛ وقال الألباني: صحيح (صحيح أبي داود ٢/ ٣٩٩، حديث رقم ٣٦٠٧).","vol":"5","page":475},{"text":"يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].\n٤٩ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n٥٠ - ومنها: امتنان الله ﷿ على عباده بالتعليم، حيث قال تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾.\n٥١ - ومنها: أن الدِّين الإسلامي شامل للأحكام المتعلقة بعبادة الله ﷿، والمتعلقة بمعاملة عباد الله؛ لأنه بعد أن ذكر الله ﷾ هذه التوجيهات قال تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ فيكون في ذلك إبطال لزعم من زعم أن الدين الاسلامي في إصلاح ما بين العبد وبين ربه؛ ولا علاقة له بالمعاملة بين الناس.\n٥٢ - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ قال الله ﷿: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ [النحل: ٧٨].\n٥٣ - ومنها: ثبوت صفة العلم لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ لأن المعلم عالم.\n٥٤ - ومنها: أن العلم من منة الله ﷿ على عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾، وكما قال تعالى: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [آل عمران: ١٦٤]؛ ولا شك أن العلم من أكبر النعم، حيث قال الله ﷿: ﴿يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]؛ والعلماء كذلك ورثة الأنبياء؛ فالعلم أفضل من المال - ولا مقارنة؛ وهو كالجهاد في سبيل الله؛ لأن الدِّين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم، والسلاح؛ فالسلاح يذلل العدو؛ والعلم ينير له الطريق؛ ولهذا إذا ذلّ العدو للإسلام، وخضع لأحكامه، وبذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يقاتَل؛ لكن العلم جهاد يجب أن يكون لكل أحد؛ ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلن كفره، ولا يكون للمنافق؛ والجهاد بالعلم يكون لهذا، ولهذا - للمنافق، وللكافر المعلن بكفره؛ والعلم أفضل بكثير من المال؛ والعلم جهاد في سبيل الله - ولا سيما في وقتنا الحاضر؛ فإن الناس قد انفتح بعضهم على بعض، واختلط بعضهم ببعض، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لذلك تجد رجلًا يمر به حديث، أو حديثان، ثم يقال: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب! ثم مع ذلك يندد بمن خالفه - ولو كان من كبار العلماء؛ وربما يضخم الخطأ الذي يقع منه - ولو كان ممن يشار إليه بالفضل، والعلم، والدِّين؛ وهذه خطيرة جدًا؛ لأن العامي وإن كان وثق بشخص لا يهمه هذا الكلام؛ لكن كلما كرر الضرب على الحديد لابد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم من أهم الأمور خصوصًا في هذا الوقت.\n٥٥ - ومن فوائد الآية: إثبات هذا الاسم من أسماء الله - وهو ﴿عليم﴾؛ وإثبات ما دلّ عليه من الصفة - وهي العلم.\n٥٦ - ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾.\n٥٧ - ومنها: الرد على القدرية سواء الغلاة منهم، أو غيرهم؛ فإن غلاتهم يقولون: إن الله لا يعلم شيئًا من أفعال العباد حتى يقع؛ يقول شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: إن هؤلاء قليل - وهذا في عهده؛ ولا ندري الآن هل زادوا، أم نقصوا؛ لكن في الآية ردّ حتى على غير الغالية منهم - وهم الذين يقولون: إن الله يعلم؛ لكنه لم يُرد أفعال الإنسان، وأن الإنسان مستقل بإرادته، وفعله؛ وجه ذلك ما قاله الشافعي - ﵀: «ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا»؛ وعلى هذا نقول: في هذه الآية الكريمة دليل على أن أفعال العباد مرادة لله ﷿؛ لأنها إن لم تكن مرادة فهي إما أن تقع على وفق علمه، أو على خلافه؛ فإن كان على خلافه فهو إنكار لعلمه؛ وإن كان على وفقه فلا بد أن تكون مرادة له؛ لأنه أراد أن تقع على حسب علمه.\nالقرآن","vol":"5","page":476},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]\nالتفسير:\nوإن كنتم مسافرين ولم تجدوا مَن يكتب لكم فادفعوا إلى صاحب الحق شيئًا يكون عنده ضمانًا لحقِّه إلى أن يردَّ المدينُ ما عليه من دين، فإن وثق بعضكم ببعض فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرهن، ويبقى الدَّين أمانة في ذمَّة المدين، عليه أداؤه، وعليه أن يراقب الله فلا يخون صاحبه. فإن أنكر المدين ما عليه من دين، وكان هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يظهر شهادته، ومن أخفى هذه الشهادة فهو صاحب قلب غادر فاجر. والله المُطَّلِع على السرائر، المحيط علمه بكل أموركم، سيحاسبكم على ذلك.\nقال القرطبي: \" ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر. فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، \" أي: وإن كنتم \"مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: ولم تجدوا من \"يكتب لكم\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لم تقدروا على كتابة الدين في السفر\" (٤).\nوروي عن ابن عباس، \"أنه كان يقرأ ﴿ولم تجدوا كتابا﴾، قال: ربما وجدوا كتابا، ولم يجدوا الدواة والصحيفة\" (٥).\nوروي عن ومجاهد (٦)، وأبي العالية (٧)، نحو ذلك.\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، على وجهين (٨):\nأحدهما: ﴿كَاتِبًا﴾، وهي قراءة الجمهور، بمعنى: \"رجل يكتب\" (٩).\nالثاني: ﴿كتابا﴾، بكسر الكاف وتخفيف (التاء) و(ألف) بعدها وهو مصدر، وهي قراءة أبي بن كعب (١٠) وابن عباس (١١) ومجاهد (١٢)، وأبي العالية (١٣)، قال مكي: \"وقيل هو جمع كاتب كقائم وقيام\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٣٤): ص ٢/ ٥٦٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٣٥): ص ٢/ ٥٦٩.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٠)، (٦٤٤١): ص ٦/ ٩٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٢): ص ٦/ ٩٥، ونقله الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٢٩٧.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٩٤، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(١٠) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٧.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٣٨)، و(٦٤٣٩): ص ٦/ ٩٥، وابن أبي حاتم (٣٠٣٢)، و(٣٠٣٣): ص ٢/ ٥٦٨.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٠)، (٦٤٤١): ص ٦/ ٩٥، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٩.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٢): ص ٦/ ٩٥، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٦٩. ونقله الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٢٩٧.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.","vol":"5","page":477},{"text":"وقرأ الضحاك: ﴿كتّابا﴾، على جمع الكاتب، في حين قرأ الباقون: ﴿كاتِبًا﴾، على الواحد\" (١)، قال الثعلبي: \" وهو الأنسب مع المصحف\" (٢).\nقال ابن عطية: \" ومثله: (صاحب) و(صحاب)، وقرأ بذلك مجاهد (٣) وأبو العالية (٤) وقالوا: \"ربّما وجد الكاتب ولم يجد المداد ولا الصحيفة، وقالوا: لم تكن [قبيلة] من العرب إلّا كان فيهم كاتب ولكن كانوا لا يقدرون على القلم والدواة\" (٥).\nوقد أخرج الطبري عن ابن عباس: \" ﴿فإن لم تجدوا كتابًا﴾،، يعني بالكتاب، الكاتبَ والصحيفة والدواة والقلم\" (٦). وروي نحوه عن مجاهد (٧)، وأبي العالية (٨).\nقال ابن عطية: \"فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «كتابا» بضم الكاف على جمع كاتب، وهذا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة ولم تجدوا كتابا، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ «كاتبا»، وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ «كتبا» وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ «كتابا» \" (٩).\nوالراجح هو قراءة الجمهور ﴿كَاتِبًا﴾، بمعنى: \"من يكتب، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: \"فالوثيقة رهان\" (١١).\nقال الثعلبي: أي: \"فارتهنوا ممن تداينونه رهونا، ليكون وثيقة لكم بأموالكم\" (١٢).\nقال القاسمي: \"أي \"فالذي يستوثق به رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق، وثيقة لدينه، هذا إذا لم يأمن البعض البعض بلا وثيقة\" (١٣).\nواتفق الفقهاء على جواز الرهن في السفر (١٤)، واختلفوا في الحضر، فذهب الجمهور إلى جوازه (١٥).\nقال الواحدي: \" أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال\" (١٦).\nوروي \"عن سعيد بن جبير، في قول الله: فرهان مقبوضة يقول: فليرتهن الذي له الحق من المطلوب\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٠)، (٦٤٤١): ص ٦/ ٩٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٢): ص ٦/ ٩٥.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٦) تفسير الطبري (٦٤٣٨): ص ٦/ ٩٥.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٠)، (٦٤٤١): ص ٦/ ٩٥.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٢): ص ٦/ ٩٥.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٩٤.\n(١١) تفسير الوسيط: ١/ ٤٠٦.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(١٣) تفسير القاسمي: ٢/ ٢٣٦.\n(١٤) أنظر: المبسوط ٢١/ ٦٤، والمنتقى شرح الموطأ ٥/ ٢٤٧، وحاشية العدوي ٢/ ٢١٦، والأم ٣/ ١٤١ - ١٤٢، والمجموع ١٢/ ٣٠٠، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ٣٣٢، وكشاف القناع ٨/ ١٥١.\n(١٥) أنظر: المبسوط ٢١/ ٦٤، والمنتقى شرح الموطأ ٥/ ٢٤٧، وحاشية العدوي ٢/ ٢١٦، والأم ٣/ ١٤١ - ١٤٢، والمجموع ١٢/ ٣٠٠، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ٣٣٢، وكشاف القناع ٨/ ١٥١.\n(١٦) الوسيط: ١/ ٤٠٦.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٣٧): ص ٢/ ٥٦٩.","vol":"5","page":478},{"text":"وقال الضحاك: \" يعني بذلك: أنه لا يصلح إذا كان بيعا في سفر، إذا وجد كتابا، أن يأخذ رهنا، ولكن ليكتب حقه إلى أجله\" (١).\nوروي \" عن عامر، في قوله: ﴿فرهان مقبوضة﴾، قال: هي منسوخة ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، يعني: نسخه ذلك\" (٢).\nوفي (الرهن) قولان (٣):\nأحدهما: أن الرُّهُن في الأموال، والرِّهَان في الخيل. قاله أبو عمرو (٤)، ومنه قول قَعْنَب (٥):\nبَانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ ... وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ\nأي وحب لها (٦).\nوالثاني: أن الرِّهَان جمع، والرُهُن جمع الجمع، مثل ثمار وثمر، قاله الكسائي، والفراء (٧).\nواتفق الفقهاء في الجملة على أن القبض شرط في الرهن، لقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واختلفوا في تحديد نوع الشرط: أهو شرط لزوم أو شرط تمام؟\nالقول الأول: أن قبض الرهن شرط في لزومه، قاله سعيد بن جبير (٨)، والشافعي (٩)، وأبو حنيفة (١٠)، وأهل الظاهر (١١).\nالقول الثاني: أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولو لم يقبض المرهون، وهو مذهب مالك (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" وقوله تعالى: ﴿مقبوضة﴾ أي يقبضها من يتوثق بها - وهو الطالب - من المطلوب الذي هو الراهن؛ والطالب الذي قبض الرهن يسمى مرتهنًا؛ فهنا راهن، ومرتهن، ورهن، ومرهون به؛ فالرهن: العين؛ والراهن: معطي الرهن؛ والمرتهن؛ آخذ الرهن؛ والمرهون به: الدين؛ فأركان الرهن أربعة، ولم يبين ﷾ كيف القبض؛ فيرجع في ذلك إلى العرف؛ ومعناه: أن يكون الشيء في قبضة الإنسان، وتحت سيطرته\" (١٣).\nوقال الراغب: \" واشتراط كونها مقبوضة تنبيه أن الرهن لا يثبت حكمه ما لم يكن مقبوضا لأمرين:\nأحدهما: أن ذلك معطوف على الشهادة فكما أن الشرط في الشهادة معتبر كذلك هاهنا.\nوالثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من هذه الآية وقد أجازه بهذه الصفة، فيجب أن تعتبر الصفة فيه\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٣٩): ص ٢/ ٥٦٩.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٠): ص ٢/ ٥٦٩.\n(٣) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨، والنكت والعيون: ١/ ٣٥٩.\n(٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٥) مختارات ابن الشجرى ١: ٦، ولباب الآداب ٤٠٢ - ٤٠٤، اللسان (رهن)، وروايته هناك \" من قبلك \"، وهي أجود فيما أرى. غلق الرهن غلقًا (بفتحتين) وغلوقًا: إذا لم تجد ما تخلص به الرهن وتفكه في الوقت المشروط، فعندئذ يملك المرتهن الرهن الذي عنده. كان هذا على رسم الجاهلية، فأبطله الإسلام. يقول: فارقتك بعد العهود والمواثيق والمحبات التي أعطيتها، فذهبت بذلك كله، كما يذهب بالرهان من كانت تحت يده. [حاشية الطبري: ٦/ ٩٦].\n(٦) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٧) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٣٦): ص ٢/ ٥٦٩. ولفظه: \" لا يكون الرهن إلا مقبوضا يقبضه الذي له المال\".\n(٩) أنظر: تحفة المحتاج ٥/ ٦٧ - ٦٨، ونهاية المحتاج ٤/ ٢٥٣.\n(١٠) أنظر: فتح القدير ٨/ ١٩٠، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٥٠٩.\n(١١) أنظر: المحلى: (١٢١٠): ٨/ ٨٨.\n(١٢) أنظر: الشرح الصغير ٢/ ١٠٨، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٣١. وعُمدة مالك: قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول، وعمدة الغير: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(١٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٩٣.","vol":"5","page":479},{"text":"قال الثعلبي: \" وأجمعوا: إن الرهن لا يصح إلّا بالقبض، وقال مجاهد: \"ليس الرهن إلّا في السفر عند عدم الكاتب\" (١)، وأجاز غيره في جميع الأحوال، ورهن رسول الله ﷺ درعه عند يهوديّ (٢) \" (٣).\nوقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، على وجوه (٤):\nأحدها: ﴿فَرِهَانٌ﴾، وهو جمع (الرهن)، وهي قراءة عامة أهل الحجاز والعراق.\nالثاني: ﴿فَرُهُنٌ﴾، بضم الراء والهاء، على معنى جمع: (رِهان)، و(رُهن) جمع الجمع. وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، وروي عنهما تخفيف الهاء.\nالثالث: ﴿فَرُهْنٌ﴾ مخففة الهاء، على معنى جماع (رَهْن)، وهي قراءة عكرمة والمنهال وعبدالوارث (٥).\nوالرهن في اللغة: \" يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره. من ذلك الرهن: الشيء يرهن، تقول: رهنت الشيء رهنًا، ولا يقال: أرهنت\". (٦)\nوتطلق كلمة الرهن في لغة العرب على عدة معان ً منها:\nأولا: الثبوت والدوام، يقال: نعمة راهنة أي: دائمة، وماء راهن أي: راكد وثابت، وأرهنت لهم الطعام والشراب إرهانًا أي: أدمته، وهو طعام راهن أي: دائم. (٧)\nثانيا: الحبس، يقال: رهنته المتاع بالدَّين رهنًا حبسته به فهو مرهون، والأصل مرهون بالدَّين فحذف للعلم به (٨)، ورهن الشيء جعل الشيء محبوسًا (٩)، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه\" (١٠)، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].\nثالثا: ويطلق الرهن ويراد به العين المرهونة، وهي: ما وضع عند المرتهن مقابل ما أخذه الراهن منه، وهذا من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، ومن ذلك ما ورد في لسان العرب: أن الرهن هو: ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه، يقال: رهنت فلانًا دارًا رهنًا، وارتهنته إذا أخذه رهنًا. (١١)\nولا يوجد تعارض بين هذه الإطلاقات فكلها متقاربة؛ لأن الحبس فيه لزوم الشيء المحبوس، والدائم والثابت لازم ومحبوس، والإطلاق الأخير للرهن يعرِّف الرهن بمحله وهو المال المرهون.\nوقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الرهن، نظرًا لاختلافهم في أحكامه وشروطه:\nفعند الحنفية: الرهن: \"حبس شيء مالي بحق يمكن استييفاؤه منه - كالدَّين - حقيقة أو حكمًا، كالأعيان المضمونة بالمثل أو القيمة\" (١٢)\nواعترض على هذا التعريف بأنه غير جامع، وذلك لعدم شموله للرهن غير التام أو غير اللازم، وكذا لم يشمل رهن الأعيان المضمونة لقوله (كالدَّين).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٣٨): ص ٢/ ٥٦٩. ولفظه: \" لا يكون الرهن إلا في السفر\".\n(٢) الحديث رواه البخاري (١٩٦٣): ص ٢/ ٧٢٩. من حديث أنس ﵁.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٤) أنظر: السبعة: ١٩٤ - ١٩٥، والحجة للقراءة السبعة: ٢/ ٤٤٢، وتفسير الطبري: ٦/ ٩٦ - ٩٧.\n(٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨.\n(٦) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، مادة (رهن) (٢/ ٤٥٢).\n(٧) انظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة: (رهن) (١٣/ ١٨٨)، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل حماد الجوهري، مادة (رهن) (٥/ ٢١٢٨)\n(٨) انظر: المصباح المنير، أحمد الفيومي ص ٩٢، مادة (رهن).\n(٩) أنيس الفقهاء في تعريف الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، قاسم القانوني ص ٢٨٩.\n(١٠) القاموس المحيط، الفيروز آبادي (٤/ ٣٢٧) مادة (رهن).\n(١١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة (رهن) (١٣/ ١٨٨).\n(١٢) حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، لابن عابدين (١٠/ ٦٨).","vol":"5","page":480},{"text":"وعند المالكية: \"بذل من له البيع ما يباع أو غررًا ولو اشترط في العقد وثيقة بحق\" (١)\nواعترض عليه بأنه غير جامع؛ لأنه يخرج الرهن غير المقبوض، وكذلك فهو غير مانع لدخول الدَّين غير اللازم في التعريف.\nوعند الشافعية: \"جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه\" (٢)\nوعند الحنبلية: \"جعل عين مالية وثيقة بالدَّين يستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه\" (٣)\nومن خلال النظر في التعريفات نجد أن أقرب التعريفات هو تعريف الشافعية، والحنابلة، وتعريف الحنابلة؛ فيه زيادة إيضاح، فهو أولى من غيره، لقلة الاعتراضات عليه، وكان ينبغي أن يضاف كلمة (عقد) لأنها تشير إلى أركان المعرف.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، \" أي فإِن أمن الدائن المدين فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق، فلم يرتهن، لثقته، وحسن ظنه\" (٥).\nقال الثعلبي: \" يعني: فإن كان الذي عليه لحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لثقته وحسن ظنّه\" (٦).\nقال الزمخشري: \" فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به (٧).\nقال الواحدي: \" أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه\" (٨).\nقال القاسمي: \"لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان\" (٩).\nقال أبو حيان: \" أي: إن وثق رب الدين بأمانة الغريم، فدفع إليه ماله بغير كتاب ولا إشهاد ولا رهن\" (١٠).\nقال الآلوسي: \" أي بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه سفرا أو حضرا فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن\" (١١).\nقال ابن عثيمين: \" أي اتخذه أمينًا؛ بمعنى أنه وثق منه أن لا ينكر، ولا يبخس، ولا يغير\" (١٢).\nقال الراغب: \" وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يحث من يؤتمن على حفظ الأمانة كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ \" (١٣).\nوروي \"عن أبي سعيد الخدري، أنه تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ حتى بلغ ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، قال: هذه نسخت ما قبلها\" (١٤).\n_________\n(١) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي (الحطاب) (٦/ ٥٣٨).\n(٢) مغني المحتاج للشربيني (٢/ ١٢١).\n(٣) المغني، لابن قدامة (٦/ ٤٤٣).\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٤): ص ٢/ ٥٧٠.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٢٩.\n(٨) الوسيط: ١/ ٤٠٧.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٦.\n(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٢٧٠.\n(١١) روح المعاني: ٢/ ٦٠.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٢٦.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٩٣.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤١): ص ٢/ ٥٧٠.","vol":"5","page":481},{"text":"وقال الشعبي: \" لا بأس إذا أمنته، ألا تكتب ولا تشهد، لقوله: فإن أمن بعضكم بعضا\" (١).\nوروي\" عن حماد بن أبي سليمان، في قوله: رفإن أمن بعضكم بعضا﴾، قال: أخلاق، دلهم عليها\" (٢).\nوقال الضحاك: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، فمن لم يجد، فإنها عزمة أن يكتب ويشهد، ولا يأخذ رهنا إذا وجد كاتبا، كما قال في الظهار ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾، وكما قال في جزاء الصيد! ! ﴿فما استيسر من الهدي﴾، فهذا يشبه بعضه بعضا، وآية الدين، حكم حكمه الله وفصله وبينه، فليس لأحد أن يتخير في حكم الله\" (٣).\nوقرأ أبيّ: ﴿فإن أومن﴾، رباعيا مبنيًا للمفعول، أي: آمنه الناس، هكذا نقل هذه القراءة عن أبيّ الزمخشري (٤)، وقال السجاوندي: \"وقرأ أبيّ: ﴿فإن ائتمن﴾، افتعل من الأمن، أي: وثق بلا وثيقة صك، ولا رهن\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: \" فليدفع ذاك المؤتمن الدين الذي عليه\" (٦).\nقال أبو حيان: \" فليؤدّ الغريم أمانته، أي ما ائتمنه عليه رب المال\" (٧).\nوقال الشعبي: \" صار الأمر إلى الأمانة\" (٨).\nوقال ابن جبير: \" ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: \"وليتق الله في رعاية حقوق الأمانة\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" أي عذاب الله في أداء ما ائتمنه رب المال، وجمع بين قوله: الله ربه، تأكيدًا الأمر التقوى في أداء الدين كما جمعهما في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ فأمر بالتقوى حين الإقرار بالحق، وحين أداء ما لزمه من الدين، فاكتنفه الأمر بالتقوى حين الأخذ وحين الوفاء\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" خوف الله، الذي عليه الحق، فقال: ﴿وليتق الله ربه﴾ \" (١٢).\nوقال ابن عثيمين: \" أردف الاسم الأعظم: ﴿الله﴾ بقوله تعالى: ﴿ربه﴾ تحذيرًا من المخالفة؛ لأن «الرب» هو الخالق المالك المدبر؛ فاخشَ هذا الرب الذي هو إلهك أن تخالف تقواه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، \" أي: لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها\" (١٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: عند الحكام، يقول: من أشهد على حق، فليقمها على وجهها، كيف كانت\" (١٥).\nوقال الربيع: \" فلا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين\" (١٦).\nقال الصابوني: \" أي إِذا دعيتم إِلى أداء شهادة فلا تكتموها\" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٢): ص ٢/ ٥٧٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٥): ص ٢/ ٥٧١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٣): ص ٢/ ٥٧٠.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٢٩.\n(٥) البحر المحيط: ٢/ ٢٧٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٧٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٦): ص ٢/ ٥٧١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٧): ص ٢/ ٥٧١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٧١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٨): ص ٢/ ٥٧١.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٢٦.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٨.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٤٩): ص ٢/ ٥٧١.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٥٠): ص ٢/ ٥٧١.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١/! ٦١.","vol":"5","page":482},{"text":"قال أبو حيان: \" هذا نهي تحريم، ألا ترى إلى الوعيد لمن كتمها؟ وموضع النهي حيث يخاف الشاهد ضياع الحق\" (١).\nقال ابن عثيمين: \" أي لا تخفوا ما شهدتم به لا في أصله، ولا في وصفه؛ في أصله بأن ينكر الشهادة رأسًا؛ وفي وصفه بأن يزيد فيها، أو ينقص\" (٢).\nقال الثعلبي: \" وقرأ السلمي: ﴿ولا يكتموا﴾ بالياء ومثله ﴿يعملون﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، \"يعني: ومن يكتم شهادته\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ومن الكبائر، كتمان الشهادة، لأن الله يقول: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ \" (٥).\nوروي \" عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿ومن يكتمها﴾، يعني الشهادة، لا يشهد بها إذا دعي لها، ﴿فإنه آثم قلبه﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: \" فإِن كتمانها إثم كبير، يجعل القلب آثمًا وصاحبه فاجرًا\" (٧).\nقال الثعلبي: \" فاجر قلبه\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي من يخفيها أصلًا، أو وصفًا، فقد وقع قلبه في الإثم\" (٩).\nقال أبو حيان: \" كتم الشهادة هو إخفاؤها بالامتناع من أدائها، والكتم من معاصي القلب، لأن الشهادة علم قام بالقلب، فلذلك علق الإثم به\" (١٠).\nوقال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب (١١)، ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك\" (١٢).\nوذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وجهين (١٣):\nأحدهما: معناه فاجر قلبه، قاله السدي (١٤).\n_________\n(١) البحر المحيط: ٢/ ٢٧١.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤٢٦.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٩٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٥١): ص ٢/ ٥٧١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٥٢): ص ٢/ ٥٧٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٢٧.\n(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٢٧١.\n(١١) قال الزمخشري: \" وما فائدة ذكر القلب - والجملة هي الآثمة لا القلب وحده -؟ قلت-الزمخشري-: كتمان الشهادة: هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عينى، ومما سمعته أذنى، ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب\". [الكشاف: ١/ ٢٢٩ - ٣٠٠].\n(١٢) الوسيط: ١/ ٤٠٧.\n(١٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٥٩.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٦): ٦/ ٩٩ - ١٠٠، وابن أبي حاتم (٣٠٥٣): ص ٢/ ٥٧٢.","vol":"5","page":483},{"text":"والثاني: مكتسب لإِثم الشهادة. قاله الربيع (١)، وروي نحوه عن ابن عباس (٢).\nقال ابن عطية: \" وخص الله تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كما قال ﵇\" (٣) (٤).\nقال الراغب: \" أي يأثم بذلك قلبه، ويجوز أن يكون معناه: \" إنما يكتم الشهادة ومن يكتم لأنه قد أثم قلبه \" قيل فحمله ذلك على ارتكاب المحارم واحتقاب المآثم، وإضافة الإثم إلى القلب مبالغة في الذم، فالقلب مقر البر والإثم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وقال بعضهم: \" في أية الدين صلاح للدين والدنيا \"، فالإنسان بمراعاة ما أرشده الله إليه فيهما يبعد عن جحود الحق الذي هو سبب التنازع، والتنازع سبب كل شر ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، ومن هذه الوجه منع من البيعات المجهولة وجهل المدة وسائر الأشياء المؤدية إلى المنازعة، أوجب الإشهاد من أوجبه، لأن كل ما يؤدي إلى فساد فحسم مادته واجب\" (٥).\nقال ابن عطية: \"وقرأ ابن أبي عبلة «فإنه آثم قلبه» بنصب (الباء)، قال مكي: هو على التفسير، ثم ضعفه من أجل أنه معرفة\" (٦).\nونقل الزمخشري عن ابن أبي عبلة أنه قرأ \"أثم قلبه\" (٧)، أي: جعله آثما\". قال الثعلبي: \"على وزن (أفعل)، أي جعل قلبه أثما\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، \"أي لا يخفى عليه شيء من أعمال وأفعال العباد\" (٩).\nوقال سعيد بن جبير: \" يعني: من كتمان الشهادة، وإقامتها عليهم\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" من بيان الشهادة وكتمانها\" (١١).\nقال ابن عطية: فيه\" توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد\" (١٢).\nقال ابن عثيمين: \" «ما» هذه موصولة تفيد العموم، وتشمل كل ما يعمله الإنسان من خير أو شر في القلب، أو في الجوارح؛ وقَدّم ﴿بما تعملون﴾ على متعلّقها لقوة التحذير، وشدته؛ فكأنه حصر علمه فيما نعمل؛ فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل؛ فيتضمن قوة التحذير؛ وليس مقتضاه حصر العلم على ما نعمل فقط\" (١٣).\nالفوائد:\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٥): ٦/ ٩٩.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٧): ٦/ ١٠٠.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٨.\n(٤) وذكر ابن عثيمين: \" وإنما أضاف الإثم إلى القلب؛ لأن الشهادة أمر خفيّ؛ فالإنسان قد يكتمها، ولا يُعْلَم بها؛ فالأمر هنا راجع إلى القلب؛ ولأن القلب عليه مدار الصلاح، كما قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» [خرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٩: فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٥٢، وأخرجه مسلم ص ٩٥٥، كتاب المساقاة، باب ٢: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٤٠٩٤ [١٠٧] ١٥٩٩]. [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٢٧].\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٩٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٨.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٣٠.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٠٥٤): ص ٢/ ٥٧٢.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٩.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٨.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٢٧.","vol":"5","page":484},{"text":"١ - من فوائد الآية: أنه إذا لم يجد كاتبًا في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض.\n٢ - ومنها: عناية الله ﷿ بحفظ أموال عباده؛ يعني أنه ﷾ ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره، ولم يجد كاتبًا فإنه يرتهن رهنًا حفظًا لماله، وخوفًا من النزاع، والشقاق في المستقبل.\n٣ - ومنها: جواز الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿فرهان﴾؛ ولكن ذلك مشروط - حسبما في الآية - بالسفر سواء كان قصيرًا، أو طويلًا؛ وبألا نجد كاتبًا؛ فهل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره: فقد اشترى النبي ﷺ ثلاثين صاعًا من الشعير لأهله، ورهن درعه عند يهودي حتى مات (١)؛ وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب.\nفإذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟ فالجواب عن الآية أن الله ﷿ ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب فإن صاحب الحق يتوثق لحقه بالرهن المقبوض؛ فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم؛ يعني كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه؛ وإن كنتم في السفر، وليس عندكم كاتب فرهان مقبوضة.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن بعض العلماء استدل بهذه الآية على لزوم القبض في الرهن؛ وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن قبض الرهن شرط لصحته؛ لأن الله جعل القبض وصفًا في الرهن؛ والوصف لازم للموصوف.\nوالقول الثاني: أن القبض شرط للزوم الرهن - لا لصحته؛ وعلى هذا القول يكون الرهن صحيحًا - وإن لم يُقبَض - لكنه ليس بلازم؛ فللراهن أن يتصرف فيه بما شاء.\nوالقول الثالث: أن القبض - أعني قبض الرهن - ليس بشرط لا للصحة، ولا للزوم؛ وإنما ذكر الله القبض في هذه الحال؛ لأن التوثق التام لا يحصل إلا به لكون المتعاقدين في سفر؛ وليس ثمة كاتب، فلا يحصل تمام التوثقة بالرهن إلا بقبضه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وعليه فالرهن لازم صحيح بمجرد عقده - وإن لم يقبض؛ لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وعلى هذا القول عمل الناس: فترى الرجل يكون راهنًا بيته وهو ساكن فيه، أو راهنًا سيارته وهو يستعملها؛ ولا تستقيم حال الناس إلا بذلك.\n٥ - ومن فوائد الآية: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ ولهذ قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾؛ والصحيح أنها ليست ناسخة؛ بل مخصِّصة لما سبق.\n٦ - ومنها: وجوب أداء الأمانة على من اؤتمن؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ فإذا وجب أداء الأمانة حرمت الخيانة.\n٧ - ومنها: أنه لو تلفت العين بيد الأمين فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعد، أو يفرط؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ فسماها الله ﷾ أمانة؛ والأمين يده غير متعدية؛ فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ، أو تفريط؛ ومن التعدي إذا أعطي الإنسانُ أمانة للحفظ تصرف فيها - كما يفعل بعض الناس - ببيع، أو شراء، أو نحو ذلك؛ وهذا حرام لا يجوز؛ وإذا أردت أن تفعل فاستأذِن من صاحبها؛ فإن أذن لك صارت عندك قرضًا.\n_________\n(١) راجع البخاري ص ٢٣٤، كتاب الجهاد، باب ٨٩: ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب، حديث رقم ٢٩١٦.","vol":"5","page":485},{"text":"٨ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على هذا الذي اؤتمن ألا يغتر بثقة الناس به، فيفرط فيما يجب عليه من أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾؛ فأمره الله ﷾ بأن يتقي الله: قال تعالى: ﴿وليتق الله﴾، وأردفها بقوله تعالى: ﴿ربه﴾؛ ففيه فائدة - وهي أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية؛ فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبدًا لله ﷾، وتقربًا له؛ وبنظره إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق، والملك، والتدبير؛ فلا بد أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية، ومقام الربوبية.\n٩ - ومن فوائد الآية: إثبات ما دلّ عليه هذان الاسمان؛ وهما «الله»، و«الرب»؛ فالأول فيه إثبات الألوهية؛ والثاني فيه إثبات الربوبية؛ لأن المعبود لابد أن يكون أهلًا للعبادة؛ والرب لابد أن يكون أهلًا للربوبية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ والتوحيدان يستلزمان كمال الأسماء، والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم (ص) لأبيه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا﴾ [مريم: ٤٢].\n١٠ - ومن فوائد الآية تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها سواء كان كتمان أصلها، أو وصفها؛ وسواء كان الحامل لها القرابة، والغنى؛ أو البعد، والفقر؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما ...﴾ [النساء: ١٣٥] الآية.\n١١ - ومنها: أن كتْم الشهادة من الكبائر؛ لوجود العقوبة الخاصة بها - وهي قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾.\n١٢ - ومنها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب؛ وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (١)؛ وقوله (ص): «التقوى هاهنا» (٢) وأشار إلى صدره؛ فالتقوى في القلب، وليست في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال؛ فقد يكون الإنسان متقيًا بفعله متقيًا بقوله غير متقٍ بقلبه: تجده بفعله يتزيّ بزي المسلم الخالص - من إعفاء اللحية، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: «أستغفر الله»، «اللهم اغفر لي»، ويذكر الله، ويكبر؛ هذه لا شك تقوى في الظاهر؛ والغالب أنها دليل على تقوى الباطن.\n١٣ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله ﷾ بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾؛ فإن ﴿ما﴾ اسم موصول؛ والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلب، وأعمال الجوارح.\nإذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا - إن قيل: لمراعاة الفواصل قلنا: فالنون تأتي في الفواصل كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿إنه خبير بما تفعلون﴾ [النمل: ٨٨]؛ وإن قيل: للحصر قلنا: لا يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء؛ لا يختص علمه بما نعمل فقط؛ فلا وجه للحصر؛ إذًا ما الفائدة؟ .\nفالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئًا - وحاشاه من ذلك - لكان عالمًا بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار جاء الكلام على وجه الحصر الإضافي.\n١٤ - إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله «العليم»؟ قلنا: ربما نقول ذلك؛ وقد لا نقوله؛ قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلِّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون «عليم بكذا» ليس كقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ لأن هذا قُيد: «عليم بـ ...»، فكان وصفًا، وليس اسمًا؛ أما لو قال تعالى: ﴿وهو العليم الحكيم﴾ [الزخرف: ٨٤] لكان هذا اسمًا بلا شك.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٩: فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٥٢، وأخرجه مسلم ص ٩٥٥، كتاب المساقاة، باب ٢: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٤٠٩٤ [١٠٧] ١٥٩٩.\n(٢) أخرجه مسلم ص ١١٢٧، كتاب البر والصلة، باب ١٠: تحريم ظلم المسلم وخذله ...، حديث رقم ٦٥٤١ [٣٢] ٢٥٦٤.","vol":"5","page":486},{"text":"١٥ - ومن فوائد الآية: التحذير من المخالفة بكون الله ﷾ عالمًا بما نعمل؛ وجه التحذير: تقديم المعمول.\n١٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد إلا إذا وقعت؛ فإن قوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾ يتضمن ما قد عملناه بالفعل، وما سنعمله.\nالقرآن\n﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]\nالتفسير:\nلله ملك السماوات والأرض وما فيهما ملكًا وتدبيرًا وإحاطة، لا يخفى عليه شيء. وما تظهروه مما في أنفسكم أو تخفوه فإن الله يعلمه، وسيحاسبكم به، فيعفو عمن يشاء، ويؤاخذ من يشاء. والله قادر على كل شيء، وقد أكرم الله المسلمين بعد ذلك فعفا عن حديث النفس وخطرات القلب ما لم يتبعها كلام أو عمل، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سَيُحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم كما قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم، وهو: المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم\" (١).\nوفي سبب نزول الآية قولان (٢):\nأحدهما: أنها نزلت في كتمان الشهادة.\nفقد أسند الطبري من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس، \"أنه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: نزلت في كتمان الشهادة\" (٣). وروي مثله عن الشعبي (٤)، وعكرمة (٥).\nوالثاني: أنها نزلت فيمن يتولّى الكافرين من المؤمنين. وهو قول مقاتل والواقدي (٦).\nقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: \" ملك كل ما في السموات وما في الأرض\" (٧).\nقال الواحدي: \" ملكا، وهو مالك أعيانه يملك تصريفه وتدبيره\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أن كل شيء في السموات أو في الأرض فهو لله خلقًا، وملكًا، وتدبيرًا؛ وليس لأحد غيره فيه ملك\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٨. وانظر الخبر في: المسند (٢٠٧١): ص ١/ ١٣٣، وصحيح مسلم: (١٢٥): ص ١/ ١١٦].\n(٢) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٤٤ - ٦٤٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٤٥٤): ص ٦/ ١٠٣، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٤٤ - ٦٤٥.\n(٤) الطبري (٦٤٥٣): ص ٦/ ١٠٣.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٥١)، و(٦٤٥٢)، و(٦٤٥٥): ص ٦/ ١٠٣.\n(٦) نقل عنهم الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٢٩٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٠١.\n(٨) تفسير االوسيط: ١/ ٤٠٧.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣٣.","vol":"5","page":487},{"text":"قال الصابوني: \" أي الجميع ملكٌ له وعبيد\" (١).\nقال الطبري: \" وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه\" (٢).\nقال السعدي: \" هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه\" (٣).\nوقال ابن عطية: \" المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك الله وطاعة، لأنه الموجد المخترع لا رب غيره، وعبر ب ما وإن كان ثم من يعقل لأن الغالب إنما هو جماد، ويقل من يعقل من حيث قلت أجناسه، إذ هي ثلاثة: ملائكة، وإنس، وجن، وأجناس الغير كثيرة\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، اختلف في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان (٥):\nأحدهما: أنه إضافة تمليك تقديره: الله يملك ما في السماوات وما في الأرض.\nوالثاني: معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، \" أي: وإن تظهروا ما في قلوبكم\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي إِن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء\" (٧).\nقال الماوردي: إبداءُ ما في النفس هو العمل بما أضمروه، وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه، وأما إخفاؤه فهو ما أضمره وحدّث به نفسه ولم يعمل به\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: \" أو أسررتموه\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" يعني تسرُّوه، فلا يطلع عليه أحد\" (١٠).\nوقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، على أقوال:\nأحدها: وإن تسروا ما في أنفسكم: من اليقين والشك. قاله مجاهد (١١).\nالثاني: وقيل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، يعني الإسلام ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾، يعني الإيمان. وهو قول جعفر بن محمد (١٢).\nالثالث: وقال بعضهم: \" ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، يعني ما في قلوبكم ممّا عرفتم وعقدتم عليه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾، فلا تبدوه وأنتم مجمعون وعازمون عليه، ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فأمّا ما حدّثتم به أنفسكم ممّا لم تعزموا\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢/ ٢٠٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ١٠١.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٢٠.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٩.\n(٥) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦١،\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٣٦١،\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣،\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣٣.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٩)، (٦٤٩٠)، و(٦٤٩١): ص ٦/ ١١٥، وابن ابي حاتم (٣٠٥٩): ص ٢/ ٥٧٣.\n(١٢) نقله عنه الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٣٠١.","vol":"5","page":488},{"text":"عليه فإن ذلك ممّا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾، ولا يؤاخذ به. ودليل هذا التأويل قوله: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] \" (١).\nالرابع: وقال جماعة: \" ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ في الشهادة. قاله ابن عباس (٢)، وروي عن الشعبي (٣) وعكرمة (٤) ومقسم (٥)، مثل ذلك.\nالخامس: وقيل: \"من الاحتيال للربا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: \" فإِن الله يعلمه ويحاسبكم عليه\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" أي يُطْلِعكم عليه على وجه المحاسبة؛ ولا يلزم من المحاسبة العقوبة\" (٨).\nقال الثعلبي: \" ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، والحساب ثابت والعقاب ساقط\" (٩).\nروي \" عن ابن عباس: ﴿يحاسبكم به الله﴾، يقول: يخبركم\" (١٠).\nوروي \"عن عبد بن المبارك قال: قلت لسفيان: ليؤاخذ العبد بالهمّة، قال: إذا كان عزما أخذ بها\" (١١).\nقال ابن عطية: \" معناه أن الأمر سواء، لا تنفع فيه المواراة والكتم، بل يعلمه ويحاسب عليه، وقوله: فِي أَنْفُسِكُمْ تقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز\" (١٢).\nوقال الزحيلي: \" والواقع أن هذه الآيةك ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، ليس المراد بها الحساب على الوساوس والخواطر، وإنما المقصود بها أن الله تعالى يعلم ويحاسب على ما استقر في النفوس من الخلق الراسخ الثابت كالحب والبغض، وكتمان الشهادة، وقصد الخير والسوء، مما هو مقدور للإنسان، وتكون آية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾، ليست ناسخة لهذه الآية، وإنما هي موضحة\" (١٣).\nوظاهر قول الله﷿-: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أن الله يجازي العباد بما أظهرته نفوسهم وما أضمرته، هذا معنى الآية على مقتضى اللغة، وقد اختلف أهل العلم فيها على أقوال:\nأحدها: أنها محكمة مخصوصة، وأنها في الشهادة؛ لأنها جاءت بعد النهي عن كتمانها والوعيد عليه، ومعناها: إن تبدو أيها الشهود ما في نفوسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (١٤)، قاله ابن عباس (١٥)، وداود (١٦)، وعكرمة (١٧)، والشعبي (١٨).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ٣٠١.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٥٦): ص ٢/ ٥٧٢، وتفسير الطبري (٦٤٤٩)، و(٦٤٥٠): ص ٦/ ١٠٢، و(٦٤٥٤): ص ٦/ ١٠٣.\n(٣) الطبري (٦٤٥٣): ص ٦/ ١٠٣، وأنظر: تفسير ابن أبي حاتم\"٢/ ٥٧٢. ذكره دون سند.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٥١)، و(٦٤٥٢)، و(٦٤٥٥): ص ٦/ ١٠٣، وأنظر: تفسير ابن أبي حاتم\"٢/ ٥٧٢. ذكره دون سند.\n(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم\"٢/ ٥٧٢. ذكره دون سند.\n(٦) حكاه أبو حيان في تفسيره: ٢/ ٢٧٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣،\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣٣.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٦٤): ص ٢/ ٥٧٤.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠١.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٩.\n(١٣) الكشاف: ١/ ١٦٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٩٩.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٩)، و(٦٤٥٠): ص ٦/ ١٠٢، و(٦٤٥٤): ص ٦/ ١٠٣.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٥١): ص ٦/ ١٠٢.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٥١)، (٦٤٥٢)، و(٦٤٥٥): ص ٦/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٥٣): ص ٦/ ١٠٣.","vol":"5","page":489},{"text":"والثاني: أنها محكمة مخصوصة بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي بين الشك واليقين، قاله مجاهد (١).\nوالثالث: أنها محكمة عامة، ولكن العذاب على ما في النفس يختص بالكفار والمنافقين. قاله ابن عباس (٢)، والربيع (٣)، ومجاهد (٤).\nوعلى هذا القول: \"يكون: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾، محمولًا على المسلمين، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾، محمولًا على الكافرين والمنافقين\" (٥).\nوالرابع:، وقال آخرون: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس لا يكون في الآخرة وإنما بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. وهذا قول عائشة (٦) ﵂.\nقال الثعلبي: \" يدلّ عليه قوله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، يعني في الدنيا\" (٧).\nوهذه الأقوال محل نظر؛ لأن التخصيص فيها بلا مخصص، والله أعلم.\nوالرابع: أن قوله﷿-: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ منسوخ بقوله﷿-: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨)، لأن الآية الأولى قررت أن العباد محاسبون بما أبدوه وأخفوه ويدخل في ذلك حديث النفس، والآية الثانية قررت أن التكليف لا يتجاوز الوسع والطاقة، وحديث النفس وخطراتها متجاوز لذلك. روي هذا القول عن ابن مسعود (٩)، وعائشة (١٠)، وابن عباس (١١)، والزهري (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)،\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٩)، (٦٤٩٠)، و(٦٤٩١): ص ٦/ ١١٥، وابن ابي حاتم (٣٠٥٩): ص ٢/ ٥٧٣.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨١)، و(٦٤٨٢)، و(٦٤٨٥)، و(٦٤٨٦): ص ٦/ ١١٣ - ١١٥.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٧): ص ٦/ ١١٥، وابن أبي حاتم (٣٠٦٥): ص ٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٩)، و(٦٤٩٠)، و(٦٤٩١): ص ٦/ ١١٤.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٦١.\n(٦) أخرجه الطبري (٦٤٩٢)، و(٦٤٩٣)، (٦٤٩٤)، و(٦٤٩٥): ص ٦/ ١١٧، وابن أبي حاتم (٣٠٦٢): ص ٢/ ٥٧٤.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠١.\n(٨) ومن الأخبار التي وردت في النسخ:\nالأول: أنها نسخت بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة، قال: \"لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نُطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير\". فلما أقَر بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره\" [رواه أحمد في المسند (٢٠٧١): ص ١/ ١٣٣، صحيح مسلم: (١٢٥): ص ١/ ١١٦، والطبري (٦٤٥٧): ص ٦/ ١٠٤].\nوالثاني: أنها نسخت بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: \" لما نزلت هذه الآية: \" وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء \"، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال رسول الله ﷺ: \" سمعنا وأطعنا وسلَّمنا. قال: فألقى الله ﷿ الإيمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال أبو كريب: فقرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال فقال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبِلْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت\". [أخرجه الطبري (٦٤٥٧): ص ٦/ ١٠٥].\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٠): ص ٦/ ١١٠ - ١١١.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٠): ص ٦/ ١١٢.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٥٨)، و(٦٤٥٩)، (و٦٤٦٠)، و(٦٤٦١)، و(٦٤٦٢): ص ٦/ ١٠٥ - ١٠٨.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٦٠): ص ٦/ ١٠٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٦٣)، و(٦٤٦٤): ص ٦/ ١٠٩ - ١١٠.","vol":"5","page":490},{"text":"وعامر (١)، والشعبي (٢)، والضحاك (٣)، ومجاهد (٤)، وعكرمة (٥)، والحسن (٦)، وقتادة (٧)، وابن زيد (٨)، والسدي (٩).\nوالخامس: أنها محكمة عامة، وأن الله﷿يحاسب العباد على ما أخفته نفوسهم أو أبدته، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، قال الثعلبي: \" يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء: ٣٦﴾ \" (١٠).\nوهذا القول مروي عن، عبدالله ابن عمر (١١)، والحسن (١٢)، والربيع (١٣)، وقيس بن أبي حازم (١٤)، ورواية الضحاك عن ابن عباس (١٥)، وقال به: أبو سليمان الدمشقي والقاضي أبو يعلى (١٦).\nوالراجح-والله أعلم-أن لا نسخ في الآية كما هو قول الأكثر، وأنها محكمة مخصوصة بالآية الأخرى، والمعنى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وقول من قال بالنسخ من السلف محمول على ذلك.\nوقد ذهب إلى عدم النسخ سوى من ذكر: الجصاص والنحاس والطبري (١٧) وابن الأنباري وابن عطية (١٨) والواحدي والرازي وابن تيمية وأبو حيان ومصطفى زيد وغيرهم (١٩).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٦٥)، و(٦٤٧٣): ص ٦/ ١١٠ - ١١١.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٤٦٦)، و(٦٤٦٧)، و(٦٤٦٨)، و(٦٤٧١): ص ٦/ ١١٠.\n(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٦٩)، و(٦٤٧٠): ص ٦/ ١١٠ - ١١١.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٢): ص ٦/ ١١١.\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٣): ص ٦/ ١١١.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٤): ص ٦/ ١١١.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٥)، و(٦٤٧٦): ص ٦/ ١١١.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٧): ص ٦/ ١١١ - ١١٢.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٧٨): ص ٦/ ١١٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٠.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٦٠): ص ١٠٦، وفيما معناه: (٦٤٥٨)، و(٦٤٥٩): ص ١/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٨): ص ٦/ ١١٥.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٥٥): ص ٢/ ٥٧٢.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٤٨٤): ص ٦/ ١١٣.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٨٣): ص ٦/ ١١٤.\n(١٦) انظر: الناسخ والمنسوخ للزهري: ١٨، الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى لقتادة: ٤١، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١١٨ - ١٢٤، الناسخ والمنسوخ من كتاب الله﷿لهبة الله بن سلامة: ٥٨، ناسخ القرآن الكريم ومنسوخه للبازري: ٢٧، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٩٦ - ١٠٣، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٩٩ - ٢٠٠، النسخ في القرآن الكريم لمصطفى زيد: ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٩، فتاوى ابن تيمية: ١٤/ ١٠١.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ١١٨ - ١١٩. حيث يقول: \" \" وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا بنفيه بآخر، هو له ناف من كل وجوهه، وليس في قوله جل وعز: \" لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت \"، نفى الحكم الذي أعلم عبادَه بقوله: \" أو تخفوه يحاسبكم به الله \". لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبةً، ولا مؤاخذةً بما حوسب عليه العبد من ذنوبه ... أخبر أن كتبهم محصيةٌ عليهم صغائرَ أعمالهم وكبائرَها، فلم تكن الكتب - وإن أحصت صغائرَ الذنوب وكبائرَها - بموجبِ إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين. لأن الله ﷿ وَعدهم العفوَ عن الصغائر، باجتنابهم الكبائر فقال في تنزيله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١]. فذلك محاسبة الله عبادَه المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم، غيرَ موجبٍ لهم منه عقوبة، بل محاسبته إياهم - إن شاء الله - عليها، ليعرّفهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها\".\n(١٨) أنظر: المحرر الوجيز، ١/ ٣٩٠، ويقول فيه: \" قال ابن عطية: \"ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي ﷺ لهم: «قولوا سمعنا وأطعنا» يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله ﷿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥] فهذا لفظ الخبر ولكن معناه: التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك، وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها\".\n(١٩) انظر: الناسخ والمنسوخ للزهري: ١٨، الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى لقتادة: ٤١، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ١١٨ - ١٢٤، الناسخ والمنسوخ من كتاب الله﷿لهبة الله بن سلامة: ٥٨، ناسخ القرآن الكريم ومنسوخه للبازري: ٢٧، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٩٦ - ١٠٣، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٩٩ - ٢٠٠، النسخ في القرآن الكريم لمصطفى زيد: ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٩، فتاوى ابن تيمية: ١٤/ ١٠١. ومن كتب التفسير انظر: جامع البيان للطبري: ٦/ ١٠٢ - ١٢٣، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٣/ ١٢٠٧ - ١٢١٠، تفسير مقاتل ٤٠ أ، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ٢١٠ أ-٢١٣ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٧٠ ب، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٢٥ - ٣٣٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٤٢ - ٣٤٤، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٣٥٣ - ٣٥٦، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٧٣١ - ٧٣٢، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٩٠، ومفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ١٣٦ - ١٣٧، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٦٠ - ٣٦٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٤٢١ - ٤٢٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦٠، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٥٥، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ١٥٧ - ١٦٠، روح المعاني للألوسي: ٣/ ٦٤ - ٦٥.","vol":"5","page":491},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، \" أي: فيعفو عمن يشاء\" (١).\nقال السعدي: \" وهو لمن أتى بأسباب المغفرة\" (٢).\nقال الزحيلي: \" والله تعالى يغفر لمن يشاء ذنبه، بتوفيقه إلى التوبة والعمل الصالح الذي يمحو السيئة\" (٣).\nوقال النقاش: \" ﴿يغفر لمن يشاء﴾، أي: لمن ينزع عنه\" (٤).\nوقال الزمخشري: \" لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه\" (٥). قال أبو حينان: \" وهذه نزعة إعتزالية، وأهل السنة يقولون: إن الغفران قد يكون من الله تعالى لمن مات مصرًّا على المعصية ولم يتب، فهو في المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِا وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ \" (٦).\nأخرج ابن المنذر عن \" سفيان في قوله: \" ﴿فيغفر لمن يشاء﴾، قال: يغفر لمن يشاء بالكبير\" (٧). وروي عن مجاهد مثل ذلك (٨).\nوروي \" عن ابن عباس، قوله: ﴿فيغفر لمن يشاء﴾، قال: فأما المؤمنون، فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" و«المغفرة» ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأن مادة «غفر» مأخوذة من المغفر - وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه ليتقي بها السهام؛ وهو جامع بين ستر الرأس، والوقاية\" (١٠).\nواختلفت القراءة في قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، على وجوه (١١):\nأحدها: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ و﴿يُعَذِّبُ﴾ بالرفع، قرأه ابن عامر وعاصم، ووجه أنه قطعه من الأول على أحد وجهين: إما أن يجعل الفعل خبرًا لمبتدإ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ، وإمّا أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/! ٦٣.\n(٢) تفسير السعدي: ١/ ١٢٠.\n(٣) التفسير الوسيط: ١/ ١٦٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ٣٣٠.\n(٦) البحر المحيط: ٢/ ٢٧٣.\n(٧) تفسير ابن المنذر (١٧٢): ص ١/ ٩٨، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٦٧): ص ٢/ ٥٧٥. ولفظه: \" يغفر لمن يشاء الكبير من الذنوب\".\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٦٧): ص ٢/ ٥٧٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٦٦): ص ٢/ ٥٧٥.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣٣.\n(١١) انظر: السبعة: ١٩٥، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٦٣ - ٤٦٥، وتفسير الوسيط: ١/ ٤٠٨، والمحرر الوجي: ١/ ٣٩٠.\n(١٢) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٦٥.","vol":"5","page":492},{"text":"والثاني: ﴿فَيَغْفِرْ﴾ و﴿يُعَذِّبْ﴾، بالجزم، قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ووجه \"أنه أتبعه ما قبله ولم يقطعه، أي: عطفا على ما قبله، على معنى جواب الشرط، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، \"وهكذا تحسن المشاكلة في كلامهم\" (١).\nوالثالث: ﴿فَيَغْفِرَ﴾ و﴿يُعَذِّبَ﴾، بالنصب، وهي قرءة ابن عباس والأعرج وأبي حيوة، على إضمار «أن»، وهو معطوف على المعنى كما في قوله: فَيُضاعِفَهُ [الحديد ١١].\nوالرابع: وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف ﴿يغفر﴾ بغير الـ (فاء)، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، قال ابن جني: \" هي على البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر (٢):\nرويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان\nتلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتدان\nفهذا على البدل، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: \" ويعاقب من يشاء\" (٤).\nقال ابن عطية: \" يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد\" (٥).\nقال الزحيلي: \" لأنه لم يعمل خيرا يكفر عنه سيئاته، ولم يتب إلى الله\" (٦).\nقال الزمخشري: \"ممن استوجب العقوبة بالإصرار\" (٧). وهذه نزعة اعتزالية. سبق أن ردّ عليه أبو حيان (٨).\nوروي \" عن ابن عباس، قوله: ﴿ويعذب من يشاء﴾، قال: وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب\" (٩).\nوروي \" عن مجاهد، في قوله: ﴿ويعذب من يشاء﴾، قال: يعذب من يشاء على الصغير\" (١٠). وروي عن سفيان الثوري مثله (١١).\nوقيل: \"تعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، وقال إن الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق\" (١٢). قال ابن عطية: \"وهذا غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلا تأوله أصحاب النبي ﷺ، ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرنا من تقدير النبي ﷺ إياهم على ذلك\" (١٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٠.\n(٢) البيتين لودّاك بن ثميل المازني، لم اجد ذكرا لعصره وأظنه جاهليا، يقال بأن بني شيبان أرادوا نفي بني مازن عن ماء لهم يقال له سفوان وادعوا أنه لهم فقال وداك هذا الشعر. انظر: شرح الحماسة للتبريزي: ١/ ٦٣ - ٦٤، وسمط الآلي: ٤٢١، وحماسة ابن الشجري: ٤٢، والمرزوقي: ١٢٧، والعقد الفريد: ١/ ٩٨، والأعلام للزركلي: ٨/ ١١١. و(رويد) تصغير الرود بالضم أي التمهل والرفق.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/! ٦٣.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٠.\n(٦) التفسير الوسيط: ١/ ١٦٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٣٠.\n(٨) البحر المحيط: ٢/ ٢٧٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٦٨): ص ٢/ ٥٧٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٦٩): ٢/ ٥٧٥.\n(١١) أنظر: تفسير ابن المنذر (١٧٢): ص ١/ ٩٨، وتفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٧٥.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٠.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٠ - ٣٩١.","vol":"5","page":493},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: \"وهو القادر على كل شيء الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون (١).\nقال الزحيلي: \" والله على كل شيء أراده قدير\" (٢).\nقال السعدي: \" لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود بدون عجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ [فاطر: ٤٤] \" (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: عموم ملك الله ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾؛ وليس معلومًا لنا سوى السموات والأرض؛ ويدخل في السموات الكرسي، والعرش، والملائكة، وأرواح بني آدم التي تكون في السماء، كأرواح المؤمنين في الجنة؛ لأن المراد بذلك كل ما علا؛ بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك، والنجوم، وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السموات؛ لأنها في جهتها؛ ويدخل في الأرض العاقل، وغير العاقل؛ فيشمل بني آدم، والجن، ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار، والبحار، والأنهار، وغير ذلك.\n٢ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷿ هو القائم على هذه السموات والأرض يدبرها كما يشاء؛ لأنها ملكه.\n٣ - ومنها: أن الله لا شريك له في ذلك الملك؛ يستفاد ذلك من تقديم الخبر الذي حقه التأخير؛ وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ و«الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه.\n٤ - ومنها: وجوب إفراد الله ﷾ بالألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية - ولابد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ فجعل الربوبية موجبًا لعبادته؛ وفي سورة النمل قال تعالى: ﴿أمن خلق السموات والأرض ...﴾ [النمل: ٦٠] إلى آخر الآيات التي فيها تختم كل آية بقوله تعالى: ﴿أإله مع الله﴾ [النمل: ٦٠] يعني: فإذا كان هو المنفرد بما ذُكِر فإنه المنفرد بالألوهية.\n٥ - ومن فوائد الآية: إثبات صفات الكمال لله ﷿؛ لأننا إذا تأملنا في هذا الملك الواسع العظيم، وأنه يدبَّر بانتظام لا مثيل له علمنا بأن الذي يدبره كامل الصفات؛ فيؤخذ منه كل صفة كمال لله، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والعزة، والحكمة، وغير ذلك من صفاته ﷿؛ لأنه لا يمكن أن يقوم بملك هذه الأشياء العظيمة إلا من هو متصف بصفات الكمال.\n٦ - ومنها: إثبات أن السموات أكثر من واحدة؛ وهي سبع بنص القرآن، والسنة، والإجماع؛ أما القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وأما السنة فمثل قوله (ص): «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين ...» (٥) الحديث؛ وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/! ٦٣.\n(٢) التفسير الوسيط: ١/ ١٦٧.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٢٠.\n(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣٣.\n(٥) أخرجه ابن حبان ٤/ ١٧٠، ذكر ما يقول المسافر إذا رأى قرية يريد دخولها، حديث رقم ٢٦٩٨، وأخرجه ابن خزيمة ٤/ ١٥٠، حديث رقم ٢٥٦٥؛ وأخرجه الحاكم ١/ ٤٤٦، كتاب المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد؛ وأقره الذهبي.","vol":"5","page":494},{"text":"مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ لأن المماثلة في الوصف متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد؛ وأما في السنة لمثل قوله (ص): «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (١).\n٧ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله وسعته؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؛ ولا محاسبة إلا من بعد علم.\n٨ - ومنها: تحذير العبد من أن يخفي في قلبه ما لا يرضاه الله ﷿؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله عالم بما يبدي وبما يخفي فسوف يراقب الله ﷾ خوفًا من أن يحاسَب على ما أخفاه كما يحاسَب على ما أبداه.\n٩ - ومنها: إثبات أن العبد يحاسب على ما في نفسه؛ وظاهره العموم؛ لقوله تعالى: ﴿ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؛ ولكن جاءت النصوص الأخرى بالتفصيل في ذلك على النحو التالي:\nالأول: أن يكون ما يطرأ على النفس وساوس لا قرار لها، ولا ركون إليها؛ فهذه لا تضر؛ بل هي دليل على كمال الإيمان؛ لأن الشيطان إذا رأى من قلب الإنسان إيمانًا ويقينًا حاول أن يفسد ذلك عليه؛ ولهذا لما شكا الصحابة إلى رسول الله (ص) ما يجدونه في أنفسهم من هذا قال ﷺ: «وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم؛ قال: ذاك صريح الإيمان» (٢)؛ وفي حديث آخر: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٣).\nالثاني: أن يهمّ بالشيء المحرم، أو يعزم عليه، ثم يتركه؛ وهذا أنواع:\nالنوع الأول: أن يتركه لله؛ فيثاب على ذلك، كما جاءت به السنة فيمن همّ بسيئة فلم يعملها أنها تكتب حسنةً كاملة؛ قال الله تعالى: «لأنه تركها من جرّائي» (٤)، أي من أجلي.\nالنوع الثاني: أن يهمّ بها، ثم يتركها عزوفًا عنها؛ فهذا لا له، ولا عليه؛ لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى» (٥).\nالنوع الثالث: أن يتمناها، ويحرص عليها؛ ولكن لا يعمل الأسباب التي يحصِّلها بها؛ فهذا يعاقب على نيته دون العقاب الكامل، كما جاء في الحديث في فقير تمنى أن يكون له مثل مال غني كان ينفقه في غير مرضاة الله؛ فقال النبي ﷺ: «فهو بنيته؛ فهما في الوزر سواء» (٦).\nالنوع الرابع: أن يعزم على فعل المعصية، ويعمل الأسباب التي توصل إليها؛ ولكن يعجز عنها؛ فعليه إثم فاعلها؛ لقول النبي ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٧).\n١٠ - ومن فوائد الآية: إثبات محاسبة العبد؛ لقوله تعالى: ﴿يحاسبكم به الله﴾؛ ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» (٨)؛ فينبغي للإنسان أن يكون كيسًا يحاسب\n_________\n(١) اخرجه البخاري ص ٢٥٩، كتاب بدء الخلق، باب ٢: ما جاء في سبع أرضين، حديث رقم ٣١٩٨، وأخرجه مسلم ص ٩٥٨، كتاب المساقاة، باب ٣٠: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث رقم ٤١٣٢ [١٣٧] ١٦١٠، واللفظ لمسلم.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٢٠٠، كتاب الإيمان، باب ٦٠: بيان الوسوسة في الإيمان ...، حديث رقم ٣٤٠ [٢٠٩] ١٣٢.\n(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٥، حديث رقم ٢٠٩٧، وأخرجه أبو داود ص ١٥٩٧، كتاب الأدب، باب ١٠٨، في رد الوسوسة، حديث رقم ٥١١٢، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح ٣/ ٢٥٦.\n(٤) أخرجه مسلم ص ٦٩٩ – ٧٠٠، كتاب الإيمان، باب ٥٩: إذا هم العبد بحسنة ...، حديث رقم ٣٣٦ [٢٠٥] ١٢٩.\n(٥) أخرجه البخاري ص ١: كتاب بدء الوحي، باب ١: كيف كان بدء الوحي، حديث رقم ١، وأخرجه مسلم ص ١٠١٩، كتاب الإمارة، باب قوله: إنما الأعمال بالنية حديث رقم ٤٩٢٧ [١٥٥] ١٩٠٧.\n(٦) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣٠، حديث رقم ١٨١٨٧، وأخرجه الترمذي ص ١٨٨٥ – ١٨٨٦، كتاب الزهد، باب ١٦: ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن، حديث رقم ٢٣٢٥؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٣ كتاب الزهد، باب ٢٦: النية، حديث رقم ٤٢٢٨، وقال الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢٧٠ حديث رقم ١٨٩٤: صحيح.\n(٧) أخرجه البخاري ص ٤، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ...)، حديث رقم ٣١، وأخرجه مسلم ص ١١٧٨، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ٤: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، حديث رقم ٧٢٥٢ [١٤] ٢٨٨٨.\n(٨) نقله الترمذي عن عمر بن الخطاب ص ٨٩٩، كتاب صفة القيامة، باب ٣٥: حديث الكيس من دان نفسه، في سباق حديث رقم ٢٤٥٩، واخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ١١٥، كتاب الزهد، كلام عمر بن الخطاب ﵁، حديث رقم ٣٤٤٤٨؛ وفيه راوٍ لم يسمه.","vol":"5","page":495},{"text":"نفسه قبل أن يحاسَب؛ وإني لأعجب أن كثيرًا من الناس إذا كان له تجارة دنيوية فإنه لا ينام حتى ينظر في الدفاتر: ما الذي خرج؟ وما الذي دخل؟ وما الذي بقي في ذمم الناس؟ وما الذي بيع؟ وما الذي اشتري؟ إما بنفسه؛ وإما بمن يجعلهم على هذا؛ ولكننا في أعمالنا الأخروية عندنا تفريط - يعني يندر يومًا من الأيام أن تقول: ماذا عملت اليوم؟ وتستغفر مما أسأت فيه، أو فرطت؛ وتحمد الله على ما قمت به من طاعته.\n١١ - ومن فوائد الآية: أن الله ﷾ لم يصرح بالمعاقبة؛ ولا يلزم من المحاسبة المؤاخذة؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ويؤيده ما ثبت في الصحيح أن الله ﷿ يخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، ويقول: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر؛ فإذا رأى أنه قد هلك يقول الله ﷿: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١).\n١٢ - ومنها: سعة علم الله ﷿، وكان من أسمائه: «الواسع» أي ذو السعة في جميع صفاته.\n١٣ - ومنها: إثبات المشيئة لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ كل شيء أضافه الله إلى مشيئته فاعلم أنه مقرون بحكمة؛ لا يشاء شيئًا إلا لحكمة - أيًا كان هذا الشيء.\n١٤ - ومنها: أنه بعد المحاسبة إما أن يغفر للإنسان؛ وإما أن يعذبه؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ فإن كان كافرًا عذب؛ وإن كان مسلمًا كان تحت المشيئة، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].\n١٥ - ومنها: إثبات القدرة لله، وعمومها في كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾؛ فلا أحد يقدر على كل شيء إلا الله ﷿؛ وأما المخلوق فقدرته محدودة.\nفإن قيل: لماذا ختم الآية بالقدرة من بعد قوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ولم يختمها بالرحمة، ولا بالعقوبة؟\nفالجواب: أن المحاسبة تكون بعد البعث؛ والبعث يدل على القدرة؛ كما قال تعالى: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩].\nوجه آخر: لو ختمت الآية بما يقتضي الرحمة وفيها التعذيب لم يكن هناك تناسب؛ ولو ختمت بما يقتضي التعذيب وفيها مغفرة لم يكن هناك تناسب؛ والقدرة تناسب الأمرين: تناسب المغفرة، وتناسب التعذيب؛ لأن المغفرة، والتعذيب كلٌّ لا يكون إلا بقدرة الله ﷿.\nالقرآن\n﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]\nالتفسير:\nصدَّق وأيقن رسول الله محمد ﷺ بما أوحي إليه من ربه وحُقَّ له أن يُوقن، والمؤمنون كذلك صدقوا وعملوا بالقرآن العظيم، كل منهم صدَّق بالله ربًا وإلهًا متصفًا بصفات الجلال والكمال، وأن لله ملائكة كرامًا، وأنه أنزل كتبًا، وأرسل إلى خلقه رسلا لا نؤمن -نحن المؤمنين- ببعضهم وننكر بعضهم، بل\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٩٢، كتاب المظالم، باب ٢: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، حديث رقم ٢٤٤١؛ وأخرجه مسلم ص ١١٥٨، كتاب التوبة، باب ٨: في سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار، حديث رقم ٧٠١٥ [٥٢] ٢٧٦٨.","vol":"5","page":496},{"text":"نؤمن بهم جميعًا. وقال الرسول والمؤمنون: سمعنا يا ربنا ما أوحيت به، وأطعنا في كل ذلك، نرجو أن تغفر -بفضلك- ذنوبنا، فأنت الذي ربَّيتنا بما أنعمت به علينا، وإليك -وحدك- مرجعنا ومصيرنا.\nروي عن حكيم ابن جابر، أنه قال: \"لما أنزل على النبي ﷺ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى قومك. فسل. تعط. فسأل الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلى آخر الآية\" (١).\nوعن قتادة، قوله: \" ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾، ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية، قال: ويحق له أن يؤمن\" (٢).\nوعن سعيد بن جبير، في قوله: \" ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، إلى قوله: ﴿وإليك المصير﴾، قال: كان ما قيل لهم، قولوا: آمنا\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: \" صدق الرسول بما أوحي إليه من ربه من الكتاب\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة: \"كان خلقه القرآن\" (٥)، والترقي بمعانيه والتحقق\" (٦).\nقال الثعلبي: \" وحّد الفعل على لفظ كلّ، المعنى: كلّ واحد منهم آمن، فلو قال: آمنوا، لجاز لأن (كلّ) قد تجيء في الجمع والتوحيد، فالتوحيد قوله ﷿: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، والجمع قوله كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٨] \" (٧).\nواختلف السادة أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وذكروا فيه وجهين:\nأحدهما: أن \"الذي أنزل هو القرآن\". قاله القرطبي (٨). وهو قول الجمهور.\nوالثاني: وقيل هو: القرآن والسنة. قاله العلّامة ابن عثيمين (٩).\nوعلى القول الثاني: أن \"الرسول آمن بأن القرآن من عند الله أنزله إليه ليبلغه إلى الناس، وآمن بأن ما أوحي إليه من السنة هو من الله ﷿؛ أوحي به ليبلغه إلى الناس؛ ثم هو أيضًا آمن بما يقتضيه هذا المنزل من قبول، وإذعان؛ ولهذا كان الرسول ﷺ أشد الناس تصديقًا بما أنزل إليه، وأقواهم إيمانًا بلا شك، وكان أيضًا أعظمهم تعبدًا لله ﷿ حتى إنه كان يقوم في الليل حتى تتورم قدماه مع أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر (١٠)؛ وقام معه ابن مسعود ﵁ ذات ليلة يقول: فقام فأطال حتى هممت بأمر سوء؛ قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «هممت أن أجلس، وأدعه» (١١)؛ لأن الرسول كان يقوم قيامًا طويلًا - صلوات الله وسلامه عليه؛ إذًا فهو أقوى الناس إيمانًا، وأشدهم رغبة في الخير، وأكثرهم عبادة\" (١٢).\nوقوله تعالى: ﴿آمن﴾؛ هو إقرار المستلزم للقبول، والإذعان - لقبول الخبر، والإذعان للحكم، أو لما يقتضيه؛ أما مجرد التصديق، والإقرار فلا ينفع؛ ولهذا كان أبو طالب مقرًا ببعثة الرسول ﷺ، وأنه على حق؛ لكن لما لم يكن منه قبول وإذعان لم ينفعه هذا الإقرار؛ فالإيمان شرعًا هو الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان (١٣).\nوقيل: \" قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، على معنى الشكر، أي صدق الرسول ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١٤).\nو«الرسول» - كما قال العلماء - هو من أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه؛ هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ و«النبي» هو الذي لم يؤمر بتبليغه ما لم يدل الدليل على أن المراد به الرسول؛ ففي القرآن الكريم كل من وصف بالنبوة فهو رسول؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ...﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قوله تعالى: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]؛ ولقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله﴾ [غافر: ٧٨] (١٥).\nقال الثعلبي: \" وفي قراءة عليّ وعبد الله: ﴿وآمن المؤمنون كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ \" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، \" أي كذلك آمنوا\" (١٧).\nروي \" عن مقاتل ابن حيان، قوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، فهذا قول، قاله الله، وقول النبي ﷺ، وقول المؤمنين. فأثنى الله عليهم لما علم من إيمانهم بالله وملائكته وكتبه ورسله\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: الجميع\" صدق بالله وملائكته وكتبه\" (١٩).\nقال القاسمي: \" أي الجميع من النبي والأتباع صدَّق بوحدانية الله، وآمن بملائكته وكتبه ورسله\" (٢٠).\nقال الزجاج: \"لما ذكر الله ﷿ في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والجهاد، ختم السورة بذكر تصديق نبيه ﷺ والمؤمنين بجميع ذلك، وهو قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥] \" (٢١).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، على وجهين:\nأحدهما: ﴿وَكِتابَهُ﴾، على الواحد بالألف، قرأه ابن عباس وعكرمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف، وفي هذه القراءة وجهان (٢٢):\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٠): ص ٢/ ٥٧٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧١): ص ٢/ ٥٧٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٢): ص ٢/ ٥٧٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ١٢٤.\n(٥) أخرجه مسلم في: صلاة المسافرين وقصرها، حديث ١٣٩. وهو حديث طويل. يرويه سعد بن هشام بن عامر وفيه يقول، بعد أن استأذن على عائشة قال: فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله. قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: فإن خلق نبيّ الله كان القرآن. وفيه وصف جامع لقيامه ﷺ وعن وتره على لسان سيدتنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٠.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٤.\n(٨) أنظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٨.\n(٩) أنظر: تفسيره: ٣/ ٤٤٣.\n(١٠) راجع البخاري ص ٤١٣، كتاب تفسير القرآن، باب ٢: قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ...)، حديث رقم ٤٨٣٦، وأخرجه مسلم ص ١١٦٩، كتاب صفات المنافقين، باب ١٨: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم ٧١٢٤ [٧٩] ٢٨١٩.\n(١١) راجع البخاري ص ٨٨، كتاب التهجد، باب ٩: طول القيام في صلاة الليل، حديث رقم ١١٣٥؛ وصحيح مسلم ص ٨٠٠، كتاب صلاة المسافرين، باب ٢٧: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم ١٨١٥ [٢٠٤] ٧٧٣.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤٣.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤٢.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٥.\n(١٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤٢.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٤.\n(١٧) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٠.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٣): ص ٢/ ٥٧٦.\n(١٩) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٦٨.\n(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٢١) معاني القرآن وإإعرابه: ١/ ٣٦٨. ونقله عنه الواحدي في الوسيط: ١/ ٤٠٩.\n(٢٢) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٤.","vol":"5","page":497},{"text":"الوجه الأول: إنّهم أرادوا القرآن خاصّة.\nوالوجه الثاني: إنّهم أرادوا جميع الكتب، يقول العرب: كثر اللبن وكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الألبان والدراهم والدنانير. يدلّ عليه قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nوالثاني: ﴿كُتُبِهِ﴾، بالجمع قرأه الباقون، وهو ظاهر كقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، \"قرأ الحسن وابن سلمة بسكون السين لكثرة الحركات، وكذلك روى العباس عن ابن عمرو، وروى عن نافع وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. مخفّفين، الباقون بالإشباع فيها على الأصل\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، \" أي: لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى، بل نؤمن بجميع رسل الله دون تفريق\" (٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب\" (٣).\nوروي \" عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾، يقول: كل آمن، وكل لا يفرق\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب قبلنا. الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، نحو كفْر إليهود بعيسى، وكفْر النصارى بغيره فأخبر عن المؤمنين أنهم يقولون ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ \" (٥).\nقال القاسمي: \" أي بردّ بعض وقبول بعض، ولا نشك في كونهم على الحق وبالحق\" (٦).\nقال ابن زيد: \" كما صنع القوم - يعني بني إسرائيل - قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به\" (٧).\nقال الواحدي: \"معناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم\" (٨).\nوإنّما قال ﴿بين أحد﴾، ولم يقل (آحاد)، لأن الآحاد يكون للواحد والجميع، قال الله ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].\nوقال النبيّ ﷺ: «ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم» (٩)، قال رؤبة (١٠):\nماذا [أمور] الناس ديكت دوكا ... لا يرهبون أحدا رواكا (١١)\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ على ثلاثة وجوه (١٢):\nأحدها: ﴿لا نفرّقن﴾، كما في مصحف عبد الله.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٤): ص ٢/ ٥٧٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٥): ص ٢/ ٥٧٦.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٠.\n(٧) أخرجه الطبري (٦٥٠٠): ص ٦/ ١٢٦.\n(٨) الوسيط: ١/ ٤٠٩.\n(٩) أخرجه الترمذي (٣٠٨٤) وابن حبان (١٦٦٨) والطحاوي في \" المشكل \" (٤/ ٢٩٢). ولفظه: \" لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها\". عن طرق عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا به. فلما كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾. وقال الترمذي: \" حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش \". قال الألباني: وهو على شرط الشيخين. [السلسلة الصحيحة: ٢١٥٥: ص ٥/ ١٨٨].\n(١٠) البيت من شواهد القرطبي: ٣/ ٤٢٩، وأبي حيان في البحر: ٢/ ٢٧٧.\n(١١) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٢/ ٣٠٥، وانظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٥.\n(١٢) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.","vol":"5","page":498},{"text":"والثاني: ﴿لا يفرّق﴾ بالياء، على معنى لا نفرّق الكلّ، فيجوز أن يكون خبرا عن الرسول. قرأ بذلك جرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويحيى بن يعمر والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب.\nوالثالث:: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، بالنون على إضمار القول تقديره: \"وقالوا لا نفرّق كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [البقرة: آل عمران: ١٠٦]، يعني فيقال لهم: أكفرتم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢]، أي يقولون: ربّنا. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣]، أي: يقولون: ما نعبدهم\" (١).\nقلت: والقراءة بالنون ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، هي التي قامت حجتها بالنقل المستفيض. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي سمعنا \"قولك وفهمناه\" (٢).\nقال مقاتل: \" سمعنا للقرآن الذي جاء من الله\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \"سمعنا قوله\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي \" سَمعْنَا \" سَمْع قابِلينَ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، \"أي امتثلنا أمرك وقمنا به واستقمنا عليه\" (٦).\nقال مقاتل: \" أقروا بأن يطيعوه في أمره ونهيه\" (٧).\nقال الواحدي: أي: \"وأطعنا أمره\" (٨).\nقال الزجاج: أي \" قِبِلْنَا ما سَمِعْنَا، لأن مَن سمع فلم يعْمل قيل له أصم - كما قال جلَّ وعزَّ:\n(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، ليس لأنهم لَا يسْمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع\nقال الشاعر (٩):\nأصَمُّ عمَّا سَاءَهُ سَمِيع\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، \" أي: اغفر غفرانك\" (١١).\nروي \"عن مقاتل بن حيان، في قول الله: ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، تعليم من الله، فهذا دعاء دعا به النبي ﷺ فاستجاب له\" (١٢).\nوروي: \" عن ابن عباس، في قول الله تعالى ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾، قال: قد غفرت لكم\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٥.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٦): ص ٢/ ٥٧٦.\n(٤) الوسيط: ١/ ٤٩.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٧): ص ٢/ ٥٧٧.\n(٨) الوسيط: ١/ ٤٩.\n(٩) لم أتعرف على قائله، والبيت في اللسان (صمم)، (سمع) ومجمع الأمثال، أبو هلال العسكري: ٧٦، وذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٧٦. أي: \" أي أصم عن القبيح الذي يؤذيه ويغمّه، وسميع لما يسرُّه، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(١١) الوسيط: ١/ ٤٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٩): ص ٢/ ٥٧٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٧٨): ص ٢/ ٥٧٧.","vol":"5","page":500},{"text":"قال القاسمي: \" وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول\" (١).\nوانتصب قوله تعالى ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لكونه مصدر وقع في موضع أمر، ومثله: الصلاة الصلاة (٢)، \"وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها\" (٣)، كما قال الشاعر (٤):\nإن قوما منهم عمير وأشبا ... هـ عمير ومنهم السفاح\nلجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة: السلاح السلاح! !\nقال الفراء: \"ومثله أن تقول: يا هؤلاء الليل فبادروا، أنت تريد: هذا الليل فبادروا. ومن نصب الليل أعمل فيه فعلا مضمرا قبله. ولو قيل: غفرانك ربنا لجاز\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي أغفر غُفْرانَك، و(فُعْلان)، من أسْمَاءِ الْمَصَادِر نحو السُّلوان والكُفْران\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: \" وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا\" (٧).\nقال القاسمي: \" أي الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة، لما أن الرجوع للحساب والجزاء\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي نحن مقرون بالبعْثِ\" (١٠).\nقال الواحدي: \" هذا إقرار منهم بالبعث\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن محمدًا (ص) مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ ولهذا قال ﷺ: «أشهد أني رسول الله» (١٢)، في قصة دين جابر ﵁ - كما في صحيح البخاري.\n٢ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾؛ والمنزل هو الوحي؛ والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم؛ لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ وعلى هذا يكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله - الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ.\n٣ - ومنها: إثبات علوّ الله ﷿؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه﴾.\n٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿الرسول﴾، وقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤١.\n(٢) أنظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١٨٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ١٢٨.\n(٤) لم أتعرف عى قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٦/ ١٢٨، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٨٨، وشواهد العيني (بهامش الخزانة) ٤/ ٣٠٦.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ١٨٨.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٢٧.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(١١) الوسيط: ١/ ٤٩.\n(١٢) أخرجه البخاري ص ٤٦٩، كتاب الأطعمة، باب ٤١: الرطب والتمر وقول الله تعالى: (وهزي إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا)، حديث رقم ٥٤٤٣.","vol":"5","page":501},{"text":"٥ - ومنها: عظم ربوبية الله، وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول ﷺ، حيث قال تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.\nويتفرع على ذلك أن الله ﷾ سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك - لا سيما وأنه سوف يبلِّغ ما أنزل إليه من ربه.\n٦ - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين تبع للرسول (ص)؛ لقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾؛ وجه التبعية أنه ذكر ما آمن به قبل أن يذكر التابع - يعني ما قال: «آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه»، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول (ص) لا يستقلون بشريعة دونه.\n٧ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالرسول ﷺ كان أشد اتباعًا له؛ وجهه أنه تعالى قال: ﴿بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ يعني: والمؤمنون آمنوا بما أنزل على محمد ﷺ من ربه؛ وعليه فكل من كان أقوى إيمانًا كان أشد اتباعًا.\n٨ - ومنها: أن إيمان الرسول ﷺ والمؤمنين شامل لكل أصول الدين؛ لقوله تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾؛ ويبقى عندنا إشكال؛ وهو أنه ليس في الآية ذكر الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر؟ والجواب من أحد وجهين:\nأحدهما: أن يقال: إن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.\nوالوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالكتب، والرسل متضمن للإيمان باليوم الآخر، والقدر.\n٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.\n١٠ - ومنها: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق؛ لا تقول مثلًا: نؤمن بمحمد ﷺ، ولا نؤمن بعيسى لأن عيسى من بني إسرائيل؛ نحن لا نفرق بين الرسل؛ وقد سبق لنا معنى قوله تعالى: ﴿لا نفرق﴾.\n١١ - ومن فوائد الآية: أن من صفات المؤمنين السمع، والطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: ٥١، ٥٢]، وكقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: من لا يسمع، ولا يطيع؛ بل هو معرض؛ لم يرفع لأمر الله، ورسوله رأسًا.\nالقسم الثاني: من يسمع، ولا يطيع؛ بل هو مستكبر؛ اتخذ آيات الله هزوًا، كقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا فبشره بعذاب أليم﴾ [لقمان: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وعصينا﴾ [البقرة: ٩٣]؛ وهذا أعظم جرمًا من الأول.\nالقسم الثالث: من يسمع، ويطيع؛ وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، وقال الله ﷾ فيهم: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].\n١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله تعالى: ﴿غفرانك﴾؛ فكل إنسان محتاج إلى مغفرة - حتى النبي ﷺ محتاج إلى مغفرة؛ ولهذا لما قال ﷺ: «لن يُدخل الجنة أحدًا عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» (١)؛ وقال الله ﷾: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]؛ واعلم أن الإنسان قد يكون بعد\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ١١٦٩، كتاب صفات المنافقين، باب ١٧: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، حديث رقم ٧١٢٢ [٧٨] ٢٨١٨.","vol":"5","page":502},{"text":"الذنب أعلى مقامًا منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئًا للحال التي كان عليها، وماشيًا على ما هو عليه معتقدًا أنه كامل، وأن ليس عليه ذنوب؛ فإذا أذنب، وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه، فيزداد إيمانًا، ويزداد مقامًا - يرتفع مقامه عند الله ﷿؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]- فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية - ﴿فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]؛ وهذا كثيرًا ما يقع: إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه، وأنه محتاج إلى الله، ورجع إلى الله، وأحس بالخطيئة، وأكثر من الاستغفار، وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.\n١٣ - ومن فوائد الآية: تواضع المؤمنين، حيث قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا﴾، ثم سألوا المغفرة خشية التقصير.\n١٤ - ومنها: إثبات أن المصير إلى الله ﷿ في كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وإليك المصير﴾؛ وقد سبق في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة، والمصير إلى الله في الدنيا أيضًا؛ فهو الذي يحكم بين الناس في الدنيا والآخرة - كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]: هذا في الدنيا؛ والآخرة: كما قال تعالى: ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم﴾ [الممتحنة: ٣]، وقال تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ [النساء: ١٤١].\nالقرآن\n﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]\nالتفسير:\nدين الله يسر لا مشقة فيه، فلا يطلب الله مِن عباده ما لا يطيقونه، فمن فعل خيرًا نال خيرًا، ومن فعل شرًّا نال شرًّا. ربنا لا تعاقبنا إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا في فِعْل شيء نهيتنا عن فعله، ربَّنا ولا تكلفنا من الأعمال الشاقة ما كلفته مَن قبلنا من العصاة عقوبة لهم، ربنا ولا تُحَمِّلْنَا ما لا نستطيعه من التكاليف والمصائب، وامح ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأحسن إلينا، أنت مالك أمرنا ومدبره، فانصرنا على مَن جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك، وكذَّبوا نبيك محمدًا ﷺ، واجعل العاقبة لنا عليهم في الدنيا والآخرة.\nوردت في هذه الآية، والتي قبلها نصوص تدل على الفضل العظيم؛ منها (١):\n١ - أنها من كنز تحت العرش (٢).\n٢ - أنها فتحت لها أبواب السماء عند نزولها (٣).\n٣ - أنها لم يعطها أحد من الأنبياء قبل رسول الله -ﷺ- (٤).\n٤ - أن من قرأهما في ليلة كفتاه (٥).\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٣ وما بعدها، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(٢) راجع أحمد ص ١٥٧١، حديث رقم ٢١٦٧٢، وص ١٥٩٠، حديث رقم ٢١٨٩٧، من حديث أبي ذر؛ قال الهيثمي: رواه أحمد بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٥)؛ وقال الساعاتي: \"وهو الذي أثبته هنا\" (الفتح الرباني ١٨/ ٩٩ – ١٠١)؛ وقال الألباني: \"إسناده صحيح على شرط مسلم\" (السلسلة الصحيحة ٣/ ٤٧١، حديث رقم ١٤٨٢)؛ ومن حديث حذيفة راجع أحمد ص ١٧٢٦، حديث رقم ٢٣٦٤٠؛ والمعجم الكبير للطبراني ٣/ ١٦٩، حديث رقم ٣٠٢٥؛ مسند أبي داود الطيالسي ص ٥٦، حديث رقم ٤١٨؛ قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧، ٣١٥)؛ وقال الألباني: \"إسناده صحيح على شرط مسلم\" (السلسلة الصحيحة ٣/ ٤٧١، حديث رقم ١٤٨٢).\n(٣) راجع مسلمًا ص ٨٠٤، كتاب صلاة المسافرين، باب ٤٣: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة ...، حديث رقم ١٨٧٧ [٢٥٤] ٨٠٦؛ لكن فيه: \"هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم ... \".\n(٤) راجع حاشية رقم ١.\n(٥) راجع البخاري ص ٣٢٧، كتاب المغازي، باب ١٢: حديث رقم ٤٠٠٨؛ ومسلمًا ص ٨٠٤، كتاب صلاة المسافرين، باب ٤٣: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة ...، حديث رقم ١٨٧٨ [٢٥٥] ٨٠٧.","vol":"5","page":503},{"text":"قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، \"أي: لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه\" (١).\nقال الزجاج: \" أي إلا قدرَ طَاقَتها، لا يكلفها فَرضًا من فُروضهِ من صَوْم أوصَلاةٍ أو صَدقَةٍ أو غير ذلك إلا بمقدار طاقتها\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" لا يكلفها إلا يسرها لا عسرها\" (٣).\nقال الطبري: \" لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها ولا يجهدها\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة، في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ أي: هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يمكن دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان\" (٥).\nوقال الزمخشري: \"أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾، لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة\" (٦).\nقال أبو حيان: \" ظاهره أنه استئناف، خبر من الله تعالى أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلاّ ما هو في وسع المكلف، ومقتضى إدراكه وبنيته، وانجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله: ﴿إِن تُبْدُوا﴾ الآية، وظهر تأويل من يقول: إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق، وهذه الآية نظير. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ \" (٧).\nقال عبد الجبّار بن العلاء العطّار: \"سئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾، فقال: إلّا يسرها لا عسرها، ولم يكلّفها طاقتها ولو كلّفها طاقتها لبلغ المجهود منها\" (٨).\nقال الثعلبي: \"وهذا قول حسن لأنّ الوسع ما دون الطاقة، فقال بعض أهل الكلام: يعني إلّا ما يسعها ويحل لها، كقول القائل: ما يسعك هذا الأمر؟ أي ما يحلّ الله لك؟ فبيّن الله تعالى أن ما كلّف عباده فقد وسعه لهم والله أعلم\" (٩).\nوالتكليف لغة\": \"مصدر كلّف، يقال: كلفه تكليفًا أي أمره بما يشق عليه\" (١٠)، وفي الاصطلاح: \"خطاب الله تعالى، المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع\" (١١).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤١.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(٣) الوسيط: ١/ ٤٠٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ١٢٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٣٣٢.\n(٧) البحر المحيط: ٢/ ٢٧٨.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٦.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٦.\n(١٠) الصحاح للجوهري: ٣/ ١١٧٧.\n(١١) الوجيز في أصول التشريع: ٩٩. قال القرطبي: وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة ﵁ قال: ما وددت أن أحدا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعته يوما وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثارة، فشقه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرُّب وهو يقول:\nما كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد\".\n[تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠، والمراد بالبيت: \"أن العراقة في الجود لاتفيد الجواد، إذا لم يجد ما يجود به\". لم أتعرف على قائل البيت، والبيت ورد في يتيمة الدهر: ٣/ ١٠٤، والعقد الفريد: ٣/ ٤٣، وزهر الأكم: ٢/ ٢٦٥، ومجاني الأدب: ٢/ ٧٧، والمستطرف للأبشيهي: ٢٠٧، ورواية البيت فيه:\nلا كلَّف اللهُ نفسًا فوقَ طاقتِها ... ولا تجودُ يدٌ إلا بما تجدُ\nفلا تعِدْ عدةً إلَّا وَفيت بها ... واحذرْ خلافَ مقالٍ للذي تعِدُ].","vol":"5","page":504},{"text":"والوسع: \"اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عنه\" (١).\nقال الفراء: (والوسع): \"اسم في مثل معنى الوجد والجهد. ومن قال في مثل الوجد: الوجد، وفي مثل الجهد: الجهد قال في مثله من الكلام: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ولو قيل: (وَسِعَها) لكان جائزا، ولم نسمعه\" (٢).\nوقد تعددت أقوال السادة أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على وجوه:\nأحدها: ما أخرجه الطبري: \" عن ابن عباس قوله: \" ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] \" (٣). وروي عن الحسن (٤) مثل ذلك.\nقال الواحدي: \" وهذا أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، وذلك أن الوُسع دون الطاقة، والله تعالى كلفنا دون طاقتنا تفضلًا منه\" (٥).\nوالثاني: وقيل: \"وسعها، طاقتها، وكان حديث النفس مما لم يطيقوا\". قاله السدي (٦).\nوالثالث: ما أخرجه ابن أبي حاتم: \"عن سفيان: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، قال: في شأن النفقة إلا ما استطاعت\" (٧).\nقلت: وتلك المعاني متقاربة، تدور حول تفضله ﷾ على عباده ألا يكلف نفسًا إلا وسعها.\nكما وذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، وجوها:\nأحدها: ﴿إلا وسعها﴾: أي: \"إلا ما عملت لها\". قاله الشعبي (٨).\nوالثاني: يعني: \"لم يكلفوا من العمل ما لم يطيقوا\". قاله كعب القرظي (٩)، وروي عن ابن حيان وأبي مالك والسدي وقتادة وزيد بن أسلم، نحو ذلك (١٠).\nوالثالث: وقيل يعني: في نفقة الرجل على أهله، ليس لها إلا ما وجد. روي نحوه عن عمر بن عبدالعزيز (١١).\n_________\n(١) الوسيط للواحدي: ١/ ٤٠٩.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ١٨٨. هو قراءة ابن أبى عبلة، كما سيأتي.\n(٣) تفسير الطبري (٦٥٠٢): ص ٦/ ١٣٠، وابن أبي حاتم (٣٠٨٠): ص ٢/ ٥٧٧، وعزاه في \"الدر\" ٢/ ١٣٣ إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٦٧.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٨٢): ص ٢/ ٥٧٧.\n(٥) التفسير البسيط: ٤/ ٥٣٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٦٥٠٤): ص ٦/ ١٣٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٨١): ص ٢/ ٥٧٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٨٣): ص ٢/ ٥٧٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٨٤): ص ٢/ ٥٧٨.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٧٨.\n(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٨٥): ص ٢/ ٥٧٨.","vol":"5","page":505},{"text":"والرابع: وقيل يعني: ﴿وسعها﴾ في \"أداء الفرائض\". قاله سفيان الثوري (١).\nوقد ذكر الماوردي في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، وجهين (٢).\nأحدهما: وعدٌ من الله ورسوله وللمؤمنين بالتفصل على عباده ألا يكلف نفسًا إلا وسعها. روي\nوالثاني: أنه إخبار من النبي (ﷺ) ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء\nعليه، بأنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.\nقال الثعلبي: \" وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة الشامي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وَسِعَها﴾، بفتح الواو وكسر لسين على الفعل، يريد: إلّا وسعها أمره، أو أراد إلّا ما وسعها فحذف (ما) \" (٣).\nقال الواحدي: \" وتقول القدرية: إن الله تعالى أخبر أنه لا يكلف العبد إلا ما يسعه، وإذا كلفه الإيمان وقضى عليه الكفرَ فقد كَلَّفَهُ ما لا يسعه، فيقال لهم: يلزمكم مثلُ هذا في العِلْم، لأنكم توافقوننا على أن الله تعالى إذا سبق في مَعْلُومه أن فلانًا يموت كافرًا فلا سبيل له إلى تبديل معلومه، فإذا كلفه الإيمان فقد كلفه ما لا يطيق، وهذا معنى قول الشافعي، ﵁: إذا سلمت لنا القدرية العلم خُصموا\" (٤) \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي لها\" ما عملت من خير\" (٦).\nقال قتادة: \" أي: من خير\" (٧). وروي عن ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، ومحمد بن كعب القرظي (١٠)، مثل ذلك.\nقال الواحدي: \" من العمل بالطاعة\" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي للنفس ما عملت من الخير والعمل الصالح، لها أجره وثوابه\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" ينفعها ما كسبت من خير .. ولا يثاب غيرها بطاعتها\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: \" أي ما عملت من خير، لا ينقص منه شيء\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: وعليها\" ما عملت من شر\" (١٥).\nقال قتادة: \" أي: من شر - أو قال: من سوء\" (١٦). وروي عن ابن عباس (١٧)، والسدي (١٨) مثل ذلك.\nقال الواحدي: \" من العمل بالإثم\" (١٩)، \" أي: لا يؤاخَذ أحد بذنب غيره\" (٢٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٨٥): ص ٢/ ٥٧٨.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٤) قول الشافعي، ذكره العز بن عبد السلام في \"قواعد الأحكام في مصالح الأنام\" ٢/ ٧٦ [ط. دار الكتب العلمية]. وابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" ٢٣/ ٣٤٢، وروايته: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أنكروه كفروا وإن أثبتوه خصموا.\n(٥) التفسير البسيط: ٤/ ٥٣٣.\n(٦) تفسير الطبري: ١/ ١٣١، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(٧) أخرجه الطبري (٦٥٠٥): ص ٦/ ١٣١، وانظر الخبر (٦٥٠٨): ص ٦/ ١٣١.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٨٧): ٢/ ٥٧٨. ولفظه: \" لها ما كسبت من العمل\".\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٠٦): ص ٦/ ١٣١.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٨٨): ٢/ ٥٧٨.\n(١١) الوسيط: ١/ ٤٠٩.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٣٣٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥١ - ٤٥٢.\n(١٥) تفسير الطبري: ٦/ ١٣١.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٥٠٥): ص ٦/ ١٣١. وانظر الخبر (٦٥٠٨): ص ٦/ ١٣١.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٩٠): ص ٢/ ٥٧٩. ولفظه: \" فأنزل الله وعليها ما اكتسبت من العمل\".\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٠٦): ص ٦/ ١٣١.\n(١٩) الوسيط: ١/ ٤٠٩.\n(٢٠) التفسير البسيط: ٤/ ٥٣٤.","vol":"5","page":506},{"text":"قال الثعلبي: \" ن الشرّ بالعمل السيء عليها وزره\" (١).\nقال الزمخشري: ويضرها ما اكتسبت من شر .. ولا يؤاخذ بذنبها غيرها\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" أي ما اقترفت من إثم لا يحمله عنها أحد\" (٣).\nوقال ابن كثير: \" وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف\" (٤).\nوروي\" عن عبد الله بن عباس: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، عمل اليد والرجل واللسان\" (٥).\nوقال الزجاج: \" ومعنى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، أي لا يؤَاخذ أحدًا - بذنب غيره - كما قال - جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ \" (٦).\nقال الطبري: \"لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها\" (٧).\nوفي التفريق بين ﴿كَسَبَتْ﴾، و﴿اكْتَسَبَتْ﴾، وجهان:\nأحدهما: أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد.\nقال الواحدي: \"والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما، قال ذو الرمة (٨):\nألفى أباهُ بذاك الكسْبِ يكْتسبُ\"\" (٩).\nقال الرازي: \"والقرآن أيضًا ناطق بذلك، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِا خَطِيائَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر\" (١٠).\nوالثاني: ومن الناس من سلم الفرق، ثم فيه قولان:\nأحدهما: \"أن الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله، ولا يقال مكتسب لأهله\" (١١)، ومنه قول الجطيئة (١٢):\nأَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظلِمَةٍ ... فاغْفَر هَداكَ مَلِيكُ الناسِ يا عُمَرُ\nوالثاني: أن ﴿كسبت﴾ مستعمل في الخير خاصة، و﴿اكتسبت﴾ مستعمل في الشر خاصّة.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٦.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٣٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٦٥٠٨): ص ٦/ ١٣١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٣٦٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٣١.\n(٨) ديوانه: ٩٩، وصدره: أو مُطعم الصيد هبّالٌ لبغيته. وانظر: اللسان (هبل)، والعين: ٤/ ٥٣، وأساس البلاغة (طعم) و(هبل)، وتاج العروس (هبل)، وو\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٣٤٦، و\"الحيوان\" ٤/ ٤٧، و\"الأمثال\" للميداني ٣/ ٣٠٠، و\"تاريخ دمشق\" ٤٨/ ١٧٧.\n(٩) التفسير البسيط: ٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤.\n(١٠) مفاتيح الغيب: ٧/ ١١٨.\n(١١) مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ١١٨، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦٧، وانظر أيضًا: النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٦٣، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٤٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٤٣١، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٤٧، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٥٩، وغيرها.\n(١٢) ديوانه\" ص ٢٠٨، وفي \"الأغاني\" ٢/ ١٧٨، و\"العقد الفريد\" ٥/ ٢٥٩، و\"الكامل في الأدب\" ٣/ ١٩٣، \"خزانة الأدب\"","vol":"5","page":507},{"text":"قال ابن القيم: \"وفيه فرق أحسن من هذا وهو أن الاكتساب يستدعي التعمل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمله، وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة، حتى بالهم بالحسنة ونحو ذلك\" (١).\nوقال الزمخشري: \"فإن قلت لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمَّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال، أى لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا\" (٢).\nوقال ابن عطية: \"والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين احترازًا لهذا المعنى\" (٣).\nوقال العكبري: \"وقال آخرون: اكتسب: افتعل يدل على شدة الكلفة، وفعل السيئة شديد لما يؤول إليه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: \"لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان\" (٥).\nقال ابن زيد: \" إن نسينا شيئا مما افترضته علينا\" (٦).\nقال الواحدي: أي \" لا تعاقبنا إن تركنا شيئا من اللازم لنا\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك\" (٨).\nقال القرطبي: \" يعني: إن جهلنا\" (٩).\nقال الثعلبي: \" قال أهل المعاني: وإنّما خرج على لفظ المفاعلة وهو فعل واحد لأنّ المسيء قد أمكر وطرق السبيل إليها وكأنّه أعان عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به فشاركه في أخذه\" (١٠).\nوروي عن قتادة في قوله: \" ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، بلغني أن النبي ﷺ قال: إن الله ﷿ تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها\" (١١).\nوقال الحسنفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾: \"معناه: قولوا: ﴿ربنا﴾، على التعليم للدعاء\" (١٢). وقيل: \"أي: يقولون: ﴿رَبَّنَا﴾. على الخبر\" (١٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فيه تأويلان (١٤):\nأحدهما: يعني إن تناسينا أمرك. قاله الكلبي (١٥)، وذلك على مَا جاءَ عن النبي - ﷺ - \" «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١٦) (١٧).\n_________\n(١) بدائع الفوائد: ٢/ ٧٤.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٣٢.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٣٩١.\n(٤) إملاء ما من به الرحمن: ١/ ١٢٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٦٥٠٩): ص ٦/ ١٣٢.\n(٧) الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٥١٠): ص ٦/ ١٣٢. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢: ١٤٦، ١٤٧).\n(١٢) نقله عنه الواحدي في: الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(١٣) التفسير البسيط: ٤/ ٥٣٤.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٤، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٠.\n(١٥) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٧، ولفظه: \"كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا ممّا أمروا به وأخطئوا، عجّلت لهم العقوبة فيحرّم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله تعالى نبيّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك\".\n(١٦) أخرجه البخاري في ٤٥٥، كتاب الطلاق، باب ١١: الطلاق في الإغلاق والكره ...، حديث رقم ٥٢٦٩، وأخرجه مسلم ص ٦٩٩، كتاب الإيمان، باب ٥٨: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم ٣٣١ [٢٠١] ١٢٧.\nوقال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن [أي: الحديث: إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث، عن الخطأ والنسيان والاستكراه]، فقال: أجل، ما تقرأ بذلك قرآنا؟ ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ \". [أخرجه ابن أبي حاتم: (٣٠٩٢): ص ٢/ ٥٧٩].\n(١٧) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٠.","vol":"5","page":508},{"text":"والثاني: إن تركنا، من النسيان الذي هو الترك والإغفال. قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. قاله قطرب (١).\nقال الثعلبي: \"والأوّل أجود\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: \"لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب الخطأ\" (٣).\nقال الواحدي: \" أثمنا وتعمدنا الإثم\" (٤).\nقال ابن زيد: \" [فأصبنا] شيئا مما حرمته علينا\" (٥).\nقال الزجاج: \" أيْ كَسَبْنَا خطيئةً\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: الصوابَ في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي\" (٧).\nقال القرطبي: \" يعني: إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا بالنسيان والخطأ\" (٨).\nوروي \" عن ابن عباس، في قوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: لا أؤاخذكم\" (٩). وروي عن سعيد (١٠) مثل لك.\nوروي: \"عن أبي هريرة، ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: نعم\" (١١).\nواختلف في الأصل اللغوي لكلمة ﴿أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على قولين (١٢):\nأحدهما: من القصد والعمد، يقال: خطيء فلان إذا تعمّد يخطأ خطأ وخطأ، قال الله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، وأنشد أمية بن أبي الصلت (١٣):\nعبادك يخطئون وأنت ربّ ... يكفّيك المنايا والحتوم\nومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي (١٤):\nالناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد\nيعني: \"أخطأوا الصواب وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا\" (١٥).\n_________\n(١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٢٦٤.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٤) الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(٥) أخرجه الطبري (٦٥٠٩): ص ٦/ ١٣٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٣٧٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٩٣): ص ٢/ ٥٧٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٩٥): ص ٢/ ٥٧٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٩٤): ص ٢/ ٥٧٩.\n(١٢) أنظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٧. الزيادة بين القوسين، توشك أن تكون زيادة لا يستقيم بغيرها الكلام. [قول المحقق].\n(١٣) كتاب العين للفراهيدي: ٣/ ١٩٥.\n(١٤) ديوانه: ٥٤، البحتري ٢٣٦ واللسان (أمر) ورواية ديوانه: والناس يلحون الأمير إذا غوى ... خطب الصواب. . . . . . .\n(١٥) تفسير الطبري: ٦/ ١٣٤.","vol":"5","page":509},{"text":"والثاني: من الخطأ الذي هو الجهل والسهو.\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الثاني \"لأن ما كان عمدا من الذنب غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله تعالى ما لم يكن كفرا\" (١).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وجهان (٢):\nأحدهما: ما تأولوه من المعاصي بالشبهات.\nوالثاني: ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، \"\" أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز عنها\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: عهدا وميثاقا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \" لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها\" (٥).\nقال البغوي: \" أي عهدا ثقيلا وميثاقا، لا نستطيع القيام به، فتعذبنا بنقضه وتركه\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" وكرر النداء تبركًا بهذا الاسم الكريم، وتعطفًا على الله ﷾؛ لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء؛ و«الإصر» هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان من التكاليف، أو العقوبات\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: \"كما كلفت بها من قبلنا من الأمم\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" أي اليهود، والنصارى، وغيرهم\" (٩).\nقال مقاتل: \" كما حملته على اليهود والنصارى فأهلكتهم\" (١٠).\nقال البغوي: \"يعني اليهود، فلم يقوموا به فعذبتهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأخذتم على ذلكم إصري﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: عهدي\" (١١).\nقال ابن كثير: أي: \" كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح\" (١٢).\nقال القرطبي: \" وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة\" (١٣). قال البغوي: و\" يدل عليه قوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧] \" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ٣٠٧.\n(٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٤) الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٧.\n(٦) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٧.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٢): ص ٢/ ٥٨٠.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٦.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.","vol":"5","page":510},{"text":"روي \" عن ابن عباس، في قول الله: ﴿ولا تحمل علينا إصرا﴾، قال: ولا أحمل عليكم\" (١). وروي عن أبي هريرة (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، مثل ذلك.\nقال ابن سيرين: \"قال أبو هريرة، لابن عباس: ما علينا من حرج أن نزني أو نسرق؟ قال: بلى. ولكن الإصر الذي على بني إسرائيل، وضع عنكم\" (٤).\nوقال الفضيل: \" كان الرجل من بني إسرائيل، إذا أذنب، قيل له: توبتك أن تقتل نفسك، فيقتل نفسه فوضعت الآصار عن هذه الأمة\" (٥).\nواختلفت عبارات السلف والمفسرين في المراد بـ (الإصر) في الآية على أقوال:\nأحدها: أنه الثِقْل والتشديد والأمر الغليظ والعمل الشاق، قاله الربيع (٦) وابن وهب (٧)، ومالك والزجاج وأبو عبيدة وابن قتيبة والزمخشري والرازي وابن كثير والقرطبي والشوكاني وصديق خان، وهذا الأصل في معناه، قال الثعلبي: \"والأصل في هذا كله العقد والإحكام، ويقال للشيء الذي تعقد به الأشياء: الإصار\" (٨).\nالثاني: أنه العهد والميثاق، قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠) وقتادة (١١)، والسدي (١٢)، وابن جريج (١٣)، والضحاك (١٤)، والربيع (١٥)، والحسن (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧)، واختاره ابن جرير (١٨) والبغوي (١٩)، وهذا تفسير باللازم.\nالثالث: أنه الإثم والذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة، قاله ابن زيد (٢٠). قال البغوي: و\" معناه اعصمنا من مثله\" (٢١).\nالرابع: أن المراد بقوله: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَينَا إصْرً﴾ أي: لا تمسخنا قردة وخنازير، قاله عطاء (٢٢).\nوهذان الأخيران نتيجة لعدم القيام بالأمر الثقيل الذي واثقوا على القيام به (٢٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٩٦): ص ٢/ ٥٧٩.\n(٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٩٩): ص ٢/ ٥٨٠.\n(٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٧٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٠): ص ٢/ ٥٨٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠١): ص ٢/ ٥٨٠.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥٢٣): ص ٦/ ١٣٨، وابن أبي حاتم (٣٠٩٨): ص ٢/ ٥٨٠.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥٢٤): ص ٦/ ١٣٨.\n(٨) الكشف والبيان: ١/ ١٢٦،، وانظر: فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٦٠، وفتح البيان لصديق خان: ٢/ ١٦٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٦.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٥): ص ٦/ ١٣٦، و(٦٥٢٠): ص ٦/ ١٣٧، وابن أبي حاتم (٣٠٩٧): ص ٢/ ٥٨٠.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٣)، و(٦٥١٤): ص ٦/ ١٣٦.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٢): ص ٦/ ١٣٦.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٦): ص ٦/ ١٣٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٧): ص ٦/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٨): ص ٦/ ١٣٧، وأنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨٠. ذكره دون سند.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥١٩): ص ٦/ ١٣٧.\n(١٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨٠. ذكره دون سند.\n(١٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨٠. ذكره دون سند.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٣٨.\n(١٩) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥٢٢): ص ٦/ ١٣٧.\n(٢١) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(٢٢) أنظر: تفسير الطبري: (٦٥٢١): ص ٦/ ١٣٧.\n(٢٣). انظر: جامع البيان للطبري: ٦/ ١٣٥ - ١٣٨، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٣/ ١٢٣٠ - ١٢٣١، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ٢١٦ أوب، البسيط للواحدي: ١/ ١٧٢ أ، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٨٤، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ١٠٠، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٠، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٣٣ - ٣٣٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٦٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٤٧، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٣٥٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٤٠٨، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ١٥٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٤٣٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٦٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٢٣، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٩٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٦٠، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ١٦٥.","vol":"5","page":511},{"text":"وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، قال النحاس بعد ذكره لأغلبها: \"وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، أي: لا تأخذ عهدنا بما لا نقوم به إلا بثقل، أي: لا تحمل علينا إثم العهد كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]، وما أمروا به فهو بمنزلة ما أخذ عهدهم به\" (١).\nوقال ابن عطية بعد ذكره لهذه الأقوال \"والآصرة في اللغة: الأمر الرابط من ذمام أو قرابة أو عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، \" أي لا تحمّلنا ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به\" (٤).\nقال الطبري: \"وقولوا أيضًا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به، لثِقَل حمله علينا\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي من بليات الدنيا والآخرة\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \"أي لا قدرة لنا على تحمله من الأمور الشرعية، والكونية\" (٧).\nقال القرطبي: أي\" لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا، ويقال: ما تشق علينا، لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه\" (٨).\nقال الزجاج: يعني \" لا تحمل علينا أمرا يثقل كما حملته على الذين من قبلنا نحو ما مر به بنو إسرائيل من قتل أنفسهم، أي لا تمتحنا بما يثقل. [أيضا] نحو قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، والمعنى لا تمتحنا بمحنة تثقل ... فإن قال قائل - فهل يجوز أن يحمل الله أحدا ما لا يطيق؟ قيل له: إد أردت ما ليس في قدرته ألبتة فهذا محال، وإن أردت ما يثقل ويخسف فلله ﷿ أن يفعل من ذلك ما أحب، لأن الذي كلفه بني إسرائيل من قتل أنفسهم [يثقل]، وهذا كقول القائل: ما أطيق كلام فلان، فليس المعنى ليس في قدرتي أن كلمه ولكن معناه في اللغة أنه يثقل علي\" (٩).\nروي \"عن أبي هريرة: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾، قال: نعم\" (١٠). قال ابن أبي حاتم: \"وروى ابن عباس والضحاك ومحمد بن كعب والسدي، قال: يقول الله ﷿: قد فعلت وقال سعيد بن جبير: لا أحمله عليكم\" (١١).\nوقد تعددت عبارات أهل التفسير في المراد بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على وجوه:\nأحدها: أنه يعني: \" لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق\". قاله الضحاك (١٢)، وروي عن ابن زيد (١٣)، والسدي (١٤)، ومكحول (١٥)، وقتادة (١٦)، نحو ذلك.\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٣٣٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ١٣٨.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٨.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٣.\n(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٦.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٣٧١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٣): ص ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨١.\n(١٢) أخرجه الطبري (٦٥٢٦): ص ٦/ ١٣٩.\n(١٣) أخرجه الطبري (٦٥٢٧): ص ٦/ ١٣٩، ولفظه: \" لا تفترض علينا من الدّين ما لا طاقة لنا به فنعجز عنه\".\n(١٤) أخرجه الطبري (٦٥٣٠): ص ٦/ ١٣٩، وابن أبي حاتم (٣١٠٧): ص ٢/ ٥٨١. ولفظه: \"من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم\".\n(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٠٦): ص ٢/ ٥٨١. ولفظه: الإنعاظ\". أي: الأمر الشديد.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٥٢٥): ص ٦/ ١٣٨، ولفظه: \" تشديدٌ يشدِّد به، كما شدّد على من كان قبلكم\".","vol":"5","page":512},{"text":"الثاني: وقيل: هو مسخ القردة والخنازير، أي: لا تجعلنا مثلهم قردة وخنازير. قاله مقاتل بن حيان (١)، وابن جريج (٢).\nالثالث: وقيل: هو \"الغُلْمة\" (٣). قاله سالم بن شابور (٤).\nالرابع: وقيل: المراد: هو \"الغربة (٥)، والغلملة\" (٦). حكي ذلك عن مكحول (٧).\nوالخامس: وقيل: أنه الحب. قاله إبراهيم (٨).\nوالسادس: وقيل أنه العشق. حكاه البغوي عن محمد بن عبد الوهاب (٩).\nالسابع: وقيل: هو شماتة الأعداء (١٠).\nالثامن: وقيل: \"هو الفرقة والقطيعة. نعوذ بالله منها\" (١١).\nقال الرازي: إذا قيل\" لم قال في الآية الأولى لا تحمل علينا إصرا وقال في هذه الآية لا تحملنا خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل.\nفالجواب: أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدورا لا يمكن حمله، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، \"أي تجاوز عما قصرنا فيه من الواجبات\" (١٣).\nوقال ابن كثير: \" أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا\" (١٤).\nقال البغوي: \" أي تجاوز وامْحُ عنا ذنوبنا\" (١٥).\nقال ابن زيد: \" اعفُ عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به\" (١٦).\nقال الواحدي: \" أي: تجاوز عنا\" (١٧).\n_________\n(١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٠٤): ص ٢/ ٥٨١.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٥٢٨): ص ٦/ ١٣٩، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨١. ذكره دون سند.\n(٣) الغلمة: غليان شهوة المواقعة من الرجل والمرأة. [انظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨].\n(٤) أخرجه الطبري (٦٥٢٨): ص ٦/ ١٣٩.\n(٥) الغربة: النزوح عن الوطن.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٥): ص ٢/ ٥٨١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٥): ص ٢/ ٥٨١.\n(٨) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(٩) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(١٠) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(١١) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(١٢) مفاتيح الغيب: ٧/ ١٢٣.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٣.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٥٣١): ص ٦/ ١٤٠.\n(١٧) الوسيط: ١/ ٤١٠.","vol":"5","page":513},{"text":"قال القاسمي: \" أي: تجاوز عن ذنوبنا ولا تعاقبنا\" (١).\nوقال مقاتل: \"عافنا من ذلك\" (٢).\nوروي\" عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿واعف عنا﴾ قال: قد عفوت عنكم\" (٣). وروي عن أبي هريرة ومحمد بن كعب وسعيد بن جبير، نحو ذلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، \" أي تجاوز عما اقترفناه من السيئات\" (٥).\nقال الواحدي: \" أي: استر ذنوبنا\" (٦).\nقال البغوي: أي \" استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا\" (٧).\nقال ابن زيد: \" ﴿واغفر لنا﴾، إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه\" (٨).\nقال الطبري: \" واستر علينا زلَّة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة\" (١٠).\nقال القاسمي: \" أي غطّ على ذنوبنا واعف عنها\" (١١).\nروي\"عن ابن عباس، في قول الله: ﴿واغفر لنا﴾، قال: قد غفرت لكم\" (١٢). وروي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، \" أي تفضل علينا بالرحمة حتى لا نقع في فعل محظور، أو في تهاون في مأمور\" (١٤).\nقال الواحدي: \" أي: تلطف بنا\" (١٥).\nقال القاسمي: \" أي: تفضّل علينا بالرحمة مع كوننا مقصّرين مذنبين\" (١٦).\nقال البغوي: \" فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نترك معصيتك إلا برحمتك\" (١٧).\nقال الطبري: \" تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دُون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا\" (١٨).\nوقال ابن زيد قوله: \" ﴿وارحمنا﴾، قال يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا تركَ ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك\" (١٩).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٩): ص ٢/ ٥٨١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٠٨): ٢/ ٥٨١.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٣.\n(٦) الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(٨) أخرجه الطبري (٦٥٣٢): ص ٦/ ١٤١.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ١٤٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(١١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١١٠): ص ٢/ ٥٨٢.\n(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨٢.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٣.\n(١٥) الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(١٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٨.\n(١٧) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(١٨) تفسير الطبري: ٦/ ١٤١.\n(١٩) أخرجه الطبري (٦٥٣٣): ص ٦/ ١٤١.","vol":"5","page":514},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: فيما يُسْتَقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره\" (١).\nوقال القرطبي: \" ويقال: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ من المسخ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ من الخسف ﴿وَارْحَمْنَا﴾ من القذف، لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف\" (٢).\nوروي \"عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وارحمنا﴾ قال: قد رحمتكم\" (٣). وروي عن ابن عباس وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان والسدي، نحو ذلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: أنت\" ناصرنا وحافظنا وولينا\" (٥).\nقال الواحدي: \" أي: ناصرنا والذي يلي علينا أمورنا\"\" (٦).\nقال الطبري: \" أنت وَليُّنا بنصرك، دون من عَاداك وكفر بك\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك\" (٨).\nقال القرطبي: \" يعني\" ولينا وحافظنا\" (٩).\nقال القاسمي: \"أي: وليّنا وناصرنا\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" متولي أمورنا\" (١١).\nوروي عن \" أبي هريرة: فأنزل الله: ﴿وارحمنا أنت مولانا﴾، قال: نعم\" (١٢).\nقال الرازي: \" وفي قوله أنت مولانا فائدة أخرى، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قيوم السموات والأرض، والقائم بإصلاح مهمات الكل، وهو المتولي في الحقيقة للكل، على ما قال: نعم المولى ونعم النصير [الأنفال: ٤٠] ونظير هذه الآية الله ولي الذين آمنوا [البقرة: ٢٥٧] أي ناصرهم، وقوله فإن الله هو مولاه [التحريم: ٤] أي ناصره، وقوله ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [محمد: ١١] \" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، \" أي اجعل لنا النصر عليهم\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١١٢): ص ٢/ ٥٨٢.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٨٢.\n(٥) تفسير البغوي: ١/ ٣٥٨.\n(٦) الوسيط: ١/ ٤١٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٤١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٦.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٨.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٣.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١١١): ص ٢/ ٥٨٢.\n(١٣) مفاتيح الغيب: ٧/ ١٢٥.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥٣.","vol":"5","page":515},{"text":"قال الواحدي: \" في إقامة الحجة عليهم وفي غلبتنا إياهم، حتى يظهر ديننا على الدين كله كما وعدتنا\" (١).\nقال القاسمي: \" فإنّ من حق المولى أن ينصر عبده ومن يتولّى أمره على الأعداء\" (٢).\nوقال الرازي: \" أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: ليظهره على الدين كله [التوبة: ٣٣] \" (٣).\nقال الطبري: \" ﴿فانصرنا﴾، لأنا حزْبك \" على القوم الكافرين\" (٤).\nقال ابن كثير: أي انصرنا على: \" الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة\" (٥).\nوروي \" عن ابن عباس، في قوله: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾، قال: قد نصرتم على القوم الكافرين\" (٦). وروي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والضحاك، نحو ذلك (٧).\nوروي عن معاذ أن معاذًا، ﵁، كان إذا فرغ من هذه السورة: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾، قال: آمين\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بيان رحمة الله ﷾ بعباده، حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه؛ ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل.\nفإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون؟ وما الفائدة بأن يأمرهم بشيء لا يستطيعونه؟\nفالجواب: أن الفائدة أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون، وعجزوا عاقبهم على ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة؛ ولها نظائر في القرآن، وكذلك في السنة.\n٢ - ومن فوائد الآية: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل العلم؛ وهي: لا واجب مع العجز؛ ولا محرم مع الضرورة؛ لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم يكن له بدل سقط؛ وإن عجز عن بدله سقط؛ مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضًا - مثال ذلك: شخص محبوس مكبل لا يستطيع أن يتوضأ، ولا أن يتيمم: فإنه يصلي بلا وضوء، ولا تيمم؛ مثال آخر: رجل قتل نفسًا معصومة خطأً: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع سقطت الكفارة؛ مثال ثالث: رجل جامع زوجته في نهار رمضان: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينًا؛ فإن لم يجد فلا شيء عليه.\nومثال سقوط التحريم مع الضرورة: رجل اضطر إلى أكل الميتة بحيث لا يجد ما يسد رمقه سوى هذه الميتة: فإنه يحل له أكلها؛ وهل له أن يشبع؛ أو يقتصر على ما تبْقى به حياته؟\n_________\n(١) الوسيط: ١/ ٤١٠، نقله عن الزجاج، انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٧١.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٤٨.\n(٣) مفاتيح الغيب: ٧/ ١٢٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ١٤١ - ١٤٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٣٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١١٣): ص ٢/ ٥٨٢، والطبري (٦٥٤٠): ص ٦/ ١٤٥. ولفظه: \": \" ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ إلى قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾، قال: قد غفرت لكم، ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، إلى قوله: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾،، قال: لا أؤاخذكم، ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا﴾، قال: لا أحمل عليكم، إلى قوله: ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾، إلى آخر السورة، قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم، ورحمتكم، ونصرُتكم على القوم الكافرين\".\n(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨٢.\n(٨) أخرجه الطبري (٦٥٤١): ص ٦/ ١٤٦.","vol":"5","page":516},{"text":"والجواب: إن كان يرجو أن يجد حلالًا عن قرب فيجب أن يقتصر على ما يسد رمقه؛ وإن كان لا يرجو ذلك فله أن يشبع، وأن يتزود منها - وأن يحمل معه منها - خشية أن لا يجد حلالًا عن قرب.\nومعنى الضرورة أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم؛ وأن ضرورته تندفع به - فإن لم تندفع فلا فائدة؛ مثال ذلك: رجل ظن أنه في ضرورة إلى التداوي بمحرم؛ فأراد أن يتناوله: فإنه لا يحل له ذلك لوجوه:\nالأول: أن الله حرمه؛ ولا يمكن أن يكون ما حرمه شافيًا لعباده، ولا نافعًا لهم.\nالثاني: أنه ليس به ضرورة إلى هذا الدواء المحرم؛ لأنه قد يكون الشفاء في غيره، أو يشفى بلا دواء.\nالثالث: أننا لا نعلم أن يحصل الشفاء في تناوله؛ فكم من دواء حلال تداوى به المريض ولم ينتفع به؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحبة السوداء: «إنها شفاء من كل داء إلا السام - يعني الموت» (١)؛ فهذه مع كونها شفاءً لا تمنع الموت؛ ولذلك لو اضطر إلى شرب خمر لدفع لقمة غص بها جاز له ذلك، لأن الضرورة محققة، واندفاعها بهذا الشرب محقق.\nالخلاصة الآن: أخذنا من هذه الآية الكريمة: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ قاعدتين متفقًا عليهما؛ وهما:\nأ - لا واجب مع العجز.\nب - ولا محرم مع الضرورة.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وعليها ما اكتسبت﴾.\nإذا قال قائل: ما تقولون في قول النبي ﷺ: «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢)؟\nفالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولًا اقتدى الناس به؛ فكان اقتداؤهم به من آثار فعله؛ ولما كان هو المتسبِّب، وهو الدال على هذا الفعل كان مكتسبًا له.\n٤ - ومنها: يسر الدين الإسلامي؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسها إلا وسعها﴾.\nويتفرع على هذا أن يختلف الناس فيما يلزمون به؛ فالقادر على القيام في الفريضة يلزمه القيام؛ والعاجز عن القيام يصلي قاعدًا؛ والعاجز عن القعود يصلي على جنب؛ وكذلك القادر على الجهاد ببدنه يلزمه الجهاد ببدنه إذا كان الجهاد فرضًا؛ والعاجز لا يلزمه؛ وكذلك القادر على الحج ببدنه وماله يلزمه أداء الحج ببدنه، والعاجز عنه ببدنه عجزًا لا يرجى زواله القادر بماله يلزمه أن ينيب من يحج عنه؛ والعاجز بماله وبدنه لا يلزمه الحج.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله تعالى: ﴿إلا وسعها﴾؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العلم، والفهم، والحفظ، فيكلف بحسب طاقته.\n٦ - ومنها: أن للإنسان ما كسب دون أن ينقص منه شيء، كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾ [طه: ١١٢].\n٧ - ومنها: أن الأعمال الصالحة كسب؛ وأن الأعمال السيئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لها﴾، ومن قوله تعالى: ﴿عليها﴾؛ فإن «على» ظاهرة في أنها غُرم؛ واللام ظاهرة في أنها كسب.\n٨ - ومنها: رحمة الله ﷾ بالخلق، حيث علمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إياه في قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.\n٩ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية - التي بها الخلق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثر الأدعية في القرآن مصدرة بوصف الربوبية، مثل: «ربنا»، ومثل: «ربِّ».\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ٤٨٧، كتاب الطب، باب ٧: الحبة السوداء، حديث رقم ٥٦٨٧؛ وأخرجه مسلم ص ١٠٧٠، كتاب السلام، باب ٢٩: التداوي بالحبة السوداء، حديث رقم ٥٧٦٦ [٨٨] ٢٢١٥.\n(٢) أخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ٢٠: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ...، حديث رقم ٢٣٥١ [٦٩] ١٠١٧.","vol":"5","page":517},{"text":"١٠ - ومنها: رفع المؤاخذة بالنسيان، والجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (١)؛ ولا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب؛ فمن ترك الواجب نسيانًا، أو جهلًا، وجب عليه قضاؤه، ولم يسقط الطلب به؛ ولهذا قال النبي - صلوات الله وسلامه عليه: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» (٢)؛ ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته قال له: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ» (٣)؛ ولم يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا؛ إذًا فعدم المؤاخذة بالنسيان، والجهل لا يسقط الطلب؛ وهذا في المأمورات ظاهر؛ أما المنهيات فإن من فعلها جاهلًا، أو ناسيًا فلا إثم عليه، ولا كفارة؛ مثال ذلك: لو أكل وهو صائم ناسيًا فلا إثم عليه؛ لقول النبي ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه» (٤)؛ وكذلك لو أكل وهو صائم جاهلًا فإن صومه صحيح سواء كان جاهلًا بالحكم، أو بالوقت؛ لأن أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله (ص) يومَ غيم، ثم طلعت الشمس» (٥)؛ ولم يؤمروا بالقضاء؛ ولكن لو فعل المحرم عالمًا بتحريمه جاهلًا بما يترتب عليه لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب على فعله؛ مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو يجب عليه الصوم عالمًا بالتحريم - لكن لا يعلم أن عليه الكفارة: فإنه آثم، وتجب عليه الكفارة؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، هلكت قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم» (٦)؛ فألزمه النبي ﷺ بالكفارة (٢)؛ لأنه كان عالمًا بالحكم بدليل قوله: «هلكت».\nفإن قال قائل: «قد ذكرتم أن المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان»، فما الفائدة من عذره الجهل؟\nفالجواب: أن الفائدة عدم المؤاخذة؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه محرم يعلم به لكان آثمًا؛ لأنه كالمستهزئ بالله ﷿ وآياته، حيث يعلم أن هذا محرم، فيتقرب به إلى الله.\n١١ - ومن فوائد الآية: أن فعل الإنسان واقع باختياره؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾؛ فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: «إنه لا اختيار للعبد فيما فعل»؛ وبيان مذهبهم، والرد عليهم بالتفصيل مذكور في كتب العقائد.\n١٢ - ومنها: أن النسيان وارد على البشر؛ والخطأ وارد على البشر؛ وجهه: قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (٧)؛ وهذا إقرار من الله ﷾ على وقوع النسيان، والخطأ من البشر.\nفإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله ﷾ يجعل البشر ينسى، ويخطئ؟\nفالجواب: ليتبين للإنسان ضعفه، وقصوره: ضعفه في الإدراك، وضعفه في الإبقاء، وفي كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم، والذاكرة، وما أشبه ذلك؛ وليعرف الإنسان افتقاره إلى الله ﷿ في دعائه في رفع النسيان، والجهل عنه؛ فيلجأ إلى الله ﷿، فيقول: «رب علمني ما جهلت، وذكرني ما نسيت»، وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٦٩٩، كتاب الإيمان، باب ٥٧، بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس ...، حديث رقم ٣٣٠ [٢٠٠] ١٢٦.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٤٨، كتاب مواقيت الصلاة، باب ٣٧: من نسي صلاة فليصلها ...، حديث رقم ٥٩٧، وأخرجه مسلم ص ٧٨٥، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٥٥: قضاء الصلاة الفائتة ...، حديث رقم ١٥٦٦ [٣١٤] ٦٨٤.\n(٣) أخرجه البخاري ص ٦٠، كتاب الأذان، باب ٩٥: وجوب القراءة للإمام والمأموم ...، حديث رقم ٧٥٧؛ وأخرجه مسلم ص ٧٤٠، كتاب الصلاة، باب ١١؛ وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ...، حديث رقم ٨٨٥ [٤٥] ٣٩٧.\n(٤) أخرجه مسلم ص ٨٦٣، كتاب الصيام، باب ٣٣: أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، حديث رقم ٣٧١٦ [١٧١] ١١٥٥.\n(٥) أخرجه البخاري ص ١٥٣، كتاب الصوم، باب ٤٦: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، حديث رقم ١٩٥٩.\n(٦) أخرجه البخاري ص ١٥١، كتاب الصوم، باب ٣٠: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء ...، حديث رقم ١٩٣٦.\n(٧) أخرجه مسلم ص ٦٩٩، كتاب الإيمان، باب ٥٧، بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس ...، حديث رقم ٣٣٠ [٢٠٠] ١٢٦.","vol":"5","page":518},{"text":"١٣ - ومن فوائد الآية: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها مَنْ قبلنا؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (١).\n١٤ - ومنها: أن من كان قبلنا مكلفون بأعظم مما كلفنا به؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا﴾؛ مثال ذلك: قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل: لن تقبل توبتكم حتى تقتلوا أنفسكم - أي يقتل بعضكم بعضًا؛ قيل: أنهم أمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم سكينًا، أو خنجرًا، وأن يطعن من أمامه سواء كان ابنه، أو أباه، أو عمه، أو أخاه، أو غيرهم؛ وهذا لا شك تكليف عظيم، وعبء ثقيل؛ أما نحن فقيل لنا - حتى في الشرك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانًا * إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].\n١٥ - ومن فوائد الآية: أن ينبغي للإنسان أن يسأل الله ﷾ العافية، فلا يُحَمِّلُه ما لا طاقة له به؛ ففيه رد على الصوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده؛ وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه لنكسب أجرًا.\n١٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات؛ فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ لقوله تعالى: ﴿واعف عنا﴾؛ وسؤالُ الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لقوله تعالى: ﴿واغفر لنا﴾؛ لأن الإنسان إن لم يُغفر له تراكمت عليه الذنوب، ورانت على قلبه، وربما توبقه، وتهلكه.\n١٧ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره؛ فيعفو عما مضى، ويغفر؛ ويرحم في المستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وارحمنا﴾؛ وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاث: طلب العفو عن التفريط في الطاعات؛ والاستغفار عن فعل المحرمات؛ والرحمة فيما يستقبله الإنسان من زمنه - أن الله يرحمه، ويوفقه لما فيه مصلحته.\n١٨ - ومنها: أن المؤمن لا وليّ له إلا ربه؛ لقوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾؛ وولاية الله نوعان: خاصة، وعامة؛ فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿والله ولي المؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿إن وليّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ والعامة: ولايته لكل أحد؛ فالله ﷾ ولي لكل أحد بمعنى أنه يتولى جميع أمور الخلق؛ مثاله قوله تعالى: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠].\n١٩ - ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بما يقتضي الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾ بعد أن ذكر الدعاء في قوله تعالى: ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾.\n٢٠ - ومنها: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ﷿ في النصرة على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾؛ والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة، والبيان؛ وكذلك بالسيف، والسلاح؛ وأما السيف، والسلاح فظاهر؛ وأما الحجة، والبيان فقد يجتمع كافر، ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة فإن لم ينصر الله المسلم خُذل، وكان في ذلك خُذلان له، وللدين الذي هو عليه؛ وهذا النوع من النصر يتعين في المنافقين؛ لأن المنافق لا يجاهَد بالسيف، والسلاح؛ لأنه يُظهر أنه معك؛ ولهذا لما استؤذن الرسول ﷺ في قتل المنافقين قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص ٦٩٩، كتاب الإيمان، باب ٥٧، بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس ...، حديث رقم ٣٣٠ [٢٠٠] ١٢٦.\n(٢) أخرجه البخاري ص ٤٢٠، كتاب التفسير، باب ٥: قوله تعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم) الآية، حديث رقم ٤٩٠٥، وأخرجه مسلم ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة، باب ١٦: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، حديث رقم ٦٥٨٣ [٦٣] ٢٥٨٤.","vol":"5","page":519},{"text":"وبعد أقول كما قال الرازي: \"إلهي وسيدي، كل ما طلبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك، يا من لا يبرمه إلحاح الملحين، ولا يشغله سؤال السائلين\" (١).\nوهذا آخر الكلام في تفسير هذه السورة، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلم.\n\n------------------------------------------------------\nانتهى المجلد الخامس من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد السادس بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة آل عمران.\n\nفهرست المجلد الخامس\nالموضوع ... الصفحة\n﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]\n﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]\n﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٧/ ١٢٥.","vol":"5","page":520},{"text":"تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]\n﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]\n﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]\n﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧]\n﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]\n﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [البقرة: ٢٣٩]\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]\n﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ [البقرة: ٢٤٢]\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة: ٢٤٤]\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ","vol":"5","page":521},{"text":"لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦]\n﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]\n﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨]\n﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩]\n﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]\n﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١]\n﴿ِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾) [البقرة: ٢٥٢]\n﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]\n﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]\n﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]\n﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]","vol":"5","page":522},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨]\n﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]\n﴿َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢]\n﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤]\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]\n﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة: ٢٦٦]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]\n﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨]\n﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]\n﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا","vol":"5","page":523},{"text":"لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠]\n﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١]\n﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢]\n﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣]\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]\n﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]\n﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]","vol":"5","page":524},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]\n﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]\n﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]\n﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]","vol":"5","page":525},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء السادس\nسورة آل عمران الآية (١ - ٢٠٠)\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"6","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"6","page":2},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"6","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>تفسير سورة آل عمران</span>\nوهي مدنية: مائتا آية، أو إلا آية، ولهذه السورة عدة تسميات (١):\nأحداها: آل عمران، سميت بذلك لأن اصطفاء آل عمران، وهم عيسى ويحيى ومريم وأمها، نزل فيه منها ما لم ينزل في غيره. إذ هو بضع وثمانون آية، وقد جعل هذا الاصطفاء دليلا على اصطفاء نبينا محمد ﷺ وجعله متبوعا لكل محب لله ومحبوب له.\nوالثاني: الزهراء: وتسمى بذلك، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى ﵇.\nوالثالث: الأمان، لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأنه.\nالرابع: الكنز، لتضمنها الأسرار العيسوية.\nالخامس: المجادلة، لنزول نيّف وثمانين آية منها في مجادلة رسول الله ﷺ نصارى نجران.\nالسادس: سورة الاستغفار، لما فيها من قوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: ١٧].\nالسابع: طيبة، لجمعها من أصناف الطيبين في قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ ... [آل عمران: ١٧]. إلى آخره، والمراد بعمران هو والد مريم، أم عيسى ﵉، كما يأتي التنويه به في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>سبب النزول:</span>\nأخرج الطبري وابن أبي حاتم (٣) عن الربيع: أن \"النصارى أتو النبي ﷺ، فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا: من أبوه؟ فقالوا على الله الكذب والبهتان، لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، فقال لهم النبي ﷺ: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلأه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيء؟ قالوا: لا، قال: أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا بلى: قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيء إلا ما علم؟ قالوا لا: قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله: ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ \" (٤).\nالقرآن\n﴿الم (١)﴾ [آل عمران: ١]\nالتفسير:\nالله أعلم بمراده، والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها دون سند شرعي، واليقين بأن الله أنزلها لحكمة قد لا نعلمها.\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: تفسير المهايمي، طبعة بولاق، مصر: ١٠١.\n(٢) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٢٤): ص ٢/ ٥٨٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٥٤٤): ص ٦/ ١٥٤، واخرجه الطبري بنحوه عن جعفر بن الزبير، وفيه تسمية رؤساء وفد نجران، انظر: تفسير الطبري (٦٥٤٣): ص ٦/ ١٥١ - ١٥٤، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٧، وأسباب النزول، الواحدي: ٩٧ - ٩٨، والعجاب في بيان الاسباب: ٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨.","vol":"6","page":4},{"text":"﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ٢]\nالتفسير:\nهو الله، لا معبود بحق إلا هو، المتصف بالحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء.\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢]، \" أي لا ربَّ سواه ولا معبود بحقٍ غيره\" (١).\nقال أبو السعود: \"أي هو المستحقُّ للعبودية لا غير\" (٢).\nقال الطبري: \" خبرٌ من الله جل وعز، أخبرَ عبادَه أن الألوهية خاصةٌ به دون ما سواه من الآلهة والأنداد\" (٣).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن جابر بن زيد أنه قال: \"اسم الله الأعظم هو الله\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]، \" أي: الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون عباده\" (٥).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني الحي الَّذِي لا يموت، القيوم يعني القائم عَلَى كُلّ نفس بما كسبت\" (٦).\nقال قتادة: \"الحي: الذي لا يموت\" (٧). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٨).\nقال أبو السعود: \" معنى \"الحى\": الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، ومعنى \"القيوم\": الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظِه، ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة تحققِه بدونهما\" (٩).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه يعني: \" القائم على كل شيء\". قاله مجاهد (١٠).\nوالثاني: القيم على الخلق بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وهذا قول قتادة (١١)، وروي عن الربيع بن أنس (١٢) مثله.\nالثالث: أن المعنى: \" القائم على مكانته الذي لا يزول، وعيسى لحم ودم، وقد قضى عليه بالموت زال عن مكانه الذي يحدث به\". وهذا قول محمد بن إسحاق (١٣)، وروي عن الحسن (١٤) نحو ذلك.\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿الم اللَّهُ﴾ [آل عمران ١ - ٢]، على قولين (١٥):\nأحدهما: ﴿الم الله﴾ الميم مفتوحة والألف ساقطة. وهو القول المشهور.\nواختلف النحويون في علة فتح الميم، على قولين (١٦):\nالأول: أنها فتحت لالتقاء الساكنين. حركت إلى أخف الحركات. وهذا قول البصريين.\nوالثاني: جائِز أن يكون طرحت عليها فتحة الهمزة لأن نيةَ حروف الهجاءِ الوقف، وهذا قول الكوفيين.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ١٤٨.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٣١٢٢): ٢/ ٥٨٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٢٦): ٢/ ٥٨٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٨٦.\n(٩) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢ - ٣.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٣١٢٧): ٢/ ٥٨٦.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٣١٢٨): ٢/ ٥٨٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٢٨): ٢/ ٥٨٦.\n(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٠): ٢/ ٥٨٦.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٠): ٢/ ٥٨٦.\n(١٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢٠٠، وتفسير البيضاوي: ٢/ ٥.\n(١٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٣، وتفسير الكشاف: ٣/ ٧.","vol":"6","page":5},{"text":"قال البيضاوي: \" إنما فتح \"الميم\" في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة \"الهمزة\" عليها ليدل على أنها في حكم الثابت، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن \"الميم\" في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة \"الهمزة\" على \"الدال\" لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك الميم في لام\" (١).\nوالثاني: ﴿الم الله﴾ بتسكين الميم وقطع الألف. رواه أبوبكر عن عاصم (٢)، ورويت هذه القراءة عن الحسن، وعمرو بن عبيد، والرؤاسي، والأعمش، والبرجمي، وابن القعقاع (٣).\nومن قطع \"الألف\" فله وجهان (٤):\nأحدهما: نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء، كقول الشاعر (٥):\nلتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا\nوالثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل.\nكقول الشاعر (٦):\nإذا جاوز الاثنين سر ... فإنه بنت وتكثير الوشاة قمين\nقال الزمخشري: \" ومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم تعالى الله ابتداء وما بعده خبر\" (٧).\nوالثالث: ﴿الم الله﴾، بكسر الميم، على توهم التحريك لالتقاء الساكنين (٨)، قرأ بها أبو حيوة، ونسبها ابن عطية إلى الرؤاسي (٩)، ونسبها الزمخشري إلى عمرو بن عبيد (١٠)، وأجازه الأخفش (١١).\nوضعّفه الزجاج وقال: وهذا غلط ... لأن قبل الميم ياءً مكسورًا ما قبلها، فحقها الفتح لالتقاءِ السَّاكنين، وذلك لثقل الكسرة مع الياءِ\" (١٢).\nوالصواب: الفتح قراءة الجمهور. واختاره أبو حيان (١٣). والله أعلم.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات ألوهية الله تعالى ﷿، لقوله: ﴿اللَّهُ﴾.\n٢ - إنفراده بهذه الألوهية، لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.\n٣ - إثبات اسمين من اسماء الله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال.\n٤ - إثبات حياته وقيوميته، لأن كل اسم فإنه متضمن للصفة، وقد يتضمن امرا زائدا وهو الحكم الذي يسمى الأثر.\n٥ - أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن الله غني عما سواه، لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، وقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].\nالقرآن\n﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران: ٣]\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥.\n(٢) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٥، والبحر المحيط: ٢/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٨٣.\n(٤) انظر: الكشاف: ٣/ ٧.\n(٥) انظر: البداية والنهاية: ٧/ ٢١٩ وتاج العروس: ٣/ ٧٠.\n(٦) انظر: الصحاح: ١/ ٢٩٤.\n(٧) تفسير الكشاف: ٣/ ٧.\n(٨) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٥.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٧.\n(١٠) حكاه أبو حيان في البحر: ٢/ ٢٨٣، ولم اجده في تفسير الكشاف للزمخشري.\n(١١) حكاه عنه الزجاج في معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٣، ولم اجده في معاني القرآن للأخفش.\n(١٢) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٣.\n(١٣) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٨٣.","vol":"6","page":6},{"text":"التفسير:\nنَزَّل عيك القرآن بالحق الذي لا ريب فيه، مصدِّقًا لما قبله من كتب ورسل، وأنزل التوراة على موسى -﵇-، والإنجيل على عيسى -﵇-.\nقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، \"أي نزّل عليك يا محمد القرآن بالحجج والبراهين القاطعة\" (١).\nقال مقاتل: \"لَمْ ينزله باطلا يعني القرآن\" (٢).\nوفي معنى ﴿الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٣]، قولان:\nأحدهما: أنه خواتيم البقرة من كنز تحت العرش. قاله سعيد بن جبير (٣).\nوالثاني: أنه القرآن. وهذا قول قتادة (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، وجوه:\nإحداها: بالفصل في الذي ادعوا من الباطل. قاله محمد بن إسحاق (٥).\nوالثاني: بتصدق فيما اختلفوا فيه. عنن محمد بن إسحاق في قوله الآخر (٦).\nوالثالث: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة. ذكره الماوردي (٧).\nوالرابع: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته. ذكره الماوردي (٨).\nالخامس: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة. ذكره الماوردي (٩).\nوالسادس: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة. ذكره الماوردي (١٠).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لم قيل ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾؟ قلت: لأن القرآن نزل منجمًا، ونزل الكتابان جملة\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، قراءتان (١٢):\nإحداهما: ﴿نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، بتخفيف \"الزاي\"، ونصب \"الباء\" في ﴿الكتاب﴾، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة.\nوالثانية:: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَاب﴾، بتشديد\"الزاي\"، ورفع \"الباء\" في ﴿الكتاب﴾، وهي قراءة الباقون. ووجه هذه القراءة على معنى التكثير، \" لأن القرآن كان ينزل نجوما شيئا بعد شيء والتنزيل يكون مرة بعد مرة، وقال: (وأنزل التوراة والإنجيل) لأنهما نزلتا\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]، أي: مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة (١٤).\nقال مقاتل: \" مصدق للكتب التي كَانَتْ قبله\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣١): ص ٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٢): ص ٢/ ٥٨٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٣): ص ٢/ ٥٨٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٤): ص ٢/ ٥٨٧.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(١١) الكشاف: ١/ ٣٣٦.\n(١٢) انظر: الكشاف: ٣/ ٧.\n(١٣) الكشاف: ٣/ ٧.\n(١٤) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٤.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٢.","vol":"6","page":7},{"text":"قال الطبري: \" يعني بذلك القرآن، أنه مصدّق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رُسل الله من عنده، لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير\" (١).\nقال السعدي: أي: \" من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]، وجوه:\nأحدها: أن المعنى: مصدّقًا لما قبله من كتاب ورسول. وهذا قول مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، وجعفر بن الزبير (٦)، وري عن الحسن مثل ذلك (٧)، واختاره الطبري (٨).\nوالثاني: معناه مخبرًا بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه. قاله الماوردي (٩).\nوالثالث: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض قاله الماوردي (١٠).\nوالراجح هو القول الأول، لما يسنده من الروايات. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، أي: \"وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى\" (١١).\nقال قتادة: \" هما كتابان أنزلهما الله: التوراة والإنجيل\" (١٢).\nقال محمد بن إسحاق: \"وأنزل التوراة التي جاء بها موسى، والإنجيل الذي جاء به عيسى عليهما الصلاة والسلام\" (١٣).\nقال الصابوني: \"أي: وأنزل الكتابين العظيمين «التوراة» و«الإِنجيل» \" (١٤).\nقال القاسمي: \" والتوراة اسم عبرانيّ معناه (الشريعة). والإنجيل لفظة يونانية معناها (البشرى) أي الخبر الحسن. هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في مصنفاتهم. وقد حاول بعض الأدباء تطبيقهما على أوزان لغة العرب واشتقاقهما منها. وهو خبط. بغير ضبط\" (١٥).\nأخرج ابن أبي حاتم \" عن واثلة أن النبي ﷺ قال: \"وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان\" (١٦).\nوقرأ الحسن: ﴿الإنجيل﴾، بفتح \"الهمزة\" (١٧)، قال الزمخشري: \" وهو دليل على العجمة، لأن \"أفعي\"ل - بفتح الهمزة - عديم في أوزان العرب\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ١٦٠.\n(٢) تفسير السعدي: ١٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٥٥٤)، و(٦٥٥٥): ص ٦/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٥٥٧): ص ٦/ ١٦١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٥٥٨): ص ٦/ ١٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٥٥٦): ص ٦/ ١٦١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٦): ص ٢/ ٥٨٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٦٠.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ١٦١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٣٨): ص ٢/ ٥٨٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي ٩ حاتم (٣١٣): ص ٢/ ٥٨٨.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٤.\n(١٦) تفسير ابن أبي حاتم (٣١٣٧): ص ٢/ ٥٨٧، ومسند احمد: ٤/ ١٠٧.\n(١٧) انظر: الكشاف: ١/ ٣٣٥.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.","vol":"6","page":8},{"text":"الفوائد:\n١ - إثبات علو الله، لقوله تعالى: ﴿نزّل﴾، و﴿أنزل﴾، والنزول لايكون إلا من الأعلى.\n٢ - ومنها: أن القرآن الكريم منزل، قال تعالى: ﴿نزّل عليك﴾، ومجرد كونه منزلا لايستلزم ألا يكون مخلوقا، لأن الله قد ينزل المخلوق، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلاما يستلزم ألا يكون مخلوقا، لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة.\nنستنتج بأن القرآن غير مخلوق لكونه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.\n٣ - فضل رسول الله –ﷺ- وميزته، لقوله تعالى: ﴿نزّل عليك الكتاب بالحق﴾، فأنزل القران الى الرسول مباشرة وبواسطته الينا، إذ بلّغه الينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.\n٤ - أن القرآن مشتمل على الحق، لقوله: ﴿بالحق﴾، فقد جاء بالحق ونزل به، قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥]، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].\n٥ - فضيلة القرآن لوصفه بالحق نزولا وتضمنا، ولوصفه بالتصديق لما بين يديه.\n٦ - جواز التعبير بالمجاز، لقوله تعالى ﴿لما بين يديه﴾، لأن الكلمة دلت على معناها في سياقها.\n٧ - أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق، لقوله:: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، والإشارة أنهما نسخا بالقرآن، كما قال في سورة المائدة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].\nالقرآن\n﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ [آل عمران: ٤]\nالتفسير:\nمن قبل نزول القرآن; لإرشاد المتقين إلى الإيمان، وصلاح دينهم ودنياهم، وأنزل ما يفرق بين الحق والباطل. والذين كفروا بآيات الله المنزلة، لهم عذاب عظيم. والله عزيز لا يُغَالَب، ذو انتقام بمن جحد حججه وأدلته، وتفرُّده بالألوهية.\nقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ٤]، أي: \"من قبل هذا القرآن\" (١).\nقال الطبري: \" من قبل الكتاب الذي نزله عليك\" (٢).\nقال الصابوني: \" من قبل إِنزال هذا القرآن \" (٣).\nوقوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، والمعنى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن (٤).\nقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٤]، أي: \"هدى للناس من الضلال\" (٥).\nقال الشعبي: \" هدى من الضلالة\" (٦).\nقال قتادة: \" بيان من الله\" (٧).\nوعن قتادة ايضا: \" عصمة لمن أخذ به، وصدق به، وعمل بما فيه\" (٨).\nقال الثعلبي: \" هاد لمن تبعه\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ١٤٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ١٦١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٤) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٥.\n(٥) تفسير السعدي: ١٢١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٤٠): ص ٢/ ٥٨٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٤١): ص ٢/ ٥٨٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٤٢): ص ٢/ ٥٨٨.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩.","vol":"6","page":9},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: في زمانهما\" (١).\nقال الصابوني: أي: \" هداية لبني إِسرائيل\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"بيانًا للناس من الله فيما اختلفوا فيه من توحيد الله وتصديق رسله، ونَعْتِيك يا محمد بأنك نبيّى ورسولى، وفي غير ذلك من شرائع دين الله\" (٣).\nقال ابن عطية: \"وقال ابن فورك: التقدير هنا: هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٥]، أي: وأنزل ما فرق بين الحق والباطل (٥).\nقال مقاتل: \" يعني القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان: يعني به المخرج في الدين من الشبهة والضلالة، فيه بيان كل شيء يكون إلى يوم القيامة نظيرها في الأنبياء ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان (٦) يعنى المخرج من الشبهات وفى البقرة\" (٧).\nقال الطبري: \" وأنزل الفصْل بين الحق والباطل فيما اختلفت فيه الأحزابُ وأهلُ الملل في أمر عيسى وغيره\" (٨).\nقال النسفي: \" أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل\" (٩).\nقال ابن كثير: \"وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته\" (١١).\nوفي تفسير ﴿الْفُرْقَانَ﴾ في هذه الآية وجوه:\nأحدها: أنه القرآن. فرق بين الحق والباطل، قاله الربيع (١٢). وروي عن عطاء ومجاهد ومقسم وقتادة ومقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان (١٣) نحو ذلك (١٤)، وهو قول الجمهور.\nقال أهل العلم: وإنما كرر ذكر \"القرآن\" بما هو نعت له، ومدح له، من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله\" (١٥).\nوقال الرازيّ: \"أو يقال إنه تعالى أعاد ذكره ليبيّن أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل\" (١٦). وعلى هذا التقدير فلا تكرار.\nوالثاني: أنه خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. قاله سعيد بن جبير (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ١٦١ - ١٦٢.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٩.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٧٥، ومعاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٤٣، وتفسير البغوي: ٢/ ٦.\n(٦) سورة الأنبياء: ٤٨ وتمامها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ١٦٢.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ١٤٨.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥.\n(١١) تفسير السعدي: ١٢١.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٤٥): ص ٢/ ٥٨٨.\n(١٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٢٦.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٤٥)، و(٣١٤٦): ص ٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩. قاله دون ذكر السند.\n(١٥) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٥.\n(١٦) مفاتيح الغيب: ٧/ ١٣٣.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٤٤): ص ٢/ ٥٨٨.","vol":"6","page":10},{"text":"والثالث: أنه التوراة. قاله أبو صالح (١). ورده ابن كثير؛ نظرا لتقدم ذكر التوراة (٢).\nوالرابع: أنه كتاب بحق. قاله الحسن (٣).\nوالخامس: أنه الزبور. كما قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُادَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] (٤).\nوالسادس: أن في الآية تقديم وتأخير تقديره: \"وأنزل التوراة والانجيل والفرقان فيه هدى للناس\". قاله السدي (٥).\nالسابع: يريد به جميع الكتب، لأنه فرّق فيها بين الحق والباطل. قاله ابن باس في رواية عطاء عنه (٦).\nقال الزمخشري: أنه \"جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل\" (٧).\nواختلف في سبب تسمية القرآن بـ ﴿الفرقان﴾ على أقوال (٨):\nأحدها: أنه سمي بذلك، لأنه فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى ﵇، الذي جادل فيه الوفد. قاله محمد بن جعفر (٩)، وأبو سليمان الدمشقي (١٠).\nالثاني: أنه فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه. قاله قتادة والربيع وغيرهما (١١).\nالثالث: \"أن الْفُرْقانَ هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب. حكاه ابن عطية عن بعض المفسرين (١٢).\nقال ابن عطية: \" والْفُرْقانَ يعم هذا كله\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٥]، أي: إن الذين جحدوا بها وأنكروها، وردّوها بالباطل، لهم عذاب شديد يوم القيامة (١٤).\nقال الربيع بن أنس: \" يعني: النصارى\" (١٥).\nقال السدي: \" قوله: ﴿بآيات الله﴾، بمحمد ﷺ\" (١٦).\nقال الطبري: \" إنّ الذين جحدوا أعلام الله وأدلته على توحيده وألوهته، وأن عيسى عبدٌ له، واتخذوا المسيح إلهًا وربًّا، أو ادَّعوه لله ولدًا، لهم عذاب من الله شديدٌ يوم القيامة\" (١٧).\nقال الصابوني: أي: \"جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل، لهم عذاب عظيم أليم في الآخرة\" (١٨).\nقال القاسمي: \" وهذا الوعيد. جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان، وزجرا عن العصيان\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٤٨): ص ٢/ ٥٨٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٤٧): ص ٢/ ٥٨٩.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٨٧، والكشاف: ١/ ٣٣٦.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٥٠.\n(٦) انظر: التفسير البسيط، الواحدي: ٥/ ٢٩، ولم لأقف على مصدر هذه الرواية فيما توفرت عندي من المصادر.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٣٦.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٩.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٩.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٥٠.\n(١١) نظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٩٩.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٩.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٩.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٦.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٤٩): ص ٢/ ٥٨٩.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٥٠): ص ٢/ ٥٨٩.\n(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٦٤.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧. [بتصرف بسيط].\n(١٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٥.","vol":"6","page":11},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤]، وجهان من التفسير (١):\nأحدهما: بدلائله وحججه.\nوالثاني: بآيات القرآن، قال ابن عباس: \"يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله - ﷺ – لمحاجّته\" (٢).\nوالراجح أنه\"عام داخل فيه من نزلت الآيات بسببهم، وهم نصارى وفد نجران\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٥]، \" أي غالب على أمره لا يُغلب، منتقم ممن عصاه\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: [ينتقم] ممن كفر به، لأن ذكر الكافرين جرى ههنا\" (٥).\nقال القاسمي: \" وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يغالب يفعل ما يشاء ذُو انْتِقامٍ أي معاقبة\" (٦).\nقال محمد بن جعفر: \" أي: إن الله منتقم ممن كفرَ بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها\" (٧).\nقال ابن عطية: \" والنقمة والانتقام، معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك\" (٨).\nقال البيضاوي: \" وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يمنع من التعذيب. ذُو انْتِقامٍ لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم ... وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر، وزجرًا عن الإعراض عنه\" (٩).\nقال الزمخشري: \" انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ [آل عمران: ٤] وجهان (١١):\nأحدهما: في امتناعه.\nالثاني: في قدرته.\nالفوائد:\n١ - إثبات الحكمة لله تعالى في احكامه الشرعية كما تثبت في احكامه الكونية، لقوله: ﴿هدى للناس﴾.\n٢ - أن هداية القرآن نوعان: عامة بمعنى الدلالة عامة، مثل قوله تعالى: ﴿هدى للناس﴾، وهداية خاصة بمعنى التوفيق والاهتداء، مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\n٣ - أن الكتب كلها فرقان تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المرمن والكافر، وبين الضار والنافع، فإن الكتب تفرقه.\n٤ - بيان عقوبة الكافر وهي العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر تستلزم التحذير من الكفر.\n٥ - الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل، لأنه إذا ذكر عقوبة الضد، فإن ضده تثبت له ضد تلك العقوبة.\n٦ - إثبات اسم من أسماء الله، وهو ﴿العزيز﴾، أي ذو عزة، وهي ثلاثة أصناف:\nأ-عزة القدر، بمعنى أن الله ذو قدر شريف عظيم، قال رسول اللهﷺ-\"السيد الله\" (١٢)، فهذه عزة القدر.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٩.\n(٢) حكاه عنه الماوردي، انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٩.\n(٣) البحر المحيط: ٢/ ٢٨٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧. [بتصرف بسيط].\n(٥) التفسير البسيط: ٥/ ٢٩.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٥.\n(٧) أخرجه الطبري (٦٥٦٤): ص ٦/ ١٦٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٩.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٣٣٦.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٩.\n(١٢) أخرجه احمد: ٤/ ٢٤ - ٢٥، والبخاري في الأدب المفرد: ٢١١.","vol":"6","page":12},{"text":"ب-عزة القهر: بمعنى أنه القاهر لكل شيء، لا يغلب، بل هو الغالب، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١].\nت-عزة الامتناع: أنه ﷿ يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا قولهم: هذا ارض عزاز، أي: صلب قوية لاتؤثر فيها المعاول.\n٧ - إن صفة الامنتقام لله تعالى ليست على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥]\nالتفسير:\nإن الله محيط علمه بالخلائق، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قلَّ أو كثر.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، \" إن الله لا يخفى عليه شيء هو في الأرض ولا شيء هو في السماء\" (١).\nقال الزمخشري: عيّر عن [العالم] بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه\" (٢).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" أي: قد علم ما يريدون وما يَكيدون وما يُضَاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه ربًّا وإلهًا، وعندهم من علمه غيرُ ذلك، غِرّةً بالله وكفرًا به\" (٣).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك\" (٤).\nقال ابن عطية: \" هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من المخلوقين\" (٥).\nقال القاسمي: \" أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه\" (٦).\nقال البيضاوي: \" وإنما قدم الأرض ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حيًا\" (٧).\nالفوائد:\n١ - التحذير من مخالفة الله، لأن الله يعلم بمخالفتك إياه.\n٢ - الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء الذي يفعله العبد إلا بعد وقوعه.\n٣ - إن الله عالم بالكليات والجزئيات، لقوله تعالى: ﴿شيء﴾، لأن النكرة في سياق النفي تعم كل شيء.\n٤ - إن صفات الله إما مثبتة أو منفية، فالمثبتة يسمونها: ثبوتية، والمنفية يسمونها سلبية، والسلبية متضمنة لثبوت كمال الضد، فلكمال علمه لايخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.\nالقرآن\n﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦]\nالتفسير:\nهو وحده الذي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، لا معبود بحق سواه، العزيز الذي لا يُغالَب، الحكيم في أمره وتدبيره.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ١٦٦،\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٣٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٥٦٦): ص: ٦/ ١٦٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٥.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٦.","vol":"6","page":13},{"text":"قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، أي: \" الله الذي يصوّركم فيجعلكم صورًا أشباحًا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب\" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد\" (٢).\nقال محمد بن جعفر: \"أي: قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوّر غيره من بني آدم، فكيفَ يكون إلهًا وقد كان بذلك المنزل؟ \" (٣). وروي عن الربيع نحو ذلك (٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم والطبري عن السدي في قوله: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ قال: \"إذا وقعت النطفة في الرحم [طارت في الجسد أربعون يوما] (٥) ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعون يوما، فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلط في المضخة، ثم يعجنه بها، ثم يصورها كما يؤمر فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله تعالى، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب\" (٦).\nوعن قتادة قوله: ﴿كيف يشاء﴾، قال: من ذكر أو أنثى، وأحمر وأسود وتام وغير تام الخلق\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، \"أي: لا ربّ سواه، متفردٌ بالوحدانية والألوهية، العزيز في ملكه الحكيم في صنعه\" (٨).\nعن ابن عباس قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾، قال: توحيد\" (٩).\nوعن محمد بن إسحاق، قوله: ﴿العزيز﴾: في نصرته مم كفر به إذا شاء\" (١٠)، [و] \"قوله: ﴿الحكيم﴾: في عذره وحجته إلى عباده\" (١١).\nوعن أبي العالية قوله تعالى: ﴿العزيز﴾، يقول: عزيز في نعمته إذا انتقم\" (١٢)، [وقوله] \" ﴿الحكيم﴾، قال: حكيم في أمره\" (١٣).\nقال الطبري: \" وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسَه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تَجوز الألوهة لغيره وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله ﷺ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى، ولجميع من ادّعى مع الله معبودًا، أو أقرّ بربوبية غيره\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله تعالى صوره في الرحم وخلقه، كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله - وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] \" (١٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية بيان قدرة الله ﷿ إذ يصور المخلوقات في الأرحام.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ١٦٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٥٦٧): ص ٦/ ١٦٧.\n(٤) انظر: الطبري (٦٥٦٨): ص ٦/ ١٦٧.\n(٥) إضافة عن الطبري (٦٥٦٩): ص ٦/ ١٦٧.\n(٦) تفسير ابن ابي حاتم (٣١٥٧): ص ٢/ ٥٩٠، وتفسير الطبري (٦٥٦٩): ٦/ ١٦٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٥٩): ص ٢/ ٥٩١، والطبري (٦٥٧٠): ص ٦/ ١٦٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦٠): ص ٢/ ٥٩١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦١): ص ٢/ ٥٩١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦٣): ص ٢/ ٥٩١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦٢): ص ٢/ ٥٩١.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦٤): ص ٢/ ٥٩١.\n(١٤) تفسير الطبري: ٦/ ١٦٨.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦.","vol":"6","page":14},{"text":"٢ - يكون تصوير المخلوقات في الأرحام بأمر الله وإذنه كيف يشاء.\n٣ - بيان رحمة الله تعالى إذ يتولى شؤون الجنين ويصوره، ويستفاد منها ان هذا التصوير لا يرجع إلى فعل العبد وإنما يرجع لمشيئة الله تعالى.\n٤ - إثبات المشيئة لله تعالى، لقوله: ﴿كيف يشاء﴾، والمشيئة إذا اطلقت فهي مقرونة بالحكمة، فما من شيء يشاؤه الله إلا لحكمة.\n٥ - إثبات انفراد الله ﷿ بالألوهية، لقوله: ﴿لا إله إلا هو﴾.\n٦ - إثبات الاسمين الكريمين: \"العزيز الحكيم\"، وما تضمناه من صفة، وكل اسم من أسماء الله دال على الذات وعلى الوصف المشتق منهـ فإن كان متعديا ففيه دلالة ثالثة وعي الأثر المترتب على ذلك.\nالقرآن\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]\nالتفسير:\nهو وحده الذي أنزل عليك القرآن: منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني، لا يتعيَّن المراد منها إلا بضمها إلى المحكم، فأصحاب القلوب المريضة الزائغة، لسوء قصدهم يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها; ليثيروا الشبهات عند الناس، كي يضلوهم، ولتأويلهم لها على مذاهبهم الباطلة. ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله. والمتمكنون في العلم يقولون: آمنا بهذا القرآن، كله قد جاءنا من عند ربنا على لسان رسوله محمد ﷺ، ويردُّون متشابهه إلى محكمه، وإنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة.\nقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: الله الذي أنزل عليك يا محمد القرآن (١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: القرآن\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، \" أي فيه آيات بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام، هنَّ أصل الكتاب وأساسه\" (٣).\nقال القاسمي: أي: \"واضحات الدلالة هُنَّ أصل الكتاب المعتمد عليه في الأحكام\" (٤).\nقال الطبري: \"وإنما سماهن ﴿أمّ الكتاب﴾، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء \" أمًّا \" له، فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر: \" أمّهم \"، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة: \" أمها\"\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: \" وآيات أخر محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة\" (٦).\nقال الطبري: \" فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [سورة البقرة: ٢٥]، يعني في المنظر، مختلفًا في المطعم، وكما قال مخبرًا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [سورة البقرة: ٧٠]، يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه\" (٧).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿مِنْهُءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] على أقاويل (٨):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٧٠، وصفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦٥): ص ٢/ ٥٩١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٢٥٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ١٧٠.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ١٧٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٧٤ ومابعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٦٩.","vol":"6","page":15},{"text":"أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، قاله ابن عباس (١)، وابن مسعود (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤) والضحاك (٥).\nوالثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه، قاله مجاهد (٦).\nوالثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أوجهًا، قاله الشافعي (٧) ومحمد بن جعفر بن الزبير (٨).\nوالرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد (٩).\nوالخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال (١٠).\nوالسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله (١١)، واختاره الطبري (١٢).\nوالسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال (١٣).\nوالثامن: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. قاله الماوردي (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾ [آل عمران: ٧] وجهان:\nأحدهما: أصل الكتاب. قاله سعيد بن جبير (١٥).\nوالثاني: معلوم الكتاب (١٦).\nوفي سبب تسميته بأم الكتاب قولان:\nالأول: وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب. قاله سعيد بن جبير (١٧).\nوالثاني: وإنما قال: هن أم الكتاب، لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن (١٨).\nوفي المراد بقوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود (الأمر والنهي والحلال)، قاله يحيى بن يعمر (١٩).\nوالثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن، وهو قول أبي فاختة (٢٠).\nوالثالث: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٥٧٣): ص ٦/ ١٧٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦٥٧٦): ص ٦/ ١٧٥٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٥٧٧): ص ٦/ ١٧٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٥٧٩): ص ٦/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٥٨٠) - (٦٥٨٤): ص ٦/ ١٧٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٥٨٥)، (٦٥٨٦): ص ٦/ ١٧٧.\n(٧) حكاه عنه الماوردي في النكت والعيون: ١/ ٣٦٩، ولم اجده في تفسير الشافعي.\n(٨) نظر: تفسير الطبري (٦٥٨٧): ص ٦/ ١٧٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٥٨٨): ص ٧/ ١٧٨.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٦): ص ١/ ٢١٥ - ٢١٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٨٠.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٩.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٦٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٧٣): ص ٢/ ٥٩٣.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٠.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٧٣): ص ٢/ ٥٩٣.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٧٣): ص ٢/ ٥٩٣.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٧٢): ص ٢/ ٥٩٣.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٧٢): ص ٢/ ٥٩٣.\n(٢١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٠.","vol":"6","page":16},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: \"فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحرافٌ عنه\" (١).\nقال الزمخشري: \" هم أهل البدع\" (٢).\nوفي تفسيرالـ ﴿ـزيغ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] وجهان من التفسير:\nأحدهما: أنه ميل عن الهدى. قاله محمد بن إسحاق (٣).\nوالثاني: أن المعنى: شكّ، قاله ابن مسعود (٤)، ومجاهد (٥) والسدي (٦).\nواختلف فيمن عني بهذه الآية على أقوال:\nأحدها: أنهم أهل الشك. قاله ابن عباس (٧).\nوالثاني: أنهم المنافقون. قاله ابن جريج (٨).\nوالثالث: أنه يعني: حيي بن أخطب، وأصحابه من اليهود. قاله مقاتل بن حيان (٩).\nوالرابع: أنهم الخوارج. رواه أبو أمامة عن رسول الله –ﷺ- (١٠).\nوالخامس: أنه عُني به الوفدُ من نصارى نجران الذين قَدِموا على رسول الله ﷺ، فحاجُّوه بما حاجُّوه به، وخاصموه بأن قالوا: ألست تزعم أنّ عيسى روح الله وكلمته؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر. وهذا قول الربيع (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: \" فيتبع المتشابه منه ويفسّره على حسب هواه\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق\" (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة تأويلات (١٥):\nأحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي - ﷺ -.\nوالثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته.\nوالثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي - ﷺ - في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: \" بلى \" فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهو قول الربيع.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ١٨٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٣٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٨٣): ص ٢/ ٥٩٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٥٩٦): ص ٦/ ١٨٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٥٩٣): ص ٦/ ١٨٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٨١): ص ٢/ ٥٩٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٥٩٥): ص ٦/ ١٨٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٥٩٧): ص ٦/ ١٨٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٨٢١): ص ٢/ ٥٩٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٧٩): ص ٢/ ٥٩٤، وانظر: (٣١٨٩): ص ٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٦٠٢): ص ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٣٣٨.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.","vol":"6","page":17},{"text":"قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: \"إرادة الفتنة\" (١).\nقال الزمخشري: \" طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي طلبًا لفتنة الناس في دينهم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] خمسة تأويلات:\nأحدها: الشرك، قاله السدي (٥)، والربيع (٦).\nوالثاني: اللّبْس. قاله محمد بن إسحاق (٧)، ومحمد بن جعفر (٨).\nوالثالث: ابتغاء الشبهات، قاله مجاهد (٩).\nالرابع: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران (١٠).\nالخامس: إفساد ذات البَيْن (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، \"وإِيهامًا للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: تحريفه على ما يريدون\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه\" (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] في التأويل وجهان:\nأحدهما: أنه التفسير.\nوالثاني: أنه العاقبة المنتظرة.\nقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧]، \" أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إِلا الله وحده\" (١٥).\nقال الزمخشري: \" أي لا يهتدى (١٦) إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣١٨٩): ص ٢/ ٥٩٦. قاله السدي.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٣٨.\n(٣) تفسير الصابوني: ١/ ١٦٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٩٠): ص ٢/ ٥٩٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٦١٧): ص ٦/ ١٩٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٩٠): ص ٢/ ٥٩٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٦٢١): ص ٦/ ١٩٧.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣١٩٢): ص ٢/ ٥٩٧.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٧.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٣٣٨.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨.\n(١٦) قال المحقق ﵀: وقوله «لا يهتدى إليه إلا اللَّه» عبارة قلقة، ولم يرد إطلاق الاهتداء على علم اللَّه تعالى، مع أن في هذه اللفظة إيهاما إذ الاهتداء لا يكون في الإطلاق إلا عن جبل وضلال - جل اللَّه وعز - حتى إن الكافر إذا أسلم أطلق أهل العرف عليه: فلان المهتدى، ذلك مقتضى اللغة فيه فانه مطاوع هدى. يقال: هديته فاهتدى، والإجماع منعقد على أن ما لم يرد إطلاقه وكان موهما لا يجوز إطلاقه على اللَّه ﷿. ولذا أنكر على القاضي إطلاقه المعرفة على علم اللَّه تعالى حيث حد مطلق العلم بأنه معرفة المعلوم على ما هو عليه. فلأن ينكر على الزمخشري إطلاق الاهتداء على علم اللَّه تعالى أجدر. وما أراها صدرت منه إلا وهما حيث أضاف العلم إلى اللَّه تعالى وإلى الراسخين في العلم، فأطلق الاهتداء على الراسخين، أو عقل عن كونه ذكرهم مضائين إلى اللَّه تعالى في الفعل المذكور واللَّه أعلم. [حاشية الكشاف: ١/ ٣٣٨].\n(١٧) الكشاف: ١/ ٣٣٨.","vol":"6","page":18},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة أقاويل:\nأحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن (١).\nوالثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس (٢).\nوالثالث: تأويله وقت حلوله، قاله بعض المتأخرين (٣).\nوقرأ عبد اللَّه: \"إن تأويله إلا عند اللَّه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، \" أي والثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند الله\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حقّ وإن لم نَعلم تأويله\" (٦).\nقال ابن عباس: \" يعني: ما نسخ وما لم ينسخ\" (٧)، وروي عن عائشة والسدي نحو ذلك (٨).\nروي عن الضحاك: \" ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، قال: المحكم والمتشابه\" (٩).\nوعنه أيضا: \" ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه: ولا نعمل به، يعني: بمتشابهه\" (١٠).\nقال قتادة: \" آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه\" (١١).\nقال الطبري: \" العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووَعَوْه فحفظوه حفظًا، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شَكّ ولا لبس\" (١٢).\nوري عن أبي الدرداء وأبي أمامة قالا سئل رسول الله ﷺ: مَن الراسخ في العلم؟ قال: \" من بَرَّت يمينهُ، وصَدقَ لسانه، واستقام به قلبه، وعفّ بطنه، فذلك الراسخُ في العلم\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] وجهان (١٤):\nأحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به.\nوالثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين، وفيهم وجهان (١٥):\nأحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعًا.\nروى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: \"أنا ممن يعلم تأويله\" (١٦).\nالثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.\nوقرأ أبىّ: \"ويقول الراسخون\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، \"أي كلّ من المتشابه والمحكم حقٌ وصدق لأنه كلام الله\" (١٨).\nقال الزمخشري: \" أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه\" (١٩).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] جهين (٢٠):\nأحدهما: علم ذلك عند ربنا.\nوالثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه، فنزل من عند ربنا.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، \"أي ما يتعظ ويتدبر إِلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة\" (٢١).\nقال مقاتل بن حيان: \" إلا كل ذي لبّ\" (٢٢).\nقال السعدي: \" أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة\" (٢٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة أن القرآن كلام الله، لقوله تعالى ﴿هو الذي أنزل عليم الكتاب﴾، وكلام الله ليس مخلوقا بل صفته ﷿.\n٢ - إثبات علو الله تعالى، لقول: ﴿أنزل﴾، والإنزال لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، فالله فوق كل شيء.\n٣ - إن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه، لقوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.\n٤ - وحوب الرجوع إلى المحكم لإزالة الشبهة، لقوله: ﴿هنّ أمّ الكتاب﴾، يعني مرجعه، وهذا لايختص بالقرآن، بل حتى في السنة، إذا وحت احاديث متشابهة واحاديث محكمة واضحة، فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكما.\n٥ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين: ووجه الحكمة انه بهذا يحصل الابتلاء والامتحان، فلامؤمن لايضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل.\n٦ - الابتعاد عن إيراد الآيات المتشابهات دون بيان إشكالها، لأنه يؤدي إلى الحيرة والشك.\n٧ - ومن الفوائد: فضيلة الرسوخ في العلم، وهو الثبات فيه والتعمق فيه حتى تصل إلى جذوره، لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.\n٨ - ومنها: أن مقتضى الربوبية أن الله ينزل على عباده كتابا لا كون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه، لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته، فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف.\n٩ - ومنها: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول، لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\n١٠ - ومن الفوائد ان العقل غير الذكاء، لأننا نجد كثيرا من الناس أذكياء، ولكن لايتذكرون بالقرآن، وهؤلاء عقلاء لكن الذي انتفى عنهم العقل هو عقل التصرف والرشد، أما عقل الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحجة.\n١١ - إن من القرآن ما لايعلم تأويله إلا اللهـ لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ على قراءة الوقف، والفائدة: امتحان العباد بتأدبهم مع الله ﷿.\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦٦٢٣): ص ٦/ ١٩٩.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧١.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٣٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٢٠٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢١٤): ص ٢/ ٦٠٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢١٤): ص ٢/ ٦٠٠.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٦٤٢): ص ٦/ ٢٠٨.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢١٦): ص ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢١٥): ص ٢/ ٦٠٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٠٦.\n(١٣) أخرجه الطبري (٦٦٣٧): ص ٦/ ٢٠٦.\n(١٤) نظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(١٥) نظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٦٣٢): ص ٦/ ٢٠٣.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٣٣٩.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨.\n(١٩) الكشاف: ١/ ٣٣٩.\n(٢٠) نظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(٢١) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨.\n(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٠): ص ٢/ ٦٠١.\n(٢٣) تفسير السعدي: ١٢٢.","vol":"6","page":19},{"text":"﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]\nالتفسير:\nويقولون: يا ربنا لا تَصْرِف قلوبنا عن الإيمان بك بعد أن مننت علينا بالهداية لدينك، وامنحنا من فضلك رحمة واسعة، إنك أنت الوهاب: كثير الفضل والعطاء، تعطي مَن تشاء بغير حساب.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، \" أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا\" (٢)، \"بعد ما بصرتنا من الهدى فيما جاء به أهل البدعة والضلالة\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: لا تحول قلوبنا عن الهدى بعد ما هديتنا كما أزغت اليهود عن الهدى\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي لا تمِلْها عن الهدى والقَصْد، أي لا تضلَّنَا بعد إذ هديتنا، وقيل أيضًا: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: لا تَتَعبَّدْنا بما يكون سببًا لزيغ قلوبنا وكلاهما جيد\" (٥).\nقال الزمخشري: \" لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (٦) [بعد إذ] أرشدتنا لدينك، أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به الزائغين\" (٨).\nقال القاسمي: أي: \" ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم\" (٩).\nوقرئ: \" ﴿لا تزغ قلوبنا﴾، بالتاء والياء ورفع ﴿القلوب﴾ \" (١٠).\nعن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول: \" \"يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك\" ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، أي: امنحنا من فضلك وكرمك رحمةً تثبتنا بها على دينك الحق\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا\" (١٣).\nقال السعدي: \" أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، أي: \" كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال\" (١٥).\nقال السعدي: \" أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢١): ص ٢/ ٦٠١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٤): ص ٢/ ٦٠٢.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٤.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٣٧٩.\n(٦) وقال المقق﵀-\" أما أهل السنة فيدعون اللَّه بهذه الدعوة غير محرفة، لأنهم يوحدون حق التوحيد، فيعتقدون أن كل حادث من هدى وزيغ مخلوق للَّه تعالى. وأما القدرية فعندهم أن الزيغ لا يخلقه اللَّه تعالى وإنما يخلقه العبد لنفسه، فلا يدعون اللَّه تعالى بهذه الدعوة إلا محرفة إلى غير المراد بها كما أولها المصنف به، وإن كنا ندعو اللَّه تعالى مضافا إلى هذه الدعوة بأن لا يبتلينا ولا يمنعنا لطفه آمين، لأن الكل فعله وخلقه، ولا موجود إلا هو وأفعاله، التي نحن وأفعالنا منها\". [الكشاف: ١/ ٣٣٩].\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٣٩.\n(٨) تفسير السعدي: ١٢٢.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٨٦.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٣٣٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٢): ص ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢، والطبري (٦٦٥٠): ص ٦/ ٢١٣. اسناده صحيح.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣.\n(١٤) تفسير السعدي: ١٢٢.\n(١٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٨٦.\n(١٦) تفسير السعدي: ١٢٢.","vol":"6","page":20},{"text":"قال القاسمي: \" وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى\" (١).\nالفوائد:\n١ - مشروعي تصدير الدعاء باسم الرب، لقوله: ﴿ربنا﴾.\n٢ - الهداية يكون من عند الله وحده.\n٣ - ومنها: ان الانسان لا يملك قلبه، فكم من انسان مؤمن زلّ والعياذ بالله.\n٤ - الدلالة أن في صلاح القلب صلاح جميع الجسد، لقوله: ﴿ربنا لاتزغ قلوبنا﴾.\n٢ - الثناء على الله بهدايته فهو من باب التحدث بنعم الله ﷿، قال تعالى: ﴿بعد إذ هديتنا﴾.\n٣ - ان الانسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع.\n٣ - الإخلاص، وذلك من خلال طلب الرحمة التي من لدن الله، وأن العطاء يكون على قدر المعطيـ لقوله: ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾.\n٤ - التوسل بأسماء الله تعالى، لقوله ﴿إنك انت الوهاب]، فمن اسماءه تعالى ﴿الوهاب﴾، وهو للمبالغة لكثرة من يهب له فإن الموهوب لهم لا يحصيهم إلا الله ﷿.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩]\nالتفسير\nيا ربنا إنا نُقِرُّ ونشهد بأنك ستجمع الناس في يوم لا شَكَّ فيه، وهو يوم القيامة، إنَّك لا تُخلف ما وعَدْتَ به عبادك.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩]، \" ربنا إنك إنك جامع الخلائق في يوم الحساب الذي لاشك فيه\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: يقولون في دعائهم: إنك - يا ربنا - ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر\" (٣).\nقال القرطبي: \" أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة\" (٤).\nقال الزجاج: \" إِقرار بالبعث ودليل أنهم خالفوا من يتبع المتشابه لأن الذين ابتغوا المتشابه هم الذين أنكروا البعث\" (٥).\nعن أم هاني أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يوم القيامة\" (٦).\nوعن أبي الدرداء قال: \"الريب: يعني الشك من الكفر\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، أي: \" وأنت يا رب لا تخلف الموعد\" (٨).\nقال ابن عباس: \" ميعاد من قال لا إله إلا الله\" (٩).\nقال الزمخشري: \"معناه أنّ الإلهية تنافى خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله والميعاد: الموعد\" (١٠).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٨٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨. [بتصرف].\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٣٧٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٥): ص ٢/ ٦٠٢، ورواه مسلم في كتاب الإيمان برقم (٣٢٧).\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٦): ص ٢/ ٦٠٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٦٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٧): ص ٢/ ٦٠٢.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٣٣٩.","vol":"6","page":22},{"text":"قال الزجاج: \" جائز أن يكون حكاية عن الموحدين، وجائز أن يكون إخبارًا عن اللَّه، وجائز فتح ﴿أن اللَّه لا يخلف الميعاد﴾، فيكون المعنى\" جامع الناس لأنك لا تخلف الميعاد، أي: قد أعلمتنا ذلك ونحن غير شَاكِّين فيه\" (١).\nقال الواحدي: \" ولا يدل هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإن وعد ذلك بقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤]. الآية؛ لأن المراد بالميعاد ههنا يوم القيامة، لأن الآية وردت في ذكره. أو يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم عند العرب، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر (٢):\nإذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن وعد الضراء فالعفو مانعه\nقال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدا، وأوعد إيعادا، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، وأنشد (٣):\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي\nأو تقول: هذا عام في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] \" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن يوم القيمة آت لاريب فيه؛ لقوله: ﴿ليوم لاريب فيه﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].\n٢ - ومنها: تمام قدرة الله ﷾ بجمع الناس كلهم في هذا اليوم؛ ومع هذا فإن هذا الجمع لا يحتاج إلى مدة ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤].\n٣ - ومنها: حكمة الله عزوجل في جمع الناس لهذا اليوم؛ لأن هذا الجمع له ما بعده وهو جزاء كل عامل بما عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٩ - ١ -]، إذا فهذا الجمع لحكمة وهو: جزاء العامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٣٧٩.\n(٢) البيت، لأبي الحسن، السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي. وهو في: \"ديوانه\" ٢/ ٣٦٨. وورد منسوبا له، في \"يتيمة الدهر\" ٢/ ١٥٦. وروايته في \"الديوان\" \"واليتيمة\": (.. وإن أوعد الضراء ..).\n(٣) البيت لعامر بن الطفيل، وهو في \"ديوانه\" ٥٨. وقد ورد منسوبا له، في \"العقد الفريد\" لابن عبد ربه: ١/ ٢٨٤، وأورده بنفس رواية المؤلف: \"يتيمة الدهر\" للثعالبي: ٢/ ١٥٧، \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٩٨ (ختأ)، ٨/ ٤٨٧١ (وعد)، ٢/ ١١٠٣ (ختا)، \"تاج العروس\" ١/ ١٤٣ (ختأ)، ١٩/ ٣٦٩ (ختا). كما ورد غير معزو، في \"عيون الأخبار\" لابن قتيبة: ٢/ ١٤٢، \"ضرورة الشعر\" للسيرافي، تحقيق د. رمضان عبد التواب: ١٣٨، \"مجالس العلماء\" للزجاجي: ٦٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥ (وعد)، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥١ (وعد) \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي: ٣٩، \"العمدة\" لابن رشيق: ١/ ٥٨٩، \"الحماسة البصرية\" لصدر الدين البصري: ٢/ ٣٠. وروايته في \"الديوان\":\nوإني إن أوعدته أو وعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي\nوبرواية أخرى:\nلمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nكما ورد في \"اللسان\" ١/ ٦٣ كالآتي:\nليأمن ميعادي ومنجز موعدي\nوانظر الفرق بين (وعد) و(أوعد) في: \"ما تلحن فيه العامة\" للكسائي: ١١٠، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة: ٢/ ١٨٩، \"أدب الكاتب\" لابن قتيبة: ١/ ٢٧٢، \"مجالس ثعلب\" ١/ ٢٢٧، \"والخاطريات\" لابن جني: ١٩٨، \"خزانة الأدب\" للبغدادي: ٥/ ١٨٩، ١٩٠. وانظر مادة (وعد) في \"تهذيب اللغة\" \"الصحاح\" \"اللسان\". وقد وردت هذه المحاورة في \"عيون الأخبار\" ٢/ ١٤٢، \"مجالس العلماء\" ٦٢، \"طبقات النحويين واللغويين\" ٣٩، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٣٣، \"مدارج السالكين\" لابن القيم: ١/ ٣٩٦، \"ميزان الاعتدال\" للذهبي: ٤/ ١٩٨، ١٩٩، \"لوامع الأنوار\" للسفاريني: ١/ ٣٧١.\n(٤) التفسير البسيط: ٥/ ٦٥ - ٦٧.","vol":"6","page":23},{"text":"٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن إيمانا لاشك فيه بهذا اليوم؛ فإن شك أحد أو أنكر فليس بمؤمن فهو كافر؛ والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام وإن شئت فقل: أربعة: مؤمن إيمانا لاريب فيه؛ وشاك؛ وكافر منكر؛ وكافر مجادل؛ يعني مع كونه منكرا يجادل ويخاصم؛ كفار قريش من أي الأنواع؟ من النوع الرابع، المنكر المجادل؛ ومن الناس من هو منكر لا يجادل لكنه في نفسه منكر ما صدق؛ ومن الناس من هو متردد شاك؛ ومن الناس من هو مؤمن إيمانا يقينيا كأنه رأي العين في قلبه.\n٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء صفة خلف الوعد عن الله ﷿؛ لقوله:: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وانتفاء هذه الصفة يتضمن كماله في شيئين وهما: الصدق والقدرة؛ فلكمال صدق الله عزوجل ولكمال قدرته لا يخلف الميعاد بل لابد أن يقع ما وعد به\n٥ - الفرق بين الشك والريب، أن\"الريب\" شك مع قلق، وأما \"الشك\": فشك بدون قلق؛ يعني يكون متردد لكن ما يكون معه قلق نفسي؛ لكن هذا لأن الأمر فيه هام يكون فيه قلق للمشك فيه، لكن المؤمنين لا يشكون فيه لا يرتابون فيه.\n٦ - أفاد الالتفات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، تنبيه المخاطب، كما أن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾ [آل عمران: ١٠]\nالتفسير:\nإن الذين جحدوا الدين الحق وأنكروه، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئًا إن وقع بهم في الدنيا، ولن تدفعه عنهم في الآخرة، وهؤلاء هم حطب النار يوم القيامة.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٠]، \" أي إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ\" (١).\nقال الطبري: \" إن الذين جحدوا الحق الذي قد عرفوه من نبوَّة محمد ﷺ من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم\" (٢).\nوأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل \" كافرًا \"، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٣):\nفَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ\nوقال لبيدُ بن ربيعة (٤):\nيَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا\nيعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩] (٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٣.\n(٣) الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات: ٢٥٧. والضمير في قوله \" فتذكرا \" للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.\n(٤) انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٠٠، ويروى \" ظلامها \". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.\n(٥) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٥.","vol":"6","page":24},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]، \" أي لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه \" (١).\nقال الطبري: \"، يعني بذلك أنّ أموالهم وأولادهم لن تُنجيهم من عقوبة الله إن أحلَّها بهم - عاجلا في الدنيا على تكذيبهم بالحق بعد تبيُّنهم\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أي لن ينفع، ولن يدفع وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب\" (٣).\nقال أبو السعود: \" وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ [آل عمران: ١٠]، وجوه من القراءة:\nأحداها: ﴿لن تغنى﴾ بسكون الياء، قرأ بها قرأ على -﵁-\"وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين\" (٥).\nوالثاني: ﴿يغني﴾، بالياء المتقدمة من الفعل ودخول [الحائل] بين الاسم والفعل. قرأ بها السلمي (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠]، أي أولئك \"هم حطب جهنم الذي تُسْجر وتوقد به النار\"\" (٧).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: حَطبُها\" (٨).\nعن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: \"بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب فقال: نعم، ثم أصبح، فقال رسول الله ﷺ: ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى موطنه، وليخوضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا القرآن، وعلمنا فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله: فمن أولئك؟ . قال أولئك منكم (٩)، وأولئك هم وقود النار\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم.\n٢ - ومن الفوائد أيضا: إن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا.\n٣ - ومن فوائدها: أن المؤمنين قد ينتفعون بأموالهم وأولادهم وهو كذلك؛ فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعوا له ولده في حياته وبعد موته فينتفع؛ أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، كما لا يحل لولده أن يدعوا له، إلا إذا كان حيا فيحل أن يدعوا له بالهداية، وأما أن يدعوا له بعد موته فلا يمكن أن يدعوا له.\n٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر يملك؛ وجهه قوله: ﴿أموالهم﴾، فأضاف المال إليه وهو دليل على أن الكافر يملك ماله.\n٥ - ومن فوائد الآية: تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين؛ وجهه أن أموالهم وأولادهم لا تغني من الله شيئا؛ فإذا انتصرنا بالله فإن ما عندهم من الأسلحة، والذخائر، والأموال، والأولاد لا يغنيهم من الله شيئا، ولهذا لو شاء الله عزوجل أن يبطل جميع ما فعلوه لأبطله.\nالقرآن\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ٣٣٩.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٣.\n(٩) إضافة عن ابن كثير ٢/ ١١ وقال: وكذا رأيته بهذا اللفظ.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٢٩): ص ٢/ ٦٠٣.","vol":"6","page":25},{"text":"﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ [آل عمران: ١١]\nالتفسير:\nشأن الكافرين في تكذيبهم وما ينزل بهم، شأن آل فرعون والذين من قبلهم من الكافرين، أنكروا آيات الله الواضحة، فعاجلهم بالعقوبة بسبب تكذيبهم وعنادهم. والله شديد العقاب لمن كفر به وكذَّب رسله.\nقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١]، \"أي حال هؤلاء الكفار وشأنهم كحال وشأن آل فرعون، وصنيعُهم مثلُ صنيعهم\" (١).\nقال الطبري: \" كسُنَّة آل فرعون وعادتهم\" (٢).\nقال القاسمي: \" أي دأب هؤلاء في الكفر كدأب آل فرعون\" (٣).\nقال الزمخشري: \" تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم \" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] وجوه من التفسير (٥):\nأحدها: أن معناه: كسُنَّتهم. قاله الربيع (٦).\nوالثاني: أن معناه: كصنعهم وعملهم. قاله ابن عباس (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩)، وعكرمة (١٠)، ومجاهد (١١).\nوالثالث: أن المعنى: كشبيه آل فرعون. قاله الربيع (١٢).\nوالرابع: أن معنى ذلك: كتكذيب آل فرعون. وهذا قول السدي (١٣).\nوالخامس: أن الدأب: العادة، أي: كعادة آل فرعون والذين من قبلهم (١٤).\nفإذا قيل إنه \"العادة\"، ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان (١٥):\nأحدهما: كعادتهم في التكذيب بالحق.\nوالثاني: كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم.\nوالخامس: أن الدأب هنا: الاجتهاد، مأخوذ من قولهم: دأبت في الأمر، إذا اجتهدت فيه (١٦).\nوإذا قيل إنه الاجتهاد، احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين (١٧):\nأحدهما: كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان.\nوالثاني: كاجتهادهم في الجحود والبهتان.\nقال الطبري: \" وأصل \" الدأب \" من: \" دأبت في الأمر دأْبًا \"، إذا أدمنت العمل والتعب فيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلى: الشأن، والأمر، والعادة، كما قال امرؤ القيس بن حجر (١٨):\nوَإنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَة ... فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٣.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٢٨٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٤٠.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٦٥٩): ص ٦/ ٢٢٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٣٠): ص ٢/ ٦٠٣، وتفسير الطبري (٦٦٦٤): ص ٦/ ٢٢٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٠)، (٦٦٦١): ص ٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٢): ص ٦/ ٢٢٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٣): ص ٦/ ٢٢٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٣): ص ٦/ ٢٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٣٠): ص ٢/ ٦٠٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٥): ص ٦/ ٢٢٤.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٢.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٣.\n(١٨) ديوانه: ١٢٥ من معلقته المشهورة","vol":"6","page":26},{"text":"كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِث قَبْلَهَا ... وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ\nيعني بقوله: \" كدأبك \"، كشأنك وأمرك وفعلك\" (١).\nوفيمن أشار إليهم أنهم ﴿كدأب آل فرعون﴾ قولان (٢):\nأحدهما: أنهم مشركو قريش يوم بدر، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل، فيكون هذا على القول الأول تذكيرًا للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها.\nوعلى القول الثاني: وعدًا بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع، فحقق وعده وجعله معجزًا لرسوله.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١]، أي والذين \"من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة كقوم هود وصالح وشعيب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١١]، أي: \" حين كذبوا بآياتنا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١]، \" أي عاقبهم وأهلكهم بسببها\" (٦).\nقال الثعلبي: \" فعاقبهم، بذنوبهم: نظيره قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] \" (٧).\nقال النسفي: \" بسبب ذنوبهم\" (٨).\nقال السعدي: \" عدلا منه لا ظلما\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [آل عمران: ١١]، \" أي أليم العذاب شديد البطش\" (١٠).\nقال الطبري: \" والله شديد عقابه لمن كفر به وكذّب رسله بعد قيام الحجة عليه\" (١١).\nقال البيضاوي: \"تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى بالخلق واحدة؛ لأنه عزوجل ليس بينه وبين الحلق نسب يراعيه ويحابي من يتصل به؛ فالناس عند الله تعالى سواء؛ أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿كدأب آل فرعون ...﴾.\n٢ - ومنها: أن فرعون وآله قد عذبوا في الدنيا كما سيعذبون في الآخرة؛ لقوله: ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾.\n٣ - ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة؛ ولو كان تائبا توبة تنفعه ما ذكر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدل لا يذكر أحدا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته.\n٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآية لله وهي العلامات الدالة على الله عزوجل على وجوده وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلا نزول الرحمة نزول الغيب دليل على الرحمة، آية على رحمة الله على وجوده وعلى رحمته؛ نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه؛ وهكذا كل آية تدل على وجود الله ﷾ وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٣.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٢٨٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٣.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٢٨٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٩.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٤٩.\n(٩) تفسير السعدي: ١٢٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٥.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٧.","vol":"6","page":27},{"text":"٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئا وإنما يؤاخذهم بالذنوب؛ ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].\n٦ - ومنها: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: ﴿بذنوبهم﴾، فأضاف الذنوب إليهم؛ والفعل لا ينسب إلا لمن قام به حقيقة؛ والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: ﴿والله شديد العقاب﴾.\nالقرآن\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ [آل عمران: ١٢]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول-، للذين كفروا من اليهود وغيرهم والذين استهانوا بنصرك في \"بَدْر\": إنكم ستُهْزَمون في الدنيا وستموتون على الكفر، وتحشرون إلى نار جهنم; لتكون فراشًا دائمًا لكم، وبئس الفراش\nفي سبب نزول هذه الآية أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة، فحقق الله قوله، وصدق رسوله، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر، قاله ابن عباس (١)، والضحاك (٢).\nوالثاني: أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر، فدعاهم النبي - ﷺ - إلى الإسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس، فأنزل الله فيهم هذه الآية، قاله قتادة (٣)، وابن إسحاق (٤).\nوالثالث: أن أبا سفيان في جماعة من قومه جمعوا لرسول الله ﷺ بعد وقعة بدر فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب (٥).\nوالرابع: أنها نزلت في عامة الكفار.\nوالخامس: أنه لما شمت اليهود بالمسلمين يوم أحد، قيل لهم ﴿ستغلبون وتحشرون إلى جهنم﴾، يعني على القراءة بالياء المثناة التحتانية فيهما. وهذا قول ابن المظفر (٦).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]، \" أي قل يا محمد لليهود ولجميع الكفار: ستهزمون في الدنيا\" (٧).\nوفي الغلبة هنا قولان (٨):\nأحدهما: بالقهر والاستيلاء، إن قيل إنها خاصة.\nوالثاني: بظهور الحجة، إن قيل إنها عامة.\nواختلفت القراءة في قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]، على وجهين (٩):\nاحدهما: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاء، على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. قراءة نافع، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامرـ\nوالثاني: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾، على معنى: قل لليهود: سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم. قرأت ذلك وحمزة والكسائي.\nقوله تعالى: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢]، \"أي تُجمعون وتساقون إِلى جهنم\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: (٦٦٦٦): ص ٦/ ٢٢٧، والأسباب للواحدي: ٩١ - ٩٢، والعجاب في بيان الأساب: ٢/ ٦٦٥، وسيرة ابن هشام: ٢/ ٤٧، وقد عزاه السيوطي في \"اللباب: ص ٥١، إلى أبي داود في \"سننه\" والبيهقي في \"الدلائل\".\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٣، وزاد المسير: ١/ ٣٥٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٧): ص ٦/ ٢٢٧،\nو(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٦٦٨): ص ٦/ ٢٢٧،\nو(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٥٦.\n(٦) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ٢/ ٦٦٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥.\n(٩) انظر: السبعة في القراءات: ٢٠٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.","vol":"6","page":28},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]، أي بئس المهاد والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم\" (١).\nقال الطبري: أي: \"وبئس الفراش جهنم التي تحشرون إليها\" (٢).\nوفي تفسير: قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]، وجهان:\nأحدهما: بئس ما مهدوا لأنفسهم، قاله مجاهد (٣).\nوالثاني: معناه بئس القرار، قاله الحسن (٤).\nوفي ﴿بِئْسَ﴾ وجهان (٥):\nأحدهما: أنه مأخوذ من البأس، وهو الشدة.\nوالثاني: أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر.\nالفوائد:\n١ - أن الله يجمع للكفار بين عقوبتين: عقوبة في الدنيا وأخرى في القيامة.\n٢ - إثبات عذاب النار، لقوله: ﴿وتحشرون إلى جهنك﴾.\n٣ - إنشاء الذم للنار، لقوله: ﴿وبئس المهاد﴾.\nالقرآن\n﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران: ١٣]\nالتفسير:\nقد كان لكم -أيها اليهود المتكبرون المعاندون- دلالة عظيمة في جماعتين تقابلتا في معركة \"بَدْر\": جماعة تقاتل من أجل دين الله، وهم محمد ﷺ وأصحابه، وجماعة أخرى كافرة بالله، تقاتل من أجل الباطل، ترى المؤمنين في العدد مثليهم رأي العين، وقد جعل الله ذلك سببًا لنصر المسلمين علبهم. والله يؤيِّد بنصره من يشاء من عباده. إن في هذا الذي حدث لَعِظة عظيمة لأصحاب البصائر الذين يهتدون إلى حكم الله وأفعاله.\nقوله تعالى: ﴿﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣]، أي قد كان لكم يا معشر اليهود عظة وعبرة في طائفتين التقتا للقتال يوم بدر\" (٦).\nقال ابن عباس: \" أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ\" (٧).\nقال الربيع: \" كان ذلك يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا. وكان أصحاب محمد ﷺ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا\" (٨).\nقال الواحدي: \" وأراد بالـ ﴿آية﴾: علامة تدل على صدق النبي - ﷺ –\" (٩).\nقال ابن عطية: \" والفئة: الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة\" (١٠).\nوقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال: فأيته إذا فلقته\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣]، \" أي طائفةٌ مؤمنة تقاتل لإِعلاء دين الله \" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٢٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٣٥): ص ٢/ ٦٠٤، وتفسير الطبري (٦٦٧١)، و(٦٦٧٢): ص ٦/ ٢٢٩، وتفسير مجاهد: ١/ ١٢٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٣٧): ص ٢/ ٦٠٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٣٨): ص ٢/ ٦٠٥.\n(٩) التفسير البسيط: ٥/ ٧٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٧.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٣٨١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.","vol":"6","page":29},{"text":"قال مجاهد: \" محمد ﷺ وأصحابه\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿في سبيل الله﴾، يعني: في طاعة الله\" (٢).\nقال القاسمي: \" وهم النبيّ وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣]، وجوه من القراءة (٤):\nإحداها: ﴿فئة تقاتل﴾، برفع ﴿فئة﴾ على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وهي قراءة الجمهور.\nوالثانية: ﴿فئة﴾، بالخفض على البدل، قرأ بها مجاهد والحسن والزهري وحميد.\nوالثالثة: ﴿فئة﴾، بالنصب، وهي قراءة ابن أبي عبلة.\nقوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣]، \" أي: وطائفة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت وهم كفار قريش\" (٥).\nقال مجاهد: \" مشركي قريش يوم بدر\" (٦).\nقال القاسمي: \" وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف\" (٧).\nوقرأ ابن أبي عبلة: ﴿كافرة﴾، بالنصب (٨)، اجازه الزجاج، وقال: \"المعنى: التقتا مؤمنة وكافرة، ويجوز نصبها على: أعني فئة تقاتل .. \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين\" (١٠).\nقال قتادة: \" يضعفون عليهم، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر\" (١١).\nقال السدي: \" هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا، وذلك قول الله ﷿: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [سورة الأنفال: ٤٤] \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: رؤية حقيقية لا بالخيال\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات\" (١٤).\nوفي تفسير ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣]، قولان:\nأحدهما: أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقِّق، فيصير العدد ثلاثة أمثال، قاله الفراء (١٥).\nوالثاني: هو المزيد في الرؤية، قاله الزجاج (١٦).\nواختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين:\nأحدهما: أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وعدة المشركين في رواية عليٍّ (١٧) وابن مسعود (١٨) ألف،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤٠): ص ٢/ ٦٠٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤١): ص ٢/ ٦٠٥.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٠.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤٢): ص ٢/ ٦٠٥.\n(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٠.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٨.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٣٨٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤٣): ص ٢/ ٦٠٦.\n(١٢) أخرجه الطبري (٦٦٨١): ص ٦/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم (٣٢٤٣): ص ٢/ ٦٠٦.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٣٤١.\n(١٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٤.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٦٨٣): ص ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٦٨٤): ص ٦/ ٢٣٦.","vol":"6","page":30},{"text":"وفي رواية عروة (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣) ما بين تسعمائة إلى ألف، فقلَّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم، قاله ابن مسعود (٤)، والحسن (٥)، وابن جريج (٦).\nوالثاني: أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثرًا لهم، لتضعف به قلوبهم (٧).\nقال الماوردي: \"والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين، وتكثير القليل في أعين المشركين، وما تقدم من الوعد بالغلبة، فتحقق، قتلًا، وأسرًا، وسبيًا \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: والله\"يقوي بنصره من يشاء\" (٩).\nقال الماوردي: \" يعني من أهل طاعته\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" فأيد الله المؤمنين بنصره قال: كان هذا في التخفيف على المؤمنين\" (١١).\nوفي معنى التأييد في هذا الموضع وجهان (١٢):\nأحدهما: أنه المعونة.\nوالثاني: القوة.\nقال ابن عطية: \" ﴿يُؤَيِّدُ﴾، معناه: يقوي من الأيد وهو القوة (١٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: \" لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر\" (١٤).\nقال الربيع: \" لقد كان في هؤلاء عبرة ومتفكر\" (١٥).\nقال النسفي: أي: \"في تكثير القليل لعظة \" (١٦).\nقال ابن كثير: \" أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: \"لذوي العقول السليمة والأفكار المستقيمة\" (١٨).\nقال النسفي: أي: \" لذوي البصائر\" (١٩).\nقال الصابوني: \" ومغزى الآية أن القوة المادية ليست كل شيء، وأن النصر لا يكون بكثرة العَدد والعتاد، وإِنما يكون بمعونة الله وتأييده كقوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] \" (٢٠).\nالفوائد:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٦٨٥): ص ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦٦٨٦): ص ٦/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٦٨٨): ص ٦/ ٢٣٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٢٣٨): ص ٢/ ٦٠٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٦٩٠): ص ٦/ ٢٤٠.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٦٨٩): ص ٦/ ٢٣٧.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٤.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٣٧٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٢.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤٥): ص ٢/ ٦٠٦.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٨.\n(١٤) قاله قتادة، انظر: تفسير الطبري: (٦٦٩٢): ص ٦/ ٢٤٣.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٤٦): ص ٢/ ٦٠٦.\n(١٦) تفسير النسفي: ١/ ١٥٠.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١٧١.\n(١٩) تفسير النسفي: ١/ ١٥٠.\n(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.","vol":"6","page":31},{"text":"١ - ضرب الأمثال بالأمور الواقعة، لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة.\n٢ - إن النصر ليس بكثرة العدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله.\n٣ - ومن فوائد الآية: أن القتال لايكون سببا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، إخلاصا، وموافقة للشرع، واجتنابا للمحارم.\n٤ - إثبات أفعال الله، لقوله: ﴿والله يؤيد بنصره من يش وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.\n٥ - الرد على الجبرية في قوله: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فأضاف الفعل إليها، والجبرية تقول: لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النار الحطب.\n٦ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.\n٧ - ومن الفوائد انه لا يعتبر بالأمور إلا أولو الأبصار، لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\n٨ - الثناء على أهل البصيرة، لأن السياق فيهم، ويتضمن القدح في عُمي القلوب.\nالقرآن\n﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]\nالتفسير:\nحُسِّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين، والأموال الكثيرة من الذهب والفضة، والخيل الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة. ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية. والله عنده حسن المرجع والثواب، وهو الجنَّة.\nقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، \" أي حُسِّن إِليهم وحُبّب إِلى نفوسهم الميل نحو الشهوات\" (١).\nقال الطبري: \" زُيِّن للناس محبة ما يشتهون\" (٢).\nقال الثعلبي: \" الشهوات: جمع شهوة وهي نزوع عن النفس إليه\" (٣).\nوفي تفسير الناس في هذه الآية قولان:\nأحدهما: أن المراد: الناس عامة. وهو قول الجمهور. وهو الصحيح.\nوالثاني: يعني الكفار. قاله مقاتل بن سليمان (٤).\nوفي المُزّيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها، قاله الحسن (٥).\nالثاني: أن الله زيّن ذلك. وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب﵁- (٦).\nوتأويله: أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧]، قاله الزجاج (٧).\nوالثالث: أن الله زين من حبها ما حَسُن، وزين الشيطان من حبها ما قَبُح (٨).\nقال ابن عطية: \" وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر. وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضيح لمعاصري محمد ﵇ من اليهود وغيرهم، والشَّهَواتِ ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة، وقد\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٣٤٣.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٤٩)، و(٣٢٥٠): ص ٢/ ٦٠٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٤٨): ص ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٨٣.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.","vol":"6","page":32},{"text":"قال ﵇: \"حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره\" (١) فحسبك أن النار حفت بها، فمن واقعها خلص إلى النار\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: شهوة الجنس.\nقال النسفي: \" والإماء داخلة فيها \" (٣).\nقال الثعلبي: \" بدأ بهن [أي النساء] لأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الفتان\" (٤).\nقال ابن كثير: \" فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه، ﵇، قال مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء\". فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، \"وإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرهَا نسَاءً\" (٥) وقوله، ﵇ الدُّنْيَا مَتَاع، وخَيْرُ مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ، إنْ نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْه، وإنْ غَابَ عَنْها حَفِظْتُه في نَفْسهَا وَمَالِهِ\" (٦) وقوله في الحديث الآخر: \"حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصَّلاةِ\" (٧) وقالت عائشة، ﵂: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل، وفي رواية: من الخيل إلا النساء (٨) \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: ومن البنين.\nقال النسفي: \" جمع \"ابن\" وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع\" (١٠).\nقال ابن كثير: \"وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: \"تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ\" (١١) \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، \" أي: الأموال الكثيرة المكدَّسة من الذهب والفضة\" (١٣).\nقال الواحدي: \" الذهب: التبر. والقطعة ذهبة، والفضة: الفض في اللغة معناه: التفريق، والكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك، فالفضة سميت؛ لأن من شأنها أن تفرق بضرب الدراهم\" (١٤).\nواختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل:\nأحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل (١٥)، وأبي هريرة (١٦)، وعاصم بن أبي النجود (١٧)، ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله (ﷺ): \" القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية\" (١٨).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ٤/ ٢١٧٤، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم: ٢٨٢٣، والترمذي ٤/ ٥٩٨، كتاب صفة الجنة، رقم: ٢٥٥٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٨.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٥٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٤١٧.\n(٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٦٩) موقوفا على ابن عباس.\n(٦) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٧) والنسائي في السنن (٦/ ٦٩) وابن ماجه في السنن برقم (١٨٥٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.\n(٧) رواه أحمد في المسند (٣/ ١٢٨) والنسائي في السنن (٧/ ٦١) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٨) رواه النسائي في الكبرى (٤٤٠٤) من طريق سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك، به. وله شاهد من حديث معقل بن يسار، رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٧).\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ١٥٠.\n(١١) رواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٥٠) والنسائي في السنن (٦/ ٦٥) وابن حبان في صحيحه برقم (١٢٢٩) \"موارد\" والحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٢) وصححه وأقره الذهبي من حديث معقل بن يسار.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(١٤) التفسير البسيط: ٥/ ٩٧، وانظر: العين: ٧/ ١٣، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٧٩٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٦٩٦): ص ٦/ ٢٤٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٠): ص ٦/ ٢٤٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٦٩٩): ص ٦/ ٢٤٤.\n(١٨) أخرجه الطبري (٦٧٠١): ص ٦/ ٢٤٥.","vol":"6","page":33},{"text":"والثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول ابن عباس (١)، والضحاك (٢)، والحسن (٣)، وقد رواه الحسن عن النبي - ﷺ - (٤).\nوالثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس (٥)، والضحاك (٦)، والحسن (٧).\nوالرابع: أنه ثمانون ألفًا من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب (٨)، وقتادة (٩)، وأبي صالح (١٠)، والسدي (١١).\nوالخامس: أنه سبعون ألفًا، قاله ابن عمر (١٢)، ومجاهد (١٣).\nوالسادس: أنه ملء مسك ثور ذهبًا، قاله أبو نضرة (١٤)، والكلبي (١٥).\nوالسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع (١٦).\nوالراجح أن القنطار: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف (١٧).\nوفي تفسير ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] ستة أقاويل:\nأحدها: أنها المضاعفة، وهو قول قتادة (١٨) والضحاك (١٩).\nوالثاني: أنها الكاملة المجتمعة (٢٠).\nوالثالث: هي تسعة قناطير، قاله الفراء (٢١).\nوالرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير، وهو قول السدي (٢٢).\nوالخامس: أنها المجعولة كذلك، كقولهم دراهم مدرهمة (٢٣).\nوالسادس: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي، إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة. قاله الماوردي (٢٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٤): ص ٦/ ٢٤٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٥): ص ٦/ ٢٤٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٣): ص ٦/ ٢٤٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٢): ص ٦/ ٢٤٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٦): ص ٦/ ٢٤٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٧): ص ٦/ ٢٤٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٨) - (٦٧١٢): ص ٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٣): ص ٦/ ٢٤٦٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٥): ص ٦/ ٢٤٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٧): ص ٦/ ٢٤٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٨): ص ٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢١): ص ٦/ ٢٤٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٢٦١): ص ٢/ ٦٠٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٩): ص ٦/ ٢٤٨، وابن أبي حاتم (٣٢٦٢): ص ٢/ ٦٠٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٢): ص ٦/ ٢٤٨.\n(١٥) أورد قوله: أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٩، وأورده نقلا عن النقاش ابن عطية، في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٣١، وفي \"الزاهر\" ١/ ٤٣٢، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٤): ص ٦/ ٢٤٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٥): ص ٦/ ٢٤٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٦): ص ٦/ ٢٥٠.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.\n(٢١) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٥.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٧): ص ٦/ ٢٥٠.\n(٢٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥، والتفسير السيط: ٥/ ٩٦.\n(٢٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٥.","vol":"6","page":34},{"text":"قال ابن عطية: \" والذي أقول: إنها إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا، فذلك أشهى في أمره وذلك أنك تقول في رجل غني من الحيوان والأملاك: فلان صاحب قناطير مال أي لو قومت أملاكه لاجتمع من ذلك ما يعدل قناطير، وتقول في صاحب المال الحاضر العتيد هو صاحب قناطير مقنطرة أي قد حصلت كذلك بالفعل بها، أي قنطرت فهي مقنطرة، وذلك أشهى للنفوس وأقرب للانتفاع وبلوغ الآمال\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: الأصيلة الحسان\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] أقوال:\nأحدها: أنها الراعية، قاله سعيد بن جبير (٣)، والربيع (٤)، وعبدالرحمن بن أبزى (٥)، وابن عباس (٦)، والحسن (٧) ومجاهد (٨)، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]﴾ أي ترعون.\nوالثاني: أن المسومة الحسنة، قاله مجاهد (٩)، وعكرمة (١٠)، والسدي (١١).\nوالثالث: أنها المعلَّمة، قاله ابن عباس (١٢)، وقتادة (١٣).\nوالرابع: أنها المعدة للجهاد، قاله ابن زيد (١٤).\nوالخامس: أنها: الغرة والتحجيل. قاله مكحول (١٥).\nوالسادس: أن المسومة: منطقة بحمرة. قاله مطر (١٦).\nوالسابع: أنها من السيما مقصورة وممدود، قاله الحسن (١٧)، ومنه قال الشاعر (١٨):\nغلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعًا ... له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر\nوالصواب ان ﴿الخيل المسوّمة﴾، هي \"المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. لأن \" التسويم \" في كلام العرب: هو الإعلام\" (١٩). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: الإبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة\" (٢٠).\nقال السدي: \" الأنعام الراعية\" (٢١).\nقوله تعالى:: ﴿والْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، \" أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة\" (٢٢).\nقال الصابوني: \" أي: الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم\" (٢٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٤٠٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٠): ص ٦/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٣٦): ص ٦/ ٢٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٧٣٣): ص ٦/ ٢٥٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٧٣٤): ص ٦/ ٢٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٧٣٥): ص ٦/ ٢٥٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٧٣٧): ص ٦/ ٢٥٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٧٣٨) - (٦٧٤٢): ص ٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧٤٣): ص ٦/ ٢٥٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٤٥): ص ٦/ ٢٥٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٤٦): ص ٦/ ٢٥٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٤٧): ص ٦/ ٢٥٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٤٩): ص ٦/ ٢٥٤.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٧٥): ص ٢/ ٦١١.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٧٤): ص ٢/ ٦١١.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٢٧٣): ص ٢/ ٦١١.\n(١٨) البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري، انظر: الأغاني: ١٩/ ٢٠٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٥٨٦، وللتبريزي: ٤/ ٢٦٨، وزهر الآداب: ٩٥٩، وسمط الآلي: ٥٤٣، واللسان، مادة\"سوم\"، وتهذيب اللغة: ١٣/ ١١٢، والمخصص: ١٦/ ١٦.\n(١٩) تفسير الطبري: ٦/ ٢٥٤.\n(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١ - ١٧٢.\n(٢١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٦): ص ٢/ ٦١١.\n(٢٢) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩١.\n(٢٣) صفوة التفاسير: ١٧٢.","vol":"6","page":35},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿والْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، تفسيران:\nأحدهما: أنه الزرع.\nوالثاني: أنه أرض الحرث، لأنها أصل، ويكون الحرث بمعنى المحروث. أفاده الماوردي (١).\nقوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١٤]، \" أي إِنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتُها الفانية الزائلة\" (٢).\nقال البيضاوي: \" إشارة إلى ما ذكر\" (٣).\nقال الآلوسي: \" أي ما يتمتع به أياما قلائل ثم يزول عن صاحبه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: وعند الله حسن المرجع والثواب\" (٥).\nقال السدي: \" يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة\" (٦).\nقال البيضاوي: \" أي المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية (٧).\nقال الطبري: \" وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثرُوا الدنيا وحبَّ الرياسة فيها، على اتباع محمد ﷺ بعد علمهم بصدقه\" (٨).\nقال السعدي: \" فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين:\nقسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب.\nوالقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها ﴿ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم.\nوفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما\" (٩).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: حكمة الله ﷿ في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات لهم في هذه الأمور السبعة، ووجه الحكمة أنه لولا هذه الشهوات التي تنازع الإنسان في اتجاهه إلى ربه لم يكن للاختبار في الدين فائدة.\n٢ - ومنها: انه لا يذم من احب هذه الامور على غير هذا الوجه، وهو محبة الشهوة، لأنه إذا زينت له محبة هذه الأمور لا لأجل الشهوة لم يكن ذلك سببا لصده عن دين الله.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٧٢.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨.\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٩٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٢٥٨، وصفوة التفاسير: ١٧٢.\n(٦) أخرجه الطبري (٦٧٥٠): ص ٦/ ٣٤٢.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٣٤٣.\n(٩) تفسير السعدي: ١/ ١٢٣.","vol":"6","page":36},{"text":"٣ - ومنها: تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدّم النساء، لكونها اعظم فتنة.\n٤ - انه كلما كثرة المال ازدادت الفتنة في شهوته، لقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، لذلك نرى أن بعض الأغنياء كلما كثر مالهم اشتد بخلهم ومنعهم.\n٥ - ومن الفوائد ان هذه الأشياء كلها لاتعدو ان تكون متاع الحياة الديناـ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\n٦ - التزهيد في التعليق بهذه الأشياء، أن ماعند الله خير من هذه الدنيا، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.\n٧ - تنقيص هذه الحياة الدنياـ لقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nالقرآن\n﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول-: أأخبركم بخير مما زُيِّن للنَّاس في هذه الحياة الدنيا، لمن راقب الله وخاف عقابه جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها، ولهم فيها أزواج مطهرات من الحيض والنفاس وسوء الخلق، ولهم أعظم من ذلك: رضوان من الله. والله مطَّلِع على سرائر خلقه، عالم بأحوالهم، وسيجازيهم على ذلك.\nفي سبب نزول الآية أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال: \" لما نزلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ إلى آخر الآية، قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ الآية كلها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، \" أي قل يا محمد أأخبركم بخيرٍ ممّا زُيِّن للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ \" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، \" أي للمتقين يوم القيامة\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه عند ربهم\" (٥).\nقال قتادة: \" أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم زينت لنا الدنيا، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، \"أي: جناتٌ فسيحات تجري من خلال جوانبها وأرجائها الأنهار\" (٧).\nقال أبو مالك\" يعني المساكن تجري أسفلها أنهار\" (٨).\nقال عبدالله: \" أنهار الجنة تفجر من جبل مسك\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٥]، أي: ماكثين فيها أبد الآباد\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له\" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٤٧): ص ٢/ ٦٠٦، وانظر: العجاب في بيان الأسباب (١٨٢): ص ٢/ ٦٦٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٢.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٧٩): ص ٢/ ٦١٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٨٢): ص ٢/ ٦١٢.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٨١): ص ٢/ ٦١٢.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٨٤): ص ٢/ ٦١٢ - ٦١٣.","vol":"6","page":37},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥]، أي منزهةٌ عن الدنس والخبث، الحسي والمعنوي، لا يتغوَّطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن نساء الدنيا\" (١).\nقال ابن عباس: \" مطهرة من القذر والأذى\" (٢).\nقال مجاهد: \" مطهرة من الحيض، والغائط والبول، والنخام، والبزاق، والمني، والولد\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله﴾ [آل عمران: ١٥]، \"أي ولهم مع ذلك النعيم رضوانٌ من الله\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم \" (٥).\nعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷿: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟\nفيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]، أي والله \"عليم بأحوال العباد\" (٧).\nقال عامر: \" رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية: ﴿سميع بصير﴾.\nيقول: بكل شيء بصير\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء\" (٩).\nالفوائد:\n١ - أهمية هذا النبأ وذلك من وجهين: الأول تصديره بالأمر والثاني إتيانه بصيغة الاستفهام التقريري الدال على التشويق.\n٢ - العناية الإلهية بخلقه، إذ أنه لما ذكر ما زيّن لهم من الشهوات، أنبأهم بما هو خير من ذلك.\n٣ - تكريم المتقين والعناية بهم بان لهم هذا الخير بجوار رب العالمين، لقوله: ﴿عند ربهم جنات﴾.\n٤ - ومن الفوائد: أن تمام نعيم المتقين يكون برضوان الله، وهو اكبر نعيم، لقوله: ﴿ورضوان من الله﴾.\n٥ - إثبات صفة الرضا لله تعالى، وهو من الصفات الفعلية، لأنه يتعلق بمشيئته، فمتى وجب سبب الرضا وجد الرضا، وكل سبب تكون متعلقة بسبب فغنها من الصفات الفعلية.\n٦ - إحاطته جلّ وعلا بالعباد علما ورؤية، لقوله: ﴿والله بصير بالعباد﴾.\n٧ - أن عامة الخلق هم عباد الله، المتقي منهم وغير المتقي، لقوله: ﴿والله بصير بالعباد﴾.\n٨ - التحذير من مخالفة امره تعالى، لأنه متى علم الانسان أن الله بصير به، فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦]\nالتفسير:\nهؤلاء العباد المتقون يقولون: إننا آمنا بك، واتبعنا رسولك محمدًا ﷺ، فامْحُ عنا ما اقترفناه من ذنوب، ونجنا من عذاب النار.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٧٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٨٥): ص ٢/ ٦١٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٨٦): ص ٢/ ٦١٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٧٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢ - ٢٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٨٨): ص ٢/ ٦١٣، ومسلم في كتاب الجنة: رقم (٢٨٢٩): ص ٤/ ٢١٧٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٧٢.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٩٠): ص ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.","vol":"6","page":38},{"text":"قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٦]، \" الذين يقولون: ربنا إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء به من عندك\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: [صدّقنا] بك وبكتابك وبرسولك\" (٢).\nقال الراغب الأصفهاني: \" ﴿الَّذِينَ﴾ جرّ صفة للعباد، أو رفع على تقدير: هم الذين، أو نصب على المدح، وقوله: (يَقُولُونَ) ليس يعني أن ذلك منهم بالقول فقط، بل باعتقادهم وفعلهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٦]، أي: \" فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتركك عقوبتنا عليها\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، أي: \" ونجنا من عذاب النار\" (٦).\nقال الحاكم: \"في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به إلى الله، ثم يدعو ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أصحاب الغار (٧)، وتوسل كل منهم بصالح عمله، ثم تفريج الباري تعالى عنهم\" (٨).\nقال السعدي: \" توسلوا بمنة الله عليهم بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر آثارها وهو عذاب النار\" (٩).\nالفوائد:\n١ - إن من صفات المؤمنين إعلانهم الإيمان بالله، واعترافهم بالعبودية له، والقول هنا باللسان ويكون بالقلب، ويصدقه العمل.\n٢ - جواز التوسل بالإيمان، لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فإن الفاء هنا سببية، أي ان مابعدها سبب عما قبلها.\n٣ - ومن الفوائد: الشعور بالتقصير وعدم الإعجاب بالنفس، لأن التقوى لاتعصم العبد من الذنوب، بل قد يكون له ذنوب، لكن المتقي يبادر بالتوبة إلى الله تعالى.\n٤ - ومن الفوائد: إثبات عذاب النار، لقوله: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nالقرآن\n﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧]\nالتفسير:\nهم الذين اتصفوا بالصبر على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى ما يصيبهم من أقدار الله المؤلمة، وبالصدق في الأقوال والأفعال وبالطاعة التامة، وبالإنفاق سرا وعلانية، وبالاستغفار في آخر الليل; لأنه مَظِنَّة القبول وإجابة الدعاء.\nقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِين﴾ [آل عمران: ١٧]، أي: الصابرين \" في البأساء والضراء وحين البأس\" (١٠).\nقال قتادة: \"، قوم صبروا على طاعة الله، وصَبروا عن محارمه\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٤٥٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦٣.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٧٢.\n(٧) أخرجه البخاري في: البيوع، ٩٨ - باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٣.\n(٩) تفسير السعدي: ١٢٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٧٥٢): ص ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.","vol":"6","page":39},{"text":"وفي تفسير ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] أربعة تأويلات (١):\nأحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي.\nوالثاني: يعني في المصائب.\nوالثالث: الصائمين.\nالرابع: الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات. أفاده الماوردي (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، \"أي الصادقين في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم\" (٣).\nقال قتادة: \": قوم صدَقت أفواههم واستقامت قُلوبهم وألسنتهم، وصَدقوا في السرّ والعلانية\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يقول: على أمر الله\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" الذين صدقوا الله في قولهم بتحقيقهم الإقرارَ به وبرسوله وما جاء به من عنده، بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه\" (٦).\nقال ابن كثير: \"فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة\" (٧).\nوفي قوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] أربعة اوجه:\nأحدها: في قولهم (٨).\nوالثاني: في إيمانهم. قاله سعيد (٩).\nوالثالث: أنهم العابدون. قاله عباد بن منصور (١٠).\nوالرابع: في القول والفعل والنيَّة، وهذا معنى قول قتادة (١١).\nقال الماوردي: \"والصدق في القول: الإخبار بالحق، والصدق في الفعل: إتمام العمل، والصدق في النية: إمضاء العزم (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالقَانِتِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، أي: \" المطيعين لله الخاضعين له\" (١٣).\nقال ابن كثير: \"والقنوت: الطاعة والخضوع \" (١٤).\nوفي قوله ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] ثلاثة اقوال:\nأحدها: يعني المطيعين، قاله سعيد بن جبير (١٥)، وروي عن قتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٦).\nوالثاني: أنهم المصلون. قاله عطاء (١٧).\nوالثالث: معناه القائمون على بادة الله، قاله الزجاج (١٨).\nقوله تعالى: ﴿والْمُنفِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، \"أي الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٨.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٣.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٧٥٢): ص ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٩١): ص ٢/ ٦١٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦٤.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٩٣): ص ٢/ ٦١٤.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٩٥): ص ٢/ ٦١٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٢): ص ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٧٨.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٤.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٩٧): ص ٢/ ٦١٥.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٩٧): ص ٢/ ٦١٥.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٩٦): ص ٢/ ٦١٥.\n(١٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٨٥.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١٧٢.","vol":"6","page":40},{"text":"قال القاسمي: \" أموالهم في سبيل الله تعالى من الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات\" (١).\nقال الطبري: \" فهم المؤتون زكوات أموالهم، وواضعوها على ما أمرهم الله بإتيانها، والمنفقون أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها\" (٢).\nقال ابن كثر: \"أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات\" (٣).\nويحتمل قوله ﴿والْمُنفِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] تأويلان (٤):\nأحدهما: في الجهاد.\nوالثاني: في جميع البِرِّ.\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، أي: والمستغفرين \"وقت السحر فبيل طلوع الشمس\" (٥).\nقال الزجاج: \" فالله ﷿ وصف هؤلاء بالتصديق والإنفاق في سبيله والقيام بعبادته، ثم وصفهم بأنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم يستغفرون بالأسحار\" (٦).\nقال الرازيّ: واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك، فقوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل\" (٧).\nقال ابن كثير: \"دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب، ﵇، لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أنه أخرهم إلى وقت السحر\" (٨).\nوذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأْسْحَار﴾ [آل عمران: ١٧]، ثلاثة تأويلات:\nأحدها يعني المصلين بالأسحار، قاله قتادة (٩).\nوالثاني: أنهم المستغفرون قولًا بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة، قاله ابن مسعود (١٠)، وابن عمر (١١)، وأنس بن مالك (١٢)، وجعفر بن محمد (١٣).\nوالثالث: أنهم يشهدون الصبح في جماعة، قاله زيد بن أسلم (١٤).\nقال الزجاج: \" السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، العرب تقول جئتك بأعلى السحر تريد في أول السحر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر الظاهر البين\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - فضيلة هذه الصفات التي أثنى الله عليها، وهي: الصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق، والاستغفار، في الأسحار، والحث على الاتصاف بها.\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٦٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٧٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٣٨٥، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٨.\n(٧) مفاتيح الغيب: ٧/ ١٦٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٣): ص ٦/ ٢٦٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٥): ص ٦/ ٢٦٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٦): ص ٦/ ٢٦٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٧): ص ٦/ ٢٦٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٨): ص ٦/ ٢٦٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٥٩): ص ٦/ ٢٦٧.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٣٨٥، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٨.","vol":"6","page":41},{"text":"٢ - إن الصبر أفضل هذه الصفات، لأن الانسان إذا حقق الصبر، حقق جميع هذه الصفات، فمن أقسام الصبر: السبر على طاعة الله وعن معصيته.\n٣ - ذم الاتصاف بضدّ هذه الصفات، وهي: الجزع، والذب، وقلة الطاعة، والبخل، والشح، والاستكبار عن الاستغفار.\nالقرآن\n﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨]\nالتفسير:\nشهد الله أنه المتفرد بالإلهية، وقَرَنَ شهادته بشهادة الملائكة وأهل العلم، على أجلِّ مشهود عليه، وهو توحيده تعالى وقيامه بالعدل، لا إله إلا هو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، الحكيم في أقواله وأفعاله.\nفي سبب نزول الآية:\nقال الواحدي: \"قال الكلبي: لما ظهر رسول الله - ﷺ - بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي - ﷺ - عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: \"نعم\"، قالا: وأنت أحمد؟ قال: \"نعم\"، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله - ﷺ - \"سلاني\"، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله - ﷺ –\" (١). وذكره الثعلبي عن الكلبي (٢).\nقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، \"أي بيّن وأعلم تعالى عباده بانفراده بالوحدانية\" (٣).\nقال ابن كثير: \" شهد تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين - ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ (٣) شَهِيدًا﴾ الآية [النساء: ١٦٦] \" (٤).\nواختلف القراء في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، على ثلاثة اوجه (٥):\nأحدها: ﴿شهد الله﴾، بالرفع والمد على معنى: هم شهداء يعني: الذين مر ذكرهم. قراءة أبي نهيك وأبي الشعثاء.\nوالثاني: ﴿شهد الله﴾، منصوبة على الحال والمدح. رواه المهلب عن محارب بن دثار.\nوالثالث: ﴿شهد الله﴾، على الفعل، أي: بيّن لأن الشهادة تبيين، قراءة الباقين.\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، أي وشهدت الملائكة وأهل العلم بوحدانيته بدلائل خلقه وبديع صنعه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، \" أي مقيمًا للعدل في جميع أمورِه\" (٨).\nقال القاسمي: \"أي بالعدل في أحكامه\" (٩).\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٩٩.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤.\n(٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٢٩٥.","vol":"6","page":42},{"text":"قال أبو السعود: \" بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ [آل عمران: ١٨]، \" أي: لا معبود في الوجود بحق إِلا هو (٢).\nقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، \" أي: العزيز في ملكه الحكيم في صنعه\" (٣).\nقال ابن كثير: \" ﴿العزيز﴾: الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء، ﴿الحكيم﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره\" (٤).\nالفوائد:\n١ - بيان فضيلة التوحيد، إذ أخبر الله به عباده بلفظ الشهادة.\n٢ - ومن الفوئاد: بيان فضيلة الملائكة، إذ جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بالتوحيد بعدع ﷾.\n٣ - فضيلة العلم وأهله، لقوله: ﴿وأولوا العلم﴾.\n٤ - وصف الله تعالى بتمام العدل، لقوله: ﴿قائما بالقسط﴾.\n٥ - إثبات العزة والحكمة لله، لقوله: ﴿العزيز الحكيم﴾، وأن عزة الله مبنية على الحكمة، وتنزيل الأشياء في منازلها، وهذا مأخوذ من ضم الاسمين الكريمين بعضهما إلى البعض، لأن العزيز من المخلوقين قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقول الحق، أما الله تعالى فإنه يقول الحق مع كمال عزته.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩]\nالتفسير:\nإن الدين الذي ارتضاه الله لخلقه وأرسل به رسله، ولا يَقْبَل غيره هو الإسلام، وهو الانقياد لله وحده بالطاعة والاستسلام له بالعبودية، واتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى خُتموا بمحمد ﷺ، الذي لا يقبل الله مِن أحد بعد بعثته دينًا سوى الإسلام الذي أُرسل به. وما وقع الخلاف بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فتفرقوا شيعًا وأحزابًا إلا من بعد ما قامت الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب; بغيًا وحسدًا طلبًا للدنيا. ومن يجحد آيات الله المنزلة وآياته الدالة على ربوبيته وألوهيته، فإن الله سريع الحساب، وسيجزيهم بما كانوا يعملون.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري من طريق الربيع بن أنس في هذه الآية قال: قال أبو العالية: ﴿بَغْيًا بينهم﴾، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس\" (٥)، قال الربيع: \"إن موسى لما حضره الموتُ دعا سبعين حَبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كلّ حبر جُزءًا منه، واستخلف موسى يوشع بن نون. فلما مضى القرن الأول ومضى الثاني ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم - وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين – حتى أهَرقوا بينهم الدماء، ووقع الشرّ والاختلاف. وكان ذلك كله من قبل الذين أتوا العلم، بغيًا بينهم على الدنيا، طلبًا لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلَّط الله عليهم جبابرتهم، فقال الله: ﴿إن الدّين عند الله الإسلام﴾ إلى قوله: ﴿والله بصير بالعباد﴾ \" (٦).\nوالثاني: أخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر ابن الزبير في هذه الآية، قال: \"يعني بذلك النصارى\" (٧).\nوالثالث: نقل الثعلبي عن الكلبي قال: \" نزلت في يهوديين تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قال: دين الله هو الإسلام بغيا منهم، فلما وجدا نظيره قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، فقالت اليهود والنصارى: لسنا على ما سميتنا به يا محمد إن اليهودية والنصرانية سب هو الشرك، والدين هو الإسلام ونحن عليه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أي: إن \"الشرع المقبول عند الله هو الإِسلام\" (٩).\nقال البيضاوي: \" أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ\" (١٠).\nقال أبو الرباب القشيري: \"يأمرهم بالإسلام وينهاهم عما سواه\" (١١).\nقال أبو العالية: \" الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لها تبع\" (١٢).\nقال الطبري: \" ومعنى \" الدين \"، في هذا الموضع: الطاعة والذّلة، من قول الشاعر (١٣):\nوَيَوْمُ الحَزْنِ إِذْ حُشِدَتْ مَعَدٌّ ... وَكَانَ النَّاسُ، إِلا نَحْنُ دِينَا\nيعني بذلك: مطيعين على وجه الذل، ومنه قول القطامي (١٤):\nكانَتْ نَوَارُ تَدِينُك الأدْيانا\nيعني: تُذلك، وقول الأعشى ميمون بن قيس (١٥):\nهُوَ دَانَ الرِّبَابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ... ينَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ\nيعني بقوله: \" دان \" ذلل وبقوله: \" كرهوا الدين \"، الطاعة\" (١٦).\nوفي أصل \"الاسلام\"، قولان (١٧):\nأحدهما: أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة، لأنه يعود إلى السلامة.\nوالثاني: أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٩]، \" أي: وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإِسلام ونبوة محمد ﵇\" (١٨).\nقال سعيد: يعني: \"بنو اسرائيل\" (١٩).\nوفي أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنهم أهل التوراة من اليهود، قاله الربيع (٢٠).\nوالثاني: أنهم أهل الإِنجيل من النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير (٢١)، ورجحه الطبري (٢٢).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤.\n(٥) تفسير الطبري (٦٧٦٧): ص ٦/ ٢٧٧.\n(٦) تفسير الطبري (٦٧٦٩): ص ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٧) تفسير الطبري (٦٧٧٠): ص ٦/ ٢٧٨، ورواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق ٢/ ٢٢٧، وقوله: \" يعني بذلك النصارى \"، ليس في ابن هشام، وكأنه من تفسير الطبري للخبر.\n(٨) تفسير الثعلبي:، وانظر: العجاب: ٢/ ٦٦٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٢): ص ٢/ ٦١٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٣): ص ٢/ ٦١٧ - ٦١٨.\n(١٣) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٦/ ٢٧٤، ولم أتعرف على قائله.\n(١٤) ديوانه: ١٥، وتمامه: \"رَمَتِ المَقَاتِلَ مِنْ فُؤَادِكَ، بَعْدَ ما ... كانَتْ جَنُوبُ تَدِينُكَ الأدْيانَا\".\n(١٥) ديوانه: ١٢،\n(١٦) تفسير الطبري: ٦/ ٢٧٤.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(١٨) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٥): ص ٢/ ٦١٨.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧٦٩): ص ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٧٠): ص ٦/ ٢٧٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٢٧٦.","vol":"6","page":43},{"text":"والثالث: أنهم أهل الكتب كلها، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص، وهو قول بعض المتأخرين (١).\nوفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل (٢):\nأحدها: في أديانهم بعد العلم بصحتها.\nوالثاني: في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف.\nوالثالث: في دين الإِسلام.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، \" أي: إِلا بعد أن علموا بالحجج النيرّة والآيات الباهرة حقيقة الأمر\" (٣).\nقال أبو العالية: \" إلا من بعد ما جاءهم الكتاب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، \" أي حسدًا كائنًا بينهم حملهم عليه حب الرئاسة\" (٥).\nقال أبيّ بن كعب: \" بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعضهم\" (٦).\nقال أبو العالية: \" بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا بعد ما كانوا علماء الناس\" (٧).\nوروي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿بغيا بينهم﴾، قال: \"كثرت أموالهم، فتنازعوا فيها\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩]، \" أي: [و] من جحد بما أنزل الله في كتابه، فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" توعد ﷿ الكفار\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي من يكفر بآياته تعالى فإِنه سيصير إلى الله سريعًا فيجازيه على كفره\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩]، وجهان:\nأحدهما: أنه يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب. أفاده ابن عطية (١٣).\nوالثاني: أن المعنى: إحصاؤه عليهم، فيحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علما لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، وهذا معنى قول مجاهد (١٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة: ان الدين الذي يعتد به ويكون مقبولا عند الله هو الاسلام، وكل دين يخالف الاسلام في اي زمان فليس بمقبول مرضي عند الله.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٦): ص ٢/ ٦١٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٨): ص ٢/ ٦١٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٩): ص ٢/ ٦١٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣١٩): ص ٢/ ٦١٨.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥ - ٢٦.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٤١٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٢٢٠): ص ٢/ ٦١٩.","vol":"6","page":44},{"text":"٢ - ومنها: أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم، وأن اختلافهم ليس لقصد الحق، وإنما لقصد البغي والعدوان بعضهم على بعض، حتى ليضل بعضهم بعضا.\n٣ - ومنها: الإشارة إلى التحذير مما وقع هؤلاء الكفار الذين أوتوا الكتاب، ومعلوم أن البغي محذر منه، غير مرغوب فيه.\n٤ - ومنها: التحذير من الكفر بآيات الله، وبالتالي الحثّ على الايمان بآيات الله، لأن القدح في الشيء مدح لضده.\n٥ - بيان قدرة الله ﷿ بكونه سريع الحساب.\n٦ - يستفاد من الآية الرد على الجبرية، ووجه ذلك أن الله تعالى أسند هذه الأفعال إلى فاعليها ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وما اشبه ذلك، كل ذلك يفيد أن للإنسان إرادة وفعلا اختياريا، خلافا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يجبر عليها الانسان.\nالقرآن\n﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠]\nالتفسير:\nفإن جادلك -أيها الرسول- أهل الكتاب في التوحيد بعد أن أقمت الحجة عليهم فقل لهم: إنني أخلصت لله وحده فلا أشرك به أحدًا، وكذلك من اتبعني من المؤمنين، أخلصوا لله وانقادوا له. وقل لهم ولمشركي العرب وغيرهم: إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وليس عليَّ إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة. والله بصير بالعباد، لا يخفى عليه من أمرهم شيء.\nفي سبب نزول الآية: قال ابن حجر: \"قال ابن الكلبي: لما نزلت: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ قالت اليهود والنصارى: لسنا على ما تسمينا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية ليست لنا، والدين هو الإسلام ونحن عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: خاصموك في الدين: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ قال: فقالوا: أسلمنا، فقال لليهود: \"أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله، فقالوا: لا فنزلت: ﴿وَإِنْ ١ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، \"أي إِن جادلوك يا محمد في شأن الدِّين فقل لهم: أنا عبدٌ لله قد استسلمتُ بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده\" (٢).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \"أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: \" خَلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا \"، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ \" (٣).\nقال الحسن: \" إن حاجك اليهود والنصارى فقل: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ \" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: جادلوك في التوحيد فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ند له، ولا ولد ولا صاحبة له\" (٥).\nقال الزمخشري: \"فإن جادلوك في الدين، فقل: أخلصت نفسي وجملتي للَّه وحده لم أجعل فيها لغيره شركا بأن أعبده وأدعوه إلها معه يعنى أن دينى التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلونى فيه. ونحوه (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه فما معنى المحاجة فيه\" (٦).\n_________\n(١) العجاب: ٢/ ٦٧٠. وهذا القول غريب جدا.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٧٧٣): ص ٦/ ٢٨٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٢١): ص ٢/ ٦١٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٣٤٧.","vol":"6","page":46},{"text":"قال القاسمي: \" ﴿فإن حاجوك﴾ في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات فَقُلْ: انقدت لآيات الله المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره\" (١).\nقال ابن عطية: \" الضمير في حَاجُّوكَ لليهود ولنصارى نجران والمعنى: إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك، [وقل]: جعلت مقصدي لله أو أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك لله\" (٢).\nقال الطبري: \" وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: ﴿أسلمت وجهي لله﴾، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه\" (٣).\nقال أبو السعود: \" وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء\" (٤).\nقال الماوردي: \" فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم، فعنه جوابان:\nأحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال.\nوالثاني: أنهم ما حاجُّوه طلبًا للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجُّوه إظهارًا للعناد، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، \" أي: وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله\" (٦).\nقال ابن كثير: أي: \" على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] \" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن \" عباد بن منصور قال: سألت عن قوله: ﴿ومن اتبعن﴾، قال: ليقل من اتبعك مثل ذلك، وبها تخاصم اليهود والنصارى\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ [آل عمران: ٢٠]، \" وقل \"، يا محمد، للذين أوتوا الكتاب \" من اليهود والنصارى \" والأميين \" الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب\" (٩).\nوفي تفسير قوله: ﴿وَالأُمِّيِّينَ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وجهان من التفسير:\nأحدهما: انهم الذين لا كتاب لهم، قاله محمد بن إسحاق (١٠).\nوالثاني: أنهم الذين لايكتبون، وهم مشركو العرب. قاله ابن عباس (١١).\nقوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: \" هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ [آل عمران: ٢٠]، \" أي فإِن أسلموا كما أسلمتم\" (١٣).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٧٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٨٠.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٨.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٨١.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٢٨٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٢٤): ص ٢/ ٦١٩.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٢٨١.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٢٦): ص ٢/ ٦١٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٢٧): ص ٢/ ٦٢٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٨١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٧٤.","vol":"6","page":47},{"text":"قال أبو السعود: \" أي كما أسلمتم وإنما لم يصرح به كما في قوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بِهِ﴾ حسمًا لباب إطلاق اسم الإسلام على شئ آخر بالكلية \" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: \" فقد نفعوا أنفسهم بخروجهم من الضلال إِلى الهدى ومن الظلمة إِلى النور\" (٢).\nقال الربيع: \" من تكلم بهذا صدقا من قلبه، يعني: الإيمان، فقد اهتدى\" (٣).\nقال البيضاوي: أي: \" فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال\" (٤).\nقال أبو السعود: \" أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: وإن \"أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام\" (٦).\nقال محمد ابن إسحاق: \"وإن تولوا على كفرهم\" (٧).\nوعن الربيع بن أنس قوله: \" ﴿وإن تولوا﴾ عنه يعني: عن الإيمان\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: \"فلم يضرّوك شيئًا إذْ ما عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغُ\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت\" (١١).\nقال ابن عطية: \" ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف، وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بما فيه قتال وغيره\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، \" أي عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم عليها\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته، وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صَلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق\" (١٥).\nقال ابن الجوزي في قوله: ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾: \" قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال ثم نسخ بآية السيف (١٦)، وقال بعضهم لما كان ﷺ\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٢٨): ص ٢/ ٦٢٠.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٩.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٢٩): ص ٢/ ٦٢٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٣٠): ص ٢/ ٦٢٠.\n(٩) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٤.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٤.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦.\n(١٦) ذكر دعوى النسخ في هذه الآية ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ ص: ٣٢٦، وهبة الله في الناسخ والمنسوخ ص: ٢٨ وأبو هلال في الإيجاز لمعرفة الناسخ والمنسوخ، المخطوط ورقة ٢١.","vol":"6","page":48},{"text":"حريصا على إيمانهم مزعجا نفسه في الاجتهاد في ذلك سكن جأشه بقوله: ﴿إنما أنت نذير﴾ (١) و﴿فإنما عليك البلاغ﴾ والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح فعلى هذا لا نسخ\" (٢).\nالفوائد:\n١ - التسليم لله وتفويض الأمر إليه.\n٢ - أن الوجه أشرف الأعضاء، وهو الذي يكون به الانقياد وعدمه، ولهذا اقرب مايكون العبد من ربه إذا كان ساجدا، لأنه يضع اشرف الأعضاء على موطئ الأقدام.\n٢ - أن النبيﷺ- متبع لا تابع، لقوله: ﴿ومن اتبعن﴾، عليه الواجب على من تبين له الحق ان يأخذ به.\n٣ - لا يون قول أحد أهل العلم حجة على الىخرين، لأن الكل تابعون لا متبوعون.\n٤ - بيان عظيم منة الله تعالى على العرب ببعثة الرسولﷺ-، ووجه ذلك أنه قال: ﴿للذين اوتوا الكتاب والأميين﴾، وفرق بين الوصفين، بين من اوتي الكتاب وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكنهم ببعثة الرسولﷺ- كانوا هم اهل الكتاب حقا.\n٥ - وجوب الاسلام والاستسلام لله تعالى، وأن أهل الهدى هم المسلمون، قال تعالى: ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾.\n٦ - إن من لم يسلم فهو ضال، وإن كان علم الحق فكان من الضالين المغضوب عليهم، لأن كل من علم الحق ولم يتبعه فهو مغضوب عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠]\n٧ - ومن الفوائد: أنه لايجب على الداعية إلا البلاغة، أما الهداية فإلى الله، لقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.\n٨ - ومن الفوائد أيضا: أن الانسان لايسأل عن عمل غيره، فيقوم بما يجب عليه، وأما غيره فامره إلى الله تعالى، لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.\n٩ - ومنها: عموم علم الله تعالى، لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، أي: بجميع أحوالهم، ويتضمن التحذير من مخالفة الله.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ [آل عمران: ٢١]\nالتفسير:\nإن الذين يجحدون بالدلائل الواضحة وما جاء به المرسلون، ويقتلون أنبياء الله ظلمًا بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل واتباع طريق الأنبياء، فبشِّرهم بعذاب موجع.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢١]، \" أي يكذبون بما أنزل الله\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١]، \" أي يقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة\" (٤).\nقال الزمخشري: \" وهم أهل الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين لولا عصمة اللَّه\" (٥).\nأخرج ابن المنذر عن عبد الله، \" إن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوقهم من آخر النهار \" (٦).\nأخرج الطبري عن أبي عبيدة بن الجراح قال: \"قلت: يا رسول الله، أىّ الناس أشدّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: \" رجل قتل نبيًّا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف. ثم قرأ رسول الله ﷺ: \" إنّ الذين\n_________\n(١) الآية: ١٢، من سورة هود.\n(٢) نواسخ القرآن: ٣٢٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٧٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٣٤٧.\n(٦) تفسير ابن المنذر (٣١٧): ص ١/ ١٥٢.","vol":"6","page":49},{"text":"يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس \" إلى أن انتهى إلى \" وما لهم من ناصرين \"، ثم قال رسول الله ﷺ: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا من أول النهار في ساعة واحدة! فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عُبَّاد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله ﷿\" (١).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ٢١]، على وجوه (٢):\nأحدها: ﴿يقتلون النبيين﴾، قراءة الحسن.\nوالثاني: ﴿ويقاتلون الذين يأمرون﴾. قراءة حمزة.\nوالثالث: ﴿وقاتلوا﴾، قراءة عبدالله.\nوالرابع: ﴿يقتلون النبيين والذين يأمرون﴾، قرأ بها أبىّ.\nقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]، أي: \" ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالعدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني بالعدل بين الناس من مؤمني بني إسرائيل من بعد موسى\" (٤).\nأخرج ابن المنذر عن معقل بن أبي مسكين، قال \" كان الوحي يأتي بني إسرائيل، فيذكرون قومهم فيقتلون فيهم الذين يأمرون بالقسط من الناس\" (٥).\nوأخرج ابن المنذرأيضا عن سعيد، قال: \" أقحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل سنين، فقال الملك: ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه، فقال له جلساؤه: كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه، وهو في السماء، قال: أقتل أولياءه من أهل الأرض، فيكون ذلك إيذاء له، قال: فأرسل الله عليهم السماء \" (٦).\nواختلف في الذين أمروا بالقسط من الناس، على أقوال:\nاحدها: أن\" هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكرونهم بالله، فيقتلونهم\". قاله قتادة (٧)، وري عن مجاهد نحو ذلك (٨).\nوالثاني: أن الذين أمروا بالقسط من الناس: هم خلفاء الأنبياء. وهذا قول سفيان (٩).\nوالثالث: أنهم النبيون الذين يأمرون بالقسط من الناس. قاله الحسن (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [آل عمران: ٢١]، \"، فأخبرهم يا محمد وأعلمهم: أنّ لهم عند الله عذابًا موجعا\" (١١).\nقال الربيع بن أنس: \" الأليم الموجع\" (١٢)، وروي عن أبي مالك نحو ذلك\" (١٣).\nقال مقاتل: \"فبشرهم يا محمد بعذاب وجيع، يعني اليهود لأن هؤلاء على دين أوائلهم الذين قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٦٧٨٠): ص ٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وأخرجه ابن أبي جاتم (٣٣٣٢): ص ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١، والثعلبي في تفسيره: ٣/ ٣٦ - ٣٧.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٣٤٧، والسبعة في القراءات: ٢٠٣.\n(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٢٦.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٨.\n(٥) تفسير ابن المنذر (٣١٩): ص ١/ ١٥٣.\n(٦) تفسير ابن المنذر (٣٢٩): ص ١/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣٣): ص ٢/ ٦٢١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣٤): ص ٢/ ٦٢١.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣٥): ص ٢/ ٦٢١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣٤): ص ٢/ ٦٢١.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٨٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٣٧): ص ٢/ ٦٢٢.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣٧): ص ٢/ ٦٢٢.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٨.","vol":"6","page":50},{"text":"قال السعدي: \" فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية، لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بالعذاب الأليم.\n٢ - تحريم قتل النبيين، وأنه بغير حق وهو من جملة الكفر، لكن نصّ عليه لشدة شناعته.\n٣ - شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يامر بالقسط من الناس.\n٤ - ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، وأن هذا العذاب ليس هينا وإنما هو عذاب موجع.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ [آل عمران: ٢٢]\nالتفسير:\nأولئك الذين بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يُقبل لهم عمل، وما لهم من ناصرٍ ينصرهم من عذاب الله.\n\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٢٢]، أي: أولئك \"بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدارين\" (٢).\nقال أبو مالك: \" يعني: بطلت أعمالهم\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة\" (٤).\nقال الثعلبي: \" حبطت: ذهبت وبطلت، وأصله من «الحبط» وهو أن ترعى الماشية [بلا دليل ورديع] «٤» فتنتفخ من ذلك بطونها، وربما ماتت منه، ثم جعل كل شيء يهلك حبطا، ومنه قول النبي ﷺ: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا إذ يلم» (٥) \" (٦).\nقال القرطبي: \" الحبط: هو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك\" (٧).\nقال الراغب: \"يعني بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾: هم الذين يكفرون ويقتلون، بطلت في الدنيا والآخرة أعمالهم، أما في الدنيا فلأنهم لم يحصِّلوا منها محمدةَ، وأما في الآخرة فلم يحصِّلوا منها مثوبة، وذلك، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] \" (٨).\nقال ابن عطية: \" و﴿حَبِطَتْ﴾ معناه: بطلت وسقط حكمها، وحبطها في الدنيا بقاء الذم واللعنة عليهم، وحبطها في الآخرة كونها هباء منبثا وتعذيبهم عليها\" (٩).\nوقرأ ابن عباس وأبو السمال العدوي: \" ﴿حبطت﴾ بفتح \"الباء\"، وهي لغة\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١/ ١٢٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٣٨): ص ٢/ ٦٢٢.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٠.\n(٥) صحيح ابن حبان: ٨/ ٢٣، كنز العمال: ٣/ ٢٠٤.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٧.\n(٧) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٦.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٤٧٩.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٥.\n(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٥.","vol":"6","page":51},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢]، \" أي ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه\" (١).\nقال ابن عطية: \" نفى النصر عنهم في كلا الحالين\" (٢).\nقال أبو السعود: ﴿من ناصرين﴾، \"ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] \" (٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: حبوط عمل هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا انبياءه، وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس.\n٢ - ومنها ان الكفر محبط للأعمال، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.\n٣ - أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، اما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان، لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران: ٢٣]\nالتفسير:\nأرأيت -أيها الرسول- أعجب من حال هؤلاء اليهود الذين أتاهم الله حظا من الكتاب فعلموا أن ما جئت به هو الحق، يُدْعون إلى ما جاء في كتاب الله -وهو القرآن- ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، فإن لم يوافق أهواءهم يَأْبَ كثير منهم حكم الله; لأن من عادتهم الإعراض عن الحق؟\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال مقاتل: نزل في\"اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أوفى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نافع بن قيس، وذلك أن النبيﷺ- قال لهم: أسلموا تهتدوا ولا تكفروا. فقال للنبيﷺ-: نحن أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل الله نبيا بعد موسى. فقال النبيﷺ-: لم تكذبون، وأنتم تعلمون أن الذي أقول حق، فأخرجوا التوراة نتبع نحن، وأنتم ما فيها، وهي بينكم فإني مكتوب فيها أني نبي ورسول. فأبوا ذلك فأنزل الله﷿- فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ \" (٤).\nوالثاني: قال ابن عباس: \" دخل رسول الله ﷺ بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث ابن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: \" على ملة إبراهيم ودينه. فقالا فإنّ إبراهيم كان يهوديًّا! فقال لهما رسول الله ﷺ: فهلمُّوا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم! فأبيا عليه، فأنزل الله ﷿: ﴿ألم تَر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يُدْعونَ إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ إلى قوله: ﴿ما كانوا يفترون﴾ \" (٥).\nوالثالث: نقل الواحدي عن السدي: \"دعا النبي - ﷺ - اليهود إلى الإسلام فقال له النعمان ابن أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول الله - ﷺ - \"بل إلى كتاب الله\"، فقال: بل إلى الأحبار، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٤١٥.\n(٣) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٠.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩.\n(٥) اخرجه الطبري (٥٧٨١): ص ٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩، وانظر: سيرة ابن هشام: ١/ ٥٥٢ - ٥٥٣، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم (٢٨٦): ص ٢/ ١/ ١٦٥ وابن المنذر انظر \"اللباب: ٥١.\n(٦) أسباب النزول: ٩٩، ولم يذكر المصدر.","vol":"6","page":52},{"text":"والرابع: قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: \"إن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، فذكر القصة الآتية في سورة المائدة، وفيها: فحكم عليهما بالرجم، فقال له نعمان بن أبي أوفى وبحري بن عمرو: جرت علينا يا محمد، فقال: بيني وبينكم التوراة، القصة، وفيها ذكر ابن صوريا، وفي آخرها فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، \"أي: ألم يا محمد إلى الذين أعطوا حظًّا من الكتاب\" (٢).\nقال مقاتل: \"يعني: أعطوا حظا من التوراة\" (٣). وروي عن السدي مثله (٤).\nقال الزمخشري: \" يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب\" (٦).\nوفي الكتاب الذي دعوا إليه قولان:\nأحدهما: أنه التوراة، دعي إليها اليهود فأبوا، قاله ابن عباس (٧)، ورجّحه الطبري (٨).\nوالثاني: القرآن، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين، قاله الحسن وقتادة (٩)، وابن جريج (١٠).\nقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: \"يدعون إلى التوراة ليقضي بينهم فيما تنازعوا فيه\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني التوراة ليقضي بينهم \" (١٢).\nقال الزمخشري: \" وهو التوراة\" (١٣).\nقال ابن كثير: أي: \" وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد ﷺ\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: \" ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهم قوم طبيعتهم الإِعراض عن الحق\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \" فريق يعني: طائفة\" (١٦).\nقال الطبري: أي: \" ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه، معرضًا عنه منصرفًا، وهو بحقيقته وحجته عالم\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد\" (١٨).\nالفوائد:\n_________\n(١) العجاب في بيان الأسباب: ٢/ ٦٧٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٢٨٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٣٩): ص ٢/ ٦٢٢.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٣٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٧٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٧٨١): ص ٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٢٩٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٧٨٣): ص ٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧٨٥): ص ٦/ ٢٩٠.\n(١١) انظر: صفوة التفاسير: ١/ ١٧٥.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٤٣٨.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٣٤١): ص ٢/ ٦٢٢.\n(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ٢٩١.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨.","vol":"6","page":53},{"text":"١ - من فوائد الآية: أنه ليس كل من اعطى علما يوفق للعمل به، لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.\n٢ - أن هؤلاء المعرضون قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا الحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق.\n٣ - إن الواجب التحاكم إلى كتاب الله، وأن يكون الحكم فيه كتاب الله في كل شيء، العبادات والمعاملات والأخلاق والاعمال، لأنه لم يخصص منها شيء، لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾.\n٤ - إن الذين دعوا الى كتاب الله ممن اوتوا نصيبا من الكتاب لم يتولوا جميعا، والأمر كذلك فإن كثيرا من اليهود والنصارى اسلموا وحسن اسلامهم.\n٥ - ذم من يتولى بإعراض، لقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فالتولي إذا كان بإعراض وعدم المبالاة كان اشد، والتولي مذموم كله.\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢٤]\nالتفسير:\nذلك الانصراف عن الحق سببه اعتقاد فاسد لدى أهل الكتاب; بأنهم لن يعذَّبوا إلا أيامًا قليلة، وهذا الاعتقاد أدى إلى جرأتهم على الله واستهانتهم بدينه، واستمرارهم على دينهم الباطل الذي خَدَعوا به أنفسهم.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، \" أي ذلك التولي والإِعراض بسبب افترائهم على الله وزعمهم أن النار لن تصيبهم إلا مدةً يسيرة\" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما\" (٢).\nواختلفوا في قوله اليهود ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] على أربعة أقاويل:\nأحدها: أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يومًا، قاله قتادة (٣)، والربيع (٤).\nوالثاني: أنها سبعة أيام، وهذا قول الحسن (٥).\nوالثالث: أنهم يعنون الأيام التي خلق فيهم آدم. قاله مجاهد (٦).\nوالرابع: أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها، نسبه الماوردي إلى بعض المتأخرين (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، \" أي غرهم كذبهم على الله\" (٨).\nقال أبو عبيدة: يعني: \" يختلقون الكذب\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا\" (١٠).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمرام: ٢٤]، وجهين:\nأحدهما: حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قاله الربيع، وقتادة (١١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٨٦): ص ٦/ ٢٩٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٨٧): ص ٦/ ٢٩٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٤٥): ص ٢/ ٦٢٣.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (٣٢٨): ص ١/ ١٥٧.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٤٦): ص ٢/ ٦٢٣.","vol":"6","page":54},{"text":"والثاني: أنهم غرهم قولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودات﴾. قاله مجاهد (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: بطلان الأماني، وأن النفس قد تُمني الإنسان ما لا يكون.\n٢ - التحذير من الاتكال على الأماني، لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة يقعون في المعاصي ويمنون انفسهم بالمغفرة إذا وقعوا في المعصية.\n٣ - إن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، لقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ويتفرغ من هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الانسان بوجود الله، وباليوم الىخر، دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولا وإذعانا، فمجرد التصديق لايعد إيمانا.\n٤ - أن الانسان قد يغره ما هو عليه من الدين، لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، فقد يغتر الانسان بعباداته، فيقول بأنه لن يعذب، وهذا قصور في النظر، لأنه ليس الشأن أن تصلي وتزكي وتصوم أو تحج، وإنما الشان كل الشأن أن يقبل منك هذا العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطل سابق كعدم الإخلاص او مبطل لاحق كالإعجاب مثلا، وقد يبتلى الإنسان بالبدعة، فكم من اناس يحبون الخير ولجهلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيكون عملهم مردودا، لأن من شط قبول العمل أن يكون موافقا لما جاء بع الرسولﷺ- لقوله: \"من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو ردّ\" (٢).\nالقرآن\n﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران: ٢٥]\nالتفسير:\nفكيف يكون حالهم إذا جمعهم الله ليحاسَبوا في يوم لا شك في وقوعه -وهو يوم القيامة-، وأخذ كل واحد جزاءَ ما اكتسب، وهم لا يظلمون شيئا؟\nقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، \" أي كيف يكون حالهم يوم القيامة حين يجمعهم الله للحساب\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أي فكيف يصنعون ليوم لا ريب فيه: وهو يوم القيامة\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون\" (٥).\nقال ابن عثيمين: والاستفهام للتعظيم، أي: ما أعظم ما تكون حالهم في ذلك اليوم، وما اشد حسرتهم\" (٦).\nنقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: \"أول راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود، فيقمعهم الله على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥]، \" أي نالت كل نفسٍ جزاءها العادل\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: يعني: توفى كل نفس أو فاجر ما عملت من خير أو شر\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وهم \"لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: \" لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٤٧): ص ٢/ ٦٢٣.\n(٢) أخرجه مسلم (١٧١٨).\n(٣) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٩.\n(٥) الكشاف: ١/ ٣٤٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥١.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٤٨): ص ٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٩.","vol":"6","page":55},{"text":"قال سعيد بن جبير: \" يعني: من أعمالهم\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: عظم يوم القيامة، لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.\n٢ - ومنها: النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، إذ خسروا الدنيا والآخرة.\n٣ - إثبات يوم القيامة، وأن من شكّ فيه فهو كافر، لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.\n٤ - أن يوم القيامة هو يوم التوفية الكاملة، لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾، والانسان قد يوفى شيئا من عمله في الدنيا مثل المخرج من الضيق وسعة الرزق، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، فهذا جزاء في الدنيا، واجر الآخرة أعظم.\n٥ - انتفاء الظلم عن الله تعالى، لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ويكون نفي الظلم لكمال العدل، فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كما الضد\" (٢).\nالقرآن\n﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]\nالتفسير:\nقل -أيها النبي متوجها إلى ربك بالدعاء-: يا مَن لك الملك كلُّه، أنت الذي تمنح الملك والمال والتمكين في الأرض مَن تشاء مِن خلقك، وتسلب الملك ممن تشاء، وتهب العزة في الدنيا والآخرة مَن تشاء، وتجعل الذلَّة على من تشاء، بيدك الخير، إنك -وحدك- على كل شيء قدير. وفي الآية إثبات لصفة اليد لله تعالى على ما يليق به سبحانه.\nفي تفسير الآية أقوال:\nأحدها: قال قتادة: \" وذكر لنا: أن نبيّ الله ﷺ سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارسَ والروم في أمته، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ \" (٣). وهكذا ذكره مقاتل (٤).\nالثاني: ونقل الثعلبي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: \"لما فتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم. قالت: المنافقين واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم. فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٥).\nالثالث: وذكر الثعلبي هنا حديث عمرو بن عوف المزني في قصة ضرب الصخرة بالخندق وفي آخره: \"فأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ في ذلك\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٤٩): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٤.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٧٩٠): ص ٦/ ٣٠٠، وابن أبي حاتم (٣٣٥٢): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠ - ٤١. ونص الرواية: \" روي كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، قال: خط رسول الله ﷺ الخندق في عام الأحزاب. ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا. فقال النبي ﷺ: «سلمان منا أهل البيت» [رواه الطبراني، وفيه: كثيرَ بن عبد اللَّه المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد: ٦/ ١٨٩]. .\nقال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا. فقلنا يا سلمان: آت إلى رسول الله وأخبره خبر هذه الصخرة. فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمر، فإنا لا نحب أن نجاوز خطة.\nقال: فرقى سلمان إلى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية. فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، قال: فهبط رسول الله مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق. فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، يعني المدينة، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها ﷺ فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح، وكبر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط! فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئا غير ذلك، قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (﵇) أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور بصرى من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (﵇) أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا. فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال: المسلمون: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾ الآية [الأحزاب: ٢٢].\nوقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، قال: فأنزل القرآن: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ \".","vol":"6","page":56},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، \" أي قل: يا ألله يا مالك كل شيء\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: يعني: \" ملك النبوة الذي أعز به من اتبعه، وأذل به من خالفه\" (٢).\nولأهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ثلاثة اقوال:\nأحدها:: يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة (٣).\nوالثاني: مالك العباد وما ملكوه، قاله الزجاج (٤)، وروي عن محمد بن إسحاق مثله (٥).\nوالثالث: مالك النبوة، قاله مجاهد وروي عن محمد بن إسحاق مثله (٦).\nقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، \"أي تهب الملك لمن تشاء وتخلع الملك ممن تشاء\" (٧).\nوفي قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وجوه:\nأحدها: أن المُلك هنا النبوة، قاله ابن عباس (٨) ومجاهد (٩)، والحسن (١٠).\nوالثاني: أنه الإيمان. أفاده الماوردي (١١).\nوالثالث: أنه السلطان، وهو معنى قول قتادة (١٢).\n﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]\nقال ابن عباس: \" اسم الله الأعظم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، إلى قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ \" (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٧٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٤٩): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٤.\n(٤) نقله عنه الماوردي في النكت: ١/ ٣٨٤، ولم اجده في معاني القرآن للزجاج.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥٠): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٤٩): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٧٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥١): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥١): ص ٢/ ٦٢٤.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥١)، و(٣٣٥٤): ص ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٩٠): ص ٦/ ٣٠٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥٢): ص ٢/ ٦٢٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٥٣): ص ٢/ ٦٢٤.","vol":"6","page":57},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، \"أي تعطي العزة لمن تشاء والذلة لمن تشاء\" (١).\nقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، \" أي: بيدك وحدك خزائن كل خير وأنت كل على كل شيء قدير\" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق: قوله\" ﴿بِيَدِكَ الخير﴾، أي: لا إلى غيرك\" (٣)، ﴿إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: \" أي: لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك\" (٤).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة: تفويض الأمر إلى الله، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك﴾، والخطاب الموجه للرسولﷺ- موجه لأمته إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه.\n٢ - ومنها: بيان تمام ملك الله وسلطانه، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك﴾، ولكونه يعطي الملك من يشاءه، وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء، لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾، ولكون العزة من عنده، لقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، عليه فإن الإعزاز والإذلال بيد الله وحده، ولا تطلب العزة إلا منه تعالى، ومن ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل.\n٣ - أنه تعالى يؤتي الملك من يشاء، لقوله ﴿تُؤْتِي الملك من تشاء﴾.\n٤ - ومنها: أن ملك المخلوقين ليس ملكا استقلاليا وإنما هو ملك بإعطاء، لقوله: ﴿تُؤْتِي الملك﴾، والملك بإعطاء لاشك بأنه ناقص عن ملك المعطي.\n٥ - إثبات المشيئة لله تعالى في قوله ﴿تُؤْتِي الملك﴾، وكل أمر قرنه الله بالمشيئة، فإنه مبني على الحكمة، متى اقتضته شاءه الله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\n٦ - ومنها: أن الخير بيد الله، لقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، فلا يطلب الخير إلا منه تعالى.\n٧ - ومنها: ان الشر لا يضاف إلى الله، وإن كان تعالى هو الذي خلق كل شيء، لأن أفعاله كلها خير، والشر في المفعولات، ثم ان هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرا فكم من مرض صار سببا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها صارت اسبابا للنمو الاقتصادي من جهة اخرى.\n٨ - ومنها: عموم قدرة الله، لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا يشمل ما كان من أفعاله وما كان من افعال الخلق، فيكون في ذلك الرد على القدرية الذين يرون بان الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الانسان مستقبل بإرادته وعمله، فإذا كانت بقدرة الله، قلنا: يلزم أن يكون مرادا ومخلوقا لله، لأنه مادام الأمر بقدرته، فلابد أن يكون مخلوقا له، ومرادا له.\nالقرآن\n﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٧]\nالتفسير:\nومن دلائل قدرتك أنك تُدخل الليل في النهار، وتُدخل النهار في الليل، فيطول هذا ويقصر ذاك، وتُخرج الحي من الميت الذي لا حياة فيه، كإخراج الزرع من الحب، والمؤمن من الكافر، وتُخرج الميت من الحي كإخراج البيض من الدجاج، وترزق من تشاء مَن خلقك بغير حساب.\nقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧]، أي: \" أي تدخل الليل في النهار كما تدخل النهار في الليل، فتزيد في هذا وتنقص في ذاك والعكس\" (٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٧٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٧.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥٥): ص ٢/ ٦٢٥.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥٦): ص ٢/ ٦٢٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٧٧.","vol":"6","page":58},{"text":"قال مجاهد: \" ما نقص من أحدهما دخل في الآخر\" (١). وروي عن عبدالله نحو ذلك (٢).\nقال السدي: \" تولج الليل في النهار حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات. وتولج النهار في الليل حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني ما تنقص في الليل داخل في النهار حتى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة. فذلك قوله- سبحانه- ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥]، و\"يكور\" يعنى: يسلط النهار على الليل، وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة (٤).\nقال الطبري: أي: \" تدخل ما نقصتَ من ساعات الليل في ساعات النهار، فتزيد من نقصان هذا في زيادة هذا، وتدخل ما نقصتَ من ساعات النهار في ساعات الليل، فتزيد في ساعات الليل ما نقصت من ساعات النهار \" (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى: تدخل أحدهما في الآخر يقال: ولج الشيءُ إذا دخل يلج وُلُوجًا وَوَلْجَة، وَالْوَلْج والوَلْجَةُ شيء يكون بين يدي فناء، فمعنى: ﴿تولج الليل في النهار﴾، أي: تنقص من الليل فتدخل ذلك النقصان زيادة في النهار، وتنقص من النهار فتدخل ذلك النقصان زيادة في الليل\" (٦).\nقال الراغب: \" الولوج: الدخول في مضيق، فهو أخص من الدخول\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧] وجهان من التفسير (٨):\nأحدهما: معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل، وهو قول جمهور المفسرين.\nوالثاني: أن معناه تجعل الليل بدلًا من النهار، وتجعل النهار بدلًا من الليل، وهو قول بعض المتأخرين.\nقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [آل عمران: ٢٧]، أي: و\"تخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة\" (٩).\nقال مقاتل: \"فهو الناس والدواب والطير خلقهم من نطفة وهي ميتة وخلق الطير من البيضة وهي ميتة\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أي تخرج الإنسان من النطْفَةِ، والطائِر من البَيضةِ، وتخرج للناس\nالحب الذي يعيشون به من الأرض الميتة\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: وتخرج الحبَّة من الزرع، والنخلة من النواة، والمؤمن من الكافر، والدجاجة من البيضة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء\" (١٢).\nوفي تفسير إخراج الحي من الميت ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه يخرج الحيوان الحي في النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي، وهذا قول ابن مسعود (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، وسعيد بن جبير (١٦)، والضحاك (١٧)، وقتادة (١٨)، والسدي (١٩)، والنخعي (٢٠)، وابن زيد (٢١).\n_________\n(١) تفسير مجاهد: ٢٥٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٥٧): ص ٢/ ٦٢٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٥٩): ص ٢/ ٦٢٥.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٣٠٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٣٩٥.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٤٩٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٣٠٩.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٣٩٥.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٨٠٤): ص ٦/ ٣٠٤.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٦٨): ص ٢/ ٦٢٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٨٠٥): ص ٦/ ٣٠٤.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٦٨): ص ٢/ ٦٢٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٨٠٧): ص ٦/ ٣٠٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٨١٠): ص ٦/ ٣٠٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٦٨٠٨): ص ٦/ ٣٠٥.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٦٨): ص ٢/ ٦٢٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٦٨١٢): ص ٦/ ٣٠٦.","vol":"6","page":59},{"text":"والثاني: أنه يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وهذا قول سلمان (١)، والحسن (٢)، وقتادة (٣).\nقال قتادة: \" إنما سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان\" (٤).\nوالثالث: أنه يخرج النخلة من النواة، والنواةَ من النخلة، والسنبل من الحب، والحبّ من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض. قاله عكرمة (٥)، وروي عن أبي مالك نجو ذلك (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]، أي: \" وتخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني يخرج الله﷿- هذه النطفة من الحي وهم الناس والدواب والطير\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: وتخرج الزرع من الحبة، والنواة من النخلة، والكافر من المؤمن، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء\" (٩).\nقال المراغي: \"كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن، والنواة من النخلة، والبيضة من الطائر، وقد أثبت علماء الطب أن في النطفة والبيضة والنواة حياة، ولكن هذه حياة اصطلاحية لأهل هذا الفن، لا في العرف العام الذي جاء به التنزيل\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]، وجهان من القراءة (١١):\nأحدهما: ﴿الميّت﴾، بالتشديد، قراءة نافع وحمزة والكسائي.\nوالثاني: ﴿الميت﴾، بالتخفيف، قراءة الباقين.\nواختلفوا في معنى كلمة \"الميت\" بالتخفيف والتشديد، على قولين (١٢):\nأحدهما: أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات، وبالتشديد الذي لم يمت بعد. قاله الكوفيون.\nوالثاني: أنهما سواء، حكاه أبو العباس عن البصريين، وأنشد لابن الرعلاء القلابي (١٣):\nلَيْسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ\nقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧]، \" أي: وتعطي من تشاء عطاءً واسعًا بلا عدٍّ ولا تضييق\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٨٢٠): ص ٦/ ٣٠٧. مع شكّ في الرواية.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦٨١٥): ص ٦/ ٣٠٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٦٧): ص ٢/ ٦٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٩٥٠): ص ٦/ ٣٧٠ - ٣٧١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٨١٣): ص ٦/ ٣٠٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٣٧٠): ص ٢/ ٦٢٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٣٠٩.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٢.\n(١٠) تفسير المراغي: ٣/ ١٤٤.\n(١١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٠٣.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(١٣) انظر: الأصمعيات: ٥، ومعجم الشعراء: ٢٥٢، وتهذيب الألفاظ: ٤٤٨، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى: ٥١، والخزانة ٤: ١٨٧، وشرح شواهد المغني: ١٣٨.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١٧٧.","vol":"6","page":60},{"text":"قال ميمون بن مهران: أي: \"غدقا\" (١)، وروي عن الوليد بن قيس نحو هذا (٢).\nقال الربيع: \"يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقُص ما عنده ﵎\" (٣).\nقال محمد ابن إسحاق: \" لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت، وترزق من تشاء برا وفاجرا حي بغير حساب\" (٤).\nقال مقاتل: \" يقول- سبحانه- ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني\" (٥).\nقال الطبري: \": أنه يُعطى من يشاء من خلقه فيجود عليه، بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخولَ انتقاص في خزائنه، ولا الفناءَ على ما بيده\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: تعطي من شئت من المال ما لا يَعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تمام قدرة الله تعالى وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فلا أحد يستطيع أن يزيد دقيقة من الليل في النهار أو بالعكس.\n٢ - إثبات حكمة الله، لأن هذا الإيلاج له حكم عظيمة لاتقوم مصالح الخلق إلا بها، لما يترتب على هذا الايلاج اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الاجساد والنبات، فمن النبات ما يكون شتويا ومنه ما يكون صيفيا.\n٣ - ومنها ما يترتب على هذا الإيلاج من اختلاف درجة حرارة الجو، فيعرف الإنسان ضعفه وافتقاره الى ربه، إذ هو محتاج إلى ربه في الحالين، لما يتطلب ما يدفئه في البرد، أو مايبرده في حر الصيف.\n٤ - ومن حكمته تعالى المترتبة على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، أن هناك جراثيم مؤذية لا يقتلها إلا شدة البرد، ومنها لا يقتلها إلا شدة الحر.\n٥ - تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من المين، وإخراج الميت من الحي، إذ أن إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ ﷾.\n٦ - ومنها: أن الرزق بيد الله، لقوله: ﴿وترزق من تشاء﴾، عليه فلا ينبغي لعقل أن يطلب الرزق من ايدي الناس.\n٧ - ومنها: أن عطاء الله بلا عوض، لقوله: ﴿بغير حساب﴾.\n٨ - ومنها: إثبات المشيئة لله ﷿، لقوله: ﴿من يشاء﴾.\nالقرآن\n﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]\nالتفسير:\nينهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء بالمحبة والنصرة من دون المؤمنين، ومَن يتولهم فقد برِئ من الله، والله برِيء منه، إلا أن تكونوا ضعافًا خائفين فقد رخَّص الله لكم في مهادنتهم اتقاء لشرهم، حتى تقوى شوكتكم، ويحذركم الله نفسه، فاتقوه وخافوه. وإلى الله وحده رجوع الخلائق للحساب والجزاء.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٧٢): ص ٢/ ٦٢٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٧٢): ص ٢/ ٦٢٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٨٢٣): ص ٦/ ٣١٠ - ٣١١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٧٤): ص ٢/ ٦٢٨.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٣١١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩ - ٣٠.","vol":"6","page":61},{"text":"أحدها: قال مقاتل: \" نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله﷿- عن ذلك\" (١).\nوالثاني: قال محمد بن إسحاق: \" قال محمد بن أبي محمد وكان الحجاج بن عمرو، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير وسعد ابن خثيمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من اليهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر، فأنزل الله ﷿ فيهم لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلى قوله: والله على كل شيء قدير\" (٢). ونقله الثعلبي عن ابن عباس (٣).\nوالثالث: روي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: \"نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم\" (٤).\nوالرابع: وروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: \"نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا تقيا، وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهرتهم على العدوّ، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ الآية\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: \" لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين\" (٦).\nقال السدي: \" أما أولياء فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين\" (٧).\nقال الزمخشري: \" نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: و\"من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله\" (٩).\nقال السدي: \" ومن يفعل هذا فهو مشرك\" (١٠)، \"فقد برىء الله منه\" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عدّة المسلمين\" (١٢).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وجهان:\nأحدهما: أي ليس من دين الله في شيء. أفاده الثعلبي (١٣).\nوالثاني: أن المعنى: ليس من الولاية في شيء، فقد بريء الله منه. قاله الحسن (١٤) والسدي (١٥).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٧٧): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٦.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧، وأسباب النزول للواحدي: ١٠٢ - ١٠٣، والعجاب: ٢/ ٦٧٧، وزاد \"في تفسيره\" أي جوبير، وهذه الرواية ضعيفة جدًا بسبب جويبر، ومنقطعة أيضًا؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٣١٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٣٧٦): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٨) الكشاف: ١/ ٣٥١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٧٨): ص ٢/ ٦٢٩.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٧٩): ص ٢/ ٦٢٩.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٧٩): ص ٢/ ٦٢٩.","vol":"6","page":62},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، \"أي: إِلا أن تخافوا منهم محذورًا أو تخافوا أذاهم وشرهم، فأظهروا موالاتهم باللسان دون للقلب\" (١).\nقال ابن عباس: \" فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان\" (٢).\nقال مجاهد: \" يعني: إلا مصانعة في الدنيا \" (٣).\nقال ابن كثير: \"أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته\" (٤).\nقال الثعلبي: \" يعني: إلّا أن تخافوا منهم مخافة\" (٥)، \"وأنكر قوم التقيّة اليوم: فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقيّة في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزّ الله ﷿ الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتّقوا من عدوهم\" (٦).\nوقال يحيى البكاء: \"قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجّاج: إنّ الحسن كان يقول لكم: التقيّة باللسان والقلب مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. قال سعيد: ليس في الإسلام تقيّة إنّما التقيّة في أهل الحرب\" (٧).\nولأهل العلم في تفسير \"التقية\" في قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وجوها:\nأحدها: أن التقية باللسان وليست بالعمل. قاله ابن عباس (٨)، وعكرمة (٩)، وأبو العالية (١٠)، وعطاء بن أبي رباح (١١)، والضحاك (١٢) وجابر بن زيد (١٣).\nوالثاني: أن معناه: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك. قاله قتادة (١٤).\nالثالث: أن المعنى: إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة. وهذا قول مجاهد (١٥).\nواختلفوا في قراءة قوله تعالى: ﴿تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، على وجوه (١٦):\nأحدها: ﴿تقية﴾، على وزن \"نقية\"، قرأ بها أبو العالية عن الحسن، والضحاك وأبو رجاء وجابر بن زيد وحميد بن مجاهد.\nوالثاني: ﴿تقية﴾، بالاحتجاج فكان الياء. قرأ بها حمزة والكسائي وخلف.\nوالثالث: ﴿تُقاةً﴾، بالتضميم. قرأ بها الباقون وأختاره أبو عبيدة.\nوالرابع: ﴿تقاءة﴾، مثل تكأة ويؤده ونحوها، وهي مصدر \"أتقى\". قرأ بها الأخفش.\nقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: و\"يخوفّكم الله عقابه الصادر منه تعالى\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" أي: يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٨١): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٣) تفسير مجاهد: ٢٥١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٨.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٨١)، و(٣٣٨٢): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٨٠): ص ٢/ ٦٢٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٨٣): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٨٤): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٨٤): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٣٨٤): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٣٨٥): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١٥) انظر: تفسير مجاهد: ٢٥١، وتفسير ابن ابي حاتم (٣٣٨٦): ص ٢/ ٦٣٠، وفيه زيادة\"مخالقة\".\n(١٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٧، والسبعة في القراءات: ٢٠٤.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠.","vol":"6","page":63},{"text":"قال الثعلبي: \" أي يخوّفكم الله على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور، ﴿من نفسه﴾: قال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه\" (١).\nقوله قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: \"إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله\" (٢).\nقال ابن الجوزي: \" قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، قد ذهب قوم إلى أن المراد بالآية اتقاء المشركين أن يوقعوا فتنة أو ما يوجب القتل والفرقة ثم نسخ ذلك بآية السيف (٣)، وليس هذا بشيء، وإنما المراد من الآية جواز اتقائهم إذا أكرهوا المؤمن على الكفر بالقول الذي لا يعتقده وهذا الحكم باق غير منسوخ، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (٤) ... وقد زعم إسماعيل السدي، أن قوله: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ منسوخة بقوله: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، ومثل هذا ينبغي تنزيه الكتب عن ذكره فضلا عن رده فإنه قول من لا يفهم ما يقول\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تحريم اتخاذ الكفار أولياء، لقوله ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾، عليه فإن اتخاذ الكافرين أولياء من الكبائر وينافي اصل الإيمان، او كمال الإيمان، لأن الحكم إذا عُلّق بوصف، فإنه يتبع ذلك الوصف قوة وضعفا، فكلما كمل الإيمان كملت المعاداة وانتفت الموالاة، والعكس صحيح.\n٢ - ومنها: اتخاذ المؤمنون اولياء من المؤمنين وهو مقتضى الإيمان، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]\n٣ - سهولة الاسلام ويسره إذ رفع الحرج عن الأمة، وذلك بما اباح من اتخاذ التقاة عنج الضرورة، لقوله:: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، شريطة ان ينوي اللإنسان أنها وقاية مما يخاف منهم، لا رضى بما فعلوا، او اطمئنانا إليه.\n٤ - إن من اعظم الأشياء أن يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين، لقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. ﴿نفسه﴾، أي: ذاته، والتعبير بالنفس اولا من التعبير بالذات وإن كان التعبير بالذات هو المشهور عند العلماء، لكن التعبير بالذات عن النفس ليس من اللغة العربية الفصحى، وإنما هو متلقي من اصطلاح عرفي.\n٥ - وجوب رد الأشياء إلى الله تعالى، لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.\nالقرآن\n﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩]\nقل -أيها النبي- للمؤمنين: إن تكتموا ما استقر في قلوبكم من موالاة الكافرين ونصرتهم أو تظهروا ذلك لا يَخْفَ على الله منه شيء، فإنَّ علمه محيط بكل ما في السماوات وما في الأرض، وله القدرة التامة على كل شيء.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، أي: قل يا محمد \"إِن أخفيتم ما في قلوبكم من موالاة الكفار أو أظهرتموه فإِن الله مطلع عليه لا يخفى عليه خافية\" (٦).\nقال السدي: \"أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ \" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله يعلمه ولم يخف عليه\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠.\n(٣) ذكر هبة الله هذه الآية من الآيات المنسوخة بآية السيف. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٢٦.\n(٤) الآية (١٠٦) من سورة النحل.\n(٥) نواسخ القرآن: ٣٢٤ - ٣٢٥. ويجدر القول بأن ابن الجوزي لم يعترض لدعوى النسخ في هذه الآية في زاد المسير أصلا، وإنما رد ذلك واختار النسخ في مختصر عمدة الراسخ المخطوط ورقة (٤) وقد أعرض عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية أمهات كتب النسخ المتقدمة.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٦٨٣٩): ص ٦/ ٣١٨.\n(٨) الكشاف: ١/ ٣٥٢.","vol":"6","page":64},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وجوه من التفسير:\nأحدها: أن المراد ما يخفون من مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين (١).\nوالثاني: أنه يعني: تكذيب محمد - ﷺ -، يقول: إن أخفيتموه أو أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله.\nوالثالث: أنه يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان. قاله عطاء (٢).\nوالراجح أنه لما نهى الله في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوف وحذر في هذه الآية عن إبطان موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٢٩]، أي: و\"يعلم كل ما هو حادث في السماوات والأرض\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني: أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا\" (٥).\nقال ابن عباس: \" خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم القيامة الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة فذلك يقول للنبي ﷺ: إن الله يعلم ما في السماوات والأرض\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]، \" أي وهو سبحانه قادر على الانتقام ممن خالف حكمه وعصى أمره\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير\" (٨).\nقال البيضاوي: أي: \" فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: قدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم، لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.\n٢ - ومنها: عموم علم الله تعالى بما افاه الإنسان وما أبداه.\n٣ - ومنها: أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب، لأنه قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾، وهي مسالة اختلف فيه اهل الكلام، هل العقل في القلب أو في الدماغ، ولكن تشير آيات القران والحديث الشريف بأن العقل في القلب، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط، للواحدي: ٥/ ١٧٥.\n(٢) حكاه عنه الواحدي ولم اهتد إلى مصدر قوله، انظر: التفسير البسيط: ٥/ ١٧٦.\n(٣) انظر: التفسير البسيط، للواحدي: ٥/ ١٧٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٣١٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٩٠): ص ٢/ ٦٣١.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٩١): ص ٢/ ٦٣١.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١.","vol":"6","page":65},{"text":"أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال الرسولﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" (١).\n٤ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية الذين يوقولن بان الإنسان مجبر على عمله وليس له فيه إرادة، ووجه الرد عليهم: ان الله اضاف الفعل إلى الإنسان فقال: ﴿إن تخفوا﴾.\n٥ - ومنها: ان الله محيط بكل شيء علما، حتى ما بين جوانح الإنسان، لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، وبالتالي التحذير من أن يسرّ الإنسان في نفسه ما لا يرضى الله.\n٦ - ومنها: عموم علم الله، لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.ومنها: إثبات السماوات، وأنها جمع، وقد صرّح الله تعالى في كتابه بانها سبع سماوات، فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، في حين لم تأتي كلمة \"الأرض\" في القرآن مجموعة، وإنما جاءت في السنة مجموعة، وقد دلّت عليه النص القرآن بانه ايضا سبع طبقات، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].\n٧ - ومنها: إثبات قدرة الله تعالى، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n٨ - ومنها: إرشاد الانسان أن يتعلق بربه، لأنه متى ما عرف الانسان بأن ربه على كل شيء قدير فإنه لن يمنعه مانع من ان يلتجئ إليه ﷾ بسؤال ما يريد.\nالقرآن\n﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠]\nالتفسير:\nوفي يوم القيامة يوم الجزاء تجد كل نفس ما عملت من خير ينتظرها موفرًا لتُجزَى به، وما عملت من عمل سيِّئ تجده في انتظارها أيضًا، فتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل زمنًا بعيدًا. فاستعدوا لهذا اليوم، وخافوا بطش الإله الجبار. ومع شدَّة عقابه فإنه سبحانه المتصف بكمال الرحمة بالعباد.\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، \" أي: يوم القيامة يجد كل إِنسان جزاء عمله حاضرًا لا يغيب عنه\" (٢).\nقوله ﴿محضرا﴾، يعني: \"موفرا\"، قاله قتادة (٣).\nوقال مطر: يعني: \" موفرا مكنزا\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، \" أي وإِن كان عمله سيئًا تمنّى أن لا يرى عمله، وأحبَّ أن يكون بينه وبين عمله القبيح غايةً في نهاية البعد\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب\" (٧).\nقال الثعلبي: \" الأمد: الأجل والغاية التي ينتهي إليها، قال الله: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥]، وقال: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]، قال النابغة (٨):\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (٤٠٩٤).\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٣٩٢): ص ٢/ ٦٣١.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٣٩٣): ص ٢/ ٦٣١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٠.\n(٨) ديوانه: ١٣.","vol":"6","page":66},{"text":"ألا لمثلك أو من أنت سابقة ... بسبق الجواد إذا ستويا على الأمد\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وجوه من التفسير:\nأحدها: أن المعنى: \" يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبدا يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها\". قاله الحسن (٢)، وروي عن مجاهد نحو ذلك (٣).\nوالثاني: أن قوله ﴿أمدا بعيدا﴾، معناه: مكانا بعيدا. قاله السدي (٤).\nوالثالث: أن معناه أجلا وغاية بعيدا. قاله مقاتل بن سليمان (٥)، وابن جريج (٦)، وأبو عبيدة (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، أي: والله \"يخوفكم عقابه\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: عقوبته في عمل السوء\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]، أي: والله رحيم بخلقه\" (١٠).\nقال الحسن: \" من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الانسان جزاء عمله خيره وشره.\n٢ - ومنها: ثبوت الجزاء لكل نفس، وانه جزاء شامل وان غير المكلف يكتب له ولا يكتب عليه، ولا شك بأنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم، فإنها لا تجد هذا.\n٣ - ومنها: كمال قدرة الله تعالى بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، لقول: ﴿ما﴾ الموصولة التي تفيد العموم.\n٤ - ومنها: كمال رقابته ﷿، وانه لا يفوته شيء، فما عمل الإنسان فسوف يجده.\n٥ - إثبات يوم الآخر، الذي هو يوم الجزاء.\n٦ - ومنها: ان الشر يسوء صاحبه، لقوله: ﴿وما عملت من سوء﴾.\n٧ - إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: ﴿تودّ﴾، لأن المودة خالص المحبة، وهي فرع من الشعور بالشيء.\n٨ - ومنها: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، لقوله: ﴿تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا﴾، وأنه يحب ان يكون بينه وبين عمله السيء امدا بعيدا.\n٩ - رحمة الله بعباده بتحذيرهم من عقوبته، لقوله: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾.\n١٠ - إثبات الرأفة لله ﷿، لقوله ﴿رءوف﴾، والرأفة أسد الرحمة وأرقها.\nالقرآن\n﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول-: إن كنتم تحبون الله حقا فاتبعوني وآمنوا بي ظاهرًا وباطنًا، يحببكم الله، ويمحُ ذنوبكم، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: \"إن اليهود لما قالت: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله -ﷺ- فأبوا أن يقبلوها\" (١٢).\nوقال مقاتل بن سليمان: \"لما دعا النبي -ﷺ- كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ولنحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه، فقال الله﷿- لنبيهﷺ- ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ \" (١٣).\nوالثاني: قال الحسن: \" قال قومٌ على عهد النبي ﷺ: يا محمد، إنا نحبّ ربنا! فأنزل الله ﷿: \" قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم \"، فجعل اتباع نبيه محمد ﷺ عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه\" (١٤). وروي عن ابن جريج مثل ذلك (١٥).\nوالثالث: وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: \"وقف النبي - ﷺ - على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف والقرطة، وهم يسجدون لها، فقال: \"يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام\"، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ \"فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم\" (١٦).\nقال ابن حجر: \" وهذا من منكرات جويبر فإن آل عمران مدنية، وهذه القصة إنما كانت بمكة قبل الهجرة، ولعل الذي نزل فيهما في أوائل الزمر\" (١٧).\nوالرابع: ونقل الواحدي عن محمد بن جعفر بن الزبير: \" نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم (١٨).\nقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، أي قل لهم يا محمد إِن كنتم حقًا تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله\" (١٩).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن أبي الدرداء في قوله ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس\" (٢٠).\nوقال الحسن: \" فكان علامة حبه إياهم اتباع سنة رسوله\" (٢١).\nقال ابن كثير: \" أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ\" (٢٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: \" ويغفر لكم ما سلف من الذنوب\" (٢٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ما مضى من كفركم\" (٢٤).\n_________\n(١) تفسير الثعلي: ٣/ ٥٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٣٩٤): ص ٢/ ٦٣١.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٣٩٥): ص ٢/ ٦٣١ - ٦٣٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٣٩٧): ص ٢/ ٦٣٢.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن المنذر (٣٥٩): ص ١/ ١٦٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن المنذر (٣٦٠): ص ١/ ١٦٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٨٤٤): ص ٦/ ٣٢١.\n(١٢) أسباب النزول للواحدي: ١٠٣.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.\n(١٤) أخرجه الطبري (٦٨٤٥): ص ٦/ ٣٢٣.\n(١٥) أخرجه الطبري (٦٨٤٧): ص ٦/ ٣٢٣، وابن المنذر (٣٦٢): ص ١/ ١٦٩، وابن أبي حاتم (٣٤٠٢): ص ٢/ ٦٣٣، من طريق بكر بن الأسود عن الحسن به، ونقله الواحدي في أساب النزول: ١٠٣، وإسناده ضعيف جدا بسبب بكر، انظر: ميزان الاعتدال: ١/ ٣٤٢ - رقم: ١٢٧١، وضعف الإمام ابن جرير هذا السبب، انظر: تفسيرالطبري: ٦/ ٣٢٤.\n(١٦) اسباب النزول: ١٠٣.\n(١٧) العجاب: ٢/ ٦٧٨.\n(١٨) اسباب النزول: ١٠٣، والعجاب: ٢/ ٦٧٧، وانظر: سيرة ابن هشام: ١/ ٥٧٨ - ٥٧٩ في قصة وفد نجران.\n(١٩) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٢٠) تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٠٠): ص ٢/ ٦٣٢.\n(٢١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠١): ص ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.\n(٢٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢.\n(٢٣) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٢٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠٤): ص ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.","vol":"6","page":67},{"text":"قال الطبري: أي: \" فإنه إن اتبعتموني وصدّقتموني على ما أتيتكم به من عند الله يغفرُ لكم ذنوبكم، فيصفح لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عما مضى منها\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيمٌ بهم\" (٣).\nقال محمد ابن إسحاق: \" والله ﴿غفور﴾: يغفر الذنب، ﴿رحيم﴾: يرحم العباد على ما فيهم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ\" (٥) \" (٦).\nالفوائد:\n١ - إن الله تعالى أمر نبيه محمداﷺ- أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط، وهو اتباعهم للرسول﵊-.\n٢ - إن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى من غير المسلمين، لقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾.\n٣ - قد جعل الله اتباع رسوله سببا لمحبة الله للعبد، وكلما قوي اتباع الإنسان للرسول﵊- كان أقوى برهانا على صدق محبته لله.\n٤ - ومن الفوائد: إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين، لقوله: ﴿تحبون الله﴾، وقوله: ﴿يحببكم الله﴾، وهذه المحبة هي حقيقية خلافا لمن أوّلها، فقال: تحبون الله: أي: تحبون ثوابه، يحببكم الله: أي: يثيبكم الله، فهذا وأيم الله تحريف، وأن محبة الله غير محبة الثواب.\n٥ - إن اتباع الرسول﵊- برهان لصدق دعوى محبة الله، وسبب لمغفرة الله للذنب.\n٦ - ومنها: كمال إحسان الله تعالى، لجزائه على العمل أكثر منه، لأن المتبع للرسول يحصل محبة الله ومغفرة الذنوب.\n٧ - اثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة في قوله: ﴿والله غفور رحيم﴾.\nالقرآن\n﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول-: أطيعوا الله باتباع كتابه، وأطيعوا الرسول باتباع سنته في حياته وبعد مماته، فإن هم أعرضوا عنك، وأصروا على ما هم عليه مِن كفر وضلال، فليسوا أهلا لمحبة الله; فإن الله لا يحب الكافرين.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال الثعلبي: \" فلما نزلت هذه الآية (٧) قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إنّ محمّدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبّه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزل: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ \" (٨).\nالثاني: وقال مقاتل بن سليمان: يعني: \"قل لليهود\" (٩). ورجحه ابن حجر (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠٤٥): ص ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.\n(٥) أخرجه مسلم (١٧١٨).\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢.\n(٧) وهو قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٥١.\n(٩) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(١٠) انظر: العجاب: ٢/ ٦٧٩.","vol":"6","page":68},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: قل يا محمد: \"أطيعوا أمر الله وأمر رسوله\" (١).\nقال محمد ابن إسحاق: \"أطيعوا الله والرسول وأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" قل، يا محمد، لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثتُه بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: فإن\" استدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يعني: الكفار تولوا عن النبي ﷺ\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \"فإن تولوا على كفرهم\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" أعرضوا عن طاعتهما\" (٧).\nقال ابن كثير: أي فإن\" أي: خالفوا عن أمره\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: فإن الله \"لا يحب من كفر بآياته\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \" لا يرضى فعلهم ولا شيء لهم ولا يغفر لهم\" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم \"عن سفيان بن عيينة قوله: ﴿فإن الله لا يحب﴾، قال: لا يقرب\" (١١).\nقال ابن كثير: \" فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء - بل المرسلون، بل أولو العزم منهم - في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - عناية الله تعالى بطاعته وطاعة الرسول، وذلك لتصدر الأمر بـ ﴿قل﴾، والقرآن كله قد أمر الرسولﷺ- أن يقوله.\n٢ - من فوائد الآية وجوب طاعة رسولهﷺ-، وأن طاعته من طاعة الله.\n٣ - إثبات رسالته –ﷺ، لقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]\nالتفسير:\nإن الله اختار آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران، وجعلهم أفضل أهل زمانهم.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، أي: إن الله \"اختار للنبوة صفوة خلقه منهم آدم أبو البشر\" (١٣).\nقال أبو مالك: \" ﴿اصطفى﴾، يعني: اختار\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٧٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠٦): ص ٢/ ٦٣٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠٧): ص ٢/ ٦٣٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠٩): ص ٢/ ٦٣٤.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٥١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢.\n(٩) صفوة التفاسير: /١/ ١٧٨.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٥١.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٠٨): ص ٢/ ٦٣٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٤١٠): ص ٢/ ٦٣٤.","vol":"6","page":70},{"text":"قال الحسن: \" فضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء والأتقياء المطيعين لربهم\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: اختار من الناس لرسالته آدم\" (٢).\nقال ابن كثير: \" فاصطفى آدم، ﵇، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة\" (٣).\nقال الزجاج: \" معنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم أي جعلهم صفوة خلقه، وهذا تمثيل بما يُرى، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيءِ المرئي، وإذا سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهده عِيانًا، فنحن نعين الشيء الصافي أنه النقى من الكدر، فكذلك صفوة اللَّه من خلقه\" (٤).\nوفي معنى الإصطفاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: اصطفى دينهم أي اختاره على سائر الأديان. والتقدير: إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام، فحذف المضاف. وهذا قول الفراء (٥).\nوالثاني: أن المعنى: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم، فاصطفى آدمَ بالرسالة إلَى الملاتكة وإلى ولده، واصطفى نوحًا وإبراهيم وآله بالرِّسالة. أفاده الزجاج (٦).\nوالثالث: أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. أفاده الماوردي (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، أي: واختار نوحا\"شيخ المرسلين\" (٨).\nقال ابن كثير: \" واصطفى نوحا، ﵇، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، \" أي عشيرته وذوي قرباه\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب والأسباط\" (١١).\nقال ابن عباس: \" هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد ﷺ\" (١٢).\nوقال أيضا: \" إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية \" (١٣).\nقال ابن كثير: \" واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ\" (١٤).\nقال قتادة: \" ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين، ففضلهما على العالمين، فكان محمد ﷺ من آل إبراهيم\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٤١٠): ص ٢/ ٦٣٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٣٩٩.\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٩٧، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٩٩، وتفسير القرطبي: ٤/ ٦٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٩٩.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٦.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٢٤٩.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٤١٤): ص ٢/ ٦٣٥.\n(١٣) تفسير ابن المنذر: (٣٦٨): ص ١/ ١٧١.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(١٥) تفسير عبدالرزاق (٣٨٨): ص ١/ ٣٨٦.","vol":"6","page":71},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، أي: أهل عمران\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني موسى، وهارون، ذرية آل عمران اختارهم للنبوة والرسالة\" (٢).\nقال ابن كثير: \" المراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، ﵈\" (٣).\nقال الزمخشري: \" وآل عمران موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة\" (٤).\nوفي: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، قولان:\nأحدهما: أنه موسى وهارون ابنا عمران. قاله مقاتل (٥). وآخرون.\nوالثاني: أنه المسيح، لأن مريم بنت عمران، وهذا قول الحسن (٦).\nقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، \"أي: على عالمي زمانهم\" (٧).\nقال الحسن: \"على الناس كلهم\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني عالمي ذلك الزمان\" (٩).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض \" (١٠).\nالفوائد:\n١ - إن الله يختار من خلقه ما يشاء، كما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨].\n٢ - إن التفاضل يكون في الأعمال والأعيان والأشخاص، ولهذا فإن جنس العرب أفضل من غيرهم، ومحمد﵊- أشرفهم.\n٣ - ومنها ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، لقوله: ﴿على العالمين﴾، والملائكة عالم.\nالقرآن\n﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٤]\nالتفسير:\nهؤلاء الأنبياء والرسل سلسلة طُهْر متواصلة في الإخلاص لله وتوحيده والعمل بوحيه. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]، \"أي: اصطفاهم متجانسين في الدين والتُّقى والصلاح\" (١١).\nقال قتادة: \"يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له\" (١٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" فمن تلك الذرية كان ينسب عيسى إذ لم يكن له أب من غيرهم، فدعي إلى نسبه\" (١٣).\nوقال أبو روق: \" بعضها على دين بعض\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٥٤.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٦.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٢٤٩، وانظر: صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤١٥): ص ٢/ ٦٣٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(١١) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (٦٨٥٥): ص ٦/ ٣٢٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤١٩): ص ٢/ ٦٣٦.\n(١٤) مجمع البيان: ٥/ ٨٤، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٥٣.","vol":"6","page":72},{"text":"قال الطبري: أي: \" ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته\" (١).\nقال الراغب: \" يعني في الموالاة الدينية، لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وقوله لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] ردا عليه لما قال في الكناية عن هذا العدو\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] وجهان:\nأحدهما: أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب، كما قال تعالى: ﴿المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يعني في الاجتماع على الضلال، وهذا قول الحسن (٣)، وقتادة (٤).\nوالثاني: أنهم في التناسل والنسب، إذ جميعهم من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، وهذا قول بعض المتأخرين (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] أي: والله \" سميع لأقوال العباد عليم بضمائرهم\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون\" (٧).\nقال مقاتل: ﴿سميع﴾: \"لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أشد حبا لله، ﴿عليم﴾ بما قالوا، يعنى اليهود\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا\" (٩).\nالفوائد:\n١ - بيان أن البشر جنس بعضه من بعض، لقوله: ﴿ذرية بعضها من بعض﴾.\n٢ - الرد على من زعم بأن البشر تطور من جنس لآخر، من القردة إلى الآدميين إلى البشر، والصحيح أن أصل البشر من آدم، الذي خلقه الله من تراب.\n٣ - إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وهما: السميع، والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بكل شيء بالأصوات والأحوال والأعيان.\nالقرآن\n﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾ [آل عمران: ٣٥]\nالتفسير:\nاذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر مريم وأمها وابنها عيسى ﵇; لتردَّ بذلك على من ادعوا أُلوهية عيسى أو بنوَّته لله سبحانه، إذ قالت امرأة عمران حين حملت: يا ربِّ إني جعلت لك ما في بطني خالصا لك، لخدمة «بيت المقدس»، فتقبَّل مني; إنك أنت وحدك السميع لدعائي، العليم بنيتي.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، \" أي اذكر لهم وقت قول امرأة عمران\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصرًا لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقرًا عجوزًا، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرًا يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وكان هذا النذر مشروعًا في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرًا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥]، أي: ربّي إني \"نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله في بطني\" (١٢).\nقال عكرمة: \" أن امرأة عمران كانتْ عجوزًا عاقرًا تسمى حَنَّة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبطُ النساء لأولادهن، فقالت: اللهمّ إنّ عليّ نذرًا شكرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدّق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنته وُخدَّامه\" (١٣).\nقال الحسن: \" نذرت ما في بطنها، ثم سيَّبَتْها\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، \" أي: مخلصًا للعبادة والخدمة\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \"للبيعة والكنيسة\" (١٦).\nقال عكرمة: \" قوله: ﴿نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا﴾، إنها للحرّة ابنة الحرائر ﴿محررًا﴾ للكنيسة يخدمها\" (١٧).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \"تقول: جعلته عتيقًا لعبادة الله، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا\" (١٨).\nقال مجاهد: \" خالصًا، لا يخالطه شيء من أمر الدنيا\" (١٩)،\nقال قتادة: \" كانت امرأة عمران حَرّرت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحرّرُون الذكور، وكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرَحها، يقوم عليها ويكنُسها\" (٢٠).\nقال السدي: \" وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما في بطنها غلام، فوهبته لله محرّرًا لا يعمل في الدنيا\" (٢١).\nقال الربيع: \" كانت امرأة عمران حرّرَت لله ما في بطنها. قال: وكانوا إنما يحرّرون الذكور، فكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها\" (٢٢).\nقال الضحاك: \" جعلت ولدها لله، وللذين يدرُسون الكتاب ويتعلَّمونه\" (٢٣).\nقال التستري: \" أي حررته وأعتقته من رق الدنيا من متابعة هواه ومرادات نفسه، وجعلته خادمًا لعباد بيت المقدس خالصا لله تعالى\" (٢٤).\nقال البيضاوي: \" معتقًا لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصًا للعبادة\" (٢٥).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: حبستُه على خدمتك وخدمة قُدْسك في الكنيسة، عتيقةً من خدمة كلّ شيء سواك، مفرّغة لك خاصة\" (٢٦).\nولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، \" ثلاثة أقاويل:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٢٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤١٦)، و(٣٤١٧): ص ٢/ ٦٣٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٨٥٥): ص ٦/ ٣٢٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٢٠): ص ٢/ ٦٣٦.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧١.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (٦٨٧٥): ص ٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(١٤) أخرجه الطبري (٦٨٧٦): ص ٦/ ٣٣٣.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٨٦٨): ص ٦/ ٣٣١.\n(١٧) أخرجه الطبري (٦٨٧٥): ص ٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(١٨) أخرجه الطبري (٦٨٥٨): ص ٦/ ٣٣٠.\n(١٩) أخرجه الطبري (٦٨٦٧): ص ٦/ ٣٣١.\n(٢٠) أخرجه الطبري (٦٨٧٠): ص ٦/ ٣٣٢.\n(٢١) أخرجه الطبري (٦٨٧٢): ص ٦/ ٣٣٢.\n(٢٢) أخرجه الطبري (٦٨٧٣): ص ٦/ ٣٣٢.\n(٢٣) أخرجه الطبري (٦٨٧٤): ص ٦/ ٣٣٢.\n(٢٤) تفسير التستري: ٤٨.\n(٢٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤.\n(٢٦) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٩.","vol":"6","page":73},{"text":"أحدها: أن معناه: فرّغته للعبادة، وهذا قول الشعبي (١).\nوالثاني: أنه: يعني: خادمًا للبيعة، وهذا قول مجاهد (٢)، وروي عن الربيع بن أنس وشرحبيل بن سعد نحو ذلك (٣).\nوالثالث: معناه: عتيقًا من الدنيا لطاعة الله، وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: ٣٥]، \" أي: فتقبل مني ما نذرت لك يا ربّ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]، أي إنك أنت \"السميع لدعائي العليم بنيتي\" (٦).\nقال الطبري: \" إنك أنتَ يا رب ﴿السميع﴾ لما أقول وأدعو، ﴿العليمُ﴾ لما أنوي في نفسي وأريد، لا يخفى عليك سرّ أمري وعلانيته\" (٧).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة جواز النذر في الأمر المجهول.\n٢ - جواز تصدق المراة بدون إذن زوجها، ووجهه: انها نذرت تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج.\n٣ - ومنها: ان الولد يخدم والده من أم أو أب، لأنها قالت: ﴿محررا﴾، يعني محررا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.\n٤ - ومن الفوائد ايضا: الافتقار إلى الله، لقولها: ﴿فتقبّل منّي﴾.\n٥ - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى وهما: السميع، والعليم، والسميع يكون بمعنى استجابة الدعاء وبمعنى إدراك المسموع، والعليم هو: إدراك الشيء على ما هو عليه.\nالقرآن\n﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦]\nالتفسير:\nفلما تمَّ حملها ووضعت مولودها قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى لا تصلح للخدمة في «بيت المقدس» -والله أعلم بما وضَعَتْ، وسوف يجعل الله لها شأنًا- وقالت: وليس الذكر الذي أردت للخدمة كالأنثى في ذلك; لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقْوَم بها، وإني سمَّيتها مريم، وإني حصَّنتها بك هي وذريَّتها من الشيطان المطرود من رحمتك.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ [آل عمران: ٣٦]، \"أي: لمَّا ولدتها\" (٨).\nقال الثعلبي: \" أي ولدتها وإذا هي جارية\" (٩).\nقال الطبري: أي: \"فلما وضعت حَنَّة النذيرةَ\" (١٠).\nقال ابن عباس: \"فلما وضعتها أنثى ضنت بها، قالت: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: يا ربي إني \"ولدت النذيرة أنثى\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" وكانت ترجو أن يكون ذكرا\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦٨٦٢) - (٦٨٦٤): ص ٦/ ٣٣١.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٢٣): ص ٢/ ٦٣٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٢٣): ص ٢/ ٦٣٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٨٥٨): ص ٦/ ٣٣٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣، وانظر: صفوة التفاسير: ١٨٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٥٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٣٣٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٢٤): ص ٢/ ٦٣٦.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٣٣٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٢٥): ص ٢/ ٦٣٧.","vol":"6","page":74},{"text":"قال السدي: \" فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ \" (١).\nقال الربيع: \" يعني أن المرأة لا تستطيع ذلك\" (٢).\nقال عكرمة: \" قالت: ليس في الكنيسة إلا الرجل، فلا ينبغي لإمرأة أن تكون مع الرجال، أمها تقوله، فذلك الذي منعها أن يجعلها في الكنيسة وينفذ نذرها بتحريرها في الكنيسة\" (٣).\nقال البيضاوي: \" وإنما قالته تحسرًا وتحزنًا إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكرًا ولذلك نذرت تحريره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" والله أعلم من كل خلقه بما وضعت\" (٦).\nقال البيضاوي: يعني: \" أي بالشيء الذي وضعت. هو استئناف من الله تعالى تعظيمًا لموضوعها وتجهيلًا لها بشأنها\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قراءتان (٨):\nإحداهما: ﴿بما وضعتْ﴾، بتسكين التاء، على أنه من قول الله ﷿، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ورواية حفص والمفضل عن عاصم.\nوالثانية: ﴿بما وضعتُ﴾، بضم التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر.\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الضحاك فلما وضعتها فرأتها أنثى قالت: إني وضعتها أنثى وأنت أعلم بما وضعت، يعني: برفع التاء\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، \"أي ليس الذكر الذي طَلَبْته كالأنثى التي وُهبِتها\" (١٠).\nقال عكرمة: \"يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال أمها تقول ذلك\" (١١).\nقال الضحاك: \" أي لما جعلها له نذيرة، والنذيرة أن تعبد الله لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى\" (١٣).\nقال الطبري: \" قالت [ذلك] اعتذارًا إلى ربها مما كانت نذرتْ في حملها فحررته لخدمة ربها، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس\" (١٤).\nقال قتادة: \" كانت المرأة لا يستطاع أن يصنع بها ذلك يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها، تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: ﴿ليس الذكر كالأنثى﴾ \" (١٥).\nقال الربيع: \"كانت امرأة عمران حرّرت لله ما في بطنها، وكانت على رَجاء أن يهبَ لها غلامًا، لأن المرأة لا تستطيع ذلك يعني القيامَ على الكنيسة لا تَبرحها، وتكنُسها لما يصيبها من الأذى\" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٢٦): ص ٢/ ٦٣٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٢٧): ص ٢/ ٦٣٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٢٨): ص ٢/ ٦٣٧.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٣٣٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤.\n(٨) انظر: السبعة: ٢٠٤، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٠): ص ٢/ ٦٣٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٨٨٣): ص ٦/ ٣٣٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣١): ص ٢/ ٦٣٧.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ٦/ ٣٣٤.\n(١٥) أخرجه الطبري (٦٨٧٩): ص ٦/ ٣٣٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (٦٨٨١): ص ٦/ ٣٣٥.","vol":"6","page":76},{"text":"قال السدي: \" أن امرأة عمران ظنتّ أن ما في بطنها غلامٌ، فوهبته لله. فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: ﴿رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى﴾، تقول: إنما يحرّر الغلمان\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦]، \" أي: وإني \"أسميت هذه الأنثى مريم\" (٢).\nقال الثعلبي: \" وهي بلغتهم: الخادمة والعبادة، وكانت أجمل النساء في وقتها وأفضلها\" (٣).\nقال ابن كثير: \" فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: وإني \"أُجيرها بحفظك وأولادها من شر الشيطان الرجيم\" (٥).\nعن أبي مالك قوله: ﴿الرجيم﴾، يعني: ملعون\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: عَوَّذتها بالله، ﷿، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، ﵇\" (٧).\nعن أبي هريرة قال: \" قال رسول الله ﷺ ما من نَفْس مولود يُولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يَستهلّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران، فإنها لما وضعتها قالت: ﴿رب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾، فضُرب دُونها حجاب، فطعَن فيه\" (٨).وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله ﷺ: كل مولود يولد من بني آدم يمسُّه الشيطان بإصبعه، إلا مريم وابنها\" (٩).\nوعن ابن عباس، قال: \"ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم، لم يسلَّط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه\" (١٠).\nوقال وهب بن منبه: \"لما وُلد عيسى أتت الشياطينُ إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث! وقال: مكانَكم! فطارَ حتى جاء خَافقي الأرض، فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار فلم يجد شيئًا، ثم طار أيضًا فوجد عيسى قد ولد عند مِذْوَد حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًّا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها، إلا هذه! فَأيِسوا أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفَّة والعجَلة\" (١١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: ان الأم تتكلف الطفل، لقوله: ﴿وضتها﴾، ومنه قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\n٢ - ومنها: عظم حق الأم على ولدها.\n٣ - ومنها: اعتذار الانسان إلى ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد.\n٤ - التوسل إلى الله تعالى بربوبيته.\n٥ - أنه من تمام البلاغة الاحتراز عن كل موهم لأمر خطأ، سواء كان في المقال أو في الفعل، لقوله: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ على قراءة الضم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦٨٨٢): ص ٦/ ٣٣٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٥٥، وانظر: قصص الأنبياء للثعلبي: ٣٧١ - ٣٧٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٤): ص ٢/ ٦٣٨.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٦٨٨٤): ص ٦/ ٣٣٦، ورواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٩٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٨٨٩): ص ٦/ ٣٣٨، ورواه أحمد في المسند: (٧٨٦٦).\n(١٠) أخرجه الطبري (٦٨٩٣): ص ٦/ ٣٤٠. اسناده صحيح.\n(١١) أخرجه الطبري (٦٨٩٤): ص ٦/ ٣٤١.","vol":"6","page":77},{"text":"٦ - إثبات التفضيل في اوصاف الله من قوله: ﴿أعلم بما وضعت﴾.\n٧ - أنه لا يستوي الذكور والإناث في الطبيعة ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان.\n٨ - ومن الفوائد: جواز تسمية المولود حين يولد.\n٩ - مشروعية إعاذة الانسان أبناءه بالله ﷿ من الشيطان الذي هو عد الانسان ومن شر الخلق.\n١٠ - جواز الدعاء للمعدوم، من قوله: ﴿وذريتها﴾.\nالقرآن\n﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧]\nالتفسير:\nفاستجاب الله دعاءها وقبل منها نَذْرها أحسن قَبول، وتولَّى ابنتها مريم بالرعاية فأنبتها نباتًا حسنًا، ويسَّر الله لها زكريا ﵇ كافلا فأسكنها في مكان عبادته، وكان كلَّما دخل عليها هذا المكان وجد عندها رزقًا هنيئًا معدًّا قال: يا مريم من أين لكِ هذا الرزق الطيب؟ قالت: هو رزق من عند الله. إن الله -بفضله- يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.\nقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: قبلها الله قبولًا حسنًا\" (١).\nقال شرحبيل بن سعد: \" وقبل الله أنثاهم أن يجعلوها في البيعة\" (٢).\nقال الماوردي: \" معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس\" (٣).\nقال ابن كثير: \" يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" فرضي بها في النذر مكان الذكر بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، \" أي: ربّاها تربية كاملة ونشأها تنشئة صالحة\" (٦).\nقال الماوردي: \" يعني: أنشأها إنشاءً حسنًا في غذائها وحسن تربيتها\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين\" (٨).\nقال عباد بن منصور: \"سألت الحسن فقال: ﴿تقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا﴾، وتقارعها القوم فقرع زكريا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، \" أي: جعل زكريا كافلًا لها ومتعهدًا للقيام بمصالحها\" (١٠).\nقال الربيع: \" يقول: ضمها إليه\" (١١).\nقال مجاهد: \" ساهمهم بقلمه\" (١٢).\nقال قتادة: \"تساهموا على مريم أيهم يكفلها\" (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٥): ص ٢/ ٦٣٨.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٣٨٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٣٨٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٧): ص ٢/ ٦٣٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٩): ص ٢/ ٦٣٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٨): ص ٢/ ٦٣٩.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣٨): ص ٢/ ٦٣٩.","vol":"6","page":78},{"text":"قال السدي: \" كان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان نبيهم، وكانت أخت مريم تحته، فلما أتوا بها اقترعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها تحتي أختها، فأبوا فخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على هيئته كأنه في طين، وأخذ الجارية فذلك قوله تعالى:: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ \" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قراءتان (٢):\nإحداهما: ﴿وكفلها﴾، مفتوحة الفاء خفيفة، و﴿زكرياء﴾، رفع ممدود، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر.\nوالثانية: ﴿وكفّلها﴾ مشددة الفاء، و﴿زكريآء﴾، نصبا، قرأ بها عاصم في رواية أبي بكر، وكان يمد ﴿زكرياء﴾ في كل القرآن.\nقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، \"أي كلما دخل عليها زكريا حجرتها ومكان عبادتها\" (٣).\nقال السعدي: \"وهو [أي المحراب] محل العبادة، وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها\" (٤).\nقال الطبري: \" وأما \" المحراب \"، فهو مقدم كل مجلس ومصلًّى، وهو سيد المجالس وأشرفُها وأكرمُها، وكذلك هو من المساجد، ومنه قول عديّ بن زيد (٥):\nكَدُمَى العَاجِ فِي المَحَارِيبِ أَوْ ... كالبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ\nو\" المحاريب \" جمع \" محراب \"، وقد يجمع على \" محارب \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: \"وجد عندها فاكهة وطعامًا\" (٧).\nقال الخطيب: \" أي رزقا متجددا، ما يراه اليوم غير ما رآه أمس، وغير ما سيراه غدا\" (٨).\nقال ابن عباس: \" وجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه\" (٩).\nوقال عكرمة: \" فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء\" (١٠).\nوقال مجاهد: \" الرمان والعنب في غير حينه\" (١١). وروي عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد، والضحاك وإبراهيم النخعي، وقتادة والربيع بن أنس والسدي، وعطية العوفي نحو ذلك (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ثلاثة اوجه:\nأحدهما: أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، وسعيد (١٨)، وإبراهيم (١٩)، والربيع (٢٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤٠): ص ٢/ ٦٣٩.\n(٢) انظر: السبعة: ٢٠٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٤) تفسير السعدي: ٩٦٦.\n(٥) ديوانه: ٤٥٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٨) التفسير القرآن للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب: ٢/ ٤٣٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤٤): ص ٢/ ٦٤٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤٥): ص ٢/ ٦٤٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤٦): ص ٢/ ٦٤٠.\n(١٢) انظر: ابن أبي حاتم (٣٤٤٦): ص ٢/ ٦٤٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٩١٧): ص ٦/ ٣٥٤، و(٦٩٣٣): ص ٦/ ٣٥٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٩٢٤): ص ٦/ ٣٥٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٩٢٠): ص ٦/ ٣٥٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٩٢٨): ص ٦/ ٣٥٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٩٣١): ص ٦/ ٣٥٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٩١٨): ص ٦/ ٣٥٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٦٩١٩): ص ٦/ ٣٥٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٦٩٣٠): ص ٦/ ٣٥٥.","vol":"6","page":79},{"text":"والثاني: أنها لم تطعم ثديًا قط حتى تكلمت في المهد، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة، وهذا قول الحسن (١).\nوالثالث: أن المعنى: وجد عندها \"عرما أو صحفا فيها علم. قاله مجاهد (٢).\nواختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين:\nأحدهما: أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها.\nوالثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح ﵇.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: قال يا مريم \"من أين لك هذا؟ \" (٣).\nقال الضحاك: \" يقول: من أتاك بهذا؟ \" (٤).\nقال أبو مالك قوله: ﴿أنى﴾، يعني: من أين؟ \" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه\" (٦).\nقال الزجاج: \" وإِنما سأل زكريا عن الرزق لأنه خاف أن يأتيها - من غير جهته فتبين عنده أنه من عند اللَّه، وذلك من آيات مريم، قال اللَّه ﵎: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] فمن آياتها أنها أول امرأة قُبلت في نذر في المتعبد، ومنها أن اللَّه أنشأ فيها عيسى - ﵇ - من كلمة ألقاها إليها، ومنها أن اللَّه ﷿ - غذاها برزق من عنده لم يجْرِهِ على يد عبد من عبيده، وقد قيل في التفسير أنَّها لم تُلْقَمْ ثديًا قط\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧]، \" أى: قالت له: إن هذا الرزق من عند الله- تعالى-\" (٨).\nقال البغوي\"أي: من قطف الجنة\" (٩).\nقال أبو السعود: أي: \" فلا تعجبْ ولا تستبعد\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" فإنه وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد، وكان زكريا يقول: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وجهان (١٢):\nأحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق.\nوالثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفًا منه بها حتى يأتيها رزقها.\nقال الماوردي: \"والأول أشبه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: إن الله يرزق من يشاء \"رزقًا واسعًا بغير جهد ولا تعب\" (١٤).\nقال الزجاج: \" أي بغير تقتير\" (١٥).\"\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٤٦): ص ٢/ ٦٤٠.\n(٣) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٠٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٤٧): ص ٢/ ٦٤٠.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٤٨): ص ٢/ ٦٤٠.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٥.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٠٤.\n(٨) التفسير الوسيط لطنطاوي: ٢/ ٩١.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٣٢.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ٢/ ٣٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٤٩): ص ٢/ ٦٤٠.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٨.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٣٨٨.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٤٠٤.","vol":"6","page":80},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلًا به. وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى سميع قريب مجيب، لأنها دعت فسمعها، ولأنها دعت فأجابها، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\n٢ - أن الله تعالى منّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.\n٣ - أن الله تعالى هو المسبب وهو المكوّن للإنسان والمنبت له.\n٤ - إثبات الحضانة للطفل، لقوله: ﴿وكفّلها زكريا﴾.\n٥ - إن الله قد ييسر للإنسان من الرزق ما لايكون في حسبانه.\n٦ - أن الأشياء تضاف إلى الله تعالى، وإن كان لها سبب، لقوله: ﴿هو من عند الله﴾.\n٧ - أن الانبياء لا يعلوم الغيب، لقوه: ﴿يا مريم أنى لك هذه﴾.\n٨ - إثبات أن الله تعالى يرزق بغير مكافأة ولا انتظار لمكافأة، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nالقرآن\n﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]\nالتفسير:\nعندما رأى زكريا ما أكرم الله به مريم مِن رزقه وفضله توجه إلى ربه قائلا: يا ربِّ أعطني من عندك ولدًا صالحًا مباركًا، إنك سميع الدعاء لمن دعاك.\nقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: \" في ذلك الوقت دعا زكريا ربه متوسلًا ومتضرعًا\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" في ذلك المكان، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى ... وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ\" (٣).\nقال ابن كثير: \" لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخا كبيرا قد ضعف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذرية ولدا. والذرية يقع على الواحد والجمع\" (٥).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٥.\n(٢) انظر: صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٣٥٩. قال المحقق: \" لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة الله تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، والله أعلم\".\nوفيه يقول الرازي: \" فإن قيل: إن قلتم إن زكريا ﵇ ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عند ما شاهد تلك الكرامات عند مريم ﵍ كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا ﵇.\nفإن قلنا: إنه كان عالما بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سببا لزيادة علمه بقدرة الله تعالى، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك، فلا يبقى لقوله هنالك أثر.\nوالجواب: أنه كان قبل ذلك عالما بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالما به، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات\". [مفاتيح الغيب: ٨/ ٢٠٩].","vol":"6","page":81},{"text":"قال المراغي: \" أي في هذا المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه بهذا الدعاء، فإنه حين رأى حسن حالها ومعرفتها بالله تمنى أن يكون له ولد صالح مثلها هبة وفضلا من عنده فرؤية الأولاد النجباء مما تشوّق نفوس الناظرين إليهم وتجعلهم يتمنون أن يكون لهم مثلهم\" (١).\nقال ابن عباس: \" فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال: إنّ الذي يأتي بهذا مريمَ في غير زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال الله ﷿: ﴿هنالك دعا زكريا ربه﴾، قال: فذلك حين دعا\" (٢).\nقال السدي: \" فلما رأى زكريا من حالها ذلك يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف قال: إنّ ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادرٌ على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلَّى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [سورة مريم: ٤ - ٦]، وقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٩] \" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" حدثني بعض أهل العلم قال: فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسنّ ولا ولد له، وقد انقرض أهل بيته فقال: \" ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبه إنك سميع الدعاء \"، ثم شكا إلى ربه فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ الآية\" (٤).\nواختلف في سبب دعاء زكريا-عليه السلم- على قولين:\nأحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة، لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازًا. أفاده الماوردي (٥).\nوالثاني: أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. وهذا قول ابن عباس (٦)، والسدي (٧).\nقال الماتريدي: \" قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: (هنالك دعا زكريا ربه)، والله أعلم.\nويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله - ﷻ - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب - ﵇ - مع ما كان يعلم قدرة الله - تعالى - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل\" (٨).\nقال أبو حيان: \" أصل: ﴿هنالك﴾، أن يكون إشارة للمكان، وقد يستعمل للزمان وقيل بهما في هذه الآية، أي في ذلك المكان دعا زكريا، أو: في ذلك الوقت لما رأى هذا الخارق العظيم لمريم، وأنها ممن اصطفاها الله، ارتاح\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٣/ ١٤٧.\n(٢) أخرجه الطبري (٦٩٤١): ص ٦/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٩٤٠): ص ٦/ ٣٦٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٦٩٤٣): ص ٦/ ٣٦١.\n(٥) نظر: النكت والعيون: ١/ ٣٨٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٦٩٤١): ص ٦/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٧) أخرجه الطبري (٦٩٤٠): ص ٦/ ٣٦٠.\n(٨) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٦٠.","vol":"6","page":82},{"text":"إلى طلب الولد واحتاج إليه لكبر سنه، ولأن يرث منه ومن آل يعقوب، كما قصه تعالى في سورة مريم، ولم يمنعه من طلب كون امرأته عاقرا، إذ رأى من حال مريم أمرا خارجا عن العادة، فلا يبعد أن يرزقه الله ولدا مع كون امرأته كانت عاقرا، إذ كانت حنة قد رزقت مريم بعد ما أيست من الولد\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: قال: ربي \"أعطني من عندك ولدًا صالحًا\" (٢).\nقال السدي: \" ﴿ذرية طيبة﴾، يقول: مباركة\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" رب هب لي من عندك ولدًا مباركًا\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: \"إنك مجيب الدعاء\" (٥).\nقال الماوردي: \" أي تجيب الدعاء، لأن إجابة الدعاء بعد سماعه\" (٦).\nالفوائد:\n١ - أن جميع الخلق حتى الأنبياء مفتقرون إلى الله تعالى، لقوله: ﴿دعا زكريا ربه﴾.\n٢ - إثبات القياس، لأن زكريا﵇- لما هذه الكرامة لمريم، أخذ هذا الموقف عبرة وهو أن يسأل الله امرا وإن كان الأمر مستبعدا.\n٣ - أن الصيغة التي يتوسل بها غالبا في الدعاء هي اسم \"الرب\"، لقوله: ﴿ربّه﴾.\n٤ - عدم جواز سؤال مطلق الذرية، لقوله: ﴿ذرية طيبة﴾. أي صالحة.\n٥ - الأخذ بالأسباب للحصول على الذرية الطيبة، ومنها الدعاء، بل وهو من اكبر الأسباب.\n٦ - التوسل إلى الله تعالى باسمائه المناسبة للحاجة، لقوله: ﴿إنك سميع الدعاء﴾، أي: مجيبه.\n٧ - ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرته.\nالقرآن\n﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩]\nالتفسير:\nفنادته الملائكة وهو واقف بين يدي الله في مكان صلاته يدعوه: أن الله يخبرك بخبر يسرُّك، وهو أنك سترزق بولد اسمه يحيى، يُصَدِّق بكلمة من الله -وهو عيسى بن مريم ﵇-، ويكون يحيى سيدًا في قومه، له المكانة والمنزلة العالية، وحصورًا لا يأتي الذنوب والشهوات الضارة، ويكون نبيًّا من الصالحين الذين بلغوا في الصَّلاح ذروته.\nقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عرمان: ٣٩]، \" أي ناداه جبريل حال كون زكريا قائمًا في الصلاة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته\" (٨).\nقال مقاتل: \" فبينما هو يصلي في المحراب حيث يذبح القربان إذا برجل عليه بياض حياله وهو جبريل﵇- فقال: أن الله يبشرك بيحيى اشتق يحيى من أسماء الله﷿-\" (٩).\n_________\n(١) البحر المحيط: ٣/ ١٢٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٣) أخرجه الطبري (٦٩٤٤): ص ٦/ ٣٦١.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٣٦٣.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٥.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٣٨٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٤.","vol":"6","page":83},{"text":"أخرج ابن المنذر عن جعفر، قال: سمعت ثابتا، يقول: \" الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله شيئا أفضل من الصلاة ما قال: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي﴾ \" (١).\nقال أبو عبيدة: \"المحراب سيد المجالس وأشرفها، وأكرمها، وكذلك هو من المساجد\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وجهان من القراءة (٣):\nأحدهما: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾، بالتاء، قرأ به ابن كثير ونافع وعاصم وألو عمرو وابن عامر.\nوالثاني: ﴿فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ﴾، قرأ به حمزة، والكسائي.\nقال الزجاج: \" الوجهان جميعًا جائزان، لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث، لأن معناها معنى جماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير. كما يقال جمع الملائكة\" (٤).\nقال بن مجاهد البغدادي: \" وكلهم فتح الراء من ﴿المحراب﴾ إلا ابن عامر فإنه أمالها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩]، أي: إن الله يبشرك: \"بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى\" (٦).\nقال قتادة: \" إن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، وبشرته بيحيى\" (٧).\nقال السدي: \" لم يسمها أحد قبله\" (٨).\nوقوله ﴿بِيَحْيَى﴾، أي: \"أحياه الله بالإيمان\". قاله قتادة (٩).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، على وجوه (١٠):\nأحدها: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾، بضم الياء وفتح الباء والتشديد، قرأ به ابن كثير وأبو عمرو.\nوالثاني: ﴿يبشر﴾، بالتخفيف، قرأ به حمزة والكسائي.\nوفي قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ [آل عرمان: ٣٩]، قراءتان (١١):\nإحداهما: ﴿إنّ اللَّهَ﴾، بالكسر، وهي قراءة ابن عامر وحمزة.\nوالثانية: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾، بالفتح، وهي قراءة الباقين.\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، \"أي مصدقًا بعيسى مؤمنًا برسالته\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" عيسى ابن مريم ﷺ هو الكلمة\" (١٣).\nقال الضحاك: \" وأما قوله جل وعز في يحيى: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ \" مصدق بعيسى، وكان يحيى أو من صدق بعيسى، وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى بن خالة عيسى، وكان اكبر من عيسى\" (١٤).\nقال قتادة: \" مصدقا بعيسى ابن مريم على منهاجه\" (١٥).\nوقال أبو عبيدة: \" أي: بكتاب من الله، تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا أي قصيدة فلان إن طالت\" (١٦). وهو قول أهل البصرة (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (٤٠٨): ص ١/ ١٨٥.\n(٢) تفسير ابن المنذر (٤٠٩): ص ١/ ١٨٥.\n(٣) انظر: السبعة: ٢٠٥.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٠٥.\n(٥) السبعة: ٢٠٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (٤١٠): ص ١/ ١٨٦.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (٤١٣): ص ١/ ١٨٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن المنذر (٤١١): ص ١/ ١٨٦.\n(١٠) انظر: السبعة: ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(١١) انظر: السبعة: ٢٠٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (٤١٥): ص ١/ ١٨٧.\n(١٤) أخرجه ابن المنذر (٤١٦): ص ١/ ١٨٧.\n(١٥) أخرجه ابن المنذر (٤١٧): ص ١/ ١٨٧.\n(١٦) أخرجه ابن المنذر (٤١٨): ص ١/ ١٨٨.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٠.","vol":"6","page":84},{"text":"قال مقاتل: \" وكان يحيى أول من صدق بعيسى﵉- وهو ابن ثلاث سنين، قوله الأول وهو ابن ستة أشهر (١) فلما شهد يحيى أن عيسى من الله﷿- عجبت بنو إسرائيل لصغره، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه، وهو في خرقة وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، \"أي: ويسود قومه\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني حليما\" (٤).\nقال الزجاج: \" السيِّد: الذي يفوق في الخير قومه\" (٥).\nوفي معنى قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، أقاويل:\nأحدها: أنه الحليم. قاله أبو العالية (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، والربيع بن أنس (٨)، وقتادة (٩)، ومطر (١٠).\nوالثاني: أنه السيد في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع. قاله قتادة-في احد قوليه- (١١).\nوالثالث: أنه التقي، وهو قول أبي صالح (١٢)، وقال سعيد بن جبير: السيد التقي (١٣).\nوالرابع: أنه الحليم التقي. قاله ابن عباس (١٤)، وسفيان (١٥)، والضحاك-في أحد قوليه- (١٦).\nوالخامس: أنه الشريف، وهو قول ابن زيد (١٧).\nوالسادس: أنه الفقيه العالم، وهو قول سعيد بن المسيب (١٨).\nوالسابع: أن السيد: الذي لا يغلبه غضبه. قاله عكرمة (١٩).\nوالثامن: أن المعنى: السيد في خلقه ودينه. قاله عطية (٢٠)، وروي عن الضحاك-في أحد قوليه: قال: \"حسن الخلق\" (٢١).\nوالتاسع: أنه الخليفة، وهو قول قتادة (٢٢).\nوالعاشر: أن السيد: الكريم على الله. حكاه ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢٣)، والرقاشي (٢٤).\nوالحادي عشر: أن السيد: ليس له شرك. قاله مجاهد (٢٥).\nوالثاني عشر: سيد المؤمنين، يعني بالرياسة عليهم، وهذا قول بعض المتكلمين (٢٦).\n_________\n(١) المراد: أن عيسى حين نطق فى المهد كان ابن ستة أشهر (أي: أشهر الحمل) وقد صدقه يحيى وكان عمر يحيى حينئذ ثلاث سنوات.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٤.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٠٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٥٩): ص ٢/ ٦٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٩٦٩): ص ٦/ ٣٧٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٥٩): ص ٢/ ٦٤٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٦٩٦٨): ص ٦/ ٣٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٥٩): ص ٢/ ٦٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٩٦٧): ص ٦/ ٣٧٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٥٩): ص ٢/ ٦٤٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٩٧٠): ص ٦/ ٣٧٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٥٩): ص ٢/ ٦٤٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٩٧٥): ص ٦/ ٣٧٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٩٧٣): ص ٦/ ٣٧٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٤٥٩): ص ٢/ ٦٤٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٩٧٦): ص ٦/ ٣٧٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٩٧٧): ص ٦/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٦٠): ص ٢/ ٦٤٢.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٦١): ص ٢/ ٦٤٢.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٦١): ص ٢/ ٦٤٢.\n(٢٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٠.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٦٩٧١): ص ٦/ ٣٧٥.\n(٢٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٦٢): ص ٢/ ٦٤٣، وتفسير الطبري (٦٩٧٢): ص ٦/ ٣٧٥.\n(٢٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٦٣): ص ٢/ ٦٤٣.\n(٢٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٠.","vol":"6","page":85},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، \"أي: ويحبس نفسه عن الشهوات عفةَ وزهدًا \" (١).\nقال مقاتل: \" والحصور الذي لا حاجة له في النساء\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء\" (٣).\nقال الزجاج: أي لا يأتي النَساءَ، وإنما قيل للذي لا يأتي النَساءَ حصور لأنه حُبِسَ عما يكون من الرجال، كما يقال في الذي لا يتيسر له الكلام قد حُصِرَ في منطقه\" (٤).\nقال الفراء: \" يقال: إن الحصور: الذي لا يأتي النساء\" (٥).\nقال الشافعي: \" وذكر - اللَّه - عبدًا كرمه، فقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ الآية، والحصور: الذي لا يأتي النساء، ولم يندبه إلى النكاحْ، فدلَّ ذلك - واللَّه أعلم - على أن المندوب إليه من يحتاج إليه، ممن يكون مُحصنًا له عن المحارم والمعاني التي في النكاح\" (٦).\nقال المبرد\" الحصور الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وأصله من قول العرب الذي لا يدخل في الميسر: حصور\" (٧)، ومنه قول الأخطل (٨):\nوَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي ... لا بِالَحصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ\nويقال أيضًا للذي لا يخرج سره ويكتمه \"حصور\"، لأنه يمنع سره أن يظهر، كما قال جرير (٩):\nوَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الوُشَاةُ، فَصَادَفُوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا\nفاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.\nقال الزمخشري: \" والحصور: الذي لا يقرب النساء حصرا لنفسه أي منعا لها من الشهوات، وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر ... فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مر وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت\" (١٠).\nقال الزجاج: \"والحصير هذا المرمُول الذي يُجلس عليه، إنما سمي حصيرًا، لأنه دوخل بعضه في بعض في النسيج أي حبس بعضه على بعض، ويقال للسجْن الحصير لأنَّ الناس يُحصرون فيه، ويقال حصرت الرجلَ إذا حبسته، وأحصره المرض إِذا منعه من السير، (والحصير الملك)، وقول اللَّه - جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أي حبسا، ويقال أصاب فلانًا حَصَرٌ، إِذا احتبس عليه بطنه، ويقال في البول أصابه أسر إذا احتبس عليه بوله\" (١١).\nوفي قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أن الحصور هو الذي لا ينزل الماء، وهو قول ابن عباس (١٢).\nوقال الضحاك ومقاتل: \"الذي لا ماء له\" (١٣)، وفي لفظ آخر للضحاك: \"الذي لايولد له ولا ماء له\" (١٤).\nوروي عن أبي العالية والربيع قالا: \" الذي لايولد له\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٣٧٦.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٠٧.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢١٣.\n(٦) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٤٦٩.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٥.\n(٨) ديوانه: ١١٦، ومجاز القرآن ١: ٩٢، وطبقات فحول الشعراء: ٤٣٢، واللسان (حصر) (سأر) (سور).\n(٩) ديوانه: ٥٧٨، ومجاز القرآن ١: ٩٢ واللسان (حصر) (سقط)\n(١٠) الكشاف: ١/ ٣٦٠.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٤٠٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٩٩٧): ص ٦/ ٣٧٩.\n(١٣) تفسير الطبري (٦٩٩٢): ص ٦/ ٣٧٩، وتفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٤.\n(١٤) تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٨): ص ٢/ ٦٤٤.\n(١٥) تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٨): ص ٢/ ٦٤٤.","vol":"6","page":86},{"text":"والثاني: أنه كان لا يأتي النساء، وهو قول وعبدالله بن مسعود (١)، وابن عباس- في احد قوليه- (٢)، والحسن (٣)، ومجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، وعكرمة (٧)، وعطية (٨)، وجابر بن زيد (٩)، وابن زيد (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، والرقاشي (١٢).\nوالثالث: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، لأنه كان معه مثل الهْدبة، وهو قول سعيد بن المسيب (١٣).\nقال ابن عطية: \" وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى ﵇ إنما هي الامتناع من وطء النساء\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" المقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله ﷾ أعلم ... وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿حَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها\" (١٥).\nقوله تعالى ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٠]، \" أي: ويكون نبيًا من الأنبياء الصالحين\" (١٦).\nقال الزجاج: \" الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه ويؤَدي إلى الناس حقوقهم\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] \" (١٨).\nالفوائد:\n١ - إثبات الملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله تعالى لما أعدّ لهم، فقاموا به على حسب ما اراد خالقهم ﷿.\n٢ - إن الملائكة تتكلم بصوت مسموع، لقوله: ﴿فنادته الملائكة﴾.\n٣ - جواز تكليم المصلي من قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، لكن المكلَّم لا يخاطب الآخر، وإنما يجيبه بالاشارة، والأفضل تركه إلا لحاجة، لأن ذلك يشوش على المصلي.\n٤ - مشروعية تبشير الانسان بما يسره.\n٥ - جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، في حال كان الاسم مهيئا.\n٦ - الثناء على من صدّق المرسلين، لقوله: ﴿مصدقا لكلمة من الله﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٦): ص ٢/ ٦٤٣، وتفسير الطبري (٦٩٨٠): ص ٦/ ٣٧٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٦): ص ٢/ ٦٤٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٠٠٠): ص ٦/ ٣٨٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٦٩٨٨): ص ٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩، وتفسيره: ٢٥١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٦٩٩٣): ص ٦/ ٣٧٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٩٩٩): ص ٦/ ٣٨٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٦): ص ٢/ ٦٤٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٦): ص ٢/ ٦٤٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٦٦): ص ٢/ ٦٤٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٩٩٨): ص ٦/ ٣٧٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٩٨٥): ص ٦/ ٣٧٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٩٩٠): ص ٦/ ٣٧٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٩٨٢)، و(٦٩٨٣)، و(٦٩٨٤): ص ٦/ ٣٧٨.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٤٣٠.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨ - ٣٩.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(١٧) معاني القرآن: ١/ ٤٠٧.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.","vol":"6","page":87},{"text":"٧ - ومن الفوائد: أن يحيى﵇- سيكون سيدا ونبيا وممنوعا من مساوئ الأخلاق.\n٨ - أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح التي هي أربعة: النبوة، الصديقية، الشهادة، الصلاح.\nالقرآن\n﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾ [آل عمران: ٤٠]\nالتفسير:\nقال زكريا فرحًا متعجبًا: ربِّ أنَّى يكون لي غلام مع أن الشيخوخة قد بلغت مني مبلغها، وامرأتي عقيم لا تلد؟ قال: كذلك يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة المخالفة للعادة.\nقوله تعالى: الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: يا ربّي\"من أين يكون لي غلام\" (١).\nقال السدي: \" يقول: من أين\" (٢).\nوقال الربيع بن انس: \" كيف يكون لي\" (٣).\nقال يحيى بن سلام: قال الحسن: \" أراد زكرياء أن يعلم كيف ذلك \" (٤).\nقال البيضاوي: \" استبعادًا من حيث العادة، أو استعظامًا أو تعجبا أو استفهامًا عن كيفية حدوثه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: وقد \"أدركتني الشيخوخة\" (٦).\nقال مقاتل: \" وكان زكريا يومئذ ابن خمس وسبعين سنة\" (٧).\nقال البيضاوي: أي وقد\" دركني كبر السن وأثر فيّ، وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة\" (٨).\nقال أبو عبيدة: \" أي: بلغت الكبر، والعرب تصنع مثل هذا تقول: هذا القميص لا يقطعني\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: وامرأتي عقيم \"لا تلد\" (١٠).\nوالعاقر من النساء، هي التي لا تلد، وهو القطع، لأنها ذات عقر من الأولاد، يقال منه: امرأة عاقر، ورجلٌ عاقرٌ (١١)، ومنه قول عامر بن الطفيل (١٢):\nلَبِئْسَ الفَتَى! إنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا ... جَبَانًا، فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ! !\nوقد ذكر أهل العلم في سبب قول زكريا﵇-: ﴿رَبِّ أَنَّى يِكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وجوها:\nأحدها: أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد، بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب، أم على حال الكبر، فقيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي على هذه الحال، وهذا قول الحسن (١٣).\nقال ابن عطية: \" وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء ﵇ \" (١٤).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ٦٢١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧١): ٢/ ٦٤٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧٢): ٢/ ٦٤٤.\n(٤) تفسير يحيى بن سلام: ١/ ٢١٥.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٨١.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ٦٢١.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٦.\n(٩) تفسير ابن المنذر (٤٣٤): ص ١/ ١٩٢.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٣٨١، وتفسير البيضاوي: ٢/ ١٦.\n(١٢) ديوانه ١١٩، ومجاز القرآن ١: ٩٢، وحماسة الشجري: ٧ وغيرها.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٢، وتفسير يحيى بن سلام: ١/ ٢١٥.\n(١٤) المحرر الوجيز: ١/ ٤٣١.","vol":"6","page":88},{"text":"والثاني: أنه: \"لما سمع النداء - يعني زكريا، لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخرُ بك! ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيره من الأمر! فشكّ مَكانه، وقال: ﴿أنَّي يكون لي غلام﴾، ذكرٌ؟ يقول: من أين؟ ﴿وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ \". وهذا قول السدي (١)، وروي عن عكرمة مثله (٢).\nوالثالث: أنه قال ذلك استعظامًا لمقدور الله وتعجبًا (٣).\nوالرابع: أنه إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة. قاله مكي (٤).\nقال ابن عطية: \" وهذا قول ضعيف المعنى\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: قال الملك: \"هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر\" (٦).\nقال أبو مالك: \" قوله: ﴿كذلك﴾، يعني هكذا\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي يَفْعَلُ مَا يَشَاء من العجائب مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يَفْعَلُ مَا يَشَاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوئاد الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه، فزكريا﵇- لم يشكّ في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين، وخبر الله لاشك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين.\n٢ - جواز وصف الانسان بما يكره لغرض البيان لا القدح والعيب، لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾.\n٣ - إثبات فعل الله، لقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ومذهب اهل السنة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره.\n٤ - إثبات المشيئة لله تعالى، لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، وهي مقرونة بالحكمة، لقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].\nالقرآن\n﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١]\nالتفسير:\nقال زكريَّا: رب اجعل لي علامةً أستدلُّ بها على وجود الولد مني; ليحصل لي السرور والاستبشار، قال: علامتك التي طلبتها: ألا تستطيع التحدث إلى الناس ثلاثة أيام إلا بإشارة إليهم، مع أنك سويٌّ صحيح، وفي هذه المدة أكثِرْ من ذكر ربك، وصلِّ له أواخر النهار وأوائله.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: ربّي اجعل لي \"علامة على حمل امرأتي\" (٩).\nقال ابن كثير: \"أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٠٠١): ص ٦/ ٣٨٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٠٠٢): ص ٦/ ٣٨٢.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٢.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٤٣١.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٤٣١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧٤): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٨٢.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.","vol":"6","page":89},{"text":"قال السدي: \" قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فـ ﴿اجعل لي آية﴾، قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، \" أي: علامتك عليه أن لا تقدر على كلام الناس إِلا بالإِشارة ثلاثة أيام\" (٢).\nقال الطبري: يعني: \"يا زكريا، ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض\" (٣).\nقال ابن كثير: \"أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح\" (٤).\nقال عبدالرحمن السلمي: \" اعتقل لسانه من غير مرض\" (٥).\nقال السدي: \" اعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال\" (٦).\nقال قتادة: \"إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه. فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلا رمزًا﴾ \" (٧).\nقال الربيع: \": ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ثلاثة أوجه من التفسير:\nأحدها: الرمز بالشفتين، وهو قول ابن عباس-في احد قوليه- (٩).\nوقال مجاهد: \"تحريك الشفتين\" (١٠)، وفي رواية أخرى له: \"كلام بالشفتين\"\" (١١)، وروي عن عكرمة وخصيف نحو ذلك (١٢).\nوالثاني: الإماءة والإشارة، وهو قول ابن عباس (١٣)، والحسن (١٤)، والسدي (١٥)، وقتادة (١٦)، ومحمد بن إسحاق (١٧)، وابن زيد (١٨)، والضحاك (١٩)، والربيع (٢٠)، وعبدالله بن كثير (٢١)، وأبي عبدالرحمن السلمي (٢٢)، ومحمد بن كعب (٢٣)، وزيد بن أسلم (٢٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧٥): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٣٩٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧٦): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧٧): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٠٠٥): ص ٦/ ٣٨٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٠٠٧): ص ٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٧٩): ص ٢/ ٦٤٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٠١٠): ص ٦/ ٣٨٩.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٤٨٠): ص ٢/ ٦٤٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٨٠): ص ٢/ ٦٤٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٠١٥): ص ٦/ ٣٨٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٠٢٢): ص ٦/ ٣٩٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٠٢٠): ص ٦/ ٣٩٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٠١٨): ص ٦/ ٣٩٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧٠١٦): ص ٦/ ٣٨٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٠١٧): ص ٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٧٠١٣): ص ٦/ ٣٨٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٠١٩): ص ٦/ ٣٩٠.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٧٠٢١): ص ٦/ ٣٩٠.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٨١): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٨١): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٢٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٤٨١): ص ٢/ ٦٤٥.","vol":"6","page":90},{"text":"والثالث: أنه: \"ربَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ\". قاله جبير بن نفير (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]، \"أي: وأذكر الله ذكرا كثيرا\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك\" (٣).\nقال الماوردي: \" لم يمنع من ذكر الله تعالى، وذلك هي الآية\" (٤).\nقال محمد بن كعب: \"لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا﴾، أيضًا\" (٥).\nقال مجاهد: \" لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما ومضطجعا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: و\"نزّه الله عن صفات النقص بقولك سبحان الله في آخر النهار وأوله\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" عَظِّم ربك بعبادته بالعشي\" (٨).\nقال مجاهد: \" الإبكار أوّل الفجر، والعشيّ مَيْل الشمس حتى تغيب\" (٩).\nواخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد عن في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾، قال: \"صلاة المكتوبة\" (١٠).\nو\"العشي\": من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، ومنه قول حميد بن ثور الهلالي (١١):\nفَلا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ، ... وَلا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ\nفالفيء، إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، وَيتناهى بمغيبها.\nوأصل العشي الظلمة، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة (١٢).\nوأما \"الإبكار\": فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأصله التعجيل، لأنه تعجيل الضياء، يقال فيه: أبكر فلان، وبكر يَبكُر بُكورًا، فمن \"الإبكار\"، قول عمر بن أبي ربيعة (١٣):\nأَمِنْ آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ ... غَدَاةَ غَدٍ؟ أمْ رَائحٌ فَمُهَجِّر؟\nومن \" البكور\"، قول جرير (١٤):\nأَلا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا ... وَشَقَّ العَصَا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا\nويقال من ذلك: بكر النخلُ يَبْكُر بُكورًا وأبكر يُبكر إبكارًا، والباكور من الفواكه: أوّلها إدراكًا (١٥).\nالفوائد:\n١ - جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، والانسان مطلوب منه ان يقوي إيمانه بكل وسيلة.\n٢ - تمام قدرة الله ﷾ بخوارق العادات، فإن كون زكريا –﵇- لايكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٠٠٩): ص ٦/ ٣٨٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٣٩٠.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٣٩١.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٠٢٣): ص ٦/ ٣٩١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٨٣): ص ٢/ ٦٤٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٨٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٣٩١.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٠٢٤): ص ٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٤٨٦)، و(٣٤٨٧): ص ٢/ ٦٤٦—٦٤٧.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٨٤): ص ٢/ ٦٤٦.\n(١١) ديوانه: ٤٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٣٩١، والنكت والعيون: ١/ ٣٩١.\n(١٣) ديوانه: ١.\n(١٤) ديوانه: ٢٩٣، والنقائض: ٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٣٩٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٩١.","vol":"6","page":91},{"text":"٣ - أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ولاسيما عند العجز عن التعبير.\n٤ - ومنها: أن الانسان ينبغي إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله ﷿.\n٥ - ومنها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي والإبكار.\n٦ - الذكر يكون اكثر من التسبيح، والجمع بينهما ايضا فيه فائدة، وهي الجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائض.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران: ٤٢]\nالتفسير:\nواذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختاركِ لطاعته وطهَّركِ من الأخلاق الرذيلة، واختاركِ على نساء العالمين في زمانك.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، \"أي اذكر وقت قول الملائكة: يا مريم إِن الله اختارك بين سائر النساء\" (١).\nقال الطبري: \" اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من كرامته\" (٢).\nقال ابن أبي زمنين: \"أي: اختارك لدينه\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: \" بولادة عيسى من غير أب\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك﴾ [آل عمران: ٤٢]، وجهان:\nأحدهما: اصطفاها على عالمي زمانها، وهذا قول الحسن (٦)، وابن جريج (٧).\nوالثاني: أنه اصطفاها لولادة المسيح، وهو قول مقاتل (٨)، والزجاج (٩).\nقال الراغب: \" وقول الملائكة لها قيل: كان بالإلهام، فإنه ما أوحى الله إلى امرأة وحي النبوة فلذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣]، وقيل: بل قد أوحي إليهن ولكن لم يبعثن رسلا\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، \" أي جعلك طاهرة من سائر الأدناس\" (١١).\nقال مجاهد: \" جعلك طيبةً إيمانًا\" (١٢).\nقال السدي: \" ﴿وطهرك﴾ من الحيض\" (١٣). وروي عن عرمة نحو ذلك (١٤).\nقال مقاتل: \" من الفاحشة والألم\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٣٩٣.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٨٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٩١.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٠٣٦): ص ٦/ ٤٠٠.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٥.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤١٠.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤.\n(١١) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤١٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٠٣٤): ص ٦/ ٤٠٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩٠): ص ٢/ ٦٤٧.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٩٠): ص ٢/ ٦٤٧.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٥.","vol":"6","page":92},{"text":"قال ابن أبي زمنين: وطهرك من الكفر\" (١). كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]\nقال الثعلبي: \"من مسيس الرجل\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" وطهَّر دينك من الرّيب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: وطهرها من الأكدار والوسواس\" (٤).\nقال أبو السعود: أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، أي: و\"اختارك على نساء العالمين في زمانك\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعنى: واختارك على ﴿نساء العالمين﴾ بالولد من غير بشر\" (٧).\nقال السدي: \" على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه\" (٨).\nقال ابن جريح: \"ذلك للعالمين يومئذ\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي اختارك لعيسى على نساءِ العالمين كلهم، فلم يجعل مثل عيسى من امرأة من نساءِ العالمين (١٠).\nقال الثعلبي: \" بالتحرير في المسجد\" (١١).\nقال ابن كثير: أي \"واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين\" (١٢).\nقال الراغب: \" تكرير الاصطفاء قيل لمعنيين: الأول فرغها لعبادته وأغناها عن الكسب، والثاني أن جعلها أما لعيسى وآية له، وقيل الأول الاصطفاء الذي هو الاجتباء. والثاني الاصطفاء الذي هو على سبيل الهداية\" (١٣).\nقال أبو السعود: \" بأن وهبَ لك عيسى ﵊ من غير أب ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من النساء وجعلكما آيةً للعالمين فعلى هذا ينبغي أنْ يكونَ تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى ﵊ لما مر مرارا من التَّنبيه على أنَّ كلًا منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئًا واحدًا وقيل المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولًا وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى ﵊ إيذانًا بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها\" (١٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" كانت مريم حبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غُلام اسمه يُوسف، وقد كانَ أمه وأبوه جعلاه نذيرًا حبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا قُلَّتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذِبان منه، فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في\n_________\n(١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٨٨.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٣٩٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٢/ ٣٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٣٩٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩١): ص ٢/ ٦٤٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٠٣٦): ص ٦/ ٤٠٠.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤١٠.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٧.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٥٢.\n(١٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ٣٥.","vol":"6","page":93},{"text":"ذلك مقبلة على مريم: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾، فإذا سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنة عمرانَ لشأنًا\" (١).\nعن عبد الله بن جعفر قال: \"سمعت عليًّا بالعراق يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة\" (٢).\nعن موسى الأشعريّ قال: \"قال رسول الله ﷺ: كمل من الرّجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد\" (٣).\nالفوائد:\n١ - تعظيم شأن مريم-عليها الصلاة والسلام- إذ أمر الله نبيه بأن يذكر قصتها لهذه الأمة.\n٢ - فضيلة مريم﵍- إذ خاطبتها الملائمة.\n٣ - استدل بعض أهل العلم على نبوة مريم بمخاطة الملائكة إياها، ولكن في هذا الاستدلال نظر، لأن مجرد المخاطبة لها لا يثبت نبوتها، لكون النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون.\n٤ - إن الله يصطفي من الناس من يشاء.\n٥ - براءة مريم﵍- مما ادعاه اليهود من كونها بغيا، لقوله تعالى: ﴿وطهرك﴾.\n٦ - إن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، كما ثبت في الحديث الشريف.\n٧ - ومنها: جواز تكرار المناقب، لأن اوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلوما من قبل.\nالقرآن\n﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]\nالتفسير:\nيا مريم داومي على الطاعة لربك، وقومي في خشوع وتواضع، واسجدي واركعي مع الراكعين; شكرًا لله على ما أولاكِ من نعمه.\nقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أي: يا مريم: \" إِلزمي عبادة ربك وطاعته\" (٤).\nقال الحسن: يقول: اعبدي لربك\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" أخلصي الطاعة لربك وحده\" (٦).\nقال الزجاج: \" أيْ اعبديه بالقول والعمل\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \" أطيعي وأطيلي الصلاة، لربك: كلمت به الملائكة شفاها، قال [الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا\" (٨).\nقال مجاهد: \" كانت تقوم حتى يتورم كعباها\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٠٣٧): ص ٦/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٠٢٦): ص ٦/ ٣٩٣، والحديث رواه أحمد في المسند، عن عبد الله بن نمير: ٦٤٠، وعن وكيع: ١١٠٩، وعن محمد ابن بشر: ١٢١١، ورواه البخاري ٦/ ٣٣٩، و٧/ ١٠٠ - ١١٠، ومسلم ٢/ ٢٤٣، والترمذي ٤/ ٣٦٥، ورواه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٨٤، عن طريق ابن نمير، ثم من طرق المسند عن وكيع وابن نمير، وذكره ابن كثير في التفسير ٢/ ١٣٨، وفي التاريخ ٢/ ٥٩، عن رواية الصحيحين.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٠٣١): ص ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٨٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩٥): ص ٢/ ٦٤٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤٠١.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤١٠.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩٤): ص ٢/ ٦٤٨.","vol":"6","page":94},{"text":"قال ابن كثير: \" أما القنوت: فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] \" (١).\nقال الراغب: \" القنوت: إدامة الطاعة صلاة كانت أو غيرها من العبادات، ولهذا قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] فجعل من جملة القنوت\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، ثلاثة أقاويل:\nأحدها: يعني أخلصي لربك، وهو قول سعيد (٣).\nوالثاني: أن معناه: أطيعي ربك، وهو قول السدي (٤)، وقتادة (٥)، والحسن (٦).\nوالثالث: أطيلي القيام في الصلاة، وهو قول مجاهد (٧)، والربيع (٨)، والأوزاعي (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أي: و\"صلي مع المصلين\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني مع المصلين في بيت المقدس\" (١١).\nقال العز بن عبدالسلام: أي: \"افعلي كفعلهم، أو صلي في جماعة\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" ولتكن صلاتك مع المصلين في الجماعة\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دَهرك\" (١٤).\nقال الأوزاعي: \" ركدت في محرابها قائمة وراكعة وساجدة حتى نزل الماء الأصفر في قدميها\" (١٥).\nقال البيضاوي: \" أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب\" (١٦).\nقال الراغب: \" ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع\" (١٧).\nقال الزجاج: \" معنى الركوع قيل: السُّجود، المعنى: اركعي واسجدي، إلا أن الواو إذا ذكرت فمعناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن أحد الشَيئين قبل الآخر. لأنها تْؤذن بالاجتماع، والعمل، والحال تدل على تقدم المتقدِّم من الإثنين\" (١٨).\nقال الراغب: \" وتقديم السجود على الركوع، قيل: لكونه كذلك في شريعتهم، وقيل: تنبيها أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقيل: عنى بالسجود الصلاة، لقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، وعنى بالركوع الشكر، لقوله تعالى\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٥٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٠٤٧): ص ٦/ ٤٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٠٤٩): ص ٦/ ٤٠٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٠٤٨): ص ٦/ ٤٠٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٠٥١): ص ٦/ ٤٠٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٩٤): ص ٢/ ٦٤٨، وتفسير الطبري (٧٠٣٨) - (٧٠٤٣): ص ٦/ ٤٠١ - ٤٠٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٠٤٤): ص ٦/ ٤٠٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٠٤٦): ص ٦/ ٤٠٣.\n(١٠) تفسير الجلالين: ٧٢.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٦.\n(١٢) تفسير العز بن عبدالسلام: ١/ ٢٦٢.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٣٦٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ٦/ ٤٠٤.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٩٦): ص ٢/ ٦٤٨.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٦.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٣٦٢.\n(١٨) معاني القرآن: ١/ ٤١٠.","vol":"6","page":95},{"text":"في قصة داود: ﴿رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] أي شاكرا، وهذا تخصيص للركوع بحال مقترنة به، وقيل: نبه بقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي كوني مع العابدين والمصلين\" (١).\nالفوائد:\n١ - بيان أنه كلما منّ الله ﷾ على انسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة اكثر، لقوله: ﴿﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. إذ أمرتها بالقنوت والسجود والركوع.\n٢ - فضيلة القنوت لله، وهو دوام الطاعة والخشوع، والاشتغال بالطاعة عما سواها.\n٣ - فضيلة السجود والركوع، لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\n٤ - جواز ترك الترتيب لمصلحة، لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾، إذ نصّ على السجود قبل الركوع، لأن السجود أبلغ في القنوت من الركوع.\n٥ - فضيلة صلاة الجماعة، لقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]\nالتفسير:\nذلك الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- من أخبار الغيب التي أوحاها الله إليك، إذ لم تكن معهم حين اختلفوا في كفالة مريم أيُّهم أحق بها وأولى، ووقع بينهم الخصام، فأجْرَوْا القرعة بإلقاء أقلامهم، فأصابت زكريا ﵇، ففاز بكفالتها.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، \" أي: ذلك من أخبار الغيب ننزلّه إليك يا محمد\" (٢).\nقال الثعلبي: \" ذلك: الذي ذكرت من حديث زكريا ومن حديث ويحيى ومريم وعيسى، من أخبار، الغيب نوحيه إليك\" (٣).\nقال الزمخشري: \" ذلك إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﵈، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي\" (٤).\nقال الصابوني: \" أي هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا يحيى إِنما هو من الانبياء المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إِليك يا محمد\" (٥).\nقال الماوردي: \" يعني ما كان من البشرى بالمسيح\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: الأخبار التي قصصناها عليك في زكريا ويحيى ومريم وعيسى من أنباء\nالغيب، أي من أخبار ما غاب عنك، وفي هذا دليل على تثبيت نبوة النَبي - ﷺ - لأنه أنبأ بما لا يعلم إلا من كتاب أو وحي وقد أجمعوا أن النبي - ﷺ - كان أميًا، فإنباؤه إياهم بالأخبار التي في كتبهم علي حقيقتها من غير قراءَة الكتب دليل على أنه نبى وأن اللَّه أوحى إليه بها\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق قوله: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾، ثم قد جئتهم به ذليلا علي نبوتك والحجة لك عليهم\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٥٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤٠٤. [بتصرف].\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٦٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٣٩٣.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤١٠.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٩٩): ص ٢/ ٦٤٩.","vol":"6","page":96},{"text":"وأصل \"الوحي\": إلقاء المعنى إلى صاحبه، والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإنزال، وإلى النحل بالإلهام، ومن بعض إلى بعض بالإشارة، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. قال العجاج (١):\nبِإذْنِهِ الأَرْضُ وما تَعَتَّتِ ... وَحَى لَهَا القرارَ فَاسْتَقَرَّتِ\nبمعنى ألقى إليها ذلك أمرًا (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم﴾ [آل عمران: ٤٤]، \" أي وما كنت حاضرا لديهم حين يضربون بسهامهم القرعة، وينظرون ليعلموا أيهم يكون كافلا لمريم\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي ما كنت عندهم إِذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم حين ألقوا سهامهم للقرعة كلٌ يريدها في كنفه ورعايته\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي هذا أيضًا مما لم تحضره [إذ يلقون أقداحهم] لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان للقيام بأمرها\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: ما كنت عندهم يا محمد فَتُخْبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرا وشاهدًا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق: \" ﴿وما كنت لديهم﴾، يقول: ما حضرت ولا عنيت\" (٧).\nوقال قتادة: \" تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا\" (٨).\nوروي عن مجاهد والضحاك قالا: \"استهموا بأقلامهم\" (٩).\nوقال عكرمة: \" ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا يغلب الجرية فكفلها زكريا\" (١٠).\nوفي تفسير قوله: ﴿أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وجوه:\nأحدها: أن المراد: أقلامهم التي يكتبون بها الوحي. قاله سفيان (١١)، ونقله ابن جريج عن آخرين (١٢). ورجّحه القرطبي فقال: \" وهو أجود، لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال\" ذلكم فسق\" [المائدة: ٣]، إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها\" (١٣).\nوالثاني: أن أقلامهم: عصيّهم. قاله الربيع (١٤).\nوالثالث: أن أقلامهم: قداحهم وسهامهم. قاله عطاء (١٥)، والزجاج (١٦)، وأبو عبيدة (١٧).\nقال الزجاج: \"وإنما قيل للسهم: القلم لأنه يقْلَمَ أي يبْرَى، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قَلَمْتَه، من ذلك القلم الذي يكتب به، إنما سمي لأنه قلم مرة بعد مرة، ومن هذا قلمت أظافري\" (١٨).\n_________\n(١) ديوانه: ٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٣، وتفسير الطبري: ٦/ ٤٠٥.\n(٣) تفسير المراغي: ٣/ ١٥١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤١٠ - ٤١١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٠٠): ص ٢/ ٦٤٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٠٢): ص ٢/ ٦٤٩.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٠٢): ص ٢/ ٦٤٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٠٣): ص ٢/ ٦٤٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن المنذر (٤٥٩): ص ١/ ١٩٩.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٥٠٥): ص ٢/ ٦٤٩، وتفسير ابن المنذر (٤٦٠): ص ١/ ١٩٩.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٨٦.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٥٠٦): ص ٢/ ٦٥٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٥٠٤): ص ٢/ ٦٤٩. وتفسير ابن المنذر (٤٦٠): ص ١/ ١٩٩.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٤١١.\n(١٧) انظر: تفسير ابن المنذر (٤٦٠): ص ١/ ١٩٩.\n(١٨) معاني القرآن: ١/ ٤١١.","vol":"6","page":97},{"text":"والظاهر ان المراد الأقلام حقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل. والله أعلم.\nقال الثعالبي: \" وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها، فروي أنهم ألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، فروي أن قلم زكريا صاعد الجرية، ومضت أقلام الآخرين، وقيل غير هذا، قلت: ولفظ ابن العربي في «الأحكام» قال النبي ﷺ: «فجرت الأقلام وعلا قلم زكريا» (١) اهـ، وإذا ثبت الحديث، فلا نظر لأحد معه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، أي: وما كنت عندهم إذ \"يتنازعون فيمن يكفلها منهم\" (٣).\nالفوائد:\n١ - إن الوحي من أخبار الأمم السابقة التي لم تكن تعلمها الرسولﷺ- ولا امته، دليل على أنهﷺ- رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله تعالى.\n٢ - ومن الفوائد: جواز الاقتراع والقرعة، قال ابن عطية: \" وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه\" (٤).\n٣ - الإشارة إلى أن الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، وكانه حاضر وهو كذلك، لأن أخبار الله تعالى أشد ثبوتا وحقيقة مما يرى في العين.\nالقرآن\n﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران: ٤٥]\nالتفسير:\nوما كنت -يا نبي الله- هناك حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: «كن»، فيكون، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة، ومن المقربين عند الله يوم القيامة.\n﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ\n\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، أي وما كنت، يا محمد، عند القوم حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك \"برسالة منه وخبر من عنده\" (٥).\nقال ابن عباس: \" ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، قال: عيسى، وهو الكلمة من الله \" (٦).\nوقال أبو عبيدة: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، أي: الرسالة هو ما أوحى الله به إلى الملائكة في أن يجعل لمريم ولدا\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: \"كن\" فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكره الجمهور\" (٨).\nقال الطبري: \" والتبشير: إخبار المرء بما يسره من خبر\" (٩).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٨٦. ولك نقف عليه مرفوعا، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم عن ابن عباس﵄- في الشهادات، باب القرعة في المشكلات (الفتح: ٢٩٢)، ووصله البيهقي في السنن: ١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٧، وأخرجه الطبري مطولا عن السدي. (٦٩٠٤): ص ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩، وكذلك عن عكرمة (٦٩٠٢): ص ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٢) تفسير الثعالبي: ٢/ ٤٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٨٤\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٤٣٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٤١١.\n(٦) أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٤٦٣): ص ١/ ٢٠٠.\n(٧) أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٤٦٤): ص ١/ ٢٠٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٤١٠.","vol":"6","page":98},{"text":"قال الزجاج: \" سمى الله ﷿ عيسى المسيح، وسماه عيسى، وسمي ابتداء أمره كلمة منه فهو - ﷺ - كلمة من الله ألقاها إلى مريم، ثم كون تلك الكلمة بشرا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، \" أي اسمه عيسى ولقبه المسيح\" (٢).\nقال ابن كثير: \"أي يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك\" (٣).\nوفي تسميته بالمسيح أقوال:\nأحدها: أنه سمّي بذلك لكثرة سياحته. حكاه ابن كثير عن بعض السلف (٤).\nوالثاني: لأنه مُسِحَ بالبركة، وهذا قول الحسن (٥) وسعيد (٦).\nوالثالث: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. وأن المسيح: الصدّيق. قاله إبراهيم (٧) وهو اختيار الإمام الطبري (٨).\nوالرابع: وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: أي لا أخْمَص لهما (٩).\nوالخامس: وقيل: المسيح بمعنى الماسح، لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى، فيمسح عين الأعمى والأعور فيبصر (١٠).\nوالسادس. ان المسيح: الملك. قاله الكلبي (١١)، وأبو عمرو بن علاء (١٢).\nوالسابع: وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. قاله أبو سليمان الدمشقي (١٣).\nوالثامن: أن المسيح ضد المسيخ، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. قاله أبو الهيثم (١٤).\nوالتاسع: وقيل: أن المسيح أصله بالعبرانية \"مشيحا\" بالشين، فعرّب كما عرّب: موشى بموسى. قاله أبو عبيدة (١٥).\nوالقول الأول أشهر، وعليه الأكثر، فـ\"سمي به، لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبئت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة، وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول (١٦). ومنه قول الشاعر (١٧):\nإن المسيح يقتل المسيحا\nقال الثعلبي: \" قرأ أبو السماك وهب بن يزيد العدوي: ﴿بكلمة﴾، مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة\" (١٨).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤١١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٠٦٤)، و(٧٠٦٥): ص ٦/ ٤١٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٠٦٦): ص ٦/ ٤١٤.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤١٤.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣، وتفسير الماتريدي: ٢/ ٣٧١، وتفسير السمرقندي: ١/ ٣١٢.\n(١١) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣١٢.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٨.\n(١٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٣١، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٦٨. لم ينسبه الثعلبي.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.\n(١٦) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.\n(١٧) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٣/ ٦٩، والقرطبي في تفسيره: ٤/ ٨٩، ولم اتعرف على قائله فيما توفرت لديّ من المصادر.\n(١٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٨.","vol":"6","page":99},{"text":"قال الماتريدي: \" يحتمل: ﴿بكلمة منه﴾: أن قال: \" كن \" - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العلقة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - ﷿ - في كتابه، وكان أمر عيسى - ﵇ - على خلاف ذلك.\nويحتمل ﴿بكلمة منه﴾: ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: (إني عبد الله آتاني الكتاب) وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥]، أي: \"ذا جاه وقدر في الدنيا والآخرة\" (٢).\nقال النحاس: \" الوجية الذي له القدر والمنزلة الرفيعة يقال لفلان جاه وجاهة وقد وجه يوجه وجاهة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، أي: \"ومن المقربين عندالله يوم القيامة\" (٤).\nقال الطبري: \" أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه\" (٥).\nقال قتادة: \": من المقربين عند الله يوم القيامة\" (٦). وروي عن الربيع مثله (٧).\nقال الهرري: أي: \" إلى الله في جنة عدن، وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء، وتصاحبه الملائكة\" (٨).\nالفوائد:\n١ - البشارة بالأخبار التي تسر. لقوله: ﴿إن الله يبشرك﴾.\n٢ - بيان نسبة عيسى﵇- إلى أمه، لكي لا يقول قائل إنه نسب إلى كافله كان زكريا﵇-.\n٣ - من فوائد الآية وجاهة عيسى﵇- عند الله، لقوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.\nالقرآن\n﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ [آل عمران: ٤٦]\nالتفسير:\nويكلم الناس وهو رضيع قبل أوان الكلام، ويدعوهم إلى الله وهو كبير قد اجتمعت قوته وكمل شبابه بما أوحاه الله إليه. وهذا تكليم النبوَّة والدعوة والإرشاد، وهو معدود من أهل الصلاح والفضل في قوله وعمله.\nقوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ [آل عمران: ٤٦]، \"أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهوليته حين يوحي الله إليه بذلك\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها عمره كتقلب بني في آدم أعمارهم صغارا أو كبارا، لأن الله تعالى جده خصه بالكلام في مهده، آية لنبوته، وتعريفا للعباد مواقع قدرته\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء\" (١١).\nقال الماوردي: \" والمهد: مضجع الصبي، مأخوذ من التمهيد\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٧١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٠١.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٢٠): ص ٢/ ٦٥٢. وهو قول الربيع بن أنس.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٤١٥.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٠٦٨): ص ٦/ ٤١٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٠٦٩)، و(٧٠٧٠): ص ٦/ ٤١٦.\n(٨) تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن: ٤/ ٣٠٤.\n(٩) نظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٢٧): ص ٢/ ٦٥٣.\n(١١) الكشاف: ١/ ٣٦٤.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٤.","vol":"6","page":100},{"text":"قال ابن عباس: \" ﴿ويكلم الناس في المهد﴾، قال: مضجع الصبي في رَضَاعه\" (١).\nواختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦]، وفيه أقوال:\nأحدهما: أن المراد بالكهل الحليم، وهذا قول مجاهد (٢)، وعكرمة (٣)، وقال يزيد بن أبي حبيب: \"الكهل: منتهى الحلم\" (٤).\nوالثاني: أنه أراد الكهل في السنّ، وهو قول ابن عباس (٥). قال الناحس: \" يقال اكتهل النبت إذا تم، والكهل ابن الاربعين أو ما قاربها\" (٦).\nوالثالث: يعني: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء. قاله مقاتل (٧).\nوالرابع: أن (كهلا) بعد نزوله من السماء. قاله الحسن بن الفضل (٨).\nوالخامس: المراد: أنه تعالى أخبرهما أنه يبقى حتى يكتهل. قاله ابن كيسان (٩).\nوالسادس: وقيل: يكلم الناس في المهد: صبيا وكهلا نبيا، ولم يتكلم في المهد من الأنبياء، إلا عيسى -﵇-، فكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة (١٠).\nوالسابع: ﴿وكهلا﴾: أي عظيما، والعرب تمدح بالكهولة لأنها أعظم؟ على في احتناك السن، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة. وهذا احد قولي مجاهد (١١).\nواختلفوا في تحديد سن الكهل على ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنه بلوغ أربع وثلاثين سنة (١٢).\nوالثاني: أن الكهل ابن أربعين إلى الخمسين سنة. حكاه الهرري عن ثابن بن أبي ثابت (١٣).\nوالثالث: أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ، مأخوذ من القوة من قولهم اكتهل البيت إذ طال وقوي (١٤).\nقال الطبري: \" وأما قوله: ﴿وكهلا﴾، فإنه: وُمحتَنِكًا فوق الغُلومة، ودُون الشيخوخة، يقال منه: رجل كهل وامرأة كهلة، كما قال الراجز (١٥):\nوَلا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا ... أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبِيَّا\nوإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ويكلم الناسَ في المهد وكهلا﴾، ويكلم الناس طفلا في المهد دلالةً على براءَة أمه مما قَرَفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوّته وبالغًا كبيرًا بعد احتناكه، بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما ينزل عليه من كتابه\" (١٦).\nقال الماوردي: \"فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلًا وذلك لا يستنكر؟ ففيه قولان:\nأحدها: أنه يكلمهم كهلًا بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى.\nوالثاني: انه يتكلم صغيرًا في المهد كلام الكهل في السنّ \" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٠٧١): ص ٦/ ٤١٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٢٥): ص ٢/ ٦٥٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن المنذر (٤٧٣): ص ١/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٢٦): ص ٢/ ٦٥٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٢٤): ص ٢/ ٦٥٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٩٤.\n(٦) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٤٠١.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٤، وتفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران: ٨/ ١٥٩.\n(١٣) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران: ٨/ ١٥٩.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٤.\n(١٥) انظر: الجمهرة ٣: ٣٣٩، المخصص ١: ٤٠ أمالي، القالي ٢: ٢١٥، والسمط: ٨٣٦، شرح أدب الكاتب لابن السيد: ٢١٧، ٣٨٩، وللجواليقي: ٢٩٥، واللسان (كهل) (كرا) (شعفر) (أمم).\n(١٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤١٧ - ٤١٨.\n(١٧) النكت والعيون: ١/ ٣٩٤.","vol":"6","page":101},{"text":"قال الماتريدي: \"فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلا﴾ والكهل: مما يكلم الناس؟ قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور: ٢٤] الآية، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبدا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرة.\nوالثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم\" (١).\nوالتحقيق في هذا الإخبار من قبل الله تعالى من أمر المسيح \"وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخًا احتجاجًا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى الباطلَ، وأنه كان منذ أنشأه مولودًا طفلا ثم كهلا يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرُور الأزمنة عليه والأيام، من صِغر إلى كبر، ومن حال إلى حال وأنه لو كان، كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غيرَ جائز عليه. فكذّب بذلك ما قاله الوفدُ من أهل نجران الذين حاجُّوا رسول الله ﷺ فيه، واحتج به عليهم لنبيه محمد ﷺ، وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦]، أي: وهو من العباد الصالحين\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي وهو من الكاملين في التقى والصلاح\" (٤).\nقال ابن كثير: \"أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح\" (٥).\nقال عطاء: \" يريد: مثل: موسى، وإسرائيل (٦)، وإسحاق، وإبراهيم \" (٧).\nقال الهرري: أي: \" وحالة كونه كائنًا من العباد ﴿الصَّالِحِينَ﴾ ومعدودًا منهم، الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، الذين تعرف مريم سيرتهم؛ مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، وغيرهم من الأنبياء\" (٨).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: \"أنه أعلمهم أن عيسى ﵇ يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش\" (٩). قاله المهدوي.\n٢ - نزول عيسى قبل القيامة، وذلك لقوله: ﴿وكهلا﴾، على تفسير الحسن بن الفضل (١٠). وقد تواترت الأخبار في نزوله -﵇- قبل يوم القيامة، روي عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد\" (١١).\n٣ - ومنها: أنه تعالى\" ختم أوصاف عيسى ﵇ بكونه من الصالحين، بعدما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا .. أردفه بقوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات\" (١٢).\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٤١٨ - ٤١٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(٦) إسرائيل، هو: يعقوب ﵇. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٨، \"فتح القدير\" ١/ ١١٧.\n(٧) نقله الواحدي في التفسير البسيط: ٥/ ٢٦٤، ولم أقف على مصدر قوله.\n(٨) تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران: ٤/ ٣٠٤.\n(٩) تفسير القرطبي: ٤/ ٩٠.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٩.\n(١١) صحيح البخاري (٢٢٢٢): ص ٣/ ٨٢، وانظر: مسند أحمد (٧٢٦٩).\n(١٢) تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران، للهرري: ٤/ ٣٠٤.","vol":"6","page":102},{"text":"﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ [آل عمران: ٤٧]\nالتفسير:\nقالت مريم متعجبة من هذا الأمر: أنَّى يكون لي ولد وأنا لست بذات زوج ولا بَغِيٍّ؟ قال لها المَلَك: هذا الذي يحدث لكِ ليس بمستبعد على الإله القادر، الذي يوجِد ما يشاء من العدم، فإذا أراد إيجاد شيء فإنما يقول له: «كُن» فيكون.\nقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، \" أي قالت: ياربي: كيف يأتيني الولد وأنا لست بذات زوج؟ \" (١).\nقال السدي: \"تقول: من أين لي\" (٢).\nقال مقاتل: \"يعني الزوج\" (٣).\nقال الطبري: \" من أيِّ وجه يكون لي ولد؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسَّني بشر\" (٤).\nقال السمرقندي: \" وهو كناية عن الجماع\" (٥).\nقال الهرري: \" أي قالت: كيف يكون لي ولد وليس لي زوج؟ أي: لم يصبني رجل بالحلال ولا بالحرام؟؛ لأن المحررة لا تتزوج أبدًا كالذكر المحرر.\nوقد يكون مرادها: أيحدث ذلك بزواج أم يحصل بقدرتك؟ وقد يكون قصدها: التعجب من قدرة الله واستعظام شأنه\" (٦).\nقال السمعاني: \" قالت ذلك تعجبا؛ إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد بلا أب\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧]، أي: \" إن الأمر كذلك، أن الله يخلق ما يشاء\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء يخلق بسببٍ من الوالدين وبغير سبب\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي يضع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر\" (١٠).\nقال السمعاني: \" أي: لا يعسر عليه شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد\" (١١).\nقال الهرري: \" أي: كما قلت لكِ من خلق ولد منك بلا أب ﴿اللَّهُ﴾ ﷾ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ كيف شاء بسبب، وبلا سبب، مثل هذا الخلق العجيب، والإحداث البديع - وهو خلق الولد بغير أبٍ - يخلق الله ما يشاء، فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل [يفعل ما يشاء﴾؟\nقلت: لأن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر، أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكأن الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل كما سبق\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا﴾ [آل عمران: ٤٨]، \" أي إِذا أراد شيئًا\" (١٣).\nقال القشيري: أي: إذا\" أراد إمضاء حكم\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٢٨): ص ٢/ ٦٥٣.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٤٢٠.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢١٤.\n(٦) تفسير حدائق الروح والريحان: ٤/ ٣٠٥.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٣٢٠.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٢٩): ص ٢/ ٦٥٣.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٣٢٠.\n(١٢) تفسير حدائق الروح والريحان: ٤/ ٣٠٥.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(١٤) تفسير القشيري: ١/ ٢٤٤.","vol":"6","page":103},{"text":"قال الهرري: \" أي: إذا أراد خلق شيء من الكائنات\" (١).\nقال الراغب: \" القضاء: الفصل، وذلك إما بالتدبير، وإما بالقول، وإما بالفعل، فالأول لا يصح على الله ﷿ إلا بمعنى الحكم إذ كان التدبير: التفكر في الشيء وارتياد الصلاح فيه، وذلك لمن كان ناقص العلم، فقوله: قضى، ها هنا إما للقول، وإما للفعل، أو لهما جميعا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٨]، أي: \" إنما فيقول له كن فيكون من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" مما يشاء وكيف يشاء فيكون كما أراد\" (٤).\nقال الهرري: أي يقول له: \" أحدث وأخرج من العدم، فذلك الأمر يوجد بسرعة من غير تباطؤ\" (٥).\nقال التستري: \" إذا كان في علمه السابق الأزلي أمر فأراد إظهاره قال له كن فيكون\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الأية: الإشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجًا بأسباب ومواد .. يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، وهذا تمثيل لكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وتصوير لسرعة حصول ما يريد بلا إبطاء بصورة آمر مطاع لمأمور قادر على العمل مطيع يفعل ما يطلب منه على الفور، وهذا الأمر يسمى أمر تكوين، وهناك أمر آخر هو أمر تكليف، يعرف بوحي الله لأنبيائه، والجاحدون لآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب وقوفًا عند العادة، وذهولًا عن كيفية بدء العالم، ولكن ليس لهم دليل عقلي ينبيء بالاستحالة، وإنا نشاهد كل يوم حدوث شيء في الكون لم يكن معتادًا من قبل، بعضه له أسباب معروفة، فيسمونه: استكشافًا أو اختراعًا، وبعضه ليس بمعروف له سببٌ، ويسمونه: فلتات الطبيعة (٧).\n٢ - إن من البشر من خلق بلا أب، كعيسى﵇-، ومنهم من خلق من غير أم ولا أب كآدم﵇-، ومن البشر من خلق بلا أم، كحواء امرأة آدم، وسائر الناس من أب وأم.\n٣ - إن الله يخلق ما يشاء كمّا وكيفا ونوعا، وبسبب معتاد وبسبب غير معتاد، لا حجر على الله ﷿، يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء.\n٤ - إثبات مشيئة الله تعالى لقوله: ﴿الله يخلق ما يشاء﴾.\nالقرآن\n﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨]\nالتفسير:\nويعلمه الكتابة، والسداد في القول والفعل، والتوراة التي أوحاها الله إلى موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل الله عليه.\nقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: ويعلمه \"الكتابة\" (٨).\nقال ابن عباس: \"الكتاب: الخط بالقلم\" (٩). وروي عن يحيى بن أبي كثير، ومقاتل بن حيان، وعثمان بن عطاء مثل ذلك (١٠).\nوقال الحسن: \"الكتاب: القرآن\" (١١).\n_________\n(١) تفسير حدائق الروح والريحان: ٤/ ٣٠٥.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٦٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣٠): ص ٢/ ٦٥٣.\n(٥) تفسير حدائق الروح والريحان: ٤/ ٣٠٥.\n(٦) تفسير التستري: ٤٨.\n(٧) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان: ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣١): ص ٢/ ٦٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٣١): ص ٢/ ٦٥٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣٢): ص ٢/ ٦٥٣.","vol":"6","page":104},{"text":"قال ابن كثير: \" الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة\" (١).\nقال الطبري: أي: \" فيعلمه الكتاب، وهو الخطّ الذي يخطه بيده\" (٢).\nقال البغوي: \" أي الكتابة والخط\" (٣).\nوقال القرطبي: \" وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علمه الله عيسى ﵇\" (٤).\nقال الماتريدي: \" بشارة منه لها -أيضا-: أنه يعلمه الكتاب ... ويحتمل ﴿الكتاب﴾ الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل ﴿الكتاب﴾: كتب النبيين\" (٥).\nوالظاهر-والله أعلم- أن ﴿الكتاب﴾: \" أي: الكتابة، لأن الكتابة من أعظم نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى على عباده بتعليمهم بالقلم في أول سورة أنزلها فقال ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ \" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وجهان من القراءة (٧):\nأحدهما: ﴿وَيُعلِّمُهُ﴾ بالياء، ردًّا على قوله: ﴿كذلك الله يخلق ما يشاء﴾، ﴿ويعلمه الكتاب﴾. قرا بهذا الوجه نافع وعاصم.\nوالثاني: ﴿وَنُعَلِّمُهُ﴾ بالنون، عطفًا به على قوله: ﴿نوحيه إليك﴾، كأنه قال: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، ونعلمه الكتاب. قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي.\nقال الطبري: و\"قراءتان مختلفتان، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصوابَ في ذلك، لاتفاق معنى القراءتين، في أنه خبر عن الله بأنّه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: ويعلمه الحكمة.\nقال ابن عباس: \" ﴿والحكمة﴾: الفقه وقضاء النبيين\" (٩).\nقال قتادة: \" الحكمة: السنة\" (١٠). وروي عن الحسن (١١)، وأبي مالك (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، وابن جريج (١٤) مثله.\nوقال السدي: \" ﴿والحكمة﴾، يعني: النبوة\" (١٥).\nوقال زيد بن أسلم: \" الحكمة: العقل في الدين\" (١٦).\nقال الطبري: \" وهي السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب\" (١٧).\nقال البغوي: أي: \" العلم والفقه\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٤٢٢.\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٣٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٩٣.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٧٣.\n(٦) تفسير السعدي: ١٣١.\n(٧) انظر: السبعة: ٢٠٦، وتفسير الطبري: ٦/ ٤٢١ - ٤٢٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٤٢٢.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٢٨٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٠٨١): ص ٦/ ٤٢٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٣٣): ص ٢/ ٦٥٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٣٣): ص ٢/ ٦٥٤.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٣٣): ص ٢/ ٦٥٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٠٨٣): ص ٦/ ٤٢٣.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣٤): ص ٢/ ٦٥٤.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣٥): ص ٢/ ٦٥٤.\n(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ٤٢٢.\n(١٨) تفسير البغوي: ٢/ ٣٩.","vol":"6","page":105},{"text":"قال الماتريدي: \" ﴿والحكمة﴾: قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة، ﴿والحكمة﴾: هي الإصابة \" (١).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿الحكمة﴾: يعني الشريعة، لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال تعالى لنبينا محمدﷺ-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] \" (٢).\nقال السعدي: \" والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها، فيكون ذلك امتنانا على عيسى ﵇ بتعليمه الكتابة والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال للإنسان في نفسه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: \"ويعلمه التوراة والإنجيل\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي يعلمه ذلك وحيا وإلهاما\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: كتاب لم يسمعوا به جاءهم به، وكتاب قد سمعوا به مضى ودرس علمه من بين أظهرهم فرده به عليهم\" (٦).\nقال قتادة: \" كان عيسى يقرأ التوراةَ والإنجيل\" (٧).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" يعني أخبر الله مريم - ما يريد به فقال: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة﴾ التي كانت فيهم من عهد موسى ﴿والإنجيل﴾، كتابًا آخر أحدثه إليه لم يكن عندهم علمه، إلا ذِكرُه أنه كائن من الأنبياء قبله\" (٨).\nقال ابن كثير: \" فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل: الذي أنزله الله على عيسى -﵉ -، وقد كان عيسى ﵇، يحفظ هذا وهذا\" (٩).\nالفوائد:\n١ - بيان فضيلة العلم، لقوله: ﴿ويعلمه الكتاب﴾.أي علمه الكتابة.\n٢ - إن عيسى –﵇- كغيره من البشر لايعلم إلا ما علمه اللهـ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]\n٣ - أن الانجيل هو الكتاب الذي أنزله تعالى على عيسى كمكمل للتوراة، كما قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠].\n٤ - أن السنة هي شرع النبي الذي جاء به من الله، فعلمه الله ﷿ الحكمة، لقوله: ﴿والحكمة﴾.\nالقرآن\n﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ [آل عمران: ٤٩]\nالتفسير:\nويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، ويقول لهم: إني قد جئتكم بعلامة من ربكم تدلُّ على أني مرسل من الله، وهي أني أصنع لكم من الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيكون طيرًا حقيقيا بإذن الله، وأَشفي مَن وُلِد أعمى، ومَن به برص، وأُحيي من كان ميتًا بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وتدَّخرون في بيوتكم من طعامكم. إن في هذه\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٧٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٧٧.\n(٣) تفسير السعدي: ١٣١.\n(٤) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٣٩. [بتصرف].\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤١٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣٧): ص ٢/ ٦٥٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٠٨٢): ص ٦/ ٤٢٣.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٠٨٤): ص ٦/ ٤٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤.","vol":"6","page":106},{"text":"الأمور العظيمة التي ليست في قدرة البشر لدليلا على أني نبي الله ورسوله، إن كنتم مصدِّقين حجج الله وآياته، مقرِّين بتوحيده.\nقوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، \"أي: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل قائلا لهم: \" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: رسول منه إليكم\" (٢).\nقال الزمخشري: \" وقرأ اليزيدي: ﴿ورسول﴾: عطفا على كلمة \"أني قد جئتكم\" أصله: أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، \"أي بأني قد جئتكم بعلامةٍ من ربكم تدل على صدقي\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني بعلامة\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم\" (٦).\nقال الطبري: \"يعني: بعلامة من ربكم تحقق قولي، وتصدق خبري أني رسول من ربكم إليكم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: إني\"أصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير\" (٩).\nقال مقاتل: \" فخلق الخفاش بإذن الله لأنه أشد الخلق إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله\" (١٠).\nقال ابن جريج: \"قوله: ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير﴾، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل\" (١١).\nقال ابن إسحاق: \"إنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: \" كن طائرًا بإذن الله \"، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة\" (١٢).\nوعن ابن إسحاق أيضا: \" ثم جعل الله على يديه يعني: عيسى أمورا تدل به على قدرته في بعثه، بعث من يريد أن يبعث بعد الموت، وخلقه ما يشاء أن يخلق من شيء، يرى أو لا يرى فجعله ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله\" (١٣).\nوقرأ نافع: ﴿أني أخلق﴾، بكسر الألف، على الاستئناف (١٤)\nقوله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، \" أي أنفخ في تلك الصورة فتصبح طيرًا بإِذن الله\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٦، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٣٨): ص ٢/ ٦٥٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ٣٦٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٠٨٥): ص ٦/ ٤٢٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٤٢٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٦٤.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٠٨٧): ص ٦/ ٤٢٦.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٠٨٦): ص ٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٤١): ص ٢/ ٦٥٥.\n(١٤) انظر: السبعة: ٢٠٦.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١٨٤.","vol":"6","page":107},{"text":"قال الزمخشري: \" وقيل: لم يخلق غير الخفاش\" (١).\nوقرأ عبد الله: ﴿فأنفخها﴾ (٢).\nوقرأ نافع: ﴿فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، على التوحيد (٣)، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف استبعدها الطبري (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، \" أي وأشفي الذي ولد أعمى كما أشفي المصاب بالبرص\" (٥).\nقال مقاتل: ﴿الْأَكْمَهَ﴾: \" الذي ولدته أمه أعمى الذي لم ير النور قط فيرد الله بصره (٦).\nقال الثعلبي: \" أي أشفيهما وأصححهما ... والأبرص الذي به وضح، وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك داعيا لا دواء له\" (٧).\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿الأكمه﴾ على أقوال:\nأحدها: أنه الذي يُبصر بالنهار، ولايبصر بالليل. قاله مجاهد (٨).\nوالثاني: أنه الأعمى الذي ولدته أمه كذلك ولم يبصر ضوءا قط. قاله ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، ومقاتل بن سليمان (١١)، وأبو عبيدة (١٢)، والزجاج (١٣).\nورجّحه ابن كثير، وقال: \" وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي\" (١٤).\nوالثالث: أنه الأعمى على الإطلاق. وهذا قول الحسن (١٥)، والسدي (١٦)، وكذلك روي عن ابن عباس-في أحد قوليه- (١٧)، وقتادة-في أحد قوليه- (١٨)، وعكرمة- في أحد قوليه- (١٩).\nوالرابع: أنه الأعمش. قاله عكرمة (٢٠).\nوالراجح –والله أعلم- هو القول الثاني، أي: الذي يولد أعمى، وعليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يعالجه الطب البشري (٢١).\nوالمشهور في كلام العرب، أن الأكمه، هو الأعمى، قال سويد بن أبي كاهل (٢٢):\nكَمَّهَتْ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضّتَا ... فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نزعْ\nومنه قول رؤبة (٢٣):\nهَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الأكْمَهِ ... فِي غَائِلاتِ الحَائِرِ المُتَهْتِهِ\nقوله تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، \" أي وأحيي بعض الموتى بمشيئة الله وقدرته\" (٢٤).\nقال مقاتل: \" ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هذا آية من الله﷿- بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل، فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن الله، فقالوا له: إن هذا سحر فأرنا آية نعلم أنك صادق\" (٢٥).\nروي عن عبدالصمد بن معفل، أنه سمع وهب بن منبه، قال: \"لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله\" (٢٦).\nقال الزمخشري: \" وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بإذن الله دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية\" (٢٧).\nقال الكلبي: \"كان عيسى -﵇- يحيي الأموات بـ: يا حى يا قيوم\" (٢٨).\nقال الثعلبي: \" قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر، وكان صدّيقا فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له.\nوابن العجوز مرّ به ميّتا على عيسى -﵇- على سرير يحمل فدعا الله عيسى (﵇) فجلس على سريره ونزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له.\nوالبنت العاقر، قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت فبقيت وولد لها.\nوسام بن نوح دعا عيسى -﵇- باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب\" (٢٩)، \"فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين أحياهم عاشوا، وولد لهم\" (٣٠).\nوهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم - ﷺ -. والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.\nقال ابن كثير: \" قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، ﵇، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، ﵇، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٣٦٤.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٣٦٤.\n(٣) انظر: السبعة: ٢٠٦.\n(٤) انظر: تفسيرالطبري: ٦/ ٤٢٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧١.\n(٨) انظر: تفسير مجاهد: ٢٥٢، وتفسير الطبري (٧٠٨٨): ص ٦/ ٤٢٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٢): ص ٦/ ٤٢٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٠): ص ٦/ ٤٢٨.\n(١١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(١٢) تفسير ابن المنذر (٤٩٣): ص ١/ ١٨٥.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٤١٤.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٦): ص ٦/ ٤٢٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٣): ص ٦/ ٤٢٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٦٤): ص ٦/ ٤٢٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٥): ص ٦/ ٤٢٩.\n(١٩) انظر: تفسير ابن المنذر (٤٩٥): ص ١/ ٢١٠.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٧): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٢١) انظر: فتح الباري: ٦/ ٤٧٢.\n(٢٢) انظر: المفضليات: ٤٠٥، اللسان (كمه).\n(٢٣) ديوانه: ١٦٦، واللسان (كمه) (هرج) (تهته)، ومجاز القرآن ١/ ٩٣، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٠.\n(٢٤) صفوة التفاسير: ١٨٤.\n(٢٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٢٦) أخرجه الطبري (٧٠٩٨): ص ٦/ ٤٣١ - ٤٣٢.\n(٢٧) الكشاف: ١/ ٣٦٥.\n(٢٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٣.\n(٢٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٢ - ٧٣.\n(٣٠) تفسير السمعاني: ١/ ٣٢١.","vol":"6","page":108},{"text":"الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: و\"أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغده\" (٢).\nقال مجاهد: \" يعني: ما أكلتم البارحة، [و] ما خبأتم منه\" (٣).\nقال قتادة: \" قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها، قال: وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادخروا، فذلك قوله تعالى: ﴿فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾ [المائدة: ١١٥] \" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" لما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكتاب، فدفعته إليه فقعد مع الصبيان، وكان يخبر الصبيان بما يأكلون، وما تدخر لهم أمهاتهم في بيوتهم\" (٥).\nوفي رواية ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: \" أن عيسى كان يقول للغلام في الكتاب: إن أهلك قد خبأوا لك من الطعام كذا وكذا، فهل تطعمني منه، فهو قوله: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ \" (٦).\nقال مقاتل: \" وقال عيسىﷺ-: أرأيتم إن أنا أخبرتكم وأنبئكم بما تأكلون في بيوتكم من الطعام فيها تقديم وما تدخرون في بيوتكم يعني وما ترفعون في غد تعلمون أني صادق. قالوا: نعم قال عيسىﷺ-: فلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فلان. فمنهم من آمن ومنهم من كفر\" (٧).\nوقال الكلبي: \" فلما أبرأ عيسى الأكمه والأبرص وأحيى الموتى قالوا: هذا سحر، ولكن أخبرنا بما نأكل وما ندخر وكان يخبر الرجل بما أكل من غدائه وبما يأكل في عشائه\" (٨).\nقال الثعلبي: \"وقرأ مجاهد وأيوب السختياني: ﴿تذخرون﴾، بالذال المعجمة وسكونها وفتح الخاء من ذخر يذخر ذخرا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، \" أي: في ذلك كله لعلامة على صدْقي فيما جئتكم به\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني لعلامة لكم فيما أخبرتكم به\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: رسول الله ﷺ من الله إليكم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: \" إِن كنتم مصدّقين بآيات الله\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: مصدقين\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٣) تفسير مجاهد: ٢٥٣.\n(٤) تفسير عبدالرزاق (٤٠٦): ص ١/ ٣٩٥.\n(٥) أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٤٩٧): ص ١/ ٢١٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٥٠): ص ٢/ ٦٥٦.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٣.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥. [بتصرف].\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٤٩٩): ص ١/ ٢١١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٨٥.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٥٤): ص ٢/ ٦٥٧.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.","vol":"6","page":109},{"text":"الفوائد:\n١ - أن عيسى﵇- قد جاء بالبينة من الله، فكل رسول الى البشر لابد أن يأتي بآية.\n٢ - تقييد فعل عيسى بإذن الله، فيدل أن الرسل-عليهم الصلام والسلام- لايملكون شيئا من الربوبية، لأن الربوبية حق الله الخالص الذي لايشركه فيه أحد، وفي ذلك ردّ على النصارى في زعمهم ان عيسى﵇- له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك فعيسى عبدالله ورسوله.\n٣ - إن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل، لقوله:: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nالقرآن\n﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ [آل عمران: ٥٠]\nالتفسير:\nوجئتكم مصدقًا بما في التوراة، ولأحلَّ لكم بوحي من الله بعض ما حرَّمه الله عليكم تخفيفًا من الله ورحمة، وجئتكم بحجة من ربكم على صدق ما أقول لكم، فاتقوا الله ولا تخالفوا أمره، وأطيعوني فيما أبلغكم به عن الله.\nقوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٥٠]، \"أي وجيئتكم مصدقًا لرسالة موسى، مؤيدًا لما جاء به في التوراة\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي لما سبقني منها\" (٢).\nقال ابن كثير: \"﴾ أي: مقرر لهم ومُثَبّت\" (٣).\nروي عن عبد الصمد بن معقل: \"أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى ﷺ، وكانَ يسبِت، ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، \"أي ولأحلّ لكم بعض ما كان محرمًا عليكم في شريعة موسى\" (٥).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" أي: أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته\" (٦).\nقال مقاتل: \" من اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر والسمك فهذا البعض الذي أحل لهم غير السبت فإنهم يقومون عليه فوضع عنهم في الإنجيل ذلك\" (٧).\nقال ابن كثير: \" فيه دلالة على أن عيسى، ﵇، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] \" (٨).\nقال الحسن: \": كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم\" (٩).\nقال قتادة: \" كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب (١٠)، وأشياء من الطير والحيتان\" (١١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٥٥): ص ٢/ ٦٥٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٧١١١): ص ٦/ ٤٣٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٨٥.\n(٦) أخرجه الطبري (٧١١٥): ص ٦/ ٤٤٠.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٧١١٦): ص ٦/ ٤٤٠.\n(١٠) أي الشحم الرقيق.\n(١١) أخرجه الطبري (٧١١٢): ص ٦/ ٤٣٨.","vol":"6","page":111},{"text":"قال الربيع: \" كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى. قال: كان حرم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة: لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم أشياء من الطير مالا صيصة له، في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألين مما جاءهم به موسى\" (١).\nقال ابن جريج: \": لحوم الإبل والشحوم. لما بُعث عيسى أحلَّها لهم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقوا\" (٢).\nقال الزجاج: \" قال أبو عبيدة: معنى: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾، قال معناه: كل الذي حرم عليكم، وهذا مستحيل في اللغة وفي التفسير\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، \"أي وجئتكم بعلامة من عند ربكم، شاهدة على صحة رسالتي\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم\" (٥).\nقال مقاتل: أي: \" بعلامة من ربكم يعني العجائب التي كان يصنعها الله\" (٦).\nقال مجاهد: \" ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقةَ ما أقول لكم\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي لم احل لكم شيئا بغير برهان، فهو حق عليكم اتباعي لأني أنبئكم ببرهان، وتحليل طيبات كانت حرمت عليكم\" (٩).\nقال البغوي: \" يعني: ما ذكر من الآيات، وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" وقرأ عبد الله. وجئتكم بآيات من ربكم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]، \" أي خافوا الله وأطيعوا أمري\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" تحذير ودعاء إلى الله تعالى\" (١٣).\nقال مقاتل: \"يعني: فوحدوا الله وأطيعون فيما آمركم به من النصيحة فإنه لا شريك له\" (١٤).\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿فاتقوا الله﴾، قال: \"يعني: المؤمنين، يحذرهم\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه\" (١٦).\nالفوائد:\n١ - أن عيسى ابن مريم جاء بما يصدق به التوراة، فشاهد صدق التوراة بأنه حق، كما انه مطابق لما أخبر به عيسى﵇-.\n٢ - جواز النسخ في الشرائع، لقوله:: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٥٧): ص ٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨.\n(٢) أخرجه الطبري (٧١١٤): ص ٦/ ٤٣٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤١٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٨٥، وتفسير الطبري: ٦/ ٤٤١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٧) أخرجه الطبري (٧١١٧): ص ٦/ ٤٤٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٤٤٠.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤١٥.\n(١٠) تفسير البغوي: ١/ ٤٤٣.\n(١١) الكشاف: ١/ ٣٦٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٨٥.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٤٤١.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(١٥) تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٥٩): ص ٢/ ٦٥٨.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٣٦٥.","vol":"6","page":112},{"text":"٣ - تكرار الأمور الهامة لقوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.\n٤ - إن الطاعة مشترك بين الرسل وبين الله ﷿، وأما التقوى فهي خاصة بالله، لقوله:: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\n٥ - أن التقوى واجبة في كل شريعة ولكن المتقى به قد يختلف باختلاف الشرائع، قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١]\nالتفسير:\nإن الله الذي أدعوكم إليه هو وحده ربي وربكم فاعبدوه، فأنا وأنتم سواء في العبودية والخضوع له، وهذا هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥٠]، أي: إن الله ربي وربكم \"فاجعلوا عبادتكم له وحده\" (١).\nقال النسفي: \" إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى\" (٢).\nقال المراغي: \" وهذا أمر لهم بالاعتقاد الحق وهو التوحيد، ثم بملازمة الطاعة بالقيام بأداء ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه\" (٤).\nقال أبو زهرة: \" أي أن الله تعالى خلقني وهو الذي يربني ويكلؤني ويحييني، وهو أيضا الذي خلقكم وينميكم ويكلؤكم ويحييكم، وإذا كان كذلك فحق علينا أن نعبده وحده ولا نشرك به أحدا سواه، فإن العبادة تكون شكرا لهذه النعمة، وقياما بحقها، وصلاحا لأمر الناس في هذه الدنيا\" (٥).\nقال الراغب: \" لما وصف عيسى نفسه بأفعال إلهية، وأتى على ما ذكر، وكان قد قال: ﴿وأطيعون﴾ خطر له ما فعلته جماعة من النصارى، وهو اتخاذهم إياه معبودهم، فقال: ﴿إن الله ربي وربكم﴾، ولم يقل: ربنا، ليكون أبعد من التأويل فيما ادعوه، وأمر بأن يعبد الله وحده\" (٦).\nوقرئ ﴿أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾، بفتح الالف، قال الطبري: «إن» بدل من «آية»، في قوله ﴿جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ (٧)، وضعفه ابن عطية (٨).\nقوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥٠]، \" أي: هذا طريق الدين مستويا\" (٩).\nقال السمعاني: \" أي: طريق واضح\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي هذا الذي أمرتكم به هو الطريق السوىّ الذي أجمع عليه الرسل قاطبة، وهو الموصل إلى خيرى الدنيا والآخرة\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي فإِن تقوى الله وعبادته، والإِقرار بوحدانيته هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه\" (١٢).\n_________\n(١) التفسير الوسيط: ١/ ٥٧٣.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ٢٥٧.\n(٣) تفسير المراغي: ٣/ ١٦٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٥) زهرة التفاسير: ٣/ ١٢٣٤.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٨١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٤٤١.\n(٩) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤١٦.\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٣٢٢.\n(١١) تفسير المراغي: ٣/ ١٦٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٨٥.","vol":"6","page":113},{"text":"قال الراغب: \"وقال: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، تنبيها أن العدول عن ذلك ليس بالمستقيم\" (١).\nالفوائد:\n١ - عموم ربوبية الله للبشر، لقوله: ﴿ربي وربكم﴾، وربوبية الله ثابتة لكل السماوات والأرض ومن فيهن، قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦].\n٢ - أن عيسى مربوب وليس ربّا، لقوله: ﴿ربي وربكم﴾.\n٣ - الرد على النصارى في دعواهم أن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣].\n٤ - وجوب العبادة لله تعالى وحده، وأن الإقرار بالربوبية مستلزم للإقرار بالعبودية، لقوله: ﴿فاعبدوه﴾.\n٥ - أن الصراط المستقيم عبادة الله، لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وعبادة الله هي اتباع شرعه المرسل ﷾.\nالقرآن\n﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران: ٥٢]\nالتفسير:\nفلما استشعر عيسى منهم التصميم على الكفر نادى في أصحابه الخُلَّص: مَن يكون معي في نصرة دين الله؟ قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه، صدَّقنا بالله واتبعناك، واشهد أنت يا عيسى بأنا مستسلمون لله بالتوحيد والطاعة.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، \"أي استشعر عيسى من اليهود التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال\" (٢).\nقال الطبري: أي: \": فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله \" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال\" (٤).\nقال ابن جريج: \" كفروا وأرادوا قتله فذلك حين استنصر قومه فذلك حين يقول: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]﴾ (٥) \" (٦).\nقال الزجاج: \" معنى أحس فى اللغة علم ووجد، ويقال هل أحست في معنى هل\nأحسست ويقال حسيت بالشيء إذا علمته وعرفته\" (٧).\nو\"الإحساس\"، هو الوجود، ومنه قول الله ﷿: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [سورة مريم: ٩٨].\nفأما \"الحَسُّ\"، بغير\"ألف\"، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ [سورة آل عمران: ١٥٢].\nو\"الحَسُّ\" أيضًا العطف والرقة، ومنه قول الكميت (٨):\nهَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ، ... أَوْ يُبْكِيَ الدَّارَ مَاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ؟\nيعني بقوله: أن تحس له، أن ترقّ له (٩).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، \"أي: قال: من أنصاري في الدعوة إِلى الله\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٨١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٤٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦.\n(٥) سورة الصف: ١٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٦٤): ص ٢/ ٦٥٩.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤١٦.\n(٨) معاني القرآن للفراء ١: ٢١٧، ومجالس ثعلب: ٤٨٦، وإصلاح المنطق: ٢٤٠، واللسان (حسس). والخضل: المتتابع الدائم الكثير الهمول.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٨٧.","vol":"6","page":114},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أربعة أقوال:\nأحدها: أنه: يعني من أنصاري مع الله. قاله السدي (١)، وابن جريج (٢)، وسفيان الثوري (٣).\nقال الزجاج: \" و(إلى) ههنا إنما قاربت (مع) معنى بأن صار اللفظ لو عبر عنه بـ \" مع \" أفاد مثل هذا المعنى، لا أن (إلى) في معنى \" مع \"\" (٤).\nوالثاني: أن المعنى: من أنصاري في السبيل إلى الله. وهذا قول الحسن (٥).\nوالثالث: أن معناه: من يتبعني إلى الله. قاله مجاهد (٦).\nوالرابع: أن معناه: من ينصرني إلى نصر الله. قاله الماوردي (٧).\nقال ابن كثير: \" وقول مجاهد أقربُ، والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: \"مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي\" (٨)، حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، \"أي قال المؤمنون الأصفياء من أَتباعه نحن أنصار دين الله\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" هذا قولهم الذي أصابوا الفضل من ربهم\" (١١).\nقال الماوردي: \"وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه، والحَوَر نقاء بياض العين \" (١٢).\nواخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على أقاويل:\nأحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس (١٣)، وسعيد بن جبير (١٤)، ومسلم البطين (١٥).\nوالثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب، وهذا قول ابن أبي نجيح (١٦)، والضحاك (١٧) في -أحد قوليه-.\nوالثالث: أنهم خاصة الأنبياء وصفوتهم، سموا بذلك لنقاء قلوبهم، وهذا قول قتادة (١٨) -في أحد قوليه-، والضحاك (١٩)، ورجّحه الزجاج (٢٠).\nوالرابع: ان الحواري: الناصر. قاله سفيان بن عيينة (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٠): ص ٦/ ٤٤٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧١٢١): ص ٦/ ٤٤٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٦): ص ٢/ ٦٥٩.\n(٤) كعاني القرآن: ١/ ٤١٦.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٥): ص ٢/ ٦٥٩.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٦.\n(٨) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٢) من حديث جابر ﵁.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٨٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٧٤): ص ٢/ ٦٦٠.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٩٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٨): ص ٢/ ٦٥٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٤): ص ٦/ ٤٤٥.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٨): ص ٢/ ٦٥٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٥): ص ٦/ ٤٤٦.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٩): ص ٢/ ٦٥٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٦): ص ٦/ ٤٤٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٧): ص ٦/ ٤٤٦.\n(٢٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤١٦.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٧١): ص ٢/ ٦٦٠.","vol":"6","page":115},{"text":"والخامس: أن الحواري: الوزير. قاله قتادة (١).\nقال الطبري: \" وأشبه الأقوال في معنى \"الحواريين\"، قولُ من قال: \" سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين\" (٢).\nقال ابن كثير: \"والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال: \"إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ\"\" (٣) \" (٤).\nواختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه استنصر بهم طلبًا للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته. وهذا قول مجاهد (٥).\nوالثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق. وهذا معنى قول السدي (٦)، والحسن (٧).\nوالثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. أفاده الماوردي (٨).\nقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي: \" صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأننا مسلمون\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾، لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - عتو بني إسرائيل، واهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى﵇- لم يؤمنوا منهم احد.\n٢ - فضيلة الإخلاص، والصفوة المخلصين في الدعوة الى الدين.\n٣ - ينبغي للانسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله، لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع.\n٤ - من فوائد الآية: أن النصارى مسلمون لقوله: ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾، إلا أنهم مسلمون بالمعنى العام، وذلك ان كل انسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، وأما إذا وجد ما ينسخه فلايسمى مسلما إلا إذا اتبع الشرع الجديد.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]\nالتفسير:\nربنا صدَّقنا بما أنزلت من الإنجيل، واتبعنا رسولك عيسى ﵇، فاجعلنا ممن شهدوا لك بالوحدانية ولأنبيائك بالرسالة، وهم أمة محمد ﷺ الذين يشهدون للرسل بأنهم بلَّغوا أممهم.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، أي: ربنا صدّقنا بما أنزلت على نبيّك عيسى من كتابك\" (١١).\nقال الماتريدي: \" يعني - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعا، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى - ﵇ - فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعا\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٧٣): ص ٢/ ٦٦٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٤٤٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦.\n(٤) صحيح البخاري برقم (٣٧١٩) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٥) من حديث جابر ﵁.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٣): ص ٦/ ٤٤٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٢): ص ٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٢): ص ٦/ ٤٤٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٧٥): ص ٢/ ٦٦٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٣.\n(١٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٨١.","vol":"6","page":116},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]،: أي: \"صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به\" (١).\nقال مجمد بن إسحاق: \" أي هكذا كان قولهم وإيمانهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، \" أي: فاكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق\" (٣).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس: \" ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: أمة محمد ﷺ\" (٤).\nوفي رواية ابن المنذر عن ابن عباس: \" مع محمد وأمته إنهم شهدوا له أنه بلغ، وشهدوا للرسل أنهم بلغوا \" (٥).\nونقل الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس: \" ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع أصحاب محمد ﷺ\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك\" (٧).\nقال الزجاج: \" وحقيقة الشاهد أنه الذي يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى صدقنا بالله واعترفنا بصحة ما جاء به النبي - ﷺ - وثبتنا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا\" (٨).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله تعالى، إذ قالوا: ﴿ربنا آمنا بما انزلت﴾.\n٢ - التوسل الى الله تعالى بربوبيته، لأن الربوبية تدور على ثلاثة اشياء، وهي: الخلق، والملك، والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة.\n٣ - شمولية الإيمان لكل ما انزل الله، لقوله: ﴿ربنا آمنا بما انزلت﴾.\n٤ - الإشارة الى تحريف التوراة، يتبيّن ذلك من احتراز الحواريين في قولهم: ﴿بما أنزلت﴾، إذ لم يطلقوا الإيمان مثلا بالتوراة، وذلك لتحريفها بيد اليهود.\n٥ - ان الإيمان لابدّ له من اتباع، لقوله: ﴿واتبعنا الرسول﴾، ولذلك يقرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة في القران الكريم.\n٦ - فضيلة صحبة الأخيار لقوله، ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾، لذلك يجب على الانسان أن يختار من الجلساء أصلهم، لأن الجليس الصالح كله خير، والجليس السوء كله شر.\nالقرآن\n﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]\nالتفسير:\nومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى ﵇، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظنًا منهم أنه عيسى ﵇، والله خير الماكرين. وفي هذا إثبات صفة المكر لله -تعالى- على ما يليق بجلاله وكماله; لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين.\nقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٤]، أي: \" ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل\" (٩).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" مكروا بقتل عيسى\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٧٦): ص ٢/ ٦٦٠.\n(٣) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤١٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٧٧): ص ٢/ ٦٦٠. قال ابن كثير وهذا إسناد جيد: ٢/ ٤٦.\n(٥) تفسير ابن المنذر (٥٢١): ص ١/ ٢١٨.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٥٢٢): ص ١/ ٢١٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٣.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤١٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٣.\n(١٠) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٠.","vol":"6","page":117},{"text":"قال الطبري: \" وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مُواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقَتْله\" (١).\nقال ابن عباس: \" يريد: أن عامة بني إسرائيل كفروا به، وهموا بقتله، وتواطئوا على الفتك به، فذلك مكرهم به\" (٢).\nقال الماتريدي: أي: \" مكروا بنبي الله عيسى - ﵇ - حيث كذبوه وهموا بقتله\" (٣).\nقال الواحدي: \" أصل \"المكر\" في اللغة: السعي في الفساد في خفية، ومداجاة\" (٤).\nقال الزجاج: يقال: \"مكر الليل، وأمكر\": إذا أظلم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، أي: \" ومكر الله بهم فأهلكهم، ورفع عيسى إليه\" (٦).\nقال أبو عبيدة: يعني\"أهلكهم الله\" (٧).\nقال السمرقندي: \" أي جازاهم جزاء المكر\" (٨).\nقال الزمخشري: وذلك\" أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل\" (٩).\nقال عبدالقاهر الجرجاني: أي: \" صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون، وإنما قيل: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين\" (١٠).\nقال مقاتل: \" وذلك أن كفار بني إسرائيل عمدوا إلى رجل فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه فجعل الله شبه عيسى على الرقيب فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى، ورفع الله﷿- عيسى إلى سماء الدنيا من بيت المقدس، ليلة القدر في رمضان، فذلك قوله- سبحانه-: ﴿ومكروا﴾ بعيسى ليقتلوه يعني اليهود ﴿ومكر الله﴾ بهم حين قتل رقيبهم وصاحبهم\" (١١).\nقال السدي: \" ثم إن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريِّين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: ﴿ومكرُوا ومكر الله والله خير الماكرين﴾، فلما خرج الحواريون أبصرُوهم تسعةَ عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُونهم ينقصون رجلا من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يُرَوْن أنه عيسى وصَلبوه، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٥٧] \" (١٢).\nونقل الثعلبي عن ابن عباس: \"إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٣.\n(٢) نقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٨، وأورد معناه ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٣٩٥، ولم اقف على مصدر القول.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(٤) التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٨، وانظر: مادة: \"مكر\" في: كتاب العين: ٥/ ٣٧٠، وتهذيب اللغة: ٤/ ٣٤٣٤، واللسان: ٧/ ٤٢٤٧، والتاج: ٧/ ٤٩٣ - ٤٩٤، و\"المداجاة\": من: داجى الرجل: ساتره بالعداوة، وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة. والمداجاة: المداراة، و\"داجيتة: داريته، وكأنك ساترته العداوة، انظر: اللسان، مادة: \"دجا\": ص ٣/ ١٣٣٢.\n(٥) نقله عنه الواحدي والسمين الحلبي، انظر: التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٨، والدر المصون: ٣/ ٢١٢، ولم أقف على مصدره.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٠.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (٥٢٥): ص ١/ ٢٢٠.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢١٧.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٦٦.\n(١٠) درج الدرر في تفسير الآي والسور: ٢/ ٤٩٢.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليان: ١/ ٢٧٨.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧١٣٢): ص ٦/ ٤٥٤.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٩.","vol":"6","page":118},{"text":"وفي المعنى نفسه نقل الواحدي عن ابن عباس: \" وذلك أن أحد الإنجيلية ممن آمن به، نافق، فدل عليه، فجعله الله تعالى في سورة عيسى، فأخذ فصلب\" (١).\nقال أهل التواريخ: \"حملت مريم بعيسى ولها ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى الله ﷿ لأمّه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وعاشت أمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين\" (٢).\nقال ابن الجوزي: \" قال سعيد بن المسيب: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال: ماتت قبل رفعه\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنهم مكروا بالمسيح ﵇ بالحيلة عليه في قتله، ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره، وهو معنى قول السدي (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥).\nوالثاني: مكروا بإضمار الكفر، ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة. وهذا معنى قول الفراء (٦).\nوالثالث: أن مكره بهم أن سلط عليهم فارس، فقتلوهم، وسبوا ذراريهم، لقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا﴾ [الإسراء: ٥]. قاله الأصم (٧).\nقال الزجاج: \" المكر من الخلائق خب وخداع، والمكر من الله المجازاة على ذلك فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال - ﷿: ﴿الله يستهزئ بهم﴾، فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب، لفظه لفظ الاستهزاء، وكما قال جل وعز: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى سيئة والمجازاة عليها سميت باسمها، وليست في الحقيقة سيئة.\nوجائز أن يكون مكر الله استدراجهم من حيث لا يعلمون لأن الله سلط عليهم فارس فغلبتهم وقتلتهم، والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿الم (١) غلبت الروم (٢) في أدنى الأرض (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣].\nوقيل في التفسير أيضا إن مكر الله بهم كان في أمر عيسى أنه - ﷺ - كان في بيت فيه كوة فدخل رجل ليقتله، ورفع عيسى من البيت وخرج الرجل في شبهه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه.\nوجملة المكر من الله مجازاتهم على ما فعلوا\" (٨).\nقال الواحدي: \" قال أهل المعاني: المكر من المخلوقين: خب وخداع، وهو من الله: استدراجه العباد، قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] و[القلم: ٤٤]، قال ابن عباس في تفسيره: كلما أحدثوا خطيئة، جددنا لهم نعمة، وليس المراد بـ ﴿مكر الله﴾ في هذه الآية، هذا الوجه. ووجه ﴿مكر الله﴾ بهم في هذه القصة، ما قال الزجاج\" (٩).\nقال الماوردي: وإنما جاز قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ على مزواجة الكلام وإن خرج عن حكمه، نحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وليس الثاني اعتداءً، وأصل المكر: الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف مكرًا، والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به، والفرق بين\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٥/ ٣٠٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٠.\n(٣) زاد المسير: ١/ ٢٨٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٢): ص ٦/ ٤٥٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٧٤): ص ٢/ ٦٦١.\n(٦) انظر: تفسير ابن المنذر (٥٢٦): ص ١/ ٢٢١، فقال: \" والله أعلم: إن المكر من الله، إنما هو استدراجه العباد، وليس على مكر المخلوقين، يعني الخديعة والخبء \".\n(٧) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٩٠.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤١٩.\n(٩) التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٩.","vol":"6","page":119},{"text":"المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار، والمكر: التوصل إلى إيقاع المكروه به\" (١).\nقال الراغب: \" المكر في الأصل: حيلة يجلب بها الإنسان إلى مفسدة. وحيلة قد تقال فيما يجلب به إلى مصلحة، وقد يقال في ذلك المكر والخديعة اعتبارا بظاهر الفعل دون المقصد، والحكيم قد يفعل ما صورته صورة المكر، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد (٢):\nوَيُقَبِّحُ مِنْ سِوَاك الْفِعْل عِنْدِي ... وَتَفْعَلُهُ فَيُحْسِنُ مِنْك ذاكا\nفإذن مكر الله قد يكون تارة فعلا يقصد به مصلحة، ويكون تارة جزاء المكر، ويكون تارة بأن لا يقبح مكرهم في عينهم، وذاك بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك في أعينهم، حتى كأنه زينه في أعينهم ومكر بهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم. فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب، فكأنه مكر بهم، واستدرجهم من حيث لا يعلمون\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، أي: والله: \" أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: أفضل مكرا منهم\" (٥).\nقال الثعلبي: \" أي أفضل المعاقبين\" (٦).\nقال الواحدي: \" أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة\" (٧).\nقال ابن عثيمين: أي: \" ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه\" (٨).\nقال الماتريدي: \" أي: خير الجازين أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل .. والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكرا لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في حق الله\" (٩).\nالفوائد:\n١ - كيد ومكر أعداء الرسل للرسل وأتباعهم، لقوله: ﴿ومكروا﴾.\n٢ - لايوصف الله بالمكر على سبيل الاطلاق، بل يقال: إن الله يمكر بمن يمكر به، ليعود المكر صفة كمال، لأن المكر إذا ذكر مطلقا صار محتملا للنقص، فإذا ذكر مقيدا بأن قيل: إن الله يمكر بمن يمكر به وبأوليائه، صار صفة كمال تدل على قوة الله ﷿ وإحاطة علمه، وأن علمه ادق من علم هؤلاء الماكرين على عباد الله بالأسباب الخفية والطرق الملتوية.\nالقرآن\n﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥]\nالتفسير:\nومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: إني قابضك من الأرض من غير أن ينالك سوء، ورافعك إليَّ ببدنك وروحك، ومخلصك من الذين كفروا بك، وجاعل الذين اتبعوك -أي على دينك وما جئت به عن الله من الدين\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٣٩٦.\n(٢) لم اتعرف على قائله، وانظر البيت في إفحام المخاصم لشيث بن إبراهيم: ٣٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٧٩، ومحاضرات الادباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، للراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣١، وتفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٨٨، ومصادر أخرى، والبيت منسوب لسمنون في شرح المشكاة للطيبي: ٦/ ١٧٨٩.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ٣٦٦.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليان: ١/ ٢٧٨.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٠.\n(٧) التفسير البسيط: ٥/ ٣٠١.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٢١.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٢.","vol":"6","page":120},{"text":"والبشارة بمحمد ﷺ وآمَنوا بمحمد ﷺ، بعد بعثته، والتزموا شريعته- ظاهرين على الذين جحدوا نبوتك إلى يوم القيامة، ثم إليّ مصيركم جميعًا يوم الحساب، فأفصِل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمر عيسى ﵇.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: \" إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ\" (١).\nقال الحسن: \" رفعه إليه وهو عنده في السماء\" (٢).\nوقد اختلف المفسرون في معنى \"التوفي\" في قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، على أقوال:\nأحدها: أن معناه: إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت، وهذا قول الحسن (٣)، وابن جريج (٤)، وابن زيد (٥)، والكلبي (٦)، ومطر الورّاق (٧)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٨).\nقال الثعلبي: \" يدل عليه قوله فلما ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه لا بعد موته. وعلى هذا القول للتوفي تأويلان:\nأحدهما: إني رافعك إلي وافيا لن ينالوا منك. من قولهم: توفيت كذا واستوفيته أي أخذته تاما (٩).\nوالآخر: إني مسلمك، من قولهم: توفيت منه كذا أي سلمته\" (١٠).\nوالثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء، وهذا قول الربيع (١١).\nوالمعنى: \" ورافعك وأنت نائم، حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب\" (١٢).\nورجّحه ابن كثير، فقال: \" وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] وكان رسول الله ﷺ يقول - إذا قام من النوم -: \"الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ\" (١٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٩] والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى، ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام\" (١٤).\nقال الثعلبي: \" يدل عليه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، أي: ينيمكم، لأن النوم أخو الموت، وقوله الله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] \" (١٥).\nوالثالث: متوفيك وفاة بموت، وهذا قول ابن عباس (١٦)، ووهب بن منبه (١٧)، وضعّفه الطبري (١٨)، والواحدي (١٩).\nومعنى الآية على هذا الوجه: \" قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد - ﷺ - للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك ... فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته\" (٢٠).\nقال الثعلبي: \" يدل عليه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس: ٤٦]، وله على هذا القول تأويلان:\nأحدهما: ما قال وهب: «توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه» (٢١) (٢٢).\nوالآخر: ما قاله الضحاك وجماعة من أهل المعاني: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إني رافعك إلي ... ومطهرك من الذين كفروا: ومتوفيك بعد إنزالك من السماء كقوله ﷿: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩].\nوقال الشاعر (٢٣):\nألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام\nأي عليك السلام ورحمة الله.\nوقال آخر (٢٤):\nجمعت وعيبا نخوة ونميمة ... ثلاث خصال لسن من ترعوي\nأي جمعت نخوة ونميمة وعيبا.\nوروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه عامل على أمتي وخليفتي عليهم، إذا رأيتموه فاعرفوه\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٨، وانظر: تفسير الطبري (٧١٤٤) -٧١٤٥): ص ٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٨٤): ص ٢/ ٦٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٥): ص ٦/ ٤٥٦، و(٧١٤٠): ص ٦/ ٤٥٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٦): ص ٦/ ٤٥٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٩): ص ٦/ ٤٥٧.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٤): ص ٦/ ٤٥٦، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٩): ص ٦/ ٤٥٧، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(٩) نقل ابن الجوزي عن ابن قتيبة: \" التوفي، من استيفاء العدد يقال:\nتوفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: وفاة، وتوف. وأنشد أبو عبيدة:\nإن بني الأدرد ليسوا من أحد ... ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد\nولا توفاهم قريش في العدد أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام\" [زاد المسير: ١/ ٢٨٧، الرجز لمنظور الوبري. انظر «اللسان» مادة (وفي)].\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٣): ص ٦/ ٤٥٥.\n(١٢) البحر المحيط: ٣/ ١٧٦.\n(١٣) أخرجه الإِمام البخاري في الدعوات، باب ما يقول إذا نام، رقم ٦٣١٢، وفي باب ما يقول إذا أصبح، رقم ٦٣٢٤، وابن أبي شيبة في المصنف [٩/ ٧١، ١٠/ ٢٤٧]، والإِمام أحمد في المسند [٥/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠٧]، والبخاري في الأدب المفرد برقم ١٢٠٥، وأبو داود في الأدب، باب ما يقال عند النوم، رقم ٥٠٤٩، والنسائي في اليوم والليلة برقم ٧٤٧، ٨٥٦، ٨٥٧، وابن ماجه في الدعاء، باب ما يدعو إذا انتبه من الليل، رقم ٣٨٨٠.\nوأخرجه الإِمام البخاري في الدعوات، باب وضع اليد اليمنى تحت الخد، رقم ٦٣١٤، وفي التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، رقم ٧٣٩٤، والترمذي في الدعوات باب ما يدعو به عند النوم، رقم ٣٤١٧، وفي الشمائل برقم ٢٥٣، من طرق عن عبد الملك بن عمير به.\nوأخرجه النسائي في اليوم والليلة برقم ٧٤٩، ٧٥٠، ٨٦٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧١٤١): ص ٦/ ٤٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٥٨٠): ص ٢/ ٦٦١، اسنادهما حسن.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧١٤٢): ص ٦/ ٤٥٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٠، إذ يقول: \" ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله ﷿، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله ﷿ إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يُميتهم ثم يُحييهم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الروم: ٤٠] \".\n(١٩) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٥٧٨، إذ قال: \" ولكن هذا النقل معارض بما سنذكره من الأحاديث الدالة على بقائه إلى آخر الزمان، وبقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وهذا الوعد لم يتحقق إلى الآن، فإن اليهود - وأكثر الناس - لم يؤمنوا به. وذلك يدل على أنه لا يزال حيًا. وسيظل كذلك. حتى يؤمن به جميع الناس قبل موته، تحقيقًا لوعد الله تعالى. وسيكون ذلك آخر الزمان.\nكما أنه معارض بما صح نقله عن ابن عباس من أنه رفع من غير وفاة، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ مرادا منه: رافعك حيًّا بدون وفاة يشهد له نزوله آخر الزمان\".\n(٢٠) التفسير البسيط: ١/ ٥٧٨.\n(٢١) أخرجه الطبري (٧١٤٢): ص ٦/ ٤٥٧. بتفاوت: \" توفى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار حتى رفعه إليه\".\n(٢٢) أو سبع ساعات، كما رواه الطبري عن ابن إسحاق: \" والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياهُ الله\". أخرجه الطبري (٧١٤٣): ٦/ ٤٥٨. قال البيضاوي: \" وقيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى\". [تفسير البيضاوي: ٢/ ١٩].\n(٢٣) لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في تفسير الثعلبي: ٣/ ٨١، ومعاني القرآن للنحاس: ١/ ٤٠٠، تفسير القرطبي: ٤/ ١٠٠.\n(٢٤) لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٢.","vol":"6","page":121},{"text":"فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره ممطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين يدق الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، وليسلكن الروحاء حاجا أو معتمرا أو كلتيهما جميعا، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملك كلها ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال، ويقع في الأرض الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الأغنام، ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض أربعين سنة» (١).\nوفي رواية كعب: «أربعا وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه في حجرة النبي ﷺ» (٢).\nوقيل للحسن بن الفضل: «هل تجد نزول عيسى (﵇) في القرآن. فقال: نعم. قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦]، وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه: وكهلا بعد نزوله من السماء» (٣).\nوعن محمد بن إبراهيم أن أمير المؤمنين أبا جعفر حدثه عن الآية عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في أوسطها» (٤) \" (٥).\nوالرابع: أنه من المقدم والمؤخر، بمعنى: رافعك ومتوفيك بعده، وهذا قول الفراء (٦).\nوالخامس: وقيل: أن معناه: إني متوفيك عن شهواتك وحظوظ نفسك، قاله أبو بكر محمد بن موسى الواسطي (٧).\nقال البيضاوي: \" أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت\" (٨).\nوحسّنه الثعلبي قائلا: \"ولقد أحسن فيما قال، لأن عيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة\" (٩).\nوالسادس. وقيل: أجعلك كالمتوفى، لأنه بالرفع يشبهه (١٠).\nوالسابع: وقيل: آخذك وافيا بروحك وبدنك (١١).\nوالثامن: وقيل: متوفيك: متقبل عملك (١٢). قال أبو حيان: \"ويضعف هذا من جهة اللفظ\" (١٣).\nوالتاسع: وقيل: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: \" معناه: رافعك إلى كرامتي\" (١٤).\nقال الثعلبي: \" وقيل: معناه رافعك بالدرجة في الجنة ومقربك إلى الإكرام\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧١٤٥): ص ٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩. بتفاوت، ونص رواية الطبري: \" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الأنبياء إخوَةٌ لعَلاتٍ، أمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه خليفتي على أمتي. وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سَبط الشعر، كأن شَعرَه يقطُر، وإن لم يصبه بَللٌ، بين مُمصَّرَتين، يدق الصّليبَ، ويقتل الخنزير، ويُفيضُ المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه المِللَ كلها، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضّلالة الكذّاب الدجال وتقعُ في الأرض الأمَنَةُ حتى ترتع الأسُود مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمانُ بالحيات، لا يَضرُّ بعضُهم بعضًا، فيثبت في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه\".\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧١٣٧): ص: ٦/ ٤٥٦، بتفاوت، ونص رواية الطبري: \": ما كان الله ﷿ ليميت عيسى ابن مريم، إنما بعثه الله داعيًا ومبشرًا يدعو إليه وحده، فلما رأى عيسى قِلة من اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى الله ﷿، فأوحى الله إليه: \" إني متوفيك ورافعك إليّ \"، وليس مَنْ رفعته عندي ميتًا، وإني سأبعثك على الأعوَر الدجّال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحيّ.\nقال كعب الأحبار: وذلك يصدّق حديث رسول الله ﷺ حيث قال: كيف تهلك أمة أنا في أوّلها، وعيسى في آخرها\".\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(٤) كنز العمال: ١٤/ ٢٦٩ ح ٣٨٦٨٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨١.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢١٩.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٢.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٢.\n(١٠) انظر: البحر المحيط: ٣/ ١٧٧.\n(١١) انظر: البحر المحيط: ٣/ ١٧٧.\n(١٢) انظر: البحر المحيط: ٣/ ١٧٧.\n(١٣) البحر المحيط: ٣/ ١٧٧.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٣٩٧.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.","vol":"6","page":122},{"text":"والراجح-والله أعلم- ان المعنى: \"إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ، لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدة ذكَرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه\" (١).\nقال ابن عطية: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من: \"أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به الملة، ملة محمد ﷺ، ويحج البيت، ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة، وقيل: أربعين سنة ثم يميته الله تعالى\" (٢).\nقال البشالي والشيباني: كان عيسى على [....] (٣) فهبت ريح فهرول عيسى -﵇- فرفعه الله ﷿ في هرولته، وعليه مدرعة من الشعر\" (٤).\nقال ابن عباس: \"ما لبس موسى إلا الصوف وما لبس عيسى إلا الشعر حتى رفع\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: \"ومخلّصك من الذين جحدوا بما جئتهم به من الحق\" (٦).\nقال الحسن: \": طهَّره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه\" (٧).\nقال الثعلبي: \" أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: برفعي إياك إلى السماء\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" من سوء جوارهم أو قصدهم\" (١٠).\nقال سعيد حوى: \" أي: من سوء جوارهم، وخبث صحبتهم؛ برفعي إياك إلى السماء\" (١١).\nوقيل: \" أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: \" وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم\" (١٣) إلى يوم القيامة.\nقال النسفي: \" أي المسلمين، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى\" (١٤).\nقال قتادة: \" هم أهلُ الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسُنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة\" (١٥).\nقال ابن جريج: \": ناصرُ من اتبعك على الإسلام، على الذين كفروا إلى يوم القيامة\" (١٦).\nقال السدي: \" أما ﴿الذين اتبعوك﴾، فيقال: هم المؤمنون، ويقال: بل هم الرّوم\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٨، وانظر: تفسير الطبري (٧١٤٤) -٧١٤٥): ص ٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٤٤٤.\n(٣) هكذا في الأصل. قال المحقق: كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦١. [بتصرف].\n(٧) أخرجه الطبري (٧١٤٨): ص ٦/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٩.\n(١١) الأساس في التفسير: ٢/ ٧٧٠.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٩٧.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٢.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٢٥٩.\n(١٥) أخرجه الطبري (٧١٤٩): ص ٦/ ٤٦٢.\n(١٦) أخرجه الطبري (٧١٥٢): ص ٦/ ٤٦٣.\n(١٧) أخرجه الطبري (٧١٥٣): ص ٦/ ٤٦٣.","vol":"6","page":124},{"text":"قال الحسن: \" جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة\" (١).\nوفي رواية أخرى عن الحسن: \" هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، لا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة\" (٢).\nقال الربيع: هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته، وملته، وسنته لا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة\" (٣).\nوقال ابن زيد في قول الله: ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾: قال: الذين كفروا من بني إسرائيل، ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾: قال: الذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم، ﴿فوق الذين كفروا﴾: النصارى فوقَ اليهود إلى يوم القيامة. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى، إلا وهم فوق يهودَ، في شرقٍ ولا غرب، هم في البلدان كلِّها مستذلون\" (٤).\nقال ابن كثير: \" وهكذا وقع؛ فإن المسيح، ﵇، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانة الحقيرة - وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن الله فلما بعث الله محمدًا ﷺ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق - كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض - إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا \" (٥).\nوذكر أهل العلم في معنى \"الفوقية\" في قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ثلاثة أوجه من التفسير (٦):\nأحدها: أنهم فوقهم بالبرهان والحجة. رجّحه الراغب (٧).\nوالثاني: أنهم فوقهم في اليد والبسطة والعز والغلبة. قاله ابن زيد (٨).\nوالثالث: أنهم فوقهم يوم القيامة في الجنة، إذ هم في الغرفات آمنون، والذين كفروا في أسفل السافلين! (٩)\nقال النسفي: \" يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف\" (١٠).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وجوه:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧١٥٤): ص ٦/ ٤٦٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٣): ص ٢/ ٦٦٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٨٩): ص ٢/ ٦٦٢.\n(٤) أخرجه الطبري (٧١٥٥): ص ٦/ ٤٦٣.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧ - ٤٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٢٠، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣، والنكت والعيون: ١/ ٣٩٧.\n(٧) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٩٣.\n(٨) انظر: الطبري (٧١٥٥): ص ٦/ ٤٦٣.\n(٩) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٩٥.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٢٥٩.","vol":"6","page":125},{"text":"أحدها: أنهم المسلمون من أمة محمد ﵇، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه روح الله وكلمته، فو الله ما اتبعه من دعاه ربا (١)، ومعنى الآية: أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه، وهذا قول السدي (٢)، الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، وابن جريج (٦)، والشعبي (٧)، ومقاتل (٨)، والكلبي (٩)، ورجّحه الزجاج (١٠).\nوالثاني: أنهم النصارى فوق اليهود، لأن النصارى أعز واليهود أذل. وهذا معنى قول ابن زيد (١١).\nقال الماوردي: \" وفي هذا دليل على أنه لا يكون مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم \" (١٢).\nوالثالث: أنهم الحواريون فوق الذين كفروا. قاله الضحاك (١٣) ومحمد بن ابان (١٤).\nوالرابع: وقيل: هم الروم. حكاه السدي (١٥).\nوعلى القول بأنهم: النصارى أو الحواريون، \"يكون معنى الاتباع الادعاء والمحبة لا اتباع الدين والملة\" (١٦).\nوالراجح أن متبعوه \" هم المسلمون، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى\" (١٧). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥]،: أي \"ثم مصيركم إليّ يوم البعث\" (١٨).\nقال أبو العالية: \" يرجعون إليه بعد الحياة\" (١٩).\nقال السمرقندي: \" يعني الذين اتبعوك، والذين كفروا كلهم مرجعهم إليّ \" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: \" فأقضي حينئذ بين جميعكم بالحق فيما كنتم تختلفون فيه من أمر عيسى\" (٢١).\nقال الثعلبي: يعني: \"من الدين وأمر عيسى -﵇-\" (٢٢).\nقال السمرقندي: أي: \" بين المؤمنين والكفار من الدين\" (٢٣).\nقال أبو حيان: \" هذا إخبار بالحشر والبعث، والمعنى ثم إلى حكمي، وهذا عندي من الالتفات\" (٢٤).\nقال المراغي: \" وهذا شامل للمسيح والمختلفين معه، وشامل للاختلاف بين أتباعه والكافرين به\" (٢٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣، وزاد المسير: ١/ ٢٨٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٩٠): ص ٢/ ٦٦٢.\n(٣) انظر: الطبري (٧١٥٤): ص ٦/ ٤٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٥٩٣): ص ٢/ ٦٦٣.\n(٤) انظر: الطبري (٧١٤٩): ص ٦/ ٤٦٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٨٩): ص ٢/ ٦٦٢.\n(٦) انظر: الطبري (٧١٥٢): ص ٦/ ٤٦٣.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٢٠.\n(١١) انظر: الطبري (٧١٥٥): ص ٦/ ٤٦٣.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٣٩٧.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٩٠): ص ٢/ ٦٦٢.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٣٦٧.\n(١٨) تفسير المراغي: ٣/ ١٧٠.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم: ٢/ ٦٦٣.\n(٢٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٢١٨.\n(٢١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٤. [بتصرف].\n(٢٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٣.\n(٢٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢١٨.\n(٢٤) البحر المحيط: ٣/ ١٨٠.\n(٢٥) تفسير المراغي: ٣/ ١٧٠.","vol":"6","page":126},{"text":"قال ابن عطية: \" الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثُمَّ إِلَيَّ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فَأَحْكُمُ إلى آخر الآية وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين\" (١).\nالفوائد:\n١ - في هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم (٢).\n٢ - تذكرة احوال الأنبياء السابقين لما فيها من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم.\n٣ - الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، لأن ذلك لايسمى قولا، وإن اطلق عليه القول فلابد ان يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، وأما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع.\n٤ - فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه.\n٥ - أن الله تعالى رفع عيسى بجسمه، لقوله: ﴿ورافعك﴾، والخطاب لعيسى المون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه.\n٦ - ومنها: إثبات منقبة لرسولنا الكريمﷺ- إذ رفعه الله في الاسراء والمعراج وهو يقظان، وعيسى لم يرفع إلا وهو نائم، وذلك على قول من قال أن معنى: ﴿متوفيك﴾ أي منيمك.\n٧ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة، لقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأتباعه هم امة محمدﷺ-، واما من كفر بمحمد﵇- فهو لم يتبع عيسى.\n٨ - ومنها: إثبات يوم القيامة، لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأنه يوم الجزاء، فقال: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾.\n٩ - إن مرجع الخلائق إلى ربهم ﷿ غذ تكون النهاية إليه وحده، لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.\n١٠ - إثبات حكم الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، هذا في الآخرة، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فهو تعالى الحكم في الدنيا والآخرة.\n١١ - بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار الحكم العدل الذي يظلم مثال ذكرة، وقد أخبرنا تعالى ان الخاصم الغالب هم المؤمنون، فقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].\n١٢ - إثبات علم الله تعالى، لأنه لا حكم إلا بعد علم.\nالقرآن\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ [آل عمران: ٥٦]\nالتفسير:\nفأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.\nقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٦]، أي: \" فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى وخالفوا ملتك\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٥٦]، أي: \" فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم\" (٤).\nقال أبو مالك: \" فهم أصحاب النار يعذبون فيها\" (٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٤٤٥.\n(٢) انظر: تفسير السعدي: ١/ ١٣٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٥): ص ٢/ ٦٦٣.","vol":"6","page":127},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦]، \" أي ليس لهم ناصر يمنع عنهم عذاب الله\" (١).\nقال الطبري: \" وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام\" (٢).\nالفوائد:\n١ - إثبات العذاب للكافرين، لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.\n٢ - ومن الفوائد: أن العذاب في الدنيا قد لايغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، بل لهم الهزيمة والخزي في الدنيا، وهم لاينجون من عذاب النار يوم القيامة.\n٣ - إثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.\n٤ - أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، فلا تنفعهم الشفاعة في الآخرة. القرآن\nالقرآن\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ [آل عمران: ٥٧]\nالتفسير:\nوأما الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الأعمال الصالحة، فيعطيهم الله ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص. والله لا يحب الظالمين بالشرك والكفر.\nقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [آل عمران: ٥٧]، أي: وأما \"الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات\" (٣).\nقال ابن عباس: \"يقول: أدوا فرائضي\" (٤).\nوعنه أيضا: \"الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" (٥).\nقال زيد بن أسلم: \" رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" وأما الذين صدّقوك يا عيسى وأقرّوا بنبوتك وبما جئتهم من الحق وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، أي: \": فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني فيوفوا أجورهم في الآخرة\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات\" (١٠).\nوقرأ الحسن وحفص ويونس: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء، والباقون بالنون (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، \"أي: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، فكيف يظلم عباده\" (١٢).\nقال سفيان بن عيينة: \" لا يقرب الظالمين\" (١٣).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٨٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٧١٥٦): ص ٦/ ٤٦٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٧): ص ٢/ ٦٦٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٥٩٦): ص ٢/ ٦٦٣ - ٦٦٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨.\n(١١) انظر: السبعة: ٢٠٦.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٣٦٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٩): ص ٢/ ٦٦٤.","vol":"6","page":128},{"text":"قال ابن عباس: \"قوله: ﴿الظالمين﴾، يقول: الكافرين\" (١).\nقال أبو عبيدة: \" أي: الكافرين\" (٢).\nقال محمد ابن إسحاق: \" ﴿الظالمين﴾: أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية\" (٣).\nقال السمعاني: \" أي: لا يرحم الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل\" (٤).\nقال ابن أبي زمنين: يعني: المشركين\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي لا يرحمهم، ويعذبهم ولا يثني عليهم خيرا، هذا معنى البغض من الله، ومعنى المحبة منه الرحمة والمغفرة والثناء والجميل\" (٦).\nقال الماتريدي: \" لأنه لا يحب الظلم\" (٧).\nقال السمرقندي: \" أي لا يرضى دين الكافرين\" (٨).\nقال الراغب: \" تنبيه أنه لا يظلم خلقه، فمن لا يحب شيئا لا يتعاطاه مع استغنائه عنه\" (٩).\nالفوائد:\n١ - أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين، هما: الإيمان والعمل الصالح، عليه فإن الإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد صحته.\n٢ - أن العمل لاينفع إلا إذا كان صالحا، وأن العمل الصالح ما جمع بين وصفين: الإخلاص واتباع الرسولﷺ-.\n٣ - منة الله ﷾ على عباده إذ جعل هذا الجزا كالاجور اللازم وفاؤها، لقوله: ﴿فيوفيهم أجورهم﴾.\n٤ - إثبات المحبة لله تعالى، لقوله: ﴿والله لايحب الظالمين﴾، إذ أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم. والله أعلم.\n٥ - شؤم الظلم على الانسان وأنه من الذنوب التي تكون سببا لانتفاء محبة الله له، وبالتالي هلاك العبد.\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران: ٥٨]\nالتفسير:\nذلك الذي نقصُّه عليك في شأن عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء.\nفي سبب نزول الآية: قال الحسن: \" أتى رسول الله ﷺ راهبا من نجران فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله ﷺ لا يعجل حتى يأمره ربه، فنزل عليه: ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿من الممترين﴾ \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٥٨]، \"أي هذه الأنباء التي نقصها عليك يا محمد\" (١١).\nقال محمد ابن إسحاق: \" ﴿ذلك نتلوه عليك﴾ يا محمد من الآيات\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠٠): ص ٢/ ٦٦٤.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (٥٣٦): ص ١/ ٢٢٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠١): ص ٢/ ٦٦٤.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٣٢٦.\n(٥) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩١.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٢١.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٣٨٨.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢١٩.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٥٩٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠٢): ص ٢/ ٦٦٤.\n(١١) صفوة التفاسير: ١٨٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠٣): ص ٢/ ٦٦٥.","vol":"6","page":129},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨]، \" أي من آيات القرآن الكريم المحكم\" (٢).\nقال ابن كثير: أي: \" هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: ﴿والذكر الحكيم﴾: القاطع الفاصل الحق الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعن ما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلن خبرا غيره\" (٤).\nعن علي﵁- قال: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون فتن- قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله هو الذكر الحكيم والصراط المستقيم\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى تكلّم في القرآن فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذ كانت التلاوة لله حقيقة، ونقلها جبريل إلى الرسولﷺ-.\n٢ - أن القرآن الكريم آيات عظيمة لايحصيها البشر، يجدها ويتدبرها من فتح الله قلبه بالإيمان والعمل الصالح.\n٣ - أن القرآن ذكر، ذكر يتقرب إلى الله به وذكر يتذكر به الإنسان، فهو شامل لهذا وهذا.\n٤ - ومنها: وصف القرآن العظيم بهذا الوصف العظيم وهو الحكمة والذكر الحكيم، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكم، لأن القرآن حكم بين الناس، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي إلى كتابه، فهو حكم، وهو أيضا محكم متقن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.\n٥ - فضيلة الرسولﷺ ٠ لقوله: ﴿نتلوه عليك﴾، فخصه –ﷺ- بالتلاوة لأنهﷺ- أشرف من يتلقى القرآن، وأقوم الناس عملا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه.\nالقرآن\n﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]\nالتفسير:\nإنَّ خَلْقَ الله لعيسى من غير أب مثَلُه كمثل خلق الله لآدم من غير أب ولا أم، إذ خلقه من تراب الأرض، ثم قال له: «كن بشرًا» فكان. فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة; فآدم ﵇ خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس: \" وذلك أن رهطًا من أهل نجران قدموا على محمد ﷺ وكان فيهم السيّد والعاقب فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسَى، تزعم أنه عبدُ الله! فقال محمد: أجل، إنه عبد الله. قالوا له: فهل رأيت مثلَ عيسى، أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل ﷺ بأمر ربِّنا السميع العليم فقال: قل لهم إذا أتوك: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾، إلى آخر الآية\" (٦).\nوروي عن قتادة (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، وابن زيد (١٠)، والحسن (١١)، والأزرق بن قيس (١٢)، مثل ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، \" أي: إِن شأن عيسى إِذ خلقه بلا أب - وهو في بابه غريب - كشأن آدم\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، أي: خلقه من تراب من غير أب ولا أم، ثم قال له كن فكان\" (١٤).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" فإن قالوا: خُلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدمَ من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كانَ عيسى لحمًا ودمًا وشعرًا وبَشرًا، فليس خلقُ عيسى من غير ذكر بأعجبَ من هذا\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، ﷿، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] \" (١٦).\nالفوائد:\n١ - من الفوائد: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج به الخصم، لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن الله، لأنه خلقة بلا أب، فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون.\n٢ - ومنها: بيان قدرة الله تعالى إذ خلق ىدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب.\n٣ - إثبات القياس، وذلك في قوله: ﴿كمثل آدم﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس، لأنه إلحاق المورد بالمضروب، يعني: أنك ألحقت الممثل بالممثل به.\n٤ - إثبات القول للرب ﷿، لقوله: ﴿ثم قال له﴾.\n٥ - إثبات صفة الخلق لله، وهي صفة فعلية، وجنس الصفات الفعلية ذاتية، لأن الله لم يزل ولايزل فعّالا.\nالقرآن\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٦٠]\nالتفسير:\nالحق الذي لا شك فيه في أمر عيسى هو الذي جاءك -أيها الرسول- من ربك، فدم على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الافتراء، ولا تكن من الشاكِّين، وفي هذا تثبيت وطمأنة لرسول الله ﷺ.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٨٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠٥): ص ٢/ ٦٦٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠٤): ص ٢/ ٦٦٥. والترمذي- فضائل القرآن رقم ٢٩٠٦ ٥/ ١٥٨ في حديث طويل.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧١٦١): ص ٦/ ٤٦٨ - ٤٦٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧١٦٢): ص ٦/ ٤٦٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧١٦٣): ص ٦/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧١٦٤): ص ٦/ ٤٧٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧١٦٦): ص ٦/ ٤٧١.\n(١١) انظر: أسباب النزول: ١٠٤. اسناده ضعيف.\n(١٢) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ٢/ ٦٧٩.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(١٥) أخرجه الطبري (٧١٦٥): ص ٦/ ٤٧٠ - ٤٧١.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٠.","vol":"6","page":130},{"text":"قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، أي: \" هذا الذي قصّ عليك هو الحق\" (١).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" ما جاءك من الخبر عن عيسى\" (٢).\nقال مقاتل: \"يعني: من هذا الذي قال الله في عيسى \" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه \" (٤).\nقال الزجاج: أي: \" الذي أنبأناك به في قصة عيسى ﵇ هو الحق من ربك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، أي: \"فلا تكن من الشاكين\" (٦).\nقال ابن عباس: \" قال الحسن: يقول: يا محمد فلا تكن في شك مما قالا\" (٧).\nقال قتادة: \"يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه\" (٨).\nقال الربيع: \"، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون\" (٩).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته لأنه لم يكن ينهاه في أمر عيسى\" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن الله لايصدر عنه إلا الحق.\n٢ - فضيلة رسول اللهﷺ- بإضافة الربوبية إليه، وهي ربوبية خاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة.\n٣ - النهي عن الشك فيما اخبر الله به.\n٤ - ومنها: أن الممترين كثيرون لقوله ﴿من الممترين﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، ولكن الظاهر الأول.\n٥ - جواز المخاطبة بالتعريض، لأن قوله: ﴿فلا تكن من الممترين﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيء فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل.\nالقرآن\n﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١]\nالتفسير:\nفمَن جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى ﵇، فقل لهم: تعالوا نُحْضِر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن يُنزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرِّين على عنادهم.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٦١]، أي: \"فمن خاصمك وجادلك في أمر عيسى\" (١٢).\nقال الربيع: \" يقول: من حاجك في عيسى\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٥٣.\n(٢) أخرجه الطبري (٧١٦٩): ص ٦/ ٤٧٣.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٩.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٢٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦١١): ص ٢/ ٦٦٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٢٦٧): ص ٦/ ٤٧٢.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٢٦٨): ص ٦/ ٤٧٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧١٧٠): ص ٦/ ٤٧٣.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٤.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٤.\n(١٣) أخرجه الطبري (٧١٧٣): ص ٦/ ٤٧٤.","vol":"6","page":131},{"text":"قال قتادة: \" أي: في عيسى: أنه عبدُ الله ورسوله، من كلمة الله وروحه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" فمن جادلك، يا محمد، في المسيح عيسى ابن مريم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]، أي: \"بعدما وضح لك الحق واستبان\" (٣).\nقال الطبري: \" من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنته لك في عيسى أنه عبد الله\" (٤).\nقال محمد بن جعفر بن الزبير: \" أي: من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أي: فقل لهم: هلمّوا نجتمع ويدعو كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إِلى المباهلة\" (٦).\nقال ابن كثير: \"أي: نحضرهم في حال المباهلة\" (٧).\nقال الربيع: \" فقال لهم النبي ﷺ: هلم أداعيكم فأتيا كان الكاذب أصابته اللعنة والعقوبة من الله عاجلا. قالوا: نعم\" (٨).\nقال الشعبي: \"لما نزلت: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾، أخذ رسول الله ﷺ الحسن والحسين ثم انطلق\" (٩).\nروي عن الحسن في قوله: \" ﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ قرأها النبي ﷺ عليهما ودعاهما إلى المباهلة وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين وقال أحدهما لصاحبه: اصعد الجبل ولا تباهله فإنك إن باهلته بؤت باللعن قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تعطيه الخراج ولا نباهله\" (١٠).\nوقال السدي: \" فأخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وقال لعلي: اتبعنا، فخرج معهم ولم يخرج يومئذ النصارى قالوا: إنا نخاف أن يكون هذا هو النبي وليس دعوة الأنبياء كغيرهم فتخلفوا، فقال رسول الله ﷺ: لو خرجوا إلا احترقوا، فصالحوه على صلح على أن له عليهم ثمانين ألفا\" (١١).\nوعن أبي جعفر: ﴿وأنفسنا وأنفسكم﴾، قال: النبي وعلي\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أي: ثم \"نتضرع إلى الله فنقول: اللهم العن الكاذب منا في شأن عيسى\" (١٣).\nقال ابن عباس: ﴿ثم نبتهل﴾: نجتهد\" (١٤).\nقال ابن كثير: أي: ثم \"نلتعن\" (١٥).\nقال التستري: \" أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة\" (١٦).\nقال ابن زيد: \" ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، قال: منا ومنكم\" (١٧).\nقال الزجاج: \" قيل له هذا بعد أن أوحيت إليه البراهين والحجج القاطعة في تثبيت أمر\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧١٧١): ص ٦/ ٤٧٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٧١٧٢): ص ٦/ ٤٧٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٩.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦١٥): ص ٢/ ٦٦٧.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦١٦): ص ٢/ ٦٦٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦١٧): ص ٢/ ٦٦٧.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦١٨): ص ٢/ ٦٦٧.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦١٩): ص ٢/ ٦٦٨، ومسلم كتاب فضائل الصحابة (٣٧٢٤).\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٢٣): ص ٢/ ٦٦٨، وأخرج ابن أبي حاتم (٣٦٢٢): ص ٢/ ٦٦٨، عن أنس بن مالك قال: \"كان النبي ﷺ بعرفات وهو يدعو، ورفع يديه فانفلت زمام الناقة من يده، فتناوله فرفع يده، فقال أصحاب محمد: هذا الابتهال وهذا التضرع\".\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٩.\n(١٦) تفسير التستري: ٤٨.\n(١٧) أخرجه الطبري (٧١٧٣): ص ٦/ ٤٧٤.","vol":"6","page":133},{"text":"عيسى إنه عبد، فأمر بالمباهلة بعد إقامة الحجة، لأن الحجة قد بلغت النهاية في البيان فأمر الله أن يجتمع هو والنساء والأبناء من المؤمنين، وأن يدعوهم إلى أن يتجمعوا هم وآباؤهم ونساؤهم، ثم يبتهلون ومعنى الابتهال في اللغة المبالغة في الدعاء، وأصله الالتعان ويقال بهله الله أي لعنه الله، ومعنى لعنة الله باعده الله من رحمته، يقال: ناقة باهل وباهلة إذا لم يكن عليها صرار، وقد أبهل الرجل ناقته إذا تركها بغير صرار ورجل باهل إذا لم يكن معه عصا. فتأويل البهل في اللغة المباعدة والمفارقة للشيء\" (١).\nقال ابن عباس: \" لو خرج الذين يباهلون النبي ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا\" (٢).\nقال ابن جريج: \"قال لي ابن كثير: أما الذين دعوا إلى الابتهال فالنصارى\" (٣).\nأخرج الطبري عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه سمع النبي ﷺ يقول: \" ليتَ بيني وبيني أهل نجرانَ حجابًا فلا أراهم ولا يروني! من شْدّة ما كانوا يمارون النبي ﷺ\" (٤).\nالفوائد:\n١ - إثبات أن ما جاء به الرسول -ﷺ- حق، لأن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء.\n٢ - ومن الفوائد: أنه لاتجوز المباهلة إلا بعلم يقيني.\n٣ - جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم، لكن بشرطين: أولهما: العلم، والثاني أن تكون في امر هام.\n٤ - أن من آداب الالتعان احضار النساء والاولاد، لأنه أشد خوفا للنسا في المباهلة.\n٥ - جواز الدعاء بالله على من خالف الحق لكن بالوصف لا بالشخص، لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلايجوز الدعاء عليه حتى لو كان كافرا، لأن النبيﷺ- لما دعا على أبي جهل وغيره من كبار قريش، نهاه الله عن ذلك.\nالقرآن\n﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾ [آل عمران: ٦٢]\nالتفسير:\nإن هذا الذي أنبأتك به -أيها الرسول- من أمر عيسى لهو النبأ الحق الذي لا شك فيه، وما من معبود يستحق العبادة إلا الله وحده، وإن الله لهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره وفعله.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، \" أي: إن هذا الذي أوحينا إليك من هذه البينات والحجج التي آتيناك لهو القصص الحق\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد\" (٦).\nقال ابن عباس: \" يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق\" (٧).\nقال الطبري: \" إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، \" أي: ولا يوجد إله غير الله\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه\" (١٠).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤٢٣.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦٢٠): ص ٢/ ٦٦٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦٢١): ص ٢/ ٦٦٨.\n(٤) تفسير الطبري (٧١٧٥): ص ٦/ ٤٧٥.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٢٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٥.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٢٤): ص ٢/ ٦٦٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٦.","vol":"6","page":134},{"text":"قال السعدي: أي: \" فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة\" (١).\nقال الزجاج: \" «من» دخلت توكيدا. ودليلا على نفي جميع من ادعى المشركون أنهم آلهة، أي إن عيسى ليس بإله، لأنهم زعموا إنه إله، فأعلم الله ﷿ أن لا إله إلا هو، وأن من آتاه الله آيات يعجز عنها المخلوقون فذلك غير مخرج له من العبودية لله، وتسميته إلها كفر بالله\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أي هو جل شأنه \"العزيز في ملكه الحكيم في صنعه\" (٣).\nقال الطبري: أي \"العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، الحكيم في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ\" (٤).\nالفوائد:\n١ - تأكيد أن ما اخبر الله به عيسى ابن مريم هو الحق، ويفرغ من هذه القاعدة ان كل ما خالفه مما تكلمت به النصارى في شأن عيسى فهو كذب باطل لايوافق الواقع.\n٢ - أنه لا إله في الوجود إلا الله، فهو وحدة المستحق بالعبادة، وفيه رد على إدعاء ألوهية المسيح.\n٣ - إثبات تمام العزة لله تعالى، قال: ﴿لهو العزيز﴾، و«أل» هنا تفيد الاستغراق، أي: جميع انواع العزة ثابتة لله ﷾.\n٤ - إثبات تمام الحكمة لله تعالى، فقال: ﴿الحكيم﴾، فيتفرغ أنه لا حاكم إلا الله.\nالقرآن\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ [آل عمران: ٦٣]\nالتفسير:\nفإن أعرضوا عن تصديقك واتباعك فهم المفسدون، والله عليم بهم، وسيجازيهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٦٣]، \"أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" فإن كفروا، وتركوا أمر الله \" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" فإن تولوا على كفرهم\" (٧).\nقال البغوي: أي: \" أعرضوا عن الإيمان\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"فإن أدبر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى، عما جاءك من الحق من عند ربك في عيسى وغيره من سائر ما آتاك الله من الهدى والبيان\" (٩).\nقال الراغب: \" أي إن أعرضوا عن الإصغاء إلى الحق والتزامه، وعن الإجابة إلى\nالمباهلة\" (١٠).\nقال الصابوني: \" أي: إِن أعرضوا عن الإِقرار بالتوحيد\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣]، أي: \" فإن الله يعلم من يفسد من خلقه فيجازيه على إفساده\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٣٣.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٤٢٤.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٢، وصفوة التفاسير: ١٨٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٦.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٢٤.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٥٦٠): ص ١/ ٢٢٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٢٥): ص ٢/ ٦٦٩.\n(٨) تفسير البغوي: ٢/ ٤٩.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٦.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٦١٠.\n(١١) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٦.","vol":"6","page":135},{"text":"قال الطبري: أي: \": فإن الله ذو علم بالذين يعصون ربهم، ويعملون في أرضه وبلاده بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم، فهو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم ويحفظها، حتى يجازيهم عليها جزاءَهم\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر، الذي لا يفوته شيء\" (٢).\nقال الراغب: أي\" فإن حالهم في كونهم مفسدين ظاهرة، وعقوبتهم واجبة، فهو تعالى معاقبهم\" (٣).\nقال الصابوني: أي: \"فإِنهم مفسدون والله عليم بهم وسيجازيهم على ذلك شر الجزاء\" (٤).\nقال البغوي: ﴿بالمفسدين﴾: أي: \" الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله\" (٥).\nقال البيضاوي: \" وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم\" (٦).\nالفوائد:\n١ - تهديد من تولى عن دين الله تعالى، فقال: ﴿فإن الله عليم بالمفسدين﴾، لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم، وسيعاقبهم بما تفتضيه حالهم.\n٢ - أن التولي عن دين الله فساد، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].\n٣ - أن كل من تولّى عن دين الله فهو مفسد، ولو زعم أنه مصلح، لقوله: ﴿فإن الله عليم بالمفسدين﴾، ولهذا قال أهل التفسير في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، أي: لا تفسدوها بالمعاصي، فكل عاص مفسد شاء ام أبى، وكل مطيع هو مصلح، لأن بضدها تتبيّن الأشياء.\nالقرآن\n﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: تعالَوْا إلى كلمة عدل وحق نلتزم بها جميعًا: وهي أن نَخُص الله وحده بالعبادة، ولا نتخذ أي شريك معه، من وثن أو صنم أو صليب أو طاغوت أو غير ذلك، ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة من دون الله. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الطيبة فقولوا لهم -أيها المؤمنون-: اشهدوا علينا بأنا مسلمون منقادون لربنا بالعبودية والإخلاص. والدعوة إلى كلمة سواء، كما تُوجَّه إلى اليهود والنصارى، توجَّه إلى من جرى مجراهم.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في الوفد من نصارى نجران. قاله السدي (٧)، وابن زيد (٨)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٩)، والحسن (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٧٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٥.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٦١٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٨٨.\n(٥) تفسير البغوي: ٢/ ٤٩.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٢١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٥): ص ٦/ ٤٨٤. إلا أنه لم يذكر مكان اجتماعهم.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٦): ص ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٤): ص ٦/ ٤٨٤.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٩.","vol":"6","page":136},{"text":"والثاني: أنها: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله ﷺ. وهذا قول قتادة (١)، والربيع (٢)، وابن جريح (٣).\nوالثالث: أنها نزلت في قصة وفد نجران مع يهود المدينة وذلك حين اختصموا في إبراهيم.\nقال الثعلبي: \" قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم فأتاهم النبي ﷺ فقالوا: يا محمد إنّا اختلفنا في إبراهيم ودينه فزعمت النصارى أنّه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى النّاس به. وقالت اليهود: بل كان يهوديا وأنّهم على دينه وأولى النّاس به. فقال لهم رسول الله ﷺ: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا وأنا على دينه فأتبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتّخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا. وقالت النصارى: والله يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ عدل بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ \" (٤).\nقال ابن حجر: \" أنزلها الله في قصة وفد نجران قبل أن يقع اجتماعهم باليهود، فلما أبوا وبذلوا الجزية واطمأنوا اجتمعوا بيهود المدينة عند النبي -ﷺ- أو فيما بينهم، فتجادلوا إلى أن ذكروا إبراهيم ونزلت الآيات التي بعدها في إبراهيم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، أي: \"قل يا محمد لأهل الكتاب: هلمّوا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم\" (٦).\nقال الربيع: أي\" عدل بيننا وبينكم\" (٧).\nقال مقاتل: يعني: \" كلمة العدل وهي الإخلاص\" (٨).\nقال ابن كثير: \" هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم\" (٩).\nوفي تفسير: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن كلمة السواء: لا إله إلا الله. قاله أبو العالية (١٠).\nوالثاني: أنها: الدعوة إلى الإسلام. قاله الحسن (١١).\nوالثالث: أن الرسولﷺ- دعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة. وهذا قول محمد بن إسحاق (١٢)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (١٣).\nوفي الذين عناهم الله في الآية الكريمة قولان:\nأحدهما: أنهم الوفد من نصارى نجران، وهذا قول الحسن والسدي (١٤)، وابن زيد (١٥)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (١٦).\nوالثاني: انهم يهود المدينة، وهذا قول قتادة (١٧)، والربيع (١٨)، وابن جريح (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧١٩١): ص ٦/ ٤٨٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٢): ص ٦/ ٤٨٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٢٨): ص ٢/ ٦٦٩.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٥ - ٨٦. ونقله ابن حجر، ثم علّق عليه قائلا: \" وإطلاقه على قائل هذا -مع ضعفه- أنه قول المفسرين مما ينكر عليه\". [العجاب: ٢/ ٦٨٨].\n(٥) العجاب: ٢/ ٦٨٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤٨٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٣٢): ص ٢/ ٦٧٠.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٢٩): ص ٢/ ٦٦٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٣٠): ص ٢/ ٦٧٠.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٣١): ص ٢/ ٦٧٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٤): ص ٦/ ٤٨٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٥): ص ٦/ ٤٨٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٦): ص ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٤): ص ٦/ ٤٨٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧١٩١): ص ٦/ ٤٨٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧١٩٢): ص ٦/ ٤٨٤.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٢٨): ص ٢/ ٦٦٩.","vol":"6","page":137},{"text":"والراجح-والله أعلم- \" أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، \" أي: أن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكًا\" (٢).\nقال الطبري: \" والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا\" (٣).\nقال التستري: \" وأصل العبادة: التوحيد مع أكل الحلال وكف الأذى، ولا يحصل الأكل الحلال إلاَّ بكف الأذى، ولا كف الأذى إلاَّ بأكل الحلال، وأن تعلموا أكل الحلال وترك أذى الخلق والنية في الأعمال كما تعلموا فاتحة الكتاب، ليصفوا إيمانكم وقلوبكم وجوارحكم، فإنما هي الأصول\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، أي: ولا يعبد بعضنا بعضا من دون الله (٥).\nقال ابن جريج: \" يقال: إن الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة\" (٦).\nقال عكرمة: \" سجود بعضهم لبعض\" (٧)، \" قوله: ﴿أربابا﴾: يعني الأصنام\" (٨).\nقال مقاتل: \" لأنهم اتخذوا عيسى ربا\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه\" (١٠).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] وجهان:\nأحدهما: هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله، وهذا قول ابن جريح (١١).\nوالثاني: سجود بعضهم لبعض، هذا قول عكرمة (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٦٤]، أي: \" فإن أعرضوا عما دعوتَهم إليه\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، \" أي: فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم\" (١٥).\nقال مقاتل: \" يعني فإن أبوا التوحيد فقولوا لهم أنتم: اشهدوا باننا مخلصون بالتوحيد\" (١٦).\nقال الزجاج: \" أي مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياء من قبل الله ﷿\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٨٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٨٣.\n(٤) تفسير التستري: ٤٨.\n(٥) انظر: صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٣٤): ص ٢/ ٦٧٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٣٥): ص ٢/ ٦٧٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٣٣): ص ٢/ ٦٧٠.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٤٨٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٣٤): ص ٢/ ٦٧٠.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٣٥): ص ٢/ ٦٧٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٨٣.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٦.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٦.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨١.\n(١٧) معاني القرآن: ١/ ٤٢٦.","vol":"6","page":138},{"text":"الفوائد:\n١ - من فوائد الآية: التنزّل مع الخصم لالتزامه الحق، لقوله: ﴿سواء بيننا وبينكم﴾، ولاشك بان الحق مع الرسولﷺ-، لكن من تنزّل معه من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه.\n٢ - وجود استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو.\n٣ - إتفاق الرسل على هذه الكلمة: ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا﴾، لكونها كلمة سواء.\n٤ - أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله.\n٥ - أن الحكم بين الناس والعبادة مقترنان، لأن عبادة الله تكون في شريعته.\n٦ - التزام الحق والبراءة من الخصم، وذلك إذا تولى وأعرض بعد إقامة الحجة عليه.\n٧ - الاعتزاز بالدين، لقوله: ﴿فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾.\nالقرآن\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [آل عمران: ٦٥]\nالتفسير:\nيا أصحاب الكتب المنزلة من اليهود والنصارى، كيف يجادل كل منكم في أن إبراهيم ﵇ كان على ملَّته، وما أُنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ أفلا تفقهون خطأ قولكم: إن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا، وقد علمتم أن اليهودية والنصرانية حدثت بعد وفاته بحين؟\nفي سبب نزول الآيات [٦٥ - ٦٧] أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في اختصام اليهود والنصارى في إبراهيم، وادعاء كل فريق منهم أنه كان منهم. وهذا قول ابن عباس (١)، والسدي (٢)، وقتادة (٣)، والشعبي (٤).\nوالثاني: أنها نزلت في دعوى اليهود إبراهيم أنه منهم. قاله مجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والربيع (٧).\nوالثالث: وقال مقاتل: \"وذلك أن رؤساء اليهود كعب بن الأشرف، وأبا ياسر، وأبا الحقيق وزيد بن التابوه، ونصارى نجران، يقولون: إبراهيم أولى بنا والأنبياء منا كانوا على ديننا، وما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: ما تريد بأمرك إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت اليهود عزيرا ربا. قال النبيﷺ-: معاذ الله من ذلك، ولكني أدعوكم إلى أن تعبدوا الله جميعا، ولا تشركوا به شيئا، فأنزل الله﷿: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون﴾ \" (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٢٠٢): ص ٦/ ٤٩٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٦٣٧): ص ٢/ ٦٧١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٢٠٣): ص ٦/ ٤٩١.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٦٣٧): ص ٢/ ٦٧١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٢٠٦): ص ٦/ ٤٩١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٢٠٤): ص ٦/ ٤٩١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٢٠٥): ص ٦/ ٤٩١.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣.","vol":"6","page":139},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، \" أي يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إِبراهيم وتزعمون أنه على دينكم\" (١).\nقال مجاهد: يعني: \" اليهود والنصارى، برأه الله منهم حين ادعت كل أمة أنه منهم، وألحق به المؤمنين من كان من أهل الكتاب الحنيفية\" (٢). وروي عن أبي العالية والسدي نحو ذلك (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥]، \" أي: والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إِلا من بعده\" (٤).\nقال مقاتل: \" أى: بعد موت إبراهيم\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة\" (٦).\nقال ابن عباس: \" فأخبرهم الله أنّ التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية\" (٧).\nقال الحسن: \" والله ما أنزلت التوراة والإنجيل إلا على ملة إبراهيم، فلم تحاجون في إبراهيم\" (٨).\nقال قتادة: \" كانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، أي: أفلا\" تفقَهون خطأ قيلكم\" (١٠).\nقال ابن زيد: \" أفلا تتفكرون\" (١١).\nقا المراغي: أي: \" أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا له\" (١٢).\nقال السعدي: \" أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - توبيخ أهل الكتاب بسبب مجادلتهم في إبراهيم –﵊-.\n٢ - علو شأن إبراهيم﵇- بين جميع الطوائف: اليهود والنصارى والمسلمين.\n٣ - بيان الاحتجاج بالعقل، ولاينبغي إهمال العقل في الاستدلال.\n٤ - إثبات أن التوراة والانجيل منزلة من عندالله.\n٥ - إثبات علو الله، لأن النزول لايكون إلا من أعلى.\n٦ - النداء على بني إسرائيل بالسفه.\n٧ - الإشادة بالعقل، وأنه يحمل صاحبه على السداد والصواب.\nالقرآن\n﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ [آل عمران: ٦٦]\nالتفسير:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦٣٨): ص ٢/ ٦٧١.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٦٣٨): ص ٢/ ٦٧١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٣.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٧.\n(٧) أخرجه الطري (٧٢٠٢): ص ٦/ ٤٩٠.\n(٨) تفسير ابن ابي حاتم (٣٦٣٩): ص ٢/ ٦٧١.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦٤٠): ص ٢/ ٦٧١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٢.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٦٤١): ص ٢/ ٦٧١.\n(١٢) تفسير المراغي: ٣/ ١٨١.\n(١٣) تفسير السعدي: ١٣٤.","vol":"6","page":140},{"text":"ها أنتم يا هؤلاء جادلتم رسول الله محمدًا ﷺ فيما لكم به علم مِن أمر دينكم، مما تعتقدون صحته في كتبكم، فلِمَ تجادلون فيما ليس لكم به علم من أمر إبراهيم؟ والله يعلم الأمور على خفائها، وأنتم لا تعلمون.\nقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، أي: ها انتم جادلتم وخاصمتم \"بما كان في زمانكم وأدركتموه\" (١).\nقال الثعلبي: \" يعني: في أمر محمد، لأنهم كانوا يعلمونه مما يجدون من نعته في كتابهم فحاجوا به بالباطل\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي: ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه\" (٣).\nقال قتادة: \"يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم\" (٤). وروي عن أبي العالية (٥) نحو ذلك.\nقال السدي: \" أما ﴿الذي لهم به علم﴾، فما حرّم عليهم وما أمروا به\" (٦).\nقال الحسن: \" يعذر من حاج بعلم، ولا يعذر من حاج بالجهل\" (٧).\nقال ابن كثير: \" هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإنَّ اليهود والنصارى تَحَاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علْم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها\" (٨).\nواختلفت القراءة في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [آل عمران: ٦٦]، فقرأه أهل المدينة بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكة مهموزا مقصورا على وزن \"هعنتم\"، وقرأ أهل الكوفة بالمد والهمز، وقرأ الباقون بالمد دون الهمز (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، أي: \"فلم تجادلون وتخاصمون في الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: \" من حديث إبراهيم فليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا\" (١١).\n\nقال البغوي: يقول: \" وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وقيل حاججتم فيما لكم به علم يعني في أمر محمد ﷺ لأنهم وجدوا نعته في كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل\" (١٢).\nقال قتادة: يعني: \" فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا\" (١٣). وروي عن أبي العالية (١٤) نحو ذلك\nقال السدي: \" وأما ﴿الذي ليس لهم به علم﴾، فشأن إبراهيم\" (١٥).\nقال الحسن: \" لا يعذر من حاج بالجهل\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٤.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٢٠٩): ص ٦/ ٤٩٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٤٢): ص ٢/ ٦٧٢.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٢٠٨): ص ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٤٤): ص ٢/ ٦٧٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٧، والسبعة: ٢٠٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٢.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٧.\n(١٢) تفسير البغوي: ٢/ ٥١.\n(١٣) أخرجه الطبري (٧٢٠٩): ص ٦/ ٤٩٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٤٥): ص ٢/ ٦٧٢.\n(١٥) أخرجه الطبري (٧٢٠٨): ص ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٤٧): ص ٢/ ٦٧٢.","vol":"6","page":141},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦]، أي: \" والله يعلم ما حاججتم فيه، وأنتم جاهلون به\" (١).\nقال الزمخشري: \" والله يعلم علم ما حاججتم فيه وأنتم جاهلون به\" (٢).\nقال الصابوني: \"أي: والله يعلم الحقَّ من أمر إِبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك\" (٣).\nالفوائد:\n١ - ذم المحاجة بغير علم.\n٢ - إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم شريطة القصد الحسن والوصول إلى الحق.\n٣ - إثبات العلم لله ﷿.\n٤ - أن المحاج فيما ليس له به علم، ليس عنده علم، لأن المحاجة فرع من العلم.\n٥ - إثبات علم الله في الحاضر والمستقبل دائما، لقوله: ﴿يعلم﴾.\nالقرآن\n﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]\nالتفسير:\nما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، فلم تكن اليهودية ولا النصرانية إلا من بعده، ولكن كان متبعًا لأمر الله وطاعته، مستسلمًا لربه، وما كان من المشركين.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال عامر: \": قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقالت النصارى: هو على ديننا. فأنزل الله ﷿: ﴿ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا﴾ الآية، فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم - يعني: اليهودَ الذين ادّعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا\" (٤). وروي عن الربيع (٥) مثله.\nوالثاني: قال مقاتل: \" قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى: إن إبراهيم منا وموسى منا والأنبياء منا، فقال الله ﷿: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]، \" أي ما كان إِبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، أي: ولكن كان\"مائلًا عن الأديان كلها إِلى الدين القيم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: مُتَحَنفًا عن الشرك قَصْدًا إلى الإيمان\" (٩).\nقال الطبري: \" ﴿حنيفا﴾: يعني: متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها، ﴿مسلما﴾: يعني: خاشعًا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه \" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، لأهل اللغة فيه قولان: (١١):\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٢٢.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٧١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٢١١): ص ٦/ ٤٩٤. وانظر: سبب نزول الآية: ٦٥.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٤٩): ص ٢/ ٦٧٣، وتفسير الطبري (٧٢١٢): ص ٦/ ٤٩٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٤٨): ص ٢/ ٦٧٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٤.\n(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.","vol":"6","page":142},{"text":"الأول: أن الحنيف هو المستقيم.\nقال الطبري: \" (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء\" (١).\nومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (٢).\nالثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال، فالمعنى أن إبراهيم ﵇ حنف إلى دين الله، أي مال إليه، فقوله: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا﴾، أي: مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما.\nواختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، على أقوال (٣):\nأحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، ومجاهد (٦)، وعطية (٧)، وكثير بن زياد (٨)، وعبدالله بن قاسم (٩)، والضحاك (١٠)، والسدي (١١).\nوقالوا: \"إنما سمي دين إبراهيم الإسلام (الحنيفية)، لأنه أول إمام لزم العباد - الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو (حنيف)، مسلم على دين إبراهيم\" (١٢).\nوالثاني: أنها اتباع الحق، قاله مجاهد (١٣)، والربيع بن أنس (١٤).\nوالثالث: أنها: اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام.\nفقالوا: \"إنما سمي دين إبراهيم (الحنيفية)، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو \" حنيف \" على ملة إبراهيم\" (١٥).\nوالرابع: أن \"الحنيف\": هو المخلص دينه لله وحده (١٦)، قاله السدي (١٧)، ومقاتل بن سليمان (١٨)، وخصيف (١٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٧): ص ٣/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣، وتفسير الطبري (٢٠٩١): ص ٣/ ١٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٤): ص ٣/ ١٠٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٢)، و(٢٠٩٣): ص ٣/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٥): ص ٣/ ١٠٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٨): ص ٣/ ١٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٩): ص ٣/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (١٢٩٢): ص ١/ ٢٤١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩٢): ص ١/ ٢٤١.\n(١٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٠٠): ص ٣/ ١٠٧.\n(١٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٥): ص ١/ ٢٤٢.","vol":"6","page":143},{"text":"والخامس: وقيل: (الحنيفية) الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو (حنيف).\nقال القفال: \"وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم ﵇\" (١).\nوالسادس: أن الحنيف: المستقيم. قاله محمد بن كعب (٢)، وروي عن عيسى بن جارية (٣) مثله.\nالسابع: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. قاله أبو قلابة (٤).\nالثامن: أن الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. قاله أبو العالية (٥).\nالتاسع: أن الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات، والعمات، وما حرم الله ﷿، والختان. وكانت حنيفة في الشرك: كانوا أهل الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وكانوا يحجون البيت، وينسكون المناسك. قاله قتادة (٦).\nوالصواب: أن (الحنيفية) هو الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته.\nقال الثعلبي: \"فالحنيف الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل القبلة وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله وأهله أكرم الخلق على الله\" (٧).\nقال الإمام الطبري: \"لو كانت الحنيفية حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]، فكذلك القول في الختان. لأن \" الحنيفية \" لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧].\nفقد صحّ إذًا أن \" الحنيفية \" ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها. فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم ﷺ، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟\nقيل: بَلى. فإن قال: فكيف أضيف \" الحنيفية \" إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس \" حنيفًا \" باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: \" يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ \"، وغير ذلك من صنوف الملل\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، \"أي: كان مسلمًا ولم يكن مشركًا\" (٩).\nقال الطبري: \"وهذا تكذيبٌ من الله ﷿ دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادَّعوا أنه كان على ملتهم وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون وقضاءٌ منه ﷿ لأهل الإسلام ولأمة محمد ﷺ أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - تبرئة إبراهيم﵊- من دين اليهود والنصارى.\n٢ - الثناء على إبراهيم﵇- لقوله: \" ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾، إذ وصفه بالتوحيد الخالص الذي لايشوبه أي نوع من الشرك.\n٣ - أنه لابد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾، لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الاسلام.\n٤ - الثناء على إبراهيم بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، فقال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nالقرآن\n﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨]\nالتفسير:\nإنَّ أحق الناس بإبراهيم وأخصهم به، الذين آمنوا به وصدقوا برسالته واتبعوه على دينه، وهذا النبي محمد ﷺ والذين آمنوا به. والله وليُّ المؤمنين به المتبعين شرعه.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: نقل الثعلبي (١١) والواحدي عن ابن عباس: \"قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (١٢).\nوالثاني: نقل السيوطي (١٣) وابن حجر عن عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم (١٤): \"أنه لما أن خرج أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم إلى النجاشي انتدب لهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط -كذا قال وإنما هو عمارة بن الوليد بن المغيرة (١٥) - أرادوا عنتهم والبغي عليهم، فقدموا على النجاشي فأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة، إنما يريدون أن يخبلوا عليك ملكك، ويفسدوا عليك أرضك، ويشتموا ربك، فأرسل إليهم، فذكر القصة مطولة، وفيها: إن الذي خاطبهم من المسلمين حمزة وعثمان بن مظعون فقال النجاشي لما سمع كلامهم: لا دهوره -أي: لا خوف- على حزب إبراهيم فقال\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٣): ص ١/ ٢٤٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٤٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٤): ص ١/ ٢٤٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٦): ص ١/ ٢٤٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٧): ص ١/ ٢٤٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٣.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٨٨.\n(١٢) أسباب النزول: ١٠٦.\n(١٣) انظر الدر المنثور: ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(١٤) قال في \"التقريب\" \"ص ٣٤٨\": \"مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين مات سنة \"٧٨\".\n(١٥) قال الحافظ في \"الإصابة\" القسم الرابع \"٣/ ١٧١\": \"مات كافرا؛ لأن قريشا بعثوه إلى النجاشي فجرت له معه قصة فأصيب بعقله وخام مع الوحش وقد بينت أنه ممن دعا النبي ﷺ عليهم من قريش لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي\". وأما ابن أبي معيط فقد أسلم في \"الفتح\" انظر \"الإصابة\" \"٢/ ٥١٦\".","vol":"6","page":144},{"text":"عمرو: من هم حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده، ومن اتبعه، فأنزلت ذلك اليوم يوم خصومتهم على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ﴾ الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: إن \"أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" وهم المؤمنون\" (٣).\nقال قتادة: \" يقول: الذين اتبعوه على ملّته وسنَّته ومنهاجه وفطرته\" (٤).\nقال الطبري: أي\" إنّ أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته وولايته، هم: الذين سلكوا طريقَه ومنهاجه، فوحَّدوا الله مخلصين له الدين، وسنُّوا سُنته، وشرَعوا شرائعه، وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: \" محمد -ﷺ –\" (٦).\nقال قتادة: \" وهو نبي الله محمد\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: \"والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم\" (٨).\nقال الطبري: \" يعني: والذين صدّقوا محمدًا، وبما جاءهم به من عند الله\" (٩).\nقال قتادة: \" وهم المؤمنون الذين صدّقوا نبيّ الله واتبعوه. كان محمد رسول الله ﷺ والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم\" (١٠).\nقال الحسن: \" كل مؤمن ولي لإبراهيم ممن مضى وممن بقي\" (١١).\nعن أبي الحويرث سمع الحكم بن ميناء يقول: \"إن رسول الله ﷺ قال: يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون فكونوا أنتم بسبيل ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي، ثم قرأ عليهم هذه الآية: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: \" والله ناصرُ المؤمنين\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: ولي جميع المؤمنين برسله\" (١٤).\nعن عبد الله بن مسعود قال: \"قال رسول الله ﷺ: إن لكل نبيّ ولاةً من النبيين، وإن وليِّي منهم أبِي وخليل رَبّي، ثم قرأ: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ \" (١٥).\n_________\n(١) العجاب: ٢/ ٦٩٠. وانظر: قصة عمرو بن العاص وجعفر بن ابي طالب عند النجاشي في سيرة ابن هشام: ١/ ٣٣٤، والمعجم الكبير للطبراني: ﴿١٤٧٨): ص ٢/ ١١٠ - ١١١، و(١٤٧٩): ٢/ ١١١ - ١١٢.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٢١٨): ص ٦/ ٤٩٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٢١٤): ص ٦/ ٤٩٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٧، انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٢١٤): ص ٦/ ٤٩٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٢١٤): ص ٦/ ٤٩٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٢): ص ٢/ ٦٧٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٠): ص ٢/ ٦٧٥.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٧.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٨.\n(١٥) أخرجه الطبري (٧٢١٦): ص ٦/ ٤٩٨.","vol":"6","page":145},{"text":"وقال قتادة: \" لقد أعظم على الله الفرية من قال: يكون مؤمنا فاسقا، ومؤمنا جاهلا، ومؤمنا خائنا قال الله تعالى في كتابه: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾، فالمؤمن ولي الله والمؤمن حبيب الله\" (١).\nالفوائد:\n١ - إن الولاية درجات، وأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعوه في عهده، لكونهم متبعين لابراهيم في أصل الدين وفروع الدين.\n٢ - شرف النبيﷺ- ومن آمن معه لكونهم أولى الناس بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم.\n٣ - بيان كذبة اليهود والنصارى بانهم اولى الناس بإبراهيم.\n٤ - تشريف النبيﷺ- بالإشارة إليه من رب العالمين.\n٥ - إثبات نبوة الرسول محمدﷺ-، وهذا امر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول.\n٦ - إثبات ولاية الله تعالى للمؤمنين، وهي ولاية خاصة تقتضي عناية تامة.\n٧ - كل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل.\n٨ - ان الله جعل الإيمان سببا لولايته.\nالقرآن\n﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ [آل عمران: ٦٩]\nالتفسير:\nتمنَّت جماعة من اليهود والنصارى لو يضلونكم -أيها المسلمون- عن الإسلام، وما يضلون إلا أنفسهم وأتباعهم، وما يدرون ذلك ولا يعلمونه.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: تقدم في قوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ البقرة: ١٠٩]. وذلك على النحو الآتي:\nأأنها أنزلت في عامة اليهود والمشركين. قاله الطبري (٢).\nب أخرج الواحدي وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن كعب بن مالك: \"أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي - ﷺ - ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدمها رسول الله - ﷺ - يؤذون النبي - ﷺ - وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزلت: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ \" (٣). وروي نحوه عن الزهري (٤) وقتادة (٥).\nت وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس: \" كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله ﷺ، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم﴾ الآية\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٣): ص ٢/ ٦٧٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٨٣): ص ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥، واخرجه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة: ١٥٤/ ٣ (٣٠٠٠).\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٨٢): ص ١/ ٢٠٤، وتفسير الطبري (١٧٨٦)، و(١٧٨٧): ص ٢/ ٤٩٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٧٨٦): ص ٢/ ٤٩٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٧٨٨): ص ٢/ ٤٩٩، وابن أبي حاتم (١٠٨١): ص ١/ ٢٠٤.","vol":"6","page":147},{"text":"ث وقال الواحدي \"قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة بدر ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم\" (١).\nوالثاني: وقال مقاتل بن سليمان: \" نزلت في عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم. وقالوا: إن ديننا أفضل من دينكم ونحن أهدى منكم سبيلا فنزلت: ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب ...﴾ إلى آخر الآية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، أي: \" تمنّت جماعة من اهل الكتاب لو يصدّونكم عن الاسلام\" (٣).\nقال سفيان: \" كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى\" (٤).\nقال الطبري: \" و\" الإضلال \" في هذا الموضع، الإهلاكُ، من قول الله ﷿: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]، يعني: إذا هلكنا، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير (٥):\nكُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ ... قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلّ ضلالا\nيعنى: هلك هلاكًا، وقول نابغة بني ذبيان (٦):\nفَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ\nيعني مهلكوه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، \"أي: وما يهلكون غير أنفسهم\" (٨).\nقال الطبري: \" يعني بـ ﴿أنفسهم﴾: أتباعهم وأشياعَهم على ملَّتِهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسَهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخَطه، واستحقاقهم به غَضَبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخذ الله عليهم في كتابهم، في اتباع محمد ﷺ وتصديقه، والإقرار بنبوّته\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩]، أي: وما يفطنون لذلك\" (١٠).\nقال الطبري: \" ﴿وما يشعرون﴾، بأنهم لا يضلون إلا أنفسهم، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون\" (١١).\nالفوائد:\n١ - بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين إذ يودون الإضلال.\n٢ - التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عند دينهم.\n٣ - أن المعتدي يجازي بمثل عدوانه، ويبتلى ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾.\n٤ - إحاطة علم الله تعالى في قلوب الخلق، لقوله: ﴿ودت طائفة﴾، فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله.\nالقرآن\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ [آل عمران: ٧٠]\nالتفسير:\nيا أهل التوراة والإنجيل لم تجحدون آيات الله التي أنزلها على رسله في كتبهم، وفيها أن محمدًا ﷺ هو الرسول المنتظر، وأن ما جاءكم به هو الحق، وأنتم تشهدون بذلك؟ ولكنكم تنكرونه.\n_________\n(١) أسباب النول للواحدي: ٣٥.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٠٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٤): ص ٢/ ٦٧٦.\n(٥) ديوانه: ٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٣.\n(٦) ديوانه: ٨٣، واللسان (ضلل) (جلا).\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠١.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٢.","vol":"6","page":148},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٠] أي: يا أهل الكتاب \"لم تجحدون بالقرآن\" (١).\nقال السدي: \" أما ﴿آيات الله﴾، فمحمد ﷺ\" (٢).\nوقال مقاتل بن حيان: \" ﴿لم تكفرون بآيات الله﴾، يقول: لم تكفرون بالحجج\" (٣).\nقال مقاتل بن سليمان: ﴿آيات الله﴾، \"يعني القرآن\" (٤).\nقال الثعلبي: ﴿أهل الكتاب﴾: \"يعني: اليهود والنصارى، ﴿آيات الله﴾: يعني القرآن وبيان نعت محمد ﷺ\" (٥).\nقال عباد بن منصور: \"سألت الحسن عن قوله: ﴿لم تكفرون﴾، قال: تجحدون\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]، أي: \"وأنتم تعلمون انه حق\" (٧).\nقال الحسن: يعني: \" تعرفون وتجحدون وتعلمون أنه الحق\" (٨).\nقال ابن جريج: يعني: \" على أن الدين الإسلام ليس لله دين غيره\" (٩).\nقال السدي: \" أما ﴿تشهدون﴾، فتشهدون أنه الحق يجدونه عندهم مكتوبا\" (١٠).\nقال الربيع بن أنس: \" تشهدون أن نعت نبي الله ﷺ في كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل: النبي الأمي\" (١١). وروي عن قتادة نحو ذلك (١٢).\nوعن مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون﴾، أن القرآن حق وأن محمدا ﷺ رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل\" (١٣).\nوقال مقاتل بن سليمان: أي: \" أن محمدا رسول الله ونعته معكم فى التوراة\" (١٤).\nقال الثعلبي: \" إن نعته مذكور في التوراة والإنجيل\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها\" (١٦).\nقال السمرقندي: ﴿وأنتم تشهدون﴾ \"بأنه نبي، لأنهم كانوا يخبرون بأمره قبل مبعثه ويقال: بآيات الله، يعني بعجائبه ودلائله. ويقال: بآية الرجم\" (١٧).\nقال ابن أبي زمنين: \" يعني به خاصة علمائهم؛ لأنهم يجدون نعت محمد في كتابهم، ثم كفروا به وأنكروه\" (١٨).\nقال الطبري: \" وإنما هذا من الله ﷿، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد ﷺ وجحودهم نبوّته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شَهادتهم أن ما في كتبهم حقٌّ، وأنه من عند الله\" (١٩).\n_________\n(١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٦): ص ٢/ ٦٧٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٧): ص ٢/ ٦٧٦.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٣.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٥): ص ٢/ ٦٧٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٧١): ص ٢/ ٦٧٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٧٢): ص ٢/ ٦٧٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٨): ص ٢/ ٦٧٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٩): ص ٢/ ٦٧٦ - ٦٧٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٦٩): ص ٢/ ٦٧٦ - ٦٧٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٧٠): ص ٢/ ٦٧٧.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٣.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٠.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٩.\n(١٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٢.\n(١٨) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٥.\n(١٩) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٢.","vol":"6","page":149},{"text":"قال الراغب: \" لشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة: إما ببصر، أو ببصيرة، ثم يعبر بها عن المعرفة القطعية لصحة ما يدعي، وإن كان المدعى عليه منكرا بلسانه كقولك لخصمك: أنت تشهد أن الأمر بخلاف ما تذكره\" (١).\nالفوائد:\n١ - توبيخ اهل الكتاب على كفرهم بآيات الله ﷿، وهم يشهدون صدقها.\n٢ - الحكم الصريح على أهل الكتاب ممن لم يؤمنوا بمحمدﷺ- بالكفر، فقال: ﴿لم تكفرون بآيات الله﴾، والكفر بآيات الله كفر بالله.\n٣ - أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة، لقوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾.\nالقرآن\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١]\nالتفسير:\nيا أهل التوراة والإنجيل لِمَ تخلطون الحق في كتبكم بما حرفتموه وكتبتموه من الباطل بأيديكم، وتُخْفون ما فيهما من صفة محمد ﷺ، وأن دينه هو الحق، وأنتم تعلمون ذلك؟\nفي سبب نزول الآية قال ابن عباس: \" قال عبد الله بن الصيِّف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غُدْوةً ونكفُر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنعُ، فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل﴾ إلى قوله: ﴿والله واسع عليم﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]، أي: \" يا أهل التوراة والإنجيل لم تخلطون الحق بالباطل\" (٣).\nقال قتادة: \" يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أنّ دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إلا به؟ \" (٤). وري عن الربيع (٥)، وابن جريج (٦) نحو ذلك.\nوقال ابن زيد: \" ﴿الحقّ﴾: التوراة التي أنزل الله على موسى، و﴿الباطل﴾، الذي كتبوه بأيديهم\" (٧)،\nقال الطبري: \" وكان خلطهم الحقّ بالباطل، إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد ﷺ وما جاء به من عند الله، غيرَ الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، أي: و\" تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد -ﷺ- وأنتم تعلمون ذلك\" (٩).\nقال الطبري: \" و﴿الحق﴾ الذي كتموه: ما في كتُبهم من نعت محمد ﷺ ومبعثه ونبوّته\" (١٠).\nقال قتادة: \"، كتموا شأنَ محمد، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وَينهاهم عن المنكر\" (١١). وروي عن الربيع (١٢) مثل ذلك.\nقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن اليهود أقروا ببعض أمر محمدﷺ- وكتموا بعضا\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٦٢٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٢٢٣): ص ٦/ ٥٠٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٣.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٢٢٤): ص ٦/ ٥٠٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٢٢٥): ص ٦/ ٥٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٢٢٦): ص ٦/ ٥٠٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٢٢٧): ص ٦/ ٥٠٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٤.\n(٩) صفوة تلفاسير: ١/ ١٩٠ - ١٩١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٥.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٢٢٨): ص ٦/ ٥٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٢٢٩): ص ٦/ ٥٠٥.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٤.","vol":"6","page":150},{"text":"وقال ابن جريج: ﴿تكتمون الحق﴾، الإسلام، وأمرَ محمد ﷺ ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنّ محمدًا رسولُ الله، وأنّ الدين الإسلامُ\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن هؤلاء الكفار من اهل الكتاب كانوا يخادعون ويمكرون بلبس الحق بالباطل.\n٢ - الحذر وعدم الاغترار من اهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل.\n٣ - التوبيخ لمن سلك هذ المسلك، فكل من كان على شاكلتهم يستحق هذا التوبيخ.\n٤ - وجوب بيان الحق على من علمه، لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nالقرآن\n﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران: ٧٢]\nالتفسير:\nوقالت جماعة من أهل الكتاب من اليهود: صدِّقوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا أول النهار واكفروا آخره; لعلهم يتشككون في دينهم، ويرجعون عنه.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال السدي: \"كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثني عشر حبرًا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله ﷿ رسوله ﷺ بذلك\" (٢). وروي عن ابن عباس (٣)، وأبي مالك الغفاري، والحسن (٤) نحو ذلك (٥).\nوالثاني: نقل الواحدي عن مجاهد ومقاتل والكلبي: \"هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم، قال كعب بن الأشرف وأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة، لعلهم يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا، فربما يرجعون إلى قبلتنا فحذر الله تعالى نبيه مكر هؤلاء، وأطلعه على سرهم، وأنزل: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ الآية\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، أي: وقالت جماعة من اليهود (٧).\nقال الزجاج: \" الطائفة الجماعة، وهم إليهود\" (٨).\nوقد اختلف أهل التفسير في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة من الإيمان وجه النهار وكفر آخره، وفيه قولان:\nأحدهما: أن ذلك كان أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي ﷺ في نبوّته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره. وهذا قول قتادة (٩)، وأبي مالك (١٠)، والسدي (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٢٣٠): ص ٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٢٣٣): ص ٦/ ٥٠٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٨٣)، و(٣٦٨٥): ص ٢/ ٦٧٩. في اسناده قابوس، وهو ضعيف.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٩١، وأسباب النزول: ١٠٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٢٣٤): ص ٦/ ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(٦) اسباب النزول: ١٠٩ - ١١٠.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٢٩.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٢٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٢٣١): ص ٦/ ٥٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٢٣٢): ص ٦/ ٥٠٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٢٣٣): ص ٦/ ٥٠٧.","vol":"6","page":151},{"text":"والثاني: بل الذي أمرَت به من الإيمان: الصلاةُ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخرَه. وهذا قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢).\nقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]، \" أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه\" (٣).\nقال مجاهد: \" قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك\" (٤).\nقال قتادة: \" ﴿وجه النهار﴾: اول النهار\" (٥).\nقال الربيع: \" ﴿وجه النهار﴾: أول النهار، ﴿واكفروا آخره﴾، يقول: آخر النهار\" (٦).\nوسمَّى أوّل النهار: وجه النهار، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه، كما يقال لأول الثوب: وجهه (٧)، ومن ذلك قول ربيع بن زياد (٨):\nمَنْ كَانَ مَسْرُورًا بمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]، أي: \"لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه\" (٩).\nقال ابن عباس: \" لعلهم ينقلبون عن دينهم\" (١٠).\nقال السدي: \" لعلهم يشكّون\" (١١).\nقال مجاهد: \"لعلهم يرجعون عن دينهم\" (١٢).\nقتادة: \" يقول: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه\" (١٣).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - بيان كيد الكافرين للمسلمين، وذلك بسلوك طرق الحيل المتنوعة.\n٢ - قد يكون في أهل الكتاب منافقون، لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، لأن المؤمن حقا لابد أن يستقر الايمان في قلبه ولا يكفر ولايرجع.\n٣ - أن المؤمن قد يخدع بمثل هذه الخديعة، فيتظاهر عدوه بانه موافق له ثم يبرأ منه في النهاية.\nالقرآن\n﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]\nالتفسير:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٢٣٧): ص ٦/ ٥٠٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٢٣٥): ص ٦/ ٥٠٨.\n(٣) تفسير السعدي: ١٣٤.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٢٤٠): ص ٦/ ٥٠٩ - ٥١٠.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٢٣٨): ص ٦/ ٥٠٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٢٣٩): ص ٦/ ٥٠٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٠٨ - ٥٠٩.\n(٨) انظر البيت في: مجاز القرآن ١/ ٩٧، حماسة أبي تمام ٣/ ٢٦، والأغاني ١٦/ ٢٧، والخزانة ٣/ ٥٣٨، واللسان (وجه).\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٥١٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٢٤٣): ص ٦/ ٥١٠.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٢٤٤): ص ٦/ ٥١٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٢٤٥): ص ٦/ ٥١٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (٧٢٤١): ص ٦/ ٥١٠.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٤.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٩.","vol":"6","page":152},{"text":"ولا تصدِّقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن تبع دينكم فكان يهوديًا، قل لهم -أيها الرسول-: إن الهدى والتوفيق هدى الله وتوفيقه للإيمان الصحيح. وقالوا: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلمون منكم فيساووكم في العلم به، وتكون لهم الأفضلية عليكم، أو أن يتخذوه حجة عند ربكم يغلبونكم بها. قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه، يؤتيها من يشاء ممن آمن به وبرسوله. والله واسع عليم، يَسَعُ بعلمه وعطائه جميع مخلوقاته، ممن يستحق فضله ونعمه.\nفي سبب نزول قولان:\nأحدهما: قال السدي: \"قال الله ﷿ لمحمد ﷺ: ﴿قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم﴾، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضلُ، فقولوا: ﴿إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾، الآية\" (١).\nوالثاني: قال أبو مالك: \" كان اليهود يقول أحبارهم للذين من دونهم لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأنزل الله تعالى: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: \" لا تصدقوا ولا تظهروا سرّكم وتطمئنوا لأحدٍ إِلا إِذا كان على دينكم\" (٣).\nقال أبو عبيدة: أي: \" لا تقرّوا: لا تصدّقوا\" (٤).\nقال الفراء: \" فإنه يقال: إنها من قول اليهود. يقول: ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، ومَنْ خالفه فلا تؤمنوا له\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" ولا تصدقوا إلا من وافق ملتكم وصلى إلى قبلتكم\" (٧).\nقال الزجاج: \" قيل: المعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاءكم به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عونا لهم على تصديقه، وقال أهل اللغة وغيرهم من أهل التفسير: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، أي لا تصدقوا أن يعطى أحد من علم النبي - ﷺ - مثل ما أعطيتم \" (٨).\nوقال الزمخشري: أي: \" ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم\" (٩).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (١٠):\nأحدهما: معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم. قاله الكلبي (١١)، وهو قول الجمهور.\nوالثاني: أن المعنى: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم.\nواخْتُلِفَ في الذين قالوا ذلك على قولين:\nأحدهما: أنهم كافة اليهود، قال ذلك بعضهم لبعض، وهذا قول قتادة (١٢)، والربيع (١٣)، والسدي (١٤)، وابن زيد (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧٢٥١): ص ٦/ ٥١٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٩١): ص ٢/ ٦٨٠، وانظر: (٣٦٩٣): ص ٢/ ٦٨١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٩١.\n(٤) مجاز القرآن: ١/ ٩٧.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٢٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥١٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩١.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٣٠.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٧٤.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠١.\n(١١) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٢٤٦): ص ٦/ ٥١١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٢٤٧): ص ٦/ ٥١١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٢٤٧): ص ٦/ ٥١١. [أعطاه المحقق –﵀رقم الخبر السابق نفسه، لعله سهو].\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٢٤٨): ص ٦/ ٥١١ - ٥١٢","vol":"6","page":153},{"text":"والثاني: أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة، وهذا قول الحسن (١).\nواختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين (٢):\nأحدهما: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلًا يكون طريقًا لعبدة الأوثان إلى تصديقه، وهذا قول الزجاج (٣).\nوالثاني: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاَّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته.\nوقد ذكر الماتريدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجوها (٤):\nأحدها: يحتمل أن يكون في السر، أي لاتصدقوهم في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر.\nوالثاني: أن يكون بعد ما أظهرتم، اكفروا آخره.\nوالثالث: أن المعنى: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم -بالذي فعلتم- أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه.\nوالرابع: ويحتمل: ﴿لا تؤمنوا﴾: لا تصدقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (٥):\nأحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه.\nوالثاني: ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: \" قل لهم يا محمد: الهدى ليس بأيديكم وإِنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إِلى الإِيمان ويثبته عليه\" (٦).\nقال الكلبي: \"يقول: دين الله هو الإسلام\" (٧).\nقال الزمخشري: \" معناه أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن جريج: \" قوله: ﴿إن الهدى هدى الله﴾، قال: هذا الأمر الذي أنتم عليه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: \" خشية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم\" (١٠).\nأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم (١١)، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير: ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾ قالا: \" أمة محمد\" (١٢).\nوعن السدي: \" يقول: ما أوتي أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد\" (١٣).\nقال مجاهد: \" حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وأرادو أن يتابعوا على دينهم \" (١٤).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠١.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠١.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٣٠.\n(٤) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٠٦.\n(٥) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٠٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٩١.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(٨) الكشاف: ١/ ٣٧٤.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٩٤): ص ٢/ ٦٨١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٩١.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٩٥): ص ٢/ ٦٨١.\n(١٢) تفسير ابن المنذر (٦٠٢): ص ١/ ٢٥٣.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٩٦): ص ٢/ ٦٨١.\n(١٤) أخرجه ابن المنذر (٦٠٥): ص ١/ ٢٥٤، وابن أبي حاتم (٣٦٩٧): ص ٢/ ٦٨١.","vol":"6","page":154},{"text":"وقال قتادة: \" يقول: \" لما أنزل الله ﷿ كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا كنبيكم حسدتموهم على ذلك\" (١). وروي عن الربيع بن انس مثل ذلك (٢).\nقال الأخفش: أي: \" لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم\" (٣).\nقال السمرقندي: أي: \" لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والقرآن الذي فيه الحلال والحرام\" (٤).\nقال ابن أي زمنين: أي: \" فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم\" (٥).\nقال الزجاج: \" قيل في المعنى: ﴿قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾، أي: الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم\" (٦).\nقال الزمخشري: \" يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب- دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: ﴿أأن يؤتى أحد﴾، بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد\" (٧).\nقال الفراء: أي: \" لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أوقعت ﴿تؤمنوا﴾، على ﴿أن يؤتى﴾، كأنه قال: ولا تؤمنوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم، فهذا وجه.\nويقال: قد انقطع كلام اليهود عند قوله ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾، ثم صار الكلام من قوله: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام، وجاءت ﴿أن﴾، لأن في قوله: ﴿قل إن الهدى﴾ مثل قوله: إن البيان بيان الله، فقد بين أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام\" (٨).\nقال الماتريدي: \" أي: لن يؤتى - والله أعلم - من الكتاب والحجج، ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿إن الهدى هدى الله﴾، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: ﴿أن يؤتى﴾ بمعنى: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم\" (٩).\nقال النّحّاس: \" هذه الآية من أشكل ما في السورة وقد ذكرناه، والإعراب يبيّنها. فيها أقوال:\nفمن قال: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا فإنّ المعنى: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا من اتّبع دينكم وجعل اللام زائدة فهو عنده استثناء ليس من الأول وإلّا لم يجز التقديم.\nومن قال: المعنى على غير تقديم ولا تأخير جعل اللام أيضا زائدة أو متعلقة بمصدر، أي: لا تجعلوا تصديقكم إلّا لمن اتّبع دينكم بأن يؤتى أحد من العلم برسالة النبي ﷺ مثل ما أوتيتم.\nوتقدير ثالث: أي: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم\" (١٠).\nفنستنتج أن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (١١):\nأحدهما: أن يتصل بقو له: ﴿ولا تؤمنو﴾، تقديره: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد، لكن حذف الجار لكثرة حذفه مع \"أن\".\nوالثاني: أن يتصل بقوله: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾، ويكون كلام اليهود قد انقطع عند قوله: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: \" أو خشية أن يحاجوكم به عند ربكم\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (٦٠٦): ص ١/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٠٠): ص ٢/ ٦٨٢.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٢٣.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(٥) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٦.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٣٠.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٧٤.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٢٢.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٠٦.\n(١٠) معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٦٥.\n(١١) انظر: تفسير الراغب الصفهاني: ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٢.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٩١.","vol":"6","page":155},{"text":"قال ابن جريج: \"قال بعضهم لبعض: لا تخبرونهم بما بين الله لكم في كتابه، فيخاصموكم عند ربكم، فتكون لهم حجة عليكم \" (١).\nقال الزجاج: \" ومعنى: ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾: أي: ليس يكون لأحد حجة عند الله في الإيمان به لعلم من عنده. إلا من كان مثلكم\" (٢).\nقال الأخفش: أي: \" ولا تؤمنوا أن يحاجوكم [﴿عند ربكم﴾] \" (٣).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" ولن يحاجكم بمثل دينكم أحد عند ربكم\" (٤).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن السدي: \" ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى\" (٥).\nقال الماتريدي: \" قوله: ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾: راجع إلى قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، فـ ﴿يحاجوكم عند ربكم﴾ أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]: أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟ ! \" (٦).\nنستنتج بأن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (٧):\nأحدهما: أن في الكلام حذفًا، وتقديره: قل إن الهدى هدى الله ألاَّ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم أُّيها المسلمون، ثم حذف (لا) من الكلام لدليل الخطاب عليها مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي لا تضلوا، وهذا معنى قول السدى (٨)، وابن جريج (٩).\nوالثاني: أن معنى الكلام: قل إن الهدى هدى الله فلا تجحدوا أن يُؤْتى أحد مثل ما أوتيتم.\nوقرأ ابن كثير: «أان يؤتى» بهمزتين: الأولى مخففة، والثانية ملينة على الاستفهام، مثل: أانتم أعلم، أي لا يعطى أحد مثل ما أعطيتم وهو متصل بقوله ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ ﴿أن يؤتى أحد﴾ ويكون قوله ﴿إن الهدى هدى الله﴾ خبرا اعترض في وسط الكلام ولم يغير من المعنى شيئا وإذا حمل الكلام على هذا كان قوله أن يؤتى بعد من الحكاية عن اليهود يقول لا تصدقوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم.\nوقرأ الباقون: ﴿أن يؤتى﴾، بلا استفهام، وتأويله ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقد بينا في كتاب التفسير (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُم عِندَ رَبِّكُم﴾﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان:\nأحدهما: يعني ولا تؤمنوا أن يُحَاجّوكم عند ربكم، لأنه لا حجة لهم، وهذا قول الحسن (١١)، وقتادة (١٢).\nوالثاني: إن معناه حتى يُحَاجُّوكم عند ربكم، على طريق التبعيد، كما يقال: لا تلقاه أو تقوم الساعة، وهذا قول الكسائي (١٣)، والفراء (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (٦٠٧): ص ١/ ٢٥٤، وابن أبي حاتم (٣٦٩٩): ص ٢/ ٦٨٢.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٤٣٠.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٢٣.\n(٤) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٦.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٩٨): ص ٢/ ٦٨٢.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٢٥١): ص ٦/ ٥١٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٦٩٦): ص ٢/ ٦٨١.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٦٩٤): ص ٢/ ٦٨١.\n(١٠) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٣/ ٥٥، وحجة القراءات: ١٦٥ - ١٦٦، وزاد المسير: ١/ ٢٩٤.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠٢.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠٢.\n(١٣) انظر: تفسير ابن المنذر (٦٠٣): ص ١/ ٢٥٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن المنذر (٦٠٣): ص ١/ ٢٥٣.","vol":"6","page":156},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: \" قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه\" (١).\nقال ابن جريج: \" ﴿قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾، يعني: \"الإسلام \" (٢).\nقال مقاتل: \" قل يا محمد: ﴿إن الفضل﴾ يعني: الإسلام والنبوة\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي نبوته وهداه يؤتيه من يشاء\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني النبوة، والكتاب والهدى، بتوفيق الله، يوفق من يشآء\" (٥).\nقال ابن أبي زمنين: \" وفضل الله: الإسلام\" (٦).\nقال الزمخشري: \" يريد الهداية والتوفيق\" (٧).\nقال السدي: \" قال: يا أمة محمد فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا: ﴿إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾ \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: والله \" كثير العطاء واسع الإِنعام يعلم من هو أهل له\" (٩).\nقال التستري: \" أي كثير العطاء يقدر بقدرته الأزلية أن يعطى جميع ما يسأل، وهو المحيط بكل شيء، كما قال: وسع كل شيء علما [طه: ٩٨] \" (١٠).\nقال مقاتل: أي: ﴿عليم﴾ \"بمن يؤتيه الفضل\" (١١).\nقال السمرقندي: أي: والله\" واسع الفضل، عليم بمن يؤتيه الفضل\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - تعصب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم.\n٢ - أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، ومن ثم الاعتماد على الرب في طلب الهدى، دون الاعتماد على النفس.\n٣ - أن الحسد كان سبب صنيعتهم لهذه الخديعة، لقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾.\n٤ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب، لقوله: ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، ولكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، وذلك كاليهود والنثارى إذ لو عملوا لهذا البعث لآمنوا بالرسولﷺ-.\n٥ - إثبات أن العطاء عطاء الله، وأنه إذا منّ على أحدا من خلقه فلن يستطيع أحد منعه.\n٦ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿من يشاء﴾.\n٧ - قال الماتريدي: \" هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتى أحدا فضلا، ولا له أن يختص أحدا برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قولهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد\" (١٣).\nالقرآن\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٥٩.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (٦٠٨): ص ١/ ٢٥٦.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٥.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٣١.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٧٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٠١): ص ٢/ ٦٨٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٩١.\n(١٠) تفسير التستري: ٤٩.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٥.\n(١٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(١٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦.","vol":"6","page":157},{"text":"﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٤]\nالتفسير:\nإن الله يختص مِن خلقه مَن يشاء بالنبوة والهداية إلى أكمل الشرائع، والله ذو الإحسان والعطاء الكثير الواسع.\nفي سبب نزول الآية: قال السدي: \"قال الله ﷿ لمحمد ﷺ: ﴿قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم﴾، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا: ﴿إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾، الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]، أي: \"يخص بالرحمة من يشاء\" (٢).\nقال الحسن: \" رحمته الإسلام يختص بها من يشاء\" (٣).\nوقال مجاهد: \"النبوّة، يخصُّ بها من يشاء\" (٤). وروي عن الربيع (٥)، وابن جريج (٦) مثل ذلك.\nقال الطنطاوي: \" أى يختص بالنبوة وما يترتب عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده\" (٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: بدينه يعطيه من يشاء من عباده\" (٨).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: بدينه؛ وهو الإسلام، ﴿من يشاء﴾ يعني: المؤمنين\" (٩).\nقال المراغي: \" أي إن فضله الواسع ورحمته العامة يعطيهما بحسب مشيئته، لا كما يزعم أهل الكتاب من قصرها على الشعب المختار من بنى إسرائيل، فهو يبعث من يشاء نبيا ويبعثه رسولا\" (١٠).\nقال ابن كثير: \"أي: اختصكم - أيها المؤمنون - من الفضل بما لا يُحَد ولا يُوصَف، بما شرف به نبيكم محمدًا ﷺ على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]، أي: والله صاحب الفضل الواسع الكثير\" (١٢).\nقال السمرقندي: \" أي ذو المن العظيم، لمن اختصه بالإسلام\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" العظيم يعني: وافر\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن الله قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة، وقد بيّن في آية أخرى أن الله يرحم من يستحق ذلك، وهو الذي تعرض لأسباب الرحمة، فقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\n٢ - أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته من يشاء من الناس، لأن الامر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه.\n٣ - جواز وصف غير الله بالعظين، لقوله: ﴿ذو الفضل العظيم﴾.\n٤ - قال الماتريدي: \" وقوله: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾، ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٢٥١): ص ٦/ ٥١٣.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤١٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٠٣): ص ٢/ ٦٨٣.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٢٥٦): ص ٦/ ٥١٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٢٥٨): ص ٦/ ٥١٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٢٥٩): ص ٦/ ٥١٨.\n(٧) التفسير الوسيط للطنطاوي: ٢/ ١٤٧.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(٩) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٦.\n(١٠) تفسير المراغي: ٣/ ١٨٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٠.\n(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٤١٠.\n(١٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٢٣.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٠٤): ص ٢/ ٦٨٣.","vol":"6","page":158},{"text":"أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحدا -بشيء فيه صلاح- غيره صرفه عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابيا عندهم بخيلا، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطى بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه، وقد ذكر بحرف الامتنان.\nوعندهم -أيضا-: ليس له ألا يشاء أو لا يعطى؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم.\nوالثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كلا الأصلح في الدين، وأنه إن قصر أحدا عن ذلك كان جائزا، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتى نفسه إن شاء ويمنع إن شاء\" (١).\nالقرآن\n﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥]\nالتفسير:\nومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته. وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج; لأن الله أحلَّها لنا. وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأ- اختلف أهل العلم في سبب نزول قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [الآية: ٧٥]، على وجوه:\nأحدها: قال مقاتل بن سليمان: \" يعني عبد الله بن سلام وأصحابه ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك\nيعني كفار اليهود يعني كعب بن الأشرف وأصحابه، يقول منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤديها ولو ائتمنته على دينار لا يؤده إليك\" (٢).\nوالثاني: نقل ابن حجر عن ابن عباس: أن \"الأول عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه فمدحه الله، والثاني فنحاص بن عازورا أودعه رجل من قريش دينارا فخانه فيه\" (٣).\nوالثالث: قال الثعلبي: \" قال أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في اليهود كلّهم، أخبر الله تعالى إنّ فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل\" (٤).\nوالرابع: قال السيوطي: \" أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾ قال: هذا من النصارى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾ قال: هذا من اليهود: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ قال: إلا ما طلبته واتبعته\" (٥).\nب-كما اختلف أهل العلم في سبب نزول قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٧٥]، على وجهين:\nأحدهما: قال ابن عباس: \" ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أمِّيُّون. فذلك قوله: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾، إلى آخر الآية\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٠٧.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٥.\n(٣) العجاب في بيان الأسباب: ٢/ ٦٩٦.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٩٤.\n(٥) الدر المنثور: ٢/ ٢٣٤، وانظر: العجاب: ٢/ ٦٩٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٢٧١): ص ٦/ ٥٢٣.","vol":"6","page":159},{"text":"والثاني: قال ابن جريج: \" ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾، قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمنَ بُيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه! قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فقال الله ﷿: ﴿ويقولون على الله الكذبَ وهم يعلمون﴾ \" (١). وروي عن قتادة (٢)، والسدي (٣) ومقاتل (٤) نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: \" ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه\" (٥).\nواختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل:\nأحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل (٦)، وأبي هريرة (٧)، وعاصم بن أبي النجود (٨)، ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله (ﷺ): \" القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية\" (٩).\nوالثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول ابن عباس (١٠)، والضحاك (١١)، والحسن (١٢)، وقد رواه الحسن عن النبي - ﷺ - (١٣).\nوالثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس (١٤)، والضحاك (١٥)، والحسن (١٦).\nوالرابع: أنه ثمانون ألفًا من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب (١٧)، وقتادة (١٨)، وأبي صالح (١٩)، والسدي (٢٠).\nوالخامس: أنه سبعون ألفًا، قاله ابن عمر (٢١)، ومجاهد (٢٢).\nوالسادس: أنه ملء مسك ثور ذهبًا، قاله أبو نضرة (٢٣)، والكلبي (٢٤).\nوالسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع (٢٥).\nوالراجح أن القنطار: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف (٢٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٢٧٢): ص ٦/ ٥٢٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٢٦٦): ص ٦/ ٥٢٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٢٦٨): ص ٦/ ٥٢٢.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٥١٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٦٩٦): ص ٦/ ٢٤٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٠): ص ٦/ ٢٤٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٦٩٩): ص ٦/ ٢٤٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٦٧٠١): ص ٦/ ٢٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٤): ص ٦/ ٢٤٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٥): ص ٦/ ٢٤٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٣): ص ٦/ ٢٤٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٢): ص ٦/ ٢٤٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٦): ص ٦/ ٢٤٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٧): ص ٦/ ٢٤٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٧٠٨) - (٦٧١٢): ص ٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٣): ص ٦/ ٢٤٦٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٥): ص ٦/ ٢٤٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٧): ص ٦/ ٢٤٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٨): ص ٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢١): ص ٦/ ٢٤٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٢٦١): ص ٢/ ٦٠٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٦٧١٩): ص ٦/ ٢٤٨، وابن أبي حاتم (٣٢٦٢): ص ٢/ ٦٠٩.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٢): ص ٦/ ٢٤٨.\n(٢٤) أورد قوله: أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٩، وأورده نقلا عن النقاش ابن عطية، في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٣١، وفي \"الزاهر\" ١/ ٤٣٢، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٦٧٢٤): ص ٦/ ٢٤٩.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٩.","vol":"6","page":160},{"text":"وقرأ أبو عمرو وحمزة: ﴿يُؤَدِّهْ﴾، بجزم الهاء، وهي لغة لبعض العرب، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: \" ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك\" (٢).\nقال مالك بن دينار قال: \"إنما سمي الدينار لأنه دين ونار، معناه: إن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: \" إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه ... يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وجوه:\nأحدها: أن المعنى: إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والإقتضاء، وهذا قول مجاهد (٦)، وعطاء (٧)، وقتادة (٨)، والربيع بن أنس (٩).\nوالثاني: بالبينة. قاله نمير بن اوس (١٠).\nوالثالث: قائمًا على رأسه، وهو قول السدي (١١).\nالرابع: بالملازمة. أفاده الماوردي (١٢).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، \" أي إِنما حملهم على الخيانة زعمهم أن الله أباح لهم أموال الأميين-يعني العرب\" (١٣).\nقال الطبري: \" من أجل أنه يقول: لا حرَج علينا فيما أصبنا من أموال العرب\" (١٤).\nقال ابن كثير: \"أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \" لما قال أهل الكتاب: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل قال نبي الله: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر\" (١٦).\nولأهل التفسير في سبب استباحتهم له قولان:\nأحدهما: لأنهم مشركون من غير أهل الكتاب، وهو قول قتادة (١٧)، والسدي (١٨).\nوالثاني: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وهذا قول الحسن (١٩) وابن جريج (٢٠).\n_________\n(١) انظر: السبعة: ٢٠٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٥١٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٠٦): ص ٢/ ٦٨٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥١٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٠٧): ص ٢/ ٦٨٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٠٧): ص ٢/ ٦٨٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٠٨): ص ٢/ ٦٨٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٠٨): ص ٢/ ٦٨٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧١٠): ص ٢/ ٦٨٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٠٩): ص ٢/ ٦٨٣.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢١.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦١.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧١٢): ص ٢/ ٦٨٤.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧١٥): ص ٢/ ٦٨٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٢٦٨): ص ٦/ ٥٢٢.\n(١٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠٣.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧١٤): ص ٢/ ٦٨٤.","vol":"6","page":161},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، \" أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون \" (١).\nقال ابن جريج: \" يعني: ادّعاءهم أنهم وجدُوا في كتابهم قولهم: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ \" (٢).\nقال السدي: \" فيقول على الله الكذب وهو يعلم يعني الذي يقول منهم - إذا قيل له: ما لك لا تؤدي أمانتك؟ -: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا! \" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بُهْت\" (٤).\nالفوائد:\n١ - بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أمين وخائن، كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر، وبالتالي يجب الحذر منهم عند التعامل.\n٢ - جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه، لأنه قال قنطار ودينار على سبيل التمثيل.\n٣ - اعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم، لقولهم: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾.\n٤ - قولهم على الله الكذب وذلك بنسبتهم الظلم والعدوان إلى شريعة الله.\n٥ - إن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشد إثما وعدوانا ممن لايعلم، وإن كان كل منهم على خطأ.\n٦ - إن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط، لأن الذي يكذب وهو يعلم أقبح من الذي يرى أن هذا هو العلم.\nالقرآن\n﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]\nالتفسير:\nليس الأمر كما زعم هؤلاء الكاذبون، فإن المتقي حقًا هو من أوفى بما عاهد الله عليه من أداء الأمانة والإيمان به وبرسله والتزم هديه وشرعه، وخاف الله ﷿ فامتثل أمره وانتهى عما نهى عنه. والله يحب المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي.\nقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: ٧٦]، \" أي ليس كما زعموا بل عليهم فيه إِثم لكنْ من أدّى الأمانة منهم وآمن بمحمد ﷺ َ واتقى الله واجتنب محارمه\" (٥).\nقال الحسن: \" أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر\" (٧).\nقال الزمخشري: \" والضمير في ﴿بعهده﴾، راجع إلى ﴿من أوفى﴾، على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه.\nفإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٢٧٦): ص ٦/ ٥٢٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٢٧٥): ص ٦/ ٥٢٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦١.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧١٧): ص ٢/ ٦٨٥.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٢.","vol":"6","page":162},{"text":"قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه.\nويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء\" (١).\nقال المراغي: \" أي: بلى عليكم في الأميين سبيل، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات، فمن أقرضك مالا إلى أجل، أو باعك بثمن مؤجل أو ائتمنك على شىء وجب عليك الوفاء به، وأداء الحق له فى حينه دون حاجة إلى الإلحاف في الطلب أو إلى التقاضي، وبذلك قضت الفطرة وحتّمت الشريعة.\nوفي هذا إيماء إلى أن اليهود لم يجعلوا الوفاء بالعهد حقا واجبا لذاته، بل العبرة عندهم بالمعاهد، فإن كان إسرائيليا وجب الوفاء له، ولا يجب الوفاء لغيره، والعهد ضربان:\nأحدهما: عهد المرء لأخيه في العقود والأمانات كما تقدم.\nوالثاني: عهد الله تعالى، وهو ما يلتزم به المؤمن لربه من اتباع دينه والعمل بما شرعه على لسان رسوله.\nواليهود لم يفوا بشىء منهما، إذ لو وفّوا بعهد الله لآمنوا بالنبي ﷺ واتبعوا النور الذي أنزل معه، كما وصاهم بذلك كتابهم على لسان رسولهم موسى صلوات الله عليه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، أي: \"فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه \" (٣).\nقال أبو حيان: \" وأتى بلفظ: المتقين، عاما تشريفا للتقوى دحضا عليها\" (٤).\nقال البيضاوي: \"أشْعَرَ بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي \" (٥).\nقال المراغي: \" وقد جعل الله جزاء الموفين بالعهد المتقين الإخلاف والغدر- محبته تعالى ورحمته لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى أن الوفاء بالعهود، واتقاء الإخلاف فيها وفي سائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلا لمحبته. أما الانتساب إلى شعب بعينه فلا قيمة له عند الله، وفي هذا تعريض بأن أصحاب هذا الرأى من اليهود ليسوا على حظ من التقوى، وهى الدعامة الأساسية في كل دين قويم\" (٦).\nقال رسول اللهﷺ-: \"لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس\" (٧).\nوعن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل، فدخل رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة\" (٨).\nالفوائد:\n١ - الثناء على الموفين بالعهد.\n٢ - أن الوفاء بالعهد من اسباب محبة الله.\n٣ - الحث على التقوى، وأن التقوى عموما سبب لمحبته.\n٤ - الرد على أهل التعطيل الذي انكروا محبة الله، لقوله: ﴿والله يحب المتقين﴾.\nالقرآن\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٣٧٥.\n(٢) تفسير المراغي: ٣/ ١٩٠ - ١٩١.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢٦.\n(٤) البحر المحيط: ٣/ ٢٢٥.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ٢٤، وانظر: تفسير أبي السعود: ٢/ ٥١.\n(٦) تفسير المراغي: ١/ ١٩٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧١٨): ص ٢/ ٦٨٥، والترمذي (٤٢١٥).\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧١٩): ص ٢/ ٦٨٦.","vol":"6","page":163},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]\nالتفسير:\nإن الذين يستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصى بها في الكتب التي أنزلها على أنبيانهم، عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحطامها، أولئك لا نصيب لهم من الثواب في الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة بعين الرحمة، ولا يطهرهم من دنس الذنوب والكفر، ولهم عذاب موجع.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في أحبار من اليهود وهم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب. قاله عكرمة (١)، وقال مقاتل: \" يعني رءوس اليهود\" (٢).\nوالثاني: أنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له، إذ روي عن أبي وائل، عن عبد الله قال: \"قال رسول الله ﷺ: من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ، فقال لي رسول الله ﷺ: ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: \" احلفْ. قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله ﷿: \" إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا \" الآية\" (٣).\nوالثالث: وروى بادان عن ابن عباس قال: \"نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي استعدى عليه عبدان بن أشرع فقضى رسول الله ﷺ بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع امرئ القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول الله ﷺ: لك عليها الجنّة\" (٤).\nوالرابع: \" وقال الثعلبي: \" وروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد الله: من حلف على عين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان. فأنزل الله تعالى تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية\" (٥).\nوالخامس: وقال عامر: \" أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنزل الله ﷿: ﴿إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا﴾ \" (٦). وروي عن مجاهد (٧) نحوه.\nوالسادس: وقال الثعلبي: \"قال الكلبي: إنّ ناسا من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم سنة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرّجل رسول الله في كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد الله ورسوله، قال كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا. قالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويدا حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي الله ﷺ فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول الله فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت الّذي نعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل الله ﷿ هذه الآية، نظيرها قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: إن الذين\"يستبدلون بالعهد الذي عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٢٧٨): ص ٦/ ٥٢٨ - ٥٢٩.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٢٧٩): ص ٦/ ٥٢٩.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٨.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٢٨٣): ص ٦/ ٥٣٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٢٨٤): ص ٦/ ٥٣٣.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٧ - ٩٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٩٣.","vol":"6","page":164},{"text":"قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: أولئك\" لا حظ لهم في خيرات الآخرة\" (١).\nعن ابن عباس: \"يعني قوله: ﴿لا خلاق لهم في الآخرة﴾: يقول: نصيب\" (٢). وروي عن مجاهد والسدي نحو ذلك (٣).\nوقال قتادة: \" ليس لهم في الآخرة جهة عند الله\" (٤).\nوقال الحسن: \"ليس له دين\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: \" ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" كلاما ينفعهم ويسرّهم، قاله المفسرون، وقال المفضل: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: بقبول حجّة يحتجّون بها\" (٧).\nقال أبو السعود: \" أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلًا وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكةِ ﵈ أولا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك\" (٨).\nوذكر الزجاج في قوله تعالى:: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وجهان (٩):\nأحدهما: أن يكون إسماع الله أولياءه كلامه بغير سفير، خصوصية يخص الله بها أولياءه كما كلم موسى فكان ذلك خصوصية له دون البشر أجمعين.\nوالثاني: وجائز أن يكون ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ تأويله الغضب عليهم، والإعراض عنهم كما تقول: \" فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه، وتأويله أنه غضبان عليه، وإن كلمه بكلام سوء لم ينقض ذلك.\n\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: \" ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم\" (١٠).\nقال الأخفش: \" فهذا مثل قولك للرجل: ما تنظر إلي، اذا كان لا ينيلك شيئا\" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا يكلمهم خيرا. يقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: \" ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم\" (١٣).\nقال الزجاج: أي: \" لا يجعلهم طاهرين ولا يثني عليهم خيرا\" (١٤).\nقال ابن عطية: \" يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: \" ولهم عذاب موجع\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٢٣): ص ٢/ ٦٨٧.\n(٣) انظر: ابن أبي حاتم (٣٧٢٣): ص ٢/ ٦٨٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٢٤): ص ٢/ ٦٨٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٢٤): ص ٢/ ٦٨٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢٧.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٩.\n(٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ٥١.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٣٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢٧.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٢٢٤.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٩٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢٨.\n(١٤) معاني القرآن: ١/ ٤٣٤.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ٤٦٠.\n(١٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥٢٨.","vol":"6","page":165},{"text":"قال ابن عباس: أي: \" نكال موجع\" (١).\nقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من ادعى مالًا، فأقام عليه شاهدًا، أو ادعي عليه مال، فكانت عليه يمين، ئظِرَ في قيمة المال، فإن كان عشرين دينارًا فصاعدًا، وكان الحكم بمكة: أحْلِف بين المقام والبيت على ما يَدّعى، ويُدعى عليه، وإن كان بالمدينة حُلف على منبر رسول الله - ﷺ -، ومن كان ببلد غير مكة والمدينة، أخلِفَ على عشرين دينارًا، أو على العظيم من الدم والجراح، بعد العصر في مسجد ذلك البلد ويتلى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية\" (٢).\nعن عباد بن منصور قال: \"سألت الحسن عن قوله: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾، فقال: هؤلاء أقوام باعوا خلاقهم بالدنيا فقال: أنبأكم الله كيف يصنع بهم\" (٣).\nالفوائد:\n١ - تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، وينصب هذا على العلماء الذين يكتمون ما انزل الله مداهنة أو مراعاة أو من اجل مال، وقد عهد الله إلى العلما أن يبيّنوا العلم، والعلماء ثلاثة أصناف: عالم امة، وعالم دولة، وعالم ملة. فعالم الملة: هو الي لا يشتري بعهد الله ثمنا قليلا، بل يبين للملة ولايبالي. وأمت عالم الدولة فيشتري بآيات الله ثمنا قليلا ليكون له جاه عند الدولة، وربما ليعطي مالا، واما عالم الأمة: فهو ال ١ ي يراعي الامة، فينظر ماذا تشتهي عامة الناس (أي الأمة)، فيفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه.\n٢ - تحريم اليمين الغموس، وهو من كبائر الذنوب.\n٣ - أن من وفى بعهده وحلف على صدق، فإنه لا يحرم نصيبه من خيرات الآخرة.\n٤ - إثبات الآخرة.\n٥ - ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة هي هدفه، ومغزاه، ومراده، فقد يكون للانسان نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه.\n٦ - إن من أعظم العقوبات في الآخرة: أن الله لا يكلم هؤلاء عقوبة لهم، ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل الثواب واعظمه وأعلاه بل هو غاية الثواب والفضل.\n٧ - أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا لاينظر اليهم الله يوم القيامة، والمراد به النظر الخاص، اما النظر العام فإن الله لا يحجب عن بصره شيء.\n٨ - إثبات العذاب، وقد يكون العذاب في الدنيا وقد يكون في الآخرة، فالكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله وقدي يكون بفعل عباد الله.\nالقرآن\n﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨]\nالتفسير:\nوإن مِن اليهود لَجماعةً يحرفون الكلام عن مواضعه، ويبدلون كلام الله; ليوهموا غيرهم أن هذا من الكلام المنزل، وهو التوراة، وما هو منها في شيء، ويقولون: هذا من عند الله أوحاه الله إلى نبيه موسى، وما هو من عند الله، وهم لأجل دنياهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: نقل الثعلبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: \"إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعا والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن الله تعالى كذبهم للمؤمنين\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣٠): ص ٢/ ٦٨٨.\n(٢) تفسير الشافعي: ١/ ٤٧٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٢٨): ص ٢/ ٦٨٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٠.","vol":"6","page":166},{"text":"والثاني: ونقل الثعلبي عن الضحّاك ومقاتل: \" ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني عيسى -﵇- ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ﴾ يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران\" (١).\nوالثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله ﷺ: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله ﷿ في ذلك من قولهم: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾، الآية إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ \" (٢).\nوالثالث: وقال قتادة: \"، هم أعداء الله اليهود، حرَّفوا كتابَ الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله\" (٣). وروي عن ابن عباس (٤)، والربيع (٥) نحو ذلك.\nوالرابع: وقال مقاتل: \"يعني من اليهود، ﴿لفريقا﴾: يعني طائفة منهم، يعنى: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأبو ياسر، جدي ابن أخطب، وشعبة بن عمرو\" (٦).\nوالخامس: وقال الحسن: \" بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: \"لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله\"، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، أي وإِن من اليهود طائفة يفتلون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد\" (٨).\nقال ابن عباس: \" وهم اليهود\" (٩) / \" وروي عن الربيع وقتادة نحو ذلك (١٠).\nوقال الحسن: \"هم أهل التاب كلهم\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني باللي التحريف بالألسن في أمر محمدﷺ-\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى عن اليهود، عَليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه ويُبَدِّلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به\" (١٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، قولان:\nأحدهما: أن المعنى زيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله. قاله ابن عباس (١٤).\nوالثاني: أن المعنى: يحرفونه. وهذا قول مجاهد (١٥)، وروي عن الشعبي والحسن، وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٦).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٠.\n(٢) تفسير الطبري (٧٢٩٦): ص ٦/ ٥٣٩، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٢٩٢): ص ٦/ ٥٣٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٢٩٤): ص ٦/ ٥٣٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٢٩٣): ص ٦/ ٥٣٦.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٦.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في لباب النقول: ٥٤، وعبد بن حميد في فتح القدير: ١/ ٣٥٦)، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠١، وأسباب النزول: ١١٣، ومجمع البيان: ٢/ ٣٣١،\n(٨) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣١): ص ٢/ ٦٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٣١): ص ٢/ ٦٨٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣٢): ص ٢/ ٦٨٩.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٣٣): ص ٢/ ٦٨٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٣٤): ص ٢/ ٦٨٩.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٣٤): ص ٢/ ٦٨٩.","vol":"6","page":167},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، \"أي: لتظنوا أن هذا المحرّف من كلام الله وما هو إِلا تضليل وبهتان\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، \" أي: وينسبونه إِلى الله وهو كذبٌ على الله، وهم يعلمون أنهم كذبوا وافتروا على الله\" (٢).\nقال الربيع بن أنس: \" هم أعداء الله اليهود حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله\" (٣).\nقال وهب بن مُنَبِّه: \" إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول\" (٤).\nقال ابن كثير: \" فإن عَنَى وَهْب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة ونقصان، ووَهْم فاحش. وهو من باب تفسير المعبر المعرب، وفَهْم كثير منهم بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عَنَى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]، \" أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون\" (٦).\nقال الحسن: \" هم أهل الكتاب كلهم قد كذبوا على الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي وهم يعلمون أئهم يكذبون\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"ويتعمّدون قيل الكذب على الله والشهادة عليه بالباطل، والإلحاقَ بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حُطام الدنيا\" (٩).\nقال ابن كثير: \" وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله\" (١٠).\nقال المراغي: \" أي وهم يعلمون كذبهم في ذلك لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابه، والتوراة التي بين أيديهم ليس فيها خيانة الأميين، ولا أكل أموالهم بالباطل، وهم يعلمون ذلك حق العلم، لكنهم لما لم يكتفوا بالكتاب ولجأوا إلى التقليد وعدّوا كلام أحبارهم دينا، وهؤلاء قالوا في الدين بالرأى والهوى، وحرفوا الكلم عن مواضعه ليؤيدوا آراءهم، وجدوا من هذه الأقوال ما يساعدهم على ما يدّعون\" (١١).\nقال السعدي: \" وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك\" (١٢).\nقال الشافعي: \" والناس صنفان:\nأحدهما: أهل الكتاب، بدلّوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذبًا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه من كفرهم فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣٦): ص ٢/ ٦٨٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣٥): ص ٢/ ٦٨٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٣٦): ص ٢/ ٦٩٠.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٣٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٥.\n(١١) تفسير المراغي: ٣/ ١٩٠.\n(١٢) تفسير السعدي: ١٣٦.","vol":"6","page":168},{"text":"] الآية، ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nثانيهما: وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به اللَّه، ونصبوا بأيديهم حجارة وخُشُبًا، وصورًا استحسنوها، ونبذوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألفوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه: فأولئك العرب.\nوسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره\" (١).\nالفوائد:\n١ - بيان مكر اليهود وتضليلهم وخداعهم لهم باسم الدين والعلم.\n٢ - جرأة اليهود على الكذب على الناس وعلى الله مع علمهم بأنهم يكذبون وهو قبح أشد وظلم أعظم.\n٣ - التحذير للمسلم من سلوك اليهود في التضليل والقول على الله والرسول لأجل الأغراض الدنيوية الفاسدة.\nالقرآن\n﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]\nالتفسير:\nما ينبغي لأحد من البشر أن يُنزِّل الله عليه كتابه ويجعله حكمًا بين خلقه ويختاره نبيًا، ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن يقول: كونوا حكماء فقهاء علماء بما كنتم تُعَلِّمونه غيركم من وحي الله تعالى، وبما تدرسونه منه حفظًا وعلمًا وفقهًا.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال ابن عباس: \"قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله ﷺ: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله ﷿ في ذلك من قولهم: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾، الآية إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ \" (٢). وروي عن قتادة (٣)، والربيع (٤)، نحوه.\nوالثاني: نقل الثعلبي والواحدي عن الضحاك ومقاتل (٥): \" ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾، يعني: عيسى -﵇-، ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ﴾، يؤتى الحكمة (٦). نزلت في نصارى أهل نجران\" (٧).\nوالثالث: قال ابن جريج: \" كان ناس من يهود يتعبَّدون الناسَ من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله ﷿: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله﴾، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه\" (٨).\nوالرابع: أخرج عبد بن حميد عن روح عن عوف عن الحسن: \"بلغني أن رجلًا قال: يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: \"لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله\"، فأنزل الله ﷿ هذه الآية إلى قوله: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ \" (٩).\n_________\n(١) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٢١٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٢٩٦): ص ٦/ ٥٣٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٢٩٨): ص ٦/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٢٩٩): ص ٦/ ٥٤٠.\n(٥) نظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٦.\n(٦) وفي أسباب النزول: \" يعني الإنجيل\".\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠١، وانظر: أسباب النزول: ١١٢.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٣٠٠): ص ٦/ ٥٤٠.\n(٩) العجاب: ٢/ ٧٠٥، لم ينسبه السيوطي في الدر: ٢/ ٢٥٠، إلى غيره واقتصر في اللباب: ٥٤، على عزوه إلى عبد الرزاق في تفسيره، والثعلبي: ٣/ ١٠١، وأورده الواحدي: ١١٣، معزوا إلى الحسن وسياقه سياق الحافظ ابن حجر.","vol":"6","page":169},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، \" أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحُكْم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني مع الله\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آلأ عمران: ٧٩]، وجهان:\nأحدهما: أن الحكم: العلم. قاله ابن عباس (٢).\nوالثاني: أن الحكم: اللب. قاله مجاهد (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، \" أي: ولكن يقول الرسول للناسِ: كونوا رَبَّانيين\" (٤).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، على تسعة وجوه:\nأحدها: فقهاء. قاله مجاهد (٥).\nوالثاني: حكماء علماء. قاله أبو رزين (٦).\nوالثالث: فقهاء علماء، وهو قول ابن عباس (٧)، الحسن (٨)، ومجاهد- في رواية أخرى- (٩)، والضحاك (١٠)، وقتادة (١١)، وسعيد بن جبير -في رواية عنه- (١٢)، وعطاء الخراساني (١٣)، والربيع بن أنس (١٤)، وعطية (١٥)، ويحيى بن عقيل (١٦).\nوالرابع: الفقهاء المعلمون. قاله ابن عباس أيضا (١٧).\nوالخامس: حكماء فقهاء. قاله ابن عباس-في رواية اخرى- (١٨)، والسدي (١٩).\nوالسادس: حكماء أتقياء، وهو قول سعيد بن جبير (٢٠).\nوالسابع: حلماء علماء حكماء. وهذا مروي عن ابن عباس أيضا (٢١).\nوالثامن: أن المراد: كونوا أهل عبادة، وأهل تقوى لله. قاله الحسن –في رواية أخرى- (٢٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٤٠): ص ٢/ ٦٩٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٤١): ص ٢/ ٦٩٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠٦) - (٨٣٠٨): ص ٦/ ٥٤١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠١) - (٧٣٠٤): ص ٦/ ٥٤٠ - ٥٤١، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٧): ص ٢/ ٦٩١\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٥): ص ٦/ ٥٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠٥): ص ٦/ ٥٤١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٢): ص ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٧): ص ٦/ ٥٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠٩): ص ٦/ ٥٤١.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٤): ص ٦/ ٥٤٢.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٦): ص ٢/ ٦٩١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٣)، و(٧٣١٦): ص ٦/ ٥٤٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٧٣١١): ص ٦/ ٥٤١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٨): ص ٦/ ٥٤٢.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٧): ص ٢/ ٦٩١.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٨): ص ٢/ ٦٩١.","vol":"6","page":170},{"text":"والتاسع: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس، وهذا قول ابن زيد (١).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال عندي بالصواب في «الربانيين»: أنهم جمع: «رباني»، وأن «الرباني» المنسوب إلى «الرَّبَّان»، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، ويربّها، ويقوم بها\" (٢).\nوفي أصل «الرباني»، قولان:\nأحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره، يُصْلح أمورهم، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة (٣):\nوَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ، رُبُوبُ\nفسمي العالم ربّانيًا لأنه بالعلم يدبر الأمور، بتعليمه إياهم الخيرَ ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم.\nولذلك قال مجاهد: \"وهم فوق الأحبار\" (٤)، لأن \"الأحبارَ\" هم العلماء، و\"الرباني\" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم (٥).\nوالثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب، وهو علم الدين، فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني (٦).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، \" أي: بتعليمكم الناس الكتاب ودراستكم إيّاه\" (٧).\nقال الطبري: يعني: \" بعلمكم الكتابَ ودراستكم إياه وقراءتكم، ودراستهم إياه: تلاوته، وقيل: دراستهم: الفقه\" (٨).\nوقرئ: ﴿تُعَلِّمُون﴾، بالتشديد، من التعليم (٩).\nالفوائد:\n١ - لم يكن من الممكن لمن آتاه الله الكتاب والحكمة وشرفه بالنبوة أن يدعو الناس لعبادة نفسه فضلًا عن عبادة غيره.\n٢ - سادات الناس هم الربانيون الذين يربون الناس بالعلم والحكمة فيصلحونهم ويهدونهم.\n٣ - عظماء الناس من يعلمون الناس الخير ويهدونهم إليه.\n٤ - الرد عى منكري الأسباب، لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾، ولا شك بان الأسباب ثابتة، ولكنها مؤثرة بما اودعه الله فيها من قوة التأثير.\n٦ - جواز تسمية المعلم بالرباني، لذلك نجد كثيرا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني.\nالقرآن\n﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠]\nالتفسير:\nوما كان لأحد منهم أن يأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا تعبدونهم من دون الله. أَيُعْقَلُ -أيها الناس- أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم لأمره؟\nفي سبب نزول الآية قولان:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٩): ص ٦/ ٥٤٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٣.\n(٣) البيت في ديوانه: ١٣٢ والمفضليات: ٢/ ١٩٤، واللسان (ربب) ومقاييس اللغة: ٢/ ٣٨٣، وتفسير الطبري: ١/ ١٤٢، و٦/ ٥٤٣، والصحاح (ربب) والمخصص: ١٧/ ١٥٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٢): ص ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٤.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٥ - ٥٤٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.","vol":"6","page":171},{"text":"أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نافع القرظي: \"حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ قال: فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعوا وكما قال. فقال رسول الله ﷺ: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني وألا أمرني أو كما قال ﵇، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ \" (١).\nوالثاني: ونقل ابن حجر عن مقاتل أنها \"نزلت ردًا على كردم بن قيس والأصبغ بن زيد\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠]، \" أي: وما كان له أن يأمركم بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب\" (٤).\nوقرئ: ﴿وَلا يَأْمُرُكُمْ﴾، برفع الراء، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي ﷺ أنه لا يأمرك (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]، \" أي: أيأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ \" (٦).\nقال الطبري: أي: \" أيأمُركم أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة، أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية، [النحل: ٣٦] وقال تعالى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] \" (٨).\nالفوائد:\n١ - إثبات الملائكة، وأن الإيمان بهم احد أركان الإيمان الستة.\n٢ - أن الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لايمكن ان يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، كما انه لايدعو الناس إلى عبادة نفسه.\n٣ - أن السجود لله وحده، لما ورد أن الآية نزلت ردا على من أرادوا السجود لرسول اللهﷺ-.\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٥٦): ص ٢/ ٦٩٣.\n(٢) العجاب: ٢/ ٧٠٦، أخذ الحافظ هذا من مقاتل ولكن نصه: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧: \" ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّينَ أَرْبَابًا﴾ -يعني عيسى والعزيز، ولو أمركم بذلك لكان كافرا فذلك قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر﴾ يعني بعبادة الملائكة والنبيين: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني مخلصين له بالتوحيد. فقال الأصبغ بن زيد وكردم بن قيس: أيأمرنا بالكفر بعد الإيمان فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ \".\nوالظاهر من هذا أن الآية (٨١) هي التي نزلت ترد على المذكورين لا الآية (٨٠). والله أعلم.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٩٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٩٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.","vol":"6","page":172},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]\nالتفسير:\nواذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله سبحانه العهد المؤكد على جميع الأنبياء: لَئِنْ آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي، مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنَّه. فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك، قال: فليشهدْ بعضكم على بعض، واشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد ﷺ، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك.\nفي سبب نزول الآية قال مقاتل: \" ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّينَ أَرْبَابًا﴾ -يعني عيسى والعزيز، ولو أمركم بذلك لكان كافرا فذلك قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر﴾ يعني بعبادة الملائكة والنبيين: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني مخلصين له بالتوحيد. فقال الأصبغ بن زيد وكردم بن قيس: أيأمرنا بالكفر بعد الإيمان فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، \" أي اذكروا يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيّين\" (٢).\nقال الحسن: \": أخذ الله ميثاق النبيين: ليبلِّغن آخرُكم أولكم، ولا تختلفوا\" (٣).\nقال السدي: \" لم يبعث الله ﷿ نبيًّا قطُّ من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خَرَج وهم أحياء\" (٤).\nولأهل العلم في تفسير الميثاق قولان:\nأحدهما: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا على قومهم بتصديق محمد -ﷺ-، وهذا قول علي (٥)، وابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، والسدي (٨).\nوالثاني: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا. وهذا قول طاووس (٩)، وقتادة (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١]، \" أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة\" (١١).\nوقرأ سعيد بن جبير: ﴿لَمَّا﴾ بتشديد الميم، وقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي ﴿لِمَا﴾، بجرّ اللام وتخفيف الميم، وأما الباقون: ﴿لما﴾، بفتح اللام وتخفيف الميم وقرئ (١٢).\nوقرئ: ﴿آتيتكم﴾ على التفريد وهو المختار لموافقة الخط، وقرأه آخرون: ﴿آتينَاكم﴾ على الجمع (١٣).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]، \" أي: ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٩٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٣٣٢): ص ٦/ ٥٥٦.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٣٣١): ص ٦/ ٥٥٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٣٢٩): ص ٦/ ٥٥٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٥٧): ص ٢/ ٦٩٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٣٣٠): ص ٦/ ٥٥٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٣٣٧): ص ٦/ ٥٥٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٥٨): ص ٢/ ٦٩٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣٣٦): ص ٦/ ٥٥٨.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٧.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٣، وتفسير الطبري: ٦/ ٥٥٠ - ٥٥٢.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٤.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١٩٥.","vol":"6","page":173},{"text":"قال يحيى بن سلام: \" أخذ الله على النبيين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمدا من النبيين فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدق بالأنبياء كلهم، ففعل ﷺ\" (١).\nقال طاوس: \" هذه الآية لأهل الكتاب، أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا لمحمد ويصدقوه\" (٢).\nقال السدي: \" فيقول اليهود: أخذت ميثاق الناس لمحمد وهو الذي ذكر في الكتاب عندكم\" (٣).\nقال عطاء: \" أخذ ميثاق أهل الكتاب لئن جاءهم رسول مصدق بكتبهم التي عندهم التي جاء بها الأنبياء ليؤمنن به ولينصرنه، فأقروا بذلك، وأشهدوا الله على أنفسهم فلما جاءهم محمد ﷺ صدق بكتبهم الأنبياء التي كانت قبله، ﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، \" أي لتصدقنه ولتنصرنه\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني لتصدقن به إن بعث ولتنصرنه إذا خرج\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]، \" أي أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ \" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي ثقل ما حملتم من عهدي\" (٨).\nوالإصر: العهد. قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠) والربيع بن أنس (١١) والسدي (١٢)، وقتادة (١٣).\nوقرئ: ﴿أصرى﴾، بالضم (١٤).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: \"قالوا: اعترفنا\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: قال الله لهم: \" اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم\" (١٦).\nقال الزمخشري: \" وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: الخطاب للملائكة\" (١٧).\nالفوائد:\n١ - بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضًا.\n٢ - أن الله منّ على النبيين بالكتاب والحكمة، ويتفرغ على ذلك أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما انعم الله به على النبيين.\n٣ - فضيلة النبي محمدﷺ- لكون الله أخذ على جميع الأنبيا الميثاق والعهد ان يؤمنوا به.\n٤ - أن رسالة النبيﷺ- جامعة للتصديق بجميع الرسالات، وكذلك أن هذه الامة هي المصدقة تماما بجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها.\n_________\n(١) تفسير يحيى بن سلام: ٢/ ٧٠٢.\n(٢) أخرجه عبدالرزاق (٤٢١): ص ١/ ٣٩٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٥٩): ص ٢/ ٦٩٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٦٠): ص ٢/ ٦٩٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٩٥.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٦٦): ص ٢/ ٦٩٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٦٥): ص ٢/ ٦٩٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٦٦): ص ٢/ ٦٩٥.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٦٦): ص ٢/ ٦٩٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٦٦): ص ٢/ ٦٩٥.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٦٦): ص ٢/ ٦٩٥.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٣٨٠.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١٩٥.\n(١٦) صفوة التفاسير: ١٩٥.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٣٨٠.","vol":"6","page":174},{"text":"٥ - تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة بقوله: ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾، وما أعظم شهادة الله ﷿ في امر من الأمور.\n٦ - أنه إذا كان واجبا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول اللهﷺ-، كان إيماننا نحن ونصرته من باب أولى، لأننا ننتسب إليه ونعتقده إماماﷺ-.\nالقرآن\n﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران: ٨٢]\nالتفسير:\nفمن أعرض عن دعوة الإسلام بعد هذا البيان وهذا العهد الذي أخذه الله على أنبيائه، فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعة ربهم.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٢]، أي: فمن \"أعرض ونكث عهده\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: عن هذا العهد والميثاق\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فمن أعرَض عن الإيمان برسلي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائي من الكتب والحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولم يؤمن بذلك، ولم ينصر، ونكث عهدَه وميثاقه، بعد العهد والميثاق الذي أخذَه الله عليه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]، أي: أولئك هم \"الخارجون من دين الله وطاعة ربهم\" (٤).\nقال علي بن أبي طالب-كرّم الله وجهه-: \"فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم \" فأولئك هم الفاسقون \"، هم العاصون في الكفر\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الفسق يطلق على الكفر.\n٢ - أن من تولى قبل قيام الحجة عليه، لم يحكم عليه بالفسق، وهذا يعني أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، وهي مسألة اختلف فيها العلماء.\nالقرآن\n﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣]\nالتفسير:\nأيريد هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب غير دين الله -وهو الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ-، مع أن كل مَن في السموات والأرض استسلم وانقاد وخضع لله طواعية -كالمؤمنين- ورغمًا عنهم عند الشدائد، حين لا ينفعهم ذلك وهم الكفار، كما خضع له سائر الكائنات، وإليه يُرجَعون يوم المعاد، فيجازي كلا بعمله. وهذا تحذير من الله تعالى لخلقه أن يرجع إليه أحد منهم على غير ملة الإسلام.\nفي سبب نزول الآية: نقل الثعلبي عن ابن عباس: \"اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم -﵇- كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي ﷺ: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ \" (٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٩٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٣٣٩): ص ٦/ ٥٦٢.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٥.","vol":"6","page":175},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي:: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون\" (١).\nوقرئ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾، على وجه الخطاب (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي: \"ولله أسلم وانقاد وخضع أهل السماوات والأرض طائعين ومكرهين \" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وله خَشع من في السموات والأرض فخضع له بالعبودة، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية\" (٤).\nقال المراغي: أي: \" وقد خضع لله تعالى وانقاد لحكمه أهل السموات والأرض، ورضوا طائعين مختارين لما يحل بهم من تصاريف أقداره\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يلجىء الى الإسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكفرة فإنهم لايقدرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم\" (٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، ستة أوجه:\nأحدها: أن المؤمن أسلم طوعًا والكافر أسلم عند الموت كَرْهًا، وهذا قول قتادة (٧).\nوالثاني: أنه الإقرار بالعبودية وإن كان فيه من أشرك في العبادة، وهذا قول مجاهد (٨).\nوالثالث: أنه سجود المؤمن طائعًا وسجود ظل الكافر كرهًا، وهو مروي عن مجاهد أيضًا (٩).\nوالرابع: طوعًا بالرغبة والثواب. وكرهًا بالخوف من السيف، اوهو قول الحسن (١٠)، ومطر (١١).\nوالخامس: أن إسلام الكاره حين أخذ منه الميثاق فأقر به، وهذا قول ابن عباس (١٢).\nوالسادس: معناه أنه أسلم بالانقياد والذلة وإن أنكر ألوهته بلسانه، وهو قول عامر الشعبي (١٣)، والزجاج (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] \" أي: إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عاملٍ بعمله\" (١٥).\nقال أبو العالية: \" يرجعون إليه بعد الحياة\" (١٦).\nقال السعدي: أي: \" وإليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل\" (١٧).\nقال المراغي: \" أي وإليه يرجع من اتخذ غير الإسلام دينا من اليهود والنصارى وسائر الخلق، وحينئذ يجازون بإساءتهم وترك الدين الحق، وفي هذا وعيد وتهديد لهم\" (١٨).\nوقرئ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، على وجه الخطاب (١٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٩٥ - ١٩٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٣/ ٢٠١.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ٥٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٧٨): ص ٢/ ٦٩٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٣٤٢)، و(٧٣٤٣): ص ٦/ ٥٦٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٣٤٦) - (٧٣٤٩): ص ٦/ ٥٦٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٧٧٧): ص ٢/ ٦٩٧.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٧١): ص ٢/ ٦٩٦، وتفسير الطبري (٧٣٥٢١): ص ٦/ ٥٦٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٣٥٢): ص ٦/ ٥٦٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٣٤٥): ص ٦/ ٥٦٥.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٧٢): ص ٢/ ٦٩٦.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢/ ٤٠٦.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٠): ص ٢/ ٦٩٧.\n(١٧) تفسير السعدي: ١٣٧.\n(١٨) تفسير المراغي: ٣/ ٢٠١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٣.","vol":"6","page":176},{"text":"الفوائد:\n١ - أن من ابتغى غير دين الله، فإنه يستحق هذا التوبيخ العظيم.\n٢ - أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله، وجهه أن الله انكر على من بغى دينا غير دين الله، ولهذا كان شرط العبادة الإخلاص لله، وموافقة شريعة الله.\n٣ - تشريف هذا الدين، لأن الله أضافه إلى نفسه: ﴿دين الله﴾.\n٤ - إقامة الحجة على أنه لايليق بالإنسان أن يبتغي دينا غير دين الله وهو مربوب مملوك لله.\n٥ - عموم ملك الله وسلطانه.\n٦ - إثبات السماوات، وأنها عدد، وقد جاءت الادلة بأنها سبع، والأرضين هي سبع، إذ جا الإفصاح بها في السنة.\n٧ - أن المرجع إلى الله، سواء كان في الدنيا وذلك في الاحكام، او في الآخرة وذلك للمحاسبة.\n٨ - إثبات البقاء لله، لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى ﷿ ليكون مرجعا لجميع الخلق.\nالقرآن\n﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ [آل عمران: ٨٤]\nالتفسير:\nقل لهم -أيها الرسول-: صدَّقنا بالله وأطعنا، فلا رب لنا غيره، ولا معبود لنا سواه، وآمنَّا بالوحي الذي أنزله الله علينا، والذي أنزله على إبراهيم خليل الله، وابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق، والذي أنزله على الأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة مِن ولد يعقوب- وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أنزله الله على أنبيائه، نؤمن بذلك كله، ولا نفرق بين أحد منهم، ونحن لله وحده منقادون بالطاعة، مُقِرُّون له بالربوبية والألوهية والعبادة.\nفي سبب نزول الآية قال ابن ظفر: \"لما تكلم اليهود بما قالوه، والنصارى بما ليس لهم، أمر الله نبيه أن يقول للمسلمين: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ الآية، فأخبر أنهم يؤمنون بجميع الأنبياء ولا يفرقون بين أحد منهم\" (١).\nوالظاهر أنه إعلان للجميع بما في ذلك اليهود والنصارى الذين فرقوا بين أنبياء الله. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]، أي: \" قل لهم، يا محمد صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، وصدَّقنا أيضًا بما أنزل علينا من وَحيه وتنزيله\" (٢).\nقال ابن كثير: \" يعني: القرآن\" (٣).\nقال عطاء بن يسار: \"كان اليهود يجيئون إلى أصحاب النبي ﷺ، فيحدثونهم فيسبحون، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران: ٨٤]، أي: \" وصدقنا أيضًا بما أنزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب وبما أنزل على الأسباط، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: من الصحف والوحي\" (٦).\n﴿وَالأسْبَاطِ﴾: \"هم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - هو يعقوب - الاثنى عشر\" (٧).\n_________\n(١) العجاب: ٢/ ٧٠٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٩.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨١): ص ٢/ ٦٩٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.","vol":"6","page":177},{"text":"قال أبو العالية: \" ﴿الأسباط﴾: هو يوسف وإخوته بنوا يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط\" (١). وروي عن قتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٢).\nوقال السدي: \" وأما الأسباط فهم بنو يعقوب: يوسف، وبنيامين وروبيل، ويهوذا وشمعون، ولاوي، ودان وقهاث\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ [آل عمران: ٨٤]، أي: \" وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يعني: بذلك التوراة والإنجيل\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: \" وصدقنا أيضا \"بما أنزل على النبيين من عنده\" (٦).\nقال ابن كثير: \" وهذا يَعُم جميعَ الأنبياء جملة\" (٧).\nقال قتادة: \" أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله\" (٨).\nقال سليمان بن حبيب المحاربي: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة ولا نعمل بما فيها\" (٩).\nعن معقل بن يسار قال: \"قال رسول الله ﷺ: آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: \" لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض\" (١١).\nقال قتادة: \" أمر الله المؤمنين أن لا يفرقوا بين أحد منهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" يعني: بل نؤمن بجميعهم\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \"لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]، \"أي مخلصون في العبادة مقرّون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحدًا أبدًا\" (١٥).\nقال مقاتل: يعني: مخلصين\" (١٦).\nقال الطبري: أي: \" ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودة، مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك بل هم مُصَدِّقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله\" (١٨).\nالفوائد:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٢): ص ٢/ ٦٩٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٨٢): ص ٢/ ٦٩٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٣): ص ٢/ ٦٩٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٩.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٥): ص ٢/ ٦٩٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٦): ص ٢/ ٦٩٨.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٤): ص ٢/ ٦٩٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٧): ص ٢/ ٦٩٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.\n(١٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٦٩.\n(١٥) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨.\n(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٠.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.","vol":"6","page":178},{"text":"١ - وجوب الإقرار بالإيمان باللسان، كما هو واجب بالقلب.\n٢ - أن الإيمان بالله هو اصل كل شيء، مقدم على كل شيء، لقوله: ﴿آمنا بالله﴾، وجعل ما بعده معطوفا عليه.\n٣ - وجوب الإيمان بما انزل علينا، وهو القرآن، لأنه شريعة ومنهاج.\n٤ - لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض.\n٥ - ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.\n٦ - وجوب الإيمان بالأسباط، والراجح أن المراد بهم شعوب بني إسرائيل، أي: ما أنزل عليهم بواسطة رسلهم.\n٧ - ثبوت نبوة موس وعيسى.\n٨ - وجوب الإيمان بما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم من الآيات الكونية (المعجزات)، ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء.\n٩ - الإسلام: هو الانقياد والخضوع لله تعالى، وهو يتنافى مع التخيير بين رسل الله ووحيه إليهم.\n١٠ - أن الإسلام ليس فيه العصبية، لقوله: ﴿لا نفرق بين احد منهم﴾، بخلاف ما يسلكه بنو اسرائيل إذ لايؤمنون إلا بما جاء عن انبيائهم فقط.\n١١ - وجوب الاستسلام لله ﷿ وحده.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]\nالتفسير:\nومن يطلب دينًا غير دين الإسلام الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والعبودية، ولرسوله النبي الخاتم محمد ﷺ بالإيمان به وبمتابعته ومحبته ظاهرًا وباطنًا، فلن يُقبل منه ذلك، وهو في الآخرة من الخاسرين الذين بخسوا أنفسهم حظوظها.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال الثعلبي: \"نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفارا منهم: الحرث بن سويد الأنصاري أخو الحلاس بن سويد، وطعمة بن أشرف الأنصاري، ومقيس بن صبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تميم بن مرة، ووجوج بن الأسلت، وأبو عاصم بن النعمان، فأنزل الله فيهم: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ \" (١).\nوالثاني: وقال مقاتل بن سليمان: \" نزلت في طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس من بني صقر، ارتد عن الإسلام ولحق بكفار مكة \" (٢).\nوالثالث: أخرج الطبري عن ابن عباس: \"قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٦٢]، فأنزل الله ﷿ بعد هذا: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، أي: \" ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: من سلك طريقًا سوى ما شَرَعَه الله فلن يُقْبل منه\" (٥).\nوفي الاسلام في هذه الآية قولان (٦):\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٧.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨.\n(٣) تفسير الطبري (٧٣٥٩): ص ٦/ ٥٧١ - ٥٧٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٠.\n(٦) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢.","vol":"6","page":179},{"text":"أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله، وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة.\nقال الراغب: \" الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبين تعالى أن من تحرى طاعة وانسياقا إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به. ويصرفه فيه فلن يقبل منه دنيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم\" (١).\nوالثاني: أن المراد بالإسلام شريعة محمد ﵊، فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه.\nقال الراغب: \" وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من\nصحت نبوته وظهر صدقه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، أي: وهو في الآخرة من \"الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله ﷿\" (٣).\nقال السمعاني: \" وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين\" (٤).\nقال عكرمة: \" قوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾، فقالت الملل: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فحج المسلمون وقعد الكفار\" (٥).\nالفوائد:\n١ - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام، لقوله: ﴿فلن يقبل منه﴾.\n٢ - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله ولا نافعة للمتدين بها، لعموم قوله: ﴿غير الإسلام﴾، فيشمل دين المسيحية واليهودية والبوذية والمجوسية، وكل دين، فإن الله لايقبل غير الإسلام.\n٣ - الثناء على دين الاسلام، وأنه هو المقبول المحبوب إلى الله.\n٤ - إثبات الآخرة، وأن فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها.\nالقرآن\n﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ [آل عمران: ٨٦]\nالتفسير:\nكيف يوفق الله للإيمان به وبرسوله قومًا جحدوا نبوة محمد ﷺ بعد إيمانهم به، وشهدوا أن محمدًا ﷺ حق وما جاء به هو الحق، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك؟ والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين عدلوا عن الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان.\nفي سبب نزول الآيات (٨٦ - ٨٩) اقوال:\nأحدها: أخرج النسائي (٦)، والطبري (٧)، وابن أبي حاتم (٨)، وصححه ابن حبان (٩)، والحاكم (١٠)، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"كان رجل (١١) من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٦٩٢.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٦٩٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٠.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٣٣٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٨٨): ص ٢/ ٦٩٩.\n(٦) في \"تحريم الدم\": باب \"توبة المرتد\" \"٧/ ١٠٧\" \"٤٠٦٨\" وفي التفسير \"ص ٣٣\" الرقم \"٨٥\" عزاه إليه في \"تحفة الأشراف\" \"٥/ ١٣٣\" ورجال سنده ثقات\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٣٦٠): ص ٦/ ٥٧٢ - ٥٧٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٧٨٩): ص ٢/ ٦٩٩.\n(٩) انظر \"الإحسان\"، كتاب \"الحدود\"، \"باب الردة\" \"١٠/ ٣٢٩\" \"٤٤٧٧\" وقال محققه الأستاذ شعيب: \"إسناده صحيح، رجاله ثقات على شرط مسلم غير بشر بن معاذ العقدي، فقد روى له أصحاب \"السنن\" وهو ثقة\".\n(١٠) انظر \"المستدرك\"، كتاب \"قسم الفيء\" \"٢/ ١٤٢\" وكتاب \"الحدود\" \"٤/ ٣٦٦\" وقال في المكانين:\n\"صحيح الإسناد ولم يخرجا\" ووافقه الذهبي، وأخرجه كذلك أحمد في \"المسند\" وانظر \"مرويات الإمام أحمد في التفسير\" \"١/ ٢٨٠\" والبيهقي في \"الكبرى\" \"٨/ ١٩٥\" وانظر \"الإصابة\" \"١/ ٢٨٠\".\n(١١) هذه الرواية، ورواية أخرى بعدها تذكر: \"رجلا\" والآية تقول \"قوما\" فتأمل","vol":"6","page":180},{"text":"ندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله -ﷺ- هل لي من توبة فسألوا فقالوا: إن صاحبنا قد ندم، وإنه قد أمرنا أن نسأل هل له توبة فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ فأرسل إليه فأسلم.\nوفي رواية الواحدي: \" فلما قرئت عليه قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله -ﷺ- ولا كذب رسول الله، والله تعالى أصدق الثلاثة فرجع تائبًا فقبل منه\" (١).\nوأخرجه البزار عن ابن بزيع هذا فقال في أوله: \"إن قوما أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون\" فذكره (٢).\nوالثاني: أخرج الطبري (٣)، والواحدي (٤)، وعبدالرزاق (٥)، وابن المنذر (٦)، عن مجاهد: \"جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله ﷿ فيه القرآن: ﴿كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعدَ إيمانهم﴾ إلى ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ﴾، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله ﷺ لأصدقُ منك، وإنّ الله ﷿ لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه\" (٧).\nوذكر ابن إسحاق في السيرة الكبرى: \"إن الحارث بن سويد بن صامت كان منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس غدا على مسلمين فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة، فأنزل الله فيه هذه الآيات\" (٨).\nوذكر إن المقتول هو المجذر بن زياد وقيس بن زيد من بني ضبيعة، وتعقب ابن هشام فذكر أن قيس بن زيد لم يعد في قتلى أحد (٩).\nوالثالث: أخرج الطبري عن مجاهد: \" هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: \" أرسلوا، هل لي من توبة؟ \" قال: فحسبتُ أنه آمن، ثم رَجع\" (١٠).\nوالرابع: وأخرج الطبري عن عكرمة: \" نزلت في أبي عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: ﴿إلا الذي تابوا من بعد ذلك﴾، الآيات\" (١١).\nوالخامس: قال مقاتل: \" نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة كهيئة البداة ثم انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة منهم طعمة بن أبيرق الأنصاري، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بنى ثيم ابن مرة القرشي. ووجوج بن الأسلت الأنصاري، وأبو عامر بن النعمان الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف، أخو الجلاس بن سويد بن الصامت، ثم أن الحارث ندم فرجع تائبا من ضرار ثم أرسل إلى أخيه الجلاس إني قد رجعت تائبا فسل النبيﷺ- هل لي من توبة وإلا لحقت بالشام فانطلق الجلاس إلى النبيﷺ- فأخبره فلم يرد عليه\n_________\n(١) أسباب النزول: ١١٣ - ١١٤.\n(٢) نقلا عن العجاب: ٢/ ٧٠٩، ولم يصل المطبوع من مسنده إلى مسند ابن عباس.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٢٦٣): ص ٦/ ٥٧٣.\n(٤) أسباب النزول: ١١٤، من طريق مسدد بن مسرهد.\n(٥) انظر: لباب النقول: ٥٥.\n(٦) انظر: فتح القدير: ١/ ٣٥٩.\n(٧) تفسير الطبري (٧٢٦٣): ص ٦/ ٥٧٣.\n(٨) سيرة ابن هشام: ١/ ٥٢٠، و٢/ ٨٩.\n(٩) وعن مصير الحارث بن سويد بعد قتله المجذر والخلاف فيه انظر \"سيرة ابن هشام\" \"٢/ ٨٩\" و\"الإصابة\" في ترجمته \"١/ ٢٨٠\" وترجمة المجذر \"٣/ ٣٦٤\" و\"الباهر في حكم النبي ﷺ بالباطن والظاهر\" للسيوطي \"ص ٥٦ - ٥٧\".\n(١٠) تفسير الطبري (٧٣٦٧): ص ٦/ ٥٧٤.\n(١١) تفسير الطبري (٧٣٦٧): ص ٦/ ٥٧٤.","vol":"6","page":181},{"text":"شيئا فأنزل الله﷿- في الحارث فاستثنى ﴿إلا الذين تابوا﴾ فلا يعذبون ﴿من بعد ذلك﴾ يعني من بعد الكفر ﴿وأصلحوا﴾ في العمل فيما بقي ﴿فإن الله غفور﴾ لكفره ﴿رحيم﴾ \" (١).\nوالسادس: أخرج الطبري عن ابن عباس: \" ﴿كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم﴾، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا ﷺ ثم كفروا به\" (٢). وروي عن الحسن مثل ذلك (٣).\nقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]، \"أي: كيف يستحق الهْداية قوم كفروا بعد إِيمانهم\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد ﷺ، بعد تصديقهم إياه وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]،\nقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ٨٦]، أي: \" وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، أي: \" والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة\" (٧).\nقال ابن الجوزي: \" وقوله: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا﴾ استفهام في معنى الجحد، أي: لا يهديهم الله. وفيه طرف من التوبيخ، كما يقول الرجل لعبده: كيف أحسن إلى من لا يطيعني. أي: لست أفعل ذلك والمعنى: أنه لا يهدي من عاند بعد أن بان له الصواب. وهذا محكم لا وجه لدخول النسخ عليه وقد زعم قوم منهم السدي أن هذه الآيات منسوخات بقوله: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ \" (٨).\nثم ذكر ابن الجوزي عن السدي: \" ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا﴾ قال: نزلت في الحارث ثم أسلم فنسخها الله عزوجل فقال: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ (٩).\nقال ابن الجوزي: \"وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين، أن اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى الحق بعد وضوحه، ويؤكد هذا أن الآيات خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار بحال\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - أن من أضل الله عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهدى-نعوذ بالله-.\n٢ - أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد ان يكون من العدول.\n٣ - أن الهداية والإضلال بيد الله، فمن كان اهلا للهداية هداه، ومن كان اهلا للضلال أضله الله.\n٤ - أن الإنسان قد يعاند ويستكبر بعد أن تبين له الحق.\n٥ - أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي، لأن الله تعالى استبعد ان يهتدي هؤلاء، في حين ذكر في موضع آخر ان الله تعالى قد يهدي الكافرين، فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].\n٦ - أن النبيﷺ- حق، لأن الله لام هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا أن الرسول حق.\n٧ - أن الله لم يدع الخلق هملا، بل أقام لهم الحجج والبينات.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٢) تفسير الطبري (٧٣٦٨): ص ٦/ ٥٧٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٣٦٩) - (٧٣٧١): ص ٦/ ٥٧٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٦.\n(٨) نواسخ القرآن: ٣٢٧.\n(٩) الآية (٨١) من سورة آل عمران.\n(١٠) نواسخ القرآن: ٣٢٧.","vol":"6","page":182},{"text":"٨ - أن من أضله الله فإنما ذلك لظلم منه، لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ [آل عمران: ٨٧]\nالتفسير:\nأولئك الظالمون جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله والملائكة والناسِ أجمعين، فهم مطرودون من رحمة الله.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ [آل عمران: ٨٧]، أي: أولئك\" جزاؤهم على كفرهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧]، أي: \" اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين\" (٢).\nقال ابن كثير: \"أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" أن يحلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوؤهم من العقاب من جميعهم ... وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بالله كفرًا\" (٤).\nقال أبو العالية: \" يعني ﴿الناس أجمعين﴾: المؤمنين، إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون\" (٥).\nوقال السدي: \" أما: ﴿لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾، فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه\" (٦)\nالفوائد:\n١ - إثبات الجزاء، وفيها أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما ارتكبوا ثلاث جرائم: كان عليهم لعنة الله والملائكة والناس ثلا بثلاث.\n٢ - أن الملائكة ذو عقول يفهمون ويفعلون.\n٣ - أن أمثال هؤلاء يلعنهم الناس جميعا.\nالقرآن\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾ [آل عمران: ٨٨]\nالتفسير:\nماكثين في النار، لا يُرفع عنهم العذاب قليلا ليستريحوا، ولا يُؤخر عنهم لمعذرة يعتذرون بها.\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آلأ عمران: ٨٨]، أي: ماكثين في عقوبة الله\" (٧).\nقال أبو العالية: \" يعني في النار، في اللعنة\" (٨).\nقال مقاتل: \" في اللعنة مقيمين فيها\" (٩).\nقال ابن كثير: أي: في اللعنة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [آلأ عمران: ٨٨]، \" أي: لا يُفتَّر عنهم العذاب ولا يُخَفَّف عنهم\" (١١).\nقال الطبري: \" لا ينقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا ينفَّسون فيه\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧١.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٦ - ٥٧٧.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٧٩١): ص ٢/ ٦٩٩.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٧٩٢): ص ٢/ ٧٠٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٩٣): ص ٢/ ٧٠٠.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧١.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٧.","vol":"6","page":183},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آلأ عمران: ٨٨]، أي: \" ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني لا يناظر بهم العذاب\" (٢).\nقال الطبري: \" وذلك كله عَينُ الخلود في العقوبة في الآخرة\" (٣).\nقال أبو العالية: \" هو كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] \" (٤).\nالفوائد:\n١ - إثبات ان هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا ان الرسول حق، وجاءهم البينات خالدون في لعنة الله، أي في الطرد والإبعاد عن رحمته.\n٢ - ومنها: أنهم دائما في عذاب، لا يخفف أبدا ولا ينتظرون الفرج، لا بالتخلص منه، ولا بتخفيفه.\nالقرآن\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ [آل عمران: ٨٩]\nالتفسير:\nإلا الذين رجعوا إلى ربهم بالتوبة النصوح من بعد كفرهم وظلمهم، وأصلحوا ما أفسدوه بتوبتهم فإن الله يقبلها، فهو غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]، أي: \"إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم\" (٥).\nقال الطبري: \" فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند ربهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا ٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]، أي: \" وأصلح ما أفسد من عمله\" (٧).\nقال مقاتل: \" ﴿وأصلحوا﴾ في العمل فيما بقي\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" وعملوا الصالحات من الأعمال\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]، أي: فإن الله\" متفضل عليه بالرحمة والغفران\" (١٠).\nقال الطبري: أي: إن الله\" ﴿غفور﴾: ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الرّدّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غيرُ مؤاخذه به إذا مَات على التوبة منه، ﴿رحيم﴾: متعطِّف عليه بالرحمة\" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن التوبة تجبّ ما قبلها.\n٢ - أنه لابد مع التوبة من الإصلاح.\n٣ - إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وهما: الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة وهي المغفرة والرحمة.\n٤ - الثناء على المصلحين، ويستلزم الإصلاح أن يكون المصلح صالحا.\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٧.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٩٣): ص ٢/ ٧٠٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٧ - ٥٧٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٩.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٧٨.","vol":"6","page":184},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران: ٩٠]\nالتفسير:\nإن الذين كفروا بعد إيمانهم واستمروا على الكفر إلى الممات لن تُقبل لهم توبة عند حضور الموت، وأولئك هم الذين ضلُّوا السبيل، فأخطَؤُوا منهجه.\nفي سبب نزول الآية اقوال:\nأحدها: قال الحسن (١) وقتادة (٢) وعطاء الخراساني (٣): نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى -﵇- والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن.\nوالثاني: وقال أبو العالية (٤): نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد ﷺ لما رأوه وعرفوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا ذنوبا في حال كفرهم.\nوالثالث: وقال مجاهد (٥): نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾، أي أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه.\nوالرابع: ونقل ابن حجر عن ابن الكلبي أنها: \"نزلت في الأحد عشر رفقة الحارث بن سويد لما رجع الحارث قالوا: نقيم بمكة ما بدا لنا فمتى أردنا رجعنا فنزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتحت مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته ونزلت فيمن مات منهم كافرا هذه الآية\" (٦). ونقل مقاتل نحو ذلك (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، أي: إن الذين ارتدوا عن الإسلام إلى الكفر\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"إن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠]، \" أي: استمروا على الكفر إلى الممات\" (١٠).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: ماتوا على كفرهم\" (١١).\nقال السمرقندي: \" أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا\" (١٢).\nقال السعدي: أي: \" ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، \" أي: لا تقبل منهم توبة ما أقاموا على الكفر\" (١٤).\nقال السعدي: \" أي: لا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٣٧٢): ص ٦/ ٥٧٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٣٧٣): ص ٦/ ٥٧٨ - ٥٧٩.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٣٧٧) - (٧٣٨١): ص ٦/ ٥٧٩ - ٥٨٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٧٩٩): ص ٢/ ٧٠١.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٨.\n(٦) العجاب: ٢/ ٧١٣ - ٧١٤. وعلى هذا أن الآية تأخر نزولها إلى ما بعد فتح مكة! مثل هذا يحتاج إلى دليل صحيح.\n(٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٨) أيسر التفاسير، للجزائري: ١/ ٣٤٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨١.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧١.\n(١١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٠٢.\n(١٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٠.\n(١٣) تفسير السعدي: ١/ ١٣٧.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(١٥) تفسير السعدي: ١/ ١٣٧.","vol":"6","page":185},{"text":"ولأهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وجهان:\nاحدهما: لأنهم: تابوا من بعض ولم يتوبوا من الأصل. وهذا قول أبي العالية (١).\nوالثاني: أنهم ازدادوا كفرا حين حضرهم الموت، فـ ﴿لن تقبل توبتهم﴾ حين حضرهم الموت. وهذا قول قتادة (٢)، وعطاء (٣)، والحسن (٤).\nقال القاسمي: \" وقد أشكل على كثير قوله تعالى لن تقبل توبتهم مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥]، وغير ذلك.\nفأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحدي في (الوجيز): «لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل» (٥) - انتهى-، أي كما قال تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ [النساء: ١٨]، الآية. وقيل عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم أي لا يتوبون، كقوله: ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦]. وإنما كنى بذلك تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، وقيل: لأنهم توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا. وبقي للمفسرين وجوه أخرى، هي في لتأويل أبعد مما ذكر. ولا أرى هذه الآية إلا كآية النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ إلخ. وكلاهما مما يدل صراحة على أن من تكررت ردته لا تقبل توبته، وإلى هذا ذهب إسحاق وأحمد كما قدمنا، وذلك لرسوخه في الكفر\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، أي: وأولئك هم\" الخارجون عن منهج الحق إِلى طريق الغي\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" هم الذين ضلوا سبيل الحقّ فأخطأوا منهجه، وتركوا نِصْف السبيل وهُدَى الدين، حَيرةً منهم، وعَمىً عنه\" (٨).\nوقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على اقوال:\nأحدها: أن المراد: ﴿إن الذين كفروا﴾ ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد ﷺ، ﴿بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا﴾ بكفرهم بمحمد، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، عند حُضور الموت وحَشرجته بنفسه. وهذا قول الحسن (٩)، وقتادة (١٠).\nوالثاني: أن المعنى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد، بعد إيمانهم بأنبيائهم، ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، يعني: ذنوبًا، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون. قاله أبو العالية (١١).\nوالثالث: أن معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم، ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، يعني: بزيادتهم الكفر: تمامُهم عليه، حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، لن تنفعهم توبتهم الأولى وإيمانهم، لكفرهم الآخِر وموتهم. وهذا قول عكرمة (١٢).\nوالرابع: أن معنى قوله: ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى ﴿لن تقبل توبتهم﴾، لن تقبل توبتهم عند موتهم. وهذا قول السدي (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٠٣): ص ٢/ ٧٠٢.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٠٤): ص ٢/ ٧٠٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٠٤): ص ٢/ ٧٠٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٠٤): ص ٢/ ٧٠٢.\n(٥) الوجيز: ٢٢٢.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٣٧٢): ص ٦/ ٥٧٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣٧٣) - (٧٣٧٥): ص ٦/ ٥٧٨ - ٥٧٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٣٧٦) - (٧٣٧٩): ص ٦/ ٥٧٩ - ٥٨١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٣٨٢): ص ٦/ ٥٨١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٣٨٣): ص ٦/ ٥٨١.","vol":"6","page":186},{"text":"والراجح: أنه عنى بها اليهود، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد، ومعنى الآية: \"إن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله\" (١).\nالفوائد:\n١ - إن الذي يرتد عن الاسلام فإنه إذا بقي على حاله، فإنه لا تقبل توبته عند الموت.\n٢ - أنه كلما مادى الإنسان في الكفر، ولم يتب، فإنه يزداد، لأن كل وقت يمر يزداد وزرا إلى وزره، كما ان المؤمن يزداد لأيضا بزيادة الأيام إيمانا.\n٣ - أن من تاب قبل أن يحضر اجله فإن الله يتوب عليه.\n٤ - إن من استمر على كفره، فإنه ضال، لأنه اجتنب طريق الحق، قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران: ٩١]\nالتفسير:\nإن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ، وماتوا على الكفر بالله ورسوله، فلن يُقبل من أحدهم يوم القيامة ملء الأرض ذهبًا، ليفتدي به نفسه من عذاب الله، ولو افتدى به نفسه فِعْلا. أولئك لهم عذاب موجع، وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [آل عمران: ٩١]، أي: إن الذين\" كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم يتوبوا\" (٢).\nقال الحسن: \" هو كل كافر\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: من مات على الكفر\" (٤).\nقال الطبري: \"أي: جحدوا نبوة محمد ﷺ ولم يصدقوا به وبما جاء به من عند الله من أهل كل ملة، يهودها ونصاراها ومجوسها وغيرهم،: وماتوا على ذلك من جحود نبوته وجحود ما جاء به \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]، \" أي: لن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قُرْبة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جُدْعان - وكان يُقْرِي الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام -: هل ينفعه ذلك؟ فقال: \"لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ\" (٧) \" (٨).\nقال الطبري: \": فلن يقبل ممن كان بهذه الصفة في الآخرة جَزَاءٌ ولا رِشْوةٌ على ترك عقوبته على كفره، ولا جُعْلٌ على العفو عنه ولو كان له من الذهب قدرُ ما يملأ الأرضَ من مشرقها إلى مغربها، فرَشَا وَجزَى على ترك عقوبته وفي العفو عنه على كفره عوضًا مما الله مُحلٌّ به من عذابه. لأنّ الرُّشا إنما يقبلها من كان ذَا حاجة\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٣٨٥): ص ٦/ ٥٨٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٧) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢١٤) من حديث عائشة ﵂.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٢.","vol":"6","page":187},{"text":"إلى ما رُشى. فأما من له الدنيا والآخرة، فكيف يقبل الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدَى بها مفتدٍ منْ نفسه أو غيره؟ \" (١).\nروي عن أنس بن مالك: \"أن نبي الله ﷺ كان يقول: يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيتَ لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم! قال فيقال: لقد سُئلت ما هو أيسرُ من ذلك! فذلك قوله: ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩١]، أي: هؤلاء لهم عند الله في الآخرة عذابٌ موجع\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، \" أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه\" (٤).\nقال الطبري: \" وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق ينصره، فيستنقذه من الله ومن عذابه كما كانوا ينصرونه في الدنيا على من حاول أذَاه ومكروهه\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه\" (٦).\nالفوائد:\n١ - أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء يمنعه من عذاب الله.\n٢ - أن الأمر يسير على المؤمن لأنه يفتدي من عذاب الله بما هو أقل من ملء الأرض ذهبا، فإنه إذا آمن وقام بالعمل الصالح، وادى الواجبات نجا من هذا العذاب مع أقل بكثير من ملء الأرض ذهبا.\n٣ - إثبات العذاب لهؤلاء الكفار، وأن هذا العذاب عذاب شديد مؤلم.\n٤ - أن هذا الألم ألم بدني وألم نفسي، لأنهم مع العذاب الشديد العظيم على البدن يعذبون عذابا نفسيا، وذلك بالتوبيخ والإهانة.\n٥ - أنه لا ناصر لهؤلاء الكفار، حتى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله تلقى في نار جهنم إهانة لها وإذلالا لها وإهانة لعابديها وإذلالا لهم.\nالقرآن\n﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]\nالتفسير:\nلن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون، وأي شيء تتصدقوا به مهما كان قليلا أو كثيرًا فإن الله به عليم، وسيجازي كل منفق بحسب عمله.\nقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، \" أي: لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من أفضل أموالكم\" (٧).\nقال الطبري: أي: \"لن تنالوا –أيها المؤمنون- جنة ربكم، حتّى تتصدقوا مما تحبون من نفيس أموالكم\" (٨).\nقال الحسن: يعني: \"من المال\" (٩).\nقال قتادة: \" يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوَوْن من أموالكم\" (١٠).\nوفي تفسير ﴿البرّ﴾ [آل عمران: ٩٢]، أقوال:\nأحدها: أنه الجنة. قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، وعمر بن ميمون (١٣)، والسدّي (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤ - ٥٨٥.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٣٨٤): ص ٦/ ٥٨٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٩٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٣٩٠): ص ٦/ ٥٨٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٣٨٩): ص ٦/ ٥٨٧ - ٥٨٨.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٩.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٣٨٦): ص ٦/ ٥٨٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٣٨٨): ص ٦/ ٥٨٧.","vol":"6","page":188},{"text":"والثاني: انه الطاعة. قاله عطاء (١).\nوالثالث: أنه الخير. قاله أبو روق (٢).\nوالرابع: انه التقوى. قاله مقاتل بن سليمان (٣).\nوالخامس: ان المعنى: لن تكونوا أبرارا. قاله الحسن (٤).\nقال الطبري: \" قال كثير من أهل التأويل ﴿البر﴾: الجنة (٥)، لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة\" (٦).\nقال مجاهد: \" كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أنْ يبتاع له جارية من جَلولاء يوم فُتحت مدائن كسرى في قتال سَعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فقال: إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾، فأعتقها عمر وهي مثْل قول الله ﷿: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٨]، و﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر: ٩] \" (٧).\nوقال أنس بن مالك: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، أو هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\\ الحديد: ١١]، قال أبو طلحة، يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صَدَقة، ولو استطعت أن أجعله سرًّا لم أجعله علانية! فقال رسول الله ﷺ: اجعلها في فقراء أهلك\" (٨).\nوعن عمرو بن دينار قال: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾، جاء زيدٌ بفرس له يقال له: \" سَبَل \" إلى النبي ﷺ، فقال: تصدَّق بهذه يا رسول الله. فأعطاها رسول الله ﷺ ابنه أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدّق به! فقال رسول الله ﷺ: قد قُبلتْ صَدَقتك\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]، أي: \" ومهما تنفقوا من شيء فتتصدقوا به من أموالكم، فإن الله ذو علم بذلك كله، فيجازي صاحبه عليه في الآخرة\" (١٠).\nقال قتادة: \" يقول: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ شاكرٌ له\" (١١).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعنى: عالم به، يعنى: بنياتكم\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" أي فإنّ الله يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - الحث على الإنفاق مما يحبه الإنسان.\n٢ - إثبات الأسباب، لأن الله أثبت للبر سببا وهو الانفاق مما نحب.\n٣ - عموم علم الله ﷿، لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٩.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٩.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٠.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٠٩.\n(٥) قاله السدي وعمرو بن ميمون. انظر: تفسير الطبري (٧٣٨٦) - (٧٣٨٨): ص ٦/ ٥٨٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨٧.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٣٩٢): ص ٦/ ٥٨٨.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٣٩٤): ص ٦/ ٥٨٩. والحديث رواه أحمد في المسند: (١٢١٧٠).\n(٩) أخرجه الطبري (٧٣٩٧): ص ٦/ ٥٩٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨٨.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٣٩١): ص ٦/ ٥٨٨.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٠.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١١١.","vol":"6","page":189},{"text":"٤ - إثبات الجزاء، وأن كل انسان سيجازي بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\n٥ - جواز إنفاق المرء جميع ماله، بناء على أن ﴿من﴾ للجنس، وهي مسألة اختلف فيه العلماء، والأفضل أن لاتتصدق بجميع المال، لقول النبيﷺ-: \"إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس\" (١).\nالقرآن\n﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]\nالتفسير:\nكل الأطعمة الطيِّبة كانت حلالا لأبناء يعقوب ﵇ إلا ما حرَّم يعقوب على نفسه لمرض نزل به، وذلك مِن قبل أن تُنَزَّل التوراة. فلما نُزِّلت التوراة حرَّم الله على بني إسرائيل بعض الأطعمة التي كانت حلالا لهم; وذلك لظلمهم وبغيهم. قل لهم -أيها الرسول-: هاتوا التوراة، واقرؤوا ما فيها إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل فيها تحريم ما حرَّمه يعقوب على نفسه، حتى تعلموا صدق ما جاء في القرآن من أن الله لم يحرم على بني إسرائيل شيئًا من قبل نزول التوراة، إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nاحدها: قال السدي: \" \" قالت اليهود: إنما نحرِّم ما حرّم إسرائيل على نفسه، وإنما حرّم إسرائيل العرُوق (٢)، كان يأخذه عِرق النَّسا، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار، فحلف لئْن الله عافاه منه لا يأكل عِرْقًا أبدًا، فحرّمه الله عليهم ثم قال: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾، ما حرَّم هذا عليكم غيري ببغيكم، فذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٦٠] \" (٣).\nوالثاني: وقال الضحاك: \" إسرائيل هو يعقوب، أخذه عرق النسا فكان لا يَبيتُ الليل من وجعه، وكان لا يؤذيه بالنهار، فحلف لئن شفاهُ الله لا يأكل عِرْقًا أبدًا، وذلك قبل نزول التوراة على موسى، فسأل نبيُّ الله ﷺ اليهود: ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتحريم الذي حرَّم إسرائيل. فقال الله لمحمد -ﷺ-: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ إلى قوله: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، وكذبوا وافتروا، لم تنزل التوراة بذلك\" (٤). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٥)، ونقل مقاتل نحوه (٦).\nوالثالث: نقل الثعلبي والواحدي (٧) عن أبي روق والكلبي: \"كان هذا حين قال النبي ﷺ: «أنا على ملة إبراهيم». فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النبي ﷺ: «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحلّه». فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنّه كان محرّما على نوح وإبراهيم هاجرا حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعامِ المحلل لكم اليوم كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ وهو يعقوب عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ \" (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٩٥).\n(٢) العروق جمع العرق وهو كما في \"القاموس\" \"ص ١١٧٢\": \"العظم بلحمه، فإذا أكل لحمه فعراق، أو كلاهما لكليهما\". وانظر \"النهاية\" لابن الأثير \"٣/ ٢٢٠\".\n(٣) أخرجه الطبري (٧٣٩٩): ص ٧/ ٧ - ٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٤٠٠): ص ٧/ ٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٠١)، و(٧٤٠٢): ص ٧/ ١٠.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٠، إذ يقول: \" وذلك أن يعقوب بن إسحاق خرج ذات ليلة، ليرسل الماء في أرضه، فاستقبله ملك فظن أنه لص يريد أن يقطع عليه الطريق فعالجه في المكان الذي كان يقرب فيه القربان يدعى شانير فكان أول قربان قربه بأرض المقدس. فلما أراد الملك أن يفارقه، غمز فخذ يعقوب برجليه ليريه أنه لو شاء لصرعه، فهاج به عرق النساء، وصعد الملك إلى السماء، ويعقوب ينظر إليه فلقي منها البلاء، حتى لم ينم الليل من وجعه، ولا يؤذيه بالنهار، فجعل يعقوب لله﷿- تحريم لحم الإبل وألبانها- وكان من أحب الطعام والشراب إليه- لئن شفاه الله. قالت اليهود جاء هذا التحريم من الله﷿- «في التوراة قالوا:\nحرم الله على يعقوب وذريته» لحوم الإبل وألبانها. قال الله﷿- لنبيهﷺ- قل لليهود ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ فاقرءوها ﴿إن كنتم صادقين﴾ بأن تحريم لحوم الإبل في التوراة، فلم يفعلوا\".\n(٧) انظر: أسباب النزول: ١١٥.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٢.","vol":"6","page":190},{"text":"قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، \" أي كل الأطعمة كانت حلالًا لبني إِسرائيل\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، أي إلا ما حرّمه يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة \" (٢).\nقال الطبري: أي: \"إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنزيل ولا وحي\" (٣).\nأخرج عبدالرزاق من طريق الثوري عن ابن عباس: \" كان إسرائيل أخذه عرق النسا، فكان يبيت له زقاء، فجعل لله عليه إن شفاه ألا يأكل العروق\" فأنزل الله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣]، قال سفيان: «له زقاء» قال: «صياح» \" (٤).\nواختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا - على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء- على قولين (٥):\nأحدهما: لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد.\nوالثاني: باجتهاده من غير إذن، وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد.\nواختلف أهل التفسير في الذي كان إسرائيل حرَّمه على نفسه على أقوال:\nأحدها: أن الذي حرّمه إسرائيل على نفسه العُرُوق. قاله ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وأبي مجلز (٨)، وقتادة (٩).\nوالثاني: أن الذي حرمه لحوم الإبل وألبانُها. وهذا قول الحسن (١٠)، وعبدالله بن كثير (١١)، وعطاء بن ابي رباح (١٢).\nوالثالث: أن الذي حرم: زائدة الكبد والكليتين والشحم إلا ما على الظهور. وهذا قول عكرمة (١٣).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، \" أي: قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها عليَّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروى أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي ﷺ، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه\" (١٥).\nواختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على أقوال:\nأحدها: أنهم حرموه على أنفسهم اتباعًا لإسرائيل. وهذا قول الضحاك (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٩.\n(٤) تفسير عبدالرزاق (٤٣١): ص ١/ ٤٠٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٠٥): ص ٧/ ١١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٤١٢): ص ٧/ ١٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٤٠٧): ص ٧/ ١٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٤٠٨) - (٧٤١٠): ص ٧/ ١٢ - ١٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٤١٦): ص ٦/ ١٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٤١٥): ص ٦/ ١٣ - ١٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٤١٥): ص ٦/ ١٣ - ١٤.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٣.\n(١٤) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٣٨٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٠٠): ص ٧/ ٩.","vol":"6","page":191},{"text":"والثاني: أن اسرائيل حرّمه على نفسه وولده، وذلك حين اصابه عرق النساء. ولم يكن ذلك محرما عليهم في التوراة. قاله عطية (١).\nوالثالث: أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها. وهذا معنى قول السدي (٢).\nوالرابع: أن الله لم يحرّمه عليهم في التوراة، وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة لظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل كلما أصابوا ذنبا عظيما حرّم الله عليهم طعاما طيبا، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ إلى قوله وَإِنَّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. قاله الكلبي (٣).\nقال الماوردي: \" الأول أصح\" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن لله أن يحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء.\n٢ - الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع.\n٣ - أن التوراة منزلة كالقرآن، وهذا يدل على علو الله جل وعلا، وأنه فوق كل شيء، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة.\n٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يقابل الخصم بشيء يقطع نزاعه.\n٥ - ومن هدي الرسول -ﷺ- في علاج عرق النسا، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك؛ \"أن النبي ﷺ كان يصف من عرق النسا ألية كبش عربي، أسود، ليس بالعظيم، ولا بالصغير، يجزأ ثلاثة أجزاء، فيذاب، فيشرب كل يوم جزءا\" (٥). قال أنس: \"فوصفته لأكثر من مائة فشفاهم الله\" (٦).\nوقال الثعلبي: \" روى شعبة أنّه رأى شيخا في زمن الحجاج بن يوسف يقول لعرق النساء: أقسم عليك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لألحقنك بموسى، قال شعبة: فإنّه يقول ذلك ويمسح على ذلك الموضع فيبرأ بإذن الله\" (٧).\nالقرآن\n﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ [آل عمران: ٩٤]\nالتفسير:\nفمَن كذب على الله من بعد قراءة التوراة ووضوح الحقيقة، فأولئك هم الظالمون القائلون على الله بالباطل.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٩٤]، أي: \" فمن كذَب على الله منا ومنكم\" (٨).\nقال مقاتل: \"بأن الله حرمه في التوراة\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" بزعمه أن ذلك كان محرما على بنى إسرائيل قبل إنزال التوراة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٩٤]، أي: \" من بعد مجيئكم بالتوراة وتلاوتها إياها\" (١١).\nقال مقاتل: أي: \"من بعد ذلك البيان\"\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٣٩٩): ص ٧/ ٧ - ٨.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٣ - ١١٤.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(٥) المسند الجامع (٩٦٦): ص ٢/ ١٥٥.\n(٦) المستدرك على الصحيحين: ٢/ ٢٩٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ١٧.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٠.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٣٨٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ١٧.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٠.","vol":"6","page":192},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" ابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة\" (٢).\nقال الصابوني: أي: \" من بعد قيام الحجة ظهور البينة\" (٣).\nوتحتمل الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ في الآية الكريمة أن تكون إلى ثلاثة أشياء (٤):\nأحدها: أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه.\nوالثاني: أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، وزاد في المحرمات فهو الظالم.\nوالثالث: أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئا ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة.\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤]، أي: فأولئك هم\" المعتدون المكابرون بالباطل\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني: فهم الكافرون، القائلون على الله الباطل\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \"المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات\" (٧).\nقال السعدي: \" وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادا وتكبرا وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك انه قال في تفسير هذه الآية: \"وكذبوا وافتروا ولم ينزل التوراة بذلك\" (٩). قال ابن بأبي حاتم: \"يعني بتحريم العروق\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - أنه متى ظهر الحق فحاد الانسان عنه، صار أشد ظلما.\n٢ - أنه لا إثم مع الجهل، لقوله: ﴿من بعد ذلك﴾.\nالقرآن\n﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [آل عمران: ٩٥]\nالتفسير:\nقل لهم -أيها الرسول- صَدَق الله فيما أخبر به وفيما شرعه. فإن كنتم صادقين في محبتكم وانتسابكم لخليل الله إبراهيم ﵇ فاتبعوا ملَّته التي شرعها الله على لسان محمد ﷺ، فإنها الحق الذي لا شك فيه. وما كان إبراهيم ﵇ من المشركين بالله في توحيده وعبادته أحدًا.\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٢٨.\n(٢) الكشاف: ١/ ٣٨٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ١٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ٣٨٦.\n(٨) تفسير السعدي: ١٣٨.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٢٥): ص ٣/ ٧٠٦ - ٧٠٧.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٧٠٧.","vol":"6","page":193},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥]، \" أي: قل يا محمد: صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن\" (١).\nقال الواحدي: \" في هذا وفي جميع ما أخبر به\" (٢).\nقال السمعاني: \" يعني: فيما أخبر وأنزل\" (٣).\nقال مقاتل: \" حين قال الله- سبحانه- ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ (٤) ... إلى آخر الآية، وقالت اليهود والنصارى: كان إبراهيم والأنبياء على ديننا، فقال النبيﷺ- فقد كان إبراهيم يحج البيت وأنتم تعلمون ذلك فلم تكفرون بآيات الله يعني بالحج، فذلك قوله- سبحانه- ﴿قل صدق الله﴾ \" (٥).\nقال الراغب: \" معنى قوله: قل اعتقد وأخبر أن ذلك من قول الله تعالى، وهو صادق، وحقيقة قوله: ﴿صدق الله﴾ إقرار بأن الله قد أخبر، فإنه إذا ثبت كونه من خبره ثبت. كونه صدقا، ونبه أن ما أخبر من قوله: ﴿كل الطعام كان حلا﴾ وسائر ما تقدم صدق، وأنه ملة إبراهيم، وأوجب عليهم اتباعه في تحنفه أي في استقامته\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، أي: \"فاتبعوا ملة الإسلام التي هي ملة إبراهيم \" (٧).\nقال الطبري: أي: \" فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها، أيها الأحزاب، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مِرْية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]، أي: \"مائلًا عن الأديان الزائفة كلها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، أي: و\"لم يكن إبراهيم يشرك في عبادته أحدًا من خلقه\" (١١).\nقال مقاتل: \" يقول: لم يكن يهوديا ولا نصرانيا\" (١٢).\nقال الطبري: \" وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان، غير الحنيفية. قال: لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا\" (١٣).\nقال الراغب: \" وفي قوله: ﴿وما كان من المشركين﴾ تعريض بهم، كأنه قيل: أنتم مشركون في اتخاذ بعضكم بعضا أربابا، وإبراهيم لم يكن مشركا، فإذن ليس دينكم دين إبراهيم، وكما نفى في قوله: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا﴾ أنه منهم نفى في هذه الآية كونه مشركا\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٧.\n(٢) الوجيز: ٢٢٤.\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٢٤١.\n(٤) آل عمران: ٦٧، وتمامها: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٧٢٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ١٨.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ١٨.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٨.\n(١٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٧٢٤.","vol":"6","page":194},{"text":"عن عبد الله بن عمرو قال: \"أفاض جبريل بإبراهيم صلى الله عليهما، فصلى به بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا من منى إلى عرفة فصلى به الصلاتين: الظهر والعصر، ثم وقف له حتى غابت الشمس، ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فنزل بها، فبات وصلى، ثم صلى كأعجل ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، ثم دفع منه إلى منى، فرمى وذبح، ثم أوحى الله تعالى إلى محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين\" (١).\nالفوائد:\n١ - وجود تصديق الله ﷿ في جميع ما اخبر به.\n٢ - وجوب الإيمان بما اخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات.\n٣ - وجوب إتباع ملة إبراهيم، لكن في أصل الشرائع، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، إذ أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم، اما اصلها وهو التوحيد فإن جميع الشرائع تتفق فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\n٤ - الثناء على إبراهيمﷺ- بأنه حنيف وإمام، ولهذا أمرنا باتباعه.\n٥ - انتقاء الشرك عن إبراهيمﷺ- انتقاءا كاملا، لقوله:: ﴿حنيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ويؤخذ من هذا ذم الشرك والنهي عن اتباعه.\nالقرآن\n﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]\nالتفسير:\nإن أول بيت بُني لعبادة الله في الأرض لهو بيت الله الحرام الذي في «مكة»، وهذا البيت مبارك تضاعف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وفي استقباله في الصلاة، وقصده لأداء الحج والعمرة، صلاح وهداية للناس أجمعين.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: ذكر الثعلبي وتبعه الواحدي (٢) وابن ظفر (٣) عن مجاهد (٤): \"تفاخر المسلمون واليهود، فقال اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنّها مهاجر الأنبياء في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ \" (٥).\nوالثاني: قال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن المسلمين واليهود اختصموا في أمر القبلة. فقال المسلمون: القبلة الكعبة. وقالت اليهود: القبلة بيت المقدس. فأنزل الله﷿- أن الكعبة أول مسجد كان في الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض\" (٦).\n\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] \"أي إن أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله: المسجد الحرام الذي هو بمكة\" (٧).\nقال القاسمي: أي لنسكهم وعباداتهم، للبيت الذي في البكة، وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لايخفى\" (٨).\nقال ابن كثير: \" يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده، ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇الذي يَزْعم كل\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٢٦): ص ٣/ ٧٠٧.\n(٢) أسباب النزول: ١١٥.\n(٣) انظر: العجاب: ٣/ ٧١٧.\n(٤) قال السيوطي: ٢/ ٢٦٦: \"أخرج ابن المنذر والأزرقي عن ابن جريج قال: بلغنا\" وذكره. ولم يرفعه إلى مجاهد! .\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٤.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩١.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٨) محاسن التأويل: ١/ ٣٥٥.","vol":"6","page":195},{"text":"من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجِه، ولا يَحجُّون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه\" (١).\nقال البيضاوي: \" والواضع هو الله عزوجل ومعنى وضع الله بيتًا للناس أنه جعله متعبدًا لهم فكأنه قال إن أول متعبد للناس الكعبة\" (٢).\nواختلف في قوله تعالى:: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آلأ عمران: ٩٦]، على أقوال:\nأحدها: أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عندما خلق الله السماء والأرض فخلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الأرض فدحيت الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي (٣).\nوالثاني: أنه أوّل بيت وضع: بني في الأرض. قاله علي بن الحسين (٤).\nوالثالث: أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس (٥).\nوالرابع: أنه أول بيت مبارك، أي: وضع فيه البركة. قاله علي (٦)، والضحاك (٧).\nوالخامس: انه اول بيت وضع للناس يحج إليه لله. قاله ابن عباس أيضا (٨).\nوالسادس: أنه أول بيت جعل قبلة للناس (٩).\nوالسابع: أن معناه: إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه، يدل عليه قوله: ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧]، يعني: مساجدهم وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، وقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] يعني: المساجد. وهذا قول علي (١٠)، والحسن، والكلبي والفراء (١١)، ورجحه ابن كثير (١٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَكَّة﴾ [آل عمران: ٩٦]، أربعة أقاويل:\nأحدها: أن بكة البيت والمسجد، ومكة: الحرم كله، وهذا قول ابن شهاب (١٣)، وضمرة بن ربيعة (١٤)، وإبراهيم (١٥).\nوالثاني: أن بكة هي مكة، وهو الضحاك (١٦)، وأبي عبيدة (١٧).\nوالثالث: أن بكة موضع البيت والمطاف، ومكة غيره في الموضع، يريد القرية، قاله أبو مالك (١٨)، وروي عن عطية وإبراهيم النخعي، وأبي صالح، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٩).\nوالرابع: أن مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. قاله ابن عباس (٢٠).\nوالخامس: أن البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وهذا قول عكرمة (٢١)، وميمون بن مهران (٢٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٧.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٢٨): ص ٣/ ٧٠٧.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٢٩): ص ٣/ ٧٠٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٢٧): ص ٣/ ٧٠٧.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٤.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٨): ص ٣/ ٧٠٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥، والنكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥، والنكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٨): ص ٣/ ٧٠٩.\n(١٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٩): ص ٣/ ٧٠٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١١٥، والنكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٩): ص ٣/ ٧٠٩.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٥): ص ٣/ ٧٠٩.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٧): ص ٣/ ٧٠٩.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٧): ص ٣/ ٧٠٩.","vol":"6","page":196},{"text":"وفي المأخوذ منه بكة أقوال (١):\nأحدها: أنه مأخوذ من الزحمة، يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضًا إذا ازدحموا، فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف. وهذا معنى قول عطاء (٢)، وأبو جعفر (٣).\nوالثاني: أنها سميت بكة، لأنها تَبُكُّ الظلمة، وأعناق الجبابرة، إذ ألحدوا فيها بظلم لم يمهلوا. وهذا قول عبدالرحمن بن الزبير (٤)، ومحمد بن زيد بن مهاجر (٥).\nوالثالث: أن بكة بكت بكا، الذكر فيها كالأنثى. رواه عتبة بن قيس عن ابن عمر (٦).\nوالرابع: إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون من كل جانب حجاجا. قاله عبدالله بن الزبير (٧)، ومقاتل بن حيان (٨).\nوالخامس: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيره. وهذا قول قتادة (٩)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعمرو بن شعيب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٠).\nوقرأ ابن السميقع: \" ﴿وَضَعَ﴾، بفتح الواو والضاد، يعني: وضعه الله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، \" أي: وضع ذلك البيت ذا بركة وهدى للعالمين\" (١٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿مباركا﴾، جعلناه آمنا وجعل فيه الخير والبركة\" (١٣)، \"يعني بالهدى: قبلتهم\" (١٤).\nقال البيضاوي: \" ﴿مباركا﴾: كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيآت ﴿وهدى للعالمين﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم\" (١٥).\nقال المراغي: \" تطلق البركة على معنيين: أحدهما النموّ والزيادة، وثانيهما البقاء والدوام كما يقال تبارك الله، والبركة والهداية من فضائله الحسية والمعنوية.\nأما الأولى: فهى أنه قد أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شىء مع كونه بواد غير ذى زرع كما قال الله تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة، وأقل ثمنا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة كمصر والشام.\nوأما الثانية: فلأن القلوب تهوى إليه، فتأتى الناس مشاة وركبانا من كل فج عميق لأداء المناسك الدينية من الحج والعمرة، ويولّون وجوههم شطره في صلاتهم وربما لا تمضى ساعة من ليل أو نهار إلا وهناك ناس يتوجهون إليه، ولا شك أن هذه الهداية من أشرف أنواع الهدايات.\nوكل هذا ببركة دعوة إبراهيم صلوات الله عليه ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ \" (١٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٠.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٨٣٢): ص ٣/ ٧٠٨.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٨٣٤): ص ٣/ ٧٠٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٨٣١): ص ٣/ ٧٠٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٠): ص ٣/ ٧٠٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٠): ص ٣/ ٧٠٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٣): ص ٣/ ٧٠٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٣٣): ص ٣/ ٧٠٩.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١١٤.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٣٤٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٤٠): ص ٣/ ٧١٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٤١): ص ٣/ ٧١٠.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٢٧٥.\n(١٦) تفسير المراغي: ٤/ ٧ - ٨.","vol":"6","page":197},{"text":"قال السعدي: \" ﴿مباركا﴾ أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ ﴿وهدى للعالمين﴾ والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله ﴿فيه آيات بينات﴾ \" (١).\nوفي تفسير العالمين قولان:\nأحدهما: أن الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعة عشر ألف عالم من الملائكة على الأرض، والأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته. قاله أبو العالية (٢).\nوالثاني: أن العالمين ألف أمة ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وهذا قول تبيع (٣).\nالفوائد:\n١ - ان أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة التي في مكة، فيكون سابقا على بيت المقدس، وآخر بيت وضع للعبادة: المسجد النبوي، وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال كما ورد في الحديث (٤).\n٢ - أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله، لذلك قال أهل العلم أن المسجد القديم لإقامة الجماعة أفضل من المسجد الحديث.\n٣ - فضيلة هذا البيت لكونه اول بيت وضع للناس للعبادة.\n٤ - أن هذا البيت مبار قدرا وشرعا، وأنه هدى ومنار للعالمين، يهتدون به ويهتدون إليه، ويؤمونه في عباداتهم.\nالقرآن\n﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]\nالتفسير:\nفي هذا البيت دلالات ظاهرات أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرَّفه، منها: مقام إبراهيم ﵇، وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل، ومن دخل هذا البيت أَمِنَ على نفسه فلا يناله أحد بسوء. وقد أوجب الله على المستطيع من الناس في أي مكان قَصْدَ هذا البيت لأداء مناسك الحج. ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خَلْقه.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: \" ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾، قالت اليهود: فنحن المسلمون! فأنزلَ الله ﷿ لنبيه ﷺ يحُجُّهم أنْ: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ \" (٥).\nوالثاني: ونقل ابن حجر من طريق ليث بن اسلم عن مجاهد: \"آية فرقت بين المسلمين وأهل الكتاب لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: [قد أسلمنا] (٦) فنزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية فقالوا: لا نحجه أبدًا\" (٧).\nوالثالث: ونقل ابن حجر عن سعيد بن المسيب: \"نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ \" (٨).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٣٨.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٨٤٣): ص ٣/ ٧١٠.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٨٤٤): ص ٣/ ٧١٠.\n(٤) انظر: صحيح البخاري (١١٨٩)، وصحيح مسلم (١٣٩٧).\n(٥) تفسير الطبري (٧٣٥٧): ص ٦/ ٥٧١.وانظر: (٧٣٥٦)، و(٧٣٥٨): ص ٦/ ٥٧١.\n(٦) ما بين المعقوفين هو ما ترجح عند المحقق، وفي \"الدر المنثور\" \"٢/ ٢٧٦\": \"فنحن مسلمون\".\n(٧) العجاب: ٢/ ٧١٩.\n(٨) العجاب: ٢/ ٧٢٠. ولم اجد هذه الرواية في تفسير سفيان المطبوع.","vol":"6","page":198},{"text":"والرابع: أخرج الطبري عن الضحاك: \" لما نزلت آية الحج، جَمع رسول الله ﷺ أهلَ الأديان كلَّهم فقال: يا أيها الناس، إن الله ﷿ كتب عليكم الحج فحجُّوا، فآمنتْ به ملة واحدة، وهي من صدّق النبيّ ﷺ، وآمن به، وكفرَتْ به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل الله ﷿: ﴿ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: \" في المسجد الحرام دلائل واضحات منها: مقام إبراهيم\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عَظَّمه وشرفه، قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، يعني: الذي لَمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت، حتى أخّره عُمَر بن الخطاب، ﵁، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّوَّاف، ولا يُشَوِّشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] \"\" (٣).\nقال الماوردي: \" الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام: أمن الخائف، وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه، وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه، وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل \" (٤).\nوقرأ ابن عباس: \" ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾، يعني بها: مقام إبراهيم، يراد بها: علامة واحدةٌ\" (٥).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، على أقوال:\nأحدها: أن ﴿مقام إبراهيم﴾، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨)، والشعبي (٩).\nالثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (١٠)، وروي عن ابن عباس (١١)، مجاهد (١٢)، والشعبي (١٣)، نحو ذلك.\nالثالث: أنه الحرم كله (١٤). وهو قول مجاهد (١٥)، والنخعي (١٦)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (١٧) عن ابن عباس (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧٥١٥): ٧/ ٤٩ - ٥٠. قال المناوي في \"الفتح السماوي\" \"١/ ٣٨٩\": \"وهو معضل وجويبر متروك الحديث ساقط. قاله الحافظ بن حجر\" في \"الكافي الشافي\" \"ص ٢٩\" كما بينه المحقق و\"١/ ٣٩١\" من طبعته مع \"الكشاف\" نشر دار الكتاب العربي.\n(٢) أيسر التفاسير: ١/ ٣٤٩.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٩.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٤١١.\n(٥) تفسير الطبري ٧/ ٢٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٠): ص ٢/ ٣٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٩٩١): ص ٢/ ٣٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٢): ص ٢/ ٣٣.\n(٩) انظر: العيون للماوردي: ١/ ١٨٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٣): ص ٢/ ٣٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٥): ص ٢/ ٣٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٤): ص ٢/ ٣٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٦): ص ٢/ ٣٣.\n(١٤) الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٤٨ ب، البسيط للواحدي: ١/ ٨٦ أ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١١٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٨): ص ٢/ ٣٤.\n(١٦) هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، ثقة فقيه، ورع عابد، كان يرسل ويدلس، توفي عام: ٩٦ هـ. انظر: تهذيب الكمال للمزي: ٢/ ٢٣٣، المراسيل لابن أبي حاتم: ٨، جامع التحصيل للعلائي: ١٦٨، تهذيب التهذيب لابن حجر: ١/ ١٧٧.\n(١٧) هو: أبو صالح باذان، ويقال: باذام مولئ أم هانئ، تابعي صاحب تفسير، متكلم فيه: وثقه العجلي، وقال ابن معين: لا بأس به، وأبى رد حديثه يحمى القطان، وروى عنه شعبة وروايته عنه تعديل كما يقول ابن تيمية. وترك حديثه ابن مهدي والجوزجاني وأبو حاتم والنسائي، واتهمه الأزدي بالكذب، وقال الحافظ: ضعيف يدلس. انظر: الضعفاء للنسائي: ٢٣، الضعفاء للبخاري: ٢٣، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ١/ ٤٣٧، مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٢٤/ ٣٥٠، تهذيب الكمال للمزي: ٤/ ٦، تهذيب التهذيب لابن حجر: ١/ ٤١٦.\n(١٨) لم أهتدِ إلى من ذكر قول ابن عباس هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح. وقد عزاه لابن عباس القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١١٣، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٤١، والكوكباني في تفسير المنان: ٢/ ١٢٩٢، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٢٢٣ عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم، لكن الذي عند ابن أبي حاتم في التفسير: ١/ ٣٧١ رقم: ١٢٠٧ عن مجاهد عن ابن عباس، وهو الذي أورده ابن كثير في التفسير: ١/ ٢١١، والعيني في عمدة القاري: ٩/ ٢١٢.","vol":"6","page":199},{"text":"الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢).\nثم هؤلاء ذكروا وجهين (٣):\nأحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (٤)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (٥)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (٦).\nإذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (٧):\nومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل\nوقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٩٩٩): ص ٢/ ٣٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١١٩٩): ص: ١/ ٢٢٦.\n(٣) انظر: تفسير الرازي: ٤/ ٤٥ - ٤٦.\n(٤) هو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه في البخاري-فتح-: ٦/ ٤٥٦ - ٤٥٨ رقم: ٣٣٦٤، وقول جابر وقتادة وسعيد بن جبير. انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥٣، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣٧٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١، جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤ - ٣٥.\n(٥) انظر: البخاري-فتح-: ٦/ ٤٥٦ - ٤٥٨ رقم: ٣٣٦٤.\n(٦) انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤٢، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٥٣، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨١، وتفسير للطبري: ٣/ ٣٤ - ٣٥.\n(٧) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٧٣). وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٧ - ٤١٨).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" اختلف المؤرخون: هل كان الحجر الذي كان يرفع عليه إبراهيم (ص) بناءَ الكعبة لاصقًا بالكعبة، أو كان منفصلًا عنها في مكانه الآن؛ فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقًا بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا الموضع عمر بن الخطاب ﵁؛ وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة؛ أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي ﷺ فالظاهر أنه لا يجوز أن يغير؛ لأن النبي ﷺ أقره؛ وإذا أقره النبي ﷺ فليس لنا أن نؤخره عنه؛ وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة بناءً على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أُخِّر؛ وهذا لا شك أنه لو أُخِّر عن مكانه فيه دفع مفسدة وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في المواسم؛ وفيه نوع مفسدة وهي أنه يبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم؛ فهذه المصالح متعارضة هنا: هل الأولى بقاؤه في مكانه؟ أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يبقى ما كان على ما كان، وحذرًا من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة؛ ومسألة تضييق المصلين على الطائفين هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت؛ أو بالمنع بالقهر إذا لم تفد؛ وفي ظني أنها قلّت في السنوات الأخيرة بعض الشيء؛ لأن الناس صار عندهم وعي\". (انظر: تفسيره: ٢/ ٢٢).","vol":"6","page":200},{"text":"وثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (١)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (٢).\nوقال ابن جبير ناقدًا هذا القول: \"ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه\" (٣).\nخامسا: وقال آخرون: بل ﴿مقام إبراهيم﴾، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥)، والسدي (٦).\nوالراجح: أن المقام هو (الحجر) (٧) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (٨) (٩) من حديث جابر (١٠)، وعند البخاري أيضًا (١١).\nكما اختلفوا في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]، على وجوه:\nأحدها: أن الآيات، هي: مقام إبراهيم والمشعر الحرام ونحو ذلك. قاله ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣).\nوالثاني: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم، ومن دخله كانَ آمنا. وهذا قول الحسن (١٤).\nوالثالث: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم. وهذا قول السدي (١٥)، ومجاهد (١٦) –في إحدى الروايات عنه- على قراءة التوحيد (١٧).\nوالراجح-والله أعلم- أن الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم، ومنهن الحجرُ، ومنهن الحطيمُ (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٢): ص ٢/ ٣٥ - ٣٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١٣، وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٤٢: ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤١٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١١٩٩): ص ١/ ٢٢٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٠): ص ٢/ ٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠١): ص ٢/ ٣٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٠٢): ص ٢/ ٣٥.\n(٧) وقد اختار ذلك أيضًا وصوبه: الطبري في جامع البيان: ٣/ ٣٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١١٢، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ١٨٧، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٤١، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٤٠، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٠٥، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢١٣، وقد حكى اتفاق المحققين عليه الرازي في مفاتيح الغيب: ٤/ ٥٣، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٨١.\n(٨) هو: أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، إمام حافظ، ثقة حجة، عالم بالفقه، صاحب الصحيح، توفي عام: ٢٦١ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: ٥/ ١٩٤، سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٥٥٧، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٨٨، وكلاهما للذهبي، تقريب التهذيب لابن حجر: ٩٣٨.\n(٩) أخرجه مسلم في صحيحه: ١/ ٨٨٦ - ٨٨٧ رقم: ١٢١٨ وفيه: (حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ثم نفذ إلى مقام إبرا هيم﵇فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت).\n(١٠) هو: أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي-بفتحتين-صحابي ابن صحابي، أحد المكثرين من الرواية، شهد العقبة وتسعة عشر غزوة، ولم يشهد بدرًا واحدًا، منعه أبوه، توفي عام: ٧٨ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة لابن الأثير: ١/ ٣٠٧، الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ ٢١٩، تهذيب الكمال للمزي: ٤/ ٤٤٣، الإصابة لابن حجر: ١/ ٤٣٤.\n(١١) انظر: البخاري في جامعه-فتح-: ١/ ٦٠١ رقم: ٤٠٢ من حديث أنس عن عمر قال: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (وَاتَّخذُوا من مَّقَام إبرَاهيمَ مُصَلَّى) ... الحديث).\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٤٤٨): ص ٧/ ٢٦ - ٢٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٤٤٩): ص ٧/ ٢٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٠): ص ٧/ ٢٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥١): ص ٧/ ٢٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٢)، و(٧٤٥٣): ص ٧/ ٢٧ - ٢٨.\n(١٧) أي: ﴿فيه آية بينة﴾.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨.","vol":"6","page":201},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: \" ومن يدخله من الناس مستجيرًا به، يكن آمنًا حتى يخرج منه\" (١). وهذه آية أخرى.\nقال ابن كثير: \" يعني: حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية\" (٢).\nقال الماوردي: \" معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ\" (٣).\nوأما في \"الأمن\" ففيه قولان:\nأحدهما: أنه من النار، وهذا قول يحيى بن جعدة (٤).\nوالثاني: من القتال بحظر الإيجال على داخليه، وأما الحدود فتقام على من جنى فيه. وهو قول قتادة (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن (٧)، والسدي (٨)، وعطاء (٩)، وعبيد بن عمير (١٠)، وعامر (١١)، والشعبي (١٢).\nواختلفوا في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان (١٣):\nأحدهما: تقام عليه، وهو مذهب الشافعي.\nوالثاني: لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه، وهذا قول ابن عباس (١٤)، وابن عمر (١٥)، ومجاهد (١٦)، وهو مذهب أبي حنيفة.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، \" أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق\" (١٧).\nقال الطبري: أي: \" وفرضٌ واجبٌ لله على من استطاع من أهل التكليف السبيلَ إلى حجّ بيته الحرام الحج إليه\" (١٨).\nقال ابن كثير: \" هذه آية وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والأول أظهر، وقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّة واحدة بالنص والإجماع\" (١٩).\nوفي الاستطاعة إلى الحج أربعة أقاويل:\nأحدها: أنها بالمال، وهي الزاد والراحلة، قاله عمر بن الخطاب (٢٠)، وابن عباس (٢١)، والحسن (٢٢)، وعمرو بن دينار (٢٣)، وعطاء (٢٤)، والسدي (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، وهو قول الشافعي (٢٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٧٩.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٤١١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٤٧٢): ص ٧/ ٣٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٤): ص ٧/ ٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٦): ص ٧/ ٣٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٨): ص ٧/ ٣٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٤٧١): ص ٧/ ٣٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٨): ص ٧/ ٣٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٤٦٤): ص ٧/ ٣٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٤٦٥): ص ٧/ ٣٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٤٦٦): ص ٧/ ٣٢.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٩)، و(٧٤٦٠)، و(٧٤٦١)، و(٧٤٦٢): ص ٧/ ٣١ - ٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٦٣): ص ٧/ ٣٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٥٩): ص ٧/ ٣١.\n(١٧) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(١٨) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧.\n(١٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٤٧٤): ص ٧/ ٣٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٧٤٧٦): ص ٧/ ٣٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٧٤٨٢): ص ٧/ ٣٩.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٧٤٧٥): ص ٧/ ٣٧ - ٣٨.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٧٤٧٩): ص ٧/ ٣٨.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٨٠): ص ٧/ ٣٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٨١): ص ٧/ ٣٨.\n(٢٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١١.","vol":"6","page":202},{"text":"واستندوا على قولهم بما رواه ابن عمر: \"قام رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» \" (١).\nوالثاني: أنها بالبدن، وهي الصحة، قاله عكرمة (٢)، وهو قول مالك (٣).\nوالثالث: أنها بالمال والبدن، وهذا معنى قول ابن زيد (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥).\nوالرابع: أن السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقةُ للوصول إليه بغير مانع ولا حائل. وهذا قول ابن الزبير (٦)، والضحاك (٧)، وعطاء (٨)، وعامر (٩)، والحسن (١٠) -في إحدى الروايات عنهم،\nوالراجح-والله أعلم- إنّ أداء الحج على قدر الطاقة، \"لأن \" السبيل \" في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانعَ له منه من زَمانة، أو عَجز، أو عدوّ، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، أو ضعف عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزيه إلا أداؤه. فإن لم يكن واجدًا سبيلا أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقًا الحجَّ، بتعذُّر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعه. لأن الاستطاعة إلى ذلك، هو القدرة عليه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، \"أي: من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" ومن جَحد ما ألزمه الله من فرض حَجّ بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غنيّ عنه وعن حجه وعمله، وعن سائر خَلقه من الجن والإنس\" (١٣).\nقال الجزائري: أي: و\"من كفر بالله ورسوله وحج بيته بعد ما ذكر من الآيات والدلائل الواضحات فإنه لا يضر إلا نفسه، أما الله تعالى فلا يضره شيء وكيف وهو القاهر فوق عباده والغني عنهم أجمعين\" (١٤).\nقال أبو صالح: \" فرض الله الحج على الناس، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين\" (١٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وجوه:\nأحدها: يعني: من كفر بزعمه أن الحج ليس بفرض عليه، وهو قول ابن عباس (١٦)، والحسن (١٧)، ومجاهد (١٨)،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٤٨٤): ص ٧/ ٣٩. قال الطبري: \" فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنه: \" الزاد والراحلة \"، فإنها أخبار: في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدّين\". [تفسير الطبري: ٧/ ٤٥].\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٧): ص ٧/ ٤٤.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٨): ص ٧/ ٤٤ - ٤٥.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٢): ص ٧/ ٤٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٣): ص ٧/ ٤٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٤): ص ٧/ ٤٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٥): ص ٧/ ٤٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩٦): ص ٧/ ٤٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧.\n(١٤) أيسر التفاسير: ١/ ٣٥٠.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٧٧): ص ٣/ ٧١٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠٠): ص ٧/ ٤٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠٤)، و(٧٥٠٧): ص ٧/ ٤٧، ٤٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠٥): ص ٧/ ٤٧.","vol":"6","page":203},{"text":"والضحاك (١)، وعطاء (٢)، وعطية العوفي (٣)، وعمران القطان (٤).\nوالثاني: هو لا يرى حَجَّهُ برًا ولا تركه مأثمًا، وهو أحد قولي ابن عباس (٥)، ومجاهد –في إحدى الروايات (٦)، والحسن (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، وزيد بن أسلم (٩).\nوالثالث: أن المعنى: ومن كفر بالله واليوم الآخر. وفي المعنيين قولان:\nالقول الأول: أنهم اليهود، لأنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ﴾، فقالوا نحن مسلمون فأُمِرُوا بالحج فلم يحجوا، فأنزل الله هذه الآية. وهذا معنى قول عكرمة (١٠)، وسعيد بن المسيب (١١).\nالقول الثاني: أنهم الملل الكافرة من أهل الأديان كلها، ممن لم يؤمنوا بالحج ولم يصلوا ولم يستقبلوا البيت، وهذا قول الضحاك (١٢)، وروي عن مجاهد (١٣)، وعامر (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعكرمة (١٦) -في إحدى الروايات عنهما، نحو ذلك.\nوالرابع: أن المعنى: ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم. وهذا قول ابن زيد (١٧).\nوالخامس: أن المعنى: ومن كفر بالبيت. وهذا قول عطاء بن ابي رباح (١٨)، والضحاك في إحدى الروايات (١٩).\nوالسادس: أن كفره بالبيت: تركه إياه حتى يموت. وهذا قول السدي (٢٠).\nوالراجح أن معنى قوله: ﴿ومن كفر﴾، أي: \" ومن جحد فرضَ ذلك وأنكرَ وُجوبه، فإن الله غني عنه وعن حَجه وعن العالمين جميعًا\" (٢١). والله أعلم.\nقال ابن الجوزي: \" قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، قال السدي: «هذا الكلام تضمن وجوب الحج على جميع الخلق الغني والفقير والقادر والعاجز، ثم نسخ في حق عادم الاستطاعة بقوله: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾»، قلت: وهذا قوله قبيح، وإقدام بالرأي الذي لا يستند إلى معرفة اللغة العربية التي نزل بها القرآن على الحكم بنسخ القرآن، وإنما الصحيح ما قاله النحويون كافة في هذه الآية، فإنهم قالوا: (من) بدل من (الناس) وهذا\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠١): ص ٧/ ٤٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠٢): ص ٧/ ٤٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٣): ص ٣/ ٧١٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠٣): ص ٧/ ٤٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٥١٢): ص ٧/ ٤٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٥٠٩): ص ٧/ ٤٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٢): ص ٣/ ٧١٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٢): ص ٣/ ٧١٥.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣٥٧): ص ٦/ ٥٧١.وانظر: (٧٣٥٦)، و(٧٣٥٨): ص ٦/ ٥٧١.\n(١١) انظر: العجاب: ٢/ ٧٢٠.\n(١٢) تفسير الطبري (٧٥١٥): ٧/ ٤٩ - ٥٠. قال المناوي في \"الفتح السماوي\" \"١/ ٣٨٩\": \"وهو معضل وجويبر متروك الحديث ساقط. قاله الحافظ بن حجر\" في \"الكافي الشافي\" \"ص ٢٩\" كما بينه المحقق و\"١/ ٣٩١\" من طبعته مع \"الكشاف\" نشر دار الكتاب العربي.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٥١٤): ص ٧/ ٤٩، والعجاب: ٢/ ٧١٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٥١٦): ص ٧/ ٥٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٦): ص ٣/ ٧١٦.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٥): ص ٣/ ٧١٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧٥١٩): ص ٧/ ٥٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٥٢٠): ص ٧/ ٥١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٤): ص ٣/ ٧١٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٥٢١): ص ٧/ ٥١.\n(٢١) تفسير الطبري: ٧/ ٥١.","vol":"6","page":204},{"text":"بدل البعض (١)، كما يقول: ضربت زيدا برأسه، فيصير تقدير الآية: ولله على من استطاع من الناس الحج أن يحج\" (٢).\nالفوائد:\n١ - أن في هذا البيت آيات ظاهرة لكل احد، منها ﴿مقام إبراهيم﴾، ومنها: أن من دخله كان آمنا، ومنها فريضة حجه على جميع الناس، فإنها آيات تدل بأن هذا البيت أشرف البيوت.\n٢ - أن الآيات كما تكون شرعية، تكون كذلك حسية كونية.\n٣ - التنويه بفضل إبراهيم في قوله: ﴿مقام إبراهيم﴾.\n٤ - وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام.\n٥ - أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت عند الله، ودليله أن القتال في مكة محرم، لكنهم إذا أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أبيحت دماؤهم، فقال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١].\n٦ - وجوب حج البيت من استطاع إليه سبيلا، وأن الحج لا يجب على غير المستطيع، والاستطاعة تكون بالمال أو البدن أو بهما جميعا.\n٧ - بيان غنى الله ﷿ عن كل احد، وأن العالمين مفتقرون إليه، وليس بهم غنى عن الله.\nالقرآن\n﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾ [آل عمران: ٩٨]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: لِمَ تجحدون حجج الله التي دلَّتْ على أن دين الله هو الإسلام، وتنكرون ما في كتبهم من دلائل وبراهين على ذلك، وأنتم تعلمون؟ والله شهيد على صنيعكم. وفي ذلك تهديد ووعيد لهم.\nفي سبب نزول [الآيات: ٩٨ - ١٠١]:\nقال محمد بن إسحاق: \"وحدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: وأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع: ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ \" (٣).\n_________\n(١) انظر تفسير الكشاف للزمخشري ١/ ٤٤٨.\n(٢) نواسخ القرآن: ٣٢٨.ولم يتعرض لدعوى النسخ المؤلف في زاد المسير كما لم يذكره أصلا أمهات كتب النسخ، إنما نقل هذا القول الضعيف عن السدي، هبة الله بن سلامة في ناسخه ص: ٣٩، بقوله: ثم استثنى فصار ناسخا.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٧٨): ص ٣/ ٧١٦. وأخرجه الطبري (٧٥٢٤): ص ٧/ ٥٦ - ٥٦ مطولا، ونص الرواية: \" عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شأسُ بن قيس وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، عظيمَ الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه. فغاظه ما رأى من جَماعتهم وألفتهم وصَلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملأهم بها، من قرار! فأمر فَتى شابًّا من يهودَ وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار وكان يوم بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس على الخزرج ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس - وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ! ! موعدُكم الظاهرة والظاهرةُ: الحَرَّة فخرجوا إليها. وتحاوز الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغَ ذلك رسولَ الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: \" يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رَسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدوِّ الله شَأس بن قيس وما صنع. فأنزل الله في شأس بن قيس وما صنع: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرُون بآيات الله والله شهيدٌ على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا﴾ الآية. وأنزل الله ﷿ في أوس بن قَيْظيّ وجبّار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس بن قيس من أمر الجاهلية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ إلى قوله: ﴿أولئك لهم عذابٌ عظيم﴾ \".\nقال الواحدي في أسباب النزول: ص ١١٧: \" قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله - ﷺ - فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله - ﷺ - فما رأيت قط يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم\".","vol":"6","page":205},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٨]، أي: \" يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم، لم تجحدونُ حجج الله التي آتاها محمدًا في كتبكم وغيرها، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوَّته وحُجته\" (١).\nقال السدي: \" أما ﴿آيات الله﴾، فمحمد ﷺ\" (٢).\nوفي إحدى الروايات عن السدي: \" ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يقول: لما تكفرون بالحج\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨]، \" أي: والله مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها\" (٤).\nقال الحسن: \" هم اليهودُ والنصارى\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أمر النبيﷺ- أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، فيتفرغ أن كل من يكفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ.\n٢ - إثبات شهادة الله تعالى على كل ما يعمل بنو آدم، لقوله: ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾، لأن ﴿ما﴾، اسم موصول يفيد العموم.\n٣ - تهديد من يكفر بآيات الله، لأن الله سوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك.\n٤ - إحاطة الله تعالى بكل شيء، وأنه وسع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من اعمال بني آدم.\n٥ - ومن الفوائد أن الله لايؤاخذ العبد بحديث النفس، لقوله: ﴿شهيد على ما تعملون﴾، كما صح ذلك عن رسول اللهﷺ-: \"إن الله تجاوز عن امتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم\" (٦).\nالقرآن\n﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: لِمَ تمنعون من الإسلام من يريد الدخول فيه تطلبون له زيغًا وميلا عن القصد والاستقامة، وأنتم تعلمون أن ما جئتُ به هو الحق؟ وما الله بغافل عما تعملون، وسوف يجازيكم على ذلك.\nفي سبب تزول الآية:\nإن هذه الآية من فصل كامل يعالج حدث الإغراء بين الأوس والخزرج يمتد من الآية (٩٨) إلى (١٠٥) من سورة آل عمران.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه مَنْ آمَنَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ِ، أي: يا أهل الكتاب\" لمَ تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإِيمان به؟ \" (٧).\nقال الطبري: أي: يا أهل الكتاب\" لم تضِلُّون عن طريق الله ومحجَّته التي شرَعها لأنبيائه وأوليائه وأهل الإيمان\" (٨).\nقال الربيع: \" لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله ﷺ\" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٥٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٥٢٢): ص ٧/ ٥٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٧٩): ص ٣/ ٧١٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٠): ص ٣/ ٧١٦، والطبري (٧٥٢٣): ص ٧/ ٥٢.\n(٦) رواه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٥٢.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٣): ص ٣/ ٧١٧.","vol":"6","page":206},{"text":"قال الحسن: \"هم اليهود والنصارى\" (١).\nعن ابن عباس: \" قوله: ﴿تصدون عن سبيل الله﴾ قال: عن دين الله\" (٢).\nوقرأ الحسن: ﴿تصدون﴾، بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان (٣).\nقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]، \" أي: تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجّة\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]، وجهان من التفسير:\nأحدهما: أنهم (أي اليهود والنصاراى) كانوا إذا سألهم أحد: هل تجدون محمدا؟ قالوا: لا. فصدوا الناس عنه وبغوا محمدا عوجا: هلاكا. قاله السدي (٥).\nوالثاني: أنه يعني: ترجون بمكة غير الإسلام. وهذا قول أبي مالك (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩]، \" أي: وأنتم عالمون بأن الإِسلام هو الحق والدين المستقيم\" (٧).\nقال أبو جعفر: \" وأنتم شهداء على ذلك فيما تقرأون من كتاب الله أن محمدا رسول الله وأن الإسلام دين الله، تجدون ذلك في التوراة والإنجيل\" (٨).\nقال الطبري: \" يعني: شهداء على أنّ الذي تصدّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلمونه وتجدونه في كتبكم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩]، أي: \" وليس الله بغافل عن أعمالكم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون\" (١١).\nالفوائد:\n١ - امر رسول اللهﷺ- ان يوبخ أهل الكتاب على عداوتهم على الغير، وذلك بالصد عن سبيل الله.\n٢ - أن من صدّ عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من اهل الكتاب (اليهود والنصارى).\n٣ - سوء القصد من اهل الكتاب، إذ يبغون أن تكون سبيل الله عوجا، وهم يعلمون بأنهم على باطل وان الحق في خلافهم، لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار.\n٤ - إثبات إحاطة الله تعالى بكل شيء علما ورقابة.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ [آل عمران: ١٠٠]\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا جماعة من اليهود والنصارى ممن آتاهم الله التوراة والإنجيل، يضلوكم، ويلقوا إليكم الشُّبَه في دينكم; لترجعوا جاحدين للحق بعد أن كنتم مؤمنين به، فلا تأمنوهم على دينكم، ولا تقبلوا لهم رأيًا أو مشورة.\nاختلف في سبب نزول الآية على قولين:\nأحدهما: قال محمد ابن إسحاق: \" حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: وأنزل في أويس ابن قيظي وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا مما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب﴾ \" (١٢). وري عن مجاهد نحو ذلك (١٣).\n\nوالثاني: وقال السدي: \" نزلت في ثعلبة بن عَنمة الأنصاري، كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهوديٌّ من قَيْنُقاع، فحمَل بعضَهم على بعضٍ، حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاحَ فيقاتلوا، فأنزل الله ﷿: ﴿إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾، يقول: إن حملتم السلاحَ فاقتتلتم، كفرتم\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٠٠]، أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله\" (١٥).\nقال ابن عباس: \" ما في القرآن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه\" (١٦).\nوقال الأعمش عن خيثمة: \" ما تقرأون من القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإن في التوراة \"يا أيها المساكين\" (١٧).\nوروي أن \"رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، أي: \" إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتابَ من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به\" (١٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨١): ص ٣/ ٧١٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٢): ص ٣/ ٧١٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٥٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٨٤): ص ٣/ ٧١٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٨٥): ص ٣/ ٧١٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٩٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٧): ص ٣/ ٧١٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٥٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٥٤.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٣): ص ٣/ ٧١٨، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٨٧٨): ص ٣/ ٧١٦. وأخرجه الطبري (٧٥٢٤): ص ٧/ ٥٦ - ٥٦ مطولا، ونص الرواية: \" عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شأسُ بن قيس وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، عظيمَ الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه. فغاظه ما رأى من جَماعتهم وألفتهم وصَلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملأهم بها، من قرار! فأمر فَتى شابًّا من يهودَ وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار وكان يوم بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس على الخزرج ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس - وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ! ! موعدُكم الظاهرة والظاهرةُ: الحَرَّة فخرجوا إليها. وتحاوز الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغَ ذلك رسولَ الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: \" يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رَسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدوِّ الله شَأس بن قيس وما صنع. فأنزل الله في شأس بن قيس وما صنع: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرُون بآيات الله والله شهيدٌ على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا﴾ الآية. وأنزل الله ﷿ في أوس بن قَيْظيّ وجبّار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس بن قيس من أمر الجاهلية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ إلى قوله: ﴿أولئك لهم عذابٌ عظيم﴾ \".\nقال الواحدي في أسباب النزول: ص ١١٧: \" قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله - ﷺ - فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله - ﷺ - فما رأيت قط يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم\".\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٥٣٠): ص ٧/ ٥٩، وابن ابي حاتم (٣٨٩٤): ص ٣/ ٧١٩.\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٥٢٩): ص ٧/ ٥٨ - ٥٩. وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٢): ص ٣/ ٧١٨. مختصرا.\n(١٥) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٩): ص ٣/ ٧١٨.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٠): ص ٣/ ٧١٨.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩١): ص ٣/ ٧١٨.\n(١٩) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩.","vol":"6","page":207},{"text":"قال مقاتل بن سليمان: \" يعني طائفة من الذين أوتوا الكتاب يعني أعطوا التوراة\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿فريقا﴾: يعني طائفة\" (٢).\nقال الزجاج: \" يعني بالفريق الصنف\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، أي: \"يضلّوكم فيردّوكم بعد إيمانكم جاحدين\" \" (٤).\nقال السدي: \"يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: إن قلدتموهم ردوكم كافرين، أي: وإن كنتم على غير دينهم وكنتم في عقدكم ذلك كافرين فكذلك إن أطعتموهم او اتبعتوهم فأنتم كافرون\" (٦).\nقال السمعاني: \" يعني: يردونكم إلى اليهودية والنصرانية\" (٧).\nقال الطبري: \" فنهاهم جَلّ ثناؤه أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورةً، ويعلِّمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوُون على غِلٍّ وغِش وحسد وبغض\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾: قال: \" فقد تقدم فيهم كما تسمعون، وقد حذركموهم، وأنبأكم بضلالتكم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء والحسدة والضلال، كيف تأتمنون قوما كفروا بكتابهم وقتلوا رسلهم؟ أولئك هم أهل التهمة والعداوة\" (٩).\nالفوائد:\n١ - تحذير المؤمنين من طاعة الكفار.\n٢ - أن الكفار ولو كان أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردّوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر، فهم لايرضون منا بما دون الكفر، إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر، لأن الغاية: قال ﴿يردّوكم بعد إيمانكم كافرين﴾. ومن ابرز وسائلهم في ذلك: فتح باب الشهوات والشبهات.\n٣ - أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان.\n٤ - أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكا بالدين ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم.\n٥ - أن من أهل الكتاب من لايحاول إضلال المؤمنين عن الدين، وذلك لقوله: ﴿فريقا﴾.\nالقرآن\n﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١]\nوكيف تكفرون بالله -أيها المؤمنون-، وآيات القرآن تتلى عليكم، وفيكم رسول الله محمد ﷺ يبلغها لكم؟ ومَن يتوكل على الله ويستمسك بالقرآن والسنة فقد وُفِّق لطريق واضح، ومنهاج مستقيم.\nفي سبب نزول الآية: قال ابن عباس: \" كانت بين الأوس والخزرج حرب في الجاهلية كل شيء، فبينما هم يوما جلوس إذ ذكروا ما بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح فنزلت: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾ الآية كلها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، \" أي: كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزّل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حيٌ بين أظهركم؟ \" (١١).\nعن قتادة: \"قوله: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾، قال: علمان بينان: نبي الله وكتاب الله، فأما نبي الله فمضى ﵊، وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله، ونعمة فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، \"أي: من يتمسك بدينه الحق الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم\" (١٣).\nقال الربيع بن أنس: \" والاعتصام هو: الثقة بالله\" (١٤).\nوقال ابن جريج: \" ﴿ومن يعتصم بالله﴾: يؤمن بالله\" (١٥).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه، ومن وثق به أنجاه. قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ \" (١٦).\nوفي: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، أربعة اقوال:\nأحدها: أن\"الصراط المستقيم: كتاب الله ﷿\". رواه علي بن أبي طالب عن رسول اللهﷺ- (١٧).\nوالثاني: أن\" الصراط: الإسلام\". رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول اللهﷺ- (١٨).\nوالثالث: أن \"الصراط المستقيم: هو النبي ﷺ وصاحباه بعده ﵄\". قاله أبو العالية (١٩). قال الحسن: \"صدق أبو العالية ونصح\" (٢٠).\nوالرابع: أن الصراط المستقيم: الحق. وهذا قول مجاهد (٢١).\nالفوائد:\n١ - إستبعاد أن يرتد المؤمن كافرا، وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسولهﷺ-، ورسول اللهﷺ- فينا بسنته.\n٢ - أن كتاب الله وسنة رسولهﷺ- والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر.\n٣ - إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله، لقوله: ﴿آيات الله﴾. وبذلك لا يمكن أن يأتي احد بمثله.\n٤ - الحث على الاعتصام بالله.\n٥ - بشارة من وفق للاعتصام بالله بأنه مهدي إلى الطريق القويم.\n٦ - أن دين الله ﷿ دين مستقيم.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٢.\n(٢) تفسير ابن ألبي حاتم (٣٨٩٦): ص ٣/ ٧١٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٤٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩ - ٦٠.\n(٥) أخرجه ابن ألبي حاتم (٣٨٩٧): ص ٣/ ٧١٩.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٤٨.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٣٤٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٦٠.\n(٩) تفسير ابن ألبي حاتم (٣٨٩٥): ص ٣/ ٧١٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٨): ص ٣/ ٧٢٠.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٩): ص ٣/ ٧٢٠.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٠٠): ص ٣/ ٧٢٠.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٠١): ص ٣/ ٧٢٠.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٠١٢): ص ٣/ ٧٢٠.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٠٣): ص ٣/ ٧٢١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٠٤): ص ٣/ ٧٢١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٠٥): ص ٣/ ٧٢١.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٠٥): ص ٣/ ٧٢١.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٠٦): ص ٣/ ٧٢١.","vol":"6","page":208},{"text":"التفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه، خافوا الله حق خوفه: وذلك بأن يطاع فلا يُعصى، ويُشكَر فلا يكفر، ويُذكَر فلا ينسى، وداوموا على تمسككم بإسلامكم إلى آخر حياتكم; لتلقوا الله وأنتم عليه.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدها: قال عكرمة: \" إن هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مخرج النبي ﷺ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ \" (١).\nوالثاني: نقل الثعلبي عن عطاء: \" إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين ما لي أوذى في أهلي». يعني الطعن في قصة الإفك، وقال: «ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي».\nفقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.\nفقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢]، أي: \" يا معشر من صدّق الله ورسوله\" (٣).\nقال مقاتل بن سليمان: \"يعني الأنصار\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أي: اتقوا الله تقوى حقة\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه، حقّ خوفه، وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويُذكر فلا يُنسى\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وجوه:\nأحدها: معناه: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. قاله عبدالله ابن مسعود (٨)، وروي عن \"مرة الهمداني والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون، والحسن، وطاوس، وقتادة، وإبراهيم النخعي وأبي سنان، والسدي\" (٩)، ومقاتل بن سليمان (١٠) نحو ذلك.\nوالثاني: المعنى: أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وهذا قول ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢).\nوالثالث: هو أن يعترفوا بالحق في الأمن والخوف (١٣).\nوالرابع: هو أن يُطَاع، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٩٠٧): ص ٣/ ٧٢١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٦٤.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٦٤.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٤٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٠٨): ص ٢/ ٧٢٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٠٨): ص ٢/ ٧٢٢، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٦١.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩١٠): ص ٢/ ٧٢٢.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦١.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٣.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٣.","vol":"6","page":210},{"text":"والخامس: أنه لا يتق الله العبد حق تقاته، حتى يخزن من لسانه. وهذا قول أنس (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، \"أي: تمسكوا بالإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإِسلام\" (٢).\nقال طاوس: أي: \" على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام\" (٣).\nوقال المفضل: \"المحسنون الظن بالله\" (٤).\nقال الزجاج: أي: \" كونوا على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك\" (٦).\nواختلفوا في نسخ الآية على قولين:\nأحدهما: أنها محكمة، وهو قول ابن عباس (٧)، وطاووس (٨).\nوالثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦]، وهو قول قتادة (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، وزيد بن أسلم (١١)، وأبي العالية (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، والربيع بن أنس (١٤)، والسدي (١٥)، وابن زيد (١٦)، ومقاتل بن سليمان (١٧).\nقال سعيد بن جبير: \" لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فنسخت الآية الأولى\" (١٨). وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التفسير (١٩).\nوروي عن أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي: \" إنها نسختها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] \" (٢٠).\nوقال مقاتل: \"وليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذا\" (٢١).\nالفوائد:\n١ - وجوب تقوى الله حق تقاته للأمر بذلك.\n٢ - العناية والاهتمام بالتقوى، يؤخذ من تصديره بالنداء.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٠٩): ص ٣/ ٧٢٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٥٦١): ص ٧/ ٧٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦١.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٤٨.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩١٠): ص ٢/ ٧٢٢، وتفسير الطبري (٧٥٥٣): ص ٧/ ٦٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩١٣): ص ٢/ ٧٢٣، وتفسير الطبري (٧٥٥٤): ص ٧/ ٦٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٥٥٦): ص ٧/ ٦٨.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(١٣) أانظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٥٥٨): ص ٧/ ٦٩.\n(١٥) نظر: تفسير الطبري (٧٥٥٩): ص ٧/ ٦٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٠): ص ٧/ ٦٩.\n(١٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٢.\n(١٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٩١١): ص ٣/ ٧٢٢.\n(٢١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦١.","vol":"6","page":212},{"text":"٣ - أن ترك التقوى من نواقص الإيمان.\n٤ - وجوب البقاء على الاسلام والمبادرة به.\n٥ - أن المدار على الخاتمة، لقوله: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، لذلك يجب علينا أن نطهر قلوبنا دائما لكي يختم لنا بحسن الخاتمة، لأنه ليست العبرة بكثرة الصلاة والصوم إذا كان قلبه خربا، لأن الصلاة من أعمال الجوارح فكل انسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة، ولكن الكلام على عمل القلب، فيجب الحرص على اصلاح القلوب.\nالقرآن\n﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]\nالتفسير:\nوتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم. واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم –أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم بفضله إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار. وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم; لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها.\nقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، \"أي: وتمسكوا بدين الله وكتابه جميعًا\" (١).\nقال الطبري: أي: \" وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله\" (٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ستة أقوال:\nأحدها: الحبل: القرآن، وهو قول ابن مسعود (٣)، وقتادة (٤)، والسدي (٥)، والضحاك (٦).\nروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله -ﷺ- قال: \"كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ\" (٧).\nوالثاني: أنه دين الله وهو الإسلام، وهذا قول ابن زيد (٨).\nوالثالث: أنه عهد الله، وهو قول مجاهد (٩)، وعطاء (١٠). وهو مروي عن قتادة أيضا (١١).\nكما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي بعهد وذمة (١٢).\nوالرابع: هو الإخلاص لله والتوحيد، وهو قول أبي العالية (١٣).\nوالخامس: هو الجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٧٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٦): ص ٧/ ٧٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٤): ص ٧/ ٧١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٧): ص ٧/ ٧٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٥٧١): ص ٧/ ٧٢.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٥٧٢): ص ٧/ ٧٢. وفي اسناده عطية العوفي، وهو ضعيف.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٥٧٤): ص ٧/ ٧٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٨): ص ٧/ ٧٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٩): ص ٧/ ٧٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩١٩): ص ٣/ ٧٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٥٧٣): ص ٧/ ٧٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٢)، و(٧٥٦٣): ص ٧/ ٧١.","vol":"6","page":213},{"text":"والسادس: أنه طاعة الله. قاله الحسن (١).\nو\"الحبل\"، يطلق على السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان \"حبلا\"، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (٢):\nوَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَها\nومنه قول الله ﷿: ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٢] (٣).\nقال الماوردي: \"وسُمَّي ذلك حبلًا لأن المُمْسِكَ به ينجو مثل المتمسك بالحبل ينجو من بئر أو غيرها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: \" ولا تتفرقوا عن دين الله\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وجهان:\nأحدهما: عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، وهذا قول ابن مسعود (٦)، وقتادة (٧).\nوالثاني: عن رسول الله -ﷺ- (٨).\nقال ابن كثير: \" أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلم من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَالِ\" (٩) \" (١٠).\nعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"افترقت بنوا إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله: ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة. قال: فقبض يده ثم قال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، \"أي: اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب\" (١٢).\nعن ابن عباس قوله: \" ﴿نعمت الله﴾، يقول: عافية الله\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، \" أي حين كنتم قبل الإسلام أعداء الداءً فألف بين قلوبكم بالإِسلام وجمعكم على الإِيمان\" (١٤).\nقال السدي: أما: ﴿إذ كنتم أعداء﴾، ففي حرب ابن سُمَير (١٥)، ﴿فألف بين قلوبكم﴾، بالإسلام\" (١٦).\nقال قتادة: \"، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩١٧): ص ٣/ ٧٢٤.\n(٢) ديوانه: ٢٤، ومشكل القرآن: ٣٥٨، والمعاني الكبير: ١١٢٠، واللسان (حبل) وغيرها.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٧٠ - ٧١.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٤١٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٥٦٢)، و(٧٥٦٣): ص ٧/ ٧١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٥٧٥): ص ٧/ ٧٤.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٤.\n(٩) صحيح مسلم برقم (١٧١٥).\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٩.\n(١١) أ×رجه ابن أبي حاتم (٣٩١٥): ص ٣/ ٧٢٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٢١): ص ٣/ ٧٢٤.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(١٥) قال الطبري: \" أنّ مبدأ العداوة التي هيَّجت الحروب التي كانت بين قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأوَّلها، كان بسبب قتل مَولى لمالك بن العجلان الخزرجيّ، يقال له: \" الحرُّ بن سُمَير \" من مزينة، وكان حليفًا لمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد ﷺ\". [تفسير الطبري: ٧/ ٨٤].\n(١٦) أخرجه الطبري (٧٥٨٨): ص ٧/ ٨٢.\n(١٧) أخرجه الطبري (٧٥٨٢): ص ٧/ ٧٧.","vol":"6","page":214},{"text":"واختلف فيمن أريد بهذه الآية على قولين:\nأحدهما: أنهم مشركو العرب لِمَا كان بينهم من الصوائل، وهذا قول الحسن (١).\nوالثاني: أنهم الأوس والخزرج لِمَا كان بينهم من الحروب في الجاهلية حتى تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإسلام فتركت تلك الأحقاد، وهذا قول ابن إسحاق (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: \": فأصبحتم بتأليف الله ﷿ بينكم بالإسلام إخوانا متصادقين\" (٣).\nقال قتادة: \" وذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانًا\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، \" أي: وكنتم مشرفين على الوقوع في نارجهنم فأنقذكم الله منها بالإِسلام\" (٥).\nقال الربيع بن أنس: \" يقول: كنتم على الكفر بالله، \" فأنقذكم منها \"، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام\" (٦).\nقال السدي: \" يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، فبعث الله محمدا ﷺ فاستنقذكم به من تلك الحفرة\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" أنقذكم الله من الشرك إلى الإيمان\" (٨).\nقال الحسن: أي: \"العصبية\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" على حرف حُفرةٍ من النار. وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، \" أي: مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات\" (١١).\nقال السدي: \" ﴿كذلك﴾، يعني: هكذا\" (١٢).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني ما بيّن في هذه الآية\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \"كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، فكذلك يبين لكم سائر حججه\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: لأجل أن تهتدوا\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي: لتكونوا على رجاء هدايته\" (١٦).\nقال الطبري: أي: \" لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٥٨٤): ص ٧/ ٧٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٨٤.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٥٩٠): ص ٧/ ٨٤ - ٨٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٥٩٢): ص ٧/ ٨٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٥٩٣): ص ٧/ ٨٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٢): ص ٣/ ٧٢٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٥٩٤): ص ٧/ ٨٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٨٥.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٠٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٣): ص ٣/ ٧٢٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٤): ص ٣/ ٧٢٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٨٩.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٦٠٠.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٤٥١.\n(١٧) تفسير الطبري: ٧/ ٨٩.","vol":"6","page":215},{"text":"قال أبو مالك: \"لعلّ: أي: كي\" (١).\nالفوائد:\n١ - وجوب الاجتماع على شرع الله، لقوله: ﴿جميعا﴾.\n٢ - وجوب التحاكم إلى شرع الله، لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المحكّم.\n٣ - أن الإجتماع عصمة.\n٤ - تحريم التفرق بين القلوب.\n٥ - وجوب تذكر نعمة الله، لأن الغفلة عن تذكر النعمة يسلتزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب.\n٦ - إن من اكبر نعم الله على الأمة أن يؤلف بين قلوبها، وبالنتيجة يصبح الناس إخوانا، لأن الروابط الدينية أقوى من الروابط النسبية.\n٧ - أن التفرقة علامة على الشقاء وسلب النعمة.\n٨ - أن الله تعالى خالق لعمل العبد، لقوله: ﴿فأنقذكم﴾، لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاق هذا الانقاذ إلى المبني على العمل إلى نفسه، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق العبد وخالق عمل العبد، فالعبد مخلوق في ذاتع وإرادته وعمله، قال تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦].\n٩ - إثبات العقوبة بالنار.\nالقرآن\n﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]\nالتفسير:\nولتكن منكم -أيها المؤمنون- جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهى عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وأولئك هم الفائزون بجنات النعيم.\nقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: \" لتكن منكم جماعة\" (٢).\nقال الكلبي: \"يعني: جماعة\" (٣).\nوقال مقاتل: \" يعني: عصبة\" (٤).\nقال الزجاج: يعني: \" ولتكونوا كلكم أمة\" (٥).\nقال الضحاك: \" قال \" هم أصحاب رسول الله ﷺ خاصة وهم الرواة \" (٦).\nقال مقاتل بن حيان: \" ليكن منكم قوم، يعني: واحد أو اثنين أو ثلاث نفر فما فوق ذلك\" (٧). وفي رواية أخرى له: \" قوله: ﴿أمة﴾، يقول: إماما يقتدى به كما قال لإبراهيم كان أمة قانتا يقول: إماما مطيعا لربه يقتدى به\" (٨).\nقال الأخفش: \" و\"أمة\" في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال ﴿يدعون﴾ \" (٩).\nقال أبو عبيدة: \" قال \" الأمة هاهنا الجماعة، والأمة في أشياء سوى هاهنا: الإمام الذي يؤتم به \" وقوله ﴿وادكر بعد أمة﴾ معناه: \" بعد قرن\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٥): ص ٣/ ٧٢٦.\n(٢) تفسير السعدي: ١٤٢.\n(٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٥٢.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٧٨٤): ص ١/ ٣٢٥.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٦): ص ٣/ ٧٢٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٧): ص ٣/ ٧٢٧.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٢٨.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (٧٨٣): ص ١/ ٣٢٤.","vol":"6","page":216},{"text":"قال الماتريدي: قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، \" يحتمل أن يكون هذا خبرا في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمرا؛ فإن كان خبرا ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: ﴿منكم أمة. . .﴾ الآية.\nويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعا، ويكون قوله: ﴿منكم﴾ - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على كل أحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمة ﴿وينهون عن المنكر﴾ الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: رولتكن منكم أمة. . .﴾ الآية، ومنها قوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾، وذم من تركهما بقوله: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.\nوروي عن عكرمة أن ابن عباس - ﵄ - قال له: \" قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء. . .﴾، فقال لي: أصبت\" (١).\nفاستدل ابن عباس ﵁ - بهذه الآية على أن الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: \"يدعون الناس إلى الإسلام وشرائعه\" (٣).\nقال مقاتل بن حيان: \" إلى الإسلام\" (٤).\nقال السمرقندي: \" ويقال: إلى جميع الخيرات\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: ويأمرون \"بكل معروف\" (٦).\nقال المظهري: \" اى ما عرف من الشرع حسنه واجبا كان او مندوبا\" (٧).\nقال الكلبي: يعني باتباع محمد -ﷺ-\" (٨).\nقال مقاتل بن حيان: \" يأمرون بطاعة ربهم\" (٩).\nقال أبو العالية: \" كل آية يذكرها الله في القرآن، فذكر الأمر بالمعروف، فالأمر بالمعروف أنهم دعوا إلى الله وحده وعبادته لا شريك له، دعاء من الشرك إلى الإسلام\" (١٠).\nقال الراغب: \" المعروف: ما يستحسنه العقل ويرد به الشرع\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" يأمرون الناس باتباع محمد ﷺ ودينه الذي جاء به من عند الله\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] أي: وينهون \"عن كل منكر\" (١٣).\nقال المظهري: \" يعنى: ما أنكره الشرع من المحرمات والمكروهات\" (١٤).\nوقال ابن أبي زمنين: \" يعني: الشرك بالله\" (١٥).\nقال السمرقندي: \" يعني: الجبت والطاغوت. ويقال: المنكر، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة. ويقال: ما لا يصلح في العقل\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٤٨ - ٣٣٩، وأحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤١.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٩٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٨): ص ٣/ ٧٢٧.\n(٥) تفسير السرمقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٣٧٤.\n(٧) تفسير المظهري: ٢ ق ١/ ١١٤.\n(٨) تفسير السرمقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٤٠): ص ٣/ ٧٢٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٣٩): ص ٣/ ٧٢٧.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٧٧٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ٩١.\n(١٣) محاسن التأويل: ٢/ ٣٧٤.\n(١٤) تفسير المظهري: ٢ ق ١/ ١١٤.\n(١٥) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٠٨.\n(١٦) تفسير السرمقندي: ١/ ٢٣٦.","vol":"6","page":217},{"text":"قال الطبري: \": يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله، بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة\" (١).\nقال مقاتل بن حيان: \" وينهون عن معصيته، يعني: معصية ربهم\" (٢).\nقال أبو العالية: \" كل آية ذكر الله في القرآن، فذكر النهي عن المنكر، النهي عن عبادة الأوثان والشيطان\" (٣).\nوروي عن سفيان الثوري أنه قال: \" إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلًا يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء\" (٤).\nقال بعض أهل العلم: \" إنما أمر بعض الناس بقوله، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم. ويقال: إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال ﵊: «إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ» (٥).\nوروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: \"بحسب امرئ إذا رأى منكرًا، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره. \" (٦).\nوروي عن بعض الصحابة أنه قال: \"أن الرجل إذا رأى منكرًا، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه\" (٧).\nوقال الزمخشري: قوله ﴿ولتكن منكم أمة﴾، \"من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على من الإنكار عليه عبث، كالإنكار على أصحاب المآصر (٨) والجلادين وأضرابهم. وقيل «من» للتبيين، بمعنى: وكونوا أمة تأمرون، كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون﴾ \" (٩).\nقال الراغب: \" المنكر: ما يستقبحه العقل ويحظره الشرع، وعلى ذلك يقال للسخاء المعروف في نحو قول الشاعر (١٠):\nولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل\" (١١).\nوقرأ ابن الزبير: «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم»، (١٢). ورويت أيضا عن عثمان بن عفان وابن مسعود (١٣).\nقال ابن الأنباري: \"هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن عفان قرأ: \"ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٩١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٤٢): ص ٣/ ٧٢٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٤١): ص ٣/ ٧٢٧.\n(٤) تفسير السرمقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٥) أخرجه مسلم ١/ ٦٩، كتاب الإيمان، حديث رقم: ٤٩، والبيهقي في \"الكبرى\" ١٠/ ٩٠.\n(٦) تفسير السرمقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٧) تفسير السرمقندي: ١/ ٢٣٦.\n(٨) جمع مأصر، وهو المحبس أى السجن.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(١٠) البيت من شواهد الراغب في تفسيره: ٢/ ٧٧٠، ولم أتعرف على قائله.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٧٧٠.\n(١٢) سنن سعيد بن منصور (٥٢١): ص ٣/ ١٠٨٤.\n(١٣) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٠٨٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٤٨٦.","vol":"6","page":218},{"text":"على ما أصابهم\"، فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن؛ إذْ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين\" (١).\nقال ابن عطية: \"فهذا [الوجه من القراءة]، وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: أولئك \"هم الفائزون\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: والذين ذكرناهم المفلحون، والمفلح الفائز بما يغتبط به\" (٤).\nقال ابن عباس: \" أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" المنجحون عند الله الباقون في جناته ونعيمه\" (٦).\nقال السعدي: أي: \" الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب\" (٧).\nالفوائد:\n١ - وجوب الدعوة إلى الخير، وأن ذلك على الكفاية.\n٢ - الإخلاص في الدعوة، لقوله: ﴿يدعون إلى الخير﴾، لا لأنفسهم.\n٣ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى وإن كان بالقلب كما ورد في الحديث، عن أبي سهيد الخدري: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان \" (٨).\n٤ - الحث على العلم، لأنه يمكن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا العالم بالخير والمعروف والمنكر.\n٥ - فضيلة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]\nالتفسير:\nولا تكونوا -أيها المؤمنون- كأهل الكتاب الذين وقعت بينهم العداوة والبغضاء فتفرَّقوا شيعًا وأحزابًا، واختلفوا في أصول دينهم من بعد أن اتضح لهم الحق، وأولئك مستحقون لعذابٍ عظيم موجع.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، \"أي: ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين واختلفوا فيه، من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات\" (٩).\nقال الحسن: \" هم اليهود والنصارى \" (١٠).\nقال الثعلبي: \" قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة\" (١١).\nقال الربيع: \" هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا، كما تفرق واختلف أهل الكتاب\" (١٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" يقول للمؤمنين: لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا يعني اليهود \" ﴿من بعد ما جاءهم البينات﴾ يقول: \" تفرقوا واختلفوا من بعد موسى، فنهى الله المؤمنين أن يتفرقوا بعد نبيهم كفعل اليهود\" (١٣).\nقال ابن عباس: \" ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله\" (١٤).\nقال مقاتل بن سليمان: \" فوعظ الله المؤمنين لكي لا يتفرقوا، ولا يختلفوا كفعل أهل الكتاب\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي لا تكونوا كأهل الكتاب، يعني به إليهود والنصارى وكتابهم جميعا التوراة، وهم مختلفون، كل فرقة منهم - وإن اتفقت في باب النصرانية أو اليهودية - مختلفة أيضا، كالنصارى الذين هم نسطورية ويعقوبية وملكانية، فأمر الله بالاجتماع على كتابه، وأعلم أن التفرق فيه يخرج أهله إلى مثل ما خرج إليه أهل الكتاب في كفرهم\" (١٦).\nقال ابن كثير: \" ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم\" (١٧).\nقال الماتريدي: \" و﴿البينات﴾: هي الحجج التي أتى بها، ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة رسولنا محمد - ﷺ - ونعته الشريف، ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلا عليه، وداعيا إليه، ولا قوة إلا بالله\" (١٨).\nقال الراغب: \" التفرق على ثلاثة أضرب: تفرق بالأبدان، وتفرق بالأقو ال والأفعال، وتفرق بالاعتقادات، وكذلك الاختلاف؛ إلا أن الأظهر في الاختلاف أن يكون بالأقوال والأفعال والاعتقادات، وفي التفرق أن يكون بالأبدان، وذكر تعالى اللفظين، ليبين أن أهل الكتاب تجادلوا بكل ذلك\" (١٩).\nقال الشافعي: \" الاختلاف وجهان:\nأحدهما: فما كان لله فيه نص حكم، أو لرسوله سنة، أو للمسلمين فيه إجماع، لم يسع أحدًا علم من هذا واحدًا أن يخالفه.\nوالثاني: وما لم يكن فيه من هذا واحد، كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له أن يجتهد، وسِعهُ أن يقول بما وجد الدلالة عليه، بأن يكون في معنى كتاب، أو سنة، أو إجماع، فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين، فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره، وَسِعَه أن يقول بشيء، وغيره بخلافه، وهذا قليل إذا نظر فيه\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، أي: \" وأولئك لهم عذاب عظيم يوم القيامة\" (٢١).\nقال البيضاوي: \" وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم\" (٢٢).\nالفوائد:\n١ - النهي عن التفرق، والمراد تفرق القلوب، لأن تفرق الآراء أمر لابد منه، فالناس يتفاوتون في العلم والحفظ والفهم والإيمان والعمل، وهي أسباب اختلاف الناس، عليه فإن الواجب اتفاق القلوب.\n_________\n(١) اللباب في علوم الكتاب: ٥/ ٤٥١.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٤٨٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٥٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٤٣): ص ٣/ ٧٢٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٩١.\n(٧) تفسير السعدي: ١٤٢.\n(٨) صحيح مسلم (١١١٥٠): ص ١٧/ ٢٣٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٦٠٠): ص ٧/ ٩٣ ..\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٣.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٥٩٨): ص ٧/ ٩٢ - ٩٣.\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (٧٨٥): ص ١/ ٣٢٥.\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٥٩٩): ص ٧/ ٩٣.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٣.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٤٥٣.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩١.\n(١٨) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٥١.\n(١٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٧٧٨.\n(٢٠) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٤٨٩.\n(٢١) تفسير السمعاني: ١/ ٣٧٤.\n(٢٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٢.","vol":"6","page":219},{"text":"٢ - إن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق، لأنه أعقب الآية السابقة بهذه الآية.\n٣ - إن التفرق بعد تبيّن الحق، أشد قبحا من التفرق حين خفاء الحق.\n٤ - الوعيد الشديد على الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءه البينات.\n٥ - إن العقاب يختلف باختلاف الجرم، لأنه لمات ان جرم هؤلاء عظيما كان عذابهم عظيما.\nالقرآن\n﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾ [آل عمران: ١٠٦]\nالتفسير:\nيوم القيامة تَبْيَضُّ وجوه أهل السعادة الذين آمنوا بالله ورسوله، وامتثلوا أمره، وتَسْوَدُّ وجوه أهل الشقاوة ممن كذبوا رسوله، وعصوا أمره. فأما الذين اسودَّت وجوههم، فيقال لهم توبيخًا: أكفرتم بعد إيمانكم، فاخترتم الكفر على الإيمان؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم.\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، \" أي: يوم القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالإِيمان والطاعة، وتسود وجوه الكافرين بالكفر والمعاصي\" (١).\nقال السدي: \"بالأعمال والأحداث\" (٢).\nقال ابن عباس: \" تبيض وجوه أهل السنة والجماعة\" (٣)، \"تسود أهل البدع والضلالة\" (٤).\nقال التستري: \" يعني: تبيض وجوه المؤمنين بنور إيمانهم\" (٥).\nقال الواحدي: \" ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ﴾ أَيْ: وجوه المهاجرين والأنصار ومَنْ آمنَ بمحمدٍ ﵇، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ اليهود والنَّصارى ومَنْ كفر به \" (٦).\nقال الماوردي: \" يعني به يوم القيامة، لأن الناس فيه بين مُثَابٌ بالجنة ومُعاقَبٌ بالنار فوصِف وجه المُثَاب بالبياض لإسفاره بالسرور، ووصف وجه المُعَاقَب بالسواد لإنكسافه بالحزن \" (٧).\nقال السمعاني: \" ﴿يوم تبيض وجوه﴾ يعني: بالتوحيد ﴿وتسود وجوه﴾ بالشرك. وقيل: تبيض وجوه بالسنة، وتسود وجوه بالبدعة. وقيل: أراد به: في الدنيا تبيض وجوه بالقناعة، وتسود وجوه بالطمع. والأول أصح، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة﴾ الآية\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين\" (٩).\nقال الراغب: \" ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة، واسودادها عن الغم، وعلى ذلك ﴿ظل وجهه مسودا﴾، ثم قال: ﴿من سوء ما بشر به﴾، وعلى ذلك قوله: ﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة﴾، وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين، وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس، لكونه حقيقة فيه، وهذا خطأ، وذلك لأنه لم يعلم أن ذلك حقيقة فيهما جميعا، فليس الاسوداد والابيضاض أكثر من كيفية عارضة في الوجه، قل ذلك أم كثر، ومعلوم أن من ناله غم شديد يعرض لوجهه - لتبرمه وتكدره -اسوداد في وجهه، وليس قلة السواد والبياض مما يخرج اللفظ عن الحقيقة، ثم حمل الآية على هذا أولى، لأن ذلك حاصل لأهل القيامة باتفاق، سواء كانوا في الدنيا سودانا أو بيضانا، وعلى ذلك ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وقوله: ﴿وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة﴾ \" (١٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (٧٨٦): ص ١/ ٣٢٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٥٠): ص ٣/ ٧٢٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٥١): ص ٣/ ٧٢٩.\n(٥) تفسير التستري: ٥٠.\n(٦) الوجيز: ٢٢٦.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٤١٥.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٣٤٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٩٦.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهامي: ٢/ ٧٨١ - ٧٨٣.","vol":"6","page":220},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، أي: \" وأما أهل النار الذين اسودت وجوههم فيقال لهم: أجحتّم بعد إيمانكم\" (١).\nقال التستري: \" الكافرين بظلم كفرهم\" (٢).\nقال الواحدي: \" لأنَّهم شهدوا لمحمدٍ ﵇ بالنُّبوَّة فلمَّا قدم عليهم كذَّبوه وكفروا به\" (٣).\nوفي هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم أقاويل:\nالأول: أنهم المنافقون، كفروا بعد إظهار الإيمان بالنفاق، وهو قول الحسن (٤).\nوالثاني: أنهم الذين كفروا بالارتداد بعد إسلامهم، وهو قول مجاهد، والسدي (٥)، وقتادة (٦).\nوالثالث: هم الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي - ﷺ- بعد إيمانهم بِنَعْتِهِ ووصفه، وهو قول الزجاج.\nوالرابع: أنهم اليهود. قاله الضحاك (٧).\nوالخامس: هم جميع الكفار لإعراضهم عما يوجبه الإقرار بالتوحيد حين أَشْهَدَهُم الله تعالى على أنفسهم: ﴿أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وهو قول أبي بن كعب (٨)، وابن جريج (٩)، ورجّحه الطري (١٠).\nوالسادس: انهم الخوارج. قاله أبو أمامة (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، \" أي: فذوقوا العذاب الشديد بسبب كفركم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، فقسم مبيضة وجوههم: وهم اهل الإيمان والطاعة، وقسم مسودة وجوههم: وهم أهل الكفر والعصيان.\n٢ - إثبات البعث والجزاء، وهو احد أركان الإيمان.\n٣ - أنه يجمع لهؤلاء الكافرين بين العذاب البدني والنفسي، وذلك بتوبيخهم: ﴿أكفرتم﴾، وقوله: ﴿فذوقوا العذاب﴾.\n٤ - إثبات الأسباب، من قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾، لأن الباء سببية.\nالقرآن\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]\nالتفسير:\nوأما الذين ابيضَّتْ وجوهم بنضرة النعيم، وما بُشِّروا به من الخير، فهم في جنة الله ونعيمها، وهم باقون فيها، لا يخرجون منها أبدًا.\nقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، \"أي: وأما السعداء الأبرار الذين ابيضت وجوههم \" (١٣).\nقال قتادة: \" هؤلاء أهل طاعة الله، والوفاء بعهد الله\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٢) تفسير التستري: ٥٠.\n(٣) الوجيز: ٢٢٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٥): ص ٧/ ٩٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٢): ص ٧/ ٩٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠١): ص ٧/ ٩٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٥٤): ص ٣/ ٧٢٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٤): ص ٧/ ٩٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٥٧): ص ٣/ ٧٣٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٩٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٣): ص ٧/ ٩٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٦٠): ص ٣/ ٧٣٠.","vol":"6","page":222},{"text":"قال أبي بن كعب: \" الذين استقاموا على إيمانهم ذلك وأخصلوا له الدين فبيض وجوههم وأدخلهم في رضوانه وجنته\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، \"أي فهم في الجنة مخلدون لا يخرجون منها أبدًا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \"فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: خالدا أبدا يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، يعني: لا يموتون\" (٦).\nالفوائد:\n١ - أن الذين ابيضت وجوهه في الجنة.\n٢ - أن الرحمة تطلق على غير صفة الله بل على مخلوقاته، والمراد بالرحمة هنا: الجنة.\n٣ - أن أهل الجنة مخلدون فيها، والخلود فيها أبدي لأنه جاء بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.\nالقرآن\n﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾ [آل عمران: ١٠٨]\nالتفسير:\nهذه آيات الله وبراهينه الساطعة، نتلوها ونقصُّها عليك -أيها الرسول- بالصدق واليقين. وما الله بظالم أحدًا من خلقه، ولا بمنقص شيئًا من أعمالهم; لأنه الحاكم العدل الذي لا يجور.\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، أي: \" هذه مواعظ الله وعبره وحججه نقرؤها عليك-يا محمد-، بالصدق واليقين\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" تلك آيات الله الواردة في الوعد والوعيد نتلوها عليك ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه\" (٨).\nقال الواحدي: أي: \"القرآن نبيّنها بالصدق\" (٩).\nقال قتادة: \" ﴿آيات الله﴾: القرآن\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: يقول: بالفضل\" (١١).\nقال الطبري: \" يعني بقوله: ﴿تلك آيات الله: هذه الآيات التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصار رسول الله ﷺ وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده، وبالمبدِّلين دينه، والناقضين عهدَه بعد الإقرار به. ثم أخبر ﷿ نبيه محمدًا ﷺ أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه به: من تسويد وجهه، وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٥٩): ص ٣/ ٧٣٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٩٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٩٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٦١): ص ٣/ ٧٣١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٦٢): ص ٣/ ٧٣١.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٩٧.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٠٠.\n(٩) الوجيز: ٢٢٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٦٤): ص ٣/ ٧٣١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٦٥): ص ٣/ ٧٣١.","vol":"6","page":223},{"text":"ومن جازاه منهم بما جازاه: من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه، بتخليده في دائم نعيمه، فبغير ظلم منه لفريق منهم، بل بحق استوجبوه، وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، \" أي: وما كان الله ليظلم أحدًا من العالمين\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: من أعلم الله أنه يعذبه فباستحقاق يعذبه\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني لا يعذبهم بغير ذنب\" (٤).\nقال الماتريدي: \" أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟ ! وإنما يظلم بنفع تسره إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ونكر ظلما وقال للعالمين على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه\" (٧).\nقال أبو السعود: \" تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمع المعرف والالتفاتُ إلى الإسم الجليل إشعارا بعلة الحكم بيان لكمال نزاهتة ﷿ عن الظلم بما لا مزيدَ عليهِ أي ما يريد فردًا من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقتٍ من الأوقاتِ فضلًا عن أن يظلِمَهم فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النَّفي بحسبِ المقامِ كما أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على دوام الثبوتِ وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلُموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ الخالد كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الله لا يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ \" (٨).\nالفوائد:\n١ - إن القرآن كلام الله تعالى، لأنه تعالى أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿آيات الله﴾.\n٢ - أن من كان وكيلا عن الغير، فله حكم ذلك الذي وكله، لأن الله أضاف التلاوة إليه مع ان التالي رسوله.\n٣ - أن كتاب الله تعالى كله حق ليس فيه باطل، فجميع أحكامه حق، وجميع اخباره حق، وليس فيه تناقض ولا اختلاف.\n٤ - إثبات رسالة النبيﷺ- إ ١ قال: ﴿نتلوها عليك﴾، فيكون المتلو عليه هذه الآيات قطعا رسولا لله رب العالمين.\n٥ - إثبات إرادة الله، لقوله: ﴿وما الله يريد ظلما للعالمين﴾، وهو نفي لإرادة الظلم، إذن فغير الظلم يريده.\n٦ - أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم.\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾ [آل عمران: ١٠٩]\nالتفسير:\nولله ما في السموات وما في الأرض، ملكٌ له وحده خلقًا وتدبيرًا، ومصير جميع الخلائق إليه وحده، فيجازي كلا على قدر استحقاقه.\nفي سبب نزول الآية:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٩٧.\n(٢) انظر: صفوة التفاسير: ٢٠٢. [بتصرف].\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٥٥.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٧.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٥٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٧) الكشاف: ١/ ٤٠٠.\n(٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٠.","vol":"6","page":224},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، أي: ولله تعالى وحده \"ملك السموات والأرض خلقًا وتصرفًا وتدبيرًا\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي: له تعالى وحده من غير شركة أصلا ما فيهما من المخلوقات الفائنة للحصر ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وإيراد كلمة ما إما لتغليب غير العقلاء على العقلاء وإما لتنزيلهم منزلة غيرهم إظهارا لحقارتهم في مقام بيان عظمته تعالى\" (٢).\nقال القاسمي: \" أي له تعالى وحده، من غير شركة، ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا\" (٣).\nقال ابن عباس: \" ثم قال يا محمد لله الخلق كله السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن، ومن فيهن وما بينهن مما يعلم ومما لا يعلم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، أي: \"إلى الله مصير أمر جميع خلقه فيجازي كلا على قدر استحقاقهم منه\" (٥).\nقال السمرقندي: \" يقول: تصير أمور العباد إلى الله في الآخرة\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي إلى حكمه وقضائه لا إلى غيره شركة أو استقلالا ترجع أمور الخلق، فيجازي كلا منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل في ذلك لأحد قط فالجملة مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين وقيل هي معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه فإن كون العالمين عبيده تعالى ومخلوقه ومرزوقه يستدعي إرادة الخير بهم\" (٧).\nالفوائد:\n١ - عموم ملك الله تعالى، لقوله: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾، و﴿ما﴾، موصولة تفيد العموم.\n٢ - انفراد ملك الله تعالى بلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر الذي أفاد الحصر.\n٣ - إثبات السماوات والأرض، وبيان عظمة الله تعالى بخلق هذه المخلوقات العزيمة.\n٤ - أن مرجع الأمور إلى الله وحده.\n٥ - بيان سعة الله تعالى إذ كانت جميع الامور ترجع إليه الدقيقة والجليلة.\nالقرآن\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]\nالتفسير:\nأنتم - يا أمة محمد - خير الأمم وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهون عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وتصدقون بالله تصديقًا جازمًا يؤيده العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله كما آمنتم، لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، منهم المؤمنون المصدقون برسالة محمد ﷺ العاملون بها، وهم قليل، وأكثرهم الخارجون عن دين الله وطاعته.\nفي سبب نزول الآية:\n_________\n(١) أيسر التفاسير: ١/ ١٩١.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٠.\n(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٣٨٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٦٦): ص ٣/ ٧٣١.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٠.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ١٣٨.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٠.","vol":"6","page":225},{"text":"نقل الثعلبي عن عكرمة ومقاتل: \"نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (١). ونقله الطبري عن عكرمة (٢).\nقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: \"أنتم يا أمة محمد خير الأمم أخرجت لأجل الناس\" (٣).\nقال مجاهد: \" أنتم خير الناس للناس\" (٤).\nقال مقاتل بن سليمان: \"يعني خير الناس للناس في زمانكم كما فضل بني اسرائيل في زمانهم\" (٥).\nقال الشافعي: \" ففضيلتهم بكينونتهم من أمته دون أمم الأنبياء قبله\" (٦).\nوفيمن أريد بهذه الآية، أقوال:\nأحدها: أنهم أهل بدر (٧).\nوالثاني: أنهم المهاجرون. قاله ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وقتادة (١٠)، والسدي (١١)، عكرمة (١٢)، والضحاك (١٣).\nوالثالث: أنهم الصحابة. قاله الضحاك (١٤)، وهو معنى قول عمر بن الخطاب (١٥).\nوالرابع: أنهم خير أهل بيت النبي ﷺ. قاله أبو جعفر (١٦).\nوالخامس: أنهم جمع المؤمنين من هذه الأمة (١٧).\nقال أبو السعود: \" وظاهر أن المراد بكل أمة أوائلهم وأواخرهم لاأوائلهم فقط فلا بد أن تكون أعقاب هذه الأمة أيضا داخلة في الحكم\" (١٨).\nقال ابن كثير: \" والصحيح أن هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة، كل قَرْن بحسبه، وخير قرونهم الذين بُعثَ فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية، وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن مُعَاوية بن حَيْدَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنْتُمْ خَيْرُهَا، وأنْتُمْ أكْرَمُ عَلَى اللهِ ﷿» (١٩) \" (٢٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]،، قولان:\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٩): ص ٧/ ١٠١.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٢. [بتصرف].\n(٤) تفسير مجاهد: ٢٥٧.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٥.\n(٦) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٤٩١.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٧): ص ٧/ ١٠١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٦): ص ٧/ ١٠١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٦١٢): ص ٧/ ١٠٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٨): ص ٧/ ١٠١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٠٩): ص ٧/ ١٠١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٦١٣): ص ٧/ ١٠٢.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٦.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٦٩)، و(٣٩٧٠): ص ٣/ ٧٣٢.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٤): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٦، وزاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(١٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧١.\n(١٩) المسند (٤/ ٤٤٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٧) والمستدرك (٤/ ٨٤).\n(٢٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٤.","vol":"6","page":226},{"text":"أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أن معناه: كنتم في اللوح المحفوظ.\nوالثاني: أن معناه: خلقتم وجدتم. ذكرهما الطبري (١) وغيره (٢).\nوالثالث: أن المعنى: كنتم مذ كنتم، ذكره ابن الأنباري (٣).\nوالثاني: أن معنى كنتم: أنتم، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]. وهذا قول الكلبي (٤)، وذكره الفراء (٥)، والزجاج (٦)، والثعلبي (٧).\nقال ابن قتيبة: وقد \"يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي أنتم خير أمّة، وقوله: ﴿وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: وإذ يقول الله يوم القيامة، يدلك على ذلك قوله سبحانه: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، يريد يوم القيامة. أي سيأتي قريبا فلا تستعجلوه، وقوله: ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، أي من هو صبيّ في المهد، وكذلك قوله: ﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وكذلك قوله: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، إنما هو: الله سميع بصير، والله على كل شيء قدير، وقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]، أي فنسوقه\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قولان:\nأحدهما: أن معناه: كنتم خير الناس للناس. قاله أبو هريرة (٩)، وابن عباس (١٠)، وعكرمة (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع بن أنس (١٣)، وعطاء (١٤)، وعطية (١٥).\nوالثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أخرجت (١٦).\nقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: \" تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه \" (١٧).\nقال ابن عباس: \" تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والا قرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه، ولا إله إلا لله أعظم المعروف\" (١٨).\nوروي عن أبي العالية قال: \"التوحيد\" (١٩).\nقوله تعالى: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: \" وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه\" (٢٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ١٠٦.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (٧٩٦): ص ١/ ٣٣٠.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٦.\n(٨) تأويل مشكل القرآن: ١٨٠، وانظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤ - ٣١٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧١): ص ٣/ ٧٣٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٢): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٢): ص ٣/ ٧٣٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٢): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٢): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٢): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٧٢): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(١٧) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٥.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٧٧): ص ٣/ ٧٣٣.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٧٧): ص ٣/ ٧٣٣.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٥.","vol":"6","page":227},{"text":"قال ابن عباس: \" هو التكذيب وهو أنكر المنكر\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قولان:\nأحدهما: أنه شرط في الخيرية، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ومجاهد، والزجاج. والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: \"وتصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: تصدقون توحيد الله\" (٤).\nقال المراغي: \" وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أوّلا، وهم النبي ﷺ وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل، فهم الذين كانوا أعداء، فألف بين قلوبهم، واعتصموا بحبل الله جميعا، وكانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخاف ضعيفهم قويّهم، ولا يهاب صغيرهم كبيرهم، وملك الإيمان قلوبهم ومشاعرهم، فكانوا مسخرين لأغراضه فى جميع أحوالهم، وهذا الإيمان هو الذي قال الله فى أهله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ وقال فيهم أيضا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وما فتئت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما تركتهما إلا باستبداد الملوك والأمراء من بنى أمية ومن حذا حذوهم، وأول من اجترأ منهم على إعلان هذه المعصية عبد الملك بن مروان حين قال على المنبر: من قال لى اتق الله ضربت عنقه وما زال الشر يزداد، والأمر يتفاقم حتى سلبت هذه الأمة أفضل مالها من مزية فى دينها ودنياها بعد الإيمان، وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، \"أي: ولو آمن أهل الكتاب بما أنزل على محمد وصدّقوا بما جاء به، لكان ذلك خيرًا لهم في الدنيا والآخرة\" (٦).\nقال النيسابوري: \" يعني علماء السوء\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، \" أي: منهم فئة قليلة مؤمنة\" (٨).\nقال ابن الجوزي: \" ﴿منهم المؤمنون﴾: من أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه\" (٩).\nقال قتادة: \" استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: والكثرة الكثيرة منهم خارجة عن طاعة الله\" (١١).\nقال ابن الجوزي: \" يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا\" (١٢).\nقال قتادة: \" ذم الله أكثر الناس\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" الفاسقون يعني هم العاصون\" (١٤).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني العاصين يعني اليهود\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٧٨): ص ٣/ ٧٣٤.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٣١٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٧٩): ص ٣/ ٧٣٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٤/ ٢٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٧) تفسير النيسابوري: ٢/ ٢٣٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٣١٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٨١): ص ٣/ ٧٣٤.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(١٢) زاد المسير: ١/ ٣١٥.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٨٢): ص ٣/ ٧٣٤.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٨٣): ص ٣/ ٧٣٤.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٥.","vol":"6","page":228},{"text":"قال الزجاج: \" والفاسق الذي خرج عن أمر الله\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن هذه الأمة خير الأمم، لقوله ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، فـ\"الناس\" عامة تشمل جميع الأمم.\n٢ - أن هذه الأمة فضلت غيرها بالخيرية لوصف ليس في غيرها، وهي أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.\n٣ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ترتب الخيرية عليه.\n٤ - التنديد بأهل الكتاب إذ كفروا بالرسولﷺ- مع أنهم يدّعون أنهم يريدون الخير.\n٥ - أن من أهل الكتاب من هو مؤمن ومنهم من هو فاسق، وهم الاكثرون\"أل\" في قوله ﴿الممنون﴾ للعهد الذهني، يعني الإيمان المعروف عندكم، وهو الإيمان بمحمدﷺ-.\nالقرآن\n﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ [آل عمران: ١١١]\nالتفسير:\nلن يضركم هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب إلا ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والكفر وغير ذلك، وإن يقاتلوكم يُهْزَموا، ويهربوا مولِّين الأدبار، ثم لا ينصرون عليكم بأي حال.\nفي سبب نزول الآية:\nقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن رؤساء اليهود كعب بن مالك، وشعبة، وبحري، ونعمان، وأبا ياسر، وأبا نافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن صوريا. عمدوا إلى مؤمنيهم فآذوهم لإسلامهم وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. فأنزل الله﷿- ﴿لن يضروكم﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، أي: \" لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى باللسان\" (٣).\nقال الثعلبي: \" يعني وعيدا وطعنا. وقيل: دعاء إلى الضلالة. وقيل: كلمة الكفر إن يسمعوها منهم يتأذوا بها\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني باللسان بالسب وغيره، وليس لهم قوة القتال\" (٥).\nقال قتادة: \" لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم\" (٦).\nقال ابن جريج: \" إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب\" (٧).\nقال الحسن: \" تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي يؤذونكم بالبهت والتحريف، فأما العاقبة فتكون للمؤمنين\" (٩).\nقال الطبري: أي: \": لن يضركم، يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمدًا ﷺ شيئا، ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولن يضروكم بذلك\" (١٠).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤٥٦.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٥.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٩.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٩.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ١٣٨.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٦٢٦): ص ٧/ ١٠٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٦٢٧): ص ٧/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٨) أخرجه الطبري ٧٦٢٩): ص ٧/ ١٠٩.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٥٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٨.","vol":"6","page":229},{"text":"قال الماتريدي: \" فيه بشارة لرسول الله - ﷺ - وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١]، أي: \" وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزَموا عنكم، فيولوكم أدبارهم\" (٢).\nقال الزجاج: \" يعني به أهل الكتاب؛ وأعلمهم في هذه الآية أنهم إن قاتلوهم ولوهم الأدبار وسلبوا النصر وكذلك كان أمر إليهود\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني إن أعانوكم في القتال، فلا منفعة لكم منهم لأنهم ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ وينهزمون، ويقال: إن خرجوا إلى قتالكم، وأرادوا قتالكم يولون الأدبار، أي ينهزمون منكم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، أي: \" ثم لا ينصرهم الله\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" ثم لا يكون أحد ينصرهم عليكم أو يدفع بأسكم عنهم، نفي إضرارهم سوى ما يكون بقول وقرر ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتال كانت الدبرة عليهم، ثم أخبر بأنه تكون عاقبتهم العجز والخذلان\" (٦).\nقال السمرقنديأي:: \" لا يُمْنَعون من الهزيمة، فكأنه يحكي ضعفهم عن القتال، يقول: لو كانوا عليكم لا يضرونكم، ولو كانوا معكم لا ينفعونكم، وهذا حالهم إلى يوم القيامة وَهُمْ اليهود ليس لهم شوكة، ولا قوة القتال في موضع من المواضع\" (٧).\nوقرئ: ﴿لا ينصروا﴾، عطفا على يولوا على أن ثم للتراخي في الرتبة، فيكون عدم النصر مقيدا بقتالهم (٨).\nقال ابن الجوزي: \" قال جمهور المفسرين: معنى الكلام: لن يضروكم ضرا باقيا في جسد أو مال، إنما هو شيء يسير سريع الزوال، وتثابون عليه. وهذا لا ينافي الأمر بقتالهم فالآية محكمة على هذا، ويؤكده أنها خبر، والأخبار لا تنسخ.\nوقال السدي: الإشارة إلى أهل الكتاب وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم فنسخت بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ (٩)، والأول أصح\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يضروا المسلمين، وهذا الضمان الإلهي لما كان المؤمنون على الإيمان حقا.\n٢ - أن هؤلاء لاينصرهم الله على المؤمنين، وهو أيضا مشروط بأن نتمسك بديننا عقيدة وقولا وعملا.\nالقرآن\n﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٥٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٥٧.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٩.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٣.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٨.\n(٨) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٣.\n(٩) الآية (٢٦) من سورة التوبة.\n(١٠) نواسخ القرآن: ٣٣٣.وقد ذكر دعوى النسخ في هذه الآية هبة الله بن سلامة في ناسخه ص: ٢٩، ولم يتعرض له غيره من أصحاب أمهات كتب النسخ كما لم يذكر النسخ أحد من الطبري وابن الجوزي، وابن كثير في تفاسيرهم.","vol":"6","page":230},{"text":"جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان; ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.\nقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]، \"أي: ألزمهم الله الذلة والصَّغَار أينما كانوا، فلا يأمنون\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ألزِم اليهود المكذبون بمحمد ﷺ الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين\" (٢).\nقال الحسن: \" أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين\" (٣).\nوعن الحسن أيضا: \" أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية\" (٤).\nقال ابن عباس: \" هم أصحاب القبالات كفروا بالله العظيم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، \" أي: إِلا إذا اعتصموا بذمة الله وذمة المسلمين\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: إلا بذمة من الله، وهو عَقْد الذمة لهم وضَرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، و﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: أي: أمان منهم ولهم، كما في المُهَادَن والمعاهَد والأسير إذا أمَّنَه واحد من المسلمين ولو امرأة، وكذَا عَبْد، على أحد قولي العلماء\" (٧).\nقال قتادة: \" إلا بعهد من الله وعهد من الناس\" (٨). وروي عن ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، والسدي (١١)، والضحاك (١٢)، وعكرمة (١٣)، وابن زيد (١٤)، مثل ذلك.\nقال الطبري: \" وأما ﴿الحبل﴾ الذي ذكره الله في هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام\" (١٥).\nقال الزجاج: \" والحبل العهد، فأعلم الله أنهم بعد عز كانوا فيه يبلغون في الذلة ما لا\nيبلغه أهل مكة، وكانوا ذوي منعة ويسار، فأعلم الله أنهم يذلون أبدا إلا أن يعزوا بالذمة التي يعطونها في الإسلام. وما بعد الاستثناء، ليس من الأول أنهم أذلاء إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه\" (١٦).\nأخرج الطبري عن ابن زيد: \" في قوله: ﴿أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾، قال: إلا بعهد، وهم يهود. قال: والحبل العهد. قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التَّيَّهان لرسول الله ﷺ حين أتته الأنصار في العقبة: أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس، يقول: عهودًا، قال: واليهود لا يأمنون\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ١١٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٦٣١): ص ٧/ ١١١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٨٧): ص ٣/ ٧٣٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٨٦): ص ٣/ ٧٣٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٦٣٣): ص ٧/ ١١١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٦٣٦): ص ٧/ ١١٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٦٣٨٢): ص ٧/ ١١١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٦٣٦): ص ٧/ ١١٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٤١): ص ٧/ ١١٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٦٣٢٥): ص ٧/ ١١١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٦٤٠): ص ٧/ ١١٢.\n(١٥) تفسير الطبري: ٧/ ١١١.\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٤٥٧.","vol":"6","page":231},{"text":"في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله ﷿. وقرأ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ٥٥]، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون، قال الله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُم فِي الأرْضِ أُمَمًا﴾ [سورة الأعراف: ١٦٨]، يهود\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، \" أي: رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله\" (٢).\nقال الربيع بن أنس: \" فحدث عليهم من الله غضب\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه\" (٤).\nقال السمرقندي: \" استوجبوا الغضب من الله تعالى. ويقال: رجعوا بغضب من الله\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: أُلزموا فالتزَمُوا بغضب من الله، وهم يستحقونه\" (٦).\nقال الثعلبي: \" ذمه لهم وتوعده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه\" (٧).\nوفي تفسير: ﴿بَاءُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن معناه: \"استوجبوا\". قاله سعيد بن جبير (٨). وروي عن الضحاك نحو ذلك (٩).\nوالثاني: أي: رجعوا\". وهذا قول الكسائي (١٠).\nوالثالث: أن المعنى: أنهم احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء المأثور: \"أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت\". وهذا قول أبي عبيدة (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، \" أي: لزمتهم الفاقة والخشوع فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: أُلزِموا المسكنة قَدرًا وشَرْعًا\" (١٣).\nقال الطبري: \" ومعنى ﴿المسكنة﴾: ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: \" جعلت عليهم وألزموا الذلة الذل والهوان، و﴿المسكنة﴾: يعني ذي فقر، ومنه سمي الفقير مسكينا لسكونه وقلة حركاته. يقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي أفقر\" (١٥).\nوفي تفسير: ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، قولان:\nأحدهما: أنها الفاقة. قاله أبو العالية (١٦)، وروي عن السدي والربيع بن أنس نحو ذلك (١٧).\nوالثاني: انها الخراج (الجزية). وهذا قول عطية (١٨)، والضحاك (١٩). ويدل عليه قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٦٤٠): ص ٧/ ١١٢ - ١١٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٩٣): ص ٣/ ٧٣٦\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ١١٦.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٤.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٩٢): ص ٣/ ٧٣٦\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٩٢): ص ٣/ ٧٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ١١٦.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٦.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٩٥): ص ٣/ ٧٣٦.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٩٥): ص ٣/ ٧٣٦.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٩٦): ص ٣/ ٧٣٦.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٩٦): ص ٣/ ٧٣٦.","vol":"6","page":232},{"text":"قال الكلبي: \" قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنيًا، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة\" (١).\nقال السمرقندي: \"ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، \" أي: ذلك الذل والصغار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ظلمًا وطغيانًا\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: وإنما حملهم على ذلك الكبْر والبَغْي وَالْحسَد، فأعْقَبَهم ذلك الذِّلة والصَّغَار والمسكنة أبدا، متصلا بذلة الآخرة\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلمًا واعتداء\" (٥).\nقال الزجاج: أي: \" أمرهم ذلك وحقهم ذلك بكفرهم، فأعلم الله أنهم جعلت عقوبتهم هذه العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة لتغليظ ما ركبوه\" (٦).\nقال الثعلبي: \" ﴿يكفرون بآيات الله﴾، يعني: بصفة محمد ﷺ وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل والفرقان\" (٧).\nقال ابن مسعود: \" كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ثم تقوم بقلهم من آخر النهار\" (٨).\nقال الثعلبي: \"ومعنى: ﴿ويقتلون الأنبياء بعير الحق﴾: مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء، وفي الخبر: إن اليهود قتلوا سبعين نبيا من أول النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم\" (٩).\nوقال السمرقندي: المعنى: \" ذلِكَ الذي يصيبهم بسبب كفرهم بمحمدﷺ- وبالقرآن، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، يعني: رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم \" (١٠).\nوقوله: ﴿ويقتلون﴾، قراءة العامة بالتخفيف من \"القتل\"، وقرأ السلمي بالتشديد من التقتيل (١١).\nوقوله: ﴿النبيين﴾، القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرد نافع بهمز النبيئين، [ومده] فمن همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي إنباءا، ونبأ ينبئ تنبئة بمعنى واحد، فقال الله ﷿: ﴿فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا﴾ [التحريم: ٣] (١٢).\nومن حذف الهمز فله وجهان (١٣):\nأحدهما: إنه أراد الهمز فحذفه طلبا للخفة لكثرة استعمالها.\nوالوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرفيع مأخوذ من النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع (١٤).\n_________\n(١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٩.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٤.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ١١٧.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٥٧.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢): ص ١/ ١٢٦.\n(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٧.\n(١٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٩.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٧.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٧.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٧، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣١.\n(١٤) انظر: كتاب العين: ٦/ ١٩٠، والصحاج: ٦/ ٢٥٠.","vol":"6","page":233},{"text":"قال الشاعر (١):\nإن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب\nوفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمي الرسول نبيا، وإنما دقائق الحصا لأنه طريق إلى الهدى (٢)، ومنه قول الشاعر (٣):\nلأصبح رتما دقاق الحصى ... مكان النبي من الكاثب\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]، أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْل رُسُل الله\" بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربَّهم، واعتدائهم أمرَ ربهم\" (٥).\nقال السمرقندي: استحقوا ذلك\"الغضب، بأفعالهم، كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْل رُسُل الله وقُيِّضوا لذلك أنّهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله، ﷿، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله\" (٧).\nقال قتادة: \" اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بهما هلك من هلك قبلك من الناس\" (٨).\nالفوائد:\n١ - أن هؤلاء الذين ينتسبون للكتاب ولاسيما اليهود منهم، قد ضربت عليهم الذلة، فهم أرذل الناس.\n٢ - أن هؤلاء قد يكون لهم عزة بحبل من الله وحبل من الناس، وهو إما الاسلام او الذمة، وإن كان هو الاسلام فإن الاستثناء منقطع، لأنهم إذا أسلموا لم يكونوا من أهل الكتاب، بل صاروا من المسلمين، وعلى معنى الذمة، فإن الاستثاء متصل.\n٣ - أن الناس قد ينصر بعضهم بعضا بالباطل، يتضح من قوله: ﴿وحبل من الناس﴾.\n٤ - إثبات الغضب لله تعالى، ومذهب أهل السنة والجماعة في مثل هذه الصفة إثباتها على الوجه اللائق.\n٥ - إثبات العلة، أي أن أفعال الله تعالى معللة، أي مقرونة بالحكمة، لقوله: ﴿ذلك بأنهم﴾.\n٦ - أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات.\n٧ - عتو بني اسرائيل بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان.\nالقرآن\n﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]\nليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد ﷺ، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس: \" لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا فيه، قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا! ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا\n_________\n(١) انظر: كتاب العين: ٦/ ١٩٠.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٧.\n(٣) انظر: كتاب العين: ٦/ ١٩٠، والصحاج: ٦/ ٢٥٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٠٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ١١٧.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٣٩.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٣): ص ١/ ١٢٦.","vol":"6","page":234},{"text":"إلى غيره، فأنزل الله ﷿ في ذلك من قولهم: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله﴾ إلى قوله: ﴿وأولئك من الصالحين﴾ \" (١).\nوالثاني: وقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن اليهود قالوا لابن سلام وأصحابه: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره وقد عاهدتم الله بعهد ألا تدينوا إلا بدينكم، فقال الله﷿-: ﴿ليسوا سواء﴾ \" (٢).\nوالثالث: أخرج الطبري عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات ليلة، كان عند بعض أهله ونسائه: فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشَّرنا وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب! فأنزل الله: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ \" (٣).\nوالرابع: وأخرج الطبري عن منصور، قال: \"، بلغني أنها نزلت: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾، فيما بين المغرب والعشاء\" (٤).\nوالخامس: نقل الثعلبي: \" عن عطاء في قوله: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة﴾. الآية. تزيد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى -﵇- وصدقوا بمحمد ﷺ وكان من الأنصار منهم عدة قبل قدوم النبي ﷺ، منهم أسعد ابن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وأبو قيس هرمة بن أنس، وكانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقرون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله ﷿ بالنبي ﷺ فصدقوه ونصروه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، \" أي: ليس أهل الكتاب مستوين في المساوئ\" (٦).\nقال مقاتل: \" يقول ليس كفار اليهود، والذين في الضلالة بمنزلة ابن سلام وأصحابه الذين هم على دين الله\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا\" (٨).\nقال الماتريدي: \" أي: لا سواء بين من آمن منهم -يعني: من أهل الكتاب- ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن\" (٩).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وجهان:\nأحدهما: أن المعنى: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ\". قاله ابن مسعود (١٠)، السدي (١١).\nوالثاني: أن المعنى: أن أهل الكتاب ليسوا متساوين في الصلاح والفاسد والخير والشر، وهذا معنى قول ابن عباس (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن جريج (١٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، \" أي: منهم طائفة مستقيمة على دين الله\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧٦٤٤): ص ٧/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.\n(٣) تفسير الطبري (٧٦٦١): ص ٧/ ١٢٧.\n(٤) تفسير الطبري (٧٦٦٣): ص ٧/ ١٢٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٢٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٠٤.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٥.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٠٠٠): ص ٣/ ٧٣٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٠٠١): ص ٣/ ٧٣٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٤٥): ص ٧/ ١٢١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٦٤٦): ص ٧/ ١٢١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٦٤٧): ص ٧/ ١٢١.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٠٤.","vol":"6","page":235},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي: ﴿قَائِمَةٌ﴾ يعني مستقيمة\" (١).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أمةٌ قَائِمَةٌ﴾﴾ [آل عمران: ١١٣]، أقاويل:\nأحدها: أنها أمة مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهو معنى قول الحسن (٢)، ومجاهد (٣)، وابن جريج (٤)، ومقاتل بن سليمان (٥).\nوالثاني: أن المعنى: أنها أمة مطيعة، قائمة بطاعة الله، وهو قول السدي (٦).\nوالثالث: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه، وهو قول ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، والربيع (٩).\nوالرابع: أنها قائمة في الصلاة، وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقوله: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ [المزمل: ٢٠]. وقوله: ﴿قم الليل﴾ [المزمل: ٢]. وقوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] (١٠).\nوالخامس: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة في التمسك به، كقوله: ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ [آل عمران: ٧٥] أي ملازما للاقتضاء، ثابتا على المطالبة. ومنه قوله تعالى: ﴿قائما بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨] (١١).\nوالظاهر هو القول الأخير، وإن كانت الأقوال الأخرى متقاربة المعنى مع ما قاله ابن عباس وقتادة، \" مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ وغير ذلك من أسباب الخير، من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه قال: \"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة \" (١٢)، ثم ضرب لهم مثلا، فالقائم على حدود الله: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ الله عنه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، \" أي: يتهجدون في الليل بتلاوة آيات الله حال الصلاة\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها\" (١٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَءَايَاتِ اللهِءَانآءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣]، قولان:\nأحدهما: ساعات الليل، وهو قول الحسن (١٧)، وقتادة (١٨)، والربيع (١٩)، وابن جريج (٢٠)، وأبي عبيدة (٢١)، ومنه قول المتنخل الهذلي (٢٢):\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٠): ص ٧/ ١٢٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٧.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٤): ص ٧/ ١٢٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٣): ص ٧/ ١٢٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥١): ص ٧/ ١٢٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٢): ص ٧/ ١٢٣.\n(١٠) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٣٨٩.\n(١١) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٣٨٩.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٦٥٥): ص/٧/ ١٢٤.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٠٤.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ٧/ ١٢٩.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠١٣): ص ٣/ ٧٣٩. النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٦): ص ٧/ ١٢٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٧): ص ٧/ ١٢٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٨): ص ٧/ ١٢٦.\n(٢١) انظر: تفسير ابن المنذر (٨٣٣): ص ١/ ٣٤٢.\n(٢٢) ديوان الهذليين ٢: ٣٥، ومجاز القرآن ١: ١٠٢، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٦، واللسان \" أنى \".","vol":"6","page":236},{"text":"حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ... فِي كُلِّ إِنْيٍ حذَاه اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ\nوالثاني: جوف الليل، وهو قول ابن عباس (١)، والسدي (٢).\nواختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين:\nأحدهما: صلاة العَتْمَة، وهو قول عبد الله بن مسعود (٣).\nوالثاني: صلاة المغرب والعشاء، رواه الثوري عن منصور (٤).\nوفي تفسير قوله: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: يعني سجود الصلاة (٥).\nوالثاني: يريد الصلاة، لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع، وهذا قول الزجاج (٦)، والفراء (٧).\nونظيره قوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، أي: يصلون، وفي القرآن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠]، أي: صلوا، وقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] (٨).\nوالثالث: معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون (٩).\nالفوائد:\n١ - الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها.\n٢ - الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملا.\n٣ - فضيلة السجود.\nالقرآن\n﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤]\nالتفسير:\nيؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كلِّه، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك مِن عباد الله الصالحين.\nقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: \"، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" يصدقون بتوحيد الله واليوم الآخر، ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال\" (١١).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: يصدقون بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" صفة أخرى لأمة مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى أي يؤمنون بها على الوجه الذي نطق به الشرع والإطلاق للإيذان بالغنى عن التقييد لظهور أنه الذي يطلق عليه الإيمان بهما لا يذهب الوهم إلى\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن المنذر (٨٣٠): ص ١/ ٣٤١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٥٩): ص ٧/ ١٢٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٦٦٢): ص ٧/ ١٢٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٦٦٣): ص ٧/ ١٢٩.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٥٩.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣١.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠١٥): ص ٣/ ٧٣٩.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.","vol":"6","page":237},{"text":"غيره وللتعريض بأن إيمان اليهود بهما مع قولهم عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شئ أصلا ولو قيد بما ذكر لربما توهم أن المنتفي عنهم هو القيد المذكور مع جواز إطلاق الإيمان على إيمانهم بالأصل وهيهات\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: \" يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد ﷺ وما جاءهم به، وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله\" (٢).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: إيمانا بمحمدﷺ- وينهون عن المنكر، يعني: عن تكذيب بمحمدﷺ-\" (٣).\nقال الزجاج: \"ومعنى: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ ههنا أي يأمرون باتباع النبي - ﷺ – ﴿وينهون عن المنكر﴾: عن الإقامة على مشاقته - ﷺ –\" (٤).\nقال أبو السعود: \" صفتان أخريان لأمة أجريتا عليهم تحقيقا لمخالفتهم اليهود في الفضائل المتعلقة بتكميل الغير إثر بيان مباينتهم لهم في الخصائص المتعلقة بتكميل النفس وتعريضا بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهي عن بالمعروف\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: \" ويبتدرون فعل الخيرات\" (٦).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعنى شرائع الإسلام\" (٧).\nقال أبو السعود: \" صفة أخرى لأمة جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليته والقيام به وآثر الفور على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها بل بمبادتهم إلى الشرور وإيثار كلمة فى على ما وقع في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .. الخ، للإيذان بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه المترتبة في طبقات الفضل لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: أولئك\" هم من عداد الصالحين\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي: من جملة من صلحت أحوالهم عند الله ﷿ واستحقوا رضاه وثناءه\" (١٠).\nقال الماتريدي: \" أي: ومن ذلك فعله - فهو صالح\" (١١).\nقال السمعاني: \" وصفهم الله تعالى وشكرهم\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي وهؤلاء الذين اتصفوا بجليل الصفات من الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، وفى هذا رد على اليهود الذين قالوا فيمن أسلم منهم: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٠.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٦٠.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٠.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.\n(٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٠.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٤.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٠.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٣٥٠.","vol":"6","page":238},{"text":"والوصف بالصلاح هو غاية المدح، ونهاية الشرف والفضل، فقد مدح الله به أكابر الأنبياء كإسماعيل وإدريس وذى الكفل فقال: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال حكاية عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.\nولأنه ضد الفساد، وهو ما لا ينبغى فى العقائد والأفعال، فهو حصول ما ينبغي فى كل منهما، وذلك منتهى الكمال، ورفعة القدر، وعلوّ الشأن\" (١).\nقال الراغب: \" وبيّن تعالى في آخر الآية أن فاعل ذلك من الصالحين، والأقرب في ﴿من﴾ أن تكون للتبيين وأنهم هم الصالحون، ولذلك قال في الأول ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ \" (٢).\nويجدر القول بأن \"المسارعة والمبادرة والعجلة تتقارب، لكن السرعة أعمها\nوالمبادرة لا تكاد تستعمل إلا في البدن، والعجلة أكثر ما تستعمل فيما يتحرى عن غير فكر وروية، أو في إمضاء العزيمة قبل استكمال الروية، ولهذا يقال: \"العجلة من الشيطان \"، وقال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)، فإن قيل: لو كانت مذمومة لما قال موسى: (وعجلت إليك رب لترضى).\nقيل: موسى ﵇ أورد ذلك على سبيل الاعتذار إبانة أنه قصد فعلا محمودا، وإن تحرى العجلة فيه، ومن قصد فعلا محمودا فقد يعذر في وقوع ما يكره منه، والمسارعة في الخير هي أن يتدرج الإنسان في ازدياد العرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقديمه على الأمور الدنيوية، وأن لا تؤخره عن أول وقت إمكان فعله وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، ومدح تعالى قوما فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، أي يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] \" (٣).\nقال الزمخشري في تفسير هذه الآية: \" وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها. والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين فلن يكفروه لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك\" (٤).\nالفوائد:\n١ - الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٢ - الثناء على المسارعة في الخيرات.\n٣ - الثناء على من تلك صفته بالصلاح.\nالقرآن\n﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ [آل عمران: ١١٥]\nالتفسير:\nوأيُّ عمل قلَّ أو كَثُر من أعمال الخير تعمله هذه الطائفة المؤمنة فلن يضيع عند الله، بل يُشكر لهم، ويجازون عليه. والله عليم بالمتقين الذين فعلوا الخيرات وابتعدوا عن المحرمات; ابتغاء رضوان الله، وطلبًا لثوابه.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ٣٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨١٠.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨١٠.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٠٣.","vol":"6","page":239},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، \"أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله\" (١).\nقال الربيع بن أنس: أي: \"لن يضل عنكم\" (٢).\nقال مقاتل: \" فلن يضل عنهم بل يشكر ذلك لهم\" (٣).\nقال الماتريدي: \" أي: كيف يكفره، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل\" (٤).\nقال المراغي: \" أي وما يفعلوا من الطاعات فلن يحرموا ثوابه ولن يستر عنهم كأنه غير موجود\" (٥).\nقال السعدي: أي: \" وأنهم مهما فعلوا ﴿من خير﴾ قليلا كان أو كثيرا ﴿فلن يكفروه﴾ أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، قرئت بالياء والتاء، قال الزجاج\" وكلاهما صواب - كما قال الله ﷿: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) - فالخطاب لسائر الخلق، ومن قال (فلن تكفروه) فهو لهؤلاء المذكورين وسائر الخلق داخل معهم في ذلك\" (٧).\nوفي حرف حفصة: \" فلن تتركوه \": أي: لن تتركوه دون أن تجزوا عليه (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥]، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر المتقين\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: المؤمنين\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم\" (١١).\nعن ابن عباس: \" ﴿المتقين﴾، أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه\" (١٢).\nوقال السدي: \" ﴿المتقين﴾، هم المؤمنون\" (١٣).\nوقيل لمعاذ بن جبل: \"من المتقون؟ قال: \" قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن من فعل خيرا أثيب عليه، لأأن المراد هنا تمام الإثبات، أي أنهم يعطون أجرهم كاملا بلا نقص.\n٢ - كمال عدل الله ﷿ لكون العامل إذا عمل عملا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه من النعم لهلك، لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله.\n٣ - ثبوت الثواب على العمل الخير قليلا أم كثيرا، لقوله: ﴿من خير﴾، وهي في سياق الشرط فتكون عامة.\n٤ - إثبات علم الله تعالى.\n٥ - الثناء على أهل التقوى.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٢٠): ص ٣/ ٧٤٠.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٦.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦١.\n(٥) تفسير المراغي: ٤/ ٣٧.\n(٦) تفسير السعدي: ١٤٣.\n(٧) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٦٠.\n(٨) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦١.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٠٤.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٢.\n(١١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٢٢): ص ٣/ ٧٤٠ - ٧٤١.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٢٣): ص ٣/ ٧٤١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٢١): ص ٣/ ٧٤٠.","vol":"6","page":240},{"text":"القرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾ [آل عمران: ١١٦]\nالتفسير:\nإن الذين كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة، وأولئك أصحاب النار الملازمون لها، لا يخرجون منها.\nفي سبب نزول الآيتان (١١٦ - ١١٧) وجوه:\nأحدها: قال مقاتل: \" ثم ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار على رءوس اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة\" (١).\nوالثاني: نقل ابن حجر عن ابن ظفر: \"لما تضمن قوله تعالى فيما قبله وصف المؤمنين، ذكر بعدها ما اعتمده الكفار وأهل الكتاب من إنفاق أموالهم في الصد عن سبيل الله وإن ذلك لا يغني عنهم شيئا\" (٢).\nوالثالث: أخرج الطبري عن مجاهد، أن المراد: \" نفقة الكافر في الدنيا\" (٣).\nوالرابع: نقل الثعلبي وتبعه ابن حجر (٤) عن يمان بن المغيرة: أنه\" يعني: نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأُحُد على عداوة الرسول ﷺ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١١٦]، \" أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله\" (٧).\nقال ابن عثيمين: يشمل كل من كفر بالله، فهذا حكمه\" (٨).\nوأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل \" كافرًا \"، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٩):\nفَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ\nوقال لبيدُ بن ربيعة (١٠):\nيَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا\nيعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١١٦]، \" أي: لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه \" (١٢).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ٧٣٧.\n(٢) العجاب: ٢/ ٧٣٩.\n(٣) تفسير الطبري (٦٧٧٦): ص ٧/ ١٣٥، وابن أبي حاتم (٤٠٢٤): ص ٣/ ٧٤١، وإسنادهما حسن.\n(٤) انظر: العجاب: ٢/ ٧٣٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٣، ولم أجد هذا القول في تفسير الطبري وابن أبي حاتم، وأسباب النزول للواحدي، وتفسير ابن كثيرـ ولباب النقول للسيوطي.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٢٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨٦ ..\n(٩) الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات: ٢٥٧. والضمير في قوله \" فتذكرا \" للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.\n(١٠) انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٠٠، ويروى \" ظلامها \". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.\n(١١) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٧١.","vol":"6","page":241},{"text":"قال الطبري: \" لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربَّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إنْ عجَّلها لهم فيها\" (١).\nقال السمعاني: \" أي: لا تدفع أموالهم بالفدية، ولا أولادهم بالنصرة من عذاب الله؛ وذلك أن الإنسان يدفع عن نفسه بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي لا تمنعهم أولادهم مما هو نازل بهم، لأنهم مالوا إلى الأموال في معاندتهم النبي - ﷺ - لأن الرياسة إنما قامت لهم - أعني - رؤساء إليهود - بمعاندتهم النبي - ﷺ –\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على اقتنائها ولا أولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئًا\" (٤).\nقال أبو السعود: \" وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب\" (٥).\nقال الثعلبي: \" وإنما خص الأولاد لأنهم أقرب الأنساب إليه\" (٦)، وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب\" (٧).\nقال الراغب: \" ولما ذكر في الآية الأولى أن ما يفعله الإنسان من الخير لن يكفر، بين أن ما يعدونه خيرا إنما ينفع بعد الإيمان، فأما مع افتقاده فلا نفع، وذكر أجل ما هو عندهم خير، وهو الأموال والأولاد، وأنها لا تغني عنهم، وعلى ذلك ما حكى عن الكفار: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]، \" أي: أولئك الملازمون للنار\" (٩) \"لا يخرجون منها أبدا\" (١٠).\nقال المراغي: \" لأن ظلمة أرواحهم، وفساد عقائدهم، وسوء أعمالهم، اقتضت خلودهم فى تلك الهاوية المظلمة المستعرة التي وقودها الناس والحجارة، قد أعدت لكل من جحد بآيات ربه، وأعرض عن دعوة أنبيائه ورسله، ولم يصغ إلا لداعى الهوى والشهوات\" (١١).\nقال الطبري: \" وإنما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله، ثم أكد ذلك بإخباره عنهم إنهم \" فيها خالدون \"، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال، ويزايله في بعض الأوقات، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التي أصْلوها، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم.\n٢ - ومن الفوائد أيضا: إن الكفار مهما كثرت قوتهم عددا ومددا، فإنها لن تغني عنهم من الله شيئا.\n٣ - ومن فوائدها: تمام قدرة الله وسلطته على العباد إذ إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله ﷿.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٣.\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٣٥٠.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٦٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٠٤.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٠.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٣.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨١٣ - ٨١٤.\n(٩) تفسير المراغي: ٤/ ٤٠.\n(١٠) تفسير السعدي: ٤١٣.\n(١١) تفسير المراغي: ٤/ ٤٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"6","page":242},{"text":"٤ - أن الكفار في النار مخلدون فيها، خلدوا أبديا ليس له غاية.\nالقرآن\n﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ [آل عمران: ١١٧]\nالتفسير:\nمَثَلُ ما ينفق الكافرون في وجوه الخير في هذه الحياة الدنيا وما يؤملونه من ثواب، كمثل ريح فيها برد شديد هَبَّتْ على زرع قوم كانوا يرجون خيره، وبسبب ذنوبهم لم تُبْقِ الريح منه شيئًا. وهؤلاء الكافرون لا يجدون في الآخرة ثوابًا، وما ظلمهم الله بذلك، ولكنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وعصيانهم.\nفي سبب نزولها أقوال:\nأحدهما: أنها نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على رسول الله -ﷺ-. وهذا قول يمان بن المغيرة (١).\nوالثاني: أن المراد نفقات الكفار وصدقاتهم. وهذا معنى قول مجاهد (٢).\nوالثالث: أنه نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين على جهة النفاق (٣).\nوالرابع: وقال مقاتل: يعني نفقة \"سفلة اليهود\" (٤)، \"على علمائهم ورؤسائهم كعب بن الأشرف وأصحابه\" (٥).\nوالخامس: وقال الضحاك: \"مثل نفقة الكفار من أموالهم في أعيادهم وعلى أضيافهم وما يعطي بعضهم بعضا على الضلالة\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]، \" أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر، كشبه ريح فيها برد شديد\" (٧).\nواختلف أهل التأويل في معنى \" النفقة \" التي ذكرها في هذه الآية على قولين:\nأحدهما: أنها النفقة المعروفة في الناس. قاله مجاهد (٨)، ورجحه الطبري (٩)، وهو الظاهر.\nوالثاني: أن ذلك قوله الذي يقوله بلسانه، مما لا يصدِّقه بقلبه. وهذا قول السدي (١٠).\nقال الماتريدي: \" ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام والأوثان، ويقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، ظنوا أن تلك الأعمال والنفقات التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى الله، فأخبر أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صر وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئا ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صر كانت مهلكة؛ محرقة لزروعهم وحرثهم\" (١١).\nوفي تفسير \"الصّرِّ\" أقوال:\nأحدها: هو البرد الشديد، وهو قول ابن عباس (١٢)، والحسن، وقتادة (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، وعكرمة (١٦)،\n_________\n(١) انظر: العجاب: ٢/ ٧٣٩، وذكره الماوردي دون نسبته، انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٦٧): ص ٧/ ١٣٥.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٧.\n(٥) هذه الزيادة من تصرف ابن حجر في العجاب: ٣/ ٧٣٨.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤١.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٦٦٧): ص ٧/ ١٣٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٦٦٨): ص ٧/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٧٠): ص ٧/ ١٣٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٦٧٣): ص ٧/ ١٣٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٦٧٤): ص ٧/ ١٣٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٦٧٥): ص ٧/ ١٣٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٦٦٩): ص ٧/ ١٣٦.","vol":"6","page":243},{"text":"وابن زيد (١)، والضحاك (٢)، وشرحبيل بن سعد (٣).\nوالثاني: برد وجليد. قاله عطاء (٤).\nوالثالث: أنه نار. وهذا قول ابن عباس (٥) أيضا ومجاهد (٦).\nقال ابن كثير: \" وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد - سيّما الجليد - يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار\" (٧).\nوالرابع: أنه صوت لهب النار التي تكون في الريح، وهو قول الزجاج (٨).\nقال الماوردي: \" وأصل الصّر: صوت من الصرير\" (٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]. قيل: \"هي: الصوت\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧]، \" أي: أصابت هذه الريح زرع قوم عصوا الله، وتعدَّوا حدوده، فأفسدته وأهلكته\" (١١).\nقال مقاتل: \" فلم يبق منه شيئا كما أهلكت الريح الباردة حرث الظلمة فلم ينفعهم حرثهم، فكذلك أهلك الله «نفقات» سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة فلم تنفعهم نفقاتهم\" (١٢).\nقال الزجاج: أي: \" فعاقبهم الله بإذهاب زرعهم – فأهلكته، فأعلم أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح في هذا الزرع وقيل إنه يعني: به أهل مكة حين تعاونوا وأنفقوا الأموال على التظاهر على النبي - ﷺ -، وقال بعضهم: ﴿مثل ما ينفقون﴾، أي: مثل أعمالهم في شركهم كمثل هذه الريح ... وجملته أن ما أنفق في التظاهر على عداوة الدين مضر مهلك أهله في العاجل والأجل\" (١٣).\nقال الماتريدي: \" ي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: أحرقته، يعني بذلك السَّفْعة إذا نزلت على حَرْث قد آن جدَادُه أو حَصَاده فدمَّرَتْه وأعدَمَتْ ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعَدمَه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثوابَ أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها كما أذهب ثمرةَ هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بَنَوْهَا على غير أصْل وعلى غير أساس\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]، \" أي: وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما يستوجب العقاب\" (١٦).\nأخرج ابن أبي حاتم \"عن عباس في قوله: ﴿لكن أنفسهم يظلمون﴾، قال: يضرون\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٦٧٧): ص ٧/ ١٣٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٧٨): ص ٧/ ١٣٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٢٥): ص ٣/ ٧٤١.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٢٨): ص ٣/ ٧٤١.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٢٦): ص ٣/ ٧٤١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٢٧): ص ٣/ ٧٤١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٦١.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٤١٨.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٢.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٤. [بتصرف].\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٧.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٤٦١.\n(١٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٢.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(١٧) تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٣١): ص ٣/ ٧٤٢.","vol":"6","page":244},{"text":"وقال الحسن: \"ينقصون\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني أصحاب الزرع هم ظلموا أنفسهم بمنع حق الله تعالى، فكذلك الكفار أبطلوا ثواب أعمالهم بالشرك بالله تعالى\" (٢).\nقال الماتريدي: \" والظلم: ما ذكرنا: هو وضع الشيء في غير موضعه، فهو - والله أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لا أن وضع الله أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير الله، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها لغير الله، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة لله، سالمة له\" (٣).\nوقيل: ما ضروا الله بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم\" (٤).\nالفوائد:\n١ - إثبات القياس، لقوله: ﴿﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، لأن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو اصل القياس.\n٢ - حسن او تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، ووجهه أن الريح التي فيها صرّ وأصابت حرث قوم ظلموا انفسهم كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعما الكافرين هالكة لاخير فيها، لأن الكفر مدمر لها.\n٣ - أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، لأنه إذا هلك عمله وزال فإنه لن ينفعه، لكن قد ينفعه في الدنيا، فيدفع عنه به من البلاء ما يدفع، أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب الإنفاق الذي أنفقه من ماله.\n٤ - انتفاء الظلم عن الله.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، تُطْلعونهم على أسراركم، فهؤلاء لا يَفْتُرون عن إفساد حالكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما تخفي صدورهم من العداوة لكم أكبر وأعظم. قد بيَّنَّا لكم البراهين والحجج، لتتعظوا وتحذروا، إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: قال ابن عباس: \": كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنزل الله ﷿ فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم تخوُّف الفتنة عليهم منهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ إلى قوله: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ \" (٥).\nوالثاني: وأخرج الطبري عن مجاهد في قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا﴾، في المنافقين من أهل المدينة. نهى الله ﷿ المؤمنين أن يتولَّوهم\" (٦). وري عن ابن عباس (٧) أيضا، والسدي (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠)، وابن جريج (١١)، وابن زيد (١٢)، نحو ذلك.\n_________\n(١) تفسير يحيى بن سلام: ١/ ٦٢.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤١.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٢.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٦٨٠): ص ٧/ ١٤١.\n(٦) تفسير الطبري (٧٦٨١): ص ٧/ ١٤١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٣): ص ٧/ ١٤١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٦): ص ٧/ ١٤٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٢): ص ٧/ ١٤١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٤): ص ٧/ ١٤١ - ١٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٧): ص ٧/ ١٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٨): ص ٧/ ١٤٣.","vol":"6","page":245},{"text":"والثالث: وقال مقاتل: \" يعني المنافقين عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم الأنصاري، وأصحابه دعاهم اليهود إلى دينهم منهم إصبغ ورافع ابني حرملة وهما رءوس اليهود فزينوا لهما ترك الإسلام حتى أرادوا أن يظهروا الكفر فأنزل الله﷿- يحذرهما ولاية اليهود ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم، لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دون أهل دينكم وملَّتكم\" (٢).\nقال ابن كثير: يقول ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي: يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾، أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره\" (٣).\nقال الزجاج: \" الدخلاء الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بطانة لفلان أي مداخل له ومؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمروا ألا يداخلوا المنافقين ولا إليهود، وذلك أنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين. فأمروا بألا يداخلوهم لئلا يفسدوا عليهم دينهم\" (٤).\nقال الطبري: \" وإنما جعل \" البطانة \" مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه - في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه - محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، \" أي لا يقصرون لكم في الفساد\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي لا يبقون غاية في إلقائهم فيما يضرهم، وأصل «الخبال» في اللغة: ذهاب الشيء، قال الشاعر (٨):\nابني سليمي لستم ليد ... إلايدا مخبولة العضد\nأي قد ذهبت عضدها\" (٩).\nقال الثعلبي: \" أي لا يقصرون ولا يتركون عهدهم وطاقتهم فيما يورثكم فوق الشر والفساد. يقال: ما ألوته خيرا أو شرا أي ما قصرت في فعل ذلك. ومنه قول ابن مسعود في عثمان: ولم تأل عن خير لأخرى باديه، وقال امرؤ القيس (١٠):\nوما المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل\nأي مقصر في الطلب، والخبال: الشر والفساد، قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، \" أي: تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.\n(٨) في ديوانه ص ٢١ (١)؛ ولسان العرب ١١/ ١٩٨ (خبل)؛ ومقاييس اللغة ٢/ ٢٤٣؛ ومجمل اللغة ٢/ ٢٥٦؛ وتهذيب اللغة ٧/ ٤٢٧؛ وتاج العروس (خبل)؛ وأساس البلاغة ص ١٠٣ (خبل)؛ وينسب إلى طرفة بن العبد؛ انظر ديوان أوس ص ١٤٩، وفيه: \" أبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمَ بِيَدٍ ... إلا يَدٍا لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ\".\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٦٢.\n(١٠) انظر: لسان العرب: ٦/ ٢٨٤.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٠٥.","vol":"6","page":246},{"text":"قال الطبري: أي: \" يتمنون لكم العنَت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم\" (١).\nقال الثعلبي: \" أي تمنوا ضركم وشركم وإثمكم وهلاككم\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" تمنَّوا ضلالكم عن دينكم\" (٣).\nقال ابن كثير: أي: \" ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ عليهم\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، تأويلان:\nأحدهما: ودوا إضلالكم عن دينكم، وهو قول السدي (٥).\nوالثاني: ودوا أن تعنتوا في دينكم، أي: تحملون على المشقة فيه، وهو قول ابن جريج (٦).\nقال الزجاج: \" ومعنى العنت: إدخال المشقة على الإنسان، يقال فلان متعنت فلانا، أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، ويقال قد عنت العظم يعنت عنتا إذا أصابه شيء بعد الجبر، وأصل هذا كله مرق قولهم: (اكمة عنوت) إذا كانت طويلة شاقة المسلك، فتأويل أعنت فلانا، حملته على المشقة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، \" أي: ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم\" (٨).\nقال مقاتل: \" قد ظهرت العداوة بألسنتهم\" (٩).\nقال الثعلبي: \"أي: \" قد ظهرت امارة العداوة من أفواههم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين. وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين. وقيل: هو مثل قوله: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠] \" (١٠).\nقال الطبري: \" والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة\" (١١).\nوفي قراءة عبد الله: \" ﴿قد بدأ البغضاء﴾ \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، \" اي: وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه\" (١٣).\nقال قتادة: \" وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم\" (١٤). وروي عن الربيع مثل ذلك (١٥).\nقال مقاتل: \" يعنى ما تسر قلوبهم من الغش أكبر مما بدت بألسنتهم\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أي: \" قد بينا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٤٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٤.\n(٣) الوجيز: ٢٢٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٦٨٩): ص ٧/ ١٤٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٦٩٠): ص ٧/ ١٤٤.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٦٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٧.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ١٤٥.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٤٠٦.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٦٩٣): ص ٧/ ١٤٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٦٩٤): ص ٧/ ١٤٧.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٤٠٦.","vol":"6","page":247},{"text":"قال الصابوني: \" أي: وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإِخلاص في الدين، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين\" (١).\nقال مقاتل: \" يقول ففي هذا بيان لكم منهم\" (٢)\nقال الواحدي\" أَيْ: علامات اليهود في عداوتهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]، \" أي: إن كنتم عقلاء\" (٤).\nقال الطبري: \" إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي إن كنتم من أهل العقل أو إن كنتم تعقلون ما بين لكم من الآيات والجواب محذوف لدلالة المذكور عليه\" (٦).\nالفوائد:\n١ - تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منّا، لأن الأصل في النهي: التحريم، عليه فإن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان.\n٢ - بيان عنياة الله تعالى بعباده المؤمنين إذ حذرهم إى أمور قد تخفى عليهم وذلك باتخاذا لبطانات السيئة.\n٣ - أن أعداء الاسلام يودّون لنا ما يشق علينا في الدنيا والدين.\n٤ - أن في قلوب أعداء الاسلام من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدو.\n٥ - منّة الله تعالى علينا ببيان آياته.\n٦ - أنه كلما كان الإنسان أشد عقلا أو أقوى عقلا كان أفهم لآيات الله.\nالقرآن\n﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران: ١١٩]\nالتفسير:\nها هو ذا الدليل على خطئكم في محبتهم، فأنتم تحبونهم وتحسنون إليهم، وهم لا يحبونكم ويحملون لكم العداوة والبغضاء، وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها ومنها كتابهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم؟ وإذا لقوكم قالوا -نفاقًا-: آمنَّا وصدَّقْنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض بدا عليهم الغم والحزن، فعَضُّوا أطراف أصابعهم من شدة الغضب، لما يرون من ألفة المسلمين واجتماع كلمتهم، وإعزاز الإسلام، وإذلالهم به. قل لهم -أيها الرسول-: موتوا بشدة غضبكم. إن الله مطَّلِع على ما تخفي الصدور، وسيجازي كلا على ما قدَّم مِن خير أو شر.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري عن مجاهد: \"نزلت هذه الآية في المنافقين\" (٧).\nوالثاني: أنها نزلت في الإباضية. وهذا قول أبي الجوزاء (٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٣) الوجيز: ٢٢٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ١٤٨.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٦.\n(٧) تفسير الطبري (٧٦٩٨): ص ٧/ ١٥١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٧٠١): ص ٧/ ١٥٢. وابن أبي حاتم (٤٠٥١): ص ٣/ ٧٤٥، و\" الإباضية \"، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد، لا مؤمن.","vol":"6","page":248},{"text":"والثالث: أنها نزلت في اليهود. . وهذا قول مقاتل بن حيان (١).\nقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، \"أي: ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم إذ تحبونهم ولا يحبونكم\" (٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" ها أنتم أولاء معشر الأنصار\" (٣).\nقال الطبري: أي: \"ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، تحبون هؤلاء الكفار، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم بل يبطنون لكم العداوة والغش\" (٤).\nقال ابن قتيبة: \"أي: ها أنتم يا هؤلاء تحبونهم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: أنتم - أيها المؤمنون - تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهرا\" (٦).\nقال ابن أبي زمنين: \" يقول للمؤمنين: أنتم تحبون المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان، فأحبوهم على ما أظهروا، ولم يعلموا ما في قلوبهم\" (٧).\nقال الزجاج: \" خطاب للمؤمنين، أعلموا فيه أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم وأنهم هم يصحبون هؤلاء المنافقين بالبر والنصيحة التي يفعلها المحب وأن المنافقين على ضد ذلك، فأعلم الله جل وعز المؤمنين ما يسره المنافقون وهذا من آيات النبي - ﷺ –\" (٨).\nقال قتادة: \" فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه. ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه، لأباد خضراءه\" (٩).\nوقال ابن جريج: \" المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن، يرحمه. ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه، لأباد خضراءه\" (١٠).\nولأهل العلم في قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ثلاثة اوجه من التفسير:\nأحدهما: أنهم المنافقون يجامعون المؤمنين بألسنتهم على الإيمان، فيحبونهم المؤمنون على ذلك. قاله الحسن (١١)، وروي عن قتادة (١٢) نحوه.\nوالثاني: انهم الإباضية، وهذا قول أبي الجوزاء (١٣).\nوالثالث: أنهم اليهود، والمعنى: تحبونهم يعني اليهود ولا يحبونكم. وهذا قول مقاتل بن حيان (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: وأنتم \"تصدقون بكتب الله كلها\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٤٩): ص ٣/ ٧٤٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٤٥): ص ٣/ ٧٤٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ١٤٨.\n(٥) غريب القرآن لابن قتيبة: ١٠٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٨.\n(٧) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣١٤.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٦٢.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٦٩٦): ص ٧/ ١٥١.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٦٩٧): ص ٧/ ١٥١.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٤٦): ص ٣/ ٧٤٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٦٩٦): ص ٧/ ١٥١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٠١): ص ٧/ ١٥٢. و\" الإباضية \"، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد، لا مؤمن.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٤٩): ص ٣/ ٧٤٤.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٤٦٣.","vol":"6","page":249},{"text":"قال مقاتل: \" كتاب محمدﷺ- والكتب كلها التي كانت قبله\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة\" (٢).\nقال الصابوني: \" أي: وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: \" إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم: قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد ﷺ \" (٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: المنافقين إذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمان فيحبونهم على ما أظهروا لهم، ويرون أنهم صادقون بما يقولون ولا يعلمون بما في قلوبهم من الشك والكفر بالنبي ﷺ\" (٥).\nقال الربيع بن أنس: \"قوله: ﴿وإذا لقوكم﴾، يعني: أهل النفاق إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم\" (٦).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني صدقنا بمحمدﷺ- وبما جاء به، وهم كذبة يعني اليهود مثلها فى المائدة- ﴿وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ...﴾ إلى آخر الآية (٧) \" (٨).\nقال الزجاج: \" أي نافقوكم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، \"أي: وإذا خلت مجالسهم منكم عضوًا أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم\" (١٠).\nقال المراغي: أي: \" وإذا هم صاروا فى خلاء حيث لايراهم المؤمنون أظهروا شدة العداوة والغيظ منهم، حتى ليبلغ الأمر إلى عضّ الأنامل كما يفعل أحدنا إذا اشتد غيظه، وعظم حزنه على فوات مطلوبه، وإنما فعلوا ذلك لما رأوا من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، ونصر الله إياهم حتى عجز أعداؤهم أن يجدوا سبيلا إلى التشفي منهم، فاضطروا إلى مداراتهم\" (١١).\nقال قتادة: \" إذا لقوا المؤمنين قالوا: \" آمنا \"، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك \" وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ \"، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله ﷿\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، عضوا - على ما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة\" (١٣).\nقال أبيّ: \" كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾، قال: هم الإباضية\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ١٥١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٥٢): ص ٣/ ٧٤٥.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٥٢): ص ٣/ ٧٤٥.\n(٧) المائدة: ٦١.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٨.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٦٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(١١) تفسير المراغي: ٤/ ٣٦ - ٤٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٦٩٩): ص ٧/ ١٥٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٥١ - ١٥٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٧٠١): ص ٧/ ١٥٢.","vol":"6","page":250},{"text":"وفي الأنامل قولان:\nأحدهما: أنها أطراف الأصابع. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، والزجاج (٣).\nوالثاني: أنها الأصابع. وهذا قول عبدالله (٤)، والسدي (٥)، والضحاك (٦).\nقال الراغب: \" والغيظ هو الغضب والغم، فإن الغضب يقال فيما معه القدرة، على الانتقام، والغم فيما ليس معه قدرة الانتقام، والغيظ فيما ليس معه تمام القدرة على الانتقام، ولذلك يستعمل في صفات الله الغضب دون الغيظ\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، \" أي: قل يا محمد: أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا\" (٨).\nقال الحجازي: أي: \" أخبرهم يا محمد، أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك\" (٩).\nقال الثعلبي: \" إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟\nفالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة\" (١٠).\nقال الطبري: \" وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه ﷺ: قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم \" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم\" (١٢).\nقال الماتريدي: \" إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز؛ فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير\" (١٣).\nقال السعدي: \" ي: سترون من عز الإسلام وذل الكفر ما يسوؤكم، وتموتون بغيظكم، فلن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، \" أي: إن الله علام بما تكنة سرائركم من البغضاء والحسد للمؤمنين\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" إن الله ذو علم بالذي في صدور جميع خلقه\" (١٦).\nقال مقاتل: \" يعني: يعلم ما في قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين \" (١٧).\nقال الثعلبي: أي: \" بما في القلوب من خير وشر\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٧٠٢): ص ٧/ ١٥٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٧٠٣): ص ٧/ ١٥٣.\n(٣) انظر: معاين القرآن: ١/ ٤٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٠٤): ص ٧/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٧٠٣): ص ٧/ ١٥٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٥٤): ص ٣/ ٧٤٦.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨٢٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٩) التفسير الواضح، للحجازي: ١/ ٢٧٢. [بتصرف].\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ١٥٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٨.\n(١٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٥.\n(١٤) تفسير السعدي: ٩٧٣.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ٧/ ١٥٥. [بتصرف].\n(١٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٨.\n(١٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٦.","vol":"6","page":251},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها\" (١).\nوفي حرف حفصة: \" ﴿قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئا﴾ \" (٢).\nالفوائد:\n١ - بيان علم الله تعالى بما في القلوب، لأن المحبة والكراهية من أعمال القلوب، ولايطلع عليها إلا الله تعالى، لكن لها آثار تدل عليها.\n٢ - التحذير ممن يبدي أنه ناصح لك وقلبه كاره لك، وعليه يجب عدم الاغترار بمن ظاهر حاله النصح، بل يجب القياس على الأفعال، لأن العبرة بالأفعال لا بالأقوال.\n٣ - أن هذه الأمة الاسلامية تؤمن بجميع الكتب المنزلة من عند الله.\n٤ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿من الغيظ﴾، لأن ﴿من﴾ سببية، أي بسبب الغيظ، فكل مسبب له سبب قطعا.\n٥ - ينبغي للمسلم أن يكون قويا أمام أعدائه، لقوله: ﴿قل موتوا بغيظكم﴾.\n٦ - إثبات علم الله لما في القلوب على وجه صريح، لقوله: ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾، ودلالة هذه الجملة على علم الله بما في القلوب دلالة مطابقة، ودلالة قوله: ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ دلالة التزام.\nالقرآن\n﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠]\nالتفسير:\nومن عداوة هؤلاء أنكم -أيها المؤمنون- إن نزل بكم أمرٌ حسن مِن نصر وغنيمة ظهرت عليهم الكآبة والحزن، وإن وقع بكم مكروه من هزيمة أو نقص في الأموال والأنفس والثمرات فرحوا بذلك، وإن تصبروا على ما أصابكم، وتتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، لا يضركم أذى مكرهم. والله بجميع ما يعمل هؤلاء الكفار من الفساد محيط، وسيجازيهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، \" أي: إن أصابكم ما يسركم من رخاءٍ وخصبٍ ونصرة وغنيمة ونحو ذلك ساءتهم\" (٣).\nقال قتادة: \" فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم\" (٤).\nقال الربيع: \"، قال: هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين\" (٦).\nقال الراغب: \" الحسنة: عبارة عن كل ما يستحسنه الإنسان مما يسره من نعمة ينالها في بدنه وماله، وجاهه، والسيئة تضادها، والمس والإصابة يستعملان في الخير والشر، إلا أن المصيبة اختصت، بما يسوء\" (٧).\nوقرأ السلمي: ﴿يمسسكم﴾، بالياء (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، \"أي: وإن أصابكم ما يضركم\nمن شدةٍ وجدبٍ وهزيمةٍ وأمثال ذلك سرتهم\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٨.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٧٠٥): ص ٧/ ١٥٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٧٠٦): ص ٧/ ١٥٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨٣٠ - ٨٣١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٠٥.","vol":"6","page":252},{"text":"قال قتادة: \" وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به. فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ الله أحدوثته، وأوطأ محلَّته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقى إلى يوم القيامة\" (١).\nقال الربيع: \" وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به\" (٢).\nقال ابن كثير: \" وإن أصاب المسلمين سيئة إما: جَدْب أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، \" أي: وإن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم لا يضركم مكرهم وكيدهم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" وإن تصبروا على عداوتهم وتتقوا ما نهيتم عنه من موالاتهم. أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتنقوا الله في اجتنابكم محارمه كنتم في كنف الله فلا يضركم كيدهم. ... وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك\" (٦).\nقال الطبري: \" ويعني بـ ﴿كيدهم﴾، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدّوهم عن الهدى وسبيل الحق\" (٧).\nوقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ مخففة بكسر الضاد، وقرأ الضحاك بضم الضاد وجزم الراء خفيفة (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، أي: \"إن الله عالم بما يعمل هؤلاء الكفار\" (٩).\nقال الواحدي: يعني: \" عالمٌ به فلن تعدموا جزاءه\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه\" (١١).\nوقرأ الأعمش والحسن: ﴿تعملون﴾، بالتاء (١٢)، والمعنى: \"إن الله بما تعملون من الصبر والتقوى وغيرهما محيط، ففاعل بكم ما أنتم أهله\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - أن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، لأن العدو إذا اصابت عدوه حسنة ساءته، وإذا أصابته سيئة فرح بها.\n٢ - أن العدوّ مهما أظهر لك من الصداقة فإنه كاذب.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٧٠٥): ص ٧/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٧٠٦): ص ٧/ ١٥٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٠٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤٠٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ١٥٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ١٥٦، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ١٥٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٧.\n(١٠) الوجيز: ٢٢٩.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٠٨.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٧.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٤٠٨.","vol":"6","page":253},{"text":"٣ - التحذير من تولية اليهود والنصارى لأمور المسلمين لأنهم لا يألوننا خبالا ويسرون بما يسوؤنا ويساؤون بما يسرنا.\n٤ - الاستعانة بالصبر والتقوى أمام كيد أعداء الاسلام، لأن الصبر والتقوى يدفع الأعداء، لقوله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾.\n٥ - إحاطة الله ﷾ بعمل هؤلاء في كل شيء، في العلم والتدبير وإحباط أعمالهم وتدميرهم، فالله محيط بهم من كل وجه، ولكن قد يتأذى المسلم بكيد هؤلاء ابتلاءا من الله، فيجب الوثوق بوعد الله تعالى وانتظار الفرج منه تعالى.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [آل عمران: ١٢١]\nالتفسير:\nواذكر -أيها الرسول- حين خَرَجْتَ من بيتك لابسًا عُدَّة الحرب، تنظم صفوف أصحابك، وتُنْزِل كل واحد في منزله للقاء المشركين في غزوة «أُحُد». والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم.\nفي سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: \"قلت لعبد الرحمن بن عوف: يا خالي أخبرني عن قصتكم يوم أحد فقال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾، قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، \" أي: اذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك\" (٢).\nقال مجاهد: \" النبي ﷺ مشى يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين\" (٣).\nقال قتادة: \" يوم أحد، غدا نبي الله ﷺ من أهله إلى أحد\" (٤).\nقال الزمخشري: \" واذكر إذ غدوت من أهلك بالمدينة وهو غدوه إلى أحد من حجرة عائشة ﵂\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، أي: \" تتخذ للمؤمنين معسكرًا وموضعًا لقتال عدوهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: توطن لهم مقاعد للقتال في الخندق قبل أن يستبقوا إليه ويستعدوا للقتال\" (٧).\nقال الزجاج: \" روى أن النبي - ﷺ - رأى في منامه كان عليه درعا حصينة. فأولها المدينة، فأمر - ﷺ - المسلمين - حين أقبل إليهم المشركون بالإقامة بها إلى أن يوافيهم المشركون فتكون الحرب بها فذلك تبوئة المقاعد للقتال، وقال بعضهم معناه: مواطن للقتال، والمعنى واحد\" (٨).\nقال الماتريدي: \" قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال، وقيل: ﴿تبوئ﴾: تنزل المؤمنين، وقيل: ﴿تبوئ المؤمنين﴾: تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين، وقيل: ﴿تبوئ﴾: توطن، وقيل: تستعد للقتال، كله يرجع إلى واحد\" (٩).\nوفي قراءة عَبْد اللَّه: ﴿تبويء للمؤمنين مقاعد للقتال﴾، قال الفراء: \" والعرب تفعل ذلك، فيقولون: ردفك وردف لك\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٧٤): ص ٣/ ٧٤٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٦٧): ص ٣/ ٧٤٨.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (٨٦٢): ص ١/ ٣٥٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٠٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ١٦٥.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٨.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٦٥.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٦.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٣٣.","vol":"6","page":254},{"text":"وقرأ يحيى بن ثاب: ﴿تبوي المؤمنين﴾، خفيفة غير مهموزة، قال الثعلبي: \" والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله تعالى: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق «١»، وقال لنبوئنهم من الجنة غرفا\" (١).\nواختلف في أي حرب كان قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، وفيه وجوه:\nأحدها: أنه يوم أحد. قاله ابن عباس (٢)، وهو معنى قول عبدالرحمن بن عوف (٣)، وهو قول الأكثرين (٤).\nوالثاني: أنه يوم الأحزاب. وهذا قول الحسن (٥).\nوالثالث: وقيل: أنه كان يوم الخندق (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]، \" أي: والله سميع لأقوالكم عليمٌ بأحوالكم\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون\" (٨).\nقال الماتريدي: \" يحتمل. سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم، ويحتمل: سميع بذكركم الله والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات للعدو بقوله - ﷿ -: (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)، وعليم بثوابكم، ويحتمل قوله: ﴿سميع عليم ﴿: البشارة من الله - ﷿ - بالنصر لهم، والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله - تعالى - لموسى وهارون: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (٤٤) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (٤٥)﴾ [طه: ٤٤ - ٤٥]، ثم قال - ﷿ -: ﴿قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، أمنهما من عدوهما بقوله - ﷿ -: ﴿أسمع وأرى﴾، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله - ﷿ -: ﴿سميع عليم﴾، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما به نصركم وظفركم\" (٩).\nالفوائد:\n١ - حسن تدبير رسول اللهﷺ- في الحرب.\n٢ - أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين يعرّف كل واحد منهم مكانه وعمله، لأن للنظام فوائد كبيرة ولاسيما في هذه الأعمال.\n٣ - شهادة الله تعالى للذين خرجوا في احد بأنهم مؤمنون، لأن المنافقين رجعوا قبل أن يصلوا إلى مكان القتال في أثناء السير.\n٤ - إثبات هذين الإسمين لله، وهما: السميع والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بما هو اعم، بما يدرك بالسمع وماما يدرك بالبصر وغير ذلك، فالعليم هو من اوسع الأسماء دلالة.\nالقرآن\n﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢]\nالتفسير:\nاذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر بني سَلِمة وبني حارثة حين حدثتهم أنفسهم بالرجوع مع زعيمهم المنافق عبد الله بن أُبيٍّ; خوفًا من لقاء العدو، ولكن الله عصمهم وحفظهم، فساروا معك متوكلين على الله. وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.\nفي سبب نزول الآية: أخرج البخاري (١٠) ومسلم (١١) وغيرهما (١٢)، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار: \" سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ \" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٦٩): ص ٣/ ٧٤٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٧٤): ص ٣/ ٧٤٩.\n(٤) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٧٠): ص ٣/ ٧٤٨.\n(٦) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٧١٩): ص ٧/ ١٦٥.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٦٧.\n(١٠) في \"صحيحه\" كتاب \"المغازي\" باب غزوة أحد \"الفتح\" \"٧/ ٣٥٧\" وكتاب التفسير \"الفتح\" \"٨/ ٢٢٥\".\n(١١) في \"صحيحه\"، كتاب \"فضائل الصحابة\"، باب من فضائل الأنصار \"٤/ ١٩٤٨\".\n(١٢) كالطبري \"٧/ ١٦٧\" \"٧٧٢٨\" وابن حاتم \"٢/ ١/ ٥١١\" \"١٣٢٠\" و\"٥١٤\" \"١٣٣٠\".\nوزاد السيوطي \"٢/ ٣٠٥\" نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في \"الدلائل\".\n(١٣) العجاب: ٢/ ٧٤٠ - ٧٤١.","vol":"6","page":255},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، \"أي: حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تجبنا وتضعفا وهمتا بالرجوع\" (١).\nقال الواحدي: أي: \" أَنْ تجبنا، وذلك أنَّ هؤلاء همُّوا بالانصراف عن الحرب فعصمهم الله\" (٢).\nقال الطبري: \" همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما\" (٣).\nقال ابن عباس: \" الفشل: الجبن\" (٤).\nوقال محمد بن إسحاق: \" ﴿أن تفشلا﴾: أي أن يتخاذلا\" (٥).\nقال عكرمة: \": نزلت في بني سلِمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول\" (٦).\nقال قتادة: \" وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلِمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، همُّوا بأمر فعصمهم الله من ذلك، وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا\" (٧).\nأي: \"لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وإن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى\" (٨).\nوقال السدي: \" خرج رسول الله ﷺ إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا. فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا وقال [الله ﷿]: \" إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا \"، وهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، وبقى رسول الله ﷺ في سبعمئة\" (٩).\nوقال الحسن: \" هما طائفتان من الأنصار همتا أن تفشلا فعصمهما الله، فهزم الله عدوهم\" (١٠).\nأخرج الطبري عن مجاهد في قول الله: \" ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾، قال: بنو حارثة، كانوا نحو أحُد، وبنو سلِمة نحو سَلْع، وذلك يوم الخندق\" (١١).\nقال الثعلبي: \" ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾: تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله ﷺ، وهم بنو أسامة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وتسعين رجلا، وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله ﷺ في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف، فخرج رسول الله ﷺ إلى أحد وقد وعد أصحابه الفتح إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخزل عبد الله بن أبي الخزرجي ثلث الناس فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم. فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا،\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٢) الوجيز: ٢٢٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٦٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٧٣١): ص ٧/ ١٦٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٤٠٧٦): ص ٣/ ٧٤٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٧٢٤): ص ٧/ ١٦٦ - ١٦٧.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٧٢١): ص ٧/ ١٦٦.\n(٨) محاسن التأويل: ٢/ ٤٠٢.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٧٢٣): ص ٧/ ١٦٦ - ١٦٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٧٥): ص ٣/ ٧٤٩.\n(١١) تفسير الطبري (٧٧٢٠): ص ٧/ ١٦٦.","vol":"6","page":256},{"text":"ومضوا مع رسول الله ﷺ، فذكرهم الله عظيم نعمته بعصمته فقال: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما\" (١).\nقال الزمخشري: \" وعن ابن عباس ﵁: «أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا»، والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه، كما قال عمرو بن الأطنابة:\nأقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدى أو تستريحى\nحتى قال معاوية: عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، فما ثبت منى إلا قول عمرو بن الأطنابة. ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي: \"والله ناصرهما ومتولي امرهما\" (٣).\nقال الثعلبي: أي\"ناصرهما وحافظهما\" (٤).\nقال البيضاوي: \" ي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبِّيهما ﷺ\" (٦).\nوقرأ ابن مسعود: ﴿وَاللهُ وَليُّهُمْ﴾، قال الطبري: \"وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن الطائفتين، وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع، بمنزلة: الخصمين والحزبين (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي: \" وعلى الله فليتوكل في أمورهم أهل الإيمان به\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني فليثق المؤمنون به \" (٩).\nقال البيضاوي: \" أي فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره لينصرهم كما نصرهم ببدر\" (١٠).\nقال أبو السعود: أي: \" في جميع أمورهم فإنه حسبهم وإظهار الاسم الجليل للتبرك والتعليل فإن الألوهية من موجبات التوكل عليه تعالى واللام في المؤمنين للجنس فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليا وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل وموجباته\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهَن، فليتوكل عليّ، وليستعن بي أعنِه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي ﷺ\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - أن الدعاية ولو كانت باطلة ربما تؤثر على المؤمن.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٣٩.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٧٣٢): ص ٧/ ١٦٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ١٦٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٢٣/ ٢٤٣.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٩.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٦.\n(١١) تفسير أبي السعود: ٢/ ٧٨.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٧٣٢): ص ٧/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٥٠١.","vol":"6","page":257},{"text":"٢ - أن الله تعالى قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته على الحق.\n٣ - منّة الله تعالى على هاتين الطائفتين، إذ إن الله كان وليا لهما، ولهذا فرحت الطائفتان بهذه الولاية.\n٤ - وجوب التوكل على الله وأنه من مقتضى الإيمان، وأنه إذا قوي الإيمان قوي التوكل.\nالقرآن\n﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]\nالتفسير:\nولقد نصركم الله -أيها المؤمنون- بـ «بدر» على أعدائكم المشركين مع قلة عَدَدكم وعُدَدكم، فخافوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه; لعلكم تشكرون له نعمه.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: \"ولقد نصركم الله يوم بدر وأنتم يومئذ قليلون\" (١).\nقال ابن إسحاق: \" يقول: وأنتم أقل عددًا وأضعف قوة\" (٢).\nقال الحسن: \": يقول: \" وأنتم أذلة \"، قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة\" (٣).\nقال ابن عباس: \" عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان المهاجرون منهم سبعة وسبعين، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧] \" (٥).\nقال الراغب: \" وجعلهم أذلة لا على الحقيقة والمصدوقة، - فمن نصره الله فغير ذليل، ولكن على اعتبار العامة لقلتهم وقلة عدتهم، وهذه أيام تابع الله ذكرها وذكر المسلمين بعظم ما\nأولاهم فيها تثبيتا لقلوبهم، وتذكيرا بنعمه عليهم\" (٦).\nقال الضحاك: \" «بدر»، ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة\" (٧).\nقال قتادة: \" وبدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه نبي الله ﷺ والمشركون، وكان أول قتال قاتله نبي الله ﷺ وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: \" أنتم اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت \": فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك\" (٨).\nواختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر \" بدرًا \" على قولين:\nأحدهما: أنه سمي بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى \" بدرًا \" (٩)، فسمي باسم صاحبه. قاله الشعبي (١٠)، ورجّحه الراغب (١١)، والبيضاوي (١٢) وغيرهما.\nوالثاني: أن ذلك اسم سميت به البقعة، كما سمى سائر البلدان بأسمائها من غير إضافة إلى اسم صاحب. وهذا قول عبدالله بن جعفر (١٣)، ومحمد بن صالح (١٤)، ويحيى بن النعمان الغفاري (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٦٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٧٣٣): ص ٧/ ١٧٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٧٣٩): ص ٧/ ١٧٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٨٩): ص ٣/ ٧٥١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١١.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨٣٩.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٧٣٧): ص ٧/ ١٧١.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٧٣٨): ص ٧/ ١٧١.\n(٩) قال العز بن عبدالسلام: \" ﴿بِبَدْرٍ﴾ اسم ماء سمي باسم صاحبه: بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة\". [تفسير العزبن عبدالسلام: ١/ ٢٨١]\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٧٣٤): ص ٧/ ١٧٠.\n(١١) انظر: تفسير راغب الأصفهاني: ٢/ ٨٣٨ - ٨٣٩.\n(١٢) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٣٦): ص ٧/ ١٧٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٣٦): ص ٧/ ١٧٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٧٣٤): ص ٧/ ١٧٠ - ١٧١.","vol":"6","page":258},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: \" فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه، لتشكروه على ما منَّ به عليكم من النصر\" (١).\nقال ابن إسحاق: \" أي: فاتقون، فإنه شكر نعمتي\" (٢).\nقال ابن الجوزي: \" أي لتكونوا من الشاكرين.\" (٣).\nقال الرغب: \" أمرهم بالتقوى المؤدية إلى شكرهم لها\" (٤).\nقال سفيان يعني ابن عيينة: على كل مسلم أن يشكر الله في نصره ببدر، يقول الله: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ \" (٥).\nقال الثعلبي: \" جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه ست وعشرون غزوة، فأول غزوة غزاها غزوة ودان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد، ثم غزوة نجران: موضع بالحجاز فوق الفرع، ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة بني قردة، ثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح: فتح مكة، ثم غزوة حنين لقي فيها، ثم غزوة الطائف حاصر فيها، ثم غزوة تبوك.\nقاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وأحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وبني قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق، وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين في شوال سنة ثمان. فأول غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك\" (٦).\nالفوائد:\n١ - امتنان الله ﷾ على رسول اللهﷺ- وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم للأمة إلى يوم القيامة.\n٢ - أنه النصر لايكون بكثرة العدد وقوة العُدد، وإنما يكون من عند الله وحده.\n٣ - أنه كلما كان الإنسان أذلّ كان أقرب إلى نصر الله.، والعكس صحيح.\n٤ - أنه من منّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبا لتقوى الله، لأن تقوى الله من الشكر لله.\nالقرآن\n﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ [آل عمران: ١٢٤]\nالتفسير:\nاذكر -أيها النبي- ما كان من أمر أصحابك في «بدر» حين شقَّ عليهم أن يأتي مَدَد للمشركين، فأوحينا إليك أن تقول لهم: ألن تكفيكم معونة ربكم بأن يمدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين من السماء إلى أرض المعركة، يثبتونكم، ويقاتلون معكم؟\nفي سبب نزول الآية أقوال:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٦٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٧٣٣): ص ٧/ ١٧٠.\n(٣) زاد المسير: ١/ ٣٢٠.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٨٣٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠٩١): ص ٣/ ٧٥١.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٠.","vol":"6","page":259},{"text":"أحدها: أخرج الطبري عن الشعبي قال: \"حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله ﷿: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾ إلى قوله: ﴿من الملائكة مسومِّين﴾، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة\" (١)، وروي نحو ذلك المعنى عن مالك بن ربيعة (٢)، وابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، والربيع (٦)، ومجاهد (٧).\nوالثاني: أن ذلك الإمداد كان يوم الاحزاب. وهذا قول عبد الله بن أبي أوفى (٨).\nوالثالث: أن الآية في سياق معركة أحد، إذ وعدهم الله ﷿ المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا. وهذا قول عكرمة (٩)، والضحاك (١٠)، وابن زيد (١١).\nوالرابع: ونقل الثعلبي وجها آخر، فقال: \" وكان هذا يوم أحد حين انصرف أبو سفيان وأصحابه وذلك أن رسول الله ﷺ كان يخاف أن يدخل المشركون المدينة، فبعث علي بن أبي طالب -﵁- فقال: «اخرج على آثار القوم فانظر ما يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد أجبنوا الخيل وركبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم». قال علي -﵁-: «فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجبنوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم لما بي من الفرح، وانصرفوا إلى مكة وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾، يعني: أن انصرفوا إليكم ودخلوا المدينة\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، أي: \" إذ تقول يامحمد للمؤمنين بك من أصحابك\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، أي: \" أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة\" (١٤).\nقال الماوردي: \" والكفاية مقدار سد الخلة، والاكتفاء الاقتصار عليه، والإمداد إعطاء الشيء حالًا بعد حال، والأصل في الإمداد هو الزيادة ومنه مد الماء وهو زيادته \" (١٥).\nوفي الفرق بين أمدّه ويمده، قولان:\nأحدهما: أن كل ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده يمده إمدادا، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل: مده يمده مدا، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]. وهذا قول المفضل (١٦).\nوالثاني: وقيل: أن المد في الشر، والإمداد في الخير. يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩].\n_________\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٧٤٧): ص ٧/ ١٧٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٠): ص ٧/ ١٧٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٤٥): ص ٧/ ١٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٤): ص ٧/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٥): ص ٧/ ١٧٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٧): ص ٧/ ١٧٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٨): ص ٧/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٩): ص ٧/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦١): ص ٧/ ١٨٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٢): ص ٧/ ١٨٠.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٢ - ١٤٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٧٣.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(١٥) النكت والعيون: ١/ ٤٢١.\n(١٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٣.","vol":"6","page":260},{"text":"وقال في الخير ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩]، وقال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وقال: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] (١).\nوفي قراءة أبي: \" ﴿ألا يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾، أي: يعطيكم ويعينكم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، أي: \" منزلين لنصرتكم\" (٣).\nقال ابن عباس: \" لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون\" (٤).\nوأخرج الطبري عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال: \"إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري\" (٥).\nأخرج الطبري عن عن محمد بن إسحاق قال: \"حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم (٦). قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت\" (٧).\nوأخرج الطبري بسنده عن عكرمة مولى ابن عباس قال: \"قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ. وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا. قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! \" (٨).\nوعن ابن عباس قال: \"كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر: \" كيف أسرت العباس أبا اليسر؟ ! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! قال رسول الله ﷺ: \" لقد أعانك عليه ملك كريم \" (٩).\nواختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بَدْر أو يوم أُحُد؟ على أقوال:\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٣.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٧٥٠): ص ٧/ ١٧٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٧٥١): ص ٧/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٦) قوله: \" أقدم \" هي كلمة زجر تزجر بها الخيل، وأمر لها بالتقدم. وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة يومئذ. ويقال هو فرس جبريل ﵇.\n(٧) تفسير الطبري (٧٧٤٩): ص ٧/ ١٧٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٧٥٣): ص ٧/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٧٥٤): ص ٧/ ١٧٧.","vol":"6","page":261},{"text":"أحدها: إن الله ﷿ كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهذا عامر الشعبي (١).\nوالثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم. وهذا قول مالك بن ربيعة (٢)، وابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، والربيع (٦)، ومجاهد (٧).\nوالثالث: أن ذلك الإمداد كان يوم الاحزاب، وإنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة. وهذا قول عبد الله بن أبي أوفى (٨).\nوالرابع: وقال آخرون بنحو معنى القول الثالث، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد. وهذا قول عكرمة (٩)، والضحاك (١٠)، وابن زيد (١١).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد ﷺ أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله ﷿ أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم، فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿مُنْزلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] قراءتان (١٣):\nإحداهما: ﴿مُنْزلِينَ﴾: بكسر الزاي، مخففا، يعني منزلين النصر. وهي قراءة أبو حيوة.\nوالثانية: ﴿مُنْزَلِينَ﴾، مشددة مفتوحة الزاي على التكثير، وتصديقه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١]. وهي قراءة الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعمر ابن ميمون وابن عامر.\nالفوائد:\n١ - إدخال الأمل في قلوب الناس عند اشتداد الازمات.\n٢ - إثبات الربوبية الخاصة، لقوله: ﴿أن يمدكم ربكم﴾، والربوبية نوعان: خاص، مثل هذه الآية الكريمة، وعام: مثل قوله: ﴿الحمد لله ربا عالمين﴾ [الفاتحة: ٢].\n٣ - أن الملائكة اجسام يحصون بالعدد.\n٤ - أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصلـ لقوله: ﴿منزلين﴾.\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٧٤٣): ص ٧/ ١٧٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٧٤٧): ص ٧/ ١٧٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٠): ص ٧/ ١٧٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٤٥): ص ٧/ ١٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٤): ص ٧/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٥): ص ٧/ ١٧٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٧): ص ٧/ ١٧٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٨): ص ٧/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٧٥٩): ص ٧/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦١): ص ٧/ ١٨٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٢): ص ٧/ ١٨٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٨٠ - ١٨١.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٣.","vol":"6","page":262},{"text":"﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]\nالتفسير:\nبلى يكفيكم هذا المَدَد. وبشارة أخرى لكم: إن تصبروا على لقاء العدو وتتقوا الله بفِعْل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ويأت كفار «مكة» على الفور مسرعين لقتالكم، يظنون أنهم يستأصلونكم، فإن الله يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين أي: قد أعلموا أنفسهم وخيولهم بعلامات واضحات.\nقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، \" أي: بلى يمدكم بالملائكة إن صبرتم في المعركة واتقيتم الله وأطعتم أمره\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، \" أي: يأتيكم المشركون من ساعتهم هذه\" (٢).\nوفي قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وجهان:\nأحدهما: يعني: من وجههم هذا، وهو قول ابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، وعكرمة (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن زيد (٩).\nوالثاني: أن المعنى: من غضبهم هذا، وهو قول مجاهد (١٠)، والضحاك (١١)، وأبي صالح (١٢)، وعكرمة في إحدى الروايات عنه (١٣).\nقال الماوردي: \" وأصل الفور فور القِدْر، وهو غليانها عند شدة الحمى، ومنه فَوْرُ الغضب لأنه كَفَوْرِ القِدْر\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، \" أي: يزدكم الله مددًا من الملائكة\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، أي: \" معلَّمين على السلاح ومدربين على القتال\" (١٦).\nعن السدي: \" ﴿مسومين﴾: معلمين\" (١٧).\nقال مقاتل: \" يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها عليها البياض معتمين بالبياض وقد أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم\" (١٨).\nقال ابن كثير: \" أي: معلمين بالسِّيما\" (١٩).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٩): ص ٧/ ١٨٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٦): ص ٧/ ١٨١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٤): ص ٧/ ١٨١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٣): ص ٧/ ١٨١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٧): ص ٧/ ١٨٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٧٦٨): ص ٧/ ١٨٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٧٧٠): ص ٧/ ١٨٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٧٧٣): ص ٧/ ١٨٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٧٧٥): ص ٧/ ١٨٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٧٧٢): ص ٧/ ١٨٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٧١): ص ٧/ ١٨٢.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٤٢١.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٠٧.\n(١٧) أخرجه الطبري (٧٧٨٥): ص ٧/ ١٨٨.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٩٩.\n(١٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٣.","vol":"6","page":263},{"text":"قال الماتريدي: \" وقوله: ﴿مسومين﴾ قيل: ﴿منزلين﴾؛ و﴿مسومين﴾ سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم، وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - وألله أعلم - ليعلم المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، لا أن الملائكة يحتاجون إلى العلامة\" (١).\nقال الثعلبي: \" والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه في الحرب\" (٢).\nأخرج الطبري بسنده عن الزبير بن المنذر، عن جده أبي أسيد - وكان بدريًا - فكان يقول: \"لو أن بصري فُرِّج منه، ثم ذهبتم معي إلى أحد، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صُفر قد طرحوها بين أكتافهم\" (٣).\nوقال علي-كرّم الله وجهه-: \" كان سيما الملائكة أهل بدر الصوف الأبيض، وكان سيما الملائكة أيضا في نواصي خيولهم\" (٤).\nوعن أبي هريرة في هذه الآية: \" ﴿مسومين﴾، قال: بالعهن الأحمر\" (٥).\nواختلفوا في التسويم على قولين:\nأحدهما: أنه كان بالصوف في نواصي الخيل وآذانها، وهو قول علي-كرّم الله وجهه- (٦)، وابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وقتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والضحاك (١١).\nالثاني: أن الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق وعليهم عمائم صفر، وهو قول هشام بن عروة (١٢)، وعبدالله بن الزبير (١٣)، والربيع (١٤).\nقال الزجاج: \" ومعنى ﴿مسومين﴾: أخذ من السومة، وهي العلامة، كانوا يعلمون بصوفة أو بعمامة أو ما أشبه ذلك، و﴿مسومين﴾: معلمين. وجائز أن يكون مسومين: قد سوموا خيلهم\nوجعلوها سائمة\" (١٥).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، على وجهين (١٦):\nأحدهما: ﴿مسومين﴾ بكسر الواو، في قرأءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، بمعنى أن الملائكة سوَّمتْ لنفسها.\nوالثاني: وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿مسومين﴾ مفتوحة، بمعنى أن الله سوَّمها.\nالفوائد:\n١ - أن الصبر والتقوى من اسباب النصر.\n٢ - أن الله زادهم على ما بشّرهم به الرسولﷺ- ألفين إذا صبروا واتقوا.\n٣ - أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يولاه الملاة، لأن الملائكة تثبت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تثبت على الشر.\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٧١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٤.\n(٣) تفسير الطبري (٧٧٧٧): ص ٧/ ١٨٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٠٧): ص ٣/ ٧٥٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٠٨): ص ٣/ ٧٥٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٠٧): ص ٣/ ٧٥٤، وزاد المسير: ١/ ٣٢١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٧٨٦): ص ٧/ ١٨٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٢٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٧٨٠): ص ٧/ ١٨٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٧٧٨): ص ٧/ ١٨٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٧٨٨): ص ٧/ ١٨٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٧٨٩): ص ٧/ ١٨٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٧٩٠): ص ٧/ ١٨٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٧٨٣): ص ٧/ ١٨٧.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٤٦٧.\n(١٦) انظر: السبعة: ٢١٦، وتفسير الطبري: ٧/ ١٨٤.","vol":"6","page":264},{"text":"القرآن\n﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦]\nالتفسير:\nوما جعل الله هذا الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم يبشركم بها ولتطمئن قلوبكم، وتطيب بوعد الله لكم. وما النصر إلا من عند الله العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في تدبيره وفعله.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، \"﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارةً لكم\" (١).\nقال مجاهد: \" إنما جعلهم الله ليستبشروا بهم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني مدد الملائكة\" (٣).\nقال الزجاج: \" وما جعل ذكر المدد إلا بشرى لكم ولتمكنوا في حربكم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، أي: \" وتطييبا لقلوبكم وتطمينا\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني لتسكن إليه قلوبكم\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئا إلا أن ينصر الله\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، أي: وما النصر في الحقيقة إلا بعون الله وحده\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" الأمر عندي إلا بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلي، لا إلى أحد من خلقي\" (٩).\nقال مقاتل: \" وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \"وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [محمد: ٤ - ٦] \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، \" أي: الغالب الذي لا يغلب في أمره الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه حكمته الباهرة\" (١٢).\nقال مقاتل: \" ﴿عزيز﴾، يعني: منيع، ﴿حكيم﴾ في أمره حكم النصر\" (١٣).\nقال ابن كثير: \"أي: هو ذو العزة التي لا تُرام، والحكمة في قَدره والإحكام\" (١٤).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١١٦): ص ٣/ ٧٥٥.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ١٠٣.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٦٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٤.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ١٠٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٠٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١١٨): ص ٣/ ٧٥٥.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ١٠٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ٢/ ١٠٣.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٤.","vol":"6","page":265},{"text":"١ - أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته.\n٢ - أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر.\n٣ - يجب على المرء مع أخذ الأسباب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمل النصر منه ﷾.\n٤ - أن النصر من مقتضى اسمه: العزيز الحكيم.\n٥ - أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره.\nالقرآن\n﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧]\nالتفسير:\nوكان نصر الله لكم بـ «بدْر» ليهلك فريقًا من الكفار بالقتل، ومن نجا منهم من القتل رجع حزينًا قد ضاقت عليه نفسه، يَظْهر عليه الخزي والعار.\nقوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، \" أي: ذلك التدبير الإِلهي ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر\" (١).\nقال ابن قتيبة: يعني: \" بأسْر وقتل\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا، نظيره قوله: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ [الأنعام: ٤٥]، أي: أهلك، وفي الأنفال: ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ [الأنفال: ٧]، وفي الحجر: ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ [الحجر: ٦٦] \" (٣).\nقال السدي: \" معناه: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من سادتهم وقادتهم يوم بدر سبعين، وأسر منهم سبعين\" (٤).\nقال الماوردي: \" ولم يقل وسطًا لأن الطرف أقرب للمؤمنين من الوسط، فاختص القطع بما هو إليهم أقرب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّار﴾ [التوبة: ١٢٣] \" (٥).\nقال الحسن: \" هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \": ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم\" (٧).\nقال قتادة: \"فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم، وقادتهم في الشر\" (٨).\nوقال السدي: \" أنه كان يوم أحد، كان الذي قتل منهم ثمانية عشر رجلًا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي: \" أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم\" (١٠).\nقال قتادة: \"يخزيهم\" (١١).\nقال السدي: \"يلعنهم\" (١٢)\nقال الزجاج: \"أي: يهزمهم\" (١٣).\nوقال الخليل: \" الكبت: الصرع على الوجه\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٢) غريب القرآن: ١١٠.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٤٢٢.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٧٩٨): ص ٧/ ١٩٢.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٧٩٩): ص ٧/ ١٩٢.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٧٩٦): ص ٧/ ١٩٢.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٤٢٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ١٩٣.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٨٠٢): ص ٧/ ١٩٤.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٤٦٧.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٤٢٢.","vol":"6","page":266},{"text":"قال النضر بن شميل: \"يغيظهم\" (١)\nقال المبرد: \"يظفر عليهم\" (٢)\nوقال أبو عبيدة: \"الكَبْت: الإهلاك، تقول العرب: كبته الله لوجهه، أي صرعه الله\" (٣).\nوقيل: معنى ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾: \" هو أن يغيظهم ويحزنهم، وكذلك قال في قوله في سورة المجادلة: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] ويقال: كبت الله عدوّك، وهو بما قال أبو عبيدة أشبه. واعتبارُها قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، لأن أهل النظر يرون أن \"التاء\" فيه منقلبة عن \"دال\"، كأن الأصل فيه: يَكْبدُهُم أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن كبدَه. وأحرقت العداوة كبده. والعرب تقول للعدو: أسود الكبد. قال الأعْشَى (٤):\nفما أُجْشِمْتُ من إتيان قَوْمٍ ... هُمُ الأعداءُ والأكبادُ سُودُ\nكأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت. ومنه يقال للعدو: كاشح؛ لأنه يخبأ العداوة في كَشْحِه. والكَشْحُ: الخاصرةُ وإنما يريدون الكبد لأن الكبد هناك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي: \": فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئًا مما رجوا أن ينالوه منكم\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي ويرجع من بقى منهم فلا خائبين لم ينالوا شيئا مما كانوا يأملون\" (٧).\nقال الزجاج: \" الخائب الذي لم ينل ما أمل\" (٨).\nقال الماوردي: \" والفرق بين الخائب والآيس أن الخيبة لا تكون إلا بعد أمل، واليأس قد يكون قبل أمل \" (٩).\nالفوائد:\n١ - إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله وتشريعاته، وذلك لأن اللام للتعليل والتعليل هو الحكمة.\n٢ - أن الله يسلط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا، لأن حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائما حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره.\n٣ - أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور: إهلاكهم أو خذلانهم.\nالقرآن\n﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]\nالتفسير:\nليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله تعالى وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم. ومن بقي على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه.\nاختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nأحدها: ذكر أن الله ﷿ إنما أنزل هذه الآية على نبيه محمد ﷺ، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق: \" كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(٣) مجاز القرآن: ١٠٢.\n(٤) ديوانه ٢١٥، واللسان ٤/ ٣٧٨.\n(٥) غريب القلاآن لابن قتيبة: ١١٠ - ١١١.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ١٩٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٢٣): ص ٣/ ٧٥٦.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٦٧.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٤٢٢.","vol":"6","page":267},{"text":"بنبيهم! ! وهذا قول ابن عباس (١)، وأنس بن مالك (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، وأبو جعفر (٥)، ومقسم (٦).، والربيع (٧)، والكلبي (٨).\nوالثاني: أنها نزلت على النبي ﷺ، لأنه دعا على قوم، فأنزل الله ﷿: ليس الأمر إليك فيهم. وهذا قول أبي هريرة (٩)، وابن عمر (١٠)، والحارث بن هشام (١١)، وعكرمة (١٢)، وقتادة (١٣).\nوالثالث: نقل الثعلبي عن عبد الله بن مسعود: \"أراد النبي ﷺ أن يدعوا على المدبرين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله ﷿ عن ذلك وتاب عليهم، فأنزل هذه الآية\" (١٤).\nوالرابع: ونقل الثعلبي عن عبد الله بن الحسن، قال: \" قال حمزة (١٥): اللهم إن لقينا هؤلاء غدا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، فتقول لي يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلما كان يوم أحد قتل فبقر بطنه وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أما هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة، قالوا: فلما رأى رسول الله ﷺ والمسلمون ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (١٦).\nوالخامس: ونقل الثعلبي عن مقاتل: \"نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله ﷺ أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا، عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا وحزن عليهم شهرا فنزلت ليس لك من الأمر شيء\" (١٧).\nقال ابن حجر: \"الجمهور على أنها نزلت في الدعاء على المشركين\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، \" أي ليس لك يا محمد من أمر تدبير العباد شيء وإنما أمرهم إلى الله\" (١٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم\" (٢٠).\nقال الطبري: \" ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٨١٧): ص ٧/ ١٩٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٨٠٥) - (٧٨٠٨): ص ٧/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٨٠٩): ص ٧/ ١٩٦ - ١٩٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٨١١): ص ٧/ ١٩٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٨١٣): ص ٧/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٨١٦): ص ٧/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧٨٢١): ص ٧/ ٢٠٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٧٨١٨): ص ٧/ ١٩٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٨٢٠): ص ٧/ ٢٠١.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٥.\n(١٥) أي قبل حرب أحد.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٦.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٧.\n(١٨) العجاب: ٢/ ٧٤٦.\n(١٩) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٢٠) أخرجه الطبري (٧٨٠٤): ص ٧/ ١٩٥.\n(٢١) تفسير الطبري: ٧/ ١٩٤.","vol":"6","page":268},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: بل الأمر كلّه إلي، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] \" (١).\nقال الماتريدي: أي: \" إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ند؛ كقوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] \" (٢).\nقال المراغي: \" أي ليس إليك أيها الرسول من أمر خلقى إلا أن تنفذ فيهم أمرى، وتنتهى فيهم إلى طاعتى، ثم أمرهم بعد ذلك، والقضاء فيهم بيدي دون غيرى، أقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة، أو عاجل العذاب بالقتل والنقم، أو آجله بما أعددت لأهل الكفر بي من العذاب فى الآخرة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: \" أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصرّوا على الكفر فإنهم ظالمون يستحقون العذاب\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم ﴿فإنهم ظالمون﴾، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي\" (٥).\nقال العز بن عبدالسلام: أي: \"بل إلى الله - تعالى - التوبة عليهم، أو الانتقام منهم\" (٦).\nقال الثعلبي: \" وقال بعضهم: (أو) بمعنى (حتى) يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم\" (٧).\nأخرج البخاري (٨) والنسائي (٩) \"من طريق معمر عن الزهري حدثني سالم -هو ابن عبد الله- ابن عمر عن أبيه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر: \"اللهم العن فلانا وفلانا\" بعد ما يقول: \"سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد\"، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية\"-ﷺ-\" (١٠).\nوقال أحمد: \" حدثنا هشيم نا حميد عن أنس: أن النبي -ﷺ- كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه فقال: \"كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ \" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ \" (١١).\nوعن أنس بن مالك قال: \"قال رسول الله ﷺ حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم! فأوحى الله إليه: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ \" (١٢).\nوعن الحسن: أن النبي ﷺ قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ﷿! ! فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ \" (١٣).\nوقال قتادة: \" ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله ﷺ في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله ﷿: \" ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون \" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن النبيﷺ- لايملك شيئا من الأمر الكوني.\n٢ - أن النبيﷺ- مكلف يأمره الله تعالى وينهاه.\n٣ - أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرا لعموم قوله: ﴿أو يتوب عليهم﴾.\n٤ - أنه تعالى قد يعذب الكافرين عذابا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده.\n٥ - انه تعالى لايعذب إلا بذنب، لقوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾، والظالم مستحق العذاب لأنه ينكل بالله، والله لايحب الظلم.\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩]\nالتفسير:\nولله وحده ما في السموات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله. والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، أي: ولله \" ملك السماوات والأرض\" (١٥).\nقال السمرقندي: أي: \" إن جميع الخلق في ملكه وعبيده\" (١٦).\nقال البيضاوي: يعني: \" خلقا وملكا فله الأمر كله لا لك\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه\" (١٨).\nقال الطبري: أي: \" ليس لك يا محمد، من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما يشاء، ويقضي فيهم ما أحب\" (١٩).\nقال ابن عباس: \" قال جبريل ﵇: يا محمد لله الخلق كله، والسموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، \" فيتوب على من أحب من خلقه العاصين، ثم يغفر له\" (٢١).\nقال مجاهد: \" يغفر لمن يشاء الكثير من الذنوب\" (٢٢).\nوقال الضحاك: \" يغفر لمن يشاء الذنب العظيم\" (٢٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، أي: \" ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه\" (٢٤)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٤.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٧٣.\n(٣) تفسير المراغي: ٤/ ٦٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٨٠٤): ص ٧/ ١٩٥.\n(٦) تفسير العز بن عبدالسلام: ١/ ٢٨٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٧.\n(٨) في كتاب \"المغازي والتفسير والاعتصام\" كما في \"التحفة\" \"٥/ ٣٩٤\"، وانظر \"الفتح \"٨/ ٢٢٥ - ٢٢٦\". زاد البخاري: \"وعن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد الله: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام. فنزلت\". [كتاب \"المغازي\"، باب غزوة أحد \"الفتح\" \"٧/ ٣٦٥\"].\n(٩) في كتاب \"الصلاة\" باب لعن المنافقين في القنوت \"٢/ ٢٠٣\" وفيه: \"يدعو على أناس من المنافقين\" وفي \"التفسير\" \"ص ٣٦\" الرقم \"٩٦\" عزاه إليه في \"التحفة\" \"٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥\". وأخرجه الواحدي من هذا الطريق، وفيه هذه الجملة انظر \"ص ١١٧\".\n(١٠) العجاب: ٢/ ٧٤٧.\n(١١) في \"مسنده\" \"٣/ ٩٩\" ورواه الواحدي \"ص ١١٦\" من طريق عبيدة بن حميد عن حميد.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٨٠٨): ص ٧/ ١٩٦.\n(١٣) أخرجه الطبري (٧٨٠٩): ص ٧/ ١٩٦ - ١٩٧.\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٨١١): ص ٧/ ١٩٧ ..\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(١٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٥.\n(١٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٨.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٦.\n(١٩) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٣.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٣٢): ص ٣/ ٧٥٨.\n(٢١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٣.\n(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٣٣): ص ٣/ ٧٥٨.\n(٢٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٥.\n(٢٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٣.","vol":"6","page":269},{"text":"روي عن مجاهد: \" قوله: ﴿ويعذب من يشاء﴾ على الصغيرة\" (١).\nوروي عن الضحاك: \" ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾، على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلك\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، أي: \" والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم\" (٣).\nقال البيضاوي: يعني: \" لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم\" (٤).\nقال ابن إسحاق: \" أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم\" (٦).\nقال الراغب: \" بين بهذه الآية تحقيق ما قدمه بأنه هو المالك للكل، وله المشيئة في غفران من شاء وتعذيب من شاء\" (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان عموم ملك الله ﷾، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، لأن ﴿ما﴾ من صيغ العموم.\n٢ - أفاد تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، انفراد الله تعالى بملك السماوات والأرض.\n٣ - إثبات تعدد السماوات، بأنها سبع سماوات، وأما الأرض فقد ذكر بصيغة الافراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة انها سبع.\n٤ - إثبات المغفرة لله، وإثبات التعذيب، ويتفرغ من ذلك إثبات تمام سلطانه في ملكه، وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة.\n٥ - إثبات المشيئة، وهي مقرونة بالحكمة الإلهية في المغفرة والتعذيب.\n٦ - إثبات الاسمين الكريمين من اسماء الله تعالى: الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة وهي المغفرة والرحمة.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه احذروا الربا بجميع أنواعه، ولا تأخذوا في القرض زيادة على رؤوس أموالكم وإن قلَّت، فكيف إذا كانت هذه الزيادة تتضاعف كلما حان موعد سداد الدين؟ واتقوا الله بالتزام شرعه; لتفوزوا في الدنيا والآخرة.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري عن عطاء: \" كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخِّرون؟ فنزلت: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ \" (٨). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: \" يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٣٥): ص ٣/ ٧٥٨.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٥.\n(٣) التفسير الميسر: ٦٦.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٨.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٨٢٢): ص ٧/ ٢٠٣.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٣.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٤٩.\n(٨) تفسير الطبري (٧٨٢٣): ص ٧/ ٢٠٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٣٨): ص ٣/ ٧٥٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٤.","vol":"6","page":270},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: \"، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم\" (١).\nقال ابن إسحاق: \" أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم\" (٢).\nقال الطبري: \" وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو \" الربا أضعافًا مضاعفة \"، فنهاهم الله ﷿ في إسلامهم عنه\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" وذلك أن الرجل كان يكون له على الرجل مال فإذا حل لأجل طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب أخر عني وأزيدك في مالك، فيفعلان ذلك فذلك الربا أضعافا مضاعفة، فوعظهم الله تعالى\" (٤). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (٥).\nقال ابن وهب: \" سمعت ابن زيد يقول في قوله: \" لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة \"، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن. يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، ثم هكذا إلى فوق وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ \" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: \" نهى الله تعالى عن الربا كأشد النهي، فاتقوا الربا والريبة، وكان يقول: الربا من الكبائر\" (٧).\nوقال قتادة: \" إياكم وما خالط هذه البيوع من الربا فإن الله قد أوسع الحلال وأكثره وأطابه، ولا يلجئنكم إلى المعصية فاقة\" (٨).\nوقرأ أبو جعفر وشيبة: ﴿مضعفة﴾ (٩).\nقال الراغب: \" إن قيل: لم قال: (أضعافا مضاعفة) فجمع بين اللفظتين؟\nقيل: قال بعضهم ذلك للتأكيد.\nوقيل مضاعفة من الضعف لا من الضعف، ومعناه ما تعدونه ضعفا هو ضعف، أي نقص، كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ومن هذا أخذ بعض المحدثين (١٠):\nزيادة شيب وهي نقص زيادتي ... وقوة جسم وهي من قوتي ضعف\" (١١).\n\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، \" أي: اتقوا عذابه بترك ما نهى عنه\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٨٢٤): ص ٧/ ٢٠٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤٢): ص ٣/ ٧٥٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٤٢): ص ٣/ ٧٥٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٨٢٦): ص ٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٤١٤٠): ص ٣/ ٧٥٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤١): ص ٣/ ٧٥٩.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٧.\n(١٠) البيت من شواهد الراغب في تفسيره: ٣/ ٨٥١، ولم أتعرف على قائله.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٥٠ - ٨٥١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٠٨.","vol":"6","page":272},{"text":"قال ابن إسحاق: \" أي: فأطيعوا\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" واتقوا الله في أمر الربا فلا تأكلوا\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، \"أي: لتكونوا من الفائزين\" (٤).\nقال سعيد: \" يعني: لكي تفلحون\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه\" (٦).\nقال ابن إسحاق: \" أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه\" (٧).\nقال الراغب: \" إن قيل: ما اتصال هذه الآية بما قبلها؟\nقيل: إنه لما نهى عن الكفر فيما تقدم، وقبح صورته، وحذر منه، وبين قدرته عليهم حث قال: (ولله ما في السماوات) نهى هاهنا عن تعاطي أفعال الكفرة\" (٨).\n\nالفوائد:\n١ - تعظيم شأن الربا وخطره، ووجهه أنه صدر الخطاب في شأنه بالنداء.\n٢ - أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن أكله منقص للإيمان، لأنه من كبائر الذنوب.\n٣ - تحريم أكل الربا، لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، والأصل في النهي التحريم.\nالقرآن\n﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]\nالتفسير:\nواجعلوا لأنفسكم وقاية بينكم وبين النار التي هُيِّئت للكافرين.\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، \"أي احذروا نار جهنم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، أي: \" التي هيئت للكافرين\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: التي جعلت دارا لمن كفر بي\" (١٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: خُلقت وهيئت للكافرين\" (١٣).\nقال مقاتل بن حيان: \" من أكل الربا فلم ينته فله النار\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، بخلافكم أمري، وترككم طاعتي\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٨٢٧): ص ٧/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم (٤١٤٤): ص ٣/ ٧٦٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤٣): ص ٣/ ٧٥٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤٥): ص ٣/ ٧٦٠ ..\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٥.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٨٢٧): ص ٧/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم (٤١٤٦): ص ٣/ ٧٦٠.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٤٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥٠): ص ٣/ ٧٦٠.\n(١٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٦.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤٩): ص ٣/ ٧٦٠.\n(١٥) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٦.","vol":"6","page":273},{"text":"قال سعيد بن جبير: \" فخوف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين\" (١).\nعن معاوية بن قرة: \"كان الناس يتأولون هذه الآية: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾: اتقوا أن لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين\" (٢).\nقال الثعلبي: \" ثم خوفهم فقال: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾، وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معدا\" (٣).\nقال الراغب: \" إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه، وإنما أراد تقديره وإيجاده، فلا حاجة به تعالى إلى الإعداد، وأصله من: العد، وقولك: أعددت كذا لكذا، أي اعتبرت قدره بقدره\" (٤).\nويجدر القول بأن المعتزلة يرون: أنه \"من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار. وقال أكثر أهل العلم والتفسير: هذا الوعيد لمن استحل الربا ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار. ويقال: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه، فمن ذلك عقوق الوالدين\" (٥).\nوإن قيل: \"ما وجه ذكر: ﴿اتقوا النار﴾، بعد قوله: ﴿اتقوا الله﴾؟\nقيل: قد تقدم أن قوله: ﴿اتقوا الله﴾ يقال باعتبار ذاته، واتقوا النار باعتبار عقابه، فالأول للأولياء الأصفياء، ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب، والثاني للمذنبين، فلذلك وصله بالرحمة، ولما كانت المنزلة الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية، حث كافة الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته، والطاعة له ولرسوله في ترك الربا وغيره من المعاصي؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعة إلى الفلاح\" (٦).\nوإن قيل: \"الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة؟\nقيل: صحيح، ولكن الرحمة أعم من الفلاح، فكل فلاح رحمة، وليس كل رحمة فلاحا، ومن قال في قوله: ﴿أعدت للكافرين﴾ دلالة أن لا فاسق فيها، فليس باستدلال يوجب الركون إليه، لأن ما يصح أن يشترك فيه أقوام إذا قيل: أعد لفلان. فليس فيه أنه لم يعد لغيره. ثم قد ثبت أن النار دركات، فأكثر ما في ذلك أن النار المعدة للكافر ليست للفاسق\" (٧).\nالفوائد:\n١ - وجوب اتخاذ ما يقي من النار، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، والأصل في الأمر الوجوب.\n٢ - أن النار موجودة الآن، لقوله: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾.\n٣ - أن أهل النار هم الكافرون، لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما الفساق الذين يعذبون بالنار على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، فإن النار لم تعدّ لهم، فعذاب النار يخفف ويثقل بحسب عمل الإنسان.\nالقرآن\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]\nالتفسير:\nوأطيعوا الله -أيها المؤمنون- فيما أمركم به من الطاعات وفيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وأطيعوا الرسول; لترحموا، فلا تعذبوا.\nقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، \"أي اطيعوا الله ورسوله\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: في تحريم الربا\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤٨): ص ٣/ ٧٦٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤٧): ص ٣/ ٧٦٠.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٨.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٥٣.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٦.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٥٣ - ٨٥٤.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٥٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥١): ص ٣/ ٧٦٠.","vol":"6","page":274},{"text":"قال الطبري: أي: \" وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، أي: \" لتكونوا من الأبرار الذين تنالهم رحمة الله\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لكي ترحمون فلا تعذبون\" (٣).\nقال الطبري: \" لترحموا فلا تعذبوا\" (٤).\nوقد أخرج الطبري: عن ابن إسحاق: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد\" (٥).\nالفوائد:\n١ - وجوب طاعة الله ورسوله، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، لأن الأصل في الأمر الوجوب.\n٢ - جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركا بينهما، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.\n٣ - أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة، لقوله:: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nالقرآن\n﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]\nالتفسير:\nوبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة، عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري بسنده عن عطاء بن أبى رباح: \"أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل! فسكت رسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾، إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾، فقال رسول الله ﷺ: \" ألا أخبركم بخير من ذلك \"؟ فقرأ هؤلاء الآيات\" (٦).\nونقله الثعلبي عن عطاء\" (٧)، وروي عن ابن مسعود نحو ذلك (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، \" أي: بادروا إِلى ما يوجب المغفرة بطاعة الله وامتثال أوامره\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" وبادروا وسابقوا إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها \" (١٠).\nعن سعيد: \" ﴿وسارعوا﴾، يقول: سارعوا بالأعمال الصالحة\" (١١)، \" ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾، قال: لذنوبكم\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٠٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥٣): ص ٣/ ٧٦١.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٦.\n(٥) تفسير الطبري (٧٨٢٩): ص ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٦) تفسير الطبري (٧٨٤٩): ص ٧/ ٢١٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٤٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٨٥٠): ص ٧/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ١٠٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥٤): ص ٣/ ٧٦١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥٥): ص ٣/ ٧٦١.","vol":"6","page":275},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، \" أي: وإِلى جنة واسعة عرضها السماء والأرض\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني عرض سبع سموات وسبع أرضين لو لصق بعضهن إلى بعض فالجنة في عرضهن\" (٢).\nقال ابن عباس: \" تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة\" (٣).\nوفي رواية ابن أبي حاتم عن كريب قال: \"أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية جنة عرضها السماوات والأرض قال: فأخرج أسفار موسى فجعل ينظر قال: تلفق كما يلفق الثوب، وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله\" (٤)، وروي عن يزيد بن أبي مالك نحو ذلك (٥).\nوالله تعالى وصف عرض الجنة بالسموات والأرضين، أي: عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨]، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال شقيق بن جزء بن رياح الباهلي (٦):\nكأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ\nأي: عذيرُ نعام، وكما قال ذوالخرق الطهوي (٧):\nحَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ\nيريد صوت عناق (٨).\nعن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي: \" إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ \" فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ \" (٩).\nوعن طارق بن شهاب قال: \"جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون: ﴿جنة عرضها السموات والأرض﴾، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ\" (١٠). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (١١).\nقال ابن عثيمين: \"الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلها، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول أن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت عن النبيﷺ- «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقها أو وفوقُها-روي بالوجهين- عرش الرحمن» (١٢)، وهذا يدل أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي أسفل السافلين، وعلى هذا فلايكون في الآية إشكالا اطلاقا، ويحتمل أن تقول: إن هذا اليهودي أراد أن يلبس\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥٨): ص ٣/ ٧٦٢.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٨٣٠): ص ٧/ ٢٠٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٤١٥٧): ص ٣/ ٧٦٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٥٧): ص ٣/ ٧٦٢.\n(٦) انظر: الكامل ٢/ ١٩٦، معجم البلدان (سلى)، واللسان (فوق) (سلل). وينسب لأعشى باهلة، وللنابغة خطأ.\n(٧) انظر: نوادر أبي زيد: ١١٦، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٦١ - ٦٢، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٨.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٨٣١): ص ٧/ ٢٠٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٨٣٥): ص ٧/ ٢١٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٨٣٦): ص ٧/ ٢١٢.\n(١٢) رواه البخاري (٢٧٩٠).","vol":"6","page":276},{"text":"ويشبّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبيﷺ- -إذا صحّ الحديث- أجابه على وجه يبهت فيه ولا يتكلم على مقتضى عقله، فقال: «أين الليل إذا جاء النهار» \" (١).\nقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، \"أي هيئت للمتقين لله \" (٢).\nقال ابن إسحاق: \" أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: كما أعدّت النار للكافرين\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي لمن اتقى المحارم، وروي عن النبي - ﷺ - «أن بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين عاما» (٦)، وليأتين عليه يوم يزدحم عليه الناس؛ كما تزدحم الإبل وردت خمصا. ظماء\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿أعدت للمتقين﴾، يعني: الذين يتقون الشرك\" (٨).\nالفوائد:\n١ - الأمر بالمسارع إلى المغفرة والرحمة والجنة.\n٢ - أن التخلية قبل التحلية، لأنه قال: ﴿إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾، فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة.\n٣ - أن المغفرة لاتكون إلا من الله.\n٤ - بيان سعة الجنة.\n٥ - أن الجنة موجودة الآن، لقوله: ﴿أعدت﴾، والإعداد: التهيئة.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]\nالتفسير:\nالذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر، والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم. وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، \"أي: الذين يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي الشدة والرخاء\" (٩).\nقال ابن عباس: \" يقول: في العسر واليسر\" (١٠). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٦٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٨٣٧): ص ٧/ ٢١٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٣.\n(٦) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٤، ومسلم \"٢٩٦٧\" \"١٤\" في الزهد والرقائق في أوله، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"التحفة\" ٧/ ٢٣٤، والطبراني في \"الكبير\" ١٧/ ٢٨٠، والمزي في \"تهذيب الكمال\" ٨/ ١٤٥ - ١٤٦ في ترجمة خالد بن عمير، من طريق سليمان بن المغيرة.\nوأخرجه أحمد ٤/ ١٧٤ و٥/ ٦١، ومسلم \"٢٩٦٧\" \"١٥\"، والطبراني ١٧/\"٢٨١\" و\"٢٨٢\"، والحاكم ٣/ ٢٦١ من طرق عن حميد بن هلال، به مختصرًا ومطولًا.\nوأخرجه ابن ماجة \"٤١٥٦\" في الزهد: باب معيشة أصحاب، وابن حبان في حصيحه: (٧١٢١): ص ١٦/ ٥٩.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٦٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥٩): ص ٣/ ٧٦٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٨٣٨): ص ٧/ ٢١٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٦٣) - (٤١٦٤): ص ٣/ ٧٦٢ - ٧٦٣.","vol":"6","page":277},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: في الشدة والرخاء، والمَنْشَط والمَكْرَه، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]، والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمْر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مَرَاضِيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر\" (١).\nقال الطبري: أي: \" أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، أي: والذين \"يمسكون غيظهم مع قدرتهم على الانتقام\" (٣).\nقال مقاتل بن سليمان: \" وهو الرجل يغضب في أمر فإذا فعله وقع في معصية، فيكظم الغيظ ويغفر\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه يقال منه: كظم فلان غيظه، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من: كظم القربة، يقال منه: كظمتُ القربة، إذا ملأتها ماء، وفلان كظيمٌ ومكظومٌ، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا. ومنه قول الله ﷿، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٨٤] يعني: ممتلئ من الحزن\" (٦).\nعن أبي هريرة في قوله: ﴿والكاظمين الغيظ﴾: أن النبي ﷺ قال: \"من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا\" (٧).\nقال ابن عباس: \" فـ ﴿الكاظمين الغيظ﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [سورة الشورى: ٣٧]، يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حرامًا، فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، أي: \" والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون\" (٩).\nقال ابن كثير: أي: \" وعَفَوْا مع ذلك عمن أساء إليهم ... أي: مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مَوجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" و﴿العافين عن الناس﴾، كقوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [سورة النور: ٢٢]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا\" (١١).\nوروي عن الربيع بن أنس (١٢)، وأبي العالية (١٣)، ومكحول (١٤): ﴿والعافين عن الناس﴾، قال: \"عن المملوكين\".\nوقال زيد بن أسلم (١٥)، ومقاتل: \"عمن ظلمهم وأساء إليهم\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٨٤٢): ص ٧/ ٢١٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٨٤٣): ص ٧/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٥.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٩ - ١٢١.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٨٤٣): ص ٧/ ٢١٧.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (٩٢٨): ص ١/ ٢٨٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٦٧): ص ٣/ ٧٦٣.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٦٧): ص ٣/ ٧٦٣.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٧.\n(١٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠١.","vol":"6","page":278},{"text":"ورد في بعض الآثار: \"يقول الله تعالى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق\" (١).\nوفي الحديث: \"ثلاث أُقْسِمُ عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عِزا، ومن تواضع لله رفعه الله \" (٢).\nوروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عُقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القُرشي، عن عُبَادة بن الصامت، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"من سره أن يُشْرَف له البنيان، وترفع له الدرجات فَلْيَعْفُ عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويَصِلْ من قطعه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، أي: والله\" يحب المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة وغيرها\" (٤).\nقال ابن إسحاق: \" أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به\" (٥).\nروي عن إسحاق، قال: \"وحدثت عن ابن حيان، في قوله ﷿: ﴿الذين ينفقون﴾ قرأ حتى ﴿والله يحب المحسنين﴾ قال: يغيظون في الأمر، فيغفرون، ويعفون عن الناس، ومن يفعل ذلك فهو محسن، ﴿والله يحب المحسنين﴾ \" (٦).\nقال الطبري: أي: \" فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم احسنون، وإحسانهم، هو عملهم بها\" (٧).\nعن أبي رجاء، عن الحسن قال: \"يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر. فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ \" (٨).\nنقل الثعلبي عن السقطي: \"الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان\" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده \"عن مقاتل بن حيان: ﴿والعافين عن الناس﴾، ومن فعل ذلك وهو محسن ﴿والله يحب المحسنين﴾، بلغني أن النبي ﷺ قال عند ذلك: إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت\" (١٠).\nوقال مقاتل بن سليمان: \" ومن يفعل هذا فقد أحسن فذلك قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾، فقال النبيﷺ-: إني أرى هؤلاء في أمتي قليلا، وكانوا أكثر في الأمم الخالية\" (١١).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الإنفاق على كل حال.\n٢ - الثناء على من انفق في السراء والضراء، وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، فكل انسان يهون عليه ان ينفق إذا كان في السراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على كون الإنسان ينفق طلبا للأجر لا زهدا في المال.\n٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يكظم الغيظ، لأن ذلك من صفات أهل الجنة.\n٤ - الحث على العفو عن الناس، لكنه مقيد بما إذا كان أصلح.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨٨): ص ٣/ ٩٦٥.\n(٢) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.\n(٣) المستدرك (٢/ ٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: \"فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة\". ورواه الطبراني في الكبير (١/ ١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٨٣٩): ص ٧/ ٢١٥.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٩٣٠): ص ١/ ٣٨٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٨٤١): ص ٧/ ٢١٥.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٧.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤١٦٨): ص ٣/ ٧٦٣.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠١.","vol":"6","page":279},{"text":"٥ - إثبات المحبة لله تعالى.\n٦ - الحث على الإحسان، لأن الله يحب الإحسان والمحسنين، والشأن كل الشأن ان يحبك الله، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أحبابه.\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥]\nالتفسير:\nوالذين إذا ارتكبوا ذنبًا كبيرًا أو ظلموا أنفسهم بارتكاب ما دونه، ذكروا وعد الله ووعيده فلجأوا إلى ربهم تائبين، يطلبون منه أن يغفر لهم ذنوبهم، وهم موقنون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، فهم لذلك لا يقيمون على معصية، وهم يعلمون أنهم إن تابوا تاب الله عليهم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: نقل الثعلبي عن عطاء: \" نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ﷺ وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية\" (١).\nوالثاني: ونقل الثعلبي أيضا عن مقاتل والكلبي: \"آخا رسول الله ﷺ بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتا فتبعها فاتقته بيدها، فقبل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله.\nفقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر -﵁- رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر:\nويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر -﵁- فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ \" (٢).\nونقله الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وفي الأخير: \" فقال عمر: يا رسول الله ﷺ أخاص هذا به أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة في التوبة» \" (٣).\nوالثالث: وقال مقاتل: \" وذلك أن رجلا خرج غازيا وخلف رجلا في أهله وولده، فعرض له الشيطان في أهله، فهوى المرأة فكان منه ما ندم، فأتى أبا بكر الصديق﵁- فقال: هلكت. قال: وما هلاك. قال: ما من شيء يناله الرجل من المرأة إلا وقد نلته غير الجماع فقال أبو بكررضي الله عنه-: ويحك أما علمت أن الله﷿- يغار للغازي ما لا يغار للقاعد، ثم لقي عمر﵁- فأخبره. فقال له مثل مقالة أبي بكر﵁- ثم أتى النبيﷺ- فقال له، مثل مقالتهما فأنزل الله﷿- فيه ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: والذين إذا ارتكبوا ذنبًا قبيحًا كالكبائر\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فعلة متزايدة القبح\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٨. قال ابن حجر: \" وهو من رواية موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو كذاب، المشهور في هذه القصة نزول ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وسيأتي في تفسير هود\". [العجاب: ٣/ ٧٥٥ - ٧٥٦].\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٨.\n(٣) انظر: العجاب: ٢/ ٧٥٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١٠.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤١٦.","vol":"6","page":280},{"text":"قال ابن كثير: أي: \"والذين إذا صدر منهم ذنب\" (١).\nقال الثعلبي: \" يعني قبيحة خارجة عما أذن الله فيه، وأصل الفحش: القبيح والخروج عن الحد\" (٢).\nقال المراغي: \" أي والذين إذا فعلوا من القبيح ما يتعدى أثره إلى غيره كالغيبة ونحوها\" (٣).\nوفي معنى \"الفاحشة\" ها هنا أقوال:\nأحدهما: أنها الزنا، قاله جابر (٤)، والسدي (٥)، ومقاتل (٦).\nوالثاني: الكبائر من المعاصي (٧).\nوالثالث: أنها الظلم. قاله إبراهيم النخعي (٨).\nوالرابع: أنها طوافهم بالبيت عراة. وهذا قول زيد بن اسلم (٩).\nقال الطبري: \" ومعنى الفاحشة، الفعلة القبيحة الخارجة عما أذِن الله ﷿ فيه. وأصل الفحش: القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء. ومنه قيل للطويل المفرط الطول: إنه لفاحش الطول، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن. ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد: كلام فاحش، وقيل للمتكلم به: أفحش في كلامه، إذا نطق بفُحش\" (١٠).\nروي عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: \"أرأيتم الزاني، والسارق، وشارب الخمر ما تقولون فيهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي فواحش وفيهن عقوبة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: \" أو ظلموا انفسهم بارتكاب المعاصي وتعريضها للعقاب\" (١٢).\nقال محمد بن إسحاق: \"أي: بمعصية\" (١٣).\nقال مقاتل بن حيان: أي: \" أصابوا ذنوبا\" (١٤).\nقال مقاتل بن سليمان: \" ما كان نال منها دون الزنا\" (١٥).\nقال الأصم: \" ﴿فعلوا فاحشة﴾: الكبائر ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾: بالصغائر\" (١٦).\nقال الثعلبي: \" وقيل: فعلوا فاحشة فعلا وظلموا أنفسهم قولا\" (١٧).\nقال الزمخشري: أي: \" أو أذنبوا أى ذنب كان مما يؤاخذون به\" (١٨).\nقال الواحدي: \" يعني: ما دون الزِّنا من قُبلةٍ أو لمسةٍ أو نظرٍ\" (١٩).\nقال إبراهيم النخعي: \" الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٨.\n(٣) تفسير المراغي: ٤/ ٧٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٨٤٦): ص ٧/ ٢١٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٨٤٧): ص ٧/ ٢١٨.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٢.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٢٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٨٤٨): ص ٧/ ٢١٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤١٧٤): ص ٣/ ٧٦٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٧١): ص ٣/ ٧٦٤.\n(١٢) أوضح التفاسير: ١/ ٧٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٧٧): ص ٣/ ٧٦٤.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٧٦): ص ٣/ ٧٦٤.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٢.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٩.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٩.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٤١٦.\n(١٩) الوجيز: ٢٣٢.\n(٢٠) أخرجه الطبري (٧٨٤٨): ص ٧/ ٢١٨.","vol":"6","page":281},{"text":"قال الطبري: \" يعني به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك، ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته\" (١).\nقال البيضاوي: \" بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك\" (٢).\nقال المراغي: يعني: \" أو فعلوا ذنبا يكون مقصورا عليهم كشرب الخمر ونحوه\" (٣).\nقال الماتريدي: \"ظلموا انفسهم، حيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: \" ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه \" (٥).\nقال مقاتل بن حيان: \" ذكروا الله عند تلك الذنوب والفاحشة\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" ذكروا نهي الله عنها وما حرم عليهم منها\" (٧).\nقال الواحدي: \" أيْ: ذكروا عقاب الله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: \"طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" فسألوا ربهم أن يستُر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقْلِعِين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: \" وأي أحد يغفر الذنوب؛ ما يغفرها إلا الله\" (١٢).\nقال محمد بن إسحاق: \"وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو\" (١٣).\nقال الصابوني: أي: \"لا يغفر الذنوب إِلا الله\" (١٤).\nعن الأسود بن سَرِيع؛ \"أن النبي ﷺ أتي بأسير فقال: اللهمُ إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال النبي ﷺ: «عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ» \" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: \" ولم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها\" (١٦).\nقال مجاهد: \" لم يمضوا على المعصية\" (١٧).\nقال مقاتل: لم\"يقيموا \" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٨.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٣٨.\n(٣) تفسير المراغي: ٤/ ٧٢.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٨٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٧٨): ص ٣/ ٧٦٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٧٩): ص ٣/ ٧٦٤.\n(٨) الوجيز: ٢٣٢.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥١٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٥.\n(١٢) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٦٩.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٣): ص ٣/ ٧٦٦.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(١٥) المسند (٣/ ٣٤٥).\n(١٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٥): ص ٣/ ٧٦٦.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٢.","vol":"6","page":282},{"text":"قال الحسن: \" إتيان الذنب عمدا إصرار حتى يتوب\" (١).\nوقال السدي: \" فيسكتوا ولا يستغفروا\" (٢).\nوقال عطاء: \"يغمضوا\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي فيما عملوا به من كفر بي\" (٤)\nقال الواحدي: \" أَيْ: لم يقيموا ولم يدوموا، بل أقرُّوا واستغفروا\" (٥).\nقال الزجاج: \" الإصرار الإقامة على الشيء\" (٦).\nقال القرطبي: \" الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه\" (٧).\nقال الزمخشري: \" الإصرار معناه: اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير: أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي: «علم الله أنها مني صرى» \" (٨).\nوقال سهل بن عبدالله: \" والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه! \" (٩).\nوأصل \"الإصرار\": \" الثبات على الشيء، قال الحطيئة: يصف الخيل (١٠):\nعوابِسُ بالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ... عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ\nأي ثبتت على عدوها\" (١١).\nروي عن رسول اللهﷺ-، أنه قال: \" لم يصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة\" (١٢).\nوفي رواية اخرى عن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله ﷺ: «ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار» \" (١٣).\nوقال قتادة: \" إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما قدما في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: وهم يعلمون \"أن الذي أتوه حرام ومعصية\" (١٥).\nقال مقاتل: \" أنها معصية\" (١٦).\nقال السدي: \" فيعلمون أنهم قد أذنبوا ثم أقاموا ولم يستغفروا\" (١٧).\nقال عبدالله بن عبيد بن عمير: \" وهم يعلمون إن تابوا، تاب الله عليهم\" (١٨).\nقال ابن أبي نجيح: \" ﴿وهم يعلمون﴾ أنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب\" (١٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٦): ص ٣/ ٧٦٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٧): ص ٣/ ٧٦٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٧): ص ٣/ ٧٦٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٨): ص ٣/ ٧٦٦.\n(٥) الوجيز: ٢٣٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٦٩.\n(٧) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١١.\n(٨) الطشاف: ١/ ٥١٠.\n(٩) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١١.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٩، وتفسير القرطبي: ٤/ ٢١١.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٩.\n(١٢) أخرجه وابن أبي حاتم (٤١٨٤): ص ٣/ ٧٦٦، والترمذي كتاب الدعوات رقم ٣٥٥٩ قال: \"هذا حديث غريب\": ٥/ ٥٢١.\n(١٣) مسند الشهاب: ٢/ ٢٠٤، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٩.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٩.\n(١٥) الوجيز: ٢٣٢.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٢.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٢): ص ٣/ ٧٦٧.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٠): ص ٣/ ٧٦٧.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩١): ص ٣/ ٧٦٧.","vol":"6","page":283},{"text":"قال محمد بن إسحاق: \" ﴿وهم يعلمون﴾ ما حرمت عليهم من عبادة غيري\" (١).\nقال الصابوني: أي: \"وهم عالمون بقبحه\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" وهم يعلمون أنّ الله قد تقدم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبةَ من ركبها\" (٣).\nالفوائد:\n١ - أن المتقي لايكون محصوما من فعل الفاحشة أو ظلم النفس، عليه فإن فعل الفاحشة لايخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، فليس الشأن في ان لا يفعل الإنسان المعصية، كل إنسان لابد أن يعصى، لكن الشأن في أنه إذا فعل المعصية رجع إلى الله وتاب.\n٢ - أن الذنوب على قسمين: فواحش ودونها، أي: الكبائر والصغائر.\n٣ - أن المبادرة بالتوبة من صفات المتقين، لأن التوبة واجب، والتسويف في التوبة من الشيطان.\n٤ - أن ذكر الله تعالى سبب للتوبة والرجوع إلى الله.\n٥ - أنه لا احد يغفر الذنوب إلا الله.\n٦ - أن الرجل إذا أذنب فاستغفر، ثم اذنب فاستغفر، ثم اذنب فاستغفر، فإنه يغفر له وإن تكرر الذنب منه، لأن الله قال هنا:: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ولم يقل: ولم يعيدوا ما فعلوا، كما يجب أن لايكون استغفاره بلسانه فقط وقلبه منطو على الرجوع، فإن كان كذلك فإن الاستغفار لايفيده.\n٧ - توبيخ من أصرّ على الذنب وهو عالم به، ولهذا قال العلماء أن الاصرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، لأن إصراره عليها يل على تهاونه بمن عصاه.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٦]\nالتفسير:\nأولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة جزاؤهم أن يستر الله ذنوبهم، ولهم جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها المياه العذبة، خالدين فيها لا يخرجون منها أبدًا. ونِعْمَ أجر العاملين المغفرة والجنة.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، \" أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة جزاؤهم وثوابهم العفو عما سلف من الذنوب\" (٤).\nقال ميمون بن مهران: \" وجبت لهم المغفرة\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: جزاؤهم على هذه الصفات مغفرة من الله\" (٦).\nعن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: ﴿أولئك﴾، يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية\" (٧).\nأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم، عن أبي عثمان: \" أنه كان إذا تتلى هذه الآية: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم إلى قوله: جزاؤهم مغفرة من ربهم قال: نعم ما جازاك على الذنب\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، \" أي: ولهم جنات تجري خلال أشجارها الأنهار\" (٩).\nقال مقاتل بن حيان: \" جعل جزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٣): ص ٣/ ٧٦٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٦): ص ٣/ ٧٦٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٤): ص ٣/ ٧٦٧.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٤١٩٥): ص ٣/ ٧٦٧.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٧): ص ٣/ ٧٦٧.","vol":"6","page":284},{"text":"قال الطبري: أي: \" تجري خلال أشجارها الأنهار وفي أسافلها، جزاء لهم على صالح أعمالهم\" (١).\nنقل الثعلبي عن شهر بن حوشب: \"طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٣٦]، أي: \"ماكثين فيها أبدا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، \"أي: نعمت الجنة جزاءً لمن أطاع الله\" (٥).\nقال ابن إسحاق: \" أي: ثواب المطيعين\" (٦).\nقال مقاتل بن حيان: \" أجر العاملين بطاعة الله الجنة\" (٧).\nقال الطبري: \" يعني: ونعم جزاء العاملين لله، الجنات التي وصفها\" (٨).\nقال ابن كثير: \" يمدح تعالى الجنة\" (٩).\nالفوائد:\n١ - بيان جزاء المتقين وأنه جزاء لايدركه الإنسان بتصوره، لأنه أعظم مما يتصور.\n٢ - أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، يؤخذ من قوله\"مغفرة\" و\"جنة\"، فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب.\n٣ - أن مغفرة الله ﷿ للمرء من أعظم الثواب.\n٤ - بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾، من النعيم العظيم.\n٥ - أن أهل الجنة خالدون فيها، وقد دلّت النصوص أن هذا التخليد أبدي.\n٦ - عظم هذا الأجر، والله تعالى هو العظيم جل وعلا وقد أثنى على هذا النعيم.\n٧ - بيان فضل الله تعالى على عباده إذ جعل هذا الجزاء أجرا بمنزلة الأجر المحتم الذي لابد من ان يناله العبد.\nالقرآن\n﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧]\nالتفسير:\nيخاطب الله المؤمنين لمَّا أُصيبوا يوم «أُحد» تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتُلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله.\nقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أي: \"قد مضت من قبلكم وقائع من أنواع المؤاخذات والبلايا للأمم المكذبين\" (١٠).\nعن مجاهد: \"قوله: ﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾ من الكفار والمؤمنين في الخير والشر\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني عذاب الأمم الخالية فخوف هذه الأمم بعذاب الأمم ليعتبروا فيوحدوه\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٢٧.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٢٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٨٦٦): ص ٧/ ٢٢٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٩٨): ص ٣/ ٧٦٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٢٢٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٦.\n(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٤١٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٠١): ص ٣/ ٧٦٨.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٣.","vol":"6","page":285},{"text":"قال محمد بن إسحاق: \" أي: قد مضت مني وقائع نقمة، في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي، في عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه، مثل ذلك مني، وإن أمليت لهم، أي: لا تظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، للدولة التي أدلتهم بها عليكم، لأبتليكم بذلك، لأعلم ما عندكم\" (١).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين الذين أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين\" (٢).\nقال الطبري: أي: قد\" مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم سنن، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلتُ بساحتهم نِقَمي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا \" (٣).\nقال الزجاج: \" معنى قد خلت قد مضت، ومعنى سنن أهل سنن أي أهل طرائق.\nوالسنة الطريقة، وقول الناس: فلان على السنة معناه على الطريقة، ولم يحتاجوا \" أن يقولوا على السنة المستقيمة لأن في الكلام دليلا على ذلك، وهذا كقولنا \" مؤمن \" معناه مصدق وفي الكلام دليل على أنه مؤمن بأمور الله﷿ - التي أمر بالإيمان بها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، \" أي: فسيروا في الأرض، فانظروا الحال التي قد انتهى بها الكاذبون \" (٥).\nقال قتادة: \" يقول: \" بما متعهم في الدنيا قليلا، ثم صيرهم إلى النار\" (٦).\nقال الحسن: \" فينظروا كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله\" (٧).\nقال الزجاج: \" المعنى: إنكم إذا سرتم في أسفاركم عرفتم أخبار قوم اهلكوا بتكذيبهم\" (٨).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم، ثم صيرهم إلى النار؛ يحذرهم بذلك\" (٩).\nقال السمرقندي: \" أي اقرءوا القرآن فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (٩٤٩): ص ١/ ٣٩١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢٢٨.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٧٠.\n(٥) زهرة التفاسير ٣/ ١٤١٩ ..\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٩٤٤): ص ١/ ٣٩٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٠٤): ص ٣/ ٧٦٩.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٧٠.\n(٩) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٢٠.\n(١٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩.","vol":"6","page":286},{"text":"قال المراغي: \" أي فسيروا فى الأرض وتأملوا فيما حل بالأمم قبلكم ليحصل لكم العلم الصحيح المبنى على المشاهدة والاختبار، وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق والباطل فى الأمم السالفة، وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل، وانتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر والتقوى، ويدخل فى ذلك اتباع ما أمر الله به من الاستعداد للحرب وإعداد العدة لقتال العدو كما أمر الله به فى قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، وجرى ذلك على سنن مستقيمة وأسباب مطردة لا تغيير فيها ولا تبديل.\nوالسير فى الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم- نعم العون على معرفة تلك السنن والاعتبار بها، وقد نستفيد هذه الفائدة بالنظر فى كتب التاريخ التي دونها من ساروا فى الأرض، ورأوا آثار الذين خلوا، فتحصل لنا العظة والعبرة، ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون فى الأرض بأنفسهم، ويرون الآثار بأعينهم\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"والمراد بالسير هنا، سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكر في عاقبة الأمم السابقة زمنا ومكانا\" (٢).\nوالأمر في قوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، للإرشاد، للوقوف على ديار الهالكين الغابرين لتعتبروا (٣).\nقال القاسمي: \" والأمر بالسير والنظر. لما أن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا في الاعتبار والروعة، أقوى من أثر السماع\" (٤).\nعن عباد بن منصور قال: \"سألت الحسن عن قوله: فسيروا في الأرض قال: ألم تسيروا في الأرض؟ \" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى قد أهلك أمما قبل الأمة، و﴿سنن﴾ جمع كثرة لا جمع قلة.\n٢ - تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر.\n٣ - إثبات القياس، لأن المقصود بقوله: ﴿فسيروا في الأرض﴾، النظر والاعتبار، وأن يقاس ما حضر على ما مضى وسلف.\n٤ - أن عاقبة المكذبين بالله ورسله وخيمة.\nالقرآن\n﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]\nالتفسير:\nهذا القرآن بيان وإرشاد إلى طريق الحق، وتذكير تخشع له قلوب المتقين، وهم الذين يخشون الله، وخُصُّوا بذلك; لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم.\nقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، \" أي هذا الذي تقدم بيان للناس كافة\" (٦).\nقال عامر الشعبي: \" بيان من العمى\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" هذا تفسير للناس إن قبلوه \" (٨).\nوقال قتادة: \" وهو هذا القرآن، جعله الله بيانا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة\" (٩).\nقال الجزائري: \" أي: ما ذكر في الآيات بيان للناس به يتبينون الهدى من الضلال وما لازمهما من الفلاح، والخسران\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ٧٧ - ٧٨.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٩٩.\n(٣) انظر: أيسر التفاسير، للجزائري: ١/ ٣٨١.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٤١٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٠٣): ص ٣/ ٧٦٨.\n(٦) تفسير المراغي: ٤/ ٧٧.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (٩٤٥): ص ١/ ٣٩٠.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (٩٤٦): ص ١/ ٣٩٠.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (٩٤٧): ص ١/ ٣٩٠.\n(١٠) أيسر التفاسير: ١/ ٣٨١.","vol":"6","page":287},{"text":"قال السعدي: \" أي: دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين\" (١).\nقال المراغي: \" وذلك يدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة بنحو قولهم لو كان محمد رسولا حقا لما غلب فى وقعة أحد، فهذا الهدى والبيان يرشد إلى أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرسل كما هى حاكمة على سائر خلقه، فما من قائد يخالفه جنده، ويتركون حماية الثّغر الذي يؤتون من قبله، ويخلون بين عدوهم وبين ظهورهم، والعدو مشرف عليهم، إلا كان جيشه عرضة للانكسار إذا كر العدو عليه- قطع خط الرجعة- ولا سيما إذا كان بعد فشل وتنازع، ومن ثم كان هذا البيان لجميع الناس، كلّ على قدر استعداده للفهم وقبول الحجة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، أي: \" وهدى وموعظة للمتقين منهم خاصة\" (٣).\nقال الصابوني: \" أي وهداية لطريق الرشاد وموعظة وذكرى للمتقين خاصة، وإِنما خصّ المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به دون سائر الناس\" (٤).\nقال عامر الشعبي: \" هدى من الضلالة، وموعظة من الجهل \" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي \" نور وأدب للمتقين \"، ﴿للمتقين﴾ \" لمن أطاعني، وعرف أمري\" (٦).\nعن عباد بن منصور قال: \"سألت الحسن عن قوله: ﴿وهدى﴾، قال: هو القرآن\" (٧).\nوعن السدي: \" قوله: ﴿هدى﴾، قال: نور\" (٨).\nوعن سعيد بن جبير: ﴿وهدى﴾، يعني: تبيان\" (٩).\nوعن ابن عباس: ﴿وموعظة للمتقين﴾، الذين من بعدهم إلى يوم القيامة\" (١٠).\nوقال أبو العالية وقتادة: \" موعظة للمتقين خاصة\" (١١).\nوعن الحسن: ﴿وموعظة للمتقين﴾، يعدهم فيتقوا نعمة الله ويحذونها\" (١٢).\nوروي عن عطية والسدي قالا: \"لأمة محمد ﷺ (١٣).\nقال المراغي: \" وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع، فيستقيمون ويسيرون على النهج السوىّ، ويتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها، فالمؤمن حقا هو الذي يهتدى بهدى الكتاب ويسترشد بمواعظه كما قال: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» فالقرآن يهدينا فى مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نروز أنفسنا ونعرف كنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا فنسير على سنن الله فى طلبه وفى حفظه، وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه، وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن القرآن بيان للناس في كل شيء، فهو عام من حيث التبيين وعام من حيث المبيّن له.\n٢ - أن القرآن صالح لهداية المؤمن والكافر، لقوله: ﴿للناس﴾.\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٤٩.\n(٢) أيسر التفاسير: ١/ ٣٨١.\n(٣) تفسير المراغي: ٤/ ٧٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (٩٤٥): ص ١/ ٣٩٠.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٩٤٨): ص ١/ ٣٩٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١١): ص ٣/ ٧٦٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٢): ص ٣/ ٧٧٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٣): ص ٣/ ٧٧٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٥): ص ٣/ ٧٧٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٦): ص ٣/ ٧٧٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٨): ص ٣/ ٧٧٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٨): ص ٣/ ٧٧٠.\n(١٤) تفسير المراغي: ٤/ ٧٨.","vol":"6","page":288},{"text":"٣ - أنه علم للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون.\n٤ - أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، لقوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾.\n٥ - فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن، وكلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]\nالتفسير:\nولا تضْعُفوا -أيها المؤمنون- عن قتال عدوكم، ولا تحزنوا لما أصابكم في «أُحد»، وأنتم الغالبون والعاقبة لكم، إن كنتم مصدقين بالله ورسوله متَّبعين شرعه.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: أخرج الطبري عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد ﷺ القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنزل الله ﷿ القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿لبرز الذين كُتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم﴾ (١) \" (٢).\nوالثاني: أخرج الطبري عن ابن جريج: \": انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن. فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب. فلما رأوا النبيّ ﷺ فرحوا، وقال النبي ﷺ: اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر! . قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ. فذلك قوله: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ \" (٣).\nوالثالث: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي ﷺ: اللهم لا يعلُون علينا. فأنزل الله ﷿: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: \" ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح\" (٥).\nقال مجاهد (٦)، والربيع بن أنس (٧)، ومحمد بن إسحاق (٨)، ومقاتل بن حيان (٩): \" ولا تضعفوا\" (١٠).\nقال ابن جريج: \" ولا تضعفوا في أمر عدوكم\" (١١).\nقال الحسن: \" يأمر محمدًا، يقول: ولا تهنوا، أن تمضوا في سبيل الله\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" ثم قال مسليا للمؤمنين: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾، أي: لا تَضعفوا بسبب ما جرى\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: \" ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ\" (١٤).\n_________\n(١) لآية: (١٥٤)، يعني: نزل خمس عشرة آية.\n(٢) تفسير الطبري (٧٨٨٤): ص ٧/ ٢٣٤.\n(٣) تفسير الطبري (٧٨٩٠): ص ٧/ ٢٣٥.\n(٤) تفسير الطبري (٧٨٩٢): ص ٧/ ٢٣٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٢٣٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٨٨٧): ٧/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم (٤٢١٩): ص ٣/ ٧٧٠.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٨٨٩): ٧/ ٢٣٥، وابن أبي حاتم (٤٢١٩): ص ٣/ ٧٧٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٨٩١): ٧/ ٢٣٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢١٩): ص ٣/ ٧٧٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٨٨٧)، و(٧٨٨٩)، و(٧٨٩١): ص ٧/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٨٩٠): ص ٧/ ٢٣٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٨٨٦): ص ٧/ ٢٣٤.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٣٣.","vol":"6","page":289},{"text":"قال محمد بن إسحاق: \" ولا تأسوا على ما أصابكم\" (١).\nقال قتادة: يعني [يعزّي] (٢) أصحاب محمد ﷺ كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: فإنكم أنتم \" الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم\" (٤).\nقال الضحاك: \"وأنتم الظاهرون\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: العاقبة والنّصرة لكم أيها المؤمنون\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: \" إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد ﷺ فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لكم تكون العاقبة والظهور، إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني\" (٨).\nالفوائد:\n١ - ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن ععلى ما مضى، لأن الحزن على ما فات لايرد الفائت.\n٢ - ينبغي ان يكون الإنسان قوي العزيمة لايضعف ولايجبن، لكي لايفوته الخير الكثير، فالمستقبل لاتدري ما النتيجة فيه.\n٣ - أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن.\n٤ - التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن والحزن، لاسيما إذا قلنا ان \"الواو\" حالية، يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؟\n٥ - أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوّا، لأنه رتّب العلوّ على الإيمان، والمرتب على شيء يزيد بزيادته وينقص بنقسه.\nالقرآن\n﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ [آل عمران: ١٤٠]\nالتفسير:\nإن أصابتكم -أيها المؤمنون- جراح أو قتل في غزوة «أُحد» فحزنتم لذلك، فقد أصاب المشركين جراح وقتل مثل ذلك في غزوة «بدر». وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس، نصر مرة وهزيمة أخرى، لما في ذلك من الحكمة، حتى يظهر ما علمه الله في الأزل ليميز الله المؤمن الصادق مِن غيره، ويُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة. والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم، وقعدوا عن القتال في سبيله.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أخرج الطبري عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعد النبي ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد! يا محمد! ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحربُ سجال: يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! فقال أبو سفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم! فقال رَسول الله صلى الله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٨٩١): ص ٧/ ٢٣٥.\n(٢) بدلا من\"يعني\". في رواية الطبري.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٨٨٤): ص ٧/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم (٤٢٢٠): ص ٣/ ٧٧١.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٣٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٢١): ص ٣/ ٧٧١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٢٣٣.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٨٩٢): ص ٧/ ٢٣٦.","vol":"6","page":290},{"text":"عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل! فقال رسول الله ﷺ: قولوا: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدرٌ الصغرى قال عكرمة: وفيهم أنزلت ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ \" (١). وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة (٢).\nوالثاني: نقل الثعلبي عن \" راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله ﷺ كئيبا حزينا جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها وأبيها مقتولين وهي تلدم فقال رسول الله ﷺ: «أهكذا يفعل برسولك؟» «٥» [١٥٤] فأنزل الله تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح﴾ \" (٣).\nوالثالث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقتولان على دابة، أو على بعير، فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان أخوها وزوجها، أو زوجها وابنها. فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: حي. قالت: فلا أبالي، يتخذ الله من عباده الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، \" أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح\" (٥).\nقال الزمخشري: \"المعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].\nوقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ.\nفإن قلت: كيف قيل ﴿قرح مثله﴾ وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟\nقلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] \" (٦).\nقال الراغب: \" الفرق بين المس واللمس: أن اللمس أخص، فإنه بالحاسة، والمس به وبغيره، وهو ههنا عبارة عن الإصابة والقرح أعم من الجرح، فإن الجرح إصابة الجارحة في الأصل، والقرح يقال له ولما يحدث من ذاته، نحو: قرح البعير، إذا خرج به قرحة، وهي شبه جرب\" (٧).\nوقرئ: \" ﴿قرح﴾، بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال ﴿قرح﴾، بفتحتين. وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد\" (٨).\nقال الفراء: \" وقد قرأ أصحابُ عبد الله: ﴿قُرْح﴾، وكأن القُرْح: ألم الجراحات، وكأن القَرْحَ الجراحاتُ بأعيانها \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، أي: \" وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي نصرِّفها للناس، للبلاء والتمحيص\" (١١).\nقال مقاتل: \" يوم لكم ببدر ويوم عليكم بأحد مرة للمؤمنين ومرة للكافرين\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧٩٠٨): ص ٧/ ٢٤٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٢٢٥٣): ص ٣/ ٧٧١ - ٧٧٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٢.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٤٢٣٩): ص ٣/ ٧٧٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤١٨.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٧٦ - ٨٧٧.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤١٨.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٣٤.\n(١٠) التفسير الميسر: ٦٧.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٩١٠): ص ٧/ ٢٤١.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٤.","vol":"6","page":291},{"text":"قال الزجاج: \" أي: نجعل الدولة في وقت من الأوقات للكافرين على المؤمنين إذا عصوا فيما يؤمرون به، من محاربة الكفار، فأما إذا أطاعوا فهم منصورون أبدا، كما قال الله - ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] \" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: نُديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" أيام بدر وأحُد، ويعني بقوله: ﴿نداولها بين الناس﴾، نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة. ويعني بـ ﴿الناس﴾، المسلمين والمشركين، وذلك أن الله ﷿ أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم\" (٣).\nقال المراغي: \" أي إن مداولة الأيام سنة من سنن الله فى المجتمع البشرى، فمرة تكون الدولة للمبطل، وأخرى للمحق، ولكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق، وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها كالاتفاق وعدم التنازع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة\" (٤).\nقال الزمخشري: \" والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب (٥):\nفيوما علينا ويوما لنا ... ويوما نساء ويوما نسر\nومن أمثال العرب: الحرب سجال\" (٦).\nقال ابن عباس: \" أدال المشركين على النبي ﷺ يوم أحد\" (٧). وفي رواية أخرى له: \" فإنه كان يوم أحُد بيوم بدر، قُتل المؤمنون يومَ أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله ﷺ يوم بدر المشركين، فجعل له الدولة عليهم\" (٨)\nقال الحسن: \" جعل الله الأيام دولا أدال الكفار يوم أحُد من أصحاب رسول الله ﷺ\" (٩).\nقال قتادة: \" إنه والله لولا الدُّوَل ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال للكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر\" (١٠).\nقال الربيع: \" فأظهر الله ﷿ نبيه ﷺ وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوَّهم يوم أحُد. وقد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر ... وأما من ابتلى منهم من المسلمين يوم أحد، فكان عقوبة بمعصيتهم رسول الله ﷺ\" (١١).\nقال السدي: \" ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، يومًا لكم، ويومًا عليكم\" (١٢).\nقال الماتريدي: \" تحتمل الآية وجوها: يوما للمؤمنين ويوما عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله - تعالى - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر للعدو عليهم؛ كقوله - ﷿ -: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وكقوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، يمتحن عباده، بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانيا.\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤٧٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(٣) تفسير الطبري (٧/ ٢٣٩.\n(٤) تفسير المراغي: ٤/ ٧٩.\n(٥) البيت لنمر بن تولب، انظر: نهاية الارب في فنون الأدب: ٣/ ٦٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤١٩.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٩٠٦): ص ٧/ ٢٤٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٩٠٧): ص ٧/ ٢٤٠.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٩٠٢): ص ٧/ ٢٣٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٩٠٣): ص ٧/ ٢٣٩.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٩٠٤): ص ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(١٢) أ×رجه الطبري (٧٩٠٥): ص ٧/ ٢٤٠.","vol":"6","page":292},{"text":"ويحتمل المداولة -أيضا وجها آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبدا للمؤمنين- لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبدا للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام.\nويحتمل أن ما يصيب بمعصية المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي\" (١).\nقال الراغب: \" والدول والدور يتقاربان، لكن الدور أعم، فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيوي، وكذلك الجد، ولهذا قيل: \"لا ينفع ذا الجد منك الجد\"، أي: الحظوظ الدنيوية غير نافعة في القيامة،، نحو: (يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]، \" أي: فعل ذلك ليمتحنكم فيرى من يصبر عند الشدائد ويميز بين المؤمنين والمنافقين\" (٣).\nقال قتادة والربيع: \" ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ليميِّز بين المؤمنين والمنافقين\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: وليرى إيمان الذين آمنوا منكم عند البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا في دينهم أم لا\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم\" (٧).\nقال الماتريدي: \" ي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمنا شاهدا، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، \" أي: وليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" وليكرم من أكرَم من أهل الإيمان بالشهادة\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" يعني: يُقْتَلُون في سبيله، ويَبْذُلون مُهَجهم في مرضاته\" (١١).\nقال ابن عباس: \" كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء\" (١٢).\nقال ابن جريج: \" فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم: ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونُبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة! فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء\" (١٣).\nقال الضحاك: \" كان المسلمون يسألون ربهم أن يُريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله ﷿ فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية، [سورة البقرة: ١٥٤] \" (١٤).\nقال قتادة: \"، فكرَّم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوِّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٩٢.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٧٧ - ٨٧٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٩٠٣)، و(٧٩٠٤): ص ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٩١٢): ص ٧/ ٢٤٣.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٢٤٢.\n(٨) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٩٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٢٤٣.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٩١٢): ص ٧/ ٢٤٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (٧٩١٥): ص ٧/ ٢٤٣.\n(١٣) أخرجه الطبري (٧٩١٣): ص ٧/ ٢٤٣.\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٩١٦): ص ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(١٥) أخرجه الطبري (٧٩١٤): ص ٧/ ٢٤٣.","vol":"6","page":293},{"text":"عن أبي الضحى قال: نزلت: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾، فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار\" (١).\nأخرج الحاكم عن جابر-صحيحا-: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ذكر أصحاب أحد والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بحصن (٢) الجبل» \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، \"أي: والله لايحب المعتدين\" (٤).\nعن ابن عباس: ﴿الظالمين﴾، يقول: الكافرين\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرَّة على المعصية\" (٦).\nقال السمعاني: \" يعني: أنه ما جعل اليد للكفار يوم أحد لحبه إياهم؛ ولكن ليبتليكم، ويجعلكم شهداء\" (٧).\nقال النسفي: قوله: \" ﴿والله لا يُحِبُّ الظالمين﴾ اعتراض بين بعض التعليل وبعض ومعناه والله لا يحب من لبس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون\" (٨).\nقال السعدي: \" ﴿الظالمين﴾: الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله\" (٩).\nالفوائد:\n١ - بيان رأفة الله ﷾ برسول اللهﷺ- وأصحابه الكرام-رضوان الله عليهم- بهذه التسلية العظيمة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.\n٢ - أنه ينبغي للإنسان ان يعزي المصاب بمثل هذه التعزية، وذلك بذكر النظائراو ما هو أعظم، كأن يقول له مثلا: يا اخي أنت لست أول من أصيب ... الخ.\n٣ - أن الله تعالى جعل هذه الدنيا دولا تتقلب لئلا يركن الإنسان إليها.\n٤ - تمام سلان الله تعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، ليظهر أو يتبيّن بذلك تمام سلطان الله تعالى.\n٥ - أن الله قد يبتلي العبد بالمصائب ليعلم إيمانه من عدمه.\n٦ - أن الله قد يقدر المكروه لحكم بالغة كثيرة.\n٧ - أن علم الله تعالى بالاشياء على قسمين: علم بنها ستوجد وهذا أزلي، وعلم بأنها وجدت، وهذا يكون عند الوجود، ولهذا قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\n٨ - فضيلة الشهادة، لكونها اصطفاء من الله تعالى لخواص عباده.\n٩ - فضيلة شهداء أحد، لقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾.\n١٠ - إثبات المحبة لله، وجهه نفيه عن الظالمين يدل على ثبوتها لغيرهم أو لضدهم.\n١١ - التحذير من الظلم، لأنه مؤدي إلى عدم محبة الله له.\nالقرآن\n﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٣٧): ص ٣/ ٧٧٣ - ٧٧٤.\n(٢) وفي رواية \"بحضن الجبل، وفي مجمع الزوائد (١٠١١٩): ص ٦/ ١٢٣: \"بجص الجبل\" قال: يعني سفح الجبل، وثبته ابن الملقن: \"بنحص الجبل\"، بالضم، أي: أجل الجبل، معنى أن يكون استشهد معهم. وقال ابن أبي الزناد: نحص الجبل أسفله. [انظر: مغازي الواقدي: ١/ ٢٥٦].\n(٣) المستدرك (٢٤٠٧): ص ٢/ ٨٦، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، وانظر: الدر المنثور: الدر المنثور: ٢/ ٣٧٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٤٢): ص ٣/ ٧٧٤.\n(٦) أخرجه الطبري (٧٩١٧): ص ٧/ ٢٤٤.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٣٦١.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٢٦٩.\n(٩) تفسير السعدي: ١٤٩.","vol":"6","page":294},{"text":"وهذه الهزيمة التي وقعت في «أُحد» كانت اختبارًا وتصفية للمؤمنين، وتخليصًا لهم من المنافقين وهلاكًا للكافرين.\nقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، أي: \" وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي \" يختبر الذين آمنوا، حتى يخلصهم من البلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم\" (٢).\nقال الماتريدي: \" أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمان، من المنافق\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: يكفر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وإلا رُفعَ لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به\" (٥).\nقال التستري: \" يعني تخليصهم من عيوب الذنوب، كما أخلصوا له بالعمل، وهو الجهاد في سبيل الله\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، أي: \"ويهلك الكافرين ويستأصلهم\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: \" يبطل أمر المنافقين، قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم \" (٨).\nقال الفراء: أي: \" ينقصهم ويفنيهم\" (٩).\nقال الزجاج: أي: \" ليستأصلهم، وجائز أن يكون يمحقهم يحبط أعمالهم، وتأويل المحص في اللغة: التنقية والتخليص، قال محمد بن يزيد - ﵀ -: يقال محص الحبل محصا، إذا ذهب منه الوبر حتى يملص وحبل محص أو ملص بمعنى واحد، قال وتأويل قول الناس: محص عنا ذنوبنا: أي أذهب عنا ما تعلق بنا من الذنوب ... قال أبو إسحاق: وقرأت عليه أيضا عن الخليل: المحص التخليص يقال: محصت الشيء أمحصه محصا إذا خلصته، وقال بعض أهل اللغة: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾، أي: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا - ولم يخبروا بحقيقة المحص ما هو\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبَطروا فيكون ذلك سَبَبَ دمارهم وهلاكهم ومَحْقهم وفنائهم\" (١١).\nقال التستري: \" أي: وليهلك الكافرين بالذنوب عن الابتلاء\" (١٢).\n١ - أن الله تعالى قد يبتلي مؤمن من اجل تمحيصه، وذلك من وجهين:\nالأول: بيان منْ إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومنْ إيمانه مهتز لايصبر.\nوالثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات.\n٢ - محق الكافرين، ويستفاد من هذا أن النعمة قد تكون سببا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٤٥.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (٩٦٩): ص ١/ ٣٩٨.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٩٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٤٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(٦) تفسير التستري: ٥٠.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٤٩٦.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (٩٦٩): ص ١/ ٣٩٨.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ١٣٥.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٤٧١ - ٤٧٢.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(١٢) تفسير التستري: ٥٠.","vol":"6","page":295},{"text":"٣ - أن الكافر مآله المحق.\n٤ - أن الله تعالى له التدبير الكامل في عباده، لقوله: ﴿وليمحّص﴾، فإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين.\nالقرآن\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢]\nالتفسير:\nيا أصحاب محمد -ﷺ- أظننتم أن تدخلوا الجنة، ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد؟ لا يحصل لكم دخولها حتى تُبْتلوا، ويعلم الله علما ظاهرا للخلق المجاهدين منكم في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء.\nفي سبب نزول الآية:\nقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أن المنافقين قالوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فإن محمدا لو كان نبيا لم يسلط عليه القتل. قال المؤمنون: بلى من قتل منا دخل الجنة. فقال المنافقون: لم تمنون أنفسكم الباطل، فأنزل الله- تعالى-: ﴿أم حسبتم﴾، معشر المؤمنين ﴿أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله﴾ \" (١). وأخرج الطبري نحوه عن الضحاك (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، \"﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتصيبوا من ثواب الكرامة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، \" أي: ولما تجاهدوا في سبيله فيعلم الله جهادكم وصبركم على الشدائد؟ \" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" يقول: لم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم في\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبْتَلَوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء\" (٧).\nقال الزجاج: \" المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم الله ذلك واقعا منهم. لأنه - جل وعز -يعلمه غيبا، وإنما يجازيهم على عملهم\" (٨).\nقال الأخفش: \" فان قال قائل: \"ولما يعلم الله الصابرين\" ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ فهو لم يعلمهم؟ قلت بل قد علم، ولكن هذا فيما يذكر أهل التأويل ليبين للناس، كأنه قال \"ليعلمه الناس\" كما قال ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ وهو قد علم ولكن ليبين ذلك\" (٩).\nوقرأ الحسن: ﴿ويعلم الصابرين﴾، بالكسر على العطف، ومن، قرأ ﴿ويعلم الصابرين﴾ فعلى النصب بالواو (١٠).\nالفوائد:\n١ - بيان أن التمني رأس مال المفاليس.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٩١٦): ص ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٥٠): ص ٣/ ٧٧٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٥١)، و(٤٢٥٢): ص ٣/ ٧٧٥ - ٧٧٦.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٧.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٧٢.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٧٠.\n(١٠) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٧٢.","vol":"6","page":296},{"text":"٢ - أن الجنة لاتدرك بالتمني.\n٣ - أن الجنة غالية لكون ثمنها غاليا، وذلك ببذل النفوس في طاعة الله والجهاد لإعلاء كلمته.، والجنة رخيصة لأن هذا الأمر يسير جدا على من سهل له الله ووفقه.\n٤ - ان الله تعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره.\n٥ - أن جزاء الله سواء كان عقوبة أو مثوبة لابد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد.\n٦ - أن علم الله ﷿ الأزلي لايترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل، الذي يكون علما بالشيء بعد وجوده.\n٧ - أن الجهاد سبب لدخول الجنة، ولافرق بين الجهاد بالسلام والجهاد بالعلم.\n٨ - أن الصبر درجة عالية وأنه سبب لدخول الجنة.\nالقرآن\n﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ [آل عمران: ١٤٣]\nالتفسير:\nولقد كنتم -أيها المؤمنون- قبل غزوة «أُحد» تتمنون لقاء العدو; لتنالوا شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله الذي حَظِي به إخوانكم في غزوة «بدر»، فها هو ذا قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: أخرج الطبري عن عكرمة: \" إن أناسًا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنزل الله ﷿: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه، الآية\" (١).\nوالثاني: قال مقاتل: \" وذلك حين أخبر الله﷿- عن قتلى بدر وما هم فيه من الخير. قالوا: يا نبي الله أرنا يوما كيوم بدر. فأراهم الله﷿- يوم أحد فانهزموا فعاتبهم الله﷿- فقال- سبحانه-: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه﴾ \" (٢).\nوالثالث: قال الحسن: \" بلغني أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلُّهم صَدق الله، فأنزل الله ﷿: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾ \" (٣).\nوالرابع: وقيل: سببه أن قوما سألوا النبي - ﷺ - أن يأذن لهم أن يأتوا المشركين في رحالهم ويقاتلوهم، فقال - ﷺ -: \"لم أؤمر بذلك \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، \" أي: ولقد كنتم تتمنون لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة، من قبل أن تذوقوا شدّته\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ولقد كنتم، يا معشر أصحاب محمد تمنون القتال\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم يعني الذين استنهضوا رسول الله ﷺ على خروجه بهم إلى عدوهم، لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به \" (٧).\nقال قتادة: \": كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولّوا\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧٩٣٤): ص ٧/ ٢٤٩.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٤.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٩٣٥): ص ٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٨٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١١ - ٢١٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢٤٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٧٩٣٧): ص ٧/ ٢٥٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٩٣٣): ص ٧/ ٢٤٩.","vol":"6","page":297},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، أي: \"فقد رأيتموه بأعينكم\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلَّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر، أي بقرب منكم\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: رأيتم أسباب الموت وما يتولد منه الموت كالسيف والأسنة وأنتم بصراء تتأملون الحال في ذلك كيف هي، فلم انهزمتم؟ ! وهذا محذوف، وهو مراد، لأنه موضع العتاب\" (٤).\nقال الراغب: \" أراد أنكم تمنيتم الحرب فلم تحيرتم؟ \" (٥).\nقال البيضاوي: \" أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وجوه:\nأحدها: ان معناه التوكيد. قاله الأخفش (٧).\nوالثاني: أن المعنى: وأنتم تنظرون إلى محمد - ﷺ -.\nوالثالث: معناه: وأنتم تنظرون إلى السيوف. قاله ابن عباس (٨).\nوالرابع: أن المعنى: وأنتم بصراء كما تقول: قد رأيت كذا وكذا، وليس في عينيك عمة، أي قد رأيته رؤية حقيقية، وهو راجع إلى معنى التوكيد. أفاده الزجاج (٩).\nالفوائد:\n١ - إقامة الحجة على من كانوا يتمنون الموت وقد رأوه، ومع ذلك حصل منهم تخاذل.\n٢ - لاينبغي للإنسان أن يتمنى المكروه، لأنه ربما ينكص ولايصبر.\nالقرآن\n﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]\nالتفسير:\nوما محمد - ﷺ - إلا رسول من جنس الرسل الذين قبله يبلغ رسالة ربه. أفإن مات بانقضاء أجله أو قُتِل كما أشاعه الأعداء رجعتم عن دينكم،، تركتم ما جاءكم به نبيكم؟ ومن يرجِعُ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، إنما يضر نفسه ضررًا عظيمًا. أما مَن ثبت على الإيمان وشكر ربه على نعمة الإسلام، فإن الله يجزيه أحسن الجزاء.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أخرج الطبري عن قتادة:: \" ذاكم يوم أحُد، حين أصابهم القَرْح والقتل، ثم تناعوا نبي الله ﷺ تَفِئة ذلك، فقال أناسٌ: لو كان نبيًّا ما قتل! وقال أناس من عِليْة أصحاب نبي الله ﷺ: قاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ نبيكم حتى يفتح الله لكم أو تلحقوا به! فقال الله ﷿: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ \" (١٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٢١.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٩٣٧): ص ٧/ ٢٥٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢٤٨\n(٤) الوجيز: ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٨٩.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٠.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٧٣.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٣٠.\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٧٣.\n(١٠) تفسير الطبري (٧٩٤١): ص ٧/ ٢٥٣.","vol":"6","page":298},{"text":"والثاني: قال الربيع: \" وذكر لنا والله أعلم، أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أنّ محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله ﷿: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ \" (١).\nوالثالث: وقال الضحاك: \" نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد ﷺ: ألا إنّ محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول! فأنزل الله ﷿: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، الآية \" (٢).\nوالرابع: وقال مجاهد: \" القى في أفواه المسلمين يومَ أحد أن النبي ﷺ قد قتل، فنزلت هذه الآية: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ الآية\" (٣).\nوالخامس: قال ابن عباس: \" أنّ رسول الله ﷺ اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرُّون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله ﷺ؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون: والله ما ندري ما فعل! فقال: والذي نفسي بيده، لئن كان النبي ﷺ قُتل، لنعطينَّهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا: إن محمدًا إن كان حيًّا لم يهزم، ولكنه قُتل! فترخَّصوا في الفرار حينئذ. فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، الآية كلها\" (٤).\nوالسادس: قال ابن جريج: \" قال: أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي ﷺ: قد قتل محمد، فألحقوا بدينكم الأول! فنزلت هذه الآية\" (٥)\nقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، \"أي: ليس محمد إِلا رسول الله مضت قبله رسل\" (٦).\nقال الزجاج: \" المعنى: إنه يموت كما ماتت الرسل قبله\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أي: \" أفإِن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفارًا بعد إِيمانكم؟ \" (٨).\nقال قتادة: \" يقول: \" إن مات نبيكم أو قتل، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم \" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: ارتددتم عن دينكم - وروي أن بعض من كان في يوم أحد ارتد، وبعضهم مضى مسافة ثلاثة أيام، فأعلم الله جل وعز أن الرسل ليست باقية في أممها أبدا وأنه يجب التمسك بما أتت به، وإن فقد الرسول بموت أو قتل\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]، \" أي: ومن يرتد عن دينه فلا يضر الله شيئا\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٩٤٢): ص ٧/ ٢٥٣.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٩٤٧): ص ٧/ ٢٥٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٩٤٨): ص ٧/ ٢٥٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٧٩٤٩): ص ٧/ ٢٥٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٩٥٣): ص ٧/ ٢٥٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٧٣.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٠٠٢): ص ١/ ٤١٧.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٠٠١): ص ١/ ٤١٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٢.","vol":"6","page":299},{"text":"قال مقاتل: \" يقول: ومن يرجع إلى الشرك بعد الإيمان ﴿فلن يضر الله شيئا﴾ بارتداده من الإيمان إلى الشرك إنما يضر بذلك نفسه\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي [ومن] يرجع عن دينه، [فـ] لن ينقص ذلك عن الله، ولا ملكه، ولا سلطانه، ولا قدرته\" (٢).\nقال المراغي: \" أي: ومن يرجع عن جهاده ومكافحته الأعداء فلن يضر الله شيئا بما فعل، بل يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وحرمانها من الثواب، فالله قد وعد بنصر من ينصره ويعزّ دينه، ويجعل كلمته هى العليا، وهو لا محالة منجز وعده\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، \"أي: وسيثيب الله المطيعين، وهم الذين ثبتوا ولم ينقلبوا\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: من أطاعه، وعمل بأمره\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: الموحدين لله في الآخرة\" (٦).\nقال ابن أبي زمنين: \" يعني: المؤمنين يجزيهم بالجنة\" (٧).\nقال الواحدي: أي: \" الطَّائعين لله من المهاجرين والأنصار\" (٨).\nقال البيضاوي: أي: الشاكرين\" على نعمة الإسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه\" (٩).\nقال ابن كثير: \"أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيا وميتا\" (١٠).\nقال أبو السعود: أي: \" وسيجزي الله \"الثابتين على دين الإسلام، سموا بـ ﴿الشاكرين﴾، لأن الثبات عليه شكر له وعرفان لحقه وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين\" (١١).\nقال المراغي: \" وفى الآية إرشاد إلى أن المصايب التي تحل بالإنسان لا مدخل لها فى كونه على حق أو باطل، فكثيرا ما يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وصاحب الباطل بالنعم والعطايا.\nوفيها إيماء إلى أنا لا نعتمد فى معرفة الحق والخير على وجود المعلّم بحيث نتركهما عند موته، بل نسير على منهاجهما حين وجوده وبعد موته.\nوالخلاصة- إن الله أوجب علينا أن نستضىء بالنور الذي جاء به الرسول ﷺ، أما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له فى صحة دعوته، ولا فى إضعاف النور الذي جاء به، فإنما هو بشر مثلكم خاضع لسنن الله كخضوعكم\" (١٢).\nأخرج البخاري بسنده عن عن عُقيل عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمة؛ \"أن عائشة، ﵂، أخبرته أن أبا بكر، ﵁، أقبل على فَرَس من مَسْكنه بالسَّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يُكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمَّم رَسُول الله ﷺ وهو مُغَشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ﷺ ثم أكب عليه وقَبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك موْتَتَين؛ أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٠٠٤): ص ١/ ٤١٧.\n(٣) تفسير المراغي: ٤/ ٨٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٠٠٤): ص ١/ ٤١٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(٧) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٢٢.\n(٨) الوجيز: ٢٣٥.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤١.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢٨.\n(١١) تفسير أبي السعود: ٢/ ٩٤.\n(١٢) تفسير المراغي: ٤/ ٨٩.","vol":"6","page":300},{"text":"وقال الزهري: وحدثني أبو سَلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يُحَدِّث (٢) الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمرُ أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عُمَرَ، فقال أبو بكر: أما بعد، مَنْ كانَ يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فوالله لكَأنّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها.\nوأخبرني سعيد بن المُسَيَّب أن عُمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعقرتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هَوَيتُ إلى الأرض\" (١).\nالفوائد:\n١ - بيان أن رسول اللهﷺ- ليس ربّا فيدعي ولا إلها فيعبد، فهو -ﷺبشر يلحقه الموت كما يحلق جميع الرسل.\n٢ - أنه ينبغي الدليل بذكر النظائر لغرض الاقناع، لقوله: ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾، فإن من سمع هذا يقول: مادام الرسل السابقون ماتوا، فيكون ذلك تسلية له.\n٣ - إثبات ان محمداﷺ- خاتم الرسل، لقوله: ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾، لأن \"الـ\" هنا للعموم ولم يقل: \"رسل\"، بل قال: \"الرسل\"، وإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هوﷺ- آخرهم.\n٤ - أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ومن تمسك بالاسلام فإنه التقدمي، لأن الاسلام يحث على التقدم لكل فضيلة.\n٥ - أ، الله تعالى غنيّ عن طاعة الطائعين.\n٦ - انتفاء الضرر عن الله تعالى، وأنه لن يضره شيء.\n٧ - الحثّ على الشكر.\nالقرآن\n﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]\nالتفسير:\nلن يموت أحد إلا بإذن الله وقدره وحتى يستوفي المدة التي قدرها الله له كتابًا مؤجَّلا. ومن يطلب بعمله عَرَض الدنيا، نعطه ما قسمناه له من رزق، ولا حظَّ له في الآخرة، ومن يطلب بعمله الجزاء من الله في الآخرة نمنحه ما طلبه، ونؤته جزاءه وافرًا مع ما لَه في الدنيا من رزق مقسوم، فهذا قد شَكَرَنا بطاعته وجهاده، وسنجزي الشاكرين خيرًا.\nفي سبب نزول الآية:\nقال الثعلبي: \" نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: \" وما ينبغي لنفس أن تموت إلا بقدر الله\" (٣) ..\nقال مقاتل: \" يعنى: أن تقتل حتى يأذن الله فى موته\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: أن لمحمد أجلا هو بالغه، إذا أذن الله له في ذلك كان\" (٥).\nقال الطبري: يعني: \" وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له، وأذن له بالموت، فحينئذ يموت. فأما قبل ذلك، فلن يموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال، وقد قيل إنّ معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لتموت إلا بإذن الله\" (٦).\nقال المراغي: \"أي: ليس من شأن النفوس ولا من سنة الله فيها أن تموت بغير إذنه تعالى ومشيئته\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: \" كتب الله ذلك كتابا ذا أجل\" (٨).\nقال مقاتل: \" في اللوح المحفوظ\" (٩).\nقال الثعلبي: \" يعني: أن لكل نفس أجلا هو بالغه ورزقا مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره\" (١٠).\nقال الزجاج: \" الأجل هو الوقت المعلوم\" (١١).\nقال عمر بن عبدالعزيز: \" لا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي أثبته الله مقرونا بأجل معين لا يتغير، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فكثير من الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب، أو يتعرضون لعدوى الأمراض، أو يتصدون لأفاعيل الطبيعة، وهم مع ذلك لا يصابون بالأذى فالشجاع المقدام قد يسلم فى الحرب، ويقتل الجبان المتخلف ويفتك المرض بالشاب القوى، ويترك الضعيف الهزيل، وتغتال عوامل الأجواء الكهل المستوي وتتجاوز الشيخ الضعيف، فللأعمار آجال، وللآجال أقدار لا تخطوها، والأقدار هى السنن التي عليها تقوم نظم العالم وإن خفيت على بعض الناس، وإذا كان محيانا ومماتنا بإذن الله فلا محل للخوف والجبن، ولا عذر فى الوهن والضعف.\nوفى الآية تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو، فإنه إذا كان الأجل محتوما ومؤقتا بميقات، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المعارك واقتحم المهالك فلا محل إذا للخوف والحذر- إلى ما فيها من الإشارة إلى كلاءة الله وحفظه لرسوله مع غلبة العدوّ له والتفافهم عليه وإسلام قومه له نهزة للمختلس، فلم يبق سبب من أسباب الهلاك إلا قد حصل، ولكن لما كان الله حافظا وناصرا له لم يضرّه شىء، وفيها إشارة إلى أن قومه قد قصّروا فى الذبّ عنه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، \"أي: ومن قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه الله شيئا من ثوابها\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يعني الذين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة\" (١٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة\" (١٦).\nقال الثعلبي: \" يعني ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله\" (١٧).\nقال ابن كثير: \"أي: من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدّرَه الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب\" (١٨).\n_________\n(١) صحيح البخاري برقم (٤٤٥٢، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤).\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٨. [بتصرف].\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٧٩٥٤): ص ٧/ ٢٦٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢٦٠.\n(٧) تفسير المراغي: ٤/ ٨٩.\n(٨) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٧٤.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٩.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٧٠): ص ٣/ ٧٧٩.\n(١٣) تفسير المراغي: ٤/ ٨٩.\n(١٤) تفسير المراغي: ٤/ ٩٠.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (٧٩٥٥): ص ٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٩.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٠.","vol":"6","page":301},{"text":"قال الطبري: أي: \" من يرد منكم، أيها المؤمنون، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده نعطه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: \" ومن قصد الآخرة أعطاه الله حظا من ثوابها\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه\" (٣).\nقال مقاتل: \" الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير الأنصاري من بني عمرو حتى قتلوا\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \"ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا\" (٥).\nقال الزجاج: \" وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا، لأنه لم يقل: ومن يرد ثواب الآخرة\nلم نؤته إلا منها، والله ﷿ ذو الفضل العظيم\" (٦).\nقال المراغي: \" وفيها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي ﷺ بلزومه، وكأنه يقول لهم إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك، وما عليكم إلا أن تسلكوا سبيله، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ، بل يدعوكم إلى خير ترون حظا منه فى الدنيا، والمعوّل عليه ما فى الآخرة.\nفأنتم بين أمرين: إما إرادة الدنيا، وإما إرادة الآخرة، ولكل منهما سنن تتبع، وطرق تسلك، وفى معنى الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.\nومن هدى الإسلام أن يطلب المرء بعمله خيرى الدنيا والآخرة معا، ويقول: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ والله يعطيه كل ما يطلب أو بعضه يحسب سنن الله وتدبيره لنظم الحياة.\nوعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين:\nأحدهما: طور عاجل قصير، وهو طور الحياء الدنيا.\nوالثاني: طور آجل أبدىّ، وهو طور الحياة الآخرة.\nوسعادته فى كل من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجهه إليه من العمل، فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد: فقوم يحاربون حبا فى الربح والكسب، أو ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم يحاربون دفاعا عن الحق وإقامة لقوانين العدل، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى الفريقان، وهما فى المقصد مفترقان؟\nكذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحيانا بكل وسيلة مستطاعة طلبا للذاته، والحصول على شهواته، فيغلو فى الطمع، ويمعن فى الحيل، ولا يبالى أمن الحرام أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافا مضاعفة، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو مع ذلك يمنع الماعون، ولا يحضّ على طعام المسكين، ولو سئل البذل فى المصالح العامة كان أشد الناس بخلا وأقبضهم كفا، بينا يطلب آخر الكسب طلبا للتجمل وحبا للكرامة فى قومه وعشيرته، فيقتصد فى الطلب، ويتحرى الربح الحلال، ويلتزم الصدق والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه، فيواسى البائسين، ويساعد المعوزين، وتكون له اليد الطّولى فى الأعمال النافعة لأمته، فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجئ والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية، وهل هما فى\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٦٢.\n(٢) تفسير المراغي: ٤/ ٩٠.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٩٥٥): ص ٧/ ٢٦٣.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٠.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٧٥.","vol":"6","page":302},{"text":"القرب عند الله بمنزلة واحدة، أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحب المصلحة العامة.\nوقصارى القول- إن أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة فى العالم العلوي- إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذات، فيكون حظه من عمله كحظ الحشرات، يأكل ويشرب ويبغى على الضعيف ويخاف من القوى.\nوالله قد جعل عطاءه للناس معلقا على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلا القليل منهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: وسيثيب الله \"الموحدين في الآخرة\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أي الموحدين المطيعين\" (٣).\nقال السمعاني: \" يعني: المؤمنين\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شُكْرهم وعملهم\" (٥).\nقال أبو السعودي: أي ﴿الشاكرين﴾ نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى والقدر إلى ما خلقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يلويهم\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" وسنجزي الشاكرين الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد\" (٧).\nقال النسفي: أي: \" وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك، إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة، مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا\" (٩).\nقال عباد بن منصور: \" سألت الحسن عن قوله: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾، قال: يعطي الله العبد بنيته الدنيا والآخرة\" (١٠).\nوقرأ الأعمش: \" ﴿وسيجزي﴾، بالياء، يعني الله سبحانه\" (١١).\nقال ابن الجوزي: \" قوله تعالى: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾، جمهور العلماء على أن هذا الكلام محكم واستدلوا عليه بشيئين:\nأحدهما: أنه خبر والخبر لا يدخله النسخ.\nوالثاني: أنهم قالوا: ما أحد إلا وله من الدنيا نصيب مقدر، ولا يفوته ما قسم له. فمن كانت همته ثواب الدنيا أعطاه الله منها ما قدر له وذلك هو الذي يشاؤه الله، وهو المراد بقوله: ﴿عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ (١٢)، ولم يقل يؤته منها ما يشاء هو، ويمكن أن يكون المعنى: لمن يريد أن يفتنه أو يعاقبه.\nوذهب السدي إلى أنه منسوخ (١٣) بقوله: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وليس هذا بقول من يفهم الناسخ والمنسوخ، فلا يعول عليه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ٩٠.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٥.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٩.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٣٦٣.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٠.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ٩٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤١.\n(٨) تفسير النسفي: ١/ ٢٩٨.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٩٥٦): ص ٧/ ٢٦٣.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٧٤): ص ٣/ ٧٨٠.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٧٩.\n(١٢) الآية (١٨) من سورة الإسراء.\n(١٣) ورد هبة الله في ناسخه (٣٠) هذه الآية مع الآيات المنسوخة، وأعرض غيره من علماء النسخ والتفسير عن إدخالها ضمن الآيات المنسوخة. وأما ابن الجوزي﵀- فقد أورد في تفسيره شبيها لما ذكر هنا مناقشة وردا. انظر: زاد المسير ١/ ٤٧٠.\n(١٤) نواسخ القرآن: ٣٣٣ - ٣٣٤.","vol":"6","page":304},{"text":"الفوائد:\n١ - أن آجال الأنفس محددة، وأنه لايمكن ان يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدّره الله له.\n٢ - تسلية أصحاب الرسولﷺ- حين قيل لهم أن محمداﷺ- قتل.\n٣ - إثبات أن كل شيء حتى الموت مخلوق، لقوله: ﴿إلا بإذن الله﴾، وما كان صادرا عن إذن فهو مخلوق، ويدل عليه قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢].\n٤ - أن الناس لهم مشارب ولكل مسلك.\n٥ - الردّ على الجبرية، لقوله: ﴿ومن يرد﴾، إذ اثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون أن الانسان ليس له إرادة.\n٦ - أن الذي يريد بالعمل الصالح الأمور الدنيوية، فليس له حظ في الآخرة.\n٧ - إيثار إرادة الآخرة على الدنيا.\n٨ - إثبات الجزاء على العمل.\n٩ - الحث على الشكر، لأن الإخبار بأن الله سيجزي الشاكرين يراد به الحص على الشكر.\nالقرآن\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]\nالتفسير:\nكثير من الأنبياء السابقين قاتل معهم جموع كثيرة من أصحابهم، فما ضعفوا لِمَا نزل بهم من جروح أو قتل; لأن ذلك في سبيل ربهم، وما عَجَزوا، ولا خضعوا لعدوهم، إنما صبروا على ما أصابهم. والله يحب الصابرين.\nقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، \" أي: وكم من الأنبياء قاتل لإِعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعُبَّاد صالحون كثير\" (١).\nقال الزجاج: أي: \" وكأين من نبي قتل ومعه ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الجماعات الكثيرة، وقال بعضهم الربوة عشرة آلاف\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" وكأين من نبي أصابه القتل ومعه جماعات\" (٣).\nقال الحسن: \" قد كانت أنبياء الله قبل محمد قاتل معها علماء\" (٤)، وروي عنه أيضا أن: \"الربيون من العلماء مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين الرب وطريقه\" (٥).\nقال الضحاك: \"الربيون: الربوة الواحدة ألف \" (٦).\nوقال عطاء الخراساني: \"الربوة: عشرة آلاف في العدد\" (٧).\nأخرج سفيان عن عبد الله في قوله: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير﴾، قال: \"الوف\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، أربعة أقاويل:\nأحدها: أنهم الذين يعبدون الرب وأحدهم رِبّيُّ، قاله الأخفش (٩)، لأن \"العرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته كما يقول بصري منسوب إلى بصرة، فكذلك ﴿ربيون﴾، منسوب إلى «الرب» \" (١٠).\nالثاني: أنهم الجماعات الكثيرة، و\"الربيون\" جمع \"الربية\"، وهي الفرقة، وهو قول ابن مسعود (١١)، وابن عباس (١٢)، والحسن (١٣)، والسدي (١٤)، وقتادة (١٥)، وعكرمة (١٦)، ومجاهد (١٧)، والربيع (١٨)، والضحاك (١٩)، وابن إسحاق (٢٠).\nومنه قوله حسان (٢١):\nوإذا معشر تجافوا عن الحق ... حملنا عليهم ربيا\nوالثالث: انهم العلماء الكثيرون، وهو قول ابن عباس أيضا (٢٢)، والحسن (٢٣) أيضا.\nوالرابع: أن \"الربيون\": الأتباع. والربانيون: الولاة، والربيون الرعية، وهو قول أبن زيد (٢٤).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، ثلاثة اوجه من القراءة (٢٥):\nأحدها: قرأ ابن كثير وحده: ﴿وكآئن﴾، الهمزة بين الألف والنون على وزن: \"فاعل\".\nوالثاني: وقرأ الباقون: ﴿وكأين﴾، الهمزة بين الكاف والياء مشددة على وزن: \"كعين\".\nوالثالث: وقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدودا بغير نون (٢٦).\nواختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، على قراءتين (٢٧):\nإحداهما: ﴿قتل معه﴾، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي حاتم، وحسّنه الأخفش (٢٨).\nومن قرأ ﴿قتل﴾ فله ثلاثة أوجه (٢٩):\nأحدها: أن يكون القتل واقعا على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قراءة (قتل) فيكون في الآية إضمار معناه ومعه ربيون كثير كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجت معي تجارة، أي ومعي.\nوالوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: فما وهنوا راجعا إلى الباقين الذين لم يقتلوا.\nوالوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير.\nوالقراءة الثانية: ﴿قاتل﴾ بالألف، قرأ بها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٤٧٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٧٥): ص ٣/ ٧٨٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٧٥): ص ٣/ ٧٨٠.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٣٦٣.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٠٠٩): ص ١/ ٤١٩.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٠١٠): ص ١/ ٤١٩.\n(٨) تفسير سفيان الثوري: ٨١.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٧٩٥٧) - (٧٩٦٠): ص ٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٧٩٦١): ص ٧/ ٢٦٦، و(٧٩٧٩): ص ٧/ ٢٦٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٩٦٦): ص ٧/ ٢٦٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٧٩٧٧): ص ٧/ ٢٦٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٩٦٧): ص ٧/ ٢٦٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٩٦٩): ص ٧/ ٢٦٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧٩٧١): ص ٧/ ٢٦٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٧٩٧٣): ص ٧/ ٢٦٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٧٩٧٤): ص ٧/ ٢٦٨.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٩٧٨): ص ٧/ ٢٦٨.\n(٢١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨١، والقرطبي: ٤/ ٢٣٠، والدر المنثور: ٢/ ٨٢.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٧٩٦٤): ص ٧/ ٢٦٦.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٧٩٦٥)، و(٧٩٦٨): ص ٧/ ٢٦٧.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٧٩٨٠): ص ٧/ ٢٦٩.\n(٢٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢١٧.\n(٢٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٠.\n(٢٧) انظر: السبعة في القراءات: ٢١٧.\n(٢٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٥.\n(٢٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨١.","vol":"6","page":305},{"text":"قال الثعلبي: \" فمن قرأ (قاتل) فلقوله: ﴿فما وهنوا﴾، ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعد ما قتلوا، ولقول سعيد بن جبير: «ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال» \" (١).\nوقال أبو عبيد: \"إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل خاصة لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم\" (٢).\nوتقرأ ﴿رِبِّيُّونَ﴾، بكسر الراء، وهو الأكثر، وبعضهم قرأ ﴿ربيون﴾ بضم الراء، وهي لغة بني تميم (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، \"أي: ما جبنوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح\" (٤).\nقال الزجاج: أي: \" فما فتروا\" (٥).\nقال الماوردي: \" الوهن: الانكسار بالخوف، والمعنى: فلم يهنوا بالخوف\" (٦).\nعن ابن عباس: \" ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله﴾، قال: لقتل أنبيائهم \" (٧).\nقال أبو مالك: \" يعني: فما عجزوا عن عدوهم\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿فما وهنوا﴾ لفقد نبيهم\" (٩).\nقال السدي: \" فما وهن الربيون لما أصابهم في سبيل الله من قتل النبي\" (١٠).\nقال الحسن: \" لكي لا يهن أصحاب محمد ﷺ\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]،: أي: وما ضعفوا عن الجهاد \" (١٢).\nقال الزجاج: أي: \" وما جبنوا عن قتال عدوهم\" (١٣).\nقال الماوردي: \" الضعف نقصان القوة، والمعنى: ولا ضعفوا بنقصان القوة\" (١٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿وما ضعفوا﴾ عن عدوهم \" (١٥).\nقال قتادة: \" يقول: ما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم\" (١٦).\nعن الضحاك: ﴿ربيون كثير﴾ قال: \" فالربيون: الجموع، قتل نبيهم في قتالهم، فلم يهنوا لذلك، ولم يضعفوا لإيمانهم \" (١٧).\nقال السدي: \" ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]، \" أي ما ذلّوا ولا خضعوا لعدوهم\" (١٩).\nقال الزجاج: أي: \" ما خضعوا لعدوهم\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨١.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٧٦، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٨١.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٧٦.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٤٢٨.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٠١٦): ص ١/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٨٤): ص ٣/ ٧٨١.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٠١٨): ص ١/ ٤٢١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٨٥): ص ٣/ ٧٨١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٨٧): ص ٣/ ٧٨١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٤٧٦.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٤٢٨.\n(١٥) أخرجه ابن المنذر (١٠١٨): ص ١/ ٤٢١.\n(١٦) أخرجه ابن المنذر (١٠١٩): ص ١/ ٤٢١.\n(١٧) أخرجه ابن المنذر (١٠١٧): ص ١/ ٤٢١.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٨٨): ص ٣/ ٧٨١.\n(١٩) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٢٠) معاني القرآن: ١/ ٤٧٦.","vol":"6","page":306},{"text":"قال الماوردي: \" الاستكانة: الخضوع، والمعنى: ولا استكانوا بالخضوع\" (١).\nقال الراغب: \"الاستكانة: الخشوع والتضرع للمخافة\" (٢).\nقال الماتريدي: \" قيل: لم يذلوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم\" (٣).\nقال زيد بن أسلم: \" وما استكانوا لعدوهم\" (٤).\nعن ابن جريح قال: \"بلغني عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿وما استكانوا﴾، قال:\nتخشعوا\" (٥).\nقال قتادة: \" يقول: \" ما ارتدوا عن بصيرتهم، ولا عن دينهم، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله، حتى لحقوا بالله\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿وما استكانوا﴾ لما أصابهم في الجهاد، عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر \" (٧).\nقال السدي: \" يقول: ما ذلوا حين قال لهم رسول الله ﷺ: ليس لهم أن يعلونا لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، \"أي: والله يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله\" (٩).\nقال الماتريدي: يعني: \" على قتال عدوهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم\" (١٠).\nقال محمد ابن إسحاق: \" ﴿والله يحب الصابرين﴾ لما أصابهم في الجهاد عن الله، وعن دينهم وذلك الصبر\" (١١).\nالفوائد:\n١ - العناية الربانية الخاصة لهذه الأمة، إذ يسليهم بما حصل للأمم السابقة.\n٢ - أن الجهاد مشروع في غير هذه الأمة، لأن القتال من الأنبياء وأتباعهم لا يكون إلا عن جهاد، وهو كذلك.\n٣ - الثناء على من سبق ممن يستحق الثناء.\n٤ - الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يذلون لأعداء الله.\n٥ - إثبات المحبة لله تعالى.\n٦ - الحث على الصبر، لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.\nالقرآن\n﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧]\nالتفسير:\nوما كان قول هؤلاء الصابرين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وما وقع منا مِن تجاوزٍ في أمر ديننا، وثبِّت أقدامنا حتى لا نفرَّ من قتال عدونا، وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك.\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٤٢٨.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٨٩٨.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩٣): ص ٣/ ٧٨٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩٥): ص ٣/ ٧٨٢.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (٢١١٩): ص ١/ ٤٢٢.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٠١٨): ص ١/ ٤٢١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩١): ص ٣/ ٧٨٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩٦): ص ٣/ ٧٨٢.","vol":"6","page":308},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: \" وما كان قول هؤلاء الصابرين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا\" (١).\nقال الطبري: أي: \" لم يعتصموا، إذ قتل نبيهم، إلا بالصبر على ما أصابهم، ومجاهدة عدوهم، وبمسألة ربهم المغفرة والنصر على عدوهم\" (٢).\nقال ابن إسحاق: \" أي: فقولوا كما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدُّوا على أعقابكم راجعين\" (٣).\nقال الماتريدي: \" قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا) الآية، يقول: يعلم الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلا قلتم أنتم حين نعي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟ ! \" (٤).\nقال الزمخشري: \" هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصارا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، \"أي: وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك\" (٦).\nعن ابن عباس: \" قوله: ﴿وإسرافنا في أمرنا﴾، يقول: خطايانا\" (٧).\nوعن مجاهد: \" ﴿إسرافنا في أمرنا﴾، خطايانا وظلمنا أنفسنا\" (٨).\nون الضحاك: \"قوله: ﴿وإسرافنا في أمرنا﴾، فهي: الخطايا الكبائر\" (٩).\nقال الزمخشري: \"والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاء وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة\" (١٠).\nقال المراغي: \" وفى هذا إيماء إلى أن الذنوب والإسراف فى الأمور من عوامل الخذلان، والطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح، ومن ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم أثر الذنوب وأن يوفقهم إلى دوام الثبات حين تزلّ الأقدام. وقد قدموا طلب المغفرة من الذنوب على طلب النصر ليكون الدعاء فى حيز القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع والطاعة الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.\nوفى طلبهم النصر من الله مع كثرة عددهم التي دل عليها قوله: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) إعلام بأنهم لا يعوّلون على كثرة العدد بل يطلبون العون والمدد الروحاني من الله بثبات الأقدام والتمسك بأهداب الحق\" (١١).\nقال الراغب: \" الفرق بين الدنب والإسراف من وجهين:\nأحدهما: أن الإسراف نجاوز الحد فى فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير، فإذا كل إسراف ذنب، وليس كل ذنب إسرافا.\nوالثاني: أن حقيقة الذنب: التقصير وترك الأمر حتى يفوت، ثم يؤخذ بالذنب. والذنب إذن في الأصل مقابل الإسراف، وكلاهما مذمومان، أحدهما: من جهة التفريط. والآخر: من جهة الإفراط\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: \"وثبّت اقدامنا في مواطن الحرب\" (١٣).\nقال ابن إسحاق: \"واسألوه كما سألوه أن يثبِّت أقدامكم\" (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٦٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧١ - ٢٧٢.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٩٩٣): ص ٧/ ٢٧٣، وابن أبي حاتم (٤٣٩٧): ص ٣/ ٧٨٢ - ٧٨٣.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٢ ..\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٢٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢١٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩٨): ص ٣/ ٧٨٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٢٩٩): ص ٣/ ٧٨٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٠٠): ص ٣/ ٧٨٣.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٤٢٤.\n(١١) تفسير المراغي: ٤/ ٩٣.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٠٠.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢١٢. [بتصرف].\n(١٤) أخرجه الطبري (٧٩٩٣): ص ٧/ ٢٧٣، وابن أبي حاتم (٤٣٠١): ص ٣/ ٧٨٣.","vol":"6","page":309},{"text":"قال الزجاج: \" أي ثبتنا على دينك. وإذا ثبتهم على دينهم ثبتوا في حربهم - قال الله ﷿ – ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]، المعنى: تزل عن الدين\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: \" وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك\" (٢).\nقال ابن إسحاق: \"واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم قد كان وقد قُتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم\" (٣).\nقال الماتريدي: \" يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين. ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم\" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن هؤلاء الربيين كملت منهم الأفعال والأقوال، إذ ما وهنوا لما اصابهم، بل لجأوا إلى الله تعالى بسؤال المغفرة، لأن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب.\n٢ - أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله غا الإفتقار.\n٣ - أن الإنسان لايخلو من الإسراف على نفسه، إما في غلو أو تقصير.\n٤ - أن الإنسان مفتقر إلى تقبيت القدم من الله ﷿.\n٥ - أن النصر من عند الله وحده.\nالقرآن\n﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل عمران: ١٤٨]\nالتفسير:\nفأعطى الله أولئك الصابرين جزاءهم في الدنيا بالنصر على أعدائهم، وبالتمكين لهم في الأرض، وبالجزاء الحسن العظيم في الآخرة، وهو جنات النعيم. والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه.\nقوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨]، \" أي: فأعطاهم الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة\" (٥).\nقال مقاتل: \" يقول أعطاهم النصر والغنيمة في الدنيا\" (٦).\nقال الحسن: \"الفتح والنصر\" (٧).\nقال ابن إسحاق: \" الظهورَ على عدوهم\" (٨).\nقال ابن جريج: \" النصر والغنيمة \" (٩).\nقال قتادة: \" أي والله، لآتاهم الله الفتح، والظهور، والتمكين والنصر على عدوهم في الدنيا\" (١٠).\nقال الماتريدي: \" يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أي: \"وخير جزاء الآخرة وهو الجنة ونعيمها\" (١٢).\nقال ابن إسحاق: \"الجنةَ وما أعدَّ فيها \" (١٣).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤٧٧.\n(٢) التفسير الميسر: ٦٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٧٩٩٣): ص ٧/ ٢٧٣، وابن أبي حاتم (٤٣٠٢): ص ٣/ ٧٨٣.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٣.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٥٥.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٠٤): ص ٣/ ٧٨٣.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٩٩٧): ص ٧/ ٢٧٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٧٩٩٦): ص ٧/ ٢٧٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٠٥): ص ٣/ ٧٨٤.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٣.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧٥. [بتصرف].\n(١٣) أخرجه الطبري (٧٩٩٧): ص ٧/ ٢٧٦.","vol":"6","page":310},{"text":"قال قتادة: \" حسن الثواب في الآخرة هي الجنة\" (١).\nقال ابن جريج: \" رضوانَ الله ورحمته\" (٢).\nقال الماتريدي: \" وذكر في ثواب الآخرة \" الحسن \"، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبدا، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفات وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك\" (٣).\nقال الزمخشري: \" وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو المعتد به عنده ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] \" (٤).\nقال الراغب: \" ذكر في ثواب الآخرة الحسن تنبيها أن ثواب الدنيا بالإضافة إليها غير\nمستحسن لانقطاعه، ونبه بالآية أن من أراد ثواب الدنيا لم يحصل له ثواب الآخرة، وأن من أراد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة معا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، أي: \" والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه\" (٦).\nقال السمرقندي: أي: \" المؤمنين المجاهدين\" (٧).\nقال ابن إسحاق: \"يقول تعالى ذكره: فعل الله ذلك بهم بإحسانهم، فإنه يحب المحسنين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيُّهم\" (٨).\nقال مكي بن أبي طالب: \" أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم\" (٩).\nوالإحسان يحتمل وجوها ثلاثة (١٠):\nأحدها: أن المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن.\nوالثاني: أنه المعروف من الفعل -مما ليس عليه- يصنع إلى آخر؛ تفضلا منه وإحسانا.\nوالثالث: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]: هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ.\nالفوائد:\n١ - أن الله اثاب هؤلاء الربيّون الذين احسنوا في مقالهم وفعالهم بثواب الدنيا وثواب الآخرة.\n٢ - أن رحمة الله سبقت غضبه، فهو يثيب الطائع بثوابين: ثواب في الدنيا وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة: فإن الله تعالى لايجمع بين عقوبتين، فإذا شرع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لايعاقب به في الآخرة، كما قالﷺ-: \"أن الحدود كفارة\" (١١).\n٣ - الإشارة إلى خفة شأن الدنيا بالنسبة للآخرة، تؤخذ من قوله: ﴿ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة﴾، كأن الدنيا ليست بشيء حتى يكون فيها حسن.\n٤ - إثبات البعث والجزاء.\n٥ - إثبات المحبة لله.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٠٧): ص ٣/ ٧٨٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٩٩٦): ص ٧/ ٢٧٥.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٢٥.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٠٣.\n(٦) التفسير الميسر: ٦٨.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٥٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٧٩٩٧): ص ٧/ ٢٧٦.\n(٩) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١١٥٠.\n(١٠) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٤.\n(١١) رواه البخاري (٤٨٩٤).","vol":"6","page":311},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [آل عمران: ١٤٩]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا الذين جحدوا ألوهيتي، ولم يؤمنوا برسلي من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، يضلوكم عن طريق الحق، وترتدُّوا عن دينكم، فتعودوا بالخسران المبين والهلاك المحقق.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: قال مقاتل بن سليمان: \" وأنزل الله﷿- في قول المنافقين للمؤمنين، عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم. فقال- سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا﴾، يعني: المنافقين في الرجوع إلى أبي سفيان، ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ كفارا بعد الإيمان ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ \" (١). ونقله الثعلبي والزمخشري وغيرهما عن علي-كرّم الله وجهه (٢). وأخرج ابن ابي حاتم عن السدي فيما معناه (٣).\nوالثاني: وروي عن الحسن ﵁: \"إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]، \"أي: إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد ﷺ من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون\" (٨).\nقال الواحدي: \" أَيْ: اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ: ارجعوا إلى دين آبائكم\" (٩).\nقال ابن جريج: \" يقول: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في دينكم\" (١٠).\nقال السدي: \" يقول: إن تطيعوا أبا سفيان\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، \"ي يردوكم إِلى الكفر\" (١٢).\nقال السدي: \"يقول: يردَّكم كفارًا\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" يحملوكم على الرِّدة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: \" يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٦.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٣، والكشاف: ١/ ٤٢٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٠٨): ص ٣/ ٧٨٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٢٥.\n(٥) التفسير الميسر: ٦٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧٧.\n(٩) الوجيز: ٢٣٦.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٩٩٩): ص ٧/ ٢٧٧.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٠٠٠): ص ٧/ ٢٧٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٠٠٠): ص ٧/ ٢٧٧، وانب أبي حاتم (٤٣١٠): ص ٣/ ٧٨٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧٧.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٣.","vol":"6","page":312},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، أي: فترجعوا إلى الخسران\" (١).\nقال ابن إسحاق: \" فتذهب دنياكم وآخرتكم\" (٢).\nقال الطبري: أي: \": فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم\" (٣).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الإيمان إذ يوجه الخطاب إلى الناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مقتض للامتثال.\n٢ - وجوب الحذر من الكفار وأنه لايجوز إطاعة الكافرين، لأنها وسيلة إلى الكفر والخسران، كما انهم لن يدبروا امرا فيه مصلحة للمسلمين والاسلام أبدا.\n٣ - أن الكفر خسارة، لقوله: ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾، وإذا كان الكفر خسارة فإن الإيمان ربح، ولهذا لانجد أحدا اربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرا وحيدا.\nالقرآن\n﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: ١٥٠]\nالتفسير:\nإنهم لن ينصروكم، بل الله ناصركم، وهو خير ناصر، فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد.\nقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، \"أي: ليسوا أنصارًا لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره\" (٤).\nقال الزمخشري: \" أى ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته\" (٥).\nقال الواحدي: \" أَيْ: فاستغنوا عن موالاة الكفَّار\" (٦).\nقال الطبري: يعني: \" أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا\" (٧).\nقال ابن إسحاق: \" ﴿بل الله مولاكم﴾، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم\" (٨).\nوقرئ: \" ﴿بَلِ اللَّهَ﴾ بالنصب على: بل أطيعوا اللهَ مولاكم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، \"أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره\" (١٠).\nقال الواحدي: أي: فأنا ناصركم فلا تستنصروهم\" (١١).\nقال ابن أبي زمنين: يعني: \" ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين\" (١٢).\nقال ابن إسحاق: \"أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم\" (١٣).\nالفوائد:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٩٩٨): ص ٧/ ٢٧٧.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٢٥.\n(٦) الوجيز: ٢٣٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٢٧٧.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٠٠١): ص ٧/ ٢٧٨، وابن أبي حاتم (٤٣١٤): ص ٣/ ٧٨٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٤٢٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(١١) الوجيز: ٢٣٦.\n(١٢) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٢٤.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٠٠١): ص ٧/ ٢٧٨، وابن أبي حاتم (٤٣١٥): ص ٣/ ٧٨٥.","vol":"6","page":313},{"text":"١ - التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، فهم أعداء الإسلام مهما ألانوا القول وزخرفوه.\n٢ - إثبات الولاية لله ﷿ للمؤمنين، وهي ولاية خاصة بالمؤمنين، ومنه قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\n٣ - أن الله تعالى ناصر لأوليائه.\nالقرآن\n﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ [آل عمران: ١٥١]\nالتفسير:\nسنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار; وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وساء هذا المقام مقامًا لهم.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري بسنده عن السدي، قال: \"لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله ﷿ في قلوبهم الرعب، فانهزموا. فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله ﷿ رسوله ﷺ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله ﷿ في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ \" (١). وذكر مقاتل نحوه (٢).\nقوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، \" أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الخوف والفزع\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" الخوف حتى لا يرجعوا إليكم\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي: سنقذف، في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف\" (٥).\nقال ابن كثير: \" ثم بشرهم بأنه سَيُلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم\" (٦).\nقال ابن إسحاق: \" فإني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي كنت أنصركم عليهم\" (٧).\nقال ابن عباس: \" قذف الله في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة فقال النبي ﷺ: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب\" (٨).\nقرأ أيوب السختياني: ﴿سيلقي﴾، بالياء، يعني الله ﷿، لقوله: ﴿بل الله مولاكم﴾، وقرأ الباقون: ﴿سنلقي﴾، بالنون على التعظيم (٩).\nوقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٠٠٣): ص ٧/ ٢٨٠.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٤) الوجيز: ٢٣٧.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣١٧): ص ٣/ ٧٨٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣١٦): ص ٣/ ٧٨٥.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٣.\n(١٠) صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١).","vol":"6","page":314},{"text":"قال الراغب: \" الرعب: استرخاء القوى وتقطعها من الخوف\" (١).\nوقوله: ﴿الرُّعْبَ﴾، ثقل عينه، أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وخففها الآخرون (٢).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]، \" أي: بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان\" (٣).\nقال ابن إسحاق: \" بما أشركوا بي\" (٤).\nقال مقاتل: \"يعني: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة لهم بالشرك\" (٥).\nقال الواحدي: أي: \" بإشراكهم بالله الأصنام التي يَعبدونها مع الله بغير حجَّة\" (٦).\nقال الزمخشري: \" أى: كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به ما لم ينزل به سلطانا آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١]، \"أي: مستقرهم النار\" (٨).\nقال الواحدي: \" يْ: مرجعهم النَّار\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، \" أي: بئس مقام الظالمين نار جهنم\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - بيان عظمة الله، من قوله: ﴿سنلقي﴾.\n٢ - أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب، لقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، وليس المحل هو الدماغ، لأن الدماغ لايدبر، بل يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].\n٣ - أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من اكبر النصر، لقوله: ﴿وهو خير الناصرين﴾، ثم قال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، فالرعب من أقوى أسباب النصر.\n٤ - إثبات الأسباب لقوله: ﴿بما أشركوا﴾.\n٥ - أنه إذا كان الرعب يلقى في قلوب المشركين لإشراكهم، فإن الأمن يلقى في قلوب المؤمنين لتوحيدهم، لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده، فكلما كان الإنسان اشد إيمانا بالله وأشد توحيدا له كان أشد امنا واستقرارا، لأنه أقوى توكلا علي الله، والتوكل من أقوى اسباب الأمن ومصابرة الأعداء، حتى أن من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء.\n٦ - أنه لا دليل لأحد على شركه، لقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، وهذا نداء على المشركين وإعلان بسفههم.\n٧ - إثبات الجزاء، لقوله: ﴿ومأواهم النار﴾.\n٨ - إثبات أن النار مأوى الكافرين.\n٩ - ذم النار ومثواها والعياذ بالله.\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٠٨.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣١٧): ص ٣/ ٧٨٥.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٦.\n(٦) الوجيز: ٢٣٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ٤٢٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٩) الوجيز: ٢٣٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢١٥.","vol":"6","page":315},{"text":"﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢]\nالتفسير:\nولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة «أُحد» بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنائم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارفوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم; ليختبركم، وقد علم الله ندمكم وتوبتكم فعفا عنكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين.\nفي سبب نزول الآية عدة أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري عن الربيع: \" قوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾، وذلك يوم أحد، قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، حتى تفرُغوا! فتركوا أمر نبي الله ﷺ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به\" (١).\nوالثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس: \"أنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس - يعني: يوم أحُد - فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ: كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا. وإن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا! فذلك قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾، للذين أرادوا الغنيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾، للذين قالوا: نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا. فأتوا محمدًا ﷺ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة\" (٢).\nوالثالث: أخرج الطبري عبيد بن سليمان قال: \" سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾، فإن نبي الله ﷺ أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال: كونوا مَسْلحة للناس، بمنزلةٍ أمرَهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم. فلما لقي نبي الله ﷺ يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله ﷺ! فلما رأى المسلحةُ أن الله ﷿ هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنيمة! الغنيمة! لا تفتكم! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نَريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله ﷺ! . ففي ذلك نزل: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يوم أحد\" (٣). وري عن ابن عباس نحو ذلك (٤).\nوالرابع: أخرج ابن المنذر بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، في قوله ﷿: ﴿حتى إذا فشلتم﴾ قال: \" وكان وضع خمسين رجلا من أصحابه، عليهم عبد الله، فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على جبل المشركين فلما هزم رسول الله ﷺ الناس، قال نصف أولئك: نذهب حتى نلحق بالناس، ولا يفوتنا بالغنائم وقال بعضهم: قد عهد إلينا رسول الله ﷺ أن لا نريم حتى يحدث إلينا، قال: فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم، فقاتلوا حتى ماتوا، فأنزل الله جل وعز فيهم: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾، إلى قوله: ﴿وعصيتم﴾، فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة\" (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٠١١): ص ٧/ ٢٨٦.\n(٢) تفسير الطبري (٨٠٢٤): ص ٧/ ٢٩٠ - ٢٩١ ..\n(٣) تفسير الطبري (٨٠٣٢): ص ٧/ ٢٩٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٠٣٣): ص ٧/ ٢٩٥.\n(٥) تفسير ابن المنذر (١٠٥٦): ص ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤.","vol":"6","page":316},{"text":"والخامس: نقل الواحدي عن محمد بن كعب القرظي: \"لما رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ الآية إلى قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد\" (١).\nوالخامس: أخرج الطبري عن الحسن: \" في قوله: ثم صرفكم عنهم، قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله ﷺ وعدنا النصر؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ إلى قوله: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: \" ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر\" (٣).\nقال ابن إسحاق: \" أي: لقد وفَيتُ لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم\" (٤).\nقال الربيع: \" وذلك يوم أحد، قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، حتى تفرُغوا! فتركوا أمر نبي الله ﷺ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به\" (٥).\nقال الطبري: \" والوعد الذي كان وعدَهم على لسانه بأحد، قوله للرماة: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. وكان وعدهم رسول الله ﷺ النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره\" (٦).\nقال ابن كثير: إن\"ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرُّماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أي: أول النهار\" (٧).\nوقال القاسمي: \" ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ في قوله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾ \" (٨).\nأخرج الطبري عن السدي قال: \"لما برز رسول الله ﷺ إلى المشركين بأحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوّات بن جبير. ثم إنّ طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين، قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجِّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة! فهل منكم أحد يعجِّله الله بسيفي إلى الجنة! أو يعجِّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجِّلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجِّلني بسيفك إلى الجنة! فضربه علي فقطع رجلَه، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم، ابنَ عم! فتركه، فكبّر رسول الله ﷺ، وقال لعليّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، فرمته الرماة، فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ! . فانطلق عامتهم فلحقوا\n_________\n(١) أسباب النزول: ١٢٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٠٤١): ص ٧/ ٢٩٧.\n(٣) التفسير الميسر: ٦٩.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٠١٠): ص ٧/ ٢٨٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٠١١): ص ٧/ ٢٨٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٢٨١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٣.\n(٨) تفسير القاسمي: ٢/ ٤٢٨.","vol":"6","page":317},{"text":"بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ. فلما رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا فشَدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم\" (١).\nوعن ابن عباس: \"قوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه﴾، فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال حتى نزل أحدًا، وخرج رسول الله ﷺ فأذَّن في الناس، فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي. وأعطى رسول الله ﷺ اللواء رجلا من قريش يقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّر، وبعث حمزة بين يديه. وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل. فبعث رسول الله ﷺ الزبير وقال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك. وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحوا حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه، كما قال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون﴾، وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم\" (٢).\nوقال ابن إسحاق: \" حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا - في قصة ذكرها عن أحد - ذكر أن كلهم قد حدَّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أن رسول الله ﷺ نزل الشعب من أحُد في عُدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وقال: لا يقاتلنَّ أحدٌ، حتى نأمره بالقتال، وقد سرَّحت قريش الظهر (٣) والكُراع، في زروع كانت بالصَّمغة (٤) من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أترعى زروع بني قيلة (٥) ولما نُضارِب! وتعبَّأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَبوها (٦)، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وأمرَّ رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعلم بثياب بيض، والرماةُ خمسون رجلا وقال: انضح عنا (٧) الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا! إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك، لا نؤتيَنَّ من قبلك، فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض (٨)، واقتتلوا، حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب، في رجال من المسلمين. فأنزل الله ﷿ نصره وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةَ لا شك فيها\" (٩).\nوقال الزبير: \"والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمِّرات هوارب، ما دون إحداهن قليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النهب، وخلَّوا ظهورنا للخيل، فأتينا\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٠٠٤): ص ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٠٠٧): ص ٧/ ٢٨٣.\n(٣) الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب. والكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح، ويعني هنا الخيل.\n(٤) الصمغة: أرض في ناحية أحد. وقناة واد يأتي من الطائف، حتى ينتهي إلى أصل قبور الشهداء بأحد.\n(٥) بنو قيلة: هم الأوس والخزرج، الأنصار. وقيلة: أم قديمة لهم ينسبون إليها.\n(٦) جنب الفرس والأسير يجنبه (بضم النون) جنبًا (بالتحريك) فهو مجنوب وجنيب، وخيل جنائب: إذا قادهما إلى جنبه. ويقال: خيل مجنبة بتشديد النون مثلها.\n(٧) نضح عنه: ذب عنه، ورد عنه ونافح.\n(٨) قال المحقق: \" هذا اختصار مخل جدًا، فإن أبا جعفر لفق كلام ابن إسحاق، والذي رواه ابن هشام مخالف في ترتيبه لما جاء في خبر الطبري هنا. وذلك أنه من أول قوله: وأمر رسول الله ﷺ على الرماة. . . مقدم على قوله: وتعبأت قريش، وذلك في السيرة ٣: ٦٩، ٧١. أما قوله: فلما التقى الناس فإنه يأتي في السيرة في ص ٧٢، وسياق الجملة: فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم، وساق ما كان من أمرهن، ثم قال: قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، أما قوله بعد ذلك: وحمزة بن عبد المطلب. . .، فهو عطف علي وقاتل أبو دجانة، استخرجه الطبري من سياق سيرة ابن إسحاق ٣: ٧٧، لا من نصه. وقد تركت ما في التفسير على حاله، لأنه خطأ من أبي جعفر نفسه ولا شك. وأما قوله: ثم أنزل الله نصره. . . إلى آخر الأثر فهو في السيرة ٣: ٨٢\". [تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٤].\n(٩) أخرجه الطبري (٨٠٠٨): ص ٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤.","vol":"6","page":318},{"text":"من أدبارنا. وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمدًا قد قُتل! فانكفأنا، وأنكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: إذ \"تقتلونهم بتسليطه إياكم عليهم\" (٢).\nقال القاسمي: \" أي تقتلونهم قتلا كثيرا، بتيسيره وتوفيقه\" (٣).\nقال ابن إسحاق: \" إذ تحسونهم بإذني، وتسليطي أيديكم عليهم، وكفِّي أيديهم عنكم\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد ولكم النصر عليهم\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" تستأصلونهم قتلا\" (٦).\nقال عبدالرحمن بن عوف: \" الحسُّ: القتل\" (٧). وكذلك روي عن عبيد الله بن عبدالله (٨)، وابن عباس (٩)، والحسن (١٠)، ومجاهد (١١)، وقتادة (١٢)، والربيع (١٣)، والسدي (١٤)، وابن إسحاق (١٥).\nقال الثعلبي: \" أي: تقتلونهم قتلا ذريعا سريعا شديدا، قال الشاعر (١٦):\nحسسناهم بالسيف حسا فأصبحت ... بقيتهم قد شردوا وتبددوا\nوقال أبو عبيدة: الحس الاستيصال بالقتل، \" يقال: أحسسناهم من عند آخرهم، أي: استأصلناهم\" (١٧)، [و] يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد، وسنة حسوس إذا أتت على كل شيء.\nقال روبة (١٨):\nإذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبيسا\" (١٩).\nقال الراغب: \" الحس: يقال للإصابة بالحاسة نحو عنته ويديته، أي أصبته بهما، ويقال تارة لإصابة الحاس نحو بطنته وظهرته، أي أصبتهما، ولما كان إصابة الحاسة قد يتولد منه فقد الروح استعير للقتل، وإذنه هاهنا يصح أن يكون أمره، وأن يكون تسهيله وتوفيقه\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: \" حتى إذا جبنتم وضعفتم، واختلفتم في أمر الله\" (٢١).\nقال الصابوني: \" أي: حتى إِذا اجبنتم وضعفتم واختلفتم في أمر المقام في الجبل\" (٢٢).\nقال البيضاوي: \" حتى إذا فشلتم جبنتم وضعف رأيكم، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل. ﴿وتنازعتم في الأمر﴾، يعني: اختلاف الرماة\" (٢٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٠٠٩): ص ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٣.\n(٣) تفسير القاسمي: ٢/ ٤٢٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٠٢٢): ص ٧/ ٢٨٩.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٦.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٠٤٩): ص ٢/ ٤٣٩.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٠١٢): ص ٧/ ٢٨٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٠١٣): ص ٧/ ٢٨٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٠٢١): ص ٧/ ٢٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٠٢٠): ص ٧/ ٢٨٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٠١٤): ص ٧/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٠١٥): ص ٧/ ٢٨٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٠١٧): ص ٧/ ٢٨٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٠١٨): ص ٧/ ٢٨٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٠١٩): ص ٧/ ٢٨٨.\n(١٦) لم أقف عليه، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٣/ ١٨٤، والقطربي: ٤/ ٢٣٥.\n(١٧) أخرجه ابن المنذر (١٠٤٩): ص ٢/ ٤٣٩.\n(١٨) ديوانه: ٧٢، وهو في مجاز القرآن: ١/ ١٠٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٥٢٤، واللسان، مادة\"حسس\".\n(١٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٤.\n(٢٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩١١ - ٩١٢.\n(٢١) تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٩.\n(٢٢) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٢٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٣.","vol":"6","page":319},{"text":"قال ابن إسحاق: \" ﴿حتى إذا فشلتم﴾، أي: تخاذلتم، ﴿وتنازعتم في الأمر﴾، أي: اختلفتم في أمري \" (١).\nقال مقاتل: \" يعنى ضعفتم عن ترك المركز، [و] كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فتصيب الغنائم، وقال بعضهم: لا نبرح المركز كما أمرنا رسول اللهﷺ- \" (٢).\nقال ابن جريج: \" قال ابن عباس: الفشَل: الجبن\" (٣).\nقال الربيع بن أنس: \" ﴿حتى إذا فشلتم﴾، يقول: جبنتم عن عدوكم، ﴿وتنازعتم في الأمر﴾، يقول: اختلفتم، ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، وذلك يوم أحد قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتى تفرغوا، فتركوا أمر نبي الله ﷺ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانقذف عليهم عدوهم، من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون\" (٤).\nقال الراغب: \" الفشل: ضعف النجيزة، وذلك يكون عن الحرب، وعن السخاء، بل عن تحمل المضض، وجعل تعالى ميلهم إلى الغنيمة فشلا، فإن الحرص والبخل من فشل النجيزة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" والفشل: الجبن وضعف الرأى\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: \"وعصيتم نبيكم من بعد ما أراكم الله ما تحبون من النصر والظفر\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله ﷺ أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المومنين من ورائهم\" (٨).\nقال ابن إسحاق: \" ﴿وعصيتم﴾، أي: تركتم أمر نبيكم ﷺ؛ وما عهد إليكم، يعني الرماة، ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، أي: الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم\" (٩).\nعن الحسن: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، يعني: من الفتح\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" أنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس - يعني: يوم أحُد - فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ: كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا. وإن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا! فذلك قوله: منكم من يريد الدنيا، للذين أرادوا الغنيمة ومنكم من يريد الآخرة، للذين قالوا: نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا. فأتوا محمدًا ﷺ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٠٢٨): ص ٧/ ٢٩٢.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٠٢٥): ص ٧/ ٢٩١.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٠٢٦): ص ٧/ ٢٩١.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ٩١٢.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤٢٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٩.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٠٢٨): ص ٧/ ٢٩٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٠٢٩): ص ٧/ ٢٩٢.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٠٢٤): ص ٧/ ٢٩٠ - ٢٩١.","vol":"6","page":320},{"text":"قال مجاهد: \" نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي ﷺ، حين حرضهم رسول الله ﷺ على بغلته الشهباء. وقال: رب اكفنيهم بما شئت\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: منكم من \"أي يطلب الغنيمة\" (٢).\nقال الحسن: \" هؤلاء الذين يجترون الغنائم\" (٣).\nقال ابن إسحاق: \" أي: الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وتركَ ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني جل ثناؤه بقوله: منكم من يريد الدنيا، الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله ﷺ في الشِّعب من أحُد لخيل المشركين، ولحقوا بعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين \" (٥).\nقال السدي: \" فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا\" (٦).\n، قال: ابن جريج: \" قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ\" (٧)، وفي رواية أخرى: \" حتى نزل فينا يوم أحد: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة\" (٨)، وفي رواية ابن عباس عنه: \" ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضها، حتى كان يومئذ (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: \"وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها\" (١٠).\nقال الحسن: \" الذين يتبعونهم يقتلونهم\" (١١).\nقال ابن إسحاق: \" أي: الذي جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة\" (١٢).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي أقعدهم فيها رسول الله ﷺ، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله ﷺ، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم والدار الآخرة\" (١٣).\nقال السدي: \" والذين بقوا وقالوا: لا نخالف قول رسول الله ﷺ، أرادوا الآخرة\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، \"أي: ثم ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إِيمانكم\" (١٥).\nقال السمعاني: \" يعني: في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، وهذا دليل لأهل السنة على: أن أفعال العباد مخلوقة؛ حيث نسب الله تعالى هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال: ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ \" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٢٨): ص ٣/ ٧٨٨.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٥٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٠٣٤): ص ٧/ ٢٩٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٠٣٩): ص ٧/ ٢٩٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٢٩٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٠٣٠): ص ٧/ ١٩٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٠٣٣): ص ٧/ ٢٩٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٠٣٥): ص ٧/ ٢٩٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٠٣٨): ص ٧/ ٢٩٦.\n(١٠) التفسير الميسر: ٦٩.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٠٣٤): ص ٧/ ٢٩٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٠٣٩): ص ٧/ ٢٩٦.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨٠٣٠): ص ٧/ ١٩٤.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(١٦) تفسير السمعاني: ١/ ٣٦٧.","vol":"6","page":321},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم. ليبتليكم على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإيمان عندها\" (١).\nقال ابن إسحاق: \" أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم\" (٢).\nقال مقاتل: \" ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ من بعد أن أظفركم عليهم ﴿ليبتليكم﴾ بالقتل والهزيمة\" (٣).\nقال الطبري: يعني: \" ثم صرفكم، أيها المؤمنون، عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم وفي أنفسكم، من هزيمتكم إياهم وظهوركم عليهم، فردَّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة عقوبةً لكم على ما فعلتم، ليبتليكم، يقول: ليختبركم، فيتميز المنافق منكم من المخلص الصادق في إيمانه منكم\" (٤).\nقال السدي: \" ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ \" (٥).\nقال الحسن: \"صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه\" (٦).\nقال الماتريدي: \" أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة.\nوقيل: كان ذلك العصيان -الذي منكم كان- من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصيا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: \" وقد صفح عنكم مع العصيان\" (٨).\nقال مقاتل: \" حيث لم تقتلوا جميعا عقوبة بمعصيتكم\" (٩).\nقال التستري: \" يعني الفئة المنهزمة يوم أحد حين لم يستأصلهم جميعًا\" (١٠).\nقال البيضاوي: يعني: \" تفضلا، ولما علم من ندمكم على المخالفة\" (١١).\nقال ابن إسحاق: \" ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْت بفضلي عليكم\" (١٢).\nعن ابن جريج: \"قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: لم يستأصلكم\" (١٣).\nأخرج الطبري عن مبارك، عن الحسن، في قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: \"قال الحسن، وصفَّق بيديه: وكيف عفا عنهم، وقد قتل منهم سبعون، وقُتل عم رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله ﷿: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني، أن لا أكون استأصلتكم. قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله ﷺ، وفي سبيل الله غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه! ! فسوف يعلم\" (١٤).\nقال الماتريدي: \" ويحتمل: ﴿عفا عنكم﴾؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٣.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٠٤٢): ص ٧/ ٢٩٧.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٧.\n(٤) تفسير الطبري ٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٠٤٠): ص ٧/ ٢٩٧.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٠٤١): ص ٧/ ٢٩٧.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٧.\n(١٠) تفسير التستري: ٥٠.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٣.\n(١٢) تفسير الطبري (٨٠٤٥): ص ٧/ ٢٩٩.\n(١٣) تفسير الطبري (٨٠٤٤): ص ٧/ ٢٩٨.\n(١٤) تفسير الطبري (٨٠٤٣): ص ٧/ ٢٩٨.\n(١٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٦.","vol":"6","page":322},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، \"أي والله ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال\" (١).\nقال التستري: \" بالعفو عنهم وقبول التوبة منهم\" (٢).\nقال مقاتل: \" ﴿والله ذو فضل﴾ في عقوبته على المؤمنين حيث لم يقتلوا جميعا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة\" (٥).\nقال ابن إسحاق: \" يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم.\nومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدّر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين\" (٧).\nقال الماتريدي: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: \" بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله - ﷺ - وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.\nوالفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي - ﷺ - فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بينا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان:\nأحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله - تعالى - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفه ليشكروا له بما ذكرهم؛ وهو كقوله - ﷿ -: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب﴾، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.\nوالثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلا وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقه؛ فيكون ذلك منة لهم وسرورا ونعمة عظيمة؛ فاستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله\" (٨).\nالفوائد:\n١ - انه تعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر.\n٢ - ان من البلاغة أن يؤكد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، لقوله: ﴿ولقد نصركم الله وعده﴾، فيه قسم وتوكيد واللام وقد.\n٣ - شدة عزيمة الصحابة﵃- في طلب العدو، لقوله: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾، والحس: القتل، أو أشد منه كأنه يسمع له صوت عند القتل.\n٤ - أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر، فالمسلمين انتصروا في اول الامر، لكن لما حدث هذا المانع امتنع او انتفى كمال النصر.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٢) تفسير التستري: ٥٠.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٢٩٩.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٣.\n(٦) أخرجه الطبري: (٨٠٤٦): ص ٧/ ٢٩٩.\n(٧) تفسير السعدي: ١٥٢.\n(٨) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٧.","vol":"6","page":323},{"text":"٥ - أن النزاع والمعصية سبب للخذلان، تؤخذ من واقع الأمر، لأن قوله: ﴿حتى إذا فشلتم﴾، جواب الشرط فيه محذوف، والمعنى: أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم.\n٦ - أن المعصية بعد النعمة اشد من المعصية قبل النعمة.\n٧ - الحثّ على اجتماع الكلمة، لأن الاتفاق سبب للنصر.\n٨ - أن المدار كله على مافي القلب، لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.\n٩ - أنه قد يكون في خير القرون ن يعاب عليه الفعل، لقوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾، لكن الصحابة﵃- لهم من الفضائل والسوابق والصحبة ما يكفّر ما حصل لبعض منهم من الآفات وغيرها.\n١٠ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾، لأن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار هو ما حصل منهم من التنازع.\n١١ - إثبات الحكمة في أفعال الله.\n١٢ - أن ما حصل للمؤمنين من التنازع والفشل والمعصية، وإرادة الدنيا كله محاه الله تعالى، فقال: ﴿ولقد عفا عنكم﴾.\n١٣ - إثبات الفضل لله ﷿ عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين، لقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n١٤ - قال الماتريدي: \" وهذه الآية قوله - ﷿ -: ﴿ثم صرفكم﴾، وقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ - ترد على المعتزلة؛ وكذلك قوله - تعالى -: ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل﴾، إلى آخر الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف - ﷿ - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأي صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟ ! وأي صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟ ! فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين\" (١).\nالقرآن\n﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ [آل عمران: ١٥٣]\nالتفسير:\nاذكروا -يا أصحاب محمد ﷺ- ما كان مِن أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لِمَا اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله ﷺ ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلا إليَّ عبادَ الله، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، فكان جزاؤكم أن أنزل الله بكم ألمًا وضيقًا وغمًّا; لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلَّ بكم من خوف وهزيمة. والله خبير بجميع أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: أخرج ابن المنذر عن عطية العوفي، قال: \" لما كان يوم أحد وانهزم الناس صعدوا في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم، فقال الله ﷿: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ \" (٢).\nوالثاني: وقال مقاتل بن سليمان: \" وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذلك من المشركين، وقتل إخوانهم فهذا الغم الأول والغم الآخر إشراف خالد بن الوليد عليهم من الشعب في الخيل، فلما أن عاينوه ذعرهم ذلك وأنساهم ما كانوا فيه من الغم الأول والحزن، فذلك قوله- سبحانه-: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾، من الفتح والغنيمة، ﴿ولا ما أصابكم﴾، من القتل والهزيمة ﴿والله خبير بما تعملون﴾ \" (٣).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٧.\n(٢) تفسير ابن المنذر (١٠٦٨): ص ٢/ ٤٤٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٧.","vol":"6","page":324},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، \" أي: اذكروا يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إِلى ما وراءكم\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، وأنتم لا تلوون على أحد من الدَّهَش والخوف والرعب\" (٢).\nقال السمعاني: \" أي: لا تعرجون، ولا تلتفتون إلى أحد، ثم منهم من قال: ﴿أراد بالأحد﴾: الرسول، ومنهم من قال: معناه: لا تلوون على أحد من الناس\" (٣).\nقال قتادة: \" ذاكم يوم أحد، أصعدوا في الوادي فرارًا\" (٤).\nوقال ابن جريج: \" صعدوا في أحد فرارا \" (٥).\nقال الحسن: \" فروا منهزمين في شعب شديد لا يلوون على أحد\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وجهان من التفسير:\nأحدهما: أنهم صعدوا في الوادي فرارا، قاله قتادة (٧).\nوالثاني: أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل. وهذا قول ابن عباس (٨)، والحسن (٩)، ومجاهد (١٠).\nوروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: ﴿إِذْ تَصْعَدُونَ﴾، بفتح التاء والعين، وجهوا معنى ذلك إلى أنّ القوم حين انهزموا عن عدوِّهم، أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أنّ ذلك في قراءة أبيّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي﴾ (١١).\nقال الماتريدي: \" ﴿تصعدون﴾ بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، ﴿وتصعدون﴾ بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأول إذا التفت فرأى منهزما آخر اشتد.\nوقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض.\nوقيل: تصعدون من صعود الجبل، وتصعدون في الوادى من الجبل\" (١٢).\nقال الراغب: \" والإصعاد: الإبعاد في الأرض، سواء كان في صعود أو حدور، وإن كان أصله من الصعود كقولهم: تعال في أن صار في التعارف، قد يقال لغير معنى العلو. والصعود: الذهاب في صعود\" (١٣).\nوقرأ الحسن -﵁-: ﴿تلون﴾، بواو واحدة، وقرئ: ﴿يصعدون﴾ و﴿يلوون﴾ بالياء (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، \"أي والرسول يناديكم من وراءكم\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: وهو قد خلفتموه وراء ظُهوركم يدعوكم إلى تَرْك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة\" (١٦).\nقال قتادة: \" ونبي الله ﷺ يدعوهم في أخراهم: إلىَّ عباد الله، إلى عباد الله! \" (١٧).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٧.\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٣٦٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٠٤٩): ص ٧/ ٣٠١.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٠٦٩): ص ٢/ ٤٤٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٤١): ص ٣/ ٧٩٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٠٤٩): ص ٧/ ٣٠١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٠٥٣): ص ٧/ ٣٠٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٠٥٠): ص ٧/ ٣٠١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٠٥١): ص ٧/ ٣٠٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٣٠٠.\n(١٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٨.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩١٩.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٤٢٧.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢١٥.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٧.\n(١٧) أخرجه الطبري (٨٠٤٩): ص ٧/ ٣٠١.","vol":"6","page":325},{"text":"وعن ابن جريج: \" ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ \" أي عباد الله ارجعوا، أي عباد الله ارجعوا \" (١).\nقال الحسن: \" قوله: ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ أي عباد الله، أي عباد الله، ولا يلوي عليه أحد\" (٢).\nقال الماتريدي: \" أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلي أنا الرسول.\nوقيل: يناديكم من بعدكم: إلي أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه\" (٣).\nعن أبي عبيدة: \" ﴿أخراكم﴾ \" آخركم \" (٤).\nقال الزمخشري: \" ﴿في أخراكم﴾، في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أولهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، \"أي: \" فجازاكم الله بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم غما على غم\" (٦).\nقال ابن إسحاق: \" أي: كربا بعد كرب، قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، وكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي: فجازاكم غَما على غَم\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي أثابكم بأن غممتم النبي - ﷺ - أن نالكم غم - بما عوقبتم به للمخالفة وقال بعضهم ﴿غما بغم﴾ إشراف خالد بن الوليد عليهم بعد ما نالهم\" (٩).\nقال الزمخشري: \" أى فجازاكم الله غما حين صرفكم عنهم وابتلاكم (ب) سبب (غم) أذقتموه رسول الله ﷺ بعصيانكم له، أو غما مضاعفا، غما بعد غم، وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ﷺ والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر\" (١٠).\nوفي الغم الأول والثاني أقوال:\nأحدها: أن الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي -ﷺ -، وهذا قول قتادة (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع (١٣).\nوالثاني: غمًا يوم أحد بغم يوم بدر، وهو قول الحسن (١٤).\nوالثالث: أن الغم الأول: ما فاتكم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: إشراف العدو عليكم. قاله السدي (١٥).\nوالرابع: ويحتمل: ﴿غما﴾: بعصيانهم رسول الله - ﷺ - اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله - ﷺ - بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له. أفاده الماتريدي (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٠٧٤): ص ٢/ ٤٥١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٤٤): ص ٣/ ٧٩٠.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٩.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٠٧٦): ص ٢/ ٤٥٢.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٢٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٣٠٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٥٠): ص ٣/ ٧٩١ - ٧٩٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٣.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٧٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٤٢٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٠٥٩): ص ٧/ ٣٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٠٦٠): ص ٧/ ٣٠٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٠٦٣): ص ٧/ ٣٠٥.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٤٩): ص ٣/ ٧٩١.\n(١٦) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٩. ثم ذكر وجوها أخرى: \" وقيل: قوله - ﷿ -: (فأثابكم غما بغم): أي: مرة بعد المرة الأولى.\nوقيل: (غما بغم)، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.\nوقيل: (فأثابكم غما): بعصيانكم رسول الله - ﷺ -، (بغم): الذي أدخلوا على رسول الله - ﷺ - بترككم المركز والطاعة له، وفي قوله - ﷿ -: (فأثابكم غما بغم) وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله - ﷺ - في عصيانهم إياه، وإهمالهم المقعد الذي أمرهم بالمقام فيه.\nوقيل: غما بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.\nوقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله - ﷺ - بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.\nوقيل: غما على أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله - ﷺ -، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزلة والجزاء؛ وذلك كقوله - ﷿ -: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ \". [تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٩].","vol":"6","page":326},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: \" لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة\" (١).\nقال الصابوني: \" أي: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة\" (٢).\nقال ابن زيد: \" على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون\" (٣).\nقال المراغي: \" أي لأجل أن تمرنوا على تجرّع الغموم وتتعودوا احتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على ما يفوت من المنافع والمغانم\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار. ويجوز أن يكون الضمير في: (فأثابكم) للرسول، أى فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره: وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، \" أي: ولا تحزنوا على ما أصابكم من المضارّ\" (٦).\nقال ابن زيد: \" ولا تحزنوا على ما أصابكم، من الهزيمة\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \"ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم حتى فرجت ذلك عنكم\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي ليكون غمكم بأن خالفتم النبي فقط\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: \" والله خبير بجميع أعمالكم\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي\" عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها\" (١١).\nقال النسفي: أي\" عالم بعلمكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" والله بالذي تعملون، أيها المؤمنون - من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم ذو خبرة وعلم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفو عنه\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٦٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٠٧١): ص ٧/ ٣١٤.\n(٤) تفسير المراغي: ٤/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.\n(٦) تفسير المراغي: ٣/ ١٠٣.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٠٧١): ص ٧/ ٣١٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٥٧): ص ٣/ ٧٩٢.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٧٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ٦٩.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٣.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٣٠٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣١٤ - ٣١٥.","vol":"6","page":327},{"text":"قال المراغي: أي: \" فهو عالم بجميع أعمالكم ومقاصدكم، والدواعي التي حفزتكم عليها، وقادر على مجازاتكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفى هذا ترغيب فى الطاعة، وزجر عن الإقدام على المعصية\" (١).\nالفوائد:\n١ - التوبيخ اللطيف في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾، فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال، يهرب ولايلوي على أحد، والرسول يدعوه، ففيه توبيخ لطيف للصحابة-رضوان الله تعالى عليهم-\n٢ - حسن رعاية النبيﷺ- لأمته في قيادته العظيمة إذ يكون في أخريات القوم وذلك من اجل أن يتفقدهم.\n٣ - أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة ي قيادته بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات.\n٤ - إثبات رسالة النبيﷺ- لقوله: ﴿والرسول يدعوكم﴾.\n٥ - إثبات حكمة الله تعالى في أفعاله، وذلك لقوله: ﴿لكيلا﴾، فإن اللام للتعليل.\n٦ - أن الله تعالى يحب من عباده ألا يحزنوا، لأنه قدّر الغم بالغم من اجل ألا يحزنوا.\n٧ - التربية العظيمة للعباد، وهي ألا يحزنوا على ما فاتهم، والحزن يزيد الإنسان بلاء.\n٨ - إثبات علم الله الواسع لكل معلوم، وبالتالي وجوب الحذر من مخالفة الله ﷿.\n٩ - الرد على غلاة القدرية من ق: ﴿خبير﴾، لأنهم ينكرون علم الله بفعل العبد.\nالقرآن\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ [آل عمران: ١٥٤]\nالتفسير:\nثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله، وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة، وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم، وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم، يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟ قل لهم -أيها الرسول-: إن الأمر كلَّه لله، فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم، وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال، يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: قال مقاتل: \" نزلت في سبعة نفر، فى أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصاررضي الله عنهم-\" (٢).\nقال ابن حجر: \" ثبت في الصحيح ذكر أبي طلحة فيمن غشيه النعاس وهو أنصاري\" (٣).\nوالثاني: أخرج الطبري عن الزبير قال: \"والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير (٤) (٥)، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا! \" (٦).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ١٠٣.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٧.\n(٣) العجاب: ٢/ ٧٧١، وانظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، الفتح: ٧/ ٣٦٥، وكتاب التفسير، الفتح: ٨/ ٢٢٨.\n(٤) معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة. وليس له عقب. وشهد بدرا وأحدا وكذلك قال محمد بن إسحاق. [الطبقات الكبري: ٣/ ٣٥٣].\n(٥) إن لفظ الآية يفيد أنهم طائفة، فلعل معتب بن قشير هو أول من قال هذا فتابعه آخرون.\n(٦) تفسير الطبري (٨٠٩٤): ص ٧/ ٣٢٣.","vol":"6","page":328},{"text":"ونقله الواقدي عن الزبير وفي الأخير: \" فأنزل الله تعالى فيه: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾ \" (١).\nوالثالث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: \" متعب الذي قال يوم أحد: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله﴾ إلى آخر القصة\" (٢).\nوالرابع: وقال الربيع: \"فقالوا: لو كنا على شيء من الأمر ما قتلنا هاهنا، ولو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله تعالى: ﴿لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \" أي: ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: من بعد غم الهزيمة ﴿أمنة نعاسا﴾، وذلك أن الله﷿- ألقى على بعضهم النعاس فذهب غمهم\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه، لأن الشديد\nالخوف لا يكاد ينام\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس\" (٧).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى مُمْتَنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئمو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] \" (٨).\nقال عبدالله بن مسعود: \" النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان\" (٩).\nقال عبدالرحمن بن عوف: \" ألقى عليهم النوم\" (١٠).\nقال قتادة: \" ألقى الله عليهم النعاس فكان ذلك أمنة لهم\" (١١).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن داود والمنذر بن شاذان عن أبي طلحة، قال: \" كنت أحد من أنزل الله فيه: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾، وكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي، ثم أتناوله. وفي حديث المنذر: وكان سيفي يسقط مني، ثم أتناوله بيدي\" (١٢).\nقال الزبير بن العوام: \" لما التقينا يوم بدر سلط الله علينا النعاس، فإن كنت لا تشرد فيجلدني، وأتشدد فيجلدني، ما أطيق إلا ذلك، ورسول الله ﷺ في أصحابه كذلك، ودنا منا المشركون حتى قالوا: والله ما تحت الجحف أحد. قال الزبير: وكان أول من استقل من تلك السكتة والنعسة رسول الله ﷺ\" (١٣).\n_________\n(١) مغازي الواقدي: ١/ ٢٩٦.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٦٦): ص ٣/ ٧٩٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٥): ص ٣/ ٧٩٥\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٧.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٧٩.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٤.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٠): ص ٣/ ٧٩٣.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٥٨): ص ٣/ ٧٩٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦١): ص ٣/ ٧٩٣.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٥٩): ص ٣/ ٧٩٣.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٢): ص ٣/ ٧٩٣.","vol":"6","page":329},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \" أي: يغشى النوم فريقًا منكم وهم المؤمنون المخلصون\" (١).\nقال قتادة: \" وكانوا يومئذ فرقتين، فأما فرقة فغشيها النعاس\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" أنزل الله النعاس أمنة على أهل اليقين به منهم نيام لا يخافون\" (٣).\nوقرئ بالتاء: ﴿تغْشَى﴾، فتكون للأمنة، وبالياء ﴿يَغْشَى﴾ فيكون للنعاس (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \"أي: وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إِلاَّ نجاتها وهم المنافقون\" (٥).\nقال الثعلبي: \" يعني المنافقين، وهب بن قشير وأصحابه حملتهم أنفسهم على الهم\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" أوقعتهم أنفسهم في الهموم، أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها\" (٧).\nقال قتادة: \" وكانوا يومئذ فرقتين، وأما الفرقة الأخرى فالمنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أرعب قوم وأخبثه وأخذ له للحق\" (٨).\nقال الطبري: \" هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه ﷺ، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \"أي: يظنون بالله السيئة مثل ظنِّ أهل الجاهلية\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" أي لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا قد قتل\" (١١).\nقال قتادة: \" ﴿يظنون بالله غير الحق﴾ ظنون كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة\" (١٢). وعنه ايضا: \" ﴿ظن الجاهلية﴾: ظن اهل الشرك\" (١٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" وذلك أنهم كانوا لا يرجون عاقبة، فذكر الله تلاؤمهم وحسرتهم على ما أصابهم\" (١٤).\nقال الزجاج: \" أي يظن المنافقون أن أمر النبي - ﷺ – مضمحل، [و] هم على جاهليتهم في ظنهم هذا\" (١٥).\nقال البيضاوي: \" أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، وظن الجاهلية بدله وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي: \"يقولون: ليس لنا من الأمر شيء\" (١٧).\nقال مقاتل: \" هذا قول معتب بن قشير يعني بالأمر: النصر\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٣): ص ٣/ ٧٩٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٤): ص ٣/ ٧٩٤.\n(٤) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٤٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٥): ص ٣/ ٧٩٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٧.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٧): ص ٣/ ٧٩٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٩): ص ٣/ ٧٩٤.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٨): ص ٣/ ٧٩٤.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٤٧٩.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤.\n(١٧) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٢.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليما: ١/ ٣٠٨.","vol":"6","page":330},{"text":"عن ابن جريج قال: \"قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قيل إنّ الأمر كله لله! \" (١).\nقال البيضاوي: أي: \" هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط. وقيل: أخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا، فلم يبق لنا من الأمر شيء أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \" أي: قل محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء\" (٣).\nقال الماتريدي: \" يعني النصر والفتح كله بيد الله\" (٤).\nقال مقاتل: \" يقول الله﷿- لنبيهﷺ- قل إن الأمر يعني النصر كله لله\" (٥).\nقال الطبري: يعني: \" قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: إن الأمر كله لله، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ\" (٦).\nقال البيضاوي: \" أي الغلبة الحقيقية لله تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو اعتراض\" (٧).\nوقرئ: ﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، برفع الـ ﴿كل﴾، على توجيه الكل إلى أنه اسم، وقوله لله خبره (٨).\nقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \" أي: يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون لك\" (٩).\nقال الربيع بن أنس: \" فكان مما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: ﴿لو كنا على شيء من الأمر ما قتلنا هاهنا﴾ \" (١٠).\nقال مقاتل: \" يسرون فى قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم والذي أخفوا في أنفسهم أنهم قالوا: لو كنا في بيوتنا ما قتلناها هنا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \" أي: لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولما قتل رؤساؤنا\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد\" (١٤).\nقال السمرقندي: \" أي يقولون لو كان ديننا حقا ما قتلنا هاهنا\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٠٩٣): ص ٧/ ٣٢٢.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٢.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٣.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٢): ص ٣/ ٧٩٥.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٨.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٨.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(١٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٥٨.","vol":"6","page":331},{"text":"قال البيضاوي: أي: يقولون: \" لو كان لنا من الأمر شيء كما وعد محمد أو زعم إن الأمر كله لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير ولم نبرح كما كان ابن أبي وغيره، ما قتلنا هاهنا لما غلبنا، أو لما قتل من قتل منا في هذه المعركة\" (١).\nعن عباد بن منصور، قال: \"سألت الحسن عن قوله: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾، قال: ذلك المنافق لما قتل من قتل من أصحاب محمد، أتوا عبد الله بن أبي فقالوا له: ما ترى فقال: أنا والله ما نؤامر لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا هاهنا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \"أي: قل لهم يا محمد: لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم من قدّر الله عليه القتل لخرج أولئك إِلى مصارعهم\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه\" (٤).\nقال محمد ابن إسحاق: \"ثم قال الله لنبيه: قل لو كنتم في بيوتكم لم تحضروا هذا الموطن الذي أظهر فيه ما أظهر من سرائكم، لأخرج الذين كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يصرعوا فيه\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: هذا قدر مقدر من الله ﷿، وحكم حَتْم لا يحاد عنه، ولا مناص منه\" (٦).\nعن عمرو بن عبيد، عن الحسن سئل عن قوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل\" (٧).\nقال الزجاج: \" معنى (برزوا) صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف أي لأوصلتهم\nالأسباب التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم\" (٨).\nوقرأ ابن أبي حيوة: ﴿لبرز﴾ بضم الباء وتشديد الراء، على الفعل المجهول (٩).\nوقرأ قتادة: ﴿الذين كتب عليهم القتال﴾ (١٠).\nوتقرأ\" ﴿بيوتكم﴾، بضم الباء وكسرها، وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم، بكسر الباء، قال أبو إسحاق: وقرأناها بإقراء أبي عمرو عن عاصم (بيوتكم) بضم الباء، والضم الأكثر الأجود -، والذين كسروا (بيوت) كسروها لمجيء الياء بعد الباء\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \"أي: ليختبر ما في قلوبكم من الإِخلاص والنفاق\" (١٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" يبتلي به ما في صدوركم\" (١٣).\nقال الطبري: يعني: \"وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين \" (١٤).\nقال السمرقندي: \" يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٤): ص ٣/ ٧٩٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٦): ص ٣/ ٧٩٦.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٠٩٧): ص ٧/ ٣٢٦.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٨٠.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٨.\n(١١) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٨٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٧): ص ٣/ ٧٩٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٤.\n(١٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٥٨.","vol":"6","page":332},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق\" (١).\nقال الماتريدي: \" أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجعله ظاهرا لهم، والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - ﷿ -: (يوم تبلى السرائر) تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب، ويحتمل الابتلاء -هاهنا- الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، \"أي: ولينقّي ما في قلوبكم ويطهّره\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين من العداوة أو الولاية\" (٤).\nقال الثعلبي: \" يخرج ويطهر ما في قلوبكم\" (٥).\nقال السمرقندي: \" يعني: ليظهر ويكفر ما في قلوبكم من الذنوب\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي: \"والله ذو علم بالذي في صدور خلقه\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم\" (٩).\nقال الصابوني: \" أي: والله عالم بالسرائر مطّلع على الضمائر وما فيها خير أو شر\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يقول: الله عليم بما في القلوب من الإيمان والنفاق والذين أخفوا في أنفسهم قولهم إن محمدا قد قتل، وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا «٣» هاهنا، يعني هذا المكان\" (١٣).\nقال الراغب: \" من نقض الحزن ورفض الذعر ذكر الصدر، وحينما ذكر الإيمان المحض ذكر القلب، وكل موضع يذكر الله في القرآن العقل والإيمان، فإنه يخص ذكر القلب، وإذا أراد ذلك وسائر الفضائل والرذائل ذكر الصدور، وهذا إذا اعتبر بالاستقراء انكشف، نحو قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ [الحج: ٣٢]، وقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، ولما كان التمحيص أخص من الابتلاء كما تقدم خصه بالقلب، وهذه الأحوال الثلاث يترتب بعضها على بعض، فبإصلاح العمل يتوصل إلى إصلاح ما في الصدور من الشهوة والغضب، وبهما وبإصلاح ذلك يتوصل إلى إصلاح ما في القلوب من الاعتبارات التي لا يعتريها شك وريب، وذلك ما يبلغه العبد، وبه يستحق اسم الخلافة لله المذكور في قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]،\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤\n(٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١١ - ٥١٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٥.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٨.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٥٨.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٤\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٥\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٥\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢١٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٧٨): ص ٣/ ٧٩٦.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٨.","vol":"6","page":333},{"text":"ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي عالم بجميع ما ينطوي عليه من الضمائر الطيبة والخبيثة، وخص الصدور دون القلب إذ هي أعم\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن النعاس قد يكون محمودا ويعدّ من النعم، لقوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾.\n٢ - ذم من ظنّ بالله غير الحق، وأنه لا يظن أحد بالله ظنا غير الحق إلا وهو جاهل، لقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.\n٣ - بيان أن الأمر كله لله، الأمر الشرعي والأمر الكوني، ليس لأحد مع الله امر.\n٤ - أن النبي -ﷺ- لايعلم الغيب، لقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾.\n٥ - التنديد بمن يعترضون على القدر، لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.\n٦ - إثبات الحكمة في أفعال الله بقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾.\n٧ - أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور، لقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾.\n٨ - أن الله قد يبتلي عباده بما ينقي قلوبهم ويخلصها من الشوائب، لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾.\n٩ - إثبات علم الله بما في القلوب، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، عليه يجب الحذر من إضمار ما لايرضى به الله.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]\nالتفسير:\nإن الذين فرُّوا منكم -يا أصحاب ﷺ- محمد عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة «أُحد»، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، ولقد تجاوز الله عنهم فلم يعاقبهم. إن الله غفور للمذنبين التائبين، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: \" نزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر\" (٢).\nوالثاني: وروي عن عكرمة أيضا: \"جاءت فاختة بنت غزوان امرأة عثمان بن عفان، ورسول الله ﷺ وعلي يغسلان السلاح من الدماء، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أما والله لا تجدونه ألأم القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار (٣) اليوم. فقال: له رسول الله ﷺ: مه، وكان ممن ولى دبره يومئذ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان (٤) -إخوان من الأنصار من بني زريق- حتى بلغوا الجلعب (٥)، فرجعوا بعد، فقالت: فقال لهم رسول الله ﷺ: \"لقد ذهبتم بها عريضة\" (٦)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ \" (٧).\nوالثالث: وأخرج الطبري عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: \"خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: ﴿إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، قال: لما\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٣٨ - ٩٣٩.\n(٢) تفسير الطبري (٨١٠٢): ص ٧/ ٣٢٩.\n(٣) الذمار: ما يلزمك حفظه وحمايته. [انظر: القاموس: ٥٠٨].\n(٤) وفي رواية ابن اسحاق: \" فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار - حتى بلغوا الجلْعَب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً! ! \". [أخرجه الطبري (٨١٠٣): ص ٧/ ٣٢٩].\n(٥) جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص. [انظر: معجم البلدان لياقوت: ٢/ ١٥٤].\n(٦) قوله: لقد ذهبتم فيها عريضة، أي واسعة. والضمير في قوله: فيها إلى الأرض، يقول: لقد اتسعت منادح الأرض في وجوهكم حين فررتم، فأبعدتم المذهب، يتعجب من فعلهم.\n(٧) العجاب: ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣. وأخرجه الطبري (٨١٠٣): ص ٧/ ٣٢٩. ياختصار، وكذلك ابن المنذر في تفسيره (١٠٩٥): ص ٢/ ٧٧٣ - ٧٧٤.","vol":"6","page":334},{"text":"كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أرْوَى، والناس يقولون: قُتل محمد! فقلت: لا أجد أحدًا يقول: قتل محمد، إلا قتلته! . حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، الآية كلها\" (١).\nوالرابع: قال قتادة: \" قوله: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله ﷺ تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله ﷿ ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم\" (٢). وري عن الربيع نحو ذلك (٣).\nوالخامس: وقال السدي: \" لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله ﷺ أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله ﷿ الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، الآية\" (٤)\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، \" أي: إن الذين انهزموا منكم من المعركة\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: الذين انصرفوا عن القتال منهزمين\" (٦).\nقال الحسن: \" فرت طائفة منهم، زاغت قليلا ثم رجعوا\" (٧).\nوفي المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُم يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [آل عمران: ١٥٥]، قولان:\nأحدهما: ان المراد: كل من ولّى الدبر من المشركين بأحد، وهذا قول عمر (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠).\nوالثاني: أنهم من هرب إلى المدينة وقت الهزيمة، وهذا قول السدي (١١).\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، \"أي: يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين\" (١٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يوم أحد حين التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين، فانهزم المسلمون عن النبي ﷺ، وبقي في ثمانية عشر رجلا\" (١٣).\nوقال الضحاك: ﴿يوم التقى الجمعان﴾، فهو يوم بدر\" (١٤).\nقال السمعاني: \" يعني: الذين انهزموا من المسلمين يوم أحد؛ فإنه لما وقعت الهزيمة على المسلمين انهزم أكثرهم، ولم يبقى مع رسول الله إلا أربعة عشر نفرا: سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، وقيل: ثلاثة عشر، ستة من المهاجرين وهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.\nوفي الرواية الأولى: كان السابع الزبير، وكان طلحة أشد نكاية في الكفار يومئذ.\nوقيل: إن يوم أحد لطلحة، وقيل: إنه كان وقاية رسول الله وكان قد ضرب على يده فشلت وبقيت كذلك، وأما سعد وهو رامية، وكان يرمي بين يديه، ويقول له رسول الله: \" ارم، فداك أبي وأمي \"، وأما الذين انهزموا، فقد لحق بعضهم بالمدينة منهم عثمان، ورجع بعضهم على الطريق منهم عمر\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٠٩٨): ص ٧/ ٣٢٧.\n(٢) تفسير الطبري (٨٠٩٩): ص ٧/ ٣٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨١٠٠): ص ٧/ ٣٢٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٨١٠١): ص ٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٠): ص ٣/ ٧٩٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨١): ص ٣/ ٧٩٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨١٩٨): ص ٧/ ٣٢٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨١٩٩): ص ٧/ ٣٢٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨١٠٠): ص ٧/ ٣٢٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨١٠١): ص ٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٢): ص ٣/ ٧٩٧.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٣): ص ٣/ ٧٩٧.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٣٧٠.","vol":"6","page":335},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]، \" أي: إِنما أزلهم الشيطان بوسوسته وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: حين تركوا المركز وعصوا أمر رسول الله ﷺ حين قال للرماة يوم أحد: لا تبرحوا مكانكم، فترك بعضهم المركز\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" إنما إستزلهم الشيطان والذين استزلهم الشيطان عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان الأنصاريان ثم الزرقيان\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: لم يتولوا في قتالهم على جهة المعاندة، ولا على الفرار من الزحف رغبة في الدنيا خاصة، وإنما أذكرهم الشيطان خطايا كانت لهم فكرهوا لقاء الله. إلا على حال يرضونها، فلذلك عفا عنهم وإلا فأمر الفرار والتولي في الجهاد إذا كانت العدة أقل من المثلين، أو كانت العدة مثلين، فالفرار أمر عظيم\" (٤).\nقال مكي: \" قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - ﷿ - على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" استزلهم طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم، معناه إن الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.\nوقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفا فيها. وقال الحسن ﵁: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.\nوقيل: (ببعض ما كسبوا) هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالثبات فيه. فجرهم ذلك إلى الهزيمة.\nوقيل: ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها، فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية\" (٦).\nقال ابن عطية: \" ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضا هم من الفرار\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، \"أي: ولقد تجاوز الله عن عقوبتهم وصفح عنهم\" (٨).\nقال الطبري: \" ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم\" (٩).\nقال ابن جريج: \" ولقد عفا الله عنهم، إذ لم يعاقبهم\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" ولقد عفا الله عنهم حين لم يعاقبهم، فيستأصلهم جميعا\" (١١).\nقال ابن زيد: \" ولقد عفا الله عنهم، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟ \" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٥): ص ٣/ ٧٩٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٦): ص ٣/ ٧٩٧.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٨١.\n(٥) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١١٥٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤٣٠.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٥٣٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨١٠٥): ص ٧/ ٣٣٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٨): ص ٣/ ٧٩٨.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨١٠٦): ص ٧/ ٣٣٠.","vol":"6","page":336},{"text":"وقال الحسن: \" فكيف عفى عنهم، وقد قتل منهم سبعون وجرح سبعون، وأسر منهم سبعون، وشج رسول الله ﷺ، وكسر رباعيته، وهشم البيضة على رأسه، قال الحسن ولقد عفا عنكم: لم يستأصلكم لمخالفتكم رسول الله ﷺ، إنما خافوا رسول الله ﷺ أن قال لقوم منهم: لا تبرحوا مكانكم، فعاقبهم بما قد رأيت، وعفا عنهم ألا يكون اصطلمهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، أي: إن الله \"واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \"إن الله غفور للذنوب، حليم لايعاجل بالعقوبة\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار، كما جعل يوم بدر، فهذه رخصة بعد التشديد\" (٤).\nعن قتادة قوله: \" ﴿إن الله غفور﴾ للذنوب الكبيرة أو الكثيرة\" (٥).\nابن أبي سلمة قال: \"الحلم أرفع من العقل، إن الله ﷿ تسمى به\" (٦).\nأخرج ابن المنذر عن عاصم، عن شقيق، قال: \"لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عتبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين، عثمان فقال عبد الرحمن \" أبلغه أني لم أفر يوم عينين \" قال عاصم: هو يوم أحد ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر \" قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان، فقال: \" أما قوله: إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب، قد عفا الله عنه، فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾؟ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وضرب لي رسول الله بسهمه، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو فأته فحدثه بذلك \" (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة، وهو استزلال الشيطان لهم، فيتفرغ من ذلك أن كل ترك للواجب أو فعل للمحرم فإنما هو من استزلال الشيطان، ويتفرغ أيضا أنه قد يعاقب الإنسان بالمعصية لمعصية أخرى.\n٢ - تحريم الفرار إذا التقى الجمعان، إلا إذا كان متحرفا لقتال او متحيزا لفئة، أو إذا كانوا أكثر من مثليهم، ولكن الثبات أفضل.\n٣ - إثبات أن للشيطان تأثيرا على العبد في عمله الصالح وحتى في الجهاد.\n٤ - الرد على الجبرية، وذلك في قوله: ﴿ببعض ما كسبوا﴾، ومن قوله: ﴿تولوا منكم﴾.\n٥ - بيان فضل الله على عباده، إذ أن الله تعالى قد عفا عن هؤلاء، فرحمته تعالى أوسع، فمن سعة رحمته عفا عنهم.\n٦ - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما: الغفور والحليم، وما تضمناه من صفة، فالغفور تضمن المغفرة، والحليم تضمن الحلم.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ [آل عمران: ١٥٦]\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٨٧): ص ٣/ ٧٩٧ - ٧٩٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٣) الكشاف: ١/ ٤٣٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩١): ص ٣/ ٧٩٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٠): ص ٣/ ٧٩٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٢): ص ٣/ ٧٩٨.\n(٧) تفسير ابن المنذر (١٠٩٦): ص ٢/ ٤٦٠.","vol":"6","page":337},{"text":"التفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تُشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم، فهم يقولون لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا يبحثون في أرض الله عن معاشهم أو كانوا مع الغزاة المقاتلين فماتوا أو قُتِلوا: لو لم يخرج هؤلاء ولم يقاتلوا وأقاموا معنا ما ماتوا وما قُتلوا. وهذا القول يزيدهم ألمًا وحزنًا وحسرة تستقر في قلوبهم، أما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله فيهدي الله قلوبهم، ويخفف عنهم المصيبة، والله يحيي مَن قدَّر له الحياة -وإن كان مسافرًا أو غازيًا- ويميت مَنِ انتهى أجله -وإن كان مقيمًا- والله بكل ما تعملونه بصير، فيجازيكم به.\nسبب نزول الآية:\nأخرج الطبري بسنده عن السدي، قال: \" هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبيّ\" (١). وروي عن مجاهد نحوه (٢).\nوجزم مقاتل بأن الذي قال ذلك عبدلله بن أبي، فقال: \"قال عبد الله بن أبي ذلك حين انهزم المؤمنون وقتلوا\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: \" لا تكونوا كالذين كفروا بالله وبرسوله، فجحدوا نبوَّة محمد ﷺ\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي لا تكونوا كالمنافقين\" (٦).\nقال السدي: \" هؤلاء: المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: \" وقالوا لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ\" (٩).\nوقال السدي: \" أما إذا ضربوا في الأرض فهي التجارة\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: \" وقالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: في النسب ساروا وسافروا فيها لتجارة أو غيرها\" (١١).\nوأصل \"الضرب في الأرض\"، الإبعاد فيها سيرًا (١٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: \" أو خرجوا غازين في سبيل الله\" (١٣).\nقوله تعالى ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، \"أي: لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا\" (١٤).\nقال الحسن: \" هذا قول الكفار: إذا مات الرجل فيقول: لو كان عندنا، ما مات ولا تقولوا كما قال الكفار\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨١٠٧): ص ٧/ ٣٣١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨١٠٨): ص ٧/ ٣٣١.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٣): ص ٣/ ٧٩٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٨١٠٧): ص ٧/ ٣٣١، وابن أبي حاتم (٤٣٩٤): ص ٣/ ٧٩٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٠. [بتصرف].\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٥): ص ٣/ ٧٩٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٦): ص ٣/ ٧٩٩.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٨): ص ٣/ ٧٩٩.","vol":"6","page":338},{"text":"قال محمد بن إسحاق: \" ويقولون لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، \"أي: قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم\" (٢).\nقال السدي: \" يحزنهم ولا ينفعهم شيئا، يعني يحزنهم قولهم\" (٣). وروي عن أبي مالك نحو ذلك\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم لقلة اليقين بربهم\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا - وإذا لم يحضروا الحرب اندفع\nعنهم ما كتب عليهم. فحسرتهم فيما ينالهم أشد\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: \"والله سبحانه المحيي المميت\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي يعجل ما يشاء أو يؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي ليس الإنسان يمنعه تحرزه من إتيان أجله على ما سبق في علم الله\" (٩).\nقال الطبري: يعني: أي: \" والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه، وهذا من الله ﷿ ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين\" (١٠).\nقال الزمخشري: قوله: \" ﴿والله يحيي ويميت﴾، رد لقولهم، أى الأمر بيده، قد يحيى المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد ﵁ أنه قال عند موته: «ما فى موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء» \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، \" أي: مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها \" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا تكونوا مثلهم\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه\" (١٤).\nقرأ ابن كثير وطلحة والأعمش والحسن وشبل وحمزة والكسائي وخلف: ﴿يعملون﴾، بالياء، والباقون: بالتاء (١٥).\nالفوائد:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٩٩): ص ٣/ ٧٩٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٠٠): ص ٣/ ٧٩٩.\n(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٠١): ص ٣/ ٧٩٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٠٢): ص ٣/ ٨٠٠.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٨٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٠٣): ص ٣/ ٨٠٠.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٨٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٦.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٣١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٤٣١.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٦.\n(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٩.","vol":"6","page":339},{"text":"١ - تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم، من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لأن المخاطب لا ينادى إلا بأحب الأوصاف إليه.\n٢ - الإشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار.\n٣ - أن الندم على ما وقع لا يرفع الواقع، قال تعالى: ﴿والله يحي ويميت﴾.\n٤ - أن هذا الدين رحمة، لأن نهي الله عن الندم على ما مضى مصلحة للإنسان، لأنه يطمئن قلبه ولا يتحر ولا يحزن.\n٥ - أن هؤلاء المعترضين على القدر يكون اعتراضهم حسرة في قلوبهم.\n٦ - الرد على القدرية لقوله: ﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾، يعني أن الله قدّر أن يقولوا هذا القول ليجعله حسرة في قلوبهم.\n٧ - إثبات أن الإحياء والإماتة بيد الله.\n٨ - إثبات عموم علم الله ﷿ بكل ما نعمل، وبالتالي يجب على الإنسان ان يستقيم في عمله وأن يتذكر بأن الله بصير بالأعمال الخلق.\n٩ - الرد على الجبرية إذ أضاف العمل إليهم.\nالقرآن\n﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٧]\nالتفسير:\nولئن قُتِلتم -أيها المؤمنون- وأنتم تجاهدون في سبيل الله أو متم في أثناء القتال، ليغفرن الله لكم ذنوبكم، وليرحمنكم رحمة من عنده، فتفوزون بجنات النعيم، وذلك خير من الدنيا وما يجمعه أهلها.\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧] \" أي: وإن استشهدتم في الحرب والجهاد\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالقتل في سبيل الله\" (٢).\nقال الماتريدي: \" أي أن الموت إن كان لا بد نازل بكم؛ فقتلكم في طاعة الله وجهاده\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] \" أي: أو متم في سبيل الله من غير قتال\" (٤).\nقال مقاتل: \" فى غير قتل\" (٥).\nقال الصابوني: \" أي: أو جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم\" (٦).\nقال الماتريدي: \" أو موتكم في طاعة الله وجهاده\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي: متم في سبيله\" (٨).\nقال الثعالبي: \" وقدم القتل هنا لأنه الأشرف الأهم\" (٩).\nوقوله: ﴿مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، قرأ نافع وأكثر أهل الكوفة ما كان من هذا الباب: بكسر الميم، وقرأ الآخرون: بالضم (١٠).\nقال الراغب: \" يقال: مت ومت، والضم أقيس، والكسر كثير\" (١١).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٣١.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٤.\n(٤) تفسير القاسمي: ٢/ ٤٤٥.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٤.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٥.\n(٩) تفسير الثعالبي: ٢/ ١٢٠.\n(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ٢١٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٨٩.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٤٥.","vol":"6","page":340},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، أي: \": إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يقتل فى سبيل الله\" (١).\nقال النيسابوري: يعني: \" شيء من مغفرته ورحمته\" (٢).\nقال الزمخشري: \" فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله\" (٣).\nقال القاسمي: أي: \" لمغفرة من الله أي لذنوبكم تنالكم ورحمة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، أي: وذلك خير من الدنيا وما يجمعه أهلها\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" من الغنائم\" (٦).\nقال مقاتل: \" من الأموال\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \"خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي ما يجمعونه الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها الفانية\" (٩).\nقال السعدي: أي: \" خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم\" (١٠).\nقال المراغي: أي: \" خير لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع فى هذه الدار الفانية، فإن هذا ظل زائل، وذاك نعيم خالد\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفًا من الموت والقتل لما جمعوا من زَهرة الدنيا، وزهادةً في الآخرة\" (١٢).\nقال الماتريدي: أي: \" خير من أن ينزل بكم في غير طاعة الله وسبيله\" (١٣).\nوعن ابن عباس ﵄: \"خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء\" (١٤).\nوقرأه العامة: ﴿تجمعون﴾، بالتاء لقوله: ﴿ولئن قتلتم أو متم﴾، أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم، في حين قرأ عاصم في رواية حفص: بالياء على الخبر عن الغالبين، يعني خير مما يجمع الناس من الأموال (١٥).\nقال المراغي: \" الخلاصة- إن ما ينتظره المؤمن المقاتل فى سبيل الله من المغفرة التي تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة التي ترفع درجاته- خير له مما يجمع أولئك الحريصون على الحياة الذين يتمتعون باللذات والشهوات.\nفما أجدر المؤمنين أن يؤثروا مغفرة الله ورحمته على الحظوظ الفانية، وألا يتحسروا على من يقتل منهم أو يموت فى سبيل الله فإن ما يلقونه بعدهما خير لهم مما كانوا فيه قبلهما\" (١٦).\nوقال الثعالبي: \" ثم قدم الموت في قوله تعالى: ﴿ولئن متم أو قتلتم﴾، لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا، وحض على طلب الشهادة، والمعنى: إذا كان الحشر لا بد\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ١١٠.\n(٢) تفسير النيسابوري: ٢/ ٢٩٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٤٣١، ونقله البيضاوي بتمامه، انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٥.\n(٤) تفسير القاسمي: ٢/ ٤٤٥.\n(٥) التفسير الميسر: ٧٠.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ١٩٠.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٠٩.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٣١. ونقله البيضاوي بتمامه، انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٥.\n(٩) تفسير القاسمي: ٢/ ٤٤٥.\n(١٠) تفسير السعدي: ١٥٤.\n(١١) تفسير المراغي: ٤/ ١١٠.\n(١٢) اخرجه الطبري (٨١١٧): ص ٧/ ٣٣٧.\n(١٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٤٣١.\n(١٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢١٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ١٩٠.\n(١٦) تفسير المراغي: ٤/ ١١٠.","vol":"6","page":341},{"text":"في كلا الأمرين، فالمضي إليه في حال شهادة أولى وعن سهل بن حنيف، أن النبي ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (١)، وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من طلب الشهادة صادقا، أعطيها، ولو لم تصبه» (٢) \" (٣).\n\nالفوائد:\n١ - أن من قتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها.\n٢ - منّة الله ﷿ على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، بأنهم منتقلون من بعد الحياة الدنيا إلى خير منها.\n٣ - الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته، إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب.\n٤ - جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بعد تام، لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال رسول اللهﷺ-: \"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" (٤).\nالقرآن\n﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران: ١٥٨]\nالتفسير:\nولئن انقضت آجالكم في هذه الحياة الدنيا، فمتم على فُرُشكم، أو قتلتم في ساحة القتال، لإلى الله وحده تُحشرون، فيجازيكم بأعمالكم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، أي: \" إن متم على فراشكم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، أي: \" أو قتلتم في ساحة الحرب\" (٦).\nقال الماتريدي: أي: \" أو قتلتم في سبيل الله\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، أي: \" فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم \" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: أن إلى الله المرجع، فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه، آثر عندكم منها\" (٩).\nقال الشوكاني: \" أي: إلى الرب الواسع المغفرة تحشرون، لا إلى غيره، وتخصيص اسم الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف والقهر\" (١٠).\nقال الراغب: \"فكأنه قيل: إن حصل ما لابد منه بوجه وهو الموت حتف الأنف، أو ما هو عارض، وعندكم أنه قد يكون منه خلاص، وهو القتل، فالحشر لا محالة حاصل\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧)، كتاب «الإمارة»، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (١٥٧/ ١٩٠٩)، وأبو داود (١/ ٤٧٦)، كتاب «الصلاة»، باب في الاستغفار، حديث (١٥٢٠)، والترمذي (٤/ ١٨٣)، كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، حديث (١٦٥٣).\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧)، كتاب «الإمارة»، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (١٥٦/ ١٩٠٨) من حديث أنس بن مالك.\n(٣) تفسير الثعالبي: ٢/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٤) أخرجه البخاري كتاب الرقاق، باب مثل الدنيا في الآخرة: (٦٤١٥).\n(٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢١٧.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٩.\n(٩) أخرجه الطبري (٨١١٨): ص ٧/ ٣٣٩.\n(١٠) فتح القدير: ١/ ٤٥١.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٤٧.","vol":"6","page":342},{"text":"قال المراغي: \" أي إنكم بأى سبب كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون لا إلى غيره، فيجزى كلا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثواب، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد فى سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانية، وتلك الحياة الأخرى باقية خالدة\" (١).\nقال الطبري: يعني: \" فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار\" (٢).\nالفوائد:\n١ - زيادة تسلية للمؤمنين، لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك.\n٢ - إثبات لقاء الله ﷿، لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n٣ - إثبات الجشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله ﷿ ليجازيهم.\nالقرآن\n﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]\nالتفسير:\nفبرحمة من الله لك ولأصحابك -أيها النبي- منَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب، لانْصَرَفَ أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة «أُحد»، واسأل الله -أيها النبي- أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور -بعد الاستشارة- فأَمْضِه معتمدًا على الله وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه.\nفي سبب نزول الآية:\nقال مقاتل: \" ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وذلك أن العرب في الجاهلية كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم ولم يشاورهم شق ذلك عليهم. فأمر الله﷿- النبيﷺ- أن يشاورهم في الأمر إذا أراد فإن ذلك أعطف لقلوبهم عليه، وأذهب لضغائنهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، \"أي: فبسبب رحمةٍ من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هينًا ليّن الجانب مع أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك\" (٤).\nقال مقاتل: أي: \" فبرحمة الله كان إذ لنت لهم في القول، ولم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد يعنى المنافقين\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، \"أي: ولو كنت جافي الطبع قاسي القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا\" (٧).\nقال ابن كثير: أي: لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: \" لتفرقوا عنك ونفروا منك\" (٩).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ١١٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٣٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١٩.","vol":"6","page":343},{"text":"قال ابن كثير: \" لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة: «أنه ليس بفَظٍّ، ولا غليظ، ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» (١) \" (٢).\nوعن عائشة –رضي الله تعالى عنها-: \"قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ الله أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاس كَمَا أمَرني بِإقَامَة الْفَرَائِضِ\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، \"أي: فتجاوز عما نالك من أذاهم يا محمد\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: فتجاوز عنهم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" فاعف عنهم، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: \" واطلب لهم من الله المغفرة\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \"، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم \" (٨).\nقال الطبري: أي: \" وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: \"وشاورهم في جميع أمورك\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" ولذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون (١١).\nوشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.\nوشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، فترك ذلك.\nوشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له الصديق: \"إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين\" (١٢)، فأجابه إلى ما قال.\nوقال ﵇ في قصة الإفك: «أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ أبَنُوا أهلِي ورَمَوهُم، وايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، وأبَنُوهم بمَنْ - واللهِ - مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا» (١٣). واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، ﵂، فكانﷺيشاورهم في الحروب ونحوها.\nوقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٨٣٨).\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٨.\n(٣) السلسلة الضعيفة للألباني: (٨١٠): ص ٢/ ٢١٩، وعزاه السيوطي في \" الدر المنثور \" (٢/ ٩٠) للحكيم الترمذي وابن عدي بسند فيه متروك، ورواه ابن مرديه في ثلاثة مجالس من الأمالى برقم (٤٢) وابن عدي في الكامل (٢/ ١٥) والديلمي في مسند الفردوس برقم (٦٥٩) من طريق بشر بن عبيد به. قال ابن كثير: \"حديث غريب\". [انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٨].\n(٤) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٥) أخرجه الطبري (٨١٢٥): ص ٧/ ٣٤٣.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٨) أخرجه الطبري (٨١٢٥): ص ٧/ ٣٤٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(١١) انظر: السيرة لابن هشام: ٢/ ٢٠٣؛ والثقات لابن حبان: ١/ ١٥٨؛ وبرك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال، وقيل بلد باليمن.\n(١٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٣٧٢): ص ١٤/ ٢.\n(١٣) صحيح البخاري (٤٧٥٧): ص ٦/ ١٠٧.","vol":"6","page":344},{"text":"وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ قال: \"أبو بكر وعمر، ﵄\" (١).\nوقد روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن غَنْم: \" أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لوِ اجْتَمَعْنا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا» \" (٢).\nوروى ابن مَرْدُويه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: \"سُئل رسول الله ﷺ عن العَزْم؟ قال: «مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ» \" (٣).\nوعن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» (٤).\nوعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا اسْتَشَارَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَليشِر عليْهِ» (٥) \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، \"أي: إِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاعتمد على الله وفوّض أمرك إِليه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزَمْت عليه فتوكل على الله فيه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: إن الله \"يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إِليه\" (٩).\nالفوائد:\n١ - بيان رحمة الله تعالى بنبيهﷺ- وبأمته، وذلك بجعله ليّنا لهم، فهذه رحمة به وبهم.\n٢ - أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينا ليتعرض لرحمة الله ﷿.\n٣ - أن اللين أولا بكثير من الفظاظة والشدة.\n٤ - بيان مضار الفظاظة والغلظة، ومن أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان.\n٥ - أن الإنسان قد يعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذاكانوا جفاة غلاظ القلوب.\n٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقّه في معاملة إخوانه، وذلك إذا كان العفو مقيدا بإصلاح، وأما إذا ترتب على العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم.\n٧ - الأمر بالشورى لما يترتب عليه ومن فوائد، وقد يكون للوجوب أو للاستحباب، حسب الأمر المشاور فيه.\n٨ - الاعتماد على الله تعالى في فعل الأسباب، وينبغي على الإنسان إذا عزم على الأمر إلا يتردد.\n٩ - إثبات المحبة لله ﷿.\n١٠ - فضيلة التوكل على الله والحث عليه، لأن الله علّق محبته عليه، والتوكل على الله يكون بقطع الإنسان العلائق مما سوى الله ﷿ حتى من نفسه، ويفوّض أمره إلى الله تعالى تفويضا كاملا.\nالقرآن\n﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]\nالتفسير:\nإن يمددكم الله بنصره ومعونته فلا أحد يستطيع أن يغلبكم، وإن يخذلكم فمن هذا الذي يستطيع أن ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.\n_________\n(١) المستدرك: ٣/ ٧٠. . ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(٢) المسند (٤/ ٢٢٧).\n(٣) ذكره السيوطي في الدر (٢/ ٣٦٠) وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٤) سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٦) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٨١): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\". وروي أيضا الحديث عن أبي هريرة، انظر: سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٥) وسنن أبي داود برقم (٥١٢٨) وسنن الترمذي برقم (٢٨٢٢، ٢٣٦٩، ٢٣٧٠).\n(٥) سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٧).\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٩ - ١٥٠. باختصار في ذكر سند الروايات.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢١٩.","vol":"6","page":345},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، \" إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس لن يضرك خذلان من خذلك\" (٢).\nقال ابن عثيمين: أي: \"إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" إن ينصركم الله، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، \" أي: وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، ﴿فمن الذي ينصركم من بعده﴾، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري \" (٦).\nقال الطبري: \" يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره\" (٧).\nو\"النصر\" في الآية الكريمة يحتمل وجهين (٨):\nأحدهما: المعونة: والمعنى: إن أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، ﴿وإن يخذلكم﴾: ولم يعنكم؛ فمن ذا الذي أعانكم سواه؟ !، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢].\nوالثاني: المنع: أي: إن منع الله عنكم العدو، فلا غالب لكم، ﴿وإن يخذلكم﴾: ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟ !\nقال الماتريدي: \"والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أمل منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته\" (٩).\nقال التستري: \" الخذلان: هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم ﵇ لما لم يكن بالترك مخذولًا أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، \" أي: وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون\" (١١).\nقال ابن إسحاق: \" ﴿وعلى الله﴾، أي: لا على الناس، ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ \" (١٢).\nقال ابن عثيمين: أي: \"إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد\" (١٣).\nقال ابن عثيمين: أي: \"على الله وحده فليتوكل المؤمنون به \" (١٤).\nالفوائد:\n١ - بيان كمال قدرة الله ﷿، لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.\n٢ - وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار.\n٣ - أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له.\n٤ - على الإنسان الأخذ بأسباب النصر، ألا وهي: الإخلاص لله ﷿، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].\n٥ - التحذير من فعل أسباب الخذلان، ومنها: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، لأن الاعتماد يكون على الله تعالى وحده لا على الناس.\n٦ - وجوب التوكل على الله ﷿، والتوكل من مقتضيات الإيمان.\nالقرآن\n﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران: ١٦١]\nالتفسير:\nوما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة; ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج عبد بن حميد والترمذي (١٥) والطبري (١٦) وأبو يعلى (١٧) وابن أبي حاتم (١٨) والطبراني (١٩)، وأبو داود (٢٠)، والواحدي (٢١)، وابن عدي (٢٢)، من طريق خصيف عن مقسم: \"حدثني ابن عباس إن هذه الآية نزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها محمد وأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ \" (٢٣).\nوالثاني: قال مقاتل: \" نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يقول النبيﷺ- من أخذ شيئا فهو له ونحن هاهنا وقوف، فلما رآهم النبيﷺ- قال: «ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري». قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبيﷺ: «ظننتم أنا نغل»، فنزلت: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ \" (٢٤). وكذا نقله الواحدي عن مقاتل والكلبي (٢٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٨١٣٥): ص ٧/ ٣٤٨.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٨١٣٥): ص ٧/ ٣٤٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٧.\n(٨) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٧.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥١٧.\n(١٠) تفسير التستري: ٥١ - ٥٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨١٣٥): ص ٧/ ٣٤٨.\n(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧.\n(١٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧.\n(١٥) في \"جامعه\"، كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢١٤\" من طريق عبد الواحد بن زياد.\n(١٦) انظر: تفسيره (٨١٣٦): ص ٧/ ٣٤٨.\n(١٧) انظر: مسنده (٢٦٥١): ص ٥/ ٦٠، ورو ٤٤٢٩): ص ٣/ ٨٠٣.اه في (٢٤٣٨): ص ٤/ ٣٢٧، عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس.\n(١٨) انظر تفسير ابن أبي حاتم (\n(١٩) انظر: المعجم الكبير: ١١/ ٣٦٤.\n(٢٠) انظر: السنن، كتاب الحروف والقراءات: ٤/ ٣١.\n(٢١) انظر: أسباب النزول: ١٢٦.\n(٢٢) انظر: الكامل في ترجمة خصيف: ٣/ ٩٤٢، وأعله به قال المناوي في \"الفتح السماوي\" \"١/ ٤١٤\": \"فالحديث ضعيف ووهم من حسنه كالجلال السيوطي \"في حاشيته على البيضاوي\" اغترارا بتحسين الترمذي له\".\n(٢٣) العجاب: ٢/ ٧٧٥.\n(٢٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٠.\n(٢٥) انظر: أسباب النزول: ١٢٧.","vol":"6","page":346},{"text":"والثالث: أخرج الطبري والواحدي (١) بسندهما عن الضحاك قال: \"بعث رسول الله ﷺ طلائع، فغنم النبي ﷺ، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله ﷿: ﴿وما كان لنبيّ أن يغل﴾ \" (٢).\nالرابع: نقل الواحدي عن ابن عباس في رواية الضحاك: \"إن رسول الله - ﷺ - لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غله رجل بمخيط، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٣).\nقال ابن حجر: \" وهذا من تخليط جويبر، فإن هذه الآية نزلت في يوم أحد اتفاقا\" (٤).\nوالخامس: ونقل الواحدي أيضا عن قتادة: \" نزلت وقد غل طوائف من أصحابه\" (٥).\nوالسادس: ونقل الواحدي أيضا عن ابن عباس: \"أن أشراف الناس استدعوا رسول الله - ﷺ - أن يخصصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، \" أي: وما صحَّ ولا استقام عقلًا لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في الغنيمة\" (٧).\nقال الزجاج: المعنى\" وما كان لنبي أن يخون أمته\" (٨).\nقال المراغي: \" أي ما كان من شأن أىّ نبى ولا من سيرته أن يغل، لأن الله عصم أنبياءه منه، فهو لا يليق بمقامهم ولا يقع منهم، لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة وخسة\" (٩).\nواختلت القراءة في قوله تعالى: ﴿يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، على وجهين (١٠):\nأحدها: ﴿يَغُلَّ﴾، بفتح الياء وضم الغين، قرأ بهذا الوجه: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.\nوالثاني: ﴿يغلّ﴾، بضم الياء وفت الغين. قراءة الباقين.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، \" أي: ومن يُخن من غنائم المسلمين شيئًا، يأت حاملًا له على عنقه يوم القيامة فضيحةً له على رءوس الأشهاد\" (١١).\nقال المراغي: \" أي وكل من يقع منه غلول يأتى بما غل به يوم القيامة حاملا له، ليفتضح أمره ويزيد به فى عذابه\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: ثم \"تعطى جزاء كل نفس ما عملت وافيًا غير منقوص\" (١٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" ثم يُجزى بكسبه غير مظلوم\" (١٤).\nقال المراغي: \" أي: ثم بعد أن يأتى الغالّ بما غل فيتمثل له كأنه حاضر بين يديه، ينال جزاء ما كسب مستوفى تاما لا ينقص منه شىء كما قال تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، وجاء حكم التوفية فى الجزاء عاما لكل كاسب، وإن كان الكلام فى جزاء الغالّ فحسب- ليكون كالدليل على\n_________\n(١) انظر: أسباب النزول: ١٢٧.\n(٢) تفسير الطبري (٨١٤٥): ص ٧/ ٣٥١.\n(٣) أسباب النزول: ١٢٧.\n(٤) العجاب: ٢/ ٧٧٩.\n(٥) أسباب النزول: ١٢٧.\n(٦) أسباب النزول: ١٢٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢١٩.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٨٣.\n(٩) تفسير المراغي: ٤/ ١١٩.\n(١٠) انظر: السبعة: ٢١٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١٢) تفسير المراغي: ٤/ ١١٩.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨١٦٨): ٧/ ٣٦٤.","vol":"6","page":347},{"text":"المقصود من استيفائه الجزاء، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيّا بعمله لا ينقص منه شىء وإن كان جرمه حقيرا، فالغالّ مع عظم جرمه أولى بذلك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: وهم \"لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب\" (٢).\nقال الثعلبي: أي: \" لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: من أعمالهم\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" ولا متعدًّى عليه\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه\" (٦).\n\nالفوائد:\n١ - لايجوز لأتباع النبي الغلول.\n٢ - أن الجزاء من جنس العمل.\n٣ - إثبات البعث.\n٤ - إثبات قدرة الله تعالى إذ أنه قادر على أن يأتي الإنسان بما غل يوم القيامة، وأنه على كل شيء قدير.\n٥ - جزاء كل نفس بما كسبت.\n٦ - إثبات نفي الظلم عن الله، وبالتالي إثبات كمال عدله ﷾.\nالقرآن\n﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾ [آل عمران: ١٦٢]\nالتفسير:\nلا يستوي من كان قصده رضوان الله ومن هو مُكِبٌ على المعاصي، مسخط لربه، فاستحق بذلك سكن جهنم، وبئس المصير.\nقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، أي: \" أفمن أطاع الله وطلب رضوانه، كمن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران؟ \" (٧).\nقال مقاتل: \" يعنى رضى ربه﷿- ولم يغلل ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ يعني استوجب السخط من الله﷿- في الغلول، ليسوا سواء\" (٨).\nأخرج ابن المنذر \" عن الضحاك بن مزاحم، في قوله ﷿: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، قال: من لم يغل ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ قال: من غل \" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، \" أفمن اتبع رضوان الله يعني: أرضى الله فلم يغلل من الغنيمة\" (١٠)، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾، يعني: كمن استوجب سخطا من الله في الغلول، فليس هو بسواء\" (١١).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١٧٥.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٤٩): ص ٢/ ٦٢٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٨١٦٨): ٧/ ٣٦٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٢٠. [بتصرف].\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١١.\n(٩) تفسير ابن المنذر (١١٣٩): ص ٢/ ٤٧٥.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٤٧): ص ٣/ ٨٠٦.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٥٣): ص ٣/ ٨٠٧.","vol":"6","page":349},{"text":"وأخرج ابن المنذر \"عن ابن جريج: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، قال: أمر الله أداء الخمس ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ فاستوجب سخط الله \" (١).\nوروي عن محمد بن إسحاق: \" ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ على ما أحب الناس وسخطوا، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ ﷿ لرضى الناس أو سخطهم، يقول: فمن كان على طاعتي وثوابه الجنه ورضوان ربه، كمن باء بسخط من الله فاستوجب غضبه\" (٢).\nوعن الحسن: \"قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾: يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الحرام، وهذا في الغلول وفي المظالم كلها\" (٣).\nقال الطبري: \" أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه، وعمل بطاعة الله في تركه ذلك، وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعًا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبًا سخطه، كمن انصرف متحمِّلا سخط الله وغضبه\" (٤).\nقال الزجاج: \" يروى أن النبي - ﷺ - حين أرمر المسلمين في أحد باتباعه، اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من المنافقين، فأعلم الله جل وعز: - أن من اتبع النبي - ﷺفقد اتبع رضوان الله، ومن تخلف عنه فقد باء بسخط من الله\" (٥).\nويقرأ ﴿رضوان﴾، بكسر الراء، و﴿رضوان﴾، بضم الراء، وقد رويتا جميعا عن\nعاصم (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، \" أي: مصيره ومرجعه جهنم وبئست النار مستقرًا له\" (٧).\nروي عن محمد بن إسحاق: \" وكان مأواه جهنم، وبئس المصير أسواء المثلان؟ أي: فاعرفوا \" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \"ثم بين مستقرهما، فقال للذي يغل: ﴿مأواه جهنم﴾ \" (٩)، \" ﴿وبئس المصير﴾ يعني:\nمصير أهل الغلول\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" فاستحق بذلك سكنى جهنم، وبئس المصير الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله جهنم\" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن الرضا صفة من صفات الله تعالى.\n٢ - إثبات السخط لله تعالى.\n٣ - التحذير من التعرض لسخط الله ﷿.\n٤ - إثبات النار.\n٥ - ذم النار والثناء عليها بالقدح، لقوله: ﴿وبئس المصير﴾.\nالقرآن\n﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٣]\nالتفسير:\nأصحاب الجنة المتبعون لما يرضي الله متفاوتون في الدرجات، وأصحاب النار المتبعون لما يسخط الله متفاوتون في الدركات، لا يستوون. والله بصير بأعمالهم لا يخفى عليه منها شيء.\nقوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، \" أي: هم متفاوتون في المنازل\" (١٢).\nعن ابن عباس: \" ﴿هم درجات عند الله﴾، يقول: بأعمالهم\" (١٣).\nوقال الحسن: \" للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر\" (١٤).\nوقال سعيد بن جبير: \"ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال: ﴿هم درجات﴾، يعني: لهم فضائل عند الله\" (١٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لكلٍّ درجات مما عملوا في الجنة والنار\" (١٦).\nوقال مجاهد: \" ﴿هم درجات عند الله﴾،: هي كقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ \" (١٧). وروي عن السدي نحو ذلك (١٨).\nقال الزجاج: \" أي: هم ذوو درجات، فالمؤمنون ذوو درجة رفيعة، - والكافرون ذوو درجة عند الله وضيعة\" (١٩).\nقال الواحدي: \" أَيْ: أهل درجات عند الله يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب\" (٢٠).\nقال البيضاوي: \" شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذوو درجات\" (٢١).\nقال الطبري: أي: \" أنّ من اتبع رضوان الله ومن باء بسخَط من الله، مختلفو المنازل عند الله. فلمن اتبع رضوان الله، الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله، المهانةُ والعقاب الأليم،، وقيل: يعني: لمن اتبع رضوان الله منازلُ عند الله كريمة\" (٢٢).\nوقال أبو عبيدة: \"أي هم منازل، معناها: لهم درجات عند الله، كقولك: هم طبقات، قال ابن هَرْمة (٢٣):\nأرَجْمًا لِلْمَنُونِ يَكُونُ قَوْمي ... لِرَيْبِ الدَّهْرِ أَمْ دَرَجُ السّيولِ\nتفسيرها: أم هم على درج السيول. ويقال للدرجة التي يصعد عليها: درجة، وتقديرها: قصبة، ويقال لها أيضا: درجة\" (٢٤).\nقال السعدي: \" أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم، فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله\" (٢٥).\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (١١٤٠): ص ٢/ ٤٧٥.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١١٤١): ص ٢/ ٤٧٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٤٨): ص ٣/ ٨٠٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٦.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٨٦.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٨٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٢٠. [بتصرف].\n(٨) أخرجه ابن المنذر (١١٤١): ص ٢/ ٤٧٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٥٥): ص ٣/ ٨٠٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٥٦): ص ٣/ ٨٠٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨١٧٣): ص ٧/ ٣٦٧.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٥٩): ص ٣/ ٨٠٧.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٠): ص ٣/ ٨٠٧.\n(١٦) أخرجه الطبري (٨١٧٢): ص ٧/ ٣٦٧.\n(١٧) أخرجه الطبري (٨١٧٤): ص ٧/ ٣٦٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨١٧٣): ص ٧/ ٣٦٧.\n(١٩) معاني القرآن: ١/ ٤٨٦.\n(٢٠) الوجيز: ٢٤١.\n(٢١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٦.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٧.\n(٢٣) انظر: الأغانى ٤/ ١٠١، والخزانة ١/ ٢٠٤، والبيت فى الكتاب: ١/ ١٧٥، والطبري: ٧/ ٣٦٧، والشنتمرى ١/ ٢٠٦ واللسان: مادة\"درج\"، وشواهد الكشاف: ٢١٩.\n(٢٤) مجاز القرآن: ١/ ١٠٧، وتفسير ابن المنذر (١١٤٥): ص ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.\n(٢٥) تفسير السعدي: ١٥٥.","vol":"6","page":350},{"text":"قال المراغي: \" أي: إن كلا ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله طبقات مختلفة، ومنازل عند الله متفاوتة فى حكمه، وبحسب علمه بشئونهم وبما يستحقون من الجزاء ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\nوالخلاصة- إن الناس يتفاوتون فى الجزاء عند الله كما يتفاوتون فى الفضائل والمعرفة فى الدنيا، وما يترتب على ذلك من الأعمال الحسنة أو السيئة\" (١).\nفيتضح أن في معنى قوله تعالى: ﴿درجات﴾ [آل عمران: ١٦٣]، قولان:\nأحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن (٢).\nوالثاني: أنها فضائلهم، والمعنى: أنهم في الفضل مختلفون: بعضهم أرفع من بعض، قاله الفراء (٣)، وابن قتيبة (٤).\nوفيمن عنى بهذا الكلام قولان:\nأحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العذاب، هذا قول ابن عباس (٥)، ومحمد بن إسحاق (٦).\nوالثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، هذا قول سعيد بن جبير (٧)، ومجاهد (٨)، والسدي (٩)، ومقاتل (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: \" والله ذو علم بما يعملون، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" إنّ الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته\" (١٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: بصير بمن غل منكم ومن لم يغل\" (١٣).\nقال البيضاوي: أي: \" عالم بأعمالهم ودرجاتهم صادرة عنهم فيجازيهم على حسبها\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \"والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، يحصى على الفريقين جميعًا أعمالهم، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر\" (١٥).\nقال السعدي: أي: \" لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها\" (١٦).\nقال الواحدي: \" فيه حثٌّ على الطَّاعة وتحذيرٌ عن المعصية\" (١٧).\nالفوائد:\n١ - أن الناس عند الله منازل مختلفة.\n٢ - أن الإيمان يزيد وينقص، لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٤/ ١٢١.\n(٢) (انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٥٩): ص ٣/ ٨٠٧.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤٦.\n(٤) انظر: تفسير غريب القرآن: ١١٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨١٧٣): ص ٧/ ٣٦٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨١٧٢): ص ٧/ ٣٦٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٦٠): ص ٣/ ٨٠٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨١٧٤): ص ٧/ ٣٦٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨١٧٣): ص ٧/ ٣٦٧.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١١.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٨. [بتصرف].\n(١٢) أخرجه الطبري (٨١٧٢): ص ٧/ ٣٦٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٠): ص ٣/ ٨٠٧.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٦.\n(١٥) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٨.\n(١٦) تفسير السعدي: ١٥٥.\n(١٧) الوجيز: ٢٤١.","vol":"6","page":351},{"text":"٣ - إثبات غحاطة الله باعمال الخلق، ويترتب على هذا الأدب السلوكي، وهو أن نحذر من مخالفته.\nالقرآن\n﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]\nالتفسير:\nلقد أنعم الله على المؤمنين من العرب; إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات القرآن، ويطهرهم من الشرك والأخلاق الفاسدة، ويعلمهم القرآن والسنة، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غيٍّ وجهل ظاهر.\nقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، أي: \" لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولًا عربيًا من جنسهم\" (١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان\" (٢).\nقال قتادة: \" منّ الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم\" (٣).\nقال الطبري: \" لقد تطوّل الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، نبيًّا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول\" (٤).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده \" عن عروة، عن عائشة: في هذه الآية: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾، قالت: هذه العرب خاصة\" (٥).\nقال الزجاج: \" بعث الله محمدا - ﷺ - رسولا وهو رجل من الأميين لا يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه، وبعثه بين قوم يخبرونه ويعرفونه بالصدق والأمانة وأنه لم يقرأ كتابا ولا لقنه فتلا عليهم أقاصيص الأمم السالفة، والأنبياء الماضية لا يدفع أخباره كتاب من كتب مخالفته، فأعلم الله أنه من على المؤمنين برساله من قد عرف أمره، فكان تناول الحجة والبرهان وقبول الأخبار والأقاصيص سهلا من قبله، وفي ذلك أعظم المنة، وقد جاء في التفسير إنه يراد رسول من العرب ولو كان القصد في ذلك- والله أعلم - أن أمره إنما كانت فيه المنة أنه من العرب لكان العجم لا حجة عليهم فيه، ولكن الأمر - والله أعلم - أن المنة فيه أنه قد خبر أمره وشأنه وعلم صدقه، وأتى بالبراهين بعد أن قد علموا إنه كان واحدا منهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، أي: \" يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني القرآن\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، \"أي: يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" يطهّرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: ويصلحهم\" (١١).\nوروي عن ابن عباس: \"قوله: ﴿ويزكيهم﴾، يعني: الزكاة طاعة الله والإخلاص\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٢): ص ٣/ ٨٠٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٨١٧٧): ص ٧/ ٣٧٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٩.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٦٤): ص ٣/ ٨٠٨.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١١.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٦): ص ٣/ ٨٠٨.","vol":"6","page":353},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، \" أي يعلمهم القرآن المجيد والسنة المطهرة\" (١).\nقال الحسن: \" الكتاب: القرآن\" (٢)، \" ﴿والحكمة﴾: السنة\" (٣).\nوقال ابن عباس: \" ﴿الكتاب﴾: الخط بالقلم\" (٤).\nقال قتادة: \" الحكمة، السنة\" (٥).\nقال مقاتل: \" ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، يعني: القرآن، ﴿والحكمة﴾، يعني: المواعظ التي في القرآن من الحلال والحرام والسنة\" (٦).\nوعن السدي: \" قوله: ﴿والحكمة﴾: يعني النبوة\" (٧).\nوقال زيد بن أسلم: \" الحكمة العقل في الدين\" (٨).\nقال محمد ابن إسحاق: \" ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾، قال: ويعلمكم الخير والشر لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوا، ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه، ولتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما يسخطه عنكم من معصيته\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ويعلمهم كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه والحكمة، ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله ﷺ، وبيانَه لهم\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، \"أي: وإِنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: في عمياء من الجاهلية، لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة، صُمٌّ عن الحق، عُمْيٌ عن الهدى\" (١٢).\nقال قتادة: \"ليس والله كما تقول أهل حروراء: محنة غالبة، من أخطأها أهَريق دمه (١٣)، ولكن الله بعث نييه ﷺ إلى قوم لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدَّبهم\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" وإن كانوا من قبل أن يمنّ الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفي جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - الاسلام أكبر نعمة وأجلها على المسلمين فيجب شكرها بالعمل به والتقيد بشرائعه وأحكامه.\n٢ - ثبوت رسالة النبيﷺ-.\n٣ - حرص النبيﷺ- على إبلاغ الرسالة.\n٤ - فضل العلم بالكتاب والسنة.\nالقرآن\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٧): ص ٣/ ٨٠٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٧٠): ص ٣/ ٨٠٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٩): ص ٣/ ٨٠٩.\n(٥) أخرجه الطبري (٨١٧٧): ص ٧/ ٣٧٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٧١): ص ٣/ ٨٠٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٧٢): ص ٣/ ٨٠٩.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٦٨): ص ٣/ ٨٠٩.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨١٧٨): ص ٧/ ٣٧٠.\n(١٣) أهل حروراء: هم الخوارج، وهذا مذهبهم.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨١٧٧): ص ٧/ ٣٧٠.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.","vol":"6","page":354},{"text":"﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥]\nالتفسير:\nأو لما أصابتكم -أيها المؤمنون- مصيبة، وهي ما أُصيب منكم يوم «أُحد» قد أصبتم مثليها من المشركين في يوم «بدْر»، قلتم متعجبين: كيف يكون هذا ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا وهؤلاء مشركون؟ قل لهم -أيها النبي-: هذا الذي أصابكم هو من عند أنفسكم بسبب مخالفتكم أمْرَ رسولكم وإقبالكم على جمع الغنائم. إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقِّب لحكمه.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الإمام أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة (١) في مسنديهما عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: \" فلما كان يوم أحدٍ من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدرٍ من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ -، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ الآية بأخذكم الفداء \" (٢).\nوفي المعنى نفسه أخرج الطبري بسنده عن عبيدة السلماني عن علي قال: \"جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال له: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: أن يقدَّموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يُقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا! ! لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عِدَّتهم، فليس في ذلك ما نكره! قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أي: \" أوَ حين أصابتكم، أيها المؤمنون، مصيبة\" (٤).\nقال الطبري: \" وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرًا\" (٥).\nقال ابن كثير: \" وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أي: \" قد أصبتم، أنتم أيها المؤمنون، من المشركين مثلي هذه المصيبة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" يعني: يوم بَدْر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا\" (٨).\nقال الخفر: \" الفائدة في قوله: قد أصبتم مثليها هو التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فلما هزمتموهم مرتين فأي استبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة\" (٩).\nقال ابن عباس: \" يقول: إنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثل ما أصابوا منكم يوم أحد\" (١٠). وروي عن جابر بن عبد الله، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس نحو ذلك (١١).\n_________\n(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٦٨٤): ص ٧/ ٣٥٧.\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢٠٨): ص ١/ ٢٥٤. وانظر \"صحيح مسلم\"، كتاب \"الجهاد والسير\"، باب الامداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم \"٣/ ١٣٨٣ - ١٣٨٤\" \"١٧٦٣\" وأخرج الترمذي بعضه في كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢٥١ - ٢٥٢\" وقال: \"حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث عمر إلا من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل، وأبو زميل اسمه سماك الحنفي ... \".\n(٣) تفسير الطبري (٨١٩١): ص ٧/ ٣٧٦. والحديث أصله عند الترمذي، في \"جامعه\"، كتاب \"السير\"، باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء \"٤/ ١١٤\" \"١٥٦٧\"، والنسائي في \"السير\" في \"الكبرى\"، كما في \"التحفة\" \"٧/ ٤٣٠ - ٤٣١\"\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧١.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥٨.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥٨.\n(٩) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٢٠، ونقله المراغي بتمامه، انظر: تفسيره: ٤/ ١٢٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٧٥): ص ٣/ ٨١٠.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٧٥): ص ٣/ ٨١٠.","vol":"6","page":355},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أي: قلتم: \" من أين جرى علينا هذا؟ \" (١).\nقال الضحاك: \" بأي ذنب هذا؟ \" (٢).\nقال الطبري: أي: قلتم: \" من أيِّ وجه هذا؟ ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبي الله ﷺ يأتيه الوحي من السماء، وعدوُّنا أهل كفر بالله وشرك؟ \" (٣).\nقال الفخر: \" سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق، ومعنا الرسول، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر، فكيف صاروا منصورين علينا! واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين:\nالأول: ما أدرجه عند حكاية السؤال، وهو قوله: ﴿قد أصبتم مثليها﴾، يعني: أن أحوال الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فإذا أصبتم منهم مثلي هذه الواقعة فكيف تستبعدون هذه الواقعة؟\nوالثاني: قوله قل: ﴿هو من عند أنفسكم﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، \" أي: قل لهم يا محمد: إِن سبب المصيبة منكم أنتم\" (٥).\nقال ابن عباس: \" عقوبة بمعصيتكم النبي ﷺ حين قال: لا تتبعوهم \"\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: إن لم تكن قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم، فبذنوبكم\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي أصابكم بمعصيتكم النبي - ﷺ - وما من قوم أطاعوا نبيهم في حربهم إلا نصروا، لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون\" (٨).\nقال الزمخشري: \" المعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز\" (٩).\nقال الطبري: \" قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم\" (١٠).\nقال الفخر: \" أنكم إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور:\nأولها: أن الرسول ﵇ قال: المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى هاهنا، وهم أبوا إلا الخروج، فلما خالفوه توجه إلى أحد.\nوثانيها: ما حكى الله عنهم من فشلهم.\nوثالثها: ما وقع بينهم من المنازعة.\nورابعها: أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع.\nوخامسها: اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن طاعة الرسول ﵇ في محاربة العدو، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي، والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية، كما قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ \" (١١).\nوفي تفسيرقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: معناه: أنكم تركتم ما أمرتم به، وطلبتم الغنيمة وتركتم مراكزكم، فمن قبلكم جاء الشر. وهذا قول: مقاتل (١٢)، وأبو الليث (١٣)، والكلبي (١٤)، وعطاء (١٥)، واختيار: الفراء (١٦)، والزجاج (١٧)، وابن قتيبة (١٨).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥٨.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١١٥٤): ص ٢/ ٤٨٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧١.\n(٤) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٢٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١١٥٥): ص ٢/ ٤٨٠.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٧٧): ص ٣/ ٨١٠.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(٩) الكشاف: ١/ ٤٣٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧١.\n(١١) مفاتحي الغيب: ٩/ ٤٢٠، ونقله المراغي بتمامه، انظر: تفسيره: ٤/ ١٢٦.\n(١٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١١.\n(١٣) انظر: بحرالعلوم: ١/ ٣١٣.\n(١٤) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ١٥٣.\n(١٥) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ١٥٣.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٤٦.\n(١٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(١٨) انظر: تفسير غريب القرآن: ١١٥.","vol":"6","page":356},{"text":"قال الواحدي: \"وعلى هذا القول: أضاف إليهم المعصية والهزيمة، وإن كانت مخلوقة لله -تعالى- مرادة، لأن المعصية تضاف إلى العاصي من حيث المباشرة والكسب\" (١).\nقال الفخر: \" استدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى\" (٢).\nويرد عليهم: \"بأنه لم يقل أحد أن العبد خلق أفعاله غيره، والمصيبة التي أصابت المؤمنين هي بفعل الكافرين، فليس هي فعل لهم، وإنما فعلهم السبب في ذلك فإذا استدلوا بالسبب، قلنا: ليس لهم دليل من الآية بل فيها ما يرده، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ \" (٣).\nوالثاني: أن المعنى: بخروجكم من المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التحصن بالمدينة، وكان قد رأى في المنام أن عليه درعا حصينة، فأولها: المدينة. فقالوا: كنا نمتنع في الجاهلية، ونحن اليوم أحق بالامتناع، فأكرهوا رسول الله على الخروج. وهذا قول: ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وقتادة (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، وعكرمة (١٠)، ومحمد بن إسحاق (١١)، والضحاك (١٢).\nوالثالث: أن المعنى: قل هو من عند أنفسكم، بإساركم المشركين يوم بدر، وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم. وهذا قول علي-كرّم الله وجهه- (١٣)، وعبيدة (١٤)، .\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، \" أي: إن الله يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا رادّ لِقضائه\" (١٥).\nقال البيضاوي: أي: \" فيقدر على النصر ومنعه وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم\" (١٦).\nقال الطبري: أي: \" إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة، وتفضل وانتقام، ﴿قدير﴾، يعني: ذو قدرة\" (١٧).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٦/ ١٥٣. والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع، أو خير، كما قال تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦]. \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ٨/ ٣٨٧\"، وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٤٤٨.\nوقد نقل السفاريني بعض اصطلاحات المتكلمين حول الكسب، فقال: \"الكسب في اصطلاح المتكلمين: ما وقع من الفاعل مقارنا لقدرة محدثة واختيار، وقيل: هو ما وجد بقدرة محدثة في المكتسب.\nوقال العلامة ابن حمدان: الكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه .. \". \"لوامع الأنوار\" ١/ ٢٩١. وانظر ما بعدها. وانظر للتوسع في موضوع الكسب: \"شفاء العليل\" ١٢١ وما بعدها، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٤٣٨ وما بعدها، و\"المعتزلة وأصولهم الخمسة\" ١٦٩ - ١٨٤، و\"أفعال العباد في القرآن الكريم\" لعبد العزيز المجذوب ٣٢٥ وما بعدها، و\"الكليات\"، لأبي البقاء ١٦١.\n(٢) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٢١.\n(٣) تفسير ابن عرفة: ١/ ٤٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٦): ص ٧/ ٣٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٣): ص ٧/ ٣٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨١٧٩): ص ٧/ ٣٧٢ - ٣٧٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٠): ص ٧/ ٣٧٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٥): ص ٧/ ٣٧٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٤): ص ٧/ ٣٧٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٢): ص ٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٧): ص ٧/ ٣٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٨): ص ٧/ ٣٧٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨١٩١): ص ٧/ ٣٧٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨١٨٩) - (٨١٩٠): ص ٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٤٧، وانظر: تفسير النسفي: ١/ ٣٠٩.\n(١٧) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧١ - ٣٧٢.","vol":"6","page":357},{"text":"قال السعدي: يعني: \" فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم، ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] \" (١).\nالفوائد:\n١ - جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه، لأن الله وبّخ الذين قالوا: ﴿أنّى هذا﴾.\n٢ - إثبات الأسباب في قوله تعالى: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾.\n٣ - منّة الله تعالى على الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم- لأن الله قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مثلا ما أصابهم، في قوله: ﴿قد أصبتم مثليها﴾.\n٤ - إثبات اسم القدير من أسماء الله، والقدرة صفة يتصف بها القادر، تمنعه من وصف العجز.\nالقرآن\n﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾ [آل عمران: ١٦٦]\nالتفسير:\nوما وقع بكم مِن جراح أو قتل في غزوة «أُحد» يوم التقى جَمْعُ المؤمنين وجمع المشركين فكان النصر للمؤمنين أولا ثم للمشركين ثانيًا، فذلك كله بقضاء الله وقدره، وليظهر ما علمه الله في الأزل؛ ليميز المؤمنين الصادقين منكم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، أي: \" والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أحد، حين التقى جمع المسلمين والمشركين\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم\" (٣).\nقال الطبري: \" ويعني بـ الذي أصابهم، ما نال من القتل مَنْ قُتِل منهم، ومن الجراح من جرح منهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، أي: فهو كان \"بقضائه وقدَره فيكم\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي ما أصابكم كان بعلم الله\" (٦).\nقال الماتريدي: أي: \" فبمشيئة الله وإرادته\" (٧).\nقال الشوكاني: أي: \" فبعلمه، وقيل: بقضائه وقدره وقيل بتخليته بينكم وبينهم\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \"فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم، بعد أن جاءكم نصري، وصدقتكم وعدي\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، \" أي: وليعلم أهل الإِيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" ليميز بين المنافقين والمؤمنين، وليعلم الذين نافقوا منكم، أي: ليظهروا ما فيهم\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم\" (١٢).\nقال الماتريدي: أي: \" ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٥٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٨١٩٢): ص ٧/ ٣٧٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٧.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٢٤.\n(٨) فتح القدير: ١/ ٤٥٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٨١٩٢): ص ٧/ ٣٧٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(١١) أخرجه الطبري (٨١٩٢): ص ٧/ ٣٧٧.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(١٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٢٤.","vol":"6","page":358},{"text":"قال الطبري: أي: \" وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميِّز أهلُ الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين\" (١).\nقال ابن عرفة: \" وهو وعد ووعيد؛ لأنه إذا علم العبد الطائع أن سيده عالم بما هو فاعل من الطاعة يزداد فرحا وسرورا واجتهادا في عمله، وإذا علم العاصي بأن سيده عالم بما هو يفعل من وجوه المخالفات يزداد هما وغما، ويكون ذلك إنذارا له وتنفيرا عن نعمته، وعبر عن المؤمنين بالاسم والكافرين (٢) بالفعل إشارة إلى أن ذلك الوعد إنما هو لمن ثبت له الإيمان في قلبه وفي ظاهره، وأما الوعيد فهو لمن اتصف بأدنى شيء من النفاق فجرت الأولى مجرى الأمر، والثانية مجرى النهي، وفي الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (٣) \" (٤).\nالفوائد:\n١ - تسلية المؤمنين بقضاء الله قدره، لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله رضي وسلّم.\n٢ - أن الله قد يقدّر على عبده المؤمن ما يكرهه لحكم عظيمة.\nالقرآن\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٧]\nالتفسير:\nوليعلم المنافقين الذين كشف الله ما في قلوبهم حين قال المؤمنون لهم: تعالوا قاتلوا معنا في سبيل الله، أو كونوا عونًا لنا بتكثيركم سوادنا، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون أحدًا لكنا معكم عليهم، هم للكفر في هذا اليوم أقرب منهم للإيمان; لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والله أعلم بما يُخفون في صدورهم.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري عن عكرمة، قوله: \" ﴿قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم﴾، قال: نزلت في عبدالله بن أبيّ ابن سلول\" (٥).\nقال ابن حجر: \" اتفقوا على أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأتباعه الذين رجعوا قبل القتال\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، \"أي: وليعلم أهل النفاق\" (٧).\nقال محمد بن إسحاق: \" يعني: عبدالله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد\" (٨).\nقال الزجاج: أي: \" ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة الصبر على ما ينزل بهم في ذات الله\" (٩).\nقال ابن كثير: \" يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٧.\n(٢) سوف يأتي في الآية التالية، وهو قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧].\n(٣) تفسير ابن عرفة: ١/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٤) أصل الحديث: عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\". أخرجه الأمام أحمد في المسند ٢/ ٢٤٧ والحديث رقم ٧٣٦١.\nومسلم في: الحج، حديث ٤١٢، والنسائي في: الحج، ١ - باب وجوب الحج.\n(٥) تفسير الطبري (٨١٩٦): ص ٧/ ٣٨٠.\n(٦) العجاب: ٢/ ٧٨٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٨١٩٤): ص ٧/ ٣٧٩.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٠.","vol":"6","page":359},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، \"أي: فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: \" أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! \" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وجهان من التفسير:\nأحدهما: يعني تكثير السواد وإن لم يقاتلوا. وهو قول السدي (٣)، وابن جريج (٤).\nوالثاني: معناه: أو رابطوا على الخيل إن لم تقاتلوا. وهو قول ابن عوف الأنصاري (٥).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، \" أي: قال المنافقون: لو نعلم أنك تلقون حربًا لقاتلنا معكم\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم\" (٧).\nوقال مجاهد: \": لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! \" (٩).\nقال السمعاني: \" فرجعوا وهم يقولون: لا قتال، لا قتال، حتى يفشل المسلمون\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم لو نعلم قتالا لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، لأن رأى عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج\" (١١).\nأخرج الطبري بسنده عن محمد بن إسحاق، قال: \" حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخزل عنهم عبدالله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم فخرج وعصاني! والله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس! ! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريْب، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكّركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال! فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدَكم الله أعداء الله! فسيُغني الله عنكم! ومضى رسول الله ﷺ\" (١٢).\nوقال السدي: \"خرج رسول الله ﷺ - يعني يوم أحد - في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبدالله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا! قال: فذكر الله أصحاب عبدالله بن أبيّ ابن سلول، وقول\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨١٩٧): ص ٧/ ٣٨٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨١٩٨): ص ٧/ ٣٨٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨١٩٩): ص ٧/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(٧) أخرجه الطبري (٨١٩٤): ص ٧/ ٣٧٩.\n(٨) أخرجه الطبري (٨١٩٦): ص ٧/ ٣٨٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٨.\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٣٧٧.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٣٧.\n(١٢) أخرجه اطبري (٨١٩٣): ص ٧/ ٣٧٨ - ٣٧٩.","vol":"6","page":360},{"text":"عبدالله بن جابر بن عبدالله الأنصاري حين دعاهم فقالوا: ما نعلم قتالا ولئن أطعتمونا لترجعُنّ معنا، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، \" أي: بإِظهارهم هذا القول صاروا أقرب إِلى الكفر منهم إِلى الإِيمان\" (٢).\nقال السمعاني: \" يعني: بعد رجوعهم ومقالتهم تلك؛ لأنهم كانوا من قبل من المؤمنين في الظاهر؛ وإن كانوا منافقين في الباطن، فلما فارقوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم للإيمان\" (٣).\nقال الزمخشري: \" يعنى: أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخزلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر.\nوقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية للمشركين يقولون بأفواههم لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعى قلوبهم منه شيئا.\nوذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، \"أي: يظهرون خلاف ما يضمرون\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم \" (٦).\nقال الطبري: \" فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به\" (٧).\nقال السعدي: \" وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم، ويستدل بهذه الآية على قاعدة «ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما»؛ لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: \" والله أعلم بما يُخفون في صدورهم\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \"، أي: يخفون\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: من النفاق، وبما يجرى بعضهم مع بعض من ذم المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك، لأنكم تعلمون بعض ذلك علما مجملا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، بما يضمرون في أنفسهم للمؤمنين ويكتمونه فيسترونه من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما هم مخفوه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم، حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا فيفضحهم به، ويُصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة\" (١٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) أخرجه اطبري (٨١٩٤): ص ٧/ ٣٧٨ - ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٠.\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٣٧٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٣٧.\n(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٤٥٥.\n(٦) أخرجه الطبري (٨١٩٤): ص ٧/ ٣٧٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٨.\n(٨) تفسير السعدي: ١٥٦.\n(٩) التفسير الميسر: ٧٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨١٩٤): ص ٧/ ٣٧٩.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨١.","vol":"6","page":361},{"text":"١ - إثبات النفاق في هذه الأمة، لأن قوله: ﴿وليعلم الذين نافقوا﴾، أي: بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، التي كانت في السنة الثانية من رمضان، وحصل فيها من العزّ ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم، إذ أنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي: يظهرون أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.\n٢ - التحذير من النفاق.\n٣ - أن المنافقين من أكذب الناس.\n٤ - أ، القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان، فنستنتج من هذه الفائدة أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه، فإنه لاغ.\n٥ - أن الكفر ضد الإيمان لقوله: ﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان﴾.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨]\nالتفسير:\nهؤلاء المنافقون هم الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين يوم «أُحد»: لو أطاعَنا هؤلاء ما قتلوا. قل لهم -أيها الرسول-: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأنكم قد نجوتم منه بقعودكم عن القتال.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري عن قتادة، \"قوله: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾ الآية، ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ\" (١). وروي جابر بن عبدالله (٢)، والسدي (٣)، وابن جريج (٤)، والربيع (٥)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، \"أي: وليعلم الله أيضًا المنافقين الذين قالوا لإِخوانهم الذين هم مثلهم وقد قعدوا عن القتال\" (٦).\nقال الحسن: \"هم الكفار\" (٧).\nقال ابن جريج: \" هو عبدالله بن أبيّ\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾، الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \"إن الصواب في الأخوة هنا، أخوة الظاهر لا أخوة النسب، لأنه ليس كل من قتل في أحد يكون له قرابة لهؤلاء المنافقين\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، \"أي: لو أطاعنا المؤمنون وسمعوا نصيحتنا فرجعوا كما رجعنا ما قتلوا هنالك\" (١١).\nقال ابن جريج: \" هو عبدالله بن أبيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي ﷺ يوم أحد: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ \" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٢٠٠): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٢٠٢): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٢٠١): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٠٢): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٠٣): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٢١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨١): ص ٣/ ٨١١.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٢٠٢): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٩) أخرجه الطبري (٨١٩٩): ص ٧/ ٣٨٣.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٣.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٢١.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٢٠٢): ص ٧/ ٣٨٣.","vol":"6","page":362},{"text":"عن ابن شهاب قال: \"إن الله﷿- أنزل على نبيه في القدرية: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ما قتلوا﴾ \" (١).\nوعن عباد بن منصور قال: \"سألت الحسن عن قوله: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾، قال: هم الكفار يقولون لإخوانهم: لو كانوا عندنا ما قتلوا يحسبون أن حضورهم إلى القتال هو الذي يقدمهم إلى الأجل\" (٢).\nقال الراغب: \" هذه الآية من تمام صفة المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا: إن قتلى أحد لو أطاعونا في التأخر عن القتال ولزموا بيوتهم ما قتلوا\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، \" أي قل يا محمد لأولئك المنافقين إن كان عدم الخروج ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إِن كنتم صادقين في دعواكم\" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت \" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \"أي: أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت\" (٦).\nقال الزجاج: \" المعنى: إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت\nالحلقوم، وهلا تدرأون عن أنفسكم الموت\" (٧).\nقال الزمخشري: \"معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلا وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا، يعنى أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها\" (٨).\nقال ابن عرفة: \" فإِن قلت: لم يدعوا نفي الموت وإنما نفوا القتل، فلما قيل لهم: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾، فالجواب: أن الموت أعم فإذا عجزوا بالأعم دخل في صحبة الأخص، وصيغة أفعل التعجيز وقوله: ﴿ادرَءُوا﴾، ولم يقل: لَا تموتن، إشارة إلى ملازمة الموت لهم، وأنه أمر حتم لَا بد له منه، كما في سورة الجمعة ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، أي: يأتيكم ويواجهكم، فإذا فررتم منه، فإليه تفرون\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وجهان (١٠):\nأحدهما: يعني: في خبركم أنهم لو أطاعوا ما قُتِلوا.\nوالثاني: معناه إن كنتم محقين في تثبيطكم عن الجهاد فرارًا من القتل.\nوقوله تعالى: ﴿فادرأوا﴾، يعني: فادفعوا (١١)، ومنه قول الشاعر (١٢):\nتَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِيني\nالفوائد:\n١ - التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول، يؤخذ من قوله: ﴿قالوا﴾، و﴿قعدوا﴾.\n٢ - أن هؤلاء مع قبح قولهم وإدخال الندم على قومهم، اعترضوا على القدر، لقولهم: ﴿لو اطاعونا ما قتلوا﴾.\n٣ - الإشارة إلى أن مثل هذا القول عند حلول القدر لا يجوز، لأنه سيق في سياق الذم، ولهذا قال النبيﷺ-: \"وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨٤): ص ٣/ ٨١١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨٥): ص ٣/ ٨١١.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٧٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٢١.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١١٧١): ص ٢/ ٤٨٧.\n(٦) أخرجه الطبري (٨١٩٩): ص ٧/ ٣٨٣.\n(٧) معاني القرآن: ٥/ ١١٧.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٣٨.\n(٩) تفسير ابن عرفة: ١/ ٤٤٣.\n(١٠) انظر: اتلنكت والعيون: ١/ ٤٣٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٣.\n(١٢) البيت للمثقب العبدي، انظر: المفضليات: ٥٨٦، والكامل ١/ ١٩٣ وطبقات فحول الشعراء: ٢٣١.\n(١٣) من حديث رواه المسلم، في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة (٢٦٦٤).","vol":"6","page":363},{"text":"٤ - تحدي هؤلاء القائلين هذا الكلام بدفع الموت عنهم، وأنه لايمكن درء الموت، لأن ما وقع التحدي به فإنه لايمكن وقوعه.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]\nالتفسير:\nولا تظنَّنَّ -أيها النبي- أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات لا يُحِسُّون شيئًا، بل هم أحياء حياة برزخية في جوار ربهم الذي جاهدوا من أجله، وماتوا في سبيله، يجري عليهم رزقهم في الجنة، ويُنعَّمون.\nفي سبب نزول الآية والتي بعدها أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري، وأحمد (١)، وأبو داود (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو يعلى (٤)، والحاكم (٥)، والطبراني (٦)، الواحدي (٧)، عن ابن عباس قال: \"قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم». فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ هؤلاء الآيات\" (٨).\nوأخرج الطبري عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: \"قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبيّ ﷺ عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله ﵎: أنا رسولكم، فأمر جبريل ﵇ أن يأتي بهذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله، الآيتين\" (٩).\nوأصل الحديث أخرجه مسلم وغيره (١٠)، عن مسروق، قال: \"سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة»، فقال: \" هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا \" (١١).\nوالثاني: أخرج الترمذي (١٢)، وابن ماجه (١٣)، وابن حبان (١٤)، والحاكم (١٥)، والواحدي (١٦)، والبيهقي (١٧)، من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: \"سمعت طلحة بن حراش يقول: سمعت جابر بن عبد الله\n_________\n(١) انظر: المسند: ٢٣٨٨.\n(٢) انظر: السنن: ٢٥٢٠.\n(٣) انظر: السنن الكبرى: ٩/ ١٦٣.\n(٤) انظر: مسند أبي يعلى: ٤/ ٢١٩.\n(٥) انظر: المستدرك: ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٦) انظر: المجمع للهيثمي: ٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩. عن سعيد بن جبير.\n(٧) انظر: أسباب النزول: ١٢٨ - ١٢٩.\n(٨) تفسير الطبري (٨٢٠٥): ص ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٩) تفسير الطبري (٨٢١٧): ص ٧/ ٣٩٠.\n(١٠) كالترمذي في \"جامعه\"، كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢١٥ - ٢١٦\" وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وابن ماجه في \"الجهاد\"، باب فضل الشهادة في سبيل الله \"٢/ ٩٣٦\"، وانظر: تفسير الطبري (٨٢١٨): ص ٧/ ٣٩٠، و(٨٢٢٥): ص ٧/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(١١) صحيح مسلم (١٨٨٧): ص ٣/ ١٥٠٢.\n(١٢) في \"جامعه\"، كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢١٤ - ٢١٥\" \"٣٠١٠\".\n(١٣) في \"سننه\"، كتاب \"الجهاد\"، باب فضل الشهادة في سبيل الله \"٢/ ٢٣٦\" \"٢٨٠٠\".\n(١٤) انظر \"الإحسان\"، كتاب \"أخباره ﷺ عن مناقب الصحابة\"، ذكر البيان بأن الله جل وعلا كلم عبد الله بن عمرو بن حرام بعد أن أحياه كفاحًا \"١٥/ ٤٩٠ - ٤٩١\" وعلق عليه محققه الأستاذ شعيب الأرنؤوط بقوله: \"إسناده جيد\".\n(١٥) في \"مستدركه\"، كتاب \"معرفة الصحابة\"، ذكر مناقب عبد الله بن عمرو \"٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤\".\nوقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وسكت الذهبي ووقع في كلام الأستاذين حسين أسد وشعيب الأرنؤوط أن الذهبي ووافقه، ولم نجد في هذه الموافقة.\n(١٦) أسباب النزول: ١٢٩.\n(١٧) في مسنده: ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢. مختصرا.","vol":"6","page":364},{"text":"يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراك منكسرا؟» قلت: يا رسول الله توفي أبي، استشهد بأحد، وترك علي دينا وعيالا! قال: «أفلا يسرك بما لقي الله به أباك؟» قال: بلى يا رسول الله قال: «يا عبدي تمن علي قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون»، قال: فأنزلت هذه الآية\" (١).\nورواية ابن عقيل عن أحمد (٢)، وأبي يعلى (٣)، والطبري (٤)، والحميدي (٥)، ولفظه: \"قال لي رسول الله ﷺ: «أعلمت أن الله أحيا أباك فقال: ما تحب يا عبد الله؟ قال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» \" (٦).\nوالثالث: أخرج الطبري عن قتادة، قال: \" ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد! فأنزل الله ﵎ في ذلك القرآن: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾، كنا نحدَّث أن أرواح الشهداء تَعارَف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأنّ مساكنهم السِّدرة\" (٧).\nوالرابع: وأخرج الطبري الربيع: \" ذكر لنا عن بعضهم في قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء﴾، قال: هم قتلى بدر وأحد\" (٨).\nوالخامس: وأخرج الطبري وغيره (٩)، عن إسحاق بن أبي طلحة قال: \" حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين. قال: وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي ﷺ حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال - أُراه أبو ملحان الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ. فخرج حتى أتى حيًّا منهم، فاحتبى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: إنّ الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا، رُفع بعد ما قرأناه زمانًا، وأنزل الله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ \" (١٠).\nوالسادس: ونقل الواحدي والثعلبي (١١) عن بعضهم: \" إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في نعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم\" (١٢).\n_________\n(١) العجاب: ٢/ ٧٨٦.\n(٢) انظر: المسند: ٣/ ٣٦١. مختصرا.\n(٣) انظر: المسند: ٤/ ٦، وقال المحقق: \"إسناده حسن\".\n(٤) انظر: تفسيره (٨٢١٤): ص ٧/ ٣٨٨ - ٣٨٩. وقال مخرجه: إسناده ضعيف قال: وقد ورد معناه عن جابر بإسناد آخر صحيح ثم أورد رواية أحمد المشار إليها.\n(٥) انظر: مسنده (١٢٦٥): ص ٢/ ٥٣٢.\n(٦) العجاب: ٢/ ٧٨٦ - ٧٨٧.\n(٧) تفسير الطبري (٨٢١٥): ص ٧/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٨) تفسير الطبري (٨٢١٦): ص ٧/ ٣٩٠.\n(٩) كابن إسحاق فؤي المغازي، انظر: سيرة ابن هشام: ٢/ ١٨٣ - ١٨٩، وذكره الواحدي: ص: ١٣٠، وعزاه إلى جماعة من أهل التفسير وقال: \"قصتهم مشهورة ذكرها ابن إسحاق في \"المغازي\".\n(١٠) تفسير الطبري (٨٢٢٤): ص ٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣. وأصله عند مسلم في صحيحه، كتاب \"الإمارة\"، باب ثبوت الجنة للشهيد \"٣/ ١٥١١\" وحديثه هذا لم يروه غيره كما في \"تحفة الأشراف\" \"١/ ١٢٦\"، وانظر \"صحيح البخاري\"، كتاب \"المغازي\" باب غزوة الرجيع ... \"الفتح\" \"٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦\" و\"صحيح مسلم\"، كتاب \"المساجد ومواضع الصلاة\" باب استحباب القنوت في جميع الصلاة \"١/ ٤٦٨\". [من غير ذكر هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ...﴾ في المواضع الثلاثة].\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٠٣.\n(١٢) أسباب النزول: ١٣٠.","vol":"6","page":365},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، \" أي: لا تظنَّن الذين استشهدوا في سبيل الله لإِعلاء دينه أمواتًا لا يُحسّون ولا يتنعمون\" (١).\nقال الطبري: أي: \" لا تظنن الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \"ثم قال الله لنبيه يرغب المؤمنين في ثواب الجهاد، ويهون عليهم القتل: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾، أي: لا تظن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا\" (٣).\nعن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾، يعني: في طاعة الله في جهاد المشركين\" (٤).\nروي عن أبي الضحى \"في قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾، قال: نزلت في قتلى أحد خاصة، استشهد من المهاجرين أربعة وعشرون: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، واستشهد من الأنصار ستة وأربعون\" (٥).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وجوها (٦):\nأحدها: قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأحد وببدر: إنهم ماتوا؛ فأنزل الله - ﷿ -: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ وبأحد وبدر (أمواتا) كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم.\nالثاني: وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبدا ولا يبعث؛ فقال - ﷿ -: بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى.\nالثالث: وقيل: إن العرب كانت تسمي الميت: من انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم يبق له أحد يذكر به؛ فقالوا: إذا قتل هؤلاء ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر الله - ﷿ - أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم.\nوروى هشام عن أهل الشام: ﴿يحسبن﴾، بالياء، وقرأ الحسن وابن عامر: ﴿الذين قتلوا﴾ مشددا، وقرأ ابن أبي عبلة: أحياء نصبا أي أحسبهم أحياء عند ربهم (٧).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، \"أي: بل هم أحياء عند ربهم متنعمون في جنان الخلد يرزقون\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: أرواح الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \"قوله: ﴿أمواتا بل أحياء﴾، أي: قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه\" (١١).\nأخرج عبدالرزاق عن معمر عن قتادة، قال: \"بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة، قال معمر: وقال الكلبي: \"في صور طير خضر تسرح في الجنة، وتأوي إلى القناديل تحت العرش\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفقاسير: ٢٢٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨٨): ص ٣/ ٨١٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٠): ص ٣/ ٨١٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨٩): ص ٣/ ٨١٢.\n(٦) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٢٨.\n(٧) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٣/ ٩٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(٨) صفوة التفقاسير: ٢٢٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٤.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٢): ص ٣/ ٨١٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٢): ص ٣/ ٨١٣.\n(١٢) تفسير عبدالرزاق (٤٨١): ص ١/ ٤٢٢.","vol":"6","page":366},{"text":"وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، عليهم رزقهم بكرة وعشيا\" (١).\nوعن مجاهد: \"قوله: ﴿يرزقون﴾، قال: إن كان يقول: يرزقون من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها\" (٢).\nقال الزجاج: \" المعنى أحسبهم أحياء وقيل في هذا غير قول: قال بعضهم لا تحسبهم أمواتا في دينهم بل هم أحياء في دينهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (٣).\nوقال بعضهم: لا تحسبهم كما يقول الكفار إنهم لا يبعثون بل يبعثون، ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾.\nوقيل: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلذ بنعيمها، فهم أحياء عند ربهم.\nقال بعضهم: أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تصير إلى\nقناديل تحت العرش\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي أحسبهم أحياء عند ربهم.\nوقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة (٥).\nوقيل: [في العالم] وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل (٦):\nموت التقي حياة لا فناء لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء\nوقيل: مما هم أحياء: عند ربهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء.\nوقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله: ﴿كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا﴾ (٧) الآية.\nوقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء.\nوقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض، يقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن.\nوعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة.\nوقيل: سموا أحياء لأنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء.\nوقال النبي ﷺ: «زملوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك» (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٤): ص ٣/ ٨١٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٥): ص ٣/ ٨١٣.\n(٣) سورة الأنعام: ١٢٢.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.\n(٥) وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، انظر: تفسير مجمع البيان: ١/ ٤٣٧.\n(٦) من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٣/ ٢٠٤، والقرطبي في تفسيره: ٤/ ٢٦٩.\n(٧) سورة المائدة: ٣٢.\n(٨) أخرج النسائي والديلمي وغيرهما عن عبدالله بن ثعلبة بن أبي صعير، قال -ﷺ-: \" زملوهم فى ثيابهم بدمائهم فإنه ليس من كلم يكلم فى الله إلا هو يأتى يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك\". سنن النسائى (٦/ ٢٩، رقم ٣١٤٨). والديلمى (٢/ ٢٩٤، رقم ٣٣٤٢).","vol":"6","page":367},{"text":"وقال عبيد بن عمر: إن رسول الله ﷺ حين انصرف يوم أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ: من المؤمنين رجال صدقوا (١) الآية، ثم قال ﷺ: «إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه، يرزقون من ثمار الجنة وتحفها» (٢) \" (٣).\nقال الماتريدي: \"قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾، أي: يجري أعمالهم بعد قتلهم، كما كان يجري في حال حياتهم، فهم كالأحياء فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم، ليسوا بأموات.\nوقيل: إن حياتهم حياة كلفة؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة؛ ففعل المؤمنون ذلك: أحيوا أنفسهم في الآخرة؛ فسموا أحياء لذلك، والكفار لم يحيوا أنفسهم\" (٤).\nقال الجصاص: \" زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة، قالوا: لأنه لو جاز أن ترد عليهم أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ. قال أبو بكر: وقال الجمهور: \"إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم بقدر استحقاقهم إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق، ثم يعيدهم في الآخرة ويدخلهم الجنة\"; لأنه أخبر أنهم أحياء، وذلك يقتضي أنهم أحياء في هذا الوقت ولأن تأويل من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدي إلى إبطال فائدته; لأن أحدا من المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل الجنة، إذ الجنة لا يكون فيها ميت. ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم فرحون على الحال بقوله تعالى: ﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ وهم في الآخرة قد لحقوا بهم، وروى ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: \"لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور خضر تحت العرش ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش\" (٥) ; وهو مذهب الحسن وعمرو بن عبيد وأبي حذيفة وواصل بن عطاء، وليس ذلك من مذهب أصحاب التناسخ في شيء; لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في خلق مختلفة، وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] وأخبر أن إحياء الموتى معجزة لعيسى ﵇ فكذلك يحييهم بعد الموت ويجعلهم حيث يشاء.\nوقوله تعالى: ﴿عند ربهم يرزقون﴾ معناه: حيث لا يقدر لهم أحد على ضر ولا نفع إلا ربهم ﷿. وليس يعني به قرب المسافة; لأن الله تعالى لا يجوز عليه القرب والبعد بالمسافة; إذ هو من صفة الأجسام. وقيل: عند ربهم من حيث يعلمهم هو دون الناس\" (٦).\nقال الواحدي: \" الأصح في حياة الشهداء ما روينا عن النبي ﷺ: أن أرواحهم في أجواف طير، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون\" (٧).\nالفوائد:\n١ - فضيلة من قتل في سبيل الله لكوهم أحياء عند الله ﷿.\n٢ - الترغيب في الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا.\n٣ - أن الشهداء يرزقون برزق أخروي.\n٤ - أنه إذا ثبت هذا للشهيد، فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، ويمتاز الانبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الارض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء فإن الأرض تأكلهم وقد لا تأكل بعضهم إكراما لهم.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٣٢.\n(٢) كنز العمال (٢٩٨٩٢): ص ١٠/ ٣٨١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٢٨.\n(٥) الحديث رواه مسلم (١٨٨٧): ص ٣/ ١٥٠٢، والترمذي في \"جامعه\"، كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢١٥ - ٢١٦\" وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وابن ماجه في \"الجهاد\"، باب فضل الشهادة في سبيل الله \"٢/ ٩٣٦\"، وانظر: تفسير الطبري (٨٢١٨): ص ٧/ ٣٩٠، و(٨٢٢٥): ص ٧/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(٦) أحكام القرآن: ٢/ ٥٥.\n(٧) التفسير الوسيط: ١/ ٥٢١. وانظر: الحديث في تفسيره (١٨٢): ص ١/ ٥٢٠ - ٥٢١.","vol":"6","page":368},{"text":"القرآن\n﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٧٠]\nالتفسير:\nلقد عَمَّتهم السعادة حين مَنَّ الله عليهم، فأعطاهم مِن عظيم جوده وواسع كرمه من النعيم والرضا ما تَقَرُّ به أعينهم، وهم يفرحون بإخوانهم المجاهدين الذين فارقوهم وهم أحياء; ليفوزوا كما فازوا، لِعِلْمِهم أنهم سينالون من الخير الذي نالوه، إذا استشهدوا في سبيل الله مخلصين له، وأن لا خوف عليهم فيما يستقبلون من أمور الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.\nقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، أي: \" وهم فَرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة\" (١).\nقال قتادة: \" يعني: راضين بما أعطاهم الله ﴿من فضله﴾، يعني: الرزق\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي\" (٣).\nقال ابن هشام: \" أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم\" (٤).\nقال الزمخشري: \" وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم، من كونهم أحياء مقربين معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها\" (٥).\nقال أبو السعود: \" وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من الله ﷿ والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور\" (٧).\nقال المراغي: \" أي مسرورين بشرف الشهادة، والتمتع بالنعيم العاجل، والزلفى عند ربهم، والفوز بالحياة الأبدية\" (٨).\nوقرأ ابن السميقع: «فارحين» بالألف، وهما لغتان (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، \" أي: ويستبشرون بإِخوانهم المجاهدون الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إِن استشهدوا\" (١٠).\nقال قتادة: \" يعني: من بعدهم من إخوانهم في الدنيا، أنهم لو رأوا قتالا لاستشهدوا ليلحقوا بهم\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي لم يلحقوا بهم في الفضل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم\nوإيمانهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون\" (١٢).\nقال ابن كثير: أي: \" ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدَمون\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٥.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٤.\n(٤) سيرة ابن هشام: ٢/ ١١٩.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٣٩.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ١١٢.\n(٧) تفسير السعدي: ١٥٦.\n(٨) تفسير المراغي: ٤/ ١٣٢.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٠٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٣.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٤.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٤٨٩.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٥.","vol":"6","page":369},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" ﴿ويستبشرون﴾ بإخوانهم المجاهدين بالذين لم يلحقوا بهم، أى: لم يقتلوا فيلحقوا بهم من خلفهم يريد الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. وقيل: لم يلحقوا بهم، لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه في الله، وبشرى للمؤمنين بالفوز في المآب.\nقال أبو السعود: \" أي ويستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف وقوع محذور ولا حزن فوات مطلوب أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلا عن أن تخاف وتحذر أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام\" (١).\nقال السعدي: \" أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك\" (٣).\nقال المراغي: \" أي: ويسرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد فى سبيل الله، فيلحقوا بهم من خلفهم، أي أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم\" (٤).\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: \" لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبون ما أصبنا من الخير- فأخبر النبي ﷺ بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم- وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾، الآية\" (٥).\nوقال السدي: \" فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، يقال: تقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، تقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، فيستبشر حين تقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا\" (٦).\nقال الثعلبي: وأصل البشارة \" من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿َألَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، \" أي: بأنْ لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: \" في قول الله تعالى: ﴿ألا خوف عليهم﴾، يعني: في الآخرة\" (٩)، \" ﴿ولا هم يحزنون﴾، يعني: لا يحزنون للموت (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \" وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم\" (١١).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١١٢ - ١١٣.\n(٢) تفسير السعدي: ١٥٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٥.\n(٤) تفسير المراغي: ٤/ ١٣٢.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٤٤٩٨): ص ٣/ ٨١٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٩): ص ٣/ ٨١٤.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٠٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٢٣.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٠١): ص ٣/ ٨١٤.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٠٢): ص ٣/ ٨١٤.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٥.","vol":"6","page":370},{"text":"قال السعدي: \" أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور\" (١).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صارُوا إليه والدعة والزُّلْفة\" (٢).\nالفوائد:\n١ - أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، لقوله: ﴿فرحين﴾، لأن الفرح من الشعور النفسي.\n٢ - أن الفضل لله على عباده في الدنيا والآخرة.\n٣ - أن هؤلاء الشهداء يستبشرون، أي يبشّر بعضهم بعضا بالذين لم يلحقوا بهم من بعدهم.\n٤ - أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن.\nالقرآن\n﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ [آل عمران: ١٧١]\nالتفسير:\nوإنهم في فرحة غامرة بما أُعطوا من نعم الله وجزيل عطائه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين به، بل ينمِّيه ويزيده من فضله.\nقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧١]، أي: \" يفرحون بما حباهم به الله تعالى من عظيم كرامته عند ورودهم عليه، وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \": ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾ الآية، لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب\" (٤).\nقال النسفي: أي: \" يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة\" (٥).\nقال الحسن: \"من قتل في سبيل الله يقدم إلى البشرى إلى ما قدم من خير في الجنة، ويقول: أخي تركته على مثل عملي، يقتل الآن، فيقدم على مثل ما قدمت عليه فيستبشر بالجنة\" (٦).\nقال الماتريدي: \" ﴿وفضل﴾، أي: بدين من الله؛ كقوله - تعالى -: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قيل: بدينه، ويحتمل: ﴿يستبشرون بنعمة من الله﴾: الجنة، ﴿وفضل﴾: زيادات لهم وكرامات من الله، ﷿\" (٧).\nقال السمعاني: \" قيل: أراد بالنعمة: قدر الكفاية، وبالفضل: ما زاد على الكفاية، ومعناه: لا يضيق عليهم، بل يوسع في العطاء، وقيل: ذكر الفضل تأكيدا للنعمة\" (٨).\nقال الزمخشري: \" ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: ﴿يستبشرون بنعمة﴾، ثم بين تعالى بقوله: ﴿وفضل﴾، فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١]، أي: وإن الله\" لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاءه من عند الله\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعنى: أجر المصدقين بتوحيد الله\" (١١).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٥٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٨.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٢٣٢): ص ٧/ ٣٩٨.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٣١١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٠٣): ص ٣/ ٨١٥.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣١.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٣٧٩.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٤١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٤.","vol":"6","page":371},{"text":"قال الماتريدي: \" أي: لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر؛ كقوله - ﷿ -: (نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)، وكقوله - ﷿ -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ...﴾ [النساء: ٤٠] الآية\" (١).\nقال ابن زيد: \" وهذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء، وثوابا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم\" (٢).\nوعن سعيد بن جبير: \" ﴿المؤمنين﴾، يعني: المصدقين\" (٣).\nقرأ الكسائي وحده: ﴿وأن الله لا يضيع﴾ مكسورة الألف، على الاستئناف، وقرأ الباقون ﴿وأن الله﴾، بالفتح (٤)، بمعنى: \" يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين\" (٥).\nوقرأ عبد الله ﴿وفضل والله لا يضيع﴾ (٦).\nالفوائد:\n١ - إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله ﷻ، فهم لايرون لأنفسهم فضلا بل يرون المنة والفضل لله عليهم، ولهذا قال: ﴿بنعمة من الله وفضل﴾.\n٢ - إثبات عدل الله ﷿، وذلك بعدم إضاعة أجر المؤمنين.\n٣ - فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢]\nالتفسير:\nالذين لبُّوا نداء الله ورسوله وخرجوا في أعقاب المشركين إلى «حمراء الأسد» بعد هزيمتهم في غزوة «أُحد» مع ما كان بهم من آلام وجراح، وبذلوا غاية جهدهم، والتزموا بهدي نبيهم، للمحسنين منهم والمتقين ثواب عظيم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أن إن هذا السياق نزل في شأن غزوة \"حَمْراء الأسد\"، وهو الصحيح.\nأخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب - يعني يوم أحد - بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرّفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب! وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدَمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبيّ الله ﷺ، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإنّ رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتَّبعوا ما كانوا متَّبعين، وقال: إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل، فجاء الشيطان فخوَّف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم! فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: إني ذاهبٌ وإن لم يتبعني أحد، لأحضِّضَ الناس، فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ \" (٧).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٠٥): ص ٣/ ٨١٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٠٦): ص ٣/ ٨١٥.\n(٤) انظر: السبعة: ٢١٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٨.\n(٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤١.\n(٧) تفسير الطبري (٨٢٣٨): ص ٧/ ٤٠١ - ٤٠٢. وانظر: سيرة ابن هشام: ٢/ ١٠٢.","vol":"6","page":372},{"text":"وفي المعنى نفسه أخرج عن السدي: \"انطلق أبو سفيان منصرفًا من أحد، حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئسما صنعتم! إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا واستأصلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ \" (١).\nوعن ابن جريج قال: \"أخبرتُ أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد، قال المسلمون للنبي ﷺ: إنهم عامدون إلى المدينة! فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال، فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل، فقد رَعَبهم الله، وليسوا بعامديها. فركبوا الأثقال، فرعبهم الله. ثم ندب ناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنزلت: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ \" (٢).\nوروي البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة﵂- في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، قالت لعروة: \" يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب (٣) منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر، والزبير\" (٤).\nوالثاني: نقل الفخر قال أبو بكر الأصم: \"نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس إليه ﷺ بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، وصلى عليهم ﷺ ودفنهم بدمائهم، وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال ﵊ للزبير: ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها، فقالت: قد بلغني ما فعل به، وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيرا واستغفرت له. وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت النبي ﷺ وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر\" (٥).\nوالثالث: أنها نزلت في بَدْر الموعد، إذ نقل الثعلبي عن مجاهد وعكرمة: \"نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت. فقال رسول الله ﷺ: «ذلك بيننا وبينك إن شاء الله» فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران، ثم ألقى الله ﷿ الرعب في قلبه قبل الرجوع، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها، قال: فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد واثبطه. قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها. قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله ﷺ: «والذي\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٢٣٧): ص ٧/ ٤٠١.\n(٢) تفسير الطبري (٨٢٤٠): ص ٧/ ٤٠٣.\n(٣) أي: تكفل بالمطلوب.\n(٤) صحيح البخاري (٤٠٧٧): ص ٥/ ١٠٢، وأورده ابن كثير \"٢/ ١٦٦\" وقال: \"هكذا رواه البخاري منفردا بهذا السياق\". والحديث مختصرا في صحيح مسلم: ٧/ ١٢٩، كتاب \"فضائل الصحابة\"، باب من فضائل طلحة والزبير، ورواه وابن ماجة: ١٢٤، والحاكم في المستدرك: كتاب \"التفسير\" \"٢/ ٢٩٨\" وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وفيه \"إنها قالت لعبد الله بن الزبير\" والرواية في البخاري ومسلم أن القول لعروة. والحميدي في المسند (٢٦٣): ص ١/ ١٢٨.\n(٥) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٣٢.","vol":"6","page":373},{"text":"نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي»، فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لقوا بدر. وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله ﷺ وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. فذلك قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ \" (١).\nوالصحيح الأول، إذ أن سبب نزول الآية الكريمة ثناء الله سبحانه على أصحاب رسول الله ﷺ حين أجابوه لما دعاهم إليه للحاق المشركين، على الرغم مما فيهم من الجراح والآلام التي أصابتهم يوم أُحد؛ إظهارًا للجَلَد والقوة، وإرهابًا لأعداء الله.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، \" أي: الذين أطاعوا الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أُحد\" (٢).\nقال الطبري: أي: \": وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله ﷺ إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو - أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش - مُنصَرَفهم عن أحد. وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله ﷺ في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" هذا كان يوم \"حمراء الأسد\"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلدا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله ﵁ - لما سنذكره - فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ\" (٤).\nقال ابن عطية: \" والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد في طلب قريش وانتظارهم لهم\" (٥).\nقال محمد ابن إسحاق: \" فقال الله ﵎: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ﴾، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله ﷺ الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم\" (٦).\nوعن قتادة: \" قوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون - أبو سفيان وأصحابه - فقال ﷺ لأصحابه: ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، تطلب عدوّها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع! فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد\" (٧).\nقال عكرمة: \" كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠.، وانظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٩، تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦، وانظر: تفسير السمعاني: ١/ ٣٨٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٥٤٢.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٢٣٥): ٧/ ٤٠١.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٢٣٦): ٧/ ٤٠١.","vol":"6","page":374},{"text":": لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولستُ بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي! فتخلَّف على أخواتك، فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدوّ، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم\" (١).\nوعن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، قال: \"أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدًا قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ أحدًا، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين: فلما أذَّن [مؤذِّن] رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي - أو قال لي -: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله ﷺ، وكنت أيسر جرحًا منه، فكنتُ إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا، الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة\" (٢).\nقال ابن هشام: \" قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، واستعمل على المدينة ابن أم مَكْتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مَر به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي مَعْبد الخزاعي، وكانت خُزاعة - مسلمهم ومشركهم - عيبة نُصح (٣) لرسول الله ﷺ بتِهامة، صَفْقَتُهم معه (٤)، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عَزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوَددْنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا: أصبنا حَد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم .. لنُكرّنَّ على بقيتهم فَلَنَفْرُغَنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جَمْع لم أر مثله قط، يتحرقون (٥) عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَق (٦) عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك. ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك. ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:\nكادَتْ تُهدُّ منَ الأصوات رَاحلتي ... إذْ سَالَت الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيل (٧)\nتَرْدى بأسْدٍ كرام لا تَنَابلة ... عنْد اللّقاء ولا ميل مَعَازيل (٨)\nفَظَلْتُ عَدْوا أظُنُّ الأرض مائلةً ... لَمَّا سَمَوا برئيس غير مَخْذول (٩)\nفقلتُ: ويل ابن حَرْب من لقائكُمُ (١٠) ... إذا تَغَطْمَطَت البطحاء بالجيل (١١)\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٢٣٣): ٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٢) تفسير الطبري (٨٢٣٤): ٧/ ٤٠٠.\n(٣) عيبة نصح لرسول الله: أي موضع سره.\n(٤) صفقتهم معه، أي اتفاقهم معه. يقال: أصفقت مع فلان على الأمر: إذا اجتمعت معه عليه.\nوكان الأصل أن يقال: إصفاقهم معه، إلا أنه استعمل المصدر ثلاثيا.\nويروى: «ضلعهم معه» ومعناه: ميلهم.\n(٥) يلتهبون من الغيظ.\n(٦) الحنق: شدة الغيظ.\n(٧) تهد: تسقط لهول ما رأت من أصوات الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: اتردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أو لا ترس معه، وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم لجماعات.\n(٨) تردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أو لا ترس معه، وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم.\n(٩) العدو: المشي السريع. وسموا: علوا وارتفعوا.\n(١٠) ابن حرب: هو أبو سفيان.\n(١١) تغطمطت: اهتزت وارتجت، ومنه: بحر غطامط، إذا علت أمواجه. والبطحاء: السهل من الأرض. والجيل: الصنف من الناس.","vol":"6","page":375},{"text":"إني نذير لأهل البَسْل ضَاحيَةً ... لكل ذي إرْبَة منهم ومعقول (١)\nمن جَيْش أحمدَ لا وَخْشٍ تَنَابِلة ... وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل (٢)\nقال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟\nقال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.\nقال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا.\nفقال النبي ﷺ، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده، لقد سومت (٣) لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، \"أي: لمن أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إِلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - الأجرُ العظيم والثواب الجزيل\" (٥).\nقال السمرقندي: \" أي الذين أوفوا الميعاد واتقوا السخط في معصية رسول الله ﷺ لهم ثواب كثير\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: \" ﴿أجر عظيم﴾، قال: الجنة\" (٧). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة والضحاك وقتادة نحو ذلك (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، وجوه (٩):\nأحدها: أن قوله ﴿أحسنوا﴾، دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات، وقوله: ﴿واتقوا﴾، دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم.\nوالثاني: أن المعنى أنهم ﴿أحسنوا﴾ في طاعة الرسول في ذلك الوقت، ﴿واتقوا﴾ الله في التخلف عن الرسول، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض.\nالثالث: أنهم ﴿أحسنوا﴾: فيما أتوا به من طاعة الرسول ﷺ، ﴿واتقوا﴾ ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك.\nقال الزمخشري: \" و﴿من﴾ في ﴿للذين أحسنوا منهم﴾، للتبيين، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم\" (١٠).\nروي عن ابن عباس أنه قال: \"افصلوا بينهما: قوله: ﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾، ﴿الذين قال لهم الناس﴾ \" (١١).\n_________\n(١) أهل البسل: قريش، لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. والضاحية: البارزة للشمس. والإربة: العقل.\n(٢) الوخش: رذالة الناس وأخساؤهم. والتنابلة: القصار. والقيل: القول.\n(٣) سومت، أي جعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند الله.\n(٤) السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ١٠٢ - ١٠٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٢٣.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥١٥): ص ٣/ ٨١٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥١٥): ص ٣/ ٨١٧.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٣٢.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٤٤١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥١٤): ص ٣/ ٨١٧.","vol":"6","page":376},{"text":"الفوائد:\n١ - بيان فضيلة الصحابة﵃- وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة.\n٢ - أن أمر الرسولﷺ- أمر الله، لقوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾.\n٣ - أن المصائب محك لمعرفة ارجال.\n٤ - فضيلة الإحسان والتقوى.\n٥ - أن الجزاء من جنس العمل، فالتقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيما.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]\nالتفسير:\nوهم الذين قال لهم بعض المشركين: إن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا أمرهم على الرجوع إليكم لاستئصالكم، فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، فزادهم ذلك التخويف يقينًا وتصديقًا بوعد الله لهم، ولم يَثْنِهم ذلك عن عزمهم، فساروا إلى حيث شاء الله، وقالوا: حسبنا الله أي: كافينا، ونِعْم الوكيل المفوَّض إليه تدبير عباده.\nفي سبب نزول قولان:\nأحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عِيرًا واردةَ المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي ﷺ حِبال، فقال: إنّ لكم عليَّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدًا ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي، وأخبرتموه أنّي قد جمعت له جموعًا كثيرة. فاستقبلت العيرُ رسول الله ﷺ فقالوا له: يا محمد إنا نخبرك أنّ أبا سفيان قد جمع لك جموعًا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل! فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله ﵎: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾، الآية\" (١)، وروي عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٢)، والسدي\" (٣)، وقتادة (٤)، نحو ذلك.\nوالثاني: أخرج الطبري عن عكرمة قال: \"كانت بدر متجرًا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناسٌ من المشركين فقالوا لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم! فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل! فأتوهم فلم يلقوا أحدًا، فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ \" (٥). وروي عن مجاهد (٦)، وابن جريج (٧) نحو ذلك.\nوالصواب –والله أعلم- هو القول الأول، يعني: أن \"الذي قيل لرسول الله ﷺ وأصحابه من أنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله ﷺ وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش، مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد، لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، لما قيل لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله ﷺ من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد، وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمُه. وذلك أن رسول الله ﷺ إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها، لموعد أبي سفيان الذي كان\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٢٤٦): ص ٧/ ٤١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٣): ص ٧/ ٤٠٦ - ٤٠٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٥): ص ٧/ ٤٠٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٧): ص ٧/ ٤١٠.\n(٥) تفسير الطبري (٨٢٥٠): ص ٧/ ٤١٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٨): ص ٧/ ٤١١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٩): ص ٧/ ٤١١.","vol":"6","page":377},{"text":"واعده اللقاء بها، بعد سنة من غزوة أحد، في شعبان سنة أربع من الهجرة. وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي ﷺ لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبيّ ﷺ بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرَّجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى. وكانت وقعة الرَّجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي ﷺ بدرًا الصغرى\" (١).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، \" أي: الذين أرجف لهم المرجفون من أنصار المشركين فقالوا لهم: إِن قريشًا قد جمعت لكم جموعًا لا تحصى فخافوا على أنفسكم، فما زادهم هذا التخويف إِلا إِيمانًا\" (٢).\nقال الماوردي: \" أما الناس في الموضعين وإن كان بلفظ الجمع فهو واحد لأنه تقدير الكلام جاء القول من قِبَل الناس، والذين قال لهم الناس هم المسلمون\" (٣).\nوفي الناس القائل أربعة أقوال:\nأحدها: هو أعرابي جُعِل له على ذلك جُعْل، وهذا قول السدي (٤).\nوالثاني: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول مجاهد (٥)، ومقاتل (٦)، وعكرمة (٧)، والواقدي (٨).\nقال الثعلبي: \"وهو على هذا التأويل من العام الذي أريد به الخاص، نظيره قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]، يعني محمدا وحده، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، يريد الرجال وحده\" (٩).\nوالثالث: يريد ب (الناس) الركب من عبد القيس. وهذا قول محمد بن إسحاق (١٠).\nوالرابع: أنهم قوم من بني هذيل. قاله أبو معشر (١١).\nوأما ﴿الناس﴾ الثاني، فالمراد: أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد (١٢).\nواختلفوا في الوقت الذي أراد أبو سفيان أن يجمع لهم هذا الجمع على قولين:\nأحدهما: بعد رجوعه على أُحُد سنة ثلاث حتى أوقع الله في قلوب المشركين الرعب كفّوا،\nوهذا قول ابن عباس (١٣)، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١٤)، والسدي\" (١٥)، وقتادة (١٦).\nوالثاني: أن ذلك في بدر الصغرى سنة أربع بعد أحد بسنه، وهذا قول عكرمة (١٧)، ومجاهد (١٨)، وابن جريج (١٩).\nوالراجح أن الوقت كان عند مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد. والله أعلم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٢ - ٤١٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٤٣٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٥): ص ٧/ ٤٠٩.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٠.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٠.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٠.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣٨.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٠.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥١٧): ص ٣/ ٨١٨.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٤٠٤، والنكت والعيون: ١/ ٤٣٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٦): ص ٧/ ٤١٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٣): ص ٧/ ٤٠٦ - ٤٠٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٥): ص ٧/ ٤٠٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٧): ص ٧/ ٤١٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٢٥٠): ص ٧/ ٤١٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٨): ص ٧/ ٤١١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٢٤٩): ص ٧/ ٤١١.","vol":"6","page":378},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، \"أي: وقال المؤمنون: الله كافينا وحافظنا ومتولي أمرنا ونعم الملجأ والنصير لمن توكل عليه جل وعلا\" (١).\nقال المراغي: \" أي قالوا معبرين عن صادق إيمانهم بالله: الله يكفينا ما يهمنا من أمر الذين جمعوا الجموع لنا، فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلتنا وكثرتهم، أو يلقى فى قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى الله الرعب فى قلب أبى سفيان وجيشه على كثرة عددهم وتوافر عددهم، فولوا مدبرين، وكان فى ذلك عزة لله ولرسوله وللمؤمنين\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله وتوكلا عليه: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، يعني: كفانا الله، ونعم المولى لمن وليَه وكفَله\" (٣).\nقال الثعلبي: \"وقوله: ﴿ونعم الوكيل﴾، أي: الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول.\nقال الواقدي: ﴿ونعم الوكيل﴾، أي: المانع، نظيره قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦]، أي مانعا، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].\nعن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم (﵇) حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» (٤) \" (٥).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة. وينقص حتى يدخل صاحبه النار» (٦)، وعن عمر ﵁: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: «قم بنا نزدد إيمانا» (٧). وعنه: «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به» (٨) \" (٩).\nوقال ابن عطية: \" وقوله تعالى: فزادهم إيمانا، أي ثبوتا واستعدادا، فزيادة الإيمان في هذا هي في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة: أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقص في متعلقاته دون ذاته، فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال: يزيد وينقص من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي ﷺ، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما يتصور الأنقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء: إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة في الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد: إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما هو بثبوت المعتقد وتعاوره دائبا، قال: وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي ﷺ\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٢) تفسير المراغي: ٤/ ١٣٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٠٥.\n(٤) السنن الكبرى: ٦/ ١٥٤، والجامع الصغير: ١/ ٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٤.\n(٦) انظر: بحار الأنوار: ٦٦/ ٢٠٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢١١.\n(٧) مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٣٦٦): ص ٦/ ١٦٤.\n(٨) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٥): ص ١/ ١٤٣.\n(٩) الكشاف: ١/ ٤٤٢.","vol":"6","page":379},{"text":"وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق والغافل غير متوال، يصحبه حينا ويفارقه حينا في الفترة، فذلك الآخر أكثر إيمانا، فهذه هي الزيادة والنقص وفي هذا القول نظر، وقوله تعالى: فزادهم إيمانا لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله ﷺ بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك أيضا أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله ﷺ: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا\" (١).\nالفوائد:\n١ - بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيمانا به.\n٢ - أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه، كما أنه وحده المتوكل عليه.\n٣ - الثناء على الله ﷿ لكونه وكيلا لعباده، أي: حسيبا لهم وعمدة لهم.\n٤ - إثبات اسم ﴿الوكيل﴾ لله، لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو، ومعناه: المتكفل بشؤون عباده، وليس معناه: القائم بالأمر نيابة عنهم.\n٥ - وفي الآية دليل على أن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا، فإن ازدياد اليقين بتناصر الحجج، وكثرة التأمل، مما لا ريب فيه.\nالقرآن\n﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٤]\nالتفسير:\nفرجعوا من «حمراء الأسد» إلى «المدينة» بنعمة من الله بالثواب الجزيل وبفضل منه بالمنزلة العالية، وقد ازدادوا إيمانًا ويقينًا، وأذلوا أعداء الله، وفازوا بالسلامة من القتل والقتال، واتبعوا رضوان الله بطاعتهم له ولرسوله. والله ذو إحسان وعطاء كثير واسع عليهم وعلى غيرهم.\nفي سبب نزول هذه الآية والتي بعدها:\nقال عكرمة: \" ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بدر الصغرى، وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول:\nونفرت ناقتي محمد من رفقتي ... وعجوة منثورة كالعنجد.\nفتلقاه أبو سفيان فقال: ويلك، ما تقول؟ فقال: محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى، فقال أبو سفيان: يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق، وأصابت رسول الله ﷺ شيئا من الأعراب وانقلبوا، قال عكرمة: ففيهم أنزلت هذه الآية: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، إلى قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾، الآية\" (٢).\nوفي السياق نفسه قال الواقدي: \" وفي قوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾، إلى قوله: ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، فإن أبا سفيان بن حرب وعد النبي ﷺ يوم أحد بدر الموعد الصفراء، على رأس الحول، فقيل لأبي سفيان: ألا توافي النبي؟ فبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة يثبط المسلمين، وجعل له عشرا من الإبل إن هو ردهم، ويقول إنهم قد جمعوا جموعا وقد جاءوكم في داركم، لا تخرجوا إليهم. حتى كاد ذلك يثبطهم أو بعضهم، فبلغ النبي ﷺ فقال: والذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدي، فأنهجت (٣) لهم بصائرهم، فخرجوا بتجارات وكان بدر موسما، ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾ في التجارة، يقول: اربحوا، ﴿لم يمسسهم سوء﴾ لم يلقوا قتالا، وأقاموا ثمانية أيام ثم انصرفوا\" (٤).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥١١): ص ٣/ ٨١٦.\n(٣) نهج الأمر وأنهج، إذا وضح. [النهاية: ٤/ ١٨٥].\n(٤) مغازي الواقدي: ١/ ٣٢٧.","vol":"6","page":380},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، \"أي: فرجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر والثواب\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: فرجعوا إلى المدينة ﴿بنعمة من الله وفضل﴾، يعني: الرزق، وذلك أنهم أصابوا سرية في الصفراء، وذلك في ذي القعدة\" (٢).\nعن أبي مالك قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله﴾، قال: لم يلقوا أحدا\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: رجعوا من حمراء الأسد بعافية وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، من وجههم الذي توجَّهوا فيه - وهو سيرهم في أثر عدوهم - إلى حمراء الأسد بعافية من ربهم، لم يلقوا بها عدوًّا، وأصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، الأجر الذي اكتسبوه\" (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى: فلم يخافوا ما خافوا، وصاروا إلى الموعد الذي وعدوا فيه، ﴿فانقلبوا بنعمة﴾، أي انقلبوا مؤمنين قد هرب منهم عدوهم، وقيل في التفسير إنهم أقاموا ثلاثا واشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه، وكل ذلك جائز، إلا أن إنقلابهم بالنعمة هي نعمة الإيمان والنصر على عدوهم\" (٦).\nقال مجاهد: \" والفضل: ما أصابوا من التجارة والأجر\" (٧).\nقال ابن جريج: \"ما أصابوا من البيع: ﴿نعمة من الله وفضل﴾، أصابوا عَفْوه وغِرَّته لا ينازعهم فيه أحد\" (٨).\nعن أسباط، عن السدي، قال: \"أعطي رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى - ببدر دراهم، ابتاعوا بها من موسم بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله: ﴿فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله﴾. أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، أي: \" لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى\" (١٠).\nقال عباس: قوله: ﴿وفضل لم يمسسهم سوء﴾، قال: لم يؤذهم أحد\" (١١).\nعن أبي مالك: \"قوله: ﴿لم يمسسهم سوء﴾، قال: لم يصبهم إلا خير\" (١٢).\nقال ابن جريج: \"وقوله: ﴿لم يمسسهم سوء﴾، قال: قتل\" (١٣). وروي عن السدي مثل ذلك (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، \"أي: ونالوا رضوان الله\" (١٥).\nعن ابن عباس: \" قوله: ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، فأطاعوا الله ورسوله، واتبعوا حاجتهم\" (١٦).\nقال ابن جريج: \" ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، قال: طاعة النبيّ ﷺ\" (١٧).\nقال مقاتل: \" يعني: رضى الله في الاستجابة لله﷿- وللرسولﷺ- في طلب المشركين\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٢٤): ص ٣/ ٨١٩.\n(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٤٦١.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٤. [بتصرف].\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٤٩٠.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٢٥١): ص ٧/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٢٥٢): ص ٧/ ٤١٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٢٥٥): ص ٧/ ٤١٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٤.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٢٩): ص ٣/ ٨١٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٢٨): ص ٣/ ٨١٩.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٢٥٢): ص ٧/ ٤١٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٥٥): ص ٧/ ٤١٥.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٣١): ص ٣/ ٨٢٠.\n(١٧) أخرجه الطبري (٨٢٥٢): ص ٧/ ٤١٥.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٦.","vol":"6","page":381},{"text":"قال الطبري: أي: \" أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم\" (١).\nقال القاسمي: \" أي: في طاعة رسوله بخروجهم وجراءتهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، \" أي: والله ذو إِحسان عظيم على العباد\" (٣).\nقال مقاتل: \" على أهل طاعته\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" والله ذو إحسان وطَوْل عليهم - بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم - بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه\" (٥).\nقال القاسمي: \" حيث تفضل عليهم بالعافية وما ذكر معها، وبالحفظ عن كل ما يسوؤهم. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿والله ذو فضل عظيم﴾، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم\" (٧).\nقال ابن عباس: \" أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد، ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ \" (٨).\nالفوائد:\n١ - فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول لما أصابهم من الثواب.\n٢ - أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كتب له أجر كامل، قال -ﷺ-: \"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا\" (٩).\n٣ - إثبات الرضا لله، والرضا من صفات الله الحقيقية.\n٤ - إثبات اتصاف الله ﷿ بالفضل العظيم في كميته، العظيم في كيفيته.\nالقرآن\n﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]\nالتفسير:\nإنَّما المثبِّط لكم في ذلك هو الشيطان جاءكم يخوِّفكم أنصاره، فلا تخافوا المشركين; لأنّهم ضعاف لا ناصر لهم، وخافوني بالإقبال على طاعتي إن كنتم مصدِّقين بي، ومتبعين رسولي.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، \"أي: إِنما ذلكم القائل ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم أولياءه وهم الكفار لترهبوهم\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي ذلك التخويف الذي كان فعل الشيطان، أي: هو قوله للمخوفين، يخوف أولياءه\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٤.\n(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٤٦١.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٤.\n(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٤٦١.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٢٥٣): ص ٧/ ٤١٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٢٥٤): ص ٧/ ٤١٥.\n(٩) رواه البخاري (٢٩٩٦).\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(١١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٤٩٠.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٢.","vol":"6","page":382},{"text":"قال الثعلبي: \" يعني: ذلك الذي قال لكم: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم، ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوف المؤمنين بالكافرين\" (١).\nقال الطبري: أي: \" إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين - أبي سفيان وأصحابه من قريش - لترهبوهم، وتجبنوا عنهم\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله ﷺ ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم يخوّف أولياءه، أي: يرهبكم بأوليائه\" (٣).\nقال الزمخشري: \"المعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان، و﴿يخوف أولياءه﴾: جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو ﴿الشيطان﴾ صفة لاسم الإشارة، و﴿يخوف﴾ الخبر. والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان، ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، بمعنى: إنما ذلكم قول الشيطان، أى قول إبليس لعنه الله ﴿يخوف أولياءه﴾، يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه، وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه»، وقوله: ﴿فلا تخافوهم﴾، وقيل: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله ﷺ. فإن قلت: فإلام رجع الضمير في فلا تخافوهم على هذا التفسير؟ قلت: إلى الناس في قوله: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ \" (٤).\nقال ابن عطية: \" والإشارة بـ ﴿ذلكم﴾ إلى جميع ما جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد\" (٥).\nقال ابن عباس: \" ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه\" (٦).\nوعن ابن عباس في رواية عطية العوفي: قال: \"فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ \" (٧). وروي عن عكرمة وإبراهيم النخعي نحو ذلك (٨).\nقال مجاهد: \" ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه﴾، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار\" (٩).\nوعن سالم الأفطس في قوله: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، قال: \"يخوفكم بأوليائه\" (١٠).\nوقال السدي: \": ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه\" (١١). وروي عن وأبي مالك نحو ذلك (١٢).\nفنستنتج بأنه في تخويف أولياء الشيطان أقوال:\nأحدها: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، وسالم الأفطس (١٦).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٦.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٢٥٩): ص ٧/ ٤١٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٤٣.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٥٤٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٢٥٨): ص ٧/ ٤١٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٢٥٧): ص ٧/ ٤١٦.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٢٦٠): ص ٧/ ٤١٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٢٦١): ص ٧/ ٤١٧.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٤): ص ٣/ ٨٢٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٢٥٨): ص ٧/ ٤١٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٥٧): ص ٧/ ٤١٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٥٦): ص ٧/ ٤١٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٢٦٠): ص ٧/ ٤١٦.","vol":"6","page":383},{"text":"والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن (١)، وابن عباس في رواية عطية العوفي (٢)، وعكرمة (٣)، وإبراهيم النخعي (٤).\nوالثالث: أنه يعظم أولياءه في صدوركم أو أعينكم لتخافوهم. وهذا قول السدي (٥)، وأبي مالك (٦).\nوالرابع: أنه يعني: المشركين يخوفهم المسلمين، وذلك يوم بدر. وهذا قول سعيد بن جبير (٧).\nوعن عطاء، عن ابن عباس: \" أنه كان يقرأ: ﴿إنما ذلك الشيطان يخوفكم أولياءه﴾ \" (٨).\nوفي قراءة ابن مسعود: ﴿يخوف الناس أولياءه﴾، وفي قراءة أبي بن كعب: ﴿يخوفكم بأوليائه﴾ (٩).\nقال الماتريدي: المعنى: \" يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١]: ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعا؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعا، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.\nويحتمل قوله: ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: بأوليائه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، \"أي: فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقًا أن تعصوا أمري فتهلكوا\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: لا تخافوا المشركين، إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا حقيقة لإيمانه\" (١٢).\nقال الثعلبي: أي: \" وخافون في ترك أمري، إن كنتم مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر\" (١٣).\nقال السمرقندي: أي: \" ﴿فلا تخافوهم﴾ في الخروج، ﴿وخافون﴾ في القعود، إن كنتم مصدقين\" (١٤).\nقال الماتريدي: \" أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿وخافونْ﴾ أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، أخبر أن ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وبالله العصمة\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ﴿فلا تخافوهم﴾ فتقعدوا عن القتال وتجبنوا، ﴿وخافون﴾ فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، يعنى: أن الإيمان يقتضى أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] \" (١٦).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٦١): ص ٧/ ٤١٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٤): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٦): ص ٣/ ٨٢١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٥.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٥.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٤٩٠. [بتصرف].\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٥.\n(١٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.\n(١٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٦.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٤٤٣.","vol":"6","page":384},{"text":"قال عباد بن منصور: \" سألت الحسن عن قوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان\" (١).\nقال النضر بن شميل: \"تفسير المؤمن: إنه آمن من عذاب الله\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتم مؤمنين، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي\" (٣).\nقال ابن كثير: أي: فإذا سوّل لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] \" (٤).\nالفوائد:\n١ - بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، إذ يرعبهم ويخوفهم بأوليائه.\n٢ - أن الشيطان يدافع عن أوليائه بل يهاجم بهم.\n٣ - أنه يجب على المؤمن أن لايخاف من اولياء الشيطان، لقوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.\n٤ - أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه، لقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾.\n٥ - أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان.\n٦ - أن الحوف من الله هو من مقتضيات الإيمان ومستلزماته، لقولهك ﴿إن كنتم مؤمنين﴾.\nالقرآن\n﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾ [آل عمران: ١٧٦]\nالتفسير:\nلا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة; لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال الكلبي: \"يعني به المنافقين ورؤساء اليهود، كتموا صفة محمد ﷺ في الكتاب فنزل: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر\" (٥).\nوالثاني: ويقال: \"إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا، شق ذلك على رسول الله ﷺ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون: إنهم أهل الكتاب، فلو كان قوله حقا لا تبعوه. فنزلت هذه الآية\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٣٩): ص ٣/ ٨٢١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤١): ص ٣/ ٨٢١.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٢.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.","vol":"6","page":385},{"text":"والثالث: ويقال: \"نزلت في مشركي قريش، لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون: لو كان قوله حقا لا تبعه أقرباؤه، فشق ذلك عليه فنزلت: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، \" أي: ولا تحزن ولا تتألم يا محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق\" (٣).\nقال مجاهد: \" هم الكافرون\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: المشركين يوم أحد\" (٥).\nقال مجاهد: \" يعني: أنهم المنافقون\" (٦). وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك (٧).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن عامر: \" ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾، قال: كان رجل من اليهود قتل رجلا من أهل بيته، فقالوا لحلفائه من المسلمين: سلوا محمدا، فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمر بالقتل لم نأته\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، يحتمل وجهين (٩):\nأحدهما: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله - ﷺ - فيقول الله لرسوله: ﴿ولا يحزنك﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.\nوالثاني: أن رسول الله - ﷺ - كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله – تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]؛ فيخرج قوله: ﴿ولا يحزنك﴾ مخرج تسكين الحزن، ودفعه عنه، والتسلي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]: هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - تعالى - لأم موسى - ﵇: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧].\nوقرأ نافع ﴿ولا يحزنك﴾، بضم الياء، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان (١٠).\nوقرأ طلحة بن مصرف: ﴿يسرعون﴾ (١١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، \" أي: إِنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئًا وإِنما يضرون أنفسهم\" (١٢).\nقال مجاهد: \"هم المنافقون\" (١٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي المنافقون إنهم لن يضروا الله شيئا\" (١٤).\nقال الواحدي: \" وهم المنافقون واليهود والمشركون\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤٣): ص ٣/ ٨٢١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٢٦٢): ص ٧/ ٤١٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٢٦٣): ص ٧/ ٤١٩.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٤٤): ص ٣/ ٨٢٢.\n(٩) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٦.\n(١٠) انظر: الحجة للقراء السبعة: ١٨١.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٥.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤٥): ص ٣/ ٨٢٢.\n(١٤) سيرة ابن هشام: ٢/ ١٢١.\n(١٥) الوجيز: ٢٤٣.","vol":"6","page":386},{"text":"قال مقاتل: \" يقول: لن ينقصوا الله شيئا من ملكه وسلطانه لمسارعتهم في الكفر، إنما يضرون أنفسهم بذلك\" (١).\nقال الطبري: أي: \" فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته\" (٢).\nقال السمرقندي: \" أي: لا ينقصوا من ملك الله شيئا وسلطانه شيئا بكفرهم وهذا كما روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال الله لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملك الله شيئا ولو كان أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص من ملك الله جناح بعوضة» (٣) \" (٤).\nقال الزمخشري: \" يسارعون في الكفر يقعون فيه سريعا ويرغبون فيه أشد رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل: هم قوم ارتدوا عن الإسلام.\nفإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ولا يحزنك﴾؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن أن يضروك ويعينوا عليك. ألا ترى إلى قوله: ﴿إنهم لن يضروا الله شيئا﴾، يعنى أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائدا على غيرهم\" (٥).\nقال الراغب: \" كما نهى تعالى عن الخوف مما يتوقع من حزب الشيطان، نهى عن\nالحزن على ما يفوته منهم، ووصف الكفار بالمسارعة في الكفر، كما وصف المؤمنين بالمسارعة في الإيمان، فقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وحقيقة المسارعة في ذلك أن يترقى الإنسان فيما يتحراه منزلة فمنزلة، خيرا كان أو شرا، فيتعوده فيتقوى به على المنزلة الثانية، لأن الشر حاصل بعضه عن بعض، وحامل بعضه بعضا، وكذا الخير، وعلى هذا قال أمير المؤمنين: تبدو نكتة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازداد البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق يبدو نكتة سوداء، كلما ازداد النفاق ازداد السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله، وبين أن لا يعود إلى الله من مسارعتهم في الكفر مضرة، كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] \" (٦).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وجهين (٧):\nأحدهما: أي: لن يضروا أولياء الله - ﷿ - إنما ضرر ذلك عليهم، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].\nوالثاني: ويحتمل: ﴿لن يضروا الله شيئا﴾؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، \" أي: يريد تعالى بحكمته ومشيئته ألاّ يجعل لهم نصيبًا من الثواب في الآخرة\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني نصيبا في الجنة\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه\" (١٠).\nقال ابن إسحاق: \" ﴿يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة﴾، أن يُحبط أعمالهم\" (١١).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٨.\n(٣) المستدرك على الصحيحين (٧٦٠٦): ص ٤/ ٢٦٩، ومسند البزاز (٤٠٥٣): ص ٩/ ٤٤١، والسنن الكبرى للبيهقي (١١٥٠٣): ص ٦/ ١٥٤.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٤٣.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٩٦ - ٩٩٨.\n(٧) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٩.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٢٦٤): ص ٧/ ٤١٩.","vol":"6","page":387},{"text":"وعن ابن عباس: \" ﴿عذاب﴾، يقول: نكال\" (١).\nقال الماتريدي: أي: \" أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظا؛ والمعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله - تعالى - أنهم لا يؤمنون أبدا؛ فأراد ألا يجعل لهم حطا في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة: بأنه أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، \"أي: ولهم فوق الحرمان من الثواب عذاب عظيم في نار جهنم \" (٣).\nعن مقاتل بن حيان: \" ﴿عظيم﴾، يعني: عذابا وافرا\" (٤).\nقال الطبري: \" ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار\" (٥).\nقال الماتريدي: \" وذكر مرة: ﴿أليم﴾، ومرة: ﴿شديد﴾؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك\" (٦).\nالفوائد:\n١ - تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر.\n٢ - حرص النبيﷺ- على هداية الخلق، لأنه يحزنه هؤلاء الذين يسارعون في الكفر، وبيان ما يلحق النبيﷺ- من الهمّ ومن الحزن لعدم إسلام الأمة، وذلك لمحبته للخير -ﷺ-.\n٣ - بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل كما في فعل هؤلاء، يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك.\n٤ - بيان غنى الله ﷿، وانتفاء الضرر عن الله وأنه لاتضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين.\n٥ - إثبات الإرادة لله ﷿، لقوله: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظّا في الآخرة﴾.\n٦ - أنه لاحظّ للكافر في الآخرة، لأنه مخلد في النار.\n٧ - ومنها أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لايمنعه من الحظ في الدنيا.\n٨ - إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له.\n٩ - إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار، فليس حظهم ألا يجدوا حظا في الآخرة فقط، بل مع ذلك يعذبون-نسأل الله العافية-.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ [آل عمران: ١٧٧]\nالتفسير:\nإن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا، بل ضرر فِعْلِهم يعود على أنفسهم، ولهم في الآخرة عذاب موجع.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤٧): ص ٣/ ٨٢٢.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤٨): ص ٣/ ٨٢٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤١٩.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٧.","vol":"6","page":388},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٧٧]، \" أي: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان\" (١).\nقال قتادة: \" أي: استحبوا الضلالة على الهدى\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي المنافقين\" (٣). وروي عن مجاهد مثل ذلك (٤).\nقال مقاتل: \" يعني باعوا الإيمان بالكفر\" (٥).\nقال المظهري: \" يعنى استبدلوا الكفر بالايمان وهم اهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ قبل مجيئه فاذا جاء بالبينات اختاروا الكفر وتركوا الايمان حرصا على الدنيا وعناد\" (٦).\nقال المراغي: \" أي إن الذين أخذوا الكفر بدلا من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضا عما تركوا\" (٧).\nقال الواقدي: \" يقول: استحبوا الكفر على الإيمان\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان\" (٩).\nقال أبو الفداء: \" اى أخذوه بد لا منه رغبة فيما أخذوه وإعراضا عما تركوه\" (١٠).\nقال الفخر: \" إعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين، وحمل هذه الآية على اليهود، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم، أنهم كانوا يعرفون النبي ﷺ ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الإيمان، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٧]، أي: \"لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني: لن ينقصوا الله من ملكه وسلطانه شيئا حين باعوا الإيمان بالكفر إنما ضروا أنفسهم بذلك\" (١٣).\nقال الطبري: \" لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: ولكن يضرون أنفسهم\" (١٥).\nقال الواحدي: \" كرَّر ﴿لن يضروا الله شيئًا﴾، لأنه ذكرن في الأول على طريق العلة لما يجب من التَّسلية عن المسارعة إلى الضَّلالة وذكره في الثاني على طريق العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي\" (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤٩): ص ٣/ ٨٢٢.\n(٣) تفسير ابن المنذر (١٢٠٩): ص ٢/ ٥٠٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٥٠): ص ٣/ ٨٢٣.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(٦) تفسير المظهري: ٢ ق/١٨٣.\n(٧) تفسير المراغي: ٤/ ١٤٠.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٠.\n(١٠) روح البيان: ٢/ ١٢٩.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٣٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٠.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٣.\n(١٦) الوجيز: ٢٤٥.","vol":"6","page":389},{"text":"قال السعدي: \" وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟ ! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا﴾ الآيات\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧]، أي: \"ولهم عذاب مؤلم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعنى وجيع\" (٣).\nقال أبو العالية: \" الأليم: الموجع في القرآن كله\" (٤)، وروي عن سعيد بن جبير، وأبي مالك، والضحاك، وقتادة، وأبي عمران الجوني، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٥).\nقال أبو الفداء: \" ولما جرت العادة باغتباط المشترى بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالايلام مراعاة لذلك\" (٦).\nوفي تكرار قوله تعالى: ﴿لن يضروا الله شيئًا﴾ في الآيتين: [آل عمران: ١٧٦ - ١٧٧]، أمور (٧):\nأحدها: أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا، ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على إلحاق الضرر بالغير.\nوثانيها: أن أمر الدين أهم الأمور وأعظمها، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم.\nوثالثها: أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدين، لا بناء على الشبهات، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا، ومن كان عقله هذا القدر، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله أعلم بمراده.\nالفوائد:\n١ - بيان شدة رغبة الكفار في الكفر، لأنهم اشتروا الكفر اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذون الكفر عن رغبة.\n٢ - بيان خسران هؤلاء إذ أخذوا الكفر بدلا من الإيمان/ وهي أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعا طيبة به نفسه والعياذ بالله.\n٣ - بيان كما الله ﷿، وأنه لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائعين.\n٤ - كمال سلطان الله إذ إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لن يضروا الله شيئا، مع ان المعروف ان الملك كلما قلّت جنوده ضعف قوته إلا الله ﷿ فإنه لايضره شيء.\n٥ - عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم.\nالقرآن\n﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٥٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٤٤٥١): ص ٣/ ٨٢٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٤٥١): ص ٣/ ٨٢٣.\n(٦) روح البيان: ٢/ ١٢٩.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٣٧ - ٤٣٨.","vol":"6","page":390},{"text":"ولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم، ومتعناهم بمُتع الدنيا، ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم، أنهم قد نالوا بذلك خيرًا لأنفسهم، إنما نؤخر عذابهم وآجالهم; ليزدادوا ظلمًا وطغيانًا، ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال الثعلبي: \" نزلت هذه الآية في مشركي قريش (١).\nوالثاني: ونقل الثعلبي عن مقاتل: \"قال عطاء: في قريظة والنضير\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، \"أي: لا يظنَّن الكافرون أن إِمهالنا بدون أجزاء وعذاب، وإِطالتنا لأعمارهم خير لهم\" (٣).\nقال مقاتل: يعني: \" أبا سفيان وأصحابه يوم أحد حين ظفروا\" (٤).\nقال الواقدي: \" يقول: ما يصح أبدانهم، ويرزقهم ويريهم الدولة على عدوهم\" (٥).\nقال السدي: \" ثم ذكر إظهار المشركين فقال: ﴿لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم﴾ \" (٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: لا يظن الكفار أن الذي نملي لهم ونمهلهم خير لهم، ويقال: ما نعطيهم من المال والولد لا يظنن أن ذلك خير لهم في الآخرة، بل هو شر لهم في الآخرة\" (٧).\nقال الزجاج: \" معني ﴿نملي لهم﴾: نؤخرهم، وهؤلاء قوم أعلم الله النبي - ﷺ - أنهم لا يؤمنون أبدا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرا وإثما\" (٨).\nقال الزمخشري: \" والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.\nوقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم. والمعنى: ولا تحسبن أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم\" (٩).\nقال أبو عبيدة: ﴿نُمْلِي﴾، \" من الإملاء ومن الإطالة، ومنها قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أي: دهرا، وتمليت حبيبك، والملوان: النهار والليل كما ترى، قال ابن مقبل (١٠):\nألا يا ديار الحىّ بالسّبعان ... أملّ عليها بالبلى الملوان\nيعنى الليل والنهار، و«أمّل عليها بالبلى»: أي رجع عليها حتى أبلاها، أي طال عليه\" (١١).\nوفي ﴿ما﴾ من قوله تعالى ﴿أنما نملي لهم﴾، وجهان: أن تكون مصدرية أو موصولة، حذف عائدها. أي إملاؤنا لهم أو الذي نمليه لهم، وكان حق ﴿ما﴾ في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة، ولكنها وقعت في الإمام متصلة، فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف (١٢).\nوقرئت: ﴿ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي﴾ (١٣).\nوقرأ ابن عامر وعاصم: ﴿لا يحسبن﴾، بالياء ونصب السين. وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٦.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(٥) المغازي: ١/ ٣٢٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٥٤): ص ٣/ ٨٢٣.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٧.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٩١.\n(٩) الكشاف: ١/ ٤٤٤.\n(١٠) ابن مقبل هو تميم بن أبى بن مقبل، شاعر مخضرم، انظر ترجمته فى الإصابة رقم ٨٦٢، والخزانة ١/ ١١٣. - والبيت فى الكتاب ٢/ ٣٥١ - وإصلاح المنطق ٤٣٦ وتهذيب الألفاظ ٥٠٠ والطبري ٤/ ١٢٣ والسمط ٥٣٣ والروض ١/ ٢٦ والاقتضاب ٤٧٢ والشنتمرى ٢/ ٣٢٢ واللسان (سبع) والعيني ٤/ ٤٥٤، ٥٧٩ والخزانة ٢/ ٢٧٥. ونسبه الحصرى فى زهر الآداب (٤/ ٦٨) إلى أعرابى من بنى عقيل، وياقوت فى معجم البلدان إليه فى قول، وإلى ابن أحمر فى قول آخر ٣/ ٣٣. - والسبعان:\nبفتح أوله وضم ثانيه، وآخره نون متصل من تثنية السبع، قال ياقوت: قال أبو منصور هو موضع معروف فى ديار قيس نصر، السبعان: جبل قبل فلج وقيل واد شمالى سلم عنده جبل يقال له العبد.\n(١١) مجاز القرآن: ١/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(١٢) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٤٦٤.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩١.\n(١٤) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٣/ ١٠٩، وتفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٧.","vol":"6","page":391},{"text":"فمن قرأ بالياء فـ ﴿الذين﴾ في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم (١)، ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو\" على التكرير: لا تحسبنهم لا تحسبن أنما نملي لهم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨]، على التكرير: هل ينظرون إلا أن تأتيهم\" (٢).\nوقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين، كقول الشاعر (٣):\nفما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما\nفرفع (هلك) على البدل، من الأول (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، \" أي: إِنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" فإنما أبقيناهم إلى وقت آجالهم ليزدادوا إثما وقد قيل فى الحديث: «الموت خير للمؤمن للنّجاة من الفتنة، والموت خير للكافر لئلا يزداد إثما» (٦) \" (٧).\nقال السمرقندي: \" أي: نعطي لهم المال والولد، يهانون به من العذاب.\nويقال: إنما نملي لهم، أي بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم، وإنما كان ليزدادوا عقوبة.\nويقال: إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثما، أي جرأة على المعاصي. وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم\" (٨).\nقال عبد الله بن مسعود: \"ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان فاجرا، لقد قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، \" أي: ولهم في الآخرة عذاب يهينهم\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني الهوان\" (١١).\nقال القاسمي: \" في قوله تعالى: ﴿مهين﴾ سر لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر، وصف عذابهم بالإهانة، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - أنه يجب على الانسان ان لا يظن أن إمهال الله له خيرا له، تؤخذ من النهي، فإن الأصل في النهي التحريم، فلايجوز للإنسان ان يغتر بإمهال الله له.\n٢ - أنه تعالى بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترا وهو متجاوز لحدوده ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال -ﷺ-: \"إت الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٦.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٤٨.\n(٣) لم أتعرف على قائله، وهو من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٣/ ٢١٦، وتفسير القرطبي: ٣/ ٤٤، البداية والنهاية: ٨/ ٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(٦) لم أجده بهذا النص، وإنما جاء: \"اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة،\nويكره قلَّة المال، وقلة المال أقل للحساب\". [رواه أحمد، السلسلة الصحيحة ٨١٣، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٥٧، وقال: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح].\n(٧) مجاز القرآن: ١/ ١٠٩.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٤٩١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٥٥): ص ٣/ ٨٢٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٤.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٧.\n(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ٤٦٤.\n(١٣) رواه البخاري (٤٦٨٦).","vol":"6","page":392},{"text":"٣ - أنه يجب على الإنسان ان يعتبر في عمره هل امضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، أو امضاه في معصية الله، والله تعالى يدرّ عليه النعم فليعلم أن هذا استدراج.\n٤ - الإشارة أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ويقول: إن الله لم ينعم عليّ إلا لأنني أهل لها، كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].\n٥ - إثبات زيادة الآثام، لقوله: ﴿ليزدادوا إثما﴾، فتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان، لأنه إذا ازداد إثما فما نقص عن الإثم كان على زيادة في الإيمان، ولهذا قال أهل السصنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\n٦ - إثبات العقوبة المذلة لهؤلاء.\n٧ - أن الجزاء من جنس العمل، لأن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلّهم الله.\nالقرآن\n﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩]\nالتفسير:\nما كان الله ليَدَعَكم أيها المصدقون بالله ورسوله العاملون بشرعه على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، فيُعرف المنافق من المؤمن الصادق. وما كان مِن حكمة الله أن يطلعكم -أيها المؤمنون- على الغيب الذي يعلمه من عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق، ولكنه يميزهم بالمحن والابتلاء، غير أن الله تعالى يصطفي من رسله مَن يشاء؛ ليطلعه على بعض علم الغيب بوحي منه، فآمنوا بالله ورسوله، وإن تؤمنوا إيمانًا صادقًا وتتقوا ربكم بطاعته، فلكم أجر عظيم عند الله.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: نقل الواحدي والثعلبي (١) عن السدي: \"قال رسول الله - ﷺ - \"عرضت علي أمتي في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن لي ومن يكفر\"، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزأوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٢). ونقله ابن حجر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣).\nوفي السياق نفسه قال مقاتل: \" وذلك أن الكفار قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن منا، ومن يكفر. فأنزل الله﷿-: ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ \" (٤).\nوالثاني: نقل الواحدي والثعلبي (٥) عن الكلبي: \"قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٦).\nوالثالث: نقل الواحدي والثعلبي (٧) عن أبي العالية: \" سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن والمنافق، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٧. وفيه زيادة: \" فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال القوم حملوني وطعنوا في حلمي، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم».\nفقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «حذافة»، فقام عمر ابن الخطاب (﵁) فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك.\nفقال النبي ﷺ: «فهل أنتم منتهون ...، فهل أنتم منتهون؟» ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية\". وانظر: مصنف بن أبي شيبة: ٨/ ٦٩٨.\n(٢) أسباب النزول: ١٣٢.\n(٣) انظر: العجاب: ٢/ ٧٩٩.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٨.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٧.\n(٦) أسباب النزول: ١٣٢.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٨.\n(٨) أسباب النزول: ١٣٢.","vol":"6","page":393},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، أي: \" وما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، حتى يميز الخبيث وهو المنافق المستسرُّ للكفر، من الطيب وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان، بالمحن والاختبار\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لا بُد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يُعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ، وهتك به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونُكُولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ ولهذا قال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ \" (٢).\nقال مجاهد: \" ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن\" (٣).\nقال ابن جريج: \" يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب، قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن\" (٤).\nوقال قتادة: \" ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾، يعني الكفار. يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: حتى يميز الخبيث من الطيب، يميز بينهم في الجهاد والهجرة\" (٥). وروي عن السدي نحو ذلك (٦).\nواختلف أهل التأويل في الخبيث الذي عنى الله بهذه الآية على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه المنافق، وهو قول مجاهد (٧)، وابن جريج (٨)، ومحمد بن إسحاق (٩).\nوالثاني: أنه الكافر، وهو قول قتادة (١٠)، والسدي (١١).\nوالثالث: أنه المذنب، والمعنى: \" حتى يميز الخبيث وهو المذنب، من الطيب وهو المؤمن، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة\". حكاه الثعلبي عن البعض (١٢).\nوالقول الأول أولى، لأن الآيات التي قبلها في سياق المنافقين. والله أعلم.\nواختلفوا في الذي وقع به التمييز على قولين (١٣):\nأحدهما: بتكليف الجهاد، وهذا قول من تأوّل الخبيث بالمنافق.\nوالثاني: بالدلائل التي يستدل بها عليهم وهذا قول من تأوله للكافر.\nوفي توجيه الخطاب في هذه الآية قولان (١٤):\nأحدهما: أن الخطاب للكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب.\nقال الثعلبي: \"وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين\" (١٥).\nوالثاني: أن الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، حتى يميز الخبيث من الطيب.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٣.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٢٦٨): ص ٧/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٢٦٩): ص ٧/ ٤٢٥.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٢٧١): ص ٧/ ٤٢٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٣): ص ٧/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٢٦٨): ص ٧/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٢٦٩): ص ٧/ ٤٢٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٠): ص ٧/ ٤٢٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧١): ص ٧/ ٤٢٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٣): ص ٧/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٩.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣٩.\n(١٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٨.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٨.","vol":"6","page":394},{"text":"قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل المعاني\" (١).\nوعلى القول الثاني فإن الخطاب يكون فيه التفات، إذ رجع من الخبر إلى الخطاب، كقوله تعالى: ﴿وحَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ َوَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم، ومنه قول أبي كبير الهُذَلي (٢):\nيَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ\nومنه قول لبيد بن ربيعة (٣):\nبَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً ... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا\nإذ رجع من الغيبة إلى أسلوب المخاطب، والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى.\nقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، واختلفوا في فتح الياء وضمها والتخفيف والتشديد من قوله ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ ١٧٩ و﴿ليميز الله﴾ الأنفال ٣٧\nوقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾، ووكذلك التي في الأنفال: ﴿ليميز الله﴾ [الأنفال: ٣٧]، وقرأ حمزة والكسائي ﴿حتى يُميّز﴾، و﴿ليُميّز﴾ [الأنفال: ٣٧] بضم الياء والتشديد (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، أي: \" وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: أنتم لا تعلمون غيبَ الله في خلقه حتى يُميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك\" (٧).\nولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وجهان:\nأحدهما: أن المعنى: وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا. قاله السدي (٨).\nوالثاني: أن المراد: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه. وهذا قول محمد بن إسحاق (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، \" أي: ولكن الله يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء﴾، يعلمه\" (١٢).\nعن مجاهد في قوله: \" ﴿ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾، قال: يخلصهم لنفسه\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \" ولكن الله يجتبي يختار من رسله من يشاء بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ... وروى\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٨.\n(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٠١، وقوله \"جدة\" يعني شبابه الجديد. والجدة: نقيض البلى. والتراب الأعفر: الأبيض، قل أن يطأه الناس لجدبه. وخالد: صديق له من قومه، يرثيه.\n(٤) انظر: السبعة: ٢٢٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٩.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٤): ص ٧/ ٤٢٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٥): ص ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٢٢٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٢٧٥): ص ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٢٧٦): ص ٧/ ٤٢٦.","vol":"6","page":395},{"text":"الفضل بن موسى عن رجل قد سماه قال: كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدهن وقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضا فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك؟ قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيبا ولا يعلم الغيب إلا الله\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، \" أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، أي: \" وإن تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم وتتقوا ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد ﷺ وفيما نهاكم عنه فلكم ثوابٌ عظيم \" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ترجعوا وتتوبوا فلكم أجر عظيم \" (٤).\nالفوائد:\n١ - أنه تعالى لابدّ ان يميّز الخبيث من الطيب، وذلك بالوحي في عهد النبوة، أو بالقرائن في غير عهد النبوة، لأن القرائن قد تبيّن الخبيث من الطيب بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل فيتبيّن لنا خبثه من طيبه.\n٢ - بيان رحمة الله ﷿ بعباده إذ لايتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض، بل لابد من ميز هذا عن هذا.\n٣ - بيان حكمة الله في أفعاله وشرعه.\n٤ - انقسام الناس إلى خبيث وطيب.\n٥ - ان من ادّعى علم الغيب فهو كاذب، والمراد بالغيب ما غاب غيبا مطلقا وذلك كالذي يكون في المستقبل، وهذا لا يعلمه إلا الله، أما الشيء الحاضر ولكنه غاب من أناس دون أناس فهذا قد يطّلع عليه الإنسان، وإن لم يشاهده بخبر الجن يسيحون في الأرض يذهبون شمالا ويمينا، وهم سريعو التصرف فربما يسعون في الأرض ثم يخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراض بعيدة فيكون هذا غيبا إضافيا، أي بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبا عندهم، أما البعيدون عنه فإنه غيب عندهم، ويقال: المغيب النسبي.\n٦ - أن الله قد يطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل.\n٧ - أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، فهم الصفوة، كما قال: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧].\n٨ - إثبات المشيئة لله ﷿، وكل شيء علّقه الله بالمشية فإنه مقرون بالحكمة.\n٩ - وجوب الإيمان بالله ورسله عموما.\n١٠ - فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الاجر العظيم.\n١١ - بيان منّة الله على العباد، إذ جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المقرر لهم.\n١٢ - إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل.\nالقرآن\n﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٧. [بتصرف].\n(٤) أخرجه الطبري (٨٢٧٧): ص ٧/ ٤٢٨.","vol":"6","page":396},{"text":"ولا يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله به عليهم تفضلا منه أن هذا البخل خير لهم، بل هو شرٌّ لهم; لأن هذا المال الذي جمعوه سيكون طوقًا من نار يوضع في أعناقهم يوم القيامة. والله ﷾ هو مالك الملك، وهو الباقي بعد فناء جميع خلقه، وهو خبير بأعمالكم جميعها، وسيجازي كلا على قدر استحقاقه.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١) عن السدي: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم﴾، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدُّوا زكاتها\" (٢). وروي عن الحسن نحو ذلك (٣). واختاره الطبري (٤).\nوالثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن ابن عباس: \" قوله: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله إلى سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾، يعني: بذلك أهل الكتاب، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس\" (٦).\nوذكره الثعلبي عنه بلفظ: \" أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي أتاهم الله\" (٧).\nوروي عن مجاهد: \" هم يهود، إلى قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٤] \" (٨).\nواختاره الزجاج فقال: \" هذا يعني به علماء إليهود الذين بخلوا بما آتاهم الله من علم نبوة\nالنبي - ﷺ - ومشاقته وعداوته\" (٩).\nوالثالث: وقيل: فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد. نقله الحافظ (١٠).\nوالرابع: وقيل: فيمن بخل على العيال وذي الرحم المحتاج. نقله الحافظ (١١).\nوالراجح هو القول الأول، قال الواحدي: \" أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة\" (١٢)، وقال ابن كثير: \" والصحيح الأول، وإن دخل هذا [أي القول الثاني] في معناه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، \" أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه\" (١٤).\nقال السمرقندي: \" أي بما أعطاهم الله من المال، يبخلون ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام، فلا يظنوا أن ذلك هو خيرا لهم\" (١٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ وما بعده في الأربعة مواضع (١٦) يقرأن بالياء والتاء (١٧).\nقال الزمخشري: \" من قرأ بالتاء قدر مضافا محذوفا، أى: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم. وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول الله، أو ضمير أحد. ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٧٧): ص ٣/ ٨٢٦.\n(٢) تفسير الطبري (٨٢٧٧): ص ٧/ ٤٣٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٧٦): ص ٣/ ٨٢٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٤٣٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٧٥): ص ٣/ ٨٢٦.\n(٦) تفسير الطبري (٨٢٩٧): ص ٧/ ٤٣٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢١.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٢٨٠): ص ٧/ ٤٣٢.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٩٢.\n(١٠) انظر: الفتح: ٨/ ٢٣٠.\n(١١) انظر: الفتح: ٨/ ٢٣٠.\n(١٢) أسباب النزول: ١٣٢.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٤.\n(١٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٩.\n(١٦) انظر: الآيات: ١٦٩، ١٨٠، ١٨٨، من سورة آل عمران.\n(١٧) انظر: السبعة: ٢٢٠، والحجة: ١١٦.","vol":"6","page":397},{"text":"المفعول الأول عنده محذوفا تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم والذي سوغ حذفه دلالة (يبخلون) عليه، وهو فصل. وقرأ الأغمش بغير ﴿هو﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، \" أي: ليس كما يظنون بل ذلك البخلُ شرٌّ لهم\" (٢).\nقال ابن كثير: أي: \"بل هو مَضّرة عليه في دينه - وربما كان - في دنياه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، \" أي: سيجعل الله ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم يعذبون به يوم القيامة\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق. وفي أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم\" (٦).\nقال الزمخشري: \" أى: وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله. ونحوه قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ﴾ [الحديد: ٧] \" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أربعة اوجه من التفسير:\nأحدها: أن الذي يطوَّقونه شجاع أقرع (٨)، وهذا قول ابن مسعود (٩)، وأبي مالك العبدي (١٠)، والسدي (١١)، وأبو وائل (١٢)،\nوالثاني: أنه طوق من النار يجعلونه في أعناقهم، وهذا قول إبراهيم (١٣).\nوالثالث: أن المعنى: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد ﷺ من أحبار اليهود، ما كتموا من ذلك. وهذا قول ابن عباس (١٤).\nوالرابع: أن المعنى: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من أموالهم. وهذا قول مجاهد (١٥).\nأخرج البخاري عن أبي هُريرة قال: \"قال رسول الله ﷺ: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدقَيْه - يقول: أنا مَالُكَ، أنا كَنزكَ»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية\" (١٦).\nوأخرج أحمد عن ابن عمَر، عن النبي ﷺ قال: \"إن الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثِّلُ اللهُ لَهُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبتَان، ثم يُلْزِمهُ يطَوّقه، يَقُول: أنَا كَنزكَ، أنَا كَنزكَ\" (١٧).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٤٤٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٢٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٣٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤٤٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٤٤٦.\n(٨) الشجاع: الحية الذكر، وهو ضرب من الحيات خبيث مارد. وأقرع صفة من صفات الحيات الخبيثة، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية، وكثر سمه، جمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٢٨٥): ص ٧/ ٤٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٢٨١): ص ٧/ ٤٣٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٠): ص ٧/ ٤٣٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩١): ص ٧/ ٤٣٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٣) - (٨٢٩٦): ص ٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٧): ص ٧/ ٤٣٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٨): ص ٧/ ٤٣٩.\n(١٦) صحيح البخاري برقم (١٤٠٣، ٤٥٦٥).\n(١٧) المسند (٢/ ٩٨) وسنن النسائي (٥/ ٣٨).","vol":"6","page":398},{"text":"وأخرج أحمد أيضا عن عبد الله، عن النبي ﷺ؛ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرّ منه وهو يَتْبَعُه فَيقُولُ: أنَا كَنْ». ثُمَّ قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ \" (١).\nوأخرج أبو يعلى عن ثوبان، عن النبي ﷺ؛ قال: \" مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنزا مُثِّلَ لَهُ شُجُاعًا أَقْرَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ زَبِيبَتَان، يَتْبَعُه ويَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَيْلَكَ. فيقُولُ: أنَا كَنزكَ الَّذِي خَلَّفتَ بَعْدَكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُه حَتَّى يُلْقِمَه يَدَه فَيقْضِمَها، ثم يَتْبَعه سَائِر جَسَ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، \"أي: جميع ما في الكون ملك له يعود إِليه بعد فناء خلقه\" (٣).\nقال الطبري: \"أي: بعد ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي الله يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما، ليس لأحد فيهما ملك فخوطب\nالقوم بما يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له\" (٥).\nقال ابن عطية: \" وقوله تعالى: ﴿ولله ميراث السماوات﴾، خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلا الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل\" (٦).\nوإن قال قائل: \"فما معنى قوله: له ميراث السموات والأرض، والميراث المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟\nقيل: إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: ولله ميراث السموات والأرض، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره\" (٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق، ويبقى رب العالمين ثم يقول: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦]. فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول: ﴿لله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩ وغيرها] فذلك قوله تعالى: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾، يعني: يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك. وإنما سمي ميراثا على وجه المجاز، لأن القرآن بلغة العرب، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثا على وجه المجاز، وأما في الحقيقة فليس بميراث، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل، والله ﷿ مالكهما، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا\" (٨).\n_________\n(١) المسند (١/ ٣٧٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٢) وسنن النسائي (٥/ ١١) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٨٤) والمستدرك (٢/ ٢٩٨).\n(٢) عزاه إلى أبي يعلى في المطالب العالية الحافظ ابن حجر (١/ ٢٥٤) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٢٥٥) وابن حبان في صحيحه برقم (٨٠٣) \"موارد\"والبزار في مسنده (١/ ٤١٨) \"كشف الأستار\" والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٩١) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٣٨) وقال: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. وقال البزار: \"إسناده حسن\". وقال ابن كثير: \" إسناده جيد قوي ولم يخرجوه\". [تفسير ابن كثير:\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٢٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤١.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٩٣.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٥٤٧.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٠ - ٤٤١.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٩.","vol":"6","page":399},{"text":"أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، عن ابن عباس قال: \"قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله السموات كلهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: \"والله مطلع على أعمالكم\" (٢).\nعن سعيد بن جبير: \" ﴿والله بما تعملون﴾، يعني: بما يكون\" (٣).\nقال قتادة: \" قوله: ﴿خبير﴾ قال: خبير بخلقه\" (٤).\nقال السمرقندي: \" ثم قال تعالى: والله بما تعملون خبير أي عالم بمن يؤدي الزكاة وبمن يمنعها، فيجازي كل نفس بما عملت\" (٥).\nقال الطبري: \" أخبر تعالى ذكره أنه بما يعلم هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه، المحسنَ بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره\" (٦).\nقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿والله بما يعملون خبير﴾، بالياء، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿والله بما تعملون خبير﴾ بالتاء (٧).\nقال الزمخشري: \" وقرئ ﴿: بما تعملون﴾ بالتاء، فالتاء على طريقة الالتفات، وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر\" (٨).\nالفوائد:\n١ - تهديد من بخل بما آتاه الله من فضله، والبخل المتوعد عليه هو منع الواجب من المال.\n٢ - أن الشيطان قد يغر الإنسان فيقول: لاتنفق فيهلك مالك، والله يحذرنا من هذا الشيطان.\n٣ - إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا.\n٤ - أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد، فإنه من الله ﷿، وأنه من فضله وحده.\n٥ - إثبات الجزاء، وإثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، وهي انهم يطوّقون به يوم القيامة.\n٦ - إقامة الحجة بأن البخل ليس بنافع أصحابه، لأن بخلهم لن يخلدهم في الدنيا، ولن يخلد المال لهم، بل ينتقل إلى ورثتهم حتى ينتهي الأمر إلى الله ﷿.\n٧ - إثبات علم الله ﷿، لقوله: ﴿والله بما تعملون خبير﴾، والخبرة: هي العلم ببواطن الامور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب اولى.\n٨ - الإشارة إلى اسم الله\"الآخر\"، فإن الله هو الأول والآخر، من قوله: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾، فإذا ثبت إرثه لهما لزم منه أن يكون هو الآخر ﷿.\nالقرآن\n﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]\nالتفسير:\nلقد سمع الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير إلينا يطلب منا أن نقرضه أموالا ونحن أغنياء. سنكتب هذا القول الذي قالوه، وسنكتب أنهم راضون بما كان مِن قَتْل آبائهم لأنبياء الله ظلمًا وعدوانًا، وسوف نؤاخذهم بذلك في الآخرة، ونقول لهم وهم في النار يعذبون: ذوقوا عذاب النار المحرقة.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٨٥): ص ٣/ ٨٢٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٨٦): ص ٣/ ٨٢٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٨٧): ص ٣/ ٨٢٨.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤١.\n(٧) انظر: السبعة: ٢٢٠.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٤٦.","vol":"6","page":400},{"text":"أحدها: أخرج الطبري وابن المنذر (١)، وابن أبي حاتم (٢) عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: \"أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المِدْراس، فوجد من يهودَ ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْرٌ يقال له أشيْع. فقال أبو بكر ﵁ لفنحاص: ويحك يا فِنحاص، اتق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أنّ محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل! قال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير! وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيُّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيًّا ما أعطانا الربا! فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عُنقك يا عدو الله! فأكذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيمًا، زعم أنّ الله فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربتُ وجهه. فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك! فأنزل الله ﵎ فيما قال فنحاص، ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: لقد سَمِع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٦] \" (٣). وروي عن السدي نحو ذلك مختصرا (٤).\nوالثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن الحسن قال: \" لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\\ سورة الحديد: ١١]، قالت اليهود: إنّ ربكم يستقرض منكم! فأنزل الله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء﴾ \" (٦).\nوالثالث: أخرج الطبري وعبدالرزاق (٧)، وابن المنذر (٨)، عن قتادة: \" قوله: ﴿الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء﴾، ذكر لنا أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لما أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير الغنيَّ! \" (٩).\nوالرابع: أخرج الواحدي عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: \"نزلت في اليهود صك أبو بكر - ﵁ - وجه رجل منهم، وهو الذي قال: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال: ﴿يد الله مغلولة﴾ \" (١٠). وأخرجه الطبري عن ابن أبي نجيح (١١).\nوالخامس: قال مقاتل: \" وذلك أن النبيﷺ- كتب مع أبي بكر الصديق﵁- إلى يهود قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا. قال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حين يسألنا القروض ونحن أغنياء\" (١٢). وذكر الواقدي نحوه (١٣).\nقال الطبري: \" ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن المنذر (١٢٢٩): ص ٢/ ٥١٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٩٠): ص ٣/ ٨٢٨ - ٨٢٩.\n(٣) تفسير الطبري (٨٣٠٠): ص ٧/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٣٠٢): ص ٧/ ٤٤٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٨٨): ص ٣/ ٨٢٨.\n(٦) تفسير الطبري (٨٣٠٥): ص ٧/ ٤٤٣.\n(٧) انظر: تفسير عبدالرزاق (٤٩١): ص ١/ ٤٢٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن المنذر (١٢٣١): ص ٢/ ٥١٧.\n(٩) تفسير الطبري (٨٣٠٧): ص ٧/ ٤٤٣.\n(١٠) أسباب النزول: ١٣٤. وهو مرسل، وإسناده ضعيف بسبب أبي حذيفة [انظر: تقريب التهذيب: ٢/ ٢٨٨ - رقم: ١٥٠٥].\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٣٠٤): ص ٧/ ٤٤٣.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٩.\n(١٣) انظر: المغازي: ١/ ٣٢٨.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٢.","vol":"6","page":401},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، أي: \" لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود: إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه\" (١).\nقال ابن زيد: \" هؤلاء يهود\" (٢).\nقال السدي: \" قالها فنحاص اليهوديّ من بني مَرثد، لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدِّق، وأقرض الله قرضًا حسنًا! فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير يستقرِضنا أموالنا! وما يستقرض إلا الفقير من الغني! إن كان ما تقول حقًّا، فإن الله إذًا لفقير! فأنزل الله ﷿ هذا، فقال أبو بكر: فلولا هُدنة كانت بين النبي ﷺ وبين بني مَرثد لقتلته\" (٣).\nقال مجاهد: \" صكّ أبو بكر رجلا منهم الذين قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، لم يستقرضنا وهو غني؟ ! وهم يهود\" (٤).\nقال الزجاج: \" هؤلاء رؤساء أهل الكتاب لما نزلت ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ قالوا نرى أن إله محمد يستقرض منا فنحن إذن أغنياء. وهو فقير، وقالوا هذا تلبيسا على ضعفتهم، وهم يعلمون أن الله ﷿: لا يستقرض من عوز، ولكنه يبلو الأخيار فهم يعلمون أن الله سمى الإعطاء والصدقة قرضا، يؤكد به - أن أضعافه ترجع إلى أهله، وهو ﷿ يقبض ويبسط أى يوسع ويقتر، فأعلم الله ﷿ أنه قد سمع مقالتهم، وأعلم أن ذلك مثبت عليهم، وأنهم إليه يرجعون فيجازيهم على ذلك وأنه خبير بعملهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١]، أي: \" سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم، وقتلهم أنبياءهم بغير حق\" (٦).\nعن أبي عبيدة: \" ﴿سنكتب ما قالوا﴾ سنحفظ عليهم \" (٧).\nقال مقاتل: \" فأمر الحفظة أن تكتب كل ما قالوا وتكتب قتلهم الأنبياء بغير حق\" (٨).\nوقال الكلبي: \"سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا في الدنيا\" (٩).\nوقال الواقدي: \" سيؤمن الحفظة من الكتاب، نظيره قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] \" (١٠).\nقال الواحدي: \" أَيْ: نأمر الحفظة بإثبات ذلك في صحائف أعمالهم\" (١١).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يزيد المرادي- وهو النعمان بن قيس- عن العلاء بن بدر، قلت: أرأيت قوله: ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾، وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: بموالاتهم الذي قتل أنبياء الله\" (١٢).\nقال الأخفش: \" قال تعالى: ﴿سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾، وقد مضى لذلك دهر، فانما يعني: سنكتب ما قالوا على من رضي به من بعدهم أيام يرضاه\" (١٣).\nقال الطبري: \" فإن قال قائل: كيف قيل: وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقد ذكرت في الآثار التي رويتَ، أن الذين عنوا بقوله: لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد ﷺ، ولم يكن من أولئك أحدٌ قتل نبيًا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيًا من أنبياء الله فيقتلوه؟\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٣٠٩): ص ٧/ ٤٤٤.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٣٠٢): ص ٧/ ٤٤٣.\n(٤) أخرجه الطبري (٨٣٠٣): ص ٧/ ٤٤٣.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٤.\n(٧) أخرجه ابن المنذر: (١٢٣٢): ص ٢/ ٥١٧.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٢.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٢.\n(١١) الوجيز: ٢٤٦.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٩١): ص ٣/ ٨٢٩.\n(١٣) معاني القرآن: ١/ ٢٤٠.","vol":"6","page":402},{"text":"قيل: إنّ معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عنى الله ﵎ بهذه الآية، كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جلّ ثناؤه فعلَ ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته، إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحْلة واحدة، وبالرِّضى من جميعهم فَعل ما فعل فاعلُ ذلك منهم، على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل\" (١).\nقال ابن مسعود: \" كان بنو إسرائيل يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بنقلهم مع آخر النهار\" (٢).\nقرأ حمزة وحده: ﴿سيكتب ما قالوا﴾: بالياء ﴿وقتلهم﴾: رفعا، و﴿الأنبياء﴾: نصبا، ﴿ويقول﴾: بالياء، وقرأ الباقون ﴿سنكتب ما قالوا﴾ بالنون ﴿وقتلهم﴾ نصبا ﴿ونقول﴾ بالنون (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، \"أي: ويقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة\" (٤).\nقال مقاتل: \" أي: تقول لهم خزنة جهنم في الآخرة: ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾ \" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ونقول للقائلين بأن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حقّ يوم القيامة ذوقوا عذاب الحريق، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة\" (٦).\nقال الزجاج: \" ومعنى ﴿عذاب الحريق﴾، أي: عذاب محرق - بالنار، لأن العذاب يكون بغيرالنار، فأعلم أن مجازاة هؤلاء هذا العذاب، وقوله: ﴿ذوقوا﴾ هذه كلمة تقال للشيء يوئس من العفو يقال ذق ما أنت فيه، أي: لست بمتخلص منه\" (٧).\nقال أبو عبيدة: ﴿عذاب الحريق﴾: النار، اسم جامع يكون نارا، ويكون حريقا وغير حريق، فإذا التهب فهي حريق \" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾، كما أذقتم المسلمين الغصص. يقال للمنتقم منه: أحس، وذق. وقال أبو سفيان لحمزةرضي الله عنه-: «ذق عقق» (٩) \" (١٠).\nقال أبو حيان: \" واستعير لمباشرة العذاب الذوق، لأن الذوق من أبلغ أنواع المباشرة، وحاستها متميزة جدا. والحريق:\nالمحرق فعيل بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم. وقيل: الحريق طبقة من طباق جهنم.\nوقيل: الحريق الملتهب من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة، والملتهبة أشدها.\nوالظاهر إن هذا القول يكون عند دخولهم جهنم. وقيل: قد يكون عند الحساب، أو عند الموت\" (١١).\nقال الحسن: \"بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة\" (١٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩٠): ص ٣/ ٨٢٩.\n(٣) انظر: السبعة: ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣١٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٦.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٤٩٤.\n(٨) أخرجه ابن المنذر: (١٢٣٢): ص ٢/ ٥١٧.\n(٩) ذكره ابن هشام في \"السيرة\" (٤/ ٤٢) عن ابن إسحاق. ومن طريق ابن إسحاق: رواه الدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" بسنده إليه. انظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (١/ ٢٥١).\nقال ابن إسحاق في المغازي قال: وكان الجليس بن زياد الكناني سيد الأحابيش مر بأبى سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول «ذق عقق». وانظر: زاد المسير ٢/ ١٥، ولسان العرب ١٠/ ١١١ - ١١٢ (ذوق).\nقوله: «لحمزة ﵁: ذق عقق» في الصحاح: عاق وعقق، مثل عامر وعمر. وذق عقق: أى ذق جزاء فعلك يا عاق. (ع)، وجاء في الترغيب والترهيب لقوام السنة: ص ٣/ ١٢٢: \" [ذق عقق] أي: ذق القتل يا عاق كما قتلت يوم بدر من قتلت\n(١٠) الكشاف: ١/ ٤٤٧.\n(١١) البحر المحيط: ٣/ ٤٥٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩٢): ص ٣/ ٨٣٠.","vol":"6","page":403},{"text":"١ - إثبات سمع الله ﷿، لقوله: ﴿لقد سمع الله﴾، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد هنا: التهديد، والعلماء قسموا سمع الله ﷿ إلى قسمين: السمع بمعنى الإستجابة، والسمع بمعنى إدراك الأصوات.\n٢ - بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان، وذلك بوصف الربّ ﷿ بأنه فقير، بل ولشدة وقاحتهم قالوا: ونحن أغنياء، فهم بذلك أثبتوا الكمال لأنفسهم والنقص لله ﷿، فسبحان الله عمّا يصفون.\n٣ - اعتداء اليهود على رسل الله بقتلهم بغير حق، فصار منهم عدوان على مقام التوحيد ومقام الرسالة.\n٤ - أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي، ففي قوله: ﴿عذاب الحريق﴾: ألم بدني، وفي قوله: ﴿وذوقوا﴾: ألم نفسي، لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة.\n٥ - الردّ على من قال بأن أهل النار لايذوقون العذاب، لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها، فيصبحون لايذوقون ألما، لقوله: ﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾، وفيه بيان قدرة الله إذ يحترق جلود هؤلاء وتنضج جلودهم وكلما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها، ومع ذلك لايموتون مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب احدا في الدنيا لهلك كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣]، فلايموت فيستريخ ولا يحيا حياة هنيئة.\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران: ١٨٢]\nالتفسير:\nذلك العذاب الشديد بسبب ما قدَّمتموه في حياتكم الدنيا من المعاصي القولية والفعلية والاعتقادية، وأن الله ليس بظلام للعببد.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، \"أي: ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم\" (١).\nقال السمعاني: \" يعني: بما قدمتم، وذكر أيديكم تأكيدا\" (٢).\nقال الطبري: \" أي: قولنا لهم يوم القيامة، ذوقوا عذاب الحريق، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا\" (٣).\nقال الواحدي: أي: ذلك العذاب بما سلفت من إجرامكم\" (٤).\nقال الراغب: \" أي نكتب ما قالوا ونعاقبهم عليه جزاء لما ارتكبوه. إن قيل: لم خص اليد، وفيما ذكره عنهم أفعال بغيرها من الجوارح؟\nقيل: لما كانت اليد هي الآلة الصانعة المختصة بالإنسان، فإنه لما كفى كل واحد من الحيوانات بما احتاج إليه من الأسلحة والملابس، وسخره لاستعمالها في الدفع عن نفسه، وخلق الإنسان عاريا من كل ذلك، جعل له الرؤية واليد الصانعة، ليعلم برؤيته، وليعمل بيده فوق ما أعطى الحيوانات، فلما كان لليد هذه الخصوصية صارت تخص بإضافة عمل الجملة إليها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، \"أي: وأنه سبحانه عادل ليس بظالم للخلق\" (٦).\nقال السمعاني: \" يعني: أنه يفعل ما يفعل بهم؛ مجازاة لهم على أعمالهم\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وبأن الله عَدْل لا يجورُ فيعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبةَ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفّي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار. فلم يكن\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٣٨٥.تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠١٨ - ١٠١٩.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٧.\n(٤) الوجيز: ٢٤٦.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠١٩ - ١٠٢٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٣٨٥.","vol":"6","page":404},{"text":"تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالمًا، ولا واضعًا عقوبته في غير أهلها. وكذلك هو جل ثناؤه، غيرُ ظلام أحدًا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونِعمه\" (١).\nقال الزمخشري: \" وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكا لاجتراحهم السيئات في استحقاق التعذيب؟ قلت: معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن\" (٢).\nقال الراغب: \" إن قيل: لم خص لفظ ظلام الذي هو للتكثير في نفي الظلم في هذا المكان، ولم يقل على ما قال في قوله: ﴿لا يظلم مثقال ذرة﴾، الذي هو يقتضي نفي الظلم قليله وكثيره؟\nقيل: إنما خص ذلك لأنه لما كان في الدنيا قد يظن بمن يعذب غيره عذابا شديدا أنه ظلام قبل أن يفحص عن حال جرمه، بين تعالى ذنبهم، وأنه إذا عاقبهم عقوبة شديدة فليس بظلام لهم، وإن كان قد يظن في الدنيا بمن يفعل ذلك أنه ظلام. تعالى الله عن الظلم\" (٣).\nالفوائد:\n١ - إثبات الأسباب، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدّمت أيديكم﴾.\n٢ - نفي الظلم عن الله ﷿.\n٣ - أن الله يخبر عما يخبر من صفاته لتطين الخلقـ لقوله: ﴿وأن الله ليس بظلّام للعبيد﴾.\n٤ - جواز اطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه، لقوله: ﴿بما قدّمت أيديكم﴾، فاليد بعض الإنسان لكن القرينة تدل على أن المراد الكل، يعني: بما قدّمتم.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾ [آل عمران: ١٨٣]\nالتفسير:\nهؤلاء اليهود حين دُعُوا إلى الإسلام قالوا: إن الله أوصانا في التوراة ألا نصدِّق مَن جاءنا يقول: إنه رسول من الله، حتى يأتينا بصدقة يتقرب بها إلى الله، فتنزل نار من السماء فتحرقها. قل لهم -أيها الرسول-: أنتم كاذبون في قولكم; لأنه قد جاء آباءكم رسلٌ من قِبلي بالمعجزات والدلائل على صدقهم، وبالذي قلتم من الإتيان بالقربان الذي تأكله النار، فَلِمَ قَتَل آباؤكم هؤلاء الأنبياء إن كنتم صادقين في دعواكم؟\nفي سبب نزول الآية جوه:\nأحدها: ذكر الواحدي والثعلبي (٤) عن الكلبي: \"نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوة وفي فنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابا، وأن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٥).\nوالثاني: أخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال: \"كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده، فتجيئ نار من السماء، فتأكله، فأنزل الله تعالى: ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾ \" (٦).\nوالثالث: وروي عن جويبر، عن الضحاك: \" قالوا: يا محمد إن تأتنا بقربان تأكله النار صدقناك، وإلا فلست بنبي، فقال الله تعالى: ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾، أي: جاءكم بالبينات وبالقربان الذي تأكله النار\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٧.\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٤٧.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢٠.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣.\n(٥) أيباب النزول: ١٣٤.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٠٠): ص ٣/ ٨٣١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٠١): ص ٣/ ٨٣١.","vol":"6","page":405},{"text":"قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، \" أي: هم الذين قالوا إِن الله أمرنا وأوصانا في التوراة، أن لا نصدق لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدّم قربنانًا فتنزل نار من السماء فتأكله\" (١).\nقال الحسن: \" كذبوا على الله\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة\" (٣).\nقال الثعلبي: \" قال المفسرون: كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل، فكانوا إذا قربوا قربانا وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله ... ومعنى الآية تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء مع الإتيان بالقربان والمعجزات\" (٤).\nقال ابن عباس: \" كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّل منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته\" (٥).\nقال الضحاك: \" كان الرجل إذا تصدق بصدقة فتُقُبِّلت منه، بعث الله نارًا من السماء فنزلت على القربان فأكلته\" (٦). وعنه أيضا قال: \" هم اليهود\" (٧).\nذكر الثعلبي والواحدي (٨) عن عطاء: \"كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي الله ﷿ إليه بما شاء\" (٩).\nوذكر الثعلبي والواحدي (١٠) عن السدي: \"إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم: قل يا محمد قد جاءكم يا معشر اليهود ﴿رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾، من القربان، ﴿فلم قتلتموهم﴾، يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم\" (١١).\nقال ابن حجر: \" إن ثبت هذا الذي نقله السدي من أنهم حذفوا من التوراة استثناء المسيح ومحمد أزال أشكالًا كبيرًا\" (١٢).\nو﴿القربان﴾: \"البرّ الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر، من قولك: قرب قربانا، ومثل الكفران والرجحان والخسران، ثم سمي به نفس المتقرب به\" (١٣).\nقال الراغب: \" ﴿القربان﴾: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وكثر استعماله في النسيكة\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩٧): ص ٣/ ٨٣٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٨. [بتصرف].\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٣١٠): ص ٧/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٣١١): ص ٧/ ٤٤٩.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٤٥٩٩): ص ٣/ ٨٣١.\n(٨) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٥٢٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ١/ ٥٢٩. وفيه: \" كانت بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها وسط البيت، والسقف مكشوف، فيقوم النبي ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها حفيف ولا دخان لها، فتأكل ذلك القربان\".\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(١٢) العجاب: ٢/ ٨١٠.\n(١٣) التفسير البسيط للواحدي: ١/ ٥٢٩.\n(١٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢١.","vol":"6","page":406},{"text":"وكان عيسى بن عمر يقرأ: ﴿قربان﴾، فبضم الراء والقاف، كما يقال في جمع ظلمة: ظلمات، وفي جمع حجرة: حجرات (١).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، \" أي: قل لهم يا محمد: قد جاءتكم رسلٌ قبلي بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم\" (٢).\nقال ابن عطية: \" هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي: قد جاءكم رسل بالآيات الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحا إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى، وقال: بل أدعوهم وأعالجهم\" (٣).\nقال مقاتل: \" فقال﷿- لنبيهﷺقل لهم: ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات﴾، يعني: التبيين بالآيات، ﴿وبالذي قلتم﴾، من أمر القربان\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" قل، يا محمد، قد جاءكم رسل من قبلي بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم وبالذي ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب لله دلالة على صدقه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، \" أي: فلم كذبتموهم وقتلتموهم إِن كنتم صادقين في دعواكم الإِيمان بالله والتصديق برسله؟ \" (٦).\nقال الضحاك: \" فلم كذبتموهم، ﴿قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾؟ \" (٧).\nقال مقاتل: \" فلم قتلتم أنبياء الله من قبل محمدﷺ- ﴿إن كنتم صادقين﴾ بما تقولون\" (٨).\nقال النسفي: \" أى إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا، فلم لم تؤمنوا بالذين أتوا به ولم قتلتموهم؟ ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا\" (٩).\nعن أبي يزيد المرادي، عن العلاء بن بدر: \" قلت: أرأيت قوله: ﴿فلم قتلتموهم﴾، وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: بموالاتهم من قتل الأنبياء\" (١٠).\nروي عن الشعبي أنه قال: \" كان بين الذين قتلوا وبين الذين قالوا: إن الله عهد إلينا إلى آخر الآية- سبعمائة سنة\" (١١).\nوعنه أيضا: \"في قوله: ﴿فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾، قال: لأنهم رضوا عملهم\" (١٢).\nقال الطبري: \" وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية: أنّ الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، لن يَعْدوا أن يكونوا في كذبهم على الله وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمدًا ﷺ، وهم يعلمونه صادقًا محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته (١) إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافًا بحقوقه\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٥٤٩.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٠٤): ص ٣/ ٨٣٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ٣١٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٠٣): ص ٣/ ٨٣١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩٦): ص ٣/ ٨٣٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٠٢): ص ٣/ ٨٣١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٩ - ٤٥٠.","vol":"6","page":407},{"text":"الفوائد:\n١ - بيان تعنّت اليهود الذين ردّوا ما جاء به النبيﷺ- من البينات بناء على ما ادّعوه من هذه الآية.\n٢ - أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه ليكون ذلك أبلغ في دحض حجّته، يؤخذ من قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n٣ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالبينات الدالة على رسالتهم ولا بد من هذا عقلا كما هو واقع شرعا، قال -ﷺ-: \"ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة\" (١).\n٤ - إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى، لأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه.\nالقرآن\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ [آل عمران: ١٨٤]\nالتفسير:\nفإن كذَّبك -أيها الرسول- هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكفر، فقد كذَّب المبطلون كثيرًا من المرسلين مِن قبلك، جاءوا أقوامهم بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات، والكتب السماوية التي هي نور يكشف الظلمات، والكتابِ البيِّن الواضح.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، \" أي: فلا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فإِنهم إِن فعلوا ذلك فقد كذَّبت أسلافهم من قبلُ رسل الله\" (٢).\nقال الضحاك: \" يعزِّي نبيه -ﷺ-\" (٣). وروي عن قتادة (٤)، وابن جريج (٥) مثل ذلك.\nقال مقاتل: \" يعزي نبيهﷺ- ليصبر على تكذيبهم فلست بأول رسول كذب\" (٦).\nقال الطبري: \" وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا ﷺ على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة من قبلك من الرسل الذين كُذبوا\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، \" أي: كذبوهم مع أنهم جاءوهم بالبراهين القاطعة والمعجزات الواضحة\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: بالآيات\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \" مع ما جاؤوا به من ﴿البينات﴾، وهي: الحجج والبراهين القاطعة\" (١١).\nأخرج ابن ابي حاتم عن السدي، عن أصحابه في قول الله تعالى: \" ﴿بالبينات﴾، قال: الحلال والحرام\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، \"أي: وبالكتب السماوية المملوءة بالحِكَم والمواعظ\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" وهي الصحف\" (١٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٨١).\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٣١٢): ص ٧/ ٤٥١.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٠٥): ص ٣/ ٨٣٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٣١٣): ص ٧/ ٤٥١.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٧.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٧.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٠٧): ص ٣/ ٨٣٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٤٤٨.","vol":"6","page":408},{"text":"قال مقاتل: \"يعني: بحديث ما كان قبلهم والمواعظ \" (١).\nوقال عكرمة والواقدي: \"يعني: بـ ﴿الزبر﴾: أحاديث من كان قبلهم، نظيرها في سورة الحج والملائكة\" (٢).\nأخرج ابن ابي حاتم عن السدي، عن أصحابه في قول الله تعالى: \" ﴿وَالزُّبُرِ﴾، قال: كتب الأنبياء\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين\" (٤).\nو﴿الزبر﴾: فإنه جمع \"زبور\"، وهو الكتاب، وكل كتاب فهو: زبور، ومنه قول امرئ القيس (٥):\nلِمنْ طَللٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي؟ ... كخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِي (٦)\nونقل الثعلبي عن بعضهم أن ﴿الزبور﴾: \"هو الكتاب الحسن، حكاه المفضل وأنشد (٧):\nعرفت الديار كخط الدوي ... يحبره الكاتب الحميري\" (٨).\nقال الزجاج: \" ﴿الزبر﴾: جمع زبور، والزبور: كل كتاب ذو حكمة، ويقال: زبرت إذا كتبت، وزبرت، إذا قرأت\" (٩).\nقال الراغب: \" إن قيل: لم قال: ﴿والزبر والكتاب﴾ والزبور هو الكتاب؟\nقيل: قد قال بعضهم: الزبور هو الكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية، والكتاب في تعارف القرآن ما يتضمن الأحكام، ولهذا جاء في عامة القرآن كتاب وحكمة، ﴿ففصل يينهما لهذا، واستعمل الكتابة في معنى الإيجاب، فعلى هذا اشتقاقه من زبرت الشيء أي حكمته.\nوقيل: الزبور اسم لما أجمل ولم يفصل، والكتاب يقال لما قد فصل.\nقيل: واشتقاقه من الزبرة أي القطعة من الحديد التي تركت بحالها.\nوعلى هذا قال الشاعر (١٠):\nوما السيف إلا زبرة لو تركتها ... على الحالة الأولى لما كان يقطع\nوقيل: الزبور ها هنا اسم للزاجر من قولهم: زبرته أي زجرته\" (١١).\nقال الطبري: \" وهذا الحرف [﴿الزُّبُرِ﴾] في مصاحف أهل الحجاز والعراق: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ بغير باء، وهو في مصاحف أهل الشام: ﴿وبالزُّبُرِ﴾ بالباء، مثل الذي في سورة فاطر [٢٥] \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، أي: \"والكتاب الواضح الجلي كالتوراة والإِنجيل\" (١٣).\nقال مقاتل: \" يعني: المضيء البيّن الذي فيه أمره ونهيه\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: البَين الواضح الجلي\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" التوراة والإنجيل والزبور\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٠٨): ص ٣/ ٨٣٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٧.\n(٥) ديوانه: ١٨٦، وهو مطلع قصيدته. قال الشنتمرى في شرح البيت: يقول: نظرت إلى هذا الطلل فشجاني، أي: أحزنني. وقوله: كخط زبور، أي قد درس وخفيت آثاره، فلا يرى منه إلا مثل الكتاب في الخفاء والدقة. والزبور: الكتاب. وقوله: في عسيب يمان، كان أهل اليمن يكتبون في عسيب النخلة عهودهم وصكاكهم. ويروى: عسيب يماني، على الإضافة، أراد: في عسيب رجل يمان.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٥١.\n(٧) كتاب العين: ٨/ ٩٤.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٩٥.\n(١٠) البيت من شواهد الراغب في تفسيره: ٣/ ١٠٢٤. ولم أتعرف على قائله فيما توفرت لديّ من المصادر.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢٢ - ١٠٢٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥١، وانظر: السبعة: ٢٢١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٧.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٤٤٨.","vol":"6","page":409},{"text":"قال الطبري: \" ويعني: بـ ﴿الكتاب﴾: التوراة والإنجيل. وذلك أن اليهود كذَّبت عيسى وما جاء به، وحرَّفت ما جاء به موسى ﵇ من صفة محمد ﷺ، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره\" (١).\nوقوله: ﴿المنير﴾: فإنه يعني: الذي يُنير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه، وهو من النور والإضاءة، يقال: قد أنار لك هذا الأمر، بمعنى: أضاء لك وتبين، فهو ينير إنارة، والشيء منيرٌ (٢).\nالفوائد:\n١ - تسلية الرسولﷺ-، ويتفرّغ عليها أم يتسلى الإنسان في كل ما أصاب غيره.\n٢ - أن الرسل يؤذون بالتكذيب، وليس شيئا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق.\n٣ - أن الرسل –عليهم الصلاة والسلام- لابد أن يؤيدوا بالبيّنات.\n٤ - أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، فما من رسول إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].\n٥ - أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، وأعظمها إنارة القرآن العظيم، ولهذا كان مهيمنا على ما سبق من الكتب، فكل الكتب التي سبقت منسوخة\nالقرآن\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]\nالتفسير:\nكل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت، وبهذا يرجع جميع الخلق إلى ربهم; ليحاسبهم. وإنما تُوفَّون أجوركم على أعمالكم وافية غير منقوصة يوم القيامة، فمن أكرمه ربه ونجَّاه من النار وأدخله الجنة فقد نال غاية ما يطلب. وما الحياة الدنيا إلا متعة زائلة، فلا تغترُّوا بها.\nقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أي: \" كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت\" (٣).\nقال مقاتل: \" ثم خوفهم فقال: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ \" (٤).\nقال الواحدي: \" وهذا وعد من الله تعالى بالموت، ووعيد للمكذبين بالقرآن، لأنهم إذا ماتوا حصلوا على خسران وحسرة\" (٥).\nقال المراغي: \" أي كل نفس تذوق طعم مفارقة البدن وتحس به، وفى هذا إيماء إلى أن النفس لا تموت بموت البدن، لأن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق. فالذوق شعور لا يجس به إلا الحي\" (٦).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولا وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفَرَغَت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية - أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٤٥١.\n(٣) التفسير الميسر: ٧٤.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٥) الوجيز: ١/ ٥٣٠.\n(٦) تفسير المراغي: ٤/ ١٥٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٧.","vol":"6","page":410},{"text":"قال السمعاني: \" فإن قال قائل: لا يخفي أن كل نفس تموت، فأيش الفائدة في قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾؟ قيل: أراد به: التزهيد بالدنيا، يعني: أن النفوس إلى الفناء؛ فتزهدوا بالدنيا\" (١).\nقال الراغب: \" وتخصيص الذوق هاهنا من حيث إنه ذكر الباخلين بالمال، وهو قوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله. . .﴾ الآية، وأعظم البخل بالمال يكون خشية من فقدان الطعام الذي به قوام الأبدان، ولهذا ذكر ألأكل في عامة المواضع التي ذكر فيها احتجاز المال، نحو ﴿ولا تأكلوا أموالكم﴾، وقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾، فبين بالذوق أن الذي يخافونه طعام لابد منه\" (٢).\nنقل السمرقندي عن الكلبي: \"لما نزل قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦]، قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، أيقنت الملائكة أنها هلكت معهم\" (٣).\nوقرأه العامة: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: بالإضافة، وقرأ الأعمش: ﴿ذائقة﴾ بالتنوين، ﴿الموت﴾ نصبا، وقال: لأنها لم تذق بعد، وقال أمية بن الصلت (٤):\nمن لم يمت عبطة يمت هدما ... للموت كأس والمرء ذائقها (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، \" أي: وإنما تُعطون جزاء أعمالكم وافيًا يوم القيامة\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة إن خيرا فخير وإن شرا فشر\" (٧).\nقال أبو السعود: \" أي تعطون أجزية أعمالكم على التمام والكمال ﴿يوم القيامة﴾ أي يوم قيامكم من القبور وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما ينبئ عنه قوله ﵊: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» (٨) \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، \"أي: فمن نُحي عن النار وأُبْعِد عنها، وأُدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلّد\" (١٠).\nقال الثعلبي: أي: \" نجا وأزيل عن النار، ﴿وأدخل الجنة فقد فاز﴾، ظفر بما يرجوا ونجا مما يخاف\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز كل الفوز\" (١٢).\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَوْضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ \" (١٣).\nقال الراغب: \" الفوز: إدراك الأمنية. والمفازة في قوله: ﴿فلا تحسبنهم بمفازة﴾ مصدر، ويقال للمهلكة: مفازة تفاؤلا، والصحيح أنهم لما رأوها تارة سببا للفوز، وتارة سببا للهلاك سموها بالاسمين، وذلك بنظرين مختلفين، وكذا قولهم: هلك، وفاز، إذا مات، كأنه رئي الموت في بعض الناس هلاكا له، وفي بعضهم فوزا له، إما لكونه\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ١/ ٣٨٦.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢٧.\n(٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧١.\n(٤) انظر: لسان العرب: ٦/ ١٨٨، وتفسير العلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(٨) جزء من حديث طويل، أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٦٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨٦١٣)، والمنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ١١٨ و١١٩، وكشف الخفاء ٢/ ١١٨.\n(٩) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٢٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦١٠): ص ٣/ ٨٣٣، ورواه أحمد في مسنده (٢/ ٤٣٨) والترمذي في السنن برقم (٣٢٩٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٩) وقال: \"على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة وله شواهد من حديث سهل بن سعد في الصحيحين، ومن حديث أنس بن مالك عند أحمد في المسند (٣/ ١٤١) انظر الكلام عليه موسعا في: السلسلة الصحيحة للألباني برقم (١٩٧٨).","vol":"6","page":411},{"text":"متبلغا بذلك إلى فوز الآخرة ونعيم الأبد، وإما لخلاصهم من شدة يرى الموت في جنبها فوزا، وكذا النية أراها والأمنية من أصل واحد بنحو هذين النظرين\" (١).\nقال الربيع: \"إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر مادام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط، فذلك قوله: ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، \"أي: ليست الدنيا إِلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور\" (٣).\nقال أبو مالك: \" ﴿الغرور﴾، يعني: زينة الدنيا\" (٤).\nوعن قتادة: \" ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾: هي متاع متروك أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله- إن استطعتم- ولا قوة إلا بالله\" (٥).\nعن عبد الرحمن بن سابط: \" ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، قال: زاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متعة، يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره. يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون، فكأن ابن سابط (٧) ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور. وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور\" (٨).\nقال السمرقندي قال ابن عباس: \" «متاع الغرور مثل القدر والقارورة والسكرجة ونحو ذلك، لأن ذلك لا يدوم، وكذلك الدنيا تزول وتفنى ولا تبقى».\nويقال: هو مثل الزجاج الذي يسرع إليه الكسر، ولا يصلحه الجبر. ويقال: كزاد المسافر، يسرع إليه الفناء فكذلك الدنيا\" (٩).\nقال الثعلبي: \" يعني: منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة، ثم يزول ولا يبقى، قاله أكثر المفسرين\" (١٠).\nقال الماتريدي: أي: \" حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور. وأصل الغرور: هو أن يتراءى الشيء في ظاهره حسنا مموها؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهرا، فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ بالله من الاغترار بها.\nوقيل: الحياة الدنيا -على ما عند أولئك الكفرة- لعب ولهو، وعند المؤمنين حكمة\" (١١).\nقال ابن كثير: قال ذلك\" تصغيرًا لشأن الدنيا، وتحقيرًا لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. وقال تعالى: ﴿\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢٥ - ١٠٢٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦١١): ص ٣/ ٨٣٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦١٤): ص ٣/ ٨٣٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦١٣): ص ٣/ ٨٣٣.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٣١٤): ص ٧/ ٤٥٢، وأخرجه عن الأعمش ابن أبي حاتم (٤٦١٢): ص ٣/ ٨٣٣.\n(٧) انظر: القول السابق.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٢.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٤.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٥٣.","vol":"6","page":412},{"text":"وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]، وفي الحديث: «واللهِ ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكُم إصبعه في اليَمِّ، فلينظر بِمَ تَرْجِع إليه؟» (١) \" (٢).\nقال الراغب: \" والمتاع: التمتع، فنبه أن السكون إلى الدنيا والتمتع بها غرور، وأن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واقتصر على زاد يتبلغ به\" (٣).\nقال أبو السعود: \" شبهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ\" (٤).\nقال السعدي: \" هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الموت حقّ لابد منه، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.\n٢ - حثّ الإنسان على المبادرة للعمل الصالح، لأنه إذا كان ميتا لامحالة وهو لايدري متى يموت، فإن العقل كالشرع يقتضي أن يبادر ولاسيّما في قضاء الواجبات والتخلي عن المظالم.\n٣ - ان كمال الأجر إنما يكون يوم القيامة.\n٤ - إثبات يوم القيامة، إذ يقوم الناس فيه لربّ العالمين، ويقوم الأشهاد، ويقام فيه القسط.\n٥ - أنه لايمكن الفوز إلا بأمرين: أن يزحزح الإنسان عن النار وأن يدخل الجنة.\n٦ - التزهيد في الدنيا، ويجب على الإنسان الحذر من مغبّة الدنيا وغرورها، قالﷺ-: \"والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها ما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتم .. \" (٦).\nالقرآن\n﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]\nالتفسير:\nلَتُخْتَبَرُنَّ -أيها المؤمنون- في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبَّة، وبالجوائح التي تصيبها، وفي أنفسكم بما يجب عليكم من الطاعات، وما يحلُّ بكم من جراح أو قتل وفَقْد للأحباب، وذلك حتى يتميَّز المؤمن الصادق من غيره. ولتَسمعُنَّ من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والطعن في دينكم. وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على ذلك كله، وتتقوا الله بلزوم طاعته واجتناب معصيته، فإن ذلك من الأمور التي يُعزم عليها، وينافس فيها.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: قال ابن عباس: \" نزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ \" (٧).\nأخرج الطبري عن عكرمة، قال: \"نزلت هذه الآية في النبي ﷺ، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع، بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق ﵀ إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع، فجاء أبو بكر وهو\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٥٨) والترمذي برقم (٢٣٢٣) وابن ماجة في السنن برقم (٤١٠٨) من حديث المستورد ابن شداد ﵁.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢٨.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٢٣.\n(٥) تفسير السعدي: ١٥٩.\n(٦) رواه البخاري (٤٠١٥).\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦١٧): ص ٣/ ٨٣٤.","vol":"6","page":413},{"text":"متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نمده! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي ﷺ: لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع، فكف، ونزلت: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، وما بين الآيتين إلى قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، نزلت هذه الآيات في بني قينقاع إلى قوله: ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك﴾ \" (١).\nوأخرج الطبري عن ابن جريج: \" فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، فقال الله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به\" (٢).\nقال الزجاج: \" روي أن أبا بكر الصديق - ﵁ - سمع رجلا من إليهود يقول:\n﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، فلطمه أبو بكر - ﵁ - فشكا إليهودي ذلك إلى النبي - ﷺ - فسأله النبي: \" ما أراد بلطمك؟ فقال أبو بكر: سمعت منه كلمة ما ملكت نفسي معها أن لطمته، فأنزل الله ﷿: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ \" (٣).\nوالثاني: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله ﷺ، ويتشبّب بنساء المسلمين.\nأخرج الطبري وابن المنذر (٤)، وابن أبي حاتم (٥) عن معمر عن الزهري، قال: \"هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي ﷺ وأصحابه في شعره، ويهجو النبي ﷺ. فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي، فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة! قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته. فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها. فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس، فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.\nقال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهَنُوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا. قال، فقالوا: إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال: هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقين! فقال: أترهنوني نسائكم؟ قالوا: أنت أجملُ الناس، ولا نأمنك! وأي امرأة تمتنع منك لجمالك! ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا. فذهب ينزل فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني! قالت: فكلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوحُ ريحه. قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطرُ أم فلان! امرأته. فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عَبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكّرهم النبي ﷺ صَنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، قال: فكان ذلك الكتابُ مع عليّ رضوان الله عليه\" (٦).\nوالثالث: أخرج ابن المنذر، عن شعيب، عن الزهري، قال: \"أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد، أخبره أن النبي ﷺ ركب على حمار على إكاف، على قطيفة من تحته، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، وعبدة الأوثان، واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال:\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٩٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن المنذر (١٢٤٤)، و(١٢٤٥): ص ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٥.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦١٧): ص ٣/ ٨٣٤ - مختصرا.\n(٦) تفسير الطبري (٨٣١٧): ص ٧/ ٤٥٦ - ٤٥٧.","vol":"6","page":414},{"text":"لا تغبروا علينا، فسلم النبي ﷺ عليهم ثم وقف النبي ﷺ، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لأحسن مما تقول، إن كان حقا، فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال النبي ﷺ: \" يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد: عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا \"، قال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل الكتاب، لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه الحرة على أن يتوجوه، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي ﷺ وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله جل وعز: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، قال الله جل وعز: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا إلى: إن الله على كل شيء قدير﴾ وكان النبي ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي ﷺ بدرا، فقتل الله من صناديد كفار قريش، قال أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فتتابعوا إلى رسول الله ﷺ فأسلموا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، \"أي: والله لتمتحننَّ وتختبرنَّ في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض\" (٢).\nقال مقاتل: \" نزلت في النبيﷺ- وأبي بكر الصديق﵁- \" (٣).\nقال ابن قتيبة: \" أي: لتختبرن. ويقال: لتصابن. والمعنيان متقاربان\" (٤).\nقال الزجاج: \" معناه: لتختبرن أي تقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن من غيره\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني بالبلاء والمصيبات\" (٦).\nقال ابن جريج: \"أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم\" (٨).\nقال عباد بن منصور: \" سألت الحسن عن قوله: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ قال: نبتلى- والله- في أموالنا وأنفسنا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، \"أي: ولينالنّكم من اليهود والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير\" (١٠)\nقال مقاتل: \" حين قالوا: إن الله فقير. ثم قال: ﴿ومن الذين أشركوا﴾، يعني: مشركي العرب ﴿أذى كثيرا﴾: باللسان والفعل\" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (١٢٤٣): ص ٢/ ٥٢١ - ٥٢٣.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٤) غريب القرآن: ١١٧.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٩٦.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦١٥): ص ٣/ ٨٣٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.","vol":"6","page":415},{"text":"قال الزهري: \" هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي ﷺ وأصحابه في شعره، ويهجو النبي ﷺ وأصحابه\" (١).\nقال ابن جريج: \" ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، يعني: اليهود، والنصارى: ﴿ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله\" (٢).\nقال الطبري: \"الأذى من اليهود، قولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقولهم: يد الله مغلولة، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله ومن الذين أشركوا، يعني: ومن النصارى، قولهم: المسيح ابن الله، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله\" (٣).\nنستنتج بأن في هذا الأذى ثلاثة أقاويل:\nأحدها: ما روي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي -ﷺ- والمؤمنين ويحرض عليهم المشركين حتى قتله محمد بن مسلمة، وهذا قول الزهري (٤).\nوالثاني: أن فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع لما سئل الإمداد قال: احتاج ربكم إلى أن نمده، وهذا قول عكرمة (٥)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٦)، واختاره الزجاج (٧).\nوالثالث: أن الأذى ما كانوا يسمعونه من الشرك كقول اليهود: عزيز ابن الله، وكقول النصارى: المسيح ابن الله وهذا قول ابن جريج (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، \"أي: وإِن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال، فإن ذلك من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها ممّا أمر الله بها\" (٩).\nقال مقاتل: \" ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك الأذى، ﴿وتتقوا﴾ معصيته، ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يعني: ذلك الصبر والتقوى من خير الأمور التي أمر الله﷿- بها\" (١٠).\nقال ابن جريج: \" فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، فقال الله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به\" (١١).\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قول الله: \" ﴿فإن ذلك﴾، يعني: هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿من عزم الأمور﴾، يعني: في حق الأمور التي أمر الله\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته، وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته، فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به\" (١٣).\nقال الحسن: \" أمر الله المؤمنين أن يصبروا على ما أذاهم، فقال: أذاهم: زعم أنهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمد لستم على شيء، نحن أولى بالله منكم، أنتم ضلال، فأمروا أن يمضوا ويصبروا\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٤٦١٩): ص ٣/ ٨٣٤.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٥. [بتصرف].\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٣١٧): ص ٧/ ٤٥٦ - ٤٥٧، و: تفسير ابن المنذر (١٢٤٤)، و(١٢٤٥): ص ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٦١٧): ص ٣/ ٨٣٤ - مختصرا.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦١٧): ص ٣/ ٨٣٤.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٩٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٠.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٣١٦): ص ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٢٢): ص ٣/ ٨٣٥.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٥. . [بتصرف].\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٠): ص ٣/ ٨٣٤.","vol":"6","page":416},{"text":"قال ابن الجوزي: \" الجمهور على إحكام هذه الآية، لأنها تضمنت الأمر بالصبر والتقوى ولا بد للمؤمن من ذلك، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف\" (١).\nالفوائد:\n١ - ينبغي للانسان ان يتفطن لما فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يبتلى ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر.\n٢ - التاكيد على الحذر من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين ايضا، إذ هم يمكرون بالقول وبالفعل، فبيّن الله تعالى عداوتهم للمسلمين.\n٣ - الثناء على الصبر على الأذية، وأنه من عزم الامور.\n٤ - التنبيه على فضيلة العزم في الامور، وكل ما كان الإنسان عازما في اموره كان ذلك أنجح واحسن.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧]\nالتفسير:\nواذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله العهد الموثق على الذين آتاهم الله الكتاب من اليهود والنصارى، فلليهود التوراة وللنصارى الإنجيل; ليعملوا بهما، ويبينوا للناس ما فيهما، ولا يكتموا ذلك ولا يخفوه، فتركوا العهد ولم يلتزموا به، وأخذوا ثمنا بخسًا مقابل كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، فبئس الشراء يشترون، في تضييعهم الميثاق، وتبديلهم الكتاب.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، \" أي: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" واذكر أيضا من أمر هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ الله ميثاقهم\" (٣).\nقال قتادة: \" هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم\" (٤).\nقال عباد بن منصور: \" سألت الحسن عن قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: هم اليهود والنصارى\" (٥).\nوقال سعيد بن جبير: \" ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: اليهود\" (٦).\nوقال ابن عباس: \" إنما أخذ الله ميثاق النبيين يعني: على قومهم\" (٧).\nوعن ابن عباس ايضا: \" أمرهم أن يتبعوا ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ (٨)، فلما بعث الله محمدا قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٩) عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا: صدقوه: وتلقون عندي الذي أحببتم\" (١٠).\n_________\n(١) نواسخ القرآن: ٣٣٤. عد هذه الآية من المنسوخ هبة الله في ناسخه: ٣٠. وأما ابن الجوزي فقد سلك في تفسيره عند ذكر هذه الآية مسلكه هنا.\nوالذي يظهر أنه مع الجمهرر، وسكوته يدل على أن مثل هذه الدعوى لا يحتاج إلى الرد. لأن من المعلوم لدى الجميع أن كلا من الصبر والتقوى مطلوب من المسلمين في القتال وغير القتال فلا وجه للنسخ. انظر: زاد المسير ١/ ٥٢٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٧): ص ٣/ ٨٣٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٦): ص ٣/ ٨٣٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٥): ص ٣/ ٨٣٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٤): ص ٣/ ٨٣٥.\n(٨) سورة الأعراف آية: ١٧٠.\n(٩) سورة البقرة آية ٤٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٣): ص ٣/ ٨٣٥.","vol":"6","page":417},{"text":"قال ابن كثير: \" هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهْبَة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه\" (١).\nواختلف اهل العلم في تفسير قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، على أقوال:\nأحدها: أنهم اليهود خاصة، وهذا قول ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وسعيد بن جبير (٤).\nوالثاني: أنهم اليهود والنصارى. وهذا قول الحسن (٥)، ومعنى قول ابن جريج (٦).\nوالثالث: انهم كل من أوتى علم شيءٍ من كتاب فقد أخذ أنبياؤهم ميثاقهم. وهذا قول قتادة (٧).\nوالرابع: أن المعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وهذا أحد قولي –ابن عباس (٨)، وكذلك سعيد بن جبير في رواية يحيى بن أبي ثابت عنه (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، \" أي: لتظهرنَّ ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه\" (١١).\nقال الزجاج: \"المعنى: أن الله أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي - ﷺ –\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له: آلله لتفعلن\" (١٣).\nروي أن مروان قال لرافع بوابه: \"اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فسله عن قوله: ﴿لتبيننه للناس﴾، قال: قال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ في التوراة: إن الإسلام دين الله الذي ارتضاه افترضه على عباده، وإن محمدا رسول الله يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل\" (١٤).\nقال ابن جريج: \" وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل\" (١٥).\nعن قتادة: \"قوله: ﴿لتبيننه للناس﴾، قال: فمن علم علما فليعلمه الناس\" (١٦).\nوعن قتادة ايضا قوله: \" ﴿ولا تكتمونه﴾، قال: وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة فلا يتكلفن رجل مما لا علم لديه، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين\" (١٧).\nوقال سفيان: \" ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾: أن تنكر المنكر، وتأمر بالخير، وتحسن الحسن، وتقبح القبيح\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٣١٨): ص ٧/ ٤٥٩، و(٨٣٢٠): ص ٧/ ٤٦٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢١): ص ٧/ ٤٦٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢٢): ص ٧/ ٤٦٠.\n(٥) انظر: تفسير ابنب أبي حاتم (٤٦٢٦): ص ٣/ ٨٣٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢٣): ص ٧/ ٤٦٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢٤): ص ٧/ ٤٦١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢٨): ص ٧/ ٤٦٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢٧): ص ٧/ ٤٦١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٨.\n(١٢) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٤٥٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٣٠): ص ٣/ ٨٣٦.\n(١٥) أخرجه الطبري (٨٣٢٣): ص ٧/ ٤٦٠.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢٩): ص ٣/ ٨٣٦.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣٢): ص ٣/ ٨٣٧.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣٣): ص ٣/ ٨٣٧.","vol":"6","page":418},{"text":"وفي عود الضمير (الهاء) في قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قولان:\nأحدهما: أنها ترجع إلى النبيﷺ-، والمعنى: ليبين نبوة محمد - ﷺ -، وهذا قول سعيد بن جبير (١)، والسدي (٢).\nوالثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، والمعنى: ليبين الكتاب الذي فيه ذكره، وهذا قول الحسن (٣)، ومعنى قول قتادة (٤)، وسفيان (٥)، واختاره ابن الجوزي (٦).\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، \" لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد ﷺ، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب\" (٧).\nقال علي بن أبي طالب ﵇: \"ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا\" (٨).\nقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب: ﴿ليبيننه للناس ولا يكتمونه﴾، بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم بالتاء فيهما، فمن قال ﴿ليبيننه﴾ بالياء، فلأنهم غيب، ومن قال ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾: بالتاء، حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، \" أي: فطرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \" فكتموا ذلك\" (١١).\nقال الثعلبي: أي: \" طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به\" (١٢).\nقال التستري: \" أي: لم يعملوا بالكتاب\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك \" (١٤).\nقال الشعبي: \" إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به\" (١٥)، وفي رواية أخرى: \" قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به\" (١٦).\nوقال ابن جريج: \" نبذوا الميثاق\" (١٧). وروي عن السدي نحو ذلك (١٨).\nقال الزمخشري: أي: \" فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، يعنى لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد. ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه\" (١٩).\nقال الزجاج: \" معنى \"نبذوه\"، رموا به يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت\nهذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر، قال الفرزدق (٢٠):\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٢٨): ص ٣/ ٨٣٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣١): ص ٣/ ٨٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٣٢٩): ص ٧/ ٤٦٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣٢): ص ٣/ ٨٣٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣٣): ص ٣/ ٨٣٧.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٥٧.\n(٧) زاد المسير: ١/ ٣٥٧.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٣٥٧.\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩٦، وزاد المسير: ١/ ٣٥٧.\n(١٠) (صفوة التفاسير: ٢٢٨.)\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨١.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٨.\n(١٣) تفسير التستري: ٥٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٩.\n(١٥) تفسير الطبري (٨٣٣٠): ص ٧/ ٤٦٣.\n(١٦) أخرجه الطبري (٨٣٣٢): ص ٧/ ٤٦٤.\n(١٧) تفسير الطبري (٨٣٣١): ص ٧/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٣٤): ص ٣/ ٨٣٧.\n(١٩) الكشاف: ١/ ٤٥٠.\n(٢٠) ذكره ابن منظور في «اللسان» مادة «ظهر» وعزاه إلى الفرزدق.","vol":"6","page":419},{"text":"تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها\nأي: لا تتركنها لا يعبأ بها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، أي: \" واستبدلوا به شيئًا حقيرًا من حُطام الدنيا\" (٢).\nقال السدي: \" أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد ﷺ\" (٣).\nقال الحسن: \" كتموا وباعوا فلا يبدون شيئا إلا بثمن\" (٤).\nوقال الحسن أيضا: \" الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها\" (٥).\nقال الثعلبي: \" يعني المأكل\" (٦).\nقال التستري: \"يعني: اشتروا بالآخرة الباقية عرض الدنيا الفانية\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلا من عرض الدنيا \" (٨).\nقال ابن كثير: أي: \" تعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف\" (٩).\nقال الزجاج: \" أنبأ الله عما حمل إليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي - ﷺ - فقال: ﴿واشتروا به ثمنا قليلا﴾، أي: قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا أحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطيب لنفوسهم. واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية: مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم، وغبرة أن ينسب إليه غيرهم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، \" أي: فبئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة\" (١٢).\nقال مجاهد: \" تبديل اليهود التوراة\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب\" (١٤).\nعن مجاهد: \" ﴿فبئس ما يشترون﴾، قال: تبديل اليهود التوراة\" (١٥).\nقال ابن كثير: أي: \" فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا\" (١٦).\nوقال قتادة: \" هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة\" (١٧).\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤٩٧.\n(٢) (صفوة التفاسير: ٢٢٨.)\n(٣) تفسير الطبري (٨٣٣٣): ص ٧/ ٤٦٤ ..\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٣٦): ص ٣/ ٨٣٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٣٧): ص ٣/ ٨٣٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٧) تفسير التستري: ٥٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٥٩.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨١.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٤٩٧.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٥٠.\n(١٢) (صفوة التفاسير: ٢٢٨.)\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٣٨): ص ٣/ ٨٣٧.\n(١٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٦٤.\n(١٥) أخرجه الطبري (٨٣٣٤): ص ٧/ ٤٦٤.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨١.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٨.","vol":"6","page":420},{"text":"وقال محمد بن كعب: \"لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية، وقال: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) \" (٢).\nوقال ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: \"لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية وإذ أخذ الله\" (٣).\nوقال طاوس لوهب: \"إنى أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال: والله لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله سيعذبك\" (٤).\nوعن الحسن بن عمارة قال: \"أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت عليا (﵇) يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا» قال: فحدثني بأربعين حديثا\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الله أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم، وعدم كتمانه.\n٢ - التحذير من كتمان العلم، لأنه تعالى ذكر ذلك على سبيل الذم لا على سبيل المدح، قالﷺ-: \"من سئل عن علم علمه ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" (٦).\n٣ - الذم لأهل الكتاب اليهود والنصارى لنبذهم الميثاق والعهد وراء ظهورهم، إذ أخذوا بدله ثمنا قليلا، مما يدل على خسة هممهم بأخذهم الأدنى بدلا من الأعلى.\n٤ - القدح في هذه الطريقة، لقوله: ﴿فبئس ما يشترون﴾، ويتفرغ على هذه الفائدة تحذير أولئك الذين يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم، لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله.\nالقرآن\n﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ [آل عمران: ١٨٨]\nالتفسير:\nولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يثني عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظنهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع. وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل، ليُثنيَ عليه الناس ويحمدوه.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج مسلم (٧)، وأحمد (٨)، والبخاري (٩)، والترمذي (١٠)، والنَّسَائِي (١١): \"أن مروان بن الحكم قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن\n_________\n(١) سورة النحل: ٤٣.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٨.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٥١.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٨، وانظر: مجمع البيان: ٢/ ٤٦٧.\n(٦) رواه الترمذي (٢٦٤٩).\n(٧) صحيح مسلم (٢٧٧٨): ص ٤/ ٢١٤٣.\n(٨) المسند (٢٧١٢): ص ٣/ ٢١٢ - ٢١٣.\n(٩) صحيح البخاري (٤٥٦٨): ص ٦/ ٥١.\n(١٠) سنن الترمذي (٣٠١٤).\n(١١) السنن الكبرى (١١٠٢٠) ..","vol":"6","page":421},{"text":"عباس: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه\" (١).\nالثاني: أخرج الشيخان في صحيحهما (٢) عن أبي سعيد الخدري: \" أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله -ﷺإلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ، فإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ \" (٣).\nوالثالث: أخرج الطبري وعبدالرزاق (٤)، عن مسلم البطين قال: \"سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية: ﴿لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا﴾، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾، قال: هو قولهم: نحن على دين إبراهيم ﵇\" (٥).\nوالرابع: ذكر ابن إسحاق عن عكرمة: \" ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة، ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى\" (٦).\nوالخامس: أخرج الطبري وعبدالرزاق (٧) عن قتادة: \"إن أهل خيبر أتوا النبي ﷺ وأصحابه فقالوا: إنا على رأيكم وسنتكم، وإنا لكم رِدْء (٨)، فأكذبهم الله فقال: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾، الآيتين\" (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحو ذلك (١٠).\nوالسادس: ذكر الواحدي عن الضحاك: \"كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن محمدا ليس نبي الله فاثبتوا على دينكم وأجمعوا كلمتكم على ذلك، فأجمعت كلمتهم على الكفر بمحمد - ﷺ - والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يفرحون بما أتوا﴾ بما فعلوا ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة\" (١١).\nوالسابع: أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء، فأدخلتهم الملوك، فرخصوا لهم وأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم، وما أعطوا فأنزل الله ﷿: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ \" (١٢).\nوالسببان الأول والثاني، هما المعول عليهما في سبب نزول هذه الآية، وأما الأسباب الأخرى، فهي لا يعول عليها من جهة السند.\n_________\n(١) المسند الجامع (٦٨١٤): ص ٩/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(٢) انظر: صحيح البخاري (٤٥٦٧): ص ٦/ ٥٠.، وصحيح مسلم (٧١٣٤): ص ٨/ ١٢١.\n(٣) المسند الجامع (٤٦٢١): ص ٦/ ٤٥٧ ..\n(٤) تفسير عبدالرزاق (٤٩٢): ص ١/ ٤٢٦.\n(٥) تفسير الطبري (٨٣٤٣): ص ٧/ ٤٦٨.\n(٦) تفسير الطبري (٨٣٣٨): ص ٧/ ٤٦٦، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٥٠): ص ٣/ ٨٤٠، والعجاب: ٢/ ٨١٤.\n(٧) تفسير عبدالرزاق (٤٩٧): ص ١/ ٤٣٠.\n(٨) الردء: العون والناصر، ينصره ويشد ظهره.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٣٥٠): ص ٧/ ٤٧١.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٥١): ص ٣/ ٨٤٠.\n(١١) أسباب النزول: ١٣٨.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٤٤): ص ٣/ ٨٣٨.","vol":"6","page":422},{"text":"والراجح إن سبب نزول هذه الآية الكريمة ما ذكره ابن عباس ﵄ في سؤال النبي ﷺ اليهود عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه؛ وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أي: \" لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من إخفاء أمرك عن الناس\" (١).\nقال الواحدي: \" هم اليهود فرحوا بإضلال النَّاس وبنسبة النَّاس إيَّاهم إلى العلم وليسوا كذلك\" (٢).\nولأهل العلم في الذين عناهم الله تعالى في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وجهان:\nأحدهما: أنهم أهل الكتاب فرحوا بالاجتماع على تكذيب النبي - ﷺ - وإخفاء أمره، وأحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم من أنهم أهل نسك وعلم، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعكرمة (٤)، والضحاك (٥)، والسدي (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة (٩).\nوالثاني: أنهم أهل النفاق فرحوا بقعودهم عن القتال وأحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم من الإيمان بمحمد - ﷺ-، وهذا قول أبي سعيد الخدري (١٠)، وابن زيد (١١).\nوقرأ حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو: ﴿يحسبن﴾ بالياء، ومعناه: ولا يحسبن الفارحون منجيا لهم من العذاب.\nوقرأ غيرهم بالتاء ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، معناه: ولا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وخبره في الباء.\nوقرأ الضحاك وعيسى: ﴿لا تحسبن﴾، بالتاء وضم الباء، أراد محمدا -ﷺ- وأصحابه﵃-.\nوقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا تحسبن أنفسهم (١٢).\nوقرأها إبراهيم: ﴿بما أوتوا﴾، ممدودا، أي: أعطوا، وقرأ سعيد بن جبير: ﴿أوتوا﴾، أي: أعطوا (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، \" أي: ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال\" (١٤).\nقال الواحدي: أي: \" وأَحبُّوا أن يحمدوا بالتَّمسُّك بالحقِّ وقالوا: نحن أصحاب التَّوراة وأولو العلم القديم\" (١٥).\nقال الفراء: \" قالوا: نحن أهل العلم الأول والصلاة الأولى، فيقولون ذلك ولا يقرون بمحمد ﷺ\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٢. [بتصرف].\n(٢) الوجيز: ٢٤٧ ..\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٣٤٤): ص ٧/ ٤٦٨، وابن أبي حاتم (٤٦٣٩): ص ٣/ ٨٣٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٣٣٨): ص ٧/ ٤٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٣٣٩)، (٨٣٤٠): ص ٧/ ٤٦٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٣٤١)، (٨٣٤٢): ص ٧/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(٧) وابن أبي حاتم (٤٦٣٩): ص ٣/ ٨٣٨ ..\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٣٤٥): ص ٧/ ٤٦٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٣٥٠): ص ٧/ ٤٧١.\n(١٠) انظر: صحيح البخاري (٤٥٦٧): ص ٦/ ٥٠.، وصحيح مسلم (٧١٣٤): ص ٨/ ١٢١، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٦٤٦): ص ٣/ ٨٣٩\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٣٣٦): ص ٧/ ٤٦٥.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٩.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٩.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٢٨.\n(١٥) الوجيز: ٢٤٧ ..\n(١٦) معاني القرآن: ١/ ٢٥٠.","vol":"6","page":423},{"text":"قال الطبري: أي: \" وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه\" (١).\nقال ابن كثير: \" يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يُعْطَوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ: \"من ادَّعَى دَعْوى كاذبة لِيتَكَثَّر بها لم يَزِدْه الله إلا قِلَّة\" (٢)، وفي الصحيح: \"المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثَوْبَي زُور\" (٣) \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أي: \" فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله\" (٥).\nقال السمرقندي: \" معناه: لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك\" (٦).\nقال الفراء: \" يقول: ببعيد من العذاب\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه\" (٨).\nقال ابن زيد في قوله: \" ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾، قال: بمنجاة من العذاب\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أي: \"ولهم عذاب مؤلم\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل\" (١١).\nالفوائد:\n١ - تحذير من يفرح بما أتى فرح منة أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين.\n٢ - التحذير من محبة الإنسان أن يُحمد بما لم يفعل، وذلك كأن يصرح الإنسان بأنه عمل عملا وهو كاذب، أو يورّي فيظن السامع أنه فاعل وهو لم يفعل.\n٣ - أنه من كان على هذا الحال فلن ينجو من العذاب.\n٤ - إثبات العذاب الاليم لمن هذه حاله، وقد عرفنا أنها منطبقة علة صنفين من الناس: أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسولﷺ- والثاني: هم المنافقون.\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]\nالتفسير:\nولله وحده ملك السموات والأرض وما فيهما، والله على كل شيء قدير.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، أي: \" لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٢. [بتصرف].\n(٢) صحيح البخاري برقم (٦١٠٥، ٦٦٥٢) وصحيح مسلم برقم (١١٠) من حديث ثابت بن الضحاك ﵁.\n(٣) رواه مسلم برقم (٢١٢٩) من حديث عائشة ﵂.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨١ ..\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٢. [بتصرف].\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٣ ..\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٢٥٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٢. [بتصرف].\n(٩) أخرجه الطبري (٨٣٥٣): ص ٧/ ٤٧٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٢٨ ..\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٢.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٣.","vol":"6","page":424},{"text":"قال الزجاج: \" أي: هو خالقهما، ودليل ذلك قوله - ﷿: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، و﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ \" (١).\nقال مقاتل: \" ثم عظم الله نفسه فقال: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ وما بينهما من الخلق عبيده وفي ملكه\" (٢).\nقال السمرقندي: \" أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات، ويقال: جميع من في السموات والارض عبيده وفي ملكه\" (٣).\nقال الواحدي: \" أي: بملك تدبيرهما، وتصريفهما على ما يشاء\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق، المتصرف فيهم بكمال القدرة، وبديع الصنعة\" (٥).\nقال الطبري: \" وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه الذين قالوا: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (٦)، يقول تعالى ذكره، مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض. فكيف يكون أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيرًا؟ \" (٧).\nقال المراغي: \" أي لا تحزنوا أيها المؤمنون ولا تضعفوا، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، ولا تفرحوا بما عملتم، فإن الله يكفيكم ما أهمكم ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها فإن لله ملك السموات والأرض يعطى من يشاء\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، \" أي وهو سبحانه \"على كل شيء قدير\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" فهو يقدر على عقابهم\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد\" (١١).\nقال الطبري: \" ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك، ولكل مكذب به ومفتر عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه فقال: والله على كل شيء قدير، يعني: من إهلاك قائلي ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور\" (١٢).\nقال المراغي: أي: \" لا يعز عليه نصركم على من يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين\" (١٣).\nقال الماتريدي: \" وهذا [ردّ] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يقدر على خلق فعل العبد، وعلى قولهم: غير قادر على أكثر الأشياء، وهو قد أخبر أنه على كل شيء قدير\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن ملك السماوات والارض خاص بالله ﷿، ووجهه تقديم الخبر الذي دل! على الحصر.\n٢ - أن الملك المطلق لله وحده، وأما الملك المضاف إلى المخلوق فهو ملك مقيد، ودليله أن هذا المالك المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعا من هذا ولا يملكه، والله جلّ وعلا يملك ملكا عاما شاملا يستغني به عن غيره.\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٤٩٨ ..\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢١ ..\n(٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٣.\n(٤) التفسير البسيط: ٦/ ٢٥٢.\n(٥) تفسير السعدي: ١٦١.\n(٦) سورة آل عمران: ١٨١.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٣.\n(٨) تفسير المراغي: ٤/ ١٥٩.\n(٩) التفسير الميسر: ٧٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٤٥٢.\n(١١) تفسير السعدي: ١٦١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٣.\n(١٣) تفسير المراغي: ٤/ ١٥٩.\n(١٤) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٥٩.","vol":"6","page":425},{"text":"٣ - الإشارة أنه لايجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع، لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوكالة، يتقيد بما أُذن له فيه.\n٤ - عموم قدرة الله ﷿، لقوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾.\n٥ - أن من آمن بهذا-أي بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، لأن الإنسان قد يصاب بمرض مثلا فييأس من برئه بعد العلاج، فيقال له: لاتيأس إن الله على كل شي قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقي المرض بك فقد يكون خيرا لك، لأنك تكسب من ورائه الثواب من الله ﷿، فإنه لايصيب المؤمن من همّ ولا غمّ ولا أذى حتى الشوكة يشاكلها إلا كفّر الله به يعني من ذنوبه، كما روي عن أم المؤمنين عائشة﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه، حتى الشوكة يشاكها\" (١).\nالقرآن\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]\nالتفسير:\nإن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولا وقِصَرًا لدلائل وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج ابن أبي حاتم والطبراني (٢)، والواحدي (٣)، عن ابن عباس قال: \"أتت قريش النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ \" (٤).\nواخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مرسلا (٥)، قال ابن حجر: \"والمرسل أصح\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، \"أي: إِن في خلق السماوات والأرض على ما بهما من إِحكام وإٍبداع\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابتَ وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص\" (٨).\nقال ابن عطية: \" ثم دل على مواضع النظر والعبرة، حيث يقع الاستدلال على الصانع بوجود السماوات والأرضين والمخلوقات دال على العلم، ومحال أن يكون موجود عالم مريد غير حي، فثبت بالنظر في هذه الآية عظم الصفات\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، \"أي: وتعاقب الليل والنهار على الدوام\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ: ٥٨٤، وأحمد في المسند: ٦/ ٨٨، ٦/ ١١٣، ٦/ ١٢٠.\n(٢) انظر: المعجم الكبير (١٢٣٢٢): ص ١٢/ ١٢، وإسناده ضعيف، بسبب يحيى (ديوان الضعفاء للذهبي: ٣٣٨ - رقم: ٤٦٥٧) وجعفر بن أبي المغيرة القمي (تقريب التهذيب: ١/ ١٣٣ - رقم: ١٠٢) وقد ضعفه الحافظان: الهيثمي (مجمع الزوائد: ٦/ ٣٢٩)، وابن كثير (تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٤).\nعزاه ابن كثير إلى الطبراني ثم قال \"٢/ ١٨٤\": \"وهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة والله أعلم\".\nوكذلك قال ابن حجر في \"الفتح\" \"٨/ ٢٣٥\" وأجاب عنه فقال: \"وعلى تقدير كونه محفوظا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنية، وقريش من أهل مكة. قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة\".\n(٣).انظر: أسباب النزول: ١٣٨ - ١٣٩.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٥٥): ص ٣/ ٨٤١.\n(٥) انظر: العجاب: ٢/ ٨١٦ - ٨١٧.\n(٦) العجاب: ٢/ ٨١٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٣٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٤.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣٠.","vol":"6","page":426},{"text":"قال ابن عطية: \" هو تعاقبهما، إذ جعلهما الله خلفة، ويدخل تحت لفظة الاختلاف كونهما يقصر هذا ويطول الآخر وبالعكس، ويدخل في ذلك اختلافهما بالنور والظلام\" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: تعاقبهما وتَقَارضهما الطول والقصر، فتارة يطُول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، \" أي: علامات واضحة على الصانع وباهر حكمته، ولا يظهر ذلك إِلا لذوي العقول\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر. وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر\" (٤).\nقال ابن كثير: قوله\" ﴿لأولِي الألْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البُكْم الذين لا يعقلون الذين قال الله [تعالى] (٣) فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥، ١٠٦] \" (٥).\nقال ابن عطية: \" و﴿الآيات﴾: العلامات، و﴿الألباب﴾ في هذه الآية: هي ألباب التكليف لا ألباب التجربة، لأن كل من له علوم ضرورية يدركها فإنه يعلم ضرورة ما قلناه من صفات الله تعالى\" (٦).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿لأولي الألباب﴾، أن من لم يكن ذا لب قل عناؤه في التفكر فيها، واللب هو اسم للعقل أزيل عنه الدرن، وذاك أن العقل وإن كان أشرف مدرك من الأشياء فهو في الأصل كسيف حديد لم يطبع ولم يصقل، فإذا تفقد وتعهد بالحكمة صار كسيف طبع، فأزيل خبثه، وشحذ حده، وكل موضع يذكر الله تعالى فيه أجل مدرك لا يمكن إدراكه إلا بأجل مدرك\" (٧)\nأخرج ابن حبان عن عطاء قال دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير قد آن لك أن تزورنا فقال أقول يا أمه كما قال الأول زر غبا تزدد حبا قال فقالت دعونا من رطانتكم هذه قال بن عمير أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: \"يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي\" قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره قالت ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال: \"أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية كلها [آل عمران: ١٩٠] \" (٨).\nالفوائد:\n١ - الحثّ على التأمل في خلق السماوات والأرض، لأن الله تعالى ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي: العلامات، وكلما ازدادت الآيات وضوحا ازداد الإيمان قوة.\n٢ - النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجه الذي ذكر في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لايذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثا.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٣٠.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٥٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٤.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٤٠.\n(٨) صحيح ابن حبان (٦٢٠): ص ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧، إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو الشيخ في \"أخلاق النبي\" ص ١٨٦ عن الفريابي، عن عثمان بن أبي شيبة، بهذا الإسناد.","vol":"6","page":427},{"text":"٣ - الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عزّ إلى ذلّ، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.\n٤ - الثناء لأصحاب العقول، لأن الله جعل هذا الاختلاف لذوي العقول، أما من لاعقل له فإنه لاينتفع بهذه الآيات، ولايعتبر بها وتمرّ عليه وكأنها مظاهر طبيعية لا علاقة لها لفعل الله تعالى بها، وهذا –والعياذ بالل—من الطمس على القلوب وعمي الأبصار، لأن هذا الكون على هذا النظام البديع لايمكن أبدا أن يقع إلا من رب حكيم ﷿، ولايمكن أن يقع من فاعل على وجه السفه أبدا.\n٥ - أن الربّ ﷿ أظهر آياته لخلقه مع ان مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.\n٦ - الثناء على العقل، وهو عقل الرشد لا عقل التكليف، لقوله تعالى: ﴿لآيات لأولي الالباب﴾.\n٧ - أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم، لقوله: ﴿لآيات لأولي الالباب﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت لثبوته ويعدم لعدمه، ولذلك من كان عقله بهيميا لاينتفع بهذه الآيات، لأنه ليس من ذوي الالباب.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١]\nالتفسير:\nالذين يذكرون الله في جميع أحوالهم: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم يتدبرون في خلق السموات والأرض، قائلين: يا ربنا ما أوجدت هذا الخلق عبثًا، فأنت منزَّه عن ذلك، فاصْرِف عنا عذاب النار.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، أي: الذين\"يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم في جميع الأحوال في حال القيام والقعود والاضطجاع\" (١).\nقال ابن جريج: \" هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن\" (٢).\nقال قتادة: \" وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا\" (٣).\nقال الطبري: \"من نعت أولي الألباب، أي: الذاكرين الله قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا\" (٤).\nقال ابن كثير: \" ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، كما ثبت في صحيح البخاري عن عِمْران بن حُصَين، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"صَلِّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لَم تستطع فَعَلَى جَنْبِكَ\" (٥) أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم\" (٦).\nقال ابن عطية: \" وهذا وصف ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله، وأن يحصر القلب اللسان، وذلك من أعظم وجوه العبادات، والأحاديث في ذلك كثيرة، وابن آدم منتقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه\" (٧).\nوقوله: ﴿وعلى جنوبهم﴾: \"عبارة عن حال الاضطجاع، وعلى ذلك قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]، فمن حمل الآية على الصلاة، وقال: معناه لا يخلون بها في شيء من أحوالهم قائمين إذا قدروا، قاعدين إذا عجزوا، وعلى جنوبهم إذا مرضوا.\nومنهم من جعله أعم من ذلك، وقال: لا ينفكون من ذكر الله في جميع أحوالهم، كقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].\nومنهم من جعله أعم من ذلك أيضا، وقال: معناه لا يتحرون بجميع أفعالهم إلا وجهه، وبيان ذلك أن مباحات أولياء الله كلها قرب يستحق بها الثواب، وذاك أنهم لا يأكلون ولا ينامون إلا وقت الضرورة، ومقدار ما يستعينون به على العبادة، وما لا تتم عبادتهم إلا به فذاك واجب كوجوبها\" (٨).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وجهان:\nأحدها: إنما هذه في الصلاة إذا لم تستطع قائما فقاعدا، وإن لم تستطع قاعدا فعلى جنب. قاله أبو مسعود (٩).\nوالثاني: ان المراد ذكر الله ﷿ في تلك الأحوال: قائما وقاعدا ومضطجعا. وهذا قول مجاهد (١٠)، وقتادة (١١).\nقال الثعلبي: \" قال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة\" (١٢).\nقال الراغب: \" الذكر: ذكر باللسان، وذكر بالقلب، وذكر القلب ذكران: ذكر عن نسيان، وهو إعادة ما انحذف عن الحفظ، وذلك هو التذكر في الحقيقة، وذكر هو إدامة مراعاة ما ثبت في الحفظ\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، \" أي: ويتدبرون في ملكوت السماوات والأرض، في خلقهما بهذه الأجرام العظام وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبتدعات\" (١٤).\nقال الثعلبي: أي: بأن\" لها صانعا قادرا ومدبرا حكيما\" (١٥).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة\" (١٦).\nقال ابن كثير: \" أي: يفهمون ما فيهما من الحكَم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته، ... وقد ذمّ الله تعالى مَنْ لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥، ١٠٦] ومدح عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ قائلين ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا﴾ \" (١٧).\nقال الشيخ أبو سليمان الداراني: \"إني لأخرجُ من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عَلَي فيه نِعْمَة، أوْ لِي فيه عِبْرَة\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٣٥٤): ص ٧/ ٤٧٤ - ٤٧٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٣٥٥): ص ٧/ ٤٧٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٤.\n(٥) صحيح البخاري برقم (١١١٥).\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٤.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٤٢ - ١٠٤٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٥٦): ص ٣/ ٨٤١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٥٧): ص ٣/ ٨٤١.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٥٨): ص ٣/ ٨٤١.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣١.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٤٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣١.\n(١٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٥.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٤ - ١٨٦.\n(١٨) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٤٠٢، وانظر: معجم مصنفات ابن أبي الدنيا: ١٨٩.","vol":"6","page":428},{"text":"وروي أنه كان ابن عور يقول: \"الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾] آل عمران: ١٩١]، \"أي: قائلين: ربنا ما خلقت هذ الكون وما فيه عبثًا من غير حكمة\" (٢).\nقال أبو عبيدة: \" العرب تختصر الكلام، ليخففوه، لعلم المستمع بتمامه، فكأنه في تمام القول، ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا \" (٣).\nقال الطبري: أي: \": لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: ما خلقت هذا الخلق عَبَثًا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى\" (٥).\nقال الزمخشري: \" المعنى: ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، \"أي: ننزهك يا الله عن العبث فأجرنا واحمنا من عذاب جهنم\" (٧).\nقال الطبري: \" ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم\" (٩).\nروي أنه سئلت أم الدرداء \" ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر، والاعتبار \" قوله جل وعز: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ \" (١٠).\nقال ابن عطية: \" حدثني أبي ﵁ عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر، فصليت العشاء فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة فصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته ينشد (١١):\nمنسحق الجسم غائب حاضر ... منتبه القلب صامت ذاكر\nمنقبض في الغيوب منبسط ... كذاك من كان عارفا ذاكرا\nيبيت في ليله أخا فكر ... فهو مدى الليل نائم ساهر\nقال فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة وانصرفت عنه\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣١.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٣) أخرجه ابن المنذر (١٢٦٦): ص ٢/ ٥٣٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٤٥٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٥.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٢٦٥): ص ٢/ ٥٣٤.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٥.\n(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٥.","vol":"6","page":429},{"text":"وقوله: ﴿سبحانك﴾: \"هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن ذكر الله ﷿ من لوازم العقل ومقتضياته، لقوله: ﴿لأولي الألباب، الذين يذكرون الله﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].\n٢ - فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله ﷿ على كل حال، وكان أبلغ من وفّى بهذا حقه ﷿ رسول الله -ﷺ-، قالت عائشة﵂-: \"كان النبيﷺ- يذكر الله على كل أحيانه\" (٢).\n٣ - جواز ذكر الله تعالى للجنب، لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾.\n٤ - أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن، \"وقد ثبت أن النبيﷺ- كان يقرأ متكئا في حجر عائشة وهي حائض ﵂\" (٣).\n٥ - فضيلة التفكير في خلق السماوات والأرض، والمقصود التفكر المقرون بقول: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات، لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا، لكنه لا يفيده في الآخرة.\n٦ - التوسل الى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير.\n٧ - انتفاء الباطل في خلق الله نفيا مطلقا، وإ ١ اانتفى الباطل نفيا مطلقا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩].\n٨ - الإقرار من هؤلاء العقلاء بان الله هو الخالق، وهو تقرير توحيد الربوبية.\n٩ - إثبات الحكمة في أفعلا لله، لقوله: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾، فأفعال الله وشرائعه كلها لحكمة ليس فيها شيء عبث إطلاقا.\n١٠ - تنزيه الله ﷿ عن كل عيب ونقص، مأخوذ من قوله: ﴿سبحانك﴾، والذي ينزّه الله عنه شيئان: النقص، ومماثلة المخلوقات، حتى فيما هو كمال في المخلوقين، فإن الله منزّه عن مماثلتهم قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n١١ - أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء للوقاية من النار.\n١٢ - إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله ﷿، لأنهم بنوا ﴿فقنا﴾، على قولهم: ﴿سبحانك فقنا﴾، يعني: أننا نتوسل إلى الله ﷿ بتنزّهه عن النقص أن يقينا عذا النار، لأننا مؤمنون، لقوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله ﷿ عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار ﴿سبحانك فقنا﴾، لأنه المعروف في اللغة العربية أن \"الفاء\" تدل على تفرع ما بعدها على ما قبلها.\n١٣ - إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة.\n١٤ - في الآية الكريمة كلمتان لايجوز فصل إحداهما عن الأخرة، وهي: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، فلو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾، وسكتّ أوهم معنى فاسدا، ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، وذلك لو سكت لأوهم أن الوعيد للمصلي.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [آل عمران: ١٩٢]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦١.\n(٢) رواه مسلم (٣٧٣).\n(٣) انظر: سنن النسائي (٢٧٤).","vol":"6","page":431},{"text":"يا ربنا نجِّنا من النار، فإنك -يا ألله- مَن تُدخِلْه النار بذنوبه فقد فضحته وأهنته، وما للمذنبين الظالمين لأنفسهم من أحد يدفع عنهم عقاب الله يوم القيامة.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، \"أي: من أدخلته النار فقد أذللته وأهنته\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: من خلدته في النار فقد أهنته\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع\" (٣).\nقال ابن عطية: \" استجارة واستعاذة، أي فلا تفعل بنا ذلك ولا تجعلنا ممن يعمل عملها، والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خزي الرجل يخزى خزيا إذا افتضح، وخزاية إذا استحيى، الفعل واحد والمصدر مختلف\" (٤).\nقال الراغب: \" يقال: خزي الرجل: إذا لحقه انكسار، إما من نفسه بإفراط، يقال في مصدره الخزاية، وإما من غيره، ويقال في مصدره الخزي، وعلى هذا هان وذل، متى كان ذلك من نفسه، يقال له الهون والذل، ومتى كان من غيره يقال له الهوان والذل، والآية من تمام الحكاية عن المتفكرين في خلق السموات والأرض\" (٥).\nوفي تفسير \"الخزي\" في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، على جوه:\nأحدها: أنه يعني: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته، ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب. وهذا قول أنس (٦)، وابن المسيب (٧)، والحسن (٨)، وابن جريج (٩).\nوالثاني: أن معناه: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب. وهذا قول جابر بن عبدالله (١٠)، وروي عن الضحاك نحو ذلك (١١).\nوالثالث: وقيل: ان \"الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزي يخزي، خزاية إذا استحيا.\nقال ذو الرمة (١٢):\nخَزَايةً أدرْكَتْه بعد جَوْلَتِه (١٣) ... من جَانب الحَبْل مخلوطا بهَا الغَضَبُ\nوقال القطامي في الثور والكلاب (١٤):\nحَرِجًا وَكرَّ كُرُورَ صَاحب نَجْدَةٍ ... خَزي الحَرَائِرُ أَن يكون جَبانَا\nأي يستحي (١٥)، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار\" (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٦.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨.\n(٦) انظر: تفسير لطبري (٨٣٥٦): ص ٧/ ٤٧٧.\n(٧) انظر: تفسير لطبري (٨٣٥٧): ص ٧/ ٤٧٧.\n(٨) انظر: تفسير لطبري (٨٣٥٨): ص ٧/ ٤٧٧.\n(٩) انظر: تفسير لطبري (٨٣٥٩): ص ٧/ ٤٧٨.\n(١٠) انظر: تفسير لطبري (٨٣٦٠): ص ٧/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٦١): ص ٣/ ٨٤٢.\n(١٢) انظر: في اللسان، مادة\"خزى\": ص ١٤/ ٢٢٧، وتهذيب اللغة مادة\"خزى\": ص ٧/ ٢٠٥، وفي تاج العروس مادة\"خزى\": ص ٣٧/ ٥٤٤، يصف ثورا وحشيا تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل:\nحتى إذا دومت في الأرض راجعه ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب\nخزاية أدركته بعد جولته ... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب\nيعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف من الهرب فكر راجعا إليها. [انظر: أضواء البيان: ٢/ ١٨٨].\n(١٣) في تفسير الثعلبي: \"جوليه\". والصحيح ما اثبتناه، كما في اللسان، مادة\"خزى\": ص ١٤/ ٢٢٧، وتهذيب اللغة مادة\"خزى\": ص ٧/ ٢٠٥، وفي تاج العروس مادة\"خزى\": ص ٣٧/ ٥٤٤، \"حولته\".\n(١٤) انظر: اللسان، مادة\"خزى\": ص ١٤/ ٢٢٧، وتهذيب اللغة، مادة\"خزى\": ص ٧/ ٢٠٥.\n(١٥) أراد: خزي الرجل الحرائر، أي استحيى منهن أن يفر.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣.","vol":"6","page":432},{"text":"والراجح-والله اعلم- هو القول الثاني، أي: أن \" من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها، وذلك أن الخزي إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الخزي \" (١).\nقال ابن عطية: \" أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره، وإنما الخزي التام للكفار\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿من﴾ تشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين، لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكل منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك ستره\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، أي: \" وليس للظالمين من يمنعهم من عذاب الله\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: وما للمشركين من مانع يمنعهم من النار\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: يوم القيامة لا مُجِير لهم منك، ولا مُحِيد لهم عما أردت بهم\" (٦).\nقال الطبري: \" وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه\" (٧).\nقال الماتريدي: \" أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة\" (٨).\nقال ابن عطية: \" هو من قول الداعين، وبذلك يتسق وصف الآية\" (٩).\nالفوائد:\n١ - فقه هؤلاء السادة اولي الألباب إذ بيّنوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي والعياذ بالله، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.\n٢ - إثبات النار، لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.\n٣ - أنه لانصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم، ولكن تدور عليه الدوائر، أما في الآخرة فلا أحد ينصره.\n٤ - أن الظلم سبب دخول النار، لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ [آل عمران: ١٩٣]\nالتفسير:\nيا ربنا إننا سمعنا مناديا -هو نبيك محمد ﷺ- ينادي الناس للتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، والعمل بشرعك، فأجبنا دعوته وصدَّقنا رسالته، فاغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وألحقنا بالصالحين.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أي: ربنا إننا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٥٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٤٧٩.\n(٨) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٢.\n(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٦.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣١.","vol":"6","page":433},{"text":"قال الطبري: أي: \" ربنا إننا سمعنا داعيًا يدعو إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك، فصدقنا بذلك يا ربنا\" (١).\nوفي المنادي في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]،\nقولان:\nأحدهما: أنه النبي محمد -ﷺ-، وهو قول ابن جريج (٢)، وابن زيد (٣)، ونسبه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس ﵄ وإلى أكثر المفسرين (٤).\nورجّحه الراغب فقال: \" والمنادي للإيمان والداعي إليه: قد يكون العقل، وكتابه المنزل، ورسوله المرسل، وآياته الدالة، وإن كان الأظهر في هذا الموضع أن يكون الرسول، لقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] \" (٥).\nوالثاني: أن المنادي القرآن، لأنه ليس كل الناس سمع رسول الله - ﷺ-. قاله محمد بن كعب القرظي (٦)، وهو معنى قول قتادة (٧).\nوقالوا: \" من سمع القرآن فكأنما لقي النبي ﷺ، وهذا صحيح معنى\" (٨).\nوالراجح-والله أعلم- هو أن المنادي: القرآن، \" لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات، ليسوا ممن رأى النبي ﷺ، ولا عاينه فسمعوا دعاءه إلى الله ﵎ ونداءه، ولكنه القرآن، وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن: ١، ٢] \" (٩).\nوقد أخرج الطبري عن عن قتادة: \"قوله: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان﴾، إلى قوله: ﴿وتوفَّنَا مع الأبرار﴾، سمعوا دعوة من الله فأجابوها فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها. ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجنّ كيف قال. فأما مؤمن الجن فقال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وأما مؤمن الإنس فقال: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، الآية\" (١٠).\nوقوله ﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾، يحتمل وجهان (١١):\nأحدهما: أن معناه: إلى الإيمان، قاله أبو عبيدة (١٢)، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] بمعنى: إلى هذا. ومنه قول العجاج (١٣):\nأَوْحَى لَها القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ ... وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ\nبمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ٥]\nوالثاني: وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمان، ينادي أن آمنوا بربكم.\nقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، \" أي: يقول هذا الداعي: أيها الناس آمنوا بربكم واشهدوا له بالوحدانية فصدقنا بذلك واتبعناه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٣٦٣): ص ٧/ ٤٨١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٣٦٤): ص ٧/ ٤٨١.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٧.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ١٠٤٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٣٦١)، (٨٣٦٢): ص ٧/ ٤٨٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٣٦٥): ص ٧/ ٤٨١.\n(٨) تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨١.\n(١٠) تفسير الطبري (٨٣٦٥): ص ٧/ ٤٨١.\n(١١) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٥٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ١١١، وتفسير الطبري: ٧/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن المنذر (١٢٧٢): ص ٢/ ٥٣٦.\n(١٣) ديوانه: ٥، وواللسان: ١٥/ ٣٨٠، مادة\" وَحَى\".\n(١٤) صفوة التفاسير: ١/ ٢٣١.","vol":"6","page":434},{"text":"قال البيضاوي: \" أي بأن آمنوا فامتثلنا\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي يقول: ﴿آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي: فاستجبنا له واتبعناه\" (٢).\nقال الشيخ أبو منصور﵀-: \" فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أي: \"ربنا فاستر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها، وامح بفضلك ورحمتك ما ارتكبناه من سيئات\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني امح عنا خطايانا\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي: فيما بيننا وبينك\" (٦).\nقال الواحدي: \" أَيْ: غطِّ واستر عنا ذنوبنا بقبول الطَّاعات حتى تكون كفَّارةً لها\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، فامحها بفضلك ورحمتك إيانا \" (٨).\nوفي غفران الذنوب وتكفير السيئات في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وجوه (٩):\nأحدهما: أن قولهم: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾: التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿وكفر عنا سيئاتنا﴾، أي: اعصمنا فيما بقي من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبد التكفير لما أساء.\nوالثاني: أن المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير، وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب، ولذلك سمي الحراثون: كفارا؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافرا؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره.\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا﴾، تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد، فإن الغفر والكفر: الستر\" (١٠).\nوالثالث: وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن الغفران بمجرد الفضل، والتكفير بفعل الخير.\nوالرابع: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة.\nوالخامس: أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبا، وبالثاني: ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنبا.\nقال الفخر: \" أما الغفران فهو الستر والتغطية، والتكفير أيضا هو التغطية، يقال: رجل مكفر بالسلاح، أي مغطى به، والكفر منه أيضا، وقال لبيد (١١):\nفِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها\nإذا عرفت هذا: فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد\" (١٢).\nوفي تفسير الذنوب والسيئات أقوال:\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٣٢٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٧) الوجيز: ٢٤٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٢.\n(٩) انظر: تفسيرالماتريدي: ٢/ ٥٦٣، وزاد المسير: ١/ ٣٦١، ومفاتيح الغيب: ٩/ ٤٦٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٧.\n(١١) المعلقات السبع للزوزني: ١٠٠. وتمامه: يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها\".\n(١٢) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٦٧.","vol":"6","page":435},{"text":"أحدها: أن الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك. قاله الكلبي (١).\nوالثاني: أن قوله: ﴿ذنوبنا﴾، يعني: ما عملوا في حال الجاهلية، ﴿وكفر عنا سيئاتنا﴾، يعني: ما عملوا في حال الإسلام. قاله الضحاك.\nوالثالث: أن الذنوب والسيئات بمعنى واحد.\nوالرابع: أن الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة.\nقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أي: \"وألحقنا بالصالحين\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: المطيعين\" (٣).\nقال ابن كثير: \"أي: ألحقنا بالصالحين\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك، في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم\" (٥).\nقال السمرقندي: \" أي: مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين\" (٦).\nقال البيضاوي: \"أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه\" (٧).\nقال الراغب: \" قوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، نحو ما حكى عن غيره في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وفيه تنبيه أنهم لا يكرهون لقاء الله، وقد قال - ﷺ -: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (٨) \" (٩).\nوقد ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين (١٠):\nالأول: أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد، والثاني: يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا. والثالث: أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم، ومنه قوله: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين [النساء: ٦٩].\nواختلف في ﴿البر﴾، على وجوه (١١):\nأحدها: أنه الذي لا يؤذى أحدا.\nوالثاني: وقيل: الأبرار: الأخيار.\nوالثالث: أن الأبرار هم الأنبياء، والمعنى: توفنا في جملتهم حتى نصير معهم. قاله الواحدي (١٢).\nوالرابع: أن الأبرار: هم الأنبياء والصالحون. قاله ابن عباس (١٣).\nوالخامس: أنهم المتمسكون بالسنّة. قاله النسفي (١٤).\nوالسادس: أن البر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية، ومعنى الآية: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنا أبرار.\n_________\n(١) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٢.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٥.\n(٨) خرجه أحمد في المسند (٨٥٣٧): ص ٢/ ٣٤٦، والنَّسائي في الكبرى (١٩٧٣): ص ٤/ ٩.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٠.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٦٧.\n(١١) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٣.\n(١٢) انظر: الوجيز: ٢٤٩.\n(١٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٦١.\n(١٤) انظر: تفسير النسفي: ١/ ٣٢٢.","vol":"6","page":436},{"text":"قال الطبري: \" ﴿الأبرار﴾: جمع بَرَ، وهم الذين برُّوا الله ﵎ بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم\" (١).\nوقال الراغب: \" ﴿الأبرار﴾ جمع بر وبار، نحو جد وأجداد، وصاحب وأصحاب، وأصله من البر أي المكان الواسع، فبره خوله برا، أي سعة، ويقال للإنسان إذا أكرم من دونه وأكرمه من فوقه بره، كما يقال فيهما: أحب ووالى، والأبرار: هم الموصوفون بقوله ﴿﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ \" (٢).\nقال ابن عثيمين: ﴿الأبرار﴾: جمع برْ، والبرّ هو: كثير الخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم مكثرون لفعل الخيرات، وعليه فإنهم أبرار\" (٣).\nقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿الأبرار﴾، و﴿الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]، و﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح (٤).\nالفوائد:\n١ - أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غير مانّ بها على ربه.\n٢ - أن دعوة النبيﷺ- دعوة الإيمان.\n٣ - بيان أن الرسولﷺ- بذل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق، لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسولﷺ- يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.\n٤ - أن الكلمات قد يستغني بمضمونها عن تفاصيلها، لقوله: ﴿ربنا إننا آمنّا﴾، أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به وصدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله ﷿.\n٥ - الإشارة إلى بيان العلة لقوله: ﴿أن آمنوا بربكم﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان لأنه رب حالق، مالك، مدير، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.\n٦ - أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لايحبطه، لأنهم قالوا: ﴿إن آمنوا بربكم فآمنّا﴾.\n٧ - جواز التوسل بالدعاء بالأعمال الصالحة، لقولهم: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾، عطفا على قولهم: ﴿ربّنا إننا آمنّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضا في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم اللهم كان لى أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بى فى طلب شىء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج.\nقال النبى ﷺ وقال الآخر اللهم كانت لى بنت عم كانت أحب الناس إلى، فأردتها عن نفسها، فامتنعت منى حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلى بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلى وتركت الذهب الذى أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.\nقال النبي ﷺ وقال الثالث اللهم إنى استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذى له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلى أجرى. فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي. فقلت إني لا أستهزئ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٢.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٤٩.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٥٥٦.\n(٤) انظر: السبعة: ٢٢٢، وزاد المسير: ١/ ٣٦١.","vol":"6","page":437},{"text":"بك. فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون: (١).\n٨ - أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب، لقوله: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾، فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته ينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.\n٩ - التفريق بين المعاصي، بعضها ذنوب، وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى بائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.\n١٠ - جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾، ويجدر القول أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة وهي أن يموت على ما مات عليه الابرار، ومثله قول مريم ٠ ﵍-: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، والمعنى: يا ليتني مت قبل المصاب، وكذلك قول يوسف﵇-: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n١١ - الثناء على أهل البر والإحسان، لقوله: ﴿وتوفّنا مع الأبرار﴾.\nالقرآن\n﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٤]\nالتفسير:\nيا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية، ولا تفضحنا بذنوبنا يوم القيامة، فإنك كريم لا تُخْلف وعدًا وَعَدْتَ به عبادك.\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي: \" يا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية\" (٢).\nقال مقاتل: \" يقول أعطنا من الجنة ما وعدتنا على ألسنة رسلك\" (٣).\nقال الكلبي عن ابن عباس: \" يقولون على لسان رسلك\" (٤).\nقال الواحدي: والمعنى: أن المؤمنين يدعون الله تعالى بأن ينجز لهم ما وعدهم من الثواب على لسان الرسل\" (٥)، ومعنى الدعاء -ههنا- مع العلم أنه منجز وعده لا محالة-: التعبد؛ لما في ذلك من الخضوع لله،\n_________\n(١) أَخْرَجَهُ أحمد (٥٩٧٣): ص ٢/ ١١٦، والبُخَارِي (٢٢٧٢): ص ٣/ ١١٩، ومسلم (٧٠٥١): ص ٨/ ٩١، وأبو داود: (٣٣٨٧) ..\n(٢) التفسير الميسر: ٧٥.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(٤) الوجيز للواحدي: ١/ ٤٣٥. ولم أقف على مصدر قوله.\n(٥) الوجيز: ١/ ٤٣٥.","vol":"6","page":438},{"text":"وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن «الدعاء مخ العبادة» (١)، مثله -مما لا يجوز غيره، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قوله -تعالى-: ﴿قال رب احكم بالحق﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقوله: ﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾ [غافر: ٧] \" (٢).\nوقال القرظي: \"إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: ﴿ربنا وأدخلهم جنات﴾ [غافر: ٨] \" (٣). واختار الزجاج هذا القول (٤).\nقال الزجاج والفراء والنحاس: \" يريد على ألسنة رسلك، مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]﴾ \" (٥).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: على ألسنة رسلك؛ وعد الله المؤمنين على ألسنة رسله أن يدخلهم الجنة إذا أطاعوه\" (٦).\nقال مكي: \" أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك وعجَل لنا ذلك\" (٨).\nروي عن ابن جريج، \"قوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾، قال: يستنجز موعود الله على رُسله\" (٩).\nوقال السمرقندي: \" يعني: أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك. ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم﵈- للمؤمنين\" (١٠).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، وجوه (١١):\nأحدها: أن المعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، قاله ابن عباس في رواية الكلبي عنه (١٢)، ومقاتل (١٣)، واختاره الزجاج (١٤)، والفراء (١٥)، والنحاس (١٦)، ابن كثير (١٧).\n_________\n(١) هذا نص حديث، أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في \"السنن\" ٥/ ٤٥٦ رقم (٣٣٧١). كتاب: الدعاء. باب: (من فضل الدعاء)، عن أنس بن مالك، من طريق ابن لهيعة، وقال الترمذي: (حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).\nوورد بلفظ: (الدعاء هو العبادة)، أخرجه: الترمذي في \"السنن\" رقم (٢٩٦٩) كتاب: \"التفسير\": باب (من سورة البقرة). وقال: (حسن صحيح)، رقم (٣٢٤٧) كتاب: التفسير. باب (ومن سورة المؤمن)، رقم (٣٣٧٢) كتاب: الدعاء. باب: (ما جاء في فضل الدعاء).\nوأحمد في \"المسند\" ٤/ ٢٧١، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٤٩١. وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.\nوابن ماجه في \"السنن\" رقم (٣٨٢٨) كتاب: الدعاء باب (فضل الدعاء).\nوأبو داود في \"السنن\" رقم (١٤٧٩) كتاب: الصلاة باب (الدعاء).\nوابن حبان في صحيحه - انظر: \"الإحسان\" ٣/ ١٧٢ رقم: (٨٩٠).\nوابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٢١ - ٢٢ رقم (٢٩١٥٨).\nوالبخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٧١٤)، والطيالسي في \"مسنده\" ٢/ ١٤٦ (٨٣٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" ٥/ ١٨٤ رقم (١٣٨٤).\n(٢) التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٢٦٢.\n(٣) التفسير البسيط، للواحدي: ١٦/ ٤٣٠.\n(٤) انظر: معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠. و\"تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٤، ولم ينسبه كما سيأتي.\n(٥) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩٩، ومعاني القرآن للفراء: ٢/ ٢٦، ومعاني القرآن للنحاس: ١/ ١٩٤.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٤١.\n(٧) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٢٠٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٣٦٦): ص ٧/ ٤٨٥.\n(١٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٤.\n(١١) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٣.\n(١٢) انظر: للواحدي: ١/ ٤٣٥. ولم أقف على مصدر قوله.\n(١٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٩٩.\n(١٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٦.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٩٤\n(١٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.","vol":"6","page":439},{"text":"وذلك على إضمار \" ألسن \" كقوله - ﷿ -: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧].\nوالثاني: أن المعنى: وآتنا ما جعلت على رسلك من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، وكقول إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وكقول نوح - ﵇ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] (١).\nوالثالث: أن معناه: على الإيمان برسلك (٢).\nوالأول أظهر، وعليه أكثر المفسرين (٣). والله أعلم.\nوإن قيل: فقد علموا أن الله تعالى منجز وعده، فما معنى هذا الدعاء والطلب؟\nقيل في ذلك أربعة أجوبة (٤):\nأحدها: أن المقصود به، مع العلم بإنجاز وعده، الخضوع له بالدعاء والطلب.\nقال الماتريدي: \" أن السؤال عما على الله ﷿ أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تجر ولا تظلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال\" (٥).\nوالثاني: أن ذلك يدعو إلى التمسك بالعمل الصالح.\nوالثالث: معناه أجعلنا ممن وعدته ثوابك.\nوالرابع: يعني عّجل إلينا إنجاز وعدك وتقديم نصرك.\nوالذي هو أولى الأقوال بالصواب، هو القول الأخير، أي: \"أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله ﷺ الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل لهم خزيهم، ولنا الظفر عليهم، يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ الآيات بعدها\" (٦).\nوقرأ الأعمش: ﴿رسلك﴾، بالتخفيف (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي: و\"لا تفضحنا يوم القيامة\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني ولا تعذبنا يوم القيامة\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا\" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٦.\n(٣) انظر: مثلا تفسير الطبري:: ٧/ ٤٨٥، وتفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٤١، والهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٢٠٥، والوجيز: ١/ ٤٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري:، والنكت والعيون: ١/ ٤٤٣.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٢٣.\n(٨) أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس (١٢٧٤): ص ٢/ ٥٣٧.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٥.\n(١١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٤.","vol":"6","page":440},{"text":"قال الثعلبي: أي: \" لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا يوم القيامة\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: قد صدقنا يوم القيابة فلا تخزنا، والمخزى في اللغة المذل المحقور بأمر قد لزمه بحجة، وكذلك أخزيته. أي ألزمته حجة أذللته معها\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي: \" فشأنك ألا تخلف الميعاد\" (٣).\nقال ابن عباس: \" أي: مَنْ وحّدك، وصدّق بنبيك، لا تخزه\" (٤).\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: \" ميعاد من قال: لا إله إلا الله\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي قد وعدت من آمن بك ووحدك الجنة\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \"يعني: سألناك يا ربنا أن تعطينا هذا، لأنك لاتخلف الميعاد\" (٩).\nقال الثعلبي: \" لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ولا تخزنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل والرحمة والثواب والنعمة\" (١٠).\nقال مكي: \" أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك\" (١١).\nوقال السمعاني: \" وهو على سبيل المدح له؛ لأنا على القطع نعلم أنك لا تخلف الميعاد\" (١٢).\nوقال الراغب: \" إن قيل: ما فائدة استنجاز وعده مع العلم بأنه لا يخلف؟\nقيل: إن وعده تعالى عباده على طريق الجملة، نحو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وليس هذا السؤال خوفا من إخلاف وعده، ولكن سؤالا أن يرشحه لأن يكون من جملة من دخل في الوعد، ولهذا قال: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾ تنبيها أني لست أخشى خلف وعدك، لكني أخشى أن لا أكون من جملة الموعودين.\nوقد قيل ذلك هو على جهة العبادة، وقد تقدم أن ليس القصد التفوه بذلك، بل فعل ما يقتضيه\" (١٣).\nوفي السياق نفسه قال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟\nقلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من اللجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك لتذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية\" (١٤).\nعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقابا فهو فيه بالخيار\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٣.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٥٠٠.\n(٣) المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الازهر: ١٠٣ ..\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٢٧٤): ص ٢/ ٥٣٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٦٧): ص ٣/ ٨٤٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٨٥.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٥٠٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٧.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٥٦٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(١١) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٢٠٥.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٣٨٩.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥١ - ١٠٥٢.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\n(١٥) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ٩١، ومسند أبي يعلى: ٩/ ٦٦، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٤.","vol":"6","page":441},{"text":"ونقل الثعلبي عن الأصمعي قال: \"سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: لأن في خلفه الوعد علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول (١):\nولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختبي من خشية المتهدد\nإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\" (٢)\nقال الزمخشري: \" وهذا تعليم من الله كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرع. وتكرير ﴿ربنا﴾ من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين الله، والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه \" (٣).\nوروى عن جعفر الصادق ﵁: \"من حزبه أمر فقال خمس مرات (ربنا) أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية\" (٤).\nالفوائد:\n١ - أنه ينبغي للداعي أن يكثر من الثناء على الله تعالى بأسمائه وصفاته، لأن هذا من وسائل إجابة الدعاء.\n٢ - كمال إيمان هؤلاء بوعد الله، لقوله: ﴿وآتنا ما وعدتنا﴾، إذ لو كان عندهم شك ما سألوا هذا السؤال.\n٣ - أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه، لقوله: ﴿على رسلك﴾.\n٤ - إثبات أن الخلق لهم أكثر من رسول، لقوله: ﴿على رسلك﴾، لأن \"رسل\" جمع \"رسول\"، وهذا أمر معلوم باليقين القطعي، فالقرآن كله مملوء بقصص الأنبياء.\n٥ - أن هؤلاء الابرار يؤمنون بيوم القيامة وبما يلحق الناس به من الذل والخزي، لقوله: ﴿ولاتخزنا يوم القيامة﴾.\n٦ - أن الخوف من عذاب الله لاينافي البر، لقولهم: ﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾، بل إن الخوف من عذاب الله يزيد البر، لأنه يزيد تصديقا بما أخبر الله به.\n٧ - كمال صدق الله وقدرته، فالله لايخلف الميعاد أبدا، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، فإن عفوه عمن استحق العقاب لايعد إخلافا للوعد لأنه قادر، ولكنه كمال فوق كمال، إذ إن العفو عن الانتقام مع القدرة كمال، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].\nالقرآن\n﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥]\nالتفسير:\nفأجاب الله دعاءهم بأنه لا يضيع جهد مَن عمل منهم عملا صالحًا ذكرًا كان أو أنثى، وهم في أُخُوَّة الدين وقَبول الأعمال والجزاء عليها سواء، فالذين هاجروا رغبةً في رضا الله تعالى، وأُخرجوا من ديارهم، وأوذوا في طاعة ربهم وعبادتهم إيّاه، وقاتلوا وقُتِلوا في سبيل الله لإعلاء كلمته، ليسترنَّ الله عليهم ما ارتكبوه من المعاصي، كما سترها عليهم في الدنيا، فلا يحاسبهم عليها، وليدخلنَّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار جزاء من عند الله، والله عنده حسن الثواب.\nفي سبب نزول الآية:\n_________\n(١) الشعر لعامر بن الطفيل العامري - كما في تاج اللغة، مادة\"ختأ\": ص ١/ ٤٦، وفيه: \" ولا أختتي من قوله المتهدد\"، واللسان، مادة\"خبأ\": ص ١٤/ ٢٢٣، وفيه: \" وَلَا يَخْتَتِي ابنُ العَمِّ، مَا عِشْتُ، صَوْلَتي، ... وَلَا أَخْتَتِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهَدِّدِ، وتاج العروس، مادة\" ختو\": ص ٢٧/ ٥٣٥، وفيه: \" يَخْتَتِي ابنُ العَمِّ مَا عِشْتُ صَوْلَتي\".\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ٤٥٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٥٧.","vol":"6","page":442},{"text":"أخرج الترمذي (١)، والحاكم (٢)، وعبدالرزاق (٣)، والطبري (٤)، والواحدي (٥)، من طريق عمرو بن دينار عن أبي عمر بن أبي سلمة -رجل من ولد أم سلمة- قال: \"قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ \".\nوفي السياق نفسه أخرج ابن المنذر عن سفيان، قال: \" قالت امرأة، أو نسوة: هاجرنا، ولا تذكر الهجرة والجهاد إلا فيكم؟ فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾، قال سفيان: وفيه يهلك الخوارج\" (٦).\nوظاهر الرواية هنا أن الاستجابة كانت لقول أم سلمة -أو تلك المرأة في رواية ابن المنذر-، والظاهر أن قول أم سلمة لم يكن سببا مباشرا، وأن الله ﷿ استجاب لها في هذا الفصل القرآني العظيم حين اقتضت حكمته نزوله على نبيه. لأن السياق القرآني يدل على أن الاستجابة في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ كانت لدعاء \"أولي الألباب\" السابق ذكرهم في الآيات، والله أعلم (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، \"أي: فأجاب الله دعاءهم بقوله إِني لا أُبطل عمل من عمل خيرًا ذكرًا كان العامل أو أُنثى \" (٨).\nقال الثعلبي: أي: \" لا أضيع لا أحبط ولا أبطل عمل عامل منكم أيها المؤمنون من ذكر أو أنثى\" (٩).\nقال ابن كثير: \" معنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا - مما تقدم ذكره - فاستجاب لهم ربهم - عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مُجِيبًا لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يُوَفّي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾، قال: أهل لا إله إلا الله، أهل التوحيد، والإخلاص، لا أخزيهم يوم القيامة \" (١١).\nقال الماتريدي: \" هذا يدل أن الوعد لهم كان مقرونا بشرط السؤال؛ لأنه قال: ﴿فاستجاب لهم﴾، والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية\" (١٢).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ﴾، أي: أجابهم، وتقول العرب: استجبتك، فى معنى استجبت لك، قال الغنوىّ (١٣):\nوَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ\" (١٤)\nأي: فلم يجبه.\nوفي قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [عمران: ١٩٥]، وجوه:\n_________\n(١) في \"جامعه\" \"٥/ ٢٢١\" \"٣٠٢٣\". .\n(٢) في \"المستدرك\" \"٢/ ٣٠٠\" وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي ..\n(٣) انظر: تفسير عبدالرزاق (٤٩٨): ص ١/ ٤٣١، وفيها: \"سمعت رجلا، من ولد أم سلمة\".\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٣٦٨): ص ٧/ ٤٨٧.\n(٥) أسباب النزول: ١٣٩.\n(٦) تفسير ابن المنذر (١٢٧٨): ص ٢/ ٥٣٩.\n(٧) وسيأتي قول أم سلمة في سبب نزول الآية (٣٢)، من سورة النساء فانظره.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٥.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٠ - ١٩١.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٢٧٤): ص ٢/ ٥٣٧.\n(١٢) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥.\n(١٣) الشعر له في: الأصمعيات: ١٤، وأمالي القالي ٢: ١٥١، وهي من حسان قصائد الرثاء.\n(١٤) مجاز القرآن: ١/ ١١٢.","vol":"6","page":443},{"text":"أحدها: أنّ المعنى: من الخلق كلهم، إذ أن حكم جميع الخلق في الثواب واحد، فيما أفعل بكم؛ من مجازاتكم على أعمالكم، وترك تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذكرانكم وإناثكم (١).\nإذ جعل لكل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، وأما المؤمنون: في الدنيا والآخرة، وأما الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء، وقوله - ﷿ -: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١٥]، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون أرزاقهم (٢).\nوالثاني: وقيل: قوله: ﴿منكم﴾، إشارة إلى المؤمنين خاصة؛ أي: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرخا قوله﷿ -: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وهذا قول الضحاك (٣).\nوالثالث: أنه: \" يعني من الدين والنصرة والموالاة. وهذا معنى قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وقتادة (٦)، والكلبي (٧)، واختيار الطبري (٨).\nوالرابع: وقيل: كلكم من آدم وحواء (٩).\nعن أبي بكر الهذلي: \"قال عطاء: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكرت ذلك للحسن فقال: أما تقرأون القرآن: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان إلى قوله: فاستجاب لهم ربهم﴾ \" (١٠).\nقال الزجاج: \" وإن قرئت (إني لا أضيع عمل عامل منكم). جائز بكسر (إن) ويكون المعنى قال لهم ربهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، \" أي: الإناث من الذكور، والذكور من الإناث\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: جميعكم في ثوابي سَواء\" (١٣).\nقال الصابوني: \"أي: الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، فإِذا كنتم مشتركين في الأصل فكذلك أنتم مشتركون في الأجر\" (١٤).\nقال الراغب: \" إن قيل: ما معنى قوله: (بعضكم من بعض) في هذا الموضع؟\nقيل: تنبيها أن الأنوثية والذكورية لا تقتضي اختلاف الحكم في هذا الباب، وإنما الاعتبار بالأعمال والنيات، فمن قصد فيما يتحراه وجه الله فله بقدره ثواب، ثم بين أن للذين هاجروا فضل رتبة، كما قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦] \" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: \"فالذين هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إِلى الخروج من الديار\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٢٦٤.\n(٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٥.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٢٧٥.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤١٦)، و(٣٤١٧): ص ٢/ ٦٣٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٨٥٥): ص ٦/ ٣٢٨.\n(٧) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٢٤، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٥.\n(٨). انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٦، النكت والعيون: ١/ ٣٨٦، وزاد المسير: ١/ ٢٧٥.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٦٨): ص ٣/ ٨٤٤.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٥٠٠.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٤٤٣.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩١.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(١٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٥.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٣١.","vol":"6","page":444},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، [إذ] ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم\" (١).\nقال الزمخشري: \" ﴿فالذين هاجروا﴾، تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة، وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم من دار الفتنة، واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشوا بما سامهم المشركون من الخسف\" (٢).\nقال الراغب: \" ولم يعن بالمهاجرة والإخراج من الديار ما كان من الكفار فقط، بل عناه ومن هاجر الأفعال القبيحة، والأخلاق الكريهة، وقاتل نفسه حتى قهرها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: ١٩٥]، \"أي: وتحمّلوا الأذى من أجل دين الله\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني في سبيل دين الإسلام\" (٥).\nقال الماتريدي: \" أي: في طاعتي\" (٦).\nقال الثعلبي: \" أي في طاعتي، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" من أجله وبسببه، يريد سبيل الدين\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥]، \"أي: وقاتلوا أعدائي وقتلوا في سبيلي\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" وغزوا المشركين واستشهدوا\" (١١).\nقال ابن كثير: \" وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويعفَّر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: «يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا مُقْبلا غير مُدبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: \"نعم\" ثم قال: \"كيف قلت؟ \": فأعاد عليه ما قال، فقال: \"نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا» (١٢) \" (١٣).\nقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿وقاتلوا وقتلوا﴾ مشددة التاء، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو: ﴿وقتلوا وقتلوا﴾، خفيفة، في حين قرأ حمزة والكسائي: ﴿وقتلوا وقتلوا﴾، يبدآن بالفعل المبني للمفعول به قبل الفعل المبني للفاعل، وكذلك اختلافهم في سورة التوبة إذ قرآ ﴿فيقتلون ويقتلون﴾ [التوبة: ١١١]، غير أن ابن عامر وابن كثير لم يشددا في التوبة (١٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩١.\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٥٦.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٥ - ١٠٥٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٥.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٥.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٥٧.\n(١٢) أخرج نحوه مالك في\"الموطأ\" ٢٨٥، و\"الحميدي\" ٤٢٥، و\"ابن أبي شيبة: (١٢٠٢٠): ص ٣/ ٣٧٢ و(١٩٣٨٣): ص ٥/ ٣١٠، وأحمد (٢٢٩٠٩): ص ٥/ ٢٩٧ و(٢٣٠٠٢): ص ٥/ ٣٠٨، و(٢٢٩٥٥): ص ٥/ ٣٠٣، وعبد بن حميد: ١٩٢، والدارمي: ٢٤١٢، ومسلم (٤٩١٤): ص ٦/ ٣٧، و(٤٩١٥)، و(٤٩١٦): ص ٦/ ٣٨، والترمذي (١٧١٢)، والنسائي: ٦/ ٣٤، وفي الكبرى (٤٣٤٩)، وابن حبان (٤٦٥٤).\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩١.\n(١٤) انظر: السبعة: ٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"6","page":445},{"text":"قال الواحدي: \" أحسن وجوه القراءة: تقديم ﴿قاتلوا﴾ على ﴿قتلوا﴾، لأن القتال قبل القتل\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، \" أي: لأمحونّ عنهم ذنوبهم\" (٢).\nقال مقاتل: \" لأمحون عنهم سيئاتهم يعني خطاياهم\" (٣).\nقال أبو عبيدة: \" أي: لأذهبن عنهم، أي: لأمحونها عنهم \" (٤).\nقال الصابوني: أي: \" لأمحونَّ ذنوبهم بمغفرتي ورحمتي\" (٥).\nقال بعض الصوفية: عنى بتكفير سيئاتهم إزالة درنهم عنهم في الدنيا، وهذا المعنى هو المراد بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] \" (٦).\nقال الراغب: \" والظاهر من قوله: ﴿لأكفرن عنهم سيئاتهم﴾، أن ذلك حكم الآخرة، وعليه أهل الأثر\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: \" ولأدخلنّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني بجنات البساتين، ذلك الذي ذكر كان ثوابا من عند الله\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أذن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: \" جزاءً من عند الله على أعمالهم الصالحة\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" جزاء من قبل الله لهم، على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله\" (١٣).\nقال السمرقندي: \" يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا، كما قال الشاعر (١٥):\nإن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْ ... طِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي\" (١٦)\nقال الزمخشري: \" و«عنده» مثل: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: \"وعند الله حسن الجزاء\" (١٨).\nقال مقاتل: \" يعني الجنة\" (١٩).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٦/ ٢٦٤، وانظر: \"السبعة\" ٢٢١، و\"القراءات\" للأزهري ١/ ١٣٥، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٧، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٣٧٣، و\"التيسير\" للداني ٩٣.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٥.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٢٧٩): ص ٢/ ٥٣٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٦.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٦.\n(٨) التفسير الميسر: ٧٦.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.\n(١٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٥.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٠.\n(١٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٥.\n(١٥) الرواية المشهورة: «إن يعاقب». والبيت للأعشى في ديوانه: ص ٥٩، ولسان العرب مادة\"غرم\"، ومقاييس اللغة: ٤/ ٤١٩، وتاج العروسـ مادة\"غرم\". والغرام: هو اللازم من العذاب والبلاء. وقال الزجاج: هو أشد العذاب في اللغة.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٢.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٤٥٧.\n(١٨) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(١٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٢.","vol":"6","page":446},{"text":"قال الطبري: أي: \" أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه وذلك ما لا يبلغه وصف واصفٍ، لأنه مما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر\" (١).\nقال السمرقندي: \" أي حسن الجزاء وهو الجنة. ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحا\" (٣).\nقال الراغب: \" إن قيل: ما وجه قوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، بعد قوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ على القول الأول؟\nقيل: يحتمل ذلك وجهين:\nأحدهما: أنه بين بقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أن ما ذكره ثواب لهم، ثم أخبر أن هذا الثواب لا يوجد إلا عنده، فيكون قوله (أحسن، الثواب) إشارة إلى المذكور قبله.\nوالثاني: أن يكؤن حسن الثواب غير المذكور أولا، فنبه أن ما ذكرت أولا هو الذي عرفتكم، وعند الله حسن الثواب، الذي لم يعرفكموه لعجزكم عن الوقوف عليه إشارة إلى المذكور في\nقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] \" (٤).\nعن حريز بن عثمان، أن شداد بن أوس كان يقول: \"يا أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه، فإن الله لا يبغي على مؤمن فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب فإن الله عنده حسن الثواب\" (٥).\nقال عباد بن منصور: \"سألت الحسن عن قوله: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، قال: هم المهاجرون أخرجوا من كل وجه\" (٦).\nقال عبد الله بن عمرو بن العاص: \"لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا فيقول الرب جل ثناؤه: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي. فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾» [سورة الرعد: ٢٤] \" (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان فضل الله ﷿ بإجابة هؤلاء الذين دعوا بما سبق، لقوله: ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾.\n٢ - أن التكرار من أسباب الإجابة، والدعاء باسم الربوبية أقرب إلى الإجابة، لأن أكثر الأدعية الواردة في القرآن جاءت باسم الربوبية.\n٣ - عناية الله ﷿ بهؤلاء الأبرار، لأن هذه الربوبية هي ربوبية خاصة.\n٤ - أن الله يعطي الأجر كاملا، وهذا النفي يتضمن إثباتا، فإذا كان لايضيع عمل عامل فمقتضاه أنه يعطي العامل كل ما عمل، أي أجر كل ما عمل.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٠ - ٤٩١.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٢.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٧ - ١٠٥٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧١): ص ٣/ ٨٤٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧٠): ص ٣/ ٨٤٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٣٧٠): ص ٧/ ٤٩١.","vol":"6","page":447},{"text":"٥ - استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات وإجابة الدعوات، فهما يشتركان في ثواب الأعمال الصالحة.\n٦ - فضيلة الهجرة في قوله: ﴿فالذين هاجروا﴾، وقد قال العلماء أن الهجرة على أقسام:\nالقسم الأول: هجر ما حرّم الله، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. وهو واجب على كل إنسان.\nالقسم الثاني: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما فعل المهاجرون من مكة إلى المدينة، وهذه هي التي يكون فيها المدح الذي جاء في القرآن.\nويقول أهل العلم: بأن الإنسان إن كان عاجزا عن إظهار دينه كإقامة الصلوات جماعة مثلا، فإنه وجبت عليه الهجرة، ولو كان من أهل البلد أصلا، وإن كان الإنسان قادرا على إظهار دينه فالهجرة أكمل وأحسن خوفا من الفتنة.\nالقسم الثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الإستقامة، فإن بعض البلاد تكون بلادا إسلامية تقام فيها الشعائر الإسلامية، وينادى بالآذان، وتقام الجماعات، وتقام الجُمُعات، فهي بلاد إسلامية، ولكنها بلاد فسق من جهة أخرى لكثرة المعاصي والفواحش وغيرها في هذا البلد، فيهاجر الإنسان منها إلى بلد الإستقامة. وهذا النوع فيه تفصيل أيضا: فإن كان يخشى على نفسه من الفتنة وجبت عليه الهجرة، وإن كان لايخشى ذلك لم تجب عليه الهجرة، وربما يكون بقاؤه أحسن في هذه البلاد إذا كان يدعو إلى الله.\n٧ - الإخراج من الديار سبب لتكفير السيئات، وأن الإيذاء في سبيل الله يزداد الإنسان فيه أجرا، فينبغي على الإنسان أن يصبر على الإيذاء في سبيل الله مادام ينتظر الأجر به.\n٨ - فضيلة القتال في سبيل الله.\n٩ - فضيلة القتل في سبيل الله وذلك أن القتل في سبيل الله من الشهادة.\n١٠ - أن الأعمال الصالحة تكفّر بها السيئات.\n١١ - أن الله ﷾ ضمن ضمانا مؤكدا لهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الخمس، ضمن لهم: تكفير السيئات وإدخالهم الجنات، فقال عزّ شأنه: ﴿وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\n١٢ - التشويق إلى الجنة، ليزداد الإنسان قوة في العمل لها، لقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، والجنات في الأصل: البساتين الكثيرة الكثيرة الأشجار تجن من فيها، أي تستره وتغطيه، فيستفاد منها التشويق إلى هذا الثواب العظيم.\n١٣ - أن في الجنة قصورا، لقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾، والتحت لا يكون إلا في مقابل الفوق العالي، وهو كذلك.\n١٤ - أن الجنة فيها عدة أنهار، وهي مجملة هنا، مفصلة في سورة \"محمد\" على أنها أربعة أنهار فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥].\n١٥ - أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله ﷿، فلله تعالى فيه المنّة عليهم، وليس لهم المنة على الله بشيء من عملهم، لقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فهو سبحانه بفضله جعل الثواب لهم.\n١٦ - الإشارة إلى عظم هذا الثواب، من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وذلك لأنه العظية تعظم بحسب معطيها، والهبة تعظم بحسب واهبها.\n١٧ - أنه لا يتلقى حسن الثواب إلا من الله، وهو ثواب عظيم وأحسن مثوبة يثاب بها الإنسان، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، أي: من عند الله وحده، فلا تذهب تتلقى الثواب إلا من عنده، لأنه مهما آتاك الخلق من ثواب، فإنه لن يكون مثل ثواب الله ﷿.\nالقرآن\n﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾ [آل عمران: ١٩٦]\nالتفسير:","vol":"6","page":448},{"text":"لا تغتر -أيها الرسول- بما عليه أهل الكفر بالله من بسطة في العيش، وسَعَة في الرزق، وانتقالهم من مكان إلى مكان للتجارات وطلب الأرباح والأموال، فعمَّا قليل يزول هذا كلُّه عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة.\nفي سبب نزول هذه الآية والتي بعدها قولان:\nأحدهما: قال مقاتل، والثعلبي (١): \" نزلت في مشركي العرب وذلك أن كفار مكة كانوا في رخاء ولين عيش حسن فقال بعض المؤمنين: أعداء الله فيما ترون من الخير وقد أهلكنا الجهد. فأخبر الله﷿- بمنزلة الكفار في الآخرة، وبمنزلة المؤمنين في الآخرة، فقال- سبحانه-: ﴿لا يغرنك﴾ \" (٢).\nوفي السياق نفسه قال الزجاج: \" يروى أن قوما من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في أسفار كانوا يسافرونها، فأعلم الله ﷿ - أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لأن مصيرهم بكفرهم إلى النار ولا خير بخير بعده النار\" (٣).\nوالثاني: وقال الفراء: \"كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فقال الله ﷿:\nلا يغرنك ذلك\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ [آل عمران: ١٩٦]، \"أي: لا يخدعنّك أيها السامع\" (٥).\nقال الحسن: \" قال: لا تغتر بأهل الدنيا يا محمد\" (٦).\nقال مقاتل: \" لا يغرنك يا محمدﷺ-\" (٧).\nقال السمرقندي: \" لا يحزنك يا محمد\" (٨).\nقال الزجاج: \" خطاب للنبى - ﷺ - وخطاب للخلق في هذا الموضع، المعنى لا يغرنكم أيها المؤمنون\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ولا يغرنك يا محمد، وخرج الخطاب بذلك للنبي ﷺ، والمعنيُّ به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا\" (١٠).\nوإن قيل: لا يجوز عليهﷺ- الاغترار، فكيف خوطب بهذا، فعنه جوابان (١١):\nأحدهما: أن الله ﷿ إنما قال له ذلك تأديبًا وتحذيرًا.\nوالثاني: أنه خطاب لكل من سمعه، فكأنه قال: لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد.\nقال الثعلبي: \" والخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، لأنه لم يغير لذلك\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله فلا تطع المكذبين أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب\" (١٣).\nقال أبو السعود: \" بيان لقبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، والخطاب للنبي ﷺ على أن المراد تثبيته على ما هو عليه\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٦.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.\n(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٥١.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧٢): ص ٣/ ٨٤٥.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٥.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٥٠٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٣.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٤٤ ..\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٦.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٦.","vol":"6","page":449},{"text":"كقوله تعالى ﴿فلا تطع المكذبين﴾، أو على أن المراد نهي المؤمنين كما يوجه الخطاب إلى مداره القوم ورؤسائهم والمراد أفناؤهم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب من المؤمنين والنهي للمخاطب\" (١).\nقال الراغب: \" أصل الغر: الطي الذي ينكسر عليه المطوي، فجعل عبارة عمن انطوى على اعتقاد يمنع عن رفع بصيرته، ولذلك سمي الاعتماد طوية، ونحو الغر الاستدراج تشبيها بالمدرج، ومن هذا قال: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] \" (٢).\nوقرأ يعقوب: ﴿يغرنك﴾، وأخواتها ساكنة النون (٣).\nقوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦]، أي: \" تنقل الذين كفروا في البلاد طلبًا لكسب الأموال والجاه والرتب\" (٤).\nقال السدي: \" يقول: ضربهم في البلاد\" (٥).\nقال مقاتل: أي: \" ما فيه الكفار من الخير والسعة\" (٦).\nقال عكرمة: أي: \" تقلب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم\" (٧).\nقال السمرقندي: أي: \" ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض\" (٨).\nقال السمعاني: \" يعني: على مرادهم\" (٩).\nقال الطبري: \" يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها، فنهى الله تعالى ذكره نبيّه ﷺ عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم، مع شركهم، وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \" لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مُتْرفون فيه، من النِّعْمَة والغِبْطَة والسرور\" (١١).\nوفي تقلبهم قولان (١٢):\nأحدهما: يعني تقلبهم في نعيم البلاد، وذلك نعمة من الله عليهم؛ لتركهم يتجرون في البلدان مع كفرهم بربهم، أو أعطاهم أموالا يتنعمون فيها ويتلذذون.\nوالثاني: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم، لما أخّر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت.\nقال البيضاوي: \" وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب للمبالغة، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم\" (١٣).\nقال أبو السعود: أي: \" وإنما جعل للتقلب مبالغة أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع\" (١٤).\nقال الراغب: \" والتقلب في البلاد ليس يعني المشي فيها، وإنما يعني التوسع في أعراض الدنيا\" (١٥).\nقال الماتريدي: \" وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - تعالى -: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] \" (١٦).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٣٥.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٥٩.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣١.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٣٧١): ص ٧/ ٤٩٣.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٢٨٠): ص ٢/ ٥٤٠.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٥.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٣٩٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٢.\n(١٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٥، والنكت والعيون: ١/ ٤٤٤.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٦.\n(١٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٣٥.\n(١٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٠.\n(١٦) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٦.","vol":"6","page":450},{"text":"قال قتادة: \" والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك\" (١).\nقال السعدي: \" وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله ﴿متاع قليل﴾ ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه\" (٢).\nالفوائد:\n١ - نهى الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم والرفاهية.\n٢ - أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينا وشمالا ليس دليلا على رضاه عن العبد، وغنما المقياس لرضا الل عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله.\n٣ - أن الله قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ووجه ذلك أن الله مكّن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كيف يشاؤون فتنة لهم، ليستمروا على ما هم عليه فيكون ذلك شرّا لهم، كما قال ﷿: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].\n٤ - أن المؤمن قد يضيّق الله عليه في الدنيا –أحيانا-ليرجع إليه، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، أما الكفار، فقد تمد لهم الدنيا ويعطون ما يريدون وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين.\nالقرآن\n﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٧]\nالتفسير:\nمتاع قليل زائل، ثم يكون مصيرهم يوم القيامة إلى النار، وبئس الفراش.\nقوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، \" أي: إِنما يتنعمون بذلك قليلًا ثم يزول هذا النعيم\" (٣).\nقال مقاتل: أي: \" فإنما هو متاع قليل يمتعون بها إلى آجالهم\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي: ذلك الكسب والربح الذي يربحونه متاع قليل\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها، متعة يمتَّعون بها قليلا حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم\" (٦).\nقال الماتريدي: أي: \" إنما هو متاع يسير\" (٧).\nقال الثعلبي: \" أي هو متاع قليل بلغة فانية ومتعة زائلة، لأن كل ما هو فان فهو قليل\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي هو متاع قليل، لقصر مدته، وكونه بلغة فانية، ونعمة زائلة، فلا قدر له في جنب ما أعد الله للمؤمنين\" (٩).\nقال ابن كثير: أي: \" فعَمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مُرتَهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نَمُدّ لهم فيما هم فيه استدراجا، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٣٧٢): ص ٧/ ٤٩٣.\n(٢) تفسير السعدي: ١٦٢.\n(٣) صفوة التفاسير ٢٣١.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٥٠١.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٦٦.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٦.\n(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٤٨٥.","vol":"6","page":451},{"text":"عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، أي: قليلا وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] \" (١).\nقال الراغب: \" والمتاع: ما فيه تمتع ما، والآية تحتمل وجهين:\nأحدهما: أن جعل ما يتمتع به في الدنيا وإن كثر، قليلا في جنب ثواب الله تعالى.\nفلا يجب أن يغتر به، إذا اعتبر بما يحصل لأربابها في المآل من العذاب.\nوالثاني: أنه أراد بالقليل قلة الفناء\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أي: \" ثم مصيرهم في الآخرة إِلى النار\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" منياتهم ثم مأواهم جهنم، بعد مماتهم، والمأوى: المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه\" (٤).\nقال الراغب: \" وأراد بجهنم: جهنم الدنيا وجهنم الآخرة، تنبيها أن من حصل له مال لا ينفك من شغل لا ينقضى عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وحزن على فوت محبوب، وخوف على فقد مطلوب، كأنهم في جهنم من سلب ما لهم، وفي جهنم عند مآلهم، كما قال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أي: \" وبئس الفراش والمضجع جهنم\" (٦).\nقال ابن عباس: أي: \"بئس المنزل\" (٧).\nوقال مجاهد: أي: \"وبئس المضجع\" (٨). وفي رواية أخرى له: أي\" بئس ما مهدوا لأنفسهم\" (٩).\nقال الراغب: \" ذكر ﴿المهاد﴾ على سبيل المثل، كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] \" (١٠).\nقال يزيد بن معاوية النخعي: \"إن الدنيا جعلت قليلا فما بقي منه إلا القليل من قليل\" (١١).\nوقال المستورد الفهري: \"سمعت النبي ﷺ يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» \" (١٢).\nوقال ﷺ: «ما الدنيا فيما مضى إلا كمثل ثوب شق باثنين وبقي خيط إلا وكان ذلك الخيط قد انقطع» (١٣).\nالفوائد:\n١ - أن الدنيا مهما أعطي الإنسان فيها من النعيم فإنها متاع قليل، قليل زمنه، وفي كميته، وفي كيفيته، ولكن الآخرة خلاف ذلك، قال النبيﷺ-: \"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" (١٤)، فالسوط: متر أو أقل، خير من الدنيا وما فيها، وليست الدنيا الحاضرة فقط، بل خير من كل الدنيا وما فيها من اولها إلى آخرها، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩].\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٢.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٠ ..\n(٣) صفوة التفاسير ٢٣١.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٠ ..\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧٥): ص ٣/ ٨٤٥، وابن المنذر (١٢٨١): ص ٢/ ٥٤٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧٦): ص ٣/ ٨٤٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧٧): ص ٣/ ٨٤٥، وابن المنذر (١٢٨٢): ص ٢/ ٥٤٠.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٠ - ١٠٦١.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٧.\n(١٢) مسند أحمد: ٤/ ٢٢٩.\n(١٣) الجامع الصغير: ٢/ ٥٣٤ ح ٨١٦٦، كنز العمال: ٣/ ٢٣١ ح ٦٣٠١ ..\n(١٤) أخرجه البخاري كتاب الرقاق، باب مثل الدنيا في الآخرة: (٦٤١٥).","vol":"6","page":452},{"text":"٢ - الحذر من لعب أعداء المسلمين، إذ يغرّونهم بأنواع وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزّة والكرامة، وتلك الوسائل الترفيهية في الحقيقة حبّ مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجده حبّا منتفخا لينا فتفرح به وتأخذه بطرف مناقيرها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداء الإسلام فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية، من أجل أن ننغمس فيها ولايكون لنا همّ إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة.\n٣ - أنه لايمكن للكفار أن يدخل الجنة، لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n٤ - الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف ينسى بهذا المأوى الشسيء، فإذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء كما جاء في الحديث: \" يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسة، فيغمس فيها، ثم يقال له: أي فلان، هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشد المؤمنين ضرا وبلاء، فيقال: اغمسوه غمسة في الجنة، فيغمس فيها غمسة، فيقال له: أي فلان، هل أصابك ضر قط؟ أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني قط ضر ولا بلاء\" (١).\nوفي رواية أخرى: \" يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ويؤتى بأشد الناس في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط\" (٢).\nفالكافر يقول ذلك، لأنه نسي كل نعيم الدنيا ورفاهيتها التي عاشها بهذه الغمسة الواحدة، والمسلم يقول ذلك، لأنه نسي كل المصائب والابتلاءات التي أصابته في الدنيا بهذه الغمسة الواحدة في نعيم الجنة.\nوأيم الله أن هذه الحقائق نحن نؤمن بها ولكن الغفلة تستولي علينا، نسأل الله العافية، وأن يوقظ قلوبنا بذكره.\n٥ - بيان قبح هذا المأوى، لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء، فقال: ﴿وبئس المهاد﴾، وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله السلامة منها.\nالقرآن\n﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨]\nالتفسير:\nلكن الذين خافوا ربهم، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، قد أعدَّ الله لهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، هي منزلهم الدائم لا يخرجون منه. وما عد الله أعظم وأفضل لأهل الطاعة مما يتقلب فيه الذين كفروا من نعيم الدنيا.\nقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، \"أي: لكن المتقون لله\" (٣).\nقال مقاتل: \" وحدوا ربهم\" (٤).\nقال السمرقندي: \"أي: \" اتقوا الشرك والفواحش، ووحدوا ربهم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه\" (٦).\nقرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة (٤٣٢١).\n(٢) أخرجه أحمد (١٣١٤٣): ص ٣/ ٢٠٣، و(١٣٦٩٥): ص ٣/ ٢٥٣، وعبد بن حميد (١٣١٣)، ومسلم (٧١٩٠): ص ٨/ ١٣٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٧.","vol":"6","page":453},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أي: \"لهم النعيم المقيم في جنات النعيم ً\" (١).\nقال الطبري: \" يعني: بساتين، تجري من تحتها الأنهار\" (٢).\nقال الواحدي: \" المعنى: من تحت أشجارها وقصورها وأبنيتها\" (٣).\nقال مسروق: \" أنهار الجنة تجري في غير أخدود، ثمرها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعا\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أي: \"مخلدين فيها أبدًا\" (٥).\nقال مقاتل: \" لا يموتون\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" باقين فيها أبدًا\" (٧).\nقال السمرقندي: أي: \" لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبدا\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، \" أي: ضيافة وكرامة من عند الله\" (٩).\nقال السمرقندي: أي: \" ثوابا من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة\" (١٠).\nقال الكلبي: \"جزاء وثوابا من عند الله\" (١١).\nقال أبو عبيدة: \" أي ثوابا، ويجوز منزلا من عند الله من قولك: أنزلته منزلا\" (١٢).\nقال الطبري: \" يعني: إنزالا من الله إياهم فيها، أنزلوها، وقوله: ﴿من عند الله﴾، يعني: من قبل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم \" (١٣).\nقال الزجاج: \" ﴿نزلا﴾ مؤكد أيضا، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها\" (١٤).\nقال الثعلبي: \" والنزل: الوظيفة المقدرة لوقت\" (١٥).\nقال الواحدي: \" النزل: ما يهيأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعا، ويقال: أقمت لهم نزلهم، أي: أقمت لهم غذاءهم، وما يصلح معه أن ينزلوا عليه. هذا معناه في اللغة\" (١٦).\nقال السمعاني: \" النزل هو ما يعد للضيف من النعمة؛ فسمى الله تعالى ما أعده للمؤمنين من نعيم الجنة: نزلا من عند الله\" (١٧).\nقال الراغب: \" والنزل ما يجعل للإنسان في طريقه، ليستعين به على سفره، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أو تفسير، كقولك: هذا لك هبة\" (١٨).\nقرأ الحسن والنخعي: ﴿نزلا﴾ بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الآخرون (١٩).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(٣) التفسير البسيط: ٦/ ٢٦٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧٨): ص ٣/ ٨٤٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(١٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٦.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٧، وورد في: \"زاد المسير\" ١/ ٥٣٢، ونسبه إلى ابن عباس. ويبدو أنه من رواية الكلبي عنه.\n(١٢) مجاز القرآن: ١/ ١١٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٤.\n(١٤) معاني القرآن: ١/ ٥٠١.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٧.\n(١٦) التفسير البسيط: ٦/ ٢٦٩، وانظر هذا المعنى، وبقية المعاني و(نزل) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٥، و\"المقاييس\" ٥/ ٤١٧، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٨٠٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٠٠.\n(١٧) تفسير السمعاني: ١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(١٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٢.\n(١٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٧.","vol":"6","page":454},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، \" أي: وما عند الله من الثواب والكرامة للأخيار الأبرار، خير مما يتقلب فيه الأشرار الفجار من المتاع القليل الزائل\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: مما يتقلب فيه الكفار في دار الدنيا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب، خير للأبرار، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - وهم أهل طاعته باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل\" (٤).\nقال ابن زيد: \" للأبرار: لمن يطيع الله\" (٥).\nقال مقاتل: ﴿للأبرار﴾ \" يعنى: المطيعين\" (٦).\nوقال الحسن: \" للأبرار: الذين لا يؤذون الذر\" (٧).\nقال ابن عمر: \" إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقا\" (٨).\nوقيل: \"عنى بقوله: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، ما قاله - ﷺ -: «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن» (٩)، تنبيها أن المؤمن يتبرم بها شوقا إلى ما أعد له، والكافر يطمئن إليها، ويشتاق إليها عند فراقها مع ما فيها من الشوائب لما أعد له من العذاب\" (١٠).\nقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿الأبرار﴾، و﴿الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]، و﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح، وخلف وأبو هشام عن سليم عن حمزة أنه كان يميل ﴿الأشرار﴾ و﴿قرار﴾ و﴿الأبرار﴾ ياءات الإضافة (١١).\nقال الراغب: \" ذكره تعالى لـ (لكن) لكون حكم ما بعده منافيا لما قبله، وقد ذكر في قوله: ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، الوجهان اللذان ذكرا في قوله: ﴿ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم في القناعة، ورفضهم فضولات الدنيا في جنات صفتها كذلك، وذلك على التشبيه، وإياه قصد بقوله: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾، والذي يدل على هذا قوله: ﴿نزلا﴾ \" (١٢).\nقال الأسود، قال عبد الله: \"ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. ثم قرأ عبد الله: وما عند الله خير للأبرار، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾، [سورة آل عمران: ١٧٨] \" (١٣).\nوعن أبي الدرداء: \"ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: وما عند الله خير للأبرار، ويقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ \" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٥٨.\n(٣) التفسير البسيط: ٦/ ٢٧٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٣٧٣): ص ٧/ ٤٩٥.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨١): ص ٣/ ٨٤٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨٠): ص ٣/ ٨٤٦.\n(٩) أخرجه أحمد (٨٢٧٢): ص ٢/ ٣٢٣، ومسلم: ٨/ ٢١٠، وابن ماجة (٤١١٣)، والترمذي (١٣٢٤).\n(١٠).تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٣\n(١١) انظر: السبعة: ٢٢٢، وزاد المسير: ١/ ٣٦١.\n(١٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦١ - ١٠٦٢.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٣٧٤): ص ٧/ ٤٩٥.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨٣٧٥): ص ٧/ ٤٩٦.","vol":"6","page":455},{"text":"عن أنس بن مالك، قال: \"دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على سرير، مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ، فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ: ما يبكيك يا عمر؟ قال: والله ما أبكي، إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله، ﷿، من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذى أرى، فقال النبي ﷺ: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال عمر: بلى، قال: فإنه كذاك\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.\n٢ - فيه بيان فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله ﷿، وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.\n٣ - أن هؤلاء المتقون ثوابهم عند الله ﷿ أكثر بكثير مما يعطي هؤلاء الذين يتلبون في البلاد، لأن الله قال في المتقلبين ﴿متاع قليل﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.\n٤ - عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم، لأنه نُنزل من عند اكرم الأكرمين، وهو الله ﷿.\n٥ - أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات، فكان لهم عند الله هذا النُزل العظيم.\n٦ - أن في الجنات أنهار عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها.\n٧ - أن منْ منّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة، قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، فتخصيص الربوبية هنا لهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة، إذ ان ربوبية الله ﷿ لخلقه نوعان:\nالأولى: عامة: وهي الشاملة لجميع الخلق.\nوالثانية: الربوبية الخاصة: وهي الخاصة بالمؤمنين.\nوكما أن العبودية لله ﷿ أيضا نوعان:\nالأولى: عامة، وهي التي لجميع الخلق كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\nوالثانية: خاصة، وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nوهذه الخاصة منها ما هو أخص كما في عبودية الرسولﷺ-، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\nوعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، وعموم نسبي: وهو عموم عبودية المؤمنين، وإنه عام بالنسبة لعبودية الرسولﷺ-، خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.\n٨ - أن هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نُزلا، وهو ما يقدم للضيف من الكرامة، فما بال بما يكون بعد هذا؟ لاشك أنه سيكون خيرا كثيرا.\nالقرآن\n﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩]\nالتفسير:\nوإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٢٤٤٤): ص ٣/ ١٣٩، والبخاري في (الأدب المفرد) (١١٦٣).","vol":"6","page":456},{"text":"ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب. أولئك لهم ثواب عظيم عنده يوم يلقونه، فيوفيهم إياه غير منقوص. إنَّ الله سريع الحساب، لا يعجزه إحصاء أعمالهم، ومحاسبتهم عليها.\nفي سبب نزولها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في أصحمة النجاشي (١)، روى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: \"اخرجوا فصلوا على أخ لكم. فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط! فأنزل الله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ \" (٢). وهو قول قتادة (٣)، وابن جريج في أحد قوليه (٤).\nوالثاني: أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن معه. وهذا قول ابن جريج في رواية أخرى (٥)، وروي عن ابن زيد نحو ذلك (٦).\nوالثالث: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي ﷺ، قاله عطاء (٧).\nوالرابع: أنها نزلت في مُسلمة أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهذا قول مجاهد (٨)، ورجّحه الطبري (٩).\nوالظاهر-والله أعلم- هو القول الأخير، لأن قوله تعالى: ﴿أهل الكتاب﴾، يعمّ أهل الكتاب جميعهم دون تخصيص.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، \" أي: ومن اليهود والنصارى فريق يؤمنون بالله حق الإِيمان، ويؤمنون بما أنزل إليكم وهو القرآن وبما أنزل إِليهم وهو التوراة والإِنجيل\" (١٠).\nقال الحسن: \" هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ، الذين اتبعوا محمدا ﷺ\" (١١).\nقال مجاهد: \" من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب\" (١٢).\nوقال مقاتل: \" يعنى ابن سلام، يصدق بالله، ﴿وما أنزل إليكم﴾، يعني: أمة محمدﷺ- من القرآن ﴿وما أنزل إليهم﴾، من التوراة، \" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، \" أي: خاضعين متذللين لله\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يعني: متواضعين لله\" (١٥).\nقال ابن زيد: \": الخاشع، المتذلل لله الخائف\" (١٦).\n_________\n(١) وهذا يعني أن الآية نازلة قبل موته وهذا لا يمنع أن تكون قد عنته فيمن عنت في أثناء حياته، وقد يدعم هذا أن وفاته متأخرة وهذه السورة نزلت قبل النصف الأول من الهجرة جاء في \"الإصابة\" \"١/ ١٠٩\" في وفاة النجاشي: \"قال الطبري وجماعة: كان ذلك في رجب سنة تسع، وقال غيره: كان قبل الفتح\" ..\n(٢) أخرجه الطبري (٨٣٧٦): ص ٧/ ٤٩٦ - ٤٩٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٣٧٧): ص ٧/ ٤٩٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨١): ص ٧/ ٤٩٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨٢): ص ٧/ ٤٩٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨٣): ص ٧/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٦٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨٤): ص ٧/ ٤٩٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٤٩٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨٥): ص ٣/ ٨٤٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨٤): ص ٣/ ٨٤٦.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(١٦) أخرجه الطبري (٨٣٨٥): ص ٧/ ٥٠٠.","vol":"6","page":457},{"text":"قال الطبري: \" يعني: خاضعين لله بالطاعة، مستكينين له بها متذلِّلين\" (١).\nقال الزجاج: \" أي من عند أهل الكتاب من يؤمن خاشعا لله\" (٢).\nقال الراغب: \" الخشوع: كالخضوع، لكن أكثر ما يقال في الخشوع ما اعتبر فيه حال القلب، والخضوع فيما اعتبر فيه حال الجوارح، وإن كان يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩]، \"أي: لا يحرّفون نعت محمد ولا أحكام الشريعة الموجودة في كتبهم لعرضٍ من الدنيا خسيس\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: لا يشترون بالقرآن، عرضا يسيرا من الدنيا كفعل اليهود بما أصابوا من سفلتهم من المأكل من الطعام والثمار عند الحصاد\" (٥).\nقال الحسن: \" الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك مجانا\" (٧).\nقال الثعلبي: \" يعني لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل المأكلة والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" لا يحرِّفون ما أنزل إليهم في كتبه من نعت محمد ﷺ فيبدِّلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه، لعَرَضٍ من الدنيا خسيس يُعطوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، ولكن ينقادون للحق، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فيها، ويؤثرون أمرَ الله تعالى على هَوَى أنفسهم\" (٩).\nقال الزجاج: \" وإنما ذكر هؤلاء لأن ذكر الذين كفروا جرى قبل ذكرهم فقال: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، أخبر - جل وعز - بما حمل إليهود على الكفر، وأخبر بحال من آمن من أهل الكتاب وأنهم - صدقوا في حال خشوع ورغبة عن أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا\" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا﴾، قال: \"لا يأخذ على تعليم القرآن أجرا، قال ابن أبي حاتم: يعني إذا احتسب بتعليم القرآن فلا يأخذ عليه أجرا، وفي بعض الكتب: يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، \"أي: هؤلاء المتصفون بحميد الصفات، وجليل الأعمال، لهم ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم عند ربهم\" (١٢).\nقال مقاتل: \"يعني: مؤمني أهل التوراة ابن سلام وأصحابه، لهم جزاؤهم في الآخرة عند ربهم وهي الجنة\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" أي: ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] \" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٥٠٠.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٥٠١.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨٧): ص ٣/ ٨٤٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٥.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٥٠٠.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٥٠١.\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٨٦): ص ٣/ ٨٤٧.\n(١٢) تفسير المراغي: ٤/ ١٧١.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٤٥٩ ..","vol":"6","page":458},{"text":"وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يُؤتَوْنَ أجرَهم مرتين\" فذكر منهم: \"ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، \" أي: إن الله سريع حسابُه، لنفوذ علمه بجميع المعلومات، يعلم ما لكل واحدٍ من الثواب والعقاب\" (٢).\nقال مجاهد: \"يعني: سريع الإحصاء\" (٣).\nقال البيضاوي: وذلك\" لعلمه بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء\" (٤).\nقال أبو حيان: \" أي سريع الإتيان بيوم القيامة وهو يوم الحساب، والمعنى: أن أجرهم قريب إتيانه أو سريع حسابه لنفوذ علمه، فهو عالم بما لكل عامل من الأجر. وتقدم تفسير هذه الجملة مستوفى\" (٥).\nقال الطبري: \" وسرعة حسابه تعالى ذكره: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاء\" (٦).\nقال السمرقندي: \" أي شديد العقوبة، ويقال: سريع الحفظ والتعريف\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" ﴿إن الله سريع الحساب﴾، لنفوذ عمله في كل شيء، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر، ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد\" (٨).\nقال الراغب: \" إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿إن الله سريع الحساب﴾ ها هنا؟\nقيل: الحساب إشارة إلى الثواب المجعول لهم في مقابلة فعلهم، وسقاه حسابا لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وبين بقوله: ﴿سريع الحساب﴾، أن ذلك لا يتأخر عنهم، لما كانت النفس مولعة بحب العاجل، ونبه على أمرين:\nأحدهما: ما يجعل لهم في الدنيا المدلول عليه بقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] \" (٩).\nالثاني: أن المدعو به في الآخرة سريع وقوعه وإن كان في ظن الكافرين بطيئا حصوله\" (١٠).\nقال الفخر: \" والفائدة في كونه سريع الحساب، كونه عالما بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب\" (١١).\nالفوائد:\n١ - الثناء على يعض أهل الكتاب لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، و﴿من﴾، هنا للتبعيض، وهم قليل.\n٢ - كمال عدل الله عز ّ وجل بإسناد الفضل إلى أهله، فإنه تعالى لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين، قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾، فأسند الفضل إلى أهله ﷿.\n٣ - أن هؤلاء الذين يؤمنون بما انل الله على رسوله -ﷺ- مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيما لله وذلا له، لا طلبا للدنيا، أو المدح أو ما أشبه ذلك، لقوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾.\n٤ - بيان إخلاص هؤلاء إذ لم يؤمنوا بالله وما انزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فهم لايقصدون بإيمانهم شيئا من الدنيا أو جاها أو رئاسة أو رياء.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٩٧)، وصحيح مسلم (١٥٤) ..\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨٨): ص ٣/ ٨٤٧.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٦.\n(٥) البحر المحيط: ٣/ ٤٨٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٥٠١.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ٤٥٩.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٥.\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٦٥ - ١٠٦٦.\n(١١) مفاتيح الغيب: ٩/ ٤٧٣.","vol":"6","page":459},{"text":"٥ - أن لهؤلاء الذين أخلصوا من أهل الكتاب سوف يكون لهم الأجر والثواب من عند الله، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\n٦ - بيان قدرة الله ﷿ في سرعة حسابه، إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقد اورد بعض الصحابة على الرسولﷺ- إشكالا في هذا المعنى وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع-يعني كثير- فقالﷺ-: \"ألا أخبرك بشيء من آلاء الله يقرب لك هذا؟ \"، وذكر له القمر (١).\nفالقمر مخلوق من وخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعو واحدة لايضامون في رؤيته، فإذا كان في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه العالم ما لايحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جلّ وعلا؟\n٧ - إثبات الحسان، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اصبروا على طاعة ربكم، وعلى ما ينزل بكم من ضر وبلاء، وصابروا أعداءكم حتى لا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على جهاد عدوي وعدوكم، وخافوا الله في جميع أحوالكم; رجاء أن تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الحاكم، والطبري (٢)، والواحدي (٣)، من طريق مصعب بن ثابت حدثني داود بن صالح قال: \"قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية؟ قلت: لا، قال يا ابن أخي: إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله\" (٥)، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله\" (٦).\nقال ابن عباس: \" ما في القرآن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه\" (٧).\nوقال الأعمش عن خيثمة: \" ما تقرأون من القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإن في التوراة \"يا أيها المساكين\" (٨).\nوروي أن \"رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، \" أي: اصبروا على مشاقّ الطاعات وما يصيبكم من الشدائد\" (١٠).\nقال محمد بن كعب القرظي، والزجاج (١١): أي: \"اصبروا على دينكم\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: مسند الإمام أحمد (١٥٧٧٣) ..\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٣٩٤): ص ٧/ ٥٠٤، إلا أنه في جواب السؤال: \" قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ ... بلفظه.\n(٣) انظر: أسباب النزول: ١٤٠ - ١٤١.\n(٤) المستدرك: ٢/ ٣٠١، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٥٠٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٩): ص ٣/ ٧١٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٠): ص ٣/ ٧١٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩١): ص ٣/ ٧١٨.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٥٠١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨٩): ص ٣/ ٨٤٧.","vol":"6","page":460},{"text":"قال الحسن: \"أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم للإسلام، فلا ندعوا لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين\" (١).\nوفي رواية أخرى عن الحس: \" اصبروا على المصائب\" (٢).\nوفي رواية أخرى عن الحسن أيضا: \" اصبروا على الصلوات\" (٣). وروي عن أبي غسان نحوه (٤).\nوقال سعيد بن جبير وسفيان (٥): \" يعني: على الفرائض\" (٦).\nوقال الضحاك (٧)، ومقاتل بن سليمان: أي: \" على أمر الله﷿- وفرائضه\" (٨).\nوقال قتادة: على \"طاعة الله\" (٩). وفي رواية ابن المنذر عن قتادة: \" على دينكم\" (١٠).\nوقال زيد بن أسلم: \" اصبروا: على الجهاد\" (١١).\nوفي رواية أخرى عن زين بن أسلم: \" اصبروا على الخير\" (١٢).\nوقال مقاتل بن حيان: \" اصبروا على حق الله\" (١٣).\nوقال الكلبي: \"على البلاء\" (١٤).\nوقال ابن عباس: \"البلاء والجهاد\" (١٥). وفي رواية ابن المنذر عن ابن عباس: \"على طاعة الله\" (١٦).\nوقال الزمخشري: \" اصبروا على الدين وتكاليفه\" (١٧).\nقال الثعلبي: \" قالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك الشكوى، وصدق الرضا، وقبول القضاء. وقيل: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، \" أي: وغالبوا أعداء الله بالصبر على أهوال القتال وشدائد الحروب\" (١٩).\nقال عطاء (٢٠)، ومحمد بن كعب القرظي: \" صابروا الوعد الذي وعدتكم عليه\" (٢١).\nوقال الحسن: \" أمروا أن يصبروا عن الكفار، حتى يكون في الكفار الذين يملون دينهم\" (٢٢).\nقال زيد بن أسلم: \" صابروا عدوكم\" (٢٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩٠): ص ٣/ ٨٤٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ولم يرقم الخبر، وإنما كتبه المحقق بين الرقمين (٤٦٩٥) و(٤٦٩٦): ص ٣/ ٨٤٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩٣): ص ٣/ ٨٤٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٩٢): ص ٣/ ٨٤٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن المنذر (١٢٩٤): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩١): ص ٣/ ٨٤٧.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٤.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٦٤.\n(١٠) تفسير ابن المنذر (١٢٩٥): ص ٢/ ٥٤٤.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩٤): ص ٣/ ٨٤٨.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩٦): ص ٣/ ٨٤٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩٥): ص ٣/ ٨٤٨.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨.\n(١٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٦٤.\n(١٦) تفسير ابن المنذر (١٢٩٣): ص ٢/ ٥٤٤.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٤٦٠.\n(١٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨.\n(١٩) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨، وزاد المسير: ١/ ٣٦٤.\n(٢١) أخرجه ابن ابي حاتم (٤٦٩٧): ص ٣/ ٨٤٨.\n(٢٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٤٦٩٨): ص ٣/ ٨٤٨.\n(٢٣) أخرجه ابن ابي حاتم، ولم يرقم، وانما كتب الخبر بعد الرقم (٤٦٩٨): ص ٣/ ٨٤٨.","vol":"6","page":461},{"text":"وقال ابن عباس: \"أعداء الله\" (١)، وكذا نسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس والجمهور (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: مع النبي ﷺ في الموطن\" (٣). وذكر مقاتل بن سليمان مثله (٤).\nقال قتادة: \" صابروا أهل الضلالة\" (٥).\nقال سفيان: \"صابروا على العدو، فلا تكونوا أجزع منهم \" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: عدوّكم\" (٧).\nقال الثعلبي: يعني الكفار، قاله أكثر المفسرين\" (٨).\nوقال الحسن: \" وصابروا على الصلوات\" (٩).\nوفي رواية اخرى عن الحسن: \" صابروا على دينكم\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \"وصابروا أعداء الله في الجهاد، أى غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا. والمصابرة: باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصا لشدته وصعوبته\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، \" أي: ولازموا ثغوركم مستعدين للكفاح والغزو\" (١٢).\nقال محمد بن كعب القرظي: \" رابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم\" (١٣).\nوفي رواية أخرى عن القرظي: \" ﴿ورابطوا﴾ قال: الذي يقعد بعد الصلاة\" (١٤). أي: انتظار الصلاة بعد الصلاة، ونسب ابن كثير هذا القول إلى مجاهد وابن عباس، وسهل بن حُنيف (١٥).\nقال الحسن: \" أمروا أن يرابطوا المشركين\" (١٦). وروي عن قتادة نحو ذلك (١٧)، ونسب هذا ابن الجوزي هذا القول إلى ابن عباس (١٨).\nقال مقاتل بن سليمان: أي: \" ﴿ورابطوا﴾ العدو في سبيل الله حتى يدعوا دينهم لدينكم\" (١٩).\nوقال مقاتل بن حيان: \" ورابطوا: مع النبي ﷺ العدو\" (٢٠).\nقال الزجاج: أي: \" أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحجة\" (٢١).\nوقال سعيد بن جبير: \" يعني: فيما أمركم ونهاكم\" (٢٢).\nوقال زيد بن أسلم: \" رابطوا على دينكم: (٢٣). وروي عن الحسن مثله (٢٤).\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (١٢٩٣): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٦٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩٩): ص ٣/ ٨٤٩.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٢): ص ٣/ ٨٤٩.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٢٩٤): ص ٢/ ٥٤٤.\n(٧) معاني القرآن: ١/ ٥٠١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٠): ص ٣/ ٨٤٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠١): ص ٣/ ٨٤٩.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٦٠.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٤): ص ٣/ ٨٥٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٨): ص ٣/ ٨٥٠.\n(١٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٥.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٤): ص ٣/ ٨٥٠.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٠٤): ص ٣/ ٨٥٠.\n(١٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٦٥.\n(١٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٤.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٧): ص ٣/ ٨٥٠.\n(٢١) معاني القرآن: ١/ ٥٠٢.\n(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٥): ص ٣/ ٨٥٠.\n(٢٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٠٦): ص ٣/ ٨٥٠.\n(٢٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٠٦): ص ٣/ ٨٥٠.","vol":"6","page":462},{"text":"وقال ابن كثير: \" وأما المرابطة: فهي المداومة في مكان العبادة والثبات\" (١).\nوقال الزمخشري: \" وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصدين مستعدين للغزو. قال الله ﷿: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] \" (٢).\nقال الثعلبي: \" يعني المشركين، وأصل الرباط: أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن له مركب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرنجي يقول:\nالمرابطة: اعتقال المبارزين في الحرب، وأصل الربط الشد، ومنه قيل للخيل: الرباط، ويقال:\nفلان رابط الجأش، أي قوي القلب. قال لبيد (٣):\nرابط الجأش على كل وجل\" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" أي: اثبتوا ودوموا، قال الأخطل (٥):\nما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفى كليب رباط اللّوم والعار\" (٦)\nنستنتج بأنه قد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿أصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] على أربعة أقوال:\nأحدها: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، وهو قول الحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة (٩)، وابن جريج (١٠)، والضحاك (١١).\nوالثاني: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم. وهو قول محمد بن كعب (١٢).\nوالثالث: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم. وهذا قول زيد بن أسلم (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٥.\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٦٠.\n(٣) انظر: الصحاح، مادة\"ربط\": ص ٢/ ٤٨٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٥) ديوانه: ٢٠٦، وفي الأساس، مادة\"ربط\".\n(٦) مجاز القرآن: ١/ ١١٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨٦): ص ٧/ ٥٠١ - ٥٠٢.\n(٨) انظر: تفسير مجاهد: ٢٦٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨٨): ص ٧/ ٥٠٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٣٨٩): ص ٧/ ٥٠٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٣٩٠): ص ٧/ ٥٠٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٣٩١): ص ٧/ ٥٠٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٣٩٢): ص ٧/ ٥٠٣. قال ابن كثير: \" وقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نُحور العدو، وحفظ ثُغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حَوْزَة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذِكْر كثرة الثواب فيه، فرَوَى البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سَعْد الساعدي، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» \". [تفسير ابن كثير: ٢/ ١٩٧]، [والحديث رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٨٩٢)]\nوفي السياق نفسه وردت احاديث أخرى، فمن ذلك:\n-أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \" تَعِسَ عبد الدينار وعبد الدِّرْهَم وعبد الخَميصة، إن أُعْطِيَ رضي، وإن لم يُعْطَ سَخِط، تَعس وانتكَسَ، وإذا شيك فلا انْتَقَش طُوبَى لعَبدٍ آخذٍ بعنان فَرَسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُهُ، مُغَبَّرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَع لم يُشفَّعْ\". [صحيح البخاري برقم (٢٨٨٦)].\n-حديث آخر: أخرج الإمام مسلم عن سَلمان الفارسي، عن رسوله الله ﷺ أنه قال: \"رباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وَإنْ مات جَرَى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجْرِيَ عليه رزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان \". [صحيح مسلم برقم (١٩١٣)].\n-حديث آخر: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه قال: \"رِباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرِي عليه رزقُه، وأمن الفَتَّان\". [صحيح مسلم برقم (١٩١٣) وسنن النسائي (٣٩١٦)].\n-حديث آخر: أخرج الإمام أحمد عن فُضالة بن عُبيد، قال: \" سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ميّت يُخْتَمُ على عمله، إلا الذي مات مُرَابطًا في سبيل الله، فإنه يَنْمى له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر» \". [المسند (٦/ ٢٠) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٠) وسنن الترمذي برقم (١٦٢١) وصحيح ابن حبان (٧/ ٦٩) \"الإحسان\"].\n-حديث آخر: أخرج الإمام احمد عن أبي هريرة، ﵁، قال رسول الله ﷺ: \"من مات مُرَابطا وقي فِتنة القبر، وأمن من الفَزَع الأكبر، وغَدَا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة\". [المسند (٢/ ٤٠٤)].\n-حديث آخر: أخرج الإمام احمد سمعت عقبة بن عامر يقول: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ميّت يُخْتَم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يجري عليه عمله حتى يُبْعَثَ ويأمن من الفَتَّان\". [المسند (٣/ ١٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٨٩): \"فيه ابن لهيعة وحديثه حسن\"].\n-حديث آخر أخرج الإمام أحمد عن مُصْعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان، ﵁ - وهو يخطب على منبره -: إني مُحدِّثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الضّن بكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"حَرْسُ ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويُصَام نهارها\". [المسند (١/ ٦١)].\n-حديث آخر: أخرج الإمام أحمد عن سهل بن معاذ عن أبيه معاذ بن أنس، ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \" من حَرَس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تَحِلَّة القَسَم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] \". [المسند (٣/ ٤٣٧)].\n-حديث آخر: أخرج ابن ماجة عن أبي هُرَيرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"من مات مُرَابطًا في سبيل الله، أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمل وأجْري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفَزَع\" [سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٧) وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٩١): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\"].\n-حديث آخر أخرج الترمذي عن محمد بن المُنْكَدر قال: \"مر سَلْمان الفارسي بشُرَحْبِيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَط له، وقد شَق عليه وعلى أصحابه فقال: أفلا أحدثك - يا ابن السمط - بحديث سمعتُه من رسول الله ﷺ؟ قال: بلى. قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"رِبَاط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال: خير - من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فِتْنَة القبر، ونَمَا له عمله إلى يوم القيامة\". [سنن الترمذي برقم (١٦٦٥)].\n-حديث آخر: أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"عَيْنان لا تَمَسُّهما النار: عَيْنٌ بَكَتْ من خَشْيَةِ الله، وعين باتت تَحْرُسُ في سبيل الله\". [سنن الترمذي برقم (١٦٣٩)].\n-حديث آخر: أخرج أبو داود عن ابن سلام أنه سمع أبا سلام قال: \"حدثني السلولي: أنه حدثه سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فأطنبوا السير حتى كانت عَشِيّة، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهُوازن على بَكْرَة أبيهم بظُعنهم ونَعَمِهم وشَائِهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي ﷺ وقال: \"تلك غَنِيمَة المسلمين غدًا إن شاء الله تعالى \". ثم قال: \"من يحرسنا الليلة؟ \" قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله. فقال: فاركب\" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"اسْتَقْبِل هذا الشِّعْب حتى تكون في أعلاه ولا يَغَرَّن من قِبَلِك الليلة\" فلما أصبحنا خرَج رسول الله ﷺ إلى مُصَلاه فركع ركعتين ثم قال: \"هل أحسستم فارسكم؟ \" قال رجل: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثُوِّب بالصلاة، فجعل النبي ﷺ، وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته قال: \"أبْشِرُوا فقد جاءكم فارسكم\" فجعلنا ننظر إلى خِلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث رسول الله ﷺ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"هل نزلت الليلة؟ \" قال: لا إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة، فقال له: \"أوْجَبْتَ، فلا عليك ألا تعمل بعدها\". [سنن أبي داود برقم (٢٥٠١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٨٧٠)].\n-وفي السياق نفسه روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: \"أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية: سنة سبع وسبعين ومائة:\nيا عابدَ الحرمين لَوْ أبْصَرْتَنا ... لَعَلمْتَ أنكَ في العبادِة تلعبُ\nمن كان يخضب خدَّه بدموعِه ... فَنُحورنا بدمائنا تَتَخضَّب\nأو كان يُتْعِبُ خَيْلَه في باطلٍ ... فخُيولنا يومَ الصبِيحة تَتْعبُ\nريحُ العبيرِ لكم ونحنُ عبيرُنا ... وَهجُ السنابِك والغبارُ الأطيبُ\nولَقَد أتانا من مَقَالِ نبينا ... قول صَحيح صادق لا يَكْذبُ\nلا يستوي وَغُبَارَ خيل الله في ... أنف امرئ ودخانَ نار تَلْهَبُ\nهذا كتاب الله يَنْطق بيننا ... ليس الشهيدُ بمَيِّت لا يَكْذبُ\nقال: فلقيت الفُضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ وقال: صَدَق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم قال: فاكتب هذا الحديث كرَاءَ حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى عَلَيّ الفُضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله عَلمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال: \" هل تستطيع أن تُصَلِّي فلا تَفْتُر وتصومَ فلا تُفْطِر؟ \" فقال: يا رسول الله، أنا أضْعَفُ من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ: \" فَوالَّذي نَفْسِي بِيَدِه لو طُوقْتَ ذلك ما بلغتَ المجاهدين في سبيل الله أوما عَلمتَ أن الفرس المجاهد ليَسْتَنُّ في طِوَله فيكتب له بذلك الحسنات\". [رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٣٦)، وانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٤/ ٢٢)، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٢٠١ - ٢٠٣].","vol":"6","page":463},{"text":"والرابع: أن معنى ﴿رابطوا﴾، أي: رابطوا على الصلوات بانتظارها واحدة بعد واحدة. قاله أبو هريرة﵁- (١)، ونسبه الطبري إلى أبي سلمة بن عبدالرحمن (٢)، وروي عن يحيى بن سعيد بن المسيب نحو ذلك (٣).\nروي عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\" (٤).\nوالراجح من الأقوال السابقة-والله أعلم-، أن معنى ﴿اصبروا﴾، أي: \" اصبروا على دينكم وطاعة ربكم، فأمر الله ﷿ بالصبر على جميع معاني طاعته فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها، لأن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل.\nوقوله: ﴿وصابروا﴾، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين، لأن وزن الفعل من \"المفاعلة\"، وهي في كلام العرب تفيد المشاركة بين اثنين فصاعدا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة، وبالتالي فإن الله أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم.\nوأما قوله تعالى: ﴿ورابطوا﴾، أي: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله، لأن أصل \"الرباط \"، ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له، فهذا هو المعنى المعروف من معاني الرباط، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل (٥).\nقال ابن عطية: \" والقول الصحيح هو أن (الرباط) هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي ﷺ: «فذلك الرباط» (٦) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي: هو الأول، وهذا كقوله: ليس الشديد بالسرعة، كقوله: ليس المسكين بهذا الطواف إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله ابن المواز ورواه، فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، \" أي: وخافوا الله فلا تخالفوا أمره لتفوزوا بسعادة الدارين\" (٨).\nقال مقاتل: أي: \"ولا تعصوا، ومن يفعل ذلك فقد أفلح\" (٩).\nقال محمد بن كعب القرظي: \" ﴿واتقوا الله﴾ فيما بيني وبينكم، ﴿لعلكم تفلحون﴾ غدًا إذا لقيتموني\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" واتقوا الله، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه، لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ [بن جبل] (٢) ﵁ حين بعثه إلى اليمن: «اتَّق الله حَيْثُما كُنْتَ وأتْبع السيئَة الحسنة تَمْحُها وخالق الناس بخُلق حَسَنٍ» (١٢). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة\" (١٣).\nقال الزجاج: أي: \" ﴿واتقوا الله﴾ في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه، لتكونوا على رجاء فلاح - وإنما قيل لهم ﴿لعلكم تفلحون﴾: أي لعلكم تسلمون من أعمال تبطل أعمالكم هذه، فأما المؤمنون الذين وصفهم الله جل ثناؤه فقد أفلحوا، قال الله جل وعز: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، إلى آخر وصف المؤمنين، فهؤلاء قد أفلحوا لا محالة وإنما يكون الترجي مع عمل يتوهم أنه بعض من العمل الصالح\" (١٤).\nقال ابن عطية: \" ثم ختم الله تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، وأمر بالمصابرة، فقيل: معناه مصابرة الأعداء، وقوله ﴿ورابطوا﴾: قال جمهور الأمة معناه: رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله ﷿: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] \" (١٥).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\n٢ - أن ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه يما يحمل الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه، لقوله: ﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾.\n٣ - الحثّ على الصبر بل الأمر بالصبر، لقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾، وهو في الحقيقة مشترك، قد يكون واجبا وهو الصبر على الواجب وترك المحرم وعلى الأقدار المؤلمة، وقد يكون الصبر مستحبا وهو الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر فيها أكمل وأفضل.\n٤ - الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويعد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالا لأمر الله ﷿ ورجاء لثوابه، وتحسبا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على من ضاده.\n٥ - الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة، وإن كانت على مستحب فهي مستحبة.\n٦ - الأمر بالتقوى، والتقوى واجبة، لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم.\n٧ - النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وهي-أي العاقبة الحميدة- الفلاح، لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n------------------------------------------------------\nانتهى المجلد السادس من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد السابع بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة النساء.\n_________\n(١) انظر: المستدرك: ٢/ ٣٠١، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي، وأسباب النزول للواحدي: ١٤٠ - ١٤١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٣٩٤): ص ٧/ ٥٠٤.\n(٣) انظر: تفسير القرآن من الجامع لابن وهب (٣١٧): ص ٢/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(٤) أخرجه مالك في الموطأ (١١٨)، وأحمد (٧٢٠٨): ص ٢/ ٢٣٥، و(٧٧١٥): ص ٢/ ٢٧٧، و(٧٩٨٢): ص ٢/ ٣٠١، و(٧٠٠٨): ص ٢/ ٣٠٣، و(٩٦٤٢): ص ٢/ ٤٣٨، ومسلم (٥٠٨): ص ١/ ١٥١، والترمذي (٥١)، (٥٢)، والنسائي: ١/ ٨٩، وفي الكبرى (١٣٨)، وأبو يعلى (٦٥٠٣)، وابن خزيمة (٥)، وابن حبان (١٠٣٨) ..\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٠٨ - ٥٠٩.\n(٦) لفظه في الروايات: «فذلكم الرباط»: أخرجه مالك في الموطأ (١١٨)، وأحمد (٧٢٠٨): ص ٢/ ٢٣٥، و(٧٧١٥): ص ٢/ ٢٧٧، و(٧٩٨٢): ص ٢/ ٣٠١، و(٧٠٠٨): ص ٢/ ٣٠٣، و(٩٦٤٢): ص ٢/ ٤٣٨، ومسلم (٥٠٨): ص ١/ ١٥١، والترمذي (٥١)، (٥٢)، والنسائي: ١/ ٨٩، وفي الكبرى (١٣٨)، وأبو يعلى (٦٥٠٣)، وابن خزيمة (٥)، وابن حبان (١٠٣٨) ..\n(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٥٦٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٣٢.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٢٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٣٩٩): ص ٧/ ٥١٠، وابن أبي حاتم (٤٧١١): ص ٣/ ٨٥١، بزيادة في آخر الخبر: \" فذلك حين يقول اصبروا وصابروا\".\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٥٠٩.\n(١٢) أخرجه أحمد (٢١٦٨١): ص ٥/ ١٥٣، و(٢١٧٣٢): ص ٥/ ١٥٨، و(٢١٨٦٩): ص ٥/ ١٧٧، والدارمي (٢٧٩١)، والترمذي (١٩٨٧).\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٠٣.\n(١٤) معاني القرآن: ١/ ٥٠٢.\n(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ٥٥٩ - ٥٦٠، وانظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٣.","vol":"6","page":465},{"text":"الموضوع ... الصفحة\n﴿الم (١)\nاللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)\nنَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)\nمِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)\nإِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)\nهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)\nرَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)\nرَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)\nقَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)\nقُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)\nالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)\nالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)\nفَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)","vol":"6","page":466},{"text":"أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)\nفَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)\nقُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)\nتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)\nلَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)\nقُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)\nذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)\nإِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)\nفَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)\nفَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)\nهُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)\nفَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)\nقَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)\nقَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)\nوَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ","vol":"6","page":468},{"text":"وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)\nإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)\nوَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)\nقَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)\nوَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)\nوَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)\nوَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)\nإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)\nرَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)\nوَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)\nإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)\nفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)\nوَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)\nذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)\nإِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)\nفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)\nإِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)\nيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)\nهَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)\nمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)","vol":"6","page":469},{"text":"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)\nوَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)\nيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)\nيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)\nوَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)\nوَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)\nيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nبَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)\nوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)\nمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)\nوَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)\nأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)\nأُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)\nخَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)\nإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ","vol":"6","page":470},{"text":"(٩٠)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)\nلَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)\nكُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)\nفَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)\nقُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)\nإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)\nفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)\nوَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)\nوَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)\nوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)\nتِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)\nوَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)\nلَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)\nلَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)\nيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي","vol":"6","page":471},{"text":"الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)\nوَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)\nمَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)\nهَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)\nإِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)\nإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)\nبَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)\nوَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)\nلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)\nلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)\nوَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)\nوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)\nوَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nوَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)\nأُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)","vol":"6","page":472},{"text":"هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)\nوَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)\nإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)\nوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)\nوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)\nوَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)\nوَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)\nوَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)\nفَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)\nبَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)\nسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)\nوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)\nإِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)\nثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)\nوَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)\nفَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ","vol":"6","page":473},{"text":"الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nوَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)\nأَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)\nهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)\nأَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)\nوَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)\nالَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)\nوَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)\nفَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)\nيَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)\nالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)\nالَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)\nفَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)\nإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)\nوَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)\nمَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)\nوَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)","vol":"6","page":474},{"text":"ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)\nالَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)\nكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)\nلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)\nرَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)\nرَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)\nرَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)\nفَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)\nلَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)\nمَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)\nلَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾","vol":"6","page":475},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء السابع\nسورة النساء الآية (١ - ١٧٦)\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"7","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"7","page":2},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"7","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>تفسير سورة النساء</span>\nسورة النساء هي الرابعة في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سورة الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، وعدد آياتها: مائة وخمس وسبعون، فى عدّ الكوفىّ، وستّ فى عدِّ البصرىّ، وسبع فى عدّ الشَّامىّ، وكلماتها: ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأَربعون، وحروفها: ستَّة عشر أَلفًا وثلاثون حرفًا.\nوالآيات المختلف فيه منهما آيتان (١):\nإحداهما: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيل﴾ [النسا: ٤٤].\nوثانيتهما: ﴿عَذَابًا أَلِيْمًا﴾ [النساء: ١٧٣].\nفالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط، والشاميون يثبتون الثانية أيضا، وأما علماء الحجاز والبصريون فيرون أن ما ذكره الكوفيون والشاميون إنما هو جزء من آية وليس آية كاملة.\nومجموع فواصل الآيات: «م، ل، ان»، يجمعها قولك: «مِلْنَا»، فعلى اللاَّم آية واحدة: ﴿السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤]، وعلى النُّون آية واحدة: ﴿مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، وخمس آيات منها على «الميم» المضمومة، وهي: الآيات: [١٢، ١٣، ٢٥، ٢٦، ١٧٦]، وسائر الآيات على «الأَلف».\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>أسماء السورة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>١ - سورة النساء</span>\nعرفت السورة بـ «سورة النساء»، وهو اسم توقيفي عنونت به في المصاحف وكتب التفسير والسنة، وقد عن رسول اللهﷺ- تسميتها بهذا الاسم، فقد روي أنه قال لعمر﵁- لما كررر السؤال عن الكلالة:: «تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء» (٢).\nوعن أبي مليكة أنه سمع ابن عباس﵁- يقول: \"سلوني عن سورة النساء، فغني قرأت القرآن وانا صغير\" (٣).\nوعن ابن عباس أيضا: \"من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض\" (٤).\nكما جاءت في ملام بعض الصحابة رضوان الله عليهم كعائشة وابن عباس، فقد أخرج البخاري عن عائشة-: \"ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عنده\" (٥).\nوسورة «النساء» سميت بهذا الاسم، لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر مما نزل في غيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>٢ - سورة النساء الطولى أو الكبرى</span>\nويطلق عليها اسم «سورة النساء الكبرى»، تمييزا لها عن سورة أخرى عرضت لبعض شئون النساء، وهي: «سورة الطلاق» التي كثيرا ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الصغرى» (٦).\nوفي صحيح البخاري عن عبدالله بن مسعود: \"أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى\" (٧).\n_________\n(١) انظر: بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي: ١/ ١٦٩، وروح المعاني، للآلوسي: ٢/ ٣٨٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٨٨٦): ص ٩/ ٤٤١.\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣١٧٨): ص ٢/ ٣٣٠.\n(٤) أخرجه ابن ابي شيبة في مصنفه: ١١/ ٢٣٤.\n(٥) صحيح البخاري (٤٩٩٣): ص ٢٤/ ٤٠، والحديث ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز»: ٢/ ٣، والسيوطي في «الدر المنثور»: ٢/ ٢٠٥، وعزاه للبخاري، وانظر: تفسير القرطبي: ٥/ ١، وزاد المسير: ١/ ٣٦٦، والجواهر الحسان، للثعالبي: ٢/ ١٥٩.\n(٦) انظر: بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي: ١/ ١٦٩، والتفسير الوسيط لطنطاوي: ٣/ ٨\n(٧) صحيح البخاري (٤٩١٠): ص ٦/ ٣٧٦.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>مكان نزول السورة:</span>\nإن هذه السّورة مدنيّة بإِجماع القُرَّاءِ (١)، وكان نزولها بعد سورة الممتحنة، وفي مكان نزولها أقوال:\nأحدها: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس (٢)، وهو قول الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، وجابر بن زيد (٥)، وقتادة (٦)، واختاره النحاس (٧)، والسمرقندي (٨).\nوالثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس (٩)، وهو قول مقاتل (١٠).\nقال الطنطاوي: \" والحق، أن الذي يقرأ سورة النساء من أولها إلى آخرها بتدبر وإمعان، يرى في أسلوبها وموضوعاتها سمات القرآن المدني. فهي زاخرة بالحديث عن الأحكام الشرعية: من عبادات ومعاملات وحدود. وعن علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم. وعن أحوال أهل الكتاب والمنافقين، وعن الجهاد في سبيل الله. إلى غير ذلك من الموضوعات التي يكثر ورودها في القرآن المدني\" (١١).\nوالثالث: وقيل: إنها مدنية، إلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي ﷺ أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة، فيسلمها إلى العباس، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. ذكره الماوردي (١٢)، وابن عطية (١٣).\nواختاره القرطبي، وقال: \"هي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] \" (١٤).\nوالرابع: أنها مدنية إلا آية واحدة، وهي آية الكلالة (١٥)، وهذا القول منسوب للطبرسي (١٦).\nوالخامس: وقيل: أنها مدنية إلا آيتين (١٧):\nالآولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، نزلت على النبي ﷺ في الطواف في شأن مفتاح الكعبة ليرده إلى بني شيبة (١٨).\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]، نزلت بمكة في سؤال جابر بن عبد الله الأنصاري (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٣، وغريب القرآن لابن قتيبة: ١/ ١١٨، وتفسير الطبري: ٦/ ٣٣٩، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٥، وتفسير القرطبي: ٥/ ١، والكشف والبيان: ٣/ ٢٤١، والبيان في القرآن: ١/ ١٤٦، والوسيط للواحدي: ٢/ ٣، وتفسير البغوي: ٢/ ١٨٥، والكشاف: ١/ ٤٦١، وزاد المسير: ١/ ٣٦٦، ومصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور للبقاعي: ٢/ ٨٦، والدر المنثور: ٢/ ٤٢٣، وغيرها.\n(٢) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦.\n(٣) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦.\n(٤) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦.\n(٥) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦.\n(٦) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧.\n(٨) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٨.\n(٩) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٣.\n(١١) التفسير الوسيط: ٣/ ٨.\n(١٢) انظر: وزاد المسير: ١/ ٣٦، ولم أجده في تفسيره النكت والعيون.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٣ ..\n(١٤) تفسير القرطبي: ٥/ ١ ..\n(١٥) وهي قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦].\n(١٦) انظر: تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٨٩، الهامش ..\n(١٧) ذكره مرعي بن يوسف المقدسي، انظر: قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن، مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: ١٠٣٣ هـ): ص ٨٢.\n(١٨) انظر الخبر في: تفسير الطبري (٩٨٤٦): ص ٨/ ٤٩١ - ٤٩٢، وتفسير ابن المنذر (١٩٢٠): ص ٢/ ٧٦٢. [وسنده ضعيف جدًا؛ فيه علتان. الأولى: الإعضال، والثانية ضعف سنيد الذي أخرجه الطبري من طريقه].\n(١٩) انظر: الخبر في: تفسير الطبري (١٠٥٥٢): ص ٩/ ٢٥٧. [وسنده ضعيف، يه علتان: الأولى: الإعضال. والثانية: ضعف أسباط]. وفي سبب نزول الآية أختلاف كما سياتي بيانه في تفسير الآية إن شاء الله.","vol":"7","page":5},{"text":"والراجح أنها مدنية، فقد روي عن عائشة أنها قالت: \"ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عنده\" (١). تقصد عند رسول الله -ﷺ-، قال القرطبي: \"تعني قد بنى بها، ولا خلاف بين العلماء أن النبي ﷺ إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها، وأما من قال: إن قوله: ﴿يا أيها الناس﴾، مكي حيث وقع، فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ في موضعين (٢)، وقد تقدّم. والله أعلم\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>مقاصد السورة:</span>\nسورة النساء تعتبر أطول سورة مدنية بعد سورة البقرة. وإنك لتقرؤها بتدبر وتفهم فتراها قد اشتملت على مقاصد عالية، وآداب سامية. وتوجيهات حكيمة، وتشريعات جليلة، وفيما يأتي مجمل ما اشتملت عليه سورة النساء (٤):\nأولا: -بيان خلقة آدم وحواء، والأمر بصلة الرحم، والنهى عن أكل مال اليتيم وما يترتب عليه من عظم الإثم والعذاب لآكليه، وبيان المناكحات، وعدد النساء وحكم الصداق، وحفظ المال من السفهاء، وتجربة اليتيم قبل دفع المال إليه، والرفق بالأقارب وقت قسمة الميراث، وحكم ميراث أصحاب الفروض وذكر ذوات المحارم وبيان طول الحرة، وجواز التزوج بالأمة واجتناب الكبائر، وفضل الرجال على النساء، وبيان الحقوق، وحكم السكران وقت الصلاة. وآية التيمم.\nثانيا: - ذم اليهود وتحريفهم التوراة، ورد الأمانات إلى أهلها. في الآيات [١ - ٥٨]، وصفة المنافقين فى امتناعهم عن قبول أوامر القرآن. في الآيات: [٦٠ - ٦٨].\nثالثا: -الأمر بالقتال. في الآيات: [٧١ - ٨٥].\nرابعا: - وجوب رد السلام والنهى عن موالاة المشركين، وتفصيل قتل العمد والخطأ. في الآيات: [٨٦ - ٩٣].\nخامسا: - فضل الهجرة ووزر المتأخرين عنها، والإشارة إلى صلاة الخوف حال القتال. في الآيات: [٩٤ - ١٠٣].\nسادسا: -النهى عن حماية الخائنين، وإيقاع الصلح بين الأزواج والزوجات وإقامة الشهادات، ومدح العدل في الآيات: [١٠٤ - ١٣٥].\nسابعا: - ذم المنافقين. وذم اليهود، وذكر قصدهم من قتل عيسى﵇- في الآيات: [١٣٦ - ١٦١].\nثامنا: - فضل الراسخين فى العلم وإظهار فساد اعتقاد النصارى وافتخار الملائكة والمسيح بمقام العبودية، وذكر ميراث الكلالة. في الآيات: [١٦٢ - ١٧٦].\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها:</span>\nومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة \"آل عمران\" التي قبلها (٥):\nأولا: أن سورة \"آل عمران\" اختتمت بالأمر بالتقوى في قوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]\nوسورة \"النساء\" افتتحت بالأمر بالتقوى، قال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١].\nقال الآلوسي: \"وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف، وقوم يسمونه بالتسبيغ (٦)، وذلك كقول ليلى الأخيلية (٧):\nإذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤٩٩٣): ص ٢٤/ ٤٠، والحديث ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز»: ٢/ ٣، والسيوطي في «الدر المنثور»: ٢/ ٢٠٥، وعزاه للبخاري، وانظر: تفسير القرطبي: ٥/ ١، وزاد المسير: ١/ ٣٦٦، والجواهر الحسان، للثعالبي: ٢/ ١٥٩.\n(٢) وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١، و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٥، وانظر: تفسير العز بن عبدالسلام: ١/ ٣٠١.\n(٤) انظر: بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي: ١/ ١٧٠ - ١٧٧.\n(٥) انظر: روح المعاني: ٢/ ٣٨٩، والتفسير الوسيط لطنطاوي: ٣/ ٨.\n(٦) وهو: \"أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه فى المعنى؛ نحو: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] \". انظر: عروس الافراح في شرح تلخيص المفتاح، بهاءالدين السبكي: ٢/ ٢٣٤.\nوفي الشعر: \"أن يجعل الشاعر قافية بيته الأوّل أوّل البيت الثانى، وقافية الثانى أوّل الثالث، وهكذا إلى انتهاء كلامه\". انظر: نهاية الإرب في فنون الادب، النزيري: ٧/ ١٨١.\n(٧) انظر: الأغاني: ١١/ ٢٤٨، والبحر المحيط: ٦/ ١٤١، وتفسير القرطبي: ٤/ ٨٠.","vol":"7","page":6},{"text":"شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة رواها\nرواها فأرواها بشرب سجالها ... دماء رجال حيث نال حشاها\" (١).\nثانيا: ومن وجوه المناسبة كذلك: أن في \"آل عمران\" ذكر قصة \"أحد\" مستوفاة، وفي هذه السورة ذكر ذيلها، وهو قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما.\nثالثا: ومنها: أن في \"آل عمران\" ذكر الغزوة التي بعد \"أحد\"، كما أشرنا إليه في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] إلخ، وأشير إليها هاهنا بقوله سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤] الآية.\nرابعا: ومنها: أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب، وبيانا لأحوال المنافقين، وتفصيلا لأحكام القتال (٢).\nوبذلك يظهر أن تأخير سورة \"النساء\" عن \"آل عمران\" أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود، لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع، فكان الأنسب فيه التأخير (٣).\nقال الآلوسي: \"ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها، فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>فضائل السورة</span>\nورد في فضل هذه السورة مجموعة من الاخبار:\nأحدها: - أن سورة \"النساء\" هي من السَّبع الطُّوال التي ورد في فضلها أحاديثُ عن النبي ﷺ عظيمةٌ؛ فعن عائشةَ ﵂، عن رسول الله ﷺ، قال: \"من أخذ السَّبعَ الأُوَلَ من القرآن، فهو حَبْرٌ\" (٥).\nوعن عبدالله بن مسعود﵁-: \"من قرآ آل عمران فهو الغني، والنساء محبرة\" (٦).\nوالثاني: - وقد ورد حديث في فضل آيية من هذه السورة في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].\nعن عبد الله بن مسعود قال: \"قال لي -ﷺ-: «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: \"نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري\" فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ قال: «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان\" (٧).\n_________\n(١) روح المعاني: ٢/ ٣٨٩.\n(٢) انظر: التفسير الوسيط لطنطاوي: ٣/ ٨.\n(٣) انظر: روح المعاني: ٢/ ٣٨٩.\n(٤) روح المعاني: ٢/ ٣٨٩.\n(٥) أخرجه أحمد (٢٤٥٧٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٧٩).\n(٦) أخرجه الدارمي في سننه (٣٣٩٥): ص ٢/ ٥٤٤، وابو عبيد في فضائله: ١٢٧، والبيهقي في الشعب: (٢٦١٥): ص ٢/ ٥٢٩، وأورده السيوطي في الدر: ٢/ ١٤٠، وعزاه للدارمي ومحمد بن نصر والبيهقي في الشعب. [والحديث فيه إسرائيل بن يونس روي عن شيخه أبي إسحاق السبيعي وقد اختلط بآخره كما قال الحافظ في \"التقريب\": ٤٢٣.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٥٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (٨٠٠)، وسنن أبي داود برقم (٣٦٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٧٨) والشمائل للترمذي برقم (٣٠٦).","vol":"7","page":7},{"text":"والثالث: -عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: \" في خمس آيات من سورة النساء: لَهُنَّ أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [سورة النساء: ٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨، ١١٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ١١٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٥٢] \" (١).\nوالرابع: - عن ابن عباس قال: \"ثمانِ آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة النساء: ٢٦]، والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٢٧]، والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: ٢٨]، ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء، وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: وكان الله للذين عملوا الذنوب غفورًا رحيمًا\" (١).\nهذا ما تيسر من التمهيد للسورة، ولعلنا بذلك- أخى القارئ- نكون قد قدمنا لك تعريفا لهذه السورة يعينك على تفهم أسرارها، ومقاصدها. وتوجيهاتها قبل أن نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل، والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩٢٣٣): ص ٨/ ٣٥٦ - ٣٥٧، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠٥)، وقال: \" هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك\".\n(٢) أخرجه الطبري (٩٢٣٤): ٨/ ٢٥٧.","vol":"7","page":8},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]\nالتفسير:\nيا أيها الناس خافوا الله والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه; فهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي آدم ﵇، وخلق منها زوجها وهي حواء، ونشر منهما في أنحاء الأرض رجالا كثيرًا ونساء كثيرات، وراقبوا الله الذي يَسْأل به بعضكم بعضًا، واحذروا أن تقطعوا أرحامكم. إن الله مراقب لجميع أحوالكم.\nقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، أي: يا أيها الناس\" خافوا الله الذي أنشأكم من أصلٍ واحد وهو نفس أبيكم آدم\" (١).\nقال البيضاوي: \" خطاب يعم بني آدم، أي خلقكم من شخص واحد \" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" يا بنى آدم فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم\" (٣).\nقال مقاتل: \" يخوفهم يقول: اخشوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، يعنى: آدم\" (٤).\nوعن مقاتل بن حيان قوله: ﴿اتقوا ربكم﴾: واعبدوه\" (٥).\nعن ابن عباس: \" ﴿يا أيها الناس﴾، أي: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين\" (٦).\nقال السدي: \" أما خلقكم من نفس واحدة، فمن آدم ﷺ \" (٧)، وروي عن مجاهد وأبي مالك، وقتادة ومقاتل نحو ذلك (٨).\nفذكر عامة المفسرين أنه عنى بالنفس آدم، ﴿وزوجها﴾: حواء، في حين ذكر بعضهم أنه عنى بالنفس الروح المذكورة في قوله - ﷺ -: \"إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بكذا سنة» (٩) \" (١٠).\nقال الراغب: \" أدنى منازل التقوى اجتناب الكفر، وأعلاها أن لا تراعي من الدنيا والآخرة سوى الله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، \" أي: وأوجد من تلك النفس الواحدة زوجها وهي حواء\" (١٢).\nقال البيضاوي: أي: وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه\" (١٣).\nقال مجاهد: \"حواء من قصير آدم وهو نائم، فاستيقظ، فقال: أثا، بالنبطية، أي امرأة\" (١٤)،\nوروي عن السدي وقتادة ومقاتل بن حيان أنها: \"حواء\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(٣) الكشاف: ١/ ٤٦١.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١٣): ص ٣/ ٨٥٢.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١٢): ص ٣/ ٨٥٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١٤): ص ٣/ ٨٥٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم «٤٧١٤): ص ٣/ ٨٥٢.\n(٩) ضعيف، انظر: أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري): ص ٣/ ١٥٣١، وفتح الباري (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠)، والأسماء والصفات للبيهقي: ٢/ ٢١٦، وذكره جماعة من المفسرين، منهم الراغب في تفسيره: ٣/ ١٠٧٢، والرازي في مفاتيح الغيب: ٢٩/ ٣٢٨، وأبو حيان في البحر: ٣/ ٤٩٥.\nقال أبو الفداء: \" وأما حديث خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام فضعيف جدًّا، فلا يعول عليه، وكذا قول ابن عباس: \"خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة\" فلم يثبت عن ابن عباس، بل هو باطل عنه، قاله ابن حجر المكي في فتاويه الحديثية\". [كشف الخفاء: ١/ ٢٦٠].\n(١٠) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢٧.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٧٢.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٣٦.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١٩): ص ٣/ ٨٥٣.\n(١٥) انظر: ابن أبي حاتم (٤٧١٩): ص ٣/ ٨٥٣.","vol":"7","page":9},{"text":"قال الضحاك: \" خلق حواء من آدم، من ضلع الخلف، وهو من أسفل الأضلاع\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني من نفس آدم من ضلعه حواء\" (٢).\nقال ابن عباس: \" خلقت المرأة من الرجل، فجعل نهمتها في الرجال، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم\" (٣).\nقال الراغب: \" وقال بعضهم: نبه بقوله: ﴿وخلق منها زوجها﴾، أن المرأة بعض من الرجل، تنبيها على نقصانها وكماله، وقد نبه - ﷺ - بقوله ذلك أنها مخلوقة خلقة معوجة، لا ينتفع بها إلا كذلك، فلا يهمنك تنقيتها، وعلى ذلك قال - ﷺ -: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» (٤)، وبهذا النظر قيل: أخس صفات الرجل الشح والجبن، وهما أشرف\nصفات المرأة\" (٥).\nقوله تعالى ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، \" أي: ونشر وفرّق من آدم وحواء خلائق كثيرين ذكورًا وإِناثًا\" (٦).\nقال مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿وبثّ منهما﴾: من آدم وحواء، يقول: خلق منهما رجالا كثيرا ونساء\" (٧).\nقال السدي: \" ﴿بثّ﴾: خلق\" (٨)، وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (٩).\nقال البيضاوي: \" واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر كثيرا حملا على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها\" (١٠).\nوقرئ «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، \"أي: وخافوا الله الذي يناشد بعضكم بعضًا به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها\" (١٢).\nقال السدي: \" يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها\" (١٣).\nقال إبراهيم: \" اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول: الرجل يسأل بالله وبالرَّحم\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿اتقوا الله الذي تساءلون به﴾، واتقوا الأرحام وصلوها\" (١٥)، وروي عن الضحاك مثله (١٦).\nقال ابن أبي حاتم: \"وروي عن مقاتل بن حيان وعكرمة قالا: لا تقطعوها\" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١٧): ص ٣/ ٨٥٢.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١٨): ص ٣/ ٨٥٢.\n(٤) أخرجه الحميدي (١١٦٨)، وأحمد: (٩٧٩٤): ص ٢/ ٤٤٩، و٢/ ٤٩٧ (١٠٤٥٢)، والدارمي: (٢٢٢٢)، والبخاري (٥١٨٤)، ومسلم (٣٦٣٧)، وابن حبان (٤١٧٩). ونص الحديث: \" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها\".\nـ وفي رواية: \"لا تستقيم لك المرأة على خليقة واحدة، وإنما هي كالضلع، إن تقمها تكسرها، وإن تتركها تستمتع بها وفيها عوج\".\nـ وفي رواية: \"المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج\".\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٧٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٣٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢١): ص ٣/ ٨٥٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٠): ص ٣/ ٨٥٣.\n(٩) انظر: تفسبر ابن أبي حاتم (٤٧٢٠): ص ٣/ ٨٥٣.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(١١) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٣٦.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٤٢١): ص ٧/ ٥٢١.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨٤١٤): ص ٧/ ٥١٨.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٧) تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.","vol":"7","page":10},{"text":"وأخرج الطبري عن ابن زيد: \" واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [سورة الرعد: ٢١] \" (١).\nقال مقاتل: \" يقول: تسألون بالله بعضكم ببعض الحقوق والحوائج، واتقوا الأرحام أن تقطعوها وصلوها\" (٢).\nعن مجاهد قوله: \" ﴿واتقوا الله الذي تسائلون به﴾، قال: يقول أسألك بالله وبالرحم\" (٣). وروي عن إبراهيم النخعي، وعكرمة نحو ذلك (٤).\nوقال الضحاك: \"يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به\" (٥). وروي عن الربيع نحو ذلك (٦).\nعن السري بن يحيى قال: \"تلا الحسن هذه الآية: ﴿واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام﴾: فإذا سئلت بالله فأعط، وإذا سئلت بالرحم فأعط يعني: الرحم التي بينك وبينه\" (٧).\nعن الربيع في قوله: \" ﴿اتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام﴾، قال: الذي تعهدون وتعتقدون به\" (٨).\nعن سعيد بن جبير في قوله: \" ﴿اتقوا الله﴾، يعني: المؤمنين يحذرهم\" (٩).\nنستنتج من الأقوال السابقة أن في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، وجهان:\nأحدهما: أن معنى قوله ﴿تساءلون به﴾، هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم، وهذا قول مجاهد (١٠)، وإبراهيم (١١)، والحسن (١٢)، وعكرمة في أحد قوليه (١٣).\nوتقويه قراءة حمزة: ﴿والأرحام﴾، بالكسر، على هذا المعنى (١٤).\nوالثاني: أنه أراد بقوله: ﴿والأرحام﴾، أي: صِلُوها ولا تقطعوها، وهو ابن عباس (١٥)، وقتادة (١٦)، والضحاك (١٧)، والسدي (١٨)، وابن زيد (١٩)، والربيع (٢٠)، وعكرمة (٢١)، ومقاتل بن حيان (٢٢).\nقال الماوردي: \" لأن الله تعالى قصد بأول السورة حين أخبرهم أنهم من نفس واحدة أن يتواصلوا ويعلموا أنهم إخوة وإن بعدوا\" (٢٣).\nوقرئ: ﴿تسلون به﴾، مهموز أو غير مهموز، وقرئ ﴿تسألون به﴾، وخففه أهل الكوفة على حذف إحدى التائين تخفيفا كقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، ونحوها (٢٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٣٤٣): ص ٧/ ٥٢٢.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٣): ص ٣/ ٨٥٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٥): ص ٣/ ٨٥٤.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٤١٠): ص ٧/ ٥١٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٤١١)، و(٨٤١٢): ص ٧/ ٥١٨.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٤): ص ٣/ ٨٥٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٥): ص ٣/ ٨٥٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٢): ص ٣/ ٨٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير: ابن أبي حاتم (٤٧٢٣): ص ٣/ ٨٥٣.\n(١١) انظر: تفسير: الطبري (٨٤١٤): ص ٧/ ٥١٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٤٢٠): ص ٧/ ٥١٩، وابن أبي حاتم (٤٧٢٤): ص ٣/ ٨٥٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٥): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٤) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٤٢٣): ص ٧/ ٥٢١، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٤٢٢)، و(٨٤٢٧): ص ٧/ ٥٢١، والنكت والعيون: ٢/ ٤٤٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٤٢١): ص ٧/ ٥٢١.\n(١٩) تفسير الطبري (٨٣٤٣): ص ٧/ ٥٢٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٤٣٣): ص ٧/ ٥٢٢.\n(٢١) تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.\n(٢٢) تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٦): ص ٣/ ٨٥٤.\n(٢٣) النكت والعيون: ٢/ ٤٤٧.\n(٢٤) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ٢٤٣، وتفسير الطبري: ٧/ ٥١٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤١، وتفسير البغوي: ٢/ ١٥٩، والكشاف: ١/ ٤٦٢، وتفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.","vol":"7","page":11},{"text":"وقرئ: ﴿والأرحامُ﴾ بالحركات الثلاث، وقراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته (١).\nقال البيضاوي: \" وقد نبه ﷾ إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه\" (٢).\nوعن عائشة﵂-، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله\" (٣).\nقال الزمحشري: \" وسئل ابن عيينة عن قوله ﵊ «تخيروا لنطفكم» (٤)، فقال: يقول لأولادكم، وذلك أن يضع ولده في الحلال، ألم تسمع قوله تعالى ﴿واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام﴾، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة ويجتنب الدعوة، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله\" (٥).\nقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، أي: \" إن الله مراقب لجميع أحوالكم\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" حافظا مطلعا\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعنى: حفيظا لأعمالكم\" (٨).\nقال الواحيد: \" أَيْ: حافظًا يرقب عليكم أعمالكم فاتَّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" إنّ الله لم يزل عليكم رقيبًا، ويعني بقوله: ﴿رقيبًا﴾، حفيظًا، مُحصيًا عليكم أعمالكم، متفقدًا رعايتكم حرمةَ أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضييعكم حرمتها\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي مراقبا وهي صيغة مبالغة من رقب يرقب رقبا إذا أحد النظر لأمر يريد تحقيقه أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك وهو تعليل للأمر ووجوب الامتثال به وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل\" (١١).\nقال القاسمي: \" أي: مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال: والله على كل شيء شهيد، وفي الحديث: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١٢) \" (١٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، قولان:\nأحدهما: معناه: \" حفيظا\". قاله مجاهد (١٤)، وروي عن قتادة، ومقاتل ابن حيان والثوري نحو ذلك (١٥).\nوالثاني: معناه: عليما، قال ابن زيد في قوله: \" ﴿إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، على أعمالكم، يعلمها ويعرفها\" (١٦).\nقال الراغب: \" وكلاهما صحيح، فحافظ الشيء يقتضي أن يكون عالما به ليمكنه أن يحفظه، وبين بقوله: ﴿كان عليكم رقيبا﴾، أنه قبل أن خلقكم وأوجدكم كان مراعيا لكم، تنبيها أنه لا يخفى عليه أمركم في كل حال\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥١٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤١، وتفسير البغوي: ٢/ ١٥٩، والكشاف: ١/ ٤٦٢، وتفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(٣) أخرجه أحمد: ٦/ ٦٢، والبخاري: ٨/ ٧، وفي (الأدب المفرد) (٥٥)، ومسلم: ٨/ ٧.\n(٤) أخرجه ابن ماجة (١٩٦٨) ..\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٦٣.\n(٦) التفسير الميسر: ٧٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٥٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٥.\n(٩) الوجيز: ٢٥١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٧/ ٥٢٣.\n(١١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٣٩.\n(١٢) أخرجه البخاري (٤٦) ..\n(١٣) محاسن التأويل: ٣/ ٨.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٧): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٧): ص ٣/ ٨٥٤.\n(١٦) أخرجه الطبري (٨٤٣٥): ص ٧/ ٥٢٣.\n(١٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٨١.","vol":"7","page":12},{"text":"الفوائد:\n١ - افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة الأرحام، والحث على ذلك.\nوبين السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن الموجب لتقواه (١).\n٢ - أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذا كررت في آية واحدة مرتين في أولها وفي آخرها.\n٣ - وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها.\n٤ - مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات.\n٥ - وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض، وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به\" (٢).\n٦ - في قوله: ﴿وخلق منها زوجها﴾ تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب علاقة\" (٣).\n٧ - إثبات اسمه تعالى «الرقيب»، أي: \" الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء\" (٤).\nقال السعدي: «الرقيب»، أي: \"مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه\" (٥).\nالقرآن\n﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢]\nالتفسير:\nوأعطوا مَن مات آباؤهم وهم دون البلوغ، -وكنتم عليهم أوصياء- أموالهم إذا وصلوا سن البلوغ، ورأيتم منهم قدرة على حفظ أموالهم، ولا تأخذوا الجيِّد من أموالهم، وتجعلوا مكانه الرديء من أموالكم، ولا تخلطوا أموالهم بأموالكم; لتحتالوا بذلك على أكل أموالهم. إن من تجرأ على ذلك فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي: ١٦٣.\n(٢) تفسير السعدي: ١٦٣.\n(٣) تفسير السعدي: ١٦٣.\n(٤) جامع الاصول، ابن الاثير: ٤/ ١٧٩.\n(٥) تفسير السعدي: ١٦٣.","vol":"7","page":13},{"text":"في سبب نزول الآية ثلاثة وجوه:\nأحدها: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن جبير: \" أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم، طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي ﷺ ونزلت: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، يعني: الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم\" (١). قال ابن أبي حاتم: \" وروي عن مقاتل بن حيان قال: الأولياء والأوصياء\" (٢).\nوفي السياق نفسه قال مقاتل (٣)، والكلبي (٤): \" نزلت في رجل من غطفان، يقال له المنذر بن رفاعة، كان معه مال كبير ليتيم وهو ابن أخيه، فلما بلغ طلب ماله، فمنعه فخاصمه إلى النبيﷺ- فأمر، أن يرد عليه ماله، وقرأ عليه الآية. فلما سمعها قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، ونعوذ بالله من الحوب الكبير. فدفع إليه ماله فقال النبيﷺ-: «هكذا من يطع ربه﷿- ويوق شح نفسه فإنه يحل داره» يعني جنته. فلما قبض الفتن ماله أنفقه فى سبيل الله، قال النبيﷺ-: «ثبت الأجر وبقي الوزر».\nفقالوا للنبيﷺ-: «قد عرفنا ثبت الأجر فكيف بقي الوزر، وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: الأجر للغلام والوزر على والده» \" (٥).\n\nوالثاني: أخرج الطبري عن ابن زيد: \" كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا يورِّثون الصغار، يأخذه الأكبر وقرأ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، قال: إذا لم يكن لهم شيء: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [سورة النساء: ١٢٧]، لا يورثونهم، قال: فنصيبه من الميراث طيِّب، وهذا الذي أخذه خبيث\" (٦).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٨): ص ٣/ ٨٥٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٢٨): ص ٣/ ٨٥٤.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٦.\n(٤) نقله عنه الواحدي في أسباب النزول: ١٤٢.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٦.\n(٦) تفسير الطبري (٨٤٤٥): ص ٧/ ٥٢٦.","vol":"7","page":14},{"text":"والثالث: وأخرج الطبري وابن أبي حاتم (١)، عن السدي: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة! ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم! ! \" (٢).\nوروي عن إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والزهري، قالوا: \" يعطي مهزولا ويأخذ سمينا\" (٣).\nوروي عن الضحاك وإبراهيم النخعي (٤) أيضا: \" لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا\" (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٣٨): ص ٣/ ٨٥٦.\n(٢) تفسير الطبري (٨٤٤٢): ص ٧/ ٥٢٦.\n(٣).تفسير الطبري (٨٤٤٠): ص ٧/ ٥٢٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٧٣٦): ص ٣/ ٨٥٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٣٧): ص ٣/ ٨٥٦.\n(٥).تفسير الطبري (٨٤٤١): ص ٧/ ٥٢٦.","vol":"7","page":15},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، \" أي: أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار أموالهم إِذا بلغوا\" (١).\nقال الجصّاص: \" تقديره: وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يقول للأولياء: آتوا اليتامى أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى - بعد\nأن يؤنس منهم الرشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي - ﷺ - يتيم أبي طالب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، أي: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم\" (٥).\nقا مجاهد: \" الحلال بالحرام \" (٦).\nوقال إبراهيم النخعي: \" لا يعطي زيفا، ويأخذ جيدا \" (٧).\nوقال سعيد بن المسيب: \" لا تعط مهزولا، وتأخذ سمينا \" (٨).\nقال السمرقندي: \"يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى\" (٩).\nقال الزجاج: \" الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال\nاليتيم بدلا من مالكم\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، \" أي: ولا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعًا\" (١١).\nقال مجاهد: \" أموالهم مع أموالكم \" (١٢). وروي عن قتادة مثل ذلك (١٣).\nقال الزجاج: \" أي لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم\" (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٢) أحكام القرآن: ٢/ ٨٠.\n(٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٩.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٣١٢): ص ٢/ ٥٥٠.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٣١٣): ص ٢/ ٥٥٠، وغيره كما سبق في سبب نزول الآية.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (١٣١٤): ص ٢/ ٥٥٠، وغيره كما سبق في سبب نزول الآية.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٩.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٧.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (١٣١٥): ص ٢/ ٥٥٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن المنذر (١٣١٦): ص ٢/ ٥٥١.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٧.","vol":"7","page":16},{"text":"قال الماوردي: \" أي مع أموالكم، وهو أن يخلطوها بأموالهم لتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، \"أي: إن أكلكم أموال أيتامكم، ذنب عظيم\" (٢).\nعن ابن عباس: \" ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾ قال: إثما \" (٣)، وري عن مجاهد، وابن سيرين وقتادة مثل ذلك (٤).\nوقال الحسن: \"ذنبا والله كثيرا\" (٥).\nقال السمرقندي: \" يعني: إثما عظيما\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الحوب الإثم\" (٧).\nقال الأخفش: \" يقول: \"أكلها كان حوبا كبيرا\" (٨).\nقال الزجاج: \" والحوب: الإثم العظيم، والحوب فعل الرجل، تقول: حاب حوبا كقولك قد خان خونا\" (٩).\nقال أبو عبيدة: \" أي: إثما \" قال أمية الليثي (١٠):\nوَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكنَّفَاهُ ... غَدَاتة إذٍ لقَدْ خَطَئَا وحَابَا\nوقال الهذلي (١١):\nإن الهجر حوب\" (١٢)\nوجاء في مسائل نافع بن الأزرق: \" قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، قال: إثما كبيرا بلغة الحبشة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول (١٣):\nفإنّي وما كلّفتموني من أمركم ... ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا\" (١٤)\nقال القتبي: \"الحوب والحوب واحد، وهو الإثم\" (١٥).\nقال الفراء: \" الحوب: الإثم العظم. ورأيت بني أسد يقولون: الحائب: القاتل (١٦).\nوقال النبي - ﷺ -: \"رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي\" (١٧)، قال أبو عبيد: حوبتي يعني: المآثم، وكل مأثم حوب وحوب، والواحدة حوبة (١٨).\n_________\n(١) النكت والعيون: ٢/ ٤٤٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٢٩، وصفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٣) أخرجه ابن المنذر (١٣١٧): ص ٢/ ٥٥١.\n(٤) انظر: تفسير ابن المنذر (١٣١٨): ص ٢/ ٥٥١.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٣١٨): ص ٢/ ٥٥١.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٩.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٦.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٤٤.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٧.\n(١٠) أمية بن الأسكر الليثي» ويقال الأشكر بالمعجمة شاعر مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم، انظر المعمرين رقم ٦٩ والأغانى ١٨/ ١٥٦، والإصابة ١/ ١٥٠، والخزانة ٢/ ٥٠٥. - والبيت فى طبقات الجمحي ٤٤، وتفسير الطبري ٤/ ١٥٤، والأغانى ١٨/ ١٥٨، والإصابة ١/ ١٥٠، والخزانة ٢/ ٥٠٢، وروي عجزه: لعمر الله قد خطئا وحابا، وانظر: \"ذيل الآمالي والنوادر\" ص ١٠٩، وعجزه فيه:\nليترك شيخه خطئا وخابا\nوأما في: \"الإصابة\" ١/ ٦٥، فجل ألفاظه مغايرة، حيث إنه جاء:\nأتاه مهاجران فرنخاه ... عباد الله قد عقا وخابا\nوالشاهد: حابا أي أثما.\nوهو من كلمة قالها فى ابنه كلاب الذي لقى ذات يوم طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام فسألهما: أي الأعمال أفضل فى الإسلام؟ فقالا: الجهاد، فسأل عمر فأغزاه فى جيش، وكان أبوه كبر وضعف فطالت غيبته عنه فقال ... إلخ ..\n(١١) لهذلي: أبو ذؤيب. - والبيت فى ديوان الهذليين ١/ ٩٨، وفى الأضداد لابن الأنبارى ١١٠.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (١٣١٩): ص ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.\n(١٣) كذا في مسائل نافع بن الأزرق: ١٥٠، والإتقان: ١/ ١٢٨. أما في (الديوان) ص ١١٥ جاء بهذا النص:\nوإنّي وما كلّفتموني وربّكم ... لأعلم من أمسى أعقّ وأحوبا.\n(١٤) مسائل نافع بن الأزرق: ١٥٠.\n(١٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٧٩.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٥٣.\n\n(١٧) جزء من دعاء للنبي - ﷺ - في حديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس -﵄- ١/ ٢٢٧، وأبو داود (١٥١٠) كتاب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سلم، والترمذي (٣٥٥١) كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي - ﷺ -.\n(١٨) انظر: غريب الحديث: ١/ ٢٢٠ - ٢٢١.","vol":"7","page":17},{"text":"وروي أن رجلا أتى إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: «ألك حوبة؟»، فقال: نعم. قال: «ففيها فجاهد» \" (١).\nوقال الواحدي: \"وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أم أو أخت أو بنت أو غيرهن، ويقال: تحوب فلان إذا تعبد، كأنه يلقي الحوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم، وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم\" (٢).\nوقرأ الحسن: ﴿حوبا﴾، بنصب الحاء\" (٣).\nالفوائد:\n١ - أن كل مال حرام فهو خبيث، وكل حلال فهو طيب.\n٢ - لا يحل للرجل أن يستبدل جيدًا من مال يتيمه بمال رديء من ماله؛ كأن يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمرًا جيدًا ويعطيه رديئًا خسيسًا.\n٣ - لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكلان جميعًا لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما.\nالقرآن\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]\nالتفسير:\nوإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء. ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أنهم كانوا يخافون ألاّ يعدلوا في أموال اليتامى، ولا يخافون أن لا يعدلوا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يريد كما خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى، فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء، وهذا قول وسعيد بن جبير (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦)، والضحاك (٧)، والربيع (٨)، وعكرمة (٩)، وروي عن ابن عباس نحو هذا المعنى (١٠).\nأخرج الطبري وابن أبي حاتم (١١)، عن سعيد بن جبير قال: \" بعث الله ﵎ محمدًا ﷺ والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنزل الله ﵎: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، قال: فكما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أن لا تقسطوا وتعدِلوا في النساء\" (١٢).\nوفي السياق نفسه وأخرج الطبري عن عكرمة: \" كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والستَّ والعشر، فيقول الرجل: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان؟ فيأخذ مال يتيمه فيتزوج به، فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع\" (١٣).\n_________\n(١) غريب الحديث\" ١/ ٢٢٠. ولم أقف على هذا الحديث في دواوين السنة.\n(٢) انظر: غريب الحديث: ١/ ٢٢٠ - ٢٢١، وتهذيب اللغة، مادة\"حاب\":: ص ١/ ٦٩٠ - ٦٩١. [بتصرف].\n(٣) التفسير البسيط: ٦/ ٢٩٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٤٧١): ص ٧/ ٥٣٧.، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٧٥٦): ص ٣/ ٨٥٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٤٦٧): ص ٧/ ٥٣٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٤٦٨): ص ٧/ ٥٣٦ - ٥٣٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٤٧٣): ص ٧/ ٥٣٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٤٧٤): ص ٧/ ٥٣٨ - ٥٣٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٤٦٣): ص ٧/ ٥٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٤٧٢): ص ٧/ ٥٣٧ - ٥٣٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٥٦): ص ٣/ ٨٥٩.\n(١٢) تفسير الطبري (٨٤٧١): ص ٧/ ٥٣٧.\n(١٣) تفسير الطبري (٨٤٦٣): ص ٧/ ٥٣٥.","vol":"7","page":18},{"text":"وعن ابن عباس: \" كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية\" (١).\nوالثاني: أخرج البخاري ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن حبان (٥)، والدارقطني (٦)، والبيهقي (٧)، والطبري (٨)، وابن أبي حاتم (٩)، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير، يحدث أنه سأل عائشة ﵂: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد، فأنزل الله ﷿: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: \" فبين الله في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال، ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء \"، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها\" (١٠).\nوالثالث: إن سبب نزولها، أن قريشًا في الجاهلية كانت تكثر التزويج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته، وقَلَّ مالُه، مدّ يده إلى ما عنده من أموال الأيتام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾. وهذا معنى قول ابن عباس (١١).\nقال ابن عباس: \" فإن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك\" (١٢).\nوالرابع: أنهم كانوا يتوقَّون أموال اليتامى ولا يتوقَّون الزنى، فقال كما خفتم في أموال اليتامى، فخافوا الزنى، وانحكوا ما طاب لكم من النساء، وهذا قول مجاهد (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، أي: \" وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: \" فانكحوا ما شئتم من النساء سواهنَّ إِن شاء أحدكم اثنتين وإِن شاء ثلاثًا وإِن شاء أربعًا\" (١٥).\nقال الزجاج: أي: \" فانكحوا الطيب الحلال على هذه العدة التي وصفت، لأن ليس\nكل النساء طيبا، قال - ﷿ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] \" (١٦).\nقال يونس بن يزيد قال ربيعة في قول الله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾، قال يقول: اتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا\" (١٧).\nقال مقاتل: \" ولما نزلت: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ كان يومئذ تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال النبيﷺ-: خل سبيل أربعة منهن، وأمسك أربعة. فقال للتي يريد إمساكها: أقبلي. وللتي لا يريد إمساكها: أدبري فأمسك أربعة وطلق أربعة\" (١٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وجهان:\nأحدهما: أن ذلك عائد إلى النساء وتقديره فانحكوا من النساء ما حلَّ. وهذا قول أبي مالك (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، والفراء (٢١).\nوالثاني: أن ذلك عائد إلى النكاح، وتقديره فانحكوا النساء نكاحًا طيبًا. وهذا قول مجاهد (٢٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، \" أي: فإِن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار على واحدة، أواقتصروا على نكاح الإِماء لملك اليمين\" (٢٣).\nقال الطبري: أي: \" فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم\" (٢٤).\nعن الضحاك، قوله: \" ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا﴾، قال: في المجامعة والحب\" (٢٥).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، \" أي: ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا\" (٢٦).\nقال مقاتل: \" يقول: ذلك أجدر ألا تميلوا عن الحق في الواحدة وفي إتيان الولائد بعضهم على بعض\" (٢٧).\nقال الشافعي: \" أن لا يكثر من تعولون، إذا اقتصر المرء على واحدة، وإن أباح - الله - له أكثر منها\" (٢٨).\nقال أبو عبيدة: \" أي أقرب ألا تجوروا، تقول: علت علىّ أي جرت علىّ\" (٢٩).\nقال الطبري: أي: \" فهو أقرب أن لا تجوروا ولا تميلوا\" (٣٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، أربعة أقاويل:\nأحدها: أن المعنى: أَلاَّ يكثر مَنْ تعولون، أي: ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة أن لا تعولوا، أهون عليك في العيال. وهذا قول زيد بن أسلم (٣١)، والشافعي (٣٢)، وأبو عمر محمد بن عبدالواحد اللغوي (٣٣)، والأخفش (٣٤).\nوالثاني: معناه ألاّ تميلوا عن الحق، وهو قول ابن إسحاق، ورواه عن مجاهد (٣٥).\nوالثالث: أن المعنى: ألا تفتقروا. قاله سفيان بن عيينة (٣٦).\nوالرابع: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا. وهو قول ابن عباس (٣٧)، وعائشة (٣٨)، ومجاهد (٣٩)، وعكرمة (٤٠)، والحسن (٤١)، وأبي مالك (٤٢)، وإبراهيم النخعي (٤٣)، والشعبي (٤٤)، والضحاك (٤٥)، وعطاء\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٤٧٢): ص ٧/ ٥٣٧ - ٥٣٨.\n(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب التفسير، (٣٠١٨): ص ٤/ ٢٣١٣.\n(٣) انظر: سنن أبي داود (٢٠٦٨): ص ٣/ ٤١١.\n(٤) انظر: السنن الكبرى (٥٤٨٨): ص ٥/ ٢٢١.\n(٥) انظر: صحيح ابن حبان (٤٠٧٣): ص ٩/ ٣٨٢.\n(٦) انظر: سنن الدارقطني (٣٦٦٧): ص ٤/ ٣٩٤.\n(٧) انظر: السنن الكبرى (١٣٨١٠): ص ٧/ ٢٢٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٤٥٧): ص ٧/ ٥٣١ - ٥٣٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٤٥): ص ٣/ ٨٥٧.\n(١٠) صحيح البخاري (٢٧٦٣): ص ٤/ ٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٤٦٥): ص ٧/ ٥٣٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٤٦٥): ص ٧/ ٥٣٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٤٧٥): ص ٧/ ٥٣٩، وانظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(١٤) التفسير الميسر: ٧٧.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ٨.\n(١٧) تفسير الطبري (٨٤٥٧): ص ٧/ ٥٣١ - ٥٣٢.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٤٧٩): ص ٧/ ٥٤٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٤٨٠): ص ٧/ ٥٤٢.\n(٢١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، و٣/ ٢٦٣.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٥٤): ص ٣/ ٨٥٨.\n(٢٣) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٢٤) تفسير الطبري: ٧/ ٥٤٠.\n(٢٥) أخرجه الطبري (٨٤٨٥): ص ٧/ ٥٤٨.\n(٢٦) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٢٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٧.\n(٢٨) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥١٦.\n(٢٩) مجاز القرآن: ١/ ١١٧.\n(٣٠) تفسير الطبري: ٧/ ٥٤٨.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٨٥٠٥): ص ٧/ ٤٥٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦٣): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٣٢) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥١٦، والنكت والعيون: ٢/ ٤٥٠.\n(٣٣) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥١٦.\n(٣٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٥٦.\n(٣٥) انظر: تفسير ابن المنذر (١٣٣٤): ص ٢/ ٥٥٧.\n(٣٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦٤): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٣٧) انظر: تفسير الطبري (٨٥٠٠): ص ٧/ ٥٥١.\n(٣٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦١): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٣٩) انظر: تفسير الطبري (٨٤٨٧) - (٨٤٨٩): ص ٥/ ٥٤٩، و(٨٥٠٤): ص ٥/ ٥٥٢.\n(٤٠) انظر: تفسير الطبري (٨٤٩٠): ص ٥/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(٤١) انظر: تفسير الطبري (٨٤٨٦): ص ٥/ ٥٤٩.\n(٤٢) انظر: تفسير الطبري (٨٤٩٥): ص ٧/ ٥٥١.\n(٤٣) انظر: تفسير الطبري (٨٤٩٢): ص ٥/ ٥٥٠.\n(٤٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٧١): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٤٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٧١): ص ٣/ ٨٦٠.","vol":"7","page":19},{"text":"الخراساني (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣)، والسدي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥)، والفراء (٦)، وابن قتيبة (٧)، والزجاج (٨).\nجاء في مسائل نافع: \" قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا﴾، قال: أجدر أن لا تميلوا ولا تبخسوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟\nقال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول (٩):\nإنّا تبعنا رسول الله واطّرحوا ... قول النّبيّ وعالوا في الموازين\" (١٠)\nوأصل \"العول\": الخروج عن الحد ومنه عول الفرائض لخروجها عن حد السهام المسمّاة، وأنشد عكرمة بيتًا لأبي طالب (١١):\nبِميزَانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ شَعِيرَةً ... وَوَازِنِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ\nأي غير مائل (١٢).\nوكتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: \"إني لست بميزان قسطٍ لا أعول\" (١٣).\nيقال منه: عال الرجل فهو يعول عَوْلا وعيالة، إذا مال وجار. ومنه: عَوْل الفرائض، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص، وأما من الحاجة، فإنما يقال: عال الرجل عَيْلة، وذلك إذا احتاج، كما قال أحيحة بن الجلاح (١٤):\nوَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الغَنُّي مَتَى يَعِيل\nبمعنى: يفتقر (١٥).\nالفوائد:\n١ - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره، قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ (١٦).\n٢ - جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٧١): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٤٩٦): ص ٧/ ٥٥١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٤٩٨): ص ٧/ ٥٥١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٤٩٩): ص ٧/ ٥٥١.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٧١): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٥٥.\n(٧) انظر: غريب القرآن: ١١٩.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١١.\n(٩) انظر: البيت في الإتقان): ٦/ ١٢٤. و(سيرة ابن هشام): ١/ ٣٥٤. وأساس البلاغة): ٢/ ١٤٩.\nوالشاعر: هو عبد الله بن الحارث بن قيس السهمي القرشي، شاعر من الصحابة، كان يلقب بالمبرق، لشعر قال فيه:\nإذا أنا لم أبرق فلا يسعنّني ... من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر\nقتل باليمامة، وقيل بالطائف سنة (١١) هـ الموافق (٦٣٢) م. (انظر: الإصابة رقم ٤٥٩٦، ونسب قريش: ٤٠١. والأعلام: ٤/ ٧٧).\n(١٠) مسائل نافع بن الأزرق: ٧٨.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٧٦٢): ص ٣/ ٨٦٠، وانظر: البيت في سيرة ابن هشام ١: ٢٩٦، وغيرها كثير. من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله ﷺ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله ﷺ ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه. يقول قبل البيت: جَزَى اللهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا ... عُقُوبَةَ شَرّ عَاجِلا غَيْرَ آجِلِ.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٤٩ - ٥٥١، والنكت والعيون: ٢/ ٤٥٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٤٩٤): ص ٧/ ٥٥١.\n(١٤) انظر: جمهرة أشعار العرب: ١٢٥، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢٥٥، الجمهرة لابن دريد ٢: ١٩٣، وتاريخ ابن الأثير ١: ٢٧٨، اللسان (عيل).\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(١٦) انظر: تفسير السعدي: ١٦٣.","vol":"7","page":20},{"text":"٣ - قال الشيخ السعدي: \" وفي قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] \" (١).\nالقرآن\n﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]\nالتفسير:\nوأعطوا -أيها الأزواج- النساء مهورهن، عطية واجبة وفريضة لازمة عن طيب نفس منكم. فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من المهر فوهَبْنه لكم فخذوه، وتصرَّفوا فيه، فهو حلال طيب.\nفي سبب نزول أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٢) وابن المنذر (٣)، عن أبي صالح: \"كان الرجل إذا زوج أيِّمه أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله ﵎ عن ذلك، ونزلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ \" (٤).\nوالثاني: قال مقاتل: \" وذلك أن الرجل كان يتزوج بغير مهر. فيقول: أرثك وترثيني وتقول المرأة: نعم فأنزل الله﷿- ﴿وآتوا النساء﴾ \" (٥).\nوالثالث: نقل الثعلبي عن الحضرمي: \"كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته لا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمرهم بتسميته وأمروا المهر عند العقد\" (٦).\nوالرابع: أخرج الطبري عن المعتمر، عن أبيه قال: \"زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يُراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله ﵎: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي: \" وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، عن طيب نفسٍ\" (٨).\nقال أبو عبيدة: \" أي: مهرهن، عن طيب نفس، بالفريضة بذلك \" (٩).\nقال الفراء: \" وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئا، فأنزل الله تعالى: أعطوهن صدقاتهن نحلة، يقول: هبة وعطية\" (١٠).\nقال الطبري: \" وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق\" (١١).\nروي عن التستري: \" أعطوهن الصداق هبة من الله ﷿ لهن. وقد قال: إن النحلة الديانة، وقال: قال النبي ﷺ: «أقذر المعاصي عند الله تعالى: منع الأجير أجرته، ومنع المرأة مهرها» (١٢) \" (١٣).\nقال ابن عباس: \" يعني بـ ﴿النحلة﴾، المهر\" (١٤). وروي عن مقاتل بن حيان نحوه (١٥).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٦٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦٥): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن المنذر (١٣٣٩): ص ٢/ ٥٥٨.\n(٤) تفسير الطبري (٨٥١٠): ص ٧/ ٥٥٣.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٧.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤٩.\n(٧) تفسير الطبري (٨٥٢٠): ص ٧/ ٥٥٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٥٥٢، وصفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٣٤١): ص ٢/ ٥٥٩.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٥٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٥٥٤.\n(١٢) هكذا أورده التستري في تفسيره، ولم أجد هذا النص في كتب السنن، إلا أنه جاء في غريب الحديث لابراهيم الحربي (أبو إسحاق): ص ٢/ ٧٩٣: \" عن عطاء، عن ابن عمر: \" إن من أقذر الذنوب عند الله رجل ظلم امرأة صداقها قلت لليث: أنصب ابن عمر الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه قال: وما علمه لولا أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه\". وانظر: المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث:: نصب\": ص ٣/ ٣٠٥، واللسان (نصب)، والنهاية: ٥/ ٦١.\n(١٣) تفسير التستري: ٥٣.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨٥٠٧): ص ٧/ ٥٥٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦٨): ص ٣/ ٨٦١.","vol":"7","page":22},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \"قوله: ﴿وآتوا النساء﴾، يقول: أعطوا النساء\" (١).\nقال ابن زيد: \": النحلة في كلام العرب، الواجب يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها، صدقة يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة، بعد النبي ﷺ إلا بصداقٍ واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق\" (٢).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: قال رسول الله ﷺ: \"وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهن؟ قال: ما يراضي عليه أهلوهم\" (٣).\nقال الإمام الشافعي: \" فجعل الله إيتاءهن ما فرض لهن من فريضة على أزواجهن، يدفعونه إليهن، دفعهم إلى غيرهم من الرجال، ممن وجب له عليهم حق بوجه\" (٤).\nوقد اختلف فِيمَنْ توجَّه إليه هذا الخطاب على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه متوجه إلى الأزواج، أمروا بإيفاء نسائهن مهورهن التي هي أثمان فروجهن، وهو قول الأكثرين (٥).\nوالثاني: أنه متوجه إلى أولياء النساء، لأنهم كانوا يتملكون في الجاهلية صداق المرأة، فأمر الله بدفع صدقاتهن إليهن، وهو قول أبي صالح\" (٦)، وجماعة من العلماء (٧).\nوالثالث: أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. وهذا معنى قول الحضرمي (٨).\nقال الثعلبي: \"والقول الأول أصح وأوضح بظاهر الآية وأشبه، لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، وهذا أصل خطابهم\" (٩).\nقال ابن عطية: \" والآية تتناول هذه الفرق الثلاث\" (١٠).\nوقال الكلبي وجماعة من العلماء: \"هذا خطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها شيء، فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: «هنيئا لك النافجة» (١١)، يريدون أنه يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله فينتفجها أي يعظمها ويكثرها، قال بعض النساء في زوجها: «لا تأخذ الحلوان من بناتها»، تقول: لا يفعل ما يفعله غيره، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك وأمرهم بأن يدفعوا الحق إلى أهله\" (١٢).\nوأما النَّحلة فهي العطية من غير بدل، وسمي الدين نِحْلَةَ، لنه عطية من الله (١٣)، وفي تسميه النّحْل بذلك قولان (١٤):\nأحدهما: أنه سمي نحلًا لما يعطي من العسل.\nوالثاني: لأن الله تعالى نَحَلهُ عباده.\nوفي المراد بالنَّحلة في الصداق خمسة تأويلات:\nأحدها: يعني فريضة مُسَمَّاة، وهو قول قتادة (١٥)، وابن جريج (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧)، وروي عن أمّنا عائشة﵂، قالت: \"واجبة\" (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٦٦): ص ٣/ ٨٦٠.\n(٢) أخرجه الطبري (٨٥٠٩): ص ٧/ ٥٥٣.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦٧): ص ٣/ ٨٦١.\n(٤) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥١٩.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤٩، والنكت والعيون: ٢/ ٤٥١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥١٠): ص ٧/ ٥٥٣.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤٩.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤٩، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٨.\n(١١) لنافجة: المعظمة لمال أبيها، قاله في الصحاح: ١/ ٣٤٥ ..\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٤٩.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥١.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٥٠٦): ص ٧/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥٠٨): ص ٧/ ٥٥٣.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٦٩): ص ٣/ ٨٦١.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٦٩): ص ٣/ ٨٦١.","vol":"7","page":23},{"text":"والثاني: أنه نحلة من الله ﷿ لهن بعد أن كان ملكًا للأولياء، وهو قول أبي صالحٍ (١).\nوالثالث: انه نهى لِما كانوا عليه من خِطْبة الشغار، والنكاح بغير صداق، وهو قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر (٢).\nوالرابع: أنها العطية بطيب النفس، أراد أن يطيبوا نفسًا بدفعه، كما يطيبون نفسًا بالنحل والهبة، قاله أبو عبيدة (٣)، وبعض المتأخرين (٤).\nوالخامس: أن معنى «النحلة»: الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، يقال: فلان ينتحل كذا، أي: يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء (٥).\nقال الأخفش: \" واحد «الصدقات»: صدقة وبنو تميم تقول: «صدقة»، ساكنة الدال مضمومة الصاد\" (٦).\nوقرأ جمهور الناس والسبعة: ﴿صدقاتهن﴾، بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم: ﴿صدقاتهن﴾، بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره «صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن وثاب والنخعي: ﴿صدقتهن﴾، بالإفراد وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا كله صدقة وصدقة (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، \"أي: فإِن طابت نفوسهن بهبة شيءٍ من الصَّداق\" (٨).\nقال عكرمة (٩)، ومقاتل بن حيان (١٠): \" ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: من المهر\".\nوقال ابن جريج: \" من الصداق \" (١١).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مرئ كما قال الله ﷿\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يقول: ما طابت به نفسها في غير كره أو هوان، فقد أحل الله لك أن تأكله هنيئا مريئا\" (١٣).\nقال أبو صالح: \" كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها، فنهوا عن ذلك\" (١٤).\nقال سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، قال: هي للأزواج\" (١٥). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (١٦).\nقال الماوردي: \" يعني: الزوجات إن طبن نفسًا عن شيء من صداقهن لأزواجهن في قول من جعله خطابًا للأزواج، ولأوليائهن في قول من جعله خطابًا للأولياء \" (١٧).\nعن الحسن في قول الله تعالى: \" ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾، إلى الممات، قال: فلها أن ترجع حتى الموت\" (١٨). وروي عن أبي هريرة مثله، وعن مجاهد نحو ذلك (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٨٥١٠): ص ٧/ ٥٥٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٥١١): ص ٧/ ٥٥٤.\n(٣) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١١٧.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥١.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٢.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٤٥.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٣٤٣): ص ٢/ ٥٥٩، وابن أبي حاتم (٤٧٧٨): ص ٣/ ٨٦٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٧٨): ص ٣/ ٨٦٢.، وابن أبي حاتم (٤٧٧٨): ص ٣/ ٨٦٢، عن مقاتل بن حيان.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٣٤٤): ص ٢/ ٥٥٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٨٠): ص ٣/ ٨٦٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٧٤): ص ٣/ ٨٦١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٧٥): ص ٣/ ٨٦٢.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٧٢): ص ٣/ ٨٦١.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٧٣): ص ٣/ ٨٦١.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥١.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٧٦): ص ٣/ ٨٦٢.\n(١٩) انظر: تفسير ابن المنذر (١٣٤٥): ص ٢/ ٥٦٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٧٧٦): ص ٣/ ٨٦٢.","vol":"7","page":24},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، \"أي: فخذوا ذلك الشيء الموهوب حلالًا طيبًا\" (١).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا كان من غير إضرار، ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله جل وعز \" (٢).\nقال الزمخشري: \" فإن وهبن لكم شيئا من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم فكلوه فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا (٣).\nقال ابن كثير: \" ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبًا\" (٤).\nقال أهل العلم: \" «المريء»، يقال: مرئ الطعام: إذا انهضم، وحمدت عاقبته\" (٥).\nوفي \"الهنيء\" ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه ما تؤمن عاقبته (٦).\nوالثاني: ما أعقب نفعا وشفاء (٧).\nوالثالث: أنه الذي لا ينغصه شيء (٨).\nقال الطبري: \" وأما قوله: ﴿هنيئًا﴾، فإنه مأخوذ من: «هنأت البعير بالقَطِران»، إذا جَرِب فعُولج به\" (٩)، قال الشاعر (١٠):\nمُتَبَذِّلا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الهِنَاء مَوَاضِعَ النُّقْبِ (١١)\nقال ابن عطية: \" وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون: الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون: يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني، على وزن: أفعل\" (١٢).\nأخرج ابن أبي حاتم (١٣)، وابن المنذر (١٤)، عن علي﵇-: \"إذا اشتكى أحدكم شيئا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع عسلا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئا مريئا، وشفاء، ومباركا\".\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٣٤٦): ص ٢/ ٥٦٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٤٧٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٣.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٣٧٠.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٧٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٥٩، والنكت والعيون: ٢/ ٤٥١.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٧٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٥٥٩.\n(١٠) الشعر والشعراء ٣٠٢، والأغاني ١٠: ٢٢، واللسان (نقب)، وغيرها، من أبياته التي قالها حين مر بالخنساء بنت عمرو بن الشريد، وهي تهنأ بعيرًا لها، وقد تبذلت حتى فرغت منه، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت، ودريد يراها وهي لا تشعر به، فأعجبته، فانصرف إلى رحله يقول: حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبعُوا صَحْبى ... وَقِفُوا، فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبى\nأَخُنَاسَ، قَدْ هَامَ الفُؤَادُ بكُمْ ... وأصابَهُ تَبْلٌ مِنَ الحُبِّ\nمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلا سَمِعْتُ بِه ... كاليَوْمَ طَالِيَ أَيْنقٍ جُرْبِ\nمُتَبَذِّلا ... ... ... ... ... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nمُتَحَسِّرًا نَضَحَ الهِنَاءُ بِه ... نَضْحَ العَبِيرِ برَيْطَةِ العَصْبِ\nفَسَلِيهِمُ عَنِّي خُنَاسَ، إِذَا ... عَضَّ الجَمِيعَ الخَطْبُ: مَا خَطْبي؟\nثم خطبها إلى أبيها فردته، فهجاها، وزعم أنها ردته لأنه شيخ كبير، فقيل للخنساء: ألا تجيبينه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه. و\"النقب\": (بضم النون وسكون القاف) و\"النقب\" (بضم ففتح) جمع نقبة: أول الجرب حين يبدو. [انظر: كلام المحقق في تفسير الطبري: ٧/ ٥٥٩] ..\n(١١) قال الزجاج: \" والنقبة: وجمعها نقب سراويل تلبسه المرأة بلا رجلين، ويقال فلانة حسنة\nالنقبة والنقاب، ويقال في فلان مناقب جميلة، وهو حسن النقيبة، أي حسن\nالخليقة، ويقال كلب نقيب، وهو أن تنقب حنجرة الكلب لئلا يرتفع صوته في نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف بسماع نباح الكلاب\". [معاني القرآن: ٢/ ١٥٨].\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٩.\n(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٧٩): ص ٣/ ٨٦٢.\n(١٤) تفسير ابن المنذر (١٣٤٧): ص ٢/ ٥٦٠.","vol":"7","page":25},{"text":"أخرج ابن المنذر من طريق سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، أنه كان يقول لامرأته: \" أطعمينا من ذاك الهنيء المريء، ثم قال سفيان: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ \" (١).\nقال الماتريدي: \" وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها.\nوفي الآية -أيضا-: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن بقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ \" (٢).\nقال الإمام الشافعي: \" وحل للرجال ممل ما طاب نساؤهم عنه نفسًا ... وقال ﷿: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية، فبيَن الله - ﷿ في كتابه، أن مال المرأة ممنوع من زوجها - الواجب الحق عليها-إلا بطيب نفسها وأباحه بطيب نفسها؛ لأنَّها مالكة لمالها، ممنوع بملكها، مباح بطيب نفسها كما قضى الله - ﷿ في كتابه، وهذا بين أن كل من كان مالكا فماله ممنوع به، محرّم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحًا بإباحة مالكه له، لا فرق بين المرأة والرجل، وبين أن سلطان المرأة على مالها، كسلطان الرجل على ماله، إذا بلغت المحيض وجمعت الرشد\" (٣).\nذكر صاحب الكشاف عن الشعبي: \"أن رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها. فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم﴾، قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه: أقيلها فيما وهبت ولا أقيلة، لأنهن يخدعن\" (٤).\nو\"حكى أن رجلا من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتنى طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها فلا تأخذوا منه شيئا؟ اردد عليها\" (٥).\nوعن عمر ﵁ أنه كتب إلى قضاته: «أن النساء، يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت» (٦).\nوقرىء: ﴿هنيا مريا﴾، دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري (٧).\nالفوائد:\n١ - وجوب مهور النساء وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر وسواء في ذلك الزوج، وهو المقصود في الآية أو الأب والأقارب.\n٢ - ومنها: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك (٨).\n٣ - وفي قوله: ﴿فكلوه هنيئا مريئا﴾ دليل على أن للمرأة التصرف في مالها -ولو بالتبرع- إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به (٩).\nالقرآن\n﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]\nالتفسير:\nولا تؤتوا -أيها الأولياء- من يُبَذِّر من الرجال والنساء والصبيان أموالهم التي تحت أيديكم فيضعوها في غير وجهها، فهذه الأموال هي التي عليها قيام حياة الناس، وأنفقوا عليهم منها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا من الكلام الطيب والخلق الحسن.\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (١٣٤٨): ص ٢/ ٥٦١، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٨١): ص ٣/ ٨٦٢.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ١٤.\n(٣) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥١٨ - ٥١٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ٤٧٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ٤٧٠.\n(٦) مصنف عبدالرزاق (١٦٥٦٢): ص ٩/ ١١٤، وكنز العمال: (٤٦٢٢٤): ص ١٦/ ٦٤٩.، وروضة المحدثين: (٩٩٩): ص ٣/ ٢٢٤، وقال: \"اسناده منقطع\".\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٩.\n(٨) انظر: تفسير السعدي: ١٦٣.\n(٩) انظر: تفسير السعدي: ١٦٣.","vol":"7","page":26},{"text":"في سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: \"زعم حضرميٌّ أن رجلا عمد فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله ﵎: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ \" (١).\nوالثاني: أخرج الطبري عن ابن عباس، قال: \"نزل ذلك في السفهاء، وليس اليتامى من ذلك في شيء\" (٢).\nوالثالث: أخرج الطبري عن سعيد بن جبير، قال: \" هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفقه عليه حتى يبلغ. وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: أموالكم، لأنهم قوّامها ومدبروها \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، \"أي: ولا تعطوا المبذرين من اليتامى أموالهم التي جعلها الله قيامًا للأبدان ولمعايشكم فيضيعوها\" (٤).\nقال ابن قتيبة: \" أي: لا تعطوا الجهلاء أموالكم، والسفه الجهل. وأراد هاهنا النساء والصبيان\" (٥).\nقال ابن عباس: \" يقول: معاشا، يقول الله جل ثناؤه: لا تعمد إلى مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم، ومؤنتهم \" (٦).\nوأخرج سفيان عن ابن عباس: \" ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، قال: المرأة، قال: تقول أريد مرطا بكذى أريد شيئا بكذى أو تقول هي أسفه السفهاء\" (٧).\nقال مجاهد: \" نهي الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهن سفهاء من كن أزواج أو بنات أو أمهات، وأمروا أن يرزقوهم فيه، ويقولوا لهم قولا معروفا \" (٨).\nوقال عكرمة: \"في قول الله جل وعز \" ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ قال: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده، الذي هو قيامك بعد الله \" (٩).\nوفي رواية أخرى عن عكرمة: \" هو اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفق عليه، حتى يبلغ \" \" (١٠).\nأخرج عبدالرزاق عن الحسن، قال: \" «السفهاء ابنك السفيه، وامرأتك السفيهة» وقوله: ﴿قياما﴾ [آل عمران: ١٩١] قال: «قيام عيشك» (١١).\nقال عبدالرزاق: \" وقد ذكر أن النبي ﷺ قال: \" اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" ينهى تعالى عن تَمْكين السفهاء من التصرّف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحَجْرُ للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجرُ للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه\" (١٣).\nواختلفوا في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أربعة أقاويل:\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨٥٤٦): ص ٧/ ٥٦٤.\n(٢) تفسير الطبري (٨٥٤٣): ص ٧/ ٥٦٣.\n(٣) تفسير الطبري (٨٥٥٧): ص ٧/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٥) غريب القرآن: ١٢٠.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٣٤٩): ص ٢/ ٥٦١.\n(٧) تفسير سفيان الثوري (١٨٨): ٢٤: ٧: ص ٨٨.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (١٣٥٠): ص ٢/ ٥٦١ - ٥٦٢.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٣٥٤): ص ٢/ ٥٦٣.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٣٥٥): ص ٢/ ٥٦٣.\n(١١) تفسير عبدالرزاق (٥٠٧): ص ١/ ٤٣٣.\n(١٢) تفسير عبدالرزاق (٥٠٨): ص/١/ ٤٣٣.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٤.","vol":"7","page":27},{"text":"أحدها: أنهم الصغار والنساء، وهو قول سعيد بن جبير (١)، والحسن (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، ومجاهد (٥)، والحكم (٦)، وقتادة (٧)، وأبي مالك (٨)، وابن عباس-في رواية علي بن أبي طلحة (٩).\nوالثاني: أنهم الصبيان خاصة. قاله سعيد بن جبير في رواية سالم (١٠)، والحسن في رواية يونس عنه (١١).\nوالثالث: أنهم النساء خاصة، وهو قول ابن عمر (١٢)، والحضرمي (١٣)، ومجاهد (١٤)، والحسن في رواية هشام (١٥)، والضحاك في رواية جوبير (١٦).\nوالرابع: أنه عنى الأولاد المسرفين أن يقسم ماله فيهم فيصير عيالًا عليهم، وهو قول ابن عباس (١٧)، وابن زيد (١٨)، وأبي مالك (١٩).\nوالرابع: أنه أراد كل سفيه استحق في المال حَجْرًا، وهو معنى ما رواه الشعبي عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال: \"ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلِّقْها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال الله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه\" (٢٠).\nوالراجح –والله أعلم-أن الله ﷿ \" يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى\" (٢١).\nقال الزجاج: \" والسفهاء: يدل على أنه لا يعني به النساء وحدهن، لأن النساء أكثر ما يستعمل فيهن جمع سفيهة وهو سفائه، ويجوز سفهاء، كما يقال فقيرة وفقراء. وقال بعضهم: معناه لا تهبوا للسفهاء أموالكم، وهذا عندي – والله أعلم - غير جائز\" (٢٢).\nقال الماتريدي: \" فالسفيه -في الحقيقة- من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطى الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ما جاء من الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب. ثم قد يسمى الجهال به؛ لما أن الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه\" (٢٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] تأويلان:\nأحدهما: يعني أموال الأولياء، وهو قول ابن عباس (٢٤)، ووابن زيد (٢٥)، والسدي (٢٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٨٥٢٣): ص ٧/ ٥٦٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٥٢٤) - (٨٥٢٧): ص ٧/ ٥٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٥٢٨)، و(٨٥٢٩): ص ٧/ ٥٦١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٠) - (٨٥٣٢): ص ٧/ ٥٦١ - ٥٦٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٤): ص ٧/ ٥٦٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٥): ص ٧/ ٥٦٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٦): ص ٧/ ٥٦٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٧): ص ٧/ ٥٦٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٨): ص ٧/ ٥٦٢ - ٥٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٥٣٩): ص ٧/ ٥٦٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٥٤١): ص ٧/ ٥٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥٣): ص ٧/ ٥٦٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٥٤٦): ص ٧/ ٥٦٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٥٤٧) - (٨٥٥٠): ص ٧/ ٥٦٤ - ٥٦٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥١): ص ٧/ ٥٦٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥٢): ص ٧/ ٥٦٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٥٤٣): ص ٧/ ٥٦٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٥٤٥): ص ٧/ ٥٦٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٥٤٢): ص ٧/ ٥٦٣.\n(٢٠) أخرجه الطبري (٨٥٤٤): ص ٧/ ٥٦٤.\n(٢١) تفسير الطبري: ٧/ ٥٦٥.\n(٢٢) معاني القرآن: ٢/ ١٢.\n(٢٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ١٩.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥٥): ص ٧/ ٥٦٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥٦): ص ٧/ ٥٦٧.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥٤): ص ٧/ ٥٦٧.","vol":"7","page":28},{"text":"والثاني: أنه عنى به أموال السفهاء، وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: ﴿أموالكم﴾، لأنهم قوّامها ومدبروها، وهو قول سعيد بن جبير (١).\nقال الطبري: \" وقد يدخل في قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، أموالُ المنهيِّين عن أن يؤتوهم ذلك، وأموال السفهاء، لأن قوله: ﴿أموالكم﴾، غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض. ولا تمنع العرب أن تخاطب قومًا خِطابًا، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم، وبعضه عن غُيَّب، وذلك نحو أن يقولوا: أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد خطاب الجمع، بمعنى: أنك وأصحابك أو وقومك أكلتم أموالكم. فكذلك قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾، معناه: لا تؤتوا أيها الناس، سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم، فيضيعوها\" (٢).\nوقال الزجاج: \" كذلك قال أصحابنا البصريون بل السفيه أحق بالهبة لتعذر الكسب عليه، ولو منعنا من الهبة لهم لما جاز أن نورثهم، وإنما معنى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، لا تؤتوا السفهاء أموالهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وإنما قيل أموالكم لأن معناه الشيء الذي به قوام أمركم، كما قال الله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، أي تقتلون الجنس الذي هو جنسكم\" (٣).\nقال الضحاك: \" ﴿قياما﴾، قال: عصمة لدينكم وقياما لكم\" (٤).\nوروي عن أبي مالك أنه قال: \"قيامك بعد الله\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿التي جعل الله لكم قياما﴾، مصدر يقيمكم، ويجيئ في الكلام في معناه: قوام فيكسر، وإنما هو من الذي يقيمك، وإنما أذهبوا الواو لكسرة القاف، وتركها بعضهم، كما قالوا: ضياء للناس، وضواء للناس\" (٦).\nوقرئت: ﴿اللاتي جعل الله لكم قياما﴾ (٧)، وقرأ نافع وابن عُمر: ﴿قِيَمًا﴾، ومعناهما واحد، يريد أنها قُوامُ معايشكم سفائكم (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، \"أي: وأطعموهم منها واكسوهم\" (٩).\nقال ابن عباس: \" ﴿وارزقوهم﴾ أنفقوا عليهن \" (١٠).\nقال الماتريدي: \" يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم.\nوقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم.\nوقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل\" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي أطعموهم واكسوهم لمن يجب عليكم رزقه ويلزمكم نفقته، والرزق من الله ﷿ عطية غير محدودة، ومن الناس الإجراء الموظف بوقت محدود، يقال: ررزق فلان عياله كذا وكذا، أي أجرى عليهم، وإنما قال: فيها، ولم يقل: منها، لأنه أراد أن يجعل لهم فيها رزقا، كأنه أوجب عليهم ذلك\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، أي: وقولوا لهم\" قولًا لينًا\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \" عدة جميلة\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٨٥٥٧): ص ٧/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٥٦٨.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٩٢): ص ٣/ ٨٦٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٧٩٢): ص ٣/ ٨٦٤.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٣٦١): ص ٢/ ٥٦٥.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٤.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥٣.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٣٦٢): ص ٢/ ٥٦٥.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٠.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٣.","vol":"7","page":29},{"text":"قال مجاهد: في البر والصلة\" (١).\nقال عكرمة: \" رزقكم الله ليس أناسي\" (٢).\nوقال عطاء: \" ﴿قولا معروفا﴾: إذا ربحت أعطيتك كذا وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا\" (٣).\nوقال المفضل: \"قولا لينا تطيب به أنفسهم، وكلما سكنت إليه النفس أحبته من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الوعد بالجميل، وهو قول مجاهد (٥).\nوالثاني: الدعاء له كقوله بارك الله فيك، وهو قول ابن زيد (٦).\nوالثاني: أي: علموهم - مع إطعامكم إياهم، وكسوتكم إياهم - أمر دينهم. قاله الزجاج (٧).\nوالراجح، هو قول مجاهد أي، أن المراد: \"قولوا، يا معشر ولاة السفهاء، قولا معروفًا للسفهاء: إن صَلحتم ورشدتم سلَّمنا إليكم أموالكم، وخلَّينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك من القول الذي فيه حث على طاعة الله، ونهي عن معصيته\" (٨).\nروى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها. ورجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، أي الجهال بموضع الحق» (٩).\nروي عن أنس بن مالك قال: \"جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق ذات ملح إلى رسول الله ﷺ فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله قل فينا خيرا مرة واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر. قال: «أي شيء قلت لكن؟» قالت: سميتنا السفهاء في كتابه وسميتنا النواقص.\nفقال: «وكفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيهن، أما يكفي إحداكن إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله، وإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن بالعشير. قالت السوداء: يا له فضلا لولا ما تبعه من الشرط\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته.\n٢ - استحباب تنمية الأموال في الأوجه الحلال لقرينة: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.\nالقرآن\n﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]\nالتفسير:\nواختبروا مَن تحت أيديكم من اليتامى لمعرفة قدرتهم على حسن التصرف في أموالهم، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ، وعَلمتم منهم صلاحًا في دينهم، وقدرة على حفظ أموالهم، فسلِّموها لهم، ولا تعتدوا عليها بإنفاقها في غير موضعها إسرافًا ومبادرة لأكلها قبل أن يأخذوها منكم. ومَن كان صاحب مال منكم فليستعفف بغناه، ولا يأخذ من مال اليتيم شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأخذ بقدر حاجته عند الضرورة. فإذا علمتم أنهم قادرون\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٩٦): ص ٣/ ٨٦٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٩٧): ص ٣/ ٨٦٤.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٣.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٥٦٨)، و(٨٥٦٩): ص: ٧/ ٥٧٢ - ٥٧٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥٧٠): ص ٧/ ٥٧٣.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٣.\n(٩) المستدرك: ٢/ ٣٠٢، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٢\n(١٠) مجمع البيان: ٣/ ١٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥١.","vol":"7","page":30},{"text":"على حفظ أموالهم بعد بلوغهم الحُلُم وسلمتموها إليهم، فأَشْهِدوا عليهم; ضمانًا لوصول حقهم كاملا إليهم; لئلا ينكروا ذلك. ويكفيكم أن الله شاهد عليكم، ومحاسب لكم على ما فعلتم.\nفي سبب نزول الآية:\nقال مقاتل (١)، والواحدي (٢)، والثعلبي (٣): \" نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي - ﷺ - فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٤).\nوفي السياق نفسه أخرج الطبري عن قتادة: \": ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾، ذكر لنا أن عَمَّ ثابت بن رفاعة وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره من الأنصار، أتى نبيّ الله ﷺ فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله، ولا تتخذ من ماله وَفْرًا، وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل، فيقوم وليه على صلاحه وَسقيه، فيصيب من تمرته، أو تكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها، أو يلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جُزَازها وَعوارضها ورِسْلها، فأما رقاب المال وأصول المال، فليس له أن يستهلكه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، \" أي: اختبروا اليتامى حتى إِذا بلغوا سنَّ النكاح\" (٦).\nقال ابن عباس: \" ﴿وابتلوا اليتامى﴾، قال: اختبروهم\" (٧)، \" حتى إذا بلغوا النكاح، قال: عند الحلم\" (٨).\nقال قتادة والحسن: \" يقول: اختبروا اليتامى\" (٩).\nوقال السدي: أما ﴿ابتلوا اليتامى﴾، فجرِّبوا عقولهم\" (١٠).\nقال ابن زيد: \" اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرِف أنه قد أُنِس منه رُشد، دفع ليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام\" (١١)، وفي روياة أخرى عنه: \" ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾، قال: الحلم\" (١٢).\nقال مجاهد: \" ﴿وابتلوا اليتامى﴾، قال: عقولهم\" (١٣)، \" ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾، حتى إذا احتلموا\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم\" (١٥).\nقال الماوردي: \" ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، أي: اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، يعني: الحُلُم في قول الجميع\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، \" أي: فإِن أبصرتم منهم صلاحًا في دينهم ومالهم فادفعوا إِليهم أموالهم بدون تأخير\" (١٧).\nعن سعيد بن جبير: \" في قول الله تعالى: ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾، يعني: ادفعوا إلى اليتامى أموالهم إذا كبروا\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٨.\n(٢) انظر: أسباب النزول: ١٤٣.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٤.\n(٤) أسباب النزول: ١٤٣.\n(٥) تفسير الطبري (٨٦٣٨): ص ٧/ ٥٩٠ - ٥٩١، ونقله الحافظ في \"الإصابة\" في ترجمة ثابت \"١/ ١٩٢\" من رواية ابن مندة عن قتادة وقال: \"هذا مرسل رجاله ثقات\".\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٥٧٤): ص ٧/ ٥٧٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٥٧٧): ص ٧/ ٥٧٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٥٧١): ص ٧/ ٥٧٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٥٧٢): ص ٧/ ٥٧٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٥٧٥): ص ٧/ ٥٧٤.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٥٧٨): ص ٧/ ٥٧٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٥٧٣): ص ٧/ ٥٧٤.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨٥٧٦): ص ٧/ ٥٧٤ - ٥٧٥.\n(١٥) تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٣.\n(١٦) النكت والعيون: ١/ ٤٥٣.\n(١٧) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٠٩): ص ٣/ ٨٦٦.","vol":"7","page":31},{"text":"قال ابن عباس: \" ﴿فإن آنستم منهم رشدًا﴾، قال: عرفتم منهم\" (١).\nقال الزجاج: \" ومعنى (الرشد): الطريقة المستقيمة التي تثقون معها بأنهم يحفظون أموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، \" ستة تأويلات:\nأحدها: أن الرشد العقل خاصة، وهو قول مجاهد (٣)، والشعبي (٤).وروي عن ابن عباس: \" إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله\" (٥).\nوالثاني: أنه العقل والصلاح في الدين، وهو قول السدي (٦)، وقتادة (٧).\nوالثالث: أنه صلاح في الدين وإصلاح في المال، وهو قول ابن عباس (٨)، والحسن (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والشافعي (١١).\nوالرابع: أنه الصلاح والعلم بما يصلحه، قاله ابن جريج (١٢).\nوالخامس: أن الرشد: سنة بعد الإحتلام. قاله ابن شبرمة (١٣).\nوالسادس: أن معنى: ﴿آنستم منهم رشدا﴾: إذا أقام الصلاة. وهذا قول عبيدة بن عمرو (١٤).\nوالراجح-والله أعلم- أن بمعنى: \"الرشد\" في الآية الكريمة: العقل وإصلاح المال، وذلك لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجرَ عليه في ماله، وحَوْزَ ما في يده عنه، وإن كان فاجرًا في دينه. وإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يَدي وصيِّ أبيه، أو في يد حاكم قد وَلي ماله لطفولته واجبٌ عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلا بالغًا، مصلحًا لماله غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولَّى على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك (١٥).\nوفي قراءة عبدالله: ﴿فإن أحسيتم منهم رشدا﴾، بمعنى: أحسستم، أي: وجدتم (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، أي: \" ولَا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا \" (١٧).\nقال مقاتل: \" ﴿ولا تأكلوها إسرافا﴾، يعني: بغير حق، ﴿وبدارا أن يكبروا﴾، يقول: يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم فيأخذ منه ماله\" (١٨).\nقال الماوردي: \" يعني: لا تأخذوها إسرافًا على غير ما أباح الله لكم\" (١٩).\nقال الأخفش: \" يقول لا تأكلوها مبادرة أن يشبوا\" (٢٠).\nقال الواحدي: \" أَيْ: لا تبادروا بأكل مالهم كبرَهم ورشدهم حذر أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم\" (٢١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٥٧٩): ص ٧/ ٥٧٥.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٥٨٤): ص ٧/ ٥٧٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٥٨٦): ص ٧/ ٥٧٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٠٣): ص ٣/ ٨٦٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٥٨٠): ص ٧/ ٥٧٦ ..\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٥٨١): ص ٧/ ٥٧٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٥٨٢): ص ٧/ ٥٧٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٠٥): ص ٣/ ٨٦٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٠٦): ص ٣/ ٨٦٦.\n(١١) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٢٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٥٨٧): ص ٧/ ٥٧٧.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٠٨): ص ٣/ ٨٦٦.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٠٧): ص ٣/ ٨٦٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٧\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٥.\n(١٧) زهرة التفاسير: ٣/ ١٥٩٢، وانظر: أوضح التفاسير: ١/ ٩١.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٨.\n(١٩) النكت والعيون: ١/ ٤٥٣.\n(٢٠) معاني القرآن: ١/ ٢٤٦.\n(٢١) الوجيز: ٢٥٢.","vol":"7","page":32},{"text":"قال الراغب: \" أي: متجاوزين حد القصد المباح لكم، ومبادرة أن يكبروا، فيمنعوا\nأموالهم\" (١).\nقال السمين الحلبي: \" أي مسارعة يعني أنهم كانوا يسرعون في أكل أموال اليتامى ويبادرون، ولذلك كرههم لئلا ينزعوها منهم\" (٢).\nقال الطبري: \" ﴿إسرافا﴾، أي: بغير ما أباحه الله لك ... يقول: لا تأكلوا أموالهم إسرافًا - يعني ما أباح الله لكم أكله - ولا مبادرة منكم بلوغَهم وإيناسَ الرشد منهم، حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم \" (٣).\nقال الحسن: \" يقول: لا تسرف فيها\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا﴾، يعني: تأكل مال اليتيم\" (٥).\nوفي رواية اخرى عن ابن عباس أيضا: \" ﴿وبدارا﴾، يعني، يأكل مال اليتيم ببادرة، فعند أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله\" (٦). وروي عن السدي نحو ذلك (٧).\nعن سعيد بن جبير: \" ﴿ولا تأكلوها إسرافا﴾، يعني: في غير حق\" (٨)، \" أن يكبروا قال: خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله\" (٩)، وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١٠).\nوقال السدي: \" يسرف في الأكل\" (١١).\nفهذا نهي للأولياء والأوصياء، عن أكل أموال اليتامى: مسرفين في الإنفاق منها، ومتعجلين أكلها، مخافة أن يكبروا فينتزعوها من أيديهم. فإن الكثير من الأولياء، يستعجل بعض التصرفات التي يكون لهم فيها منفعة، حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وتسلَّم ماله (١٢).\nوأصل \"الإسراف\": تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ. وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال: أسْرف يُسرف إسرافًا وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه: سَرِف يَسْرَفُ سَرَفًا، يقال: مررت بكم فسَرَفْتكم، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال جرير (١٣):\nأَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ\nفقوله: \"ولا سرف\"، أي: ولا خطأ فيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها (١٤).\nقال الراغب: \" السرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] \" (١٥).\nقال الماتريدي: \" الإسراف: هو كل ما نهي عنه، وقيل: الإسراف: هو أكل في غير حق؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد، وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وكان القتر مذموما، فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم، وقوله - تعالى -: ﴿إسرافا وبدارا﴾، قيل: البدار: هو المبادرة، وكلاهما لغتان، كالجدال والمجادلة، وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم؛ خشية أن يكبر؛ فيحول بينه وبين ماله\" (١٦).\nوفي حرف ابن مسعود - ﵁ -: \" ولا تأكلوها إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا \" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٠٥.\n(٢) عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الالفاظ: ١/ ١١٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٨ - ٥٨٠\n(٤) أخرجه الطبري (٨٥٨٨): ص ٧/ ٥٧٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٠): ص ٣/ ٨٦٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٣): ص ٣/ ٨٦٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨١٣): ص ٣/ ٨٦٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١١): ص ٣/ ٨٦٦.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٤): ص ٣/ ٨٦٧.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨١١): ص ٣/ ٨٦٦ ..\n(١١) أخرجه الطبري (٨٥٨٩): ص ٧/ ٥٧٨ - ٥٧٩\n(١٢) التفسير الوسيط، مجمع البحوث: ٢/ ٧٥٥.\n(١٣» ديوانه: ٣٨٩، وطبقات فحول الشعراء: ٣٥٩، والاشتقاق: ٢٤١، واللسان (هند) (سرف)، وغيرها.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٩.\n(١٥) المفردات في غريب القرآن: ٤٠٧.\n(١٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥.\n(١٧) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥.","vol":"7","page":33},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]، \" أي: ومن كان منكم غنيًا أيها الأولياء فليعف عن مال اليتيم ولا يأخذ أجرًا على وصايته\" (١).\nقال السمرقندي: \" أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" لا يأكل منه شيئًا\" (٣).\nقال ابن كثير: أي: \" من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ومن كان غنيًّا، من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، فليستعفف بماله عن أكلها - بغير الإسراف والبدار أن يكبروا - بما أباح الله له أكلها به\" (٥).\nقالت عائشة﵂-: \" نزلت في والي اليتيم\" (٦). وقال سعيد بن جبير: \" يعني: الوصي\" (٧). وروي عن السدي والحكم مثل قول سعيد بن جبير (٨).\nعن ابن عباس: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾: فلا يحتاج إلى مال اليتيم (٩).\nوقال الحسسن: \" والي مال اليتيم إن كان غنيا فليستعفف، أن يأكل من أموالهم شيئا\" (١٠).\nوقال نافع ابن أبي نعيم -يعني: القارئ-: \"سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾، قالا: ذلك في اليتيم إن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، \" أي: ومن كان فقيرًا فليأخذ بقدر حاجته الضرورية وبقدر أجرة عمله\" (١٢).\nقال الواحدي: أي: \" يقدِّر أجرة عمله\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، أربعة وجوه:\nأحدها: أنه القرض يستقرض إذا احتاج ثم يرده إذا وجد، وهو قول عمر (١٤)، وابن عباس (١٥)، وجمهور التابعين (١٦).\nوالثاني: أنه يأكل ما يسد الجوعة، ويلبس ما يواري العورة، ولا قضاء، وهو قول الحسن (١٧)، وإبراهيم (١٨)، ومكحول (١٩).\nروى شعبة عن قتادة\" أن عم ثابت بن رفاعة - وثابت يومئذ يتيم في حجره-، أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ قال: «أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ أن تقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ وَلا تَتَّخِذْ مِنْ مَالِهِ وَقْرًا» \" (٢٠).\nوالثالث: أن يأكل من ثمره، ويشرب من رِسْلِ ماشيته من غير تعرض لِمَا سوى ذلك من فضة أو ذهب، وهو قول أبي العالية (٢١)، والشعبي (٢٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٨٢.\n(٣) الوجيز: ٢٥٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٥٨١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٥): ص ٣/ ٨٦٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٦): ص ٣/ ٨٦٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨١٦): ص ٣/ ٨٦٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٧): ص ٣/ ٨٦٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٩): ص ٣/ ٨٦٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨١٨): ص ٣/ ٨٦٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(١٣) الوجيز: ٢٥٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٥٩٧): ص ٧/ ٥٨٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٥٩٨): ص ٧/ ٥٨٢.\n(١٦) انظر: الأخبار الواردة في ذلك في تفسير الطبري (٨٥٩٩) - (٨٦٢٠): ص ٧/ ٥٨٢ - ٥٨٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٦٢٦) - (٨٦٣٠): ص ٧/ ٥٨٧ - ٥٨٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٦٢٦) - (٨٦٢٨): ص ٧/ ٥٨٧، و(٨٦٣٠): ص ٧/ ٥٨٧ - ٥٨٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٦٢٩): ص ٧/ ٥٨٧.\n(٢٠) أخرجه الطبري (٨٦٣٨): ص ٧/ ٥٩٠ - ٥٩١. يقال: وفر ماله وفرًا: حاطه حتى يكثر ويصير وافرًا، يعني: أن يتأثل مالا لنفسه ويجمعه من مال يتيمه.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٦٣٣) - (٨٦٣٥): ص ٧/ ٥٨٩ - ٥٩٠.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٨٦٣٧): ص ٧/ ٥٩٠.","vol":"7","page":34},{"text":"روى القاسم بن محمد قال: \"جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلًا، فماذا يحل لي منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباءَها، وتلوط حوضها، وتفرط عليها يوم وِرْدِهَا، فاشرب من ألبانها غير مُضِرِّ بنسل، ولا بأهل في الحلب\" (١).\nوالرابع: أن يأخذ إذا كان محتاجًا أجرةً معلومة على قدر خدمته، وهو قول عطاء (٢).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: المعروف الذي عناه الله ﵎ في قوله: ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، \" أي: فإِذا سلمتم إِلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم الرشد فأشهدوا على ذلك لئلا يجحدوا تسلمها\" (٤).\nقال الماوردي: \" ليكون بيِّنةَ في دفع أموالهم إليهم\" (٥).\nقال الواحدي: \" لكي إنْ وقع اختلافٌ أمكن الوليِّ أن يقيم البيِّنة على ردِّ المال إليه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" وهذا أمر الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]، \" أي: وكفى بالله محاسبًا ورقيبًا\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" محاسبًا ومجازيًا للمحسن والمسيء\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي: \" محاسبا فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حد لكم\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم» (١٢) \" (١٣).\nقال الشافعي: \" فدلَّت هذه الآية، على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد، فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، إلا أن يحتلم الرجل، أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة، فيكون ذلك البلوغ، ودلَّ قول اللَّه - ﷿ -: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، على أنهم إذا جمعوا البلوغ، والرشد، لم يكن لأحد أن يلي عليهم أموالهم، وكانوا أولى بولاية أموالهم من غيرهم.\nوالرشد - واللَّه أعلم -: الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة، وإصلاح المال، وإنما يعرف إصلاح المال بأن: يختبر اليتيم، والاختبار يختلف بقدر حال المختَبر\" (١٤).\nروي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] قال: \" فنسخ الله ﷿ من ذلك الظلم والاعتداء نسخ: ﴿إن الذين يأكلون\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٦٣٢): ص ٧/ ٥٨٨ - ٥٨٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٦٤٢)، و(٨٦٥٠): ص ٧/ ٥٩٢ - ٥٩٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩٣ - ٥٩٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٤٥٥.\n(٦) الوجيز: ٢٥٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٣٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤١): ص ٣/ ٨٧١.\n(١٠) الوجيز: ٢٥٢.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٦١.\n(١٢) صحيح مسلم برقم (١٨٢٦).\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٩.\n(١٤) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٢٥.","vol":"7","page":35},{"text":"أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠] \" (١). وروي عن الضحاك نحوه (٢).\nوقد ردّ ابن العربي دعوى النسخ هنا ردا عنيفا فقال: \"أما من قال: إنه منسوخ فهو بعيد لا أرضاه، لأن الله تعالى يقول: ﴿فليأكل بالمعروف﴾ وهو الجائز الحسن، وقال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ فكيف ينسخ الظلم المعروف بل هو تأكيد له في التجويز، لأنه خارج عن مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى النسخ فيه\" (٣).\nالفوائد:\n١ - وجوب اختبار اليتيم قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليه المال إلا بعد وجود الرشد.\n٢ - وجوب الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده.\n٣ - حرمة أكل مال اليتيم والسفيه مطلقًا.\n٤ - الوالي على اليتيم إن كان غنيًا فلا يأكل من مال اليتيم شيئًا، وإن كان فقيرًا استقرض ورد عند الوجد واليسار، وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للوفي أن يعمل بأجرة المثل.\n٥ - إثبات اسمه تعالى «الحسيب»، أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب.\nقال الخطابي: \"الحسيب: هو المكافىء. فعيل بمعنى: مفعل، كقولك: أليم، بمعنى: مؤلم. تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأحسبني، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي. ومنه قول الشاعر (٤):\nونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع\nوالحسيب أيضا بمعنى: المحاسب، كقولهم: وزير، ونديم: بمغنى موازر ومنادم. ومنه قول الله -سبحانه-: ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤] أي: محاسبا\" (٥).\nجاء في الحديث: \" إن كان أحدكم مادحا لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحد\" (٦).\nالقرآن\n﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]\nالتفسير:\nللذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال، قليلا كان أو كثيرًا، في أنصبة محددة واضحة فرضها الله ﷿ لهؤلاء، وللنساء كذلك.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: \" وذلك أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال، فنزلت: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ \" (٧).\nوفي السياق نفسه، قال قتادة: \" كانوا لا يورثون النساء فنزلت: ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ \" (٨).\nوالثاني: وأخرج ابن المنذر (٩)، وابن أبي حاتم (١٠)، عن ابن عباس: \" نزلت في أم كلثوم، وبنت أم كحلة، وثعلبة بن أوس، وسويد كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها\".\n_________\n(١) الناسخ والمنسوخ، للقاسم بن سلام (٤٣٨): ص ٢٣٨، والناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢٩٥، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ٢/ ٢٤٠.\n(٢) انظر: الدر المنثور ٢/ ١٢، ونواسخ القرآن، لابن الجوزي: ٢/ ٣٤١.\n(٣) انظر أحكام القرآن ١/ ٢٢٥.\n(٤) البيت في: السمط: ٨٨٥، وذيله: ٦٨، منسوبان إلى أبي يزيد العقيلي، ونسبه في اللسان مادة (حسب)، و(دوا) إلى امرأة من قشير.\nوفي الأساس (قفو) بدون نسبة. وإصلاح المنطق ص ٢٦٣، والعقد الفريد ٨/ ٤. وفي غريب القرآن ص ١٧، ٥١٠، أي: نعطيه ما يكفيه حتى يقول: حسبي. وانظر أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٤٩.\n(٥) شأن الدعاء: ١/ ٦٩ - ٧٠.\n(٦) رواه: البخاري (٦١٦٢)، ومسلم (٣).\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٤٣): ص ٣/ ٨٧٢.\n(٨) تفسير الطبري (٨٦٥٥): ص ٧/ ٥٩٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٨٤٥): ص ٣/ ٨٧٢، وتفسير ابن المنذر (١٤٠٥): ص ٢/ ٥٧٧.\n(٩) تفسير ابن المنذر (١٤٠٤): ص ٢/ ٥٧٧.\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٤٤): ص ٣/ ٨٧٢.","vol":"7","page":36},{"text":"وزاد ابن المنذر: \" فقالت: يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، ولم نورث من ماله، فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسا، ولا تنكي عدوا ويكسب عليها ولا تكسب \".قال ابن جريج: وقال آخرون: هي أم حجة، توفي زوجها، وتركها وبنات لها ذمائم، فقالت يا رسول الله: توفي زوجي وتركني وبناتي، فلم نورث\" (١).\nوفي المعنى نفسه قال مقاتل: \" قوله- سبحانه-: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، نزلت في أوس بن مالك الأنصاري وذلك أن أوس بن مالك الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحة الأنصارية (٢)، وترك ابنتين إحداهن صفية، وترك ابني عمه عرفطة وسويد ابني الحارث «فلم يعطياها ولا ولداها شيئا من الميراث. وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا ويجعلون الميراث لذوي الأسنان منهم، فانطلقت أم كحة وبناتها إلى النبيﷺ- فقالت: إن أباهن توفي، وإن سويد بن الحارث، وعرفطة منعاهن حقهن من الميراث. فأنزل الله﷿- في أم كحة وبناتها: ﴿للرجال نصيب﴾ \" (٣). وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان من طريق الكلبي، (٤)، وذكره الواحدي (٥)، والثعلبي (٦).\nقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، \" للذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال وللنساء كذلك\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" للذكور من أولاد الرجل الميِّت حصة من ميراثه، وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلَّف بعده وكثيره، حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: حظا مما ترك الوالدان والأقربون\" (٩).\nقال الزجاج: \" كانت العرب لا تورث إلا من طاعن بالرماح وزاد عن المال وحاز الغنيمة، فأعلم الله - ﷿ - أن حق الميراث على ما ذكر من الفرض، وجاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - ومعها بنات لها توفي أبوهن وهو زوجها، وقد هم عما البنات بأخذ المال فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ الآية. فقال العمان: يا رسول الله أيرث من لا يطاعن بالرماح ولا يزود عن المال ولا يحوز الغنيمة؟ فقال - ﷺ -: أعطيا البنات الثلثين، وأعطيا الزوجة - وهي أمهن - الثمن، وما بقي فلكما، فقالا: فمن يتولى القيام بأمرهما؟ فأمرهما النبي - ﷺ - أن يتوليا ذلك\" (١٠).\nقال ابن أبي زمنين: \" هذا حين بين الله فرائض المواريث، نزلت آية المواريث قبل هذه الآية، وهي بعدها في التأليف؛ وكان أهل الجاهلية لا يعطون النساء من الميراث، ولا الصغير شيئا، وإنما كانوا يعطون من يحترف وينفع ويدفع، فجعل الله لهم من ذلك\" (١١).\nقال الزمخشري: \" ﴿الأقربون﴾، هم المتوارثون من ذوى القرابات دون غيرهم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء: ٧]، \" أي: سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: من الميراث\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، \"أي: نصيبا مقطوعا واجبا\" (١٥).\nقال الضحاك: \" ﴿نصيبا مفروضا﴾ ذلك وقفا معلوما \" (١٦). وروي عنه أيضا: \" مفروضا قال: وفيا\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (١٤٠٤): ص ٢/ ٥٧٧.\n(٢) الاسم بضم الكاف وتشديد الجيم. انظر ترجمتها في: الإصابة: ٤/ ٤٨٨ ..\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩.\n(٤) انظر: لباب النقول: ٥٣، والفتح السماوي للمناوي: ٢/ ٤٦٢.\n(٥) انظر: أسباب النزول: ١٤٣ - ١٤٤.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٠.\n(٧) التفسير الميسر: ٧٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩٨.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤٢): ص ٣/ ٨٧٢.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٥، وانظر: الخبر في سبب نزول الآية ..\n(١١) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٤٩.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٤٧٦.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٣٨.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤٦): ص ٣/ ٨٧٢.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٤٧٦.\n(١٦) أخرجه ابن المنذر (١٤٠٦): ص ٢/ ٥٧٨.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤٨): ص ٣/ ٨٧٢.","vol":"7","page":37},{"text":"قال سعيد بن جبير: \"يعني: حظا\" (١)، معلوما\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة\" (٣).\nقال ابن قتيبة: يعني: \" موجبا فرضه الله. أي أوجبه\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: حظا مفروضا، يعني: معلوما، فأخذت أم كحة الثمن وبناتها الثلثين وبقيته لسويد وعرفطة\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨] \" (٦).\nقال الزجاج: \" هذا منصوب على الحال، المعنى لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض، وهذا كلام مؤكد لأن قوله - جل ثناؤه -: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .﴾، معناه: إن ذلك مفروض لهن\" (٧).\nقال الراغب: \" المفروض: المقطوع بإيجابه، والفرض الحز في شيةرالقوس، والفرضة مقطع الماء، إما اعتبارا بقطع الماء أو قطعرالخصومة فيه، وبعض الفقهاء فرق بين الفرض والواجب، فجعل الفرض أخص، روقال: إنه يقتضي فارضا، والواجب لا يقتضيه، قال: ولذلك يقال: ثواب المطيعين واجب على الله، رولا يقال: فرض عليه\" (٨).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿نصيبا مفروضا﴾ نصب على الخروج من الوصف \" وقال بعضهم في قوله جل وعز: ﴿نصيبا مفروضا﴾ نصب، وإنما جعله نصبا، جعل ذلك لهم نصيبا مفروضا، وانتصابه كانتصاب ﴿كتابا مؤجلا﴾ \" (٩).\nقال الماتريدي: وفي الآية \" دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال - ﷿ -: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .﴾، إلى قوله: ﴿مفروضا﴾، أي: معلوما بما أوجب في كل قبيل\" (١٠).\nأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: \" ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١١)، قال: نسختها هذه الآية: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية \" (١٢).\nقال ابن الجوزي: \" قد زعم بعض من قل علمه وعزب فهمه من المتكلمين في الناسخ والمنسوخ، أن هذه الآية نزلت في إثبات نصيب النساء مطلقا من غير تحديد، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ثم نسخ ذلك بآية المواريث (١٣).\nوهذا قول مردود في الغاية وإنما أثبتت هذه الآية ميراث النساء في الجملة وثبت آية المواريث مقداره ولا وجه للنسخ بحال\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - بيان علة الميراث، وهي القرابة.\n٢ - عموم القرابة كيفما تصرفت من قرب أو بعد.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤٧): ص ٣/ ٨٧٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤٩): ص ٣/ ٨٧٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩٨.\n(٤) غريب القرآن: ١٢١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٩.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦١.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٥.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٠٩.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٤٠٧): ص ٢/ ٥٧٨.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٠.\n(١١) سورةالبقرة: ١٨٠.\n(١٢) تفسير ابن المنذر (١٤٠٣): ص ٢/ ٥٧٦.\n(١٣) لم يذكر هذه الدعوى الواهية في أمهات كتب النسخ إلا عند هبة الله بن سلامة فقد ذكرها بدون عزوها إلى أحد، وبدون ذكر دليل لها. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٣١.\n(١٤) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٤٢.","vol":"7","page":38},{"text":"٣ - إجمال النصيب المفروض، فبيّن الله ﷾ في آية المواريث خصوص القرابة ومقدار النصيب، وكان نزول هذه الآية توطئة للحكم وإبطالا لذلك الرأي الفاسد، حتى وقع البيان الشافي بعد ذلك على سيرة الله وسنته في إبطال آرائهم وسنتهم.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨]\nالتفسير:\nوإذا حضر قسمةَ الميراث أقاربُ الميت ممن لا حقَّ لهم في التركة، أو حضرها من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ، أو مَن لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم فأعطوهم شيئًا من المال على وجه الاستحباب قبل تقسيم التركة على أصحابها، وقولوا لهم قولا حسنًا غير فاحش ولا قبيح.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: \"كان الرجل ينفق على جاره وقرابته، فإذا مات حضروا، قال وليه: ما نملك منه شيئا، فأمرهم الله أن يقولوا قولا معروفا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨]، \" وإذا حضر قسمة التركة أقاربُ الميت ممن لا حقَّ لهم في التركة، أو حضرها من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ، أو مَن لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: قسمة المواريث فيها تقديم، وإذا حضر ﴿أولوا القربى﴾، يعني: قرابة الميت، واليتامى والمساكين قسمة المواريث\" (٣).\nقال السمعاني: يعني: قسمة التركة في مواريث إذا حضرها من لا يرث الميت من أقاربه، أو اليتامى، والمساكين\" (٤).\nقال ابن زيد: \" القسمة الوصية، جعل الله للميت جزء من ماله يوصي به لمن يشاء إلى من لا يرثه\" (٥).\nقال البغوي: \" ﴿أولو القربى﴾: الذين لا يرثون\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أي: \" فأعطوهم شيئًا من هذه التركة تطييبًا لخاطرهم\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني فأعطوهم من الميراث وإن قل وليس بموقت (٨)، هذه قبل قسمة المواريث\" (٩).\nقال البغوي: \" أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة\" (١٠).\nقال أبو السعود: \" أي أعطوهم شيئا من المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة وقيل الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييبا لقوب الطوائف المذكورة وتصدقا عليهم وقيل أمر وجوب\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم\" (١٢).\nقال الإمام الشافعي: \" فأمر اللَّه - ﷿ - أن يرزق من القسمة أولو القربى، واليتامى، والمساكين (الحاضرون القِسمة) ولم يكن في الأمر في الآية أن يرزق من القسمة من مثلهم في القرابة، واليتم، والمسكنة، ممن لم يحضر.\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٦٦): ص ٣/ ٨٧٦.\n(٢) التفسير الميسر: ٧٨، وصفوة التفاسير: ٢٣٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٩.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٣٩٩.\n(٥) تفسير القرآن من الجامه لابن وهب: ١/ ٥٨.\n(٦) تفسير البغوي: ٢/ ١٧٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٣٨.\n(٨) أى ليس هناك توفيت للإعطاء قبل القسمة أو بعدها فيجوز إعطاء الأقارب قبل تقسيم التركة أو بعده.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٩.\n(١٠) تفسير البغوي: ٢/ ١٧٠.\n(١١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٤٧.\n(١٢) تفسير السعدي: ١٦٥.","vol":"7","page":39},{"text":"وبهذا أشباه وهي: أن تُضيف من جاءك، ولا تُضيف من لم يقصد قصدك، ولو كان محتاجًا، إلا أن تتطوع، وقال لي بعض أصحابنا: قسمة الميراث. وقال بعضهم: قسمة الميراث وغيره من الغنائم، فهذا أوسع وأحبُّ إليَّ، أن يعطوا ما طاب به نفس المعطي، ولا يوقّت، ولا يحرمون\" (١).\nقال الأخفش: \" ثم قال ﴿فارزقوهم منه﴾، لأن معناه المال والميراث فذكر على ذلك المعنى\" (٢).\nقال الشنقيطي: \" ووصف بعض خلقه بأنه يفعل الرزق أيضا، قال: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: آية ٨]، وقال: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ [البقرة: آية ٢٣٣]، ورزق الله لخلقه ليس كرزق الناس بعضهم لبعض، فبين الفعل والفعل من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]، أي: \" وقولوا لهم قولا حسنًا غير فاحش ولا قبيح\" (٤).\nقال السمعاني: \" أي: قولوا لهم: بورك فيكم\" (٥).\nقال أبو السعود: \" وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم\" (٦).\nقال السعدي: أي: \" يردوهم ردًّا جميلا بقول حسن غير فاحش ولا قبيح، وكان الصحابة ﵃إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، فإن لم يمكن ذلك -لكونه حق سفهاء، أو ثَم أهم من ذلك- فليقولوا لهم ﴿قَولا مَعْرُوفًا﴾ \" (٧).\nقال مجاهد: \" قال أن يرضخوا لأقاربهم إن كان الورثة كبارا، وإن كانوا صغارا قال الوصي: هم صفار ولست أملك منه شيئا\" (٨).\nقال مقاتل: \" يقول- سبحانه- إن كانت الورثة صغارا فليقل أولياء الورثة لأهل هذه القسمة: إن بلغوا أمرناهم أن يدفعوا حقكم ويتبعوا وصية ربهم﷿- وإن ماتوا وورثناهم وأعطيناكم حقكم فهذا القول المعروف يعني العدة الحسنة\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] أربعة تأويلات:\nأحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: يرزقكم الله: يعينكم الله ويرضخ لهم من الثمار، رواه سالم الأفطس، عن ابن جبير (١٠).\nوالثاني: أن يقول الولي: إنه مال يتامى، وما لي فيه شيء، رواه أبو بشر عن ابن جبير (١١).\nوفي رواية أخرى عن ابن جبير، قال: إن كان الميت أوصى لهم بشيء أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانوا صغارا، قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، إنما هو للصغار، فذلك القول المعروف (١٢)، وروي عن إبراهيم (١٣)، ومقاتل بن حيان (١٤) نحو ذلك.\nوالثالث: أنه العدة الحسنة، وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إن هؤلاء الورثة صغار، فاذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، عن ابن جبير (١٥).\nوالرابع: أنهم يعطون من المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق: بورك فيكم، وهذا القول المعروف (١٦).\n_________\n(١) تفسير الإمام الشافعي: ٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٤٧.\n(٣) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٢/ ٥٧٤.\n(٤) التفسير الميسر: ٧٨.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٣٩٩.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٤٧.\n(٧) تفسير السعدي: ١٦٥. [بتصرف بسيط] ..\n(٨) تفسير سفيان الثوري: ٨٩.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٨٦٦): ص ٣/ ٨٧٦.\n(١١) زاد المسير: ١/ ٣٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٨٦٧): ص ٣/ ٨٧٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٤٨٦٨): ص ٣/ ٨٧٦.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٦٧): ص ٣/ ٨٧٦.\n(١٥) زاد المسير: ١/ ٣٧٥.\n(١٦) زاد المسير: ١/ ٣٧٥.","vol":"7","page":40},{"text":"قال الحسن والنخعي: \"أدركنا الناس يفعلون على على القرابات والمساكين. واليتامى من العين\" (١). قال الزجاج: \" يعنيان الورق، والذهب، فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك؛ قالوا لهم قولا معروفا. كانوا يقولون لهم: بورك فيكم\" (٢).\nوقد أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو محكم أو منسوخ؟ وفيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها ثابتة الحكم. قاله ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وإبراهيم (٥)، والشعبي (٦)، والحسن (٧)، ومنصور (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والزهري (١٠)، ويحيى بن يعمر (١١).\nقال سعيد بن جبير: \"هذه الآية يتهاون بها الناس. قال، وهما وليَّان، أحدهما يرث، والآخر لا يرث. والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم قال، يعطيهم قال، والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا. وهي محكمة وليست بمنسوخة\" (١٢).\nوقال الحسن: \" هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا\" (١٣).\nورُوي عن عبيدة: \" أنه وَلِي وصية، فأمر بشاة فذبحت وصنع طعامًا، لأجل هذه الآية، وقال، لولا هذه الآية لكان هذا من مالي\" (١٤).\nوالثاني: أنها منسوخة بآية المواريث، وهذا قول قتادة، وسعيد بن المسيب (١٥)، وأبي مالك (١٦)، والضحاك (١٧)، وابن عباس في إحدى الروايات (١٨)، والفقهاء.\nالثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصَّى بها أن تفرق فِيْمَنْ ذُكِرَ وفِيمَنْ حَضَرَ، فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول. وهو قول عائشة (١٩)، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢٠)، وابن زيد (٢١)، وسعيد بن المسيب في قوله الآخر (٢٢).\nواختلف مَنْ قال: بثبوت حكمها على الوجه الأول في الوارث إذا كان صغيرًا هل يجب على وليَّه إخراجها من سهمه على قولين:\nأحدهما: يجب، وهو قول ابن عباس (٢٣)، وسعيد (٢٤)، ويقول الولي لهم قولًا معروفًا.\nوالثاني: أنه حق واجب في أموال الصغار على الأولياء، وهو قول عبيدة (٢٥)، والحسن (٢٦).\n_________\n(١) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٦، وانظر: زاد المسير: ١/ ٣٧٥.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٦٥٨)، و(٨٦٥٩): ص ٧/ ٥٦٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٦٦١)،: ص ٧/ ٥٦٠، و(٨٦٦٢)، و(٨٦٧٩): ص ٨/ ٨ - ٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٦٦٠): ص ٧/ ٥٦٠، و(٨٦٦٣): ص ٨/ ٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٦٦٠): ص ٧/ ٥٦٠، و(٨٦٦٣): ص ٨/ ٨.\n(٧) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٦٧): ص ٨/ ٨، و(٨٦٦٨): ص ٨/ ٨، و(٨٦٧٣): ص ٨/ ٩.\n(٨) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٦٨): ص ٨/ ٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٦٦٥): ص ٨/ ٨.\n(١٠) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٧١): ص ٨/ ٩.\n(١١) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٧٢): ص ٨/ ٩.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٦٦٥): ص ٨/ ٨.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٦٦٧): ص ٨/ ٨.\n(١٤) أخرجه الطبري (٨٧٠٤): ص ٨/ ١٧.\n(١٥) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٧٥): ص ٨/ ٩.\n(١٦) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٧٧): ص ٨/ ١٠.\n(١٧) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٨٠): ص ٨/ ١٠.\n(١٨) انظر: تفسير: الطبري (٨٦٧٩): ص ٨/ ١٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن المنذر (١٤١٤): ص ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن المنذر (١٤١٤): ص ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٦٨٦): ص ٨/ ١١.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٨٦٨٤) - (٨٦٨٥): ص ٨/ ١١.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠١): ص ٨/ ١٦.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٣): ص ٨/ ١٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٤): ص ٨/ ١٧، و(٨٧٠٤): ص ٨/ ١٧ - ١٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٤): ص ٨/ ١٧.","vol":"7","page":41},{"text":"والراجح-والله أعلم- أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، \"وإنما عنى بها الوصية لأولي قربى الموصي وعنى باليتامى والمساكين: أن يقال لهم قول معروف\" (١).\nقال ابن العربي: \"وأكثر أقوال المفسرين أضغاث وآثار ضعاف، والصحيح أنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم بأن يسهم لهم من التركة ويذكر لهم من القول ما يؤنسهم وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين:\nأحدهما: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول؛ وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف.\nالثاني: أن المقصود من ذلك الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة\" (٢).\nوقال الحافظ في الفتح وهو يناقش الآثار المروية عن ابن عباس في الباب –\"أن ما روى البخاري عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير - وهو إحكام الآية - وهو المعتمد عليه وبقية الروايات كلها وردت من أوجه لا يعتمد عليها، والذي ثبت عن ابن عباس في الباب إحكام الآية لا نسخها\" (٣).\nوفي السياق نفسه قال الزجاج: \" وقد أجمعوا أن الأمر بالقسمة من الميراث للقرابة والمساكين واليتامى قد أمر بهما، ولم يجمعوا على نسخها، والأمر في ذلك على ما أجمع عليه، والله أعلم\" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن هذه الآية ضمن أحكام الله الحسنة الجليلة الجابرة للقلوب.\n٢ - وجوب النصح والإرشاد للمحتضر حتى لا يجور في وصيته عند موته، إذ تضمنت الآية: إرشاد الله تعالى للمؤمن الذي يحضر مريضًا على فراش الموت بأن لا يسمح له أن يحيف في الوصية بأن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من الثلث أو يذكر دينًا ليس عليه، وإنما يريد حرمان الورثة.\n٣ - أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي ﷺ يقول: \" إذا أتى أحدكم خادمه بطعام، فليجلسه معه، وليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره ودخانه\" (٥).\nقال الشيخ السعدي: \"وكان الصحابة ﵃إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء\" (٦).\nالقرآن\n﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]\nالتفسير:\nولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع، فليراقبوا الله فيمن تحت أيديهم من اليتامى وغيرهم، وذلك بحفظ أموالهم، وحسن تربيتهم، ودَفْع الأذى عنهم، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري، وابن أبي حاتم (٧)، وابن المنذر (٨)، عن ابن عباس، قال: \"فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله سبحانه الذي سمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يُصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيَّعة\" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ١٢.\n(٢) أحكام القرآن: ١/ ٤٢٨.\n(٣) فتح الباري ٩/ ٢١٠.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٦.\n(٥) أخرجه أحمد: (٩٢٩٦): ص ٢/ ٤٠٩، و(٩٥٥٤): ص ٢/ ٤٣٠، والدارمي (٢٠٧٤)، والبخاري (٢٥٥٧)، و(٥٤٦٠).\n(٦) تفسير السعدي: ١٦٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٧٤): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٨) تفسير ابن المنذر (١٤٢٥): ص ٢/ ٥٨٤.\n(٩) تفسير الطبري (٨٧٠٧): ص ٨/ ١٩.","vol":"7","page":42},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، أي: \" ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع\" (١).\nقال البغوي: \" ﴿ضعافا﴾، أي: أولادا صغارا، ﴿خافوا عليهم﴾ الفقر، هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته كما لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿من خلفهم﴾، يعني: من بعد موتهم\" (٣)، قوله: ﴿ذرية ضعافا﴾، قال: ذرية ضعفاء\" (٤)، يعني: \"عجزة لا حيلة لهم\" (٥)، \"قوله: ﴿خافوا عليهم﴾، يعني: على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم\" (٦).\nقال قتادة: \" يقول: من حضر ميتًا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحَيْف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفًا على عياله لو نزل به الموت (٧).\nقال ابن عباس: \" يعني: الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك، يعني: أن من حضر منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، يعني: صغارا أن يتركهم بغير مال، فيكونون عيالا على الناس، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك\" (٨).\nوقال الكلبي: \"هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليأت إليه في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم أو لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزها صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ورثة ضعافا خافوا عليهم الضياع وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود إلى المقصود منه والعلة فيه وبعث على النساء الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاد نفسه وتهديد للمخالف بحال أولاده\" (١٠).\nوقرأ حمزة وحده ﴿ضعفا﴾ بإمالة العين، وكذلك ﴿خافوا﴾، بإمالة الخاء، واختلف عنه في الإمالة، فروى عنه عبيد الله بن موسى ﴿ضعفا﴾ بالفتح، وروى خلف عن سليم بن عيسى عنه بالكسر (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، أي: \"فليتقوا الله في أمر اليتامى، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني عدلا فليأمره بالعدل في الوصية فلا يحرفها ولا يجر فيها\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٧٨.\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ١٧١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧٠): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧١): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧٢): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧٣): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٩): ص ٨/ ٢٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٦٩): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ١٧١.\n(١٠) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(١١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٧.\n(١٢) انظر: التفسير الميسر: ٧٨، وصفوة التفاسير: ٢٣٨.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٠.","vol":"7","page":43},{"text":"قال البغوي: \" أي: عدلا، والسديد: العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده\" (١).\nقال السعدي: \" أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يقولوا للميت إذا جلسوا إليه قولا سديدا (٣).\nوثبت في الصحيحين: \"أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: \"لا\". قال: فالشطر؟ قال: \"لا\". قال: فالثلث؟ قال: \"الثلث، والثلث كثير\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\" (٤).\nوفي الصحيح أن ابن عباس قال: \"لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير» \" (٥).\nقال ابن كثير: \" قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي الثلث في وصيته وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى إذ لانفع للأول بدون الثاني ثم أمرهم بان بقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولاودهم بالشفقة وحسن الأدب أو للمريض ما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة ويذكره التوبة وكلمة الشهادة أو لحاضري القسمة عذرا ووعدا حسنا أو يقولوا في الوصية مالا يؤدي إلى تجاوز الثلث\" (٧).\nوقد اختلف أهل العلم في تفسير الآية ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، على أربعة أقوال:\nأحدها: أن معناه: وليحذر الذين يحضرون مَّيتًا يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله وصية فيمن لا يرثه ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقة ماله لولده، وهذا قول ابن عباس (٨)، وقتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والسدي (١١)، وسعيد بن جبير (١٢).\nوالثاني: أن معناه وليحذر الذين يحضرون الميت وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمره بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصى لآثروا أن يوصي لهم، وهو قول مقسم (١٣)، وسليمان بن المعتمر (١٤).\nوالثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لِوُلاةِ الأيتام، أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم لو ماتوا وترموا أولادهم يتامى صغارًا، وهو مروي عن ابن عباس (١٥).\nوالرابع: أن من خشي على ذريته من بعده، وأحب أن يكف الله عنهم الأذى بعد موته، فليتقوا الله وليقولا قولًا سديدًا، وهو قول أبي بشر بن الديلمي (١٦).\nوالراجح أن المعنى: \" وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم العَيْلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليُتم والمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العَيْلة عليهم بعدهم، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته\" (١٧).\nوبذلك يمكن القول بأن في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وهو على وجهين:\nالأول: أن المعنى: وليخش الذين يحضرون موصيا بوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ما له فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته. وهذا قول ابن عباس (١٨)، وقتادة (١٩)، ومجاهد (٢٠)، والسدي (٢١)، وسعيد بن جبير (٢٢).\nوالثاني: على الضد، وهو أنه نهي لحاضري الموصي عند الموت أن يمنعوه عن الوصية لأقاربه، وأن يأمروه الاقتصار على ولده، وهو قول مقسم (٢٣)، وسليمان بن المعتمر (٢٤).\nالقول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، راجع إلى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾، فقال تعالى: - يعني أولياء اليتامى - ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله﴾ فيمن ولوه من اليتامى وليحسنوا إليهم في أنفسهم وأموالهم كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم لو ماتوا هم إليهم. وهذا ايضا مروي عن ابن عباس بسند ضعيف (٢٥).\nوالقول الثالث: أنه خطاب للأوصياء بإجراء الوصية على ما رسم الموصي وأن يكون الوجوه التي فيها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فأمر بهذه الآية إذا وجد الوصي من الموصي في الوصية جنفا أو ميلا عن الحق فعليه الإصلاح في ذلك، واستعمال قضية الشرع ورفع الحال الواقع في الوصية. ذكره علي بن عبيد الله وغيره (٢٦).\nقال ابن الجوزي: \" وعلى هذا القول تكون الآية منسوخة، وعلى الأقوال قبلها هي محكمة، والنسخ منها بعيد، لأنه إذا أوصى بجور لم يجز أن يجري على ما أوصى\" (٢٧).\nويجدر القول بان أصحاب أمهات كتب النسخ المتقدمة كابن حزم الأنصاري والنحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضوا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلا، إنما ذكرها من المنسوخة، هبة الله في ناسخه (٢٨)، وابن هلال في ناسخه المخطوط (٢٩) بدون استناد إلى دليل.\nالفوائد:\n١ - على من يخاف على أطفاله بعد موته أن يحسن إلى أطفال غيره فإن الله تعالى يكفيه فيهم.\n٢ - أنه إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال: أوص بمالك، فإن الله رازق ولدك، ولكن يقال له: قدم لنفسك، واترك لولدك، فذلك القول السديد، كأن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة (٣٠).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ٢/ ١٧١.\n(٢) تفسير السعدي: ١٦٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧٥): ص ٣/ ٨٧٧.\n(٤) صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢)، وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨).\n(٥) صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٩).\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٢.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٤٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٧)، و(٨٧٠٨): ص ٨/ ١٩ - ٢٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٩): ص ٨/ ٢٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٥): ص ٨/ ٢١ - ٢٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٧١١): ص ٨/ ٢٠ - ٢١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٣)، و(٨٧١٤): ص ٨/ ٢١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٦)، و(٨٧١٧): ص ٨/ ٢٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٨): ص ٨/ ٢٢ - ٢٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٩): ص ٨/ ٢٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٧٢٠): ص ٨/ ٢٤.\n(١٧) تفسير الطبري: ٨/ ٢٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٧)، و(٨٧٠٨): ص ٨/ ١٩ - ٢٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٧٠٩): ص ٨/ ٢٠.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٥): ص ٨/ ٢١ - ٢٢.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٧١١): ص ٨/ ٢٠ - ٢١.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٣)، و(٨٧١٤): ص ٨/ ٢١.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٦)، و(٨٧١٧): ص ٨/ ٢٢.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٨): ص ٨/ ٢٢ - ٢٣.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٨٧١٩): ص ٨/ ٢٤.\n(٢٦) انظر: نواسخ القرآن، ابن الجوزي: ٢/ ٣٥١.\n(٢٧) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٥١.\n(٢٨) انظر الناسخ والمنسوخ: ٣٢.\n(٢٩) انظر: المخطوط: ورقة ٢٢.\n(٣٠) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٨٧٨.","vol":"7","page":44},{"text":"٣ - وفي الآية إشعار أن جزاء الإحسان الإحسان وهذا واضح ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، فإن ما تصنعه مع أولاد الناس يصنعه الناس مع أولادك، وإن لم تكن صريحة في المعنى لكنها تدل عليه بقوة (١).\n٤ - أن القول السديد سبب في صلاح الاعمال، كما أن القول المعوج سبب في فسادها، ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]\nالتفسير:\nإن الذين يعْتَدون على أموال اليتامى، فيأخذونها بغير حق، إنما يأكلون نارًا تتأجّج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون نارا يقاسون حرَّها.\nفي سبب نزول الآية:\nنقل الواحدي والثعلبي (٢)، عن مقاتل بن حيان: \"نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، أي: \"إن الذين يأكلون أموال اليتامى بدون حق\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿ظلما﴾، يعني: استحلالا بغير حق\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى\" (٧).\nقال الماوردي: \" عبر عن الأخذ بالأكل لأنه مقصود الأخذ\" (٨).\nقال الزجاج: \" في هذا - أعني في قوله ﴿يأكلون أموال اليتامى﴾ - دليل أن مال اليتيم إن\nأخذ منه على قدر القيام له ولم يتجاوز ذلك جاز، بل يستظهر فيه إن أمكن ألا يقرب ألبتة لشدة الوعيد فيه، بأن لا يؤكل منه إلا قرضا، وإن أخذ القصد وقدر الحاجة على قدر نفعه فلا بأس إن شاء الله\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، أي: \"ما يأكلون في الحقيقة إِلا نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \"فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج في بطونهم يوم القيامة\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم\" (١٢).\nقال ابن المنذر: \" وقال بعضهم في قوله ﷿: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ يقول في ﴿في بطونهم﴾ هنا، هي توكيد، لأنه لا يؤكل إلا في البطن\" (١٣).\nعن أبي برزة أن رسول الله ﷺ قال: \"يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ألم تر أن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ الآية\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: سلسلة التفسير لمصطفى العدوي: ٢/ ١٦.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٥٣.\n(٣) أسباب النزول: ١٤٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٣٨. [بتصرف].\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٨٠): ص ٣/ ٨٧٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٢.\n(٧) تفسير السعدي: ١٦٥.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٤٥٧.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣٨.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٢.\n(١٢) تفسير السعدي: ١٦٥.\n(١٣) تفسير ابن المنذر (١٤٣١): ص ٢/ ٥٨٧.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٨١): ص ٣/ ٨٧٩.","vol":"7","page":45},{"text":"قال السدي: \" إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلمًا، يُبعث يوم القيامة ولهبُ النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم\" (١).\nوعن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال: \"من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة، فيملأ فوه جمرا، فيقال له: كل كما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السعير الكبرى\" (٢).\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات\" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات\" (٣).\nوأخرج الطبري عن عن أبي سعيد الخدري قال: \"حدثنا النبي ﷺ عن ليلة أسري به قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مَشافر كمشافر الإبل، وقد وُكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال، هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا» \" (٤).\nقال ابن عباس: \" لما نزلت: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما جعل كل رجل، في حجره يتيم- يعزل ماله على حدة، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٥) فأحل لهم خلطتهم\" (٦). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن مجاهد والحسن، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك نحو ذلك\" (٧).\nقال الشنقيطي: \" وهذه الآية الكريمة تدل على أن ظلم اليتيم حرام، ولما أنزل الله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ [النساء: آية ١٠] خاف الصحابة الذين عندهم أيتام، وعزلوا مال الأيتام عن مالهم، وطعامهم عن طعامهم، حتى صار ما فضل عن اليتيم من طعامه يبقى ولا يجد من يأكله؛ خوفا منه، وربما فسد، فشكوا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فأنزل الله آية البقرة المعروفة: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم﴾ \" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وجهان (٩):\nأحدهما: يعني انهم يصيرون به إلى النار.\nوالثاني: أنه تمتلىء بها بطونهم عقابًا يوجب النار.\nقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، أي: \"وسيدخلون نارًا هائلة مستعرة وهي نار السعير\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" وسيصلون نارا مسعرة، أي: موقودة مشعلة شديدًا حرُّها\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: نارا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية\" (١٢).\nقال ابن زيد: \" قال أبي: إن هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورَّثونهم، ويأكلون أموالهم\" (١٣).\nوقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾: \"الصلاء: لزوم النار\" (١٤)، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق (١٥):\nوَقَاتَلَ كَلْبُ الْحَيِّ عَنْ نَارِ أهْلِهِ ... لِيَرْبِضَ فِيهَا وَالصَّلا مُتَكنَّفُ\nوكما قال العجاج (١٦):\nمُحْرَنْجَمُ الجامِلِ والنُّؤِيُّ ... وَصَالِيَاتٌ لِلصَّلا صُلِيُّ\nثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرًا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الحارث بن عباد البكري (١٧):\nلَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا، عَلِمَ اللهُ ... وَإِنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالِي\nفجعل ما باشر من شدة الحرب وأذى القتال، بمنزلة مباشرة أذى النار وحرِّها (١٨).\nوالسعير: \"إسعار النار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] \" (١٩)، \"فوصفها بأنها مسعورة وهو شدة حر جهنم، ومنه قيل: استعرت الحرب إذا اشتدت، وإنما هو مَسعور، ثم صرف إلى سعير، كما قيل: كفّ خَضِيب، ولِحية دهين، وإنما هي مخضوبة، صرفت إلى فعيل\" (٢٠).\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿وسيصلون﴾ بفتح الياء\nوقرأ ابن عامر ﴿وسيصلون﴾ بضم الياء، واختلف عن عاصم فروى أبان وأبو بكر بن عياش والمفضل عنه ﴿وسيصلون﴾ مثل ابن عامر بضم الياء و﴿تصلى نارا حامية﴾ [الغاشية ٤]، بضم التاء أيضا، وروى عنه حفص ﴿وسيصلون﴾ بفتح الياء و﴿تصلى نارا﴾ مفتوحة التاء ﴿ويصلى سعيرا﴾ [الانشقاق ١٢] مفتوحة الياء (٢١).\nقال الطبري: \"والفتح بذلك أولى من الضم، لإجماع جميع القرأة على فتح الياء في قوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى﴾ [سورة الليل: ١٥]، ولدلالة قوله: ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: ١٦٣]، على أن الفتح بها أولى من الضم\" (٢٢).\nقال ابن الجوزي: \" قد توهم قوم لم يرزقوا فهم التفسير وفقهه أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وأثبتوا ذلك في كتب الناسخ والمنسوخ، ورووه عن ابن عباس ﵄ وإنما المنقول عن ابن عباس: «﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم فيعزل طعامه وشرابه، فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فأحل لهم طعامهم» (٢٣).\nوقال سعيد بن جبير: \"لما نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ عزلوا أموالهم من أموال اليتامى، وتحرجوا من مخاطبتهم فنزل قوله: تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ ١. وهذا ليس على سبيل النسخ؛ لأنه لا خلاف أن أكل أموال اليتامى ظلما حرام\" (٢٤).\nثم نقل ابن الجوزي عن أبي جعفر النحاس: أن\"هذه الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ، لأنها خبر ووعيد، ونهي عن الظلم والتعدي، ومحال نسخ هذا، فإن صح ما ذكروا عن ابن عباس فتأويله من اللغة: أن هذه الآية على نسخة تلك الآية\" (٢٥).\nوقد وزعم بعضهم أن ناسخ هذه الآية قوله تعالى: ﴿من كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] (٢٦).\nقال ابن الجوزي: \" وهذا قبيح؛ لأن الأكل بالمعروف ليس بظلم فلا تنافي بين الآيتين\" (٢٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٧٢٢): ص ٨/ ٢٧.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٨٣): ص ٣/ ٨٧٩.\n(٣) أخرجه البخاري: (٢٧٦٦): ص ٤/ ١٢، و(٥٧٦٤): ص ٧/ ١٧٧، و(٦٨٥٧): ص ٧/ ٢١٨، ومسلم (١٧٥): ص ١/ ٦٤، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي: ٦/ ٢٥٧، وفي الكبرى: (٦٤٦٥) و(١١٢٩٧)، وابن حبان (٥٥٦١).\n(٤) تفسير الطبري (٨٧٢٣): ص ٨/ ٢٧.\n(٥) سورة البقرة: ٢٢٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧٩): ص ٣/ ٨٧٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٧٩): ص ٣/ ٨٧٨.\n(٨) العذب النمير: ٢/ ٥١١ - ٥١٢.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٥٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٣٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٣٠.\n(١٢) تفسير السعدي: ١٦٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٧٢٤): ص ٨/ ٢٧.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٤٥٧.\n(١٥) ديوانه: ٥٦٠، النقائض: ٥٦١، اللسان (صلا).\n(١٦» ديوانه: ٦٧، من أرجوزته المشهورة، مطلعها: بَكَيْتُ وَالْمُحْنَزِنُ البَكِيُّ ... وإنِّما يَأْتِي الصِّبا الصَّبِيُّ.\n(١٧) الفاخر للمفضل بن سلمة: ٧٨، والخزانة ١: ٢٢٦، وسائر كتب التاريخ والأدب، من أبياته المشهورة في حرب البسوس، وكان اعتزلها، ثم خاضها حين أرسل ولده بجيرًا إلى مهلهل فقتله مهلهل، فقال، قَرِّبَا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِيَالِ\nلَمْ أَكُنْ مِنْ جُناتِهَا .... ... لا بُجَيْرٌ أَغْنَى فَتِيلا، وَلا رَهْطُ.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٦ - ٢٩.\n(١٩) النكت والعيون: ١/ ٤٥٧.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٨/ ٣٠.\n(٢١) انظر: السبعة في القراات: ٢٢٧.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٩.\n(٢٣) أخرج ابن أبي حاتم (٤٨٧٩): ص ٣/ ٨٧٨ بنحوه.\n(٢٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور، وعزاه إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير. انظر: الدر المنثور ١/ ٢٥٥، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٣٥٢.\n(٢٥) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٥٢.ولم نجد القول المنقول عنه في كتابه الناسخ والمنسوخ، وهو لم يعد فيه هذه الآية من المنسوخة أصلا.\n(٢٦) ذكر نحو هذا القول هبة الله في ناسخه ص: ٣٢ - ٣٣، وابن هلال في ناسخه المخطوط ٢٢، ونقل مكي ابن أبي طالب في ناسخه ص: ١٧٥ عن ابن عباس وزيد بن أسلم أن آية: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ ناسخة لقوله ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ ..\n(٢٧) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٥٣.","vol":"7","page":47},{"text":"الفوائد:\n١ - حرمة أكل مال اليتامى ظلمًا، والوعيد الشديد فيه.\nقال السعدي: \" وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية\" (١).\n٢ - أن هذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: بمنزلة الإخوان، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].\nالقرآن\n﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١]\nالتفسير:\nيوصيكم الله ويأمركم في شأن أولادكم: إذا مات أحد منكم وترك أولادًا: ذكورًا وإناثًا، فميراثه كله لهم: للذكر مثل نصيب الأنثيين، إذا لم يكن هناك وارث غيرهم. فإن ترك بنات فقط فللبنتين فأكثر ثلثا ما ترك، وإن كانت ابنة واحدة، فلها النصف. ولوالِدَي الميت لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد: ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو أكثر. فإن لم يكن له ولد وورثه والداه فلأمه الثلث ولأبيه الباقي. فإن كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورًا كانوا أو إناثًا، فلأمه السدس، وللأب الباقي ولا شيء للإخوة. وهذا التقسيم للتركة إنما يكون بعد إخراج وصية الميت في حدود الثلث أو إخراج ما عليه من دَيْن. آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر. هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله. إن الله كان عليمًا بخلقه، حكيمًا فيما شرعه لهم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الإمام البخاري وغيره (٢)، عن جابر بن عبد الله قال: \"عادني رسولُ الله ﷺ وأبو بكر في بني سَلمَةَ ماشيين، فوجَدَني النبي ﷺ لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رَش عَلَيَّ، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ \" (٣).\nالثاني: أخرج الإمام احمد وغيره (٤)، عن جابر قال: \"جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحُد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالا ولا يُنْكَحَان إلا ولهما مال. قال: فقال: «يَقْضِي اللَّهُ في ذلك». قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعْطِ ابْنَتي سعد الثلثين، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك» \" (٥).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٦٥.\n(٢) وأخرجه مسلم (٣/ ٢٣٤ - ح: ١٦١٦) وأهل السنن (جامع الأصول: ٢/ ٨٠ - ٨٢)، (تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥) والحميدي (مسند الحميدي: ٢/ ٥١٦ - ح: ١٢٢٩) والحاكم المستدرك: ٢/ ٣٠٣)، والطبري (٨٧٣١): ص ٨/ ٣٤، والطيالسي (منحة المعبود: ٢/ ١٧ - ح: ١٩٤٥) والبيهقي (دلائل النبوة: ٦/ ١٦٢) وابن سعد (حاشية جامع الأصول: ٢/ ٨٣) وعبد بن حميد (فتح الباري: ٨/ ٢٤٤) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: ٤/ ١٥ - ح: ٢٠١٨)، والواحدي في أسباب النزول: ١٤٤ - ١٤٥. كلهم من طريق ابن جريج عن ابن المنكدر به.\nوقد ذكر من أخرجه أن النازل هو قول تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)، وأنا أرجح أن الآية هي قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة ...) الآية. في آخر ذكر المواريث، لانطباق هذا على حالة جابر ﵁ حيث لم يكن له والد ولا ولد - وهو الكلالة - (المفردات للراغب الأصفهاني: ٤٣٧) أما آية (يوصيكم الله في أولادكم) فلا تنطبق عليه. بل تنطبق على السبب الآتي ذكره، وقد ذكر الراوي بداية هذه الآية تغليبا، وكان يقصد آخرها، والله تعالى أعلم، (راجع فتح الباري: ٨/ ٢٤٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٥/ ٥٧) ..\n(٣) فتح الباري (٤٥٧٧): ص ٨/ ٢٤٣.\n(٤) وأخرجه أبو دادو في سننه برقم (٢٨٩٢، ٢٨٩١)، والترمذي في السنن: (٢٠٩٢)، وابن ماجة في السنن برقم (٢٧٢٠).\n(٥) المسند (٣/ ٣٥٢).","vol":"7","page":48},{"text":"والثالث: أخرج الطبري وابن ابي حاتم (١)، عن السدي: \" كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الجواريَ ولا الصغارَ من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كجَّة، وترك خمس أخواتٍ، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله ﵎ هذه الآية: ﴿فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثُلُثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، ثم قال في أم كجة: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾ \" (٢).\nوالرابع: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٣)، عن ابن عباس: \" ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة! ! اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغيِّره. فقال بعضهم: يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيَّ الميراث وليس يغني شيئًا؟ ! وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر\" (٤)، «فنزلت ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾» (٥).\nقال ابن كثير: \" والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة (٦) من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري، ﵀، فإنه ذكره هاهنا. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، \" أي: يأمركم الله ويعهد إِليكم بالعدل في شأن ميراث أولادكم، بأن للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث\" (٩).\nقال الزجاج: \" معنى \" يوصيكم \": يفرض عليكم، لأن الوصية من الله - ﷿فرض، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من المحكم علينا\" (١٠).\nةقد ذكرا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وجهان (١١):\nأحدهما: أن المعنى: يفرضكم الله، وقد سمى الله - تعالى – الميراث فريضة في غير آى من القرآن بقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء: ٧]، ثم قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وقال -أيضا- في آخر هذه الآية: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب أهله؛ فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها؛ فعلى ذلك سمى هذه فريضة؛ لأن الله - تعالى – أوجبه.\nوالثاني: معناه: يبين الله في أولادكم. . . إلى آخر ما ذكر.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٩٤): ص ٣/ ٨٨١.\n(٢) تفسير الطبري (٨٧٢٥): ص ٨/ ٣١ - ٣٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٩٦): ص ٣/ ٨٨٢.\n(٤) تفسير الطبري (٨٧٢٦): ص ٨/ ٣٢.\n(٥) هذه الزيادة في العجاب: ٢/ ٨٤٦.\n(٦) وهو قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٤٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٥.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٨.\n(١١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي: ٣/ ٣٦ - ٣٧.","vol":"7","page":50},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، \" أي: بأن للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين\" (١).\nقال الزجاج: \" المعنى: يستقر للذكر مثل حظ الأنثيين، له الثلثان وللابنة الثلث\" (٢).\nقال ابن كثير: \" فاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه الأنثى\" (٣).\nعن ابن عباس: \"قوله: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾: صغيرا وكبيرا\" (٤).\nعن السدي: \" قوله: ﴿حظّ﴾، يقول: نصيب\" (٥).\nوقد استنبط أهل العلم من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم (٦)، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السَّبْي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألْصَقَتْه بصَدْرها وأرضعته. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أتَروْن هذهِ طارحةَ ولدها في النار وهي تَقْدِرُ على ذلك؟ \" قالوا: لا يا رسول الله: قال: \"فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ من هذه بِوَلَدِهَا\" (٧).\nوأخرج البخاري عن ابن عباس قال: \"كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنَسَخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع\" (٨).\nقال ابن المنذر: \" وأجمعوا على أن مال الميت بين جميع ولده للذكر مثل خط الأُنثيين، إذا لم يكن معهم أحد من أهل الفرائض، إذا كان معهم من له فرض المعلوم، بدئ بفرضه فأعطيه، وجعل الفاضل من المال بين الولد: للذكر مثل حظ الأُنثيين\" (٩).\nقوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" إِن كان الوارث إِناثًا فقط اثنتين فأكثر، فللبنتين فأكثر ثلثا التركة\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني بنات أم كحة، فلهن ثلثا ما ترك\" (١١).\nعن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿فإن كنّ نساء﴾، يعني: بنات\" (١٢)، \" قوله: ﴿فوق اثنتين﴾، يعني: أكثر من اثنتين، أو اثنتين ليس معهن ذكر\" (١٣)، \" قوله: ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾: الميت، والبقية للعصبة\" (١٤).\nقال ابن المنذر: \"وأجمعوا أن للأنثيين من البنات الثلثين\" (١٥).\nقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" أي وإِن كانت الوارثة بنتًا واحدة فلها نصف التركة\" (١٦).\nقال مقاتل: \" وإن كانت ابنة واحدة فلها النصف\" (١٧).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿وإن كانت واحدة﴾، يعني: ابنة واحدة\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤٠.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٨٨): ص ٣/ ٨٨٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٨٩): ص ٣/ ٨٨٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٥.\n(٧) أخرجه البخاري: (٥٩٩٩): ص ٨/ ٩، ومسلم: (٧٠٧٨): ص ٨/ ٩٧.\n(٨) صحيح البخاري برقم (٤٥٧٨) ..\n(٩) الإجماع لابن المنذر (٢٧٧): ص ٦٧، وانظر: الأوسط ٢/ ١٢٤ أ، الإقناع ٢٥ ب، وتفسير القرطبي ٥/ ٦٠، والمغني ٧/ ١٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٤٠.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩٠): ص ٣/ ٨٨٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩١): ص ٣/ ٨٨١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩٣): ص ٣/ ٨٨١.\n(١٥) الإجماع لابن المنذر (٢٧٨): ٦٩، وانظر: الأوسط ٢/ ١٢٤ أ، الإقناع ٢٥ ب، وتفسير القرطبي ٥: ٦٠، والمغني ٧/ ٨.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٤٠.\n(١٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٠.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩٥): ص ٣/ ٨٨١.","vol":"7","page":51},{"text":"وقوله ﴿وإن كانت واحدة﴾، كلهم قرءوا: ﴿وإن كانت وحدة﴾، نصبا، إلا نافعا فإنه قرأ: ﴿وإن كانت وحدة﴾، رفعا (١).\nقوله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" أي للأب السدس وللأم السدس من تركة الميت، إِن وجد للميت ابن أو بنت\" (٢).\nقال مقاتل: \" ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك الميت إن كان له ولد\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿ولأبويه﴾، يعني: أبوي الميت\" (٤)، \"قوله: ﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾: مما ترك الميت\" (٥)، \"قوله: ﴿إن كان له ولد﴾: يعني ذكرا كان أو كانتا انثيين فوق كل ذلك، ولم يكن معهن ذكر، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال، ثلثه أسداس، وللأب سدس ويبقى سدس واحد، فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة\" (٦).\nقال الماتريدي: \" قال بعضهم: أراد بالولد الذكور خاصة؛ لأنه جعل للأبوين لكل واحد منهما السدس إذا كان الولد ذكرا، أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث.\nوأما عندنا: فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعا\" (٧).\nقوله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" فإِن لم يوجد للميت أولاد وكان الوارث أبواه فقط أو معهما أحد الزوجين، فللأم ثلث المال أو ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين والباقي للأب\" (٨).\nقال مقاتل: \" وبقية المال للأب\" (٩).\nعن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه﴾، قال: فإن لم يكن له ذكر ولا أنثى\" (١٠)، \" ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾: فلأمه الثلث وبقية المال للأب\" (١١).\nقال ابن المنذر: \" وأجمعوا على أن بني الابن، وبنات الابن يقومون مقام البنين والبنات ذكورهم كذكورهم، وإناثهم كإناثهم، إذا لم يكن للميت ولد لصلبه\" (١٢).\nوقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ﴿فلأمه﴾ و﴿من بطون أمهتكم﴾ [النحل ٧٨]، و﴿في أمها﴾ [القصص ٥٩]، و﴿في أم الكتاب﴾ [الزخرف ٤]، بالرفع،\nفي حين قرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر.\nواختلفا في الميم من قوله ﴿أمهاتكم﴾ فكسرها حمزة وفتحها الكسائي (١٣).\nقوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" فإِن وجد مع الأبوين إِخوة للميت «اثنان فأكثر» فللأم السدس، والباقي للأب\" (١٤).\nقال مقاتل: \" وما بقي فللأب\" (١٥).\nعن سعيد بن جبير: ﴿فإن كان له﴾: فإن كان للميت\" (١٦)، \"قوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾: أخوان فصاعدا أو أختان أو أخ أو أخت\" (١٧)، \"قوله: ﴿فلأمه السدس﴾ وما بقي فللأب، وليس للأخوة مع الأب شيء، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩٧): ص ٣/ ٨٨٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩٨): ص ٣/ ٨٨٢.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٩٩): ص ٣/ ٨٨٢.\n(٧) تأويلات أهل السنة: ٣/ ٤٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٠٠): ص ٣/ ٨٨٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٠١): ص ٣/ ٨٨٣.\n(١٢) الإجماع لابن المنذر (٢٧٩): ص ٦٩، وانظر: الأوسط ٢/ ١٢٤ أ، والإقناع ٢٥ ب، ومراتب الإجماع ٩٨، والإفصاح ٢/ ٨٤.\n(١٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٧ - ٢٢٨\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٠٢): ص ٣/ ٨٨٣.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٠٣): ص ٣/ ٨٨٣.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٠٤): ص ٣/ ٨٨٣.","vol":"7","page":52},{"text":"قال ابن المنذر: \" وأجمعوا على أن الأبوين إذا ورثاه: أن للأب الثلثين وللأم الثلث\" (١).\nواختلف اختلف أهل العلم في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره، على قولين:\nأحدهما: أنه عنى الله جل ثناؤه به: اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. وهذا قول الجمهور (٢).\nوالثاني: أن المراد: جماعة أقلها ثلاثة. وهذا الرأي ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد. وهذا قول ابن عباس (٣).\nروي عن ابن عباس: \"أنه دخل على عثمان ﵁ فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فإن كان له إخوة، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان﵀- هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ \" (٤).\nقال الطبري: \" والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله ﷺ، دون ما قاله ابن عباس ﵄، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك\" (٥).\nوقد اشتهر عند العرب \"إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا لا ثاني له، فأخرج اثناهما بلفظ اثنى العضوين اللذين وصفت، فقيل إخوة في معنى الأخوين، كما قيل ظهور في معنى الظهرين، وأفواه في معنى فموين، وقلوب في معنى قلبين، ومنه قول الفرزدق (٦):\nبِمَا فِي فُؤَادَيْنَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى ... فَيَبْرَأُ مُنْهَاضُ الفُؤَادِ الْمُشَعَّفُ\nوقد قال بعض النحويين: إنما قيل إخوة، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع (٧).\nوأخرج الطبري بسنده عن طاوس عن ابن عباس: \"السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم\" (٨).\nكما روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، إذ قال: \" الكلالة من لا ولد له ولا والِد\" (٩).\nقال ابن المنذر: \" وأجمعوا على أن الأخوة لا يرثون مع الأب شيئا، وانفرد ابن عباس فقال: السدس الذي حجبه الأخوة للأُم عنده\" (١٠)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١١).\nوقال قتادة: \" أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث، لأن أباهم يلي نكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم، وهذا قول شاذ، رواه ابن جرير (١٣) في تفسيره\" (١٤).\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر (٢٨٦): ص ٧، وانظر: الأوسط ٢/ ١٢٥ ب، وتفسير القرطبي ٥/ ٥٧، والإقناع ٢٦ أ.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٩ - ٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧٣٢): ص ٨/ ٤٠.\n(٤) اخرجه الطبري (٨٧٣٢): ص ٨/ ٤٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٤١.\n(٦) ديوانه: ٥٥٤، والنقائض: ٥٥٣، وسيبويه ٢: ٢٠٢، وأمالي الشجرى ١: ١٢، وغيرها.\n(٧) نظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٢ - ٤٣.\n(٨) تفسير الطبري (٨٧٣٤): ص ٨/ ٤٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٧٣٥): ص ٨/ ٤٥.\n(١٠) الإجماع لابن المنذر (٢٨٧): ص ٧٠.\n(١١) انظر: الأوسط ٢/ ١٢٥ ب، ورأي ابن عباس اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن الإخوة المحجوبين بالأب عن الإرث لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس بل يجب لها الثلث كاملًا، وللأب الثلثان -الاختيارات الفقهية ص ١٩٧ - وهو الصحيح الذي نراه اليوم.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٠٥): ص ٣/ ٨٨٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧٣٤): ص ٨/ ٤٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٨.","vol":"7","page":53},{"text":"والصواب أن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا (١).\nقال الطبري: \" وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده\" (٢).\nقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ديونه\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: إلى الثلث أو دين عليه فإنه يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن ثم الوصية بعد ذلك ثم الميراث\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة\" (٥).\nقال الماتريدي: \" ذكر الله - تعالى - الوصية قبل الدين، وأجمع أهل العلم أن الدين يبدأ به قبل الوصية والميراث\" (٦).\nوقد روى عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: \" شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الإخوة للأب والأم، دون الإخوة للأم\" (٧).\nوقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يوصي بها﴾ بفتح الصاد في الحرفين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿يوصي بها﴾ بكسر الصاد فيهما، وقال حفص عن عاصم الأولى بالكسر ﴿يوصي بها﴾ والثانية ﴿يوصي بها﴾ بفتح الصاد (٨).\nقوله تعالى ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]، أي: \" آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر\" (٩).\nعن السدي قوله: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا﴾، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: في الآخرة، فيكون معه في درجته، وذلك أن الرجل يكون عمله دون عمل ولده أو يكون عمله دون عمل والده، فيرفعه الله﷿- في درجته لتقر أعينهم\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٤٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٨.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٧.\n(٧) أخرجه الحميدي: (٥٥)، (٥٦)، وأحمد: (٥٩٥): ص ١/ ٧٩، وفي (١٠٩١): ص ١/ ١٣١، وفي (١٢٢٢): ص ١/ ١٤٤، وابن ماجة (٢٧١٥)، و(٢٧٣٩)، والترمذي (٢٠٩٤)، و(٢٠٩٥)، و(٢١٢٢)، وقال البخاري: ٦/ ٤، باب تأويل قول الله، تعالى:﴾ من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾: ويذكر: \"أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية\".\nقال أبو عيسى الترمذي (٢٠٩٥): \"هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث\".\nقال أبو بكر بن أبي داود: \"الحارث كان أفقه وأفرض الناس وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي\"، وقيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم، كنت أختلف إليه أتعلم الحساب، كان أحسب الناس.\nلكن ضعف في روايته للحديث، ضعفه جماعة منهم الشعبي وجرير وابن مهدي وابن المديني ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. انظر: تهذيب الكمال (٥/ ٢٤٤).\n(٨) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٨.\n(٩) التفسير الميسر: ٧٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٧٤٣): ص ٨/ ٤٩.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٧٤٠): ص ٨/ ٤٩.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١.","vol":"7","page":54},{"text":"وعن ابن زيد: قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخلِ عليكم غيرهم، فرَضَ لهم المواريث، لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم\" (٢).\nوقال مجاهد: \" ﴿أيهم أقرب لكم نفعًا﴾، في الدنيا\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللوالدين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم؛ لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي - أو الأخروي أو هما - من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس؛ فلهذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر؛ فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث\" (٤).\nقال الراغب: \" قيل: القصد بذلك أن المنفعة بهما متفاوتة، فإن المنفعة بالآباء في الصغر، وبالأبناء في الكبر.\nوقيل: معناه تحروا ما أمرتم، ولا تعتبروا نفع الولد والوالد، فإن\nذلك يختلف عند اعتبار الآحاد.\nوقيل: معناه لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة، فينتفع ولده بماله، أم الولد أقرب وفاة فينتفع الوالدان بماله، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر (٥):\nما علم ذي ولد أيثـ ... كله أم الولد اليتيم؟\nوهذا الذكر في الآية كالاستطراد، والقصد به يجب أن يتحرى في ماله الوجه الذي جعل له المال، فلا يمنع ذا حق من حقه، شفقة على ورثته، ولا يضعه في غير حقه \"تفاديا من انتقال ماله إلى ورثته، بل يجب أن يتحرى القصد في ذلك، فليس يدري عواقب الأمور، وجملة ذلك أن في الآية حثا على تفويض الأمر إلى الله، والرضا بحكمه\" (٦).\nقوله تعالى ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، أي: \" هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله\" (٧).\nقال مقاتل: \" قال في التقديم لهذه القسمة: فريضة ثابتة من الله\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: من هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض - هو فرض من الله حكم به وقضاه\" (١٠).\nقوله تعالى ﴿ِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، أي: \" إِنه تعالى عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما شرع وفرض\" (١١).\nقال ابن كثير: أي: \" والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. حكيما، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٧٤٤): ص ٨/ ٤٩ - ٥٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٤٨.\n(٣) أخرجه الطبري (٨٧٤١): ص ٨/ ٤٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٩.\n(٥) انظر: البيت ليزيد بن الحكم الثقي، في بهجة المجالس لابن عبد البر: ٢٣٠، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري: ٤٦٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٨٤٠، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي: ٢/ ٤٩، والمعنى: لايعلم الوالد ما يكون منه ومن ولده في الإمهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. [انظر: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٨٤١].\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٢٨ - ١١٢٩.\n(٧) التفسير الميسر: ٧٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٥٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٩.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢٩.","vol":"7","page":55},{"text":"وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغر منها شيئًا.\n٢ - الاثنان يعتبران جمعًا.\n٣ - ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب.\n٤ - الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أصحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله ﷺ: «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢).\n٥ - في الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ميراث الابنتين مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، والاعتبار.\n٦ - ومن الفوائد: أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله - تعالى -: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، إذ لم يبين أيهم أقرب نفعا.\n٧ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و«الحكيم»:\nفمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣).\nقال أبو سليمان: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم\" (٤).\nو«الحكيم»: \"هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١].\nفدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] \" (٥).\n\nالقرآن\n﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٥١.\n(٢» صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥).\n(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٤) الاسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.\n(٥) شأن الدعاء، للخطابي: ٧٣ - ٧٤.","vol":"7","page":56},{"text":"ولكم -أيها الرجال- نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن إن لم يكن لهن ولد ذكرًا كان أو أنثى، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، ترثونه من بعد إنفاذ وصيتهن الجائزة، أو ما يكون عليهن من دَيْن لمستحقيه. ولأزواجكم -أيها الرجال- الربع مما تركتم، إن لم يكن لكم ابن أو ابنة منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم، يقسم الربع أو الثمن بينهن، فإن كانت زوجة واحدة كان هذا ميراثًا لها، من بعد إنفاذ ما كنتم أوصيتم به من الوصايا الجائزة، أو قضاء ما يكون عليكم من دَيْن. وإن مات رجل أو امراة وليس له أو لها ولد ولا والد، وله أو لها أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس. فإن كان الإخوة أو الأخوات لأم أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث يقسم بينهم بالسوية لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا الذي فرضه الله للإخوة والأخوات لأم يأخذونه ميراثًا لهم من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة. بهذا أوصاكم ربكم وصية نافعة لكم. والله عليم بما يصلح خلقه، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.\nقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، \" أي: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إِن لم يكن لزوجاتكم أولاد منكم أو من غيركم\" (١).\nعن سعيد بن جبير قوله: ولكم يقول: للرجل\" (٢)، \" قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ يقول: للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت\" (٣)، \"قوله: ﴿إن لم يكن لهن ولد﴾: إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢]، أي: \"، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم\" (٥).\nعن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿فإن كان لهن ولد﴾: فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى\" (٦)، قوله: ﴿فلكم الربع﴾، يعني: للزوج\" (٧)، \"قوله: ﴿مما تركن﴾، يعني: مما تركت من المال\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، \" أي: من بعد الوصية وقضاء الدين\" (٩).\nعن سعيد بن جبير قوله: ﴿من بعد وصية يوصين بها﴾: النساء\" (١٠)، \"قوله: ﴿أو دين﴾: دين عليهن، قال: فالدين قبل الوصية فيها تقديم\" (١١).\nعن علي، قال: شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين، ولفظ العدني، قال: \" قضى رسول الله ﷺ أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون: ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وإن أعيان بني الأم يتوارثون، دون بني العلات الإخوة للأب والأم دون الإخوة للأب، ولفظ العدني الإخوة للأب والأم أقرب من الإخوة للأب يتوارثون دون الإخوة للأب \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، \" أي: ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إِن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن\" (١٣).\nعن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿ولهنّ﴾ يعني: النساء\" (١٤)، \" قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾، يعني: للمرأة الربع\" (١٥)، \" قوله: ﴿مما تركتم﴾ يعني: مما ترك زوجها من الميراث\" (١٦)، \"قوله: ﴿إن لم يكن لكم﴾، يعني: لزوجها الذي مات عنها\" (١٧)، \" قوله: ﴿إن لم يكن لكم ولد﴾، قال: ولد منها ولا من غيرها\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩١٦): ص ٣/ ٨٨٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩١٧): ص ٣/ ٨٨٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩١٨): ص ٣/ ٨٨٥.\n(٥) التفسير الميسر: ٧٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩١٩): ص ٣/ ٨٨٥.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٠): ص ٣/ ٨٨٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢١): ص ٣/ ٨٨٥.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٢): ص ٣/ ٨٨٥.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٣): ص ٣/ ٨٨٥.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (١٤٣٨): ص ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٤): ص ٣/ ٨٨٥.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٥): ص ٣/ ٨٨٥.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٦): ص ٣/ ٨٨٦.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٧): ص ٣/ ٨٨٦.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٨): ص ٣/ ٨٨٦.","vol":"7","page":57},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، \" أي: فإِن كان لكم ولد منهن أو من غيرهن فلزوجاتكم الثمن مما تركتم من المال\" (١).\nعن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿فإن كان لكم ولد﴾، قال: ولد ذكر أو أنثى\" (٢)، \"قوله: ﴿فلهن الثمن مما تركتم﴾ يعني: مما ترك الزوج من المال\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]،]، \" أي: من بعد الوصية وقضاء الدين\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" والدين قبل الوصية ثم يقسم الميراث\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً] ﴿النساء: ١٢]، \" أي: وإن كان الميت يورث كلالة أي لا والد له ولا ولد وورثة أقاربه البعيدون لعدم وجود الأصل أو الفرع\" (٦).\nقال الشافعي: \" المعنى: إن مات رجل في حال كلالة، أي: لم يخلف والدًا ولا ولدًا\" (٧).\nقال الواحدي: \" الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات\" (٨).\nواختلفوا في الكلالة على أقوال:\nأحدها: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب (٩)، وهو قول طاوس (١٠).\nوالثاني: أن الكلالة ما عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة في أحد قوليه (١١).\nوالثالث: أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر (١٢)، وعمر (١٣)، والمشهور عن ابن عباس (١٤)، وسليم بن عبد (١٥)، وقتادة (١٦)، والحكم (١٧)، وابن زيد (١٨)، والزهيري (١٩)، وأبي إسحاق (٢٠)، والضحاك (٢١)، والحسن (٢٢)، وسعيد بن جبير (٢٣)، واختيار الفراء (٢٤)، والزجاج (٢٥).\nوالرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي (٢٦).\nوالخامس: أنهم الأخوة للأم. قاله عطية (٢٧).\nوالسادس: أنهم الأخوة للأب. قاله عبيد بن عمير (٢٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٢٩): ص ٣/ ٨٨٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣١): ص ٣/ ٨٨٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣٢): ص ٣/ ٨٨٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٧) تفسير الشافعي: ٢/ ٥٤٦.\n(٨) التفسير البسيط: ٦/ ٣٧١.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٨٠، ونسبه الماوردي الى ابن عباس، انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٠.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٥): ص ٨/ ٦٧ - ٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٧٤٥): ص ٨/ ٥٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧٤٧): ص ٨/ ٥٤، وابن أبي حاتم (٤٩٣٣): ص ٣/ ٨٨٧\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٧٥٠) - (٨٧٥٥): ص ٨/ ٥٥ - ٥٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٧٥٦) - (٨٧٥٩: ص ٨/ ٥٦ - ٥٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٠): ص ٨/ ٥٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦١): ص ٨/ ٥٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٢): ص ٨/ ٥٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٣)، و(٨٧٦٤): ص ٨/ ٥٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٣)، و(٨٧٦٤): ص ٨/ ٥٧.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٣): ص ٣/ ٨٨٧.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٣): ص ٣/ ٨٨٧.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٥): ص ٣/ ٨٨٧.\n(٢٤) انظر: معاني القران: ١/ ٢٥٧.\n(٢٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٥ - ٢٦.\n(٢٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٨٠.\n(٢٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٢٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.","vol":"7","page":58},{"text":"والسابع: وقيل: هم الأخوة والأخوات (١).\nقال الواحدي: \" والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد\" (٢).\nقال ابن كثير: \"الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه\" (٣).\nقال الزجاج: \" زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر (٤):\nفإنّ أَبَا الْمَرْء أحْمَى لَهُ ... ومَوْلَى الكَلالَة لَا يَغضَبُ\nوإنما هو كالإكليل الذي على الرأس\" (٥).\nويجدر القول بأن الوارث يسمى \"كلالة\". قاله سعيد بن جبير (٦)، وكما جاء في حديث جابر أنه قال: \"ليس يرثني إلا كلالة\" (٧).\nوكذلك أن الموروث أي: الميت، يسمى \"كلالة\"، قاله الضحاك والسدي (٨)، ومنه قول الفرزدق (٩):\nورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم\nوقال الطرماح (١٠):\nيهز سلاحا لم يرثه كلالة ... يشك به منها جلود المغابن\nيصف ثورا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث (١١).\nوقال النضر بن شميل: أن الكلالة \"هو المال\" (١٢).\nنستنتج بأن كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (١٣).\nقال الشافعي: \" والكلالة في هاتين الآيتين (١٤): الميت لا الوارث، وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضًا، ألا ترى أن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: مرضت فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: \"إني رجل لا يرثنى إلا كلالة\" (١٥) الحديث، فجعل الكلالة: ورثته، فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٢) التفسير البسيط: ٦/ ٣٦٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٠.\n(٤) لم أعرف قائله وهو من \"شواهد الزجاج في معانيه\" ٢/ ٢٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"اللسان مادة\"كلل\"\" ٧/ ٣٩١٨، وتهذيب اللغة، مادة\"كلل\": ص ٩/ ٣٣١، أراد الشاعر: أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. [انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٧١\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٢٥ - ٢٦.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٧) حديث جابر من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٧، أخرجه الطبري (٨٧٣١): ص ٨/ ٣٤ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: ٥٠١ (كلل) ..\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٩) البيت في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) فيه الشطر الأول، \"عمدة الحفاظ\" ص ٥٠١ (كلل)، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٧، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في \"ديوان الفرزدق\"، هذا مع أني لم أجده في \"معجم شواهد العربية\" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من \"ديوان الفرزدق\" و\"منتهى الطلب\"، والله أعلم ..\n(١٠) ديوانه: ١٣٣، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٢، و\"أساس البلاغة\" (كلل) و\"الصحاح\" (سلح)، و\"المحكم\" (سلح) و\"اللسان\" (سلح): (بزغ). والمغابن جمع مغبن، وهو الإبط والرفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضا. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢١١ (غبن) ..\n(١١) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٣٧٠.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(١٣) تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ (كل) بتصرف، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٦٩.\n(١٤) يقصد الآية (١٢) و(١٧٦) من سورة النساء، قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.\n(١٥) حديث جابر من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٧، أخرجه الطبري (٨٧٣١): ص ٨/ ٣٤ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: ٥٠١ (كلل) ..\n(١٦) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٤٦.","vol":"7","page":59},{"text":"وروى أنس عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فرد عليه السائل فقال ﷺ: «لست بزائدك حتى أزاد» (١).\nعن ابن عمر، قال: \"سمعت عمر، يقول على منبر المدينة: «وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا ننتهي إليه، الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا» \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢]، أي: \" أو امرأةٌ تورث كلالة\" (٣).\nقال الشافعي: أي: \" أو ماتت امرأة كذلك\" (٤).\nقال السمعاني: \" يعنى: أو امرأة تورث كلالة\" (٥).\nوعن عمر، أنه قال لابن عباس، وسعيد بن زيد، وابن عمر حين طعن: \" اعلموا أن من أدرك وفاتي من سبي العرب من مال الله، فهو حر، واعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا، واعلموا أني لم أستخلف أحدا \" (٦).\nوعن عاصم بن سليمان، عن الشعبي، قال: كان عمر يقول: \" الكلالة: من لا ولد له \"، فلما طعن عمر، قال: \" إني لأستحي الله أن أخالف أبا بكر، أرى الكلالة: ما عدا الولد والوالد \" (٧).\nوأخرج عبدالرزاق عن معمر، عن أيوب عن ابن سيرين، قال: \" نزلت ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] والنبي ﷺ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها النبي ﷺ حذيفة \"، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلف حذيفة، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ، فقال: عمر: لم أرد هذا رحمك الله، قال معمر: فأخبرني أيوب، عن ابن سيرين أن عمر كان إذا قرأ ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]، قال: «اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي» (٨).\nوروي عن سفيان عن عمرو عن طاوس، قال: \"أمر عمر حفصة أن تسأل النبي ﷺ، عن الكلالة، فأمهلته حتى إذا لبس ثيابه، سألته عنها، فأملاها عليها، وقال: «من أمرك بهذا، أعمر؟ ما أظن أن يفهمهما، أو لم تكفه آية الصيف؟» قال سفيان: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾، فلم يفهمها، وقال: اللهم من فهمها فإني لم أفهمها\" (٩).\nوروي عن الأثرم، عن أبي عبيدة \" ﴿كلالة﴾ قال: \"كل من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب: كلالة ﴿يورث كلالة﴾، كلالة: مصدر، من تكلله النسب أي: تعطف النسب عليه، ومن قال: ﴿يورث كلالة﴾، فهم الرجال الورثة، أي: تعطف النسب عليه \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢]، \"أي: وللمورّث أخ أو أخت من أمّ\" (١١).\nعن الحسن: \"في قول الله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت﴾، قال: من أمه\" (١٢). وروي عن سعد بن مالك مثله (١٣).\nقال السمعاني: \" أجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا أولاد الأم، وفرض لكل واحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، \" أي: فللأخ من الأم السدس وللأخت السدس أيضًا\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩، وانظر: مختلف الحديث: ١٨٥، بتفاوت ..\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٨٨٣): ص ٩/ ٤٣٩، وابن المنذر (١٤٤٠): ص ٢/، ٥٩١ ورواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٨٨) ومسلم في صحيحه برقم (٣٠٣٢)، والبيهقي في السنن ٦: ٢٤٥/ ٨: ٢٨٩، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٤٩، وزاد نسبته لعبد الرزاق.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٤) تفسير الشافعي: ٢/ ٥٤٦.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٤.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٤٤١): ص ٢/ ٥٩٢.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٤٤٣): ص ٢/ ٥٩٢.\n(٨) مصنف عبدالزاق الصنعاني (١٩١٩٣): ص ١٠/ ٣٠٤.\n(٩) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٥٨٧): ص ٣/ ١١٧٨، أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩١٩٤): ص ١٠/ ٣٠٥.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٤٥١): ص ٢/ ٥٩٥.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣٦): ص ٣/ ٨٨٧ - ٨٨٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٦): ص ٣/ ٨٨٧ - ٨٨٨ ..\n(١٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٤١.","vol":"7","page":60},{"text":"وقرأ الحسن: ﴿يورث﴾ بفتح الواو، وكسر الراء مع التشديد، فمن قرأ ﴿يورث﴾ - بالكسر – فكلالة، مفعول، ومن قرأ ﴿يورث﴾، فكلالة منصوب على الحال (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، \"أي: فإِن كان الإِخوة والأخوات من الأم أكثر من واحد فإِنهم يقتسمون الثلث بالسوية ذكورهم وإِناثهم في الميراث سواء\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: أكثر من واحد، وكانوا اثنين إلى عشرة فصاعدا\" (٣).\nعن ابن شهاب قال: \"قضى عمر بن الخطاب أن- ميراث الأخوة من الأم بينهم للذكر فيه مثل الأنثى، قال: ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله ﷺ، ولهذه الآية التي قال الله تعالى: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ \" (٤). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة نحو ذلك (٥).\nقال السمعاني: \" وفيه إجماع، أن فرضهم الثلث إذا تعددوا، وإن كثروا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، \" من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة\" (٧).\nقال السمعاني: \" يعني: الموصي لا يضر بالورثة بمجاوزة الثلث، ونحوه ا\" (٨).\nقال عكرمة: \"قال ابن عباس: \" الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ هذه الآية: ﴿غير مضار﴾ إلي ﴿مهين﴾ \" (٩).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"الإضرار في الوصية من الكبائر\" (١٠).\nقال مجاهد: \" قوله \" ﴿مضار﴾ قال: في الميراث لأهله \" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني، عليه من غير ضرار يكون به، ولا يقر بحق عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضارة لهم، فذلك قوله: غير مضار يعني: غير مضار للورثة بتلك القسمة ﴿وصية من الله﴾ \" (١٢).\nقال قتادة: \"إن الله ﷿ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، \"أي: أوصاكم الله بذلك وصية\" (١٤).\nقال السمعاني: \" أي: فريضة من الله\" (١٥).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" تلك القسمة\" (١٦).\nوقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، \" أي: وعالم بما شرع حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٥، وزاد المسير: ١/ ٣٨٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣٧): ص ٣/ ٨٨٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣٨): ص ٣/ ٨٨٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٨): ص ٣/ ٨٨٨.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(٧) التفسير الميسر: ٧٩.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٤٥٣): ص ٢/ ٥٩٦، وابن أبي حاتم (٤٩٤٠): ص ٣/ ٨٨٨، وفيه: \"ثم قرأ: ﴿غير مضار وصية من الله﴾ \".\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٩): ص ٣/ ٨٨٨.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٤٥٤): ص ٢/ ٥٩٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٤٦): ص ٣/ ٨٨٩.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧١.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤١.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(١٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٥٣.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٠.\n(١٨) صفوة التفاسير: ٢٤١.","vol":"7","page":61},{"text":"قال محمد بن إسحاق: \" ﴿والله عليم﴾ أي: عليم بما يخفون\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿عليم﴾ يعني: عالما بها\" (٢).\nالفوائد:\n١ - بيان ميراث الزوج من زوجته، والزوجة والزوجات من زوجهن.\n٢ - بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والدًا ولا ولدًا فيرثه إخوته فقط يحوطون به إحاطة الإكليل بالرأس فلذا سُميت الكلالة.\n٣ - إهمال الوصية أو الدين إن علم إن الغرض منها الإضرار بالورثة فقط.\n٤ - عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى.\n٥ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و«الحليم»:\nفمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣).\nقال أبو سليمان: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم\" (٤).\nو«الحليم» هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم؛ إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة. والمتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء بيان هذا المعنى في قوله (٥):\nلن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا ... حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام\nويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ، ... لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام\nويقال: لم يصف الله -سبحانه- أحدا من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين وصف إسماعيل به. ويقال: إن أحدا لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفا بالحلم، وذلك أن إبراهيم -صلوات الله عليه- دعا ربه فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأجيب بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١] فدل على أن الحلم أعلى مآئر الصلاح -والله أعلم- (٦).\n\nالقرآن\n﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣]\nالتفسير:\nتلك الأحكام الإلهية التي شرعها الله في اليتامى والنساء والمواريث، شرائعه الدالة على أنها مِن عند الله العليم الحكيم. ومَن يطع الله ورسوله فيما شرع لعباده من هذه الأحكام وغيرها، يدخله جنات كثيرة الأشجار والقصور، تجري من تحتها الأنهار بمياهها العذبة، وهم باقون في هذا النعيم، لا يخرجون منه، وذلك الثواب هو الفلاح العظيم.\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، \" أي: تلك الأحكام المذكور شرائع الله التي حدّها لعباد\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني هذه القسمة فريضة من الله\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٤٧): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٤٨): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٤) الاسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.\n(٥) البيت غير منسوب في شأن الدعاء للخطابي: ٦٤، وزاد المسير: ١/ ١٩٥، والبيت لعروة بن الزبير في تفسير الثعلبي: ٣/ ١٦٧، وتفسير القرطبي: ٤/ ٢٠٨، وتفسير البحر المديد: ١/ ٤٠٨،\n(٦) انظر: شأن الدعاء، للخطابي: ٦٣ - ٦٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٢٤١.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٢٧.","vol":"7","page":62},{"text":"قال السمعاني: \" يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة\" (١).\nقال البغوي: \" يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها\" (٣).\nقال السعدي: \" فالوصية للوارث بزيادة [ص: ١٧١] على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله ﷺ: «لا وصية لوارث» (٤) \" (٥)\nولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، وجوه:\nأحدها: يعني: طاعة الله، في المواريث التي سمى. قاله ابن عباس (٦).\nوالثاني: يعني: سنة الله وأمره في قسمة المواريث. قاله سعيد (٧).\nوالثالث: أن حدود الله، يعني: فشروط الله. قاله السدي (٨).\nوالرابع: فرائض الله التي حدها لعباده (٩).\nوالخامس: تفصيلات الله لفرائضه (١٠).\nقال الزمخشري: \" ﴿تلك﴾، إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث. وسماها حدودا، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، \" أي: ومن يطع أمر الله فيما حكم وأمر رسوله فيما بيّن\" (١٢).\nقال سعيد بن جبير: \" في قسم الميراث كما أمره الله\" (١٣).\nقال مقاتل: \" فى قسمة المواريث\" (١٤).\nقال الزجاج: \" أي يقيم حدوده على ما حد\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: فيها، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته\" (١٦).\nقال السعدي: \" بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها\" (١٧).\nوفي قوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، وجهان:\nأحدهما: في عدم الإضرار في الوصية. وهذا قول ابن عباس (١٨)، والحسن (١٩).\nوالثاني: معناه: فيما اقتص من المواريث. قاله مجاهد (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١)، وابن جريج (٢٢).\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ١٨٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٢.\n(٤) أخرجه ابن ماجة (٢٧١٤).\n(٥) تفسير السعدي: ١٧٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٤٩): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥٠): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥١): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦١.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٤٨٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٤١.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥٤): ص ٣/ ٨٩١.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(١٥) معاني القرآن: ٢/ ٢٧.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٢.\n(١٧) تفسير السعدي: ١٧٠.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥٢): ص ٣/ ٨٩٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥٢): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥٣): ص ٣/ ٨٩٠.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥٤): ص ٣/ ٨٩١.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٥٥): ص ٣/ ٨٩١.","vol":"7","page":63},{"text":"قال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ على وجوب مراعاة ما بينه تعالى في الكتاب من أحكام المواريث، وما بينه - ﷺ - من نحو قوله: «لا وصية لوارث» (١)، وقوله: «لك الثلث والثلث. . .» (٢) \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٣]، أي: \" يدخله جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها وأبنيتها الأنهار\" (٤).\nقال أبو مالك: \" يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: تحتها الأنهار: تحت الشجر البساتين\" (٦).\nقال عبدالله: \" أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك\" (٧).\nقال السعدي: \" من أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣]، \" أي: وهم ماكثين فيها أبدًا\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لا يموتون\" (١٠).\nقال مقاتل: \" لا يموتون\" (١١).\nقرأ نافع وابن عامر: ﴿ندخله جنات﴾، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿يدخله جنات﴾، بالياء (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]، أي: \" وذلك الثواب هو الفلاح العظيم\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: ذلك الثواب الفوز العظيم\" (١٤).\nقال السمعاني: \" ذكر ثواب من أطاعه، ولم يجاوز حدوده\" (١٥).\nقال الراغب: \" ووصف الفوز بالعظيم اعتبارا بفوز الدنيا\" (١٦).\nقال السعدي: \" الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون\" (١٧).\nعن شهربن حوشب أبي هريرة، قال: \"قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة». قال: ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿تلك حدود الله﴾ إلى قوله: ﴿فله عذاب مهين﴾ \" (١٨).\nالفوائد:\n١ - بيان حرمة تعدي حدود الله تعالى.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة (٢٧١٤).\n(٢) في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ لما دخل على سَعْد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: \"لا\". قال: فالشَّطْر؟ قال: \"لا\". قال: فالثلث؟ قال: \"الثلث، والثلث كثير\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"إنك إن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أن تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون الناس\". [صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨)].\n(٣) تفسير الرابغ الأصفهاني: ٣/ ١١٣٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٢٤١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥٧): ص ٣/ ٨٩١.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥٨): ص ٣/ ٨٩١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥٦): ص ٣/ ٨٩١.\n(٨) تفسير السعدي: ١٧٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٢٤١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٥٩): ص ٣/ ٨٩١.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٢.\n(١٢) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٨، وتفسير البغوي: ٢/ ١٨١.\n(١٣) التفسسير الميسر: ٧٩.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦٠): ص ٣/ ٨٩١.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(١٦) تفسير الرابغ الأصفهاني: ٣/ ١١٣٨.\n(١٧) تفسير السعدي: ١٧٠.\n(١٨) أخرجه عبدالرزاق (١٦٤٥٥)، وأحمد (٧٧٢٨): ص ٢/ ٢٧٨، وأبو داد (٢٨٦٧)، وابن ماجة (٢٧٠٤)، والترمذي (٢١١٧).","vol":"7","page":64},{"text":"٢ - بيان ثواب طاعة الله ورسوله وهو الخلود في الجنة.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]\nالتفسير:\nومَن يَعْصِ الله ورسوله، بإنكاره لأحكام الله، وتجاوزه ما شرعه الله لعباده بتغييرها، أو تعطيل العمل بها، يدخله نارًا ماكثًا فيها، وله عذاب يخزيه ويهينه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، \" أي: ومن يعص أمر الله وأمر الرسول\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: يجاوز ما حده الله وأمر به\" (٢).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" في قسمة المواريث\" (٣).\nعن عكرمة: قال ابن عباس: \" الضرر في الوصية من الكبائر ثم قرأ: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ \" (٤).\nولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، وجوه:\nأحدها: معناه: ومن يعص الله ورسوله في الوصية. قاله ابن عباس (٥).\nوالثاني: أن المعنى: ومن يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون، كانوا لا يعدون بأن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيبا. وهذا قول سعيد بن جبير (٦). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٧).\nوالثال: أن معناه: من لا يؤمن بالله. قاله ابن جريج (٨). وهو معنى قريب من القول الثاني.\nقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤]، \" أي: يتجاوز ما حدّه الله تعالى في الطاعات\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤]، \" أي: ومن يعص أمر الله وأمر الرسول يتجاوز ما حدّه الله تعالى في الطاعات\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" يعني: من لم يرض بقسم الله وتعدى ما قال\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: يخالف أمره في قسمة المواريث\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]، \" أي: يجعله مخلدًا في نار جهنم لا يخُرج منها أبدًا\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: يخلد فيها بكفره بقسمة المواريث\" (١٤).\nقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿يدخله نارا﴾ بالياء، وقرأ نافع وابن عامر: ﴿ندخله نارا﴾، بالنون (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، \" أي وله عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال\" (١٦).\nقال السمعاني: \" ذكر عقاب من عصاه، وجاوز حدوده\" (١٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: المهين: الهوان\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤٢.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٢٧.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٥٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦١): ص ٣/ ٨٩١ ..\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٦٢): ص ٣/ ٨٩١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٦٣): ص ٣/ ٨٩٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٦٤): ص ٣/ ٨٩٢ ..\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٦٥): ص ٣/ ٨٩٢ ..\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٤٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٤٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦٦): ص ٣/ ٨٩٢.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦٧): ص ٣/ ٨٩٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٤٢.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦٨): ص ٣/ ٨٩٢.\n(١٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢٢٨.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٤٢.\n(١٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٥.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦٩): ص ٣/ ٨٩٢.","vol":"7","page":65},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به وضاد الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم\" (١).\nقال السعدي: \" ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها\" (٢).\nالفوائد:\n١ - بيان جزاء معصية الله ورسوله وهو الخلود في النار والعذاب المهين فيها.\n٢ - ويستفاد أيضا: أن اسم المعصية يدخل فيه الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب.\nومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها (٣).\nالقرآن\n﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]\nالتفسير:\nواللاتي يزنين من نسائكم، فاستشهدوا -أيها الولاة والقضاة- عليهن أربعة رجال عدول من المسلمين، فإن شهدوا عليهن بذلك فاحبسوهن في البيوت حتى تنتهي حياتهن بالموت، أو يجعل الله لهن طريقًا للخلاص من ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، \"أي: اللواتي يزنين من أزواجكم\" (٤).\nقال مجاهد: \" يعني: الزنا\" (٥)، كذا قاله عطاء بن أبي رباح (٦)، وعبد الله بن كثير (٧)، والحسن (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والسدي (١٠).\nقال ابن الجوزي: \" والفاحشة: الزنى في قول الجماعة\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿من نسائكم﴾ يعني: المرأة الثيب من المسلمين\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" والنساء اللاتي يأتين بالزنا، أي يزنين من نسائكم، وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج\" (١٣).\nقال الراغب: \"قوله: ﴿من نسائكم﴾ تنبيه على الحرائر.\nوقيل: تنبيه على المحصنات دون الأبكار.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٢.\n(٢) تفسير السعدي: ١٧٠.\n(٣) انظر: تفسير السعدي: ١٧٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٤٣.\n(٥) تفسير مجاهد: ٢٦٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٨٠٠): ص ٨/ ٧٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٨٠٠): ص ٨/ ٧٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٧١): ص ٣/ ٨٩٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٧١): ص ٣/ ٨٩٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٧١): ص ٣/ ٨٩٣.\n(١١) زاد المسير: ١/ ٣٨١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٧٢): ص ٣/ ٨٩٣.\n(١٣) تفسير مجاهد: ٨/ ٧٤.","vol":"7","page":66},{"text":"وقيل: على المزوجات أبكارا كن أو ثيبات\" (١).\nقال الواحدي: \" وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة\" (٢).\nوفي مصحف عبد الله: ﴿الفاحشة من نسائكم﴾ (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، أي: \" فاطلبوا أن يشهد على اقترافهن الزنا أربعة رجال من المسلمين الأحرار\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وجهان (٦):\nأحدهما: أنه خطاب للأزواج.\nوالثاني: خطاب للحكام.\nقال السمعاني: \" هو خطاب للحكام، يعني: فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وهذه الآية هي الحجة على أن شهود الزنا أربعة\" (٧).\nقال عمر بن الخطاب: \"إنما جعل الله ﷿ الشهود أربعة سترا ستركم به دون فواحشكم\" (٨).\nقال القرطبي: \" ولا بد أن يكون الشهود ذكورا، لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، ولا خلاف فيه بين الأمة. وأن يكونوا عدولا، لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة، وإن كان الحكم على ذمية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، \"أي: فإِن ثبتت بالشهود جريمتهن فاحبسوهن في البيوت إِلى الموت أو يجعل الله لهنَّ مخلصًا بما يشرعه من الأحكام \" (١٠).\nقال ابن عباس: \" فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور: ٢]، فإن كانا محصنين رجُما. فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما\" (١١).\nوقال قتادة: \" كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذّيان بالقول جميعًا، وبحبْس المرأة. ثم جعل الله لهن سبيلا فكان سبيل من أحصن جلدُ مئة ثم رميٌ بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مئة ونفي سنة\" (١٢).\nقال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير: \"السبيل الحدّ، الرجم والجلد\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" أو يجعل الله لهن مخرجًا وطريقًا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة\" (١٤).\nقال مجاهد: \" أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن\" (١٥). وفي روياة أخرى: \" كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٢/ ١١٤٠.\n(٢) التفسير البسيط: ٦/ ٣٨٢.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧١.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٤٣.\n(٥) تفسير مجاهد: ٨/ ٧٤.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٨٢.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٦.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٣٨٢.\n(٩) تفسير القرطبي: ٥/ ٨٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٤٣.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٧٩٧): ص ٨/ ٧٤.\n(١٢) أخرجه الطبري (٨٧٩٨): ص ٨/ ٧٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٨٨٠٠): ص ٨/ ٧٥.\n(١٤) تفسير الطبري: ٨/ ٨٤.\n(١٥) أخرجه الطبري (٨٧٩٥): ص ٨/ ٧٤.\n(١٦) أخرجه الطبري (٨٧٩٦): ص ٨/ ٧٤.","vol":"7","page":67},{"text":"قال السمعاني: \" وكان هذا هو الحكم في ابتداء الإسلام، وأن المرأة إذا زنت حبست في البيت إلى أن تموت. ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم، وهو بيان السبيل المذكور في الآية، والحجة عليه: حديث عبادة: \" خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة (١).\nثم نسخ الجلد في حق الثيب، واستقر أمرها على الرجم\" (٢).\nواختلفوا في إمساكهن في البيوت هل هو حد أو مُوعد بالحد على قولين:\nأحدهما: يعني بالسبيل الحد، وهذا قول مجاهد (٣)، والحكم (٤)، وسفيان (٥)، وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير (٦).\nوالثاني: أنه مُوعد بالحد. (٧).\nواختلفوا في نسخ الجَلْدِ من حد الثيِّب على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه منسوخ، وهو قول الجمهور من التابعين والفقهاء، إذ يروا بأن الثيب الزاني إنما يُرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رَجَمَ ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم (٨).\nوالثاني: أنه ثابت الحكم، يعني الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وبه قال قتادة (٩)، وداود بن علي (١٠)، وهو مذهب الإمام احمد (١١).\nواستدل الإمام أحمد على رأيه بما ورد عن ابن عباس: \"لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ: «لا حبس بعد سورة النساء» (١٢) \" (١٣).\nوالثالث: وذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما. إذ نقل البغوي عن علي ﵁: \"أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، وقال: «جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ\"» (١٤).\nقال السمعاني: \" والأول أصح\" (١٥).\nقال الطبري: \" السبيلُ التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصَنَيْن، الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مئة ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رَجم ولم يجلد\" (١٦).\nقال الماوردي: \"وهذه الآية عامة في البكر والثيب، واخْتُلِفَ في نسخها على حسب اختلافهم فيها هل هو حد أو موعد بالحد، فمن قال: هي حد، جعلها منسوخة بآية النور (١٧)، ومن قال: هي مُوعد بالحد، جعلها ثابتة\" (١٨).\nقال ابن كثير: \" كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت، فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك\" (١٩).\n_________\n(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٤٧٦.، ومسلم في الحدود، باب حد الزنا برقم (١٦٩٠): ٣/ ١٣١٦.\nقال عبادة: \" ثم نسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل العلم\".\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٦.\n(٣) انظر: تفسير مجاهد: ٢٦٩، وتفسير الطبري (٨٧٩٥)، و(٨٧٩٦): ص ٨/ ٧٤.\n(٤) انظر: تفسير ابن المنذر (١٤٧٠): ص ٢/ ٦٠٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن المنذر (١٤٧١): ص ٢/ ٦٠٢.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٨٠٠): ص ٨/ ٧٥.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والنكت والعيون: ١/ ٤٦٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٧٩٨): ص ٨/ ٧٥.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٤.\n(١٢) أخرجه البخاري في الحدود، باب رجم المحصن: ١٢/ ١١٧ ..\n(١٣) المعجم الكبير (١١/ ٣٦٥)، حديث ضعيف فيه ابن لهيعة وأخوه.\n(١٤) تفسير البغوي: ٢/ ١٨١ - ١٨٢.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٦.\n(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ٨٠.\n(١٧) وهو قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\n(١٨) النكت والعيون: ١/ ٤٦٢.\n(١٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٣.","vol":"7","page":68},{"text":"قال البغوي: \" وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما.\nوعند أبي حنيفة ﵁: التغريب أيضا منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل العلم على أنه ثابت، روى نافع عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ﵁ ضرب وغرب، وأن عمر ﵁ ضرب وغرب» (١) \" (٢).\nالفوائد:\n١ - عظم قبح فاحشة الزنى.\n٢ - بيان حد الزنى قبل نسخه بآية سورة النور، وحكم الرسول ﷺ في رجم المحصن والمحصنة.\nالقرآن\n﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦]\nالتفسير\nواللذان يقعان في فاحشة الزنى، فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ، فإن تابا عمَّا وقع منهما وأصلحا بما يقدِّمان من الأعمال الصالحة فاصفحوا عن أذاهما.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، \"أي واللذان يفعلان فاحشة الزنى منكم\" (٣).\nقال السدي: \" ثم ذكر الجواري والفتيان الذين لم ينكحوا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ \" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" وذكر البكرين اللذين لم يحصنا فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾، يعني: الفاحشة وهو الزنا\" (٥)، \" ﴿منكم﴾، يعني من المسلمين\" (٦).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنهما الرجل والمرأة، إلا أنه لم يُقصَد به بكر دون ثيِّب. وهو قول الحسن (٧)، وعطاء (٨)، وعكرمة (٩)، وعبدالله بن كثير (١٠).\nوالثاني: أنهما البكران من الرجال والنساء غير المحصنين، وهما غير اللاتي عُنين بالآية قبلها، في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، معنيٌّ به الثيِّبات المحصنات بالأزواج. وهذا قول السدي (١١).\nوالثالث: أنهما الرجلان الزانيان. قاله مجاهد (١٢).\nوالراجح –والله أعلم- أنه \"عُني به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة، لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم، أو قيل: والذي يأتيها منكم، كما قيل في التي قبلها: واللاتي يأتين الفاحشة، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل: واللتان يأتيان الفاحشة \" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في الحدود، باب ما جاء في النفي: ٤/ ٧١١ - ٧١٢ وقال: حديث غريب، وأخرجه الحاكم: ٤/ ٣٦٩ وصححه على شرط الشيخين، والبيهقي في السنن: ٨/ ٢٢٣، وصححه الألباني في الارواء: ٨/ ١١، وانظر: نصب الراية: ٣/ ٣٣١ ..\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ١٨٢.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٤٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٨٥): ص ٣/ ٨٩٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٨٦): ص ٣/ ٨٩٥.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٨٧): ص ٣/ ٨٩٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٦): ص ٨/ ٨٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٧): ص ٨/ ٨٢، و(٨٨١٨): ص ٨/ ٨٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٦): ص ٨/ ٨٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٨): ص ٨/ ٨٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٢)، و(٨٨١٣): ص ٨/ ٨١ - ٨٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٤)، و(٨٨١٥): ص ٨/ ٨٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٨٣.","vol":"7","page":69},{"text":"وقرأ ابن كثير: ﴿اللذان﴾، ﴿هذان﴾، ﴿هاتين﴾، ﴿فذانك﴾ مشددة النون في جميعها، ووافقه أبو عمرو في: ﴿فذانك﴾، وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عوضا من الحذف الذي لحق الكلمة (١).\nقوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، أي: \" فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: باللسان بالتعيير والكلام القبيح لهما بما عملا، وليس عليهما حبس لأنهما بكران، ولكن يعيرا ليتوبا ويندما\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي بالتوبيخ والتقريع وقيل بالضرب بالنعال أيضا وظاهر أن إجراء هذا الحكم أيضا إنما يكون بعد الثبوت لكن ترك ذكره تعويلا على ما ذكر آنفا\" (٤).\nوفي الأذى المامور به في قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ثلاثة اوجه:\nأحدها: التعيير والتوبيخ باللسان، وهو قول قتادة (٥)، والسدي (٦)، وسعيد بن جبير (٧).\nوالثاني: كان ذلك الأذى، أذًى اللسان، غير أنه كان سبًّا. قاله مجاهد (٨)، واختاره النحاس (٩).\nوالثالث: أنه الأذى باللسان واليد، فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس (١٠).\nوالرابع: أنه مجمل أخذ تفسيره في البكر من آية النور، وفي الثيِّب من السُّنّة. أفاده الماوردي (١١).\nوالصواب –والله أعلم- أن يقال: \": إنّ الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، من قول سيئ باللسان أو فعل، وليس في الآية بيان أيّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة، إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من مُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلا بالحدود التي حكم بها فيهم\" (١٢).\nوإن قيل كيف جاء ترتيب الأذى بعد الحبس؟ ففيه جوابان:\nأحدهما: أن هذه الآية نزلت قبل الأولى، ثم أمر أن توضع في التلاوة بعدها، فكان الأذى أولًا، ثم الحبس، ثم الجلد أو الرجم، وهذا قول الحسن (١٣).\nوالثاني: أن الأذى في البكرين خاصة، والحبس في الثَّيِّبين، وهذا قول السدي (١٤).\nثم اختلف في نسخها على حسب الاختلاف في إجمالها وتفسيرها (١٥)، فقال قوم أن الله سبحانه نسخ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور: ٢]، قوله: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾. وهذا قول ابن عباس (١٦)، والحسن (١٧)، ومجاهد (١٨)، والسدي (١٩)، وقتادة (٢٠)، وعكرمة (٢١)، والضحاك (٢٢)، وابن زيد (٢٣).\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٨٣.\n(٢) التفسير الميسر: ٢٤٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٨٩): ص ٣/ ٨٩٦.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٨١٩): ص ٨/ ٨٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٠): ص ٨/ ٨٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٨٩): ص ٣/ ٨٩٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢١): ص ٨/ ٨٥.\n(٩) انظر: معانيا لقرآن: ٢/ ٤٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٢٢): ص ٨/ ٨٥.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٨٥.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٤.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٤.\n(١٥) النكت والعيون: ١/ ٤٦٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٦): ص ٨/ ٨٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٥): ص ٨/ ٨٦ - ٨٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٣)، و(٨٨٢٤): ص ٨/ ٨٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٧): ص ٨/ ٨٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٩)، و(٨٨٣١): ص ٨/ ٨٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٥): ص ٨/ ٨٦ - ٨٧.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٢٨): ص ٨/ ٨٧.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٠): ص ٨/ ٨٧.","vol":"7","page":70},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، \" أي: فإِن تابا عن الفاحشة وأصلحا سيرتهما فكفّوا عن الإِيذاء لهما\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿فإن تابا﴾ يعني: من الفاحشة\" (٢)، \" ﴿وأصلحا﴾ يعني: العمل\" (٣)، \"فأعرضوا عنهما يعني: لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إن الله كان توابا رحيما فكان هذا يفعل بالبكر والثيب في أول الإسلام، ثم نزل حد الزاني، فصار الحبس والأذى منسوخا نسخته هذه الآية التي في السورة التي يذكر فيها النور: الزانية والزاني الآية\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني تابا من الفاحشة وأصلحا دينهما، ﴿فأعرضوا عنهما﴾ بالصفح والكف عن الأذى\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]، أي: إن الله كان\" مبالغًا في قبول التوبة واسع الرحمة\" (٦).\nقال الطبري: أي: \"إن الله لم يزل راجعًا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته ﴿رحيما﴾ بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿رحيما﴾ بهم بعد التوب\" (٨).\nقال قتادة: \"قوله: ﴿رحيما﴾، بعياده\" (٩).\nقال الواحدي: \" معنى: ﴿التواب﴾، أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه\" (١٠).\nوكان أبو عبيدة يتأول في ﴿كان﴾، في مثل هذا السياق، معنيين: فيما مضى والساعة (١١).\nوقال في موضع آخر: \" «كان» من الأضداد؛ يقال: كان للماضي، وكان للمستقبل، فأما كونها للماضي فلا يحتاج لها إلى شاهد، وأما كونها للمستقبل، فقول الشاعر (١٢):\nفأدركت من قد كان قبلي ولم أدع ... لمن كان بعدي في القصائد مصنعا\nأرادَ لمن يكون بعدي، قال: وتكون كان زائدة، كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، معناه: والله غفور رحيم\" (١٣).\nقال ابن الانباري: \" وقول أبي عبيدة «كان» زائدة في قوله ﵎: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، ليس بصحيح، لأنها لا تلغى مبتدأة ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء: وكائن الله غفورا رحيما، فصلح الماضي في موضع الدائم لأن أفعال الله جل وعز تخالف أفعال العباد، فأفعال العباد تنقطع، ورحمة الله ﷿ لا تنقطع وكذلك مغفرته وعلمه وحكمته (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٠): ص ٣/ ٨٩٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩١): ص ٣/ ٨٩٦\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٢): ص ٣/ ٨٩٦\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٤٦٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٤٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٨٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٤): ص ٣/ ٨٩٦\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٥): ص ٣/ ٨٩٦\n(١٠) التفسير البسيط: ٦/ ٣٨٦.\n(١١) انظر: مجاز القرآن: ٢/ ٧.\n(١٢) ديوان جرير\" ص ٢٦٣، لكن أوله: (وأدركت) بالواو. والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمضي، و(كان) الثانية للاستقبال ..\n(١٣) الاضداد: (٢٨): ص ٦٠.\n(١٤) انظر: معاني القرآن للفراء: ٢/ ٤٠٣، وفيه: \" وربما أدخلت العرب (كان) على الخبر الدائم الذي لا ينقطع. ومنه قول الله في غير موضع ﴿وكان ربك قديرا﴾ ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ فهذا دائم. والمعنى البين أن تدخل (كان) على كل خبر قد كان ثم انقطع كما تقول للرجل: قد كنت موسرا، فمعنى هذا: فأنت الآن معدم\".","vol":"7","page":71},{"text":"وقال غير الفراء: كأن القوم شاهدوا لله مغفرة ورحمة وعلما وحكمة، فقال الله ﷿: وكان الله غفورا رحيما، أي لم يزل الله ﷿ على ما شاهدتم\" (١).\nوذهب سيبويه (٢)، والمبرد (٣)، وابن قتيبة (٤)، إلى أن \"كان\" في مثل هذا صلة في جميع القرآن، وأنشد المبرد للفرزدق (٥):\nفَكيف إذَا رَأَيْتُ دِيارَ قَوْمٍ ... وجِيْرَانٍ لَنا كانُوا كِرامِ\nفألغى كان، وزادت تبيينا لمعنى المضي (٦).\nواعترض ابن الأنباري على هذا القول لأنه لا يلغى \"الكون\" وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل (٧).\nروي عن أبي زرعة قال: \"إن أول شيء كتب: أنا التواب أتوب على من تاب\" (٨).\nالفوائد:\n١ - ويستفاد من هذه الآية والتي قبلها أن الرجال إذا فعلوا الفاحشة يُؤْذَوْن، والنساء يُحْبَسْنَ ويُؤذَيْنَ، فالحبس غايتة الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والصلاح. وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بما شرع الله ورسوله، وهو الرجم للمحصن والمحصنة، وهما الحران البالغان العاقلان، اللذان جامعا في نكاح صحيح، والجلدُ مائة جلدة، وتغريب عام لغيرهما. إن الله كان توابا على عباده التائبين، رحيمًا بهم.\n٢ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: ﴿التواب﴾، و﴿الرحيم﴾؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\nيقول ابن القيم (٩):\n\" وكذلك التواب من أوصافه ... والتوب في أوصافه نوعان\nإذن بتوبة عبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنان\nقال الشيخ الهراس في شرح هذين البيتين: \"وأما التواب؛ فهو الكثير التوب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة ... وتوبته سبحانه على عبده نوعان:\nأحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها عمل الصالحات.\nوالثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإن التوبة النصوح تجب ما قبلها\" (١٠).\nواسم «الرحيم» من أسمائه تعالى، يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].\nالقرآن\n﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) الأضداد: ٦٢.\n(٢) انظر: الكتاب: ٢/ ١٥٣.\n(٣) انظر: المقتضب: ٤/ ١١٦.\n(٤) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٨٧.\n(٥) نسبه المبرد للفرزدق في \"المقتضب\" ٤/ ١١٦، وهو في \"ديوانه\" ٢/ ٢٩٠، وغير منسوب في \"مجاز القران\" ٢/ ٧،١٤٠، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٦١ (كون) ..\n(٦) انظر: \"المقتضب\" ٤/ ١١٦ وما بعدها، والمدارس النحوية: أحمد شوقي: ٧٩.\n(٧) انظر: الأضداد: ٦٢، والتفسير البسيط: ٦/ ٣٨٧. [بتصرف].\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٣): ص ٣/ ٨٩٦\n(٩) نونية ابن القيم: ٢/ ٩٢.\n(١٠) نونية ابن القيم: ٢/ ٩٢.","vol":"7","page":72},{"text":"إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها، وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمِّدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم. وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، أي: \" إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها\" (١).\nقال مجاهد: \" ما أتى من خطأ أو عمد فهو جهالة\" (٢). وفي رواية أخرى: \" من عمل ذنبا سواء من شيخ أو شاب فهو بجهالة\" (٣).\nوقال الربيع: \" هم أهل الإيمان\" (٤).\nقال الراغب: \" تعني: أن قبول التوبة قد أخذ الله على نفسه تفضلا لمن تاب من قريب إذا بدر منه سوء\" (٥).\nقال الزجاج: في معنى قوله: ﴿بجهالة﴾: \" ليس معناه أنهم يعملون السوء وهم جهال، غير مميزين فإن من لا عقل له ولا تمييز لا حد عليه، وإنما معنى بجهالة أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال. فليس ذلك الجهل مسقطا عنهم العذاب. لو كان كذلك لم يعذب أحد ولكنه جهل في الاختيار\" (٦).\nقال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله\" (٧)، فتكون ﴿على﴾ بمعنى \"عند\"، أقامه مقام صفة (٨).\nوقال أبو بكر بن عياش: ﴿على﴾ هاهنا بمعنى «من» يقول: إنما التوبة من الله للذين يعملون السوء بجهالة\" (٩).\nواختلف في المراد بالجهالة على أقوال:\nأحدها: أن كل ذنب أصابه الإِنسان فهو بجهالة، وكل عاص عصى فهو جاهل، وهو قول ابن عباس (١٠)، وأبي العالية (١١)، وقتادة (١٢)، والسدي (١٣)، وابن زيد (١٤)، ومجاهد- في أحد قوليه- (١٥)، واختاره الشافعي (١٦).\nقال الثعلبي: \" وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته\" (١٧).\nوالثاني: يريد يعملون ذلك عمدًا، والجهالة العمد، وهو قول مجاهد (١٨)، وعطاء (١٩)، والضحاك (٢٠).\nوالثالث: الجهالة عمل السوء في الدنيا، وهو قول عكرمة (٢١).\nوالرابع: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. قاله أبو موسى الأشعري (٢٢).\nوالراجح-والله أعلم- أن المعنى: أنهم \" يعملون السوء بجهالة وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١/ ٢٤٣.\n(٢) تفسير سفيان الثوري: ٩٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٩٦): ص ٣/ ٨٩٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٩٧): ص ٣/ ٨٩٧.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٤٥.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٣.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٣.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٧): ص ٨/ ٩٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٢): ص ٨/ ٨٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٣): ص ٨/ ٨٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٦): ص ٨/ ٨٩ - ٩٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٩): ص ٨/ ٩٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٨٣٤): ص ٨/ ٨٨.\n(١٦) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٥٧.\n(١٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٣.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٠٠): ص ٣/ ٨٩٧.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٠٠): ص ٣/ ٨٩٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٢): ص ٨/ ٩١، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٩٩٨): ص ٣/ ٨٩٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٣): ص ٨/ ٩١، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٠٠٣): ص ٣/ ٨٩٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٣.","vol":"7","page":73},{"text":"جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم: أتاه بجهالة، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به، لا أنه كان جاهلا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، أي: \" ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت\" (٢).\nقال السمعاني: \" يعني: قبل الموت\" (٣).\nقال الزجاج: أي: \" يتوقفون قبل الموت، لأن ما بين الإنسان وبين الموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت\" (٤).\nقال السيوطي: \" الآيتين (٥)، فيه بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة وهو ما لم يصل الإنسان إلى الغرغرة ومشاهدة ملائكة الموت والعذاب فإذا وصل إلى ذلك لم تقبل له توبة ولا يصح منه إيمان\" (٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: ثم يتوبون في صحتهم قبل موتهم، وقبل مرضهم، وهذا قول ابن عباس (٧)، والسدي (٨)، وروي عن قتادة نحوه (٩).\nوالثاني: قبل معاينة مَلَكِ الموت، وهو قول الضحاك (١٠)، وأبي مجلز (١١)، ومحمد بن قيس (١٢)، الحسن (١٣)، وابن عباس في رواية أخرى عنه (١٤).\nوالثالث: معناه: ثم يتوبون قبل الموت، وهو قول ابن زيد (١٥)، والضحاك في رواية أخرى (١٦)، وعكرمة الذي روي عنه: \"الدنيا كلها قريب\" (١٧)، ومقاتل (١٨)، واختاره الزجاج (١٩).\nوالراجح أن يقال في التفسير: أنهم\" ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا\" (٢٠).\nروي عن أبي قلابة قال: \"ذُكر لنا أن إبليس لما لُعن وأُنظر، قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال ﵎: وعزتي لا أمنعه التَّوبة ما دام فيه الروح\" (٢١).\nوروي، عن الحسن قال: \"بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن إبليس لما رأى آدم أجْوفَ قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح! فقال الله ﵎: وعزتي لا أحُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح\" (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٩٢.\n(٢) التفسير الميسر: ١/ ٢٤٣.\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٤٠٨.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٢٩.\n(٥) أي: [١٧ و١٨: سورة النساء] ..\n(٦) الإكليل في استنباط التنزيل: ٨٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٥): ص ٨/ ٩٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٤): ص ٨/ ٩٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٠٨): ص ٣/ ٨٩٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٩): ص ٨/ ٩٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٧): ص ٨/ ٩٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٨): ص ٨/ ٩٣.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٠٠٩): ص ٣/ ٨٩٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٨٤٦): ص ٨/ ٩٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٨٥٢): ص ٨/ ٩٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٨٥٠): ص ٨/ ٩٤.\n(١٧) أخرجه الطبري (٨٨٥١): ص ٨/ ٩٤.\n(١٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٣.\n(١٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٩.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٨/ ٩٦ - ٩٧.\n(٢١) أخرجه الطبري (٨٨٥٣): ص ٨/ ٩٥.\n(٢٢) أخرجه الطبري (٨٨٥٦): ص ٨/ ٩٥.","vol":"7","page":74},{"text":"وعن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر\" (١).\nقال إبراهيم بن ميمون، أخبرني رجل من بلحارث يقال له أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمرو: \"من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾، فقال: إنما أحدثك بما سمعت من رسول الله ﷺ\" (٢).\nوقال محمد بن عبد الجبار: \"يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت\" (٣).\nقال الراغب: \" وقال بعضهم: نبه بقوله: (ثم يتوبون من قريب) على لطيفة، وهي أن الإنسان إذا ارتكب ذنبا صدأ قلبه، فإن أقلع زال صدأه، وإن استمر رين على قلبه، وإن لم ينزع طبع عليه وأقفل، ثم يتعذر عليه الرجوع، وعلى ذلك نبه بقوله في قصة المنافقين ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فإذا كان كذلك فحق لمن بدرت منه بادرة أن يتداركها قبل أن تصير الشهوة مستولية عليه، فتأبى الطباع على الناقل\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]، أي: \"فأولئك يتقبل الله توبتهم\" (٥).\nقال الواحدي: أي: \" يعود عليهم بالرحمة\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب يتوب الله عليهم، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول: إني تبت الآن، خداعًا لربه، ونفاقًا في دينه، ومعنى قوله: يتوب الله عليهم، يرزقهم إنابة إلى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]، أي: \" وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ولم يزل الله جل ثناؤه عليما بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه حكيمًا، في توبته على من تاب منهم من معصيته، وفي غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخل أفعاله خلل، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل\" (٩).\nقال الواحدي: \" علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فُواق ناقة\" (١٠).\nعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: \"أتاه رجل فقال: يا أبا عباس: سمعت الله يقول: وكان الله كأنه شيء كان، فقال ابن عباس: أما قوله: وكان الله فإنه لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن\" (١١).\nوعن أبي مالك قوله: ﴿وكان الله﴾، فهو كذلك\" (١٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿عليما﴾، أي: عليم بما تخفون، ﴿الحكيم﴾، في عذره وحجته إلى عباده\" (١٣).\nقال التستري: \" التائب يتقي المعصية ويلزم الطاعة، والمطيع يتقي الرياء ويلزم الذكر، والذاكر يتقي العجب ويلزم نفسه التقصير، وحكي: «أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ أن أنين المذنبين أحب إلي من صراخ الصديقين» (١٤) \" (١٥).\nوفي نسخ قوله تعالى:: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، قولان:\nأحدهما: أنها عامة محكمة، وقد احتج من قال إنها محكمة عامة غير منسوخة بما روي عن النبي ﷺ: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١٦)،\nقال مكي: \"فالغرغرة عند حضور الموت ومعاينة الرسل لقبض الروح فعند ذلك لا تقبل التوبة\" (١٧).\nوالثاني: أنها منسوخة، وفيه وجهان:\nأحدهما: أن هذه الآية منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].\nقالوا: فقد احتجز التوبة في هذه الآية على أهل المعصية، فقال ﷿: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨].\nقالوا ثم نسخت في أهل الشرك، أي: نسختها هذه الآية، وبقيت محكمة في أهل الإيمان.\nوالقول الثاني: أنه نسخت هذه الآية، وهي قوله ﷿: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فحرم الله تعالى مغفرته على من مات وهو مشرك، - ورد أهل التوحيد إلى مشيئته -.\nروي عن ابن عباس: \" ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ [النساء: ١٨] الآية، ثم أنزل بعد ذلك: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] «فحرم الله ﷿ المغفرة على من مات وهو كافر وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة» (١٨).\nوروي عن ابن عباس أيضا \"في قول الله ﷿: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨] قال: «هم أهل الشرك» (١٩).\nوذكر النسخ هبة الله في ناسخه (٢٠)، ومكي بن أبي طالب في ناسخه، ثم قال: \" \"وهذا قول ينسب إلى ابن عباس\" (٢١).\nقال السخاوي: \"وهذا كله تخليط من قائله، ولا نسخ في هذه الآيات؛ لأنها أخبار جاءت تبين بعضها\" (٢٢).\nقال ابن الجوزي: \"إنه من أسلم عن كفر قبل معاينة ملك الموت قَبِل إسلامه، وهذا أمر ثابت محكم، وقد زعم بعض من لا فهم له: أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، وهذا ليس بشيء، فإن حكم الفريقين واحد\" (٢٣).\nوالراجح أنها محكمة عامة، وهذا الذي استدلوا به على إحكام الآية صحيح رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم، قال الهيثمي عن هذا الحديث: \"رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن وهو ثقة\" (٢٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٨٥٧): ص ٨/ ٩٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٠٤): ص ٣/ ٨٩٨، وأحمد في المسند (٦٩٢٠).\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٤.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٤٨.\n(٥) التفسير الميسر: ١/ ٢٤٣.\n(٦) الوجيز: ٢٥٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٩٧ - ٩٨.\n(٨) التفسير الميسر: ١/ ٢٤٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٩٨.\n(١٠) الوجيز: ٢٥٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١١): ص ٣/ ٨٩٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٢): ص ٣/ ٨٩٩.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٣): ص ٣/ ٩٠٠.\n(١٤) شعب الإيمان (٧٢٥١): ص ٥/ ٤٥٢.\n(١٥) تفسير التستري: ٥٣.\n(١٦) أخرجه أحمد (٢/ ١٥٣، رقم ٦٤٠٨)، والترمذى (٥/ ٥٤٧، رقم ٣٥٣٧) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (٢/ ١٤٢٠، رقم ٤٢٥٣)، وابن حبان (٢/ ٣٩٤، رقم ٦٢٨)، والحاكم (٤/ ٢٨٦، رقم ٧٦٥٩) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقى فى شعب الإيمان (٥/ ٣٩٥، رقم ٧٠٦٣). وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (ص ٢٦٧، رقم ٨٤٧)، وأبو يعلى (١٠/ ٨١، رقم ٥٧١٧)، والبغوى فى الجعديات (١/ ٤٨٩، رقم ٣٤٠٤).\n(١٧) الناسخ والمنسوخ: ١٨٣.\n(١٨) الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٤٧٩): ص ٢٦٢.\n(١٩) الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٤٧٨): ص ٢٦٢.\n(٢٠) الناسخ والمنسوخ: ٣٤ - ٣٥.\n(٢١) الناسخ والمنسوخ: ١٨٣.\n(٢٢) جمال القراء وكمال الإقراء: ٣٧٠.\n(٢٣) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٥٩.\n(٢٤) المجمع: ١٠/ ١٩٧.","vol":"7","page":75},{"text":"الفوائد:\n١ - التوبة التي تفضل الله بها هي ما كان صاحبها أتى ما أتى من الذنوب بجهالة لا بعلم وإصرار ثم تاب من قريب زمن.\n٢ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و«الحكيم»:\nفمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١).\nقال أبو سليمان: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم\" (٢).\nوأما «الحكيم»، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.\nوحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النحل آية ٨٨].\nفدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، \"الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] \" (٣).\nالقرآن\n﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨]\nالتفسير:\nوليس قَبول التوبة للذين يُصِرُّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، فيقول أحدهم: إني تبت الآن، كما لا تُقبل توبة الذين يموتون وهم جاحدون، منكرون لوحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ. أولئك المصرُّون على المعاصي إلى أن ماتوا، والجاحدون الذين يموتون وهم كفار، أعتدنا لهم عذابًا موجعًا.\nقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، \" أي: وليس قبول التوبة ممن ارتكب المعاصي واستمر عليها حتى إِذا فاجأه الموت فيقول: إني تبت الآن\" (٤).\nقال الواحدي: \" أَي: المشركين والمنافقين\" (٥).\nقال مقاتل: \" فلا توبة له عند الموت\" (٦).\nقال أبو العالية: \" هذا في أهل النفاق\" (٧).\nوقال إسماعيل بن محمد بن جحادة: \"سألت سفيان الثوري عن قوله: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات قال: الشرك\" (٨)، قوله: \" ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾، قال: إذا عاين\" (٩).\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٢) الاسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.\n(٣) شأن الدعاء، للخطابي: ٧٣ - ٧٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٤٣. [بتصرف].\n(٥) الوجيز: ٢٥٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ٣٦٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٥): ص ٣/ ٩٠٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٦): ص ٣/ ٩٠٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٨): ص ٣/ ٩٠٠.","vol":"7","page":76},{"text":"وقال ابن عمر: \" التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق، ثم قرأ ابن عمر: ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾، قال: ثم يقول: وهل الحضور إلا السوق\" (١).\nعن عبد الله حتى: \" ﴿إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾، قال: لا يقبل ذاك منه\" (٢).\nقال ابن كثير: \" فأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحَشْرَجَتِ الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وَغَرْغَرَتِ النفس صاعدة في الغَلاصِم - فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص؛ ولهذا قال تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] (٦)﴾ الآيتين، [غافر: ٨٤، ٨٥] وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] \" (٣).\nقال الثعلبي: \" ﴿السيئات﴾، يعني: المعاصي، ووقت النزع لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته\" (٤).\nقال الراغب: \" و﴿السيئات﴾ ههنا، عبارة عن الشرك والكبائر. و«حضور الموت»: معاينة ملك الموت. بين تعالى أن التوبة تفوت إذا أخرت إلى ذلك، ولذلك لم ينفع إيمان من آمن عند رؤية العذاب، حيث قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)، وقال: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت) الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] الآية\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، أي: ولا الذين \" يموتون على الكفر فلا يُقبل إِيمانهم عند الاحتضار\" (٦).\nقال أبو العالية: \" هذا في أهل الشرك\" (٧). وروي عن ابن عباس (٨)، والربيع بن أنس نحو ذلك (٩).\nقال الواحدي: \" يعني: ولا توبة لهؤلاء إذا ماتوا على كفرهم لأنَّ التَّوبة لَا تُقبل فِي الآخرة\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض ذهبا\" (١١).\nعن ابي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل تَوْبَةَ عَبْدِه - أو يغفر لعبده - ما لم يَقَعِ الحِجَاب\". قيل: وما وُقُوع الحجاب؟ قال: \"أن تَخرجَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكة\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، أي: أولئك \"هيأنا لهم عذابًا موجعًا\" (١٣).\nعن ابن عباس في قوله: ﴿عذابا﴾، يقول: نكالا\" (١٤)، \" ﴿أليما﴾ قال: كل شيء وجع\" (١٥).\nقال أبو العالية: \" الأليم: الموجع في القرآن كله\" (١٦). وروي عن سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبي مالك وأبي عمران الجوني ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٧): ص ٣/ ٩٠٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠١٩): ص ٣/ ٩٠١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٨.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥. [بتصرف بسيط].\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٤٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٤٣. [بتصرف].\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢١): ص ٣/ ٩٠١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٢١): ص ٣/ ٩٠١، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٤٧٨): ص ٢٦٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٢١): ص ٣/ ٩٠١.\n(١٠) الوجيز: ٢٥٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٨.\n(١٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ١٧٤.\n(١٣) انظر: التفسير الميسر: ٨٠، وصفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٢): ص ٣/ ٩٠١.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٣): ص ٣/ ٩٠١.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٤): ص ٣/ ٩٠١.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٢٤): ص ٣/ ٩٠١.","vol":"7","page":78},{"text":"قال الواحدي: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ \" أَيْ: هيَّأنا وأعددنا\" (١).\nقال ابن كثير: ﴿أَلِيمًا﴾ \" أي: موجعا شديدا مقيما\" (٢).\nقال الراغب: \" أعتدنا. قيل: أصله: أعددنا، فأبدل من إحدى الدالين تاء. وقيل: هو أفعلنا من العتاد أي العدة، وهو ادخار الشيء قبل الحاجة إليه، والله تعالى غني عن الإعداد، وإنما القصد أنه لا يعجزه عذابهم حيث شاء\" (٣).\nالفوائد:\n١ - أن الذين يسوفون التوبة ويؤخرونها يخشى عليهم أن لا يتوبوا حتى يدركهم الموت وهم على ذلك فيكونون من أهل النار، وقد يتوب أحدهما، لكن بندرة وقلة وتقبل توبته إذا لم يعاين أمارات الموت.\n٢ - لا تقبل توبة من حشرجت نفسه وظهرت عليه علامات الموت، وكذا الكافر من باب أولى لا تقبل له توبة بالإيمان إذا عاين علامات الموت كما لم تقبل توبة فرعون.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا لا يجوز لكم أن تجعلوا نساء آبائكم من جملة تَرِكتهم، تتصرفون فيهن بالزواج منهن، أو المنع لهن، أو تزويجهن للآخرين، وهن كارهات لذلك كله، ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن; ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه، إلا أن يرتكبن أمرا فاحشا كالزنى، فلكم حيننذ إمساكهن حتى تأخذوا ما أعطيتموهن. ولتكن مصاحبتكم لنسائكم مبنية على التكريم والمحبة، وأداء ما لهن من حقوق. فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا; فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٤)، عن ابن عباس قال: \"كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها\" (٥).\nوعن ابن عباس أيضا: \" وذلك أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ \" (٦).\nوفي السياق نفسه أخرج البخاري، وأبو داود (٧)، والستائي (٨)، عن ابن عباس: \" «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك» (٩).\nوقال مقسم: \" كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحق الناس بها، فنزلت هذه الآية: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ \" (١٠).\nوقال مجاهد: \"كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته» يقول فنزلت: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ \" (١١).\n_________\n(١) الوجيز: ٢٥٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٨.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٤٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٢٨): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٥) تفسير الطبري (٨٨٨٢): ص ٨/ ١٠٩.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٨٨٠): ص ٨/ ١٠٨.\n(٧) السنن (٢٠٨٩)، و(٢٠٩٠).\n(٨) السنن الكبرى (١١٠٢٨): ص ١٠/ ٦٠.\n(٩) صحيح البخاري (٤٥٧٩): ص ٦/ ٤٤، و(٦٩٤٨): ص ٩/ ٢١.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٨٨١): ص ٨/ ١٠٨.\n(١١) تفسير مجاهد: ٢٧٠.","vol":"7","page":79},{"text":"وقال الزهري: \" نزلت في ناس من الأنصار، كانوا إذا مات الرجل منهم، فأمْلَكُ الناس بامرأته وليُّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم\" (١).\nوالثاني: أخرجج أبو داود عن ابن عباس: \" وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك ونهى عن ذلك\" (٢).\nوالثالث: أخرج الطبري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: \"لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ \" (٣).\nقال عكرمة: \" نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم، من الأوس، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تُركت فأنكح! فنزلت هذه الآية\" (٤).\nوقال مقاتل: \" نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج، وفي امرأته هند بنت صبرة، وفي الأسود ابن خلف الجزاعى، وفي امرأته حبيبة بنت أبي طلحة، وفي منظور بن يسار الفزاري وفى امرأته ملكة بنت خارجة بن يسار المري، تزوجوا نساء آبائهم بعد الموت وكان الرجل من الأنصار إذا مات له حميم عمد الذي يرث الميت وألقى على امرأة الميت ثوبا فيرث تزويجها رضيت أو كرهت على مثل مهر الميت فأن ذهب المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبا فهي أحق بنفسها فأتين النبيﷺ- فقلن: يا رسول الله، ما يدخل بنا، ولا ينفق علينا، لا نترك أن نتزوج. فأنزل الله﷿- في هؤلاء النفر: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٩]، \" أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٦).\nقال الصابوني: \" هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه\" (٧).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٨).\nوعن خيثمة قال: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٩).\nكما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (١٠).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، \"أي: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء كالمتاع ينتقل بالإِرث من إِنسان إِلى آخر وترثوهن بعد موت أزواجهن كرهًا عنهن\" (١٢).\nقال زيد بن أسلم: \" كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك\" (١٣).\nقال ابن قتيبة: \" كان الرجل إذا مات عن امرأته وله ولد من غيرها، ألقى ثوبه عليها فيتزوجها بغير مهر إلا المهر الأول. ثم أضر بها ليرثها ما ورثت من أبيه. وكذلك كان يفعل الوارث أيضا غير الولد.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٨٨٣): ص ٨/ ١٠٩.\n(٢) سنن أبي داود (٢٠٩٠): ص ٢/ ٢٣١. حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.\n(٣) تفسير الطبري (٨٨٧٠): ص ٨/ ١٠٤.\n(٤) تفسير الطبري (٨٨٧٢): ص ٨/ ١٠٦.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٤.\n(٦) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٣٣): ص ٣/ ٩٠٣.","vol":"7","page":80},{"text":"و«الكره» هاهنا بمعنى: الإكراه والقهر. فأما الكره بالضم فبمعنى المشقة. يقول الناس: لتفعلن ذلك طوعا أو كرها. أي طائعا أو مكرها. ولا يقال: طوعا أو كرها بالضم\" (١).\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿كرها﴾ بفتح الكاف، وقرأ حمزة والكسائي ﴿كرها﴾ بضم الكاف، وقرأ في الأحقاف ﴿كرها﴾ و(كرها) مضمومتين (٢).\nقال ابن ذكوان وفي حفظي ﴿كرها﴾ بفتح الكاف في الحرفين\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، أي: \" ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن; ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه\" (٣).\nقال الطبري: \" أي ولا تحبسوا، يا معشر ورثة من مات من الرجال، أزواجَهم عن نكاح من أردنَ نكاحه من الرجال، كيما يمتن، فتأخذوا من أموالهن إذا مِتن ما كان موتاكم الذين ورثتموهم ساقوا إليهن من صدقاتهن\" (٤).\nقال الصابوني: \"أي: ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج أو تضفوا عليهن لتذهبوا ببعض ما دفعتموه لهن من الصَّداق\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: لا تُضارّوهن في العِشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، أربعة أقوال:\nأحدها: أنه خطاب لورثة الأزواج أن لا يمنعوهن من التزويج كما ذكرنا، وهذا قول ابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وعكرمة (٩).\nوالثاني: أنه خطاب للأزواج أن لا يعضلوا نساءهم بعد الطلاق، كما كانت قريش تفعل في الجاهلية،، فنهوا عنه في الإسلام. وهو قول ابن زيد (١٠).\nوالثالث: أنه خطاب للأزواج أن لا يحبسوا النساء كرهًا ليفتدين نفوسهن أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج، وهذا قول قتادة (١١)، والضحاك (١٢)، والسدي (١٣)، وابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (١٤).\nوالرابع: أنه خطاب للأولياء وهذا قول مجاهد (١٥).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، \" أي: إِلا في حال إِتيانهن بفاحشة الزنا\" (١٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: أنها الزنا، وهو قول الحسن (١٧)، وعطاء الخراساني (١٨)، وأبي قلابة (١٩)، والسدي (٢٠)، قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب والشعبي وعكرمة في إحدى الروايات، والضحاك في\n_________\n(١) تفسير غريب القرآن: ١٢٢.\n(٢) انظر: السبعة: ٢٢٩.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ١١٠ - ١١١.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤١.\n(٧) انظر: سنن أبي داود (٢٠٩٠): ص ٢/ ٢٣١، وصحيح البخاري (٤٥٧٩): ص ٦/ ٤٤، و(٦٩٤٨): ص ٩/ ٢١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٨٧١): ص ٨/ ١٠٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٨٧١): ص ٨/ ١٠٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٢): ص ٨/ ١١٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٨٨٥): ص ٨/ ١١١ - ١١٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٨٩): ص ٨/ ١١٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٨٨٨): ص ٨/ ١١٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٨٨٤): ص ٨/ ١١١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٠): ص ٨/ ١١٢.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٣): ص ٨/ ١١٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٤): ص ٨/ ١١٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٥): ص ٨/ ١١٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٧): ص ٨/ ١١٦.","vol":"7","page":81},{"text":"إحدى الروايات، وسعيد بن جبير ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وأبي صالح، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال نحو ذلك\" (١).\nوالثاني: أنها النشوز وسوء الخلق، وهو قول ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، ومقسم (٤)، والضحاك (٥)، وقتادة (٦)، وعطاء بن ابي رباح (٧)، ومقاتل بن حيان (٨).\nوالثالث: أن الفاحشة المبينة: أن تفحش المرأة على أهل الرجل وتؤذيهم. قاله ابن عباس في إحدى الروايات (٩)، وروي عن أبي بن كعب، وأحد قولي عكرمة نحو ذلك (١٠).\nوالراجح-والله أعلم- \" أنه معنىٌّ به كل فاحشة: من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة\" (١١).\nقال الشافعي: \" حرّم على الأزواج، أن يعضلوا النساء ليذهبوا ببعض ما أوتين، واستثنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وإذا أتين بفاحشة مبينة وهي: الزنا، فأعطين ببعض ما أوتين ليفارقن، حلَّ ذلك إن شاء اللَّه تعالى، ولم تكن معصيتهن الزوجَ فيما يجب له بغير فاحشة، أولى أن نحل ما أعطين، من أن يعصين اللَّه والزوج بالزنا\" (١٢).\nوقرا ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ﴿بفحشة مبينة﴾، بفتح الياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والمفضل عن عاصم ﴿بفحشة مبينة﴾، كسرا (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، \"أي: صاحبوهن بما أمركم الله به من طيب القول والمعاملة بالإِحسان\" (١٤).\nقال السدي: \" فيقول: خالطوهن\" (١٥).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: صحبتهن بالمعروف\" (١٦).\nقال ابن قتيبة: \" أي: صاحبوهن مصاحبة جميلة\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" أي: طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال رسول الله ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي» (١٨)، وكان من أخلاقه ﷺ أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك. قالت: سَابَقَنِي رسولُ الله ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وذلك قبل\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٣٨): ص ٣/ ٩٠٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٩): ص ٨/ ١١٦، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٠٣٨): ص ٣/ ٩٠٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٤٠): ص ٣/ ٩٠٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٩٠٠): ص ٨/ ١١٦ - ١١٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٠١): ص ٨/ ١١٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٠٢): ص ٨/ ١١٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٨٩٠٣): ص ٨/ ١١٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٣٩): ص ٣/ ٩٠٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٣٩): ص ٣/ ٩٠٤.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٣٩): ص ٣/ ٩٠٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ١١٨.\n(١٢) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٥٧.\n(١٣) انظر: السبعة: ٢٣٠.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٤١): ص ٣/ ٩٠٤.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٤٢): ص ٣/ ٩٠٤.\n(١٧) تفسير غريب القرآن: ١٢٢.\n(١٨) جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) \"موارد\" من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن عطاء عن ابن عباس.\nوقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١١٧): \"هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.\nوجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.","vol":"7","page":82},{"text":"أن أحملَ اللحم، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال: «هذِهِ بتلْك» (١)، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يُؤانسهم بذلك ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، أي: \" فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا; فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهن على كُره منكم لهن خيرًا كثيرًا، من ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن\" (٤).\nقال مجاهد: \"، يقول، فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرًا كثيرًا\" (٥).\nوعن السدي في قوله: \" ﴿ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا﴾، قال: الولد\" (٦).\nوقال مقاتل بن حيان: \" فيطلقها فتتزوج من بعده رجلا، فيجعل الله له منها ولدا\" (٧).\nوقال ابن عباس: \" والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا\" (٨).\nوقال ابن عباس: \" عسى من الله واجب\" (٩).\nوفي عود الضمير\"الهاء\" في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، ثلاثة اوجه:\nأحدها: أنه راجع للولد، والمعنى: ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وهذا قول ابن عباس (١٠).\nوالثاني: أنه راجع إلى \"الكراهة\"، والمعنى: فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرا. وهذا قول مجاهد (١١).\nوالثالث: أنه راجع إلى التزويج، والمعنى: ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا. موهذا قول مقاتل بن حيان (١٢).\nالفوائد:\n١ - إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه.\n٢ - جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل إن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها؛ كالزنى أو النشوز.\n٣ - الترغيب في الصبر.\nالقرآن\n﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]\nالتفسير:\nوإن أردتم استبدال زوجة مكان أخرى، وكنتم قد أعطيتم مَن تريدون طلاقها مالا كثيرًا مهرًا لها، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا، أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟\n_________\n(١) رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤٢.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ١٢٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٩٠٨): ص ٨/ ١٢٢.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٩٠٩): ص ٨/ ١٢٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٤٣): ص ٣/ ٩٠٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٩١١): ص ٨/ ١٢٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٤٤): ص ٣/ ٩٠٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٤٥): ص ٣/ ٩٠٥.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٤٦): ص ٣/ ٩٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٤٧): ص ٣/ ٩٠٥.","vol":"7","page":83},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]، \"أي: وإِن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها\" (١).\nقال ابن عباس: \" إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها، فطلقت هذه وتزوجت تلك\" (٢). وروي عن مجاهد ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، \"أي: والحال أنكم كنتم قد دفعتم مهرًا كبيرًا يبلغ قنطارًا\" (٤).\nقال ابن عباس: \" فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا\" (٥).\nوفي \"القنطار\" أقوال:\nأحدها: «القنطار مثل التل العظيم» (٦). قاله الرسولﷺ-.\nوالثاني: «يعني: ألفا دينار» (٧).قاله الرسولﷺ- في رواية أنس.\nوالثالث: «القنطار ألف دينار» (٨).قاله الرسولﷺ- في رواية أخرى.\nوالرابع: أن القنطار: ألف ومائتا أوقية. قاله معاذ (٩)، وروي عن أبي الدرداء وأبى هريرة نحو ذلك (١٠).\nوالخامس: أن القنطار: ثمانون ألفا. قاله سعيد بن المسيب (١١).\nوالسادس: أن القنطار ملء مسك ثور ذهبا- (١٢).\nوالسابع: أن القنطار سبعون ألفا. قاله ابن عمر (١٣).وروي عن سعيد بن المسيب في إحدى قوليه، ومجاهد وطاوس مثل ذلك (١٤).\nوالثامن: أن القنطار: ألف ومائتا دينار. قاله الحسن (١٥).\nوالتاسع: أن القنطار مائة رطل، وهذا قول أبي صالح (١٦)، وروي عن عمرو الشعبي والسدي، وقتادة نحو ذلك (١٧).\nوالعاشر: أن من العرب من يقول: القنطار: ألف دينار، ومنهم من يقول، اثنا عشر ألفا. قاله الضحاك (١٨)، قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن الحسن في إحدى الروايات أنه قال: اثنا عشر ألفا\" (١٩).\nالحادي عشر: أن القنطار: خمسة عشر ألفا مثقال، والمثقال: أربعة وعشرون قيراطا، أصغرها مثل أحد، وأكبرها ما بين السماء إلى الأرض. وهذا قول أبي جعفر (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، \"أي: فلا تأخذوا ولو قليلًا من ذلك المهر\" (٢١).\nقال مجاهد: \" فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر\" (٢٢).\nقال الماوردي: \" يعني: أنهن قد ملكن الصداق، وليس مِلْكُهُنَّ للصداق موقوفًا على التمسك بهن، بل ذلك لهن مع إمساكهن، وفراقهن\" (٢٣).\nقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، أي: \" أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟ \" (٢٤).\nقال مجاهد: \" ﴿بُهْتَانًا﴾: إثما \" (٢٥).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿مُبِينًا﴾: يعني: البيّن \" (٢٦).\nقال الصابوني: \"أي: أتأخذونه باطلًا وظلمًا؟ \" (٢٧).\nقال الماوردي: \" وإنما منع من ذلك مع الاستبدال بهن وإن كان ممنوعًا منه وإن لم يستبدل بهن أيضًا لِئَلا يتوهم متوهم أنه يجور مع استبدال غيرها بها أن يأخذ ما دفعه إليها ليدفعه إلى من استبدل بها منه وإن كان ذلك عمومًا\" (٢٨).\nالفوائد:\n١ - تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطارًا فلا يحل أن يأخذ منه فلسًا فضلًا عن دينار أو درهم (٢٩).\n٢ - جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار غير أن التيسير فيه أكثر بركة.\nقال الشيخ السعدي: \" في هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداء بالنبي ﷺ في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، لكن قد ينهي عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم\" (٣٠).\nالقرآن\n﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢١]\nالتفسير:\nوكيف يحلُّ لكم أن تأخذوا ما أعطيتموهن من مهر، وقد استمتع كل منكما بالآخر بالجماع، وأخَذْنَ منكم ميثاقًا غليظًا من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان؟\nقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، \" أي: كيف يباح لكم أخذه وقد استمعتم بهن بالمعاشرة الزوجية؟ \" (٣١).\nقال الطبري: أي: \" وعلى أي وجه تأخذون من نسائكم ما آتيتموهن من صدقاتهن، إذا أردتم طلاقهن واستبدال غيرهن بهن أزواجًا وقد تباشرتم وتلامستم\" (٣٢).\nقال القاسمي: \" قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل التعجب. أي: بأي وجه تستحلون المهر وقد أفضى أي وصل بعضكم إلى بعض فأخذ عوضه \" (٣٣).\nقال ابن عباس: \" الإفضاء المباشرة، ولكنّ الله كريم يَكْني عما يشاء\" (٣٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٠٥٠): ص ٣/ ٩٠٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٠٥١): ص ٣/ ٩٠٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٠٥٠): ص ٣/ ٩٠٥.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٥٢): ص ٣/ ٩٠٦ - وتمام الحديث: \" عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ الخمسين آية في ليلة أصبح له قنطارا من الأجر، والقنطار مثل التل العظيم» \".\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٥٣): ص ٣/ ٩٠٦ - وتمام الحديث: \" عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: في قول الله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾: يعني: «ألفا دينار» \".\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٥٤): ص ٣/ ٩٠٦ - وتمام الحديث: \" عن أنس بن مالك قال: \"قال رسول الله ﷺ: «القنطار ألف دينار» \".\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٥): ص ٣/ ٩٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٥): ص ٣/ ٩٠٦.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٦): ص ٣/ ٩٠٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٧): ص ٣/ ٩٠٧. قال ابن أبي حاتم: \"ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد مرفوعا، الموقوف أصح\".\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٨): ص ٣/ ٩٠٧.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٨): ص ٣/ ٩٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٥٨): ص ٣/ ٩٠٧.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦٠): ص ٣/ ٩٠٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦٠): ص ٣/ ٩٠٧.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦١): ص ٣/ ٩٠٧.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦١): ص ٣/ ٩٠٧.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦٢): ص ٣/ ٩٠٧.\n(٢١) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٢٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٦٣): ص ٣/ ٩٠٨.\n(٢٣) النكت والعيون: ١/ ٤٦٦.\n(٢٤) التفسير الميسر: ٨١.\n(٢٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٦٤): ص ٣/ ٩٠٨.\n(٢٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٦٥): ص ٣/ ٩٠٨.\n(٢٧) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٢٨) النكت والعيون: ١/ ٤٦٧.\n(٢٩) انظر: ايسر التفاسير للجزائري: ١/ ٤٥٤.\n(٣٠) تفسير السعدي: ١٧٢.\n(٣١) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٣٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٢٥.\n(٣٣) محاسن التأويل: ٣/ ٥٧.\n(٣٤) أخرجه الطبري (٨٩١٤): ص ٨/ ١٢٦.","vol":"7","page":84},{"text":"عن مجاهد: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾، قال: مجامعة النساء\" (١). وروي عن السدي مثله (٢).\nقال الزجاج: \" الإفضاء أصله الغشيان، وقال بعضهم إذا خلا فقد أفضى، غشي أو لم\" (٣).\nوالإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، قال الشاعر (٤):\nبَلِينَ بِلًى أَفْضَى إلَى كُلِّ كُتْبَةٍ ... بَدَا سَيْرُهَا مِنْ بَاطِنٍ بَعْدَ ظَاهِرِ\nيعني بذلك: أن الفساد والبلى وصل إلى الخُرَز. والذي عُني به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج (٥).\nقال الشَّافِعِي ﵀: \"يقول اللَّه تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية، حَظْرٌ لأِخذِه - أي: المهر أو شيء مما أعطي للمرأة- إلا من جهة الطلاق قبل الإفضاء، وهو: الدخول، فيأخذ نصفه بما جُعل له، ولأنه لم يوجب عليه أن يدفع إلا نصف المهر في تلك الحال، وليس بَحَظْر منه إن دخل أن يأخذه إذا كان ذلك من قِبَلِهَا، وذلك لأنَّه إنما حَظَرَ أخذه إذا كان من قبل الرجل، فأما إذا كان من قِبَلِها، وهي طيبة النفس به فقد أذن به في قول اللَّه ﵎: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، \" أي: وأخذن منكم عهدًا وثيقًا مؤكدًا هو» عقد النكاح\" (٧).\nقال الطبري: \" أيْ: ما وثَّقتم به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقررتم به على أنفسكم، من إمساكهن بمعروف، أو تسريحهنّ بإحسان\" (٨). قال القاسمي: \"أي: عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه. كالثوب الغليظ يعسر شقه\" (٩).\nقال قتادة: \" والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: آلله عليك لتمسكنَّ بمعروف أو لتسرحن بإحسان\" (١٠).\nقال السدي: \" ﴿غليظا﴾ يعني: شديدا\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه عقد النكاح الذي استحل به الفرج، وهو قول مجاهد (١٢)، ومحمد بن كعب القرظي (١٣)، وابن زيد (١٤).\nوالثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وهو قول الضحاك (١٥)، والسدي (١٦)، والحسن (١٧)، وابن سيرين (١٨)، وقتادة (١٩).\nوالثالث: أنه عنى قول النبي ﷺ: «أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (٢٠). وهذا قول جابر (٢١)، وعكرمة (٢٢)، والربيع (٢٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨٩١٧): ص ٨/ ١٢٦.\n(٢). انظر: تفسير الطبري (٨٩١٩): ص ٨/ ١٢٦.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ٣١.\n(٤) من شواهد الطبري: ٨/ ١٢٥، ولم اعرف قائله.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ١٢٥.\n(٦) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٤٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ١٢٦.\n(٩) محاسن التأويل: ٣/ ٥٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٩٢٠): ص ٨/ ١٢٧.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٢): ص ٣/ ٩٠٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٩٢٧) - (٨٩٢٩): ص ٨/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٠): ص ٨/ ١٢٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٢): ص ٨/ ١٢٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٩٢١): ص ٨/ ١٢٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٩٢٤): ص ٨/ ١٢٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٩٢٦): ص ٨/ ١٢٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٨٩٢٦): ص ٨/ ١٢٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٩٢٣): ص ٨/ ١٢٨.\n(٢٠) أخرجه أحمد (٢٠٩٧١): ص ٥/ ٧٢، والدارمي (٢٥٣٧)، وأبو داود (٢١٤٥).\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٤): ص ٨/ ١٢٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٤): ص ٨/ ١٢٩.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٥): ص ٨/ ١٢٩.","vol":"7","page":85},{"text":"قال الزمخشري: \" والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقا غليظا، أى بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ \" (١).\nواختلف في ثبوت حكمها أو نسخه على قولين:\nأحدهما: أنها محكمة، لا يجوز له أن يْأخذ منها شيئًا مما أعطاها سواء كانت هي المريدة للطلاق أو هو، وهو قول بكر بن عبد الله المزني (٢).\nوالثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا قول ابن زيد (٣).\nوالراجح: أنها \" محكمة غير منسوخة، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها، وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نَفَى خلافه من الأحكام، وليس في قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾، نَفْي حكمِ قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها. وأما الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كاره، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى.\nوإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجبُ التسليم لها، وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني: من أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها، إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ، وهو الكاره فليس بصواب، لصحة الخبَرِ عن رسول الله ﷺ بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس (٤) بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها\" (٥).\nالفوائد:\n١ - وجوب مراعاة العهود والوفاء بها.\n٢ - أن عقد النكاح هو عهد مؤكد، ولايجوز للرجل مضايقة الزوجة حتى تتنازل عن مهرها أو عن شيء منه.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]\nالتفسير:\nولا تتزوجوا مَن تزوجه آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف منكم ومضى في الجاهلية فلا مؤاخذة فيه. إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله، وبئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تفعلونه في جاهليتكم.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: أخرج الطبري عن عكرمة، قال: \"نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلفَ على أمِّ عبيد بنت صخر، كانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف، وكان خَلَف على بنت أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف وفي فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسَد، وكانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية وفي منظور بن زبّان، وكان خلف على مُليكةِ ابنة خارجة، وكانت عند أبيه زَبَّان بن سيّار\" (٦).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٤٩٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٦): ص ٨/ ١٣٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٩٣٧): ص ٨/ ١٣١.\n(٤) انظر: في تفسير الطبري (٤٨٠٧) - (٤٨١١): ص ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ١٣١ - ١٣٢.\n(٦) تفسير الطبري (٨٩٤٠): ص ٨/ ١٣٣. والحديث رجاله رجال الصحيح إلا محمد بن عبد الله المخرمي وهو ثقة.","vol":"7","page":87},{"text":"والثاني: أخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر (١)، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال: توفي أبو قيس وكان من صالح الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله ﷺ فأستأمره، فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا قيس توفي. -فقال: خيرا- إن ابنه قيس خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدا، فما ترى؟ قال لها: ارجعي إلى بيتك. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ \" (٢).\nقال مقاتل: \" نزلت في محصن بن أبي قيس ابن الأسلت بن الأفلح الأنصاري. وفي امرأته كبشة بنت معن بن معبد ابن عدي بن عاصم الأنصاري من الأوس من بنى خطمة ابن الأوس\" (٣). وزاد الثعلبي: \"وفي أبي مكيل العدوي، تزوج امرأة أبيه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، \"أي: لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء لكن ما سبق فقد عفا الله عنه\" (٥).\nقال مقاتل: \" لأن العرب كانت تفعل ذلك قبل التحريم، وذلك أن محصن مات أبوه فشد على امرأته فتزوجها، وهو محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج وكبشة بنت معن بن معبد، وفي شريك وفى امرأته كحة\" (٦).\nقال أبو عبيدة: \" نهاهم أن ينكحوا نساء آبائهم، ولم يحلّ لهم ما سلف، أي ما مضى، ولكنه يقول: إلّا ما فعلتم\" (٧).\nقال الأخفش: \" معناه: فانكم تؤخذون به. فلذلك قال: ﴿إلا ما قد سلف﴾، أي: فليس عليكم جناح\" (٨).\nقال الزجاج: \" المعنى: لا تنكحوا كما كان من قبلكم ينكح ما نكح أبوه، فهذا معنى\n﴿إلا ما قد سلف﴾ \" (٩).\nقال الواحدي: \" كان الرَّجل من العرب يتزوَّج امرأة أبيه من بعده وكان ذلك نكاحًا جائزًا في العرب فحرَّمه الله تعالى ونهى عنه وقوله: ﴿إلاَّ ما قد سلف﴾ يعني: لكن ما قَدْ سلف فَإِن اللَّه تجاوز عَنْهُ\" (١٠).\nأخرج سفيان الثوري عن بن عباس قال: \" يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ثم قرأ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [الآية ٢٣] \" (١١).\nوفي روياة أخرى لابن عباس: \" كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل بها، فهي عليك حرام\" (١٢).\nوروي عن الحسن في قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، قال: \"هو أن تملك عقدة النكاح وليس بالدخول\" (١٣).\nوعن أبي بكر بن أبي مريم، عن مشيخة قال: \"لا ينكح رجل امرأة جد أبي أمه لأنه من الآباء يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ \" (١٤).\nوعن أبي بن كعب: \" أنه كان يقرؤها: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إلا من مات\" (١٥).\nوعن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾، يقول: في جاهليتكم\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن المنذر (١٥٢٥): ص ٢/ ٦١٩.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٣٧): ص ٣/ ٩٠٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٨٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ٣٦٦.\n(٧) مجاز القرآن: ١/ ١٢٠.\n(٨) ماني القرآن: ١/ ٢٥١.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٣٢.\n(١٠) الوجيز: ٢٥٨.\n(١١) تفسير سفيان الثوري: ٩٣.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٤): ص ٣/ ٩١٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٥): ص ٣/ ٩١٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٦): ص ٣/ ٩١٠.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٧): ص ٣/ ٩١٠.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٨): ص ٣/ ٩١٠.","vol":"7","page":88},{"text":"واختلفوا في النكاح ههنا، على قولين (١):\nالأول: حمله أصحاب أبي حنيفة على الجماع، وقال: هو حقيقة فيه، فحرموا كل امرأة باضعها الأب حلالا أو حراما على الابن.\nوالثاني: وحمله الشافعي على العقد، وقال: هو حقيقة فيه، ولم يحرم من النساء على الابن إلا ما تزوج بها أبوه دون من زنى بها.\nقال الراغب: \"والصحيح أنه للعقد، لأن أسماء الجماع والفرج والغائط في لسانهم كنايات، وذلك أنهم لما عنوا بإخفاء هذه الأشياء أخفوا أيضا أسماءها، فعدلوا عن التصريح إلى الكنايات. حتى إنهم متى عرف فيما بينهم كناية في شيء من ذلك عدلوا إلى كناية أخرى، ومن تتبع كلامهم عرف ما قلته، فكيف يستعيرون لفظ الجماع لما هو أحسن عندهم منه، ثم لا خلاف أن العقدية مراد، ولا خلاف أيضا أن الوطء بملك اليمين يجري مجرى العقد في العقد بها\" (٢).\nقال الإمام الشافعي: \" فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معًا، كان [في الجاهلية] أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه، وكان الرجل يجمع بين الأختين، فنهى - ﷿ - أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين، أو ينكح ما نكح أبوه إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل علمهم بتحريمه \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء: ٢٢]، أي: \" إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله\" (٤).\nقال عطاء بن أبي رباح: \" يمقت الله عليه\" (٥).\nقال الواحدي: أي: \"أن ذلك النكاح زنا عند الله و﴿ومقتًا﴾ بغضًا شديدا\" (٦).\nقال الزجاج: \" المعنى: إلا ما قد سلف فإنه كان فاحشة، أي زنا، ﴿ومقتا﴾، و«المقت»: أشد البغض، فالمعنى: أنهم أعلموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له مقت، وكان المولود عليه يقال له المقتي. فأعلموا أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، \" أي: بئس ذلك النكاح القبيح الخبيث طريقًا\" (٨).\nقال الزمخشري: \" ومن ثم قيل ﴿ومقتا﴾، كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \"وقَبُحَ ذلك الفعل طريقًا\" (١٠).\nعن عطاء بن أبي رباح: ﴿وساء سبيلا﴾، قال: طريقا لمن عمل به\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني وبئس المسلك\" (١٢).\nقال أبو عبيدة: \" أي: سوء طريقة ومسلكا، ومن كان يتزوج امرأة أبيه فولد له منها، يقال له: مقتي ومقتوي، من قتوت، وهذا من مقت \" (١٣).\nالفوائد:\n١ - تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإسلام منها، وخاصة أزواج الآباء، فزوجة الأب محرمة على الابن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها.\n_________\n(١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٥٨ - ١١٥٩.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٥٩.\n(٣) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦.\n(٤) التفسير الميسر: ٨١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٩): ص ٣/ ٩١٠.\n(٦) الوجيز: ٢٥٨.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٣٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٩) الكشاف: ١/ ٤٩٣.\n(١٠) الوجيز: ٢٥٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٨٠): ص ٣/ ٩١٠.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ٣٦٦.\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (١٥٢٨): ٢/ ٦٢٠.","vol":"7","page":89},{"text":"قال الشافعي: \" فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معًا\" (١).\n٢ - ومنها: أن هذا النكاح فعل في غاية من القبح، لذا سماه العرب نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. ويقال للولد إذا ولدته: المقتي. وأصل المقت: البغض (٢).\nالقرآن\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]\nالتفسير:\nحرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل في ذلك الجدَّات مِن جهة الأب أو الأم، وبناتكم: ويشمل بنات الأولاد وإن نزلن، وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم، وعماتكم: أخوات آبائكم وأجدادكم، وخالاتكم: أخوات أمهاتكم وجداتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت: ويدخل في ذلك أولادهن، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة -وقد حرَّم رسول الله ﷺ من الرضاع ما يحرم من النسب- وأمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن، وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن، فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن، كما حرَّم الله عليكم أن تنكحوا زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ومن أُلحق بهم مِن أبنائكم من الرضاع، وهذا التحريم يكون بالعقد عليها، دخل الابن بها أم لم يدخل، وحرَّم عليكم كذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع إلا ما قد سلف ومضى منكم في الجاهلية. ولا يجوز كذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كما جاء في السنة. إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون.\nفي سبب نزول الآية:\nقال ابن جُرَيْج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ قال: كنا نُحَدِّث، والله أعلم، أن رسول الله ﷺ لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، \" أي: حُرّم عليكم نكاح الأمهات\" (٤).\nقال الصابوني: \"وشمل اللفظ الجدات من قبل الأب أو الأم\" (٥).\nقال الشافعي: \" والأمهات: أم الرجل (الوالدة)، وأمَّهاتها، وأمّضهات آبائه، وإن بَعُدت\nالجدات، لأنهن يلزمهن اسم الأمهات\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: وكذلك حرّم عليكم \"بناتكم\" (٧).\nقال الصابوني: \" وشمل بنات الأولاد وإِن نزلن\" (٨).\nقال الشافعي: \" والبنات: بناتُ الرجل لصلبه، وبنات بنيه، وبناتهن، وإن سفلن، فكلُّهن\nيلزمهن اسم البنات\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \" وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٥.\n(٢) انظرك التفسير المنير: ٤/ ٣١٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٣.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٦) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٧.\n(٧) التفسير الميسر: ٨١.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٩) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٧.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨١.","vol":"7","page":90},{"text":"قال الشافعي: \" والأخوات: من ولد أبيه لصلبه، أو أمه نفسها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \" وأخوات آبائكم وأجدادكم\" (٢).\nقال الشافعي: \" وعماته: من ولد جده الأدنى أو الأقصى، ومن فوقهما من أجداده\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \" وأخوات أمهاتكم وجداتكم\" (٤).\nقال الشافعي: \" وخالاته: من ولدته أم أمه، وأمها، ومن فوقهما من جداته من قِبَلها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، \" أي: بنت الأخ وبنت الأخ\" (٦).\nقال الصابوني: \"ويدخل فيهن أولادهن، وهؤلاء المحرمات بالنسب وهنَّ كما تقدم «الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت» \" (٧).\nقال الشافعي: \" وبنات الأخ: كل ما ولد الأخ لأبيه، أو لأمه، أو لهما، من ولدٍ ولدته\nوالدته فكلهم بنو أخيه، وإن تسفلوا، وهكذا بنات الأخت\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \" كذلك حرّم عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وكذلك أخواتكم من الرضاع\" (٩).\nقال الشافعي: \" والرضاع: اسم جامع، يقع على المصَّة، وأكثر منها، إلى كمال رضاع الحولين، ويقع: على كل رضاع، وإن كان بعد الحولين ... ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمه من (شاة، أو بقرة، أو ناقة)، لم يكن هذا رضاع، إنما هذا كالطعام والشراب، ولا يكون محرِّمًا بين من شربه، إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم\" (١٠).\nثم قال ﵀: \" حرَّم اللَّه تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل تحريمها معنيين:\nأحدهما: إذ ذكر اللَّه تحريم الأم والأخت من الرضاعة، فأقامهما في التحريم مقام الأم والأخت من النسب، أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب، فما حَرُم بالنسب، حَرُم بالرضاع مثله، وبهذا نقول، بدلالة سنة رسول الله - ﷺ - والقياس على القرآن.\nالآخر: أن يحرم من الرضاع الأم والأخت، ولا يحرم سواهما\" (١١).\nولم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى «الأمهات والأخوات» وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب لقوله -ﷺ-: \"ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة\" (١٢).\nعن سعيد بن جبير: \"قال ابن عباس: حرم عليكم سبع نسبا وسبع صهرا، وقرأ: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، الآية\" (١٣).\nعن عطاء قال: \"قال الله تعالى: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾، قال: وهي أختك من الرضاعة\" (١٤).\nقال ابن كثير: \"وقد قال بعض الفقهاء: كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور. وقال بعضهم: ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة، ولله الحمد.\n_________\n(١) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٣) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٨.\n(٤) التفسير الميسر: ٨١.\n(٥) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(٨) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٤٦.\n(١٠) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩\n(١١) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٦٨.\n(١٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\": ٣٧٢، وأحمد: ٦/ ٤٤ و٥١ وفي ٦/ ١٧٨، والدارمى (٢٢٥٣)، وفي (٢٢٥٥)، والبخاري: ٣/ ٢٢٢ و٤/ ١٠٠، و٧/ ١١، ومسلم: ٤/ ١٦٢.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٠٨١): ص ٣/ ٩١١.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٠٨٤): ص ٣/ ٩١١.","vol":"7","page":91},{"text":"ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية. وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المُسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، والزُّهْرِي (١).\nوقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم، من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تُحرِّم المصةُ والمصتان\" (٢).\nوقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا تُحرم الرَّضْعَة ولا الرضعتان، والمصَّة ولا المصتان\"، وفي لفظ آخر: \"لا تحرم الإمْلاجَة ولا الإملاجتان\" رواه مسلم (٣).\nوممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور. ويحكى عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ﵏ (٤).\nوقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة عن عائشة، ﵂، قالت: «كان فيما أنزل [الله] من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» (٥). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحو ذلك (٦).\nوفي حديث سَهْلة بنت سهيل: «أن رسول الله ﷺ أمرها أن تُرضِع مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يُرْضع خمس رضعات» (٧).\nوبهذا قال الشافعي، رحمه الله تعالى وأصحابه. ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: وكذلك حرّم عليكم\" أمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن\" (٩).\nعن خلاس بن عمرو: \" أن عليا قال في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل يحل له أمها؟ قال علي: هي بمنزلة الربيبة، يعني قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ \" (١٠).\nأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت، لم تحل له أمها، أنه قال: مبهمة، فكرهها\" (١١). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك (١٢).\nأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ \" (١٣)، ثم قال: \"وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" معنى «مبهمات»: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة، كما هو قول الجمهور، ومن\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤٨.\n(٢) صحيح مسلم برقم (١٤٥٠) لكنه من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة.\nوقد رواه النسائي في السنن الكبرى من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وابن الزبير برقم (٥٤٥٨).\n(٣) صحيح مسلم برقم (١٤٥١).\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤٩.\n(٥) أخرجه مالك في الموطأ: ص ٣٧٦، والدارمي: ٢٢٥٨، ومسلم: ٤/ ١٦٧، وأبو داود: ٢٠٦٢، والترمذي: ١١٥٠، والنسائي: ٦/ ١٠٠.\n(٦) صحيح مسلم برقم (١٤٥٢).\n(٧) الحديث أخرجه أحمد ٦/ ٢٠١، ووفي ٦/ ٢٢٨، وفي ٦/ ٢٢٥، وفي ٦/ ٢٦٩، وفي ٦/ ٢٧٠، و\"الدارمي\" ٢٢٦٢، و\"البخاري\" ٥/ ١٠٤، وفي ٩/ ٧، و\"النسائي\" ٦/ ٦٣، وفي \"الكبرى\" (تحفة الاشراف) ١٢/ ١٦٤٢١، وأبو داود (٢٠٦١)، واخرجه مالك \"الموطأ\" صفحة (٣٧٤).\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٠٨٥): ص ٣/ ٩١١.\n(١١) تفسير ابن ابي حاتم (٥٠٨٦): ص ٣/ ٩١١.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٠٨٦): ص ٣/ ٩١١.\n(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٩٥): ص ٣/ ٩١٣.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٩٥): ص ٣/ ٩١٣.","vol":"7","page":92},{"text":"الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله ﷺ: «يَحْرُم من الرّضاع ما يحرم من النسب» (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \" وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن\" (٣).\nأخرج ابن المنذر عن داود، أنه قرأ في مصحف عبد الله: \" وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهن \" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿وربائبكم﴾ من نسائكم بنات المرأة من غيره، وربية الرجل: بنت امرأته، ويقال لها: المربوبة، وهي بمنزلة قتيلة، ومقتولة \" (٥).\nوقال أيضا: \" \" ﴿اللاتي في حجوركم﴾ في بيوتكم \" (٦).\nقال مالك بن أوس ابن الحدثان: \"كانت عندي امرأة، فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي: لها ابنة قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾، قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك\" (٧).\nقال ابن كثير: \"هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدا وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عَرَض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، ﵀، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم\" (٨).\nوأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سُئلَ عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا\" (٩). قال ابن كثير: \"يريد أن أطَأهُمَا جميعا بملك يميني. وهذا منقطع\" (١٠).\nوروي عن قيس قال: \" قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله\" (١١).\nقال الشيخ أبو عُمَر بن عبد البر، ﵀: \"لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عُمَر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم\" (١٢).\nوروى هشام عن قتادة: \" بنت الربيبة، وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كان أسفل ببطون كثيرة \" (١٣).\nوعن أبي العالية، قال: \" وإن كان أسفل بسبعين بطنها فإنها لا تصلح \" (١٤).\nقال ابن عباس: \" والدخول: النكاح\" (١٥)، وروي عن طاوس قال: \"الدخول: الجماع\" (١٦).\n_________\n(١) صحيح البخاري رقم (٣١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٤) وموطأ مالك (في الرضاع).\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٣.\n(٣) التفسير الميسر: ٨١.\n(٤) تفسير ابن المنذر (١٥٤٥): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٥) تفسير ابن المنذر (١٥٤٦): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٥٤٧): ص ٢/ ٦٢٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٨٧): ص ٣/ ٩١٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٢، وانظر: بدائع الفوائد: ١/ ٥٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٢، .\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٢، .\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٢، .\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٢، .\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (١٥٥١): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١٤) أخرجه ابن المنذر (١٥٥٢): ص ٢/ ٦٣٠.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩١): ص ٣/ ٩١٢.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩١): ص ٣/ ٩١٢.","vol":"7","page":93},{"text":"وقال ابن جريج: \" قلت لعطاء ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ ما الدخول بهن؟ قال: أن تهدى إليك فتكشف وتفتش، وتجلس بين رجليها، قلت: إن فعل ذلك بها، في بيت أهلها، قال: حسبة قد حرم ذلك عليه بناتها، قلت له: فغمز ولم يكشف، قال: لا يحرم عليه الربيبة ذلك بأمها \" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \"فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن\" (٢).\nقال ابن عباس: \" قوله: ﴿فلا جناح عليكم﴾، قال: فلا حرج\" (٣).\nقال سفيان بن دينار: \"سألت سعيد بن جبير عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، ولها بنت أيتزوج بنتها؟ فتلا علي: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾، قال: لا جناح عليه أن يتزوجها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، \"أي وحُرِم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: وحُرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يَتَبَنَونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] (٣)﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] \" (٦).\nقال سعيد: \"وكان قتادة يكره إذا تزوج الرجل المرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها أن يتزوجها أبوه، ويتأول: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ \" (٧).\nقال ابن جريج: \" سألت عطاء عن: وحلائل أبنائكم قال: كنا (نتحدث) (٨) والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد، فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله تعالى:\nوحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، \"أي: وحُرّم عليكم الجمع بين الأختين معًا في النكاح إِلا ما كان منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة\" (١١).\nأخرج ابن أبي حاتم عن قبيصة بن ذؤيب: \" أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك فخرج من عنده، فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان إلي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا- قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام نحو ذلك\" (١٢).\nوعن عبد الله بن أبي عتبة، عن ابن مسعود: \" أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه فقال: يقول الله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فقال له ابن مسعود: بعيرك أيضا مما ملكت يمينك\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٥٥٠): ص ٢/ ٦٣٠.\n(٢) التفسير الميسر: ٨١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩٢): ص ٣/ ٩١٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩٣): ص ٣/ ٩١٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩٤): ص ٣/ ٩١٣.\n(٨) زيادة عن الطبري (٨٩٦٠): ص ٨/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩٦): ص ٣/ ٩١٣، والطبري (٨٩٦٠): ص ٨/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٣.\n(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٩٧): ص ٣/ ٩١٣ - ٩١٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٩٩): ص ٣/ ٩١٤.","vol":"7","page":94},{"text":"وعن حماد بن سلمة، قال: زعم عمرو بن دينار، عن ابن عباس، \" أنه كان لا يرى بأسا أن يجمع بين الأختين المملوكتين \" (١).\nوعن عبد الله بن مسعود، قال: \" يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر، إلا العدد \" (٢).\nون الشعبي، وابن سيرين، قالا: \" يحرم من جمع الإماء، ما يحرم من جمع الحرائر، إلا العدد \" (٣).\nوعن موسى بن أيوب، عن عمه، عن علي، قال: \" سألته عن رجل له أمتان أختان وطأ إحداهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى، قال: لا، حتى يخرجها من ملكه، قلت: فإنه زوجها عبده، قال: لا، حتى يخرجها من ملكه \" (٤).\nوعن القاسم بن محمد، \" أن حيا من أحياء العرب سألوا معاوية عن الأختين، مما ملكت اليمين، تكونان عند الرجل، يطؤهما؟ قال: ليس بذلك بأس، فسمع بذلك النعمان بن بشير، قال: أفتيت بكذا وكذا؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عند رجل أخته مملوكة يجوز له أن يطأها؟ قال: أما والله لربما رددتني، أدرك القوم فقل لهم: اجتنبوا ذلك، فإنه لا ينبغي لهم قال: قلت: إنما هي الرحم من العتاقة، وغيرها \" (٥).\nعن الحكم وحماد، قالا: \" إذا كانت عند الرجل أختان، فلا يقربن واحدة منهما \" (٦).\nعن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ قال: \"في جاهليتهم\" (٧).\nأنبأ معمرعن قتادة: \" في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها قبل أن يراها، قال: لا تحل لأبيه ولا لابنه. قلت: ما قوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾، قال: كان في الجاهلية ينكح امرأة أبيه\" (٨).\nوعن الحارث، عن علي، قال: \" في القرآن آيتان تحرم واحدة، وتحل أخرى، وما كنت لأفعل واحدا منهما، لا أنا ولا أحد من أهل بيتي، ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾، ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ \" (٩).\nوعن عبد العزيز بن رفيع، قال: \" سألت ابن الحنفية عن رجل عنده أمتان أختان، أيطأهما؟ قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ثم أتيت ابن المسيب، فقال مثل قول محمد، ثم سألت ابن منبة، فقال: أشهد أنه فيما أنزل الله جل ثناؤه على موسى ﷺ أنه ملعون من جمع بين الأختين، قال: فما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين قال: فرجعت إلى ابن المسيب، فأخبرته، فقال: الله أكبر \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، أي: \" إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿غفورا رحيما﴾، قال: غفور لما كان منهم من الشرك\" (١٢)، \"قوله: ﴿رحيما﴾، قال: بعباده\" (١٣).\nوعن قتادة: \" قوله: ﴿غفورا﴾، قال: للذنوب الكثيرة أو الكبيرة\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - بيان المحرمات من النسب وهن سبع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.\n٢ - بيان المحرمات من الرضاع وهن: المحرمات من النسب؛ فالرضيع يحرم عليه ٣ أمه المرضع له وبناته، وأخواتها، وعماته وخالاته، وبنات أخيه، وبنات أخته.\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٥٥٧): ص ٢/ ٦٣٢.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٥٥٨): ص ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.\n(٣) أخرجه ابن المنذر (١٥٦٢): ص ٢/ ٦٣٤.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٥٥٩): ص ٢/ ٦٣٣.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٥٦٠): ص ٢/ ٦٣٣.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٥٦١): ص ٢/ ٦٣٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٠٠): ص ٣/ ٩١٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٠١): ص ٣/ ٩١٤.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٥٦٣): ص ٢/ ٦٣٤.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٥٦٤): ص ٢/ ٦٣٤ - ٦٣٥.\n(١١) التفسير الميسر: ٨١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٠٢): ص ٣/ ٩١٤.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٠٣): ص ٣/ ٩١٥.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٠٣): ص ٣/ ٩١٥.","vol":"7","page":95},{"text":"٣ - بيان المحرمات من المصاهرة، وهن سبع أيضًا: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بابنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة إذا دخل بأمها، وامرأة الولد من الصلب\n٤ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغفور» و«الرحيم»:\nو«الغفور»، \"من أبنية المبالغة؛ فالله ﷿ غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل\" (١).\nواسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب آية ٤٣].\nوأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (٢).\n\\\n\nالقرآن\n﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]\nالتفسير:\nويحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا مَنْ سَبَيْتُم منهن في الجهاد، فإنه يحل لكم نكاحهن، بعد استبراء أرحامهن بحيضة، كتب الله عليكم تحريم نكاح هؤلاء، وأجاز لكم نكاح مَن سواهن، ممَّا أحله الله لكم أن تطلبوا بأموالكم العفة عن اقتراف الحرام. فما استمتعتم به منهن بالنكاح الصحيح، فأعطوهن مهورهن، التي فرض الله لهن عليكم، ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة. إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج مسلم وغيره (٣)، عن أبي سعيد الخدري: \" أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهر عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن\" (٤).\nوقد روى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس: \"أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد\" (٥).\nقال ابن كثير: \"وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها، أخذا بعموم هذه الآية\" (٦).\nوالثاني: روى ابن أبي خيثمة، وعبد بن حميد في التفسير، وأبو مسلم الكجّي، كلّهم من طريق العباس بن خليس عن عكرمة، قال: \"إن هذه الآية التي في النساء: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء ٢٤] نزلت في امرأة يقال لها: معاذة، كانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له شجاع بن الحارس، وكان معه ضرّة لها ولدت\n_________\n(١) اشتقاق أسما الله، الزجاجي: ٩٣.\n(٢) انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع ٤٥: ص ٩٤، وع ٤٦: ص ٧٢ - ٧٣.\n(٣) والحديث أخرجه الترمذي: ٤/ ٨٦، وقال حديث حسن صحيح، وأبو داود (٢٣٥٣): ص ٢/ ٢١٣، والنسائي: ٦/ ٩١، والإمام أحمد: ٣/ ٧٢ و٨٤، وابن جرير الطبري (٨٩٦٧) - (٨٩٧١): ص ٨/ ١٥٣ - ١٥٥.\n(٤) صحيح مسلم: ١٠/ ٣٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٧.","vol":"7","page":96},{"text":"لشجاع أولادا، وأن شجاعا انطلق يمير أهله من هجر فمرّ بمعاذة ابن عمّ لها فقالت له: احملني إلى أهلي، فرجع الشيخ فلم يجدها، فانطلق إلى النّبي ﷺ فشكا إليه وأنشده:\nيا مالك النّاس وديّان العرب [الرجز] الأبيات.\nفقال: «انطلقوا فإن وجدتم الرّجل كشف لها ثوبا فارجموها، وإلّا فردّوا إلى الشّيخ امرأته»، قال: فانطلق ابن ضرتها مالك بن شجاع بن الحارث، فجاء بها، فلما أشرف على الحيّ استقبلته أمّ مالك ترميها بالحجارة وتقول لابنها: يا ضار أمه. قال: فلما نزلت معاذة، واطمأنت جعل شجاع يقول:\nلعمري ما حبّي معاذة بالّذي ... يغيّره الواشي ولا قدم العهد\" (١)\nقال ابن حجر: \" وقصتها شبيهة بقصة معاذة زوج الأعشى المازني (٢) وهي عند أحمد في \"المسند\" (٣)، وما أدري أهما واحدة أو اتفق الاسم والقصة؟ \" (٤).\nوالثالث: أن هذه الآية نزلت في نساءٍ كُنَّ هَاجَرن إلى رسول الله - ﷺ - ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن، وهذا قول أبي سعيد الخدري (٥).\nوالرابع: أخرج أحمد وغيره (٦)، عن قيس، عن عبد الله، قال: \"كنا نغزو مع رسول الله ﷺ، وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ \" فنهانا عنه، ثم رخص لنا بعد في أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل \"، ثم قرأ عبد الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [المائدة: ٨٧] \" (٧).\nوالخامس: أخرج الطبري عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: \"زعم حضرميٌّ: أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تُدرك أحدهم العسرة، فقال الله: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، \"أي: وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء إِلا ما ملكتموهن بالسبي فيحل لكم وطؤهنَّ بعد الاستبراء\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك\" (١٠).\nقال الصابوني: \" لأن بالسبي تنقطع عصمة الكافر، قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] \" (١١).\nعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، \"أنه قال: هذه الآية ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] قال: «كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت» \" (١٢).\nوعن ابن عباس أيضا في قوله ﷿: ﴿والمحصنات﴾، قال: \"العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب\" (١٣).\n_________\n(١) الإصابة في تمييز الصحابة: ٣/ ٢٥٦، وانظر: الدر المنثور: ٢/ ٤٨٢، والعجاب: ٢/ ٨٥٦ - ٨٥٨.\n(٢) الأعشى المازني هو عبد الله بن الأعور وترجمته في \"الإصابة\" بالاسم واللقب في \"١/ ٥٤ و٢/ ٢٧٦\" وله ذكر في ترجمة نضلة بن طريف \"٣/ ٥٥٥\".\n(٣) انظر \"المسند\" \"٢/ ٢٠١ - ٢٠٢\" في \"مسند عبد الله بن عمرو\"! و\"الإصابة\" في ترجمة عبد الله بن الأعور \"٢/ ٢٧٦\".\n(٤) العجاب: ٢/ ٨٥٨، وقال الحافظ في \"الإصابة\" في ترجمة شجاع \"٣/ ٢٥٦\".\"وقد وقع نحو ذلك للأعشى المازني\" فهو جازم بالتعدد ولكنه هنا متردد! والظاهر أن \"الإصابة\" متأخر عن العجاب.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٠١٢): ص ٨/ ١٦٤.\n(٦) والبخاري (٤٦١٥): ص ٦/ ٦٦، وفي (٥٠٧١): ص ٧/ ٤، وفي (٥٠٧٥): ص ٧/ ٥، ومسلم (٣٣٩١): ص ٤/ ١٣٠، وفي (٣٣٩٢). وفي (٣٣٩٣)، و\"النسائي\" في \"الكبرى\" (١١٠٨٥).\n(٧) مسند الإمام أحمد (٣٦٥٠): ص ١/ ٣٨٥، وفي (٣٧٠٦): ص ١/ ٣٩٠، وفي (٣٩٨٦): ص ١/ ٤٢٠، وفي (٤١١٣): ص ١/ ٤٣٢، وفي (٤٣٠٢): ص ١/ ٤٥٠.\n(٨) تفسير الطبري (٩٠٤٥): ص ٨/ ١٨٠.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٢) المستدرك على الصحيحين (٣١٩١): ص ٢/ ٣٣٣. قال الحاكم: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \".ووافقه الذهبي في ذلك.\n(١٣) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦١١): ص ٣/ ١٢٢٠.","vol":"7","page":97},{"text":"قال عبدالله: \" كل ذات زوج عليك حرام، إلا أن تشتريها، أو ما ملكت يمينك\" (١).\nقال إبراهيم: \" إلا السبايا من أهل الحرب\" (٢).\nوعن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، \"أنه كان يقرأ هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ \" (٣).\nقال الشعبي: \" إحصان الأمة: دخولها في الإسلام وإقرارها به، إذا دخلت في الإسلام وأقرت به، ثم زنت، فعليها جلد خمسين\" (٤). وفي رواية أخرى له: \" إحصانها: أن تحصن فرجها من الفجور، وأن تغتسل من الجنابة\" (٥).\nواختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، على وجوه:\nأحدها: والمحصنات من النساء يعني ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، وهذا قول علي، وابن عباس (٦)، وأبي قلابة (٧)، ومكحول (٨)، وابن زيد (٩).\nواستندوا على الأخبار التي رويت أن هذه الآية نزلت فيمن سُبي من أَوْطاس (١٠).\nوالثاني: أن المحصنات ذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء، إذا اشتراها مشترٍ بطل نكاحها وحلت لمشتريها ويكون بيعها طلاقها، وهذا قول ابن مسعود (١١)، وأُبي بن كعب (١٢)، وجابر بن عبد الله (١٣)، وأنسٍ ابن مالك (١٤)، وابن عباس (١٥)، وسعيد بن المسيب (١٦)، والحسن (١٧).\nعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: \"طلاق الأمة ستٌّ: بيعها طلاقُها، وعتْقُها طلاقها، وهبتُها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طَلاقُها\" (١٨).\nالثالث: أن المحصنات من النساء العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بعقد النكاح، أو ملك اليمين، وهذا قول سعيد بن جبير (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وعبيدة السلماني (٢١)، وعطاء (٢٢)، والسدي (٢٣).\nوالرابع: أنه عنى بالمحصنات في هذا الموضع، العفائفَ من المسلمين وأهل الكتاب. وهذا قوول ابن عباس أيضا (٢٤)، ومجاهد (٢٥).\nوالخامس: أن المحصنات هن نساء أهل الكتاب. قاله أبو مجلز (٢٦).\nوالسادس: أن المحصنات هن الحرائر. قاله عزرة (٢٧).\nوالسابع: أن المحصنات في هذا الموضع، ذوات الأزواج، غير أن الذي حرَّم الله منهن في هذه الآية، الزنا بهنّ، وأباحهن بقوله: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾، بالنكاح أو الملك. وهذا قول ابن عباس في إحدى الروايات (٢٨)، وعبدالله في رواية أخرى (٢٩)، ومجاهد في إحدى الروايات (٣٠)، وسعيد بن المسيب في رواية الزهري عنه (٣١)، ومكحول في إحدى الروايات (٣٢).\nوالثامن: أن: المحصنات هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كُلُّ من الصنفين إلا بنكاحٍ أو ملك يمين. وهذا قول ابن شهاب (٣٣).\nوالتاسع: أن هذه الآية في نساء كنَّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فيتزوّجُهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجُهن مهاجرين، فنهى المسلمون عن نكاحهن. وهذا قول أبي سعيد الخدري (٣٤).\nقال الطبري: \" وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسًا عليهم تأويل ذلك\" (٣٥).\nقال رجل لسعيد بن جبير: \"أما رأيت ابن عباس حين سُئِل عن هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فلم يقل فيها شيئًا؟ قال فقال: كان لا يعلمها\" (٣٦).\nوقال عبد الرحمن بن يحيى عن مجاهد: \"لو أعلم من يفسّر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم إلى قوله: فما استمتعتم به منهن، إلى آخر الآية\" (٣٧).\nقال الماوردي: \" وأصل الإِحصان المنع، ومنه حصن البلد، لأنه يمنع من العدو، ودرع حصينة أي منيعة، وفرس حَصان، لأن صاحبه يمتنع به من الهلكة، وامرأة حصان، وهي العفيفة لأنها تمتنع من الفاحشة، ومنه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] \" (٣٨).\nقال الطبري: \" فأما المحصنات، فإنَّهن جمع مُحْصَنة، وهي التي قد مُنع فرجها بزوج. يقال منه: أحْصَن الرجلُ امرأته فهو يُحْصنها إحصانًا، وحَصُنت هي فهي تَحْصُن حَصَانة، إذا عفَّت وهي حاصِنٌ من النساء، عفيفة، كما قال العجاج (٣٩):\nوَحَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسٍ ... عَنِ الأذَى وَعَنْ قِرَافِ الْوَقْسِ\nويقال أيضًا، إذا هي عَفَّت وحفِظت فرجها من الفجور: قد أحصَنَتْ فرجها فهي مُحْصِنة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [سورة التحريم: ١٢]، بمعنى: حفظته من الريبة، ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى: حُصُون، لمنعها من أرادَها وأهلَها، وحفظِها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها. ولذلك قيل للدرع: درع حَصِينة.\nفإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبيِّنٌ أنّ معنى قوله: والمحصنات من النساء، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم، وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرّية، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥] ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النساء: ٢٥] ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [سورة النور: ٤] ويكون بالزوج ولم يكن ﵎ خصّ محصَنة دون محصنة في قوله:\n_________\n(١) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٠٥): ص ٣/ ١٢١٧.\n(٢) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٠٦): ص ٣/ ١٢١٨.\n(٣) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٠٧): ص ٣/ ١٢١٩.\n(٤) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٠٨): ص ٣/ ١٢٢٠.\n(٥) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٠٩): ص ٣/ ١٢٢٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٨٩٦١) - (٨٩٦٣): ص ٨/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٨٩٦٤): ص ٨/ ١٥٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٩٦٦): ص ٨/ ١٥٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٩٦٥): ص ٨/ ١٥٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٩٦٧) - (٨٩٧١): ص ٨/ ١٥٢ - ١٥٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٩٧١) - (٨٩٧٤): ص ٨/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٩٧٧): ص ٨/ ١٥٥، و(٨٩٨٤): ص ٨/ ١٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٩٧٧): ص ٨/ ١٥٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٩٧٧): ص ٨/ ١٥٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٩٨٣): ص ٨/ ١٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٥١٠٧): ص ٣/ ٩١٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٩٧٥): ص ٨/ ١٥٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٩٧٦): ص ٨/ ١٥٥.\n(١٨) أخرجه الطبري (٨٩٨٣): ص ٨/ ١٥٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩٥): ص ٨/ ١٥٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩١): ص ٨/ ١٥٩.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩٢) - (٨٩٩٤): ص ٨/ ١٥٩.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩٦): ص ٨/ ١٦٠.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩٧): ص ٨/ ١٦٠.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩٨): ص ٨/ ١٦٠.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٨٩٩٩): ص ٨/ ١٦٠.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٠٠٩): ص ٨/ ١٦٣.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٠١٠): ص ٨/ ١٦٣.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٩٠٠٢): ص ٨/ ١٦١، و(٩٠٠٥)، و(٩٠٠٨): ص ٨/ ١٦٢.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٩٠٠٤): ص ٨/ ١٦١ - ١٦٢.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٠٠)، و(٩٠٠١): ص ٨/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٠٣): ص ٨/ ١٦١.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (٩٠٠٦): ص ٨/ ١٦٢.\n(٣٣) انظر: تفسير الطبري (٩٠١١): ص ٨/ ١٦٤.\n(٣٤) انظر: تفسير الطبري (٩٠١٢): ص ٨/ ١٦٤.\n(٣٥) تفسير الطبري: ٨/ ١٦٥.\n(٣٦) أخرجه الطبري (٩٠١٣): ص ٨/ ١٦٥.\n(٣٧) أخرجه الطبري (٩٠١٤): ص ٨/ ١٦٥.\n(٣٨) النكت والعيون: ١/ ٤٧٠.\n(٣٩) ديوانه: ٧٩، واللسان (حصن) (قنس) و(وقس).","vol":"7","page":98},{"text":"والمحصنات من النساء، فواجبٌ أن تكون كلُّ مُحْصنة بأيّ معاني الإحصان كان إحصانها، حرامًا علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتابُ الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله\" (١).\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة ﴿والمحصنت﴾، في كل القرآن بفتح الصاد، وقرأ الكسائي ﴿والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت أيمنكم﴾، بفتح الصاد في هذه وحدها وسائر القرآن ﴿المحصنت﴾ [النساء: ٢٥]، و[المائدة ٥]، و[النور: ٤، ٢٣]، و﴿محصنت﴾ [النساء: ٢٥]، بكسر الصاد\nولم يختلف القراء في ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ فإنها مفتوحة، وروي عن مجاهد وعبد الله بن كثير مثل قراءة الكسائي ﴿والمحصنت من النسآء﴾ مفتوحة وسائر القرآن بالكسر (٢).\nقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، \"أي: هذا فرض الله عليكم\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" كَتب الله تحريم ما حرَّم من ذلك وتحليلَ ما حلل من ذلك عليكم، كتابًا\" (٤).\nعن إبراهيم قال: \" ﴿كتاب الله عليكم﴾، قال: ما حرَّم عليكم\" (٥).\nعن ابن عباس في قوله: \" ﴿كتاب الله عليكم﴾، قال: هذا النسب\" (٦).\nقال ابن جريج: \" سألت عطاء عنها فقال: كتابَ الله عليكم، قال: هو الذي كتب عليكم الأربعَ، أن لا تزيدوا\" (٧).\nعن محمد بن سيرين قال: \"قلت لعبيدة: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم، وأشار ابن عون بأصابعه الأربع\" (٨).\nعن السدي: \" ﴿كتاب الله عليكم﴾: الأربع\" (٩).\nقال ابن وهب: \" قال ابن زيد في قوله: ﴿كتاب الله عليكم﴾، قال: هذا أمرُ الله عليكم. قال: يريد ما حرَّم عليهم من هؤلاء وما أحلَّ لهم. وقرأ: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾، إلى أخر الآية. قال: كتاب الله عليكم، الذي كتَبه، وأمره الذي أمركم به. كتاب الله عليكم، أمرَ الله\" (١٠)\nوفي قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ثلاثة أقوال (١١):\nأحدها: أن معناه: حرم ذلك عليكم كتابًا من الله.\nوالثاني: معناه: ألزموا كتاب الله. وضعّفه الطبري فقال: \" والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب. وذلك أنها لا تكاد تَنصب بالحرف الذي تغرِي به، إذا أخَّرت الإغراء، وقدمت المغرَى به لا تكاد تقول: أخاك عليك، وأباك دونك، وإن كان جائزًا، والذي هو أولى بكتاب الله: أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه\" (١٢).\nوالثالث: أن كتاب الله قيم عليكم فيما تستحلِّونه وتحرمونه.\nقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، \" أي: وأُحل لكم نكاح ما سواهنّ\" (١٣).\nعن خصيف في قوله: \" ﴿وأحل لكم﴾، يقول: التزويج\" (١٤).\nعن أبي مالك: \" قوله ﷿: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، يعني: سواء ذلك\" (١٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: أن معناه ما دون الأربع، وهو قول السدي (١٦)، وعبيدة السلماني (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(٢) انظر: السبعة: ٢٣٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ١٦٩.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٠١٥): ص ٨/ ١٧٠.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١١٦): ص ٣/ ٩١٧.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٠١٦): ص ٨/ ١٧٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٠١٧): ص ٨/ ١٧٠.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٠١٩): ص ٨/ ١٧٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (٩٠٢٠): ص ٨/ ١٧٠.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٧٠ - ١٧١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١١٩): ص ٣/ ٩١٧.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٢٠): ص ٣/ ٩١٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢١): ص ٨/ ١٧١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٢): ص ٨/ ١٧١ - ١٧٢.","vol":"7","page":99},{"text":"والثاني: ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، وهو قول عطاء (١).\nوالثالث: ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، وهو قول قتادة (٢).\nقال الطبري: والصواب\" أن الله جل ثناؤه بيَّن لعباده المحرَّمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين، أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا\" (٣).\nقال ابن الجوزي: \" قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبيﷺ- «أن تنكح المرأة على عمتها أو أعلى خالتها» (٤)، وليس هذا على سبيل النسخ.\nوقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث (٥)، وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، \"أي: إِرادة أن تطلبوا النساء بطريق شرعي فتدفعوا لهن المهور حال كونكم متزوجين غير زانين\" (٧).\nقال الماوردي: \" يعني أن تلتمسوا بأموالكم إما شراء بثمن، أو نكاحًا بصداق، يعني متناكحين غير زانين \" (٨).\nقال السدي: \"، يقول: محصنين غير زُنَاة\" (٩).\nعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في \"قوله: ﴿محصنين﴾، قال: متناكحين، غير مسافحين، قال: زانين بكل زانية\" (١٠). وفي رواية أخرى عن مجاهد: \" ﴿محصنين﴾: متناكحين غير مسافحين، السفاحُ الزِّنا\" (١١).\nقال سليمان بن المغيرة: \"سئل الحسن وأنا أسمع، ما المسافحة؟ قال: هي التي لا يزني إليها رجل بعينه إلا تبعته\" (١٢).\nوأصل السفاح: \" صب الماء، ومنه سَفَح الدمع إذا صبَّه، وسَفْح الجبل أسفله لأنه مصب الماء فيه، وسِفَاح الزنى لصب مائه حرامًا\" (١٣).\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿وأحل لكم﴾ [النساء: ٢٤] بفتح الألف والحاء و﴿أحصن﴾ [النساء: ٢٥] مضمومة الألف، وقرأ الكسائي وحمزة ﴿وأحل لكم﴾ مضمومة الألف و﴿أحصن﴾ مفتوحة الألف.\nواختلف عن عاصم فروى عنه حفص ﴿وأحل﴾ و﴿أحصن﴾ مضمومتين، وروى عنه المفضل وأبو بكر ﴿وأحل لكم﴾ و﴿أحصن﴾ بالفتح جميعا، وروي عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ﴿وأحل لكم﴾ بفتح الألف، ووروي عن شيبان عن عاصم ﴿وأحل﴾ بالفتح ﴿فإذا أحصن﴾ بضم الألف (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، \"أي: فما تلذذتم به من النساء بالنكاح فآتوهنَّ مهورهن فريضةً فرضها الله عليكم\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٣): ص ٨/ ١٧٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٤): ص ٨/ ١٧٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ١٧٢.\n(٤) رواه البخاري عن جابر وأبي هريرة ﵄ في كتاب النصح. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١١/ ٦٤.\n(٥) ذكر دعوى النسخ النحاس في ناسخه (١٠٠) بقوله: \"إنها أدخلت في الناسخ والمنسوخ\" كما ذكر النسخ أيضا مكي بن أبي طالب في الإيضاح (١٨٤) معزيا ذلك إلى عطاء، ثم نقض هذا القول وأثبت إحكام الآية بقوله: \"إنما هي مخصصة بالسنة مبينة بها في أن الآية غير عامة والسنة تبين القرآن ولا تنسخه\".\n(٦) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٦١.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٤٧٠ - ٤٧١.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٠٢٧): ص ٨/ ١٧٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (٩٠٢٥): ص ٨/ ١٧٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٠٢٦): ص ٨/ ١٧٤.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٢٩): ص ٣/ ٩١٩.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٤٧١.\n(١٤) انظر: السبعة: ٢٣٠ - ٢٣١.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٤٧.","vol":"7","page":101},{"text":"قال ابن عباس: \" كانت متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة، ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يصلح بحفظ متاعه، فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته، وكان يقول: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾، نسختها ﴿محصنين غير مسافحين﴾، وكان الإحصان بيد الرجل، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء\" (١).\nوقال ابن عباس أيضا: \" والاستمتاع: هو النكاح\" (٢). وروي عن الحسن، ومجاهد والزهري نحو ذلك (٣).\nوقال عبدالله بن مسعود: \" المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث\" (٤).\nقال عبد الرزاق: \" سمعت رجلا يحدث معمرا، قال: أخبرني الأشعث، والحجاج بن أرطاة، أنهما سمعا أبا إسحاق، يحدث عن الحارث، عن علي، قال: \" نسخ المتعة الطلاق، والعدة، والميراث \" قال: وسمعت غير الحجاج، يحدث عن محمد بن علي، عن علي، ونسخت الضحية كل ذبح \" (٥).\nوقال سعيد بن المسيب: \" \" نسخت آية الميراث المتعة \" (٦).\nقال سفيان في قوله: \" ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾، قال: هذا في المتعة كانوا قد أمروا بها قبل أن ينهوا عنها\" (٧).\nقال أبو نضرة: \" قرأت على ابن عباس ﵄، ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء: ٢٤]، قال ابن عباس: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» قال أبو نضرة: فقلت: ما نقرؤها كذلك. فقال ابن عباس: «والله لأنزلها الله كذلك» \" (٨).\nوكان ابن عباس كذلك يقرأ (٩)، وسعيد بن جبير (١٠).\nوقال عبد الله بن أبي مليكة: \"سئلت عائشة ﵂، عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله قال: وقرأت هذه الآية ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء﴾ [المؤمنون: ٥] ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا\" (١١).\nوالراجح من التفسير أن يقال: \" فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله ﷺ، المتعة على غير النكاح الصحيح حرام\" (١٢).\nقال ابن الجوزي: \" وقد روي عن ابن عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك، وقد تكلف قوم من مفسري القراء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ أنه: نهى عن متعة النساء (١٣)، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي ﷺ أجاز المتعة، ثم\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٠): ص ٣/ ٩١٩، وانظر: تفسير ابن المنذر (١٥٩٤): ص ٢/ ٦٤٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣١): ص ٣/ ٩١٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣١): ص ٣/ ٩١٩.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٥٩٥): ص ٢/ ٦٤٤.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٥٩٦): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٥٩٧): ص ٢/ ٦٤٥.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٢): ص ٣/ ٩١٩.\n(٨) المستدرك على الصحيحين (٣١٩٢): ص ٢/ ٣١٩٢، قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه \". وانظر: تفسير الطبري (٩٠٣٦) - (٩٠٤٠): ص ٨/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٦) - (٩٠٤٠): ص ٨/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤٣): ص ٨/ ١٧٨.\n(١١) المستدرك على الصحيحين (٣١٩٣): ص ٢/ ٣٣٤. قال الحاكم «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(١٣) صحيح. أخرج البخاري ٤٢١٦ و٥٥٢٣ ومسلم ١٤٠٧ والنسائي ٦/ ١٢٦ و٧/ ٢٠٢ والترمذي ١١٢١ و١٧٩٤ وابن ماجة ١٩٦١ وأحمد ١/ ٧٩ وسعيد بن منصور ٨٤٨ والحميدي ٣٧ والدارمي ٢/ ١٤٠ وابن حبان ٤١٤٠ و٤١٤٣ وأبو يعلى ٥٧٦ وابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٢ والبيهقي ٧/ ٢٠١ و٢٠٢ من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الإنسية.\n- وله شاهد من حديث الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيها الناس! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا». أخرجه مسلم ١٤٠٦ وأحمد ٢/ ٤٠٤ والدارمي ٢/ ١٤٠ والنسائي ٦/ ١٢٦ وابن ماجة ١٩٦٢ وسعيد بن منصور ٨٤٧ وأبو يعلى ٩٣٨ وعبد الرزاق ١٤٠٤١ والحميدي ٨٤٧ والدارمي ٢/ ١٤٠ وابن الجارود ٦٩٩ وابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٢ وابن حبان ٤١٤٤ و٤١٤٦ و٤١٤٨ والطحاوي ٣/ ٢٥ من حديث الربيع بن سبرة. وانظر «تفسير الشوكاني» ٦٢٩ ..","vol":"7","page":102},{"text":"منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله، وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾، فدل ذلك على النكاح الصحيح\" (١).\nروي الرَّبيع بن سبرة الجهني، عن أبيه: \"أن النبي ﷺ قال: «استمتعوا من هذه النساء»، والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج\" (٢).\nوأما ما روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: \"فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى\"، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافه (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وجهان:\nأحدهما: أنه في التزوج والمهر. قاله ابن عباس (٤)، والحسن (٥).\nعن ابن عباس: \"قوله: ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾، قال: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله\" (٦).\nوالثاني: أنه في زواج المتعة، وقد نسخ آية الميراث المتعة. وهذا قول سعيد بن المسيب (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، قولان:\nأحدهما: أي آتوهن صدقاتهن معلومة، أراد الاستمتاع في النكاح بالمهور، وهذا قول مجاهد (٨)، والحسن (٩)، وابن زيد (١٠)، وأحد قولي ابن عباس (١١). وهو قول الجمهور (١٢).\nوالثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. وهذا قول السدي (١٣)، ومجاهد في إحدى الروايات (١٤)، واستندوا فيه على قراءة أبي بن كعب: \" فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى\" (١٥).\nثم اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة، على قولين:\nأحدهما: أنها محكمة.\nروي شعبة، عن الحكم قال: \"سألته عن هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾، إلى هذا الموضع: ﴿فما استمْتَعتم به منهن﴾، أمنسوخة هي؟ قال: لا قال الحكم: وقال علي ﵁: لولا أن عمر ﵁ نهى عن المتعة ما زنى إلا شَقِيٌّ\" (١٦).\nوالقول الثاني: أنها منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين:\nأحدهما: بإيجاب العدة.\nعن عطاء عن ابن عباس ﵄: \" ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ فنسختها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] \" (١٧).\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٣٩٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٠٤٤): ص ٨/ ١٧٨، ورواه البيهقي ٧: ٢٠٣، وروى أحمد في المسند حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة، مطولا ومختصرًا، من أوجه كثيرة (٣: ٤٠٤ - ٤٠٥).\nوكذلك رواه مسلم ١: ٣٩٥ - ٣٩٦، مطولا ومختصرًا.\n(٣) انظر: تفسير الطبرٍي: ٨/ ١٧٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣٣): ص ٣/ ٩١٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣٤): ص ٣/ ٩١٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٣): ص ٣/ ٩١٩.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣٥): ص ٣/ ٩١٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٠): ص ٨/ ١٧٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٩): ص ٨/ ١٧٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٢): ص ٨/ ١٧٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٨): ص ٨/ ١٧٥.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٩٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٣): ص ٨/ ١٧٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٤): ص ٨/ ١٧٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤١): ص ٨/ ١٧٩.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٠٤٢): ص ٨/ ١٧٨.\n(١٧) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٣٦٣، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤، وقال: \"أخرجه أبو داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄\". وذكر النحاس في ناسخه: (١٠٣) قول النسخ عن ابن عباس من طريق عثمان بن عطاء.","vol":"7","page":103},{"text":"والثاني: أنها نسخت بنهي رسول الله ﷺ عن المتعة (١).\nقال ابن الجوزي: \" وهذا القول ليس بشيء لوجهين:\nأحدهما: أن الآية سيقت لبيان عقدة النكاح بقوله: ﴿محصنين﴾ أي: متزوجين، عاقدين النكاح، فكان معنى الآية ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن، وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهى عنه، ولا حاجة إلى التكلف، وإنما أجاز المتعة رسول الله ﷺ ثم منع منها.\nوالثاني: أنه لو كان ذلك لم يجز. نسخه بحديث واحد\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: \" ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة\" (٣).\nقال ابن عباس: \" والتراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيرها\" (٤).\nوقال ربيعة: \" يقول الله تعالى: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به إن أعطت زوجها من بعد الفريضة أو صنعت إليه، فذلك الذي قال\" (٥).\nعن مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿من بعد الفريضة﴾، يعني: ما بعد تسمية الأول\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، أربعة أوجه:\nأحدها: معناه لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أعسرتم بعد أن فرضتم لِنِسَائكم مهرًا عن تراض أن ينقصنكم منه ويتركنكم، وهذا قول سليمان بن المعتمر (٧).\nوالثاني: لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضتيم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل بينكم أن يزدنكم في الأجل وتزيدوهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهذا قول السدي (٨).\nضعّفه الطبري وقال: بأنه \" قولٌ لا معنى له، لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين\" (٩).\nوالثالث: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به ودفعتموه أن يعود إليكم عن تراض، وهذا قول ابن عباس (١٠).\nوالرابع: ولا جناح عليكم فيما وضَعتْ عنكم نساؤكم من صَدُقاتهن من بعد الفريضة. قاله ابن زيد (١١).\nوالراجح من التفسير أن يقال: \" ولا حرج عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حطِّ ما وجب لهنَّ عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [سورة النساء: ٤] \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، أي: \" إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره\" (١٣).\n_________\n(١) قال ابن حزم الأنصاري في ناسخه ص: ٣٣١، أن هذه الآية منسوخة بحديث مسلم عن سبرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني كنت أحللت هذه المتعة، ألا وإن الله ورسوله قد حرماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب\".\nوذكر ابن خزيمة في ناسخه (٢٧٠) بأن هذه الآية منسوخة بالطلاق والعدة وبنهي المتعة.\n(٢) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٦٤.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٦): ص ٣/ ٩٢٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٧): ص ٣/ ٩٢٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٨): ص ٣/ ٩٢٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤٥): ص ٨/ ١٨٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤٦): ص ٨/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ١٨١ - ١٨٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤٧): ص ٨/ ١٨١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤٨): ص ٨/ ١٨١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٨١.\n(١٣) التفسير الميسر: ٨٢.","vol":"7","page":104},{"text":"قال النحاس: \" أي: هو عليم بما فرض حكيم في النكاح\" (١).\nقال الطبري: أي: \" إن الله كان ذا علم بما يُصلحكم، أيها الناس، في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه، حكيما فيما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا في تقديره وتدبيره لها، وهذا قول الحسن (٣).\nوالثاني: أن القوم شاهدوا عِلمًا وحكمة فقيل لهم إن كان كذلك لم يزل، وهذا قول سيبويه (٤).\nوالثالث: أن الخبر عن الماضي يقوم مقام الخبر عن المستقبل، لأن الأشياء عند الله في حال واحدة، ما مضى وما يكون وما هو كائن. وهذا مذهب الكوفيين (٥).\nقال الزجاج: \" والقولان الأولان هما الصحيحان، لأن العرب خوطبت بما تعقل، ونزل\nالقرآن بلغتها فما أشبه من التفسير كلامها فهو أصح، إذ كان القرآن بلغتها نزل\" (٦).\nالفوائد:\n١ - تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها.\n٢ - جواز نكاح المملوكة باليمين وإن كان زوجها حيًا في دار الحرب إذا أسلمت؛ لأن الإسلام فصل بينهما.\n٣ - وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة مهرها لزوجها شيئًا.\n٤ - دخل في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كلُّ ما لم يذكر في هذه الآية، فإنه حلال طيب. فالحرام محصور والحلال ليس له حد ولا حصر لطفًا من الله ورحمة وتيسيرًا للعباد.\n٥ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و«الحكيم»:\nفمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٧).\nو«الحكيم»: \"هو المحكم لخلق الأشياء. قال تعالى: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١].\nفدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٨).\n\nالقرآن\n﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]\nالتفسير:\nومن لا قدرة له على مهور الحرائر المؤمنات، فله أن ينكح غيرهن، من فتياتكم المؤمنات المملوكات. والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم، بعضكم من بعض، فتزوجوهن بموافقة أهلهن، وأعطوهن مهورهن على ما تراضيتم به عن طيب نفس منكم، متعففات عن الحرام، غير مجاهرات بالزنى، ولا مسرات به باتخاذ أخلاء، فإذا تزوجن وأتين بفاحشة الزنى فعليهن من الحدِّ -وهو الجَلْدُ لا الرَّجْمُ- نصف ما على الحرائر. ذلك الذي أبيح مِن نكاح الإماء بالصفة المتقدمة إنما أبيح لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، وشق عليه\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ٦٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٨٢.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٥.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٥، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٥، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣٣ - ٣٤، والنكت والعيون: ١/ ٤٧١.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢٥.\n(٧) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٨) انظر: شأن الدعاء، للخطابي: ٧٣ - ٧٤.","vol":"7","page":105},{"text":"الصبر عن الجماع، والصبر عن نكاح الإماء مع العفة أولى وأفضل. والله تعالى غفور لكم، رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند العجز عن نكاح الحرائر.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، \" أي: من لم يكن منكم ذا سعة وقدرة أن يتزوج الحرائر والمؤمنات\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ومن لم يجد منكم سعة من مالٍ لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم\" (٢).\nوفي تفسير: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، قولان:\nأحدهما: أنهن الحرائر. وهذا قول ابن عباس (٣)، وروي عن عطية ومجاهد ومقاتل بن حيان وقتادة نحو ذلك (٤).\nوالثاني: أنّ المحصنات العفائف. قاله السدي (٥).\nوفي معنى \"الطوْل\" ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الغنى والسعة الموصل إلى نكاح الحرّة، وهذا قول ابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، ومجاهد (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والسدي (١٠)، وابن زيد (١١)، والشافعي (١٢)، ومالك (١٣).\nوالثاني: هو أن تكون تحته حرة، وهو قول أبي حنيفة (١٤).\nوالثالث: هو الهوى وهو أن يهوى أَمَةً فيجوز أن يتزوجها، إن كان ذا يسار وكان تحته حرة، وهذا قول جابر (١٥)، وربيعة (١٦)، والشعبي (١٧)، وعطاء (١٨).\nوالراجح –والله أعلم-أن \" معنى الطَّوْل في هذا الموضع، السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله ﵎ لم يحرِّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة فأحلَّ ما حرم من ذلك عند غلبة المحرَّم عليه له، لقضاء لذة. فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يُحَلُّ له من أجل غلبة هوًى عنده فيها، لأن ذلك مع وجوده الطولَ إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة ترفع برخصة، كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه، فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسَه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاكَ منه، ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. ولم يرخص الله ﵎ لعبدٍ في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبَه هوى امرأة حرّة أو أمة، أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضّح فساد قول من قال: معنى الطول، في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاحَ الإماء\" (١٩).\nقال الماوردي: \"وأصل الطَوْل: الفضل والسعة، لأن المعنى كالطول في أنه ينال به معالي الأمور، ومنه قولهم ليس فيه طائل أي لا ينال به شيء من الفوائد، فكان هو الأصح من تأويلاته\" (٢٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٨٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٤١): ص ٣/ ٩٢٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٤١): ص ٣/ ٩٢٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٤٢): ص ٣/ ٩٢١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥١): ص ٨/ ١٨٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥٢): ص ٨/ ١٨٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤٩): ص ٨/ ١٨٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥٣): ص ٨/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥٥): ص ٨/ ١٨٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥٦): ص ٨/ ١٨٣.\n(١٢) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٨٢.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٢.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥٩): ص ٨/ ١٨٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٠٥٧)، و(٩٠٥٨): ص ٨/ ١٨٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٠٦٠): ص ٨/ ١٨٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٠٦١): ص ٨/ ١٨٤.\n(١٩) تفسير الطبري: ٨/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(٢٠) النكت والعيون: ١/ ٤٧٣.","vol":"7","page":106},{"text":"قال الزمخشري: \" الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول أى زيادة وفضل. وقد طاله طولا فهو طائل. قال (١):\nلقد زادنى حبا لنفسى أننى ... بغيض إلى كل امرىء غير طائل\nومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أى بشيء يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان. والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة «٢» يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة.\" (٢).\nواختلف في إيمان الأمَةِ هل هو شرط في نكاحها عند عدم الطَوْل على قولين:\nأحدهما: أنه شرط لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، وهذا قول مجاهد (٣)، وسعيد (٤)، والحسن (٥)، ومذهب مالك (٦)، والشافعي (٧).\nوالثاني: أنه ندب وليس بشرط، فإن تزوج غير المؤمنة جاز، وهذا قول أبي حنيفة (٨)، ومذهب أهل العراق (٩).\nقال الواحدي: \" والآية حجة عليهم\" (١٠).\nقال الواحدي: \" وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعا عن نكاح الأمة، وإنما يمنع إذا وجد طول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا (١١).\nومنهم من يقول: إذا قدر على طول حرة كتابية منع من نكاح الأمة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (١٢).\nثم قال الواحدي: ويحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأن الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يخالف المنظوم، كقوله: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ [النساء: ١٠١]، ثم لم يكن الخوف مشروطا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: فله أن ينكح من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون\" (١٤).\nعن خصيف قال: \"كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى الشعبي، يسأله عن تزويج الأمة، فقال: إذا وجد الرجل طول الحرة، فتزويج الأمة عليه بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير\" (١٥).\nقال مجاهد: \" لا ينبغي للحر المسلم أن يتزوج المملوكة من أهل الكتاب\" (١٦). وروي عن الحسن ومكحول وقتادة نحو ذلك (١٧).\n_________\n(١) البيت للطرماح في \"ديوانه\" ص ١٠٠، و\"الأغاني\" ١٢/ ٥٠، و\"الحيوان\" ٣/ ١١٢، و\"الشعر والشعراء\" ص ٥٨٥، و\"ديوان الحماسة\" ١/ ٧٦، و\"عيون الأخبار\" ٣/ ١١٢، و\"الوساطة\" ص ٢٤٧، و\"المثل السائر\" ٢/ ٣٥٣، و\"الكشاف\" ١/ ٥٣١، و\"البحر\" ٣/ ٢٠٤ ..\n(٢) الكشاف: ١/ ٤٩٩.\n(٣) انظر: تفسيره: ١/ ١٥٢.\n(٤) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٤٥٢، ولم أقف عليه ..\n(٥) أورد الأثر عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٤، وعزاه لابن أبي شيبة ..\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٤٠ ..\n(٧) انظر: الأم: ٥/ ٦، وأحكام القرآن\" للهراسي ٢/ ٢٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٤٠ ..\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٣.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي ٥/ ١٤٠ ..\n(١٠) التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٣.\n(١١) انظر \"المجموع شرح المهذب\" ١٧/ ٣٤٤، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره \"أحكام القرآن\" ١/ ٣٩٣، وانظر: القرطبي ٥/ ١٣٨ ..\n(١٢) هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: \"المجموع\" ١٧/ ٣٤٤، والقرطبي ٥/ ١٣٨ ..\n(١٣) التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٤٣): ص ٣/ ٩٢١.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٤٦): ص ٣/ ٩٢١.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥١٤٦): ص ٣/ ٩٢١.","vol":"7","page":107},{"text":"قال ابن عباس: \"قوله: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فلينكح من إماء المؤمنين\" (١). وروي عن السدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢).\nوعن ابن عباس، \"قوله: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾، فكانوا في حلال ما ملكت أيمانهم من الإماء كلهن، ثم أنزل الله سبحانه بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء، وأن يجمع بين الأختين، والأخت من الرضاعة، والأم من الرضاعة، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حرمن حرة أو أمة\" (٣).\nقال الواحدي: \" ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جارية نفسه بالإجماع، ومعنى قوله: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يقولن أحدكم: عبدي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي» (٥).\nوقال ابن السكيت: يقال: (تفتت) (١) الجارية، إذا راهقت فخدرت (٦) ومنعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتية. ويقال للجارية الحدثة: فتاة، وللغلام: فتى (٧).\nأبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفتي في السن. وأنشد (٨):\nإذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء (٩)\nفالفتاة الشابة، والفتاة الأمة، عجوزا كانت أو شابة؛ لأنها كالشابة في أنه لا توقر توقير الكبير (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: \" والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم\" (١١).\nقال مقاتل بن حيان، \"ثم قال في التقديم: والله أعلم بإيمانكم\" (١٢)،\nقال الطبري: \" أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله منكم\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي اعملوا على ظاهركم في الإيمان\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: \" فلينكح بعضكم من بعض\" (١٥).\nقال مقانل بن حيان: \" قوله: ﴿بعضكم من بعض﴾ يقول: بعضكم من بعض \" (١٦).\nقال الطبري: \" هذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وتأويل ذلك: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فلينكح بعضكم من بعض بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا\" (١٧).\nوذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وجهين:\nأحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من تزوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: ﴿بعضكم من بعض﴾ أي: في النسب (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٤٥): ص ٣/ ٩٢١.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥١٤٥): ص ٣/ ٩٢١.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٤٤): ص ٣/ ٩٢١.\n(٤) التفسير البسيط: ٦/ ٤٥١.\n(٥) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٤٩) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد ..\n(٦) أي: ألزمت الخدر وسترت في البيت. حاشية ٢ من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).\n(٧) انظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا) ..\n(٨) البيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه ١/ ٢٠٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٧ (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٦٢.\n(٩) انظر: غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٣٣٣، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٧٣٠ \"فتا\".\n(١٠) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٢.\n(١١) التفسير الميسر: ٨٢.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٤٧): ص ٣/ ٩٢١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ١٩١.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٤٠.\n(١٥) تفسير الطبري: ٨/ ١٩١.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٤٨): ص ٣/ ٩٢١.\n(١٧) تفسير الطبري: ٨/ ١٩١.\n(١٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤١، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٥، والتفسير البسيط: ٦/ ٤٥٣.","vol":"7","page":108},{"text":"والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضا، ويلابس بعضا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي (١):\nفقلت ما أنا ممن لا يواصلني ... ولا ثوائي إلا ريث أحتمل\nأي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزوج الأمة (٢).\nقال الزجاج: ويقوي هذا الوجه، \" لأنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد\" (٣).\nوالى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: \"المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض \" (٤).\nقال الزجاج: \" وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعير بالهجنة، كانوا يسمون ابن الأمة الهجين، فأعلم الله - ﷿ - أن أمر العبيد وغيرهم مستوفى الإيمان (٥).\nوإنما حرم التزوج بالأمة إذا وجد إلى الحرة سبيل لسببين (٦):\nأحدهما: أن ولد الحر من المملوكة مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيا.\nوالثاني: أن الأمة مستخدمة في الحاجات، ممتهنة بكثرة عشرة الرجال وذلك شاق على الزوج.\nقال الزجاج: \" فلذلك كره تزوج الحر بالأمة، فأما المفاخرة بالأحساب والتعيير بالأنساب فمن أمر الجاهلية\" (٧).\nوفي هذا السياق يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أربع في أمتي من الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ودرع من جرب» (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: فتزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن\" (٩).\nقال السدي: \" فلتنكح الأمة بإذن أهلها\" (١٠). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١١).\nوقال مقاتل بن حيان: \" يعني: بإذن أربابهن\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥]، \" أي: ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفسٍ ولا تبخسوهن منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إِماء\" (١٣).\nقال ابن زيد: \" ﴿وآتوهن أجورهن﴾، قال: الصداق\" (١٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: مهورهن بالمعروف\" (١٥).\nقال الطبري: \" ويعني بقوله: ﴿بالمعروف﴾: على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن\" (١٦).\n_________\n(١) ديوانه\" ص ١٩٧، \"أساس البلاغة\" ص ١٨٦ (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى ..\n(٢) انظر: \"معانى الزجاج\" ٢/ ٤، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٤٥٣.\n(٣) معاني الزجاج\" ٢/ ٤١.\n(٤) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٤، ولم اقف عليه.\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٤.\n(٦) انظر: انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤١، والتفسير البسيط للوحدي: ٦/ ٤٥٤.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٤١.\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢١٠٣): ص ٣/ ٣٩٠، و\"أحمد (٢٣٢٩١): ص ٥/ ٣٤٢، وفي (٢٣٢٩٢): ص ٥/ ٣٤٣، وفي (٢٣٣٠٠): ص ٥/ ٣٤٤، و\"مسلم\" (٢١١٦): ص ٣/ ٤٥، و\"أبو يعلى\" ١٥٧٧، و\"ابن حبان\" (٣١٤٣).\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٤٩): ص ٣/ ٩٢٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٤٩): ص ٣/ ٩٢٢.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٥٠): ص ٣/ ٩٢٢.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٤) أخرجه الطبري (٩٠٧٣): ٨/ ١٩٢.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٥١): ص ٣/ ٩٢٢.\n(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ١٩٢.","vol":"7","page":109},{"text":"قال الواحدي: \" ﴿بالمعروف﴾: من غير مطل وضرار، والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: عفيفات غير مجاهرات بالزنى\" (٢).\nقال ابن عباس: \" يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية\" (٣). وفي رواية أخرى: \"، المسافحات المعالنات بالزنا\" (٤).\nقال السدي: \" أما المحصنات فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة والمحصنات العفائف غير مسافحة، والمسافحة، المعالنة بالزنا\" (٥).\nقال قتادة: \" المسافحة: البغيّ التي تؤاجر نفسها من عَرَض لها\" (٦).\nقال الضحاك: \" أما المحصنات، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة. وأما المسافحات، فهن المعالنات بغير مهر\" (٧).\nقال ابن زيد: \"المسافح الذي يَلقى المرأة فيفجر بها ثم يذهب وتذهب \" (٨).\nقال الواحدي: \" ﴿غير مسافحات﴾ أي: غير زواني، وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: ولا متسترات بالزنى مع أخدانهن\" (١٠).\nقال السدي: \" ولا متخذة صديقًا\" (١١).\nعن مجاهد في قوله: \" ﴿ولا متخذات أخدان﴾، قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل\" (١٢).\nقال قتادة: \" وذات الخدن: ذات الخليل الواحد. فنهاهم الله عن نكاحهما جميعًا\" (١٣).\nقال الضحاك: \" وأما متخذات أخدان، فذات الخليل الواحد المستسرَّة به، نهى الله عن ذلك\" (١٤).\nقال ابن زيد: \" المخادن، الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك الأخدان \" (١٥).\nقال ابن عباس: \" ﴿ولا متخذات أخدان﴾، ذات الخليل الواحد قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأنعام: ٥١] \" (١٦).\nقال عامر: \" الزنا زناءان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة سَوْمًا، ثم قرأ: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ \" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: فإِذا أُحصنَّ بالزواج ثم زنين فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنى\" (١٨).\nقال ابن عباس: \" يعني: إذا تزوجت حرا ثم زنت\" (١٩). وروي عن الشعبي، وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقتادة نحو ذلك (٢٠).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٠٧٤): ص ٨/ ١٩٣.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٠٧٥): ص ٨/ ١٩٣.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٠٧٧): ص ٨/ ١٩٤.\n(٦) أخرجه الطبري (٩٠٨٠): ص ٨/ ١٩٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٠٨١): ص ٨/ ١٩٤ - ١٩٥.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٠٨٣): ص ٨/ ١٩٥.\n(٩) التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٥.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٠٧٧): ص ٨/ ١٩٤.\n(١٢) أخرجه الطبري (٩٠٧٨): ص ٨/ ١٩٤.\n(١٣) أخجه الطبري (٩٠٨٠): ص ٨/ ١٩٤.\n(١٤) أخرجه الطبري (٩٠٨١): ص ٨/ ١٩٤ - ١٩٥.\n(١٥) أخرجه الطبري (٩٠٨٣): ص ٨/ ١٩٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٠٧٥): ص ٨/ ١٩٣.\n(١٧) أخرجه الطبري (٩٠٧٦): ص ٨/ ١٩٤.\n(١٨) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٠): ص ٣/ ٩٢٤.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٦٠): ص ٣/ ٩٢٤ ..","vol":"7","page":110},{"text":"قال سعيد بن جبير: \" ﴿فإن أتين بفاحشة﴾، يقول: فإن جئن بالزنا\" (١). \" فعلى الولاية نصف ما على الحرة من الجلد وهي خمسون جلدة\" (٢). وروي عن السدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٣).\nعن ابن عباس: \" قوله: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، قال: من الجلد\" (٤). وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك (٥).\nقال الزجاج: \" أي: عليهن نصف الحد، والحد مائة جلدة على الحر والحرة غير المحصنين، وعلى المحصنين الرجم، إلا أن الرجم قتل، والقتل لا نصف له، فإنما عليهن نصف الشيء الذي له نصف وهوالجلد\" (٦).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، قرأ بفتح الألف حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (٧)، ومعنى ذلك أسلمن، فيكون إحصانها ها هنا إسلامها (٨). وهذا قول ابن مسعود (٩)، وإبراهيم (١٠)، والشعبي (١١)، والزهري (١٢)، والسدي (١٣)، وسالم (١٤)، والقاسم (١٥).\nوقرأ الباقون بضم الألف (١٦)، ومعنى ذلك تزوجن، فيكون إحصانها ها هنا تزويجها (١٧). وهذا قول ابن عباس (١٨)، ومجاهد (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، والحسن (٢١)، وقتادة (٢٢).\nقال الطبري: \" أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ، فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل، وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه. لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله ﷺ، الحدّ، فقال ﷺ: «إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها. ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ» (٢٣)، وقال ﷺ: «أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم» (٢٤)، فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج. فالحدود واجبةٌ على مَوالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمرِ رسول الله ﷺ\" (٢٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٥٩): ص ٣/ ٩٢٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٢): ص ٣/ ٩٢٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٦٢): ص ٣/ ٩٢٤ انظر: .\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٣): ص ٣/ ٩٢٤.\n(٥) انظر: تسير ابن أبي حاتم (٥١٦٣): ص ٣/ ٩٢٤ انظر: .\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٤١.\n(٧) انظر: السبعة: ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ١٩٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٠٨٨) - (٩٠٩٤): ص: ٨/ ١٩٩ - ٢٠٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٩٥): ص ٨/ ٢٠٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٩٦): ص ٨/ ٢٠٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٠٩٧): ص ٨/ ٢٠٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٠٩٨): ص ٨/ ٢٠٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٠٩٩): ص ٨/ ٢٠٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٠٩٩): ص ٨/ ٢٠٠.\n(١٦) انظر: السبعة: ٢٣٠ - ٢٣١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ١٩٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩١٠٠) - (٩١٠٢): ص ٨/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩١٠٣): ص ٨/ ٢٠٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩١٠٤): ص ٨/ ٢٠٢.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩١٠٥): ص ٨/ ٢٠٢.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩١٠٦): ص ٨/ ٢٠٢.\n(٢٣) حديث صحيح، رواه الطبري من غير إسناد، وكأنه من مسند أبي هريرة، رواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح ٤: ٣٥٠/ ١٢: ١٤٣ - ١٤٧) ومسلم ١٢: ٢١١ / وأحمد في مسنده رقم: ٧٣٨٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٨: ٢٤٢ - ٢٤٤، من طرق.\n(٢٤) رواه أحمد في مسنده رقم: ٧٣٦، ١١٣٧، ١١٤٢، ١٢٣٠ / والسنن الكبرى للبيهقي ٨: ٢٤٣. وانظر تخريجه في تفسير ابن كثير ٢: ٤٠٦ ..\n(٢٥) تفسير الطبري: ٨/ ١٩٦ - ١٩٧.","vol":"7","page":111},{"text":"قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: إِنما يباح نكاح الإِماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى\" (١).\nقال الشافعي: \" ولا في نكاح الأمة إلا كما وصفتُ في أصل نكاحهن، إلا بأن لا يجد الرجل الحرّ بصداق أمة طولًا لحرّة، وبأن يخاف العنت، والعنت: الزنا\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ﴿العنت﴾: الزنا وهو الفجور، فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا ألا يقدر على حرة وهو يخشى العنت\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: تزوج الإماء جائز لمن خاف العنت، والعنت في اللغة المشقة الشديدة. يقال من ذلك: أكمة عنوت إذا كانت شاقة\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، أربعة أوجه:\nأحدها: الزنى، وهو قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وعطية (٨)، والضحاك (٩)، وعمرو بن دينار (١٠)، ومقاتل بن حيان (١١)، وبه قال الشافعي (١٢).\nوالثاني: أن العنت الإثم (١٣).\nوالثالث: أنه العقوبة التي تُعْنِته، وهي الحدّ (١٤).\nوالرابع: هو الضرر الشديد في دين أو دنيا. وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وهذا قول الإمام الطبري (١٥).\nوالراجح-والله أعلم- أنه تعالى \"عمّ بقوله: ﴿لمن خشي العنت منكم﴾، جميعَ معاني العنت. ويجمع جميعَ ذلك الزّنا، لأنه يوجب العقوبةَ على صاحبه في الدنيا بما يُعنت بدنه، ويكتسب به إثمًا ومضرّة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهلُ التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذةً وقضاءَ شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوبٌ إليه موصوف به، إن كان للعنت سببًا\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، \"أي: وإن صبركم وتعففكم عن نكاحهن أفضل، لكمً\" (١٧).\nقال الطبري: \" وأنْ تصبروا، أيها الناس، عن نكاح الإماء خير لكم\" (١٨).\nقال الزجاج: \" أي: الصبر خير لكم لما وصفنا من أن الولد يصيرون عبيدا\" (١٩).\nقال الماوردي: \" يعني الصبر عن نكاح الأمَةِ لئلا يكون ولده عبدًا\" (٢٠).\nعن عن ابن عباس: \" ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾، قال: وأن تصبروا عن الأمة، خير لكم\" (٢١)، وروي عن سعيد بن جبير (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، وقتادة (٢٤)، وعطية (٢٥)، وطاوس (٢٦)، والحسن (٢٧)، والسدي (٢٨)، وجابر بن زيد (٢٩)، ومقاتل بن حيان (٣٠) نحو ذلك.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٢) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٨٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٤): ص ٣/ ٩٢٤.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩١١١) - (٩١١٣): ص ٨/ ٢٠٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩١١٠): ص ٨/ ٢٠٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩١١٤): ص ٨/ ٢٠٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩١١٦)، و(٩١١٧): ص ٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩١١٨): ص ٨/ ٢٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٦٤): ص ٣/ ٩٢٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٦٤): ص ٣/ ٩٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٨٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٦، والنكت والعيون: ١/ ٤٧٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٦.\n(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٧.\n(١٧) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(١٨) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٧.\n(١٩) معاني القرآن: ٢/ ٤٢.\n(٢٠) النكت والعيون: ١/ ٤٧٣.\n(٢١) أخرجه الطبري (٩١٢٨): ص ٨/ ٢٠٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩١٢١): ص ٨/ ٢٠٧.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩١٢٢): ص ٨/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٩١٢٥): ص ٨/ ٢٠٨.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩١٢٦): ص ٨/ ٢٠٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩١٢٧): ص ٨/ ٢٠٨.\n(٢٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥١٦٥): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٢٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥١٦٥): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٢٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥١٦٥): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٣٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥١٦٥): ص ٣/ ٩٢٥.","vol":"7","page":112},{"text":"قال السدي: \"، يقول: وأن تصبرَ ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خيرٌ لك\" (١).\nقال الواحدي: \" أباح الله تعالى نكاح الأمة بشرطين:\nأحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطول.\nوالثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: ﴿وأن تصبروا﴾ يريد: عن تزوج الإماء، ﴿خير لكم﴾ ألا يصير الولد عبدا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: والله \"واسع المغفرة عظيم الرحمة\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿والله غفور رحيم﴾، أي: غفر الذنب\" (٤)، \" قوله: رحيم قال: يرحم العباد على ما فيهم\" (٥).\nالفوائد:\n١ - جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر.\n٢ - وجوب إقامة الحد على من زنت من الإماء إن أحصن بالزواج والإسلام.\n٣ - الصبر على العزوبة خير من ١ الزواج بالإماء لإرشاد الله تعالى إلى ذلك.\n٤ - لعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما.\n٥ - ويستفاد من قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أنّ الولد من أمه، فمن أخذ ذات دين فولده منها يكون إن شاء الله ذا دين.\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك\" (٦).\nالقرآن\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]\nالتفسير:\nيريد الله تعالى بهذه التشريعات، أن يوضح لكم معالم دينه القويم، وشرعه الحكيم، ويدلكم على طرق الأنبياء والصالحين من قبلكم في الحلال والحرام، ويتوب عليكم بالرجوع بكم إلى الطاعات، وهو سبحانه عليم بما يصلح شأن عباده، حكيم فيما شرعه لكم.\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، \" أي: يريد الله أن يفصّل لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" من تحريم الأمهات والبنات\" (٨).\nقال عطاء: \"يبين لكم ما يقربكم منه\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩١٢٣): ص ٨/ ٢٠٨.\n(٢) التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٤٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٨): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٩): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٦) رواه البخاري: في النكاح - باب الأكفاء في الدين: ٩/ ١٣١. ومسلم: في النكاح - باب: استحباب نكاح ذات الدين برقم (١٤٦٦) ٢/ ١٠٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٩/ ٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٩): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٦٠١.","vol":"7","page":113},{"text":"وقال الكلبي: \"يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم\" (١).\nقال الثعلبي: أي: \" يريد الله أن يبين شرائع دينكم ومصالح أمركم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني أن يبين لكم\" (٣).\nقال الزمخشري: \" أصله: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في: لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم\" (٤).\nقال الأخفش: \" معناه: يريد هذا ليبين لكم، قال الشاعر (٥):\nأريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل\nفمعناه: أريد هذا الشيء لأنسى ذكرها\" (٦).\nقال الفراء: \" العرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرا من ذلك قول الله ﵎: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ (٧)، و﴿يريدون ليطفؤا﴾ (٨)، وقال في الأمر في غير موضع من التنزيل، ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ (٩)، وهي في قراءة عبد الله، ﴿وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين﴾ \" (١٠).\nقال الزجاج: \" قال الكوفيون معنى اللام معنى أن، وأردت، وأمرت، تطلبان المستقبل، لا يجوز أن تقول: أردت أن قصت، ولا أمرت أن قمت، ولم يقولوا لم لا يجوز ذلك. وهذا غلط أن تكون لام الجر تقوم مقام \" أن \" وتؤدي معناها، لأن ما كان في معنى أن دخلت عليه اللام. تقول: جئتك لكي تفعل كذا وكذا، وجئت لكي تفعل كذا وكذا. وكذلك اللام في قوله: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾، كاللام في «كي»، المعنى: أراده الله ﷿ للتبيين لكم.\nأنشد أهل اللغة (١١):\nأردت لكيما لا ترى لي عبرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل\nوأنشدنا محمد بن يزيد المبرد (١٢):\nأردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيسر والوفود شهود\nفأدخل هذه اللام على \" كي \"، ولو كانت بمعنى أن لم تدخل اللام عليها، وكذلك أردت لأن تقوم، وأمرت لأن أكون مطيعا، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون﴾ [يوسف: ٤٣]، أي: إن كنتم عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله - ﷿ - أيضا: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أي: الذين هم رهبتهم لربهم\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، \"أي: يرشدكم إِلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم\" (١٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" كذلك كان سنة الذين من قبلكم\" (١٥).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: شرائع هدى من كان قبلكم من المؤمنين من تحريم النسب والصهر\" (١٦).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\"٤/ ٤١ أ، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٤٨، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٩٨، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٢.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٠.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٨.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(٥) البيت لكثير في ديوانه\" ص ١٠٨، \"المحتسب\" ٢/ ٣٢، والبيت غير منسوب في: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٦٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٠، وتفسير القرطبي: ٥/ ١٤٨، ولسان العرب: ٣/ ١٨٨.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ١٦٩.\n(٧) [سورة النساء: ٢٦].\n(٨) [سورة الصف: ٨].\n(٩) [سورة الأنعام: ٧١].\n(١٠) معاني القرآن: ٣/ ٢٨٢.\n(١١) انظرم البيت في همع الهوامع\" ٢/ ٣٧١، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٤٨٦، و\"اللسان\" (أثل)، و\"الأمالي\" ٢/ ٤٦.\n(١٢) البيت غير منسوب في الطبري ٥/ ٢٧، \"الإنصاف\" للأنباري ص ٤٦٦. وجاء في حاشيته: .. وشنا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي ..\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٤٢ - ٤٣.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٩): ص ٣/ ٩٢٥.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٨.","vol":"7","page":114},{"text":"قال الزجاج: \" أي يدلكم على طاعته كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم، ومعنى ﴿سنن الذين من قبلكم﴾، أي طرق الذين من قبلكم\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم\" (٢).\nقال ابن أبي زمنين: \" يعني: شرائع من كان قبلكم من المؤمنين فيما حرم عليكم من الأمهات والبنات والأخوات\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وليسددكم سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء\" (٤).\nقال السمعاني: أي: ويرشدكم طرائق الذين من قبلكم من النبين، والصالحين، وقيل: من قوم موسى، وعيسى، الذين هدوا بالحق؛ وذلك أنه حرم عليهم ما حرم على المسلمين من المحارم المذكورات، وقيل: معناه: ويهديكم إلى الملة الحنيفية، ملة إبراهيم\" (٥).\nقال الراغب: \" السنن: جمع السنة أي الطريقة المستقيمة، وأصلها من سن الماء، وعنه استعير من سن السيف لما كان يشبه عند صقله بالماء، واستعير منه سن الفرس، كما يقال: صقل الفرس\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، \"أي: ويقبل توبتكم فيما اقترفتموه من الإِثم والمحارم\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعنى: ويتجاوز عنكم من نكاحكم، يعنى: من تزويجكم إياهن من قبل التحريم\" (٨).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: يتجاوز عما كان من نكاحكم إياهن قبل التحريم\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيئاتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم\" (١٢).\nقال البغوي: أي: \" ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم التوبة\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، \"أي: والله عليم بأحوال العباد حكيم في تشريعه لهم\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم حكيم بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه\" (١٥).\nقال البغوي: أي: \" ﴿والله عليم﴾ بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، ﴿حكيم﴾، فيما دبر من أمورهم\" (١٦).\nالفوائد:\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ٤٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٦٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٩.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤١٧.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٩٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٨.\n(٩) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٦٢.\n(١٠) الوجيز: ٢٦٠.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٩.\n(١٣) تفسير البغوي: ١/ ٦٠١.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(١٥) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٩.\n(١٦) تفسير البغوي: ١/ ٦٠١.","vol":"7","page":115},{"text":"١ - منة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر.\n٢ - منة الله على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم.\n٣ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و«الحكيم»:\nفمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١).\nو«الحكيم»: \"هو المحكم لخلق الأشياء، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٢).\n\nالقرآن\n﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧]\nالتفسير:\nوالله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن خطاياكم، ويريد الذين ينقادون لشهواتهم وملذاتهم أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، والميل العظيم: أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله\" (٣). زاد ابن الحجر: \" فأنزل الله هذه الآية\" (٤).\nوالثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن السدي: \" ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، قال: هم اليهود والنصارى\" (٦).\nوالثالث: قال الزمخشري: \"وقيل: المجوس: كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت\" (٧).\nقال الطبري: \" هم اليهودُ خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتّباعَ شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحَهنّ، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ويريدُ الذين يحلِّلون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحق فتستحلّوهن كما استحلوا\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، أي: \" والله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن خطاياكم\" (٩).\nقال الصابوني: \"أي يحب بما شرع من الأحكام أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد توبة العبد ليتوب عليه\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أي يدلكم بطاعته على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم\" (١١).\nعن ابن عباس قال: \"مبدأ التوبة من الله\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، أي: \" ويريد الذين ينقادون لشهواتهم وملذاتهم أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٢) انظر: شأن الدعاء، للخطابي: ٧٣ - ٧٤.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥١٧٤): ص ٣/ ٩٢٦. وعزاه إليه في \"الدر\" \"٢/ ٤٩٣\" وهو فيه أطول مما هنا.\n(٤) العجاب: ٢/ ٨٦١.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٥١٧١): ص ٣/ ٩٢٥.\n(٦) تفسير الطبري (٩١٣٣): ص ٨/ ٢١٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٢١٤.\n(٩) التفسير الميسر: ٨٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ٤٣.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٧٠): ص ٣/ ٩٢٥.\n(١٣) التفسير الميسر: ٨٣.","vol":"7","page":116},{"text":"قال الزجاج: \" ي أن تعدلوا عن القصد\" (١).\nقال السدي: \" هم اليهود والنصارى\" (٢).\nقال مجاهد: \"قوله: ﴿يتبعون الشهوات﴾ قال: الزنا\" (٣). وروي عن ابن عيينة نحو ذلك (٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" والميل العظيم: أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله\" (٥).\nقال السمعاني: \" الميل العظيم: هو أن يفعل فعلا لا يخاف الله فيه، ولا يرقب الناس، وقيل: الميل العظيم باتباع الشهوات\" (٦).\nقال الراغب: \" الميل وإن كان عاما في الميل إلى الخير والشر، فالمقصود به ههنا الجور عن قصد السبيل، ولما كان جميع عبادة الله بالقول المجمل ضربين، صقل العقل، وقمع الشهوة، وكل أمر ونهي فذريعة إليهما، صار اتباع الشهوة سبب كل مذمة، فلذلك عبر بمتبع الشهوات عن الفاسق والكافر، وعلى هذا قوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩].\nفإن قيل: فليس اتباع الشهوات مذموما في كل حال.\nبل منها ما هو محمود؟\nقيل: قد قال بعض المتكلمين وبعض المفسرين: عنى بذلك بعض الشهوات.\nوقال بعضهم: عنى من يتبع الشهوات كلها.\nوالصحيح أن اتباع الشهوة في كل حال مذموم، لأن ذلك هو الائتمار لها من حيث ما دعت، وما سوغ من تعاطي ذلك، فليس جواز تعاطيه من حيث دعت الشهوة إليه، بل من حيث سوغ العقل أو الشرع، فذلك هو اتباع لهما، ويؤكد ذلك قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق\" (٧).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنهم الزناة، وهو قول ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، وعكرمة (١٠)، وابن عيينة (١١).\nوالثاني: أنهم اليهود والنصارى، وهو قول السدي (١٢).\nوالثالث: كل متبع شهوةً في دينه لغير الذي أبيح له، وهو قول ابن زيد (١٣).\nوالراجح –والله أعلم- أن معنى ذلك \"ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله أن تميلوا عن الحق، وعما أذن الله لكم فيه، فتجورُوا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله، وترك طاعته ميلا عظيمًا، لأن الله ﷿ عمّ بقوله: ويريد الذين يتبعون الشهوات، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة\" (١٤).\nوقرئ: ﴿أن يميلوا﴾، بالياء (١٥).\nالفوائد:\n١ - منته تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات.\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ٤٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٧١): ص ٣/ ٩٢٥، والطبري (٩١٣٣): ص ٨/ ٢١٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٧٢): ص ٣/ ٩٢٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٧٢): ص ٣/ ٩٢٦.\n(٥) العجاب: ٢/ ٨٦١.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤١٨.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١١٩٥ - ١١٩٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن المنذر (١٦٣٦): ص ٢/ ٦٥٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩١٢٩) - (٩١٣٢): ص ٨/ ٢١٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن المنذر (١٦٣٦): ص ٢/ ٦٥٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٧٢): ص ٣/ ٩٢٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٧١): ص ٣/ ٩٢٥، والطبري (٩١٣٣): ص ٨/ ٢١٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩١٣٤): ص ٨/ ٢١٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٨/ ٢١٤.\n(١٥) انظر: الكشاف: ١/ ٥٠١.","vol":"7","page":117},{"text":"٢ - الكشف عن نفسية الإنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناة، والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر يود أن يطهر ويصلح كل الناس.\nالقرآن\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]\nالتفسير:\nيريد الله تعالى بما شرعه لكم التيسير، وعدم التشديد عليكم; لأنكم خلقتم ضعفاء.\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، \" أي يريد تعالى بما يسَّر أن يسهّل عليكم أحكام الشرع\" (١).\nقال الطبري: أي: \" يريد الله أن يُيسر عليكم، بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة\" (٢).\nقال الماوردي: أي: \" عن احتمال الصبر عن جماع النساء\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص\" (٤).\nقال السمعاني: \" أي: يسهل عليكم، وقد سهل هذا الدين\" (٥). قالﷺ-: «بعثت بالحنيفية السمحة» (٦)، وقال الله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nقال مجاهد: \"قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، يقول: في نكاح الأمة وفي كل شيء فيه يسر\" (٧).\nقال ابن زيد: \": رخّص لكم في نكاح هؤلاء الإماء، حين اضطُرّوا إليهن\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وجهان:\nأحدهما: أن المراد به نكاح الأمة عند الضرورة. وهو قول مجاهد (٩)، ومقاتل (١٠).\nوالثاني: أن هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا إحسانا منه إلينا، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل بفضله ولطفه. وهذا قول وأبي جعفر الترمذي (١١)، والزمخشري (١٢)، ونسب الواحدي معناه إلى ابن عباس (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، \" أي: وخلق الإنسان عاجزًا عن مخالفة هواه لا يصبر عن إِتباع الشهوات\" (١٤).\nقال الزمخشري: أي: \" لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \"يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مستطيعي الطوْل للحرائر، لأنكم خُلِقتم ضعفاء عجزةً عن ترك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العَنَت على أنفسكم، ولم تجدُوا طولا لحرة، لئلا تزنوا، لقلّة صبركم على ترك جماع النساء\" (١٦).\nقال الحجازي: أي: \" وخلق الإنسان ضعيفا عن مقاومة الشهوات والوقوف أمام تيارات النساء فإنهن حبائل الشيطان. ولهذا نهانا عن الجلوس مع غير المحارم والحديث معهن لغير ضرورة، ونهى النساء عن كشف عوراتهن وتبرجهن وعن إبداء زينتهن\" (١٧).\n_________\n(١).صفوة التفاسير: ٢٤٨\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢١٥.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٤٧٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤١٨.\n(٦) أخرجه أحمد: (٢٢٦٤٧): ص ٥/ ٢٦٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٩١٣٥): ص ٨/ ٢١٥، وابن أبي حاتم (٥١٧٥): ص ٣/ ٩٢٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٩١٣٩): ص ٨/ ٢١٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩١٣٥): ص ٨/ ٢١٥، وابن أبي حاتم (٥١٧٥): ص ٣/ ٩٢٦.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٨.\n(١١) انظر: تفسير القرآن برواية أبي جعفر الترمذي (١٨٦): ص ٨٣.\n(١٢) انظر: الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(١٣) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٤٦٦، ولم أقف على قول ابن عباس، وأنظر \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٣ ..\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٠١.\n(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ٢١٥.\n(١٧) التفسير الواضح: ٣٦٣.","vol":"7","page":118},{"text":"قال طاوس: \" ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، قال: في شأن النساء أي: لا يصبر عنهن\" (١).\nقال وكيع: \"يذهب عقله عندهن\" (٢).\nوقال الزجاج: \" ي يستميله هواه\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يضعف عن الصبر عن الجماع\" (٤).\nوفي رواية أخرى عن طاوس: \" وخلق الإنسان ضعيفًا، قال: في أمر الجماع\" (٥).\nوفي رواية أخرى: \" وخلق الإنسان ضعيفًا، قال: في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء\" (٦).\nقال الحسن: \"هو أن خلقه من ماء مهين، بيانه قول الله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٧) \" (٨).\nقال ابن كيسان: ﴿خلق الإنسان ضعيفا﴾، يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه\" (٩).\nقال الثعلبي: \" قال طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء\" (١٠).\nقال سعيد بن المسيب: \"ما آيس الشيطان من بني آدم إلا أتاه من قبل النساء، وقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف علي فتنة النساء\" (١١).\nوقال مالك بن شرحبيل: \"قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلا رفدا ولا آكل إلا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه علي أنه لا سمع له ولا بصر\" (١٢).\nأخرج الطبري عن عباس: \" عن ابن عباس قال: ثمانِ آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة النساء: ٢٦]، والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا) [سورة النساء: ٢٧]، والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: ٢٨] \" (١٣).\nوقرأ ابن عباس: ﴿وخلق الإنسان﴾، على البناء للفاعل ونصب الإنسان (١٤).\nوفي سياق ضعف وعجز الإنسان قال موسى الكليم ﵊ لنبينا صلوات الله وسلامه عليه ليلة الإسراء حِينَ مر عليه راجعا من عند سدْرة المنتهى، فقال له: \" ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة، في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، ﷿، فقلت: أي رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمسا خمسا، حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها، كتبت حسنة، فإن عملها، كتبت عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب شيئا، فإن عملها، كتبت\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٧٦): ص ٣/ ٩٢٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٧٧): ص ٣/ ٩٢٦.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ٤٤.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ٨٣، وذكره عنه الواحدي: في التفسير البسيط: ٦/ ٤٦٦.\n(٥) أخرجه الطبري (٩١٣٦): ص ٨/ ٢١٥ - ٢١٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٩١٣٨): ص ٨/ ٢١٥ - ٢١٦.\n(٧) [سورة الروم: ٥٤].\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩١.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩١.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩١.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩١.\n(١٣) تفسير الطبري (٩٢٣٤): ص ٨/ ٢٥٧.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٠١.","vol":"7","page":119},{"text":"سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذاك، فقال رسول الله ﷺ: لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحييت\" (١).\nالفوائد:\n١ - من رحمة الله تعالى وإحسانه بعباده، تخفيفه عما يضعف عنه الإنسان وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته.\n٢ - ضعف الإنسان أمام غرائزه لا سيما غريزة الجنس.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، إلا أن يكون وَفْقَ الشرع والكسب الحلال عن تراض منكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه. إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٢٩]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، أي: \" لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير حق\" (٣).\nقال الطبري: أي: \": لا يأكل بعضكم أموالَ بعض بما حرّمَ عليه، من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها\" (٤).\nقال ابن كثير: \" نهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا\" (٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا تِأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه الزنى، والقمار، والبخس، والظلم، وهو قول السدي (٦).\nوالثاني: العقود الفاسدة، وهو قول ابن عباس (٧).\nقال ابن عباس: \" الرجل يشتري السلعة فيردّها ويردّ معها درهمًا\" (٨). وفي رواية أخرى: \"عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوبَ فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل\" (٩).\nوالثالث: أنه نهى أن يأكل الرجل طعام قِرى وأَمَر أن يأكله شِرى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلى قوله: ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾، وهو قول الحسن البصري (١٠)، وعكرمة (١١).\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الأول، \" وذلك أن الله تعالى ذكره حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ الله لم يحلَّ قط أكلَ الأموال بالباطل، وأما قرَى الضيف وإطعام الطعام فقد كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ الله أهلها عليها وَندبهم إليها، وأن الله\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٢٥٣٣): ص ٣/ ١٤٨، و(١٢٥٨٦): ص ٣/ ١٥٣، وعبد بن حميد (١٢١٠)، ومسلم (٣٣٠): ص ١/ ٩٩، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٤٦٦).\n(٢) التفسير الميسر: ٨٣.\n(٣) انظر: صفوة التفاسير: ٢٤٨، والتفسير الميسر: ٨٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٢١٦.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩١٤٠): ص ٨/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩١٤١)، و(٩١٤٢): ص ٨/ ٢١٧.\n(٨) أخرجه الطبري (٩١٤١): ص ٨/ ٢١٧.\n(٩) أخرجه الطبري (٩١٤٢): ص ٨/ ٢١٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩١٤٣): ص ٨/ ٢١٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩١٤٣): ص ٨/ ٢١٨.","vol":"7","page":120},{"text":"لم يحرّم ذلك في عصر من العصور، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه، وإذ كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل. لأن النسخَ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة\" (١).\nقال الطبري: \" في هذه الآية إبانةٌ من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوِّفة المنكرين طلبَ الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، اكتسابًا منا ذلك بها\" (٢).\nقال قتادة: \" التجارةُ رزقٌ من رزق الله، وحلالٌ من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث (٣): أن التاجرَ الأمين الصدوقَ مع السبعة في ظلّ العرش يوم القيامة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، \"أي إِلا ما كان بطريق شرعي كالتجارة عن تراض منكم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] \" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، قولان:\nأحدهما: أن التراضي هو أن يكون العقد ناجزًا بغير خيار، وهو قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد (٧).\nوالثاني: هو أن يخير أحدهما صاحبه بَعد العقد وقبل الافتراق، وهو قول شريح (٨)، وابن سيرين (٩)، والشعبي (١٠).\nوالراجح-والله أعلم- إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين، ما تفرّق المتبايعان عن المجلس الذي تواجبَا فيه بينهما عُقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ: \" كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يَتَفَرقا» (١١)، وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» (١٢)، فإذ كان ذلك عن رسول الله ﷺ صحيحًا، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه: اختر، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده (١٣).\nقال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي ﵀ على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نَصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف الجمهورَ في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقَّرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٢٠.\n(٣) يعني الحديث الصحيح: سَبْعَةٌ يِظلُّهُم الله في ظِلّه يومَ لا ظِلّ إلا ظِلُّهُ: إمَام عادلٌ، وشابٌّ نَشَأَ في عبادة الله، ورجُلٌ قلبه مُعَلَّقٌ بالمسجِد إذَا خَرَجَ مِنْه حَتَّى يَعُودَ إليه، ورجلان تَحابَّا في الله فاجتمعَا على ذلك وافترقَا، ورجُلٌ ذكر الله خاليًا ففاضتْ عيناهُ، ورجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذات مَنْصِبٍ وجَمالٍ فقال: إنّي أخاف الله رَبَّ العالَمين، ورجُلٌ تصدَّق بصدقةٍ، فأخفَاها حتى لا تَعْلَم شِماله ما تنفِقُ يمينُه. رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه: ٣٤٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٩١٤): ص ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٥) انظر: صفوة التفاسير: ٢٤٨، والتفسير الميسر: ٨٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩١٤٩) - (٩١٥٢): ص ٨/ ٢٢٢. .\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩١٥٣): ص ٨/ ٢٢٣. .\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩١٥٤): ص ٨/ ٢٢٣. .\n(١١) وصحيح مسلم: (١٥٣١).\n(١٢) صحيح البخاري: (٢١٠٩).\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٢٧.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦٩.","vol":"7","page":121},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"البَيْعُ عن تَراض والخِيارُ بعد الصَّفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلمًا\" (١).\nقال ابن كثير: \"ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس ... وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما، وجمهورُ السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، ﵀. وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب\" (٢).\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: ﴿تجارة﴾، بالرفع (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أي: \" ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قَتله نفسه، إذ كان القاتلُ والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهُما\" (٥).\nقال الثعلبي: \" يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ثلاثة اوجه:\nأحدها: يعني لا يقتل بعضكم بعضًا، وهذا قول عطاء (٧)، والسدي (٨)، وإنما كان كذلك لأنهم أهل دين واحد فصاروا كنفس واحدة، ومنه قوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].\nوالثاني: نهى أن يقتل الرجل نفسه في حال الغضب والضجر (٩).\nوالثالث: أن يعني: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. وهذا قول الفضل بن عياض (١٠).\nوقرأ الحسن: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ مشددا على التكثير (١١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، أي: \" إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" إن الله ﵎ لم يزل رحيمًا بخلقه، ومن رحمته بكم كفُّ بعضكم عن قتل بعض، أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها، وحظْرِ أكل مال بعضكم على بعض بالباطل، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتمْ وأهلك بعضكم بعضًا قتلا وسلبًا وغصبًا\" (١٣).\nأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص، ﵁، أنه قال لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: \"احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ!» قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩١٤٧): ص ٨/ ٢٢١، قال ابن كثير: ٢/ ٢٦٩: \"هذا حديث مرسل\".\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٦٩.\n(٣) انظر: السبعة: ٢٣١، وتفسير بان كثير: ٢/ ٢٦٨.\n(٤) التفسير الميسر: ٨٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٢٢٩.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩١٦٦): ص ٨/ ٢٢٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩١٦٥): ص ٨/ ٢٢٩.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٥.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٣.\n(١١) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤١٨.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٢٩.","vol":"7","page":122},{"text":"فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله ﷿ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا\" (١).\nوروي عن ابن عباس: \"أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفْتُ أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]﴾ (٤) قال: فسكت عنه رسولُ الله ﷺ\" (٢).\nوروي \"أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولن بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات، فقال ربكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» \" (٣).\nونقل الثعلبي عن سماك عن جابر بن سمرة: \"أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ\" (٤).\nوعن حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: \"ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم﴾، الآية، ثم انساب في الناس فذهب\" (٥).\nالفوائد:\n١ - حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا.\n٢ - إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل.\n٣ - تقرير مبدأ \" إنما البيع عن تراض\" (٦)، و\"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (٧).\n٤ - حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين؛ لأنهم أمة واحدة.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٣٠]\nالتفسير:\nومن يرتكب ما نهى الله عنه من أخذ المال الحرام كالسرقة والغصب والغش معتديًا متجاوزًا حد الشرع، فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها، وكان ذلك على الله يسيرًا.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠]، \"أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتديًا ظالمًا لا سهوًا ولا خطأً\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: ومن يأكلها ويقتل النفس - لأن قوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، أي لا يقتل بعضكم بعضا، فمن فعل ذلك عدوانا وظلما: معنى العدوان أن يعدوا ما أمر به، والظلم أن يضع الشيء في غير\nموضعه\" (١٠).\n_________\n(١) المسند (٤/ ٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) ..\n(٢) رواه الطبراني (١١/ ٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦٤): \"فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب\".\n(٣) صحيح مسلم: ١/ ٧٥ ..\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٣.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٤، وانظر الخبر بطوله في الطبقات الكبرى: ٦/ ٧٨.\n(٦) اخرجه ابن المنذر (١٦٤٢): ص ٢/ ٦٦٠.\n(٧) أخرجه: أحمد ٢/ ٩، عن ابن عمر، والبخاري (٢٠٧٩) كتاب: البيوع، باب: إذا بيَّن البيّعان عن حكيم بن حزام، والدارمي: البيوع، في البيعان بالخيار ٢/ ٣٢٥، عن حكيم، والطبراني في \"الكبير\" ٣/ ١٩٩، عن حكيم، والحاكم: البيوع، البيعان بالخيار ٢/ ١٦، عن سمرة بن جندب، والبيهقي: البيوع، المتبايعان بالخيار ٥/ ٢٦٩، عن ابن عمر.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٤٤.","vol":"7","page":123},{"text":"قال البيضاوي: \" ﴿ومن يفعل ذلك﴾، إشارة إلى القتل، أو ما سبق من المحرمات. عدوانا وظلما إفراطا في التجاوز عن الحق وإتيانا بما لا يستحقه. وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب\" (١).\nقال الجصاص: \" قيد الوعيد بقوله: ﴿عدوانا وظلما﴾ ليخرج منه فعل السهو والغلط وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام إلى حد التعمد والعصيان\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٣٠]، أربعة أقوال:\nأحدها: أنه أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق. وهذا معنى قول سعيد بن جبير (٣)، ومقاتل بن حيان (٤)، وبه قال الزجاج (٥).\nوالثاني: أنه متوجه إلى قتل النفس بغير الحق، وهذا قول عطاء (٦).\nوالثالث: أنه متوجه إلى كل ما نهى عنه من أول سورة النساء، من نكاح من حَرّمت نكاحه، وتعدِّي حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلمًا بغير حق (٧). نسب هذا القول إلى ابن عباس (٨)، واختاره الطبري (٩).\nقال الجصاص: \" والأظهر عوده إلى ما يليه من أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة\" (١٠).\nوالرابع: أنه متوجه إلى قوله تعالى: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، لأن ما قبله مقرون بالوعيد (١١).\nوالخامس: أن هذه الآية فيمن يؤدي الميراث. وهذا قول جرير (١٢).\nوالراجح-والله أعلم- أنه متوجه إلى كل ما نعى عنه من اول السورة من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾، من نكاح المحرمات، وعضل المحرَّم عضلُها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين لأنّ كلّ ذلك مما وعد الله عليه أهلَه العقوبة\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠]، قولان (١٤):\nأحدهما: يعني تعديًا واستحلالًا.\nوالثاني: أنهما لفظتان متقاربتا المعنى فحسن الجمع بينهما مع اختلاف اللفظ تأكيدًا. ذكره الجصاص (١٥)، وأبو هلال العسكري (١٦).\nقال الجصاص: \" وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما; لأنه يحسن مع اختلاف اللفظ، كقول عدي بن زيد (١٧):\nوقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا\nوالكذب هو المين; وحسن العطف لاختلاف اللفظين. وكقول بشر بن حازم (١٨):\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٧١.\n(٢) أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٢٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٨٨): ص ٣/ ٩٢٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٨٨): ص ٣/ ٩٢٨.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٤٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩١٦٧): ص ٨/ ٢٣٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٣٠.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٦٢،، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٤٧١، وتنوير المقباس، بهامش المصحف ص ٨٣.\n(٩) انظرك تفسير الطبري: ٨/ ٢٣٠ - ٢٣١ ..\n(١٠) أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٢٩.\n(١١) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٢٢٩، والنكت والعيون: ١/ ٤٧٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٨٩): ص ٣/ ٩٢٨.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٦.\n(١٥) انظر: أحكام القرآن: ٢/ ٢٢٩.\n(١٦) انظر: الوجوه والنظائر: ٣٢٣.\n(١٧) الرواية المشهورة للبيت:\nوقددت الأديم لراهشيه ... وألغى قولها كذبا ومينا\nوهو لعدي بن زيد في ذيل ديوانه ص ١٨٣ والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣ وجمهرة اللغة ص ٩٩٣ والدرر ٦/ ٧٣ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٦ والشعر والشعراء ١/ ٢٣٣، ولسان العرب (مين) ومعاهد التنصيص ١/ ٣١٠ ..\n(١٨) ديوان بشر بن أبي خازم: ٢٢٣، وانظر: البيت في الحماسة البصرية: ١/ ١٢٠، والكامل: ١/ ٣٠٣، وتاج اللغة وصحاح العربية، باب الـ\"لام\": ص ٥/ ٢٠٢٦، ولسان العرب، فصل \"اللام\": ص ١٢/ ٥٣٣، وتاج العروس، مادة\"ل ام \": ص ٣٣/ ٣٩٤.","vol":"7","page":124},{"text":"فَمَا وَطِئَ الْحَصَى مثلُ ابْنِ سُعْدى ... وَلَا لَبس النِّعالَ ولا احْتَذاها\nوالاحتذاء هو لبس النعل. وكما تقول: بعدا وسحقا، ومعناهما واحد، وحسن لاختلاف اللفظ. والله أعلم\" (١).\nقال الطبري: \" قوله: ﴿عدْوانًا﴾، فإنه يعني به تجاوزًا لما أباح الله له، إلى ما حرمه عليه، ﴿وظلمًا﴾، يعني: فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبًا منه ما قد نهاه الله عنه\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿عدوانا﴾ يعني: اعتداء بغير حق\" (٣)، \" ﴿وظلما﴾، يعني: ظلما بغير حق فيمت على ذلك\" (٤).\nوقرئ: ﴿عدوانا﴾ بالكسر (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]، أي: \" فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها\" (٦).\nقال البغوي: أي: \" ندخله في الآخرة، نارا، يصلى فيها\" (٧).\nقال الزمخشري: \" أى: نارا مخصوصة شديدة العذاب\" (٨).\nقال ابن عمر: \" لما نزلت الموجبات التي أوجب الله عليها النار لمن عمل بها نحو هذه الآية: ﴿فسوف نصليه نارا﴾، ونحوها، كنا نشهد على من فعل شيئا من هذا أنه من أهل النار، حتى نزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فلما نزلت كففنا عن الشهادة، ولم نشهد أنهم في النار، وخفنا عليهم بما أوجب الله لهم\" (٩).\nو﴿نصليه﴾، بتخفيف اللام وتشديدها. و﴿نصليه﴾ بفتح النون من صلاه يصليه. ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير لله تعالى، أو لذلك، لكونه سببا للصلى نارا (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]، أي: وكان ذلك على الله هينًا يسيرًا لا عسر فيه\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" يقول: كان عذابه على الله هينا\" (١٢).\nقال الواحدي: \" معناه: أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به\" (١٣).\nقال النسفي: ﴿يَسِيرًا﴾ أي: \" سهلًا، وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" لأن الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" وكان إصلاءُ فاعل ذلك النارَ وإحراقه بها، على الله سَهْلا يسيرًا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء. وإنما يصعب الوفاءُ بالوعيد لمن توعده، على من كان إذا حاول الوفاءَ به قَدَر المتوعَّد من الامتناع منه. فأما من كان في قبضة مُوعِده، فيسيرٌ عليه إمضاءُ حكمه فيه، والوفاءُ له بوعيده، غيرُ عسير عليه أمرٌ أراده به\" (١٦).\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٢/ ٢٢٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٣١.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٩٠): ص ٣/ ٩٢٩.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٩١): ص ٣/ ٩٢٩.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٥٠٣.\n(٦) التفسير الميسر: ٢٤٨.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٦٠٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٠٣.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٩٢): ص ٣/ ٩٢٩.\n(١٠) انظر: الكشاف: ١/ ٥٠٣.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥١٩٣): ص ٣/ ٩٢٩.\n(١٣) التفسير البسيط: ٦/ ٤٧٢.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٣٥٢.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٠٣.\n(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"7","page":125},{"text":"قال ابن كثير: \" وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد\" (١).\nالفوائد:\n١ - الوعيد الشديد لقاتل النفس عدوانًا وظلمًا بالإصلاء بالنار.\n٢ - إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمدًا ولكن بحق كقتل من قتل والده وابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد.\nالقرآن\n﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]\nالتفسير:\nإن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن كبائر الذنوب كالإشراك بالله وعقوق الوالدين وقَتْلِ النفس بغير الحق وغير ذلك، نكفِّر عنكم ما دونها من الصغائر، وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، \" أي: إِن تتركوا أيها المؤمنون الذنوب الكبائر التي نهاكم الله ﷿ عنها\" (٢).\nقال الزجاج: \" تتركوا نهائيا، والكبائر حقيقتها أنها كل ما وعد الله عليه النار، نحو القتل والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم ... والكبائر ما كبر وعظم من الذنوب\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها مما ذكر ههنا ومالم يذكر\" (٤).\nقال أنس بن مالك: \" ما لكم وللكبائر وقد وعدتم المغفرة، أحسبه قال: وقد وعدكم المغفرة، فيما دون الكبائر \" (٥).\nوعن مجاهد، في قول ﷿: \" ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ قال: الموجبات \" (٦).\nقال قتادة: \" إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر \" (٧).\nقال السمعاني: \" وقيل: باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر\" (٨).\nوذكر أهل التفسير في معنى \"الكبائر\" وجوها:\nأحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها، وهذا قول عبدالله بن مسعود (٩)، وإبراهيم (١٠)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (١١).\nوالثاني: أن كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وهذا قول ابن عباس (١٢)، وابو العالية (١٣)، وعبيدة في روياة ابن سيرين (١٤).\nقال طاوس: \"ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع. قال: هي أكثر من سبع وَسبع! قال سليمان: فلا أدري كم قالها من مرّة\" (١٥). في رواية أخرى: \" قال: هي إلى السبعين أقرب\" (١٦)، وفي رواية أخرى: \" إلى سبع مائة أقرب، إنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار \" (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٧١.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ٤٥.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧١.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٦٧٤): ص ٢/ ٦٧٥.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٦٧٢): ص ٢/ ٦٧٤.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٦٧٥): ص ٢/ ٦٧٥.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩١٦٨) - (٩١٧٥)، (٩١٧٧)، و(٩١٧٨): ص ٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩١٧٦): ص ٨/ ٢٣٤.\n(١١) انظر: تفسير ايبن المنذر (١٦٦٥): ص ٢/ ٦٧٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٢٠١) - (٠٢٠٤): ص ٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥، و(٩٢٠٦) - (٩٢١٠): ص ٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٢٠٥): ص ٨/ ٢٤٥.\n(١٤) انظر: تفسير ايبن المنذر (١٦٦٨): ص ٢/ ٦٧١.\n(١٥) أخرجه الطبري (٩٢٠٤): ص ٨/ ٢٤٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٢٠٩): ص ٨/ ٢٤٦.\n(١٧) أخرجه ابن المنذر (١٦٧٠): ص ٣/ ٦٧١.","vol":"7","page":126},{"text":"والثالث: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وهذا قول عليّ (١)، وعمرو بن عبيد (٢)، وعبيدة (٣).\nوقال عطاء: \": الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف\" (٤).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الكبائر سبع: \"أولهما الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة\" (٥).\nوضمن هذا السياق روي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: \"الكبائر سبع، يتلو بكل واحدة آية: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (٦)، الآية، و﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٧) الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ (٨) الآية، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٩) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ (١٠) الآية كلها\" (١١)، وزاد في روياة أخرى: \" التعرب بعد الهجرة، ثم قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ (١٢) \" (١٣).\nوروي عن صهيب مولى العُتْواريّ: \"أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يومًا فقال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبَّ، فأكبَّ كل رجل، منا يبكي، لا يدري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه وفي وجهه البِشر، فكان أحبَّ إلينا من حُمْر النَّعم، فقال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رَمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل: ادخل بسلام\" (١٤).\nوالرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام، وهذا قول ابن عمر (١٥).\nأخرج ابن أبي حاتم عبيد بن عمير الليثي، أنه حدثه أبوه وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ قال: \"إجتنب الكبائر التي نهى الله عنها، ثم أن رجلا من أصحابه سأله فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هن تسع أعظمهن الشرك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، والسحر وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا\" (١٦).\nوالخامس: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله، وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه (١٧).\nوالسادس: أنها ثلاث: اليأسُ من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وهذا قول ابن مسعود في رواية مجاهد عنه (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩١٧٩): ص ٨/ ٢٣٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩١٨٠)، (٩١٨١): ص ٨/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩١٨٢) - (٩١٨٤): ص ٨/ ٢٣٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٩١٨٦): ص ٨/ ٢٣٨.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٠٢): ص ٣/ ٩٣١، ومسلم كتاب الإيمان رقم ١٨٩/ ٩٢.\n(٦) [سورة النساء: ٤٨، و١١٦]، و[المائدة: ٧٢]، و[الحج: ٣١].\n(٧) [سورة النسا: ٩٣].\n(٨) [سورة النسا: ١٠].\n(٩) [يورة النور: ٢٣] ..\n(١٠) [سورة الأنفال: ١٥] ..\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٠٣): ص ٣/ ٩٣٢.\n(١٢) [سورة محمد: ٢٥].\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٠٤): ص ٣/ ٩٣٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (٩١٨٥): ص ٨/ ٢٣٧ - ٢٣٨. إسناده صحيح.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩١٨٧)، و(٩١٨٨): ص ٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٢٠٠): ص ٣/ ٩٣١.\n(١٦) تفسير اين أبي حاتم (٥٢٠٠): ص ٣/ ٩٣١، والحاكم ٤/ ٢٥٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩١٩٠) - (٩١٢٠٠): ص ٨/ ٢٤٢ - ٢٤٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٢١١): ص ٨/ ٢٤٦.","vol":"7","page":127},{"text":"أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، \"أن رسول الله ﷺ كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: «الشرك بالله والإياس من روح الله والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر» \" (١).\nوالسابع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار، وهذا ابن عباس في إحدى الروايات (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والحسن (٤)، ومجاهد (٥)، والضحاك (٦)، وسهل التستري (٧).\nوالثامن: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها: الزنى (٨)، والعقوق (٩)، والسرقة (١٠)، و\"سب أبي بكر وعمر\" (١١)، والجمع بين الصلاتين من غير عذر (١٢)، والإضرار بالوصية (١٣)، والنهبة (١٤)، البيعة وفراق الجماعة (١٥)، ومنع ماء السيول والعيون والأودية وطروق الفحل (١٦)، وشرب الخمر (١٧)، ويمين الغموس (١٨)،\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٠١): ص ٣/ ٩٣١، قال ابن كثير: وفي اسناده نظر- ٢/ ٢٤٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٢١٢): ص ٨/ ٢٤٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٢١٤)، و(٩٢١٥): ص ٨/ ٢٤٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢١٥): ص ٣/ ٩٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٢١٦)، و(٩٢١٧): ص ٨/ ٢٤٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٢١٨): ص ٨/ ٢٤٧.\n(٧) تفسير التستري: ٥٣.\n(٨) أخرج ابن أبي حاتم (٥١٩٤): ص ٣/ ٩٢٩: عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر، فقال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك، أو أن تقتل ولدك أن يطعم معك، أو أن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ الآية\". [سورة الفرقان آية ٦٨].\nوأخرج ابن المنذر (١٦٧١): ص ٢/ ٦٧١ - ٦٧٣): عن ابن عباس: أن من الكبائر: \" الزنا، لأن الله يقول: ﴿يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ \".\nوانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٩٧): ص ٣/ ٩٣٠. وفيه خبر عن عمرو بن عاص، وسئل عن الخمر فقال: \"والله إن عظيما عند الله شيخ مثلي يكذب في هذا المقام على النبي ﷺ، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته\".\n(٩) أخرج ابن أبي حاتم (٥١٩٥): ص ٣/ ٩٣٠: عن أنس قال: \"سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور، أو قال: قول الزور» \". وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٩٦): ص ٣/ ٩٣٠.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٧٦.\n(١١) هذا قول مغيرة، حسن بن قيس انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٠٦): ص ٣/ ٩٣٢، هو حسين بن قيس ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره، انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٢.\nوقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض الرجل المسلم والسبتان والسبه\". [أخرجه ابن ابي حاتم (٥٢٠٥): ص ٣/ ٩٣٢].\nقال ابن كثير: \"وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة\" [انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٨].\n\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٢٠٧): ص ٣/ ٩٣٢، والترمذي كتاب الصلاة رقم ٥١٨٨/ ٣٥٦: عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبو أب الكبائر\".\nوأخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٠٨): ص ٣/ ٩٣٢: عن معمر، فقال: \" عن أبي قتادة يعني: العدوي قال: قرئ علينا كتاب معمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين، يعني: من غير عذر\".\nقال ابن كثير: هذا اسناد صحيح- ٢/ ٢٤٣.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن (٥٢٠٩): ص ٣/ ٩٣٣: عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: الضرار في الوصية من الكبائر\" ..\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢١١): ص ٣/ ٩٣٣، عن عن أبي قتادة قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر الفرار من الزحف والنهبة\" ..\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢١٢): ص ٣/ ٩٣٣: عن علي قال: \"الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة\" ..\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢١٣): ص ٣/ ٩٣٣: عن ابن بريدة، عن أبيه قال: \"أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل\".\n(١٧) أخرج ابن أبي حاتم (٥١٩٧): ٣/ ٩٣٠ عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في الحجر بمكة، وسئل عن الخمر فقال: \"والله إن عظيما عند الله شيخ مثلي يكذب في هذا المقام على النبي ﷺ، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته\".\nقال ابن كثير: غريب من هذا الوجه ٢/ ٢٤٠.\n(١٨) أخرج ابن أبي حاتم (٥١٩٩): ص ٣/-٩٣١٩٣٠: عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: \"من أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة\".\nوأخرج ابن المنذر (١٦٧١): ص ٢/ ٦٧١ - ٦٧٣): عن ابن عباس: أن من الكبائر: \" اليمين الغموس الفاجرة لأن الله جل وعز يقول: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ \".","vol":"7","page":128},{"text":"و\"الغلول ومنع الزكاة المفروضة، وكتمان الشهادة، وترك الصلاة معتمدا في شيء مما افترضه الله عليه، ونقض العهد وقطيعة الرحم\" (١)\nوالتاسع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال، وهذا قول زيد بن أسلم (٢).\nوالعاشر: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى: ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾ [النساء -٢]، ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ [الإسراء -٣١]، ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان -١٣]، ﴿إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف -٢٨]، ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور -١٦] ﴿إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ [الأحزاب -٥٣]. وهذا قول الحسن بن الفضل (٣).\nوالحادي عشر: أن \"الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يعفو. وهذا قول سفيان الثوري (٤)، واحتج بما روي عن أنس بن مالك من طريق الحسين بن داؤد البلخي، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله ﷿ قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات، تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي\" (٥).\nالثاني عشر: أن الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. قاله مالك بن مغول (٦).\nوالثالث عشر: أن الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة (٧).\nوالرابع عشر: أن الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم ﵇ (٨).\nوالخامس عشر: أن \" الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. وهذا قول السدي (٩)، واحتج بقول النبي ﷺ: \"العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه\" (١٠).\nوالسادس عشر: أن الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، ذكره البوغي عن عبد الواحد (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٦٧١): ص ٢/ ١٧١ - ٦٧٤. بطوله عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله جل وعز: \" ﴿.الذين يجتنبون كبائر الإثم﴾ قال فأكبر الكبائر: الإشراك بالله، لأن الله ﷿ يقول: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ والإياس من روح الله، لأن الله يقول: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾، والأمن لمكر الله، لأن الله ﷿ يقول: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾، ومنها: عقوق الوالدين، لأن الله سبحانه جعل العاق جبارا، عصيا، وشقيا، وقتل النفس التي حرمها الله، لأن الله يقول: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ إلى آخر الآية، وقذف المحصنات، لأن الله يقول: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ وأكل مال اليتيم، لأن الله ﷿ يقول: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ والفرار من الزحف، لأن الله يقول: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾، وأكل الربا، لأن الله ﷿، يقول: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾، والزنا، لأن الله يقول: ﴿يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾، واليمين الغموس الفاجرة لأن الله جل وعز يقول: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ والغلول لأن الله يقول: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾، ومنع الزكاة المفروضة لأن الله جل وعز، يقول: ﴿فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله يقول: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ وشرب الخمر، لأن الله ﷿ عدل بها الأوثان، وترك الصلاة معتمدا في شيء مما افترض الله عليه، لأن رسول الله ﷺ، قال: من ترك الصلاة متعمدا، فقد برئ من ذمة الله ورسوله، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله جل ثناؤه يقول: ﴿لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ \".\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢١٩): ص ٣/ ٩٣٤، قال فيه: \" الشرك، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعا لله ولدا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل، وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل- فإن الله تعالى يعفو السيئات بالحسنات\" ..\n(٣) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.\n(٥) حديث موضوع في إسناده الحسين بن داود، أبو علي البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة، حديثه موضوع. انظر: ميزان الاعتدال: ١/ ٥٣٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٥/ ١٩٧. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني: ٣/ ٤٣٩ رقم (١٢٧٩) ..\n(٦) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.\n(٧) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.\n(٨) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.\n(٩) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.\n(١٠) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤١٢، ٢/ ٣٤٣ عن أبي هريرة، والطبراني وأبو يعلى والبزار وابن حبان عن أبي هريرة. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٦، سنده جيد، وقال المنذري صحيح. وانظر: فيض القدير للمناوي: ٤/ ٣٩٩، والمصنف في شرح السنة: ١/ ١٣٨ ..\n(١١) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٣.","vol":"7","page":129},{"text":"روي عن أنس قال: \"إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات\" (١).\nوالسابع عشر: أن الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله تعالى: \"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\" [النساء -٤٨، ١١٦] (٢).\nقال الطبري: \": وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صحَّ به الخبر، عن رسول الله ﷺ، دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر ويدخل في قتل النفس المحرَّم قتلها، قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار، وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ كل خبر رُوي عن رسول الله ﷺ في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا. وذلك أن الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: هي سبع يكون معنى قوله حينئذ: هي سبع على التفصيل ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور على الإجمال، إذ كان قوله: وقول الزور يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور \" (٣).\nقال أبو السعود: \" واختلف في الكبائر والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد وقيل ما علم حرمته بقاطع وعن النبي ﷺ أنها سبع الإشراك بالله تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، أي: \" نمح عنكم صغائر الذنوب\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي: صغائركم ونمحها عنكم قال المفسرون الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر\" (٦).\nقال الماوردي: \" يعني: من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر، فأما مع ارتكاب الكبائر، فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر\" (٧).\nوروى أبو زيد سعيد بن أوس عن المفضل عن عاصم ﴿يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم﴾ بالياء جميعا وقرأ الباقون بالنون (٨).\nعن السدي قوله: ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾، قال: الصغار\" (٩).\nقال البغوي: \" أي: من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (١٠) \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، أي: \" وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يتقي من محقرات الذنوب: ١١/ ٣٢٩، والمصنف في شرح السنة: ١٤/ ٣٩٨ ..\n(٢) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٤. وقد صنف أبو طالب المكي الكبائر بسبع عشرة: أربعة في القلب: وهي الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره. وأربع في اللسان: وهي شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر. وثلاث في البطن: وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب وأكل مال اليتيم ظلمًا، وأكل الربا وهو يعلم. واثنتان في الفرج، وهما الزنا واللواط. واثنتان في اليد: وهما القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين: وهو الفرار من الزحف. وواحدة في جميع الجسد: وهو عقوق الوالدين. وتعقبه الغزالي بأنه تصنيف غير شامل ويمكن الزيادة عليه. وقال: إن الكبائر على ثلاث مراتب: الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر، ويتلوه الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته، ثم يتلوه البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. المرتبة الثانية: النفوس. المرتبة الثالثة: الأموال. ثم استعرض بقية الجرائم (راجع الإحياء: ١٥/ ٤ - ٢٠).\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧١.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٤٨.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧١.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٤٧٦.\n(٨) انظر: السبعة: ٢٣٢، والحجة للقراء السبعة: ٣/ ١٥٣، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٢١١.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٢٠): ص ٣/ ٩٣٤.\n(١٠) تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٤.\n(١١) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس برقم (٢٣٣): ١/ ٢٠٩، والمصنف في شرح السنة: ٢/ ١٧٧ ..\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٣.","vol":"7","page":130},{"text":"قال البغوي: \" أي: حسنا وهو الجنة\" (١).\nقال أبو السعود: أي حسنا مرضيا وهو الجنة\" (٢).\nقال السدي: \" فالكريم: هو الحسن في الجنة\" (٣).\nوقال قتادة: \" المدخل الكريم: هو الجنة\" (٤).\nقال الزجاج: \" يعني به ههنا الجنة\" (٥).\nوقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا﴾، مفتوحة الميم، وقرأ الباقون: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مدْخَلًا﴾، مضمومة الميم، بمعنى: فتدخلون مدخلا كريما (٦)، كما روي عن عاصم: ﴿ويدخلكم﴾ بالياء، في حين الباقون: ﴿وندخلكم﴾ بالنون (٧).\nقال السمعاني: \" ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾ وتقرأ: ﴿مدخلا﴾ - بفتح الميم-، فالمدخل: الجنة والمدخل بضم الميم: الإدخال، يعني: إدخالا كريما\" (٨).\nالفوائد:\n١ - وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت.\n٢ - الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر. ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ٣.\n٣ - الجنة لا يدخلها إلا ذوو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش.\nالقرآن\n﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢]\nالتفسير:\nولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، في المواهب والأرزاق وغير ذلك، فقد جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن، واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله بدلا من التمني. إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج أحمد وغيره (٩)، عن مجاهد، قال: \"قالت أم سلمة: يارسول الله يغزو الرجال ولانغزو، ولنا نصف الميراث، فانزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ \" (١٠). قال مجاهد: \" ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٥] (١١) \" (١٢). وروى عن مقاتل ابن حيان (١٣)، وخصيف (١٤)، نحو ذلك.\n_________\n(١) تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٤.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٢١): ص ٣/ ٩٣٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٢٢): ص ٣/ ٩٣٥.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٤٥.\n(٦) انظر: السبعة: ٢٣٢، والحجة للقراء السبعة: ٣/ ١٥٣، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٢١١.\n(٧) انظر: السبعة: ٢٣٢، والحجة للقراء السبعة: ٣/ ١٥٣، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٢١١.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢١.\n(٩) وأخرجه الترمذي في كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢٢١\"، وادعى الترمذي الانقطاع بين مجاهد وأم سلمة ﵂، والصواب الاتصال بينهما [حاشية جامع الأصول: ٢/ ٨٧]. وأخرجه كذلك الطبراني في \"الكبير\" \"٢٣/ ٢٨٠\" والحاكم في \"المستدرك\" \"٢/ ٣٠٥\" وقال: \"صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة\" وسكت الذهبي!، وعبدالرزاق في تفسيره: (٥٦٣): ص ١/ ٤٥٠، وابن أبي حاتم (٥٢٢٤): ص ٣/ ٩٣٥، والواحدي في \"الأسباب\": ١٤٩ - ١٥٠، وآخرون. وانظر \"مرويات الإمام أحمد في التفسير\" \"١/ ٣٥٢\" و\"الدر المنثور\" \"٢/ ٥٠٧\" و\"اللباب\" \"ص ٦٧\".\n(١٠) \"المسند: ٦/ ٣٢٢.\n(١١) [سورة الأحزاب: ٣٥].\n(١٢) تفسير الطبري في تفسيره (٩٢٣٧): ص ٨/ ٢٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٢٢٥): ص ٣/ ٩٣٥، وانظر: تفسير مجاهد: ١/ ١٥٤.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٢٢٥): ص ٣/ ٩٣٥، وانظر: تفسير مجاهد: ١/ ١٥٤.","vol":"7","page":131},{"text":"وفي هذا السياق أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس، قال: \" أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ولا تتمنوا﴾: فإنه عدل مني وأنا صنعته\" (١).\nوالثاني: قال مقاتل: \" لما نزلت: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢)، قالت النساء: لم هذا؟ نحن أحق أن يكون لنا سهمان ولهم سهم لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى على التجارة والطلب والمعيشة منا، فإذا لم يفعل الله ذلك بنا فإنا نرجو أن يكون الوزر على نحو ذلك علينا وعليهم فأنزل الله في قولهم كنا نحن أحوج إلى سهمين، قول- سبحانه-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ \" (٣).\nونحو هذ السياق أخرج الطبري عن عبد الرزاق قال: \"أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكة قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال: كان النساء يقلن: ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال، ونغزو في سبيل الله! فقال الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ \" (٤).\nوأخرج الواحدي من طريق خصيف عن عكرمة: \" أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ \" (٥).\nوالثالث: أخرج الطبري عن قتادة: \" كان أهل الجاهلية لا يورَّثون المرأة شيئًا ولا الصبيَّ شيئًا، وإنما يجعلون الميراث لمن يَحْترف وينفع ويدفع، فلما نَجَزَ للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، وجَعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء: لو كان جعل أنصباءَنا في الميراث كأنصباء الرجال! وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث! فأنزل الله: ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾، يقول: المرأة تُجزى بحسنتها عشر أمثالها، كما يُجْزى الرجل، قال الله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ \" (٦). وروي عن أبي حريز نحو ذلك (٧).\nونحو هذا السايق أخرج الطبري وابن ابي حاتم (٨)، من طريق السدي في هذه الآية: \" فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعفُ على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران. وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجرٌ مثل أجر الرجال، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا! فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم: سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم\" (٩).\nوالرابع: وفي سياق نزول الآية أخرج عبدالرزاق عن معمر، عن الكلبي: \"لا تتمنى زوجة أخيك، ولا مال أخيك، واسأل الله أنت من فضله\" (١٠).\nوالظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ...﴾ تخاطب الرجال لا النساء، واستفسار أم سلمة عن النساء يقتضي أن يكون الخطاب لهن، وهذا ما يقال في الروايات الأخرى المذكورة هنا ما عدا رواية عبد بن حميد وما بعدها، ثم إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وهي الآية: (٢٩): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ...﴾ فالنهي عن التمني متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم (١١).\nولعل الأرجح نزول آية الأحزاب جوابا لأم سلمة، يقويه نص وسياق الآية. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: \" ولا تتمنوا أيها المؤمنون ما خصّ الله به بعضكم على بعض\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٢٣): ص ٣/ ٩٣٥.\n(٢) [سورة النساء: ١١، ١٧٦].\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٩.\n(٤) تفسير الطبري (٩٢٤٢): ص ٨/ ٢٦٣، وانظر: تفسير عبدالرزاق (٥٦١): ص ١/ ٤٤٩.\n(٥) أسباب النزول: ١٥٠.\n(٦) أخرجه الطبري (٩٢٤٩): ص ٨/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٠): ص ٨/ ٢٦٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٢٩): ص ٣/ ٩٣٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٢٤٦): ص ٨/ ٢٦٤.\n(١٠) تفسير عبدالرزاق (٥٦٢): ص ١/ ٤٥٠.\n(١١) انظر \"التفسير الحديث\" لدروزة \"٩/ ٦٣.\n(١٢) انظر: صفوة التفاسير: ٢٥١، والتفسير الميسر: ٨٣.","vol":"7","page":132},{"text":"قال ابن عباس: \" يقول: لا يتمنى الرجل، فيقول: ليت لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله\" (١). وروي عن محمد بن سيرين والحسن وعطاء والضحاك نحو ذلك (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا تتمنوا نهوا عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، قولان:\nأحدهما: أن ذلك نزل في نساءٍ تمنين منازلَ الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق. وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعكرمة (٧)، وعطاء (٨).\nوالثاني: أن المعنى: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ الله بعضًا من منازل الفضل. وهذا قول السدي (٩)، ومحمد (١٠)، وروي عن قتادة (١١)، وأبي حريز (١٢)، ومقاتل (١٣) نحو ذلك.\nوالقول الأول هو الأشهر. والله أعلم.\nقال الماوردي: \"والنهي تحريم عند أكثر العلماء، لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وإنما يقول ليت مثله لي، ومن قال بهذا اختلفوا في النهي هل هو تحريم أم أدب، فقال الفراء هو أدب (١٤)، وقال غيره هو تحريم\" (١٥).\nقال الفراء: \" ليس هذا بنهي محرم إنما هو من الله أدب. وإنما قالت أم سلمة وغيرها: ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال، فأنزل الله ﵎: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله﴾، وقد جاء: «لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني» (١٦) \" (١٧).\nقال الراغب: \" التمني: تشهي الإنسان أن يمنى له شيء، أي يقدر، وذلك مذموم، فإن تمنيه إن كان لشيء قدره أن لا يبلغ إلا بالطلب فيجب أن يطلبه لا أن يتشهاه، وإن كان لشيء يأتيه بغير طلب فتشهيه محال، وإن كان الشيء لم يقدر ففي تشهيه معارضة حكمة الله فيما قدر، ولذلك قيل: من تمنى فقد أساء الظن بالله، ولكون ذلك غير مغن، قال الشاعر (١٨):\n[ليتَ شعري وأين مني ليت] ... إن ليتا وإن لوا عناء\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٢٦): ص ٣/ ٩٣٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٢٦): ص ٣/ ٩٣٥.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٠٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٢٣٨): ص ٨/ ٢٦١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٢٣٣)، (٩٢٣٧): ص ٨/ ٢٦١، و(٩٢٣٩) - (٩٢٤١): ص ٨/ ٢٦٢، و(٩٢٤٤): ص ٨/ ٢٦٣. وانظر: سنن الترمذي: كتاب \"التفسير\" \"٥/ ٢٢١\"، والطبراني في \"الكبير\" \"٢٣/ ٢٨٠\" والحاكم في \"المستدرك\" \"٢/ ٣٠٥\"وعبدالرزاق في تفسيره: (٥٦٣): ص ١/ ٤٥٠، وابن أبي حاتم (٥٢٢٤): ص ٣/ ٩٣٥، والواحدي في \"الأسباب\": ١٤٩ - ١٥٠، وآخرون. وانظر \"مرويات الإمام أحمد في التفسير\" \"١/ ٣٥٢\" و\"الدر المنثور\" \"٢/ ٥٠٧\" و\"اللباب\" \"ص ٦٧\".\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٣): ص ٨/ ٢٦٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٤): ص ٨/ ٢٦٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٥): ص ٨/ ٢٦٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٦): ص ٨/ ٢٦٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٧)، و(٩٢٤٨): ص ٨/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٩): ص ٨/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٠): ص ٨/ ٢٦٦.\n(١٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٩.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٦٤.\n(١٥) النكت والعيون: ١/ ٤٧٦ - ٤٧٧.\n(١٦) أي فى الأثر. وقد نسب القرطبي قريبا من هذا الأثر إلى الكلبي، ولم نقف عليه فى الحديث.\n(١٧) معاني القرآن: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(١٨) البيت في شعر أبي زبيد الطائي: ص ٢٤.","vol":"7","page":133},{"text":"وقال (١):\n[ألا يا ليتني والمرء ميت] ... وما يغني عن الحدثان ليت\nوهو مع ذلك ذريعة إلى التحاسد والبخل والظلم\" (٢).\nقال الشوكاني: \" التمني: نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف: نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير.\nوقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي: أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه، من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه. فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٣)، وقد بوب عليه البخاري: «باب الاغتباط في العلم والحكم».\nوعموم لفظ الآية يقتضي: تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب\" (٤).\nقال السمعاني: \"وفي هذا دليل على أن الحسد حرام؛ والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: \" جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له \" (٧).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، وجهان:\nأحدهما: أن المراد: من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة (٨)، وأبي حريز (٩)، ومقاتل بن حيان (١٠).\nوالثاني: أن معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس (١١)، وعكرمة (١٢).\nوالراجح-والله أعلم-، أن معناه\" للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب. وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب: المحترف\" (١٣).\n_________\n(١) البيت غير منسوب في تاج العروس، مادة\"موت\": ص ٥/ ١٠٢، وتفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢١٥.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢١٤ - ١٢١٥.\n(٣) أخرجه الحميدي (٦١٧)، وأحمد (٤٥٥٠): ص ٢/ ٨، وفي (٤٩٢٤): ص ٢/ ٣٦، و(٥٦١٨): ص ٢/ ٨٨، وفي (٦٤٠٣): ص ٢/ ١٥٢، وعبد بن حميد (٧٢٩)، والبخاري (٥٠٢٥): ص ٦/ ٢٣٦، وفي ٩/ ١٨٩ (٧٥٢٩)، وفي (خلق أفعال العباد) ٧٨، ومسلم (١٨٤٦): ص ٢/ ٢٠١، وفي (١٨٤٧)، وابن ماجة (٤٢٠٩) والترمذي (١٩٣٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠١٨).\n(٤) فتح القدير: ١/ ٥٣٠.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٢.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٠٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٢٤٩): ص ٨/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٠): ص ٨/ ٢٦٦.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٢٨): ص ٣/ ٩٣٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥١): ص ٨/ ٢٦٦ - ٢٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٢): ص ٨/ ٢٦٧.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٦٧.","vol":"7","page":134},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: \" واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله\" (١).\nقال الطبري: أي: \" واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد\" (٣).\nوفي المراد بالفضل في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الفضل: الطاعة. قاله سعيد بن جبير (٤)، ومجاهد (٥)، والسدي (٦).\nوقد روي عن رسول الله -ﷺ-: \" سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفَرَج\" (٧).\nوالثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائب (٨). ونسبه السمعاني إلى ابن عباس (٩)، فيكون المعنى: سلوا الله ما تتمنونه من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم (١٠).\nوالثالث: أنه سؤال التوفيق على الطاعة. قاله الإمام الطبري (١١).\nقرأ ابن كثير والكسائي: ﴿وسلوا الله﴾، و﴿فسل الذين﴾ [يونس: ٩٤] و﴿فسل بني إسرائيل﴾ ا [لإسراء: ١٠١]، و[سل من أرسلنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، وما كان مثله من الأمر المواجه به وقبله \"واو\" أو \"فاء\" فهو غير مهموز في قولهما، وروى الكسائي عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة أنهما لم يهمزا: ﴿وسل﴾ ولا: ﴿فسل﴾، مثل قراءة الكسائي، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز في ذلك كله (١٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢]، أي: \" إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: عالما\" (١٤).\nقال السمرقندي: أي: \" فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه\" (١٦).\nالفوائد:\n١ - قبح التمني وترك العمل.\n٢ - حرمة الحسد.\n٣ - فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد.\n٤ - ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١٧).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٨٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٦٨.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٠٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٣): ص ٨/ ٢٦٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٥): ص ٨/ ٢٦٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٦): ص ٨/ ٢٦٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٢٥٧): ص ٨/ ٢٦٨، والترمذي في كتاب الدعوات (٥١٤). ضعيف، فيه حكيم بن جبير الأسدي، قال أحمد: ضعيف الحديث مضطرب، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، نسأل الله السلامة، غال في التشيع. انظر: \"ضعيف الجامع\" ٣/ ٢٢١.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٠٠.\n(٩) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٢.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٠٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٦٨.\n(١٢) انظر: السبعة: ٢٣٢.\n(١٣) التفسير الميسر: ٨٣.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٣٢): ص ٣/ ٩٣٦.\n(١٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٩٩.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٨٨.\n(١٧) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.","vol":"7","page":135},{"text":"قال الخطابي: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] \" (١).\nالقرآن\n﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣]\nالتفسير:\nولكل واحد منكم جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، والذين تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة على النصرة وإعطائهم شيئًا من الميراث فأعطوهم ما قُدِّر لهم. والميراث بالتحالف كان في أول الإسلام، ثم رُفع حكمه بنزول آيات المواريث. إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج عبدالرزاق عن قتادة: \" كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بدمي وأطلب بدمك، فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث بعد \"، فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب: ٦] \" (٢).\nوفي هذا السياق أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، عن أبي مالك في قوله: \" ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾، الآية. قال: كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم، فيعقدون له أنه رجل منهم إن كان ضرا أو نفعا أو دما، فإنه فيهم مثلهم، ويأخذوا له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه، قال: فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان: أنت منا فانصرنا، قالوا: وإن كانت منفعة قالوا: أعطنا أنت منا، ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضا إن استنصروه، وإن نزل به أمر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم، ولم يعطوه مثل الذي يأخذون منه، قال: فأتوا النبي ﷺ فسألوه وتحرجوا من ذلك، وقالوا: قد عاقدناهم في الجاهلية، فأنزل الله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، قال: أعطوهم مثل الذي تأخذون منهم\" (٣). وأخرجه الطبري عن السدي بنحوه (٤).\nوقال مقاتل: \" كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده. فلما نزلت هذه الآية آية المواريث ولم يذكر أهل العقد فأنزل الله﷿-: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث\" (٥).\nوالثاني: أخرج البخاري (٦)، وأبو داود (٧)، والنسائي (٨)، والطبري (٩)، وابن أبي حاتم (١٠)، وآخرون (١١)، عن ابن عباس: \" كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصارى دون ذوى رحمه للأخوة التى آخى النبى ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالى﴾ نسخت، ثم قال ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾، إلا النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له\".\n_________\n(١) شأن الدعاء: ٥٧.\n(٢) تفسير عبدالرزاق (١٩١٩٧): ص ١٠/ ٣٠٥، وعنه الطبري (٩٢٧٠): ص ٨/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٤٢): ص ٣/ ٩٣٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٢٨٧): ص ٨/ ٢٨٠.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.\n(٦) صحيح البخاري (٢٢٩٢): ص ٣/ ١٢٥، و(٤٥٨٠): ص ٦/ ٥٥، و(٦٧٤٧): ص ٨/ ١٩٠.\n(٧) سنن أبي داود (٢٩٢٢).\n(٨) انظر: السنن الكبرى (٦٣٨٤) و(١١٠٣٧) ..\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٢٧٥): ص ٨/ ٢٧٧.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٣٦): ص ٣/ ٩٣٧.\n(١١) وابن المنذر والنحاس والحاكم والبيهقي في \"سننه\" كما في \"الدر\" \"٢/ ٥٠٩\".","vol":"7","page":136},{"text":"والثالث: أخرج أبو داود عن داود بن الحصين، قال: \"كنت أقرأ على أم سعد (١) بنت الربيع - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]، فقالت: لا تقرأ: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٣]، إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يؤتيه نصيبه\" (٢).\nونقل الثعلبي عن أبي روق: \" نزل قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾، الآية، في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال\" (٣).\nوالراجح-والله أعلم- انها نزلت \" في أهل العقد بالحلف، إذ أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث\" (٤).\nقال ابن كثير: \"والصحيح أن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمرُوا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (٥)، وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل (٦)، ﵀.\nوالصحيحُ قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه-\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، أي: \" ولكل إِنسانٍ جعلنا عصبةً يرثون ماله ممّا تركه الوالدان والأقارب من الميراث\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم\" (٩).\nقال السمعاني: أي: \" ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١١)، أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العَصَبة\" (١٢).\nوفي الموالي ثلاثة اقوال:\nأحدهما: أنهم العصبة، وهو قول قتادة (١٣)، ومجاهد (١٤)، وابن زيد (١٥).\nوالثاني: هم الورثة، وهو قول السدي (١٦)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير (١٧).\nوالثالث: ويجوز أن يكون المولى هاهنا بمعنى الأولى بالشيء، والمعنى: أن لكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارثا هو أولى به. من غيره، ومنه قيل لمالك: العبد مولاه؛ لأنه أولى به. قاله أبو هلال العسكري (١٨).\nقال أبي عبيدة: \" ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ قال: أولياء ورثة، المولى ابن العم، والمولى: الحليف وهو العقيد والمولى: المنعم عليه، والمولى: الأسفل، والمولى: الولي: اللهم من كنت مولاه، والمولى: المنعم على المعتق \"، وقال الشاعر (١٩):\nومولى كداء البطن لو كان قادرا ... على الموت أفنى الموت أهلي وماليا\nيعني: ابن العم\" (٢٠).\nقال الماوردي: \" وهو أشبه بقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ (٢١).\nقال الطبري: \" والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر (٢٢):\nوَمَوْلًى رَمَيْنَا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ ... بِأَعْرَاضِنَا وَالْمُنْدِيَاتِ سَرُوعُ\nيعني بذلك: وابن عم رمينا حوله، ومنه قول الفضل بن العباس (٢٣):\nمهلًا بني عمنا مهلًا موالينا ... لا تنشبوا بيننا ما كان مَدْفونًا\" (٢٤)\nقال الراغب: \" المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل، وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتعورف في المعتق، والمعتق، وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة\" (٢٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، \"أي: والذين حالفتموهم في الجاهلية على النصرة والإِرث فأعطوهم حظهم من الميراث\" (٢٦).\nقال الماوردي: أي: \" والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم\" (٢٧).\nقال ابن كثير: \" أي: قبل نزول هذه الآية ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، أي: من الميراث، فأيما حلف عُقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به\" (٢٨).\nوفي المراد بهذه المعاقدة وبالنصيب المستحق خمسة أقاويل:\nأحدها: أن حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وهذا قول ابن عباس (٢٩)، وعكرمة (٣٠)، والحسن البصري (٣١)، وقتادة (٣٢)، والضحاك (٣٣).\nوالثاني: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبيﷺ -، من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضًا بتلك المؤاخاة بهذه الآية، ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ\n_________\n(١) هي زوجة زيد بن ثابت انظر: الإصابة: ٤/ ٤٥٦.\n(٢) سنن ابي داود (٢٩٢٣): ص ٣/ ١٢٨. وأخرجه البيهقي ٦/ ٢٠٤ من طريق أبي داود، بهذا الإسناد. ضعّفه الألباني لأن فيه ابن إسحاق -وهو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي- مدلس وقد عنعن، قال ابن كثير ي تفسيره: ٢/ ٢٩٠: وهذا قول غريب\".\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٢٧٨.\n(٥) أخرجه أحمد (١٦٨٨٣): ص ٤/ ٨٣، ومسلم (٦٥٥٦): ص ٧/ ١٨٣، وأبو داود (٢٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (٦٣٨٥).\n(٦» انظر: صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥).\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٥١.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٢٧٢.\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٢.\n(١١» صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥).\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٢)، و(٩٢٦٣): ص ٨/ ٢٧١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٠)، و(٩٢٦١): ص ٨/ ٢٧٠، وتفسير ابن المنذر (١٦٨٣): ص ٢/ ٦٧٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٥): ص ٨/ ٢٧١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٤): ص ٨/ ٢٧١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٢٥٩): ص ٨/ ٢٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٢٣٣): ص ٣/ ٩٣٧.\n(١٨) انظر: الأشباه والنظائر: ٤٥٦.\n(١٩) من شواهد الطبري: ٨/ ٢٧٠، ولم أتعرف على قائله، ورجل مدغل: ذو خب مفسد بين الناس. والمنديات، المخزيات، ورمينا حوله، أي ناضلنا عنه، ودافعنا ورامينا من حوله من يراميه ..\n(٢٠) تفسير ابن المنذر (١٦٨٧): ص ٢/ ٦٧٩.\n(٢١) النكت والعيون: ١/ ٤٧٩.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٧٠.\n(٢٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٢٥، والكامل ٢: ٢٧٩ والمؤتلف والمختلف، ومعجم الشعراء: ٣٥، ٣١٠، والحماسة ١: ١٢١، والصداقة والصديق: ١٣٩، واللسان (ولى) وغيرها. وراويتهم. لا تَنْبِشُوا بَيْنَنَا مَا كانَ مَدْفُونَا\nوهي أجود الروايتين وأحقهما بمعنى الشعر، وفي اللسان رواية أخرى لا تقوم.\n(٢٤).\n(٢٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢١٨.\n(٢٦) صفوة التفاسير: ٢٥١.\n(٢٧) النكت والعيون: ١/ ٤٧٩.\n(٢٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩١.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٨): ص ٨/ ٢٧٥، و(٩٢٧٤): ص ٨/ ٢٧٧\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٦): ص ٨/ ٢٧٤، و(٩٢٧٢): ص ٨/ ٢٧٦.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٦): ص ٨/ ٢٧٤.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (٩٢٦٩): ص ٨/ ٢٧٥.\n(٣٣) انظر: تفسير الطبري (٩٢٧٣): ص ٨/ ٢٧٦.","vol":"7","page":137},{"text":"الوَالِدَانَ والأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (١)، وابن زيد (٢).\nوالثالث: أنها نزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث، وهذا قول ابن عباس في رواية أخرى (٣)، ومجاهد (٤)، وعطاء (٥)، والسدي (٦)، وسعيد (٧)، وعكرمة في رواية أخرى (٨).\nوقد قال رسول الله - ﷺ -: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة» (٩).\nوالرابع: أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصيةً، وهذا قول سعيد بن المسيب (١٠).\nوالخامس: أنها نزلت في قوم جعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا فذهب نصيبهم بهلاكهم، فَأُمِرُوا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم، وهذا قول الحسن البصري (١١).\nوالراجح-والله أعلم- أن المراد: \"والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها، أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، وأما قوله: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، فإن الجميع مجمعون على أن حكمه ثابت، وذلك إيتاءُ أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم من النصرة والنصيحة والرأي، دون الميراث\" (١٢).\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿عقدت﴾ بألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿عقدت﴾ بغير ألف (١٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]، أي: \" إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك\" (١٤).\nقال البيضاوي: \" تهديد على منع نصيبهم\" (١٥).\nقال النسفي: \" أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد\" (١٦).\nقال القرطبي: أي: \" أي قد شهد معاقدتكم إياهم، وهو ﷿ يحب الوفاء\" (١٧).\nالفوائد:\n١ - تقرير مبدأ التوارث في الإسلام.\n٢ - من عاقد أحدًا على حلف أو آخى أحدًا وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث، أما الإرث فلا حق له لنسخ ذلك.\n٣ - وجوب مراقبة الله تعالى؛ لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد.\n٤ - وصف الله ﷿ بأنه «شهيد»، وهو اسم من أسمائه تعالى:\nقال الخطابي: والشهيد: \" هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء.\nوقد قال -سبحانه-: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] قيل: معناه: علم الله.\nوقال أبو العباس أحمد بن يحيى معناه: بين الله أنه لا إله إلا هو، وهو أيضا الشاهد للمظلوم الذي لا شاهد له ولا ناصر على الظالم المتعدي الذي لا مانع له في الدنيا؛ لينتصف له منه\" (١٨).\nقال السعدي: \" الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه\" (١٩).\nجاء في الحديث: \" اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب\" (٢٠).\nالقرآن\n﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]\nالتفسير:\nالرجال قوَّامون على توجيه النساء ورعايتهن، بما خصهم الله به من خصائص القِوامَة والتفضيل، وبما أعطوهن من المهور والنفقات. فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه، واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم، فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه، فإن أطعنكم فاحذروا ظلمهن، فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج ابن أبي حاتم وغيره (٢١)، عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ﷺ: القصاص فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فرجعت بغير قصاص\" (٢٢). وأخرج الطبري عن ابن جريج نحو ذلك (٢٣).\nوفي رواية ابن المنذر عن الحسن: \" أن رجلا لطم امرأته، فقال رسول الله ﷺ: \" بينكما القصاص، ونزل القرآن: ﴿ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ فسكت رسول الله ﷺ، ونزل القرآن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: أردنا أمرا وأراد الله غيره \" (٢٤). وأخرج الطبري عن الحسن نحوه (٢٥).\nوالثاني: ونقل الثعلبي عن الكلبي: \"نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم\" (٢٦).\nوالثالث: وقال مقاتل: \" نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وهما من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج، وذلك أنه لطم امرأته فأتت أهلها فانطلق أبوها معها إلى النبيﷺ- فقال: أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها. فقال النبيﷺ-: لتقتص من زوجها فأتت مع زوجها لتقتص منه. ثم قال النبيﷺ-: ارجعوا هذا جبريل﵇- قد أتاني وقد أنزل الله﷿-:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٢٧٥): ص ٨/ ٢٧٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٢٧٦): ص ٨/ ٢٧٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٢٧٧): ص ٨/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٢٧٨) - (٩٢٨١): ص ٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩، و(٩٢٨٣)، و(٩٢٨٤): ص ٨/ ٢٧٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٢٨٢): ص ٨/ ٢٧٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٢٨٧): ص ٨/ ٢٨٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٢٨٥): ص ٨/ ٢٨٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٢٨٦): ص ٨/ ٢٨٠.\n(٩) أخرجه أحمد (١٦٨٨٣): ص ٤/ ٨٣، ومسلم (٦٥٥٦): ص ٧/ ١٨٣، وأبو داود (٢٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (٦٣٨٥).\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٢٨٨): ص ٨/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(١١) نسبه اليه الماوردي انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٠، وذطره العز بن عبدالسلام دون نسبته، انظر: تفسيره: ١/ ٣٢٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٨١. [بتصرف يسير].\n(١٣) انظر: السبعة: ٢٣٣.\n(١٤) التفسير الميسر: ٨٣.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ٧٢.\n(١٦) تفسير النسفي: ١/ ٣٥٤.\n(١٧) تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٨.\n(١٨) شأن الدعاء للخطابي: ٧٥ - ٧٦، وانظر: جامع الاصول، ابن الاثير: ٤/ ١٧٩.\n(١٩) تفسير السعدي: ٩٤٨\n(٢٠) رواه: البخاري (٧٠٧٨)، ومسلم (١٦٧٩ - ٣١).\n(٢١) وأخرجه الواحدي في اسباب النزول: ١٥٢.\n(٢٢) تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٤٦): ص ٣/ ٩٤٠.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩٣٠٨): ص ٨/ ٢٩٢.\n(٢٤) تفسير ابن المنذر (١٧٠١): ص ٢/ ٦٨٥.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٣٠٧): ص ٨/ ٢٩٢.\n(٢٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٠٢.","vol":"7","page":138},{"text":"﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ \" (١).\nوالرابع: وقال أبو روق: \"نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ \" (٢).\nوالخامس: أخرج الطبري عن قتادة: \" صكّ رجل امرأته، فأتت النبي ﷺ، فأراد أن يُقِيدَها منه، فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، \" أي: الرجال قائمون على النساء بالأمر والنهي، والإِنفاق والتوجيه\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني أهل قيام على نساءهم، في تأديبهن، والأخذ على أيديهن، فيما أوجب الله لهم عليهن\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، \"أي: بسبب ما منحهم الله من العقل والتدبير، وخصهم به من الكسب والإِنفاق\" (٦).\nقال الماوردي: \" يعني في العقل والرأي، والصداق والقيام بالكفاية\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: \" فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه\" (٨).\nقال الطبري: \" معناه: صالحاتٌ في أديانهن، مطيعاتٌ لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم\" (٩).\nقال الماوردي: \" ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤]، يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن، ولما أوجبه الله من حقه عليهن\" (١٠).\nوقوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ قال السدي: \" يقول: تحفظ على زوجها مالَه وفرجَها حتى يرجع، كما أمرَها الله\" (١١).\nوعن قتادة: \" ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾، يقول: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن\" (١٢).\nقال ابن جريج: \" قلت لعطاء ما قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾، قال: حافظات للزوج\" (١٣).\nوقال سفيان: \"، حافظات لأزواجهن، لما غاب من شأنهن\" (١٤).\nوقال الزجاج: \": ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ يعني: بالشيء الذي يحفظ أمر الله ودين الله، ويحتمل أن يكون على معنى بحفظ الله، أي بأن يحفظن الله، وهو راجع إلى أمر الله\" (١٥).\nوقد روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"خيرُ النساء امرأةٌ إذا نظرتَ إليها سرَّتك، وإذا أمرَتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك. قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، الآية\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٠.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٠٢.\n(٣) تفسير الطبري (٩٣٠٦): ص ٨/ ٢٩١.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٥١.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٤٨٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٥١.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٤٨٠.\n(٨) التفسير الميسر: ٨٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٢٩٦.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٤٨٠.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٣٢٤): ص ٨/ ٢٩٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (٩٣٢٣): ص ٨/ ٢٩٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٩٣٢٥): ص ٨/ ٢٩٥.\n(١٤) أخرجه الطبري (٩٣٢٧): ص ٨/ ٢٩٥.\n(١٥) معاني القرىن: ٢/ ٤٧.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٣٢٨): ص ٨/ ٢٩٥، وأبو داود الطيالسي في مسنده: ٣٠، وابن المنذر (١٧١١): ص ٢/ ٦٨٨، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١، لابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه. وفي المستدرك للحاكم ٢: ١٦١، بمعناه بغير هذا اللفظ مختصرا،، وقال: \" صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه \".","vol":"7","page":140},{"text":"وقرأ ذلك أبو جعفر يَزيد بن القَعْقاع المدني ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّه﴾ بفتح لفظ الجلالة، يعني: بحفظهنّ الله في طاعته وأداء حقه بما أمرهن من حفظ غَيب أزواجهن، كقول الرجل للرجل: \" ما حَفِظتَ اللهَ في كذا وكذا \"، بمعنى: ما راقبته ولا حِفْتَهُ (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: \" واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم\" (٢).\nوفي معنى\"الخوف\" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، قولان (٣):\nأحدهما: أنه العلم، فعبر عنه بالخوف، كما قال أبو محجن الثقفي (٤):\nوَلا تَدْفِنَنَّي فِي الْفَلاةِ فَإِنَّني ... أَخَافُ إذَا مَا مِتّ أَنْ لا أَذُوقُهَا\nمعناه: فإنني أعلم.\nوحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: \" «﴿إلا أن يخافا﴾ إلا أن يوقنا» (٥)، وذلك أن في الخوف طرفا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرف من العلم جاز أن يكون علما (٦).\nوقال النحاس: \"وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف. ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة\" (٧).\nوالقول الثاني: أنه الظن، وهو أن يستر على نشوزها بما تبديه من سوء فعلها.\nوالعرب قد تضع\"الظن\" موضع\"الخوف\"، \"والخوف\" موضع\"الظن\" في كلامها، لتقارب معنييهما، وحكى الفراء: أن العرب تقول للرجل: قد خرج غلامك بغير إذنك، فيقول له: قد خفت ذاك، يريد: قد ظننته وتوهمته (٨)، كما قال أبو الغول الطهوي (٩):\nأَتَانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُوُلُهُ ... وَمَا خِفْتُ، يَا سَلامُ أَنَّكَ عَائِبي\nبمعنى: وما ظننتُ.\nقال الزجاج: \" النشوز كراهة أحدهما صاحبه، يقال نشزت المرأة تنشز وتنشز جميعا\" (١٠).\nقال الماوردي: \"والنشوز: هو معصية الزوج والامتناع من طاعته بغضًا وكراهة - وأصل النشوز: الارتفاع، ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نُشز، فسميت الممتنعة عن زوجها ناشزًا لبعدها منه وارتفاعها عنه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: \" فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه\" (١٢).\nقال الماوردي: \" أما وعظها فهو أن يأمرها بتقوى الله وطاعته، ويخوفها استحقاق الوعيد في معصيته وما أباحه الله تعالى من ضربها عند مخالفته\" (١٣).\nقال الزجاج: \" فأمر الله - ﷿ - في النساء أن يبدأن بالموعظة أولا، ثم بالهجران بعد، وإن لم ينجعا فيهن فالضرب، ولكن لا يكون ضربا مبرحا\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٤» ديوانه: ٢٣ ومعاني القرآن للفراء ١: ١٤٦ والخزانة ٣: ٥٥٠ وغيرها كثير وخبر أبي محجن في الخمر وحبها مشهور.\n(٥) مجاز القرآن: ١/ ٧٤.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٧) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣١٥.\n(٨) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٤٦ ..\n(٩) البيت في نوادر أبي زيد: ٤٦ ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٤٦. وأبو الغول شاعر إسلامي كان في الدولة المروانية وهجا حمادا، انظر: الأغاني ٥: ١٦٢.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٤٧.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ٤٨٢.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٤.\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٤٨٢.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٤٨.","vol":"7","page":142},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، خمسة أقاويل:\nأحدها: ألا يجامعها، وهو قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢).\nوالثاني: أن لا يكلمها ويوليها ظهره في المضجع، وهو قول الضحاك (٣)، والسدي (٤)، وروي عن عكرمة نحوه (٥).\nوالثالث: أن يهجر فراشها ومضاجعتها وهو مجاهد (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، والشعبي (٩)، وعامر (١٠)، وإبراهيم (١١)، ومقسم (١٢)، ومحمد بن كعب القرظي (١٣)، وبه قال الزجاج (١٤).\nقال الزجاج: \" أي [واهجروهن] في النوم معهن، والقرب منهن فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع وإن كن مبغضات وافقهن ذلك فكان دليلا على النشوز منهن\" (١٥).\nوالرابع: يعني وقولوا لهن في المضاجع هُجرًا، وهو الإغلاظ في القول، وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح عنه (١٦)، والحسن في إحدى الروايات (١٧)، وسفيان (١٨)، وأبي الضحى (١٩).\nوالخامس: هو أن يربطها بالهجار وهو حبل يربط به البعير ليقرها على الجماع، وهو قول أبي جعفر الطبري (٢٠).\nواستدل براوية ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: \"قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: يا رسول الله، نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: حرثُك، فأت حرثك أنَّى شئت، غير أن لا تضرب الوجهَ، ولا تقبِّح، ولا تَهجر إلا في البيت، وأطعم إذا طَعِمت، واكْس إذا اكتسيتَ، كيفَ وقد أفضى بعضكم إلا بعض؟ إلا بما حَلّ عليها\" (٢١).\nقال الماوردي: \" وليس في هذا الخبر دليل على تأويله دون غيره\" (٢٢).\nوقال ابن عطية: \" ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في هذا الموضع نظر\" (٢٣).\nوقال الزمخشري في قول الطبري: \" وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار، وهذا من تفسير الثقلاء\" (٢٤).\n\nوالأقرب-والله أعلم- أن المراد: اهجروهن في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون كناية عن الجمع (٢٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٣٤٧)، و(٩٣٤٨): ص ٨/ ٣٠٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٣٤٩): ص ٨/ ٣٠٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٣٥١): ص ٨/ ٣٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٣٥٠): ص ٨/ ٣٠٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٣٥٧): ص ٨/ ٣٠٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٣٥٨): ص ٨/ ٣٠٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٥): ص ٨/ ٣٠٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٥): ص ٨/ ٣٠٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٣٥٩): ص ٨/ ٣٠٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٠): ص ٨/ ٣٠٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٠): ص ٨/ ٣٠٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٣): ص ٨/ ٣٠٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٤): ص ٨/ ٣٠٥.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٤٧.\n(١٥) معاني القرآن: ٢/ ٤٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٧): ص ٨/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٣٧٠): ص ٨/ ٣٠٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٣٧١): ص ٨/ ٣٠٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٣٦٩): ص ٨/ ٣٠٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٠٩.\n(٢١) تفسير الطبري (٩٣٧٤): ص ٨/ ٣١٠.\n(٢٢) النكت والعيون: ١/ ٤٨٣.\n(٢٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٤٨.\n(٢٤) الكشاف: ١/ ٥٠٧.\n(٢٥) انظر: تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧٤.","vol":"7","page":143},{"text":"قال الشوكاني: \" والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي: تباعدوا عن مضاجعتهن، ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب\" (١).\nوأصل الهجر: \"الترك على قلى، والهُجر: القبيح من القول لأنه مهجور \" (٢).\nقال أهل العلم \"فجعل الله تعالى معاقبتها على النشوز ثلاثة أشياء: وَعْظُها وهَجْرُها وضَرْبُها. وفي ترتبيها إذا نشزت قولان (٣):\nأحدهما: أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها، فإن أقامت عليه ضربها.\nوالثاني: أنه إذا خاف نشوزها وعظها، فإذا أبدت المشوز هجرها، فإن أقامت عليه ضربها، وهو الأظهر من قول الشافعي.\nوالذي أبيح له من الضرب ما كان تأديبًا يزجرها به عن النشوز غير مبرح ولا منهك (٤)، روى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرّح\" (٥).\nوقرئ: ﴿في المضجع﴾ (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، \"أي: فإِن أطعن أمركم فلا تلتمسوا طريقًا لإِيذائهن\" (٧).\nقال ابن عباس: \"إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل\" (٨)، وروي عن قتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، وسفيان (١١)، وابن جريج (١٢) نحو ذلك.\nوعن مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾، فحرم الله ضربهن عند الطاعة\" (١٣).\nقال الزجاج: أي: \" فإن أطعن فيما يلتمس منهن، فلا يبغي عليهن سبيلا، أي لا يطلب عليهن طريق عنت\" (١٤).\nقال البغوي: \" أي: لا تجنوا عليهن الذنوب\" (١٥).\nقال الماوردي: \" يعني: [فإن] أطعنكم في المضجع والمباشرة\" (١٦).\nوقال ابن عيينة: \"لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن\" (١٧).\nقال الزمخشري: أي: \" فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز\" (١٨).\nقال الطبري: أي: \" فإن أطعنكم، أيها الناس، نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن، فلا تهجروهن في المضاجع. فإن لم يطعنكم، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن. فإن راجعنَ طاعتكم عند ذلك وفِئْنَ إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل. وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة: \" إنك لست تحبّيني، وأنت\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٥٣٢.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٤٨٣.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٣.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٣٧٧): ص ٨/ ٣١١ - ٣١٢، مرسل. خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥، ولم ينسبه لغير ابن جرير.\n(٦) انظر: تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٣٩٦): ص ٨/ ٣١٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠٢): ص ٨/ ٣١٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠١): ص ٨/ ٣١٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠٠): ص ٨/ ٣١٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٣٩٨): ص ٨/ ٣١٧.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٢٧٨): ص ٣/ ٩٤٤.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٤٨.\n(١٥) تفسير البغوي: ١/ ٦١٣.\n(١٦) النكت والعيون: ١/ ٤٨٣.\n(١٧) تفسير البغوي: ١/ ٦١٣.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٥٠٧.","vol":"7","page":144},{"text":"لي مبغضة \"، فيضربها على ذلك أو يُؤذيها. فقال الله تعالى للرجال: \" فإن أطعنكم \" أي: على بغضهنّ لكم فلا تجنَّوا عليهن، ولا تكلفوهن محبتكم، فإنّ ذلك ليس بأيديهن، فتضربوهن أو تؤذوهن عليه\" (١).\nومعنى قوله: ﴿فلا تبغوا﴾، لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل: \" بغَيتُ الضالة \"، إذا التمستها، ومنه قول سحيم عبد بني الحسحاس في صفة الموت (٢):\nبَغَاكَ وَمَا تَبْغِيِهِ، حَتَّى وَجَدْتَهُ ... كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا\nبمعنى: طلبك وما تطلبه (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، وجهان (٤):\nأحدهما: لا تطلبوا لهن الأذى.\nوالثاني: هو أن يقول لها لست تحبينني وأنت تعصيني، فيصيّرها على ذلك وإن كانت مطيعة.\nقال السمعاني: قوله: ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ \" يعني: بالتعلل، والتجني، وقيل: فلا تكلفوهن محبتكم؛ فإن القلب ليس بأيديهن\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]، أي: \" فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي هو متعال أن يكلف إلا بالحق ومقدار الطاقة\" (٧).\nقال السمعاني: \" أي: متعاليا عن أن يكلف العباد ما لا يطيقونه\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" إن الله ذو علوّ على كل شيء، فلا تبغوا، أيها الناس، على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلوِّ أيديكم على أيديهن، فإنّ الله أعلى منكم ومن كل شيء عليكم، منكم عليهن وأكبر منكم ومن كل شيء، وأنتم في يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا. وهن لكم مطيعات، فينتصر لهن منكم ربُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء، وأكبر منكم ومن كل شيء\" (١٠).\nقال الصابوني: \" انظر كيف يعلمنا سبحانه أن نؤدب نساءنا وانظر إِلى ترتيب العقوبات ودقتها حيث أمرنا بالوعظ ثم بالهجران ثم بالضرب ضربًا غير مبرح ثم ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن قدرة الله فوق قدرة الزوج عليها وأنه تعالى عون الضعفاء وملاذ المظلومين! \" (١١).\nعن سعيد بن جبي، عن ابن عباس قال: \"أتاه رجل فقال: يا أبا عباس: سمعت الله يقول: ﴿وكان الله﴾ كأنه شيء كان، قال: أما قوله: ﴿وكان الله﴾، فإنه لم يزل، ولا يزال وهو الأول والآخر والظاهر والباطن\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.\n٢ - إن تفضيل الرجال على النساء يكون من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء.\n٣ - وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٣١٦.\n(٢) ديوانه: ٤١. رواية الطبري: \"حتى وجدته\"، رواية الديوان\"إلا وجدته\". ورواية الطبري عزيزة فهي شاهد قل أن نظفر به على أن\"حتى\" تأتي بمعنى\"إلا\" في الاستثناء وقد ذكر ذلك ابن هشام في المغني ١: ١١١ قال بعد ذكر وجوه\"حتى\": \"وبمعنى إلا في لاستثناء، وهذا أقلها وقل من يذكره\".\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣١٦.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٣.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٤.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٤.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٤٨.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٠٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٣١٨.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٧٩): ص ٣/ ٩٤٤.","vol":"7","page":145},{"text":"٤ - بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولًا ثم هجرانها في الفراش ثانيًا.\n٥ - لا يحل اختلاف الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره.\n٦ - ومن أسمائه تعالى «العلي» «الكبير»:\nفإن معنى «الكبير»؛ أي: العظيم الذي كل شيء دونه، وهو أعظم من كل شيء.\nوأما «العلي»، فإن العلو ثلاثة أقسام:\nأحدها- علو شأن. انظر صفة: «العظمة»، و«الجلال».\nوالثاني: - علو قهر. انظر صفة: «القهر».\nوالثالث- علو فوقية: «علو ذات».\nفاسم «العلي» دالّ على أن جميع معاني العلوّ ثابتة للَّه من كل وجه.\n- فله علوّ الذات؛ فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى: أي علا، وارتفع.\n- وله علوّ القدر: وهو علوّ صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وبذلك يُعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته.\n- وله علوّ القهر؛ فإنه الواحد القهّار الذي قهر بعزّته وعلوه الخلق كلهم، فنواصيهم بيده، وما شاء كان لا يمانعه فيه ممانع، وما لم يشأ لم يكنْ، فلو اجتمع الخلق على إيجاد ما لم يشأهُ اللَّه لم يقدروا، ولو اجتمعوا على منع ما حكمت به مشيئته لم يمنعوه، وذلك لكمال اقتداره، ونفوذ مشيئته، وشدة افتقار المخلوقات كلها إليه من كل وجه (١).\nوأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله فوق جميع مخلوقاته، مستو على عرشه، في سمائه، عاليا على خلقه، بائنا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه خافية.\nقال تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩]، وقوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦].\nوالأدلة من السنة أيضا كثيرة جدا منها: حديث: \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ! \" (٢)، وحديث: \"أين الله؟ \". قالت: في السماء. قال: \"من أنا؟ \"، قالت: أنت رسول الله ﷺ. قال: \"أعتقها؛ فإنها مؤمنة\" (٣).\nوللصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم آثار كثيرة عن علو الله وفوقيته، جمعها الذهبي في \"العلو\"، وحققه واختصره: الألباني -﵀-، وابن قدامة في \"اثبات صفة العلو\".\n\nالقرآن\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥]\nالتفسير:\nوإن علمتم -يا أولياء الزوجين- شقاقًا بينهما يؤدي إلى الفراق، فأرسلوا إليهما حكمًا عدلا من أهل الزوج، وحكمًا عدلا من أهل الزوجة; لينظرا ويحكما بما فيه المصلحة لهما، وبسبب رغبة الحكمين في الإصلاح، واستعمالهما الأسلوب الطيب يوفق الله بين الزوجين. إن الله تعالى عليم، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده، خبير بما تنطوي عليه نفوسهم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]، \"أي: وإِن خشيتم أيها الحكام مخالفةً وعداوة بين الزوجين\" (٤).\nقال ابن عباس: \" فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما\" (٥).\n_________\n(١) انظر: الحق الواضح المبين، ص ٢٦، وشرح النونية للهراس، ٢/ ٦٨.\n(٢) رواه: البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤).\n(٣) رواه: مسلم (٥٣٧)، وأحمد (٥/ ٤٤٧).\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٠): ص ٣/ ٩٤٥.","vol":"7","page":146},{"text":"ونقل الواحدي عن ابن عباس: \"يريد علمتم\" (١).\nوعن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، قال: التشاجر\" (٢).\nوقال أبو عبية: \" ﴿شقاق بينهما﴾، أي: تباعد \" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: علمتم خلاف بينهما، بين سعد وامرأته، ولم يتفقا، ولم يدر من قبل من منهما النشوز من قبل الرجل أو من قبل المرأة؟ \" (٤).\nقال الزجاج: \" قال بعضهم. . ﴿خفتم﴾، ههنا في معنى: أيقنتم، وهذا خطأ، لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يجنح إلى الحكمين. وإنما يخاف الشقاق والشقاق العداوة، واشتقاقه من - المتشاقين - كل صنف منهن في شق، أي في ناحية\" (٥).\nقال الواحدي: \" وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: «لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يحتج إلى الحكمين» وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المشاق بين الزوجين من هو لم يحتج إلى الحكمين، ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٦) المنكر وأهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، \"أي: فوجهوا حكمًا عدلًا من أهل الزوج وحكمًا عدلًا من أهل الزوجة يجتمعان فينظران في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة\" (٨).\nقال الزجاج: \" أمر الله تعالى – ﴿إن خفتم﴾ وقوع العداوة بين المرء وزوجه – أن يبعثوا حكمين، حكم من أهل المرأة وحكما من أهل الرجل، والحكم: القيم بما يسند إليه \" (٩).\nقال مقاتل: \" فينظرون في أمرهما في النصيحة لهما، إن كان من قبل النفقة أو إضرار وعظا الرجل. وإن كان من قبلها وعظاها\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يتفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين، وكره ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي\" (١١).\nقال السدي: \" تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت وإن فرقت تفرقنا، وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقته أو كرهت شيئا من الأشياء وتأمره أن يرفع عنها ذلك، ويرجع، وتخبره أنها لا تريد الطلاق، ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره ويخبره ويقول له حاجته إن كان يريدها ولا يريد أن يطلقها أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له: خذ لي منها ما لها علي وطلقها، فيوليه أمره فإن شاء طلق وإن شاء أمسك، ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله تعالى: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يعني بذلك الحكمان، فإن بعثت المرأة حكما وأبى الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها أبدا حتى يبعث حكما\" (١٢).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٦/ ٤٩٤، ولم أقف عليه، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٢، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٧٧ ..\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨١): ص ٣/ ٩٤٥.\n(٣) أخرجه ابن المنذر (١٧٣٦): ص ٢/ ٦٩٥.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧١.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٤٨.\n(٦) ولعل الصواب: \"سديد\" بالسين المهملة\" قاله محقق التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٤٩٤ ..\n(٧) التفسير البسيط: ٦/ ٤٩٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٤٨.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٣): ص ٣/ ٩٤٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٤): ص ٣/ ٩٤٥ - ٩٤٦.","vol":"7","page":147},{"text":"وقال قتادة: \" وإنما يبعث الحكمان ليصلحا، وليس بأيديهما التفرقة ولا يملكان ذلك\" (١). وروي عن الحسن نحو ذلك (٢).\nقال الطبري: \" معنى «الحكم»، النظرُ العدلُ\" (٣).\nوفي المأمور بإيفاد الحكمين ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه السلطان إذا تراجع إليه الزوجان، وهو قول سعيد بن جبير (٤)، والضحاك (٥).\nوالثاني: أن المأمور بذلك هما الزوجان، وهذا قول السدي (٦).\nوالثالث: أحد الزوجين وإن لم يجتمعا (٧).\nقال الطبري: \" ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله ﷺ، والأمة فيه مختلفة، وإذْ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يكون مخصوصًا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها، وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية\" (٨).\nواختلف أهل العلم فيما يُبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وفيه أقوال:\nأحدها: أن الزوجان يبعثان الحكمين بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما. وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به مَن وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وُكل منهما في ذلك. وهذا معنى قول علي﵁- (٩)، والسدي (١٠).\nوالثاني: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما. وعلى هذا القول: الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق. وهذا قول ابن عباس في إحدى الروايات (١١)، والحسن (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن زيد (١٤)، وقيس بن سعد (١٥)، وبه قال أحمد بن حنبل (١٦)، وأبو ثور (١٧)، وداود (١٨).\nقال ابن كثير: \"ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه يُنَفَّذُ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف\" (١٩).\nوالثالث: إنما يبعث الحكمين السلطانُ، على أن حكمهما ماضٍ على الزوجين في الجمع والتفريق. وهذا قول عثمان بن عفان (٢٠)، وابن عباس في رواية أخرى (٢١)، وسعيد بن جبير (٢٢)، وعامر (٢٣)، وإبراهيم (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، وابن سيرين (٢٦)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (٢٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٥): ص ٣/ ٩٤٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٨٥): ص ٣/ ٩٤٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠٤): ص ٨/ ٣١٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠٥): ص ٨/ ٣١٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠٦): ص ٨/ ٣١٩.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٣٢٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٤٠٧) - (٩٤٠٩): ص ٨/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤١٠): ص ٨/ ٣٢٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٤١٦): ص ٨/ ٣٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤١١): ص ٨/ ٣٢٢، و(٩٤١٥): ص ٨/ ٣٢٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤١١)، و(٩٤١٢): ص ٨/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤١٧): ص ٨/ ٣٢٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤١٣): ص ٨/ ٣٢٣.\n(١٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(١٨) تانظر: فسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(١٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤٢٦)، و(٩٤٢٧): ص ٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٤١٨): ص ٨/ ٣٢٥ - ٣٢٦، و(٩٤٢٦)، و(٩٤٢٧): ص ٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٢٠): ص ٨/ ٣٢٦.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤٢١): ص ٨/ ٣٢٦ - ٣٢٧\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٢٢)، و(٩٤٢٣): ص ٨/ ٣٢٦ - ٣٢٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٢٨): ص ٨/ ٣٢٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤١٩): ٨/ ٣٢٦.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٤٢٤): ص ٨/ ٣٢٧.","vol":"7","page":148},{"text":"قال ابن كثير: \"وهذا مذهب جمهور العلماء: إن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة\" (١).\nقال إبراهيم النخعي: \" ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما. إن طلقا ثلاثا فهو جائز عليهما. وإن طلقا واحدة وطلقاها على جُعْل، فهو جائز، وما صنعا من شيء فهو جائز\" (٢).\nقال عبيدة: \" شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين: تدريان، ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن أن تجمعا بينهما جمعتما، وإن رأيتما تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله، لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله ﷿ لك وعليك\" (٣).\nقال الطبري: \" لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس، وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة ... وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما، إذا ارتفع إليه الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل. لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه\" (٤).\nوقد اختلف الأئمة في الحكمين، على قولين (٥):\nأحدهما: أن الحكمين منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، وهو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديدُ من مذهب الشافعي (٦)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٧).\nوالثاني: أنهما وكيلان من جهة الزوجين، أخذا بقول علي﵁للزوج - حين قال: \"أما الفرقة فلا - قال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به\" (٨)، قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج.\nقال الزجاج: \" وحقيقة أمر الحكمين أنهما يقصدان للإصلاح، وليس لهما طلاق وإنما عليهما أن يعرفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه، فإن رأى الإمام أن يفرق فرق، أو أن يجمع جمع، وإن وكلهما بتفريق أو بجمع فهما بمنزلة، وما فعل عليّ﵁- فهو فعل للإمام أن يفعله، وحسبنا بعلي ﵇ إماما، فلما قال لهما: «إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما»، كان قد ولاهما ذلك ووكلهما فيه\" (٩).\nقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: \"وأجمع العلماء على أن الحكمين - إذا اختلف قولهما - فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضا\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، \"أي: إِن قصدا إِصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما وأوقع الله بين الزوجين\" (١١).\nقال ابن عباس: \" وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب\" (١٢). وفي رواية اخرى: \" وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٩٧.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٤٢٣): ص ٨/ ٣٢٧، وانظر: تفسير الطبري (٩٤٢٢): ص ٨/ ٣٢٦ - ٣٢٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٢): ص ٣/ ٩٤٥، والطبري (٩٤٠٩): ص ٨/ ٣٢١، واخرجه الطبري عن محمد، في تفسيره (٩٤٠٨): ص ٨/ ٣٢١.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣١.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٨٢): ص ٣/ ٩٤٥، والطبري (٩٤٠٩)، و(٩٤٠٨): ص ٨/ ٣٢١.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٤٩.\n(١٠) الاستذكار لابن عبد البر: ١٨/ ١١١، ونقله ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٢٩٧.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (٩٤٣٢): ص ٨/ ٣٣٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٧): ص ٣/ ٩٤٦.","vol":"7","page":149},{"text":"قال مجاهد: \" أمَا إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" هما الحكمان، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما\" (٢). وروي عن السدي (٣)، والضحاك (٤) نحو ذلك.\nقال مقاتل: \" يعنى الحكمين، يوفق الله بينهما للصلح فإن لم يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما في دينهما فرق الحكمان بينهما برضاهما\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة أعني: بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما يقول: \" يوفق الله \" بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما. وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه: مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، يحتمل وجهين (٧):\nأحدهما: ليس ذلك إليها لأن الطلاق إلى الزوج.\nوالثاني: لهما ذلك لأن الحَكَم مشتق من الحُكم فصار كالحاكم بما يراه صلاحًا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]، أي: إن الله كان\"عليمًا بأحوال العباد حكيمًا في تشريعه لهم\" (٨).\nقال مقاتل: \" ﴿عليما﴾، بحكمهما، ﴿خبيرا﴾، بنصيحتهما في دينهما\" (٩).\nعن أبي العالية في \"قوله: ﴿خبيرا﴾: بمكانهما\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أي: ﴿عليما﴾ بما فيه الصلاح للخلق، ﴿خبيرا﴾ بذلك\" (١١).\nقال الطبري: أي: ﴿عليما﴾ \" بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره \" خبيرًا \"، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.\n٢ - من أسماءه تعالى «العليم» و«الخبير»:\nفـ «العليم»: هو المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١٣).\nقال الخطابي: \" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] \" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩٤٣٠): ص ٨/ ٣٣٢.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٤٣١): ص ٨/ ٣٣٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤٣٣): ص ٨/ ٣٣٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٣٦): ص ٨/ ٣٣٣.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧١.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٢.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٨٨): ص ٣/ ٩٤٦.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ٤٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٣.\n(١٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(١٤) شأن الدعاء: ٥٧.","vol":"7","page":150},{"text":"و«الخبير»: \"هو العالم بكنه الشىء، المطلع على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]. يقال فلان بهذا الأمر خبير؛ وله به خبر، وهو أخبر به من فلان؛ أي: أعلم. إلا أن الخبر في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع العلم الذي يدخلة الاختبار، ويتوصل إليه بالامتحان، والاجتهاد، دون النوع المعلوم ببدائه العقول.\nوعلم الله -سبحانه- سواء فيما غمض من الأشياء وفيما لطف، وفيما تجلى به منه وظهر. وإنما تختلف مدارك علوم الآدميين الذين يتوصلون إليها بمقدمات من حس، وبمعاناة من نظر، وفكر؛ ولذلك قيل لهم: ليس الخبر كالمعاينة، وتعالى الله عن هذه الصفات علوا كبيرا\" (١).\nوالفرق بين العلم والخبر: \"أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم\" (٢).\nالقرآن\n﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]\nالتفسير:\nواعبدوا الله وانقادوا له وحده، ولا تجعلوا له شريكًا في الربوبية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما، وحقوق الأقربين، والأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم، والجار القريب منكم والبعيد، والرفيق في السفر وفي الحضر، والمسافر المحتاج، والمماليك من فتيانكم وفتياتكم. إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس.\nقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، \"أي: وحّدوا الله وعظموه ولا تشركوا به شيئًا من الأشياء صنمًا أو غيره\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: لا تعبدوا معه غيره، فإن ذلك يفسد عبادته\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، أي: \" وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما\" (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى: وأوصاكم بالوالدين إحسانا، لأن معنى قضى ههنا أمر ووصى\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، \" أي: وأحسنوا إِلى الأقارب عامة\" (٧).\nقال الزجاج: \" أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣٦]، \" أي: وأحسنوا إلى الأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ \" (٩).\nقال الماوردي: \" ﴿الْيَتَامَى﴾، جمع يتيم وهو من مات أبوه لم يبلغ الحلم، و﴿الْمَسَاكِينِ﴾، جمع مسكين وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة فيتمسكن لذلك\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦]، \" أي: وأحسنوا إلى المحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم\" (١١).\nقال الطبري: \" وهو جمع «مسكين»، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك، يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم\" (١٢).\n_________\n(١) شأن الدعاء: ٦٣.\n(٢) الفروق/ ابو هلال العسكري: ٧٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٤٩.\n(٥) التفسير الميسر: ٨٤.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٤٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٥٠.\n(٩) انظر: التفسير الميسر: ٨٤، وصفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٤٨٥.\n(١١) انظر: التفسير الميسر: ٨٤، وصفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٤.","vol":"7","page":151},{"text":"قال السعدي: \" ﴿الْمَسَاكِينِ﴾: وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على كفايتهم، ولا كفاية من يمونون\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، \" أي: وأحسنوا إلى الجار القريب منكم\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: الجار الذي يقاربك وتعرفه ويعرفك\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: بمعنى والجار ذي القرابة والرحم، وهم الذين بينك وبينهم قرابة نسب، وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وعكرمة (٦)، وقتادة (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩).\nوالثاني: أنه جارُ ذي قرابتك. قاله ميمون بن مهران (١٠).\nقال الطبري: \" وهذا القول قولٌ مخالفٌ المعروفَ من كلام العرب. وذلك أن الموصوف بأنه \" ذو القرابة \" في قوله: ﴿والجار ذي القربى﴾، ﴿الجار﴾ دون غيره، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة، ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: وجار ذي القربى، ولم يُقَل: ﴿والجار ذي القربى﴾ \" (١١).\nوالثالث: أنه يعني: الجار ذي القربى بالإسلام. قاله نوف الشامي (١٢).\nقال الطبري: \" وهذا مما لا معنى له، وذلك أن تأويل كتاب الله ﵎، غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نزل بلسانهم القرآن، المعروفِ فيهم، دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل: \" فلان ذو قرابة \"، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه، دون القرب بالدين كان صرفه إلى القرابة بالرحم، أولى من صرفه إلى القرب بالدين\" (١٣).\nوالإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة عنه، ويشمل الجوار الجار في العمل وفي السفر ونحو ذلك، روى البخاري عن عائشة عن النبي -ﷺ- قال: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" (١٤).\nوعن أبي شريح أنّ النبيﷺ- قال: \"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه\" (١٥).\nوهذا عام في كل جار، وقد أكّد ﵊ ترك أذيته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى الجار بغير حق، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَا عليه، وهذا العموم في الإحسان إلى الجار هو ما فهمه صحابة رسول الله -ﷺ- وطبقوه مع غير المسلمين (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: \"وأحسنوا إلى الجارب البعيد\" (١٧).\nقال الزجاج: \" والجار القريب المتباعد\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٩٠.\n(٢) انظر: التفسير الميسر: ٨٤، وصفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ٥٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٣٧)، و(٩٤٣٨): ص ٨/ ٣٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٣٩)، و(٩٤٤٠): ص ٨/ ٣٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٠): ص ٨/ ٣٣٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٣): ص ٨/ ٣٣٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤١): ص ٨/ ٣٣٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٤): ص ٨/ ٣٣٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٥): ص ٨/ ٣٣٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٦): ص ٨/ ٣٣٧.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٧.\n(١٤) أخرجه البخاري في الأدب، باب الوصاة بالجار: ١٠/ ٤٤١، ومسلم في البر والصلة، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، برقم (٢٦٢٥): ٤/ ٢٠٢٥، والمصنف في شرح السنة: ١٣/ ٧١. .\n(١٥).\n(١٦) انظر: تفسير القرطبي: ٥/ ١٨٤.\n(١٧) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٨) معاني القرآن: ٢/ ٥٠.","vol":"7","page":152},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وجهان:\nأحدهما: الجار البعيد في نسبه الذي ليس بينك وبينه قرابة، وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، والسدي (٣)، وقتادة (٤)، وعكرمة (٥)، وابن زيد (٦)، والضحاك (٧).\nوالثاني: أنه المشرك البعيد في دينه. وهو قول نوف الشامي (٨).\nوالراجح –والله أعلم- أن \"معنى، الجنب، في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا \"، لما بينا قبل من أن \" الجار ذي القربى \"، هو الجار ذو القرابة والرحم. والواجب أن يكون \" الجار ذو الجنابة \"، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم\" (٩).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿والجار الجنب﴾، الغريب، يقال: ما يأتينا إلا عن جنابة، أي: من بعيد \"، قال علقمة بن عبدة (١٠):\nفلا تَحْرِمَنِّي نائلًا عن جَنابَةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ\nوإنما هي من الاجتناب، وقال الأعشى (١١):\nأتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا \" (١٢)\nيعني بقوله: ن جنابة: \" عن بعد وغُربة. ومنه، قيل: \" اجتنب فلان فلانًا \"، إذا بعد منه \" وتجنّبه \"، و\" جنَّبه خيره \"، إذا منعه إياه، ومنه قيل للجنب: جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة\" (١٣).\nقال أبو حفص الدمشقي: \" ومنه ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام] [إبراهيم: ٣٥] \" (١٤).\nقال السمين الحلبي: \" والجنب: مشتق من الجنابة وهي البعد، وسمي الرجل جنبا لبعده عن الطهارة، أو لأنه ضاجع بجنبه ومس به\" (١٥).\nوقرئ: ﴿والجار الجنب﴾، بفتح الجيم وسكون النون (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: \" وأحسنوا إلى الرفيق في السفر وفي الحضر\" (١٧).\nقال الزجاج: \" قيل: هو الصاحب في السفر\" (١٨).\nقال الزمخشري: \" هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك، إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٧): ص ٨/ ٣٣٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥١) - (٩٤٥٣): ص ٨/ ٣٣٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٠): ص ٨/ ٣٣٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٤٩): ص ٨/ ٣٣٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٣): ص ٨/ ٣٣٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٤): ص ٨/ ٣٣٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٥): ص ٨/ ٣٣٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٦): ص ٨/ ٣٣٩.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٣٣٩.\n(١٠) البيت لعلقمة بن عبدة يخاطب به الحارث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا. وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأسا من سجنه فأطلقه ومن أسر معه من بنى تميم. (عن اللسان)، انظر: البيت في ديوانه\" ص ٣١، \"الكامل\" ٣/ ١٦، والاختيارين للأخفش الأصغر ص ٦٥٦، وفيه: الديار بدل القباب، \"الزاهر\" ١/ ٤٣٠. والجنابة: البعد والغربة وهو الشاهد. والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري. والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.\n(١١) \"ديوانه\" ٤٣، \"الكامل\" ٣/ ١٥، \"الطبري\" ٨/ ٣٣٩، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٠، الثعلبي ٤/ ٢٥ ب.\nوجاء في حاشية \"ديوانه\": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي. الجنابَة: البعد. وانظر \"الكامل\" ٢/ ٩٠٢، ٩٠٣.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (١٧٥٥): ص ٢/ ٧٠١ - ٧٠٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٣٤٠.\n(١٤) الللباب في علوم الكتاب: ٦/ ٣٧١.\n(١٥) الدر المصون: ٣/ ٦٩٠.\n(١٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٠٩.\n(١٧) انظر: التفسير الميسر: ٨٤، وصفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٨) معاني القرآن: ٢/ ٥٠.","vol":"7","page":153},{"text":"بينك وبينه. فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب بالجنب: المرأة\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الرفيق في السفر، وهو قول علي في إحدى الروايات (٢)، وعبدالله بن مسعود في إحدى الروايات (٣)، وابن عباس (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧)، وقتادة (٨)، وعكرمة (٩)، والضحاك (١٠).\nوالثاني: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه، وهو قول علي (١١)، وعبدالله بن مسعود (١٢)، وابن عباس في إحدى الروايات (١٣)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (١٤)، وإبراهيم (١٥).\nوالثالث: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك، وهو قول ابن زيد (١٦).\nقال الطبري: \" والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: ﴿الصاحب بالجنب﴾، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب\" (١٧).\nوروي عن رسول الله - ﷺ- أنه قال: \"كُلُّ صَاحبٍ يَصْحَبُ صَاحِبًا مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ سَاعةً مِن نَّهَارٍ\" (١٨).\nوروى عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"خَيرُ الأَصْحَابِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيرُ الجيرانِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِجَارِهِ\" (١٩).\nقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: وأحسنوا إلى\"المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله\" (٢٠).\nقال الزجاج: \" الضيف يجب قراه، وأن يبلغ حيث يريد\" (٢١).\nقال الزمخشري: \" المسافر المنقطع به. وقيل: الضيف\" (٢٢).\nقال السعدي: \" وهو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق على المسلمين لشدة حاجته وكونه في غير وطنه بتبليغه إلى مقصوده أو بعض مقصوده وبإكرامه وتأنيسه\" (٢٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]، ثلاثة اقاويل:\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٠٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٦٣): ص ٨/ ٣٤١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤٦٣): ص ٨/ ٣٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٧): ص ٨/ ٣٤٠ - ٣٤١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٨): ص ٨/ ٣٤١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤٥٩): ص ٨/ ٣٤١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٤٦٦): ص ٨/ ٣٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٤٦٠): ص ٨/ ٣٤١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٤٦٢): ص ٨/ ٣٤١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤٦٩)، و(٩٤٧٠): ص ٨/ ٣٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٤٧١)، و(٩٤٧٢): ص ٨/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٧١)، و(٩٤٧٢): ص ٨/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤٧٣): ص ٨/ ٣٤٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٧٤): ص ٨/ ٣٤٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٧٥) - (٩٤٧٩): ص ٨/ ٣٤٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٠): ص ٨/ ٣٤٤.\n(١٧) تفسير الطبري: ٨/ ٣٤٤.\n(١٨) أخرجه الطبري (٩٤٨٢): ص ٨/ ٣٤٥ - ٣٤٥\n(١٩) رواه أحمد في مسنده (٦٥٦٦)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٦٤، والترمذي: ٣/ ١٢٩ \"إسناده صحيح\".\n(٢٠) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٢١) معاني القرآن: ٢/ ٥٠.\n(٢٢) الكشاف: ١/ ٥٠٩.\n(٢٣) تفسير السعدي: ١٧٧.","vol":"7","page":154},{"text":"أحدها: أنه المسافر المجتاز مَارًّا، وهذا قول مجاهد (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣).\nوالثاني: هو الذي يريد سفرًا ولا يجد نفقة، وهذا قول الشافعي (٤).\nوالثالث: أنه الضعيف، وهو قول الضحاك (٥)، ومجاهد في رواية اخرى (٦)، وقتادة في إحدى الروايات (٧).\nوالراجح-والله أعلم- \" أن ﴿ابن السبيل﴾، هو صاحب الطريق و﴿السبيل﴾: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه، فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان\" (٨).\nقال الطبري: \" وإنما قيل للمسافر\"ابن السبيل\"، لملازمته الطريق -والطريق هو\"السبيل\"- فقيل لملازمته إياه في سفره: \"ابنه\"، كما يقال لطير الماء\"ابن الماء\" لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور\"ابن الأيام والليالي والأزمنة\"، ومنه قول ذي الرمة (٩):\nوَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّق \" (١٠)\nفسماه ابن الماء لملازمته للماء (١١).\nوقالت طائفة من علماء العربية: إنه إنما قيل له (ابن السبيل) لأن السبيل وهي الطريق كأنها تمخضت لنا عنه ورمتنا به كما ترمي النفساء الناس بولدها، كان غائبا في بطن الطريق فرمتنا به، كما تكون النفساء ولدها غائب في بطنها فترمينا به. وهذا المعنى يوجد في كلامهم، وقد أوضحه مسلم بن الوليد الأنصاري - وإن كان كلامه إنما يذكر مثالا لا استدلالا، لأنه في زمن الدولة العباسية، ولكنه أوضح هذا المعنى - بقوله حيث يقول يذكر رجلا سافر في فلاة من الأرض شهرين إلى أمير ليمدحه قال له (١٢):\nتمخضت عنه تما بعد محمله ... شهرين بيداء لم تضرب ولم تلد\nألقته كالنصل معطوفا على همم ... يعمدن منتجعات خير معتمد\nفصرح بأن هذه الفلاة تخمضت عن هذا وولدته وأنتجته، فكذلك الطريق كأنها تتمخض عنه وترميهم به (١٣).\nقال الشنقيطي: \" وأكثر العلماء يقولون: سمي «ابن السبيل»، لملازمته للطريق\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: وأحسنوا إلى\" المماليك من العبيد والإِماء\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي: وأحسنوا بملك أيمانكم، وكانت وصية النبي - ﷺ - عند وفاته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (١٦) \" (١٧).\nقال السعدي: \" أي: من الآدميين والبهائم بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم على ما يتحملون، وتأديبهم لما فيه مصلحتهم\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، أي: \" إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٤): ص ٨/ ٣٤٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٤): ص ٨/ ٣٤٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٥): ص ٨/ ٣٤٦.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٨): ص ٨/ ٣٤٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٦): ص ٨/ ٣٤٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٤٨٧): ص ٨/ ٣٤٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٣٤٧.\n(٩) ديوانه: ٤٠١.\n(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٦، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٤٨٦.\n(١١) انظر: العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٥/ ٥٩٦.\n(١٢) ديوانه: ٧١.\n(١٣) انظر: العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٥/ ٥٩٦ - ٥٩٧.\n(١٤) العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٥/ ٥٩٧.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(١٦) أخرجه أحمد (٥٨٥): ص ١/ ٧٨، والبخاري، في \"الأدب المفرد\": (١٥٨)، وأبو داود (٥١٥٦)، وابن ماجة (٢٦٩٨).\n(١٧) معاني القرآن: ٢/ ٥٠.\n(١٨) تفسير السعدي: ١٧٧.\n(١٩) التفسير الميسر: ٨٤.","vol":"7","page":155},{"text":"قال الصابوني: أي: إن الله لايحب من كان \"متكبرًا في نفسه يأنف عن أقاربه وجيرانه فخورًا على الناس مترفعًا عليهم يرى أنه خير منهم، وهذه آية جامعة جاءت حثًا على الإِحسان واستطرادًا لمكارم الأخلاق، ومن تدبرها حق التدبر أغنتْه عن كثير من مواعظ البلغاء، ونصائح الحكماء\" (١).\nقال الزجاج: \" المختال: الصلف التياه الجهول. وإنما ذكر الاختيال في هذه القصة، لأن المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يحسن عشرتهم\" (٢).\nقال الزمخشري: \" والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى (٣) بهم ولا يلتفت إليهم\" (٤).\nقال ابو عبيدة: \" المختال: ذو الخيلاء، والخال، وهما واحد\" (٥).\nقال الطبري: \" و«المختال»: المفتعل، من قولك: خال الرجل فهو يخول خَوْلا وخَالا، ومنه قول الشاعر (٦):\nفَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وإنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ\nومنه قول العجاج (٧):\nوَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجُهَّالْ\nوأما «الفخور»، فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحمده على ما أتاه من طَوْله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مُسْتطيل مفتخر\" (٨).\nقال السعدي: \" فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله معجب بنفسه فخور بقوله، ولهذا قال: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا﴾ أي: معجبا بنفسه متكبرا على الخلق ﴿فخورا﴾ يثني على نفسه ويمدحها على وجه الفخر والبطر على عباد الله، فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق\" (٩).\nالفوائد:\n١ - إن أعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبودية، . وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعاء غير الله تعالى معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\n٢ - أن الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد.\n٣ - أن الله تعالى لم يجعل لأحد حقًّا يلي حقه وحق وسوله إلا للوالدين، فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\n٤ - الإحسان غلى الاقارب سواء قربوا أو بعدوا، وذلك بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله.\n٥ - أن للأيتام حق على المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم بكفالتهم وبرهم وجبر خواطرهم وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية في مصالح دينهم ودنياهم.\n٦ - أمر الله تعالى بالإحسان إلى المساكين، بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه.\n٥ - اعتناء الشرع الحنيف بالجار، فوصى الله تعالى وأمر بالإحسان إليه فقال ﷾: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١٥٢.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(٣) في الصحاح: تحفيت به، أى بالغت في إكرامه وإلطافه.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٠٩.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٧٦٩): ص ٢/ ٧٠٦.\n(٦) البيت لأنس بن مساحق العبدي، رجل من عبد القيس، انظر: حماسة أبي تمام ١: ١٣٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٢٧، واللسان (خيل).\n(٧) البيت (للعجاج) في ملحقات ديوانه: ٢/ ٣٢٣، وكما في اللسان والتاج \"خيل\"، وبعده \"والدهر فيه غفلة للغفال\"، وتفسير الطبري: ٨/ ٣٥٠، وقد ورد في التهذيب: ٧/ ٥٦٠، غير منسوب.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(٩) تفسير السعدي: ١٧٧.","vol":"7","page":156},{"text":"قال القرطبي: \"الوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا وهو الصحيح\" (١).\nوللعلم فالجيران ثلاثة:\nالاول: جار له حق واحد؛ وهو غير المسلم؛ له حق الجوار.\nوالثاني: جار له حقان وهو الجار المسلم؛ له حق الجوار وحق الإسلام.\nوالثالث: وجار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار المسلم ذو القرابة والرحم؛ له حق الجوار وحق الإسلام.\n٧ - صحبة الصاحب بالحسنى في السفر والعمل.\n٨ - الإحسان إلى الغريب وإلى الأرقاء العبيد فتيان وفتيات، قال تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\n٨ - أن منع الإحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ [النساء: ٣٧]\nالتفسير:\nالذين يمتنعون عن الإنفاق والعطاء مما رزقهم الله، ويأمرون غيرهم بالبخل، ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه. وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة وجوه:\nأحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"كان كَرْدَم بن زيد (٢)، حليفُ كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبَحْريّ بن عمرو، وحُيَيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار، وكانوا يخالطونهم، ينتصحون لهم من أصحاب رسول الله ﷺ، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: من النبوة، التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، إلى قوله: \" ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣) \" (٤).\nوالثاني: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: \"كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، الآية\" (٥).\nوفي هذا السياق أخرج الطبري عن الحضرمي: \" ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال: هم اليهود، بخلوا بما عندهم من العلم وكَتَموا ذلك\" (٦). وروي عن قتادة (٧)، ومجاهد (٨)، والسدي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، وابن زيد (١١) ومقاتل بن سليمان (١٢) نحو ذلك.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ١٨٤.\n(٢) \" كردم بن زيد \" في سيرة ابن هشام: \" كردم بن قيس \"، وهو المذكور في سيرة ابن هشام ٢/ ١٦٠، أيضًا أنه حليف كعب بن الأشرف، من بني النضير. أما \" كردم بن زيد \" في رواية الطبري عن ابن إسحاق، فقد ذكره ابن هشام في سيرته ٢: ١٦٢، وعده من بني قريظة. هذا، والذين ذكرهم في هذا الأثر من اليهود منسوبون في سيرة ابن هشام، وهذه نسبتهم: \" كردم بن قيس \" و\" حيي بن أخطب \" من بني النضير و\" كردم بن زيد \"، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، من بني قريظة وبحري بن عمرو، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع.\n(٣) [سورة النساء: ٣٩].\n(٤) تفسير الطبري (٩٥٠١): ص ٨/ ٣٥٣، وأخرجه ابن المنذر (١٧٧١): ص ٢/ ٧٠٦ - ٧٠٧، عن ابن إسحاق، ورواه ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته: ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣١٧): ص ٣/ ٩٥١، وإليه عزاه في الدرّ المنثور: ٢/ ٥٣٨.\n(٦) تفسير الطبري (٩٤٩٤): ص ٨/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٧): ص ٨/ ٣٥٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٥)، و(٩٤٩٦): ص ٨/ ٣٥٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٨): ص ٨/ ٣٥٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٩): ص ٨/ ٣٥٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٣١٦): ص ٣/ ٩٥١\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٥٠٠): ص ٨/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(١٢) انظر: تفسيره: ١/ ٣٧٢.","vol":"7","page":157},{"text":"والثالث: أخرج الطبري عن وابن زيد،، قال: هؤلاء يهود. وقرأ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال: يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب. إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [سورة النساء: ٥٣] من بخلهم.\" (١).\nقال الواحدي: \" وأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود\" (٢).\nوالحق أن دعوى الإجماع غير مسلمة، إذ اختلف في نزولها-كما سبق بيانه- أما كونها أنها نزلت في اليهود، فهو قول الأكثرين.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]، \"أي: الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم من الإِنفاق في سبيل الله ويأمرون غيرهم بترك الإِنفاق\" (٣).\nقال ابن عباس: \" ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يعني: أهل الكتاب، يقول: يكتمون\" (٤)، \"قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، يقول: ويأمرون الناس بالكتمان\" (٥).\nوفي رواية عطاء عن ابن عباس: \" ثم ذكر اليهود فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم\" (٦).\nقال الزجاج: \" يعنى به إليهود. لأنهم يبخلون بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي - ﷺ –\" (٧).\nوفي معنى \"البخل\" في الآية الكريمة وجوه من التفسير:\nأحدها: أنه البخل في العلم وليس للدنيا منه شيء، إذ كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا. وهذا قول سعيد بن جبير (٨)، والحضرمي (٩)، وقتادة (١٠)، ومجاهد (١١)، والسدي (١٢)، ومقاتل بن سليمان (١٣).\nالثاني: أن البخل في المال. وهذا معنى قول ابن عباس (١٤).\nالثاني: ان البخل: أن يبخل الرجل بما في يديه. وهذا قول طاوس (١٥).\nوالثالث: إن البخيل الذي لا يؤدي حق الله من ماله. وهذا قول زيد بن أسلم (١٦).\nوالرابع: أن البخل: إذا منع الفضل. وهذا قول ابن عيينة (١٧).\nوالخامس: أن البخيل في الآية: الذي يبخل بما آتاه الله من الرزق، ويكتم ما آتاه الله من العلم، وهم اليهود. وهذا قول ابن زيد (١٨)، والحسن (١٩).\nقال الواحدي: \" ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب\" (٢٠).\nقال الماوردي: والبخل\" أن يبخل بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس يحب أن يكون له\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٥٠٠): ص ٨/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٢) التفسير البسيط: ٦/ ٥٠٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣١٩): ص ٣/ ٩٥٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٢٣): ص ٣/ ٩٥٢.\n(٦) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٥١٠، لم أقف على رواية عطاء، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٨٩.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٩): ص ٨/ ٣٥٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٣١٦)، و(٥٣١٧): ص ٣/ ٩٥١\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٤): ص ٨/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٧): ص ٨/ ٣٥٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٥)، و(٩٤٩٦): ص ٨/ ٣٥٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٨): ص ٨/ ٣٥٢.\n(١٣) انظر: تفسيره: ١/ ٣٧٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٠١): ص ٨/ ٣٥٣، ورواه ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته: ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩، وانظر: الدر المنثور: ٢/ ٢٨٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣١٨): ص ٣/ ٩٥١.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٢٢): ص ٣/ ٩٥١.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٢٣): ص ٣/ ٩٥١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٥٠٠): ص ٨/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٧٢.\n(٢٠) التفسير البسيط: ٦/ ٥٠٩.\n(٢١) النكت والعيون: ١/ ٤٨٧.","vol":"7","page":158},{"text":"قال الراغب: \" البخل: أعظم المعايب، لقوله - ﷺ -:\n«وأي داء أدوى من البخل؟» (١)، وأعظم منه حث الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألم في قوله (٢):\nوإن امرءًا ضنَّتْ يداهُ على امرئٍ ... بنيلِ يدٍ من غيرهِ لبخيلُ\nوقالوا: فلان يمنع دره ودر غيره، والحر يعطي والعبد يألم قلبه، ولم يرد تعالى بالبخل: البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببا لمنع الإسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، أي: \" ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي: ما أعطاهم من العلم برسالة النبي - ﷺ -\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، وجوه:\nأحدها: أنهم أهل الكتاب كتموا محمدا وما أنزل عليه. قاله الضحاك (٦)، وروي عن السدي (٧) نحو ذلك.\nوالثاني: أنهم كتموا الإسلام ومحمدا ﷺ. وهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. قاله قتادة (٨).\nوالثالث: أن المراد: النبوة التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ. وهذا قول عكرمة (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠).\nقال الواحدي: \" الفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي - ﷺ -، وهذا قول عامة المفسرين\" (١١).\nقال الراغب: \" يدخل فيه (١٢) من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالا كان أو عافية، ومن خول علما ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، قيل في تفسيره: ينسى النعم ويذكر المحن\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]، أي: \" وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا\" (١٤).\nقال مجاهد: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، نزلت في اليهود\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي جعلنا ذلك عتادا لهم، أو مثبتا لهم. فجائز أن يكون موضع الذين نصبا على البدل، والمعنى: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، أي لا يحب الذين يبخلون، وجائز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ويكون: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، عطفا على: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، في النصب والرفع، وهؤلاء يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر\" (١٦).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾، أن من فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعد له عذابا\" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، في \"الأدب المفرد\" (٢٩٦).\n(٢) لأبى تمام، في ديوان المعاني: ١/ ١٦٢، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء: ١/ ٦٩٧، ونهاية الإرب: ٣/ ٩٦، وقيل للبحترى.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٦.\n(٤) التفسير الميسر: ٨٤.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٥): ص ٣/ ٩٥٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٥): ص ٣/ ٩٥٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٦): ص ٣/ ٩٥٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٧): ص ٣/ ٩٥٢.\n(١٠) انظر: تفسير ابن المنذر (١٧٧٢): ص ٢/ ٧٠٨.\n(١١) التفسير البسيط: ٦/ ٥١١.\n(١٢) أي في قوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧].\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٧.\n(١٤) التفسير الميسر: ٨٤.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٢٨): ص ٣/ ٩٥٣.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(١٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٧ - ١٢٣٨.","vol":"7","page":159},{"text":"الفوائد:\n١ - حرمة الاختيال والفخر والبخل والأمر بالبخل.\n٢ - بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد بما فيه منافع للناس وبأس شديد.\n\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]\nالتفسير:\nوأعتدنا هذا العذاب كذلك للذين ينفقون أموالهم رياءً وسمعةً، ولا يصدقون بالله اعتقادًا وعملا ولا بيوم القيامة. وهذه الأعمال السيئة مما يدعو إليها الشيطان. ومن يكن الشيطان له ملازمًا فبئس الملازم والقرين.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، أي: والذين ينفقون أموالهم \"للفخار والشهرة لا ابتغاء وجه الله\" (١).\nقال الطبري: \" يعني: ينفقه مُراءاة الناس، في غير طاعة الله أو غير سبيله، ولكن في سبيل الشيطان\" (٢).\nقال الزمخشري: \" رئاء الناس للفخار، وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم، لا ابتغاء وجه الله\" (٣).\nوفي المعنيين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، أربعة أقوال:\nأحدها: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد (٤)، ومقاتل (٥).\nضعّفه الطبري، لأنه نفى عن هذه الصفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليسوا كذلك (٦).\nوالثاني: هم المنافقون، وهو قول السدي (٧)، واختيار الزجاج (٨)، والواحدي (٩).\nويقويه: \" ذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق\" (١٠).\nوالثالث: أنهم اليهود والنصارى. قاله إبراهيم النخعي (١١).\nوالرابع: وقيل: في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله ﷺ (١٢).\nقال ابن عطية: \" وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذا إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان، من حيث لا ينفعهم، وقال الجمهور: نزلت في المنافقين، وهذا هو الصحيح، وإنفاقهم: هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون في السفر مع رسول الله ﷺ، «رياء» ودفعا عن أنفسهم، لا إيمانا بالله، ولا حبا في دينه\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨]، أي: \" ولا يصدقون بالله اعتقادًا وعملا ولا بيوم القيامة\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يقول: لا يصدقون بالله أنه واحد لا شريك له، ولا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، بأنه كائن\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٥٦.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥١١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤٩٥): ٨/ ٣٥٢، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٩): ص ٣/ ٩٥٣.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٢.\n(٦) انظر: تفسيره: ٨/ ٣٥٦ - ٣٥٧.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٠٧، ومعالم التنزيل: ٢/ ٢١٤، زاد المسير: ٢/ ٨٣.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(٩) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٥١١.\n(١٠) التفسير البسيط: ٦/ ٥١١.\n(١١) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٨.\n(١٢) انظر تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٠٧، ومعالم التنزيل: ٢/ ٢١٤، زاد المسير: ٢/ ٨٣، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٥١١.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٥٢.\n(١٤) التفسير الميسر: ٨٥.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٢.","vol":"7","page":160},{"text":"قال الطبري: أي: \" ولا يصدقون بوحدانية الله، ولا بالمَعَاد إليه يوم القيامة - الذي فيه جزاء الأعمال - أنه كائن\" (١).\nقال الزجاج: \" وهؤلا يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]، \" أي: ومن كان الشيطان صاحبًا له وخليلًا يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: من يكن عمله بما يسول له الشيطان فبئس العمل عمله\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ومن يكن الشيطان له خليلا وصاحبًا، يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمرَ الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات \" فساء قرينًا \"، يقول: فساء الشيطان قرينًا\" (٥).\nقال الثعلبي: \" قال المفسرون: ﴿فساء قرينا﴾، أي: يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين\" (٦).\nقال الراغب: \" ولم يعن بالشيطان إبليس فقط، بل عناه والهوى، وكل ما دعاه إلى باطل، وصرفه عن حق\" (٧).\nقال الماوردي: \" القرين: هو الصاحب الموافق، كما قال عدي بن زيد (٨):\nعنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ، وأبْصِرْ قَرِينَهُ ... فَإنَّ الْقَرِينَ بِالمُقَارِنِ مُقْتَدِ\nوأصل القرين من الأقران، والقِرن بالكسر المماثل لأقرانه في الصفة، والقَرْن بالفتح: أهل العصر لاقترانهم في الزمان، ومنه قَرْن البهيمة لاقترانه بمثله \" (٩).\nوفي المراد يكون قرينًا للشيطان قولان:\nأحدهما: أنه مصاحبِهُ في أفعاله، والمعنى: ومن يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله. وهذا قول الزجاج (١٠).\nوالثاني: أن الشيطان يقترن به في النار، أيي: في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار. وهذا قول الكلبي (١١).\nقال الزمخشري: \" ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" و«القرين»: فعيل، بمعنى فاعل، من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب، وهي هاهنا مقارنة مع خلطة وتواد، والإنسان كله يقارنه الشيطان، لكن الموفق عاص له، ومنه قيل لما يلزمان الإبل والبقر قرينان، وقيل للحبل الذي يشدان به: قرن، قال الشاعر (١٣):\nكمدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين القرينين حتى لزّه القرن\nفالمعنى: ومن يكن الشيطان له مصاحبا وملازما، أو شك أن يطيعه فتسوء عاقبته\" (١٤).\nقال الراغب: \" ذم في هذه الآية السرف، كما ذم في الأولى البخل، فمن السرف أن يتشبع الإنسان بإنفاقه، فلا ينفقه على ما يجب، وكما يجب فصار الإتيان كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وليس يعني بقوله: ﴿ولا يؤمنون بالله﴾ جحود ذلك باللسان فقط، بل\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٣٥٦.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٣٥٨.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٠٧.\n(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٩.\n(٨) ديوانه، في شعراء الجاهلية: ٤٦٦، ومجموعة المعاني: ١٤، وغيرهما كثير.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٤٨٧\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٥١.\n(١١) انظر: انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٥٤، وزاد المسير: ٢/ ٨٣، وتنوير المقباس بهامش المصحف ص ٨٥، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٥١٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥١١.\n(١٣) البيت لقعنب بن أم صاحب في الممتع في صنعة الشعر: ٢٨٧، والصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي: ٢٢٠، والبيت غير منسوب في المحرر الوجيز: ٢/ ٥٣، والبحر المحيط في التفسير: ٣/ ٦٠٩،\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٥٣.","vol":"7","page":161},{"text":"عنى معه ترك ما تقتضيه هذه المعرفة، تنبيها أن المنفق رياء لو كان له حقيقة إيمان لتذكر في تناول ما يتناوله، ولأداه ذلك إلى أن يتفكر أين يضعه\" (١).\nالفوائد:\n١ - تضمنت الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم.\n٢ - فكما أن من بخل بما آتاه الله، وكتم ما من به الله عليه عاص آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله فإنه آثم عاص لربه مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره على وجه الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب (٢).\n٣ - أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو الذي يمنع المرء من الرياء (٣).\nالقرآن\n﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء: ٣٩]\nالتفسير:\nوأيُّ ضرر يلحقهم لو صدَّقوا بالله واليوم الآخر اعتقادًا وعملا وأنفقوا مما أعطاهم الله باحتساب وإخلاص، والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٩]، \"أي: ماذا يضيرهم وأي تبعةٍ وبالٍ عليهم في الإِيمان بالله والإِنفاق في سبيله؟ \" (٤).\nنقل الواحدي عن ابن عباس في قوله ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال: \" يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب\" (٥).\nقال الشوكاني: \" أي: وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك\" (٦).\nقال ابن أبي زمنين: \" ﴿وأنفقوا مما رزقهم الله﴾ يعني: الزكاة الواجبة، قوله ﴿وماذا عليهم﴾ المعنى: أي شيء عليهم؟ \" (٧).\nقال الزجاج: \"المعنى: وما الذي عليهم ﴿لوآمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله﴾، هذا يدل على أن الذين يبخلون ﴿يبخلون﴾ بما علموا\" (٨).\nقال النسفي: \" المراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة فى ذلك وهذا كما يقال للعاق وما فرك لو كنت بارًا وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: وأيّ شيء يَكرثُهم لو سلكوا الطريق الحميدة، وعَدَلُوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"أي: وأى تبعة ووبال عليهم في الايمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك. وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت. وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارا، وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر. ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة\" (١١).\nقال البيضاوي: \" أي: وما الذي عليهم، أو أي تبعة تحيق بهم بسبب الإيمان والإنفاق في سبيل الله، وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريض على الفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد الجميلة. وتنبيه على أن المدعو\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٨ - ١٢٣٩.\n(٢) تفسير السعدي: ١٧٨.\n(٣) انظر: أركان الإيمان، علي بن نايف: ٢٠٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٥٢.\n(٥) التفسير البسيط: ٦/ ٥١٣، ولم اقف عليه ..\n(٦) فتح القدير: ١/ ٥٣٨.\n(٧) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٧٣.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٥٢.\n(٩) تفسير النسفي: ١/ ٣٥٨.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥١١.","vol":"7","page":162},{"text":"إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى لأن القصد بذكره إلى التخصيص هاهنا والتعليل\" (١).\nقال الواحدي: \" هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه، ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار\" (٢).\nقال البغوي: \" أي: لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، وزن ذرة، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، وهذا مثل، يريد: إن الله لا يظلم شيئا، كما قال في آية أخرى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس ٤٤] \" (٣).\nقال القشيري: \" ليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عزّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩]، أي: \" والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك\" (٥).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: عليما بأنهم مشركون\" (٦).\nقال مقاتل: \"أنهم لن يؤمنوا\" (٧).\nقال الواحدي: \" لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير\" (٨).\nقال البيضاوي: \" وعيد لهم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي مَنْ طُرِدَ عن بابه فقد خاب وخَسِرَ في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك بلطفه الجزيل\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - تضمنت الآية الكريمة: الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.\n٢ - إهتمام القرآن الكريم بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر غاية الاهتمام، وجمع بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.\n٣ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله.\n٤ - لما كان الإخلاص سرا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: ﴿وكان الله بهم عليما﴾.\n٥ - وفي الخطاب في الآية دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيدًا لهم، وإنما قال: ﴿وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾، وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستوجب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا.\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٧٤.\n(٢) التفسير البسيط: ٦/ ٥١٣.\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢١٥.\n(٤) تفسير القشيري: ١/ ٣٣٤.\n(٥) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٧٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٣.\n(٨) التفسير البسيط: ٦/ ٥١٤.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ٧٤.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠٤.","vol":"7","page":163},{"text":"إن الله تعالى لا ينقص أحدًا من جزاء عمله مقدار ذرة، وإن تكن زنة الذرة حسنة فإنه سبحانه يزيدها ويكثرها لصاحبها، ويتفضل عليه بالمزيد، فيعطيه من عنده ثوابًا كبيرًا هو الجنة.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري وسعيد بن منصور (١)، وابن المنذر (٢)، وابن أبي حاتم (٣)، والطبراني (٤)، عن عبد الله بن عمير قال: \"نزلت هذه الآية، في الأعراب: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ٦٠] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال، ما هو أعظم من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإذا قال الله لشيء: «عظيم»، فهو عظيم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، أي: إن الله \" لا يبخس أحدًا من عمله شيئًا ولو كان وزن ذرة\" (٦).\nقال قتادة: \" لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها\" (٧)، وفي رواية أخرى: \" كان بعض أهل العلم يقول: لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا\" (٨).\nقال ابن عباس: \" ﴿مثقال ذرة﴾، قال: رأس نَملة حَمراء\" (٩). وفي رواية اخرى: \" أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" الذرة: النملة الصغيرة ... وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاده في العقاب لكان ظلما، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرةوفي قراءة عبد الله: مثقال نملة\" (١١). \" (١٢).\nقال السدي: \" وزن ذرة \" (١٣).\nقال أبو عبيدة: \" عبيدة: \" ﴿مثقال ذرة﴾، أي: زنة ذرة \" (١٤).\nقال يزيد بن هارون: \"زعموا أن هذه الذرّة الحمراء، ليس لها وزن\" (١٥).\nوقيل: \"كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة\" (١٦).\nعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة\"، قال: \"وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا\" (١٧).\nيؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: \" هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه \"، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١]، فيغفر الله ﵎ من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصبُ للناس فيقول: \" ائتوا إلى الناس حقوقهم \"! فيقول: \" رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: \" خذوا من أعماله\n_________\n(١) انظر: الدر المنثور: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠ ..\n(٢) تفسير ابن المنذر (١٧٧٧): ص ٢/ ٧١٠.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣٨): ص ٣/ ٩٥٥.\n(٤) انظر: الدر المنثور: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠ ..\n(٥) تفسير الطبري (٩٥١١): ص ٨/ ٣٦٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٥٣.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٥٠٢): ص ٨/ ٣٦٠.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٥٠٣): ص ٨/ ٣٦٠.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٥٠٤): ص ٨/ ٣٦٠.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥١١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥١١.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥١١.\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (١٧٧٨): ص ٢/ ٧١٠.\n(١٤) أخرجه ابن المنذر (١٧٧٩): ص ٢/ ٧١١.\n(١٥) تفسير الطبري: ٨/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥١١.\n(١٧) أخرجه مسلم في صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته. . برقم (٢٨٠٨): ٤/ ٢١٦٢، والمصنف في شرح السنة: ١٤/ ٣١٠.","vol":"7","page":164},{"text":"الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته \". فإن كان وليًّا لله، ففضل له مثقال ذرّة، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة ثمّ قرأ علينا: ﴿إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، وإن كان عبدًا شقيًّا، قال الملك: \" رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير \"! فيقول: \" خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار\" (١).\nوبذلك فإن في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وجهان (٢):\nأحدهما: معناه: فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه، من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة ما يزن مثقال ذرة ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن.، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه. وهذا معنى قول قتادة\" (٣).\nوالثاني: ان معناه: \" إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه، فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله. وهذا معنى قول ابن مسعود (٤).\nواختار الطبري القول الأول وهو قول قتادة، ثم قال: \" ولكلا التأويلين وجه مفهوم، وإنما اخترنا التأويل الأول، لموافقته الأثرَ عن رسول الله ﷺ، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان. ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله: \" إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، \"أي: وإِن كانت تلك الذرة حسنة ينمّها ويجعلها أضعافًا كثيرة\" (٦).\nقال الضحاك: \" إذا لم يجد له إلا حسنة أدخله بها الجنة\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿وإن تك حسنة﴾، وزن ذرة زادت على سيئاته تضاعفها\" (٨)، وفي رواية أخرى: \"فأما المشرك يخفف به عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدا\" (٩).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿يضاعفها﴾، أضعافا، ويضعفها ضعفين \" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية\" (١١).\nقرأ ابن كثير ونافع ﴿وإن تك حسنة﴾ رفعا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي حسنة نصبا، وقرأ ابن كثير وابن عامر: ﴿يضعفها﴾، مشددة، وقرأ الباقون ﴿يضاعفها﴾ بألف خفيفة (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، \"أي: ويعط من عنده تفضلًا وزيادة على ثواب العمل أجرًا عظيمًا\" (١٣).\nقال ابن مسعود: \"أي: الجنة يعطيها\" (١٤).\nقال سعيد بن جبير: \"جزاء وافرا في الجنة\" (١٥).\nوفي رواية أخرى عن ابن جبير: \" الأجرُ العظيم، الجنة\" (١٦)، وروي عن أبي هريرة (١٧)، والحسن (١٨)، وعكرمة (١٩)، والضحاك (٢٠)، وقتادة (٢١)، والسدي (٢٢)، وابن زيد (٢٣) نحو ذلك.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩٥٠٩): ص ٨/ ٣٦٢، وانظر: تفسيره (٩٥٠٨): ص ٨/ ٣٦٢ - ٣٦٣\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٦٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٠٣): ص ٨/ ٣٦٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٠٨)، و(٩٥٠٩): ص ٨/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٣٦٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٥٣.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٣٤): ص ٣/ ٩٥٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٣٣): ص ٣/ ٩٥٤.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٣٦): ص ٣/ ٩٥٤.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٧٨١): ص ٢/ ٧١١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥١٢.\n(١٢) انظر: السبعة: ٢٣٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٥٣.\n(١٤) أخرجه الطبري (٩٥١٢): ص ٨/ ٣٦٨.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٤٠): ص ٣/ ٩٥٦.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٥١٣): ص ٨/ ٣٦٨.\n(١٧) انظر: تفسير ابن المنذر (١٧٨٢): ص ٢/ ٧١١، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣٧): ص ٣/ ٩٥٥.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣٧): ص ٣/ ٩٥٥.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣٧): ص ٣/ ٩٥٥.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣٧): ص ٣/ ٩٥٥.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣٧): ص ٣/ ٩٥٥.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن المنذر (١٧٨٣): ص ٢/ ٧١١ - ٧١٢.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥١٤): ص ٨/ ٣٦٨.","vol":"7","page":165},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيما وسماه (أجرا) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته\" (١).\nقال ابن عمر: \"نزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، بعد الأضعاف، وإذا قال لشيء: عظيم، فهو عظيم\" (٢).\nواختلف أهل التفسير في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، على قولين:\nأحدهما: أنهم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد ﷺ. قال أبو عثمان النهدي: \"لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي ﷺ يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة! \" (٣).\nوالثاني: ان ذلك خاص بالمهاجرون، دون أهل البوادي والأعراب. وهذا قول عبدالله بن عمير (٤).\nواختار الطبري القول الثاني: وقال: \": وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: \" عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب \"، وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله ﷺ شيء يدفع بعضه بعضًا. فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه ﷺ صحيحين كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يصدِّق بعضها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي ﷺ وأن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يُضاعف له ويؤته الله من لدنه أجرًا يعني يعطه من عنده ﴿أجرًا عظيمًا﴾، يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا، وذلك \" العوض العظيم \" (٥).\nالفوائد:\n١ - بيان عدالة الله تعالى، إذ يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير فقال: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾.\n٢ - تنزه الله جل وعلا عن الظلم، ويعتقد السلف أن الله عزوجل له القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء (٦).\n٣ - بيان رحمته تعالى ومزيد فضله.\nالقرآن\n﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]\nالتفسير:\nفكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت، وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟\nقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، أي: \" فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت\" (٧).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥١٢.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٣٩): ص ٣/ ٩٥٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٥١٠): ص ٨/ ٣٦٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥١١): ص ٨/ ٣٦٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(٦) انظر: الانتصار، ابن أبي الخير: ١/ ٥٥.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٥.","vol":"7","page":166},{"text":"قال مقاتل: \" ثم خوفهم، فقال- تعالى-: فكيف بهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيهم وهو شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: فكيف تكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف \" تكون حالهم \"، لأن في الكلام دليلا على ما حذف، و﴿كيف﴾ لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها معنى التوبيخ\" (٢).\nقال البغوي: \" أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبي، يشهد عليهم بما عملوا\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] \" (٤).\nقال الضحاك: \" كل أمة بنبيها\" (٥).\nقال قتادة: \" وشاهدها نبوتها من كل أمة\" (٦).\nقال ابن جريج: \" رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم \" (٧).\nقال ابن عباس: \" الشاهد نبي الله، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ \" (٨).\nقال السمعاني: \" معناه: فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وأراد بالشهيد من كل أمة نبيها، وشهيد هذه الأمة: نبينا، وأختلفوا على أن شهادتهم على ماذا؟ منهم من قال: يشهدون على تبليغ الرسالة، ومنهم من قال: يشهدون على الأمة بالأعمال\" (٩).\nقال الفراء: \" إن كل نبي يأتي يوم القيامة فيقول: بلغت، فتقول أمته: لا، فيكذبون الأنبياء، ثم يجاء بأمة محمد ﷺ فيصدقون الأنبياء ونبيهم، ثم يأتي النبي ﷺ فيصدق أمته، فذلك قوله ﵎: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، ومنه قول الله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد [وجئنا بك على هؤلاء شهيدا]﴾ \" (١٠).\nقال سهل التستري: \" إن الله تعالى وكل بكل عبد مسلم ثلاثمائة وستين ملكا بعدد عروقه، إن أراد خيرا أعانوه، وإن أراد شرا عاتبوه عليه، فإن عمل شيئا من ذلك حفظوه عليه، حتى إذا كان يوم القيامة عرضوه عليه ووافقوه على ذلك، حتى إذا صاروا إلى الله تعالى شهدوا عليه بوفاء الطاعة واقتراف الخطيئة، قال الله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١] \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أي: \" وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟ \" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني كفار أمة محمدﷺ- بتبليغ الرسالة\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي: نأتي بكل نبي أمة يشهد عليها ولها\" (١٤).\nقال ابن جريج: \" ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: كان النبي ﷺ إذا أتَى عليها فاضت عيناه\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٣.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٥٣.\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٦٢٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥١٢.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٤١): ص ٣/ ٩٥٦.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٧٨٥): ص ٢/ ٧١٢.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٥١٦): ص ٨/ ٣٦٩.وفي رواية ابن المنذر (١٧٨٦): ص ٢/ ٧١٣: \" برسول يشهد عليها أنه قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم \".\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٤٢): ص ٣/ ٩٥٦.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٨.\n(١٠) معاني القرآن: ١/ ٨٣.\n(١١) تفسير التستري: ٥٣.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٥.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٣.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٥٤.\n(١٥) أخرجه الطبري (٩٥١٦): ص ٨/ ٣٦٩.","vol":"7","page":167},{"text":"وعن عكرمة: \" في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [سورة البروج: ٣]، قال: الشاهد محمد، والمشهود يوم الجمعة. فذلك قوله: \" ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ \" (١).\nعن المسعودي، عن القاسم: \"أنّ النبي ﷺ قال لابن مسعود: اقرأ علي. قال، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأ ابن مسعود «النساء» حتى بلغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: استعبر النبي ﷺ، وكفّ ابن مسعود، قال المسعودي، فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: «شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم، وأنتَ على كل شيء شهيد» \" (٢).\nواخرج ابن أبي حاتم عن زر، قال: \"قال عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ: اقرأ، فافتتحت «النساء» حتى إذا انتهيت إلى قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: فدمعت عيناه وقال: «حسبنا» \" (٣).\nوروي عن يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال: \"وكان أبي ممن صحب رسول الله ﷺ أتاه في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر رسول الله ﷺ قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، فبكى رسول الله ﷺ حتى ضرب لحياه وجنباه فقال: «يا رب هذا، شهدت على من بين ظهري، فكيف بمن لم أره» \" (٤).\nقال السدي: \" إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحدُ والاثنان والعَشَرة، وأقلُّ وأكثر من ذلك، حتى يُؤتى بقوم لوط ﷺ، لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلَّغتم ما أرسلتُمْ به؟ فيقولون: نعم. فيقال: من يشهد، فيقولون: أمة محمد ﷺ! فيقال لهم: اشهدوا، إنّ الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نَشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد ﷺ. فيدعى محمد ﵇، فيشهدُ أن أمته قد صدَّقوا، وأنّ الرسل قد بلَّغوا، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] \" (٥).\nقال السمعاني: \" واختلفوا في أن النبي هل يشهد على من لم يره؟ منهم من قال: إنما يشهد على من رآه، والصحيح: أنه يشهد على الكل، على من رأى، وعلى من لم ير\" (٦).\nقال البغوي: \" شاهدا يشهد على جميع الأمة، على من رآه ومن لم يره\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩٥١٧): ص ٨/ ٣٦٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٥١٩): ص ٨/ ٣٧٠. قال السيد المحقق: \" وهذا الحديث في الحقيقة حديثان:\nأولهما: رواية المسعودي - معن بن عبد الرحمن - عن القاسم. والظاهر أن القاسم هذا: هو أخوه \" القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود \". وهو تابعي ثقة. ولكنه لم يدرك أن يروي عن جده \" عبد الله بن مسعود\"، ولم يذكر هنا أنه \" عن ابن مسعود \" - حتى يكون إسنادًا منقطعًا. فهو حديث مرسل. ولكن هذا الحديث الأول منهما ثابت صحيح بالأسانيد المتصلة. فقد رواه البخاري ٩: ٨١ (فتح)، من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. وكذلك رواه أحمد في المسند: ٣٦٠٦، ٤١١٨، من طريق الأعمش، به. ورواه أحمد أيضًا: ٣٥٥٠، من رواية أبي حيان الأشجعي، عن ابن مسعود، و: ٣٥٥١، من طريق أبي رزين، عن ابن مسعود. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن، ص: ٧٧، عن البخاري. ثم قال: \" وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق، عن الأعمش. وله طرق يطول بسطها \". ونقله في التفسير ٢: ٤٥٢ - ٤٥٣، عن البخاري أيضًا. ثم قال: \" وقد روى من طرق متعددة عن ابن مسعود. فهو مقطوع به. ورواه أحمد من طريق أبي حيان، وأبي رزين، عنه \". ونقله السيوطي ٢: ١٦٣، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل.\nوثانيهما: رواية المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه. وهذا مكرر للحديث السابق: ٩٥١٨، ولكنه جعله هنا من حديث عمرو بن حريث، لم يذكر فيه روايته عن ابن مسعود. فيكون مرسل صحابي. فهو صحيح بكل حال.\nوقد رواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣١٩، من طريق جعفر بن عون، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه - مطولا - بقصة قراءة ابن مسعود هذه الآيات على النبي ﷺ. ولكن فيه النص الذي هنا \" شهيدًا عليهم ما دمت فيهم ... \". فأصل الحديث صحيح ثابت. ولذلك قال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه \". ووافقه الذهبي. ونقل السيوطي ٢: ١٦٣ رواية الحاكم، مختصرة قليلا، ولم ينسبها لغيره.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٤٣): ص ٣/ ٩٥٦.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٤٤): ص ٣/ ٩٥٦، ومجمع الزوائد ٧/ ٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٥١٥): ص ٨/ ٣٦٩.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٩.\n(٧) تفسير البغوي: ١/ ٦٢٤.","vol":"7","page":168},{"text":"الفوائد:\n١ - أن الرسل تشهد على الأمم في تبليغ الرسالة وإقامة الحجة عليها.\n٢ - أن الكفار في ذلك اليوم يقرون لله تعالى بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة (١).\nالقرآن\n﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢]\nالتفسير:\nيوم يكون ذلك، يتمنى الذين كفروا بالله تعالى وخالفوا الرسول ولم يطيعوه، لو يجعلهم الله والأرض سواء، فيصيرون ترابًا، حتى لا يبعثوا وهم لا يستطيعون أن يُخفوا عن الله شيئًا مما في أنفسهم، إذ ختم الله على أفواههم، وشَهِدَتْ عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون.\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢]، \"أي: في ذلك اليوم العصيب يتمنى الفجار الذين جحدوا وجدانية الله وعصوا رسوله\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: الذين جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله ومعصية الرسول\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]، \" أي: لو يدفنوا في الأرض ثم تُسوّى بهم\" (٤).\nقال مسلم البطين: \" قوله: ﴿لو تسوى بهم الأرض﴾، قال: الذين كفروا\" (٥).\nقال السعدي: \"أي: تبتلعهم ويكونون ترابا\" (٦).\nقال ابن عباس: \" يعني: أن تسوى الأرض بالجبال والأرض عليهم\" (٧).\nقال قتادة: \" يقول: ودوا لو انخرقت الأرض فساخوا فيها\" (٨).\nقال مقاتل: \" وذلك بأنهم قالوا في الآخرة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٩)، فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت ألسنتهم من الشرك، فودوا عند ذلك أن الأرض انشقت فدخلوا فيها فاستوت عليهم\" (١٠).\nقال الكلبي: \" يقول الله ﷿ للبهائم والوحش والطير والسباع: كن ترابا فتسوى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا ترابا يمشي عليهم أهل الجمع، بيانه قوله ﷿: ﴿يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا﴾ \" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والأرض سواء، وقد جاء في التفسير أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا. فيودون أنهم يصيرون ترابا\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ \" (١٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]، ثلاثة اقوال:\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٥٣.\n(٣) تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٥٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤٥): ص ٣/ ٩٥٧.\n(٦) تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤٦): ص ٣/ ٩٥٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤٧): ص ٣/ ٩٥٧.\n(٩) [سورة الأنعام: ٢٣].\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٣.\n(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ٣١٠ - ٣١١.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٥٤.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥١٢.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠٧.","vol":"7","page":169},{"text":"أحدها: أن الذين تمنوه من تسوية الأرض بهم، أن يجعلهم مثلها، كما قال تعالى في موضع أخر: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. وهذا قول الكلبي (١)، والفراء (٢).\nقال الفراء: \" و﴿تسوى﴾ معناه: لو يسوون بالتراب، وإنما تمنوا ذلك لأن الوحوش وسائر الدواب يوم القيامة يقال لها: كوني ترابا\" (٣).\nوالثاني: أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فصاروا في بطنها. وهذا قول ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، ومقاتل (٦).\nوالثالث: أن المعنى: يعدل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١]. قال الثعلبي: سمعه أستاذنا أبو القاسم الحسين (٧).\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿لو تسوى﴾ مضمومة التاء مفتوحة السين، وقرأ نافع وابن عامر ﴿لو تسوى﴾ مفتوحة التاء والواو مشددة السين، وقرأ حمزة والكسائي ﴿لو تسوى﴾ مفتوحة التاء خفيفة السين ممالة (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، \" أي: ولا يستطيعون أن يكتموا الله حديثًا\" (٩).\nقال ابن عباس: \" بجوارحهم\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعنى: الجوارح حين شهدت عليهم\" (١١).\nقال الأخفش: \" أي: لا تكتمه الجوارح او يقول: لا يخفى عليه وإن كتموه\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال، أى يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثا\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أخبرعنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا\" (١٤).\nقال الفراء: \"ثم يحيا أهل الجنة، فإذا رأى ذلك الكافرون قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنقل إذا سئلنا: والله ما كنا مشركين، فإذا سئلوا فقالوها، ختم على أفواههم وأذن لجوارحهم فشهدت عليهم. فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا. فكتمان الحديث هاهنا في التمني\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \"جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياءُ تختلفُ علي في القرآن؟ فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس بالشك، ولكنه اختلاف! قال: فهات ما اختلف عليك. قال: أسمع الله يقول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [سورة الأنعام: ٢٣]، وقال: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾، وقد كتموا! فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب، ولا يغفر شركًا، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره جحد المشركون فقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾، رجاءَ أن يغفر لهم، فختم على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: ﴿يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا﴾ \" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣١٠.\n(٢) انظر: معاني القرىن: ١/ ٢٦٩.\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٧٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤٦): ص ٣/ ٩٥٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤٧): ص ٣/ ٩٥٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٣.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣١١.\n(٨) انظر: السبعة: ٢٣٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٥٣.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٥٠): ص ٣/ ٩٥٧.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٣.\n(١٢) معاني القرآن: ١/ ٢٥٨.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥١٢.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠٧.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٢٧٠ - ٢٧١\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٥٢١): ص ٨/ ٣٧٣.","vol":"7","page":170},{"text":"ونقل الثعلبي عن عطاء: \"ودوا لو تسوى بهم الأرض، وإنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ ولا نعته\" (١).\nكما نقل الثعلبي عن الكلبي وجماعة: لا يكتمون الله حديثا، لأن خزنة جهنم تشهد عليهم\" (٢).\nقال السعدي: \"أي بل يقرون له بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله جزاءهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين، فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة\" (٣).\nالفوائد:\n١ - دلَّت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم ﷺ.\n٢ - تمني الكفار يوم القيامة أن يهلكهم الله، ويجعلهم ترابا، وذلك عندما أيقنوا أن ذنبهم غير مغفور، وعذرهم غير مقبول.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون -وقد كان هذا قبل التحريم القاطع للخمر في كل حال-، ولا تقربوا الصلاة إن أصابكم الحدث الأكبر، ولا تقربوا كذلك مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا بالاغتسال. وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء، أو حال سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو جامعتم النساء، فلم تجدوا ماء للطهارة فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. إن الله تعالى كان كثير العفو يتجاوز عن سيئاتكم، ويسترها عليكم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: اخرج الطبري وغيره (٤)، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: \"أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فخلط فيها، فنزلت: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ \" (٥).\nوفي هذا السياق روي عن عطاء هو ابن أبي رباح قال: \"أول ما نزل في الخمر ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٦)، فقال بعض المنافقين: نشربها لمنافعها وقال آخرون: لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىْ﴾ فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٧)، فنهاهم فانتهوا\" (٨).\nوالثاني: أخرج الطبري عن يزيد بن أبي حبيب عن \"قول الله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله ﵎: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ \" (٩).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣١١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣١١.\n(٣) تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٤) وأخرجه عبد بن حميد (٨٢)، وأبو داود (٣٦٧١)، والترمذي (٣٠٢٦)، وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي في التفسير في \"الكبرى\" كما في التحفة: ٧/ ٤٠٢، والحاكم في \"مستدركه\"، كتاب التفسير: ٢/ ٣٠٧\" قال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وكتاب \"الأشربة\" \"٤/ ١٤٢\" وكذلك أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٥٢): ص ٣/ ٩٥٨، والواحدي: ١٥٣ - ١٥٤.\n(٥) تفسير الطبري (٩٥٢٤): ص ٨/ ٣٧٦.\n(٦) [سورة البقرة: ٢١٩].\n(٧) [سورة المائدة: ٩٠].\n(٨) العجاب في بيان الأسباب: ٢/ ٨٧٢.\n(٩) تفسير الطبري (٩٥٦٧): ص ٨/ ٣٨٤.","vol":"7","page":171},{"text":"والثالث: أخرج الطبري والإام احمد (١)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ: أنها قالت: \"سقطت قلادة لي بالبَيداء، ونحن داخلون إلى المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل. فبينا رسول الله ﷺ في حِجْري راقد، أقبل أبي فلكزني لَكْزة ثم قال: حبست الناس! ثم إن رسول الله ﷺ استيقظ وحَضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، ونزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية. قال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة! \" (٢).\nوفي رواي أخرى: عن آلقاسم، عن عائشة. أنها قالت: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء (أو بذات آلجيش) آنقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على آلتماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى آلناس إلى أبي بكر. فقالوا: ألا ترى الى ماصنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس معه، وليسوآ على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال: حبست رسول الله ﷺ وآلناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من آلتحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل آية التيمم، فتيمموا، فقال: أسيد بن الحضير - (وهو أحد آلنقباء) -: ماهي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! فقالت عائشة: فبعثنا البعير آلذي كنت عليه، فوجدنا آلعقد تحته \" (٣).\nوالرابع: أخرج الطبري وغيره (٤)، عن الأسلع بن شريك قال: \"كنت أخدم النبي ﷺ وأرحَلُ له، فقال لي ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحلْ لي. قلت: يا رسول الله، أصابتني جنابة! فسكت ساعة، ثم دعاني وأتاه جبريل ﵇ بآية الصعيد، ووصف لنا ضربتين\" (٥).\nوالخامس: أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: \" قوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فينا له، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٦).\nوالسادس: أخرج الطبري عن إبراهيم قال: \"أصاب أصحاب رسول الله ﷺ جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فنزلت: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، الآية كلها\" (٧).\nوالسابع: قال مقاتل: \"نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فشق عليه الغسل وخاف منه شرا أو يكون به قرح أو جدري فهو بهذه المنزلة، فذاك قوله سبحانه: ﴿وإن كنتم مرضى﴾، يعني به جرحا فوجدتم الماء فعليكم التيمم، ﴿وإن كنتم على سفر﴾، وأنتم أصحاء، نزلت في عائشة أم المؤمنين - ﵂-\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون\" (١٠).\nقال الماوردي: \"أصل السُكر: السَكْر، وهو سد مجرى الماء، فالسُّكر من الشراب يسد طريق المعرفة (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وجهان من التفسير:\nأحدهما: سكارى من الخمر، وهو قول ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، وابي رزين (١٥)، وإبراهيم (١٦).\nوالثاني: وأنتم سكارى من النوم، وهو قول الضحاك (١٧).\nوالراجح-والله أعلم- أن \"ذلك نهيٌ من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك كذلك، نهيٌ من الله وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه\" (١٨) كما سبق الإشارة إليه في سبب نزول الآية.\nقال ابن حجر: \" قال المفسرون: هذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فاجتنبوه﴾ (١٩) \" (٢٠) ..\nقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" ولا تقربوا الصلاة إن أصابكم الحدث الأكبر، ولا تقربوا كذلك مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا بالاغتسال\" (٢١).\nقال الطبري: أي: \"ولا تقربوها أيضًا جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل\" (٢٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وجهان:\nأحدهما: أراد سبيل المسافر إذا كان جنبًا لا يصلي حتى يتيمم، وهذا قول علي (٢٣)، وابن عباس في رواية أبي مجلز عنه (٢٤)، ومجاهد (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، والحكم (٢٧)، والحسن بن مسلم (٢٨)، وعبد الله بن كثير (٢٩)، وابن زيد (٣٠).\nوالثاني: لا يقرب الجنب مواضع الصلاة من المساجد إلا مارًّا مجتازًا، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك وابن يسار عنه (٣١)، وهو قول الحسن (٣٢)، والزهري (٣٣)، وإبراهيم النخعي (٣٤)، وأبي\n_________\n(١) انظر: المسند ٦: ٥٧ (حلبي).\n(٢) تفسير الطبري (٩٦٤١): ص ٨/ ٤٠٥.\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\": ٥٧، وأحمد\" ٦/ ١٧٩، والبخاري: ١/ ٩١ و٧/ ٥٢، وفي ٦/ ٦٣ و٦٤ و٨/ ٢١٥، ومسلم ١/ ١٩١، والنسائي: ١/ ١٦٣، وفي \"الكبرى\" ٢٩٥ و١١٠٤٢، و\"ابن خزيمة\" ٢٦٢، والطبري (٩٦٣٥): ص ٨/ ٤٠٠ - ٤٠١.\nوهذا الحديث ظاهره الإرسال. لأنه - هنا - من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة. وعبد الرحمن لم يدرك أن يسمع من عمة أبيه عائشة.\nالروايات مطولة ومختصرة، وأثبتنا لفظ رواية مسلم.\n(٤) ورواه ابن سعد في الطبقات ٧/ ١ / ٤٥، في ترجمة \" الأسلع \"، ورواه الدارقطني، ص: ٦٦، والطحاوي في معاني الآثار ١/ ٦٧ - ٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠٨ - كلهم من طريق الربيع بن بدر. وقال البيهقي: \" الربيع بن بدر ضعيف، إلا أنه غير منفرد به\". ونقله الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٥٣، ونقل كلام البيهقي، وتعقبه بأن هذا لا يكفي في الاحتجاج به حتى يعلم الوجه الآخر ودرجته.\nالطبراني في الكبير، من هذا الوجه. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦١ - ٢٦٢، وقال: \" وفيه الهيثم بن رزيق. قال بعضهم: لا يتابع على حديثه \". وذكر الهيثمي أيضًا رواية الربيع بن بدر، بلفظين ١/ ٢٦٢، ونسبهما للطبراني في الكبير، وأعلمهما بضعف الربيع.\n(٥) تفسير الطبري (٩٦٣٧)، و(٩٦٣٨): ص ٨/ ٤٠٢ - ٤٠٣.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٦٥): ص ٣/ ٩٦١.\n(٧) تفسير الطبري (٩٦٣٤): ص ٨/ ٣٩٩.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥.\n(٩) التفسير الميسر: ٨٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨٥.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ٤٨٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٥٢٦): ص ٨/ ٣٧٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٢٩)، و(٩٥٣٠): ص ٨/ ٣٧٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٣١): ص ٨/ ٣٧٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٥٢٧)، و(٩٥٢٨): ص ٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٥٣٢): ص ٨/ ٣٧٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٥٣٣)، و(٩٥٣٤): ص ٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(١٨) تفسير الطبري: ٨/ ٣٧٨.\n(١٩) الآية (٩١) من سورة المائدة ..\n(٢٠) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٢.\n(٢١) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٥.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٣٧): ص ٨/ ٣٧٩، و(٩٥٤٠): ص ٨/ ٣٨٠.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٣٥): ص ٨/ ٣٧٩.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٥٤١) - (٩٥٤٤): ص ٨/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٥٣٨): ص ٨/ ٣٨٠.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٥٤٦): ص ٨/ ٣٨١.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٩٥٤٥): ص ٨/ ٣٨١.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٩٥٥٠): ص ٨/ ٣٨١.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٩٥٥١): ص ٨/ ٣٨١.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري: (٩٥٥٥): ص ٨/ ٣٨٣، و(٩٥٥٣): ص ٨/ ٣٨٢.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (٩٥٥٧): ص ٨/ ٣٨٣.\n(٣٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٦): ص ٨/ ٣٨٤.\n(٣٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٥٨) - (٩٥٦٠): ص ٨/ ٣٨٣.","vol":"7","page":172},{"text":"عبيدة (١)، وعكرمة (٢)، وأبي الضحى (٣)، ويزيد بن أبي حبيب (٤)، وسعيد بن جبير في رواية اخرى عنه (٥)، واختاره الطبري (٦) وهو قول الجمهور (٧).\nقال ابن كثير: \"وهذا الذي نصره [الطبري] هو قولُ الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا \" (٨).\nوالراجح-والله اعلم- أن معنى قوله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾: \"إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عَدِم الماء وهو جنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلومًا بذلك أن قوله ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، لو كان معنيًّا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك\" (٩).\nوقد سبق الإشارة في سبب نزول الآية \"أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله ﵎: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ \" (١٠).\nوقد ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: \"سُدُّوا كل خَوخة في المسجد إلا خَوخةَ أبي بكر\" (١١).\nقال ابن كثير: \" ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه؛ إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث. ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا.\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، ﵂ قالت: «قال لي رسول الله ﷺ: ناوليني الخُمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك» (١٢). ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم\" (١٣).\nوقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجدِ حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة (١٤).\nوذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجدِ، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، أخرج سعيد بن منصور عن عطاء بن يَسَار قال: \"رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة\" (١٥) (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٢): ص ٨/ ٣٨٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٣): ص ٨/ ٣٨٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٤): ص ٨/ ٣٨٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٧): ص ٨/ ٣٨٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦١): ص ٨/ ٣٨٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(١٠) تفسير الطبري (٩٥٦٧): ص ٨/ ٣٨٤.\n(١١) صحيح البخاري برقم (٢٩٨)، قال ابن كثير: قال ابن كثير: \" وهذا قاله في آخر حياته ﷺ، علما منه أن أبا بكر، ﵁، سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه، ﵁. ومن روى: \"إلا باب علي\" كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصحيح. ما ثبت في الصحيح\". [انظر: تفسيره: ٢/ ٣١١].\n(١٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٨) ومن حديث أبي هريرة برقم (٢٩٩) ..\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.\n(١٥) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٤٦): ص ٤/ ١٢٧٥. قال ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٣١٣: \" وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم\".\n(١٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.","vol":"7","page":173},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء\" (١).\nقال الطبري: أي: \" إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين وأنتم جنب\" (٢).\nقال ابن مسعود: \" المريض الذي قد أُرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها\" (٣).\nقال أبو مالك: \" هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم\" (٤).\nقال مجاهد: \" والمرض: أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء\" (٥).\nقال السدي: \" والمرض: هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء، إن أصابه ضرَّ صاحبه، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \" إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم\" (٧).\nوقال إبراهيم: \" من القروح تكون في الذراعين\" (٨).\nقال الضحاك: \" صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها، يتيمم\" (٩).\nوروي عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي: \"أنه سئل عن [قوله]: المجدور تُصيبه الجنابة؟ قال: ذهب فرسان هذه الآية\" (١٠).\nوقال ابن زيد: \" المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء، وليس عنده من يأتيه به، ولا يحبو إليه، تيمم وصلَّى إذا حلَّت الصلاة قال: هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به، لا يترك الصلاة، وهو أعذَرُ من المسافر\" (١١).\nفتفسير الآية إذن: \" وإن كنتم جَرْحى أو بكم قروحٌ، أو كسر، أو علّة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة، وأنتم مقيمون غيرُ مسافرين\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] ثلاثة أقاويل (١٣):\nأحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي.\nالثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي.\nوالثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" وإن كنتم في حال سفر \" (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٥، وانظر: تفسيره: ١٠/ ٨١ - ٨٢.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٥٧٠): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٥٧١): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٥٧٧): ص ٨/ ٣٨٧.\n(٦) أخرجه الطبري (٩٥٧٢): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٥٧٣): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٥٧٤): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٥٧٦): ص ٨/ ٣٨٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (٩٥٧٩): ص ٨/ ٣٨٧.\nقال السيد المحقق: \" هكذا في المخطوطة: \" عن قوله: المجدور ... \" فأثبتها بين القوسين، لأني في شك منها. وأما قوله: \" ذهب فرسان هذه الآية \"، فإنه مما أشكل على معناه، وربما رجحت أنه أراد أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، كما مضى في الأثر رقم: ٩٥٦٧. فيكون قوله: \" ذهب فرسان هذه الآية \"، عن ذلك الشطر من الآية \" ولا جنبًا إلا عابري سبيل \"، وأنهم هم الأنصار من أصحاب رسول الله، الذين كانت أبوابهم في المسجد، وقد مضوا، لم يبق اليوم منهم أحد. هذا غاية اجتهادي، وفوق كل ذي علم عليم\".\nقلت: ربما أراد سفيان أن السياق كان خاصا بهؤلاء الفرسان، وأما الحكم فباق. والله تعالى أعلم.\n(١١) اخرجه الطبري (٩٥٧٩): ص ٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٨.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(١٤) التفسير الميسر: ٨٥.","vol":"7","page":175},{"text":"قال الطبري: أي: \" أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحّاء جنب\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، ثلاثة أقاويل (٢):\nأحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير، وهو قول داود.\nوالثاني: مسافة يوم وليلة فصاعدًا، وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله.\nوالثالث: مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" أو أحدثتم ببولٍ أو غائطٍ ونحوهما حدثًا أصغر ولم تجدوا الماء\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" أو جاء أحدٌ منكم من الغائط، قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح\" (٤).\nقال ابن كثير: \" الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر\" (٥).\nقال مجاهد: \" الغائط، الوادي\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" أو جامعتم النساء\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" أو باشرتم النساءَ بأيديكم\" (٨).\nوفي هذه الملامسة قولان:\nأحدهما: أنها كناية عن الجماع، لقوله ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وهو قول عليّ (٩)، وابن عباس (١٠)، والحسن (١١) وقتادة (١٢)، ومجاهد (١٣).\nوالثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد، وهو قول ابن مسعود (١٤)، وابن عمر (١٥)، وعبيدة (١٦)، والنخعي (١٧)، والشعبي (١٨)، وعطاء (١٩)، وابن سيرين (٢٠)، والحكم (٢١)، وحماد (٢٢)، وبه قال الشافعي (٢٣).\nوالراجح أن أنّ \" اللمس \" في هذا الموضع، لمس الجماع، لا جميع معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول اللهﷺ- أنه قَبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ (٢٤)، وكما قال الشاعر (٢٥):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٥٣\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٤.\n(٦) تفسير الطبري (٩٥٨٠): ٨/ ٣٨٨.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٢): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٥٨١) - (٩٦٠١): ص ٨/ ٣٨٩ - ٣٩٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٣)، و(٩٦٠٥): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٥): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٤): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٦) - (٩٦١٣): ص ٨/ ٣٩٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٧): ص ٨/ ٣٩٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٣)، و(٩٦١٦): ص ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٩): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٨): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢١): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٦): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٠): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٠): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٢٣) انظر: تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٧٠٨. قال الشافعي: \" فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط، بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة، أن تكون: اللمس باليد، والقُبْلة غير الجنابة\".\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٩٨،\n(٢٥) البيت ذكره الفراء في: \"معاني القرآن\" ٢/ ١٩٢، وقال: تمثل به ابن عباس، وذكره الحربي في \"غريب الحديث\" ولم ينسبه ٣/ ١١١، وانظر: البيت في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٤، \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣، \"لسان العرب\" (همس) ٨/ ٤٧٠٠.\nوقال شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٦: لم أعرف قائله وهو رجز كثير الدوران في الكتب. والهمس، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل، والصوت الخفي الذي لا غور له في الكلام، والوطء والأكل وغيرها، ولميس: اسم صاحبته، ويريد بقوله: إن تصدق الطير: أنه زجر الطير فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله.\nوالبيت مما أنشده ابن عباس، وقد نقله عنه السيوطي في الإتقان وكثير من المفسرين، ومنهم المؤلف، ونقل صاحب (اللسان: همس) شطره الأول. وهو * وهن يمشين بنا هميسا *\nقال: وهو صوت نقل أخفاف الإبل. أهـ، . وقال في أول المادة: الهمس: الخفي من الصوت والوطء والأكل. وفي التنزيل: \" فلا تسمع إلا همسا \". وفي التهذيب: يعني به والله أعلم: خفق الأقدام على الأرض. وقال الفراء: يقال إنه نقل الأقدام إلى المحشر. ويقال: الصوت الخفي. وروي عن ابن عباس تمثل فأنشده * وهن يمشين بنا هميسا *.","vol":"7","page":176},{"text":"وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nيعني بذلك: ننك لماسًا (١) (٢).\nأخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: \"كان النبي ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ\" (٣). وفي رواية أخرى: \" أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، قراءتان (٥):\nإحداهما: ﴿لَمَسْتُمُ﴾، بغير ألف، قرأ بها حمزة والكسائي.\nوالأخرى: ﴿لامَسْتُمُ﴾، وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.\nوفي اختلاف القراءتين في ﴿لَمَسْتُمْ﴾ أو ﴿لامَسْتُمُ﴾، قولان (٦):\nأحدهما: أن ﴿لامَسْتُمُ﴾ - أبلغ من ﴿لَمِسْتُمُ﴾.\nوالثاني: أن ﴿لامَسْتُمُ﴾ يقتضي وجوب الوضوء على اللامس والملموس، ﴿وَلَمَسْتُمُ﴾، يقتضي وجوبه على اللامس دون الملموس.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، \"أي: فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه\" (٨).\nقال سفيان: \" تحرَّوا وتعمَّدوا صعيدًا طيبًا\" (٩). وفي رواية أخرى: \" \"قوله: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾، قال: حلال لكم\" (١٠).\n_________\n(١) قوله: \"لماسًا\" أي، ملامسة. وكأنه جعل\"اللميس\" مصدرًا من\"اللمس\"، مثل\"المسيس\" مصدرًا من\"المس\". وهو قول غريب للطبري. بل أكثرهم يقول: \"لميس: اسم امرأة\"، ومعنى\"امرأة لميس\": هي المرأة اللينة الملمس.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٩٨،\n(٣) تفسير الطبري (٩٦٢٩): ص ٨/ ٣٩٦.\n(٤) تفسير الطبري (٩٦٣٠): ص ٨/ ٣٩٦.\nقال السيد أحمد محمد شاكر مححقق تفسير الطبري: \" الحديثان: ٩٦٣٩ - ٩٦٣٠ - عروة، في هذين الإسنادين: هو عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة، على اليقين، خلافًا لمن زعم أنه \" عروة المزني \"، من اجل كلمة قالها الثوري: \" ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني \"! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير، فقد حدث غيره عنه.\nوالحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٢١٠ (حلبي)، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة \" عن عروة بن الزبير \". وكذلك جاء التصريح بأنه \" عروة بن الزبير \"، في رواية ابن ماجه: ٥٠٢، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.\nوكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه، عقب الحديث: ١٨٠، بصيغة التمريض: \" روى عن الثوري \". ثم نقضها هو نفسه، فقال: \" وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - حديثًا صحيحًا \".\nوالحديث رواه أيضًا أبو داود: ١٧٩، والترمذي: ٨٦ (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع، به. وفيهما \" عن عروة \" فقط، كما هنا.\nوقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث، وخالفهم آخرون، فأثبتوا صحته \" عن عروة بن الزبير \". وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي ١: ١٣٣ - ١٤٢. وأثبتنا صحته، وترجيح القول بأن \" الملامسة \" في هذه الآية هي الجماع، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا. وانظر السنن الكبرى للبيهقي، ورد ابن التركماني عليه ١: ١٢٣ - ١٢٧، وابن كثير ٢: ٤٦٥ - ٤٦٦.\n(٥) انظر: السبعة: ٢٣٤.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩١.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٥٤.\n(٨) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٦٤٣): ص ٨/ ٤٠٧.\n(١٠) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٧٦): ص ٣/ ٩٦٣.","vol":"7","page":177},{"text":"فالتيمم في اللغة هو: \"القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه، أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس (١):\nوَلَمَّا رَأتْ أنَّ المَنِية ورِدُها ... وأن الحصَى من تحت أقدامها دَامِ\nتيممت العين التي عند ضارج (٢) ... يفيء عليها الفيء عَرْمَضها طام (٣)\nقال الزجاج: \" معنى تيمموا أقصدوا، والصعيد وجه الأرض، فعلى الإنسان في التيمم أن يضرب بيديه ضربة واحدة فيمسح بهما جميعا وجهه، وكذلك يضرب ضربة واحدة، فيمسح بهما يديه، و«الطيب» هو النظيف الطاهر، ولا يبالي أكان في الموضع تراب أم لا، لأن الصعيد ليس هو التراب، إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو غيره. ولو أن أرضا كانت كلها صخرا لا تراب عليها ثم ضرب المتيمم يده على ذلك الصخر لكان ذلك طهورا إذا مسح به وجهه، قال الله ﷿ -: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (٤)، فأعلمك أن الصعيد يكون زلقا، والصعدات الطرقات، وإنما سمي صعيدا، لأنها نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض، لا أعلم بين أهل اللغة اختلافا في أن الصعيد وجه الأرض\" (٥).\nوفي الصعيد أربعة أقاويل:\nأحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس، وهو قول قتادة (٦).\nوالثاني: أنها الأرض المستوية، وهو قول ابن زيد (٧).\nوالثالث: هو التراب، وهو قول عليّ، وابن مسعود، وعمرو بن قيس الملائي (٨)، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما (٩).\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» (١٠)، وفي لفظ: \"وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء\". قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه (١١).\nوالرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار (١٢)، وهذا قول أبي عبيدة (١٣)، ومنه قول ذي الرُّمة (١٤):\nكَأنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ\nيعني: تضرب به وجه الأرض (١٥).\nوفي قراءة عبدالله: ﴿فَأُمُّوا صَعِيدًا﴾ (١٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، أربعة أقاويل:\n_________\n(١) رواية البيتين في ديوانه ص ٤٧٥:\nولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دام\nتيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الطلح عرمضها طام\nوهما في لسان العرب (ضرج، عرمض) ومقاييس اللغة ٣/ ٢٦٢ و٤/ ٤٣٥ وتاج العروس (ضرج).\n(٢) ضارج: اسم موضع في بلاد بنى عبس. والعرمض: الطحلب. وقيل: الخضرة على الماء، والطحلب: الذي يكون كأنه نسخ العنكبوت. وطامي: مرتفع ..\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(٤) [سورة الكهف: ٤٠] ..\n(٥) معاني القرىن: ٢/ ٥٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٤): ص ٨/ ٤٠٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٥): ص ٨/ ٤٠٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٦): ص ٨/ ٤٠٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(١٠) صحيح مسلم برقم (٥٢٢).\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٠٨. نسبه الطبري إلى البعض.\n(١٣) انظر: تفسير ابن المنذر (١٨٢٤): ص ٢/ ٧٢٨ ولفظه: \"وجه الأرض\".\n(١٤) ديوانه: ٥٧١، من قصيدته المحكمة المشهورة. والبيت من أبياته في ذكر ظبية أودعت ولدها الصغير بين أشجار، فإذا ارتفعت شمس الضحى نال منه التعب، فانطرح على الأرض، كأنه سكران أثقله النعاس. وقوله: \"دبابة\": تدب في أوصال شاربها، يعني الخمر ..\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٠٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٠٧.","vol":"7","page":178},{"text":"أحدها: حلالًا، وهو قول سفيان (١)، واختاره ابن كثير (٢).\nوالثاني: أن الطيب: ما أتت عليه الأمطار وطهرته، و﴿طيبا﴾، أي: طاهرا. وهذا قول سعيد بن بشر (٣)، والطبري (٤)، والزجاج (٥).\nعن أبي ذر قال: \"قال رسول الله ﷺ: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده، فليمسه بَشرته، فإن ذلك خير له» \" (٦).\nوالثالث: تراب الحرث، وهو قول ابن عباس (٧).\nوالرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ، وهو قول ابن جريج (٨).\nقال ابن كثير: \" استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد تطلبه، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين، من حديث عِمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (٩) \" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم\" (١١).\nقال الماوردي\" فالوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في غسل الوضوء\" (١٢).\nقال الطبري: والمسح منه بالوجه: أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسَح بما علق من الغُبار وجهه\" (١٣).\nفأما مسح اليدين ففيه ثلاثة أقاويل:\nأحدها: الكفان إلى الزندين دون الذراعين، وهو قول عمار بن ياسر (١٤)، ومكحول (١٥)، والشعبي في أحد قوليه (١٦)، وبه قال مالك في أحد قوليه (١٧)، والشافعي في القديم (١٨).\nوالثاني: الذراعان مع المرفقين، وهو قول ابن عمر (١٩)، والحسن (٢٠)، وعمر الشعبي (٢١)، وسالم بن عبد الله (٢٢)، والشافعي في الجديد (٢٣).\nوقالوا: \" لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية\" (٢٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٧٦): ص ٣/ ٩٦٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٧٧): ص ٣/ ٩٦٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٠١، و٥/ ٥٥٥، و٧/ ٤٢٤، و٨/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٥) انظر: معاني القرىن: ٢/ ٥٦.\n(٦) المسند (٥/ ١٨٠) وسنن أبي داود برقم (٣٣٢) وسنن الترمذي برقم (١٢٤) وسنن النسائي (١/ ١٧١).\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩١، قال ابن كثير: ٢/ ٢٨٠: \" رواه ابن أبي حاتم، ورفعه ابن مردويه في تفسيره\".\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(٩) صحيح البخاري برقم (٣٤٨) وصحيح مسلم برقم (٦٨٢).\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٤١٠.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٤١٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥١): ص ٨/ ٤١١، و(٩٦٥٧): ص ٨/ ٤١٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٣)، و(٩٦٥٤): ص ٨/ ٤١١ - ٤١٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٠): ص ٨/ ٤١١، و(٩٦٥٥): ص ٨/ ٤١٢.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(١٨) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٨) - (٩٦٦١): ص ٨/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٢): ص ٨/ ٤١٥.\n(٢١).انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٣) - (٩٦٦٥): ص ٨/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٦): ص ٨/ ٤١٦.\n(٢٣) انظر: الأم: ١/ ٤٢، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصَّمَّة: \"أن رسول الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه\".\n(٢٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٩.","vol":"7","page":179},{"text":"وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\" (١).\nوروى أبو داود عن ابن عمر - في حديث – \"أن رسول الله ﷺ ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه\" (٢).\nوالثالث: إلى المنكبين والإبطين، وهو قول الزهري (٣)، وحكي نحوه عن أبي بكر (٤).\nقال الطبري: والصواب: \" أن الحدّ الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصِّر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزّندين، لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز. ثم هو فيما جاوز ذلك مخيّر، إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرًا فيما جاوز الكفين: أن الله لم يحدَّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدًّا لا يجوز التقصير عنه. فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أُجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه. وقد أجمع الجميعُ على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه. وإذا كان مختلفًا فيه، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجًا مما لزمه من فرض ذلك\" (٥).\nقال ابن كثير: \" التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع\" (٦).\nواختلفوا في جواز التيمم في الجنابة على قولين:\nأحدهما: يجوز، وهو قول الجمهور (٧).\nوالثاني: لا يجوز وهو قول عمر (٨)، وابن مسعود (٩)، وإبراهيم النخعي (١٠).\nوالراجح-والله أعلم- هو قول الجمهور، أي: \" أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء، والصلاةِ بقوله: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: \" إن الله تعالى كان كثير العفو يتجاوز عن سيئاتكم، ويسترها عليكم\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أي يقبل منكم العفو ويغفر لكم، لأن قبوله التيمم تسهيل عليكم\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" إن الله لم يزل عفوا، عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به، كما عفا لكم، أيها المؤمنون، عن قيامكم إلى الصلاة التي فرضها عليكم في مساجدكم وأنتم سكارى \" غفورًا \"، يقول: فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معاجلتهم العذابَ على خطاياهم، كما ستر عليكم، أيها المؤمنون، بتركه معاجلتكم على صلاتكم في مساجدكم سكارى. يقول: فلا تعودوا لمثلها، فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك، مُنَكِّلَة\" (١٤).\nقال سلمة بن وهرام صاحب طاوس: \" أن الله ﵎ إنما سمى نفسه «العفو»، ليعفو، و«الغفور»، ليغفر\" (١٥).\nقال سعيد بن المسيب: \" ليس شيء أحب إلي من عفو\" (١٦).\n_________\n(١) سنن الدارقطني (١/ ١٨٠). قال ابن كثير: ٢/ ٣١٩: \" لا يصح؛ لأن في أسانيده ضعفاء لا يثبت الحديث بهم\".\n(٢) سنن أبي داود برقم (٣٣١). قال ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٣١٩: \" في إسناده محمد بن ثابت العَبْدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عَدِي: هو الصواب. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر\".\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٩): ص ٨/ ٤١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧٠): ص ٨/ ٤١٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٢٠، والنكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧٢): ص ٨/ ٤٢١ - ٤٢٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧١): ص ٨/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧٣): ص ٨/ ٤٢٢.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٢٢.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٥.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٥٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٨/ ٤٢٦.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٧٩): ص ٣/ ٩٦٣.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٨٠): ص ٣/ ٩٦٣.","vol":"7","page":180},{"text":"قال الشيخ السعدي: \" وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا، فإن الخمر -في أول الأمر- كان غير محرم، ثم إن الله تعالى عرض لعباده بتحريمه بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].\nثم إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة كما في هذه الآية، ثم إنه تعالى حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية.\nومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة لتضمنه هذه المفسدة العظيمة، بعد حصول مقصود الصلاة الذي هو روحها ولبها وهو الخشوع وحضور القلب، فإن الخمر يسكر القلب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة\" (١).\nالفوائد:\n١ - ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، حتى يعلموا ما يقولون، وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة، كالمسجد، فإنه لا يمكن السكران من دخوله. وشامل لنفس الصلاة، فإنه لا يجوز للسكران صلاة ولا عبادة، لاختلاط عقله وعدم علمه بما يقول، ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم بما يقول السكران (٢).\n٢ - منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح (٣).\n٣ - أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، وهذا مطلقا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه.\n٤ - وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم ولو لم يضق الوقت، وأنه لا يخاطب بطلب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب- والله أعلم-.\n٥ - من أسماءه تعالى «العفو» و«الغفور»، والعفوّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولا سيما إذا أتوا لما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.\nومن أسمائه: «الغفور»، \"من أبنية المبالغة؛ فالله ﷿ غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل\" (٤).\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم مما جاءهم من التوراة، يستبدلون الضلالة بالهدى، ويتركون ما لديهم من الحجج والبراهين، الدالة على صدق رسالة الرسول محمد ﷺ، ويتمنون لكم -أيها المؤمنون المهتدون- أن تنحرفوا عن الطريق المستقيم; لتكونوا ضالين مثلهم.\nفي سبب نزول الآيات [٤٤ - ٤٦]:\nأخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن ابن عباس قال: \"كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم - يعني من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه وقال: راعنا سمعَك، يا محمد حتى نفهمك! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٦) \" (٧).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٢) انظر: تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٣) انظر: تفسير السعدي: ١٧٩.\n(٤) اشتقاق أسما الله، الزجاجي: ٩٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٨١): ص ٣/ ٩٦٣.\n(٦) [سورة النساء: ٤٦].\n(٧) تفسير الطبري (٩٦٨٩): ص ٨/ ٤٢٧، و(٩٦٩٠): ص ٨/ ٤٢٨","vol":"7","page":181},{"text":"وفي السياق نفسه: أخرج الطبري عن عكرمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، إلى قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١)، قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي\" (٢).\nوأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله ﷿: \" ﴿من الذين هادوا﴾ الآية، قال: كان رجلان من اليهود، يقال لأحدهما: مالك بن الضيف والآخر: رفاعة بن زيد، إذا لقيا النبي ﷺ، قالا له، وهما يكلمانه: راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، كقولك: اسمع غير صاغر، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم قال أصحاب النبي ﷺ للنبي مثل ذلك، فنهوا عن ذلك، فأنزل الله جل وعز: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ \" (٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: \"وكان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبي رافع، وبحر بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحون لهم من أصحاب محمد، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: ﴿ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا﴾ (٤) \" (٥).\nوقال مقاتل: \" ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا﴾ ... وهم اليهود، منهم: إصبع، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود، ﴿ويريدون أن تضلوا السبيل﴾، يعني: أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى، نزلت في عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم حين دعوهما إلى دين اليهودية وعيروهما بالإسلام وزهدوهما فيه وفيهما نزلت\" (٦).\nوأخرج الطبري عن عبيد بن سليمان قال: \"سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿راعنا ليًّا بألسنتهم﴾، كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرِّف معناه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٤٤]، أي: \" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم مما جاءهم من التوراة\" (٨).\nقال مقاتل: \" ألم تر إلى فعل الذين أعطوا ﴿نصيبا﴾، يعني حظا ﴿من الكتاب﴾، يعني: التوراة\" (٩).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿نصيبا من الكتاب﴾ قال: طرفا وخطا\" (١٠).\nقال أبو مالك: \" ﴿نصيبا﴾، يعني: حظا\" (١١)، \" ﴿من الكتاب﴾، قال: من التوراة\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" ﴿ألم تر﴾، من رؤية القلب، وعدى بـ ﴿إلى﴾، على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى: ألم تنظر إليهم؟ ﴿أوتوا نصيبا من الكتاب﴾، حظا من علم التوراة، وهم أحبار اليهود\" (١٣).\nقال أبو هلال العسكري: \" وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، معناه: ألم تخبر بذلك، وهذا أيضا يرجع إلى معنى العلم، لأنه إذا أخبر به فقد علمه، ويجوز أن يكون تعجيبا منهم كما تقول لصاحبك: ألم تر إلى فلان كيف أُحسن إليه ويجفو بي ونحو ذلك\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]، أي: \" ويستبدلون الضلالة بالهدى\" (١٥).\nقال أبو العالية: \" اختاروا الضلالة\" (١٦).\n_________\n(١) [سورة النساء: ٤٦].\n(٢) تفسير الطبري (٩٦٨٨): ص ٨/ ٤٢٧.\n(٣) تفسير ابن المنذر (١٨٣٧): ص ٢/ ٧٣٣.\n(٤) [سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٤٥].\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٨٧): ص ٣/ ٩٦٤.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦\n(٧) تفسير الطبري (٩٧٠٤): ص ٨/ ٤٣٦.\n(٨) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٥.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٨٢٨): ص ٢/ ٧٣٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨٢): ص ٣/ ٩٦٤.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨٣): ص ٣/ ٩٦٤.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥١٥.\n(١٤) الوجوه والنظائر: ٢٣٧.\n(١٥) التفسير الميسر: ٨٥.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨٤): ص ٣/ ٩٦٤.","vol":"7","page":182},{"text":"قال قتادة: \" هم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة، يقول: استحبوها\" (١).\nقال ابن عباس: \" الضلالة أي: الكفر\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني باعوا إيمانا بمحمدﷺ- قبل أن يبعث، بتكذيب بمحمدﷺ- بعد بعثته، وهم اليهود منهم إصبع، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية، بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله ﵌، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل\" (٤).\nقال الراغب: \" واشتراء الضلالة بالهدى: استبدالها به بغد حصوله، والرغبة في الضلالة بعد التمكن من الهدى، وقد أعاد تعالى هذا المعنى في مواضع تحذيرا منهم، وتخويفا من الاغترار بهم، وعلى ذلك قوله من قبل: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، ونحوه قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤]، \"أي: ويريدون لكم يا معشر المؤمنين أن تضلوا طريق الحق لتكونوا مثلهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم\" (٨).\nوقرئ: ﴿أن يضلوا﴾، بالياء بفتح الضاد وكسرها (٩).\nالفوائد:\n١ - الآية ذم لليهود وفي ضمنه تحذير عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم.\n٢ - بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم.\nالقرآن\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾ [النساء: ٤٥]\nالتفسير:\nوالله ﷾ أعلم منكم -أيها المؤمنون- بعداوة هؤلاء اليهود لكم، وكفى بالله وليًّا يتولاكم، وكفى به نصيرًا ينصركم على أعدائكم.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥]، أي: \"والله ﷾ أعلم بعداوة هؤلاء اليهود الضَّالين منكم\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: بعداوتهم إياكم، يعني: اليهود\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي هو أعرف بهم فهو يعلمكم ما هم عليه\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم\" (١٣).\nقال الثعلبي: أي: \" فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، ويجوز أن يكون أعلم بمعنى عليم [كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ (١٤) عليه\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٨٢٩): ص ٢/ ٧٣٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨٦): ص ٣/ ٩٦٤.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥١٥ - ٥١٦.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٥٧ - ١٢٥٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٥٦.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥١٦.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٥١٦، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢٣.\n(١٠) انظر: صفوة التفاسير: ٢٥٦، والتفسير الميسر: ٨٦.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٦.\n(١٢) معاني القرىن: ٢/ ٥٧.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٣.\n(١٤) [سورة الروم: ٢٧].\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢٣.","vol":"7","page":183},{"text":"قال الزمخشري: \" وقد أخبركم بعداوة هؤلاء، وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ولا تستشيروهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، أي: \" وكفى بالله وليًّا يتولاكم، وكفى به نصيرًا ينصركم على أعدائكم\" (٢).\nقال مقاتل: \" فلا ولي أفضل من الله﷿-، فلا ناصر أفضل من الله- جل ذكره-\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه، ونصيرا لمن استنصره\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوَج\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: يتولى أحوال عباده ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم، ﴿وكفى بالله نصيرا﴾ ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر\" (٦).\nقال الصابوني: أي: \" أي: حسبكم أن يكون الله وليًا وناصرًا لكم فثقوا به واعتمدوا عليه وحده فهو تعالى يكفيكم مكرهم\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" فثقوا بولايته ونصرته دونهم. أو لا تبالوا بهم، فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي: الله ناصركم عليهم. ومعنى «الباء» التوكيد، المعنى: وكفى الله وليا وكفى الله نصيرا، إلا أن «الباء» دخلت في اسم الفاعل، لأن معنى الكلام الأمر، المعنى: اكتفوا بالله\" (٩).\nقال عثمان بن زائدة: \"سمعت وهيب بن ورد يقول: قال الله ﷿: ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي فإن نصري لك خير من نصرتك لنفسك\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - حرص اليهود على إضلال المسلمين غاية الحرص، فهم باذلون جهدهم في ذلك.\n٢ - في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم ﷿.\n٣ - إثبات اسمين من أسماءه تعالى، وهما: «المولى» «والنصير»:\nيوصف الله ﷿ بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و«الولي» و«المولى»: اسمان لله تعالى، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: \"نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه\" (١١).\nجاء في الحديث: \"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\" (١٢).\nويوصف الله ﷿ بأنه «الناصر» و«النصير»، واللَّه - ﷿ - هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم.\nو«النصير»: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصرًا، إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (١٣)، واللَّه - ﷿ - النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١٤).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥١٦.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٦.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٤٣٠.\n(٦) تفسير السعدي: ١٨٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٥٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥١٦.\n(٩) معاني القرىن: ٢/ ٥٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨٩): ص ٣/ ٩٦٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٤.\n(١٢) رواه مسلم (٢٧٢٢).\n(١٣) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٦٤ ..\n(١٤) الأسماء والصفات للبيهقي، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد، ١/ ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"7","page":184},{"text":"جاء في الحديث: \" \"اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل\" (١).\nقال أهل العلم: «الناصر»: ليس من أسماء الله تعالى، وعليه؛ فلا يصح التعبد به؛ مثل: عبد الناصر\" (٢).\nالقرآن\n﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦]\nالتفسير:\nمن اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله، ويقولون للرسول ﷺ: سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع منَّا لا سمعت، ويقولون: راعنا سمعك أي: افهم عنا وأفهمنا، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة حسب لغتهم، والطعن في دين الإسلام. ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، بدل و«عصينا»، واسمع دون «غير مسمع»، وانظرنا بدل «راعنا» لكان ذلك خيرًا لهم عند الله وأعدل قولا ولكن الله طردهم من رحمته; بسبب كفرهم وجحودهم نبوة محمد ﷺ، فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا لا ينفعهم.\nقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: \" من اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله\" (٣).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿من الذين هادوا﴾، في هذا الموضع: اليهود \" (٤)، \" ﴿يحرفون﴾: يقلبون، ويغيرون، و﴿الكلم﴾: جماعة كلمة \" (٥).\nعن مجاهد، في قوله ﷿ \" ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾: تبديل اليهود التوراة \" (٦).\nوقال إبراهيم: \" كان ينزل عليهم يا بني رسلي، يا بني أحباري، قال: فحرفوه وجعلوه يا بني أبكاري\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: \" ويقولون للرسول ﷺ: سمعنا قولك وعصينا أمرك\" (٨).\nقال البغوي: \" أي: ﴿ويقولون سمعنا﴾ قولك، ﴿وعصينا﴾ أمرك\" (٩).\nعن مجاهد، في قوله ﷿: \" ﴿سمعنا وعصينا﴾ ما تقول، ولا نطيعك \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: واسمع ما نقول لا سمعت\" (١١).\nقال البغوي: \" أي: اسمع منا ولا نسمع منك\" (١٢).\nقال الطبري: \" وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله ﷺ في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله ﷺ ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه: اسمع، لا أسمعَك الله \" (١٣).\nقال الزجاج: \" كانت إليهود - لعنت - تقول للنبي - ﷺ -: اسمع، وتقول في أنفسها لا أسمعت.\n_________\n(١) صحيح. رواه: أبو داود (٢٦٣٢)، والترمذي (صحيح سنن الترمذي/٢٨٣٦)، وغيرهما. وصححه الألباني في \"الكلم الطيب\": (١٢٦) ..\n(٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة: ٣٣٦.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٨٣٠): ص ٢/ ٧٣١.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٨٣٣): ص ٢/ ٧٣١.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٨٣١): ص ٢/ ٧٣١.\n(٧) أخرجه ابن المنذر (١٨٣٢): ص ٢/ ٧٣١.\n(٨) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٢٣٠.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٨٣٤): ص ٢/ ٧٣٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٥٧.\n(١٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٣٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٤٣٣.","vol":"7","page":185},{"text":"وقيل غير مسمع، غير مجاب إلى ما تدعو إليه\" (١).\nعن مجاهد: \" ﴿واسمع غير مسمع﴾: غير مقبول ما تقول \" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]، قولان:\nإحداهما: معناه: اسمع لا سمعت، وهو قول ابن عباس (٣)، وابن زيد (٤).\nوالثاني: أنه غير مقبول منك، وهو قول الحسن (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: \" ويقولون: راعنا سمعك، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة، والطعن في دين الإسلام\" (٨).\nقال البغوي: \" أي: ويقولون راعنا، يريدون به النسبة إلى الرعونة، تحريفا بالسنتهم، وقدحا ﴿في الدين﴾، لأن قوله: ﴿وراعنا﴾، من المراعاة، وهم يحرفونه، يريدون به الرعونة \" (٩).\nقال الطبري: أي: \" أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا، تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافًا منهم بحق النبي ﷺ، وطعنًا في الدين\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: أرعنا سمعك \" (١١).\nقال الحسن: \" الراعن من القول: السخري منه\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" ﴿ليا بألسنتهم﴾: تحريفا بالكذب\" (١٣).\nقال ابن قتيبة: \" ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾، أي: قلبا للكلام بها\" (١٤).\nقال مجاهد: \" ﴿ليا بألسنتهم﴾،: يلوون ألسنتهم\" (١٥)، وفي رواية اخرى: \" ﴿ليا﴾: خلافا يكون بألسنتهم\" (١٦).\nقال عطاء: \" يلوي بذلك لسانه ويطعن في الدين\" (١٧).\nقال قتادة: \"كانت اليهود يقولون للنبي ﷺ: \" راعنا سمعك \"! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال: راعنا سمعك، ﴿ليًّا بألسنتهم﴾، والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك، وطعنًا في الدين \" (١٨).\nقال السدي: \" قوله ﷿ \" ﴿ليا بألسنتهم﴾ قال: الكلام شبه الاستهزاء ﴿وطعنا في الدين﴾، قال: في دين محمد ﵇ \" (١٩).\nقال الزجاج: \" ﴿ليا بألسنتهم﴾، أي: يفعلون ذلك معاندة للحق وطغيانا في الدين، وأصل ﴿ليا﴾، لويا، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون\" (٢٠).\nقال الراغب: \" اللي: أصله الفتل فاستعير لصرف الإنسان عما يريده، وصرف الكلام من وجه إلى وجه استعارة الجدل في الجدال، ومنه لي الغريم، ولواء الجيش لكونه في الأصل خيطا ملويا. واللوى: الملوئ من الرمل؛ لا يصنعه البشر\" (٢١).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ٥٨.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٨٣٦): ص ٢/ ٧٣٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٩٨): ص ٨/ ٤٣٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٩٧): ص ٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٠١): ص ٨/ ٤٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦٩٩)، و(٩٧٠٠): ص ٨/ ٤٣٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٠٢): ص ٨/ ٤٣٣٤ - ٤٣٥.\n(٨) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٢٣٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٤٣٥.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٨٣٩): ص ٢/ ٧٣٤.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠٠): ص ٣/ ٩٦٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠١): ص ٣/ ٩٦٧.\n(١٤) تأويل مشكل القرآن: ٢١٨.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠٢): ص ٣/ ٩٦٧.\n(١٦) اأخرجه ابن المنذر (١٨٤١): ص ٢/ ٧٣٤.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠٤): ص ٣/ ٩٦٧.\n(١٨) اأخرجه الطبري (٩٧٠٣): ص ٨/ ٤٣٥، وأخرجه ابن المنذر (١٨٤٢): ص ٢/ ٧٣٤، مختصرا.\n(١٩) اأخرجه ابن المنذر (١٨٤٠): ص ٢/ ٧٣٤.\n(٢٠) معاني القرآن: ٢/ ٥٩.\n(٢١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٥٩.","vol":"7","page":186},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]، ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أن هذه الكلمة كانت سَبًّا في لغتهم، كانوا يسبون النبي - ﷺ - بهذه الكلمة، فأطلع الله نبيّه عليها فنهاهم عنها. حكاه الزجاج عن بعضهم (١).\nوالثاني: أنها كانت تجري مجرى الهُزْءِ والسخري. وهذا قول ابن عباس (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤)، واختيار الزجاج (٥).\nوالثالث: إنها كانت تخرج مخرج الكِبْر، \" كأنهم يقولون: ارعنا سمعك أي اجعل كلامك لسمعنا مرعى. حكاه الزجاج عن بعضهم (٦).\nقال الزجاج: \" وهذا مما لا تخاطب به الأنبياء - صلوات الله عليهم –، إنما يخاطبون بالإجلال والإعظام\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: \" ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا عوضا عن قوله سمعنا وعصينا\" (٨).\nقال مقاتل بن حيان: \" سمعنا للقرآن الذي جاد من الله، وأطعنا: أقروا لله أن يطيعوه في أمره ونهيه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: \" واسمع وانظرنا، عوضًا عن قولهم غير مسمع وراعنا\" (١٠).\nقال مجاهد: \" ﴿انظرنا﴾: أفهمنا\" (١١)، وفي رواية: \"أفهمنا وبين لنا يا محمد \" (١٢)، وفي رواية أخرى: \"يقولون: أفهمنا لا تعجل علينا سوف نتبعك إن شاء الله\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]، \"أي: لكان ذلك القول خيرًا لهم عند الله وأعدل وأصوب\" (١٤).\nقال الزمخشري: أي: \" لكان قولهم ذلك خيرا لهم وأقوم وأعدل وأسد\" (١٥).\nقال ابن عطية: \" ﴿أقوم﴾، معناه: أعدل وأصوب\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]، \" أي: ولكن أبعدهم الله عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق \" (١٧).\nقال الزمخشري: أي: \" ولكن لعنهم الله بكفرهم أى خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه\" (١٨).\nقال ابن عطية: \" «واللعنة»: الإبعاد، فمعناه: أبعدهم من المهدي\" (١٩).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، \" أي: فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا\" (٢٠).\nقال قتادة: \" لا يؤمنون هم إلا قليلا\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٥٨، والنكت والعيون: ١/ ٤٩٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٧٠٥): ص ٨/ ٤٣٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٧٠٣): ص ٨/ ٤٣٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن المنذر (١٨٤٠): ص ٢/ ٧٣٤.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٥٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٥٨ - ٥٩، والنكت والعيون: ١/ ٤٩٣.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٥٩.\n(٨) انظر: التفسير الميسر: ٨٦، وصفوة التفاسير: ٢٥٧\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠٦): ص ٣/ ٩٦٧.\n(١٠) انظر: التفسير الميسر: ٨٦، وصفوة التفاسير: ٢٥٧\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠٧): ص ٣/ ٩٦٧.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (١٨٤٤): ص ٢/ ٧٣٥.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨٥٤٠٧): ص ٣/ ٩٦٧.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٥٧.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥١٨.\n(١٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٦٢.\n(١٧) صفوة التفاسير: ٢٥٧.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٥١٨.\n(١٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٦٢.\n(٢٠) انظر: التفسير الميسر: ٨٦.\n(٢١) أخرجه ابن المنذر (١٨٤٥): ص ٢/ ٧٣٥.","vol":"7","page":187},{"text":"وقال الكلبي: \"لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم \" (١).\nقال الزجاج: \" أي: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، لا يجب به أن يسموا المؤمنين، وقيل: أي: إلا قليلا منهم، فإنهم آمنوا\" (٢).\nقال البغوي: أي: \" إلا نفرا قليلا منهم، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله (٤):\nقَلِيلُ التَّشَكِّي للمُهِمِّ يُصِيبُهُ ... [كَثيرُ الهَوَى شَتَّى النَّوَى والمَسَالِك]\nأى عديم التشكي، أو إلا قليلا منهم قد آمنوا\" (٥).\nقال ابن عطية: \" ﴿قليلا﴾: نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال: إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا، وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر شريعته ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال: لا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفرا قليلا، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر\" (٦).\nالفوائد:\n١ - أن من صفات اليهود: تحريف الكلم عن مواضعه، إذ بين الله تعالى كيفية ضلال علماء اليهود وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق فقال: ﴿من الذين هادوا حرفون الكلم عن مواضعه﴾.\n٢ - أن تحريف اليهود يكمن في تغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد ﷺ على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك، فهذا حالهم في العلم أشر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم ﴿يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾.\n٣ - أن الله تعالى طرد اليهود من رحمته بسبب كفرهم وعنادهم، فقال: ﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾.\n٤ - إن التحريف من دأب اليهود، قال الشيخ ابن عثيمين: \" فكل من حرف نصوص الكتاب والسنة، ففيه شبه من اليهود، فأحذر هذا، ولا تتشبه بالمغضوب عليهم الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، لا تحرف، بل فسر الكلام على ما أراد الله ورسوله\" (٧).\n٥ - أن الإيمان القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال.\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٨٤٦): ص ٢/ ٧٣٥.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٥٩.\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢٣٠.\n(٤) لتأبط شرا، يمدح شمس بن مالك من رؤساء العرب. انظر: حماسة أبي تمام ١/ ٤٧. وقيل لأبى كبير الهذلي يمدح تأبط شرا. والمعنى: أنه عديم التشكي ليظهر المدح. أى لا يشتكى لأجل المهم حال كونه يصيبه. كثير هوى النفس. والشت كالشتات في الأصل مصدر، ويستعملان بمعنى المتفرق المنتشر. وروى نشر النوى، وهو بمعناه. وروى شتى النوى وهو جمع شتيت، أى متفرق مختلف، أى نواه ومسالكه شتى أى كثيرة مختلفة. والنوى: اسم جمع نواة، وهي نية المسافر، ويطلق على البعد أيضا فهو مذكر، ويطلق على نية المسافر فيؤنث. والموماة: المفازة لا ماء بها ..\n(٥) الكشاف: ١/ ٥١٨ قال أبو حيان: ما ذكره من أنَّ القليل يراد به العدم\" صحيح في نفسه، لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه. فإذا قلت: لا أقوم إلا قليلا، لم يوضع هذا لانتفاء القيام ألبتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلا فيوجد منك. وإذا قلت: قلما يقوم أحد إلا زيد، وأقل رجل يقول ذلك احتمل هذا، أن يراد به التقليل المقابل للتكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض. وكأنك قلت: ما يقوم أحد إلا زيد، وما رجل يقول ذلك. إما أن تنفي ثم توجب ويصير الإيجاب بعد النفي يدل على النفي، فلا إذ تكون إلا وما بعدها على هذا التقدير، جيء بها لغوا لا فائدة فيه، إذ الانتفاء قد فهم من قولك: لا أقوم. فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة؟ وأيضا، فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد إلا موافقا لما قبلها في المعنى. وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد إلا موافقا لما قبلها، وظاهر قوله: فلا يؤمنون إلا قليلا، إذا جعلناه عائدا إلى الإيمان، أن الإيمان يتجزأ بالقلة والكثرة، فيزيد وينقص، والجواب: أن زيادته ونقصه هو بحسب قلة المتعلقات وكثرتها\". [البحر المحيط: ٣/ ٦٦٤ - ٦٦٥] ..\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٦٢.\n(٧) شرح العقيدة الواسطية: ١/ ١١٨.","vol":"7","page":188},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧]\nالتفسير:\nيا أهل الكتاب، صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور، أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت، الذين نُهوا عن الصيد فيه فلم ينتهوا، فغضب الله عليهم، وطردهم من رحمته، وكان أمر الله نافذًا في كل حال.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١)، عن السدي: \" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، قال: نزلت في مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع\" (٢).\nوالثاني: أخرج الطبري ابن عباس قال: \"كلَّم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: «يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ! فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر» (٣)، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا﴾، الآية\" (٤). وروي عن عكرمة نحو ذلك (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء: ٤٧]، أي: \" يا أهل الكتاب\" (٦).\nقال الطبري: يعني: \" اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله ﷺ، قال الله لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به\" (٧).\nقال الماوردي: \" يعني اليهود والنصارى\" (٨).\nقال ابو السعود: \" تلوين للخطاب وتوجيه له إما إلى من حكيت أحوالهم وأقوالهم خاصة بطريق الالتفات ووصفهم تارة بإيتاء الكتاب أي التوراة وأخرى بإيتاء نصيب منها لتوفية كل من المقامين حقه فإن المقصود فيما سبق بيان أخذهم الضلالة وإزالة ما أوتوه بمقابلتها بالتحريف وليس ما أزالوه بذلك كلها حتى يوصفوا بإيتائه بل هو بعضها فوصفوا بإيتائه وأما ههنا فالمقصود تأكيد إيجاب الامتثال بالأمر الذي يعقبه والتحذير عن مخالفته من حيث أن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه والكفر بالثاني مقتض للكفر بالأول قطعا ولا ريب في أن المحذور عندهم إنما هو لزوم الكفر بالتوراة نفسها لا ببعضها وذلك إنما يتحقق بجعل القرآن مصدقا لكلها وإن كان مناط التصديق بعضا منها ضرورة أن مصدق البعض مصدق للكل المتضمن له حتما وإما إليهم وإلى غيرهم قاطبة وهو الأظهر وأياما كان فتفصيل ما فصل لما كان من مظان إقلاع كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧]، أي: \" صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" صدِّقوا بما نزلنا إلى محمد من الفرقان، محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران\" (١١).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى - آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات\" (١٢).\n_________\n(١) انظظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤١٠): ص ٣/ ٩٦٨.\n(٢) تفسير الطبري (٩٧٢١): ص ٨/ ٤٤٢.\n(٣) صحيح البخاري: ٤/ ٢٦٠ بتفاوت ..\n(٤) تفسير الطبري (٩٧٢٤): ص ٨/ ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤١١): ص ٣/ ٩٦٨.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٤٤٠.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٤٩٤.\n(٩) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٨٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٤٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٤.","vol":"7","page":189},{"text":"قال أبو السعود: \" عبّر عنه [أي القرآن] بالموصول، تشريفا له بما في حيز الصلة وتحقيقا لكونه من عنده ﷿، وقوله: ﴿مصدقا لما معكم﴾، أي: من التوراة، فعبر عنها بذلك للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال فإن المعية المستدعية لدوام تلاوتها وتكرير المراجعة إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقا لها ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عين الموافقة من حيث إن كلا منها حق بالإضافة إلى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﷺ: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]، أي: \" من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم\" (٤).\nقال ابن عباس: \" طمسها: أن تعمى\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" أي: نسوها حتى تكون كأقفائهم، يقال للريح: طمست آثارنا، أي: محتها، وطمس الكتاب \" (٦).\nقال أبو دريس عائذ الله الخولاني: \"كان أبو مسلم معلم كعب، وكان يلومه على إبطائه عن رسول الله ﷺ، قال: بعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال: حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها﴾، فبادرت الماء اغتسل وأني لأمس وجهي مخافة أن يطمس ثم أسلمت\" (٧).\nوقال سهل: \" أي: يحول الله عن الهدى والبصيرة إلى طبع الجهالة (٨).\nقال المراغي: \" أي آمنوا قبل أن يحل بكم العقاب من طمس الوجوه والرد على الأدبار: أي من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم بها من كيد الإسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم عند نزول الآية شىء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]، اقوال:\nأحدهما: أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى، وهو قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وعطية العوفي (١٢)، وأبي عبيدة (١٣).\nقال ابن كثير: \" وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٨، ٩] إن هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى\" (١٤).\n_________\n(١) الحديث: \" لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني\". أخرجه أحمد (١٤٦٨٥): ص ٣/ ٣٣٨، وفي (١٥٢٢٣): ص ٣/ ٣٨٧، والدارمي (٤٣٥).\n(٢) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٨٥.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٤) محاسن التأويل: ٣/ ١٤٣.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤١٢): ص ٣/ ٩٦٨.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٨٥٠): ص ٢/ ٧٣٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤١٣): ص ٣/ ٩٦٩.\n(٨) اتفسير التستري: ٥٤.\n(٩) تفسير المراغي: ٥/ ٥٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٧١٣): ص ٨/ ٤٤٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٧١٦): ص ٨/ ٤٤١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٧١٤)، و(٩٧١٥): ص ٨/ ٤٤١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن المنذر (١٨٥٠): ص ٢/ ٧٣٧.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٤.","vol":"7","page":190},{"text":"والثاني: أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي في ضلالها ذمًّا لها بأنها لا تصلح أبدًا، وهذا قول الحسن (١)، والضحاك (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، وسهل التستري (٥).\nقال الزجاج: \" المعنى: قبل أن نضلهم مجازاة لما هم عليه من المعاندة، فنضلهم ضلالا لا يؤمنون معه أبدا\" (٦).\nوالثالث: معناه:: من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها، وناحيتهم التي هم بها، ﴿فنردها على أدبارها﴾، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام. وهذا قول ابن زيد (٧).\nوالرابع: معناه: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾، فنمحو أثارها ونسوِّيها، ﴿فنردها على أدبارها﴾، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردَّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. حكاه الطبري عن البعض (٨).\nوالراجح-والله أعلم- ان المعنى: \" من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، ﴿فنردها على أدبارها﴾، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا، فيمشون القهقرى، كما قال ابن عباس وعطية، لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة﴾، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ الآية، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم، إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به. ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا\" (٩).\nقال أبو هلال السكري المعتزلي: \" «الطمس»: أصله ذهاب الأثر؛ طريق طامس: لا علم فيه، كتاب مطموس: ممحو، وجبل طامس: لا طريق إليه؛ قال جميل (١٠):\nألا تلكمُ أعلامُ بثنةَ قد بدتْ ... كأنَّ ذَرَاها في السَّراب سَبيبُ\nطوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ\nبعيدٌ على من ليسَ يطلبُ حاجةً ... وأمَّا على ذي حاجة فقريبُ\nوهو في القرآن على ثلاثة أوجه:\nالأول: بمعنى القلب؛ قال اللَّه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، أي: نقلبها فنجعلها إلى ما يلي أدبارها، وقوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ تفسير لطمسها، وصديق هذا قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]، لأن الوجوه إذا قلبت أقفاء كان أصحابها يعطون الكتب وراء ظهورهم.\nالثاني: ذهاب البركات؛ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، أي: اذهب ببركتها ونفعتها وخذهم بالقحط، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: حبب إليهم أوطانهم حتى لا يغار قومها لطلب الأرزاق فيموتوا هزلا وجوعا هكذا قِيل.\nوالصواب أن يقال: أراد أن صبرهم على البلاء والإقامة في البلد المطموس فيه على أموالهم حتى لا يجزعوا فيخرجوا منه. وذلك أن الشد على القلب والربط عليه هو تصبيره بما هو فيه.\nوقوله: ﴿فَلا يُؤمنُوا﴾ موصول بقوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ومعنى ذلك كله على العاقبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\nالثالث: ذهاب النور؛ قال اللَّه: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ \" (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٧٢٠): ص ٨/ ٤٤٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٧٢٢): ص ٨/ ٤٤٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٧١٧) - (٩٧١٩): ص ٨/ ٤٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٢١): ص ٨/ ٤٤٢.\n(٥) انظر: تفسير التستري: ٥٤.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٥٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٢٣): ص ٨/ ٤٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٤٤٣.\n(١٠) انظر الابيات في الأشباه والنظائر للخالديين: ١/ ٩، والمصون في الادب: ١٧٥، وديوان المعاني ١/ ١٣، وسمط الىلي: ١/ ٧١٩، والحماسة المغريبية: ٢/ ٩١٩.\n(١١) الوجوه والنظائر: ٣١٧ - ٣١٨.","vol":"7","page":191},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، أي: \" أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت\" (١).\nقال الحسن: \" يقول: أو نجعلهم قردة\" (٢). وروي عن السدي (٣)، وقتادة (٤) نحو ذلك.\nقال ابن زيد: \" هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت\" (٥).\nقال ابن كثير: \" يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، أي: \" وكان أمر الله نافذًا في كل حال\" (٧).\nقال مقاتل: \" يقول أمره كائن لا بد\" (٨).\nقال ابن ابي زمنين: \" أي: إذا أراد الله أمرا فإنما يقول له: كن فيكون\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع\" (١٠).\nقال الطبري: يعني: \" وكان جميع ما أمر الله أن يكون، كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه. و«الأمر» في هذا الموضع: المأمور، سمي ﴿أمر الله﴾، لأنه عن أمره كان وبأمره. والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا\" (١١).\nالفوائد:\n١ - يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يؤمنوا بالرسول محمد ﷺ وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم، المهيمن على غيره من الكتب السابقة التي قد صدقها، فإنها أخبرت به فلما وقع المخبر به كان تصديقا لذلك الخبر (١٢).\n٢ - أن أهل الكتاب إن لم يؤمنوا بهذا القرآن فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، ويوافق بعضها بعضا. فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض دعوى باطلة لا يمكن صدقها (١٣).\n٤ - في الآية حثّ لأهل الكتاب وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من العلم، والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من غيرهم، ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقا والحق باطلا جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق (١٤).\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]\nالتفسير:\nإن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر، ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده، ومن يشرك بالله غيره فقد اختلق ذنبًا عظيمًا.\nسبب نزول الآية:\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤١٩): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٣) انظر: الطبري (٩٧٢٨): ص ٨/ ٤٤٧ - ٤٤٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٤١٩): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٤) انظر: الطبري (٩٧٢٦): ص ٨/ ٤٤٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٤١٩): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٧٢٩): ص ٨/ ٤٤٨.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٥.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٧.\n(٩) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٧٨.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٤٨.\n(١٢) انظر: تفسير السعدي: ١٨١.\n(١٣) انظر: تفسير السعدي: ١٨١.\n(١٤) انظر: تفسير السعدي: ١٨١.","vol":"7","page":192},{"text":"قال أبو أيوب الأنصاري: \"جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله. قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتاعه منه، فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال: وجدته شحيحا على دينه، قال: ونزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، أي: إن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر\" (٢).\nقال مقاتل: \" هذا وعيد ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، فيموت عليه، يعني: اليهود\" (٣).\nقال ابن عباس: \" فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة\" (٤).\nقال جابر بن عبد الله: \"قال رسول الله ﷺ: ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه قال: إن الله استثنى، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أي: \" ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده\" (٦).\nقال مقاتل: أي: \" لمن مات موحدا فمشيئته﵎- لأهل التوحيد\" (٧).\nقال عبدالله بن عمر: \" كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله\" (٨).\nوفي رواية أخرى عن ابن عمر: \" كنا أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وشهادة الزور حتى نزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة\" (٩).\nوأخرج ابن ابي حاتم عن عبدالله بن عمر، قال: \" لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١٠)، فقام رجل، فقال: والشرك يا نبي الله، فكره ذلك النبي ﷺ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" (١١).\nقال جابر بن عبد الله: \"قال رسول الله ﷺ: ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها، وإن شاء الله غفر لها، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ \" (١٢).\nوعن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، الإشراك بالله، ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ \" (١٣).\nقال السمعاني: \" فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وقال في موضع آخر: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ فكيف وجه الجمع؟\nقيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢٤): ص ٣/ ٩٧١.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢٣): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢٠): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢١): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٢٦): ٣/ ٩٧١.\n(١٠) [سورة الزمر: ٥٣].\n(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٢٢): ص ٣/ ٩٧٠.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٢٥): ص ٣/ ٩٧١.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٢٩): ص ٣/ ٩٧١.\n(١٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٣٤.","vol":"7","page":193},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، \" أي من أشرك بالله فقد اختلق إِثمًا عظيمًا\" (١).\nقال مقاتل: \" يقول: فقد قال ذنبا عظيما\" (٢).\nقال أبو هلال العسكري: \" أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به، والشرك في القرآن على ثلاثة أوجه:\nالأول: الإشراك بالله في العبادة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾،\nوقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣].\nالثاني: قالوا: الشرك بمعنى الطاعة، قال اللَّه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي: أطعتموني.\nالثالث: الربا علي ما جاء في التفسير، قال اللَّه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، أي: لا يرائي فيما نفعل من العبادة\" (٣).\nالفوائد:\n١ - أنه ليس في الأعمال أخبث من الشرك بالله﷿-، وانه أعظم وزر.\n٢ - إن سائر الذنوب كبائرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك، فلا يغفر لصاحبه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: \"الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة\" (٤).\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين يُثنون على أنفسهم وأعمالهم، ويصفونها بالطهر والبعد عن السوء؟ بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم، ولا يُنقَصون من أعمالهم شيئًا مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة.\nفي سبب نزول الآية والتي بعدها وجوه:\nأحدها: أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس: \" كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا قال الله إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ \" (٥).\nقال ابن أبي حاتم: \"وروي عن مجاهد (٦)، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة والضحاك نحو ذلك\" (٧).\nوالثاني: وقال الضحاك: \" أما قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، فإن اليهود قالوا: ليس لنا ذنوب كما أنه ليس لآبائنا ذنوب، فأنزل الله تعالى ذلك فيهم\" (٨).\nوالثالث: نقل الواحدي عن الكلبي، قال: \"نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله - ﷺ - بأطفالهم وقالوا: يا محمد. هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فهذا الذين زكوا به أنفسهم\" (٩). وذكر مقاتل مثل ذلك (١٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٥٧.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٨.\n(٣) الوجوه والنظائر: ٢٦٥ - ٢٦٦. [بتصرف] ..\n(٤) أخرجه البخاري (٦٨٥٧) كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ومسلم (٨٩): الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٣٠): ص ٣/ ٩٧٢.\n(٦) تفسير مجاهد: ٢٨٣، واخرجه ابن المنذر (١٨٥٩): ص ٢/ ٧٤٠\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٣٠): ص ٣/ ٩٧٢.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٣٢): ص ٣/ ٩٧٢.\n(٩) أسباب النزول: ١٥٥.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٨.","vol":"7","page":194},{"text":"والرابع: أخرج الطبري عن الحسن، قال: \"هم اليهود والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (١)، وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢) \" (٣).\nوفي السياق نفسه أخرج الطبري عن قتادة، قال: \" وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤)، وقالوا: لا ذنوب لنا \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، \"أي: ألم يبلغك خبر هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم ويصفونها بالطاعة والتقوى؟ \" (٦).\nقال مجاهد: \" هم اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك التزكية (٧).\nقال الزمخشري: \" ﴿لذين يزكون أنفسهم﴾: اليهود والنصارى، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ... ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله. فإن قلت: أما قال رسول الله ﷺ: «والله إنى لأمين في السماء أمين في الأرض» (٨)؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة، إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه. وشتان من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم \" (٩).\nقال الزجاج: \" ﴿ألم تر﴾: ألم تخبر في قول بعضهم، وقال أهل اللغة ألم تعلم وتأويله سؤال فيه معنى الإعلام، تأويله: أعلم قصتهم، وعلى مجرى اللغة ألم ينته علمك إلى هؤلاء، ومعنى يزكون انفسهم أي تزعمون أنهم أزكياء، وتأويل قولنا: زكاء الشيء: في اللغة نماؤه في الصلاح. وهذا أيضا يعني به إليهود\" (١٠).\nقال السعدي: \" هذا تعجيب من الله لعباده، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم من كل من زكى نفسه بأمر ليس فيه. وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ ويقولون: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، وإنما البرهان ما أخبر به في القرآن في قوله: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ فهؤلاء هم الذين زكاهم الله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩]، أي: \" بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أي: يجعل من يشاء زاكيا\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها، لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى يزكى من يشاء: يزكى المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به ولا يظلمون فتيلا أى الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم. أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم. ونحوه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] \" (١٤).\n_________\n(١) [سورة المائدة: ١٨].\n(٢) [سورة البقرة: ١١١].\n(٣) تفسير الطبري (٩٧٣٤): ص ٨/ ٤٥٢.\n(٤) [سورة المائدة: ١٨].\n(٥) تفسير الطبري (٩٧٣٣): ص ٨/ ٤٥٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٥٧.\n(٧) تفسير مجاهد: ٢٨٣، واخرجه ابن المنذر (١٨٥٩): ص ٢/ ٧٤٠\n(٨) لم اقف عليه.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٢٠.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٦٠.\n(١١) تفسير السعدي: ١٨٢.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٦.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٦٠.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٢٠ - ٥٢١.","vol":"7","page":195},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، \"أي: ولا ينقصون من أعمالهم بقدر الفتيل، وهو الخليط الذي في شق النواة\" (١).\nقال الزجاج: \" ولا يظلمون مقدار فتيل\" (٢).\nقال الواحدي: \" يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة\" (٣).\nقال السمعاني: \" أي: لا ينقص من أجورهم شئ إن أسلموا، ولا من أوزارهم إن لم يسلموا. والفتيل والقطمير والنقير: ثلاثة أسامي مذكورة في القرآن فالفتيل: اسم لما يكون في شق النواة، والقطمير: اسم للقشرة التي تكون على النواة، والنقير: اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، هذا قول ابن عباس\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وجهان:\nأحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء (٥)، وقتادة (٦)، ومجاهد (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩)، وعطية العوفي (١٠)، وخصيف (١١)، وأبو عبيدة (١٢)، والحسن (١٣)، وأحد قولي ابن عباس (١٤).\nوالثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي (١٥)، وأبي مالك (١٦)، وأحد قولي ابن عباس (١٧).\nقال الطبري: \" إنما قصد بقوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة، فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى «الفتيل»، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنزيل\" (١٨).\nقال ابن السكيت: \"القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة\" (١٩).\nقال الأزهري: \"وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر، أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة (٢٠):\nيَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَيَغْزُو ... ثُمَّ يَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا\" (٢١)\nالفوائد:\n١ - التحذير من تزكية النفس بأمر ليس فيه.\n٢ - أن هؤلاء اليهود وإن زكوا أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء، وأن الثواب لهم وحدهم- فإنهم كذبة في ذلك، ليس لهم من خصال الزاكين نصيب، بسبب ظلمهم وكفرهم لا بظلم من الله لهم.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٦٠.\n(٣) التفسير البسيط: ٦/ ٦٠٩.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٣): ص ٨/ ٤٥٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٦): ص ٨/ ٤٥٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٥)، و(٩٧٥٦): ص ٨/ ٤٥٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٨): ص ٨/ ٤٥٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٩): ص ٨/ ٤٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٢): ص ٨/ ٤٥٩.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٢): ص ٨/ ٤٥٩.\n(١٢) انظر: تفسير ابن المنذر (١٨٦٤): ص ٢/ ٧٤١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٣٦): ص ٣/ ٩٧٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٢): ص ٨/ ٤٥٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٠): ص ٨/ ٤٥٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٤٩): ص ٨/ ٤٥٧ - ٤٥٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٤٥) - (٩٧٤٨): ص ٨/ ٤٥٦ - ٤٥٨، و(٩٧٥١): ص ٨/ ٤٥٨.\n(١٨) تفسير الطبري: ٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(١٩) التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٦١.\n(٢٠) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ١٧٠، والشعر والشعراء ٧٦ (ليدن)، ٧١ (شاكر)، وبلا نسبة في المقاييس ٤/ ٤٧٢، والمخصص ١٣/ ٢٥٤.\n(٢١) التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٦١.","vol":"7","page":196},{"text":"القرآن\n﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٥٠]\nالتفسير:\nانظر إليهم -أيها الرسول- متعجبًا من أمرهم، كيف يختلقون على الله الكذب، وهو المنزَّه عن كل ما لا يليق به؟ وكفى بهذا الاختلاق ذنبًا كبيرًا كاشفًا عن فساد معتقدهم.\nقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، \" أي: انظر يا محمد، كيف اختلقوا على الله الكذب\" (١).\nقال ابن عباس: \" ﴿يفترون﴾: يكذبون\" (٢).\nوقال قتادة: \" ﴿يفترون﴾، أي: يشركون\" (٣).\nقال مقاتل: \" لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه\" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾ مثل: ﴿ألم تر إلى الذين﴾ \" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" كيف يفترون على الله الكذب في زعمهم أنهم عند الله أزكياء \" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: يفعلونه ويختلقونه، ويقال: قد فرى الرجل يفري إذا عمل، وإذا قطع زمن هذا: فريت جلده. فتأويله أن هذا القول أعني تزكيتهم أنفسهم فرية منهم\" (٧).\nقال ابن عطية: \" يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذب، ويقوي أن التزكية كانت بقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: ١٨] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] \" (٩).\nقال الطبري: أي: \" انظر، يا محمد، كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذبَ والزور من القول، فيختلقونه على الله\" (١٠).\nأخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة: \"قال النضر -وهو من بني عبد الدار-: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى فأنزل الله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ \" (١١).\nقوله تعلى: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠]، \" أي: وكفى بهذا الافتراء وزرًا بينًا وجرمًا عظيمًا\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: وكفى بصنعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" وكفى بزعمهم هذا إثما مبينا من بين سائر آثامهم\" (١٤).\nقال الزجاج: \" أي كفى هو إثما. منصوب على التمييز، أي كفى به في الآثام\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٣٧): ص ٣/ ٩٧٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٣٨): ص ٣/ ٩٧٣.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٨.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (١٨٦٨): ص ٢/ ٧٤٢.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٢١.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٦١.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٦٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٤٦٠.\n(١١) تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٣٩): ص ٣/ ٩٧٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٢١.\n(١٥) معاني القرآن: ٢/ ٦١.","vol":"7","page":197},{"text":"قال ابن عطية: \" والخبر في قوله: يفترون وكفى به إثما مبينا خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن يكتفى لهم بهذا الكذب إثما ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن القرآن يحذر من تزكية النفس، بمعنى مدحها والثناء عليها، ولا يظنّ أنه كامل، وأنّه من الأخيار، بل دائمًا الإنسان يتّهم نفسَه بالتقصير في حقّ الله تعالى.\n٢ - أن تزكية النفس لا تتفق مع أدب المؤمن الذي ينبغي أن يكون دوما في مقام بين الخوف والرجاء، الخوف من أن لا يقبل عمله أو لا يختم له بالصالحات، والرجاء في القبول وحسن الخاتمة (٢).\n٣ - أن هناك نوعان من التزكيةٌ (٣):\nأحدهما: التزكية المنهيّ عنها، وهي: الإعجاب والمدح للنفس.\nوالآخر: التزكية المأمور بها، وهي: الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾\n٤ - لقد تعمّقت خصلة الكذب في اليهود وباءوا بأدنى مراتبها، وأبعدها فسادًا وهو الكذب على الله ﷿ الذي لا يخفى عليه خافية.\n٥ - أن تزكية النفس لدى أهل الكتاب من أعظم الافتراء على الله، لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب (٤).\n٦ - جعل تزكيتهم لأنفسهم إثمًا مبينًا لأن حقيقة النفس وما فيها من خير وما يختم لها به لا يعلمه إلا الله، فلما تجرءوا وزكوا أنفسهم جعل الله ذلك من الكذب عليه سبحانه، وهكذا هنا الذي يدعي بأن العمل الفلاني جزاءه الجنة أو مغفرة الذنوب، أو أن العمل الفلاني فيه كذا أو كذا من الأجر من دون علم به عن طريق الوحي، فهو من المفترين على الله الكذب وكفى به إثمًا مبينًا! (٥).\n٧ - إن في قوله: ﴿وكفى به إثمًا مبينًا﴾ من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى، أي: كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، والتنكير في إثمًا للتشديد (٦).\n٨ - أن الآية جاءت بعد التنديد باليهود لتزكيتهم أنفسهم بليغة المدى حيث انطوى فيها تكذيب لزعمهم أنهم أحباء الله وأصفياؤه والحظوة لديه وتزكيتهم لأنفسهم نتيجة لهذا الزعم. وتقرير لكون ذلك منهم افتراء على الله تعالى.\n٩ - أن الكذب مطلقًا هو إثم، والكذب المبين: هو الكذب على الله.\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم يصدقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله، ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ: هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟\nفي سبب نزول الآيات [٥١ - ٥٢]:\nأخرج الطبري وابن ابي حاتم (٧)، وغيرهما (٨)، عن ابن عباس قال: \"لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصُّنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال:\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٦٦.\n(٢) انظر: موسوعة الفرق: ٨/ ٢٩٨.\n(٣) انظر: إعانة المستفيد، صالح بن فوزان: ٢/ ٢٤٦.\n(٤) انظر: تفسير السعدي: ١٨٢.\n(٥) انظر: موسوعة الفرق: ٧/ ٢٧١.\n(٦) انظر: فتح البيان في مقاصد القرآن: ٣/ ١٤٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٤٠): ص ٣/ ٩٧٣ - ٩٧٤.\n(٨) عزاه ابن كثير في \"تفسيره: ٢/ ٣٣٤ إلى الإمام أحمد وليس هو في \"مسنده\"، وعزاه الهيثمي في \"المجمع\" \"٧/ ٦\" إلى الطبراني، وأخرجه ابن حبان انظر \"موارد الظمآن\" \"ص ٤٢٨\"، وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق انظر \"الدر\" \"٢/ ٥٦٣\" ..","vol":"7","page":198},{"text":"فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر: ٣]، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، إلى قوله: \" ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١) \" (٢). وروي عن قتادة (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وعكرمة (٦)، نحو ذلك.\nوفي السياق نفسه اخرج الطبري عن ابن عباس أيضا: \": كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، إلى قوله: ﴿وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١]، أي: \" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم\" (٨).\nقال الشوكاني: \" قوله: ﴿ألم تر﴾، هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول، وهم اليهود\" (٩).\nقال القاسمي: أي: أعطوا: \"علما بالتوراة الداعية إلى التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من إيتاء النصيب، لما مر من منافاته لما صدر عنهم من القبائح\" (١٠).\nقال الإمام الشافعي: \" أهل كتاب، بدَّلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذبًا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه - ﷺ - من كفرهم - نماذج منها -: وقال اللَّه ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، أي: \"يصدّقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، أقوال:\nأحدها: أنهما صنمان كان المشركون يعبدونهما، وهذا قول عكرمة (١٣).\nوالثاني: أن الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام، وهذا قول ابن عباس (١٤).\nوالثالث: أن الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وهذا قول عمر (١٥)، ومجاهد (١٦)، والشعبي (١٧).\nوالرابع: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان. قاله ابن زيد (١٨).\nوالخامس: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول سعيد بن جبير (١٩)، ورفيع (٢٠)، وأبو العالية (٢١).\nوالسادس: أن الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول قتادة (٢٢)، والسدي (٢٣).\nوالسابع: ان الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وهذا قول محمد بن سيرين (٢٤)، وسعيد بن جبير في رواية أخرى (٢٥).\nوالثامن: أن الجبت: حُيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، وهو قول الضحاك (٢٦)، وابن عباس في رواية أخرى (٢٧).\nوالتاسع: ان الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان. وهذا قول مجاهد في رواية أخرى (٢٨).\nوالعاشر: أن الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت: الشيطان. قاله صاحب الكشاف (٢٩).\nوالحادي عشر: أن ﴿الجبت﴾ و﴿الطاغوت﴾: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وهذا قول الطبري (٣٠).\nقال الطبري: \" والصواب من القول في تأويل: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن ﴿الجبت﴾ و﴿الطاغوت﴾: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين\" (٣١).\nقال ابن عطية: \"فمجموع هذا يقتضي أن بالجبت والطاغوت هو كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك ﵀: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو من لغة الحبشة، وقال قطرب: بالجبت أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما الطاغوت فهو من طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما قبلها فانقلبت ألفا\" (٣٢).\nقال السعدي: \" وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي ﷺ والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله، فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت\" (٣٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]، أي: \" ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ: هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟ \" (٣٤).\n_________\n(١) [سورة النساء: ٥٢] ..\n(٢) تفسير الطبري (٩٧٨٦): ص ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٧٩٣): ص ٨/ ٤٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٤٥٩): ص ٣/ ٩٧٧، وفيه سبب نزول الآية [٥٢ من السورة]، كما سيأتي.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٩١): ص ٨/ ٤٦٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٩٠): ص ٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩ ..\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٨٧) - (٩٧٨٩): ٨/ ٤٦٧ - ٤٦٩.\n(٧) تفسير الطبري (٩٧٩٢): ص ٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(٨) التفسير الميسر: ٨٦.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٥٥٢.\n(١٠) محاسن التاويل: ٣/ ١٧٢.\n(١١) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦١٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٤): ص ٨/ ٤٦١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٥): ص ٨/ ٤٦١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٦)، و(٩٧٦٧): ص ٨/ ٤٦٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٨)، و(٩٧٧٠)، و(٩٧٧١): ص ٨/ ٤٦٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٩): ص ٨/ ٤٦٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٧٧٢): ص ٨/ ٤٦٣.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٧٧٣): ص ٨/ ٤٦٣.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٧٧٤): ص ٨/ ٤٦٣.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٧٧٥): ص ٨/ ٤٦٣.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩٧٧٧)، و(٩٧٧٨): ص ٨/ ٤٦٣ - ٤٦٤\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٩٧٧٩): ص ٨/ ٤٦٤.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٨٠): ص ٨/ ٤٦٤.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٨١): ص ٨/ ٤٦٤.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٨٣)، و(٩٧٨٤): ص ٨/ ٤٦٤ - ٤٦٥.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٨٢): ص ٨/ ٤٦٤.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٩٧٨٥): ص ٨/ ٤٦٥.\n(٢٩) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢١.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٦٥.\n(٣١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٦٥.\n(٣٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٦٦.\n(٣٣) تفسير السعدي: ١٨٢.\n(٣٤) التفسير الميسر: ٨٦.","vol":"7","page":199},{"text":"قال مجاهد: \" يهود تقول ذلك، يقولون: قريش أهدى من محمد وأصحابه\" (١).\nقال مقاتل: \" ﴿سَبِيلًا﴾، يعنى: طريقا\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي: يقول اليهود لكفار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد ﴿سبيلا﴾، أي: أقوم دينا، وأرشد طريقا\" (٣).\nقال الزجاج: \" وهذا برهان ودليل على معاندة إليهود لأنهم زعموا إن الذين لم يصدقوا بشيء من الكتب وعبادة الأصنام، أهدى طريقا من الذين يجامعونهم على كثير مما يصدقون به، وهذا عناد بين\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد ﷺ: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر أقوم وأعدل من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ طريقًا، وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك\" (٥).\nقال السعدي: \" حملهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله -عبدة الأصنام- على طريق المؤمنين فقال: ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ أي: لأجلهم تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: ﴿هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟ . هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء، فهل يفضل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من صفات اليهود: الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين.\n٢ - إيمان اليهود ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله.\n٣ - أن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت.\n٤ - أن صناعة التنجيم، التي مضمونها الإحكام والتأثير، -وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القرى الفلكية والغوائل الأرضية -: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ [النساء: ٥١] (٧).\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥٢]\nالتفسير:\nأولئك الذين كَثُرَ فسادهم وعمَّ ضلالهم، طردهم الله تعالى من رحمته، ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.\nسبب نزول الآية:\nأخرج ابن ابي حاتم عن قتادة: \" قتادة قال: ذكر لنا هذه الآية، نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشا بالموسم، فقال لهم المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢]، أي: \"أولئك طردهم الله وأبعدهم عن رحمته\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي الذين باعدهم من رحمته\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته\" (١١).\nقال السمرقندي: \" أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله بالجزية\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]، أي: \" ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" ﴿نَصِيرًا﴾، يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها\" (١٤).\nقال السعدي: \" أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان\" (١٥).\nقال القاسمي: \" أي: ومن يبعده الله عن رحمته، فلن تجد له نصيرا يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويالا بشفاعة ولا بغيرها\" (١٦).\nقال الزجاج: \" أي من يباعد الله من رحمته فهو مخذول في دعواه وحجته ومغلوب، واليهود خاصة أبين خذلانا في أنهم غلبوا من بين جميع سائر أهل الأديان، لأنهم كانوا أكثر عنادا، وأنهم كتموا الحق وهم يعلمونه\" (١٧).\nقال الرازي: \" فبين أن عليهم اللعن من الله، وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول ﷺ بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].\nواعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد ﷺ يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال\" (١٨).\nالفوائد:\n١ - أن غلبة الهوى على اليهود وتعصبهم الأعمى أدت إلى أن يحالفوا الكفار ويمالئوهم في القول والعمل، فيسجدوا لأصنامهم، ويزكوا أفعالهم، ويقولوا إن طريقهم هو طريق الهداية، وطريق أهل التوحيد لَا هداية فيه! بسبب هذا لعنهم الله تعالى بأن طردهم من رحمته، فكتب عليهم بُغض الناس في الدنيا، والذل والمقت فيها، وعذاب الله تعالى في الآخرة.\n٢ - أن الحكم الذي أصدروه اليهود، حكم مبنىّ على الزور والبهتان، فأشار الله إليهم، بهذا الحكم القائم على العدل والردع، لهذا الجرم الذي اقترفوه، وهذا الضلال الذي غرقوا فيه، وأغرقوا غيرهم معه، فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾، واللعنة دائما حيث كانت، فهى لليهود، وعلى اليهود.\nالقرآن\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٥٨): ص ٣/ ٩٧٧.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٩.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٥٥٢.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٦١.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٤٦٦.\n(٦) تفسير السعدي: ١٨٢ - ١٨٣.\n(٧) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٢/ ٧٦٢.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٥٩): ص ٣/ ٩٧٧، والآيتان [٥١، و٥٢]، في السياق نفسه.\n(٩) انظر: صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٦٢.\n(١١) تفسير السعدي: ١٨٢.\n(١٢) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٠٩.\n(١٣).التفسير الميسر: ٨٧.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٧٩.\n(١٥) تفسير السعدي: ١٨٢.\n(١٦) محاسن التأويل: ٣/ ١٧٢.\n(١٧) معاني القرآن: ٢/ ٦٢.\n(١٨) مفاتيح الغيب: ١٠/ ١٠١ - ١٠٢.","vol":"7","page":200},{"text":"﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣]\nالتفسير:\nبل ألهم حظ من الملك، ولو أوتوه لما أعطوا أحدًا منه شيئًا، ولو كان مقدار النقرة التي تكون في ظهر النَّواة؟\nقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]، \"أي: أم لهم حظٌ من الملك؟ \" (١).\nقال ابن جريج: \" فليس لهم نصيب من الملك\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" أم لهم حظ من الملك، يقول: ليس لهم حظ من الملك\" (٣).\nقال الثعلبي: \" وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرً﴾ [النساء: ٥٣]، \" أي: لو كان لهم نصيب من الملك، فإِذا لا يؤتون أحدًا مقدار نقير، لفرط بخلهم\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم نقيرا يعني بالنقير النقرة التي في ظهر النواة التي ينبت منها النخلة\" (٦).\nقال الثعلبي: أي: \" ولو كان لهم من الملك فإذا لا يؤتون الناس محمدا وأصحابه نقيرا من حسدهم وبخلهم وبغضهم\" (٧).\nقال السمعاني: \" وصفهم بشدة البخل، وهذا على طريق ضرب المثل؛ إذ من اليهود من يؤتي المال، والنقير: اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة\" (٨).\nقال الزجاج: \" قال بعضهم: إنما معناه أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا، وذكر «النقير» ههنا تمثيل، المعنى لضنوا بالقليل\" (٩).\nقال مجاهد: \" ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا\" (١٠).\nقال ابن جريج: \" ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا، من بُخْلهم\" (١١).\nقال السدي: \" يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا\" (١٢).\nوفي النقير ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه الذي يكون في ظهر النواة، وهذا قول ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤)، وعطاء (١٥)، والضحاك (١٦)، وأبي مالك (١٧).\nوالثاني: أنه الذي يكون في وسط النواة، وهو قول مجاهد (١٨)، والضحاك في قوله الآخر (١٩).\nوالثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرفِ إبهامه، وهو رواية أبي العالية عن ابن عباس (٢٠).\nوالراجح-والله أعلم- أن \"الله وصف هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكًا وأهلَ قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٧٩٧): ص ٨/ ٤٧٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٤٧٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢٨ ونقله الصابوني في تفسيره: ٢٥٨.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٩.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢٨ ونقله الصابوني في تفسيره: ٢٥٨.\n(٨).تفسير السمعاني: ١/ ٤٣٦. [بتصرف بسيط].\n(٩) معاني القرىن: ٢/ ٦٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٦١): ص ٣/ ٩٧٧.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٧٩٧): ص ٨/ ٤٧٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (٩٧٩٦): ص ٨/ ٤٧٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٧٩٨) - (٩٨٠١): ص ٨/ ٤٧٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠٢): ص ٨/ ٤٧٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠٣): ص ٨/ ٤٧٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠٤): ص ٨/ ٤٧٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠٥): ص ٨/ ٤٧٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٨٠٦) - (٩٨٠٩): ص ٨/ ٤٧٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨١٠): ص ٨/ ٤٧٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨١١): ص ٨/ ٤٧٥.","vol":"7","page":202},{"text":"بمعنى \" النقير \"، أن يكون أصغرَ ما يكون من النُّقر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النُّقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شَاكلها من النُّقر\" (١).\nوفي الآية ثلاثة اقوال (٢):\nأحدها: أنه: استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى: ليس لهم نصيب من الملك؛ إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، من بخلهم، وقلة خيرهم.\nوالثاني: أن المعنى: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئا؟ ! إنما الملك لله - ﷿ - هو الذي يؤتى الملك من يشاء؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\nوالثالث: إنه بمعنى الإثبات، يعني: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن ألا يأتون الناس، نقيرا، فكيف يتبعونهم؟ ! .\nوفي قراءة عبد الله: ﴿فإذا لا يؤتوا الناس﴾، بالنصب (٣).\nالفوائد:\n١ - أن الله وحده هو المالك للملك الذي يهب ما يشاء لمن يشاء.\n٢ - أنكر الله على اليهود دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحدًا أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نواة.\n٣ - ذم اليهود بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل، وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد.\nالقرآن\n﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤]\nالتفسير:\nبل أيحسدون محمدًا ﷺ على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ فقد أعطينا ذرية إبراهيم ﵇من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا.\nسبب نزول الآية:\nأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله أعطي نبي الله ﷺ بضع سبعين شابا، فحسدته اليهود، فقال الله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله\" (٤).\nوفي السياق نفسه أخرج الطبري (٥)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: \" وذلك أن أهل الكتاب قالوا: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في س همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا؟ ! فقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ \" (٦). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن عطية والضحاك (٧)، وسعيد بن جبير والسدي (٨) نحو ذلك\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] أي: \" بل أيحسدون محمدًا ﷺ على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ \" (١٠).\nقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: \" ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾، معناها: أيحسدون الناس\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" بل أيحسدون رسول الله ﷺ والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم\" (١٢).\nوفي الناس الذين عناهم ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنهم العرب، وهو قول قتادة (١٣).\nوالثاني: أنه النبي محمد - ﷺ - خاصة، وهو قول ابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والضحاك (١٦)، والسدي (١٧)، وأبي مالك (١٨)، وعكرمة (١٩)، ومقاتل (٢٠).\nوالثالث: أنهم النبي - ﷺ - وأصحابه، قاله عكرمة في رواية اخرى (٢١)، وهو قول بعض المتأخرين (٢٢).\nوالتفسير الأشبه بالصواب-والله اعلم-، أن يقال: \" أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله، وذلك لأن ما قبل قوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: ﴿هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا﴾، فإلحاق قوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبهُ وأولى، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك\" (٢٣).\nقال الفراء: \" هذه اليهود حسدت النبي ﷺ كثرة النساء، فقالوا: هذا يزعم أنه نبى وليس له هم إلا النساء، فأنزل الله ﵎: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾، وفي آل إبراهيم سليمان بن داود، وكان له تسعمائة امرأة، ولداود مائة امرأة \" (٢٤).\nقال أبو هلال العسكري: \" أصل الناس: أناس أسكنت الهمزة منه فأدغمت اللام، كما قيل: لكنا، وقيل: الناس لغة مفردة، والأناس لغة أخرى، ولو كان أصله أناسا لقيل في التصغير أنيس، وإنما يقال: نويس وتجمع أناس على أناسي، وقيل: أناسي جمع، إنسي واشتقاقه من الأنس، خلاف الوحشية، لأن بعضهم يأنس ببعض، والناس جماعة لا واحد لها من لفظها، وواحدها إنسان على المعنى\" (٢٥).\nوفي الفضل المحسود عليه قولان:\nأحدهما: أنه النبوة، إذ حسدوا العرب على أن كانت فيهم، وهو قول الحسن (٢٦)، وقتادة (٢٧)، وابن جريج (٢٨).\nوالثاني: أنه إباحته للنبي - ﷺ - نكاح من شاء من النساء من غير عدد، وهو قول ابن عباس (٢٩)، والضحاك (٣٠)، والسدي (٣١)، وعطية (٣٢)، وسعيد بن جبير (٣٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٧٥.\n(٢) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٣٦، وتفسير الماتريدي: ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٢٨.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٧١): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٣): ص ٨/ ٤٧٨.\n(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٧٠): ص ٣/ ٩٧٨ - ٩٧٩.\n(٧) وانظر: قول الضحاك في تفسير الطبري (٩٨٢٥): ص ٨/ ٤٧٨.\n(٨) وانظر: قول السدي في تفسير الطبري (٩٨٢٤): ص ٨/ ٤٧٨ - ٤٧٩ ..\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٧٠): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨٧.\n(١١) مجاز القرآن: ١/ ١٣٠، وتأويل مشكل القرآن: ٢٩١.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٢٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٠): ص ٨/ ٤٧٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٨١٧): ص ٨/ ٤٧٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨١٨): ص ٨/ ٤٧٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨١٩): ص ٨/ ٤٧٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨١٦): ص ٨/ ٤٧٦.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٩): ص ٣/ ٩٧٨.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨١٥): ص ٨/ ٤٧٦، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٤٦٩): ص ٣/ ٩٧٨ في حديث عمرو.\n(٢٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٩.\n(٢١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٦٩): ص ٣/ ٩٧٨.\n(٢٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٦.\n(٢٣) تفسير الطبري: ٨/ ٤٧٧.\n(٢٤) معاني القرآن: ١/ ٢٧٥.\n(٢٥) الوجوه والنظائر: ٤٦٥.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢١): ص ٨/ ٤٧٨.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢١): ص ٨/ ٤٧٨.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٢): ص ٨/ ٤٧٨.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٣): ص ٨/ ٤٧٨.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٥): ص ٨/ ٤٧٩.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٤): ص ٨/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٣٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٠): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٣٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٠): ص ٣/ ٩٧٩.","vol":"7","page":204},{"text":"والراجح-والله أعلم- أن «الفضل» في هذا الموضع هو \" النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي ﷺ وأصحابه رحمة الله عليهم، (٢) على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، أي: \" فقد أعطينا ذرية إبراهيم ﵇من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا\" (٢).\nقال الزمخشري: قوله\" ﴿فقد آتينا﴾، إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ﷺ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه\" (٣).\nوفي ﴿الْكِتَابَ﴾ [النساء: ٥٤]، وجهان:\nأحدها: أنه الخط والقلم. قاله ابن عباس (٤)، وروي عن عطاء (٥)، ويحيى بن أبي كثير (٦)، ومقاتل بن حيان (٧) نحو ذلك.\nوالثاني: أنه القرآن. وهذا قول الحسن (٨)، وأبي مالك (٩).\nوفي ﴿َالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤]، وجوه:\nأحدها: انها السنة. قاله الحسن (١٠)، وأبو مالك (١١)، وقتادة (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، ويحيى بن ابي كثير (١٤).\nوالثاني: انها النبوة. قاله السدي (١٥).\nوالثالث: أن الحكمة: العقل في الدين. قاله زيد بن أسلم عن أبيه (١٦).\nوفي قوله: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، أربعة أقاويل:\nأحدها: أنه ملك سليمان بن داود، وهو قول ابن عباس (١٧)، وعطية (١٨).\nوالثاني: النبوة، وهو قول مجاهد (١٩).\nوالثالث: ما أُيِّدُوا به من الملائكة والجنود، وهو قول همام بن الحارث (٢٠).\nوالرابع: من أباحه الله لداود وسليمان من النساء من غير عدد، حتى نكح داود تسعًا وتسعين امرأة، ونكح سليمان مائة امرأة، وهذا قول السدي (٢١).\nوالراجح-والله أعلم- أنه يعني بالملك العظيم: \" ملك سليمان، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن، لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها\" (٢٢).\nقال السمعاني: \" أراد بـ ﴿آل إبراهيم﴾: داود، وسليمان، و﴿الكتاب﴾: هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما ﴿الحكمة﴾: قيل: هي النبوة، وقيل هي السنة، ومعنى الآية: أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل إبراهيم؛ فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾، واختلفوا في الملك العظيم: فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل: كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلثمائة سرية، وقيل: أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة سبعين شابا في المباضعة \" (٢٣).\nالفوائد:\n١ - ذم اليهود على حسدهم المسلمين، وأن الحسد من صفاتهم وأخلاقهم.\n٢ - أن الإيمانُ بالقدَر يقضي على كثيرٍ من الأمراض التي تعصفُ بالمجتمعات، وتزرعُ الأحقادَ بين المؤمنين، وذلك مثلُ رذيلةِ الحسَدِ، فالمؤمنُ لا يحسدُ الناس على ما آتاهم اللهُ من فضله؛ لأنه هو الذي رزقَهم وقدَّر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسدُ غيره إنما يعترضُ على المقدورِ، قال تعالى عن اليهود: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ..﴾.\n٣ - أن الحسد مذموم، والحاسد غير الغائظ، لأن الحاسد من لا يحب الخير لغيره، ويتمنى زواله عنه. والغائظ من يتمنى أن يكون له من الخير مثل ما لغيره. ولهذا جاز أن يقال في الدعاء للنبي ﷺ: \"اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون\" (٢٤)، فإن المعنى: ابعثه مقامًا يتمنى كل واحد من الأولين والآخرين إن كان له مثله. ولو كان ذلك كالحسد ما جاز بهذا القول ولا حسن، وإنما كان الحسد مذمومًا، لأن الحسد يعد إحسان الله تعالى إلى أخيه المسلم إساءة إليه، وهذا جهل منه. لأن الإحسان الواقع لمكان أخيه لا يضره شيئًا. فإنما عند الله تعالى ليس بنقص من ذلك فيخشى أن لا يناله منه بعد ما نال غيره نصيب، لكن ما عند الله واسع. وذا كان ذلك كذلك، فالأولى به أن يفرح بما يراه من آثار نعمة الله عند أخيه المسلم، ويشكره ويحمد عليه ويسأله أن يؤتيه مثله. فأما الاعتماد بما أكرم أخاه فليس له في المعتقد وجه (٢٥).\n\nالقرآن\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٥]\nالتفسير:\nفمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد ﷺ، وعمل بشرعه، ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته، ومنع الناس من اتباعه. وحسبكم -أيها المكذبون- نار جهنم تسعَّر بكم.\nقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥]، أي: \" فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد ﷺ، وعمل بشرعه \" (٢٦).\nقال مقاتل: \" يقول: صدق بالكتاب الذي جاء به\" (٢٧).\nقال ابن كثير: \" أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام\" (٢٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥]، وجهان:\nأحدهما: أي: من اليهود، منهم من آمن بما أنزل على النبي محمدﷺ-. وهذا قول مجاهد (٢٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٧٩.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٢٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٣): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٤): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٤): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٤): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٥): ص ٣/ ٩٧٩.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٥): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٦): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٦): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٦): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٦): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٦): ص ٣/ ٩٧٩.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٧): ص ٣/ ٩٨٠.\n(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٨): ص ٣/ ٩٨٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٩): ص ٨/ ٤٨١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٧٩): ص ٣/ ٩٨٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٦)، و(٩٨٢٧): ص ٨/ ٤٨٠ - ٤٨١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٣٠): ص ٨/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٢٨): ص ٨/ ٤٨١.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٢.\n(٢٣) تفسير السمعاني: ١/ ٤٣٧.\n(٢٤) سنن ابن ماجه برقم (٩٠٦).\n(٢٥) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ١٠٣ - ١٠٤.\n(٢٦) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٢٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٠.\n(٢٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٦.\n(٢٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٨٤): ص ٣/ ٩٨١.","vol":"7","page":205},{"text":"والثاني: أن معنى قوله: ﴿فمنهم من آمن به﴾، كان الناس يأتون إبراهيم الخليل ﵇، فيسألونه يعني: الحنطة، فيقول: من قال: لا إله إلا الله، فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال: وأخذ. وهذا قول السدي (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥]، أي: \"ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: أعرض عن الإيمان بالكتاب ولم يصدق به\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ \" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥]، وجهان:\nأحدهما: معناه: تركه فلم يتبعه. قاله الحسن (٥).\nوالثاني: أنهم الذين أبوا قول لا إله إلا الله، وذلك عند سؤالهم إبراهيم﵇- الحنطة، فيرجعون. وهذا قول السدي (٦).\n\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥]، أي: \"وكفى بالنار المسعّرة عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم\" (٧).\nقال مقاتل: \" يقول: وكفى بوقودها وعذابها وقودا لمن كفر بكتاب إبراهيم فلا وقود أحر من جهنم لأهل الكفر\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله\" (٩).\nقال أبو مالك: \" ﴿سعيرا﴾، يعني: وقودا\" (١٠).\nوقال سعيد بن جبير: \" السعير: وادي من فيح في جهنم\" (١١).\nالفوائد:\n١ - بيان تكذيب اليهود للنبيﷺ-، على الرغم من أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم أهل دين وتوحيد.\n٢ - أن كفر اليهود بالنبي محمدﷺ- كان بغيا وحسدا، لأنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾.\n٣ - أن اليهود آثروا اتباع الباطل والعمل بما يزينه لهم على اتباع الحق، ولا يزال ذلك دأبهم حتى يرديهم فى دار الشقاء والنكال وهى جهنم وبئس القرار.\n٤ - أن النار فهي دار أعدها الله لمن عصاه من الكفرة والمعرضين والمجانبين للصراط المستقيم، وجعل لهم فيها النكال والأغلال والويل والثبور، حتى ينالوا بذلك جزاء كفرهم وإعراضهم (١٢).\nيقول ابن سعدي في وصف النار وأهلها المستحقين لدخولها:\n\" ..... فهي دار من طغى وبغى وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمى سعيرها قعرها بعيد وعذابها شديد ولباس أهلها القطران والحديد وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، ويتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير والمفرط برده وبين السعير ويلاقون فيها العنا والشقا فيا\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٨٦): ص ٣/ ٩٨١.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٨٧): ص ٣/ ٩٨١.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٨٨): ص ٣/ ٩٨١.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٨٩): ص ٣/ ٩٨٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٠): ص ٣/ ٩٨٢.\n(١٢) انظر: العقيدة، الشيخ السعدي: ٢٩٢.","vol":"7","page":207},{"text":"بئس المثوى ويا بئس المصير ويلقى عليهم الجوع الشديد المفظع والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح، حره قد تناها، إذا قرب من وجوههم أسقط جلدها ولحمها وشواها، وإذا وقع في بطونهم صهرها وقطع معاها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم، هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم\" (١).\nوقال أيضًا في تعداد صنوف العذاب وألوانه وأنواعه في جهنم: \" فتارة يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها، وتارة بالزمهرير الذي قد بلغ برده أن يهرى اللحوم ويكسر العظام، وتارة بالجوع المفرط والعطش المفظع، وإذا استغاثوا لذلك أغيثوا بعذاب آخر، ولون من الشقاء ينسى ما سبقه فيغاثون بطعام ذي غصة، بشجرة الزقوم التي تخرج في الذي يوقد عليه النار، وإن يستغيثوا للشراب يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا قرب إليها فلا يدعهم العطش مع ذلك أن يتناولها، فإذا وصلت إلى بطونهم قطعت أمعاءهم ولا يزالون في عذاب شديد لا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا يرجون رحمة ولا فرجا ... \" (٢).\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]\nالتفسير:\nإن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه، سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها، كلما احترقت جلودهم بدَّلْناهم جلودًا أخرى; ليستمر عذابهم وألمهم. إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النساء: ٥٦]، أي: \" إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: اليهود، ﴿بآياتنا﴾، يعني القرآن\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" إن الذين جحدوا ما أنزلتُ على رسولي محمد ﷺ، من آياتي يعني: من آيات تنزيله، ووَحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد ﷺ فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به، [و] هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار، وبرسوله\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]، أي: \" سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" سوف ننضجهم في نارٍ يُصلون فيها أي يشوون فيها\" (٩).\nقال الحسن: \"قوله: ﴿سَوْفَ﴾، وعيد\" (١٠).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾، نشويهم بالنار وننضجهم، يقال: أتانا بالحمل مصلي، أي: مشوي، وذكر أن يهودية أهدت إلى النبي ﷺ شاة مصلية: أي: مشوية \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦]، \" أي: كلما انشوت جلودهم واحترقت احتراقًا تامًا\" (١٢).\n_________\n(١) الفواكة الشهية /٤٥، ٤٦.\n(٢) الخلاصة /٢٨.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٤.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٤.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩١): ص ٣/ ٩٨٢.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٩١٠): ص ٢/ ٧٥٨.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٥٨.","vol":"7","page":209},{"text":"قال ابن عمر: \" إذا احترقت جلودهم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت\" (٢).\nقال الواحدي: \" يعني: أنَّ جلودهم إذا نضجت\" (٣).\nقال الراغب: \" الجلد: قشر البدن، وجمعه جلود، والجلود عبارة عن الأبدان، والقلوب عن النفوس\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، \" أي: بدلناهم جلودًا غيرها ليدوم لهم ألم العذاب\" (٥).\nقال الواحدي: \" يعني: جُدِّدت بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة، ليقاسوا العذاب وينالوه\" (٦).\nقال الطبري: \"يعني: غير الجلود التي قد نضجت فانشوت\" (٧).\nوقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾، أي: سرابيلهم،، قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [سورة إبراهيم: ٥٠]، وذلك لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، فجعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر. حكاه ابن جرير (٨).\nقال ابن كثير: \"وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" أعدنا تلك الجلود غير محترقة فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق، ﴿لِيَذُوقُوا العذاب﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله أي أدامك على عزك\" (١٠).\nقال مقاتل: \" وذلك أن النار إذا أكلت جلودهم بدلت كل يوم سبع مرات على مقدار كل يوم من أيام الدنياـ ﴿ليذوقوا العذاب﴾، عذاب النار جديدا \" (١١).\nقال ابن عمر: \" إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا بيضاء أمثال القراطيس\" (١٢).\nوروي عن ابن عمر قال: \"قرأ رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فقال عمر: أعدها عليّ، فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ\" (١٣).\nقال الربيع بن انس: \" سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعين ذراعا وسنه تسعين ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها\" (١٤).\nوأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسين الجعفي، عن الحسن: \" تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، وفي رواية أخرى: \" كلما أنضجتهم وأكلت لحومهم، قيل لهم: عودوا، فعادوا\" (١٥).\nوقال يحيى بن يزيد الحضرمي: \" يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب\" (١٦).\nوعن زر عبد الله، قال: \" إنه تسمع للهوام جلبة بين أطباق جلد الكافر كما تسمع جلبة الوحش في البر \" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٢): ص ٣/ ٩٨٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٤.\n(٣) الوجيز: ٢٦٩.\n(٤) المفردات في غريب القرآن: ١٩٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٥٨.\n(٦) الوجيز: ٢٦٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٧.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ٣٦٦.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٤): ص ٣/ ٩٨٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٣): ص ٣/ ٩٨٢.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٥): ص ٣/ ٩٨٢.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٦): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٧): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٧) أخرجه ابن المنذر (١٩١١): ص ٢/ ٧٥٨ - ٧٥٩.","vol":"7","page":210},{"text":"وعن أبي هريرة، قال: \" قال لي عبد الله: أتدري كم عرض جلد الكافر؟ فقلت: لا، قال: هو أربعون ذراعا بذراع الخباز\" (١).\nوقال الضحاك: \" تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم، حتى تفضي النار إلى العظام، ويبدلون جلودا غيرها، فيذيقهم الله شديد العذاب، فذلك دائم لهم أبدا، بتكذيبهم رسول الله ﷺ، وكفرهم بآيات الله \" (٢).\nوقال ابن أبي زمنين: \" قال يحيى: بلغنا أنها تأكل كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد؛ فيصيح الفؤاد فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم؛ فإذا لم تجد شيئا تتعلق به منهم، خبت - أي: سكنت - ثم يعادون خلقا جديدا؛ فتأكلهم كلما أعيد خلقهم\" (٣).\nفإن قيل وكيف يجوز أن يُبدّلوا جلودًا غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا فيعذبوا فيها؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يُبدَّلوا أجسامًا، وأرواحًا، غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين وعدهم الله في الدنيا على كفرهم بالعذاب بالنار. وقد أجاب أهل العلمِ عنه بثلاثة أجوبة (٤):\nأحدها: أن ألم العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، فأما الجلد واللحم فلا يألمان فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان عليه وجلدٌ غَيْرُهُ.\nوالجواب الثاني: أنه تُعَادُ تلك الجلود الأولى جديدة غير محترقة.\nوالجواب الثالث: أن الجلود المُعادَةَ إنما هي سرابيلهم من قبل أن جعلت لهم لباسًا، فسماها الله جلودًا، وأنكر قائل هذا القول أن تكون الجلود تحترق وتعاد غير محترقة، لأن في حال احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها راحتها، وقد أخبر الله تعالى: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، أي: \" إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه\" (٥).\nقال الواحدي: أي\"قويًا لا يغلبه شيء ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّر\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿عَزِيزًا﴾، لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، ﴿حَكِيمًا﴾، لا يعذب إلا بعدل من يستحقه\" (٧).\nقال البيضاوي: أي: \" غالبًا بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يفعل بالكافرين\" (٨).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: \" ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، يقول: عزيزا في نقمته إذا انتقم\" (٩). وروي عن قتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \"العزيز في نصرته ممن كفر إذا شاء\" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن الآية تناولت صفة النار والترهيب منها وصفة أهلها.\n٢ - أن الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظمُ ذنب عُصي الله به، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهو الذنب الذي يُخلَّد صاحبُه في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٩١٢): ص ٢/ ٧٥٨ - ٧٥٩.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٩١٣): ص ٢/ ٧٥٩.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٨١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٨٥ - ٤٨٦، والنكت والعيون: ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(٥) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٦) الوجيز: ٢٦٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٢٣.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٣٦٦.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٨): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٤٩٨): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٩٨): ص ٣/ ٩٨٣.","vol":"7","page":211},{"text":"القرآن\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧]\nالتفسير:\nوالذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان بالله تعالى والتصديق برسالة رسوله محمد ﷺ، واستقاموا على الطاعة، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ينعمون فيها أبدًا ولا يخرجون منها، ولهم فيها أزواج طهرها الله مِن كل أذى، وندخلهم ظلا كثيفًا ممتدًا في الجنة.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ٥٧]، أي: و\"الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات\" (١).\nقال ابن عباس: \"يقول: أدوا فرائضي\" (٢).\nوعنه أيضا: \"الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" (٣).\nقال زيد بن أسلم: \" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: رسول الله ﷺ وأصحابه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ٥٧]، \"أي: أي: سيدخلهم الله -بفضله- جنات تمر الأنهار من تحت أشجارها\" (٥).\nقال السعدي: \" وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة\" (٦).\nقال ابن عثيمين: \" وظاهر كلمة ﴿أنهار﴾ أن الماء عذب، وجمع ﴿الأنهار﴾ باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذًا يعتبر هذا البستان كاملًا من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضًا جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك \" (٧).\nقال أبو مالك: \" يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: البساتين تجري من تحتها الأنهار\" (٩).\nقال الزجاج: \" المعنى: تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء\" (١٠).\nقال مسروق: \" أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وثمرتها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، العنقود اثنا عشر ذراعا\" (١١).\nقال ابن كثير: \" هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا وأين أرادوا\" (١٢).\nقال عبد الله: \"الجنة سجسج لا حر فيها ولا برد\" (١٣). وعنه أيضا: \" أنهار الجنة تفجر من جبل مسك\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]، أي: \" مقيمين في الجنة لا يموتون\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير، ومقاتل: \"يعني: لا يموتون\" (١٦).\nوعن ابن عباس: \" ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، قال: لا انقطاع\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨٠.\n(٢) أخرجه الطبري (٧١٥٦): ص ٦/ ٤٦٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٧): ص ٢/ ٦٦٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٠): ص ٣/ ٩٨٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣. [بتصرف].\n(٦) تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣١.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٣): ص ٣/ ٩٨٤.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨١.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٦٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٤): ص ٣/ ٩٨٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٨.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠١): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٢): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٥٩.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٠٥): ص ٣/ ٩٨٤، وتفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨١.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٠٦): ص ٣/ ٩٨٤.","vol":"7","page":212},{"text":"قال ابن كثير: أي: \" وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" طول الرجل من أهل الجنة سبعون ميلا، وطول المرأة ثلاثون ميلا، مقعدتها جريب أرض، وإن شهوته لتجري في جسدها مقدار سبعين عاما، يجد اللذة ولو انقلب الرجل من أهل النار كسلسلة لزالت الجبال \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [النساء: ٥٧]، \" أي: لهم في الجنة زوجات مطهرات من الأقدار والأذى\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: من الحيض والنفاس والأذى. والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يقول: مطهرة من القذر والأذى\" (٥).\nوقال قتادة: \" قيل: مطهرة من الأذى والمآثم\" (٦)، وفي رواية اخرى: \" لا حيض ولا كلف\" (٧).\nعن مجاهد، في قوله ﷿ \" ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾، من الحيض، والغائط، والبول، والمخاط، والنخام، والبزاق، والمني، والولد \" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: النساء، ﴿مطهرة﴾، يعني: المطهرات من الحيض والغائط والبول والقذر كله\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، \"أي ظلًا دائمًا لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني أكنان القصور، ﴿ظليلا﴾، يعني: لا خلل فيها\" (١٢).\nقال الربيع: \" وهو ظل العرش الذي لا يزول\" (١٣).\nقال الزجاج: \" معنى «ظليل»: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك، أعلم الله - ﷿ - أن ظل أهل الجنة ظليل لا حر معه ولا برد، وكذلك قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، لأن ليس كل ظل ممدودا\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أخبر الله تعالى عما يؤول إليه أمر الموحدين بأنه سيدخلهم الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم ولا يخلدون في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة.\n٢ - إن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل دينًا غيره، ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ..﴾ (١٥).\n٣ - الإيمان بأن الجنة والنار لا يفنيان.\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٨.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٩١٥): ص ٢/ ٧٦٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٥٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٧): ص ٣/ ٩٨٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٩): ص ٣/ ٩٨٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥١٠): ص ٣/ ٩٨٤.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (١٩١٦): ص ٢/ ٧٦٠.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨١.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٥٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٨.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨١.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥١١): ص ٣/ ٩٨٥.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٦٦.\n(١٥) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٧٣.","vol":"7","page":213},{"text":"التفسير:\nإن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم، ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه. إن الله تعالى كان سميعًا لأقوالكم، مُطَّلعًا على سائر أعمالكم، بصيرًا بها.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: اخرج الطبري وابن المنذر (١)، عن ابن جريج: \" نزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قَبض منه النبي ﷺ مفاتيح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبي وأمي! ما سمعته يَتلوها قبل ذلك! \" (٢).\nوفي هذا السياق قال الثعلبي: أنها \" نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان، فطلب منه علي -﵁- فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب -﵁- يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله ﷺ وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله ﷺ عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي -﵁-. فقال له عثمان: يا علي كرهت، وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية. فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله ﷺ إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم\" (٣).\nوالثاني: أخرج الطبري، وابن المنذر (٤)، وابن ابي حاتم (٥)، عن زيد بن أسلم، قال: \" نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، في ولاة الأمر\" (٦). وروي عن محمد بن كعب (٧)، وشهر بن حوشب (٨)، نحو ذلك.\nقال الواحدي: \" أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، أي: \" يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إِلى أربابها\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة\" (١١).\nقال الشوكاني: \" هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات\" (١٢).\nقال الزجاج: \" هذا أمر عام للنبي - ﷺ - وجميع أمته، ويروى في التفسير أن العباس عم النبي - ﷺ - سأل النبي - ﷺ - أن يجعل له السقاية والسدانة وهي الحجبة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال يا رسول الله اردد علي ما أخذت مني يعني مفتاح الكعبة، فرده - ﷺ - على شيبة\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن المنذر (١٩٢٠): ص ٢/ ٧٦٢.\n(٢) تفسير الطبري (٩٨٤٦): ص ٨/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٣ ذكره دون ذكر السند.\n(٤) تفسير ابن المنذر (١٩١٩): ص ٢/ ٧٦٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٢٣): ص ٣/ ٩٨٦.\n(٦) تفسير الطبري (٩٨٣٩): ص ٨/ ٤٩٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي جاتم (٥٥١٨): ص ٣/ ٩٨٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤٠): ص ٨/ ٤٩٠.\n(٩) التفسير البسيط: ٦/ ٥٣٥.\n(١٠) صفووة التفاسير: ٢٦١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٢٣.\n(١٢) فتح القدير: ١/ ٥٥٥.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٦٦.","vol":"7","page":214},{"text":"قال أبو السعود: \" في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذمهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية إو اعتقادية وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة ابن عبد الدار سادن الكعبة المعظمة\" (١).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٢) وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله، ﷿، على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله، ﷿، بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء\" (٣) \" (٤).\nقال السعدي: \" الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك. وفي قوله: ﴿إلى أهلها﴾ دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، ووكيله بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها\" (٥).\nواختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، على اربعة أقاويل:\nأحدها: أنه عَنَى وُلاةَ أمور المسلمين، وهذا قول شهر بن حَوْشَبٍ (٦)، ومكحول (٧)، وزيد بن أسلم (٨).\nوالثاني: أنه أمر السلطان أن يعظ النساء، وهذا قول ابن عباس (٩).\nوالثالث: أنه خُوْطِبَ بذلك النبي - ﷺ - في عثمان بن أبي طلحة، أن يرد عليه مفاتيح الكعبة، وهذا قول ابن جريج (١٠).\nوالرابع: أنه في كل مَؤْتَمنٍ على شيء، وهذا قول أُبَيّ بن كعب (١١).\nوالراجح-والله أعلم- أنه \" خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٩٢.\n(٢» قال المحقق: لم أجد من رواه من حديث سمرة ﵁:\nأ - وإنما رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤١٤) عن رجل عن النبي ﷺ.\nب - ورواه الترمذي في سننه برقم (١٢٦٤) وأبو داود في سننه برقم (٣٥٣٥) من طريق طلق بن غنام عن شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: \"حديث حسن غريب\"، وقال أبو حاتم: \"حديث منكر لم يرو هذا الحديث غير طلق\" العلل (١/ ٣٧٥).\nجـ - ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٤) والطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٧١) من طريق أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح، عن أنس ﵁، وأيوب بن سويد ضعيف.،\nد - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٥٠) من طريق يحيى بن عثمان، عم عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب عن إسحاق ابن أسيد عن أبي حفص عن مكحول عن أبي أمامة ﵁.\nقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٢٨): \"فيه يحي بن عثمان بن صالح المصري. قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه\".\nهـ - ورواه الطبري في تفسيره (٨/ ٤٩٣) من طريق قتادة عن الحسن مرسلا ..\n(٣) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٢).\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٨.\n(٥) تفسير السعدي: ١٨٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤٠): ص ٨/ ٤٩٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤٣): ص ٨/ ٤٩١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٨٣٩): ص ٨/ ٤٩٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤٥): ص ٨/ ٤٩١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٤٦): ص ٨/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥١٧): ٢٣/ ٩٨٦.","vol":"7","page":215},{"text":"ذلك ما وَعظ به الرعية في: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة\" (١).\nوقرئ: ﴿الأمانة﴾، على التوحيد (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، أي: \"ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم\" (٣).\nقال السعدي: \" وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو، والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكم به\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي: وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله: نعما ما موصوفة أو موصولة، وقد قدمنا البحث في مثل ذلك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، أي: \" ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة\" (٧).\nقال السعدي: \" وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون\" (٨).\nوقرئ: ﴿نعما﴾، بفتح النون (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، أي: إن الله \"سميع لأقوالكم بصير بأفعالكم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: سميعا لأقوالكم، بصيرا بأفعالكم \" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿سميعا﴾، أي: سميع ما يقولون\" (١٢).\nقال عقبة بن عامر: \"رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرئ هذه الآية: ﴿سميعا بصيرا﴾، يقول: بكل شيء بصير\" (١٣).\nقال مقاتل: \" فلا أحد أسمع منه، «بصيرا» فلا أحد أبصر منه، فكان من العدل أن دفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب والحجابة إلى عثمان بن طلحة لأنهما كانا أهلها فى الجاهلية\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨ ظم ٤٩٢.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢٣.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٤) تفسير السعدي: ١٨٣.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٥٥٥.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤١.\n(٨) تفسير السعدي: ١٨٣.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢٣.\n(١٠) صفووة التفاسير: ٢٦١.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤١.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٢٥): ص ٣/ ٩٨٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٢٦): ص ٣/ ٩٨٧.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٢.","vol":"7","page":216},{"text":"٢ - أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان: محكما، أو ولي أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم.\n٣ - أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة؛ إغراء لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها.\n٤ - إن الآية مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون.\n٥ - الدلالة على فضل العقل والحياة وشرفهما، وأمانة الإنسان إنما صار صالحا للتكليف بسببهما (١).\n٦ - ختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه.\n٧ - إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات، وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات، وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه «السميع البصير».\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول ﷺ فيما جاء به من الحق، وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله، فإن اختلفتم في شيء بينكم، فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ، إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب. ذلك الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدها: أخرج أحمد (٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (٤)، والثلاثة (٥)، والطبري (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، والواحدي (٨)، من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قال: \"نزلت فى عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى (٩)، بعثه رسول الله، ﷺ، فى سرية\".\nوفي السياق نفسه أخرج أحمد (١٠)، والبخاري (١١)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (١٣)، والنسائي (١٤)، من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي﵁- قال: \" بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، قال: فلما خرجوا - قال -: وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهم القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ﷺ، فإن\n_________\n(١) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ٣/ ٢٥.\n(٢) المسند (٣١٢٤): ص ١/ ٣٣٧.\n(٣) صحيح البخاري (٤٥٨٤): ص ٦/ ٦٧.\n(٤) صحيح المسلم (٤٧٧٤): ص ٦/ ١٣.\n(٥) انظر: سنن أبي داود (٢٦٢٤)، وسنن الترمذي (١٦٧٢)، وسنن النسائي ٧/ ١٥٤، والكبرى (٧٧٦٩)، و(٨٧٧٣)، و(١١٠٤٤).\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٧)، و(٩٨٥٨): ص ٨/ ٤٩٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٢٩): ص ٣/ ٩٨٧ - ٩٨٨.\n(٨) أسباب النزول: ١٥٨ - ١٥٩.\n(٩) هكذا الاسم في البخاري والنسائي، ونقص في أبي داود: \"قيس\"، وزاد مسلم والترمذي: \"السهمي\".\n(١٠) انظر: المسند (٦٢٢): ص ١/ ٨٢، و(٧٢٤): ص ١/ ٩٤، و(١٠١٨): ص ١/ ١٢٤، و(١٠٦٥): ص ١/ ١٢٩.\n(١١) صحيح البخاري (٤٣٤٠): ص ٥/ ٢٠٣، و(٧١٤٥): ص ٩/ ٧٨، و(٧٢٥٧): ص ٩/ ١٠٩.\n(١٢) صحيح المسلم (٤٧٩٣): ص ١٣/ ٣٨٥، و(٤٧٩٤)، و(٤٧٩٥): ص ٦/ ١٦.\n(١٣) انظر: سنن أبي داود (٢٦٢٥).\n(١٤) انظر: سنن النسائي: ٧/ ١٥٩، والكبرى (٧٧٨٠)، و(٨٦٦٨)، و(٨٦٦٩).","vol":"7","page":217},{"text":"أمركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا إلى النبي ﷺ، فأخبروه بذلك، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف» (١) \".\nوالثاني: أخرج الطبري، وابن ابي حاتم (٢)، وغيرهما (٣)، عن السدي، قال: \" قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّة عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قِبَل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرَّسوا، وأتاهم ذو العُيَيْنَتين فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا، غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإنّ قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا، فقال: خلِّ عن الرجل، فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ (٤) فاستبَّا وارتفعا إلى النبي ﷺ: فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبَّا عند رسول الله ﷺ، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله ﷺ: يا خالد، لا تسبَّ عمارًا، فإنه من سب عمارًا سبه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله. فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٥٩]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٦).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٧).\nوعن خيثمة قال: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٨).\nويجدر القول بأن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٩).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١٠).\n_________\n(١) وتعددت الروايات:\n- في رواية أخرى: فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: \"لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة\"، وقال للآخرين قولا حسنا، وقال: \" لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف\".\n- وفي رواية: \"لا طاعة لبشر في معصية الله\".\n- وفي رواية: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ﷿\".\n[انظر: المسند الجامع (١٠٣٠١): ص ١٣/ ٣٨٤].\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٣١): ص ٣/ ٩٨٨.\n(٣) أخرجه الواحدي في اسباب النزول: ١٥٩ - ١٦٠، باختلاف يسير في الالفاظ، مثلا قوله: \" أنت تجير عليّ وأنا الامير؟، \"، وقوله: \" واستب عمار وخالد بين يدي رسول الله فأغلظ عمار لخالد، فغضب خالد وقال: يا رسول الله أتدع هذا العبد يشتمني، فوالله لولا أنت ما شتمني، وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة، فقال رسول الله - ﷺ - \"يا خالد كف عن عمار فإنه من يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله\".\nوكذلك ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره: ١/-٣٨٣٣٨٢، باختلاف يسير في الألفاظ، مثلا: \" فقال خالد:\nيا نبي الله يسبني هذا العبد الأجدع، وشتم خالد عمارا\"، وفيه: \" قال خالد: فيم أنت تجير دوني وأنا أمير عليك؟ \". وفيه: \" فقال النبيﷺ - لخالد: قم فاعتذر إليه\".\n(٤) في رواية الواحدي: ١٦٠: \"أنت تجير عليّ وأنا الامير؟ فقال: نعم، أنا أجير عليك وأنت الأمير\"، وكذلك ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره: ١/ ٣٨٢.\n(٥) تفسير الطبري (٩٨٦١): ص ٨/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢","vol":"7","page":218},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: \" استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول ﷺ فيما جاء به من الحق\" (١).\nقال الطبري: أي: \" أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا ﷺ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته\" (٢).\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وجهان:\nأحدهما: أن: ذلك أمرٌ من الله باتباع سنته. وهذا قول عطاء (٤).\nوالثاني: أن ذلك أمرٌ من الله بطاعة الرّسول في حياته. وهذا قول ابن زيد (٥).\nوالراجح-والله أعلم- أنه \"أمرٌ من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمرَ ونهى، وبعد وفاته باتباع سنته. وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له\" (٦).\nقوله تعاىى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: \" وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله\" (٧).\nقال البيضاوي: \" يريد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول ﷺ وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. أمر الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيها على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق\" (٨).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، خمسة أقاويل:\nأحدها: أنهم الأمراء، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة (٩)، وابن عباس (١٠)، والسدي (١١)، وابن زيد (١٢)، وميمون بن مهران (١٣).\nواختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء على قولين:\nالأول: قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية (١٤).\nوالثاني: وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر، وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله - ﷺ - في سرية (١٥).\nقال الماوردي: \" وطاعة وَلاةِ الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته، وهي طاعة يجوز أن تزول، لجواز معصيتهم، ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله - ﷺ-، لامتناع معصيته\" (١٦).\nوالقول الثاني: أنهم أهل العلم والفقه، وهو قول جابر بن عبد الله (١٧)، والحسن (١٨)، وعطاء (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، ومجاهد في إحدى الروايت (٢١)، وابن أبي نجيح (٢٢)، وابن عباس في إحدى الروايات (٢٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٤٩٥.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٨٥١): ص ٨/ ٤٩٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٢) - (٩٨٥٤): ص ٨/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٥): ص ٨/ ٤٩٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٤٩٦.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٦): ص ٨/ ٤٩٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٧)، و(٩٨٥٨): ص ٨/ ٤٩٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦١): ص ٨/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦٠): ص ٨/ ٤٩٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٩): ص ٨/ ٤٩٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٨٥٧)، و(٩٨٥٨): ص ٨/ ٤٩٧.وباقي الروايات في بيّناها في سبب النزول.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦١): ص ٨/ ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(١٦) النكت والعيون: ١/ ٥٠٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦٢): ص ٨/ ٤٩٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٨٧١): ص ٨/ ٥٠١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦٩)، و(٩٨٧٠): ص ٨/ ٥٠٠.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٧٣): ص ٨/ ٥٠١.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦٣)، و(٩٨٦٤)، و(٩٨٦٨)، و(٩٨٧٢): ص ٨/ ٥٠٠ - ٥٠١.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٩٨٦٥): ص ٨/ ٥٠٠.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري ٩٨٦٧): ص ٨/ ٥٠٠.","vol":"7","page":219},{"text":"والثالث: أنهم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهو قول مجاهد (١).\nوالرابع: أنهم أبو بكر وعمر –رضي الله تعالى عنهما-، وهو قول عكرمة (٢).\nوالخامس: أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وهذا قول عطاء (٣).\nوالصواب-والله أعلم- ان المعنيين هم \" الأمراء والولاة، [وذلك] لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان [لله] طاعةً، وللمسلمين مصلحة\" (٤).\nروي عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"على المرء المسلم، الطاعةُ فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية؛ فمن أمر بمعصية فلا طاعة\" (٥).\nوروي، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: \"سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم. فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، \"أي: فإِن اختلفتم في أمرٍ من الأمور فاحتكموا فيه إِلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ َ\" (٧).\nقال قتادة: \" يقول: ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله \" (٨).\nوعن السدي: \" ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، إن كان الرسول حيًا، و﴿إلى الله﴾، قال: إلى كتابه\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولى الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم:\nاللصوص المتغلبة\" (١٠).\nعن ليث: قال مجاهد: \" فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله والرسول. قال يقول: فردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله\" (١١). وفي رواية أخرى: \" كتاب، الله وسنة نبيه ﷺ\" (١٢).\nقال مهران: \" الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه والرد إلى رسوله إن كان حيًا، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة\" (١٣).\nوالتنازع: \"هو التشاجر، سمى تنازعا؛ لأن كل واحد من الخصمين ينزع بحجة وآية\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٧٤): ص ٨/ ٥٠١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٨٧٥): ص ٨/ ٥٠٢.\n(٣) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٥٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٥٠٢.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٨٧٧): ص ٨/ ٥٠٣. والحديث رواه أحمد في المسند: (٤٦٦٨)، وفي (٦٢٧٨).\n(٦) أخرجه الطبري (٩٨٧٦): ص ٨/ ٥٠٢. وهذا الحديث ضعيف جدا. فيه عبد الله بن محمد بن عروة: هو عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير المدني. قال أبو حاتم: \" هو متروك الحديث، ضعيف الحديث جدًا \". وقال ابن حبان: \" يروى الموضوعات عن الثقات \". مترجم في لسان الميزان ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، وابن أبي حاتم: ٢/ ١٥٨.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٦١.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٨٨٤): ص ٨/ ٥٠٥.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٨٨٥): ص ٨/ ٥٠٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٢٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٨٧٩): ص ٨/ ٥٠٤. قال الليث: \"ثم قرأ مجاهد هذه الآية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] \".\n(١٢) أخرجه الطبري (٩٨٨٠): ص ٨/ ٥٠٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (٩٨٨٣): ص ٨/ ٥٠٥.\n(١٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤١.","vol":"7","page":220},{"text":"قال السمعاني: \" والرد إلى الكتاب والسنة واجب، ما دام في الحادثة شئ من الكتاب والسنة، فإن لم يكن فالسبيل فيه الاجتهاد، وروى أن مسلمة بن عبد الملك قال لرجل: إنكم أمرتم أن تطيعونا، فقال الرجل: قد نزعها الله منكم؛ حيث قال: ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ وقد تنازعتم، فقال مسلمة: أين الله؟ فقال: الكتاب، وقال: أين الرسول؟ فقال: السنة، وقيل: الرد إلى الله والرسول: أن يقول الرجل فيما لا يدرى: الله ورسوله أعلم، وهذا قول حسن\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: \" إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" فإن الإيمان يوجب ذلك\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، أي: \" ذلك الرجوع إلى الكتاب والسنة خير لكم وأصلح، وأحسن عاقبة ومآلا \" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" ذلك الرد، ﴿خير لكم﴾، وأحسن عاقبة، أو أحسن تأويلا من تأويلكم بلا رد\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ﴿خير﴾ لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة، ﴿وأحسن تأويلا﴾، يعني: وأحمد مَوْئلا ومغبّة، وأجمل عاقبة\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلا\" (٧).\nقال ابن زيد: \" التأويل \"، التصديق\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وجوه:\nأحدها: أحسن عَاقِبَةً، وهذا قول قتادة (٩)، والسدي (١٠)، وابن زيد (١١). واختاره الزجاج (١٢) ..\nوالثاني: أحسن جزاءا، وهو معنى قول مجاهد (١٣). قال ابن كثير: \"وهو قريب من القول الأول (١٤).\nوالثالث: أحسن من تاويلكم انتم. دون ردكم إياه إلى الكتاب والسثة. أجازه الزجاج (١٥).\nقال ابن عطية: \" ﴿تَأْوِيلًا﴾، معناه: مآلا على قول جماعة\" (١٦).\nالفوائد:\n١ - وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾.\n٢ - تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية، أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد، لقوله: ﴿﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾﴾.\n٣ - تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر.\n٤ - أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان، لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ﴾.\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤١.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٧.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٠.\n(٤) انظر: التفسير الميسر: ٨٧، وصفوة التفاسير: ٢٦١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٥٠٦.\n(٧) فسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٦.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٨٩٠): ص ٨/ ٥٠٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٨٨٨): ص ٨/ ٥٠٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٨٨٩): ص ٨/ ٥٠٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٨٩٠): ص ٨/ ٥٠٧.\n(١٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٦٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٤٥): ص ٣/ ٩٩٠.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٦.\n(١٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٦٨.\n(١٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٧١.","vol":"7","page":221},{"text":"٥ - أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بمنزلة التحدي، فيكون كاذبًا فيما يدعي، وقد قال الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]\n\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك، وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل، وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل؟ ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري، وابن المنذر (١)، والواحدي (٢)، عن عامر، قال: \"كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، حتى بلغ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) \" (٤).\nوفي السياق نفسه أخرج الطبري وابن ابي حاتم (٥)، عن اسباط عن السدي (٦)، قال: \" كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم. وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم. فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر. فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي ﷺ، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام! فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: ٥٤]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول النضيري: \" كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلونا \"، فقال ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٠]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم! وقالت قريظة: نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة، الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا! \" (٧).\nوفي المعنى نفسه، أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس: \" كان أبو بردة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافروا إليه أناس من أسلم من اليهود فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ \" (٨).\nوالثاني: أخرج الطبري عن عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، قال: \" و﴿الطَّاغُوتِ﴾: رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا، بل نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، الآية\" (٩). وروي عن مجاهد (١٠)، والربيع بن انس (١١)، والضحاك (١٢) نحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن المنذر (١٩٤٢): ص ٢/ ٧٦٩.\n(٢) انظر: أسباب النزول: ١٦١ - ١٦٣.\n(٣) [سورة النساء: ٦٥].\n(٤) تفسير الطبري (٩٨٩١): ص ٨/ ٥٠٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٤٩): ص ٣/ ٩٩ - ٩٩٢.\n(٦) رواية أسباط بن نصر عن السدي، سنده ضعيف جدًا؛ فيه علتان:\nالأولى: الإعضال.\nالثانية: أسباط؛ صدوق كثير الخطأ، يُغْرب.\n(٧) تفسير الطبري (٩٨٩٦): ص ٨/ ٥١٠.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٤٧): ص ٣/ ٩٩١.\n(٩) تفسير الطبري (٩٨٩٧): ص ٨/ ٥١١.\n(١٠).انظر: تفسير الطبري (٩٨٩٨): ص ٨/ ٥١١ - ٥١٢\n(١١).انظر: تفسير الطبري (٩٨٩٩): ص ٨/ ٥١٢.\n(١٢).انظر: تفسير الطبري (٩٩٠٢): ص ٨/ ٥١٣.","vol":"7","page":222},{"text":"والثالث: ونقل الثعلبي والواحدي (١)، والحافظ (٢)، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: \"نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر (٣)، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: انطلق بنا إلى محمد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ فلما رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله ﷺ فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر -﵁- فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويد كما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسول الله ﷺ، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠]، \" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: صدقوا بما أنزل إليك من القرآن وصدقوا بما أنزل من قبلك من الكتاب على الأنبياء\" (٦).\nقال الزجاج: \" يعنى به المنافقون، وقوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ إلى الكاهن والشيطان\" (٧).\nقال ابن كثير: \" هذا إنكار من الله، ﷿، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله\" (٨).\nوقرئ: ﴿بما أنزل .... بما أنزل﴾، على البناء للفاعل (٩).\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، أي: \"وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني كعب بن الأشرف وكان يتكهن\" (١١).\nوقال عطاء: \"يعني: حيي بن أخطب\" (١٢).\nقال الشعبي: \" يعني به: الكاهن، كان بين رجل ممن زعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فاتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة\" (١٣).\nوقد ذكر أهل التفسير في ﴿ِالطَّاغُوتِ﴾، سبعة أقوال:\nأحدها: أنه الشيطان (١٤)، وهو قول عمر بن الخطاب (١٥)، ومجاهد (١٦)، والشعبي (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، والسدي (٢٠)، وعكرمة (٢١)، واختاره ابن كثير (٢٢)، والقاسمي (٢٣) وآخرون.\n_________\n(١) انظر: اسباب النزول: ١٦٢.\n(٢) انظر: الفتح\" \"٥/ ٣٧ - ٣٨\" وقال: \"وهذا الإسناد وإن كان ضعيفا لكن تقوى بطريق مجاهد ولا يضره الاختلاف لإمكان التعدد\".\n(٣) لم يحدد الاسم في الواحدي ..\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٧.\n(٥) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٣٨٣.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٦٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٧.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٥.\n(١٢) الوجيز للواحدي: ٢/ ٧٣.\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (١٩٤٥): ص ٢/ ٧٧٠ - ٧٧١.\n(١٤) قال الشنقيطي: \" قال بعض العلماء: (الطاغوت): الشيطان، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، أي يخوفكم من أوليائه. وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقوله: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ وقوله: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء﴾، والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطان (وقال: (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ﴿وقال عن خليله ابرهيم﴾ يا أبت لا تعبد الشيطان وقال: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، إلى غير ذلك من الآيات\". [أضواء البيان: ١/ ١٥٩].\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٤) و(٥٨٣٥): ص ٥/ ٤١٧. وابن ابي حاتم (٢٦١٨): ص ٢/ ٤٩٥.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٦): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٧): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٨): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٩): ص ٥/ ٤١٧.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٠): ص ٥/ ٤١٧.\n(٢١) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ﴾، قبل الحديث رقم ٤٥٨٣، ولفظه: \"الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ\".\n(٢٢) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣، إذ يقول: \" ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها\".\n(٢٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٤.","vol":"7","page":223},{"text":"والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (١)، ومحمد ابن سيرين (٢) والشعبي (٣).\nوالثالث: الكاهن، وهو قول جابر (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والرفيع (٦)، وابن جريج (٧).\nوالرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (٨). روي ذلك عن مالك (٩).\nوالخامس: مَرَدَة الإنس والجن (١٠).\nوالسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنسانًا أو صنمًا، روي ذلك عن الإمام مالك (١١)، وابن القيم (١٢)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (١٣).\nوالسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ذكره الماوردي (١٤).\nوالراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (١٥)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (١٦) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم.\nواختلفوا في أصل كلمة ﴿الطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، على وجهين (١٧):\nأحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (١٨):\nأ- قال الشوكاني: \"الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد\" (١٩).\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤١): ص ٥/ ٤١٧.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٢): ص ٥/ ٤١٧.\n(٣) أنظر تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٠): ص ٢/ ٤٩٥.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ﴾، قبل الحديث رقم (٤٥٨٣)، ولفظه: \"\"كَانَتْ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا: فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٣): ص ٥/ ٤١٨.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٤): ص ٥/ ٤١٨. والرفيه:، هو أبو العالية الرياحي.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٥): ص ٥/ ٤١٨.\n(٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧، تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٢): ص ٢/ ٤٩٥.\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(١١) ذكره القرطبي في تفسيره، ٥/ ٢٤٨، عن ابن وهب، عن الإمام مالك، وانظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص ٤٤.\n(١٢) وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت ما ذكره ابن القيم / بقوله: \"والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع\". [إعلام الموقعين عن رب العالمين، ١/ ٥٠].\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤١٩.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(١٥) انظر: المفردات فى غريب القرآن للأصفهانى: ٣٠.٤\n(١٦) قال أبو حيان بعد أن سرد الأقوال في معنى (الطاغوت): \" وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلًا، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها\". [البحر المحيط: ٢/ ٢١٠].\n(١٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٨.\n(١٨) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٧٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٨١، والبحر المحيط: ٢/ ٥٩٩، وفتح البيان في مقاصد القرآن: ٢/ ٩٩، والحجة للقراء السبعة: ٤/ ١٣٧.\n(١٩) فتح القدير: ١/ ٢٧٥.","vol":"7","page":224},{"text":"ب-قال سيبويه: \"هو اسم مذكَّر\" (١) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير.\nج- وقال أبو على الفارسي: \"إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام\" (٢)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (٣).\nوقيل: \"أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ\" (٤).\nثم اختلف في لفظ الطاغوت أمفرد هو أم جمع على قولين:\nالأول: أنه جمع، قاله المبرد ورده عليه جماعة كالفارسي وابن عطية وآخرون (٥).\nالثاني: أنه مفرد، واختلفوا على قولين:\nأ-أنه مصدر على وزن فَعَلُوت، أي: طَغَيُوِت، فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصار على وزن فَلَعُوت، أي: طَيَغُوت، ثم قلبت لامه (الياء) ألفا فصار طاغوت. وهو مصدر يوصف به الواحد والجمع، نظير قولهم: رجل عدل وقوم عدل، إذ في الكلام دليل على الواحد أو الجماعة، وهو قولهم: رجل أو قوم، وقد وجد هنا ما يرجح كون المراد به الجماعة وهو قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وذلك ما جعله الزجاج (٦) شرطًا للجواز، وذلك ظاهر قول الكسائي وأبي حاتم والطبري وأبي علي الفارسي والواحدي والزبيدي وآخرين (٧).\nب-أنه اسم جنس مفرد لطائفة جاوزت الحد في الطغيان، وقد اختار هذا القول أبو حيان (٨)، وحُمِل عليه قول سيبويه بأن: الطاغوت اسم مفرد (٩).\nوالثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، أي: \" وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعنى أن يتبرأوا من الكهنة\" (١٢).\nقال السدي: \" وهو أبو الأسلمي الكاهن\" (١٣).\nوقرأ عباس بن الفضل: ﴿أن يكفروا بها﴾، ذهابا بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: ﴿أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم﴾ (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، أي: \" ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا\" (١٥).\nقال الواحدي: \" أي: ضلالا لا يرجعون عنه إلى دين الله أبدا\" (١٦).\n_________\n(١) الكتاب: ٣/ ٢٤٠. وذكر صاحب اللسان (طغى)، قال ابن منظور: يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهي مشتقة من طغى، والطاغوتُ الشيطان، والكاهِنُ، وكلُّ رأْسٍ في الضَّلالة، وقد يكون واحدًا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو مثل الفُلْكِ يُذَكَّرُ ويؤنَّث، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، والطاغوتُ يكونُ من الأَصْنامِ، ويكون من الجِنِّ والإِنس، ويكون من الشياطين، وجمعُ الطاغوتِ: طَواغِيتُ، والطَّوَاغِي: جمع طاغيَةٍ، ويجوز أَن يُراد بالطَّواغِي: من طَغَى في الكُفرِ، وجاوَزَ الحَدَّ\". [لسان العرب لابن منظور، ١٥/ ٧، مادة (طغى)، ومقاييس اللغة، ٣/ ٣٢٢، مادة (طغى)، والمصباح المنير، ٢/ ٢٧٣، مادة (طغى)].\n(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(٣) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٠.\n(٤) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٦٩.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٥، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ١٦ - ١٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٧٢.\n(٦) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٣٤٠.\n(٧) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٨/ ١٦٨، جامع البيان للطبري: ٥/ ٤٢٨، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٦٢ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٥٤ ب، فتح الباري لابن حجر: ٩/ ١٧٨.\n(٨) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٨٣.\n(٩) انظر: الكتاب لسيبويه: ٣/ ٢٤٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ٧٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٨٥، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٠٧.\n(١٠) نقلا عن الماوردي في النكت والعيون: ٣٢٨. ولم اجده في تفسير ابي مسلم الأصفهاني المشهور بابن بحر.\n(١١) التفسير الميسر: ٨٨.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٥.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٥١): ص ٣/ ٩٩٢.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢٥.\n(١٥) التفسير الميسر: ٨٨.\n(١٦) الوجيز: ٢/ ٧٣.","vol":"7","page":225},{"text":"قال عكرمة: \" إنما سمي الشيطان لأنه تشيطن\" (١).\nالفوائد:\n١ - من أقبح صفات المنافقين: رفض التحاكم إلى شريعة الله، والتحاكم إلى الطواغيت التي تحقق رغباتهم.\n٢ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت، لقوله: ﴿﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.\n٣ - ومن الفوائد أن الإيمان الصادق، يقتضي الانقياد لشرع الله، والحكم به في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في زعمه.\n٤ - بيان تمرد المنافقين على الوحي وهروبهم من الحق وصعرهم إلى الباطل، فلما أوْجَبَ الله تعالى الطَّاعَة على جميع المُكَلَّفين في قوله جلت عظمته: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ...﴾، ذكر في هذه الآيةِ أن المُنَافقين والذين في قُلُوبهم مَرَضٌ لا يُطيعُون الرَّسولَ، ولا يَرْضُونَ بحُكْمِهِ، وإنما يُريدُون حُكْمَ غيره.\n٥ - اتضاح اشتمال لفظ الطاغوت على كل ما يعبد من دون الله ويصد عن سبيله ويعترض على حكمه وشريعته، وفي ذلك السرداب وخلال تلك السبل يرتع أهل النفاق منذ أقدم العهود.\n٦ - كشف كراهية المنافقين للحكم بما أنزل الله تعالى وتعصبهم ضده، ووقوفهم مع أي نظام طاغوتي بديل عنه، وبغضهم للحق وحملته، وبعدهم عن الاستماتة في سبيله، وضيقهم ذرعًا بشعائره، فيمقتون لذلك كل الطاعات من صلاة وزكاة وحج ..، وإن تستروا حال خوفهم على ذلك المقت وغطوه، لكن بواطنهم تنفضح وسرائرهم تنكشف إذا أعلنت شعيرة الجهاد في سبيل الله أو رفعت راية الحكم بما أنزل الله، فعند هذين الأمرين لابد أن يتبدى الوجه الكالح للنفاق ويصدح أهله بخسيس مكنوناتهم.\n٧ - أظهرت الآيات بما لا مجال للشك فيه من خلال التعبير القرآني ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أن الإيمان والتحاكم إلى غير شرع الله لا يجتمعان في قلب واحد، ذلك أن الإيمان لا يكون إلا بالكفر بالطاغوت ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لا انفِصَامَ﴾، والرضا بالتحاكم إلى القوانين الوضعية يناقض الكفر بها، كما أنه ينافي الرضا بتحكيم شرع الله، فكل من حكم بغير ما جاء به النبيﷺ-، أو حاكم إليه فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك مناف للإيمان.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١]\nوإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد ﷺ، وهديه، أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١]، أي: \" وإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد ﷺ، وهديه\" (٢).\nقال الماتريدي: \" أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول - ﷺ – وسنته\" (٣).\nقال ابن جريج: \" دعا المسلم المنافق إلى رسول الله ﷺ ليحكم \" (٤).\nقال ابن عباس: \" كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم، قالوا: بل نتحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا\" (٥).\nوقرأ الحسن: ﴿تعالوا﴾، بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفا (٦).\nقوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، أي: \" أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا\" (٧).\nقال السمرقندي: \" أي يعرضون عنك إعراضا\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٥٠): ص ٣/ ٩٩٢.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٦.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (١٩٤٨): ص ٢/ ٧٧٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٥٢): ص ٣/ ٩٩٣.\n(٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢٥.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٣١٣.","vol":"7","page":226},{"text":"قال الصابوني\" أي: رأيتهم لنفاقهم يعرضون عنك إِعراضًا\" (١).\nقال الزجاج والنحاس: \" أي يصدون عن، حكمك\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" يُعرضون عنك إعراضًا إلى غيرك عداوةً للدِّين\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] \" (٤).\nقال السمعاني: أي: \" أن المنافقين دعوا إلى التحاكم إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت\" (٥).\nقال عطاء: \" الصدود: الإعراض\" (٦).\nقال الماتريدي: \" الصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف\" (٧).\nقال الراغب: \" الصد: كالسد: إلا أن السد بحائل محسوس. والصد بحائل في النفس من إرادة أو كراهة، ونحو ذلك من الحوايل\" (٨).\nقال الشعراوي: \" أي يُعرضون عنك يا رسول الله لأنهم منافقون، وكل منافق عنده قضيتان: قضية لسانية وقضية قلبية؛ فهو باللسان يعلن إيمانه بالله وبرسول الله، وفي القلب تتعارض ملكاته عكس المؤمن أو الكافر، فالمؤمن ملكاته متساندة؛ لأن قلبه انعقد على الإيمان ويقود انسجام الملكات إلى الهدى، والكافر أيضًا ملكاته متساندة؛ لأنه قال: إنه لم يؤمن ويقوده انسجام ملكاته إلى الضلال، لكن المنافق يبعثر ملكاته! ! ملكة هنا وملكة هناك، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار، الكافر منطقي مع نفسه، فلم يعلن الإيمان؛ لأن قلبه لم يقنع، وكان من الممكن أن يقول كلمة الإيمان لكن لسانه لا يرضي أن ينطق عكس ما في القلب، وعداوته للإسلام واضحة. أما المنافق فيقول: يا لساني. . أعلن كلمة الإيمان ظاهرًا؛ كي أنفذ من هذا الإعلان إلى أغراضي وأن تطبّق عليّ أحكام الإسلام فانتفع بأحكام الإسلام، وأنا من صميم نفسي إن وجدت فرصة ضد الإسلام فسأنتهزها\" (٩).\nقال الكسائي: يقرأ: ﴿يصدون﴾، بكسر الصاد، و﴿يصدون﴾، بضم الصاد، وهي قراءة علي والنخعي ومعناه يعرضون (١٠).\nالفوائد:\n١ - بيَّن تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البُعد من الإيمان.\nقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: \"هذا دليل على أن من دُعي إلى تحكيم الكتاب والسنَّة، فأبى أنَّه من المنافقين» (١١).\nقال شيخ الإسلام: \" ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما شَجَرَ بين الناس، في أمر دينهم ودنياهم، في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء، ألا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما حكم، ويسلموا تسليمًا\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٢) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٦٩، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ١٢٥\n(٣) الوجيز: ٢٧١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٦.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٢.\n(٦) أخرجه ابن المنذر (١٩٤٩): ص ٢/ ٧٧٢.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٦.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٩٣.\n(٩) تفسير الشعراوي: ٤/ ٢٣٦٦.\n(١٠) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٦، وتفسير الثعلبي: ٨/ ٣٤٠.\n(١١) فتح المجيد: ٣٨١.\n(١٢) الإيمان لابن تيمية: ٣٤.","vol":"7","page":227},{"text":"٢ - أن \"الدعاء إلى ما أنزل الله يستلزم الدعاء إلى الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله، وهذا مثل طاعة الله والرسول، فإنهما متلازمان، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول\" (١).\n٣ - وصف سبحانه من دعي إلى الكتاب والسنة فأعرض عن ذلك بالنفاق، وإن زعم أنه يريد التوفيق بذلك بين الدلائل النقلية والعقلية، أو نحو ذلك، وأنه يريد إحسان العلم أو العمل (٢).\nالقرآن\n﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢]\nالتفسير:\nفكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم، ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أن عمر قتل منافقًا لم يرض بحكم رسول الله ﷺ، فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه، وحلفوا بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحسانًا إلى النساء، وما يوافق الحق في أمرنا (٣).\nوالثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله - ﷺ - في محاكمتهم إلى غيره بان قالوا ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقًا بين الخصوم وإحسانًا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق، فنزلت هذه الآية (٤).\nوالثالث: وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله - ﷾ -: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢]، أي: \" فكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: فكيف تكون حالهم إذا قتل صاحبهم بما أظهر من الخيانة ورد حكم النبي - ﷺ –\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، إذا نزلت بهم نقمة من الله بذنوبهم التي سلفت منهم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" عقوبة من الله مجازاة على ما صنعوا، وهو قوله: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ [النساء: ٦٢] أي: من التكذيب والكفر بالقرآن والرسول؟ \" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم\" (١١).\nقال الحسن: \" عقوبة لهم بنفاقهم وكرهوا حكم الله، ﴿ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾ \" (١٢).\n_________\n(١) الإيمان لابن تيمية: ٣٤.\n(٢) التسعينية: ابن تيمية: ١/ ١٥٢.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٦٩، وتفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨، تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩، والنكت والعيوان: ١/ ٥٠٢، والوجيز للواحدي: ٢/ ٧٤، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٦.\n(٤) انظر: النكت والعيوان: ١/ ٥٠٢، والكشاف: ١/ ٥٢٦.\n(٥) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٦٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٦.\n(١٠) الوجيز: ٢/ ٧٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٢٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٥٣): ص ٣/ ٩٩٢.","vol":"7","page":228},{"text":"وعن مجاهد: \" ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة﴾ في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن هذا من تقديم القرآن \" (١).\nقال الثعلبي: \" يعني: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام\" (٢).\nوقيل: \" أراد بالمصيبة قتل صاحبهم\" (٣).\nقال السمعاني: \" قيل: هو قتل عمر ﵁ ذلك المنافق؛ فإنهم جاءوا يطلبون دمه، وقيل: هو في جميع المنافقين، والمصيبة: كل مصيبة تصيبهم في الدنيا والعقبى\" (٤).\nوالمصيبة هنا \"تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية لعدم تضاد المعنيين، فالدنيوية مثل: الفقر، والجدب، وما أشبه ذلك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]، أي: \" ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟ \" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: ما أردنا بمطالبتنا بدم صاحبنا إلا إحسانا وطلبا لما يوافق الحق\" (٧).\nقال الطبري: \" وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العِبر والنِّقم، وأنهم إن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذبًا وجرأة على الله: ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصوابَ فيما احتكمنا فيه إليه\" (٨).\nقال الثعلبي: \" وذلك أن عمر -﵁- لما قتل المنافق جاءوا قومه يطلبون الدية ويحلفون: ما أردنا بالترافع إلى عمر. إلا إحسانا وتوفيقا\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] \" (١٠).\nقال الواحدي: \" ثم عاد الكلام إلى ما سبق من القصة فقال: ﴿ثم جاءوك يحلفون بالله﴾ [النساء: ٦٢]، وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله ﷺ: وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة، ﴿إلا إحسانا وتوفيقا﴾ [النساء: ٦٢] أي: إلا توفيقا بين الخصوم أي: جمعا وتأليفا، وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. وكل ذلك كذب منهم\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" حين يصابون فيعتذرون إليك يحلفون ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانا لا إساءة وتوفيقا بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغنى عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله، وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به\" (١٢).\nقال الكلبي: \" إلا إحسانا في القول، وتوفيقا صوابا\" (١٣).\nقال ابن كيسان: أي: \" حقا وعدلا، نظيرها: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] \" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر (١٩٥٠): ص ٢/ ٧٧٢.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٨.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٢.\n(٥) القول المفيد على كتاب التوحيد: ٢/ ١٦٩، الهامش.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٦٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٣.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٦.\n(١١) الوجيز: ٢/ ٧٤.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٢٦.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩.\n(١٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩.","vol":"7","page":229},{"text":"قال السمعاني: \" قيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل أرادوا بالإحسان: تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على مر الحكم\" (١).\nوقد ذكر الماتريدي في هذه الآية وجوها (٢):\nأحدها: يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر - ﵁ - لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول - ﷺ - يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا ﴿إحسانا﴾، أي: تخفيفا وتيسيرا عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، ﴿وتوفيقا﴾ إلى الخير والصواب.\nوالثاني: أنها نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرا.\nوالثالث: في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله - ﷺ - فيعتذرون كما ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤]، لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعا منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت النكبة والدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، هذا كان دأبهم وعادتهم أبدا.\nالفوائد:\n١ - وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرضا بذلك والتسليم له.\n٢ - إن الآية تناولت غباوة المنافقين وقُبْح سجيّتهم، فالاعتذار أخسّ من الفعل، لأنهم يدّعون أن تحكيم غير كتاب الله إحسان وتوفيق، فهذا عذرٌ أقبح من فعل، لأن الإحسان والتوفيق هو بإتّباع كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.\n٣ - التحذير من كيد الشيطان وصدّه الإنسان عن الحق.\n٤ - أن دعوى قصد الإصلاح ليست بعذر في الحكم بغير ما أنزل الله.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣]\nالتفسير:\nأولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق، فتولَّ عنهم، وحذِّرهم من سوء ما هم عليه، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: \" أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق\" (٣).\nقال مقاتل: \" من النفاق\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني من النفاق الذي يضمرونه\" (٥).\nقال ابن كثير: أي\" هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم\" (٦).\nقال الزجاج: \" ههنا الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، والفائدة لنا هي: اعلموا أنهم منافقون\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، وجوه من التفسير:\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٢.\n(٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٥.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٥٠٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٧.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٧٠.","vol":"7","page":230},{"text":"احدها: معناه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق. وهذا قول الحسن (١)، ومقاتل (٢).\nوالثاني: معناه: كذبهم الله تعالى بهذه الآية. يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وهذا قول عطاء (٣)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك المعنى (٤).\nوالثالث: أن المعنى: أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم (٥).\nوالرابع: أن المعنى: الله ﷿ يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون. وهذا قول الزجاج (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: \" فتولَّ عنهم\" (٧).\nقال الصابوني: أي: \" فأعرض عن معاقبتهم للمصلحة ولا تُظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على وجلٍ وحذر\" (٨).\nقال ابن عباس: \"يريد: فاصفح عنهم. قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف\" (٩).\nوقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم (١٠).\nوقال مقاتل: \"معنى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: \" وحذِّرهم من سوء ما هم عليه\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر\" (١٣).\nقال الصابوني: \" أي ازجرهم عن الكيد والنفاق بقوارع الآيات\" (١٤).\nقال ابن عباس: \"يريد ذكرهم\" (١٥).\nوقال مقاتل: \"وعظهم بلسانك\" (١٦).\nوفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه (١٧):\nأحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم.\nوالثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.\nوالثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم.\nقال ابن الجوزي: \" قال المفسرون في هذه الآية تقديم وتأخير. تقديره: فعظهم فإن امتنعوا عن الإجابة فأعرض. وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية السيف\" (١٨).\nوقد ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم (١٩)، وابن سلامة (٢٠)، وابن هلال (٢١)، ولم يتعرض له النحاس أو مكي بن أبي طالب أصلا.\n_________\n(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٥.\n(٢) مقله الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٦، ولم اقف عليه.\n(٣) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٤٤٦، ولم اقف عليه ..\n(٤) ذكر ابن الجوزي معناه عن ابن عباس في \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٢.\n(٥) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٢، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٥٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٩) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٧، وقد ذكر نحو ذلك غير منسوب لابن عباس كثير من المفسرين، وبعضهم ينسب القول بالنسخ إلى مقاتل. انظر: تفسير الطبري ٨/ ٥١٥، وبحر العلوم: ١/ ٣٦٥، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩، والوسيط للواحدي: ٢/ ٦٠٥، ومعالم التنزيل: ٢/ ٢٤٤، وزاد المسير: ٢/ ١٢٢.\n(١٠) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٥، والرازي في التفسير الكبير: ١٠/ ١٥٨.، والواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٧\n(١١) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٦٥، تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٣٩، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٥٥٧، وزاد المسير: ٢/ ١٢٢.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٧.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(١٥) أورده الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٧، وفي التفسير الوسيط: ٢/ ٦٠٥، بلفظ: \"خوفهم بالله\". وذكره بنحو ما في \"الوسيط\" البغوي غير منسوب لأحد. انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٥.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣.\n(١٨) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٥.\n(١٩) في ناسخه: ص ٣٣٢.\n(٢٠) في ناسخه: ص ٣٧.\n(٢١) في ناسخه المخطوط: ورقة ٢٣.","vol":"7","page":231},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، أي: \"، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: أعلمهم أنهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم، يقال قول بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، ويقال أحمق بلغ وبلغ. وفيه قولان: إنه أحمق يبلغ حيث يريد، ويكون \" أحمق بلغ وبلغ \" قد بلغ في الحماقة. والقول الأول قول من يوثق بعلمه، والثاني وجه جيد\" (٤).\nقال مقاتل: \"نسختها آية السيف\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وأن الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفى عليه فلا يغنى عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم- خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل- قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وجوه من التفسير:\nأحدها: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم، فإنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، وهذا قول الحسن (٧).\nوالثاني: يريد: خوفهم بالله. قاله ابن عباس (٨).\nوالثالث: أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر (٩).\nوالرابع: معناه: مبلغا بلسانك كنه ما في قلبك بأحسن العبارة عني. وهذا قول التستري (١٠).\nوالخامس: معناه: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم. وهذا قول الزجاج (١١).\nوالسادس: أي: قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا يستمروا الكفر، وعظهم كي لا يغتروا بطول الإمهال (١٢).\nقال الواحدي: \" والأظهر أن قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حقه التأخير؛ لأن المعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - فدلت الآية على أن المعول على النية دون اللسان، وقال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث (١٤)، فربط الأعمال بالنيات، ومفهوم هذا أن الانتفاع بالأعمال والاعتداد بها يكون بالنية، وأن النية هي عماد الأعمال ومعلولها\nالقرآن\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٨٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٧.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٢٧.\n(٧) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، والواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٨\n(٨) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٥٥٨.\n(٩) انظر: النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، .\n(١٠) تفسير التستري: ٥٤.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(١٢) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٨، والتفسير الكبير: ١٠/ ١٥٩، والبحر المحيط: ٣/ ٢٨١.\n(١٣) التفسير البسيط: ٦/ ٥٥٩.\n(١٤) صحيح البخاري برقم (١، ٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢٠١) وسن الترمذي برقم (١٦٤٧)، وسنن النسائي (١/ ٥٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٢٧) ومسند أحمد (١/ ٢٥) ومسند الحميدي (١/ ١٦) ومسند الطيالسي (٢/ ٢٧) \"منحة المعبود\".","vol":"7","page":232},{"text":"التفسير:\nوما بعَثْنَا من رسول من رسلنا، إلا ليستجاب له، بأمر الله تعالى وقضائه. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باقتراف السيئات، جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك تائبين سائلين الله أن يغفر لهم ذنوبهم، واستغفرت لهم، لوجدوا الله توابًا رحيمًا.\nسبب نزول الآية:\nأخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: \" ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)، قال: إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف\" (٢).\nقال ابن الجوزي: \"قال المفسرون: اختصم يهودي ومنافق، وقيل: بل مؤمن ومنافق، فأراد اليهودي، وقيل: المؤمن، أن تكون الحكومة بين يدي الرسول ﷺ فأبى المنافق. فنزل قوله تعالى: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ [النساء: ٦٠]، إلى هذه الآية\" (٣).\nقلت: هذا السبب الذي أورده ابن الجوزي في نزول الآية هو مكون من أسباب رويت من طرق محتلفة، أشرنا إليها في تفسير الآية: (٦٠)، من السورة.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، أي: \" وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا إِلا ليطاع بأمر الله تعالى\" (٤).\nقال الزجاج: \" إي، أذن في ذلك\" (٥).\nقال ابو جعفر الترمذي: \" لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله\" (٦).\nقال مجاهد: \" أوجب الله لهم أن يطيعهم من شاء الله من الناس، ثم أخبر أنه لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني: إلا لكي يطاع، ﴿بإذن الله﴾، يقول: لا يطيعه أحد حتى يأذن الله﷿- له في طاعة رسولهﷺ-\" (٨).\nقال البغوي: \" أي: بأمر الله، لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" فيما يأمرُ به ويحكم لا ليُعصى ويُطلب الحكم من غيره وقوله: ﴿بإذن الله﴾ أَيْ: لأنَّ الله أذن في ذلك وأمر بطاعته\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" وما أرسلنا رسولا قط إلا ليطاع بإذن الله بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله من يطع الرسول فقد أطاع الله ويجوز أن يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته\" (١١).\nقال البيضاوي: ﴿بإذن الله﴾، أي: \"بسبب إذنه في طاعته وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه، وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافرا مستوجب القتل، وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافرا مستوجب القتل\" (١٢).\nيحتمل قوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾ [النساء: ٦٤]، وجوها (١٣):\n_________\n(١) [سورة النساء: ٦٥].\n(٢) تفسير الطبري (٩٩٠٧): ص ٨/ ٥١٧، وانظر: تفسير مجاهد: ٢٨٦.\n(٣) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٥.\n(٤) انظر: التفسير الميسر: ٨٨، وصفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(٦) الجزء فيه تفسير القرآن ليحيى بن يمان ونافع بن أبي نعيم القارئ ومسلم بن خالد الزنجي وعطاء الخراساني برواية أبي جعفر الترمذي: ٨٦.\n(٧) تفسير مجاهد: ٢٨٥.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٦.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٤.\n(١٠) الوجيز: ٢٧٢.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٢٨.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨١.\n(١٣) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠، والوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري: ١٠٨.","vol":"7","page":233},{"text":"أحدها: بمشيئة الله،؛ أي: من أطاع الرسول - ﷺ - إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة الله.\nوالثاني: بأمر الله. وذلك أنه أمر أن يطاع.\nوالثالث: بعلم الله، إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم الغفلة، منهم وسهو بالعواقب، فأما الله - ﷾ - إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه عثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضر ذلك عليهم، ونفعه لهم (١).\nقال ابن عطية: \" ﴿بإذن الله﴾، معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك\" (٢).\nقال ابن عطية: \" تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤]، \" أي: ولو أن هؤلاء المنافقين حين ظلموا أنفسهم بعدم قبول حكمك جاءوك تائبين من النفاق مستغفرين الله من ذنوبهم معترفين بخطئهم\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: حين لم يرضوا بقضائك جاءوك فاستغفروا الله من ذنوبهم\" (٥).\nقال الزجاج: أي: \" لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم ﴿لوجدوا الله توابا رحيما\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" جاؤك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص\" (٧).\nقال البيضاوي: أي: \" ﴿إذ ظلموا أنفسهم﴾، بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت. ﴿جاؤك﴾، تائبين من ذلك ﴿فاستغفروا الله﴾، بالتوبة والإخلاص\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدّوا صدودًا، ﴿إذ ظلموا أنفسهم﴾، باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها ﴿جاؤوك﴾، يا محمد، حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" الاستغفار على نحوين، أحدهما: في القول، والآخر في العمل، فأما استغفار القول: فإن الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾ وأما استغفار العمل، فإن الله ﷿: يقول: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فعنى بذلك: أن يعملوا عمل الغفران، وقد علمت أن أناسا سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم ممن يدعي الإسلام، ومن سائر الملل \" (١٠).\n_________\n(١) وقد قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع﴾: أخبر أنه ما أرسل الرسل إلا لتطاع، ومن الرسل من لم يطع؛ كيف لا تبينتم أن من الفعل ما قد أراد - ﷿ - أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما أخبر أنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع. ثم من قد كان من الرسل ولم يطع.\nقيل: هو ما ذكر في آخره: ﴿إلا ليطاع بإذن الله﴾، أي: بمشيئة الله، فمن شاء من الرسل أن يطاع فقد أطيع، ومن شاء ألا يطاع، فلم يطع، وكذلك من علم أنه يطاع فأرسله ليطاع فأطيع، ومن علم أنه لا يطاع فلم يطع، ومن أرسل أن يطاع بأمر ليكون عليه الأمر فذلك مستقيم، ومن أرسل ليطاع بالأمر فلا يجوز ألا يطاع. [انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٤٠].\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٦.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٢٨.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨١.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٧.\n(١٠) أخرجه ابن المنذر (١٩٥٥): ص ٢/ ٧٧٤.","vol":"7","page":234},{"text":"أخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مسعود، قال: \" إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله جل وعز: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾، وذكر بقية الحديث \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤]، \" أي: \"وسألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" وسأل لهم اللهَ رسولهُ ﷺ مثل ذلك [من الاستغفار] \" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله ومستغفرا\" (٤).\nولم يقل: «واستغفرت لهم»، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله ﷺ وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، \" أي: لعلموا كثرة توبة الله على عباده وسعة رحمته لهم\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، ﴿رحيمًا﴾ بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" لعلموه توابا، أى لتاب عليهم\" (٨).\nقال مجاهد: \" عُنِي بذلك اليهوديُّ والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف\" (٩).\nقال ابن الجوزي: \" زعم بعض منتحلي التفسير أن هذه الآية نسخت بقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].\nوهذا قول مرذول، لأنه إنما قيل ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لإصرارهم على النفاق، فأما إذا جاءوا فاستغفروا واستغفر لهم الرسول، فقد ارتفع الإصرار فلا وجه للنسخ\" (١٠).\nويجدر القول بانه لم يتعرض لدعوى النسخ في هذه الآية أصحاب أمهات كتب النسخ ولا المفسرون لضعف ذلك، وإنما ذكره ابن سلامة بدون نسبته إلى أحد (١١).\nالفوائد:\n١ - أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾.\n٢ - أن طاعة الأنبياء هداية ومعصيتهم ضلالة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال تعالى بعد ذكره لبعض المرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n٣ - وفي الآية إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا.\n٤ - أن «التَّوَّاب» من أسمائه تعالى، والكثير التَّوْب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة، وتوبته سبحانه على عبده نوعان (١٢):\nأحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها بعمل الصالحات.\n_________\n(١) تفسير ابن المنذر (١٩٥٦): ص ٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٢٨.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٥٢٨.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٧.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٢٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٥١٧. وانظر: الأثر (٩٩٠٧): ص ٨/ ٥١٧\n(١٠) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(١١) في ناسخه ص: ٣٧ - ٣٨.\n(١٢) انظر: صفات الله عزل وجل الواردة في الكتب والسنة: ١٠٧ - ١٠٨.","vol":"7","page":235},{"text":"والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإنَّ التوبة النصوح تجب ما قبلها.\nواسم «الرحيم» من أسمائه تعالى، يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].\nالقرآن\n﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]\nالتفسير:\nأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تامًا، فالحكم بما جاء به رسول الله ﷺ من الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة من صميم الإيمان مع الرضا والتسليم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: تقدم قبل هذا النقل عمن قال: إنها نزلت في تحاكم إلى الكاهن، وهو ظاهر السياق، فإن الآيات المذكورة متعاطفة بعضها على بعض، وأولها قصة المتحاكمين، على الاختلاف في ذلك (١).\nعن مجاهد \" ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾، إلى ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، حتى قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾ هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم، اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف \" (٢).\nوالثاني: أخرج أحمد (٣)، والبخاري (٤)، ومسلم (٥)، وغيرهم (٦)، عن عروة بن الزبير: \" أن الزبير كان يحدث؛ أنه خاصم رجلا من الأنصار، قد شهد بدرا، إلى رسول الله ﷺ، في شراج من الحرة، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، آن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: اسق، ثم احبس، حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك، أشار على الزبير برأي، سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم.\nقال عروة: قال الزبير: والله، ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية\".\nوالثالث: أخرج ابن ابي حاتم، وابن مردوية (٧)، عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: \"اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: نعم، انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك. قال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما، مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي ولو ما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين، فأنزل الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما\n_________\n(١) انظر: العجاب: ٢/ ٩٠٥.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٩٥٩): ص ٢/ ٧٧٦.\n(٣) المسند (١٤١٩): ص ١/ ١٦٥، و(١٦٢١٥): ص ٤/ ٤.\n(٤) صحيح البخاري (٢٧٠٨): ص ٣/ ٢٤٥، و(٣٣٥٩)، (٣٣٦٠)، (٢٣٦١)، و(٢٣٦٢): ص ٣/ ١٤٥ - ١٤٦، و(٤٥٨٥): ص ٦/ ٥٨.\n(٥) صحيح المسلم (٦١٨٣): ص ٧/ ٩٠.\n(٦) أخرجه كذلك عبد بن حميد (٥١٩)، وأبو داود (٣٦٣٧)، وابن ماجة (١٥)، و(٢٤٨٠)، والترمذي (١٣٦٣)، و(٣٠٢٧)، والنسائي ٨/ ٢٤٥، و٨/ ٢٣٨، وفي الكبرى (٥٩٢٥)، و(٥٩٢٦)، والبزاز في مسنده ٣/ ١٨٤، وابن حبان في الإحسان باب الاعتصام بالسنة: (٢٤): ص ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والطبري في تفسيره (٩٩١٢): ص ٨/ ٥١٩ - ٥٢٠، وابن ابي حاتم (٥٥٥٨): ص ٣/ ٩٩٣ - ٩٩٤.\n(٧) انظر: لباب النقول: ٧٣.","vol":"7","page":236},{"text":"قضيت ويسلموا تسليما﴾، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ إلى قوله: ﴿وأشد تثبيتا﴾ \" (١).\nقال ابن حجر: \" وفيه تقوية لقول من قال: إن الآيات كلها أنزلت في حق المتخاصمين إلى الكاهن كما تقدم، وبهذا جزم الطبري (٢) وقواه بأن الزبير لم يجزم بأن الآية نزلت في قصته بل أورده ظنا (٣).\nقلت [ابن حجر]: لكن تقدم في حديث أم سلمة الجزم بذلك، ويحتمل أن تكون قصة الزبير وقعت في أثناء ذلك، فتناولها عموم الآية والله أعلم، وقد تقدم أن القصة المذكورة نزل فيها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ \" (٤).\nوالرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: \" نزلت في اليهود\" (٥).\nقال ابن عطية: \" والصحيح في سبب قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، \" أي: فوربك يا محمد لا يكونون مؤمنين حتى يجعلوك حكمًا بينهم ويرضوا بحكمك فيما تنازعوا فيه واختلفوا من الأمور\" (٧).\nقال مقاتل: \" يقول لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي فيما وقع من الاختلاف بينهم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا\" (١٠).\nعن أبي عبيدة: \" ﴿فيما شجر بينهم﴾، أي: اختلط \" (١١).\nقال السمعاني: أي: \" لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل: هذه أبلغ آية في كتاب الله - تعالى - في الوعيد\" (١٢).\nقال السعدي: \" قسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة\" (١٣).\nوالاشتجار: \"الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها على بعض، قال الشاعر (١٤):\nهم الحكام أرباب الندي ... وسراة الناس إذ الأمر شجر\nأي: اختلف\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، \"أي: ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمك وينقادوا انقيادًا تامًا كاملًا لقضائك\" (١٦).\nقال مقاتل: \" يقول: لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق ويسلموا لقضائك لهم وعليهم تسليما\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٦٠): ص ٣/ ٩٩٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٥٢٤ - ٥٢٥.\n(٣) لم أجد هذا المعنى في كلام الطبري في \"التفسير\" وقد قال الحافظ في \"الفتح\" \"٥/ ٣٨\": \"ورجح الطبري في \"تفسيره\" وعزاه إلى أهل التأويل في \"تهذيبه\" إن سبب نزولها: هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد قال. ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية\". فلعل هذا المعنى في كتابه \"التهذيب\" ..\n(٤) العجاب: ٢/ ٩٠٩.\n(٥) تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٦١): ص ٣/ ٩٩٤.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٣.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٦.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٤٩.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (١٩٦١): ص ٢/ ٧٧٧.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٤.\n(١٣) تفسير السعدي: ١٨٤.\n(١٤) البيت من شواهد السمعاني في تفسيره: ١/ ٤٤٤، ولم أتعرف على قائله.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٤.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(١٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٦.","vol":"7","page":237},{"text":"قال الواحدي: \" الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: لا تضيق صدورهم من قضيتيك، [و] يسلمون لما يأتي به من حكمك، لا يعارضونه بشيء\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٣) \" (٤).\nقال السعدي: \" ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين\" (٥).\nقال السمعاني: \" ﴿حرجا﴾، أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر - ﵁ - قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ أي: يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية\" (٦).\nعن مجاهد في قوله: \" ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، قال: شكا\" (٧).\nوعن الضحاك، في قوله ﷿: \" ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا﴾، قال: إثما \" (٨).\nوعن أبي عبيدة: \" ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، أي: ضيقا \" (٩).\nقال الزمخشري: \" ﴿حرجا﴾: ضيقا، أى: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ويسلموا وينقادوا ويذعنوا لما تأتى به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - أن الآية توبيخ لمن لم يحكم الرسول ﷺ في موارد الشجار.\n٢ - أن التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها (١١).\nالقرآن\n﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النساء: ٦٦]\nالتفسير\nولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم.\nفي سبب نزول الآية:\n_________\n(١) الوجيز: ٢٧٢.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٧٠.\n(٣) أخرجه البغوي في شرح السنة ١/ ٢١٢ - ٢١٣، حديث رقم ١٠٤، قال النووي في آخر الأربعين النووية \"حسن صحيح\"، وقال الحافظ في الفتح ١٣/ ٢٨٩: أخرجه الحسن بن سفيان وغيره؛ ورجاله ثقات؛ وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩٤): تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه ... \".\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٥) تفسير السعدي: ١٨٤.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٦٢): ص ٣/ ٩٩٥.\n(٨) أخرجه ابن المنذر (١٩٦٢): ص ٢/ ٧٧٧.\n(٩) أخرجه ابن المنذر (١٩٦٣): ص ٢/ ٧٧٨.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٢٩.\n(١١) انظر: تفسير السعدي: ١٨٤.","vol":"7","page":238},{"text":"أخرج الطبري (١) وابن أبي حاتم (٢) عن أسباط، عن السدي (٣)، قال: \"افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا! فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنزل الله في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، \"أي: لو فرضنا على هؤلاء المنافقين ما فرضنا على ما قبلهم من المشقات وشدّدنا التكليف عليهم فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إِسرائيل\" (٥).\nقال الطبري: أي: \"ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها\" (٦).\nقال مجاهد: \" كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، \"أي: ما استجاب ولا انقاد إِلا قليل منهم\" (٨).\nوقرأ ابن عامر: ﴿ما فعلوه إلا قليلا منهم﴾، نصبا (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، أي: \"ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم\" (١٠).\nعن السدي: ﴿لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾، قال: تصديقًا\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدودًا، [فعلوا] ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجل دنياهم، وآجل معادهم، وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها، وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف، ولو عمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله \" (١٢).\nقال أبو إسحاق السبيعي: \" لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي» \" (١٣).\nوعن شريح بن عبيد قال: لما تلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل- يعني ابن رواحة\" (١٤).\nوعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال: «صدقت يا أبا بكر» \" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٩٩٢٠): ص ٨/ ٥٢٥\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٦٨): ص ٣/ ٩٩٦.\n(٣) رواية أسباط بن نصر عن السدي، سنده ضعيف جدًا؛ فيه علتان:\nالأولى: الإعضال.\nالثانية: أسباط؛ صدوق كثير الخطأ، يُغْرب.\n(٤) تفسير الطبري (٩٩٢٠): ص ٨/ ٥٢٥\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٥٢٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٩١٩): ص ٨/ ٥٢٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٦٢.\n(٩) انظر: السبعة: ٢٣٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٩٢٢): ص ٨/ ٥٢٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٥٢٨ - ٥٢٩.\n(١٣) أخرجه الطبري (٩٩٢١): ص ٨/ ٥٢٦.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٦٤): ص ٣/ ٩٩٥.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٦٦): ص ٣/ ٩٩٥.","vol":"7","page":239},{"text":"سئل سفيان عن قوله: \" ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال النبي ﷺ: «لو نزلت كان ابن أم عبد منهم» \" (١).\nالفوائد:\n١ - أخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها (٢).\n٢ - أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدا وشكرا لربه (٣).\n٣ - أنه ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط (٤).\n٤ - أن الله ﷿ جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾، فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة (٥).\nالقرآن\n﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٧]\nالتفسير:\nولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ [النساء: ٦٧]، أي: \" ولأعطيناهم من عندنا ثمرة الطاعة\" (٦).\nقال البيضاوي: \" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم، لأن إذا جواب وجزاء\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا\" (٨).\nقال المراغي: \" أي: ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل\" (٩).\nقال ابن كثير: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾، \" أي: من عندنا \" (١٠).\nقال الراغب: \"وإنما قال: ﴿من لدنا﴾، لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدرا وأعظمها خطرا، نحو: وروحنا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧]، أي: \" ثوابًا كثيرا\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" جزاء وثوابًا عظيمًا\" (١٣).\nقال البغوي: أي: \" ثوابا وافرا\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" يعني: الجنة\" (١٥).\nقال السمعاني: \"هو الجنة\" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٦٧): ص ٣/ ٩٩٦.\n(٢) انظر: تفسير السعدي: ١٨٥.\n(٣) انظر: تفسير السعدي: ١٨٥.\n(٤) انظر: تفسير السعدي: ١٨٥.\n(٥) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ٢/ ١٨٠.\n(٦) انظر: التفسير الميسر: ٨٩، وصفوة التفاسير: ٢٦٣.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٢٩.\n(٩) تفسير المراغي: ٥/ ٨٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٣.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٠٩.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٦٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٥٢٩.\n(١٤) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٦.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٣.\n(١٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٥.","vol":"7","page":240},{"text":"قال القرطبي: \" أي: ثوابا في الآخرة\" (١).\nقال الخازن: \" يعني: ثوابا وافرا جزيل\" (٢).\nقال الزمخشري: \" المراد: العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجرا، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته\" (٣).\nعن سعيد بن جبير قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: الجنة\" (٤). وروي عن أبي هريرة وعكرمة وأنس، والضحاك وقتادة نحو ذلك (٥).\nقال الراغب: \" بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة، لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] \" (٦).\nالفوائد:\n١ - أنه مما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به هو الثواب العظيم في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n٢ أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال ﵊: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (٧) (٨).\nالقرآن\n﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٨]\nالتفسير:\nولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.\nقوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [النساء: ٦٨]، أي: \" ولأرشدناهم ووفقناهم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: في الدنيا والآخرة\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]، أي: \" إلى طريق الله القويم\" (١٢).\nقال البغوي: \" أي: إلى الصراط المستقيم\" (١٣).\nقال البيضاوي: أي: \" يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي ﷺ «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» (١٤) \" (١٥).\nوفي «الصراط المستقيم»، وجوه من التفسير:\nأحدها: أنه «كتاب الله». رواه أبو نواس الانصاري عن رسول اللهﷺ- (١٦).\nوالثاني: أنه «الإسلام». رواه أبو نواس الانصاري أيضا عن رسول اللهﷺ- (١٧).\nوالثالث: أن الصراط المستقيم: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قاله أبو العالية (١٨).\nقال عاصم: \"فذكرناه ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح\" (١٩).\nوالرابع: أن الصراط المستقيم هو: الحق. وهذا قول مجاهد (٢٠).\nقال الراغب: \"و«الصراط المستقيم» الذي وعدهم، هو الذي حرض على سؤاله في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] \" (٢١).\nقال ابن عطية: \" و«الصراط المستقيم»: الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر\" (٢٢).\nالفوائد:\n١ - أن الهداية تكون من ثمرة تحكيم الشريعة والانقياد التام للرسول -ﷺ-.\n٢ - أن الهداية من الله تعالى، وَقَالَ اهل السّنة ان الْهِدَايَة من الله تَعَالَى على وَجْهَيْن (٢٣):\nاحدهما: من جِهَة ابانة الْحق وَالدُّعَاء اليه وَنصب الادلة عَلَيْهِ وعَلى هَذَا الْوَجْه يَصح اضافة الْهِدَايَة الى الرُّسُل والى كل دَاع الى دين الله ﷿ لانهم يرشدون اهل التَّكْلِيف الى الله تَعَالَى وَهَذَا تَأْوِيل قَول الله ﷿ فِي رَسُوله ﷺ ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ اى تَدْعُو اليه.\nوَالْوَجْه الثانى: من هِدَايَة الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ خلق الاهتداء فِي قُلُوبهم كَمَا ذكره فِي قَوْله ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾، وَهَذَا النَّوْع من الْهِدَايَة لَا يقدر عَلَيْهِ الا الله تَعَالَى.\nوَالْهِدَايَة الاولى من الله تَعَالَى شَامِلَة لجَمِيع الْمُكَلّفين وَالْهِدَايَة الثَّانِيَة من خاصته للمهتدين وفى تَحْقِيق ذَلِك نزل قَول الله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]\nالتفسير:\nومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد ﷺ فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا والشهداء في سبيل الله وصالح المؤمنين، وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة.\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: \"جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: يا فلان، مالي أراك محزونًا؟ قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه! فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك! فلم يردّ النبي ﷺ شيئًا. فأتاه جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال: فبعث إليه النبي ﷺ فبشره\" (٢٤).\nوفي السياق نفسه أخرج الطبري (٢٥) وابن أبي حاتم (٢٦)، والواحدي (٢٧)، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: \"قال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٧٠.\n(٢) تفسير الخازن: ١/ ٣٩٧.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٣٠.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٧٠): ص ٣/ ٩٩٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٧٠): ص ٣/ ٩٩٦.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٠٩.\n(٧) المسند (٥/ ٣٣٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٥).\n(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ١٠/ ١٣١.\n(٩) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٣.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٣٠.\n(١٢) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٦.\n(١٤) موضوع، انظر الضعيفة (٤٢٢)، أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ١٤، ١٥) من حديث أنس وحكم على إسناده بالوضع، وذكره في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٢٣) وعزاه لأبي نعيم في \"الحلية\" عن سيدنا أنس ﵁، وَضَعفه، وانظر: الفوائد المجموعة (٤٣): ص ٢٨٦، تخريج أحاديث الإحياء: ٨٥، والفتح المبين بشرح الأربعين: ٥٧٤، وفيض القدير للمناوي ٤/ ٥١٠ - ٥١١، وكشف الخفاء للعجلوني ٢/ ٣٤٧.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٢.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٧١): ص ٣/ ٩٩٦.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٧٢): ص ٣/ ٩٩٦.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٧٣): ص ٣/ ٩٩٧.\n(١٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٧٣): ص ٣/ ٩٩٧.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٧٤): ص ٣/ ٩٩٧.\n(٢١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٠٩.\n(٢٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٥.\n(٢٣) انظر: الفرق بين الفرق: ٣٢٩.\n(٢٤) تفسير الطبري (٩٩٢٤): ص ٨/ ٥٣٤.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٩٢٥): ص ٨/ ٥٣٤.\n(٢٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٧٧): ص ٣/ ٩٩٧.\n(٢٧) انظر: اسباب النزول: ١٦٥.","vol":"7","page":241},{"text":"، فإنك لو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم نرك! فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، الآية\" (١). وروي عن قتادة (٢)، والربيع (٣) نحوذلك.\nوقال السدي: \" قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ \" (٤).\nوأخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: \"أتى فتى النبي ﷺ، فقال: يا نبي الله: إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل ﷿: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فقال له رسول الله ﷺ: «أنت معي في الجنة إن شاء الله» \" (٥).\nوأخرج الطبراني عن الأسود، عن عائشة﵂- قالت: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ .....﴾، الآية\" (٦).\nوقال مقاتل: \" نزلت في رجل من الأنصار يسمى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، قال للنبيﷺوهو الذي رأى الأذان في المنام مع عمر بن الخطاب﵄-: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، فذكرت درجاتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة «٢». فأنزل الله﷿- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ \" (٧).\nقال ابن عطية: \" وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي ﵇، قال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي\" (٨).\nوقال مقاتل: \" فلما توفي النبيﷺ- أتاه ابنه وهو في حديقة له فأخبره بموت النبيﷺ- فقال عند ذلك: اللهم اعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي أبدا. فعمي مكانه وكان يحب النبيﷺ- حبا شديدا فجعله الله﷿- مع النبيﷺ- فى الجنة\" (٩).\nوذكر الثعلبي - بغير إسناد- (١٠)، والواحدي (١١) عن الكلبي، قال: \"نزلت في ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله: «يا ثوبان ما غير لونك؟» فقال: يا رسول الله ما بي من ضر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك\n_________\n(١) تفسير الطبري (٩٩٢٥): ص ٨/ ٥٣٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٩٢٦): ص ٨/ ٥٣٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٩٢٨): ص ٨/ ٥٣٥.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٩٢٧): ص ٨/ ٥٣٤ - ٥٣٥.\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٧٨): ص ٣/ ٩٩٨.\n(٦) المعجم الأوسط: (٤٨٠): ص ١/ ٢٦٩، والمعجم الصغير: ١/ ٢٦.\nقال الهيثمي في الموضع السابق من \"المجمع\": «رواه الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\"، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة».\nومن طريق الطبراني أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\nوالحافظ أبو عبد الله الضياء المقدسي في \"صفة الجنة\" كما في \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٢٣).\nومن طريق أبي نعيم أخرجه الواحدي في \"أسباب النزول\": ١٦٦.\nقال أبو نعيم: \"هذا حديث غريب من حديث منصور وإبراهيم، تفرد به فضيل، وعنه العابدي\".\nوقال المقدسي: \"لا أرى بإسناده بأسا\".\nوأخرجه ابن مردويه في \"تفسيره\" كما في الموضع السابق من \"تفسير ابن كثير\"، فقال: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران ...، فذكره بنحو سياق الطبراني.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٧.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٦.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤١.\n(١١) أسباب النزول: ١٦٥.","vol":"7","page":242},{"text":"هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وأني وإن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: \" ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد صلى الله عليه\" (٢).\nقال الواحدي: \" أي: في الفرائض، والرسول، أي: في السنن\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: \" فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة\" (٤).\nقال الواحدي: \"يعني: المطيعين\" (٥).\nقال ابن عطية: \" وهذه الآية تفسير قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٥]، ومعنى- أنهم معهم- أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: \" من الأنبياء\" (٧).\nقال الواحدي: \" أي: أنه يستمتع برؤية النبيين، وزيارتهم، والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم\" (٨).\nقال البغوي: \" أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء\" (٩).\nوقال عكرمة: \"النبيون هاهنا: محمد ﷺ\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: \" والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا \" (١١).\nأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال: \"وقال غير مجاهد، عن أبي ذر، في قوله جل وعز \" ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾، الصديقين: المؤمنين \" (١٢).\nوقال الكلبي: \"الصديقون: أفاضل أصحاب النبي ﷺ\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبى بكر الصديق ﵁ وصدقوا في أقولهم وأفعالهم\" (١٤).\nقال البغوي: \" أفاضل أصحاب النبي ﷺ، والصديق المبالغ في الصدق\" (١٥).\nوروي عن النبي ﵇: \" الصديقون: المتصدقون\" (١٦).\nوقال مقاتل: \" هم أول من صدق بالأنبياء﵈- حين عاينوهم\" (١٧).\nوقال عكرمة: \" والصديقون: أبو بكر\" (١٨).\n_________\n(١) أسباب النزول: ١٦٥.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٣) الوجيز: ٢/ ٧٧.\n(٤) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٥) الوجيز: ٢/ ٧٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٦.\n(٧) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٨) الوجيز: ٢/ ٧٧.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.\n(١٠) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.\n(١١) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١٢) تفسير ابن المنذر (١٩٧٦): ص ٢/ ٧٨٢.\n(١٣) الوجيز: ٢/ ٧٨.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٠ - ٥٣١.\n(١٥) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.\n(١٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٦.\n(١٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(١٨) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.","vol":"7","page":244},{"text":"قال الواحدي: \" والصديقين: كل من صدق بكل ما أمر الله، لا يدخله شك، وصدق الأنبياء فهو صديق، وهو قول الله تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ [الحديد: ١٩] \" (١).\nوفي تسمية الصديق قولان (٢):\nأحدهما: أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ.\nوالثاني: أنه فِعّيل من الصَدَقَة.\nقوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩] أي: \" والشهداء في سبيل الله\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: القتلى في سبيل الله بالشهادة\" (٤).\nقال البغوي: \" قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله\" (٥).\nوقال عكرمة: \" والشهداء عمر وعثمان وعلي -﵃-\" (٦).\nقال الماوردي: \" ﴿الشهداء﴾، جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل اللَّه تعالى\" (٧).\nقال ابن عطية: \" والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذين فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم، [و] الشهداء في هذه الآية يعم أنواع الشهداء\" (٨).\nوفي تسمية الشهيد قولان (٩):\nأحدهما: لقيامه بشهادة الحق، حتى قتل في سبيل الله.\nوالثاني: لأنه يشهد كرامة الله تعالى. في الآخرة. ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله.\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: \"وصالح المؤمنين\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: المؤمنين أهل الجنة\" (١١).\nقال الواحدي: \" هم سائر المسلمين\" (١٢).\nوقال عكرمة: \" ﴿والصالحين﴾: سائر الصحابة -﵃-\" (١٣).\nقال الماوردي: \"الصالحون، جمع صالح، وفيه قولان:\nأحدهما: أنه كل من صلح عمله.\nوالثاني: هو كل من صلحت سريرته وعلانيته\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، أي: \" وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي الأنبياء ومن معهم حسنوا رفيقا\" (١٦).\nقال الزمخشري: \" فيه معنى التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده\" (١٧).\nعن الاثرم، عن أبي عبيدة: \" ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ أي رفقاء، والعرب تلفظ بلفظ الواحد والمعنى يقع على الجميع قال عباس بن مرداس (١٨):\n_________\n(١) الوجيز: ٢/ ٧٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٤.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(٥) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.\n(٦) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٥٠٤.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٧٦.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(١٢) الوجيز: ٢/ ٧٨.\n(١٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٧.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٥٠٥.\n(١٥) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ٧٣.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٥٣١.\n(١٨) العباس بن مرداس: ابن أبى عامر السلمى، وأمه الخنساء الشاعرة، وهو مخضرم. أخباره فى الأغانى ١٣/ ٦٢، والإصابة رقم ٤٥١١، والاستيعاب ٣/ ١٠١، والخزانة ١/ ٧٣. والبيت لعباس بن مرداس في ديوانه ص ٥٢، ولسان العرب (أخا)، والمقتضب ٢/ ١٧٤، ومجاز القرآن ١/ ٧٩، ١٣١، ٢/ ٤٤، ١٩٥، ومجمع البيان ١/ ٣٦٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٨٥، وتذكرة النحاة ص ١٤٤، وجمهرة اللغة ص ١٣٠٧، وخزانة الأدب ٤/ ٤٧٨، والخصائص ٢/ ٤٢٢.","vol":"7","page":245},{"text":"فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور\nوقال في القرآن: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (١)، والمعنى: أطفالا\" (٢).\nقال الواحدي: \" وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، ويقال للجماعة في السفر: رفقة لارتفاق بعضهم ببعض\" (٣).\nوأما «الرفيق»، ففيه قولان (٤):\nأحدهما: أنه مأخوذ من الرفق في العمل.\nوالثاني: أنه مأخوذ من الرفق في السير.\nقرئ: ﴿وحسن﴾، بسكون السين (٥).\nعن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: \"كنت أسمع أن النبي ﷺ قال: لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة، قالت: وأصابته بحة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾»، فظننت أنه خير\" (٦).\nعن ابن وهب، قال مالك: \" سمعت ذلك الرجل -يعني عبد الله بن يزيد بن هرمز وهو يصف المدينة وفضلها-: يبعث منها أشراف هذه الأمة يوم القيامة، وحولها الشهداء أهل بدر وأحد والخندق، ثم تلا مالك هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، والآية التي بعدها\" (٧).\nالفوائد:\n١ - أنه من ثمرة إطاعة الله والرسول مرافقة النبيين والصديقين، إذ سمّى الله ﵎ التحاكم إلى الرسول «طاعة»، وجعل عاقبتهما معية كريمة ومُقامًا كريمًا في صحبة كريمة في جوار الله الكريم وحق لمن أقام هذا التحاكم على ما يريد الله تعالى، أن يرقى صُعُدًا مع هذه الصحبة المباركة في الفردوس الأعلى، لأن النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين هم خير من أطاع الله تعالى ظاهرًا وباطنًا وأقام شريعته ووحّده، فمن حذا حذوهم حُشِر معهم وصحبهم في الفردوس الأعلى من الجنة وهو طريق مفتوح لكلّ من اقتدى بهم ظاهرًا وباطنًا (٨).\n٢ - أن السلامة تكون في الإلتزام بسنة النبي -ﷺوتقبل وصيته وترك الفضول، ومن ثم َأَبْشِرُوا بِالْفَضْلِ والكرامة وَالْخُلُود فِي دَار المقامة مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصالحين.\n٣ - أن المراد بالمعية في الآية، هو المعية من جهة رفع الحجاب، وليس المراد المعية من حيث المقام.\n٤ - أن الآية دليل على أن طاعة الرسول ﷺ تثمر الهداية، وثبات القلب عليها، ومخالفته تثمر زيغ القلب، واضطرابه، وعدم ثباته.\n٥ - إن الحقوق ثلاثة:\n- حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك.\n- وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة.\n- وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].\n٦ - دلت الآية على أن من جاء بالإيمان الكامل، فإن الله يتولاه بأن يخرجه من الظلمات بصرفها عنه، أو صرفه عنها، ويوفقه للنور ويثبته عليه.\n_________\n(١) [سورة غافر: ٦٧].\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٩٧٧): ص ٢/ ٧٨٣، وانظر: مجاز القرآن: ١/ ١٣١.\n(٣) الوجيز: ٢/ ٧٨.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٥.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٥٣١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٧٦): ص ٣/ ٩٩٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٧٩): ص ٣/ ٩٩٨.\n(٨) انظر: هجر القرآن العظيم صـ ٦٣٦ إلى ٦٣٩.","vol":"7","page":246},{"text":"٧ - ومن الفوائد: أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس.\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٧٠]\nالتفسير:\nذلك العطاء الجزيل من الله وحده. وكفى بالله عليما يعلم أحوال عباده، ومَن يَستحقُّ منهم الثواب الجزيل بما قام به من الأعمال الصالحة.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠]، أي: \" ذلك العطاء الجزيل من الله وحده\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: هذا الثواب هو الفضل من الله\" (٢).\nقال الواحدي: \" تفضل به على من أطاعه\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: من عند الله برحمته، هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم، من الله، لأنه تفضل به عليهم تبعا لثوابهم\" (٥).\nقال الراغب: \" بيّن الله تعالى أن ذلك الفضل الذي ذكره بقوله: ﴿أنعم الله عليهم﴾، هو من الله علي الإطلاق، فنسب إلى نفسه تفخيما لأمره\" (٦).\nقال الطبري: \" فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟\nقيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠]، \" أي: وكفى به تعالى مجازيًا لمن أطاع عالمًا بمن يستحق الفضل والإِحسان\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿عليما﴾، يعني: عالما بها\" (٩).\nقال الزجاج: \" معناه: كفى الله عليما، والباء مؤكدة. المعنى اكتفوا بالله عليما\" (١٠).\nقال البغوي: \" أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنما نالوها بفضل الله ﷿\" (١١).\nقال ابن كثير: \"أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق\" (١٢).\nقال الواحدي: \" أي: أنه لا يضيع عنده عمل عامل لأنه لا يخفى عليه شيء\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \" بجزاء من أطاعه أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليما بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى يهدي من يشاء بفضله وحكمته.\n٢ - من أسمائه تعالى: «العليم»، والْعِلْمُ: صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١٥).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(٣) الوجيز: ٢/ ٧٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٣١ - ٥٣٢.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣١٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٥٣٥.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٦٣.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٨٠): ص ٣/ ٩٩٨.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٧٤.\n(١١) تفسير البغوي: ٢/ ٢٤٨.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٧.\n(١٣) الوجيز: ٢/ ٧٨.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٢.\n(١٥) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.","vol":"7","page":247},{"text":"قال أبو سليمان: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم\" (١).\nجاء في الحديث: \" اللهم إني أستخيرك بعلمك\" (٢).\nوفي حديث ابن عباس ﵄ وقول الخضِر لموسى ﵉: \"إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه\" (٣).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم بالاستعداد لعدوكم، فاخرجوا لملاقاته جماعة بعد جماعة أو مجتمعين.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٧١]، \" أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٥).\nوعن خيثمة قال: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٦).\nكما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٧).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، أي: \" احترزوا من عدوكم واستعدوا له\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: عدتكم من السلاح\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم\" (١١).\nقال السمعاني: \" أي: عدتكم، والحذر: ما يتقى به من العدو، نحو العدة والسلاح\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة وأن يحذروا عدوهم وأن يجاهدوا في الله حق الجهاد، ليبلو الله الأخيار وضمن لهم مع ذلك النصر، لأنه لو تولى الله تعالى قتل أعدائه بغير سبب للآدميين لم يكونوا مثابين، ولكنه أمر أن يؤخذ الحذر\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، \" أي: اخرجوا إِلى الجهاد جماعات متفرقين، سريةً بعد سرية أو اخرجوا مجتمعين في الجيش الكثيف\" (١٥).\nقال ابن عباس: \"، يقول: عصبًا، يعني: سَرايَا متفرقين، ﴿أو انفروا جميعًا﴾، يعني: كلكم\" (١٦).\n_________\n(١) الاسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.\n(٢) رواه البخاري (٦٣٨٢).\n(٣) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٤٣٨٥).\n(٤) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٦٥.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٣٢.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٦.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٧٤.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٧.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٦٥.\n(١٦) أخرجه الطبري (٩٩٢٩): ص ٨/ ٥٣٧.","vol":"7","page":248},{"text":"عن مجاهد في قول الله: \" ﴿فانفروا ثبات﴾، قال: فرقًا، قليلا قليلا\" (١).\nعن السدي: \" ﴿فانفروا ثبات﴾، فهي العصبة، وهي الثبة، ﴿أو انفروا جميعًا﴾، مع النبي ﷺ\" (٢).\nقال قتادة: \" الثبات: الفرق\" (٣).\nقال الضحاك: \" رفانفروا ثبات﴾، يعني: عصبًا متفرِّقين\" (٤).\nقال مقاتل: \" عصبا سرايا جماعة إلى عدوكم أو انفروا إليهم جميعا مع النبيﷺ- إذا نفر\" (٥).\nعن مسلم بن حيان الهذلي: ﴿أو انفروا جميعا﴾، قال: مرة واحدة\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين، أو انفروا جميعًا مع نبيكم ﷺ لقتالهم\" (٧).\nقال الفراء: \" يقول: عصبا، يقول: إذا دعيتم إلى السرايا، أو دعيتم لتنفروا جميعا\" (٨).\nقال الزجاج: أي: \" انفروا جماعات متفرقة أو انفروا بعضكم إلى بعض\" (٩).\nقال الواحدي: \" أَيْ: فانهضوا إلى لقاء العدوِّ ﴿ثباتٍ﴾ جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول، ﴿أو انفروا جميعًا﴾ إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" فانفروا إذا نفرتم إلى العدو. إما ثبات جماعات متفرقة سرية بعد سرية، وإما جميعا أى مجتمعين كوكبة واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة\" (١١).\nو«الثبات»: الجماعات المتفرقة، واحدها ثبة. قال زهير ابن أبي سلمى (١٢):\nوَقَدْ أَغْدُوا عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ ... نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاء\nوإنما اشتقت ثبة الجماعة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته، وتأويله أنك\nجمعت ذكر محاسنه (١٣).\nقال ابن كثير: \" ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية\" (١٤).\nوقرئ: ﴿فانفروا﴾، بضم الفاء\" (١٥).\nقال السمعاني: وهذه الآية: \" دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية\" (١٦).\nوقد ذهب قوم: إلى أن هذه الآية منسوخة (١٧)، استندوا في ذلم ما روي عن عطاء عن ابن عباس ﵄: \" ﴿خذوا حذركم فانفروا ثبات﴾ (١٨)، وقال: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ (١٩)، وقال: ﴿إلا تنفروا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٩٩٣٠): ص ٨/ ٥٣٧.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٩٣٣): ص ٨/ ٥٣٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٩٣١): ص ٨/ ٥٣٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٩٣٤): ص ٨/ ٥٣٧.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٥٨٥): ص ٣/ ٩٩٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٥٣٦ - ٥٣٧.\n(٨) معاني القرآن: ١/ ٣٧٥.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٧٥.\n(١٠) الوجيز: ٢٧٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٣٢.\n(١٢) ديوانه: ٧٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٢، واللساق (ثبا) و(نشا)، وغيرها.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٧٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٧.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٣٢.\n(١٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٦.\n(١٧) وروى قول النسخ البيهقي في سننه ٩/ ٤٧، من طريق عطاء عن ابن عباس. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ..\n(١٨) [سورة النساء: ٧١].\n(١٩) [سورة التوبة: ٤١].","vol":"7","page":249},{"text":"يعذبكم عذابا أليما﴾ (١)، ثم نسخ هذه الآيات، فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ (٢) الآية\" (٣).\nقال ابن الجوزي: \" وهذه الرواية فيها مغمز (٤)، وهذا المذهب لا يعمل عليه. وأحوال المجاهدين تختلف، والأمر في ذلك على حسب ما يراه الإمام وليس في هذه الآيات شيء منسوخ بل كلها محكمات. وقد ذهب إلى ما قد ذهبت إليه، أبو سليمان الدمشقي\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن التوكل على الله تعالى لا ينافي اتخاذ الأسباب بل إن التوكل لا يتم إلا إذا اتخذ الإنسان لكل عملٍ يريده الأسباب التي توصله إلى تحقيقه فالله ﷾ قد ربط المسببات بأسبابها.\nبل إن الإنسان ينساق إلى الأخذ بالأسباب بمقتضى فطرته وبمقتضى التكليف الشرعي فإذا قال الإنسان أنا متوكل على الله في تحصيل رزقي ولم يتخذ الأسباب التي توصله إلى ذلك وتحقق له مطلبه فهو مخالف للفطرة ومخالف لشرع الله الذي جاء الأمر فيه باتخاذ الأسباب.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال ﷾: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوغيرها من الآيات كثير في الأمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله في إتمام الأمور التي يسعى العبد في تحصيلها لأن التوكل من أعظم الأسباب وأنفعها في دفع المضار وجلب المنافع، فلا بد من الأخذ بالأسباب التي توصل الإنسان إلى تحقيق حاجاته والحصول على مطالبه، ومن قال بنفي الأسباب فتوكله مشوب ومدخول (٦).\n٢ - استدل أهل القدر بهذه الآية بقوله: ﴿خذوا حذركمْ﴾، قالوا: لولا أن الحذر يمنع عنهم مكايد الأعداء ما كان لأمره بالحذر إياهم معنى.\nفيقال لهم: الائتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم لأنهم به يسلمون من معصية الله ﷿ لأن المعصية تزل، فائتمروا وانتهوا عما نهوا عنه.\nوليس في هذه الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئا، وهذا كقول النبي -﵌-: «اعقلها وتوكل» (٧)، والمراد به طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر فهو الدليل على ذلك، أن الله تعالى أثنى على أصحاب رسول الله ﷺ بقوله حاكيا عنهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وأمر بذلك رسوله ﷺ كان يصيبهم غير ما قضى عليهم ما كان هذا مني (٨).\n\nالقرآن\n﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾ [النساء: ٧٢]\nالتفسير:\nوإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار، فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة، قال مستبشرًا: قد حفظني الله، حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما أكرهه لنفسي، وسرَّه تخلفه عنكم.\n_________\n(١) [سورة التوبة: ٣٩].\n(٢) [سورة التوبة: ١٢٢].\n(٣) سنن البيهقي: ٩/ ٤٧.\n(٤) المغمز: عيب يقال، ليس فيه غميزة ولا مغمز، أي: عيب انظر: المصباح المنير ٢/ ١٠٧.\n(٥) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨. وابن الجوزي ذكر هذا القول في زاد المسير ٢/ ١٣٠ عن أبي سليمان الدمشقي. ويجدر القول، بأن لم يذكر النحاس ومكي بن أبي طالب هذه الآية من المنسوخة أصلا.\n(٦) انظر: مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر بن علي: ٢٨٧.\n(٧) سنن الترمذي (٢٥٢٢)، كتاب صفة القيامة باب: اعقلها وتوكل.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٣.","vol":"7","page":250},{"text":"في سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: إنها نزلت في المنافقين وإنما جمع منهم في الخطاب من جهة الجنس والسبب ومن جهة الإيمان (١).\nأخرج ابن ابي حاتم عن بكير بن معروف عن مقاتل: \"قوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، قال عدو الله عبد الله بن أبي: ﴿قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا﴾، فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة\" (٢).\nقال مقاتل بن سليمان: \" نزلت في عبد الله بن أبي بن ملك بن أبي عوف بن الخزرج رأس المنافقين\" (٣).\nواخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: \" ﴿وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة﴾، إلى قوله: ﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾، ما بين ذلك في المنافقين\" (٤).\nوالثاني: وقال البعض: أنها نزلت في المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿وإن منكم﴾، وقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] (٥).\nقال الماتريدي: \" قوله: ﴿منكم﴾ يحتمل وجوها:\nيحتمل: في الظاهر منكم.\nويحتمل: في الحكم منكم.\nويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا -في الحقيقة- لم يكونوا\" (٦).\nوالراجح-والله أعلم- انها نزلت في المنافقين، وهذا قول اكثر المفسرين (٧).\nقال القرطبي: \" وقيل: المراد بقوله ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ بعض المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿وإن منكم﴾، وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره، وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان. هذا قول الجمهور وهو الصحيح\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، أي: \" وإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار\" (٩).\nقال مقاتل بن جيان: \" يقول: وإن منكم لمن ليتخلفن عن الجهاد\" (١٠).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: ليتخلفن النفر\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: ممن أظهر الإيمان لمن يبطى عن القتال\" (١٢).\nعن مجاهد قوله: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾، قال: في المنافق\" (١٣).\nقال السمعاني: \" أي: ليتأخرن، والبطء: التأخير. وقيل: هذا في عبد الله بن أبي بن سلول\" (١٤).\nقال الواحدي: \" أيْ: ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد وهم المنافقون وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر\" (١٥).\nقال السمرقندي: \" أي: وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٣.\n(٢) تفسير ابن ابي حاتم (٥٥٩١): ص ٣/ ٩٩٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(٤) تفسير الطبري (٩٩٣٥): ص ٨/ ٥٣٨.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٣، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٧٦.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٣.\n(٨) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٧٦.\n(٩) التفسير الميسر: ٨٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٨٨): ص ٣/ ٩٩٩.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٧٥.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٨٧): ص ٣/ ٩٩٩.\n(١٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٧.\n(١٥) الوجيز: ٢٧٤.\n(١٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٣١٦.","vol":"7","page":251},{"text":"قال الثعلبي: \" أي ليثاقلن ويتخلفن عن الجهاد والغزو. وقيل: معناه ليصدقن غيره، وهو عبد الله بن أبي المنافق\" (١).\nقال الزمخشري: \" والخطاب لعسكر رسول الله ﷺ والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقا. ومعنى ﴿ليبطئن﴾، ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ. بمعنى: أبطأ كعتم بمعنى: أعتم، إذا أبطأ، ويجوز أن يكون منقولا من بطؤ، نحو؟ ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله ابن أبى، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد\" (٢).\nقال الراغب: \" البطء والريث والأناة والثبات واللبث تتقارب، ولكن الثبات يقتضي الزوال، ويقالان متعديين عن بطء تقول يبطئن أي يثبط غيره. وقيل: يكثر هو التثبيط في نفسه. بيّن تعالى أن قوما بعد فيكم ومنكم أي يتأخرون عن الحرب أو يؤخرون غيرهم\" (٣).\nقال الماتريدي: \"قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد ويتخلفون؛ كقوله - تعالى -: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، فأطلع الله - ﷿ - نبيه - ﷺ - على ذلك؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى، وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - ﷺ –\" (٤).\nوقرئ: ﴿ليبطئن﴾، بالتخفيف (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]، أي: \" فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة\" (٦).\nعن مقاتل قوله: \" ﴿فإن أصابتكم مصيبة﴾، من العدو وجهد من العيش\" (٧).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: بلاء من العدو أو شدة من العيش\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]، \"أي: قال ذلك المنافق مستبشرا: قد تفضَّل الله عليَّ إِذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا\" (٩).\nقال قتادة: \" هذا قول مكذب\" (١٠).\nقال مقاتل: \" قال المنافق: ﴿قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا﴾، يعني: شاهدا فيصيبني من البلاء ما أصابهم\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: لم أشركهم في مصيبتهم\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" أي: حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني مثل ما أصابهم\" (١٣).\nقال القرطبي: \" ﴿قال قد أنعم الله علي﴾، يعني: بالقعود وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقول مؤمن\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى امر عباده بالتعجيل والمسارعة في الخيرات.\n٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله.\n٣ - إن من أبطأ يبطئ غيره بإبطائه إذ يكون قدوة في ذلك.\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٣٢ - ٥٣٣\n(٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٢/ ١٣١٩.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥٢.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٥٣٢.\n(٦) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٨٩): ص ٣/ ٩٩٩.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ٣٦٥، والتفسير الميسر: ٨٩.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٠): ص ٣/ ٩٩٩.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٧٦.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٣.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٧٦.","vol":"7","page":252},{"text":"﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾ [النساء: ٧٣]\nالتفسير:\nولئن نالكم فضل من الله وغنيمة، ليقولن -حاسدًا متحسرًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة في الظاهر-: يا ليتني كنت معهم فأظفر بما ظَفِروا به من النجاة والنصرة والغنيمة.\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٣]، أي: \" ولئن نالكم فضل من الله وغنيمة\" (١).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: فتحا وغنيمة وسعة في الرزق\" (٢).\nقال مقاتل بن سليمان: \" يعني: رزق من الله﷿- يعني: الغنيمة\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: ظفرتم وغنمتم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: نصر وظفر وغنيمة\" (٥).\nقال الراغب: \" أي: غنيمة وظفر يتحسرون على تأخرهم عنكم\" (٦).\nويحسدونكم على الفضل الذي أوتيتم\nقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]، \" أي: ليقولنَّ هذا المنافق قول نادم متحسر كأن لم يكن بينكم وبينه معرفة وصداقة يا ليتني كنت معهم في الغزو لأنال حظًا وافرًا من الغنيمة\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" ليقولن المنافق وهو نادم في التخلف\" (٨). وفي رواية اخرى: \" كأن المنافق عبد الله بن أبي لم تكن بينكم وبينه مودة\" (٩).\nوعن مقاتل بن حيان ايضا: \" ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾، يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة، فهذا من التقديم\" (١٠).\nقال مقاتل بن سليمان: \" ليقولن ندامة في التخلف -كأن لم تكن بينكم وبينه مودة فى الدين والولاية-: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾، فألحق من الغنيمة نصيبا وافرا\" (١١). وفي رواية اخرى: \" المنافق نادم في التخلف، يتمنى ﴿يا ليتني كنت معهم﴾ \" (١٢).\nوعن مقاتل بن حيان ايضا: قوله: \" ﴿فأفوز﴾، يعني: أنجو بالغنيمة\" (١٣). قوله\" ﴿فوزا﴾: آخذ نصيبا\" (١٤).\nعن قتادة: قوله: \" ﴿يا ليتني كنت معهم﴾، قال: قول حاسد\" (١٥).\nقال ابن كثير: أي: يقول -\" وكأنه ليس من أهل دينكم-: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده\" (١٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣]، وجهان (١٧):\nأحدهما: أن ذلك اعتراض متعلق بالجملة الأولى، والمعنى: وتقديره: «يقولون: قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة»، فأخر ذلك.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١/ ٣٦٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٢): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٧٦.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٨.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٢٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٦٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٣): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٤): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٥): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٧): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٨): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٩): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٩٦): ص ٣/ ١٠٠٠.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٨.\n(١٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٧٦، وتفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٢٠ - ١٣٢١.","vol":"7","page":253},{"text":"قال الراغب: \" وذلك مستقبح في العربية، فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، وتقديره: يقول: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كأن لم تكن، أي: قولهم ذلك قول من ليس بينكم وبينهم مواصلة دينية، وذلك تنبيه على ضعف عقيدتهم، وسوء نيتهم\" (١).\nقال الزجاج: \"ومعنى «المودة» ههنا، أي: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان أي كأنه لم يظهر لكم المودة\" (٢).\nوالثاني: أن يكون حكاية عنهم، أي ليقولن لمن يثبطكم: «كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة، حيث لم يستعينوا بكم»، ثم يقولون: «﴿يا ليتني كنت معهم﴾»، فيكون القول الأول منهم إثارة للشر. والقول الثاني منهم إظهارا للحسد.\nقال الواحدي: \" قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ متصلٌ في المعنى بقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة﴾ أَيْ: كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر\" (٣).\nويقرأ في الشواذ: ﴿ليقولن﴾، برفع اللام، والمعنى واحد (٤).\nالفوائد:\n١ - أن كل من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه ويتألم، فأخبر الله - ﷿ - أن هؤلاء المنافقين إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة (٥).\n٢ - في الآية تنبيه أن عامة الناس لا يعدون إلا أعراض الدنيا، فيفرحون بما ينالهم منها، ولا من المحن إلا مصائبها، فيتألمون بما يصيبهم منها، وذلك قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥].\n٢ - إن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين:\n- صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد.\n- وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد (٦).\nالقرآن\n﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤]\nالتفسير:\nفليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها. ومن يجاهد في سبيل الله مخلصًا، فيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنها نزلت في المؤمنين المخلصين، ومعنى ﴿يشرون﴾، أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة (٧).\nقال مقاتل: \" لقولهم للنبيﷺ-: «إن نقاتل فنقتل ولا نقتل؟»، فنزلت هذه الآية، فأشركهم جميعا في الأجر\" (٨).\nقال ابن حجر: \" قال بعضهم: معناه نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلصين\" (٩).\nوالثاني: وقيل انها \"نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٢٠ - ١٣٢١.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٧٦.\n(٣) الوجيز: ٢٧٤.\n(٤) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٧.\n(٥) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥٢.\n(٦) انظر: تفسير السعدي: ١٨٦.\n(٧) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٦٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩.\n(٩) العجاب: ٢/ ٩١٦.\n(١٠) البحر الميط: ٣/ ٧١٠، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٦٢.","vol":"7","page":254},{"text":"قال البغوي: \" قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى ﴿يشرون﴾، أي: يشترون، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة، ومعناه: آمنوا ثم قاتلوا\" (١).\nوالثالث: وقيل: \"نزلت في المؤمنين المتخلفين، و﴿يشرون﴾، بمعنى يبيعون ويؤثرون الآجلة على العاجلة، ويستبدلونها بها أمر الله تعالى بالجهاد من تخلف من ضعفة المؤمنين\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، أي: \" فليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها\" (٣).\nقال الطبري: أي: فليجاهد \"في دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم في طلب رضى الله، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبَذْلهم مُهَجهم له في ذلك\" (٤).\nعن السدي: \" ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة\" (٥).\nقال ابن زيد: \" ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، فـ «يشري»: يبيع، و«يشري»: يأخذ وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا\" (٦).\nقال الماوردي: قوله: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ \" يعني: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فعبر عن البيع بالشراء\" (٧).\nقال الواحدي: \" أَيْ: يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا\" (٨).\nقال الزجاج: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ \" أي: يبيعون، يقال شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت، قال يزيد بن مفرغ (٩):\nوَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كنْتُ هَامَهْ\nبرد غلامه، وشريته بعته\" (١٠).\nقال الماتريدي: \" كأنه - والله أعلم - نهى المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله - تعالى -: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا)، وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله - تعالى -: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة\" (١١).\nقال النسفي: \" والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده\" (١٢).\nقرأ الجمهور: ﴿فليقاتل﴾، بسكون لام الأمر. وقرأت فرقة: بكسرها على الأصل (١٣) ..\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، \" أي: من يقاتل في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٦٦٢.\n(٢) البحر الميط: ٣/ ٧١٠.\n(٣) التفسير الميسر: ٨٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٥٤١.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٩٤٢): ص ٨/ ٥٤١.\n(٦) أخرجه الطبري (٩٩٤٣): ص ٨/ ٥٤١.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٥٠٦.\n(٨) الوجيز: ٢٧٤.\n(٩) طبقات فحول الشعراء: ٥٥٥ من قصيدة له، في هجاء عباد بن زياد، حين باع ما له في دين كان عليه، وقضى الغرماء، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ، يقال له\"برد\"، وجارية يقال لها\"أراكة\". وقوله: \"كنت هامة\" أي هالكا. يقال: فلان هامة اليوم أو غد، أي قريب هلاكه، فإذا هو\"هامة\"، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية: أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير. ورواية غيره: \"من بعد برد\" ..\n(١٠).\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥٥.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٣٧٣.\n(١٣) انظر: البحر الميط: ٣/ ٧١٠.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٦٦.","vol":"7","page":255},{"text":"قال سعيد بن جبير: \"يعني: ومن يقاتل المشركين\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤]، وجهان (٢):\nأحدهما: في إظهار دين الله.\nوالثاني: في طاعة الله - تعالى - ونصر أوليائه.\nقوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، \" أي: فيُستشهد أو يظفر على الأعداء\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿فيقتل﴾، يعني: يقتله العدو\" (٤). \" ﴿أو يغلب﴾، يعني: يغلب العدو من المشركين\" (٥).\nقال الواحدي: أي: \" فيستشهد، ﴿أو يغلب﴾ فيظفر، فكلاهما سواءٌ\" (٦).\nقال السمعاني: \" وهو معنى قوله في سورة التوبة: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٧) \" (٨).\nقرأ الجمهور: ﴿فيقتل﴾، مبنيا للمفعول. وقرأ محارب بن دثار: ﴿فيقتل﴾، على بناء الفعل للفاعل، وأدغم باء ﴿يغلب﴾، في \"الفاء\" أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه، وأظهرها باقي السبعة (٩) ..\nقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، \" أي: فسوف نعطيه ثوابًا جزيلًا\" (١٠).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿أجرا عظيما﴾، يعني: جزاء وافرا في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر\" (١١).\nعن الأوزاعي عن يحيى، قال: \" الأجر العظيم: الجنة \" (١٢).\nقال الواحدي: \"أي: ثوابًا لا صفة له\" (١٣).\nقال البغوي: أي: \" في كلا الوجهين أجرا عظيما\" (١٤).\nقال النسفي: \" وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافرًا أو مظفورًا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: كل من قاتل في سبيل الله - سواء قتل أو غَلَب وسَلَب - فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (١٦) وتكفل الله للمجاهد في سبيله، إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة\" (١٧).\nقال الطبري: \" وهذا حضٌّ من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاونِ بأقوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وأن لهم في جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منزلة من الله رفيعة\" (١٨).\nقال ابن عطية: \" وعد من قاتل في سبيل الله بالأجر العظيم، سواء استشهد، أو غلب. واكتفى في الحالتين بالغاية، لأن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل أن يغلب ويغنم، فأشرف الحالتين ما بدء به من ذكر الاستشهاد في سبيل الله، ويليها أن يقتل أعداء الله، ودون ذلك الظفر بالغنيمة، ودون ذلك أن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠٣): ص ٣/ ١٠٠١.\n(٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٥٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٦٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠٤): ص ٣/ ١٠٠١.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠٥): ص ٣/ ١٠٠١.\n(٦) الوجيز: ٢٧٤.\n(٧) [سورة التوبة: ١١١].\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٩) انظر: البحر الميط: ٣/ ٧١٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٦٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠٨): ص ٣/ ١٠٠١.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (١٩٩٩): ص ٢/ ٧٩١، وابن ابي حاتم (٥٦٠٩): ص ٢/ ١٠٠٢.\n(١٣) الوجيز: ٢٧٤.\n(١٤) تفسير البغوي: ١/ ٦٦٢.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ٣٧٣.\n(١٦) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٦٣، ٧٤٥٧) ومسلم في صحيحه برقم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٨.\n(١٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٤١.","vol":"7","page":256},{"text":"يغزو فلا يصيب ولا يصاب، ولفظ الجهاد في سبيل الله يشمل هذه الأحوال، والأجر العظيم فسر بالجنة. والذي يظهر أنه مزيد ثواب من الله تعالى مثل كونهم أحياء عند ربهم يرزقون، لأن الجنة موعود دخولها بالإيمان. وكأن الذي فسره بالجنة ينظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، الآية\" (١).\nعن عون، قال: \"قيل لعمر بن الخطاب: إن مدرك بن عوف نشر نفسه يوم نهاوند، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ذاك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، قال: فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا \" (٢).\nقرأ الجمهور: ﴿نؤتيه﴾، بالنون. وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف: ﴿يؤتيه﴾، بالياء (٣).\nالفوائد:\n١ - مدح المجاهدين في سبيل الله، والثناء عليهم.\n٢ - أنه من لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، [ص: ١٨٧] فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾.\n٣ - من أسماء يوم القيامة، اليوم الآخر، أو الآخرة، او الدار الآخرة، وسمى ذلك اليوم باليوم الآخر، لأنه اليوم الذي لا يوم بعده.\nالقرآن\n﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]\nالتفسير:\nوما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله، ونصرة عباده المستضعفين من الرجال والنساء والصغار الذين اعتُدي عليهم، ولا حيلة لهم ولا وسيلة لديهم إلا الاستغاثة بربهم، يدعونه قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -يعني «مكة» - التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى، واجعل لنا من عندك وليًّا يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين؟\nفي سبب نزول الآية:\nأخرج عبد بن حميد من رواية سعيد عن قتادة: \"كان بمكة رجال ونساء وولدان من المسلمين فأمر الله نبيه أن يقاتل حتى يستنقذهم\" (٤).\nوأخرج من رواية أبي يونس القوي (٥): \" قلت لسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾؟ قال: كان بمكة ناس مظلومون مقهورون\" (٦).\nوأخرج ابن المنذر (٧) وابن أبي حاتم (٨)، عن مجاهد: \" أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]، أي: \" وما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله\" (١٠).\nقال الزجاج: \" المعنى: أي شيء لكم تاركين القتال؟ \" (١١).\nقال الثعلبي: \" أي: تجاهدون في طاعة الله\" (١٢).\n_________\n(١) البحر الميط: ٣/ ٧١٠.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٩٩٨): ص ٢/ ٧٩٠.\n(٣) انظر: البحر الميط: ٣/ ٧١٠.\n(٤) العجاب: ٢/ ٩١٦.\n(٥) هو الحسن بن يزيد بن فروخ الصخري ... القوي، بفتح القاف وتخفيف الواو، مكي سكن الكوفة، ثقة. انظر: التقريب: ١٦٤.\n(٦) العجاب: ٢/ ٩١٦.\n(٧) انظر: تفسير ابن المنذر (٢٠٠١): ص ٢/ ٧٩١.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦١٠): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(٩) تفسير ابن المنذر (٢٠٠١): ص ٢/ ٧٩١.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٠.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ٧٧.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٤.","vol":"7","page":257},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥]، أي: \" وفي سبيل خلاص المستضعفين من إِخوانكم الذين صدَّهم المشركون عن الهجرة فبقوا مستذلين مستضعفين\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ \" (٢).\nقال الحسن: \"يعني: وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين\" (٣).\nقال ابن زيد: \": وما لكم لا تفعلون؟ تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين\" (٤).\nقال مجاهد: \" أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة\" (٥).\nعن ابن عباس: قوله \" ﴿والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾، فهم أناس مسلمون كانوا بمكة لم يستطيعوا أن يخرجوا منها فيهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك\" (٦). وروي عن عطاء نحو ذلك (٧).\nوقال ابن عباس ايضا: \" كنت أنا وأمي من المستضعفين\" (٨). وفي حديث ابن أبي عمر زيادة: \" ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾، فأنا من ﴿الولدان﴾، وأمي من ﴿النساء﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، \" أي: الذين يدعون ربهم لكشف الضُرّ عنهم قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -وهي مكة- التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى\" (١٠).\nقال ابن زيد: \"الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم؟ و﴿القرية الظالم أهلها﴾، مكة\" (١١).\nو﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، هي مكة. وهذا قول عائشة﵂- (١٢)، وابن عباس من رواية ابن عطية عن أبيه (١٣)، ومجاهد (١٤)، والسدي (١٥). وهو قول جميع المفسرين (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]، أي: \" واجعل لنا من عندك وليًّا يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين\" (١٧).\nقال الزجاج: \" أي: تولنا بنصرك وخلصنا من أهل مكة الظالم أهلها\" (١٨).\nعن الربيع بن أنس: \" ﴿من لدنك﴾، من عندك\" (١٩). وروي عن السدي مثل ذلك (٢٠).\nعن مجاهد وعكرمة: \" ﴿واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾، قالا: حجة ثابتة\" (٢١).\nقال الثعلبي: \" أجاب الله دعاءهم. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة جعل الله لهم النبي وليا فاستعمل عليها عتاب بن أسيد، فجعله الله لهم نصيرا وكان ينصف للضعيف من الشديد فنصرهم الله به وأعانهم وكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك\" (٢٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٦٦.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٧٧.\n(٣) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٣٨٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٩٥٠): ص ٨/ ٥٤٥ - ٥٤٦.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦١٠): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦١٢): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦١٢): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦١١): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦١١): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(١٠) انظر: صفوة التفاسير: ٢٦٦، والتفسير الميسر: ٩٠.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٩٥٠): ص ٨/ ٥٤٥ - ٥٤٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦١٤): ص ٣/ ١٠٠٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٩٤٧): ص ٨/ ٥٤٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٩٤٥): ص ٨/ ٥٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٩٤٦): ص ٨/ ٥٤٤.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٦، معاني القرآن: ٢/ ٧٧.\n(١٧) التفسير الميسر: ٩٠.\n(١٨) معاني القرآن: ٢/ ٧٧.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦١٦): ص ٣/ ١٠٠٣.\n(٢٠) انظر: ابن أبي حاتم (٥٦١٦): ص ٣/ ١٠٠٣.\n(٢١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦١٦): ص ٣/ ١٠٠٣.\n(٢٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٥.","vol":"7","page":258},{"text":"١ - أن الإيمان اسم للخاص من العبادات لا للكل (١)، ودليله أن الله تعالى عاتبهم على صنيعهم ذلك وأعظم الوعيد في ذلك ولم يزل عنهم اسم الإيمان.\n٢ - ان ردّ الاعتداء هو من اسباب القتال في الإسلام، وأن القرآن شرع القتال للدفاع عن المستضعفين في الأرض، بل حرض أبلغ التحريض على القتال ذودًا عن حرماتهم، ودرءًا للظلم عنهم، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَان﴾، أي: وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله واستنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ .\n٣ - أهمية الدعاء، وأنه سلاح المؤمن، عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء: سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض» (٢).\nقال الثعلبي: \" وفي هذه الآية دليل على إبطال قول من زعم أن العبد لا يستفيد بالدعاء معنى، لأن الله تعالى حكى عنهم إنهم دعوه وأجابهم وآتاهم ما سألوه ولولا أنه أجابهم إلى دعائهم لما كان لذكر دعائهم معنى\" (٣).\n٤ - يوصف الله ﷿ بأنه الناصر والنصير، وأنَّ النصر بيده، كما يوصف الله ﷿ بأنه وَلِيُّ الذين آمنوا ومولاهم.\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]\nالتفسير:\nالذين صدَقُوا في إيمانهم اعتقادًا وعملا يجاهدون في سبيل نصرة الحق وأهله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل البغي والفساد في الأرض، فقاتلوا أيها المؤمنون أهل الكفر والشرك الذين يتولَّون الشيطان، ويطيعون أمره، إن تدبير الشيطان لأوليائه كان ضعيفًا.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٦]،\nقال ابن كثير: \" أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" الذين صدقوا الله ورسوله، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به ﴿يقاتلون﴾ في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده\" (٥).\nقال مقاتل: \" ﴿في سبيل الله﴾، يعني: طاعة الله\" (٦).\nقال ابن عباس: \"يريد في طاعة الله \" (٧).\nقال الواحدي: \"وتأويل ذلك أنها تُؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه، فلذلك سُميت طاعة الله: سبيل الله.\nوقيل: معنى ﴿في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله\" (٨).\nقال التستري: \" قال: المؤمنون خصماء الله على أنفسهم\" (٩).\nقال الراغب: \" المقاتل في سبيل الله يتناول المحارب بالسيف والمدافع عن الدين بالقول، والمنازع لهوى النفس ولوساوس الشيطان، ونبه أن من قاتل في سبيل الله فهو وليه\" (١٠).\n_________\n(١) انظر: التوحيد للماتريدي: ٣٧٩.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٢)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٨١)، وأبو يعلى (١/ ٣٤٤) رقم (٤٣٩) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٠)، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٤٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٥٤٦.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩.\n(٧) ذكره الواحدي في التفسير البسيط/٦/ ٦٠٣. ولم اقف عليه، وغير منسوب في بحر العلوم: ١/ ٣٦٨، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٨٠.\n(٨) التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٦٠٣.\n(٩) تفسير التستري: ٥٤.\n(١٠) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٢٥ - ١٣٢٦.","vol":"7","page":259},{"text":"قال الزمخشري: \" رغب الله المؤمنين ترغيبا وشجعهم تشجيعا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله. فهو وليهم وناصرهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]،\nقال ابن كثير: أي: \" والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم ﴿يقاتلون﴾ في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله\" (٣).\nقال مقاتل: \" ﴿في سبيل الطاغوت﴾، يعني: في طاعة الشيطان\" (٤).\nقال التستري: \" والمنافقون خصماء النفوس على الله ﷿، يبتدرون إلى السؤال ولا يرضون بما يختار الله لهم وهو سبيل الطاغوت، إذ النفس أكبر الطواغيت، إذا خلا العبد معها، قيل له عن المعصية\" (٥).\nقال الزجاج: \" الطاغوت الشيطان، وكل معبود من دون الله فهو طاغوت، والدليل على أن الطاغوت الشيطان قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] \" (٦).\nقال الراغب: \" الطاغوت عام في كل ما شغل عن الله، والمراد به وبالشيطان واحد\" (٧).\nوالقول بأن «الطاغوت» ههنا هو «الشيطان»، قول عامة المفسرين (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦]،\nقال البغوي: \" أي: حزبه وجنوده وهم الكفار\" (٩).\nقال السمعاني: \" أي: الكفار\" (١٠).\nقال ابن عباس: \"يريد جند الأصنام\" (١١).\nقال الطبري: \" يقول الله، مقوِّيًا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ، ومحرِّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به: ﴿فقاتلوا﴾ أيها المؤمنون، الذين يتولَّون الشيطان ويطيعون أمره، في خلاف طاعة الله، والتكذيب به\" (١٢).\nقال مقاتل: \" ﴿أولياء الشيطان﴾، يعني: المشركين بمكة\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \" وأعداء المؤمنين يقاتلون في سبيل الشيطان، فلا ولى لهم إلا الشيطان\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]،\nقال مقاتل: \" يعني: إن مكر الشيطان ﴿ضعيفا﴾، يعني: واهنا، كقوله- سبحانه-: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (١٥)، يعني: مضعف كيد الكافرين. فسار النبيﷺ- إلى مكة ففتحها وجعل الله﷿- للمستضعفين مخرجا\" (١٦).\nقال البغوي: \" أي مكره كان ضعيفا، كما فعل يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم\" (١٧).\nقال ابن عباس: \"يعني: خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر\" (١٨).\nقال الطبري: \" يعني بـ «كيد الشيطان»: ما كاد به المؤمنين، من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وَهَن وضعف\" (١٩).\nقال السمعاني: \" قيل: ﴿كان ضعيفا﴾، بمعنى: أنه لا يرد أحدا عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفا يوم بدر، حين رأى الملائكة، وخاف أن يأخذوه، فهرب، فكيده ضعيف بأحد هذين المعنيين\" (٢٠).\nقال الزمخشري: أي: \" وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه\" (٢١).\nقال البيضاوي: \" لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله: إن كيد الشيطان كان ضعيفا أي إن كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله ﷾ للكافرين، ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه\" (٢٢).\nقال الواحدي: \" معنى الكيد: السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه\" (٢٣).\nوفائدة إدخال كان في قوله: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾، \"التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى\" (٢٤).\nقال الراغب: \" ونبه بقوله ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، على ضعف أوليائه، ووصف كيده بالضعف إذ لا بطش له، وإنما سلطانه بين باطل، ولضعفه في الحقيقة قال تعالى حاكيا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، الآية\" (٢٥).\nالفوائد:\n١ - أن الشيطان يدفع أولياءَه ويجندهم إلى حرب المسلمين وقتالهم، قال تعالى: ﴿والَّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾.\n٢ - أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت. ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه.\n٣ - أن الجن والشياطين كالإنس فيهم جوانب قوة، وجوانب ضعف، قال تعالى: ﴿إنَّ كيد الشَّيطان كان ضعيفًا﴾، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كان ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل.\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين، وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة، فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد، ويعلنون عما اعتراهم من شدة الخوف، فيقولون: ربنا لِمَ أَوْجَبْتَ علينا القتال؟ هلا أمهلتنا إلى وقت قريب، رغبة منهم في متاع الحياة الدنيا، قل لهم -أيها الرسول-: متاع الدنيا قليل، والآخرة وما فيها أعظم وأبقى لمن اتقى، فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه. لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج الطبري (٢٦)، والنسائي (٢٧)، والفاكهي (٢٨)، والحسن بن سفيان (٢٩)، وابن أبي حاتم (٣٠)، والحاكم (٣١)، والواحدي (٣٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس: \"أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٣٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٥٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٥٤٦.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩.\n(٥) تفسير التستري: ٥٤.\n(٦) معاني القرىن: ٢/ ٧٨.\n(٧) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٢٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري ٨/ ٥٤٦، وتفسير الهواري: ١/ ٣٩٩، وبحر العلوم: ١/ ٣٦٨، والكشف والبيان: ٣/ ٣٤٥، ومعالم التنزيل: ٢/ ٢٥٠، وزاد المسير: ٢/ ١٣٣.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٦٦٣.\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٨.\n(١١) تنوير المقباس بهامش المصحف: ٩٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٥٤٦.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٥.\n(١٥) [سورة الأنفال: ١٨].\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩.\n(١٧) تفسير البغوي: ١/ ٦٦٣.\n(١٨) تنوير المقباس بهامش المصحف: ٩٠.\n(١٩) تفسير الطبري: ٨/ ٥٤٧.\n(٢٠) تفسير السمعاني: ١/ ٤٤٨.\n(٢١) الكشاف: ١/ ٥٣٥.\n(٢٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٥.\n(٢٣) التفسير البسيط: ٦/ ٦٠٤.\n(٢٤) التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٦٠٥.\n(٢٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٢٦.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٢): ص ٨/ ٥٤٩.\n(٢٧) في \"المجتبى\" (٦/ ٢، ٣)، وفي \"الكبرى\" (٣/ ٣ رقم ٤٢٩٣، ٦/ ٣٢٥ رقم ١١١١٢).\n(٢٨) في أخبار مكة، كما في العجاب: ٢/ ٩١٧.\n(٢٩) انظر: العجاب: ٢/ ٩١٧.\n(٣٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٣٠): ص ٣/ ١٠٠٥.\n(٣١) في \"المستدرك\" (٢/ ٦٧ رقم ٣٠٧) -وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١١).\n(٣٢) انظر: أسباب النزول: ١٦٧.","vol":"7","page":260},{"text":"ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلة! فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﵎: \" ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم \"، الآية\" (١). وروي عن قتادة (٢)، والسدي نحو ذلك (٣).\nوفي السياق نفسه ذكر الواحدي عن الكلبي، قال: \" نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: «كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم»، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٤).\nوفي السياق نفسه قال مقاتل: \"نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص﵄- وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون الجمحي والمقداد بن الأسود الكندي﵃- وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى فقال النبيﷺ-: «مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإني لم أومر بقتالهم»، فلما هاجر النبيﷺ- إلى المدينة أمر الله﷿- بالقتال فكره بعضهم فذلك قوله﷿-: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾، يعني: فرض القتال بالمدينة، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: نزلت في طلحة بن عبيد الله﵁- (٥)، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾، يعني كفار مكة، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فلا يقاتلونهم، ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، وقالوا: وهو الذي قال: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ \" (٦).\nالثاني: أن هذه الآية وآيات بعدها، نزلت في اليهود. وهذا قول ابن عباس (٧) ومجاهد (٨).\nأخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: \" ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، إلى قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٩)، ما بين ذلك في اليهود\" (١٠).\nوالثالث: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين (١١).\nوالرابع: أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن (١٢).\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]، أي: \" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" أى: كفوها عن القتال، وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه \" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٩٩٥٢): ص ٨/ ٥٤٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٣): ص ٨/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٤): ص ٨/ ٥٥٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦١٩): ص ٣/ ١٠٠٣. وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات رجال مسلم. وصححه الإمام الألباني -﵀- في \"صحيح سنن النسائي\" (رقم ٢٨٩١).\n(٤) اسباب النزول: ١٦٦ - ١٦٧.\n(٥) قال ابن حجر: \" ولعله كان ممن قال ذلك أولا، وأما الفريق ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾، فاللائق أنهم ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه وطلحة كان من الراسخين\". [العجاب: ٢/ ٩١٨]. وانظر ترجمته في الإصابة: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٦): ص ٨/ ٥٥٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦٣٣): ص ٣/ ١٠٠٦. وهو ضعيف جدًا؛ إسناده مسلسل بالعوفيين.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٥): ص ٨/ ٥٥٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦١٩): ص ٣/ ١٠٠٣. وهو مرسل صحيح.\n(٩) [سورة النساء: ٨٣].\n(١٠) تفسير الطبري (٩٩٥٥): ص ٨/ ٥٥٠.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٧.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٧.\n(١٣) التفسير الميسر: ٩٠.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٥.","vol":"7","page":261},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، أي: \" وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة\" (١).\nعن الحسن في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، قال: \"فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة\" (٢). وروي عن عطاء بن أبي رباح، وقتادة نحو ذلك (٣).\nقال عبد الرحمن بن نمر: \"سألت الزهري عن قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، قال الزهري: إقامتها: أن يصلي الصلوات الخمس لوقتها\" (٤).\nوعن ابن عباس: \" ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، يعني: بالزكاة طاعة الله والإخلاص\" (٥).\nعن ابن عباس ايضا: في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: \"ما يوجب الزكاة؟ قال: مائتين فصاعدا\" (٦).\nوعن عكرمة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: \"زكاة المال من كل مائتي درهم خمسة دراهم\" (٧).\nوعن الحسن في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: \"فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها مع الصلاة\" (٨). وروي عن قتادة نحو ذلك (٩).\nوعن الحارث العكلي في قوله: وآتوا الزكاة قال: صدقة الفطر\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، أي: \" فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿كتب﴾، يعني: فرض\" (١٢).\nقال الزمخشري: أى: \"فلما كتب عليهم القتال بالمدينة كع فريق منهم (١٣) لا شكّا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧]، \"أي: وقالوا جزعًا من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال؟ \" (١٥).\nقال أبو عبيدة: \" لم فرضته علينا؟ \" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧]، أي: \" هلا أمهلتنا إلى وقت قريب\" (١٧).\nقال السدي: \"وهو الموت\" (١٨).\nقال ابن جريج: \" أي: إلى أن نموت موتا، الأجل القريب \" (١٩).\nقال أبو عبيدة: \" معناها: هلا أخرتنا إلى أجل قريب \" (٢٠).\nقال مقاتل: \" هلا تركتنا حتى نموت موتا وعافيتنا من القتل\" (٢١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢١): س ٣/ ١٠٠٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٢٢): ص ٣/ ١٠٠٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢٢): س ٣/ ١٠٠٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢٤): س ٣/ ١٠٠٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢٥): س ٣/ ١٠٠٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢٦): س ٣/ ١٠٠٤.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢٧): س ٣/ ١٠٠٥.\n(٩) نظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٢٧): س ٣/ ١٠٠٥.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٢٩): س ٣/ ١٠٠٥.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٣٢): ص ٣/ ١٠٠٥.\n(١٣) قوله «كع فريق منهم» أى جبن. أفاده الصحاح. (ع).\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٥.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٢٦٧.\n(١٦) أخرجه ابن المنذر (٢٠٠٨): ص ٢/ ٧٩٤.\n(١٧) التفسير الميسر: ٩٠.\n(١٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٣٤): ص ٣/ ١٠٠٦.\n(١٩) أخرجه ابن المنذر (٢٠٠٩): ص ٢/ ٧٩٥.\n(٢٠) أخرجه ابن المنذر (٢٠١٠): ص ٢/ ٧٩٥.\n(٢١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٠.","vol":"7","page":263},{"text":"قال الزمخشري: \" استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر، كقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، \"أي: قل لهم -يا محمد-: إِن نعيم الدنيا قليل\" (٣).\nقال مقاتل: \" تتمتعون فيها يسيرا\" (٤).\nعن هشام قال: \"قرأ الحسن: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه\" (٥).\nقال ميمون بن مهران: \" الدنيا قليل، وقد مضى القليل وبقي قليل من قليل\" (٦).\nقال سهل التستري: \" الدنيا كلها جهل إلا موضع العلم، العلم كله حجة إلا موضع العمل به، والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص، والإخلاص لا يتم إلا بالسنة. ثم قال: دنياك نفسك، فإذا أفنيتها فلا دنيا لك\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]، أي: \" ونعيم الآخرة باقٍ فهو خير من ذلك المتاع الفاني لمن اتقى الله فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: الجنة أفضل من الدنيا\" (٩).\nعن ابن عباس: \"قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، يقول: اتقى معاصي الله\" (١٠).\nوعن أبي العالية: \" أما قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، يقول: لمن اتقى فيما بقي\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، أي: \" لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة\" (١٢).\nقال الطبري: \"يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه\" (١٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، وجهان:\nأحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء (١٥)، وقتادة (١٦)، ومجاهد (١٧)، والضحاك (١٨)، وابن زيد (١٩)، وعطية العوفي (٢٠)، وخصيف (٢١)، وأبو عبيدة (٢٢)، والحسن (٢٣)، وأحد قولي ابن عباس (٢٤).\nوالثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي (٢٥)، وأبي مالك (٢٦)، وأحد قولي ابن عباس (٢٧).\n_________\n(١) [سورة المنافقون: ١٠].\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٣٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٦٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٠.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٣٥): ص ٣/ ١٠٠٦.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٣٦): ص ٣/ ١٠٠٦.\n(٧) تفسير التستري: ٥٤.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٦٧، والتفسير الميسر: ٩٠.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٠.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٣٧): ص ٣/ ١٠٠٦.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٣٨): ص ٣/ ١٠٠٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٨/ ٥٥١.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٣): ص ٨/ ٤٥٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٦): ص ٨/ ٤٥٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٥)، و(٩٧٥٦): ص ٨/ ٤٥٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٨): ص ٨/ ٤٥٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٩): ص ٨/ ٤٥٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٢): ص ٨/ ٤٥٩.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (٩٧٦٢): ص ٨/ ٤٥٩.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن المنذر (١٨٦٤): ص ٢/ ٧٤١.\n(٢٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٤٣٦): ص ٣/ ٩٧٣.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٢): ص ٨/ ٤٥٨.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٩٧٥٠): ص ٨/ ٤٥٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٩٧٤٩): ص ٨/ ٤٥٧ - ٤٥٨.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٩٧٤٥) - (٩٧٤٨): ص ٨/ ٤٥٦ - ٤٥٨، و(٩٧٥١): ص ٨/ ٤٥٨.","vol":"7","page":264},{"text":"قال الطبري: \" إنما قصد بقوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة، فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى «الفتيل»، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنزيل\" (١).\nقال ابن السكيت: \"القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة\" (٢).\nقال الأزهري: \"وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر، أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة (٣):\nيَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَيَغْزُو ... ثُمَّ يَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا\" (٤)\nقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿ولا يظلمون﴾، بالياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿تظلمون﴾ بالتاء (٥).\nالفوائد:\n١ - إن الأصل أن دمّ الآدمي معصوم وكان دم الكافر في أول الإسلام معصومًا بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتله قال تعالى: - ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾، ولقوله - ﷺ -: - (لم أُؤْمر بالقتل بعد) وكدم القبطي الذي قتله موسى - ﵇ - ودم الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة في زماننا فإن موسى - ﵇ - عدّ ذلك ذنبًا في الدنيا والآخرة ولأن بلوغ الدعوة استتابة عامة من كل كفر.\n٢ - أنه من شرط الجهاد أن يكون بالمسلمين قوة يقوون بها على جهاد الكفار، أي: عندهم عدة واستعداد لجهاد الكفار، فإذا لم يكونوا على استعداد؛ كأن يكون فيهم ضعف والكفار أقوى منهم، فلو قاتل المسلمون الكفار لأبيدت خضراء المسلمين، فلا يجوز القتال في هذه الحالة؛ لأن هذا يلزم عليه مفسدة أكبر من المصلحة، وهي تسلط الكفار على المسلمين؛ ولهذا فالنبي ﷺ بقي في مكة ثلاثة عشر عاما مقتصرا على الدعوة إلى الله، والمسلمون يؤذون ويضايقون ولم يؤمر بالجهاد، بل الله أمرهم بالصبر وكف الأيدي حتى يأذن الله - جل وعلا - لهم بالجهاد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧].\n٣ - أن القرآن يرشادنا إلى الإيمان الذي لا ينفك عن الجهاد، بل إن الجهاد تطبيق عملي له، ويحمل حملة عنيفة عن أولئك الذين يريدون أن يحققوا لأنفسهم، أو لأمتهم أمجادا رخيصة سهلة عن طريق رفع الأصوات وكثرة الادعاءات، إن هذا الصنف من الناس وجد في الأمة الإسلامية، ولكن كشفهم القرآن ليكونوا عبرة لمن يسلك سبيلهم كان هذا الصنف يتمنى أن يأذن الله له في القتال قبل مجيء أوانه فلما كتب عليهم القتال أصبحوا يخشون الأعداء أكثر مما يخشون الله.\n٤ - وقد استدل البعض بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، على عدم رفع اليدين في الصلاة غير تكبيرة الإحرام (٦)، وهذا تحريف.\n٥ - أن الخوف من الله تعالى جده وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه (٧).\n٦ - أن الدنيا فانية مفروغ منها والأمر أسرع من ذلك، وقد صور لنا الرسول - ﷺ - قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: \"والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(٢) التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٦١.\n(٣) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ١٧٠، والشعر والشعراء ٧٦ (ليدن)، ٧١ (شاكر)، وبلا نسبة في المقاييس ٤/ ٤٧٢، والمخصص ١٣/ ٢٥٤.\n(٤) التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٦١.\n(٥) انظر: السبعة: ٢٣٥ الكشاف: ١/ ٥٣٦.\n(٦) انظر: موسوعة الفرق المنسبة للإسلام: ٨/ ٥٠٠.\n(٧) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥١٥.","vol":"7","page":265},{"text":"هذه - وأشار بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع\" (١). ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة.\n٧ - أخبر الله - تعالى - أنه حرم الظلم على نفسه، فقال: ﴿ولا تظلمون فتيلا﴾ [النساء: ٧٧]، وقال: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، كما قال على لسان رسوله - ﷺ -: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» (٢).\nوقد اتفق المسلمون على أن الله منزه عن الظلم، ولكن تنازعوا في معناه الذي يجب تنزيه الرب عنه على ثلاثة أقوال (٣):\nالأول: قول المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الظلم الذي ينزه عنه الخالق من جنس الظلم الذي ينهى عنه المخلوق، فشبهوا الله بخلقه، وأوجبوا عليه جنس ما يجب على المخلوق.\nالثاني: قول الأشاعرة وطوائف من أهل الكلام وبعض أهل الحديث: إن الظلم من الله تعالى ممتنع لذاته، لأن الظلم -عندهم-: التصرف في ملك الغير، أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته، وهذان ممتنعان في حق الله تعالى.\nالثالث: قول كثير من أهل السنة وبعض أهل الكلام: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالظلم ممكن لذاته، يمتنع وقوعه من الرب تعالى ولا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته وغناه، وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، فالله تعالى لا يضع الأشياء في غير مواضعها، كأن يبخس المحسن شيئًا من إحسانه، أو يحمل عليه من سيئات غيره، أو يعاقبه بلا موجب للعقاب، ونحو ذلك، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه النصوص واللغة. والله اعلم.\n\nالقرآن\n﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]\nالتفسير:\nأينما تكونوا يلحقكم الموت في أي مكان كنتم فيه عند حلول آجالكم، ولو كنتم في حصون منيعة بعيدة عن ساحة المعارك والقتال. وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى، وإن يقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد ﷺ جهالة وتشاؤمًا، وما علموا أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال الواحدي: \" قال ابن عباس في رواية أبي صالح: \"لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم \"أحد\" قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٤).\nوالثاني: أخرج الطبري (٥)، وابن ابي حاتم (٦)، عن عن مجاهد قال: \"كان فيمن كان قبلكم امرأة، وكان لها أجيرٌ، فولدت جارية. فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية. قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمئة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمئة! ! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية. وعولجت فبرِئت، فشبَّت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: ابغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها! فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتيني بها. فأتتها\n_________\n(١) رواه مسلم: (٢٨٥٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٧٧) كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ١٦٠.\n(٣) انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٨/ ٥٠٥ - ٥١٠، ١٧/ ١٧٥ - ١٨٠، ١٨/ ١٣٧ - ١٥٦، و\"مختصر الصواعق المرسلة\" ص ١٨٩ - ٢٠٦، و\"غاية المرام في علم الكلام\" ص ٢٤٤، ٢٤٥، و\"لسان العرب\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.\n(٤) أسباب النزول: ١٦٧. وأورده الحافظ في العجاب: ٢/ ٩١٩، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. إسناده مختلق مصنوع.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٨): ص ٨/ ٥٥١ - ٥٥٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٤٠): ص ٣/ ١٠٠ - ١٠٠٨.","vol":"7","page":266},{"text":"فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي: كذا. فقلت له: كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوَّجته! قال: فتزوجها، فوقعت منه موقعًا. فبينا هو يومًا عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية! وأرته الشق في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمئة أو أقل أو أكثر! قال: فإنّه قال لي: يكون موتها بعنكبوت. قال: فبنى لها برجًا بالصحراء وشيده. فبينما هما يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف، فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدَخَتْه، وساحَ سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت. فنزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ \" (١).\nوأما الأثر الثاني: فلا يصلح أن يكون قولا آخر، لأن السياق يأباه، وإنما هو كما سماه ابن كثير ﵀: \"حكاية\" (٢)، أي: عمن مضى. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، \"أي: في أي مكانٍ وجدتم فلا بدّ أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، والبروج: الحصون\" (٤).\nوفي «البروج» ها هنا، أربعة أقوال:\nأحدها: أنها القصور، وهو قول مجاهد (٥)، وقتادة (٦)، وابن جريج (٧). وهو قول الجمهور (٨).\nوالثاني: أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم، وهو قول أبي العالية (٩)، والسدي (١٠)، والربيع (١١)، وأبي مالك (١٢).\nوالثالث: أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين (١٣).\nوالرابع: أن قوله: ﴿بروج مشيدة﴾، معناه: \" في قصور من حديد\". حكاه النقاش عن ابن عباس (١٤). وضعفه ابن عطية (١٥).\nقال ابن عطية: \" فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها\" (١٦).\nوفي معنى «المُشّيَّدَةِ»، أقوال:\nأحدها: المجصصة، والشيد الجص، وهذا قول عكرمة (١٧)، وبعض البصريين (١٨).\nوالثاني: الحصينة. وهذا قول الضحاك (١٩)، وأبي مالك (٢٠).\nوالثالث: أن المُشّيَّدَ المطول في الارتفاع، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه، ومنه أَشدت بذِكِرْ الرجل إذا رَفَعْتَ منه، وهذا قول الزجاج (٢١).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٩٩٥٨): ص ٨/ ٥٥١ - ٥٥٢. وهو مرسل ضعيف.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦١.\n(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٢٦٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٣٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٨): ص ٨/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٧): ص ٨/ ٥٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٩): ص ٨/ ٥٥٣.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٨٠.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٤١): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٠): ص ٨/ ٥٥٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦١): ص ٨/ ٥٥٣.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٤١): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٨.\n(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٨٠.\n(١٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٨١، وقال: \" وهذا لا يعطيه اللفظ، وإنما البروج في القرآن إذا وردت مقترنة بذكر السماء بروج المنازل للقمر وغيره على ما سمتها العرب وعرفتها، وبرج معناه ظهر، ومنه البروج أي المطولة الظاهرة، ومنه تبرج المرأة\".\n(١٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٠.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٤٤): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(١٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٤٢): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٤٢): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(٢١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧٩.","vol":"7","page":267},{"text":"والرابع: أن المُشّيَّد، بالتشديد: المُطَّول، وبالتخفيف: المجصَّص (١).\nقال البيضاوي: قوله ﴿في بروج مشيدةؤ، أي: \" في قصور أو حصون مرتفعة، والبروج في الأصل بيوت على أطراف القصور، من تبرجت المرأة إذا ظهرت\" (٢).\nوقرئ: ﴿يدرككم﴾، بالرفع، وقيل: هو على حذف الفاء (٣).\nوقرئ: ﴿مشيدة﴾، من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص. وقرأ نعيم بن ميسرة ﴿مشيدة﴾، بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر فارضها (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، أي: \" وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى\" (٥).\nقال أبو العالية: \" هذه في السراء\" (٦).\nقال السدي: \" والحسنة: الخصب، تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم وتحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان. قالوا: هذه من عند الله\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة، [يقولوا هذه]: من قبل الله ومن تقديره\" (٨).\nقال الزمخشري: \" المعنى: وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله\" (٩).\nقال ابن عطية: أي: \" وإن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من هزم عدو أو غنيمة أو غير ذلك رأوا أن ذلك بالاتفاق من صنع الله، لا أنه ببركة اتباعك والإيمان بك\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، أي: \" وإن يقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد ﷺ جهالة وتشاؤمًا\" (١١).\nقال أبو العالية: \" فهذه في الضراء\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" أي هزيمة أو شدة جوع وغير ذلك، قالوا: هذه بسببك، لسوء تدبيرك، وقيل لشؤمك علينا\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: ﴿هذه من عندك﴾، بخطئك التدبير، وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ (١٤) \" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك، وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وعن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]، وروى عن اليهود- لعنت- أنها تشاءمت برسول الله ﷺ فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فرد الله عليهم قل كل من عند الله يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٥٥٤، والنكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٥.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٥٣٧.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٣٨.\n(٥) التفسير الميسر: ٢٦٧.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٤٥): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٤٦): ص ٣/ ١٠٠٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٥٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٣٨.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٨١.\n(١١) التفسير الميسر: ٢٦٧.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٤٧): ص ٣/ ١٠٠٩.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٨١.\n(١٤) [سورة النساء: ٧٧].\n(١٥) تفسير الطبري: ٨/ ٥٥٥.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥٣٨.","vol":"7","page":268},{"text":"قال السدي: \" والسيئة: الجدب والضرر في أموالهم وتأشموا بمحمد ﷺ، قالوا: هذه من عندك، يقولون: بتركنا ديننا واتباع محمد أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ \" (١).\nعن ابن وهب قال: \"قال ابن زيد في قوله: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿وأرسلناك للناس رسولا﴾، قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿وإن تصبهم سيئة﴾، يقولوا: هذه من عند محمد ﵇، أساء التدبير وأساء النظر! ما أحسن التدبير ولا النظر \" (٢).\nفي القائلين ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، قولان:\nأحدهما: أنهم المنافقون، وهو قول الحسن (٣)، واختيار ابن عطية (٤).\nوالثاني: اليهود، وهو قول الزجاج (٥).\nقال الزجاج: \" قيل كانت إليهود - لعنت - تشاءمت برسول الله - ﷺ - عند دخوله المدينة فقالت: منذ دخل المدينة نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا، فأعلم الله ﷿ أن الخصب والجدب من عند الله\" (٦).\nقال ابن عطية: \" و«الهاء والميم» في قوله: ﴿وإن تصبهم﴾، رد على الذين قيل لهم، ﴿كفوا أيديكم﴾، وهذا يدل على أنهم المنافقون، لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة، ولأن اليهود لم يكونوا للنبي ﵇ تحت أمر، فتصيبهم بسببه أسواء\" (٧).\nوفي «الحسنة والسيئة» ها هنا، أربعة وجوه:\nأحدها: السراء والضراء. وهذا قول أبي العالية (٨).\nوالثاني: النعم والمصائب. وهو قول قتادة (٩).\nوالثالث: النعم والابتلاء. وهذا معنى قول ابن عباس (١٠).\nوالثالث: النصر والهزيمة، وهو قول الحسن (١١)، وابن زيد (١٢).\nوالرابع: الخصب والجذب. وهذا قول الزجاج (١٣).\nقال ابن عطية: \" وهذا كله شيء واحد\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" السيئة: تقع على البلية والمعصية. والحسنة: على النعمة والطاعة. قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] \" (١٥).\nوفي قوله: ﴿مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، تأويلان:\nأحدهما: أي بسوء تدبيرك، وهو قول ابن زيد (١٦).\nوالثاني: يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّير به، وهذا قول الزجاج (١٧)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١].\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٤٩): ص ٣/ ١٠٠٩.\n(٢) أخرجه الطبري (٩٩٦٤): ص ٨/ ٥٥٦.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٨١.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧٩.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٧٩.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٨١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٢)، و(٩٩٦٣): ص ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٥): ٨/ ٥٥٦ - ٥٥٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٧): ٨/ ٥٥٧.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٤): ص ٨/ ٥٥٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧٩.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٨١.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٣٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٤): ص ٨/ ٥٥٦.\n(١٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٧٩.","vol":"7","page":269},{"text":"روي عن مطرف أن عبد الله قال: \"ما تريدون من القدر؟ ما تكفيكم الآية التي في سورة النساء: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾؟ أي من نفسك، والله ما وكلوا القدر وقد أمروا، وإليه يصيرون\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، أي: قل لهم -يا محمد-\" أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره\" (٢).\nقال قتادة: \" النعم والمصائب\" (٣).\nقال ابن زيد: \"النصر والهزيمة\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها\" (٥). وروي عن السدي نحو ذلك (٦).\nقال الطبري: أي: \"قل، يا محمد، لهؤلاء القائلين: كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة ... وهذا إعلام من الله عبادَه أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا منها أحد غيره\" (٧).\nقال ابن عطية: \" إعلام من الله تعالى، أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له ومن عنده، لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه، فالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء: ليس الأمر كما زعمتم من عندي ولا من عند غيري، بل هو كله من عند الله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، أي: \"، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟ \" (٩).\nقال الزمخشري: اي: \" فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي: \" يوعظون به، وهو القرآن، فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله ﷾، أو حديثا ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعملون أن القابض والباسط هو الله ﷾\" (١١).\nعن السدي قوله: \" ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، قال: يقول: القرآن\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - أن للموت أجلا محددا، وأن الله ﷻ أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، فإذا انقضى الأجل فليس إلا الموت وليس منه فوت، قال الله تعالى: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]، وإن مات أو قتل فقد انتهى أجله المسمى له قال الله تعالى: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨].\n٢ - أن الإيمان يبعث فى النفس احتقار الموت والرغبة فى الاستشهاد من أجل الحق.\nإذ الإيمان يوحى بأن واهب العمر هو الله، وأنه لا ينقص بالإقدام، ولا يزيد بالأحجام؛ فكم من إنسان يموت وهو على فراشه الوثير، وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب!\nقال الطحاوي: \" وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٤٨): ص ٣/ ١٠٠٩.\n(٢) التفسير الميسر: ٢٦٧.\n(٣) أخرجه الطبري (٩٩٦٥): ٨/ ٥٥٦ - ٥٥٧.\n(٤) أخرجه الطبري (٩٩٦٦): ٨/ ٥٥٧.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٩٦٧): ٨/ ٥٥٧.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٥٠): ص ٣/ ١٠٠٩.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٥٥٦ - ٥٥٧.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٨١.\n(٩) التفسير الميسر: ٢٦٧.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٣٨.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦١): ص ٣/ ١٠٠٩.\n(١٣) عقيدة الطحاوية: ٨.","vol":"7","page":270},{"text":"٣ - وقد يحتج بعض الناس للقدرية النفاة بقوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٩]، ويظنون أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي.\nوهؤلاء أخطؤوا الفهم، فالمراد بالحسنات هنا النعم، والمراد بالسيئات المصائب، يدلنا على صحة هذا الفهم سياق النص. قال تعالى: ﴿أينما تكنوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلٌ من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا - ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩].\nفالله يحكي عن المنافقين أنهم كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل الرزق والنصر والعافية، قالوا: هذه من الله، وإذا أصابتهم سيئة - مثل ضَرْبٍ ومرض وخوف من عدو - قالوا: هذه من عندك يا محمد. أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا الناس لأجله، وابتلينا لأجله بهذه المصائب.\nفالحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، وهذه كقوله تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا) [آل عمران: ١٢٠]، وقوله: (وبلونهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) [الأعراف: ١٨٦].\n٤ - أن المصائب والنعم لا تخرج عن قدر الله ومشيئته، قال تعالى: ﴿قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا﴾ [النساء: ٧٨].\n\nالقرآن\n﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]\nالتفسير:\nما أصابك -أيها الإنسان- مِن خير ونعمة فهو من الله تعالى وحده، فضلا وإحسانًا، وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات. وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسالتك.\nقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، أي: \" أي ما أصابك يا إِنسان من نعمة وإِحسان فمن الله تفضلًا منه وإِحسانًا وامتنانًا وامتحانا\" (١).\nقال الحسن: \" ما أصابك من نعمة فمن الله \" (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطية: \" هذا يوم أحد\" (٣).\nوعن ابن عباس في رواية علي بن ابي طلحة: \"ما فتح الله عليك يوم بدر\" (٤). وروي عن الضحاك نحو ذلك (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: الفتح والغنيمة يوم بدر فمن الله كان\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: ما أصبتم من غنيمة أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله\" (٧).\nقال الطبري: أي: \"، ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحسانًا منه إليك\" (٨).\nواختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل.\nأحدها: أن الخطاب متوجه إلى النبي ﷺ - وهو المراد به. وهذا قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (٩).\nوالثاني: أنه متوجه إلى النبي -ﷺ- والمراد به غيره، وهو قول الزجاج (١٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (٢٠٢٧): ص ٢/ ٧٩٩.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٥٢): ص ٣/ ١٠٠٩.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٥٣): ص ٣/ ١٠١٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن المنذر (٢٠٢٦): ص ٢/ ٧٩٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦٥٣): ص ٣/ ١٠١٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩١.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٨٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٥٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧٠): ص ٨/ ٥٥٨\n(١٠) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٧٩.","vol":"7","page":271},{"text":"والثالث: أنه متوجه إلى الإنسان، وتقديره: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله، وهذا قول قتادة (١).\nقال ابن عطية: \" والخطاب للنبي ﷺ، وغيره داخل في المعنى\" (٢).\nوالراجح-والله أعلم – أن \"الخطاب للنبي - ﷺ - يراد به الخلق، ومخاطبة النبي - ﷺ - قد تكون للناس جميعا لأنه ﵇ لسانهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)، فنادى النبي - ﷺ - وحده وصار الخطاب شاملا له ولسائر أمته\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، أي: \" وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد، ﴿فمن نفسك﴾، يعني: فبذنبك، يعني: ترك المركز\" (٦).\nقال الطبري: \" يعني: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه، فبذنب استوجبتها به، اكتسبته نفسك\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي: من جدب أو غلبة في حرب فمن نفسك، أي أصابكم ذلك بما كسبتم كما قال الله جل وعز ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٨) \" (٩).\nعن أبي هريرة قال: \"لما نزلت؟ ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾، بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله ﷺ: «قاربوا وسددوا ففى كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها» \" (١٠).\nأخرج ابن المنذر عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: \"هي في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» \" (١١).\nوعن ابن مجاهد: \" أن ابن عباس كان يقرأ قوله ﷿: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك»، قال مجاهد: وكذلك في قراءة أبي، وابن مسعود\" (١٢).\nوقال مقاتل: \"وفي مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب «فبذنبك وأنا كتبتها عليك» \" (١٣).\nوفي «الحسنة والسيئة»، ها هنا ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا، والسيئة المصيبة في الدين والدنيا، وهذا قول بعض البصريين (١٤).\nوالثاني: أن الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته، وهو قول ابن عباس (١٥)، والحسن (١٦).\nوالثالث: أن الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وهذا قول أبي العالية (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٩): ص ٨/ ٥٥٨\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٢.\n(٣) [سورة الطلاق: ١].\n(٤) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٧٩.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩١.\n(٧) تفسير الطبري: ٨/ ٥٥٨.\n(٨) [سورة الشورى: ٣٠].\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٨٠.\n(١٠) أخرجه الحميدي (١١٤٨)، وأحمد (٧٣٨٠): ص ٢/ ٢٤٨، ومسلم (٨/ ١٦، والترمذي (٣٠٣٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٥٧).\n(١١) تفسير ابن المنذر (٢٠٢٨): ص ٢/ ٨٠٠.\n(١٢) أخرجه ابن المنذر (٢٠٢٩): ص ٢/ ٨٠٠.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩١.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧٠): ص ٨/ ٥٥٨، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦٥٤): ص ٣/ ١٠١٠، و(٥٦٥٧): ص ٣/ ١٠١٠، و(٥٦٥٨): ص ٣/ ١٠١٠.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧٢): ص ٨/ ٥٥٩.","vol":"7","page":272},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، قولان:\nأحدهما: يعني فبذنبك. وهذا قول قتادة (١)، والسدي (٢) - وابن جريج (٣)، وابن زيد (٤)، وأبي صالح (٥).\nوالثاني: فبفعلك (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، أي: \" وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" إنما جعلناك، يا محمد، رسولا بيننا وبين الخلق، تبلّغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردُّوا فعليها\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى: رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] \" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه\" (١٠).\nقال أبو صالح: \"أرسل: بعث\" (١١).\nقال الزجاج: \" معنى «الرسول» ههنا مؤكد لقوله: ﴿وأرسلناك﴾، لأن ﴿وأرسلناك للناس﴾ تدل على أنه رسول\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، أي: \" وحسبك أن يكون الله شاهدًا على صدق رسالتك\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \" وكفى بالله شهيدا على ذلك، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا\" (١٥).\nقال مقاتل: \" يعني: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله\" (١٦).\nقال الزجاج: \" أي: الله قد شهد أنه صادق، وأنه رسوله\" (١٧).\nقال الطبري: أي: \" حسبك الله تعالى ذكره، شاهدًا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدَك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧١): ص ٨/ ٥٥٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٩٦٨): ص ٨/ ٥٥٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧٤): ص ٨/ ٥٥٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧٥): ص ٨/ ٥٥٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٩٧٦): ص ٨/ ٥٥٩.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦١.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٣.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦٢): ص ٣/ ١٠١١.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٨٠.\n(١٣) انظر: صفوة التفاسير: ٢٦٨، والتفسير الميسر: ٩٠.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٣.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩١.\n(١٧) معاني القرآن: ٢/ ٨٠.\n(١٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦١.","vol":"7","page":273},{"text":"قال ابن عطية: \" توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيدا على من كذبه، والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بيانا من الله وتبليغا، فإنما هي أوامر الله ونواهيه\" (١).\nقال أنس بن مالك: \" بينا نحن مع رسول الله ﷺ جلوس في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد، ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم. قال: فقلنا له: هو الأبيض الرجل المتكئ. قال: يا ابن المطلب، فقال له رسول الله ﷺ: قد أجبتك. فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك علي. قال: سل عما بدا لك، فقال: أنشدك بربك ورب من كان قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم، فقال رسول الله ﷺ: اللهم نعم\" (٢).\nالفوائد:\n١ - الآية فيه الرد على القدرية، فإن مذهب أهل السنة أن القدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى،، وفي حديث جبرائيل: \"وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (٣)، فقوله تعالى، ﴿فمِنْ نَفْسِكَ﴾ محمولٌ على السبب الذي سبق من الربِّ تقديره بدليل قوله: ﴿ما أصابَكَ﴾.\n٢ - وصف الله ﷿ بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، و\"هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد؛ كعالم وعليم؛ أي أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها\" (٤).\nقال السعدي: \" الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه\" (٥).\nقال النبيﷺ-: \" اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب\" (٦).\n\nالقرآن\n﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]\nالتفسير:\nمن يستجب للرسول ﷺ، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره، ومن أعرض عن طاعة الله ورسوله فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: أنها نزلت في المنافقين. وهذا قول أكثر المفسرين (٧).\nقال مقاتل: \" وذلك أن النبيﷺ- قال في المدينة «من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (٨). فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى هذا الرجل وما يقول؟ لقد قارب الشرك وهو ينهي ألا يعبد إلا الله، فما حمله على الذي قال إلا أن نتخذه حنانا- يعنون ربا- كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا. فأنزل الله﷿- تصديقا لقوله نبيهﷺ-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ \" (٩).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦٣): ص ٣/ ١٠١١.\n(٣) رواه مسلم \"٩\" من حديث عمر ﵁.\n(٤) جامع الأصول، ابن الأصير: ٤/ ١٧٩.\n(٥) تفسير السعدي: ٥/ ٣٠٣.\n(٦) رواه: البخاري (٧٠٧٨)، ومسلم (١٦٧٩ - ٣١).\n(٧) انظر: تفسير مقاتل: ١/ ٣٩٢، وتفسير الماتريدي: ٣/ ٢٦٩، والكشاف: ١/ ٥٣٩، ومفاتيح الغيب: ١٠/ ١٥٠، وتفسير البيضاوي: ٢/ ٨٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٢، وتفسير السعدي: ٢/ ٢٠٦.\n(٨) لم أجد الحديث في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ولم أجده في صحيح البخاري ولا في مسند الإمام أحمد. وإنما ورد في صحيح البخاري (٥٦) كتاب الجهاد والسير (١٠٩) باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به رقم الحديث (٢٩٥٧) «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ... إلخ»، وذكره المناوي في فتح السماوي (٣٨٠): ص ٢/ ٥٠٤، قال الولي العراقي: لم أقف عليه هكذا، وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده، وقد ورد هذا الحديث في بعض كتب التفاسير، مثل: تفسير مقاتل: ١/ ٣٩٢، وتفسير الماتريدي: ٣/ ٢٦٩، ووالكشاف: ١/ ٥٣٩، ومفاتيح الغيب: ١٠/ ١٥٠، وتفسير البيضاوي: ٢/ ٨٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٢، وتفسير السعدي: ٢/ ٢٠٦، وغيرها.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩١ - ٣٩٢.","vol":"7","page":274},{"text":"قال الزمخشري: \"وروى أنه قال: «من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (١)، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت \" (٢).\nوالثاني: أنها نزلت في اليهود.\nقال ابن عطية: \" قالت فرقة: سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبني فقد أحب الله» (٣)، فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقا للرسول ﵇، وتبيينا لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، أي: \" من يستجب للرسول ﷺ، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله به\" (٦).\nقال التستري: \" يعني: من يطع الرسول ﷺ في سنته فقد أطاع الله في فرائضه\" (٧).\nقال الحسن: \"جعل الله طاعة رسوله طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين\" (٨).\nقال السمرقندي: \" يعني: من يطع الرسول فيما أمره فقد أطاع الله، لأن النبي ﷺ كان يدعوهم بأمر الله تعالى، وفي طاعة الله تعالى\" (٩).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى\" (١٠).\nقال الماتريدي: \" لأن الله - تعالى - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله - ﷺ - فقد أطاع الله - تعالى - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال - ﷿ -: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢، والتغابن: ٦٤]، وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله - ﷿ -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، ... فطاعة الله - تعالى - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] \" (١١).\nقال الشافعي: \" أبان لهم أنَّ ما قبلوا عن نبيه - ﷺ -، فعنه جل ثناؤه قبلوا بما فرض من طاعة رسوله في غير موضع من كتابه\" (١٢).\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» \" (١٣).\nوأخرج ابن المنذر عن ابن عمر، قال: \" قال رسول الله ﷺ: «ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم \"؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله، قال: «ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟»، قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، قال: «فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعودا، فصلوا قعودا أجمعين» \" (١٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٢.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٠.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٨٠.\n(٧) تفسير التستري: ١٨.\n(٨) الوجيز للواحدي: ٢/ ٨٤.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٢٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٤.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٦٩.\n(١٢) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٢٣.\n(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٦٤): ص ٣/ ١٠١١، وأخرجه البخاري كتاب الجهاد ٤/ ٦٠، ومسلم كتاب الاماره (١٨٣): ص ٦/ ١٣.\n(١٤) تفسير ابن المنذر (٢٠٣٤): ص ٢/ ٨٠١.","vol":"7","page":275},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ [النساء: ٨٠]، \"أي: ومن أعرض عن طاعتك\" (١).\nقال ابن عباس، ومقاتل: \"أعرض عن طاعتك يا محمد\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، أي: \" أي ومن أعرض عن طاعتك، فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: رقيبا\" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" أي: محاسبا \" (٥).\nقال السدي وابن قتيبة: \" ﴿حفيظا﴾، أي: محاسبا لهم\" (٦).\nقال ابن عباس: \"رقبلا تؤخذ بهم\" (٧).\nقال الواحدي: أي: \" حافظا من التولي والإعراض\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل﴾ [الأنعام:، الزمر: ٤١، الشورى: ٦١٠٧] \" (٩).\nقال الزجاج: أي: \" أنك لا تعلم غيبهم إنما لك ما ظهر منهم\" (١٠).\nوقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف، أخرج الطبري عن ابن وهب قال: \"سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾، قال: هذا أول ما بعثه، قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ [سورة الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا\" (١١).\nقال ابن الجوزي: \"وفيه بعد، لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا (١٢) فأي وجه للنسخ؟ \" (١٣).\nالفوائد:\n١ - إن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - قولًا أو فعلًا أو تقريرًا. وقد أمرنا بالتمسك بها، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].\n٢ - أن الرسول - ﷺ - هو الناطق بالوحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠].\nوالآيات في هذه المعنى كثيرة جدًا، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\n٣ - قال الشافعي: \" وضع الله نبيه - ﷺ - من دينه، وأهل دينه، موضع الإبانة عن كتاب الله - ﷿ معنى ما أراد الله، وفرض طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، الآية، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، الآية، فعلم أن الحق كتاب اللَّه، ثم سُنَّة نبيه - ﷺ -، فليس لمفتٍ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالمًا بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحدًا منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاصِ لله - ﷿ -، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد\" (١٤).\n٤ - قال الثعلبي: \" وفي قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، دليل على إبطال قول من زعم أن السنة تعرض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله ﷿، عليه فإنما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله ﷺ، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلا بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كل حكم ورد عنه ما لم ينص عليه الكتاب\" (١٥).\nالقرآن\n﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ [النساء: ٨١]\nالتفسير:\nويُظْهر هؤلاء المعرضون -وهم في مجلس رسول الله ﷺ- طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليًّا وناصرًا.\nفي سبب نزول الآية:\nقال مقاتل: \" وذلك أنهم دخلوا على النبيﷺ- فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبيﷺ- فأنزل الله﷿-: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ ... ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد\" (١٦).\nوقد أخرج الطبري ابن عباس: \"قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ: آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله -ﷺ-، خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، يقول: يغيرون ما قال النبي ﷺ\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١]، \"أي: ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة\" (١٨).\nقال ابن عباس: \" فهم أناس كانوا يقولون عند رسول الله ﷺ آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم\" (١٩).\nقال السدي: \" هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي ﷺ، فأمرهم بأمر قالوا: طاعة\" (٢٠).\nقال الماوردي: \" يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة\" (٢١).\nقال السمعاني: \" يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن أمرك طاعة\" (٢٢).\nقال الزمخشري: أي: \" ويقولون إذا أمرتهم بشيء طاعة بالرفع أى أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة\" (٢٣).\n_________\n(١) انظر: التفسير الميسر: ٩٠، وصفوة التفاسير: ٢٦٨ ..\n(٢) الوجيز للواحدي: ٢/ ٨٤.\n(٣) انظر: التفسير الميسر: ٩٠، وصفوة التفاسير: ٢٦٨ ..\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (٢٠٣٦): ص ٢/ ٨٠٢.\n(٦) انظر: زاد المسير: ٢/ ١٤٢، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٧٨.\n(٧) انظر: زاد المسير: ٢/ ١٤٢، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٧٨.\n(٨) الوجيز للواحدي: ٢/ ٨٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٨٠.\n(١١) تفسير الطبري (٩٩٧٩): ص ٨/ ٥٦٢ ..\n(١٢) يقصد قول ابن عباس: ابن عباس: \"رقبلا تؤخذ بهم\".، وقول قال السدي وابن قتيبة: \" ﴿حفيظا﴾، أي: محاسبا لهم\". كما وردت في زاد المسير: ٢/ ١٤٢، ونواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٨.\n(١٣) نواسخ القرىن: ٢/ ٣٧٨.\n(١٤) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٢١.\n(١٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٠.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(١٧) تفسير الطبري (٩٩٨٥): ص ٨/ ٥٦٥.\n(١٨) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦٥): ص ٣/ ١٠١٢.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦٦): ص ٣/ ١٠١٢.\n(٢١) النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(٢٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥١.\n(٢٣) الكشاف: ١/ ٥٣٩.","vol":"7","page":276},{"text":"قال الزجاج: \" قال النحويون تقديره: أمرنا طاعة. وقال بعضهم منا طاعة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، أي: \" فإِذا ابتعدوا عنك وانصرفوا من مجلسك\" (٢).\nقال السدي: \" فإذا خرجوا من عندك\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا برزوا من عند رسول الله ﷺ\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: خرجوا من عندك يا محمد\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، أي: \" دبّر جماعة منهم-ليلا- غير الذي تقوله لهم\" (٦).\nقال السمعاني: \" أي: خالفوا بالليل ما قالوا بالنهار\" (٧).\nقال مقاتل: \" يقول: ألفت طائفة منهم غير الذي تقول\" (٨).\nقال الضحاك: \" هم المنافقون\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" غيَّر جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم\" (١٠).\nقال أبو عبيدة: \" أي قدروا ذلك ليلا\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" زورت طائفة وسوت خلاف ما قلت وما أمرت به. أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة. وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أي: فلست حفيظا عليهم تعلم ما يغيب عنك من شأنهم، وهذا ونظائره في كتاب الله من أبين آيات النبي - ﷺ -، لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرا إلا أظهره الله عليه\" (١٣).\nقال مجاهد: \" الطائفة: رجل\" (١٤). وفي رواية أخرى: \" الطائفة: رجل إلى ألف رجل\" (١٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]، قولان:\nأحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، والسدي (١٨).\nوالثاني: معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن (١٩).\nقال الماوردي: \"والتبييت كل عمل دُبِّر ليلًا\" (٢٠).\nقال أهل العلم: يقال لكل أمر قد قضي بليل قد بيت، وكل عمل عُمِل ليلا فقد \" بُيِّت \"، ومن ذلك \" بيَّت \" العدو، وهو الوقوع بهم ليلا ومنه قول عبيدة بن همام (٢١):\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ٨١.\n(٢) انظر: صفوة التفاسير: ٢٦٨، والتفسير الميسر: ٩١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦٧): ص ٣/ ١٠١٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦٨): ص ٣/ ١٠١٢.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(٦) انظر: صفوة التفاسير: ٢٦٨، والتفسير الميسر: ٩١.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٧١): ص ٣/ ١٠١٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦٢.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (٢٠٣٩): ص ٢/ ٨٠٣.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٨١.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٧٢): ص ٣/ ١٠١٣.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٧٣): ص ٣/ ١٠١٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٩٨١): ص ٨/ ٥٦٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٩٨٠): ص ٨/ ٥٦٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٩٨٢): ص ٨/ ٥٦٤.\n(١٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٠.\n(٢٠) النكت والعيون: ١/ ٥٠٩.\n(٢١) انظر البيت في: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٣٣، الحيوان ٤/ ٣٧٦، الكامل ٢/ ٣٥، ١٠٦، الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١/ ٢٦٣، ديوان الأسود بن يعفر لنهشلي، أعشى بني نهشل، في ديوان الأعشين: ٢٩٨، اللسان (نكر). وروى: \" فقد طرقوني بشيء \".\n\" طرقوني \": أتوني ليلا. و\" نكر \" بضمتين، مثل \" نكر \" بضم فسكون: الأمر المنكر الذي تنكره. والبيت يتممه الذي بعده.","vol":"7","page":277},{"text":"أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوْني بأمرٍ نُكُر\nلأنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا ... وَهَلْ يُنْكِحَ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ؟ !\nيعني بقوله: \" فلم أرض ما بيتوا \"، ليلا، أي: ما أبرموه ليلا وعزموا عليه، ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ (١):\nهَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي مِنَ اللَّيْل اسْمَعِ! ... سَفَهًا تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فَاهْجَعِي (٢)\nقال الزمخشري: \" التبييت: إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل. وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها\" (٣).\nقال أبو رزين: \"بيت أي: ألف. وقال غيره: بيت، أي: بدل\" (٤)\nقال السمعاني: \"والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال: هذا أمر بيت ليلا، قيل: أي: فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا؛ لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا، قال الشاعر (٥):\nبيتوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحوا على ضوضاء\" (٦)\nوفي تسمية العمل بالليل «بياتًا»، قولان (٧):\nأحدهما: لأن الليل وقت المبيت.\nوالثاني: لأنه وقت البيوت.\nوقرئ: ﴿بيت طائفة﴾، بالإدغام وتذكير الفعل، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقى، ولأنها في معنى الفريق والفوج (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، أي: \" والله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: الحفظة فيكتبون ما يقولون من الكذب\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" والله يكتب ما يغيِّرون من قولك ليلا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حَفَظته\" (١١).\nقال الواحدي: \" أي: يحفظ عليهم ليجازوا به\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد. أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغنى عنهم\" (١٣).\nعن عطاء: \"قوله: ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾، قال: يغيرون ما يقول النبي ﷺ\" (١٤).\nوعن السدي: \" قوله: ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾، يقول: ما يقولون\" (١٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، وجهان:\nأحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه (١٦).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٣٣، والخزانة ١/ ١٥٣، والعيني (بهامش الخزانة) ٢/ ٥٣٦، وشرح شواهد المغني: ١٦١، وغيرها.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٥٦٢ - ٥٦٣، ومعاني القرآن: ٢/ ٨١.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٢.\n(٥) لم اجد البيت بهذا اللفظ، وانشد الحارث بن حلزة في معلقته نحوه: \" أجْمَعُوا أمْرَهُمْ عِشَاءَ فلَمَّا .... أصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لُهمْ ضَوْضَاءُ\". انظر شرح المعلقات السبع للزوزني: ٨٤.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٢.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٠.\n(٨) انظر: الكشاف: ٤٠.\n(٩) التفسير الميسر: ٩١.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(١١) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦٤.\n(١٢) الوجيز: ٢/ ٨٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٥٧): ص ٣/ ١٠١٣.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٥٨): ص ٣/ ١٠١٣.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨١، والنكت والعيون: ١/ ٥١٠","vol":"7","page":279},{"text":"والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج (١).\nقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٨١]، أي: \" فتولّ عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم\" (٢).\nقال ابن عباس: \"فاصفح عنهم\" (٣).\nقال مقاتل: \"يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد، فلا تعاتبهم\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن\nيستقيم أمر الإسلام\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فأعرض عنهم ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٨١]، أي: \" وفوّض أمرك إِلى الله وثق به\" (٧).\nقال مقاتل: \"يعني: وثق بالله﷿-\" (٨).\nقال الواحدي: \" اعتمد بأمرك عليه\" (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ارض به من العباد\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" وتوكل على الله في شأنهم\" (١١).\nقال التستري: \" التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة، قيل له: بماذا يصل العبد إليه؟ فقال: إن أول الأشياء المعرفة، ثم الإقرار، ثم التوحيد، ثم الإسلام، ثم الإحسان، ثم التفويض، ثم التوكل، ثم السكون إلى الحق جل وعز في جميع الحالات، وقال: لا يصح التوكل إلا للمتقي. قيل: ما التقوى؟ قال: كف الأذى\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، أي: \" وكفى بالله ناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه\" (١٣).\nقال الواحدي: \" معتمدا وملجأ\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يعني: وكفى به منيعا فلا أحد أمنع من الله﷿- ويقال وكيلا يعني شهيدا لما يكتمون\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فإن الله يكفيك معرتهم (١٦)، وينتقم لك منهم إذا قوى أمر الإسلام وعز أنصاره\" (١٧).\nقال البيضاوي: أي: \" يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم\" (١٨).\nوقد قد ذكر بعض المفسرين أن الإعراض في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، منسوخ عنهم بآية السيف، وقد ذكر النسخ ابن حزم (١٩)، وابن سلامة (٢٠)، وابن هلال (٢١)، كما ذكره ابن الجوزي\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨١.\n(٢) التفسير الميسر: ٩١.\n(٣) الوجيز للواحدي: ٢/ ٨٦.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٨١.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٣٩.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(٩) الوجيز للواحدي: ٢/ ٨٦.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٧٧): ص ٣/ ١٠١٣.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(١٢) تفسير التستري: ٥٤.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(١٤) الوجيز للواحدي: ٢/ ٨٦.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢.\n(١٦) أى إثمهم.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(١٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٦.\n(١٩) في ناسخه ص: ٣٣٣ ..\n(٢٠) في ناسخه ص: ٣٨.\n(٢١) في ناسخه المخطوط: ورقة ٢٢.","vol":"7","page":280},{"text":"وعزاه إلى ابن عباس، ولم يبد رأيه (١). وأما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا هنا لدعوى النسخ أصلا.\nالفوائد:\n١ - أن من أبرز صفات المنافقين موالاة الكفار، وكراهية دين الله والتخذيل في صف المسلمين لذلك حين يبين الله حالهم للمؤمنين: كان لابد من مفاصلتهم والبراءة منهم ونزل في ذلك آيات توضح صور هذه المفاصلة وذلك البراء، منها: هذه الآية التي تشير إلى الإعراض عنهم.\n٢ - فضيلة التوكل على الله جل ثناؤه، فلما أكثر المنافقون من الدس والكيد والرياء أمره الوكيل - سبحانه - أن يتوكل عليه ليكفيه أمرهم ويدفع عنه أذاهم وكل ما لا يقدر على دفعه بنفسه.\n٣ - يوصف الله ﷿ بأنه «الوَكِيل»، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم من أسمائه، وهو هو المقيم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقلُّ بأمر التوكل الموكَل إليه.\nقال تعالى في آية أخرى: \" ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال الرسولﷺ-: \" \"حسبنا الله ونعم الوَكِيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ\" (٢).\nالقرآن\n﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]\nالتفسير:\nأفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.\nقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، أي: \" أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده\" (٣).\nقال الزجاج: \" يعنى به المنافقون\" (٤).\nعن الضحاك: \" ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، قال: النظر فيه\" (٥).\nقال البيضاوي: \" يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه\" (٦).\nقال الثعلبي: \" يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وإن أحدا من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله\" (٧).\nقال ابن أبي زمنين: \" يقول: لو تدبروه، لم ينافقوا ولآمنوا\" (٨).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم، يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق\" (١٠).\nوقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: \"أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله\" (١١).\nقال الزمخشري: \" تدبر الأمر: تأمله والنظر في إدباره وما يؤل إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير ٢/ ١٤٣.\n(٢) رواه: البخاري (٤٥٦٣).\n(٣) التفسير الميسر: ٩١.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٨٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٧٨): ص ٣/ ١٠١٣.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٨٦.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٠.\n(٨) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٩٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦٧.\n(١١) تنوير المقباس\" بهامش المصحف: ٩١، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٦٣٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٤٠.","vol":"7","page":281},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢]، \" أي: لو كان هذا القرآن مختلقًا كما يزعم المشركون والمنافقون\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، \" أي: لوجدوا فيه تناقضًا كبيرًا في أخباره ونظمه ومعانيه\" (٣).\nقال الطبري: اي: \" لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض\" (٤).\nقال قتادة: \" أي قول الله لا يختلف فيه، حق ليس فيه باطل كقول الناس يختلف\" (٥).\nوقال ابن عباس في رواية الكلبي: \" أي تفاوتًا وتناقضًا كثيرًا\" (٦).\nقال مقاتل: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ \" يعني: كذبا كبيرا، لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله﷿- لا اختلاف فيه\" (٧).\nقال ابن كثير: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، \" أي: اضطرابا وتضادًّا كثيرًا. أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله\" (٨).\nقال الزمخشري: \" لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني. وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه. فإن قلت: أليس نحو قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، الشعراء: ٣٢]، ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠، القصص: ٣١]، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] من الاختلاف؟ قلت: ليس باختلاف عند المتدبرين\" (٩).\nقال ابن المنكدر: \" إنما يأتي الاختلاف من قلوب العباد، فأما ما جاء من عند الله فليس فيه اختلاف\" (١٠).\nعن ابن وهب قال، قال ابن زيد: \"إن القرآن لا يكذّب بعضه بعضًا، ولا ينقض بعضه بعضًا، ما جهل الناس من أمرٍ، فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم! وقرأ: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. قال: فحقٌّ على المؤمن أن يقول: كل من عند الله، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض وإذا جهل أمرًا ولم يعرف أن يقول: الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله\" (١١).\nقال الشافعي: \" أبى الله أن يكون كتاب صحيح غير كتابه، يدل على ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، الآية\" (١٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، أربعة اقوال:\nأحدها: تناقض من جهة حق وباطل، وهذا قول قتادة (١٣)، وابن زيد (١٤).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٧٩): ص ٣/ ١٠١٣.\n(٦) تنوير المقباس\" بهامش المصحف: ٩١، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٦٣٢.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٤٠.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٠): ص ٣/ ١٠١٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٩٨٨): ص ٨/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(١٢) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٣١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٧٩): ص ٣/ ١٠١٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٩٨٨): ص ٨/ ٥٦٧ - ٥٦٨.","vol":"7","page":282},{"text":"والثاني: يعني: اختلافًا في الأخبار عما يُسِرُّونَ، وهذا قول الزجاج (١).\nقال الزجاج: \" أي: لو كان ما يخبرون به مما بيتوا، وما يسرون ويوحى إلى النبي - ﷺ -. . لولا أنه من عند الله لما كان الإخبار به غير مختلف، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله. وهذا من آيات النبي - ﷺ - البينة\" (٢).\nقال الواحدي: \" وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا\" (٣).\nوالثالث: من جهة بليغ ومرذول، يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله. وهذا قول بعض البصريين (٤).\nوالرابع: يعني: ولو كان هو من عند غير الله ﴿لوجدوا فيه﴾ أي في الإخبار عما غاب عنهم، ما كان وما يكون اختلافا كثيرا، يعني تفاوتا بينا. إذا الغيب لا يعلمه إلا الله فيعلم بذلك أنه كلام الله وأن محمدا رسول الله صادق. ذكره الثعلبي عن بعضهم (٥).\nومعنى الاختلاف في اللغة: \"أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح\" (٦).\nقال الجصاص: \" فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه: اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر، واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا; وهذان الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن، وهو إحدى دلالات إعجازه; لأن كلام سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال مثل السور الطوال من القرآن لا يخلو من أن يختلف اختلاف التفاوت. والثالث: اختلاف التلاؤم، وهو أن يكون الجميع متلائما في الحسن، كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ. فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به\" (٧).\nولشيخ الإسلام ابن تيمية﵀- كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: \"الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان:\nأحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى ... كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله - ﷺ - وأسماء القرآن.\nالصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه.\nومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ ﴿قسورة﴾ الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ ﴿عسعس﴾، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ... \" (٨).\nالفوائد:\n١ - قال الثعلبي: \" وفي هذه الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق إذ هو معرى عن الأختلاف من كل الجهات ولو كان مخلوقا لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت\" (٩).\n٢ - كتاب بحجم القرآن يحتوي على أكثر من ستة آلا ف آية لا يوجد تعارض بين اثنتين منها مطلقا، إنه الإعجاز!\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٢.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٨٢.\n(٣) التفسير البسيط: ٦/ ٦٣٠.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٠.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٠.\n(٦) التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٦٣١.\n(٧) أحكام القرآن: ٢/ ٢٦٩.\n(٨) مجموع الفتاوى: ١٣/ ٣٣٣ - ٣٤٠، وانظر: البحر المحيط: ٣/ ٣٠٥.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٠.","vol":"7","page":283},{"text":"٣ - أنه لا اختلاف في القرآن وأن التدبر يعين على تصديق ما أخبر به، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢] فحضهم على التدبر أولا، ثم أعقبه: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢].\n٤ - ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور.\nالقرآن\n﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]\nالتفسير:\nوإذا جاء هؤلاء الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم أمْرٌ يجب كتمانه متعلقًا بالأمن الذي يعود خيره على الإسلام والمسلمين، أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهم عدم الاطمئنان، أفشوه وأذاعوا به في الناس، ولو ردَّ هؤلاء ما جاءهم إلى رسول الله ﷺ وإلى أهل العلم والفقه لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم. ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أخرج مسلم (١) وابن أبي حاتم (٢)، عن عمر بن الخطاب -﵁-؛ قال: \"لما اعتزل نبي الله - ﷺ - نساءه؛ قال: دخلت المسجد؛ فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله - ﷺ - نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ ! عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - ﷺ -؟ والله لقد علمت أن رسول الله - ﷺ - لا يحبك، ولولا أنا؛ لطلقك رسول الله - ﷺ -؛ فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله - ﷺ -؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت؛ فإذا أنا برباح غلام رسول الله - ﷺ - قاعدًا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله - ﷺ - وينحدر، فناديت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ -؛ فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ -؛ فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليَّ فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي؛ فقلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ -؛ فإني أظن أن رسول الله - ﷺ - ظن أني جئت من أجل حفصة، والله! لئن أمرني رسول الله - ﷺ - بضرب عنقها؛ لأضربن عنقها، ورفعت صوتي. فأومأ إليّ أن ارقه. فدخلت على رسول الله - ﷺ - وهو مضطجع على حصير. فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله - ﷺ - فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق؛ قال: فابتدرت عيناي، قال: \"ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ ! \"، قلت: يا نبي الله! ومالي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله - ﷺ - وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: \"يا ابن الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ \"، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن؛ فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت -وأحمد الله- بكلام؛ إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٤٧٩): ص ٢/ ١١٠٥ - ١١٠٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٦٨٢): ص ٣/ ١٠١٤ مختصرا ..","vol":"7","page":284},{"text":"فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: \"لا\"، قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله - ﷺ - نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: \"نعم؛ إن شئت\"، فلم أزل أحدثه؛ حتى تخسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثغرًا. ثم نزل نبي الله - ﷺ - ونزلت، فنزلت أتشبت بالجذع ونزل رسول الله - ﷺ - كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين، قال: \"إن الشهر يكون تسعًا وعشرين\"، فقمت على باب المسجد؛ فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ فكنت أنا استنبطت ذاك الأمر، وأنزل الله -﷿- آية التخيير\" (١).\nوالثاني: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج: \" ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾ فهذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين، تخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم، من غير أن يكون النبي ﷺ هو يخبرهم به\" (٢).\nوالثالث: أنها نزلت في ضعفة المسلمين. وهذا قول الحسن (٣)، والزجاج (٤).\nقال الزجاج: \" وكان إذا علم النبي - ﷺ - أنه ظاهر على قوم أمن منهم، أو أعلم تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذر من يحذر من الكفار، ويقوى قلب من ينبغي أن يقوى قلبه لما أذاعوا، وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم بالضرر في ذلك\" (٥).\nوالرابع: أنها نزلت في المنافقين. وهو قول ابن زيد (٦)، والضحاك (٧)، وابن عباس في رواية الضحاك (٨)، واختاره الثعلبي (٩) والبغوي (١٠).\nنقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس: \"في قوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾: إن المنافقين كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سرا أذاعوا به إلى العدو ليلا بتكتم، فأنزل الله تعالى ردا عليهم\" (١١).\nقال السيوطي: \" نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي\" (١٢).\nوالظاهر-والله اعلم- \"أن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيء، وإما أن تكون من ضعاف الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن، وربما كان موقف عمر أحد أسباب النزول\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]، \"أي: إِذا جاء المنافقين خبرٌ من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة، أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \"وإذا جاء هذه الطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله ﷺ خبرٌ عن سريةٍ للمسلمين غازية بأنهم قد أمِنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم، أو تخوّفهم من عدوهم بإصابة عدوهم\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٤٧٩): ص ٢/ ١١٠٥ - ١١٠٨.\n(٢) تفسير ابن المنذر (٢٠٤٥): ص ٢/ ٨٠٥.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١١.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٣.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٨٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٩٩٤): ص ٨/ ٥٧٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٨٤): ص ٣/ ١٠١٤.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥١.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٠.\n(١٠) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٥٥.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥١.\n(١٢) تفسير الجلالين: ١١٥.\n(١٣) التفسير المنير: ٥/ ١٧٥.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٦٨.","vol":"7","page":285},{"text":"منهم، أفشوه وبثّوه في الناس قبل رسول الله ﷺ، وقبل مأتَى سرايا رسول الله ﷺ\" (١).\nقال السدي: \"يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم أو أنهم خائفين منه\" (٢)، \" ﴿أذاعوا به﴾، يقول: بالحديث، حتى يبلغ عدوهم أمرهم\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: أفشوه وسعوا به\" (٤). وروي عن عكرمة (٥)، وقتادة (٦)، وعطاء الخراساني (٧)، وابن جريج (٨) نحو ذلك.\nقال الثعلبي: \" وذلك أن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وإذا جاءهم﴾، يعني: المنافقين\" (٩).\nقال الزمخشري: \" هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة\" (١٠).\nعن ابن عباس: \"كل شيء في القرآن: ﴿ولو﴾، فإنه لا يكون أبدا\" (١١).\nعن الضحاك: ﴿أذاعوا به﴾، يقول: فشوه وسعوا به، وهم أهل النفاق\" (١٢).\nقال الزجاج: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾، \" أي: أظهروه ونادوا به في الناس\" (١٣)، ومنه قول أبي الأسود (١٤):\nأَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوبِ\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، \"أي: ولو ترك هؤلاء الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إِلى رسول الله -ﷺ - وإِلى كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم، لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم\" (١٥).\nقال الزجاج: أي: \" ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوه من قبل الرسول ومن قبل أولي الأمر منهم، أي من قبل ذوي العلم والرأي منهم\" (١٦).\nقال الزمخشري: \" ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى أولى الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٥٦٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨١): ص ٣/ ١٠١٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٥): ص ٣/ ١٠١٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٣): ص ٣/ ١٠١٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٨٣): ص ٣/ ١٠١٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٩٩٠): ص ٨/ ٥٦٩.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٨٣): ص ٣/ ١٠١٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٩٩٣): ص ٨/ ٥٧٠.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٠، وانظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٥٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٦): ص ٣/ ١٠١٥.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٤): ص ٣/ ١٠١٤.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٨٣.\n(١٤) ديوانه (في نفائس المخطوطات: ٢): ٤٤، والأغاني ١٢: ٣٠٥، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٣، اللسان (ذيع)، من أبيات قالها أبو الأسود الدؤلي لما خطب امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسر أمرها إلى صديق له، فحدث الصديق ابن عم لها كان يخطبها، فمشى ابن عمها إلى أهلها وسألهم أن يمنعوها من نكاحه، ففعلوا، وضاروها حتى تزوجت ابن عمها، فقال أبو الأسود: أَمِنْتُ امْرءَا فِي السَّرِّ لَمْ يَكُ حَازِمًا ... ولكِنَّهُ فِي النُّصْحِ غَيْرُ مُرِيبِ\nأَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ، حَتَّى كأنَّهُ ... بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثُقوبِ\nوَكُنْتَ مَتَى لَمْ تَرْعَ سِرَّكَ تَلْتَبِسْ ... قَوَارِعُهُ مِنْ مُخْطِئٍ وَمُصِيبِ\nفَمَا كُلُّ ذِي نُصْحٍ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ ... وَمَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ\nوَلكِنْ إِذَا مَا اسْتُجْمِعَا عِنْدَ وَاحِدٍ، ... فَحُقَّ لهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبِ\nوهي أبيات حسان كما ترى، و\" الثقوب \": ما أثقبت به النار، أي أوقدتها.\n(١٥) انظر: صفوة التفاسير: ٢٦٨، والتفسير الميسر: ٩١.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ٨٣.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٥٤١.","vol":"7","page":286},{"text":"قال السدي: \"لو سكتوا، وردوا الحديث إلى النبي ﷺ\" (١)، \" ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾ يقول: إلى أميرهم حتى يتكلم هو به\" (٢).\nوقال قتادة: ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾، يقول: إلى علمائهم\" (٣). وروي عن خصيف نحو ذلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، \"أي: لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم\" (٥).\nقال ابن عباس: \" يقول: أعلنوه، وتجسسوه منهم\" (٦).\nوقال عكرمة: \"يحرصون عليه ويسألون عنه\" (٧).\nوقال ابن عبيدة والقتيبي: \"يخرجونه\" (٨).\nوقال أبو العالية وعطاء الخراساني: \" الذين يتتبعونه ويتجسسونه\" (٩).\nقال عمر بن الخطاب: \" فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، فأنزل الله آية التخيير\" (١٠).\nوعن مجاهد: قوله: \" ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، قولهم ماذا كان؟ وما سمعتم؟ \" (١١).\nعن السدي قوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم على الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار\" (١٢).\nوروي عن قتادة أنه قال: \"يفحصون\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي: لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعفة المسلمين من النبي - ﷺ - وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك هل ينبغي أن يذاع أو لا يذاع\" (١٤).\nقال الزمخشري: أي: \" لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل: كانوا يقفون من رسول الله ﷺ وأولى الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالأعلى المؤمنين. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولى الأمر، أى يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم\" (١٥).\nومعنى ﴿يستنبطونه﴾ في اللغة: \" يستخرجونه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر في أول ما يحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي استنبط الماء من طين حر. والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين\" (١٦).\nوقرئ: ﴿لعلمه﴾، بإسكان اللام (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، أي: \" ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم\" (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٧): ص ٣/ ١٠١٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨٨): ص ٣/ ١٠١٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠٩): ص ٣/ ١٠١٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٠٩): ص ٣/ ١٠١٥.\n(٥) انظر: صفوة التفاسير: ٢٦٨، والتفسير الميسر: ٩١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٩٢): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥١.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥١.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٩٣): ص ٣/ ١٠١٦.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٩١): ص ٣/ ١٠١٥.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٩٤): ص ٣/ ١٠١٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٩٥): ص ٣/ ١٠١٦.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٦٩٥): ص ٣/ ١٠١٦.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٨٣.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٤١.\n(١٦) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٨٣.\n(١٧) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤١.\n(١٨) التفسير الميسر/٩١.","vol":"7","page":287},{"text":"قال مجاهد: \" فضل الله: الدين\" (١). وروي عن أبي العالية، وعكرمة، وهلال بن يساف، وقتادة، والربيع أنس نحو ذلك (٢).\nوقال أبو سعيد: \" فضل الله القرآن\" (٣). وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك (٤).\nعن ابن عباس: \" ﴿ورحمته﴾، قال: ورحمته أن جعلكم من أهل القرآن\" (٥). وروي عن أبي العالية، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وهلال بن يساف، وقتادة، وزيد بن أسلم، وسالم ابن أبي الجعد، والربيع بن أنس نحو ذلك (٦).\nوعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: \"قول الله تعالى: ﴿ورحمته﴾، قال:\nالإسلام\" (٧).\nوعن قتادة في قوله: \" ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾، يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم\" (٨).\nوعن ابن عباس قوله: \" ﴿إلا قليلا﴾، يعني: بالقليل: المؤمنين\" (٩).\nوعن الضحاك قوله: \" ﴿إلا قليلا﴾، فهم أصحاب النبي ﷺ، كانوا حدثوا أنفسهم بأمر من أمر الشيطان\" (١٠).\nقال مقاتل: ﴿﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ \" يعني: ونعمته، فعصمكم من قول المنافقين، ﴿لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾، نزلت في أناس كانوا يحدثون أنفسهم بالشرك\" (١١).\nقال الزمخشري: ﴿فضل الله﴾: \"هو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق، ﴿لاتبعتم الشيطان﴾، أي: لبقيتم على الكفر إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليل\" (١٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وجوه:\nأحدها: معناه: لولا ما أنزله الله عليكم من القرآن، وبيّن لكم من الآيات على لسان نبيه لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم لمم يكن يتبع الشيطان. ذكره الزجاج عن بعضهم (١٣).\nوالثاني: لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلًا منكم. وهذا قول الحسن (١٤)، وقتادة (١٥)، وأهل اللغة (١٦).\nوالثالث: أن المعنى: أذاعوا به إلا قليلًا لم يذع ولم يفش، وهذا قول ابن عباس (١٧)، وابن زيد (١٨)، والكلبي (١٩)، وهو اختيار الفراء (٢٠)، والنحويين (٢١).\nقال الفراء: \" وهو أجود، لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض. فلذلك استحسنت الاستثناء من الإذاعة\" (٢٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٩٦): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٩٦): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٩٧): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٩٧): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٩٨): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٦) انظر تفسير ابن أبي حاتم (٥٦٩٨): ص ٣/ ١٠١٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٩٩): ص ٣/ ١٠١٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٠١): ص ٣/ ١٠١٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٠٢): ص ٣/ ١٠١٧.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٠٣): ص ٣/ ١٠١٧.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٤١.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٤.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١١.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١١.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٤.\n(١٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٢.\n(١٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٢.\n(١٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥١.\n(٢٠) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٩.\n(٢١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٤.\n(٢٢) معاني القرآن: ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.","vol":"7","page":288},{"text":"فاحتجوا بأن ما علم بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، إنما يستنبط القليل، لأن الفضائل والاستنباط، والاستخراج في القليل من الناس، فييكون الاستثناء من «أذاعوا به إلا قليلا» أجود (١).\nقال الزجاج: \" وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين، لأن هذا الاستنباط ليس بشيء يستخرج بنظر وتفكر، إنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر، إذا خبر به، وإنما القليل المبالغ في البلادة لا يعلم ما يخبر به والقول الأول مع هذين القولين جائزة كلها، لأن القرآن قبل أن ينزل والنبي قبل أن يبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي - ﷺ – مؤمنا، وقد يجوز أن يقول القائل إن من كان قبل هذا مؤمنا فبفضل الله وبرحمته آمن، فالفضل والرحمة لا يخلو منهما من نال ثواب الله جل وعز إلا أن المقصود به في هذا الموضع النبي - ﷺ - والقرآن \" (٢).\nالفوائد:\n١ - في هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع، وكفى به كذبا، وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدو، وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو غيره (٣).\n٢ - وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول بالاجتهاد عند عدم النص.\n٣ - ومنها: أن العلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة. يؤخذ من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص، ومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص (٤).\nالقرآن\n﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤]\nالتفسير:\nفجاهد -أيها النبي- في سبيل الله لإعلاء كلمته، لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به، وحُضَّ المؤمنين على القتال والجهاد، ورغِّبهم فيه، لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم. والله تعالى أشد قوة وأعظم عقوبة للكافرين.\nفي سبب نزول الآية:\nقال الثعلبي: \" وذلك أن رسول الله ﷺ لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أحد وكان من هربهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس: اخرجوا إلى العدو، فكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]، \" أي: فقاتل يا محمد لإِعلاء كلمة الله ولو وحدك\" (٦).\nقال الثعلبي: \" أي: لا تدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك\" (٧).\nقال الواحدي: \" أَيْ: إلاَّ فعلَ نفسك على معنى: أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد\" (٨).\nقال الزجاج: \" أمره الله بالقتال ولو أنه قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر\" (٩).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٤.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٨٤.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٠، الهامش (٢) ..\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٢، وانظر: الكشاف: ١/ ٥٤٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٦٨.\n(٧) فسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٢.\n(٨) الوجيز: ٢٧٨.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ٨٥.","vol":"7","page":289},{"text":"قال ابن ابي زمنين: \" أي: أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء\" (١).\nقال مقاتل: \" أمره أن يقاتل بنفسه، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾، يعني: ليس عليك ذنب غيرك\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: في طاعة الله\" (٣).\nقال الزمخشري: \" لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها. قال: ﴿فقاتل في سبيل الله﴾، إن أفردوك وتركوك وحدك، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾، غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف\" (٤).\nقال الجصاص: \" أوجب عليه فرض الجهاد من وجهين: أحدهما: بنفسه، ومباشرة القتال وحضوره، والآخر: بالتحريض والحث والبيان\" (٥).\nقال الراغب: \" ن قيل: كيف قال: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ وقد بعث النبي - ﷺ - ليكلف الناس؟\nقيل: لم يعن التكليف الاستدعاء الذي رشح له، ألا ترى أنه قال ﴿وحرض المؤمنين﴾ الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد، يعد أن لا يني في فعله.\nوروي أن أبا بكر ﵁ قال: «لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي» (٦)، وتلا هذه الآية.\nوقال بعض الحكماء: من طلب رفيقا في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه، وسوء معرفته.\nفالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يفرح على رفيق ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغلها مهر\" (٧).\nوقرئ ﴿لا تكلف﴾، بالجزم على النهى. ولا نكلف: بالنون وكسر اللام، أى لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، \" أي شجَّع المؤمنين على القتال ورغبْهم فيه\" (٩).\nعن أبي سنان: \"قوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: عظمهم\" (١٠).\nقال أبو عبيدة: \" أي: حضض \" (١١).\nقال مقاتل: \" يعنى: وحضض على القتال، يعني: على قتال العدو\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم\" (١٣).\nقال الواحدي: \" حُضَّهم على القتال\" (١٤).\nقال ابن كثير: \"أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده كما قال لهم رسول الله ﷺ يوم بدر، وهو يسوي الصفوف: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» (١٥) \" (١٦).\nقال ابن عطية: \" هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي ﵇ وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى- والله أعلم- أنه خطاب للنبي ﵇ في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٣٩١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٠٥): ص ٣/ ١٠١٨.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٤٢.\n(٥) أحكام القرىن: ٣/ ١٤٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٨٥، وتفسير السمرقندي: ١/ ٣٢٢، وتفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٥٦.\n(٧) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٢.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٠٦): ص ٣/ ١٠١٨.\n(١١) أخرجه ابن المنذر (٢٠٥٩): ص ٢/ ٨١١.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٤٢.\n(١٤) الوجيز: ٢٧٨.\n(١٥) أخرجه أحمد (١٢٤٢٥): ص ٣/ ١٣٦، وعبد بن حميد (١٢٧٢)، ومسلم (٤٩٥٠): ص ٦/ ٤٤، وأبو داود (٢٦١٨).\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٧.\n(١٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٦.","vol":"7","page":290},{"text":"ومن ذلك قول النبي ﵇ «فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره» (١)، وقول أبي بكر وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي» (٢).\nومن أحاديث الترغيب في قتال المشركين ايضا:\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها\" قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناسَ بذلك؟ فقال: \"إن في الجنة مائةَ درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة. وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة\" (٣).\nوعن أبي سعيد الخدْري أنّ رسول الله ﷺ قال: \" «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة»، قال: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله. ففعل. ثم قال رسول الله ﷺ: «وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤]، أي: \" لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" لعل الله أن يكف قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته وأنكر رسالتك، عنك وعنهم، ونكايتهم\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿الذين كفروا﴾، وهم قريش، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبى سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعنى: قتال الذين كفروا\" (٨).\nقال الراغب: \" أي: كن راجيا في دفع أذاهم، وقول المفسرين: عسى من الله واجب، أي الكريم إذا رجي حقق\" (٩).\nقال ابن عباس: \" ﴿عسى﴾ من الله واجب\" (١٠).\nقال أبو عبيدة: \" \" ﴿عسى الله﴾ هي إيجاب، وهي في القرآن كلها واجبة، فجاءت على إحدى لغتي العرب، لأن عسى في كلامهم رجاء ويقين، قال ابن مقبل (١١):\nظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُون جوائز الأمثال\nأي: ظني بهم يقين\" (١٢).\nقال سفيان: \"في قراءة ابن مسعود هكذا: «عسى الله أن يكف عن بأس الذين كفروا» \" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٨٩٢٨): ص ٣١/ ٢٤٣ - ٢٥٦ مطولا، والبخاري في صحيحه (٢٧٣١): ص ٣/ ١٩، وانظر: مصنف عبدالرزاق الصنعاني ٥/ ٣٢٠.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٨٥، وتفسير السمرقندي: ١/ ٣٢٢، وتفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٥٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٦.\n(٣» صحيح البخاري (٢٧٩٠).\n(٤) صحيح مسلم (١٨٨٤) ..\n(٥) التفسير الميسر: ٩١.\n(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٥٧٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٤٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٥٨ - ١٣٥٩.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٠٧): ص ٣/ ١٠١٨.\n(١١) ورد البيت في \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٣، \"الأضداد\" للأصمعي ص ٣٥، والسجستاني ص ٩٥، وابن السكيت ص ١٨٨، \"تهذيب اللغة\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، \"اللسان\" ٢/ ٧٢٤ (جوز)، و٥/ ٢٧٦٢ (ظن)، و٥/ ٢٩٥٠ (عسا)، \"الجمهرة\" ١/ ١٥٤، ٢/ ٩٣٥، \"الخزانة\" ٩/ ٣٣٣.\nويروى البيت (ظن) و(ظنوا) بدل (ظني) وفي \"الجمهرة\": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر \"جوائز الأمثال\" وفي \"الجمهرة\" (جوائب) ويروى (سوائر). ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال: (الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه: (جوائب الأمثال) من جاب يجوب.\n(١٢) مجاز القرآن: ١/ ١٣٤، وأخرجه ابن المنذر (٢٠٦٠): ص ٢/ ٨١١.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٠٨): ص ٣/ ١٠١٨.","vol":"7","page":291},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤]، \"أي: هو سبحانه أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذابًا\" (١).\nقال الزمخشري: \" والله أشد بأسا من قريش وأشد تنكيلا تعذيبا\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" والله أشد نكاية في عدوه، من أهل الكفر به منهم فيك يا محمد وفي أصحابك، فلا تنكُلَنَّ عن قتالهم، فإني راصِدُهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم، وأضعف بأسهم، وأعلي الحق عليهم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مَنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] \" (٤).\nقال مقاتل: ﴿بَأْسًا﴾ \" يعنى: أخذا، ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، يعني: نكالا، يعني عقوبة من الكفار\" (٥).\nقال سفيان: \" ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، أي تعسرا\" (٦).\nعن قتادة قوله: \" ﴿والله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾، أي: عقوبة\" (٧).\nقال الراغب: \" قوله: ﴿والله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾، تنبيه أنك لا تحتاج أن تقصر عن قتالهم، فالله معك، وهو أشد بأسا من عداك، فلا يجب أن ينكادك من تاخر عنك، و«التنكيل»: مصدر نكلت به، والنكال العقوبة التي تنكل المعاقب وغير المعاقب عن إتيان مثله، وأصله من النكل، وهو ضرب من القيد، ومنه نكل عن الشيء\" (٨).\nقال ابن الجوزي: \" وقد زعم بعض منتحلي التفسير أن قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] منسوخ بآية السيف (٩)، فكأنه استشعر أن معنى الكلام: لا تكلف أن تقاتل أحدا، وليس كذلك، إنما المعنى: لا تكلف في الجهاد إلا فعل نفسك\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الجهاد في سبيل الله، وأنه ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، قال النبي ﷺ: \"والله لا قاتلنهم حتى تنفرد (١١) سالفتي\" (١٢).\nوقول أبي بكر وقت الردة: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي\" (١٣).\n٢ - ومن الفوائد: حث المؤمنين على القتال، وتحريك هممهم إلى الشهادة.\n٣ - أن هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك لأنه وعده بالنصر (١٤).\nالقرآن\n﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]\nالتفسير:\nمن يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب، ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم. وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا.\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٤٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٥٨٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٨.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٣.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧١٠): ص ٣/ ١٠١٨.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٠٩): ص ٣/ ١٠١٨.\n(٨) تفسير الرابغ الأصفهاني: ٣/ ١٣٥٦ - ٣/ ١٣٥٨.\n(٩) ذكر النسخ هنا ابن سلامة في ناسخه: ٣٨ ..\n(١٠) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٧٩.\n(١١) أي حتى أموت. والسالفة: صفحة العنق، وكنى بانفرادها عن الموت، لأنها لا تنفرد عما يليها الا به ..\n(١٢) أخرجه البخاري (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٨٥، وتفسير السمرقندي: ١/ ٣٢٢، وتفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٥٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٦.\n(١٤) انظر: التفسير المنير للزحيلي: ٥/ ١٨٠.","vol":"7","page":292},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، أي: \" من يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك\" (٢).\nقال الواحدي: \" هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين، كان له فيها أجر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، أي: \" ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم\" (٤).\nقال مقاتل: \" وهو الرجل يذكر أخاه بسوء عند رجل فيصيبه عنت منه، فيأثم المبلغ، ﴿يكن له كفل منها﴾، يعني إثما من شفاعته\" (٥).\nقال ابن كثير أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (٦) \" (٧).\nفي «الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة»، أقوال:\nأحدها: أنه في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل، وهذا قول الحسن (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠).\nوالثاني: أن المعنى: من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام، ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال. وهذا قول الطبري (١١).\nوالثالث: أن «الشفاعة الحسنة» هي في البر والطاعة، والسيئة هي في المعاصي. وهذا قول الحسن أيضا (١٢).\nوالرابع: أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه (١٣).\nقال ابن عطية: \" وهذا كله قريب بعضه من بعض\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير. وابتغى بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق. والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية، فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها\" (١٥).\nوفي الكِفْلِ تأويلان:\nأحدها: أنه الوِزر والإثم، وهو قول الحسن (١٦)، وقتادة (١٧).\nوالثاني: أنه النصيب، كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] وهو قول السدي (١٨)، وقتادة في إحدى الروايات (١٩)، والربيع (٢٠)، وابن زيد (٢١)، وأبي عبيدة (٢٢).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٨.\n(٣) الوجيز: ٢٧٩.\n(٤) التفسير الميسر: ٩١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٤.\n(٦) أخرجه الحميدي (٧٧١)، واحمد: ٤/ ٤٠، ٤٠٩، ٤١٣، والبخاري: ١٤/ ٢، ٨، و١٥/ ٨، و٩/ ١٧١، ومسلم: ٨/ ٣٧، وأبو داود (٥١٣١)، و(٥١٣٣)، والترمذي (٢٦٧٢)، والنسائس: ٥/ ٧٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠١٧): ص ٨/ ٥٨١ - ٥٨٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٠١٥): ص ٨/ ٥٨١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٠١٩): ص ٨/ ٥٨٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٥٨١.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٨٦.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٢.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٦.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٤٣.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٢.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧١٨): ص ٣/ ١٠١٩.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢١): ص ٨/ ٥٨٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٠): ص ٨/ ٥٨٢.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٢): ص ٨/ ٥٨٢.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٣): ص ٨/ ٥٨٢ - ٥٨٣.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن المنذر (٢٠٦٥): ص ٢/ ٨١٣.","vol":"7","page":293},{"text":"والراجح-والله أعلم- أن: \" «الكفل»، النصيب والحظ من الوزر والإثم، وهو مأخوذ من: كِفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]، أي: \" وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]، وجوه:\nأحدها: يعني مقتدرًا، وهو قول السدي (٣)، وابن زيد (٤)، وسعيد بن جبير (٥).\nوالثاني: حفيظًا، وهو قول ابن عباس (٦)، والزجاج (٧)، وأبي عبيدة (٨).\nوالثالث: شهيدًا، وهو قول مجاهد (٩).\nوالرابع: حسيبًا، وهو قول ابن الحجاج (١٠)، ويحكى عن مجاهد أيضًا (١١).\nوالخامس: مجازيًا (١٢).\nوالسادس: القائم على كل شيء بالتدبير. وهذا قول عبدالله بن كثير (١٣).\nوالسادس: ان المقيت: الرازق. وهذا قول الضحاك (١٤).\nوالراجح-والله أعلم- ان \" معنى «المقيت»: القدير، وذلك أن ذلك فيما يُذكر، كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ (١٥):\nوَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءتِهِ مُقِيتَا\nأي: قادرًا. وقد قيل إن منه قول النبي ﷺ: - «كفى بالمرء إثما أن يُضِيعَ من يُقيت» (١٦)، في رواية من رواها: «يُقيت»، يعني: من هو تحت يديه وفي سلطانه من أهله وعياله، فيقدّر له قوته. يقال منه: أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة، وقاته يقوته قياتةً وقُوتًا، والقوت، الاسم، وأما «المقيت» في بيت اليهوديّ الذي يقول فيه (١٧):\nلَيْتَ شِعْرِي، وَأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ!\nأَلِيَ الْفَضْلُ أَمْ عَلَيَّ إذا حُوسِبْتُ؟ ... إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ\nفإن معناه: فإنّي على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى\" (١٨).\nالفوائد:\n١ - أن الشفاعات الدنيوية منها ما هو مشروع، ومنها ما ليس بمشروع، وهي تنقسم إلى قسمين:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٥٨١.\n(٢) التفسير الميسر: ٩١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٩): ص ٨/ ٥٨٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٣٠): ص ٨/ ٥٨٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٢): ص ٣/ ١٠٢٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٤): ص ٨/ ٥٨٣.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن المنذر (٢٠٦٩): ص ٢/ ٨١٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٥): ص ٨/ ٥٨٣.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٤): ص ٣/ ١٠٢٠.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٢٩): ص ٨/ ٥٨٤.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٣): ص ٣/ ١٠٢٠.\n(١٥) انظر: اللسان، مادة\"قوت\"، وطبقات فحول الشعراء: ٢٤٢، ٢٤٣ ..\n(١٦) رواه أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رقم: ٦٤٩٥، ٦٨١٩، ٦٨٢٨، ٦٨٤٢، والحاكم في المستدرك ١: ٤١٥، وهو حديث صحيح، وروايته \" يقوت \".\n(١٧) البيت لسموال بن عادياء اليهودي، انظر: ديوانه: ١٣، ١٤، والأصمعيات: ٨٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٥، وطبقات فحول الشعراء للجمحي: ٢٣٦، ٢٣٧، اللسان (قوت) وغيرها. وقوله: \" ليت شعري \": أي ليتني أعلم ما يكون. وقوله: \" وأشعرن \" استفهام، أي: وهل أشعرن. وقوله: \" قربوها منشورة \" يعني: صحف أعماله يوم يقوم الناس لرب العالمين. وفي البيت روايات أخر ..\n(١٨) تفسير الطبري: ٨/ ٥٨٤ - ٥٨٥.","vol":"7","page":294},{"text":"أحدهما: شفاعة حسنة، ومثالها: إذا استشفع شخص بشخص آخر عند ذي مال أو منصب أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه، لإظهار حقه أو إزالة الضرر والظلم عنه، فإنَّ تلك الشفاعة جائزة، وينال فاعلها الثواب من الله ﵎، بدليل قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾، وقول الرسول ﷺ: \"اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء\" (١).\nوالثاني: الشفاعة السيئة: وهي ما إذا استشفع شخصٌ بشخص آخر في تعطيل حد من الحدود، أو إسقاط حق من الحقوق، أو إلحاق الضرر بآخر، فإنَّ تلك الشفاعة غير جائزة، وينال فاعلُها العقاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾.\nوقد أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات، ونهاهم عن المنكرات، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾] المائدة: ٢].\n٢ - إثبات اسمه تعالى «المقيت»: يوصف الله ﷿ بأنه مُقِيت، يقدر لعباده القوت، ويحفظ عليهم رزقهم، وهذا ثابت بالكتاب العزيز. والمقيت من أسمائه تعالى.\n\nالقرآن\n﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]\nالتفسير:\nوإذا سلَّم عليكم المسلم فردُّوا عليه بأفضل مما سلَّم لفظًا وبشاشةً، أو ردوا عليه بمثل ما سلَّم، ولكل ثوابه وجزاؤه. إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا.\nسبب نزول الآية:\nقال مقاتل والثعلبي: \" نزلت في نفر بخلوا بالسلام\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]، \" أي: إِذا سلّم عليكم المسلم\" (٣).\nقال ابن عباس: \" من سلم عليك من خلق الله\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة\" (٥).\nقال ابن ابي زمنين: \" التحية: السلام\" (٦).\nفي المراد بالتحية ها هنا قولان:\nأحدهما: أنه الدعاء بطول الحياة والبقاء والسلامة. وهذا قول الطبري (٧).\nوالثاني: أنه السلام، وهو تطوع مستحب، ورده فرض. وهذا قول الحسن (٨).\nقال السمعاني: \" أكثر المفسرين على أن المراد بالتحية هاهنا: السلام، وأصل التحية: هو دعاء بالحياة، وهو في الشريعة عبارة عن السلام، والسلام: دعاء السلامة، وقد تكون التحية بمعنى: الملك والبقاء، ومنه: التحيات لله، ومنه قول زهير بن جناب (٩):\nمن كل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحيهْ\nيعني: إلا الملك\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، أي: \" فردوا عليه بأفضل مما سلّم أو رُدُّوا عليه بمثل ما سلّم\" (١١).\n_________\n(١) صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/ ٢٩٩ كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، ومسلم ٤/ ٢٠٢٦ كتاب البر والصلة، حديث رقم: ١٤٥، وأحمد في المسند ٤/ ٤٠٠ ..\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٤، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٤\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٦٩، والتفسير الميسر: ٩١.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٢٥): ص ٣/ ١٠٢٠.\n(٥) تفسير الطبري: ٨/ ٥٨٦.\n(٦) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٣٩٢.\n(٧) انظر: تفسي الطبري: ٨/ ٥٨٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٤٦): ص ٨/ ٥٨٩.\n(٩) البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٧٥، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٤٠، و\"طبقات الشعراء\" ص ٣٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥ (حي)، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٩ (حيا).\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٦٩.","vol":"7","page":295},{"text":"قال مقاتل: \" يقول: فردوا عليه أحسن مما قال، قال: فيقول: وعليك ورحمة الله وبركاته، أو يرد عليه مثل ما سلم عليه\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم، أو ردّوا التحية\" (٢).\nقال السمعاني: \" أراد به: رد السلام بأحسن مما سلم، أو ترد كما سلم\" (٣).\nقال التستري: \" يعني: زيادة على سلامه الصادر بالنصح لله تعالى. وقال النبي ﷺ: «السلام اسم من أسماء الله تعالى أظهره في أرضه، فأفشوه بينكم» (٤) \" (٥).\nقال الفراء: \" أي زيدوا عليها كقول القائل: السلام عليكم، فيقول: وعليكم ورحمة الله. فهذه الزيادة أو ردوها قيل هذا للمسلمين. وأما أهل الكتاب فلا يزادون علي: وعليكم\" (٦).\nقال الزجاج: \" إذا قيل لكم: السلام عليكم، فقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، فالتحية التي هي أحسن منها هي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويقال لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام كلمة: وبركاته\" (٧).\nقال ابن ابي زمنين: \" معنى: ﴿أحسن منها﴾ إذا قال الرجل: السلام عليكم، رد عليه: السلام عليكم ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله رد عليه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومعنى: ﴿أو ردوها﴾ أي: ردوا عليه مثل ما يسلم؛ وهذا إذا سلم عليك المسلم\" (٨).\nوفي ردّ التحية قولان:\nأحدهما: أن فرض رّدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر، وهذا قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، والحسن (١١) وابن زيد (١٢)، وسفيان (١٣)، وسعيد بن جبير (١٤).\nوالثاني: أنه خاص في المسلمين دون الكافر، وهذا قول عطاء (١٥).\nوالراجح –والله اعلم- أن قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ المراد بها المسلمون، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام، وقد \"خَصّت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: وعليكم، فلا ينبغي لأحد أن يتعدَّى ما حدَّ في ذلك رسول الله ﷺ. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلَّم عليه منهم في الردّ من الخيار، ما جعل الله له من ذلك\" (١٦).\nقال ابن كثير: \" المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام؛ رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يُبْدؤون بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك فقل: وعليك» (١٧).\nوفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» (١٨) \" (١٩).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٥٨٦.\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٦.\n(٤) في صحيح البخاري: كتاب صفة الصلاة، رقم ٧٩٧ والمعجم الكبير ١٠/ ٨٢ (١٠٣٩١) والمعجم الصغير ١/ ١٥٣ (٢٠٣) والمعجم الأوسط ٣/ ٢٣١ (٣٠٠٨): \"إن الله هو السلام\".\n(٥) تفسير التستري: ٥٥.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٨٠.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٨٦.\n(٨) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٣٩٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبر] (١٠٠٣٩): ص ٨/ ٥٨٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبر] (١٠٠٤٠): ص ٨/ ٥٨٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٣٠): ص ٣/ ١٠٢١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبر] (١٠٠٤٣): ص ٨/ ٥٨٨.\n(١٣) انظر تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٢٨): ص ٣/ ١٠٢١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٣١): ص ٣/ ١٠٢١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٣٤)، و(١٠٠٣٥: ص ٨/ ٥٨٦ - ٥٨٧.\n(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ٥٨٨ - ٥٨٩.\n(١٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٢٥٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٦٤).\n(١٨) صحيح مسلم برقم (٢١٦٧).\n(١٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧٠.","vol":"7","page":296},{"text":"وقد روي عن سلمان الفارسي قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك ورحمة الله. ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله. فقال له رسول الله: وعليك ورحمة الله وبركاته. ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال له: وعليك. فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلَّما عليك، فرددتَ عليهما أكثر مما رددت عليّ! فقال: إنك لم تدع لنا شيئًا، قال الله: \" وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها \"، فرددناها عليك» (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، أي: \" إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا\" (٢).\nقال الثعلبي: \" أي: حاسبا مجازيا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" إن الله كان على كل شيء مما تعملون، أيها الناس، من الأعمال، من طاعة ومعصية، حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي: يعطي كل شي من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه، أي: يكفيه، تقول حسبك بهذا أي اكتف بهذا، وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]، أي كافيا، وإنما سمي الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم ما فيه كفاية ليس فيها زيادة على المقدار ولا نقصان\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، وجوه:\nأحدها: يعني حفيظًا، وهو قول مجاهد (٦).\nوالثاني: محاسبًا على العمل للجزاء عليه، وهو قول أبي عبيدة (٧)، وبعض المتكلمين (٨).\nوالثالث: كافيًا، وهو قول ابي عبيدة (٩)، والبلخي (١٠).\nوالرابع: يعني: شهيدا. وهذا قول سعيد (١١).\nوالراجح-والله أعلم- هو قول مجاهد، لأن أصل \"الحسيب\" في هذا الموضع، \" فعيل \" من \"الحساب\" الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانًا على كذا وكذا، وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابه (١٢).\nالفوائد:\n١ - أنه من سلم فإنما يتأدب بأدب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾، فأمر أن يقال التحيي بأحسن من تحية.\nوليس معنى ردوها، إسقاطها عن نفسه، وإعادتها إليه كمن يهدى إليه شيء فلا يقبله ويرده. وإنما معناه أن يدعوا له مثل ما دعا، فيقول: وعليكم السلام. وهذا في الرد على المؤمنين (١٣).\n٢ - أن السلام الذي يوجب الرد هو حق للمسلم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافرًا، وكان اليهود إذا سلموا على النبيﷺ-، يقول لهم: «وعليكم». وأمر أمته بذلك (١٤).\nوإنما قال: «عليكم» لأنهم يقولون السام، والسام: الموت، فيقول: «عليكم». قال ﷺ: «يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». ولما قالت عائشة: وعليكم السام واللعنة. قال: \"مهلًا يا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٤٤): ص ٨/ ٥٨٩.\n(٢) التفسير الميسر: ٩١.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٨/ ٥٩١.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٨٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٤٧): ص ٨/ ٥٩١.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٣٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن المنذر (١٠٨٠): ص ٢/ ٨١٨.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٣٣): ص ٣/ ١٠٢٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٥٩١ - ٥٩٢.\n(١٣) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ٣/ ٣٢٦.\n(١٤) أخرجه البخاري (٦٢٥٧، ٦٩٢٨) ومسلم (٢١٦٤) من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه البخاري (٦٢٥٨، ٦٩٢٦) ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنى بن مالك.","vol":"7","page":297},{"text":"عائشة؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، أو لم تسمعي ما قلت لهم؟ !» (١). يعني: رددت عليهم، فقلت: \"عليكم\". فهذا إذا قالوا السام عليكم، وأما إذا عُلم أنهم قالوا السلام؛ فلا يخصون في الرد فيقال: عليكم. فيصير بمعنى السلام عليكم لا علينا بل يقال: وعليكم.\n٣ - إثبات اسم «الحسيب» لله تعالى، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة، قال الرسولﷺ-: \" إن كان أحدكم مادحًا لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يُزكَّى على الله أحد\" (٢).\nومعنى الحسيب؛ أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب.\nالقرآن\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]\nالتفسير:\nالله وحده المتفرد بالألوهية لجميع الخلق، ليجمعنكم يوم القيامة، الذي لا شك فيه، للحساب والجزاء. ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" نزلت في قوم شكوا في البعث فأقسم الله﷿- بنفسه ليبعثهم إلى يوم القيامة لا ريب فيه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [النساء: ٨٧]، \" أي: الله الواحد الذي لا معبود سواه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمَّن قسما\" (٥).\nعن ابن عباس في قوله: \" ﴿لا إله إلا هو﴾، قال: توحيد\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \"لا إله إلا الله، أي ليس معه غيره شريك في أمره\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧]، \" أي: ليحشرنكم من قبوركم إِلى حساب يوم القيامة الذي لا شك فيه\" (٨).\nقال الواحدي: \" أَيْ: واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ليبعثنَّكم من بعد مماتكم، وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته، وأهل الإيمان به والكفر، ولا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري: أنّي جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم \" (١٠).\nقال ابن كثير: \" خبر وقَسَم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيجازي كل عامل بعمله\" (١١).\nقال الواحدي: \" معنى ﴿ليجمعنكم﴾: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه\" (١٢).\nقال اب عطية: \" والجمع هنا بمعنى الحشر، فلذلك حسنت بعده إلى، أي: إليه السوق والحشر\" (١٣).\nقال ابو العالية: \" ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، لا شك فيه\" (١٤).\nقال مقاتل: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، \" يعني: لا شك في البعث\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٥٦) ومسلم (٢١٦٥).\n(٢) رواه: البخاري (٦١٦٢).\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٦٩.\n(٥) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٧٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٣٥): ص ٣/ ١٠٢٢.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٣٦): ص ٣/ ١٠٢٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٦٩.\n(٩) الوجيز: ٢٧٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٥٩٢.\n(١١) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٧٠.\n(١٢) التفسير البسيط: ٧/ ٢٥.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٨.\n(١٤) أخرجه ابن اب حاتم (٥٧٣٧): ص ٣/ ١٠٢٢.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٤.","vol":"7","page":298},{"text":"قال ابن عطية: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، معناه: \" لا ريب فيه في نفسه وحقيقة أمره، وإن ارتاب فيه الكفرة فغير ضائر\" (١).\nوفي تسمية القيامة قولان (٢):\nأحدهما: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم، قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].\nوالثاني: لأنهم يقومون فيه للحساب. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].\nقال ان عطية: \" القيامة: أصلها القيام، ولما كان قيام الحشر من أذل الحال وأضعفها إلى أشد الأهوال وأعظمها لحقته هاء المبالغة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، أي: \" ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به\" (٤).\nقال الواحدي: \" أَيْ: قولًا وخبرًا يريد: أنَّه لا خُلفَ لوعده\" (٥).\nقال ابن عباس: \"يريد موعدًا\" (٦). أي: \"لا يخلف لوعده\" (٧).\nقال مقاتل: \" يقول: فلا أحد أصدق من الله حديثا إذا حدث يعني في أمر البعث\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه\" (٩).\nقال الطبري: يقول: \" وأي ناطق أصدق من الله حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًّا. والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه أو دفع ضر عنها داعٍ\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" ظاهره الاستفهام ومعناه تقرير الخبر، تقديره:\nلا أحد أصدق من الله تعالى، لأن دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف والرجاء أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى وتقدست أسماؤه، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقا لما في قلبه، وللأمر المخبر عنه في وجوده\" (١١).\nقال الزمخشري: \" لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب. وذلك أن الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه. ووجه قبحه، الذي هو كونه كذبا وإخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجر منفعة أو يدفع مضرة. أو هو غنى عنه إلا أنه يجهل غناه. أو هو جاهل بقبحه. أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالى بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟ فقال: لولا أنى صادق في قولي «لا» لقلتها. فكان الحكيم الغنى الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم بكل معلوم، منزها عنه، كما هو منزه عن سائر القبائح\" (١٢).\nوقرأ حمزة والكسائي: ﴿أصدق﴾، صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي (١٣).\nالفوائد:\n١ - إثبات يوم القيامة، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان، إذ أن الله يجمع الخلق للجزاء والعرض والحساب، والثواب والعقاب.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٨.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٨٧، والنكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٨.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٥) الوجيز: ٢٧٩.\n(٦) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٢٥.\n(٧) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٢٥.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٤.\n(٩) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٧٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٨/ ٥٩٣.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٨.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٤٥.\n(١٣) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٥٨.","vol":"7","page":299},{"text":"٢ - أن الحشر يكون لجميع المخلوقات، أولهم وآخرهم ليوم الفصل.\n٣ - أن الصدق من صفات الكمال، فهو أحق بها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وقال النبيﷺ-: \" أصدق الحديث كتاب الله\" (١)، وأن كلامه قائم بذاته غيرمخلوق عند أهل السنة فإن الكلام صفة كمال فلا بد أن يتصف بها سواء قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته وهو معنى قائم بالنفس أو حروف او أصوات قديمة أو قالوا إنه متعلق بمشيئته وأنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء.\nالقرآن\n﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨]\nالتفسير:\nفما لكم -أيها المؤمنون- في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم. أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى.\nفي سبب نزول الآيات: [٨٨، ٨٩، ٩٠]، أقول:\nأحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّفُوا عن رسول الله -ﷺ- يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله ﵇ ولأصحابه: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٧]، وهذا قول زيد بن ثابت (٢).\nروي عن زيد بن ثابت -﵁-؛ قال: \"لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، خرج معه ناس، فرجعوا، قال: فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: قالت فرقة: نقتلهم، وفرقة قالت: لا نقتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، قال: فقال رسول الله ﷺ: «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» \" (٣).\nوالثاني: أنها نزلت في قوم قَدِمُوا المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، وهذا قول الحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وروي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن نحو ذلك (٦).\nقال مجاهد: \" قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم علي بن عويمر، أو: هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين النبي ﷺ حلف وهو الذي حَصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يُقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يَؤُمُّون هلالا وبينه وبين النبي ﷺ عهد\" (٧).\nوالثالث: أنها نزلت في قوم أظهروا الإِسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، وهذا قول ابن عباس (٨)، وقتادة (٩)، ومعمر بن راشد (١٠)، وروي عن الضحاك نحو ذلك (١١).\n_________\n(١) أخرجه: أحمد ٣/ ٣١٠ و٣١٩ و٣٧١ و، والدارمي (٢١٢)، ومسلم ٣/ ١١ (٨٦٧)\n(٤٣) و(٤٤) و(٤٥)، وأبو داود (٢٩٥٤)، وابن ماجه (٤٥)، والنسائي ٣/ ٥٨ و١٨٨ وفي \" الكبرى \"، له (١٧٨٦) و(٥٨٩٢)، وأبو يعلى (٢١١١)، وابن الجارود\n(٢٩٧) و(٢٩٨)، وابن خزيمة (١٧٨٥)، وأبو عوانة كما في \" إتحاف المهرة \" ٣/ ٣٢٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٤٩) - (١٠٠٥١): ص ٩/ ٨ - ٩، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٧٣٩): ص ٣/ ١٠٢ - ١٠٢٣.\n(٣). أخرجه أحمد (٢١٩٣٥): ص ٥/ ١٨٤، و(٢١٩٦٨): ص ٥/ ١٨٧، و(٢١٩٦٩ و٢١٩٧٣): ص ٥/ ١٨٧، و(٢١٩٧٥): ص ٥/ ١٨٨، وعبد بن حميد (٢٤٢)، والبخاري (١٨٨٤): ص ٣/ ٢٩، و(٤٠٥٠): ص ٥/ ١٢٢، و(٤٥٨٩): ص ٦/ ٥٩، ومسلم (٣٣٣٥): ص ٤/ ١٢١، و(٧١٣٢): ص ٨/ ١٢١، و(٧١٣٣): ص ٨/ ١٢١، والترمذي (٣٠٢٨)، والنسائي فى \"الكبرى\" (١١٠٤٨).\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٢)، (١٠٠٥٣): ص ٩/ ٩ - ١٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٧٤٤): ص ٣/ ١٠٢٤.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٤٢): ص ٣/ ١٠٢٣.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٠٥٢): ص ٩/ ٩ - ١٠ - وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٧٤٤): ص ٣/ ١٠٢٤، من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به. وسنده صحيح؛ لكنه مرسل.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ١٢١)، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٤): ص ٩/ ١٠ - ١١، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٧٤١): ص ٣/ ١٠٢٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٥): ص ٩/ ١١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٦): ص ٩/ ١١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٧): ص ٩/ ١١ - ١٢.","vol":"7","page":300},{"text":"روي عن عبد الله بن عباس -﵄-؛ \"قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ﴾؛ وذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد ﵊؛ فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة؛ قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء، فاقتلوهم؛ فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله -أو كما قالوا- أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك؟ ! فكانوا كذلك فئتين، والرسول ﵊ عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء؛ فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله﴾ \" (١).\nوالرابع: أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقًا، وهذا قول السدي (٢)، وروي عن عبدالرحمن بن عوف نحو ذلك (٣).\nقال السدي: \" كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برّيّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون! وددنا أن رسول الله ﷺ أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، فإذا بَرَؤوا رجعوا. فقال الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتينء، يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾ \" (٤).\nوفي السياق نفسه قال عبد الرحمن بن عوف -﵁-: \" أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ المدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء بالمدينة، حماها، فأركسوا، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحابه، يعني من أصحاب النبي ﷺ، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فاجتوينا المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله ﷺ أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله، ﷿: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، الآية \" (٥).\nوالخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك، وهذا قول ابن سعد بن معاذ (٦)، وابن زيد (٧).\nعن ابن سعد بن معاذ؛ قال: \"خطب رسول الله - ﷺ - الناس، فقال: \"مَنَ لي ممن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ \"، فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس؛ قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا فأطعناك؛ فقام سعد بن عبادة، فقال: ما بك يا ابن معاذ؟ ! طاعة رسول الله - ﷺ -، ولقد تكلمت ما هو منك؛ فقام أُسيد بن حُضير، فقال: إنك يا ابن عبادة! منافق تحب المنافقين؛ فقام محمد بن مسلمة، فقال: اسكتوا أيها الناس؛ فإن فينا رسول الله - ﷺ -، وهو يأمرنا فننفِّذ أمره؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ \" (٨).\n_________\n(١). أخرجه الطبري في تفسيره (١٠٠٥٤): ص ٩/ ١٠ - ١١، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥٧٤١) ص: ٣/ ١٠٢٣.وسنده ضعيف جدًا؛ مسلسل بالعوفيين الضعفاء.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٨): ص ٩/ ١ - ١٣.\n(٣) انظر: مسند الإمام أحمد (١٦٦٧): ص ١/ ١٩٢.\n(٤). أخرجه الطبري (١٠٠٥٨): ص ٨/ ١٢ - ١٣، وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف أسباط.\n(٥) اخرجه أحمد (١٦٦٧): ص ١/ ١٩٢. وسنده ضعيف؛ لأن فيه علتان:\nالأولى: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.\nالثانية: أبو سلمة لم يسمع من أبيه؛ كما صرح بذلك الأئمة؛ كما في \"المراسيل\" (ص ٩١)، و\"التهذيب\" (١٠/ ٤٣٨، ٤٣٩، ١٢/ ١١٧).\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٧): \"رواه أحمد؛ وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه\".\nوقال السيوطي في \"الدر المنثور\": ٢/ ٦١٠: \"وأخرجه أحمد بسند فيه انقطاع\".\n(٦) انظر: سنن سعيد بن منصور (٦٦٣): ص ٤/ ١٣١٣، ١٣١٤، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٧٤٠): ص ٣/ ١٠٢٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٥٩) / (١٠٠٦٠): ص ٨/ ١٣.\n(٨) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٦٦٣): ص ٤/ ١٣١٣، ١٣١٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره (٥٧٤٠): ص ٣/ ١٠٢٣، كلاهما من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ به، وسنده ضعيف؛ للانقطاع بين زيد بن أسلم وابن سعد هذا، وزيد هذا كان يرسل ولم يصرح بالتحديث، ولم ينص أحد ممن كتب في الرجال أنه روى عن ابن سعد هذا.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٠٩)، وزاد نسبته لابن المنذر.","vol":"7","page":301},{"text":"والسادس: وقال عكرمة: \" أخذ أناس من المسلمين أموالا من المشركين فانطلقوا بها، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم، وقال بعض: لا يصلح لكم ذلك إخوانكم انطلقوا تجارا، فنزلت هذه الآية\" (١).\nوالسابع: وقيل: \"هم العرنيون (٢) الذين أغاروا على السرح وقتلوا بسارا مولى الرسول ﷺ\" (٣).\nوالراجح-والله أعلم- أنها \" نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين:\nأحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة.\nوالآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.\nوفي قول الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩]، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، \" أي: ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين\" (٥).\nقال الزجاج: \" هذا خطاب للمسلمين، أي: أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين، وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم\" (٧).\nقال المراغي: \" أي فما لكم صرتم فى المنافقين فئتين واختلفتم فى كفرهم مع تظاهر الأدلة عليه، فليس لكم أن تختلفوا فى شأنهم، بل عليكم أن تقطعوا بثبوته\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: \" والله نكَّسهم وردّهم إِلى الكفر بسبب النفاق والعصيان\" (٩).\nقال الزمخشري: \" أى: ردهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله ﷺ. أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى أركسوا فيه، لما علم من مرض قلوبهم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ، وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل\" (١١).\nقال القاسمي: \" أي: نكسهم وردهم إلى الكفر، بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي: كيف تفترقون فى شأنهم والله قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك واجترحوا من المعاصي، حتى إنهم لا ينظرون إليكم نظرة المودة والإخاء، بل نظرة العداوة والبغضاء، ويتربصون بكم الدوائر، وقد جعلهم الله مركسين كأنهم قد نكسوا على رءوسهم وصاروا يمشون على وجوههم كما قال تعالى «أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم؟»\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٤٣): ص ٣/ ١٠٢٤.\n(٢) وأما العرنيون: فإنهم غدروا برسول الله - ﷺ -، وارتدوا عن الإسلام، وذهبوا بإبله، فجمعوا بين الكفر والغدر والغصب، فلذلك قطع أيديهم في جزاء السرقة، وسمر أعينهم قصاصًا لأنهم سمروا أعين الرعاء؛ لئلا يدلوا على صوبهم؛ الذي ذهبوا فيه، وقتلهم في جواب شركهم بالله. [انظر: الإفصاح في معاني الصحاح: ٥/ ١٦٠].\nوانظر: الحديث في صحيح البخاري (٢٨٥٥)، ومسلم (١٦٧١) ص ٣/ ١٢٩٦، ومسند أبو يعلى الموصلي (٢٨١٦).\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٤٦، ومفاتيح الغيب: ١٠/ ١٦٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٣ - ١٤ [بتصرف بسيط].\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٧١.\n(٦) معاني القرىن: ٢/ ٨٨.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٤٦.\n(٨) تفسير المراغي: ٥/ ١١٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٧١.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٤٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧١.\n(١٢) محاسن التأويل: ٣/ ٢٥١.","vol":"7","page":302},{"text":"لأنهم قد فسدت فطرتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم، فأوغلوا فى الضلال، وبعدوا عن الحق، حتى لم يعد يجول فى أذهانهم إلا الثبات على ما هم فيه ومقاومة ما عداه، وقد نسبه الله تعالى إليه لأنه ما كان سببا إلا بسنته فى تأثير الأعمال الاختيارية فى نفوس العالمين\" (١).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، وجوه:\nأحدها: معناه ردهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني (٢)، وعطاء (٣).\nوالثاني: أوقعهم، وهذا مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (٤).\nوالثالث: أهلكهم، وهذا قول قتادة (٥)، والسدي (٦).\nوالرابع: أَضَلَّهم بما كسبوا، وهذا مروي عن السدي أيضا (٧).\nوالخامس: نكسهم وردهم إلى حكم الكفار، وهذا قول الزجاج (٨).\nقال الراغب: \" الركس والنكس: الرذل، والركس أبلغ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس: أصله ما جعل رجيعا بعد أن كان طعاما فهو كالرجس، وقد وصف أعمالهم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ويقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ، كما أن أسقاه أبلغ من قولهم سقاه\" (٩).\nوقرئ: ﴿ركسهم﴾، و﴿رْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، أي: \" أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ \" (١١).\nقال السمعاني: \" يعنى: أتريدون أن ترشدوا من أضله الله\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أي: أتقولون أن هؤلاء مهتدون والله قد أضلهم\" (١٣).\nقال الواحدي: \" أَيْ: يقولون: هؤلاء مهتدون والله قد أضلَّهم\" (١٤).\nقال الزمخشري: أي: \" أن تجعلوا من جملة المهتدين من أضل الله من جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه\" (١٦).\nقال ابن عطية: \" استفهام معناه الإبعاد واليأس مما أرادوه، والمعنى أتريدون أيها المؤمنون القائلون: بأن أولئك المنافقين مؤمنون أن تسموا بالهدى من قد يسره الله لضلالة وحتمها عليه؟ \" (١٧).\nقال المراغي: \" أي: إنه ليس فى استطاعتكم أن تبدلوا سنن الله فى نفوس الناس فتريدوا أن تحصلوا على مقاصد وغايات ضد ما انطبع فيها من الأخلاق والصفات، بتأثير ما كسبته طوال عمرها من الأعمال\" (١٨).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، وجهان (١٩):\nأحدهما: أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٥/ ١١٤ - ١١٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٦١): ص ٩/ ١٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٤٧): ص ٣/ ١٠٢٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٦٢): ص ٩/ ١٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٦٣): ص ٩/ ١٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٦٤): ص ٩/ ١٥.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٤٦): ص ٣/ ١٠٢٥.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٨٨.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٣٧٣ - ١٣٧٤.\n(١٠) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٦.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٢.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٩.\n(١٣) معاني القرىن: ٢/ ٨٨.\n(١٤) الوجيز: ٢٧٩.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٤٦.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧١.\n(١٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٩.\n(١٨) تفسير المراغي: ٥/ ١١٥.\n(١٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.","vol":"7","page":303},{"text":"والثاني: تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: \" ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى\" (١).\nقال البغوي: \"أي: ومن يضلل الله عن الهدى، فلن تجد له طريقا إلى الحق\" (٢).\nقال الواحدي: \" أَيْ: دينًا وطريقًا إلى الحجَّة\" (٣).\nقال ابن عطية: \"ثم أخبر تعالى أنه من يضلل فلا سبيل إلى إصلاحه ولا إلى إرشاده\" (٤).\nأي ومن تقضى سننه فى خلقه أن يكون ضالا عن طريق الحق فلن تجد له سبيلا يصل بسلوكها إليه، فإن للحق سبيلا واحدة هى صراط الفطرة المستقيم، وللباطل سبلا كثيرة عن يمين سبيل الحق وعن شمالها، كل من سلك منها سبيلا بعد عن سبيل الحق بقدر إيغاله فى السبيل التي سلكها كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقد أوضح النبي ﷺ معنى الآية بالخطوط الحسية، فخط فى الأرض خطا وجعله مثالا لسبيل الله، وخط على جانبيه خطوطا لسبل الشيطان (٥)، وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقى مع الخط الأول بحال، وسبيل الفطرة تقتضى أن يعرض الإنسان جميع أعماله على سنن العقل ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلا وآجلا، وفيه كماله الإنسانى، وأكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه، وبهذا يقطع على نفسه طريق العقل والنظر فى النفع والضر والحق والباطل، وشبهته فى ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون\" (٦).\nقال ابن حزم وابن البارزي: \" قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨]، نسخها آية السيف\" (٧).\nالفوائد:\n١ - تحريم موالاة المنافقين، إنكار الله على المؤمنين بسبب اختلافهم في المنافقين.\n٢ - أن من أضله الله تعالى لا سبيل له إلى الهدى وأن الضلال وقع مع الإضلال من الله تعالى للكافر والفاسق.\n٣ - أن القلوب لها أقفال ومفاتيح أعظم من أقفال ومفاتيح أي باب، فإذا كان الله تعالى طبع على قلب فلان فلا يمكن لجميع الأنبياء والمرسلين مجتمعين أن يفتحوا هذا القلب، ومهمة الأديان والأنبياء والمرسلين هي تبليغ دعوة الحق إلى الخلق فقط، أي: إرشادهم إلى الله، والذي يملك الهداية والضلال هو الله ﷿.\nالقرآن\n﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ [النساء: ٨٩]\nالتفسير:\nتمنَّى المنافقون لكم -أيها المؤمنون-، لو تنكرون حقيقة ما آمنت به قلوبكم، مثلما أنكروه بقلوبهم، فتكونون معهم في الإنكار سواء، فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم، حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم، فإن أعرضوا عما دعوا إليه، فخذوهم أينما كانوا واقتلوهم، ولا تتخذوا منهم وليًّا من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به.\nسبب النزول:\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٦٧٣.\n(٣) الوجيز: ٢٧٩.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٨٩.\n(٥) عن جابر قال: \" كنا جلوسا عند النبي ﷺ، فخط خطا هكذا أمامه، فقال: هذا سبيل الله، ﷿، وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، قال: هذه سبيل الشيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ \". [الأنعام: ١٥٣]. أخرجه احمد (١٥٣٥١): ص ٣/ ٣٩٧، وعبد بن حميد (١١٤١)، وابن ماجة (١١).\n(٦) تفسير المراغي: ٥/ ١١٥ - ١١٦.\n(٧) الناسخ والمنسوخ لابن حزم: ٣٥، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي: ٢٩.","vol":"7","page":304},{"text":"أخرج ابن ابي حاتم عن الحسن، أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر يعني النبي ﷺ على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة فقالوا: مه، فقال رسول الله ﷺ: دعوه ما يريد. فقلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم فإن أسلم قومك ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: اذهب معه، فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله ﷺ، فإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]، \" أي: تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا مثلهم فتستوا أنتم وهم وتصبحوا جميعًا كفارا\" (٢).\nقال محمد بن كعب: \" يقول: ود الذين كفروا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" ودوا كفركم فكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ٨٩]، أي: \" فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم\" (٦).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: لا توالوهم\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا تتولوهم وإن آمنوا \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩]، أي: \" حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم\" (١٠).\nقال ابن عباس: \"يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم يعني الهجرة\" (١١).\nقال عكرمة: \" حتى يهاجروا هجرة أخرى\" (١٢).\nقال ابن أبي زمنين: \" فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها؛ يعني: المدينة\" (١٣). قال قال الزمخشري: أي: \" حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله- لا لغرض من أغراض الدنيا- مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرب\" (١٤).\nقال الراغب: \"والهجرة: ترك الشيء والإعراض عنه مكانا أو خليطا، وسمي القبيح من الكلام هجرا لكونه مقتضيا لهجره، والرفث هاجرة لكونه حاملا على أن يهجره، وسمي المهاجر لتركه وطنه، وصار اسم مدح في الإسلام، وسمي من رفض فضولات شهواته مهاجرا\" (١٥).\nقال البغوي: \" والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أول الإسلام، وهي قوله تعالى رللفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨]، وقوله: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله﴾ [النساء: ١٠٠﴾، ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين: وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله ﷺ صابرا محتسبا كما\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٥٠): ص ٣/ ١٠٢٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٧١.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٤٩): ص ٣/ ١٠٢٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧١.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧.\n(٦) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٧) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٩٤.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٥١): ٣/ ١٠٢٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٥٢): ٣/ ١٠٢٦.\n(١٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٩٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(١٥) تفسير الرابغ الأصفهاني: ٣/ ١٣٧٨.","vol":"7","page":305},{"text":"حكى ها هنا منع من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي ما قال النبي ﷺ: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [النساء: ٨٩]، \" أي: فإِن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله\" (٣).\nقال البغوي: \" أعرضوا عن التوحيد والهجرة\" (٤).\nعن ابن عباس: \" ﴿فإن تولوا﴾، قال: عن الهجرة\" (٥).\nوقال السدي: \"إذا أظهروا كفرهم\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، \" أي: فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حلٍّ أو حرم\" (٨).\nقال السمعاني: \" أي: فأسروهم، والأخذ هاهنا: الأسر، ويقال للأسير: أخيذ\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحل والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]، أي: \" ولا تتخذوا منهم وليًّا من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به\" (١١).\nقال الواحدي: \" أيْ: لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم\" (١٣).\nقال المراغي: أي: \" ولا تتخذوا منهم وليا يتولى شيئا من مهام أموركم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم\" (١٤).\nعن مجاهد في قوله: \" ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾، قال: نسخت ما كان قبلها من من أو فدا\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - إن أعداء الله حريصون كل الحرص على إضلال المسلمين وصدهم عن دينهم.\n٢ - أن الحسد خلق نفس ذميمة وضيعه سَاقِطَة لَيْسَ فِيهَا حرص على الْخَيْر فلعجزها ومهانتها تحسد من يكْسب الْخَيْر والمحامد ويفوز بهَا دونهَا وتتمنى أَن لوفاته كسبها حَتَّى يساويها فِي الْعَدَم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء﴾.\n٣ - إن الكفار والمنافقين يفرحون بما يكون من بعض المسلمين من المخالفة لهدي نبيهم - ﷺ - وارتكابهم لما حذرهم منه من البدع والضلالات.\n٤ - يجب على المؤمن الحذر من غير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.\n٥ - دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله تعالى، ويتوسل به إلى طلب السعادة في\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،: ١/ ٥٧ وفي الرقاق، والمصنف في شرح السنة: ١/ ٢٧.\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٦٠.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٤) تفسير البغوي: ٢/ ٢٦٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٥٣): ٣/ ١٠٢٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٥٤): ٣/ ١٠٢٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٥٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٢.\n(١٢) الوجيز: ٢٨٠.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(١٤) تفسير المراغي: ٥/ ١١٦.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٥٥): ٣/ ١٠٢٧.","vol":"7","page":306},{"text":"الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه (١).\nالقرآن\n﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠]\nالتفسير:\nلكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم، وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم، فلا تقاتلوهم، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليكم، فلقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته، فإن تركوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا اليكم مستسلمين، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nاحدهما: قال ابن عباس، وعكرمة (٢): \" نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف\" (٣).\nوالثاني: قال الحسن: \"فالذين حصرت صدور، هم بنو مدلج، فمن وصل إلى بني مدلج من غيرهم كان في مثل عهدهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: \" لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" يقول: فإذا كانوا من أولئك القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق فلا تقتلوهم\" (٦).\nقال السدي: \" يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرُون على أهل الذمة\" (٧).\nقال ابن زيد: \" يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم\" (٩).\nقال ابن ابي زمنين: \" يعني: إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق، ومعني «اتصل»: انتسب\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" فإن تولىَّ هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وَصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم مُوادعة وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم، وصاروا منهم، ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيًا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم: أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تغنم أموالهم\" (١١).\nقال عكرمة: \" قال نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح\" (١٣).\nوقال بعض اهل اللغة (١٤): \"أن معنى قوله: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم﴾، إلا الذين يتَّصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق، من قولهم: اتّصل الرجل، بمعنى: انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم (١٥):\nإذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أَبَكْرَ بنَ وَائِلٍ! ... وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالأنُوفُ رَوَاغِمُ!\nيعني بقوله: اتصلت، انتسبت\" (١٦).\nقال الطبري: \" ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم، إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله ﷺ لِيقاتل قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين. ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم، أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله ﷺ مشركي قريش بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم - الدليلُ الواضح أنّ انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: \" وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم\" (١٨).\nقال السدي: \"يقول: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حصرت صدورهم﴾، يقول: ضاقت صدورهم ﴿أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾ \" (١٩).\nقال مجاهد: \" يريدون: هلال بن عويمر وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه\" (٢٠).\nقال الحسن: \" فالذين حصرت صدُورُهم: بني مدلج، فمن وصل إلى بني مدلج من غيرهم؛ كان في مثل عهدهم\" (٢١).\nقال قتادة: \" ﴿حصرت صدورهم﴾، أي: كارهة صدورهم\" (٢٢).\nقال ابن كثير: \" هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حَصِرَةٌ صدورهم أي: ضيقة صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم\" (٢٣).\nقال الطبري: \" والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: قد حَصِرَ، ومنه: «الحَصَرُ»، في القراءة\" (٢٤).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ١٠/ ١٧٠.\n(٢) اخرجه الطبري (١٠٠٧٠): ص ٩/ ١٩.\n(٣) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٥٧): ص ٣/ ١٠٢٧\n(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٦١٢) ص: ٧/ ٢٤٤، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٦) مجاز القرآن: ١/ ١٣٦.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٠٦٩): ص ٩/ ١٩.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٠٧٠): ص ٩/ ١٩.\n(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٢.\n(١٠) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٣٩٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ١٩.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٠٧١): ص ٩/ ١٩.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(١٤) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٣٦، وتفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٣٩٤\n(١٥) ديوانه: ٥٩، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٦ والناسخ والمنسوخ: ١٠٩ واللسان (وصل)، وغيرهما. وفي اللسان \" لبكر بن وائل \"، وفسرها \" اتصلت \": انتسبت. وفسرها شارح شعر الأعشى: إذا دعت، يعني دعت بدعوى الجاهلية، وهو الاعتزاء. وهذا البيت آخر بيت في قصيدة الأعشى تلك. يقول: تدعى إليهم وتنتسب، وهي من إمائهم اللواتي سبين وقد رغمت أنوفهن وأنوف رجالهن الذي كانوا يدافعون عنهن، ثم انهزموا عنهن وتركوهن للسباء.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ١٩، وانظر: مجاز القرآن: ١/ ١٣٦.\n(١٧) تفسير الطبري: ٩/ ٢٠.\n(١٨) التفسير الميسر: ٩٢.\n(١٩) أخرجه الطبري (١٠٠٧٢): ص ٩/ ٢١.\n(٢٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٦٠) ص ٣/ ١٠٢٨.\n(٢١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١٤/ ٣٣١، ٣٣٢ رقم ١٨٤٦١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره: (٥٧٥٠): ص ٣/ ١٠٢٦، والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\": (٦٧٨): ص ٢/ ٦٩٢، ٦٩٣، \"بغية الباحث\"، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (١/ ٥٤٦) جميعهم من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أن سراقة. . وذكره.\nسنده ضعيف؛ فيه علي بن زيد بن جدعان؛ ضعيف.\n(٢٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٦٢) ص ٣/ ١٠٢٨.\n(٢٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٢.\n(٢٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢١، وانظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٣٦، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٨٢.","vol":"7","page":307},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وجهان:\nأحدهما: أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ. وهذا قول الجمهور وهو المشهور (١).\nوالثاني: أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وهذا قول المبرد (٢).\nوقرأ الحسن البصري: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾، نصبًا (٣).\nوفي قراءة أبيّ: ﴿بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم﴾، بغير «أو»، ووجهه أن يكون ﴿جاؤكم﴾ بيانا ليصلون، أو بدلا أو استئنافا، أو صفة بعد صفة لقوم (٤).\nقال الطبري: \"وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائزة القراءة بها عندي، لشذوذها وخروجها عن قراءة قرأة الإسلام\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: \" ولو شاء الله لقوّاهم وجرّأهم عليكم فقاتلوكم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم\" (٧).\nقال الثعلبي: \" يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة ونقمة\" (٨).\nقال السمعاني: \" معنى هذا: أن الله - تعالى - هو الذي ألقى الرعب في قلوبهم، وكفهم عن قتالكم، حتى جاءوا معاهدين، ولو شاء الله لسلطهم عليكم\" (٩).\nوفي تسليطهم قولان (١٠):\nأحدهما: بتقوية قلوبهم.\nوالثاني: بالإذن في القتال ليدافعوا عن أنفسهم.\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط\" (١١).\nوقرئ: ﴿فلقتلوكم﴾، بالتخفيف والتشديد (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، \"أي: فإِن لم يتعرضوا لكم بقتال وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم\" (١٣).\nقال السمعاني: \" يعنى: الصلح فانقادوا، واستسلموا\" (١٤).\nوالسَّلَم: \"هو الاستسلام. وإنما هذا مثلٌ، كما يقول الرجل للرجل: أعطيتك قِيادي، وألقيت إليك خِطَامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قوله: ﴿وألقوا إليكم السلم﴾، إنما هو: ألقوا إليكم قيادَهم واستسلموا لكم، صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومن «السَّلم»، قول الطرمَّاح (١٥):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢١، والنكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(٢) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٠، والنكت والعيون: ١/ ٥١٤، والكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٨٢، وتفسير الطبري: ٩/ ٢٢.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٧١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٢.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٥٧.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٠.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٤٧ - ٥٤٨.\n(١٢) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٧١.\n(١٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٠.\n(١٥) ديوانه: ١٤٥، من قصيدته التي هجا بها الفرزدق وبيوت بني دارم وبني سعد فقال قبله: وَدَارِمٌ قد قَذَفْنَا مِنْهُمُ مِئَةً ... فِي جَاحِمِ النَّارِ، إِذْ يُلْقَوْنَ فِي الخُدَدِ\nيَنْزُونَ بالْمُشْتَوَى مِنْهَا، ويُوقِدُهَا ... عَمْرٌو، وَلَوْلا لُحُومُ الْقَوْمِ لَمْ تَقِدِ\nوَذَاكَ أنَّ تَمِيمًا ............ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nفزعم أن عمرو بن المنذر اللخمي، أحرق بني دارم رهط الفرزدق، قال أبو عبيدة: ولم يكن للطرماح بهذا الحديث علم. يعني حديث يوم أوارة، وهو يوم غزا عمرو بن المنذر بني دارم، فقتل منهم تسعة وتسعين رجلا.","vol":"7","page":308},{"text":"وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًا ... لِلأسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ\nيعني بقوله: سلمًا، استسلامًا\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، قولان:\nأحدهما: الصلح، وهو قول الربيع (٢).\nوالثاني: الإِسلام، وهو قول الحسن (٣).\nوقرئ: ﴿السلم﴾، بسكون اللام مع فتح السين (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، ي: \" فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم\" (٦).\nقال السمعاني: \" أي: طريقا عليهم بالقتل والقتال\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وعبّر بأسره\" (٨).\nوفي نسخ هذه الآية قولان:\nأحدهما: انها نسخت بآية السيف. وهذا قول ابن عباس (٩)، الزهري (١٠)، وعكرمة (١١)، والحسن (١٢)، وقتادة (١٣)، واختيار الطبري (١٤)، والنحاس (١٥)، ومكي بن ابي طالب (١٦).\nقال ابن الجوزي: \" أمر المسلمون في هذه الآية بترك قتال من له معهم عهد، أو ميثاق، أو ما يتعلق بعهد، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وبما أمروا به من نبذ العهد إلى أربابه في سورة براءة. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة\" (١٧).\nعن عطاء عن ابن عباس﵄-: \" ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١٨)، وَقَالَ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ﴾ (١٩)، وَقَالَ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢٠)، نَسَخَ هَذَا ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢١)، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ \" (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٧٣): ص ٩/ ٢٤.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٤.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٧٢.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٥٦): ص ٣/ ١٠٢٧.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٥٦): ص ٣/ ١٠٢٧.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٥٦): ص ٣/ ١٠٢٧.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٥٦): ص ٣/ ١٠٢٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٧٥)، (١٠٠٧٦): ص ٩/ ٢٥ - ٢٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٤ - ٢٥.\n(١٥) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١٠٩.\n(١٦) انظر: الإيضاح: ١٩٥.\n(١٧).نواسخ القرآن: ٢/ ٣٨١\n(١٨) [سورة النساء: ٩٠].\n(١٩) [سورة مالممتحنة: ١٠].\n(٢٠) [سورة التوبة: ١].\n(٢١) [سورة التوبة: ٥].\n(٢٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٥٦): ص ٣/ ١٠٢٧، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٣٨١، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١٠٩، وذكر النسخ ايضا مكي بن ابي طالب عن ابن عباس بدون إسناد.","vol":"7","page":310},{"text":"وعن قتادة: \" ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١)، الآيَةَ، قَالَ: نُسِخَ ذلك في براءة، وَنُبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ، وأمر الله نبيه أَنْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) الآية\" (٣).\nواخرج الطبري عن عن عكرمة والحسن قالا قال: \" ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، وقال في «الممتحنة»: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال فيها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الممتحنة: ٨، ٩]، فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [سورة التوبة: ١، ٢]. فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك. وقال في التي تليها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، ثم نسخ واستثنى فقال: رفَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [سورة التوبة: ٥، ٦] \" (٤).\nوالثاني: انهما محكمة. وإنما نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو خزيمة وبنو مدلج، عاقدوا حلفاء المسلمين فنهي عن قتلهم، ونزلت آية السيف بعد إسلام الذين ذكرناهم. ذكره عبدالقاهر البغدادي عن بعضهم (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الله أوجب مسالمة من يقف من المسلمين موقف الحياد، فلا يحاربهم، لا يعين عليهم محاربًا.\n٢ - أن أصل علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، والآية تدل على الأمر بقبول السلم من الكفار إذا جنحوا إليه، وقد نهى النبي ﷺ عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو فقال: \" لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية\" (٦).\nالقرآن\n﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ [النساء: ٩١]\nالتفسير:\nستجدون قومًا آخرين من المنافقين يودون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم، فيظهرون لكم الإيمان، ويودون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين، فيظهرون لهم الكفر، كلما أعيدوا إلى موطن الكفر والكافرين، وقعوا في أسوأ حال. فهؤلاء إن لم ينصرفوا عنكم، ويقدموا إليكم الاستسلام التام، ويمنعوا أنفسهم عن قتالكم فخذوهم بقوة واقتلوهم أينما كانوا، وأولئك الذين بلغوا في هذا المسلك السيِّئ حدًّا يميزهم عمَّن عداهم، فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أنهم أناس كانوا من أهل مكة أسلموا - على ما وصفهم الله به من التقيَّة - وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله: ﴿كلما ردُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾،، يعني كلما دعاهم قومهم إلى الشرك بالله، ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. وهذا قول ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨).\n_________\n(١) [سورة النساء: ٩٠].\n(٢) [سورة التوبة: ٥].\n(٣) الناسخ والمنسوخ لقتادة: ٤٠، وأخرجه الطبري في تفسيره (١٠٠٧٥)، (١٠٠٧٦): ص ٩/ ٢٥ - ٢٦، من طريقين عن قتادة، كما أخرجه النحاس في ناسخه (١٩٥) عنه وعن مجاهد، وذكره مكي بن أبي طالب في ناسخه ص: ١٩٥، عن قتادة بدون إسناد، وانظر: ابن حزم ١٢٧، وابن سلامة ٣٨، وبن الجوزي ٢/ ٣٨٢، والعتائقي ٤٤، وابن المتوج ٩٤.\n(٤) تفسير الطبري (١٠٠٧٤): ص ٩/ ٢٥.\n(٥) انظر: الناسخ المخطوط لعبد القاهر ورقة من الفلم ٦١.\n(٦) صحيح البخاري: كتاب الجهاد، ٢٨٠٤، ٢٨٦١، ٢٨٦٣ وصحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، ١٧٤١ - ١٧٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٨٠): ص ٩/ ٢٧، وابن ابي حاتم (٥٧٧٠): ص ٣/ ١٠٢٩، وسنده ضعيف جدا، مسلسل بالعوفيين الضعغاء.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٧٨): ص ٩/ ٢٧، وابن ابي حاتم (٥٧٦٩): ص ٣، ١٠٢٩، اسناده صحيح ولكنه مرسل، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦١٤)، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"7","page":311},{"text":"والثاني: وقال قتادة: \" حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا: يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال: ﴿كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه\" (١).\nوالثالث: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي ﷺ والمشركين. وهذا قول السدي (٢).\nوالرابع: انههم قوم من المنافقين. وهذا قول الحسن (٣).\nقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، \"أي: ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإِظهار الإِيمان ويأمنوا قومهم بإِظهار الكفر إِذا رجعوا إِليهم\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني يأمنوا فيكم معشر المؤمنين بأنهم مقرون بالتوحيد ويأمنوا قومهم المشركين لأنهم على دينهم\" (٥).\nقال الفراء: \" معناه: أن يأمنوا فيكم ويأمنوا في قومهم. فهؤلاء بمنزلة الذين ذكرناهم في أن قتالهم حلال إذا لم يرجعوا\" (٦).\nقال ابن قتيبة: \" هؤلاء منافقون يعطون المسلمين الرضا ليأمنوهم ويعطون قومهم الرضا ليأمنوهم\" (٧).\nقال الزجاج: \" ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنكم، وإذا سنحت فتنة كانوا مع\nأهلها عليكم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] \" (٩).\nقال ابن عطية: \" لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضا للمسلمين إذا وفدوا وأرسلوا: نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي ﵇ والكفار الأخبار، وقيل: نزلت في قوم يجيئون من مكة إلى النبي ﵇ رياء، يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم على غير صفة من تقدم\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]، \"أي: كلما دعوا إِلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إِليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل\" (١١).\nقال الزمخشري: \" قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: انهمكوا فيها\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي: انتكسوا عن عهدهم الذي عقدوه\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٠٨١): ص ٩/ ٢٨، وابن ابي حاتم (٥٧٥٨): ص ٣/ ١٠٢٩، إسناده صحيح لكنه مرسل، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦١٤)، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٨٢): ص ٩/ ٢٨، وابن ابي حاتم (٥٧٦٧): ص ٣/ ١٠٢٩، وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف أسباط.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٧١.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٦.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٨٢.\n(٧) غريب القرآن: ١٣٤.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٨٩.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧٣.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٩١.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧٣.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٨٩.","vol":"7","page":312},{"text":"قال ابن عطية: \" ﴿إلى الفتنة﴾، معناه: إلى الاختبارأي: أهلكوا في الاختبار بما واقعوه من الكفر\" (١).\nقال ابو السعود: \" أي [كلما] دعوا إلى الكفر وقتال المسلمين، قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني كلما دعوا إلى الشرك، ﴿أركسوا فيها﴾، يقول: عادوا في الشرك\" (٣).\nقال مجاهد: \" يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان\" (٤).\nقال قتادة: \" يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه \" (٥).\nقال ابن عباس: \" كلما أرادوا أن يخرجوا من الفتنة أركسوا فيها\" (٦).\nقال السدي: \" ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾، يقول: إلى الشرك\" (٧).\nقال ابو العالية: \" كلما ابتلوا بها عموا فيها\" (٨).\nقال القرطبي: \" ومعنى ﴿أركسوا فيها﴾، أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا، وقيل: أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه\" (٩).\nوقرأ عبد الله بن مسعود، ﴿ركسوا﴾، بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد الكاف على التضعيف (١٠).\nوقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: ﴿ردوا﴾، بكسر الراء، لأن الأصل «رددوا»، فأدغم وقلبت الكسرة على الراء (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩١]، \"أي: فإِن لم يجتنبوكم\" (١٢).\nقال مجاهد: \" أمر بقتالهم إن لم يعتزلوا، فيصالحوا\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يعاونوا عليكم\" (١٤).\nقال النسفي: \" أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩١]، \"أي: ويستسلموا إِليكم\" (١٦).\nقال الزجاج: \" أي: المقادة والاستسلام\" (١٧).\nقال البغوي: \" أي: المفاداة والصلح\" (١٨).\nقال أبو السعود: \" أي: لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم\" (١٩).\nقال الشوكاني: \" أي: يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، \"أي: ويكفوا أيديهم عن قتالكم\" (٢١).\nقال الزجاج: \" أي: عن الحرب\" (٢٢).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٩١.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢١٤.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٦.\n(٤) أخرجه ابن المنذر (٢١٠٠٣): ص ٢/ ٨٢٧ - ٨٢٨.\n(٥) أخرجه ابن المنذر (٢١٠٠٤): ص ٢/ ٨٢٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧٠): ص ٣/ ١٠٢٩.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧٢): ص ٣/ ١٠٢٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧٤): ص ٣/ ١٠٣٠.\n(٩) تفسير القرطبي: ٥/ ٣١١.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٩١.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٣١١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١٣) أخرجه ابن المنذر (٢١٠٠٦): ص ٢/ ٨٢٨.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٨٩ - ٩٠.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ٣٨٣.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١٧) معاني القرآن: ٢/ ٨٩ - ٩٠.\n(١٨) تفسير البغوي: ٢/ ٢٦٢.\n(١٩) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢١٤.\n(٢٠) فتح القدير: ١/ ٥٧٣.\n(٢١) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٢٢) معاني القرآن: ٢/ ٨٩ - ٩٠.","vol":"7","page":313},{"text":"قال البغوي: أي: \"ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، \" أي: فأسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وأصبتموهم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعنى: أأسروهم، ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾، يعني: أدركتموهم من الأرض في الحل والحرم\" (٣).\nقال ابن عطية: \" ﴿ثقفتموهم﴾، مأخوذ من الثقاف، أي: ظفرتم بهم مغلوبين متمكنا منهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، أي: \" فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: بيِّنا واضحا\" (٦).\nقال الزجاج: \"أي: حجة بينة بأنهم غدرة، لا يفون بما يفارقونكم عليه من الهدنة\nوالصلح\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في قتلهم\" (٨).\nقال الشوكاني: \" أي: حجة واضحة، تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها، بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي\" (٩).\nقال السدي: \" أما السلطان: فهو الحجة\" (١٠).\nقال عكرمة: \"حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعنى: حجة بينة ثم صارت منسوخة\" (١٢).\nوقد ذكر ابن حزم (١٣)، وابن سلامة (١٤)، وابن هلال (١٥)، وابن الجوزي (١٦)، أن هذه الآية نسخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وذلك بدون أن ينسبوه إلى أحد.\nيقول الأستاذ مصطفى زيد: \" عن هذه الآية والتي قبلها: \"أن كلتيهما في المنافقين وكان الإسلام يأبى أن يقتلهم حتى لا يقال أن محمدًا يقتل أصحابه\" (١٧).\nالفوائد:\n١ - إن واجب المسلم أن يكون مع المسلمين قولًا وفعلًا واعتقادًا، ومن لم يكن كذلك يكون داخلًا تحت مفهوم قول الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (١٨).\n٢ - الحذر من تولي الكفار، وأنه لايجوز قتال المسلمين تحت ذريعة الإكراه في ذلك، لأن الإكراه مهما يكن، لا يجوز معه أن يحمل المسلم سلاحه، ضد أهل الحق من المسلمين.\n_________\n(١) تفسير البغوي: ٢/ ٢٦٢.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٦.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٢.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧٣.\n(٧) معاني القرآن: ٩٠.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٥٧٣.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧٧): ص ٣/ ١٠٣٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٢.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٦.\n(١٣) في ناسخه ص: ٣٣٣.\n(١٤) في ناسخه ص: ٣٩.\n(١٥) في ناسخه المخطوط ٢٣.\n(١٦) في نواسخ القرآن: ٢/ ٣٨٣.\n(١٧) النسخ في القرآن الكريم: ٢/ ٧٨٥.\n(١٨) انظر الدرر السنية ج ١ ص ٦٦.","vol":"7","page":314},{"text":"٣ - قال ابن عطية: \"وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم، وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلا لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم «سلطان مبين»، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا\" (١).\nالقرآن\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]\nالتفسير:\nولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه. فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد ﷺ، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين; ليتوب الله تعالى عليه. وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه، قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشًا مع أبي جهل، وهو لا يعلم بإسلامه. وهذا قول عكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٦).\nواختلف أين قتله:\nأفقال عكرمة (٧)، وجاهد (٨): قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه.\nب وقال السدي (٩): قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه.\nوالثاني: وقال ابن زيد: \"نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء، نزل هذا كله فيه، كانوا في سرية، فعدَل أبو الدرداء إلى شِعْبٍ يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله! قال: فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ: «ألا شققتَ عن قلبه!» فقال: ما عَسَيْتُ أجِدُ! هل هو يا رسول الله\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩١): ص ٩/ ٣٢ - ٣٣، من طريق سنيد، وسنده ضعيف جدًا؛ فيه ثلاث علل:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\nالثالثة: سنيد صاحب \"التفسير\" ضعيف.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٨٩) - (١٠٠٩١): ص ٩/ ٣٢ - ٣٣، ووابن أبي حاتم في تفسيره (٥٧٨١): ص ٣/ ١٠٣١، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٤) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به. وهذا سند صحيح؛ لكنه مرسل.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٢): ص ٩/ ٣٣، وسنده واهٍ بمرة؛ لإعضاله، وضعف أسباط، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦١٦)، وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٨٢): ص ٣/ ١٠٣١.\n(٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٢)، سنده ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: الإرسال. الثانية: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وأخرجه البيهقي (٨/ ١٣١)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٢/ ٨١٣، ٨١٤ رقم ٢١٣٧)، مرسل حسن الإسناد، وهو أصح من الذي قبله. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦١٦، ٦١٧)، وزاد نسبته لابن المنذر.\nثم رأينا الحافظ ذكره في \"الإصابة\" (١/ ٢٩٥) ونسبه لأبي يعلى، والحارث بن أبي أسامه، وأبي مسلم الكجي.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩١): ص ٩/ ٣٢ - ٣٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٨٩) - (١٠٠٩١): ص ٩/ ٣٢ - ٣٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٢): ص ٩/ ٣٣.","vol":"7","page":315},{"text":"إلا دمٌ أو ماء؟ قال: «فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟»، قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟»، قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟» حتى تمنَّيتُ أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، حتى بلغ ﴿إلا أن يصدّقوا﴾، قال: إلا أن يَضَعوها\" (١).\nوالثالث: عن بكر بن حارثة الجهني؛ قال: \"كنت في سرية بعثها رسول الله - ﷺ -؛ فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين؛ فتعوذ مني بالإِسلام؛ فقتلته، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -؛ فغضب وأقصاني؛ فأوحى الله إليه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال: فرضي عني، وأدناني\" (٢).\nوالرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: \" قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾، يعني: من أهل الحرب، ﴿وهو مؤمن﴾، يعني: المقتول، قال: نزلت في مرداس بن عمرو وكان أسلم، وقومه كفار من أهل الحرب فقتله أسامة بن زيد خطا\" (٣).\nقال الطبري: \" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرَّف عبادَه بهذه الآية مَا على مَن قتل مؤمنًا خطأ من كفَّارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأيّ ذلك كان، فالذي عَنَى الله تعالى بالآية: تعريفَ عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عَقَل عنه من عباده تنزيلَه، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: لا ينبغي لمؤمنٍ ولا يليق به أن يقتل مؤمنًا إِلا على وجه الخطأ\" (٥).\nقال السدي: \" المؤمن لا يقتل مؤمنا\" (٦).\nقال قتادة: \" يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه\" (٧).\nقال أبو عبيدة: \" وهذا كلام تستثنى العرب الشيء من الشيء وليس منه على اختصار وضمير، وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على حال إلّا أن يقتله مخطئا، فإن قتله خطئا\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنًا، يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة\" (٩).\nقال الزجاج: \" المعنى: ما كان لمؤمن ألبتة، إلا أن يخطئ المؤمن، فكفارة خطئه ما ذكر بعد\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، أن يقتل مؤمنا ابتداء غير قصاص إلا على وجه الخطإ\" (١١).\nقال الماوردي: \" يعني: أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير (١٢):\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٠٠٩٣): ص ٩/ ٣٣. سنده واهٍ بمرةٍ؛ لإعضاله، وعبد الرحمن بن زيد متروك.\n(٢) أخرجه الدولابي؛ كما في \"الإصابة\" (١/ ١٦٣) -وعنه أبو نعيم في \"المعرفة\" (٣/ ١٤٢ رقم ١٢١٤). في السند من لم نعرفه، ولم نجد له ترجمة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦١٧) وزاد نسبته للروياني وابن منده.\n(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣ - ٣٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٠): ص ٣/ ١٠٣٠ - ١٠٣١.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٠٨٨): ص ٩/ ٣٠.\n(٨) مجاز القرآن: ١/ ١٣٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٩٠.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(١٢) ديوانه: ٤٥٧، والنقائض: ٧٠٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٧، من قصيدته التي هجا فيها الفرزدق وآل الزبرقان بن بدر، وهو من أول القصيدة، وقبله: أَمِنْ عَهْدِ ذِي عَهْدٍ تَفِيضُ مَدَامِعِي ... كَأَنَّ قَذَى الْعَيْنَيْنِ مِنْ حَبِّ فُلْفُلِ؟\nفَإنْ يَرَ سَلْمَى الجِنُّ يَسْتَأْنِسُوا بِهَا، ... وَإِنْ يَرَ سَلْمَى رَاهِبُ الطُّورِ يَنْزِلِ\nورواية الديوان وأبي عبيدة في النقائض: \"إِلاَّ نِيرَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ\"\nو\"النير\" (بكسر النون): علم الثوب. و\"المرط\": إزار خز له علم، ويكون من صوف أيضا. وأما \"الريط\" فهو جمع\"ريطة\": وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وتكون ثوبًا دقيقًا لينًا. و\"المرحل\": الموشى، وهو ضرب من البرود، وشيه معين كتعيين جديات الرحل.","vol":"7","page":316},{"text":"من البيض لم تظعن بعيدًا ولم تطأ ... على الأرض إلاّ ريْط بُردٍ مرحّلِ\nيعني: ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض\" (١).\nوقرئ: ﴿خطاء﴾، بالمد، و﴿خطا﴾، بوزن «عمى»، بتخفيف الهمزة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: ومن قتل مؤمنًا على وجه الخطأ\" (٣).\nقال إبراهيم: \" إذا قتل المسلم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: فعليه إِعتاق رقبةٍ مؤمنة\" (٥).\nعن محمد بن علي فتحرير: \" ﴿رقبة مؤمنة﴾، قال: في الخطأ إذا أقرت ولم يعلم منها إلا خيرا\" (٦).\nقال ابن عباس: \" يعني بالـ ﴿مؤمنة﴾: من قد عقل الإيمان وصام وصلى\" (٧). وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وإبراهيم، والحكم نحو ذلك\" (٨).\nوقال عطاء: \" ولدت على الإسلام\" (٩).\nوعن الشعبي: \" ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، قال: قد صلت\" (١٠). وروي عن مجاهد، وعطاء. وقتادة نحو ذلك\" (١١).\nقال إبراهيم: \"فهذا له ولورثته المسلمين\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" المراد بـ ﴿رقبة مؤمنة﴾: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء\" (١٣).\nواختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، على قولين:\nأحدهما: أنها لا يجزىء عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت وصامت، وهذا قول ابن عباس (١٤)، والشعبي (١٥)، والحسن (١٦)، وقتادة (١٧)، وإبراهيم (١٨).\nوالقول الثاني: أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزىء في الكفارة، وهذا قول عطاء (١٩)، والشافعي (٢٠).\nوالصواب-والله أعلم- أنه \"لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من بالغي الرجال والنساء، إذا كان ممن كان أبواه على مِلّة من الملل سوى الإسلام، وولد بينهما وهما كذلك، ثم لم يسلما ولا واحدٌ منهما حتى أعتِق في كفارة الخطأ. وأما من ولد بين أبوين مسلمين، فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حدّ الاختيار والتمييز، ولم يدرك الحُلُم، فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه إن مات، وما يجب عليه إن جَنَى، ويجب له إن جُنِيَ عليه، وفي المناكحة، فإذْ كان ذلك من جميعهم إجماعًا، فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفارة الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان، مثلُ الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها\" (٢١).\n_________\n(١) النكت والعيون: ١/ ٥١٨، وانظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٠ - ٣١.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٥٤٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٣): ص ٣/ ١٠٣١.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٤): ص ٣/ ١٠٣١.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٧): ص ٣/ ١٠٣٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٨٧): ص ٣/ ١٠٣٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٦): ص ٣/ ١٠٣٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٨): ص ٣/ ١٠٣٢.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٨٨): ص ٣/ ١٠٣٢.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٣): ص ٣/ ١٠٣١.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٤٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٤): ص ٩/ ٣٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٥): ص ٩/ ٣٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٧): ص ٩/ ٣٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٩): ص ٩/ ٣٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٠٩٦): ص ٩/ ٣٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠١٠٣): ص ٩/ ٣٥.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٨.\n(٢١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦ - ٣٧.","vol":"7","page":317},{"text":"قال الزمشخري: \" قيل: لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار\" (١).\nقال ابن عباس: \" أتي النبي ﷺ رجل فقال: إن علي أي رقبة، وعندي أمة سوداء، فقال: ائتني بها، فقال رسول الله ﷺ: «أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»، قالت: نعم. قال: «أعتقها» \" (٢).\nومعنى «التحرير»: \"الإعتاق. والحر والعتيق: الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد. ومنه: عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها. وحر الوجه: أكرم موضع منه. وقولهم للئيم «عبد» وفلان عبد الفعل: أى لئيم الفعل. والرقبة: عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: وعليه كذلك ديةٌ مؤداة إلى ورثة المقتول\" (٤).\nقال ابن شهاب: \" فقد بلغنا أن رسول الله ﷺ فرضها مائة من الإبل\" (٥).\nقال سعيد بن المسيب: \" المسلمة: التامة\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾، يعني: تسلمها عاقلة القاتل\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان:\nأحدهما: معناه: إلى أولياء المقتول. وهذا قول سعيد بن جبير (٨).\nوالثاني: معناه: إلى ورثة المقتول. وهذت قول إبراهيم النخعي (٩)، وقتادة (١٠)، ومقاتل بن حيان (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثا فهي لبيت المال، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «أنا وارث من لا وارث له» (١٢) \" (١٣).\nوفي رواية سعيد بن المسيب: «أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، أن النبي، ﷺ، ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها\" (١٤).\nوعن ابن مسعود: «يرث كل وارث من الدية غير القاتل» (١٥).\nوعن شريك: «لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية» (١٦).\nوعن ربيعة: «الغرة لأم الجنين وحدها» (١٧).\nقال الزمخشري: \"وذلك خلاف قول الجماعة\" (١٨).\nوإن قلت: \"على من تجب الرقبة والدية؟\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٥): ص ٣/ ١٠٣٢، ذكر بلفظ آخر في المسند ٣/ ٤٥١.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٥): ص ٣/ ١٠٣٢، ذكر بلفظ آخر في المسند ٣/ ٤٥١.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٤٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٩): ص ٣/ ١٠٣٢، والترمذي كتاب الديات (١٣٨٧).\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٩٠): ص ٣/ ١٠٣٢.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٩١): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٩٢): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٨٣): ص ٣/ ١٠٣١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٩٢): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٩٢): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٢) أخرجه أبو داود (٢٩٠١).\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(١٤) أخرجه أصحاب السنن، انظر: مسند الإمام احمد (١٥٨٣٧)، و(١٥٨٣٨): ص ٣/ ٤٥٢، وابن ماجة (٢٦٤٢)، والترمذي (١٤١٥)، و(٢١١٥)، والنسائي في الكبرى (٦٣٢٩)، و(٦٣٣٥)، و(٦٣٣١)، ومالك في الموطأ (٢٥٣٥).\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠.","vol":"7","page":318},{"text":"قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله\" (١).\nوذكر الماوردي في «الدية»، وجهين (٢):\nأحدهما: أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله -ﷺ-.\nوالثاني: أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيرًا للقاتل في ماله والدية بدلًا من نفس المقتول على عاقلته.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، أي: \" إِلا إذا عفا الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية\" (٣).\nقال ابن عباس: \" إلا أن يتصدق بها عليه\" (٤).\nقال السدي: \" فيتركوا الدية\" (٥). وروي عن إبراهيم النخعي نحو ذلك (٦).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فإنه واجب على القاتل من ماله\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ونحوه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعن النبي ﷺ «كل معروف صدقة» (٨) \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: فإِن كان المقتول خطأً مؤمنًا وقومه كفارًا أعداء -وهم المحاربون- فإِنما على قاتله الكفارة فقط دون الدية\" (١٠).\nقال ابن زيد: \" القتيل مسلم وقومه كفّار، فتحرير رقبه مؤمنة، ولا يؤدِّي إليهم الدية فيتقوّون بها عليكم\" (١١).\nقال ابن عباس: \" كان الرجل يأتي النبي ﷺ، ثم يرجع إلى قومه فيكون معهم وهم مشركون فيصيبه المسلمون خطا في سرية أو غارة فيعتق الذي يصيبه رقبة\" (١٢).\nقال الزجاج: \" ولا مال للكفار الذين هم حرب، لأن الدية في الخطأ إنما جعلت - والله أعلم - ليحذر الناس حذرا شديدا من أن يخطئوا خطأ يؤدي إلى القتل، لتذهب الضغائن بينهم\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان:\nأحدهما: ان المعنى: فإن كان المقتول من قوم عدو لكم. وهذا قول ابن عباس (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وعكرمة (١٦)، والشعبي (١٧)، وقتادة (١٨)، والسدي (١٩)، سعيد بن جبير (٢٠).\nوالثاني: أن المعنى: إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ورثة بين ظهراني المسلمين ووراثة المشركون من أهل الحرب للمسلمين، ﴿فتحرير رقبة﴾، فلم يجعل له ذرية. وهذا قول مقاتل بن حيان (٢١).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٥٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٩٣): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٩٥): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٩٥): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٩٤): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٨) أخرجه احمد (١٨٩٤٨): ص ٤/ ٣٠٧، والبخاري (٢٣١).\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٥٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١١) أخرجه الطبري (١٠١١٤): ص ٩/ ٤٠.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٩١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٧): ص ٣/ ١٠٣٣.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٧٩٩): ص ٣/ ١٠٣٤.","vol":"7","page":319},{"text":"قال الزمخشري: المعنى: \" من قوم كفار أهل حرب، وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء. لأنهم كفار محاربون. وقيل: كان الرجل يسلم ثم يأتى قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافرا مثلهم\" (١).\nوذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان:\nأحدهما: أي إن كان قومه كفارًا وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه ديةُ، وهو قول ابن عباس (٢)، والحسن، وقتادة (٣)، والسدي (٤)، وإبراهيم (٥)، وعكرمة (٦)، وابن زيد (٧).\nوالثاني: معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلمًا أو كافرًا. وهو أحد قولي ابن عباس (٨)، واختيار الشافعي (٩).\nقال الماوردي: \"ويكون معنى قوله ﴿من قوم﴾، إلى قوم، وعلى القول الأول هي مستعملة على حقيقتها\" (١٠).\nوالراجح-والله أعلم- أن المعنى: \" فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عِداد المشركين، والمقتول مؤمن، والقاتل يحسب أنه على كفره، فعليه تحرير رقبة مؤمنة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: وإِن كان المقتول خطأً من قوم كفرة بينكم وبينهم عهد كأهل الذمة\" (١٢).\nقال الزجاج: \" وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين عهد\" (١٣).\nقال ابن عباس: \" هو الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد فيسلم إليهم دينه\" (١٤).\nوروي عن سعيد بن جبير (١٥)، وعكرمة (١٦)، والسدي (١٧)، والزهري (١٨)، وعطاء الخراساني (١٩)، وقتادة (٢٠)، وإبراهيم النخعي (٢١)، أنهم قالوا: \"عهد\" (٢٢).\nوقال مقاتل بن حيان: \" إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ذرية في المسلمين وله ذرية في المشركين من أهل عهد النبي ﷺ فيمن بين النبي ﷺ ميثاق \" (٢٣).\nقال الزمخشري: أي: \" وإن كان من قوم كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين\" (٢٤).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٥٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠١٠٨)، و(١٠١١١)، و(١٠١١٣): ص ٩/ ٣٩ - ٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠١١٠): ص ٩/ ٣٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠١٠٩): ص ٩/ ٣٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠١٠٦): ص ٩/ ٣٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠١٠٧): ص ٩/ ٣٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠١١٤): ص ٩/ ٤٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠١١٥): ص ٩/ ٤٠.\n(٩) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٣٣ - ٦٤٢.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٥١٩.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٨.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٩١.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠١٢٨): ص ٩/ ٤٤، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠١٢٥): ص ٩/ ٤٤، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠١٢٦): ص ٩/ ٤٤، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٢١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٢٢) تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٢٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠١): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٢٤) الكشاف: ١/ ٥٥٠.","vol":"7","page":320},{"text":"وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢]، وجوه:\nأحدها: هم أهل الذمة من أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس (١)، يجب في قتلهم الدية والكفارة.\nوالثاني: هم أهل عهد رسول الله -ﷺ- من العرب خاصة، وهذا قول الحسن (٢).\nوالثالث: هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة، وهو قول الشافعي (٣).\nوقرأ الحسن «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن» (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، \"أي: فعلى قاتله دية تدفع إلى أهله، وإِعتاق رقبة مؤمنة\" (٥).\nقال الزجاج: \" فتحرير رقبة وتسليم الدية إلى ذوي الميثاق لئلا تقع ضغينة بين أهل الميثاق والمؤمنين\" (٦).\nقال ابن عباس: \" فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله\" (٧)، وفي رواية: \" فيسلم إليهم دينه ويعتق الذي أصابه رقبة\" (٨).\nقال مقاتل بن حيان: \"يقول: ادفعوا الدية إلى ورثته\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" لأهل المقتول من أهل العهد من مشركي العرب\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" واختلف على هذا في دية المعاهد، فقال أبو حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، وقال مالك وأصحابه: ديته على نصف دية المسلم، وقال الشافعي وأبو ثور: ديته على ثلث دية المسلم\" (١١).\nقال ابن شهاب: \" بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية مسلم، ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم، وأن الله تعالى أمر بتسليم دية المعاهد إلى أهله وجعل معها تحرير رقبة مؤمنة\" (١٢).\nقال الشافعي: \" فجعل في كل واحد منهما دية مُسَلَّمَةٌ - أي: إلى أهله -، ولم يقل في أهل\nالميثاق نصف الدية، - كما قال أهل المدينة - وأهل الميثاق ليسوا مسلمين، فجعل في كل واحد منهما دية مسلمة إلى أهله، والأحاديث في ذلك كثيرة عن رسول الله - ﷺ - مشهورة معروفة، أنَّه جعل دية الكافر مثل دية المسلم، وروى ذلك أفقههم، وأعلمهم في زمانه، وأعلمهم بحديث رسول الله - ﷺ - ابن شهاب الزهري ﵀ فذكر أن دية المعاهَد في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ مثل دية الحر المسلم، فلما كان معاوية - ﵁ - جعلها مثل نصف دية الحر المسلم، فإن الزهري كان أعلمهم في زمانه بالأحاديث فكيف رغبوا عما رواه أفقههم إلى قول معاوية؟ ! \" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: \" فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها\" (١٥).\nقال مجاهد: \" يقول: من لم يجد دية عتاقه في قتل مؤمن خطا\" (١٦).\nوقال سعيد بن جبير: \" فمن لم يجد رقبة\" (١٧). وروي عن مقاتل نحو ذلك (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٩.\n(٣) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٣٣ - ٦٤٢.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٩١.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٢): ص ٣/ ١٠٣٥.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٠): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠١): ص ٣/ ١٠٣٤.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٤): ص ٣/ ١٠٣٥.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٤.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٣): ص ٣/ ١٠٣٥، والترمذي كتاب الديات (٤٥٨٣).\n(١٣) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٣٩.\n(١٤) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٥٠.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٥): ص ٣/ ١٠٣، والطبري (١٠١٧١): ص ٩/ ٥٥.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٦): ص ٣/ ١٠٣٥.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٦): ص ٣/ ١٠٣٥.","vol":"7","page":321},{"text":"وقال عكرمة: \" إذا كان فمن لم يجد فالأول الأول\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: \" فعليه صيام شهرين متتابعين\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فمن لم يجد رقبةً مؤمنة يحرّرها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد، لعُسْرته بثمنها، فعليه صيام شهرين متتابعين\" (٣).\nقال الحسن: \" تغليظا وتشديدا من الله قال: هذا في الخطأ تشديد من الله\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وجهان:\nأحدهما: أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية، وهذا قول الجمهور (٥).\nقال الضحاك: \" الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبةٌ لا يبطلها شيء\" (٦).\nوالثاني: أنه بدل من الرقبة والدية جميعًا عند عدمها، وهذا قول مسروقٍ (٧).\nقال الزجاج: \" ويحتمل أن يكون الصيام بدلا من الرقبة وبدلا مما ينبغي أن يؤدى في الدية\" (٨).\nعن الشعبي عن مسروق: \"أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾: صيام الشهرين عن الرقبة وحدَها، أو عن الدية والرقبة؟ فقال: من لم يجد، فهو عن الدية والرقبة\" (٩).\nقال ابن عطية: \" يريد عند الجمهور: فمن لم يجد العتق ولا اتسع ماله له فيجزيه «صيام شهرين» متتابعين في الأيام لا يتخللها فطر، وقال مكي عن الشعبي: «صيام الشهرين» يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجدها، وهذا القول وهم، لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل، والطبري حكى القول عن مسروق (١٠) \" (١١).\nعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: \" وسألته عن صيام «شهرين متتابعين»، قال: لا يفطر فيها ولا يقطع صيامها فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامها جميعا، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستون مسكينا لكل مسكين مد\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: \" ليتوب الله تعالى عليه\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي: فعل ذلك توبة من الله\" (١٤).\nقال الطبري: \" يعني: تجاوزًا من الله لكم إلى التيسير عليكم، بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها، بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين\" (١٥).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: تجاوزا من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ كفارة ودية\" (١٦).\nقال الزمخشري: أي\" قبولا من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعنى شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه، وهذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، وومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة (١٧) \" (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٧): ص ٣/ ١٠٣٥.\n(٢) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٥٥.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٠٩): ص ٣/ ١٠٣٦.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥١٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠١٧٠): ص ٩/ ٥٤.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٠٨): ص ٣/ ١٠٣٥.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٩٠.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠١٧٢): ص ٩/ ٥٥ - ٥٦، وابن ابي حاتم (٥٨٠٨): ص ٣/ ١٠٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠١٧٢): ص ٩/ ٥٥ - ٥٦.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٤.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨١٠): ص ٣/ ١٠٣٦.\n(١٣) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ٩١.\n(١٥) تفسير الطبري: ٩/ ٥٦.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨١١): ص ٣/ ١٠٣٦.\n(١٧) المسند (١/ ٢٤٠) وسنن النسائي (٨/ ٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٢١).\n(١٨) الكشاف: ١/ ٥٥٠.","vol":"7","page":322},{"text":"وعن سفيان: \"كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له\" (١).\nقال الزمخشري: \"وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]، أي: \" وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: ولم يزل الله ﴿عليمًا﴾، بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، ﴿حكيمًا﴾، بما يقضي فيهم ويريد\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: حكم الكفارة لمن قتل خطا ثم صارت دية في العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة، نسختها الآية التي في براءة ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقال النبي ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين» (٥) \" (٦).\nوفي نسخ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، قولان (٧):\nأحدهما: قال جمهور أهل العلم: أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأ فعلى قاتله الدية والكفارة. وهذا قول ابن عباس (٨)، والشعبي (٩)، وقتادة (١٠)، والزهري (١١)، وابن زيد (١٢)، وأبي حنيفة (١٣)، والشافعي (١٤)، فالآية على هذا محكمة.\nوالثاني: وقد ذهب بعض المفسرين (١٥) إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي ﷺ عهد وهدنة إلى أجل، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] وبقوله: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٨٥].\nالفوائد:\n١ - قال الزمخشري: \" والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة، أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها؟ \" (١٦).\n٢ - إن كفَّارة القتل الخطأرففيه الدية؛ إذ تسلَّم إلى أهل الميت إذا طلبوها فتصبح ملكًا لهم يتصرَّفون فيها كما يشاءون وينتفعون بها.\n٣ - من أسماءه تعالى: «العليم»: يدل على أن له ﷾ علما محيطًا عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.\nقال أبو سليمان: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم\" (١٧).\nوفي حديث ابن عباس ﵄ وقول الخضِر لموسى ﵉: \"إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه\" (١٨).\nوأما «الحكيم»، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.\nو«حكيم» بمعنى: «مُحْكِم»، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النحل آية ٨٨].\nقال أبو إسحاق الإسفراييني: \" من أسامي صفات الذات ما هو للعلم ... منها: «الحكيم»، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف\" (١٩).\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]\nالتفسير:\nومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة. ولكنه سبحانه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان فلا يجازيهم بالخلود في جهنم.\nسبب النزول:\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: \"نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة، وكان بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاما ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي ﷺ، فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله ﷺ رجلا من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه أن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية، فلما جاءهم الرسول، قالوا: السمع والطاعة لله وللرسول، والله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله ﷺ فقتله، وارتد عن الإسلام وركب جملا منها وساق معه البقية ولحق بمكة وهو يقول في شعر له (٢٠):\nقتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع\nحَلَلْتُ بِهِ وِترِي، وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ راجِعِ\nفنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافرا، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ \" (٢١). وذكر الواحدي نحوه عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس (٢٢).\nوفي السياق نفسه اخرج الطبري عن عن ابن جريج، عن عكرمة: \"أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي ﷺ الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ ﷺ ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي ﷺ، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ وكان أيِّدًا فضرب به الأرض، ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى (٢٣):\nثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا، وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ... سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابِ فَارِعِ\nفقال النبي ﷺ: أظنّه قد أحدث حدثًا! أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب! فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾،\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٥٠ - ٥٥١.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٥٠ - ٥٥١.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٥٦.\n(٥) أخرجه احمد في مسنده (٦٨٤٣): ص ٦/ ٣٢٢، والدارمي في سننه (٣٠٣٥): ص ٤/ ١٩٥٣، وابن ماجة (٢٧٣١): ص ٢/ ٩١٢، وأبي داود (٢٩١١): ص ٣/ ١٢٥\" بزيادة \"شتى\" في آخره، والترمذي (٢١٠٨): ص ٣/ ٤٩٦، والنسائي (٦٣٤٩): ص ٦/ ١٢٥، وغيرهم. ومن طرق مختلفة.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨١٢): ص ٣/ ١٠٣٦.\n(٧) انظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي: ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠١١٦): ص ٩/ ٤١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠١١٨): ص ٩/ ٤٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠١٢٠): ص ٩/ ٤٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠١١٧): ص ٩/ ٤١ - ٤٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠١٢١): ص ٩/ ٤٢.\n(١٣) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٩٤، ونواسخ القرآن: ابن الجوزي: ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(١٤) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٣٩.\n(١٥) ذكر مكي به أبي طالب هنا في الإيضاح (٦٠) قول النسخ وعزاه إلى أبي أويس، وانظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٨٤.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥٥١.\n(١٧) الاسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.\n(١٨) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٤٣٨٥).\n(١٩) الاسماء والصفات للبيهقي: ١/ ٢٩٤.\n(٢٠) سيرة ابن هشام ٣: ٣٠٥، ٣٠٦، تاريخ الطبري ٣: ٦٦، معجم البلدان (فارع).\n(٢١) تفسير ابن أبي حاتم (٥٨١٦): ص ٣/ ١٠٣٧ - ١٠٣٨. سنده ضعيف، لعلتي: الغرسال، وابن لهيعة ضعيفة.\n(٢٢) انظر: أسباب النزول: ١٧٠ - ١٧١. بزيادة: \"ثم أهدر النبي - ﷺ - دمه يوم فتح مكة، فأدركه الناس بالسوق فقتلوه\".\n(٢٣) سيرة ابن هشام ٣: ٣٠٥، ٣٠٦، تاريخ الطبري ٣: ٦٦، معجم البلدان (فارع).","vol":"7","page":323},{"text":"الآية\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، \"أي: ومن يقدم على قتل مؤمن عالمًا بإِيمانه متعمدًا لقتله\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" متعمدا لقتله\" (٣).\nقال سعيد ابن المسيب: \"العمد: الإبرة فما فوقها من السلاح\" (٤).\nقال السمعاني: \" فالقتل المتعمد عند أكثر العلماء: هو الذي يحصل بكل ما يقصد به القتل، وقال سعيد بن المسيب، وطاوس: القتل العمد لا يكون إلا بالحديد\" (٥).\nقال الراغب: \" العمد: فعل الشيء عن إرادة واختيار، ويضاده الخطأ، وصفة قتل العمد أن يقصده بحديدة أو حجر يقتل غالبا، أو توبع عليه بخنق أو بسوط فتوالى عليه حتى يموت\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، أي: \" فعاقبته جهنم\" (٧).\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: \" ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾، قال: «هو جزاءه إن جازاه» \" (٨).\nعن أبي روق، قال: \"وكان ابن عباس يقول: فجزاؤه جهنم إن جازاه، يعني: للمؤمن وليس للكافر، فإن شاء عفى عن المؤمن وإن شاء عاقب\" (٩). قال ابن ابي حاتم: \"وروي عن أبي صالح، ومحمد بن سيرين، وأبي مجلز، وعون بن عبد الله، وعمرو بن دينار نحو ذلك\" (١٠).\nوقال الحسن في هذه الآية قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾: \" قد أوجب الله هذا عليك، فانظر من يضع هذا عنك ومن يعزك يا لكع\" (١١).\nقال البغوي: أي: \" بكفره وارتداده، وهو الذي استثناه النبي ﷺ يوم فتح مكة، عمن أمنه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، أي: \" مخلدًا فيها على الدوام\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" فجعل له الخلود في النار بكفره، كما جعل لمن كفر بقسمة المواريث\" (١٤).\nقال النسفي: \" والخلود قد يراد به طول المقام وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ \" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]، \" أي ويناله السخط الشديد من الله\" (١٦).\nقال النسفي: \" أي انتقم منه\" (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، أي: \" وطَرْدِهِ من رحمته\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، أي: وأعدّ له العذاب الشديد في الآخرة\" (١٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٠١٨٦): ص ٩/ ٦١ - ٦٢. وسنده ضعيف جدًا؛ فيه ثلاث علل: الأولى: الإرسال. الثانية: ابن جريج لم يسمع عن عكرمة. الثالثة: سنيد ضعيف.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨١٧): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨١٨): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٣.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٣٩٩.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٨) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨١٩): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(٩) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢٠): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(١٠) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢٠): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(١١) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢١): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(١٢) تفسير البغوي: ١/ ٦٧٨.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١٤) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢٢): ص ٣/ ١٠٣٨.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ٣٨٥.\n(١٦) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١٧) تفسير النسفي: ١/ ٣٨٥.\n(١٨) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١٩) صفوة التفاسير: ٢٧٢.","vol":"7","page":324},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \" يعني: عذابا وافرا\" (١).\nقال الزجاج: \" وهذا وعيد شديد في القتل حظر الله ﷿ به الدماء\" (٢).\nقال الواحدي: \" غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمدًا للمبالغة في الرَّدع والزَّجر\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ (٦)﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nوالأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء\" (٤).\nوفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح\" (٥).\nوفي حديث آخر: \"لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم\" (٦).\nوفي الحديث الآخر: \"لو أجمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار\" (٧).\nوفي الحديث الآخر: \"من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله\" (٨) \" (٩).\nوقد اختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أم منسوخة، على قولين:\nأحدهما: أنها منسوخة، وهو قول جماعة من العلماء (١٠)، قالوا: بأنها حكمت بخلود القاتل في النار، وذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].\nوقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].\nوحكى أبو جعفر النحاس: أن بعض العلماء قال: معنى نسختها آية الفرقان، أي: نزلت بنسختها (١١).\nوقال ابن الجوزي: \" ذهب الأكثرون إلى أنها منسوخة بقوله ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" (١٢).\nوالثاني: أنها محكمة. وهذا قول أبي هريرة (١٣)، وابن عمر (١٤)، وأبي سلمة (١٥)، وعبيد بن عمير (١٦)، والحسن (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، واختاره أبو جعفر النحاس (٢٠)، واختلف هؤلاء في طريق أحكامها على قولين (٢١):\n_________\n(١) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢٣): ص ٣/ ١٠٣٩.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٩١.\n(٣) الوجيز: ٢٨٢.\n(٤) صحيح البخاري برقم (٦٨٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٨).\n(٥) سنن أبي داود برقم (٤٢٧٠).\n(٦) روي من حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث البراء بن عازب، أما حديث عبد الله بن عمرو، فرواه الترمذي في السنن برقم (١٣٩٥)، والنسائي في السنن (٧/ ٨٢) وهذا هو لفظه.\n(٧) رواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٥٦٥) من طريق جعفر بن جبير بن فرقد عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة ﵁. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٩٧): \"فيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف\".\n(٨) رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٢٠) من طريق يزيد بن زياد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال الذهبي ﵀: \"هذا حديث باطل موضوع\".\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧.\n(١٠) منهم ابن حزم، انظر الناسخ والمنسوخ: ٣٥، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٩١، والمحرر الوجيز: ٢/ ٩٥ - ٩٦.\n(١١) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١١٢.\n(١٢) المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ٢٦.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.\n(٢٠) في ناسخه: ١١٠ - ١١٢.\n(٢١) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠.","vol":"7","page":326},{"text":"القول الاول: أن قاتل المؤمن مخلد في النار، وأكدوا هذا بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.\nعن سعيد بن جبير قال ابن عباس: \" نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء\" (١).\nوعن سالم بن أبي الجَعْد، عن ابن عباس قال: \" أن رجلا أتاه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا؟ فقال: ﴿جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة. وقد سمعت رسول الله ﷺ. يقول: \"ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تَشْخَب أوداجه دما من قبل العرش يقول: يا رب، سل عبدك فيم قتلني؟ \" (٢).\nوالقول الثاني: أنها عامة دخلها التخصيص، بدليل أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحلا لأجل إيمانه فيستحق التخليد لاستحلاله.\nوقد ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال: ومن لفظ عام لا يخص إلا بتوقيف أو دليل قاطع (٣)، وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ (٤) (٥).\nقال ابن الجوزي: \" والصحيح أن الآيتين محكمتان، فإن كانت التي في النساء أنزلت أولا فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم، ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان، وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبوا مجلز وأبو صالح. يقولون: فجزاؤه جهنم إن جازاه. وقد روى لنا مرفوعا إلا أنه لا يثبت رفعه، والمعنى: يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به، وفي هذا الوجه بعد لقوله: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾. فأخبر بوقوع عذابه كذلك، وقال أبو عبيد: وإن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال\" (٦).\nيقول الشوكاني- بعد أن أورد الآثار الواردة عن سعيد بن جبير وزيد بن ثابت بعدم النسخ-: \"ومن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، و١١٦].\nقالوا أيضا: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل الموجب والتوعد بالعقاب\" (٧). ثم سرد الشوكاني أدلة الجمهور.\nقال ابن كثير: \" والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ﷿، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.\n_________\n(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٠) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢٣) وسنن النسائي (٨/ ٦٢).\n(٢) المسند (١/ ٢٤٠) وسنن النسائي (٨/ ٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٢١).\n(٣) انظر: نص ما ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: ١١٢.\n(٤) [سورة الفرقان: ٧٠].\n(٥) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٩١.\n(٦) نواسخ القرآن: ٢/ ٣٩٢.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٤٦١.","vol":"7","page":327},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك: كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء.\nوثبت في الصحيحين (١) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ! ثم أرشده إلى بلد يَعْبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فَلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.\nفأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: «هذا جزاؤه إن جازاه» (٢) \" (٣).\nقال ابن كثير: \"اي: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك مُعَارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ: أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان\" (٤).\nعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \" أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن برة \" (٥).\nوأما حديث معاوية: \" كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا\" (٦).\n_________\n(١) انظر: مسند الإمام احمد (١١٦٨٧): ص ١٨/ ٢١٩ - ٢٢٠. إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه ابن ماجه (٢٦٢٢)،\n(٢) هذا القول عزاه ابن كثير إلى أبي هريرة وجماعة من السلف، وقال: \" وقد رواه ابن مردويه مرفوعا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا، ولكن لا يصح \"، انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٨.\nورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٠) \"مجمع البحرين\" من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون به، وفي إسناده العلاء بن ميمون، ومحمد بن جامع العطار وهما ضعيفان.\nقال مكي: \"وهذا هو مذهب أهل السنة في الوعد والوعيد، فهي محكمة\".\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨١. [بتصرف بسيط].\n(٥) أخرجه احمد (١٢٧٧٢): ص ٢٠/ ١٧١ - ١٧٢، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" ٢/ ٧٠٠ من طريق محمد بن جعفر وحده، بهذا الإسناد، وأخرجه أبو عوانة ١/ ١٨٤ من طريق حجاج بن محمد وحده، به.\nوأخرجه الطيالسي (١٩٦٦)، ومسلم (١٩٣) (٣٢٥)، والترمذي (٢٥٩٣)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٥١)، وأبو يعلى (٢٩٥٦) و(٣٢٧٣)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" ٢/ ٧٠١ و٧٠٢، وأبو عوانة ١/ ١٨٤، وابن منده في \"الإيمان\" (٨٧٢)، والبيهقي في \"الاعتقاد\" ص ١٩٤ من طرق عن شعبة، به.\n(٦) أخرجه احمد (١٦٩٠٧): ص ٢٨/ ١١٢.حديث صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، وأخرجه المزي في ترجمة أبي عون من \"تهذيب الكمال\" ٣٤/ ١٥٥، من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد، وأخرجه النسائي في \"المجتبى\" ٧/ ٨١، والحاكم ٤/ ٣٥١، من طريق صفوان بن عيسى، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" ١٩/ (٨٥٨) من طريقين عن ثور. بن يزيد، به.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" ١٩/ (٨٥٦) و(٨٥٧)، وفي \"مسند الشاميين\" (١٨٩٢) من طريقين عن أبي عون، به.\nوله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أبي داود (٤٢٧٠)، وصححه ابن حبان (٥٩٨٠)، والحاكم ٤/ ٣٥١، ووافقه الذهبي.\nوآخر من حديث عبادة بن الصامت عند البزار (٣٣٢٥).\nقال السندي: قوله: \"إلا الرجل\"، أي: إلا ذنب الرجل.\n\"أو الرجل يقتل\" ظاهر الحديث موافق لظاهر القرآن، وكان ابن عباس يقول بما يوافقه، والجمهور يقول: إنه محمول على التغليظ، وإلا فقد قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨].","vol":"7","page":328},{"text":"قال ابن كثير: \" «عسى» للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرا؛ فالنص أنه لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقديكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بمايشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم\" (١).\nقال البغوي: \" والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا [طه: ٨٢] وقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وما روي عن ابن عباس ﵄ فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له لا توبة لك، وإن قتل ثم جاء يقال لك توبة، ويروى مثله ابن عباس ﵄، وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار، وقيل: قوله تعالى: فجزاؤه جهنم خالدا فيها معناه هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه بذنبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وعد أن يغفر لمن يشاء، حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذما وأنشد (٢):\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوالدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار: ما رويناه أن النبي ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (٣) \" (٤).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٢) البيت لعامر بن الطفيل، وهو في \"ديوانه\" ٥٨. وقد ورد منسوبًا له، في \"العقد الفريد\" لابن عبد ربه: ١/ ٢٨٤، وأورده بنفس رواية المؤلف: \"يتيمة الدهر\" للثعالبي: ٢/ ١٥٧، \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٩٨ (ختأ)، ٨/ ٤٨٧١ (وعد)، ٢/ ١١٠٣ (ختا)، \"تاج العروس\" ١/ ١٤٣ (ختأ)، ١٩/ ٣٦٩ (ختا). كما ورد غير معزوٍ، في \"عيون الأخبار\" لابن قتيبة: ٢/ ١٤٢، \"ضرورة الشعر\" للسيرافي، تحقيق د. رمضان عبد التواب: ١٣٨، \"مجالس العلماء\" للزجّاجي: ٦٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥ (وعد)، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥١ (وعد) \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي: ٣٩، \"العمدة\" لابن رشيق: ١/ ٥٨٩، \"الحماسة البصرية\" لصدر الدين البصري: ٢/ ٣٠. وروايته في \"الديوان\":\nوإنِّيَ إن أوعدتُه أو وعدتُه ... لأخلِفُ إيعادي وأنجز موعدي\nوبرواية أخرى:\nلمخلِفُ إيعادي ومنجز موعدي\nكما ورد في \"اللسان\" ١/ ٦٣ كالتالي:\nلَيأمَنُ ميعادي ومنجز موعدي\nوانظر الفرق بين (وعد) و(أوعد) في: \"ما تلحن فيه العامة\" للكسائي: ١١٠، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة: ٢/ ١٨٩، \"أدب الكاتب\" لابن قتيبة: ١/ ٢٧٢، \"مجالس ثعلب\" ١/ ٢٢٧، \"والخاطريات\" لابن جني: ١٩٨، \"خزانة الأدب\" للبغدادي: ٥/ ١٨٩، ١٩٠. وانظر مادة (وعد) في \"تهذيب اللغة\" \"الصحاح\" \"اللسان\". وقد وردت هذه المحاورة في \"عيون الأخبار\" ٢/ ١٤٢، \"مجالس العلماء\" ٦٢، \"طبقات النحويين واللغويين\" ٣٩، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٣٣، \"مدارج السالكين\" لابن القيم: ١/ ٣٩٦، \"ميزان الاعتدال\" للذهبي: ٤/ ١٩٨، ١٩٩، \"لوامع الأنوار\" للسفاريني: ١/ ٣٧١.\n(٣) أخرجه البخاري في اللباس. باب الثياب البيض: ١٠/ ٢٨٣. ومسلم في الإيمان. باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (٩٤) ١/ ٩٥، والمصنف في شرح السنة: ١/ ٩٦، ٩٧.\n(٤) تفسير البغوي: ١/ ٦٧٩.","vol":"7","page":329},{"text":"١ - إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾.\n٢ - أن الفعل وأثره ينسبان إلى الله خلقًا وإياجادًا، وينسبان إلى العبد فعلًا وكسبًا.\nهذه المسألة تتعلق بما يسمى المتولدات وهي آثار الأفعال، كإبانة الغصن بالضرب فالضرب هو الفعل والإبانة هي أثر الضرب، وقد اختلف المتكلمون في محدثها:\nفقال الأشاعرة ومن وافقهم: إن الإنسان لا يكون فاعلًا في غير محل قدرته فلهذا قالوا: إن الأمور التي تقع بأثر الفعل هي من خلق الله وإرادته وليس للعبد فيها فعل وهو قول المصنف هنا.\nأما المعتزلة فلهم في ذلك أقوال: فقال النظام ومعمر: إنها تحصل بالطبع في المحل أي المحل الواقع عليه الفعل، وقال الجاحظ: إنها تحصل بالطبع في أفعال الجوارح، وقال ثمامة بن أشرس منهم: إنها حوادث لا محدث لها، وقال عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة: إنها من فعل العبد بواسطة.\nوالناظر في هذه الأقوال يتبين له خطأ بعضها وقصور بعضها عن الحق، فإن المعتزلة وإن أجاز بعضهم نسبتها إلى العبد فإنهم ينفون خلق الله عزوجل للفعل وأثره.\nأما الأشعرية فإنّهم يمنعون أن ينسب الأثر الواقع بفعل الإنسان إليه، والصحيح أن الفعل وأثره ينسبان إلى الله خلقًا وإياجادًا، وينسبان إلى العبد فعلًا وكسبًا فقد اشترك في وقوعه الإنسان والسبب المتصل به ولم يستقل كل واحد منهما بالفعل، وقد نسبه الله عزوجل إلى الإنسان فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ وقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ وقال: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ والقتل لا يكون إلا بواسطة في الغالب إلا أن يكون خنقًا ونحوه وكذلك القطع والنحت، وقد نسبه الله عزوجل إلى الإنسان باعتبار أنه من فعله وكسبه لهذا فإن الإنسان يجازى على فعله وعلى أثر فعله، قال عزوجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. وقال - ﷺ- في حديث أبي هريرة ﵁: \"من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعى إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" (١).\nوالله عزوجل خالق فعل العبد وخالق السبب والمسبب، ولو شاء لجعل من الموانع ما يمنع من أثر الفعل مع وجود سببه، كما هو الحال في النار التي ألقي فيها إبراهيم ﵇، وفي الذي مر على قرية خاوية فأماته الله مائة عام فقد حفظه الله من أن تأكله الأرض ونحو ذلك. أما قول المصنف: إنه لو كان العبد هو الفاعل لإبانة الغصن والموت في المقتول لاستطاع إعادة الغصن وبث الحياة في المقتول. فالواقع أن العلة في ذلك أن الغصن وكذلك الإنسان المقتول هو من صنع الله عزوجل وخلقه، وليس هو من صنع الإنسان ولا فعله لهذا إذا أفسده فإنه يمكنه أن يرجعه ويصلحه وهو مع ذلك من خلق الله تعالى (٢).\n٣ - مذهب أهل السنة والجماعة: أن القتل العمد من أعظم كبائر الذنوب عند الله، ولكن القاتل لا يخلد في نار جهنم، بل هو إن مات ولم يتب من ذلك تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه في النار، ثم يخرجه منها إلى الجنة؛ لأنه تعالى - فضلًا منه - لا يخلد في النار أحدًا من الموحدين. وقد ذكر الشوكاني في فتح القدير: \" أن مذهب جمهور العلماء هو القول بقبول توبة القاتل\" (٣).\n٤ - إثبات صفة الغضب لله تعالى، قال الطحاوي: \" \"والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا، والعداوة والولاية، والحب والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى\" (٤).\nقال ابن القيم: \"والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة، لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة، بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته، وجعل كل واحد غير الآخر، وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (٥). فتأمل ذكر\n_________\n(١) أخرجه مسلم كتاب العلم (ب. من سن سنة حسنة) ٤/ ٢٠٦٠.\n(٢) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الاشرار: ١/ ٢٣٨، وانظر: الأقوال في: الإرشاد للجويني ص ٢٠٦، أصول الدين للبغدادي ص ١٣٧ - ١٣٨، شرح الأصول الخمسة ص ٣٨٧ - ٣٩٠، درء تعارض العقل والنقل ٩/ ٣٤١، مجموع الفتاوى ٨/ ١٣٧.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٤٦١.\n(٤) شرح الطحاوية ص ٤١١ - ٤١٢.\n(٥) مسند أحمد: ١/ ٩٦، وسنن ابن ماجة: ٢/ ١٢٦٣.","vol":"7","page":330},{"text":"استعاذته ﷺ بصفة \"الرضا\" من صفة \"الغضب\" وبفعل \"المعافاة\" من فعل \"العقوبة\" فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره ... \" (١).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم; لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم. إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأجمعت الروايات بأن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله ﷺ بعد ما قال: \"إنيّ مسلم \" أو بعد ما شهد شهادة الحق أو بعد ما سلَّم عليهم، لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه. وقد تعددت الروايات في سرد تفاصيل القصة وبيان القاتل والمقتول على أقوال:\nأحدها: أن القاتل كان أناسا من المسلمين، والمقتول كان رجلا في غنيمة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٢).\nعن عطاء عن ابن عباس، قال: \" لقى ناس من المسلمين رجلا فى غنيمة له فقال السلام عليكم. فأخذوه فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ \" (٣).\nوالثاني: ان القاتل كان من اصحاب النبيﷺ-، والمقتول كان رجلا من بني سليم. وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة (٤).\nروي عن عكرمة عن ابن عباس، قال: \"مر رجل من بنى سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه غنم له فسلم عليهم، قالوا ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ \" (٥).\n_________\n(١) مدارج السالكين ١/ ٢٥٤.\n(٢) سوف يأتي تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٩١): ص ٨/ ٢٥٨، ومسلم (٣٠٢٥): ص ٤/ ٢٣١٩ صحيح.\n(٤) سوف يأتي تخريجه.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه (٨٩٩٠، ٨٩٩١): ص ١٠/ ١٢٥، و(١٤٠٥١، ١٤٠٥٢): ص ١٢/ ٣٧٧، ٣٧٨، ومسنده؛ كما في \"إتحاف الخيرة المهرة (٧٦٢٦): ص ٨/ ٥٩، وأحمد بن منيع في \"مسنده\"؛ كما في \"إتحاف الخيرة المهرة (٧٦٢٧): ص ٨/ ٥٩، وأحمد (٢٠٢٣): ص ١/ ٢٢٩، و(٢٤٦٢): ص ١/ ٢٧٢، و(٢٩٨٧): ص ١/ ٣٢٤، وعبد بن حميد في \"تفسيره\" -وعنه الترمذي (٣٠٣٠): ص ٥/ ٢٤٠، والطبري (١٠٢١٧): ص ٩/ ٧٦، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٧٥٢): ص ١١/ ٥٩ \"إحسان\"، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٧٣١): ص ١١/ ٢٢٢، والواحدي في \"أسباب النزول\" ١٧١، والحاكم في \"المستدرك\": ٢/ ٢٣٥، والبيهقي: ٩/ ١١٥، جميعهم من طريق إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس.\nوهذا سند ضعيف؛ فيه سماك بن حرب؛ صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة؛ فكان ربما يلقن، لكن توبع على أصل القصة عند البخاري ومسلم في الحديث السابق.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\"، وفي \"تفسير القرآن العظيم\" (١/ ٥٥١): \"حديث حسن صحيح\".\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوقال ابن كثير: \"وهذا خبر عندنا صحيح سنده\".\nوسكت عنه الحافظ في \"فتح الباري\" (٨/ ٢٥٨).\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٣٢)، وزاد نسبته لابن المنذر.","vol":"7","page":331},{"text":"والثالث: أن القاتل كان من أصحاب رسول اللهﷺ-، والمقتول كان رجلا من غطفان اسمه مرداس. وهذا قول قتادة (١)، وجابر (٢)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٣).\nقال قتادة: \" وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: \" إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا\" (٤).\nوالرابع: أن القاتل كان رجلا من المسلمين والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول الحسن (٥)، وقتادة في رواية معمر (٦).\nعن مبارك عن الحسن، قال: \"أن أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ ذهبوا يتطرقون فلقوا أناسا من العدو، فحملوا عليهم، فهزموهم، فشد منهم رجل فتبعه رجل يريد متاعه، فلما غثيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم، فأوجزه بالسنان فقتله، وأخذ متبعيه، قال: فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ للقاتل: أقتلته بعد ما قال إني مسلم؟ قال: يا رسول الله: قالها متعوذا. قال: شققت قلبه؟ قال: لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادقا هو أو كاذبا. قال: وكنت عالما ذلك يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ: إنما كان يعبر عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله ﷺ كم دفناه مرتين أو ثلاثة كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾، أهل الإسلام إلى آخر الآية. قال الحسن: أما والله ما ذاك إلا بكون الأرض تجن من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم ألا يعودوا\" (٧).\nوالخامس: أن القاتل كان محلم بن جثامة بن قيس، والمقتول كان عامر الأشجعى. وهذا قول عبدالله بن ابي حدرد (٨)، وابن عمر (٩).\nعن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد قال: \"بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعى ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر الأشجعى على قعود له متيع ومعه وطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشىء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٢٠): ص ٩/ ٧٧ - ٧٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٢٨): ص ٣/ ١٠٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٢١٩): ص ٩/ ٧٦ - ٧٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٢٢٠): ص ٩/ ٧٧ - ٧٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٢٤): ص ٣/ ١٠٣٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٢٢): ص ٩/ ٧٩.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٢٤): ص ٣/ ١٠٣٩.\n(٨) سوف يأتي تخريجه.\n(٩) أخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\"؛ كما في \"فتح الباري\" ٨/ ٢٥٩، ومن طريقه الطبري في تفسيره (١٠٢١١): ص ٩/ ٧٢ - ٧٣، عن نافع عن ابن عمر به، وسنده ضعيف؛ ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.\n(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": (١٨٨٥٩): ص ١٤/ ٥٤٧، و\"مسنده\"؛ كما في \"إتحاف الخيرة المهرة: (٧٦٢٩): ص ٨/ ٦٠، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٢/ ١٣٣ - معلقًا)، وأحمد (٢٤٣٧٨): ص ٦/ ١١، والطبري (١٠١٢): ص ٩/ ٧٣ - ٧٤، والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" ٧٢٩): ص ٢/ ٦٧٩، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٣/ ٧٧٧/٩٢)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\": (٥٨٢٦، ٥٨٢٧): ص ٣/ ١٠٤٠، وأبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (١٦٥٤): ص ٤/ ١٣٦ - ١٣٧ - ومن طريقه الواحدي في \"أسباب النزول: ١٧٣ - ١٧٤، والطبراني؛ كما في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في \"معرفة الصحابة\" (٣/ ١٣٥٨ رقم (٣٤٢٦، ١٦٢٤، ١٦٢٥)، رقم (٤٠٨٨، ٤٠٨٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١١٥)، و\"دلائل النبوة\" (٤/ ٣٠٥، ٣٠٦) جميعهم من طريق ابن إسحاق -وهذا في \"مغازيه\" (٤/ ٢٧٥ - ابن هشام) -: ثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه به.\nوهذا سند حسن -إن شاء الله-؛ فيه القعقاع؛ روى عنه ثقتان هما: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله، ووثقه ابن حبان في \"الثقات\" (٣/ ٣٤٩)، بل قال أبو حاتم والبخاري: له صحبة قلنا: ولا يصح، وألمح أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٣٦) إلى أنه ليس من الضعفاء بل ممن يقبل حديثهم.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٣٣)، وزاد نسبته لابن المنذر، وأبي نعيم في \"الدلائل\"، وعبد بن حميد.\nوسكت عنه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٥٩)، وأشار إلى ثبوته بقوله: \"وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معًا\".\nوقال شيخه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٨): \"رواه أحمد والطبراني؛ ورجاله ثقات\".\nوهذا شاهد لرواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ المتقدمة، ووجه الشبه بينهما كون المقتول من سليم (وأشجع من سليم) ووجود الغنيمات في كل.","vol":"7","page":332},{"text":"والسادس: أن القاتل كان المقداد بن الأسود، والمقتول كان رجلا من المشركين.\nعن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم؛ وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فأهوى إليه المقداد، فقتله؛ فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا يشهد أن لا إله إلا الله؟ ! لأذكرنَّ ذلك للنبي - ﷺ -، فلما قدموا على النبي - ﷺ -؛ قالوا: يا رسول الله! إن رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: \"ادع لي المقداد، يا مقداد! أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ \"؛ فأنزل الله -﵎-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فقال رسول الله - ﷺ - للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» \" (١).\nوالسابع: أن القاتل كان أسامة بن زيد، والمقتول كان مرداس بن نهيك. وهذا قول السدي.\nقال السدي: \" بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي ﷺ إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها! . فقال له رسول الله ﷺ: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! فأنزل الله ﷿ خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، فلما بلغ: ﴿فمنَّ الله عليكم﴾، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه\" (٢).\nوفي السياق نفسه: روي عن أبي ظبيان، قال: \"سمعت أسامة بن زيد يحدث، قال:\nبعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، من جهينة، قال: فصبحناهم، فقاتلناهم، فكان منهم رجل، إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته، أنا ورجل من الأنصار، قال: فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وقتلته، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: يا\n_________\n(١) أخرجه البخاري -معلقًا بصيغة الجزم-: (٦٨٦٦): ص ١٢/ ١٨٧، ووصله البزار في \"مسنده\": (٢٢٠٢): ص ٣/ ٤٥ - \"كشف\"، والطبراني في \"المعجم الكبير\": ١٢٣٧٩): ص ١٢/ ٣٠، ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\": ص ١٠/ ١٤٧ - ١٤٨ - ١٥٠، ومن طريقه الحافظ ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣) -، والدارقطني في \"الأفراد\"؛ كما في \"فتح الباري\" (١٢/ ١٩٠) -ومن طريقه الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٥/ ٢٤٣) -، وبحشل في \"تاريخ واسط\" (ص ١٧٨) جميعهم من طريق أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم ثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nقال البزار: \"لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس، ولا له عنه إلا هذا الطريق\".\nوقال الدارقطني: \"هذا حديث غريب من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، تفرد به حبيب بن أبي عمرة، وتفرد به أبو بكر بن علي بن مقدم، وهو أخو عمر بن علي؛ وأبو بكر هذا والد محمد، وهو غريب الحديث\".\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٢٢١): ص ٩/ ٧٨ - ٧٩.","vol":"7","page":333},{"text":"أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا من القتل، فكررها علي، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ\" (١).\nوذكر مقاتل نحو هذه القصة فقال: \" وذلك أن النبيﷺ- بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله. فلما أصبحوا رأوا رجلا يسمى مرداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أهل فدك معه غنيمة له، فلما رأى الخيل ساق غنيمته حتى أحرزها في الجبل- وكان قد أسلم من الليل وأخبر أهله بذلك- فلما دنوا منه كبروا فسمع التكبير فعرفهم فنزل إليهم. فقال: سلام عليكم، إنى مؤمن. فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بنى عبدود، فقال مرداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فطعنه أسامة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه. فلما قدم المدينة أخبر أسامة النبيﷺ. فلامه النبي ملامة شديدة. فقال النبيﷺ- قتلته وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه؟ فقال النبيﷺ-: أفلا شققت عن قلبه فتنظر صدق أم لا؟ قال يا رسول الله: كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده فقال: فلا صدقته بلسانه ولا أنت شققت عن قلبه فيبين لك. فقال: استغفر لي يا رسول الله. قال: فكيف لك بلا إله إلا الله يقول ذلك ثلاث مرات. فاستغفر له النبيﷺ- الرابعة. قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ فأمره النبي- صلى الله عليه سلم- أن يعتق رقبة. قال مقاتل﵀-: فعاش أسامة زمن أبي بكر وعمر وعثمان﵃- حتى أدرك علي بن أبي طالب﵁- فدعاه علي﵀- إلى القتال. فقال أسامة: ما أحد أعز علي منك، ولكن لا أقاتل مسلما بعد قول النبيﷺ: كيف لك بلا إله إلا الله؟ فإن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قال السيف: هذا مسلم. وإن ضربت به كافرا، قال لي: هذا كافر، قاتلت معك. فقال له علي: اذهب حيث شئت. فانزل الله﷿-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ \" (٢). أي: في قتل أسامة مرداس.\nوالثامن: أن القاتل كان أبو الدرداء، والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول ابن زيد.\nعن ابن وهب، قال ابن زيد: \" نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، ثم قال في الخبر: ونزل الفرقان: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا، ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾، خير من تلك الغنم، إلى قوله: ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ما في القرآن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه\" (٥).\nوقال الأعمش عن خيثمة: \" ما تقرأون من القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإن في التوراة \"يا أيها المساكين\" (٦).\n_________\n(١) - وفي رواية: \"بعثنا رسول الله ﷺ سرية، إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا، فأدركنا رجلا، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي من ذلك شيء، فذكرته لرسول الله ﷺ، فقال: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافة السلاح والقتل. فقال: ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ\".\n- وفي رواية: \"بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ ! قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فمازال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.\nقال: فقال سعد: وأنا والله، لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين، يعني أسامة، قال: قال رجل: ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة\".\nأخرجه أحمد (٢٢٠٨٨): ص ٥/ ٢٠٠، و(٢٢١٤٥): ص ٥/ ٢٠٧، والبخاري (٤٢٦٩): ص ٥/ ١٨٣، و(٦٨٧٢): ص ٩/ ٤، ومسلم (١٩٠)، (١٩١): ص ١/ ٦٧ - ٦٨، وأبو داود (٢٦٤٣)، والنسائي في\"الكبرى\" (٨٥٤٠)، (٨٥٤١).\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٢٢٥): ص ٩/ ٨٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٩): ص ٣/ ٧١٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٠): ص ٣/ ٧١٨.","vol":"7","page":334},{"text":"وروي أن \"رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤]، \"أي: إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله \" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: سرتم غزاة في سبيل الله\" (٣).\nقال ابو السعود: \" أي سافرتم في الغزو\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى: اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية\" (٦).\nقال ابو السعود: \" ى فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية\" (٧).\nوقرئ: «فتثبتوا»، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال (٨).\nقال السعدي: \" يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟\nفإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لما لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، \"أي: ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإِسلام لست مؤمنًا\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: مرداس وذلك أنه قال لهم: السلام عليكم إني مؤمن\" (١١).\nقال ابن عباس: \" حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة فهو آمن على ماله ودمه، فلا تردوا عليه قوله\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" السلم، والسلام، هما الاستسلام. وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام لست\" (١٣).\nوقرئ: «السلم» (١٤).\nوقرئ: «مؤمنا»، بفتح الميم من آمنه، أى لا نؤمنك (١٥).\nقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا\" (١٦).\nقال ابن عباس: \"تلك الغنيمة\" (١٧). وروي عن سعيد بن جبير (١٨)، ومسروق (١٩) نحو ذلك.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩١): ص ٣/ ٧١٨.\n(٢) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(٤) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢١٨.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٥٢.\n(٧) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢١٨.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٥٥٢.\n(٩) تفسير السعدي: ١٩٤.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٧٢.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٢٩): ص ٣/ ١٠٤٠.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٥٢.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٥٢.\n(١٥) انظر: الكشاف: ١/ ٥٥٢.\n(١٦) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٠): ص ٣/ ١٠٤١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٣٠): ص ٣/ ١٠٤١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٣٠): ص ٣/ ١٠٤١.","vol":"7","page":335},{"text":"وفي رواية أخرى عن ابن عباس ايضا: \" تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجد معه، وذلك عرض الدنيا\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: غنم مرداس\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به\" (٤).\nقال ابن عباس: \" فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" فعند الله مغانم كثيرة هي أحل لكم من هذا\" (٦).\nقال مقاتل: \"في الآخرة والجنة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ...، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \"يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: هكذا كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب النبيﷺ- إذا لقوكم، فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بمثله قبل هجرتكم \" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم\" (١٣).\nقال السعدي: \" أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان - على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه\" (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]، ثلاثة اقوال:\nاحدهما: معناه: كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، خوفا على انفسكم.\nقال سعيد بن جبير: \" تكتمون، قال: يخفون إيمانكم في المشركين\" (١٥). وفي رواية اخرى عنه ايضا: \" تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه\" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣١): ص ٣/ ١٠٤١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٢): ص ٣/ ١٠٤١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٣): ص ٣/ ١٠٤١.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٥٣.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٥.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٥٣.\n(١٤) تفسير السعدي: ١٩٤.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٤): ص ٣/ ١٠٤١.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٥): ص ٣/ ١٠٤١.","vol":"7","page":336},{"text":"والثاني: معناه: كذلك كنتم من قبل ضلالا.\nقال مسروق: \" لم تكونوا مؤمنين\" (١).\nقال ابن زيد: \"كفارًا مثله\" (٢).\nوالثالث: ويحتمل أن يكون المعنى إشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جاهليتكم لا تتثبتون، حتى جاء الله بالإسلام ومن عليكم. أفاده ابن عطية (٣).\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الاول، أي: \" كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة\" (٥).\nقال السمعاني: \" أي: تفضل الله عليكم\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: أم المعنى: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك.\nقال سعيد بن جبير: \" فأظهر الإسلام\" (٨)، وفي روياة اخرى: \" فهداكم\" (٩).\nوالثاني: معناه: فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلام طلبَ عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه.\nقال السدي: \" تاب عليكم. فحلف أسامة لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه\" (١٠).\nوالثالث: معناه: فمن الله عليكم بالهجرة فهاجرتم. قاله مقاتل بن سليمان (١١).\nوالراجح –والله أعلم-هو قول سعيد بن جبير، والمعنى: إذ\"رفع الله ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم\" (١٣).\nقال مقاتل: \" إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما\" (١٤).\nقال سعيد بن جبير: \" وعيد من الله مرتين\" (١٥).\nقال ابن كثير: \"تأكيد لما تقدّم\" (١٦).\nقال الزمخشري: \" تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم\" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٦): ص ٣/ ١٠٤١.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٢٣٠): ص ٩/ ٨٣.\n(٣) انظر: المحررالوجيز: ٢/ ٩٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٨٢.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٣.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٥٣.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٨): ص ٣/ ١٠٤٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٣٩): ص ٣/ ١٠٤٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٤٠): ص ٣/ ١٠٤٢.\n(١١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٨٥.\n(١٣) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٤١): ص ٣/ ١٠٤٢.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٥.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٥٥٣.","vol":"7","page":337},{"text":"قال ابن عطية: \" ثم أكد ﵎ الوصية بالتبين\" (١).\nقال القرطبي: \" معنى قوله: ﴿فتبينوا﴾ أي الأمر المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا، المعنيان سواء، فإن قتله أحد فقد أتى منهيًا عنه \" (٢).\nوقد حذّر الرسول -ﷺ - من التكفير أشد التحذير فقال: \"إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما\" (٣).\nويروي أبو ذر ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك\" (٤).\nقال ابن عبد البر: \" فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر\" (٥).\nويقول ابن دقيق العيد: \"وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم \" (٦).\nوفي بيان معنى الحديث قال الحافظ ابن حجر: \" والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ... فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله ... وقال القرطبي: .. والحاصل أن المقول له إن كان كافرًا كفرًا شرعيًا، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه\" (٧).\nوفي حديث آخر يشبه النبي - ﷺ - تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول: \"ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله\" (٨).\nورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ [الحجرات: ١١].\nقال ابن عبد البر: \"هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث [الحديث السابق]، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره إلا ببيان لا إشكال فيه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، أي: \" إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي: \" عالما به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه\" (١١).\nقال الطبري: \" يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" أعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر يتضمن تحذيرا منه تعالى، لأن المعنى إن الله كان بما تعملون خبيرا، فاحفظوا نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم\" (١٤).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٧.\n(٢) الجامع لاحكام القرآن: ٥/ ٣٣٩.\n(٣) رواه البخاري ح (٦١٠٣)، ومسلم ح (٦٠).\n(٤) رواه البخاري ح (٦٠٤٥)، ومسلم ح (٦١).\n(٥) التمهيد: ١٧/ ٢٢.\n(٦) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ٤/ ٧٦.\n(٧) فتح الباري (١٠/ ٤٦٦ - ٤٦٧.\n(٨) رواه البخاري ح (٦٠٤٧).\n(٩) التمهيد: ١٧/ ٢١.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٣.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٧١.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٥٣.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٧.","vol":"7","page":338},{"text":"قال السعدي: \" فيجازي كلا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم\" (١).\nقال مقاتل: \" فقال أسامة والله لا أقتل رجلا بعد هذا يقول لا إله إلا الله\" (٢).\nقال البغوي: \" إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم، فإن النبي ﷺ كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم\" (٣).\nوقد روي عاصم أن النبي -ﷺ- كان إذا بعث سرية قال: \"إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا\" (٤).\nالفوائد:\n١ - الحكم بالظاهر، هذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي - ﵀ - مبينًا أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: \"إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه ... ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ... فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية \" (٥).\nقال رسول الله -ﷺ-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\" (٦).\n٢ - وجوب التبين والتثبت، وعدم التسرع في إصدار الحكم على الناس.\n٣ - التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (٧).\nقال شيخ الإسلام: \"ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله\" (٨).\n٤ - في الآية إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.\n\nالقرآن\n﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير السعدي: ١٩٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢٦٩.\n(٤) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب دعاء المشركين: ٣/ ٤٣٢، وعزاه المنذري للنسائي، والترمذي في السير، باب حدثنا محمد بن يحيى: ٥/ ١٥٥، وقال: هذا حديث حسن غريب، والشافعي: ٢/ ١١٦ (من ترتيب المسند)، وأخرجه الطبراني في الكبير مطولا. . . انظر: الإصابة لابن حجر: ٤/ ٥٠٠ - ٥٠١، وسعيد بن منصور في السنن: ٢/ ١٤٩ - ١٥٠، والمصنف في شرح السنة: ١١/ ٦٠.\n(٥) الموافقات: ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.\n(٦) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٧) انظر: دائع الصنائع للكاساني (٧/ ١٣٤)، وفتح القدير لابن الهمام (٦/.\n(٨) الرد على البكري لشيخ الإسلام: ١/ ٣٨١.","vol":"7","page":339},{"text":"لا يتساوى المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله -غير أصحاب الأعذار منهم- والمجاهدون في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين، ورفع منزلتهم درجة عالية في الجنة، وقد وعد الله كلا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين من أهل الأعذار الجنة لِما بذلوا وضحَّوا في سبيل الحق، وفضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين ثوابًا جزيلا.\nسبب النزول:\nأسبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾.\nنقل أبو حيان عن سليمان الدمشقي: أنها\"نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله ﷺ\" (١).\nب وفي سبب نزول قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، أقوال:\nاحدها: أنها نزلت في ابن ام مكتوم، وهذا قول البراء بن عازب (٢)، وزيد بن ثابت (٣)، ابن عباس في إحدى الروايات (٤)، وزيد بن أرقم (٥)، عبدالله بن شداد (٦)، وأنس بن مالك (٧)، وقتادة (٨)، عبدالرحمن بن ابي ليلى (٩)، والسدي (١٠).\nعن البراء بن عازب -﵄-؛ قال: \"لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ دعا رسول الله - ﷺ - زيدًا؛ فجاءه بكتف، فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته؛ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ \" (١١).\nوعن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت أخبره: \" أن رسول الله ﷺ أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله، ﵎، على رسوله ﷺ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله، ﷿: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ \" (١٢).\nوعن زيد بن أرقم؛ قال: \"لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ جْرًا عَظِيمًا﴾؛ جاء ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله! أما لي رخصة؟ قال: \"لا\"، قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير؛ فرخص لي؛ فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ فأمر رسول الله - ﷺ – بكتابتها\" (١٣).\n_________\n(١) البحر المحيط: ٤/ ٣٤.\n(٢) سيأتي تخريجه.\n(٣) سيأتي تخريجه.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٤٣): ص ٩/ ٩٢ - ٩٣.\n(٥) سيأتي تخريجه.\n(٦) انظر: سنن سعيد بن منصور في (٦٨٢): ص ٤/ ١٣٦٠، والطبري (١٠٢٤٥): ص ٩/ ٩٣، وذكره السيوطي في الدر: ٢/ ٦٤٢. مرسل صحيح الإسناد.\n(٧) انظر: سنن سعيد بن منصور في (٦٨٣): ص ٤/ ١٣٦٠. وسنده ضعيف؛ فيه علي بن زيد بن جدعان، لكنه صحيح بما سبق.\n(٨) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤٣)، ونسبه لابن المنذر. وهو مرسل.\n(٩) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٤/ ٢١٠)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤٣)، وزاد نسبته لابن المنذر. إسناده صحيح لكنه مرسل.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٤٧): ص ٩/ ٩٤. وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف أسباط.\n(١١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٢٨٣١): ص ٦/ ٤٥، و(٤٥٩٣)، (٤٥٩٤): ص ٨/ ٢٥٩، ٢٦٠، و(٤٩٩٠): ص ٩/ ٢٢، ومسلم في صحيحه: (١٨٩٨): ص ٣/ ١٥٠٨ - ١٥٠٩، والإمام أحمد الفتح الرباني (٢٤١): ص ١٨/ ١١٨، والترمذي (٣٠٣١): ص ٥/ ٢٤٠، والنسائي وابن حبان في جامع الأصول: ٢/ ١٠٢، والطبري (١٠٣٣) - (١٠٣٧): ص ٩/ ٨٦ - ٨٨، وأبو عوانة في فتح الباري: ٨/ ٢٦١، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد في فتح القدير: ١/ ٥٠٣.\nوقد فات السيوطي أن يذكر مسلمًا ضمن من خرج الحديث، لما ذكره في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٣٩)؛ فليستدرك.\n(١٢) أخرجه أحمد (٢١٩٣٨): ص ٥/ ١٨٤، والبخاري (٢٨٣٢): ص ٤/ ٣٠، (٤٥٩٢): ص ٦/ ٥٩، والترمذي (٣٠٣٣)، والنسائي: ٦/ ٩، وفي \"الكبرى\": (٤٢٩٢)، (٤٢٩٣). صحيح.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٠٢٣٨): ص ٩/ ٨٩، والطبراني (٥٠٥٣): ص ٥/ ١٩٠. وسنده ضعيف؛ فيه أبو إسحاق السبيعي مدلس، وكان اختلط. وقد عنعن، ولكن الحديث صحيح على كل حال بشواهده المتقدمة.","vol":"7","page":340},{"text":"والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم، وعذا قول ابن عباس (١)، ومقاتل (٢).\nعن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \" ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر لما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ ! فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر\" (٣).\nوالثالث: انها نزلت في رجل أعمى. وهذا قول عاصم (٤)، وسعيد بن جبير (٥).\nعن الفَلَتان بن عاصم؛ قال: \"كنا عند النبي - ﷺ -، فأُنزل عليه، -وكان إذا أنزل عليه؛ رام بصره، مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله-، قال: فكنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب: «اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾»، قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول الله! ما ذنبنا؟ فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي - ﷺ -، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء من أمره؛ فبقي قائمًا يقول: أعوذ بالله من غضب رسول الله، قال: فقال النبي - ﷺ -: «اكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾» \" (٦).\nوالرابع: أنها نزلت في قوم مرضى. وهذا قول ابن عباس ايضا (٧).\nعن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \"هم قوم كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - لا يغزون معه؛ لأسقام وأمراض وأوجاع، وآخرون أصحاء لا يغزون معه، وكان المرضى في عذر من الأصحاء\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥]، \" أي: لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في سبيل الله غير أهل الأعذار\" (٩).\nقال الزجاج: \" المعنى: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر، والضرر أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا أو مريضا\" (١٠).\nقال مقاتل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ \" يعني: عبد الله بن جحش الأسدي، وابن أم مكتوم من أهل العذر\" (١١).\n_________\n(١) سيأتي تخريجه.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.\n(٣) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٥/ ٢٤١ رقم ٣٠٣٢)، والنسائي في \"التفسير\" (١/ ٣٩٩ رقم ١٣٧)، والطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٤١ رقم ١٤٩٦)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٠٢٤٢): ص ٩/ ٩٢، والبيهقي في \"الكبرى\": ٩/ ٤٧، من طريق حجاج من محمد المصيصي عن ابن جريج: أخبرني عبد الكريم سمع مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث يحدث عن ابن عباس: (فذكره).\nوسنده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه: (٣٩٥٤): ص ٨/ ٢٦٠، و(٤٥٩٥): ص ٨/ ٢٦٠. مختصرًا ليس فيه اللفظ المذكور.\nوزاد السيوطي نسبته في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤١) لابن المنذر.\n(٤) سيأتي تخريجه.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٤٤): ص ٩/ ٩٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مسنده\"؛ كما في \"المطالب العالية\": (٣٩٣٧): ص ٨/ ٥٤٦، ٥٤٧ المسندة، و\"الإصابة\": ٣/ ٢٠٩، و\"إتحاف الخيرة المهرة\": (٧٦٣٠): ص ٨/ ٦٠، ٦١، وأبو يعلى في \"المسند\" (١٥٨٣): ص ٣/ ١٥٦، ١٥٧، وعنه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٣٣ - \"موارد\") -، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٥٦): ص ١٨/ ٢٨٠، ٢٨١، والبزار في \"مسنده\": (رقم ٢٢٠٣): ص ٣/ ٤٥، ٤٦ - \"كشف\")، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢/ ٢٨١ رقم ١٠٣٩/ ٥٨ رقم ٢٥٩٣)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\": (١٥٠٣): ص ٤/ ١٤٨، ١٤٩، جميعهم من طريق عبد الواحد بن زياد: ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الفلتان به.\nوهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات.\n(٧) سيأتي تخريجه.\n(٨) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٧٧٥): ص ١٢/ ١٢٨، والطحاوي في \"مشكل الآثار\": ٤/ ١٤٧، والبيهقي: ٩/ ٢٤، من طرق عن أبي عقيل الدورقي عن أبي نضرة عن ابن عباس به.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": ٧/ ٩\\: \"رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما ثقات\".\nقلنا: إسناده صحيح.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤٢)، وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٧٣.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٩٢ - ٩٣.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.","vol":"7","page":341},{"text":"قال الواحدي: \" أي: الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد لا يستوي هؤلاء [والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم] \" (١).\nقال البيضاوي: \" أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته\" (٢).\nقال ابن كثير: \" فقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ صار ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد - من الْعَمَى والعَرَج والمرض - عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم\" (٣).\nوالضرر: \"المرض، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها.\" (٤).\nقال الراغب: \" والضرر: اسم عام لكل ما يضر بالإنسان في بدنه ونفسه، وعلى سبيل الكفاية عبر عن الأعمى بالضرير.\nفإن قيل: كيف يصح حمله على الأمراض النفسية، وقد قال في ذم الكفار: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]؟\nقيل: إن الذي عذرهم الله تعالى فيه هو ما لم يكن الإنسان نفسه سببه، وما ذموا به فهو المرض، أي الجهل الذي يكون هو سبب استجلابه من ترك إصغائه إلى الحق، وإهمال نفسه من العادات الجميلة\" (٥).\nقال الزمخشري: \"فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفى الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترقع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم\" (٦).\nعن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: \" «إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه»، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: «نعم حبسهم العذر» \" (٧).\nوقرئت: «غير أولي الضرر»، برفع\"الراء\"، وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة، وقرأ نافع والكسائي وابن عامر «غير»، بالنصب (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، \"أي فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل الأعذار درجة\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، على القاعدين من أولي الضرر، فضيلة واحدة وذلك بفضل جهاده بنفسه، فأما فيما سوى ذلك، فهما مستويان\" (١٠).\nقال الواحدي: \" لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة والقاعدين من أهل العذر قصدوها وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، \" أي: وكلًا من المجاهدين والقاعدين بسبب ضررٍ لحقهم وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة\" (١٢).\nقال الواحدي: أي: \" من المجاهدين والقاعدين المعذورين\" (١٣).\nقال قتادة: \" وهي الجنة، والله يؤتي كل ذي فضل فضلَه\" (١٤).\n_________\n(١) الوجيز: ٢٨٣.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٥٣.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٤٠٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٥٤.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٢٨٣٨) والمسند (٣/ ١٠٣).\n(٨) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٩٥، ومعاني القرآن للأخفش: ١/ ٢٦٤، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٢، والسبعة في القراءات: ٢٣٧.\n(٩) صفوة التفاسير: ١٧٣.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٩٥.\n(١١) الوجيز: ٢٨٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ١٧٣.\n(١٣) الوجيز: ٢٨٣.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٠٢٥٣): ص ٩/ ٩٦.","vol":"7","page":342},{"text":"قال السدي: \" ﴿الحسنى﴾، الجنة\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: وعد الجنة\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾، أى: المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة\" (٤).\nقال المراغي: \" أي ووعد الله كلا ممن جاهد وقعد عن الجهاد عجزا منه مع تمنى القدرة عليه المثوبة الحسنى وهى الجنة، فكل منهما كامل الإيمان مخلص لله فى العمل\" (٥).\nقال الإمام الشافعي: \" فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، \"أي: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم\" (٧).\nقال ابن جريج: \" على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر\" (٨).\nقال السمعاني: \" أراد بالقاعدين هنا: غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم أجرا عظيما\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر، أجرًا عظيمًا\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - مدح الله تعالى للمجاهدين، وبيان فضل الجهاد والإنفاق فيه.\n٢ - بيان فضل الصحابة-رضوان الله عليهم- فالصحابة خير هذه الأمة بلا شك ولكنهم على مراتب بعضهم أفضل من بعض.\n٣ - في الآية بيان لفضل السابقين إلى الإسلام، والمجاهدين في سبيل الله على غيرهم، وعلى هذا الأساس السابق فضل أهل السنة والجماعة أهل بدر على غيرهم من الصحابة، وقد خصهم النبي ﷺ في حديثه بأفضلية لم يشاركهم فيها غيرهم لما قال: \"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم\" (١١).\nوكذلك جاء في السنة تفضيل العشرة على هؤلاء للنص عليهم بأعيانهم بأنهم في الجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة بن خويلد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد (١٢).\nأما الخلفاء الأربعة فهم في المقدمة؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا باتباع سنتهم دون غيرهم كما جاء في حديث العرباض بن سارية ﵁: \" ... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. \" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٢٥٤): ص ٩/ ٩٦.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٩٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٨.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٥٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٥/ ١٢٩.\n(٦) تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٦٤٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ١٧٣.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٢٥٥): ص ٩/ ٩٦ - ٩٧.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٦٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٩٦.\n(١١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب ٩ ج ٥/ ١٠، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب ٣٦ ج ٤/ ١٩٤١، وأبو داود في كتاب الجهاد باب ١٠٨ ج ٣/ ١٠٨، والترمذي في كتاب التفسير باب ٦١ ج ٥/ ٤٠٩، والدارمي في كتاب الرقاق باب فضل أهل بدر ٢/ ٣١٣، وأحمد في المسند ١/ ٨٠.\n(١٢) انظر: سنن الترمذي كتاب المناقب باب ٢٦ ج ٥/ ٢٦٤٧، وأبو داود في كتاب السنن باب ٩ ج ٥/ ٣٩، وابن ماجة في مقدمة سننه باب ١١ ج ١/ ٤٨.\n(١٣) أخرجه الترمذي في كتاب العلم باب ١٦ ج ٥/ ٢٤٤، وأبو داود في كتاب السنة باب ٦ ج ٥/ ٢١٣، وابن ماجة في مقدمة سننه باب ٦ ج ١/ ١٥، وأحمد في المسند ج ٤/ ١٢٦، والدارمي في مقدمة سننه باب اتباع السنة ١/ ٤٤.","vol":"7","page":343},{"text":"وهم على هذا الترتيب في أرجح الأقوال، قال ابن عمر: \"كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان بن عفان ﵃\" (١).\nوقال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: \"وفي هذا الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة\" ثم حكى الخلاف في ذلك وختمه بقوله: \"وحديث الباب حجة للجمهور\" (٢).\nوقال الإمام أحمد: \"وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس\" (٣).\nوقال ابن الصلاح: \"أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر، ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي ...، وتقديم عثمان هو الذي استقر عليه مذاهب أصحاب الحديث وأهل السنة، وأما أفضل أصنافهم صنفًا، فقد قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان. قال ابن الصلاح: وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب .. \" (٤).\nوقال ابن حجر: \"تقرر عند أهل السنة قاطبة تقديم علي بعد عثمان وتقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، وتقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك\" (٥).\nقال الاشعري: \" وأجمعوا على أن خير القرون قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم على ما قال ﷺ: «خيركم قرني» (٦)، وعلى أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشر، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضوان الله عليهم\" (٧).\n٤ - احتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال: إن الغنى أفضل من الفقر وإن متعلقه بها لبين (٨).\n٥ - وتأمل حسن هذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها فإنه نفى التسوية أولا بين المجاهد وغيره ثم صرَّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات، وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح أو النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم - أحسن لفظا وأوقع في النفس.\nالقرآن\n﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٦]\nالتفسير:\nهذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم ورحمة واسعة ينعمون فيها. وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله.\nقوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٦]، أي: \" هذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم، ورحمة واسعة ينعمون فيها\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ٤ ج ٤/ ١٩١، وانظر سنن أبي داود كتاب السنة باب ٨ ج ٥/ ٢٤، والترمذي كتاب المناقب باب ١٩ ج ٥/ ٦٢٩.\n(٢) انظر فتح الباري ٧/ ١٦، ٣٤.\n(٣) رسالة السنة: ٨٧.\n(٤) علوم الحديث: ٢٦٨، ٢٦٩.\n(٥) فتح الباري ٧/ ٥٨.\n(٦) الحديث أخرجه النسائي بهذا اللفظ من رواية عمران بن حصين في كتاب الأيمان والنذور باب الوفاء بالنذر ٧/ ١٧، وأخرجه البخاري من رواية عبد الله بن مسعود بلفظ: \"خير الناس قرني\" ومن رواية عمران بن حصين \"خير أمتي قرني\". (انظر البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي باب ١ ج ٤/ ١٨٩، ومسلم فضائل الصحابة باب ٥٢ ج ٤/ ١٩٦٢، وأبو داود في كتاب السنة باب ١٠ ج ٥/ ٤٤، والترمذي في كتاب الفتن باب ٤٥ ج ٤/ ٥٠٠.\n(٧) رسالة إلى أهل الثغر بباب الابواب، الإجماع السادس والاربعون: ص ١٧٠، ذهب الأشعري إلى هذا التفضيل كما سبقه غيره إليه أخذًا من مفهوم القرآن والسنة.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٩٨.\n(٩).التفسير الميسر: ٩٤","vol":"7","page":344},{"text":"قال الطبري: أي: \" فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة، وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها، ورأفة بهم \" (١).\nقال الواحدي: \" أَيْ: منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ من منازل الكرامة\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: فضائل ورحمة\" (٣). وقال أيضا: \" درجة: يعني: فضيلة\" (٤).\nوختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٦]، على أقوال:\nأحدها: أن: \"الإسلام درجة، والهجرة درجة، والقتل في سبيل الله درجة\". وهذا قول قتادة (٥).\nوالثاني: أنه عنى بذلك درجات الجنة. وهذا قول ابن محيريز (٦).\nقال ابن محيريز: \" الدرجات: سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين سنة \" (٧).\nوالثالث: قال ابن زيد: \" «الدرجات»: هي السبع التي ذكرها في سورة براءة: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. قال: هذه السبع الدرجات. قال: وكان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مُجْملة، فكان الذي جاهد بماله له اسمٌ في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفصيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة، فقرأ: ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ﴾، وقال: ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾، قال: وهذه نفقة القاعد\" (٨).\nواالصواب -والله أعلم- \" أن يكون معنيًّا به: درجات الجنة، كما قال ابن محيريز، لأن قوله تعالى ذكره: ﴿درجات منه﴾: ترجمة وبيان عن قوله: ﴿أجرًا عظيمًا﴾، ومعلوم أن «الأجر»، إنما هو الثواب والجزاء\" (٩).\nقال ابن عطية: \" ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس\" (١٠).\nواختلف في موضع نصب قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ [النساء: ٩٦]، على قولين (١١):\nأحدهما، أن قوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾، في موضع نصب بدلا من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النسساء: ٩٥]، وهو مفسر للآخر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات ومغفرة ورحمة.\nوالثاني: أن يكون ﴿دَرَجَاتٍ﴾ منصوبًا على إضمار فعل على أن تون توكيدا لـ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النسساء: ٩٥]، كما تقول: لك علي ألف درهم عرفا، كأنك قلت أعرفها عرفا، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من اللَّه جلَّ وعزَّ والمغفرة والرحمة، وكأنه قيل: غفر اللَّه لهُمْ مغفرة، وأجَرهم أجرًا عظيمًا، لأن قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فيه معنى «غَفَر ورَحِمَ وفَضَّل».\nعن أبي سعيد الخدري قال: \"قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» \" (١٢).\nوعن عبد الله بن مسعود قال: \"قال رسول الله ﷺ: «من بلغ بسهم فله أجره درجة»، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: «أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام» \" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٩٧، ٩٩.\n(٢) الوجيز: ٢٨٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥٨): ص ٣/ ١٠٤٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥٢): ص ٣/ ١٠٤٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥٩): ص ٣/ ١٠٤٥.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٥٧): ص ٣/ ١٠٤٥.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥٧): ص ٣/ ١٠٤٥.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٢٥٦): ص ٩/ ٩٧ - ٩٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٩٨.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٨.\n(١١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٣ - ٩٤، والمحرر الوجيز: ٢/ ٩٨\n(١٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٨٤)، وابن أبي حاتم (٥٨٥٠): ص ٣/ ١٠٤٤، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ لا من حديث أبي سعيد الخدري برقم (٢٧٩٠).\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥١): ص ٣/ ١٠٤٤.","vol":"7","page":345},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، أي: \" وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" بفضل سبعين درجة\" (٢).\nقال الواحدي: \" يريد: للفريقين جميعا، للمجاهدين والقاعدين\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ولم يزل الله ﴿غفورًا﴾ لذنوب عباده المؤمنين، يصفح لهم عن العقوبة عليها ﴿رحيما﴾ بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه\" (٤).\nعن ابن عباس في قوله: \" ﴿وَكَانَ﴾، قال: وكذلك كان لم يزل\" (٥).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة أن أهل الجنة طوائف متفاوتة، ولهم دَرَجٌ كثيرةٌ، قال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً﴾، وكما قال تعالى: ﴿هم درجاتٌ عند الله﴾ [آل عمران: ١٦٣].\n٢ - والآية تدل على تفاضل المؤمنين بزيادة الأعمال.\n٣ - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما: «الغفور»، «الرحيم»، فالـ «غفور»: صيغة مبالغة، يدل على كثرة الغفر لذنوب عباده التائبين- وقد ورد في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة، واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب آية ٤٣]، وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (٦).\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧]\nالتفسير:\nإن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة، تقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا، فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: روي عكرمة عن ابن عباس: \"أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله -ﷺ-، يأتى السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، الآية\" (٧).\nوفي رواية أخرى عن عكرمة عن ابن عباس أيضا، قال: \"كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا! فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون\n_________\n(١).التفسير الميسر: ٩٤\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٦١): ص ٣/ ١٠٤٥.\n(٣) التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ١٠٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٩٩.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٦٠): ص ٣/ ١٠٤٥.\n(٦) انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع ٤٥: ص ٩٤، وع ٤٦: ص ٧٢ - ٧٣.\n(٧) أخرجه البخاري (٤٥٩٦): ص ٦/ ٦٠، والطبرانى في \"الأوسط\" (٣٦٠): ص ١/ ٢٣٤، و(٧٠٨٥): ص ٩/ ٦٥، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٠٥٤)، والطبري (١٠٢٦١): ص ٩/ ١٠٣ - ١٠٤، وابن أبي حاتم (٥٨٦٢): ص ٣/ ١٠٤٥. [صحيح]","vol":"7","page":346},{"text":"فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت: ١٠]، إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة النحل: ١١٠]، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقُتِل من قتل\" (١).\nوالثاني: عن ابن جريج عن عكرمة: \" قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف، قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعِيرِ قريش من رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنْ يطلبوا ما نِيل منهم يوم نَخْلة، خرجوا معهم شباب كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم\" (٢). وروي عن ابن إسحاق نحو ذلك (٣).\nوالثالث: عن ابن جريج، قال مجاهد: \"نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش\" (٤).\nوالرابع: وقال الضحاك: \" هم أناس من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يومئذ فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية\" (٥).\nوالرابع: وقال قتادة: \" حُدِّثنا أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلّموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوِّ الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبلَ منهم\" (٦).\nالظاهر-والله أعلم- أن الروايات جميعها متقاربة، وأن \" المراد بهذه الآية إلى قوله: ﴿مصيرا﴾، جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي ﷺ الإيمان به، فلما هاجر رسول الله ﷺ أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، أي: \" إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة\" (٨).\nقال الزجاج: \" المعنى: تتوفاهم في حال ظلمهم أنْفُسَهُم، يُعنَى به: المشركون الذين تخلفوا عن الهجرة إِلى النبي - ﷺ –\" (٩).\nقال الزمخشري: \" هم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧]، \" أي: تقول لهم الملائكة في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم؟ \" (١١).\nقال مقاتل: \" يقول: في أي شيء كنتم\" (١٢).\nقال الزجاج: \" أي: قال الملائكة للمشركين: فيم كنتم؟ أي: أكنتم في المشركين أم في أصحاب محمد - ﷺ -؟ وهذا سؤَال توبيخ\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٢٦٠): ص ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، وابن أبي حاتم (٥٨٦٣): ص ٣/ ١٠٤٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٢٦٤): ص ٩/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٦٦): ص ٩/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٢٦٤): ص ٩/ ١٠٥ - ١٠٦. سنده ضعيف جدًا؛ فيه ثلاث علل: الأولى: الإرسال. الثانية: ابن جريج لم يسمع من عكرمة. الثالثة: سنيد صاحب \"التفسير\" ضعيف.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٢٦٨): ص ٩/ ١٠٨.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٢٦٧): ص ٩/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٩.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٤.\n(٩) معاني القرىن: ٢/ ٩٤.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٥٥.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٤، وصفوة التفاسير: ١٧٦.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠١.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٩٥.","vol":"7","page":347},{"text":"قال البغوي: \" أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك\" (١).\nقال السعدي: \" أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.، [و] هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]، أي: \" فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا\" (٣).\nقال الزجاج: \" فأَعلم اللَّه أَنهم كانوا مستضعفين عن الهجرة\" (٤).\nقال مجاهد: \" قالوا كنا مستضعفين بمكة\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة\" (٧)\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف صح وقوع قوله كنا مستضعفين في الأرض جوابا عن قولهم ﴿فيم كنتم﴾؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟\nقلت: معنى ﴿فيم كنتم﴾، للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: \" فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ \" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" قالوا: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرجوا\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني أرض الله المدينة ﴿فتهاجروا فيها﴾؟ يعني إليها\" (١١).\nقال الزمخشري: \" أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله ﷺ كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة\" (١٢).\nوعن الحسن عن النبي -ﷺ – قال: \" من فر بدينه من أرض -وإن كان شبرا من الأرض- استوجب به الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ \" (١٣).\nقال السدي: \" لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله ﷺ للعباس: افد نفسك وابني أخيك. قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم، ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ \" (١٤).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ٢/ ٢٧٢.\n(٢) تفسير السعدي: ١٩٥.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٤.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ٩٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٦٧): ص ٣/ ١٠٤٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠١.\n(٧) تفسير السعدي: ١٩٥.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٥٥.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٤.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٦٨): ص ٣/ ١٠٤٧.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٥٥.\n(١٣) أخرجه الثعلبي في تفسيره مرسلا: ٣/ ٣٧٢، وانظر: الكشاف: ٣١/ ٥٥٥، وتفسير مجمع البيان: ٣/ ١٧٢، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣٤٧، وتفسير البيضاوي: ٢/ ٩٢، وتفسير السمعاني: ١/ ٣٨٨، وغيرهم.\nقال الحافظ ابن حجر فى الكافي الشاف: أخرجه الثعلبي من مرسل الحسن. انظر الكافي الشاف (٣/ ٤٦١).\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٦٩): ص ٣/ ١٠٤٧.","vol":"7","page":348},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: \" فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني وبئس المصير صاروا\" (٢).\nقال الثعلبي: \" فأكذبهم الله ﷿ وإنما أنهم كانوا مستطيعين الهجرة\" (٣).\nقال البغوي: \" فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: ﴿فأولئك مأواهم﴾ منزلهم ﴿جهنم وساءت مصيرا﴾ أي: بئس المصير إلى جهنم\" (٤).\nقال السدي: \" فيوم نزلت هذه الآية، كان كل من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر\" (٥).\nقال ابن عطية: \" وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي\" (٦).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الهجرة\" فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد البدعة التي يدعوا أهلها إليها إلى بلد السنة وأنها باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها\" (٧). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].\nوقال الرسولﷺ-: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها\" (٨).\n٢ - ومن الفوائد: النهي عن المقام بين أظهر المشركين، لقوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، قال الجصاص: \" وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام\" (٩).\n٣ - ومنها: أن من أقام في دار الجهالة ذليلًا مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ...﴾ الآية، فيوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ (١٠).\nأن لهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام:\nالقسم الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله -ﷺ- على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر -ﷺ- فيما صح عنه: \"المهاجر من هجر ما نهى الله عنه\" (١١)، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية.\nالقسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٢.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٧٢.\n(٤) تفسير البغوي: ٢/ ٢٧٣.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٧٠): ص ٣/ ١٠٤٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٩٩ - ١٠٠.\n(٧) أصول الدين الإسلامي مع قواعده الاربع، الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ١٩ ..\n(٨) أخرجه أبو داود: الجهاد (٢٤٧٩)، وأحمد (٤/ ٩٩)، والدارمي: السير (٢٥١٣) ..\n(٩).أحكام القرىن: ٣/ ٢٢٨\n(١٠) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ٢/ ١٨٢.\n(١١) البخاري: الإيمان (١٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩٦)، وأبو داود: الجهاد (٢٤٨١)، وأحمد (٢/ ١٩٢،٢/ ٢٠٩) ..","vol":"7","page":349},{"text":"وبطلان ما هم عليه؛ لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحا بالمال والوطن، قال أهل العلم: أن هذا عاص ومرتكب محرما، وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).\nالقرآن\n﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨]\nالتفسير:\nويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم، ولا يعرفون طريقًا يخلصهم مما هم فيه من المعاناة.\nفي سبب نزول الآية والتي وجهان:\nأحدهما: قال قتادة: \" قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، أناسٌ من أهل مكة عذَرهم الله فاستثناهم، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢) \" (٣).\nعن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: \"كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ \" (٤).\nوالثاني: روي عن مجاهد في قوله: \" ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مؤمنون مستضعفون بمكة، فقال فيهم أصحاب محمد ﷺ: هم بمنزلة هؤلاء الذين قتلوا ببدر ضعفاء مع كفار قريش. فأنزل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، الآية\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨]، أي: \" ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم\" (٦).\nقال الثعلبي: \" يعني: المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة لم يستطيعوا الهجرة ومنعوا من اللحوق بالنبي ﷺ ويتجهزون للحوق به من الرجال والنساء والولدان و﴿المستضعفين﴾، نصب على الاستثناء من ﴿مأواهم﴾ \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨]، أي: \" الذين لا يستطيعون الخلاص\" (٨).\nقال مقاتل: \" يقول ليس لهم سعة للخروج إلى المدينة\" (٩).\nقال عكرمة: \" نهوضا إلى المدينة\" (١٠).\nوقال السدي: \" حيلة في المال\" (١١).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، أي: \" ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة\" (١٤).\nقال عكمرة: \" طريقا إليها، يعني: المدينة\" (١٥). وروي عن مجاهد والسدي مثل ذلك.\n_________\n(١) انظر: الإيمان والرد على اهل البدع، الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ١٣٥.\n(٢) [سورة النساء: ٩٩].\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٢٦٧): ص ٩/ ١٠٧ - ١٠٨، وابن ابي حاتم (٥٨٧٦): ص ٣/ ١٠٤٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٢٧٠): ص ٩/ ١٠٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٢٧٧): ص ٩/ ١١٠ - ١١١.\n(٦) التفسير الميسر: ٩٤.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٧٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٧٣): ص ٣/ ١٠٤٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٧٤): ص ٣/ ١٠٤٨.\n(١٢) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤٠١.\n(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٧٢.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٧٥): ص ٣/ ١٠٤٨.","vol":"7","page":350},{"text":"قال مقاتل: \" يعني: ولا يعرفون طريقا إلى المدينة\" (١).\nقال قتادة: \" وكان ابن عباس يقول: كنتُ أنا وأمي من الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ \" (٢).\nأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: \"بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: \" سمع الله لمن حمده \" ثم قال قبل أن يسجد \" اللهم نَج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نَج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف\" (٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: \" أن رسول الله ﷺ رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: «اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار» \" (٤).\nالفوائد:\n١ - يتضح من الآية أن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يهاجر - من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين - ولكن محبة للأهل والمال والوطن، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، فهؤلاء خرجوا من الوعيد فلم يبق شبهة (٥).\n٢ - من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها (٦).\nالقرآن\n﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩]\nالتفسير:\nفهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو; لعلمه تعالى بحقيقة أمرهم. وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم.\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، أي: \" فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \" فأولئك الذين هم بهذه الصفة، ﴿عسى الله﴾، أن يتجاوز [عنهم] \" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة\" (٩).\nقال مقاتل: \" والـ «عسى» من الله واجب\" (١٠).\nقال الزجاج: \" و﴿عَسَى﴾ ترج، وما أمر اللَّه به أن يرجى مِن رحمته فبمنزلة الواقع كذلك الظن بأرحِم الراحمين\" (١١).\nقال السمعاني: \" و﴿عسى﴾ من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله - تعالى - إذا أطمع عبدا أوجب له وأوصله إليه\" (١٢).\nقال الراغب: \" فذكر لفظ ﴿عسى﴾، لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال فيهم: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] \" (١٣).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٢.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٢٦٧): ص ٩/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٣) صحيح البخاري (٤٥٩٨).\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٧٢): ص ٣/ ١٠٤٨.\n(٥) انظر: التوحيد والإيمان، الشيح محمد بن عبدالوهاب: ٣٥٨ - ٣٥٩.\n(٦) انظر: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، التويجري: ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(٧) التفسير الميسر: ٢٧٦.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٧٢.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٠.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٢.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ٩٥.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٠.\n(١٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٤١٣.","vol":"7","page":351},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، أي: \" وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم\" (١).\nقال مقاتل: \" فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة في عذر\" (٢).\nقال الراغب: \" أخر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدم أن الوصفين إذا اجتمعا يقدم الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارا لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من ذلك\" (٣).\nوأختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، على أقوال:\nأحدها: أن المعنى: كان غفورًا لعباده، عن عباده قبل أن يخلقهم. وهذا قول الحسن (٤).\nوالثاني: وقال النحويون البصريون: كأنَّ القوم شاهدوا من الله رحمة فأعلموا أن ذلك ليس بحادثِ، وأنَّ الله لم يزل كذلك (٥).\nوالثالث: وقال قوم \" من النحويين: \"كان\"، و\" فعَلَ \" من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى: والله عفو غفور (٦).\nقال الزجاج: \" والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب، وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل، وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا \" غفر الله لفُلَانٍ \" بمعنى: ليغفر اللَّه له، فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي مَؤديًا عنها استخفافًا، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض، الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]، معناه: من يَتُبْ ومن يجئ بالحسنة يعط عشْر أمثالها\" (٧).\nالفوائد:\n١ - إن هذه الآية والتي قبلها قسمت أصناف المهاجرين إلى قسمين:\nأولًا: من تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، هذا لا بد قيد، لا بد أن يقيد بالوجوب مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه آية النساء التي فيها (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم في ارتكابهم محرمًا بالإجماع.\nالصنف الثاني: من لا هجرة عليه، وهو العاجز المستضعف عن الهجرة، كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفة لقوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. هذا استثناء له حكمه الخاص، لكن يجب عليهم اعتزال المشركين والصبر على أذاهم (٨).\n٢ - أن هذه الآية وعد من الله ﷿ بالعفو عن هؤلاء المستضعفين، وذلك لعذرهم بعدم الاستطاعة.\n٣ - ويدخل ضمن هذه الآية من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.\n٤ - قال أهل العلم: إن السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم (٩).\nالقرآن\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٢٧٦.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٢.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٤١٤.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٥.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٥ - ٩٦.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٦.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٩٦.\n(٨) انظر: شرح الأصول الثلاثة للحازمي: الدرس (١٦): ص ٢٤.\n(٩) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح بن فوزان: ٣١٠.","vol":"7","page":352},{"text":"﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]\nالتفسير:\nومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه، يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه، ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله ﷺ، وإعلاء كلمة الله، ثم يدركه الموت قبل بلوغه مقصده، فقد ثبت له جزاء عمله على الله، فضلا منه وإحسانًا. وكان الله غفورًا رحيمًا بعباده.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: أنها نزلت في رجل اسمه: جندع بن ضمرة بن أبي العاص الجندعي الضمري.\nقال ابن عباس﵄-: \"خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرًا؛ فقال لأهله: احملوني؛ فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله - ﷺ -، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي - ﷺ -؛ فنزل الوحي: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ حتى بلغ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ \" (١).\nوعن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾، فكان بمكة رجل يقال له: ضمرة، من بني بكر، وكان مريضًا، فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى آخر الآية\" (٢).\nوقد تعددت الروايات في اسم الرجل، فسماه ابن عباس (٣)، وعكرمة-في إحدى الروايات (٤) برجل من بني ليث اسمه جندب بن ضمرة، وضمرة بن جندب الضمري عند السدي (٥)، وقد وردت تسميته بضمرة بن العيص الزرقي في قول سعيد بن جبير (٦)، وضمرة بن العاص الجندعي في قول يزيد بن عبدالله بن قسيط (٧)، وضمرة في قول قتادة (٨)، ووردت تسميته برجل من بني ضمرة، كما في قول عكرمة (٩)، ورجل من بني خزاعة كما في قول علباء بن احمر اليشكري (١٠).\nورجح الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - أن اسمه: جندع بن ضمرة بن أبي العاص الجندعي الضمري، أو الليثي (١١).\nوالثاني: انها نزلت في خالد بن حزام.\nعن هشام بن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: \"هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال الزبير: وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة،\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٢٦٧٩): ص ٥/ ٨١، ومن طريقه ابن الأثير في \"أسد الغابة\": ٢/ ٤٤٣، والطبراني في \"المعجم الكبير\"١١٧٠٩): ص ١١/ ٢١٧، ٢١٨، وعنه أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\": (٣٩٢٢): ص ٣/ ١٥٤٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٨٨٩): ص ٣/ ١٠٥١، والواحدي في \"أسباب النزول\": ١/ ١٧٨ - ١٧٩؛ وكما في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٣٥١، ٣٥٢) كلهم من طريق أشعث بن سوار الكندي عن عكرمة عن ابن عباس به.\nوسنده ضعيف؛ أشعث ضعيف؛ كما في \"التقريب\" (١/ ٧٩)، وانظر: الاستيعاب في بيان الأسباب: ١/ ٤٨١ - ٤٨٢.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٠): \"رواه أبو يعلى؛ ورجاله ثقات\". وجوّد إسناده السيوطي (لباب النقول: ٧٩).\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٢٩٤): ص ٩/ ١١٨، وابن أبي حاتم (٥٨٨٧): ص ٣/ ١٠٥٠. إسناده صحيح.\n(٣) انظر: الإصابة: ١/ ٢٥١. أخرجه ابن منده عن ابن عباس ﵄ بإسناد صحيح.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩١): ص ٩/ ١١٧. [ضعيف جدا]. ووأخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" «٢٣٨٤): ص ٤/ ٦٤. [سنده ضعيف]. وروي عن عكرمة تسميته بـ\"رجل من بني ليث أحد بني جندع\". ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٥٣)، ونسبه لعبد بن حميد. [وهو ضعيف؛ لإرساله].\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٠): ص ٩/ ١١٦ - ١١٧. [ضعيف جدا].\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٥): ص ٩/ ١١٨ - ١١٩. مرسل إسناده جيد.\n(٧) انظر: معجم الصحابة، ابن قانع: (٤٧١): ص ٢/ ٣١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٥٣)، وزاد نسبته لابن سعد، وابن المنذر.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٨٥): ص ٩/ ١١٥ إسناده صحيح، لكنه مرسل.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٨٧): ص ٩/ ١١٥ - ١١٦. مرسل إسناده صحيح.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٨٨): ص ٩/ ١١٦. [مرسل ضعيف].\n(١١) انظر: الإصابة (١٢٣٢): ص ١/ ٢٥١.","vol":"7","page":353},{"text":"فما أحزنني شيء حزني وفاته حين بلغني، لأنه قل أحد من هاجر من قريش إلا معه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره\" (١). وروي عن عبدالرحمن الحزامي نحو ذلك (٢).\nقال ابن كثير: \" وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول\" (٣).\nوالثالث: وروي عن ابن عباس ايضا، قال: \" نزلت في أكثم بن صيفي، قيل: فابن الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة\" (٤).\nوالرابع: وقال الضحاك: \"لما سمع رجل من أهل مكة أن بني كنانة قد ضربتْ وجوهَهم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أخرجوني، وقد أدنفَ للموت. قال: فاحتمل حتى انتهى إلى عَقَبة قد سماها، فتوفَّي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الآية\" (٥). وروي عن عبدالرحمن بن زيد (٦)، والحسن (٧)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: \" ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: \" يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه\" (١٠).\nقال الطبري: \" يقول: \" يجد هذا المهاجر في سبيل الله ﴿مراغمًا كثيرًا﴾، وهو المضطرب في البلاد والمذْهب، وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾، يحتمل «السِّعة» في أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إياهم - كان - من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية \" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" مراغما مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أى: يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم: الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام- وهو التراب- يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه\" (١٣).\nوفي معنى «المراغم» في الآية الكريمة أقوال:\nأحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض، وهذا قول ابن عباس (١٤)، والربيع (١٥)، ومجاهد (١٦)، والضحاك (١٧)، وابو عبيدة (١٨)، ابن قتيبة (١٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٨٨): ص ٣/ ١٠٥٠، وأبو نعيم الأصبهاني في \"معرفة الصحابة\" (٢٤٦٥): ص ٢/ ٩٥٣، ٩٥٤. إسناده حسن.\nوذكره السيوطي في \"لباب النقول\" (ص ٨٠) وزاد نسبته لابن منده والبارودي في \"الصحابة\".\n(٢) انظر: طبقات ابن سعد: ٤/ ١١٩، وسنده ضعيف جدًا؛ الواقدي متروك الحديث، وكذبه أحمد وغيره، لكنه حسن بما قبله.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٢.\n(٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": ٢/ ٦٥١، و\"لباب النقول\": ٨١، ونسبه لأبي حاتم في كتاب \"المعمرين\".\n(٥) اخرجه الطبري (١٠٢٨٩): ص ٩/ ١١٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٥٣)، وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٣): ص ٩/ ١١٨. [وسنده واهٍ؛ لإعضاله، وعبد الرحمن متروك].\n(٧) ذكره السيوطي في \"الدر\": ٢/ ٦٥٣، ونسبه لعبد بن حميد. [مرسل].\n(٨) التفسير الميسر: ٢٧٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ١١٢.\n(١٠) التفسير الميسر: ٢٧٦.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ١١٢ - ١١٣.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٥٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٦): ص ٩/ ١١٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٧): ص ٩/ ١١٩ - ١٢٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٠) - (١٠٣٠٢): ص ٩/ ١٢٠.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٧٨): ص ٣/ ١٠٤٩.\n(١٨) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٣٨.\n(١٩) انظر: غريب القرآن: ١٣٤ - ١٣٥.","vol":"7","page":354},{"text":"قال أبو عبيدة: \" المراغم والمهاجر واحد، تقول: راغمت وهاجرت قومى، وهى المذاهب، قال النابغة الجعدي (١):\nكَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه ... عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ (٢)\nفالمراغم المضطرب والمذهب في الأرض، وأنشد الزجاج في المعنى (٣):\nإِلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغَمِ وَالمُضْطَرَب\nقال ابن قتيبة: \"المراغم والمهاجر، واحد. تقول: راغمت وهاجرت قومي، وأصله: أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم. أي مغاضبا، ومهاجرا. أي مقاطعا من الهجران. فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي ﷺ: هجرة - لأنها كانت بهجرة الرجل قومه\" (٤).\nوالثاني: مطلب المعيشة، وهو قول السدي (٥)، وانشد الماوردي قول الشاعر (٦):\nإلى بلدٍ غير داني المحل ... بَعيد المُراغم والمطلب\nوهذا القول قريب من سابقه، لأنه \"ليس المراغم ههنا إِلا المضطرب في حال هجرة\" (٧). ويشهد له الاختلاف في رواية الكلمة الاخيرة في البيت، بين\" المُضْطَرَب، و\"المطلب\". فالمعنيان قريبان.\nوالثالث: أن المراغم المهاجر، وهو قول ابن زيد (٨)، والزجاج (٩).\nوالرابع: يعني بالمراغم مندوحة عما يكره (١٠).\nوالخامس: أن يجد ما يرغمهم به، لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم، وهذا قول بعض البصريين (١١).\nوالسادس: منفسحا كثيرة وسعة. وهذا قول أبي صخر (١٢).\nوالسابع: المراغم: البروح. وهذا قول سفيان ابن عيينة (١٣).\nقال ابن عطية: \" وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص باللفظة، فإن «المراغم» موضع المراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة (١٤)، من صعد فيه أمام طالب له وتوقل فقد أرغم أنف ذلك الطالب\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" والظاهر - والله أعلم – أنه [المراغم]: التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء\" (١٦).\nوقرئ: «مرغما» (١٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، أقوال:\n_________\n(١) ديوانه ٢٢، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٣٨، اللسان، مادة\"رغم\"، وتفسير الطبري ٩/ ١١٢، وتفسير القرطبي ٥/ ٣٤٨، وفي غريب القرآن لابن قتيبة ١/ ١٣٥، وتفسير الكشاف: ١/ ٥٥٦: \"المراغم والمذهب\".\nوالبيت من قصيدته التي في الديوان، ولكنه أفرد منها فلم يعرف مكانه. و\"الطود\": الجبل العظيم المنيف. ويلاذ: يتحصن. والرغم: التصاق الأنف بالرغام أى التراب، وهو كناية عن الذل والهوان، وفي سلوك سبيل المهاجرة مراغمة للخصم مفارقة له على رغم أنفه.\n(٢) مجاز القرآن: ١/ ١٣٨، وانظر: تفسير الطبري: ٩/ ١١٢، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩١.\n(٣) انظر: البيت في اللسان: ١٢/ ٢٤٧، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٦، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٣٧٣.\n(٤) غريب القرآن: ١٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٣): ص ٩/ ١٢٠.\n(٦) انظر بهذه الرواية في: البيت في النكت والعيون: ١/ ٥٢٢ ..\n(٧) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٩٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٤): ص ٩/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٩٦.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٢.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٨٢): ص ٣/ ١٠٤٩.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٨٣): ص ٣/ ١٠٤٩.\n(١٤) ديوانه: ٢٢ وهو قوله: \" كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه ... عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ\".\n(١٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠١.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩١.\n(١٧) انظر: الكشاف: ١/ ٥٥٧.","vol":"7","page":355},{"text":"أحدها: السعة في الرزق. وهو قول ابن عباس (١)، والربيع (٢)، والضحاك (٣)، ومقاتل بن حيان (٤).\nوالثاني: يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وهو قول قتادة (٥).\nوالثالث: أن المعنى: ورخا. وهذا قول عطاء (٦).\nةالرابع: أن المعنى: سعة البلاد. قاله مالك (٧).\nوالخامس: سعة في إظهار الدين (٨).\nقال ابن عطية: \" والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة المعاقل، وبذلك تكون «السعة» في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر (٩):\nلكانَ لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطولِ والعَرضِ\nومنه قول الآخر (١٠):\nوكنت إذا خليل رام قطعي ... وجدت وراي منفسحا عريضا\nوهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] \" (١١).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا. وقد يدخل في «السعة»، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني «السعة»، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله: ﴿وسعة﴾، بعض معاني «السعة» التي وصفنا. فكل معاني «السعة» التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: \" ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله ﷺ، وإعلاء كلمة الله\" (١٣).\nقال الطبري: \"يقول: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: \" ثم يدركه الموت قبل بلوغ دار الهجرة\" (١٥).\nوقرئ: «ثم يدركه الموت»، بالرفع، والنصب في \"الكاف\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: \" فقد ثبت أجر هجرته على الله تعالى\" (١٧).\nقال الطبري: \" فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها على ربه\" (١٨).\nقال الزمخشري: أي: \" فقد وجب ثوابه عليه: وحقيقة الوجوب: الوقوع والسقوط ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، ووجبت الشمس: سقط قرصها. والمعنى: فقد علم الله كيف يثيبه\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٥): ص ٩/ ١٢١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٦): ص ٩/ ١٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٧): ص ٩/ ١٢١.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٨٤): ص ٣/ ١٠٥٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٨): ص ٩/ ١٢١.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٨٥): ص ٣/ ١٠٥٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٨٦): ص ٣/ ١٠٥٠.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٢.\n(٩) البيت لحطان بن المعلى، انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي: ١/ ١٠٢، والعقد الفريد: ٢/ ٢٧٤، وغيرها.\n(١٠).لم اقف على قاله، وانظر: البي في المحرر الوجيز: ٢/ ١٠١، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣٤٨.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠١.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٢٢.\n(١٣) التفسير الميسر: ٢٧٦.\n(١٤) تفسير البري: ٩/ ١١٣.\n(١٥) التفسير الميسر: ٢٧٦، وصفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(١٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٥٧.\n(١٧) صفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(١٨) تفسير البري: ٩/ ١١٣.\n(١٩) الكشاف: ١/ ٥٥٧.","vol":"7","page":356},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠]، أي: وكان الله \" ساترًا على عباده، رحيمًا بهم\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره ﴿غَفُورًا﴾، يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، ﴿رحيمًا﴾، بهم رفيقًا\" (٢).\nقال الطبري: \" وقد تأول قوم من أهل العلم هذه الآية، أنها في حكم الغازي يخرج للغزو، فيدركه الموت بعد ما يخرج من منزله فاصلا فيموت، أنّ له سَهْمه من المغنَم، وإن لم يكن شهد الوقعة\" (٣).\nقال يزيد بن أبي حبيب: \"أن أهل المدينة يقولون: من خرج فاصلا وجب سهمه، وتأوّلوا قوله ﵎: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله﴾ \" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام، يدل عليه سياق الآية والآيات السابقة عليها، فإن أولها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًاّ غَفُورًا وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. ويدل عليه أيضًا شأن نزولها.\n٢ - الآية تدل على فضل الهجرة وفضل من هاجر وعلى من لم يهاجر، وهذا مما لا يمتري فيه عاقل، ولا يشك فيه مسلم.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ١٠٠)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (الحج: ٥٨_٥٩) وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ١١٠).\nففي هذه الآيات كلها فضيلة الهجرة وفضيلة من هاجر على من لم يهاجر، وفيها بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.\n٣ - من يتحول من أرض إلى أرض في سبيل الله ﷿ يكرمه الله ﷿، ويفسح له في صدره، ويوسع عليه رزقه، ويمكن له في الأرض، ويذكر له في السماء.\n٤ - إن هذه المهاجرة عبارة عن الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. ومنه الهجرة من مكة إلى المدينة. فالهجرة والمهاجرة غلبتا في ذلك، وإن كان أصلها مفارقة الغير ومتاركته. وقيل: الهجرة بعد الهجرة النبوية صارت عبارة عن ترك دار الحرب وترك الأخلاق الذميمة والخصال الرذيلة (٥).\nقال رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٦).\n٥ - قال أبو عبدالله الحليمي: \" ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان من قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وافق قال الله ﷿: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله﴾، فيدخل في هذا من هاجر إلى رسول الله ﷺ في حياته ليلقاه ويصحبه ويجاهد معه، ومن هاجر بعده إلى حيث يستطيع إظهار دينه ونصب إعلام شريعته، فيه قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فدخل في\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(٢) تفسير البري: ٩/ ١١٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٢٢.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٣٠٩): ص ٩/ ١٢٢.\n(٥) انظر: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، السمين الحلبي: ٤/ ٢٤١.\n(٦) صحيح البخاري برقم (١، ٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢٠١) وسن الترمذي برقم (١٦٤٧)، وسنن النسائي (١/ ٥٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٢٧) ومسند أحمد (١/ ٢٥) ومسند الحميدي (١/ ١٦) ومسند الطيالسي (٢/ ٢٧) \"منحة المعبود\".","vol":"7","page":357},{"text":"ذلك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه ﷻ فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما\" (١).\nالقرآن\n﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]\nالتفسير:\nوإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله، فلا حرج ولا إثم عليكم في قصر الصلاة إن خفتم من عدوان الكفار عليكم في حال صلاتكم، وكانت غالب أسفار المسلمين في بدء الإسلام مخوفة، والقصر رخصة في السفر حال الأمن أو الخوف. إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال علي﵁-: \"سأل قوم من التجار رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله! إنا نضرب في الأرض؛ فكيف نصلي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول؛ غزا النبي - ﷺ -، فصلَّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم؛ هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها؛ فأنزل الله -﵎- بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك﴾ (٢)، إبة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣)، فنزلت صلاة الخوف\" (٤).\nوالثاني: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في \"قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: يوم كان النبي ﷺ وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، فصلّى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو: أربعًا، شك أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمْتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٥)، فصلَّى العصر، فصفَّ أصحابه صَفَّين، ثم كبَّر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون حين قام النبي ﷺ، ثم كبر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصف الآخر واستأخر الأوَّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصَرَ العصرَ إلى ركعتين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، أي: \" وإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠] \" (٩).\nقال المراغي: \" أي: وإذا سافرتم أى سفر\" (١٠).\nقال الماوردي: \" أي سرتم، لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْبًا\" (١١).\n_________\n(١) المنهاج في شعب الإيمان: ٢/ ١٨٢.\n(٢) [سورة النسا: ١٠٢].\n(٣) [سورة النسا: ١٠٢].\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٣١٤): ص ٩/ ١٢٦، قال ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٤٠٠: \" وهذا سياق غريب جدا\".\n(٥) [سورة النسا: ١٠٢].\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤٢٣٦): ص ٢/ ٥٠٤، والطبري (١٠٣٢١): ص ٩/ ١٣٠ - ١٣١، وابن ابي حاتم (٥٨٩٥): ص ٣/ ١٠٥٢. [صحيح الإسناد؛ لكنه مرسل].\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٥٧)، وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٧).التفسير الميسر: ٩٤\n(٨) تفسير البري: ٩/ ١٢٣.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٣.\n(١٠) تفسير المراغي: ٥/ ١٣٨.\n(١١) النكت والعيون: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣.","vol":"7","page":358},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، أي: \" فلا إِثم عليكم أن تقصروا من الصلاة\" (١).\nقال الطبري: \"يقول: فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من عددها\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: تخَفّفوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية\" (٣).\nقال المراغي: \" فليس عليكم تضييق ولا ميل عن محجة الدين إذا قصرتم الصلاة: أي تركتم شيئا منها فتكون قصيرة\" (٤).\nوقرأ الجمهور: ﴿تقصروا﴾، بفتح التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه: «تقصروا» بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري: «تقصروا» بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، \" أي: إِن خشيتم أن ينالكم مكروه من أعدائكم الكفرة\" (٦).\nقال المراغي: أي: \" بشرط أن تخافوا فتنة الكافرين لكم بالقتل أو الأسر أو غيرهما\" (٧).\nقال القاسمي: \" أي: فلا إثم عليكم أن تنقصوا شيئا من الصلاة إن خفتم أن يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة\" (٨).\nقال السمعاني: \" «الفتنة»، بمعنى: القتل هاهنا\" (٩).\nقال الزمخشري: \"المراد بالفتنة: القتال والتعرض بما يكره\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" ﴿يفتنكم﴾، معناه: يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو هذا قول صاحب الحائط: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت، وعدو وصف يجري على الواحد والجماعة\" (١١).\nواختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين:\nأحدهما: أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف، مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائمًا وقاعدًا وموميًا، وهي مثل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وهذا قول ابن عباس (١٢)، واختيار الطبري (١٣).\nواستدلوا على صحته: \"بأن بعده ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] فإقامتها إتمام ركوعها وسجودها وسائر فرائضها وترك إقامتها في غير الطمأنينة هو ترك إقامة هذه الأشياء\" (١٤).\nوالثاني: أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها، وفيه ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمنًا مقيمًا لم يقصر، وهذا قول سعد بن أبي وقاص (١٥)، وداود بن علي (١٦)، وأهل الظاهر؛ تمسكا بظاهر القرآن (١٧).\nوالثاني: أنه قَصْران، فقصر الأمَنْ، من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة، وهذا قول جابر بن عبد الله (١٨)، والحسن (١٩)، وهو قول ابن عباس (٢٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(٢) تفسير البري: ٩/ ١٢٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٣.\n(٤) تفسير المراغي: ٥/ ١٣٨.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٤.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٧٦.\n(٧) تفسير المراغي: ٥/ ١٣٨.\n(٨) تفسير القاسمي: ٣/ ٢٩٨.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٢.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٥٩.\n(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٤٣): ص ٩/ ١٣٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(١٤) الناسخ والمسنوخ للنحاس: ٣٤٩، وانظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٢٠): ص ٩/ ١٢٩.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٣، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٧١.\n(١٧) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٧١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٢٩): ص ٩/ ١٣٤.\n(١٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٣، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٧١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٣٤) - (١٠٣٣٩): ص ٩/ ١٣٦ - ١٣٧.","vol":"7","page":359},{"text":"روى مجاهد عن ابن عباس قال: \" فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﵇ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً\" (١).\nوالثالث: أنه يقصر في سفر خائفًا وآمنًا من أربع إلى ركعتين لا غير.\nقال السمعاني: \" قال جمهور العلماء -وهو قول أكثر الأمة -: إنه يجوز القصر في حال الأمن، ولم ينقل [عن النبيﷺ-] أنه أتم في سفر ما\" (٢).\nقال ابن الجوزي: \" وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله ﷺ، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو\" (٣).\nقال الإمام الموفق ﵀: \"وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين\" (٤).\nقال الزمخشري: \" «القصر»، ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة، وهو قوله ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، وأما في حال الأمن فبالسنة\" (٥).\nعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ «كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم» (٦).\nوقد روي عن يعلى بن منية قال: \"قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾، وقد أمن الناس! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، حتى سألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدَقته\" (٧).\nوعن قتادة، عن أبي العالية، قال: \"سافرت إلى مكة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قُرَّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ قلت ركعتين. قالوا: أسنة أو قرآن؟ قلت: كلٌّ، سنة وقرآن، فقدصلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. قالوا: إنه كان في حرب! قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]، وقال: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عيكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿فإذا اطمأننتم﴾ \" (٨).\nواختلفوا في القصر على قولين:\nأحدها: أنه إباحة. وهو قول الشافعي (٩).\nقال الشافعي: \" والقصر في السفر بلا خوف سنة، والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللَّه - ﷿ - لا أنَّ حتمًا عليهم أن يقصروا كما كان ذلك في الخوف والسفر\" (١٠).\nوالثاني: أنه واجب.\nقال السمعاني: \"والخلاف بين السلف مشهور فيه، والقول الأول هو أصح؛ لقوله عز ذكره: ﴿فليس عليكم جناح﴾، وهو مثل قوله: ﴿جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] \" (١١).\nقال الزمخشري: \" قوله: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٣٣٦): ص ٩/ ١٣٧.\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧١.\n(٣) زاد المسير: ١/ ٤٥٩.\n(٤) المغني: ٣/ ١٠٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٥٨ - ٥٥٩.\n(٦) سنن الدارقطني (٢٢٩٨): ص ٣/ ١٦٣، زسنن البيهقي (٥٦٤): ص ١/ ٢٢٠.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٣١٠): ص ٩/ ١٢٤.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٣١٢): ص ٩/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(٩) انظر: تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٦٥٠، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٧٢، والكشاف: ١/ ٥٥٨.\n(١٠) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٥٠.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٥٨.","vol":"7","page":360},{"text":"قال ابن الجوزي: \" وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا، وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة الإقامة التي إذا نواها أتم الصلاة، وإن نوى أقل منها، قصر، فقال أصحابنا: إقامة اثنين وعشرين صلاة، وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوما. وقال مالك، والشافعي: أربعة أيام\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]، أي: \" إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم\" (٢).\nقال القاسمي: أي: \" ظاهر العداوة. فلا يراعون حرمة الصلاة لعداوتهم\" (٣).\nقال الطبري: \" يعني: الجاحدين وحدانية الله، [كانوا لكم] عدوًّا قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة\" (٤).\nقال أبو السعود: \" تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر أو لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء\" (٥).\nقال ابن عطية: \" المعنى: قد جلحوا في عدواتكم وراموكم كل مرام\" (٦).\nوقرأ أبيّ بن كعب: \" ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ \" (٧).\nالفوائد:\n١ - ليس في الآية متمسك لمن شرط الخوف في القصر، لأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما علم من تقدم شرعية قصر العدد، وكما يدل عليه آخر الآية، ولو سلم أنها في قصر العدد في صلاة السفر، فالقيد في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ اتفاقي لا احترازي، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله ﷾: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس؟ قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله - ﷺ - فقال: \" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته \" (٨).\nقال ابن القيم: \"والآية أشكلت على عمر وغيره، فسأل عنها رسول الله - ﷺ -، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنَّه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنُقصان ركعتين، وقُيِّدَ ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجِدَ الأمران، أُبيحَ القصران، فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددُها وأركانها، وإن انتفي الأمران، فكانوا آمنين مقيمين، انتفي القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وُجِد أحدُ السببين، ترتب عليه قصره وحده، فإذا وُجِدَ الخوف والإقامة، قُصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن، قُصر العددُ واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قَصرٍ، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تُسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية\" (٩).\n٢ - في الآية الرد على الذين يتمون الفرائض في السفر ولا يقصرون الصلاة وإن أباح لهم العلم ترك ذلك، لأن السفر والحضر عندهم سواء (١٠)، واحتجوا بان الرخص إنما هي للعامة (١١)، وهذا باطل ومخالف لفرائض الإسلام في الصلاة.\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٤٦٠.\n(٢).التفسير الميسر: ٩٤\n(٣) تفسير القاسمي: ٣/ ٢٩٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٢٦.\n(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٠٥.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٣١٥): ص ٩/ ١٢٧.\n(٨) أخرجه الشافعي في \" مسنده \" ١/ ٣١١، وأحمد (١٧٤) و(٢٤٤) و(٢٤٥)، ومسلم (٦٨٦)، والطبري (١٠٣١٠) و(١٠٣١٢)، والبيهقي ٣/ ١٣٤ و١٤٠.\n(٩) زاد المعاد: ١/ ٤٦٦.\n(١٠) انظر: اللمع للطوسي: ٢٢٧. نسب هذا الأدب إلى بعض الصوفية.\n(١١) انظر: الأمر المربوط لأبن عربي ضمن ذخائر الأعلاق له أيضًا ص ٢٦٨، ودراسات في التصوف الإسلامي: ١٠٦.","vol":"7","page":361},{"text":"قال ابن عباس: \" فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة\" (١).\nقال الرملي: \" المعنى: فرضت الصلاة ركعتين في السفر لمن أراد الاقتصار عليهما\" (٢).\nالقرآن\n﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]\nالتفسير:\nوإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم، فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون، ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية، وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم. ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم; ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم، ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم، مع أخذ الحذر. إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدها: عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرقي قال: \" قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بُعسْفان، قال: فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى النبي - ﷺ - الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة. فقالوا: تأتي عليه الآن صلاة هي أحب إليهم من أبناءهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، قال: فحضرت الصلاة، فقام رسول الله - ﷺ - مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فأمرهم رسول الله - ﷺ - فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفين؛ صف خلف رسول الله جميعًا، ثم سجد النبي - ﷺ - بالصف الذي يليه، قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا؛ جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي - ﷺ - بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا؛ جلس الآخرون، فسجدوا، ثم جلسوا جميعًا، ثم سلم عليهم جميعًا، قال: فصلاها رسول الله - ﷺ - مرتين: مرة بعُسفان، وصلاها يوم بني سُليم\" (٣). وروي عن ابن عباس نحوه (٤).\n_________\n(١) صحيح مسلم برقم (٦٨٧) وسنن أبي داود برقم (١٢٤٧) وسنن النسائي (١/ ٢٢٦، ٣/ ١١٨، ١١٩، ١٦٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٦٨) وتفسير الطبري (٥/ ٢٤٧).\n(٢) فتاوى الرملي: ٤/ ٣٦١.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٢٣٧): ص ٢/ ٥٠٥، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢/ ٤٦٣، ٤٦٥، ٤٦٦)، والطيالسي في \"مسنده\" (رقم ١٣٤٧)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (٦٨٦): ص ٤/ ١٣٦٧، ١٣٦٨، وأحمد (٤/ ٥٩، ٥٩، ٦٠، ٦٠)، وأبو داود في \"سننه\" (١٢٣٦): ص ٢/ ١١ - ١٢، والنسائي في \"المجتبى\" (٣/ ١٧٦، ١٧٧)، و\"الكبرى\" (١٩٣٧، ١٩٣٨): ص ١/ ٥٩٦، ٥٩٧، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢٨٧٦): ص ٧/ ١٢٨ - \"إحسان\"، والطبري (١٠٣٢٣): ص ٩/ ١٣١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٨٩٦): ص ٣/ ١٠٥٢، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٥٩، ٦٠، ٦٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٥/ رقم ٥١٣٢، ٥١٣٣، ٥١٣٧، ٥١٣٩، ٥١٤٠)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ١٩٦ رقم ٢١٧٩)، وأبو نعيم الأصبهاني في \"معرفة الصحابة\" (٢٩٨٥): ص ٣/ ١١٧٦، والحاكم (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١٨٤١، ١٨٤٢): ص ٣/ ١٥، والبغوي في \"شرح السُّنة\" (١٠٩٦): ص ٤/ ٢٨٩، ٢٩٠، والواحدي في \"أسباب النزول\": ١٨٠، و\"الوسيط\" (٢/ ١٠٩)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ١٦١، ١٦٢) من طرق عن أبي عياش به.\nقال الإمام الدارقطني: \"صحيح\".\nوقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوقال البيهقي: \"هذا إسناد صحيح\".\nوقال البغوي: \"هذا إسناد صحيح\".\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠١): \"وهذا إسناد صحيح، وله شواهد كثيرة\". وقال ابن حجر في \"الإصابة\" (٤/ ١٤٣): \"سنده جيد\".\n(٤) أخرجه البزار في \"مسنده\" (١/ ٣٢٦ رقم ٦٧٩ - كشف)، والطبري (١٠٣٧٣): ص ٩/ ١٥٦، والحاكم (٣/ ٣٠)، والواحدي في \"أسباب النزول\": ١٨٠، جميعهم من طريق النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس به.\nوسنده ضعيف جدًا؛ مداره على النضر، وهو أبو عمر الخزاز متروك؛ كما في \"التقريب\" (٢/ ٣٠٢).\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٩٦): \"رواه البزار؛ وفيه النضر بن عبد الرحمن، وهو مجمع على ضعفه\". اهـ.\nأما الحاكم؛ فقال: \"هذا حديث صحيح ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي، وقال: \"صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه\"! ! .\nوالبخاري لم يخرج البتة للنضر هذا! لكن الحديث صحيح بشاهده من حديث أبي عياش الزرقي -﵁- المتقدم آنفًا.","vol":"7","page":362},{"text":"والثاني: وعن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \"نزلت (١) في عبد الرحمن بن عوف كان جريحًا\" (٢).\nوالثالث: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: \"نزلت في رسول الله ﷺ، وذلك أنه غزا محاربا وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله ﷺ لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش، فحال الوادي بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه فجلس رسول الله ﷺ في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله ﷺ إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله ﷺ: الله، ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله ﷺ ليضربه فأكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول الله ﷺ فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟ قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير مني، فقال النبي ﷺ: أجل أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: ويلك ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾ أي: من عدوكم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم\" (٤).\nقال البغوي: \" أي: شهيدا معهم فأقمت لهم الصلاة\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف\" (٦).\nقال الماوردي: \" وهذا خطاب للنبي -ﷺ- أن يصلي في الخوف بأصحابه\" (٧).\nواختلف أهل العلم في الخطاب في هذه الىية هل خص به النبي -ﷺ-؟ على قولين:\nأحدهما: أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته، لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم، فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، فلذلك صار هذا خاصًا للنبي -ﷺ-، وهذا القول محكي عن أبي يوسف (٨).\n_________\n(١) أي: قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.\n(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٨) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه البخاري (٤٥٩٩): ص ٨/ ٢٦٤، والطبري (١٠٣٧٩): ص ٩/ ١٦٤، دون قوله: \"نزلت في\".\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١، وأخبره ابن كثير مختصرا في التفسير، وقال أخرجه الإمام أحمد عن جابر، وقال: تفرد به من هذا الوجه: ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢. وانظر: البداية والنهاية: ٤/ ٨٤.\nوانظر: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٩٠)، وعلق البخاري قطعة منه في صحيحه (٧/ ٤٧٦) وقد رواه من غير هذا الوجه برقم (٤١٣٥).\n(٤) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٥) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٠.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٥٢٤.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٤، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٧٢، والكشاف: ١/ ٥٥٩.","vol":"7","page":363},{"text":"والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي -ﷺ- ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا. وهو قول الجمهور (١).\nقال السمعاني: \" بيّن في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر العلماء، وقال بعضهم: صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف؛ تمسكا بظاهر الآية، قوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ فشرط كونه فيهم، والأصح هو الأول، وهو الاصح، وقوله: ﴿وإذا كنتم فيهم﴾ ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلوا بعده صلاة الخوف\" (٢).\nقال البيضاوي: \" تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول ﷺ لفضل الجماعة، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول ﷺ كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم\" (٤).\nقال البغوي: \" أي: فلتقف، كقوله تعالى: ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ [البقرة: ٢٠]، أي: وقفوا\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون\" (٦).\nقال الزجاج: \" وأمَّا «أَسلحة»، فجمع سلاح، مثل حمار وأحمرة. وسلاح اسم لجملة ما\nيدفع الناس به عن أنفسهم في الحروب مما يقاتل به خاصَّة، لا يقال للدواب وما أشبهها سلاح\" (٧).\nواختلفوا في الذين يأخذون اسلحتهم على قولين:\nأحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله -ﷺ- يصلّون، لأن من في الصلاة غير مقاتل، وأما السلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم، كالسيف يتقلَّده أحدهم، والسكين، والخنجر يشدُّه إلى درعه وثيابه التي هي عليه، ونحو ذلك من سلاحه. وهذا قول الشافعي (٨).\nقال البغوي: \" فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يؤذي من بجنبه فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه كالرمح فلا يأخذه\" (٩).\nوالثاني: هم الذين بإزاء العدو يحرسون، وهذا قول ابن عباس (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون\" (١١).\nقال البغوي: \" أي: صلوا، ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ يريد مكان الذين هم وجاه العدو\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" الضمير في سجدوا للطائفة المصلية والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا \" (١٣).\nوفي المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ [النساء: ١٠٢]، قولان:\nأحدهما: أنهم الطائفة التي لم تصل، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا معنى قول ابن عباس (١٤).\nوالثاني: أنهم المصلون معه، أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس (١٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٤، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٧٢، والكشاف: ١/ ٥٥٩.\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٢.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٤.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٥) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٤.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٩٨.\n(٨) انظر: تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٩٧، وتفسير الطبري: ٩/ ١٤٢.\n(٩) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٤٤): ص ٩/ ١٤٢.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٥.\n(١٢) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٤٤): ص ٩/ ١٤٢.\n(١٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٢.","vol":"7","page":364},{"text":"واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، على قولين (١):\nأحدهما: أنهم إذا أتموا مع الإمام ركعة أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم.\nوالثاني: أنهم ينصرفون عن ركعة. واختلف هؤلاء، على قولين (٢):\nأحدهما: فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم.\nوالثاني: وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحرس وهم على صلاتهم، فيكونوا في وجه العدو مكان الطائفة التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة.\nقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية\" (٣).\nقال الماوردي: \"يريد الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله -ﷺ- الركعة التي بقيت عليه، وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو \" (٤).\nقال البغوي: \" وهم الذين كانوا في وجه العدو\" (٥).\nواختلفوا في الطائفة الأخرى، على أقوال (٦):\nأحدهما: أنه إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة، ثم يسلم بهم.\nالثاني: وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم.\nالثالث: وقال آخرون: بلى يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها، وهذا مذهب أبي حنيفة (٧).\nعن سهل بن أبي حثمة قال: \"صلى النبي ﷺ بأصحابه في خوف، فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام، فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدموا وتخلّف الذين كانوا قُدَّامهم، فصلى بهم ركعة، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم\" (٨).\nوفي رواية اخرى ايضا عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف قال: \"يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين، فهي له ركعتان ولهم واحدة. ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين\" (٩).\nوقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: «فلتقم» بكسر اللام، وقرأ الجمهور: ﴿ولتأت طائفة﴾، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: «وليأت» بالياء (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم\" (١١).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ؟\nقلت: جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، وجعلا مأخوذين. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]، جعل الإيمان مستقرا لهم ومتبوأ لتمكنهم فيه فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوء\" (١٢).\nوفي حمل السلاح في الصلاة قولان:\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٢، والنكت والعيون: ١/ ٥٢٥.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٢، والنكت والعيون: ١/ ٥٢٥.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٥٢٥.\n(٥) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٢، والنكت والعيون: ١/ ٥٢٥.\n(٧) انظر: المغني لابن قدامة: ٣/ ٣٠١، وزاد المسير: ١/ ٤٦٢، والنكت والعيون: ١/ ٥٢٥.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٣٤٦): ص ٩/ ١٤٥.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٣٥٠): ص ٩/ ١٤٧.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٧.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٥.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٦٠.","vol":"7","page":365},{"text":"أحدهما: أنه فرض عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي (١).\nوالثاني: انه سنة مؤكدة، وهذا قول أكثر أهل العلم (٢).\nقال الواحدي: \"والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" إخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة، لئلا ينال العدو أمله \" (٥).\nقال البغوي: \" يتمنى الكفار لو وجدوكم غافلين ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ \" (٦).\nوقرئ: «وأمتعاتكم» (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \"ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" فيشدون عليكم شدة واحدة\" (٩).\nقال البغوي: \" فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" وفي قوله تعالى: ﴿ميلة واحدة﴾، بناء مبالغة، أي: مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" ولا حرج عليكم ولا إثم إن نالكم أذى من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوِّكم أو كنتم جرحى أو أعِلاء، ﴿أن تضعوا أسلحتكم﴾، إن ضعفتم عن حملها\" (١٣).\nقال مقاتل بن حيان: \" فرخص في وضع السلاح عند ذلك\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" رخص لهم في وضع الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر أو يضعفهم من مرض\" (١٦).\nقال الزجاج: \" الجناح الِإثم، وتأويله من جنحت إذا عدَلْتُ عن المكان أي أخَذْتُ جانبًا عن القَصْد، فتأويل لا جناح عليكم أي لا تَعدلون عن الحق إن وضَعَتم أسْلِحتكم\" (١٧).\nقال الواحدي: \" ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضًا فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ١/ ٢١٩، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٩٤، و\"المغني\" ٣/ ٣١١.\n(٢) نظر: \"المغني\" لابن قدامة ٣/ ٣١١، وتفسير القرطبي ٥/ ٣٧١، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي ٦/ ١٢٥.\n(٣) التفسير البسيط: ٧/ ٥٩، وانظر: الأم: ١/ ٢١٩، والمغني: ٣/ ٣١١.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٧.\n(٦) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(١٠) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٧.\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٥.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٣.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٠٤): ص ٤/ ١٠٥٥.\n(١٥) زاد المسير: ١/ ٤٦٣.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(١٧) معاني القرآن: ٢/ ٩٩، وانظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٣.\n(١٨) التفسير البسيط: ٧/ ٥٩.","vol":"7","page":366},{"text":"قال البيضاوي: \" رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا مما يؤيد أن الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب\" (١).\nقال ابن عطية: \" كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، \" أي: وكونوا متيقظين واحترزوا من عدوكم\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض، فاحترسوا من عدوكم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارّون\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة\" (٥).\nقال البغوي: \" أي: راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يتقى به من العدو\" (٦).\nقال مقاتل بن حيان: \" وأمرهم أن يأخذوا حذرهم\" (٧).\nقال الزمخشري: \" وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: \" إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" أعدّ لهم عذابًا مُذِلا يبقون فيه أبدًا، لا يخرجون منه. وذلك هو عذاب جهنم\" (١٠).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني بالمهين: الهوان\" (١١).\nقال ابن عطية: \" ثم قوى الله تعالى نفوس المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ \" (١٢).\nقال البيضاوي: \" وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر فيتوكلوا على الله ﷾\" (١٣).\nقال الزمخشري: \"فإن قلت: كيف طابق الأمر بالحذر قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؟\nقلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] \" (١٤).\nوقال البعض ان صلاة الخوف منسوخة بعد وفات النبيﷺ-، واستدل بهذه الآية، لكون الخطاب موجه للنبي -ﷺ- (١٥).\nقال ابن كثير: \" وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي ﷺ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويُرَدُّ عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٤.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٧٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٣.\n(٥) تفسير ابن طثير: ٢/ ٤٠٣.\n(٦) تفسير البوغي: ٢/ ٢٨٠.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٠٥): ص ٤/ ١٠٥٥.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٣.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٠٦): ص ٤/ ١٠٥٥.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٧.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(١٥) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١١٨، ذكره عن البعض.","vol":"7","page":367},{"text":"على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابة وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم\" (١).\nالفوائد:\n١ - من الفوائد أن فعل السبب لا يمنع في التوكل وأنه لا يرد ما قدر الله، مع أن فعل الأسباب مأمور به وتركها إلقاء باليد إلى التهلكة، وأن التعرض أو فعل الأسباب التي يحصل بها الموت عمدًا يصير ذنبًا كبيرًا.\nلهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر في حالة صلاة الخوف، فلما أمر بصلاة الخوف أمر بأخذ الحذر، معلوم أن المسلمين قد يقول قائلهم: سوف نصلي جماعة والله تعالى يحرسنا ويحفظنا، ولكن الله تعالى أخبر بأن المشركين يتحينون الفرص ويحتالون في أن يجدوا غفلة من المؤمنين فيقتلونهم، فقال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]، هكذا أخبر عنهم ثم أمرهم بأن يأخذوا الحذر في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يعني في حالة صلاتهم للخوف، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: ليكونوا حذرين (٢).\n٢ - ومنها: ان الله تعالى رخص للمؤمنين بقصر الصلاة في السفر خوف الفتنة بادئ الأمر، ثم شرع لهم صلاة الخوف حالة الحرب على عدة صفات تناسب حال المحارب، لعظم شأن الصلاة، وأمرهم فيها أن يحملوا السلاح ويكروا ويفروا إذا اقتضت المصلحة في أثنائها، وهي صحيحة لا تتأثر في ذلك، فأي دين يأمر بالقوة ويجمع بين الحرب والعبادة في آن واحد غير دين المسلمين، حتى قال لهم الله محذرًا ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن قال ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣).\nالقرآن\n﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]\nالتفسير:\nفإذا أدَّيتم الصلاة، فأديموا ذكر الله في جميع أحوالكم، فإذا زال الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة، ولا تفرِّطوا فيها فإنها واجبة في أوقات معلومة في الشرع.\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: \" فإذا أدَّيتم الصلاة\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" فإذا صليتم في حال الخوف والقتال\" (٥).\nقال الزجاج: \" يعني: به صلاة الخوف هذه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: \" فأكثروا من ذكر الله في جميع أحوالكم: في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم\" (٧).\nقال الزمخشري: اي: \" فصلوها قياما مسايفين ومقارعين وقعودا جاثين على الركب مرامين وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح، وقيل: معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وجوه من التفسير:\nأحدها: معناه: فصلوا لله ﴿قيامًا﴾: للصحيح، ﴿وقعودًا﴾: للمريض الذي لا يستطيع القيام، روعلى جنوبكم﴾: للمرضى الذين لا يستطيعون الجلوس. قاله الكلبي (٩).\nوالثاني: معناه: \" أذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه، وكل ما يمكن أن يتقرب به منه\". وهذا قول الزجاج (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٠.\n(٢) انظر: شرح الطحاوية لابن جبرين: الدرس الصوتي (٢٩). [مرقم آليا من الشاملة].\n(٣) انظر: الاجوبة المفيدة لمهمات العقيدة: ١/ ٦٠.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٩٩.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٥، وصفوة التفاسير: ٢٧٧.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٦٠.\n(٩) انظر: الكشف والبيان: ٤/ ١١٥، تنوير المقباس بهامش المصحف: ٩٥، والتفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٦٢.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٩٩.","vol":"7","page":368},{"text":"قال الواحدي: \" وهذا القول أولى من قول الكلبي؛ لأنه ذكر بعد هذا حكم صلاة الحضر، فقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ \" (١).\nوالثالث: فاذكروا الله باللسان. قاله مقاتل (٢).\nالرابع: فاذكروا الله على كل أحوالكم، وهذا قول ابن عباس (٣)، واختيار الطبري (٤).\nروي عن ابن عباس قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرِّ والعلانية، وعلى كل حالٍ\" (٥).\nوالراجح-والله أعلم- هو قزل ابن عباس، أي: \" فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم التي بيّناها لكم، فاذكروا الله على كل أحوالكم قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنوبكم، بالتعظيم له، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم، لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم. وذلك نظير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٤٥] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: \" فإِذا أمنتم وذهب الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي: إِذا سكنت قلوبكم، فأتموا، لأنهم جُعِلَ لهم في الخوف قصرها، وأمروا في الأمن بإتمامها\" (٨).\nقال ابن قتيبة: \" ﴿فإذا اطمأننتم﴾ أي: من السفر والخوف، ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي: أتموها\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يقول: أمنتم ورجعتم إلى منازلكم، فأتموا الصلاة أربعا\" (١٠).\nقال ابن زيد: \": فإذا اطمأننتم فصلُّوا الصلاة، لا تصلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا\" (١١).\nعن مقاتل بن حيان \"قوله: ﴿فإذا اطمأننتم﴾، يقول: إذا استقررتم وآمنتم\" (١٢).\nوقال الزمخشري: أي: \" حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم فأقيموا الصلاة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج، وهذا ظاهر على مذهب الشافعي ﵀ في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسايفة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبى حنيفة ﵀ فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن\" (١٣).\nقال أبو هلال: «الطمأنينة»: \" بمعنى الأمن؛ قال اللَّه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ويجوز أن يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها\" (١٤).\nقال الواحدي: \" عن أبي علي الجرجاني: أن الطمأنينة ضد الضرب في الأرض لا ضد الخوف، وضد الخوف الأمن، وهذا يدل على أن الخوف غير مشروط في جواز القصر، حيث جعل نهاية جوازه الطمأنينة في الأهل\" (١٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وجهان:\nأحدهما: أن «الطمأنينة» ههنا: الرجوع إلى الوطن في دار الإقامة، والمعنى: فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر، وهذا قول الحسن (١٦)، وقتادة (١٧)، ومجاهد (١٨).\nوالثاني: معناه: فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي، وهذا قول السدي (١٩)، وابن زيد (٢٠).\nقال الجصاص: \" من تأول القصر المذكور في قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ على أعداد الركعات، جعل قوله: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر. ومن تأوله على صفة الصلاة من فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها، جعل قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف\" (٢١).\nوالراجح-والله أعلم- ام المعنى: \": فإذا زال خوفكم من عدوكم وأمنتم، أيها المؤمنون، واطمأنت أنفسكم بالأمن، ﴿فأقيموا الصلاة﴾، فأتموا حدودَها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها، لأن الله تعالى ذكره عرَّف عباده المؤمنين الواجبَ عليهم من فرض صَلاتهم بهاتين الآيتين في حالين:\nإحداهما: حالُ شدة خوف، أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بيَّنت من قصر حدودها عن التمام.\nوالأخرى: حالُ غير شدة الخوف، أمرهم فيها بإقامة حدودها وإتمامها، على ما وصفه لهم جل ثناؤه، من معاقبة بعضهم بعضًا في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضًا من عدوهم. وهي حالة لا قصر فيها\" (٢٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: \" إن الصلاة كانت واجبة في أوقات معلومة في الشرع\" (٢٣).\nقال الزجاج: \" أي مفروضًا مؤَقتًا فرضه\" (٢٤).\nقال ابن قتيبة: \" أي موقتا. يقال: وقته الله عليهم ووقته أي جعله لأوقات، ومنه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٢٥)، و«وقتت» أيضا مخففة\" (٢٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: فرضا مفروضا معلوما، للمسافر ركعتان، وللمقيم أربع\" (٢٧).\nقال الزمخشري: أي: \" محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أى حال كنتم، خوف أو أمن\" (٢٨).\nقال الواحدي: \" والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة\" (٢٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وجهان:\nأحدهما: أي فرضًا واجبًا، وهو قول ابن عباس (٣٠)، والحسن (٣١)، ومجاهد (٣٢)، وعطية العوفي (٣٣)، والسدي (٣٤)، وابن زيد (٣٥)، وعلي بن الحسين (٣٦)، ومحمد بن علي (٣٧)، وسالم بن عبد الله (٣٨)، ومقاتل بن\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٧/ ٦٣.\n(٢) انظر: تفسير مقاتل بن حيان: ١/ ٤٠٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٠): ص ٩/ ١٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٣٨٠): ص ٩/ ١٦٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٤.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٥، وصفوة التفاسير: ٢٧٧.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٩٩.\n(٩) غريب القرآن: ١٣٥.\n(١٠) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٤.\n(١١) أخرجه الطبري (١٠٣٨٣): ص ٩/ ١٦٥.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩١٥): ٤/ ١٠٥٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٦١.\n(١٤) الوجوه والنظائر: ٣٠٩.\n(١٥) التفسير البسيط: ٧/ ٦٤.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨١): ص ٩/ ١٦٥.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٢): ص ٩/ ١٦٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٣): ص ٩/ ١٦٥.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٤): ص ٩/ ١٦٥.\n(٢١) أحكام القرآن: ٢/ ٣٣٢.\n(٢٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٦٦.\n(٢٣) التفسير الميسر: ٩٥، وصفوة التفاسير: ٢٧٧.\n(٢٤) معاني القرآن: ٢/ ٩٩.\n(٢٥) [سورة المرسلات: ١١].\n(٢٦) غريب القرآن: ١٣٥.\n(٢٧) تفسير السمرقنيد: ١/ ٣٣٥.\n(٢٨) الكشاف: ١/ ٥٦١.\n(٢٩) التفسير البسيط: ٧/ ٦٤.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٩٥): ص ٩/ ١٦٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٩١٧): ص ٤/ ١٠٥٧.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٩١): ص ٩/ ١٦٨.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٩٠)، و(١٠٣٩٢)، و(١٠٣٩٣): ص ٩/ ١٦٧، ١٦٨.\n(٣٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٧): ص ٩/ ١٦٧.\n(٣٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٩): ص ٩/ ١٦٧.\n(٣٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٨٨): ص ٩/ ١٦٧.\n(٣٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩١٧): ص ٤/ ١٠٥٧.\n(٣٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩١٧): ص ٤/ ١٠٥٧.\n(٣٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩١٧): ص ٤/ ١٠٥٧.","vol":"7","page":369},{"text":"حيان (١).\nوالثاني: يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها، كلما مضى نجم جاء نجم، وهو قول ابن مسعود (٢)، وزيد بن أسلم (٣).\nقال الطبري: \" وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض. لأن ما كان مفروضًا فواجب، وما كان واجبًا أداؤه في وقت بعد وقت فمنجَّم، غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة، قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا، لأن «الموقوت» إنما هو «مفعول» من قول القائل: وَقَتَ الله عليك فرضه فهو يَقِته، ففرضه عليك «موقوت»، إذا أخرته، جعل له وقتًا يجب عليك أداؤه. فكذلك معنى قوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾، إنما هو: كانت على المؤمنين فرضًا وقَّت لهم وقتَ وجوب أدائه، فبيَّن ذلك لهم\" (٤).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الذكر، إذ أن أصحاب العقول الزاكية الوافية يدركون آيات الله التي بثَّها في الكون، ويشغلون ألسنتهم بذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في كل أحوالهم، فالإنسان في دنياه إمَّا أن يكون قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وهم يذكرون الله في هذه الأحوال الثلاث، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فأثْنى على الذكارين وَوَعدهمْ أجرا عَظِيما فَأمر بِذكرِهِ مُطلقًا، وَبعد الْفَرَاغ من الْعِبَادَات.\n٢ - أن الصلاة من دعائم الإسلام التي يتم بها النظام، قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ أي فرضًا مؤقتًا، ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nفَتَأمل رَحِمك الله إِلَى هَذِه الْعِبَادَة وَمَا حوت من أَسبَاب السَّلامَة وَتَحْصِيل الدَّرَجَات والفوز بالمثوبات حَتَّى يتفطن لمؤكدات الْكتاب وَالسّنة فِي الحض عَلَيْهَا وَالِاعْتِبَار بهَا فِي غير مَا آيَة وَخبر (٥).\nقال الإمام علي-كرّم الله وجهه-: \" تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرَّبوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئِلُوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وإنها لَتَحُتُّ الذنوب حَت الورق، وتُطلقها إطلاق الرِّبَقِ، وشَبَّهها رسول الله ﵌ بالحَمَّةِ تكونُ على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمسَ مرات، فما عسى أن يبقى عليه بن الدَّرَنِ، وقد غَرَفَ حَقَّها رجالٌ من المؤمنين\" (٦).\nالقرآن\n﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ [النساء: ١٠٤]\nالتفسير:\nولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله، إن تكونوا تتألمون من القتال وآثاره، فأعداؤكم كذلك يتألمون منه أشد الألم، ومع ذلك لا يكفون عن قتالكم، فأنتم أولى بذلك منهم، لما ترجونه من الثواب والنصر والتأييد، وهم لا يرجون ذلك. وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره.\nسبب النزول:\nعن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"لما كان قتال أُحُد، وأصابَ المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سِجَال، يوم لنا\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩١٧): ص ٤/ ١٠٥٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٩٧): ص ٩/ ١٦٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٩٨): ص ٩/ ١٦٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٠.\n(٥) انظر: تنزيه الانبياء: ابن خمير: ١٦٢.\n(٦) النهج: ٤٥٧.","vol":"7","page":370},{"text":"ويوم لكم \". فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أجيبوه. فقالوا: \" لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان: عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم، فقال رسول الله ﷺ: قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: أُعْلُ هُبَل، أُعْل هبل! فقال رسول الله ﷺ: قولوا له: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم، وقال عكرمة: وفيها أنزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٠]، وفيهم أنزلت: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ (١).\nقال مقاتل: \" يوم احد -بعد القتل بأيام- فاشتكوا إلى النبيﷺ- الجراحات، فأنزل الله﷿-: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ \" (٢).\nقال الواحدي: \" المراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي - ﷺ - الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤]، أي: \" ولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله\" (٤).\nقال مجاهد: \" يقول: لا تضعفوا في ابتغاء القوم\" (٥).\nقال مقاتل: \" يقول: ولا تعجزوا: كقوله: ﴿فما وهنوا﴾ (٦)، يعني فما عجزوا\" (٧).\nقال الماوردي: \" أي: لا تضعفوا في طلبهم لحربهم\" (٨).\nقال الزجاج: \" لا تضعفوا في طلب القوم بالحرب، هذا خطاب للمؤمنين، والقوم ههنا الكفار الذين هم حربُ المؤمنين\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، \" أي: إِن كنتم تتألمون من الجراح والقتال فإِنهم يتألمون أيضًا منه كما تتألمون\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: يتوجعون كما تتوجعون\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: إن تكونوا توجَعُون فإنهم يجدون من الوجع بما يَنَالهم من الجراح\nوالتَعَبَ كما تجدون\" (١٢).\nقال الماوردي: \" أي: ما أصابهم منكم فإنهم يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم\" (١٣).\nقال أبو السعود: \" تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم لاتصبرون مع أنكم أولى به منهم \" (١٤).\nقال الزمخشري: \" روى أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا\" (١٥).\nوقرأ الأعرج: «أن تكونوا تألمون»، بفتح الهمزة، بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله: رفإنهم يألمون كما تألمون﴾ تعليل. وقرئ: «فإنهم ييلمون كما تيلمون» (١٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٤٠٧): ص ٩/ ١٧٣.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٤.\n(٣) التفسير البسيط: ٧/ ٦٥. كما ذكره دون عزو السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ ب، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٨٢.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٥) تفسير مجاهد: ٢٩١.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٤.\n(٧) [سورة آل عمران: ١٤٦].\n(٨) النكت والعيون: ١/ ٥٢٦.\n(٩).معاني القرآن: ٢/ ١٠٠\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٧٧.\n(١١) [سورة آل عمران: ١٤٦].\n(١٢).معاني القرآن: ٢/ ١٠٠\n(١٣) النكت والعيون: ١/ ٥٢٧.\n(١٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٢٨.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٦١.\n(١٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٦١.","vol":"7","page":372},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، أي: \" ولكنكم ترجون من الله الثواب والنصر والتأييد حيث لا يرجونه هم\" (١).\nقال مقاتل: \" من الثواب والأجر، ﴿ما لا يرجون﴾، يعني: أبا سفيان وأصحابه\" (٢).\nقال السمعاني: \" أي: وتأملون من الله مالا يأملون، من الظفر في الدنيا، والثواب في الآخرة\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله به، وإظهار دينكم على سائر\nأديانِ أهل الملل المخالفة لأهل الإسلام وترجُونَ مع ذلك الجنة، وهم – أعني المشركينَ - لايرجون الجنة لأنهم كانوا غير مقرين بالبعث فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون\" (٤).\nقال الماوردي: \" أي: هذه زيادة لكم عليهم وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم\" (٥).\nقال ابن عطية: \" ثم تأكد التشجيع بقوله تعالى: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾، وهذا برهان بين، ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين\" (٦).\nقال أبو السعود: يعني: \" حيث ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم\" (٧).\nوفي هذا الرجاء قولان (٨):\nأحدهما: معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون.\nوالثاني: تخافون من الله لا يخافون، وهذا قول الفرا والكسائي (٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ٣١]، أي لا تخافون لله عظمة. ومنه قول الشاعر (١٠):\nلا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذَّائِدَا ... أَسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أَمْ وَاحِدَا\nوكما قال أبو ذؤيب الهُذَليّ (١١):\nإِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ\nوهي لغةٌ لأهل الحجاز يقولونها، بمعنى: ما أبالي، وما أحْفِلُ (١٢)، \" وإِنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاءَ أمل قد يخاف ألَّا يَتِمَّ\" (١٣).\nقال الزجاج: \" قال بعض أهل التفسير: معنى ﴿ترجون﴾ ههنا: تَخَافون، وأجمَعَ أهل اللغة الموثوق بعلمهم: أن الرجاءَ ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، أي: \" وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم\" (١٦).\nقال ابو السعود: \" ﴿عَلِيمًا﴾: مبالغا في العلم فيعلم أعمالكم وضمائركم، ﴿حكيما﴾: فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة\" (١٧).\nقال الطبري: أي: \" ولم يزل الله ﴿عليمًا﴾ بمصالح خلقه، ﴿حكيمًا﴾ في تدبيره وتقديره، ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٧٧، والتفسير الميسر: ٩٥.\n(٢) [سورة آل عمران: ١٤٦].\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٥.\n(٤).معاني القرآن: ٢/ ١٠٠\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٥٢٧.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٨.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٢٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٧٤ - ١٧٥، والنكت والعيون: ١/ ٥٢٧.\n(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٠٠، وتفسير الطبري: ٩/ ١٧٤ - ١٧٥، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٧٥، وغيرها.\n(١٠) لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ٢٨٦، والأضداد لابن الأنباري: ٩، واللسان، مادة: \"رجا\".\n(١١).\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(١٣).معاني القرآن: ٢/ ١٠٠\n(١٤).معاني القرآن: ٢/ ١٠٠\n(١٥) التفسير الميسر: ٩٥.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥٦١.\n(١٧) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٢٨.","vol":"7","page":373},{"text":"به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم\" (١).\nالفوائد:\n١ - تحريض الله تعالى المؤمنين، وتقوية عزائمهم في قوله ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.\n٢ - أن التكاليف الشرعية ليس فيها مشقة، سواء كانت أفعالًا أو سلوكًا، فأشق ما فيها الجهاد، الذي فيه تعرض للقتل، ولكن لما علم المؤمنون بعاقبتهم الحميدة من كونهم يناصرون الإسلام وفي سبيل الله هانت عليهم نفوسهم، لما علموا أيضًا بأن الرب سبحانه يمدهم ويقويهم وينزل عليهم الملائكة لتقاتل معهم ويخذل أعداءهم، كان ذلك دافعًا لهم إلى أن يستميتوا، لما علموا بأنهم إذا قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يرزقون، كان ذلك أيضًا دافعًا لهم إلى التفاني في سبيل الله، لما علموا أيضًا أن أعداء الله من الكفار يقاتلونهم على كفرهم وتهون عليهم أنفسهم وهم كفار، كانوا أولى منهم بذلك أن يفدوا دينهم الصحيح، إذا كان هؤلاء يفدون دينهم الباطل فنحن نفدي ديننا الصحيح، ولأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] (٢).\n٣ - ومن الفوائد أن طريق الجهاد ليس مفروشًا بالورود والرياحين، وإنما هو طريق شاق له متاعبه وتبعاته، ولكنه طريق المجد والشرف، وبه تنال سلعة الله ﵎ في النهاية، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ...﴾ (٣).\n٤ - ومنها: الاحتمال والصبرُ على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله -﷿- من الأجرِ والثواب، وأنه مهما جاء من شدائدَ الدنيا فهي منقطعةٌ ولها أجلٌ، فهو ينتظرُ الفرجَ ويرجو الثواب الذي لا ينقطعُ يوم الرجوعِ إلى الله –﷿- (٤).\n\nالقرآن\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]\nالتفسير:\nإنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق; لتفصل بين الناس جميعًا بما أوحى الله إليك، وبَصَّرك به، فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة.\nفي سبب نزول الآيات [١٠٥ إلى ١١٦]:\nأخرج الترمذي عن قتادة بن النعمان - ﵁ - قال: \"كان أهل بيت منا يُقال لهم: بنو أُبيرقٍ بشر وبُشير ومبشر، وكان بُشير رجلًا منافقًا يقول الشعر، يهجو به أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - ثم ينحله بعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قال: وكانوا أهل بيتِ حاجةٍ وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافِطَة من الشام من الدرمك، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضَافِطَة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حِمْلًا من الدرمك فجعله في مَشْرُبَة له، وفي المشربة سلاح، درع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنُقِّبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي إنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذُهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نُرى فيما نُرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أُبيرق قالوا: ونحن نسأل في الدار، والله ما نُرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟ فواللَّه\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٥.\n(٢) انظر: شرح الطحاوية لابن جبرين: الدرس الصوتي (٧٢). [مرقم آليا].\n(٣) انظر: دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب سلفية لا وهابية: ٢٨.\n(٤) انظر: أركان الإيمان، علي بن نايف: ١٨٠.","vol":"7","page":374},{"text":"ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه - ﷺ - فقلت: إن أهل بيت منا أهلُ جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مَشْرُبَةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي - ﷺ -: (سآمر في ذلك) فلما سمع بنو أُبيرق أتوا رجلًا منهم يُقال له أُسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بيِّنة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه - ﷺ - فكلمته، فقال: «عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه» قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أُكلم رسول اللَّه - ﷺ - في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللَّه - ﷺ - فقال: الله المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بني أُبيرق (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي مما قلت لقتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) إلى قوله ﴿غَفورًا رَّحِيمًا﴾، أي: لو استغمْروا اللَّه لغفر لهم: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) إلى قوله ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فلما نزل القرآن أتى رسول اللَّه - ﷺ - بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل اللَّه، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بُشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير\" (١).\nوقد ذكر ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والضحاك (٦)، والسدي (٧)، وابن زيد (٨)، وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أُبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة.\nوقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها، وأورده بعضهم بسياق مقارب للمذكور، لكن الجميع اتفقوا على أن نزولها كان في بني أبيرق، كالطبري (٩)، والبغوي (١٠)، وابن العربي (١١)، وابن\n_________\n(١) سنن الترمذي (٣٠٣٦): ص ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٦، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٩٥٨): ص ٤/ ١٥، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٥): ص ١٩/ ١٦ – ١٨، والطبري (١٠٤١١): ص ٩/ ١٧٧ - ١٨١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ رقم ٥٩٣٣ و٥٩٣٦ و٥٩٤٨ و٥٩٥١ و٥٩٥٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٨)، وابن المنذر وأبو الشيخ في \"تفسيريهما\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (١/ ٥٦٥)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٤٨٣ - ٤٨٤).\nوسنده ضعيف؛ فيه عمر بن قتادة هذا لم يرو عنه سوى ولده عاصم، ولم يوثقه سوى ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ١٤٦)؛ ولذا قال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٢١٨): \"لا يُعرف إلا من رواية ولده عنه\"، وقال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ٦٢): \"مقبول\"؛ حيث يتابع، وإلا؛ فلين. ولم يتابع عليه.\nوصرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية الحاكم.\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني\".\nبل رواه -أيضًا- مسندًا يونس بن بكير عند الحاكم.\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه! \" وسكت عنه الذهبي.\nوهذا منهم عجيب؛ فمسلم لم يخرج لابن إسحاق في \"الأصول\"، وكذا عمر بن قتادة.\nوحسنه الإمام أبو عبد الرحمن الألباني -﵀- في \"صحيح الترمذي\".\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٣): ص ٩/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٠٩): ص ٩/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٦): ص ٩/ ١٨٦ - ١٨٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٢): ص ٩/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٧): ص ٩/ ١٨٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٥): ص ٩/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٤): ص ٩/ ١٨٣ - ١٨٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٧٥ - ١٨٨.\n(١٠) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٩٨ - ٦٩٩.\n(١١) انظر: أحكام القرآن: ١/ ٦٢٦.","vol":"7","page":375},{"text":"عطية (١)، والقرطبي (٢)، وأبو حيان (٣)، وابن كثير (٤)، والسيوطي (٥)، والشوكاني (٦)، وابن عاشور (٧)، وغيرهم.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: \" إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق\" (٨).\nيحتمل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥]، ثلاثة أوجه (٩):\nأحدها: أن الكتاب حق.\nوالثاني: أن فيه ذكر الحق.\nوالثالث: أنك به أحق.\nوذكر الماتريدي في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]، وجوها (١٠):\nأحدها: بحق الله عليكم، أنزل إليك الكتاب.\nوالثاني: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس.\nوالثالث: أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لب لا يؤمر ولا ينهى - خروج عن الحكمة.\nوالرابع: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة.\nثم قال: \"إذ الحق صفة لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: \" لتحكم بين الناس بما عرّفك الله وأوحى به إِليك\" (١٢).\nقال عطية: \" النبي ﷺ أراه الله كتابه\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" بما عرفك وأوحى به إليك\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، يقول: بما أنزل الله إليك من الكتاب\" (١٥).\nقال الواحدي: \" وهذا يدل أن رأيه - ﷺ - كله وحيًا\" (١٦).\nقال التستري: \" يعني: بما علمك الله تعالى من الحكمة في القرآن وشرائع الإسلام\" (١٧).\nقال ابن العربي: \" أي: بما أعلمك، وذلك بوحي أو بنظر\" (١٨).\nوعن مطر في قوله: \" ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال: بالبينات والشهود\" (١٩).\nقال ربيعة: \" إن الله ﵎ أنزل القرآن وترك فيه موضعا للسنة، وسن الرسول ﷺ السنة وترك فيها موضعا للرأي\" (٢٠).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ٤/ ٥٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٧.\n(٥) انظر: الدر المنثور: ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١.\n(٦) انظر: فتح القدير: ١/ ٥٩٠ - ٥٩٢.\n(٧) انظر: التحرير والتنوير: ٥/ ١٩١ - ١٩٢.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٢٨.\n(١٠) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٧٧.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣١): ص ٤/ ١٠٥٩.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٦٢.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣٠): ص ٤/ ١٠٥٩.\n(١٦) التفسير البسيط: ٧/ ٧٠.\n(١٧) تفسير التستري: ٥٥.\n(١٨) أحكام القرآن: ١/ ٦٢٦.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣٢): ص ٤/ ١٠٥٩.\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٢٨): ص ٤/ ١٠٥٩.","vol":"7","page":376},{"text":"وفي رواية عن ابن عباس: \" إياكم والرأي، قال الله تعالى لنبيه: احكم بينهم بما أراك الله، ولم يقل: بما رأيت\" (١).\nقال السيوطي: \"أخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار، أن رجلًا قال لعمر: ﴿بما أراك الله﴾، قال: مه، إنما هذِه للنبي - ﷺ – خاصة\" (٢).\nونقل الواحدي عن الحسن: «رأي الأنبياء ﵈ وحي»، ثم تلا هذه الآية\" (٣).\nوعن ابن وهب قال: \"قال لي مالك: الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب، الحكم الذي يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق، قال: وثالث متكلف لما لا يعلم فما أشبه ذلك أن لا يوفق\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: \" فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: لا تكن مخاصمًا ولا دَافِعًا عن خَائِن\" (٦).\nقال قتادة بن النعمان: \" أي: بني أبيرق\" (٧).\nقال الزمخشري: \" ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء، يعنى: لا تخاصم اليهود لأجل بنى ظفر\" (٨).\nقال الراغب: \" معناه: لا تخاصم الناس لأجل الخائنين، ومعناه كمعنى قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] \" (٩).\nقال المراغي: \" أي ولا تكن لمن خان خصما: أي مخاصما ومدافعا تدافع عنه من طالبه بحقه الذي خان فيه، وخلاصة ذلك- إن عليك ألا تتهاون فى تحرى الحق اغترارا بلحن الخائنين وقوة جدلهم فى الخصومة، لئلا تكون خصيما لهم وتقع فى ورطة الدفاع عنهم، ويؤيد هذا\nحديث أم سلمة «إنكم تختصمون إليّ وإنما انا بشر ولعل بعضكم الحن بحجته، أو قد قال: لحجته من بعض. فإنما اقضى بينكم على نحو ما اسمع. فمن قضيت له من حق اخيه شيئا فلا ياخذه، فإنما اقطع له قطعة من النار ياتى بها إسطاما فى عنقه يوم القيامة» (١٠) \" (١١).\nقال الماتريدي: \" قال أكثر أهل التفسير: إنه هم أن يقوي سارقا - يقال له: طعمة - ويصدقه في قوله؛ فنزل قوله: ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره\" (١٢).\nقال الواحدي: \" وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها، قال الأخطل (١٣):\nإذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ ... باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها\nأي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٢٩): ص ٤/ ١٠٥٩.\n(٢) الدر المنثرو: ٢/ ٣٨٦.\n(٣) التفسير البسيط: ٧/ ٧١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٢٨): ص ٤/ ١٠٥٩.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٥.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٠١.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٣٣): ص ٤/ ١٠٥٩ - ١٠٦٠ وغيره كما في سبب النزول.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٦٢.\n(٩) المفردات في غريب القرآن: ٧٥٥.\n(١٠) تفسير المراغي: ٥/ ١٤٨.\n(١١) أخرجه احمد (٦/ ٣٢٠، وأبو داود (٣٥٨٤)، و(٣٥٨٥).\n(١٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٣.\n(١٣) ديوان الأخطل ص ٣١٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٢، و\"اللسان\" ٢/ ١١٧٧ (خصم)، والجنوب: ريح الجنوب.\n(١٤) التفسير البسيط: ٧/ ٧١.","vol":"7","page":377},{"text":"قال القرطبي: \" في هذه الآية تشريف للنبي ﷺ وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق\" (١).\nالفوائد:\n١ - التحذير من العمل بحديث النفس، قال الشاطبي: \" فأما العمل بحديث النفس والعارض في القلب فلا، فإن الله حظر ذلك على نبيه فقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب، بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، فأمره بالحكم بما أراه الله لا بما رآه، وحدثته به نفسه، فغيره من البشر أولى أن يكون ذلك محظورا عليه، وأما إن كان جاهلا فعليه مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه\" (٢).\nونقل عن عمر ﵁ أنه خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا» (٣)، إلى آخر الحديث\n٢ - في الآية الرد على من يشترط في القضاء علم الكتابة، مع أنه لا دليل عليه، بل إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام كان له منصب القضاء بلا ريب، لقوله تعالى: ﴿أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يتصف بالكتابة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك (٤).\n٣ - وفيه دليل أن أقوالهﷺ- كلها ليس وحي،، \"لأن أقواله - ﷺ - لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى:: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقال تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ .. (٥).\n٤ - أن السنة لا تخالف القرآن لأنهما من مصدر واحد، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال أيضا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، فكل ما اجتهد فيه الرسول ﷺ من أمر الشريعة فهو حق لأن الله لا يقره بباطل أبدا، وكل ما ثبت عن الرسول ﷺ بخبر العدل الضابط عن مثله إلى رسول الله يجب اعتقاده والعمل به سواء جاءنا متواترا أو آحادا (٦).\nالقرآن\n﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء: ١٠٦]\nالتفسير:\nواطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به.\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦]، أي: \" واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك\" (٧).\nقال قتادة بن النعمان: \" فلم يلبث أن نزل القرآن، ﴿واستغفر الله﴾، أي: مما قلت لقتادة\" (٨).\nقال الزجاج: \" أمره بالاستغفار مما هم به\" (٩).\nقال مقاتل: \" فاستغفر النبيﷺ- عند ذلك\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧٥.\n(٢) الالعتصام للشاطب: ٣/ ٧٤.\n(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الحدود من صحيحه، باب الاعتراف بالزنا، والباب الذي يليه عن عمر ﵁، مع اختلاف يسير في اللفظ (١٢/ ١٣٧، ١٤٤ فتح)، والإمام مسلم في كتاب الحدود من صحيحه، باب حد الزنا وذكره بلفظ البخاري الثاني (١١/ ١٩١ - ١٩٢)، والإمام أبو داود في كتاب الحدود من سننه، باب في الرجم، وذكره قريبا من لفظ الصحيحين (٤/ ١٤٣) والإمام ابن ماجه في كتاب الحدود من سننه، باب الرجم وذكره بلفظ الصحيحين (٢/ ٨٥٣)، والإمام الترمذي في كتاب الحدود من سننه، باب ما جاء في تحقيق الرجم وذكره بلفظين أحدهما أخصر من الآخر (٤/ ٢٩ - ٣٠)، والإمام الدارمي في كتاب الحدود من سننه، باب في حد المحصنين بالزنا (٢/ ٢٣٤)، ورواه الإمام مالك في كتاب الحدود من الموطأ، باب ما جاء في الرجم (٢/ ٨٢٤)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (١/ ٢٣، ٢٩، ٣٦) ..\n(٤) انظر: السيوف المشرقة ومختصر الصواعق المحرقة، خواجة نصر الله الهندي المكي: ٦٥٢.\n(٥) مختصر التحفة الاثني عشرية: ١/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة، عبدالرحمن بن عبدالخالق: ١٣٦ - ١٣٧ [الكتاب مرقم آليا من الشاملة].\n(٧) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣٤): ص ٤/ ١٠٦٠.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٠١.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٥.","vol":"7","page":378},{"text":"قال الطبري: \" وقد قيل إن النبي ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك\" (١).\nقال البغوي: أي: \" مما هممت به من معاقبة اليهودي\" (٢).\nقال الكلبي: \" واستغفر الله يا محمد من همك باليهودي أن تضربه\" (٣).\nونقل الثعلبي عن ابن عباس: \"واستغفر الله مما هممت به من قطع يد زيد\" (٤).\nوقال الطبري: أي: \" واستغفر الله \"، يا محمد، وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالًا لغيره\" (٥).\nقال ابن عطية: \" ذهب الطبري إلى أن المعنى: «استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين» (٦)، وهذا ليس بذنب، لأن النبي ﷺ إنما دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: استغفر للمذنبين من أمتك والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدك، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، أي: \"، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منها، ﴿رحيما﴾ بهم\" (٩).\nقال الثعلبي: \" فإن قيل: قد أمر بالاستغفار، قلنا: هو لا يوجب وجود الذنب ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح بالاستغفار من غير ذنب مقدم.\nواعلم أن الاستغفار في جميع الأنبياء يعد وجوه منها ثلاثة أوجه: يكون لذنبه مقدم مثل النبوة، ويكون لذنب أمته وقرابته ويكون لترك المباح قبل ورود الحضر، ومعناه بالسمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه وحملت التوفيق عليه\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الاستغفار.\n٢ - ذكر بعض أهل العلم: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنب من قلبه حتى يتبين له الحق، واستنبطه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، [النساء: ١٠٥ - ١٠٦] (١١).\n\nالقرآن\n﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ [النساء: ١٠٧]\nالتفسير:\nولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله. إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]، أي: \" ولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله\" (١٢).\nقال قتادة بن النعمان: \" بني أبيرق\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٦.\n(٢) تفسير البغوي: ١/ ٦٩٩.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨١.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨١.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٧٦. [بتصرف]\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٩.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٦.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(١١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد: ٢/ ٣٨، الهامش ..\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٦.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣٦): ص ٤/ ١٠٦٠، وغيره.","vol":"7","page":379},{"text":"قال الثعلبي: \" يعني: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي\" (١).\nقال الزجاج: \" يعني: أبا طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق، ويروى أن أبا طعمة هذا هرب إلى مكة وارتد عن الِإسلام، وأنه نقب حائطًا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله\" (٢).\nقال الجصاص: \" جائز أن يكون صادف ميلا من النبي ﷺ على اليهودي بوجود الدرع المسروقة في داره وجائز أن يكون هم بذلك فأعلمه الله براءة ساحة اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق وقد كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي ﷺ أن يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه فجائز أن يكون النبي ﷺ أظهر معاونته لما ظهر من الطائفة من الشهادة ببراءته وأنه ليس ممن يتهم بمثله\nفأعلمه الله باطن أمورهم\" (٣).\nقال الماتريدي: \" لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] \" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" يخونونها بالمعصية. كقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلما لها: لأن الضرر راجع إليهم\" (٥).\nقال الواحدي: \" والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومعنى ﴿يختانون أنفسهم﴾: يخونوها بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.\nويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه، وقد صرحت الآية بالنهي عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير\" (٦).\nوإن \"قلت: لم قيل: «للخائنين» و﴿يختانون أنفسهم﴾، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت: لوجهين:\nأحدهما: أن بنى ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم.\nوالثاني: أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]، أي: \" إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه\" (٨).\nقال السمعاني: \" الخوان: الخائن والأثيم: ذو الإثم\" (٩).\nقال مقاتل: ﴿خَوَّانًا﴾، في دينه، ﴿أَثِيمًا﴾، بربه\" (١٠).\nقال الواحدي: \" أَيْ: طعمة لأنَّه خان في الدِّرع وأَثِم في رميه اليهوديَّ\" (١١).\nقال الثعلبي: \" يعني: خائنا في الدرع، أثيما في رميه اليهودي، قد قيل فيه: إن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك﴾ [يونس: ٩٤]، والنبي لا يشك مما أنزل الله\" (١٢).\nعن سفيان بن عيينة: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾، قال: لا يقرب\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لم قيل ﴿خوانا أثيما﴾، على المبالغة؟\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٠١.\n(٣) أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٥.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٦٢.\n(٦) التفسير البسيط: ٧/ ٧٥.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٦٢.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٦.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٥.\n(١١) الوجيز: ٢٨٧.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣٧): ص ٤/ ١٠٦١، وغيره.","vol":"7","page":380},{"text":"قلت: كان الله عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.\nوعن عمر ﵁ أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة» (١) \" (٢).\nالفوائد:\n١ - نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب بقوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين؟ (٣).\n٢ - في هذه الآية دليل على النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير فإنه لا يجادل عنه، بدفع ما صدر عنه من الخيانة أو تبرير ما ارتكبه من جريمة لغرض إسقاط ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية (٤).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ دليل على انتفاء حب الله لمن كان بهذا الوصف، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض فمن اللائق بالمسلم أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يكون مخالفا لله في حب ما يبغض وبغض ما يحب، فإن هذا السلوك لا يجوز أن يصدر من مسلم ملتزم بالإسلام التزاما صادقا (٥).\n٤ - والآية فيها الرد على القائلين بأن: \"أقوال الرسول كلها وحي\" (٦)، قال الدهلوي: \" وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله - ﷺ - لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ وقال تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ وقال تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (٧) ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ \" (٨).\n\nالقرآن\n﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨]\nالتفسير:\nيستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه، وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول، وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء.\nقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨]، \"أي: يستترون من الناس خوفًا وحياءً\" (٩).\n_________\n(١) لم اجده، وقد ذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٥٦٣، والنسفي في تفسيره: ١/ ٣٩٣، والخازن في تفسيره: ١/ ٤٢٥، وأبو حيان في البحر: ٤/ ٤٧، والنيسابوري في تفسيره: ٢/ ٤٩٢، والطنطاوي في التفسير الوسيط: ٣/ ٣٠٠، وغيرهم.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٦٢ - ٥٦٣.\n(٣) انظر: الرسائل الشخصية، ج ٦، الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ١٩٣.\n(٤) انظر: الموالاة والمعاداة في الشريعة الاسلامية، محماس بن عبدالله: ١/ ٨٥.\n(٥) انظر: تفسير السعدي: ٢/ ١٥٤، والموالاة والمعاداة في الشريعة الاسلامية، محماس بن عبدالله: ١/ ٨٥.\n(٦) انظر: ختصر التحفة الاثني عشرية، الدهلوي: ١/ ٢٤٩.\n(٧) أخرج مسلم في قصة أسارى بدر عن عمر بن الخطاب قال: «رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله - ﷺ -: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله - ﷺ - وأنزل الله ﷿ ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ فأحل الله الغنيمة لهم». صحيح مسلم: ٣/ ١٣٨٥، رقم ١٧٦٢ ..\n(٨) مختصر التحفة الاثني عشرية: ١/ ٢٤٩.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٧٨.","vol":"7","page":381},{"text":"قال ابن عباس: \" ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلا مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ \" (١).\nقال الثعلبي: \" أي: يستترون ويستحيون من الناس\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية، من الذين لا يقدرون لهم على شيء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨]، أي: \" ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي: [ولا] يستترون ولا يستحيون من الله\" (٥).\nقال الطبري: \"وقد قيل: عنى بقوله: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله﴾، الرهطَ الذين مشوا إلى رسول الله ﷺ في مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، أي: \" وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول\" (٨).\nقال ابن كثير: \" تهديد لهم ووعيد\" (٩).\nقال الطبري: \" يعني: والله شاهدهم حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول، فيغيِّرونه عن وجهه، ويكذبون فيه\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" ﴿وهو معهم﴾ يعني علمه\" (١١).\nقال أبو رزين: \" إذ يؤلفون مالا يرضى من القول\" (١٢). وروي عن السدي مثل ذلك (١٣).\nقال الزجاج: \" كل ما فُكِّرَ فِيه أوخِيض فيه بليل فقد بُيِّتَ، يعني: به هذا السارق، والذي بيَّتَ من القوم أن قال: أرمِي إليهودِي بأنه سارق الدرع، وأحلِفُ أني لم أسرقها، فتقْبل يميني لأني على ديني، ولا تقبل يمين إليهودي. فهذا ما بُيِّتَ من القول\" (١٤).\nوقد حكى عن بعض الطائيين أن \" التبييت \" في لغتهم: التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل (١٥):\nوَبَيَّتَّ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ ... قاتلَكَ الله عَبْدًا كَنُودًا! !\nبمعنى: بدَّلت قولي (١٦).\nقال الطبري: \": وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه [أي: كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا] (١٧)، وذلك أن «التأليف»: هو التسوية والتغيير عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيره\" (١٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤٠): ص ٤/ ١٠٦١.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٩١.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٧.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ١٩١.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤١): ص ٤/ ١٠٦١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٤١): ص ٤/ ١٠٦١.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ١٠١ - ١٠٢.\n(١٥) البيت للأسود بن عامر الطائي كما في \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٧١ وهو غير منسوب في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٢٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٠ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣، القرطبي ٥/ ٢٨٩ ..\n(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٩١ - ١٩٢.\n(١٧) تفسير الطبري: ٩/ ١٩١.\n(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٢.","vol":"7","page":382},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]، أي: \" وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء\" (١).\nقال مقاتل بن حيان: \" يقول: أحاط علمه بأعمالهم. ومنهم من يقول: أنزلت في المنافقين\" (٢).\nقال احمد بن داود: \" قد أحاط الله بكل شيء علما، ولم يقل مع كل شيء\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وكان الله بما يعمل هؤلاء المستخفون من الناس، فيما أتَوْا من جرمهم، حياءً منهم، من تبييتهم ما لا يرضى من القول، وغيره من أفعالهم ﴿محيطًا﴾، محصيًا لا يخفى عليه شيء منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يجازيهم عليه جزاءهم\" (٤).\nعن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: \"من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا، فهي استهانة، استهان بها وبه، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ \" (٥).\nالفوائد:\n١ - لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم (٦).\n٢ - قال الثعلبي: \" وتعلقت الجهمية والمعتزلة بهذه الآية، استدلوا منها على إن الله بكل مكان قالوا لما قال وهو معهم ثبت إنه بكل مكان لأنه قد اثبت كونه معهم وقال لهم حق قوله وهو معهم إنه يعلم ما يقولون ولا يخفى عليه فعلهم لأنه العالم بما يظهره الخلق وبما يستره، وليس في وله وهو معهم ما يوجب انه بكل مكان لأنه قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ولم يرد قوله انه في السماء يعني غير الذات لأن القول: أن زيدا في موضع كذا من غير أن يعتد بذكر فعل أو شيء من الأشياء لا يكون إلا بالذات، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، فأخبر أنه يرفع الأشياء من السماء ولا يجوز أن يكون معهم بذاته ثم يدبر الأمر من السماء وإليه يصعد الكلم الطيب\" (٧).\n٣ - من صفات المنافقين: \" تبييت الشر للمسلمين، وتدبير المكائد لهم. ودليل هذه الصفة قول الله ﷿: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]؛ فمخافة الخلق عند هؤلاء المنافقين أعظم من مخافة الله ﷿، لذلك تجدهم يحرصون بالوسائل المباحة والمحرمة على تجنب الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول\" (٨).\nالقرآن\n﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩]\nالتفسير:\nها أنتم -أيها المؤمنون- قد حاججتم عن هؤلاء الخائنين لأنفسهم في هذه الحياة الدنيا، فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يوم القيامة؟\nقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: \" ها أنتم -أيها المؤمنون- قد حاججتم عن هؤلاء الخائنين لأنفسهم في هذه الحياة الدنيا\" (٩).\nقال ابن عباس: \" يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائن\" (١٠).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤٢): ص ٤/ ١٠٦١.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤٣): ص ٤/ ١٠٦٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٣٨): ص ٤/ ١٠٦١.\n(٦) انظر: انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ٧/ ٣٣٨، والمنهاج في شعب الإيمان، د. عبدالقادر بن محمد: ٣/ ٣٥٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.\n(٨) المفيد في مهمات التوحيد: ١٩٣.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٤٤): ص ٤/ ١٠٦٢.","vol":"7","page":383},{"text":"قال الزجاج: \" يعني: به من احتج عن هذا السارق، وأصل «المجادلة»، و«الجدال» في اللغة: شدة المخاصمة، والجدْل: شدة القَتْل، ورَجُل مجدول، أي: كأنَّه قد قُتِلَ، والأجدَل الصقر، يقال له أجدَل لأنه من أشد الطيور قوةً \" (١).\nقال الطبري: أي: \" ها أنتم الذين جادلتم، يا معشر من جادل عن بني أبيرق ﴿في الحياة الدنيا﴾ \" (٢).\nقال الزمخشري: \" المعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٠٩]، وجهان:\nأحدهما: أن ﴿هَؤُلَاءِ﴾: ههنا بمعنى «الذين». وهذا قول الزجاج (٤)، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن «هؤلاء» و«هذا» يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة «الذين»، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة «الذين»، نحو قول الشاعر (٥):\nعَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ\nأي والذي تحملينه طليق.\nوالثاني: أن ﴿هؤلاء﴾: إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو. وهذا قول الأخفش (٦).\nوفي قراءة أبي بن كعب: «عنه في الحياة الدنيا»، أى: عن طعمة (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: \" فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ \" (٨).\nقال البغوي: \" أي: من الذي يذب عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أي: في اليوم الذي يؤخذ فيه بالحقائق، وأمر الدُّنيا يَقوم بالشهادات في\nالحقوق، وجائز أن تكون الشهادة غير حقيقة، فكأنَّه - واللَّه أعلم - قيل لهم إِن يقم الجدال في الدنيا والتغييب عن أمر هذا السارق، فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: هَبْ أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر - وهم مُتَعَبدون بذلك - فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، ﷿، الذي يعلم السر وأخفى؟ \" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" إنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم، وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا، فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلُّ بهم من أليم العذاب ونَكال العقاب\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]، أي: \" ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يدافع عنهم يوم القيامة؟ \" (١٤).\nقال ابن كثير: أي: \" ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يومئذ لهم وكيلا\" (١٥).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٠٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٣.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(٤) انظر: معاني القرآن ٢/ ١٠٢.\n(٥) الشعر ليزيد بن مفرغ الحميري، وتمامه: \" عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ\"، قاله في عباد بن زياد، وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب في أمره معاوية، فأمر بإطلاق سراحه، . فلما خرج من السجن قدمت له بغلة فركبها فنفرت فقال هذا الشعر، في \"ديوانه\" ص ١٧٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٣٧ \"عدس\"، وعدس: اسم صوت لزجر البغل ..\n(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٥٤.\n(٧) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٩٩، والكشاف: ١/ ٥٦٣\n(٨) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٩) تفسير البغوي: ١/ ٦٩٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ١٠٢.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٣.\n(١٤) التفسير الميسر: ٩٦، وصفوة التفاسير: ١/ ٢٧٨\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٨.","vol":"7","page":384},{"text":"قال الطبري: \" أي: ومن يتوكل لهم في خصومة ربهم عنهم يوم القيامة\" (١).\nقال الزمخشري: ﴿وكيلا﴾: أي: \" حافظا ومحاميا من بأس الله وانتقامه\" (٢).\nقال الفخر: \" والوكيل: هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية، والمعنى: من الذي يكون محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله؟ \" (٣).\nو«الوكالة»: هي \"القيام بأمر من توكل له\" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن خطاب الآية يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله - ﷺ - على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله - ﷺ - في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم.\n٢ - لما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعًا لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله - ﷺ - ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكرًا مقرعًا ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]\nالتفسير:\nومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح، أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه، ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه، يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال الضحاك: \"نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة ﵁، أشرك بالله وقتل، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، الآية\" (٥).\nوالثاني: قال الكلبي: \"نزلت في شأن طعمة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾: بسرقة الدرع، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: برميه غيره وجحوده\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠]، أي: \" ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح\" (٧).\nقال ابن عباس: \" يعني: الذين أتو رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب\" (٨).\nقال الثعلبي: \" يعني: يسرق الدرع\" (٩).\nقال البغوي: \" يعني: السرقة، وقيل: يعني: شركا\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" قبيحا متعديا يسوء به غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي\" (١١).\nقال القاسمي: \" أي: قبيحا متعديا. يسوء به غيره، كما في القصة\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، أي: \" أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١١/ ٢١٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٣.\n(٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٧، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٠.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٧.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤٥): ص ٤/ ١٠٦٢.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(١٠) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٥.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(١٢) محاسن التاويل: ٣/ ٣٢٥.\n(١٣) التفسير الميسر: ٩٦.","vol":"7","page":385},{"text":"قال الثعلبي: \" يعني: بما دون الشرك\" (١).\nقال البغوي: \" برميه البريء، وقيل: يعني: إثما دون الشرك\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" بما يختص به كالحلف الكاذب\" (٣).\nقال الراغب: \" عامل السوء وظالم النفس وإن كانا يعودان إلى معنى واحد، فذكرهما اعتبارا بحالتين، وقيل: عمل السوء إشارة إلى فعل الصغائر، وظلم النفس إلى الكبائر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١١٠]، أي: \" ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: يسأله المغفرة مع إِقلاع، لأنه إذا كان مقيمًا على الإصرار فليس بتائب\" (٦).\nقال النحاس: \" أي استغفار غير عائد لانه إذا عزم على العودة فليس بتائب\" (٧).\nقال الثعلبي: \" أي: يتوب إلى الله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، أي: \" يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به\" (٩).\nقال قتادة بن النعمان: \" أي: لو استغفروا الله لغفر لهم\" (١٠).\nقال السمعاني: \" عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار\" (١١).\nقال الزمخشري: \" وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون منه. أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه\" (١٢).\nقال المراغي: \" وفى ذلك حث وترغيب لطعمة وقومه فى التوبة والاستغفار، كما أن فيها بيانا للمخرج من الذنب بعد وقوعه، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما، وهما أسس الشرائع.\nقال الطبري: \" عنى بهذه الآية كل من عمل سوءًا أو ظلم نفسه، وإن كانت نزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرَهم في الآيات قبلها\" (١٣).\nوالمراد بوجدان الله ﴿غفورا رحيما﴾: هو أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة فى نفسه بكراهة الذنب وذهاب داعيته ويجد أثر الرحمة بالرغبة فى الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل الدرن منها\" (١٤).\nقال ابن عباس: \": أخبر الله عبادَه بحلمه وعفوه وكرمه، وسعةِ رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال\" (١٥).\nقال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصابَ أحدهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه. وإذا أصاب البولُ شيئًا منه، قَرَضه بالمقراض (١٦). فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهورًا وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٥.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(٤) تفسير الراغب الاصفهاني: ٣/ ١٤٣٠ - ١٤٣١.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٠٣.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٦.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤٨): ص ٤/ ١٠٦٣.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٦.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٤.\n(١٤) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٠.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٠٤٢٤): ص ٩/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(١٦) المقراض \": المقص.","vol":"7","page":386},{"text":"اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٥]، وقال: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ (١).\nالفوائد:\n١ - أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي سوءا لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.\n٢ - فضيلة الاستغفار.\n٣ - أن المغفرة مقيدة بالتوبة، قال الرملي: \" لا يغفر الله تعالى الكبيرة أو الصغيرة التي لم يتب منها بمجرد الاستغفار المذكور، والمغفرة المرتبة على الاستغفار في الكتاب والسنة مقيدة بالتوبة فقد قال ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: ٣١] وهذا أمر على العموم وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ [التحريم: ٨] الآية. ومعنى النصوح الخالص لله تعالى خاليا عن الشهوات\" (٢). والأحاديث الواردة في فضل التوبة مشهورة.\n٤ - وهذه الآية أسند الله فيها الى العبد عمل السوء وظلم النفس والإستغفار، وأسند الى نفسه المغفرة والرحمة فأسند الى الله ما أسند الى نفسه، ولنسند الى العبد ما أسند الله إليه وليس علينا في ذلك جناح ولو تدبرنا القرآن كله لوجدناه على هذه الشاكلة: فلم يقولون يخلق العبد أفعال نفسه، ثم يختلفون؟ أما إنهم لو قالوا كما قال الله تعالى: ﴿يفعل﴾ أو ﴿يعمل﴾ أو ﴿يكسب﴾ أو ﴿يقترف﴾ ما اختلفوا، وإذا كانوا جميعا متفقين على أن أعمال العباد اختيارية قدرها الله أن تكون لهم فما بالهم يحاولون نسبتها الى الله تعالى (٣).\n\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النساء: ١١١]\nالتفسير:\nومن يعمد إلى ارتكاب ذنب، فإنما يضر بذلك نفسه وحدها، وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي: \" ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب\" (٤).\nقال القرطبي: \" أي ذنبا\" (٥).\nقال البغوي: \" يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما سرقته إنما سرقه اليهودي\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" ومن يأت ذنبًا على عَمْدٍ منه له ومعرفة به\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به\" (٨).\nقال السمرقندي: \" يعني الشرك بالله تعالى\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١]، أي: \" فإنما يضر بذلك نفسه وحدها\" (١٠).\nقال النحاس: \" أي: عقابه يرجع عليه\" (١١).\nقال البغوي: أي: \" فإنما يضر به نفسه\" (١٢).\nقال الواحدي: \" أي: إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثمه\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" أي: إياها يردي وبها يحل المكروه\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٤٢٢): ص ٩/ ١٩٥.\n(٢) فتاوى الرملي: ٤/ ٢٠٧.\n(٣) انظر: كتاب التوحيد المسمى: التخلي عن التقليد والتحلي بالاصل المفيد، العرباوي: ٢٢٧.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٠.\n(٦) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٦.\n(٨) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٠.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٧.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٦.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.\n(١٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٥.\n(١٣) التفسير الوسيط: ٢/ ١١٣.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١١١.","vol":"7","page":387},{"text":"قال الزمخشري: \" أى لا يتعداه ضرره إلى غيره فليبق على نفسه من كسب السوء\" (١).\nقال الطبري: أي: \" فإنما يجترح وَبَال ذلك الذنب وضُرَّه وخِزْيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله\" (٢).\nقال القرطبي: \" أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجربه الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا\" (٣).\nقال القاسمي: \" أي: فليتحرز عن تعريضها للعقاب\" (٤).\nقال المراغي: أي: \"فإنما كسبه وبال على نفسه وضرر لا نفع له فيه، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام فى الدنيا والآخرة، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم العادل كما وقع لأصحاب هذه القصة الذين نزلت فى شأنهم هذه الآيات، ومن خزى فى الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم\" (٥).\nقال الراغب: \" الأصل في «الاكتساب» ما يجر به نفع، فاستعاره لما يجلب ضرا، تنبيها أن صاحبه يقدر فيما تحراه أنه يكسب خيرا وهو يكسب شرا، ونحوه معنى قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي: \" وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه \" (٧).\nقال الواحدي: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ \" بالسارق، ﴿حَكِيمًا﴾: حكم بالقطع على طعمة في السرقة\" (٨).\nقال البغوي: أي: \" ﴿عليما﴾ بسارق الدرع، ﴿حكيما﴾، حكم بالقطع على السارق\" (٩).\nقال المراغي: \" أي: إنه تعالى بعلمه الواسع حدد للناس شرائع يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابا يضر المتجاوز لها، فهو إذا يضر نفسه ولا يضر الله شيئا\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" وكان الله عالمًا بما تفعلون، أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم، في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالِكم وأفعال غيركم، وهو يحصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم بها، وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم وتدبير جميع خلقه\" (١١).\nالفوائد:\n١ - تضمنت الآية الكريمة أن نفع العمل وضرره عائد إلى عامله لا إلى غيره، فإن التبعة شخصية، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].\n٢ - والآية تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله - ﷺ - في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]\nالتفسير:\nومن يعمل خطيئة بغير عمد، أو يرتكب ذنبًا متعمدًا ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها، فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال ابن الجوزي: \" جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق\" (١٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٦٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٠.\n(٤) محاسن التاويل: ٣/ ٣٢٦.\n(٥) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٠ - ١٥١.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ٢/ ١٤٣٢.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٨) التفسير الوسيط: ٢/ ١١٤.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٥.\n(١٠) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٠ - ١٥١.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٦.\n(١٢) زاد المسير: ١/ ٤٦٨، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.","vol":"7","page":388},{"text":"والثاني: وروى الضحاك عن ابن عباس: \"أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول إذ رمى عائشة -﵍- بالإفك\" (١).\nقلت: وهذا الخبر عن ابن عباس منكر جدا، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ورواية الضحاك هو جويبر بن سعيد، وهو متروك. والصواب ما ذهب إليه الجمهور. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢]، أي: \" ومن يعمل خطيئة بغير عمد أو يرتكب ذنبًا متعمدًا\" (٢).\nقال ابن عباس: \" يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق\" (٣).\nقال الزجاج: \" قيل ﴿إثمًا﴾، لأن اللَّه قد سَمَّى بعضَ المعاصي خطايا، وسمى بَعْضَهَا آثامًا\" (٤).\nقال الطبري: \" وإنما فرق بين «الخطيئة» و«الإثم»، لأن «الخطيئة»، قد تكون من قبل العَمْد وغير العمد، و«الإثم» لا يكون إلا من العَمْد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما فقال: ومن يأت خطيئة على غير عمد منه لها، ﴿أو إثمًا﴾ على عمد منه\" (٥).\nقال الجصاص: \" فإنه قد قيل في الفرق بين «الخطيئة» و«الإثم»، إن «الخطيئة» قد تكون من غير تعمد والإثم ما كان عن عمد فذكرهما جميعا ليبين حكمهما وأنه سواء كان تعمد أو غير تعمد\" (٦).\nقال ابو علي الفارسي: \" فالخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن الصغير قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾ [الشعراء: ٨٢] ومن الكبير: ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] فهذا كبيرٌ.\nفإن قلت: فكيف تقدير قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة من يكسب صغيرًا أو صغيرًا، أو من يكسب كبيرًا أو كبيرًا؟ .\nقيل له: ليس المعنى كذلك، ولكنّ الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال من لا يجوز له أن يقتطع من ماله. فإذا كان كذلك، جاز أن يكون التقدير: من يكسب ذنبًا بينه وبين الله، أو ذنبًا هو من مظالم العباد، فهما جنسان، فجاز دخول «أو» في الكلام، على أن المعنى: من يكسب أحد هذين الذنبين\" (٧).\nقال الراغب: \" الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب:\nأحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته فتفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال:\nخطئ يخطأ، خطأ، وخطأة، قال تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطأ كبيرا﴾ [الإسراء: ٣١]، وقال:\n﴿وإن كنا لخاطئين﴾ [يوسف: ٩١].\nوالثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال: أخطأ إخطاء فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعني بقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٨)، وبقوله: «من اجتهد فأخطأ فله أجر» (٩)، وقوله ﷿: ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة [النساء: ٩٢]. والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله، وهذا المعنى هو الذي أراده في قوله (١٠):\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٤٦٨، وانظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٢) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٠): ص ٤/ ١٠٦٣.\n(٤) معاني القرآن/٢/ ١٠٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٠.\n(٦) أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٦.\n(٧) الحجة للقرا السبعة: ٢/ ٣٠٩.\n(٨) الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أخرجه أبو القاسم التميمي المعروف بأخي عاصم في فوائده، ورجاله ثقات غير أن فيه انقطاعا. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ١٣٣، والدارقطني ٤/ ١٧١، وابن ماجة ١/ ٦٥٩، والحاكم ٢/ ١٩٨، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وضعفه الإمام أحمد، فقال عبد الله بن أحمد في العلل: سألت أبي عنه فأنكره جدا. وانظر: كشف الخفاء ٢/ ١٣٥، والمقاصد الحسنة ص ٢٢٨، وتخريج أحاديث اللمع للغماري ص ١٤٩.\n(٩) الحديث عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر». أخرجه البخاري ٩/ ١٩٣ في كتاب الاعتصام بالسنة، ومسلم ١٥/ ١٧١٦ كتاب الأقضية، وأبو داود، معالم السنن ٤/ ١٦٠، وانظر الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج للغماري ص ٢٦٩.\n(١٠) البيت في البصائر ٢/ ٥٥٢ دون نسبة، وفي تفصيل النشأتين ص ١٠٩.","vol":"7","page":389},{"text":"أردت مساءتي فاجتررت مسرتي ... وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري\nوجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال:\nأصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ، وهذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها\" (١).\nقال الفراء: \" يقال: كيف قال ﴿به﴾، وقد ذكر الخطيئة والإثم؟ وذلك جائز أن يكنى عن الفعلين وأحدهما مؤنث بالتذكير والتوحيد، ولو كثر لجاز الكناية عنه بالتوحيد لأن الأفاعيل يقع عليها فعل واحد، فلذلك جاز، فإن شئت ضممت الخطيئة والإثم فجعلته كالواحد. وإن شئت جعلت الهاء للإثم خاصة كما قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٢)، فجعله للتجارة\" (٣).\nقال أبو عبيدة: \" وقع اللفظ على ﴿الإثم﴾، فذكّره، هذا فى لغة من خبّر عن آخر الكلمتين\" (٤).\nقال الكلبي: \"لما نزلت هذه الآيات التي تقدمت عرف قوم طعمة الظالم، فأقبلوا عليه وقالوا: بؤ بالذنب واتق الله، فقال: لا والذي يُحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يقول يمينه الكاذبة، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقته الدرع، ورميه بها اليهودي\" (٥).\nوقرأ معاذ بن جبل ﵁: «ومن يكسب»، بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب (٦).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، أي: \" ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها\" (٧).\nقال ابن قتيبة: \" أي: يقذف بما جناه بريئا منه\" (٨).\nعن قتادة بن النعمان في قصة بني أبيرق: \"فأنزل الله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾، قولهم: للبيد بن سهل\" (٩).\nواختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ﴿بريئًا﴾ على أربعة اقوال:\nأحدها: أنه رجل من المسلمين يقال له: لبيد بن سهل. وهذا قول قتادة بن النعمان (١٠).\nوالثاني: أنه رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين \" (١١). وهذا قول ابن عباس (١٢)، وقتادة (١٣)، وعكرمة (١٤)، وابن سرين (١٥).\nوالثالث: أنه أبو مليل الأنصاري (١٦).\nوالرابع: أنه يعني به عائشة﵂- وان الرامي هو عبدالله بن سلول حيث كذب عليها وكان من ذلك. وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك (١٧).\nقال الطبري: \" أجمع أهل التأويل على أن الذي رمى البريءَ من الإثم الذي كان أتاه، ابن أبيرق\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]، أي: \" فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا\" (١٩).\nقال ابن عباس: \" ﴿بُهْتَانًا﴾: عُقُوبَة بهتان عَظِيم، ﴿وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾: وعقوبة ذَنْب بيِّن\" (٢٠).\n_________\n(١) المفردات في غريب القرآن: ٢٨٧.\n(٢) [سورة الجمعة: ١١].\n(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٨٧.\n(٤) مجاز القرآن: ١/ ١٣٩.\n(٥) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٨٢، وزاد المسير: ٢/ ١٩٥، والبحر المحيط: ٣/ ٣٤٦، وتنوير المقباس بهامش المصحف: ٩٦.\n(٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٦٤.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٨) غريب القرآن: ١٣٥.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥١): ص ٤/ ١٠٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١١): ص ١٧٧ - ١٨١.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٨.\n(١٢) انظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: ٨٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٢): ص ٩/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٦): ص ٩/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٢٥)، (١٠٤٢٦): ص ٩/ ١٩٨، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٩٥٢): ص ٤/ ١٠٦٣.\n(١٦) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١١١.\n(١٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ١٧٩.\n(١٩) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٢٠) تنوير المقباس: ٨٠.","vol":"7","page":390},{"text":"قال النسفي: أي: احنمل\"كذبا عظيما، وذنبا ظاهرا، وهذا لأنه يكسب الإثم آثم ويرمى البرئ باهت فهو جامع بين الأمرين والبهتان كذب ببهت من قيل عليه مالا علم له به\" (١).\nقال الطبري: أي: \" فقد تحمل - هذا الذي رمَى بما أتى من المعصية وركب من الإثم الخطيئة، مَنْ هو بريء مما رماه به من ذلك- ﴿بهتانًا﴾، وهو الفرية والكذب، ﴿وإثمًا مبينًا﴾، يعني وِزْرًا ﴿مبينًا﴾، يعني: أنه يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه، وتقدّمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمرَه\" (٢).\nقال الزمخشري: \" لأنه بكسب الإثم «آثم» وبرمي البريء «باهت» فهو جامع بين الأمرين\" (٣).\nقال السمعاني: \" فالبهتان: الكذب الذي يتحير منه الإنسان، وهو البهت، وأراد بالإثم المبين: اليمين الفاجرة\" (٤).\nقال الجصاص: \" إذ غير جائز له رمي غيره بما لا يعلمه منه\" (٥).\nقال البيضاوي: وذلك\" بسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة، ولذلك سوى بينهما وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر\" (٦).\nقال ابن كثير: و\" هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف مثل صفتهم وارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وقوله تعالى: ﴿فقد احتمل﴾ تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات، و﴿بهتانا﴾، معناه: كذبا على البريء\" (٨).\nقال الشوكاني: \" لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] \" (٩).\nقال عطية العوفي: \" أن رجلا يقال له: طعمة بن أبيرق سرق درعا على عهد النبي ﷺ، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ، فألقاها في يت رجل، ثم قال لأصحاب له: انطلقوا فاعذروني عند النبي ﷺ، فإن الدرع قد وجد في بيت فلان فانطلقوا يعذرونه عند النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، قال: بهتان: قذفه الرجل\" (١٠)، \" ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، قال: إثمه: سرقته\" (١١).\nقال الزجاج: \" البهتان \" الكذبُ الذي يُتحيرُ من عِظَمِه وبيانه، يقال قد بَهَتَ فلان فلانًا\nإذا كذب عليه، وقد بُهِت الرجل يُبْهَتُ إذَا تحيَّررقال اللَّه ﷿: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (١٢) \" (١٣).\nقال الواحدي: \"البهتان: فهو من البَهْت، وهو استقبالك أخاك بأمر تصفه به، وهو منه بريء. والاسم: البهتان، قال (١٤):\nأإن رأيتَ هامتي كالطَّستِ ... ظَلِلْتَ ترمين بقولٍ بُهتِ\" (١٥)\nقال أبو السعود: \" وقد اكتفي في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمي كأنه قيل بهتانا لا يقادر قدره وإثما مبينا على أن وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد هو رمى البرئ بجناية نفسه قد عبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا لحاله فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمى البرئ بجناية ما خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم في نفسه أما كونه بهتانا فظاهر وأما كونه إثما فلأن\n_________\n(١) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٦٤.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٥) أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٦.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٦.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٠.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١١١.\n(٩) فتح القدير: ١/ ٥٩٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٣): ص ٤/ ١٠٦٣.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٤): ص ٤/ ١٠٦٣.\n(١٢) [سورة البقرة: ٢٥٨].\n(١٣) معاني القرآن/٢/ ١٠٢.\n(١٤) لم اقف على قائله، الرجز بلا نسبة في لسان العرب، مادة\"بهت\": ص ٢/ ١٣؛ وتهذيب اللغة ٦/ ٢٤١؛ وكتاب العين ٤/ ٣٦، والتفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٨٣.\n(١٥) التفسير البسيط: ٧/ ٨٣.","vol":"7","page":391},{"text":"كون الذنب بالنسبة إلى من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه الى البرئ منه أيضا كذلك بل لا يجوز ذلك قطعا كيف لا وهو كذب محرم في جميع الأديان فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحا لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة الى رمى البرئ وإلا لكان الرمي بغير جناية مثله في العظم ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي بغير جناية مع تبرئة نفسه كذلك في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته على البرئ وإجراء عقوبتها عليه كما ينبئ عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره على ما فيه من الإشعار بثقل الوزر وصعوبة الأمر نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه الى رمى البرئ تزداد الجناية قبحا لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم\" (١).\nالفوائد:\n١ - إن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا، وقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إشارة إلى العقاب الشديد في الآخرة.\n٢ - لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها .. كانت كالثقل الذي يحمل، فعبر عنه باحتمل، ومثله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.\nوقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان، ولم يكن لهذا من سبب إلا ترك هداية الدين، وقلة الوازع النفسي والغفلة عن الأوامر والنواهي التي جاءت به الشريعة. والله المستعان.\n\nالقرآن\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]\nالتفسير:\nولولا أن الله تعالى قد مَنَّ عليك -أيها الرسول- ورحمك بنعمة النبوة، فعصمك بتوفيقه بما أوحى إليك، لعزمت جماعة من الذين يخونون أنفسهم أن يُزِلُّوكَ عن طريق الحق، وما يُزِلُّونَ بذلك إلا أنفسهم، وما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك، وأنزل الله عليك القرآن والسنة المبينة له، وهداك إلى علم ما لم تكن تعلمه مِن قبل، وكان ما خصَّك الله به من فضلٍ أمرًا عظيمًا.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه، حيث لبسوا على النبي ﷺ أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب (٢). وهو قول اكثر أهل التفسير (٣).\nوالثاني: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، فلم يجبهم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك (٤).\nقلت: وخبر وفد ثقيف ورد بسياق آخر مطول، وليس فيه نزول الآية-والله أعلم- (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" ولولا أن الله تعالى قد مَنَّ عليك -أيها الرسول- ورحمك بنعمة النبوة، فعصمك بتوفيقه بما أوحى إليك\" (٦).\nقال السمعاني: \" هذا خطاب للرسول\" (٧).\nقال الزمخشري: \" أى: عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم\" (٨).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٩، وهذا واه، ابن السائب هو الكلبي كذبه غير واحد.\n(٣) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨، قال الماتريدي: \" قال أكثر أهل التأويل: نزلت هذه الآية في شأن طعمة الذي سرق درع جار له بالذي سبق ذكره\".\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٦٩. لا أصل له. عزاه المصنف للضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس، ورواية الضحاك هو جويبر بن سعيد، وهو متروك، وقد رويا عن ابن عباس تفسيرا مصنوعا.\n(٥) انظر «طبقات» ابن سعد ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٦) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٦٤.","vol":"7","page":392},{"text":"قال الزجاج: \" لولا فضل اللَّه عليك ورحمتُه بما أوحَى إليك، وأعلمك أمْرَ هذا السارق\" (١).\nعن ابي صالح قال ابن عباس: أي: \" ﴿ولولا فضل الله عليك﴾: بالنبوة، ﴿ورحمته﴾، نصرك بالوحي\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" لعزمت جماعة من الذين يخونون أنفسهم أن يُزِلُّوكَ عن طريق الحق\" (٣).\nقال السمعاني: \" يعنى: قوم طعمه، هموا أن يلبسوا عليك؛ لتدافع عنه\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" من بنى ظفر أن يضلوك عن القضاء بالحق وتوخى طريق العدل، مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم، فقد روى أن ناسا منهم كانوا يعلمون كنه القصة.\nويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في: ﴿منهم﴾ إلى «الناس»، وقيل: الآية في المنافقين \" (٥).\nقال يحيى بن سلام: \" يعني: أن يستذلوك عن الحق. وقال في ص لداود: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾، يعني: فيستزلك الهوى عن طاعة الله في الحكم، من غير كفر\" (٦).\nعن ابي صالح، قال ابن عباس: \" يعني: أضمرت ﴿طائفة﴾، يعني: جماعة ﴿منهم﴾،\nيعني: طعمة، ﴿أن يضلوك﴾، أي: يخطؤك \" (٧).\nقال ابن أبي زمنين: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: \"قيل: أن يخطئوك في حكمك\" (٨).\nقال الزجاج: \" هذا خطاب للنبي - ﷺ -، والطائِفة هُم طُعمَةُ هذا السارق، لأن بعضهم قد كان وقف على أنه سارق، وسأل النبي - ﷺ - أن يَعذِرَه\" (٩).\nوقال ابو هلال العسكري: قوله: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: يعني: \" أن يصدوك عن الإيمان ويردونك إلى الكفر\" (١٠).\nقال الماتريدي: \" ويحتمل قوله: ﴿أن يضلوك﴾، أي: يجهلوك في حكم السرقة\" (١١).\nقال الجصاص: قوله: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾، يعني: \" بمسئلتهم معونة هذا الخائن، وقد قيل: إن هذه الطائفة التي سألت النبي ﷺ ذلك وأعانوا الخائن كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن وسرقته ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في داره فإن قيل كيف يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه وإنما على الحاكم الحكم بالظاهر دون الباطن قيل له لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه عن هذا المعنى\" (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وجهان من التفسير:\nأحدهما: أن المعنى: فَبِفَضْلِ اللَّه ورحمته صرفَ اللَّه عنك أن تعمل ما هَمَّت به الطائفة. وهذا قول الزجاج (١٣).\nوالثاني: أن معنى: ﴿أنْ يُضِلوكَ﴾: أن يُخَطِّئُوكَ في حُكْمِك. حكاه الزجاج عن بعضهم (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" وما يُزِلُّونَ بذلك إلا أنفسهم\" (١٥).\nقال السمعاني: \" أي: يرجع وباله عليهم\" (١٦).\nقال مقاتل بن النعمان: \" وما يضرونك، يعني: أسير بن عروة وأصحابه\" (١٧).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٠٤.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٦٤.\n(٦) التصاريف لتفسير القرآن مما شاتبهت أسمائه وتصرفت معانيه: ٣٤٥.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٨) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤٠٥.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(١٠) الوجوه والنظائر: ٣٠١.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٨.\n(١٢) أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٠٤.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٠٤.\n(١٥) التفسير الميسر: ٩٦.\n(١٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٥): ص ٤/ ١٠٦٤.","vol":"7","page":393},{"text":"قال الزجاج: \" أي: لأنهم هم يعملون عمل الضالين، واللَّه يعصم نبيه - ﷺ - من متابعتهم، والِإضلال راجع عليهم وواقع بهم\" (١).\nعن ابي صالح، قال ابن عباس: \" يقول: وما يخطئون إلا أنفسهم، وكان ضره على من شهد بغير حق\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" وما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك\" (٣).\nقال السمعاني: \" يعنى: ضرره عائد عليهم، ولا يضرك؛ لأنك معصوم\" (٤).\nقال الزمخشري: \" لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك\" (٥).\nقال الراغب: \" والإضلال ضربان:\nأحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين:\n- إما بأن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني.\n- وإما أن تحكم بضلاله، والضلال في هذين سبب الإضلال.\nوالضرب الثاني: أن يكون الإضلال سببا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل كقوله: ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: يتحرون أفعالا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم، وقال عن الشيطان: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم﴾ [النساء/ ١١٩]، وقال في الشيطان: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدا﴾ [النساء: ٦٠]، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ [ص: ٢٦] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" وأنزل الله عليك القرآن والسنة المبينة له\" (٧).\nعن ابي صالح، قال ابن عباس: \" يعني: القرآن والحكمة يعني القضاء بالوحي\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي بيّن في كتابِه ما فيه الحكمة التي لا يقع لك مَعها ضَلَال\" (٩).\nقال البيضاوي: \" ﴿الْكِتابَ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام\" (١٠).\nواختلفوا في معنى ﴿الْحِكْمَةَ﴾ على أقوال:\nأحدها: أنها بيان ما في الكتاب، وإلهام الصواب، وإلقاء صحة الجواب في الروع، قاله أبو سليمان الدمشقي (١١).\nوالثاني: القضاء بالوحي، قاله ابن عباس (١٢)، واختاره القرطبي (١٣).\nوالثالث: أنها الحلال والحرام. وهذا قول مقاتل (١٤).\nوالرابع: يعني القضاء والمواعظ. وهذا قول الكلبي (١٥).\nوالخامس: أنها السنّة. قاله قتادة (١٦)، والحسن (١٧)، ومقاتل بن حيان (١٨)، وأبو مالك (١٩)، والشافعي (٢٠)، ويحيى بن كثير (٢١)، وغيرهم.\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٠٤.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٦٤.\n(٦) المفردات في غريب القرآن: ٥١١.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٠٤.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٢.\n(١٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٦.\n(١٥) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٧٨): ص ٣/ ٨٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٤.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٩٣): ص ٤/ ١٢٤٠.","vol":"7","page":394},{"text":"والراجح-والله أعلم- أنها\" ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده \" (١).\nقال السمعاني: \" قيل: أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السنة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" وهداك إلى علم ما لم تكن تعلمه مِن قبل\" (٣).\nقال السمعاني: \" يعنى: من أحكام القرآن، وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه\" (٤).\nقال الزمخشري: يعني: \" من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع\" (٥).\nعن ابي صالح، قال ابن عباس: \" قبل الوحي\" (٦).\nقال قتادة: \" علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه، ليحتج بذلك على خلقه\" (٧).\nقال الضحاك: \" علمه الخير والشر\" (٨).\nقال ابن عباس: \" أنه الشرع\" (٩).\nقال مقاتل: \" من أمر الكتاب وأمر الدين\" (١٠).\nقال أبو سليمان: \"أخبار الأولين والآخرين\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أي: \" وكان ما خصَّك الله به من فضلٍ أمرًا عظيمًا\" (١٢).\nقال القرطبي: \" يعني: من الشرائع والأحكام\" (١٣).\nقال الماتريدي: \" فيما علمك من الأحكام، وعصمك بالنبوة والرسالة، وصرف عنك ضرر الأعداء\" (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أربعة وجوه:\nأحدها: أنه المنة بالإيمان (١٥).\nوالثاني: المنة بالنبوة. عن ابن عباس في رواية ابي صالح (١٦).\nوالثالث: يعنى: النبوة والكتاب. قاله مقاتل (١٧).\nوالرابع: أنه عام في جميع الفضل الذي خصه الله به، قاله أبو سليمان (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٠٢\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٦.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٧٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٦٤.\n(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٧): ص ٤/ ١٠٦٤.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٨): ص ٤/ ١٠٦٤.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٦.\n(١١) زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٦.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٢.\n(١٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٥٩.\n(١٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٣.\n(١٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٦.\n(١٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٠.","vol":"7","page":395},{"text":"الفوائد:\n١ - لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه.\n٢ - أن الضلال نوعان:\n- ضلال في العلم، وهو الجهل بالحق.\n- وضلال في العمل، وهو العمل بغير ما يجب، فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال.\n٣ - إثبات عصمة الرسولﷺ- لقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.\n٤ - لا فضل أعظم من النبوة ونزول الوحي، قوله: ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾.\nالقرآن\n﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]\nالتفسير:\nلا نفع في كثير من كلام الناس سرًّا فيما بينهم، إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس، ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه، فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا.\nقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤]، أي: \" لا نفع في كثير من كلام الناس سرًّا فيما بينهم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا\" (٢).\nقال الواحدي: \" أَيْ: مسارَّتهم\" (٣).\nقال ابن عباس: \"هم قوم طعمة\" (٤).\nوقال مقاتل: \" يعني: قوم طعمة قيس بن زيد، وكنانة بن أبي الحقيق، وأبو رافع، وكلهم يهود حين تناجوا في أمر طعمة\" (٥).\nوقال مجاهد: \"هو عام في نجوى جميع الناس\" (٦).\nقال السدي: \" ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة، فقال: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة﴾ \" (٧).\nوروي عن مقاتل بن حيان أنه قال: \"تناجوا في شأن طعمة بن أبيرق\" (٨).\nقال الجصاص: \" قال أهل اللغة «النجوى» هو الإسرار، فأبان تعالى أنه لا خير في كثير مما يستارون به\" (٩).\nقال الزجاج: \" المعنى: لا خير في كثير من نجواهم، أي مما يدبرونه\nبينهم من الكلام، و«النجوي» في الكلام: \" ما تنفرِدُ به الجماعة أو الاثنان سِرا كان أو ظاهرًا، ومعنى نَجوْتُ الشيءَ في اللغة: خَلَّصتُه وألقيتُه، يقال نجوت الجلْدَ إذا ألقيتُه عن البعير وغيره، قال الشاعر (١٠):\nفقلت انْجُوَا عنها نَجا الجِلْدِ إِنه ... سَيُرْضِيكما منها سَنامٌ وغارِبُهْ\nوقد نجوت فلانًا إذا استنكَهْتُه، قال الشاعر (١١):\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٢٠٢.\n(٣) الوجيز: ٢٨٩.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٦، وزاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(٧) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٩): ص ٤/ ١٠٦٥.\n(٨) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٥٩): ص ٤/ ١٠٦٥.\n(٩) أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٦.\n(١٠) (٢) البيت لأبي الغمر الكلابي، وهو في شرح مقصورة ابن دريد لابن خالويه ص ٤٣٣، والمجمل ٣/ ٨٥٧، وخزانة [استدراك] الأدب ٤/ ٣٥٨، والمقصور والممدود للفراء ص ٢٣، وغريب الحديث للخطابي ٢/ ٣٧٤، ولم يعرفه المحقق وقيل: هو لعبد الرحمن بن حسان يخاطب ضيفين طرقاه.\n(١١) البيت للحكم بن عبدل، وهو في المجمل ٣/ ٨٥٨، وشرح المقصورة لابن خالويه ص ٤٣٣، واللسان (نجا).","vol":"7","page":396},{"text":"نَجَوْتُ مُجالِدًا فوَجَدْتُ منه ... كريح الكلب ماتَ حَديثَ عَهْدِ\nونجوت الوَبَرَ واستنجيته إذا خلصتَه، قال الشاعر (١):\nفَتَبازَتْ فَتَبازَخْتُ لهَا ... جِلْسةَ الأعسرِ يَسْتَنْجِي الوَتَرْ\nوأصله كله من النجوة، وهُوَ ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر (٢):\nفَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته ... والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِرواحِ\nويقال: ما أنجى فلان شيئًا وما نجا شيئًا منذ أيام، أيْ لَم يَدْخُل\nالغائِط\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، أي: \" إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس\" (٤).\nقال عبدالرحمن بان زيد بن أسلم: \" من جاء يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذلك عنه لا تناجيه\" (٥).\nقال الطبري: \" أي: \" إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، و«المعروف»، هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، ﴿أو إصلاح بين الناس﴾، وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به\" (٦).\nوفي معنى المعروف في هذه الىية قولان:\nأحدهما: انه القرض. وهذا قول ابن عباس (٧)، ومقاتل بن حيان (٨)، وسعيد بن عبدالعزيز (٩)، ومقاتل بن سليمان (١٠).\nوالثاني: أنه عام في جميع أفعال البر. وهذا قول القاضي أبي يعلى، وأبي سليمان الدمشقي (١١).\nقال القرطبي: والأصح أن\" المعروف لفظ يعم أعمال البر كلها\" (١٢).\nقال الجصاص: \" وكل أعمال البر معروف لاعتراف العقول بها لأن العقول تعترف بالحق من جهة إقرارها به والتزامها له وتنكر الباطل من جهة زجرها عنه وتبريها منه ومن جهة أخرى سمى أعمال البر معروفا وهو أن أهل الفضل والدين يعرفون الخير لملابستهم إياه وعلمهم به ولا يعرفون الشر بمثل معرفتهم بالخير لأنهم لا يلابسونه ولا يعلمون به فسمى أعمال البر معروفا والشر منكرا\" (١٣).\nقال عبد الله بن حبيب: \" كنت عند محمد بن كعب فقال له محمد: أين كنت؟ قال: كان بين قومي شيء فأصلحت بينهم. قال: أصبحت لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله، ثم قرأ ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ \" (١٤).\nوعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة\"، قلت: ما يعني وقى\n_________\n(١) لم أتعرف على قائله، والبيت في معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٠٥، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٤.\n(٢) وهو في «اللسان» لعبيد بن الأبرص وفي «ديوانه» ٥٣، والعقوة:\nالساحة وما حول الدار والمحلة، والقرواح: البارز الذي ليس يستره من السماء شيء. وقيل: الناقة الطويلة.\nوكذلك النخلة الطويلة يقال لها: قرواح.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٦٠): ص ٤/ ١٠٦٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٧) زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٦١): ص ٤/ ١٠٦٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٦١): ص ٤/ ١٠٦٥.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٦.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧١.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٣.\n(١٣) أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٦.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٦٢): ص ٤/ ١٠٦٥.","vol":"7","page":397},{"text":"الرجل عرضه؟ قال: \"ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله ﷿\" (١).\nقال أبو عبيدة: \" فالنجوى فعل والأمر بالصدقة ليس من نجواهم التي لا خير فيها. إلا أن يكونوا يأمرون بصدقة أو معروف، والنّجوى: فعل، و«من»: اسم، قال النابغة (٢):\nوقد خفت حتى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى القفارة عاقل\nوالمخافة: فعل، والوعل اسم\" (٣).\nوقوله: \" ﴿إلا من أمر بصدقة﴾، فيجوز أن يكون بمعنى: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، فيكون بمعنى: لكن من أمر بصدقة، ففي نجواهم خير.\" (٤).\nقال ابن العربي: \" يحتمل أن يكون النجوى مصدرا، كالبلوى والعدوى، ويحتمل أن يكون اسما للمنتجين كما قال: ﴿وإذ هم نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧]. فإن كان بمعنى المنتجين فقوله: ﴿إلا من أمر بصدقة﴾ [النساء: ١١٤] استثناء شخص من شخص، وإن كان مصدرا جاز الاستثناء على حذف تقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة\" (٥).\nقال الراغب: \" يقال: لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به «معروف»، ولكل ما يستقبحه وينكره «منكر»، ووجه ذلك أن الله ركز في العقول معرفة الخير والشر وإليها أشار بقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، و﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وعلى ذلك البر: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤]، أي: \" ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" ﴿ومن يفعل﴾، ذلك تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس ابتغاء مرضات الله، ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، أي: \" فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: جزاء عظيما\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعل ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه، وقيد الفعل بأن يقول لطلب مرضاة الله ﷾، لأن الأعمال بالنيات وأن كل من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحق به من الله أجرا. ووصف الأجر بالعظم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا\" (١١).\nوقرأ حمزة وأبو عمرو: «يؤتيه»، بالياء (١٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٢٨، وعبد بن حميد في المنتخب برقم (١٠٨٣) ص (٣٢٧)، وصححه الحاكم: ٢/ ٥٠ فتعقبه الذهبي بقوله: \"عبد الحميد بن الحسن الهلالي ضعفه الجمهور\"، وابن عدي في الكامل: ٣/ ١٢٥٤، والمصنف في شرح السنة: ٦/ ١٤٦، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (٨٩٨): ٢/ ٣٠١، وقال: \"لكن الجملتان الأوليان من الحديث صحيحتان لأن لهما شواهد كثيرة في الصحيحة وغيرها\".\n(٢) البيت من الطويل، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص ١٤٤، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٢، ومعجم ما استعجم ص ١٠٢٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٩١، ومجمع البيان ١/ ٢٦٢، ٢٥٥، ومجاز القرآن ١/ ٦٥، وما اتفق لفظه واختلف معناه للمبرد ص ٣٢، والبيت بلا نسبة في أمالي المرتضى ١/ ٢١٦، والإنصاف ١/ ٣٧٢، ولسان العرب (خوف)، ومجالس ثعلب ص ٦١٨، والمقتضب ٣/ ٢٣١، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٩٩، والأضداد ص ٣٢٨.\n(٣) مجاز القرآن: ١/ ١٣٩.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٤٧٠.\n(٥) أحكام القرآن: ١/ ٦٢٧.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ١٤٨.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٦٣): ص ٤/ ١٠٦٥.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٧.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٦.\n(١١) تفسيرالبيضاوي: ٣/ ٩٦.\n(١٢) انظر: تفسيرالبيضاوي: ٣/ ٩٦.","vol":"7","page":398},{"text":"١ - حرمة تناجي اثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة.\n٢ - الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجماعًا كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين.\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]\nالتفسير:\nومن يخالف الرسول ﷺ من بعد ما ظهر له الحق، ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين، وما هم عليه من الحق، نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير، وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها، وبئس هذا المرجع والمآل.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال السدي: \" فلما فضح الله طعمة في المدينة، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو طعمة، فقال: ضيفي وابن عمي وأردت سرقتي، فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ \" (١). وذكروا عن الكلبي نحو ذلك (٢).\nوالثاني: وعن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: \"نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ \" (٣).\nوذكر السمرقندي عن الضحاك: \"قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا، ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية\" (٤).\nوالراجح-والله أعلم- أنها نزلت \"في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾، لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدًّا، مفارقًا لرسول الله ﷺ ودينه\" (٥).\nوقال القرطبي: \" والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]، أي: \" ومن يخالف الرسول ﷺ من بعد ما ظهر له الحق\" (٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: يخالفه في التوحيد، من بعد ما تبين لهم التوحيد\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ومن يباين الرسولَ محمدًا ﷺ، معاديًا له، فيفارقه على العداوة له، من بعد ما تبين له أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ، فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عَمْد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له\" (١٠).\nقال الزجاج: \" لأن طعمة هذا كان قد تبين لصه ما أوْحَى اللَّهُ إلى نبيه في أمرِه، وأظهر\nمِنْ سَرِقَتِه في الآية ما فيه بَلَاغ، فعَادى النبي - ﷺ - وصار إلى مكة، وأقام مع المشركين\" (١١).\n_________\n(١) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٦٧): ص ٤/ ١٠٦٦.\n(٢) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٨.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٦.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٤٠٥.\n(٦) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٥.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٢٠٤.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٢.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ١٠٦.","vol":"7","page":399},{"text":"قال مقاتل: \" ﴿يشاقق﴾، يعني: يخالف\" (١).\nقال ابن زمنين: ﴿يشاقق﴾، \"أي: يخالف\" (٢).\nقال الراغب: \" الشق: القطع طولا ومنه استعير: الاشتقاق، وشق العصا، وشق عليه الأمر، كقولهم: مشقة الأمر وشق كرددت عصاه، ومشاقة الرسول أن يصير في شق غير شقة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥، ٢٠]، أي: يصيرون في حد غير حده، وذلك أشبه بالاعتقاد والديانة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، أي: \" ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: غير دين المؤمنين\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: ويتبع طريقًا غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجًا غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم\" (٦).\nقال السمرقندي: \" أي: يتبع دينا غير دين المؤمنين، ويقال: يتبع طريقا أو مذهبا غير طريق المؤمنين\" (٧).\nقال ابن كثير: \" هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيما لنبيهم -ﷺ-. وقد وردت في ذلك أحاديث صحيحة كثيرة، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب \"أحاديث الأصول\"، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي، ﵀، في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تَحْرُم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها على ذلك\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، أي: \" نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير\" (٩).\nقال الزجاج: \" نَدَعة ومَا اختار لنفسه في الدنيا لأن اللَّه جلَّ وعزَّ وعد بالعذاب في الآخرة\" (١٠).\nقال مجاهد: \"من آلهة الباطل\" (١١). وذكر مقاتل نحوه (١٢).\nوقال الكلبي: \" يعني: نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نحسنها في صدره ونزينها له - استدراجًا له - كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقوله ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] \" (١٤).\nقرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: «نوله»، بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥]، أي: \" وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها\" (١٦).\nقال الطبري: \" يعني: نحرقه بها\" (١٧).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٧.\n(٢) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٤٠٦.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ١٥١.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٧.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٢٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٢ - ٤١٣.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٧.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٠٧.\n(١١) أخرجه الطبري (١٠٤٢٧)، و(١٠٤٢٨): ص ٩/ ٢٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٧.\n(١٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٨.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٣.\n(١٥) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٩.\n(١٦) التفسير الميسر: ٩٧.\n(١٧) تفسيرالطبري: ٩/ ٤٠٥.","vol":"7","page":400},{"text":"قال الواحدي: \" نلزمه جهنم، وأصله: «الصِّلا»، وهو لزوم النار للاستدفاء\" (١).\nوقال الفراء: \" «الصِّلاء»: اسم للوقود، وهو الصلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت، قال ابن حلزة (٢):\nفتنورت نارها من بعيدٍ ... بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء\" (٣)\nقال الراغب: وأصل «الصلا»: الملازمة، ومنه الصلاة للدعاء ومن أجله قول النبي - ﷺ -: «ايصلوا يا ذا الجلال والإكرام» (٤)، أي: الزموا مراعاة ذلك.\nو«الصلا»: ملازمة قرب النار للاصطلاء بها، فجعل عبارة عن ملازمتها للعذاب، والصلوان العرقان المكتنفان لجانبي الوركين، يجوز أنه اعتبر فيهما الاصطلاء كتسمية اليد والرجل المصطلى\" (٥).\nقرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: «نصله»، بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، أي: \" وبئس هذا المرجع والمآل\" (٧).\nقال الثعلبي: \" يعني: بئس المنزل حلوا به يوم القيامة\" (٨).\nقال الواحدي: \" وكذلك ساءت جهنم موضعًا يصار إليه\" (٩).\nقال ابن كثير: \" وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣]. وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] \" (١٠).\nقال مالك: \" كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرا\" (١١).\nقال الواحدي: \"قال بعض المفسرين ان هذا [يعني: قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾]، منسوخ بآية السيف، لأنه لا يقرُّ الآن عابد لوثن على ما هو عليه، ولا يولى ما تولَّى\" (١٢).\nقلت: ولم أجد هذا القول في كتب التفسير ولا \"الناسخ والمنسوخ\".\nالفوائد:\n١ - حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم.\n٢ - ذمهم على ترك اتباع سبيل المؤمنين كما ذمهم على ترك الإيمان ودل بذلك على صحة حجة الإجماع لأنه لولا أن ذلك لازم لما ذمهم على تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول الله ﷺ (١٣).\n٣ - في الآية دليل إن الإجماع حجة، لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين (١٤).\nقال الواحدي: \" قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع، واحتج به الشافعي ﵀، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية (١٥).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٧/ ٩٢ - ٩٣.\n(٢) البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري كما في \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس: ٢/ ٥٥، \"شرح المعلقات\" للزوزني ص ١٥٦. قال النحاس: تنورتُ النار إذا نظرتها بالليل .. وخزازى اسم موضع. والشاهد منه: الصلاء كسرت الصاد فجاءت الكلمة ممدودة ..\n(٣) انظر: \"المقصور والممدود\" للفراء ص ٣٦، ٣٧، ٦٢، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٩١ (صلا)، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٥١.\n(٤) لم اقف عليه، وقد روي عن انس بن مالك قال رسول الله -ﷺ-: \" ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام\". أخرجه أحمد (١٧٧٣٩): ص ٤/ ١٧٧، والنسائي في الكبرى (٧٦٦٩)، و(١١٤٩٩)، والترمذي (٣٥٢٤).\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ١٥١.\n(٦) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٩.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٦.\n(٩) التفسير البسيط: ٧/ ٩٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٣.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٦٩): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(١٢) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٩٢.\n(١٣) احكام القرآن للجصاص: ٣/ ٢٢٨.\n(١٤) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣٣٨.\n(١٥) ورد في \"الرسالة\" ص ٤٧١ - ٤٧٦، سؤال للشافعي عن حجية الإجماع، وأجاب الشافعي ﵀ عن ذلك محتجًا بالسنة والنظر، لكن لم يرد ذكر لهذِه الآية. وقد ذكر احتجاج الشافعي بهذِه الآية على الإجماع: الآمدي في الأحكام ١/ ٢٠٠، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٣.","vol":"7","page":401},{"text":"ووجه الاحتجاج هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما أوعد على مشاقة الرسول ﵇، فسوى بين مخالفة سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول بعد تبين الهدى، والآية وإن نزلت في خائن الدرع فهي عامة لكل من لزمه هذا الوصف\" (١).\nالقرآن\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦]\nالتفسير:\nإن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده. ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، وهذا قول الجمهور (٢)، منهم سعيد بن جبير (٣).\nوالثاني: وعن الضحاك عن ابن عباس: \"إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا إني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين، إني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ \" (٤).\nوالثالث: قال الثعلبي: \"ويقال: إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما لهم إلى إن مات، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدً﴾ ا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]، أي: \"إن الله لايغفر ذنب الشرك\" (٦).\nقال الزمخشري: \" تكرير للتأكيد، وقيل: كرر لقصة طعمة: وروى: أنه مات مشركا\" (٧).\nقال ابن عباس: \" فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة\" (٨).\nقال جابر بن عبد الله: \"قال رسول الله ﷺ: ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه قال: إن الله استثنى، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ \" (٩). قال جابر بن عبد الله: \"قال رسول الله ﷺ: ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها، وإن شاء الله غفر لها، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ الآية\" (١٠).\nوعن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، الإشراك بالله، ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ \" (١١).\nوقد روى الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: \"ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" (١٢).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٧/ ٩١، وانظر: انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٧، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٦، و\"الأحكام\" للآمدي ١/ ٢٠٠، والقرطبي ٥/ ٣٨٦، وابن كثير ٢/ ٤١٢ - ٤١٣.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٢.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٦، وانظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٦.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٨١.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٦٥.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢٣): ص ٣/ ٩٧٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٢٠): ص ٣/ ٩٧٠.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٢٥): ص ٣/ ٩٧١.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٤٢٩): ص ٣/ ٩٧١.\n(١٢) سنن الترمذي برقم (٣٠٣٧)، ثم قال: \"حسن غريب\".","vol":"7","page":402},{"text":"قال السمعاني: \" فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وقال في موضع آخر: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ فكيف وجه الجمع؟\nقيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك\" (١).\nقال أبو هلال العسكري: \" أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به\" (٢).\nقال المراغي: \" تقدم هذا النص بعينه فى غرض آخر من هذه السورة، وأعاد هنا مرة أخرى، لأنه إنما ترجى الهداية والموعظة بإبراز المعاني التي يراد إيداعها فى نفوس السامعين فى كل سياق يقصد فيه توجيها إليها وإعدادها لقبولها، ولن يتم ذلك إلا بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني حتى تتمكن فى النفوس بذلك التكرار، ومن ثم نرى رجال الدين والسياسة الذين عرفوا سنن الاجتماع وفهموا طبائع البشر وأخلاقهم يكررون فى خطبهم ومقالاتهم، أغراضهم ومقاصدهم التي ينشرونها فى الصحف والكتب، فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء أو ذمه أثر فيه.\nالمعنى- أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه.\nذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه ﷿، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له.\nوبعض الناس ممن يسمون أنفسهم بالموحدين يفعلون كما يفعل سائر المشركين، فيدعون حين يشتد الكرب ويعظم الخطب غير الله وحده أو مع الله ولا يسمون عملهم دعاء، بل يسمونه توسلا واستشفاعا، ويسمون من يدعونهم أولياء وشفعاء، ولو لم يكن منهم إلا هذا الدعاء لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة وشركا بالله.\nوقد قال النبي ﷺ «الدعاء هو العبادة» (٣)، أي: إن العبادة جد العبادة إنما تكون فى الدعاء الذي يفيض على اللسان من قرارة النفس حين وقوع الخطب، واشتداد الكرب، وهذا ما تسمعه من أصحاب الحاجات، عند حدوث الملمات، وفى هياكل العبادات، ولدى قبور الأموات، فكل ذلك يمثل الخشوع والخضوع، ويذرف من العين الدموع «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله».\nوما عدا هذا الدعاء من العبادات، جله يفعل بالتعليم، ويكون فى الغالب خاليا من الشعور الذي به يكون القول أو الفعل عبادة، إذ هو خال من معنى العبادة وروحها وهو الشعور بالسلطة الغيبية التي هى وراء الأسباب العادية، ولا سيما الأدعية التي تكون فى الصلوات أو فى غير الصلوات، إذ نرى الحافظ لها يحرك بها لسانه وقلبه مشغول بشواغل أخرى، فمثل هذا لا يمثل العبادة الحقة التي تملأ القلب نورا، والنفس استسلاما وخضوعا، والروح طهارة وزكاء\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، أي: \" ويتجاوز ويعفو عمّا دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده\" (٥).\nقال مقاتل: أي: \" لمن مات موحدا فمشيئته﵎- لأهل التوحيد\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، أي: \" ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا\" (٧).\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٣٤.\n(٢) الوجوه والنظائر: ٢٦٥ - ٢٦٦. [بتصرف] ..\n(٣) أخرجه أحمد (١٨٥٤٢): ص ٤/ ٢٦٧، و(١٨٥٧٦): ص ٤/ ٢٧١/ و(١٨٥٨١)، و(١٨٦٢٣)، و(١٨٦٢٧)، و(١٨٦٢٨): ص ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧، والبخاري في الادب المفرد (٧١٤)، وابن ماجة (٣٨٢)، والترمذي (٢٩٦٩)، و(٣٢٤٧)، و(٣٣٧٢)، والنسائي في الكبرى (١١٤٠٠).\n(٤) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٨.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٧. [بتصرف]\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٧٧.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.","vol":"7","page":403},{"text":"قال البغوي: \" أي: ذهب عن الطريق وحرم الخير كله\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة\" (٢).\nقال المراغي: أي: \"ومن يشرك بالله شيئا فيدعوه معه ويذكر اسمه مع اسمه، أو يدعوه وحده ملاحظا أنه يقر به إليه زلفى- فقد ضل عن القصد، وبعد عن سبيل الرشد ضلالا بعيدا فى سبيل الغواية، لأنه ضلال يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام\" (٣).\nقال البيضاوي: \" فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى، ﴿فَقَدِ افْتَرَى﴾ [النساء: ٤٨]، لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله ﷾\" (٤).\nقال ابو حيان: \" إلا أن آخر ما تقدم: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وآخر هذه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، ختمت كل آية بما يناسبها. فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول ﷺ، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك قد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله تعالى والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراء واختلاقا مبالغا في العظم والجرأة على الله.\nوهذه الآية هي في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم بالهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالا يستبعد وقوعه، أو يبعد عن الصواب\" (٥).\nالفوائد:\n١ - إن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه افتراء وإثم عظيم (٦).\nقال المراغي: \" أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه، ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه ﷿، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له\" (٧).\n٢ - أن الشرك ضلال لكونه يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام (٨).\n٣ - في هذه الآية دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله ﷿ قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ففرق بين الشرك وسائر الذنوب وحتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك، لو كان الكبيرة كفرا لكان قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به مستوعبا فلما فرق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم (٩).\nقال القرطبي: \" رد على الخوارج، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر\" (١٠).\nقال ابن فورك: \"وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى\" (١١).\nالقرآن\n﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٧\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٤.\n(٣) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٨.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٧.\n(٥) البحر المحيط: ٤/ ٦٨.\n(٦) انظر: تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٣٣.\n(٧) تفسير المراغي: ٥/ ١٥٨.\n(٨) انظر: تفسير المراغي: ٥/ ١٥٨.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٦.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٦.\n(١١) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٦.","vol":"7","page":404},{"text":"ما يعبد المشركون من دون الله تعالى إلا أوثانًا لا تنفع ولا تضر، وما يعبدون إلا شيطانًا متمردًا على الله، بلغ في الفساد والإفساد حدًّا كبيرًا.\nسبب نزول الآيتين: [١١٧، و١١٨]:\nقال الحسن: \"لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه أنثى بني فلان؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]، \" أي: ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا أوثانًا سموها بأسماء الإِناث\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعنى: أوثانا، يعنى: أمواتا: اللات والعزى، وهي الأوثان لا تحرك ولا تضر ولا تنفع فهي ميتة\" (٣).\nقال ابن قتيبة: \" يعني: اللات والعزى ومناة\" (٤).\nقال أبو عبيدة: \" إلا الموات، حجرا أو مدرا أو ما أشبه ذلك\" (٥).\nقال التستري: \" يعني: أصواتا، وهو الحجارة والحديد\" (٦).\nقال أبي بن كعب: \" مع كل صنم جنية\" (٧). وروي عن الحسن نحو ذلك (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]، خمسة وجوه:\nأحدها: أن الإناث اللات والعزى ومَناة، وهو قول السدي (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبي مالك (١١).\nوالثاني: أنها الأوثان، وهذا قول مجاهد (١٢)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (١٣)، وعروة بن الزبير (١٤)، وأبي مالك الغفاري (١٥)، والسدي (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧).\nوقد روي عن عروة عن ابيه أنه \"كان في مصحف عائشة: «إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا» \" (١٨).\nوالثالث: الملائكة، لأنهم كانوا يزعمون أنهم بنات الله، وهذا قول الضحاك (١٩).\nوالرابع: الموات الذي لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، وهو قول ابن عباس (٢٠)، والحسن في رواية أخرى (٢١)، وقتادة (٢٢)، وابي عبيدة (٢٣).\nوالخامس: معناه: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم «إناثًا»، فأنزل الله ذلك كذلك وهذا قول الحسن في رواية أبي رجاء (٢٤).\nوالراجح-والله أعلم- أنه\"عنى بذلك: الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك، الأظهر من معاني \" الإناث \" في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه\" (٢٥).\nوالقراءة المشهورة: ﴿إِناثًا﴾، . وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «إِلا وَثَنًا»، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: «أُنُثًا»، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نُهيك: (أناثًا)، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني: «إِلا أنثى»، على وزن «فعلى». وقرأ أيوب السختياني: «إِلا وُثنا»، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورّق العجلي: (أُثُنًا)، برفع الهمزة والثاء من غير ألف (٢٦).\nقال الزجاج: \" فمن قال: «أناث»، فهو جمع أنثى وإِناث، ومن قال: «أُنُث»، فهو جمع: إِنَاث، لأن «إِناثًا» على وزن مِثال، وإنَاث وأُنث مِثْل مِثَال ومُثُل. ومن قال: «أُثُنا»، فإِنه جمع وثَن.\nوالأصل: وُثُن، إِلا أنَّ الواو إِذا انْضَمَّتَ يجوز إِبدالها همزة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، الأصل: وُقِّتَتْ، ومثال وُثُن في الجمع مثل سُقُف.\nوجائز - أن يكون: اثْن، مثل: أسد وأسد، وجائز أن يكون: اثُن، أصلها: اثْن، فاتبعت الضمَّةُ الضَمَّة\" (٢٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، \" أي: وما يعبدون إلا شيطانًا متمردًا على الله، بلغ الغاية في العتو والفجور\" (٢٨).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: إبليس\" (٢٩).\nقال سفيان: \" ليس من صنم إلا فيه شيطان\" (٣٠).\nقال مقاتل: \" يعني: وما يعبدون من دونه إلا ﴿شيطانا﴾، يعني: إبليس، زين لهم إبليس طاعته في عبادة الأوثان، ﴿مريدا﴾، يعني: عاتيا\" (٣١).\nقال أبو عبية: \" أي: متمردا\" (٣٢).\nقال ابن قتيبة: \" أي: ماردا. مثل قدير وقادر والمارد: العاتي\" (٣٣).\nقال قتادة: \" تمرَّد على معاصي الله\" (٣٤).\nقال الزجاج: \" يعني: به إبليس لأنهم إِذا أطاعوه فيما سَوَّلَ لهم فقد عَبدُوه، وَيدعُونَ في معنى يعبدُونَ، لأنهم إِذَا دَعوْا اللَّهَ مخلصين فقد عبدوه، وكذلك قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: اعبدُونِي، والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠].\nومعنى ﴿مَرِيدًا﴾، أي: خارج عن الطاعة مُتَمَلِصٌ مِنْهَا، ويُقَال: شجرة مَرْدَاءُ، إِذا تناثر ورقُها، ومن ذلك يسمى من لم تنبت له لحية أمردُ أي أملس موضعِ اللحية، وقد مرَدَ الرجل يمردُ مُرودًا إِذا عتا وخرج عن الطاعة\" (٣٥).\nالفوائد:\n١ - ذم الكفار بانهم تركوا عبادة من يحميهم ويكلؤهم إلى من لَا يستطيع حماية نفسه، والدعاء هنا العبادة، والالتجاء لإنقاذه من الهلاك أو المرض أو الكوارث بشكل عام، فهم قد تركوا عبادة القوي القادر القاهر الذي هو فوق كل شيء، إلى عبادة العاجز الذي لَا يستطيع حماية نفسه ورفع الضر عنه!\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٤/ ١٣٧٣ رقم ٦٨٨)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٠٤٣٨)، و(١٠٤٣٩): ص ٩/ ٢٠٩، من طريق محمد بن سيف عن الحسن به. وهذا مرسل صحيح الإسناد.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٨٧)، وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٨١.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٨.\n(٤) غريب القرآن: ١٣٥.\n(٥) مجاز القرآن: ١/ ١٤٠.\n(٦) تفسير التستري: ٥٥.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٧٠): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٧٠): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٢): ص ٩/ ٢٠٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٣): ص ٩/ ٢٠٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٠)، و(١٠٤٣١): ص ٩/ ٢٠٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٤٠)، (١٠٤٤١): ص ٩/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٧٣): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٧٣): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٧٣): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٧٣): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٧٣): ص ٤/ ١٠٦٧.\n(١٨) أخرجه الطبري (١٠٤٤٢): ص ٩/ ٢١٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٧): ص ٩/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٤): ص ٩/ ٢٠٨.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٦): ص ٩/ ٢٠٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٥): ص ٩/ ٢٠٨.\n(٢٣) انظر: مجاز القرىن: ١/ ١٤٠.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٣٨)، (١٠٤٣٩): ص ٩/ ٢٠٩.\n(٢٥) تفسيرالطبري: ٩/ ٢١٠ - ٢١١.\n(٢٦) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٢٨٨، وتفسير الطبري: ٩/ ٢١٠، وزاد المسير: ١/ ٤٧٢.\n(٢٧) معاني القرآن: ٢/ ١٠٨.\n(٢٨) صفوة التفاسير: ٢٨١.\n(٢٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٧٥): ص ٤/ ١٠٦٨.\n(٣٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٧٦): ص ٤/ ١٠٦٨. وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس نحوه، انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٣.\n(٣١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٩.\n(٣٢) مجاز القرآن: ١/ ١٤٠.\n(٣٣) غريب القرآن: ١٣٥.\n(٣٤) أخرجه الطبري (١٠٤٤٣): ص ٩/ ٢١٢.\n(٣٥) معاني القرآن: ٢/ ١٠٨.","vol":"7","page":405},{"text":"٢ - إن عبادة الشيطان تكون في اتباع تشريعه ونظامه، وترك تشريع الله ونظامه، وقد سمى الله الذين يطاعون في معاصي الله، \"شركاء\"، إذ قال: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ [الأنعام: آية ١٣٧]، فسماهم \"شركاء\"، لما زينوا لهم الحرام واتبعوهم فيه. وقد صح عن عدي بن حاتم (﵁) أنه سأل النبي - ﷺ - عن آية التوبة - وكان عدي هذا نصرانيا - قال له: يا نبي الله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: آية ٣١] كيف اتخذوهم أربابا؟ يعني أنهم لم يسجدوا ولم يركعوا لهم ولم يصوموا لهم. قال له - ﷺ -: «ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله، فاتبعوهم؟» قال: بلى. قال: «بذلك اتخذوهم أربابا» (١) (٢).\n\nالقرآن\n﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النساء: ١١٨]\nالتفسير:\nطرده الله تعالى من رحمته. وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا.\nقوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨]، أي: \" طرده الله تعالى من رحمته\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" أخزاه وأقصاه وأبعده\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: طرده الله من رحمته وهو إبليس، حيث لم يسجد لآدم\" (٥). وفي\nقوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨]، وجهان من التفسير (٦):\nأحدهما: أنه ابتداء دعاء عليه باللعن، وهو قول من قال: هو الأوثان.\nوالثاني: أنه إخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إبليس.\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، اي: \" وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" هذا قول إبليس\" (٨). وفي رواية أخرى: \"هذا إبليس، ﴿مفروضا﴾، يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة\" (٩).\nقال الحسن: \"من كل ألف، تسعمائة وتسعين إلى النار\" (١٠).\nعن أبي مالك قوله: \" ﴿نصيبًا﴾، قال: حظا\" (١١).\nعن الضحاك: \" ﴿نصيبًا مفروضًا﴾، قال: معلومًا\" (١٢). وفي رواية اخرى: \" يتخذونها من دونك، ويكونون من حزبي\" (١٣).\nقال السمرقندي: \" أي: حظا معلوما\" (١٤).\nقال السمعاني: \" أي: مقدارا معلوما\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، في التفسير، باب: ومن سورة التوبة .. حديث رقم (٣٠٩٥)، (٥/ ٢٧٨)، وعقبه بقوله: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث» اهـ.\nكما أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٠٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٢)، والببهقي في السنن (١٠/ ١١٦)، وابن جرير (١٤/ ٢٠٩ - ٢١١)، وقال عنه شيخ الإسلام (وهو حديث حسن طويل) (الإيمان ص ٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ٥٦)، وغاية المرام ص ١٩، والحديث له شواهد بتقوى بها، والله أعلم.\n(٢) انظر: العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ١/ ٣٧٤.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢١٢.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٣. وانظر: تفسير الآية السابقة.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٧٨): ص ٤/ ١٠٦٨.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٨١): ص ٤/ ١٠٦٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٦٦.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٨٠): ص ٤/ ١٠٦٨.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٤٤٤): ص ٩/ ٢١٢.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٧٩): ص ٤/ ١٠٦٨.\n(١٤) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٠.","vol":"7","page":406},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" مقطوعا واجبا فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه\" (١).\nقال السمين الحلبي: \" أي مقطوعًا، وقيل موفيًا، وقيل معلومًا\" (٢).\nقال ابن عطية: \" المعنى: لأستخلصنهم لغوايتي، ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة\" (٣).\nقال الزجاج: \" قيل في «مفروض»: إِن معناه مؤقت، وجاءَ في بعض التفسير: من كل ألف واحد للَّهِ وسائرهم لإبليس\" (٤).\nقال البغوي: \" فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه\" (٥).\nوأصل «الفرض»: الحز والقطع، ومنه فرض القوس: وهو الشق الذي يجعل فيه الوتر. ومنه فرض السواك: وهو الموضع الذي يجعل فيه الخيط، ومنه فرضة البحر: وهو المشرع الذي توقف إليه السفينة، والفرض: نوع من التمر يكون بعمان، قال الشاعر (٦):\nإِذَا أَكَلْتُ سَمَكًا وَفَرْضَا ... ذَهَبْتُ طُولًا وَذَهَبْتُ عَرْضًا\nفالفَرضُ ههنا «التمر»، وإنما سُمي التمر فَرضًا لأنه يؤخذ في فِرَاضِ الصدقة (٧).\nقال الطبري: \" فإن قال قائل: وكيف يتّخذ الشيطانُ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؟\nقيل: يتخذ منهم ذلك النصيب، بإغوائه إياهم عن قصد السبيل، ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلالَ والكفر حتى يزيلهم عن منهج الطريق، فمن أجاب دعاءَه واتَّبع ما زينه له، فهو من نصيبه المعلوم، وحظّه المقسوم.\nوإنما أخبر جل ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، ليعلم الذين شاقُّوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أنهم من نصيبِ الشيطان الذي لعنه الله، المفروضِ، وأنهم ممن صدق عليهم ظنّه\" (٨).\nقال الثعلبي: \" وإن قيل خبرونا عن قول إبليس لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا «١» كيف علم ذلك؟\nيقال: قد قيل في هذا أجوبة، منها: إن قالوا إن الله ﵎ كان خاطبه بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، فعلم إبليس انه ينال من ذرية آدم ما يتمناه.\nومنها: ان قالوا إنه لما وسوس لآدم نال منه ما نال، طمع في ولده ولم ينل من آدم جميع ما يتمناه من الغواية فكذلك طمع في بعض ولده وأيس من جميعهم.\nومنها ان قالوا ان إبليس قد عاين الجنة والنار وعلم ان الله خلقهما لأن يسكنهما من الناس والشيطان، فعلى هذا التأويل قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ \" (٩).\nالفوائد:\n١ - أن قول اللعين: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، الذي صدر عنه عند اللعن، يدل على فرط عداوته لبني آدم.\n٢ - أن النصيب المفروض لابليس خاص بأهل الضلال، أي: كل من أطاعه فيما زين له من المعاصي.\nالقرآن\n﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٦٦.\n(٢) عمدة الحفاظ: ٣/ ٢١٧.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١١٤.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٠٨.\n(٥) تفسير البغوي: ١/.\n(٦) لم اقف على قائله، وانظر البيت في: جمهرة اللغة، مادة\"فرض\": ص ٢/ ٧٥٠، وتهذيب اللغة، مادة\"فرض\": ص ١٢/ ١٢، والصحاح، مادة: \"فرض\": ص ٣/ ١٠٩٧، ومقاييس اللغة، مادة: \"فرض\": ص ٤/ ٤٨٩، ولسان العرب، مادة: \"قرض\": ص ٧/ ٢٠٦، مادة: \"فرض\"، وتاج العروس، مادة: \"قرض\": ص ١٨/ ٤٧٧.\n(٧) انظر: جمهرة اللغة، مادة\"فرض\": ص ٢/ ٧٥٠، وتهذيب اللغة، مادة\"فرض\": ص ١٢/ ١٢، والصحاح، مادة: \"فرض\": ص ٣/ ١٠٩٧، ومقاييس اللغة، مادة: \"فرض\": ص ٤/ ٤٨٩، ولسان العرب، مادة: \"قرض\": ص ٧/ ٢٠٦، مادة: \"فرض\"، وتاج العروس، مادة: \"قرض\": ص ١٨/ ٤٧٧، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٠٩، والكشف والبيان: ٣/ ٣٨٨، وتفسير السمعاني: ١/ ٤٨٠.\n(٨) (تفسير الطبري: ٩/ ٢١٢ - ٢١٣.\n(٩).","vol":"7","page":408},{"text":"التفسير:\nولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق، ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة، ولأدعونَّهم إلى تقطيع آذان الأنعام وتشقيقها لما أزينه لهم من الباطل، ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة، وهيئة ما عليه الخلق. ومن يستجب للشيطان ويتخذه ناصرًا له من دون الله القوي العزيز، فقد هلك هلاكًا بيِّنًا.\nسبب النزول:\nأخرج الطبري عن أبي عمار، عن ابن عباس: \"أنه كره الإخصاء وقال: فيه نزلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ \" (١). وروي عن انس (٢)، وعكرمة (٣)، نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: \" ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق\" (٤).\nقال ابن عباس: \"يريد من سبيل الهدى\" (٥).\nوقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق \" (٦).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" لأغوينهم\" (٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: عن الهدى والحق\" (٨).\nقال الماوردي: \" يعني: الإيمان\" (٩).\nقال النسفي: أي: \"بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل\" (١٠).\nقال السمعاني: \" فإن قال قائل: كيف نسب إليه الإضلال، وليس إليه الضلالة؟ قلنا: معناه: التزيين والدعوة إلى الضلالة، وقد قال: بعثت داعيا، وليس إلى من الهداية شئ، وبعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شئ \" (١١).\nوفي قراءة أبيّ: «وأضلهم» (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: \" ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة\" (١٣).\nقال الماوردي: \" يعني: بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة\" (١٤).\nقال الزجاج: \" أي: أجمع لهم مع الإضْلَال أن أوهِمهم أنهم ينالون من الآخرة حظًا، كَمَا قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيطَانُ أعمَالَهمْ﴾ (١٥) \" (١٦).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: بأنهم لا عذاب عليهم\" (١٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث\" (١٨).\nقال الثعلبي: أي: \" ولأمنينهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث. وقال بعضهم: ولأمنينهم أي ألقي في قلوبهم الهيمنة\" (١٩).\nقال النسفي: أي: \" ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٠٤٤٨): ص ٩/ ٢١٥. [هذا حديث صحيح على شرط مسلم].\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٤٩): ص ٩/ ٢١٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٦٢): ص ٩/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٥) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١٠١، وزاد المسير: ٢/ ٢٠٤، وتنوير المقباس بهامش المصحف: ٩٧.\n(٦) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١٠١.\n(٧) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤٠٧.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(٩) النكت والعيون: ١/ ٥٣٠.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٠.\n(١٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٨٩.\n(١٣) التفسير الميسر: ٩٧.\n(١٤) النكت والعيون: ١/ ٥٣٠.\n(١٥) [النمل: ٢٤، العنكبوت: ٣٨].\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ١٠٩.\n(١٧) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤٠٧.\n(١٨) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(١٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٨.\n(٢٠) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧.","vol":"7","page":409},{"text":"قال السعدي: \" أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة\" (١).\nوفي قراءة أبيّ: «وأمنيهم» (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: \" أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام\" (٣).\nقال الماوردي: \" أي: لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكًا لأوثانهم كالبحيرة والسائبة\" (٤).\nقال النسفي: \" البتك القطع والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خسمة أبطن وجاء الخامس ذكرًا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها\" (٥).\nقال الزجاج: \" كانه - واللَّه أعلم - ولآمُرنَهم بِتَبْتِيكِ آذان الأنعام فليبتكُنَ، أي يشقِقُن، يقال بتكْتُ الشيءَ أبْتِكه بَتْكًا إِذا قطعته، وبِتْكَة وبِتَكُ، مثل قطعة وقطع، وهذا في البَحِيرةِ، كانت الجاهلية إِذا ولدت الناقة خمسة أبطن فكان الخامس ذكَرًا شقوا أذن الناقة وأمتنعوا من الانتفاع بها ولم تطرد عن ماءٍ ولا مرْعًى، وإِذا لقيها المعْي لم يركبها. فهذا تأويل: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. سَوَّلَ لهم إِبليس أن في تركها لا ينتفع بها قربة إِلى الله\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: \" ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة\" (٧).\nقال الزجاج: \" قيل إِن معناه أن الله خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أَنفسَهِم، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة سخْرة للناس ينْتَفعون بها فعبدهَا المشرِكون، فغيروا خلق اللَّه، أي دِينَ اللَّه، لأن الله فطر الخلق على الِإسلام، خلقهم من بطن آدَمَ كالذر، وأشهدَهُمْ أنه ربهم فآمنوا، فمن كفر فقد غير فِطْرَة الله التي فَطَرَ الناسَ عليها، فأمَّا قوله: ﴿لا تَبديلَ لِخَلق الله﴾ (٨)، فإنَّ معناهُ ما خلقه الله هو الصحيح، لا يقْدِر أحد أن يُبَدل معنى صحة الدين\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، وجوه:\nأحدها: يعني دين الله، وهذا قول ابن عباس-في إحدى الروايات- (١٠)، والحسن (١١)، وقتادة (١٢)، والضحاك (١٣)، والسدي (١٤)، ومجاهد (١٥)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (١٦)، وإبراهيم (١٧)، وابن أبي بزة (١٨)، وابن زيد (١٩)، واختيار الطبري (٢٠)، والزجاج (٢١)، والواحدي (٢٢).\nوالثاني: أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس أيضا (٢٣)، وأنس (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، وشهر بن جوشب (٢٦).\nوالثالث: أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود (٢٧)، والحسن (٢٨).\nقال ابن مسعود: \"لعن الله الوَاشِرَات والمُسْتَوْشِمَات والمُتَنَمِّصات والمُتَفَلِّجات للحسن المغِّيرات خلق الله\" (٢٩).\nوالراجح-والله أعلم- أن معناه: \"دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، [سورة الروم: ٣٠]، وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه\" (٣٠).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، أي: \" أي ومن يتول الشيطان ويطعْه ويترك أمر الله\" (٣١).\nقال السمعاني: \" أي: يواليه باتباعه\" (٣٢).\nقال السمرقندي: \" أي: يعبد الشيطان ويطيعه، ﴿من دون الله﴾، يعني: ترك أمر الله تعالى وطاعته\" (٣٣).\nقال البيضاوي: \" بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله ﷾ إلى طاعته\" (٣٤).\nقال الواحدي: \" يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا\" (٣٥).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]، أي: \" فقد هلك هلاكًا بيِّنًا\" (٣٦).\nقال السمرقندي: \" أي: ضل ضلالا مبينا بينا عن الحق\" (٣٧).\nقال البيضاوي: \" إذا ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار\" (٣٨).\nالفوائد:\n١ - إن الشيطان ليس له من الإضلال إلا التزيين والوسوسة، إذ لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق.\n٢ - ومن مكايد الشيطان تسويف التوبة وتأخيرها، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾.\n٣ - حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع.\n\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٠٣.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٨٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٨١.\n(٤) النكت والعيون: ١/ ٥٣٠.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٠٩ - ١١٠.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٨) [سورة الروم: ٣٠].\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١١٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٦٣): ص ٩/ ٢١٧.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٧٥): ص ٩/ ٢١٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٧٩)، و(١٠٤٨٢): ص ٩/ ٢٢٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٧٨): ص ٩/ ٢٢٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٦٩) - (١٠٤٧٣) ص ٩/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٧٠): ص ٩/ ٢١٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٦٤) - (١٠٤٦٦): ص ٩/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٧٧): ص ٩/ ٢١٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٨٠): ص ٩/ ٢٢٠.\n(٢٠) (انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٢.\n(٢١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١١٠.\n(٢٢) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ١٠٣.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٤٨): ص ٩/ ٢١٥، و(١٠٤٦٠)، و(١٠٤٦١): ص ٩/ ٢١٧.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٤٩): ص ٩/ ٢١٥.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٥٤) - (١٠٥٧): ص ٩/ ٢١٦ - ٢١٧، و(١٠٤٦٢): ص ٩/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٥٣): ص ٩/ ٢١٦.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٨٧) - (١٠٤٨٩): ص ٩/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٨٣) - (١٠٤٨٦): ص ٩/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٢٩) أخرجه الطبري (١٠٤٨٨): ص ٩/ ٢٢١.\n(٣٠) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٢.\n(٣١) صفوة التفاسير: ٢٨١.\n(٣٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨١.\n(٣٣) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(٣٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٨.\n(٣٥) التفسير البسيط: ٧/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٣٦) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٣٧) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(٣٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٨.","vol":"7","page":410},{"text":"﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]\nالتفسير:\nيعد الشيطان أتباعه بالوعود الكاذبة، ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة، وما يَعِدهم إلا خديعة لا صحة لها، ولا دليل عليها.\nقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، أي: \" يعد الشيطان أتباعه بالوعود الكاذبة\" (١).\nقال الشوكاني: \" يعدهم المواعيد الباطلة ويمنيهم الأماني العاطلة\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" يعد الشيطان المَرِيد أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم\" (٣).\nقال القرطبي: \" المعنى: يعدهم أباطيله وترهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير\" (٤).\nقال الواحدي: \" قال أهل المعاني: معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك، وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب علي الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدًّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعدّ نفسه من الموتى\" (٥).\nقال السمعاني: \" وعده قد يكون بالتخويف كما قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقيل: أنه يتمثل في صورة الآدمي، فيعد، ويمنى، وكان قد ظهر يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وظهر في اليوم الذي اجتمعت فيه قريش، وتشاوروا في إخراج النبي، في صورة شيخ من نجد\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، أي: \" ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة \" (٧).\nقال الطبري: أي: \" ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم\" (٨).\nقال السمعاني: \" من ذلك تمنى الإنسان قضاء الشهوات، واعلم أن الإنسان لا يؤاخذ بغلبة الشهوة، واشتهاء الشهوات؛ لأن ذلك شئ جبل عليه، ويؤاخذ بالتمني، وذلك أن يتمنى خمرا ليشربه، أو امرأة؛ ليزني بها، فذلك من المعصية، ويؤاخذ به\" (٩).\nقال الواحدي: \" وذكر في عدة من كتب التفسير ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ألا يلقون خيرًا، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الفقر، فلا ينفقون في خير.\nوهذا صحيح في المعنى، من حيث إن الشيطان قد يخوف الإنسان بالفقر، فيمسك عن الإنفاق في الطاعة، ولكنه باطل من حيث اللغة؛ لأن الوعد إنما يستعمل في الخير، وما يكون في الشر قيل فيه: يوعد، هذا هو الصحيح، وإن كان يستعمل الوعد في الشر نادرًا.\nوالتمنية معناه: تسويل المنية، وهي ما يتمناه الإنسان، ولا يتمنى الفقر، إنما يتمنى الغنى وكثرة المال في غالب العادة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، أي: \" أي وما يعدهم إلا خديعة وباطلًا وضلالًا \" (١١).\nقال القرطبي: أي: خديعة\" (١٢).\nقال البغوي: \" أي: باطلا\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٢) فتح القدسر: ١/ ٥٩٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٩٥.\n(٥) التفسير البسيط: ٧/ ١٠٥.\n(٦) تفسير السمعاني: ١٤٨١.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٤.\n(٩) تفسير السمعاني: ١٤٨١.\n(١٠) التفسير البسيط: ٧/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٧، وصفوة التفاسير: ٢٨٢\n(١٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٩٥.\n(١٣) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٩.","vol":"7","page":411},{"text":"قال الواحدي: \" أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر\" (١).\nقال الشوكاني: \" أي: وما يعدهم الشيطان بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة إلا غرورا يغرهم به، ويظهر لهم فيه النفع وهو ضرر محض\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" وما يعد الشيطان أولياءَه الذين اتخذوه وليًّا من دون الله إلا باطلا، وإنما جعل عِدَته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم ﴿غرورًا﴾، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليًّا على حقيقةٍ من عِدَاته الكذب وأمانيه الباطلة، حتى إذا حصحص الحق، وصاروا إلى الحاجة إليه، قال لهم عدوّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ﴾، [سورة إبراهيم: ٢٢]. وكما قال للمشركين ببدر، وقد زيَّن لهم أعمالهم: ﴿لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾، وحصحص الحقّ، وعاين جِدّ الأمر ونزول عذاب الله بحزبه: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، [سورة الأنفال: ٤٨]، فصارت عِدَاته، عدُوَّ الله إياهم عند حاجتهم إليه غرورًا، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [سورة النور: ٣٩] \" (٣).\nقال عكرمة: \" إنما سمي الشيطان، لأنه تشيطن\" (٤).\nقال السمعاني: \" الغرور: إيهام الوصول إلى النفع من موضع الضر\" (٥).\nقال ابن عرفة: \" الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفية باطن مكروه أو مجهول، والشيطان غرور، لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء\" (٦).\nالفوائد:\n١ - سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة.\n٢ - قال الخازن: \" إنما يدع الشيطان إلى قضاء الشهوة وطلب الرياسة ونحو ذلك، ولا يدعو إلى معرفة الله تعالى، ولا إلى عبادته وتلك الأشياء التي يدعو إليها خيالية لا حقيقة لها ولا تحصل إلا بعد متاعب ومشاق عظيمة، وإذا حصلت كانت سريعة الذهاب والانقضاء وينغصها الموت والهرم وغير ذلك، وإذا كانت هذه الأشياء بهذه الصفة كانت الرغبة فيها غرورا\" (٧).\n٣ - إن الإنسان بحاجة إلى عون الله -ﷻ- للتخلص من وساوس الشيطان ومكايده.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢١]\nالتفسير:\nأولئك مآلهم جهنم، ولا يجدون عنها معدلا ولا ملجأً.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ١٢١]، أي: \" أولئك مآلهم جهنم\" (٨).\nقال الثعلبي: اي: \" مصيرهم جهنم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" هؤلاء الذين اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله، مصيرهم الذين يصيرون إليه جهنم\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" يعني: الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، اي: \" ولا يجدون عنها معدلا ولا ملجأً\" (١٢).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٧/ ١٠٥.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٥٩٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٩/٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٨٨): ص ٤/ ١٠٧٠.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨١.\n(٦) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(٧) تفسير الخازن: ٣/ ١٣٦.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٧.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٥.\n(١١) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٧.","vol":"7","page":413},{"text":"قال الثعلبي: أي: \" مانعا\" (١).\nقال البغوي: \" أي: مفرا ومعدلا عنها\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: مخلصا ولا ملجأ بل هم خالدون فيها أبد الآباد\" (٣).\nقال الطبري: \"يقول: لا يجدون عن جهنم- إذا صيّرهم الله إليها يوم القيامة - مَعْدِلا يعدِلون إليه\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي: لا يجدون عنها مَعْدِلًا ولا مَلْجأ\" (٥).\nقال السمرقندي: \" أي: مفرا ومهربا\" (٦).\nو«المحيص»: مفعول من حاص إذا راغ ونفر، يقال منه: حاص فلان عن هذا الأمر يَحِيص حَيْصًا وحُيُوصًا، إذا عدل عنه، (٧)، ومنه خبر ابن عمر أنه قال: \"بعث رسول الله ﷺ سرِيّة كنت فيهم، فلقينا المشركين فحِصْنا حَيْصة\" (٨)، ومنه قول جعفر بن علبة الحارثي (٩):\nولم أدر إن حصنا من الموت حيصة ... كم العمر باق والمدى متطاول\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، يحتمل وجهين (١٠):\nأحدهما: لا بد لهم من ورودها.\nوالثاني: التخليد الذي أوعد به الكفار، فلا يخرجون عنها، ولا يجدون منها ملجأ\nالفوائد:\n١ - إن الذين يعطون ولايتهم للشيطان، ويخسرون فطرتهم السليمة، ونفوسهم المستقيمة، وعقولهم المدركة، تحت سلطان الأماني الكاذبة والأوهام الخادعة.\n٢ - لَا يكون لهم مأوى يوم القيامة غير جهنم. ولا يجدون ملجأ دونها يلجأون إليه، فلا مفر منها ولا مهرب، وذلك جزاء إضرارهم لفطرتهم وانحرافهم عن الجادة، ويرميهم بغرور الشيطان، وإن ذلك يتبعه الأذى لبني الإنسان، وتركهم عبادة الديان، والإعراض عن الحق، إذا جاءهم به رسل الله تعالى، وأنهم لَا معدل لهم عنها ولا مهرب.\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢]\nالتفسير:\nوالذين صَدَقوا في إيمانهم بالله تعالى، وأتبعوا الإيمان بالأعمال الصالحة سيدخلهم الله -بفضله- جنات تجري من نحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، وعدا من الله تعالى الذي لا يخلف وعده. ولا أحد أصدق من الله تعالى في قوله ووعده.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: والذين صَدَقوا في إيمانهم بالله تعالى، وأتبعوا الإيمان بالأعمال الصالحة\" (١١).\nقال النسفي: أي: \" ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر\" (١٢).\nقال القاسمي: \" أي: والذين صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٩.\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٨٩.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٠٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٦.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ١١١.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ١١٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٦.\n(٩) ديوان الحماسة: ١/ ٨، وانظر: البحر المحيط: ٣/ ٣٦٤، والدر المصون: ٢/ ٤٢٨.\nوإن حصنا أي: إن عدلنا وانحرفنا عن الموت، يقول: لم ندر إن حدنا عن القتال الذي فيه الموت، وعدلنا عنه، كم يكون بقاؤنا؟ ! فلم نحيد ونرتكب العار؟ ! ولعلنا إن تركنا القتال لم نعش إلا قليلا.\n(١٠) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١٠٦.\n(١١) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٢.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧.\n(١٣) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٧.","vol":"7","page":414},{"text":"قال ابن عباس: \"يقول: أدوا فرائضي\" (١).\nوعنه أيضا: \"الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" (٢).\nقال السمرقندي: \" أي: صدقوا بالله تعالى والرسول والقرآن، وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" والذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ بالنبوة، وأدَّوا فرائض الله التي فرضها عليهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: \" سيدخلهم الله -بفضله- جنات تجري من نحت أشجارها الأنهار\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: سوف ندخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله، جزاءً بما عملوا في الدنيا من الصالحات بساتين ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ (٦).\nقال القاسمي: \" أي: من تحت غرفها ومساكنها الأنهار أنهار الخمر والماء واللبن والعسل\" (٧).\nقال السعدي: \" وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة\" (٨).\nقال ابن عثيمين: \" وظاهر كلمة ﴿أنهار﴾ أن الماء عذب، وجمع ﴿الأنهار﴾ باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذًا يعتبر هذا البستان كاملًا من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضًا جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك \" (٩).\nقال أبو مالك: \" يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: البساتين تجري من تحتها الأنهار\" (١١).\nقال البغوي: \" أي: من تحت الغرف والمساكن\" (١٢).\nقال الزجاج: \" المعنى: تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء\" (١٣).\nقال مسروق: \" أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وثمرتها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، العنقود اثنا عشر ذراعا\" (١٤).\nقال عبد الله: \"الجنة سجسج لا حر فيها ولا برد\" (١٥). وعنه أيضا: \" أنهار الجنة تفجر من جبل مسك\" (١٦).\nوقرأت فرقة: «سندخلهم» بالنون، وقرأت فرقة: «سيدخلهم» بالياء (١٧).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: \" ماكثين فيها أبدًا\" (١٨).\nقال القاسمي: \" أي: مقيمين في الجنة. لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا\" (١٩).\nقال سعيد بن جبير، ومقاتل: \"يعني: لا يموتون\" (٢٠).\nوعن ابن عباس: \" ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، قال: لا انقطاع\" (٢١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧١٥٦): ص ٦/ ٤٦٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٧): ص ٢/ ٦٦٤.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٤٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٧) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٧.\n(٨) تفسير السعدي: ١/ ١١٥.\n(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٣١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٣): ص ٣/ ٩٨٤.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨١.\n(١٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٩٠.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٦٦.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٤): ص ٣/ ٩٨٤.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠١): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٠٢): ص ٣/ ٩٨٣.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١١٥.\n(١٨) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٢.\n(١٩) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٧.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٠٥): ص ٣/ ٩٨٤، وتفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨١.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٥٠٦): ص ٣/ ٩٨٤.","vol":"7","page":415},{"text":"قال ابن كثير: أي: \" وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" طول الرجل من أهل الجنة سبعون ميلا، وطول المرأة ثلاثون ميلا، مقعدتها جريب أرض، وإن شهوته لتجري في جسدها مقدار سبعين عاما، يجد اللذة ولو انقلب الرجل من أهل النار كسلسلة لزالت الجبال \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: \" وعدا من الله تعالى الذي لا يخلف وعده\" (٣).\nقال النسفي: \" مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: صدقا أنه منجز لهم ما وعدهم\" (٥).\nقال السمرقندي: \"أي: صدقا وكائنا، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة \" (٦).\nقال البيضاوي: \" أي: وعده وعدا، وحق ذلك حقا\" (٧).\nقال القاسمي: أي: \" صدقا واقعا لا محالة\" (٨).\nقال الطبري: \" يعني: عِدَةٌ من الله لهم ذلك في الدنيا، ﴿حقًّا﴾، يعني: يقينًا صادقًا، لا كعدة الشيطان الكاذبة التي هي غرور مَنْ وُعِدها من أوليائه، ولكنها عدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب، ولا يخلف وعده\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، أي: \" ولا أحد أصدق من الله تعالى في قوله ووعده\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" أي: قولا ووعدا\" (١١).\nقال القرطبي: المعنى: \" لا أحد أصدق من الله\" (١٢).\nقال مقاتل: \" فليس أحد أصدق قولا منه﷿- فى أمر الجنة والنار والبعث وغيره\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" جملة مؤكدة بليغة، والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله\" (١٤).\nقال النسفي: \" وهو استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أصدق منه، وهو تأكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه\" (١٥).\nوكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: \"إن أصدق الحديث كلام الله. وخير الهدى هدى محمد ﷺ. وشر الأمور محدثاتها. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار\" (١٦).\nقال القاسمي: \"والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه. والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله\" (١٧).\nالفوائد:\n- الإيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب دخولها، لأنه بالإيمان والعمل الصالح تزكو النفس البشرية وتطهر، وإذا زكت وطهرت تأهلت لدخول الجنة؛ إذ هي دار الأبرار ودار المتقين.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٣٨.\n(٢) أخرجه ابن المنذر (١٩١٥): ص ٢/ ٧٦٠.\n(٣) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٢.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٨.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤١.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٨.\n(٨) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٧.\n(١٠) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٢.\n(١١) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٤١.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٩٦.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٨.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ٩٩.\n(١٥) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧.\n(١٦) صحيح مسلم (٤٣).\n(١٧) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٧.","vol":"7","page":416},{"text":"٢ - صدق وعد الله تعالى، وصدق قوله ﷿.\n٣ - وجوب صدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث: «وإذا وعد أخلف» (١).\n٤ - وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب.\nالقرآن\n﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]\nالتفسير:\nلا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليًّا يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: قال ابن عباس: \" تحاكم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء! وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا! فقضى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وخيّر بين أهل الأديان؛ فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢) \" (٣).وإلى هذا المعنى ذهب مسروق (٤)، وأبو صالح (٥)، وقتادة (٦)، والضحاك (٧)، والسدي (٨).\nوالثاني: وقال مجاهد: \" قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب، فأنزل الله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ \" (٩). وإلى هذا المعنى ذهب ابن زيد (١٠).\nوالثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: لا نبعث، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة.\nوالراجح-والله أعلم- \"أنه عُني بقوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾، مشركي قريش، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾، وإنما جرى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله: ﴿ولأمنينَّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾، وقوله: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه: ﴿ليس بأمانيكم﴾ بما قد جرى ذكره قبل، أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا إجماع من أهل التأويل\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: \" أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإِيمان والعمل الصالح\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" أى: ليس ينال ما وعد الله من الثواب ﴿بأمانيكم﴾، ولا بـ ﴿أماني أهل الكتاب﴾ \" (١٣).\nقال القاسمي: \" أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام ولا أماني أهل الكتاب ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: ١٨] لن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: ٨٠] \" (١٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٣ وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم ١٢٤.\n(٢) [سورة النساء: ١٢٥].\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٤٩٦): ص ٩/ ٢٣٠، وسنده ضعيف جدًا؛ مسلسل بالعوفيين.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٩٠) - (١٠٤٩٢): ص ٩/ ٢٢٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٩٧)، و(١٠٤٩٨): ص ٩/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٩٣): ص ٩/ ٢٢٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٩٥): ص ٩/ ٢٣٠، و(١٠٤٩٩): ص ٩/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٩٤): ص ٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٥٠١): ص ٩/ ٢٣٢، وانظر: تفسير الطبري (١٠٥٠٠)، (١٠٥٠٢)، (١٠٥٠٣)، (١٠٥٠٥): ص ٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٠٤): ص ٩/ ٢٣٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٣٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٢٨٢.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٦٧.\n(١٤) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨.","vol":"7","page":417},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام. والمعنى في هذه الىية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كُلّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: \"إنه هو المُحق\" سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان\" (١).\nوفي المشار إليهم بقوله: ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣]، قولان:\nأحدهما: أنهم المسلمون على قول الأكثرين (٢).\nوالثاني: المشركون على قول مجاهد (٣)، واختيار الطبري (٤).\nقال الزمخشري: \" الخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله\" (٥).\nقال ابن الجوزي: \"فأما أماني المسلمين، فما نقل من قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن النار لا تمسنا إلا أياما معدودة، وأن كتابنا خير الكتاب، ونبينا خير الأنبياء، فأخبر الله ﷿ أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا بالأماني\" (٦).\nقال ابن عطية: \" «الأماني»: جمع أمنوية، وزنها «أفعولة»، وهي: ما يتمناه المرء ويطيع نفسه فيه\" (٧).\nوقراءة الجمهور: ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ﴾ مشددة الياء فيهما، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج، «ليس بأمانيكم» ساكنة الياء، وكذلك في الثانية (٨).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: \" ومن يعمل عملا سيئًا ينال عقابه\" (٩).\nوفي المراد «بالسوء» قولان:\nأحدهما: أنه المعاصي. وهذا معنى قول أبي بن كعب (١٠)، وعائشة (١١)، ومجاهد (١٢).\nوالثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس (١٣)، ويحيى بن أبي كثير (١٤)، وسعيد بن جبير (١٥).\nوفي هذا الجزاء قولان:\nأحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءا فإنه يجازى به، وهو معنى قول أبي بن كعب (١٦)، وعائشة (١٧)، ومجاهد (١٨)، واختاره الطبري (١٩)، وابن كثير (٢٠).\nقال القرطبي: \"قال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار، لان كفره أو بقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا\" (٢١).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤١٧.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٦. وانظر: الأقوال في سبب نزول الآية.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٠١)، (١٠٥٠٠)، (١٠٥٠٢)، (١٠٥٠٣)، (١٠٥٠٥): ص ٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٣٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٦٧.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٤٧٦.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١١٥.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١١٥.\n(٩) انظر: التفسير الميسر: ٩٨، وصفوة التفاسير: ٢٨٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٠٧)، و(١٠٥٠٨): ص ٩/ ٢٣٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٠٩): ص ٩/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٥١٠): ص ٩/ ٢٣٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٥١٨): ص ٩/ ٢٣٩.\n(١٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٥١٩): ص ٩/ ٢٣٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٠٧)، و(١٠٥٠٨): ص ٩/ ٢٣٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٠٩): ص ٩/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٥١٠): ص ٩/ ٢٣٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٣٩.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢١.\n(٢١) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٩٦.","vol":"7","page":418},{"text":"عن عائشة، عن أبي بكر قال: \"لما نزلت: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نَعْمل نؤاخذ به؟ فقال: يا أبا بكر، أليس يُصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارته\" (١).\nوالثاني: أنه خاص في الكفار يجازون بكل ما فعلوا، فأما المؤمن فلا يجازى بكل ما جنى، قاله الحسن البصري (٢)، والضحاك (٣).\nروي عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق أنه قال: \"يا نبي الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي ﷺ: أيّة آية؟ قال يقول الله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به﴾، فما عملناه جزينا به؟ فقال النبي ﷺ: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تُصيبك اللأواء؟ قال: فهو ما تجزون به! \" (٤).\nوفي رواية أخرى عن أبي بكر﵁-، قال: \"يا رسول الله، ما أشد هذه الآية: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾؟ قال: يا أبا بكر، إنّ المصيبة في الدنيا جزاء\" (٥).\nوعطاء بن أبي رباح قال: \"لما نزلت، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر! فقال رسول الله ﷺ: إنما هي المصيبات في الدنيا\" (٦).\nوعن عائشة﵂- قالت: \"قلت يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن! فقال: ما هي يا عائشة؟ قلت: هي هذه الآية يا رسول الله: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾، فقال: هو ما يصيب العبدَ المؤمن، حتى النكبة يُنْكبها\" (٧).\nوالراجح-والله أعلم- أن كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به، [وذلك] لعموم الآية [في] كلَّ عامل سوء، من غير أن يُخَصَّ أو يستثني منهم أحد. فهي على عمومها، إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول -ﷺ-\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، أي: \" ولا يجد له سوى الله تعالى وليًّا يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ولا يجد الذي يعمل سوءًا من معاصي الله وخلاف ما أمره به، من بعد الله، وسواه ﴿وليًّا﴾ يلي أمره، ويحمي عنه ما ينزل به من عقوبة الله، ولا ناصرًا ينصره مما يحلّ به من عقوبة الله وأليم نَكاله\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه\" (١١).\nقال النسفي: \" وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] \" (١٢).\nالفوائد:\n١ - ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإحسان.\n٢ - الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ..\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٥١): ص ٩/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٥١١) - (١٠٥١٤): ص ٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٥١٧): ص ٩/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٥٢٣): ص ٩/ ٢٤١ - ٢٤٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٥٢٩).\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٥٣٤): ص ٩/ ٢٤٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٥٣٢): ص ٩/ ٢٤٦.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٢٣٩: ص ٩/ ٢٤٣.\n(٩) التفسير الميسر: ٩٨.\n(١٠) تفسر الطبري: ٩/ ٢٤٧.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٩٨): ص ٤/ ١٠٧٢.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.","vol":"7","page":419},{"text":"ومن يعمل من الأعمال الصالحة من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق، فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة.\nسبب النزول:\nقال مسروق: \" لما نزلت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١)، قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء! فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ \" (٢).\nوقال أبو صالح: \" أبي صالح قال: جلس ناس من أهل الإيمان وأهل التوراة وأهل الإنجيل، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٣)، ثم خص الله أهل الإيمان، فأنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، \" أي: ومن يعمل الأعمال الصالحة سواءً كان ذكرًا أو أنثى وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق\" (٥).\nقال السمرقندي: \" يعني: يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم من رجل أو امرأة، وهو مصدق بالثواب والعقاب\" (٦).\nقال المراغي: \" أي: ومن يعمل كل ما يستطيع عمله من الأعمال التي تصلح بها النفوس فى أخلاقها وآدابها وأحوالها الاجتماعية، سواء كان العامل ذكرا أو أنثى وهو مطمئن القلب بالإيمان\" (٧).\nقال ابو السعود: \" أي بعض الصالحات، أو شيئا منها، فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا به، وقوله: ﴿وهو مؤمن﴾، حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه لا اعتداد به دونه\" (٨).\nقال مقاتل: \" ﴿وهو مؤمن﴾، بتوحيد الله﷿-\" (٩).\nقال السدي: \" أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبَى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان\" (١٠).\nولسبب دخول ﴿مِنَ﴾ التبعيض، في قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٤]، قولان (١١):\nأحدهما: أن يكون الله قد علم أن عبادَه المؤمنين لن يُطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وَعده لمن عمل ما أطاق منها، ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزتْ عن عمله منها قوّته.\nوالثاني: أن يكون تعالى ذكره أوجب وعدَه لمن اجتنب الكبائر وأدَّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلا منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرَى.\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: ما الفرق بين «من» الأولى والثانية؟\nقلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات لأن كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال.\nوالثانية لتبيين الإبهام في: ﴿من يعمل﴾ \" (١٢).\nعن ابن عباس، \"أن ابن عمر لقيه حزينا سأله عن هذه الآية: ﴿ومن يعمل من الصالحات﴾، قال: الفرائض\" (١٣).\n_________\n(١) [سورة النساء: ١٢٣].\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٤٩١): ص ٩/ ٢٢٨، وابن أبي حاتم (٦٠٠٠): ص ٤/ ١٠٧٢ - ١٠٧٣. بزيادة: \" قال: ففلجوا عليهم\".\n(٣) [سورة النساء: ١٢٣].\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٤٩٧): ص ٩/ ٢٣٠ - ٢٣١، وابن أبي حاتم (٦٠٠١): ص ٤/ ١٠٧٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ٢٨٢، والتفسير الميسر: ٩٨.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٤١.\n(٧) تفسير المراغي: ٥/ ١٦٦.\n(٨) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢٣٦.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٠٥٣٥): ص ٩/ ٢٤٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٤٩.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٦٨.\n(١٣) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٩٩): ص ٤/ ١٠٧٣.","vol":"7","page":420},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤]، أي: \" فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم\" (١).\nقال المراغي: أي: \" فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم\" (٢).\nعن علقمة عن عبدالله: \" الجنة سجسج: لا حر فيها ولا برد\" (٣).\nقرأ أبو عمرو وابن كثير: «فأولئك يدخلون الجنة»، بضم الياء ونصب الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون الجنة بأعمالهم (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، أي: \" ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة \" (٥).\nقال مجاهد: \" النقير، الذي يكون في ظهر النواة\" (٦).\nقال عطية: \" النقير، الذي في وسط النواة\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني: ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة ﴿نقيرا﴾، حتى يجازوا بها، يعني: النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة\" (٨).\nقال الزجاج: \" النقير، النقطه في ظهر النواة، وهي مَنْبتِ النخلة، والمعنى: ولا يظلمون\nمقدار ذلك\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثوابِ عملهم، مقدارَ النُّقرة التي تكون في ظهر النَّواة في القلة، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأكثر؟ وإنما يخبر بذلك جل ثناؤه عبادَه أنه لا يبخَسهم من جزاء أعمالهم قليلا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعدهم\" (١٠).\nقال القاسمي: \" أي: لا ينقص من حسناتهم قدر «نقير»: وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم، ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان\" (١١).\nقال ابو حيان: الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ \" ظاهره: أنه يعود إلى أقرب مذكور وهم المؤمنون، ويكون حكم الكفار كذلك. إذ ذكر أحد الفريقين يدل على الآخر، أن كلاهما يجزى بعمله، ولأن ظلم المسيء أنه يزاد في عقابه. ومعلوم أنه تعالى لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه. والمحسن له ثواب، وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل. فنفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقص في الفضل. ويحتمل أن يعود الضمير في: ولا يظلمون إلى الفريقين، عامل السوء، وعامل الصالحات\" (١٢).\nقال القاسمي: \"الراجع في ﴿ولا يظلمون﴾، لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟\nقلت: فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون الراجع في: ﴿ولا يظلمون﴾ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا.\nوالثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالا على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم،\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٨.\n(٢) تفسير المراغي: ٥/ ١٦٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٠٣): ص ٤/ ١٠٧٣.\n(٤) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٤١، والبحر المحيط: ٤/ ٧٦.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٨.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٥٣٦): ص ٩/ ٢٤٩.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٥٣٧): ص ٩/ ٢٤٩.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٩.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١١٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٢٤٨.\n(١١) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٨.\n(١٢) البحر المحيط: ٤/ ٧٦.\n(١٣) محاسن التاويل: ٣/ ٣٤٨.","vol":"7","page":421},{"text":"فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب، فكان نفى الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل\" (١).\nقال ابو السعود: \" فإن النقير علم في القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى كيف لا والمجازي أرحم الراحمين وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب\" (٢).\nالفوائد:\n١ - أن الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى قوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.\n٢ - قال المراغي: \" وفى هذه الآية من العبرة والموعظة ما يهدم صروح الأمانى التي يأوى إليها الكسالى وذوو الجهالة من المسلمين الذين يظنون أن الله يحابى من يسمى نفسه مسلما ويفضله على اليهودي والنصراني لأجل هذا اللقب، فالذين يفخرون بالانتساب إليه وقد نبذوه وراء ظهورهم وجرموا الاهتداء بهديه، هم فى ضلال مبين\" (٣).\nالقرآن\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]\nالتفسير:\nلا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم -﵊- واتخذه صفيًّا من بين سائر خلقه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: \" لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: أخلص دينه لله، ﴿وهو محسن﴾ في عمله\" (٥).\nقال التستري: \" أي: ممن أخلص دينه لله، وهو الإسلام وشرائعه، وقال، أي في لقمان: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن﴾ [لقمان: ٢٢]، يعني: يخلص دينه لله\" (٦).\nقال ابن كيسان: \"يعني: من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له\" (٧).\nقال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا\" (٨).\nقال السدي: \" ثم فضل الله المؤمن عليهم، يعني: على أهل الكتاب، فقال: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ \" (٩).\nقال الزمخشري: \" ﴿أسلم وجهه لله﴾: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه، ﴿وهو محسن﴾: وهو عامل للحسنات تارك للسيئات \" (١٠).\nعن أبي العالية قوله: \" ﴿ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، يقول: من أخلص لله\" (١١). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (١٢).\nعن سعيد بن جبير: ﴿ممن أسلم وجهه لله﴾، قال: من أخلص ﴿وجهه﴾، قال: دينه\" (١٣).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٦٨.\n(٢) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢٣٦.\n(٣) تفسير المراغي: ٥/ ١٦٦.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٨.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٠.\n(٦) تفسير التستري: ٣٢.\n(٧) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١١٢.\n(٨) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١١٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٠٥): ص ٤/ ١٠٧٣.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٠٦): ص ٤/ ١٠٧٣.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٠٦): ص ٤/ ١٠٧٣.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٠٧): ص ٤/ ١٠٧٤.","vol":"7","page":422},{"text":"قال الواحدي: \" ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: موحِّد، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر.\nقال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره\" (١).\nوفي «الوجه» في الآية قولان (٢):\nأحدهما: أنه الدين.\nوالثاني: أنه العمل.\nوفي تفسير «الإحسان» في الآية قولان:\nأحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس (٣).\nوالثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: \" واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به، مستقيمًا على منهاجه وسبيله\" (٦).\nقال الضحاك: \" فضّل الله الإسلام على كل دين فقال: ﴿ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، إلى قوله: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، وليس يقبل فيه عملٌ غير الإسلام، وهي الحنيفيّة\" (٧).\nوذكر أهل العلم في اتباع ملة إبراهيم قولان (٨):\nأحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة.\nوالثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى (٩).\nوقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، لأهل اللغة فيه قولان (١٠):\nالأول: أن الحنيف هو المستقيم.\nقال الطبري: \" (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء\" (١١).\nومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (١٢).\nالثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أقوال:\nأحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (١٣)، والحسن (١٤)، ومجاهد (١٥)، وكثير بن زياد (١٦)، وعبدالله بن قاسم (١٧)، والضحاك (١٨)، وعطية (١٩)، والسدي (٢٠).\n_________\n(١) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١١٣.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٨.\n(٣) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١١٢، وزاد المسير: ١/ ٤٧٨، وتنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٨.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٨.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٥٠.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٥٣٨): ص ٩/ ٢٥١.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٨.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٨.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٧١.\n(١١) تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٠٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٧): ص ٣/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣، و(٦٠٠٨): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩١): ص ٣/ ١٠٤، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٠٨): ص ٤/ ١٠٧٤، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣ ..\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٤): ص ٣/ ١٠٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٥): ص ٣/ ١٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٨): ص ٣/ ١٠٦.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣، و(٦٠٠٨): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٢)، و(٢٠٩٣): ص ٣/ ١٠٤ - ١٠٥، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٠٨): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (١٢٩١): ص ١/ ٢٤١، و(٣٦٥٠): ص ٢/ ٦٧٣.","vol":"7","page":423},{"text":"والثاني: أنه اتباع الحق. قاله مجاهد ايضا (١)، والربيع بن انس (٢).\nوالثالث: الحنيف: المستقيم. وهذا قول محمد بن كعب (٣)، وعسى ابن جارية (٤).\nوالرابع: معناه: مخلصا. قاله السدي (٥)، ومقاتل بن سليمان (٦)، وخصيف (٧).\nوالخامس: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وهذا قول ابي قلابة (٨).\nوالراجح-والله اعلم- أنه يعني: الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الزمخشري: ﴿الحنيف﴾: \" هو الذي تحنف، أى: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: \" وقد اصطفى الله إبراهيم -﵊- واتخذه صفيًّا من بين سائر خلقه\" (١٠).\nقال ابن مسعود: \" إن الله اتخذ صاحبكم خليل\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: محبا\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" واتخذ الله إبراهيم وليًّا\" (١٣).\nقال الواحدي: أي: \"صفيًَّا بالرِّسالة والنُّبوَّة مُحبًَّا له خالص الحب\" (١٤).\nقال انس: \" جعل الله الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليهم أجمعين\" (١٥).\nوفي معنى «الخليل» أقوال:\nأحدها: انه الصفي. وهذا قول ابن عباس (١٦).\nوالثاني: أنه المحب الذي ليس في محبته خلل. قاله الزجاج (١٧).\nوالثالث: أن الخليل: الفقير، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة، وجائز أن يكون لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه. ذكره الزجاج (١٨).\nوالرابع: أن الخليل: «فعيل» من الخلة، والخلة: المودة. قاله ابن الأنباري (١٩).\nقال الزجاج: \" الخليل المحب الذي ليس في محبته خَلَل فجائز أن يكون إِبراهيم\nسمى خليلَ الله بأنَّه الذِي أحبه الله واصطفاه محبةً تامَّةً كامِلةً.\nوقيل أيضًا الخليل الفقير، فجائز أن يكون فقير اللَّه، أي الذي لم يَجْعَلْ فقره وفاقته إِلا إِلى الله مخلصًا في ذلك، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، ومثل أن إِبراهيم الخليل الفقير إِلى اللَّه قول زهير يمدح هرم بن سنان (٢٠):\nوَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرَمُ\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٩٩): ص ٣/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (١٢٩٢): ص ١/ ٢٤١، و(٦٠٠٩): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢٩٢): ص ١/ ٢٤١، و(٦٠٠٩): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢٩٣): ص ١/ ٢٤٢، و(٦٠١٠): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢٩٣): ص ١/ ٢٤٢، و(٦٠١٠): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢١٠٠): ص ٣/ ١٠٧، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠١١): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤١.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٩٥): ص ١/ ٢٤٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (١٢٩٤): ص ١/ ٢٤٢، و(٦٠١٢): ص ٤/ ١٠٧٤.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٦٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠١٣): ص ٤/ ١٠٧٥.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٥١.\n(١٤) الوجيز: ٢٩٢.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠١٤): ص ٤/ ١٠٧٥.\n(١٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٨.\n(١٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١١٣ - ١١٣.\n(١٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١١٣ - ١١٣.\n(١٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٨.\n(٢٠) ديوانه: (٩١)، وروايته: «... يوم مسألةٍ» وروايته في اللسان (خلل): «يوم مسغبة.","vol":"7","page":424},{"text":"والخلة الصداقة، والخلة الحاجة، فأمَّا معنى الحاجةِ، فإِنه الاختلال الذي يلحق الِإنسان فيما يحتاج إِليه، وأمَّا الخلة الصداقة فمعناها إنَّه يسُد كل محب خَلَلَ صاحبه في المودة وفي الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخِلَال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالًا لأنه، يتبع به الخلل بين الأسْنانِ، وقول الشاعر (١):\nونظرن من خَلَلِ الستور بأعينٍ ... مرضَى مخالِطها السِّقام صحاح\nفإن معناه نظرن من الفرجُ التي تقع في الستور، والخلوةُ والخلل يرجعان إِلى معنى، والخِل الطريق في الرملِ معناه أنه انفرجتْ فِيه فرجة فصارت طريقًا. والخَل الذي يؤكل إنما سمي خلًّا لأنه اختلَّ منه طعم الحلاوة\" (٢).\nوفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام.\nروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟\nقال: لإطعامه الطعام» (٣).\nوأخرج ابن ابي حاتم عن عبيد بن عمير قال: \"كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه، فلم يجد أحدا فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، قال: يا عبد الله، ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن الله اتخذه خليلا. قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت. قال: ذاك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: فبما اتخذني ربي خليلا. قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم\" (٤).\nوالثاني: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل (٥).\nوالثالث: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم ﵇، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله ﷿، فيومئذ اتخذه الله خليلا. روي ذلك عن ابن عباس (٦).\nقلت: وأما الخبر الذي روي عن ابن عباس، فإنه لا أصل له في المرفوع، إذ جاء برواية أبي صالح عن ابن عباس كما عند ابن الجوزي (٧)، وهو في اسباب النزول للواحدي (٨) وتفسير البغوي (٩) برواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والكلبي وأبو صالح أقرا أنهما كانا يكذبان على ابن عباس (١٠).\nوقد ذكر هذا الخبر الطبري بدون إسناد (١١)، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وقال: \"وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب\" (١٢).\n_________\n(١) لم اقف عليه، وهو دون نسبة في معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١١٤.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١١٣ - ١١٣.\n(٣) اخرجه البيهقي ٩٦١٦ من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه ابن لهيعة والراوي عنه ليس من العبادلة، والواحدي في اسباب النزول: ١٨٢ - ١٨٣، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٤٧٨، والقرطبي في تفسيره: ٥/ ٤٠١، والسيوطي في الدر المنثر: ٢/ ٧٠٦، والحديث ضعيف والمتن منكر، فإن الأمر أعم من ذلك.\n(٤) تفسير ابن ابي حاتم (٦٠١٦): ص ٤/ ١٠٧٥.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٠.\n(٦) انظر: أسباب النزول للواحدي: ١٨٣ - ١٨٤، وزاد المسير: ١/ ٤٧٩.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٩.\n(٨) انظر: اسباب النزول: ١٨٣ - ١٨٤.\n(٩) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٩٢.\n(١٠) راجع ترجمتهما في «الميزان».\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٣.","vol":"7","page":425},{"text":"والراجح-والله اعلم- أنه \"سُمّي خليل الله لشدة محبة ربه، ﷿، له، لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها\" (١).\nقال السعدي: \" وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه وفى بما أمر به وقام بما ابتلي به، فجعله الله إماما للناس، واتخذه خليلا ونوه بذكره في العالمين\" (٢).\nولهذا ثبت في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري: \"أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: «أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله» \" (٣).\nوجاء من طريق جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ: \"إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا\" (٤).\nوعن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبًا إن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله! وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما! وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته! وقال آخر: آدم اصطفاه الله! فخرج عليهم فسلم وقال: «قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشَفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حِلَق الجنة، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر» \" (٥).\nقال الواحدي: \" وملة إبراهيم داخلة في ملتنا، وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم، فمن ملة إبراهيم الكلمات العشر في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] \" (٦)، \" \"وأكثر المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. والتي في الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين\" ا. هـ والفرق لشعر الرأس، والرفغين: الأبطين\" (٧).\nالفوائد:\n١ - فضل الإسلام على سائر الأديان.\n٢ - شرف إبراهيم ﵇ باتخاذه ربه خليلًا، وقد شرف بالخلة محمد ﷺ، ففي الصحيحين أنه ﷺ خطبهم أخر خطبة، فقال \"أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله\" (٨).\n٣ - في هذه الآية، إثبات صفة الخُلّة لله -تعالى- وهي أعلى مقامات المحبة، والاصطفاء (٩).\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦]\nالتفسير:\nولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده. وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٣.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٠٦.\n(٣) صحيح البخاري برقم (٣٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨٢) ولفظه: \"صاحبكم خليل الله\" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (٢٣٨٣).\n(٤) أما حديث جندب بن عبد الله فرواه مسلم في صحيحه برقم (٥٣٢)، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٦١٦)، وأما حديث عبد الله بن مسعود، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٣).\n(٥) رواه الترمذي في السنن برقم (٣٦١٦) وقال: \"هذا حديث غريب\"، وابن مَرْدُويه كما في تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٣، وقال ابن كثير: \" وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها\".\n(٦) التفسير البسيط: ٧/ ١١٣.\n(٧) التفسير الوسيط: ١/ ٢٠٨، وأنظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٦، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٦.\n(٨) صحيح البخاري برقم (٣٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨٢) ولفظه: \"صاحبكم خليل الله\" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (٢٣٨٣).\n(٩) انظر: التفسير الميسر: ٩٨.","vol":"7","page":426},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٢٦]، أي: \" ولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده\" (١).\nقال الواحدي: \" إخبار عن سعة قدرته، وكثرة مملوكاته ليرغب إليه بالطاعة\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: إِن إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلًا هو عبد اللَّه، وهو له وكل ما في\nالسَّمَاوَات والأرض\" (٣).\nقال القرطبي: \" أي: ملكا واختراعا. والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالته ولا للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السموات وما في الأرض؟ وإنما أكرمه لامتثاله لأمره\" (٤).\nقال البيضاوي: اي: \" خلقا وملكا يختار منهما من يشاء وما يشاء. وقيل هو متصل بذكر العمال مقرر لوجوب طاعته على أهل السموات والأرض، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل، لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته\" (٦).\nقال النسفي: \" دليل على أن اتخاذه خليلا لا يحتاج الخليل إليه لا لإحتياجه تعالى، لأنه منزه عن ذلك\" (٧).\nقال الطبري: أي: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، لطاعته ربَّه، وإخلاصه العبادة له، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبته، لا من حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّته. وكيف يحتاج إليه وإلى خلَّته، وله ما في السموات وما في الأرض من قليل وكثير مِلْكًا، والمالك الذي إليه حاجة مُلْكه، دون حاجته إليه؟ يقول: فكذلك حاجة إبراهيم إليه، لا حاجته إليه فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلا ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه ومحبته. يقول: فكذلك فسارعوا إلى رضايَ ومحبتي لأتخذكم لي أولياء\" (٨).\nقال ابن عباس: \" قال جبريل ﵇: يا محمد لله الخلق كله، والسموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، أي: \" وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعنى: أحاط علمه\" (١١).\nقال الواحدي: \" علم إحاطة، وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشذ عنه شيء\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي: أحاط علمه بكل الأشياء\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" إحاطة علم وقدرة فكان عالما بأعمالهم فيجازيهم على خيرها وشرها\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعْزُب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عبادُه من خير وشرّ، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرَّة\" (١٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٨.\n(٢) التفسير الوسيط: ٢/ ١٢٢\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١١٤.\n(٤) تفسير القطربي: ٥/ ٤٠٢.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٤.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٠٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٢٥٢.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٣٢): ص ٣/ ٧٥٨.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١١.\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٨.\n(١٣) تفسير القطربي: ٥/ ٤٠٢.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٠.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٤.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٥٢.","vol":"7","page":427},{"text":"قال الماتريدي: \" أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض\" (١).\nالفوائد:\n١ - بيان عموم ملك الله ﷾، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، لأن ﴿ما﴾ من صيغ العموم.\n٢ - غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه ﷿.\n٣ - أفاد تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، انفراد الله تعالى بملك السماوات والأرض.\n٤ - إثبات تعدد السماوات، بأنها سبع سماوات، وأما الأرض فقد ذكر بصيغة الافراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة انها سبع.\nالقرآن\n﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧]\nالتفسير:\nيطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن، قل الله تعالى يبيِّن لكم أمورهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما فرض الله تعالى لهن من المهر والميراث وغير ذلك من الحقوق، وتحبون نكاحهن أو ترغبون عن نكاحهن، ويبيِّن الله لكم أمر الضعفاء من الصغار، ووجوب القيام لليتامى -وهم الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ- بالعدل وترك الجور عليهم في حقوقهم. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى كان به عليمًا، لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنَّسَائِي (٥)، والدارقطني (٦)، عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - ﵂ -: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: «هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهن من النساء.\nقالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول اللَّه - ﷺ - بعدُ، فأنزل اللَّه - ﷿ -: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، قالت: فبيّن الله في هذه أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها».\nوالثاني: وعن عائشة، في قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: «أنزلت في اليتيمة، تكون عند الرجل فتشركه في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوجها غيره، فيشركه في ماله، فيعضلها (٧) فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره» (٨). وروي عن ابن عباس (٩)، وإبراهيم (١٠)، وقتادة (١١)، والسدي (١٢) نحو ذلك.\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٢٧٣.\n(٢) صحيح البخاري (٢٧٦٣): ص ٤/ ٩، و(٦٩٦٥): ص ٩/ ٢٤.\n(٣) صحيح مسلم: كتاب التفسير (٣٠١٨): ص ٤/ ٢٣١٣.\n(٤) سنن أبي داود (٢٠٦٨): ص ٢/ ٢٢٤.\n(٥) السنن الكبرى (٥٤٨٨): ص ٥/ ٢٢١، و(١١٠٢٤): ص ١٠/ ٥٨.\n(٦) سنن الدارقطني (٧٧): ص ٣/ ٢٦٥.\n(٧) \"فيعضلها\": أي: يمنعها الزواج.\n(٨) صحيح مسلم (٣٠١٨): ص ٤/ ٢٣١٥، والسنن الكبرى (١١٠٥٩): ص ١٠/ ٧٣، وتفسير الطبري (١٠٥٦١)، و(١٠٥٦٢): ص ٩/ ٢٦٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٩): ص ٩/ ٢٥٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٤): ص ٩/ ٢٥٥، وانظر: (١٠٥٤٥): ص ٩/ ٢٥٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٠)، و(١٠٥٥١): ص ٩/ ٢٥٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٦): ص ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"7","page":428},{"text":"والثالث: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما فرض الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وابن زيد (٤)، والكلبي (٥).\nوالرابع: روي عن عبد الملك بن محمد بن حزم، قال: \"أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع؛ فقتل عنها بأُحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي - ﷺ - تطلب ميراث ابنتها؛ ففيها نزلت: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ \" (٦).\nوالخامس: وقال مقاتل بن سليمان: \" نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث وعيينة بن حصن الفزاري ذلك أنه لما فرض الله﷿- لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبيﷺ، فقالوا للنبيﷺ-: إن المرأة لا تركب فرسا ولا تجاهد وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء- فأنزل الله﷿- فيهم «ويستفتونك» يعني يسألونك عن النساء يعني سويدا وصاحبيه\" (٧). وكذلك ذهب السمرقندي (٨)، والسمعاني (٩)، وغيرهم، من السادة المفسرين. بأنها نزلت في أم كجة التي ذكرت في أول السورة، إذ كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان (١٠).\nوالسادس: أخرج ابن أبي حاتم عن سالم عن سعيد، قال: \"كان رجل له امرأة قد كبرت وعنست من الحيض وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها وأن يتزوج، فقالت: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي واقسم كل عشر إن شئت أو أكثر من ذلك إن شئت، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «قد سمع الله ما تقول فإن شاء، أجابك»، قال: وأنزل الله تعالى: ﴿يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾، فأفتاهم عما لم يسألوا عنه\" (١١).\nقال الطبري: \" وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال: معنى قوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾، وما يتلى عليكم من آيات الفرائضِ في أول هذه السورة وآخرها، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَل أحد. وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ، لم يكن مما كتب لها. وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل: عنى بقوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾، الإقساطَ في صدقات يتامى النساء وَجْهٌ\" (١٢).\nوابن العربي لما ساق حديث عائشة قال: \"وفي ذلك من الحشو روايات لا فائدة في ذكرها هاهنا، يرجع معناها إلى قول عائشة - ﵂\" (١٣).\nوالإشكال الذي يَرِدُ هنا أن يُقال: ما هي الإضافة التي جاءت بها آية النساء الثانية؟ أو قل ما الفرق بين الآيتين؟\nأجاب: ابن كثير - ﵀ - قائلا: \"والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء فقد وسع اللَّه - ﷿ - وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر فنهاه الله - ﷿ - أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٣٩): ص ٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤١): ص ٩/ ٢٥٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٧): ص ٩/ ٢٥٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٧): ص ٩/ ٢٦٢.\n(٥) انظر: تفسير عبدالززاق (٦٤٦): ص ١/ ٤٨٠.\n(٦) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٧٠٩) ونسبه للقاضي إسماعيل في \"أحكامه\" [ضعيف].\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١١.\n(٨) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٤٣.\n(٩) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٥.\n(١٠) انظر القصة في: تفسير الطبري (٨٧٢٥): ص ٨/ ٣١ - ٣٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٤٨٩٤): ص ٣/ ٨٨١.\n(١١) تفسير ابن ابي حاتم (٦٠١٩): ص ٤/ ١٠٧٦.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(١٣) أحكام القرآن: ١/ ٤٠٥.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٥.","vol":"7","page":429},{"text":"وقال السعدي: \"قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ هذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها، وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها، أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفًا من استخراجه من يده إن زوّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به، بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبًا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال، ولا يقسط في مهرها بل يعطيها دون ما تستحق\" (١).\nوالظاهر -والله أعلم- أن ما ذكره ابن كثير والسعدي - رحمهما اللَّه - هو الحق، وبيان ذلك أن يقال إن اللَّه تحدث عن نكاح اليتامى من النساء في آيتين من نفس سورة النساء هما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ..﴾، وبعيدٌ عن بلاغة القرآن وفصاحته أن يكون حديثُ الآيتين عن معنى واحد يتكرر فيهما، فإن هذا نقص في كلام البشر فكيف بكلام الله جلَّ وعلا؟\nفإن قيل: الثاني مؤكد للأول، فما الجواب؟\nفالجواب أن يقال: إن كلام اللَّه إذا دار بين التوكيد والتأسيس تعين حمله على التأسيس لأنه يحمل معنى زائدًا على مجرد التوكيد.\nوعلى هذا يكون حديث الآية الأولى عن الرجل تكون عنده اليتيمة ذات مال وجمال يريد أن يتزوجها بدون أن يقسط في صداقها، ولفظ الآية الأولى يدل على ذلك كما تقدم في أول سورة النساء.\nوحديث الآية الثانية في الرجل تكون عنده اليتيمة تشاركه في ماله وليست ذات جمال، فيرغب عن نكاحها، ويكره أن يزوجها غيره لئلا يشاركه في مالها، فيعضلها لأجل ذلك، ولفظ الآية الثانية يدل على ذلك فإن اللَّه قال: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، أي: من حقوقهن وأموالهن اللاتي يملكنها ولهذا قال في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، أي: ترغبون عن نكاحهن.\nولفظ مسلم عن عائشة - «رعِنها» - يدل على هذا الفهم.\nوأما قول الطبري: \"إن ذلك في المواريث\" (٢)، فسياق الآيات لا يسعفه.\nوالراجح-والله اعلم- أن سبب نزول الآية الكريمة ما كان يجري في عهده - ﷺ - إذ كان بعض الناس يعضل اليتيمة عن النكاح لئلا يُشرك في مالها ويرغب هو عن نكاحها لقلة جمالها، فاستفتى بعض الصحابة رسول الله - ﷺ - في ذلك فأنزل اللَّه الآية، وذلك لصحة السند وصراحة اللفظ وموافقة السياق.\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: \" يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن\" (٣).\nقال السمعاني: \" أي: يطلبون فتواك في النساء\" (٤).\nقال ابن الجوزي: \" ﴿ويستفتونك﴾، أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من الأحكام. وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه، ميراث النساء، وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ \" (٥).\nقال الواحدي: \" الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها، إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألته، إذا أجبته عنها، ومعنى الإفتاء والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، وأصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي، فكأنه يقويّ ببيانه ما أشكل، فيشب ويصير فتيا قويا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧]، \" أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهنَّ ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن\" (٧).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٠٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٨.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٥.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٤٨٠.\n(٦) التفسير البسيط: ٧/ ١١٨، وانظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٧٤ (فتى).\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٣.","vol":"7","page":430},{"text":"قال الزجاج: \" المعنى قل الله يفتيكم فيهنَّ، وهذه الأشْياءُ التي في الكتاب يُفْتيكُم\nفيهن\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، \"أي: ويفتيكم أيضًا في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن لجمالهن أو لمالهنَّ ولا تدفعون لهن مهورهنَّ\" (٢).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، وجهان:\nأحدهما: يعني المواريث، وهذا قول ابن عباس (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وشعبة (٥)، وقتادة (٦)، مجاهد (٧)، وإبراهيم (٨)، وابن زيد (٩).\nوالثاني: أنها في صدقات النساء التي يتملكها أولياؤهن. ذكره الماوردي (١٠) ونسبه ابن الجوزي لعائشة﵂- (١١).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، وجهان:\nأحدهما: ترغبون عن نكاحهن لقبحهن. وهذا قول الحسن (١٢)، وعائشة (١٣)، إبراهيم (١٤)، وقتادة (١٥)، والسدي (١٦)، واختيار الطبري (١٧)، والزجاج (١٨).\nوالثاني: تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن، وهو قول عائشة-في قولها الآخر- (١٩)، وابن عباس (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١)، وعبيدة (٢٢).\nوالراجح- والله أعلم- أن المعنى: ترغبون عن أن تنكحوهن، لأن حبسهم أموالهن عنهن مع عضّلهم إياهن، إنما كان ليرثوا أموالهن، دون زوج إن تزوجن. ولو كان الذين حبسوا عنهن أموالهن، إنما حبسوها عنهن رغبة في نكاحهن، لم يكن للحبس عنهن وجهٌ معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهن مانع، فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها، ليتّخذ حبسها عنها سببًا إلى إنكاحها نفسها منه\" (٢٣).\nعن إبراهيم: \"أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا جاءه ولى اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوجها غيرك والتمس لها من هو خير منك. وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها\" (٢٤).\nوقرأ أبو عبد الله المدني: «في ييامى النساء» بياءين (٢٥).\n_________\n(١) معاني القرىن: ٢/ ١١٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٣٩): ص ٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤، و(١٠٥٤٩): ٩/ ٢٥٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤١): ص ٩/ ٢٥٤، و(١٠٥٤٣): ص ٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠١٨): ص ٤/ ٦٠١٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٢): ص ٩/ ٢٥٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٠)، (١٠٥٥١): ص ٩/ ٢٥٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٧)، و(١٠٥٤٨): ٩/ ٢٥٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٨): ص ٩/ ٢٦٢.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٧): ص ٩/ ٢٦٢.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٢.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٧٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٩): ص ٩/ ٢٦٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٦١): ص ٩/ ٢٦٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٥): ص ٩/ ٢٥٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٠)، و(١٠٥٥١): ص ٩/ ٢٥٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٦): ص ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦، و(١٠٥٥٢): ٩/ ٢٥٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٦٤.\n(١٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١١٥.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٥٤): ٩/ ٢٥٨.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٦٥): ص ٩/ ٢٦٤.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٤٣): ص ٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٦٣): ص ٩/ ٢٦٣.\n(٢٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٦٤.\n(٢٤) أخرجه الطبري (١٠٥٧٢): ٩/ ٢٦٦.\n(٢٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١١٨.","vol":"7","page":431},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ١٢٧]، \"أي: ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم\" (١).\nقال الزجاج: \" يعني: اليتامى\" (٢).\nقال الزمخشري: \" كانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]، \"أي: وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث والمهر\" (٤).\nقال الزجاج: \" المعنى: وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط\" (٥).\nقال النسفي: أي: \" ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم بالعدل في ميراثهم ومالهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: \" وما تفعلوه من عدلٍ وبرًّ في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه\" (٧).\nقال السمرقنديأي: \" يجازيكم\" (٨).\nقال البيضاوي: \" وعد لمن آثر الخير في ذلك\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" ومهما يكن منكم، أيها المؤمنون، من عدل في أموال اليتامى، التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك وفي غيره وإلى طاعته، ﴿فإن الله﴾ لم يزل عالمًا بما هو كائن منكم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها.\n٢ - في هذه الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز، وفيه أنه إذا زوج من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم (١١).\nالقرآن\n﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨]\nالتفسير:\nوإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها فلا إثم عليهما أن يتصالحا على ما تطيب به نفوسهما من القسمة أو النفقة، والصلح أولى وأفضل. وجبلت النفوس على الشح والبخل. وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن، فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أخرج البخاري (١٢)، ومسلم (١٣)، والنَّسَائِي (١٤)، والطبري (١٥)، وابن أبي حاتم (١٦)، \"عن عائشة -﵂- في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾: أُنزلت في المرأة تكون عند\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٣.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١١٥.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٧٠.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٣.\n(٥) معاني القرىن: ٢/ ١١٥.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤٠٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٣.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٤٣.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٢٦٧.\n(١١) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٤٣.\n(١٢) انظر: فتح الباري (٤٦٠١): ص ٨/ ٢٦٥.\n(١٣) انظر: صحيح مسلم (٣٠٢١) \"١٤\": ص ٤/ ٢٣١٦.\n(١٤) انظر: السنن الكبرى (١١٠٦٠): ١٠/ ٧٤ واللفظ له، وهو أتم مما هو عند البخاري ومسلم.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٥٨٤) - (١٠٥٨٦): ص ٩/ ١٧٠ - ٢٧٢.\n(١٦) تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٤٥): ص ٤/ ١٠٨١.","vol":"7","page":432},{"text":"الرجل لا يستكثر منها، فيريد أن يطلقها ويتزوج غيرها؛ فتقول: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حلٍّ من النفقة والقسمة لي؛ فأنزل الله -جل وعز-: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ \". [إسناده صحيح].\nولفظ ابن ماجه: عن عائشة أنها قالت: \"نزلت هذه الآية: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها. وولدت منه أولادًا. فأراد أن يستبدل بها فراضته على أن تقيم عنده ولا يقسم لها\" (١). [إسناده صحيح].\nوالثاني: أخرج أبو داود (٢)، وغيره (٣)، عن عائشة - ﵂ - قالت: \"يا ابن أُختي كان رسول اللَّه - ﷺ - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقت أن يفارقها رسول اللَّه - ﷺ -: يا رسول اللَّه، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول اللَّه - ﷺ - منها. قالت: نقول في ذلك أنزل اللَّه تعالى وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ \". [إسناده حسن].\nوفي السياق نفسه أخرج أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والطبري (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، عن ابن عبَّاسٍ - ﵄ - قال: \"خشيت سودة أن يطلقها رسول الله - ﷺ -، فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز\". [إسناده صحيح].\nوالثالث: أخرج عبدالرزاق (٨)، والبيهقي (٩)، والحاكم (١٠)، الطبري (١١)، وابن ابي حاتم (١٢)، وغيرهم (١٣)، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: \"أنّ رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها. فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة. حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرتِ على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك! قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها، ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة، فطلَّقها أخرى وآثر عليها الشابة. قال: فذلك\n_________\n(١) سنن ابن ماجة (١٩٧٤): ص ٣/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٢) سنن ابي داود (٢١٣٥): ٣/ ٤٧٠ - ٤٧١.\n(٣) وأخرجه أحمد في المسند (٢٤٧٦٥)، والحاكم في المستدرك: ٢/ ١٨٦، والطبراني في المعجم الكبير (٨١): ص: ٢٤/ ٣١، وابن مردويه كما في تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٦، والبيهقي (٣٠٠): ص ٧/ ٧٤ - ٧٥، وأبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٣٦٨، من طريق ابن أبي الزناد، وإسناده حسن، لأن ابن أبي الزناد ثقة في هشام (تهذيب التهذيب: ٦/ ١٧١). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.\nوله شاهد عن ابن عباس ﵄، حسنه الحافظ ابن حجر (الإصابة: ٤/ ٣٣٨)، وأصل القصة في صحيحي: البخاري، فتح الباري (٥٢١٢): ص ٩/ ٣١٢، ومسلم (١٤٦٣): ص ٢/ ١٠٨٥.\n(٤) انظر: مسند ابي داود (٢٨٠٥): ص ٤/ ٤٠٣.\n(٥) سنن الترمذي (٣٠٤٠): ص ٥/ ٢٤٩. وقال: \" هذا حديث حسن صحيح غريب\". واللفظ له.\nصححه الألباني، انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٠٤٠): ص ٧/ ٤٠، والإرواء (٢٠٢٠).\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٠٨): ٩/ ٢٧٧. ورواية الطبري: \" لا تُطَلِّقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإن امرأةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أو إعراضًا﴾، الآية، فما اصطلحا عليه من شَيءٍ فهو جائز \".\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٠٤٣): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(٨) انظر: تفسير عبدالرزاق: (١٧٥): ص ١/ ١. [ٍإسناده صحيح]\n(٩) السنن الكبرى (١٢٦١٤): ص: ٦/ ٤٥٢، و(٢٩٦): ص ٧/ ٧٦. [سياقه مرسل].\n(١٠) انظر: المستدرك: ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩. وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\n(١١) تفسير الطبري (١٠٦٠٠): ص ٩/ ٢٧٥. [ٍإسناده صحيح]\n(١٢) تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٤١): ص ٤/ ١٠٨٠. [سياقه مرسل].\n(١٣) وأخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\": (٧٠١): ص ٤/ ١٣٩٨، وابن أبي شيبة في \"المصنف\": ٤/ ٢٠٢، والشافعي في \"الأم\": ٥/ ١٧١، و\"المسند\": (٨٦): ص ٢/ ٢٨، والواحدي في \"أسباب النزول\": ١٨٥ - ١٨٦، و\"الوسيط\": ٢/ ١٢٤. جميعهم عن الزهري طريق سعيد بن المسيب: \"أن رافع .. \".\nورجاله رجال الصحيح؛ لكن سياقه سياق المرسل.\nوتقدم تخريجه موصولًا وهو صحيح، ولا معارضة بين الوصل والإرسال؛ فالزهري قد يكون نشط مرة؛ فرفعه، وأخرى لم يرفعه، والله أعلم.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٧١١) وزاد نسبته لمالك، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\nوهو في \"الموطأ\" (٢/ ٥٤٨، ٥٤٩ - رواية يحيى) عن الزهري عن رافع وهو منقطع.","vol":"7","page":433},{"text":"الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا﴾ \". [إسناده صحيح].\nوالرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن جرير بن حازم قال: \"سمعت قيسا في قول الله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾، قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك (١) أخي بني عبد الدار\" (٢). وروي عن مجاهد (٣)، نحو ذلك.\nوالظاهر-والله أعلم- أنه لا تنافي بين هذه الأقوال، فإن حديث عائشة الأول مبهم وحديثها الثاني مفسر للإبهام، وأما حديث رافع، فإنما قال إنها شاملة لما فعل، والآية تشمل الجميع، وإنْ كان الأقرب أن سبب نزول الآية: ما ثبت عن عائشة - ﵂ - من قولها الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها ويريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حلِّ، فنزلت الآية، وذلك لصحة سنده وموافقته للفظ الآية وتصريحه بالنزول (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: \" وإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها\" (٥).\nقال الماوردي: \" والنشوز: الترفع عنها لبغضها، والإعراض: أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة أو أثرة\" (٦).\nقال السمعاني: \" النشوز: هو الارتفاع، والمراد به، ارتفاع الزوج، والتكبر بنفسه على الزوجة، ومنه النشز\" (٧).\nقال الزجاج: \" النشوز من بعْلِ المرأة، أن يسيء عشرتها وأن يمنعها نفسه ونَفَقَتَه\" (٨).\nقال الكلبي: \"يعني: ترك مجامعتها ومضاجعتها أو إعراضا عن مساكنتها، وعن مجالستها وعن محادثتها\" (٩).\nقال ابن عباس: \" ﴿نشوزا﴾ يعني: البغض\" (١٠).\nوقال عطاء: \" النشوز: أن تحب فراقه، وإن لم يهوى في ذلك\" (١١).\nقال الزمخشري: \" ﴿خافت من بعلها﴾، توقعت منه ذلك، لما لاح لها من مخايله وأماراته. والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب، والإعراض: أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى\" (١٢).\nعن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: \" أن السنة في الآية التي ذكر الله فيها نشوز المرء وإعراضه عن امرأته إن المرء إذا نشز عن امرأته أو أعرض عنها فإن من الحق عليه أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما رأت من أثرة في القسم من نفسه وماله\" (١٣).\nوإِن قال قائل إنما قِيلَ: \" ﴿وإِن امرأة خافت﴾، ولم يُقَلْ: وإِنْ نَشَزَ رجُلٌ على المرأة، لأن الخائف للشيء ليس بمتيقنٍ له؟\nفالجواب في هذا: إِنْ خَافَتْ الإقامةَ منهُ على النشُوزِ والإعراضِ، وليس أن\nتخاف الإقامة إِلا وقد بدا منه شيء\" (١٤)\n_________\n(١) -\"أبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار القرشي\"، هو صحابي من مسلمة الفتح، أخرج له الترمذي، والنسائي وابن ماجه.\nو\"بعكك\" (بفتح فسكون ففتح) على وزن\"جعفر\".\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٦٠٣٨): ص ٤/ ١٠٧٩.\n(٣) انظر: تفسير مجاهد: ٢٩٤، وتفسير الطبري (١٠٦٠١): ص ٩/ ٢٧٦.\n(٤) انظر: الصحيح المسند من اسباب النزول: ٨٠، والمحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة: ١/ ٤٥٢\n(٥) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٦) النكت والعيون: ١/ ٥٣٣.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٦.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١١٥.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٩٤.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٣٩): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٤٠): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٧١.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٤١): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(١٤) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١١٦.","vol":"7","page":434},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، \"أي: فلا إثم على كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما\" (١).\nقال الزجاج: \" واللَّه ﷿ قال في النساءِ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٤)، فَشدد الله في العدل في أمر النساء فلَوْ لَمْ يعْلَم ﷿ أن رضَا المرأةِ مِنْ زوجِهَا بالإقامة على منعها - في كئير من الأوقاتِ - نفَسَه ومَنعِها بعض ما يَحْتَاج إليه لما جاز الإمساك إلا على غاية العدل والمعروف، فجعل الله ﷿ الصلحَ جائزًا بين الرجلِ وامرأتِهِ إِذا رضِيت منه بإِيثار غيرها عليه\" (٥).\nعن خالد بن عرعرة قال: \"جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله ﵎: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما قال علي: يكون الرجل عند المرأة فتنبوا عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قرها، فتكبره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا (حل) له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله ﷺ وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها (٧)، وكما روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدى وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلى، فأقرها، أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها\" (٨).\nوقرئ: «أن يصالحا بينهما صلحا»، بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا، يعني: بين الزوجين (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: \" والصلح أولى وأفضل\" (١٠).\nقال الزجاج: \" والصلح خير من الفرقة\" (١١).\nقال السمعاني: \" وقيل: أراد به: الصلح خير من النشوز، والإعراض\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" والصلح خير من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة. أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض\" (١٣).\nقال ابن عباس: \" ﴿والصلح خير﴾، وهو التخيير\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك، خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي ﷺ سودة بنت زَمْعة على أن تركت يومها لعائشة، ﵂، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊. ولما كان الوفاق أحب إلى الله -﷿- من الفراق قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بل الطلاق بغيض إليه، ﷾؛ ولهذا جاء في الحديث: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (١٥) \" (١٦).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٨٣.\n(٢) [سورة النساء: ١٩].\n(٣) [سورة البقرة: ٢٢٩].\n(٤) [سورة البقرة: ٢٣١].\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ١١٥ - ١١٦.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٤٢): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(٧) أخرجه الحاكم وغيره من حديث عائشة وهو في الصحيحين من رواية عروة عن عائشة قالت «ما رأيت امرأة أحب أن أكون مسلاجها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة- الحديث». انظر: سبب نزول الآية.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٧١.\n(٩) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٦، والكشاف: ١/ ٥٧١.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ١١٦.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٧١.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٤٦): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(١٥) سنن أبي داود برقم (٢١٧٨)، وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٨) من حديث ابن عمر.\nوقال أبو حاتم: \"إنما هو محارب عن النبي ﷺ مرسل\" العلل (١/ ٤٣١) والطريق المرسلة رواها أبو داود في السنن برقم (٢١٧٧) وقد توسع الشيخ ناصر الألباني في الكلام على هذا الحديث في كتابه إرواء الغليل (٢٠٤٠) بما يكفي فليراجع.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠.","vol":"7","page":435},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: \" أي جبلت الأنفس على الشح\" (١).\nعن الضحاك قوله: \" ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾، قال: ألزمت\" (٢).\nقال الزجاج: \" وهو أن المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرأة بنفسه إن كان غيرها أحب إليه منها\" (٣).\nقال الطبري: اي: \" وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضَرائرهن\" (٤).\nقال السمعاني: \" والشح: البخل، وقيل: هو أقبح البخل، وحقيقته: الحرص على منع الخير، وأراد به: شح الزوجين على حقيهما\" (٥).\nقال الزمخشري: \" معنى إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه، يعنى أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها\" (٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وجهان:\nأحدهما: أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن، وهذا قول ابن عباس (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، وعطاء (٩)، والسدي (١٠).\nوالثاني: أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وهو قول الحسن (١١)، وابن سيرين (١٢)، وابن زيد (١٣).\nوالصواب-والله أعلم- أن المعنى: \" أحضرت أنفس النساء الشحَّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة، لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلا على أن تصفح له عن القسم لها، غير جائزة. وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها. والجُعل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها، فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل، وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عنى بذلك الرجل والمرأة\" (١٤).\nو\"الشح\": \"الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرصِ المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها\" (١٥).\nقال ابن عباس: \" والشح، هواه في الشيء يحرِص عليه\" (١٦).\nوقرأ العدو: ﴿الشح﴾ بكسر الشين، وهي لغة (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨]، اي: \" وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن\" (١٨).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٨٣.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٤٧): ص ٤/ ١٠٨٠.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١١٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٨٢.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٧١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٠٩): ص ٩/ ٢٧٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٦١٠): ص ٩/ ٢٧٩ - ٢٨٠، و(١٠٦١٥) - (١٠٦٢٢): ص ٩/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٦١١) - (١٠٦١٤): ص ٩/ ٢٨٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٢٣): ص ٩/ ٢٨١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٣. ولم اقف عليه.\n(١٢) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ١٣٢. ولم اقف عليه.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٦١٠٦٢٤): ص ٩/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٨٢.\n(١٥) تفسير الطبري: ٩/ ٢٨٢.\n(١٦) أخرجه الطبري (١٠٦٢٥): ص ٩/ ٢٨٢.\n(١٧) انظر: البحر المحيط: ٤/ ٨٨.\n(١٨) التفسير الميسر: ٩٩.","vol":"7","page":436},{"text":"قال الزجاج: \" أي: إن تحسنوا إليهن، وتحملوا عشرتهن\" (١).\nقال السمرقندي: \"يقول: تحسنوا إليهن وتتقوا الميل والجور\" (٢).\nقال ابن كثير: \"أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن\" (٣).\nقال الطبري: اي: \" وإن تحسنوا، أيها الرجال، في أفعالكم إلى نسائكم، إذا كرهتم منهن دَمامة أو خُلُقًا أو بعضَ ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف، وتتقوا الله فيهن بترك الجَوْر منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم، من القسمة له، والنفقة، والعشرة بالمعروف\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدى إلى الأذى والخصومة\" (٥).\nقال الماتريدي: اي: \" في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئا\" (٦).\nعن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: \" ﴿وتتقوا﴾، يعني: المؤمنين يحذرهم\" (٧).\nقال أبو حيان: \" ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأن الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض، وقد وصى النبي ﷺ بهن «فإنهن عوان عند الأزواج» (٨) \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرً﴾ [النساء: ١٢٨]، أي: \" فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك\" (١٠).\nقال الماتريدي: معناه: \" على الترغيب والوعيد\" (١١).\nقال الزجاج: \"أي: يخْبُرُ ذلك فيجازيكم عليه\" (١٢).\nقال السمرقندي: أي: \" في الإحسان والجور\" (١٣).\nقال ابن كثير: أي: \" فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء\" (١٤).\nقال الزمخشري: أي: \" ﴿فإن الله كان بما تعملون﴾ من الإحسان والتقوى ﴿خبيرا﴾، وهو يثيبكم عليه\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهنّ ويجب، عالمًا خابرًا، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محصٍ عليكم، حتى يوفِّيكم جزاءَ ذلك: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته\" (١٦).\nوحكي أن \"عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بنى آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد لله، فقال: مالك؟ قالت: حمدت الله على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين\" (١٧).\nالفوائد:\n١ - استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به.\n٢ - يؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح.\nوهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحل حراما أو حرم حلالا فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا.\nواعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه (١٨).\n٣ - أنه متى وفق الإنسان لهذه الخلق الحسن، وهو إزالة الشح من نفسه، سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (١٩).\n٤ - أن الواجب علي الزوجة أن تتثبت فيما تراه من أمارات الإعراض من زوجها، فربما كان الذي شغله عن مسامرتها والرغبة عن مباعلتها، مسائل من مشاكل الحياة الدنيوية أو الدينية، وهى أسباب خارجية لا دخل له فيها، ولا تعلق لها بكراهتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره، وتصبر على ما لا تحب من ذلك، أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها (٢٠).\n٥ - من أسماءه سبحانه «الخبير»: أي: العالم بما كان وما يكون.\nقال الخطابي: \" هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته\" (٢١).\nجاء في حديث عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: \"ما لك يا عائش حشيا رابية؟ \". قالت: قلت: لا شيء. قال: \"لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير\" (٢٢).\nقال أبو هلال العسكري: \" الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم\" (٢٣).\n\nالقرآن\n﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩]\nالتفسير:\nولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد، فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض، فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا. وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن، فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم.\nسبب النزول:\nقال أبو مليكة: \" نزلت هذه الآية في عائشة: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ \" (٢٤).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١١٦.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٤٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٨٣.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٧١.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٧٨.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٥٥): ص ٤/ ١٠٨٢.\n(٨) أخرج أحمد (١٥٥٩٢): ص ٣/ ٤٢٦، و(١٦١٦١): ص ٣/ ٤٩٨، وأبو داود (٣٣٣٤)، وابن ماجة (١٨٥١)، و(٢٦٦٩)، و(٣٠٥٥)، والترمذي (١١٦٣)، و(٣٠٨٧)، و(٢١٥٩)، والنسائي في الكبرى (٤٠٨٥)، و(١١١٤٩)، و(٩١٢٤)، من حديث عمرو بن الأحوص: \" ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ... \"الحديث. [في روايات مطولة ومختصرة].\nوأخرج عبد حميد (٨٥٨) من حديث ابن عمر: \" ... أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن حق ولهن عليكم حق ... \". الحديث.\n(٩) البحر المحيط: ٤/ ٨٨.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٧٩.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١١٦.\n(١٣) بحر العلوم: ١/ ٣٤٤.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٠.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٧١.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٨٤.\n(١٧) انظر: الكشاف: ١/ ٥٧٢، ومفاتيح الغيب: ١١/ ٢٣٧، وتفسير النسفي: ١/ ٤٠١، والبحر المحيط: ٤/ ٨٨، وتفسير النيسابوري: ٢/ ٥١٠، وروح البيان: ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، محاسن التاويل: ٣/ ٣٦٣.\n(١٨) انظر: تفسير السعدي: ٢٠٦.\n(١٩) انظر: تفسير السعدي: ٢٠٦.\n(٢٠) انظر: تفسير المراغي: ٥/ ١٧١.\n(٢١) شأن الدعاء: ٦٣.\n(٢٢) رواه مسلم (٩٧٤).\n(٢٣) الفروق: ١٥٢.\n(٢٤) أخرجه الطبري (١٠٦٣٨): ٩/ ٢٨٧، وابن ابي حاتم (٦٠٥٦): ص ٤/ ١٠٨٣.","vol":"7","page":437},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: \" ولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد\" (١).\nقال الماوردي: \" يعني: بقلوبكم ومحبتكم\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يقول: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب بين الشابة والكبيرة ولو جهدتم، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" ومحال أن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة، وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حدا يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتى من ورائه، فهو كالخارج من حد الاستطاعة. هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن! \" (٤).\nقال ابو هلال العسكري: \" أي: لا تطيقون ذلك في الحد، هذا في الرجل له زوجتان وثلاث وأربع، قال: وليس يستطيع أن يسوي بينهن في الشهوة، فتشتهي هذه كما تشتهي تلك؛ لأن الشهوة ليست من فعله فعذره فيما لا يستطيع واسع، وليس كما يذهب إليه المجبرة في أنه تعالى كلفه العدل بينهن، وهو لا يستطيعه، ألا ترى أن قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، دلالة على أنه في بعض الميل معذور، وهو الذي لا يستطيع خلافه، والمعنى النهي عن إيثار إحداهن للشهوة فيها والانصراف عن الأخرى حتى تصير كالمعلقة لا المتزوجة ولا المطلقة\" (٥).\nقال الراغب: \" قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾، فإشارة إلى ما عليه جبلّة النّاس من الميل، فالإنسان لا يقدر على أن يسوّي بينهنّ في المحبّة\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة، وهو قول الحسن في احد قوليه (٧)، ومجاهد (٨)، وعبيدة السلماني في أحد قوليه (٩).\nوالثاني: ولو حرصتم في الجماع، وهو قول ابن عباس (١٠)، والضحاك (١١)، وسفيان (١٢)، وابن زيد (١٣).\nوالثاني: ولو حرصتم أن تعدلوا في الحب والجماع. وهذا قول عبيدة السلماني (١٤)، وابن عباس في إحدى الروايات (١٥)، والحسن في إحدى الروايات (١٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: \" فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض \" (١٧).\nعن محمد قال: \"سألت عبيدة عن قوله: ﴿تميلوا كل الميل﴾، قال: بنفسه\" (١٨).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٥٣٣.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٤٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٧٢.\n(٥) الوجوه والنظائر: ٦٧.\n(٦) المفردات في غريب القرآن: ٥٥٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٣١): ص ٩/ ٢٨٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٣٣): ص ٩/ ٢٨٥ - ٢٨٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٣٤): ص ٩/ ٢٨٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٤٠): ص ٩/ ٢٨٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٤١): ص ٩/ ٢٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٤٢): ص ٩/ ٢٨٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٢٧) - (١٠٦٣٠)، و(١٠٦٣٢): ص ٩/ ٢٨٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٣٦): ص ٩/ ٢٨٦.\n(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٥٧): ص ٤/ ١٠٨٣. ذكره دون ذكر السند.\n(١٧) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٥٩): ص ٤/ ١٠٨٣.","vol":"7","page":438},{"text":"عن مجاهد: \" ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾، تعمد الإساءة\" (١).\nقال السدي: \" يقول: يميل عليها ولا ينفق عليها ولا يقيم لها يوما\" (٢).\nقال الضحاك: \" يقول: فلا تمل إلى التي تحب كل الميل، ولكن اعدل في قسمة الليالي والنهار، والنفقة\" (٣).\nقال مقاتل بن حيان: \" يقول: لا تمل إلى الشابة كل الميل\" (٤).\nقال الزمخشري: \" فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضى منها، يعنى: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله. وفيه ضرب من التوبيخ \" (٥).\nعن عائشة قالت: \"كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» \" (٦). قال الزمخشري: \" يعنى: المحبة، لأن عائشة ﵂ كانت أحب إليه\" (٧).\nوعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان، يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» (٨).\nوعن ناشرة بن سمي اليزني، قال: \"سمعت عمر بن الخطاب، ﵁، يقول، في يوم الجابية، وهو يخطب الناس: إن الله، ﷿، جعلني خازنا لهذا المال وقاسما له، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي ﷺ، ثم أشرفهم، ففرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف، إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر\" (٩).\nوذكر أنه \"كان لمعاذ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: \" فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا\" (١١).\nقال ابن عباس: تذروها لا هي أيّم، ولا هي ذات زوج\" (١٢).\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: \" لا مطلقة ولا ذات بعل\" (١٣). وروي عن سعيد بن جبير (١٤)، والحسن (١٥)، والربيع بن أنس (١٦)، ومجاهد (١٧)، ابن ابي نجيح (١٨)، والسدي (١٩)، نحو ذلك.\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٠): ص ٤/ ١٠٨٣.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦١): ص ٤/ ١٠٨٣.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٢): ص ٤/ ١٠٨٣.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٣): ص ٤/ ١٠٨٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٥٧٢.\n(٦) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء: ٣/ ٦٣ - ٦٤ عن عائشة، والترمذي في النكاح باب ما جاء في التسوية بين الضرائر: ٤/ ٢٩٤، والنسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض: ٧/ ٦٣ - ٦٤ وابن ماجه في النكاح، باب القسم بين النساء برقم (١٩٧١): ١/ ٢٦٣٣ وصححه ابن حبان برقم (١٣٠٥) ص (٣١٧) من موارد الظمآن، وصححه الحاكم على شرط مسلم: ٢/ ١٨٧ ووافقه الذهبي، والدارمي في النكاح، باب القسمة بين النساء: ٢/ ١٤٤. وانظر: شرح السنة: ٩/ ١٥١ وذكر الترمذي والنسائي إنه روى مرسلا وذكر الترمذي أن المرسل أصح.\nقال ابن كثير في تفسيره: ٦/ ٣٩٦: \" ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة، وزاد أبو داود بعد قوله «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات\".\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٧٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٥٤٨): ص ٤/ ٣٨٨، وأحمد في المسند (٧٩٢١): ص ٢/ ٢٩٥، و(٨٥٤٩): ص ٢/ ٣٤٧، و(١٠٠٩٢): ص ٢/ ٤٤٧١، والدارمي (٢٢٠٦)، وأبو داود (٢١٣٣)، وابن ماجة (١٩٦٩)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣، وفي الكبرى (٨٨٣٩)، وابن حبان (٤٢٠٧)، و، والطبري في تفسيره (١٠٦٥٨): ٩/ ٢٩٠.\n(٩) أخرجه احمد (١٦٠٠٠): ص ٣/ ٤٧٥، والنسائي في الكبرى (٨٢٢٥).\n(١٠) أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة معاذ من رواية الليث عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل- فذكره- وزاد: فأسهم بينهما أيهما تقدم وهذا مرسل.\n(١١) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٦٥٩): ص ٩/ ٢٩٠.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٣): ص ٤/ ١٠٨٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٦٠): ص ٩/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٦١): ص ٩/ ٢٩١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٦٥) (١٠٦٦٦): ص ٩/ ٢٩١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٦٧): ص ٩/ ٢٩١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٦٨): ص ٩/ ٢٩٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٧٠): ص ٩/ ٢٩٢.","vol":"7","page":440},{"text":"وقال قتادة: \" كالمسجونة المشحونة\" (١).\nوقال ابن زيد: \" ﴿المعلقة﴾، التي ليست بمُخَلاة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها، ولا مفارقة، فتبتغي لنفسها. فتلك ﴿المعلقة﴾ (٢).\nقال الزمخشري: \" ﴿فتذروها كالمعلقة﴾، وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال (٣):\nهل هى إلا حظة أو تطليق ... أو صلف أو بين ذاك تعليق\nوفي قراءة أبى: «فتذروها كالمسجونة» \" (٤).\nوقرأ عبد الله بن مسعود: «فتذروها كأنها معلقة» (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: \" وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \" تصلحوا بين الناس\" (٧).\nقال الزمخشري: \" ﴿وإن تصلحوا﴾، ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، ﴿وتتقوا﴾، فيما يستقبل\" (٨).\nقال ابن عطية: \" أي وإن تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]، أي: \" فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"غفر الله لكم\" (١١).\nقال الواحدي: \" لما ملت إلى التي تحبُّها بقلبك\" (١٢).\nقال الطبري: \"يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك، بتركه عقوبتكم عليه، ويغطِّي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل، وكان رحيمًا بكم، إذ تاب عليكم، فقبل توبَتكم من الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القَسْم على أن لا يطلَّقن\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" فعلى [قول الطبري]، فهي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي ﷺ\" (١٤).\nالفوائد:\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم ٦٠٦٥): ص ٤/ ١٠٨٤.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٦٧١): ص ٩/ ٢٩١.\n(٣) هذا الرجز منسوب لامرأة يقال لها ابنة الحمارس (بضم الحاء وتخفيف الميم) البكرية. انظر البيت في: المعاني الكبير في ابيات المعاني لابن قتيبة: ١/ ٥١٦، وغريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٢٠٨، وتاج اللغة (هلل): ص ٥/ ١٨٥٣، و\"خطأ\": ٦/ ٢٣١٥، و\"ها\": ص ٦/ ٢٥٥٨، واللسان\"فصل الها\": ص ١١/ ٧٠٩، و\"ها\": ص ١٥/ ٤٧٩، وتاج العروس\"ح وق\": ص ٢٥/ ٢١٠، و\"ها\": ص ٤٠/ ٥٣٩.\nوالحظة (بكسر الحاء) والحظوة (بضم الحاء وكسرها) المكانة والقبول عند الزوج.\nوالاستفهام إنكارى، أى ليست حالة الزوجة مع زوجها إلا حظة صغيرة بحظوة الزوج بها، أو تطليق لها مع الزوج، أو صلف- أى عدم حظوة من الزوج بها- وصلفت صلفا من باب تعب. ونساء صالفات وصلائف، لم يحظهن الزوج، أو تعليق بين ذلك المذكور من الأحوال. وتسبيغ مشطور الرجز بزيادة ساكن في آخره- كما هنا- قليل. انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٥٧٢، والبحر المحيط: ٤/ ٨٠، والتحرير والتنوير: ٥/ ٢١٨.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٧٢.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(٦) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٧) اخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٦): ص ٤/ ١٠٨٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٧٣.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٧٣.\n(١٢) الوجيز: ٢٩٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٣.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.","vol":"7","page":441},{"text":"١ - تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش، والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف.\n٢ - الترغيب في الإصلاح والتقوى وفعل الخيرات.\n٣ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغفور» و«الرحيم»:\nو«الغفور»: \"من أبنية المبالغة؛ فالله ﷿ غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل\" (١).\nواسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب آية ٤٣].\nوأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (٢).\nالقرآن\n﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠]\nالتفسير:\nوإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته، فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته; فإنه ﷾ واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: ١٣٠]، أي: \" وإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته\" (٣).\nعن مجاهد قوله: \" ﴿وإن يتفرقا﴾، قال: الطلاق، يغن الله كلا من سعته\" (٤).\nقال السمعاني: \" يعني: الزوجين إذا تفرقا\" (٥).\nقال البغوي: \" يعني: الزوج والمرأة بالطلاق\" (٦).\nقال ابن عطية: \" أي: إن شح كل واحد منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق\" (٧).\nوقرئ: «وإن يتفارقا»، بمعنى: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه (٨).\nقال الماتريدي: \" أي: الزوجان إن تفرقا؛ لما لم يقدر الزوج على التسوية بينهن\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، أي: \" فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته\" (١٠).\nقال السمعاني: \" يعني: فالزوج يجد الزوجة، والزوجة تجد الزوج\" (١١).\nقال البغوي: يعني: \"من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" يرزقه زوجا خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشه، والسعة: الغنى والمقدرة\" (١٣).\n_________\n(١) اشتقاق أسما الله، الزجاجي: ٩٣.\n(٢) انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع ٤٥: ص ٩٤، وع ٤٦: ص ٧٢ - ٧٣.\n(٣) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٦٨): ص ٤/ ١٠٨٤.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٧.\n(٦) تفسير البغوي: ٢/ ٢٩٦.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٥٧٣.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(١٠) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٧.\n(١٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٩٦.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٧٣.","vol":"7","page":442},{"text":"قال الماتريدي: \" المرأة تتزوج آخر، والرجل بامرأة أخرى، ويحتمل أن كل واحد منهما -وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح- فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق \" (١).\nقال الجصاص: \" تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن كل واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر إذا قصدا الفرقة، تخوفا من ترك حقوق الله التي أوجبها; وأخبر أن رزق العباد كلهم على الله وأن ما يجريه منه على أيدي عباده فهو المسبب له والمستحق للحمد عليه\" (٢).\nقال ابن عطية: \" فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول\" (٣).\nواحتج بهذه على قول النبي ﷺ «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (٤)، إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن (٥).\nقال القاضي ابن عطية: \" ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و«الإغناء» إنما يقع في ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]، أي: \" فإنه ﷾ واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده\" (٧).\nقال البغوي: \" واسع الفضل والرحمة، ﴿حكيما﴾ فيما أمر به ونهى عنه\" (٨).\nقال السمرقندي: \" ﴿واسعا﴾، يعني: واسع الفضل، ﴿حكيما﴾: حكم بفرقتهما وتسويتهما\" (٩).\nقال الماتريدي: \" قيل: ﴿واسعا﴾: جودا، وقيل: ﴿واسعا﴾: يوسع على كل منهما رزقه، ﴿حكيما﴾ حكم على الزوج: إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان، وقيل: ﴿حكيما﴾؛ حيث حكم فرقتهما، وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه\" (١٠).\nوقال الزمخشري: \" «الواسع»: الغنى المقتدر\" (١١).\nقال ابن عطية: \" «الواسع» معناه: الذي عنده خزائن كل شيء\" (١٢).\nقال الراغب: \" الواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبها أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح\" (١٣).\nقال مكي: \" «الواسع»: الكثير العطايا، وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٦] أي: أحاط به، وقال أبو عمرو في ﴿واسع﴾، ﴿كريم﴾، قال: الواسع: الغني، والكريم: الجواد\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - .في الآية دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سببا في ذلك؛ لأنه قال - ﷿ -: ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾؛ ليعلم كل أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(٢) أحكام القرآن: ٢/ ٣٥٦.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(٤) صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١).\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(٧) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٨) تفسير البغوي: ٢/ ٢٩٦.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٤٥.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٧٣.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢١.\n(١٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ١٨٦.\n(١٤) الهداية في بلوغ النهاية: ٢/ ١٤٩١.","vol":"7","page":443},{"text":"وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء (١).\n٢ - وفيه دليل وقوع الفرقة بين الزوجين بالمرأة، بالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف الفعل إليهما بقوله: ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾ وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، و﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] (٢).\n٣ - وفي الآية دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر - ﷿ - عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة (٣).\n٤ - الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإصلاح والتقوى أعقبت خيرًا عاجلًا آجلًا.\n\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١]\nالتفسير:\nولله ملك ما في السموات وما في الأرض وما بينهما. ولقد عهدنا إلى الذين أُعطوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، وعهدنا إليكم كذلك -يا أمة محمد- بتقوى الله تعالى، والقيام بأمره واجتناب نهيه، وبيَّنَّا لكم أنكم إن تجحدوا وحدانية الله تعالى وشرعه فإنه سبحانه غني عنكم; لأن له جميع ما في السموات والأرض. وكان الله غنيًّا عن خلقه، حميدًا في صفاته وأفعاله.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣١]، أي: \" ولله ملك ما في السموات وما في الأرض وما بينهما\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الحاكم فيهما\" (٥).\nقال البيضاوي: \" تنبيه على كمال سعته وقدرته\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، أي: \" ولقد عهدنا إلى الذين أُعطوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، وعهدنا إليكم كذلك -يا أمة محمد- بتقوى الله تعالى، والقيام بأمره واجتناب نهيه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: وصيناكم بما وصيناهم به، من تقوى الله، ﷿، بعبادته وحده لا شريك له\" (٨).\nقال الماتريدي: \" قيل: أي: أمرناهم أن يوحدوا الله ويتقوا الشرك. قيل: ﴿وصينا﴾: أمرنا. وقيل: فرضنا\" (٩).\nقال الثعلبي: \" ﴿أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: أهل التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة على الإسلام، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ يا أهل القرآن في كتابكم، ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: وحّدوا الله وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا\" (١٠).\nقال القرطبي: \" أي: الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم\" (١١).\nوفي هذا المعنى قال سفيان الثوري: \" إنك إن اتقيت الله كفاك الله ما همك، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(٣) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٣١.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠١.\n(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٤.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٣١.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٢.\n(١٠) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٨.\n(١١) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٨.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٨): ص ٤/ ١٠٨٤ - ١٠٨٥.","vol":"7","page":444},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣١]، أي: \" وبيَّنَّا لكم أنكم إن تجحدوا وحدانية الله تعالى وشرعه فإنه سبحانه غني عنكم; لأن له جميع ما في السموات والأرض\" (١).\nقال البيضاوي: \" أي: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن الله مالك الملك كله، لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته\" (٢).\nقال الثعلبي: \" ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾، بما أوصاكم الله به، فإن لله ملائكة هم أطوع له منكم\" (٣).\nقال الماتريدي: \" ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾؛ ليعلموا أنه لم يأمرهم بذلك لحاجة له في عبادتهم، ولم يأمر لمنفعة نفسه؛ إذ من له ملك ما في السماوات وما في الأرض لا يحتاج إلى آخر ينتفع به؛ ولكن ليعلموا أنه - تعالى - إنما أمرهم بذلك لحاجتهم في ذلك، ولمنفعة أنفسهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١]، أي: \" وكان الله غنيًّا عن خلقه، حميدًا في صفاته وأفعاله\" (٥).\nقال الثعلبي: أي: \" غير محتاج إلى شيء ممّا في أيديهم، والغنيّ القادر على ما يريد\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" ﴿غنيا﴾ عن الخلق وعبادتهم. ﴿حميدا﴾ في ذاته حمد أو لم يحمد\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: غني عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه\" (٨).\nقال الماتريدي: أي: \" ﴿غنيا﴾ عن عبادتكم له وطاعتكم إياه، و﴿حميدا﴾ في سلطانه، ويكون غنيا عن خلقه في الأزل، حميدا في فعله، وذلك الحميد في الفعل يخرج على إتقان الفعل وإحكامه، أو على إحسانه إلى خلقه، وإنعامه عليهم\" (٩).\nوقال البراء بن عازب: \" ﴿وكان الله غنيا﴾، يعني: قال: عن صدقاتكم\" (١٠).\nوقال مقاتل بن حيان: \" ﴿وكان الله غنيا﴾: في سلطانه عما عندكم\" (١١).\nوقال علي: \" ﴿وكان الله غنيا حميدا﴾، أي: قال: متحمدا إلى خلقه\" (١٢).\nقال ابن عطية: الآية\" تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض تنبيها على استغنائه عن العباد، ومقدمة للخبر بكونه غنيا حميدا\" (١٣).\nقال القرطبي: \" وقال بعض العارفين: هذه الآية هي رحى آي القرآن، لأن جميعه يدور عليها\" (١٤).\nقال الطبري: \" وإنما وبخ جل ثناؤه بهذه الآيات، الخائنين الذين خانوا الدِّرع التي وصفنا شأنها، الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٠٥] وحذر أصحاب محمد ﷺ أن يكونوا مثلهم، وأن يفعلوا فعل المرتدِّ منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين وعرَّفهم أن من فعل فعله منهم، فلن يضر إلا نفسه، ولن يوبق برِدَّته غير نفسه، لأنه المحتاج - مع جميع ما في السموات وما في الأرض - إلى الله، والله الغني عنهم\" (١٥).\nقال مكي: \" كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السموات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٤.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٢.\n(٣) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٨.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٢٨٤.\n(٦) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٨.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٣١.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٦٩): ص ٤/ ١٠٨٥.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٧٠): ص ٤/ ١٠٨٥.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٧١): ص ٤/ ١٠٨٥.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٢.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٨.\n(١٥) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٨.","vol":"7","page":445},{"text":"١ - أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله: ﴿وَكَانَ الله وَاسِعًا﴾، فأخبر أن من سعته أن له ما في السموات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو: أن الواسع: الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضًا، فقال: ﴿أَنِ اتقوا الله﴾.\n٢ - ثم قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا﴾ كما كفر أهل الكتاب ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات [وَمَا فِي الأرض]﴾ إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، ﴿وَكَانَ الله غَنِيًّا﴾ أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، وحاجتنا إليه.\n٣ - [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلًا﴾ أي كفى به حفيظًا (١).\nفهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله ﴿وَكَانَ الله وَاسِعًا﴾. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السموات وما في الأرض.\nوأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا.\nوفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا\" (٢).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى أخبر عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب (٣).\n٢ - الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات.\n٣ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغني»، «الحميد»:\nفـ «الغني»، صفة ذاتية ثابتة لله تعالى، وهو من أسمائه تعالى، \"فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيا كما يمتنع أن يكون إلا جوادا محسنا برا رحيما كريما\" (٤).\nجاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: \"بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانا ... فناداه ربه ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ... \" (٥).\nوفي حديث أبي هريرة ﵁: \"قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك ... \" (٦).\nو«الحميد»: اسم من اسمائه سبحانه، قالابن الاثير: \" الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول\" (٧).\nجاء في حديث كعب بن عجرة ﵁ في التشهد: \" ... قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (٨).\nقال السعدي: \" ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه.\nومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه وهداهم.\n_________\n(١) سوف ياتي تفسيره.\n(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٤٩١ - ١٤٩٢.\n(٣) انظر: تفسير السعدي: ٢٠٧.\n(٤) شرح نونية ابن القيم: ١/ ٧٤.\n(٥) رواه البخاري (٢٧٩).\n(٦) رواه مسلم (٢٩٨٥).\n(٧) جامع الاصول: ٤/ ١٨٠.\n(٨) رواه: البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).","vol":"7","page":446},{"text":"وأما «الحميد» فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.\nوما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين ﴿الغني الحميد﴾! ! فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر.\nثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي: عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص بالوكيل، والله تعالى منزه عن كل نقص\" (١).\nالقرآن\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾ [النساء: ١٣٢]\nالتفسير:\nولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات، وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣٢]، أي: \" ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات\" (٢).\nقال الطبري: اي: \" ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض\" (٣).\nقال عثمان بن سعيد: \" قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله والسموات كلهن ومن فيهن والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢]، أي: \" وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها\" (٥).\nقال الطبري: اي: \" وهو القيِّم بجمعيه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء\" (٧).\nعن قتادة: \" ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، قال: حفيظًا\" (٨).\nوعن الضحاك عن ابن عباس: \"يعني: دافعا مجيرا\" (٩).\nوعن عكرمة عن ابن عباس: \"يعني: شهيدا [أن فيها عبيدا] (١٠) \" (١١).\nالفوائد\n١ - غنى الله تعالى عن سائر خلقه.\n٢ - فالله هو المالك وحده لا شريك له للسماوات والأرض وما فيهما، فلا منازع له، وذلك أمر يستدعي الوقوف والتدبر والتسليم لأمر من لا منازع له.\n\nالقرآن\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣]\nالتفسير:\nإن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس، ويأت بقوم آخرين غيركم. وكان الله على ذلك قديرًا.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١٣٣]، أي: \" إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" فيميتكم، يعني: الكفار\" (١٣).\nقال القرطبي: \" يعني بالموت، ﴿أيها الناس﴾: يريد المشركين والمنافقين\" (١٤).\nقال الطبري: \" أي: يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم، توعَّدهم بالهلاك والاستئصال، إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق\" (١٥).\nوضعّفه ابن عطية، فقال: \" وقال الطبري: هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق، وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر، [فإن] قوله تعالى: ﴿أيها الناس﴾، مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، أي: \" ويأت بقوم آخرين غيركم\" (١٧).\nقال الزمخشري: أي: \" ويأت بأناس آخرين يوالونه\" (١٨).\nقال الثعلبي: \" يعنى: بغيركم خيرا منكم وأطوع\" (١٩).\nقال القرطبي: \" يعني: [ويأت] بغيركم، وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٢٠) \" (٢١).\nقال الطبري: \" يقول: ويأت بناس آخرين غيركم لمؤازرة نبيه محمد ﷺ ونصرته، وقد روي عن النبي ﷺ أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سَلْمان فقال: «هم قوم هذا» (٢٢)، يعني: عجم الفرس\" (٢٣).\nقال الراغب: \" قوله: ﴿يذهبكم﴾ على هذا، ليس يشير إلى الأعيان فقط، بل إلى الأنواع الذين هم العرب والعجم\" (٢٤).\nقال ابن عطية: \" قوله: ﴿بآخرين﴾، يريد من نوعكم، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم\" (٢٥).\nعن قتادة في قوله: \" ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرًا﴾: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم\" (٢٦).\nقال القرطبي: \" في الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره\" (٢٧).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، أي: \" وكان لله على ذلك ذا قدرة\" (٢٨).\nقال الثعلبي: \" أي: مستطيعا على ذلك\" (٢٩).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٠٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٧.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٧٢): ص ٤/ ١٠٨٥.\n(٥) التفسير الميسر: ١/ ٢٨٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٣١.\n(٨) اخرجه الطبري (١٠٦٧٥): ص ٩/ ٢٩٧.\n(٩) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.\n(١٠) هذه الزيادة عند البغوي في معالم التفسير: ٢/ ٢٩٧.\n(١١) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.\n(١٢) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١٣) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٩.\n(١٥) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٨\n(١٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٢.\n(١٧) التفسير الميسر: ٩٩.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٥٤٧.\n(١٩) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.\n(٢٠) [سورة حمد: ٣٨].\n(٢١) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٩.\n(٢٢) تفسير الطبري (١٠٦٧٦): ص ٩/ ٢٩٩.\n(٢٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٨\n(٢٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ١٨٨.\n(٢٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٢.\n(٢٦) أخرجه الطبري (١٠٦٧٧): ص ٩/ ٢٩٩.\n(٢٧) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٩.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٨\n(٢٩) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.","vol":"7","page":447},{"text":"قال الطبري: أي: \" وكان الله على إهلاككم وإفنائكم واستبدال آخرين غيركم بكم، ﴿قديرًا﴾، يعني: ذا قدرة على ذلك\" (١).\nقل القرطبي: \" والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها\" (٢).\nالفوائد:\n١ - قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإتيان بغيرهم.\n٢ - أن إبقاء الناس على ما هم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه سبحانه عن طاعتهم، ولأن مشيئته لم تتعلق بهذا الإفناء لحكم ومصالح أرادها سبحانه، لا لعجز عن ذلك، تعالى الله علوا كبيرا (٣).\n٣ - ومن الفوائد: التنبيه للناس إلى التأمل فى سنن الله التي جرت فى حياة الأمم وموتها، وإن هذه السنن إذا تعلقت بها المشيئة وقعت لا محالة (٤).\n٤ - إثبات اسم من اسمائه سبحاته، وهو «القدير»، قال الخطابي: \" ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته؛ بمعنى واحد\" (٥).\n\nالقرآن\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤]\nالتفسير:\nمن يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة، فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلب من الله وحده خيري الدنيا والآخرة، فهو الذي يملكهما. وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: قيل: إن هذه الآية نزلت من أجل المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة، وإنما يطلبون عاجل الدنيا، ذكره أبو سليمان (٦).\nوالثاني: وقال الزجاج: \" كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مُقِرينْ بأن اللَّهَ خالقهم، فكان تقربُهم إلى الله ﷿ إنما هو ليُعْطِيهُمْ من خير الدنيا، ويَصرِفَ عنهم شَرها، فأعلم الله ﷿ أن خير الدنيا والآخرة عنده\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٣٤]، أي: \" من يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة\" (٨).\nقال مقاتل: \" بعمله\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني: من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل ولا يريد به وجه الله\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" يقول: من كان يريد بعمله الذي فرضه الله بقدرته عرضا من الدنيا ولا يريد به الله\" (١١).\nقال الماتريدي: \" قال بعض أهل التأويل: من كان يريد بعمله الذي يعمله عرض الدنيا، ولا يريد به الله\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٨\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٩.\n(٣) انظر: تفسير المراغي: ٥/ ١٧٦.\n(٤) انظر: تفسير المراغي: ٥/ ١٧٦.\n(٥) شأن الدعاء: ٨٥.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٨٣.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١١٧.\n(٨) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٣.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٤٦.\n(١١) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.\n(١٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٣.","vol":"7","page":448},{"text":"قال الزمخشري: \" كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة\" (١).\nوقال الطبري: أي: \"من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثوابَ الدنيا وجزاءَها من عمله \" (٢).\nقال السمعاني: \" أراد به: الكفار؛ فإنهم يعملون ابتغاء ثواب الدنيا، وطلبا لنعيمها، ولا يطلبون ثواب الآخرة، ولا يؤمنون بها\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]، أي: \" فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة\" (٤).\nقال مقاتل: \" فليعمل لآخرته، ﴿فعند الله ثواب الدنيا﴾، يعني: الرزق في الدنيا، وثواب الآخرة، يعني: الجنة\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء. والمعنى: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط\" (٦).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له فيها من رزق، ولا حظ له في الآخرة\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \" أثابه الله عليه ما أحب الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أحب الله، وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله، ومن أراد بعمله الذي افترضه الله ﷿ عليه في الدنيا ثواب الآخرة أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحب الله ودفع عنه ما أحب الله وجزاه في الآخرة الجنة بعمله\" (٨).\nقال الماتريدي: أي: \" آتاه الله ما أحب من عرض الدنيا، أو دفع عنه ما أحب في الدنيا؛ فليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله، وهو كقوله - ﷿ -: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ومن أراد بعمله الذي يعمله في الدنيا، ثواب الآخرة - آتاه الله - تعالى - من عرض الدنيا ما أحب، ودفع عنه، وجزاه في الآخرة الجنة؛ بعمله في الدنيا\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: يا من ليس هَمُّه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١] \" (١٠).\nقال الواحدي: \" أَيْ: خير الدُّنيا والآخرة عنده فليطلب ذلك منه وهذا تعريضٌ بالكفَّار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث وكانوا يقولون: ربنا آتنا في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق\" (١١).\nقال الماوردي: \" ثواب الدنيا النعمة، وثواب الآخرة الجنة\" (١٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٧٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٠.\n(٣) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٨.\n(٤) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٧٤.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٧٤): ص ٤/ ١٠٨٦.\n(٨) الكشف والبيان: ٣/ ٣٩٩.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٢.\n(١١) الوجيز: ٢٩٤.\n(١٢) النكت والعيون: ١/ ٥٣٤.","vol":"7","page":450},{"text":"قال الطبري: أي: \" فإن الله مجازيه به جزاءَه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من الآخرة من العقاب والنكال، وإنما عنى بذلك جل ثناؤه: الذين تَتَيَّعُوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سورة النساء: ١٠٧، ١٠٨]، ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم\" (١).\nوهذا التفسير للآية عند الطبري فيه نظر، لأن\" قوله ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا\" (٢).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]، وجوها من التفسير (٣):\nأحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طلبا للرياسة والعز والشرف؛ كقوله - ﷿ -: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، فأخبر أن العز والشرف ليس في ذلك؛ ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة.\nوالثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]ـ ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فأخبر أن ليس في عبادتكم هذه الأوثان دون الله - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد الله؛ فعنده الدنيا والآخرة.\nوالثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ [العنكبوت: ١٧]، الآية؛ فعلى ذلك قوله - ﷿ -: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ لا عند من تطلبون.\nوالرابع: ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم الصالحة في الدنيا؛ يريدون ثواب الدنيا لا غير. وهذا اختيار الطبري (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، أي: \" وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك\" (٥).\nقال مقاتل: \" بأعمالكم\" (٦).\nقال الماتريدي: \" ﴿سميعا﴾، لمقالتكم، ﴿بصيرا﴾، بما تريدون وتعملون، وهو وعيد\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: وكان الله سميعا لأقوال عباده حين مخاطباتهم ومناجاتهم، بصيرا بجميع أمورهم فى سائر حالاتهم، فعليهم أن يراقبوه فى الأقوال والأفعال، وبذا تزكو نفوسهم وتقف عند حدود الفضيلة التي بها تستقيم أمورهم فى دنياهم ويستعدون لحياة أبدية فى آخرتهم يكون فيها نعيمهم وثوابهم\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿سميعا﴾، أي: سميع ما تقولون\" (٩).\nعن عقبة بن عامر: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية: ﴿سميعا بصيرا﴾، يقول: «بكل شيء بصير» \" (١٠).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٢.\n(٣) انظر تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٠.\n(٥) التفسير الميسر: ٩٩.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٣.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٤.\n(٨).تفسير المراغي: ٥/ ١٧٧\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٧٥): ص ٤/ ١٠٨٦.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٧٦): ص ٤/ ١٠٨٦.","vol":"7","page":451},{"text":"١ - من الفوائد: وجوب الإخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا.\n٢ - ومنها: أن الدين يهدى أهله إلى السعادتين، وإلى أن ثواب الدنيا والآخرة من فضله تعالى ورحمته.\n٣ - إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات، وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات، وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه «السميع البصير».\nجاء في الحديث: \"يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" (١).\nوفي حديث عائشة﵂- في قصة المجادلة،: \"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات\" (٢).\nفأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.\nقال أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى\" (٣).\nقال الحافظ ابن القيم: \"وهو سميع بصير له السمع والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره\" (٤).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، كونوا قائمين بالعدل، مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم، مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا; فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل، وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها، فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: قال السدي: \" نزلت في النبيّ ﷺ، واختصم إليه رجلان: غنيٌّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيَّ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: ﴿إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾، الآية\" (٥). [ضعيف جدا].\nوالثاني: عن ابن جريج عن مولى لابن عباس؛ قال: \"لما قدم النبي - ﷺ - المدينة؛ كانت «البقرة» أول سورة نزلت، ثم أردفها سورة «النساء»، قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه، فيلوي بها لسانه أو يكتمها؛ مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي؛ فنزلت: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾؛ يعني: إن يكن غنيًا أو فقيرًا\" (٦). [ضعيف جدا].\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٧).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣٨٤).\n(٢) رواه: البخاري تعليقا (١٣/ ٣٧٢)، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن أبي عاصم في \"السنة\": ٦٢٥.\n(٣) رسالة إلى أهل الثغر: ٢٢٥.\n(٤) الصواعق المرسلة: ٣/ ١٠٢٠.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٦٧٨): ص ٩/ ٣٠٣، وابن أبي حاتم (٦٠٨٨): ص ٤/ ١٠٨٨، و(٦٠٧٨): ص ٤/ ١٠٨٦ مختصرا، من طريق أسباط، [وهذا سند واه؛ لإعضاله، وضعف أسباط]\n(٦) أخرجه ابن المنذر في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\": ٢/ ٧١٤ - ٧١٥، [وهذا سنده ضعيف جدًا؛ فيه علل: ابن جريج مدلس، وقد عنعنه، وجهالة المولى، والإرسال].\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.","vol":"7","page":452},{"text":"قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١) (٢).\nقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" كونوا قائمين بالعدل\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: قوامين بالعدل\" (٤). وروي عن السدي نحو ذلك (٥).\nقال مقاتل بن حيان: \" قوامين بالشهادة\" (٦).\nقال الزجاج: \" القسط والِإقساطُ: العدل، يقال: أقسط الرجل يُقسِط إقساطًا إِذا عدل وأتى بالقسطِ، ويقال: قسط الرجل قُسُوطًا إِذا جَارَ، قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٧)، أي: اعدلوا إن الله يُحب العَادِلينَ، وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٨)، أي: الجائرون، يقال قسط البعيرُ قسْطًا إِذَا يَبِسَتْ يدُه، ويدٌ قَسْطاءُ أي يابسة، فكأن أقسط أقام الشيءَ على حقيقةِ التعديل، وكأنَّ قَسَطَ بمعنى جارَ معناه يَبَّسَ الشيءَ، وأفْسَدَ جِهتَهُ المستقيمةَ\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق، ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم\" (١١).\nعن سعيد بن جبير قوله: \" ﴿بالقسط شهداء لله﴾، يعني: بالعدل\" (١٢). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١٣).\nوعن سعيد بن جبير أيضا: قوله: \" ﴿ولو على أنفسكم﴾، يقول: لو كان تأحد عليك حق فأقررت به على نفسك\" (١٤)، \"قوله: ﴿أو الوالدين والأقربين﴾، يعني: أو على الوالدين والأقربين فاشهد به عليهم\" (١٥).\nوعن مقاتل بن حيان قوله: \" ﴿ولو على أنفسكم﴾، يقول: على نفسك\" (١٦).\nوعن مقاتل بن حيان أيضا: \" قوله: ﴿أو الوالدين والأقربين﴾، يقول: على نفسك أو على الوالدين والأقربين قريبا كان أو بعيدا، غنيا كان أو فقيرا\" (١٧).\nقال الزجاج: \" المعنى: قوموا بالعدل وأشهدوا للَّهِ بالحق، وإن كان الحق على نفس\nالشاهد أو على والديه وأقْر بِيه\" (١٨).\nقال الطبري: \" معناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق\" (١٩).\nقال الماوردي: \" وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراراه بما عليه من الحق لخصمه\" (٢٠).\nعن قتادة قوله: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾، وهذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك أو والديك أو على ذوي قرابتك أو على أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي بالعدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض به يرد الله من الشديد على\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٧٩): ص ٤/ ١٠٨٦.\n(٥) انظر: ابن ابي حاتم (٦٠٧٩): ص ٤/ ١٠٨٦.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٠): ص ٤/ ١٠٨٦.\n(٧) [سورة الحجرات: ٩].\n(٨) [سورة الجن: ١٥].\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١١٨.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٧٧): ص ٤/ ١٠٨٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٢): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٨٢): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٣): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٥): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٤): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٦): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(١٨) معاني القرآن: ٢/ ١١٨.\n(١٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٢.\n(٢٠) النكت والعيون: ١/ ٥٣٥، وانظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٢.","vol":"7","page":453},{"text":"الضعيف ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه، ﵎ وبالعدل صلح الناس يا ابن آدم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا; فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: أن الله أولى بالغني والفقير من غيره\" (٣).\nوقال الحسن: \"معناه: فالله أعلم بهما\" (٤).\nقال الفراء: أي: \" ولا تنظروا في غنى الغني ولا فقر الفقير فإن الله أولى بذلك\" (٥).\nقال ابن عباس: \" أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق، ولا يحابون غنيا لغناه ولا يرحمون مسكينا لمسكنته\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي إِن يكن المشهود له فقيرًا فاللَّه أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه غنيًا فاللَّه أولى به ... ولا تميلوا في الشهادة رحمةً للفقير، ولا تَحِيفوا لاحتَفَالِ غِنَى عَنِيٍّ عِندَكم\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتجوروا. فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم، أيها الناس، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل ﴿أولى بهما﴾، وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل\" (٩).\nعن ابن عباس قوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾، فتذروا الحق فتجوروا\" (١٠).\nعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: \" ﴿تتبعوا الهوى﴾، يعني: في الشهادات\" (١١)، \" قوله: ﴿أن تعدلوا﴾، يعني: عن الحق\" (١٢).\nعن مقاتل بن حيان قوله: \" ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾، في الشهادة إذا دعيتم لها أن تقولوا بها وتعدلوا\" (١٣).\nقال الزجاج: \" أي: لا تتبعوا الهوى فتعدلوا\" (١٤).\nقال الفراء: أي: \" فرارا من إقامة الشهادة. وقد يقال: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: إني أنهاك عن هذا كيما ترضي ربك\" (١٥).\nقال الطبري: \" يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها -لغني على فقير، أو لفقير على غني- إلا أحد الفريقين، فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه\" (١٦).\nقال السمعاني: \" قيل: معناه: فلا تتبعوا الهوى بأن تعدلوا، أي: لتكونوا عادلين، كما يقال: لا تعص فترضى ربك، وقيل: معناه: لا تتبعوا الهوى لتميلوا من الحق إلى الباطل\" (١٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨١): ص ٤/ ١٠٨٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٨٩): ص ٤/ ١٠٨٨.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٩ ولم اقف عليه.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٩١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٨٨): ص ٤/ ١٠٨٨.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١١٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٢.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٩٠): ص ٤/ ١٠٨٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٩٣): ص ٤/ ١٠٨٨.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٩٥): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٠٩٤): ص ٤/ ١٠٨٨.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ١١٨.\n(١٥) معاني القرآن: ١/ ٢٩١.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٢.\n(١٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٨٩.","vol":"7","page":454},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها\" (١).\nو«الليّ»: المطل، يقال: لواه بدينه يلويه ليا وليانا مطله (٢)، قال الشاعر (٣):\nقد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا\nوقال ذو الرمة (٤):\nتُطيلينَ ليَّاني وأنتِ مليَّةٌ ... وأُحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضيا\nوفي الحديث: \"لَىُّ الْواحِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُبَتَه\" (٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: معناه: أنه خطاب للشهود، معناه: أن تلوي بلسانك بغير الحق، وهي اللجاجة فلا يقيم الشهادة على وجهها. وهذا قول ابن عباس-في أحد قوليه- (٦)، وروي عن قتادة (٧)، ومقاتل (٨)، وعطاء الخرساني (٩)، وعطية (١٠)، وسعيد بن جير (١١)، والضحاك (١٢)، والسدي (١٣)، ومقاتل بن الحيان (١٤)، نحو هذا المعنى.\nوالثاني: أنه خطاب للحكام، معناه: ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وهذا قول ابن عباس-في قوله الآخر (١٥).\nوالثالث: انه تحريف الشهادة. وهذا قول مجاهد (١٦)، والسدي (١٧).\nوالصواب –والله اعلم- \"أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه، لأن الله جل ثناؤه قال ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء الله﴾، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء \" (١٨).\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم والكسائى: «تلووآ» بواوين، الأولى مضمومة والثانية ساكنة، وقرأ حمزة وابن عامر: «وإن تلوا»، بواو واحدة واللام مضمومة (١٩).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها\" (٢٠).\nعن ابن عباس قوله: \" ﴿أو تعرضوا﴾، يعني: الشهادة\" (٢١). وروي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢٢).\nوعن ابن عباس ايضا: \" الإعراض: الترك\" (٢٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ١٢١.\n(٣) الرجز لرؤية بن العجاج، انظر: \"ديوانه\" ص ١٨٧، \"الكتاب\" ١/ ١٩١، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٠، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين ليًا وليانًا إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٩١.\n(٤) ديوانه ١٣٠٦، وجمهرة اللغة، مادة: \"ل ي ي\": ص: ١/ ١٦٩.، و\"لوه\": ٢/ ٩٨٩،\n(٥) أخرجه النسائى من طريقيه فى البيوع (باب مطل الغنى): المجتبى: ٧/ ٢٧٨؛ وابن ماجه فى الصدقات (باب الحبس فى الدين والملازمة): سنن ابن ماجه: ٢/ ٨١١؛ وأخرجه أبو داود فى الأقضية (باب فى الحبس فى الدين وغيره): سنن أبى داود: ٣/ ٣١٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧)، و(٦٠٩٦): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٥): ص ٩/ ٣٠٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٨٩): ص ٩/ ٣٠٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٣): ص ٩/ ٣٠٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٤): ص ٩/ ٣٠٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٠): ص ٩/ ٣٠٨، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٧): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٨٣): ص ٩/ ٣٠٧، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٨): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٦) تفسير الطبري (١٠٦٨٧)، و(١٠٦٨٨): ص ٩/ ٣٠٨.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٠): ص ٩/ ٣٠٨، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٠٩٩): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٩ - ٣١٠.\n(١٩) انظر: السبعة: ٢٣٩، ومعاني القرآن للفرا: ١/ ٢٩١.\n(٢٠) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٢١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٠): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦١٠٠): ص ٤/ ١٠٨٩.\n(٢٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠١): ص ٤/ ١٠٩٠.","vol":"7","page":455},{"text":"قال الضحاك: \" ﴿أو تعرضوا﴾، قال: تكتموا الشهادة\" (١).\nوعن مجاهد قوله: \" ﴿أو تعرضوا﴾، قال: تتركوا\" (٢). وروي عن عطية مثل ذلك (٣).\nوروي عن السدي أنه قال: \"فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة\" (٤).\nوقال ابن زيد: \" أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه! \" (٥).\nقال الطبري: وأما إعراضه عن الشهادة، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: \" فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: من كتمان الشهادة وإقامتها خبيرا\" (٨).\nقال الطبري: \" وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا ممن ذكرنا قبل عند رسول الله ﷺ، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح\" (٩).\nالفوائد:\n١ - وجوب العدل في القضاء والشهادة.\n٢ - حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه، كما ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور [ألا وقول الزور وشهادة الزور]». فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت\" (١٠).\n٣ - ومن أسماءه سبحانه «الخبير»: أي: العالم بما كان وما يكون.\nقال الخطابي: \" هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته\" (١١).\nجاء في حديث عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: \"ما لك يا عائش حشيا رابية؟ \". قالت: قلت: لا شيء. قال: \"لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير\" (١٢).\nقال أبو هلال العسكري: \" الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم\" (١٣).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ، ومن طاعتهما، وبالقرآن الذي نزله عليه، وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل. ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب، فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق.\nسبب النزول:\nعن عبد الله بن عباس -﵄-: \"أن عبد الله بن سلام، وأسدًا وأسيدًا ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلامًا ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله! إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال رسول الله - ﷺ -: «بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله»، فقالوا: لا نفعل؛ فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فآمنوا كلهم \" (١٤). [موضوع].\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١٥).\nقال الزمخشري: \"خطاب للمسلمين\" (١٦).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (١٧).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (١٨).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١٩).\nقال خيثمة: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٢٠).\nقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: \" داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ، ومن طاعتهما\" (٢١).\nقال الماتريدي: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ \" يعني: محمدا - ﷺ -\" (٢٢).\nقال الطبري: \" يقول: صدّقوا بالله وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم\" (٢٣).\nقال الزمخشري: \" معنى: ﴿آمنوا﴾، اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه\" (٢٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: \" وبالقرآن الذي نزله علي رسوله\" (٢٥).\nقال الثعلبي: \" يعني: القرآن\" (٢٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٦٩٤): ص ٩/ ٣٠٩.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٢): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٣): ص ٩/ ٣٠٩، وتفسير ابن ابي حاتم (٦١٠٢): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٤) اخرجه الطبري (١٠٦٩٠): ص ٩/ ٣٠٨، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١٠٩٠. [ذكره دون السند].\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٦٩١): ص ٩/ ٣٠٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٠.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٨) أخجه ابنأبي حاتم (٦١٠٣): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(١٠) صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧).\n(١١) شأن الدعاء: ٦٣.\n(١٢) رواه مسلم (٩٧٤).\n(١٣) الفروق: ١٥٢.\n(١٤) ذكره السمرقندي في تفسيره بحر العلوم: ١/ ٣٤٧، وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\": ٣/ ٤٠١، من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكره البغوي في تفسيره: ٢/ ٢٩٩، والسيوطي في الدر المنثور: ٢/ ٧١٦، وذكره الواحدي في أسباب النزول: ١٨٦، معلقًا عن الكلبي ولم يسنده إلى ابن عباس، وذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٥٧٦، ولم يسنده إلى أحد.\nوقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (١/ ٣٦٥): ذكره الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس وذكره الواحدي في «الأسباب» عن الكلبي بدون إسناد اهـ.\nقلنا: وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك كذاب.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٥٧٥.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(١٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٢٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٢١) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٢٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٧.\n(٢٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٢.\n(٢٤) الكشاف: ١/ ٥٧٥.\n(٢٥) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٢٦) الكشف والبيان: ٣/ ٤٠١.","vol":"7","page":456},{"text":"قال الماتريدي: \"أي: آمنوا بالكتاب الذي نزل على رسوله، وهو محمد - ﷺ -\" (١).\nقال الطبري: أي: \"وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: \"وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل\" (٣).\nقال الزمخشري: \" المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، والدليل عليه قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ \" (٤).\nقال الثعلبي: \" يعني: الكتب المتقدمة التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المتقدمة\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد ﷺ، وهو التوراة والإنجيل\" (٦).\nقال الماتريدي: \" أي: آمنوا -أيضا- بالكتب السماوية التي أنزلها الله، تعالى، ثم الإيمان بالله حقيقة - إيمان بجميع الرسل والكتب؛ لأن كل نبي كان يدعو إلى الإيمان بجميع ذلك، وكذلك في كل كتاب من الكتب السماوية دعاء إلى الإيمان بجملتهم؛ ألا ترى أن الكفر بواحد منهم - كفر بالله وبجميع الرسل والكتب وما ذكر، وبالله العصمة\" (٧).\nوقرئ: «وكتابه»، على إرادة الجنس (٨).\nوإن قلت: لم قيل ﴿نزل على رسوله﴾ و﴿أنزل من قبل﴾؟\nالجواب: \"لأن القرآن نزل مفرقا منجما في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله، ومعنى قوله ومن يكفر بالله الآية: ومن يكفر بشيء من ذلك فقد ضل لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعا\" (٩).\nفإن قال قائل: \"وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم: «مؤمنين»؟\nقيل: إنه جل ثناؤه لم يسمِّهم\"مؤمنين\"، وإنما وصفهم بأنهم ﴿آمنوا﴾، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق. وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما، وصنف أهل إنجيل، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذِّبون بمحمد ﷺ والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، وجوه من التفسير:\nأحدها: أن المعنى: يا أيها الذين آمنوا أقيموا على الايمان باللَّهِ، كما قال ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩]، أي: وَعَدَ مَنْ أقام على الِإيمان من أصحاب النبي - ﷺ - الذين ذكروا في هذه القصة مغفرة وأجرًا عظيمًا. وهذا قول ابي العالية (١١)، ونسبه الثعلبي إلى جيع المفسرين (١٢).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٢.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٧٥.\n(٥) الكشف والبيان: ٣/ ٤٠١.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٢.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٧.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٥٧٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٧٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٢ - ٣١٣.\n(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠١، وذكره الزجاج دون نسبته لاحد، انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١١٩.\n(١٢) انظر: الكشف والبيان: ٣/ ٤٠١، يقول: \" وقال أبو العالية وجمع من المفسرين: هذه الآية خطاب للمؤمنين وتأويله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا أي أقيموا واثبتوا على الإيمان، وكقوله لنبيه ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، أي: اثبت على ما أنت عليه وكقوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، ومعناه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان من أصحاب النبي ﷺ الذين هم في هذه القصة مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، ويقال في الكلام للقائم: قم، وللقاعد: أقعد، والمراد منه الاستدامة\".","vol":"7","page":457},{"text":"والثاني: أنه يُعْنَى بهذ! المنافقون الذين أظهروا التصديق وأسروا التكذيب، فقيل: يا أيها الذين أظْهَرُوا الإيمان آمِنُوا باللَّه ورسوله أي أبطنوا مثل ما أظهرتم. أفاده الزجاج (١).\nوالثالث: معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد - ﷺ - قبل أن يبعث، آمنوا به إذا بعث؛ لأنهم كانوا يؤمنون به قبل أن يبعث، فلما بعث تركوا الإيمان به؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. أفاده الماتريدي (٢).\nوالرابع: قال الضحاك: \"هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمَنُوا بمحمد والقرآن\" (٣).\nوالخامس: وقيل: \"إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في وجه النهار آمَنُوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، الآية\" (٤).\nوالسادس: أن المراد منه الكفار، يعني: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللات والعزى والطاغوت آمِنُوا بِاللَّهِ، ومعناه: إن كان لا بد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت. ذكره الثعلبي عن طائفة (٥).\nقال الزجاج: \" والتأويل الأول أشبه\" (٦).\nقرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي: ﴿والكتاب الذي نزل﴾، بنصب النون والزاي، ﴿والكتاب الذي أنزل﴾، بنصب الألف. وقرأ الباقون ﴿نزل﴾، بضم النون وكسر الزاي، ﴿ونزل﴾، و﴿أنزل﴾، بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: \" ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب\" (٨).\nقال السمرقندي: \" أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿واليوم الآخر﴾، يعني: بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال\" (١٠).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وجهين (١١):\nأحدهما: معناه: ومن يكفر بجميع ما ذكر، وهو على التأكيد.\nوالثاني: ويحتمل: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر؛ فقد كان ما ذكر؛ لأن الكفر بواحد من ذلك كفر بالكل، حتى لو أنكر آية من آيات الله - تعالى - كفر بالله، وبالكتب وبالرسل كلها.\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: \" فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق\" (١٢).\nقال الثعلبي: \" يعني: خطأ خطأ بعيدا\" (١٣).\nقال السمرقندي: أي: \" فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١١٩.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٧.\n(٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠١.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠١.\n(٥) انظر: الكشف والبيان: ٣/ ٤٠٢.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١١٩.\n(٧) انظر: بحر العلوم، السمرقندي: ١/ ٣٤٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٤٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٨): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(١١) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨٧.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١٣) الكشف والبيان: ٣/ ٤٠١.\n(١٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٤٧.","vol":"7","page":459},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \" ﴿فقد ضل﴾، يقول: فقد أخطأ\" (١).\nقال البغوي: \" فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسول وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون\" (٢).\nالفوائد:\n١ - وجوب الاستمرار على الإيمان وتقويته حتى الموت عليه.\n٢ - بيان أركان الإيمان وهي الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، جاء ذكره في قوله تعالى من سورة القمر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧]\nالتفسير:\nإن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه، لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: \" إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه \" (٣).\nقال الزمخشري: \" نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي يعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. والمعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه\" (٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أقوال:\nأحدها: أنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد صلى الله عليهم وسلم، وهذا قول قتادة (٥).\nوالثاني: أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، وهذا قول مجاهد (٦)، وابن زيد (٧).\nوالثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفرًا بثبوتهم عليه، وهذا قول الحسن (٨).\nوالرابع: أنهم أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها، مع إقامتهم على كفرهم. وهذا قول أبي العالية (٩).\nوالراجح-والله أعلم- أنه عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرَّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد ﷺ والفرقان فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين أعني قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، ولا دلالة تدلُّ على أن قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾، منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالة دالَّة على انقطاعه منه\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٩): ص ٤/ ١٠٩١.\n(٢) تفسير البغوي: ٢/ ٢٩٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٧٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٧)، و(١٠٦٩٨): ص ٩/ ٣١٥ ..\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٦٩٩) - (١٠٧٠١): ص ٩/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٠٢): ص ٩/ ٣١٦.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٠٣): ص ٩/ ٣١٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٦ - ٣١٧.","vol":"7","page":460},{"text":"واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين:\nأحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي (١)، وابن عمر (٢).\nوالثاني: يستتاب كلما ارتد، وهذا قول إبراهيم (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، والجمهور (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: \" أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك\" (٦).\nقال الحسن: \"يعني: من مات منهم على كفره\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لم يكن الله ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شر حال وأسمج صورة\" (٩).\nقال أبو السعود: \" لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أهون شئ وأدونه لاانهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم\" (١٠).\nقال الزجاج: \" فإن قال قائل: اللَّه جلَّ وعزَّ لا يغفر كُفْر مرةٍ واحدةٍ فلم قيل ههنا فيمن\nآمن ثُمَّ كفر ثُمَّ آمن ثُمَّ كفر: (لم يكن اللَّه ليغفر لهم) وما الفائدة في هذا؟\nفالجواب في هذا - واللَّه أعلم - أن اللَّه ﷿ يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره، فإن كفر بعد إيمانه لم يغفر اللَّه له الكفر الأول، لأن اللَّه -جلَّ وعزَّ- يقبل التوبة، فإِذا كفر بعد إيمان قبله كفْر فهو مطالب بجميع كفره، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد ذلك لا يغفر له، لأن اللَّه جل ثناؤُه يغفر لكل مؤمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١١)، وهذا في القرآن كثير، وهو شبيه بالِإجماع أيضًا\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، أي: \" ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة\" (١٣).\nقال مقاتل: \" ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتب الله\" (١٤).\nقال مقاتل: \" إلى الهدى، منهم عمرو بن زيد وأوس بن قيس، وقيس بن زيد\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين بل يضلهم، لأنه جلَّ وعزَّ يضل\nالفاسقين\" (١٦).\nقال الطبري: \" يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم، وجرأتهم على ربهم\" (١٧).\nقال ابن ابي زمنين: \" أي: سبيل هدى؛ يعني: الأحياء، وأراد بهذا عامتهم، وقد تسلم الخاصة منهم\" (١٨).\nقال البغوي: \" أي: طريقا إلى الحق\" (١٩).\nقال المراغي: \" أي: إن هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر، ثم من كفر إلى إيمان وهكذا دواليك- أنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب، ولا شك أن المغفرة وهى محو أثر الذنب من النفس إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يزيل ما علق فى النفس من تلك الآثام كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] \" (٢٠).\nالفوائد:\n١ - أن الكفر من أعظم مانع يمنع من حصول المغفرة، ولما تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة (٢١).\n٢ - أن مثل هذا التذبذب والاضطراب في الأحوال من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان وهكذا دواليك، أدى إلى فقدان الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب (٢٢).\n٣ - دلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة (٢٣).\nقال السعدي: \"وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة\" (٢٤).\nالقرآن\n﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء: ١٣٨]\nالتفسير:\nبشّر -أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- بأن لهم عذابًا موجعًا.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" ولما نزلت المغفرة للنبيﷺ- وللمؤمنين فى سورة الفتح قال عبد الله بن أبي ونفر معه، فما لنا؟ فأنزل الله﷿-: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾، يعني: عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس\" (٢٥).\nقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]، أي: \" أخبر-أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر\" (٢٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٠٤)، و(١٠٧٠٥): ص ٩/ ٣١٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٦١١٠): ص ٤/ ١٠٩١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٠٦): ص ٩/ ٣١٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٠٧): ص ٩/ ٣١٨.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٧.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٨٦.\n(٧) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤١٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٧.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٧٧.\n(١٠) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢٤٣.\n(١١) [سورة الشورى: ٢٥].\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١١٩): ص ٤/ ١٠٩٢.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.\n(١٧) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٧.\n(١٨) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤١٤.\n(١٩) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٠.\n(٢٠) تفسير المراغي: ٥/ ١٨٢.\n(٢١) انظر: تفسير السعدي: ٢٠٩.\n(٢٢) انظر: تفسير المراغي: ٥/ ١٨٢.\n(٢٣) انظر: تفسير السعدي: ٢٠٩.\n(٢٤) تفسير السعدي: ٢٠٩.\n(٢٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣١٨، والتفسير الميسر: ١٠٠.","vol":"7","page":461},{"text":"قال ابن كثير: \" يعنى أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم\" (١).\nقال الزمخشري: \" وضع ﴿بشر﴾ مكان: أخبر، تهكما بهم\" (٢).\nقال الزجاج: \" قال: ﴿بشّر﴾، أي: اجعل في مكان بشارتهم ﴿لَهُمْ العَذَابُ﴾، العرب تقول: تَحيتكَ الضرْبُ، وعتابك السيف، أي لك - بدلًأ من\nالتحية. . . هذا، قال الشاعر (٣):\nوَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ\" (٤).\nقوله: دَلَفْتُ، أي: قَصَدْتُ، فجعل التحية ضربا (٥).\nقال الماتريدي: \" البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: ﴿بشر المنافقين بأن لهم﴾ كذا، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤]، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]، أي: \" بأن لهم عذابًا موجعًا\" (٧).\nقال الطبري: \" وذلك عذاب جهنم\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: وجيعا\" (٩).\nقال الزجاج: \" معنى «أليم»: موجع\" (١٠).\nقال ابو العالية: \"الأليم الموجع في القرآن كله\" (١١). قال ابن ابي حاتم: \" وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان\" (١٢).\nوكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان.\nقال الطبري: \" يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم ﴿عذابًا أليمًا﴾، وهو المُوجع، وذلك عذاب جهنم\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - أن الآية تبشر الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم.\n٢ - أن سبب بشارة المنافقين بالعذاب الموجع، هو محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين.\n٣ - ومن الفوائد: أن النفاق يكون على قسمين (١٤):\nأحدهما: النفاق العملي (نفاق الاصغر)، وهو من كبائر الذنوب، فمن صوره كما هو مذكور في حديث الرسولﷺ-: «علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (١٥).\nوالثاني: النفاق الاعتقادي (نفاق الاكبر): وهو أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٤.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٧٧.\n(٣) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، كما في: شعره ١٤٩، وقد ورد منسوبًا له في: نوادر أبي زيد: ١٥٠، و\"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٠٥٦، و\"الممتع في صنعة الشعر\" ١٥٩، وأوردته المصادر التالية غير منسوب: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٢٣٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٠، ٤/ ٤١٣، و\"الخصائص\" ١/ ٣٦٨، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ١٢٦، ٨٣٥، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٧٥، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٨٠، و\"التصريح\" ١/ ٣٥٣، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٥٧، ٢٦٣؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.\nأراد الشاعرُ بـ (الخيل) الأولى: خيل الأعداء، وبالثانية: خيلَه. والخيل -هنا-، يعني بها: الفُرسان. و(دَلَفْتُ): دَنَوْتُ وزَخفْتُ؛ يقال: (دَلَفَ الشيخ): إذا مَشى مَشْيًا لَيِّنًا. انظر: \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٦٤.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.\n(٥) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٣٤.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٠.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٨.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٠): ص ٤/ ١٠٩٢.\n(١٢) تفسير ابن ابي حاتم ٤/ ١٠٩٢.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٨.\n(١٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١١/ ١٤٠ - ١٤٥.\n(١٥) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٣ وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم ١٢٤.","vol":"7","page":462},{"text":"القرآن\n﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩]\nالتفسير:\nالذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم. أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: \" الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم\" (١).\nقال مقاتل: \" وذلك أن المنافقين قالوا لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم\" (٢).\nقال الزمخشري: \"هم الذين كانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة\" (٤).\nقال ابن عباس: \" نهى الله تعالى المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم ويخالفونهم في الدين\" (٥).\nعن السدي قوله: \" ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾، أما أولياء، فنواليهم في دينهم ونظهرهم على عورة المؤمنين\" (٦).\nقال ابن عطية: \" نصّ تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضررا على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: \" أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ \" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال النبيﷺ- ليتعززوا بذلك فقال- سبحانه- ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾، يقول: أيبتغي المنافقون عند اليهود المنعة\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: أيبْتَغِي المنافقون عند الكافرين العزة\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، أي: \" فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده\" (١١).\nقال الزمخشري: \" يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يقول: جميع من يتعزز فإنما هو بإذن الله\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٧٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢١): ص ٤/ ١٠٩٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٢): ص ٤/ ١٠٩٢.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٥.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٢٠.\n(١١) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٧٧.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.","vol":"7","page":464},{"text":"قال الطبري: \" يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاءَ العزة عندهم، هم الأذلاء الأقِلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزَّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء، فيعزُّهم ويمنعهم؟ \" (١).\nقال ابن كثير: \" أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له. كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد\" (٢).\nقال ابن عطية: \" وقف تعالى على جهة التوبيخ على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين\" (٣).\nعن أبي ريحانه أن النبي ﷺ قال: \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزًّا وفخرًا، فهو عاشرهم في النار\" (٤).\nوأصل «العزة»: الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عَزَاز، وقيل: قد استُعِزَّ على المريض: إذا اشتدَّ مرضه وكاد يُشفى. ويقال: تعزز اللحمُ، إذا اشتد. ومنه قيل: عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا، بمعنى: اشتد عليَّ (٥)، فتأويل «العزة»: الغَلَبَةُ والشَدة التي لا يتعلق بها إِذلال، قالت الخنساءَ:\nكأن لم يكونوا حمىً يُتَقَى ... إِذ الناسُ إِذ ذاك من عزٍّ بزَّا (٦)\nأي: من قوى وغلب سلب.\nويقال: قد استعِز على المريض إذا اشتد وجَعَه، وكذلك قول الناس: يَعِزُّ علي أن تَفْعل، أي يشتد، فأما قولهم قد عَزَّ الشيء إِذا لم يوجد فتأويله قد اشتد وجوده أي صعب أن يُوجَدَ، والمآب، واحدٌ (٧).\nالفوائد:\n١ - حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.\n٢ - الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل، فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإيمان واتباع منهجه.\nالقرآن\n﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]\nالتفسير:\nوقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله. إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم; لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها. إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا، يلْقَون فيها سوء العذاب.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \"كان المنافقون يستهزءون بالقرآن، فأنزل الله﷿- بالمدينة: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتاب﴾، يعنى: فى سورة «الأنعام» بمكة (٨)، ﴿أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه﴾ \" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٣١٩.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٥.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٥.\n(٤) أخرجه احمد في المسند (٤/ ١٣٣) قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٨٥): \"رجال أحمد ثقات\".\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣١٩، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٢١.\n(٦) ديوان الخنساء، ص ٥٩، في «اللسان» البز: السلب، ومنه قولهم في المثل: من عز بز، معناه: من غلب سلب.\n(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٢١.\n(٨) يشير للآية: ٦٨ من سورة الأنعام، وهي: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٥.","vol":"7","page":465},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: \" وقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم\" (١).\nعن مقاتل بن حيان، قوله: \" ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب﴾، قال: في سورة الأنعام بمكة\" (٢).\nوكلهم قرأ: ﴿وقد نزل عليكم﴾ مضمومة النون، غير عاصم فإنه قرأ: ﴿وقد نزل عليكم﴾ مفتوحة النون مشددة الزاى (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: \" أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: \"فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله\" (٥).\nقال الجصاص: \" فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله\" (٦).\nأنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي عن أبي وائل، قال: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها القوم، فيسخط الله عليه، فذكرت ذلك لإبراهيم، النخعي فقال: صدق، أليس الله تعالى يقول: ﴿إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ \" (٧).\nويحتمل ﴿حتى﴾، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]، معنيين (٨):\nأحدهما: أنها تصير غاية لحظر القعود معهم حتى إذا تركوا إظهار الكفر والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم.\nوالثاني: أنهم كانوا إذا رأوا هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله، فقال: لا تقعدوا معهم لئلا يظهروا ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم.\nقال الجصاص: \"والأول أظهر\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: \" إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم\" (١٠).\nقال مقاتل بن حيان: \" إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن، فـ ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ \" (١١).\nقال الزجاج: \" أي إِنكم إِذا جالستموهم على الخوض في كتاب اللَّه بالهزؤ فأنتم\nمِثْلُهُمْ\" (١٢).\nقال ابن كثير: \"أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، أي: في المأثم، كما جاء في الحديث: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخَمْر\" (١٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر، وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية\" (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٣): ص ٤/ ١٠٩٢.\n(٣) انظر: السبعة: ٢٣٩.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٦) أحكام القرآن: ٢/ ٣٦٢.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٦): ص ٩/ ١٠٩٣.\n(٨) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٦٢.\n(٩) أحكام القرآن: ٢/ ٣٦٢.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٨): ص ٤/ ١٠٩٣.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٢١.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٥.\n(١٤) بحر العلوم: ١/ ٣٤٩.","vol":"7","page":466},{"text":"قال القرطبي: \" فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية ... وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى\" (١).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وجهين (٢):\nأحدهما: في العصيان وإن لم تبلغ معصيتهم منزلة الكفر.\nوالثاني: أنكم مثلهم في الرضا بحالهم في ظاهر أمركم، والرضا بالكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر، ولكن من قعد معهم ساخطا لتلك الحال منهم لم يكفر، وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم.\nقال البغوي: \" أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة\" (٣).\nوقال الحسن: \"لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ \" (٤).\nوالأكثرون على القول الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية، والمتأخر أولى (٥).\nعن هشام ابن عروة، \"أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوما يشربون فضربهم وفيهم رجل صالح فقيل إنه صائم، فتلا: ﴿فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، أي: \" إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \" إن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والمشركين من أهل مكة، الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعا\" (٨).\nقال السمرقندي: \" يعني: إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، فبدأ بالمنافقين لأنهم شر من الكفار، وجعل مأواهم جميعا النار\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: كما أشركوهم في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال. وشراب الحميم والغِسْلين لا الزّلال\" (١٠).\nقال الصابوني: \" لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم\" (١١).\nعن مقاتل بن حيان قوله: \" ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ﴾، فنسخت هذه الآية التي في «الأنعام» (١٢)، فكان هذا الذي أنزل بالمدينة، وخوفهم فقال: إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فـ ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ \" (١٣).\nوفي رواية الكلبي: \"قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، نسخ بقوله ﷿: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] \" (١٤).\nوقال عامة المفسرين: \"إنها محكمة وليست بمنسوخة\" (١٥).\n_________\n(١).تفسير القرطبي: ٥/ ٤١٨\n(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٣٦٢.\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠١.\n(٤) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠١.\n(٥) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٣٠١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٧): ص ٤/ ١٠٩٣.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٠.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٩): ص ٤/ ١٠٩٤.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٣٤٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٦.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٨٧.\n(١٢) وهي: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٢٥): ص ٤/ ١٠٩٣.\n(١٤) بحر العلوم: ١/ ٣٤٩، وانظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٤١٨.\n(١٥) بحر العلوم: ١/ ٣٤٩، وانظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٤١٨","vol":"7","page":467},{"text":"وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: \"دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة\" (١).\nالفوائد:\n١ - حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقدًا واستهزاء وسخرية.\n٢ - الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإثم إثم.\n٣ - ومن من فوائد الآية: وجوب إنكار المنكر على فاعله، وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها (٢).\nالقرآن\n﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]\nالتفسير:\nالمنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب، فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم، قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة، قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب\" (٣).\nقال الزمخشري: \" أى: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق\" (٤).\nقال قتادة: \" هم المنافقين\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: النصر على العدو يوم بدر\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ \" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" ﴿ألم نكن معكم﴾ مظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة\" (٩).\nقال مقاتل: \" ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ على عدوكم، فأعطونا من الغنيمة فلستم أحق بها، فذلك قوله- سبحانه- في العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ (١٠)، على عدوكم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني: دولة على المؤمنين يوم أحد\" (١٣).\nقال ابو مالك: \" ﴿نصيب﴾، يعني: حظا\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لم سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٣٤٩، ونسبه البغي الى ابن عباس من كريق الضحاك، انظرك تفسير البغوي: ٢/ ٣٠١.\n(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٧٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٣٠): ص ٤/ ١٠٩٤.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٧٨.\n(١٠) [سورة العنكبوت: ١٠].\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٣١): ص ٤/ ١٠٩٤.","vol":"7","page":468},{"text":"قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المسلمين أمر عظيم «٣» تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه. وأما ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنى ولمظة من الدنيا (١) يصيبونها\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ \" (٣).\nقال التستري: \" يعني: نغلب ونستولي عليكم\" (٤).\nقال مقاتل: \" ﴿قالوا﴾، أى: المنافقون للكفار، ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾، يعني ألم نحط بكم من ورائكم ونمنعكم من المؤمنين ونجادل المؤمنين عنكم فنحبسهم عنكم ونخبرهم أنا معكم، قالوا ذلك جبنا وفرقا منهم\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ونمنعكم من المؤمنين بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيبا لنا بما أصبتم\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: معناه: ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين بالتخذيل عنكم (٧).\nوالثاني: معناه: ألم نبين لكم أننا على دينكم، وهذا قول ابن جريج (٨).\nوالثالث: معناه: ألم نغلب عليكم، وهو قول السدي (٩)، والتستري (١٠).\nوالقولان الاخيران متقاربان في المعنى، \"وذلك أن من تأوله بمعنى: ألم نبين لكم، إنما أراد - أن شاء الله -: ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم\" (١١).\nوأصل \" الاستحواذ \" في كلام العرب: الغلبة، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [سورة المجادلة: ١٩]، بمعنى: غلب عليهم. يقال منه: حاذ عليه واستحاذ، يحيذ ويستحيذ، وأحاذ يحيذ. ومن لغة من قال: حاذ، قول العجاج في صفة ثور وكلب (١٢):\nيَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِيّ\nوقد أنشد بعضهم (١٣):\nيَحُوزُهُنَّ وَلَهُ حُوزِيُّ\nوهما متقاربا المعنى.\nومن لغة من قال \" أحاذ \"، قول لبيد في صفة عَيْرٍ وأتُنٍ (١٤):\nإذَا اجْتَمَعَتْ وَأَحْوَذَ جَانِبَيْهَا ... وَأَوْرَدَها عَلَى عُوجٍ طِوَالِ\n_________\n(١) قوله «ولمظة من الدنيا» في الصحاح: لمظ يلمظ- بالضم- لمظا، إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه.\nواللمظة- بالضم- كالنكتة من البياض. (ع).\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٧٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٤) تفسير التستري: ٥٥.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٧٨.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٣): ص ٩/ ٣٢٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٢): ص ٩/ ٣٢٥.\n(١٠) انظر: تفسير التستري: ٥٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٢٦.\n(١٢) ديوانه: ٧١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٤١، واللسان (حوذ) (حوز)، ورواية الديوان: يَحُوذُها وَهْوَ لَهَا حُوذِيُّ ... خَوْفَ الخِلاطِ فَهْوَ أَجْنَبِيُّ\nكَمَا يَحُوذُ الفِئَةَ الكَمِيُّ\nوفسروا \" يحوذها \": يسوقها سوقًا شديدًا، ومثله \" يحوزها \" في الرواية الآتية ..\n(١٣) انظر اللسان (حوذ) و(حوز).\n(١٤) ديوانه: القصيدة: ١٧، البيت: ٣٩، واللسان (حوذ)، وقوله: \" إذا اجتمعت \" يعني إناث حمار الوحش حين دعاها إلى الماء، فضمها من جانبيها، يأتيها من هذا الجانب مرة، ومن هذا مرة حتى غلبها ولم شتاتها، و\" العوج الطوال \" قوائمه، وبعد البيت: رَفَعْنَ سُرَادِقًا في يَوْمِ رِيحٍ ... يُصَفَّقُ بين مَيْلٍ واعْتِدالِ\nيعني غبارها، ارتفع كأنه سرادق تصفقه الريح وتميله مرة هكذا ومرة هكذا، فهو يميل ويعتدل.","vol":"7","page":469},{"text":"يعني بقوله: \" وأحوذ جانبيها \"، غلبها وقهرَها حتى حاذ كلا جانبيها، فلم يشذّ منها شيء، وكان القياس في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، أن يأتي: \" استحاذ عليهم \"، لأن \" الواو \" إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في \" فاء \" الفعل قبلها، وحوَّلوها «ألفًا»، متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه، من: حال يحول، واستنار فلان بنور الله، من: النور، واستعاذ بالله: من عاذ يعوذ، وربما تركوا ذلك على أصله كما قال لبيد: \" وأحوذ \"، ولم يقل \" وأحاذ \"، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (١).\nقال الماوردي: \" وأصل الاستحواذ الغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]، يعني: غلب عليهم \" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، ثلاثة وجوه (٣):\nأحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم.\nوالثاني: بما نعلمكم من أخبارهم.\nوالثالث: بصرفنا إياكم عن الدخول عن الإيمان.\nقال ابن الجوزي: \"ومراد الكلام: إظهار المنة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم\" (٤).\nوقرئ: «ونمنعكم»، بالنصب بإضمار «أن»، قال الحطيئة (٥):\nألم أك جاركم ويكون بينى ... وبينكم المودة والإخاء (٦)\nقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، أي: \" ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: حجة أبدا\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: إِن اللَّه ناصِرُ المؤمنين بالحجة والغلبة، فلن يجعل للكافرين أبدًا على المؤْمنين سَبِيلًا\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه يعني: هو سبيل الحجة، أي: لا تكون الحجة للكافرين على المؤمنين أبدا، وهذا معنى قول السدي (١١).\nقال الجصاص: \" يعني: فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه\" (١٢).\nوالثاني: أن المراد: سبيلًا في الآخرة، وهذا قول عليّ (١٣)، وابن عباس (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وعطاء الخراساني (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧.\n(٢) النكت والعيون: ١/ ٥٣٧.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٨٨.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٤٨٨.\n(٥) ديوانه: ٥٤.\n(٦) انظر: الكشاف: ١/ ٥٧٨.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٢٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٠): ص ٩/ ٣٢٨.\n(١٢) أحكام القرآن: ٣/ ٢٧٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٧): ص ٩/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٩): ص ٩/ ٣٢٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٧١٨): ص ٩/ ٣٢٨.\n(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦١٣٥): ص ٤/ ١٠٩٥.","vol":"7","page":470},{"text":"والثالث: قال ابن كثير: \" ويحتمل أن يكون المراد: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أي: في الدنيا، بأن يُسَلَّطُوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]. وعلى هذا فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين، خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] \" (١).\nقال ابن العربي: \" أما حمله على نفي وجود الحجة من الكافر على المؤمن فذلك ضعيف؛ لأن وجود الحجة للكافر محال، فلا يتصرف فيه الجعل بنفي ولا إثبات.\nوأما نفي وجود الحجة يوم القيامة فضعيف؛ لعدم فائدة الخبر فيه؛ وإن أوهم صدر الكلام معناه؛ لقوله: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ [النساء: ١٤١] فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الأمر في الدنيا دولة تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة، ثم قال: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١]. فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته. وإنما معناه ثلاثة أوجه:\nالأول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما جاء في الحديث: ودعوت ربي ألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها.\nالثاني: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة؛ فيكون تسليط العدو من قبلكم؛ وهذا نفيس جدا.\nالثالث: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع؛ فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع، ونزع بهذا علماؤنا في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم؛ وبه قال أشهب والشافعي؛ لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه، والملك بالشراء سبيل فلا يشرع ولا ينعقد بذلك\" (٢).\nالفوائد:\n١ - في هذه الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن وليس الإيمان هو الإقرار فقط، إذ لو كان الإيمان هو الإقرار لكانوا بذلك هم مؤمنين (٣)\n٢ - وفيها دليل أيضا على صحة نبوة النبي ﷺ لأن القوم كانوا كاتمين اعتقادهم فأظهر الله ﷿ رسوله على اعتقادهم وكان ذلك حجة له عليهم إذ علموا إنه لا يطلع على ضمائر القلوب إلا البارئ جل وعز (٤).\n٣ - تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه.\n٤ - استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ (٥).\nالقرآن\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]\nالتفسير:\nإنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم، وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور، يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، ولا يذكرون الله تعالى إلا ذكرًا قليلا.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٧.\n(٢) أحكام القرآن: ١/ ٦٤٠ - ٦٤١.\n(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٤.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٧.","vol":"7","page":471},{"text":"سبب النزول:\nقال ابن جريج: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾، قال: مثل قوله في «البقرة»: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة البقرة: ٩]، قال: وأما قوله: ﴿وهو خادعهم﴾، فيقول: في النور الذي يعطَى المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سُلب، وما ذكر الله من قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [سورة الحديد: ١٣]. قال قوله: ﴿وهو خادعهم﴾ \" (١).\nقال مقاتل: \" نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: \" إنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي يخادعون النبي - ﷺ - بإظهارهم له الِإيمان وإِبطانِهم الكفْرِ، فجعل الله ﷿ مخادعة النبي - ﷺ - مخادعة له\" (٤).\nقال الماوردي: \" أي: يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر، فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعًا لله ﷿\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" إنّ المنافقين يخادعون الله، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكَم فيهم من منع دِمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم في الدنيا، حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نارَ جهنم\" (٦).\nقال الحسن: \" يعطى المؤمن يوم القيامة نورا ويعطى المنافق نورا يمشون به حتى ينتهوا إلى الصراط، فإذا انتهوا إلى الصراط مضى المؤمنون بنورهم ويطفي نور المنافقين، فـ ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٧)، قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم\" (٨).\nوفي معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وجوه من التفسير:\nأحدها: أن مُخادعةُ اللَّه إياهم جزاؤُهم على المخادعة بالعذاب، فسمى الجزاء على الفعل باسمه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]. ذكره الزجاج عن بعضهم (٩)، واختاره ابن عطية (١٠).\nوالثاني: أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم. ذكره الزجاج أيضا (١١).\nوالثالث: أي: يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار. وهذا قول سهل التستري (١٢).\nوالرابع: أنه يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع (١٣).\nوالخامس: أنهم عندما شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة. أفاده الماتريدي (١٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٧٢٢): ص ٩/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٦.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(٥) النكت والعيون: ١/ ٥٣٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٢٨.\n(٧) [سورة الحديد: ١٤].\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٨): ص ٤/ ١٠٩٥.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٢٣، والنكت والعيون: ١/ ٥٣٨.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٢٣، والنكت والعيون: ١/ ٥٣٨.\n(١٢) انظر: تفسير التستري: ٥٥.\n(١٣) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٥.\n(١٤) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٥.","vol":"7","page":472},{"text":"والسادس: ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وهذا قول الحسن (١)، والسدي (٢)، وابن جريج (٣).\nقال ابن كثير: \" قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥] وقد ورد في الحديث: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءي راءي الله به» (٤)، وفي حديث آخر: «إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار» (٥)، عياذًا بالله من ذلك\" (٦).\nوقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي: «وهو خادعهم» بإسكان العين، وذلك على التخفيف (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: \" وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور\" (٨).\nقال الواحدي: أي: \" متثاقلين\" (٩).\nقال ابن كثير: \" هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمانَ لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] \" (١٠).\nقال ابن عطية: \" وتلك حال كل من يعمل العمل كارها غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة\" (١١).\nعن سماك الحنفي، عن ابن عباس\" أنه كان يكره أن يقول الرجل: إني كسلان ويتأول هذه الآية: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ \" (١٢).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وجهين (١٣):\nأحدهما: متثاقلين.\nوالثاني: مقصَّرين.\nوقرأ ابن هرمز الأعرج: «كسالى» بفتح الكاف (١٤).\nقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: \" يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة\" (١٥).\nقال ابن زيد: \" هم المنافقون، لولا الرياء ما صلُّوا\" (١٦).\nقال الواحدي: \" ليرى ذلك النَّاس لا لاتِّباع أمر الله يعني: ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله\" (١٧).\nقال الماوردي: \"يعني: أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى\" (١٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٣): ص ٩/ ٣٣٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢١): ص ٩/ ٣٢٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٢): ص ٩/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٤) صحيح البخاري برقم (٦٤٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٧).\n(٥).\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٩) الوجيز: ٢٩٧.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٨.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٣٩): ص ٤/ ١٠٩٦.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٨.\n(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٦) أخرجه الطبري (١٠٧٢٥): ٩/ ٣٣١.\n(١٧) الوجيز: ٢٩٧.\n(١٨) النكت والعيون: ١/ ٥٣٨.","vol":"7","page":473},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: لا إخلاص لهم [ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يُرَون غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العَتَمَة، وصلاة الصبح في وقت الغَلَس\" (١).\nكما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» (٢).\nوفي رواية: \"والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مَرْمَاتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار\" (٣).\nواخرج الحافظ أبو يعلى عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحْسَنَ الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة، استهان بها ربه ﷿\" (٤).\nوعن قتادة قوله: \" ﴿يراؤن الناس﴾، وإنه والله لولا الناس ما صلى المنافق، ما يصلي إلا رياء وسمعة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟\nقلت: فيها وجهان، أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه (٦) وعيش مفانق\" (٧).\nوقرأ جمهور الناس: «يرءون»، بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف، وهي أقوى في المعنى من «يراؤن»، لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، أي: \" ولا يذكرون الله تعالى إلا ذكرًا قليلا\" (٩).\nقال الواحدي: \" لأنَّهم يعملونه رياءً وسمعةً ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيرًا\" (١٠).\nقال الحسن: \" إنما قلّ، لأنه كان لغير الله\" (١١).\nوقال الحسن ايضا: \" فو الله لو كان ذلك القليل منهم لله لقبله، ولكن كان ذلك القليل منهم رياء\" (١٢).\nقال قتادة: \" وإنما قال ذكر المنافق، لأن الله لم يقبله، كل ما ردّ الله قليل، كل ما قبل الله كثير\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: في صلاتهم لا يخشعُون فيها ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون\" (١٤).\nوقد روى الإمام مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان، قام فَنَقَر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٨.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٥١).\n(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٤).\n(٤) مسند أبو يعلى (٩/ ٥٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٩٠) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢١): \"فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف\".\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٠): ص ٤/ ١٠٩٦.\n(٦) قوله «وفنقه وفانقه» في الصحاح أنهما بمعنى: أى نعمه.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٠) الوجيز: ٢٩٧.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤١): ص ٤/ ١٠٩٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٢): ص ٤/ ١٠٩٦.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٢): ص ٤/ ١٠٩٦.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٩.\n(١٥) الموطأ (١/ ٢٢٠) وصحيح مسلم برقم (٦٢٢) وسنن أبي داود برقم (٤١٢) وسنن الترمذي برقم (١٦٠)، قال الترمذي: \"حسن صحيح\". وسنن النسائي (١/ ٢٥٤).","vol":"7","page":474},{"text":"وفي تسمية ذكرهم بالقليل أربعة أقوال:\nأحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير مقبول، قاله علي -﵁- (١)، وقتادة (٢).\nوالثاني: لأنه رياء، ولو كان لله لكان كثيرا، قاله ابن عباس (٣)، والحسن (٤).\nوالثالث: أنه قليل في نفسه، لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح، وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم، ذكره الماوردي (٥).\nوالرابع: أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر. ذكره ابن عطية (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضا لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم\" (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان صفات المنافقين.\n٢ - قبح الرياء وذم المرائين.\n٣ - ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإكثار منه في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.\nالقرآن\n﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء: ١٤٣]\nالتفسير:\nإنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والحَيْرة والاضطراب، لا يستقرون على حال، فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين. ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه، فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.\nقوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: \" إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والاضطراب بين الكفر والإيمان\" (٨).\nقال ابن عطية: \"معناه: مضطربين لا يثبتون على حال\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" مردّدين، وإنما عنى الله بذلك: أن المنافقين متحيِّرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارَى بين ذلك، فمثلهم المثلُ الذي ضرب لهم رسول الله -ﷺ-: عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيَّهُما تَتْبع!» (١٠) \" (١١).\nقال الزمخشري: \" ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون\" (١٢).\nقال مجاهد: \" هم المنافقون\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٨٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٧): ص ٩/ ٣٣٢.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٨٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٢٦): ص ٩/ ٣٣٢.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٣٩.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٧٩ - ٥٨٠.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ٩/ ٤٣٩، والتفسير الميسر: ١٠١ ..\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٠٧٢٧): ص ٩/ ٣٣٣. [إسناده صحيح].\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(١٣) أخررجه ابن ابي حاتم (٦١٤٥): ص ٤/ ١٠٩٧.","vol":"7","page":475},{"text":"قال ابن كثير: \" يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٠] \" (١).\nعن أبي الأحوص قال عبدالله: \" مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى وادي فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب؟ إلى الهلكة، إرجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم النجاة فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه والذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء والذي مكث الكافر\" (٢).\nوأصل \" التذبذب \": التحرك والاضطراب (٣)، أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه (٤)، كما قال النابغة (٥):\nأَلم تَرَ أَنَّ الله أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ\nومنه قول البعيث بن حريث (٦):\nخيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب\nقال الزمخشري: \" وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أى يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان (٧)، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه\" (٨).\nوقرأ الحسن بن أبي الحسن: «مذبذبين»، بفتح الميم والذالين (٩)، قال ابن عطية: \"وهي قراءة مردودة\" (١٠).\nوفي قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد: «مُذَبْذِبِين»، بكسر الذال الثانية (١١).\nقال ابن جني: \" أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخِفُّون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء ... وهو من ذَبَّبْتُ عن الشيء: أي صرفت عنه شيئَا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه\" (١٢).\nوفي مصحف عبد الله: «متذبذبين» (١٣).\nوعن أبى جعفر: «مدبدبين»، بالدال غير المعجمة (١٤)، قال الزمخشري: \" وكأن المعنى: أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة. و«الدبة»: الطريقة، ومنها: دبة قريش. وذلك إشارة إلى الكفر والإيمان\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: \" فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٩/ ٤٣٩.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٤): ص ٤/ ١٠٩٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٣٣.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(٥) ديوانه ١٧، واللسان ٦/ ٥٣، ومجاز القرآن ٤، وتفسير الطبري: ٩/ ٣٣٣، والإتقان ١/ ٨٩، وغيرها.\n(٦) انظر: الحماسة: ١/ ١٤٨، وتفسير القرطبي: ٥/ ٤٢٤، والبحر المحيط: ٤/ ١٠٨.\n(٧). قوله «يرمى به الرحوان» في الصحاح الرحى معروفة، والألف منقلبة من الياء. تقول: هما رحيان. وفيه أيضا، رحت الحية ترحو، إذا استدارت. والرحي: قطعة من الأرض تستدبر وترتفع على ما حولها. ورحى القوم: سيدهم. والأرحاء: الأضراس. والأرحاء: القبائل التي تستقل بنفسها وتستغني عن غيرها اه. وظاهره أن الرحى هنا وادى، فليحرر ..\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧.\n(١١) انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القرات والإيضاح عنها، أبو الفتح: ١/ ٢٠٣.\n(١٢) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القرات والإيضاح عنها:: ١/ ٢٠.\n(١٣) انظر: الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٥٨٠ ..\n(١٦) التفسير الميسر: ١٠١.","vol":"7","page":476},{"text":"قال الزمخشري: أي: \"لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين\" (١).\nقال السدي: \" يقول: ليسوا بمشركين فيظهرون الشرك وليسوا بمؤمنين\" (٢).\nعن مجاهد قوله: \" ﴿لا إلى هؤلاء﴾، لأصحاب محمد\" (٣)، \" قوله: ﴿لا إلى هؤلاء﴾: اليهود\" (٤).\nعن قتادة قوله: \" ﴿لا إلى هؤلاء﴾، يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: \" ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]، أي: \" فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين\" (٧).\nعن السدي: \" ﴿سبيلا﴾، يقول: حجة\" (٨).\nالفوائد:\n١ - ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها.\n٢ - أن المنافقين هم طلاب منافع، وأنهم لا إخلاص لديهم.\n٣ - ومن الفوائد: أن من الناس من ليس له ثبات فى أمر دينه، بل هو مرجحن مضطرب مذبذب، يعبد الله على وجه التجربة انتظارا للنعمة، فإن أصابه خير بقي مؤمنا، وإن أصابه شر من سقم أو ضياع مال أو فقد ولد ترك دينه.\n٤ - أن هذه الأوصاف المذمومة للمنافقين تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون بضدها، من الصدق ظاهرا وباطنا، والإخلاص، وأنهم لا يجهل ما عندهم، ونشاطهم في صلاتهم وعباداتهم، وكثرة ذكرهم لله تعالى. وأنهم قد هداهم الله ووفقهم للصراط المستقيم. فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين وليختر أيهما أولى به (٩).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا توالوا الجاحدين لدين الله، وتتركوا موالاة المؤمنين ومودتهم. أتريدون بمودَّة أعدائكم أن تجعلوا لله تعالى عليكم حجة ظاهرة على عدم صدقكم في إيمانكم؟\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: ذكر الماتريدي عن ابن عباس - ﵁ - قال: \"نزلت في المنافقين الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين\" (١٠).\nقال الواحدي: \" قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾، يعني اليهود من قريظة والنضير، وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله - ﷺ -: من نتولى؟ فقال: \"المهاجرين\"، ونزلت هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء\" (١١).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٨٠ ..\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٩): ص ٤/ ١٠٩٧.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٦): ص ٤/ ١٠٩٧.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٨): ص ٤/ ١٠٩٧.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٤٧): ص ٤/ ١٠٩٧.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٥٠): ص ٤/ ١٠٩٧.\n(٩) تفسير السعدي: ٢١٠.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٧.\n(١١) التفسير البسيط: ٧/ ١٦٤، ولم اقف على قول اابن عباس﵁-.","vol":"7","page":477},{"text":"قال مقاتل: \" نزلت في المنافقين منهم عبد الله ابن أبي، ومالك بن دخشم، وذلك أن مواليهما من اليهود: أصبع ورافع عيروهما بالإسلام، وزينوا لهما ترك دينهما وتوليهما اليهود فصانعا اليهود، فقال الله: ﴿لا تتخذوا الكافرين﴾، من اليهود، ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ \" (١).\nوالثاني: أنها \"نزلت في المؤمنين، نهاهم أن يتخذوا المنافقين أولياء بإظهارهم الإيمان علانية، وأمرهم أن يتخذوا المؤمنين أولياء\" (٢).\nوالثالث: وذكر الواحدي عن مقاتل: \"كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله\" (٣)، فعلى هذا المراد بالكافرين المشركون.\nقال الواحدي: \" والقول الأول أظهر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \" إن وصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى\" (٦).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٧).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: \" لا توالوا الجاحدين لدين الله، وتتركوا موالاة المؤمنين ومودتهم \" (٩).\nقال يحيى بن سلام: \" يعني: أولياء في النَّصيحة\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أي لا تجعلوهم بطانتكم وخاصتكم\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" لا توالوا الكفَّار فتؤازروهم من دون أهل ملَّتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين، وهذا نهي من الله عبادَه المؤمنين أن يتخلَّقوا بأخلاق المنافقين، الذين يتخذون الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه\" (١٣).\nقال الراغب: \" نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وذلك أن يستعان بهم استعانة المرؤوس بالرئيس، والمنتصر بالناصر لاستعانة المستخدم بالحاكم\" (١٤).\nوفي وجه النهي في الولاية واتخاذهم أولياء أقوال (١٥):\nأحدها: أنه النهي عن ولايتهم ولاية الدين، أي: لا تثقوا بهم، ولا تصدقوهم، ولا تأمنوهم في الدين؛ فإنهم يريدون أن يصرفوكم عن دينكم؛ كقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩].\nوالثاني: أنه النهي عن اتخاذهم أولياء في أمر الدنيا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٧.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٧.\n(٣) التفسير البسيط: ٧/ ١٦٤، ولم اقف على الأثر.\n(٤) التفسير البسيط: ٧/ ١٦٤.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٠) التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه: ٢٣٩.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ١٢٣.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣٦.\n(١٤) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٠٧.\n(١٥) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٨.","vol":"7","page":478},{"text":"تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]، نهي - ﷿ - المؤمنين أن يجعلوا المنافقين موضع سرهم في أمر من أمور الحرب وغيره.\nوالثالث: أنه في كل أمر، أي: لا تصادقوهم، ولا تجالسوهم، ولا تأمنوهم.\nقال الجصاص: \" فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة والمعونة على أمره والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته والله ولي المؤمنين بما يتولى من جزائهم على طاعته واقتضت الآية النهي عن الاستنصار بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة يهم وهو يدل على أن الكافر لا يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدا كان أو غيره ويدل على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية وهو نظير قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقد كره أصحابنا توكيل الذمي في الشرى والبيع ودفع المال إليه مضاربة وهذه الآية دالة على صحة هذا القول\" (١).\nقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: \" أتريدون بمودَّة أعدائكم أن تجعلوا لله تعالى عليكم حجة ظاهرة على عدم صدقكم في إيمانكم؟ \" (٢).\nقال البغوي: \" أي: حجة بينة في عذابكم\" (٣).\nقال الماتريدي: \" أي: تجعلون لله عليكم سلطانا مبينا\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: حجة بينة يحتج بها عليكم حين توليتم اليهود ونصحتموهم\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: حجة ظاهرة، والسلطان في اللغة الحجة، وإنما قيل للخليفة والأمير سلطان لأن معناه أنه ذو الحجة\" (٦).\nقال الطبري: \" يقول: لا تعرَّضوا لغضب الله، بإيجابكم الحجة على أنفسكم في تقدمكم على ما نهاكم ربكم من موالاة أعدائه وأهلِ الكفر به\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" ﴿سلطانا﴾: حجة بينة، يعنى: أن موالاة الكافرين بينة على النفاق\" (٨).\nقال قتادة: \" إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول: عذرًا مبينًا\" (٩).\nقال عكرمة: \" ما كان في القرآن من «سلطان»، فهو حجّة\" (١٠).\nعن مجاهد في قوله: \" ﴿سلطانًا مبينًا﴾، قال: حُجَّة\" (١١).\nوعن صعصعة ابن صوحان أنه قال لابن أخ له: \"خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر فان الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.\n٢ - إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف.\nالقرآن\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]\nالتفسير:\nإن المنافقين في أسفل منازل النار يوم القيامة، ولن تجد لهم -أيها الرسول- ناصرًا يدفع عنهم سوء هذا المصير.\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٣/ ٢٨٠.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٣) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٩٨.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٧.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٢٣.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٨٠.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٧٣٧): ص ٩/ ٣٣٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٠٧٣٨): ص ٩/ ٣٣٧.\n(١١) أخرجه الطبري (١٠٧٣٩)، (١٠٧٤٠): ص ٩/ ٣٣٧.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٨٠.","vol":"7","page":479},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، أي: \" إن المنافقين في أسفل منازل النار يوم القيامة\" (١).\nقال ابن عباس: \"، يعني: في أسفل النار\" (٢).\nقال عبدالله: \": في توابيت من حديد مُبْهَمة عليهم\" (٣). وفي رواية أخرى: \"، توابيت من نار تُطْبَقُ عليهم\" (٤). وروي عنه ايضا: \" إن المنافقين في توابيتَ من حديد مقفلةٍ عليهم في النار\" (٥).\nقال أبو هريرة: \"في توابيت تُرْتَجُ عليهم\" (٦).\nعن ابن جريج قال: \" قال لي عبد الله بن كثير قوله: ﴿في الدرك الأسفل من النار﴾، قال: سمعنا أن جهنم أدْراك، منازل\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" إن المنافقين في الطَّبَق الأسفل من أطباق جهنم، وكل طبَق من أطباق جهنم: «درك» \" (٨).\nقال ابن ابي زمنين: \" وهو الباب السابع الأسفل\" (٩).\nقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: \"جهنم أدراك، أي منازل، فكل منزلة منها درك\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" ﴿الدرك الأسفل﴾، الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض\" (١١).\nفإن قلت: \"لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟\nقلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم (١٢) \" (١٣).\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿في الدرك﴾ مفتوحة الراء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائى ﴿في الدرك﴾ ساكنة الراء، وروى الكسائى وحسين الجعفى عن أبى بكر عن عاصم ﴿في الدرك﴾ مثل أبى عمرو (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، أي: \" ولن تجد لهم -أيها الرسول- ناصرًا يدفع عنهم سوء هذا المصير\" (١٥).\nقال الزجاج: \" أي: لا يمنعهم مانع من عذاب الله ﷿ ولا يشفع لهم شافع\" (١٦).\nقال الطبري: \" يعني: ولن تجد لهؤلاء المنافقين، يا محمد، من الله إذا جعلهم في الدرك الأسفل من النار ناصرًا ينصرهم منه، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليمَ عقابه\" (١٧).\nالفوائد:\n١ - فى الآية إشارة إلى أن دار العذاب فى الآخرة ذات دركات بعضها أسفل من بعض، كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض.\n٢ - أن سبب كون المنافقين في الدرك الاسفل من النار، لأنهم شر أهلها، إذ هم جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشهم، فأرواحهم أسفل الأرواح، ونفوسهم أحط النفوس، ومن ثم كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل منها.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٧٤٤): ص ٩/ ٣٣٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٧٤١): ص ٩/ ٣٣٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٧٤٦): ص ٩/ ٣٣٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٧٤٢): ص ٩/ ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٧٤٣): ص ٩/ ٣٣٩.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٧٤٥): ص ٩/ ٣٣٩.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣٧.\n(٩) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤١٦.\n(١٠) معاني القرآن للفرا: ٢/ ١٢٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٨١.\n(١٢) قوله «ومداجاتهم» في الصحاح: المداجاة: المداراة.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٥٨١.\n(١٤) انظر: السبعة: ٢٣٩.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٦) معاني القرآن للفرا: ٢/ ١٢٤.\n(١٧) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣٩.","vol":"7","page":480},{"text":"أما أكثر الكفار فقد غلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد، فهم مع إيمانهم بالله يشركون به غيره، من صنم أو وثن يتخذونه شفيعا عنده ووسيطا بينه وبينه، وقد قاسوا ذلك على معاملة الملوك المستبدين، والأمراء الظالمين (١).\n٤ - قال السعدي: \" وهذا عام لكل منافق إلا من من الله عليهم بالتوبة من السيئات\" (٢).\n\nالقرآن\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]\nالتفسير:\nإلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه، وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا، ووالوا عباده المؤمنين، واستمسكوا بدين الله، وأخلصوا له سبحانه، فأولئك مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: \" إلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" من النفاق وآمنوا\" (٤).\nقال الطبري: \" أي: راجعوا الحق، وآبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه من نفاقهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: \" وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا\" (٦).\nقال البغوي: أي: \" عملهم\" (٧).\nقال الطبري: \" يعني: وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به، وأدَّوا فرائضه، وانتهوا عما نهاهم عنه، وانزجروا عن معاصيه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: \" واستمسكوا بدين الله\" (٩).\nقال الثعلبي والبغوي: أي: \"وثقوا بالله\" (١٠).\nقال الطبري: \" يقول: وتمسَّكوا بعهد الله\" (١١).\nو«الاعتصام»: \"التمسك والتعلق، فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه، من طاعته وترك معصيته\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: \" وأخلصوا له سبحانه\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \" لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه\" (١٤).\nقال البغوي: \" أراد الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، فزواله يكون بإخلاص القلب\" (١٥).\nقال الطبري: \" يقول: وأخلصوا طاعتَهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاءَ الناس، ولا على شك منهم في دينهم، وامتراءٍ منهم في أن الله محصٍ عليهم ما عملوا، فمجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه، وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضَّل عليه ربه فيعفو متقرِّبين بها إلى الله، مريدين بها وجه الله\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: \" فأولئك في زمرتة المؤمنين يوم القيامة\" (١٧).\nقال الطبري: \" يقول: فهؤلاء الذين وصف صفتَهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم أي: مع المؤمنين في الجنة، لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقهم، الذين أوعدهم الدَرَك الأسفل من النار\" (١٨).\nقال الزمخشري: أي: \" فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين\" (١٩).\nقال الثعلبي: أي: \" على دينهم\" (٢٠).\nقال ابن كثير: \" أي: في زمرتهم يوم القيامة\" (٢١).\nقال الفراء: ﴿معَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، تفسيره من المؤمنين\" (٢٢).\nقال القتيبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم فقال ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يقل فأولئك هم المؤمنون\" (٢٣).\nقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: \" وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا\" (٢٤).\nقال الزمخشري: أي: \" فيشاركونهم فيه ويساهمونهم\" (٢٥).\nقال الثعلبي والبغوي: \" يعني: الجنة\" (٢٦).\nقال الطبري: \" وهذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدَّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرِّين على نِفاقهم حتى تُوافيهم مناياهم - في الآخرة، وأن يدخلوا مدَاخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلَّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيلَ من العطاء فقال: ﴿وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا﴾، يقول: وسوف يُعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم، على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له، وعلى إيمانهم، ثوابًا عظيمًا وذلك: درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النِّفاق منازل في النار، وهي السفلى منها. لأن الله جل ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه \" (٢٧).\nقال السمرقندي: \" ثم قال بعد هذا كله: ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾، ولم يقل: هم المؤمنون، ثم قال: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين﴾، ولم يقل: سوف يؤتيهم الله، بغضا لهم وإعراضا عنهم، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية\" (٢٨).\nعن إبراهيم قال، قال حذيفة: \"ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين! فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثم قام فتنحَّى. فلما تفرّقوا، مرَّ به علقمة فدعاه فقال: أمَا إنّ صاحبك يعلم الذي قلت! ثم قرأ\n_________\n(١) انظر: تفسير المراغي: ٥/ ١٩٠.\n(٢) تفسير السعدي: ٢١١.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٤) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٠.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٧) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٠.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٦، وتفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤١.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠١.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٥٨١.\n(١٥) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤١.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٢.\n(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤١.\n(١٩) الكشاف: ١/ ٥٨١.\n(٢٠) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٦.\n(٢١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٢.\n(٢٢) نقل عنه الثعلبي في تفسيره: ٣/ ٤٠٦.\n(٢٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٦.\n(٢٤) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٢٥) الكشاف: ١/ ٥٨١.\n(٢٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٦، وتفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(٢٧) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٠ - ٣٤٢. [بتصرف بسيط].\n(٢٨) بحر العلوم: ١/ ٣٥١.","vol":"7","page":481},{"text":": ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا﴾ \" (١).\nالفوائد:\n١ - أن التائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم.\n٢ - التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه.\n٣ - أن الله تعالى خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: ﴿وأصلحوا﴾ لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما (٢).\n\nالقرآن\n﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]\nالتفسير:\nما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، فإن الله سبحانه غني عمَّن سواه، وإنما يعذب العباد بذنوبهم. وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء.\nقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، أي: \" ما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله\" (٣).\nقال مقاتل: \" ﴿إن شكرتم﴾، نعمته، ﴿وآمنتم﴾، يعني: صدقتم، فإنه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا\" (٤).\nقال الماتريدي: أي: \" أن ليس لله - ﷿ - حاجة في تعذيبه إياكم إن صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في تعذيبكم\" (٥).\nقال السمرقندي: \" أي: ما يصنع الله بعذابكم إن شكرتم يعني إن آمنتم بالله تعالى ووحدتموه، ويقال: معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له وآمنتم به وصدقتم رسله\" (٦).\nقال الزمخشري: \" أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثار، أم يستجلب به نفعا، أم يستدفع به ضررا كما يفعل الملوك بعذابهم، وهو الغنى الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب\" (٧).\nقال السمعاني: \" هذا استفهام بمعنى التقرير، ومعناه: لا يعذب الله المؤمن الشاكر، وتقدير قوله: ﴿إن شكرتم وآمنتم﴾، أي: إن آمنتم وشكرتم، والشكر ضد الكفر، والكفر: ستر النعمة والشكر: إظهار النعمة\" (٨).\nقال الراغب: \" أي: تعالى الله عن عذابكم، فلا يعذبكم إذا عرفتم ووفيتم حقها\" (٩).\nقال ابن كثير: \" قال -مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم-، فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله \" (١٠).\nقال البغوي: \" أي: إن شكرتم نعماءه ﴿وآمنتم﴾ به، فيه تقديم وتأخير، تقديره: إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان، وهذا استفهام بمعنى التقرير، معناه: إنه لا يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه، والشكر: ضد الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارها\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٧٤٧): ص ٩/ ٣٤٢.\n(٢) انظر: تفسير السعدي: ٢١١.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٧.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠١.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٥١.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٨١ - ٥٨٢.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٥.\n(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٠٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٢.\n(١١) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.","vol":"7","page":482},{"text":"قال الطبري: أي: \" ما يصنع الله، أيها المنافقون، بعذابكم، إن أنتم تُبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادِكم، بالإنابة إلى توحيده، والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالَكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد ﷺ فصدَّقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به؟ يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدَّرك الأسفل من النار، إن أنتم أنبتم إلى طاعته، وراجعتم العمل بما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه. لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضُرًّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه، جزاءٌ منه له على جرَاءته عليه، وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانِه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمه، وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم\" (١).\nقال قتادة: \" إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكرًا ولا مؤمنًا\" (٢).\nوإن قيل: \"لم أخر الإيمان عن الشكر؟\nقيل: لأنه عني به معرفة النعمة التي يتوصل به إلى معرفة النعم، ومعرفة المنعم هي الإيمان، فإذا الشكر على هذا الوجه مقدم على الإيمان، لأنه أرفع منه وهو لا ينفك عن الإيمان، والإيمان قد ينفك عنه، ووصفه نفسه بالشكر تنبيها أنه يقابلهم بما يكون منهم، فقد تقدم أن الشكر قد يكون من المولى للعبد بمعنى مقابلته بما يكون من خدمته\" (٣).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟\nقلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرا مفصلا، فكان الشكر متقدما على الايمان، وكأنه أصل التكليف ومداره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]، أي: \" وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" مثيبا موفيا أجوركم عليما بحق شكركم وإيمانكم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء\" (٧).\nقال السمرقندي: \" أي: شاكرا للقليل من أعمالكم، عليما بأعمالكم وثوابكم. ويقال: شاكرا يقبل اليسير ويعطي الجزيل، عليما بما في صدوركم. ويقال: بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكرا ولا مؤمنا\" (٨).\nقال الماتريدي: أي: \" يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب\" (٩).\nوقيل: ﴿شاكرا﴾، أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصا، ليس كملوك الأرض لا يقبلون اليسير من الأشياء\" (١٠).\nقال السمعاني: \" الشكر من الله قبول العمل\" (١١).\nقال البغوي: \" فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: الثواب\" (١٢).\nقال الراغب: \" نبه بقوله: ﴿عليما﴾، أنه لا يخفى عليه ما يتحراه العبد\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان الإنسان.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(٢) اخرجه الطبري (١٠٧٤٨): ص ٩/ ٣٤٣.\n(٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٠٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٨٢.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٨٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٢.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٥١.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠١.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠١.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٥.\n(١٢) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٣.\n(١٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٠٩.","vol":"7","page":484},{"text":"٢ - إثبات اسمين من اسمائه سبحانه، وهما: «الشاكر»، «العليم»:\nفمن أسمائه تعالى: «الشاكرُ، الشَّكور»: الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة؛ فإن اللَّه لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، وقد أخبر في كتابه وسنّة نبيِّه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، فبعينه ما يحتمل المتحمّلون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئًا لأجله عوّضه خيرًا منه، وهو الذي وفّق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقًا واجبًا عليه، وإنّما هو الذي أوجبه على نفسه جودًا منه وكرمًا (١).\nقال الخطابي: \" الشكور: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله -سبحانه-: ﴿إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٤]، ومعنى الشكر المضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد والقبول له. وإعظام الثواب عليه -والله أعلم- وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على الله -جل وعز - بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة. قلت أو كثرت لئلا يستقلوا القليل من العمل فلا يتركوا اليسير من جملته إذا أعوزهم الكثير منه\" (٢).\nومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿.\nقال الخطابي: \" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق\" (٣).\nوالآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال: ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن/ ٢٨] (٤).\n\nالقرآن\n﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [النساء: ١٤٨]\nالتفسير:\nلا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء; ليبيِّن مَظْلمته. وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: قال مجاهد: \"نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك\" (٥).\nوالثاني: قال مقاتل: \" نزلت في أبي بكر﵁- شتمه رجل والنبيﷺ- جالس فسكت عنه مرارا ثم رد عليه أبو بكر﵁- فقام النبيﷺ- عند ذلك، فقال أبو بكر﵁-: يا رسول الله، شتمني وأنا ساكت، فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت. قال: «إن ملكا كان يجيب عنك، فلما أن رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس عند مجيء الشيطان» (٦) \" (٧).\n_________\n(١) انظر: الحق الواضح المبين: ٧٠.\n(٢) شأن الدعاء: ١/ ٦٥ - ٦٦.\n(٣) شأن الدعاء: ١/ ٥٧، والأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.\n(٤) انظر: شأن الدعاء، الخطابي: ١/ ٥٧.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٧٦١): ص ٩/ ٣٤٧. وانظر: اسباب النزول للواحدي: ١٨٦، ولباب النقول للسيوطي: ٧٣ - ٧٤.\n(٦) أخرجه أحمد: (٩٦٢٢): ص ٢/ ٤٣٦، وأبو داود: (٤٨٩٧)، ونص الحديث: عن أبي هريرة: \"أن رجلا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله، ﷿، إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله، ﷿، بها قلة\".\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٨.","vol":"7","page":485},{"text":"قال الماتريدي: \" وقيل: نزلت الآية في أبي بكر - ﵁ - شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ما شاء الله، ثم انتصر؛ فقام النبي - ﷺ – وتركه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، أي: \" لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء; ليبيِّن مَظْلمته\" (٢).\nقال الزجاج: \" المعنى: أن المظلوم جائز أن يظهر بظلامته تشكيا، والظالم يجهر بالسوء من القول ظلما واعتداء\" (٣).\nقال الزمخشري: \" استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء\" (٤).\nقال ابن عطية: \" المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، والجهر بالسوء من القول لا يكون من الله تعالى فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. والجهر: كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى: ﴿أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ٥٣]، ومنه قولهم: جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وجوه:\nأحدها: يعني إلا أن يكون مظلومًا فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس (٦)، والحسن (٧)، واختاره الثعلبي (٨).\nقال ابن عطية: \" قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول، وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء\" (٩).\nوالثاني: إلا أن يكون مظلومًا فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد (١٠).\nوالثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن (١١)، والسدي (١٢).\nوالرابع: إلا أن يكون ضيفًا، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذا مروي عن مجاهد أيضا (١٣)، واختاره الفراء (١٤).\nقال الماتريدي: \" وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد\" (١٥).\nقال الجصاص: \" قال أبو بكر: إن كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة، وقد روي عن النبي ﷺ: «الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة» (١٦)، وجائز أن يكون فيمن لا يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه فهذا مذموم يجوز أن يشكى\" (١٧).\nوالخامس: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتري عليه. وهذه رواية ابن عمر عن عبدالكريم (١٨).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٣.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٢٥.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٨٢.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٤٩) - (١٠٧٥١): ص ٩/ ٣٤٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٥٢): ص ٩/ ٣٤٤.\n(٨) انظر: الكشف والبيان: ٣/ ٤٠٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٥٦) - (١٠٧٥٧): ص ٩/ ٣٤٦\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٦٢): ص ٩/ ٣٤٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٥٣) - (١٠٧٥٥): ص ٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٩٣.\n(١٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٣.\n(١٦) أخرجه ابن أبي شيبة: (٣٣٤٦١): ص ١٢/ ٤٧٧، وأحمد: (٧٨٦٠): ص ٢/ ٢٨٨، و(٩٥٦٠) ص: ٢/ ٤٣١، و\"البخاري\" في \"الأدب المفرد (٧٤٢).\n(١٧) أحكام القرآن: ٣/ ٢٨١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦١٧٢): ص ٤/ ١١٠١.","vol":"7","page":486},{"text":"والسادس: أن المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق، إلا من أقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول. وهذا قول ابن زيد (١). اعترض عليه الطبري (٢).\nوالسابع: قال ابن المستنير: \" ﴿إلا من ظلم﴾، معناه: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفرا أو نحوه فذلك مباح، والآية في الإكراه\" (٣).\nوالراجح-والله اعلم- أن المعنى: \"لا يحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول ﴿إلا من ظلم﴾، بمعنى: إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يُقْرَ، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله\" (٤).\nقرأ العامة: ﴿مَنْ ظُلِمَ﴾، بضم \"الظاء\"، وقرأه بعضهم: «إِلا مَنْ ظَلَمَ»، بفتح\" الظاء\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]، أي: \" وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك\" (٦).\nقال الماتريدي: أي: ﴿سميعا﴾ \" بجهر السوء، ﴿عليما﴾ به\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \" ﴿سميعا﴾، لدعاء المظلوم، ﴿عليما﴾، بعقاب الظالم\" (٨).\nقال السمعاني: أي: \" ﴿سميعا﴾، لأقوالكم: ﴿عليما﴾، بنياتكم\" (٩).\nقال الباقلاني: \" وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قولُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فكأنَّه يُحبُّ من المظلوم أن يجهرَ بالسوء.\nوهذا متناقض جدا - زعموا - فيقال لهم: ليس ذلك على ما توهمتم، ومعنى هذه اللفظة الذي هو لفظ الاستثناء لكن لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول ولكن من ظُلمَ فله أن يُخبرَ بظلمِ من ظلمَهُ ودخول الضرر عليه، ولا يجب الكشفُ عن عورات الناس وزلاتهم وكثرةُ التتبع لهم والتجسسُ عليهم.\nوقال بعضهم: قولُه: ﴿إلا من ظُلِمَ﴾، فإنّه يحل له أن يدعو اللهَ على ظالمه ويستكفَّه شرَّه، ويرغبُ إليه في منعه من ظلمه، وقد قال قومٌ قولُه: ﴿لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول﴾، كلام تام، ثم ابتدأ فقال: ﴿إلا من ظُلمَ﴾، فإن له أن ينتصرَ ويمنعَ الظلمَ ويدفَعَه فبطل بذلك ما قالوه\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - في قوله: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾، دليل على أنه ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهى عن ذلك في غير حال الجهر (١١).\n٢ - حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير.\n٣ - في هذه الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم بسوء فيمن كان ظاهره الستر والصلاح لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يجب ذلك وما لا يحبه فهو الذي لا يريده فعلينا أن نكرهه وننكره وقال: ﴿إلا من ظلم﴾، فما لم يظهر لنا ظلمه فعلينا إنكار سوء القول فيه (١٢).\n٤ - إثبات اسمين من أسماءه: «السميع»، و«البصير»:\nقال الخطابي: \" السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة. كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى. سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى القبول والإجابة\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٦٣)، و(١٠٧٦٤): ص ٩/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٩ - ١٣٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٤٤.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠١.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٤.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٠٧.\n(٩) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٦.\n(١٠) الانتصار للقرآن: ٢/ ٧٤١.\n(١١) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٤.\n(١٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٢٨١.\n(١٣) شأن الدعاء: ١/ ٥٩.","vol":"7","page":487},{"text":"و«البصير»: \"هو المبصر. فعيل بمعنى: مفعل، ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور\" (١).\n\nالقرآن\n﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]\nالتفسير:\nإِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه أو عفيتم عمن أساء إِليكم، فإن الله تعالى كان مبالغا في العفو عن عباده مع قدرته عليهم (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [النساء: ١٤٩]، أي: \" إِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: تعلنوه، ﴿أو تخفوه﴾، يعني: تسروه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: إن تظهروا - أيها الناس - خيرًا، أو أخفيتموه\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم، أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه\" (٦).\nوعن مجاهد: \" ﴿إن تبدوا﴾، قال: من اليقين والشك\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩]، أي: \" أو عفيتم عمن أساء إِليكم\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أو عفوتم عمن أساء إليكم\" (٩).\nقال الطبري: \" يقول: أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، أي: \" فإن الله تعالى كان مبالغا في العفو عن عباده مع قدرته عليهم\" (١١).\nقال مقاتل: \" يقول: فإن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على العفو عن صاحبك\" (١٢).\nقال ابن كثير: أي: \" فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم\" (١٣).\nقال الطبري: \" يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح عمن عصَاه وخالف أمره، ذا قدرة على الانتقام منهم\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" أخبر الله عباده بحكمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال\" (١٥).\nقال الزمخشري: \"ثم حثّ على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوبا، حثا على الأحب إليه والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيبا للعفو، ثم عطفه عليهما اعتدادا به وتنبيها على منزلته، وأن له مكانا في باب\n_________\n(١) شأن الدعاء: ١/ ٦١.\n(٢) انظر: صفوة التفاسير: ٢٩٠.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٩٠.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٤.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٠ - ٣٥١.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٧٣): ص ٤/ ١١٠١.\n(٨) صفوة التفاسير: ٢٩٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٠ - ٣٥١.\n(١١) صفوة التفاسير: ٢٩٠.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥١.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٧٤): ص ٤/ ١١٠١.","vol":"7","page":488},{"text":"الخير وسيطا، والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله: ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾، أى: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله\" (١).\nوقد جاء في الحديث الصحيح: \"ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله\" (٢).\nويحتمل الآية أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار، وذلك من وجهين (٣):\nأحدهما: أن يكون على الترغيب: رغبهم - ﷿ - بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضا، وإن أنتم قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب.\nوالثاني: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو - ﷿ - عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾، فإن الله - ﷿ - أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم.\nالفوائد:\n١ - استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر.\n٣ - استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.\n٣ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العفو»، و«القدير»:\nو«العفو»: \"الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكان العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه\" (٤).\nو«القدير»: \"من القدرة على الشيء. يقال: قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله تعالى: ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى واحد كقوله: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] أي: نعم المقدرون. وعلى هذا يتأول قوله -سبحانه-: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي: لن نقدر عليه الخطيئة أو العقوبة إذ لا يجهز على نبي الأن يظن عدم قدرة الله -جل وعز- عليه فى حال من الأحوال\" (٥).\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ [النساء: ١٥٠]\nالتفسير:\nإن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله بأن يؤمنوا بالله ويكذبوا رسله الذين أرسلهم إلى خلقه، أو يعترفوا بصدق بعض الرسل دون بعض، ويزعموا أنَّ بعضهم افتروا على ربِّهم، ويريدون أن يتخذوا طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: \" إن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى\" (٦).\nقال القرطبي: \" لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، إذ كفروا بمحمد ﷺ، وبين أن الكفر به كفر بالكل، لأنه ما من نبي إلا وقد أمر قومه بالايمان بحمد ﷺ وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\" (٧).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٨٢.\n(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٤.\n(٤) شأن الدعاء: ١/ ٩١.\n(٥) شأن الدعاء: ١/ ١٨٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ٥.","vol":"7","page":489},{"text":"قال ابن عرفة: \" عبر عنهم بلفظ المضارع، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢]، فعبر بلفظ الماضي؛ لأن الإيمان مأمور مطلوب به فجعل كالواقع المحقق، والكفر منهي محنه فجعل كأنه لم يقع\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: \" ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله\" (٢).\nقال ابن عطية: \" وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء\" (٣).\nقال القرطبي: \" أي: بين الإيمان بالله ورسله، فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر\" (٤).\nقال ابن جريج: \" اليهود والنصارى. آمنت اليهود بعُزَير وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزَير، وكانوا يؤمنون بالنبيّ ويكفرون بالآخر\" (٥).\nقال السدي: \" يقولون: محمد ليس برسولٍ لله! وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرَّقوا بين الله وبين رسله\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: ويقولون: \" نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض\" (٧).\nقال ابن عطية: \" قيل: معناه من الأنبياء، وقيل: هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تفريقاتهم التي كانت تعنتا وروغانا\" (٨).\nقال القرطبي: \" وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وقد تقدم هذا من قولهم في «البقرة». ويقولون لعوامهم: لم نجد ذكر محمد في كتبنا\" (٩).\nقال السدي: \" فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥٠]، أي: \" ويريدون أن يتخذوا طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها\" (١١).\nقال ابن جريج: \" ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾، قال: دينًا يدينون به الله\" (١٢).\nقال ابن كثير: ﴿سبيلا﴾: \" أي: طريقًا ومسلكًا\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" أي: بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح\" (١٤).\nقال القرطبي: \" أي: يتخذوا بين الإيمان والجحد طريقا، أي دينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية\" (١٥).\nقال البيضاوي: أي: \" طريقا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة: إذ الحق لا يختلف فإن الإيمان بالله ﷾ لا يتم إلا بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا أو إجمالا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] \" (١٦).\n_________\n(١) تفسير ابن عرفة: ٢/ ٦٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٥.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٧٦٧): ص ٩/ ٣٥٤.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٧٦٦): ص ٩/ ٣٥٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ٢٩٠.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٠.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٠٧٦٦): ص ٩/ ٣٥٤.\n(١١) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٧٦٧): ص ٩/ ٣٥٤.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٥.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٥.\n(١٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٦.","vol":"7","page":490},{"text":"قال الطبري: \" يقول: ويريد المفرِّقون بين الله ورسله، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أن يتخذوا بين أضعاف قولهم: ﴿نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض﴾، ﴿سبيلا﴾، يعني: طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، يدعون أهل الجهل من الناس إليه\" (١).\nقال الزمخشري: \" معنى «اتخاذهم بين ذلك سبيلا»: أن يتخذوا دينا وسطا بين الإيمان والكفر كقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلً﴾ [الإسراء: ١١٠]، أى: طريقا وسطا في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة. وقد أخطؤا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان\" (٢).\nقال قتادة: \" أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد ﷺ. فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رُسله\" (٣).\nالفوائد:\n١ - تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقيدتهم وبطلان أعمالهم.\n٢ - كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به.\n٣ - بطلان إيمان من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض.\nالقرآن\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥١]\nالتفسير:\nأولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه، وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، أي: \" أولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا\" (٥).\nقال النسفي: اي: \" هم الكاملون في الكفر، لأن الكفر بواحد كفر بالكل\" (٦).\nقال ابن عرفة: \" أي كفرا محققا يقينا لَا شك فيه بخلاف من وحد الله وجحد بعض الصفات كالمعتزلة، فإن في كفرهم نظر، أو لذلك اختلف العلماء فيهم\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانًا منه، لو نظروا حق النظر في نبوته\" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى: هم الكاملون في الكفر. و﴿حقا﴾، تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا، أى حق ذلك حقا، وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين، أى هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه\" (٩).\nقال ابن عطية: \" ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقا، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد\" (١٠).\nقال القرطبي: \" تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله، وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به ﷿، وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول، فلذلك صاروا الكافرين حقا\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٨٢.\n(٣) اخرجه الطبري (١٠٧٦٥): ٩/ ٣٥٤.\n(٤) التفسيير الميسر: ١٠٢.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٦.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤١٠.\n(٧) تفسير ابن عرفة: ٢/ ٦٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٥.\n(٩) الكشاف: ١/ ٥٨٢.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٠.\n(١١) تفسير القرطبي: ٦/ ٥ - ٦.","vol":"7","page":491},{"text":"قال الطبري: \" يقول: أيها الناس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا. فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ. وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن. فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب. وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب. فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥١]، أي: \" وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني: ﴿وأعتدنا﴾ لمن جحد بالله ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصفت لكم، أيها الناس، أمرَهم من أهل الكتاب، ولغيرهم من سائر أجناس الكفار ﴿عذابًا﴾، في الآخرة ﴿مهينًا﴾، يعني: يهين من عُذِّب به بخلوده فيه\" (٣).\nقال السعدي:: \" كما تكبروا عن الإيمان بالله، أهانهم بالعذاب الأليم المخزي\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة\" (٥).\nالفوائد:\n١ - بطلان اليهودية والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين.\n٢ - أن وجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به- أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله أو ما فوقه للنبي الذي كفروا به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها أو أعظم منها فيمن آمنوا به (٦).\nفلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها\n٣ - ومن الفوائد الآية والتي قبلها: أن الكافرين بالرسل فريقان (٧):\n- فريق لا يؤمن بأحد منهم، لإنكارهم النبوات وزعمهم أن ما أتى به الأنبياء من الهدى والشرائع هو من عند أنفسهم لا من عند الله، وأكثر الملحدين فى هذا العصر من ذلك الفريق.\n- وفريق آخر يؤمن ببعض الرسل دون بعض كقول اليهود نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد فهما ليسا برسولين، وقول النصارى نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد، والفريقان كافرون مستحقون للعذاب، ولا عبرة بما يدعونه إيمانا.\n\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٣.\n(٢) التفسيير الميسر: ١٠٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(٤) تفسير السعدي: ٢١٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٥.\n(٦) انظر: تفسير السعدي: ٢١٢.\n(٧) انظر: تفسير المراغي: ٦/ ٦.","vol":"7","page":492},{"text":"والذين صَدَّقوا بوحدانية الله، وأقرُّوا بنبوَّة رسله أجمعين، ولم يفرقوا بين أحد منهم، وعملوا بشريعة الله، أولئك سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم على إيمانهم به وبرسله. وكان الله غفورًا رحيمًا.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: \" والذين صَدَّقوا بوحدانية الله، وأقرُّوا بنبوَّة رسله أجمعين\" (١).\nقال الطبري: أي: \" والذين صدقوا بوحدانية الله، وأقرّوا بنبوة رسله أجمعين، وصدّقوهم فيما جاءوهم به من عند الله من شرائع دينه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: \" ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: بين الرسل وصدقوا بالرسل جميعا\" (٤).\nقال أبو السعود: \" بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة\" (٥).\nقال الطبري: \"يقول: ولم يكذّبوا بعضهم ويصدقوا بعضهم، ولكنهم أقرُّوا أن كل ما جاءوا به من عند ربهم حق\" (٦).\nقال الماتريدي: \" يعني: من الرسل، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ...﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى آخر ما ذكر\" (٧).\nقال السمرقندي: أي: \" في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل ﵈، ويصدقون بجميع الكتب\" (٨).\nقال ابن كثير: \"قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بذلك: أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] \" (٩).\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية: \" يعني به النبي ﷺ وأمته\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف جاز دخول بين على أحد وهو يقتضى شيئين فصاعدا؟\nقلت: إن أحدا عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت أحدا، فتقصد العموم، ألا تراك تقول: إلا بنى فلان، وإلا بنات فلان فالمعنى: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة ومنه قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] \" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: \" أولئك سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني: جزاء أعمالهم\" (١٣).\nقال السمرقندي: \" أي: سنعطيهم ثوابهم في الجنة\" (١٤).\nقال ابن كثير: أي: \"على ما آمنوا بالله ورسله\" (١٥).\nقال الطبري: \" يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم من المؤمنين بالله ورسله، سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم على تصديقهم الرسل في توحيد الله وشرائع دينه، وما جاءت به من عند الله\" (١٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٥.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٢. [بتصرف].\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٨.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٤٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٥.\n(٧) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٦.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٥٣.\n(٩) تفسير ابيبن كثير: ٢/ ٤٤٥.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٦.\n(١١) الكشاف: ١/ ٥٨٣.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٨.\n(١٤) بحر العلوم: ١/ ٣٥٣.\n(١٥) تفسير ابيبن كثير: ٢/ ٤٤٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٥.","vol":"7","page":493},{"text":"قال الزمخشري: \" معناه: أن إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخرا\" (١).\nقال السمعاني: \" إنما سماه أجرا مجازا؛ لأنه ذكره بإزاء العمل، لأن العمل يوجبه، وهذا نحو قوله - تعالى - في قصة موسى: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]، سماه «أجرا» على مقابلة العمل؛ لأن موسى عمل؛ ليؤجر عليه\" (٢).\nقال الشوكاني: \" الإشارة بقوله: أولئك إلى ﴿الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ \" (٣).\nقال أبو السعود: \" وتصديره بـ ﴿سوف﴾، لتأكيد الوعد والدلالة على إنه كائن لا محالة وإن تراخى\" (٤).\nوقرأ حمزة وعاصم-في رواية أبي بكر-، وابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائى: ﴿نؤتيهم﴾، بالنون (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢]، أي: وكان الله\" غفورًا لما سلف منهم من المعاصي والآثام متفضلًا عليهم بأنواع الإِنعام\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لذنوبهم، أي: إن كان لبعضهم ذنوب\" (٧).\nقال البيضاوي: \" ﴿وكان الله غفورا﴾، لما فرط منهم. ﴿رحيما﴾، عليهم بتضعيف حسناتهم\" (٨).\nقال الطبري: \"يقول: ويغفر لمن فعل ذلك من خلقه ما سلف له من آثامه، فيستر عليه بعفوه له عنه، وتركه العقوبة عليه، فإنه لم يزل لذنوب المنيبين إليه من خلقه غفورًا، ﴿رحيمًا﴾، يعني ولم يزل بهم رحيمًا، بتفضله عليهم بالهداية إلى سبيل الحق، وتوفيقه إياهم لما فيه خلاص رِقابهم من النار\" (٩).\nقال الماتريدي: \" أخبر - ﷿ - أنه لم يزل غفورا رحيما، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ولكن صار غفورا رحيما، وبالله العصمة\" (١٠).\nقال الراغب: \" ونبه بذكر الغفران على غفران ذنوبهم وبالرحمة على مجازاتهم بالإحسان\" (١١).\nالفوائد:\n١ - صحة الدين الإسلامي إذ وعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.\n٢ - وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنا، وهو قد آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله - تعالى -: ﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم (١٢).\n٣ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغفور» و«الرحيم»:\n«الغفور»: \"هو الذي تكثر منه المغفرة\" (١٣).\nوأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر (١٤).\nو«الرحيم»: يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب آية ٤٣].\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٥٨٣.\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٧.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٦١٣.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٤٩.\n(٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٩٠.\n(٧) تفسير ابيبن كثير: ٢/ ٤٤٥.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٦.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٥.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٦.\n(١١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢١٣.\n(١٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٦.\n(١٣) شأن الدعاء للخطابي: ١/ ٦٥.\n(١٤) انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع ٤٥: ص ٩٤، وع ٤٦: ص ٧٢ - ٧٣.","vol":"7","page":494},{"text":"القرآن\n﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]\nالتفسير:\nيسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبةً، مثل مجيء موسى بالألواح من عند الله، فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى -﵇- ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً، فَصُعِقوا بسبب ظلمهم أنفسهم حين سألوا أمرًا ليس من حقِّهم. وبعد أن أحياهم الله بعد الصعق، وشاهدوا الآيات البينات على يد موسى القاطعة بنفي الشرك، عبدوا العجل من دون الله، فعَفونا عن عبادتهم العجل بسبب توبتهم، وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: \"جاء أناس من اليهود إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله؛ فأتنا بالألواح من عند الله؛ حتى نصدقك؛ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] \" (١). [ضعيف جدًا].\nوالثاني: عن ابن جريج في قوله: \" ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبي - ﷺ -، فقالوا: لن نبايعك على ما تدعونا إليه؛ حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله. قال الله -جل ثناؤه-: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ \" (٢). [ضعيف جدًا].\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \" يسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبة من عند الله\" (٣).\nقال الزجاج: \" وهذا حين قالوا للنبي - ﷺ -: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ (٤) \" (٥).\nقال السمعاني: \" هم اليهود، قالوا للنبي لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة، كما أنزلت التوراة على موسى جملة\" (٦).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، وجوه:\nأحدها: أن اليهود سألوا محمدًا -ﷺ-، أن ينزل عليهم كتابًا من السماء مكتوبًا، كما نزل على موسى الألواح، والتوراة مكتوبة من السماء، وهذا قول السدي (٧)، ومحمد بن كعب (٨).\nوالثاني: أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة، تحكمًا في طلب الآيات، وهذا قول الحسن (٩)، وقتادة (١٠).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٧٦٩): ص ٩/ ٣٥٦. وهذا سند ضعيف جدًا؛ فيه ثلاث: أحدها: عبد العزيز بن أبان الأموي السعيدي؛ متروك، وكذبه ابن معين؛ كما في \"التقريب\" ١/ ٥٠٨. والثاني: أبو معشر نجيح السندي؛ ضعيف، أسن واختلط؛ كما في \"التقريب\": ٢/ ٢٩٨. والعلة الثالثة: الإرسال.\n(٢) أخرجه سُنيد في \"تفسيره\" -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\": (١٠٧٧١): ص ٩/ ٣٥٧.\nوهذا سند واه بمرة؛ فيه علتان:\nالأولى: الإعضال.\nالثانية: وضعف سنيد صاحب \"التفسير\".\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٧٢٦)، وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٤) [سورة الإسراء: ٩٣].\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ١٢٦.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٧.\n(٧) انظر تفسير الطبري (١٠٧٦٨): ص ٩/ ٣٥٦.\n(٨) انظر تفسير الطبري (١٠٧٦٩): ص ٩/ ٣٥٦.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٠.\n(١٠) انظر تفسير الطبري (١٠٧٧٠): ص ٩/ ٣٥٧.","vol":"7","page":495},{"text":"والثالث: أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتابًا من السماء بتصديقه، وهذا قول ابن جريج (١).\nوالصواب من القول أن يقال: \"إن أهل التوراة سألوا رسولَ الله ﷺ أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، آيةً معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله ﷺ بالصدق، آمرة لهم باتباعه، وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابًا مكتوبًا ينزل عليهم من السماء إلى جماعتهم وجائز أن يكون ذلك كتبًا إلى أشخاص بأعينهم. بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم، لذكر الله تعالى في خبره عنهم «الكتاب» بلفظ الواحد بقوله: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء﴾، ولم يقل «كتبًا» \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \" فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى -﵇- ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي فقد سألوا موسى بعد أن جاءهم بالآيات، فقالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ \" (٤).\nعن قتادة: \" ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾ [النساء: ١٥٣]، قولهم أرنا الله جهرة\" (٥).\nوعن قتادة أيضا في قوله: \" ﴿جهرة﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: عيانا\" (٦). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٧).\nقال ابن عباس: \"إنما قالوا جهرةً: ﴿أرنا الله﴾، قال: هو مقدّم ومؤخر\" (٨).\nوعن ابن عباس أيضا، \"أنه قال في قول الله: ﴿جهرة﴾ [النساء: ١٥٣] أي: علانية\" (٩).\nقال الطبري: \" يعني: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى ﵇، أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء، فقالوا له: \" أرنا الله جهرة \"، أي: عِيانًا نعاينه وننظر إليه، [وهذا] توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله ﷺ أن ينزله عليهم من السماء، في مسألتهم إياه ذلك وتقريعٌ منه لهم. يقول الله لنبيه ﷺ: يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم\" (١٠).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وجهين (١١):\nأحدهما: أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ثم كفروا بعبادة العجل.\nوالثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم، كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم.\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، قولان:\nأحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة، أي معاينة، وهذا اختيار الزجاج (١٢).\nوالمعنى: \"أرنا رؤية بينة منكشفة ظاهرة، لأن من علم الله ﷿ فقد زاد علما، ولكن سألوه رؤية يدركونها بأبصارهم، ودليل هذا القول قوله ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] \" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٧١): ص ٩/ ٣٥٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٢٦.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٨٨): ص ٤/ ١١٠٣.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٠): ص ٤/ ١١٠٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦١٩٠): ص ٤/ ١١٠٣.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٧٧٢): ص ٩/ ٣٥٩.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٨٩): ص ٤/ ١١٠٣.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٠.\n(١٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(١٣) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٢٦، وانظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٠.","vol":"7","page":496},{"text":"والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول: أّرِنا الله، فيكون على التقديم والتأخير، وهذا قول ابن عباس (١)، واختيار أبي عبيدة (٢).\nقال ابو عبيدة: \" قالوا جهرة: أرنا الله، لأنهم إذا رأوا الله فالسر جهرة، فإنما جهرة صفة لقولهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \" فجاءتهم من السماء نار فأهلكنهم بسبب ظلمهم\" (٤).\nقال أبو السعود: \" أي: النار التى جاءت من السماء فأهلكتهم\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: فصُعقوا بظلمهم أنفسهم. وظلمهم أنفسهم، كان مسألَتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته\" (٦).\nقال قتادة: \" أخذتهم الصاعقة، أي ماتوا\" (٧).\nقال الربيع بن انس: \" هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه، قال: سمعوا كلاما فصعقوا، يقول: ماتوا\" (٨).\nقال ابن شابور: \"سمعت عروة بن رويم، يقول: سأل بنو إسرائيل موسى يعني أن يريهم الله جهرة، فأخبرهم أنهم لن يطيقوا ذلك، فأبوا، فسمعوا من الله فصعق بعضهم وبعض ينظرون، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء\" (٩).\nوعن السدي، قوله: \" ﴿جهرة فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء: ١٥٣]، والصاعقة: نار\" (١٠).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، وجهين (١١):\nأحدهما: بظلمهم لأنفسهم.\nوالثاني: بظلمهم في سؤالهم.\nقال النسفي: \" ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم فى سؤل الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كما نزل القرآن جملة ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال رب أرنى انظر اليك وما أخدته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم\" (١٢).\nوقرئ: \" «الصعقة» (١٣).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \" ثم اتخذوا العجل إِلهًا وعبدوه\" (١٤).\nقال السمعاني: \" يعنى: إلها\" (١٥).\nقال الطبري: \"يعني: ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرةً، بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم العجلَ الذي كان السامريُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التي قبضها من أثر فرس جبريل ﵇ إلهًا يعبدونه من دون الله\" (١٦).\nقال أبو العالية: \" إنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٧٢): ص ٩/ ٣٥٩.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٢٦.\n(٣) معاني القرىن للزجاج: ٢/ ١٢٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٩١.\n(٥) تفسير ابي السعود: ٢/ ٢٤٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٩.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٤): ص ٤/ ١١٠٤.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩١): ص ٤/ ١١٠٤.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٢): ص ٤/ ١١٠٤. قال ابن أبي حاتم: \" والسياق لمحمد وفي حديث عيسى بن يونس: ثم بعث الذين صعقوا أو صعق الآخرون ثم بعثوا، فقال الله تعالى: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء: ١٥٣] \".\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٣): ص ٤/ ١١٠٤.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤١.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٤١١.\n(١٣) انظر: تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٤٩.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٢٩١.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٧.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥٩.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٥): ص ٤/ ١١٠٤.","vol":"7","page":497},{"text":"عن مجاهد، \"قوله: ﴿العجل﴾ [النساء: ١٥٣] حسيل البقر: ولد البقرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \"من بعد ما جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا\" (٣).\nو﴿البينات﴾: \"آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \" فعفونا عن عبادتهم العجل\" (٥).\nقال البغوي: أي: \" ولم نستأصلهم\" (٦).\nقال النسفي: \" تفضلًا ولم نستأصلهم\" (٧).\nعن أبي العالية، \"قوله: ﴿عفونا﴾ [النساء: ١٥٣]، يعني: من بعد ما اتخذوا العجل\" (٨). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (٩).\nقال السمعاني: فيه استدعاء للتوبة، ومعناه: أن أولئك الذين اجترموا ذلك الإجرام، عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم، حتى نعفو عنكم\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣]، أي: \" وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه\" (١١).\nقال النسفي: \" حجة ظاهرة على من خالفه\" (١٢).\nقال ابن ابي زمنين: أي: \"حجة بيّنة\" (١٣).\nقال البغوي: \" أي: حجة بينة من المعجزات، وهي الآيات التسع\" (١٤).\nقال السمعاني: أي: \" حجة بينة من المعجزات\" (١٥).\nعن مجاهد، \"قوله: ﴿وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ [النساء: ١٥٣] يقول: حجة\" (١٦).\nالفوائد:\n١ - تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإسلامية وكفرهم بها على علم إنها دعوة حق.\n٢ - بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.\nالقرآن\n﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ [النساء: ١٥٤]\nالتفسير:\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٦): ص ٤/ ١١٠٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ٢٩١.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٠.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٦) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٦.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤١١.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٧): ص ٤/ ١١٠٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦١٩٦): ص ٤/ ١١٠٤.\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٧.\n(١١) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٤١١.\n(١٣) تفسير ابن ابي زمنين: ١/ ٤١٨.\n(١٤) تفسير البغوي: ٢/ ٣٠٦.\n(١٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٧.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٨): ص ٤/ ١١٠٥.","vol":"7","page":498},{"text":"ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة، وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فاعتدَوا، وصادوا، وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه.\nقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: \" ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة ليقبلوه\" (١).\nقال محمد صديق خان القِنَّوجي: \" أي: الجبل المسمى بالطور بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها\" (٢).\nقال الطبري: يعني: الجبل، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها ﴿بميثاقهم﴾، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة\" (٣).\nقال النسفي: أي: \" بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف: ١٧١] \" (٥).\nقال أبو السعود: \" ﴿بميثاقهم﴾، أي: بسبب ميثاقهم ليعطوه على ماروى أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله تعالى عليهم الطور فقبلوها أو ليخافوا فلا ينقضوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسب بما سيأتي من قوله ﷿: ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ \" (٦).\nقال السمعاني: \" الطور: جبل الطور، والميثاق: العهد المؤكد باليمين\" (٧).\nعن مسلم البطين، في قوله: \" ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤] قال: رفعته الملائكة\" (٨).\nقال عطاء: \" رفع فوقهم الجبل على بني إسرائيل، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم\" (٩).\nقال مجاهد: \"رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا\" (١٠).\nقال السدي: \" فلما أبوا أن يسجدوا، أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجدا على شق ونظروا بالشق الآخر فرحمهم، فكشفه عنهم، فقالوا: ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤] \" (١١).\nوذكر أهل التفسير في ﴿الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤]، أقاويل (١٢):\nأحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:\nالأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (١٣).\nوقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١]، قال: \" وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى ﵇ عنده نكليما\" (١٤).\nوالثاني: إنه جبل بالشام (١٥)، قال ذو الرمة (١٦):\n_________\n(١) انظر: التفسير الميسر: ١٠٢، وصفوة التفسير: ٢٩١.\n(٢) فتح البيان في مقاصد القرآن: ٣/ ٢٨٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦١.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٤١٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٦.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٠.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٨.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٩٩): ص ٤/ ١١٠٥.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٠٢): ص ٤/ ١١٠٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١١٦): ص ٢/ ١٥٨.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٠٣): ص ٤/ ١١٠٥.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٥٧ - ١٥٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٧،والنكت والعيون: ١/ ١٣٤.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٢٢٤): ص ٢/ ١٥٩.\n(١٤) معاني القرآن: ٣/ ٩١.\n(١٥) أنظر: تفسير البسيط: ٢/ ٦٢٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠، و١٥/ ٥٠٢.\n(١٦) ورد البيت في \"التهذيب\" (طور) ٣/ ٢٢٢٩، \"اللسان\" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، و(طور) ٥/ ٢٧١٨، \"الخزانة\" ٧/ ٣٥٥، و\"ديوان ذي الرمة\" ٣/ ١٦٩٨، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).","vol":"7","page":499},{"text":"أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ\nقوله «طوريون»، أي: \"وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام\" (١).\nوالثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (٢)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (٣).\nوالرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (٤)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٥)، وعطاء (٦)، وعكرمة (٧) والحسن (٨)، والضحاك (٩)، والربيع بن أنس (١٠)، وأبي صخر (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن زيد (١٣).\nواختلف في الأصل اللغوي لكملة «الطور»، على وجهين:\nالأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٤):\nداني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر\nوالثاني: أنها كلمة سريانية تعني: «الجبل». قاله مجاهد (١٥)، وابن زيد (١٦).\nوالقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء «الطور» بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (١٧)، ومنه قول جرير (١٨):\nفإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل\nقال القفال ﵀: إنما قال: «ميثاقكم»، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (١٩):\nأحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ثم يخرجكم طفلا﴾ [غافر: ٦٧] أي كل واحد منكم.\nوالثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: \" وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم\" (٢٠).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٠.\n(٢) هذا قول لم نجده في كتب اللغة في مادته.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١): ص ١/ ١٢٩، وتفسير الطبري (١١٢٥): ص ٢/ ١٥٩.\n(٤) أنظر: تفسير الطبري (١١١٨): ص ٢/ ١٥٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٢): ص ١/ ١٢٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٣): ص ١/ ١٢٩.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٢١): ص ٢/ ١٥٩.\n(٨) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..\n(٩) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..\n(١٠) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..\n(١١) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و(١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.\n(١٤) ديوانه: ١٧، ومجاز القرآن: ٢/ ٣٠٠، وغريب الحديث: ١٨٠، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله: \" دانى \" يعود إلى متأخر، وهو \" البازي \" المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله:\nحول ابن غراء حصان إن وتر ... فات، وإن طالب بالوغم اقتدر\nإذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... دانى جناحيه من الطور فمر\nيريد: \" ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر \" فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: \" دانى \" أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: \" تقضى \" أصلها \" تقضض \"، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في \" ظنن \" \" وتظنى \" على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و(١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.\n(١٧) انظر: تفسيره: ٢/ ١٥٧. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن: ٤٩٤.\n(١٨) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢١٢.\n(١٩) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٠.\n(٢٠) التفسير الميسر: ١٠٢.","vol":"7","page":500},{"text":"قال أبو السعود: أي: \" على لسان موسى ﵇ والطور مظل عليهم: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، أي: متطامنين خاضعين\" (١).\nقال الطبري: \" يعني: «باب حِطّة»، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم\" (٢).\nقال النسفي: أي: \" والطور مظل عليهم: ﴿ادخلوا الباب سُجَّدًا﴾، أي: ادخلوا باب ايلياء مطأطئين عند الدخول رؤسكم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجدا، وهم يقولون: حطة. أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة\" (٤).\nقال السمعاني: \" قيل: إنهم سجدوا على أنصاف وجوههم، حتى دخلوا الباب، وفي القصة: أنهم قالوا: بهذا السجود رفع العذاب عنا، فلا نترك هذا السجود، وكانوا يسجدون بعد ذلك على أنصاف وجوههم\" (٥).\nعن ابن عباس، في قوله: \" ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: ١٥٤] قال: من باب صغير\" (٦).\nوروي عكرمة: عن ابن عباس: \"كان الباب قبل القبلة\" (٧).\nقال مجاهد: \" باب الحطة من باب إيلياء من بيت المقدس\" (٨). وروي عن الضحاك، والسدي نحو ذلك (٩).\nعن ابي هريرة: قال رسول الله ﷺ: \" قال الله تعالى لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: ١٥٤] فدخلوا الباب يزحفون على أستائهم \" (١٠).\nقال ابن عباس: \" ركعا من باب صغير، فدخلوا من قبل استائهم\" (١١).\nوفي رواية عكرمة عن ابن عباس: \" فدخلوا على شق\" (١٢).\nوقال الربيع: \" وكان سجود أحدهم على خده\" (١٣).\nوقال ابن مسعود: \": قيل لهم: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، فدخلوا مقنعي رءوسهم\" (١٤).\nواختلفوا في «الباب» في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ (باب حِطَّةَ)، وهذا قول ابن عباس (١٥)، ومجاهد (١٦)، والسدي (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، واختاره الطبري (٢٠)، وهو المشهور.\nوالثاني: أنه باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل.\nوالثالث: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها (٢١).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦١.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤١٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٧.\n(٥) تفسير السمعاني: ١/ ٤٩٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٠٤): ص ٤/ ١١٠٥.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٠٥): ص ٤/ ١١٠٥.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٠٦): ص ٤/ ١١٠٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٠٦): ص ٤/ ١١٠٦.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٠٧): ص ٤/ ١١٠٦.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٠٨): ص ٤/ ١١٠٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٠٩): ص ٤/ ١١٠٦.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢١٠): ص ٤/ ١١٠٦.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢١١): ص ٤/ ١١٠٦.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٦): ص ٢/ ١٠٤.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٣): ص ٢/ ١٠٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٧٤): ص ١/ ١١٧.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٥): ص ٢/ ١٠٤.\n(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٧.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٧٣): ص ٩/ ٣٦١.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٣.\n(٢١) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٢٥.","vol":"7","page":501},{"text":"واختلفوا في قوله ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]، على وجهين (١):\nأحدهما: أن معناه: رُكَّعًا، منحنين ركوعا. وهذا قول ابن عباس (٢).\nوالثاني: أن معناه: متواضعين خشوعا، لا على هيئة متعينة.\nوالقول الأول أشبه بالصواب: وأصل (السجود) الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو (ساجد) ومنه قول زيد الخيل بن مهلهل الطائي (٣):\nبَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ ... تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ\nفقوله: \"سجدا\"، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (٤):\nيُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا حِوَارًا\nفذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سجدا﴾، ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: \" وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فخالفوا واصطادوا\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم\" (٧).\nقال أبو السعود: \" أي: لاتظلموا باصطياد الحيتان ﴿فى السبت﴾ \" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرّم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم\" (٩).\nقال النسفي: أي: \" لا تجاوزوا الحد\" (١٠).\nقال الماتريدي: لا\" تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة\" (١١).\nقال قتادة: \" أمر القوم أن يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا، وأحلت لهم ما خلا ذلك\" (١٢).\nعن صفوان بن عسال المرادي: \" أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي فإنه لو سمع صارت أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٤، وتفسير القرطبي: ١/ ٤١٠.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٦)، و(١٠٠٧)، و(١٠٠٨): ص ٢/ ١٠٤.\n(٣) الكامل ١: ٢٥٨، والمعاني الكبير: ٨٩٠، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٦، وحماسة ابن الشجري: ١٩، ومجموعة المعاني: ١٩٢، وغيرها. والباء في قوله \" بجمع \" متعلقة ببيت سالف هو:\nبَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا ... أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟\nوالبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: \" يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر \". وفي المطبوعة هنا \" فيه \" والجيد ما أثبته، والضمير في \" منه \" للجيش أو الجمع.\n(٤) ديوانه: ٤١. راوح يراوح مراوحة: عمل عملين في عمل، يعمل ذامرة وذا مرة، قال لبيد يصف فرسا:\nوولّى عامدا لِطِيات فَلْج ... يراوح بين صون وابتذال\nوقوله: \" من صلوات \" \" من \" هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق \". وحذف \" بين \" التي تقتضيها \" يراوح \"، لدلالة ما يأتي عليها، وهو قوله: \" طورا. . وطورا \". والجؤار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع. جأر إلى ربه يجأر جؤارا.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٥.\n(٦) انظر: التفسير الميسر: ١٠٢، وصفوة التفسير: ٢٩١.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦١.\n(٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٠.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٧.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٤١٢.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٨.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢١٣): ص ٤/ ١١٠٧.\n(١٣) أخرجه الترمذي في التفسير سورة الإسراء: ٨/ ٥٨٠، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في تحريم الدم باب السحر: ٧/ ١١١ - ١١٢ والإمام أحمد في المسند: ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠، والطبري في التفسير: ١٥/ ١٧٢، وأخرجه ابن ماجه مختصرا عن صفوان بن عسال أن قوما من اليهود قبلوا يد النبي ﷺ ورجليه. قال الحافظ ابن كثير: (٣/ ٦٨): \"وهو حديث مشكل وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء وقد تكلموا فيه ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون والله أعلم\".","vol":"7","page":502},{"text":"قرأ نافع ﴿لا تَعَدُّوا﴾، بتسكين العين وتشديد الدال، من الاعتدا، وروى عنه ورش: ﴿لا تعدوا﴾، بفتح العين وتشديد الدال، وقرأ الباقون: ﴿لا تعدو﴾، خفيفة ساكنة العين، من عَدَوت، وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه، فيكون تعديهم فيه - على تأويل القراءة الثانية - ترك واجباته (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، أي: \" وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه\" (٢).\nقال أبو مالك: \" ﴿غليظا﴾، يعني: شديدا\" (٣).\nقال النسفي: أي: \" عهدًا مؤكدًا\" (٤).\nقال ابن عرفة: \" أي: لَا يقبل الحل شرعا\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: شديدا، فخالفوا وعَصَوْا وتحيلوا على ارتكاب مناهى الله، ﷿، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦] الآيات\" (٦).\nقال أبو السعود: أي: \" على الامتثال بما كلفوه ﴿ميثاقا غليظا﴾ مؤكدا وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في التوراة، قيل إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد\" (٧).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]، وجهين (٨):\nأحدهما: أنه العهد بعد اليمين.\nوالثاني: أن بعض اليمين ميثاق غليظ.\nقال الطبري: \" يعني: عهدًا مؤكدًا شديدًا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم الله عنه، مما ذكر في هذه الآية، ومما في التوراة\" (٩).\nالفوائد:\n١ - بيان عناد اليهود وعصيانهم على الرغم من رؤيتهم للآيات.\n٢ - أن نقض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعًا لهم لا يفارقهم أبدًا، ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.\n٣ - ويستفاد من الآية: ان الله ﷿ أرسل الرسل والأنبياء ليذكروا العباد بالميثاق الغليظ، وهو أعظم ميثاق على الإطلاق، ألا وهو ميثاق الإيمان والتوحيد، والله ﷿ أخذ الميثاق الأول على بني آدم حينما أخرجهم جميعًا من صلب آدم: أن يكونوا موحدين لا مشركين.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].\n\nالقرآن\n﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]\nالتفسير:\n_________\n(١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٠، والنكت والعيون: ١/ ٥٤١.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٢.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢١٤): ص ٤/ ١١٠٧.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٤١٢.\n(٥) تفسير ابن عرفة: ٢/ ٦٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٧.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٠.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤١. .\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٢.","vol":"7","page":503},{"text":"فلعنَّاهم بسبب نقضهم للعهود، وكفرهم بآيات الله الدالة على صدق رسله، وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً، وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول، بل طمس الله عليها بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.\nقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: \" فبسبب نقضهم للعهود لعنّاهم وأذللناهم\" (١).\nقال الفراء: \" المعنى: فبنقضهم\" (٢).\nقال قتادة: \" فبنقضهم ميثاقهم\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فبنقض هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم من أهل الكتاب، عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة\" (٥).\nقال القرطبي: \" ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي -ﷺ-\" (٦).\nقال الزجاج: \" وتأويل «نقضهم ميثاقهم»، أن الله ﷿ أخذ عليهم الميثاق في أن يبينوا ما أنزل عليهم من ذكر النبي - ﷺ – وغيره، قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: \"وبجحودهم بآيات الله الدالة على صدق رسله\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: الإنجيل والقرآن، وهم اليهود\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني: بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم\" (١٠).\nقال الطبري: \"يقول: وجحودهم بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله وحقيقة ما جاءوهم به من عنده\" (١١).\nقال مجاهد: \" الآيات: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ويده وعصاه\" (١٢).\nوفي حرف ابن مسعود - ﵁ -: \" وكفرهم بآيات الله من بعد ما تبينت \" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: \" وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً\" (١٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم\" (١٥).\nقال الطبري: \" يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوّتهم، بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها، ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها \" (١٦).\nقال ابن مسعود: \" كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق لهم من آخر النهار\" (١٧).\nذكر الماتريدي عن ابن عباس - ﵁ -: قال: \" كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل - ﵈ - فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ (١٨)، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١٩) \" (٢٠).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٩١، والتفسير الميسر: ١٠٣.\n(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٤٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢١٥): ص ٤/ ١١٠٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٩.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٣.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٨.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٢٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٣، وصفوة التفاسير: ٢٩١.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٩.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٣.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢١٦): ص ٤/ ١١٠٧.\n(١٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٨.\n(١٤) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(١٥) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٣.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢١٧): ص ٤/ ١١٠٧.\n(١٨) [سورة غافر: ٥١].\n(١٩) [سورة الصافات: ١٧٢].\n(٢٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٠٨.","vol":"7","page":504},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: \" وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك\" (٢).\nقال الطبري: \" يعني: وبقولهم: ﴿قلوبنا غلف﴾، يعني: يقولون: عليها غِشاوة وأغطِية عما تدعونا إليه، فلا نفقَه ما تقول ولا نعقله \" (٣).\nقال مقاتل: \" وذلك حين سمعوا من النبيﷺ- ﴿وقتلهم الأنبياء﴾، عرفوا أن الذي قال لهم النبيﷺ- حق، وقالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾، يعني: في أكنة عليها الغطاء فلا تفقه ولا تفهم ما تقول يا محمد، كراهية ما سمعوا من النبيﷺ- من كفرهم بالإنجيل والفرقان\" (٤).\nقال ابن عباس: \" إنما سمي القلب لتقلبه\" (٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء: ١٥٥]، وجوه:\nأحدها: أنها في غطاء ومحجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق، وهذا قول ابن عباس في رواية علي بن ابي طلحة، ومجاهد (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وعكرمة (٨)، والسدي (٩)، وقتادة في رواية معمر (١٠)، وهو بعض البصريين (١١).\nوالثاني: يعني: أنها أوعية للعلم ومملوءة علما، لانحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وهذا قول ابن عباس (١٢)، وعطية العوفي (١٣)، وعطاء الخرساني (١٤)، والزجاج (١٥).\nقال الماوردي: \"فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضًا، وعلى التأويل الثاني إبطالًا\" (١٦).\nوالثالث: أنها لا تفقه. وهذا قول أبي العالية (١٧)، وقتادة في رواية ابن أبي عروبة (١٨).\nوالرابع: أنها أوعية للمنكر. وهذا قول عطية (١٩).\nوالخامس: أنها لم تختن. وهذا قول الحسن (٢٠).\nوالسادس: أن عليها طابع. وهذا قول عكرمة (٢١).\nوالسابع: أنها أوعية للخير. وهذا قول عوف (٢٢).\nوقرأ بعضهم: «غلف»، بضم اللام (٢٣).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: \" بل طمس الله عليها بسبب كفرهم\" (٢٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٣.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢١٨): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢١): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢١): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢١): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢١): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢١): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢١٩): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٠): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٠): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١٥) انظرك معاني القرآن: ٢/ ١٢٧.\n(١٦) النكت والعيون: ١/ ٥٤٢.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٣): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم ٣٦٢٢٢): ص ٤/ ١١٠٨.\n(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٤): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٢): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٢١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٥): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٧): ص ٤/ ١١٠٨.\n(٢٣) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(٢٤) التفسير الميسر: ١٠٣.","vol":"7","page":505},{"text":"قال أبو مالك: \" ﴿بل طبع الله﴾، يعني: ختم الله\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: ختم الله على قلوبهم بكفرهم\" (٢).\nقال عوف: \"بلغني في قول الله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾، قال: قالوا: قلوبنا أوعية للخير، فأكذبهم الله وقال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ \" (٣).\nقال قتادة: \" لما بدل القوم أمر الله وقتلوا رسله وكفروا بكتابه ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم حين فعلوا ذلك\" (٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وجهان:\nأحدهما: أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع، وهو قول بعض البصريين (٥).\nالثاني: ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبدًا ولا تطيع مرشدًا، إذ جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وهذا قول الزجاج (٦).\nقال الزمخشري: قوله: \" ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، رد وإنكار لقولهم (قلوبنا غلف) فكان متعلقا به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: ﴿قلوبنا غلف﴾ أن الله خلق قلوبنا غلفا، أى في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] ...، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفا غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، أي: \" فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم\" (٨).\nقال السمرقندي: \" أي\" لا يؤمنون إلا قليل منهم\" (٩).\nقال النسفي: \" كعبد الله بن سلام وأصحابه\" (١٠).\nقال القرطبي: \" أي: إلا إيمانا قليلا، أي: ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع لهم\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، ثلاثة وجوه:\nأحدها: أن القليل منهم يؤمن بالله. وهذا قول قتادة (١٢).\nالثاني: لا يؤمنون إلا بقليل، وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم (١٣).\nوالثالث: وقال مقاتل: \" يقول: ما أقل ما يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون البتة\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - بيان جرائم اليهود.\n٢ - نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بها في التوراة.\n٣ - قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقادًا وقولًا وعملًا، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ والباء سببية والميم صلة والأصل، فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا﴾ أي: إيمانًا قليلًا؛ كلإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلًا.\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٢٦): ص ٤/ ١١٠٩.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٢٧): ص ٤/ ١١٠٩.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٢٨): ص ٤/ ١١٠٩.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٢٧.\n(٧) الكشاف: ١/ ٥٨٦.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٤١٣.\n(١١) تفسير القرطبي: ٦/ ٨.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٢٩): ص ٤/ ١١٠٩.\n(١٣) انظر: بحر العلووووم: ١/ ٣٥٤، والنكت والعيون: ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٠.","vol":"7","page":506},{"text":"القرآن\n﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦]\nالتفسير:\nوكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه.\nسبب النزول:\nقال السمرقندي: \" ثم قال تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾، وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذابا لقولهم وبين بهتانهم فقال: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٦]، أي: \" وكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: لعنهم الله وخذلهم بذلك\" (٣).\nقال البيضاوي: يعني: \" بعيسى ﵊، وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أسباب الطبع، أو على قوله: فبما نقضهم ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرر كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]، أي: \" وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه\" (٥).\nقال ابن عباس: \"يعني: أنهم رموها بالزنا\" (٦).\nقال السدي: \" حين قذفوها بالزنا\" (٧).\nقال جوبير: \" قالوا: زنت\" (٨).\nقال البيضاوي: \" يعني: نسبتها إلى الزنا\" (٩).\nقال الطبري: \" يعني: بفريتهم عليها، ورميهم إياها بالزنا، وهو «البهتان العظيم»، لأنهم رموها بذلك، وهي مما رموها به بغير ثَبَتٍ ولا برهان بريئة، فبهتوها بالباطل من القول\" (١٠).\nقال مقاتل: \" وذلك أن اليهود قذفوا مريم﵍- بيوسف بن ماثان بالزنا وكان ابن عمها وكان قد خطبها، ومريم ابنة عمران بن ماثان\" (١١).\nقال الزجاج: \" البهتان: الكذب الذي يحير من شذته وعظمه، وذلك أن إليهود - لعنها\nالله - رمت مريم، وهي صفوة الله على نساء العالمين، بأمر عظيم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد ﷺ.\n٢ - قولهم على مريم بهتانًا عظيمًا حيث رموها بالفاحشة، وقالوا عيسى ابن مريم ابن زنى لعنهم الله.\nالقرآن\n﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ [النساء: ١٥٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٥٤.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٧٧٦): ص ٩/ ٣٦٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٧٧٧): ص ٩/ ٣٦٧.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٧٧٨): ص ٩/ ٣٦٧.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٠٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٣٦٦.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٠.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٢٨.","vol":"7","page":508},{"text":"وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوا عيسى وما صلبوه، بل صلبوا رجلا شبيهًا به ظنًّا منهم أنه عيسى. ومن ادَّعى قَتْلَهُ من اليهود، ومن أسلمه إليهم من النصارى، كلهم واقعون في شك وحَيْرَة، لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن، وما قتلوه متيقنين بل شاكين متوهمين.\nقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: \" وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب: قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] \" (٢).\nقال قتادة: \" أولئك أعداء الله ابتهروا بقتل نبي الله عيسى، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، قولان (٤):\nأحدهما: أنه من قول اليهود، بمعنى رسول الله في زعمه.\nوالثاني: أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم، وتقديره: الذي هو رسولي. وهذا قول مقاتل (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: \" وما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من أُلقي عليه شَبَههُ\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: رأوا شبهه فظنوه إياه\" (٧).\nقال مجاهد: \" صلبوا رجلا غير عيسى يحسبونه إياه\" (٨).\nعن الحسن قال: \"قال رسول الله -ﷺلليهود: «إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» \" (٩).\nوفيمن ألقي عليه شبهه قولان:\nأحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح (١٠)، مقاتل (١١)، وأبي سليمان (١٢).\nقال مقاتل: \" وكان الله﷿- قد جعله [أي: الشبيه المقتول] على صورة عيسى فقتلوه، وكان المقتول لطم عيسى، وقال لعيسى حين لطمه: أتكذب على الله حين تزعم أنك رسوله. فلما أخذه اليهود ليقتلوه قال لليهود: لست بعيسى أنا فلان، واسمه يهوذا فكذبوه، وقالوا له: أنت عيسى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا على عيسىﷺ- فألقى الله- تعالى ذكره- شبهه على الرقيب فقتلوه\" (١٣).\nقال محمد بن مروان: \"ويقال أن الله وضع في شبه من عيسى على وجه ططيانوس ولم يلق عليه شبه جسده وخلقه، فلما قتلوه نظروا إليه، فقالوا: إن الوجه وجه عيسى وإنما هو ططيانوس، وقد قيل إن الذي شبه لعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي وكان يقال له إيشوع بن مدين\" (١٤).\nوالثاني: أنه رجل من أصحاب عيسى، وذلك عندما سأل عيسى من كان معه في البيت أن يلقى على بعضهم شَبهه، فانتدب لذلك رجل، فألقي عليه شبهه، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى ابن مريم ﵇. وهذا قول ابن عباس (١٥)، وقتادة (١٦)، ووهب بن منبه (١٧)، والسدي (١٨)، وابن أبي بزة (١٩)، وابن إسحاق (٢٠)، وابن جريج (٢١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣١): ص ٤/ ١١٠٩ - ١١١٠.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٣.\n(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٩١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٩.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٤): ص ٤/ ١١١٠.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٣٢): ص ٤/ ١١١٠.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٩٤.\n(١١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٠.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٩٤.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٠.\n(١٤) الكشف والبيان: ٣/ ٤١٠.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٣): ص ٤/ ١١١٠. قال ابن كثير: ٢/ ٤٥٠: \" وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس\".\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٨١)، و(١٠٧٨٢): ص ٩/ ٣٧٠.\n(١٧) انر: تفسير الطبري (١٠٧٧٩): ص ٩/ ٣٦٨.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٨٣): ص ٩/ ٣٧١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٨٤): ص ٩/ ٣٧١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٨٥): ص ٩/ ٣٧١ - ٣٧٣.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٨٦): ص ٩/ ٣٧٣.","vol":"7","page":509},{"text":"قال ابن عباس: \" لما أراد الله تعالى أن يرفع عيسى إلى السماء، .، فخرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين يعني فخرج عيسى من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب، أنا، فقال: أنت هو ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه، فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن ما شاء الله ثم رفعه إليه، فهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ\" (١).\nقال وهب بن منبه: \"أُتِي عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليهم صوَّرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا! لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا! فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا! فخرج إليهم، فقال: أنا عيسى وقد صوّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك\" (٢).\nوروي عن وهب بن منبه أيضا: \" إن عيسى ابن مريم ﵇ لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشَّاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضِّئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا مَن ردَّ علي شيئًا الليلة مما أصنع، فليس مني ولا أنا منه! فأقرُّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمَّا ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أنّي خيركم، فلا يتعظَّم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه، كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء: أن يؤخِّر أجلي. فلما نَصَبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءً. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السَّمَر، وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم! وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعَى به نفسه. ثم قال: الحقَّ، ليكفرنَّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنِّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه! فجحد وقال: ما أنا بصاحبه! فتركوه، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه. وكان شبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجّي نفسك من هذا الحبل؟ ! ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبِّه لهم، فمكث سبعًا.\nثم إنّ أمَّه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ قالتا: عليك! فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقَد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه.\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٣): ص ٤/ ١١١٠. قال ابن كثير: ٢/ ٤٥٠: \" وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس\".\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٧٧٩): ٩/ ٣٦٨.","vol":"7","page":510},{"text":"فقال: لو تابَ لتابَ الله عليه! ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له: يُحَنَّى فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم يحدِّث بلغة قوم، فلينذِرْهم وَلْيدعهم \" (١).\nقال ابن كثير: \"وكان من خبر اليهود - عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه - أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهَدُ طيرانه بإذن الله، ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسَعَوْا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه، ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان - وكان رجلا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان - وأنهوا إليه: أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه على الناس. فلما وصل الكتاب امتثل مُتَولِّي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر - وقيل: سبعة عشر نفرًا - وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم قال لأصحابه: أيكم يُلْقَى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتَدَب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا يَنْتَدبُ إلا ذلك الشاب - فقال: أنت هو - وألقى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة من سقف البيت، وأخذت عيسى ﵇ سِنةٌ من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [آل عمران: ٥٥]، فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.\nوهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى - وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: \" وإِن الذين اختلفوا في شأن عيسى لفي شك من قتله\" (٣).\nقال ابن كثير: \" يعني بذلك: من ادعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسُعُر\" (٤).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: حين اختلفوا في العدة من أصحابه\" (٥).\nوفي «المختلفين» في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، قولان:\nالقول الأول: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان:\nأحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم في ذلك ثلاثة أقوال (٦):\nأحدها: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون جسده، فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٧٨٠): ٩/ ٣٦٨ - ٣٧٠\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٩١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٩.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٦): ص ٤/ ١١١١.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٣، وزاد المسير: ١/ ٤٩٥\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٩٥.","vol":"7","page":511},{"text":"والثاني: أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى؟ يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي (١)، والكلبي (٢).\nوالثالث: أن ختلافهم فيه: فاليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه. وقالت طائفة من النصارى: بل نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ما قتلوه هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إليه [ونحن ننظر إليه] وقال الذين لما قتل ططيانوس: ألم تروا إنه قتل وصلب فهذا اختلافهم وشكهم. وهذا قول الكلبي أيضا (٣).\nوالثاني: أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو ولد زنى، وقول بعضهم، هو ساحر.\nوالقول الثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان (٤):\nأحدهما: أنها ترجع إلى قتله، هل قتل أم لا؟\nوالثاني: أنها ترجع إليه، هل هو إله أم لا؟\nوفي الهاء في قوله تعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧]، قولان (٥):\nأحدهما: أنها ترجع إلى قتله.\nوالثاني: إلى نفسه، هل هو إله، أم لغير رشدة (٦)، أم هو ساحر؟\nقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: \" لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن\" (٧).\nقال الحسن: \" ما استيقنته أنفسهم، ولكن ظنا منهم\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ما استيقنوا بقتله إلا اتباع الظن\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: \" وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" يعني: لم يقتلوا ظنهم يقينا\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق: \" وما قتلوه يقينا عندهم علمهم\" (١٢).\nقال الطبري: \" يقول: وما قتلوا - هذا الذي اتبعوه في المقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى - يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه على ظنّ وشبهةٍ\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، أربعة وجوه:\nأحدها: ما قتلوا ظنهم يقينا، ً كقول القائل: ما قتلته علمًا، وهذا قول ابن عباس (١٤)، وجويبر (١٥).\nوالثاني: ما قتلوا العلم به يقينا، تقول: قتلته يقينا، وقتلته علما للرأي والحديث. هذا قول الفراء (١٦)، وابن قتيبة (١٧).\nقال ابن قتيبة: \"يعني: العلم، لم يتحقّقوه ويستيقنوه، وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنّا، قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ\n_________\n(١) انظر: الكشف والبيان: ٣/ ٤١٠، وأخرج الطبري (١٠٧٩٢): ص ٩/ ٣٧٧: \" ﴿وما قتلوه يقينًا﴾، وما قتلوا أمره يقينًا أن الرجل هو عيسى، ﴿بل رفعه الله إليه﴾ \".\n(٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٢١٧.\n(٣) انظر: الكشف والبيان: ٣/ ٤١٠.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٩٥.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٤٩٥.\n(٦) في «اللسان»: وهو لرشدة، وهو نقيض زنية. هذا ولد رشدة: إذا كان لنكاح صحيح.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٧): ص ٤/ ١١١١.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٨): ص ٤/ ١١١١.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٩.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٣٩): ص ٤/ ١١١١.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤٠): ص ٤/ ١١١١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٣٧٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩٠): ص ٩/ ٣٧٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩١): ص ٩/ ٣٧٧.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٩٤.\n(١٧) انظر: تاويل مشكل القرآن: ٩٨.","vol":"7","page":512},{"text":"هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦]، أي: كلّ ذي مخلب من الطير، وكلّ ذي حافر من الدّواب كذلك قال المفسّرون\" (١).\nوالثالث: وما قتلوا أمره يقينًا أن الرجل هو المسيح أو غيره، وهذا قول السدي (٢).\nوالرابع: وما قتلوه حقًا، وهو قول الحسن (٣).\nوقال ابن الأنباري: \" «اليقين» مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل رفعه الله إليه يقينا\" (٤).\nالفوائد:\n١ - قتلهم الأنبياء؛ كزكريا ويحي وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة.\n٢ - بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى ﵇.\nالقرآن\n﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٨]\nالتفسير:\nبل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا، وطهَّره من الذين كفروا. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه.\nقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، أي: \" بل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني: بل رفع الله المسيح إليه. يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه إليه فطهَّره من الذين كفروا\" (٦).\nقال مجاهد: \" رفع الله إليه عيسى حيا\" (٧).\nعن أبي زرعة الشيباني: \" أن عيسى بن مريم رفع من جبل طور زيتا، قال: بعث الله ريحا فخفقت به حتى هرول، ثم رفعه الله إلى السماء\" (٨).\nقال ابن عباس: \" ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ (٩)، قال: ثلاثة وثلاثين سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى بن مريم -﵇-\" (١٠).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وجهان:\nأحدهما: أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد، فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعًا إليه، وهذا قول بعض البصريين (١١).\nوالثاني: أنه رفعه إلى السماء، وهو قول الحسن (١٢)، ومجاهد (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، أي: \" وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه\" (١٤).\nقال القرطبي: \" أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. ﴿حكيما﴾، حكم عليهم باللعنة والغضب\" (١٥).\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن: ٩٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩٢): ص ٩/ ٣٧٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٣٧): ص ٤/ ١١١١، والنكت والعيون: ١/ ٥٤٣، وزاد المسير: ١/ ٤٩٥.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٤٩٥.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٣٧٨.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤٢): ص ٤/ ١١١٢.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤٣): ص ٤/ ١١١٢.\n(٩) [سورة الأحقاف: ١٥].\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤١): ص ٤/ ١١١١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٤.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٤.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٢٤٢): ص ٤/ ١١١٢.\n(١٤) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٦/ ١٠.","vol":"7","page":513},{"text":"قال ابن كثير: \" أي منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم\" (١).\nقال الطبري: \" يعني: ولم يزل الله منتقمًا من أعدائه، كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه الذين قصّ قصتهم بقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله﴾، ﴿حكيمًا﴾، يقول: ذا حكمة في تدبيره وتصريفه خلقَه في قضائه، يقول: فاحذروا أيها السائلون محمدًا أن ينزل عليكم كتابًا من السماء، من حلول عقوبتي بكم، كما حل بأوائلكم الذين فعلوا فعلكم، في تكذيبهم رسلي وافترائهم على أوليائي\" (٢).\nعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: أرأيت قول الله: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾، قال ابن عباس: كذلك كان ولم يزل\" (٣).\nوفي رواية اخرى: \" أما قوله: ﴿وكان﴾، فإنه لم يزل ولا يزال وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن ...، بكل شيء عليم\" (٤).\nوفي رواية اخرى: \" ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾، قال: معنى ذلك: أنه كذلك\" (٥).\nوعن ابن عباس أيضا: \"قال يهودي: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما، فكيف هو اليوم؟ قال ابن عباس: إنه كان من نفسه عزيزا حكيما\" (٦).\nالفوائد:\n١ - تقرير رفع عيسى ﵇ إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا.\n٢ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى: «العزيز»، «الحكيم»:\nومعنى \"العزة\"؛ أي: المنعة والغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]؛ أي: غلبني وقهرني، ومن أمثال العرب: \"من عز بز\"؛ أي: من غلب استلب (٧).\nو«الحكيم»: إما فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ذو الحكم، وهو القضاء على الشيء بأنه كذا أو ليس كذا، أو فعيل بمعنى مفعل، وهو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل: لحكيم ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم \" (٨).\nوهو تعالى «الحكيم»: الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال، وحكمته نوعان (٩):\nالنوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به.\nلنوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه.\n\nالقرآن\n﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩]\nالتفسير:\nوإنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى آخر الزمان إلا آمن به قبل موته ﵇، ويوم القيامة يكون عيسى -﵇- شهيدًا بتكذيب مَن كذَّبه، وتصديق مَن صدَّقه.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٧٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤٤): ص ٤/ ١١١٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤٥): ص ٤/ ١١١٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٧٩٣): ص ٩/ ٣٧٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٤٦): ص ٤/ ١١١٢.\n(٧) انظر: معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٢١٩.\n(٨) انظر: شرح نونية ابن القيم، الهراس: ٢/ ٧٥.\n(٩) انظر: شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"7","page":514},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أي: \" وإنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى آخر الزمان إلا آمن به قبل موته ﵇\" (١).\nقال ابن عباس: \" يعني: أنه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا﴾ \" (٢).\nقال الزمخشري: \" المعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف\" (٣).\nوفي رواية عكرمة عن ابن عباس: \"لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. قال: وإن ضُرب بالسيف، يتكلم به. قال: وإن هوى، يتكلم به وهو يَهْوِي\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء لقتل الدجّال، وهذا قول ابن عباس (٥)، وأبي مالك (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، وابن زيد (٩).\nوالثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم، وهذا قول ابن عباس أيضا (١٠)، والحسن (١١)، ومجاهد (١٢)، والضحاك (١٣)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (١٤)، وابن سيرين (١٥)، والسدي (١٦)، وجويبر (١٧).\nوالثالث: إلا ليؤمنن بمحمد -ﷺ- قبل موت الكتابي، وهذا قول عكرمة (١٨).\nورجّح الطبري القول الاول، وقال: \"وأولى الأقوال بالصحة والصواب، قول من قال: تأويل ذلك: «وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى»، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة. فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم. وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره، لأن من مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله. كما أن المؤمن بمحمد، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله. فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا\" (١٩).\nقال ابن كثير: \" فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره يَتَجَلي له، كان جاهلا به،\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٨٠٧): ص ٩/ ٣٨١.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٨٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٨١٥): ص ٩/ ٣٨٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩٤)، و(١٠٧٩٥): ص ٩/ ٣٨٠، و(١٠٨٠٧): ص ٩/ ٣٨١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩٦): ص ٩/ ٣٨٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩٧)، و(١٠٧٩٨): ص ٩/ ٣٨٠، و(١٠٨٠٨): ص ٩/ ٣٨١ - ٣٨٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٧٩٩) - (١٠٨٠١): ص ٩/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٠٦): ص ٩/ ٣٨١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٠٩): ص ٩/ ٣٨٢ - رواية علي بن ابي طلحة، و(١٠٨١٤): ص ٩/ ٣٨٣. رواية سعيد بن جبير عنه، و(١٠٨١٥)، و(١٠٨١٦): ص ٩/ ٣٨٣ - ٣٨٤. رواية عكرمة عنه.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٢٣)، و(١٠٨٢٤): ص ٩/ ٣٨٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٨١٠) - (١٠٨١٢): ص ٩/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٢٢): ص ٩/ ٣٨٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٨١٧): ص ٩/ ٣٨٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٢٥): ص ٩/ ٣٨٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٢٦): ص ٩/ ٣٨٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٢٨): ص ٩/ ٣٨٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٢٩): ص ٩/ ٣٨٦.\n(١٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٨٦ - ٣٨٧.","vol":"7","page":515},{"text":"فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [النساء: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآيتين: [غافر: ٨٤، ٨٥]، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال: «ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح، ممن كفر بهما - يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته» (١) \" (٢).\nقال ابن كثير: \"فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضُرب بسيف أو افترسه سَبُع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى\" فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه.\nومن تأهل هذا جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أن هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المرادُ بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتضادّت وتعاكست وتناقضت، وخلت عن الحق، ففرّط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النصارى: تَنَقَّصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتَقَدّس لا إله إلا هو\" (٣).\nوعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: \"آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها، يعنى: هذه الآية، وقال إنى أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا يا عدو الله، أتاك موسى نبيا فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبى. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه. قال: وكان متكئا فاستوى جالسا فنظر إلى وقال: ممن؟ قلت: حدثني محمد بن على بن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها. قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن على بن الحنفية. قال: أردت أن أغيظه، يعنى بزيادة اسم على، لأنه مشهور بابن الحنفية\" (٤).\nروي عن أبي هريرة: \"أن نبيَّ الله ﷺ قال: الأنبياء إخوة لعَلاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ. وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ. وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربُوع الخَلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْط الشعر، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلل، بين ممصَّرتين، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلَّها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضلالة الكذابَ الدجال، وتقع الأمَنَة في الأرض في زمانه، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغِلمان أو: الصبيان بالحيات، لا يضرُّ بعضهم بعضًا. ثم يلبث في الأرض ما شاء الله وربما قال: أربعين سنة ثم يتوفَّى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه\" (٥).\nقال الزمخشري: [إن] قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟\nقلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]، أي: \" ويوم القيامة يكون عيسى -﵇- شهيدًا بتكذيب مَن كذَّبه، وتصديق مَن صدَّقه\" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٨٦ - ٣٨٧. [بتصرف في العبارات].\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(٤) الكشاف: ١/ ٥٨٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٨٣٠): ص ٩/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٨٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٣.","vol":"7","page":516},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ويوم القيامة يكون عيسى على أهل الكتاب ﴿شهيدًا﴾، يعني: شاهدًا عليهم بتكذيب من كذَّبه منهم، وتصديق من صدقه منهم، فيما أتاهم به من عند الله، وبإبلاغه رسالة ربه\" (٢).\nقال الزمخشري: \"يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]، وجهان:\nأحدهما: أن المسيح﵇- يكون شهيدًا بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره (٤).\nوالثاني: أنه يكون شهيدًا أنه بلَّغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه، وهذا قول قتادة (٥)، وابن جريج (٦).\nالفوائد:\n١ - أن الإيمان؛ كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.\n٢ - أن عيسى﵇- سوف ينزل في آخر هذه الأمة، عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار، يقتل الدجال، ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين (٧)، وكما جاء في الحديث: \" وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ... \" (٨) الحديث.\n٣ - أن عيسى﵇سوف يشهد يوم القيامة على أهل الكتاب ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن ولما دعاهم إليه محمد ﷺ، علمنا بذلك، لعلمنا بكمال عدالة المسيح ﵇ وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق وما عداه فهو ضلال وباطل (٩).\n\nالقرآن\n﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]\nالتفسير:\nفبسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حَرَّم الله عليهم طيبات من المأكل كانت حلالا لهم، وبسبب صدِّهم أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم.\nقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: \" أي بسبب ظلم اليهود وما ارتكبوه من الذنوب العظيمة\" (١٠).\nقال قتادة: \" عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: اليهود\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: \"حرمنا عليهم أنواعًا من الطيبات التي كانت محلّلة لهم\" (١٣).\nقال قتادة: \" حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم\" (١٤).\nقال الشَّافِعِي: \"يعني - والله تعالى أعلم - طيبات كانت أحِلت لهم\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٥٨٩.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٣٢): ٩/ ٣٩٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٣١): ٩/ ٣٩٠.\n(٧) انظر: تفسير السعدي: ٢١٣.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٨٣٠): ص ٩/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٩) انظر: تفسير السعدي: ٢١٣.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٢٩٢.\n(١١) أخرجه الطبري (١٠٨٣٣): ص ٩/ ٣٩١.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٢٩٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٠٨٣٣): ص ٩/ ٣٩١.\n(١٥) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ٤٨٠.","vol":"7","page":517},{"text":"قال مقاتل: \" يعني في الأنعام: يعني اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر لهم حلال فحرمها الله﷿- عليهم بعد موس\" (١).\nقال الماتريدي: \" لولا آية أخرى سوى هذه؛ وإلا صرفنا قوله - ﷾ -: ﴿حرمنا عليهم طيبات﴾ على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول.\nثم المنع لهم يكون من وجهين:\nأحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف - ﵇ - وسني مكة، على ما كان لهم من القحط.\nوالثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئا، لا بيعا ولا شراء ولا معروفا.\nولكن في آية أخرى بيان أن قوله: ﴿حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ - أنه على التحريم، ليس على المنع، وهو قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أخبر - ﷿ - أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ فحرم ذلك عليهم\" (٢).\nوفي حرف ابن مسعود - ﵁ - وحرف ابن عباس - ﵄ -: «حرمنا عليهم طيبات كانت أحلت لهم» (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: \" وبسبب منعهم كثيرًا من الناس عن الدخول في دين الله\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني: وبصدّهم عبادَ الله عن دينه وسبله التي شرعَها لعباده، صدًّا كثيرًا، وكان صدُّهم عن سبيل الله: بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريف معانيه عن وجوهه. وكان من عظيم ذلك: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد ﷺ، وتركهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس\" (٥).\nروي عن مجاهد في قول الله: \" ﴿وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا﴾، قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحق\" (٦).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]، وجهين (٧):\nأحدهما: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل الله: كانوا يدلون على الباطل وعلى غير سبيل الله، فذلك الصد محتمل.\nوالثاني: أنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بالقتال والحرب.\nقال الراغب: \" واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب:\nالأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا.\nالثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو مترد من التحريم والتخيل في العقل.\nوالثالث: ضرب نافع في الأحوال الدنيوية جدا، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا﴾ الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢١.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(٣) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤١٤.\n(٤) صفوة التفاسير: ٢٩٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩١.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٨٣٤): ص ٩/ ٣٩١.\n(٧) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤١٤.","vol":"7","page":518},{"text":"من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله ﵊: «صوموا تصحوا» (١)، فإن في الصوم صحة للبدن، وصحة النفس\" (٢).\nالفوائد:\n١ - المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة.\n٢ - حرمة الصد عن الإسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة.\nالقرآن\n﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦١]\nالتفسير:\nوبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه، واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق، وأعتدنا للكافرين بالله ورسوله مِن هؤلاء اليهود عذابًا موجعًا في الآخرة.\nقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، أي: \" وبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه\" (٣).\nقال الطبري: \" وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم، لفضل تأخير في الأجل بعد مَحِلِّها، ﴿وقد نهوا عنه﴾، يعني: عن أخذ الربا\" (٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" كان الله حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا الربا، فأكلوا الربا\" (٥).\nقال النسفي: \" كان الربا محرمًا عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١]، أي: \" واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق\" (٧).\nقال السمعاني: \" يعنى: الرشا\" (٨).\nقال السيوطي: أي: \" بالرشا في الحكم\" (٩).\nقال النسفي: أي: \" بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة\" (١٠).\nقال الطبري: \" يعني: ما كانوا يأخذون من الرُّشَى على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٦٢]، وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل، ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: \"هذا من عند الله\"، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرَّم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالا قبل ذلك، وإنما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بالباطل، لأنهم أكلوه بغير استحقاق، وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب\" (١١).\nقال مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿بالباطل﴾، قال: ظلما\" (١٢)، قال: \" كان الله حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا أموال الناس، فأكلوا أموال الناس، فلما فعلوا ذلك حرم الله عليهم ما كان أحل لهم في التوراة\" (١٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٣١٢)، وانظر كشف الخفاء (١/ ٥٣٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٠٤)، والضعيفة (٢٥٣).\n(٢) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٢٦.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٣): ص ٤/ ١١١٥.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤١٥.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٨) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠١.\n(٩) تفسير الجلالين: ١٣١.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٤١٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٢.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٥): ص ٤/ ١١١٦.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٤): ص ٤/ ١١١٥.","vol":"7","page":519},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١]، أي: \" وهيّأنا للكافرين بالله ورسوله مِن هؤلاء اليهود عذابًا موجعًا في الآخرة\" (١).\nقال مقاتل: قوله: \" ﴿وأعتدنا للكافرين منهم﴾﴾، يعني: من اليهود\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ﴿عذابا أليما﴾، يقول: نكالا موجعا\" (٣).\nقال السيوطي: أي: \" مؤلما\" (٤).\nقال الطبري: \" يعني: وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد ﷺ من هؤلاء اليهود، العذاب الأليم، وهو الموجع من عذاب جهنم عنده، يصلونها في الآخرة، إذا وردوا على ربهم، فيعاقبهم بها\" (٥).\nقال الراغب: \" لما نبه بما تقدم أنهم كفروا، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون ذلك العذاب، أنهم من جملتهم\" (٦).\nالفوائد:\n١ - حرمة الربا وأنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة.\n٢ - حرمة أكل أموال الناس بالباطل؛ كالسرقة والغش والرشوة.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٣. [بتصرف].\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٦): ص ٤/ ١١١٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٧): ص ٤/ ١١١٦.\n(٤) تفسير الجلالين: ١٣١.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٢.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٢٦.","vol":"7","page":520},{"text":"القرآن\n﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾ [النساء: ١٦٢]\nالتفسير:\nلكنِ المتمكنون في العلم بأحكام الله من اليهود، والمؤمنون بالله ورسوله، يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن، وبالذي أنزل إلى الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل، ويؤدُّون الصلاة في أوقاتها، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء، أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس: \" نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد، حين فارقوا يهود وشهدوا أن الذي جاء به رسول الله ﷺ حق من الله، وأنهم يجدونه مكتوبا عندهم\" (١).\nوفي السياق نفسه قال مقاتل: \" وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبيﷺ-: إن اليهود لتعلم أن الذي جئت به حق، وإنك لمكتوب عندهم في التوراة. فقالت اليهود: ليس كما تقولون: وإنهم لا يعلمون شيئا وإنهم ليغرونك ويحدثونك بالباطل، فقال الله﷿-: ﴿لكن الراسخون في العلم﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \" لكن المتمكنون في العلم منهم والثابتون فيه\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: ابن سلام وأصحابه من اليهود\" (٤).\nقال الطبري: \" وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع\" (٦).\nقال الراغب: \" الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته وتحققه بها، وكونه من الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]ـ فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيث ما وجدوه يتبعوه، فالحق لا ينافي بعضه بعضا\" (٧).\nعن فياض الرقي، عن عبد الله بن يزيد -وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنسا وأبا الدرداء، وأبا أمامة-، قال: \"حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ سئل عن: «الراسخين في العلم»، فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه، فهو من الراسخين في العلم\" (٨).\nوإن قيل: \"ما وجه لكن ها هنا؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر، فما الذي أبطل ها هنا؟\nقيل: لكن وإن كان كما قلت، فتارة تجيء بعد نفي، ما جاءني زيد ولكن عمرو، وتارة تجيء بعد إيجاب، والإبطال فيه مقدر، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم، وألزمهم المذمة، بين أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب، بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \"والمؤمنون بالله ورسوله\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: أصحاب محمدﷺ- من غير أهل الكتاب\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٩): ص ٤/ ١١١٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢. وأسلوب العبارة ركيك ومضمونها: أن اليهود كذبت عبد الله بن سلام وأصحابه وأخبرت النبي أنهم جهلة لا يعلمون شيئا وأنهم يغرون النبي ويحدثونه بالباطل.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٩٢.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٣.\n(٦) تففسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(٧) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٢٦.\n(٨) اخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٦٨): ص ٤/ ١١١٦.\n(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٢٧.\n(١٠) انظر: التفسير الميسر: ١٠٣، وصفوة التفاسير: ٢٩٢.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢.","vol":"7","page":521},{"text":"قال ابن كثير: \" عطف على الراسخين، وخبره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ \" (١).\nقال الطبري: \" يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \" يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" يؤمنون بك وبما أنزل إليك من الكتاب، وبما أنزل من قبلك من سائر الكتب\" (٤).\nقال قتادة: \" استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \" يؤدُّون الصلاة في أوقاتها\" (٦).\nقال مقاتل: \" ثم نعتهم فقال- سبحانه-: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ \" (٧).\nقال الحسن: \" فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها والزكاة فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها\" (٨).\nقال الزهري: \"إقامتها: أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها\" (٩).\nواختلفوا في نصب ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ [النساء: ١٦٢]، على أربعة أقوال (١٠):\nأحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة (١١)، ووأبان بن عثمان (١٢).\nوروي عن عثمان بن عفان أنه قال: \"إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيره؟ فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا\" (١٣).\nوقد قرأ ابن مسعود، وأبي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: «والمقيمون الصلاة» بالواو (١٤).\nقال الأنباري: \"حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده\" (١٥).\n_________\n(١) تففسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(٣) انظر: التفسير الميسر: ١٠٣، وصفوة التفاسير: ٢٩٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٤.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٨٣٦): ص ٩/ ٣٩٤.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٢): ص ٤/ ١١١٧.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٢): ص ٤/ ١١١٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨، وزاد المسير: ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٣٨): ص ٩/ ٣٩٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٣٧): ص ٩/ ٣٩٥.\n(١٣) لا يصح مثل هذا عن عثمان بن عفان ﵁. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (١٥٩ - ١٦٠) ح ٢٠/ ٤٩ وابن أبي داود في «المصاحف» ص (٤٢) كلاهما عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، وهذا مرسل، فهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي داود ص ٤١ عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، وهذا معضل مع جهالة القرشي هذا، وكرره من وجه آخر، عن قتادة، وهو مرسل ومع إرساله فيه من لم يسم، وكرره ص ٤١ - ٤٢ من وجه آخر عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن عبد الله بن خطيم، عن يحيى بن يعمر، عن عثمان به، وهذا إسناد ضعيف لجهالة بن خطيم هذا، وهذه الروايات جميعا واهية لا تقوم بها حجة وهذا الخبر باطل لا أصل له عن عثمان، والذي صح في ذلك ما أخرجه البخاري ٤٩٨٤ عن الزهري، عن أنس، قال: فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا» وهو بعض حديث اختصره البخاري في هذه الرواية، وكرره ٤٩٨٧ عن أنس، عن حذيفة بن اليمان فذكر حديثه، وفيه «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا ....» فهذا الذي صح عن عثمان رضي لله عنه، وهو يدفع ما تقدم ويبطله، فإن عثمان بن عفان قد اختار ثلاثة من قريش وهم أفصح العرب، وأمر زيدا أن يكتب بلغتهم- أي لغة قريش- كل ما اختلفوا فيه، فإذا عثمان لم يترك شيئا لمن بعده من العرب، وهل هناك أفصح من أصحاب رسول الله ﷺ آنذاك أم هل يخفى لحن على أصحاب رسول الله ﷺ ويسكتون على ذلك، وقد كان أبي بن كعب يقوم فيهم رمضان وهم متوافرون؟ ! .\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨، وزاد المسير: ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨.\n(١٥) زاد المسير: ١/ ٤٩٨.","vol":"7","page":522},{"text":"قال البغوي: \"وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح\" (١).\nقال مكي بن أبي طالب: \" وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط\" (٢).\nقال الزجاج: \" وقال بعضهم: في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها، وهذا\nالقول عند أهل اللغة بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن أصحاب رسول الله - ﷺ - وهم أهل اللغة وهم القدوة وهم قريبو العهد بالإسلام فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله - ﷺ - وجمعوه، وهذا ساقط عمن لا يعلم بعدهم وساقط عمن يعلم، لأنهم يقتدى بهم فهذا مما لا ينبغي أن ينسب إليهم رحمة الله عليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب، كما قال ﷿: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت: ٤٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه باب المدح قد بينوا فيه صحة هذا وجودته\" (٣).\nقال الزبير: \"قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة﴾؟ قال: إن الكاتب لما كتب: \"لكن الراسخون في العلم منهم\"، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: ﴿والمقيمين الصلاة﴾، فكتب ما قيلَ له\" (٤).\nوعن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: \"والمقيمين الصلاة\"، وعن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [سورة المائدة: ٦٩]، وعن قوله: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [سورة طه: ٦٣] (٥)، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، أخطئوا في الكتاب\" (٦).\nقال أبو الحسن: \" وهذان الخبران لا يصححهما أهل النظر\" (٧).\nوالثاني: أنه مخفوض عطفا على قوله: ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة (٨). وهذا اختيار الطبري (٩).\nقال ابن كثير: \"وفي هذا نظر\" (١٠).\nوالثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله: ﴿منهم﴾، فالمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك (١١).\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٧٢١.\n(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٧/ ٤٦٦٣.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٣١.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٨٣٧): ص ٩/ ٣٩٥.\n(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في \"الفتاوى\" ٢/ ٢٥٢: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ لحن وأن عثمان -﵁- قال: إن في المصحف المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح.\nوقال في \"تفسيره\" ٥/ ٢٠٩: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط\".\nوقال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٤: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلًا ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي -ﷺ- ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه. وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه \"رسم المصحف\" ص ١٣١ بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - .. ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ١٤، \"دقائق التفسير\" ٥/ ٢٠٢، \"الإتقان\" ١/ ١٨٢، \"مناهل العرفان\" ١/ ١٨٦، \"رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين\" ص ١٣١.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٨٣٨): ص ٩/ ٣٩٥.\n(٧) النكت في القرآن الكريم: ٣٢٠.\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٧.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(١١) انظر: معاني القرآن للفراء: ٢/ ١٣١، وزاد المسير: ١/ ٤٩٨.","vol":"7","page":523},{"text":"قال الزجاج: \" وهذا عند النحويين رديء، أعني العطف على الهاء والميم لأنه لا يعطف بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في شعر\" (١).\nوالرابع: أنه منصوب على المدح، فالمعنى: اذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، قالوا: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الخرنق بنت بدر بن هفان (٢):\nلا يَبْعَدَن قومي الذين همُو ... سُمّ العداة وآفة الجُزرِ\nالنازلين بكل مُعْتركٍ ... والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ\nوهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك: مررت بزيد الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره. فالخفض هو الكلام، وإن أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريم، كأنك قلت: اذكر الكريم، وإن شئت رفعت على معنى: هو الكريم. وتقول: جاءني قومك المطعمين في المحل، والمغيثون في الشدائد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار الخليل (٣)، وسيبويه (٤).\nفهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار القول الأخير (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \" ويخرجون زكاة أموالهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: المعطون الزكاة\" (٧).\nقال ابن كثير: \" يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \" ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء\" (٩).\nقال مقاتل: \" أنه واحد لا شريك له، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها\" (١١).\nقال النضر بن شميل: \"تفسير «المؤمن»: أنه أمن من عذاب الله\" (١٢).\nقال قتادة: \" المؤمنون: هم العجاجون بالليل والنهار، والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿واليوم الآخر﴾، يعني: ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال\" (١٤).\nقال الراغب: \" وقد ذكر تعالى عامة الإيمان الاعتقادي، فإن جماعة ذلك هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية، ولم يذكر «الملائكة» ها هنا في ضمن الإيمان ﴿وما أنزل﴾ إيمانا بالملائكة الذين نزلوا به وإنما قدم الإيمان بالنبي - ﷺ - على الإيمان بالله ها هنا لأن القصد من الآية إليه، والمذكور بعده على سبيل التبع، وذكر من الإيمان العملي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهما ركنا العبادة، وعلى هذا يخصهما في عامة الآيات من بين العبادات\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٦٢]، أي: \" أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة\" (١٦).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٣١.\n(٢) ديوانه: ٢٩.\n(٣) انظر: مجاز القرآن لابي عبيدة: ١/ ١٤٢ - ١٤٣، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٢ - ١٣٣، وزاد المسير: ١/ ٤٩٨.\n(٤) انظر: مجاز القرآن لابي عبيدة: ١/ ١٤٢ - ١٤٣، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٢ - ١٣٣، وزاد المسير: ١/ ٤٩٨.\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٣.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٣): ص ٤/ ١١١٧.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٤): ص ٤/ ١١١٧.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٥): ص ٤/ ١١١٧.\n(١٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٣٠.\n(١٦) التفسير الميسر: ١٠٣.","vol":"7","page":524},{"text":"قال ابن كثير: \" يعني: الجنة\" (١).\nقرأ حمزة: «سيؤتيهم»، بالياء، والباقون بالنون (٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.\n(٢) انظر: تفسير البوغي: ٢/ ٣١٠.","vol":"7","page":525},{"text":"١ - أن من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك؛ كعبد الله بن سلام وآخرين.\n٢ - الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات.\n٣ - فضل إقام الصلاة لنصب \"والمقيمي الصلاة\" في الآية على المدح والتخصيص.\nالقرآن\n﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]\nالتفسير:\nإنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان. وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة.\nسبب النزول:\nعن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \"قال عدي بن زيد: يا محمد! ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى؛ فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآيات كلها\" (١). [ضعيف].\nوفي المعنى نفسه قال مقاتل: \" وذلك أن عدي بن زيد وصاحبيه اليهود قالوا للنبيﷺ- والله ما أوحى الله إليك، ولا إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله - ﷿- فقال: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، أي: \" إنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده\" (٣).\nقال الربيع: \" أوحى الله إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من بعده\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني ﴿من بعد نوح﴾: هود وصالح\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]، أي: \" وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان\" (٦).\nقال مقاتل: \" ﴿والأسباط﴾، يعني: بني يعقوب يوسف وإخوته\" (٧).\nقال ابو العالية: \" ﴿والأسباط﴾، هو يوسف وأخوته بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط\" (٨). وروي عن قتادة (٩)، والربيع بن أنس (١٠) نحو ذلك.\nقال السدي: \" ﴿والأسباط﴾: هم بنو يعقوب يوسف وبنيامين وروبيل ويهوذا وشمعون ولاوي ودان وقهاب\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٨٤٠): ص ٩/ ٤٠٠. ورواية الطبري: \" قال سُكَين وعدي بن زيد: يا محمد، ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى! فأنزل الله في ذلك من قولهما: \" إنا ... \".\nوالبيهقي في \"دلائل النبوة\": ٢/ ٥٣٥، وابن مردويه في \"تفسيره\" -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٣٧٩): ص ١٠/ ٣٥٣، ٣٥٤، -جميعهم من طريق ابن إسحاق -وهذا في \"المغازي\" له (٢/ ١٩١ - سيرة ابن هشام).\nوأخرجه أيضا ابن ابي حاتم (٦٢٧٨): ص ٤/ ١١١٨، وروايته: \" قال سكين ومحمد وعدي بن يزيد: يا محمد\".\nوهذا سند ضعيف؛ لجهالة محمد بن أبي محمد شيخ ابن إسحاق.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٣.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٦): ص ٤/ ١١١٧.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٣.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٣.\n(٨) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٧٩): ص ٤/ ١١١٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٢٧٩): ص ٤/ ١١١٨.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٢٧٩): ص ٤/ ١١١٨.\n(١١) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٨٠): ص ٤/ ١١١٨.","vol":"7","page":526},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، أي: \" وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة\" (١).\nقال ابن كثير: \" الزبور: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود، ﵇\" (٢).\nعن الربيع: \"قوله: ﴿وآتينا﴾، قال: أعطاه الله\" (٣)، \" «الزبور»: ثناء على الله ودعاء وتسبيح\" (٤).\nقال مقاتل: \" ليس فيه حد ولا حكم ولا فريضة ولا حلال ولا حرام، خمسين ومائة سورة، فأخبره الله بهن ليعلموا أنه نبي\" (٥).\nقرأ حمزة وحده: ﴿زبورا﴾، بضم الزاى حيث وقع هذا الحرف، وقرأ الباقون: ﴿زبورا﴾، مفتوحتين (٦).\nالفوائد:\n١ - تقرير مبدأ الوحي الإلهي.\n٢ - أول الرسل نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ.\nالقرآن\n﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]\nالتفسير:\nوأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك في القرآن من قبل هذه الآية، ورسلا لم نقصصهم عليك لحكمة أردناها. وكلم الله موسى تكليمًا؛ تشريفًا له بهذه الصفة.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" فقالت اليهود: ذكر محمد النبيين ولم يبين لنا أمر موسى أكلمه الله أم لم، يكلمه؟ فأنزل الله﷿- في قول اليهود: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل﴾ \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: \" وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك في القرآن\" (٨).\nقال مقاتل: \" هؤلاء بمكة في الأنعام (٩) وفي غيرها، لأن هذه مدنية\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها، وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى -عليهم الصلاة والسلام- وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: \" ورسلا لم نقصصهم عليك لحكمة أردناها\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن\" (١٣).\nقال علي: \" بعث الله نبيا عبدا حبشيا فهو ممن لم يقصه على محمد ﷺ\" (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٩.\n(٣) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٨٢): ص ٤/ ١١١٨.\n(٤) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٨١): ص ٤/ ١١١٨.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٦) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٠.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٩) يشير إلى الآيات: (٨٣ - ٨٧)، من سورة الأنعام وبدايتها: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ..﴾ الآيات.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٩.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٩.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٨٤): ص ٤/ ١١١٩، وفي رواية (٦٢٨٥): ص ٤/ ١١١٩: \" بعث نبي من الحبش فهو ممن لم يقصه على محمد ﷺ\".","vol":"7","page":527},{"text":"عن أبي أمامة قال: \"قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا\" (١).\nوعن أنس قال: \"قال رسول الله ﷺ: «بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس» \" (٢).\nوعن عن أنس أيضا قال: \"قال رسول الله ﷺ: «بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل» \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: \" وكلم الله موسى تكليمًا؛ تشريفًا له بهذه الصفة\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: مشافهة وهو ابن أربعين سنة ليلة النار، ومرة أخرى حين أعطي التوراة\" (٥).\nقال الزجاج: \" أخبر الله ﷿ بتخصيص نبي ممن ذكر، فأعلم ﷿ أن موسى\nكلم بغير وحي، وأكد ذلك بقوله تكليما، فهو كلام كما يعقل الكلام لا شك في ذلك\" (٦).\nقال ابن كثير: \" وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم\" (٧).\nعن جابر بن عبد الله قال: \"لما كلم الله تعالى موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه. قال:\nألم تروا إلى صوت الصواعق فإنها قريب منه وليس به\" (٨).\nوقال كعب: \" إن الله تعالى لما كلم موسى بالألسنة كلها سوى كلامه، فقال له موسى:\nأي رب هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: أي رب فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا. قال: وأشد خلقي شبها بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق\" (٩).\nوروي عن كعب ايضا، قال: \"كلم الله موسى مرتين\" (١٠).\nوروي عن ابن داود في قول الله تعالى: \" ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ قال: مرارا\" (١١).\nوعن أبي عصمة في قول الله تعالى: \" ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، قال: مشافهة\" (١٢).\nعن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله ﷺ: «لَما كلم الله موسى كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصفا في الليلة الظلماء» \" (١٣).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة الكلام لله -تعالى- كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه كلم نبيه موسى -﵇- حقيقة بلا وساطة.\n٢ - ذكر أن الرسل منهم من قصه الله على رسوله ومنهم من لم يقصصه عليه وهذا يدل على كثرتهم.\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٨٣): ص ٤/ ١١١٨.\n(٢) مسند أبي يعلى: ٧/ ١٦٠، ورواه أبو نعيم في الحلية: ٣/ ٥٣. قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢١٠): \"فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدًا\".\n(٣) رواه ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٤٧١، وقال: \" وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح\".\nورواه أبو نعيم في الحلية: ٣/ ١٦٢، وقال: \"غريب\".\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٣٣.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٤.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٨٦): ص ٤/ ١١١٩. قال ابن كثير: ٢/ ٤٧٥: \" وهذا إسناد ضعيف\".\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٨٧): ص ٤/ ١١١٩.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٨٨): ص ٤/ ١١٢٠.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٨٩): ص ٤/ ١١٢٠.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٩٠): ص ٤/ ١١٢٠.\n(١٣) ورواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٧٧)، من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٠٣): \"فيه الحسين بن أبي جعفر الجفري: وهو متروك\"، قال ابن كثير: ٢/ ٤٧٤: \" وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا\".","vol":"7","page":528},{"text":"القرآن\n﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]\nالتفسير:\nأرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي; لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره.\nقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، أي: \" أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي\" (١).\nعن ابن عباس: \" قوله: ﴿مبشرا﴾، قال: مبشرا بالجنة\" (٢)، \" قوله: ﴿نذيرا﴾، قال: نذيرا من النار\" (٣).\nقال مقاتل: \" ﴿مبشرين﴾ بالجنة، ﴿ومنذرين﴾ من النار\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب\" (٥).\nقال السمرقندي: \" أي: أرسلنا رسلا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار\" (٦).\nقال الثعلبي: \" سمى الله تعالى النبيين بهذين الاسمين، فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ثم سمى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، ثم سمى نبينا خاصة بهذين الاسمين، فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩] \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، أي: \" لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل\" (٨).\nقال السدي: \" فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا\" (٩).\nعن أبي مالك قوله: \" ﴿لئلا﴾، يعني: لكيلا\" (١٠).\nقال مقاتل: \" فيقولوا يوم القيامة: لم يأتنا لك رسول\" (١١).\nقال مكي بن أبي طالب: \" أي: كيلا يقولوا: هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤ - القصص: ٤٧] \" (١٢).\nقال الثعلبي: أي: \" فيقول: ما أرسلت إلينا رسولا فنتبع وما أنزلت علينا كتابا. وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] \" (١٣).\nقال الزجاج: أي: \" يبين، لأن الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله جل وعز يبينه ويعلم مع إبانته أنه حق\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٩١): ص ٤/ ١١٢٠.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٩٢): ص ٤/ ١١٢٠.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٣.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٥.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٥٨.\n(٧) الكشف والبيان: ٣/ ٤١٦.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٨٤٩): ص ٩/ ٤٠٨.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٩٣): ص ٤/ ١١٢٠.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٣.\n(١٢) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٥٣٥.\n(١٣) الكشف والبيان: ٣/ ٤١٦.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ١٣٤.","vol":"7","page":529},{"text":"تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] \" (١).\nوقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، -﵁- قال: \"قال رسول الله ﷺ: «لا أحَدَ أغَيْرَ من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظَهَر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبَّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحدَ أحَبَّ إليه العُذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين\" وفي لفظ: \"من أجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه» \" (٢).\nقال السمرقندي: \" ولو إن الله تعالى لم يرسل رسولا كان ذلك عدلا منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلا منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، أي: \" وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره\" (٤).\nقال السمرقندي: أي: \" ﴿عزيزا﴾ بالنقمة لمن يجحده، ﴿حكيما﴾، حكم إرسال الرسل والأنبياء ﵈\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: ولم يزل الله ذا عِزة في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، على كفره به، ومعصيته إياه، بعد تثبيته حجَّتَه عليه برسله وأدلَّتَه \" حكيمًا \"، في تدبيره فيهم ما دبّره\" (٦).\nالفوائد:\n١ - بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي الحجة على الناس يوم القيامة.\nقال السعدي: \" فلم يبق للخلق على الله حجة لإرساله الرسل تترى يبينون لهم أمر دينهم ومراضي ربهم ومساخطه وطرق الجنة وطرق النار فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه\" (٧).\n٢ - أن الله أرسل الرسل مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم بالسعادة الدنيوية والأخروية ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين.\n٣ - أن من كمال عزته تعالى وحكمته، أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وذلك أيضا من فضله وإحسانه حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر فأزال هذا الاضطرار فله الحمد وله الشكر ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم إنه جواد كريم (٨).\n٤ - ومن اسمائه تعالى: «العزيز»: \" هو المنيع الذي لا يغلب\" (٩)، و«الحكيم»: \" هو المحكم لخلق الأشياء\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٥.\n(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠).\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٥٨.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٥٨.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٤٠٨.\n(٧) تفسير السعدي: ٢١٤.\n(٨) انظر: تفسير السعدي: ٢١٤.\n(٩) شأن الدعاء: ١/ ٤٧.\n(١٠) شأن الدعاء: ١/ ٧٣.","vol":"7","page":530},{"text":"القرآن\n﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]\nالتفسير:\nإن يكفر بك اليهود وغيرهم -أيها الرسول- فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم، أنزله بعلمه، وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك، وشهادة الله وحدها كافية.\nفي سبب نزول الآية وجهان:\nأحدهما: عن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \"دخل على رسول الله - ﷺ - جماعة من يهود، فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله»، فقالوا: ما نعلم ذلك؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ \" (١). [ضعيف].\nوالثاني: ونقل الواحدي عن الكلبي: \"إن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: سألنا عنك اليهود فزعموا أنهم لا يعرفونك، فأتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا رسولا، فنزلت هذه الآية: ﴿لكن الله يشهد﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: \" إِن لم يشهد لك هؤلاء بالنبوة فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم\" (٣).\nقال مكي بن ابي طالب: \" المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فإن الله يشهد أنه أنزله إليك\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" إن يكفر بالذي أوحينا إليك، يا محمد، اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: «ما أنزل الله على بشر من شيء» فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من كتابه ووحيه\" (٥).\nقال ابن كثير: \" لما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر السياق، إثبات نبوته -ﷺ- والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾، أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو: القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: \" أنزل ذلك إليك بعلمه\" (٧).\nقال مكي بن ابي طالب: أي: \"بعلم منه أنك خِيرته من خلقه\" (٨).\nقال الزجاج: \" أي: أنزل القرآن الذي فيه علمه\" (٩).\nقال الطبري: اي: \" أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خِيرَته من خلقه، وصفِيُّه من عباده\" (١٠).\nقال ابن كثير: \"أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة، التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يُعْلِمَه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] \" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري (١٠٨٥٠)، و(١٠٨٥١): ٩/ ٤٠٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٧٥٠)، وزاد نسبته لابن المنذر.\nوسنده ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق.\n(٢) أسباب النزول: ١٨٧.\n(٣) صفوة التفاسير: ٢٩٥، والتفسير الميسر: ١٠٤.\n(٤) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٥٣٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٤٠٩.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٠٩.\n(٨) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٥٣٥.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٣٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩، ٤٠٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.","vol":"7","page":531},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: \" وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك\" (١).\nقال مكي بن ابي طالب: أي: \"ويشهد بذلك ملائكته\" (٢).\nقال ابن ابي زمنين: اي: \" أنه أنزله إليك\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك\" (٤).\nقال الواحدي: أي: يشهد \" لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، أي: \" وشهادة الله وحدها كافية\" (٦).\nقال الواحدي: \"أَيْ: كفى الله شهيدا\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وحسبك بالله شاهدًا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذَّبك\" (٨).\nقال الزجاج: \" معناه: وكفى الله شهيدا، و«الباء» دخلت مؤكدة، المعنى: اكتفوا بالله في شهادته\" (٩).\nقال السمعاني: \" فإن قيل: إذا شهد الله له بالرسالة، فأي حاجة إلى شهادة الملائكة؟\nقيل: لأن الذين حضروا عند النبي، كان عندهم أنهم علماء الأرض؛ فقالوا: نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، فقال الله تعالى: إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم الملائكة، على مقابلة زعمهم وظنهم؛ لا للحاجة إلى شهادتهم؛ فإنه قال: ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ \" (١٠).\nالفوائد:\n١ - شهادة الرب ﵎ والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ﷺ.\n٢ - إن ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد ﷺ بالنبوة والرسالة.\n٣ - و«الشهيد»: اسم من أسمائه تعالى، أي: \"المطَّلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات، خفيّها وجليها. وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما عملوه\" (١١).\nقال الخطابي: \" الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء، وقد قال -سبحانه -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة/١٨٥]، أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨]، قيل: معناه: علم الله\" (١٢).\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ [النساء: ١٦٧]\nالتفسير:\nإن الذين جحدوا نُبُوَّتك، وصدوا الناس عن الإسلام، قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: \" إن الذين جحدوا نُبُوَّتك\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٥٣٥.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٤٢٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٩، ٤٠٩.\n(٥) الوجيز: ٣٠٢.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٧) الوجيز: ٣٠٢.\n(٨) تفسير الطبري: ٩، ٤٠٩.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٣٤.\n(١٠) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٤.\n(١١) تفسير السعدي: ٩٤٨.\n(١٢) شأن الدعاء: ١/ ٧٥ - ٧٦.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٤.","vol":"7","page":532},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: كفروا في أنفسهم فلم يتبعوا الحق\" (١).\nقال الطبري: أي: \" الذين جحدوا، يا محمد، نبوتك بعد علمهم بها، من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: \" وصدوا الناس عن الإسلام\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: صرفوا الناس عن دين الله\" (٤).\nقال ابن كثير: أي\" وسَعوْا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به\" (٥).\nقال السمعاني: \" صدهم عن سبيل الله كان بكتمان نعت محمد\" (٦).\nقال الطبري: \" يعني: عن الدين الذي بعثَك الله به إلى خلقه، وهو الإسلام. وكان صدهم عنه، قِيلُهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: «ما نجد صفة محمد في كتابنا!»، وادعاءهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوّة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبِّطون الناس بها عن اتباع رسول الله ﷺ والتصديق به وبما جاء به من عند الله\" (٧).\nعن مجاهد قوله: \" ﴿عن سبيل الله﴾، عن الحق\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧]، أي: \" قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: طويلا\" (١٠).\nقال الطبري: \" يعني: قد جاروا عن قصد الطريق جورًا شديدًا، وزالوا عن المحجّة\" (١١).\nقال ابن كثير: أي: \"قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبَعُدُوا منه بعدًا عظيما شاسعًا\" (١٢).\nقال السمعاني: \" أي: هلكوا، والضلال: الهلاك\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل اله والظلم، وهذا كفر اليهود، العياذ بالله.\nقال السعدي: \" وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان\" (١٤).\n٢ - أن أشد الناس ضلالا من كان ضالا ويعتقد فى نفسه أنه محق، ويتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال، فهو قد سار فى سبيل الشيطان، وبعد عن سبيل الله، فلم يعد يفقه أنها هى الموصلة إلى خير العاقبة (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٠.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(٦) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٤.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٠.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٩٧): ص ٤/ ١١٢١.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(١٣) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٤.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢١٥.\n(١٥) انظر: تفسير المراغي: ٦/ ٢٥.","vol":"7","page":533},{"text":"القرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾ [النساء: ١٦٨]\nالتفسير:\nإن الذين كفروا بالله وبرسوله، وظلموا باستمرارهم على الكفر، لم يكن الله ليغفر ذنوبهم، ولا ليدلهم على طريق ينجيهم.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: \" إن الذين كفروا بالله وبرسوله\" (١).\nقال السمرقندي: \" أي: جحدوا \" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: اليهود كفروا بمحمد والقرآن\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: \" وظلموا باستمرارهم على الكفر\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: وأشركوا بالله\" (٥).\nعن إبراهيم قوله: \" ﴿وظلموا﴾، قال: الظلم: الفاحشة\" (٦).\nقال السمعاني: \" فإن قال قائل: أي معنى لقوله: ﴿وظلموا﴾ وقد قال: ﴿كفروا﴾ وظلمهم كفرهم؟\nقيل: معناه: كفروا بالله، وظلموا محمدا بكتمان نعته\" (٧).\nقال السعدي: \" وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه، والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: \" لم يكن الله ليغفر ذنوبهم\" (٩).\nقال السمرقندي: \" أي: ما داموا على كفرهم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم\" (١١).\nقال السمعاني: \" قيل: ذكره تأكيدا ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ في هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨]، أي: \" ولا ليدلهم على طريق ينجيهم\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: سبيلا إلى الخير\" (١٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام\" (١٥).\nقال السمعاني: \"يعني: الإسلام\" (١٦).\nالفوائد:\n١ - سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك ويهلك.\n٢ - أنه انسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا وبسبب استمرارهم في طغيانهم وازديادهم في الكفر، فطبع على قلوبهم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [فصلت: ٤٦].\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٩٨): ص ٤/ ١١٢١.\n(٧) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٤.\n(٨) تفسير السعدي: ٢١٥.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(١٢) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٤.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(١٥) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(١٦) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٥.","vol":"7","page":534},{"text":"القرآن\n﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٩]\nالتفسير:\nإلا طريق جهنم ماكثين فيها أبدًا، وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: \" لن يهديهم إِلا إِلى الطريق الموصلة إِلى جهنم\" (١).\nقال السمرقندي يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم. ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: طريق الكفر، فهو يقود إلى جهنم\" (٣).\nقال السمعاني: \" يعنى: اليهودية\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: \" ماكثين فيها أبدًا\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لا يموتون\" (٦).\nوعن ابن عباس: \" ﴿خالدين فيها أبدا﴾، قال: لا انقطاع له\" (٧).\nقال السمرقندي: \" أي: دائمين فيها\" (٨).\nقال المراغي: \" أي: يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدا لا يخرجون منها\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩]، أي: \" وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعنى: عذابهم على الله هينا\" (١١).\nقال السمرقندي: \" أي: خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي: وكان ذلك الجزاء سهلا على الله دون غيره، لأنه مقتضى حكمته وسننه، وليس بالعزيز على قدرته\" (١٣).\nقال الطبري: \" يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا، لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه\" (١٤).\nقال البغوي: \" وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - أن طريق جهنم هى الطريق التي ينتهى إليها من دسى نفسه بالكفر والظلم، وأوغل فى السير فيها طول عمره، واستمرأ الشرور والمفاسد، حتى هوت به إلى واد سحيق.\n٢ - أن الآية تحقير لأمر اليهود وبيان، لأن الله لا يعبأ بهم ولا يبالى بشأنهم.\n\nالقرآن\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٢٩٦.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(٤) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٥.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٠): ص ٤/ ١١٢١.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠١): ص ٤/ ١١٢١.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(٩) تفسير المراغي: ٦/ ٢٦.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٣٥٩.\n(١٣) تفسير المراغي: ٦/ ٢٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤١١ - ٤١٢.\n(١٥) تفسير البغوي: ٢/ ٣١٣.","vol":"7","page":535},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠]\nالتفسير:\nيا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالإسلام دين الحق من ربكم، فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم، وإن تُصرُّوا على كفركم فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض. وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: \" يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالإسلام دين الحق من ربكم\" (١).\nقال مقاتل: \" يعنى: محمدا، ﴿بالحق﴾، يعنى: بالقرآن ﴿من ربكم﴾ \" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: قد جاءكم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي من الله، ﷿\" (٣).\nقال السمرقندي: \" أي: بشهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: ببيان الحق. ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ﴿يا أيها الناس﴾، أي: الفرقين جميعا من الكافرين والمنافقين\" (٥).\nوعنه أيضا: \" يعني: أهل مكة\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: \" فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني: صدقوا بالقرآن فهو خير لكم من الكفر\" (٨).\nقال ابن كثير: أي: \" فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم\" (٩).\nقال الطبري: \" فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن الذي جاءكم به محمد ﷺ خيرا لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: \" وإن تُصرُّوا على كفركم، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض\" (١٢).\nقال مقاتل: \" من الخلق\" (١٣).\nقال الطبري: \" يقول: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دون الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدًا ﷺ، وذلك أن لله ما في السموات والأرض، ملكًا وخلقًا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه، من ملكه وسلطانه شيئًا\" (١٤).\nقال السمرقندي: \" أي: إن تجحدوا بالله وبمحمد ﷺ، فإن الله غني عنكم فإن لله ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه\" (١٥).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٥٩.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٢): ص ٤/ ١١٢٢.\n(٦) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٥٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٢.\n(١١) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٥٩.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٢.\n(١٥) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٥٩.","vol":"7","page":536},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: \" وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره\" (٢).\nقال السمرقندي: أي: \" ﴿وكان الله عليما﴾ بخلقه، ﴿حكيما﴾، في أمره\" (٣).\nقال ابن كثير: \"أي: [﴿عَلِيمًا﴾] بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغَوَاية فيغويه ﴿حَكِيمًا﴾، أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره\" (٤).\nالفوائد:\n١ - في الآية دليل على عموم رسالة نبي الله ورسوله محمد ﷺ، لان المعنى: فإذا كانت السموات والأرض قد خضعتا لله تعالى كونًا وقدرًا خضوع سائر ملكه، فأولى بكم أن تؤمنوا بالله وبرسوله محمد ﷺ، وبالقرآن الذي أنزله عليه، وأن تنقادوا لذلك شرعًا حتى يكون الكون كلُّه خاضعًا لله قدرًا وشرعًا.\n٢ - إثبات صفتي: «العلم» و«الحكمة» لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم.\nفالله هو «العليم»، أي: المحيط علمه بكل شي، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٥).\nقال الخطابي: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق\" (٦).\nوأما «الحكيم»، فيدل هذا الاسم الكريم على أن الحكم لله، ويدل على أن الله موصوف بالحكمة، لأن الإحكام هو الإتقان، والإتقان وضع الشيء في موضعه. ففي الآية إثبات حكم وإثبات حكمة:\nفالله ﷿ وحده هو الحاكم، وحكم الله إما كوني وإما شرعي:\n- فحكم الله الشرعي ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من شرائع الدين، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠].\n- وحكم الله الكوني: ما قضاه على عباده من الخلق والرزق والحياة والموت ونحو ذلك من معاني ربوبيته ومتقتضياتها، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] (٧).\nومن فوائد اقتران الاسمين: «العليم، والحكيم»: أن الإيمان بعلم الله وحكمته يستلزم الطمأنينة التامة لما حكم به من أحكام كونية وشرعية، لصدور ذلك عن علم وحكمة، فيزول عنه القلق النفسي وينشرح صدره (٨).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ [النساء: ١٧١]\nالتفسير:\nيا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، فلا تجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا. إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق، وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: «كن»، فكان، وهي نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه، فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين. انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه، إنما الله إله واحد سبحانه. ما في السموات والأرض مُلْكُه،\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٤.\n(٣) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٥٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٦.\n(٥) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٦) شأن الدعاء: ١/ ٥٧.\n(٧) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٨) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٩٠.","vol":"7","page":537},{"text":"فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم.\nسبب النزول:\nقال الواحدي: \" نزلت في طوائف من النصارى حين قالوا عيسى ابن الله، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ الآية\" (١).\nقال البغوي: \" نزلت في النصارى وهم أصناف: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله، وقالت: المرقوسية ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" لا تشددوا في دينكم فتفتروا على الله\" (٤).\nعن قتادة: في قوله: \" ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، قال: لا تبتدعوا\" (٥).\nوقال الحسن: \" لا تعتدوا (٦).\nوقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: \" الغلو: فراق الحق وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا -﷾-\" (٧).\nقال التستري: \" أي لا تجاوزوا دينكم بالبدع، وتعدلوا عن الحق، وهو الكتاب والسنة والإجماع، ميلا إلى هوى نفوسكم\" (٨).\nقال الزجاج: \" الغلو: مجاوز القدر في الظلم\" (٩).\nقال الماوردي: \"والغلو: مجاوزة الحد، ومنه غلاء السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة، وغلا في الدين، إذا فرط في مجاوزة الحق\" (١٠).\nقال السمعاني: \"الغلو: غير محمود في الدين\" (١١).\nروى ابن عباس عن النبيﷺ- أنه قال: \" إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو\" (١٢).\nقال الماتريدي: \" والغلو في الدين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي أحد لهم، في الفعل وفي النطق جميعا.\nوقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾؛ فالقول على الله بما لا يليق به غلو.\nوقيل: لا تغلوا: أي: لا تعمقوا في دينكم، ولا تشددوا؛ فيحملكم ذلك على الافتراء على الله، والقول بما لا يحل ولا يليق\" (١٣).\nوفي الخطاب الموجه في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، قولان:\nأحدهما: أنه خطاب للنصارى خاصة (١٤)، اختاره السمعاني (١٥).\n_________\n(١) أسباب النزول: ١٨٧.\n(٢) تفسير البوغي: ٢/ ٣١٣.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٤) تفسير البغوي: ٢/ ٣١٤.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٣): ص ٤/ ١١٢٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٥): ص ٤/ ١١٢٢.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٤): ص ٤/ ١١٢٢.\n(٨) تفسير التستري: ٥٧.\n(٩) معاني القرىن: ٢/ ١٣٥.\n(١٠) النكت والعيون: ١/ ٥٤٦.\n(١١) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٥.\n(١٢) أخرجه أحمد \"١٨٥٤\"، والنسائي \"٣٠٥٩\"، وابن ماجه \"٣٠٢٩\". وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم.\n(١٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٢٤.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦.\n(١٥) انظر: تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٥.","vol":"7","page":538},{"text":"والثاني: أنه خطاب لليهود والنصارى، لأن الفريقين غلوا في المسيح، فقالت النصارى: هو الرب، وقالت اليهود: هو لغير رشدة، وهذا قول الحسن (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" ولا تقولوا على الله إلا الحق\" (٢).\nقال الماوردي: \" يعني: في غلوهم في المسيح\" (٣).\nقال الثعلبي: أي: \" لا تقولوا أن لله شركاء أو ابنا\" (٤).\nقال البغوي: أي: \" لا تقولوا إن له شريكا وولدا\" (٥).\nقال الزمخشري: \" وهو تنزيهه عن الشريك والولد\" (٦).\nقال أبو حيان: \" وهو تنزيهه عن الشريك والولد والحلول والاتحاد\" (٧).\nقال أبو السعود: \" أي: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي، فكيف يكون إلها وهو ابن مريم، وكيف يكون إلها وأمه قبله\nوالله ﷿ القديم الذي لم يزل\" (١٠).\nقال إبراهيم: \": المسيح: الصديق\" (١١).\nوروي عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي: \" أن عيسى ابن مريم كان سائحا، ولذلك سمي المسيح. قال: يمشي بأرض، ويصبح بأخرى\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" لم يكن من الأنبياء من له اسمين إلا عيسى ومحمد -ﷺ-\" (١٣).\nوقرأ جعفر بن محمد: «إنما المسيح»، بوزن: السكيت (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: «كن»، فكان\" (١٥).\nقال البغوي: \"وهي قوله ﴿كن﴾ فكان بشرا من غير أب\" (١٦).\nقال قتادة: \" قال له: كن فكان\" (١٧).\nقال شاذ بن يحيى: \" ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى\" (١٨).\nقال البغوي: \" ﴿ألقاها إلى مريم﴾، أي: أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة\" (١٩).\nقال الزمخشري: \" وقيل لعيسى: ﴿كلمة الله﴾، ﴿وكلمة منه﴾ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة، ومعنى: ﴿ألقاها إلى مريم﴾، أوصلها إليها وحصلها فيها\" (٢٠).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦، وتفسير السمعاني: ١/ ٥٠٥.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٣) النكت والعيون: ١/ ٥٤٦.\n(٤) الكشف والبيان: ٣/ ٤١٨.\n(٥) تفسير البغوي: ٢/ ٣١٤.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٩٣.\n(٧) البحر المحيط في التفسير: ٤/ ١٤٢.\n(٨) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٩.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٠) معاني القرىن: ٢/ ١٣٥.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٦): ص ٤/ ١١٢٢.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٧): ص ٤/ ١١٢٢.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٨): ص ٤/ ١١٢٣.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٥٩٣.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٦) تفسير البغوي: ٢/ ٣١٤.\n(١٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٠٩): ص ٤/ ١١٢٣.\n(١٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣١٠): ص ٤/ ١١٢٣.\n(١٩) تفسير البغوي: ٢/ ٣١٤.\n(٢٠) الكشاف: ١/ ٥٩٣.","vol":"7","page":539},{"text":"قال أبو السعود: \" ﴿ألقاها إلى مريم﴾، أي: أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريل ﵇ وقيل أعلمها إياها وأخبرها بها بطريق البشارة\" (١).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: لأن الله كَلَّمَه حين قال له كن، وهذا قول الحسن (٢)، وقتادة (٣).\nالثاني: لأنه بشارة الله التي بشر بها، فصار بذلك كلمة الله (٤).\nوالثالث: لأنه يهتدى به كما يُهْتَدَى بكلام الله (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" وهو ذو روح مبتدأةٍ من الله، أثر نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه\" (٦).\nقال مجاهد: \" رسول منه\" (٧).\nقال الزمخشري: \" وقيل له: روح الله، وروح منه، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذى روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحى وإنما اخترع اختراعا من عند الله وقدرته خالصة\" (٨).\nقال أبو السعود: \" قيل هو الذي نفخ جبريل ﵇ في درع مريم فحملت بإذن الله تعالى سمي النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح\" (٩).\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال، فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا\" (١٠).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ثلاثة أوجه (١١):\nأحدها: سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح، وأضافه الله إلى نفسه تشريفًا له.\nوالثاني: أنه سُمِّي روحًا؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح.\nوالثالث: أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل ﵇، لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله، والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحًا، فكان عن النفخ فسمي به.\nيحكى: \"أن طبيبا حاذقا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على إن عيسى ﵇ جزء منه تعالى وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فقال: إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا من الله تعالى علوا كبيرا، فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به\" (١٣).\nقال المراغي: \" أي: فآمنوا بالله إيمانا يليق به، وهو أنه واحد أحد تنزه عن صفات الحوادث، وأن كل ما فى الكون مخلوق له، وهو الخالق له، وأن الأرض فى مجموع ملكه أقل من حبة رمل بالنسبة إلى اليابس منها، ومن نقطة ماء بالنسبة إلى بحارها وأنهارها، وآمنوا برسله كلهم إيمانا يليق بشأنهم وهو أنهم عبيد له خصهم بضروب من التكريم والتعظيم، وألهمهم بضرب من العلم والهداية بالوحى ليعلموا الناس كيف يوحدون ربهم ويعبدونه ويشكرونه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٩.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٠٩): ص ٤/ ١١٢٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦.\n(٦) انظر: التفسير الميسر: ١٠٥، وصفوة التفاسير: ٢٩٦.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣١١): ص ٤/ ١١٢٣.\n(٨) الكشاف: ١/ ٥٩٣.\n(٩) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٩.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦، وتفسير البغوي: ٢/ ٣١٤.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ٢/ ٢٥٩.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٤) تفسير المراغي: ٦/ ٣٠.","vol":"7","page":540},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" ولا تقولوا الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم، انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه\" (١).\nقال المراغي: أي: \" ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الآب والابن وروح القدس، انتهوا عنه وقولوا قولا آخر خيرا لكم منه، وهو قول جميع النبيين والمرسلين الذين جاءوا بتوحيد الله وتنزيهه \" (٢).\nقال القرطبي: \" كأنه قال: ائتوا خيرا لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم\" (٣).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وجهين:\nأحدهما: هو قول النصارى: أب وابن وروح القدس، وهذا قول بعض البصريين (٤).\nوالثاني: هو قول من قال: آلهتنا ثلاثة، وهو قول الزجاج (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" إنما الله منفرد في ألوهيته ليس كما تزعمون أنه ثالث ثلاثة\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: ما هو إلا إله واحد\" (٧).\nقال المراغي: أي: \" منزه عن التعدد، فليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركب ولا متحد بشىء من المخلوقات\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" تنزّه الله عن أن يكون له ولد\" (٩).\nقال الطبري: \" يقول: علا الله وجل وعز وتعظمَّ وتنزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" سبحه تسبيحا من أن يكون له ولد\" (١٢).\nقال النسفي: أي: \" أسبحه تسبيحًا من أن يكون له ولد\" (١٣).\nقال القرطبي: \" أي تنزيها عن أن يكون له ولد، أي كيف يكون له ولد؟ وولد الرجل مشبه له، ولا شبيه لله ﷿\" (١٤).\nقال المراغي: \" أي: تقدس عن أن يكون له ولد كما قلتم فى المسيح إنه ابنه، أو إنه هو عينه، فإنه ﵎ ليس له مماثل فيكون له منه زوج يتزوجها فتلد له ولدا\" (١٥).\nقال الفراء: \" معنى «سبحانه»: تبرئته من أن يكون له ولد، وهذا قول أهل العربية\" (١٦).\nروي عن ابن عباس قال: \"سبحان الله، قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال: ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: لا إله إلا الله قد عرفناه فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها وأحب أن تقال\" (١٧).\nعن النضر بن عربي قال: \"سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان الله، فقال: اسم يعظم الله به ويحاشا به من السوء\" (١٨).\n_________\n(١) صوة التفاسير: ٢٩٦، والتفسير الميسر: ١٠٥.\n(٢) تفسير المراغي: ٦/ ٣١.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٣٥.\n(٦) صفوة التفاسير: ٢٩٦.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٣٥.\n(٨) تفسير المراغي: ٦/ ٣١.\n(٩) صقوة التفاسير: ٢٩٦.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٩.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٩٣.\n(١٣) تفسير النسفي: ١/ ٤١٩.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥.\n(١٥) تفسير المراغي: ٦/ ٣١.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ١٣٥.\n(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣١٤): ص ٤/ ١١٢٣ - ١١٢٤.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣١٥): ص ٤/ ١١٢٤.","vol":"7","page":541},{"text":"قال الحسن: \" «سبحان الله»: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه\" (١).\nوقرأ الحسن: «إن يكون»، بكسر الهمزة ورفع النون: أى: سبحانه ما يكون له ولد (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، أي وله ما في السماوات والارض\" خلقًا وملكًا وعبيدا، فكيف يكون له منهم صاحبة اول ولد\" (٣).\nقال الطبري: \" لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا، وهو يرزقهم ويَقُوتهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابنًا لله، وهو في الأرض أو في السموات، غيرُ خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن؟ \" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨: ٩٥] \" (٥).\nقال الزمخشري: \" بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض\" (٦).\nقال أبو حيان: \" إخبار لملكه بجميع من فيهن، فيستغرق ملكه عيسى وغيره. ومن كان ملكا لا يكون جزءا من المالك على أن الجزئية لا تصح إلا في الجسم، والله تعالى منزه عن الجسم والعرض\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، أي: \" وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي: لأوليائه\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه\" (١٠).\nقال أبو حيان: \" أي كافيا في تدبير مخلوقاته وحفظها، فلا حاجة إلى صاحبة ولا ولد ولا معين\" (١١).\nقال النسفي: أي: \" حافظًا ومدبرًا لهما ولما فيهما ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي: كفى به حافظا ووكيلا إذا وكلوا أمورهم إليه، فهو غنى عن الولد، فإن الولد إنما يحتاج إليه أبوه ليعينه فى حياته، ويقوم مقامه بعد وفاته، والله تعالى منزه عن كل ذلك\" (١٣).\nقال البيضاوي: \" تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلا لأبيه والله ﷾ قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه\" (١٤).\nالفوائد:\n١ - حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال.\n٢ - تضمنت الآية إثبات الوحدانية لله تعالى.\n٣ - حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقًا والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة.\n٤ - نفي الولد لله ﷾.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣١٦): ص ٤/ ١١٢٤.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٥٩٤.\n(٣) صقوة التفاسير: ٢٩٦، والتفسير الميسر: ١٠٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٠.\n(٦) الكشاف: ١/ ٥٩٤.\n(٧) البحر المحيط في التفسير: ٤/ ١٤٥.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٥٩٤.\n(١١) البحر المحيط في التفسير: ٤/ ١٤٥.\n(١٢) تفسير النسفي: ١/ ٤١٩.\n(١٣) تفسير المراغي: ٦/ ٣٢.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١١١.","vol":"7","page":542},{"text":"٥ - بيان المعتقد الحق في عيسى -﵇-، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة جبريل﵇-.\n٦ - إثبات الصفات ما تضمنه قوله ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه يقتضي الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فاقتضت الآية أيضا إثبات الكلام فإن هذا من القرآن وهو كلام الله، أما القدرة فخلقه السماوات والأرض وتخصيص أحدهما بصفة دون الأخرى دليل على الإرادة وكون فاعلها عالما (١).\n٧ - إثبات اسمه تعالى «الوكيل»، فهو سبحانه المتولّي لتدبير خلقه، بعلمه، وكمال قدرته، وشمول حكمته، الذي تولى أولياءه، فيسَّرهم لليُسرى، وجنّبهم العُسرى، وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلًا كفاه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (٢).\nقال الفراء: \" وقوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]، يقال: ربا، ويقال: كافيا\" (٣)، .. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، يقول: حافظا وربا\" (٤) ... وقوله ﷿: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، كفيلا بما وعدك\" (٥).\nقال الخطابي: \" ويقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه ومن هذا قول المسلمين: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها\" (٦).\nالقرآن\n﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢]\nالتفسير:\nلن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله، وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى. ومن يأنف عن الانقياد والخضوع ويستكبر فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق.\nسبب النزول:\nنقل الواحدي عن الكلبي: \"إن وفد نجران قالوا: يا محمد تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى، قال: «وأي شيء أقول فيه؟» قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: «إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله»، قالوا: بلى، فنزلت: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله﴾ الآية\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: \" لن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله\" (٨).\nقال ابن قتيبة: \" أي: لن يأنف\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدا لله، فتأويل ﴿لن يستنكف﴾: لن ينقبض \" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" لن يأنف ولن يستكبر المسيح من أن يكون عبدًا لله\" (١١).\nقال قتادة: \" لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا الله\" (١٢).\nوقال الكلبي: \" ﴿لن يستنكف﴾: لن يتعظم\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عرفة: ٢/ ٧٥.\n(٢) انظر: شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: ١٧٦.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١١٦.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٢٥.\n(٥) معاني القرآن: ٣/ ١٩٨.\n(٦) شأن الدعاء: ١/ ٧٧.\n(٧) اسباب النزول: ١٨٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٩) غريب القرآن: ١٣٧.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٣٥.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٤.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٨٥٦): ص ٩/ ٤٢٤.\n(١٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨، ولم أقف عليه عن الكلبي.","vol":"7","page":543},{"text":"وقال مقاتل: \"لن يأنف\" (١).\nوقال ابن عباس: \" لن يستكبر\" (٢). وروي عن عطاء الخراساني نحو ذلك (٣).\nومعنى «يستنكف»: أي: لن يأنف، وأصله في اللغة من «نكفت الدمع»، إذا\nنحيته بإصبعك من خدك، قال الشاعر (٤):\nفبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع (٥)\nقوله تعالى: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: \" وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" ولن يستنكف أيضًا من الإقرار لله بالعبودة والإذعان له بذلك، رسلُه ﴿المقربون﴾، الذين قرَّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه\" (٧).\nقال مقاتل: \" ولايستنكف ملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله ليعتبروا بكون الملائكة أقرب إلى- الله ﷿- منزلة من عيسى ابن مريم وغيره، فإن عيسى عبد من عباده\" (٨).\nعن الأجلح قال: \"قلت للضحاك: ما ﴿المقربون﴾؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: \" ومن يأنف عن الانقياد والخضوع لله تعالى\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: ومن يأنف عن عبادة الله، يعني: التوحيد، ﴿ويستكبر﴾، يعنى: ويتكبر عن العبادة\" (١٢).\nقال السمرقندي: \" أي يتعظم ن عبادته ويستكبر، والاستكبار هو الاستنكاف، يقال: استنكف واستكبر يعني استكبر عن طاعته\" (١٣).\nقال السمعاني: \" الفرق بين الاستنكاف والاستكبار: أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو الغلو، والتكبر من غير أنفة\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]، أي: \" فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق\" (١٥).\nقال الطبري: \" يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعدهم عنده\" (١٦).\nقال النسفي: أي: \" فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم\" (١٧).\nعن الضحاك، في قوله: \" ﴿جميعا﴾ [البقرة: ٢٩] قال: البر والفاجر\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٦٣١٧): ص ٤/ ١١٢٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٦٣١٧): ص ٤/ ١١٢٤.\n(٤) البيت في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٤، و\"اللسان\" ٩/ ٣٤٠ (نكف)، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٥، دون نسبة، ولم أقف على قائله.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٦٦٤، واللسان: مادة\"نكف\": ص ٩/ ٣٤٠، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٥.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٥.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٥.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٨٥٧): ص ٩/ ٤٢٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٥. [بتصرف].\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٠٨٥٧): ص ٩/ ٤٢٥.\n(١٣) بحر العلوم: ١/ ٣٦١.\n(١٤) تفسير السمعاني: ١/ ٥٠٧.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٥.\n(١٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٢٠.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣١٩): ص ٤/ ١١٢٤.","vol":"7","page":544},{"text":"قال ابن عطية: \" أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله ﴿سيحشرهم﴾، عبارة وعيد\" (١).\nقرأ جمهور الناس: «فسيحشرهم» بالياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «فسنحشرهم» بنون الجماعة، وقرأ مسلمة: «فسيحشرهم» (٢).\nالفوائد:\n١ - حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله.\n٢ - ومن هذه الآية يفهم أن الملائكة أعظم من المسيح خلقا وأفعالا، ومنهم روح القدس الذي بنفخة منه خلق المسيح، ومن ثم استدل بها كثير من العلماء على تفصيل الملائكة المقربين على الأنبياء (٣).\n\nالقرآن\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾ [النساء: ١٧٣]\nالتفسير:\nفأمَّا الذين صَدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستقاموا على شريعته فيوفيهم ثواب أعمالهم، ويزيدُهم من فضله، وأما الذين امتنعوا عن طاعة الله، واستكبروا عن التذلل له فيعذبهم عذابًا موجعًا، ولا يجدون لهم وليًّا ينجيهم من عذابه، ولا ناصرًا ينصرهم من دون الله.\nقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" فأمَّا الذين صَدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستقاموا على شريعته\" (٤).\nقال الطبري: \" فأما المؤمنون المقرّون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذلِّلون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك: أن يَرِدُوا على ربهم قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" فيوفيهم ثواب أعمالهم\" (٦).\nقال الطبري: \" يقول: فيؤتيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة وافيًا تامًّا\" (٧).\nقال ابن الجوزي: \" أي: ثواب أعمالهم\" (٨).\nقال الأعمش: \" ﴿أجورهم﴾، أن يدخلهم الجنة\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" ويزيدُهم من فضله وإحسانه وسعة رحمته\" (١٠).\nقال ابن الجوزي: أي: \"مضاعفة الحسنات\" (١١).\nقال الثعلبي: \" في التضعيف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها، من الفضل والزيادة ما لم يعرّفهم مبلغه، ولم يحدّ لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشرَ أمثالها من الثواب والجزاء. فذلك هو أجر كلِّ عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضُّل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده. غيرَ أن الذي وعد عبادَه المؤمنين أن يُوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حَدُّ مبلغه من\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٠.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٠.\n(٣) انظر: تفسير المراغي: ٦/ ٣٤.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٦.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٥٠٢.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٠): ص ٤/ ١١٢٤.\n(١٠) انظر: أيسر التفاسير: ٦٦٦، والتفسير الميسر: ١٠٥.\n(١١) زاد المسير: ١/ ٥٠٢.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٤٢٠.","vol":"7","page":545},{"text":"العَشْر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حدّ لقَدْره يوقف عليه\" (١).\nعن الأعمش: \" قوله: ﴿ويزيدهم من فضله﴾، قال: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا\" (٢).\nوروى ابن مسعود عن النبي -ﷺفي قوله تعالى: ﴿فيوفيهم أجورهم﴾، قال: \"يدخلون الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" وأما الذين امتنعوا عن طاعة الله\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعنى: أنفوا\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودة، والإذعان له بالطاعة\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" واستكبروا عن التذلل لله \" (٨).\nقال مقاتل: \" واستكبروا عن عبادة الله بالتوحيد\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" واستكبروا عن التذلّل لألوهته وعبادته، وتسليم الربوبيّة والوحدانية له\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \"واستكبروا عن طاعة الله وعبادته\" (١١).\nقال الماتريدي: \" والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟ وبالك؟ والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير، لكن الاستنكاف -والأنفة- لا يضاف إلى الله تعالى، والاستكبار يضاف، فهما من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" فيعذبهم عذابًا موجعًا\" (١٣).\nقال مقاتل: \" يعني: وجيعا\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]، أي: \" ولا يجدون لهم وليًّا ينجيهم من عذابه، ولا ناصرًا ينصرهم من دون الله\" (١٥).\nقال مقاتل: \" ﴿وليا﴾: يعني قريبا ينفعهم، ﴿ولا نصيرا﴾، يعني: مانعا يمنعهم من الله﷿- \" (١٦).\nقال السمرقندي: \" يعني من عذاب الله ﴿وليا﴾ يعينهم، ﴿ولا نصيرا﴾، مانعا يمنعهم\" (١٧).\nقال الطبري: \" يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها، إذا عذبهم الله الأليم من عذابه، سوى الله لأنفسهم وليًّا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه، ﴿ولا نصيرًا﴾، يعني: ولا ناصرًا ينصرهم فيستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوّته ما أحلَّ بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء، من نصرتهم والمدافعة عنهم\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢١): ص ٤/ ١١٢٥.\n(٣) ضعيف. أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» ٨٤٦ والطبراني ١٠٤٦٢ من حديث ابن مسعود، وفيه إسماعيل بن عبد الله الكندي، وهو ضعيف وقال الذهبي في «الميزان» أتى بخبر منكر. وقال ابن كثير في «تفسيره» ١/ ٦٠٥: لا يثبت. وصوب الوقف فيه. والمرفوع ضعفه أيضا السيوطي في «الدر» ٢/ ٤٤٠ ووافقه الشوكاني وهو كما قالوا. وانظر «تفسير الشوكاني» ٧٣٥ بتخريجنا.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٧.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨١.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨١.\n(١٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٣٠.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٥.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٥.\n(١٧) بحر العلوم: ١/ ٣٦١.\n(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٧.","vol":"7","page":546},{"text":"عن ابن عباس، قوله: ﴿ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ [النساء: ١٧٣] إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه\" (١).\nقال ابو حيان: \" هذا وعيد شديد للذين يتركون عبادة الله أنفة تكبرا\" (٢).\nقال ابن عطية في هذه الآية: \" هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبرا، وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد ﵇، وكفعل أبي جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحدا من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده يكفر به تكبرا عليه، والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر\" (٣).\nالفوائد:\n١ - بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.\n٢ - إثبات اسمين من أسماءه تعالى، وهما: «الولي»: و\"هو الناصر. ينصر عباده المؤمنين\" (٤).\nيوصف الله ﷿ بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و«الولي» و«المولى»: اسمان لله تعالى، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: \"نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه\" (٥).\nجاء في الحديث: \"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\" (٦).\nويوصف الله ﷿ بأنه «الناصر» و«النصير»، واللَّه - ﷿ - هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم.\nو«النصير»: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصرًا، إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (٧)، واللَّه - ﷿ - النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٨).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]\nالتفسير:\nيا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، وهو رسولنا محمد، وما جاء به من البينات والحجج القاطعة، وأعظمها القرآن الكريم، مما يشهد بصدق نبوته ورسالته الخاتمة، وأنزلنا إليكم القرآن هدًى ونورًا مبينًا.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤]، أي: \" يا أيها الناس قد أتاكم حجة من ربكم، وهو رسولنا محمد رسول الله المؤيد بالمعجزات الباهرة\" (٩).\nقال السمرقندي: \" أي: بيانا من ربكم وحجة من ربكم، وهو محمد ﷺ والقرآن\" (١٠).\nعن مجاهد، قوله: \" ﴿برهان من ربكم﴾ قال: حجة\" (١١). وروي عن السدي مثل ذلك (١٢).\nوعن قال سفيان في قوله: \" ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ [النساء: ١٧٤] قال: النبي -ﷺ-\" (١٣).\nوقال قتادة: \" بينة من ربكم (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٢): ص ٤/ ١١٢٥.\n(٢) البحر المحيط: ٤/ ١٤٨.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٠ - ١٤١.\n(٤) شأن الدعاء للخطابي: ١/ ٧٨.\n(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٤.\n(٦) رواه مسلم (٢٧٢٢).\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٦٤ ..\n(٨) الأسماء والصفات للبيهقي، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد، ١/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(٩) صفوة التفاسير: ٢٩٦، التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٦٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٣): ص ٤/ ١١٢٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٦١): ص ٩، ٤٢٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٣٢٣): ص ٤/ ١١٢٥.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٤): ص ٤/ ١١٢٥.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٥): ص ٤/ ١١٢٥.","vol":"7","page":547},{"text":"قال الراغب: \" عنى بالـ ﴿برهان﴾: الآيات القاهرة المبنية عن المعجزات\" (١).\nقال الزمخشري: \" البرهان: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله ﷺ \" (٢).\nقال ابن عطية: \" الآية إشارة إلى محمد رسول الله، و«البرهان»: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، والمعنى: قد جاءكم مقترنا بمحمد برهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، أي: \" وأنزلنا إليكم القرآن هدًى ونورًا مبينًا\" (٤).\nقال السمرقندي: \" أي: بيانا من العمى وبيان الحلال من الحرام، وهو القرآن\" (٥).\nقال قتادة: \" وهو هذا القرآن\" (٦). وروي عن ابن جريج نحو ذلك (٧).\nقال الراغب: \" عنى بالـ ﴿نور﴾: القرآن، لأنه به يعرف الطريق إلى الله\" (٨).\nقال ابن الجوزي: \" وإنما سماه: نورا، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنور\" (٩).\nالفوائد:\n١ - أن الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.\n٢ - إطلاق لفظ البرهان على النبي ﷺ؛ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته.\nالقرآن\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٥]\nالتفسير:\nفأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم، فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات.\nقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: \" فأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" فأما الذين صدَّقوا الله وأقرّوا بوحدانيته، وما بعث به محمدًا ﷺ من أهل الملل\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: \" واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم\" (١٣).\nقال مقاتل: \" يعني احترزوا بالله﷿-\" (١٤).\nقال الماتريدي: \" جعل الاعتصام به ما به ينال رحمته وفضله. و«الاعتصام»: هو أن يلتجأ إليه في كل الأمور، وبه يوكل، لا يلتجأ بمن دونه\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٢٤٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٩٨.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤١.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٦٢.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٦): ص ٤/ ١١٢٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٦٢): ص ٩/ ٤٢٨.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٢٤٣.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٥٠٣.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١١) بحر العلوم: ١/ ٣٦٢.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٩.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٦.\n(١٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٣١.","vol":"7","page":548},{"text":"قال الطبري: \" يقول: وتمسكوا بالنور المبين الذي أنزله إلى نبيه\" (١).\nقال السمرقندي: \" أي: تمسكوا بدينه\" (٢).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ [النساء: ١٧٥]، وجهين:\nأحدهما: اعتصموا بالقرآن، وهذا قول ابن جريج (٣)، واختيار النحاس (٤).\nقال النحاس: \" أي: امتنعوا بكتابه عن معاصيه وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به\" (٥).\nوالثاني: اعتصموا بالله من زيغ الشيطان وهوى الإنسان. وهذا معنى قول مقاتل (٦)، واختيار البغوي (٧).\nقال ابن عطية: \" ثم وعد ﵎ المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير في به يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى: نورا مبينا و«الاعتصام» به التمسك بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم كما تعصم المعاقل\" (٨).\nوهذا قد فسره قول النبي ﷺ: «كتاب الله: هو حبل الله المتين» (٩).\nقال قتادة: \"حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: \" فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \"في ثواب مستحق وتفضل\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" «الرحمة» و«الفضل»: الجنة وتنعيمها\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحَقهم من فضله ما لَحِق أهل الإيمان به والتصديق برسله\" (١٤).\nوفي تفسير «الرحمة» في الآية، قولان:\nأحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس (١٥)، ومقاتل (١٦).\nوالثاني: أنها نفس الرحمة، والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان (١٧).\nوفي تفسير «الفضل» في الآية، قولان:\nأحدهما: أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل (١٨).\nوالثاني: أنه الإحسان، قاله أبو سليمان (١٩).\nقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، أي: \" ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات\" (٢٠).\nقال الواحدي: أي: \" دينًا مستقيمًا\" (٢١).\nقال ابن الجوزي: \" أي: يوفقهم لإصابة الطريق المستقيم\" (٢٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٩.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٦٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٦٣): ص ٩/ ٤٢٩.\n(٤) انظر: إعراب القرآن: ١/ ٢٥٤.\n(٥) إعراب القرآن: ١/ ٢٥٤.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٦، والنكت والعيون: ١/ ٥٤٧.\n(٧) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٣١٦.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤١.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٣٩١٤): ص ٣/ ٧٢٣.\n(١٠) أخرجه الطبري (٧٥٦٤): ٧/ ٧١.\n(١١) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٥٩٨.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤١.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٩.\n(١٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٣.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٦.\n(١٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٣.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٦.\n(١٩).\n(٢٠) التفسير الميسر: ١٠٥.\n(٢١) الوجيز: ٣٠٤.\n(٢٢) زاد المسير: ١/ ٥٠٣.","vol":"7","page":549},{"text":"قال الطبري: \" يقول: ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، ولاقتفاء آثارهم واتباع دينهم. وذلك هو «الصراط المستقيم»، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام\" (١).\nقال الزمخشري: \" ﴿ويهديهم إليه﴾، إلى عبادته، ﴿صراطا مستقيما﴾، وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم.\" (٢).\nقال ابن عطية: \" معناه: إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى: ﴿سيهديهم ويصلح بالهم﴾ [محمد: ٥]، لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا بكتابه\" (٣).\nقال النحاس: \" ﴿ويهديهم إليه﴾، أي: إلى ثوابه\" (٤).\nقال علي﵁: \" سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «الصراط المستقيم كتاب الله» \" (٥).\nوفي تفسير «الهداية» في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، وجهان:\nأحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن (٦).\nوالثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين البصريين (٧).\nقال السمرقندي: \" أي يرشدهم إلى دينه، ويوفقهم لذلك. وفي الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول: يهديهم في الدنيا صراطا مستقيما أي دينا لا عوج فيه، ويثيبهم على ذلك ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل وهو الجنة والكرامة\" (٨).\nالفوائد:\n١ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.\n٢ - القرآن نور لما يحصل به من الإهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال.\n٣ - ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ٥٩٨.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤١.\n(٤) إعراب القرآن: ١/ ٢٥٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢٧): ص ٤/ ١١٢٥.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٨.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٤٨.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٦٢.","vol":"7","page":550},{"text":"القرآن\n﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]\nالتفسير:\nيسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها: إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط، فلها نصف تركته، ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد. فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك. وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته. يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث. والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في جابر بن عبد الله.\nأخرج البخاري (١)، وأحمد (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنَّسَائِي (٦)، وابن ماجه (٧)، وغيرهم (٨)، عن جابر بن عبد اللَّه - ﵁ - قال: \" مرضت، فعادني رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وهما يمشيان، فأغمي علي، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم صبه علي فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ، حتى نزلت آية الميراث\". [صحيح].\nوالثاني: وقال قتادة: \" ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، فسألوا عنها نبيَّ الله، فأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ \" (٩). [مرسل صحيح الإسناد].\nوالثالث: وقال سعيد بن المسيب: \"سأل عمر بن الخطاب النبيَّ ﷺ عن الكلالة، فقال: أليس قد بيَّن الله ذلك؟ قال: فنزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ \" (١٠). [ضعيف].\nوالراجح- والله أعلم- أن سبب نزول الآية قصة جابر، وذلك لصحة سندها، وصراحة لفظها، وموافقتها للفظ الآية، وقواعد الفرائض، واتفاق أكثر المفسرين على ذلك (١١).\nواختلف في مكان الذي نزلت فيه هذه الآية على قولين:\nأحدها: أنها نزلت في المدينة. وهذا قول جابر بن عبدالله (١٢).\nوالثاني: أنها أنزلت في مسيرٍ كان فيه رسول الله -ﷺ- وأصحابه. وهذا قول ابن سيرين (١٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري (١٩٤)، و(٤٥٧٧)، و(٥٦٥١)، و(٥٦٧٦)، و(٦٧٢٣)، و(٦٧٤٣)، و(٧٣٠٩)، وفي الادب المفرد: (٥١١) باب عيادة المغمى عليه.\n(٢) المسند (١٤٢٣٥): ص ٣/ ٢٩٨، و(١٤٣٤٩): ص ٣/ ٣٠٧.\n(٣) صحيح المسلم (١٦١٦): ص ٣/ ١٢٣٤ - ١٢٣٥. باب ميراث الكلالة.\n(٤) سنن أبي داود (٢٨٨٦).\n(٥) سنن الترمذي (٢٠٩٦)، و(٢٠٩٧)، و(٣٠١٥).\n(٦) سنن النسائي: ١/ ٨٧، والسنن الكبرى (٧١)، و(٦٢٨٧)، و(٦٢٨٨)، و(٦٢٨٩)، و(٧٤٥٦)، و(٧٤٧٠)، و(١١٠٢٥).\n(٧) سنن ابن ماجة (١٤٣٦)، و(٢٧٢٨).\n(٨) أخرجه أيضا الحميدي في مسنده (١٢٦٤): ص ٢/ ٣٢٢، والدارمي (٧٣٣)، وابن خزيمة (١٠٦).\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٨٦٥): ٩/ ٤٣١.\n(١٠) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠٨٦٦): ٩/ ٤٣١، وأخرجه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\"؛ مطولا كما في \"المطالب العالية\": (١٦٤٥): ص ٤/ ١٣٢، ١٣٣. [وسنده ضعيف لإرساله].\nقال الحافظ: \"صحيح؛ إن كان ابن المسيب سمعه من حفصة -﵂-\".\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٧٥٣)، وزاد نسبته لابن مردويه.\n(١١) انظر: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة: ١/ ٤٥٥.\n(١٢) انظر: صحيح البخاري (١٩٤)، و(٤٥٧٧)، و(٥٦٥١)، و(٥٦٧٦)، و(٦٧٢٣)، و(٦٧٤٣)، و(٧٣٠٩)، وفي الادب المفرد: (٥١١) باب عيادة المغمى عليه، وصحيح المسلم (١٦١٦): ص ٣/ ١٢٣٤ - ١٢٣٥. باب ميراث الكلالة، وغيرهما كما بيّناه في سبب النزول.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٧٤) - (١٠٨٧٦): ص ٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦.","vol":"7","page":551},{"text":"قال ابن سيرين: \" نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، والنبيّ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلَّغها النبي ﷺ حُذيفة، وبلّغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه. فلما استُخلف عمر سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدِّثك فيها بما لم أحدِّثك يومئذ! فقال عمر: لم أرِد هذا، رحمك الله! \" (١).\nوفي رواية اخرى: \"فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله فلقَّيْتُكها كما لقَّانيها، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا! قال: وكان عمر يقول: اللهم مَن كنتَ بيّنتها له، فإنها لم تُبَيَّن لي\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" يسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" يسألونك، يا محمد، أن تفتيهم في الكلالة\" (٤).\nقال ابن كثير: \" وكأن معنى الكلام - والله أعلم - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: عن الكلالة قل: الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك\" (٥).\nواختلفوا في الكلالة على أقوال:\nأحدها: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب (٦)، وهو قول طاوس (٧).\nوالثاني: أن الكلالة ما عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة في أحد قوليه (٨).\nوالثالث: أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر (٩)، وعمر (١٠)، والمشهور عن ابن عباس (١١)، وسليم بن عبد (١٢)، وقتادة (١٣)، والحكم (١٤)، وابن زيد (١٥)، والزهيري (١٦)، وأبي إسحاق (١٧)، والضحاك (١٨)، والحسن (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، واختيار الفراء (٢١)، والزجاج (٢٢).\nوالرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي (٢٣).\nوالخامس: أنهم الأخوة للأم. قاله عطية (٢٤).\nوالسادس: أنهم الأخوة للأب. قاله عبيد بن عمير (٢٥).\nوالسابع: وقيل: هم الأخوة والأخوات (٢٦).\nقال الواحدي: \" والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد\" (٢٧).\nقال الزجاج: \" زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر (٢٨):\nفإنّ أَبَا الْمَرْء أحْمَى لَهُ ... ومَوْلَى الكَلالَة لَا يَغضَبُ\nوإنما هو كالإكليل الذي على الرأس\" (٢٩).\nويجدر القول بأن الوارث يسمى \"كلالة\". قاله سعيد بن جبير (٣٠)، وكما جاء في حديث جابر أنه قال: \"ليس يرثني إلا كلالة\" (٣١).\nوكذلك أن الموروث أي: الميت، يسمى \"كلالة\"، قاله الضحاك والسدي (٣٢)، ومنه قول الفرزدق (٣٣):\nورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم\nوقال الطرماح (٣٤):\nيهز سلاحا لم يرثه كلالة ... يشك به منها جلود المغابن\nيصف ثورا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث (٣٥).\nوقال النضر بن شميل: أن الكلالة \"هو المال\" (٣٦).\nنستنتج بأن كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (٣٧).\nقال ابن عطية: \" ان المترجح أن «الكلالة»، هي: الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل\" (٣٨).\nقال الشافعي: \" والكلالة في هاتين الآيتين (٣٩): الميت لا الوارث، وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضًا، ألا ترى أن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: مرضت فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: \"إني رجل لا يرثنى إلا كلالة\" (٤٠) الحديث، فجعل الكلالة: ورثته، فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث\" (٤١).\nوروى أنس عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فرد عليه السائل فقال ﷺ: «لست بزائدك حتى أزاد» (٤٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٨٧٤): ص ٩/ ٤٣٥.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٨٧٦): ٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤٣٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٢.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٨٠، ونسبه الماوردي الى ابن عباس، انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٦٠.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٥): ص ٨/ ٦٧ - ٥٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٧٤٥): ص ٨/ ٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٧٤٧): ص ٨/ ٥٤، وابن أبي حاتم (٤٩٣٣): ص ٣/ ٨٨٧\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٧٥٠) - (٨٧٥٥): ص ٨/ ٥٥ - ٥٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٧٥٦) - (٨٧٥٩: ص ٨/ ٥٦ - ٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٠): ص ٨/ ٥٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦١): ص ٨/ ٥٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٢): ص ٨/ ٥٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٣)، و(٨٧٦٤): ص ٨/ ٥٧.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٨٧٦٣)، و(٨٧٦٤): ص ٨/ ٥٧.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٣): ص ٣/ ٨٨٧.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٣): ص ٣/ ٨٨٧.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٣٥): ص ٣/ ٨٨٧.\n(٢١) انظر: معاني القران: ١/ ٢٥٧.\n(٢٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٥ - ٢٦.\n(٢٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٨٠.\n(٢٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٢٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٢٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٢٧) التفسير البسيط: ٦/ ٣٦٧.\n(٢٨) لم أعرف قائله وهو من \"شواهد الزجاج في معانيه\" ٢/ ٢٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"اللسان مادة\"كلل\"\" ٧/ ٣٩١٨، وتهذيب اللغة، مادة\"كلل\": ص ٩/ ٣٣١، أراد الشاعر: أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. [انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٧١\n(٢٩) معاني القرآن: ٢/ ٢٥ - ٢٦.\n(٣٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٣١) حديث جابر من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٧، أخرجه الطبري (٨٧٣١): ص ٨/ ٣٤ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: ٥٠١ (كلل) ..\n(٣٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٣٣) البيت في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) فيه الشطر الأول، \"عمدة الحفاظ\" ص ٥٠١ (كلل)، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٧، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في \"ديوان الفرزدق\"، هذا مع أني لم أجده في \"معجم شواهد العربية\" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من \"ديوان الفرزدق\" و\"منتهى الطلب\"، والله أعلم ..\n(٣٤) ديوانه: ١٣٣، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٢، و\"أساس البلاغة\" (كلل) و\"الصحاح\" (سلح)، و\"المحكم\" (سلح) و\"اللسان\" (سلح): (بزغ). والمغابن جمع مغبن، وهو الإبط والرفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضا. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢١١ (غبن) ..\n(٣٥) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٣٧٠.\n(٣٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٣٧) تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ (كل) بتصرف، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٣٦٩.\n(٣٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤١.\n(٣٩) يقصد الآية (١٢) و(١٧٦) من سورة النساء، قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.\n(٤٠) حديث جابر من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٧، أخرجه الطبري (٨٧٣١): ص ٨/ ٣٤ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: ٥٠١ (كلل) ..\n(٤١) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٥٤٦.\n(٤٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٦٩، وانظر: مختلف الحديث: ١٨٥، بتفاوت ..","vol":"7","page":552},{"text":"والكلالة: \" مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء: بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، أي: مات، ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ \" (١).\nوقد أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: \"أيها الناس، ثلاثٌ ودِدت أن رسول الله ﷺ لم يفارِقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا يُنتهى إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا\" (٢).\nعن معدان بن أبي طلحة: \"أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: إنيّ والله ما أدع بعدي شيئًا هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله ﷺ، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: «تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء»، وإن أعِش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحدٌ قرأ القرآن\" (٣).\nوعن سعيد بن المسيب: \"أن عمر بن الخطاب كتب في الجدّ والكلالة كتابًا، فمكث يستخير الله فيه يقول: اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه، حتى إذا طُعِن، دعا بكتاب فَمُحي، فلم يدر أحدٌ ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه \" (٤).\nوعن طارق بن شهاب قال: \"أخذ عمر كتِفًا وجمع أصحاب محمد ﷺ، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاءً تحدَّثُ به النساء في خدورهن! فخرجت حينئذ حيَّة من البيت، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمَّه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" إن إنسان من الناس مات ﴿ليس له ولد﴾، ذكر ولا أنثى، ﴿وله أخت﴾، يعني: وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه \" (٧).\nعن السدي: قوله: \" ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، يقول: مات\" (٨). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (٩).\nعن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: \" ﴿ليس له ولد وله أخت﴾: من أبيه وأمه، أو من أبيه\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، أي: مات، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله، ﷿، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] \" (١١).\nوقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ \"تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \"فلها نصف تركته\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" من الميراث، والبقية للعصبة\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٢.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٨٨٣): ص ٩/ ٤٣٩، وابن المنذر (١٤٤٠): ص ٢/، ٥٩١ ورواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٨٨) ومسلم في صحيحه برقم (٣٠٣٢)، والبيهقي في السنن ٦: ٢٤٥/ ٨: ٢٨٩، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٤٩، وزاد نسبته لعبد الرزاق.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٨٨٦): ص ٩/ ٤٤١.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٨٧٨): ص ٩/ ٤٣٧.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٨٨٢): ص ٩/ ٤٣٩.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٣٠.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٠): ص ٤/ ١١٢٦.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٣٠): ص ٤/ ١١٢٦.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣١): ص ٤/ ١١٢٦.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٣.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٣.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٢): ص ٤/ ١١٢٦.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٦.","vol":"7","page":553},{"text":"قال الطبري: أي: \" وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله، إذا وُرِثت كلالة، ولم يكن لها ولد ولا والد\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه ﴿اثنتين﴾، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت، إذا لم يكن له ولد، وورث كلالة \" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" فلو مات الأخ وكانت له أختان فصاعدا من أبيه وأمه أو من أبيه\" (٤)، \" ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء: ١٧٦] يعني: الأخ\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث، فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته\" (٦).\nقال الطبري: \" يعني: وإن كان المتروكون من إخوته ﴿رجالا ونساء فللذكر﴾ منهم بميراثهم عنه من تركته مثل نصيب اثنتين من أخواته، وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه\" (٧).\nعن سعيد: \" ﴿وإن كانوا إخوة﴾، يعني: إخوة الميت\" (٨)، \" ﴿رجالا ونساء﴾ من أبيه وأمه، أو من أبيه فللذكر مثل حظ الأنثيين\" (٩).\nعن ابن عباس، قوله: \" ﴿فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾، صغيرا أو كبيرا\" (١٠).\nقال السدي: \" ﴿حظ﴾: يقول: نصيب\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث\" (١٢).\nقال ابن جريج: \" في شأن المواريث\" (١٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يقول أن لا تحطوا قسمة الميراث\" (١٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" يقول: أن تحفظوا قسمة المواريث، فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة، إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة\" (١٥).\nقال مالك: \" فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة\" (١٦).\nقال الطبري: أي: \" يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم، لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها، أي: لئلا تجوروا عن الحق في ذلك وتخطئوا الحكم فيه، فتضلّوا عن قصد السبيل\" (١٧).\nقال ابن كثير: \"أي: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه، لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان \" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٤٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٤٤٤.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٤): ص ٤/ ١١٢٦.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٦): ص ٤/ ١١٢٧.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٤٤.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٧): ص ٤/ ١١٢٧.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٨): ص ٤/ ١١٢٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٣٩): ص ٤/ ١١٢٧.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٤٠): ص ٤/ ١١٢٧.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٠٨٩١): ٩/ ٤٤٥.\n(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٤٢): ص ٤/ ١١٢٧.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٤٣): ص ٤/ ١١٢٨.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٤٤): ص ٤/ ١١٢٨.\n(١٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٤٥.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٥.","vol":"7","page":555},{"text":"قال السعدي: أي: \" يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم فضلا منه وإحسانا لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم وعدم علمكم\" (١).\nقال الماتريدي: \" قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث. وقيل: ألا تخطئوا. وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد\" (٢).\nقال ابن سيرين: \" كان عمر إذا قرأ: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾، قال: اللهم مَنْ بَيَّنت له الكلالة، فلم تُبَيَّن لي\" (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وجهان (٤):\nأحدهما: أن المعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا، فأضمرت «لا». وهذا قول الفراء (٥)، والكسائي (٦)، وابن قتيبة (٧)، والطبري (٨)، والزجاج (٩)، والماتريدي (١٠)، والنحاس (١١)، وغيرهم.\nومثل هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا، ومثله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. ومنه قول القطامي في صفة ناقة (١٢):\nرَأَيْنَا مَا يَرَى البُصَراءُ فِيهَا ... فَآلَيْنَا عَلَيْها أَنْ تُبَاعَا\nبمعنى: أن لا تباع.\nوالثاني: أن المعنى: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، وحذفت \" كراهة \"، لأن في الكلام دليلا عليها، وإنما جاز الحذف عندهم على أحد، ومن ذلك قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمعنى واسأل أهل القرية. وهذا قول البصريين (١٣).\nقال الواحدي: \" وهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء\" (١٤).\nوالذي عليه البصريون أظهر، وفي حديث ابن عمر: «لا يدعو أحدكم على ولده أن يوافق من الله ساعة إجابة» (١٥)، قيل: معناه: لئلا يوافق ساعة إجابة، والأظهر تقدير البصريين: أي كراهة أن يوافق ساعة إجابة، وفي معنى الكراهة الحذر والتفادي، وهو استعمال معروف وتكرر في القرآن (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: \" والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده\" (١٧).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: من قسمة المواريث وغيرها عليم\" (١٨).\nقال الطبري: أي: \"من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها، وجميع الأشياء، فهو بذلك كله ذو علم\" (١٩).\nقال ابن كثير: \" أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى\" (٢٠).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٣/ ٣١٨.\n(٢) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٣٤.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠٨٩٢): ٩/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٢٣.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٢٣، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ١٦٥، والدر المصون: ٤/ ١٧٦.\n(٧) انظر: تاويل مشكل القرآن: ١٤٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٤٥.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤٣، و٢/ ١٣، و٢/ ١٦٢.\n(١٠) انظر: تفسير الماتريدي: ١/ ٦٠٦، و٣/ ٤٣٤\n(١١) انظر: إعراب القرآن: ١/ ١٦٥.\n(١٢) ديوانه\" ص ٤٣، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١١٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٣، وهو يصف ناقته يقول: لا تباع لما رأينا من حسنها.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٧.\n(١٤) التفسير البسيط: ٧/ ٢١٤.\n(١٥).\n(١٦) انظر: تفسير المنار: ٦/ ٩٢.\n(١٧) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٤٦): ص ٤/ ١١٢٨.\n(١٩) تفسير الطبري: ٩/ ٤٤٥.\n(٢٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٥.","vol":"7","page":556},{"text":"قال الشوكاني: أي: \" والله بكل شيء من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها ﴿عليم﴾، أي: كثير العلم (١).\nقال السعدي: \" أي: عالم بالغيب والشهادة والأمور الماضية والمستقبلة، ويعلم حاجتكم إلى بيانه وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة\" (٢).\nقال المراغي: أي: \" فهو لم يشرع لكم من الأحكام إلا ما علم أن فيه الخير لكم لصلاح أنفسكم، وذلك شأنه فى جميع أفعاله وأحكامه، فكلها موافقة للحكمة، دالة على واسع العلم وعظيم الرحمة\" (٣).\nقال الماتريدي: \"وعيد\" (٤).\nقال الخطابي: \" إن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين؛ إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي في سورة النساء -يعني في أولها [آية: ١٢]- وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي التي في آخر سورة النساء [آية: ١٧٦] وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها\" (٥).\nقال البراء: \" آخر سورة نزلت: «براءة»، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ \" (٦). والمراد -والله أعلم- آخر آية نزلت في الميراث.\nالفوائد:\n١ - جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له.\n٢ - إثبات وجود الله تعالى عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا، وتقرير نبوة محمد ﷺ، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته.\n٣ - بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة؛ فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والاختان لهما الثلثان، والأخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولدًا ولا ولد ولد.\n٤ - ومن صفاته تعالى: «العليم»، قال الخطابي: \" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق\" (٧).\n\n------------------------------------------------------\nانتهى المجلد السابع من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد الثامن بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة المائدة.\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٦٢٧.\n(٢) تفسير السعدي: ٣/ ٣١٨.\n(٣) تفسير المراغي: ٦/ ٤٠.\n(٤) تفسيرالماتريدي: ٣/ ٤٣٤.\n(٥) معالم السنن: ٤/ ٨٦.\n(٦) صحيح البخاري برقم (٢٦٠٥).\n(٧) شأن الدعاء: ١/ ٥٧، والأسماء والصفات للبيهقي: ١/ ١٢١.","vol":"7","page":557},{"text":"الكِفاية\nفي التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية\nتأليف الفقير إلى رحمة ربه\nد. عبدالله خضر حمد\nالجزء الثامن\nسورة المائدة الآية\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"8","page":1},{"text":"حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\nالرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥\nالطبعة الأولى\n١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nالناشر: دار القلم\nبيروت - لبنان","vol":"8","page":2},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"8","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>تفسير سورة المائدة</span>\nسورة المائدة هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء.\nوعدد آياتها عشرون ومائة آية عند الكوفيين، ويرى الحجازيون والشاميون أن عدد آياتها اثنتان وعشرون ومائة آية، ويرى البصريون أن عدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة آية (١).\nاختلافها ثلاث آيات:\n- ﴿بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]ـ تركهما كوفي.\n- ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، عدها بصري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>أسماء السورة:</span>\nولهذه السورة الكريمة أسماء أشهرها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>١ - المائدة</span>\nوهو الاسم التوقيفي لهذه السوورة، وسميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة المائدة التي طلب الحواريون من عيسى﵇- نزولها من السماء، وقد حكى الله- تعالى- ذلك في آخر السورة في قوله- تعالى-: ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الآيات من ١١٢: ١١٥].\nقال المهايميّ: \"سميت بها، لأن قصتها أعجب ما ذكر فيها، لاشتمالها على آيات كثيرة ولطف عظيم على من آمن، وعنف شديد على من كفر\" (٢).\nوقد سميت هذه السورة «سورة المائدة» في كتب التفسير، وكتب الستة، وهي أشهر أسمائها، ووقعت تسميتها في كلام الصحابة كعبدالله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، وابن عباس، وأسماء بنت يزيد، وغيرهم، كما ورد في كتب السنة، منها:\nأما رواه بن نفير، قال: \"حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه\" (٣).\nب وقد جاء عن أسماء بنت يزيد ﵂، قالت: \"إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة\" (٤).\nت كما جاء من حديث عبد الله بن عمرو، قال: \"أنزلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ\n_________\n(١) انظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر للدمياطي ص: ٣٥١.\n(٢) تفسير المهايمي: ١/ ١٧٧.\n(٣) مستدرك الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٣١١، قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nورواه الإمام أحمد، ٦/ ٥٤، برقم ٢٦٠٦٣، وزاد: \"وسألتها عن خلق رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: القرآن\".\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٧٦١٦)، وقال عنه الأرنؤوط: \"حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وشهر بن حوشب\"، وكذلك أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧|١٣).","vol":"8","page":4},{"text":"وَسَلَّمَ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها\" (١).\nث وعن ابن عباس﵁-: \"أن النبيﷺ- قرأ في خطبته سورة المائدة والتوبة\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>٢ - سورة العقود</span>\nوتسمى أيضا بسورة «العقود»، لأنها السورة الوحيدة التي افتتحت بطلب الإيفاء بالعقود، قال- تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\nذكر هذه التسمية بعض المفسرين كأبي حيان (٣)، والآلوسي (٤)، والسخاوي (٥)، والسيوطي (٦)، والبقاعي (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٣ - سورة المنقذة</span>\nوتسمى- أيضا- «المنقذة»، ووجه تسميته بذلك أنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب، واستندوا في تسميتها بسورة\"المنقذة\" على حديث ذكره ابن عطية (٨)، والقرطبي (٩)، في تفسيرهما، وهو ما روي عن النبيﷺ-، أنه قال: «سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة. تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب\" (١٠).\nوقد ذكر هذا الاسم بعض المفسرين في كتبهم، كابن عطية (١١)، وأبي حيان (١٢)، والآلوسي (١٣)، كما ذكره السيوطي في الإتقان (١٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٤ - سورة الأحبار</span>\nورد تسميتها بسورة «الأحبار»، لاشتالها على ذكرهم في قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] (١٥).\nوالأحبار هم العلماء، قال جرير (١٦):\nإن البعيث وعبد آل مقاعس ... لا يقرآن بسورة الأحبار\nأي: لا يفيان بالعهود، يعني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (١٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٥ - تسميات أخرى</span>\nوقد وردت تسميات أخرى أقل شهرة، منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>أولا: - سورة الأخيار</span>\nقال ابن عاشور: \" وفي كتاب «كنايات الأدباء» لأحمد الجرجاني (١): «يقال: فلان لا يقرأ سورة الأخيار، أي لا يفي بالعهد، وذلك أن الصحابة﵃- كانوا يسمون سورة المائدة سورة الأخبار\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦٦٤٣)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط: \"حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة وحيي بن عبدالله\"، وصححه الألباني في صحيح السيرة ص: ١٠٧.\n(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور: ٣/ ٣.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ٤/ ١٥٦.\n(٤) انظر: روح المعاني: ٥/ ٤٧.\n(٥) انظر: جمال القراء وكمال الإقراء: ١/ ٣٦.\n(٦) انظر: الإتقان: ١/ ١٧٢.\n(٧) انظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: ٢/ ٣٢٥\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٠.\n(١٠) لم أقف على تخريجه، قال محقق تفسير القرطبي ٦/ ٣٠: \"لم اجده، والظاهر أنه من رواية النقاش، وهو موضوع بكل حال\".\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ٤/ ٣١٢.\n(١٢) انظر: البحر المحيط: ٤/ ١٥٦.\n(١٣).انظر: روح المعاني: ٥/ ٤٧\n(١٤) انظر: الإتقان في علوم القرآن: ١/ ١٧٢.\n(١٥) انظر: بصائر ذوي التمييز: ١/ ١٧٦.\n(١٦) ديوانه: ٣٩٠، شرح: د. يوسف عبد، يعني بـ\"عبد آل مقاعس\": الفرزدق\".\n(١٧) انظر: النهاية: ١/ ٣٢٨.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>ثانيا: سورة المبعثرة</span>\nورد هذه التسمية عند أبي حيان، ولم يعلل سبب تسميتها بـ «المبعثرة»، ودون ذكر سنده في ذلك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>ثالثا: -سورة المائة وعشرون آية</span>\nجاءت تسميتها بذلك في مصحفين، احدها نسخت سنة (١٢٥٨ هـ) (٤)، والآخر في القرن الثالث عشر الهجري (٥)، ولم أقف على هذا الاسم عند السادة المفسرين، كما انه من الغريب تسمية السورة بعدد آياتها- والله أعلم-.\nننستنتج مما سبق بأن اسم السورة التوفيقي، هو: سورة «المائدة»، وأما الأسماء الاخرى، فجميعها من إجتهاد العلماء ولم يرد فيها حديث من النبيﷺ-، أو اثر من صحابته-رضوان الله تعالى عليهم-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>مكان نزول السورة:</span>\nفي مكان نزول السورة أقوال:\nالقول الاول: أنها مدنية. وهذا قول ابن عباس (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، وجمهور العلماء (٩)، وذلك بناء على سببين:\nأحدهما: القول الذي رجحه العلماء من أن القرآن المدني هو الذي نزل على رسول الله ﷺ بعد الهجرة ولو كان نزوله في غير المدينة.\nقال ابن عطية: \" هذه السورة مدنية بإجماع ... ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾ [المائدة: ٢] الآية، وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي -ﷺ- فهو مدني سواء ما نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة\" (١٠).\nقال القرطبي: \" وهي مدنية بإجماع ... وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار. وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة\" (١١).\nوالثاني: أن السورة بدأت بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، وهذه الخصلة لاتكون غلا في السور المدنية.\nقال ابن العربي: \" قال علماؤنا: قال علقمة: إذا سمعت: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [المائدة: ١] فهي مدنية، وإذا سمعت: ﴿يا أيها الناس﴾ [النساء: ١] فهي مكية؛ وهذا ربما خرج على الأكثر\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: كنايات الأدباء، أحمد الجرجاني: ١٢١.\n(٢) التحرير والتنوير: ٦/ ٦٩.\n(٣) انظر: البحر المحيط: ٤/ ١٥٦.\n(٤) والمصحف بجامعة الإمام بالرياض برقم (١٨٤٢).\n(٥) والمصحف بجامعة الإمام برقم (٦٧١).\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٥.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١١١٠): ص ٩/ ٥٣١.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣، وتفسير القرطبي: ٦/ ٣٠، وغيرها.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣.\n(١١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٠.\n(١٢) أحكام القرآن: ٢/ ٣.","vol":"8","page":6},{"text":"وقد أورد الإمام السيوطي كثيرا من الأحاديث والآثار تدل صريحا على أنها آخر ما نزل من القرآن (١).\nوالقول الثاني: أنها مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣]، فإنها نزلت بـ «عرفات». وهذا قول مقاتل بن حيان (٢)، وشهاب الخفاجي (٣).\nقال أبو سليمان الدمشقي: \"فيها من المكي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣] \" (٤).\nقال ابن الجوزي: \"والصحيح أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، نزلت بعرفة يوم عرفة، فلهذا نسبت إلى «مكة» \" (٥).\nواعترض القاسمي على القول الثاني، من خلال نظرين (٦):\nالأول: - إن هذا بناء على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في \"الإتقان\" أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار (٧).\nالثاني: - بقي عليه، لو مشي على ذاك الاصطلاح، آيات آخر.\nالقول الثالث: أنها مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣]، وهذا قول أبي سليمان الدمشقي (٨).\nقال السدي: \" عن السدي قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله ﷺ فمات\" (٩).\nالقول الرابع: أنها نزلت عند منصرف رسول الله ﷺ من الحديبية.\nذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: \"لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية قال: «يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة» \" (١٠).\nقال ابن عطية: \"وهذا عندي لا يشبه كلام النبي -ﷺ- \" (١١).\nقال ابن العربي: \"هذا حديث موضوع، لا يحل لمسلم اعتقاده، أما أنا نقول: سورة المائدة نعمت الفائدة فلا نؤثره عن أحد، ولكنه كلام حسن\" (١٢).\nالقول الخامس: أنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة. وهذا قول محمد القرظي (١٣).\nوأخرج الطبري عن الربيع بن أنس قال: \"نزلت «سورة المائدة» على رسول الله ﷺ في المسير في حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها\" (١٤).\nوالراجح-والله أعلم- انهما مدنية، وهذا قول الجمهور، باعتبار أن السور المدنية هي ما نزلت بعد الهجرة، وهذه السورة نزلت بعد سورة «الفتح»، وكان نزول سورة «الفتح» بعد\n_________\n(١) انظر: الدر المنثور: ٣|٤ ..\n(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٧.\n(٣) انظر: محاسن التأويل: ٤/ ٣.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٥٠٥.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٠٥.\n(٦) انظر: محاسن التأويل: ٤/ ٣.\n(٧) انظر: الإتقان: ١/ ٧٣.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٥.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٠٨٠): ص ٩/ ٥١٨.\n(١٠) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣، والقرطبي في تفسيره: ٦/ ٣٠، وأبو حفص سراج الدين، في اللباب في علوم الكتاب: ٧/ ١٦٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣.\n(١٢) أحكام القرآن: ٢/ ٣.\n(١٣) انظر: الدر المنثور: ٣/ ٣ - ٤.\n(١٤) تفسير الطبري (١١١١٢): ص ٩/ ٥٣١.","vol":"8","page":7},{"text":"صلح «الحديبية» فى السنة السادسة من الهجرة، فيكون نزول سورة «المائدة» فيما بين صلح «الحديبية» وغزوة «تبوك».\nوالظاهر أن سورة المائدة لم تنزل دفعة واحدة في وقت معين أو في زمان معين، وإنما نزل بعضها في السنوات التي سبقت صلح الحديبية، ونزل معظمها بعد هذا الوقت، وأن الروايات التي تقول بنزولها دفعة واحدة أو في وقت معين وزمان معين من الممكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها (١). والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>أغراض السورة ومقاصدها:</span>\nوفيما يأتي مجمل ما اشتملت عليه سورة النساء:\nاولا: - تعد سورةالمائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم، والأمر والنهي حيث تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أُخذ على الأمة، وبها تم الدين، فهي سورة التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السُّراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة الله تعالى، ولهذا ذُكر فيها ما يختص بشريعة محمد - ﷺ -؛ كالوضوء والتيمم، والحكم بالقرآن على كل دين، ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها أن من ارتد عوض الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملا.\nالثاني: - تطرقت السورة أيضا إلى جوانب العقيدة وقصص أهل الكتاب، وتناولت أحكام العقود، والذبائح، والصيد، والإحرام، ونكاح الكتابيات، والردة، وأحكام الطهارة، وحد السرقة، والبغي، والإفساد في الأرض، وتحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وكفارة اليمين، وحكم من ترك تحكيم شريعة الله تعالى، والوصية عند الموت، وغير ذلك من الأحكام والتشريعات.\nوالثالث: - تضمنت السورة قصة موسى ﵇ مع بني إسرائيل في دخول بيت المقدس وردهم القبيح ومفارقة موسى ﵇ لهم، وفيها أيضًا قصة ابني آدم «قابيل وهابيل»، وهي تعرض نموذجين من نماذج البشر: نموذج النفس الشريرة الأثيمة، ونموذج النفس الخيِّرة الكريمة.\nوتطرقت السورة لقصة المائدة التي كانت من معجزات عيسى ﵇.\nوالرابع: - ختمت السورة بالموقف الرهيب يوم الحشر حيث يُدعى المسيح عيسى ﵇ رؤوس الأشهاد، ويسأله ربه تبكيتًا للنصارى الذين عبدوه من دون الله تعالى، ويا له من موقف مخزٍ لأعداء الله تشيب لهوله الرؤوس، وتتفطر من فزعه النفوس!\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها:</span>\nومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة \"آل عمران\" التي قبلها (٢):\nأولا: - لما كانت سورة النساء مشتملة على عدة عقود، بدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود.\nثانيا: -اتحدت سورة النساء والمائدة في تقرير الفروع الحكمية.\nثالثا: - مهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمته سورة المائدة البتة.\nرابعا: - بدأت سورة النساء ببدء الخلق، وختمت سورة المائدة بالانتهاء من البعث والجزاء.\n_________\n(١) انظر: التفسير الوسيط، للطنطاوي: ٤/ ١٠.\n(٢) انظر: روح المعاني: ٣/ ٢٢٢.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٧٦١٦)، وقال عنه الأرنؤوط: \"حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وشهر بن حوشب\"، والطبري (١١١٠٧): ٩/ ٥٢٩، والطبراني (٤٤٩): ص ٢٤/ ١٢٨، والبيهقي في الشعب (٢٤٣٠): ص ٢/ ٤٦٩، وكذلك أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧|١٣)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٣، إلى عبد بن حميد، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابي نعيم في الحلية.\nوالحديث إسناده فيه ليث بن أبي سليم، قال الحافظ عنه: \"صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك، وقال أحمد: مضطرب الحديث ولكن حدث عنه الناس\". انظر: الميزان: ٤/ ٣٤٠. وقال بحبى بن معين: \"ليس حديثه بذاك ضعيف، وقال أبو زرعة: ليث لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث\". انظر: الجرح والتعديل: ٧/ ١٧٧.\nوفيه ايضا شهر بن حوشب: صديق كثير الإرسال والاوهام، كما قال الحافظ في التقريب: ٢٦٩، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي، وقال البخاري: شهر حسن الحديث، وقوي أمره. انظر: الميزان: ٢/ ٤٧٤، وقال أبو حاتم: \" لايحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: لا بأس به. انظر: الجرح والتعديل: ٤/ ٣٨٢.\nوالحديث له شواهد منها: ما اخرجه البيهقي في الدلائل عن أم عمرو بنت عبس عن عمتها، باب (ذكر السور التي نزلت بمكة والتي نزلت بالمدينة): ص ٧/ ١٤٥، وما اخرجه أبو عبيد في فضائله، باب (المائدة والأنعام): ص ١٢٨، عن محمد بن كعب القرظي مرسلا، والطبري في تفسيره (١١١٠٦): ص ٩/ ٥٢٨، عن الربيع بن انس، وبجموع هذه الشواهد يقوي الحديث ويرفعه إلى درجة الحسن لغيره.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>فضائل السورة:</span>\nورد في فضل هذه السورة مجموعة من الأخبار:\nأحدها: - ورد في فضلها حديث أسماء بنت يزيد -﵂-، قالت: \"إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة\" (٣).\nوالثاني: - تعدّ سورة المائدة من طوال سور القرآن، ومن أجلها منزلة وأعلاها مكانة، وكغيرها من السور المدنية تناولت القضايا التشريعية، كما هو شأن سورة البقرة، والنساء، والأنفال، إلى جانب احتضانها موضوع العقيدة، وقصص أهل الكتاب.\nوالثالث: - أنها آخر سورة نزلت من القرآن الكريم.\nقال الرازي: \"أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وليس فيها منسوخ\" (١).\nقال أبو ميسرة: \"المائدة من آخر ما نزل من القرآن، ليس فيها منسوخ وفيها ثمان عشرة فريضة\" (٢).\nوكذلك يقول ابن تيمية: \" سورة المائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم والأمر والنهي؛ ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: «هِيَ آخِرُ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا\"، وهذا افتتحت بقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والعقود هي العهود وذكر فيها من التحليل والتحريم والإيجاب ما لم يذكر في غيرها\" (٣).\nهذا ما تيسر من التمهيد للسورة، وسوف نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل، والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم.\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤٥٢.\n(٢) الجامع أحكام القرآن: ٦/ ٣٠.\n(٣) مجموع الفتاوى: ١٤/ ٤٤٨","vol":"8","page":9},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد ﷺ. وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم، إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك، ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون. إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهة وصدَّقوا رسوله محمدًا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: يا أيها الذين صدقوا النبي - ﷺ - \" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (٥).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٢) جامع البيان: ٩/ ٤٤٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٣٩.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.","vol":"8","page":10},{"text":"قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١).\nقال خيثمة: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٢).\nقال القرطبي: \" قال علقمة: كل ما في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فهو مدني، و﴿يا أيها الناس﴾ فهو مكي، وهذا خرج على الأكثر\" (٣).\nواختلف في المخاطبين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١]، على قولين:\nأحدهما: أنهم المؤمنون من أمة محمدﷺ-، وهذا معنى قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والحسن (٧)، عبدالله بن عبيدة (٨)، ومحمد بن كعب القرظي (٩)، وابن زيد (١٠)، ومقاتل (١١)، واختاره ابن عطية (١٢)، والقرطبي (١٣)، وهو قول الجمهور (١٤).\nقال ابن عطية: \" ولفظ «المؤمنين» يعم مؤمني أهل الكتاب، إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد ﷺ ولفظ «العقود» يعم عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة\" (١٥).\nوالثاني: أنهم أهل الكتاب، وفيهم نزلت، وهذا قول ابن جريج (١٦)، .\nويسنده قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ذكره ابن العربي (١٧).\nوالصحيح، أنها عامة، لأن\" لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد -ﷺ-، فإنهم مأمورون بذلك في قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وغير موضع\" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، أي: \" أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد -ﷺ-\" (١٩).\nقال الواحدي: \" يعني: بالعهود المؤكَّدة التي عاهدتموها مع الله والنَّاس\" (٢٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٣١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٧): ص ٩/ ٤٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٨): ص ٩/ ٤٥٢ - ٤٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٥)، و(١٠٩٠٦): ص ٩/ ٤٥٢.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦، وتفسير القرطبي: ٦/ ٣٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٩): ص ٩/ ٤٥٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٠): ص ٩/ ٤٥٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١١)، و(١٠٩١٢): ص ٩/ ٤٥٣.\n(١١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٨.\n(١٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣.\n(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢.\n(١٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٥.\n(١٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٤٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٣): ص ٩/ ٤٥٤.\n(١٧).\n(١٨) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢.\n(١٩) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٢٠) الوجيز: ٣٠٦.","vol":"8","page":11},{"text":"قال الطبري: أي: \"أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها\" (١).\nقال الزجاج: \" خاطب الله جل وعز جميع المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عقدها الله عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين ... و﴿العقود﴾: العهود\" (٢).\nقال الشافعي: \" جماع الوفاء بالنذر وبالعهد، كان بيمين أو غيرها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية، وهذا من سعة لسان العرب الذي خوطبت به، وظاهره عام على كل عقد، ويشبه - واللَّه تعالى أعلم - أن يكون أراد اللَّه - ﷿ -، أن يوفى بكل عقد كان بيمين أو غير يمين، وكل عقد نذر، إذا كانت في العقد لله طاعة، ولم يكن فيما أمر بالوفاء منها معصية\" (٣).\nقال الجصاص: \" اشتمل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] \" (٤).\nقال الزمخشري: \"والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو قوله أحلت لكم وما بعده\" (٥).\nو«العقود»، جمع: «عَقْدٍ»، وأصل «العقد»، عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده، ومنه قول الحطيئة (٦):\nقَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا\nوذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمان وذِمَّة، أو نصرة، أو نكاح، أو بيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود (٧).\nوالمراد بالإيفاء بالعهد\" إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة\" (٨).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ستة أقاويل:\nأحدها: أنها عهود الله، التي أخذ بها الإِيمان، على عباده فيما أحله لهم، وحرمه عليهم، وهذا قول ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠).\n_________\n(١) جامع البيان: ٩/ ٤٤٧.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٣٩.\n(٣) تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٦٩٢.\n(٤) أحكام القرآن: ٣/ ٢٨٦.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٠١.\n(٦) ديوانه: ٦، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٤٥، اللسان (كرب) (عنج)، من قصيدته التي قالها في الزبرقان بن بدر، وبغيض بن عامر من بني أنف الناقة، فمدح بغيضًا وقومه فقال: قَوْمٌ هُمُ الأَنْفُ، وَالأَذْنَابُ غَيْرهُمُ، ... وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَا!\nقَوْمٌ يَبِيتُ قَرِيرَ العَيْنِ جَارُهُمُ ... إذَا لَوَى بقُوَى أَطْنَابِهِمْ طُنُبَا\nقَوْمٌ إذَا عَقَدُوا ........ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nهذا مثل ضربه يقول: إذا عقدوا للجار عقدًا وذمامًا، أحكموا على أنفسهم العقد، حتى يكون أقر عينًا بنصرتهم له، وحمايتهم لعرضه وماله. وضرب المثل بالدلو، التي يستقي بها وينتفع. و\"العناج\": خيط يشد في أسفل الدلو، ثم يشد في عروتها، أو في أحد آذانها، فإذا انقطع حبل الدلو، أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر. و\"الكرب\" الحبل الذي يشد على الدلو بعد\"المنين\" وهو الحبل الأول، فإذا انقطع المنين بقي الكرب. فهذا هو المثل، استوثقوا له بالعهد، كما استوثقوا لدلوه بالحبل بعد الحبل حتى تكون بمأمن من القطع.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٥١ - ٤٥٢، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٧): ص ٩/ ٤٥٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٨): ص ٩/ ٤٥٢ - ٤٥٣.","vol":"8","page":12},{"text":"والثاني: أنها العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب أن يعملوا بما في التوراة، والإِنجيل من تصديق محمد -ﷺ-، وهذا قول ابن جريج (١).\nقال، قال محمد بن مسلم: \"قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: «هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، فكتب الآيات منها حتى بلغ، ﴿إن الله سريع الحساب﴾ \" (٢).\nوالثالث: أنها عهود الجاهلية وهي الحلف الذي كان بينهم على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءً. وهذا قول قتادة (٣).\nالرابع: عهود الدين كلها، وهذا قول الحسن (٤).\nوالخامس: أنها العقود التى يتعاقدها الناس بينهم من بيع، أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول عبدالله بن عبيدة (٥)، ومحمد بن كعب القرظي (٦)، وابن زيد (٧).\nوالسادس: يعني: بالعهود التي بينكم وبين المشركين. وهذا قول مقاتل (٨).\nوالظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، وأن معناه: \"أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم، وألزمكم فرضه، وبيَّن لكم حدوده، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض\" (٩).\nقال السعدي: \" هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم.\nوالتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع، فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، أي: \" وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم\" (١١).\nقال الزجاج: اي: \" أي: أحلت لكم الإبل والبقر والغنم والوحش\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٣): ص ٩/ ٤٥٤.\n(٢) أخرجه الطبري (١٠٩١٤): ٩/ ٤٥٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٥)، و(١٠٩٠٦): ص ٩/ ٤٥٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦، وتفسير القرطبي: ٦/ ٣٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٠٩): ص ٩/ ٤٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٠): ص ٩/ ٤٥٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١١)، و(١٠٩١٢): ص ٩/ ٤٥٣.\n(٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٨.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٤.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢١٨.\n(١١) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٤٠.","vol":"8","page":13},{"text":"قال مقاتل: \" يعني: أحل لكم أكل لحوم الأنعام الإبل والبقر والغنم والصيد كله\" (١).\nقال الزمخشري: \" البهيمة: \"كل ذات أربع في البر والبحر، وإضافتها إلى ﴿الأنعام﴾ للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى «من» كخاتم فضة. ومعناه: البهيمة من الأنعام\" (٢).\nقال السعدي: \" ﴿أحلت لكم﴾، أي: لأجلكم، رحمة بكم ﴿بهيمة الأنعام﴾ من الإبل والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ونحوها من الصيود\" (٣).\nواختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن المراد: الأنعام كلها. وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، والضحاك (٦)، والربيع بن انس (٧)، والسدي (٨).\nوالثاني: أنها أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً. وهذا قول ابن عباس (٩)، وابن عمر (١٠).\nوالثالث: أنها وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر. وهذا قول الفراء (١١).\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الأول، أي: \"الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها، لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك «بهيمة وبهائم»، ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء، فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها\" (١٢).\nو«النعم» عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً] [النحل: ٨]، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان (١٣).\nوأما «بهائم الأنعام»، فإنها أولادها، فيلزم الكبار منها اسم «بهيمة»، كما يلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: «بهيمة الأنعام»، نظير قوله: «ولد الأنعام»، فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر (١٤).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، أي: \" إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال\" (١٦).\nقال الزمخشري: أي: \" إلا محرم ما يتلى عليكم من القرآن\" (١٧).\nقال مقاتل: \" يعني: غير ما نهى الله﷿- عن أكله مما حرم الله﷿- من الميتة والدم ولحم الخنزير والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٨.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٠١.\n(٣) تفسير السعدي: ٢١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٥): ص ٩/ ٤٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٦): ص ٩/ ٤٥٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٢٠): ص ٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٨): ص ٩/ ٤٥٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٩١٧): ص ٩/ ٤٥٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٢٣) - (١٠٩٢٦): ص ٩/ ٤٥٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٢١)، و(١٠٩٢٢): ص ٩/ ٤٥٦.\n(١١) انظر: نعاني القرآن: ١/ ٢٩٨.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٧.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٦٠١.\n(١٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٨.","vol":"8","page":14},{"text":"واختلف في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، على قولين\nأحدهما: معناه: إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)، الآية [سورة المائدة: ٣]. وهذا قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤).\nقال ابن كثير: \" والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض\" (٥).\nوالثاني: أن الذي استثنى الله بقوله: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، الخنزير. وهذا قول ابن عباس-في رواية أخرى- (٦)، والضحاك (٧).\nوالراجح-والله أعلم- هو القول الأول، \"لأن الله ﷿ استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها. والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها. فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، أي: \"ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون\" (٩).\nقال مقاتل: \" يقول: من غير أن تستحلوا الصيد ﴿وأنتم حرم﴾، يقول: إذا كنت محرما بحج أو عمرة فالصيد عليك حرام كله غير صيد البحر فإنه حلال لك\" (١٠).\nقال الواحدي: \" يعني: إلاَّ أن تحلُّوا الصَّيد في حال الإِحرام فإنَّه لا يحلُّ لكم\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدا، كالظباء ونحوه، والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش\" (١٢).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، والتقدير: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ (١٣).\nوالمعنى: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه، لا محلّين الصيد وأنتم حرم (١٤).\nوالثاني: ان المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر ﴿غير محلي الصيد﴾، غير مستحلِّي اصطيادها، وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣١)، و(١٠٩٣٢): ص ٩/ ٤٥٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٢٧): ص ٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٢٨)، و(١٠٩٢٩): ص ٩/ ٤٥٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣٠): ص ٩/ ٤٥٨.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣٣): ص ٩/ ٤٥٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣٤): ص ٩/ ٤٥٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٩.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٨.\n(١١) الوجيز: ٣٠٦.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢١٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٩.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٥٩.\n(١٥) انظر: معاني القرآن للفراء ١: ٢٩٨، وتفسير الطبري: ٩/ ٤٦٠.","vol":"8","page":15},{"text":"والثالث: أن المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم. وهذا قول الربيع بن انس (١).\nوالراجح من التفسير أن يقال: \" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ، لا محلين الصيد في حرمكم، ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم\" (٢). -والله أعلم-.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، أي: \"إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله\" (٣).\nقال قتادة: \" إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبيّن لعباده، وفرض فرائضه، وحدَّ حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته\" (٤).\nقال مقاتل: \" فحكم أن جعل ما شاء من الحلال حراما، وجعل ما شاء مما حرم في الإحرام من الصيد حلالا\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي الخلق له ﷿، يحل منه ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد\" (٦).\nقال ابن الجوزي: \" أي: الخلق له يحل ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد على من يريد\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه = فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم، وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: فمهما أراده تعالى حكم به حكما موافقا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود لحصول مصالحكم ودفع المضار عنكم، وأحل لكم بهيمة الأنعام رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من ذوات العوارض، من الميتة ونحوها، صونا لكم واحتراما، ومن صيد الإحرام احتراما للإحرام وإعظاما\" (٩).\nالفوائد:\n١ - وجوب الوفاء بالعهود التي بين الله تعالى وبين العبد والمحافظة على العقود التي بين العبد وأخيه العبد لشمول الآية ذلك.\n٢ - إباحة أكل لحوم الإبل والبقر والغنم إلا الميتة منها.\n٣ - تحريم الصيد في حال الإحرام وحليته بعد التحلل من الإحرام وهو صيد البر لا البحر.\n٤ - استدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي يموت في بطن أمه بعدما تذبح.\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣٥)، و(١٠٩٣٦): ص ٩/ ٤٦٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٤٦١.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٤) أخرجه الطبري (١٠٩٣٧): ص ٩/ ٤٦٢.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٤٨.\n(٦) معاني القرىن: ٢/ ١٤٢.\n(٧) زاد المسير: ١/ ٥٠٦.\n(٨) تفسير الطبري ٩/ ٤٦٢.\n(٩) تفسير السعدي: ٢١٨.","vol":"8","page":16},{"text":"التفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تتعدَّوا حدود الله ومعالمه، ولا تستحِلُّوا القتال في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان ذلك في صدر الإسلام، ولا تستحِلُّوا حرمة الهَدْي، ولا ما قُلِّدَ منه; إذ كانوا يضعون القلائد، وهي ضفائر من صوف أو وَبَر في الرقاب علامةً على أن البهيمة هَدْيٌ وأن الرجل يريد الحج، ولا تَسْتَحِلُّوا قتال قاصدي البيت الحرام الذين يبتغون من فضل الله ما يصلح معايشهم ويرضي ربهم. وإذا حللتم من إحرامكم حلَّ لكم الصيد، ولا يحمِلَنَّكم بُغْض قوم من أجل أن منعوكم من الوصول إلى المسجد الحرام -كما حدث عام «الحديبية» - على ترك العدل فيهم. وتعاونوا -أيها المؤمنون فيما بينكم- على فِعْل الخير، وتقوى الله، ولا تعاونوا على ما فيه إثم ومعصية وتجاوز لحدود الله، واحذروا مخالفة أمر الله فإنه شديد العقاب.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها نزلت في شريح بن ضبيعة. وهذا قول ابن عباس (١)، والسدي (٢)، وعكرمة (٣)، وابن جريج (٤).\nقال السدي: أقبل الحُطم بن هند البكري، ثم أحد بني قيس بن ثعلبة (٥) حتى أتى النبي ﷺ وحده، وخَلَّف خيله خارجة من المدينة. فدعاه، فقال: إلام تدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة، يتكلم بلسان شيطان!، فلما أخبره النبي ﷺ قال: انظر، ولعلّي أسلم ولي من أشاوره، فخرج من عنده، فقال رسول الله ﷺ، لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعَقِب غادرٍ! فمرَّ بسَرْح من سَرْح المدينة فساقه، فانطلق به وهو يرتجز (٦):\nقَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِي إبِلٍ وَلا غَنَم\nوَلا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمْ ... بَاتُوا نِيَامًا وَابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ\nبَاتَ يُقَاسِيهَا غُلامٌ كَالزَّلَمْ ... خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ\nثم أقبل من عام قابلٍ حاجًّا قد قلَّد وأهدى، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية، حتى بلغ: \"ولا آمين البيت الحرام\". قال له ناس من أصحابه: يا رسول\n_________\n(١) انظرك اسباب النزول للواحدي: ١٨٩.\n(٢) انظر: الطبري (١٠٩٥٨): ص ٩/ ٤٧٢ - ٤٧٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥٩): ٩/ ٤٧٣ - ٤٧٤، وتفسير عبدالرزاق: ٢/ ١٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠) وزاد نسبته لابن المنذر. . [سنده ضعيف].\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٧٤.\n(٥) الحطم\" لقب، واسمه: \"شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، من بكر بن وائل\" (جمهرة الأنساب: ٣٠١)، وهذا\"الحطم\"، خرج في الردة، في السنة الحادية عشرة، فيمن تبعه من بكر بن وائل، ومن تأشب إليه من غير المرتدين ممن لم يزل كافرًا، فخرج بهم حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط، ومن فيها من الزط والسيابجة. وحاصر المسلمين حصارًا شديدًا. فتجمع المسلمون جميعًا إلى العلاء بن الحضرمي، وتجمع المشركون كلهم إلى الحطم. ثم بيتهم المسلمون وقتلوا الحطم ومن معه في خبر طويل. [انظر: تاريخ الطبري ٣/ ٢٥٤ - ٢٦٠].\n(٦) اختلفوا في نسبة هذا الشعر اختلافًا كثيرًا، فنقل التبريزي في شرح الحماسة (١: ١٨٥) خبر رشيد بن رميض العنزي (بفتح العين، وسكون النون) من بني عنز بن وائل، بلا شك عندي في ذلك. قال التبريري: \" قالها في غارة الحطم، وهو شريح بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد، أغار على اليمن، فقتل وليعة بن معد يكرب، أخا قيس، وسبى بنت قيس بن معد يكرب، أخت الأشعث بن قيس، فبعث الأشعث يعرض عليه في فدائها، بكل قرن من قرونها (ضفائرها) مئة من الإبل. فلم يفعل الحطم، وماتت عنده عطشًا. (وانظر غير ذلك في الأغاني ١٤: ٤٤).\nونسبت أيضًا للأغلب العجلي، وللأخنس بن شهاب، ولجابر بن حني التغلبي. وانظر ذلك في تحقيق أستاذنا الراجكوتي، سمط اللآلئ: ٧٢٩. ولعل \" الحطم \" أنشده مدحًا لنفسه فيما فعل من سوق السرح.","vol":"8","page":17},{"text":"الله، خلِّ بيننا وبينه، فإنه صاحبنا! قال: إنه قد قلَّد! قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية! فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية\" (١). [ضعيف جدا] (٢).\nوالثاني: أن ناسا من المشركين جاءوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلين بعمرة، فقال المسلمون: لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله تعالى ولا آمين البيت الحرام (٣). وهذا قول ابن عباس أيضا (٤)، وقتادة (٥)، وابن زيد (٦).\nقال ابن عباس: \" كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يَغِيرُوا عليهم؛ فقال الله -﷿-: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٧). [حسن].\nوالثالث: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، نزلت في النهي عن الطلب بذُحول الجاهلية. وهذا قول مجاهد (٨).\nأخرج الطبري عن مجاهد في قول الله: \" ﴿أن تعتدوا﴾، رجل مؤمن من حلفاء محمد، قتل حليفًا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة، لأنه كان يقتل حلفاء محمد، فقال محمد ﷺ: لعن الله من قتل بذَحْل الجاهلية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" لا تستحلوا حُرمات الله ولا تعتدوا حدوده\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا، معالم الله فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج\" (١٣).\nقال الماوردي: \" أى: معالم الله، مأخوذ من الإِشعار وهو الإِعلام\" (١٤).\nالحرام\" (١٥).\nوفي «شعائر الله»، خمسة تأويلات:\nأحدها: أنها مناسك الحج، وهو قول ابن عباس (١٦)، ومجاهد (١٧)، ومقاتل (١٨)، والإمام الشافعي (١٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٩٥٨): ص ٩/ ٤٧٢ - ٤٧٣.\n(٢) أخرجه الطبري من طريق أحمد بن المفضل ثنا أسباط بن نصر عن السدي به. قلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف أسباط.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٠٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤١): ص ٩/ ٤٦٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧٦): ص ٩/ ٤٧٨، تفسير عبدالرزاق: ١/ ١/١٨٢، ووالناسخ والمنسوخ للنحاس: ١١١، ونسبه السيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٨، لعبد بن حميد.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٦٠): ٩/ ٤٧٤.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٩٤١): ص ٩/ ٤٦٣، وابن أبي حاتم؛ كما في \"الدر المنثور\": ٣/ ٥، والنحاس في \"ناسخه\": ١١١. وزاد السيوطي نسبته في \"الدر المنثور\" لابن المنذر.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٧)، و(١٠٩٩٨): ص ٩، ٤٨٩\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٩٩٧): ص ٩، ٤٨٩\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(١٣) تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٤.\n(١٤) النكت والعيون: ٢/ ٦.\n(١٥) معاني القرآن: ٢/ ١٤٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٠)، و(١٠٩٤١): ص ٩/ ٤٦٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٢)، و(١٠٩٤٣): ص ٩/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(١٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(١٩) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٩٥.","vol":"8","page":18},{"text":"والثاني: أنها ما حرمه الله فى حال الإحرام، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا (١).\nوالثالث: أنها حرم الله، وهو قول السدي (٢).\nوالرابع: أنها حدود الله فيما أحل وحرَّم وأباح وحظَّر، وهو قول عطاء (٣)، واختيار الطبري (٤).\nوالخامس: هي دين الله كله، وهو قول الحسن (٥)، كقوله تعالى: ﴿ذّلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٢٢]، أى: \"دين الله\" (٦).\nوالراجح-والله اعلم- هو قول عطاء، والمعنى: \" لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه، لأن «الشعائر» جمع: شعيرة، من قول القائل: قد شعر فلان بهذا الأمر، إذا علم به، فـ «الشعائر»، المعالم، من ذلك\" (٧).\nقال الزجاج: \" الشعائر: واحدتها شعيرة، ومعناه ما أشعر، أي: أعلم ليهدى إلى بيت الله\" (٨).\nقال الزمخشري: \" وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله\" (٩).\nقال الجصاص: \" فقوله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾، قد انتظم جميع معالم دين الله وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده من فرائض دينه وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا حدوده ولا يقصروا دونها ولا يضيعوها فينتظم ذلك جميع المعاني التي رويت عن السلف من تأويلها فاقتضى ذلك حظر دخول الحرم إلا محرما وحظر استحلاله بالقتال فيه وحظر قتل من لجأ إليه ويدل أيضا على وجوب السعي بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الله على ما روي عن مجاهد (١٠)، لأن الطواف بهما كان من شريعة إبراهيم ﵇ وقد طاف النبي ﷺ بهما فثبت أنهما من شعائر الله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" يعني: لا تستحلوا قتالا فيه\" (١٣).\nقال قتادة: \" كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت\" (١٤).\nوفي تفسير «الشَّهْر الْحَرَام» ثلاثة اقاويل:\nأحدها: أنه رَجَبُ مُضَر. اختاره الطبري (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٤): ص ٩/ ٤٦٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣٩): ص ٩/ ٤٦٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٣٨): ص ٩/ ٤٦٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٤.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦.\n(٦) النكت والعيون: ٢/ ٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٤.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٤٢.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٠٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٢)، و(١٠٩٤٣): ص ٩/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(١١) أحكام القرآن: ٣/ ٢٩١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٠٩٤٥): ص ٩/ ٤٦٥.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٠٩٤٦): ص ٩/ ٤٦٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٦.","vol":"8","page":19},{"text":"والثاني: أنه ذو العقدة، وهو قول عكرمة (١).\nوالثالث: أنها الأشهر الحرم، وهو قول قتادة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: \"ولا تستحلوا ما أُهدي إِلى البيت أو قُلّد بقلادة -ليعرف أنه هدي- بالتعرض له ولأصحابه\" (٣).\nالهدي: \" فهو ما أهداه المرء من بعيرٍ أو بقرة أو شاة أو غير ذلك، إلى بيت الله، تقرُّبا به إلى الله، وطلبَ ثوابه\" (٤).\nوأما «الهدي»، ففيه قولان:\nأحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى (٥).\nوالثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم، وقد جعل على نفسه، أن يُهديه ويقلده، وهو قول ابن عباس (٦).\nوأما «القلائد»، ففيها ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنها قلائد الهدْي، وهو قول ابن عباس (٧).\nقال ابن عباس: \" القلائد، مقلَّدات الهدي. وإذا قلَّد الرجل هديه فقد أحرم. فإن فعل ذلك وعليه قميصه، فليخلَعْه (٨).\nوالثاني: أنها قلائد من لحاء الشجر، كان المشركون إذا أرادوا الحج قلدوها فى ذهابهم إلى مكة، وعَوْدهم ليأمنوا، وهذا قول قتادة (٩).\nوالثالث: أن المشركين كانوا يأخذون لحاء الشجر من الحرم إذا أرادوا الخروج منه، فيتقلدونه ليأمنوا، فَنُهوا أن ينزعوا شجر الحرم فيتقلدوه، وهذا قول عطاء (١٠)، ومجاهد (١١)، والسدي (١٢)، وابن زيد (١٣).\nقال قال عطاء: \" كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لحاء السَّمُر، فيتقلدونها، فيأمنون بها من الناس. فنهى الله أن ينزع شجرها فَيُتَقَلَّد\" (١٤).\nقال مُطرِّف بن الشخير: \" كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لِحاء السمر، فيتقلدون، فيأمنون بها في الناس. فنهى الله عز ذكره أن يُنزع شجرها فيتقلَّد\" (١٥).\nقال الزجاج: كانوا يقلدون بلحاء الشجر ويعتصمون بذلك وهذا كله كان للمشركين، وكان قد أمر المسلمون بأن لا يحلوا هذه الأشياء التي يتقرب بها المشركون إلى الله\" (١٦).\nقال الطبري: \" والذي هو أولى بتأويل قوله: \" ولا القلائد \" إذ كانت معطوفة على أول الكلام، ولم يكن في الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله، ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه: ولا تُحِلّوا القلائد، فإذا كان ذلك بتأويله أولى، فمعلوم أنه نَهْيٌ من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلَّد، هديًا كان ذلك أو إنسانًا، دون حرمة القلادة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٧): ص ٩/ ٤٦٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٦٧): ص ٩/ ٤٧٦.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٨): ص ٩/ ٤٦٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٩): ص ٩/ ٤٦٧.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٩٤٩): ص ٩/ ٤٦٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥٠): ص ٩/ ٤٦٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥١): ص ٩/ ٤٦٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥٢)، و(١٠٩٥٣): ص ٩/ ٤٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥٤): ص ٩/ ٤٦٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٥٥): ص ٩/ ٤٦٩.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٠٩٥٦): ص ٩/ ٤٦٩.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٠٩٥٧): ص ٩/ ٤٦٩.\n(١٦) معاني القرآن: ٢/ ١٤٢.","vol":"8","page":20},{"text":"وإن الله عز ذكره، إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقلَّد، فاجتزأ بذكره «القلائد» من ذكر «المقلد»، إذ كان مفهومًا عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به.\nوقد ذكر بعض الشعراء في شعره ما ذكرنا عمن تأوَّل \" القلائد \" أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه، فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك (١):\nأَلَمْ تَقْتُلا الْحِرْجَيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَا (٢) ... يُمِرَّانِ بِالأيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا\nو«الحرجان»، المقتولان كذلك. ومعنى قوله: «أعوراكما»، أمكناكما من عورتهما\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" ولا تَسْتَحِلُّوا قتال قاصدي البيت الحرام\" (٤).\nقال ابن عباس: \" يقول: من توجَّه حاجًّا\" (٥).\nقال الضحاك: \" يعني: الحاج\" (٦).\nقال مطرِّف بن الشخّير: \" الذين يريدون البيت\" (٧).\nقال ابن جريج: \": ينهى عن الحجاج أن تُقطع سبلهم\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" ولا تحلُّوا قاصدي البيت الحرام العامدية\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا\" (١٠).\nقال الزمخشري: \"آموا المسجد الحرام: قاصدوه، وهم الحجاج والعمار\" (١١).\nيقال: أممت كذا، إذا قصدته وعمدته، وبعضهم يقول: يَمَمْته، كما قال الشاعر (١٢):\nإنِّي كَذَاكَ إذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ ... يَمَمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا\nو﴿البيت الحرام﴾، بيت الله الذي بمكة (١٣).\n_________\n(١) أشعار الهذليين ٣: ١٩، والمعاني الكبير: ١١٢٠، واللسان (حرج). و\" الحرج \" (بكسر الحاء وسكون الراء): الودعة، قالوا: عنى بالحرجين: رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما. وقال شارح ديوانه: \" ويكون أيضًا الحرجان، رجلين يقال لهما: الحرجان \". و\" أمر الحبل يمره \": فتله. و\" اللحاء \"، قشر الشجر. و\" المضفر \" الذي جدل ضفائر.\nهذا وقد ذكر أبو جعفر أن الشعر في رجلين قتلا رجلين، وروى \" ألم تقتلا \"، والذي في المراجع \" ألم تقتلوا \"، وهو الذي يدل عليه سياق الشعر، فإن أوله قبل البيت: ألا أبْلِغَا جُلَّ السَّوَارِي وَجابرًا ... وَأَبْلِغْ بَني ذِي السَّهْم عَنِّي وَيَعْمَرَا\nوَقُولا لَهُمْ عَنِّي مَقَالَةَ شَاعِرٍ ... أَلَمّ بقَوْلٍ، لَمْ يُحَاوِلْ لِيَفْخَرَا\nلَعَلَّكُمْ لَمَّا قَتَلْتُمْ ذَكَرْتُمُ ... وَلَنْ تَتْرُكُوا أَنْ تَقْتُلُوا، مَنْ تَعَمَّرَا\nفالشعر كله بضمير الجمع. وسببه أن جندبًا، أخو البريق بن عياض اللحياني، قتل قيسًا وسالمًا ابني عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جندبًا، اختلفا ضربتين.\n(٢) رواية أبي جعفر كما شرحها \" أعوراكما \"، ورواية الديوان \" أعورا لكم \"، وهي في سياق لمشعر، ورواية اللسان: \" أعرضا لكم \"، ويروي \" عورا لكم \" بتشديد الواو. هذا على أن هذه الرواية: \" أعور \" متعديًا، والذي كتب في اللغة \" أعور لك الشيء فهو معور \".\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٥) أخرجه الطبري (١٠٩٦١): ص ٩/ ٤٧٤ - ٤٧٥.\n(٦) أخرجه الطبري (١٠٩٦٢): ص ٩/ ٤٧٥.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٩٦٣): ص ٩/ ٤٧٥.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٤٧٤.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٤٧١.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٠١ ..\n(١٢) لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٤٦، وتفسير الطبري: ٩/ ٤٧١.\n(١٣) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٤٦، وتفسير الطبري: ٩/ ٤٧١.","vol":"8","page":21},{"text":"قال الطبري: \" وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيت الحرام أو البيت المقدس، في أشهر الحرم وغيرها ما يُعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخٌ \" (١).\nقال ابن كثير: \" فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يمنع كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع - لما أمَّر الصديق على الحجيج - علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان (٢) \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، أي: \"الذين يبتغون من فضل الله ما يصلح معايشهم ويرضي ربهم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" يلتمسون أرباحًا في تجاراتهم من الله، وأن يرضى الله عنهم بنسكهم\" (٦).\nقال ابن عباس: \" يعني: أنهم يترضَّون الله بحجهم\" (٧).\nقال قتادة: \" هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دُنياهم\" (٨).\nوفي رواية اخرى عنه: \" والفضل والرضوان اللذان يبتغون: أن يصلح معايشهم في الدنيا، وأن لا يعجَّل لهم العقوبة فيها\" (٩).\nوعن أبي أميمة قال: \" قال ابن عمر في الرجل يحج ويحمل معه متاعًا، قال: لا بأس به وتلا هذه الآية: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا﴾ \" (١٠).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، قولان:\nأحدهما: الربح فى التجارة، وهو قول ابن عمر (١١)، ومطرّف بن الشِّخِّير (١٢).\nوالثاني: الأجر والتجارة، وهو قول مجاهد (١٣).\nوقرأ حميد بن قيس والأعرج: «تبتغون»، بالتاء على خطاب المؤمنين (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" وإِذا تحللتم من الإِحرام فقد أُبيح لكم الصيد\" (١٥).\nقال الماوردي: \" وهذا وإن خرج مخرج الأمر، فهو بعد حظر، فاقتضى إباحة الاصطياد بعد الإِحلال دون الوجوب\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٧٩.\n(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٧٧) من حديث أبي بكر، ﵁.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٤٧١.\n(٧) أخرجه الطبري (١٠٩٨١): ص ٩/ ٤٨١.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٩٧٩): ص ٩/ ٤٨٠.\n(٩) أخرجه الطبري (١٠٩٨٠): ص ٩/ ٤٨٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٠٩٨٣): ص ٩/ ٤٨١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٨٣): ص ٩/ ٤٨١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٨٢): ص ٩/ ٤٨١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٨٤): ص ٩/ ٤٨١.\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٠٢.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(١٦) النكت والعيون: ٢/ ٨.","vol":"8","page":22},{"text":"قال الزمخشري: \" ﴿فاصطادوا﴾، إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا\" (١).\nقال الشافعي: \" فأخبر أنَّه أباح شيئًا كان حرَّمه، ولم يوجب الصيد عند الإحلال\" (٢).\nوقرئ: «وإذا أحللتم»، يقال: حل المحرم وأحل. وقرئ: «فاصطادوا»، بكسر الفاء. وقيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" ولا يحملنكم بغضُ قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال\" (٥).\nوقال بعض السلف: \"ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢]، ثلاثة اقوال.\nأحدها: لا يحملنكم، وهو قول ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، والكسائي (٩)، وأبي العباس المبرد (١٠)، والطبري (١١)، يقال: جرمني فلان على بغضك، أى حملني، قال الشاعر (١٢):\nوَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبّا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أَنْ يَغْضَبُوا\nوالثاني: ولا يكسبنكم، يقال جرمت على أهلي، أي كسبت لهم، قاله الفراء (١٣)، وأبو علي الفارسي (١٤)، وهو قول أكثر أهل اللغة والمعاني كما قاله الواحدي (١٥)، ومنه قول أبي خراش الهذلي (١٦):\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٠٢.\n(٢) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٦٩٥.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٠٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ١١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٠): ص ٩/ ٤٨٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩١): ص ٩/ ٤٨٣.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨.\n(١٠) انظر: تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٨ (جرم)، والنكت ولاعيون: ٢/ ٨، والتفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٢٣٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري ٩/ ٤٨٢.\n(١٢) البيت لأبي أبو أسماء بن الضّريبة. ويقال: هو لعطية بن عفيف، ونسبه سيبوبه للفزاري مجهلا، انظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٤٦٩، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٤٧، مشكل القرآن: ٤١٨، والفاخر: ٢٠٠، الجواليقي: ١٦٣، البطليوسي: ٣١٣، الخزانة ٤/ ٣١٠، اللسان (جرم). وسبب الشعر أن كرزًا العقيلي، قتل أبا عيينة حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري يوم حاجر، فلما قتل كرز، قال الشاعر يرثيه ويخاطبه:\nيَا كُرزُ، إنَّكَ قَدْ قُتِلْتَ بِفَارِسٍ ... بَطَلٍ إذَا هَابَ الكُمَاةُ وَجَبَّبُوا\nيقال: \" جبب الرجل تجبيبًا \": إذا فر ومضى مسرعًا. وروى البكري في معجم ما استعجم أنه قال: يَا كُرْزُ إنَّكَ قد فَتَكْتَ بِفَارِسٍ ... بَطَلٍ إذَا هَابَ الكُمَاةُ مُجَرَّبِ\nوكأنه شعر غير هذا الشعر.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٩٩.\n(١٤) انظر: الحجة للقرا السبعة: ٣/ ١٩٦.\n(١٥) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٢٣٢.\n(١٦) \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٣٣، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٩ (جرم).\nالناهض: فرخ العقاب، والنيق: أرفع موضع في الجبل. والصليب: ودك العظاء.","vol":"8","page":23},{"text":"جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا\nقوله «جريمة»: أي كاسبة.\nوالثالث: لا يُحِقَّنَّ لَكُمْ. لأَنَّ قَوْلَهُ ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ﴾ انما هو حَقٌّ أَنَّ لَهُمْ النّارَ. وهذا قول الأخفش (١).\nوالاقوال الثلاثة متقاربة المعنى، لأنه من حمل رجلا على بغض رجل، فقد أكسبه بغضه، ومن أكسبه بغضه، فقد أحقَّه له، فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف، ما قاله ابن عباس وقتادة، وذلك توجيههما معنى قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾، ولا يحملنكم شنآن قومٍ على العدوان (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿شَنَئَانُ قَوُمٍ﴾ [المائدة: ٢]، تأويلان:\nأحدهما: معناه بغض قوم، وهذا قول ابن عباس (٣) وقتادة (٤)، وابن زيد (٥).\nوالثاني: عداوة قوم، وهو قول قتادة أيضا (٦).\nوقرأ: يحيى بين وثّاب، والأعمش: «وَلا يُجْرِمَنَّكُمْ»، برفع «الياء»، من: أجرمته أجرمه، وهو يُجْرِمني (٧).\nوقراءة القرآن بأفصح اللغات، أولى وأحق منها بغير ذلك، ومن لغة من قال \" جَرَمْتُ \"، قول الشاعر (٨):\nيَا أَيُّهَا المُشْتَكِي عُكْلا وَمَا جَرَمَتْ ... إلى القَبَائِلِ مِنْ قَتْلٍ، وإبْآسُ (٩)\nوقرئ: «شَنْآنُ قَوْمٍ»، بتسكين «النون»، وفتح «الشين»، بمعنى: الاسم (١٠).\nوالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر «شَنَئَانُ» على «الفَعلان»، بفتح: «الفاء»، تحريك ثانيه دون تسكينه، من: شنئته أشنَؤُه شنآنًا، ومن العرب من يقول: «شَنَانٌ»، على تقدير «فعال»، ولم يقرأ ذلك كذلك، ومن ذلك قول الأحوص بن محمد الأنصاري (١١):\nوَمَا العَيْشُ إلا مَا تَلَذُّ وتَشْتَهِي ... وَإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا\nوهذا في لغة من ترك الهمز من «الشنآن»، فصار على تقدير: «فعال»، وهو في الأصل: «فَعَلان» (١٢).\nقراءة عبد الله: «إن صدوكم»، بكسر «الألف» (١٣).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧١. واستشهد بالبيت الذي ذكره الفراء في القول السابق.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٨٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٣)، و(١٠٩٩٤): ص ٩/ ٤٨٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٥): ص ٩/ ٤٨٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٦): ص ٩/ ٤٨٧.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٢): ص ٩/ ٤٨٥.\n(٨) البيت ينسب للفرزدق، وليس في ديوان، مجالس ثعلب: ٤٩، ٥٠، والأضداد لابن الأنباري: ٨٥، والبيت مرفوع القافية وبعد البيت: إنّا كَذَاكَ، إذَا كانَتْ هَمَرَّجَةٌ ... نَسْبِي ونَقْتُلُ حَتَّى يُسْلِمَ النَّاسُ\n\" همرجة \": اختلاط وفتنة. وروى ثعلب هذين البيتين. ثم قال، ولم يبين لمن كان هذا الخبر: \" قلت له (يعني: للفرزدق): لم قلت: من قتل، وإبآس؟ قال: كيف أصنع وقد قلت: حتى يسلم الناس؟ قال قلت: فيم رفعته؟ قال: بما يسوءك وينوءك! \".\nثم قال أبو العباس ثعلب: \" وإنما رفعه، لأن الفعل لم يظهر بعده، كما تقول: ضربت زيدًا وعمرو لم يظهر الفعل فرفعت، وكما تقول: ضربت زيدًا وعمرو مضروب \".\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٨٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٨٦.\n(١١) طبقات فحول الشعراء: ٥٣٩، الأغاني ١٣: ١٥١ - ١٥٣، مصارع العشاق: ٦٢، ٧٥، والشعر والشعراء: ٥٠١، واللسان (شنأ)، وقلما يخلو منه كتاب بعد.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٨٦ - ٤٨٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٨٨، والكشاف: ١/ ٦٠٣.","vol":"8","page":24},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" وتعاونوا -أيها المؤمنون فيما بينكم- على فِعْل الخير، وتقوى الله\" (١).\nقال ابن كثير: \" يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى (٢).\nقال الزمخشري: أي: \"على العفو والإغضاء،، ويجوز أن يراد العموم لكل بر\" (٣).\nقال ابن عباس: \" «البر»: ما أمرت به، و«التقوى»: ما نهيت عنه\" (٤). وروي عن أبي العالية مثل ذلك (٥).\nقال ابن خويز منداد في أحكامه: \"والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» (٦)، ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" ولا تعاونوا على ما فيه إثم ومعصية وتجاوز لحدود الله \" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \"على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد به تقوى وكل إثم وعدوان\" (٩).\nقال القرطبي: ﴿الإثم:﴾ \"وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن ﴿العدوان﴾: وهو ظلم الناس\" (١٠).\nقال الطبري: \"يعني: ولا يعن بعضكم بعضًا على ترك ما أمركم الله بفعله، ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم\" (١١).\nقال ابن كثير: \"ينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: \" واحذروا مخالفة أمر الله فإنه شديد العقاب\" (١٣).\nقال الطبري: يعني: واحذروا الله، أيها المؤمنون، أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالفتم أمره فيما أمركم به، أو نهيه فيما نهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا أليم عذابه. ثم وصف عقابه بالشدة فقال عز ذكره: إن الله شديدٌ عقابه لمن عاقبه من خلقه، لأنها نار لا يطفأ حَرُّها، ولا يخمد جمرها، ولا يسكن لهبها، نعوذ بالله منها ومن عمل يقرِّبنا منها\" (١٤).\nقال القرطبي: \" ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ \" (١٥).\nواختلفوا فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا على ثلاثة أقاويل:\nأحدهما: ان جميعها منسوخ، وهذا قول الشعبي (١٦)، والضحاك (١٧)، وقتادة-في إحدى الروايات- (١٨)، وابن زيد (١٩)، واختيار الزجاج (٢٠).\nقال الشعبي: \"لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية\" (٢١).\nوالثاني: أن الذى نسخ منها: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاءَآمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ﴾، وهذا قول ابن عباس (٢٢)، وقتادة (٢٣)، والسدي (٢٤).\nوالثالث: أن الذي نسخ منها ما كانت الجاهلية تتقلده من لحاء الشجر، وهذا قول مجاهد (٢٥).\nوالرابع: أن أن الذى نسخ منها: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا﴾، وهذا قول ابن زيد أيضا (٢٦). واعترض الطبري فقال: \" غير منسوخ، لاحتماله: أن تعتدوا الحقَّ فيما أمرتكم به. وإذا احتمل ذلك، لم يجز أن يقال: هو منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها\" (٢٧).\nوالراجح من الاقوال هو القول الثاني، \"قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله: ﴿ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾، لإجماع الجميع على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها، وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من المسلمين\" (٢٨).\nالفوائد:\n١ - وجوب احترام شعائر الدين كلها أداء لما وجب أداؤه، وتركًا لما وجب تركه.\n٢ - حرمة الاعتداء مطلقًا على الكافر.\n٣ - وجوب التعاون بين المؤمنين على إقامة الدين، ورحمة تعاونهم على المساس به.\nالقرآن\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٠٣.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٠٠٠): ص ٩/ ٤٩١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٠٠١): ص ٩/ ٤٩١.\n(٦) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٢٢، وأخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٦٦٦ - ٦٦٩، كتاب الديات (٣٣)، باب إيقاد المسلم. . . (١١)، الحديث (٤٥٣٠)، وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن ٨/ ٢٤، كتاب القسامة (٤٥)، باب سقوط القَوَد من المسلم للكافر (١٣ - ١٤).\nونص الحديث: عن علي ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: \"المسلمونَ تَتكافَأُ دماؤهم، ويَسعَى بذِمَّتِهم أَدناهم، ويَرُدُّ عليهم أَقْصاهم، وهُم يَدٌ على مَنْ سِواهم، ولا يُقتَلُ مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذُو عهدٍ في عهدِه\".\n(٧) نقلا عن تفسير القرطبي: ٦/ ٤٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٠٣.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٤٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٢.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٢.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٤٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٦٤)، و(١٠٩٦٦): ص ٩/ ٤٧٥ - ٤٧٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٦٨)، و(١٠٩٦٩): ص ٩/ ٤٧٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٦٧): ص ٩/ ٤٧٦.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧١): ص ٩/ ٤٧٦.\n(٢٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٤٢.\n(٢١) أخرجه الطبري (١٠٩٦٦): ص ٩/ ٤٧٥ - ٤٧٦، وانظر: (١٠٩٦٤): ص ٩/ ٤٧٥.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧٥): ص ٩/ ٤٧٧ - ٤٧٨.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧٢)، و(١٠٩٧٣): ص ٩/ ٤٧٧، و(١٠٩٧٦): ص ٩/ ٤٧٨.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧٤): ص ٩/ ٤٧٧.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٧٧)، و(١٠٩٧٨): ص ٩/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٩٩): ص ٩/ ٤٩٠.\n(٢٧) تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٠.\n(٢٨) تفسير الطبري: ٩/ ٤٧٩.","vol":"8","page":25},{"text":"التفسير:\nحرَّم الله عليكم الميتة، وهي الحيوان الذي تفارقه الحياة بدون ذكاة، وحرَّم عليكم الدم السائل المُراق، ولحم الخنزير، وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح، والمنخنقة التي حُبِس نَفَسُها حتى ماتت، والموقوذة وهي التي ضُربت بعصا أو حجر حتى ماتت، والمُتَرَدِّية وهي التي سقطت من مكان عال أو هَوَت في بئر فماتت، والنطيحة وهي التي ضَرَبَتْها أخرى بقرنها فماتت، وحرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبُع، كالأسد والنمر والذئب، ونحو ذلك. واستثنى -سبحانه- مما حرَّمه من المنخنقة وما بعدها ما أدركتم ذكاته قبل أن يموت فهو حلال لكم، وحرَّم الله عليكم ما ذُبِح لغير الله على ما يُنصب للعبادة من حجر أو غيره، وحرَّم الله عليكم أن تطلبوا عِلْم ما قُسِم لكم أو لم يقسم بالأزلام، وهي القداح التي كانوا يستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا قبل أن يقدموا عليه. ذلكم المذكور في الآية من المحرمات -إذا ارتُكبت- خروج عن أمر الله وطاعته إلى معصيته. الآن انقطع طمع الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن نصَرْتُكم عليهم، فلا تخافوهم وخافوني. اليوم أكملت لكم دينكم دين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة، وأتممت عليكم نعمتي بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ورضيت لكم الإسلام دينًا فالزموه، ولا تفارقوه. فمن اضطرَّ في مجاعة إلى أكل الميتة، وكان غير مائل عمدًا لإثم، فله تناوله، فإن الله غفور له، رحيم به.\nقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" حُرّم عليكم -أيها المؤمنون- أكل الميتة: وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة، والدم والمسفوح ولحم الخنزير\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير\" (٢).\nقال الطبري: \" فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان (٤):\nأحدهما: أنه كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره.\nوالثاني، أنه كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير ذكاة.\nوفي تفسير ﴿وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، قولان (٥):\nأحدهما: أن الحرام منه ما كان مسفوحًا، كقوله تعالى ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nالثاني: أنه كل دم مسفوح وغير مسفوح، إلا ما خصته اسنة من الكبد والطحال.\nقال الماتريدي: \"فعلى القول الأول لا يحرم السمك، وعلى الثاني يحرم.\nقال الطبري: \" فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥]، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان:\nأحدهما: أن التحريم يختص بلحم الخنزير دون شحمه، وهذا قول داود (٧).\nوالثاني: أنه يعم اللحم وما خالطه من شحم وغيره.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٣، والنكت والعيون: ٢/ ١٠.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٣.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٠.","vol":"8","page":26},{"text":"قال الماوردي: [والثاني] هو قول الجمهور، ولا فرق بين الأهلي منه والوحشي (١).\nقال الطبري: \" يعني: وحُرِّم عليكم لحم الخنزير، أهليُّه وبَرِّيّه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: الذي ذبح لأصنام المشركين ولغيرهم هذا حرام البتة، إن أدركت ذكاته أو لم تدرك ذكاته فإنه حرام البتة، لأنهم جعلوه لغير الله﷿-\" (٤).\nقال ابن عثيمين: \"المراد: ما ذكر عليه اسم غير الله عند ذبحه مثل أن يقول: «باسم المسيح»، أو «باسم جبريل»، أو «باسم اللات»، ونحو ذلك\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله عليه وهذا موجود في اللغة، ومنه الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية\" (٦).\nقال أبو عبيدة: أي: \" وما ذكر غير اسم الله عليه إذا ذبح أو نحر، وهى من استهلال الكلام\" (٧).\nو«الإهلال»، هو رفع الصوت (٨).\nقال الأصمعي: \"الإهلال: أصله رفع الصوت، فكل رافع صوته فهو مهل، قال ابن أحمر (٩):\nيهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر\nهذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم: مهل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة، أي: أحرم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها\" (١٠).\nومنه الحديث: \"إذا استهل المولود ورث\" (١١).\nقال الطبري: قيل أن العرب كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر: (مُهِلٌّ)، فرفعهم أصواتهم بذلك هو (الإهلال) الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿وما أهِلَّ به لغير الله﴾، ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة\n_________\n(١) النكت والعيون: ٢/ ١٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٣.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٩٩.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٤٣.\n(٧) مجاز القرآن: ١/ ١٤٩.\n(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٤٣.\n(٩) البيت في \"ديوانه\" ص ٦٦، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٠، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٧٣، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ١٣٠، الثعلبي ١/ ١٣٤٦، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٩٥، و١٧١٤، ٥/ ٣١٠٢.\nواسمه عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب. ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٧١، و٥٨٠، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٢٣.\n(١٠) التفسير البسيط: ٣/ ٤٩٩، وانظر: في الإهلال: تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٩، والثعلبي: ٢/ ٤٤، والمفردات\" ص ٥٢٢، واللسان\" ٨/ ٤٦٨٩.\n(١١) أخرجه أبو داود ص ١٤٤١، كتاب الفرائض، باب ١٨: في المولود يستهل ثم يموت، حديث رقم ٢٩٢٠، وأخرجه بطريق آخر ابن ماجة ص ٢٦٤٢، كتاب الفرائض، باب ١٧: إذا استهل لمولود ورث، حديث رقم ٢٧٥١؛ وقال الألباني في الإرواء: سنده صحيح (٦/ ١٤٩)؛ فالحديث صحيح بشواهده [راجع الإرواء ٦/ ١٤٧ – ١٥٠، حديث رقم ١٢٠٧ والسلسلة الصحيحة للألباني ١/ ٢٣٣ – ٢٣٥، أحاديث رقم ١٥١، ١٥٢، ١٥٣].","vol":"8","page":27},{"text":"﴿مُهِلّ﴾، لرفعه صوته بالتلبية، واستهلال المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض، كما قال الشاعر (١):\nظَلَمَ البِطَاحَ لَهُ انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ (٢)\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان:\nأحدهما: أنه يعني: ما ذبح لغير الله. وهذا قول ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، ومجاهد (٥)، والضحاك (٦)، وعطاء (٧).\nوالثاني: أن معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله. وهذا قول الربيع بن أنس (٨)، وابن زيد (٩)، وعقبة بن مسلم التُّجيبي (١٠)، وقيس بن رافع الأشجعي (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني: وحرم المنخنقة: الشاة والإبل والبقر التي تنخنق أو غيره حتى تموت\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \"والتي ضُربت بعصا أو حجر حتى ماتت\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يعني: التي تضرب بالخشب حتى تموت\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخَشَب حتى تُوقَذَ بها فتموت\" (١٦).\nوفي الصحيح: أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمِعراض الصيد فأصيب. قال: \"إذا رميت بالمعراض فخَزَق فَكُلْه، وإن أصابه بعَرْضِه فإنما هو وَقِيذ فلا تأكله\" (١٧).\nقال ابن كثير: \"ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصابه بعرضه فجعله وقيذا فلم يحله، وقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم هاهنا، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحةُ الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه، على قولين، هما قولان للشافعي، ﵀:\nأحدهما: أنه لا يحل، كما في السهم، والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ.\n_________\n(١) البيت الحادرة الذبياني، انظر: ديوانه: قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: \" بعيد المقلع \": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: \" ظلم البطاح له \" وقوله: \" له \": أي من أجله.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧١): ص ٣/ ٣٢٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٦٨): ص ٣/ ٣٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٠): ص ٣/ ٣٢٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٢): ص ٣/ ٣٢٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٤): ص ٣/ ٣٢٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٥): ص ٣/ ٣٢١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٦): ص ٣/ ٣٢١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٧): ص ٣/ ٣٢١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٢٤٧٧): ص ٣/ ٣٢١.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(١٤) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٨.\n(١٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٧٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٩٢٩).","vol":"8","page":28},{"text":"والثاني: أنه يحل؛ لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه؛ لأنه قد دخل في العموم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" والتي سقطت من مكان عال أو هَوَت في بئر فماتت\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: التي تردى من الجبل فتقع منه أو تقع في بئر فتموت\" (٣).\nقال ابن كثير: \" فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك، فلا تحل\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" والتي ضَرَبَتْها بهيمة أخرى بقرنها فماتت\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: الشاة تنطح صاحبتها فتموت\" (٦).\nقال ابن كثير: \" هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" وحرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبُع\" (٨).\nقال مقاتل: \"من الأنعام والصيد، يعني: فريسة السبع\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: ما عدا عليها أسد، أو فهد، أو نمر، أو ذئب، أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدماء ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" إِلا ما أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه الذبح الشرعي قبل الموت\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: إلا ما أدركتم ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ... حلال \" (١٢).\nقال الزجاج: أي: \" ما أذكيتم ذبحة على التمام\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورًا\" (١٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وجوه:\nأحدهما: يعني: من المنخنقة وما بعدها، وأنه من قبيل الإستثناء المتصل، وهذا قول علي ﵁ (١٥)، وابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧)، والحسن (١٨)، والضحاك (١٩)، وإبراهيم (٢٠)، وطاوس (٢١)، وعبيد بن عمير (٢٢)، وابن زيد (٢٣)، وواختيار الطبري (٢٤) والجمهور (٢٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٨.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥١.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ٣٠١.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ١٤٦.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٥٠٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٠٣٦)، و(١١٠٣٨): ص ٩/ ٥٠٣.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٠٣٢): ص ٩/ ٥٠٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٠٣٤)، و(١١٠٣٥): ص ٩/ ٥٠٣.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١١٠٣٣): ص ٩/ ٥٠٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١١٠٤٣): ص ٩/ ٥٠٤.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١١٠٣٧): ص ٩/ ٥٠٣.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١١٠٣٩): ص ٩/ ٥٠٤.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١١٠٤٢): ص ٩/ ٥٠٤.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١١٠٤٤): ص ٩/ ٥٠٤.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٥٠٥.\n(٢٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١١.","vol":"8","page":29},{"text":"قال ابن كثير: \" قوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه، مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ \" (١).\nوالثاني: أنه من الإستثناء المنقطع، وأنه عائد إلى ما أكل السبع خاصة، وهو محكي عن الظاهرية (٢).\nوالراجح –والله أعلم- هو القول الاول، وهو اختيار الجمهور من الفقهاء، وبهذا الاعتبار يكون الاستثناء من قبيل الاستثناء المتصل، ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣]، يعني: مما أدركتم فيه الحياة من هذه المذكورات، كالتي سقطت في بئر، أو التي سقطت من السطح، أو التي صدمتها السيارة أو التي أصابها حجر أو نحو هذا فأدركتم فيها حياة، أي فيه رمق بأن تتحرك رجل أو يد أو نحو هذا وإن كانت في حال الاحتضار فإنها إذا ذكيت جاز أكلها، وإن كانت قد خرجت نفسها فلا يجوز أكلها، هذا الذي عليه عامة أهل العلم وهم الجمهور.\nوفي الصحيحين عن رافع بن خَدِيج أنه قال: \"قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السنَّ والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة\" (٣).\nو«المُدَى»: جمع مُدْية، وهي السكين، وهذا مما يستدل به على أن متروك التسمية ولو نسيانًا لا يحل وإن ذبح لله قصدًا؛ لأنه ذكر هنا شرطين:\n- الشرط الأول لا بد منه، وهو ما أنهر الدم بقطع الأوداج، ولذلك الذي يقطع في الذبيحة أربعة أشياء: الودجان، وهما عرقان محيطان بالعنق، والحلقوم، وكذلك القصبة الهوائية، والمريء، فإذا قطعت الأوداج حلت الذبيحة، والأكمل في التذكية قطع الأربعة، ويليه قطع ثلاثة.\n- والثاني: ذكر اسم الله، وهو قوله: «بسم الله».\nفالحاصل أنه قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، «ليس السن والظفر»، يعني: سوى السن والظفر.\nقال الرسولﷺ-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (٤).\nوعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة\" (٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٥٠٥، والنكت والعيون: ٢/ ١١، وزاد المسير: ٢/ ٢٣٦.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد - باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها (٦٩٦٢) (ج ٦ / ص ٢٦٩٢) ومسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان - باب الصيد بالكلاب المعلمة (١٩٢٩) (ج ٣ / ص ١٥٢٩).\n(٤) صحيح مسلم برقم (١٩٥٥).\n(٥) المسند (٥/ ٢١٨) وسنن أبي داود برقم (٢٨٥٨) وسنن الترمذي برقم (١٤٨٠).","vol":"8","page":30},{"text":"وقال عاصم عن عكرمة: \"إن رجلا أضجع شاته وجعل يحد شفرته ليذبحها، فقال له النبي ﷺ: «تريد أن تميتها موتات قبل أن تذبحها!» \" (١).\nوفى مأكولة السبع التي تحل بالذكاة قولان (٢):\nأحدهما: أن تكون لها عين تطرف أو ذنب يتحرك.\nوالثاني: أن تكون فيها حركة قوية لا كحركة المذبوح، وهو قول الشافعي (٣)، ومالك (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" وحرَّم الله عليكم ما ذُبِح لغير الله على ما يُنصب للعبادة من حجر أو غيره\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: وحرم ما ذبح على النصب وهي الحجارة التي كانوا ينصبونها في الجاهلية فيعبدونها فهو حرام البتة، وكان خزان الكعبة يذبحون لها وإن شاءوا بدلوا تلك الحجارة بحجارة أخرى وألقوا الأولى\" (٦).\nقال ابن عباس: \" و﴿النصب﴾، أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها\" (٧).\nعن مجاهد: \" ﴿وما ذبح على النصب﴾، قال: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية\" (٨).\nقال قتادة: \" ورالنصب﴾: حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها، ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك\" (٩).\nقال ابن جريج: \" قال ابن جريج: \" ﴿النصب﴾، ليست بأصنام، «الصنم» يصوَّر وينقش، وهذه حجارة تنصب، ثلثمئة وستون حجرًا منهم من يقول ثلثمئة منها لخزاعة، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحقُّ أن نعظمه! فكأن النبي -ﷺ- لم يكره ذلك، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [سورة الحج: ٣٧] \" (١٠).\nوقال ابن زيد: \" ﴿ما ذبح على النصب﴾، و﴿ما أهل لغير الله به﴾، وهو واحد\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" وحرَّم الله عليكم أن تطلبوا عِلْم ما قُسِم لكم أو لم يقسم بالأزلام\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعنى: وأن تستقسموا الأمور بالأزلام والأزلام قد حان في بيت أصنامهم، فإذا أرادوا أن يركبوا أمرا أتوا بيت أصنامهم فضربوا بالقدحين، فما خرج من شيء عملوا به، وكان كتب على أحدهما أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، فإذا أرادوا سفرا أتوا ذلك البيت فغطوا عليه ثوبا ثم يضربون بالقدحين فإن خرج السهم الذي فيه أمرني ربي خرج في سفره، وإن خرج السهم الذي فيه نهاني ربي لم يسافر فهذه الأزلام \" (١٣).\nقال الماوردي: \" معناه أن تطلبوا علم ما قُسِّمَ أو لم يُقَسَّم من رزق أو حاجة بالأزلام، وهي قداح ثلاثة مكتوبة على أحدها: أمرني ربي، والآخر: نهاني ربي، والثالث: غفل لا شيء عليه، فكانوا إذا أرادوا سفرًا، أو غزوًا، ضربوا بها واستسقسموا، فإن خرج أمرني ربي فعلوه،\n_________\n(١) المستدرك للحاكم: ٤/ ٢٣١، وتفسير الثعلبي: ٤/ ١٤.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١١.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١١.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٠٥٤): ص ٩/ ٥٠٩.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٠٤٩): ص ٩/ ٥٠٨.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٠٥٢): ص ٩/ ٥٠٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٠٤٨): ص ٩/ ٥٠٨.\n(١١) أخرجه الطبري (١١٠٥٧): ص ٩/ ٥٠٩.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.","vol":"8","page":31},{"text":"وإن خرج نهاني ربي تركوه، وإن خرج الأبيض أعادوه، فنهى الله عنه، فَسُمِّي ذلك استقسامًا، لأنهم طلبوا به علم ما قُسِمَ لهم\" (١).\nوقال أبو العباس المبرد: \"بل هو مشتق من قَسَم اليمين، لأنهم التزموا ما يلتزمونه، باليمين\" (٢).\nعن مجاهد: \" ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها: القِداح\" (٣).\nعن سعيد بن جبير: \" ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، قال: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا\" (٤).\nقال الحسن: \" كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا، يعمَدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب: أؤمرني، وعلى الآخر: انهني، ويتركون الآخر محلَّلا بينهما ليس عليه شيء. ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه: أؤمرني، مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه: انهني، كفُّوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها\" (٥).\nقال قتادة: \" كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرًا، كتب في قدح: هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج، وجعل معهما منيحة (٦)، شيء لم يكتب فيه شيئًا، ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحين\" (٧).\nقال السدي: \" ﴿الأزلام﴾، قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة، فإذا أراد الرجل أن يسافر، أو يتزوج، أو يحدث أمرًا، أتى الكاهن فأعطاه شيئًا، فضرب له بها. فإن خرج منها شيء يعجبه، أمره ففعل. وإن خرج منها شيء يكرهه، نهاه فانتهى، كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل\" (٨).\nوقال إبن إسحاق: \" كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئْر هي التي يجمع فيها ما يُهدي للكعبة. وكانت عند هبل سبعة أقْدُح كل قِدْح منها فيه كتاب. قدح فيه: العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله وقدح فيه: نعم للأمر إذا أرادوه، يضرب به، فإن خرج قدح نعم عملوا به. وقدح فيه: لا، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقِدْح فيه: منكم. وقدح فيه: مُلْصَق. وقدح فيه: من غيركم. وقدح فيه: المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو أن ينكحوا مَنكحًا، أو أن يدفنوا ميتًا، أو شكوا في نسب واحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم، وبجَزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه منكم كان وسيطًا، وإن خرج عليه: من غيركم، كان حليفًا وإن خرج ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به نعم، عملوا\n_________\n(١) النكت والعيون: ٢/ ١١ - ١٢.\n(٢) النكت والعيون: ٢/ ١١ - ١٢.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٠٦١): ص ٩/ ٥١١.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٠٥٨): ص ٩/ ٥١١.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٠٦٠): ص ٩/ ٥١١.\n(٦) هي الناقة أو الشاة المعارة، فسمى هذا الشيء الذي لا أمر له في الاستقسام \" منيحة \"، كما سموا شبيهه في الميسر \" منيحًا \" وهو المستعار.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٠٦٦): ص ٩/ ٥١٢.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٠٧٠): ص ٩/ ٥١٣.","vol":"8","page":32},{"text":"به. وإن خرج لا، أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى. ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح\" (١).\nوقال الطبري: \" قال لنا سفيان بن وكيع: هو الشطرنج\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" ذلكم المذكور في الآية من المحرمات -إذا ارتُكبت- خروج عن أمر الله وطاعته إلى معصيته\" (٣).\nقال ابن عباس: \"، يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني معصية حراما\" (٥).\nقال الطبري: يعني: \" هذه الأمور التي ذكرها، وذلك: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله، والاستقسام بالأزلام، فسق، يعني: خروج عن أمر الله عز ذكره وطاعته، إلى ما نهى عنه وزجر، إلى معصيته\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \"الآن انقطع طمع الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن نصَرْتُكم عليهم\" (٧).\nقال ابن زيد: \"هذا يوم عرفة\" (٨).\nوقال الزجاج: \" ﴿اليوم﴾، منصوب على الظرف، وليس يراد به - والله أعلم - يوما بعينه\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان:\nأحدهما: أن ترتدوا عنه راجعين إلى دينهم. وهذا قول ابن عباس (١٠)، والسدي (١١).\nوالثاني: أن يقدروا على إبطاله ويقدحوا فى صحته (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \"، فلا تخافوهم وخافوني\" (١٣).\nقال ابن جريج: \" فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم\" (١٤).\nقال الماوردي: أي: \" أى لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، واخشونِ، أن تخالفوا أمري\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \"اليوم أكملت لكم دينكم دين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة\" (١٦).\nقال مقاتل: \" يعنى: شرائع دينكم: أمر حلالكم وحرامكم \" (١٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وجهان:\nأحدهما: أنه يوم عرفة فى حجة الوداع ولم يعش [الرسول -ﷺ-] بعد ذلك إلاَّ إحدى وثمانين ليلة، وهذا قول ابن عباس، والسدي.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٠٧٢): ص ٩/ ٥١٣ - ٥١٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٥١١.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٠٧٤): ص ٩/ ٥١٤.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٩/ ٥١٤.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٠٧٨): ص ٩/ ٥١٧.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٤٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٠٧٥): ص ٩/ ٥١٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٠٧٦): ص ٩/ ٥١٥.\n(١٢) انظرك النكت والعيون: ٢/ ١٢.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٤) أخرجه الطبري (١١٠٧٩): ص ٩/ ٥١٧.\n(١٥) النكت والعيون: ٢/ ١٢.\n(١٦) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.","vol":"8","page":33},{"text":"والثاني: أنه زمان النبي -ﷺ- كله إلى أنْ نَزَل ذلك عليه يوم عرفة، وهذا قول الحسن.\nوفي إكمال الدين قولان:\nأحدهما: يعني أكملت فرائضي وحدودي وحلالي وحرامي، ولم ينزل على النبي -ﷺ- من الفرائض من تحليل ولا تحريم، وهذا قول ابن عباس (١)، والسدي (٢).\nقال ابن جريج: \" مكث النبي ﷺ بعد ما نزلت هذه الآية، إحدى وثمانين ليلة، قوله: اليوم أكملت لكم دينكم\" (٣).\nعن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: \"لما نزلت: اليوم أكملت لكم دينكم، وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت\" (٤).\nوالثاني: يعني اليوم أكملت لكم حجتكم، أن تحجوا البيت الحرام، ولا يحج معكم مشرك، وهذا قول قتادة (٥)، وسعيد ابن جبير (٦)، والحكم (٧).\nوالراجح من القول: أن الله ﷿ أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين به، أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية على نبيه دينَهم، بإفرادهم بالبلدَ الحرام وإجلائه عنه المشركين، حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون، فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فيها: هل كانت أكملت ذلك اليوم، أم لا؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل.\nوروي عن البراء بن عازب: \" آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ \" (٨).\nولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا. فإذ كان ذلك كذلك وكان قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ آخرَها نزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض كان معلومًا أن معنى قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، على خلاف الوجه الذي من تأوَّله بكمال العبادات والأحكام والفرائض (٩).\nعن قبيصة قال، قال كعب: \"لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية (١٠)، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه! فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ فقال: \"اليوم أكملت لكم دينكم\". فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه: يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، أي: \"وأتممت عليكم نعمتي بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني: الإسلام إذ حججتم وليس معكم مشرك \" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٠٨٠): ص ٩/ ٥١٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٠٨١): ص ٩/ ٥١٨.\n(٣) أخرجه البري (١١٠٨٢): ص ٩/ ٥١٨ - ٥١٩.\n(٤) أخرجه البري (١١٠٨٣): ص ٩/ ٥١٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٠٨٦): ص ٩/ ٥٢٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٠٨٧): ص ٩/ ٥٢٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٠٨٥): ص ٩/ ٥١٩.\n(٨) أخرجه الطبري (١٠٨٧١): ص ٩/ ٤٣٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٥٢٠ - ٥٢١.\n(١٠) يقصد قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].\n(١١) أخرجه الطبري (١١١٠٠): ص ٩/ ٥٢٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.","vol":"8","page":34},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، أي: \"ورضيت لكم الإسلام دينًا فالزموه، ولا تفارقوه\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: واخترت لكم الإسلام دينا فليس دين أرضى عند الله﷿- من الإسلام قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) \" (٣).\nقال الماوردي: \" أي: رضيت لكم الاستسلام لأمري دينًا، اي طاعة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]، أي: \" فمن اضطرَّ في مجاعة إلى أكل الميتة، وكان غير مائل عمدًا لإثم، فله تناوله، فإن الله غفور له، رحيم به\" (٥).\nقال مقاتل: \" يعني: مجاعة وجهد شديد أصابه من الجوع، ﴿غير متجانف لإثم﴾: غير متعمد لمعصية، ﴿فإن الله غفور رحيم﴾، إذ رخص له في أكل الميتة ولحم الخنزير حين أصابه الجوع الشديد والجهد، وهو على غير المضطر حرام\" (٦).\nقال الطبري: \" فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة، غير متجانف لإثم غفور رحيم، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه وعن عقوبته عليه رحيم، يقول: وهو به رفيق. ومن رحمته ورفقه به أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية، في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناول ذلك، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له. وفي المسند وصحيح ابن حبَّان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن تؤتى رُخْصته كما يكره أن تؤتى مَعْصِيته»، لفظ ابن حبان (٨). وفي لفظ لأحمد: «من لم يقبل رُخْصَة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» (٩) \".\nولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على مهجته التلف ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسد به الرَّمَق، أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزود؟ على أقوال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام. وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير، أو صيدًا وهو محرم: هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين، هما قولان للشافعي، ﵀. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له\" (١٠).\nقال مسروق: \"من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار. وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة\" (١١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٢) [سورة آل عمران: ٨٥].\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢.\n(٤) النكت والعيون: ٢/ ١٢.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٢ - ٤٥٣\n(٧) تفسير الطبري: ٩/ ٥٣٧.\n(٨) صحيح ابن حبان برقم (٥٤٥) \"موارد\" وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٢): \"رجاله رجال الصحيح\".\n(٩) المسند (٢/ ١٠٨).\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٨٢.","vol":"8","page":35},{"text":"قال أبو واقد الليثي: \"قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها\" (١).\nوعن الحسن: \"أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: إلى متى يحلُّ لي الحرام؟ قال فقال: إلى أن يروَى أهلك من اللبن، أو تجيء مِيرَتُهم \" (٢).\nوعن عروة بن الزبير، عمن حدثه: \"أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: تحل لك الطيبات، وتحرُم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لا يحل لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ: إذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نِتاجك، أو كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئًا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غِناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي ﷺ: إذا أرويت أهلك غَبُوقًا من الليل، فاجتنب ما حرَّم الله عليك من طعام، وأمّا مالُك فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، قولان:\nأحدهما: غير متعمد لإِثم، وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧)، وابن زيد (٨).\nوالثاني: غير مائل إلى إثم، والمتجانف لإثم، هو: المتمايل له، وأصله من: جنف القوم، إذا مالوا، وكل أعوج عند العرب أجنف. وهذا قول الطبري (٩).\nقال الشيخ ابن عثيمين: والله ﷾ أباح لنا الميتة بثلاثة شروط (١٠):\n١ - الضرورة.\n٢ - أن لا يكون مبتغيًا – أي طابًا لها -.\n٣ - أن لا يكون متجاوزًا للحد الذي تندفع به الضرورة.\nوبناءً على هذا ليس له أن يأكل حتى يشبع إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب؛ وهذا هو الصحيح؛ ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأكل ما يسد رمقه، ويأخذ شيئًا منها يحمله معه - إن اضطر إليه أكل، وإلا تركه - لكان قولًا جيدًا.\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير لله.\n٢ - ومنها: أن التحريم والتحليل إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم﴾.\n٣ - ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: ﴿والميتة﴾؛ و«أل» هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد - يعني ميتة البحر، والجراد -؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل؛ لقول النبي ﷺ في الميتة: «إنما حرم أكلها» (١١)؛ ويؤيده\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١١٢٥): ص ٩/ ٥٣٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١١١٢٦): ص ٩/ ٥٣٩. والميرة (بكسر الميم): هو جلب الطعام.\n(٣) أخرجه الطبري (١١١٢٩): ص ٩/ ٥٤٠ - ٥٤١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١١١٩): ص ٩/ ٥٣٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١١٢١)، و(١١١٢٢): ص ٩/ ٥٣٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١١٢٠): ص ٩/ ٥٣٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١١٢٣): ص ٩/ ٥٣٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١١٢٤): ص ٩/ ٥٣٧.\n(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٥٣٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠٦.\n(١١) أخرجه البخاري ص ٤٧٥، كتاب الذبائح والصيد، باب ٢٨: لحوم الحمر الإنسية، حديث رقم ٥٥٢٧؛ ومسلم ص ١٠٢٤، كتاب الصيد والذبائح ...، باب ٥: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، حديث رقم ٥٠٠٧ [٢٣] ١٩٣٦.","vol":"8","page":36},{"text":"أن الله ﷾ قال هنا: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ لأن السياق في الأكل؛ ويدخل في تحريم أكل الميتة جميع أجزائها.\n٤ - ومن فوائد الآية: تحريم الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿والدم﴾.\n٥ - ومنها: تحريم لحم الخنزير؛ لقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾؛ وهو شامل لشحمه، وجميع أجزائه؛ لأن اللحم المضاف للحيوان يشمل جميع أجزائه؛ لا يختص به جزء دون جزء؛ اللهم إلا إذا قُرن بغيره، مثل أن يقال: «اللحم، والكبد»، أو «اللحم، والأمعاء»، فيخرج منه ما خصص.\n٦ - ومنها: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾، وهو أنواع:\nالنوع الأول: أن يهل بها لغير الله فقط، مثل أن يقول: باسم جبريل، أو محمد، أو غيرهما؛ فالذبيحة حرام بنص القرآن - ولو ذبحها لله -.\nالنوع الثاني: أن يهل بها لله، ولغيره، مثل أن يقول: «باسم الله واسم محمد»؛ فالذبيحة حرام أيضًا؛ لأنه اجتمع مبيح، وحاظر؛ فغلب جانب الحظر.\nالنوع الثالث: أن يهل بها باسم الله، وينوي به التقرب، والتعظيم لغيره؛ فالذبيحة حرام أيضًا؛ لأنه شرك.\nوهل يكون ذبح الذبيحة للضيف إهلالًا بها لغير الله؟\nالجواب: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل بلا شك، كما لو ذبح الذبيحة لأولاده ليأكلوها، وإن قصد بذلك التقرب إليه، وتعظيمه تعظيم عبادة فإنه شرك، كالمذبوح على النصب تمامًا، فلا يحل أكلها؛ وقد كان بعض الناس - والعياذ بالله - إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين تعظيمًا له - لا ليأكلها، ثم تترك للناس -؛ وهذا يكون قد ذبح على النصب؛ فلا يحل أكله - ولو ذكر اسم الله عليه -.\nالنوع الرابع: أن لا يهل لأحد - أي لم يذكر عليها اسم الله، ولا غيره؛ فالذبيحة حرام أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولقول النبي ﷺ: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا\" (١).\n٧ - ومنها: تحريم ما ذبح لغير الله - ولو ذكر اسم الله عليه -، مثل أن يقول: «بسم الله والله أكبر؛ اللهم هذا للصنم الفلاني»؛ لأنه أهل به لغير الله.\n٨ - ومنها: أن الشرك قد يؤثر الخبثَ في الأعيان - وإن كانت نجاسته معنوية -؛ هذه البهيمة التي أَهل لغير الله بها نجسة خبيثة محرمة؛ والتي ذكر اسم الله عليها طيبة حلال؛ تأمل خطر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوسات؛ وهو جدير بأن يكون كذلك؛ لهذا قال الله ﷿: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] مع أن بدن المشرك ليس بنجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي، وفساد عقيدته وطويته صار مؤثرًا حتى في الأمور المحسوسة.\n٩ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله.\n١٠ - ومنها: أن الضرورة تبيح المحظور؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ ولكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين:\nالشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرم.\nالشرط الثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر.\nفإن كان يمكن دفع الضرورة بغيره لم يكن حلالًا، كما لو كان عنده ميتة ومذكاة، فإن الميتة لا تحل حينئذ؛ لأن الضرورة تزول بأكل المذكاة؛ ولو كان عطشان، وعنده كأس من خمر لم يحل له شربها؛ لأن ضرورته لا تزول بذلك؛ إذا لا يزيده شرب الخمر إلا عطشًا؛ ولهذا لو غص بلقمة، وليس عنده ما يدفعها به إلا كأس خمر كان شربها لدفع اللقمة حلالًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص ١٩٧، كتاب الشركة، باب ١٦: من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم، حديث رقم ٢٥٠٧، وأخرجه مسلم ص ١٠٢٩، كتاب الأضاحي، باب ٤: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائل العظام، حديث رقم ٥٠٩٢ [٢٠] ١٩٦٨.","vol":"8","page":37},{"text":"١١ - ومن فوائد الآية: إثبات رحمة الله ﷿؛ لأن من رحمة الله أن أباح المحَرَّمَ للعبد لدفع ضرورته.\n١٢ - ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها على أحد الاحتمالين؛ فإن حل الميتة للمضطر يحتمل حالين:\nالأولى: أن نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة، مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل حال حلها، ثم أصبحت بعد تحريمها خبيثة لا تؤكل؛ فالله ﷾ هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء؛ فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطر عبده إليها طيبة.\nالحال الثانية: أنها ما زالت على كونها خبيثة؛ لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة؛ وتكون الضرورة واقية من مضرتها؛ فتناولها للضرورة مباح؛ وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية منه.\nوالحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلبًا للشيء كان هضمه سريعًا، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعامًا على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعامًا وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي ﷺ، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي ﷺ: «تأكل تمرًا وبك رمد» - لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» (١)، أي: إذا كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي ﷺ، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم - ﵀ -: «إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعًا، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره» (٢).\n١٣ - ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم.\n١٤ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و«الرحيم»، وما تضمناه من صفة.\n١٥ - ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله ﷾ المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه: غفورًا رحيمًا، غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته، ورحمه بحلها؛ فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله ﷿ تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و«الصفة»؛ و«الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم - ﵏ -.\n\nالقرآن\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة ص ٢٦٨٤، كتاب الطب، باب ٣: الحمية، حديث رقم ٣٤٤٣، وقال الألباني في صحيح ابن ماجة ٢/ ٣٥٣، حديث رقم ٢٧٧٦: \"حسن\".\n(٢) نقلا عن تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥٨.","vol":"8","page":38},{"text":"التفسير:\nيسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم، تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد، وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه. إن الله سريع الحساب.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nأحدهما: أنه لما أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، قالوا: يا رسول الله، فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت: \"يسألونك ماذا أحل لهم\"، الآية. وهذا قول أبي رافع (١)، وعكرمة (٢)، ومحمد بن كعب القرظي (٣).\nقال أبو رافع: \" جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- يستأذن عليه، فأذن له فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله! قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب! قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته. فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿يسألونك ماذا أحِل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علَّمتم من الجوارح مكلبين﴾ \" (٤). [ضعيف].\nوالثاني: أخرج الطبري عن عامر: \"أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يسأله عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت هذه الآية: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله \" (٥). [ضعيف].\nوفي السياق نفسه قال سعيد بن جبير: \"نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله - ﷺ - \"زيد الخير\"، وذلك أنهما جاءا إلى رسول الله - ﷺ - فقالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح وآل أبي جويرية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب، فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ يعني الذبائح ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ يعني: وصيد ما علمتم من الجوارح، وهي الكواسب من الكلاب وسباع الطير\" (٦). [ضعيف ومنقطع]\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ \" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١١٣٤): ٩/ ٥٤٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١١٣٥): ص ٩/ ٥٤٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١١٣٦): ص ٩/ ٥٤٦.\n(٤) أخرجه الطبري (١١١٣٤): ٩/ ٥٤٥، إسناد هذا الخبر ضعيف، فيه موسى بن عبيدة الربذي، ضعيف، قال أحمد: \"منكر الحديث، لا تحل الرواية عنه\". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٤: ٤٢، ٤٣، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف\".\nورواه البيهقي في السنن ٩/ ٢٣٥، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣١١، مختصرًا من طريق معلى بن منصور، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحق، عن أبان بن صالح، وهو أصح من إسناد أبي جعفر وابن أبي حاتم. وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوقد روي حديث أبي رافع، بغير هذا اللفظ، من طرق. انظر الهيثمي في مجمع الزوائد ٤: ٤٢، ٤٣، ومسند أحمد (٣٩١): ص ٦/ ٨ - ١٠.\n(٥) تفسير الطبري (١١١٥٨): ٩/ ٥٥٣.\n(٦) اسباب النزول للواحدي: ١٩٢، أسنده ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير: ٢/ ١٥) عن سعيد به، وإسناده ضعيف ومنقطع، انظر: تهذيب التهذيب (٣٨٢): ص ٧/ ١٩٨.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٧.","vol":"8","page":39},{"text":"قال الطبري: أي: \" يسألك، يا محمد، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ \" (١).\nقال الزمخشري: \" معناه: ماذا أحل لهم من المطاعم، كأنهم حين تلا عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها\" (٢).\nقال ابن كثير: \" لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بَدَنِه، أو في دينه، أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كما قال في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ: أنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الآية: ١٥٧] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات\" (٤).\nقال الطبري: اي: \" فقل لهم: أحِل لكم منها الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح\" (٥).\nقال الزمخشري: \" الطيبات، أى: ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: الذبائح الحلال الطيبة لهم\" (٧).\nقال مقاتل بن حيان: \"فـ ﴿الطيبات﴾، ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات\" (٨).\nوقال ابن وَهْبٍ: \"سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس. فقال: ليس هو من الطيبات\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيدُ ما علّمتم من الجوارح، وهن الكَواسب من سباع البهائم\" (١١).\nو«الطير»: سميت جوارح، لجرحها لأربابها، وكسبها إيّاهم أقواتَهم من الصيد. يقال منه: جرح فلان لأهله خيرًا، إذا أكسبهم خيرًا، وفلان جارِحَة أهله، يعني بذلك: كاسبهم، ولا جارحة لفلانة، إذا لم يكن لها كاسب، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١٢):\nذاتَ حَدٍّ مُنْضِجٍ مِيسَمُهَا ... تُذْكِرَ الجَارِحَ مَا كَانَ اجْتَرَحْ\nيعني: اكتسب (١٣).\nواختلف في الجوارح التي عنى الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، على ثلاثة أقاويل:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٥٤٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٠٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٢.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٥٤٣.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٠٦.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٢.\n(٨) سنن أبي داود برقم (٢٨١٧)، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٣٢.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٢.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٥٤٣.\n(١٢» ديوانه: ١٦٤، وهي من قصيدة له طويلة، مجد فيها إياس بن قبيصة الطائي، ملك الحيرة.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٥٤٣ - ٥٤٤.","vol":"8","page":40},{"text":"أحدها: يعني من الكلاب دون غيرها من السباع، وأنه لا يحل إلا صيد الكلاب وحدها، وهذا قول ابن عمر (١)، والضحاك (٢)، والسدي (٣).\nوالثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره، ومعناه مُضْرِين على الصيد كما تَضْرِي الكلاب، وهو قول ابن عباس (٤)، وعلي بن الحسين (٥)، وعبيد بن عمير (٦)، والحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وخيثمة بن عبد الرحمن (٩)، وطاوس (١٠).\nوالثالث: أن معنى التكليب من صفات الجارح: التعليم (١١).\nوالراجح-والله اعلم- انه يشمل \"كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأنّ صيد جميع ذلك حلال إذا صادَ بعد التعليم، لأن الله جل ثناؤه عم بقوله: وما علمتم من الجوارح مكلبين، كلَّ جارحة، ولم يخصص منها شيئًا. فكل جارحة، كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع، فحلال أكل صيدها\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" والمحكي عن الجمهور أن صيد الطيور كصيد الكلاب؛ لأنها تَكْلَبُ الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم\" (١٣).\nقال عدي بن حاتم قال: \"سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك فَكُل\" (١٤).\nواستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"يَقْطَع الصلاةَ الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ\" فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: \"الكلب الأسود شيطان\" وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: \"ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بَهِيم\" (١٥) (١٦).\nوقرئ: «مكلبين»، بالتخفيف (١٧).\nقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله\" (١٨).\nقال السدي: \" يقول: تعلمونهن من الطَّلب كما علمكم الله\" (١٩).\nقال الطبري: أي: \" تؤدِّبون الجوارح فتعلمونهن طلب الصيد لكم مما علمكم الله، يعني بذلك: من التأديب الذي أدَّبكم الله، والعلم الذي علمكم\" (٢٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١١٥٥): ص ٩/ ٥٤٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١١٥٣): ص ٩/ ٥٤٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١١٥٤): ص ٩/ ٥٤٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١١٤٩): ص ٩/ ٥٤٨، و(١١١٥١): ص ٩/ ٥٤٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١١٤٧): ص ٩/ ٥٤٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١١٥٢): ص ٩/ ٥٤٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١١٣٧)، و(١١١٣٨): ص ٩/ ٥٤٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١١٣٩) - (١١١٤٤): ص ٩/ ٥٤٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١١٤٥)، و(١١١٤٦): ص ٩/ ٥٤٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١١٥٠): ص ٩/ ٥٤٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٥.\n(١٢) تفسير الطبري: ٩/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (١١١٥٦): ص ٩/ ٥٥٠.\n(١٥» صحيح مسلم برقم (١٥٧٣) وسنن أبي داود برقم (٧٤) وسنن النسائي (١/ ١٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٥).\n(١٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٣.\n(١٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٠٧.\n(١٨) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(١٩) أخرجه الطبري (١١١٥٧): ص ٩/ ٥٥٢.\n(٢٠) تفسير الطبري: ٩/ ٥٥٢.","vol":"8","page":41},{"text":"قال الماوردي: \" أى: تعلمونهن من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم وصفات التعليم التي بيَّن حكمها لكم، فأما صفة التعليم، فهو أن يُشلَى إذا أُشلي، ويجيب إذا دعي ويمسك إذا أخذ\" (١).\nقال ابن كثير: \" وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه\" (٢).\nوهل يكون إمساكه عن الأكل شرطًا فى صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فإن أكلت لم تؤكل، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعطاء (٤).\nوالثاني: أنه ليس بشرط فى كل الجوارح ويؤكل وإن أكلت، وهذا قول ابن عمر (٥)، وسعد بن أبي وقاص (٦)، وأبي هريرة (٧)، وسلمان (٨).\nوالثالث: أنه شرط في جوارح البهائم فلا يؤكل ما أكلت، وليس بشرط في جوارح الطير، فيؤكل وإن أكلت، وهذا قول الشعبي (٩)، وإبراهيم النخعي (١٠)، والسدي (١١)، وحماد (١٢).\nوالظاهر –والله أعلم- \"أن التعليم الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح، إنما هو أن يعلِّم الرجل جارحَه الاستشلاء إذا أُشلي على الصيد وطلبه إياه إذا أغرى، أو إمساكه عليه، إذا أخذه من غير أن يأكل منه شيئًا، وألا يفرّ منه إذا أراده، وأن يجيبه إذا دعاه. فذلك، هو تعليم جميع الجوارح، طيرها وبهائمها. فإن أكل من الصيد جارحةُ صائد فجارحه حينئذ غير معلَّم، فإن أدرك صيده صاحبُه حيًّا فذكّاه، حلَّ له أكله. وإن أدركه ميتًا، لم يحلَّ له أكله، لأنه مما أكله السَّبُع الذي حرمه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ولم يدرك ذكاته، [وذلك] لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ ... عن عدي بن حاتم: أنه سأل النبي ﷺ عن الصيد فقال: «إذا أرسلتَ كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أدركته وقد قتل وأكل منه فلا تأكل منه شيئًا، فإنما أمسكَ على نفسه» (١٣) \" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" فكلوا مما أمسكن لكم من الصيد\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" فكلوا مما أمسكن عليكم، فكلوا، أيها الناس، مما أمسكت عليكم جوارحكم\" (١٦).\nقال ابن كثير: \" فمتى كان الجارحة معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عند إرساله حل الصيد، وإن قتله بالإجماع\" (١٧).\n_________\n(١) النكت والعيون: ٢/ ١٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١١٦٠) - (١١١٦٧): ص ٩/ ٥٥٤ - ٥٥٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١١٥٩): ص ٩/ ٥٥٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٢٠٢) - (١١٢٠٦): ص ٩/ ٥٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١١٩٥) - (١١١٩٧): ص ٩/ ٥٦١ - ٥٦٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١١٩٨) - (١١٢٠٠): ص ٩/ ٥٦٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١١٨٧) - (١١١٩٤): ص ٩/ ٥٦٠ - ٥٦١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١١٧٦)، و(١١١٧٨): ص ٩/ ٥٥٧ - ٥٥٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١١٧٧)، و(١١١٧٩)، و(١١١٨٠): ص ٩/ ٥٥٧ - ٥٥٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٢١٤): ص ٩/ ٥٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١١٨١): ص ٩/ ٥٥٨.\n(١٣) أخرجه الطبري (١١٢٠٩): ص ٩/ ٥٦٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ٩/ ٥٦٤.\n(١٥) صفوة التفاسير: ٣٠٢.\n(١٦) تفسير الطبري: ٩/ ٥٦٦.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤.","vol":"8","page":42},{"text":"واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، علة قولين (١):\nأحدهما: ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله، حلال أكل كلِّ ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلَّمة من الصيد الحلال أكله، أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه، أدركتْ ذكاته فذُكِّي أو لم تدرَك ذكاته حتى قتلته الجوارح بجرحها إياه أو بغير جَرْح.\nوهذا قول الذين قالوا: تعليم الجوارح الذي يحلّ به صيدها أن تعلَّم الاستشلاء على الصيد، وطلبه إذا أشْليت عليه، وأخذه، وترك الهرب من صاحبها، دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته\nوالثاني: ذلك على الخصوص دون العموم. قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضًا وأمسكت بعضًا، فالذي أمسكت منه غير جائز أكلُه وقد أكلت بعضه، لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه، على أنفسها لا علينا، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كلَ ما أمسكته جوارحنا المعلمة علينا بقوله: فكلوا مما أمسكن عليكم، دون ما أمسكته على أنفسها.\nوهذا قول من قال: تعليم الجوارح الذي يحلُّ به صيدها: أن تَستشلى للصيد إذا أشليت، فتطلبه وتأخذه، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئًا، ولا تفر من صاحبها.\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد\" (٢).\nقال ابن عباس: \" يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلا حَرَج\" (٣).\nقال السدي: \": إذا أرسلته فسَمِّ عليه حين ترسله على الصيد\" (٤).\nقال القرطبي: \" قيل: المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، وهو الأظهر\" (٥).\nقال ابن كثير: \" وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ عَلَّم رَبِيبه عمر بن أبي سلمة فقال: «سَمّ الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك» (٦)، وفي صحيح البخاري: عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا - حديث عهدهم بكفر - بلُحْمانٍ لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: «سَمّوا الله أنتم وكلوا» (٧) \" (٨).\nوعن عائشة﵂-؛ أن رسول الله ﷺ كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: «أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره» (٩).\nوفي رواية اخرى عن عائشة: \"أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين، فقال: «أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره» \" (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٥٦٦ - ٥٦٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٢١٨): ص ٩/ ٥٧١.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٢١٩): ص ٩/ ٥٧١.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٧٤.\n(٦) صحيح البخاري برقم (٥٣٧٦) وصحيح مسلم برقم (٢٠٢٢).\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٧.\n(٨) صحيح البخاري برقم (٥٥٠٧).\n(٩) المسند (٦/ ١٤٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٢٦٤).\n(١٠) المسند (٦/ ٢٦٥)، (٦/ ٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٧) وسنن الترمذي برقم (١٨٥٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠١١٢).","vol":"8","page":43},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \" وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" واتقوا الله، أيها الناس، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلَّمة، أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها، أو تطعَمُوا ما لم يسمَّ الله عليه من الصيد والذبائح مما صادَه أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحِّد الله من خلقه، أو ذبحوه، فإن الله قد حرَّم ذلك عليكم فاجتنبوه\" (٢).\nقال القرطبي: \" أمر بالتقوى على الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: \"فإن الله سريع المجازاة للعباد\" (٤).\nقال الطبري: \" ثم خوَّفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره. فقال: اعلموا أن الله سريعٌ حسابه لمن حاسبه على نِعَمه عليه منكم وشكرِ الشاكر منكم ربَّه على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى، لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم، فيحيط به، لا يخفى عليه منه شيء، فيجازي المطيعَ منكم بطاعته، والعاصيَ بمعصيته، وقد بيَّن لكم جزاء الفريقين\" (٥).\nقال السعدي: \" حذر من إتيان الحساب في يوم القيامة، وأن ذلك أمر قد دنا واقترب، فقال: ﴿واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ \" (٦).\nقال القرطبي: \" وسرعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شي علما وأحصى كل شي عددا، فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب، ولهذا قال: ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال: إن حساب الله لكم سريع إتيانه، إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة، فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله\" (٧).\nالفوائد:\n١ - مشروعية سؤال من لا يعلم عما ينبغي له أن يعلمه.\n٢ - حلية الصيد إن توفرت شروطه، وهي: أن يكون الجارح معلمًا وأن يذكر اسم الله تعالى عند إرساله وأن لا يأكل منه الجارح، ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة ١ بشرط ذكر اسم الله عند رميه ولو وجد ميتًا فلم يذك.\n٣ - قال السعدي: \" دلت هذه الآية على أمور:\nأحدها: لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث وسع عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يذكوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه.\nالثاني: أنه يشترط أن تكون معلمة، بما يعد في العرف تعليما، بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ أي: أمسكن من الصيد لأجلكم.\nوما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٥٧٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٧٥.\n(٤) صفوة التفاسير: ٣٠٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ٥٧٢.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٢١.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ٧٥.","vol":"8","page":44},{"text":"الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما، لقوله: ﴿من الجوارح﴾ مع ما تقدم من تحريم المنخنقة. فلو خنقه الكلب أو غيره، أو قتله بثقله لم يبح [هذا بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب أي: المحصلات للصيد والمدركات لها فلا يكون فيها على هذا دلالة - والله أعلم-] (١).\nالرابع: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه.\nالخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلا فدل على طهارته.\nالسادس: فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المعلم -بسبب العلم- يباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده.\nالسابع: أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموما، وليس من العبث والباطل. بل هو أمر مقصود، لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به.\nالثامن: فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك.\nالتاسع: فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله متعمدا، لم يبح ما قتل الجارح.\nالعاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، سواء قتله الجارح أم لا. وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها (١).\n\nالقرآن\n﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]\nالتفسير:\nومن تمام نعمة الله عليكم اليوم -أيها المؤمنون- أن أَحَلَّ لكم الحلال الطيب، وذبائحُ اليهود والنصارى -إن ذكَّوها حَسَبَ شرعهم- حلال لكم وذبائحكم حلال لهم. وأَحَلَّ لكم -أيها المؤمنون- نكاح المحصنات، وهُنَّ الحرائر من النساء المؤمنات، العفيفات عن الزنى، وكذلك نكاحَ الحرائر العفيفات من اليهود والنصارى إذا أعطيتموهُنَّ مهورهن، وكنتم أعِفَّاء غير مرتكبين للزنى، ولا متخذي عشيقات، وأمِنتم من التأثر بدينهن. ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله، وهو يوم القيامة من الخاسرين.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: قال قتادة: \" ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم يعني: نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأحل الله تزويجهن على علم\" (٢).\nوالثاني: وقال مقاتل: \" فلما أحل الله﷿- نساء أهل الكتاب، قال المسلمون: كيف تتزوجوهن وهن على غير ديننا!، وقالت نساء أهل الكتاب: ما أحل الله تزويجنا للمسلمين إلا وقد رضي أعمالنا! فأنزل الله﷿- ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، يعني: من نساء أهل الكتاب بتوحيد الله، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، يعنى: من الكافرين\" (٣).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٢١.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٢٩٠): ص ٩/ ٥٩٢.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٥.","vol":"8","page":45},{"text":"قال السمرقندي: قيل: \"لما نزلت هذه الآية قلن نساء أهل الكتاب: لولا إن الله تعالى قد رضي بديننا لم يبح للمسلمين نكاحنا، فنزل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ \" (١).\nوالثالث: لما \"نزل قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ثم رخص من حالة الاضطرار، فقال بعضهم: لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" ومن تمام نعمة الله عليكم اليوم -أيها المؤمنون- أن أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها\" (٣).\nقال مقاتل: \"أى: الذبائح من الصيد\" (٤).\nقال التستري: \" الطيبات: الحلال من الرزق\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \"، وذبائحُ اليهود والنصارى -إن ذكَّوها حَسَبَ شرعهم- حلال لكم\" (٦).\nقال الماوردي: \" يعني: ذبائحهم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" وذبائحكم حلالٌ لهم فلا حرج أن تُطعموهم وتبيعوه لهم\" (٨).\nقال الماوردي: \" يعني: ذبائحنا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" وأُبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات وهن الحرائر منهن أن تنكحوهن\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" أي وزواج الحرائر من من اليهود والنصارى\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني: وأحل تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى، نكاحهن حلال للمسلمين (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ثلاثة أقوال (١٤):\nأحدها: المعاهدات دون الحربيات، وهذا قول ابن عباس (١٥).\nوالثاني: عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله (١٦).\n_________\n(١) بحر العلوم للسمرقندي: ١/ ٣٧١.\n(٢) بحر العلوم للسمرقندي: ١/ ٣٧١.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٠٣، والتفسير الميسر: ١٠٧\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٤.\n(٥) تفسير التستري: ٥٨.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٧) النكت والعيون: ٢/ ١٧.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٩) النكت والعيون: ٢/ ١٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(١١) تفسير الطبري: ٩/ ٥٨١.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٣٠٣، والتفسير الميسر: ١٠٧\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٥.\n(١٤).\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٢٨٥): ص ٩/ ٥٨٨.\n(١٦) انظر الأم: ٥/ ٦.","vol":"8","page":46},{"text":"والثالث: عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات، وهذا قول سعي بن المسيب (١)، والحسن (٢)، والفقهاء وجمهور السلف (٣).\nوالراجح-والله أعلم- أن نكاح عامة أهل الكتاب من معاهدات وحربيات جائز ذميةً كانت أو حربيّةً، بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وجهان:\nأحدهما: أنهن الحرائر من الفريقين، سواء كن عفيفات أو فاجرات، فعلى هذا، لا يجوز نكاح إمائهن، وهذا قول مجاهد (٥)، والشعبي (٦)، وبه قال الشافعي (٧).\nقال عامر: \" أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة\" (٨).\nوالثاني: أنهن العفائف، سواءٌ كن حرائر أم إماءً، فعلى هذا، يجوز نكاح إمائِهن، وهذا قول مجاهد (٩)، والشعبي (١٠) أيضًا، وبه قال أبو حنيفة (١١).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" إِذا دفعتم لهن مهورهن\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني إذا أعطيتموهن مهورهن\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" حال كونكم أعفاء بالنكاح غير مجاهرين بالزنى\" (١٤).\nقال الماوردي: \" يعني: أَعفّاء غير زُناة\" (١٥).\nقال ابن عباس: \"يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة غير مسافحين متعالنين بالزنا ولا متخذي أخدان، يعني: يسرُّون بالزنا\" (١٦).\nعن سليمان بن المغيرة، عن الحسن قال: \"سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٢٨٤): ص ٩/ ٥٨٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٢٨٤): ص ٩/ ٥٨٧.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٧.\n(٤) انظرك تفسير الطبري: ٩/ ٥٨٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٢٥٦): ص ٩/ ٥٨٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٢٥٩): ص ٩/ ٥٨٢.\n(٧) انظر: تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٢٦٤): ص ٩/ ٥٨٣ - ٥٨٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٢٦٨)، (١١٢٦٩): ص ٩/ ٥٨٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٢٧٠) - (١١٢٧٤): ص ٩/ ٥٨٥.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٧.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٥.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(١٥) النكت والعيون: ٢/ ١٧.\n(١٦) أخرجه الطبري (١١٢٨٧): ص ٩/ ٥٩١.\n(١٧) أخرجه الطبري (١١٢٨٩): ص ٩/ ٥٩١.","vol":"8","page":47},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سرا\" (١).\nقال مقاتل: \" يعني: لا تتخذ الخليل في السر فيأتيها\" (٢).\nقال الزجاج: \" وهن الصديقات والأصدقاء، فحرم الله ﷿ الجماع على جهة السفاح، أو على جهة اتخاذ الصديقة، وأحلة على جهة الإحصان، وهو التزويج، على ما عليه جماعة العلماء\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يقول: لا تتخذوا خدنا فتزنوا بها سرا، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سرا، فحرم الله زنى السر والعلانية\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله\" (٥).\nقال مجاهد: \" من يكفر بالله\" (٦).\nقال عطاء: \" الإيمان، التوحيد\" (٧).\nقال اللبي: \" أي: بما أنزل على محمد ﷺ\" (٨).\nقال ابن عباس: \" أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه\" (٩).\nقال الطبري: اي: \" ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله، لأن «الكفر»: هو الجحود في كلام العرب، و«الإيمان»: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به \" (١٠).\nقال مقاتل بن حيان: \"يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهي للناس عامة\" (١١).\nوقرأ الحسن: «حَبِطَ عَمَلُهُ»، بفتح الباء (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: \" وهو يوم القيامة من الهالكين\" (١٣).\nقال مقاتل: \"يعني: من الكافرين\" (١٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: من المغبونين في العقوبة، ولهذا قال أصحابنا ﵏: إن الرجل إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في وقت تلك الصلاة، وجب عليه إعادة تلك الصلاة، ولو كان حج حجة الإسلام فعليه أن يعيد الحج، لأنه قد بطل ما فعل قبل ارتداده\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٥.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٥٢.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٧١.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٧.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٢٩٦): ص ٩/ ٥٩٣.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٢٩٢): ص ٩/ ٥٩٣.\n(٨) تفسير الثعلبي: ٤/ ٢٣.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٢٩٩): ص ٩/ ٥٩٣.\n(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ٥٩٤.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٤/ ٢٣، وتفسير البغوي: ٣/ ١٩.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ٢٣.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٥.\n(١٥) بحر العلوم: ١/ ٣٧١ - ٣٧٢.","vol":"8","page":48},{"text":"٢ - إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل: زوجني فلانة. فيقول له: قد زوجتكها.\n٣ - حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة.\n٤ - المعاصي قد تقود إلى الكفر.\n٥ - المرتد عن الإسلام يحبط عمله فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرافق [والمِرْفَق: المِفْصَل الذي بين الذراع والعَضُد] وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين [وهما: العظمان البارزان عند ملتقى الساق بالقدم]، وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة. فإن كنتم مرضى، أو على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته فلم تجدوا ماء فاضربوا بأيديكم وجه الأرض، وامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم، بل أباح التيمم توسعةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جعله بديلا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم; بطاعته فيما أمر وفيما نهى.\nفي سبب نزول الآية قولان:\nاحدهما: عن علقمة بن وقاص الليثي؛ قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا أراق البول نكلمه؛ فلا يكلمنا، ونسلم عليه؛ فلا يرد علينا، حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، فقلنا: يا رسول الله نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا، قال: حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية\" (١). [ضعيف جدًا]\nوالثاني: عن عائشة: \"أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلّوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله؛ فأنزل الله -تعالى- آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيرًا؛ فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك والمسلمين فيه خيرًا\" (٢). [صحيح]\nوفي السياق نفسه روي عن عمار بن ياسر: \"أن رسول الله - ﷺ - عرَّس بأولاتِ الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جَزْعِ ظِفَار؛ فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك، حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء؛ فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبست الناس وليس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٣٣٩): ١٠/ ٢٢، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٦، الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٦). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٧٦): \"فيه جابر الجعفي وهو ضعيف\"، علقمة بن وقاص؛ ثقة ثبت، أخطأ من زعم أن له صحبة، فهو مرسل، ومما يدلل على ضعف الحديث: أن الحفاظ والمحققين قالوا: ليس له صحبة، وهنا في هذا الحديث أثبت له لقاء النبي، ولا شك أن هذا غير صحيح، والخطأ من جابر.\nقال الحافظ ابن كثير: \"وهو حديث غريب جدًا؛ وجابر هذا هو ابن يزيد [في الأصل زيد وهو خطأ] الجعفي ضعفوه\".\nوقال السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦): \"وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم بسند ضعيف\".\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥)، ومسلم في \"صحيحه\" (رقم ٣٦٧).","vol":"8","page":49},{"text":"معهم ماء؛ فأنزل الله -تعالى- على رسوله - ﷺ - رخصة التطهر بالصعيد الطيب. فقام المسلمون مع رسول الله - ﷺ - فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط\" (١). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: \"يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٣).\nوعن خيثمة قال: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٤).\nكما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٥).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة\" (٧).\nوللعلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أقوال:\nأحدها: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مُضْمَرًا. وفي وجوب الوضوء شرطًا، وهو قول عبد الله بن عباس (٨)، وسعد بن أبي وقاص (٩)، وأبي موسى الأشعري (١٠)، والفقهاء (١١).\nوالثاني: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة. وهذا قول زيد بن اسلم (١٢)، والسدي (١٣).\nقال ابن كثير: \"وكلاهما قريب [اي: القول الاول والثاني] \" (١٤).\nوالثالث: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة، محدثا كان، أو غير محدث، ولا يجوز أن يجمع بوضوء واحد بين فرضين، وهذا مروي عن علي -﵁- (١٥)، وعمر (١٦)، وعكرمة (١٧)، وابن سيرين (١٨).\nوالرابع: أن الآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب (١٩).\nوالخامس: أنه كان واجبًا على كل قائمٍ إلى الصلاة، ثم نسخ إلاَّ على المحدث.\nروى سليمان بن بريدة عن أبيه: \" كان رسول الله -ﷺ- يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله، قال: «عمدا فعلته يا عمر» \" (٢٠).\nوالصواب-والله أعلم- أن الله تعالى فرض غسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته. ولذلك كان ﵇ يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل ﵇ من تجديد الطهر لكل صلاة، إنما كان منه أخذا بالفضل، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا (٢١).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟\nقلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة\" (٢٢).\nأخرج الطبري عن محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري نه قال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: \"أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الغسيل حدَّثها: أن النبي ﷺ أُمِرَ بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمِر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدّث. فكان عبد الله يرى أنّ به قوة عليه، فكان يتوضأ\" (٢٣).\nوعن ابن عمر: \"أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد\" (٢٤).\nوعن ابن عمر أيضا، قال، \" قال رسول الله ﷺ: «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» \" (٢٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٣، ٢٦٤، ٣٢٠، ٣٢١)، وأبو داود (١/ ٨٦، ٨٧ رقم ٣٢٠)، وابن ماجه (١/ ١٨٧ رقم ٥٦٦ - مختصرًا) من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمار به.\nوأخرجه ابن ماجه (١/ ١٨٧ رقم ٥٦٥) من طريق الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن عمار، وهو منقطع فيما بين عبيد الله وعمار.\nقلنا: والحديث معلّ بالاضطراب؛ كما ذكر الشيخ العلامة الألباني -﵀- في \"إرواء الغليل\" (١/ ١٨٥، ١٨٦)، وانظر: \"ضعيف سنن أبي داود\" (٦٧/ ٣١٩).\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣١) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(٢) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٣٠٠): ص ١٠/ ٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٣٠١)، و(١١٣٠٢): ص ١٠/ ٧ - ٨\n(١٠) انظرك تفسير الطبري (١١٣٠٤)، و(١١٣٠٥): ص ١٠/ ٨.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٨، وزاد المسير: ١/ ٥٢٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٣١٩)، و(١١٣٢٠): ص ١٠/ ١١ - ١٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٣٢١): ص ١٠/ ١٢.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٣٢٢) - (١١٣٢٣)، و(١١٣٢٦)، و(١١٣٢٧): ص ١٠/ ١٢، ١٣ - ١٤.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٣٢٤)، و(١١٣٢٥): ص ١٠/ ١٣.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٣٢٢): ص ١٠/ ١٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١١٣٢٤): ص ١٠/ ١٢.\n(١٩) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٣.\n(٢٠) صحيح. أخرجه مسلم ٢٧٧ وأبو داود ١٧٢ والترمذي ٦١ والنسائي ١/ ١٦ والدارمي ١/ ١٦٩ وأحمد ٥/ ٣٥٠ - ٣٥١ - ٣٥٨ وأبو عوانة ١/ ٢٣٧ والطحاوي في «المعاني» ١/ ٤١ وابن حبان ١٧٠٦ و١٧٠٧ و١٧٠٨ والبيهقي ١/ ١٦٢ من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٩.\n(٢٢) الكشاف: ١/ ٦٠٩.\n(٢٣) تفسير الطبري (١١٣٢٨): ١٠/ ١٤.\n(٢٤) اخرجه الطبري (١١٣٣٥): ١٠/ ١٨.\n(٢٥) أخرجه الطبري (١١٣٣٨): ص ١٠/ ٢٢.","vol":"8","page":50},{"text":"وعن عمرو بن عامر، عن أنس: \"أن النبي ﷺ أتي بقَعْبٍ صغير فتوضأ. قال: قلت لأنس: أكان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم! قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد\" (١).\nوعن أبي غطيف، قال: \"صليت مع ابن عمر الظهر، فأتى مجلسا في داره فجلس وجلست معه. فلما نُودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ، ثم خرج إلى الصلاة، ثم رجع إلى مجلسه. فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة ما أراك تَصنع؟ قال، لا وإن كان وَضوئي لصلاة الصبح كافيَّ للصلوات كلها ما لم أحدِث، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ على طهرٍ كتب له عشر حسنات،، فأنا رغبت في ذلك\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" فاغسلوا الوجوه والأيدي مع المرافق\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: مع المرافق\" (٤).\nقال المبرد: \"إذا مد الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مد إلى خلاف جنسه، لا تدخل فيه الغاية، فقوله: ﴿إلى المرافق﴾ مد إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية، وأما قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مد إلى خلاف جنسه، فلا تدخل فيه الغاية. والمرفق سمى بذلك؛ لارتفاق الإنسان به بالاتكاء عليه\" (٥).\nقال الطبري: \" قال الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل، كأنه يذهب إلى أن معناها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تُغْسَل المرافق حدثنا بذلك عنه الربيع\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين\" (٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: مع الكعبين\" (٨).\nقال الواحدي: \" وهما النَّاشزان من جانبي القدم\" (٩).\nواختلف العلماء في وجوب غسل الرجل، والأصح-والله أعلم- \"أنه يجب الغسل، وقد دلت السنة عليه، إذ روى عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبيّ ﷺ في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: ويل للأعقاب من النار\" (١٠) (١١).\nقال ابن كثير: \" وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه \"الباء\" هل هي للإلصاق، وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين.\nومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة (١٢)، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ -:\n_________\n(١) اخرجه الطبري (١١٣٣٦): ١٠/ ٢٠.\n(٢) اخرجه الطبري (١١٣٣٧): ١٠/ ٢١.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٧٢.\n(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ١٦.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧، والام: ١/ ٢٢.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٧٢.\n(٩) الوجيز: ٣١٠.\n(١٠) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٣٩٠.\nوأخرجه أبو داود في: الطهارة، ٦٦ - باب تفريق الوضوء، حديث ١٧٥، عن خالد عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ، أخرجه ابن ماجة في: الطهارة وسننها، ٥٥ - باب غسل العراقيب، حديث ٤٥٤، والطبري في تفسيره (١١٥١٣): ص ١٠/ ٧٠.\n(١١) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ١٦ - ١٧.\n(١٢) انظر: صحيح مسلم برقم (٢٤٦).","vol":"8","page":51},{"text":"«هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» (١).\nوفي حديث عبد خير، عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا، وروى أبو داود، عن معاوية والمقدام بن معد يكرب، في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله (٢).\nففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.\nوقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية.\nوذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، لا يتقدر ذلك بحدٍّ، بل لو مسح بعض شعره من رأسه أجزأه.\nواحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة، قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: \"هل معك ماء؟ \" فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه ... وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم، وغيره (٣).\nفقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة\" (٤).\nوقُرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالنصب عطفا على: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٥).\nأخرج ابن ابي حاتم عن عِكَرِمة، عن ابن عباس؛ \"أنه قرأها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقول: رجعت إلى الغسل\" (٦). وروي عن عبد الله بن مسعود، وعُرْوَة، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، والضحاك، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيان، والزهري، وإبراهيم التيمي، نحو ذلك (٧).\nقال ابن كثير: \" وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب كما هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة\" (٩).\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري برقم (١٨٥، ١٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥) ..\n(٢) حديث علي رواه أبو دواد في سننه برقم (١١١) وكذا حديث المقدام برقم (١٢١) وحديث معاوية برقم (١٢٤).\n(٣» صحيح مسلم برقم (٢٧٤).\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٩ - ٥٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٥١.\n(٦) كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٥١.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٥١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٥١.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٨.","vol":"8","page":52},{"text":"قال الطبري: أي: \" وإن كنتم أصابتكم جنابة قبل أن تقوموا إلى صلاتكم فقمتم إليها=\"فاطَّهَّروا\"، يقول: فتطهّروا بالاغتسال منها قبل دخولكم في صلاتكم التي قمتم إليها\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين (٣) وأنتم جنب\" (٤).\nقال ابن مسعود: \" المريض: الذي قد أُرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها\" (٥).\nقال أبو مالك: \" هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم\" (٦).\nقال مجاهد: \" والمرض: أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء\" (٧).\nقال السدي: \" والمرض: هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء، إن أصابه ضرَّ صاحبه، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم\" (٩).\nوقال إبراهيم: \" من القروح تكون في الذراعين\" (١٠).\nقال الضحاك: \" صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها، يتيمم\" (١١).\nوروي عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي: \"أنه سئل عن [قوله]: المجدور تُصيبه الجنابة؟ قال: ذهب فرسان هذه الآية\" (١٢).\nوقال ابن زيد: \" المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء، وليس عنده من يأتيه به، ولا يحبو إليه، تيمم وصلَّى إذا حلَّت الصلاة قال: هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به، لا يترك الصلاة، وهو أعذَرُ من المسافر\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٢.\n(٢) التفسير الميسر: ٨٥.\n(٣) يقال، \"جدر الرجل، جدرا\" (بالبناء للمجهول، بضم أوله وكسر ثانيه) \"فهو جدير\". و\"جدر\" (بالبناء للمجهول مشدد الدال) \"فهو مجدر\"، إذا أصابه الجدري.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٢ - ٨٣.\n(٥) أخرجه الطبري (٩٥٧٠): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٦) أخرجه الطبري (٩٥٧١): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٥٧٧): ص ٨/ ٣٨٧.\n(٨) أخرجه الطبري (٩٥٧٢): ص ٨/ ٣٨٦.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٥٧٣): ص ٨/ ٣٨٦.\n(١٠) أخرجه الطبري (٩٥٧٤): ص ٨/ ٣٨٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٩٥٧٦): ص ٨/ ٣٨٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (٩٥٧٩): ص ٨/ ٣٨٧.\nقال السيد المحقق: \" هكذا في المخطوطة: \" عن قوله: المجدور ... \" فأثبتها بين القوسين، لأني في شك منها. وأما قوله: \" ذهب فرسان هذه الآية \"، فإنه مما أشكل على معناه، وربما رجحت أنه أراد أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، كما مضى في الأثر رقم: ٩٥٦٧. فيكون قوله: \" ذهب فرسان هذه الآية \"، عن ذلك الشطر من الآية \" ولا جنبًا إلا عابري سبيل \"، وأنهم هم الأنصار من أصحاب رسول الله، الذين كانت أبوابهم في المسجد، وقد مضوا، لم يبق اليوم منهم أحد. هذا غاية اجتهادي، وفوق كل ذي علم عليم\".\nقلت: ربما أراد سفيان أن السياق كان خاصا بهؤلاء الفرسان، وأما الحكم فباق. والله تعالى أعلم.\n(١٣) اخرجه الطبري (٩٥٧٩): ص ٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨.","vol":"8","page":53},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] ثلاثة أقاويل (١):\nأحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي (٢).\nالثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك (٣)، وأحد قولي الشافعي (٤).\nوالثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" أو كنتم على سفر في حال الصحة\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" أو [كنتم] مسافرين وأنتم جنب\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، ثلاثة أقاويل (٨):\nأحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير، وهو قول داود.\nوالثاني: مسافة يوم وليلة فصاعدًا، وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله.\nوالثالث: مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" أو قضى أحدكم حاجته\" (٩).\nقال الطبري: \" يقول: أو جاء أحدكم وقد قضى حاجته فيه وهو مسافر. وإنما عنى بذكر مجيئه منه قضاء حاجته فيه\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر\" (١١).\nقال مجاهد: \" الغائط، الوادي\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" أو جامع زوجته\" (١٣).\nقال الطبري: \" يقول: أو جامعتم النساء وأنتم مسافرون\" (١٤).\nوفي هذه الملامسة قولان:\nأحدهما: أنها كناية عن الجماع، لقوله ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وهو قول عليّ (١٥)، وابن عباس (١٦)، والحسن (١٧) وقتادة (١٨)، ومجاهد (١٩).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(٥) انظر: تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٧١٥ - ٧١٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٢ - ٨٣.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٤.\n(١٢) تفسير الطبري (٩٥٨٠): ٨/ ٣٨٨.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٢): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٥٨١) - (٩٦٠١): ص ٨/ ٣٨٩ - ٣٩٢.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٣)، و(٩٦٠٥): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٥): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٤): ص ٨/ ٣٩٢.","vol":"8","page":54},{"text":"والثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد، وهو قول ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وعبيدة (٣)، والنخعي (٤)، والشعبي (٥)، وعطاء (٦)، وابن سيرين (٧)، والحكم (٨)، وحماد (٩)، وبه قال الشافعي (١٠).\nوالراجح أن أنّ \" اللمس \" في هذا الموضع، لمس الجماع، لا جميع معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول اللهﷺ- أنه قَبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ (١١)، وكما قال الشاعر (١٢):\nوَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nيعني بذلك: ننك لماسًا (١٣) (١٤).\nأخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: \"كان النبي ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ\" (١٥). وفي رواية أخرى: \" أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٦) - (٩٦١٣): ص ٨/ ٣٩٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٧): ص ٨/ ٣٩٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٣)، و(٩٦١٦): ص ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٩): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٨): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢١): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٦): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٠): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٠): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١٠) انظر: تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٧٠٨. قال الشافعي: \" فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط، بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة، أن تكون: اللمس باليد، والقُبْلة غير الجنابة\".\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٩٨،\n(١٢) البيت ذكره الفراء في: \"معاني القرآن\" ٢/ ١٩٢، وقال: تمثل به ابن عباس، وذكره الحربي في \"غريب الحديث\" ولم ينسبه ٣/ ١١١، وانظر: البيت في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٤، \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣، \"لسان العرب\" (همس) ٨/ ٤٧٠٠.\nوقال شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٦: لم أعرف قائله وهو رجز كثير الدوران في الكتب. والهمس، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل، والصوت الخفي الذي لا غور له في الكلام، والوطء والأكل وغيرها، ولميس: اسم صاحبته، ويريد بقوله: إن تصدق الطير: أنه زجر الطير فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله.\nوالبيت مما أنشده ابن عباس، وقد نقله عنه السيوطي في الإتقان وكثير من المفسرين، ومنهم المؤلف، ونقل صاحب (اللسان: همس) شطره الأول. وهو * وهن يمشين بنا هميسا *\nقال: وهو صوت نقل أخفاف الإبل. أهـ، . وقال في أول المادة: الهمس: الخفي من الصوت والوطء والأكل. وفي التنزيل: \" فلا تسمع إلا همسا \". وفي التهذيب: يعني به والله أعلم: خفق الأقدام على الأرض. وقال الفراء: يقال إنه نقل الأقدام إلى المحشر. ويقال: الصوت الخفي. وروي عن ابن عباس تمثل فأنشده * وهن يمشين بنا هميسا *.\n(١٣) قوله: \"لماسًا\" أي، ملامسة. وكأنه جعل\"اللميس\" مصدرًا من\"اللمس\"، مثل\"المسيس\" مصدرًا من\"المس\". وهو قول غريب للطبري. بل أكثرهم يقول: \"لميس: اسم امرأة\"، ومعنى\"امرأة لميس\": هي المرأة اللينة الملمس.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٩٨،\n(١٥) تفسير الطبري (٩٦٢٩): ص ٨/ ٣٩٦.\n(١٦) تفسير الطبري (٩٦٣٠): ص ٨/ ٣٩٦.\nقال السيد أحمد محمد شاكر مححقق تفسير الطبري: \" الحديثان: ٩٦٣٩ - ٩٦٣٠ - عروة، في هذين الإسنادين: هو عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة، على اليقين، خلافًا لمن زعم أنه \" عروة المزني \"، من اجل كلمة قالها الثوري: \" ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني \"! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير، فقد حدث غيره عنه.\nوالحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٢١٠ (حلبي)، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة \" عن عروة بن الزبير \". وكذلك جاء التصريح بأنه \" عروة بن الزبير \"، في رواية ابن ماجه: ٥٠٢، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.\nوكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه، عقب الحديث: ١٨٠، بصيغة التمريض: \" روى عن الثوري \". ثم نقضها هو نفسه، فقال: \" وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - حديثًا صحيحًا \".\nوالحديث رواه أيضًا أبو داود: ١٧٩، والترمذي: ٨٦ (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع، به. وفيهما \" عن عروة \" فقط، كما هنا.\nوقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث، وخالفهم آخرون، فأثبتوا صحته \" عن عروة بن الزبير \". وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي ١: ١٣٣ - ١٤٢. وأثبتنا صحته، وترجيح القول بأن \" الملامسة \" في هذه الآية هي الجماع، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا. وانظر السنن الكبرى للبيهقي، ورد ابن التركماني عليه ١: ١٢٣ - ١٢٧، وابن كثير ٢: ٤٦٥ - ٤٦٦.","vol":"8","page":55},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" أي ولم تجدوا الماء بعد طلبه فاقصدوا التراب الطاهر للتيمم به\" (١).\nو«التيمم»، في اللغة هو: \"القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه، أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس (٢):\nوَلَمَّا رَأتْ أنَّ المَنِية ورِدُها ... وأن الحصَى من تحت أقدامها دَامِ\nتيممت العين التي عند ضارج (٣) ... يفيء عليها الفيء عَرْمَضها طام (٤)\nوفي الصعيد أربعة أقاويل:\nأحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس، وهو قول قتادة (٥).\nوالثاني: أنها الأرض المستوية، وهو قول ابن زيد (٦).\nوالثالث: هو التراب، وهو قول عليّ، وابن مسعود، وعمرو بن قيس الملائي (٧)، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما (٨).\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٢) رواية البيتين في ديوانه ص ٤٧٥:\nولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دام\nتيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الطلح عرمضها طام\nوهما في لسان العرب (ضرج، عرمض) ومقاييس اللغة ٣/ ٢٦٢ و٤/ ٤٣٥ وتاج العروس (ضرج).\n(٣) ضارج: اسم موضع في بلاد بنى عبس. والعرمض: الطحلب. وقيل: الخضرة على الماء، والطحلب: الذي يكون كأنه نسخ العنكبوت. وطامي: مرتفع ..\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٤): ص ٨/ ٤٠٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٥): ص ٨/ ٤٠٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٦): ص ٨/ ٤٠٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.","vol":"8","page":56},{"text":"لنا طهورا إذا لم نجد الماء» (١)، وفي لفظ: \"وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء\". قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه (٢).\nوالرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار (٣)، وهذا قول أبي عبيدة (٤)، ومنه قول ذي الرُّمة (٥):\nكَأنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ\nيعني: تضرب به وجه الأرض (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، أربعة أقاويل:\nأحدها: حلالًا، وهو قول سفيان (٧)، واختاره ابن كثير (٨).\nوالثاني: أن الطيب: ما أتت عليه الأمطار وطهرته، و﴿طيبا﴾، أي: طاهرا. وهذا قول سعيد بن بشر (٩)، والطبري (١٠)، والزجاج (١١).\nعن أبي ذر قال: \"قال رسول الله ﷺ: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده، فليمسه بَشرته، فإن ذلك خير له» \" (١٢).\nوالثالث: تراب الحرث، وهو قول ابن عباس (١٣).\nوالرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ، وهو قول ابن جريج (١٤).\nقال ابن كثير: \" استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد تطلبه، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين، من حديث عِمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (١٥) \" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب\" (١٧).\nقال الطبري: \" المسح منه بالوجه، أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسَح بما علق من الغُبار وجهه. فإن كان الذي علق به من الغُبار كثيرًا فنفخ عن يديه أو نفضه، فهو جائز. وإن لم يعلَق بيديه من الغبار شيء وقد ضرب بيديه أو إحداهما\n_________\n(١) صحيح مسلم برقم (٥٢٢).\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٠٨. نسبه الطبري إلى البعض.\n(٤) انظر: تفسير ابن المنذر (١٨٢٤): ص ٢/ ٧٢٨ ولفظه: \"وجه الأرض\".\n(٥) ديوانه: ٥٧١، من قصيدته المحكمة المشهورة. والبيت من أبياته في ذكر ظبية أودعت ولدها الصغير بين أشجار، فإذا ارتفعت شمس الضحى نال منه التعب، فانطرح على الأرض، كأنه سكران أثقله النعاس. وقوله: \"دبابة\": تدب في أوصال شاربها، يعني الخمر ..\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٠٩.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٧٦): ص ٣/ ٩٦٣.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٧٧): ص ٣/ ٩٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٣٠١، و٥/ ٥٥٥، و٧/ ٤٢٤، و٨/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(١١) انظر: معاني القرىن: ٢/ ٥٦.\n(١٢) المسند (٥/ ١٨٠) وسنن أبي داود برقم (٣٣٢) وسنن الترمذي برقم (١٢٤) وسنن النسائي (١/ ١٧١).\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩١، قال ابن كثير: ٢/ ٢٨٠: \" رواه ابن أبي حاتم، ورفعه ابن مردويه في تفسيره\".\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(١٥) صحيح البخاري برقم (٣٤٨) وصحيح مسلم برقم (٦٨٢).\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٨.\n(١٧) صفوة التفاسير: ٣٠٣.","vol":"8","page":57},{"text":"الصعيد، ثم مسح بهما أو بها وجهه، أجزأه ذلك، لإجماع جميع الحجَّة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به، أن ذلك مجزئَه، لم يخالف ذلك من يجوز أن يُعْتَدّ خلافًا، فلما كان ذلك إجماعًا منهم، كان معلومًا أن الذي يراد به من ضَرْب الصعيد باليدين، مباشرةُ الصعيد بهما، بالمعنى الذي أمرً الله بمباشرته بهما، لا لأخْذِ ترابٍ منه\" (١).\nواختلفوا في المسح باليدين على أقوال:\nأحدها: أن حدّ ذلك الكفّان إلى الزَّندين، وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين. وهذا مروي عن عمار (٢)، والشعبي والشعبي في أحد قوليه (٣)، وعكرمة (٤)، ومكحول (٥)، وبه قال مالك في أحد قوليه (٦)، والشافعي في القديم (٧).\nوقالوا: أمر الله في التيمم بمسح الوجه واليدين، فما مسح من وجهه ويديه في التيمم أجزأه، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من أصل أو قياس (٨).\nوقد روي عن عمار بن ياسر: \"أنه سأل رسول الله ﷺ عن التيمم، فقال: «مرة للكفين والوجه»، وفي حديث ابن بشر: أن عمارًا سأل النبيّ ﷺ عن التيمم\" (٩).\nوعن ابن أبزى، قال: \"جاء رجل إلى عمر فقال: إنّي أجنبت فلم أجد الماء! فقال عمر: لا تصل. فقال له عمار: أما تذكر أنّا في مسيرٍ على عهد رسول الله ﷺ، فأجنبت أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعَّكت في التراب وصلَّيت، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك، وضرَب كفّيه الأرض، ونفخ فيهما، ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة؟ \" (١٠).\nوالثاني: ان حدُّ المسح الذي أمر الله به في التيمم، أن يمسح جميع الوجه واليدين إلى المرفقين. وهذا مروي عن ابن عمر (١١)، والحسن (١٢)، وعامر الشعبي (١٣)، وسالم بن عبدالله (١٤)، والشافعي في الجديد (١٥).\nوقالوا: \" لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٤٩): ص ٩/ ٤١١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٠): ص ٩/ ٤١١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٢): ص ٩/ ٤١١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٣): ص ٩/ ٤١١.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٢٠.\n(٨) انظرك تفسير الطبري: ٩/ ٤١٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٩٦٥٦): ص ٩/ ٤١٢.\n(١٠) أخرجه الطبري (٩٦٥٧): ص ٩/ ٤١٣.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٦٥٨) - (٩٦٦١): ص ٨/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٢)، و(٩٦٦٧): ص ٩/ ٤١٥، ٤١٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٣)، و(٩٦٦٣): ص ٩/ ٤١٥.\n(١٤) انظرك تفسير الطبري (٩٦٦٦): ص ٨/ ٤١٦.\n(١٥) انظر: الأم: ١/ ٤٢، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصَّمَّة: \"أن رسول الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه\".\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٩.","vol":"8","page":58},{"text":"وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\" (١).\nواعتلوا من الأثر بما عن أبي جهيم قال: \"رأيت رسول الله ﷺ يبول، فسلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ. فلما فرغ قام إلى حائط فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه إلى الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردَّ عليَّ السلام\" (٢).\nوالثالث: أن الحدّ الذي أمر الله أن يبلغ بالتراب إليه في التيمم: الآباط. وهذا قول الزهري (٣)، (٤)، وحكي نحوه عن أبي بكر (٥).\nوعلة من قال ذلك: أن الله أمر بمسح اليد في التيمم، كما أمر بمسح الوجه. وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه، فكذلك عليه جميع اليد، ومن طرف الكفّ إلى الإبط يدٌ (٦).\nواعتلوا من الخبر بما روي عن أبي اليقظان قال: \"كنا مع رسول الله ﷺ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الصبح، فتغيَّظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه الرخصة، المسح بالصعيد. فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة! نزل فيك رخصة! فضربنا بأيدينا: ضربة لوجوهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط\" (٧).\nوالراجح-والله أعلم- \"أن الحدّ الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصِّر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزّندين، لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز. ثم هو فيما جاوز ذلك مخيّر، إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرًا فيما جاوز الكفين: أن الله لم يحدَّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدًّا لا يجوز التقصير عنه. فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أُجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه. وقد أجمع الجميعُ على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه. وإذا كان مختلفًا فيه، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجًا مما لزمه من فرض ذلك\" (٨).\nواختلف أهل العلم في الجنب، هل هو ممن دخل في رخصة التيمم إذا لم يجد الماء أم لا؟، وفيه قولان (٩):\nأحدهما: أنه يجوز، وأن حكم الجنب فيما لزمه من التيمم إذا لم يجد الماء، حكم من جاء من الغائط وسائر من أحدَث ممن جُعل التيمم له طهورًا لصلاته. وهو قول الجمهور (١٠).\nوذلك أن للجنب التيمم إذا لم يجد الماء في سفره، بإجماع الحجة على ذلك نقلا عن نبيها ﷺ، الذي يقطع العذر ويزيل الشك.\nوقائلوا هذا المقال: تاوّلوا ﴿أو لامستم النساء﴾، أو جامعتموهن (١١)، وممن تأول الملامسة بالجماع: الإمام عليّ﵁- (١٢)، وابن عباس (١٣)، والحسن (١٤) وقتادة (١٥)، ومجاهد (١٦).\n_________\n(١) سنن الدارقطني (١/ ١٨٠). قال ابن كثير: ٢/ ٣١٩: \" لا يصح؛ لأن في أسانيده ضعفاء لا يثبت الحديث بهم\".\n(٢) أخرجه الطبري (٩٦٦٨): ص ٩/ ٤١٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٩): ص ٩/ ٤١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٦٩): ص ٨/ ٤١٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧٠): ص ٨/ ٤١٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤١٨.\n(٧) أخرجه الطبري (٩٦٧٠): ٩/ ٤١٨.\n(٨) تفسير الطبري: ٩/ ٤١٩ - ٤١٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٤٢٠، والنكت والعيون: ١/ ٤٩٢.\n(١١) انظرك تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٠.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٢): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٨١) - (٩٦٠١): ص ٨/ ٣٨٩ - ٣٩٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٣)، و(٩٦٠٥): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٥): ص ٨/ ٣٩٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٤): ص ٨/ ٣٩٢.","vol":"8","page":59},{"text":"والثاني: أنه لايجوز، ولا يجزئ الجنب غيرُ الاغتسال بالماء، وليس له أن يصلي بالتيمم، والتيمم لا يطهره. وهذا مروي عن عمر بن الخطاب﵁- (١).وعبدالله بن مسعود (٢)، وإبراهيم النخعي (٣).\nوعلى هذا القول: إنما جعل التيمم رخصة لغير الجنب. وتأولوا قول الله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، قالوا: وقد نهى الله الجنب أن يقرب مصَلَّى المسلمين إلا مجتازًا فيه حتى يغتسل، ولم يرخِّص له بالتيمم.\nقالوا: وتأويل قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾، أو لامستموهن باليد، دون الفرج، ودون الجماع، وومن تأول الملامسة في الآية بالملامسة باليد: ابن مسعود (٤)، وابن عمر (٥)، وعبيدة (٦)، والنخعي (٧)، والشعبي (٨)، وعطاء (٩)، وابن سيرين (١٠)، والحكم (١١)، وحماد (١٢)، وبه قال الشافعي (١٣).\nوالراجح-والله أعلم- هو قول الجمهور، بأن الجنب ممن أمره الله بالتيمم للصلاة إذا لم يجد الماء، لأن الملامسة، في هذا الموضع: لمس الجماع (١٤)، لا جميع معاني اللمس (١٥)، كما سبق بيان ذلك.\nأخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: \"كان النبي ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ\" (١٦).\nوفي رواية أخرى: \" أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧٢): ص ٩/ ٤٢٢ - ٤٢٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧١): ص ٩/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٦٧٣): ٩/ ٤٢٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٦٠٦) - (٩٦١٣): ص ٨/ ٣٩٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٧): ص ٨/ ٣٩٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٣)، و(٩٦١٦): ص ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٩): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٦١٨): ص ٨/ ٣٩٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢١): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٦): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٠): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (٩٦٢٠): ص ٨/ ٣٩٥.\n(١٣) انظر: تفسير الغمام الشافعي: ٢/ ٧٠٨. قال الشافعي: \" فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط، بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة، أن تكون: اللمس باليد، والقُبْلة غير الجنابة\".\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٢٢.\n(١٦) تفسير الطبري (٩٦٢٩): ص ٨/ ٣٩٦.\n(١٧) تفسير الطبري (٩٦٣٠): ص ٨/ ٣٩٦.\nقال السيد أحمد محمد شاكر مححقق تفسير الطبري: \" الحديثان: ٩٦٣٩ - ٩٦٣٠ - عروة، في هذين الإسنادين: هو عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة، على اليقين، خلافًا لمن زعم أنه \" عروة المزني \"، من اجل كلمة قالها الثوري: \" ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني \"! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير، فقد حدث غيره عنه.\nوالحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٢١٠ (حلبي)، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة \" عن عروة بن الزبير \". وكذلك جاء التصريح بأنه \" عروة بن الزبير \"، في رواية ابن ماجه: ٥٠٢، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.\nوكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه، عقب الحديث: ١٨٠، بصيغة التمريض: \" روى عن الثوري \". ثم نقضها هو نفسه، فقال: \" وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - حديثًا صحيحًا \".\nوالحديث رواه أيضًا أبو داود: ١٧٩، والترمذي: ٨٦ (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع، به. وفيهما \" عن عروة \" فقط، كما هنا.\nوقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث، وخالفهم آخرون، فأثبتوا صحته \" عن عروة بن الزبير \". وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي ١: ١٣٣ - ١٤٢. وأثبتنا صحته، وترجيح القول بأن \" الملامسة \" في هذه الآية هي الجماع، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا. وانظر السنن الكبرى للبيهقي، ورد ابن التركماني عليه ١: ١٢٣ - ١٢٧، وابن كثير ٢: ٤٦٥ - ٤٦٦.","vol":"8","page":60},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم\" (١).\nقال مجاهد: \": ﴿من حرج﴾، من ضيق\" (٢). وروي عن عكرمة مثل ذلك (٣).\nقال القرطبي: \" أي: من ضيق في الدين، دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] \" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ما يريد الله بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى صلاتكم، والغُسل من جنابتكم والتيمم صعيدا طيبا عند عدمكم الماء ليجعل عليكم من حرج ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا ليعنتكم فيه\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: فلهذا سهل عليكم ويسَّر ولم يعسِّر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع الله يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" بل يريد ليطهركم من الذنوب وأدناس الخطايا بالوضوء والتيمم\" (٧).\nقال القرطبي: \" أي: من الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هريرة (٨)، والصنابحي (٩). وقيل: من الحدث والجنابة. وقيل: لتستحقوا الوصف بالطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" ولكن الله يريد أن يطهِّركم بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث والغسلِ من الجنابة، والتيمم عند عدم الماء، فتنظفوا وتطهّروا بذلك أجسامكم من الذنوب\" (١١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٥٤١): ص ١٠/ ٨٥.\n(٣) انظرك تفسير الطبري (١١٥٤٠): ص ١٠/ ٨٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٠٨.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٤ - ٨٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٥٤٨): ص ١٠/ ٨٩. وسوف يأتي.\n(٩) عن عبد الله الصنابحي، أن رسول الله ﷺ، قال: \"إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له\". الحديث أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٧٤): ص ١/ ٣٣.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ١٠٨.\n(١١) تفسير الطبري ١٠/ ٨٥.","vol":"8","page":61},{"text":"عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة: \"أنّ رسول الله ﷺ قال: إن الوضوء يكفّر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة. قال قلت: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، غيرَ مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس\" (١).\nوفي رواية أخرى عن أبي إمامة قال، \"قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه» \" (٢).\nوعن كعب بن مرة قال، \"قال رسول الله ﷺ: «ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو: ذراعيه إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» \" (٣).\nوعن عمرو بن عبسة: أنه قال: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا غسل المؤمن كفّيه انتثرت الخطايا من كفَّيه، وإذا تمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه ومنخريه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه، فإذا مسح رأسه وأذنيه خرجت من رأسه وأذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت حتى تخرج من أظفار قدميه، فإذا انتهى إلى ذلك من وضوئه كان ذلك حظّه منه، فإذ قام فصلى ركعتين مقبلا فيهما بوجهه وقلبه على ربه، كان من خطاياه كيوم ولدته أمّه» \" (٤).\nوعن أبي هريرة: \"أن رسول الله ﷺ، قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، أو نحو هذا. وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشت بها يداه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» \" (٥).\nو، عن حمران مولى عثمان قال: \"أتيت عثمان بن عفان بوضوء وهو قاعد، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ كوضوئي هذا. ثم قال: من توضأ وضوئي هذا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكانت خُطاه إلى المساجد نافلة\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" وليتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإِسلام\" (٧).\nقال الطبري: أي: يريد\" أن يتم نعمته عليكم بإباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورا، رخصة منه لكم في ذلك مع سائر نِعَمه التي أنعم بها عليكم، أيها المؤمنون\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر. وقيل: بتبيان الشرائع. وقيل: بغفران الذنوب، وفي الخبر «تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من النار» (٩) \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، أي: \" لتشكروه على نعمه\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٥٤٣): ص ١٠/ ٨٥ - ٨٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٥٤٥): ص ١٠/ ٨٦.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٥٤٦): ص ١٠/ ٨٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٥٤٧): ص ١٠/ ٨٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٥٤٨): ص ١٠/ ٨٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٥٤٩): ص ١٠/ ٨٩ - ٩٠.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٠.\n(٩) أخرج الترمذي عن معاذ بن جبل قال: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يدعو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال: \"أي شيء تمام النعمة؟ \" قال: دعوة دعوت بها أرجو بها الخير. قال: \"فإن من تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار\" الحديث.\nأخرجه الترمذي (٣٥٢٧) كتاب الدعوات، باب (٩٩): ٥/ ٥٤١، وقال: هذا حديث حسن. وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٦٨.\nوعن على ﵁: «تمام النعمة الموت على الإسلام». [انظر: الكشاف: ١/ ٢٠٦].\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ١٠٨.\n(١١) صفوة التفاسير: ٣٠٣.","vol":"8","page":62},{"text":"قال القرطبي: \" أي: لتشكروا نعمته فتقبلوا على طاعته\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: لكي تشكروا الله على نعمه التي أنعمها عليكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: لعلكم تشكرون نعمَه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة\" (٣).\nوقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء، بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة (٤)، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، عن عقبة بن عامر قال: \"كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نَوْبَتي فَرَوَّحتها بعَشِيّ، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: \"ما من مسلم يتوضأ فيحسن وُضُوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقْبلا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة\". قال: قلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها. فنظرت فإذا عمر، ﵁، فقال: إني قد رأيتك جئت آنفا قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو: فيسبغ - الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء\" (٥).\nعن أبي مالك الأشعري؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"الطَّهور شَطْر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة بُرهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك، كل الناس يَغْدُو، فبائع نفسه فَمعتِقهَا، أو مُوبِقُهَا\" (٦).\nعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يقبل الله صدقة من غُلُول، ولا صلاة بغير طهور\" (٧).\nالفوائد:\n١ - الأمر بالطهارة وبيان كيفية الوضوء وكيفية الغسل، وكيفية التيمم.\n٢ - بيان الأعذار الناقلة للمؤمن من الوضوء إلى التيمم.\n٣ - بيان موجبات الوضوء والغسل.\n٤ - الشكر هو علة الإنعام.\n٥ - أن هذه الآية الكريمة اشتملت على جملة من الاحكام (٨):\nأحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ إلى آخرها. أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.\nالثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾.\nالثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي: بقصدها ونيتها.\nالرابع: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.\nالخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٠٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٠.\n(٥) المسند (٤/ ١٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٣٤) وسنن أبي داود برقم (١٦٩) وسنن النسائي (١/ ٩٥).\n(٦) صحيح مسلم برقم (٢٢٣).\n(٧) صحيح مسلم برقم (٢٢٤).\n(٨) انظر: تفسير السعدي: ٢٢٢.","vol":"8","page":63},{"text":"السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر.\nالسابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا.\nويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه. لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.\nالثامن: الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و\"إلى\" كما قال جمهور المفسرين بمعنى \"مع\" كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق.\nالتاسع: الأمر بمسح الرأس.\nالعاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس.\nالحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.\nالثاني عشر: أن الواجب المسح. فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به.\nالثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.\nالرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.\nالخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة الجر في ﴿وأرجلكم﴾.\nوتكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.\nالسادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة.\nولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب.\nالسابع عشر: أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية.\nوأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.\nالثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، لتوجد صورة المأمور به.\nالتاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة.\nالعشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء.\nالحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.\nالثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.\nالثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل.\nالرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة.\nالخامس والعشرون: ذكر منة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم.\nالسادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، فيجوز له التيمم.","vol":"8","page":64},{"text":"السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر.\nالثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء.\nالتاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.\nالثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾.\nالحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.\nالثاني والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.\nالثالث والثلاثون: أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.\nالرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال \"لم يجد\" لمن لم يطلب.\nالخامس والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.\nالسادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾.\nالسابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله: ﴿فتيمموا﴾ أي: اقصدوا.\nالثامن والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره. فيكون على هذا، قوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى.\nالتاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثا.\nالأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية الأعضاء.\nالحادي والأربعون: أن قوله: ﴿بوجوهكم﴾ شامل لجميع الوجه وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور، ولو خفيفة.\nالثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك.\nفلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.\nالثالث والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء].\nالرابع والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.\nالخامس والأربعون: أنه لو نوى من عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية وإطلاقها.\nالسادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال ﴿فامسحوا﴾ ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.\nالسابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.\nالثامن والأربعون: أن الله تعالى -فيما شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم.\nوهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح.","vol":"8","page":65},{"text":"الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.\nالحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحكم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.\n\nالقرآن\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧]\nالتفسير:\nواذكروا نعمة الله عليكم فيما شَرَعه لكم، واذكروا عهده الذي أخذه تعالى عليكم من الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ، والسمع والطاعة لهما، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه. إن الله عليمٌ بما تُسِرُّونه في نفوسكم.\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٧]، أي: \" واذكروا نعمة الله عليكم فيما شَرَعه لكم\" (١).\nقال مجاهد: \"، النعم: آلاءُ الله\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: بالإسلام\" (٣).\nقال الزمخشري: \" وهي نعمة الإسلام\" (٤).\nقال أبو علي: \" أي: تلقّوها بالشكر\" (٥).\nقال ابن الجوزي: \" يعني النعم كلها. وفي هذا حث على الشكر\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: ٧]، أي: \" واذكروا عهده الذي أخذه تعالى عليكم من الإيمان بالله ورسوله محمد -ﷺ-\" (٧).\nقال الزمخشري: \" أى: عاقدكم به عقدا وثيقا هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره، وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان\" (٨).\nقال مقاتل: \"يوم أخذ ميثاقكم على المعرفة بالله﷿- والربوبية\" (٩).\nقال ابن أبي زمنين: \" وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \"واذكروا عهده الذي أخذه عليكم، وليس المراد بذلك أنهم لفظوا ونطقوا بالعهد والميثاق، وإنما المراد بذلك أنهم بإيمانهم بالله ورسوله قد التزموا طاعتهما\" (١١).\nواختلف أهل التأويل في الميثاق الذي ذكر الله في هذه الآية على أقوال:\nأحدها: أنه ميثاقَ الله الذي واثقَ به المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ، حين بايعوا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعة له فيما أحبّو وكرهوا، والعمل بكل ما أمرهم الله به ورسوله. وهذا قول ابن عباس (١٢)، والسدي (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٥٥٠)، و(١١٥٥١): ١٠/ ٩١.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦١٢.\n(٥) الحجة للقرا السبعة: ٣/ ٤٣٢.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦١٢.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٦.\n(١٠) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ١٣.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٥٥٢): ص ١٠/ ٩٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٥٥٣): ص ١٠/ ٩٢.","vol":"8","page":66},{"text":"والثاني: أن المراد: ميثاقه الذي أخذ على عباده حين أخرجهم من صُلب آدم ﷺ، وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى شهدنا. رواه أبو صالح عن ابن عباس (١)، وبه قال مجاهد (٢)، وابن زيد (٣).\nوالثالث: أنه الميثاق الذي أخذ من الصحابة على السمع والطاعة في بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، ذكره بعض المفسرين (٤).\nوالرابع: أنه إقرار كل مؤمن بما آمن به. ذكره ابن الجوزي (٥).\nوالراجح –والله أعلم- هو قول ابن عباس، وأن معناه: \"واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم للإسلام وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا ﷺ على السمع والطاعة له في المنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر، وذلك لأن الله جل ثناؤه ذكرَ بعقب تذكرة المؤمنين ميثاقَه الذي واثقهم به، ميثاقَه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه على نبيه موسى ﷺ فيما أمرهم به ونهاهم فيها، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، الآيات بعدها [سور المائدة: ١٢] مُنبِّهًا بذلك أصحاب رسول الله -ﷺ- محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه ومعرِّفَهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله زاجرًا لهم عن نكث عهودهم، فيُحلّ بهم ما أحلَّ بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم\" (٦).\nوقال الراغب: \" الميثاق: العهد المستوثق منه وميثاق الله تعالى: المأخوذ من عباده على أضرب:\nالأول: ما أخذه عليهم بالفطرة: وهو ما ركزه فيهم من المعارف.\nالثاني: ما أخذه عليهم بما أفادهم من العلوم المكتسبة.\nالثالث: ما أخذه عليهم ببعثة الأنبياء وإلزامهم بالشرائع.\nالرابع: ما يلزم بعضهم عن بعض بما يجب عليهم\nالوفاء به، وقد حمل الآية على كل ذلك\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]، أي: \" إذ قلتم: سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق وأطعناك فيما أمرتنا به ونهيتنا عنه \" (٨).\nقال الزمخشري: \" فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا\" (٩).\nقال الصابوني: أي: \"حين بايعتموه على السمع والطاعة\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" وأنعم عليكم أيضا بتوفيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له: سمعنا وأطعنا، يقول: ففُوا لله، أيها المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التي أنعم عليكم في ذلك بإقراركم على أنفسكم بالسمع له والطاعة فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمن لكم الوفاءَ به\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٥٥٤)، و(١١٥٥٥): ص ١٠/ ٩٢ - ٩٣.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦١٢، وزاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٣ - ٩٤.\n(٧) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٩٠.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٣.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦١٢.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٣٠٣.","vol":"8","page":67},{"text":"إذا أنتم وفيتم له بميثاقه، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته وإنعامكم بالخلود في دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وأليم عذابه\" (١).\nقال السعدي: \" أي: سمعنا ما دعوتنا به من آياتك القرآنية والكونية، سمع فهم وإذعان وانقياد. وأطعنا ما أمرتنا به بالامتثال، وما نهيتنا عنه بالاجتناب. وهذا شامل لجميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، وأن المؤمنين يذكرون في ذلك عهد الله وميثاقه عليهم، وتكون منهم على بال، ويحرصون على أداء ما أمروا به كاملا غير ناقص\" (٢).\nقال أبوبكر الجزائري: \" وأما قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، قد قالها الصحابة بلسان الحال عندما بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقد قالها كل مسلم بلسان الحال لما شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة\" (٣).\nقال مقاتل: \" ذلك أن الله﷿- أخذ الميثاق الأول على العباد حين خلقهم من صلب آدم﵇- فذلك قوله﷿-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٤)، على أنفسنا فمن بلغ منهم العمل وأقر لله﷿- بالإيمان به وبآياته وكتبه ورسله والكتاب والملائكة والجنة والنار والحلال والحرام والأمر والنهي أن يعمل بما أمر وينتهي عما نهى. فإذا أوفى الله تعالى بهذا، أوفى الله له بالجنة، فهذان ميثاقان: ميثاق بالإيمان بالله وميثاق بالعمل. فذلك قوله- سبحانه-: في البقرة: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ (٥)، سمعنا بالقرآن الذي جاء من عند الله وأطعنا الله﷿- فيه، وذلك قوله- سبحانه- في التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٦)، يقول: اسمعوا القرآن الذي جاء به محمدﷺ- من عند الله﷿- وأطيعوا الله فيما أمركم فمن بلغ الحلم والعمل ولم يؤمن بالله﷿- ولا بالرسول والكتاب فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بالله﷿- وبما أخذ الله- تعالى- عليه حين خلقه وصار من الكافرين.\nومن أخذ الله﷿- عليه الميثاق الأول ولم يبلغ الحلم فإن الله﷿- أعلم به.\nقال: وسئل عبد الله بن عباس عن أطفال المشركين فقال: لقد أخذ الله﷿- الميثاق الأول عليهم فلم يدركوا أجلا ولم يأخذوا رزقا ولم يعملوا سيئة ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (٧) وماتوا على الميثاق الأول فالله أعلم بهم\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧]، أي: \" واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه\" (٩).\nقال السعدي: أي: \"في جميع أحوالكم\" (١٠).\nقال ابن عثيمين: \" أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (١١).\nقال مقاتل: \" وَلا تنقضوا ذَلِكَ الميثاق\" (١٢).\nقال ابوبكر الجزائري: \" أمر بالتقوى التي هي لزوم الشريعة والقيام بها عقيدة وعبادة وقضاء وأدبا\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٣.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(٣) أيسر التفاسير: ١/ ٦٠١.\n(٤) [سورة الأعراف: ١٧٢].\n(٥) [سورة البقرة: ٢٨٥].\n(٦) [سورة التغابن: ١٦].\n(٧) [سورة الإسراء: ١٥].\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(١٣) أيسر التفاسير: ١/ ٦٠١.","vol":"8","page":68},{"text":"قال الطبري: أي: \"واتقوا الله، أيها المؤمنون، فخافوه أن تبدِّلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم: سمعنا وأطعنا، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم، وهذا وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين كانوا برسوله ﷺ من أصحابه وتهدُّدًا لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسول وعهدهم الذي عاهدوه فيه بأن يضمروا له خِلاف ما أبدوا له بألسنتهم \" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]، أي: \" إن الله عليمٌ بما تُسِرُّونه في نفوسكم\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: بما فِي قلوبهم من الْإِيمَان والشك\" (٣).\nقال الطبري: اي: \" فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيُحّل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حلَّ بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النّقم، وتصيروا في معادِكم إلى سخط الله وأليم عقابه\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: بما تنطوي عليه من الأفكار والأسرار والخواطر. فاحذروا أن يطلع من قلوبكم على أمر لا يرضاه، أو يصدر منكم ما يكرهه، واعمروا قلوبكم بمعرفته ومحبته والنصح لعباده. فإنكم -إن كنتم كذلك- غفر لكم السيئات، وضاعف لكم الحسنات، لعلمه بصلاح قلوبكم\" (٥).\nقال ابو بكر الجزائري: \" يذكرهم بعلم الله تعالى بخفايا أمورهم حتى يراقبوه ويخشوه في السر والعلن، وهذا من باب تربية الله تعالى لعباده المؤمنين لإكمالهم وإسعادهم فله الحمد وله المنة\" (٦).\nالفوائد:\n١ - ذكر العهود يساعد على التزامها والمحافظة عليها.\n٢ - أن الله تعالى أمر عباده بذكر نعمه الدينية والدنيوية، بقلوبهم وألسنتهم، فإن في استدامة ذكرها داعيا لشكر الله تعالى ومحبته، وامتلاء القلب من إحسانه. وفيه زوال للعجب من النفس بالنعم الدينية، وزيادة لفضل الله وإحسانه (٧).\n٣ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.\n٤ - ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٨).\nقال الخطابي: \" العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] \" (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٤.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(٦) أيسر التفاسير: ١/ ٦٠١.\n(٧) انظر: تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(٨) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٩) شأن الدعاء: ٥٧.","vol":"8","page":69},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد ﷺ كونوا قوَّامين بالحق، ابتغاء وجه الله، شُهداء بالعدل، ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا، اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله، واحذروا أن تجوروا. إن الله خبير بما تعملون، وسيجازيكم به.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها نزلت من أجل كفار قريش أيضا، وقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢]، روى نحو هذا أبو صالح، عن ابن عباس (١)، وبه قال مقاتل (٢).\nوالثاني: أنها \"نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام\". وهذا قول الحسن (٣) (٤).\nقال الجصاص: \" قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في هذه السورة في قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ [المائدة: ٢]، فحمله الحسن على معنى الآية الأولى، والأولى أن تكون نزلت في غيرهم وأن لا تكون تكرارا\" (٥).\nوالثالث: أن النبي ﷺ ذهب إلى يهود بني النضير يستعينهم في دية، فهموا بقتله، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد (٦)، وقتادة (٧)، وعبدالله بن كثير (٨).\nأخرج الطبري عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: \" ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، نزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبيّ -ﷺ-، وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله ﷺ إلى يهود يستعينهم في دية، فهمُّوا أن يقتلوه، فذلك قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ...﴾، الآية\" (٩). [ضيف جدًا]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨]، أي: \" يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد -ﷺ-\" (١٠).\nأي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهة وصدَّقوا رسوله محمدًا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٢) انظر: تفسير مقالت بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٩٦.\n(٤) وفي زاد المسير ١/ ٥٢٤: \" أن قريشا بعثت رجلا ليقتل رسول الله ﷺ، فأطلع الله نبيه على ذلك، ونزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول الحسن\".\n(٥) أحكام القرآن: ٢/ ٤٩٦.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٩، وزاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ١٩، وزاد المسير: ١/ ٥٢٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٥٥٦): ص ١٠/ ٩٦.\n(٩) وأخرجه الطبري (١١٥٥٦): ص ١٠/ ٩٦.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١١) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(١٢) جامع البيان: ٩/ ٤٤٧.","vol":"8","page":70},{"text":"قال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٣).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٤).\nقال خيثمة: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: ٨]، أي: \"كونوا مبالغين في الإِستقامة بشهادتكم لله\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: قوّالين بالعدل\" (٧).\nقال السمعاني: \" أي: كونوا قوامين بالعدل\" (٨).\nقال الجصاص: \" معناه: كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر واجتنابه، فهذا هو القيام لله بالحق\" (٩).\nقال الراغب: \" أي خلفاءه شهداء بالعدالة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥] \" (١٠).\nقال المراغي: \" أي: ليكن من دأبكم وعادتكم القيام بالحق فى أنفسكم بالإخلاص لله فى كل ما تعملونه من أمر دينكم وأمر دنياكم، بأن تريدوا بعملكم الخير والتزام الحق بدون اعتداء على أحد، وفى غيركم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ابتغاء مرضاة الله\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، أي: \" شُهداء بالعدل\" (١٢).\nقال السمعاني: \" أي: قوالين، للصدق\" (١٣).\nقال المراغي: \" الشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم ليحكم به، أو إظهاره هو له بالحكم به أو الإقرار به لصاحبه، وفى كل حال تكون بالعدل بلا محاباة لمشهود له ولا لمشهود عليه، لأجل قرابة أو مال أو جاه، ولا تركه لفقر أو مسكنة.\nفالعدل هو ميزان الحقوق، إذ متى وقع الجور فى أمة لأى سبب زالت الثقة من الناس وانتشرت المفاسد، وتقطعت روابط المجتمع، فلا يلبث أن يسلط الله عليهم بعض عباده الذين هم أقرب منهم إلى العدل فيذيقوهم الوبال والنكال، وتلك سنة الله فى حاضر الأمم وغابرها، ولكن الناس لا يعتبرون\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(٨) تفسير السمعاني: ٢/ ١٩.\n(٩) أحكام القرآن: ٢/ ٤٩٦.\n(١٠) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٢٩٢.\n(١١) تفسير المراغي: ٦/ ٦٨.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١٣) تفسير السمعاني: ٢/ ١٩.\n(١٤) تفسير المراغي: ٦/ ٦٨.","vol":"8","page":71},{"text":"وفى هذه الشهادة ثلاثة أربعة أقوال:\nأحدها: أنها الشهادة بحقوق الناس، وهذا قول الحسن (١).\nوالثاني: الشهادة بما يكون من معاصي العباد، وهذا قول بعض البصريين (٢). وهو كقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] فكان معناه: أن كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأن مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة (٣).\nالثالث: الشهادة لأمر الله تعالى بأنه حق (٤).\nوالرابع: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه. وهذا قول الزجاج (٥).\nقال الجصاص: \" وجائز أن تكون هذه المعاني كلها (٦) مرادة لاحتمال اللفظ لها\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، أي: \" ولا يحملنكم شدة بغضكم للأعداء على ترك العدل فيهم والاعتداء عليهم\" (٨).\nقال مقاتل: \" يَقُولُ: لا تحملنكم عداوة المشركين، يعني: كفار مكة، ﴿عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ عَلَى حُجّاج رَبِيعَة وتستحلوا منهم محرما\" (٩).\nقال الزمخشري: \" المعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق\" (١١).\nوقرئ: «شنآن»، بالسكون (١٢).\nقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أي: \" اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله\" (١٣).\nقال مقاتل: \"فاعدلوا فَإِن العدل أقرب للتقوى، يعني: لخوف اللَّه﷿-\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" اعدلوا أيها المؤمنون، على كل أحد من الناس وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه، والعدلُ عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، وإنما وصف جل ثناؤه العَدْل بما وصفه به من أنه أقرب للتقوى من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعا، كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا، كان بعيدًا من تقواه\" (١٥).\nقال المراغي: \"هذه الجملة توكيد للجملة السالفة للعناية بأمر العدل وأنه فريضة لا هوادة فيها، لأنه أقرب لتقوى الله والبعد عن سخطه. وتركه من أكبر المعاصي، لما ينشأ عنه من المفاسد التي تقوض نظم المجتمعات، وتقطع الروابط بين الأفراد، وتجعل بأسهم بينهم شديدا\" (١٦).\nقال السعدي: \" أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى\" (١٧).\nقال الزمخشري: \" نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله: ﴿هو أقرب للتقوى﴾، أى: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفا فيها. وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ \" (١٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٨]، أي: \" واخشوا الله بما أمركم به\" (١٩).\nقال الماتريدي: أي: واتقوا الله \"في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه\" (٢٠).\nقال المراغي: \" أي: واتقوا سخطه وعقابه\" (٢١).\nقال الطبري: أي: \" واحذروا أيها المؤمنون، أن تجوروا في عباده فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءَه الذين بيّن لكم، فيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله\" (٢٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]، أي: \" إن الله مطلع على أعمالكم، وسيجازيكم به\" (٢٣).\nقال السمرقندي: أي: \"من الطاعة وغيره\" (٢٤).\nقال مقاتل: \" يعظهم ويحذرهم\" (٢٥).\nقال الثعلبي: أي: \" عالم بما تعملون مجازيكم به\" (٢٦).\nقال ابن كثير: \" أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر\" (٢٧).\nقال الطبري: أي: \" إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، من عمل به أو خلافٍ له، مُحْصٍ ذلكم عليكم كلّه، حتى يجازيكم به جزاءَكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوا أن تسيئوا\" (٢٨).\nقال المراغي: لأن الله \"لا يخفى عليه شىء من أعمالكم ظاهرها وباطنها، واحذروا أن يجازيكم بالعدل على ترككم للعدل، وقد مضت سنته فى خلقه بأن يجعل جزاء ترك العدل فى الدنيا الذلة والمهانة للأمم والأفراد، وفى الآخرة الخزي يوم الحساب\" (٢٩).\nالفوائد:\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٩٦، والنكت والعيون: ٢/ ١٩.\n(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٩٦، والنكت والعيون: ٢/ ١٩.\n(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٩٦.\n(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٩٦، والنكت والعيون: ٢/ ١٩.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٥٦.\n(٦) يقصد الاقوال الثلاثة الأولى ..\n(٧) أحكام القرآن: ٢/ ٤٩٦.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٠٣.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦١٢.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(١٢) انظر: الكشاف: ١/ ٦١٢.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٦ - ٩٧. [بتصرف]\n(١٦) تفسير المراغي: ٦/ ٦٩.\n(١٧) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(١٨) الكشاف: ١/ ٦١٢ - ٦١٣.\n(١٩) بحر العلوم: ١/ ٣٧٣.\n(٢٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٧٦.\n(٢١) تفسير المراغي: ٦/ ٦٩.\n(٢٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٧.\n(٢٣) انظر: صفوة التفاسير: ٣٠٣، والتفسير الميسر: ١٠٨.\n(٢٤) بحر العلوم: ١/ ٣٧٣.\n(٢٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٧.\n(٢٦) تفسير الثعلبي: ٤/ ٣٤.\n(٢٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٢.\n(٢٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٧.\n(٢٩) تفسير المراغي: ٦/ ٦٩.","vol":"8","page":72},{"text":"١ - وجوب القيام بحق الله تعالى على العبد، وهو ذكره وشكره بطاعته.\n٢ - وجوب العدل في الحكم والقول والشهادة والفعل ومع الولي والعدو سواء.\n٣ - تأكيد الأمر بتقوى الله ﷿.\n\nالقرآن\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [المائدة: ٩]\nالتفسير:\nوعد الله الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثيبهم على ذلك الجنة، والله لا يخلف وعده.\nسبب النزول:\nقال السمرقندي: \" يقال: إن أهل مكة قالوا بعد ما أسلموا: ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك! . فقالوا: ﴿وعد الله الذين آمنوا﴾ بالله وبمحمد -ﷺ-، ﴿وعملوا الصالحات﴾، بعد الإسلام، ﴿لهم مغفرة﴾، لما فعلوا في حال الشرك، ﴿وأجر عظيم﴾، في الآخرة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩]، أي: \" وعد الله الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات\" (٢).\nقال مقاتل: \" ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾، يعني: وأدوا الفرائض\" (٣).\nقال السمرقندي: \" ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾، يعني: الطاعات\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: \" أن يغفر لهم ذنوبهم\" (٥).\nقال الزجاج: \"أي: تغطية على ذنوبهم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، أي: لذنوبهم \" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم ﴿مغفرة﴾، وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها\" (٨).\nقال الثعلبي: \" تقديرها: وقال لهم مغفرة، لأن الوعد قول، فلذلك جمع الكلام\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: \" وأن يثيبهم على ذلك الجنة\" (١٠).\nقال مقاتل: \"يعني: جزاء حسنا وَهُوَ الجنة\" (١١).\nقال الزجاج: أي: \" جزاء على إيمانهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة \" (١٣).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٣٧٣.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٨.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٧٣.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٥٦.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٢ - ٦٣.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٨.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٤/ ٣٤.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٨.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٥٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٢ - ٦٣.","vol":"8","page":73},{"text":"قال الطبري: \"يقول: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم، جزاءً على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها، ﴿أجر عظيم﴾، و«العظيم» من خيره غير محدود مبلغه، ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره\" (١).\nقال الزمخشري: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، \" بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدم لهم وعدا فقيل: أى شيء وعده لهم؟ فقيل: لهم مغفرة وأجر عظيم، وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهون عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب\" (٢).\nعلّق أبو حيان على كلام الزمخشري قائلا: \" هي تقادير محتملة، والأول أوجهها\" (٣).\nقال القرطبي: في معنى قوله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:، \"أي: لا تعرف كنهه أفهام الخلق، كما قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وإذا قال الله تعالى: ﴿أجر عظيم﴾، و﴿أجر كريم﴾ [يس: ١١]، و﴿أجر كبير﴾ [هود: ١١]، فمن ذا الذي يقدر قدره؟ \" (٤).\nوذكر ابن الجوزي في تفسير هذه الآية قولين (٥):\nأحدهما: أن المعنى: وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم، فاكتفى بما ذكر عن هذا المعنى.\nوالثاني: أن المعنى: وعدهم فقال: لهم مغفرة.\nالفوائد:\n١ - الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد.\n٢ - قال ابن عطية: \" هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم وبالجنة فهي الأجر العظيم\" (٦).\n\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ١٠]\nالتفسير:\nوالذين جحدوا وحدانية الله الدالة على الحق المبين، وكذَّبوا بأدلته التي جاءت بها الرسل، هم أهل النار الملازمون لها.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ١٠]، أي: \" والذين جحدوا وحدانية الله الدالة على الحق المبين\" (٧).\nقال المراغي: \" الكفر هنا هو الكفر بالله ورسله، لا فارق فى ذلك بين كفر بالجميع وكفر بالبعض\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [المائدة: ١٠]، أي: \" وكذَّبوا بأدلته التي جاءت بها الرسل\" (٩).\nقال السعدي: الآيات \" الدالة على الحق المبين، فكذبوا بها بعد ما أبانت الحقائق\" (١٠).\nقال المراغي: \" وآيات الله قسمان:\n- آياته المنزلة على رسله.\n- وآياتها التي أقامها فى الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته وإرادته، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠]، أي: \" أهل النار الملازمون لها\" (١٢).\nقال النسفي: \" أى: لا يفارقونها\" (١٣).\nقال السعدي: أي: \" الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" وهذا من عدله تعالى، وحكمته وحُكْمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحَكَمُ العدل الحكيم القدير\" (١٥).\nقال المراغي: \" الجحيم النار العظيمة كما قال تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] \" (١٦).\nقال الشيخ ابن عثيمين: والجحيم هي النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمة مرءاها\" (١٧).\nقال الشربيني: ﴿الجحيم﴾ \" أي: النار التي اشتدّ توقدها فاشتدّ احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله ﷾ إنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم\" (١٨).\nقال الزجاج: \" الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار إذا شدد وقودها، -\nويقال لعين الأسد جحمة لشدة توقدها، ويقال لوقود الحرب، وهو شدة القتال فيها: جاحم.\nقال الشاعر (١٩):\nوالخيل لا يبقى لجاحمها ... التخيل والمراح\nإلا الفتى الصبار في ... النجدات والفرس الوقاح\" (٢٠).\nقال أبو حيان: \" في «المؤمنين» (٢١) جاءت الجملة فعلية متضمنة الوعد بالماضي الذي هو دليل على الوقوع، فأنفسهم متشوقة لما وعدوا به، متشوفة إليه مبتهجة طول الحياة بهذا الوعد الصادق.\nوفي «الكافرين» جاءت الجملة اسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم، وأنهم أصحاب النار، فهم دائمون في عذاب، إذ حتم لهم أنهم أصحاب الجحيم، ولم يأت بصورة الوعيد، فكان يكون الرجاء لهم في ذلك\" (٢٢).\nالفوائد:\n١ - الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد.\n٢ - أن هؤلاء الكافرين نفوسهم قد فسدت، وسوء أعمالهم قد ران على قلوبهم، فأصبحوا صما عميا لا يبصرون، لذلك استحقوا العذاب فى نار عظيمة أعدها الله لمن كفر وكذب بآياته.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٩٨.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦١٣.\n(٣) البحر المحيط: ٤/ ١٩٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٠.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٦.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٨) تفسير المراغي: ٦/ ٦٩.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(١١) تفسير المراغي: ٦/ ٦٩.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٢.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٣.\n(١٦) تفسير المراغي: ٦/ ٦٩.\n(١٧) تفسير جزء عم لابن عثيمين: ٧٣.\n(١٨) السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير: ١/ ٣٦٠.\n(١٩) البيتان لسعد بن مالك بن ضبيعة، وكان شاعرًا جاهليًا مجيدًا وفارسًا من سادات بكر بن وائل، انظر الحماسة بشرح التبريزي: (١/ ١٩٢).\n(٢٠) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١.\n(٢١) في الآية السابقة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [المائدة: ٩].\n(٢٢) البحر المحيط: ٤/ ١٩٧.","vol":"8","page":74},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [المائدة: ١١]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اذكروا ما أنعم الله به عليكم من نعمة الأمنِ، وإلقاءِ الرعب في قلوب أعدائكم الذين أرادوا أن يبطشوا بكم، فصرفهم الله عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم، واتقوا الله واحذروه، وتوكلوا على الله وحده في أموركم الدينية والدنيوية، وثِقوا بعونه ونصره.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: أن النبي خرج إلى يهود بني النضير، يستعين بهم في دية، فهمّوا أن يقتلوه، فنزل ذلك فيه، وهذا قول قتادة (١)، وأبي مالك (٢)، ومجاهد (٣)، وعبدالله بن كثير (٤)، ويزيد بن أبي زياد (٥)، وعكرمة (٦)، وذكره مقاتل (٧).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس: \" أن قوما من اليهود صَنَعوا لرسول الله وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأتِ الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه\" (٨).\nقال ابن عطية: \" أدخل الطبري تحت هذه الترجمة عن ابن عباس خلاف ما ترجم به من أن قوما من اليهود صنعوا للنبي ﷺ وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فيشبه أن ابن عباس إنما وصف قصة بني النضير المتقدمة\" (٩).\nوالثاني: روي عن قتادة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم .....﴾ الآية، ذكر لنا أنها نزلت على رسول الله ﷺ وهو ببَطْنِ نخل في الغَزْوة السابعة، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتِكوا، فأطلعه الله على ذلك. ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله ﷺ وسيفُه موضوع، فقال: آخذه، يا نبي الله؟ قال: خذه! قال: أستلُّه؟ قال: نعم! فسلَّه، فقال، من يمنعك منِّي؟ قال: الله يمنعُني منك! . فهدّده أصحاب رسول الله ﷺ وأغلظوا له القول، فشامَ السَّيف وأمر نبيُّ الله ﷺ أصحابَه بالرحيل، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك \" (١٠). [ضعيف]\nوروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: \"أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: نعم، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال فأقبل إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمد أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: «نعم»، فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فكبته الله - ﷿ - ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: «لا»، قال: ألا تخافني وفي يدي السيف؟ قال: «يمنعني الله منك»، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله - ﷺ - فأنزل الله تعالى: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ \" (١١). [ضعيف]\nوفي السياق نفسه قال الضحاك: \"كان سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال: إن كنت نبيا كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به. فلم يجترئ للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم رد عليه السيف فنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم﴾ \" (١٢).\nقال القرطبي: \" وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" وقصة هذا الأعرابي - وهو غَوْرَث بن الحارث - ثابتة في الصحيح\" (١٤).\nوالثالث: أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله ﷺ، هذا قول ابن زيد (١٥).\nوالرابع: وحكى ابن فورك عن الحسن بن أبي الحسن: \"أن الآية نزلت بسبب أن قريشا بعثت إلى النبي ﷺ رجلا ليغتاله ويقتله، فأطلعه الله تعالى على ذلك وكفاه شره\" (١٦).\nقال ابن عطية: \" ويحسن على هذا القول أن تكون الآية نزلت عقب غزوة الخندق وحين هزم الله الأحزاب\" (١٧).\nوالخامس: أنها نزلت في معنى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ [المائدة: ٣]، أي قد أعطيتم الظفر عليهم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾. قاله الزجاج (١٨).\nقال أبو حيان: \" وقد طولوا بذكر أسباب أخر. وملخص ما ذكروه أن قريشا، أو بني النضير، أو قريظة، أو غورثا، هموا بالقتل بالرسول، أو المشركين هموا بالقتل بالمسلمين، أو نزلت في معنى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ [المائدة: ٣]، قاله الزجاج (١٩)، أو عقيب الخندق حين هزم الله الأحزاب: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب: ٢٥]، والذي تقتضيه الآية أن الله تعالى ذكر المؤمنين بنعمه إذ أراد قوم من الكفار لم يعينهم الله بل أبهمهم أن ينالوا المسلمين بشر، فمنعهم الله، ثم أمرهم بالتقوى والتوكل عليه\" (٢٠).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قولُ من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية، نعمتَه على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيّهم محمدا ﷺ مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يومَ سار إليهم نبيّ الله ﷺ في الدية التي كان تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أمية، وإنما قلنا\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٥٥٧): ص ١٠/ ١٠١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٥٦٣): ص ١٠/ ١٠٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٥٥٨)، و(١١٥٥٩): ص ١٠/ ١٠٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٥٦١): ص ١٠/ ١٠٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٥٦٠): ص ١٠/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٥٦٢): ص ١٠/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٥٦٤): ص ١٠/ ١٠٥.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٥٦٥): ص ١٠/ ١٠٥، وهذا مرسل صحيح الإسناد.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(١١) أخرجه الواحدي في اسباب النزول: ١٩٣، وأخرجه أبو نعيم (دلائل النبوة: ١/ ٦١) من طريق ابن إسحاق به، وإسناده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، وضعف عمرو بن عبيد فإنه مبتدع داعية (علوم الحديث لابن الصلاح: ١٠٣) (الباعث الحثيث: ٨٣) (تقريب التهذيب: ٢/ ٧٤ - رقم: ٦٣٠).\nوأصل الحديث فصحيح. أخرجه البخاري ٤١٣٥ و٤١٣٦ ومسلم ٨٤٣، والبيهقي ٦/ ٣١٩، والطبري (١١٥٦٦): ص ١٠/ ١٠٦.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٣٧٤.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١١١.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٣.\n(١٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٦.\n(١٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٧.\n(١٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٧.\n(١٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٥٧.\n(١٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٥٧.\n(٢٠) البحر المحيط: ٤/ ١٩٨.","vol":"8","page":75},{"text":"ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله جل ثناؤه عقًّب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها. ثم أمر نبيَّه ﷺ بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه ﷺ لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله: ﴿إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ وغيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم، لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يجر لهم بذلك ذكر ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع، لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالف \" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١١]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (٤).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]، أي: \" اذكروا فضل الله عليكم بحفظه إِياكم من أعدائكم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]، أي: \" إذ أراد قوم أن يبطشوا بكم بالقتل والإِهلاك\" (٧).\nقال مجاهد: \" هم يهود\" (٨).\nقال السمرقندي: أي: \" أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" بالقتل والإهلاك، يقال بسط إليه يده إذا بطش به وبسط إليه لسانه إذا شتمه\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" معنى: «بسط اليد» مدها إلى المبطوش به\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]، أي: \" فصرفهم الله عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم\" (١٢).\nقال السمرقندي: أي: \" فكف أيديهم عنكم بالمنع\" (١٣).\nقا البيضاوي: أي: \" منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١]، أي: \" واتقوا الله واحذروه\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٠٦.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣٠٦. [بتصرف].\n(٨) تفسير مجاهد: ٣٠٢.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٣٧٤.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١١٨.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦١٤.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٣) بحر العلوم: ١/ ٣٧٤.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١١٨.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٠٩.","vol":"8","page":76},{"text":"قال المراغي: \" أي: واتقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم وقت ضعفكم وقوتهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]، أي: \" وتوكلوا على الله وحده في أموركم الدينية والدنيوية، وثِقوا بعونه ونصره\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم\" (٣).\nقال البيضاوي: أي: \" فإنه الكافي لإيصال الخير ودفع الشر\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم، ويثقوا بالله تعالى في حصول ما يحبون. وعلى حسب إيمان العبد يكون توكله، وهو من واجبات القلب المتفق عليها\" (٥).\nقال المراغي: أي: \" وتوكلوا عليه وحده فقد أراكم عنايته بمن يكلون أمورهم إليه بعد مراعاة سننه والسير عليها في اتقاء كل ما يخشى ضره وتسوء عاقبته، لا على أوليائكم وحلفائكم، لأن الأولياء قد تنقطع بهم الأسباب ويجيبون داعى اليأس إذا اشتد البأس، والحلفاء قد يغدرون كما غدر بنو النضير وغيرهم، ولكن المؤمن المتوكل على الله إذا هم أن ييأس تذكر أن الله وليه وهو الذي بيده ملكوت كل شىء، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، فتتجدد قوته ويفر منه اليأس فينصره الله ويخذل أعداءه كما حدث لأولئك الكملة المتوكلين مع سيد المرسلين أيام ضعفهم وقلتهم وفقرهم وتألب الناس كلهم عليهم\" (٦).\nقال ابو حيان: \" وجاء الأمر بالتوكل أمر غائب لأجل الفاصلة، وإشعارا بالغلبة، وإفادة لعموم وصف الإيمان، أي: لأجل تصديقه بالله ورسوله يؤمر بالتوكل كل مؤمن، ولابتداء الآية بمؤمنين على جهة الاختصاص وختمها بمؤمنين على جهة التقريب\" (٧).\nالفوائد:\n١ - وجوب ذكر النعمة حتى يؤدى شكرها.\n٢ - وجوب التوكل على الله تعالى والمضي في أداء ما أوجب الله تعالى.\n٣ - قال السعدي: \" يذكر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وأنهم -كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمة - فليعدوا أيضا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم نعمة. فإنهم الأعداء، قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون عليه.\nفإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من هم بالمؤمنين بشر، من كافر ومنافق وباغ، كف الله شره عن المسلمين، فإنه داخل في هذه الآية\" (٨).\nالقرآن\n﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٦/ ٧١.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٧٤.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١١٨.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٢٤.\n(٦) تفسير المراغي: ٦/ ٧١.\n(٧) البحر المحيط: ٤/ ١٩٨.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٢٤.","vol":"8","page":77},{"text":"ولقد أخذ الله العهد المؤكَّد على بني إسرائيل أن يخلصوا له العبادة وحده، وأمر الله موسى أن يجعل عليهم اثني عشر عريفًا بعدد فروعهم، يأخذون عليهم العهد بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بحفظي ونصري، لئن أقمتم الصلاة، وأعطيتم الزكاة المفروضة مستحقيها، وصدَّقتم برسلي فيما أخبروكم به ونصرتموهم، وأنفقتم في سبيلي، لأكفِّرنَّ عنكم سيئاتكم، ولأدْخِلَنَّكُم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، فمن جحد هذا الميثاق منكم فقد عدل عن طريق الحق إلى طريق الضلال.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" ولقد أخذ الله العهد المؤكَّد على بني إسرائيل أن يخلصوا له العبادة وحده\" (١).\nقال الحسن: \": اليهود من أهل الكتاب\" (٢).\nقال ابو العالية: \" أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدُوا غيره\" (٣).\nقال الطبري: \": وهذه الآية أنزلتْ إعلامًا من الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليهم من اليهود، وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه، من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقِهم وأخلاقِ أسلافهم قديما واحتجاجا لنبيه ﷺ على اليهود، بإطلاعه إيَّاه على ما كان علمه عندَهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم وتوبيخا لليهود في تمادِيهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر، مع علمهم بخطأ ما هم عليه مقيمون، يقول الله لنبيه ﷺ: لا تستعظموا أمرَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما همُّوا به لكم، ولا أمرَ الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسْلافهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على منهاج أوَّلهم وطريق سَلَفِهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" وأمر الله موسى أن يجعل عليهم اثني عشر عريفًا بعدد فروعهم، يأخذون عليهم العهد بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه\" (٥).\nقال أبو عبيدة: \" أي: ضامنا ينقب عليهم وهو الأمين والكفيل على القوم\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" وبعثنا منهم اثنى عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه\" (٧).\nقال ابن عطية: \" ونحو هذا كان النقباء ليلة بيعة العقبة مع محمد ﷺ، وهي العقبة الثالثة بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان فاختار رسول الله ﷺ من السبعين اثني عشر رجلا وسماهم النقباء\" (٨).\nوفي معنى «النقيب» هنا ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنه الضمين، وهو قول الحسن (٩).\nالثاني: الأمين، وهو قول الربيع (١٠).\nوالثالث: الشاهد على قومه، وهو قول قتادة (١١).\nوأصل «النقيب» فى اللغة: الواسع، فنقيب القوم هو الذي ينقب أحوالهم (١٢).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٥٦٧): ص ١٠/ ١٠٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٥٦٨): ص ١٠/ ١١٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ١٠٩.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٦) مجاز القرآن: ١/ ١٥٦.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ١١٠.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٥٧٠)، و(١١٥٧١): ص ١٠/ ١١١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٥٦٩): ص ١٠/ ١١١.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٠.","vol":"8","page":78},{"text":"والنقيب في كلام العرب، كالعَرِيف على القوم، غير أنه فوق العريف. يقال منه: نَقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نَقْبًا، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل: قد نَقُبَ فهو ينقُب نَقَابة ومن العريف: عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافَةً. فأما المناكب فإنهم كالأعوان يكونون مع العُرفاء، واحدهم مَنْكِب (١).\nوفيما بعث فيه هؤلاء النقباء قولان:\nأحدهما: أنهم بُعِثُوا إلى الجبارين، ليقفوا على أحوالهم ورجعوا بذلك إِلى موسى، فرجعوا عن قتالهم، لمَّا رأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم، إلا اثنين منهم، وهذا قول مجاهد (٢)، والسدي (٣).\nوالثاني: أنهم بعثوا لقومهم بما أخذ به ميثاقهم منهم، وهذا قول الحسن (٤).\nقال أبو حيان: \"ذكر محمد بن حبيب في «المحبر» (٥) أسماء هؤلاء النقباء الذين اختارهم موسى في هذه القصة، بألفاظ لا تنضبط حروفها ولا شكلها، وذكرها غيره مخالفة في أكثرها لما ذكره ابن حبيب لا تنضبط أيضا (٦).\nوفي هامش الطبري: وقع تحريف واختلاف بين كتب التاريخ في أسماء الأسباط والنقباء منهم فلتحرر (٧).\nوأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن إسحاق فلينظروا هناك (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بحفظي ونصري\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: بحفظي وكَلاءتي ونصري\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" معناه بنصري وحياطتي وتأييدي\" (١١).\nقال أبو السعود: \" أي: بالعلم والقدرة والنصرة لا بالنصرة فقط فإن تنبيههم على علمه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قدرته وملوته مما يحمله على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه كأنه قيل إني معكم أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" لئن أقمتم الصلاة، وأعطيتم الزكاة المفروضة مستحقيها\" (١٣).\nقال السعدي: أي: ﴿أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: \" ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك، ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾، لمستحقيها\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٥٧٣): ص ١٠/ ١١٢ - ١١٣.\n(٣) انظر تفسير الطبري (١١٥٧٢): ص ١٠/ ١١١ - ١١٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٠.\n(٥) والاسماء: \" فقال: من سبط روبيل شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون شوقوط بن حوري، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف، ومن سبط أفراثيم ابن يوسف يوشع بن النون، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو، ومن سبط ربالون كرابيل ابن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدي بن سوشا، ومن سبط دان عمائيل بن كسل، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا، ومن سبط كاذكوال ابن موخى، فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى ﵇ على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم\".\n(٦) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٢، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١١٣ - ١١٧ [الهامش].\n(٨) انظر: سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٩٧.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(١٢) تفسير ابي السعود: ٣/ ١٥.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢٢٥.","vol":"8","page":79},{"text":"قال ابن عطية: \" وإقامة الصلاة توفية شروطها، والزكاة هنا شيء من المال كان مفروضا فيما قال بعض المفسرين ويحتمل أن يكون المعنى وأعطيتم من أنفسكم كل ما فيه زكاة لكم حسبما ندبتم إليه وقدم هذه على الإيمان تشريفا للصلاة والزكاة وإذ قد علم وتقرر أنه لا ينفع عمل إلا بإيما\" (١).\nقال الربيع بن أنس: \"أنّ موسى ﷺ قال للنقباء الاثنى عشر: سيروا إليهم يعني: إلى الجبارين فحدثوني حديثهم، وما أمْرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنًا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" وصدَّقتم برسلي فيما أخبروكم به\" (٣).\nقال ابو السعود: \" أي: بجميعهم\" (٤).\nقال السعدي: أي: \" جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد -ﷺ-\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي\" (٦).\nوقرأ الحسن بن أبي الحسن: «برسلي» ساكنة السين، في كل القرآن (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \"ونصرتموهم\" (٨).\nقال ابن عطية: \" معناه: وقرتموهم وعظمتموهم ونصرتموهم\" (٩).\nقال أبو السعود: \" أي: نصرتموهم وقويتموهم\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \"عظمتموهم، وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق\" (١٢).\nواختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، على وجوه:\nأحدها: ونصرتموهم. وهذا قول مجاهد (١٣)، والسدي (١٤).\nوالثاني: أنه الطاعة والنصرة. وهذا قول عبدالرحمن بن زيد (١٥).\nوالثالث: معناه: أثنيتم عليهم. وهذا قول يونس الحرمري (١٦).\nوالرابع: معناه: نصرتموهم وأعنتموهم ووقّرتموهم وأيّدتموهم، وهذا قول ابي عبيدة (١٧)، وأنشد\nقول الشاعر (١٨):\nوَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ... وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ\nوالراجح –والله أعلم- ان معناه: \" نصرتموهم. وذلك أن الله جل ثناؤه قال في سورة الفتح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [سورة الفتح:\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٥٧٨).: ص ١٠/ ١١٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٤) تفسير ابي السعود: ٣/ ١٥.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٢٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(٨) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(١٠) تفسير ابي السعود: ٣/ ١٥.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٢٥.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٥٧٩)، (١١٥٨٠): ص ١٠/ ١١٩ - ١٢٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١١٥٨١): ص ١٠/ ١٢٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٥٨٢): ص ١٠/ ١٢٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٥٨٣): ص ١٠/ ١٢٠.\n(١٧) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(١٨) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد مجاز القرآن: ١/ ١٥٧، وتفسير الطبري: ١٠/ ١٢٠.","vol":"8","page":80},{"text":"٨، ٩] فـ التوقير هو التعظيم. وإذْ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه: التعظيم وكان النصر قد يكون باليد واللسان، فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيِره، وأما باللسان فحُسْن الثناء، والذبّ عن العرض صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولا مما حكينا عنه\" (١).\nوقرأ عاصم الجحدري: «وعزرتموهم»، خفيفة الزاي حيث وقع، وقرأ في سورة الفتح «وتعزوه» [الفتح: ٩]، بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" وأنفقتم في سبيلي\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وهو: الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته\" (٤).\nقال السعدي: \"وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم قرضا حسنًا يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ الله وما ندبكم إليه وحثَّكم عليه إلى غيره\" (٦).\nقال القرطبي: \" ثم قيل: ﴿حسنا﴾، أي: طيبة بها نفوسكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالا. وقيل: (قرضا) اسم لا مصدر\" (٧).\nقال القرطبي: \" أي: بعد الميثاق\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" أي لأمحونَّ عنكم ذنوبكم\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" لأغطين بعفوي عنكم - وصفحي عن عقوبتكم، على سالف أجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها، ولا أؤاخذكم بها\" (١١).\nقال ابن عطية: \" تكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة\" (١٢).\nو«الكفر» معناه الجحود، والتغطية، والستر، ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر ويغطي بظلمته فلق النهار، ومنه قول ابن صُعَير المازني (١٣):\nفَتَذَكَّرَا ثَقلًا رثيدًا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ\nوكما قال لبيد (١٤):\nيعلو طريقة متنها متواترٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا\nيعني: غطاها، فـ التكفير التفعيل من الكَفْر (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢١.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٢٥.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢١.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٤.\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ٣٠٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٣.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(١٣) انظر: المفضليات ص ١٣٠، واللسان، مادة: \"رثد - ذكو\"، والدر المصون: ١/ ١٠٦.\n(١٤) شرح القصائد المشهورات: ١/ ١٥٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٣.","vol":"8","page":81},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" ولأدْخِلَنَّكُم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ولأدخلنكم مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود \" (٣).\nقال السعدي: \" فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" فمن جحد هذا الميثاق منكم\" (٥).\nقال السعدي: \" العهد والميثاق المؤكد بالأيمان والالتزامات، المقرون بالترغيب بذكر ثوابه\" (٦).\nقال الطبري: اي: \" فمن جحد منكم، يا معشر بني إسرائيل، شيئا مما أمرته به فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عَقْده وتوكيده وشدَه، وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]، أي: \" فقد عدل عن طريق الحق إلى طريق الضلال\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي: أخطأ قصد الطريق\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \"فقد أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: فقد أخطأ الطريق الحق، وعدل عن الهدى إلى الضلال\" (١٢).\nقال أبو السعود: \" أي: وسط الطريق الواضح ضلالا بينا وأخطأه خطأ فاحشا لا غذر معه أصلا بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة\" (١٣).\nقال ابن عطية: \" سواء السبيل وسطه ومنه سواء الجحيم [الصافات: ٥٥]، ومنه قول الأعرابي: قد انقطع سوائي، وأوساط الطرق هي المعظم اللاحب منها\" (١٤).\nقال السعدي: \" أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب\" (١٥).\nالفوائد:\n١ - الحث على الوفاء بالالتزامات الشرعية.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٢٥.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٢٥.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٤.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٤.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٦.\n(١٣) تفسير ابي السعود: ٣/ ١٥ - ١٦.\n(١٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٦٨.\n(١٥) تفسير السعدي: ٢٢٥.","vol":"8","page":82},{"text":"٢ - إبطال استغراب واستعظام من يستغرب من اليهود مكرهم ونقضهم وخبثهم ويستعظم ذلك منهم.\n٣ - إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله تعبد الله بها من قبل هذه الأمة.\n٤ - وجوب تعظيم الرسول ﷺ ونصرته في أمته ودينه.\n٥ - في الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام، وقد جاء أيضا [مثله في الإسلام، قال ﷺ لهوازن: \"ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم\" (١) (٢).\n٦ - قال القرطبي: \"وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس. والتجسس: التبحث. وقد بعث رسول الله ﷺ بسبسة عينا (٣) \" (٤).\n\nالقرآن\n﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣]\nالتفسير:\nفبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا، وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان، يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة، وتركوا نصيبًا مما ذُكِّروا به، فلم يعملوا به. ولا تزال -أيها الرسول- تجد من اليهود خيانةً وغَدرًا، فهم على منهاج أسلافهم إلا قليلا منهم، فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم، فإن الله يحب مَن أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه.\nقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: باعدناهم من الرحمة\" (٦).\nوفي المراد بهذه «اللعنة»، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس (٧).\nوالثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن (٨)، ومقاتل (٩).\nوالثالث: الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء (١٠)، والزجاج (١١)، والسمرقندي (١٢).\n_________\n(١) أخرجه احمد (١٨٩١٤): ص ٣١/ ٢٣١، والبخاري (٢٣٠٧) و(٢٣٠٨) و(٢٥٣٩) و(٢٥٤٠) و(٢٥٨٣) و(٢٥٨٤) و(٢٦٠٧) و(٢٦٠٨) و(٣١٣١) و(٣١٣٢) و(٤٣١٨) (٤٣١٩)، وأبو داود (٢٦٩٣)، والبيهقي في \"السنن\" ٦/ ٣٦٠، وفي \"الدلائل\" ٥/ ١٩٠ - ١٩١ من طريق عقيل بن خالد، والبخاري (٧١٧٦) (٧١٧٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٨٧٦)، والبيهقي ٦/ ٣٦٠ وفي \"الدلائل\" ٥/ ١٩٢.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٣.\n(٣) كان ذلك في غزوة بدر قيل: هو ابن عمرو الأنصاري أرسله النبي ﷺ لتقصى أنباء عير أبي سفيان.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٣.\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٥٩.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٧.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٧.\n(٩) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦١.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٧.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٥٩.\n(١٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.","vol":"8","page":83},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان\" (١).\nقال أبو عبيدة: \" أي: يابسة صلبة من الخير\" (٢).\nقال النحاس: أي: \" ليست بخالصة الايمان، أي: فيها نفاق\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: قست قلوبهم عن الإيمان بمحمدﷺ-\" (٥).\nو«القاسية»: اسم فاعل، من قسوة القلب، من قول القائل: قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا (٦)، كما قال الراجز (٧):\nوَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي\nقال الزجاج: \" أي: يابسة، يقال للرجل الرحيم: لين القلب، وللرجل غير الرحيم: قاسي القلب ويابس القلب، والقاسي في اللغة، والقاسح - بالحاء -: الشديد الصلابة\" (٨).\nوقرأ حمزة والكسائي «قَسِيّةً» (٩)، وفيه تأويلان:\nأحدهما: أنها أبلغ من قاسية. اختاره الطبري (١٠)، والنحاس (١١).\nقال أبو جعفر النحاس: \" وهذا قول حسن، لأنه يقال درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره قال أبو جعفر وأولى ما فيه أن تكون «قسية» بمعنى: قاسية، مثل زكية وزاكية، الا أن «فعيلة» أبلغ من «فاعلة»، فالمعنى جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الايمان والتوفيق لطاعتي لان القوم لم يوصفوا بشئ من الايمان فتكون قلوبهم موصوفة فان ايمانها خالطه كفر كالدراهم القسية التي خالطها غش \" (١٢). كما قال أبو زُبَيْد الطائي (١٣):\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٢) مجاز القرآن: ١/ ١٥٨.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ٢٨١.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٦ - ١٢٧، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٢٨١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٣، و١٠/ ١٢٦، ومجاز القرآن: ١/ ١٥٨.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٦٠.\n(٩) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٢، والحجة للقراء السبعة: ٣/ ٢١٦.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٨.\n(١١) انطر: معاني القرآن: ٢/ ٢٨١.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٢٨١.\n(١٣) المعاني الكبير: ١٠٢٤، ١٠٢٥، وأمالي القالى ١: ٢٨، وسمط اللآلئ: ١٢٨، ٩٣١، واللسان (أمر) (صهل) من قصيدته في رثاء أمير المؤمنين المقتول ظلمًا، ذي النورين عثمان بن عفان، يقول فيها: يَا لَهْفَ نَفْسِي إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا ... حَقًّا، وَمَاذَا يَرُدُّ الْيَومَ تَلْهِيفِي! !\nإِنْ كَانَ عُثْمَانُ أَمْسَى فَوْقَهُ أَمَرٌ ... كَرَاقِبِ العُونِ فَوْقَ القُنَّةِ المُوفِي\nالأمر (بفتحتين): الحجارة. والعون جمع عانة، وهي حمر الوحش. وراقب العون: الفحل الذي يحوطها ويحرسها على مربأة عالية، ينتظر مغيب الشمس فيرد بها الماء.\nثم يقول بعد ذلك: يَا بُؤْسَ لْلأرْضِ، مَا غَالَتْ غَوَائِلُهَا ... مِنْ حُكْمِ عَدْلٍ وَجُودٍ غَيْرِ مَكْفُوفِ! !\nعلى جَنَابَيْهِ مِنْ مَظَلُومَةٍ قِيَمٌ ... تَعَاوَرَتْهَا مَسَاحٍ كَالْمَنَاسِيفِ\nلَهَا صَوَاهَلُ فِي صُمِّ السِّلامِ، كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ\nكَأنَّهُنَّ بِأَيْدِي الْقَوْمِ فِي كَبَدٍ ... طَيْرٌ تَكَشفُ عَنْ جُونٍ مَزَاحِيفِ\nقوله: جنابيه أي: جانبيه. مظلومة: حفرت ولم تكن حفرت من قبل، يعني أرض لحده. قيم جمع قامة: يعني ما ارتفع من ركام تراب القبر. والمساحي جمع مسحاة: وهي المجرفة من الحديد. والمناسيف جمع منسفة، وهي آلة يقلع بها البناء وينسف، أصلب وأشد من المسحاة. والصواهل جمع صاهلة مصدر على فاعلة، بمعنى الصهيل: وهو صوت الخيل الشديد، وكل صوت يشبهه. والصم جمع أصم، يعني أنها حجارة صلبة تصهل منها المساحي. والسلام (بكسر السين) الصخور. والصياريف هم الصيارف، وزاد الياء للإشباع. والكبد: الشدة. والجون: السود. ومزاحيف، تزحف من الإعياء، يعني إبلا قد هلكت من الإعياء. شبه المساحي بأيدي القوم وهم يحفرون قبره، بنسور تقع على الإبل المعيية، ثم تنهض، ثم تعود فتسقط عليها. وكان قبر عثمان في حرة المدينة ذات الحجارة السود، فلذلك قال: عن جون مزاحيف [هامش تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٧].","vol":"8","page":84},{"text":"لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ\nيصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي السِّلام (١).\nقال الطبري: \" وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً﴾ على فعيلة، لأنها أبلغ في ذم القوم من: قاسية، وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: فعيلة من القسوة، كما قيل: نفس زكيّة وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ\" (٢).\nوالثاني: أنها بمعنى قاسية. قاله السمرقندي (٣). وآخرون.\nقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة\" (٤).\nقال الثعلبي: أي\"يغيرون ما فيه من الأحكام\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: يتأولونه على غير تأويله \" (٦).\nقال البيضاوي: \" كنعت محمد ﷺ، وآية الرجم، أو تأويله، فيفسرونه بما يشتهون\" (٧).\nوتحريف الشيء: \"إحالته من حال إلى حال\" (٨).\nوفي تحريفهم «الكلم»، أقوال (٩):\nأحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس (١٠).\nوالثاني: تغيير صفة محمد ﷺ، قاله مقاتل (١١)، والسمرقندي (١٢).\nوالثالث: تفسيره على غير ما أنزل، قاله الزجاج (١٣).\nوالرابع: أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم. وهذا قول الجمهور (١٤).\nوالخامس: أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق. قاله ابن عباس أيضا (١٥).\nقال مجاهد (١٦) والسدي (١٧)، وابن زيد (١٨): أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حرامًا والحرام حلالًا ابتاعًا لأهوائهم وإعانة لراشيهم.\nقال القرطبي: \" وهذا توبيخ لهم\" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٨.\n(٣) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.\n(٤) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٢. (بتصرف بسيط).\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٨.\n(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٩.\n(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٨.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٨.\n(١١) انظ ﴿ك تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦١.\n(١٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٠.\n(١٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٣٢.\n(١٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٢٨): ص ٢/ ٢٤٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٠): ص ٢/ ٢٤٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٣٣٠): ص ٢/ ٢٤٦.\n(١٩) تفسير القرطبي: ٢/ ٣.","vol":"8","page":85},{"text":"قال ابن عطية: \"وأن ذلك [التحريف] ممكن في التوراة، لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن، لأن الله تعالى ضمن حفظه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" وتركوا نصيبًا مما ذُكِّروا به، فلم يعملوا به\" (٢).\nقال السدي: \" تركوا نصيبًا\" (٣).\nقال الزجاج: \" تركوا نصيبا مما ذكروا به\" (٤).\nقال الحسن: \" تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقْبل الأعمال إلا بها\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ونسوا حظًّا وتركوا نصيبا، وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] أي: تركوا أمر الله فتركهم الله\" (٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم\" (٧).\nقال ابن الجوزي: \" «النسيان» هاهنا: الترك عن عمد. و«الحظ»: النصيب، وفي معنى ذكروا به قولان: أحدهما: أمروا. والثاني: أوصوا\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" ولا تزال -أيها الرسول- تجد من اليهود خيانةً وغَدرًا، فهم على منهاج أسلافهم إلا قليلا منهم\" (٩).\nقال قتادة: \"على خيانة وكذب وفجور\" (١٠).\nقال الزجاج: \" ﴿خائنة﴾، في معنى: خيانة، المعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم ... ويجوز أن يكون - والله أعلم - على خائنة أن على فرقة خائنة\" (١١).\nقال مجاهد: \" هم يهودُ مِثْلُ الذي هموا به من النبي ﷺ يوم دخل حائطهم\" (١٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد\" (١٣).\nقال ابن قتيبة: \" والخيانة والخائنة واحد\" (١٤)، \"أي: غدر ونكث، ويقال لعاصي المسلمين: خائن، لأنّه مؤتمن على دينه. قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]. يريد المعاصي، وقال الله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧] أي: رتخونونها بالمعصية\" (١٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٨.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٥٨٧): ص ١٠/ ١٣٠.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٦٠.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٥٨٨): ص ١٠/ ١٣٠.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٩.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٥٢٨.\n(٩) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٥٨٩): ص ١٠/ ١٣١.\n(١١) معاني القرآن: ٢/ ١٦٠ - ١٦١.\n(١٢) أخرجه الطبري (١١٥٩٠): ص ١٠/ ١٣١.\n(١٣) بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.\n(١٤) غريب القرآن: ٣٨٦.\n(١٥) تاويل مشكل القرآن: ٢٦٢.","vol":"8","page":86},{"text":"قال أبو حيان: \" أي: هذه عادتهم وديدنهم معك، وهم على مكان أسلافهم من خيانة الرسل وقتلهم الأنبياء. فهم لا يزالون يخوفونك وينكثون عهودك، ويظاهرون عليك أعداءك، ويهمون بالقتل بك، وأن يسموك\" (١).\nوقال أبو عبيدة: \" ﴿عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، أي: على خائن منهم، والعرب تزيد الهاء فى المذكّر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علّامة، وقال الكلابىّ (٢):\nحَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ ... لِلغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ\nوقد قال قوم بل ﴿خائنة منهم﴾، هاهنا الخيانة، والعرب قد تضع لفظ «فاعلة» فى موضع المصدر كقولهم للخوان مائدة ... \" (٣).\nوقرأ الأعمش: «على خيانة منهم» (٤).\nوفي الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، وجوه:\nأحدها: أن الاستثناء في الاشخاص، والمستثنون: عبد الله بن سلام وأصحابه. قاله: ابن عباس.\nوالثاني: أن الاستثنا في الأفعال أي: إلا فعلا قليلا منهم، فلا تطلع فيه على خيانة. وهذا قول ابن عطية.\nوالثالث: وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣]، والمراد به المؤمنون، فإن القسوة زالت عن قلوبهم، قال أبو حيان: \"وهذا فيه بعد\" (٥).\nوالظاهر في الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، \"أنه من الأشخاص في هذه الجملة، والمستثنون عبد الله بن سلام وأصحابه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم\" (٧).\nوفي نسخ قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، قولان (٨):\nأحدهما: أن حكمها ثابت فى الصفح والعفو إذا رآه، لأنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبي ﷺ فأظهره الله عليهم، ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ.\n_________\n(١) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٦.\n(٢) الكامل للمبرد ١/ ٢١١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٥٨، ةتفسير الطبري: ١٠/ ١٣٢، وإصلاح المنطق / ٢٩٥، واللسان (صبع) (غلل) (خون). وهذا من شعر له خبر. وذلك أن هذا الشاعر لما ورد اليمامة كان معه أخ له جميل، فنزل جارا لعمير بن سلمى، فقال قرين أخو عمير للكلابي: لا تردن أبياتنا بأخيك هذا، مخافة جماله، فرآه قرين بين أبياتهم بعد، وأخوه عمير غائب، فقتله. فجاء الكلابي قبر سلمى (أبي عمير، وقرين) فاستجار به وقال: وَإِذَا اسْتَجَرْتَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَاسْتَجِرْ ... زَيْدَ بن يَرْبُوعٍ وَآلَ مُجَمِّعِ\nوَأَتَيْتُ سُلْمِيَّا فَعُذْتُ بِقَبْرِهِ ... وَأَخُو الزَّمَانَةِ عَائِذٌ بِالأمْنَعِ\nأَقَرِينُ إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ فَوَارِسِي ... بِعَمَايَتَيْنَ إِلَى جَوَانِبِ ضَلْفَعِ\nحَدَّثْتَ نَفْسَك .................. ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nفلجأ قرين إلى وجوه بني حنيفة (وهم زيد بن يربوع، وآل مجمع)، فحملوا إلى الكلابي ديات مضاعفة، فأبى أن يقبلها. فلما قدم عمير، فقالت له أمه: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابي جميع ماله، فأبى الكلابي أن يقبل. فأخذ عمير أخاه قرينًا فقتله، وقال: قَتَلْنَا أَخَانَا لِلْوَفَاءِ بِجَارِنَا ... وَكَانَ أَبُونَا قَدْ تُجِيرُ مَقابِرُهْ\nوقالت أم عمير لعمير: تَعُدُّ مَعَاذِرًا لا عُذْرَ فِيهَا ... وَمَنْ يَقْتُلْ أَخَاهُ فَقَدْ أَلامَا\nوقوله: أخو الزمانة، هي العاهة، يريد ضعفه عن درك ثأره. وعمايتان وضلفع مواضع من بلاد هذا الكلابي. وقوله مغل الإصبع، كناية عن الخيانة والسرقة. أغل يغل: خان الأمانة خلسة. ويقول بعضهم: مغل الإصبع، منصوب على النداء. [من هامش تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٢].\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١٥٨.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٥٢٨.\n(٥) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٦.\n(٦) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٦.\n(٧) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢١، وزاد المسير: ١/ ٥٢٨.","vol":"8","page":87},{"text":"والثاني: أنه منسوخ، قاله الجمهور (١)، وفى الذي نسخه ثلاثة أقوال (٢):\nأحدها: آية السيف.\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَومِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وهذا قول قتادة (٣).\nوالثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافُنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيهِم عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].\nقال الطبري: يجوز أن يعفى عنهم في غدرة فعلوها، ما لم ينصبوا حربا، ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار، فلا يتوجه النسخ (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]، أي: \" فإن الله يحب مَن أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه\" (٥).\nالفوائد:\n١ - حرمة نقض المواثيق ونكث العهود ولا سيما ما كان بين العبد وربه.\n٢ - الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود فقل من سلم منهم من هذا الوصف.\n٣ - استحباب العفو عند القدرة، وهو من خلال الصالحين.\n٤ - ومنها: أن أهل الزيغ هكذا يجدون سبيلا إلى مقاصدهم السيئة بتحريف كلام الله وتأويله على غير وجهه، فإن عجَزوا عن التحريف والتأويل تركوا ما لا يتفق مع أهوائهم مِن شرع الله الذي لا يثبت عليه إلا القليل ممن عصمه الله منهم.\n٥ - أن الحقيقة التي لا شك فيها هي أن اليهود أضاعوا التوراة وتركوا العمل بها فضلوا عن سبيل الله القويم وصراطه المستقيم، وذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه.\n٦ - أَنه لايسلم للْيَهُود صِحَة كتبهمْ المقدسة لديهم وَمَا احْتَجُّوا بهَا من نُصُوص، فقد أثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَنهم تجرؤا على كتب الله الْمنزلَة على أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل بالتحريف والتزوير والتغيير قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ أَنه لايسلم للْيَهُود صِحَة كتبهمْ المقدسة لديهم وَمَا احْتَجُّوا بهَا من نُصُوص، فقد أثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَنهم تجرؤا على كتب الله الْمنزلَة على أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل بالتحريف والتزوير والتغيير قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.\n\nالقرآن\n﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]\nالتفسير:\nوأخذنا على الذين ادَّعوا أنهم أتباع المسيح عيسى -وليسوا كذلك- العهد المؤكد الذي أخذناه على بني إسرائيل: بأن يُتابعوا رسولهم وينصروه ويؤازروه، فبدَّلوا دينهم، وتركوا نصيبًا مما ذكروا به، فلم يعملوا به، كما صنع اليهود، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يوم الحساب، وسيعاقبهم على صنيعهم.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: \" وأخذنا على الذين ادَّعوا أنهم أتباع المسيح عيسى -وليسوا كذلك- العهد المؤكد الذي أخذناه على بني إسرائيل: بأن يُتابعوا رسولهم وينصروه ويؤازروه\" (٦).\nقال القرطبي: \" أي: في التوحيد والإيمان بمحمد ﷺ، إذ هو مكتوب في الإنجيل\" (٧).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢١، وزاد المسير: ١/ ٥٢٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢١، وزاد المسير: ١/ ٥٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٥٩٤)، و(١١٥٩٤): ١٠/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٥. [بتصرف].\n(٥) التفسير الميسر: ١٠٩.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧.","vol":"8","page":88},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم ﵇، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي: ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود\" (١).\nوفي قولهم: ﴿إنا نصارى﴾، ولم يقل «من النصارى»، دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها، روي معناه عن الحسن (٢).\nقال ابن عطية: \" علق كونهم نصارى بقولهم ودعواهم، من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله، وسموا به أنفسهم دون استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة عن طريق نصر دين الله وأنبيائه\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: \" فبدَّلوا دينهم، وتركوا نصيبًا مما ذكروا به، فلم يعملوا به، كما صنع اليهود\" (٤).\nقال النحاس: \" أي تركوا حظا من الكتاب الذي وعظوا به وذكروا به، وجعلوا ذلك الترك والتحريف سببا للكفر بمحمد -ﷺ-\" (٥).\nقال القرطبي: \" وهو الإيمان بمحمد ﵊، أي: لم يعملوا بما أمروا به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد -ﷺ-\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: \" فألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" حرّشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء\" (٨).\nقال الزجاج: \"صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا، منهم النسطورية، واليعقوبية والملكانية، وهم الروم، فكل فرقة منهم تعادي الأخرى\" (٩).\nقال السمعاني: \" معناه: ألصقنا بهم العداوة حتى صاروا فرقا، وأحزابا، منهم اليعقوبية والملكائية، والنسطورية\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]، وجوه (١١):\nأحدها: أي: هيجنا. قاله القرطبي (١٢).\nوالثاني: ألصقنا بهم، مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه، وهذا قول الاصمعي (١٣)، واختيار الزجاج (١٤)، والزمخشري (١٥)، وابن عطية (١٦).\nوالثالث: أن الإغراء: تسليط بعضهم على بعض. حكاه الرماني (١٧).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٥) إعراب القرآن: ١/ ٢٦١.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٦.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٦١.\n(١٠) تفسير السمعاني: ٢/ ٢٣.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧.\n(١٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٦١.\n(١٤) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦١.\n(١٥) انظر: الكشاف: ١/ ٦١٧.\n(١٦) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٠.\n(١٧) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧.","vol":"8","page":89},{"text":"والرابع: أن الإغراء: التحريش، وأصله اللصوق، قال كثير (١):\nإذا قيل مهلا قالت العين بالبكا ... غراء ومدتها حوافل نهل\nقال ابن كثير: \" أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا؛ فكل فرقة تُحَرم الأخرى ولا تدعها تَلجُ معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد\" (٢).\nواختلف أهل التأويل في صفة إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء، وفيه قولان:\nأحدهما: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم. وهذا قول إبراهيم النخعي (٣)، واختيار الطبري (٤).\nوالثاني: أن ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء. وهذا قول قتادة (٥)، واختيار النحاس (٦)، والسمرقندي (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧، واللسان: ١١/ ١٥٧، و١٥/ ١٢١، وفيه: \" إذا إِذا قُلْتُ أَسْلُو، غارَتِ العينُ بالبُكا ... غِرَاءً، ومَدَّتْها مَدامعُ حُفَّلُ\".\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٥٩٨) - (١١٦٠٠): ص ١٠/ ١٣٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠١): ص ١٠/ ١٣٧.\n(٦) انظر: إعراب القرآن: ١/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٧) انظر: بحر العلوم: ١/ ٢٧٦. ذكر السمرقندي في صفة تلك العداوة: \" يقال: إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له «بولس»، كان بينه وبين النصارى قتال، وكان يهوديا فقتل منهم خلقا كثيرا، فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال ليقتل بعضهم بعضا، فجاء إلى النصارى، وجعل نفسه، أعور وقال لهم: أتعرفوني؟ فقالوا: أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال: قد فعلت ذلك كله وأنا تائب، لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني. فقال: أي شيء تريد من قومي؟ فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم، كما علمني عيسى في المنام فاتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة وفتح كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة، ويقول لهم بقول كان في الظاهر منكرا وينكرون عليه، فكان يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك، فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به. فقال لهم يوما من الأيام: اجتمعوا قد حضرني علم، فاجتمعوا، فقال لهم: أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها لمنفعة بني آدم؟ قالوا: نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء؟ يعني الخمر والخنزير وقد خلق لكم ما فى الارض جميعا، فأخذوا بقوله واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال: حضرني علم. فاجتمعوا وقال لهم: من أي ناحية تطلع الشمس؟ فقالوا: من قبل المشرق. فقال: ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم؟ فقالوا: من قبل المشرق. فقال: ومن يرسلهم من قبل المشرق؟ قالوا: الله تعالى: فقال: فاعلموا أنه من قبل المشرق فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما مضى على ذلك أيام دعا طائفة منهم وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة. وقال لهم: إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قربانا لأجل عيسى، وقد حضرني علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك. ويقال أيضا إنه أصبح يوما وفتح عينه الأخرى ثم دعاهم وقال لهم: جاءني عيسى الليلة، وقال: قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل نفسي قربانا. ثم قال لهم: هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا. فقال: إن عيسى قد فعل هذه الأشياء، فاعلموا بأنه هو الله. فخرجوا من عنده. ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك أيضا، وقال: إنه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قربانا، فلما كان في بعض الليل خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول: قد علمني كذا وكذا. وقال الفريق الآخر: أنت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقا كثيرا وبقيت العداوة بينهم إلى يوم القيامة وهم ثلاث فرق، فرقة بينهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله.\nوصنف منهم يقال: لهم المار يعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح. وصنف يقال لهم: الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة المسيح وأمه والله. فأغرى بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة\". [بحر العلوم: ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧].","vol":"8","page":90},{"text":"قال النحاس: \" وأحسن ما قيل في معنى فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء أن الله تعالى أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار\" (١).\nوالراجح-والله أعلم-: أنه \"أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم، كما قال إبراهيم النخعي، لأن عداوة النصارى بينَهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ، لا وحيٌ من الله\" (٢).\nقال السمرقندي: \"يقال: ألقى بينهم العداوة بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال. وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال\" (٣).\nواختلف أهل التفسير في المعنيِّ بـ «الهاء والميم» اللتين في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ [المائدة: ١٤]، وفيه وجهان:\nأحدهما: عني بذلك اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولِهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مما ذكّروا به. وهذا قول مجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، وابن زيد (٧).\nوالثاني: عنى الله بذلك النصارَى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًّا مما ذكرت به. قالوا: وعليها عادت الهاء والميم في بينهم، دون اليهود. وهذا قول الربيع (٨)، والطبري (٩)، والزجاج (١٠)، والنحاس (١١).\nقال النحاس: \" والأولى أن يكون للنصارى، لأنهم أقرب\" (١٢).\nقال الإمام الطبري: \": وأولى التأولين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أنّ المعنيّ بالإغراء بينهم، النصارى، في هذه الآية خاصة وأنّ الهاء والميم عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن النصارى، بعد تقضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبَره عن النصارى، فلأنْ يكون ذلك معنيًّا به النصارى خاصًّة، أولى من أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا، لما ذكرنا\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]، أي: \" وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يوم الحساب، وسيعاقبهم على صنيعهم\" (١٤).\nقال الواحدي: \" وعيدٌ لهم\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم، بما كانوا في الدنيا يصنعون، من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم\" (١٦).\n_________\n(١) إعراب القرآن: ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٧٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠٤): ص ١٠/ ١٣٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠٦): ص ١٠/ ١٣٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠٢): ص ١٠/ ١٣٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠٣): ص ١٠/ ١٣٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠٧): ص ١٠/ ١٣٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٩.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦١.\n(١١) انظر: إعراب القرآن: ١/ ٢٦١.\n(١٢) إعراب القرآن: ١/ ٢٦١.\n(١٣) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٩.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٠.\n(١٥) الوجيز: ٣١٢.\n(١٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٩.","vol":"8","page":91},{"text":"قال مقاتل: \" يعني: بما يقولون من الجحود والتكذيب وذلك أن النسطورية قالوا: إن عيسى ابن الله. وقالت: المار يعقوبية إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت عبادة الملك: إن الله﷿- ثالث ثلاثة- هو إله وعيسى إله، ومريم إله، افتراء على الله﵎- وإنما الله إله واحد وعيسى عبد الله ونبيهﷺ- كما وصف الله- سبحانه- نفسه «أحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (١) \" (٢).\nقال ابن كثير: \"وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب، ﷿، وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا، من جعلهم له صاحبة وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفوًا أحد\" (٣).\nقال ابن عطية: \" توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار\" (٤).\nالفوائد:\n١ - ذم النصارى بنقض الميثاق، كما ذم اليهود وجعل عقوبتهم إيقاع العداوة والبغضاء بينهم.\n٢ - أن حال النصارى لا تختلف كثيرًا عن حال اليهود كأنهم شربوا من ماء واحد. وعليه فلا يستغرب منهم الشر ولا يؤمنون على سر، فهم على عداوة الإسلام والحرب عليه متعاونون متواصون.\n٣ - ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من سننه تعالى في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء إذا تركوا شيئا من شرعه ولم يعملوا به، فقال ﷾ عن النصارى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ [المائدة: ١٤].\nوقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف من قبلها من الأمم؛ مصداقا لقوله - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" (٥)، وظهرت فيها الفرق التي أخبر عنها النبي - ﷺ - في حديث الافتراق، وادعت كل فرقة أنها على الحق وما عداها على الباطل.\nولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك.\nولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة.\nفكتبت كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل الأهواء والبدع.\nومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في \"الرد على الجهمية\"، وكتاب \"السنة\" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب \"خلق أفعال العباد\" للبخاري، وكتاب \"السنة\" لابن أبي عاصم، وكتاب \"السنة\" لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب \"الشريعة\" للآجري، و\"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم (٦).\nوبعض هذه الكتب، عني فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه \"البدع والنهي عنها\"، وألف أبو بكر الطرطوشي كتابه \"الحوادث والبدع\"، وألف أبو شامة كتاب \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\"، ولكن اقتصرت هذه\n_________\n(١) سورة الإخلاص.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٠.\n(٥) أخرجه البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد.\n(٦) انظر: الإعتصام للشاطبي: ٧ - ٩.","vol":"8","page":92},{"text":"الكتب -في الغالب- على النقل المجرد للنصوص الواردة في التحذير من البدع والنهي عنها، دون تحليل لمعانيها، وتحقيق مسائلها، مما جعل الإمام الشاطبي يقوم بتصنيف كتابه الفذ \"الاعتصام\"، الذي أشار رحمه الله تعالى فيه إلى هذه الكتب السابقة، ومأخذه عليها، فقال: \"وإذا استقام هذا الأصل -أي كتب العلم لحفظ الدين- فاحمل عليه كتب العلم من السنن وغيرها إذا خيف عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث؛ من الأمر بكتب العلم، وأنا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه من هذا القبيل؛ لأني رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلا جدا إلا من النقل الجلي؛ كما نقل ابن وضاح، أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل بالتفقه فيه كما ينبغي، ولم أجده على شدة بحثي عنه، إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي، وهو يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين، وهو فصل من فصول الباب وجزء من أجزائه، فأخذت نفسي بالعناء فيه، عسى أن ينتفع واضعه، وقارئه، وناشره، وكاتبه، والمنتفع به، وجميع المسلمين\" (١).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]\nالتفسير:\nيا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ يبيِّن لكم كثيرًا مما كنتم تُخْفونه عن الناس مما في التوراة والإنجيل، ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين: وهو القرآن الكريم.\nسبب النزول:\nقال عكرمة: \"إنّ نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيتٍ، قال: أيُّكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا، فقال: أنت أعلمهم؟ قال، سل عما شئت، قال، أنت أعلمهم؟ قال: إنهم ليزعمون ذلك! قال: فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطُّور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخصورةً، فجلدنا مئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب أحسبه قال: الإبل قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾، الآية وهذه الآية: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٧٦] \" (٢). [ضعيف]\nوقال ابن جريج: \"لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي - ﷺ - على الرجم أنه في كتابهم، وقال: لكنا نخفيه؛ فنزلت: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك\" (٣). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: \" يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى\" (٤).\nقال الزمخشري: \" خطاب لليهود والنصارى\" (٥).\nقال السمعاني: \" المراد به: أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل، لكن ذكر الكتاب، وهو اسم الجنس، فينصرف إلى الفريقين\" (٦).\n_________\n(١) الاعتصام: ٣/ ١٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٦١١): ١٠/ ١٤٢ - ١٤٣. وهذا مرسل صحيح الإسناد.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٣) ونسبه لابن المنذر.\nقلنا: وهو معضل.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦١٧.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٢١.","vol":"8","page":93},{"text":"قال البيضاوي: \" يعني: اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه للجنس\" (١).\nوقيل: أن المراد: اليهود خاصة (٢).\nقال القرطبي: \" الكتاب: اسم جنس بمعنى الكتب، فجميعهم مخاطبون\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: \" قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ يبيِّن لكم كثيرًا مما كنتم تُخْفونه عن الناس مما في التوراة والإنجيل\" (٤).\nعن قتادة: \" ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا﴾، وهو محمدﷺ-\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: يبين لكم محمّد رسولنا، كثيرًا مما كنتم تكتمونه الناسَ ولا تُبينونه لهم ممّا في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبيَّنه رسولُ الله ﷺ للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين\" (٦).\nقال القرطبي: \" يعني محمد ﷺ. ﴿يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾، أي: من كتبكم، من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها\" (٧).\nقال السمعاني: \" يعني: اللذين أخفوا من نعت محمد وآية الرجم، ونحو ذلك\" (٨).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة: أنه قد أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيّهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل .. يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه \" (٩).\nقال ابن عباس: \" من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسوُلنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾، فكان الرجمُ مما أخفوا\" (١٠).\nوقرأ الحسن: «قد جاءكم رسولنا يبين لكم»، أدغم النون في اللام لقربها منها (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: \" ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه\" (١٣).\nقال القرطبي: \" أي: يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه\" (١٤).\nقال السمعاني: \" يعني: يعرض عن كثير مما أخفوا، فلا يتعرض له\" (١٥).\nقال الراغب: \" أي: يتجافى من إظهار كثير مما يخفونه\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١١٩.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٨.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٦٠٨): ص ١٠/ ١٤١.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤١.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٨.\n(٨) تفسير السمعاني: ٢/ ٢١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٦٠٩): ص ١٠/ ١٤١.\n(١١) انظر: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٦٢.\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٠.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٨.\n(١٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٢١.\n(١٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٠٣.","vol":"8","page":94},{"text":"قال ابن الجوزي: أي: \" يتجاوز، فلا يخبرهم بكتمانه\" (١).\nقا البغوي: \" أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به\" (٢).\nقال الزمخشري: \" ﴿ويعفو عن كثير﴾ مما تخفونه، لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بد من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة\" (٣).\nقال القرطبي: \" يعني: يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي ﷺ فسأله فقال: يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله عليه وسلم ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبين له رسول الله ﷺ قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول: لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه\" (٤).\nقال الشوكاني: \" ﴿ويعفوا عن كثير﴾ مما تخفونه، فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد افتضاحكم وقيل المعنى: إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به وقيل: يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم\" (٥).\nفان قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه؟\nفعن ذلك جوابان، ذكرهما ابن الجوزي (٦):\nأحدهما: أنه كان متلقيا ما يؤمر به، فإذا أمر باظهار شيء من أمرهم، أظهره، وأخذهم به، وإلا سكت.\nوالثاني: أن عقد الذمة إنما كان على أن يقروا على دينهم، فلما كتموا كثيرا مما أمروا به، واتخذوا غيره دينا، أظهر عليهم ما كتموه من صفته وعلامة نبوته، لتتحقق معجزته عندهم، واحتكموا إليه في الرجم، فأظهر ما كتموا مما يوافق شريعته، وسكت عن أشياء ليتحقق إقرارهم على دينهم.\nقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، أي: \" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين: وهو القرآن الكريم\" (٧).\n\nقال الزمخشري: \" يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيا عن الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز من اتبع رضوانه من آمن به سبل السلام طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله\" (٨).\nقال ابن عطية: \" قوله ﷿: ﴿نور وكتاب مبين﴾، يحتمل: أن يريد محمدا ﷺ والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل: أن يريد موسى ﵇ والتوراة، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به\" (٩).\nوفى «النور»، ثلاثة أقوال:\nأحدها: محمد -ﷺ-، وهو قول الزجاج (١٠)، والبغوي (١١).\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٥٢٩.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ٣٢.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦١٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٨.\n(٥) فتح القدير: ٢/ ٢٨.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦١٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦١.\n(١١) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٣٢.","vol":"8","page":95},{"text":"قال الزجاج: \" النور هو: محمد - ﷺ - والهدى أو النور هو الذي يبين الأشياء، ويرى الأبصار حقيقتها، فمثل ما أتى به النبي - ﷺ - في القلوب في بيانه وكشفه الظلمات كمثل النور\" (١).\nالثاني: القرآن. وهو قول بعض المتأخرين (٢).\nوالثالث: الإسلام، وسمي نور، لأنه يهتدى به كما يهتدي بالنور. حكاه السمعاني (٣).\nالفوائد:\n١ - عموم رسالته - ﷺ - لجميع الأمم.\n٢ - إن هذه الآية من أعظم الأدلة على صحة رسالة محمد - ﷺ - حيث جاء بالدين القويم والصراط المستقيم.\n٣ - أن القرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة، فاضح لما حرفه اليهود والنصارى، ولما كتموه من الحق.\n٤ - أن نور القرآن والسنة لا يهتدي به إلا المؤمن الذي يتعلمهما، ليعمل بهما.\n٥ - الاعتقاد الجازم بنسخ جميع الكتب والصحف التي أنزلها الله على رسله، بالقرآن الكريم، وأنه لا يسع أحدًا من الإنس أو الجن، لا من أصحاب الكتب السابقة، ولا من غيرهم، أن يعبدوا الله بعد نزول القرآن بغير ما جاء فيه أو يتحاكموا إلى غيره.\n٦ - قال الراغب: \" هذه الآية النعم الثلاث التي خص بها العباد وهي: - النبوة والعقل والكتاب\" (٤).\n\nالقرآن\n﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]\nالتفسير:\nيهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضا الله تعالى، طرق الأمن والسلامة، ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويوفقهم إلى دينه القويم.\nقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، أي: \" يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضا الله تعالى، طرق الأمن والسلامة\" (٥).\nقال السمعاني: \" أي: يهدي به الله سبل السلام من اتبع رضوانه\" (٦).\nقال الزمخشري: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، أي: \" من آمن به، ﴿سبل السلام﴾، طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله\" (٧).\nقال ابن عطية: \" ﴿واتبع رضوانه﴾، معناه: بالتكسب والنية والإقبال عليه، و«السبل» الطرق\" (٨).\nقال القرطبي: \" ﴿من اتبع رضوانه﴾، أي: ما رضيه الله، ﴿سبل السلام﴾، طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة\" (٩).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٦١.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٢.\n(٣) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٢٣.\n(٤) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣٠٣.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٢٣.\n(٧).\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٨.","vol":"8","page":96},{"text":"قال السعدي: \" أي: يهدي به من اجتهد وحرص على بلوغ مرضاة الله، وصار قصده حسنا -سبل السلام التي تسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، إجمالا وتفصيلا\" (١).\nقال الزجاج: \" السبل: الطرق، فجائز أن يكون - والله أعلم - طرق السلام أي طرق السلامة التي من ملكها سلم في دينه، وجائز أن يكون - والله أعلم - سبل السلام، طرق الله، والسلام اسم من أسماء الله\" (٢).\nقال أبو علي: \" ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾، أي: سبل دار السلام، بدلالة قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧]، وتكون إضافة الدار إلى السلام على أحد وجهين: إمّا أن يراد به الإضافة إلى السلام الذي هو اسم من أسماء الله على وجه التعظيم لها والرفع منها، كما قيل للكعبة: بيت الله، وللخليفة: عبد الله. وإمّا أن يراد بالسلام جمع سلامة، كأنّه: دار السلامة التي لا يلقون في حلولها عنتا ولا تعذيبا، كما قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥].\" (٣).\nعن السدي: \" ﴿من اتبع رضوانه سبل السلام﴾، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية\" (٤).\nوإن قلتَ: \"كيف قال ذلكَ، مع أن العبد ما لم يهده الله لا يتَّبع رضوانه فيلزم الدَّورُ؟\nقلتُ: فيه إِضْمارٌ تقديرُه: يهدي به اللَّهُ منْ علِم أنه يريد أن يتَّبع رضوانه، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، أي: والّذين أرادوا سبيل المجاهدة لنهدينهم سبيل مجاهدتنا\" (٥).\nقال ابن عاشور: \" و«سبل السلام»: طرق السلامة التي لا خوف على السائر فيها، وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سحيم بن وثيل الرياحي (٦):\nمررتُ على وادى السِّباعِ ولا أَرى ... كوادى السِّباع حين يُظلمُ وادِيا\n\nأقلَّ به ركْبٌ أتَوْه تَئيّةً ... وأخوفَ، إلاّ ما وَقى اللهُ، ساريا\nفسبيل السلام استعارة لطرق الحق\" (٧).\nقال الحازمي: \" طرق مرضاته يجمعها سبيله الواحد يعني ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾، المراد به أنواع العبادات الصلاة، والصيام، والزكاة هذه متعددة، لكنها تجمع قدرًا مشتركًا وهو عبادة الله تعالى وحده\" (٨).\nوقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب: «به الله»، بضم الهاء حيث وقع مثله (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]، أي: \" ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان\" (١٠).\nقال الطبري: \" يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه، بإذن الله جل وعز\" (١١).\nقال القرطبي: \" أي: من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات، بتوفيقه وإرادته\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم الضلالة\" (١٣).\nقال السعدي: أي من: \" ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور الإيمان والسنة والطاعة والعلم، والذكر. وكل هذه الهداية بإذن الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]، أي: \" ويوفقهم إلى دينه القويم\" (١٥).\nقال الطبري: أي: \" ويرشدهم ويسددهم إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه\" (١٦).\nقال ابن كثير: أي: \"ويرشدهم إلى أقوم حالة\" (١٧).\nقال المحاسبي: \" فضمن الله ﷿ لمتبعه: الْهَدْي لطريق السَّلامَة، والسلوك للطريق الْمُسْتَقيم\" (١٨).\nقال ابن عاشور: \" «الصراط المستقيم» مستعار للإيمان\" (١٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]، وجهان:\nأحدهما: طريق الحق وهو دين الله، وهذا قول الحسن (٢٠).\nوالثاني: طريق الجنة فى الآخرة، وهو قول بعض المتكلمين (٢١).\nالفوائد:\n١ - أن الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك، وأن اتباع السنة المحمدية يهدي صاحبه إلى سعادته وكماله.\n٢ - القرآن حجة على الناس كافة لبيانه الحق في كل شيء.\n٣ - طالب رضا الله بصدق يفوز بكل خبر وينجو من كل ضير.\n٤ - لقد تميزت الرسالة الخاتمة بالشمول لجميع متطلبات البشر، والعموم لجميع أجناسهم في كل مكان وزمان، فهي تحمل التعريف الصحيح بالله وحقه والكون والحياة، وعن مبدأ الإنسان ودوره في الحياة، ومصيره بعد الممات.\nكما تضمنت النظام الكامل السديد لعلاقة البشر مع خالقهم ومع بعضهم البعض\n٥ - وذكر سبحانه للكتاب ثلاث فوائد:\nاحدها: إن المتبع لما يرضى الله بالإيمان بهذا الكتاب- يهديه إلى الطرق التي يسلم بها فى الدنيا والآخرة من كل ما يبعده عن الشقاء والهلاك، فيقوم فى الدنيا بحقوق الله\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٢٦.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦١.\n(٣) الحجة للقراء السبعة: ١/ ١٨٤.\n(٤) أخرج الطبري (١١٦١٢): ص ١٠/ ١٤٥.\n(٥) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، زكريا الانصاري: ١/ ١٣٤.\n(٦) الكتاب، لسبويه: ٢/ ٣٢ - ٣٣، والخزانة ٣/ ٥٢١، يقول: وافيت هذا الوادي ليلا- وهو واد بعينه- فأوحشني لكثرة سباعه، فرحلت عنه ولم أمكث فيه لوحشته- والتئيّة: التلبث والمكث.\n(٧) التحرير والتنوير: ٦/ ١٥١.\n(٨) شرح العقيدة الواسطية للحازمي رقم الدرس (٩) /٢٣. [تسجيل صوتي].\n(٩) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٠.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٥.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٩.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٨.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢٢٦.\n(١٥) التفسير الميسر: ١١٠.\n(١٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٦.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٨.\n(١٨) فهم القرآن: ٢٧٦.\n(١٩) المحرر الوجيز: ٦/ ١٥١.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٢.\n(٢١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٢.","vol":"8","page":97},{"text":"والحقوق الواجبة عليه لنفسه (روحية كانت أو جسدية) وللناس، ويكون فى الآخرة منعما نعيما روحيا وجسديا.\nوخلاصة ذلك: إنه يتبع دينا يجد فيه ما يوصله إلى السلامة من الشقاء فى الدنيا والآخرة، لأنه دين الإخلاص والعدل والمساواة.\nوالثاني: إنه يخرج معتنقيه من ظلمات الوثنية والأوهام والخرافات التي أفسد بها الرؤساء جميع الأديان- إلى نور التوحيد الخالص الذي يجعل صاحبه حرا كريما بين يدى الخلق خاضعا للخاللق وحده.\nوالثالث: إنه يهدى إلى الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين إذا اعتصم به من اتبعه على الوجه الصحيح الذي أنزل لأجله، كما عمل بذلك أهل الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. أفاده المراغي (١).\n\nالقرآن\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]\nالتفسير:\nلقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح بن مريم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا، وقد ماتت أم عيسى فلم يدفع عنها الموت، كذلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه; لأنهما عبدان من عباد الله لا يقدران على دفع الهلاك عنهما، فهذا دليلٌ على أنه بشر كسائر بني آدم. وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله، يخلق ما يشاء ويوجده، وهو على كل شيء قدير.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما\" (٢).\nأخرج الطبري (٣)، وابن المنذر عن ابن جريج (٤)، في قوله جل وعز: \" ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ قال: بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي ﷺ بالمدينة منهم السيد، والعاقب، وأخبرت أن معهما عبد المسيح، وهما يومئذ سيدا أهل نجران، فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟ قال: \" ومن صاحبكم \"، قالوا: عيسى بن مريم، تزعم أنه عبد، قال النبي ﷺ: \" أجل هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم \"، فغضبوا، وقالوا: إن كنت صادقا فأرنا عبدا يحيي الموتى يبرئ الأكمه، والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ولكنه الله، فسكت النبي ﷺ حتى جاءه جبريل ﵉، فقال: يا محمد ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ هذه الآية قال النبي ﷺ: \" إنهم قد سألوني أن أخبرهم مثل عيسى \"، قال جبريل: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون إلى قوله: فمن حاجك فيه﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، أي: \" لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح بن مريم\" (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير المراغي: ٦/ ٨٠ - ٨١.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٦٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧١٦٤): ص ٦/ ٤٧٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن المنذر (٥٣٨): ص ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.واللفظ له.\n(٥) تفسير ابن المنذر (٥٣٨): ص ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٠.","vol":"8","page":98},{"text":"قال الطبري: \" يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، و«كفرهم» في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه، [و] هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام واحتجاجٌ منه لنبيه محمد ﷺ في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا\" (١).\nقال عبدالقاهر الجرجاني: \" دخل في [الآية] كل نصراني اعتقد أن المسيح أو شيء فيه حادث غير محدث، أو ادعى ثلاث أقنومات أو أقنومين\" (٢).\nقال الزمخشري: \" قولهم: ﴿إن الله هو المسيح﴾، معناه بت القول، على أن حقيقة الله هو المسيح لا غير، قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك. وقيل: ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدى إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيى ويميت ويدبر أمر العالم\" (٣).\nقال البيضاوي: \" هم الذين قالوا بالاتحاد منهم، وقيل: لم يصرح به أحد منهم ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتا وقالوا لا إله إلا الله واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم\" (٤).\nوفي تسميته بالمسيح أقوال:\nأحدها: أنه سمّي بذلك لكثرة سياحته. حكاه ابن كثير عن بعض السلف (٥).\nوالثاني: لأنه مُسِحَ بالبركة، وهذا قول الحسن (٦) وسعيد (٧).\nوالثالث: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. وأن المسيح: الصدّيق. قاله إبراهيم (٨) وهو اختيار الإمام الطبري (٩).\nوالرابع: وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: أي لا أخْمَص لهما (١٠).\nوالخامس: وقيل: المسيح بمعنى الماسح، لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى، فيمسح عين الأعمى والأعور فيبصر (١١).\nوالسادس. ان المسيح: الملك. قاله الكلبي (١٢)، وأبو عمرو بن علاء (١٣).\nوالسابع: وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. قاله أبو سليمان الدمشقي (١٤).\nوالثامن: أن المسيح ضد المسيخ، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. قاله أبو الهيثم (١٥).\nوالتاسع: وقيل: أن المسيح أصله بالعبرانية \"مشيحا\" بالشين، فعرّب كما عرّب: موشى بموسى. قاله أبو عبيدة (١٦).\nوالقول الأول أشهر، وعليه الأكثر، فـ\"سمي به، لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبئت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض\n_________\n(١) تفسير الطبري ١٠/ ١٤٦.\n(٢) درج الدرر في تفسير الآي والسور: ٢/ ٦٥٩.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦١٧.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٠٦٤)، و(٧٠٦٥): ص ٦/ ٤١٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٠٦٦): ص ٦/ ٤١٤.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٩٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٤١٤.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣.\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣، وتفسير الماتريدي: ٢/ ٣٧١، وتفسير السمرقندي: ١/ ٣١٢.\n(١٢) انظر: تفسير السمرقندي: ١/ ٣١٢.\n(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٦٨.\n(١٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٣١، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٦٨. لم ينسبه الثعلبي.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.\n(١٦) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.","vol":"8","page":99},{"text":"محنة، وابن مريم يمسحها منحة، وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول (١). ومنه قول الشاعر (٢):\nإنَّ الْمَسِيحَ يَقْتُلُ الْمَسِيحَا\nقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]، أي: \" قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا\" (٣).\nقال مقاتل: \" قل لهم يا محمد: فمن يقدر أن يمتنع من الله شيئا من شيء من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا بعذاب أو بموت فمن الذي يحول بينه وبين ذلك\" (٤).\nقال الثعلبي: \" أي: من يطيق أن يدفع من أمر الله شيئا فيرده إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئا إن أراد أن يهلك من دعوه إلها من المسيح وأمه دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، وأراد بعطف ﴿من في الأرض﴾ على: ﴿المسيح ابن مريم وأمه﴾ أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية\" (٦).\nقال القرطبي: \" أي: فمن يقدر أن يمنع من ذلك شيئا؟ فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضا فمن يدفعه عن ذلك أو يرده\" (٧).\nقال ابن عطية: \" أي: لا مالك ولا راد لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ الإرادة فيه ليس بإله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٧]، أي: \" وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" والله له تصريف ما في السموات والأرض وما بينهما\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يقول: إليه سلطان السموات والأرض وما بينهما من الخلق، ﴿يخلق ما يشاء﴾، يعني: عيسى شاء أن يخلقه من غير بشر\" (١١).\nقال القرطبي: أي: \"والمسيح وأمه بينهما مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للإلهية\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما فحصل المسيح ﵇ أقل أجزاء ملك الله تعالى\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.\n(٢) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٣/ ٦٩، والقرطبي في تفسيره: ٤/ ٨٩، ولم أتعرف على قائله فيما توفرت لديّ من المصادر.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٦٣.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٤/ ٣٩ - ٤٠.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦١٧.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٩.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٨.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٦٣.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٩.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.","vol":"8","page":100},{"text":"قال عبدالقاهر الجرجاني: \" وإنما خصّ [السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، لاستيعاب غاية جهات فوق وغاية جهات تحت ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الحيوان والنبات وغيرهما\" (١).\nقال السمعاني: \" فيه إشارة إلى أن المستحق للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا\" (٢).\nوقد ذكر ﴿السموات﴾ بلفظ الجمع، ولم يقل: \"وما بينهن\"، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي (٣):\nطَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَاهِمِي، أَقْرِيهِمَا ... قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالقِسِيِّ وَحُولا\nفقال: \"طرقا\"، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: \"فتلك هَمَاهمي\"، فرجع إلى معنى الكلام (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٧]، أي: \" يخلق ما يشاء ويوجده\" (٥).\nقال مقاتل: \" من خلق عيسى من غير بشر وغيره من الخلق\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" أى يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم. أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك. فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟ \" (٨).\nقال ابن عطية: \" قوله تعالى: ﴿يخلق ما يشاء﴾ - إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعا كآدم ﵇\" (٩).\nقال السمرقندي: \" ثم قال: ﴿يخلق ما يشاء﴾، لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشرا كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب\" (١٠).\nقال عبدالقاهر الجرجاني: قوله:: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ \" يدل على أنه يخلق اختيارًا واقتدارًا من غير احتياج واضطرار\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]، أي: \" وَاللَّه عَلَى كُلّ شيْء قَدِيرٌ فلا يعجزه شيء\" (١٢).\n_________\n(١) درج الدرر: ٢/ ٦٦٠.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٢٤.\n(٣) من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: ١٧٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١٨، ١٦٠، يقول لابنته خليدة: لَمَّا رَأَتْ أَرَقِي وَطُولَ تَلَدُّدِي ... ذَاتَ الْعِشَاء وَلَيْلَيِ الْمَوْصُولا\nقَالَتْ خُلَيْدَةُ: مَا عَرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْ ... أَبَدًا إِذَا عَرَتِ الشُّئُونُ سَؤُولا\nأَخُلَيْدَ، إِنَّ أَبَاكِ ضَافَ وِسَادَهُ ... هَمَّان باتَا جَنْبَةً وَدَخِيلا\nطَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَا هِي .... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\"الهماهم\": الهموم. و\"قلص\" جمع\"قلوص\": الفتية من الإبل.\"لواقح\": حوامل، جمع\"لاقح\". و\"الحول\"، جمع\"حائل\"، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل. يقول: أجعل قرى هذه الهموم، نوقًا هذه صفاتها، كأنها قسى موترة من طول أسفارها، فأضرب بها الفيافي.\n(٤) انظر: تفسيرالطبري: ١٠/ ١٤٨ - ١٤٩.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٦٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦١٨.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٩.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٧٩.\n(١١) درج الدرر: ٢/ ٦٦٠.\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٠، وصفوة التفاسير: ٣٠٨.","vol":"8","page":101},{"text":"قال ابن عطية: \" عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، و«الشيء» في اللغة هو الموجود\" (١).\nقال الطبري: أي: \" الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا، لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك\" (٢).\nقال الرازي: \" في الآية سؤال، وهو أن أحدا من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به.\nوجوابه: أن كثيرا من الحلولية يقولون: إن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين، أو في روحه، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إن قوما من النصارى ذهبوا إلى هذا القول، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى، وذلك لأنهم يقولون: أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى ﵇، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتا أو صفة، فإن كان ذاتا فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول\" (٣).\nالفوائد:\n١ - مواجهة القرآن الكريم للوثنيات التي تسربت إلى المسيحية، وهي ثنيات تتشابه وتتشابك في الشكل والموضوع، فسجل كفر النصارى وقولهم إن المسيح هو الله.\n٢ - كفر من ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه من سائر النقائص، وفي الآية الرد على شبه النصارى وأكاذيبهم.\n٣ - أن كل ما سوى الله فقير إليه لذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون لقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته والهيته مثقال ذرة.\n٤ - إن حقيقة التوحيد توجب تفرُّد الله تعالى بصفات الربوبية والألوهية، فلا يشاركه أحد من خلقه في ذلك، وكثيرًا ما يقع الناس في الشرك والضلال بغلوهم في الأنبياء والصالحين، كما غلا النصارى في المسيح، فالكون كله لله، والخلق بيده وحده، وما يظهر من خوارق وآيات مَرَدُّه إلى الله. يخلق سبحانه ما يشاء، ويفعل ما يريد.\n٢ - ومن اسمائه تعالى: «القدير»: إذ \"وصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور\" (٤).\n\nالقرآن\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة: ١٨]\nالتفسير:\nوزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل لهم -أيها الرسول-: فَلأيِّ شيء يعذِّبكم بذنوبكم؟ فلو كنتم أحبابه ما عذبكم، فالله لا يحب إلا من أطاعه، وقل لهم: بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم، إن أحسنتُم جوزيتم بإحسانكم خيرا، وإن أسَأْتُم جوزيتم بإساءتكم شرًّا، فالله يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو مالك الملك، يُصَرِّفه كما يشاء، وإليه المرجع، فيحكم بين عباده، ويجازي كلا بما يستحق.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(٤) شأن الدعاء للخطابي: ٨٥.","vol":"8","page":102},{"text":"سبب النزول:\nقال ابن عباس﵄-: \"أتى رسول الله - ﷺ - نعمان بن أُحي وبحري بن عمرو وشاس بن عدي، فكلموه؛ فكلمهم رسول الله - ﷺ - ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى؛ فأنزل الله -جل وعزّ- فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية\" (١). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: \" وزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه\" (٢).\nقال النسفي: \" أي أعزة عليه كالابن على الأب أو أشياع ابني الله عزير والمسيح كما قيل لأشباع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون كما كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناءالملوك أو نحن أبناء رسل الله\" (٣).\nقال السدي: \" أما أبناء الله، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة آل عمران: ٢٤]. وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله\" (٤).\nوعن السدي ايضا: \" أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك - بكرك من الولد - فيدخلهم النار فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم يناد مناد أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل. فأخرجوهم، فذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] \" (٥).\nقال السعدي: \" والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح\" (٦).\nوالعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: نحن الأجواد الكرام، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير (٧):\nنَدَسْنَا أَبَا مَنْدُوسَةَ القَيْنَ بِالقَنَا ... وَمَارَ دَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ نَاقعُ\nفقال: نَدَسْنَا، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\" -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان (١١٦١٣): ص ١٠/ ١٥٠، وابن أبي حاتم وابن المنذر؛ كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤، وأبو نعيم الأصبهاني في \"معرفة الصحابة\" (٥٤١٢) ٤ ص/ ٢١٥٧، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٥٣٥ - ضمن حديث طويل) -: ثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nقلنا: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق؛ كما قال الحافظان الذهبي والعسقلاني.\n(٢) التفسير الميسر: ١/ ١١١.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٦١٤): ص ١٠/ ١٥١.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩ - ٧٠.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٧). ديوانه: ٣٧٢، والنقائض: ٦٩٣، واللسان (بيب) (مور) (ندس). وندس: طعن طعنًا خفيفًا. وأبو مندوسة، هو مرة بن سفيان بن مجاشع، جد الفرزذق. قتلته بنو يربوع - قوم جرير - في يوم الكلاب الأول. والقين لقب لرهط الفرزدق، يهجون به. وجاربيبة، هو الصمة بن الحارث الجشمي، قتله ثعلبة بن حصبة، وهو في جوار الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع، من رهط الفرزدق. ومار الدم على وجه الأرض: جرى وتحرك فجاء وذهب. ودم ناقع، أي: طري لم ييبس.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٥١ - ١٥٢.","vol":"8","page":103},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: \" قل لهم -أيها الرسول-: فَلأيِّ شيء يعذِّبكم بذنوبكم؟ فلو كنتم أحبابه ما عذبكم، فالله لا يحب إلا من أطاعه\" (١).\nقال السعدي: أي: \" فلو كنتم أحبابه ما عذبكم لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه\" (٢).\nقال النسفي: \" أي: فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أيامًا معدودة على زعمكم وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الوالد ولده بالنار\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي: إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد عرفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: \" وقل لهم: بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم\" (٥).\nقال النسفي: \" أي: أنتم خلق من خلقه لا بنوه\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي: لستم كذلك بل أنتم بشر من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه بل أنتم بشر ممن خلق، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها\" (٩).\nقال السعدي: اي: \" تجري عليكم أحكام العدل والفضل\" (١٠).\nقال القرطبي: \" فرد عليهم قولهم فقال: ﴿فلم يعذبكم بذنوبكم﴾، فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين:\n- إما أن يقولوا: هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذا أبناءه وأحباءه، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرون بعذابه، فذلك دليل على كذبكم- وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف-.\n- أو يقولوا: لا يعذبنا، فيكذبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم.\nوقيل: معنى ﴿يعذبكم﴾ عذبكم، فهو بمعنى المضي، أي فلم مسخكم قردة وخنازير؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا، بل يحتج عليهم بما عرفوه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: \" فالله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء\" (١٢).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١/ ١١١.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٧.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢١.\n(٥) التفسير الميسر: ١/ ١١١.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٧.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٢ - ١٥٣.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(١١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٠ - ١٢١.\n(١٢) التفسير الميسر: ١/ ١١١.","vol":"8","page":104},{"text":"قال السدي: \" يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه\" (١).\nقال السعدي: اي: \" إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها، ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه\" (٣).\nقال أبو السعود: \" ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله ﴿ويعذب من يشاء﴾ أن يعذبه منهم وهم الذين كفروا به وبرسله مثلكم\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: هو فعال لما يريد، لا مُعَقِّب لحكمه وهو سريع الحساب \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٨]، أي: \" وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله\" (٦).\nقال النسفي: \" فيه تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والنبوة متنافيان\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة المماليك\" (١٠).\nقال أبو السعود: أي: \"من الموجودات لا ينتمي إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيهم كيف يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وايماتة وايثابة وتعذيبا فأنى لهم ادعاء ما زعموا\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]، أي: \" وإليه المرجع، فيحكم بين عباده، ويجازي كلا بما يستحق\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي: يئول أمر العباد إليه في الآخرة\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف\" (١٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٦١٥): ص ١٠/ ١٥٤.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٣.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٠.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٧.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٤.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(١١) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢١.\n(١٢) التفسير الميسر: ١/ ١١١.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢١.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٩.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٤.","vol":"8","page":105},{"text":"قال أبو السعود: أي: \" في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلال أو اشتراكا فيجازي كلا من المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه\" (١).\nقال السعدي: أي: وانتم \"من جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم\" (٢).\nقال الحسن البصري: \" ابن آدم! لا يغرنك أن تقول: المرء مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم، وإن اليهود والنصارى ليحبون أنبياءهم، ولا والله؛ ما يحشرون معهم، ولا يدخلون في زمرتهم، وإنهم لحطب جهنم هم لها واردون \" (٣).\nالفوائد:\n١ - بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي.\n٢ - نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد.\n٣ - تحريف اليهود والنصارى لمفهوم علاقة البشرية بالله إلى بنوة-والعياذ بالله-\n٤ - يستفاد من الآية: أن المحبة نوعان:\nأحدهما: المحبة الشكرية: وهي كل محبة تغر في الدين وتبعث على الاكتفاء بها دون الجد في الصالحات وتحري المشروع منها، ولا تثمر ربط القلوب وصلتها بعضها ببعض إذا اتحدت على الشهادتين، ولا توجب النفور من كل من يحاول هدم تعاليم الإِسلام، ولا تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعود صاحبها على استعذاب العذاب في خدمة المبدإ الحق المجمل في الشهادتين، وهذه المحبة الشركية هي التي ردها الله على مشركي قريش وضلال اليهود والنصارى بآية آل عمران المتقدمة، وبقوله في المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨].\nوالثاني: المحبة الشرعية: وهي المبنية على الإيمان والعمل الصالح، وأنها النجاة من العذاب، وأفاد حديث \" الصحيحين \" عن أنس ﵁؛ أنه - ﷺ - قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٤).\nوقد نقل في \" كشف الخفاء \" عن بعض العلماء بعدما أورد حديث «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ورواياته أنه: \" مشروط بشرط، وعنى - ﷺ -: أنه إذا أحبهم عمل بمثل أعمالهم \" (٥).\nوفي هذا المعنى قال عبدالله بن المبارك (٦):\nتعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه ... هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ\nلو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه ... إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ\nقال السمرقندي: \" والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حبا له\" (٧).\nوحكى عن البيهقي، \"أن رجلًا من أهل بغداد سأل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقًا في حب مولاه؛ فقال: إذا خلا من خلافه كان صادقًا في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه وصاح وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه؟ ! فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصر في حقه\" (٨).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢١.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٣) نقله ابن الجوزي في \" رسالته \": ٣٢.\n(٤) رواه البخاري (١٠/ ٥٥٧/ ٦١٦٨ و٦١٦٩ و٦١٧٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٣٤/ ٢٦٤٠ و٢٦٤١).\n(٥) كشف الخفاء: ٢/ ٢٠٣.\n(٦) تهذيب الكمال: ٦/ ٣٦٠، وتاريخ دمشق: ٣٢/ ٤٦٩.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ١١١.\n(٨) كشف الخفاء: ٢/ ٢٠٣.","vol":"8","page":106},{"text":"القرآن\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة: ١٩]\nالتفسير:\nيا أيها اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ، يُبيِّن لكم الحق والهدى بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله بإرسال عيسى ابن مريم; لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فلا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم، فقد جاءكم من الله رسولٌ يبشِّر مَن آمن به، ويُنذِر مَن عصاه. والله على كل شيء قدير من عقاب العاصي وثواب المطيع.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس -﵄-: \"قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود اتقوا الله؛ فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهودا: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده؛ فأنزل الله -﷿- في قولهما: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: \" يا أيها اليهود والنصارى\" (٢).\nقال ابن عطية: \" خطاب لليهود والنصارى\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: \" قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ، يُبيِّن لكم الحق والهدى بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله بإرسال عيسى ابن مريم \" (٤).\nقال السمعاني: \" أي: على انقطاع من الرسل\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحى\" (٦).\nقال الزجاج: \" ﴿على فترة من الرسل﴾، أي: على انقطاع، لأن النبي - ﷺ - بعث بعد انقطاع الرسل لأن الرسل كانت إلى وقت رفع عيسى تترى، أي متواترة، يجيء بعضها في إثر بعض\" (٧).\nقال القرطبي: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾: \"أي سكون، يقال فتر الشيء سكن.\nوقيل: ﴿على فترة﴾ على انقطاع ما بين النبيين، عن أبي علي وجماعة أهل العلم، حكاه الرماني، قال: والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه، من قولهم: فتر عن عمله وفترته عنه، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد، وامرأة فاترة الطرف أي\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في المغازي -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\" (١١٦١٦): ص ١٠/ ١٥٥، وابن أبي حاتم وابن المنذر؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٥)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٥٣٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في \"معرفة الصحابة\" (٤/ ٢١٥٧ رقم ٥٤١٢) -: ثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nقلنا: وسنده ضعيف، لجهالة شيخ ابن إسحاق؛ كما قال الحافظان الذهبي والعسقلاني.\n(٢) التفسير الميسر: ١١١.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٢.\n(٤) التفسير الميسر: ١١١.\n(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٢٤.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦١٩.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٦٢.","vol":"8","page":107},{"text":"منقطعة عن حدة النظر، وفتور البدن كفتور الماء، والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما، والمعنى، أي: مضت للرسل مدة قبله\" (١).\nوالمشهور أن: ﴿على فترة﴾، أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، على أقوال:\nأحدها: أنها كانت ستمائة سنة. وهذا قول أبو عثمان النَّهْديّ (٢)، وقتادة - في رواية عنه- (٣).\nوالثاني: أنها كانت خمسمائة وستون سنة. وهذا مروي عن سلمان الفارسي، وقتادة أيضا (٤).\nوالثالث: أنها خمسمائة وأربعون سنة. وهذا قول معمر عن بعض اصحابه (٥).\nوالرابع: أنها كانت أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. قاله الضحاك (٦).\nوالخامس: وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى، -﵇- عن الشعبي أنه قال: \"ومنْ رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة\" (٧).\nوالسادس: قال الكلبي: \"كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبى وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أربعة أنبياء، ثلاث من بنى إسرائيل، وواحد من العرب: خالد بن سنان العبسي (٨) \" (٩).\nوأشهر الأقوال أنها ستمائة سنة (١٠). والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: \" ; لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فلا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" كراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي لئلا أو كراهية أن تقولوا، ﴿ما جاءنا من بشير﴾، أي: مبشر، ﴿ولا نذير﴾، أي: منذر\" (١٣).\nقال الطبري: \" يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل\" (١٤).\nقال المراغي: \" أي إننا إنما بعثناه إليكم كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير يبشرنا بحسن العاقبة للمؤمنين، وينذرنا بسوء عاقبة المفسدين الضالين\" (١٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢١.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٠، وتفسير السمعاني: ٢/ ٢٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦١٨): ص ١/ ١٥٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٠): ص ١/ ١٥٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢١): ص ١/ ١٥٧.\n(٧» تاريخ دمشق لابن عساكر (١٤/ ٣٠ القسم المخطوط)، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/ ٨٦).\n(٨) يروى من حديث عن ابن عباس: أنه جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي ﵇، فبسط لها ثوبه، وقال: «بنت نبي ضيّعه قومه». ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٤١٣، والطبقات الكبرى ١/ ٢٩٦ والمعجم الكبير للطبراني (١٢٢٥٠)، ومعجم السفر، وانظر: البدء والتاريخ ٣/ ٦، والكامل ١/ ٢٩١.\nوإسناده ضعيف، لضعف قيس بن الربيع.\nوهو معارض بحديث «أنا أولى الناس بعيسى، الأنبياء أبناء علات، وليس بيني وبين عيسى نبي».\n- أخرجه البخاري ٣٤٤٣ ومسلم ٢٣٦٥ وأحمد ٢/ ٣١٩ وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n- فهذا يرد الحديث المتقدم، بل ولا يصح ثبوت نبوة رجل بخبر ضعيف.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦١٩.\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٠.\n(١١) التفسير الميسر: ١١١.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢١.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٢.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٦.\n(١٥) تفسير المراغي: ٦/ ٨٦.","vol":"8","page":108},{"text":"قال الزمخشري: \" أى: لا تعتذروا فقد جاءكم ... والمعنى: الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحى أحوج ما يكون إليه، ليهشوا إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غدا بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم\" (١).\nقال الكوفيون: \"معناه: أن لا تقولوا: وقال البصريون معناه: كراهة أن تقولوا\" (٢).\nقال الزجاج: \" قال بعضهم: معناه: أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير، أي بعث الله النبي - ﷺ - لئلا تقولوا ما جاءنا من بشير، ومثله قوله ﷿: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، معناه: أن لا تضلوا.\nوقال بعضهم: أن تقولوا: معناه كراهة أن تقولوا، وحذفت كراهة، كما قال جل وعز: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، معناه: سل أهل القرية\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: \" فقد جاءكم من الله رسولٌ يبشِّر مَن آمن به، ويُنذِر مَن عصاه\" (٤).\nقال البيضاوي: \"أي: لا تعتذروا بـ ﴿ما جاءنا﴾، فقد جاءكم\" (٥).\nقال المراغي: أي: \" يبين لكم أمر النجاة والخلاص والسعادة الأبدية، وأنها منوطة بالإيمان والأعمال، وأن الله لا يحابى أحدا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: \" والله على كل شيء قدير من عقاب العاصي وثواب المطيع\" (٧).\nقال القرطبي: \" أي: على إرسال من شاء من خلقه. وقيل: قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه\" (٨).\nقال البيضاوي: \" وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكونون إليه\" (٩).\nقال المراغي: \" ومن دلائل قدرته نصر نبيه ﷺ وإعلاء كلمته فى الدنيا، وفى ذلك رمز لكم إن كنتم من ذوى الأحلام إلى ما يكون له من المنزلة فى الدار الآخرة\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - أن الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا ﷺ إلى اليهود والنصارى وغيرهم من العرب والعجم فكان خاتم النبيين المعقب لهم.\n٢ - قطع عذر أهل الكتاب بإرسال الرسول محمد ﷺ على حين فترة من الرسل.\n٣ - ومن الفوئاد: أنه لن يدخل أحدًا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فخاطب -سبحانه- أهل الكتاب من اليهود والنصارى في هذه الآية بأنه بعث إليهم رسوله محمدا -ﷺ- على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم، والحاجة إليه أعم.\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦١٩.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٢٤.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٦٢.\n(٤) التفسير الميسر: ١١١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢١.\n(٦) تفسير المراغي: ٦/ ٨٧.\n(٧) التفسير الميسر: ١١١.\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٢.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢١.\n(١٠) تفسير المراغي: ٦/ ٨٧.","vol":"8","page":109},{"text":"٤ - ومنها: أن النبوة قد ختمت، وفيه الرد على الإمامية الذين يعتقدون أنه لا يخلو زمان من نبي أو وصي قائم مقامه، وهو يعلمون أن بعث النبي أو نصب الوصي واجب عليه تعالى، ولا يعتقد أهل السنة وجوب شيء على البارى تعالى.\nوعقيدة الشيعة هذه مخالفة للكتاب والعترة، أما الكتاب فلأن كثيرا من آياته تدل على وجود زمن الفترة وخلوه عن النبوة وآثارها، كما قال الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترةٍ من الرسل﴾ وغيرها من الآيات. وأيضا تدل آيات كثيرة بالصراحة على ختم النبوة كقوله تعالى ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\nوأما أخبار الأئمة في هذا الباب فأزيد من الحد والإحصاء، وقد تواتر عن الإمام علي﵁- في صفة الصلاة على النبي في كتب الإمامية هذه العبارة «اللَّهُمَّ داحي المدحوات وبارىء المسموكات وجبار الْقُلُوب على فطراتها شقيها وسعيدها اجْعَل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق» (١).\nوأيضا ورد في بعض خطب الإمام علي﵁المتواترة عند الشيعة هذه العبارة «أرسله على فترة من الرسل، وطول هجعه بين الأمم» (٢)، إلى أن قال «وأمين وحيه وخاتم وبشير رحمته ونذير نقمته» (٣)، وهذه الخطبة كما تدل على ختم النبوة كذلك تدل على وقوع الفترة أيضا (٤).\n٥ - ومن اسمائه تعالى: «القدير»: إذ \"وصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور\" (٥).\nروي البيهقي عن عبد العزيز قال الحليمي، قال: \"و«القدير»: التام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه\" (٦).\n\nالقرآن\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠]\nالتفسير:\nواذكر -أيها الرسول- إذ قال موسى ﵇ لقومه: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكًا تملكون أمركم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه، وقد منحكم من نعمه صنوفًا لم يمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: \" واذكر -أيها الرسول- إذ قال موسى ﵇ لقومه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: \" يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم\" (٨).\nقال ابن عباس: \" يقول: عافية الله ﷿\" (٩).\nقال ابن عيينة: \" أيادي الله عندكم وأيَّامه\" (١٠).\n_________\n(١) غريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ١٤٣، ومختصر التحفة الاثنى عشرية للدهلوي: ١/ ١٠٠.\n(٢) الكافي: ١/ ٦٠ ..\n(٣) نهج البلاغة، نقلا عن مختصر التحفة الاثنى عشرية للدهلوي: ١/ ١٠٠.\n(٤) انظر: مختصر التحفة الاثنى عشرية، عبدالعزيز الدهلوي: ١/ ١٠٠.\n(٥) شأن الدعاء للخطابي: ٨٥.\n(٦) الاسما والصفات: ٢/ ١١١.\n(٧) التفسير الميسر: ١١١.\n(٨) التفسير الميسر: ١١١.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٦٢٣): ص ١٠/ ١٥٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٦٢٢): ص ١٠/ ١٥٩.","vol":"8","page":110},{"text":"قال المراغي: \" أي: واذكر أيها الرسول الكريم لبنى إسرائيل وسائر من تبلغهم دعوتك حين قول موسى لقومه بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه وأخرجهم من ذلك البلد الظالم أهله يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم واشكروه على ذلك بالطاعة له، لأن ذلك يوجب مزيدها كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وتركها يوجب المؤاخذة والعذاب الشديد كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ [إبراهيم: ٧] \" (١).\nقال الطبري: و\"الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها\" (٢).\nقال السعدي: \" ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾، بقلوبكم وألسنتكم. فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: \" إذ جعل فيكم أنبياء\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى، ﵇، ثم أوحى الله تعالى إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم، ﵇، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم -ﷺ-\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وجهان (٦):\nأحدهما: أنهم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى.\nوالثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى.\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: \" وجعلكم ملوكًا تملكون أمركم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه\" (٧).\nقال قتادة: \" كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا\" (٨).\nوقال ابن شَوْذَب: \"كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم، واستؤذن عليه، فهو ملك\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، أقوال:\nأحدها: لأنهم مَلَكوا أنفسهم بأن خلصهم من استعباد القبط لهم، وهذا قول الحسن (١٠).\nوالثاني: لأن كل واحد ملك نفسه وأهله وماله، وهذا قول السدي (١١).\nوالثالث: لأنهم كانوا أول من ملك الخدم من بني آدم، وهو قول قتادة (١٢).\nوالرابع: أنهم جُعِلُوا ملوكًا بالمَنِّ والسَّلْوَى والحَجَر، وهذا قول ابن عباس (١٣).\nوالخامس: وقيل: المعنى: جعلكم ذوي منازل لا يُدْخَلُ عليكم فيها إلا بإذن (١٤).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٦/ ٨٨ - ٨٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٠.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٤) التفسير الميسر: ١١١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٢.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٤.\n(٧) التفسير الميسر: ١١١.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٦٢٤): ص ١٠/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٤.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٦): ص ١٠/ ١٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٤): ص ١٠/ ١٦٣.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٤.\n(١٤) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي: ٣/ ١٦٥٨.","vol":"8","page":111},{"text":"والسادس: أن الملك مركب وخادم ودار. وهذا قول الحسن أيضا (١).\nوالسابع: أن كل من ملك دارًا وزوجة وخادمًا، وفهو ملك من سائر الناس، وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (٢)، وابن عباس-في ر رواية عنه- (٣)، والحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦).\nوقد روى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من كان له بيت يأوي إليه وزوجة وخادم، فهو ملك\" (٧).\nقال ابن كثير: \" هذا مرسل غريب. وقال مالك: بيت وخادم وزوجة\" (٨).\nوعن أبو عبد الرحمن الحبلي قال: \"سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك\" (٩).\nوعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: \"كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كُتِب ملكا\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، أي: \" وقد منحكم من نعمه صنوفًا لم يمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم\" (١١).\nقال ابن كثير: \" يعني عالمي زمانكم، فكأنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]، وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠] \" (١٢).\nواختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين على ثلاثة أقوال:\nأحدها: المن والسلوى والغمام والحجر، وهو قول مجاهد (١٣).\nالثاني: أنه الدَّار والخادِم والزوجة. وهذا قول ابن عباس (١٤).\nوالثالث: كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم (١٥).\nوالصواب-والله أعلم- هو قولُ من قال: \" ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين﴾، في سياق قوله: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾، ومعطوفٌ عليه، ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: \"وآتاكم ما\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٥): ص ١٠/ ١٦٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٣): ص ١٠/ ١٦٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٧): ص ١٠/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٥): ص ١٠/ ١٦٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٦): ص ١٠/ ١٦٠.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٦٢٦): ص ١٠/ ١٦١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٦٢٥): ص ١٠/ ١٦١.\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣. وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.\n(١١) التفسير الميسر: ١١١.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٠)، و(١١٦٤١): ص ١٠/ ١٦٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٢)، و(١١٦٤٣): ص ١٠/ ١٦٤.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٥.","vol":"8","page":112},{"text":"لم يؤت أحدًا من العالمين\" مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم\" (١).\nواختلف فيمن عنوا بالخطاب في وفي قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، على قولين:\nأحدهما: عني به أمة محمد -ﷺ-. وهذا قول أبي مالك (٢)، وسعيد بن جبير (٣).\nوالثاني: عُنِي به قوم موسى -ﷺ-. وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥).\nوالراجح-والله أعلم- انه خطاب من موسى ﷺ لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه ﷺ، أحد من العالمين (٦).\nقال ابن كثير: \" الجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم، والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، وأعظم ملكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا، قال الله -﷿-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها، عند الله، عند قوله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران\" (٧).\nويمكن القول بأن المقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، وهي:\nأحدها: إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله ﷾ في سورة الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة.\nوالثاني: المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله ﷾ عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهًا لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].\nوالثالث: المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله ﷾: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. وبه قال قتادة (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبو العالية (١١). وهذا مذهب الجمهور (١٢).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٧): ص ١٠/ ١٦٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٧): ص ١٠/ ١٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٩): ص ١٠/ ١٦٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٨): ص ١٠/ ١٦٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٦.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٦٨): ص ٢/ ٢٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٧٠): ص ٢/ ٢٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (٨٧٢): ص ٢/ ٢٤.\n(١١) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.\n(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٤.","vol":"8","page":113},{"text":"١ - أن شعب بني إسرائيل تفضّل الله عليهم بكثير من النعم، وبعث فيهم كثيرًا من الأنبياء والرسل لدعوتهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر والفساد.\n٢ - من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمدًا ﷺ.\n٣ - ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾.\n٤ - وقد بين لهم موسى أصناف هذه النعم التي منحها لهم مولاهم وحصرها فى ثلاثة أشياء:\nأحدها: -وهو أرفعها قدرا وأعلاها ذكرا-، أنه جعل كثيرا منهم أنبياء كموسى وهرون ومن كان قبلهما، وقد حكى ابن جرير أن السبعين الذين اختارهم موسى ليصعدوا معه الجبل حين يصعده لمناجاة ربه صاروا كلهم أنبياء، والمعروف أن النبوة عند أهل الكتاب المراد منها الإخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع فى المستقبل بوحي أو إلهام من الله ﷿، وقد كان جميع أنبيائهم من بعد موسى يحكمون بما فى التوراة ويعملون بها حتى المسيح ﵇.\nوالثاني: أنه جعلهم ملوكا، والمراد من الملك هنا الحرية فى تدبير أمورهم وأمور أسرهم بأنفسهم، وفى هذا من تعظيم هذه النعمة ما لا يخفى.\nلا شك أن من كان متمتعا بمثل هذا كان متمتعا بنحو ما يتمتع به الملوك من الراحة والحرية فى التصرف فى سياسة بيته، والناس يقولون إلى الآن لمن كان مخدوما مع عشيرته هانئا فى معيشته مالكا لمسكنه \"هذا ملك- أو ملك زمانه\" يريدون أنه يعيش عيشة الملوك.\nوالثالث: أنه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، أي عالمى زمانهم وشعوبه التي كانت مستعبدة للطغاة من الملوك فقد خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام، فقد فلق البحر لهم وأهلك عدوهم، وأورثهم أموالهم، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأظل فوقهم الغمام.\n٥ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحدًا بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾، خصها بالذكر لأهميتها.\n٦ - ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥].\n\nالقرآن\n﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١]\nالتفسير:\nيا قوم ادخلوا الأرض المقدسة -أي المطهرة، وهي «بيت المقدس» وما حولها- التي وعد الله أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار، ولا ترجعوا عن قتال الجبارين، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة.\nقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: \" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة -أي المطهرة، وهي «بيت المقدس» وما حولها\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: المطهرة\" (٢).\nقال المراغي: \" ﴿المقدسة﴾، المطهرة من الوثنية، لما بعث الله فيها من الأنبياء الدعاة إلى التوحيد\" (٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.\n(٣) تفسير المراغي: ٦/ ٩٠.","vol":"8","page":114},{"text":"قال الزجاج: \" وإنما سمي بالمقدس لأن المقدس: المكان الذي يتطهر فيه. فتأويله البيت الذي يطهر الإنسان من العيوب، ومن هذا قيل: القدس، أي: الذي يتطهر منه، كما قيل: مطهرة لما يتوضأ منه، إنما هي مفعلة من الطهر\" (١).\nأخرج الطبري عن مجاهد: \" ﴿الأرض المقدسة﴾، قال: المباركة\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، وجوه:\nأحدها: أرض بيت المقدس (أرض اريحا)، وهذا قول ابن عباس (٣)، والسدي (٤)، وابن زيد (٥).\nقال القاسمي: \" يعني: أرض بيت المقدس التي كانت مقدسة بمساكنة من مضى من الأنبياء. ثم تلوّثت بمساكنة الأعداء من جبابرة الكنعانيين، فأراد تطهيرها بإخراجهم وإسكان قومه\" (٦).\nوالثاني: طور وما حوله. وهذا قول مجاهد (٧).\nوالثالث: هي الشام، وهذا قول قتادة (٨).\nوالرابع: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، ذكره الطبري (٩)، والزجاج (١٠).\nقال الإمام الطبري: \": وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: \" - التي وعد الله أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وراثة من آمن منكم\" (١٣).\nقال الزمخشري: أي: \" قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم\" (١٤).\nقال القاسمي: أي: \" التي وعدكموها على لسان أبيكم إبراهيم، بأن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجره\" (١٥).\nأخرج الطبري عن محمد بن إسحاق، \" ﴿التي كتب الله لكم﴾، التي وهب الله لكم\" (١٦).\nوعن السدي: \" ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، التي أمركم الله بها\" (١٧).\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.\n(٢) تفسير الطبري (١١٦٥١): ص ١٠/ ١٦٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٥٠): ص ١٠/ ١٦٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٩): ص ١٠/ ١٦٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٨): ص ١٠/ ١٦٨.\n(٦) محاسن التأويل: ٤/ ١٠١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٤) - (١١٦٤٦): ص ١٠/ ١٦٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٧): ص ١٠/ ١٦٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٨.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٨.\n(١٢) التفسير الميسر: ١١١.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٢٠.\n(١٥) محاسن التأويل: ٤/ ١٠١.\n(١٦) تفسير الطبري (١١٦٥٣): ص ١٠/ ١٦٩.\n(١٧) أخرجه الطبري (١١٦٥٤): ص ١٠/ ١٦٩.","vol":"8","page":115},{"text":"قال السعدي: \" أخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم\" (١).\nقال السمرقندي: \" ﴿التي كتب الله لكم﴾، يعني: التي أمركم الله أن تدخلوها، ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثا منه حين خرج إبراهيم﵇- فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم. فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك (٢). وهي: أرض فلسطين وأردن وما حولهما. فقال موسى لقومه: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم﵇- ولكم ميراث منه\" (٣).\nوقال القتبي: \"أصل «الكتاب»: ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.\nويقال: «كتب»، يعني: قضى، كما قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].\nويقال: «كتب»، أي: فرض كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي فرض.\nويقال: ﴿كتب عليكم﴾، أي: جعل، كما قال: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين﴾ [آل عمران: ٥٣].\nويقال: «كتب»، أي: أمر. كما قال: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، يعني: أمر الله لكم بدخولها. قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: \" ولا ترجعوا عن قتال الجبارين\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: لا ترجعوا\" (٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: ولا تنكلوا عن الجهاد\" (٨).\nقال القاسمي: \" أي: لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا\" (٩).\nقال المراغي: \" أي: لا نرجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل والهدى والرشاد إلى الوثنية والفساد فى الأرض، بالظلم والبغي واتباع الأهواء\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة ولا ترتدوا يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين على أدباركم يعني: إلى ورائكم، ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر. وقالوا:\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٢) وذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٢٠، فقال: \" وقيل: سماها الله لإبراهيم ميراثا لولده حين رفع على الجبل، فقيل له. انظر، فلك ما أدرك بصرك\". ولم أقف عليه فيما توفر عندي من المصادر.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٨١.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٨١.\n(٥) التفسير الميسر: ١١١.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٣٨١.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.\n(٩) محاسن التأويل: ٤/ ١٠١.\n(١٠) تفسير المراغي: ٦/ ٩٠.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٠.","vol":"8","page":116},{"text":"تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم\" (١).\nقال قتادة: \" أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وجهان (٣):\nأحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته.\nوالثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها.\nقوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: \"، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة\" (٤).\nقال القاسمي: \" أي: فترجعوا مغبونين بالعقوبة\" (٥).\nقال السمرقندي: أي: \" فتصيروا خاسرين بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة\" (٦).\nقال السعدي: أي: \"قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: فإن فى هذا الرجوع خسرانا لكم، إذ تخسرون فيه هذه النعم، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء شكركم، فتحرمون من خيراتها وبركاتها\" (٨).\nالفوائد:\n١ - أن موسى -﵇- أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله.\n٢ - بيان فضل الشام.\nالقرآن\n﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة: ٢٢]\nالتفسير:\nقالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم، وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: \" قالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم\" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: قتالين أشداء يقتل الرجل منهم العصابة منا\" (١٠).\nقال قتادة: \" ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم \" (١١).\nوعن الضحاك: \" ﴿إن فيها قومًا جبارين﴾، قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة - التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها - قوما جبارين، أي: ذوي خلَقٍ هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مُصَاولتهم\" (١٣).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٢٠.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٦٥٥): ص ١٠/ ١٧١.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٥.\n(٤) التفسير الميسر: ١١١.\n(٥) محاسن التأويل: ٤/ ١٠١.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٨١.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٢٧.\n(٨) تفسير المراغي: ٦/ ٩٠.\n(٩) التفسير الميسر: ١١١.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٦.\n(١١) أخرجه الطبري (١١٦٥٨): ص ١٠/ ١٧٣.\n(١٢) أخرجه الطبري (١١٦٦٢): ص ١٠/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.","vol":"8","page":117},{"text":"قال الطبري: \" سموهم جبّارين، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم\" (١).\nقال الزجاج: \" تأويل «الجبار» من الآدميين: العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، والله﷿ - الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يزل، والله ﷿ يأمر بما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما وصفوهم بالقدرة والتكبر، والمنعة\" (٢).\nقال القرطبي: ﴿جبارين﴾، \" أي: عظام الأجسام طوال، وقد تقدم، يقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر ... وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه\" (٣).\nوأصل «الجبار»، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه جبار، وإنما هو فعّال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول العجاج (٤):\nقَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ ... وَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّي العَوَرْ\nيريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته (٥).\nقال ابن عباس: \" أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" وفي هذا الإسناد نظر\" (٧).\nوقال الربيع: \" إن موسى ﵇ قال لقومه: إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: فإنّ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧١.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٦.\n(٤) ديوانه: ١٥، واللسان (جبر) (عور)، وهو أول أرجوزته التي مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد مضت منها أبيات، وذكرنا خبرها فيما سلف، انظر ١: ١٩٠/ ٢: ١٥٧/ ٣: ٢٢٩/ ٤: ٣٢١. وقوله: قد جبر الدين الإله، من قولهم: جبرت العظم متعديًا، فجبر، لازمًا، أي: انجبر العظم نفسه. والعور في هذا الشعر هو قبح الأمر وفساده، وترك الحق فيه، وليس من عور العين. وعور الشيء قبحه. يدعو فيقول: قبح الله من اتبع الفساد واستقبله بوجهه. من قولهم ولي الشيء وتولاه، أي اتبعه وفي التنزيل: ولكل وجهة هو موليها، أي مستقبلها ومتبعه.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٢.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٦٥٧): ص ١٠/ ١٧٣.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.","vol":"8","page":118},{"text":"هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم! ! وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى ﵇ فحدّثوه العجب\" (١).\nوقرأ ابن السميفع: «قالوا يا موسى فيها قوم جبارون» (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: \" وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها\" (٣).\nقال النسفي: أي: \" بالقتال\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فقالوا: إنا لن ندخلها حتى يخرج من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم\" (٥).\nقال ابن كثير: أي: \" ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها\" (٦).\nقال القرطبي: \" أي: حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان، فإنهم قالوا: ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ \" (٧).\nقال أبو حيان: \" هذا تصريح بالامتناع التام من أن يقاتلوا الجبابرة، ولذلك كان النفي بلن. ومعنى حتى يخرجوا منها: بقتال غيرنا، أو بسبب يخرجهم الله به فيخرجون\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢]، أي: \" فإِن خرجوا منها هؤلاء الجبارون دخلناها\" (٩).\nقال النسفي: أي: \" بغير قتال، ﴿فإنا داخلون﴾ بلادهم حينئذ\" (١٠).\nقال ابن كثير: أي: \" فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم\" (١١).\nقال أبو حيان: \"قال أكثر المفسرين: لم يشكوا فيما وعدهم الله به، ولكن كان نكوصهم عن القتال من خور الطبيعة والجبن الذي ركبه الله فيهم، ولا يملك ذلك إلا من عصمه الله وقال تعالى: ﴿افَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦].\nوقيل: قالوا ذلك على سبيل الاستبعاد أن يقع خروج الجبارين منها كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] \" (١٢).\nأخرج الطبري عن ابن إسحاق، \"أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى ﷺ فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر\" (١٣).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: \" لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قَدْر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا: يا موسى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ \" (١٤).\nوعن يحيى بن عبد الرحمن قال: \"رأيت أنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق\" (١٥).\nوقال مقاتل: \" طول كل رجل منهم سبعة أذرع ونصف من بقايا قوم عاد وكان عوج بن عناق بنت آدم فيهم\" (١٦).\nوقال الكلبي: \"طول كل رجل منهم ثمانون ذراعا\" (١٧).\nوقد ذكر القرطبي من الإسرائيليات التي لايعول عليها، فقال: \" قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف «٢» ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا، قاله ابن عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح ﵇ ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى ﵇ وطوله عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم (١٨) سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت\" (١٩).\nقال ابن كثير: \"وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق، بنت آدم، ﵇، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يستحي من ذكره. ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن\" (٢٠).\nثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زِنْية، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ (١٤) [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى: قَال ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟ ! هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: «عوج بن عنق» نظر، والله أعلم\" (٢١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٦٥٩): ص ١٠/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(٢) انظر: البحر المحيط: ٤/ ٢١٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١١١.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٩.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.\n(٨) البحر المحيط: ٤/ ٢١٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٥.\n(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.\n(١٢) البحر المحيط: ٤/ ٢١٨.\n(١٣) تفسير الطبري (١١٦٦٣): ص ١٠/ ١٧٥.\n(١٤) رواه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٦.\n(١٥) رواه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٦.\n(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٦.\n(١٧) بحر العلوم: ١/ ٣٨٢.\n(١٨) ي صار لهم جسرا يعبرون عليه! .\n(١٩) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.\n(٢٠) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n(٢١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٦.","vol":"8","page":119},{"text":"الفوائد:\n١ - فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم.\n٢ - أن بني اسرائيل خذلوا أنبياءهم ولم يقوموا بنصرهم.\n٣ - أن بني إسرائيل كانوا قومًا جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وقالوا: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، وهذا منتهى المهانة ومنتهى السُّخرية، لأن الكفار ليسوا بخارجين إلاَّ بالجهاد والجلاد والاستشهاد في سبيل الله.\n\nالقرآن\n﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣]\nالتفسير:\nقال رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه، لبني إسرائيل: ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، فإذا دخلتم الباب غلبتموهم، وعلى الله وحده فتوكَّلوا، إن كنتم مُصدِّقين رسوله فيما جاءكم به، عاملين بشرعه.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: \" قال رجلان من الذين يخشون الله تعالى، أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه، لبني إسرائيل\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: يوشع بن نون وكالب من الذين يخافون الله تعالى أنعم الله عليهما بالإسلام\" (٢).\nقال الزمخشري: \" هما كالب ويوشع من الذين يخافون من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين\" (٣).\nقال ابن عباس: \" والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن النون، وكالوب بن يوفنة\" (٤). وروي عن قتادة مثل ذلك (٥).\nقال عطاء: \" كالوب، ويوشع بن النون فتى موسى\" (٦).\nقال مجاهد: \": كلاب بن يافنا، ويوشع بن نون\" (٧). \" وهما من النقباء\" (٨).\nقال السدي: \" وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، وكالوب بن يوفنة ختَنُ موسى\" (٩).\nوعن مجاهد أيضا في قصة ذكرها، قال: \"فرجع النقباء، كلُّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما\" (١٠).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس في قصة ذكرها. قال: \"فرجعوا يعني النقباء الاثنى عشر إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكر، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا ولم يدخلوا المدينة، قال: فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة فإنهما كتما ولم\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١١.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٨٢.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٢٠.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٦٧١): ص ١٠/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٢): ص ١٠/ ١٧٨.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٦٧٠): ص ١٠/ ١٧٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٦٦٤): ص ١٠/ ١٧٦.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٦٦٥): ص ١٠/ ١٧٦.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٦٦٩): ص ١٠/ ١٧٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٦٦٦): ص ١٠/ ١٧٦.","vol":"8","page":120},{"text":"يخبرا به أحدًا، وهما اللذان قال الله ﷿: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾، إلى قوله: ﴿وبين القوم الفاسقين﴾ \" (١).\nوروي عن ابن عباس ايضا، قوله: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾، قال: \"هي مدينةُ الجبارين. لما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثَنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عِنب بوِقْر الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قَدْر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون! قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، وكانا من أهل المدينة أسلَما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكَّلوا إن كنتم مؤمنين﴾ \" (٢).\nروي عن الربيع: \"أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجبَ: لا تحدثوا أحدًا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، كان أحدهما، فيما سمعنا، يوشع بن نون وهو فتى موسى، والآخر كالب - فقالا ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾، إلى ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ \" (٣).\nقال الطبري: \" وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم موسى: يوشع بن نون وكالب بن يافنا، أنهما وفَيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومِه بني إسرائيل الذين أمرَهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعِظم خلقهم، ووصفهما الله ﷿ بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه ... وأما قوله: أنعم الله عليهما، فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه ﷺ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل، الذي حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء، وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف\" (٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ثلاثة وجوه\nأحدهم: يخافون الله، ويسنده قراءة قتادة: «يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا» (٥).وهو الصحيح.\nالثاني: يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له قراءة سعيد بن جبير «يُخَافُونَ»، بضم الياء (٦)، وكذلك، قوله: ﴿أنعم الله عليهما﴾، كأنه قيل: من الخوفين (٧).\nقال الطبري: \" وكأن سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، وإن كانوا لهم في الدين مخالفين\" (٨).\nوالثالث: يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. ذكره القرطبي (٩).\nوالرابع: يخافون الجبارين، أنعم الله عليهما فلم يخافا وصدقا في مقالتهما، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق (١٠). اختاره القرطبي (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١٦٦٨): ص ١٠/ ١٧٧.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٦٧٦): ص ١٠/ ١٨٠.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٦٧٣): ص ١٠/ ١٧٨.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٦ - ١٨١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٤): ص ١٠/ ١٧٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٥): ص ١٠/ ١٧٩.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٠.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٩.\n(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.\n(١٠) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٢، والنكت والعيون: ٢/ ٢٦.\n(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.","vol":"8","page":121},{"text":"والخامس: وقال الضحاك: \"هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى\" (١)، فمعنى ﴿يخافون﴾، على هذا، أي: من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله (٢).\nوالسادس\"وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة. أو يخوفهم وعيد الله بالعقاب. أفاده الزمخشري (٣).\nقال أبو السعود: \" أي: يخافون الله تعالى دون العدو ويتقونه في مخالفة أمره ونهيه، وبه قرأ ابن مسعود وفيه تعريض بأن من عداهما لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣]، وجوه:\nأحدهما: بالتوفيق للطاعة (٥).\nوالثاني: بالإِسلام، وهو قول الحسن (٦). وقال الزجاج: \" بالإيمان\" (٧).\nوالثالث: بالخوف، قاله سهل بن علي (٨).\nوالرابع: بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبّارين. وهذا قول الضحاك (٩).\nقال أبو السعود: \" ﴿أنعم الله عليهما﴾، أي: بالتثبيت وربط الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده أو بالإيمان وهو صفة ثانية لرجلان أو اعتراض (١٠).\nقال سهل: \" أنعم الله عليهما بالخوف والمراقبة، إذ الخوف والهم والحزن يزيد في الحسنات، والأشر والبطر يزيد في السيئات\" (١١).\nوفي هذين الرجلين قولان:\nأحدهما: أنهما من النقباء يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهذا قول ابن عابس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والسدي (١٥).\nوالثاني: أنهما رجلان، كانا من أهل مدينة الجبارين أنعم الله عليهما بالإِسلام، واتّبعا موسى وهارون. وهذا مروي عن ابن عباس (١٦).\nقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: \" ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، فإذا دخلتم الباب غلبتموهم\" (١٧).\nقال السمرقندي: \" يعني: أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٠.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢٤.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٦.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٦.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٧): ص ١٠/ ١٨١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٩): ص ١٠/ ١٨٢.\n(١٠) تفسير ابي السعود: \"٣/ ٢٤.\n(١١) تفسير التستري: ٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧١): ص ١٠/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٦٥): ص ١٠/ ١٧٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٢): ص ١٠/ ١٧٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٦٩): ص ١٠/ ١٧٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٦): ص ١٠/ ١٨٠.\n(١٧) التفسير الميسر: ١١١.\n(١٨) بحر العلوم: ١/ ٣٨٢.","vol":"8","page":122},{"text":"قال القرطبي: \" قالا لبني إسرائيل: لا يهولنكم عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله\" (١).\nقال الزجاج: \" فكأنهما علما أن ذلك الباب إذا دخل منه وقع الغلب\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فقالا لهم: ادخلوا عليهم، أيها القوم بابَ مدينتهم، فإن الله معكم، وهو ناصركم، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم\" (٣).\nقال الزمخشري: \" قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، يشجعانهم على قتالهم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" المعنى: اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله: ﴿فإنكم غالبون﴾ ظن منهما ورجاء وقياس أي إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم\" (٥).\nعن مجاهد في قول الله: \" ﴿عليهم الباب﴾، قرية الجبَّارين\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي: قالوا: مخاطبين لهم ومشجعين: ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ أي باب بلدهم وتقديم الجار والمجرور عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي باغتوهم وضاغضوهم في المضيق وامنعوهم في البروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا ﴿فإذا دخلتموه﴾ أي بلدهم وهم فيه ﴿فإنكم غالبون﴾ من غير حاجة إلى القتال فان قد رأيناهم وشاهدنا أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسادهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر وقيل إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى ﵇ ومن قوله تعالى كتب الله لكم أو لما علما من سنته تعالى في نصره رسله وما عهدا من صنعه تعالى لموسى ﵇ من طهر أعدائه والأول أنسب بتعليق الغلبة بالدخول\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وجهان:\nأحدهما: إنما قالوه لعلمهم بأن الله كتبها لهم، لقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] (٨).\nوالثاني: علما أنهم غالبون، من جهة إخبار موسى بذلك. أفاده الزمخشري (٩).\nوالثالث: انهما علما بذلك، من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة. ذكره الزمخشري (١٠).\nوالرابع: لعلمهم بأن الله ينصرهم على أعادئه، ولم يمنعهم خوفهم من القول الحق، وقد قال النبي -ﷺ-: \" ألا لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا رآه\" (١١).\nقال قتادة: \": ذكر لنا أنهم بعثوا اثنى عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأمَّا عشرة فجبَّنُوا قومهم وكرَّهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغَّبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٢.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٢٠.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٦٨١): ص ١٠/ ١٨٣.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢٤.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢١، والنكت والعيون: ٢/ ٢٦.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢١.\n(١٠) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢١.\n(١١) أخرجه أحمد (١١٨٣١): ص ١٨/ ٣٤٦ [صحيح].\n(١٢) أخرجه الطبري (١١٦٨٠): ص ١٠/ ١٨٣.","vol":"8","page":123},{"text":"أخرج الطبري عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرَّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدِّام جماعة بني إسرائيل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها صالحًة، رضيها ربُّنا لنا فوهبها لنا، وإنها .. تفيض لبنًا وعسلا ولكن افعلوا واحدة: لا تعصُوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَفَّعون في أيدينا، إن كبرياءهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة \" (١).\nوفي قراءة ابن مسعود: «عليهما ويلكم ادخلوا» (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: \" وعلى الله وحده فتوكَّلوا، إن كنتم مُصدِّقين رسوله فيما جاءكم به، عاملين بشرعه\" (٣).\nقال القرطبي: أي: \" مصدقين به، فإنه ينصركم\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: فثقوا بأنه ناصركم إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى\" (٥).\nقال أبو السعود: أي: \" ﴿وعلى الله﴾ تعالى خاصة ﴿فتوكلوا﴾ بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزل من التأثير وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما\" (٦).\nقال ابن عطية: \" قولهما: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر\" (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس.\n٢ - فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار.\n٣ - الإعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الإغترار بقوة الأعداء؛ فإن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد وعد به المؤمنين والله لا يخلف الميعاد.\n٤ - فضيلة التوكل على الله، وهو اعتماد القلب على الله إيمانا بكفايته سبحانه لعبده.\nقال البيهقي: \"وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله ﷿ والثقة بحسن النظر فيما أمر به وأباحه، واحده من وكل يكل، إلا أنه يقال: وكل الأمر إلى فلان وقد توكل على الله. لأن المعنى يحمل ذلك ويكله اعتمادًا على الله جل ثناؤه وهو من باب الاختصار.\nواختلف أهل المصائر في ذلك:\n- فقال قائلون: التوكل الصحيح ما كان من قطع الأسباب، فإذا جاء السبب إلى المراد ارتفع التوكل.\n- وقال آخرون: كل أمر بين الله تعالى لعباده فيه طريقًا ليسلكوه إذا عرض لهم والتوكل يقع منهم في سلوك تلك السبيل والتسبب به إلى المراد، فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن السبب بما جعله الله سببًا، فلم يفعل ما أمر به ولم يأت الأمر من بابه\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١٦٧٩): ص ١٠/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.\n(٣) التفسير الميسر: ١١١.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٨٢.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.\n(٨) المنهاج في شعب الإيمان: ٢/ ٥.","vol":"8","page":124},{"text":"ويكفي في فضيلة التوكل على الله، ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون\" (١).\n\nالقرآن\n﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]\nالتفسير:\nقال قوم موسى له: إنا لن ندخل المدينة أبدًا ما دام الجبارون فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلاهم، أما نحن فقاعدون هاهنا ولن نقاتلهم. وهذا إصرارٌ منهم على مخالفة موسى ﵇.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة: ٢٤]، أي: \" قال قوم موسى له: إنا لن ندخل المدينة أبدًا ما دام الجبارون فيها\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: لسنا نقبل مشورة في دخوولها، ولا أمرا، وفيها هؤلاء الجبارون، فأعلم الله جل ثناؤه أن أهل الكتاب هؤلاء غير قابلين من الأنبياء قبل النبي - ﷺ -، وأن الخلاف شأنهم، وفي هذا الإعلام دليل على تصحيح نبوة النبي - ﷺ - لأنه أعلمهم ما لا يعلم إلا من قراءة كتاب أو إخبار، أو وحي، والنبي - ﷺ - منشؤه معروف بالخلو من ذكر أقاصيص بني إسرائيل، وبحيث لا يقرأ كتبهم، فلم يبق في علم ذلك إلا الوحي\" (٣).\nقال الزمخشري: \" ﴿لن ندخلها﴾، نفى لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس، و﴿أبدا﴾: تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، و﴿ما داموا فيها﴾: بيان للأبد\" (٤).\nقال الراغب: \" إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله: ﴿أبدا﴾، وقوله: ﴿ما داموا فيها﴾؟\nقيل: إن امتناعهم من دخولها لكون هؤلاء فيها، وإن اعتبار ذلك ليس في وقت دون وقت بل كل وقت، ما يدخلونها من كونهم فيها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، أي: \" فاذهب أنت وربك فقاتلاهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" ينصرك عليهم فقاتلا\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، وجوه (٩):\nأحدها: أنهم قالوه على وجه المجاز، بمعنى: اذهب أنت فقاتل وليعنك ربك، أو وربك معين لك. وهذا قول أبي عبيدة (١٠)، وابن عطية (١١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتوي، برقم (٥٧٠٤)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بدون حساب ولا عذاب برقم (٢١٨).من حديث عمران بن حصين الأزدي ..\n(٢) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٢١.\n(٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣١٧.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٥.\n(٩) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٣، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.\n(١٠) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٦٠.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٦.","vol":"8","page":125},{"text":"قال ابن عطية: المعنى: \"يعينك الله ويقاتل معك ملائكته ونصره، فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي: اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها\" (١).\nوالثاني: معناه: أن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك- إن كنت رسوله- أولى من قتالنا.\nقال القرطبي: \"فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر، لأنهم شكوا في رسالته\" (٢).\nوالثالث: أنهم أرادوا: الذهاب الذي هو النقلة.\nقال الجصاص: \"وهذا تشبيه وكفر من قائله وهو أولى بمعنى الكلام، لأن الكلام خرج مخرج الإنكار عليهم والتعجب من جهلهم، وقد يقال على المجا: ز قاتله الله، بمعنى: أن عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلي عليهم بالاقتدار وعظم السلطان\" (٣).\nقال القرطبي: \" وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعال عن ذلك. وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة، وهو معنى قول الحسن، لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر في معنى الكلام\" (٤).\nقال أبو حيان: \" ظاهر الذهاب الانتقال، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة\" (٥).\nوالرابع: أرادوا بالـ «ربّ»، هارون.\nذكر بعض المفسرين: \" أن المراد بالـ «ربّ»، هنا: هارون، لأنه كان اسن من «موسى»، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه، وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا: اذهب أنت وكبيرك\" (٦).\nقال ابن عطية: \"وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيرا لموسى وتابعا له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر\" (٧).\nقلت: وأن تمثيل الصحابي الجليل مقداد بن الأسود بالآية-كما سيأتي- يقتضي أن قوله «ربك»، إنما أريد به الله تعالى. والله أعلم.\nقال القرطبي: \" وبالجملة فقد فسقوا بقولهم، لقوله تعالى: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾، أي: لا تحزن عليهم\" (٨).\nقال الراغب: \" ذكر جهلهم وقلة معرفتهم بالله، وأنهم ما قدروا الله حق قدره حيث أمروه أن يستصحبه إلى الجواب استصحاب الأشخاص وبكتهم بامتناعهم من الدخول إما جبنا وإما قصدا إلى العصيان، وأيهما كان فمذموم\" (٩).\nقال الزمخشري: \"والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله ﷿ جهرة. والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أن موسى وهرون ﵉ خرا لوجوههما قدامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما. ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، أي: \" أما نحن فقاعدون هاهنا ولن نقاتلهم\" (١١).\nقال مقاتل: \"يعني: مكاننا، فإننا لا نستطيع قتال الجبابرة\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي: لا نبرح ولا نقاتل\" (١٣).\nقال النسفي: أي: \" ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم\" (١٤).\nقال الشوكاني: \" أي: لا نبرح هاهنا، لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع، وقيل: أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر\" (١٥).\nقال الإمام ابن كثير: \" وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، ﵉، قُدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما لما هموا به، وشَق \"يوشع بن نون\" و\"كالب بن يوفنا\" ثيابهما ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما. وجرى أمر عظيم وخطر جليل.\nوما أحسن ما أجاب به الصحابة، ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف، في العُدة والبَيْض واليَلب، فتكلم أبو بكر، ﵁، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله ﷺ يقول: \"أشيروا عليَّ أيها المسلمون\". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن معاذ ﵁: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو اسْتَعرضْتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك، وما تخلَّف منا رجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصُبُر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونَشَّطه ذلك\" (١٦).\nوروي عن حميد عن أنس: \"أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله ﷺ. قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْت أكبادها إلى بَرْك الغمَاد لاتبعناك\" (١٧).\nوعن عتبة بن عبد السلمي قال: \"قال النبي ﷺ لأصحابه: \"ألا تقاتلون؟ \" قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون\" (١٨).\nأخرج الطبري عن قتادة قال: \"ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم: «إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت!»، فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.\n(٣) أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.\n(٥) البحر المحيط: ٤/ ٢٢٠.\n(٦) ذكره ابن عطية عن النقاش عن بعض المفسرين، انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.\n(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣١٧.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٢١.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٢.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.\n(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٤٤٠.\n(١٥) فتح القدير: ٢/ ٣٣.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٧، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ٦١٥.\n(١٧) المسند (٣/ ١٠٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١)، وابن مردوية كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٧، ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/ ٤٠٧) ..\n(١٨) ورواه أحمد في مسنده (٤/ ١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب، وابن مردوية كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٨.","vol":"8","page":126},{"text":"لنبيهم: «اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا ههنا قاعدون»، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون! فلما سمعها أصحابُ نبيِّ الله ﷺ تتابعوا على ذلك\" (١).\nروي عن عن طارق بن شهاب، قال: \"سمعت ابن مسعود، يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك «فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره» يعني: قوله\" (٢).\nوقول المقداد \"وإن كان محفوظا يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بَدْر\" (٣).\nقال الضحاك: \" أمر الله جل وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهِّم موسى ﵇، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: \"ادخلوها\"، فأبوا وجبُنوا، وبعثوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك قالوا لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ \" (٤). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٥).\nالفوائد:\n١ - بيان جبن اليهود وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم.\n٢ - نكال اليهود عن قتال الجبابرة.\n٣ - مع غلو اليهود في أنبيائهم، إلا أنهم خذلوهم وتركوا نصرتهم في أصعب المواقف وفي وقت كانوا في أمس الحاجة لمؤازرتهم، فقد خذل اليهود موسى ﵇ وذلك عندما أمرهم بالقتال ودخول الأرض المقدسة بعد أن أخرجهم من مصر وحررهم من ذل العبودية لفرعون، فكان جوابهم -أي اليهود- له كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: ٢٤].\n\nالقرآن\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾ [المائدة: ٢٥]\nالتفسير:\nتوجَّه موسى إلى ربه داعيًا: إني لا أقدر إلا على نفسي وأخي، فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]، أي: \" توجَّه موسى إلى ربه داعيًا: إني لا أقدر إلا على نفسي وأخي\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: قال موسى باثا شكواه إلى ربه، معتذرا من فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عنه- إنى لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسى وأمر أخى ولا أثق بغيرنا أن يطيعك فى اليسر والعسر والمنشط والمكره\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١٦٨٣): ص ١٠/ ١٨٦.\n(٢) صحيح البحاري (٣٩٥٢): ص ٥/ ٧٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٩.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٦٨٤): ص ١٠/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٥) انظر تفسير الطبري (١١٦٨٥): ص ١٠/ ١٨٧.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٧.\n(٨) تفسير المراغي: ٦/ ٩٣.","vol":"8","page":127},{"text":"قال القرطبي: أي: \" لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال: ﴿وأخي﴾، أي: وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء، أي إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا\" (١).\nقال الزمخشري: \" لما عصوه وتمردوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق به إلا هرون قال رب إني لا أملك لنصرة دينك إلا نفسي وأخي، وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة، ونحوه قول يعقوب -﵇- ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].\nوعن على ﵁ أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء (٢)، ودعا لهما وقال: أين تقعان مما أريد؟ \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، أي: \" فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين\" (٤).\nقال ابن عباس: \"، يقول: اقض بيني وبينهم\" (٥).\nقال الضحاك: \" يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم كلّ هذا يقول الرجل: اقض بيننا\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا\" (٧).\nقال المراغي: أي: \" أي: فافصل بيننا -يريد نفسه وأخاه-، وبين القوم الفاسقين عن طاعتك بقضاء تقضيه بيننا، فتحكم لنا بما نستحق، وعليهم بما يستحقون، فقد صرنا خصما لهم وصاروا خصما لنا، وقيل إن المعنى: إنك إذا أخذتهم بالعقاب على قسوتهم فلا تعاقبنا معهم فى الدنيا\" (٨).\nو﴿الفاسقين﴾: أي: \" الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه\" (٩).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾، أي باعد وافصل وميّز ... ﴿الفاسقين﴾، هاهنا: الكافرين\" (١٠).\nو«الفرق»: الفصل، يقال: فَرَقت بين هذين الشيئين، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز (١١):\nيَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ (١٢)\nقال السدي: \" غضب موسى ﷺ حين قال له القوم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، فدعا عليهم فقال: ﴿رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها\" (١٣).\nوروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ: «فافرق»، بكسر الراء (١٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.\n(٢) قوله «فتنفس الصعداء» في الصحاح: الصعداء بالضم والمد تنفس ممدود.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٢١ - ٦٢٢.\n(٤) تفسير المراغي: ٦/ ٩٣.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٦٨٦): ص ١٠/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٦٨٩): ص ١٠/ ١٨٩.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٧.\n(٨) تفسير المراغي: ٦/ ٩٣.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٩.\n(١٠).نجاز القرآن: ١/ ١٦٠\n(١١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٠، وتفسير الطبري: ١٠/ ١٨٨، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٨. قال محقق تفسير الطبري السيد احمد محمد شاكر: \" البيت لعله لحبينة بن طريف العكلي\".\n(١٣) أخرجه الطبري (١١٦٨٨): ص ١٠/ ١٨٩.\n(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.","vol":"8","page":128},{"text":"قال الزمخشري: \" إن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟\nقلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره.\nويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه.\nويجوز أن يريد: ومن يؤاخينى على دينى ﴿فافرق﴾: فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم\" (١).\nوقال القرطبي: \" وإن قيل: بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة:\nالأول: بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان، ولذلك ألقوا في التيه.\nالثاني- بطلب التمييز، أي: ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب.\nوالثالث: وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به، ومنه قول تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، أي: يقضى، وقد فعل لما أماتهم في التيه.\nوالرابع: وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي: اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار، والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر (٢):\nيَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ\" (٣)\nالفوائد:\n١ - وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم.\n٢ - حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم.\n٣ - أن الاختلاف على الأنبياء سبب الفتن والهلاك، فعندما دعى نبي الله موسى ﵇ قومه لأمر الله أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فاختلفوا عليه، وَقَالُوا: إن فيها قومًا جبارين، إِلَى أن آل به الحال أن يقول ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥].\n٤ - ومنها: أن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، إذ كانت تجمع بين موسى وبين قومه رابطة القومية الإسرائيلية، أما وقد كفروا بالله وتمردوا على سلطانه وأمره، تبرئ موسى منهم وقال: ﴿فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾.\n٤ - ومن الفوائد: أن جميع الأنبياء ﵈ لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن يملكوا لغيرهم، وأنهم عباد محتاجون فقراء إلى الله تعالى، وأنهم كانوا يدعونه لدفع المضرات وجلب الخيرات، وأنهم كانوا يخافون ربهم، ولا يملكون التصرف في الكون.\n\nالقرآن\n﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٦]\nالتفسير:\nقال الله لنبيه موسى ﵇: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي.\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٢٢.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.","vol":"8","page":129},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، أي: \" قال الله لنبيه موسى ﵇: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين\" (١).\nقال ابن الجوزي: \" الإشارة إلى: «الأرض المقدسة»، ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها\" (٢).\nقال مقاتل: \" فأوحى الله﷿- إلى موسى﵇- أما إذ سميتهم فاسقين فالحق أقول لا يدخلونها أبدا، وذلك قوله﷿- ﴿قال فإنها محرمة عليهم﴾، دخولها البتة أبدا. ﴿أربعين سنة﴾، فيها تقديم ﴿يتيهون في الأرض﴾، في البرية\" (٣).\nقال الزجاج: \" قيل: عذبهم الله بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة لا يقرهم قرار إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار وولد من لم يدخل في جملتهم في المعصية.\nوقيل: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه.\nقال بعضهم: لم يكن موسى وهارون في التيه لأن التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون.\nوجائز أن يكون كانا في التيه وأن الله جل اسمه سهل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم الناررفجعلها عليه بردا وسلاما وشأنها الإحراق\" (٤).\nقال ابن كثير: \" لما دعا عليهم موسى، ﵇، حين نكَلُوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغَمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان\" (٥).\nوفي مسافة أرض التيه قولان:\nأحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس (٦). قال مقاتل: \" فتاه القوم في تسع فراسخ عرض وثلاثين فرسخا طول\" (٧).\nوالثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا، حكاه مقاتل أيضا (٨).\nقال القرطبي: \"ويقال: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟\nفالجواب- قال أبو علي: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدءوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة\" (٩).\nقال أبو عبيدة، وأبوبكر السجستاني: \" ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يحورن ويحارون ويضلون\" (١٠).\nقال الطبري: \" معنى: ﴿يتيهون في الأرض﴾، يحارون فيها ويضلُّون ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: تائه. وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه\" (١١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٣١٠.\n(٢) زاد المسير: ١/ ٥٣٥.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٩.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٥.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.\n(٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩ - ١٣٠.\n(١٠) مجاز القرآن: ١/ ١٦٠، وغريب القرآن لأبي بكر السجستاني: ١٩٤.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٩.","vol":"8","page":130},{"text":"قال مجاهد: \" تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم\" (١).\nقال القرطبي: \" استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. وأصل «التيه» في اللغة: الحيرة، يقال منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير. وتيهته وتوهته بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها، وأرض تيه وتيهاء ومنها قال (٢):\nتيهٍ أتاويهَ على السُّقّاطِ\nوقال آخر (٣):\nبتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيَّ كأَنّها ... قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيُوضُها\nفكانوا يسيرون في فراسخ قليلة- قيل: في قدر ستة فراسخ- يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا، فكانوا سيارة لا قرار لهم\" (٤).\nواختلف هل كان معهم موسى وهرون في التيه؟ وفيه قولان (٥):\nأحدهما: لم يكن معهم موسى وهارون﵉-، لأن التيه عقوبة. وقد قال: ﴿فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾.\nوالثاني: وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم.\nواختلف في نوع التحريم في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٦]، على قولين (٦):\nأحدهما: أنه تحريم منع، أي أنهم ممنوعون من دخولها، كما يقال: حرم الله وجهك على النار، وحرمت عليك دخول الدار. وهذا القول حكاه الجصاص والقرطبي عن اكثر المفسرين (٧).\nومنه قول امرئ القيس (٨):\nجالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام\nيخاطب فرسه: أي: أنا فارس فلا يمكنك صرعي (٩).\nقال الجصاص: \" فهذا هو أصل التحريم ثم أجرى تحريم التعبد عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع إذ كان من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة، ويستحيل اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد، لأن الممنوع لا يجوز حظره ولا إباحته إذ هو غير مقدور عليه، والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ولا يكون فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا\" (١٠).\n_________\n(١) أخرده الطبري (١١٧٠١): ص ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٢) الشعر للعجاج في ديوانه ٢٤٧. يصف أرضا مجهولة ليس بها علامات يهتدي بها، وأتاويه أفاعيل من تيه. والسقاط كل من سقط عليه، وهم الذين لا يصبرون ولا يجدون الواحد ساقط: وصدر البيت:\nوبسطه بسعة البساط\n\nوالبساط المكان الواسع من الأرض. وقيل هذا البيت:\nوبلدة بعيدة النياط ... مجهولة تغتال خطو الخاطي.\n(٣) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في \"ديوانه\" ص ١١٩، \"الحجة\" ٢/ ٤٣٦، و\"شرح الكافية\" للرضي ٤/ ١٨٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٩٧ (مادة: عرض)، ٧/ ٣٩٦١، مادة: \"كون\".\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.\n(٧) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٤، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.\n(٨) ديوانه: ١٥٧.\n(٩) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٤، والوجوه والنظائر، لأبي هلال العسكري: ٢٠٠، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.\n(١٠) أحكام القرآن: ٤/ ٤٤.","vol":"8","page":131},{"text":"والثاني: أنه يجوز أن يكون تحريم التعبد، أجازه أبو علي (١)، لأن التحريم أصله المنع قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، قال الجصاص: \"يعني: به المنع\" (٢).\nقال الشنقيطي: \" ومن إطلاق التحريم بمعناه اللغوي في القرآن: قوله في بني إسرائيل وهم في التيه، قال: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ [المائدة: آية ٢٦]، فإنه تحريم كوني قدري؛ لأن الله منعهم إياه، لا تحريم شرعي على التحقيق\" (٣).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، على قولين:\nأحدهما: أنها محرمة عليهم أبدا، وأن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله ﴿يَتِيهُونَ﴾. وهذا قول عكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، واختيار الزجاج (٧).\nقال الزجاج: \" أما نصبه بـ ﴿محرمة﴾ فخطأ، لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا\" (٨).\nوالثاني: أنها حرمت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إليها، وعليه فإن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾. وهذا قول الربيع (٩)، واختيار ابن جرير الطبري (١٠).\nقال الطبري: \"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن «الأربعين» منصوبة بـ «التحريم»، وإنّ قوله: ﴿محرمة عليهم أربعين سنة﴾، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله ﷿ عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى ﷺ، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى ﷺ. فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.\nوبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها\" (١١).\nوفيما يأتي نسرد بعض الاخبار التي وردت في القولين:\nقال الربيع: \" لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم فاسقين بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.\n(٢) أحكام القرآن: ٤/ ٤٤.\n(٣) العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٢/ ٤٤٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩٣): ص ١٠/ ١٩١ - ١٩٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩١)، و(١١٦٩٢): ض ١٠/ ١٩١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩٤): ص ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٥.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٦٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩٠): ض ١٠/ ١٩٠ - ١٩١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٧.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٧.","vol":"8","page":132},{"text":"منها ارتحلوا وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: حطة وإنما قولهم: حطة، أن يحطَّ عنهم خطاياهم فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا: حنطة، فقال الله جل ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩] \" (١).\nوعن عكرمة عن ابن عباس: \" قال الله جل وعز: لما دعا موسى: ﴿فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾، قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه، قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة\" (٢).\nوعن قتادة، \"قال الله جل وعزّ: ﴿إنها محرّمة عليهم أربعين سنة﴾، حرمت عليهم القُرَى، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، وذكر لنا أن موسى ﷺ مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا\" (٣).\nوأخرج الطبري عن ابن إسحاق، قال: \"حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم. فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تحفظ ذنب الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه.\nوكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، وكلم الله ﷿ موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل. وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، فلا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي إليها، ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٦٩٠): ص ١٠/ ١٩٠ - ١٩١.\n(٢) تفسير الطبري (١١٦٩٥): ص ١٠/ ١٩٣.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٦٩٦): ص ١٠/ ١٩٣.","vol":"8","page":133},{"text":"فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون.\nفأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.\nفلما قال موسى ﵇ هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم. فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة يعني من الخيمة حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيّهم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان - فيما يزعمون - على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، أي: \" فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي\" (٢).\nقال ابن عباس: \" يقول: فلا تحزن\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعني: لا تحزن على قوم أنت سميتهم فاسقين أن تاهوا\" (٤).\nقال السدي: \": لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى ﷺ، فلما نَدِم أوحى الله إليه: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم فاسقين، فلم يحزن\" (٥).\nقال الزجاج: \" جائز أن يكون هذا خطابا لموسى، وجائز أن يكون خطابا لمحمد - ﷺ - أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل\" (٦).\nقال ابو عبيدة: \" ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾، لا تحزن، يقال: أسيت عليه، قال العجّاج (٧):\nوَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى \" (٨)\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١٦٩٧): ص ١٠/ ١٩٣ - ١٩٧.\n(٢) التفسير الميسر: ٣١٠.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٧٠٢): ص ١٠/ ٢٠٠.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليما: ١/ ٤٦٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٧٠٣): ص ١٠/ ٢٠٠.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٦٦.\n(٧) ديوانه ٢٠، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان (حلب) (كرس)، وهو من رجزه المشهور، مضى أوله في هذا التفسير ١: ٥٠٩، يقول:\nيَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ... قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا\nوَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى.\n(٨) مجاز القرآن: ١/ ١٦١.","vol":"8","page":134},{"text":"قال ابن كثير: \" وقوله تعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، تسلية لموسى، ﵇، عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك\" (١).\nالفوائد:\n١ - قدرة الله تعالى يليق بمسلم أن يشك في الأخبار الصحيحة، أو يتوقف فيها، أو يظن فيها الظنون بناء على أقاويل قوم كفار، أو بناء على النظريات والمكتشفات الحديثة؛ فإنَّ الله قادر على كل شيء، وهو قادر سبحانه على أن يُعجز الناس عن الوقوف على مكانهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤].\nوإذا أراد المسلم عبرة في هذا الباب فليقرأ قصة بني إسرائيل عندما قضى الله ﷿ عليهم أن يتيهوا في الأرض، فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة. قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، وإذا نظرت إلى الخريطة تجدها منطقة صغيرة، فهي الزاوية التي في رأس البحر الأحمر، فلولا أنَّ الله ﷿ أعمى قلوبهم وصرفهم عن الاهتداء لما ضاعوا في مثل هذا المكان الصغير هذه المدة الطويلة. فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو على كلِّ شيء قدير.\n٢ - أن التحريم نوعان (٢):\nأحدهما: - التحريم الكوني: ويطلق على منع الشيء، فكل شيء منعته بالقوة فقد حرمته (٣)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، يعني: حرم الله على سيدنا موسى، الإرضاع من غير أمه، وهذا تحريم كوني.\nوالثاني: - والتحريم الديني: يطلق في الشرع على ما حرمه الله؛ أي: منعه على لسان نبيه، وتوعد مرتكبه بالعقاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣].\nوقد تناولناهما في تفسير الآية بشيء من التفصيل.\n٣ - قال ابن كثير: \" هذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما، فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتَقَرَّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعُدَدهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود\" (٤).\n\nالقرآن\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨١.\n(٢) انظرك الكليات: ٤٠٠، والعذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٣) انظر: المقاييس في اللغة (كتاب الحاء، باب الحاء والراء وما يثلثهما) ص (٢٥٦)، المصباح المنير (مادة: حرم) ٥١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨١.","vol":"8","page":135},{"text":"واقصص -أيها الرسول- على بني إسرائيل خَبَر ابنَيْ آدم قابيل وهابيل، وهو خبرٌ حقٌ: حين قَدَّم كلٌّ منهما قربانًا -وهو ما يُتَقرَّب به إلى الله تعالى- فتقبَّل الله قُربان هابيل; لأنه كان تقيًّا، ولم يتقبَّل قُربان قابيل; لأنه لم يكن تقيًّا، فحسد قابيلُ أخاه، وقال: لأقتلنَّك، فَردَّ هابيل: إنما يتقبل الله ممن يخشونه.\nقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: \" واقصص -أيها الرسول- على بني إسرائيل خَبَر ابنَيْ آدم قابيل وهابيل، وهو خبرٌ حقٌ: حين قَدَّم كلٌّ منهما قربانًا\" (١).\nقال الطبري: أي: \"واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده، فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، وهمَّهم بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده عزاءً جميلا\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة، إذ أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله\" (٣).\nقال ابن عطية: \" ﴿اتل﴾، معناه: اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق لمحمد ﷺ بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته\" (٤).\nوالضمير في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧]، ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل لوجهين (٥):\nأحدهما أن المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط اليد إلى محمد -ﷺ-.\nوالثاني: أن علم نبأ ابني آدم إنما هو عندهم وفي غامض كتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إيراده والنبأ الخبر.\nأخرج الطبري عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: \"أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي! ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه. فالله أعلم أيّ ذلك كان فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه وبعضهم يقول: قرب بقرة فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله\" (٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٢٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(٦) تفسير الطبري (١١٧١٤): ص ١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦.","vol":"8","page":136},{"text":"قال مقاتل: \" يقول: اتل -يا محمد- على أهل مكة نبأ ابني آدم بالحق ليعرفوا نبوتك، يقول: اتل عليهم حديث ابني آدم هابيل وقابيل، وذلك أن حواء ولدت في بطن واحد غلاما وجارية قابيل وإقليما، ثم ولدت في البطن الآخر غلاما وجارية، هابيل وليوذا، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فلما أدركا قال آدم﵇- ليتزوج كل واحد منهما أخت الآخر قال قابيل لكن يتزوج كل واحد منهما أخته التي ولدت معه، قال آدم﵇-: قربا قربانا فأيما تقبل قربانه كان أحق بهذه الجارية وخرج آدم﵇- إلى مكة فعمد قابيل وكان صاحب زرع فقرب أخبث زرعه البر المأكول فيه الزوان، وكان هابيل صاحب ماشية فعمد فقرب خير غنمه مع زبد ولبن ثم وضعا القربان على الجبل وقاما يدعوان الله﷿- فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فحسده قابيل، فقال لهابيل: لأقتلنك. قال هابيل: يا أخي لا تلطخ يدك بدم بريء فترتكب أمرا عظيما، إنما طلبت رضا والدي ورضاك فلا تفعل فإنك إن فعلت أخزاك الله بقتلك إياي بغير ذنب ولا جرم فتعيش في الدنيا أيام حياتك في شقوة ومخافة في الأرض حتى تكون من الخوف والحزن أدق من شعر رأسك ويجعلك إلهي ملعونا. فلم يزل يحاوره حتى انتصف النهار، وكان في آخر مقالة هابيل لقابيل: إن أنت قتلتني كنت أول من كتب عليه الشقاء، وأول من يساق إلى النار من ذرية والدي، وكنت أنا أول شهيد يدخل الجنة، فغضب قابيل فقال: لا عشت في الدنيا. ويقال قد تقبل قربانه ولم يتقبل قرباني، فقال له هابيل: فتشقى آخر الأبد، فغضب عند ذلك قابيل فقتله بحجر دق رأسه وذلك بأرض الهند عشية وآدم﵇- بمكة \" (١).\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧]، على قولين:\nأحدهما: أنهما من بني إسرائيل، وهذا قول الحسن (٢).\nوالثاني: أنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل وقابيل، وهو قول ابن عباس (٣)، وابن عمر (٤)، ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، وعطية (٧)، واختيار الطبري (٨)، والزمخشري (٩)، وابن عطية (١٠)، وهو قول الجمهور (١١).\nوالقول الثاني هو الصحيح، وذلك لوجهين:\nأحدهما: لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، إذ ولو كان من بني إسرائيل، لكان قد عرف الدفن.\nوالثاني: ولأن النبي ﷺ قال عنه: «إنه أول من سن القتل» (١٢).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٨ - ٤٧٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٩): ص ١٠/ ٢٠٨، والنكت والعيون: ٢/ ٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٦): ص ١٠/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٧) - (١١٧١٠): ص ١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٦)، و(١١٧١٧): ص ١٠/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٣): ص ١٠/ ٢٠٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(١٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٣، والديات باب ٢، والاعتصام باب ١٥، ومسلم في القسامة حديث ٢٧، والترمذي في العلم باب ١٤، والنسائي في التحريم باب ١، وابن ماجة في الديات باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٣، ٤٣٠، ٤٣٣، وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٠: \"وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود، من طرق عن الأعمش، به\". وأخرجه الطري في تفسيره (١١٧٣٨): ص ١٠/ ٢١٨، وتاريخه ١/ ٧٢.","vol":"8","page":137},{"text":"قال ابن عطية: \" و﴿ابنا آدم﴾ هما في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: «ابنا آدم» ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل.\nقال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور\" (١).\nقال السعدي: \"والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين\" (٢).\nقال الطبري: \" وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله ﷿ يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بِ ابني آدم اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره ﷻ إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ ﴿ابني آدم﴾، ابني آدم لصلبه، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧]، يحتمل وجوها (٤):\nأحدها: تلاوة ملتبسة بالحق والصحة.\nوالثاني: اتله نبأ ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين.\nوالثالث: بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد، لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله ﷺ ويبغون عليه.\nوالرابع: اتل عليهم وأنت محق صادق.\nقال الراغب: \" «القربان»: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وكثر استعماله في النسيكة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" و«القربان»: اسم ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أن الحلوان اسم ما يحلى أى يعطى، يقال: قرب صدقة وتقرب بها، لأن تقرب مطاوع قرب: قال الأصمعى: تقربوا قرف القمع (٦) فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: \" فتقبَّل الله قُربان هابيل; لأنه كان تقيًّا، ولم يتقبَّل قُربان قابيل; لأنه لم يكن تقيًّا\" (٨).\nقال السعدي: \" بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه\" (٩).\nقال قتادة: \" هما هابيل وقابيل، كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر ... \" (١٠).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٢٨.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢١.\n(٦) في الصحاح: القرف القشر. والقمعة رأس السنام، والجمع قمع. والقمع أيضا: بثرة تخرج في شفر العين.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٢٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٧١٧): ص ١٠/ ٢٠٧ - ٢٠٨.","vol":"8","page":138},{"text":"قال مجاهد: \" قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق\" (١).\nاختلف فى السبب الذي قربا لأجله قربانًا على قولين:\nأحدهما: أنهما فعلاه لغير سبب (٢).\nقال ابن عطية: \" وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثا وتطوعا\" (٣).\nوالثاني: أن ذلك لسبب، - وهو أشهر القولين- وهو أن حواء كانت تضع في كل عام غلامًا وجارية، فكان الغلام يتزوج من أحد البطنين بالجارية من البطن الآخر، وكان لكل واحد من ابني آدم هابيل وقابيل توأمة، فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه، وقال أنا أحق بها منك. وهذا قول ابن مسعود (٤).\nواختلف فى سبب منعه على قولين (٥):\nأحدهما: أن قابيل قال لهابيل: أنا أحق بتوأمتي منك، لأننا من ولادة الجنة وأنت من ولادة الأرض. ذكره ابن إسحاق (٦).\nالثاني: أنه منعه منها لأن توأمته كانت أحسن من هابيل ومن توأمته، فقربا قربانًا وكان قابيل حراثًا، وهابيل راعيًا، فقرب هابيل سخلة سمينة من خيار ماله، وقرب قابيل حزمة سنبل من شر ماله، فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول ولم يكن فيهم مسكين يتقرب بالصدقة عليه وإنما كانت قُرَبُهُم هكذا. وهذا معنى قول ابن مسعود (٧).\nأخرج الطبري عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبيﷺ-: \"وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين\" (٨).\nواختلف في سبب قبول قربان هابيل على وجهين:\nأحدهما: لأنه كان أتقى لله من قابيل، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، والتقوى ها هنا الصلاة على ما ذكره المفسرون (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٧١٨): ص ١٠/ ٢٠٨.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٧.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٥): ص ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٤): ١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٥): ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧. وسوف يأتي.\n(٨) تفسير الطبري (١١٧١٥): ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٨.","vol":"8","page":139},{"text":"الثاني: لأن هابيل تقرب بخيار ماله فَتُقُبِّل منه، وقابيل تقرب بشر ماله، فلم يُتَقَبَّل منه، وهذا قول عبد الله بن عمر (١)، واسماعيل بن رافع (٢)، وأكثر المفسرون (٣).\nقال عبدالله بن عمر: \" إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، غير طيبةٍ بها نفسه وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه\" (٤).\nقال اسماعيل بن رافع: \" بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما\" (٥).\nواختلف في قربانهما هل كان بأمر، أو من قبل أنفسهما على قولين:\nأحدهما: أنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وذلك حين اختصما إلى أبيهما آدم. وهذا قول عبدالله بن عمر (٦)، واسماعيل بن رافع (٧)، وذكره ابن إسحاق (٨)، واختيار والزمخشري (٩).\nوالثاني: أنهما قربا من قِبَل أنفسهما. وهذا معنى قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، وعطية (١٢).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف كان قوله إنما يتقبل الله من المتقين جوابا لقوله: ﴿لأقتلنك﴾؟\nقلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟\nومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: \" فحسد قابيلُ أخاه، وقال: لأقتلنَّك\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: لأقتلنك\" (١٥).\nقال قتادة: \" .... فحسده فقال: لأقتلنك! \" (١٦).\nوروى زيد عن يعقوب: «لأقتلنك»، بسكون النون وتخفيفها (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣. وسوف يأتي.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣. وسوف يأتي.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٧٠٤): ص ١٠/ ٢٠٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٤): ص ١٠/ ٢٠٢.\n(٨) انظرك تفسير الطبري (١١٧١٤): ص ١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٦): ص ١٠/ ٢٠٣ قال ابن عباس: \" فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانًا ... \". وانظر: تفسير الطبري (١١٧١١)، و(١١٧١٢): ص ١٠/ ٢٠٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٧) - (١١٧١٠): ص ١٠/ ٣٠٤ - ٢٠٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٣): ص ١٠/ ٢٠٥.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٢.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٠.\n(١٦) أخرجه الطبري (١١٧١٧): ص ١٠/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(١٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.","vol":"8","page":140},{"text":"قال ابن الجوزي: \" القائل: هو الذي لم يتقبل منه. قال الفراء: إنما حذف ذكره، لأن المعنى يدل عليه، ومثل ذلك في الكلام أن تقول: إذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، وإذا اجتمع السفيه والحليم حمد، وإنما كان ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو قلت: مر بي رجل وامرأة، فأعنت، وأنت تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك علامة تدل على مرادك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، أي: \" فَردَّ هابيل: إنما يتقبل الله ممن يخشونه\" (٢).\nعن ابن عباس: \"قال لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين\" (٣).\nقال ابن زيد: \" يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني! \" (٤).\nوفي المراد بـ «الْمُتَّقِينَ» قولان:\nأحدهما: أنهم الذين يتقون المعاصي، قاله ابن عباس (٥).\nوالثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك (٦).\nقال السعدي: \" وأصح الأقوال في تفسير ﴿المتقين﴾ هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله -ﷺ-\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وإجماع أهل السنة في معنى [التقوى]، أنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا، وقال عدي بن ثابت وغيره: «قربان متقي هذه الأمة الصلاة» (٨) \" (٩).\nقال الطبري: \" ويعني بقوله: ﴿من المتقين﴾، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" كلام قبله محذوف تقديره: ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ولا ذنب لي في قبول الله قرباني؟ أما إني اتقيته وكنت على لا حب الحق. وإنما يتقبل الله من المتقين\" (١١).\nواختلف في قابيل هل كان عند قتل أخيه كافرًا أو فاسقًا؟ فقال قوم: كان كافرًا، وقال آخرون: بل كان رجل سوء فاسقًا (١٢).\nقال ابن جريج: \" أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سَمُرَةَ الصوّاف، وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله ﷿ حتى\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٥٣٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٧٢٢): ص ١٠/ ٢١٠.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٧٢٣): ص ١٠/ ٢١١.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٧٢٤): ص ١٠/ ٢١١.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٢٨.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٧٢٦): ص ١٠/ ٢١٢. وفيه: \" كان قربان المتّقين، الصلاة\".\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١١.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٩.","vol":"8","page":141},{"text":"أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منزل سمرة الصواف، وهو على يمينك حين ترمي الجمار.\nقال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات\" (١).\nالفوائد:\n١ - مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يجب أن يتقرب به إليه تعالى.\n٢ - عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة.\n٣ - قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى.\n٤ - بيان أول من سن جريمة القتل، وهو قابيل.\n٥ - أن من قتل واحدا فقد سن لغيره أن يقتدي به، فكل من يقتل يأخذ بحظه من إثم، وكذلك من أحيا مثله في الأجر، ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها» (٢)؛ لأنه أول من سن القتل (٣).\n\nالقرآن\n﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ [المائدة: ٢٨]\nالتفسير:\nوقال هابيلُ واعظًا أخاه: لَئنْ مَدَدْتَ إليَّ يدكَ لتقتُلني لا تَجِدُ مني مثل فعْلك، وإني أخشى الله ربَّ الخلائق أجمعين.\nقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨]، أي: \" قال هابيلُ واعظًا أخاه: لَئنْ مَدَدْتَ إليَّ يدكَ لتقتُلني\" (٤).\nقال القرطبي: أي: لئن قصدت قتلي\" (٥).\nقال الطبري: \"وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه لما قال له أخوه القاتل: لأقتلنك: والله لئن مددت إليَّ يدك لتقتلني\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، أي: \" لا تَجِدُ مني مثل فعْلك\" (٧).\nقال الطبري: \" يقول: ما أنا بمادٍّ يدي إليك لأقتلك\" (٨).\nقال ابن عباس: \" ما أنا بمنتصر، ولأمسكنَّ يدي عنك\" (٩).\nقال ابن كثير: \" يقول له أخوه الرجل الصالح، الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾، أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٧٥١): ص ١٠/ ٢٢٣.\n(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٣، والديات باب ٢، والاعتصام باب ١٥، ومسلم في القسامة حديث ٢٧، والترمذي في العلم باب ١٤، والنسائي في التحريم باب ١، وابن ماجة في الديات باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٣، ٤٣٠، ٤٣٣، وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٠: \"وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود، من طرق عن الأعمش، به\". وأخرجه الطري في تفسيره (١١٧٣٨): ص ١٠/ ٢١٨، وتاريخه ١/ ٧٢.\n(٣) انظر: أحكام القرآن لانب العربي: ٢/ ٩٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٦.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٣.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٣.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٧٢٨): ١٠/ ٢١٣.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٥.","vol":"8","page":142},{"text":"قال القرطبي: أي: \" فأنا لا أقصد قتلك، فهذا استسلام منه ... وقيل: المعنى: لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي\" (١).\nقال الزمخشري: \" قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تخرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفا من الله لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت\" (٢).\nوإن قيل: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: ﴿لئن بسطت .....﴾ ﴿ما أنا بباسط﴾؟\nالجواب: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، قولان:\nأحدهما: أما أنا بمنتصر لنفسي، قاله ابن عباس (٤).\nوالثاني: ما كنت لأبتدئك، قاله عكرمة (٥).\nوفي سبب امتناعه من دفعه عنه قولان:\nأحدهما: أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر (٦)، وابن عباس (٧)، وجمهور الناس (٨).\nقال ابن عمر: \" وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه\" (٩).\nوالثاني: أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا، قاله الحسن (١٠)، ومجاهد (١١).\nقال ابن عطية: \" والقول الأول هو الأظهر، ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان ﵁\" (١٢).\nوقال الإمام الطبري: \" وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه: ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك، لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ (١٣)، فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٦.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٥ - ٦٢٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٨): ١٠/ ٢١٣.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٧): ١٠/ ٢١٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٨): ١٠/ ٢١٣.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٧٢٧): ١٠/ ٢١٣.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٩): ١٠/ ٢١٣.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.\n(١٣) وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، انظر: تسير الطبري (١١٧٤٦) - (١١٧٤٩): ص ١٠/ ٢٢١.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٤.","vol":"8","page":143},{"text":"وقال القرطبي: \" قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله، قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر (١)، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، أي: \" إني أخشى الله ربَّ الخلائق أجمعين\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك، ﴿رب العالمين﴾، يعني: مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب\" (٥).\nقال السعدي: أي: \" وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني ﴿أخاف الله رب العالمين﴾ والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه\" (٦).\nثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار\". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حريصا على قتل صاحبه\" (٧).\nقال الجصاص: \" فإنما أراد بذلك إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة\" (٨).\nوعن بُسْر بن سعيد؛ أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: \"أشهد أن رسول الله ﷺ قال: «\"إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني قال: «كن كابن آدم» \" (٩).\nقال أيوب السَّخْتَياني: \"إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بن عفان ﵁\" (١٠).\nعن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: «ركب النبي ﷺ حمارا وأردفني خلفه، وقال: \"يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ \". قال: قال الله ورسوله أعلم. قال: \"تعفف\" قال: \"يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موتٌ شديد، ويكون البيت فيه بالعبد، يعني القبر، كيف تصنع؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"اصبر\". قال: \"يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟ \". قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك\". قال: فإن لم أتْرَك؟ قال: \"فأت من أنت منهم، فكن فيهم قال: فآخذ سلاحي؟ قال: \"إذًا تشاركهم فيما\n_________\n(١) سوف يأتي. وانظر: الحديث في المسند (٥/ ١٤٩)، وصحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦).\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٦.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٥.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٢٨.\n(٧» صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، ﵁.\n(٨) أحكام القرآن: ٤/ ٤٧.\n(٩) المسند (١/ ١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤).\n(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٦.","vol":"8","page":144},{"text":"هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك\"» (١).\nعن رِبْعِيّ قال: \"كنا في جنازة حُذَيفة، فسمعت رجلا يقول: سمعت هذا يقول في ناس: مما سمعت من رسول الله ﷺ: \"لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري، فلألجنَّه، فلئن دخل عَليّ فلان لأقولن: ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم\" (٢).\nالفوائد:\n١ - لا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك للجماعة \" (٣).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا \". قال ابن: \" إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله \" (٤).\nوقد حذر الرسول - ﷺ - المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضًا، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار\" قال: فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: \" إنه كان حريصًا على قتل صاحبه \" (٥).\nولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخي.\n٢ - أنه ما عبد الله بمثل الخوف من الله، وطريق الخوف والحزن والشفقات والحياء من الله ﵎ (٦)، قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].\n٣ - أن الخوف من الله تعالى إيمان، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه، فأما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاه مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].\nوقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢].\nوقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى\n﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]\nوقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٤]\nوجاء عن النبي ﷺ أنه قال: \"لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع\" (٧) (٨).\nوقد جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه عبارة تصور موقف علي من مقتل عثمان أحسن تصوير قال سعيد الخزاعي: \"لقيت عليًّا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدًا إن شاء الله، قال: سل عما بدا لك، قلت: أخبرني أي\n_________\n(١) المسند (٥/ ١٤٩)، وصحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦).\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٧.\n(٣) أخرجه البخاري برفم: ٦٨٧٨. ومسلم برقم: ١٦٧٦ ..\n(٤) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: [ومن يقتل مؤمنا متعمد]، فتح الباري: (١٢/ ١٨٧).\n(٥) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما: (٤/ ٢٢١٣).\n(٦) انظر: شرح السنة للبربهاري: ١٠٦.\n(٧) المنهاج في شعب الإيمان للبيهقي: ١/ ٥١٥.\n(٨) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥١٥.","vol":"8","page":145},{"text":"منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إن عثمان كان إمامًا وأنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصيناه، قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذا استسلم؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ \" (١).\nوما أروع ما قاله محمد بن سيرين في هذا الموضوع: \"ما علمت أن عليًّا اتُّهِم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس، وذلك أمر مركوز في الطبائع\" (٢).\n\nالقرآن\n﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [المائدة: ٢٩]\nالتفسير:\nإني أريد أن ترجع حاملا إثم قَتْلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك، فتكون من أهل النار وملازميها، وذلك جزاء المعتدين.\nقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، أي: \" إني أريد أن ترجع حاملا إثم قَتْلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" أن تحمل إثم قتلي وإثم الذي كان منك قبل قتلي\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني: بقتلك إياي، وبإثمك الذي عملت قبل قتلي، وهي الخيانة في القربان وغيره\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: أن ترجع إلى الله بإثمي وإثمك\" (٦).\nقال السمعاني: \" فكأنه مريد لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة\" (٧).\nقال الزمخشري: \" المراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب\" (٨).\nقال المراغي: \" أي: إنى أريد بالابتعاد من مقابلة الجريمة بمثلها أن ترجع إن فعلتها ملتبسا بإثمى وإثمك أي بإثم قتلك إياى، وإثمك الخاص بك الذي كان من آثاره عدم قبول قربانك\" (٩).\nقال ابن عطية: \" قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾ الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما سيستنصر الله لي في الآخرة، و﴿تبوء﴾، معناه: تمضي متحملا. وقوله: ﴿بإثمي وإثمك﴾، قيل معناه: بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك\" (١٠).\nقال الراغب: \" قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾، [المائدة: ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة. قال (١١):\n_________\n(١) العقد الفريد: ٥/ ٥٢ - ٥٣.\n(٢) مصنف ابن ابي شيبة (٣٠٧١٠): ص ٦/ ٢٠٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٤) الوجيز: ٣١٦.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.\n(٧) تفسير السمعاني: ٢/ ٣١.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٢٦.\n(٩) تفسير المراغي: ٦/ ٩٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.\n(١١) الشطر للبيد، وعجزه:\nعندي ولم يفخر علي كرامها\nوهو في ديوانه ص ١٧٨، شرح المعلقات ١/ ١٧٠، والعباب الفاخر (بوء) ١/ ٥٦.\n(٢) قال الصاغاني: ويقال: باء بحقه، أي: أقر، وذا يكون أبدا بما عليه لا له. انظر العباب: (بوء)، واللسان (بوء)، والمجمل (بوء).","vol":"8","page":146},{"text":"أنكرت باطلها وبؤت بحقها\nوأصل البواء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النبو الذي هو منافاة الأجزاء. يقال: مكان بواء: إذا لم يكن نابيا بنازله، وبوأت له مكانا: سويته فتبوأ، وباء فلان بدم فلان يبوء به أي: ساواه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا [يونس: ٨٧]، وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]، تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران/ ١٢١]، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [يوسف: ٥٦].\nوروي أنه: «كان ﵇ يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله» (١).\nوبَوَّأْتُ الرمح: هيأت له مكانا، ثم قصدت الطعن به، وقال ﵇: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار» (٢)، وقال الراعي في صفة إبل (٣):\nلها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا\nأي: يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكانا موافقا للرعي طلب الراعي لنفسه متبوّأ لمضجعه.\nويقال: تَبَوَّأَ فلان كناية عن التزوّج، كما يعبّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله.\nويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء لفلان إذا ساواه، وقوله ﷿: ﴿باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]، أي: حلّ مبّوأ ومعه غضب الله، أي: عقوبته، وقوله: ﴿بِغَضَبٍ﴾ في موضع حال، كخرج بسيفه، أي: رجع، لا مفعول نحو: مرّ بزيد. واستعمال (باء) تنبيها على أنّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ... \" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، وجوه:\nأحدها: أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك من معاصيك وذنوبك، وهذا قول ابن عباس (٥)، وابن مسعود (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، ومجاهد-في أحدى الروايات- (٩).\nوالثاني: وقيل: كأنه كان يمنعه عن القتل، وأراد ترك القتل؛ كيلا يبوء بالإثم. ذكره السمعاني (١٠).\nوالثالث: وقيل ﴿بإثمي﴾، أي: بإثم قتلى، ﴿وإثمك﴾، أي: الذي من أجله لم يتقبل قربانك. قاله الزجاج (١١).\nوالرابع: وقيل: ﴿بإثمي﴾: أن تقتلني، ﴿وإثمك﴾: ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة. حكاه الماتريدي عن القتبي (١٢).\n_________\n(١» الحديث عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يتبوّأ لبوله كما يتبوأ لمنزله» أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو من رواية يحيى بن عبيد بن دجي عن أبيه. قال الهيثمي: ولم أر من ذكرهما، وبقية رجاله موثقون. انظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٠٩. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وانظر: المطالب العالية ١/ ١٥.\n(٢) الحديث صحيح متفق على صحته وهو في فتح الباري ٣/ ١٣٠ في الجنائز، ومسلم رقم ١٤١ في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله. وقال جعفر الكتاني: لا يعرف حديث رواه أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، ولا حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هو. انظر: نظم المتناثر ص ٢٣، وشرح السنة ١/ ٢٥٣.\n(٣) البيت في ديوانه ص ١٦٤، وغريب الحديث ٤/ ٤٤٤، والجمهرة ٢/ ٣٤٧، والفائق ١/ ٦٥٥.\n(٤) المفردات في غريب القرآن: ١٥٨ - ١٥٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٠): ص ١٠/ ٢١٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٠): ص ١٠/ ٢١٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٥): ص ١٠/ ٢١٦.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣١)، و(١١٧٣٢): ص ١٠/ ٢١٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٣)، (١١٧٣٤): ص ١٠/ ٢١٥ - ٢١٦.\n(١٠) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٣١.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٧، وذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٢٥.\n(١٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٩٩.","vol":"8","page":147},{"text":"والخامس: وقال الحسن: \"ترجع ﴿بإثمي﴾ بقتلك إياي، ﴿وإثمك﴾، يعني: الكفر الذي كان عليه\" (١)؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافرا فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر (٢).\nوالسادس: وقيل المعنى: ﴿بإثمي﴾، إن لو قاتلتك وقتلتك، وإثم نفسك في قتالي وقتلي. حكاه ابن عطية، وقال: \" وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي ﷺ «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (٣)، فكأن هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي\" (٤).\nوالسابع: يعني: أن تبوء بإثمي فى خطاياي، وإثمك بقتلك لي، فتبوء بهما جميعًا، وهذا قول مجاهد (٥).\nقال ابن كثير: \" وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب .... عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «قتل الصَّبْر لا يمر بذنب إلا محاه» (٦).\nوهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العَرَصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطُرِحَت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها\" (٧).\nوالراجح-والله أعلم- أن يقال في تفسير قوله تعالى:: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾: \" إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي﴾، وأما معنى: ﴿وإثمك﴾، فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه في أعمالٍ سِوَاه، وذلك لإجماع أهل التأويل عليه. لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه. وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه\" (٨).\nقال ابن كثير: \" وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩]، أي: \" فتكون من أهل النار وملازميها\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها\" (١١).\nقال المراغي: \" أي: فتكون بما حملت من الإثمين من أهل النار فى الآخرة جزاء ظلمك\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٩٩.\n(٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٩٩.\n(٣) صحيح البخاري (إيمان باب ٢٢ وفتن باب ١٠) وصحيح مسلم (فتن حديث ١٤ و١٥) وسنن ابن ماجة (فتن باب ١١).\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٦): ص ١٠/ ٢١٦.\n(٦) مسند البزار برقم (١٥٤٥) \"كشف الأستار\" وقال البزار: \"لا نعلمه يروي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب\".\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٧ - ٨٨.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٨.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٢.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٧.\n(١٢) تفسير المراغي: ٦/ ٩٩.","vol":"8","page":148},{"text":"قال القرطبي: قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، \" دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل: ﴿فتكون من أصحاب النار﴾ على أنه كان كافرا، لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن، وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية (١)، ومعنى: ﴿من أصحاب النار﴾، مدة كونك فيها \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]، أي: \" وذلك جزاء المعتدين\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" والنار ثوابُ التاركين طريق الحق، الزائلين عن قصد السبيل، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم\" (٤).\nقال المراغي: أي: \" والنار جزاء كل ظالم\" (٥).\nقال ابن عطية: \" يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى لمحمد -ﷺ-\" (٦).\nقال عبد الله بن عمرو: \"وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقاسِم أهل النار قسمًة صحيحًة العذابَ، عليه شطرُ عذابهم\" (٧).\nوروى الأعمش، عند عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: \" قال النبي ﷺ: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل\" (٨).\nوقال إبراهيم النخعي: \" ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه\" (٩).\nوعن حكيم بن حكيم، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابْنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - أن فيما قصه علينا الوحي من قتل قابيل لأخيه هابيل بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم، وحب العلو والرجحان، والامتياز على الأقران في رغائب النفس ومنافعها، وما قد يلد من الحسد، وما قد يتبع الحسد من البغي والعدوان. فضرب الله لنا مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ; ليرتب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل والخير على الشر، فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية، وهابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين.\n٢ - أن مثوى الظالمين هو عذاب النار.\n\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٥) تفسير المراغي: ٦/ ٩٩.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٧٣٧): ١٠/ ٢١٨.\n(٨) حديث صحيح، أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٣، والديات باب ٢، والاعتصام باب ١٥، ومسلم في القسامة حديث ٢٧، والترمذي في العلم باب ١٤، والنسائي في التحريم باب ١، وابن ماجة في الديات باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٣، ٤٣٠، ٤٣٣، وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٠: \"وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود، من طرق عن الأعمش، به\". وأخرجه الطري في تفسيره (١١٧٣٨): ص ١٠/ ٢١٨، وتاريخه ١/ ٧٢.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٧٤٠): ١٠/ ٢١٩.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٧٤١): ص ١٠/ ٢١٩.","vol":"8","page":149},{"text":"﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠]\nالتفسير:\nفَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله، فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم.\nقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]، أي: \" فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله\" (١).\nقال الزجاج: أي: \" تابعته\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" سهَّلته وزيَّنت له ذلك\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: تابعت له نفسه على قتل أخيه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: فحسنت وسوّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع. وقرأ الحسن: فطاوعت\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]، اقوال:\nأحدها: يعنى شجعت له نفسه قتل أخيه، وهو قول مجاهد (٧).\nوالثاني: يعني: زيَّنَت له، وهو قول قتادة (٨).\nوالثالث: يعني فساعدته (٩).\nوالرابع: يعني: فغلت، من الطوع. حكاه الزجاج عن المبرد (١٠).\nقال الجصاص: \" والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له ويقال إن العرب تقول طاع لهذه الظبية أصول الشجر وطاع فلان كذا أي أتاه طوعا ويقال انطاع بمعنى انقاد ويقال طوعت له نفسه ولا يقال أطاعته نفسه على هذا المعنى لأن قولهم أطاع يقتضى قصد أمنه لموافقة معنى الأمر وذلك غير موجود في نفسه وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون آمر لنفسه ولا ناهيا لها إذ كان موضوع الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن دونه وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره كقولك حرك غيره وقتل نفسه كما يقال حرك غيره وقتل غيره\" (١١).\nقال الرازي: \" قال المفسرون: سهلت له نفسه قتل أخيه. ومنهم من قال شجعته، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر، فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه البتة، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه\" (١٢).\nثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله، وفيه وجوه:\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.\n(٣) الوجيز: ٣١٦.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٢٦.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٢) - (١١٧٤٤): ص ١٠/ ٢٢١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٥): ص ١٠/ ٢٢١.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٠.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.\n(١١) أحكام القرآن: ٤/ ٤٨.\n(١٢) مفاتبح الغيب: ١١/ ٣٤٠.","vol":"8","page":150},{"text":"أحدها: أنه وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة. وهذا القول رواه السدي عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ (١).\nوالثاني: أنه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل. وهذا قول مجاهد (٢)، وابن جريج (٣).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]، أي: \" فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم\" (٥).\nقال النحاس: \" أي ممن خسر حسناته و«الخسران»: النقصان\" (٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: فصار من المغبونين في العقوبة\" (٧).\nقال الواحدي: أي: \" خسر دنياه بإسخاط والديه وآخرته بسخط الله عليه\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم\" (٩).\nقال الزجاج: أي: \" ممن خسر حسناته، وكان حين قتله سلبه ثيابه وتركه عاريا بالأرض القفار\" (١٠).\nقال الجصاص: \" يعني: خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ولا دلالة في قوله فأصبح من الخاسرين على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر (١١):\nأصبحت عاذلتي معتله\nوليس المراد النهار دون الليل، وكقول الآخر (١٢):\nبكرت علىّ عواذلى ... يلحيننى وألومهنّه\nولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد به الوقت المبهم\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٦): ص ١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(٢) انظر تفسير الطبري (١١٧٤٩): ص ١٠/ ٢٢٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٧)، و(١١٧٤٨): ص ١٠/ ٢٢٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢٩٧.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.\n(٨) الوجيز: ٣١٦.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٤.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.\n(١١) البيت لمسكين بن عامر الحنظلي، كما في المعاني الكبير في أبيات المعاني: ٣/ ١٢٣٧، والزهرة للبغدادي: ٢٢٩ [مرقم آليا]، وأمالي القالي: ١/ ١٣٨، والبيت تمامه: \" قرمتْ بل هي وحمى للصخبْ.\n(١٢) ديوانه ص ٦٦، وتخريجه فيه، وزد عليه: غريب أبى عبيد، وغريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٥٣٧، والجمل المنسوب للخليل ص ١٣٣، والأصول ٢/ ٣٨٣، والبغداديات ص ٤٢٩، والأزهية ص ٢٦٧، ورصف المبانى ص ١١٩، وفهارسه، والجنى الدانى ص ٣٩٩، وشرح أبيات المغنى ١/ ١٨٨. ويأتى هذا الشعر فى المعاجم، فى مادة (أنن)، وفى كتب التفسير وإعراب القرآن، فى الكلام على قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الآية (٦٣) من سورة طه. انظر مثلا معانى القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٣٦٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٤٤، وتفسير القرطبى ٦/ ٢٤٧، ١١/ ٢١٨.\n(١٣) أحكام القرآن: ٤/ ٤٨ - ٤٩.","vol":"8","page":151},{"text":"قال الرازي: \" قيل: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار.\nوروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال ما كنت عليه وكيلا، فقال بل قتلته، ولذلك اسود جسدك، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن قوله ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ يدل، على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه، فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة.\n٢ - قالت المعتزلة: لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى الله تعالى لا إلى النفس.\nوجوابه: أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله تعالى (٢).\n\nالقرآن\n﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١]\nالتفسير:\nلما قتل قابيلُ أخاه لم يعرف ما يصنع بجسده، فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا; ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه؟ فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ فدَفَنَ قابيل أخاه، فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران.\nقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: \" فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول، غرابًا يحفر في الأرض، فيثير ترابها\" (٤).\nقال عطية: \" لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح (٥)، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله\" (٦).\nقال قتادة: \" قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه\" (٧).\nقال مجاهد: \" وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ\" (٨).\nقال السدي بإسناده إلى الصحابة: \" لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن. فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه. فلما رآه\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٢٤١. وسوف يأتي ذكر تلك النصوص في تفسير الآية التالية.\n(٢) م مفاتيح الغيب: ١١/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.\n(٥) أروح اللحم، وأراح. أنتن.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٧٥٩): ص ١٠/ ٢٢٦.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٧٦١): ص ١٠/ ٢٢٧.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٧٦٢): ص ١٠/ ٢٢٧.","vol":"8","page":152},{"text":"قال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي، فهو قول الله: فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه \" (١).\nقال ابن عطية: \" معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره، ومن هذا سميت سورة براءة البحوث لأنها فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر (٢):\nإن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوني كان فيهم مباحث\nوفي مثل: لا تكن كالباحث عن الشفرة\" (٣).\nوقال الشاعر (٤):\nفكانت كعنز السوء قامت برجلها ... إلى مدية مدفونة تستثيرها\nقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: \" ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه\" (٦).\nقال الرازي: \" ﴿ليريه﴾، فيه وجهان: الأول: ليريه الله، أو ليريه الغراب، أي ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز\" (٧).\nقال ابن عطية: \" والضمير في قوله: ﴿سوأة أخيه﴾، يحتمل أن يعود على قابيل ويراد بالأخ هابيل، ويحتمل أن يعود على الغراب الباحث ويراد بالأخ الغراب الميت، والأول أشهر في التأويل\" (٨).\nوفي معنى قوله تعالى: ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، وجوه (٩):\nأحدها: يعني: عورة أخيه. ذكره السمرقندي (١٠).\nقال الرازي: \" ﴿سوأة أخيه﴾: عورة أخيه، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده، والسوأة الفضيحة لقبحها\" (١١).\nقال ابن عطية: \" السوأة: العورة، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، ولأن سترها أوكد\" (١٢).\nوالثاني: جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته سوأة (١٣). وهذا اختيار الإمام الطبري (١٤).\nوالثالث: يعني: جسده الميت، فإنه مما يستقبح أن يرى. أفاده البيضاوي (١٥).\nوالرابع: ويحتمل أن يراد «بالسوأة» هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها، وأضيفت إلى المقتول من حيث نزلت به النازلة لا على جهة الغض منه بل الغض حق للقاتل وهو الذي أتى «بالسوأة». أفاده ابن عطية (١٦).\nوفي الغراب المبعوث قولان:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٧٥٤): ص ١٠/ ٢٢٥.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١، وذكره القرطبي: ٦/ ١٤٣.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١، وذكره القرطبي: ٦/ ١٤٣ بتمامه.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٣.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.\n(٧) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٠.\n(١٠) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.\n(١١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.\n(١٥) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٤.\n(١٦) انظر: المحرر الوجيز: ٢/! ٨١.","vol":"8","page":153},{"text":"أحدهما: أنه كان ملكًا على صورة الغراب، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. ذكره الماوردي (١).\nوالثاني: أنه كان غرابًا، بحث الأرض على غراب آخر. وفيه وجوه (٢):\nأحدها: أن قابيل لم يدر كيف يفعل بهابيل حتى بعث الله الغرابين، فتنازعا فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فبحث الأرض عليه.\nقال ابن عباس: \" مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه\" (٣).\nقال مجاهد: \": بعث الله غرابًا حتى حفر لآخر إلى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إليه ثم بحث عليه حتى غيَّبه\" (٤).\nالثاني: أن الغراب إنما بعث ليري ابن آدم كيفية المواراة لهابيل خاصة.\nوالثالث: وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأنه من عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل ذلك على مواراة أخيه. وهذا قول أبي مسلم (٥)، وذكره القرطبي (٦).\nقال أبو مسلم: \"عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه\" (٧).\nقال القرطبي: \" وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]، أي: \" فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ \" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني: أضعفت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأغطي عورة أخي\" (١٠).\nقال قتادة: \" أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك يعني ابن آدم ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ الآية، إلى قوله: ﴿من النادمين﴾ \" (١١).\nقال الضحاك: \" بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾، الآية\" (١٢).\nقال الرازي: \" قوله: ﴿يا ويلتى﴾، اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره، أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وذكر «يا» زيادة بيان كما في قوله: ﴿يا ويلتى أألد﴾ [هود: ٧٢] \" (١٣).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣١.\n(٢) انظر: أحكام القرآن لان العربي: ٢/ ٨٦.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٧٥٢): ص ١٠/ ٢٢٥.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٧٥٥): ص ١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٤١.\n(٧) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١. .\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٢.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.\n(١١) أخرجه الطبري (١١٧٦٠): ص ١٠/ ٢٢٧.\n(١٢) أخرجه الطبري (١١٧٦٤): ص ١٠/ ٢٢٧.\n(١٣) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.","vol":"8","page":154},{"text":"وقرأ الجمهور: «يا ويلتى» والأصل «يا ويلتي» لكن من العرب من يبدل من الياء ألفا ويفتح الياء لذلك فيقولون «يا ويلتى» ويا غلاما ويقف بعضهم على هاء السكت فيقول يا ويلتاه. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يا ويلتى» ونداء الويلة هو على معنى احضري فهذا أوانك، وهذا هو الباب في قوله: ﴿يا حسرة﴾ [يس: ٣٠] وفي قوله: يا عجبا وما جرى مجراه من نداء هذه الأمور التي لا تعقل وهي معان (١).\nوقرأ الجمهور: «أعجزت» بفتح الجيم. وقرأ ابن مسعود والحسن والفياض وطلحة بن سليمان: «أعجزت» بكسر الجيم، وهي لغة (٢).\nوقرأ طلحة بن مصرف والفياض بن غزوان: «فأواري» بسكون الياء، وهي لغة لتوالي الحركات (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: \" فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران\" (٤).\nقال الحسن البصري: \"علاه الله بندامة بعد خسران\" (٥).\nقال السمرقندي: أي: على حمله حيث لم يدفنه حين قتله\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه\" (٧).\nأخرج الطبري عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت قال: ﴿يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون﴾، قال: ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا! فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك. فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها! قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني! فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله ﷿ من شرقي عدن الجنة\" (٨).\nوعن خيثمة قال: \"لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعد\" (٩).\nفان قيل: أليس الندم توبة، فلم لم يقبل منه؟ فعنه خمسة أجوبة:\nأحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل (١٠).\nوالثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله (١١).\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٠.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.\n(٨) تفسير الطبري (١١٧٦٥): ص ١٠/ ٢٢٨. هذا الذي رواه ابن إسحق من قول أهل التوراة، تجده في كتاب القوم في سفر التكوين، في الإصحاح الرابع، وهو ترجمة أخرى لهذه الفقرة من هذا الإصحاح.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٧٦٦): ص ١٠/ ٢٢٩.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩.","vol":"8","page":155},{"text":"قال الرازي: \" لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة\" (١).\nوالثالث: أنه ندم إذ لم يواره حين قتله (٢).\nقال الرازي: \" أنه كان عالما منه بكيفية دفنه، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال: إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض، أفأكون أقل شفقة من هذا الغراب\" (٣).\nوالرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب (٤).\nوالخامس: أنه ندم ولم يستمر ندمه (٥).\nوالسادس: أنه ندم عندما رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه.\nقال القرطبي: \" وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: ﴿يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين﴾، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة\" (٦).\nوالسابع: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته، فندم وتلهف وتحسر على فعله. أفاده الرازي (٧).\nقال الرازي: \" أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافا به بعد قتله، فلما رأى أن الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال: هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم\" (٨).\nوالثامن: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية (٩).\nقال ابن العربي: \" كل من ندم فقد سلم، لكن الندم له شروط، فكل من جاء بشروطه قبل منه، ومن أخل بها أو بشيء منها لم يقبل\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" لما رأى قابيل فعل الغراب تنبه على ما يجب أن يصنع بأخيه، ورأى قصور نفسه وجهل البشر بالأمور، فقال: ﴿يا ويلتى أعجزت﴾ الآية، واحتقر نفسه ولذلك ندم ... ثم إن قابيل وارى أخاه وندم على ما كان منه من معصية الله في قتله حيث لا ينفعه الندم، واختلف العلماء في قابيل هل هو من الكفار أو من العصاة، والظاهر أنه من العصاة\" (١١).\nوقال أبو الليث عن ابن عباس: \"لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه\" (١٢).\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢.\n(٧) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.\n(٨) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.\n(١٠) أحكام القرآن: ٢/ ٨٨.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(١٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٤، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢، ومحاسن التأويل: ٤/ ١١١.","vol":"8","page":156},{"text":"وإن قيل: أنه ومن الغريب أنّ الله أخبر عنه أنّه ندم وأنّه في النّار، وقال النّبيّ - ﷺ -: \"النَّدِمُ تَوبَةٌ\" (١).\nفقال علماؤنا عنه ثلاثة أَوْجُهٍ (٢):\nأحدها: أنّ الحديث لم يصحّ، ولكن المعنى صحيحٌ، وكلُّ من ندم سَلِمَ، لكن النَدم له شروطٌ، من جاء بها قُبِلَ منه، ومن أَخَلَّ بها ولم يأت بها لم يُقْبل منه.\nالثّاني - قيل: معناه نَدِمَ ولم يَستَمرّ نَدَمُه، وإنّما يُقْبَلُ النَّدَمُ إذا اسْتَمَرَّ.\nوالثالث: قال علماؤنا: النَّدَمُ على المعاصي إنّما يقعُ بشرطِ العَزْمِ ألَّا يعود ولا يفعل في المستقبل.\nقال ابن كثير: \"والظاهر أن قابيل عُوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد بن جَبْر أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به. وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من ذنب أجدر أن يُعَجَّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يَدَّخر لصاحبه في الآخرة، من البَغْي وقطيعة الرحم» (٣). وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون\" (٤).\nوقال المقدم: \" فالظاهر أن الله ﷾ لم يعف عنه؛ لأنه لم يتب مما فعل بأخيه، فيلزم أن يفسر قوله تعالى: ﴿فأصبح من النادمين﴾، يعني: على حيرته حيث لم يهتد إلى ما اهتدى إليه الغراب الأعجم، فكان أخس وأقل من الغراب الأعجم، ولو كان نادمًا على قتل أخيه لكانت الندامة توبة، لكنه لم يتب.\nوظاهر الآيات أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، وأنه تعلم ذلك من الغراب، ولا مانع من ذلك؛ إذ مثله مما يجوز خفاؤه على الإنسان، لاسيما والعالم في أول طور النشأة، وكان هابيل أول قتيل من بني آدم، فيكون أول ميت، فيحتمل أنه لم يكن يعرف ما ويصنع بالميت إذا مات أو بالقتيل إذا قتل\" (٥).\nقال الطبري: \" وكل ما ذكر الله ﷿ في هذه الآيات، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود الذين كانوا هموا بقتل النبي ﷺ وقتلهم من بني النضير، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرَّفهم جل وعز رداءة سجيَّة أوائلهم، وسوء استقامتهم على منهج الحق، مع كثرة أياديه وآلائه عندهم. وضرب مثلهم في غَدْرهم، ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم، بابني آدم المقرِّبَين قرابينهما، اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات. ثم ذلك مثلٌ لهم على التأسِّي بالفاضل منهما دون الطالح، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله -ﷺ\" (٦).\nوروي عن الحسن، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: \"إن ابني آدم ضُرِبا مثلا لهذه الأمة، فخذوا بالخير منهما\" (٧).\nقال السمرقندي: \" يقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه، ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٤٤)، والحمدي (١٠٥)، وأحمد: ١/ ٣٧٦، وابن ماجه (٤٢٥٢)، وأبو يعلى (٤٩٦٩)، وابن حبّان (٦١٢) من حديث ابن مسعود.\n(٢) المسالك في شرح موطأ مالك: ٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥.\n(٣» رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، ﵁.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.\n(٥) تفسير القران الكريم: دروس صوتية: ٤١/ ٢.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٧) أخرجه الطبري (١١٧٦٨): ص ١٠/ ٢٣٠.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٨٥. ولم اقف عليه ..","vol":"8","page":157},{"text":"ومن الإسرائيليات ما رواه الطبري، وابن كثير في تفسيرهما كذلك ذكره السيوطي في \"الدر\": من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث مائة عام لا يضحك حزنًا عليه؛ فأتى على رأس المائة فقيل له: حياك الله وبياك، وبُشر بغلام؛ فعند ذلك ضحك، وكذلك ما ذكره من أن آدم -﵇- رثى ابنه بشعر.\nأخرج الطبري عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك! فقال: بياك، أضحكك\" (١).\nوأخرج الطبري عن علي بن أبي طالب: \"لما قتل ابن آدم أخاه، بكاه آدم فقال:\nتَغيَّرت البلاد ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الأرض مُغْبر قَبيح\nتغيَّر كل ذي لون وطعم ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه المليح\nفأجيب آدم -﵇-:\nأبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وصار الحي كالميْت الذبيح\nوجَاء بشرةٍ قد كان مِنْها ... عَلى خَوف فجاء بها يَصيح\" (٢)\nوذكره ابن كثير في تفسيره (٣).\nوقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: \"ميزان الاعتدال\"، وقال: فالآفة المخرمي أو شيخه\" (٤).\nقال الزمخشري: \" وروى أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك» وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون. وقد صح أن الأنبياء ﵈ معصومون من الشعر\" (٥).\nقال الشيخ محمد أبو شهبة: \"وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر ... قال الله ﵎: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء\" (٦).\nقال الألوسي: \"وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابن عباس، ﵄، أنه قال: «من قال: آدم - ﵇ - قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا»، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة\" (٧).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري (١١٧٢٠): ص ١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠. في اسناده حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي. روى عن الحسن. وابن سيرين، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر. روى عنه أبو داود الطيالسي، وهشيم، ويزيد بن هرون، وغيرهم. ضعفوه، حتى قال ابن معين: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، حتى خرج عن حد الاحتجاج به. مترجم في التهذيب.\n(٢) تفسير الطبري (١١٧٢١): ص ١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠. وفي إسناده غياث بن إبراهيم النخعي، الكوفي، قال يحيى بن معين: كذاب خبيث. وقال خالد بن الهياج: سمعت أبي يقول: رأيت غياث بن إبراهيم، ولو طار على رأسه غراب لجاء فيه بحديث! وقال: إنه كان كذابًا يضع الحديث من ذات نفسه. مترجم في الكبير ٤/ ١/١٠٩، وابن أبي حاتم ٣/ ٢/٥٧، وفي لسان الميزان، وميزان الاعتدال.\nوفي المخطوطة والمطبوعة، سقط من الإسناد عن غياث بن إبراهيم، وزدته من إسناد أبي جعفر في تاريخه ١: ٧٢، وروى الخبر هناك.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٩١.\n(٤) ميزان الإعتدال: ١/ ١٥٥.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٢٦.\n(٦) الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير: ١٨٣.\n(٧) روح المعاني: ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.","vol":"8","page":158},{"text":"١ - قال ابن الجوزي: \" وفي هذه القصة تحذير من الحسد، لأنه الذي أهلك قابيل\" (١).\n٢ - أن الله تعالى بعث الغراب حكمة، ليرى ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره] [عبس: ٢١]، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين.\nوأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال: \" لما مات أبو طالب أتيت النبي ﷺ، فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال: \" انطلق فواره، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني \" قال: فانطلقت فواريته. فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما أحب أن لي بهن ما عرض من شيء» (٢) (٣).\n٣ - أن دفن الميت لوجهين (٤):\nأحدهما: لستره.\nالثاني: لئلا يؤذي الأحياء بجيفته.\nروي عن يحيى بن زهدم قال: حدثني أبي عن أبيه عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «امتن الله ﷿ على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث، بالريح بعد الروح فلولا إن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما، وبالدودة في الحبة فلولا أن الدودة تقع في الحبة لأكنزها الملوك وكانت حبا من الدنانير والدراهم. وبالموت بعد الكبر، فإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أيسر له\" (٥).\n٤ - ومنها: أن الندم إذا لم يكن لقبح المعصية فليس بتوبة، ففي الآية دلالة على أن الندم إذا لم يكن لقبح المعصية لم يكن توبة، فهو هنا لم يندم على قبح المعصية، أو لم يندم خوفًا من الله ﵎، ولذلك لم ينفعه هذا الندم، يقول الرازي: ندم على قساوة قلبه كونه دون الغراب في الرحمة فكان ندمه لذلك، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم.\n٥ - قال ابن العربي: \" قوله تعالى: ﴿أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ [المائدة: ٣١]: فيه دليل على قياس الشبه\" (٦).\n\nالقرآن\n﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢]\nالتفسير:\nبسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا; فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم. ولقد أتت بني إسرائيل رسلُنا بالحجج والدلائل على صحة ما دعَوهم إليه من الإيمان بربهم، وأداء ما\n_________\n(١) زاد االمسير: ١/ ٥٣٩.\n(٢) أخرجه أحمد (١٠٩٢): ص ٢/ ٣٣٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٩ و٦٧١٢، وابن سعد ١/ ١٢٤، وأبو داود (٣٢١٤)، والنسائي ٤/ ٧٩، وفي \"الكبرى\" (١٩٥)، وفي \"الخصائص\" (١٤٩)، والدارقطني في \"العلل\" ٤/ ١٤٦، والبيهقي في \"السنن\" ٣/ ٣٩٨، وفي \"دلاثل النبوة\" ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩. [إسناده ضعيف، ناجية بن كعب: هو الأسدي، وهو مجهول].\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٣.\n(٤) أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٨٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٤/ ٥٣، وتفسيرالقرطبي: ٦/ ١٤٢.\n(٦) أحكام القرآن: ٢/ ٨٧.","vol":"8","page":159},{"text":"فُرِضَ عليهم، ثم إن كثيرًا منهم بعد مجيء الرسل إليهم لمتجاوزون حدود الله بارتكاب محارم الله وترك أوامره.\nقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: \" بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل\" (١).\nقال الضحاك: \" يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعنى: من أجل ابني آدم تعظيما للدم، ﴿كتبنا على بني إسرائيل﴾ في التوراة\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلمًا حكمنا على بني إسرائيل\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ قَتْل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانًا، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم\" (٥).\nقال ابن عطية: \" جمهور الناس على أن قوله: من أجل ذلك متعلق بقوله كتبنا أي بسبب هذه النازلة ومن جراها كتبنا، وقال قوم: بل هو متعلق بقوله: ﴿من النادمين﴾ [المائدة: ٣١]، أي ندم من «أجل» ما وقع، والوقف على هذا على ذلك، والناس على أن الوقف من النادمين\" (٦).\nوقوله: ﴿من أجل ذلك﴾، من: جرِّ ذلك وجَريرته وجنايته، قال الشاعر (٧):\nوَأَهْلِ خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أَنَا آجِلُه\nيعني بقوله: أنا آجله، أنا الجارُّ ذلك عليه والجانِي (٨).\nقال ابن عطية: \" ﴿كتبنا﴾، معناه: كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك، وخص الله تعالى: بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظورا لوجهين:\nأحدهما: فيما روي أن بني إسرائيل أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء.\nوالآخر: لتلوح مذمتهم في أن كتب عليهم هذا وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل هموا بقتل النبي ﷺ ظلما، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب عليهم\" (٩).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٢) أخرجه الطبري (١١٧٧٠): ص ١٠/ ٢٣٢.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧١.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٣٢\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.\n(٧) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٣، وتفسير الطبري: ١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢، وشرح إصلاح المنطق ١/ ١٤، وشرح شعر زهير للشنتمري: ٣٣، واللسان (أجل)، وفي رواية لابن برى، في اللسان:\nوَأَهْل خِبَاء آمِنِين، فَجَعْتُهُمْ ... بِشَيْءٍ عَزِيزٍ عَاجِل أَنَا آجِلُهْ\nوَأَقْبَلْتُ أَسْعَى أَسْأَلُ الْقَوْمَ مَالَهُمْ ... سُؤَالَكَ بِالَّشْيءِ الَّذِي أَنْتَ جَاهِلُهْ\nويروى الشطر الأول، من البيت الثاني: فَأَقْبَلَتْ فِي السَّاعِينَ أَسْأَلُ عَنْهُمُ\nونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن فقال: قال الخنوت، وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وإنما سماه الخنوت، الأحنف بن قيس. لأن الأحنف كلمه، فلم يكلمه احتقارًا له، فقال: إن صاحبكم هذا الخنوت! والخنوت: المتجبر الذاهب بنفسه، المستصغر للناس.\nوالخنوت (بكسر الخاء، ونون مشددة مفتوحة، واو ساكنة).\nوذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف ص: ٦٨ وقال: وقتل أخواه ... فأدرك الأخذ بثأرهما ... وجزع على أخويه جزعًا شديدًا، ... وكان لا يزال يبكي أخويه، فطلب إليه الأحنف أن يكف، فأبى، فسماه: الخنوت وهو الذي يمنعه الغيظ أو البكاء من الكلام.\nونسبه التبريزي في شرح إصلاح المنطق، والشنتمري في شرح ديوان زهير إلى خوات بن جبير الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ. وهو الذي يذكر في خبر ذات النحيين.\nوألحق بشعر زهير بن أبي سلمى، في ديوانه (شرح الشنتمري).\n(٨) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٣، وتفسير الطبري: ١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/! ٨٢.","vol":"8","page":160},{"text":"وقرئ: «من اجل ذلك»، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها، وقرأ أبو جعفر: «من إجل ذلك»، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقيا لكسرة الهمزة عليها (١).\nقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: \" أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة\" (٢).\nقال مقاتل: \" من قتل نفسا بغير نفس عمدا، ﴿أو فساد في الأرض﴾: أو عمل فيها بالشرك وجبت له النار ولا يعفى عنه حتى يقتل\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص، أو بغير فساد في الأرض وهو الشرك، وقيل: قطع الطريق\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: ومن قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية\" (٥).\nقال ابن عطية: \" قوله تعالى: ﴿بغير نفس﴾، معناه: بغير أن تقتل نفسا فتستحق القتل، وقد حرم الله تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ظلما وتعديا. وهنا يندرج المحارب، و«الفساد في الأرض» بجميع الزنا والارتداد والحرابة\" (٦).\nقال الطبري: \"فسادها في الأرض، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل\" (٧).\nوقرأ الحسن: «أو فسادا في الأرض»، بنصب الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فسادا أو أحدث فسادا، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: \" فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله\" (٩).\nقال الزجاج: \" أي: المؤمنون كلهم خصماء القاتل، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعا\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس\" (١١).\nقال البيضاوي: \" من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله ﷾ والعذاب العظيم\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: \" أي ومن تسبَّب لبقاء حياتها واستنقذها من الهَلَكة فكأنه أحيا جميع الناس\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧١.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٢٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/! ٨٢.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٣٢\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٢.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٦٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٤.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٣١٣\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.","vol":"8","page":161},{"text":"قال الزمخشري: أي ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك\" (١).\nقال البيضاوي: \" أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض لها وترغيبا في المحاماة عليها\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم، أو ما يميت لا محالة، أو\nاستنقذها من ضلالة، أجره على الله أجر من أحياهم أجمعين، فإن قال قائل، كيف يكون ثوابه ثواب من أحياهم جميعا؟ فالجواب في هذا كالجواب في قوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فالتأويل: أن الثواب الذي إذا جعل للحسنة كان غاية ما يتمنى يعطى العامل لها عشرة أمثاله\" (٣).\nعن أبي هريرة قال: \"دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تَقْتُل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال فإنك إن قتلت رجلا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا، فانْصَرِفْ مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل\" (٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وجوه:\nأحدها: يعني من قتل نبيًا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شد على يد نبى أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا، وهذا قول ابن عباس (٥).\nقال ابن عطية: \" وهذا قول لا تعطيه الألفاظ\" (٦).\nوالثاني: معناه فكأنما قتل الناس جميعًا عند المقتول، ومن أحياها فاستنفذها من هلكة، فكأنما أحيا الناس جميعًا عند المستنفذ، وهذا قول ابن مسعود (٧).\nوالثالث: معناه أن قاتل النفس المحرمة يجب عليه من القود والقصاص مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها بالعفو عن القاتل، أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعًا، وهذا قول ابن زيد (٨)، وأبيه (٩).\nوروي عن الحسن: \" في قوله: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعًا﴾، قال: من عفا\" (١٠). وفي رواية أخرى له: \" العفو بعد القدرة\" (١١).\nوالرابع: معناه أن قاتل النفس المحرمة يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتل الناس جيمعًا، ومن أحياها، يعني سلم من قتلها، فكأنما سلم من قتل الناس جميعًا، وهذا قول ابن عباس-في رواية اخرى- (١٢)، ومجاهد (١٣)، وذكر مقاتل نحوه (١٤).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٢٧.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٤.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٦٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٧٧١)، و(١١٧٧٢): ص ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/! ٨٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٧٣): ص ١٠/ ٢٣٣.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٧٨٧)، و(١١٧٨٨): ص ١٠/ ٢٣٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٧٨٧)، و(١١٧٨٨): ص ١٠/ ٢٣٧.\n(١٠) أخرجه الطبري (١١٧٨٩): ص ١٠/ ٢٣٧.\n(١١) أخرجه الطبري (١١٧٩١): ص ١٠/ ٢٣٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧٧٤): ص ١٠/ ٢٣٤، و(١١٧٨١): ص ١٠/ ٢٣٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٧٧٥) - (١١٧٨٠): ص ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥، و(١١٨٧٨٢) - (١١٧٨٦): ص ١٠/ ٢٣٦.\n(١٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٢.","vol":"8","page":162},{"text":"والخامس: أن على جميع الناس جناية القتل كما لو قتلهم جميعًا، ومن أحياها بإنجائها من غرق أو حرق أو هلكة، فعليهم شكره كما لو أحياهم جميعا. وهذا قول مجاهد أيضا (١).\nوالسادس: أن الله تعالى عظم أجرها ووزرها فإحياؤها يكون بمالك أو عفوك، وهذا قول الحسن (٢)، وقتادة (٣).\nقال الطبري: \"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: تأويل ذلك: أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٣].\nوأما قوله: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعًا﴾، فأولى التأويلات به، قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدّم على قتله، فقد حيى الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافر في قيله: أنا أحيي، أنا أترك من قَدَرت على قتله - وفي قوله: وأميت، قتله من قتله، فكذلك معنى الإحياء في قوله: ومن أحياها، من سلِمَ الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم فكأنما أحيى الناس جميعًا.\nوإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع. فكان معلومًا بذلك أن معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس - وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض\" (٤).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟\nقلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك.\nفإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟\nقلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: \" ولقد أتت بني إسرائيل رسلُنا بالحجج والدلائل على صحة ما دعَوهم إليه من الإيمان بربهم، وأداء ما فُرِضَ عليهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: بالبيان في أمره ونهيه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة\" (٨).\nقال الطبري: \" وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به: أن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قصَّ الله قَصَصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدَّمت، من قوله: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم﴾، إلى هذا الموضع بالبينات، يعني: بالآيات الواضحة والحجج البيِّنة على حقيقة ما أرسلوا به إليهم، وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم، وأداء فرائضِ الله عليهم\" (٩).\nقال ابن عطية: \" أخبر الله تعالى عن «بني إسرائيل» أنهم جاءتهم الرسل من الله بالبينات في هذا وفي سواه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢]، أي: \" ثم إن كثيرًا منهم بعد مجيء الرسل إليهم لمتجاوزون حدود الله بارتكاب محارم الله وترك أوامره\" (١١).\nقال مقاتل: \" ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك البيان ﴿في الأرض لمسرفون﴾، يعني: إسرافا في سفك الدماء واستحلال المعاصي\" (١٢).\nقال السعدي: أي: \" ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا﴾ من الناس ﴿بعد ذلك﴾ البيان القاطع للحجة، الموجب للاستقامة في الأرض، في العمل بالمعاصي، ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والحجج\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" ﴿بعد ذلك﴾، بعد ما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات ﴿لمسرفون﴾، يعنى: في القتل لا يبالون بعظمته\" (١٤).\nقال الطبري: \" يعني: أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومحادُّو الله ورسله، باتباعهم أهواءَهم. وخلافهم على أنبيائهم، وذلك كان إسرافهم في الأرض\" (١٥).\nقال القرطبي: \" ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات، وأن أكثرهم مجاوزون الحد، وتاركون أمر الله\" (١٦).\nقال البيضاوي: \" أي: بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد كي يتحاموا عنها وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون به، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها والإسراف التباعد عن حد الاعتدال في الأمر\" (١٧).\nقال ابن عطية: \" ثم لم يزل الكثير منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود، وفي هذه الآية إشارة إلى فعل اليهود في همهم بقتل النبي ﷺ وغيره إلى سائر ذلك من أعمالهم\" (١٨).\nقال ابن كثير: \"وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قُرَيْظَة والنَّضير وغيرهم من بني قَيْنُقاع ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة، حيث يقول: ﴿وَإِذْ\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٩٢) - (١١٧٩٤): ص ١٠/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧٩٧)، و(١١٨٠٠)، و(١١٨٠١)، و(١١٨٠٢): ص ١٠/ ٢٣٩، ٢٤٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٧٩٨)، و(١١٧٩٩): ص ١٠/ ٢٣٩.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٢٧.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٤.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٢.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٢.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٢.\n(١٣) تفسير رالسعدي ٢٢٩.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٢٧.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٢.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٧.\n(١٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٤.\n(١٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٢.","vol":"8","page":163},{"text":"أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] \" (١).\nقال الواحدي: \" ﴿المسرفون﴾ أَيْ: مجاوزون حدَّ الحقِّ\" (٢).\nأخرج ابن سلام من طريق أبو عبيد عن سليمان بن علي الرّبعي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فقلت: يا أبا سعيد (٣) أهي علينا كما كانت على بني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله إلا هو وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم عليه من دمائنا، قال أبو عبيد: وقد كان بعض أهل العلم يتأول في آية النساء غير هذا المذهب\" (٤).\nالفوائد:\n١ - تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل، ومع الأسف لم ينتفعوا به.\n٢ - قال السعدي: \" ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين:\nأحدهما: إما أن يقتل نفسا بغير حق متعمدا في ذلك، فإنه يحل قتله، إن كان مكلفا مكافئا، ليس بوالد للمقتول.\nوالثاني: وإما أن يكون مفسدا في الأرض، بإفساده لأديان الناس أو أبدانهم أو أموالهم، كالكفار المرتدين والمحاربين، والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل، وكذلك قطاع الطريق ونحوهم، ممن يصول على الناس لقتلهم، أو أخذ أموالهم\" (٥).\n٣ - أن القتل عمدًا بغير حق أعظم الذنوب بعد الشرك بالله ﷿، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وفي الحديث: (لزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل رجل مسلم).\n٤ - أن القتل عمدًا يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمقتول، وحق لأولياء القتيل، فإذا أداها برئت ذمته.\nفالحق الأول: حق لأولياء القتيل، فيأتي ويسلم نفسه إليهم، ويصطلح معهم، فإن شاءوا قتلوه قصاصًا وإن شاءوا طلبوا منه الدية أو أكثر من الدية صلحًا، فإذا سلم نفسه إليهم وقتلوه قصاصًا أو اتفقوا معه على نفس الدية أو أكثر منها سقط حقهم، وبقي حق الله وحق القتيل.\nوالثاني: حق الله: فإذا تاب فيما بينه وبين الله توبةً نصوحًا، بأن أقلع عن هذه المعصية وندم على ما مضى وعزم عزمًا جازمًا على ألا يعود إليها مرة أخرى تاب الله عليه وسقط حق الله، والثالث: حق القتيل يوم القيامة، فإذا أدى الحقين: حق أولياء القتيل وحق الله، فالله تعالى يرضي المقتول عنه يوم القيامة بما يعطيه من الثواب والدرجات في الآخرة، فيصفح عن أخيه فيتوب الله عليه.\nوالصواب أن القاتل له توبة، وهذا هو الذي عليه الجماهير (٦).\n\nالقرآن\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٩٤.\n(٢) الوجيز: ٣١٧.\n(٣) هو الحسن البصري، كنيته أبو سعيد.\n(٤) الناسخ والمنسوخ، للقاسم بن سلام: ١/ ٢٧١، وروى نحوه ابن أبي شيبة فى المصنف ج ٩، كتاب الديات «باب من قال: ليس لقاتل المؤمن توبة» ص ٣٦٠ تحقيق مختار أحمد الندوي.\n(٥) تفسير رالسعدي ٢٢٩.\n(٦) انظر: شرح الاقتصاد في الاعتقاد للراجحي: الدرس: ١٠/ ١٠ [دروس صوتية مرقم آليا].","vol":"8","page":164},{"text":"﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]\nالتفسير:\nإنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله، ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال، أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل (والصلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة) أو تُقْطَع يدُ المحارب اليمنى ورجله اليسرى، فإن لم يَتُبْ تُقطعْ يدُه اليسرى ورجلُه اليمنى، أو يُنفَوا إلى بلد غير بلدهم، ويُحبسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر توبتُهم. وهذا الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين هو ذلّ في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد إن لم يتوبوا.\nفي سبب نزول الآية بعدها خمسة أقوال:\nأحدها: قال أنس: \" قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي - ﷺ - بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحّوا قتلوا راعي النبي - ﷺ -، واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم فلما ارتفع النهار جيء بهم؛ فأمر؛ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون.\nقال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله\" (١).\nوروي عن ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وسعيد بن المسيب (٥)، والسدي (٦)، وجرير بن عبدالله البجلي (٧)، نحو ذلك.\nوفي رواية الطبري عن أنس: \"أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة، أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريفٍ، وإنا استوخمنا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بِذَوْدٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعيَ رسول الله ﷺ، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتيَ بهم النبي -ﷺ-، فقطع أيديهم وأرجلهم، وَسَمل أعينهم (٨)، وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا فذُكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ \" (٩).\nوقال السدي (١٠)، ومحمد بن عجلان (١١): لم يسمُل النبي ﷺ أعين العرنيِّين، ولكنه كان أراد أن يسمُل، فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه، يعرِّفه الحكم فيهم، ونهاه عن سمل أعينهم.\nوالثاني: قال ابن عباس: \"كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي -ﷺ- عهدٌ وميثاق، فنقضوا العهدَ وأفسدوا في الأرض، فخيَّرَ الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ\". رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (١٢)، وبه قال الضحاك (١٣).\nوالثالث: أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الاسلام، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس (١٤).\nوقال ابن السائب: \"كان أبو بردة، واسمه هلال بن عويمر، وادع النبي ﷺ على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين لم يهج، ومن مر بهلال إلى رسول الله ﷺ لم يهج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال، فنهدوا إليهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، ولم يكن هلال حاضرا، فنزلت هذه الآية\" (١٥). [باطل]\nوالرابع: أنها نزلت في المشركين، رواه عكرمة عن ابن عباس (١٦)، وبه قال الحسن (١٧)، وعكرمة (١٨).\nقال القرطبي: \" وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقوله ﵊: «الإسلام يهدم ما قبله» (١٩) \" (٢٠).\nوالخامس: عن ابن سعد؛ قال: \"نزلت هذه الآية في الحرورية (٢١): ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ. . .﴾ \" (٢٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم ٢٣٣، ٣٠١٨، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩)، ومسلم (رقم ١٦٧١/ ١٠ - ١٢). [صحيح].\n(٢) أخرجه عنه الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" (٢/ ٩٨٤ رقم ١١١٣) من طريق محمد بن الصلت نا عبد العزيز بن مسلم الشامي عن الضحاك عن ابن عباس به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ فالضحاك لم يلق ابن عباس، وعبد العزيز هذا لم نجد.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ١٣١ رقم ٤٣٦٩) -ومن طريقه البيهقي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٨٢، ٢٨٣) -، والنسائي (٧/ ١٠٠)، والطبري في \"جامع البيان\" (٦/ ١٣٤)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ رقم ١٣٢٤٧) -ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٢٥٥) - من طريق سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد عن عبد الله بن عبيد الله عن ابن عمر.\nقلنا: وسنده حسن.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٨١٠): ص ١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(٥) أخرجه النسائي في \"المجتبى\" (٧/ ٩٨، ٩٩)، و\"الكبرى\" (٢/ ٢٩٧ رقم ٣٤٩٩) من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب ومعاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن سعيد به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ لإرساله ..\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٨١٧): ١٠/ ٢٥١. [ضعيف جدا، لإعضاله، وضعف أسباط].\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨١١): ص ١٠/ ٢٤٧. وسنده ضعيف، وفي متنه نكارة؛ فموسى بن عبيدة الربذي ضعيف وتركه بعضهم، ووجه النكارة: أنه قال: \"فكره الله سمل الأعين؛ فأنزل هذه الآية\"؛ فهذا مخالف لما رواه مسلم في \"صحيحه\" عن أنس: أنه - ﷺ - سمل أعين الرعاء وكان هذا قصاصًا لا جزاء.\nوقال ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٥٢): \"وفي إسناده الربذي وهو ضعيف\"، وأشار إلى النكارة التي وقعت في متنه.\n(٨) سمل عينه: فقأها بحديدة محماة، أو بشوك، أو ما شابه ذلك. وإنما فعل بهم ذلك، لأنهم فعلوا بالرعاة مثله، فجازاهم على صنيعه بمثله.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٨٠٨): ص ١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٨١٩): ص ١٠/ ٢٥٣. [وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف أسباط، وفي متنه نكارة]\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٨١٨): ص ١٠/ ٢٥٣. [وهو ضعيف؛ لإعضاله]\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٨٠٣): ص ١٠/ ٢٤٣. فيه إرسال، علي لم يسمع من ابن عباس.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٨٠٤): ص ١٠/ ٢٤٣ - ٢٤٤. مرسل، وفيه جويبر بن سعيد وهو متروك.\n(١٤) زاد المسير: ١/ ٥٤١، عزاه المصنف لأبي صالح عن ابن عباس، وراوية أبي صالح هو الكلبي، وهو متهم بالوضع، فحديثه لا شيء ..\n(١٥) زاد المسير: ١/ ٥٤١، عزاه ابن الجوزي لابن السائب وهو الكلبي، واسمه محمد، وهو ساقط متهم، فخبره باطل.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٨٠٦): ص ١٠/ ٢٤٤، أخرجه أبو داود (٤/ ١٣٢ رقم ٤٣٧٢)، والنسائي (٧/ ١٠١). [وسنده حسن]\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨٠٦)، و(١١٨٠٧): ص ١٠/ ٢٤٤. [ضعيف جدا]، أخرجه من طريق ابن حميد، فيه علتان:\nالأولى: ابن حميد؛ حافظ متهم.\nالثانية: الإرسال.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١١٨٠٧): ص ١٠/ ٢٤٤. [سنده ضعيف جدًا]\n(١٩) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان -باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج (١٩٢): ص ١/ ١١٢.\n(٢٠) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٩.\n(٢١) وهم الخوارج: سموا بذلك لخروجهم على علي - ﵁ - لأنه رضي بتحكيم الحكمين - في زعمهم - فكفروا عليا ومعاوية وعثمان وكل من رضي بالتحكيم، ويقولون بتكفير مرتكب الكبيرة، وتخليده في النار، والخروج على الأئمة بالسيف، ويقال لهم: الحرورية، والشراة. من أشهر فرقهم: النجدات، والأزارقة، والإباضية. انظر: مقالات الإسلاميين (ص ٧٥)، والفرق بين الفرق (ص ٧٣)، والملل والنحل (١/ ١١٤).\n(٢٢) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٦) ونسبه لابن مردويه.","vol":"8","page":165},{"text":"قال ابن كثير: \" والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قِلابة\" (١).\nقال القرطبي: \" فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين\" (٢).\nقال الإمام الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية على نبيِّه ﷺ، معرِّفَه حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيِّين ما فعل.\nوإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن القِصَص التي قصّها الله جل وعزّ قبلَ هذه الآية وبعدَها، من قَصَص بنى إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسِّطًا، من تعريف الحكم فيهم وفي نظرائهم، أولى وأحقّ. وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعلِ رسول الله ﷺ بالعرنيِّين ما فعل، لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله\" (٤).\nقال الواحدي: \" أَيْ: يعصونهما ولا يطيعونهما يعني: الخارجين على الإِمام وعلى الأمَّة بالسَّيف نزلت هذه الآية في قصة العُرَنيين وهي معروفةٌ تعليمًا لرسول الله ﷺ عقوبة مَن فعل مثل فعلهم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل\" (٦).\nقال ابن عطية: قوله: \" ﴿يحاربون الله﴾، تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل التقدير يحاربون عباد الله، ففي الكلام حذف مضاف\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال\" (٨).\nقال الواحدي: أَيْ: \"بالقتل وأخذ الأموال\" (٩).\nقال الطبري: \" يعني: ويعملون في أرض الله بالمعاصي: من إخافة سُبُل عباده المؤمنين به، أو سُبُل ذمتهم، وقطعِ طرقهم، وأخذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والتوثُّب على حرمهم فجورًا وفُسُوقًا\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] \" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٨.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٥١.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٥) الوجيز: ٣١٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٩) الوجيز: ٣١٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٥٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٤.","vol":"8","page":166},{"text":"قال ابن عطية: قوله: \"قوله تعالى: ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾، تبيين للحرابة، أي: ويسعون بحرابتهم، ويحتمل أن يكون المعنى: ويسعون فسادا منضافا إلى الحرابة، والرابط إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة\" (١).\nواختلف في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه الآية على ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنه الزنى والسرقة وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل. وهذا قول مجاهد (٢).\nوالثاني: أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية فى المِصْر وغيره، وهذا قول الشافعي (٣)، ومالك (٤)، والأوزاعي (٥)، والليث بن سعد (٦)، وابن لهيعة (٧).\nوالثالث: أنه المجاهر بقطع الطريق دون المكابر فى المِصْر، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (٨)، وعطاء الخراساني (٩).\nوالراجح-والله أعلم- أن\" المحارب لله ورسوله، من حارب في سابلة المسلمين وذِمَّتهم، والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حِرَابة، لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربًا للمسلمين على الظلم منه لهم، أنه لهم محارب، ولا خلاف فيه. فالذي وصفنا صفته، لا شك فيه أنه لهم نَاصبٌ حربًا ظلمًا. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان نصبه الحربَ لهم في مصرهم وقُراهم، أو في سُبلهم وطرقهم: في أنه لله ولرسوله محارب، بحربه من نَهَاه الله ورسوله عن حربه\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل\" (١١).\nقال الصابوني: أي: \" أن يُقتلوا جزاء بغيهم، أو يُقتلوا ويُصلبوا زجرًا لغيرهم، والصيغةُ للتكثير\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" وأما قتل المحارب، فبالسيف ضربة العنق، وأما صلبه فجمهور من العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالا لغيره، وهذا قول الشافعي، وجمهور من العلماء على أنه يصلب حيا ويقتل بالطعن على الخشبة، وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" أن تُقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى\" (١٤).\nقال ابن عطية: \"وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقي العقب\" (١٥).\nقال الواحدي: \" معنى: ﴿أو﴾ -ها هنا-: الإباحة فللإمام أن يفعل ما أراد من هذه الأشياء\" (١٦).\nوقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن: «يقتلوا، ويصلبوا، تقطع»، بالتخفيف في الأفعال الثلاثة (١٧).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" أو يُنفَوا إلى بلد غير بلدهم، ويُحبسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر توبتُهم\" (١٨).\nقال السمرقندي: \" يعني: يطلب حتى لا يجد قرارا في موضع، ويقال: ينفوا ﴿من الأرض﴾، يعني: يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض\" (١٩).\nقال الواحدي: \" معنى: النَّفي من الأرض الحبسُ في السجن لأن المجون بمنزلة المخرج من الدني\" (٢٠).\nواختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، على وجوه:\nأحدها: أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، وهذا قول ابن عباس (٢١)، وأنس بن مالك (٢٢)، والحسن (٢٣)، وسعيد بن جبير (٢٤)، والضحاك (٢٥)، وقتادة (٢٦)، والربيع بن أنس (٢٧)، والزهري (٢٨)، والليث بن سعد (٢٩)، ومالك بن أنس (٣٠)، والسدي (٣١).\nوالثاني: أن معنى «النفي» في هذا الموضع: أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدةٍ أخرى غيرها. وهذا قول عمر بن عبدالعزيز (٣٢)، وسعيد بن جبير-في رواية أخرى- (٣٣).\nوالثالث: أن المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٣٤).\nواختار الطبري: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه حتى تظهر توبته من فسوقه، ونزوعه عن معصيته ربَّه (٣٥).\nقال ابن عطية: \" والظاهر أن الأرض في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدر، نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحا، وهذا هو صريح\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٤): ص ١٠/ ٢٧٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢٥): ص ١٠/ ٢٥٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢٢): ص ١٠/ ٢٥٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢١): ص ١٠/ ٢٥٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢٣): ص ١٠/ ٢٥٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢٣): ص ١٠/ ٢٥٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢٦): ص ١٠/ ٢٥٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٨٢٠): ص ١٠/ ٢٥٤.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٥٦.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٣١٣.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(١٤) صفوة التفاسير: ٣١٣.\n(١٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(١٦) الوجيز: ٣١٧.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(١٨) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٩) بحر العلوم: ١/ ٣٨٦.\n(٢٠) الوجيز: ٣١٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١١٨٥٦): ص ١٠/ ٢٦٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١١٨٥٧): ص ١٠/ ٢٦٨.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٣): ص ١٠/ ٢٦٩.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٧): ص ١٠/ ٢٧٠.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦١)، و(١١٨٦٢): ص ١٠/ ٢٦٩.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٦): ص ١٠/ ٢٧٠.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٤): ص ١٠/ ٢٦٩.\n(٢٨) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٥): ص ١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (١١٨٥٩): ص ١٠/ ٢٦٩.\n(٣٠) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٠): ص ١٠/ ٢٦٩.\n(٣١) انظر: تفسير الطبري (١١٨٥٥): ص ١٠/ ٢٦٨.\n(٣٢) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٩) - (١١٨٧١): ص ١٠/ ٢٧٠ - ٢٧٣.\n(٣٣) انظر: تفسير الطبري (١١٨٦٨): ص ١٠/ ٢٧٠.\n(٣٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٧٤.\n(٣٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٧٤.","vol":"8","page":167},{"text":"مذهب مالك: أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الراجح، لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفهم حاله سرح\" (١).\nومعنى «النفي»، في كلام العرب، هو الطرد، ومن ذلك قول أوس بن حجر (٢):\nيُنْفَوْنَ عَنْ طْرُقِ الكِرَامِ كَمَا ... تَنْفِي المَطَارِقُ مَا بَلِي القَرَدُ\nومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء: النُّفَاية، وأما المصدر من نفيت، فإنه النفي والنَّفَاية، ويقال: الدلو ينفي الماء، ويقال لما تطاير من الماء من الدلو: النّفِيُّ، ومنه قول الأخيل الطائي (٣):\nكأَنَّ مَتْنَيِه مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ\nومنه قيل: نَفىَ شَعَرُه، إذا سقط، يقال: حَال لونُك، ونَفىَ شعرُك (٤).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" وهذا الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين هو ذلّ في الدنيا\" (٥).\nقال الواحدي: أي: \" هوانٌ وفضيحةٌ\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" ذل وفضيحة\" (٧).\nقال الطبري: \" يعني: لهؤلاء المحاربين خزي في الدنيا، يقول: هو لهم شرٌّ وعار وذلةٌ، ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم - خزْي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا \" (٩).\nقال ابن عطية: \"وقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي﴾، إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم، وغلظ الله الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذابا عظيما مع العقوبة في الدنيا، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن الصامت في قول النبي ﷺ، «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو له كفارة» (١٠).\nويحتمل: أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره، وهذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة، اما أن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وعظم الذنب، والخزي في هذه الآية الفضيحة والذل والمقت\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: \" ولهم في الآخرة عذاب شديد إن لم يتوبوا\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \" لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسولَه وسعوا في الأرض فسادًا، فلم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا في الآخرة، مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم، يعني: عذاب جهنم\" (١٣).\nقال البيضاوي: [وذلك]: \" لعظم ذنوبهم\" (١٤).\nقال ابن كثير: أي: \" مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم، عن عبادة بن الصامت قال: «أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا: ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، فمن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمْرُه إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (١٥) \" (١٦).\nقال الواحدي: \" وهذا للكفَّار الذين نزلت فيهم الآية لأنَّ العُرنيين ارتدُّوا عن الدِّين والمسلم إذا عوقب في الدُّنيا بجنايته صارت مكفَّرةً عنه\" (١٧).\nوعن علي -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أذنب ذنبًا في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه\" (١٨).\nقال القرطبي: \" ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية\" (١٩).\nقال الزهري (٢٠)، وابن سلام (٢١)، والمقري (٢٢)، وابن حزم (٢٣)، \" قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(٢) شرح المفضليات: ٨٢٧، وليس في ديوان أوس، وهو من شعره، من القصيدة الخامسة التي أولها: أَبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمُ بِيَدٍ ... إِلا يَدٌ لَيْسِتْ لَهَا عَضُدُ\nويهجوهم، ورواية المفضليات من طرق الكرام. والمطارق جمع مطرقة ومطرق وهو القضيب الذي يضرب به الصوف أو القطن لينتفش، وينفي منه القرد. والقرد (بفتحتين): ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد وانعقدت أطرافه، وهو نفاية الصوف، ثم استعمل فيما سواه من الوبر والشعر والكتان. وقوله: ما يلي القرد، أي: ما وليه القرد، من قولهم وليه يليه، أي: قاربه ودنا منه. يعني: ما قاربه القرد وباشره ولصق به تعقده.\n(٣) انظر: جمهرة اللغة ٣/ ١٣٥، والمخصص ١٠/ ٩٠، ومجالس ثعلب: ٢٤٩، والحيوان ٢/ ٣٣٩، والقالي ٢/ ٨، واللسان (صفا) و(نفا) وكلهم رواه\"متنيه\" إلا ابن دريد فإنه أنشده: كأنّ مَتْنَيَّ من النَّفِيِّ ... مِنْ طُولِ إشْرَافِي على الطّوِيِّ\nوالنفي: ما تطاير من دلو المستقى. ومن روى\"متني\" فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه. وأما من روى\"متنيه\"، فإنه عنى غيره. وهو الأصح فيما أرجح، وقد قال الأزهري: \"هذا ساق كان أسود الجلدة، استقى من بئر ملح، فكان يبيض نفي الماء على ظهره إذا ترشش. لأنه كان ملحًا\". فإذا صح ذلك، كانت رواية البيت الذي يليه\"من طول إشراف\" بغير ياء الإضافة، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهري، لتشبيهه في البيت الثالث. و\"الطوي\" البئر المطوية بالحجارة.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\nهذا في خبر محمد بن كعب القرظي وعمر بن عبد العزيز لما استخلف فرآه شعثًا قال:\n... وكان عهدنا به بالمدينة أميًرا علينا، حسن الجسم، ممتلئ البضعة، فجعلت أنظر إليه نظرًا، لا أكاد أصرف بصري عنه، فقال: يا ابن كعب، مالك تنظر إلي نظرًا ما كنت تنظره إلي قبل؟ قال فقلت: لعجبي! قال: ومما عجبك؟ فقلت: لما نحل من جسمك، ونفى من شعرك، وتغير من لونك؟ قال: وكيف لو رأيتني بعد ثلاث في قبري، حين تقع عيناي على وجنتي، ويسيل منخري وفمي دودًا وصديدًا، لكنت لي أشد نكرة منك اليوم! .\nنفى الشعر: ثار وذهب وشعث وتساقط.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٦) الوجيز: ٣١٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٥.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٧٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠١.\n(١٠) صحيح مسلم برقم (١٧٠٩).\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٥.\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٥.\n(١٥) صحيح مسلم برقم (١٧٠٩).\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠١.\n(١٧) الوجيز: ٣١٧.\n(١٨) المسند (١/ ٩٩) وسنن الترمذي برقم (٢٦٢٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٠٤) والعلل للدارقطني (٣/ ١٢٩).\n(١٩) تفسير القرطبي: ٦/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٢٠) الناسخ والمنسوخ: ٣٦.\n(٢١) انظر: الناسخ والمنسوخ: ٢٩٩.\n(٢٢) الناسخ والمنسوخ: ٨٠.\n(٢٣) الناسخ والمنسوخ: ٣٦.","vol":"8","page":168},{"text":"أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، نسخت بالاستثناء بعدها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.\nقال الزهري: \"يقول: فلا سبيل لكم عليهم بعد التوبة. أراد بذلك الرجل المسلم الذي يكون منه الفساد ثم يتوب من قبل أن يظفر به ربّ الأمر. وأمّا الكفار الذين يفسدون في الأرض وهم في دار الحرب فهؤلاء لا تقبل توبتهم، فإنّهم لو كانت توبتهم صادقة للحقوا ببلاد المسلمين\" (١).\nوقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي -ﷺ- في «العرنيين»، على قولين (٢):\nأحدهما: أن ذلك حكم منسوخ، نسخَه نهيُه عن المثلة وذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\nوقالوا: أنزلت هذه الآية عِتابًا لرسول الله ﷺ فيما فعل بالعُرَنيين. وهذا قول محمد بن العجلان (٣)، والليث بن سعد (٤).\nوالثاني: أن فِعْلُ النبيِّ ﷺ بالعرنيين، حكمٌ ثابت أبدًا، ولم ينسخ ولم يبدّل. وقوله: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، حكمٌ من الله فيمن حارب وسَعى في الأرض فسادًا بالحِرَابة.\nوالعرنيون ارتدُّوا، وقتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام أو الذمة.\nقال القرطبي: \"وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ \" (٥).\nوقدر روي عن السدي: \" فبعث رسول الله ﷺ، فأتي بهم يعني العرنيين فأراد أن يسمُل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود، كما أنزلها الله عليه\" (٦).\nالفوائد:\n١ - بيان حكم الحرابة وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيدًا عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض، هذه هي الحرابة وأهلها، يقال لهم: المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية.\n٢ - أن الإمام مخير في إنزال العقوبة التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن، وهذا مذهب الجمهور من الأئمة، وهو أرفق وأصلح وأكثر تمثيلًا للآية وانسجامًا معها.\nوهذا إن قلنا ﴿أو﴾ في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا قتل، ومن قتل وأخذ مالًا قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالًا يُنفى.\nومذهب الجمهور، وهو الحق لا تقطع يد المحارب إلا في مال تقطع فيه يد السارق، وهو زنة: ربع دينار ذهب فأكثر.\nوإن تعذر النفي فالسجن يقوم مقامه، إذ هو نفي من ظاهر الأرض إلى باطنها. كما قال بعض المسجونين (٧):\n_________\n(١) الناسخ والمنسوخ: ٣٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٨١٨): ص ١٠/ ٢٥٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٨١٨): ص ١٠/ ٢٥٣.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ١٥٠.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٨١٩): ص ١٠/ ٢٥٣.\n(٧). البيتان من الطويل، وهما لصالح بن عبد القدوس في أمالي المرتضى ١/ ١٠١، وبلا نسبة في عيون الأخبار ١/ ٨١ - ٨٢، والمحاسن والأضداد ص ٣٨.","vol":"8","page":169},{"text":"خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى\nإذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدّنيا\nقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئا اشبه بالنفي من الحبس، \"لأنه إذا حبس ومنع من التصرّف والتقلّب في البلاد، فقد نفي منها كلّها وألجئ إلى مكان واحد\" (١).\nوقال الشافعي: \" في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من\nخلاف، وإذا هربوا: طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا: نفوا من الأرض\" (٢).\nالقرآن\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]\nالتفسير:\nلكن مَن أتى من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم وجاء طائعًا نادمًا فإنه يسقط عنه ما كان لله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، أي: \" لكن الذين تابوا من المحاربين وقُطّأع الطريق قبل القدرة على أخذهم وعقوبتهم \" (٣).\nقال ابن شهاب الزهري: \" يقول: فلا سبيل لكم عليهم بعد التوبة. أراد بذلك الرجل المسلم الذي يكون منه الفساد ثم يتوب من قبل أن يظفر به ربّ الأمر. وأمّا الكفار الذين يفسدون في الأرض وهم في دار الحرب فهؤلاء لا تقبل توبتهم، فإنّهم لو كانت توبتهم صادقة للحقوا ببلاد المسلمين\" (٤).\nقال مقاتل: \" يقول: من جاء منهم مسلما قبل أن يؤخذ فإن الإسلام يهدم ما أصاب في كفره من قتل أو أخذ مال\" (٥).\nقال الإمام الشافعي: \" فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حق الله عنه، وأخذ بحقوق بني آدم\" (٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال\" (٧).\nقال الجصاص: \" فاستثنى التائب قبل القدرة عليه من جملة من أوجب عليه الحد المذكور في الآية\" (٨).\nقال الفراء: \" المعنى: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم\" (٩).\nقال ابن عطية: \" استثنى ﷿ التائب قبل أن يقدر عليه\" (١٠).\nقال أبو حيان: ظاهره أنه استثناء من المعاقبين عقاب قاطع الطريق، فإذا تابوا قبل القدرة على أخذهم سقط عنهم ما ترتب على الحرابة، وهذا فعل علي ﵁ بحارثة بن بدر العراني (١١) \" (١٢).\n_________\n(١) تاويل مشكل القرآن: ٢٢٩. [بتصرف].\n(٢) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٧٣٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣١٤.\n(٤) الناسخ والمنسوخ وتنزيل القرآن: ٣٦.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣.\n(٦) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٧٢٣.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٣٨٧.\n(٨) أحكام القرآن: ١/ ٦٦.\n(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٤٤.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٦.\n(١١) البحر المحيط: ٤/ ٢٤٢.\n(١٢) سوف يأتي بيان الخبر.","vol":"8","page":170},{"text":"قال ابن الجوزي: \" هذا الاستثناء في المحاربين المشركين إذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا قبل القدرة عليهم، فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دم، وهذا لا خلاف فيه. فأما المحاربون المسلمون، فاختلفوا فيهم، ومذهب أصحابنا: أن حدود الله تسقط عنهم من انحتام القتل والصلب والقطع والنفي. فأما حقوق الآدميين من الجراح والأموال، فلا تسقطها التوبة، وهذا قول الشافعي\" (١).\nقال السمعاني: \" وقوله ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ خطاب للأئمة، أي: من قبل الظفر بهم\" (٢).\nقال الراغب: \" الاستثناء [في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾] راجع إلى كل من تقدم ذكره، وهو في العذاب وفي إقامة الحدود، وقال بعض الفقهاء: كل حق لله مختص بقاطع الطريق فالتوبة قبل القدرة يزيل ما عليه إن كان من حقوق الله، وإن كان من حقوق الآدميين فلا يزول إذا طالب به صاحبه\" (٣).\nوقوله: ﴿تاب﴾، يريد به المستقبل، قال الشاعر (٤):\nفإني لاتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد\nيريد به المستقبل: لذلك قال «كان في غد» ولو كان ماضيا لقال: ما كان في أمس، ولم يجز ما كان في غد. وأما قول الكميت (٥):\nما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق\nفمن ذلك إنما أراد: لم يذقها فيما مضى ولن يذوقها فيما يستقبل إذا كان لم يعشق (٦).\nوقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، ستة وجوه:\nأحدها: إلا الذين تابوا من شركهم وسعيهم فى الأرض فسادًا بإسلامهم، فأما المسلمون فلا يتسقط التوبة عنهم حدًا وجب عليهم، وهذا قول ابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وعكرمة (٩)، ومجاهد (١٠)، والضحاك (١١)، وقتادة (١٢)، وعطاء الخراساني (١٣)، واختيار الواحدي (١٤).\nالثاني: إلا الذين تابوا من المسلمين المحاربين بأمان من الإِمام قبل القدرة عليهم، فأما التائب بغير أمان فلا، وهذا قول عليّ -﵇- (١٥)، والشعبي (١٦)، والسدي (١٧)، ومكحول (١٨).\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٥٤٣.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٣٥.\n(٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨.\n(٤) هو الطرماح بن حكيم الطائى. وقبله:\nمن كان لا يأتيك إلا لحاجة ... يروح بها فيما يروح ويغتدى\nوانظر: الديوان ١٤٦.\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٤٤.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٤٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٥): ص ١٠/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٢): ص ١٠/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٢): ص ١٠/ ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٣)، و(١١٨٧٤): ص ١٠/ ٢٧٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٥): ص ١٠/ ٢٧٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٧)، و(١١٨٧٨): ص ١٠/ ٢٧٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٨): ص ١٠/ ٢٧٩.\n(١٤) انظر: الوجيز: ٣١٨.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٨٧٩): ص ١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٨٨٠): ص ١٠/ ٢٨٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨٨٢): ص ١٠/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١١٨٨٣): ص ١٠/ ٢٨٢.","vol":"8","page":171},{"text":"وروى الشعبي: \"كان حارثة بن بدر قد أفسد في الأرض وحارب، ثم تاب. وكُلِّم له عليّ فلم يُؤْمنه. فأتى سعيدَ بن قيس فكلّمه، فانطلق سعيدُ بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقولُ فيمن حارب الله ورسوله؟ فقرأ الآية كلها، فقال: أرأيت من تابَ من قبل أن تقدِر عليه؟ قال: أقول كما قال الله. قال: فإنه حارثة بن بدر! قال: فأمَّنه علي، فقال حارثة:\nأَلا أَبْلِغَا هَمْدَانَ إِمَّا لَقِيتَها ... عَلَى النَّأيِ لا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَا\nلَعَمْرُ أَبِيهَا إنَّ هَمَدَانَ تَتَّقِي ... الإلهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا\" (١).\nوالثالث: إلا الذين تابوا بعد أن لحقوا بدار الحرب وإن كان مسلمًا ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، وهذا قول عروة بن الزبير (٢).\nوقد روي عن عروة خلاف هذا القول (٣).\nوالرابع: إن كان في دار الإٍسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها وتاب قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإن لم يكن له فئة يمتنع بها وتاب لم تسقط عنه توبته شيئًا من عقوبته، وهذا قول أبو عمرو (٤)، وربيعة (٥)، والحكم بن عيينة (٦).\nوالخامس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه حدود الله تعالى دون حقوق الآدميين، وهذا قول الشافعي (٧).\nقال ابن قدامة: \" فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم، سقطت عنهم حدود الله تعالى وأخذوا بحقوق الآدميين، من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى لهم عنها» قال الإمام الموفق: لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والأصل فيه قوله تعالى: إلا الذين تابوا ... فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح، وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه، فأما إن تاب بعد القدرة عليه لا يسقط عنه شيء من حدود الله تعالى. وإن فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص المحاربة: كالزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة، لأنها حدود الله تعالى، إلا حد القذف، لأنه حق آدمي، ويحتمل أن لا تسقط اه ملخصا\" (٨).\nوالسادس: أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه سائر الحقوق والحدود إلا الدماء، وهذا مذهب مالك (٩).\nقال الإمام الطبري: \" وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحِرَابته، من حدود الله، وغُرْم لازم، وقَوَدٍ وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيردّ على أهله لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله، الساعيةِ في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام. فكذلك حكم كل ممتنع سَعَى في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.\nفأمَّا المستخفي بسرقته، والمتلصِّصُ على وجه اغتفال من سرقه، والشاهرُ السلاحَ في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه تاب أو لم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٨٨١): ١٠/ ٢٨٠ - ٢٨١. والبيتان في تاريخ ابن عساكر ٣/ ٤٣٠، مع اختلاف يسير في روايتهما.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٨٩٢): ١٠/ ٢٨٥.\n(٣) أخرج الطبري (١١٨٩٣): ص ١٠/ ٢٨٦: عن هشام بن عروة، عن عروة قال: \"يقام عليه حدُّ ما فر منه، ولا يجوز لأحدٍ فيه أمان يعني، الذي يصيب حدًّا، ثم يفرُّ فيلحق الكفار، ثم يجيء تائبًا\".\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٨٩٤)، و(١١٨٩٥): ص ١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٨٩٦): ص ١٠/ ٢٨٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٨٩٧): ص ١٠/ ٢٨٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٨٩٨): ص ١٠/ ٢٨٧، وتفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٧٢٣.\n(٨) المغني: ١٢/ ٤٨٣.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٤.","vol":"8","page":172},{"text":"يتب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله، أو أصاب وليَّه بدم أو خَتْلٍ مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حربًا، أن حربه إياهم لن يضعَ عنه حقًا لله عز ذكره، ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعةٌ منه.\nوفي قوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾، دليل واضح لمن وُفِّق لفهمه، أنّ الحكم الذي ذكره الله جل وعزّ في المحاربين، يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبُوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين ودون ذمتهم، لوجب أن لا يُسْقِطَ إسلامُهم عنهم إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين. وفي إجماع المسلمين أنّ إسلام المشرك الحربيِّ يضع عنه، بعد قدرة المسلمين عليه، ما كان واضعَه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: عنى بآية المحاربين في هذا الموضع، حُرَّاب أهل الملة أو الذمة، دون من سواهم من مشرِكي أهل الحرب\" (١).\nقال ابن عطية: \" ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب، وقول مالك أسد للذريعة وأحفظ للناس والطرق، والمخيف في حكم القاتل ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحسانا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، أي: \" فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم\" (٣).\nقال مقاتل: \" ﴿غفور﴾ لما كان منه في كفره، ﴿رحيم﴾ به حين تاب ورجع إلى الإسلام\" (٤).\nقال السمرقندي: أي: \" فلا يعاقبون في الدنيا ولا فى الآخرة، ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم\" (٥).\nقال النسفي: أي: \" يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم\" (٦).\nقال ابن عطية: \" أخبر بسقوط حقوق الله عنه\" (٧).\nقال الزجاج: \" وجعل توبة المؤمنين من الزنا والقتل والسرقة لا ترفع عنهم إقامة\nالحدود عليهم، وتدفع عنهم العذاب في الآخرة، لأن في إقامة الحدود الصلاح للمؤمنين، والحياة، قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] \" (٨).\nالفوائد:\n١ - من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفى عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذنوبه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك.\n٢ - عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له.\n٣ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و«الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\nفـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء «فعول»: بناء المبالغة في الكثرة (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٨٧ - ٢٨٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٨٧.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤٤٥.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٧.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٧١.\n(٩) انظر: شأن الدعاء: ١/ ٦٥.","vol":"8","page":173},{"text":"والفرق بين صيغتي: «الغفار»، و«الغفور»: أن \" «الغفار» (١)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها\" (٢).\nو«الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده\" (٤)، وهو \"صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله ﷾ الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله ﷾ بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، فهي صفة حقيقية ثابتة لله ﷿، وأهل التأويل -والأصح أن نسميهم أهل التحريف- يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ﷾؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ﷾؛ ولا تتضمن نقصًا؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين\" (٥).\n٤ - ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله ﷾ المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه غفورًا رحيمًا غفر لمن تاب من المحاربين قبل التمكن منه فيعفو عنه، فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله ﷿ تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و«الصفة»؛ و«الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم - ﵏ - (٦).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، خافوا الله، وتَقَرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وجاهدوا في سبيله; كي تفوزوا بجناته.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله\" (٧).\n_________\n(١) قال الخطابي: \" الغفار: هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى. كلما تكررت التوبة في الذنب من العبد تكررت المغفرة. كقوله -سبحانه-: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢].\nوأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية، ومنه قيل لجنة الرأس: المغفر، وبه سمي زئبر الثوب غفرا وذلك لأنه يستر سداه؛ فالغفار: الستار لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته. ومعنى الستر في هذا أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم ويقال: إن المغفرة مأخوذة من الغفر: وهو فيما حكاه بعض أهل اللغة نبت يداوى به الجراح، يقال إنه إذا ذر عليها دملها وأبراها\". [شأن الدعاء: ١/ ٥٢ - ٥٣، وانظر: اللسان وتاج العروس، مادة\"غفر\"].\n(٢) شأن الدعاء: ١/ ٦٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ١/ ١٨٨، وشرح أسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: ٨٤.\n(٤) تفسير ابن عثيمين الفاتحة والبقرة: ١/ ٥.\n(٥) تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٦) انظر: تسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ٢/ ٢٥٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١٣.","vol":"8","page":174},{"text":"قال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (١).\nوعن خيثمة قال: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٣).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: \" خافوا الله\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: \" وتَقَرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه\" (٦).\nقال أبو عبيدة: \" أي: القربة، أي اطلبوا، واتخذوا ذلك بطاعته\" (٧).\nقال الزجاج: \" معناه: اطلبوا إليه القربة\" (٨).\nقال الثعلبي: أي: \" واطلبوا إليه القربة، وهي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به\" (٩).\nقال ابن عطية: \" ﴿ابتغوا﴾، معناه: اطلبوا، و﴿الوسيلة﴾، القربة وسبب النجاح في المراد\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يعني: في طاعته بالعمل الصالح\" (١١).\nقال السمرقندي: \" يعني: اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" أي: ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي، من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه\" (١٣).\nوفي معنى: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنها القربة، قاله ابن عباس (١٤)، وأبي وائل (١٥)، والحسن (١٦)، وعطاء (١٧)، ومجاهد (١٨)، وقتادة (١٩)، وعبدالله بن كثير (٢٠)، والسدي (٢١)، والفراء (٢٢)، وأبو عبيدة (٢٣)، والطبري (٢٤)، والزجاج (٢٥)، والسمرقندي (٢٦)، وابن عطية (٢٧)، والقرطبي (٢٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٥) التفسير الميسر: ١٣.\n(٦) التفسير الميسر: ١٣.\n(٧) مجاز القرآن: ١/ ١٦٤.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٧١.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٤/ ٥٩.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٦.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٣٨٧.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٤.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٨٩٩): ص ١٠/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠٣): ص ١٠/ ٢٩١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠٠): ص ١٠/ ٢٩١.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠٢): ص ١٠/ ٢٩١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠٢): ص ١٠/ ٢٩١. [أعطاءه السيد المحقق نفس الرقم، لعله تكرار].\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠٤): ص ١٠/ ٢٩١.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠١): ص ١٠/ ٢٩١.\n(٢٢) كما في زاد المسير: ١/ ٥٤٣، ولم أجده في معاني القرآن.\n(٢٣) مجاز القرآن: ١/ ١٦٤.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٠.\n(٢٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٧١.\n(٢٦) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٧.\n(٢٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٦.\n(٢٨) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٥٩.","vol":"8","page":175},{"text":"وقال قتادة: \" أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه\" (١).\nقال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه تقرّبت\" (٢). وأنشد (٣):\nإِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا ... وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالوَسَائِلُ\nوقال لبيد (٤):\nأرَى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بَلَى كُلّ ذي لبّ إلى الله وَاسِلُ\nوالثاني: أنها المحبة، يقول: تحببوا إلى الله، هذا قول ابن زيد (٥).\nوالثالث: أنها الحاجة، وهذا قول ابن عباس أيضا، جاء في مسائل نافع (٦)، \"قال نافع: يا ابن عباس أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، الحاجة. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول (٧):\nإنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ... إِنْ يَأْخُذُوكِ، تكَحَّلِي وتَخَضَّبي\" (٨)\nقال الزمحشري: \" الوسيلة: كل ما يتوسل به أى يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي\" (٩).\nقال ابن كثير: \" والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٩٠٢): ص ١٠/ ٢٩١.\n(٢) مجاز القرآن: ١/ ١٦٤.\n(٣) لم أتعرف على قائله. والبيت بلا نسبة أيضا في مجاز القرآن: ١/ ١٦٤، وتفسير الطبري ١٠/ ٢٩٠ وتفسير القرطبي ٦/ ١٥٩.\n(٤) شرح ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ٢٥٦، والواسل: الطالب، أي يتوسل إلى الله بالطاعة والعمل الصالح. وقد جاء بعد هذا البيت بيت لبيد المشهور:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٩٠٥): ص ١٠/ ٢٩١.\n(٦) انظر: مسائل نافع بن الأزرق: ٢٩.\n(٧) البيت لعنترة بن الشداد في الديوان: ٣٣، وأشعار الستة الجاهليين: ٣٩٦، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٥، والخزانة ٣/ ١١، الإتقان: ١/ ١٢٠، والأغاني: ١٠/ ١٨٠، وبلوغ الأرب للآلوسي: ١/ ١٦٧، وغيرها، من أبيات له قالها لامرأته، وكانت لا تزال تذكر خيله، وتلومه في فرس كان يؤثره على سائر خيله ويسقيه ألبان إبله، فقال: لا تَذْكُرِي مُهْرِي وَمَا أَطْعَمْتُهُ ... فَيَكُونَ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأَجْرَبِ\nإِنَّ الْغَبُوقَ لَهُ، وَأَنْتِ مَسُوءَةٌ، ... فَتَأَوَّهِي مَا شِئْتِ ثُمَّ تَحَوَّبِي\nكَذَبَ الْعَتِيقُ وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٌ ... إنْ كُنْتِ سَائِلَتِي غَبُوقًا فَاذْهَبي\nإِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوَيَكُونَ مَرْكَبُكِ القَعُودُ وَحِدْجُهُ ... وَابْنُ النَّعَامَةِ يَوْمَ ذَلِكَ مَرْكَبِي!\nينذرها بالطلاق إن هي ألحت عليه بالملامة في فرسه، فإن فرسه هو حصنه وملاذه. أما هي فما تكاد تؤسر في حرب، حتى تتكحل وتتخضب لمن أسرها. يقول: إن أخذوك تكحلت وتخضبت لهم.\n(٨) مسائل نافع بن الأزرق: ٢٩.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٢٨.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٣.","vol":"8","page":176},{"text":"قال ابن عطية: \" وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد ﷺ فهي أيضا من هذا، لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود\" (١).\nوقد ثبت في صحيح البخاري، من طريق محمد بن المُنكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودا الذي وعدته، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة\" (٢).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عَليّ، فإنه من صلى عَليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلًّتْ عليه الشفاعة\" (٣).\nوعن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا صليتم عَليّ فَسَلُوا لي الوسيلة\". قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: \"أعْلَى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رَجُلٌ واحد وأرجو أن أكون أنا هو\" (٤).\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا - أو: شفيعًا - يوم القيامة\" (٥).\nوعن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ: \"إن الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسَلُوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: \" وجاهدوا لإِعلاء دينه\" (٧).\nقال مقاتل: \" وجاهدوا العدو ﴿في سبيله﴾، يعني: في طاعته\" (٨).\nقال ابن عطية: \" خص الجهاد بالذكر لوجهين:\nأحدهما: نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، وقد دخل بالمعنى في قوله: وابتغوا إليه الوسيلة ولكن خصه تشريفا.\nوالوجه الآخر: أنها العبادة التي تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو معدلها من حاله وسنه وقوته وشره نفسه، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق الله تعالى\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أي: \" كي تفوزوا بجناته\" (١٠).\nقال مقاتل: \" ﴿لعلكم﴾ يعني: لكي، ﴿تفلحون﴾، يعني: تسعدون، ويقال تفوزون\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: لعلكم تظفرون بعدوكم، والمفلح الفائز بما فيه غاية صلاح حاله\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، التاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٦.\n(٢) أخرجه البخاري في: الأذان، ٨ - باب الدعاء عند النداء، حديث ٣٩٢.\n(٣) صحيح مسلم برقم (١٣٨٤).\n(٤) المسند (٢/ ٢٦٥) وسنن الترمذي برقم (٣٦١٢).\n(٥) المعجم الأوسط للطبراني برقم (٦٣٩) \"مجمع البحرين\" وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٣٣): \"فيه الوليد بن عبد الملك الحراني قد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث إذا روي عن الثقات. قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة\".\n(٦) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٠، ٦٤١) \"مجمع البحرين\" من طريق عمارة بن غزية به.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣١٤.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٧.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٣.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٧١.","vol":"8","page":177},{"text":"بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تَبِيد ولا تَحُول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها يَنْعَم لا ييأس، ويحيا لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه\" (١).\nقال ابن عطية: \" هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى وسمع أمر ممتحن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال\" (٢).\nالفوائد:\n١ - وجوب تقوى الله ﷿ وطلب القربة إليه والجهاد في سبيله.\n٢ - مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإيمان وصالح الأعمال.\nقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: \" إن المشي إلى الطاعة وسؤاله امتثالًا لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وقد أجمع العلماء أنها القربة ولا قربة أعظم من عمل الطاعة\" (٣).\n٤ - أن التوسل إما بما يناسب المطلوب عقلًا وأذن فيه شرعًا، وإما بغير ذلك، وتفصيله: أن المتوسل إما أن يتوسل بما لله من صفات وأسماء، وإما بما له من اعتقاد صحيح، وإما بما له من عمل صالح، وإما بما لغيره من دعاء أو جاه، وإما بطاعة تعمه وغيره؛ فتلك ستة أنواع فيما ياتي نفصل القول فيها (٤):\nاولا: - التوسل بصفات الله:\nالنوع الأول: التوسل بصفات الله، وهو مشروع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ولما رواه الترمذي وحسَّنه عن عاذ بن جبل ﵁؛ أن النبي - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ! فَقَالَ: «قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ؛ فَسَلْ» (٥)، وله أمثلة:\n١ - منها ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربع أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، عن أنس ﵁؛ أَنَّهُ - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: \"اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! \". فَقَالَ - ﷺ -: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» (٦).\n٢ - ومنها ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ! رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ» (٧)؛ فإن إضافة لفظ الرب إلى تلك المخلوقات العظيمة مشعر بعظيم قدرته وكمال حكمته.\n٣ - ومنها الأبيات المشهورة المنسوبة لابن القاسم السهيلي، ومطلعها:\nيَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ ... أَنْتَ الْمُعِدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ\nثانيا: - التوسل بالإِيمان:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٦.\n(٣) التوضيح عن توحيد الخلاق: ٣١٢.\n(٤) انظر: رسالة الشرك ومظاهره، مبارك الجزائري: ٢٩٣ - ٣٠٩.\n(٥) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦ - مصورة المكتب)، والبخاري في \" الأدب المفرد \" (٧٢٦)، والترمذي (٩/ ٥١١ - ٥١٣/ ٣٥٩٥ و٣٥٩٦.\n(٦) صحيح: أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠ - مصورة المكتب)، وأبو داود (١/ ٢٣٤)، والترمذي (٩/ ٥٢٩/ ٣٦١٢)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وابن حبان (٣/ ١٧٥ - ١٧٦/ ٨٩٣)، والحاكم (١/ ٥٠٣ - ٥٠٤) من طرق عن أنس به.\nوقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم \"، ووافقه الذهبي.\n(٧) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٤/ ٧٧٠).","vol":"8","page":178},{"text":"النوع الثاني: التوسل بالإِيمان الصحيح الصادق، وهو مشروع؛ لما فيه من تقوية التوحيد، وله أمثلة:\n١ - منها ما حكاه الله عن أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].\n٢ - ومنها ما رواه الترمذي وحسنه- بل صححه كما في \" مدارج السالكين \" (١) - وبقية أصحاب السنن الأربع، وصححه ابن حبان والحاكم؛ عن بريدة ﵁، أن النبي - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (٢).\n٣ - ومنها: قول تميم بن المعز بن باديس الأمير الصنهاجي المالكي (٣):\nفَكَّرْتُ فِي نَارِ الْجَحِيمِ وَحَرِّهَا ... يَا وَيْلَتَاهُ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ\nفَدَعَوْتُ رَبِّي أَنَّ خَيْرَ وَسِيلَتِي ... يَوْمَ الْمَعَادِ شَهَادَةُ الْإِخْلَاص\nثالثا: - التوسل بالعمل الخاص:\nالنوع الثالث: توسل الداعي بطاعته وصالح عمله، وهو مشروع لما فيه من تغذية الخشوع المناسب للموضوع، وله أمثلة:\n١ - منها: حديث الصخرة في \" الصحيحين \"؛ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُ ...» ثم ذكر برور الأول بأبويه وانفراج الصخرة قليلًا لدعائه، وعفة الثاني عمن أمكنته من نفسها بعد شوق طويل وانفراج الصخرة له أيضًا، ومبالغة الثالث في حفظ الأمانة وتمام انفراج الصخرة، وأنهم كلهم قالوا في أدعيتهم: «اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» (٤).\n٢ - ومنها: تقديم الصلاة على النبي - ﷺ - قبل الدعاء، لما رواه أبو داود، والترمذي وصححه، أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَلَمْ يَحْمَدْ رَبَّهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، وَلْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٥).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين: ١/ ١٣.\n(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٩ و٣٥٠ و٣٦٠ - مصورة المكتب)، وأبو داود (١/ ٢٣٤)، والترمذي (٩/ ٤٤٥ - ٤٤٦/ ٣٥٤٢)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وابن حبان (٣/ ١٧٣ و١٧٤/ برقم: ٨٩١ و٨٩٢)، والحاكم (١/ ٥٠٤) من طرق عن مالك بن مِغْوَل عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه به.\nوقال الترمذي: \" حديث حسن غريب \".\nوقال الحاكم: \" حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح على شرط مسلم! \" ووافقه الذهبي!\nوقال المنذري في \" مختصر السنن \" (٢/ ١٤٥): \" قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وهو إسناد لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه روي في هذا الباب حديث \" أجود إسنادًا منه \". وقاله في \" الترغيب \" (٣/ ٢٨٩) أيضًا، وحكاه المباركفوري في \" التحفة \" (٩/ ٤٤٧) عنه بزيادة: \" وهو حديث حسن \".\nوللحديث شاهد بنحوه أخرجه أبو داود (١/ ١٥٦)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن خزيمة في \" صحيحه \" (١/ ٣٥٨/ ٧٢٤) من طريق عبد الوارث ثنا الحسين المعلم عن عبد الله بن بُريدة عن حنظلة بن علي أن محجن بن الأدرع حدثه قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ... أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قَالَ: فَقَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ (ثَلَاثًا)».\n(٣) انظر: الوافي بالوفيات: ١٠/ ٢٥٧، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية: ٢/ ٢٢٥.\n(٤) رواه البخاري (٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦/ ٣٤٦٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٩٩ - ٢١٠٠/ ٢٧٤٣) عن أبن عمر موقوفًا مطولًا، وقد ذكره المؤلف مختصرًا بمعناه.\n(٥» صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ١٨)، وعنه أبو داود (١/ ٢٣٣)، والترمذي (٩/ ٤٥٠ - ٤٥١/ ٣٥٤٦)، وابن خزيمة (١/ ٣٥١/ ٧١٠)، وابن حبان (٥/ ٢٩٠/ ١٩٦٠)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، وإسماعيل القاضي في \" فضل الصلاة على النبي - ﷺ - \" (١٠٦). وقال الترمذي: \" حسن صحيح \"، وقال الحاكم: \" صحيح على شرط مسلم! \"، ووافقه الذهبي!\nوأخرجه الترمذي (٩/ ٤٤٩/ ٣٥٤٤) عن رشدين بن سعد، والنسائي (٣/ ٤٤ - ٤٥) عن ابن وهب، وكذا ابن خزيمة (١/ ٣٥١/ ٧٠٩)، وابن السني (١١٢) عن حميد بن مالك: ثلاثتهم عن أبي هانئ به، وقال الترمذي: \" حديث حسن \".","vol":"8","page":179},{"text":"٣ - ومنها: قول محمد بن عبد الله العبدري المالكي (١):\nتَوَسَّلْتُ يَا رَبِّي بِأَنِّيَ مُؤْمِنٌ ... وَمَا قُلْتُ إِنِّي سَامِعٌ وَمُطِيعٌ\nأَيُصْلَى بَحَرِّ النَّارِ عَاصٍ مُوَحِّدٌ ... وَأَنْتَ كَرِيمٌ وَالرَّسُولُ شَفِيعُ\nوهذه الأنواع الثلاثة لتقاربها قد تجتمع أو بعضها في الصيغة الواحدة.\nرابعا: - التوسل بالدعاء:\nالنوع الرابع: تَوسُّل المرء بدعاء غيره، وهو على وجهين:\nأحدهما: أن تكتفي عن دعائك بدعاء من سألته الدعاء، وهذا تقدم في فصل الدعاء، وأنه مأذون فيه، ما لم يكن ذريعة إلى منهي عنه؛ كسؤال الدعاء من الميت والغائب؛ لما فيه من مظنة الاعتقاد بعلم الغيب.\nقال الشيخ محمد صالح العثيمين: \" من الشرك أن يدعو غير الله؛ لأن الدعاء لا يكون إلا مع محبة وتعظيم وافتقار وتذلُّل، واعتقاد أن المدعو قادر\" (٢).\nوالوجه الثاني: أن تسأل الدعاء من الحي الحاضر، فيدعو لك، وتتوجه أنت إلى الله داعيًا متوسلًا بدعائه.\nوهو مشروع لحديث الأعمى عند أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وهو أن رجلًا ضريرا جاء إلى النبي - ﷺ - يسأله الدعاء ليرد الله عليه بصره، فخيره بين الصبر ودعائه له، فأصر على اختيار دعاء رسول الله - ﷺ -، فأمره بالوضؤ وصلاة ركعتين، ثم الدعاء بهذا اللفظ: «اللَّهُمَّ! إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ! إنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ! فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (٣).\nوالتوجه بالنبي معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول - ﷺ - بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه - ﷺ -؛ نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله - ﷺ - لمن سأله مرافقته في الجنة: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (٤)؛ فنصح لهما بعبادتي الصلاة والدعاء لمناسبتهما للمطلوب.\nونظير حديث الأعمى ما رواه البخاري في \" صحيحه \" من استسقاء عمر بالعباس (٥) وقوله: \" اللَّهُمَّ! إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بَنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا؛ فَاسْقِنَا \"؛ ففيه إِثبات التوسل بالرسول في حياته، وبأهل الفضل- ولا سيما ذوو قرابته- بعد موته، والمقصود التوسل بدعائهم إذا كانوا معنا في عالمنا، أما من كان في العالم الغيبي؛ فكل شيء منه غائب علينا؛ فلا\n_________\n(١) انظر: الغحاطة في أخبار غرناطة: ٣/ ٦٢، والذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة: ٤/ ٣٥١.\n(٢) القول المفيد: ١/ ٢٦٢.\n(٣) صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨)، والترمذي (١٠/ ٣٢ - ٣٣/ ٣٦٤٩)، والنسائي في \" عمل اليوم والليلة \" (٦٥٨ و٦٥٩ و٦٦٠)، وابن ماجه (١٣٨٥)، وابن خزيمة (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦/ ١٢١٩)، والحاكم (١/ ٣١٣ و٥١٩ و٥٢٦ - ٥٢٧)، والطبراني في \" الكبير \" (٩/ ١٧ - ١٨/ ٨٣١١)، و\" الصغير \" (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧/ ٥٠٨) عن عثمان بن حُنيف ﵁.\nوقال الترمذي: \" حديث حسن صحيح غريب \"؛ وقال الحاكم في الموضع الأول: \" صحيح على شرط الشيخين \"، وفي الموضع الثاني: \" صحيح الإِسناد \"، وفي الأخير: \" صحيح على شرط البخاري \"، ووافقه الذهبي فيها، وقال الطبراني بعد ذكر طرقه: \" والحديث صحيح \" قاله في \" الصغير \"، ونقله عنه المنذري في \" الترغيب \" (٣/ ٦٧).\nوقد صححه أيضًا البيهقي وأبو عبد الله المقدسي وابن تيمية كما في \" مجموع الفتاوى \" (١/ ٢٦٥ وما بعدها).\n(٤) أخرجه مسلم (١/ ٣٥٣/ ٤٨٩) ..\n(٥) رواه البخاري (٢/ ٤٩٤/ ١٠١٠) عن أنس.","vol":"8","page":180},{"text":"نعلم هل دعا لنا ولم يرد الشرع بدعائهم لنا، والعباس حاضر وقع منه الدعاء، وأنه قال - كما في \" الفتح \" -: \" اللَّهُمَّ! إِنِّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلاءٌ إِلا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ الْقَوْمُ بِي إِلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ، فَاسْقِنَا الْغَيْثَ\" (١).\nخامسا: - التوسل بالطاعة المطلقة:\nالنوع الخامس: التوسل بطاعة تعم المتوسل وغيره.\nومن أمثلته:\n١ - ما في \" كبير الطبراني \" من طريق فضال بن جبير المجمع على ضعفه عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: \" أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ؛ أَنْ تَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الْغَدَاةِ وَفِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ، وَأَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِقُدْرَتِكَ\" (٢).\n٢ - ومنها: ما رواه أحمد وابن ماجه عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -، أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: «وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَلَكِنْ خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (٣).\n٣ - ومنها: ما رواه محمد بن عوف عن جابر في دعاء الأذان مرفوعًا: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ» (٤).\n_________\n(١) صحيح: أخرجه الزبير بن بكار في \" الأنساب \"؛ كما قال الحافظ في \" الفتح \" (٢/ ٤٩٧)، وسكت عليه، وأشار إلى ثبوته الألباني في \" التوسل: أنواعه وأحكامه \" [ص: ٦٢]، والله أعلم.\n(٢) ضعيف جدًا: أخرجه الطبراني في \" المعجم الكبير \" (٨/ ٣١٦ - ٣١٧/ رقم: ٨٠٢٧) من طريق هشام.\nقال الهيثمي (١٥/ ١١٧): \" وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه\"\n(٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ٢١ - مصورة المكتب)، وابن ماجه (٧٧٨)، وابن السني (٨٥) من طريق فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي به. وسنده ضعيف، وفيه علتان:\nالأولى: فضيل بن مرزوق ضعفه جماعة كما في \" المجروحين \"، و\" الميزان \"، و\" ديوان الضعفاء \"، و\" التقريب \" وغيرها.\nوالأخرى: عطية العوفي، وقد سبق تضعيفه في الحديث المخرج برقم (٦٥).\nوللحديث شاهد أخرجه ابن السني (٨٤) عن بلال ﵁، وفيه الوازع بن نافع العقيلي \" متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث \"، كما قال النووي في \" الأذكار \" [ص: ٢٥]، فلا يصلح جابرًا له ولا يصح الاستشهاد به، كما لا يخفى على طلاب هذا العلم وأهله.\nانظر: \" ترغيب المنذري \" (٣/ ٢٧٢)، و\" أذكار النووي \"، و\" مجموع فتاوى ابن تيمية \" (١/ ٢٨٨ و٢٤٠)، و\" اقتضاء الصراط المستقيم \" [ص: ٤١٨] أيضًا، و\" ضعيفة الألباني \" (٢٤)، و\" التوسل \" (ص ٩٤ - ١٠١) له أيضًا، والله الموفق.\n(٤). شاذ بهذا اللفظ: أخرجه البيهقي في \" سننه الكبرى \" (١/ ٤١٠)، و\" السنن الصغير \" (١/ ١٢٤/ ٢٩٦) من طريق محمد بن عوف حدثنا عليّ بن عياش عن شُعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدرعن جابر مرفوعًا.\nقلتُ: ومحمد بن عوف- وهو ابن سفيان أبو جعفر الطائي الحمصي- وإنْ \" وثقه غير واحد وأثنوا على معرفته ونبله \" كما في \" تذكرة الذهبي \" (٢/ ٥٨٣)، بل هو \" ثقة حافظ \" كما في \" تقريب ابن حجر \" (٣/ ١٩٧)، فلفظ حديثه شاذ مخالف للفظ المحفوظ «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ» الذي تتابع عليه جماعة من الحفاظ الثقات الأثبات في روايته عن علي بن عياش، منهم:\n١ - الإِمام أحمد: في \" المسند \" و\" سنن أبي داود \".\n٢ - البخاري: في \" صحيحه \"، وفي \" شرح السنة \" للبغوي.\n٣ - عمرو بن منصور: في \" سنن النسائي \"، و\" عمل اليوم والليلة \" لابن السني.\n٤ - محمد بن يحى: عند \" ابن ماجه \" وابن حبان في \" صحيحه \".\n٥ و٦ - العباس بن الوليد الدمشقي، ومحمد بن أبي الحسين، عند ابن ماجه في \" سننه \" أيضًا.\n٧ - موسى بن سهل الرملي: عند ابن خزيمة في \" صحيحه \".\n٨ و٩ - محمد بن سهل بن عسكر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: عند الترمذي.\n١٠ - محمد بن مسلم بن وارة: عند ابن أبي عاصم في \" السنة \" (٨٢٦).\nوانظر: \" إرواء الغليل \" (١/ ٢٦١) للألباني. ٣٠٢.","vol":"8","page":181},{"text":"وعطية العوفي ضعفوه، وأطال السهسواني في \" صيانة الإِنسان \" القول في تعليل حديثه هذا، ومحمد بن عوف فيه مقال.\nفلم تسلم الأحاديث الثلاثة من الطعن.\nسادسا: - التوسل بالجاه:\nالنوع السادس: توسل المرء بحق المخلوق وجاهه، وردت آثار لو صحت ولم تؤول لدلت على جوازه بكل معظم شرعًا، من ميت أو غائب أو حاضر لم يقع منه دعاء للمتوسل، ولنقتصر من الآثار على أحسنها إسنادًا أو أشهرها على الألسنة.\nومما ورد في التوسل بالجاه:\n١ - روى ابن السني وأبو نعيم وأبو الشيخ الأصبهاني من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده؛ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي - ﷺ -: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني. فعلمه - ﷺ - أن يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمُحَمَّدِ نَبِيِّك، وَبِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك، وَبِمُوسَى نَجِيِّك، وَعِيسَى رُوحِك وَكَلِمَتِك، وَبِتَوْرَاةِ مُوسَى وَإِنْجِيلِ عِيسَى وَزَبُورِ دَاوُد وَفُرْقَانِ مُحَمَّدٍ، وَبِكُلِّ وَحْيٍ أَوْحَيْته وَقَضَاءٍ قَضَيْته ...» الحديث (١).\n٢ - وروى الحاكم في \" المستدرك \" وصححه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: \" لما اقترف آدم الخطيئة؛ قال: يا رب! أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال: وكيف عرفت محمدًا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم! ولولا محمد ما خلقتك \" (٢).\n_________\n(١) موضوع: أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب \" الثواب \" وغيره من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني عن أبيه- زاد بعضهم: عن جدّه -؛ أنّ أبا بكر الصديق أتى النبيّ - ﷺ - فقال: إني أتعلَّم القرآن فيتفلّت منّي، فقال النبي - ﷺ -: «قل: اللهم إني أسألك بمحمد نبيّك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيّك، وعيسى روحك وكلمتك، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزابور داود، وفرقان محمد، وكل وحي أوحيته أو قضاء قضيته أو شيء أعطيته أو فقير أغنيته أو غني أفقرته أو ضال هديته، وأسألك باسمك الذي أنزلته على موسى، وأسألك باسمك الذي وضعته على الأرض فاستقرت، وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فأرست، وأسألك باسمك الذي استقل به عرشك، وأسألك باسمك المطهر الطاهر الأحد الصمد الوتر المنزل في كتابك من لدنك من النور المبين، وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار، وعلى الليل فاظلم، وبعظمتك وكبريائك وبنور وجهك أن ترزقني القرآن والعلم، وتخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك؛ فإنه لا حول ولا قوّة إلا بدً».\nوهذا حديثٌ مَوْضوعٌ، وآفته عبد الملك بن هارون؛ فإنه \" من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك، بل كذّاب \"، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في \" مجموع الفتاوى \" (١/ ٢٩٩) ملخصًا كلام أهل الجرح والتعديل فيه، المبثوث في ثنايا \" الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم، و\" المجروحين \" لابن حبان، و\" الميزان \" للذهبي، و\" اللسان \" لابن حجر، وغيرها.\nوفيه علة ثانية- وإن كانت دون الأولى- وهي ضعف أبيه هارون كما قاله الدارقطني وغيره.\nوعلة ثالثة: وهي الانقطاع بين هارون وأبي بكر، قاله العراقي في \" تخريج الإِحياء \" (١/ ٣١٥). وانظر: \" مجموع الفتاوى \" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣) أيضًا، و\" اللآلئ المصنوعة \" (٢/ ٣٥٧) للسيوطي.\nوللحديث طرق أخرى عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بأسانيد مظلمة لا يثبت منها شيء كما في \" المجموع \" (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و\" اللآلئ \" (٢/ ٣٥٦، ٣٥٧) أيضًا.\n(٢) موضوع: أخرجه الحاكم (٢/ ٦١٥) وقال: \" صحيح الإِسناد! ! وهو أوَّل حديث ذكرته لعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم في هذا الكتاب \". وتعقبه الحافظ الذهبي في \" التلخيص \" بقوله: \" قلتُ: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن مسلم الفهري لا أدري من ذا؟ \"، وفي \" الميزان \" (٢/ ٥٠٤) حكم على الحديث بالبطلان، وأقره الحافظ العسقلاني في \" اللسان \" (٣/ ٣٦٠).\nوقال ابن تيمية (١/ ٢٥٤): \" ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب \" المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم \": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأمّلها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.\nقلتُ: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا، وضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال أبو حاتم بن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحق الترك.\nوأمّا تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله؛ فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحّح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث ... \".\nوانظر: \" الضعيفة \" (٢٥)، و\" التوسل \" (ص ١٠٦ - ١١٨) للألباني.","vol":"8","page":182},{"text":"٣ - وأخرج الطبراني في \" الكبير \" و\" الأوسط \" والحاكم وصححه من طريق روح بن صلاح المصري، عن أنس ﵁، في قصة وفاة فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ﵄؛ أن رسول الله - ﷺ - دخل لحدها، واضطجع فيه، ثم قال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اللهم! اغفر لي ولأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، حق نبيك والأنبياء الذين من قبلي؛ فإنك أرحم الراحمين» (١).\n٤ - وجاء من طريق عمرو بن ثابت عن ابن عباس ﵁؛ قال: سألت النبي - ﷺ - عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، قال: \" سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليَّ، فتيب عليه \" (٢).\n٥ - وروي: \" إذا كانت لكم إلى الله حاجة؛ فسلوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم \" (٣).\n٦ - وفي الباب الثالث من القسم الثاني من الشفاء عن محمد بن حميد الرازي، أن مالكًا والخليفة المنصور اجتمعا، فسأل المنصور مالكًا: أيستقبل القبلة ويدعو أو يستقبل رسول الله - ﷺ -؟ فأجابه: \" ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامه، بل استقبله واستشفع به؛ يشفعه الله فيك. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] \" (٤).\n_________\n(١) ضعيف: أخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" (٣/ ١٢١)؛ قال: حدثنا سليمان بن أحمد- وهو الطبراني- وهذا في (المعجم الكبير \" (٢٤/ ٣٥١ - ٣٥٢/ ٨٧١) - و\" الأوسط \" كما في \" المجمع \" (٩/ ٢٥٧) - ثنا أحمد بن حماد بن زغبة حدثنا روح بن صلاح أخبرنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك؛ قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ ﵄، دخل عليها رسول الله - ﷺ - فجلس عند رأسها، فقال: \" رحمكِ اللهُ يا أمّي، كنتِ أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيّبًا وتطعميني، تريد بذلك وجه الله والدار الآخرة \"، ثم أمر أن تغسل ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور؛ سكبه رسول الله - ﷺ - بيده، ثم خلع رسول الله - ﷺ - قميصه فألبسها إياه، وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله - ﷺ - أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد، حفره رسول الله - ﷺ - بيده، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ؛ دخل رسول الله - ﷺ -، فاضطجع فيه، فقال: ... \" فذكره، وزاد: \" وكبَّر عليها أربعًا، وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق ﵃\".\n(٢) منكر: آفته عمرو بن ثابت الذي سيذكر المؤلف قريبًا أقوال بعض أهل العلم في تضعيفه جدًا، ثم هو مخالف للثابت عن ابن عباس في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فأخرج الحاكم (٢/ ٥٤٥) عنه: \" ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾؛ قال: أي ربّ! ألم تخلقني بيدك؛ قال: بلى، قال: أي ربّ! ألم تنفخ في من روحك؛ قال: بلى. قال: أي ربّ! ألم تسكني جنتك؛ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسبق رحمتك غضبك؛ قال: بلى. قال: إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنتَ إلى الجنة؛ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ \".\nوقال الحاكم: \" صحيح الإِسناد \"، ووافقه الذهبي.\nقلتُ: وهو في حكم المرفوع كما لا يخفى، فدلّ على نكارة حديث عمرو بن ثابت، والله أعلم.\n(٣) باطل لا أصل له: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في \" القاعدة الجليلة \" المطبوعة ضمن \" مجموع الفتاوى \" (١/ ٣١٩):\n\" وهذا الحديث كذب ليس في شيءٍ من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحدٌ من أهل العلم بالحديث، مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين ... \".\nوانظر: (١/ ٣٤٦ و٢٤/ ٣٣٥ و٢٧/ ١٢٦) منه أيضًا.\n(٤) منقطع، ابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئًا ولم يلقه، بل روايته عنه منطقة غير متصلة.","vol":"8","page":183},{"text":"قلت: والتوسل بحق الأنبياء، فهذا فيه نزاع، إذ منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقا وهو الذي يرشح به كلام المجد ابن تيمية ونقله عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام.\nقال أبو حنيفة: \" \"وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام\" (١).\nوقال أيضا: \"يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام\" (٢).\nوقال بشير بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: \"لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك (٣)، أو بحق خلقك\" (٤).\nوقد ذكر أهل العلم أنه لم يصح في التوسل بجاه النبيﷺ- دليل، والأخبار التي ذكرت لم ترد شيء منها من كتب المسلمين التي يعتمد عليها، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث، والتوسل من العبادة، والعبادات لا تثبت إلا بدليل صحيح صريح.\nقالوا: بأن جاه النبي ﷺ عند الله عظيم ولا شك، لكن التوسل به في الدعاء لم يدل عليه دليل صحيح فهو لا يجوز وهو من البدع في الدعاء (٥).\nقال ابن باز: \" أما التوسل بمخلوقات فلا، جاه النبي، أو بحق النبي أو بجاه فلان، أو شرف فلان، وسيلة باطلة ما تنفع، ليست وسيلة شرعية\" (٦).\nقال محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي- واللفظ للوالد-: \"إن معنى «الاستشفاع» به -ﷺ - طلب الدعاء منه، وليس معناه: الإقسام به على الله تعالى ... وعلى هذا لا يصلح «الخبر» [أي خبر التوسل والاستشفاع] ولا ما قبله [في آية الوسيلة]- دليلًا لمن ادعى جواز الإقسام [والتوسل] بذاته ﷺ حيًا وميتًا، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقًا، قياسًا عليه، ﵊\" (٧).\nوقد أجازه بعض العلماء، منهم: الشيخ محمد العز بن عبدالسلام، إذ نقل عنه جواز التوسل في رسول اللهﷺ- خاصة، فقال: \"أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: \"قل: اللهم إني أقسم عليك بمحمد ﷺ نبي الرحمة\" (٨).\n_________\n(١) إتحاف السادة المتقين ٢/ ٢٨٥؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٤.\n(٢) العقيدة الطحاوية ص ٢٣٤؛ وإتحاف السادة المتقين ٢/ ٢٨٥؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص ١٩٨.\n(٣) كره الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن يقول الرجل في دعائه\"اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك\".\nلعدم وجود النص في الإذن به، وأما أبو يوسف فقد جوز لوقوفه على نص من السنة وفيه أن النبي ﷺ كان من دعائه: \"اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدِّك الأعلى وكلماتك التامة\".\nوهذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات الكبير كما في البناية ٩/ ٣٨٢، ونصب الراية ٤/ ٢٧٢، ٢٧٣.\nوفي إسناده ثلاثة أمور قادحة:\n١ - عدم سماع داود بن أبي عاصم من ابن مسعود.\n٢ - عبد الملك بن جريج مدلس ويرسل.\n٣ - عمر بن هارون متهم بالكذب.\nمن أجل هذا قال ابن الجوزي كما في البناية ٩/ ٣٨٢ \"هذا حديث موضوع بلا شك وإسناده محبط كما ترى\".\nانظر تهذيب التهذيب ٣/ ١٨٩، ٦/ ٤٠٥، ٧/ ٥٠١؛ وتقريب التهذيب ١/ ٥٢٠.\n(٤) التوسل والوسيلة ص ٨٢؛ وانظر شرح الفقه الأكبر ص ١٩٨.\n(٥) انظر: مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز: ٢٨/ ٥٦.\n(٧) انظر: تفسير الآلوسي: ٣/ ٢٩٤ - وما بعدها.\n(٨).سبق تخريجه.\nقال أهل العلم: \" وليس في هذا الحديث متمسّك لمن يرى جواز التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه؛ فإن الحديث صريح في أن الغرض من مجيء هذا الرجل، وهو ضرير البصر إلى النبي ﷺ طلب الدعاء منه، وليس التوسل بذاته أو جاهه، ولو أراد غير ذلك لجلس في بيته ودعا بجاه النبي ﷺ يدل على ذلك قوله للنبي ﷺ: \"ادع الله أن يعافيني\".\nورد الرسول ﷺ بقوله: \" إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك \".\nفتبين مما سبق أن الحديث ليس فيه ما يستدل به على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته إذ قوله: \"بنبيك\" على تقدير المضاف أي بدعاء نبيك أو بشفاعته\". انظر: التوسل والوسيلة ص ٢٥٩.","vol":"8","page":184},{"text":"وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله ﷺ، لأنه سيد ولد آدم، وألا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيها على درجته ومرتبته\" (١).\nقال بعض أهل العلم: \" وأما جاه النبي -ﷺ- فورد فيه حديث مشكل، فإذا اجتهد أحد العلماء وأجاز ذلك -لا سيما أنه ورد عن بعض الصحابة أنه كان يجيز ذلك- فيكون هذا من الاجتهاد الذي يعذر فيه صاحبه، لا نبدعه ولا نعصمه في نفس الوقت، وإنما نقول: الصواب هو ترك هذا لضعف حديث الأعمى، ولغموض الاستدلال به (٢).\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة: ٣٦]\nالتفسير:\nإن الذين جحدوا وحدانية الله، وشريعته، لو أنهم سلكوا جميع ما في الأرض، وملكوا مثله معه، وأرادوا أن يفتدوا أنفسهم يوم القيامة من عذاب الله بما ملكوا، ما تَقبَّل الله ذلك منهم، ولهم عذاب مُوجع.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: \" إن الذين جحدوا وحدانية الله، وشريعته\" (٣).\nقال المراغي: \" أي إن الذين جحدوا ربوبية ربهم وعبدوا غيره من عجل أو صنم أو وثن وهلكوا وهم على هذه الحال قبل التوبة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: \" لو أنهم سلكوا جميع ما في الأرض، وملكوا مثله معه\" (٥).\nقال السمرقندي: \" يقول: إن الكافر إذا عاين العذاب ثم تكون له الدنيا جميعا ومثلها معها\" (٦).\nقال البيضاوي: أي: \" من صنوف الأموال جميعا ومثله معه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا، وبمثله\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: \" وأرادوا أن يفتدوا أنفسهم يوم القيامة من عذاب الله بما ملكوا\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" ليجعلوه فدية لأنفسهم. من عذاب يوم القيامة\" (١٠).\n_________\n(١) فتاوى العز بن عبد السلام ص ١٢٦.، وانظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٤٧) - ط المكتب الإسلامي-، وفتوى العز موجودة في المطبوع من فتاويه (ص: ١٢٦ - ١٢٧).\n(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد، عبدالرحيم السلمي: الدرس (٧) /١٩. [دروس صوتية مرقم آليا].\n(٣) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٤) تفسير المراغي: ٦/ ١١٢.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٣.\n(٦) بحر العلوم: ٣٨٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٥.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٥.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٥.","vol":"8","page":185},{"text":"قال مقاتل: \" أي: فقدروا أن يفتدوا به من عذاب جهنم يوم القيامة\" (١).\nقال السمرقندي: أي\" فيقدر على أن يفتدي بها، من العذاب لافتدى بها\" (٢).\nقال الراغب: \" أي لو حصل كل واحد ما في الأرض ومثله قاصدا بإحرازه أن يجعل ذلك وقاية لنفسه\" (٣).\nقال أبو حيان: \" المعنى: لو أن ما في الأرض ومثله معه مستقر لهم على سبيل الملك ليجعلوه فدية لهم\" (٤).\nقال ابن كثير: أي: \" ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به وتيقن وصوله إليه \" (٥).\nقال الزمخشري: \" ﴿ليفتدوا به﴾، ليجعلوه فدية لأنفسهم\" (٦).\nوقد وحّد الضمير في قوله: ﴿ليفتدوا به﴾، وإن كان قد تقدم شيئان معطوف عليه ومعطوف، وهو ﴿ما في الأرض ومثله معه]، لوجهين (٧):\nأحدهما: لفرض تلازمهما فأجريا مجرى الواحد، كما قالوا: رب يوم وليلة مر بي، قال الشاعر (٨):\nفَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإنّي وَقيار بِهَا لَغَرِيبُ\nوالثاني: وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال: ليفتدوا بذلك.\nقال الزمخشري: \"ويجوز أن تكون الواو في: ومثله، بمعنى مع، فيوحد المرجوع إليه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: \" ما تَقبَّل الله ذلك منهم\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \"ما تقبل منهم، ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات\" (١١).\nقال السمرقندي: أي: \" لو كان ذلك لهم ففعلوه ما تقبل منهم ذلك النداء\" (١٢).\nقال الراغب: أي: \" لم ينفعه، وذلك حث على المبادرة بالامتناع عن الآثام وترك الاهتمام بالمال في المعاد\" (١٣).\nقال البغوي: \" أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه\" (١٥).\nقال ابن كثير: أي: \" ما تُقُبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص\" (١٦).\nوقرأ يزيد بن قطيب: «تقبل»، بفتحها على معنى: ما قبل الله (١٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]، أي: \" ولهم عذاب مُوجع\" (١٨).\nقال السمرقندي: \"أي وجيع\" (١٩).\nقال ابن كثير: \" أي: موجع\" (٢٠).\nقال أبو حيان: \" لما أرشد المؤمنين إلى معاقد الخير ومفاتح السعادة، وذكر فوزهم في الآخرة وما آلوا إليه من الفلاح، شرح حال الكفار وعاقبة كفرهم، وما أعد لهم من العذاب\" (٢١).\nروى أنس عن النبي ﷺ قال: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، قال: فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» (٢٢).\nالفوائد:\n١ - أن سبب الفلاح والنجاة إنما يكون من نفس الإنسان لا من خارج عنها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].\nوهذا هو الفارق بين الإسلام وغيره من الأديان فالنصارى يعتقدون أن خلاصهم وسعادتهم يكون بالمسيح فدية لهم يفتديهم بنفسه مهما كانت حالهم، والمسلمون يعتقدون أن العمدة فى النجاة تزكية النفس بالفضائل والأعمال الصالحة.\n٢ - أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾.\n٣ - أن النار عذابها شديد، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب \" (٢٣).\nإنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيمًا كلّ أوقات السعادة والهناء.\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يقول الله - ﵎ - لأهون أهل النار عذابًا لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم. فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال:) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك \" (٢٤).\nإن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه* وصاحبته وأخيه* وفصيلته التي تؤيه* ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه* كلا إنها لظى * نزاعة للشوى﴾ [المعارج: ١١ - ١٦].\nوهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر.\n\nالقرآن\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧]\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣.\n(٢) بحر العلوم: ٣٨٧.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٣٠.\n(٤) البحر المحيط: ٤/ ٢٤٣.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٥.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٢٩.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٩ - ٦٣٠.\n(٨) ن الأبيات التي قالها ضأبى بن الحارث البرجى وهو محبوس بالمدينة فى زمن عثمان بن عفان، فى الأصمعيات ١٦. والبيت فى الكتاب ١/ ٢٩ والكامل ١٨١ والطبري ٦/ ١٢١ والشنتمرى ١/ ٣٨ والقرطبي ٦/ ٢٤٦ وابن يعيش ١/ ١١٣، ٢/ ١١٢٦ والعيني ٢/ ٣١٨ وشواهد المغني ٢٩٣ والخزانة ٤/ ٢٢٣ واللسان والتاج (قير).\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٢٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(١٢) بحر العلوم: ٣٨٧.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٣٠.\n(١٤) تفسير البغوي: ٣/ ٥١.\n(١٥) الكشاف: ١/ ٦٢٩.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٥.\n(١٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٧.\n(١٨) التفسير الميسر: ١١٣.\n(١٩) بحر العلوم: ٣٨٧.\n(٢٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٥.\n(٢١) البحر المحيط: ٤/ ٢٤٢.\n(٢٢) مسند أحمد (١٤١٠٧): ص ٢١/ ٤٧١، وأخرجه البخاري (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥) (٥٢)، وأبو يعلى (٢٩٢٦) و(٢٩٧٦) و(٣٠٢١)، وأبو عوانة في القدر كما في \"إتحاف المهرة\" ٢/ ٢٥٥، وابن حبان (٧٣٥١) من طرق عن معاذ بن هشام، به. وانظر (١٣٢٨٨).\n(٢٣) روه مسلم: ٢٨٠٧.\n(٢٤) رواه البخاري: صحيح البخاري: ٣٣٣٤، ورواه مسلم: ٢٨٠٥. المصابيح: (٣/ ١٠٢).","vol":"8","page":186},{"text":"التفسير:\nيريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ولهم عذاب دائم.\nقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: \" يريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها\" (١).\nقال الطبري: أي: \" يريد هؤلاء الذين كفروا بربهّم يوم القيامة، أن يخرجوا من النار بعد دخولها\" (٢).\nقال المراغي: \" أي: يتمنون الخروج من النار دار العذاب والشقاء بعد دخولهم فيها\" (٣).\nقال ابن كثير: أي: \" فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه\" (٤).\nقال الماتريدي: \" أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه\" (٥).\nقال السمرقندي: \" وذلك أنهم يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من حديد ويردونهم إليها\" (٦).\nقال النسفي: \" ﴿يريدون﴾ يطلبون أو يتمنون\" (٧).\nوقرأ أبو واقد: «أن يخرجوا»، بضم الياء، من: أخرج. ويشهد لقراءة العامة قوله: ﴿بخارجين﴾ (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: \" ولا سبيل لهم إلى الخروج من النار\" (٩).\nقال ابن كثير: أي: \" ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعالي جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردونهم إلى أسفلها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، أي: \" ولهم عذاب دائم\" (١١).\nقال السمرقندي: أي: \"دائم أبدا \" (١٢).\nقال ابن عاشور: \" أي: دائم تأكيد لقوله: ﴿وما هم بخارجين منها﴾ \" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها \" (١٤).\nقال الطبري: \" يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا، كما قال الشاعر (١٥):\nفَإنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّي ... عَذَابًا دَائِمًا لَكُمُ مُقِيمَا\" (١٦).\nقال المراغي: \" «المقيم»: هو الثابت الذي لا يرتحل أبدا\" (١٧).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٣.\n(٣) تفسير المراغي: ٦/ ١١٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٥.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥١٠.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٨٧.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٤٥.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٠.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٣٨٧.\n(١٣) التحريري والتنوير: ٦/ ١٨٩.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦.\n(١٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري: ١٠/ ٢٩٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ١٦٥.\n(١٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٣.\n(١٧) تفسير المراغي: ٦/ ١١٣.","vol":"8","page":187},{"text":"قال ابن عطية: \" أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد\" (١).\nقال السعدي: \" ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا\" (٢).\nعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \" يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود \" (٣).\nوروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار، يا أهل النار خلود لا موت \" (٤).\nوهذا يقال بعد ذبح الموت كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادي: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم \" (٥).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت\". قال: ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: [وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩] \" (٦).\nوأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: \" إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار \" (٧) قال: حديث حسن صحيح.\nعن عكرمة: \"أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵀: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وما هم بخارجين منها﴾؟ فقال ابن عباس: ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار\" (٨).\nوعن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله -ﷺقال: \" «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا\" (٩).\nعن يزيد الفقير قال: \"جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدّث أن أُنَاسًا يخرجون من النار - قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله يخرج ناسًا من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٧.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فتح الباري: (١١/ ٤٠٦).\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فتح الباري: (١١/ ٤٠٦).\n(٥) صحيح البخاري، كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/ ٤١٥).\n(٦) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها: (٤/ ٢١٨٨).\n(٧) سنن الترمذي: ٢٥٥٨.\n(٨) أخرجه الطبري (١١٩٠٦): ص ١٠/ ٢٩٤.\n(٩) المسند (٣/ ٣٥٥)، وصحيح مسلم برقم (١٩١).","vol":"8","page":188},{"text":"مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؟ [الإسراء: ٧٩]، فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به\" (١).\nوعن طَلْق بن حبيب قال: \"كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله تعالى فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق، أتُرَاك أَقْرَأُ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله -ﷺ- مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صُمَّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النار بعدما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت\" (٢).\nالفوائد:\n١ - أن الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظمُ ذنب عُصي الله به، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، وهو الذنب الذي يُخلَّد صاحبُه في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\nوفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"سألت رسول الله ﷺ: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\" (٣)، الحديث.\n٢ - الرد على الذين نفوا الشفاعة من الخوارج والمعتزلة، وذلك لأنهم يكفرون الناس بالمعاصي، وعندهم أن من دخل النار من أصحاب الذنوب فإنه يخلد فيها، فالخوارج يكفرونه في الدنيا والآخرة، والمعتزلة يفسقونه في الدنيا ويحكمون بتخليده في الآخرة في النار، وينكرون على هذا شفاعة الشافعين، وينكرون أيضًا الأحاديث التي وردت في الشفاعة مع كثرتها، ويستدلون بمثل قول الله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فمثل هذه الآيات فيها نفي الشفاعة، فلذلك قالوا: ليس في الآخرة شفاعة، بل من دخل النار فهو مخلد فيها.\nوقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] على أن من دخل النار فإنه لا يخرج منها، ولا دلالة في الآية، بل الآية فيها نفي الشفاعة التي هي بدون إذن الله، ولأجل ذلك أثبت الله تعالى الشفاعة بشرطين -وعليه قول أهل السنة-:\nالشرط الأول: الإذن للشافع.\nالشرط الثاني: الرضا عن المشفوع.\nكما في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع، وذكر الرضا في سورة طه وفي سورة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، فهذه الآية ذكر فيها الشرطين: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وذكر الإذن في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آية سورة سبأ: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فكل هذه أدلة على أن هناك شفاعة، ولكنها لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، وعلى هذا فإن العبد لا يطلبها إلا من الله، فيقول: يا رب! اجعلني ممن تنفعه شفاعة الشافعين، أسألك أن تُشَفِّع فيِّ أنبياءك ورسلك وملائكتك، أسألك عملًا صالحًا أكون به أهلًا أن يشفع فيّ الشافعون، وما أشبه ذلك (٤).\n_________\n(١) راه ابن ابي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٢) رواه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١ - ٧.\n(٣) صحيح البخاري (٤٧٦١) ومسلم (١٤١).\n(٤) انظر: اعتقاد أهل السنة، ابن جبرين: الدرس الصوتي (١٠) /٣. [مرقم آليا].","vol":"8","page":189},{"text":"٣ - ذكر اهل العلم في أبدية النار، آراء كثيرة، وقد أشار شارح الطحاوية في أبدية النار ودوامها ثمانية أقوال، وهي (١):\nأحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.\nوالثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا قول ابن عربي الطائي (٢).\nالثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ، وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١].\nالرابع: أن أهل النار يخرجون من النار بعد حين، ثم تبقى النار على حالها ليس فيها أحد (٣).\nالخامس: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه! ! وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار.\nالسادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف (ت - ٢٣٥ هـ).\nالسابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه (٤).\nونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة من الصحابة، وابن تيمية، وابن القيم (٥)، وجماعة (٦).\nواستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ هود: [١٠٦ - ١٠٧]، قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وبقوله في الآية الثانية ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولم يأتِ بعد الاستثناءين ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.\nوأما الأحاديث والآثار التي يستدل بها القائلون بفناء النار، فهي كالآتي:\n١ - حديث: «ليأتين على جهنم يوم كأنها زرع هاج، وآخر تخفق أبوابها\" (٧)، وهذا حديث باطل موضوع.\n_________\n(١) انظر: شرح الطحاوية: ٤٢٧ وما بعدها.\n(٢) انظر: فصوص الحكم ١/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(٣) ذكر ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح ص ٢٤٩ أن شيخ الإسلام حكاه، ولم ينسبه لأحد ..\n(٤) ممن قال بهذا بعض المعاصرين مثل فيصل عبد الله في أطروحته التي تقدم بها لنيل درجة الماجستير إلى قسم العقيدة في جامعة أم القرى بعنوان (الجنة والنار والآراء فيهما) انظر: ٢٢٨، وعبد الكريم الحميد في القول المختار لبيان فناء النار.\n(٥) انظر: حادي الأرواح ص ٢٤٨ - ٢٤٩.\nوقد ذكر ابن القيم سبعة أقوال، فلم يذكر القول الثامن، ونقلها عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١١/ ٤٢١ - ٤٢٢ وقال: (جمع بعض المتأخرين في هذه المسألة سبعة أقوال) ثم ذكرها، وزاد عليها ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ القول الثامن الذي هو قول أهل السنة والجماعة.\n(٦) انظر: شرح الطحاوية: ٥٢٩، والرد على من قال بفناء الجنة والنار لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق أ. د. محمد بن عبد الله السمهري: (ص ٥٣).\n(٧) انظر: الموضوعات لابن الجوزي ٢/ ٤٣٧ مع اختلاف في اللفظ.\nوهذا حديث باطل موضوع، وآفته: جعفر بن الزبير، وأيضًا الراوي عنه: عبد الله بن مسعر بن كدام.\nأما جعفر بن الزبير، فقد وضع أربعمائة حديث على رسول الله ﷺ، وكذبه شعبة بن الحجاج، وقال ابن معين ﵀: ليس بثقة. وقال البخاري ﵀: تركوه، وقال ابن عدي -﵀-: الضعف على حديثه بيّن، وذكر الذهبي - ﵀- هذا الحديث، وقال: إسناده مظلم. [انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٢/ ٥٥٨ - ٥٦٠، ميزان الاعتدال للذهبي ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧].\nوأما عبد الله بن مسعر فهو متروك - أيضًا - وذكر الذهبي (ت - ٧٤٨ هـ) ﵀ حديثه هذا وقال: هذا باطل. [انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٥٠٢].","vol":"8","page":190},{"text":"٢ - وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور، بسنده إلى عمر بن الخطاب -﵁-، أنه قال: \"لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه\" (١).\n٣ - واستدلوا أيضا بالأثر المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄- قال: \"ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا\" (٢).\nذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ [النبأ: ٢٣].\n٤ - أثر أبي سعيد الخدري -﵁- في قوله - تعالى -: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] قال: \"هذه الآية قاضية على القرآن كله\" (٣).\nويجاب على هذا الأثر من وجهين (٤):\nأحدهما: أن هذا الأثر وإن كان صحيحًا موقوفًا، إلا أنه لا دلالة فيه على فناء النار، بل كما يقول الإمام الصنعاني -﵀-: \"غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود لأهل النار، فإن آية الاستثناء حاكمة عليه، وهي عبارة مجملة لا تدل على المدعى بنوع من الدلالات الثلاث\" (٥).\nوالثاني: أن هذا الأثر محمول على عصاة المؤمنين من الموحدين الذي يبقون في النار - ما شاء الله - ثم يخرجون منها بهذه المشيئة الربانية، وعلى هذا يبطل الاستدلال به على فناء النار.\n_________\n(١) ضعيف لأنه من رواية الحسن قال: قال عمر: والحسن لم يدرك عمر ﵁. وقال ابن القيم في \"حادي الأرواح\" \"٢/ ٧١ طبع الكردي\" عقبه. والحسن لم يسمع من عمر. ومع ذلك فقد حاول تقويته بكلام خطابي، لا غناء فيه. \"وحسبك بهذا الإسناد جلالة \"! \" والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين، ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به، وقال: عمر بن الخطاب\"!\nقلت: وهذا كلام عجيب من مثل ابن القيم ﵀، لأن معناه الاحتجاج بحديث التابعي المجهول العين! لأنه إذا كان الحسن قد أخذه من بعض التابعين، فمن هو؟ وما حاله في الحديث حفظا وضبطا؟ أليس منطق ابن القيم هذا يؤدي إلى قلب القواعد الأصولية الحديثية التي تجعل حديث المجهول ضعيفا، والحديث المرسل والمنقطع ضعيفا كذلك، لأنهما يرجعان إلى راو لم يذكر ولم يسم؟ ! ويؤدي كذلك إلى قبول أحاديث الحسن البصري المعنعنة، فضلا عن المنقطعة والمرسلة، مثل حديثه عن سمرة \"لما حملت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته عبد الحارث، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره\".\nوهو حديث ضعيف، بل باطل، ولا علة فيه سوى عنعنة الحسن البصري، وقد فسر هو الآية التي يفسرها بعض المفسرين بهذا الحديث، فسرها الحسن نفسه بغير ما دل عليه حديثه، وتبعه على ذلك بعض المحققين، منهم ابن القيم نفسه، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة\" \"رقم الحديث ٣٤٢\".\nومثل حديثه المرسل في إبطال الوضوء بالقهقهة، وهو ضعيف باتفاق المحدثين! .\nسامح الله ابن القيم وغفر له، فإنه بتصحيحه لمثل هذا الأثر عن عمر ﵁ يفتح بابا كبيرا لبعض الفرق الضالة يلجون فيه إلى تأييد ضلالهم، كالقاديانية، فإن من خلالهم القول بفناء النار، وانتهاء عذاب الكفار.\nوجملة القول: أن هذا الأثر لا يصح عن عمر، كما لا يصح عن غيره مرفوعا، والله ولي التوفيق. وراجع هذا البحث كتاب \"رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار\". للعلامة الصنعاني.\n(٢) وهذا الأثر ضعيف لا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا، وآفته: أبو أبلج يحيى بن سليم، وهذا الرجل ثقة في نفسه، إلا أن تضعيف الحفّاظ له جاء من قبل حفظه، فقال الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢ هـ) ﵀ عنه: \"صدوق ربما أخطأ\" [انظر: تقريب التهذيب ٢/ ٤٠١ – ٤٠٢]، وقد جعل الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨ هـ) ﵀ هذا الحديث من بلاياه، وحكم عليه بأنه منكر. [انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٣٨٤ – ٣٨٥].\n(٣) انظر: جامع البيان للطبري ٧/ ١١٥ - ١١٦، الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٦٤، الدر المنثور للسيوطي ٣/ ٣٥٠.\n(٤) انظر: دعاوى المناوئين لشيخ الاسلام ابن تيمية: ٦٠١.\n(٥) رفع الأستار ص ٧٩، والدلالات الثلاث هي دلالة: التضمن، المطابقة، الالتزام.","vol":"8","page":191},{"text":"٥ - أثر عبد الله بن مسعود﵁- قال: \"ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد\".\nوهذا الأثر رواه الطبري باسناد تالف (١)، وذكره البغوي بدون إسناد ثم قال: \" ومعناه عند أهل السنة - إن ثبت - أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدًا\" (٢).\n٦ - الأثر المروي عن أنس بن مالك -﵁-: \"ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، وما فيها من أمة محمد أحد\" (٣). وهو اثر موضوع.\n٧ - الأثر المروي عن أبي هريرة﵁ قوله-: \"ما أنا بالذي لا أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد\".قد ذكره بسنده ابن القيم -﵀- في حادي الأرواح (٤)، وإسناده صحيح (٥).\nوقد قال أحد رواة الحديث -وهو عبيد الله بن معاذ (٦) - كما في تتمة الأثر: \"كان أصحابنا يقولون: يعني به الموحدين\" (٧).\nوأجاب الإمام الصنعاني على هذا الأثر بقوله: \"فإن قوله: «ليس فيها أحد» دال على بقائها، فإنك إذا قلت: ليس في الدار أحد، فإنه دال على بقاء الدار لا على فنائها\" (٨).\n٨ - واستدلوا بأن النار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال -ﷺ-: «لما قضى الله الخلق، كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي». وفي رواية: «تغلب غضبي» (٩).\nقالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ﴿عذاب يوم عظيم﴾ [الأنعام: ١٥]، و﴿أليم﴾ [هود: ٢٦]، و﴿عقيم﴾ [الحج: ٥٥]، ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: ﴿عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته. وقد ثبت في الصحيح\n_________\n(١) انظر: جامع البيان للطبري ٧/ ١١٦.\n(٢) معالم التنزيل ٢/ ٤٠٣.\n(٣) انظر: الحكم عليه في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ٢/ ٧١، تخريج الألباني لأحاديث رفع الأستار للصنعاني ص ٨٢.\nوهذا الأثر موضوع، وآفته: العلاء بن زيدل، فقد كان يضع الحديث كما قال البخاري وغيره: منكر الحديث [انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ٩٩]، وقال أبو حاتم: \"هو متروك الحديث، قال ابن حبان: لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل التعجب\" [المجروحين ٢/ ١٨٠ - ١٨١]، وذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمته وقال: \"منكر الحديث\" [الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٨٦٢ - ١٨٦٣]، وقال الذهبي: \"تالف\"، وذكر هذا الحديث [ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ٩٩ - ١٠٠].\n(٤) انظر: حادي الأرواح: ٢٥٢، وأورده ابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ص ٧٠، وانظر: الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٤٧٨ ..\n(٥) انظر: تخريجه في حاشية تحقيق الألباني على رفع الأستار للصنعاني ص ٧٥، وتخريج شرح العقيدة الطحاوية للأرناؤوط ٢/ ٦٢٧.\n(٦) عبيد الله بن معاذ: بن نصر بن حسان العنبري. أبو عمرو الأنصاري. ثقة حافظ. (ت ٢٣٥ هـ). انظر: الكاشف للذهبي ٢/ ٢٣١، تقريب التهذيب لابن حجر ١/ ٥٣٩.\n(٧) انظر: حادي الأرواح لابن القيم ص ٢٥٢، الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٤٧٨، وانظر: رفع الأستار للصنعاني ص ٧٦.\n(٨) رفع الأستار للصنعاني ص ٧٦.\n(٩) أخرجه البخاري في الصحيح بشرحه فتح الباري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ﴾ ﴿والطور، وكتاب مسطور﴾ حديث ٧٥٥٤، ١٣/ ٥٢٢ من طريق آخر عن أبي هريرة بلفظ: \" سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش\".\nأخرجه الترمذي في الجامع بشرحه تحفة الأحوذي، كتاب الدعوات باب \"١٠٩\" حديث ٣٦١١ جـ ٩ ص\"٥٢٨\" قال: حدثنا قتيبة، حدثني الليث بهذا السند، عن أبي هريرة بلفظه وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"8","page":192},{"text":"تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا - فمن مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض.\nقالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام - كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه (١).\nالثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار، بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀.\nإذ يرى جمهور السلف: أن النار باقية لا تفنى، ومن دخل بقي مخلدا فيها أبدا إلا من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم يخرجون منها.\nواستدلوا على بقائها ومن بها من الكافرين بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة: ٣٦]، وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ الزخرف: ٧٥، قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]، وقوله: قال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، أي مقيما لازما. وغيرها من الآيات.\nوقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: \"لا إله إلا الله\"، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما (٢).\nوقول الجماعة بدوامها وبقاء الكفار فيها، وهو القول الحق الذي تسنده الأدلة-كما تقدم-.\nإلا أن أقبح الأقوال وأشدها شذوذًا ونكرانًا: قول الجهم بن صفوان إمام المعطلة، الذي ذهب إلى القول بفناء الجنة والنار جميعًا، وليس له في هذا القول سلف، وأنكر عليه عامة أهل السنة.\n\nالقرآن\n﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]\nالتفسير:\nوالسارق والسارقة فاقطعوا -يا ولاة الأمر- أيديهما بمقتضى الشرع، مجازاة لهما على أَخْذهما أموال الناس بغير حق، وعقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه.\nسبب النزول:\nنقل الواحدي والماوردي وابن الجوزي عن ابن السائب: أنها \"نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدرع وقد مضت قصته\" (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح الطحاوية: ٤٢٩ - ٤٣٠.\n(٢) انظر: شرح الطحاوية: ٤٣١.\n(٣) أسباب النزول: ١٩٥، وانظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٧، وززاد المسير: ١/ ٥٤٤، ومضت قصة طعمة بن أبريق سارق الدرع في سورة النساء، سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ ﴿١٠٥﴾. إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.","vol":"8","page":193},{"text":"قلت: وابن السائب هو الكلبي، وهو متهم بالوضع، فخبره باطل، لا أصل له.\nقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: \" والسارق والسارقة فاقطعوا -يا ولاة الأمر- أيديهما بمقتضى الشرع\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي: حكمهما\" (٢).\nقال السدي: \" فاقطعوا أيديهما اليمنى\" (٣).\nقال مقاتل: \"يعني: أيمانهما من الكرسوع\" (٤).\nقال البيضاوي: \" السرقة: أخذ مال الغير في خفية\" (٥).\nقال الزمخشري: \" والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز: والمقطع: الرسغ، وعند الخوارج: المنكب\" (٦).\nقال ابن عرفة: \"السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس (٧)، فإن تمنع بما في يده فهو غاصب\" (٨).\nقال السعدي: \" السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه. وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في قراءة بعض الصحابة\" (٩).\nقال ابن الجوزي: \" السارق: إنما سمي سارقا، لأنه يأخذ الشيء في خفاء، واسترق السمع: إذا تسمع مستخفيا ... وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد به السارق لنصاب من حرز مثله\" (١٠).\nقال الإمام الموفق: \"وجملته أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده، وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم، والابن والبنت، والجد والجدة، من قبل الأب والأم وهذا قول عامة أهل العلم منهم: مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور وابن المنذر: القطع على كل سارق بظاهر الكتاب ... والعبد إذا سرق من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم جميعا، ووافقهم أبو ثور، وحكي عن داود أنه يقطع لعموم الآية اه ملخصا\" (١١).\nواختلفوا في السارق الذي عناه الله عز ذكره في قوله:: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، على وجوه (١٢):\nأحدها: أنه سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا. وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ رسولَ الله -ﷺ-، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٣/ ٣٤.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٩٠٩): ص ١٠/ ٢٩٥.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٣٢.\n(٧) المحترس الذي يسرق حريسة الجبل.\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١٦٧.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(١٠) زاد المسير: ١/ ٥٤٤.\n(١١) المغني: ١٢/ ٤٥٩، في شرح المسألة ١٥٨٩، وانظر: أحكام الجصاص: ٤/ ٨٠ - ٨١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(١٣) تفسير الطبري (١١٩١١): ص ١٠/ ٢٩٥. رواه بغير إسناد. ورواه مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر في الموطأ: ٨٣١، ورواه البخاري من طريق مالك (الفتح ٢: ٩٣ - ٩٤)، ورواه مسلم من طريقه أيضًا، في صحيحه ١١: ١٨٤، ١٨٥.\nوالمجن: الترس، لأنه يجن صاحبه، أي يواريه.","vol":"8","page":194},{"text":"والثاني: أنه سارق رُبع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا\" (١).\nوالثالث: انه سارقَ عشرة دراهم فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس: \"أن النبي -ﷺ قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم\" (٢).\nوالرابع: أنه سارقَ القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها، وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله ﷺ خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق، قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله ﷺ مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم.\nوروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم.\nعن نجدة الحنفي قال: \"سألت ابن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام\" (٣).\nوالخامس: أنه سارق درهم. وهذا قول الحسن (٤). وفي مواعظه: \"احذر من قطع يدك في درهم\" (٥).\nقال الإمام الطبري: \"والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: الآية معنيّ بها خاصٌّ من السراق، وهم سُرَّاق ربع دينار فصاعدًا أو قيمت، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «القطعُ في ربع دينار فصاعدًا» (٦) \" (٧).\nقال الماوردي: \" إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ:\nأحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه.\nوالثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر فى الزنى باطن.\nوالثالث: أن فى قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله\" (٨).\nوقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة، فأمر الله تعالى بقطعه فى الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله -ﷺ- في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في المسند: ٢/ ٨٣ والبخاري في الحدود، باب قول الله تعالى: \"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما\" وفي كم يقطع؟: ١٢/ ٩٦، ومسلم في الحدود، باب حد السرقة ونصابها، برقم (١٦٨٤): ٣/ ١٣١٢، والمصنف في شرح السنة: ١٠/ ٣١٢، والطبري (١١٩١٢): ص ١٠/ ٢٥٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٩١٣): ص ١٠/ ٢٩٦، ورواه الطحاوي في معاني الآثار ٢/ ٩٣، وأحمد في المسند برقم: ٦٩٠٠.\n(٣) أخرجه الطبري (١١٩١٤): ص ١٠/ ٢٩٦.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٢.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٣٢.\n(٦) سبق تحريجه.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٦.\n(٨) النكت والعيون: ٢/ ٣٥.","vol":"8","page":195},{"text":"بني مخزوم، وقال: \"لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ\" (١)، وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة (٢).\nوالقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به، لقول رسول الله -ﷺ- في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه، فقال صفوان: قد عفوت عنه، فقال النبي -ﷺ-: \"هَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ \" (٣).\nوروي: \"أن معاوية بن أبي سفيان أُتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال (٤):\nيميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكانًا يشينها (٥)\nيدي كانت الحسناء لو تم سبرها ... ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها\nفلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها (٦)\nفقال معاوية: كيف أصنع وقد قطعت أصحابك، فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها، فَخَلَّى سبيله، فكان أول حد ترك في الإٍسلام\" (٧).\nوفي قراءة عبد الله ابن مسعود: «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما» (٨).\nوقرأ عيسى بن عمر: «السارق والسارقة» بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر، لأن «زيدا فاضربه» أحسن من «زيد فاضربه» (٩).\nقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: \" مجازاة لهما على أَخْذهما أموال الناس بغير حق\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يقول: القطع جزاء ﴿بما كسبا﴾، يعنى: سرقا\" (١١).\nقال الطبري: \"يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله\" (١٢).\nقال السعدي \"أي: ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس\" (١٣).\nواختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين:\nأحدهما: أنه لا غرم، وهذا قول أبي حنيفة (١٤).\nوالثاني: يجب فيه الغرم، وهو مذهب الشافعي (١٥).\n_________\n(١) أخرجه احمد (١٥١٤٩): ص ٢٤/ ٣٤٦، والبخاري (٦٧٨٨)، ومسلم (١٦٨٩)، والنسائي ٨/ ٧١، والبيهقي ٨/ ٢٨١، والطبراني في \"الأوسط\" (٧٨٣٢،\nو(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٦.\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٩٤)، والنسائي (٤٨٧٩)، وابن ماجه (٢٥٩٥)، من حديث صفوان بن أمية.\n(٤) في المستطرف ١: ١٩٣ أنه أعرابي اسمه «حمزة» كان قد سرق وقامت عليه البينة، فهمّ عبد الملك بقطع يده، فكتب إليه حمزة من السجن هذين البيتين، وأن أمه استشفعت له عند الخليفة فعفا عنه. والخبر كذلك في عيون الأخبار ١: ٩٩، والعقد ٢: ١٦٧ والبرصان والعرجان والعميان والحولان للجاحظ: ٣٧٢، بدون ذكر لاسم الأعرابي.\nوفي رواية المصادر غير النكت: \" فأبى إلّا قطعها، فدخلت عليه أمّه فقال: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب! هذا حدّ من حدود الله. فقال: اجعله من الذنوب التي تستغفر الله منها. فعفا عنه\".\n(٥) وفي رواية البرصان للجاحظ:: \" بك اليوم أن تلقى\".\n(٦) وفي رواية أنس المسجون صفي الدين الحلبي: ١٥٦، \" ولا خير في الدّنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها\".\n(٧) النكت والعيون: ٢/ ٣٦، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير: ٨/ ١٤٥.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٥.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣١.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤.\n(١٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٦.\n(١٣) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٧.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٧.","vol":"8","page":196},{"text":"قوله تعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: \" وعقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما\" (١).\nقال مقاتل: \" يعنى: عقوبة من الله: قطع اليد\" (٢).\nقال الطبري: \"يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: \" والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه\" (٥).\nقال السعدي \"أي: عز وحكم فقطع السارق\" (٦).\nقال أبو السعود: \" ﴿والله عزيز﴾ غالب على أمره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه ﴿حكيم﴾ في شرائعه لا يحكم إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم والمصالح\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" والله عزيزٌ في انتقامه من هذا السارق والسارقةِ وغيرهما من أهل معاصيه حكيم، في حكمه فيهم وقضائه عليهم، يقول: فلا تفرِّطوا أيها المؤمنون، في إقامة حكمي على السرَّاق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإني بحكمتي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم\" (٨).\nقال قتادة: \"لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد\" (٩).\nوكان عمر بن الخطاب يقول: \"اشتدُّوا على السُّرَّاق، فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلا رجلا\" (١٠).\nقال السيد احمد محمد شاكر: \" ولكننا قد أظلنا زمان عطلت فيه الحدود، بزعم الرثاء لمن أصاب حدًا من حدود الله. وطالت ألسنة قوم من أهل الدخل، فاجترأوا على الله بافترائهم، وزعموا أن الذي يدعونه من الرحمة لأهل الحدود هو الصلاح، وأن ما أمر الله به هو الفساد! ! فاللهم نجنا من زمان تبجح فيه الأشرار بسلطانهم، وتضاءل فيه أهل الإيمان بمعاصيهم\" (١١).\nالفوائد:\n١ - بيان حكم حد السرقة، وهو قطع يد السارق والسارقة.\n٢ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n٣ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما «العزيز» «الحكيم»، وما تضمناه من مناسبة العزة، والحكمة في سياق الآية.\nفـ «العزيز»: هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: من عز بز، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز -بضم العين- من يعز. ومنه قول الله سبحانه: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣].\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٦.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٣/ ٣٥.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٨.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٩١٥): ص ١٠/ ٢٩٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٨. ذكره دون إسناد.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٧ [الهامش].","vol":"8","page":197},{"text":"والثاني: بمعنى الشدة والقوة. يقال منه: عز يعز -بفتح العين- من \"يعز\"، كقول الهذلي -يصف العقاب- (١):\nحتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف\nجعلها عزيزة، لأنها من أقوى جوارح الطير.\nوالوجة الثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر. يقال منه: عز الشيء يعز -بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير\" (٢).\nو«الحكيم»: \"هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١]، فدل على أن المراد بـ «الحكيم هنا الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل.\nومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها. إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله [تعالى]: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] \" (٣).\n\nالقرآن\n﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]\nالتفسير:\nفمن تاب مِن بعد سرقته، وأصلح في كل أعماله، فإن الله يقبل توبته. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.\nسبب النزول:\nعن عبد الله بن عمرو قال: \"سرقت امرأة حُليًّا، فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة! فقال رسول الله ﷺ: اقطعوا يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ: أنتِ اليومَ من خطيئتك كيوم ولدتك أمك! قال: فأنزل الله جل وعز: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ \" (٤). [ضعيف]\n_________\n(١) ديوان الهذليين القسم الثاني ص ١١٠، وشرح أشعارهم للسكري ص ١٠٨٩ آخر قصيدة لأبي كبير الهذلي، أبياتها ٢٣ بيتا، مطلعها:\nأزهير هل عن شيبة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلف\nوفي مقاييس اللغة ٢/ ١٨٢ وتهذيب الأزهري ٧/ ١٤٧ برواية: فتخاء، بدل، سوداء، وفي اللسان والقاموس وشرحه (عزز). وفي الديوان، يريد: أن منسرها حديد دقيق كأنه مخصف. والروثة: طرف الأنف، وفراشها: عشها.\nوالبيت استشهد به الزجاج في تفسير الأسماء ص ٣٤ على معنى \"العزيز\" ..\n(٢) شأن الدعاء: ١/ ٤٧ - ٤٨.\n(٣) شأن الدعاء: ١/ ٧٢ - ٧٣.\n(٤) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٧، ١٧٨)، والطبري في \"جامع البيان\" (١١٩١٧): ص ١٠/ ٢٩٩، كلاهما من طريق موسى بن داود ثنا ابن لهيعة عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو به.\nقلنا: وهذا إسناد ضعيف؛ ابن لهيعة فيه كلام مشهور، والراوي عنه هنا لم يرو عنه قبل اختلاطه واحتراق كتبه.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٧٦): \"رواه أحمد؛ وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\".\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم ..","vol":"8","page":198},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: \" فمن تاب مِن بعد سرقته\" (١).\nقال مقاتل: \" يقول: من تاب من بعد سرقته\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: الحدُّ\" (٤).\nقال مجاهد: \" يقول: «الحد كفارة عنه» (٥). قال ابن عطية: \" وهذا تشديد وقد جعل الله للخروج من الذنوب بابين أحدهما الحد والآخر التوبة\" (٦).\nوقال الشافعي: إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياسا على توبة المحارب\" (٧).\nوقال السمعاني: \"الصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: ﴿جزاء بما كسبا﴾ فلا بد من التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل\" (٨).\nقال البغوي: \" فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين، ولا بد من التوبة بعده، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما صرف من المال عند أكثر أهل العلم\" (٩).\nقال الراغب: \" قيل: إن تاب في الدنيا قبل القدرة عليه، وأصلح سقط عنه الحد، ورجى له الغفران، وإن تاب بعد القدرة عليه رجي له الغفران، ولم يسقط عنه الحد\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" والظلم في هذا الوجه يرجع إلى النقصان؛ لأن السارق ينقص مال المسروق، ويجوز أن يكون سمى الله السارق ظالما لأنه يدخل الضرر على من لا يستحقه، وكل ضرر غير مستحق ولا معقب نفعا ظلم، وقد سمي أيضا ظالما؛ لظلمه لنفسه\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: \" وأصلح في كل أعماله\" (١٢).\nقال مقاتل: \" وأصلح العمل فيما بقي\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" بالتفصى عن التبعات\" (١٤).\nقال الراغب: \" واشترط إصلاح العمل تنبيها أن التوبة باللفظ غير مغنية ما لم يضامها ما يحققها من الفعل\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: \" فإن الله يقبل توبته\" (١٦).\nقال الواحدي: أي: \" يعود عليه بالرَّحمة\" (١٧).\nقال السعدي \"أي: فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب\" (١٨).\nقال الثعلبي: \" هذا ما بينه وبين الله تعالى فأما القطع فواجب\" (١٩).\nقال ابن كثير: \" فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: \"متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها \" (٢٠).\nقال الزمخشري: أي: \"ويسقط عنه عقاب الآخرة. وأما القطع فلا تسقطه التوبة عند ابى حنيفة وأصحابه وعند الشافعي في أحد قوليه تسقطه من يشاء من يجب في الحكمة تعذيبه والمغفرة له من المصرين والتائبين. وقيل: يسقط حد الحربي إذا سرق بالتوبة، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقطه عن المسلم، لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] \" (٢١).\nقال ابن عطية: \" المعنى عند جمهور أهل العلم أن من تاب من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله وأصلح أيضا في سائر أعماله وارتفع إلى فوق فإن الله يتوب عليه ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو في المشيئة مرجو له الوعد وليس تسقط عنه التوبة حكم الدنيا من القطع إن اعترف أو شهد عليه\" (٢٢).\nعن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة فقال: \"ما إخَاله سرق\"! فقال السارق: بلى يا رسول الله. قال: \"اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به\". فقطع فأتي به، فقال: \"تب إلى الله\". فقال: تبت إلى الله. فقال: \"تاب الله عليك\" (٢٣).\nعن عائشة﵂-: \"أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ، فأتى بها رسول الله ﷺ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال «أتشفع في حد من حدود الله ﷿؟» فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال «أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها»، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله -ﷺ-\" (٢٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، أي: \" إن الله غفور لعباده، رحيم بهم\" (٢٥).\nقال مقاتل: \" إن الله غفور لذنبه رحيم به\" (٢٦).\nقال الراغب: \"جعل علة قبول توبته كونه تعالى غفورا رحيما\" (٢٧).\nالفوائد:\n١ - بيان أن التائب من السراق إذا اصلح يتوب الله عليه، أي: يقبل توبته.\n٢ - إذا لم يرفع السارق إلى الحاكم تصح توبته ولو لم تقطع يده، وإن رفع فلا توبة له إلا بالقطع، فإذا قطعت يده خرج من ذنبه كأن لم يذنب.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١١٠.\n(٤) تفسير الطبري (١١٩١٦): ص ١٠/ ٢٩٩.\n(٥) تفسير مجاهد: ٣٠٨، وتفسير الطبري: ١٠/ ٢٩٩.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٠.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٠.\n(٨) تفسير السمعاني: ٢/ ٣٧.\n(٩) تفسير البغوي: ٢/ ٥٠.\n(١٠) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣٤٨.\n(١١) تفسير السمرقندي: ٣٢٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٣٢.\n(١٥) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣٤٨.\n(١٦) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١٧) والوجيز: ٣١٩.\n(١٨) تفسير السعدي: ٢٣٠.\n(١٩) تفسير الثعلبي: ٤/ ٦٢.\n(٢٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١١٠.\n(٢١) الكشاف: ١/ ٦٣٢.\n(٢٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨٩.\n(٢٣) سنن الدارقطني (٣/ ١٠٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٨١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان به موصولا وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". وسكت عنه الذهبي.\n(٢٤) صحيح مسلم (حدود حديث ٩) وصحيح البخاري (حدود باب ١٢).\n(٢٥) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤.\n(٢٧) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣٤٨.","vol":"8","page":199},{"text":"٣ - وجوب التسليم لقضاء الله تعالى والرضا بحكمه لأنه عزيز حكيم.\n٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و«الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\nفـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (١).\nوالفرق بين صيغتي: «الغفار»، و«الغفور»: أن \" «الغفار» (٢)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها\" (٣).\nو«الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده\" (٥)،\n\nالقرآن\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠]\nالتفسير:\nألم تعلم -أيها الرسول- أن الله خالق الكون ومُدبِّره ومالكه، وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، وهو على كل شيء قدير.\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: \" ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله خالق الكون ومُدبِّره ومالكه\" (٦).\nقال الصابوني: \" أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر والملك الباهر وبيده ملكوت السماوات والأرض والاستفهام للتقرير\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: ألم تعلم أيها الرسول أن الله له ملك السموات والأرض يدبر الأمر فيها بحكمته وعدله ورحمته وفضله، ومن حكمته أنه وضع هذا العقاب لكل من يسرق ما يعد به سارقا كما وضع العقاب للمحاربين المفسدين فى الأرض\" (٨).\nقال الطبري: \" يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: ألم يعلم هؤلاء [يعني القائلين]: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، الزاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبِّر ما في السموات وما في الأرض، ومصرفه وخالقه، لا يمتنع شيء مما في واحدة منهما مما أرادَه، لأن كل ذلك ملكه، وإليه أمره، ولا نسب بينه وبين شيء مما فيهما ولا مما في واحدة منهما، فيحابيه بسبب قرابته منه، فينجيه من عذابه، وهو به كافر، ولأمره ونهيه مخالف أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه ... وخرج قوله: ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض، خطابًا له -ﷺ-، والمعنيُّ به من ذكرتُ من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول\n_________\n(١) انظر: شأن الدعاء: ١/ ٦٥.\n(٢) قال الخطابي: \" الغفار: هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى. كلما تكررت التوبة في الذنب من العبد تكررت المغفرة. كقوله -سبحانه-: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢].\nوأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية، ومنه قيل لجنة الرأس: المغفر، وبه سمي زئبر الثوب غفرا وذلك لأنه يستر سداه؛ فالغفار: الستار لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته. ومعنى الستر في هذا أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم ويقال: إن المغفرة مأخوذة من الغفر: وهو فيما حكاه بعض أهل اللغة نبت يداوى به الجراح، يقال إنه إذا ذر عليها دملها وأبراها\". [شأن الدعاء: ١/ ٥٢ - ٥٣، وانظر: اللسان وتاج العروس، مادة\"غفر\"].\n(٣) شأن الدعاء: ١/ ٦٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ١/ ١٨٨، وشرح أسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: ٨٤.\n(٥) تفسير ابن عثيمين الفاتحة والبقرة: ١/ ٥.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣١٤.\n(٨) تفسير المراغي: ٦/ ١١٥.","vol":"8","page":200},{"text":"الله ﷺ وما حَوَاليها. وقد بيَّنا استعمال العرب نظيرَ ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: خزائن السموات والارض، يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات. ويقال: له ملك السماوات والأرض يحكم فيها ما يشاء\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: \" وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء\" (٣).\nقال السدي: \" يقول: يميت منكم من يشاء على كفره فيعذب\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعذب من يشاء إذا أصر على ذنوبه\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" يعذّب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه\" (٦).\nقال المراغي: \" أي: وأنه يعذب من يشاء تعذيبه من العصاة تربية له وتأمينا لعباده من أذاه وشره \" (٧).\nوقال الواحدي: \" ﴿يعذب مَنْ يشاء﴾، على الذَّنب الصَّغير\" (٨).\nوقال الضحاك: \"يعذب من يشاء على الصغير إذا قام عليه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: \" وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء\" (١٠).\nقال السدي: \" يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له\" (١١).\nقال السمرقندي: \" ويغفر لمن يشاء إذا تاب ورجع\" (١٢).\nقال الطبري: أي: \"ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتّوبة عليه من كفره ومعصيته، فينقذه من الهلكة، وينجيه من العقوبة\" (١٣).\nقال المراغي: \" أي: وأنه يغفر للتائبين من هؤلاء وهؤلاء ويرحمهم إذا صدقوا فى التوبة وأصلحوا عملهم \" (١٤).\nوقال الواحدي: \" ﴿ويغفر لمن يشاء﴾ الذَّنب العظيم\" (١٥).\nوقال الضحاك: \" ويغفر لمن يشاء على الكبير إذا نزع عنه\" (١٦).\nقال الزمخشري: \" إن قلت: لم قدم التعذيب على المغفرة (١٧)؟ قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة\" (١٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٣٨٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٤٨): ص ٤/ ١١٢٩.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٨٩.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٠١.\n(٧) تفسير المراغي: ٦/ ١١٥.\n(٨) الوجيز: ٣١٩.\n(٩) تفسير الثعلبي: ٤/ ٦٣.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٤٩): ص ٤/ ١١٢٩.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٣٨٩.\n(١٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٠١.\n(١٤) تفسير المراغي: ٦/ ١١٥.\n(١٥) الوجيز: ٣١٩.\n(١٦) تفسير الثعلبي: ٤/ ٦٣.\n(١٧) قال محمود صاحب الحاشية: \" فان قلت لم قدم التعذيب على المغفرة ... الخ» قال أحمد: هو مبنى على أن المراد بالمغفور لهم التائبون، وبالمعذبين السراق. ولا يجعل المغفرة تابعة للمشيئة إلا بقيد التوبة، لأن غير التائب على زعمه لا يجوز أن يشاء الله المغفرة له، فلذلك ينزل الإطلاق على المتقدم ذكره. ونحن نعتقد أن المغفرة في حق غير التائب من الموحدين تتبع المشيئة، حتى أن من جملة ما يدخل في عموم قوله: (ويغفر لمن يشاء) السارق الذي لم يتب. وعلى هذا يكون تقديم التعذيب لأن السياق للوعيد فيناسب ذلك تقديم ما يليق به من الزواجر والله أعلم\".\n(١٨) الكشاف: ١/ ٦٣٢.","vol":"8","page":201},{"text":"وقال الراغب: \" وإنما قال يعذب من يشاء فقدم ذكر العقوبة على الغفران، لأن القصد بما تقدم الردع عن ارتكاب ما يقتضى عقوبة الدارين فكان تقديم ما يقتضي ذلك أولى\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠]، أي: \" وهو القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: \" إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير\" (٣).\nقال الطبري: يقول\" والله جل وعز على تعذيب من أرَاد تعذيبه من خلقه على معصيته، وغفرانِ ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الامور كلها قادرٌ، لأن الخلق خلقُه، والملك ملكه، والعباد عباده\" (٤).\nقال المراغي: \" أي: وهو القادر على كل شىء من التعذيب والرحمة لا يعجزه شىء فى تدبير ملكه\" (٥).\nوذكر السمرقندي وجها ىخر من التأويل للآية فقال: \" ومعناه: أن السارق إذا تاب، ورد المال لا يقطع ويتجاوز عنه، وإن لم يتب قطعت يده، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿له ملك السماوات والأرض﴾ يعذب إذا لم يتب ويتجاوز إذا تاب، فافعلوا أنتم مثل ذلك، لأن الله تعالى مع قدرته يتجاوز عن عباده، وهو قوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾، من المغفرة والعذاب\" (٦).\nالفوائد:\n١ - أن أن عقاب السراق والعفو عن التائبين جاء وفق الحكمة والعدل والرحمة.\n٢ - وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها. فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله - تعالى -: ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ (٧).\n٣ - ومن اسمائه تعالى: «القدير»: إذ \"وصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور\" (٨).\nروي البيهقي عن عبد العزيز قال الحليمي، قال: \"و«القدير»: التام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه\" (٩).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٥٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣١٤.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٤٩): ص ٤/ ١١٢٩.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٠١.\n(٥) تفسير المراغي: ٦/ ١١٥.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٨٩.\n(٧) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٥١٨.\n(٨) شأن الدعاء للخطابي: ٨٥.\n(٩) الاسما والصفات: ٢/ ١١١.","vol":"8","page":202},{"text":"لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة: ٤١]\nالتفسير:\nيا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم خالية منه، فإني ناصرك عليهم. ولا يحزنك تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قوم يستمعون للكذب، ويقبلون ما يَفْتَريه أحبارُهم، ويستجيبون لقوم آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون يُبَدِّلون كلام الله من بعد ما عَقَلوه، ويقولون: إن جاءكم من محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، وإن جاءكم منه ما يخالفه فاحذروا قبوله، والعمل به. ومن يشأ الله ضلالته فلن تستطيع -أيها الرسول- دَفْعَ ذلك عنه، ولا تقدر على هدايته. وإنَّ هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من دنس الكفر، لهم الذلُّ والفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.\nفي سبب نزول الآيات [٤١ - ٤٧] خمسة أقوال:\nأحدها: قال البراء بن عازب: \" مرَّ النبي ﷺ بيهوديٍّ محمَّم (١) مجلود، فدعا النبي ﷺ رجلا من علمائهم فقال: أهكذا تجِدُون حدَّ الزاني فيكم؟ قال: نعم! قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزنى فيكم؟ قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أحدِّثك، ولكن الرجم، ولكن كثرُ الزنا في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع فنضع شيئًا مكان الرجم، فيكون على الشريف والوضيع، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرجم! فقال النبى ﷺ: أنا أوّل من أحيي أمرك إذ أماتوه! فأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ الآية\" (٢). [صحيح]\nوالثاني: أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر، وهذا المعنى مروي عن أبي هريرة (٣).\nوالثالث: أنها نزلت في يهودي قتل يهوديا، ثم قال: سلوا محمدا فإن كان بعث بالدية، اختصمنا إليه، وإن كان بعث بالقتل، لم نأته، قاله عامرالشعبي (٤).\nوالرابع: أنها نزلت في المنافقين، قاله ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والضحاك (٧)، وعبدالله بن كثير (٨).\nوالخامس: أن رجلا من الأنصار زعموا أنه أبو أبي لُبابة بن عبد المنذر أشارت إليه بنو قريظة يوم حصارهم: على ماذا ننزل؟ فأشار إليهم: أنه الذبح، قاله السدي (٩)، ومقاتل (١٠).\n_________\n(١) في «اللسان»: حمم الرجل: سخم وجهه بالحمم، وهو الفحم. وفي الحديث أنه أمر بيهودي محمم مجلود أي مسود الوجه.\n(٢) أخرجه مسلم (١٧٠٠)، وأبو داود (٤٤٤٧) و(٤٤٤٨)، وأحمد: ٤/ ٢٨٦، وابن ماجة (٢٥٥٨)، والبيهقي: ٨/ ٢٤٦، والطبري (١١٩٢٢): ص ١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥، واللفظ له، والواحدي في أسباب النزول: ١٩٥ - ١٩٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٩٢١): ص ١٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢١٣، ٢١٤، وهذا الخبر رواه أحمد مختصرا. ورواه أبو داود في سننه ٤/ ٢١٦ - ٢١٨، رقم: ٤٤٥٠، ٤٤٥١، بغير هذا اللفظ، ولم يذكر فيه أنه ابن صوريا، والبيهقي في السنن ٨/ ٢٤٦، ٢٤٧. وانظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٥٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٩١٩): ص ١٠/ ٣٠٢. [مرسل ضعيف، وهو معارض بحديث البراء، وذاك أصح].\nوإسناد ضعيف، فيه راو لم يسم.\n(٥) كما في زاد المسير: ١/ ٥٤٨، ولم أره عن ابن عباس، والخبر ضعيف بكل حال. وقد أخرج ابن ابي حاتم (٦٣٥١): ص ٤/ ١١٣٠: \"علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾، هم اليهود\".\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٩٢٦): ص ١٠/ ٣٠٦، وتفسير مجاهد: ٢٦٢.\n(٧) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٩، وفيه: \" قال الضحاك: نزلت الآية في شأن المنافقين، كانت علانيتهم تصديقا، وسرائرهم تكذيبا\".\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٩٢٥): ص ١٠/ ٣٠٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٩١٨): ص ١٠/ ٣٠٢. [مرسل، ضعيف جدا، والمرسل من قسم الضعيف، والمتن منكر، معارض بما تقدم عن البراء، ومراسيل السدي مناكير. وانظر: أحكام القرآن: ٧١٧]\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤.","vol":"8","page":203},{"text":"قال مقاتل: \"نزلت في أبي لبابة: اسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري من بني عمرو بن عوف. وذلك أنه أشار إلى أهل قريظة إلى حلقه (١) أن محمدا جاء يحكم فيكم بالموت فلا تنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان حليفا لهم\" (٢).\nقال ابن عطية: \" وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان أشار بتلك الإشارة فإنه قال فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي ﷺ في المدينة فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى رسول الله ﷺ عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله عليها إشفاق ما على قوم كانت بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة ﵁ وعن جميع الصحابة\" (٣).\nقال ابن عطية: \" وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين، والروايات في هذا كثيرة ومختلفة ... وظاهر حديث بيت المدارس (٤) أنه كان في صدر الهجرة اللهم إلا أن يكون ذلك من النبي ﷺ مع عزة كلمته من حيث أراد أن يخرج حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها ﷺ\" (٥).\nوقال القرطبي: \" وقيل إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم وهذا أصح الأقوال\" (٦).\nوقال ابن كثير: \" والصحيح أنها نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه،\n_________\n(١) وكانت هذه الإشارة معناها أن محمداﷺ- سيحكم فيكم بالقتل والذبح.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٤، ومقاتل متروك، وكذبه غير واحد، فخبره لا شيء.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩١.\n(٤) يقصد رواية ابي هريرة، انظر: تفسير الطبري (١١٩٢١): ص ١٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤. وفيه: \" أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد زنَى رجل منهم بعد إحصانه، بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا، انطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد ﷺ فاسألوه كيف الحكم فيهما، وولُّوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه وهو الجلد بحبل من ليف مطليٍّ بقار، ثم تُسوَّد وجوههما، ثم يحملان على حمارين، وتحوَّل وجوههما من قبل دُبُر الحمار فاتبعوه، فإنما هو ملكٌ. وإن هو حكم فيهما بالرجم، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. فأتوه فقالوا: يا محمد، هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما. فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارهم إلى بيت المدراس، فقال: يا معشر اليهود، أخرجوا إليّ أعلمكم! فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا الأعور وقد روى بعض بني قريظة، أنهم أخرجوا إليه يومئذ مع ابن صوريا، أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا! فسألهم رسول الله ﷺ حتى حصَّل أمرهم، إلى أن قالوا لابن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة فخلا به رسول الله ﷺ، وكان غلامًا شابًّا من أحدثهم سنًّا، فألظَّ به رسول الله ﷺ المسألةَ، يقول: يا ابن صوريا، أنشُدك الله واذكِّرك أياديه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنّ الله حكم فيمن زنىَ بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال: اللهم نعم! أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبيٌّ مرسلٌ، ولكنهم يحسدونك! فخرج رسول الله ﷺ، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده، في بني غنم بن مالك بن النجار. ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله جل وعز: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم \".\n(٥) المحرر الوجيز: ٢١٩١.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ١٧٦.","vol":"8","page":204},{"text":"واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك\" (١).\nقال الطبري: \"وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: عني بقوله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾، قومٌ من المنافقين. وجائزٌ أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابنُ صوريا وجائز أن يكون أبو لبابة وجائز أن يكون غيرُهما، غير أن أثبت شيء روي في ذلك، ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ من القول فيه أن يقال: عُنِي به عبد الله بن صوريَا، وإذا صحّ ذلك، كان تأويل الآية: يا أيُّها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك، والتكذيبِ بأنك لي نبي، من الذين قالوا: صدَّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا، بوجودنا صِفَتك في كتابنا.\nوذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري: أن ابن صُوريا قال لرسول الله ﷺ: أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعلمون أنك نبى مُرسْل، ولكنهم يحسدونك، فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانًا برسول الله -ﷺ- بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لذلك بقلبه، فقال الله جل وعزّ لنبيه محمد ﷺ، مُطْلِعَه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدِّق قلبه بأنك لله رسول مرسل\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك\" (٣).\nقال ابن عباس: \"هم اليهود\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم خالية منه، فإني ناصرك عليهم \" (٥).\nقال ابن عباس: \" هم المنافقون\" (٦).\nقال مجاهد: \": ﴿آمنا بأفواههم﴾، يقول: هم المنافقون\" (٧).\nقال الزمخشري: \" المعنى: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أى في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين، فإنى ناصرك عليهم وكافيك شرهم. يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعا، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه، أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها\" (٨).\nقال السمرقندي: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ \" أي: يبادرون ويقعون في الكفر، ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: ذلك بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم في السر \" (٩).\nوقرئ «لا يحزنك»، بضم الياء، و«يسرعون» (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" ولا يحزنك تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك\" (١١).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١١٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٠٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٥١): ص ٤/ ١١٣٠.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٥١): ص ٤/ ١١٣٠.\n(٧) اخرجه الطبري (١١٩٢٦): ص ١٠/ ٣٠٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٢٢ - ٦٢٣.\n(٩) تفسير السمرقندي: ١/ ٣٨٩.\n(١٠) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٢.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٤.","vol":"8","page":205},{"text":"قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" فإنهم قوم يستمعون للكذب، ويقبلون ما يَفْتَريه أحبارُهم\" (١).\nقال جابر بن عبدالله: \" يهود المدينة\" (٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" فهم يهود أهل قريظة والنضير فيهم لبابة بن سعفة وكعب بن الأشرف، وسعيد بن عمرو\" (٣).\nقال السدي: \" هم أبو بسرة وأصحابه\" (٤).\nقال الماوردي: \" أى: قائلون للكذب عليك\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان. ومنه «سمع الله لمن حمده» \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" ويستجيبون لقوم آخرين لا يحضرون مجلسك\" (٧).\nقال الزمخشري: \"يعنى: اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله ﷺ وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدة البغضاء وتبالغ من العداوة قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان. ومنه «سمع الله لمن حمده» \" (٨).\nعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: \" ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين﴾ قال: لقوم آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوا، يقولون لهم الكذب محمد كاذب وليس من التوراة، فلا تؤمنوا به وليس يحرفون هؤلاء الذين لم يأتوك\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١]، وجهان:\nاحدهما: يعني: ﴿سماعون لقوم آخرين﴾: أهل فدك. وهذا قول جابر بن عبدالله (١٠).\nوروي عن مجاهد: \"انهم هم اليهود\" (١١).\nوالثاني: أنهم يهود خيبر، وذلك حين زنت المرأة. وهذا قول مقاتل بن حيان (١٢).\nقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" وهؤلاء الآخرون يُبَدِّلون كلام الله من بعد ما عَقَلوه\" (١٣).\nقال ابن زيد: \" هؤلاء كلهم يهود بعضهم من بعض\" (١٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" قوله: ﴿يحرفون الكلم﴾، يزيدون فيه وينقصونه\" (١٥).\nقال ابن عباس: \" ﴿يحرفون الكلم﴾، يعني: يحرفون حدود الله في التوراة\" (١٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٥٤): ص ٤/ ١١٣٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٥٥): ص ٤/ ١١٣٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٥٦): ص ٤/ ١١٣٠.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٣٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٣٣.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٣٣.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٥٩): ص ٤/ ١١٣١.\n(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٥٧): ص ٤/ ١١٣٠ - ١١٣١.\n(١١). انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٣/ ١١٣١. ذكره دون إسناد.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٥٨): ص ٤/ ١١٣١.\n(١٣) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٤): ص ٤/ ١١٣٢.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦١): ص ٤/ ١١٣١.\n(١٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٢): ص ٤/ ١١٣١.","vol":"8","page":206},{"text":"قال السدي: \" حرفوا الرجم فجعلوه جلدا\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وجوه:\nأحدها: أنهم إذا سمعوا كلام النبي -ﷺ- غيروه بالكذب عليه، وهذا قول الحسن (٢).\nوالثاني: المراد: تغير حدود الله في التوراة، وهو تغيير حكم الله تعالى في جَلْد الزاني بدلًا من رجمه، وهذا قول ابن عباس (٣)، والسدي (٤).\nوالثالث: وقيل: في إسقاط القود عند استحقاقه (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" ويقولون: إن جاءكم من محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به\" (٦).\nقال جابر: \" يقولون: إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه\" (٧).\nقال مجاهد: \" إن وافقكم فخذوه، يهود يقوله للمنافقين\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" وإن جاءكم منه ما يخالفه فاحذروا قبوله، والعمل به\" (٩).\nقال جابر: \" وإن لم تؤتوه فاحذروا الرجم\" (١٠).\nقال مجاهد: \" إن لم يوافقكم فاحذروا، يهود يقوله للمنافقين\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]، قولان:\nأحدهما: أنه يريد بذلك حين زنى رجل منهم بامرأة فأنفذوه إلى النبي -ﷺ- ليحكم بينهم وقالوا: إن حكم عليكم بالجلد فاقبلوه وإن حكم عليكم بالرجم فلا تقبلوه، فقام النبي -ﷺ- إلى مدارس توارتهم وفيها أحبارهم يتلون التوراة، فأتى عبد الله بن صوريا، وكان أعور، وهو من أعلمهم فقال له أسألك بالذي أنزل التوراة بطور سيناء على موسى بن عمران هل فى التوراة الرجم؟ فأمسك، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر بهما النبي -ﷺ- فَرُجِمَا، قال عبد الله: وكنت فيمن رجمه وأنه ليقيها الأحجار بنفسه حتى ماتت، ثم إن ابن صوريا أنكر وفيه أنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول ابن عباس (١٢)، والبراء بن عازب (١٣)، وجابر (١٤)، وسعيد بن المسيب (١٥)، والسدي (١٦)، وابن زيد (١٧).\nوالقول الثاني: أن ذلك في قتيل منهم، وهذا قول قتادة (١٨)، والكلبي (١٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٣): ص ٤/ ١١٣١.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٦٢): ص ٤/ ١١٣١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٤): ص ١٠/ ٣١٦، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٣٦٣): ص ٤/ ١١٣١.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٩.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٧): ص ٤/ ١١٣٢.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٦): ص ٤/ ١١٣٢.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٧): ص ٤/ ١١٣٢.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٦٩): ص ٤/ ١١٣٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٦): ص ١٠/ ٣١٥.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٩): ص ١٠/ ٣١٤.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٥): ص ١٠/ ٣١٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣١): ص ١٠/ ٣١٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٤): ص ١٠/ ٣١٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٨): ص ١٠/ ٣١٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٧): ص ١٠/ ٣١٥.\n(١٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٩.","vol":"8","page":207},{"text":"قال قتادة: \" ذكر لنا أن هذا كان في قتيلٍ من بني قريظة، قتلته النضير. فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يُقِيدوهم، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم. وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقَوَد لفضلهم عليهم في أنفسهم تعزُّزًا. فقدم نبيُّ الله ﷺ المدينة على تَفِئَةِ قتيلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله -ﷺ-، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيل عَمْدٍ، متى ما ترفعونه إلى محمد ﷺ أخشى عليكم القَوَد، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ! \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" ومن يشأ الله ضلالته فلن تستطيع -أيها الرسول- دَفْعَ ذلك عنه، ولا تقدر على هدايته\" (٢).\nقال ابن عباس: \" يقول: لن تغير عنه شيئا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ومن يرد الله، يا محمد، مَرْجعه بضلالته عن سبيل الهدى، فلن تملك له من الله استنقاذًا مما أراد الله به من الحيرة والضلالة.، فلا تشعر نفسك الحزنَ على ما فاتك من اهتدائه للحق وهذا تسلية من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ من حزنه على مسارعة الذين قصَّ قصتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية ... ومعنى «الفتنة» في هذا الموضع: الضلالة عن قصد السبيل\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١]، أربعة تاويلات:\nأحدها: عذابه، وهذا قول الحسن (٥).\nوالثاني: معنه: من يرد الله ضلالته، وهو قول ابن عباس (٦)، والسدي (٧).\nوالثالث: فضيحته، وهو قول الزجاج (٨).\nوالرابع: اختباره بما يظهر به أمره، يقال فتنت الحديد إذا أحميته، وفتنت الرجل إذا أزلته عما كان عليه، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، أي: وإن كادوا ليزيلونك. أفاده الزجاج (٩).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" وإنَّ هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من دنس الكفر\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" هؤلاء الذين لم يرد الله أن يطهِّر من دنس الكفر ووَسخ الشرك قُلوبَهم، بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان، فيتوبوا\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: أن يهينهم (١٢).\nقال ابن عباس: \" إنما سمي: «القلب»، لتقلبه\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وجهان:\nأحدهما: لم يطهرها من الضيق والحرج عقوبة لهم. ذكره الماوردي (١٤).\nوالثاني: لم يطهرها من الكفر. قاله الطبري (١٥)، والزجاج (١٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١٩٣٧): ص ١٠/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٧١): ص ٤/ ١١٣٣.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(٥).انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٩\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٧٠): ص ٤/ ١١٣٣.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٧٠): ص ٤/ ١١٣٣.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٧٦.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٧٦.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٤.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٧٦.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٧٢): ص ٤/ ١١٣٣.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(١٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٧٦.","vol":"8","page":208},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \" لهم الذلُّ والفضيحة في الدنيا\" (١).\nقال الطبري: أي: \"بل أراد بهم الخزي في الدنيا وذلك الذلّ والهوان\" (٢).\nقال الزجاج: \" قيل لهم في الدنيا فضيحة بما أظهر الله من كذبهم، وقيل لهم في الدنيا خزي بأخذ الجزية منهم، وضرب الذلة والمسكنة عليهم\" (٣).\nقال عكرمة: \" مدينة في الروم تُفْتح فَيُسْبَوْن\" (٤).\nقال ابن السدي: \" أما خزيهم في الدنيا، إذا قام المهدي فتح القسطنطينية فقتلهم وذلك الخزي\" (٥).\nوروي عن قتادة قال: \"مدينة تفتح بالروم\" (٦).\nوفي رواية اخرى عن قتادة: \" يعني: ما أنزل الله بأهل قريظة من السبي والقتل، وبأهل النضير من الجلاء\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، أي: \"ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو الخلود في نار جهنم\" (٨).\nقال مقاتل بن حيان: عذاب عظيم يعني: عذابا وافرا\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" وفي الآخرة عذابُ جهنم خالدين فيها أبدًا\" (١٠).\nالفوائد:\n١ - استحباب ترك الحزن باجتناب أسبابه ومثيراته.\n٢ - حرمة سماع الكذب لغير حاجة تدعو إلى ذلك.\n٣ - حرمة تحريف الكلام وتشويهه للإفساد.\n٤ - أن الهدى نوعان:\nأحدهما: الهدى العام: وهو البيان والدلالة والإرشاد، وقد فعل ذلك - ﷺ - فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها هالك.\nوالثاني: الهدى الخاص: وهو التفضل بالتوفيق ; لأن ذلك بيد الله وحده، وليس بيده - ﷺ - كما قال - تعالى -: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم الآية﴾ [المائدة: ٤١]. وقوله - تعالى -: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n٥ - أن هذه الآية منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين، ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر، لا كما تزعم المعتزلة من أنه تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل أحد الايمان وطهارة القلب، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته، وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع، فحسبهم هذه الآية وأمثالها، لو أراد الله أن يطهر قلوبهم من وضر البدع، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٣١٨.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٧٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٩٤١): ص ١٠/ ٣١٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٧٣): ص ٤/ ١١٣٣.\n(٦) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٣٣. ذكره دون إسناد\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٧٤): ص ٤/ ١١٣٣.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٤.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٧٥): ص ٤/ ١١٣٣.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٣١٨.","vol":"8","page":209},{"text":"وقد قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾: أي: \" أولئك الذين لم يرد الله أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤]، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] \" (١).\nوما أبشع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله: لم يرد الله أن يمنحهم ألطافه، لعلمه أن ألطافه لا تنجع فيهم ولا تنفع، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإذا لم تنجع ألطاف الله تعالى ولم تنفع، فلطف من ينفع وإرادة من تنجع؟ وليس وراء الله للمرء مطمع (٢).\n\nالقرآن\n﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]\nالتفسير:\nهؤلاء اليهود يجمعون بين استماع الكذب وأكل الحرام، فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم، فإن لم تحكم بينهم فلن يقدروا على أن يضروك بشيء، وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل. إن الله يحب العادلين.\nقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: \" هؤلاء اليهود يجمعون بين استماع الكذب وأكل الحرام\" (٣).\nقال الحسن: \" تلك الحكام، سمعوا كِذْبَةً وأكلوا رِشْوَةً\" (٤).\nقال قتادة: \" كان هذا في حكّام اليهودِ بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرُّشَى\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" هؤلاء اليهود الذين وصفتُ لك، يا محمد، صفتَهم، سَمَّاعون لقِيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعض: محمد كاذب، ليس بنبي، وقيل بعضهم: إن حكم الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم، وغير ذلك من الأباطيل والإفك ويقبلون الرُّشَى فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه\" (٦).\nقال الواحدي: \"يعني: حكَّام اليهود يسمعون الكذب ممَّنْ يأتيهم مُبطلًا ويأخذون الرِّشوة منه فيأكلونها\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وجوه:\nأحدها: أن السحت الرشوة، رواه ابن عمرعن النبي -ﷺ- (٨).\nوالثاني: إن مهر البغي وثمن الكلب والسنور وكسب الحجام من السحت. رواه أبو هريرة عن النبي -ﷺ- (٩)\nوالثالث: أنه الرشوة فى الحكم، وهو قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، والضحاك (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)، والحسن (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وعكرمة (١٦)، وابن زيد (١٧).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٢٤.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٤، الحاشية.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٤) أخرجه الطبري (١١٩٤٢): ص ١٠/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١١٩٤٣): ص ١٠/ ٣١٩.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٣١٨.\n(٧) الوجيز: ٣٢٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٧): ص ١٠/ ٣٢٣، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٣٧٩): ص ٤/ ١١٣٤.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٤): ص ٤/ ١١٣٥\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٢): ص ١٠/ ٣٢٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٤٤): ص ١٠/ ٣١٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٩٥٧): ص ١٠/ ٣٢١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥، وتفسير الطبري (١١٩٤٢): ص ١٠/ ٣١٨ - ٣١٩\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥.\n(١٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٦): ص ١٠/ ٣٢٣.","vol":"8","page":210},{"text":"والرابع: أنه الرشوة في الدين. قاله عبدالله (١).\nوالخامس: أنه مهر البغي، وعسب الفحل، وكسب الحجّام، وثمن الكلب. وهو مروي عن أبي هريرة (٢).\nوالسادس: أن للسحت خصال ست: الرشوة في الحكم، وثمن الكلب، وثمن الميتة وثمن الخمر، وكسب البغي، وعسب الفحل. وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٣).\nوالسابع: أنه: مهرُ البغي، والرشوة في الحكم، وما كان يُعطى الكُهان في الجاهلية. وهذا قول عبد الله بن هبيرة السَّبائي (٤).\nوالثامن: أنه في كسب الحجام ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستجْعَال في القضية، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، والرشوة في الحكم، وثمن الخمر، وثمن الميتة. وهذا مروي عن علي﵁- (٥).\nوالتاسع: وقال عبد الله بن شقيق: \" هذه الرغف الذي يأخذها المعلمون من السحت. يعني: إذا احتسب بتعليمه فجائز أن يأخذ كرى مثله سمعت أبي يقول: إذا لم يحتسب بالتعليم فله أيأخذ الكرى وإذا احتسب بالتعليم فذاك السحت\" (٦).\nقال ابن عطية: \" وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل ... والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا\" (٧).\nقال الزمخشري: \" السحت: كل ما لا يحل كسبه، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام\" (٨).\nوروي عن النبيﷺ-: \" كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم \" (٩).\nوأصل السحت الاستئصال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، أي: يستأصلكم، وقال الفرزدق (١٠):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٥٢): ص ١٠/ ٣٢٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٩٥٦): ص ١٠/ ٣٢٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٥): ص ٤/ ١١٣٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٤): ص ١٠/ ٣٢٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٥): ص ١٠/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٨٦): ص ٤/ ١١٣٥.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٣ - ١٩٤\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٣٤.\n(٩) أخرجه الطبري (١١٩٦٧): ص ١٠/ ٣٢٣، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٨٤، ونسبه لعبد بن حميد، وابن مردويه مرفوعًا من حديث ابن عمر، عن رسول الله -ﷺ-.\nقال الحافظ: رواه ابن جرير مرفوعا ورجاله ثقات ولكنّه مرسل\". انظر: ٥/ ٣٦٠ (كتاب الإجارة - باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب.\n(١٠) ديوانه: ٥٥٦، والنقائض: ٥٥٦، وطبقات فحول الشعراء: ١٩، والخزانة ٢: ٣٤٧، واللسان (سحت) (جلف)، وفي غيرها كثير. والبيت من قصيدته المشهورة، وقبل البيت:\nإِلَيْكَ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَمَتْ بِنَا ... هُمُومُ الْمُنَى والْهَوْجَلُ الْمُتَعَسَّفُ\nالهوجل: البطن الواسع من الأرض. والمتعسف: المسلوك بلا علم ولا دليل، فهو يسير فيها بالتعسف. ويروى: أو مجرف، وهو الذي جرفه الدهر، أي: اجتاح ماله وأفقره. ويروى في إلا مسحت أو مجلف بالرفع فيهما. وقد تجرف النحاة هذا البيت إعرابًا وتأويلا ..","vol":"8","page":211},{"text":"وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع ... مِنَ الْمَالِ إلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ\nفسمي سحتًا لأنه يسحت الدين والمروءة (١).\nقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر: «السحت» مضمومة الحاء مثقلة،\nوقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: «السحت» ساكنة الحاء خفيفة، وروى خارجة بن مصعب عن نافع: «أكالون للسحت» بفتح السين وجزم الحاء (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: \" فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم\" (٣).\nقال ابن عطية: \" تخيير للنبي ﷺ ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم\" (٤).\nقال البيضاوي: \" تخيير لرسول الله ﷺ إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإعراض ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميا لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقا\" (٥).\nفيمن أريد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وجهان:\nأحدهما: اليهوديان اللذان زنيا خيّر رسول الله -ﷺ- أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع، وهذا قول ابن عباس (٦)، والحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وابن شهاب الزهري (٩)، وعبدالله بن كثير (١٠).\nوالثاني: أنها في نفسين من بني قريظة وبني النضير قتل أحدهما صاحبه فخّير رسول الله -ﷺ- عند احتكامهما إليه بين أن يحكم بالقود أو يدع، وهذا قول ابن عباس-في رواية أخرى (١١)، وقتادة (١٢)، وابن زيد (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: \" فإن لم تحكم بينهم فلن يقدروا على أن يضروك بشيء\" (١٤).\nقال قتادة: \"يقول: إن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له في ذلك رُخْصة، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم\" (١٥).\nروي عن إبراهيم والشعبي، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينهم، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ولا تعدُه إلى غيره، أو أعرض عنهم وخلِّهم وأهلَ دينهم\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣٢٤، والنكت والعيون: ٢/ ٤٠.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٥٠.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٤.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٩٧٢): ص ١٠/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٩٧٠): ص ١٠/ ٣٢٥.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٩٧١): ص ١٠/ ٣٢٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٩٧٣): ص ١٠/ ٣٢٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٧٤): ص ١٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٩٣٧): ص ١٠/ ٣١٥ - ٣١٦، و(١١٩٨٤): ص ١٠/ ٣٣٠.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٩٧٦): ص ١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٥.\n(١٥) أخرجه الطبري (١١٩٨٤): ص ١٠/ ٣٣٠.\n(١٦) أخرجه الطبري (١١٩٨٥): ص ١٠/ ٣٣٠.","vol":"8","page":212},{"text":"قال ابن عطية: \" أمن الله تعالى نبيه –ص-لى الله عليه وسلم من ضررهم إذ أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ [آل عمران: ١١١] \" (١).\nقال البيضاوي: \" بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإن الله ﷾ يعصمك من الناس\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: \" وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل\" (٣).\nقال البيضاوي: \" أي: بالعدل الذي أمر الله به\" (٤).\nقال ابن عطية: \" أي: إن اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾، أي: بالعدل، يقال: أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: \" إن الله يحب العادلين\" (٦).\nقال أبو مالك: \" يعني: المعدلين في القول والفعل\" (٧).\nقال البيضاوي: \" فيحفظهم ويعظم شأنهم\" (٨).\nواختلفوا في التخيير في الحكم بينهم، هل هو ثابت أو منسوخ؟ على قولين (٩):\nأحدهما: أن التخيير منسوخ بقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعمر بن عبدالعزيز (١١)، والحسن (١٢)، وعكرمة (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، والسدي (١٦)، وزيد بن أسلم (١٧)، وعطاء الخراساني (١٨)، والزهري (١٩).\nوعلى هذا القول َيجب أن الحكم بينهم واجب على من تحاكموا إليه من حكام المسلمين.\nقال ابن عباس: \" آيتان نسختا من هذه الآية السورة- يعني المائدة- آية القلائد. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢٠)، وكان النبي -ﷺ- مخير إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٢١)، فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا\" (٢٢).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٥.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٧.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٥.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٩٣): ص ٤/ ١١٣٧.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٧.\n(٩) انظر: قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن: ٩٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٩٨٦): ص ١٠/ ٣٣٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٣٨٨): ص ٤/ ١١٣٥ - ١١٣٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٩٢): ص ١٠/ ٣٣٢.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٣٦، ذكره دون إسناد.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٩٨٦)، و(١١٩٨٧)، و(١١٩٨٨): ص ١٠/ ٣٣٠، ٣٣١، وتفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٣٦، ذكره دون إسناد.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١١٩٨٩): ص ١٠/ ٣٣١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٩٩١): ص ١٠/ ٣٣١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٩٩٥): ص ١٠/ ٣٣٢، وتفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٣٦، ذكره دون إسناد.\n(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٣٦، ذكره دون إسناد.\n(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٣٦، ذكره دون إسناد.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١١٩٩٤): ص ١٠/ ٣٣٢.\n(٢٠) [سورة المائدة: ٤٢].\n(٢١) [سورة المائدة: ٤٩].\n(٢٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٨٨): ص ٤/ ١١٣٥ - ١١٣٦.","vol":"8","page":213},{"text":"والثاني: أن التخيير ثابت، وأن كل حاكم من حكام المسلمين مخير فى الحكم بين أهل الذمة بين أن يحكم أو يدع وهذا قول عامر الشعبي (١)، وإبراهيم النخعي (٢).\nقال الزجاج: \" أجمعت العلماء على أن هذه الآية تدل على أن النبي - ﷺ - مخير بها في الحكم بين أهل الذمة\" (٣).\nقال ابن عطية: \" وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله\" (٤).\nقال الإمام الطبري: \" وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله ﷺ من ذلك في هذه الآية.\nوإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ، زَعموا أنه نسخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٩]، والنسخ لا يكون نسخًا، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحّته بوجه من الوجوه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\nوإذْ كان ذلك كذلك وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم، باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله: إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، أنه ناسخٌ قوله: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾، لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّا، بل هو دليل على مثل الذي دلَّ عليه قوله: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط.\nوإذْ لم يكن في ظاهر التنزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر ولم يكن عن رسول الله ﷺ خبٌر يصحُّ بأن أحدهما ناسخ صاحبَه ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ صحَّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر\" (٥).\nالفوائد:\n١ - أن الرشوة سُحْتٌ وحرام وباطل، والآية فيها على أن الرشوة عند اليهود أيضا حرام ولولا حرمته عندهم ما عَيَّرَهم الله بقوله: ﴿أكالون للسحت﴾، وهو حرام عند جميع أهل الكتاب.\nوالرشوة وباء خطير، إذا فشت في المجتمع خرب نظامه، واستطال الأشرار على الأخيار، وأهين الحق، فهي سحت وباطل، وهي من أعظم الحرام- والعياذ بالله-.\n٢ - ومنها أن الأوضاع الدينية للأقليات يحكمها المبدأ القرآني العام، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة، آية: ٢٥٦].\nوالأوضاع المدنية والأحوال الشخصية للأقليات، تحكمها شريعة الإسلام إن هم تحاكموا إلينا، قال تعالى: ﴿فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة، آية: ٤٢]، فإن لم يتحاكموا إلينا كان عليهم أن يتحاكموا إلى شرائعهم ما دامت تنتمي - عندهم - لأصل إلهي: كما سياتي في الآية التالية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة، آية: ٤٣].\n_________\n(١) انظرك تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٩٠): ص ٤/ ١١٣٦.\n(٢) انظرك تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٩٠): ص ٤/ ١١٣٦.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٧٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٩٤.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٣٣ - ٣٣٤.","vol":"8","page":214},{"text":"٢ - أن الحاكم المسلم مخير في الحكم بين أهل الكتاب، إن شاء حكم بينهم وإن شاء أحالهم على علمائهم.\n٢ - وجوب العدل في الحكم ولو كان المحكوم عليه غير مسلم.\n٣ - أن حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله، فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، لكن العدل قد يتنوع بتنوع الشرائع والمناهج، فيكون العدل في كل شرعة بحسبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾.\n\nالقرآن\n﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾ [المائدة: ٤٣]\nالتفسير:\nإنَّ صنيع هؤلاء اليهود عجيب، فهم يحتكمون إليك -أيها الرسول- وهم لا يؤمنون بك، ولا بكتابك، مع أن التوراة التي يؤمنون بها عندهم، فيها حكم الله، ثم يتولَّون مِن بعد حكمك إذا لم يُرضهم، فجمعوا بين الكفر بشرعهم، والإعراض عن حكمك، وليس أولئك المتصفون بتلك الصفات، بالمؤمنين بالله وبك وبما تحكم به.\nقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، أي: \" كيف يحكّمك يا محمد هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به؟ \" (١).\nقال ابن عباس: \" يعني: حدود الله، فأخبر الله بحكمه في التوراة\" (٢).\nقال قتادة: \" أي: بيان الله ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم ثم يتولون من بعد ذلك، الآية\" (٣).\nقال السدي: \" قال -يعني الرب تعالى ذكره- يعيِّرهم: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، يقول: الرجم\" (٤).\nقال الزمخشري: \" وكيف يحكمونك تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به\" (٥).\nقال الواحدي: \" عجَّب الله نبيه ﵇ من تحكيم اليهود إيَّاه بعد علمهم بما في التَّوراة من حكم الزَّاني وحدِّه\" (٦).\nقال عبدالقاهر الجرجاني: \" ﴿وكيف﴾ أداة تعجب، وهو استبقاء درجة وجودة تحكيمهم النبي -﵇- وتسليمهم له وهم به منكرون مع مخالفتهم التوراة وهم به مقرُّون\" (٧).\nقال الراغب: \" أنكر الله تعالى تحكيمهم للنبي - ﷺ - وهم لا يؤمنون به وعندهم الحكم في التوراة، والمعنى هاتين الحالتين مستنكر بتحكيمهم إياك\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"وكيف يحكمك هؤلاء اليهود، يا محمد، بينهم، فيرضون بك حكمًا بينهم وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى، التي يقرُّون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلته إلى نبيي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه، ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم\n_________\n(١).صفوة التفاسير: ٣١٨\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٠٠٣): ص ١٠/ ٣٣٧.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٠٠٤): ص ١٠/ ٣٣٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٠٠٥): ص ١٠/ ٣٣٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٣٦.\n(٦) الوجيز: ٣٢٠.\n(٧) درج الدرر: ٢/ ٦٧٢.\n(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩.","vol":"8","page":215},{"text":"به، بعد العلم بحكمي فيه، جراءة عليّ وعصيانًا لي، وهذا، وإن كان من الله تعالى ذكره خطابًا لنبيه ﷺ، فإنه تقريعٌ منه لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية. يقول لهم تعالى ذكره: كيف تقرّون، أيها اليهود، بحكم نبيّي محمد ﷺ، مع جحودكم نبوته وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ، جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذْ كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرّون بنبوّته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيِّي محمد أنه حكمي - أحْرَى، مع جحودكم نبوَّته \" (١).\nقال الجصاص: \" قوله تعالى: ﴿وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ يدل على أن حكم التوراة فيما اختصموا فيه لم يكن منسوخا، وأنه صار بمبعث النبي ﷺ شريعة لنا لم ينسخ; لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وهذا يدل على أن شرائع من قبلنا من الأنبياء لازمة لنا ما لم تنسخ، وأنها حكم الله بعد مبعث النبي -ﷺ-\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، ثلاثة أقوال (٣):\nأحدها: حكم الله بالرجم، لأنهم اختصموا إليه في حد الزنا. وهذا قول الحسن (٤)، والسدي (٥)، واختيار الواحدي (٦).\nوالثاني: حكم الله بالقود، لأنهم اختصموا في ذلك. وهذا قول قتادة (٧).\nوالثالث: حكم الله بالرجم للمحصن والمحصنة، والإيمان بمحمد ﷺ والتصديق له. وهذا قول مقاتل بن حيان (٨).\nقال الجصاص: \" وجائز أن يكونوا تحاكموا إليه فيهما جميعا من الرجم والقود ... فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا إليه تصديقا منهم بنبوته، وإنما طلبوا الرخصة; ولذلك قال: ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾، يعني: هم غير مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك وعدولهم عما يعتقدونه حكما لله مما في التوراة. ويحتمل أنهم حين طلبوا غير حكم الله ولم يرضوا به فهم كافرون غير مؤمنين \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٤٣]، أي: \"ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد أن وضح لهم الحق وبان\" (١٠).\nقال مقاتل بن حيان: \" يعني: يتولون عن الحق\" (١١)، \"بعد البيان\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به\" (١٣).\nقال مكي: \" أي: [ثم] يتركون حكم التوراة جرأة على الله، وهذا تقريع لليهود، لأنهم تركوا حكم ما في أيديهم من كتابهم، ورجعوا إلى حكم النبي ﵇ وهم يجحدون نبوته\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٢) أحكام القرآن: ٢/ ٥٤٧.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤١.\n(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٤٧.\n(٥) انظر تفسير الطبري (١٢٠٠٥): ص ١٠/ ٣٣٧.\n(٦) انظر: الوجيز: ٣٢٠.\n(٧) انظر: الطبري (١٢٠٠٤): ص ١٠/ ٣٣٧.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٩٥): ص ٤/ ١١٣٧.\n(٩) أحكام القرآن: ٢/ ٥٤٧.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٣١٨\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٩٦): ص ٤/ ١١٣٧.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٩٧): ص ٤/ ١١٣٧.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٣٦.\n(١٤) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٢٥.","vol":"8","page":216},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٤٣]، قولان:\nأحدهما:: أن توليهم، ما تركوا من كتاب الله، أي: بعد حكم الله في التوراة. وهذا قول عبدالله بن كثير (١).\nوالثاني: بعد تحكيمك. ذكره الماوردي (٢)، واختاره الواحدي (٣).\nوالثالث: بعد البيان. وهذا قول مقاتل بن حيان (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]، أي: \"وليس أولئك المتصفون بتلك الصفات، بالمؤمنين بالله وبك وبما تحكم به\" (٥).\nقال مقاتل بن حيان: \"يعني: اليهود\" (٦).\nقال مكي: \" أي: ما من فعل هذا بمؤمن\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" بكتابهم كما يدعون. أو وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم\" (٨).\nقال الراغب: \" أي: لا يصدقونك فيما تحكم به، والواو واو حال\" (٩).\nقال الطبري: \" يقول: ليس من فعل هذا الفعل - أي: من تولّى عن حكم الله، الذي حكم به في كتابه الذي أنزله على نبيه، في خلقه بالذي صدَّق الله ورسوله فأقرّ بتوحيده ونبوّة نبيه ﷺ، لأن ذلك ليس من فِعل أهل الإيمان\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: ليس هذا دأب المؤمنين، وليسوا حريين بالإيمان. لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم، وجعلوا أحكام الإيمان تابعة لأهوائهم\" (١١).\nوأصل التولى عن الشيء، الانصرافُ عنه (١٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]، قولان (١٣):\nأحدهما: أي فى تحكيمك أنه من عند الله مع جحودهم نبوتك.\nوالثاني: يعني فى توليهم عن حكم الله غير راضين به.\nالفوائد:\n١ - تقرير كفر اليهود وعدم إيمانهم.\n٢ - ومن الفوائد: أنه كان حتى عهد الرسول ﷺ نسخ غير محرفة من التوراة والإنجيل بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] وقوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، وقوله: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].\nفقد كانت هناك نسخ كثيرة محرفة وبعض النسخ لم يصبها التحريف، ولكن اليهود كانوا يخفونها، ولعلّ بعضًا من هذه النسخ لا تزال إلى يومنا يخفيها بعض علماء اليهود والنصارى،\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٠٢): ص ١٠/ ٣٣٧).\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤١.\n(٣) انظر: الوجيز: ٣٢٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٣٩٧): ص ٤/ ١١٣٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٣٩٨): ص ٤/ ١١٣٧.\n(٧) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٢٥.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٣٦.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٥٩.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٣٧.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣٣٧.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤١.","vol":"8","page":217},{"text":"ويذكر صاحب كتاب \"محمد نبي الإسلام\" (١)، نقلًا عن مجلة \"أيكونومست\" البريطانية أن أول عمل يؤديه المرشح لوظيفة في \"الكوريا\"، أي: الإدارية المركزية للكنيسة الكاثولوكية هو أن يقسم اليمين المقدسة على كتمان كل شيء يصل إلى علمه أو يقع تحت بصره، من معلومات خصوصًا عن ثروة الكنيسة ومواردها إلى جانب ما يملكه الفاتيكان من تحف وثروة فنية تعتبر من أثمن الثروات في العالم. ولا شك أن عبارة ثروة فنية تشمل مكتبة الفاتيكان الضخمة بما تحويه من كتب في الديانة المسيحية لو تركت للبحث العلمي الحر لألقت أضواءً لامعة على حقبة مجهولة من تاريخ المسيحية في قرونها الأولى المظلمة.\n\nالقرآن\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]\nالتفسير:\nإنا أنزلنا التوراة فيها إرشاد من الضلالة، وبيان للأحكام، وقد حكم بها النبيُّون -الذين انقادوا لحكم الله، وأقروا به- بين اليهود، ولم يخرجوا عن حكمها ولم يُحَرِّفوها، وحكم بها عُبَّاد اليهود وفقهاؤهم الذين يربُّون الناس بشرع الله; ذلك أن أنبياءهم قد استأمنوهم على تبليغ التوراة، وفِقْه كتاب الله والعمل به، وكان الربانيون والأحبار شهداء على أن أنبياءهم قد قضوا في اليهود بكتاب الله. ويقول تعالى لعلماء اليهود وأحبارهم: فلا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ولكن اخشوني فإني أنا النافع الضار، ولا تأخذوا بترك الحكم بما أنزلتُ عوضًا حقيرًا. الحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، فالذين يبدلون حكم الله الذي أنزله في كتابه، فيكتمونه ويجحدونه ويحكمون بغيره معتقدين حله وجوازه فأولئك هم الكافرون.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \" إنا أنزلنا التوراة على موسى فيها بيانٌ واضح ونور ساطع يكشف ما اشتبه من الأحكام\" (٢).\nقال القرطبي: \" أي: بيان وضياء وتعريف أن محمدا ﷺ حق\" (٣).\nقال الماوردي: \"يعني بالهدى: الدليل. وبالنور: البيان\" (٤).\nقال المراغي: \" أي: إنا أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى وإرشاد للناس إلى الحق، ونور وضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم، وبهذا الهدى خرج بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم، وبذلك النور أبصروا طريق الاستقلال فى أمر دينهم ودنياهم\" (٥).\nقال السعدي: \" ﴿فيها هدى﴾: يهدي إلى الإيمان والحق، ويعصم من الضلالة، ﴿ونور﴾: يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك، والشبهات والشهوات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \" يحكم بالتوراة أنبياء بني إِسرائيل الذين انقادوا لحكم الله لليهود، فلا يخرجون عن حكمها ولا يُبدّلونها ولا يُحرّفونها\" (٧).\nقال ابن كثير: \"أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها\" (٨).\n_________\n(١).انظر: محمد نبي الله: ٤٦.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣١٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٨٨.\n(٤) النكت والعيون: ٢/ ٤١.\n(٥) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣١٨.\n(٨) التفسير الميسر: ٣/ ١١٧.","vol":"8","page":218},{"text":"قال المراغي: \" أي: أنزلناها قانونا يحكم به النبيون الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين- موسى ومن بعده من أنبياء بنى إسرائيل إلى عيسى ﵇، للذين هادوا أي لليهود خاصة، لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة، ولم يكن لداود وسليمان وعيسى شريعة دونها\" (١).\nقال الزمخشري: \" المعنى: يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى، وكان بينهما ألف نبى وعيسى، للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول الله -ﷺ- من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد\" (٢).\nقال السعدي: \" ﴿يحكم بها﴾ بين الذين هادوا، أي: اليهود في القضايا والفتاوى ﴿النبيون الذين أسلموا﴾ لله وانقادوا لأوامره، الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم، وهم صفوة الله من العباد. فإذا كان هؤلاء النبيون الكرام والسادة للأنام قد اقتدوا بها وائتموا ومشوا خلفها، فما الذي منع هؤلاء الأراذل من اليهود من الاقتداء بها؟ وما الذي أوجب لهم أن ينبذوا أشرف ما فيها من الإيمان بمحمد ﷺ، الذي لا يقبل عمل ظاهر وباطن، إلا بتلك العقيدة؟ هل لهم إمام في ذلك؟ نعم لهم أئمة دأبهم التحريف، وإقامة رياستهم ومناصبهم بين الناس، والتأكل بكتمان الحق، وإظهار الباطل، أولئك أئمة الضلال الذين يدعون إلى النار\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وجوه (٤):\nأحدها: أنهم جماعة أنبياء منهم محمد -ﷺ-.\nوالثاني: المراد نبينا محمد -ﷺ- وحده وإن ذكر بلفظ الجمع.\nوالثالث: وقيل: كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة.\nوفي الذي يحكم به من التوراة قولان (٥):\nأحدهما: أنه أراد رجم الزاني المحصن، والقود من القاتل العامد.\nوالقول الثاني: أنه الحكم بجميع ما فيها من غير تخصيص ما لم يرد به نسخ.\nقال الماوردي: وقوله: \" ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، يعني: على الذين هادوا، وهم اليهود\" (٦).\nوقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (٧):\nأحدها: أنها من (هاد) بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل.\nوالثاني: أنما سميت اليهود (يهود)، من أجل قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (٨)، والهائد (٩): التائب، قال الشاعر (١٠):\nإنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٣٧.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤١، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٨٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(٦) النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣، واللسان، مادة: \"هود\"،\nوتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.\n(٩) قيل: (هود): جمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه. (انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٣٥٩).\n(١٠) البيت ورد في تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، ولم أتعرف على قائله.","vol":"8","page":219},{"text":"أي تائب، وقال ابن عرفة: \"هدنا إليك\" أي سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، وقرأ أبو السمال: «هادوا»، بفتح الدال (١).\nوالثالث: نُسِبُوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب، فقلبت العربُ الذال دالًا، لأن الأعجمية إذا عُرِّبت، غيرت من لفظها.\nوالرابع: أنها مشتقة من هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه.\nوالخامس: أنه من التهويد، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (٢)، وأنشد قول الراعي النميري (٣):\nوخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ\nوالسادس: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك.\nوالسابع: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٤).\nوأما من حيث نسبة هذا الاسم فقيل: نسبة إلى يهوذا بالذال المعجمة، وهو ابن يعقوب - ﵇ -، فغيرته العرب من الذال المعجمة إلى الدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود (٥).\nوقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة يهوذا الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٦).\nوقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: \" أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفارًا من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد\" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٧.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة، باب ا\"الهاء والدال\"، و\"خوط\"، ومقاييس اللغة، مادة\"ردف\"، وأساس البلاغة، باب\"ردف\"، والعباب الزاخر، \"ردف\"، واللسان، مادة\"ردف\"، وتاج العروس، مادة\"وخد\"، \"هود\"، \"ردف\"، وغريب الحديث للقاسم بن سلام: ٤/ ٢٨٧، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، وواللباب: ٦٣ ..\n(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣.\n(٥) انظر: اللسان، مادة: \"هود\"، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣.\n(٦) انظر: مفصل العرب واليهود في التاريخ: ٩٢٥.\n(٧) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩١).","vol":"8","page":220},{"text":"ولهذا فإن لفظ اليهود هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة \"عبرانيين\" (١) و\"بني إسرائيل\" (٢) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة \"يهود\" أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم.\nقوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \" وكذلك حكم العلماء منهم والفقهاء، بسبب أمر الله إِياهم بحفظ كتابه من التحريف والتضييع\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء، والأحبار وهم العلماء، بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به\" (٤).\n_________\n(١) اختلفت الآراء في سبب تسميتهم بـ\"العبريين\" أو \"العبرانيين\"، قيل: إنهم سموا بذلك نسبة إلى إبراهيم ﵊ نفسه، فقد ذكر في سفر التكوين باسم: \"إبراهيم العبراني\"، لأنه عبر نهر الفرات وأنهارًا أخرى، وقيل إنهم: سموا بالعبرانيين نسبة إلى \"عِبْر \"، وهو الجد الخامس لإبراهيم ﵊، والرأي الثالث يقول: إن سبب التسمية يرجع إلى الموطن الأصلي لبني إسرائيل، ذلك أنهم في الأصل كانوا من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها للبحث عن الماء والمرعى.، وغالب المؤرخين أجمعوا على أن التسمية ناتجة عن عبور إبراهيم ﵊ نهر الفرات، ويؤكد هذا الرأي ما جاء في سفر يسوع: \"وهكذا قال الرب إله إسرائيل في عبر النهر سكن آباؤكم منذ الدهر \".\nويرى البعض أن هذه اللفظة لم تظهر إلا بعد اجتياز إبراهيم نهر الفرات\"، فضلا ً عن أن الأخذ بهذا الرأي أقرب إلى الصحة والصواب من الآراء الأخرى\nوقيل: لفظ \"العبري\" أطلق تاريخيًا على شراذم من الغجر الرحل كانوا يعيثون في الأرض فسادا، ويتبعون الجيوش الغازية، بوصفهم مرتزقة يستعان بهم في الأعمال الدنية، ووصفهم إبراهيم بأنه \"عبري\" غير صحيح، إلا إذا أخذنا من لفظ عبري معنى: الترحال والتنقل، وقد ألصق اليهود بإبراهيم وصف \"العبري\" ليصلوا إلى وصف لغتهم بأنها \"العبرية\" قديمة ترجع إلى زمن إبراهيم ﵊، وهذا كلام باطل لأن اللغة العبرية جاءت متأخرة جدًا عن زمن إبراهيم، وهي لهجة آرامية عربية، ظهرت بعد عصر موسى بحوالي ست مئة سنة ولأن التوراة نزلت باللغة الهيروغلوفية، حيث تخاطب قوما في مصر أو أخرجوا من مصر.\nوأرى أن الذي ذكره هو الصواب؛ فاللغة العبرية لغة متأخرة جدًا عن زمن الخليل إبراهيم ﵊. (انظر: العرب واليهود في التاريخ: الأستاذ شراب: ٣٦).\n(٢) تم إطلاق مصطلح إسرائيليين على شتات اليهود القادمين إلى فلسطين بعد إعلان اليهود قيام دولة أسموها \"إسرائيل\" في ٥١ مايو ٨٤٩١ م؛ فأصبح كل من يعيش على أرض فلسطين من اليهود يأخذ مُسَمى \"إسرائيلي\"، وجنسية \"إسرائيلية\"، ومجموع شتاتهم على أرض فلسطين المغتصبة \"إسرائيليين\"! !\nوشاعت تلك التسميات على ألسن الناس عمومًا وفي بلاد المسلمين أيضًا، حيث أطلق على الكيان اليهودي والصهيوني \"إسرائيل\" واليهودي \"بالإسرائيلي\"، وشاع مصطلح \"إسرائيليون\" على اليهود الذين أتوا إلى فلسطين غزاة ...\nوإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من \"إسرا\" بمعنى: عبد، ومن \"إيل\" وهو الله، فيكون معنى الكلمة: عبد الله، وإسرائيل اسم لنبي الله يعقوب ﵊، وجاء في تسمية بني إسرائيل بهذا الاسم نسبة إلى أبيهم يعقوب ﵊، ويهود اليوم التصقوا بهذا الاسم، ليلبسوا على العامة بأنهم من نسل \"إسرائيل\" يعقوب عليه الصلاة السلام، ولإثبات عدم اختلاطهم بالشعوب الأخرى ليتحقق لهم الزعم بنقاء الجنس اليهودي، وأن يهود اليوم هم النسل المباشر ليهود التوراة، وذلك لتبرير العودة إلى أرض الميعاد! !\nلذا فهذه التسمية منكرة، لما شاع على الألسن القول في سياق الذم فعلت إسرائيل كذا، وستفعل كذا؛ وإسرائيل هو رسول كريم من رسل الله تعالى، وهو \"يعقوب\" ﵊، وهو بريء من الكيان اليهودي الخبيث الماكر، إذ لا توارث بين الأنبياء والرسل وبين أعدائهم من الكافرين.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٧ وصفوة التفاسير: ٣١٨.\n(٤) التفسير الميسر: ٣/ ١١٧.","vol":"8","page":221},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون، بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء.\nويجوز أن يكون الضمير في: ﴿استحفظوا﴾ للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من الله، أى كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء\" (١).\nقال المراغي: \" أي: ويحكم بها الربانيون والأحبار فى الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء معهم أو يحكمون مع وجودهم بإذنهم بسبب ما أودعوه من الكتاب وائتمنوا عليه وطلب منهم أنبياؤهم حفظه، كالعهد الذي أخذه موسى بأمر الله على شيوخ بنى إسرائيل بعد أن كتب التوراة أن يحفظوها ولا يحيدوا عنها\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: وكذلك يحكم بالتوراة للذين هادوا أئمة الدين من الربانيين، أي: العلماء العاملين المعلمين الذين يربون الناس بأحسن تربية، ويسلكون معهم مسلك الأنبياء المشفقين. و«الأحبار»، أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم، وترمق آثارهم، ولهم لسان الصدق بين أممهم\" (٣).\nو«الأحبار»: جمع حَبْر، بالفتح والكسر، وهو العالم (٤)، وفي سبب تسميته أقوال:\nأحدها: أنه سُمِّي بذلك اشتقاقًا من التحبير، وهو التحسين، لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، ويحتمل أن يكون ذلك لأن العلم فى نفسه حسن. وهذا قول الفراء (٥).\nوالثاني: وقال الثوري سألت الفراء: لم سمي الحبر حبرا؟ فقال: يقال للعالم: حَبر، وحِبر، والمعنى: مداد حبر، ثم حذف كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (٦).\nوالثالث: أنه سمي حبرا، لتأثيره يقال على أسنانه حبرة أي صفرة أو سواد. وهذا قول الأصمعي (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، تأويلان:\nأحدهما: استودعوا، وهو قول الزجاج (٨)، والأخفش (٩)، والنحاس (١٠).\nوالثاني: العلم بما حفظوا، وهو قول الكلبي (١١).\nقال السعدي: \" وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق ﴿بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه، وهم شهداء عليه، بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \"وكانوا رقباء على الكتاب لئلا يبدل\" (١٣).\nقال ابن عباس: \" هم الشهداء لمحمد ﷺ بما قاله إنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد ﷺ أتته اليهود فقضى بينهم بالحق\" (١٤).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٣٧.\n(٢) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣١٤.\n(٧) انظر: معاني القرآن للنحاس: ٢/ ٣١٤.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٧٨.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٣١٤.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(١٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٧.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤١٧): ص ٤/ ١١٤١.","vol":"8","page":222},{"text":"قال الماوردي: \" يعني: على حكم النبي -ﷺ- أنه في التوراة\" (١).\nقال القاسمي: \" أي: رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه. أو بأنه حق وصدق من عند الله\" (٢).\nقال المراغي: \" أي: وكان السلف الصالح منهم رقباء على الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به كما فعل عبد الله بن سلام فى مسألة الرجم، لا كما فعل الخلف من كتمان بعض أحكامه اتباعا للهوى، أو خوفا من أشرافهم إن أقاموا عليهم حدوده، وطمعا فى صلاتهم إذا هم حابوهم، ومما كتموه صفة النبي ﷺ والبشارة به\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \" فلا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ولكن اخشوني فإني أنا النافع الضار\" (٤).\nقال مقاتل بن حيان: \" ﴿فلا تخشوا الناس﴾، في أمر محمد ﷺ والرجم، يقول: أظهروا أمر محمد ﷺ والرجم\" (٥)، \" واخشون في كتمان محمد ﷺ والرجم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: لا تخافوا منهم وخافوني\" (٧).\nقال مقاتل: \" يقول: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم ونعت محمدﷺ- واخشون إن كتمتموه \" (٨).\nقال الزمخشري: \"نهى للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم (٩) فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء\" (١٠).\nقال المراغي: ثم خاطب الله تعالى رؤساء اليهود الذين كانوا زمن التنزيل لا يخافون الله فى الكتمان والتبديل بعد أن قص سيرة السلف الصالح من بنى إسرائيل لعلهم يعتبرون ويرعوون عن غيهم فقال: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾، أي: وإذا كان الحال كما ذكر أيها الأحبار ولا شك أنكم لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه الله على رسوله من سير أسلافهم- فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خشية أحد، أو طمعا فى منفعة عاجلة منه، واخشوني واقتدوا بمن كان قبلكم من الربانيين والأحبار واحفظوا التوراة ولا تعدلوا عن ذلك، فإن النفع والضر بيدي\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، تأويلان:\nأحدهما: فلا تخشوهم فى كتمان ما أنزلت، وهذا قول السدي (١٢).\nوالثاني: في الحكم بما أنزلت (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \" ولا تأخذوا بترك الحكم بما أنزلتُ عوضًا حقيرًا\" (١٤).\n_________\n(١) النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(٢) محاسن التأويل: ٤/ ١٤٤.\n(٣) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤١٩): ص ٤/ ١١٤١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٢٠): ص ٤/ ١١٤١.\n(٧) التفسير الميسر: ٣/ ١١٧.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٩.\n(٩) قوله «وادهانهم فيها» في الصحاح: المداهنة- كالمصانعة. والادهان مثله.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٣٧.\n(١١) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٠١٩): ص ١٠/ ٣٤٤.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٥.","vol":"8","page":223},{"text":"قال مقاتل: \" عرضا يسيرا مما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من الطعام والثمار\" (١).\nقال الطبري: أي: \" ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسِيسًا وذلك هو الثمن القليل، وإنما أراد تعالى ذكره، نهيَهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدَّلوها طلبًا منهم للرشَى\" (٢).\nقال المراغي: \" أي: ولا تتركوا بيانها للناس والعمل بها لقاء منفعة دنيوية قليلة تأخذونها من الناس كرشوة أو جاه أو غيرهما من الحظوظ العاجلة التي تصدكم عن الاهتداء بآيات الله وتمنعكم عن الخير العظيم الذي تنالونه من ربكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم\" (٣).\nقال السعدي: أي: \" فتكتمون الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل، وهذه الآفات إذا سلم منها العالم فهو من توفيقه وسعادته، بأن يكون همه الاجتهاد في العلم والتعليم، ويعلم أن الله قد استحفظه ما أودعه من العلم واستشهده عليه، وأن يكون خائفا من ربه، ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم من القيام بما هو لازم له، وأن لا يؤثر الدنيا على الدين.\nكما أن علامة شقاوة العالم أن يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة، فهذا قد من الله عليه بمنة عظيمة، كفرها ودفع حظا جسيما، محروما منه غيره\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، وجوه من التفسير:\nأحدها: معناه لا تأخذوا على كتمانها أجرًا. ذكره الماوردي (٥).\nوالثاني: معناه لا تأخذوا على القرآن أجرًا. وهذا قول الربيع بن أنس (٦).\nوالثالث: معناه: لا تأكلوا علينا السحت كما صنعت اليهود. وهذا قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم (٧).\nوالرابع: معناه: لا تأخذوا طعما قليلا وتكتموا اسم الله فذلك الطمع وهو الثمن. وهذا قول السدي (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" وإن آيات كتابه الذي أنزل إليهم وإن الثمن القليل هو الدنيا وشهواتها\" (٩).\nقال الحسن: \" الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي: \" أي من لم يحكم بشرع الله كائنًا من كان فقد كفر\" (١١).\nقال ابن عباس: \" من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٤٤.\n(٣) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٤٢١): ص ٤/ ١١٤١.\n(٧) انظر:: تفسير ابن ابي حاتم (٦٤٢٢): ص ٤/ ١١٤١.\n(٨) انظر:: تفسير ابن ابي حاتم (٦٤٢٤): ص ٤/ ١١٤٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٢٣): ص ٤/ ١١٤١.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٢٥): ص ٤/ ١١٤٢.\n(١١) صفوة التفاسير: ٣١٨.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٢٠٦٣): ص ١٠/ ٣٥٧.","vol":"8","page":224},{"text":"قال مقاتل: \" ومن لم يحكم بما أنزل الله في التوراة: بالرجم ونعت محمدﷺ-، ويشهد به ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ \" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به فأولئك هم الكافرون\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"ومن كتم حُكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكمًا يين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقِصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة فهؤلاء هم الذين سَتَروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينُه، وغطَّوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحتٍ أخذوه منهم عليه\" (٣).\nقال المراغي: \" أي: وكل من رغب عن الحكم بما أنزل الله وأخفاه وحكم بغيره كحكم اليهود فى الزانيين المحصنين بالتحميم، وكتمانهم الرجم وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفى بعضها بنصف الدية، والله قد سوى بين الجميع فى الحكم فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه، وغطوه وأظهروا لهم غيره وقضوا به\" (٤).\nقال السعدي: \" فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]،، ثم قال تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وفي اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل:\nأحدها: أنها واردة في اليهود دون المسلمين، وهذا قول ابن مسعود (٦)، وحذيفة (٧)، والبراء (٨)، وقتادة (٩)، وعكرمة (١٠).\nالثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، وحكمها عام في جميع الناس، وهذا قول الحسن (١١)، وإبراهيم (١٢)، والسدي (١٣).\nوالثالث: أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى، وهذا قول الشعبي (١٤).\nوالرابع: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، فهو كافر، ومن لم يحكم مقرًا به فهو ظالم فاسق، وهذا قول ابن عباس (١٥).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٧٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٣٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦ س.\n(٤) تفسير المراغي: ٦/ ١٢٣.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٣٧): ص ١٠/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٢٧)، و(١٢٠٢٩)، و(١٢٠٣٠) ص ١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٢٢): ص ١٠/ ٣٤٥، و(١٢٠٣٤): ص ١٠/ ٣٥١.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٣٢): ص ١٠/ ٣٥١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٣١)، و(١٢٠٣٣): ص ١٠/ ٣٥١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٦٠): ص ١٠/ ٣٥٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٥٧) - (١٢٠٥٩): ص ١٠/ ٣٥٦ - ٣٥٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٦٢): ص ١٠/ ٣٥٧.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٣٨) - (١٢٠٤٦): ص ١٠/ ٣٥٣ - ٣٥٥.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٠٦٣): ص ١٠/ ٣٥٧.","vol":"8","page":225},{"text":"قال الطبري: \" وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيُّون بها. وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.\nفإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟\nقيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ\" (١).\nالفوائد:\n١ - وجوب خشية الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم.\n٢ - كفر من جحد أحكام الله فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض.\n٣ - قال السعدي: إن\" الله تعالى قد حمل أهل العلم، ما لم يحمله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حملوا، وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا.\nوأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصا الأمور الأصولية والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم\" (٢).\n\nالقرآن\n﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]\nالتفسير:\nوفَرَضنا عليهم في التوراة أن النفس تُقْتَل بالنفس، والعين تُفْقَأ بالعين، والأنف يُجْدَع بالأنف، والأذُن تُقْطع بالأذُن، والسنَّ تُقْلَعُ بالسنِّ، وأنَّه يُقْتَصُّ في الجروح، فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها. ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره، فأولئك هم المتجاوزون حدود الله.\nقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" وفَرَضنا عليهم في التوراة أن النفس تُقْتَل بالنفس\" (٣).\nقال ابن عباس: \"يقول: تقتل النفس بالنفس\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني نفس المسلم الحر بنفس المسلم الحر وبالمسلمة إذا كان عمدا وقال النبي -ﷺ-: «لا يقتل مؤمن بكافر» (٥) \" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني قضى، أن النفس بالنفس\" (٧).\nقال ابن الجوزي: أي: \" فرضنا على اليهود في التوراة\" (٨).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٨.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٢.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٠٧٢): ص ١٠/ ٣٦١.\n(٥) أخرجه البخاري كتاب العلم ١/ ٣٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٣٩): ص ٤/ ١١٤٤.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٠.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٥٥٣.","vol":"8","page":226},{"text":"قال السمرقدي: \" يعني: فرضنا على بني إسرائيل، في التوراة أن النفس بالنفس إذا كان القتل عمدا\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" فرضنا عليهم فيها أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" وفرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النَّفس إذا قتلت نفسًا بغير حق بالنفس، يعني: أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وهذا أيضًا مما وُبّخَتْ به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة: أن النفس بالنفس. وهم يخالفون ذلك عمدًا وعنادًا، ويُقيدون النضري من القرظي، ولا يُقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار\" (٤).\nعن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قرأها: \" ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ نصب النفس ورفع العين\" (٥).\nقال ابن عباس: \" كان على بني إسرائيل القصاصُ في القتلى، ليس بينهم دية في نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قول الله تعالى ذكره: وكتبنا عليهم فيها في التوراة، فخفف الله عن أمّة محمد ﷺ، فجعل عليهم الدية في النَّفس والجِراح، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن تصدَّق به فهو كفارة له\" (٦).\nفي مصحف أبى: «وأنزل الله على بنى إسرائيل فيها» (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" والعين تُفْقَأ بالعين\" (٨).\nقال ابن عباس: \" وتفقأ العين بالعين\" (٩).\nقال السمرقدي: \" يعني: والعين بالعين إذا كان عمدا\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \"وفرضنا عليهم فيها أن يفقأوا العين التي فقأ صاحبها مثلَها من نفس أخرَى بالعين المفقوءة\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" وكذلك العين مفقوءة بالعين\" (١٢).\nقال عقيل: \" سألت بن شهاب عن رجل أعور فقأ عين صحيح أتفقأ عينه الباقية فيكون أعمى؟ قال: قضاء الله في كتابه أن العين بالعين فعينه وإن كانت بقية بصره\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" والأنف يُجْدَع بالأنف\" (١٤).\nقال ابن عباس: \"ويقطع الأنف بالأنف\" (١٥).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٣٩٤.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٠.\n(٥) المسند (٣/ ٢١٥) وسنن أبي داود برقم (٣٩٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٩٢٩).\nوقال الترمذي: حسن غريب. وقال البخاري: تفرد ابن المبارك بهذا الحديث.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٠٦٧): ص ١٠/ ٣٦٠ - ٣٦١ ..\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٠٧٢): ص ١٠/ ٣٦١.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٩٤.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٩.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٤١): ص ٤/ ١١٤٤ - ١١٤٥.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٥.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٢٠٧٢): ص ١٠/ ٣٦١.","vol":"8","page":227},{"text":"قال الطبري: أي: \" ويجدع الأنف بالأنف\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" والأنف مجدوع بالأنف\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" والأذُن تُقْطع بالأذُن\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وتقطع الأذن بالأذن \" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" والأذن مصلومة بالأذن\" (٥).\nروي عن ربيعة: \" أنه قال في رجل وقع به قوم فقطعوا أذنيه، قال: أرى أن يصنع لهم مثل الذي صنعوا به\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" والسنَّ تُقْلَعُ بالسنِّ\" (٧).\nقال ابن عباس: \"وتنزع السنّ بالسن\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" وتقلع السنّ بالسنّ\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" والسن مقلوعة بالسن\" (١٠).\nقال أنس: \" أمر رسول الله ﷺ بالاقتصاص من السن، وقال: كتاب الله القصاص\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" وأنَّه يُقْتَصُّ في الجروح\" (١٢).\nقال ابن عباس: \"وتقتصّ الجراح بالجراح\" (١٣).\nوعن ابن عباس ايضا: \" يقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونسائهم فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس وكما دون النفس ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" ويُقْتَصَّ من الجارِح غيره ظلمًا للمجروح\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ذات قصاص، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة\" (١٦).\nوالقصاص: \"مقابلة الفعل بمثله، مأخوذ من: قص الأثر\" (١٧).\nوإن قيل: \"كيف يكون القصاص فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: أنه فرض على القاتل للولي، لا على الولي\" (١٨).\nوعن ابن عباس ﵄: \"كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، فنزلت\" (١٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٩.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٤٣): ص ٤/ ١١٤٥.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٠٧٢): ص ١٠/ ٣٦١.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٩.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٤٤): ص ٤/ ١١٤٥.\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٥.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٢٠٧٢): ص ١٠/ ٣٦١.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٤٥): ص ٤/ ١١٤٥.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٥٩.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(١٧) زاد المسير: ١/ ١٣٧.\n(١٨) زاد المسير: ١/ ١٣٧.\n(١٩) الكشاف: ١/ ٦٣٨.","vol":"8","page":228},{"text":"في مصحف أبى: «وأن الجروح قصاص»، والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتب كما تقع عليه القراءة. تقول: كتبت الحمد لله (١).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها\" (٢).\nقال ابن عباس: \" فمن عفى عنه وتصدق عليه، فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" فمن تصدق من أصحاب الحق به بالقصاص وعفا عنه فهو كفارة له فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيئاته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، تاويلان:\nأحدهما: أنه كفارة للجروح، وهو قول عبد الله بن عمر (٥)، وإبراهيم (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، والشعبي (٩)، وجابر بن زيد (١٠).\nروى الشعبي عن ابن الصامت قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ\" (١١).\nوالثاني: أنه كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهذا قول ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وزيد بن اسلم (١٤)، وهذا محمول على من عفى عنه بعد توبته.\nقال الطبري: \" وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: عني به: فمن تصدّق به فهو كفارة له، المجروحَ فلأن تكون الهاء في قوله: ﴿له﴾، عائدةً على ﴿مَنْ﴾، أولى من أن تكون مِنْ ذِكْر من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرَى، إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: \" ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره، فأولئك هم المتجاوزون حدود الله\" (١٦).\nقال ابن كثير: \" لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدى بعضهم على بعض\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٤٧): ص ٤/ ١١٤٥.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٣٨.\n(٥) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٧٣) - (١٢٠٧٥): ص ١٠/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٦) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٧٦): ص ١٠/ ٣٦٣.\n(٧) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٢): ص ١٠/ ٣٦٥.\n(٨) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٤): ص ١٠/ ٣٦٥.\n(٩) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٣): ص ١٠/ ٣٦٥.\n(١٠) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٧٧): ص ١٠/ ٣٦٣.\n(١١) أخرجه أحمد (٢٢٧٩٢): ص ٣٧/ ٤٥٤، والطبري (١٢٠٨١): ص ١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥، ورواه البيهقي بغير هذا اللفظ من طريق أبي داود، عن محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثه، عن الشعبي، وقال: هو منقطع، وذلك أن الشعبي، لم يسمع من عبادة بن الصامت، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٦٨، وزاد نسبته للنسائي، عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد.\n(١٢) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٦): ص ١٠/ ٣٦٦، و(١٢٠٩٦) - (١٢٠٩٨)، و(١٢١٠١): ص ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(١٣) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٧) - (١٢٠٩٣): ص ١٠/ ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(١٤) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٩٤): ص ١٠/ ٣٦٧.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٦٩.\n(١٦) التفسير الميسر: ١١٥.\n(١٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٠.","vol":"8","page":229},{"text":"عن البراء قوله: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، قال: أنزلت في اليهود\" (١). قال ابن أبي حاتم: \"وروي عن ابن عباس والشعبي والحسن ومقاتل بن حيان نحو ذلك\" (٢).\nوروي عن عطاء قوله: \" ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، قال: ظلم دون ظلم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.\nوقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا.\nوقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ، ﵀، في كتابه \"الشامل\" إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة.\nوكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: «أن الرجل يقتل بالمرأة» (٤).\nوفي الحديث الآخر: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (٥)، وهذا قول جمهور العلماء\" (٦).\nوعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: \" أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في روايته عنه وحكي هذا عن الحسن البصري وعطاء، وعثمان البتي، ورواية عن أحمد به أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل تجب ديتها.\nوهكذا احتج أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يقتل مسلم بكافر\" (٧).\nوأما العبد فعن السلف في آثار متعددة: أنهم لم يكونوا يُقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرًا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.\nويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك: عن أنس بن مالك: «أن الرُّبَيع عَمّة أنس كسرت ثَنيَّة جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: \"القصاص\". فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ ! فقال رسول الله ﷺ: \"يا أنس، كتاب الله القصاص\". قال:\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٥١): ص ٤/ ١١٤٦.\n(٢) تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٤٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٥٢): ص ٤/ ١١٤٦.\n(٤) سنن النسائي (قسامة باب ٤٦).\n(٥) روي من حديث عبد الله بن عباس: أخرجه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من طريق سليمان عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٥٣): \"هذا إسناد ضعيف لضعف حنش واسمه حسين بن قيس\". وروي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أخرجه أبو داود في السنن برقم (٤٥٣١) من طريق يحيى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢١.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٦٩٠٣).","vol":"8","page":230},{"text":"فقال: لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضي القوم، فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ: \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبَّره» (١) \" (٢).\nالفوائد:\n١ - حكم القصاص في الإسلام وهو المساواة والمماثلة فيقتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة\nوالمرأة بالرجل والرجل بالمرأة، ويقتل القاتل بما قتل به مماثلة لحديث: \"المرء مقتول بما قتل به\".\nولما كان العبد مقومًا بالمال فإنه لا يقتل به الحر، بل يدفع إلى سيده مال. وبهذا حكم الصحابة والتابعون وعليه الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف أبو حنيفة فرأى القود فيقتل الحر بالعبد أخذًا بظاهر هذه الآية.\n٢ - وجوب القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة.\n٣ - من الظلم أن يعتدى في القصاص بأن يقتل الواحد اثنان أو يقتل غير القاتل أو يفقأ بالعين الواحدة عينان مثلًا، وهو كفر مع الاستحلال وظلم في نفس الوقت.\n٤ - محاسن الشرع الإسلامي وما فيه من اليسر والرحمة حيث أجاز العفو والدية بدل القصاص.\n\nالقرآن\n﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦]\nالتفسير:\nوأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم مؤمنًا بما في التوراة، عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه، وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله، وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها، وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات.\nقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: \" وأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم\" (٣).\nقال البغوي: \" أي: على آثار النبيين الذين أسلموا، ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ \" (٤).\nقال القرطبي: \" أي: جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي: آثار النبيين الذين أسلموا\" (٥).\nقال الواحدي: \" أَيْ: جعلناه يقفو آثار النَّبيِّين يعني: بعثناه بعدهم على آثارهم\" (٦).\nقال ابن كثير: \" ﴿وَقَفَّيْنَا﴾، أي: أتبعنا ﴿َلَى آثَارِهِمْ﴾، يعني: أنبياء بني إسرائيل -﵇-\" (٧).\nقال القاسمي: \" أي: أتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، أي: أرسلناه عقبهم مصدقا\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى ابن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم\" (٩).\nيقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا، قال الشاعر (١٠):\nإِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب\nومنه: قافية الشعر (١١).\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: \" عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه\" (١٢).\nقال القرطبي: \" يعني: التوراة، فإنه رأى التوراة حقا، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: مؤمنا بها حاكما بما فيها\" (١٤).\nقال السعدي: \" بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من التوراة بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية، وقد يكون عيسى ﵇ أخف في بعض الأحكام، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] \" (١٥).\nقال الواحدي: أَيْ: \"يُصدِّق أحكامها ويدعو إليها\" (١٦).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: \" وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله\" (١٧).\nقال ابن كثير: \"أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات\" (١٨).\nقال القاسمي: \" ﴿فِيهِ هُدًى﴾، أي: إلى الحق ﴿وَنُورٌ﴾، أي: بيان للأحكام\" (١٩).\nقال السعدي: أي: \" يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل\" (٢٠).\nوقرأ الحسن: «الإنجيل»، بفتح الهمزة/ فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج: هابيل، وآجر (٢١).\nقوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: \" وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها\" (٢٢).\nقال السعدي: أي: \" بتثبيتها والشهادة لها والموافقة\" (٢٣).\nقال القاسمي: \"أي: لما فيها من الأحكام. وتكرير ذلك لزيادة التقرير\" (٢٤).\n_________\n(١) المسند (٣/ ١٢٨) وصحيح البخاري برقم (٦٨٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٥).\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ٦٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٨.\n(٦) الوجيز: ٣٢١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.\n(٨) محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٣٣.\n(١٠) البيت بلا نسبة في: \"لسان العرب\" ٦/ ٣٧٠٨، و\"أساس البلاغة\" ص ٢/ ٢٦٩، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٨.\n(١١) انظر: تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠١٣، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٨، واللسان\" ٦/ ٣٧٠٨ مادة (قفا).\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٨.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧، ونقله بتمامه القاسمي في محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.\n(١٥) تفسير السعدي: ٢٣٣.\n(١٦) الوجيز: ٣٢١.\n(١٧) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.\n(١٩) محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.\n(٢٠) تفسير السعدي: ٢٣٣.\n(٢١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٩.\n(٢٢) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٢٣) تفسير السعدي: ٢٣٣.\n(٢٤) محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.","vol":"8","page":231},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بَعْضَ أحكام التوراة\" (١).\nوفي قوله تعالى:: ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ [المائدة: ٤٦]، وجهان (٢):\nأحدهما: أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقا الأول.\nوالثاني: أن يكون حالا من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا.\nقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦]، أي: \" وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات\" (٣).\nقال الواحدي: \" معناه: وهاديًا وواعظًا\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: وجعلنا الإنجيل ﴿هُدًى﴾ يهتدى به، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه\" (٥).\nقال القرطبي: أي: \" هاديا وواعظا ﴿للمتقين﴾، وخصهم لأنهم المنتفعون بهما\" (٦).\nقال السعدي: أي: \" فإن [المتقين] الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ويرتدعون عما لا يليق\" (٧).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" و«التقوى»: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٨).\nالفوائد:\n١ - أن التوراة والإنجيل: كتابان أنزلا على موسى وعيسى ﵉، - على الترتيب - إلى بني إسرائيل.\n٢ - ومن الفوائد أن التوراة كانت مضمومًا إليها تعديلات الإنجيل شريعة وعقيدة، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧]، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين:\nالأول: أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى ﵇، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة.\nوالثاني: أنه، ﵇، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءًا من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق.\nوكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفًا للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٤) الوجيز: ٣٢١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٩.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٣.\n(٨) تفسير ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة: ١/ ٢٨.","vol":"8","page":232},{"text":"جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه (١).\n٣ - ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء والاتعاض.\n٤ - ومنها: أن المواعظ قسمان:\n- كونية: وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالًا لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين.\n- وشرعية: وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس: ٥٧]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيرًا لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيرًا في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات (٢).\nالقرآن\n﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]\nالتفسير:\nوليحكم أهل الإنجيل الذين أُرسِل إليهم عيسى بما أنزل الله فيه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن أمره، العاصون له.\nقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]، أي: \" وليحكم أهل الإنجيل الذين أُرسِل إليهم عيسى بما أنزل الله فيه\" (٣).\nقال مقاتل: \" من الأحبار والرهبان بما أنزل الله فيه يعني في الإنجيل من العفو عن القاتل أو الجارح والضارب\" (٤).\nقال الخطيب الإسكافي: \" قيل لهم في ذلك الزمان وأمروا أن يحكموا به\" (٥).\nقال الواحدي: \" أَيْ: وقلنا لهم: ليحكموا بهذا الكتاب في ذلك الوقت\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم\" (٧).\nقال ابن كثير: \"، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد -ﷺ- والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] \" (٨).\nقال مقاتل بن حيان: \" فأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة قبل أن ينزل الإنجيل فكفر من كفر من أهل التوراة والإنجيل، فكذبهم محمدا ﷺ بقولهم: أن عزير ابن الله، والمسيح ابن مريم ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى هو الله،\n_________\n(١).انظر: العلمانية، نشأتها وتطورها: ٥٨\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.\n(٥) درة التنزيل وغرة التأويل: ١/ ٤٦٥.\n(٦) الوجيز: ٣٢٢.\n(٧) الككشاف: ٢/ ١٩٩.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٦.","vol":"8","page":233},{"text":"وأن يد الله مغلولة، وأن الله فقير وهم أغنياء، ولو أنهم حكموا بالرجم والقصاص والجراحات لكانوا كفارا بالله بتكذيبهم محمدا -ﷺ- وقولهم على الله الكذب والبهتان\" (١).\nوقيل: \"إن عيسى ﵇ كان متعبدا بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ يرد ذلك، وكذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وإن ساغ لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة\" (٢).\nقال الجصاص: \" قوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه﴾: فيه دلالة على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت، على معنى أنه صار شريعة للنبي ﷺ لقوله: ﴿وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه﴾ ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم يتبعون النبي ﷺ لأنه صار شريعة له; لأنهم لو استعملوا ما في الإنجيل مخالفين للنبي ﷺ غير متبعين له لكانوا كفارا، فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى أنها قد صارت شريعة للنبي ﵇\" (٣).\nقرأ الأعمش وحمزة: «وليحكم»، بكسر اللام وفتح الميم، على معنى «كي»، فكأنه قال: وآتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.\nقال القرطبي: \" ومن قرأه على الأمر فهو كقوله: ﴿وأن احكم بينهم﴾ [المائدة: ٤٩]، فهو إلزام مستأنف يبتدأ به، أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن فهو منسوخ.\nوقيل: هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد ﷺ، فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأصول\" (٤).\nوقرأ الباقون ﴿وليحكم﴾ بإسكان اللام وجزم الميم، على معنى الأمر، تقديره: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه (٥).\nقال مكي: \"والاختيار الجزم، لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل\" (٦).\nقال الطبري: \" قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ\" (٧).\nوقال النحاس: \" والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان، لأن الله تعالى لم ينزل كتابا إلا ليعمل فيما فيه وأمر بالعمل بما فيه فصحتا جميعا\" (٨).\nقال الزجاج: \" و«الإنجيل»، القراءة فيه بكسر الهمزة، ورويت عن الحسن: «الأنجيل»، بفتح الهمزة، وهذه قولة ضعيفة، لأن «أنجيل»، أفعيل، وليس في كلام العرب هذا المثال\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، أي: \" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن أمره، العاصون له\" (١٠).\nقال مقاتل: \" ومن لم يحكم بما أنزل الله في الإنجيل من العفو واقتص من القاتل والجارح والضارب، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ - يعنى: العاصين لله﷿-\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٥٨): ص ٤/ ١١٤٨.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٣٩.\n(٣) أحكام القرآن: ٢/ ٥٥٢.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٩.\n(٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٤، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٣١٢، وزاد المسير: ١/ ٥٥٤.\n(٦) نقلا عن: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٩.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٧٤.\n(٨) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٠.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٨٠.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.","vol":"8","page":234},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق\" (١).\nقال البراء: \" فأنزل الله فأولئك هم الفاسقون في الكفار كلها\" (٢).\nقال عبدالرحمن بن زيد بن اسلم: \" هذا الحكم لكتابه قال: ومن لم يحكم أيضا في أهل الإنجيل بذلك فأولئك هم الفاسقون\" (٣).\nوقال أيضا: \" كل شيء في القرآن إلا قليلا ﴿فاسق﴾، فهو كاذب. وقرأ قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [سورة الحجرات: ٦] قال: «الفاسق»، ههنا، كاذب \" (٤).\nوقال الحسن: \" أنزلت في أهل الكتاب أنهم تركوا أحكام الله كلها في هذه الآية: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ \" (٥).\nوعن الشعبي: \" ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: أنزلت في النصارى\" (٦).\nوعن عطاء في قوله: \" ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: فسق دون فسق\" (٧). وروي عن ابن طاوس مثل ذلك (٨).\nوعن مجاهد: \" ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، العاصون\" (٩).\nوعن إبراهيم: \" ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، الآيات. قال: نزلت في بني إسرائيل ورضي بها لهؤلاء\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله ... وتقريره: هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد، وأصوب ما يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها\" (١١).\nو«الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقًا: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (١٢).\nوأما المقصود بالفسق اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦١): ص ٤/ ١١٤٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦٠): ص ٤/ ١١٤٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢١٠٣): ص ١٠/ ٣٧٦.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦٢): ص ٤/ ١١٤٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦٣): ص ٤/ ١١٤٩.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦٤): ص ٤/ ١١٤٩.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٤٩. ذكره دون إسناد.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦٥): ص ٤/ ١١٤٩.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٦٧): ص ٤/ ١١٤٩.\n(١١) الككشاف: ٢/ ١٩٩.\n(١٢) انظر: اللسان (١٠/ ٣٠٨) ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٠٢)، والمصباح المنير للفيومي ص (٥٦٨)، وترتيب القاموس المحيط للزاوي (٤/ ٥٠٢)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢).\n(٢) تفسير ابن عطية (١/ ١٥٥).","vol":"8","page":235},{"text":"أولا: - قال ابن عطية: 'الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ﷿ فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان \" (١). وكذا قاله الطبري (٢)، والقرطبي (٣).\nوقد روي \"عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري\" (٤).\nقال الشوكاني: عن هذا التعريف: \" وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض \" (٥).\nوالثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (٦).\nوثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\" (٧).\nوالثالث: - وقال البيضاوي: \" الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة \" (٨).\nوالرابع: - وقال الألوسي: \"الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة \" (٩).\nومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١٠) حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: \" والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيرًا\" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله ﷿، وهو كفر وظلم وفسق.\n٢ - الرد على من يقول: إننا نجد في القرآن الكريم آيات تشهد بصدق التوراة -كما هي اليوم- وتشهد بصدق الإنجيل -كما هو اليوم- وتؤكد أن الكتابين لم يصابا بتحريف، ولا تزييف، من مثل قول القرآن ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧].\nقلنا له (١٢):\n_________\n(١) انظر: اللسان (١٠/ ٣٠٨) ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٠٢)، والمصباح المنير للفيومي ص (٥٦٨)، وترتيب القاموس المحيط للزاوي (٤/ ٥٠٢)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢).\n(٢) تفسير ابن عطية (١/ ١٥٥).\n(٢) أنظر: تفسيره: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٣) تفسير القرطبي (١/ ٢٤٥).\n(٤) أخرجه الطبري (٥٧١): ص ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٥) فتح القدير (١/ ٥٧).\n(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٩.\n(٧) صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨).\n(٨) - تفسر البيضاوي (١/ ٤١) وانظر: تفسير أبي السعود (١/ ١٣١).\n(٩) تفسير الألوسي (١/ ٢١٠).\n(١٠) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٣)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢)، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (٢/ ٧٢)، والكليّات للكفوي ص: (٦٩٣).\n(١١) المفردات ص (٥٧٢).\n(١٢) انظر: مناظرة بين الإسلام والنصرانية: ٤٠٨ - ٤٠٩.","vol":"8","page":236},{"text":"أولًا: نصدر الإجابة بآيات كريمة من القرآن الكريم تؤكد أن أصابع العبث امتدت إلى هذه الكتب، كقوله تعالى: - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩].\nوقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٣ - ١٥].\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١].\nوقد روى أحمد من حديث جابر - مرفوعًا-: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا» (١).\nفهذه النصوص الكريمة- قرآنية أو حديثية- تفيد أن القوم قد حرفوا كتبهم، ونسوا حظًّا من وحي الله وهداه، . . . وإن هذه الكتب- بعد أن أصابها ما أصابها- لم تعد قادرة على إعطاء الإنسان رشده وهداه وتقواه. . .!\nثانيًا: أنه ما زال في كتب القوم شيء من الحق، وإن كان قد بدلت وغيرت ألفاظه، إما بحكم الترجمة، أو بدافع الأغراض الشخصية.\nوإذا قرأنا الآيتين الثالثة والأربعين، والسابعة والأربعين من سورة المائدة، وهما الآيتان اللتان استدل بهما المستدل، في سياقهما من السورة، لزال كثير من الغموض، ولاتضحت الحقيقة جلية سافرة. والله أعلم.\n\nالقرآن\n_________\n(١) أخرجه احمد (١٤٦٣١): ص ٢٢/ ٤٦٨. إسناده ضعيف لضعف مجالد: وهو ابن سعيد. يونس: هو ابن محمد المؤدب.\nوأخرجه البزار (١٢٤ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (٢١٣٥)، والبيهقي في \"السنن\" ٢/ ١٠ - ١١، وفي \"الشعب\" (١٧٩) من طرق عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد.\nوسيأتي برقم (١٥١٥٦) من طريق هشيم، عن مجالد.- وفيه قصة لعمر بن الخطاب، وانظر تمام تخريجه هناك.\nوأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" و(١٠١٥٨) و(١٩٢٠٩) عن ابن جريج، قال: حدثت عن زيد بن أسلم أن النبي ﷺ قال: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم\". وهذا إسناد ضعيف لإبهام الواسطة بين ابن جريج وزيد بن أسلم، ولإرساله، فإن رواية زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مرسلة.\nوأخرج عبد الرزاق أيضا (١٠١٦٢) و(١٩٢١٢) من طريق عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، قال: قال عبد الله: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فتكذبوا بحق، وتصدقوا الباطل ... وإسناده - على وقفه- ضعيف لجهالة حريث بن ظهير.\nوأخرج البخاري في \"صحيحه\" (٢٦٨٥) عن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يشب؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا! أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم.","vol":"8","page":237},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]\nالتفسير:\nوأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن، وكل ما فيه حقّ يشهد على صدق الكتب قبله، وأنها من عند الله، مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها، فاحكم بين المحتكمين إليك من اليهود بما أنزل الله إليك في هذا القرآن، ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وما اعتادوه، فقد جعلنا لكل أمة شريعة، وطريقة واضحة يعملون بها. ولو شاء الله لجعل شرائعكم واحدة، ولكنه تعالى خالف بينها ليختبركم، فيظهر المطيع من العاصي، فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين بالعمل بما في القرآن، فإن مصيركم إلى الله، فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون، ويجزي كلا بعمله.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن، وكل ما فيه حقّ\" (١).\nقال ابن عباس: \" فهو: القرآن\" (٢).\nقال مقاتل: \" يعني: القرآن بالحق، لم ننزله عبثا ولا باطلا لغير شيء\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" أي مصدّقًا للكتب السماوية التي سبقته\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني: لما قبله من الكتاب \" (٥).\nقال السمعاني: \" يعني: سائر الكتب المنزلة قبله\" (٦).\nقال ابن عباس: \" فهو القرآن شاهد على التوراة والإنجيل مصدقا بهما\" (٧).\nوروي عن قتادة قال: \"الكتب التي خلت قبله\" (٨).\nوقال الكلبي: \" موافقا لها\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يقول: وشاهدا عليه وذلك إن قرآن محمدﷺ- شاهد بأن الكتب التي أنزلت قبله أنها من الله﷿-\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٦٩): ص ٤/ ١١٤٩.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.\n(٤) صفوة التفاسير: ٣١٩.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٤٤.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٤٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٧١): ص ٤/ ١١٥٠.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٥٠. ذكره دون إسناد.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.","vol":"8","page":238},{"text":"المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وجوه من التفسير:\nأحدها: يعني مؤتمنًا عليه، وهو قول ابن عباس (٢)، وعكرمة (٣)، والحسين (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، وعطاء الخراساني (٦).\nوالثاني: يعني شاهدًا عليه، وهو قول ابن عباس في رواية أخرى (٧)، والسدي (٨).\nوالثالث: أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت من قبله. وهذا قول قتادة (٩).\nوالرابع: مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا. وهذا قول مجاهد في إحدى الروايات (١٠).\nوالخامس: مصدقا عليه، والمهيمن: المصدق، فكل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق. وهذا قول ابن زيد (١١).\nوالسادس: وقال مجاهد: \" محمد ﷺ، مؤتمنٌ على القرآن\" (١٢).\nقال الطبري: \" وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ. وذلك أنّ المهيمن عطفٌ على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدِّق صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه، لأنه لم يتقدم من صفة الكاف التي في إليك بعدَها شيءٌ يكون مهيمنًا عليه عطفًا عليه، وإنما عطف به على المصدق، لأنه من صفة الكتاب الذي من صفته المصدق\" (١٣).\nوالسابع: حاكما على ما قبله من الكتب. وهذا قول ابن عباس (١٤)، وعبدالله بن الزبير (١٥).\nوالثامن: رقيبا حفيظًا عليه. قاله أبو عبيدة (١٦).\nقال ابن كثير: \" وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم \"المهيمن\" يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها. وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فأما ما حكاه ابن أبي حاتم، عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نَجيح عن مجاهد؛ أنهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن، فإنه صحيح في المعنى، ولكن في\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٠٧) - (١٢١١٨): ص ١٠/ ٣٧٨ - ٣٨٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٠): ص ١٠/ ٣٨٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٠): ص ١٠/ ٣٨٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢١١٩): ص ١٠/ ٣٨٠.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٥٠. ذكره دون إسناد.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢١٠٣): ص ١٠/ ٣٧٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٤٧٢): ص ٤/ ١١٤٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢١٠٤): ص ١٠/ ٣٧٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢١٠٥): ص ١٠/ ٣٧٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢١٠٦): ص ١٠/ ٣٧٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢١): ص ١٠/ ٣٨٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٢١٢٣)، و(١٢١٢٣): ص ١٠/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(١٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٨١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧. في رواية العوفي عنه.\n(١٥) انظر: تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٣٢.\n(١٦) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٤٣، والنكت والعيون: ٢/ ٤٥.","vol":"8","page":239},{"text":"تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر. وبالجملة فالصحيح الأول (١) \" (٢).\nقال السمعاني: \" والمعاني متقاربة، ومعنى الكل أن كل كتاب يصدقه القرآن، ويشهد بصدقه، فهو كتاب الله\" (٣).\nوقرئ: «ومهيمنا» - بفتح الميم الثانية – قال الزجاج: \"وهي عربية ولا أحب القراءة\nبها، لأن الإجماع في القراءة على كسر الميم في قوله: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" فاحكم بين المحتكمين إليك من اليهود بما أنزل الله إليك في هذا القرآن\" (٥).\nقال السدي: \" أمر محمدا على أن يحكم بينهم\" (٦).\nوعن بن عباس قوله: \" ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾، قال: بحدود الله ﷿\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عَرَبهم وعجمهم، أُميهم وكتابيهم ﴿بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك \" (٩)\nقال الماوردي: \" هذا يدل على وجوب الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا، وألا نحكم بينهم بتوراتهم ولا بإنجيلهم \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وما اعتادوه\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: أهواء اليهود عما جاءك من الحق وهو القرآن\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسوله؛ ولهذا قال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء\" (١٣)\nقال السعدي: \" أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير\" (١٤).\nقال ابن عباس: \" كان النبي ﷺ مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم. فردهم إلى أحكامهم فنزلت: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾، فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \"، فقد جعلنا لكل أمة شريعة، وطريقة واضحة يعملون بها\" (١٦).\n_________\n(١) أي: \" مؤتمنًا عليه\".\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٨.\n(٣) تفسير المسعاني: ٢/ ٤٣.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٧٩.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٧٩): ص ٤/ ١١٥١.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٨٠): ص ٤/ ١١٥١.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٩.\n(١٠) النكت والعيون: ٢/ ٤٤.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٩.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٨١): ص ٤/ ١١٥١.\n(١٦) التفسير الميسر: ١١٦.","vol":"8","page":240},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" شريعة وطريقا واضحا في الدين تجرون عليه، وقيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا\" (١).\nقال ابن عباس: \" يعني: سبيلا وسنةً \" (٢)، وروي عن الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والضحاك (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، نحو ذلك.\nقال السعدي: \" ﴿لكل جعلنا منكم﴾ أيها الأمم جعلنا ﴿شرعة ومنهاجا﴾ أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع\" (٨).\nقال مقاتل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: \" يعنى: من المسلمين وأهل الكتاب ﴿شرعة﴾، يعني: سنة، ﴿ومنهاجا﴾، يعني: طريقا وسبيلا، فشريعة أهل التوراة في قتل العمد القصاص ليس لهم عقل (٩) ولا دية، والرجم على المحصن والمحصنة إذا زنيا. وشريعة الإنجيل في القتل العمد العفو ليس لهم قصاص ولا دية، وشريعتهم في الزنا الجلد بلا رجم. وشريعة أمة محمدﷺ- في قتل العمد القصاص والدية والعفو، وشريعتهم في الزنا: إذا لم يحصن الجلد، فإذا أحصن فالرجم\" (١٠).\nو«الشرعة»: هي الشريعة، وهي الطريقة الظاهرة، وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة، ومنه قيل لشريعة الماء: شريعة، لأنها أظهر طرقه إليه، ومنه قولهم: أُشْرِعَتِ الأسنة إذا ظهرت، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع، لشروع أهله فيه (١١).\nوأما «المنهاج»: فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال: طريق نهج ومنهج، قال الزاجر (١٢):\nمَن يَكُ ذَا شَكٍّ فهذَا فَلْجُ ... مَاءٌ رُوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ\nثم يستعمل في كل شيء كان بينًا واضحًا سهلا\nفيكون معنى قوله: ﴿شرعة ومنهاجًا﴾، لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلا واضحًا يعمل به (١٣).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٤٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٣٠) - (١٢١٣٧): ص ١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢١٣٨): ص ١٠/ ٣٨٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٣٩) - (١٢١٤١): ص ١٠/ ٣٨٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢١٤٧): ص ١٠/ ٣٨٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢١٤٦): ص ١٠/ ٣٨٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢١٤٣): ص ١٠/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٩) العقل: هو أن تشترك أسرة القاتل فى سداد دية المقتول وتسمى الأسرة عاقلة لأنها تعقل عن الجاني جناية وتؤديها عنه.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣٨٣، النكت العيون: ٢/ ٤٥.\n(١٢) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٨، وتفسير الطبري: ١٠/ ٣٨٣، ومعجم ما استعجم: ١٠٢٧، واللسان (روي)، وروايتهم جميعًا: من يك ذا شك.\nوفلج (بفتح فسكون): ماءه لبني العنبر بن عمرو بن تميم، يكثر ذكره في شعر بني تميم، ويمتدحون ماءه، قال بعض الأعراب:\nأَلا شَرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ مُزْنٍ عَلَى الصَّفَا ... حَدِيثَهُ عَهْد بالسَّحَاب المُسَخَّرِ\nإلَى رَصَفٍ مِنْ بَطْنِ فَلْجٍ، كأَنَّهَا ... إذَا ذُقْتَهَا بَيُّوتَةً مَاءُ سُكَّرِ\nوماء رواء (بفتح الراء): الماء العذب الذي فيه للواردين ري.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣٨٣، النكت العيون: ٢/ ٤٥.","vol":"8","page":241},{"text":"وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وجهان:\nأحدهما: أنه عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا. وهذا قول علي (١)، وقتادة (٢).\nعن قتادة قوله: \" ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾، يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل\" (٣).\nرجحه ابن كثير، وقال: \" ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة لما صح أن يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم\" (٤).\nوالثاني: أنه عنى بذلك أمَّةَ محمد ﷺ. ومعنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ -ﷺ-، أيها الناس، لكُلِّكم أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد ﷺ أنه لي نبيٌّ شرعةً ومنهاجا. وهذا قول مجاهد (٥).\nعن مجاهد قوله: \" ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾، قال: سنة، ومنهاجًا، السبيل لكلكم، من دخل في دين محمد ﷺ، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج\" (٦).\nقال الطبري: \" وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ولو كان عنى بقوله: لكل جعلنا منكم، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد ﷺ: أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا ﷺ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم - في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه - واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم\" (٧).\nوقرأ يحيى بن وثاب: «شرعة» بفتح الشين (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٧): ص ١٠/ ٣٨٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٦): ص ١٠/ ٣٨٥.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢١٢٦): ص ١٠/ ٣٨٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٩): ص ١٠/ ٣٨٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢١٢٩): ص ١٠/ ٣٨٦.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٨٦.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٠.","vol":"8","page":242},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" ولو شاء الله لجعل شرائعكم واحدة\" (١).\nقال ابن ابي زمنين: \" يعني: ملة واحدة\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوى أمة واحدة أى دين واحد لا اختلاف فيه\" (٣).\nقال السعدي: أي: \" تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها ولا متقدمها\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]، وجهان:\nأحدهما: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. وهذا قول الضحاك (٥).\nالثاني: لجمعكم على الحق، وهذا قول الحسن (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" ولكنه تعالى خالف بينها ليختبركم، فيظهر المطيع من العاصي\" (٧).\nقال: ابن جريج: \" قال ابن كثير: ما أعمله إلا في ما آتاكم من الكتاب\" (٨).\nقال ابن ابي زمنين: أي: \"ليختبركم فيما أعطاكم من الكتاب والسنة\" (٩).\nقال السعدي: أي: \" فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته، ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم فكل أمة تحرص على سبق غيرها\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذغنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟ \" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \" فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين بالعمل بما في القرآن\" (١٣).\nقال الضحاك: \" أمة محمد -ﷺ-\" (١٤).\nقال مقاتل: \" يقول: سارعوا في الأعمال الصالحة «يا أمة محمد» فيما ذكر من السبيل والسنة\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فابتدروها وتسابقوا نحوها\" (١٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٢) تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٣٢.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٤٠.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٤٨٩): ص ٤/ ١١٥٢.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٥.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٠): ص ٤/ ١١٥٣.\n(٩) تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٣٢.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٤٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(١٣) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩١): ص ٤/ ١١٥٣.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٢.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٦٤٠.","vol":"8","page":243},{"text":"قال ابن كثير: \" وهي طاعة الله واتباع شرعه، الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله \" (١).\nقال السعدي: \" أي: بادروا إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره مستوليا على الأمر، إلا بأمرين: المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة حين يجيء وقتها ويعرض عارضها، والاجتهاد في أدائها كاملة على الوجه المأمور به. ويستدل بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزئ في الصلاة وغيرها من العبادات من الأمور الواجبة، بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها لتتم وتكمل، ويحصل بها السبق\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \"فإن مصيركم إلى الله\" (٣).\nقال الضحاك: \" البر والفاجر\" (٤).\nقال الزمخشري: \"استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة\" (٦).\nقال السعدي: أي: \" الأمم السابقة واللاحقة، كلهم سيجمعهم الله ليوم لا ريب فيه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: \"فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون، ويجزي كلا بعمله\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة\" (٩).\nقال الزمخشري: \"فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" من الشرائع والأعمال، فيثيب أهل الحق والعمل الصالح، ويعاقب أهل الباطل والعمل السيئ\" (١١).\nقال الربيع بن أنس: \"يبعثهم الله من بعد الموت فيبعث أولياءه وأعداءه فينبئهم بأعمالهم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - وجوب الحكم وفي كل القضايا بالكتاب والسنة.\n٢ - لا يحوز تحكيم أية شريعة أو قانون غير الوحي الإلهي الكتاب والسنة.\n٣ - أن القرآن جاء بموافقة التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء في الخبر عن الله -تعالى- وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك تفصيلا وبيانا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٢): ص ٤/ ١١٥٣.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٤٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٤٠.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٣): ص ٤/ ١١٥٣.","vol":"8","page":244},{"text":"بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها.\nوهذا معنى كون القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.\n٤ - أن الله تعالى حفظ القرآن من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل، فبقي كما أنزله الله إلى يوم القيامة، فهو كله حق من عند الله، ولم يحفظ غيره من الكتب فدخلت عليها الزيادة والنقص والتحريف والتبديل ففيها حق وفيها باطل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾.\n٥ - بيان الحكمة من اختلاف الشرائع، وهو الابتلاء.\n\nالقرآن\n﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]\nالتفسير:\nواحكم -أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن، ولا تتبع أهواء الذين يحتكمون إليك، واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به، فإن أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها من قبل. وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم.\nفي سبب نزول الآية والتي بعدها وجهان:\nأحدهما: عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس﵄-: \" قال كعب بن أسد، وابن صوريا وشأس بن قيس، بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنَّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنَّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومِنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) \" (٢). [ضعيف]\nوالثاني: عن مجاهد عن ابن عباس -﵄-؛ قال: \"كان النبي - ﷺ - مخيرًا: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم؛ فردهم إلى أحكامهم؛ فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ\n_________\n(١) [سورة المائدة: ٥٠].\n(٢) أخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\" (٢/ ١٩٦، ١٩٧ - ابن هشام)، وأخرجه الطبري (١٢١٥٠): ص ١٠/ ٣٩٣، وابن أبي حاتم (٦٤٩٨): ص ٤/ ١١٥٤، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٥٣٦) من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ﵄ به. وإسناده حسن.\nوقيل: سنده ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق محمد هذا؛ كما قال الحافظان الذهبي والعسقلاني. [انظر: الاستيعاب في بيان الأسباب: ٢/ ٥٧].\nوأخرجه ابن جرير (١٢١٥٦): ص ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وابن أبي شيبة (فتح القدير: ٢/ ٥٢) عن عطية به. وإسناده صحيح إليه، وهو مقطوع، ويشهد له:\n١ - ما أخرجه ابن جرير (١٢١٥٨): ص ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧، وابن أبي حاتم (٦٥٠٦): ص ٤/ ١١٥٥، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر كما في فتح القدير: ٢/ ٥٢، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٧٤) من طريق ابن إسحاق عن أبيه عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت بنحوه، وهو معضل، صحيح الإسناد إلى عبادة بن الوليد.\n٢ - ما أخرجه ابن مردويه (فتح القدير: ٢/ ٥٢) من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده بنحوه.","vol":"8","page":245},{"text":"بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ فأمر رسول الله - ﷺ - أن يحكم بينهم بما في كتابنا\" (١). [صحيح]\nقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: \" واحكم -أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن\" (٢).\nعن ابن عباس: \" ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، قال: بحدود الله\" (٣).\nوعن عطية: \" ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، قال: في كتابه\" (٤).\nعن ابن عباس: \" ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾، قال: كان النبي ﷺ مخيرا في هذه الآية حتى نزلت: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ \" (٥).\nقال قتادة: \" فأمر الله نبيه ﷺ أن يحكم بينهم بعد ما كان قد رخص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت هذه الآية التي كانت قبلها\" (٦).\nقال السعدي: \" هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾.\nوالصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه ﷺ مخير بين الحكم بينهم وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق. وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم، فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله من الكتاب والسنة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ ودل هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك فهو جور وظلم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: \" ولا تتبع أهواء الذين يحتكمون إليك\" (٨).\nقال الشافعي: \" يحتمل: تساهلهم في أحكامهم، ويحتمل: ما يهوون، وأيهما كان فقد نهي\nعنه، وأمر أن يحكم بينهم بما أنزل الله على نبيه - ﷺ –\" (٩).\nقال السعدي: \" كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها. ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: \" واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به\" (١١).\nقال ابو يزيد بن اسلم: \" أن يقولوا في التوراة كذا، قال: وبين له ما في التوراة\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم: (٦٤٩٤): ص ٤/ ١١٥٣، والطبراني في \"الكبير\" (١١٠٥٤): ص ١١/ ٥٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ١٢٣)، والحاكم (٢/ ٣١٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٨٠ رقم ٦٣٦٩ وص ٢٩٥ رقم ٧٢١٩) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١١/ ٤٣٧/ ٤٥٤٠)، والبيهقي (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩) جميعهم من طريق عباد بن العوام نا سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس به.\nقلنا: وهذا إسناد صحيح رجاله رجال مسلم.\nقال النحاس: وهذا إسناد مستقيم.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٦): ص ٤/ ١١٥٣.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٧): ص ٤/ ١١٥٤.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠١): ص ٤/ ١١٥٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٢): ص ٤/ ١١٥٤.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٩) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٧٥٦.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٩): ص ٤/ ١١٥٤.","vol":"8","page":246},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما يُنْهُونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كَذبة كَفَرة خونة\" (١).\nقال السعدي: \" أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما أنزل [الله] إليك، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، والفرض اتباعه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: \" فإن أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به\" (٣).\nعن ابن عباس: \" ﴿فإن تولوا﴾، يعني: الكفار\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: فإن أعرضوا عن الإِيمان والحكم بالقرآن\" (٥).\nقال ابن كثير\" أي: عما تحكم به بينهم من الحق، وخالفوا شرع الله \" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" فإن تولوا عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره\" (٧).\nقال السعدي: أي: \"عن اتباعك واتباع الحق \" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: \"فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها من قبل\" (٩).\nقال ابن كثير\" أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قَدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم\" (١٠).\nقال الواحدي: أي: \" فاعلم أنَّ ذلك من أجل أنَّ الله يريد أن يعجِّل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، ويجازيهم في الآخرة بجميعها ثمَّ كان تعذيبهم في الدُّنيا الجلاء والنَّفي\" (١١).\nقال السمعاني: \" وقيل: معناه: بكل ذنوبهم، فعبر بالبعض عن الكل، وقيل: معناه: يصيبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا\" (١٢).\nقال السعدي: \"فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" يعنى: بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها، وهذا الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد (١٤):\nأَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُها\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٠): ص ٤/ ١١٥٤.\n(٥) الوجيز: ٣٢٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٠.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(١١) الوجيز: ٣٢٣.\n(١٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.\n(١٣) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(١٤) عجز بيت للبيد، ديوانه (١٧٥)، وهذا العجز في اللسان والتاج (بعض)، وصدره:\nتَرَّاك أمكنِةٍ إِذا لم أَرْضَها\nيقول: أنا كثير ترك الأمكنة إذا لم أرض الاقامة بها. أو يربط ويحتبس بعض النفوس، يعنى نفسه «حمامها» أى موتها المقدر لها فإذا رضيتها أو احتبسني الموت فيها فكيف أتركها؟ فقوله «يرتبط» بالجزم، عطف على المجزوم قبله. وقيل «أو» بمعنى «إلا» لكن كان حقه النصب حينئذ. ولعله سكن للضرورة. وكما أن التنوين يفيد معنى التعظيم، فكذلك كل ما فيه إبهام كالبعضية هنا، فعبر عن نفسه ببعض النفوس دلالة على التعظيم، بل ربما ادعى أنها كل النفوس مبالغة.","vol":"8","page":247},{"text":"أراد نفسه: وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفسا أى نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: \" وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم \" (٢).\nعن عبدالرحمن زيد بن اسلم: \" ﴿لفاسقون﴾، يقول: الكاذبون\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" المتمردون في الكفر معتدون فيه، يعنى أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر\" (٤).\nقال الواحدي: \" يعني: اليهود\" (٥).\nقال ابن كثير\" أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناؤون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦] \" (٦).\nقال السعدي: أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله\" (٧).\nالفوائد:\n١ - التحذير من اتباع أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق.\n٢ - أكثر المصائب في الدنيا ناتجة عن بعض الذنوب.\n٣ - ومن الفوائد: سنة الله في الخلق: أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل؛ لقوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾.\nوقد يشعر المؤمن المتقي بغربته في هذا الزمان وهو بين أهله، وبوحدته وهو بين أترابه، ليست غربة اتخذها اختيارًا، ولا وحدة اصطفاها لنفسه استئثارًا، وإنما سيق لها اضطرارًا، سنة اقتضتها حكمة رب عليم حكيم؛ قال النبي - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء\" (٨).\n٤ - أن أن أمر هداية التوفيق والقبول، إلى الله وحده وهو القادر عليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وأما هداية الدلالة والبيان، فالرسولﷺ- المبين عن الله والدال على دينه وشرعه.\n\nالقرآن\n﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]\nالتفسير:\nأيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟ ! لا يكون ذلك ولا يليق أبدًا ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟\nقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، أي: \" أيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟ ! \" (٩).\nقال مقاتل: \" يعني: حكمهم الأول\" (١٠).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٤١.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٤): ص ٤/ ١١٥٣.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٤١.\n(٥) الوجيز: ٣٢٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٨) مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٦.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٠.","vol":"8","page":248},{"text":"قال السمرقندي: \" يعني: يطلبون منك شيئا لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية\" (١).\nقال المراغي: \" أي: أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله، فيبغون حكم الجاهلية المبنى على التحيز والهوى لجانب دون آخر وترجيح القوى على الضعيف؟ \" (٢).\nقال البيضاوي: \" المراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى\" (٣).\nقال السعدي: \" أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى\" (٤).\nعن مجاهد: قوله: \" ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، يهود\" (٥).\nقال الحسن: \" يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية\" (٦).\nعن هشام بن عروة عن أبيه قال: \"كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة قالت: يا رسول الله، كان في الجاهلية كذا وكذا، فأنزل الله ذكر الجاهلية\" (٧).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وجوه (٨):\nأحدها: أن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى، وروى أن رسول الله ﷺ قال لهم: «القتلى بواء» (٩)، فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك، فنزلت.\nوالثاني: أن يكون تعبيرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحى من الله تعالى.\nوالثالث: أنه عام في كل من يبغى غير حكم الله، والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وهذا قول الحسن (١٠).\nوسئل طاوس: عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية (١١).\nوقوله: ﴿يبغون﴾، يقرأ بالياء والتاء، ومعناهما واحد، يعني: أنهم إذا لم يرضوا بحكم الله، وأرادوا خلاف حكم الله، فقد طلبوا حكم الجاهلية (١٢).\nوقرأ الحسن، وقتادة والأعمش، والأعرج: «أفحكم الجاهلية»، بمعنى: الحاكم (١٣).\nقال الزمخشري: \" على أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام\" (١٤).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٣٩٧.\n(٢) تفسير المراغي: ١/ ١٢٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٠.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٣): ص ٤/ ١١٥٥.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٤): ص ٤/ ١١٥٥.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٢): ص ٤/ ١١٥٤ - ١١٥٥.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤١.\n(٩) ذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٤١، لم أجده هكذا، وفي ابن أبى شيبة من طريق الشعبي قال: كان بين حيين من العرب قتال- فذكر قصة فيها: فارتفعوا إلى النبي ﷺ فقال: «القتلى بواء» أى سواء .. انظر: تخريج أحاديث الكشاف: ١/ ٣٩٧\n(١٠) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤١.\n(١١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤١.\n(١٢) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٤، وتفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.\n(١٣) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٤١ - ٦٤٢.","vol":"8","page":249},{"text":"وقرأ السلمى: «أفحكم الجاهلية يبغون»، برفع «الحكم»، على الابتداء (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، أي: \" ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟ \" (٢).\nقال مقاتل: \" يقول: فلا أحد أحسن من الله حكما، «لقوم يوقنون» \" (٣).\nقال السمرقندي: أي: \" ومن أعدل من الله قضاء، لقوم يوقنون يعني: يصدقون بالقرآن\" (٤).\nقال الزمخشري: \" فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه\" (٥).\nقال القرطبي: \" هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن، ﴿لقوم يوقنون﴾، أي: عند قوم يوقنون\" (٦).\nقال البيضاوي: \" ﴿لقوم يوقنون﴾: هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله ﷾\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: لا أحد أحسن حكما من حكم الله لقوم يوقنون بدينه ويذعنون لشرعه، لأنه حكم جامع بين منتهى العدل والحق من الحاكم، والقبول والإذعان من المحكوم له والمحكوم عليه، وبهذا يحصل التفاضل بين الشرائع الإلهية والقوانين البشرية.\nوالخلاصة- إن مما ينبغى التعجب منه من أحوالهم أنهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر، ويؤثرونه على حكم الله العادل، وفى الأول تفضيل القوى على الضعيف واستذلاله واستئصال شأفته، وفى الثاني العدل الذي يستقيم به أمر الخلق، وبه يستتب الأمن والرضا والطمأنينة بين الناس ويشعر كل منهم بالهدوء وراحة الضمير\" (٨).\nقال الآلوسي: \" إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله تعالى إليك فيبغون حكم الجاهلية، وقيل: محل الهمزة بعد الفاء، وقدمت أن لها الصدارة، وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجب لأن التولي عن حكم رسول الله ﷺ وطلب حكم آخر منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب، والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، أو الأمة الجاهلية، وحكمهم: ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى، وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي أهل الجاهلية\" (٩).\nقال السعدي: \" فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل\" (١٠).\nعن ابن أبي نجيح قال: \"كان طاوس إذا سأله رجل أفصل بين ولدين في النحل، قرأ ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ \" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون (١٢).\n_________\n(١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٤، وتفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٦.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٠.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٩٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٤١ - ٦٤٢.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٦.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٠.\n(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٢٣.\n(٩) روح المعاني: ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٤.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٥): ص ٤/ ١١٥٥.\n(١٢) انظر: الإيمان للقاسم بن سلام: ٩٠.","vol":"8","page":250},{"text":"٢ - ومنها: أن أن حكم الجاهلية ليس حكمًا من الله، فكذلك كل حكمٍ قبيحٍ.\n٣ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهو سبيل المؤمنين\n٤ - تتنوع الجاهلية من حيث متعلقها أنواعا كثيرة جدا، يصعب حصرها، فمنها جاهلية المعتقد، ومنها جاهلية الأخلاق، ومنها جاهلية الاقتصاد، ومنها جاهلية الحكم والسياسة، ومنها جاهلية الفن .... إلخ.\nوبالجملة، فكل أمر من الأمور خولف فيه رسول الله ﷺ فهو أمر جاهلي.\nوأن الجاهلية تتنوع من حيث الحكم نوعين (١):\nالنوع الأول: جاهلية كفر.\nومن هذا النوع قوله-تعالى-: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.\nالنوع الثاني: جاهلية معصية، وهي ما تكون بترك واجب أو فعل محرم دون الكفر (٢)، وهذه لا يكفر صاحبها (٣).\nومن هذا النوع قوله ﷺ لأبي ذر: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\" (٤). وكذا الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة على الميت.\n٥ - وفي الآية دليل على وجوب إطراح الرأي مع السنة، وإن ادعى صاحبه أنه مصلح، وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ترك ما أنزل الله، والحذر من العجب بالرأي، قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون﴾.\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى حلفاءَ وأنصارًا على أهل الإيمان; ذلك أنهم لا يُوادُّون المؤمنين، فاليهود يوالي بعضهم بعضًا، وكذلك النصارى، وكلا الفريقين يجتمع على عداوتكم. وأنتم -أيها المؤمنون- أجدرُ بأن ينصر بعضُكم بعضًا. ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم، وحكمه حكمهم. إن الله لا يوفق الظالمين الذين يتولون الكافرين.\nاختلف أهل التفسير في سبب نزول الآيات [٥١ - ٥٣] على ثلاثة أقاويل:\nأحدها: أنها نزلت في عُبادة بن الصامت، وعبد بن أبي ابن سلول، حين تبرأ عُبادة من حِلْف اليهود وقال: أتولى الله ورسوله حين ظهرت عداوتهم لله ولرسوله. وقال عبد الله بن أبي: لا\n_________\n(١) انظر بتوسع في هذا: \"جاهلية القرن العشرين\" لمحمد قطب، \"مصطلحات إسلامية\" لمحيي الدين القضماني (ص ٤٦ - ٥٢)، وانظر: \"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد\" للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص ٢٦١.\n(٢) نظر: فتح الباري: ١/ ٨٥.\n(٣) انظر صحيح البخاري -كتاب الإيمان- باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك.\n(٤) البخاري رقم (٣٠) في الإيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ورقم (٢٥٤٥) في العتق: باب قول النبي ﷺ: \" العبيد إخوانكم فأطعموهم مما تأكلون، ورقم (٦٠٥٠) في الأدب: باب ما ينهى من السباب واللعن، ومسلم رقم (١٦٦١) في الإيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل ...، وأبو داود رقم (٥١٥٧) في الأدب: باب في حق المملوك، والترمذي رقم (١٩٤٦) في البر: باب الإجسان إلى الخدم، وأحمد في \" المسند \" ٥/ ١٦١.","vol":"8","page":251},{"text":"أتبرأ من حلفهم وأخاف الدوائر، وهذا قول ابن عباس (١)، والزهري (٢)، وعطية العوفي (٣)، وعبادة بن الوليد (٤).\nوقال عبادة بن الصامت\" فيّ نزلت هذه الآية حين أتيت رسول الله - ﷺ - فبرأت إليه من حلف يهود، وظاهرت رسول الله - ﷺ - والمسلمين عليهم \" (٥).\nوالثاني: أنها نزلت فى أبي بلابة بن عبد المنذر حين بَعَثَه رسول الله -ﷺ- إلى بني قريظة لما نقضوا العهد أطاعوا بالنزول على حكم سعد أشار إلى حلقه إليهم أنه الذبح، وهذا قول عكرمة (٦).\nوالثالث: أنها نزلت فى رجلين من الأنصار خافا من وقعة أحد فقال أحدهما لصاحبه: أَلْحَقُ باليهود وأتهود معهم، وقال الآخر: ألحق بالنصارى فأتنصر معهم ليكون ذلك لهما أمانًا من إدالة الكفار على المسلمين، وهذا قول السدي (٧)، ومقاتل (٨).\nقال الإمام الطبري: \" والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم ولم يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل.\nفإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾، الآية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥١]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١٠).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٨) ونسبه لابن مردويه.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٧): ص ١٠/ ٣٩٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٦): ص ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وأسباب النزول للواحدي: ١٩٨ - ١٩٩. [ضعيف، فيه علتان: الأولى: الإرسال. والثانية: عطية هذا؛ ضعيف مدلس، ولخصه ابن حجر في \"التقريب\" (٢/ ٢٤) بقوله: \"صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا\".\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٨): ص ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧. [ضعيف لإرساله]\nوأخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\" (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩ - ابن هشام)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ١٧٤، ١٧٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٥٥/ ٦٥٠٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٨) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه وابن عساكر.\n(٥) أخرجه ابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٩) من طريق عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده عبادة به.\nقلنا: إن كان السند إلى عبادة صحيح؛ فالحديث صحيح غاية -إن شاء الله-.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢١٦٠): ص ١٠/ ٣٩٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٩): ص ١٠/ ٣٩٧ - ٣٩٨. [ضعيف جدا]\n(٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤. [متروك]\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٠٦.","vol":"8","page":252},{"text":"قال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (١).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٢) (٣).\nقال الشوكاني: \" الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة وقيل: المراد بهم المنافقون، ووصفهم بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه. وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك، والأولى أن يكون خطابا لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرا وباطنا أو ظاهرا فقط، فيدخل المسلم والمنافق، ويؤيد هذا قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾، والاعتبار بعموم اللفظ\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: \" لا تتخذوا اليهود والنصارى حلفاءَ وأنصارًا على أهل الإيمان\" (٥).\nقال ابن كثير: \" ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿لا تتخذوهم أولياء﴾: تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين\" (٧).\nقال السعدي: \" يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء\" (٨).\nقال الشوكاني: \" المراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة، ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: \"فاليهود يوالي بعضهم بعضًا، وكذلك النصارى، وكلا الفريقين يجتمع على عداوتكم. وأنتم -أيها المؤمنون- أجدرُ بأن ينصر بعضُكم بعضًا\" (١٠).\nقال سعيد حوى: \" دلّ هذا على أن الكفر ملّة واحدة تجاه الإسلام والمسلمين، فما أسخف من ينسى هذا\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٤) فتح القدير: ٢/ ٥٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٢.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٢.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(٩) فتح القدير: ٢/ ٥٧، ٥٨.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٧.\n(١١) الأساس في التفسير: ٣/ ١٤٢٦.\n(١٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٩٩.","vol":"8","page":253},{"text":"قال الزمخشري: \" علل النهى بقوله: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾، أى إنما يوالى بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم\" (١).\nقال الجزائري: \" تعليل لتحريم موالاتهم، لأن اليهودي ولي لليهودي والنصراني ولي للنصراني على المسلمين فكيف تجوز إذًا موالاتهم، وكيف يصدقون أيضًا فيها فهل من المعقول أن يحبك النصراني ويكره أخاه، وهل ينصرك على أخيه؟ \" (٢).\nقال السعدي: أي: \" فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم\" (٣).\nقال الشوكاني: \" تعليل للنهي، والمعنى: أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق، وقيل: المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي ﷺ وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: \" ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم، وحكمه حكمهم\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \"من جملتهم وحكمه حكمهم\" (٦).\nقال الشوكاني: \" أي: فإنه من جملتهم وفي عدادهم، وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية\" (٧).\nقال السعدي: \" التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم\" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، \"تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله ﷺ «لا تراءى ناراهما» (٩).\nومنه قول عمر ﵁ لأبى موسى في كاتبه النصراني: \"لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله\" (١٠).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٤٢.\n(٢) أيسر النفاسير: ١/ ٦٤٢.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(٤) فتح القدير: ٢/ ٥٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٤٢.\n(٧) فتح القدير: ٢/ ٥٨.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(٩) أخرجه أبو داود في: الجهاد، ٩٥ - باب على ما يقاتل المشركون، حديث ٢٦٤٥ ونصه: عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل.\nقال، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل. وقال «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال «لا تراءى ناراهما».\nقال في النهاية ٢/ ٥٤: \"يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم. والترائي: تفاعل من الرؤية وإسناد الترائي إلى النار مجاز\".\n(١٠) السنن الكبرى (٢٠٤٠٩): ص ١٠/ ٢١٦. ونصه: عن سماك بن حرب، قال: \"سمعت عياضا الأشعري، أن أبا موسى، ﵁ وفد إلى عمر بن الخطاب ﵄، ومعه كاتب نصراني، فأعجب عمر ﵁ ما رأى من حفظه، فقال: \" قل لكاتبك يقرأ لنا كتابا \"، قال: إنه نصراني، لا يدخل المسجد، فانتهره عمر ﵁، وهم به، وقال: \" لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله، ولا تأتمنوهم إذ خونهم الله ﷿\".\nوصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: ٢٦٣٠.","vol":"8","page":254},{"text":"وروى أنه قال له أبو موسى: «لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام» (١)، يعنى: هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره\" (٢).\nقال شيخ الإسلام: \" وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: أن مشركًا لحقه ليقاتل معه، فقال له: «إني لا أستعين بمشرك» (٣) \" (٤).\nأخرج سفيان عن بن عباس: \" أنه سئل عن ذبايح مشركي العرب، فقرأ: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ \" (٥).\nقال هشام: \" كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهَّم منكم فإنه منهم﴾ \" (٦).\nقال إبراهيم: \" سئل ابن سيرين عن رجل يبيع دارَه من نصارَى يتخذونها بِيعَةً، قال: فتلا هذه الآية: لا تتَّخِذوا اليهود والنصارى أولياء \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: \" إن الله لا يوفق الظالمين الذين يتولون الكافرين\" (٨).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية\" (٩).\nقال الطبري: أي: \"إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين، وكان لهم ظهيًرا ونصيرًا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتا لهم\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: الذين وصفهم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك\" (١٢).\nقال الشوكاني: \" تعليل للجملة التي قبلها أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين\" (١٣)، إذ\"حكم على من يتولى من\n_________\n(١) تخريج أحاديث الكشاف: ١/ ٤٠٤. يعني: قدره أنه مات، هل إذا مات تتعطل المحاسبة عندنا في بيت المال، فقطع طمع أبي موسى ﵁.\nذكره ابن القيم في أحكام أهل الذمة ١/ ٢١١، عن معاوية بمثله مختصرًا.\nوذكر أن بعض عمال عمر كتب إليه يستشيره في استعمال الكفار فقال: إن المال قد كثر، وليس يحصيه إلا هم، ما كتب إلينا بما ترى، فكتب إليه: لا تدخلوهم في دينكم، ولا تسلموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم، وتعلموا الكتابة، فإنما هي حيلة الرجال.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٤٢.\n(٣) هو في صحيح مسلم من حديث عائشة - ﵂ وعن أبيها - في كتاب الجهاد وباب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر، رقم ١٨١٧.\n(٤) مسألة في الكنائس: ١٢٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢١٦١): ص ١٠/ ٤٠٠، وانظر: تفسير سفيان الثوري: ١٠٣.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢١٦٤): ص ١٠/ ٤٠١.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢١٦٥): ص ١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١٤): ص ٤/ ١١٥٧.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٢.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٤٢.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(١٣) فتح القدير: ٢/ ٥٨.","vol":"8","page":255},{"text":"استحب الكفر على الإيمان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها\" (١).\nعن أبي العالية قوله: \" ﴿الظالمين﴾، يعني: من أبا أن يقول لا إله إلا الله\" (٢). وروي عن عكرمة وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٣).\nالفوائد:\n١ - نفي الولاية بين أهل الحق وأهل الباطل.\n٢ - حرمة موالاة اليهود والنصارى وسائر الكافرين، هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة،، وقد خص في هذه الآية باليهود والنصارى; لأن المقام يقتضيه.\n٣ - الولاء والبراء أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذ يجب على كل مسلم أن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب أن يكون براؤه من أعداء الملة والدين.\nوكما حرم الله موالاة أعداء الملة والدين، فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ [الحجرات: ١٠].\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير\" (٤).\n\nالقرآن\n﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢]\nالتفسير:\nيخبر الله تعالى عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح «مكة» - وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم.\nسبب النزول:\nقال عطية العوفي: \"جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله - ﷺ - \"يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت\n_________\n(١) فتح القدير: ٢/ ٣٩٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١٥): ص ٤/ ١١٥٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٥٧.\n(٤) الولاء والبراء في الإسلام: البركاتي: ١٦.","vol":"8","page":256},{"text":"فهو لك دونه\"، فقال: قد قبلت، فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ \" (١)، «يعني: عبد الله بن أبي ﴿يسارعون فيهم﴾ في ولايتهم ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ الآية» (٢).\nوقال عبادة بن الوليد: \" فأنزل الله فيهم: ﴿الذين في قلوبهم مرض﴾، يعني: عبد الله بن أبي\" (٣).\nوفي هذا السياق قال مقاتل: \" هم المنافقون يسارعون فيهم يعني في ولاية اليهود بالمدينة يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة يعني دولة اليهود على المسلمين وذلك، أن نفرا من المنافقين: أربعة وثمانين رجلا منهم عبد الله بن أبي، وأبو نافع، وأبو لبابة، قالوا: نتخذ عند اليهود عهدا ونواليهم فيما بيننا وبينهم، فإنا لا ندري ما يكون في غد ونخشى ألا ينصر محمدﷺ- فينقطع الذي بيننا وبينهم ولا نصيب منهم قرضا ولا ميرة فأنزل الله﷿-: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾، يعني بنصر محمدﷺ- الذي يئسوا منه، ﴿أو يأتي أمر من عنده﴾: قتل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات، فلما رأى المنافقون ما لقي أهل قريظة والنضير ندموا على قولهم، قال: ﴿فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: \" فترى الذين في قلوبهم شك ونفاق يسارعون في مُوالات اليهود ومُعاونتهم\" (٥).\nقال عطية: \" يعني: عبد الله بن أبي في ولاية اليهود\" (٦).\nقال الزمخشري: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي: \"ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها\" (٧).\nقال ابن كثير: ﴿مَرَضٌ﴾ \" أي: شك، وريب، ونفاق، يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر\" (٨).\nعن السدي قوله: \" ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾، قال: الشك\" (٩).\nقال الواحدي: \" يعني: عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه ﴿يسارعون فيهم﴾ في مودَّة أهل الكتاب ومعاونتهم على المسلمين بإلقاء أخبارهم إليهم\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢]، وجوه من التاويل:\nأحدها: أن المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول، كما تقدم في سبب النزول، وهذا قول عطية بن سعد (١١).\nوالثاني: أنهم قوم من المنافقين، في قلوبهم مرض الشك، يسارعون في ولاية اليهود بالمدينة. وهذا قول مقاتل (١٢).\n_________\n(١) أخرجه أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢٣٥١): ص ١٢/ ١٣٧، والطبري (١٢١٥٦): ص ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وذكره الواحدي في أسباب النزول: ١٩٨ - ١٩٩، [وإسناده ضعيف، لعلتين:: الأولى: الإرسال. والثانية: عطية هذا؛ ضعيف مدلس، ولخصه ابن حجر في \"التقريب\" (٢/ ٢٤) بقوله: \"صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا\"].\n(٢) هذه الزيادة في أسباب النزول: ١٩٨ - ١٩٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١٦): ص ٤/ ١١٥٧. [ضعيف لإرساله].\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٤.\n(٥) انظر: صفوة التفاسير: ٣٢٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٢٠): ص ٤/ ١١٥٨.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥١٧): ص ٤/ ١١٥٧.\n(١٠) الوجيز: ٣٢٣.\n(١١) انظر: ابن أبي حاتم (٦٥٢٠): ص ٤/ ١١٥٨، وتفسير الطبري (١٢١٥٦): ص ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(١٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٤.","vol":"8","page":257},{"text":"والثالث: أنهم المنافقون يسارعون في المعصية وملاحات اليهود، أو مناجاتهم واسترضاعهم أولادهم إياهم. وهذا قول مجاهد (١).\nوالرابع: أنهم المنافقون، يوافقون أهل الكتاب في السر. وهذا قول ابن أبي زمنين (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: \" ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم\" (٣).\nقال عبادة بن الصامت: \"يعني: عبد الله بن أبي، لقوله: إني أخشى الدوائر\" (٤).\nقال مجاهد: \" يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ\" (٥).\nعن السدي قوله: \" ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾، ظهور المشركين عليهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" يعني: دولة اليهود على المسلمين\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي: نخشى ألا يتم الأمر للنبي - ﷺ -، ومعنى: ﴿دائرة﴾، أي: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها\" (٨).\nقال الواحدي: \" أَيْ: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها يعنون: الجدب فتنقطع عنا الميرة والقرض\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني: ظهور المشركين، ويقال: شدة وجدوبة فاحتجنا إليهم، ويقال: نخشى الدائرة على المسلمين، فلا ننقطع عنهم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أى صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي: يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميروننا ولا يفضلوا علينا، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد ﷺ. وهذا القول أشبه بالمعنى، كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور الأمر، ويدل عليه قوله ﷿: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ \" (١٣).\nقال أبو عبيدة: \" ﴿دائِرَةٌ﴾، أي: دولة، والدوائر قد تدور، وهى الدولة، والدوائل تدول، ويديل الله منه، قال حميد الأرقط (١٤):\nتَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَا ... وَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا \" (١٥)\nقوله: «دَائِرَاتِ الدَّهْرِ» يعني: \"دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٥١٨): ص ٤/ ١١٥٧ - ١١٥٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٣٣.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٢١): ص ٤/ ١١٥٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٢٢): ص ٤/ ١١٥٨.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٢٣): ص ٤/ ١١٥٨.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٤.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٨١.\n(٩) الوجيز: ٣٢٣.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٩٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٢.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٧.\n(١٤) ديوانه ١٦، وانظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٤، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢١٧.\n(١٥) مجاز القرآن: ١/ ١٦٩.\n(١٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٧.","vol":"8","page":258},{"text":"قال الراغب: \" «الدائرة»: دوران الأمر من قولهم والدهر بالإنسان دواري، والدورة والدولة يتقاربان\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: \" فعسى الله أن يأتي بالفتح، وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار\" (٢).\nقال الزجاج: \" أي: فعسى الله أن يظهر المسلمين، و«عسى» من الله -جل وعز- واجبة\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين\" (٤).\nقال السعدي: أي: \" الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أربعة أقاويل:\nأحدها: يريد فتح مكة، قاله السدي (٦).\nوالثاني: فتح بلاد المشركين على المسلمين (٧).\nوالثالث: أنه القضاء الفصل، قاله قتادة (٨).\nوالرابع: يعني به: نصر محمدﷺ- الذي يئسوا منه. قاله مقاتل (٩).\nو«الفتح»: في كلام العرب، هو «القضاء»، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى\nذكره ومنه قوله تعالى: ﴿افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا -ﷺ- بقوله: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين (١٠).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: \" أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين\" (١١).\nقال الزمخشري: أي: \" أو أمر من عنده يقطع شأفة اليهود (١٢) ويجلبهم عن بلادهم\" (١٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، ستة أقاويل:\nأحدها: هو دون الفتح الأعظم (١٤).\nالثاني: أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين (١٥).\nالثالث: أنه الجزية، قاله السدي (١٦).\nوالرابع: أنه قتل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات. وهذا قول مقاتل (١٧).\n_________\n(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٧٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٨١.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢١٧٣): ص ١٠/ ٤٠٥.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢١٧٢): ص ١٠/ ٤٠٥.\n(٩) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٧.\n(١٢) في الصحاح «الشأفة» قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، فضرب بها المثل في الاستئصال.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٧.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٤٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢١٧٤): ص ١٠/ ٤٠٦.\n(١٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٤.","vol":"8","page":259},{"text":"والخامس: أي: أو أن يؤمر النبي - ﷺ - بإظهار أسماء المنافقين والأمر بقتلهم. قاله الحسن (١)، والزجاج (٢)، والزمخشري (٣).\nوالسادس: أنه الخصب والسعة للمسلمين (٤).\nقال الطبري: \" وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدًا ﷺ أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها، غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]، أي: \" فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم\" (٦).\nقال ابن الزبير: \" يقول: فيصبح الفساق على ما أسروا به أنفسهم نادمين\" (٧).\nقال قتادة: \" من موادّتهم اليهود، ومن غِشِّهم للإسلام وأهله\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي: فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب\" (٩).\nقال الطبري: \" يعني: هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم، نادمين\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" فيصبح المنافقون نادمين، على ما حدثوا به أنفسهم: وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله ﷺ ويقولون: ما نظن أن يتم له أمر، وبالحرى أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء\" (١١).\nقال السعدي: أي: \" على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" يعني: الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين، ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾ أي: على ما كان منهم، مما لم يُجْد عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨. ولم أقف عليه.\n(٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٨١.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٢٧): ص ٤/ ١١٥٩.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢١٧٥): ص ١٠/ ٤٠٧.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٦.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٢.","vol":"8","page":260},{"text":"قال الكلبي: \"فجاء الله بالفتح؛ فنصر نبيه، وجاء أمر الله من عنده بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبي ذراريهم؛ فندم المنافقون حتى ظهر نفاقهم، وأجلي أهل ودهم عن أرضهم\" (١).\nالفوائد:\n١ - موالاة الكافرين ناجمة عن ضعف الإيمان، فلذا تؤدى إلى الكفر.\n٢ - التحذير من موالاة المشركين ولو كان بسبب متاع زائل، أو دنيا فانية، أو خوف دوائر الدهر.\nوثبت في الصحيح عن النبي ﷺ- قال: \"المرء مع من أحب\" (٢)، ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرًا على المسلم لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم.\n\nالقرآن\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥٣]\nالتفسير:\nوحينئذ يقول بعض المؤمنين لبعض مُتعجِّبين من حال المنافقين -إذا كُشِف أمرهم-: أهؤلاء الذين أقسموا بأغلظ الأيمان إنهم لَمَعَنا؟ ! بطلت أعمال المنافقين التي عملوها في الدنيا، فلا ثواب لهم عليها; لأنهم عملوها على غير إيمان، فخسروا الدنيا والآخرة.\nقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: \" وحينئذ يقول بعض المؤمنين لبعض مُتعجِّبين من حال المنافقين -إذا كُشِف أمرهم-\" (٣).\nقال مجاهد: \"حينئذ، يقول الذين آمنوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ \" (٤).\nقال ابن كثير: \" فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: \" أهؤلاء الذين أقسموا بأغلظ الأيمان إنهم لَمَعَنا؟ ! \" (٦).\n_________\n(١) بحر العلوم: ٢/ ٣٣.\n(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. شعبة: هو ابن الحجاج، وسليمان بن مهران: هو الأعمش، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة.\nوأخرجه البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠)، من طريق محمد بن جعفر، بهذا الإسناد.\nوأخرجه مسلم (٢٦٤٠)، والشاشي (٥٧٥) و(٥٧٦) و(٥٧٧)، والقضاعي في \"الشهاب\" (١٨٩) من طرق عن شعبة، به.\nوأخرجه البخاري (٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤٠) (١٦٥)، وأبو يعلى (٥١٦٦) من طريق جرير -وهو ابن عبد الحميد-، عن الأعمش، به.\nوأخرجه الطيالسي (٢٥٣) من طريق عطاء بن السائب، والبزار (٣٥٩٧)، والدارقطني مطولا في \"السنن\" ١/ ١٣٢ من طريق سمعان بن مالك والمعلى المالكي، ثلاثتهم عن شقيق، به، وذكر الدارقطني أن سمعان والمعلى كلاهما مجهول.\nوأخرجه بنحوه الشاشي (٦٦٤) من طريق يحيى بن ثعلبة الأنصاري، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله، به.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢١٧٦): ص ١٠/ ٤٠٧.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٣.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٧.","vol":"8","page":261},{"text":"قال ابن عطية: \" المعنى: أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الأيمان إنهم لمعكم ثم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم\" (١).\nقال المراغي: \" أي: ويقول بعض المؤمنين لبعض متعجبين من حال المنافقين، إذا أقسموا بأغلظ الأيمان لهم إنهم معكم وإنهم معاضدوكم على أعدائكم اليهود، فلما حل بهم ما حل أظهروا ما كانوا يسرونه من موالاتهم وممالأتهم على المؤمنين كما قال فى سورة براءة «ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون» أي فهم لفرقهم وخوفهم يظهرون الإسلام تقية\" (٢).\nوفي معنى قوله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، وجهان:\nأحدهما: أن جهد أيمانهم: القسم بالله. قاله مقاتل (٣).\nوالثاني: المراد: أنهم حلفوا وأكدوا أيمانهم أنهم مؤمنون وأنهم معكم أعوانكم على من خالفكم. قاله الزجاج (٤).\nقال القرطبي: أي: \"حلفوا واجتهدوا في الأيمان\" (٥).\nقال الراغب: \" قوله: ﴿جهد أيمانهم﴾، أي: أبلغ الإيمان وأقصاها من قولهم جهد في الأمر\" (٦).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟\nقلت: إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص أهؤلاء الذين أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار.\nوإما أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة، كما حكى الله عنهم: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] \" (٧).\nقال الرازي: \" الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عند ما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟ \" (٨).\nوقد ذهب كثير من المفسرين: إلى \"أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا﴾ [المائدة: ٥٣] الآية.\nوتحتمل الآية: أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض: ﴿نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ [المائدة: ٥٢]، وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي ﷺ بني قينقاع لعبد الله بن أبي رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطنا يحسن أن يقول فيه المؤمنون: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا﴾ الآية\" (٩).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٧.\n(٢) افسير المراغي: ٦/ ١٣٨.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٥.\n(٤) مهعاني القرآن: ٢/ ١٨١.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٧٨.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(٨) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٧٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٦.","vol":"8","page":262},{"text":"قرأ أبو عمرو وحده: «ويقول الذين ءامنوآ»، بنصب «اللام»، ورفعه الباقون، فجعلوا الكلام مستأنفا. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «يقول»، بغير «واو»، مع رفع «اللام»، وكذلك في مصاحف أهل مكة والمدينة (١).\nقوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: \" بطلت أعمال المنافقين التي عملوها في الدنيا، فلا ثواب لهم عليها\" (٢).\nقال السمرقندي: أي: \" فلا ثواب لهم في الآخرة\" (٣).\nقال القرطبي: أي: \"بطلت نفاقهم\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي: ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه بكفرهم وصدهم، عن سبيل الله كما قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١] \" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس. وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول الله ﷿ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم\" (٦).\nقال النسفي: أي: \" ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة لا إيمانا وعقيدة وهذا من قول الله عزوجل شهادة لهم بحبوط الأعمال لهم وتعجيبا من سوء حالهم\" (٧).\nقال المراغي: \" أي: ويقول المؤمنون: حبطت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها نفاقا كالصلاة والصوم والجهاد معنا ليقنعونا بأنهم منا\" (٨).\nقال البيضاوي: \" فيه معنى التعجب كأنه قيل أحبط أعمالهم فما أخسرهم\" (٩).\nقال ابن عطية: \" وحبط العمل: إذا بطل بعد أن كان حاصلا، وقد يقال: حبط في عمل الكفار وإن كان لم يتحصل على جهة التشبيه\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، يحتمل ثلاثة وجوه (١١):\nأحدها: أن يكون إخبارا من الله تعالى وشهادة لهم بحبوط أعمالهم.\nوالثاني: ويحتمل: أن يكون من قول المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه الأحوال.\nوالثالث: ويحتمل: أن يكون قوله ﴿حبطت أعمالهم﴾، على جهة الدعاء إما من الله تعالى عليهم وإما من المؤمنين.\nقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣]، أي: \" فخسروا الدنيا والآخرة\" (١٢).\nقال السمرقندي: \"يعني: صاروا خاسرين في الدنيا وفي الآخرة\" (١٣).\nقال البغوي: \" خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٥، وزاد المسير: ١/ ٥٥٩\n(٢) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٣٩٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.\n(٥) معاني القرىن: ٢/ ١٨٢.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٤٣.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٥٤.\n(٨) افسير المراغي: ٦/ ١٣٨.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣١.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٧.\n(١١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٧، وتفسير البيضاوي: ٢/ ١٣١\n(١٢) التفسير الميسر: ١١٧.\n(١٣) بحر العلوم: ١/ ٣٩٨.\n(١٤) تفسيرالبغوي: ٣/ ٦٩.","vol":"8","page":263},{"text":"قال القرطبي: \" أي خاسرين الثواب. وقيل: خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وأجلائهم\" (١).\nقال النسفي: أي: \" في الدنيا والعقبى، لفوات المعونة ودوام العقوبة\" (٢).\nقال القاسمي: \" أي: في الدنيا، إذ ظهر نفاقهم عند الكل. وفي الآخرة، إذ لم يبق لهم ثواب\" (٣).\nقال المراغي: أي: \"فخسروا بذلك ما كانوا يرجون لها من أجر وثواب لو صلحت حالهم وقوى إيمانهم\" (٤).\nقال السعدي: \" حيث فاتهم مقصودهم، وحضرهم الشقاء والعذاب\" (٥).\nقال الرازي: \" لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الإتيان بتلك الأعمال، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها، بل استحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة\" (٦).\nوقرأ جمهور الناس: «حبطت»، بكسر الباء، وقرأ أبو واقد والجراح: «حبطت» بفتح الباء وهي لغة (٧).\nالفوائد:\n١ - بيان حبوط أعمال المنافقين، ليكون المؤمن لذلك من الحذرين.\n٢ - ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها.\n٣ - إن الولاء لغير الله ولو مَوَّه أصحابه عليه بادعاء الإيمان وأخوة أهل الإسلام كما بينته هذه الآية الكريمة ردة واضحة وكفر صراح مهما جادلوا، وما النص فيها على إحباط العمل وخسران الآخرة إلا زيادة تأكيد لهذا الكفر وتخويف منه.\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من يرجع منكم عن دينه، ويستبدل به اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك، فلن يضرُّوا الله شيئًا، وسوف يأتي الله بقوم خير منهم يُحِبُّهم ويحبونه، رحماء بالمؤمنين أشدَّاء على الكافرين، يجاهدون أعداء الله، ولا يخافون في ذات الله أحدًا. ذلك الإنعام مِن فضل الله يؤتيه من أراد، والله واسع الفضل، عليم بمن يستحقه من عباده.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"أي: صدّقوا لله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمد ﷺ\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" من يرجع منكم عن دينه الحق ويبدّله بدينٍ آخر ويرجع عن الإِيمان إِلى الكفر\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ٤٥٤.\n(٣) محاسن التأويل: ٤/ ١٦٤.\n(٤) افسير المراغي: ٦/ ١٣٨.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٣٥.\n(٦) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٧٧.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٩.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٣٢٣.","vol":"8","page":264},{"text":"قال الطبري: \"يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدِّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر\" (١).\nقال الواحدي: \" علم الله تعالى أنَّ قومًا يرجعون عن الإِسلام بعد موت نبيِّهم ﷺ\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" فسوف يأتي الله مكانهم بقوم خير منهم، يحبّهم الله ويحبّون الله\" (٣).\nقال الحسن: \"هذا والله أبو بكر وأصحابه\" (٤).\nقال ابن عباس: \" إنه وعيد من الله أنه من ارتد منهم سنستبدل بهم خيرا منهم\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" فلن يضر الله شيئا، فسوف يجيء الله بدلا منهم، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله، وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاةِ نبيّه محمد ﷺ. وكذلك وعدُه من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ. فلما قَبَض الله نبيَّه ﷺ، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم وعيدَه\" (٦).\nقال الواحدي: \" أخبرهم تعالى أنَّه سـ ﴿يأتي اللَّهُ بقوم يحبهم ويحبونه﴾، وهم أبو بكر ﵁ وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرِّدة\" (٧).\nقال الزمخشري: \" محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثنى عليهم ويرضى عنهم \" (٨).\nعن محمد بن كعب: \"أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة! قال محمدٌ: وما هي، أيها الأمير؟ قال: قول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾، حتى بلغ: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾، فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق\" (٩).\nقال قتادة: \" أنزل الله هذه الآية وقد علم أن سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلما قبض الله نبيَّه محمدًا ﷺ، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس قالوا: نصلي ولا نزكِّي، والله لا تُغصب أموالنا! فكُلِّم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها أو: أدَّوها، فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقالا مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه! فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله ﷺ، حتى سبَى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون وهي الزكاة صَغرة أقمياء، فأتته وفود العرب، فخيَّرهم بين خُطَّة مخزية أو حرب مُجْلية. فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠٩.\n(٢) الوجيز: ٣٢٤.\n(٣) انظر: صفوة التفاسير: ٣٢٣، والتفسير الميسر: ١١٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٧٨): ص ١٠/ ٤١١.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٣٦): ص ٤/ ١١٦٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٢٣.\n(٧) الوجيز: ٣٢٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٤٦ - ٦٤٧.\n(٩) اخرجه الطبري (١٢١٧٧): ١٠/ ٤١٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢١٨٤): ص ١٠/ ٤١٢ - ٤١٣.","vol":"8","page":265},{"text":"وفي وفي المراد بهؤلاء القوم أقوال:\nأحدها: أنهم أبو بكر وأصحابه ﵃ الذين قاتلوا معه أهل الردة، قاله: علي (١)، والحسن (٢)، وابن جريج (٣)، والضحاك (٤).\nقال أنس بن مالك ﵁: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره\" (٥).\nقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء\" (٦).\nوالثاني: أبو بكر، وعمر، روي عن الحسن، أيضا (٧).\nوالثالث: أنهم قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن، لأنه كان لهم في نصرة الإِسلام أثر حسن. وهذا قول عياض الأشعري (٨)، ومجاهد (٩)، وشريح بن عبيد (١٠).\nعن عياض الأشعري قال: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: أومأ رسول الله -ﷺ- إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قومُ هذا! \" (١١).\nقال شريح: \" لما أنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾، إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟ قال: «لا بل هذا وقومه!» يعني: أبا موسى الأشعري\" (١٢).\nوالرابع: أنهم أهل اليمن، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، ومحمد بن كعب القرظي (١٥)، وشهر بن حوشب (١٦).\nقال ابن عباس: \"هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب\" (١٧).\nقال ابن كثير: \" وهذا حديث غريب جدا\" (١٨).\nعن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: \"أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد: ﴿يأتي الله بقوم﴾، وهم أهل اليمن! قال عمر: يا ليتني منهم! قال: آمين! \" (١٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢١٨٦): ص ١٠/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٧٨) (١٢١٨٢): ص ١٠/ ٤١١ - ٤١٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢١٨٥): ص ١٠/ ٤١٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٨٣): ص ١٠/ ٤١٢.\n(٥) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٧/ ٤٢٨ - ٤٢٩، والبغوي في تفسيره: ٣/ ٦٩، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٥٥٩.\n(٦) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٧٠.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢١٨٨) - (١٢١٩٣): ص ١٠/ ٤١٣ - ٤١٦.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦٠.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢١٩٤): ص ١٠/ ٤١٦.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢١٨٨): ص ١٠/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٢١٩٤): ص ١٠/ ٤١٦.\n(١٣) رواه ابن ابي حاتم في رواية سعيد بن جبير عنه كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، وفي رواية الضحاك عنه، كما في زاد المسير: ١/ ٥٦٠.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٩٥) - (١٢١٩٧): ص ١٠/ ٤١٧، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٥٤٠): ص ٤/ ١١٦١، وتفسير مجاهد: ٣١١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٢١٩٩): ص ١٠/ ٤١٧.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢١٩٨): ص ١٠/ ٤١٧.\n(١٧) رواه ابن ابي حاتم في رواية سعيد بن جبير عنه كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٢) \"مجمع البحرين\".\n(١٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٦.\n(١٩) أخرجه الطبري (١٢١٩٩): ص ١٠/ ٤١٧.","vol":"8","page":266},{"text":"والخامس: أنهم الأنصار، قاله السدي (١).\nوالسادس: انهم أهل القادسية. قاله أبو بكر بن عياش (٢).\nوالسابع: المهاجرون والأنصار، ذكره أبو سليمان الدمشقي (٣).\nوالثامن: أنهم الفرس؛ ذكره الثعلبي (٤)، والسمعاني (٥)، والزمخشري (٦)، والرازي (٧)، وغيرهم.\nوذكروا أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما سئل عن هذه الآية ضرب يده على عاتق سلمان الفارسي وقال: «هذا وذووه،»، ثم قال: «لو كان الدين معلقا بالثريا لتناوله ناس من أبناء فارس» (٨).\nقال الشيخ ولي الدين العراقي: \"لم أقف عليه هكذا، ولعله وهم، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى آخر سورة القتال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة\" (٩).\nوالتاسع: وقالت الإمامية: نزلت في علي ﵁ وكرم الله وجهه وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين، وعنهم أنهم المهدي ومن يتبعه. ذكره الرازي (١٠)، والنيسابوري (١١)، والآلوسي (١٢)، وغيرهم.\nقال الآلوسي: \" ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة\" (١٣).\nوقال الرازي: \" ويدل عليه وجهان:\nالأول: أنه ﵇ لما دفع الراية إلى علي ﵇ يوم خيبر قال: «لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (١٤)، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية.\nوالوجه الثاني: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [المائدة: ٥٥]، وهذه الآية في حق علي، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في حقه\" (١٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٠٠): ص ١٠/ ٤١٧ - ٤١٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٥٣٩): ص ٤/ ١١٦١.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦٠.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ٧٩.\n(٥) انظر: تفسير السمعاني: ٥/ ١٨٧.\n(٦) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٦.\n(٧) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٧٨.\n(٨) مصنف ابن أبي شيبة (٣٢٥١٥): ص ٦/ ٤١٥، من حديث أبى هريرة، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠٤٧٠): ص ١٠/ ٢٠٤، من حديث ابن مسعود، ومجمع الزوائد (١٦٦٨٨) ص: ١٠/ ٦٥.\nقال الهيثمي: \"وفيه محمد بن الحجاج اللخمي، وهو كذاب\".\n(٩) نواهد الأبكار وشوارد الافكار: ٣/ ٢٧٩.\nونص الحديث: \" عن أبي هريرة، أنه قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ قال: فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان قال: «هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس» \".\nانظر: سنن الترمذي (٣٢٦١): ص ٥/ ٢٣٧، وقال: \"هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وقد روى عبد الله بن جعفر أيضا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن\"، والطبري: ٢٢/ ١٩٣، والحاكم: ٢/ ٤٥٨ وصححه، وعبد الرزاق في المصنف: ١١/ ٦٦، والمصنف في شرح السنة: ١٤/ ٢٠٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧/ ٥٠٦ لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل.\n(١٠) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٧٨.\n(١١) انظر: تفسير النيسابوري: ٢/ ٦٠٤.\n(١٢) انظر: روح المعاني: ٣/ ٢٣٠.\n(١٣) روح المعاني: ٣/ ٣٢٠.\n(١٤) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (١٠٥٦): ص ٢/ ٦١٨، والسنن الكبرى للنسائي (٨٣٤٤): ص ٧/ ٤١١.\n(١٥) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٧٨ ..","vol":"8","page":267},{"text":"قال الإمام الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله ﷺ: أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله ﷺ بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه، وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله ﷺ ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله ﷺ. ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله ﷺ: أنْ كان ﷺ مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآيِ كتابه\" (١).\nقال الراغب: \" وقيل: هى فيمن ارتد في زمن أبي بكر - ﵁ -، وقيل: فيمن كانوا مع النبي - ﷺ -، والأظهر أنه فيهم وفي غيرهم، وأنه وعد تعالى أنه يحفظ دينهم بقوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويتحرى مرضاتهم ويتحروا مرضاته، وذلك كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩] \" (٢).\nقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «يرتد»، بإدغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، وابن عامر: «يرتدد»، بدالين (٣).\nقال الزجاج: وأما: «من يرتدد» فهو الأصل، لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضعفين ظهر التضعيف، نحو قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ولو قرئت: إن يمسكم قرح، كان صوابا، ولكن لا تقرأن به لمخالفته المصحف، ولأن القراءة سنة\" (٤).\nقوله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين\" (٥).\nعن ابن عباس قوله: \" ﴿أذلة على المؤمنين﴾، يعني: بالأذلة الرحمة\" (٦).\nعن مجاهد: \" ﴿أعزة على الكافرين﴾، أشداء عليهم\" (٧).\nقال الواحدي: \" ﴿أذلة على المؤمنين﴾ كالولد لوالده والعبد لسيِّده، ﴿أعزة على الكافرين﴾ غلاظٍ عليهم كالسَّبع على فريسته\" (٨).\nقال الراغب: \" ﴿أذلة على المؤمنين﴾، أي: ليني الجانب على المؤمنين\" (٩).\nقال ابن كثير: \" هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي صفة النبي ﷺ أنه: \"الضحوك القتال\" فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" أذلة جمع ذليل. وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة، فقد غبي عنه أن ذلولا لا يجمع على أذلة. فإن قلت: هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف «كأنه قيل:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤١٩.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٨٠.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٥، وزاد المسير: ١/ ٥٥٩.\n(٤) معاني القرآن: ٢/! ٨٢.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٢٣.\n(٦) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤١): ص ٤/ ١١٦١.\n(٧) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤٣): ص ٤/ ١١٦١.\n(٨) الوجيز: ٣٢٤.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٨٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٦.","vol":"8","page":268},{"text":"عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ونحوه قوله ﷿: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] \" (١).\nوقرئ: «أذلة»، «وأعزة»، بالنصب على الحال (٢).\nقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" يجاهدون لإِعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم، فهم صلاب في دين الله لا يخافون في ذات الله أحدًا\" (٣).\nقال مجاهد: \" يسارعون في الحرب\" (٤).\nقال السمعاني: \" يعني: لا يخافون في الله لوم الناس\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل (٦).\nقال الزمخشري: \" يحتمل أن تكون الواو للحال، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود- لعنت- فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم، يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. واللومة: المرة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام\" (٧).\nقال القرطبي: قوله ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾، أي: بخلاف المنافقين يخافون الدوائر، فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، لأنهم جاهدوا في الله ﷿ في حياة رسول الله ﷺ، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة\" (٨).\nقال أبو ذر: \" أمرني خليلي ﷺ بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش\" (٩).\nوفي رواية اخرى عن ابي ذر أيضا: \" بايعني رسولُ الله ﷺ خمسا وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: \"هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ \" قلت: نعم، قال: وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط: على ألا تسأل الناس شيئا؟ قلت: نعم قال: \"ولا سوطك وإن سقط منك يعني: تنزل إليه فتأخذه\" (١٠).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٢٣.\n(٤) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤٤): ص ٤/ ١١٦١.\n(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٤٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٩) المسند (٥/ ١٥٩).\n(١٠) المسند (٥/ ١٧٢).","vol":"8","page":269},{"text":"عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا لا يمنعن أحدكم رَهْبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم\" (١).\nوعن أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي ﷺ قال: \"إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أيْ عبدي، رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لَقَّن الله عبدًا حجته، قال: أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس\" (٢).\nوعنهﷺ-: \"ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه\"، قالوا: وكيف يذلّ نفسه يا رسول الله؟ قال: \"يتحمل من البلاء ما لا يطيق\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" ذلك الإنعام مِن فضل الله يؤتيه من أراد\" (٤).\nقال السدي: \" يختص به من يشاء\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له\" (٦).\nقال الواحدي: \" أَيْ: محبَّتهم لله ﷿ ولين جانبهم للمسلمين وشدَّتهم على الكفَّار بفضلٍ من الله عليهم\" (٧).\nقال الزمخشري: \" و﴿ذلك﴾، إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة، ﴿يؤتيه﴾، يوفق له ﴿من يشاء﴾، ممن يعلم أن له لطفا\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: \" والله واسع الفضل، عليم بمن يستحقه من عباده\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يَحْرمه إياه\" (١٠).\nقال القرطبي: \" أي واسع الفضل، عليم بمصالح خلقه\" (١١).\nقال الزمخشري: \" ﴿واسع﴾: كثير الفواضل والألطاف، ﴿عليم﴾: بمن هو من أهلها\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار.\n٢ - الآية تدل على اشتراط المحبة في شهادة أن لا إله إلا الله التي لاتنفع قائلها إلا باجتماعها فيه (١٣)، ومنه قولهﷺ-: \" «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن\n_________\n(١) المسند (٣/ ٥٠).\n(٢) المسند (٣/ ٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٤٤): \"هذا إسناد صحيح\".\n(٣) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٥٤) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠١٦).\nقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\". وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٥) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤٥): ص ٤/ ١١٦٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.\n(٧) الوجيز: ٣٢٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٧.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.\n(١١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢١.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(١٣) شروطها سبعة: الأول: العلم بمعناها نفيا وإثباتا. الثاني: استيقان القلب بها، الثالث: الانقياد لها ظاهرا وباطنا. الرابع: القبول لها فلا يرد شيئا من لوازمها ومقتضياتها. الخامس: الإخلاص فيها. السادس: الصدق من صميم القلب لا باللسان فقط. السابع: المحبة لها ولأهلها، والموالاة والمعاداة لأجلها. [انظر: أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة: ١٠].","vol":"8","page":270},{"text":"يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (١).\n٣ - فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن.\n٤ - فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين، وفضل الجهاد في سبيل الله وقول الحق والثبات عليه وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك.\n٤ - أرشدت هاته الآية إلى آية الصدق في دعوى حب العبد ربه، وأثبتت لهؤلاء المحبين أربع صفات على النحو الآتي (٢):\n- الوصف الأول: أنهم أذلة على المؤمنين فلا يحاربونهم ولا يقفون ضدهم ولا ينابذونهم.\n- الوصف الثاني: أنهم أعزة على الكافرين أي أقوياء عليهم غالبون لهم.\n- الوصف الثالث: أنهم يجاهدون في سبيل الله أي يبذلون الجهد في قتال أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.\n- الوصف الرابع: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم. أي إذا لامهم أحد على ما قاموا به من دين الله لم يخافوا لومته، ولم يمنعهم ذلك من القيام بدين الله ع وجل.\nومجموع ما أفادته من صفات هي الدلائل على صدق المحبة لله، وهي: اتباع الرسول - ﷺ -، والتراحم مع الإِخوان في الدين، والشدة على الأعداء فيه، والقيام بكل ما يؤيد الدين، وعدم التقصير في الصدع بالحق مراعاة للناس.\n٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما «الواسع»، و«العليم»:\n- «الواسع»: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده ووسع رزقه جميع خلقه. والسعة في كلام العرب: الغنى.\nويقال: الله يعطي عن سعة، أي: عن غنى، ومن هذا قول الشاعر (٣):\nرعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله عن يشقيك أغنى وأوسع (٤)\n- و«العليم»: من أسمائه -﷿-، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٥).\nقال الخطابي: \" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦، ٢١، ٦٩٤١)، ومسلم (الإيمان / ٦٧، ٦٨).\n(٢) انظر: شرح كشف الشبهات، للشيخ ابن عثيمين: ١٣٧، ورسالة الشرك ومظاهره: ٢٦٧.\n(٣) البيت في أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٥٢. ومع آخر بعده: يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع في الحماسة بشرح المرزوقي ٣/ ١٣١٦، والتبريزي ٣/ ٢٧٠، وفي البيان والتبيين ٣/ ٣٣٠، والحيوان ٧/ ١٤٨، نسبهما لأعرابي من هذيل. ولم أجدهما في أشعارهم والبيت الشاهد يروى: يسقيك، من السقيا. ويشقيك: من الشقاء.\nوجاء الرواية في المرزوقي بالفاء -من الشفاء- وأظنها تصحيف لأن التبريزي نقله عنه بالسين المهملة. ويروى أيضا: \"أن، وعن يشقيك\" وإبدال الهمزة عينا لغة معروفة لبني تميم، وتسمى هذه اللغة: عنعنة تميم. قال ذو الرمة:\nأعن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم\nانظر ديوانه ١/ ٣٧١، والبيت مطلع قصيده طويلة أبياتها (٨٤) بيتا.\n(٤) انظر: شأن الدعاء: ١/ ٧٢.\n(٥) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.","vol":"8","page":271},{"text":"الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] \" (١).\n\nالقرآن\n﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥]\nالتفسير:\nإنما ناصركم -أيُّها المؤمنون- الله ورسوله، والمؤمنون الذين يحافظون على الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة عن رضا نفس، وهم خاضعون لله.\nاختلف فيمن نزلت الآية على خمسة أقوال:\nأحدها: انها نزلت في علي﵁- تصدق علي بخاتمه وهو راكع. وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعتبة بن أبي حكيم (٤)، وسلمة بن كهيل (٥)، ومقاتل (٦).\nوالثاني: قال جابر بن عبد الله: \"جاء عبد الله بن سلام إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن قوما من قريظة والنضير قد هاجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، وشكى ما يلقى من اليهود، فنزلت هذه الآية، فقرأها\n_________\n(١) شأن الدعاء: ٥٧.\n(٢) روي عنه قي ذلك ثلاثة روايات:\nأحدها: - روي عنه: \" نزلت في علي بن أبي طالب\". أخرجه عبد الرزاق؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٧٤): ثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ عبد الوهاب هذا متروك الحديث.\nوقال ابن كثير: \"عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به\".\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد والطبري -ولم نجده فيه- وأبي الشيخ وابن مردويه.\nوالثاني: وفي رواية أخرى عن ابن عباس: \" كان علي بن أبي طالب قائمًا يصلي، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمة؛ فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ \". أخرجه ابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٧٤)، و\"تخريج أحاديث الكشاف\" (٢/ ٤٠٩) من طريق الثوري عن أبي سنان عن الضحاك عن ابن عباس به.\nقال الزيلعي في \"تخريج الكشاف\": \"وفيه انقطاع؛ فإن الضحاك لم يلق ابن عباس\".\nوقال ابن كثير: \"الضحاك لم يلق ابن عباس\"؛ وهو كما قالا؛ فالأثر ضعيف.\nوالثالث: وفي رواية أخرى عن ابن عباس ايضا: \" نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم\".\nأخرجه ابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٧٤) من طريق ميمون بن مهران عنه به.\nقلنا: وسنده ضعيف.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٢١٤): ص ١٠/ ٤٢٦. فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري، منكر الحديث متروك. مترجم في لسان الميزان، والكبير للبخاري ٤/ ١/١٠١، وابن أبي حاتم ٣/ ٢/٤٨، وفيه أيضا عبد العزيز؛ وهو متروك.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٢١٣): ص ١٠/ ٤٢٦. [عتبة بن أبي حكيم الهمداني، ثم الشعباني، أبو العباس الأردني. ضعفه ابن معين، وكان أحمد يوهنه قليلا، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، وفيه إسناده أيوب بن سويد؛ وهو ضعيف؛ كما في ترجمته في \"التهذيب\" (١/ ٤٠٦)، و\"الميزان\" (١/ ٢٨٧، ٢٨٨)]\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٦٢ رقم ٦٥٥١) من طريق موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ لإعضاله، وموسى رمي بالتشبيع وهذا الحديث منقبة لعلي.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٥) وزاد نسبته لأبي الشيخ وابن عساكر.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦. ومقاتل شيعي زيدي، فيؤخذ كلامه فى مدح علي بتحفظ.","vol":"8","page":272},{"text":"عليه رسول الله - ﷺ - فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء\" (١). وروي عن الكلبي نحوه (٢).\nوالثالث: أن عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية في حقه، وهذا قول عبادة بن الوليد (٣)، وعطية العوفي (٤).\nوالرابع: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، قاله ابن عباس أيضا (٥)، وعكرمة (٦).\nوالخامس: أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي منهم، قاله الحسن (٧).\nقال ابن كثير: \" قد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت، ﵁، حين تبرأ من حلْف يَهُود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، أي: \"إنما ناصركم -أيُّها المؤمنون- الله ورسوله والمؤمنون\" (٩).\nقال ابن عباس: \" يعني: إنه من أسلم تولاه الله ورسوله والذين آمنوا\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله\" (١١).\nقال ابن كثير: \"أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين\" (١٢).\nقال المراغي: \" أي لا ولى لكم أيها المؤمنون ولا ناصر ينصركم إلا الله ورسوله والمؤمنون الصادقون\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" عقب النهى عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، ومعنى «إنما» وجوب اختصاصهم بالموالاة\" (١٤).\nقال أبو السعود: \" لما نهاهم الله ﷿ عن موالاة الكفرة وعلله بأن بعضهم أولياء بعض لا يتصور ولايتهم للمؤمنين وبين أن من يتولاهم يكون من جملتهم بين ههنا من هو وليهم بطريق قصر الولاية عليه كأنه قيل لا تتخذوهم أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم إنما أوليائكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى غيرعم وإنما أفرد الولي مع تعدده للإيذان بأن الولاية أصالة لله تعالى وولايته ﵇ وكذا ولاية المؤمنين بطريق التبعية لولايته ﷿\" (١٥).\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٩٩.\n(٢) انظر: أسباب النزول للواحدي: ١٩٩ - ٢٠٠. إسناده مظلم، كما تقدم، وهذه هي سلسلة الكذب كما سماها السيوطي، ومتنه غريب جدا.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٠٧): ص ١٠/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٠٨): ص ١٠/ ٤٢٥، ومصنف ابن أبي شيبة (١٢٣٥١): ص (١٢/ ١٣٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٥٥٢): ص ٤/ ١١٦٣.\nوسنده ضعيف؛ فيه علتان:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: عطية؛ صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ٨١، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٢١.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦١. ولم أقف عليه.\n(٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦١. ولم أقف عليه.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٩.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٧.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٤٦): ص ٤/ ١١٦٢.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.\n(١٣) تفسير المراغي: ٦/ ١٤٣.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(١٥) تفسير أبي السعود: ٣/ ٥٢.","vol":"8","page":273},{"text":"قال السعدي: \" فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، فأداة الحصر في قوله ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم \" (١).\nقال البيضاوي: \" الولاية لله أصل ولغيره تبع ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ومحل\" (٢).\nقال التستري: \" ولا تتم الولاية من الله تعالى إلا بالتبري ممن سواه\" (٣).\nعن عقبة بن أبي حكيم في قوله: \" ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، قال: علي بن أبي طالب\" (٤).\nعن عبد الملك بن أبي سليمان قال: \" سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، قلت: نزلت في علي، قال: علي من الذين آمنوا\" (٥).\nقال السدي: \" هم المؤمنون وعلي منهم\" (٦).\nوفي قراءة عبد الله: «إنما مولاكم» (٧).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، أي: \"الذين يحافظون على الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة عن رضا نفس، وهم خاضعون لله\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين\" (٩).\nقال السعدي: أي: \"وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم\" (١٠).\nقال الزهري: \"إقامتها: أن تصلي الأوقات الخمس لوقتها\" (١١).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٣٦.\n(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٤٥٦.\n(٣) تفسير سهل التستري: ٢٣.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٤٩): ص ٤/ ١١٦٢.\nوردوا على هذا القول:\nأن الآية صيغة جمع وعلي﵁- واحد.\nأن «الواو» ليست في ﴿وهم راكعون﴾ «واو» الحال، إذ لو كان كذلك لتعين بالبدء إعطاء الزكاة في الصلاة حال الركوع.\nومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس كذلك بالإتفاق وإن في الصلاة شغلا\nومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة زمن النبي ﷺ ولا كان له خاتم أو كان له فالخاتم زكاة ماذا لأن أكثر الفقهاء لا يجوزون إخراج الخاتم في الزكاة، وفي حديثهم أنه أعطاه سائلا والمدح في الزكاة أن يخرجها إبتداء وعلى الفور.\nومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٤٧): ص ٤/ ١١٦٢، وانظر: تفسير الطبري (١٢٢١١): ص ١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦، سنده صحيح لكنه مرسل.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٤٨): ص ٤/ ١١٦٢.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٨.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٦.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٥٠): ص ٤/ ١١٦٢.","vol":"8","page":274},{"text":"قال الزجاج: \" وإقامتها تمامها بجميع فرضها، وأول فروضها صحة الإيمان بها وهذا\nكقولك: فلان قائم بعلمه الذي وليه، تأويله إنه يوفي العمل حقوقه، ومعنى: ﴿يقيمون﴾ من قولك هذا قوام الأمر\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، أي: \" وهم خاضعون لله\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: خاضعون لله ذليلون\" (٣).\nقال الزمخشري: \"الواو فيه للحال، أى: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا\" (٤).\nقال ابو السعود: \" حال مع فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى\" (٥).\nوالمراد بالركوع هاهنا التواضع والخضوع، ومن قول الشاعر (٦):\nلا تُهينَ الفقير علَّك أَنْ ... تركع يوما والدهرُ قد رفعَهْ\nفقوله: \"تركع\"، أي: تخضع وتنقاد، والمراد انحطاط الحال.\nقال ابن كثير: \" توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه: ذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه\" (٧).\nالفوائد:\n١ - أن المؤمنين أولياء الله، يتولون أمره ويقيمون دينه، والله تعالى وليهم، يتولاهم بالمعونة والتسديد والحفظ والتوفيق، والميزان لهذه الولاية قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، [يونس: ٦٢ - ٦٣].\nوبذلك فغن الولاية تنقسم إلى:\n- ولاية من الله للعبد: ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، [البقرة: من الآية ٢٥٧].\n- ولاية من العبد لله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، [المائدة: من الآية ٥٦].\nوالولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى عامة وخاصة:\n- فالولاية العامة: هي الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق; فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير والتصريف والسلطان وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، [الأنعام: ٦٢].\n- والولاية الخاصة: أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته، وهذه خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، [البقرة: من الآية ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَلا\n_________\n(١) نعاني القرآن: ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٣٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٤٩.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٣/ ٥٢.\n(٦) لقائل هو: الأضبط بن قريع السعدي، من عوف بن كعب، من رهط الزبرقان بن بدر، ورهط أنف الناقة، جاهلي قديم؛ له أخبار مع قومه مذكورة، في كتب الأدب.\nالخزانة: ١١/ ٤٥٥ - الشعر والشعراء: ١/ ٣٨٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.","vol":"8","page":275},{"text":"إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، [يونس: ٦٢ - ٦٣].\n٢ - ومن الفوائد: إثبات موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم، فالله يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليا فقد بارزه بالمحاربة، وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه، قال تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ [الإسراء: ١١١]. فالله تعالى ليس له ولي من الذل، بل لله العزة جميعا، خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه ١ لذله وحاجته إلى ولي ينصره (١).\n٣ - فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع والتواضع.\n٢ - استدل الروافض بهذه الآية على أن الخليفة بعد رسوله الله ﷺ هو علي بن أبي طالب﵁- ثم الأئمة من آل البيت على ترتيبهم لديهم.\nفالرد على استدلالهم بها ما يلي:\nأولا: - أن الآية عامة فمن ناحية لفظها ليس فيها تخصيص لأحد.\nثانيا: - أن سبب نزول الآية ذكر فيه العلماء أقوالا: كما سبق، وقيل: أنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ حيث تصدق بخاتمه على مسكين وهو راكع، وروي ذلك عن مجاهد وعتبة بن أبي حكيم وغيرهم، إلا أن هذه الروايات لا يصح منها شيء، قال ابن كثير عنها: \"وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف إسنادها وجهالة رجالها\" (٢).\nفهذه الأقوال تبين أن الآية ليست خاصة بعلي ﵁، وأن الروايات الواردة في أنها نزلت في علي ضعيفة، وكذلك يتبين كذب الرافضة حين يدعون أن الروايات واردة لدى أهل السنة في الصحاح الستة حيث لم ترد في أي من الصحاح.\nثالثا: - أن حمل الآية على الخلافة غير صحيح لأن التولي من معانيه النصرة والتأييد والمحبة فحملها على الخلافة يحتاج إلى دليل خاص وليس عندهم دليل خاص.\nقال الرازي: \" وأما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين\" (٣).\nالقرآن\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦]\nالتفسير:\nومن وثق بالله وتولَّى الله ورسوله والمؤمنين، فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون المنتصرون.\nسبب النزول:\nقال عبادة بن الصامت: \"نزلت: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وذاك لقول عبادة بن الصامت: أتولى الله ورسوله، وتبرئه من بني قينقاع من حلفهم وولايتهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٦]، أي: \" ومن وثق بالله وتولَّى الله ورسوله والمؤمنين\" (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٣٥٨\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٩.\n(٣) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٥٣): ص ٤/ ١١٦٣، والطبري (١٢٢٠٧): ص ١٠/ ٤٢٤، بنحوه، وابن إسحاق في سيرته: ٣١٥.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٧.","vol":"8","page":276},{"text":"قال السمرقندي: \" يعني: يجعل الله ناصره ويجالس النبي ﷺ وأصحابه\" (١).\nقال الواحدي: \" يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين\" (٢).\nقال القرطبي: \" أي من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله. وقيل: أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين\" (٣).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: \" ومن يتول الله تعالى بالإيمان به والتوكل عليه، ويتول الرسول والمؤمنين بنصرهم وشد أزرهم، وبالاستنصار بهم دون أعدائهم\" (٤).\nقال ابن عباس -﵄-: \"يريد المهاجرين والأنصار\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، أي: \"، فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون المنتصرون\" (٦).\nقال السدي: \" أخبرهم، يعني: الرب تعالى ذكره مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾، والحزب، هم الأنصار\" (٧).\nقال السمرقندي والسمعاني: \" يعني: جند الله هم الغالبون\" (٨).\nقال المراغي: أي: \" فإنهم هم الغالبون، ولا يغلب من يتولاهم، لأنهم حزب الله\" (٩).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: \" فإنهم هم الغالبون، فلا يغلب من يتولاهم ; لأنهم حزب الله تعالى، ففيه وضع المظهر موضع الضمير، ونكتته بيان علة كونهم هم الغالبين\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: فإنه من الحزب المضافين إلى الله إضافة عبودية وولاية، وحزبه هم الغالبون الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].\nوهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا\" (١١).\nقال الزمخشري: \" وأصل «الحزب»: القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ويحتمل أن يريد بحزب الله: الرسول والمؤمنين، ويكون المعنى: ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب\" (١٢).\nقال الواحدي: \" معنى ﴿هم الغالبون﴾: أنهم غلبوا اليهود فقتلوا قريظة، وأجلوا بني النضير من ديارهم، وغلبوهم عليها، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا\" (١٣).\nقال الطبري: \" وهذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه جميعًا الذين تبرأوا من حلف اليهود وخلعوهم رضًى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والذين تمسكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٠١.\n(٢) الوسيط: ٢/ ٢٠٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٢.\n(٤) تفسير المنار: ٦/ ٣٦٦.\n(٥) انظر: التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٢٠٢، وتفسير البغوي: ٣/ ٧٣.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٢١٥): ص ١٠/ ٤٢٧.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٤٠١، وتفسير السمعاني: ٢/ ٤٨\n(٩) تفسير المراغي: ٦/ ١٤٤.\n(١٠) تفسير المنار: ٦/ ٣٦٦.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٦.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٤٩.\n(١٣) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٠٢.","vol":"8","page":277},{"text":"تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم أنّ مَن وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادّهم، لأنهم حزب الله، وحزبُ الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان\" (١).\nقال ابن كثير: \" فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة [ومنصور في الدنيا والآخرة\" (٢).\nوفي معنى قوله: ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٦]، وجوه:\nأحدها: جند الله، قاله الحسن (٣).\nوالثاني: أولياء الله. قاله أبو روق (٤).\nوالثالث: شيعة الله، قاله أبو العالية (٥).\nوالرابع: أنصار الله (٦).\nوالخامس: أن حزب الله هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم. قاله الأخفش (٧).\nقال الواحدي: \"معنى: «الحزب» في اللغة: الجماعة، وحزب الرجل: أصحابه الذين معه على رأيه، والمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان \" (٨).\nقال رؤبة بن العجاج (٩):\nأَلَقَيتُ أَقْوَالَ الرِّجَالِ الكُذْبِ ... ولست أَضْوَى وَبِلالٌ حِزْبِي!\nيعني بقوله: أضوى، أستضْعَفُ وأضام من الشيء الضاوي، وقوله: وبلال حزبي، يعني: ناصري (١٠).\nقال القرطبي: \" والمؤمنون حزب الله، فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية.\nوالحزب: الصنف من الناس، وأصله من النائبة من قولهم: حزبه كذا أي نابه، فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها، وحزب الرجل أصحابه.\nوالحزب: الورد، ومنه الحديث «من فاته حزبه من الليل» (١١)، وقد حزبت القرآن.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٨.\n(٣) انظر: التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٢٠٢، ومفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٧، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٢\n(٤) انظر: التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٢٠٢، ومفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٧.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٧.\n(٦) انظر: التفسير الوسيط للواحدي: ٢/ ٢٠٢، ومفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٧، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٢.\n(٧) انظر: تفسير النيسابوري: ٢/ ٦٠٧، ولم اجده في معاني القرآن.\n(٨) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٠٢، ونقله الرازي في مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٧.\n(٩) ديوانه: ١٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٩، وتفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٨، وفيهما\" فَكَيْفَ أَضْوَى\". من أرجوزة يمدح بها بلال ابن أبي بردة.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٨.\n(١١) المسند (٢٢٠): ص ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤، إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عتاب بن زياد، فقد روى له ابن ماجه وهو ثقة. وهو في \" الزهد \" لابن المبارك (١٢٤٧).\nوأخرجه الدارمي (١٤٧٧)، ومسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، وابن ماجه (١٣٤٣)، والترمذي (٥٨١)، والنسائي ٣/ ٢٥٩، وأبو عوانة ٢/ ٢٧١، وابن حبان (٢٦٤٣)، والبيهقي ٢/ ٤٨٤ و٤٨٥، والبغوي (٩٨٥) من طرق عن يونس بن يزيد، بهذا الاسناد.\nوأخرجه أبو عوانة ٢/ ٢٧١ من طريق عقيل بن خالد، عن الزهري، به.\nوأخرجه النسائي ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، به. بإسقاط السائب بن يزيد وعبيد الله.\nوأخرجه موقوفا على عمر: مالك في \" الموطأ \" ١/ ٢٠٠ عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر قال: من فاته حزبه من الليل، فقرأه حين تزول الشمس، إلى صلاة الظهر، فانه لم يفته، أو كأنه أدركه.\nومن طريق مالك أخرجه النسائي ٣/ ٢٦٠، والبيهقي ٢/ ٤٨٤ و٤٨٥.\nقال ابن عبد البر - فيما نقله عنه الزرقاني ٢/ ٩ -: \" هذا وهم من داود، لأن المحفوظ من حديث ابن شهاب، عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر: من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل، ومن أصحاب ابن شهاب من رفعه عنه بسنده عن عمر، عن النبي ﷺ، وهذا عند العلماء أولى بالصواب من رواية داود حين جعله من زوال الشمس إلى صلاة الظهر، لأن ذلك وقت ضيق قد لا يسع الحزب، ورب رجل حزبه نصف القرآن، أو ثلثه، أو ربعه، ونحوه، لأن ابن شهاب أتقن حفظا، وأثبت نقلا \".\n«من فاته حزبه ..» أي: ورده الذي اعتاده من قراءة أو صلاة، الزرقاني ٢/ ١٣.","vol":"8","page":278},{"text":"والحزب: الطائفة، وتحزبوا اجتمعوا، والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء، وحزبه أمر، أي: أصابه\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن ولاية الله ورسوله والمؤمنين الصادقين توجب لصاحبها النصر والغلبة على أعدائه.\n٢ - ومنها: بيان لما تثمره الموالاة لله ورسوله والمؤمنين، فإن من يوالى الله يكون من حزب الله، ومن كان فى حزب الله فهو من الفائزين، لأنه فى ضمان الله، وفى جنده الذين لا يغلب أبدا .. ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ [المجادلة: ٢١].\n٣ - استدل الشيعة بالآية على ثبوت إمامة علي﵁- بالنص، بناء على ما روي من نزول الآية فيه، وجعلوا الولي فيها بمعنى المتصرف في أمور الأمة، وقد بينا في تفسير الآية السابقة ضعف كون المؤمنين في الآية يراد به شخص واحد. وعلمنا من السياق أن الولاية هاهنا ولاية النصر، لا ولاية التصرف والحكم ; إذ لا مناسبة له في هذا السياق.\nوقد رد عليهم الرازي، وغيره بوجوه (٢)، وهذه المجادلات ضارة غير نافعة، فهي التي فرقت الأمة وأضعفتها، فلا نخوض فيها، ولو كان في القرآن نص على الإمامة لما اختلف الصحابة فيها ; أو لاحتج به بعضهم على بعض، ولم ينقل ذلك (٣).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة: ٥٧]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٦.\nقال الرازي: \" وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول: هذا أيضا ضعيف من وجوه:\nالأول: - أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى وآتوا الزكاة [البقرة: ٤٣] فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب، وذلك عند أكثر العلماء معصية، وأنه لا يجوز إسناده إلى علي ﵇، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله وآتوا الزكاة ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب.\nالثاني: - وهو أن اللائق بعلي ﵇ أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه، ولهذا قال تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩١]، ومن كان قلبه مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير.\nالثالث: أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير، واللائق بحال علي ﵇ أن لا يفعل ذلك. الرابع: أن المشهور أنه ﵇ كان فقيرا ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه، ولذلك فإنهم يقولون: إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة ﴿هل أتى﴾ [الإنسان: ١] وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيرا، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله ويؤتون الزكاة وهم راكعون عليه.\nالوجه الخامس: - هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب، وقد سبق الكلام فيه\".انتهى\n(٣) انظر: تفسير المنار: ٦/ ٣٦٦.","vol":"8","page":279},{"text":"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الذين يستهزئون ويتلاعبون بدينكم من أهل الكتاب والكفارَ أولياءَ، وخافوا الله إن كنتم مؤمنين به وبشرعه.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس: \" كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فأنزل الله فيهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (١) \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٧]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله\" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: المنافقين الذين أقروا باللسان وليس الإيمان في قلوبهم\" (٥).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٦).\nقال خيثمة: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٧).\nقال ابن عثيمين: \" إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٨).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥٧]، أي: \" لا تتخذوا الذين يستهزئون ويتلاعبون بدينكم من أهل الكتاب والكفارَ أولياءَ\" (١٠).\nقال السدي: \" نهاهم وتقدم إليهم\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هُزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، يعني اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليهم الكتب من قبل بَعْث نبينا ﷺ، ومن قبل نزول كتابنا أولياء، يقول: لا تتخذوهم، أيها\n_________\n(١) [سورة المائدة: ٦١].\n(٢) أخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٧) -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٢١٦): ص ١٠/ ٤٢٩ - ٤٣٠، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٦٥٥٦): ص ٤/ ١١٦٣، وذكره الواحدي في أسباب النزول: ٢٠٠.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق محمد بن أبي محمد.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٧) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\nوقال محقق أسباب النزول للواحدي: أخرجه\" ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ﵄ به. وإسناده حسن. [انظر: أسباب النزول: ٢٠٠]\n(٣) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٨.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٧.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٥٥): ص ٤/ ١١٦٣.","vol":"8","page":280},{"text":"المؤمنون، أنصارًا أو إخوانًا أو حُلفاء، فإنهم لا يألونكم خَبَالا وإن أظهروا لكم مودّة وصداقة\" (١).\nقال الزمخشري: \" يعنى أن اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة، وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار- وإن كان اهل الكتاب من الكفار- إطلاقا للكفار على المشركين خاصة، والدليل عليه قراءة عبد الله: «ومن الذين أشركوا» \" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: الذين آمنوا بلسانهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم. ويقال: أراد به المخلصين نهاهم الله تعالى عن ولاية الكفار\" (٣).\nقال أبو السعود: \" بيان للمستهزئين والتعرض لعنوان إيتاء الكتاب لبيان كمال شناعتهم وغاية ضلالتهم لما أن إيتاء الكتاب وازع لهم عن الاستهزاء بالدلين المؤسس على الكتاب المصدق لكتابهم ﴿والكفار﴾ أي المشركين خصوا به لتضاعف كفرهم وهو عطف على الموصول الأول ففيه إشعار بأنهم ليسوا بمستهزئين كما ينبىء عنه تخصيص الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب هل تنقمون منا﴾، الآية\" (٤).\nقال مكي: \" أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزوًا ولعبًا، وهم قد أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني التوراة والإنجيل، و[حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش\" (٥).\nقال الراغب: \" نهاهم عن موالاة المتهكمين بدين الحق أي عن الاستعانة بالمشركين\" (٦).\nقال الواحدي: \" معنى اتخاذهم الدين هزو ولعبا: تلاعبهم بالدين وإظهارهم ذلك باللسان واستبطانهم الكفر\" (٧).\nقال البغوي: \" بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون الكفر\" (٨).\nقال ابن عطية: \" نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنبهم، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين هزوا ولعبا والهزء السخرية والازدراء\" (٩).\nقال الجصاص: \" فيه نهي عن الاستنصار بالمشركين; لأن الأولياء هم الأنصار\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يستهزئون بها، ﴿وَلَعِبًا﴾ يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد كما قال القائل (١١):\nوَكَمْ مِنْ عَائبٍ قَولا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِن الْفَهم السَّقِيمِ\" (١٢)\nقال الشوكاني: \" هذا النهي عن موالاة المتخذين الدين هزؤا ولعبا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام، والبيان بقوله: ﴿من الذين\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٥٠.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤٠١.\n(٤) تفسير ابي السعود: ٣/ ٥٣.\n(٥) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٢/ ١٧٨٨.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٨٤.\n(٧) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٠٢.\n(٨) تفسير البوغي: ٣/ ٧٣.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٩.\n(١٠) أحكام القرىن: ٢/ ٥٥٩.\n(١١) البيت للمتنبي. وهو في ديوانه بشرح العكبري: ٤/ ١٢٠.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٠.","vol":"8","page":281},{"text":"أوتوا الكتاب﴾، إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي\" (١).\nقال السعدي: \" ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سائر الكفار أولياء يحبونهم ويتولونهم، ويبدون لهم أسرار المؤمنين، ويعاونونهم على بعض أمورهم التي تضر الإسلام والمسلمين، وأن ما معهم من الإيمان يوجب عليهم ترك موالاتهم، ويحثهم على معاداتهم\" (٢).\nقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة: ﴿والكفار﴾ نصبا، وقرأ أبو عمرو والكسائى: «والكفار» خفضا، وروى حسين الجعفى عن أبي عمرو: ﴿الكفار﴾ نصبا (٣).\nقال الطبري: \" إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب\" (٤).\nوقرأ ابن مسعود: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» (٥).\nويقرأ «هزؤا» بضم الزاي والهمز، و«هزؤا» بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزا بتشديد الزاي المفتوحة، و«هزوا» بضم الزاي وتنوين الواو، و«هزا» بزاي مفتوحة منونة (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، أي: \" وخافوا الله إن كنتم مؤمنين به وبشرعه\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني: إن كنتم مصدقين فلا تتخذوهم أولياء، يعني: كفار العرب حين، قال عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نتيل وأبو لبابة وغيرهم من اليهود: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، حين كتبوا إليهم\" (٨).\nقال الطبري: أي: \" وخافوا الله، أيها المؤمنون الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار، أن تتخذوهم أولياء ونصراء، وارهبوا عقوبته في فعل ذلك إن فعلتموه بعد تقدُّمه إليكم بالنهي عنه، إن كنتم تؤمنون بالله وتصدِّقونه على وعيده على معصيته\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \"واتقوا الله في موالاة الكفار وغيرها، إن كنتم مؤمنين حقا لأن الإيمان حقا يأبى موالاة أعداء الدين اتخذوها الضمير للصلاة أو للمناداة\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، أي: حق مؤمنين\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" واتقوا الله بترك المناهي. إن كنتم مؤمنين لأن الإيمان حقا يقتضي ذلك. وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده\" (١٢).\nقال ابو السعود: \" ﴿واتقوا الله﴾ في ذلك بترك موالاتهم أو بترك المناهي على الإطلاق فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليا ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، أي: حقا فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة\" (١٣).\n_________\n(١) فتح القدير: ٢/ ٦٢.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٦.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٥.\n(٤) تفسيرالطبري: ١٠/ ٤٣١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٢١٧): ص ١٠/ ٤٣٠.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٧.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٧.\n(٩) تفسيرالطبري: ١٠/ ٤٣٢.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٥٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٩.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٣.\n(١٣) تفسير ابي السعود: ٣/ ٥٣.","vol":"8","page":282},{"text":"قال أبو حيان: \" لما نهي المؤمنون عن اتخاذهم أولياء، أمرهم بتقوى الله، فإنها هي الحاملة على امتثال الأوامر واجتناب النواهي. أي: اتقوا الله في موالاة الكفار، ثم نبه على الوصف الحامل على التقوى وهو الإيمان أي: من كان مؤمنا حقا يأبى موالاة أعداء الدين\" (١).\nقال السعدي: أي: كذلك أن\"التزامهم لتقوى الله التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما تدعوهم إلى معاداتهم\" (٢).\nالفوائد:\n١ - حرمة اتخاذ اليهود والنصارى والمشركين أولياء لا سيما أهل الظلم منهم، إذ ينفر الله تعالى المؤمنين من موالاة أعداء الإسلام، من أهل الكتاب ومن المشركين، الذين يتخذون شرائع الإسلام المطهرة، هزوا يستهزئون بها، ويعدونها نوعا من اللعب، ويتمنون زوال الإسلام وأهله، ويأمر الله المؤمنين بتقواه، وبألا يتخذوا هؤلاء الأعداء أولياء إن كانوا مؤمنين بشرع الله حقا وصدقا (٣).\nوهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم\n٢ - سوء أخلاق اليهود وفساد عقولهم.\n٣ - مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، لأن موالاتهم تنافي الإيمان.\n٤ - جاء في شرح المسائل للسعيدي: وقد اختلف المفسرون في معنى اتخاذ الكفار دينهم لهوًا ولعبًا على أقوال منها (٤):\nأولًا: أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو الإسلام لعبًا ولهوًا حيث سخروا به واستهزؤوا به، إذًا المراد بكونهم جعلوا دينهم لهوًا ولعبًا سخروا بالإسلام واستهزؤوا به، فإذا دعاهم الداعي إلى الإسلام سخروا به وهزءوا به، وهذا موجود في كل زمان ومكان، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٧، ٥٨].\nثانيًا: أنهم اتخذوا ما هو لهوٌ ولعبٌ من عبادة الأصنام وغيرها دينًا لهم وتركوا دين الحق وهو الإسلام.\nوالأول أقرب من هذا لكنه هذا غير مستبعد، بمعنى أن اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا أن يعبد الأصنام، ولذلك قد يتخذوا الصنم من تمر وعجين ثم إذا جاع أكله، هذا لَعِب كيف أنت تعبده من دون الله ﷿ وتستغيث به وتستفتح به الأمور ويكشف لك الضر ويجلب لك النفع ويدفع عنك الضر ثم بعد ذلك تأكله؟ هذا لعب ولهو.\nثالثًا: أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني وما تزينه لهم شياطينهم ونفوسهم من تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو تعبد بما لم يشرعه الله، وهذا له أمثلة كثيرة وذكرها في الشرح هناك.\nرابعًا: وهو أن المراد به الإشارة إلى من يتوصل بدينه إلى دنياه، يعني: يجعل الدين وسيلة إلى تحصيل الدنيا، وهذا اختلاف تنوع لا تضاد وتشترك في أمر واحد وهو: عدم الاهتمام بأمر الدين، كلها أقوال للمفسرين وكلها داخلة فيما ذكروا، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. ﴿قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ هذا لعب،\n_________\n(١) بحر المحيط: ٤/ ٣٠٣.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٦.\n(٣) انظر: أيسر التفاسير لأسعد حومد: ص: ٧٢٧، بترقيم الشاملة آليا.\n(٤) انظر: شرح مسائل الجاهلية للحازمي: ٦/ ٢١ - ٢٣.","vol":"8","page":283},{"text":"رسولهم قد أنزل عليه الكتاب من الله ﷿ ثم ينفون ذلك، هذا يعتبر من اللعب، وقال تعالى في اليهود: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]. يعني: تؤمنون بما اشتهته الأنفس وأما ما لم تقدروا عليه أو تشتهيه الأنفس فحينئذٍ يكفر به، وقال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]. تحريف الكلم يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]. لبس الحق بالباطل وكتمان الحق يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]. يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، وقال في النصارى أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] المسيحُ ابن الله أو المسيحَ ابن الله، نقول: هذا كله يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، لأنه تبديل وتحريف عما أنزله الله ﷿، وكذلك الابتداع وعده دينًا ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، كذلك مشركو قريش قالوا: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]. إذًا اللعب كذلك من شأن قريش، وقال جل وعلا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩]. وقال مهددًا لهم: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. إذًا كل من أعرض عن الدين وتلبس بغيره فهو ممن اتخذ دينه لهوًا ولعبًا، ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ هذا يعتبر وعيد من الله تعالى بمن اتخذ آياته ودينه هزوًا قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوَا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. وقال - ﷺ -: «أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم» (١). وقال ﵊: «ما بال أقوام يَلْعَبُون بحدود الله» (٢).\nإذًا امتثال ما أراده الله ﷿ من البشر يُعتبر من أخذ الدين بقوة ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. قال: ﴿يُمَسَّكُونَ﴾. بصيغة التفعيل ولم يقل يُمْسِكُونَ، لأن الذي يأتي بالدين على وجهه يعتبر مستمسكًا أبلغ استمساك بالدين، إذًا ﴿أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا﴾.\n٥ - إن المتتبع لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية يجد من الآيات والأحاديث ما تدل دلالة قطعية على غش الكفار للمسلمين وعداوتهم لهم وخيانتهم لقضاياهم، وتمنيهم السوء للمسلمين ومسرتهم بذلك، وعداوتهم لله ورسوله، فمن والاهم وأعزهم وولاهم أمور المسلمين، فقد خالف ما أمر الله ﷿ بحقهم من وجوب الغلظة والشدة عليهم، ومن اعتقد فيهم النصح والإخلاص فقد كذب بما أخبر الله به عنهم من خيانة وغش وإرادة السوء بالمسلمين.\nواما الاستعانة بالكفار في الحرب فقد اختلف العلماء في هذه مسألة على قولين:\nالقول الأول: هو قول من قال بعدم جواز الاستعانة بالكفار في الحرب وهو مذهب المالكية (٣). وبه قال الإمام أحمد -﵀- (٤) وقد استدل المانعون بعدد من الآيات والأحاديث هي كما يلي (٥):\n١ - قول الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]. قيل: إنها نزلت في عبادة ابن الصامت -﵁- فقد كان له حلفاء من اليهود فلما خرج النبي - ﷺ - يوم الأحزاب قال: له عبادة، يا\n_________\n(١) السنن الكبرى (٥٥٦٤): ص ٥/ ٢٥٢، وسنن النسائي (٣٤٠١): ص ٦/ ١٤٢، إسناده منقطع، ورجال إسناده ثقات، ولكن مخرمة لم يسمع من أبيه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في \" التهذيب \". وحكم الالباني: ضعيف. المشكاة (٣٢٩٢).\n(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٠١٧): ص ١/ ٦٥٠، والبزار في \"مسنده\" (٣١١٧)، والروياني في \"مسنده\" (٤٥٢)، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٩، وابن حبان (٤٢٦٥)، والبيهقي ٧/ ٣٢٢.\nإسناده حسن. مؤمل بن إسماعيل اختلف فيه. فقيل ثقة. وقيل كثير الخطأ. وقيل منكر الحديث. وحكم الالباني: ضعيف.\n(٣) انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن/ محمد علي الصابوني ج ١ ص ٤٠٢ - وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج ٢ ص ٧.\n(٤) انظر الأحكام السلطانية/ للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص ٣٩، ٢٢٥.\n(٥) انظر: الوالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، محماس الجلعود: ٢/ ٨١٣ - ٨٢١.","vol":"8","page":284},{"text":"نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فاستظهر بهم على العدو فأنزل الله هذه الآية (١).\n٢ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].\nفقد رجح القرطبي عدم جواز الاستعانة بالكفار حيث يقول: إن الله قد وضح لنا العلة في النهي عن اتخاذهم بطانة بقوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فهل نكذب بيان الله فيهم ونصدقهم فنقربهم ونتقرب إليهم؟ (٢).\nوفي زاد المسير قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في أمر من أمور المسلمين (٣).\n٣ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧].\nقال ابن خويز منداد: \"هذه الآية تضمنت مع مثيلاتها المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك\" (٤).\nويقول القرطبي: \"إن الصحيح من مذهب الشافعي هو منع الاستعانة بالكفار في القتال\" (٥). وهو ما ذهب إليه القرطبي أيضًا (٦).\nوقد ذكر أن الشافعي علل ذلك بأنه طريق لأن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا (٧).\nوأجاب من يرى الجواز بأن السبيل هو اليد وهي للإمام الذي استعان بالكفار (٨).\n٤ - ومن الأحاديث ما روى مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ - قبل بدر، فلما كان بحرّة الوبر أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك، وأصيب معك قال له رسول الله - ﷺ - «تؤمن بالله ورسوله؟ قال لا ... قال فارجع: فلن أستعين بمشرك» قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل ... فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة. قال: «فارجع فلن نستعين بمشرك». قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال كما قال أول مرة «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فقال له رسول الله - ﷺ - «فانطلق» (٩).\nروى الواقدي أن خبيب بن يساف، كان رجلًا شجاعًا وكان يأبى الإسلام فلما خرج رسول الله - ﷺ - إلى بدر، خرج هو وقيس بن محرث، فعرضا على رسول الله - ﷺ - أن يخرجا معه، فقال «لا يخرج معنا رجل ليس على ديننا» فقال\n_________\n(١) انظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج ٢ ص ٦. وانظر جامع البيان للقرطبي ج ٤ ص ٥٨. وانظر روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن/ محمد علي الصابوني ج ١ ص ٤٠٣. وانظر أحكام القرآن للجصاص ج ٢ ص ٣٦ - ٣٧.\n(٢) انظر تفسير القرطبي ج ٤ ص ١٨٠.\n(٣) انظر زاد المسير في علم التفسير/ عبد الرحمن بن الجوزي ج ١ ص ٤٤٧.\n(٤) انظر تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٤.\n(٥) انظر تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٤.\n(٦) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٧) انظر: نيل الأوطار للشوكاني: ٨/ ٤٤.\n(٨) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٩) صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٤٩ - ١٤٥٠ وسنن أبي داود ج ٣ ص ٧٥.","vol":"8","page":285},{"text":"خبيب: قد علم قومي أني عظيم الغناء في الحرب فأقاتل معك للغنيمة قال: «لا، ولكن أسلم ثم قاتل» (١).\n٦ - روى الإمام أحمد عن خبيب عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: \" أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يريد غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم «قال أو اسلمتما» قلنا لا! «قال فلا نستعين بالمشركين على المشركين» قال فأسلمنا وشهدنا معه، فقتلت رجلًا وضربني ضربة وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت تقول: لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح فأقول: لا عدمت رجلًا عجل أباك النار\" (٢).\nالقول الثاني: قول من جوَّز الاستعانة بالكفار عند الحاجة إلى ذلك وهو قول جمهور الشافعية والحنابلة والأحناف (٣).\nوقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث هي كما يلي:\n١ - ما روي أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر» (٤).\n٢ - وفي صلح الحديبية كان الرسول - ﷺ - قد بعث أثناء توجهه إلى مكة عندما كان بذي الحليفة عينًا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن أبي سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة، وبشر بن أبي سفيان كان مشركًا من قبيلة خزاعة، وفي هذا تأكيد لجواز الاستعانة بالمشركين، عند الطمأنينة إليهم (٥).\n٣ - وقد شارك في معركة أحد مع المسلمين مخريق بن ثعلبة اليهودي عقيدة وديانة العربي نسبًا وعرقًا، وكان قتاله تنفيذًا للمعاهدة المبرمة بين النبي - ﷺ - وبين اليهود، فدعا اليهود إلى حمل السلاح مع المسلمين فقالوا اليوم يوم السبت، فأخذ سلاحه ولحق برسول الله - ﷺ - فقاتل حتى قتل، وقال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء وكان له سبعة بساتين وقد جعلها رسول الله - ﷺ - أوقافًا بالمدينة (٦).\n٤ - إن النبي - ﷺ - قد استعان بيهود بني قينقاع وقسم لهم، واستعان بصفوان بن أمية في يوم حنين (قبل إسلامه) فدل ذلك على الجواز (٧).\n٥ - وعن ذي مخبر قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم» (٨).\n٦ - وعن الزهري أن النبي - ﷺ - استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم (٩).\n_________\n(١) انظر: صور من حياة الرسول - ﷺ - ص ٣٢٥/ أمين دويدار. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٣ ..\n(٢) مسند الإمام أحمد ج ٣ ص ٤٥٤. وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ٢ ص ١٠٢.\n(٣) انظر روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن ج ١ ص ٤٠٢ وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج ٢ ص ٧. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٣، وانظر زاد المعاد/ لابن قيم الجوزية ج ٢ ص ١٩٠، وانظر كتاب الإسلام انطلاق لا جمود/ د/ مصطفى الرافعي ص ١٦ وانظر الدرر السنية ج ٧ ص ٣٧٦.\n(٤) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٤، وانظر غزوة أحد/ محمد أحمد باشميل ص ٢٢٨.\n(٥) انظر فقه السيرة محمد سعيد رمضان البوطي ص ٢٥٢.\nوانظر زاد المعاد لابن القيم الجوزي ج ٢ ص ١٢٣. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٥.\n(٦) انظر غزوة أحد/ محمد أحمد باشميل ص ٢٢٦ - ٢٣١.\n(٧) انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ٣ ص ٢٢، وروائع البيان في تفسير القرآن ج ١ ص ٤٠٢، وتفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس ج ٢ ص ٧، ونيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٣.\n(٨) رواه أحمد وأبو داود. انظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٣.\n(٩) رواه أبو داود في مراسيله. المصدر السابق نفس المكان.","vol":"8","page":286},{"text":"وقد رد أصحاب هذا القول على أصحاب القول الأول القائلين بعدم جواز الاستعانة بالكفار بردود هي: -\nأ- إن أدلة النهي عن الاستعانة بالكفار منسوخة بفعل الرسول - ﷺ - وعمله كما تقدم ذكر ذلك (١).\nب- إن القائلين بالجواز لم يذكروا أنه يجوز الاستعانة بالكفار مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بشرطين هما: -\n١ - الحاجة إلى الكفار في حالة عدم وجود من يحل محلهم من المسلمين.\n٢ - الوثوق بهم، وغلبة الظن على أمانتهم، وعدم مكرهم. أما بدون هذين الشرطين فلا تجوز الاستعانة بهم بحال من الأحوال وهذا هو الراجح، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة -﵂- المذكور في صحيح مسلم، ويحصل الجمع بين الأدلة أدلة المنع وأدلة الجواز (٢).\nوقد نقل عن الشافعي (﵀) ما يوافق هذا المعنى حيث روي أنه قال: «إن رأى الإمام أن الكافر حسن النية، حسن الرأي مأمون الجانب على المسلمين، وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ذلك وإلا فلا» (٣).\nولعل هذا هو المتفق مع أدلة النهي وأدلة الجواز، إذ روي أنه - ﷺ - قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين، وهو مشرك، فتكون المسألة في ذلك داخلة تحت مفهوم السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة الإسلامية (٤).\nوالظاهر لي من الأدلة عدم جواز الاستعانة بالمشركين إلا عند توفر الشرطين المتقدمين وذلك لسببين:\nالسبب الأول: إن الأحاديث التي استدل بها على جواز الاستعانة بالكفار لا تسلم من مقال أو توجيه يجعل العمل بها غير ملزم. فمقاتلة قزمان مع المسلمين لم يثبت أنه - ﷺ - أذن له بذلك في ابتداء الأمر، وغاية ما فيه، أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين (٥).\nوأما استعانته - ﷺ - ببشر بن أبي سفيان عينا له على قريش وهو مشرك فإنما استعان به بما دون القتال، وهذه المسألة أقرب في الجواز من مسألة القتال والحرب (٦).\nوأما ما روي عن الزهري مرسلًا، فإن مراسيل الزهري ضعيفة والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف (٧).\nوأما استعانته - ﷺ - بابن أبي من المنافقين فليس من قبيل الاستعانة بالكفار لأنه مظهر للإسلام، والمنافق يحكم عليه بحسب ظاهره والله ﷿ يتولى سره (٨).\nالسبب الثاني: إن توجيه أدلة الجواز وأدلة المنع ممكن باتباع الأوجه التالية: -\nالوجه الأول: ما قال الشافعي -﵁- إن النبي - ﷺ - غرس الرغبة في الذين ردهم، فردهم رجاء أن يسلموا فصدّق الله ظنه فيهم، وفيه نظر لأن قوله - ﷺ - «فارجع فلن نستعين بمشرك» نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم (٩).\n_________\n(١) انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن. ج ١ ص ٤٠٢، وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج ٢ ص ٧.\n(٢) انظر المصدرين السابقين، من نفس المكان.\n(٣) انظر مغني المحتاج ج ٤ ص ٢٢١.\n(٤) انظر فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص ١٩٠.\n(٥) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٥.\n(٦) فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص ٢٥٢.\n(٧) انظر نيل الأوطار للشوكاني ص ٤٥.\n(٨) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٩) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٣ - ٤٤.","vol":"8","page":287},{"text":"الوجه الثاني: قول الجماعة إن الاستعانة كانت ممنوعة، ثم رخص فيها قال: ذلك الحافظ في التلخيص، وعليه نص الإمام الشافعي (١).\nالوجه الثالث: ما ذكر في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا عندما يستقيمون على أوامر الولي المسلم ونواهيه، واستدلوا بأن استعانته - ﷺ - بمن سبق ذكرهم إنما كانت بهذا الوصف، بمعنى أن يكون الكفار مأمورين منهيين، لا آمرين ناهين (٢).\nأما استعانته - ﷺ - بالمنافقين فقد انعقد الإجماع على جواز الاستعانة بهم على الكفار، فقد استعان النبي - ﷺ - بابن أبي وأصحابه، وكذلك الاستعانة بالفساق على الكفار (٣).\nومن هذا الباب الاستعانة بالفساق على البغاة حيث يرى الإمام الشوكاني جواز ذلك (٤).\nالوجه الرابع: اشتراط بعض أهل العلم ومنهم الهادوية، أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا إذا كان مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية، على الذين استعان بهم ليكون المستعان بهم مغلوبين لا غالبين، كما كان وضع المنافقين مع رسول الله - ﷺ -.\nوبناء على ما تقدم فقد اشترط القائلون بجواز الاستعانة بالكفار شروطًا تجعل الاستعانة بالكفار عند الضرورة القصوى، وفي مجالات لا تؤثر في عقيدة الإسلام وحياة المسلمين وهذه الشروط كما يلي: -\n١ - أن لا يوجد من المسلمين من يقوم مقام الكافر أو الكفار الذين يراد الاستعانة بهم.\n٢ - أن يستعان بهم فيما دون القتال مع المسلمين كما هو رأي الجمهور (٥).\n٣ - أن يكون المستعان بهم من الكفار فيه نصح ونفع للمسلمين.\n٤ - أن لا يستقل الكافر برأي أو مشورة، عن رأي أهل الحل والعقد من المسلمين، بل يكون تابعًا مأمورًا، لا آمرًا متبوعًا.\n٥ - أن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها التعاون مع من استعان بهم المسلمون من الكفار لضرب الإسلام وأهله.\n٦ - أن يكون الكافر أو الكفار المستعان بهم مستخدمين أجراء لا أنصارًا مكرمين.\n٧ - إن جاز على بعض الأقوال الاستعانة بالمشرك في حرب غيره من المشركين فلا يجوز بحال من الأحوال الاستعانة بالمشركين في حرب البغاة من أهل الإسلام (٦).\nولكن الناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يجد عكس ذلك تمامًا حيث إن الكفار يقدمون على المسلمين في ديار الإسلام فهم المستشارون العسكريون والخبراء المنفذون، ولهم من الامتيازات العظيمة والتسهيلات الواسعة ما جعلهم يحصلون على تقدير مادي ومعنوي، لا يحصل عليه المسلم الذي يساويهم أو يتفوق عليهم علمًا وعملًا، فبلاد المسلمين تكتظ بملايين النصارى واليهود وأهل الأوثان الذين يحملون جنسيات مختلفة وهم في حقيقة أمرهم جواسيس للأعداء وقد كشفت الحروب الثلاثة مع اليهود جوانب من ذلك (٧).\nبينما كثير من أهل الخبرة والمعرفة من المسلمين مهاجرون إلى دول الغرب والشرق بسبب سوء المعاملة التي يتلقونها في داخل البلاد الإسلامية فواقع المسلمين عكس ما يجب أن يكون\n_________\n(١) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٢) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٣) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٤) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.\n(٥) انظر فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص ١٩٠.\n(٦) انظر الدرر السنية ج ٧ ص ٣٧٦.\n(٧) انظر كتاب كيف تحطمت الطائرات عند الفجر، وكتاب سقوط الجولان، تأليف/ خليل مصطفى/ ضابط استخبارات الجولان قبل حرب ١٣٨٧ هـ-١٩٦٧ م.","vol":"8","page":288},{"text":"تمامًا، حيث إنهم أذلاء في معاملة الكافرين أشداء في معاملة المؤمنين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\nالقرآن\n﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]\nالتفسير:\nوإذا أذَّن مؤذنكم -أيها المؤمنون- بالصلاة سخر اليهود والنصارى والمشركون واستهزؤوا من دعوتكم إليها؛ وذلك بسبب جهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون حقيقة العبادة.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: قال الكلبي: \" ان منادي رسول الله - ﷺ - إذا نادى إلى الصلاة، فقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا. على طريق الاستهزاء والضحك فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (١). [موضوع]\nوالثاني: قال السدي: \" نزلت في رجل من نصارى المدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله قال: حرق الكاذب. فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام، فطارت منها شرارة في البيت فاحترق هو وأهله\" (٢). [مرسل]\nقال الزمخشري: \" قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده\" (٣).\nوالثالث: نقل الواحدي عن بعضهم: \"إن الكفار لما سمعوا الآذان حسدوا رسول الله - ﷺ - والمسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية، فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الآذان الأنبياء من قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل من قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبح من صوت ولا أسمج من كفر! فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا﴾ الآية. [فصلت: ٣٣] \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]، أي: \" وإذا أذَّن مؤذنكم -أيها المؤمنون- بالصلاة\" (٥).\nقال الواحدي: \" أي: إذا دعوتم الناس إلى الصلاة بالأذان، والنداء: الدعاء بأرفع الصوت\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب\" (٧).\nقال الجصاص: \" قد دلت هذه الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها\" (٨).\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٠٠، ذكره دون إسناد، وتفسير الثعلبي: ٤/ ٨٢، والكلبي ضعيف، متروك متهم بالكذب.\nوأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٧٥) من طريق محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به وهو موضوع.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٢٠١، ذكره دون إسناد، وأخرجه الطبري (١٢٢١٨): ص ١٠/ ٤٣٢، مرسلا، وابن ابي حاتم (٦٥٥٧): ص ٤/ ١١٦٣ - ١١٦٤، وليس فيهما \"نزلت\".\nوعزاه في الدر: ٢/ ٢٩٤، لابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وانظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ٨٢.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٥٠.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ٢٠١، ذكره دون إسناد، وانظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ٨٢، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٤.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٣، وانظر: التفسير الميسر: ١١٨.\n(٦) تفسير الوسيط: ٢/ ٢٠٣.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٠.\n(٨) أحكام القرآن: ٤/ ١٠٣.","vol":"8","page":289},{"text":"عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: \"قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، أي: \" سخر اليهود والنصارى والمشركون واستهزؤوا من دعوتكم إليها\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: الكفار، إذا سمعوا الأذان استهزءوا به. وإذا رأوهم ركعا وسجدا ضحكوا واستهزءوا بذلك\" (٣).\nقال الطبري: أي: \"سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك\" (٤).\nقال ابن الجوزي: \" واتخاذهم إياها هزوا: تضاحكهم وتغامزهم ذلك\" (٥).\nقال مقاتل: \"يعنى: استهزاء وباطلا، وذلك أن اليهود كانوا إذا سمعوا الأذان ورأوا المسلمين قاموا إلى صلاتهم يقولون قد قاموا لا قاموا، وإذا رأوهم ركعوا قالوا لا ركعوا وإذا رأوهم سجدوا ضحكوا وقالوا لا سجدوا واستهزءوا\" (٦).\nقال السعدي: \" فكيف تدعي لنفسك دينا قيما، وأنه الدين الحق وما سواه باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا، وسخر به وبأهله، من أهل الجهل والحمق؟ ! وهذا فيه من التهييج على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له أدنى مفهوم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]، أي: \" وذلك بسبب جهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون حقيقة العبادة\" (٨).\nقال القرطبي: \" أي: أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح\" (٩).\nقال السمرقندي: أي: \" ذلك الاستهزاء بأنهم قوم لا يعقلون، يعني: لا يعلمون ثوابه\" (١٠).\nقال مقاتل: \" يقول: لو عقلوا ما قالوا هذه المقالة\" (١١).\nقال الزمخشري: \" لأن لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزء به، والعقل يمنع منه\" (١٣).\nقال الطبري: أي\"فعلهم الذي يفعلونه، وهو: هزؤهم ولعبهم من الدعاء إلى الصلاة، إنما يفعلونه بجهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا ما لمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب، ما فعلوه\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٥٨): ص ٤/ ١١٦٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤٠١.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٣.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٦٢.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٧.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٣.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٤٠١.\n(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٧.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٥٠.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٣.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٣.","vol":"8","page":290},{"text":"قال الرازي: \" أي: لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام\" (١).\nقال ابن كثير: \" ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعَانِي عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي \"إذا سمع الأذان أدبر وله حُصَاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام\" (٢).\" (٣).\nقال المراغي: \" أي ذلك الفعل الذي يفعلونه وهو الهزؤ والسخرية إنما كان لجهلهم بحقيقة الأديان وما أوجب الله فيها من تعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، ولو كان عندهم عقل لخشعت قلوبهم كلما سمعوا المؤذن يكبر الله تعالى ويمجده بصوته الندى ويدعو إلى الصلاة له والفلاح بمناجاته وذكره، فهو ذكر مؤثر فى النفوس لا تخفى محاسنه على من يعقل الحكمة فى إرسال الشرائع ويؤمن بالله العلى الكبير\" (٤).\nقال الماتريدي: \" نفى عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١] الآية: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل.\nويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد - ﷺ - تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأسا \" (٥).\nالفوائد:\n١ - تحريم موالاة من اتخذ ديننا هزوا.\n٢ - الإخبار بأن الذين لا يستفيدون من العقل ويعرضون عنه ويتبعون الهوى كأنهم في حكم فاقدي العقل، قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة: ٥٨].\nفهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم.\nوهذه صفات أتباع الشيطان الذي \"إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين .. \" (٦).\n٣ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾.\nوالمراد هنا: عقل رشد- وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل.\n\nالقرآن\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٨.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (١٢١٧)، والدارقطني ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥، والبيهقي ٢/ ٣٤٠ من طريق ابن إسحاق.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٠.\n(٤) تفسير المراغي: ٦/ ١٤٦ - ١٤٧.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٤٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٠.","vol":"8","page":291},{"text":"﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب: ما تَجِدُونه مطعنًا أو عيبًا هو محمدة لنا: من إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا، وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم!\nسبب النزول:\nقال ابن عباس﵁-: \" أتى رسول الله - ﷺ - نفر من اليهود، فيهم: أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، قال: \"أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون\"، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به؛ فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ \" (١). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: \" قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب\" (٢).\nقال مكي: أي: \" قل يا محمد لليهود والنصارى\" (٣).\nقال ابن كثير: أي: \" قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: \" هل تعيبون علينا من شىء وتكرهوننا لأجله، إلا إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا\" (٥).\nقال مكي: \" هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئًا من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ \" (٦).\nقال الطبري: أي: \" هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا، إلا أن آمنا بالله، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين؟ \" (٨).\nقال البغوي: \" أي: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في \"المغازي\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٨) -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٢١٩): ص ١٠/ ٤٣٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٥٥٩): ص ٤/ ١١٦٤: ثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ لجهالة محمد هذا كما تقدم مرارًا.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٧) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٣) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٩١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٢.\n(٥) انظر: تفسير المراغي: ٦/ ١٤٧، والتفسير الميسر: ١١٨.\n(٦) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٩١.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٣.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٩) تفسير البغوي: ٣/ ٧٥.","vol":"8","page":292},{"text":"قال ابن كثير: أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه: «ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله» (١) \" (٢).\nقال الماتريدي: \" أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! \" (٣).\nقال الزجاج: \" معنى نقمت بالغت في كراهة الشيء\" (٤).\nقال الراغب: \" يقال: نقم ونقم عليه نقمة إذا أنكر ما فعله وسخط عليه ولتضمين النقمة\nالسخط والإنكار استعمل في كل واحد منهما على الانفراد\" (٥).\nوالعرب تقول: نقَمتُ عليك كذا أنقِم وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم ونقِمت أنقِم، لغتان ولا نعلم قارئًا قرأ بهما بمعنى وجدت وكرهت، ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات (٦):\nمَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلا ... أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا (٧)\nوقرأ الحسن، والأعمش: «تنقمون» بفتح القاف (٨). قال الزمخشري: \" والفصيح كسرها\" (٩).\nوقرأ الجمهور: «أنزل» بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك: «أنزل» بفتح الهمزة والزاي فيهما (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، أي: \" وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم\" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: عصاة\" (١٢).\nقال مكي: \"أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟ \" (١٣).\nقال ابن ابي زمنين: \" أي: بفسقكم نقمتم ذلك علينا\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم\" (١٥).\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٢.\n(٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٤٨.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٨٦.\n(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٣٨٧.\n(٦) ديوانه: ٧٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٧٠، واللسان (نقم)، من قصيدته التي قالها لعبد الملك بن مروان، في خبر طويل ذكره أبو الفرج في الأغاني ٥: ٧٦ - ٨٠، وبعد البيت: وأنَّهُمْ مَعْدِنَ المُلُوكِ، فَلا ... تَصْلُحُ إلا عَلَيْهِمُ العَرَبُ\nإِن الفَنِيق الَّذِي أَبُوهُ أَبُو ... العَاصِي، عَلَيْهِ الوَقَارُ والحُجُبُ\nخَلِيفَةُ اللهِ فَوْقَ مِنْبَرِه ... جَفَّتْ بِذَاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ\nيَعْتَدِلُ التَّاجُ فَوْقَ مَفْرِقِهِ ... عَلَى جَبِينٍ كأَنّهُ الذَّهَب.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٣ - ٤٣٤.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٠، وزاد المسير: ١/ ٥٦٢.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٥٠.\n(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠.\n(١١) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٨.\n(١٣) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٩١.\n(١٤) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٣٥.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٢.","vol":"8","page":293},{"text":"قال السمرقندي: \" يعني: لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم\" (١).\nقال السعدي: أي: \" ومع هذا فأكثركم خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم -أيها الفاسقون- السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم\" (٢).\nقال البغوي: \" لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال\" (٣).\nقال الماتريدي: \" أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! \" (٤).\nقال الزجاج: \" المعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق لأنكم فسقتم، بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرياسة، وكسبكم بها الأموال\" (٥).\nقال ابن عطية: \" وهذه الآية من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، ونظير هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة (٦):\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\" (٧)\nأي: ليس فيهم عيب (٨).\nوفي عطف قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، وجوه (٩):\nأحدها: أن يعطف على: ﴿أن آمنا﴾، بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه.\nوالثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أى: واعتقاد أنكم فاسقون.\nوالثالث: أن يعطف على المجرور، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون.\nوالرابع: ويجوز أن تكون «الواو» بمعنى «مع»، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون.\nوالخامس: ويجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان، لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات.\nقال الزمخشري: \"ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ ... وقوله تعالى: ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾، هو عند أكثر المتأولين معطوف على قوله: أن آمنا فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه\" (١١).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٠٢.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ٧٥.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٤٨.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ١٨٦.\n(٦).ديوانه: ١١، وكتاب البديع: ١١١، والعمدة: ٢/ ٤٥، والصناعتين: ٤٠٨، وإعجاز القرآن: ١٦١.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠.\n(٨) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة: ١٦٥.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٠ - ٦٥١.\n(١٠).الكشاف: ١/ ٦٥١\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠.","vol":"8","page":294},{"text":"و«الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقًا: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (١).\nوأما المقصود بـ «الفسق» اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي:\nأولا: - أن الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ﷿ فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان. قاله ابن عطية (٢)، والطبري (٣)، والقرطبي (٤).\nوقد روي \"عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري\" (٥).\nقال الشوكاني: عن هذا التعريف: \" وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض \" (٦).\nوالثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (٧).\nوثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\" (٨).\nوالثالث: - وقال البيضاوي: \" الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة \" (٩).\nوالرابع: - وقال الألوسي: \"الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة \" (١٠).\nومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١١) إذ يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: \" والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيرًا\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - التقريع لأهل الكتاب والتنديد بباطلهم ومخازيهم، إذ أن القرآن الكريم قد شنع بأهل الكتاب ودحض شبهاتهم وأغاليطهم.\n_________\n(١) انظر: اللسان (١٠/ ٣٠٨) ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٠٢)، والمصباح المنير للفيومي ص (٥٦٨)، وترتيب القاموس المحيط للزاوي (٤/ ٥٠٢)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢).\n(٢) تفسير ابن عطية (١/ ١٥٥).\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٢.\n(٣) أنظر: تفسيره: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٤) تفسير القرطبي (١/ ٢٤٥).\n(٥) أخرجه الطبري (٥٧١): ص ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٦) فتح القدير (١/ ٥٧).\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٩.\n(٨) صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨).\n(٩) - تفسر البيضاوي (١/ ٤١) وانظر: تفسير أبي السعود (١/ ١٣١).\n(١٠) تفسير الألوسي (١/ ٢١٠).\n(١١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٣)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢)، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (٢/ ٧٢)، والكليّات للكفوي ص: (٦٩٣).\n(١٢) المفردات ص (٥٧٢).","vol":"8","page":295},{"text":"٢ - أن شعور اليهود بفسقهم وبعد ضلالهم جعلهم يعملون على إضلال المسلمين.\n٣ - أن لهذه الأمة قيراطان من الأجر؛ لإيمانهم بموسى وعيسى مع إيمانهم بمحمد -ﷺ-؛ لأن التصديقَ عَمَلٌ، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩].\n٤ - أن العُرف في الفاسق في زمان النبي -ﷺ- غيرُ العرف في وقتنا مثل قوله تعالى في الكفار: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقوله تعالى في المشركين: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ومثل قوله في اليهود: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] وقوله فيهم: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١].\nفَهذِهِ النصوص -كما ترى- دالةٌ على أن في الكفار المصرحين من لا يستحِقُّ أن يُسَمَّى فاسقًا، فدلَّ ذلِكَ على أن ثَمَّ عُرفًا في اسم الفاسق غيرَ هذا العرفِ الذي اصطلح عليه المتأخرون، وغير الحقيقة اللغوية.\n٥ - ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم، وفيما يأتي بعض التنبيهات على ذلك:\nأولا: - إن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر - كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته (١)، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة - وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها - فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة (٢).\nيقول ابن تيمية - مقررًا هذه المسألة - \" ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٩] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].\nثانيا: - ولا يسلبون الفاسق الملّي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\nثالثا: - وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: \" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ: \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ\" (٣)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (٤).\nفارتكاب الكبير يعدّ فسقًا ينافي كمال الإيمان الواجب، وهذا الفسق يمكن اجتماعه مع الإيمان، وصاحبه متعرّض للوعيد، فأهل السنة يقولون بجواز التبعض في الاسم والحكم، بمعنى\n_________\n(١) هذا بالنسبة للحكم العام المطلق، فنطلق القول بنصوص الوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٣٣٢)، (٤/ ٤٨٤)، (٢٨/ ٤٩٩).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٤٨٦).\n(٣) أخرجه البخاري ومسلم، كتاب المظالم ح (٢٤٧٥) ومسلم، كتاب الإيمان، ح (٧٦).\n(٤) العقيدة الواسطية بشرح محمد خليل هراس ص (١٥٢ - ١٥٦).","vol":"8","page":296},{"text":"أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه (١).\nوإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين:\nأولا: الأشاعرة:\nفأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا، كما قال أحدهم – وهو الآمدي -: \" فعلى هذا مهما كان مصدقًا بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقًّا، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقًا بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات \" (٢).\nوسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمنًا بإطلاق (٣).\nوبجدر القول بأن مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر - مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.\nوقد عاب إبراهيم النخعي – ﵀ – تلك المقولة، فقال: \" ما أعلم قومًا أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق\" (٤).\nوعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان.\nثانيا: المعتزلة:\nوأما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم (٥).\nيقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي: \" صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقًا، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهو المنزلة بين المنزليتن \" (٦).\nولما كان مرتكب الكبيرة - عندهم - فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار.\nوكما قال عبد الجبار المعتزلي: \" والذي يدل على أن الفاسق يُخلّد في النار، ويُعذّب فيها أبدًا ما ذكرناه من عمومات الوعيد، فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يُخلّد \" (٧).\nثالثا: الزيدية:\nوقد تبع الزيديةُ المعتزلة في مفهوم الفسق، ووافقهوهم على ما سبق ذكره (٨).\n\nالقرآن\n﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) انظر: شرح الأصفهانية: مخلوف ص (١٤٤).\n(٢) غاية المرام في علم الكلام ص (٣١٢).\n(٣) انظر: المواقف في علمِ الكلام ص (٣٨٩).\n(٤) السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد حنبل (١/ ٣٤١).\n(٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٣).\n(٦) شرح الأصول الخمسة ص (٦٩٧).\n(٧) شرح الأصول الخمسة ص (٦٦٦).\n(٨) انظر: مثلًا العقد الثمين في معرفة رب العالمين للحسين بن بدر الدين ص (٥٧) ومصباح العلوم في معرفة الحيّ القيوم للرصاص، ص (٢٠).","vol":"8","page":297},{"text":"قل -أيها النبي- للمؤمنين: هل أخبركم بمن يُجازَى يوم القيامة جزاءً أشدَّ مِن جزاء هؤلاء الفاسقين؟\nإنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وغَضِب عليهم، ومَسَخَ خَلْقهم، فجعل منهم القردة والخنازير، بعصيانهم وافترائهم وتكبرهم، كما كان منهم عُبَّاد الطاغوت [وهو كل ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ]، لقد ساء مكانهم في الآخرة، وضلَّ سَعْيُهم في الدنيا عن الطريق الصحيح.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" قالت اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أهل هذه الأديان أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم. فأنزل الله﷿-: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك﴾، يعنى: المؤمنين ﴿مثوبة عند الله﴾، يعني: ثوابا من عند الله، قالت اليهود: من هم يا محمد؟ فقال النبيﷺ-: ﴿من لعنه الله﴾ ... \" (١).\nقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: \" قل -أيها النبي- للمؤمنين: هل أخبركم بمن يُجازَى يوم القيامة جزاءً أشدَّ مِن جزاء هؤلاء الفاسقين؟ \" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ \" (٣).\nقال النحاس: أي: \" قل هل أنبئكم بشر من ذلك أي بشر من نقمتكم علينا، وقيل: من شر ما تريدون لنا من المكروه\" (٤).\nقال الطبري: \" قل، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار هل أنبئكم، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنزل إلينا من كتاب الله، وما أنزل من قبلنا من كتبه؟ \" (٥).\nقال الراغب: \" ذكر أن إيماننا بالله وما أنزل إلينا إن كان شرا عندكم، فإني أنبئكم بما هو شر عاقبة عند الله منه\" (٦).\nقال السدي: \" ﴿مثوبة عند الله﴾، يقول: ثوابا عند الله\" (٧).\nقال ابن زيد: \" المثوبة، الثواب، مثوبة الخير، ومثوبة الشر، وقرأ: ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ [سورة الكهف: ٤٤] \" (٨).\nوفي قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠]، قولان:\nأحدهما: بشر من المؤمنين، قاله ابن عباس (٩)، ومقاتل (١٠).\nوالثاني: بشر مما نقمتم من إيماننا، قاله الزجاج (١١).\nقال ابن عطية: \" ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم: هل أنبئكم، هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤا ولعبا، قال ذلك الطبري (١٢) وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئا، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين، أي قل يا محمد للمؤمنين هل\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٨، وانظر: زاد المسير: ١/ ٥٦٣.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٢.\n(٤) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٤.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٥.\n(٦) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٣٨٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٦٠): ص ٤/ ١١٦٤.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٢٢١): ص ١٠/ ٤٣٦.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦٣.\n(١٠) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٨.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٥.","vol":"8","page":298},{"text":"أنبئكم بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله ... وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بـ ﴿ذلك﴾ إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم\" (١).\nوالمثوبة مختصة بالإحسان، وضعت موضع العقوبة على سبيل التهكم، على طريقة قول الشاعر (٢):\nوَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضرْبٌ وَجِيعُ\nأي: ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية، ومنه ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] (٣).\nقرأ الجمهور: ﴿أنبئكم﴾ بفتح النون وشد الباء، وقرأ ابن وثاب والنخعي «أنبئكم» بسكون النون وتخفيف الباء من أنبأ (٤).\nوقرأ أكثر الناس: «مثوبة» بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ ابن بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران «مثوبة» بسكون الثاء وفتح الواو (٥).\nقوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: \" إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وغَضِب عليهم\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته وغضب عليه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: [من] أبعده من رحمته، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضبًا لا يرضي بعده أبدًا\" (٨).\nقال الراغب: أي: \" وهو ممن أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم\" (٩).\nقال مقاتل: \" وهم اليهود، فإن لم يقتل أقر بالخراج وغضب عليه\" (١٠).\nقال الماتريدي: \" الملعون هو المطرود عن الخيرات\" (١١).\nقال أبو صالح عن ابن عباس: \"من لعنه الله بالجزية، وغضب عليه بعبادة العجل، فهم شر مثوبة عند الله\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهود- لعنوا- يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: \" ومَسَخَ خَلْقهم، فجعل منهم القردة والخنازير\" (١٤).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١١.\n(٢) يقال هو: عمرو بن معد يكرب الزبيدي. كما في: شعره ١٤٩. وقد ورد منسوبًا له في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٠، و\"النوادر\" لأبي زيد ١٥٠، و\"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٠٥٦، و\"الممتع في صنعة الشعر\" ١٥٩.\nوأوردته المصادر التالية غير منسوب: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٢٣٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٠، ٤/ ٤١٣، و\"الخصائص\" ١/ ٣٦٨، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ١٢٦، ٨٣٥، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٧٥، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٨٠، و\"التصريح\" ١/ ٣٥٣، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٥٧، ٢٦٣؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥١.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠ - ٢١١.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٣٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٢.\n(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٣٨٧.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٨.\n(١١) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٤٩.\n(١٢) زاد المسير: ١/ ٥٦٣.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٥٢.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٨.","vol":"8","page":299},{"text":"قال الراغب: أي: \" ومسخهم القردة والخنازير\" (١).\nقال مجاهد: \": مسخت من يهود\" (٢).\nقال مقاتل: \" القردة في شأن الحيتان (٣)، والخنازير (٤) في شأن المائدة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" قيل: وجعل منهم القردة أصحاب السبت، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير، وروى أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رءوسهم\" (٦).\nقال ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله تعالى؟ فقال: إن الله لم يهلك قومًا - أو قال: لم يمسخ قومًا - فيجعل لهم نَسْلا ولا عَقِبًا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك\" (٧).\nوفي رواية أخرى عن ابن مسعود أيضا: \" سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: \"لا إن الله لم يلعن قومًا فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم مثلهم\" (٨).\nوفي سبب مسخهم خنازير، فروي عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: \"حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة. فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة\" (٩).\nوروي عن ابن عباس: \" قال رسول الله ﷺ: \"الحيات مَسْخ الجن، كما مُسِخَتِ القردة والخنازير\" (١٠). قال ابن كثير: \"هذا حديث غريب جدا\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٣٨٧.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٢٢٤): ص ١٠/ ٤٣٩.\n(٣) الحيتان هي: الأسماك التي نهوا عن صيدها يوم السبت فاصطادوها بالحيلة فقال لهم الله: كونوا قردة خاسئين.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].\n(٤) وأما المائدة فقد طلبها عيسى من السماء واشترط عليهم الإيمان بالله وألا يرفعوا شيئا منها فأكلوا منها ثم كفروا ورفعوا من المائدة فدعا عليهم عيسى: أن يلعنهم الله كما لعن أصحاب السبت، فمسخهم الله خنازير.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٨.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٥٣.\n(٧) صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣).\n(٨) مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/ ٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٢٢٣): ص ١٠/ ٤٣٨.\n(١٠) رواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) \"موارد\" والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) \"كشف الأستار\" وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: \"هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه\".\nولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفًا. رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/ ٣٤١). فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/ ٤٣٩).\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٣.","vol":"8","page":300},{"text":"قال ابن عطية: \"وقوله تعالى: ﴿وجعل﴾ هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى «خلق» (١)، وهذه منه ﵀ نزعة اعتزالية، لأن قوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾ تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحدا عابد الطاغوت\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: \" وجعل منهم عُبَّاد الطاغوت\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ومن عبد الطاغوت\" (٤). قال البغوي: \" وتصديقها قراءة ابن مسعود: «ومن عبدوا الطاغوت» \" (٥).\nقال ابن كثير: أي: \"وجعل منهم من عبد الطاغوت\" (٦).\nقال مقاتل: فيها تقديم وعبد الطاغوت، يعني: ومن عبد الطاغوت وهو الشيطان\" (٧).\nقال الزجاج: أي: \" أطاع الشيطان فيما سول له وأغراه به\" (٨).\nقال أبو غسان قال: \"قلت لابن أبي ليلى: ﴿وعبد الطاغوت﴾، فقال: فخدم الطاغوت\" (٩).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟\nقلت: فيه وجهان:\nأحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه.\nوالثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] \" (١٠).\nوقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى «الطاغوت» على أقوال:\nأحدها: أنه الشيطان (١١)، وهو قول عمر بن الخطاب (١٢)، ومجاهد (١٣)، والشعبي (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، وعكرمة (١٨)، واختاره الزجاج (١٩)، وابن كثير (٢٠)، والقاسمي (٢١) وآخرون.\n_________\n(١) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٣/ ٢٣٦. قال: \" ومعنى: «جعل»: خلق كما قال: ﴿وجعل منها زوجها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وكما قال: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١]، وليس عبد\".\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١١.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٨، وصفوة التفاسير: ١/ ٣٢٤\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٣.\n(٥) تفسير البغوي: ٣/ ٧٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٣.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٩.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٦٣): ص ٤/ ١١٦٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٥٣.\n(١١) قال الشنقيطي: \" قال بعض العلماء: (الطاغوت): الشيطان، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، أي يخوفكم من أوليائه. وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقوله: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ وقوله: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء﴾، والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطان﴾، وقال: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا﴾، وقال عن خليله ابرهيم: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾، وقال: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، إلى غير ذلك من الآيات\". [أضواء البيان: ١/ ١٥٩].\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٤) و(٥٨٣٥): ص ٥/ ٤١٧. وابن ابي حاتم (٢٦١٨): ص ٢/ ٤٩٥.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٦): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٧): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٨): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٩): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٠): ص ٥/ ٤١٧.\n(١٨) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ﴾، قبل الحديث رقم ٤٥٨٣، ولفظه: \"الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ\".\n(١٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.\n(٢٠) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣، إذ يقول: \" ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها\".\n(٢١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٤.","vol":"8","page":301},{"text":"والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (١)، ومحمد ابن سيرين (٢) والشعبي (٣).\nوالثالث: الكاهن، وهو قول جابر (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والرفيع (٦)، وابن جريج (٧).\nوالرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (٨). روي ذلك عن مالك (٩).\nوالخامس: مَرَدَة الإنس والجن (١٠).\nوالسادس: وقيل: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنسانًا أو صنمًا، روي ذلك عن الإمام مالك (١١)، وابن القيم (١٢)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (١٣).\nوالسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ذكره الماوردي (١٤).\nوالراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (١٥)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (١٦) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم.\nواختلفوا في أصل كلمة ﴿الطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، على وجهين (١٧):\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤١): ص ٥/ ٤١٧.\n(٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٢): ص ٥/ ٤١٧.\n(٣) أنظر تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٠): ص ٢/ ٤٩٥.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ﴾، قبل الحديث رقم (٤٥٨٣)، ولفظه: \"\"كَانَتْ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا: فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ\".\n(٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٣): ص ٥/ ٤١٨.\n(٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٤): ص ٥/ ٤١٨. والرفيه:، هو أبو العالية الرياحي.\n(٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٥): ص ٥/ ٤١٨.\n(٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧، تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.\n(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٢٢): ص ٢/ ٤٩٥.\n(١٠) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(١١) ذكره القرطبي في تفسيره، ٥/ ٢٤٨، عن ابن وهب، عن الإمام مالك، وانظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص ٤٤.\n(١٢) وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت ما ذكره ابن القيم / بقوله: \"والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع\". [إعلام الموقعين عن رب العالمين، ١/ ٥٠].\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤١٩.\n(١٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٧.\n(١٥) انظر: المفردات فى غريب القرآن للأصفهانى: ٣٠.٤\n(١٦) قال أبو حيان بعد أن سرد الأقوال في معنى (الطاغوت): \" وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلًا، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها\". [البحر المحيط: ٢/ ٢١٠].\n(١٧) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٨.","vol":"8","page":302},{"text":"أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (١):\nأ- قال الشوكاني: \"الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد\" (٢).\nب-قال سيبويه: \"هو اسم مذكَّر\" (٣) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير.\nج- وقال أبو على الفارسي: \"إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام\" (٤)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (٥).\nوالثاني: أن \"أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ\" (٦).\nوالثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (٧).\nقرأ حمزة وحده: «وعبد الطاغوت»، بضم الباء من «عبد»، وكسر التاء من «الطاغوت»، وقرأ الباقون: ﴿وعبد الطاغوت﴾ منصوبا كله (٨).\nوقرأ بُريدة الأسلمي: «وعابد الطاغوت» (٩).\nوقرأ ابن مسعود: «وعبدوا» (١٠)، ردا إلى المعنى. قال الراغب: \" وهو أجود\" (١١).\nوقرأ أبو جعفر النحوي: «وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ» (١٢)، قال الطبري: \" وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت. وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: \"لقد ساء مكانهم في الآخرة\" (١٤).\nقال مقاتل: \"في الدنيا، يعني: شر منزلة\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" أي: مما تظنون بنا\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٧٥، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٨١، والبحر المحيط: ٢/ ٥٩٩، وفتح البيان في مقاصد القرآن: ٢/ ٩٩، والحجة للقراء السبعة: ٤/ ١٣٧.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٥.\n(٣) الكتاب: ٣/ ٢٤٠. وذكر صاحب اللسان (طغى)، قال ابن منظور: يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهي مشتقة من طغى، والطاغوتُ الشيطان، والكاهِنُ، وكلُّ رأْسٍ في الضَّلالة، وقد يكون واحدًا قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو مثل الفُلْكِ يُذَكَّرُ ويؤنَّث، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، والطاغوتُ يكونُ من الأَصْنامِ، ويكون من الجِنِّ والإِنس، ويكون من الشياطين، وجمعُ الطاغوتِ: طَواغِيتُ، والطَّوَاغِي: جمع طاغيَةٍ، ويجوز أَن يُراد بالطَّواغِي: من طَغَى في الكُفرِ، وجاوَزَ الحَدَّ\". [لسان العرب لابن منظور، ١٥/ ٧، مادة (طغى)، ومقاييس اللغة، ٣/ ٣٢٢، مادة (طغى)، والمصباح المنير، ٢/ ٢٧٣، مادة (طغى)].\n(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٤.\n(٥) أنظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٠.\n(٦) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٦٩.\n(٧) نقلا عن الماوردي في النكت والعيون: ٣٢٨. ولم اجده في تفسير ابي مسلم الأصفهاني المشهور بابن بحر.\n(٨) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٦. وذكر فيه ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٥٦٣ - ٥٦٤: \"عشرون وجها من القراءة\".\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٢٩): ١٠/ ٤٤٠.\n(١٠) انظر: تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٣٨٧.\n(١١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٣٨٧.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٢٨): ١٠/ ٤٤١ ..\n(١٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٠.\n(١٤) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٩.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٣.","vol":"8","page":303},{"text":"قال الزمخشري: \" أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ليست في قولك: أولئك شر وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز\" (١).\nقال ابن الجوزي: \" أي: هؤلاء الذين وصفناهم شر مكانا من المؤمنين، ولا شر في مكان المؤمنين، ولكن الكلام مبني على كلام الخصم، حين قالوا للمؤمنين: لا نعرف شرا منكم، فقيل: من كان بهذه الصفة، فهو شر منهم\" (٢).\nقال ابن عطية: \" و«مكان»، يحتمل أن يريد في الآخرة، فالمكان على وجهه أي المحل إذ محلهم جهنم، وأن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة والحالة\" (٣).\nقال النحاس: \" يقال: ليس في المؤمنين شر فكيف جاء: ﴿أولئك شر مكانا﴾؟ ففي هذا أجوبة:\nحكى الكوفيون: العسل أحلى من الخل، وإن كان مردودا، وقال أبو إسحاق: المعنى: «أولئك شر مكانا على قولكم» (٤).\nومن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر، وقيل: أولئك الذين نسيهم الله شر من الذين نقموا عليكم، وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر من الذين لعنهم الله\" (٥).\nقال ابن عباس: \"مكانهم سقر، ولا مكان أشد شرا منه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: \" وضلَّ سَعْيُهم في الدنيا عن الطريق الصحيح\" (٧).\nقال البغوي: \" أي: عن طريق الحق\" (٨).\nقال مقاتل: \" يعني: وأخطأ عن قصد الطريق من المؤمنين\" (٩).\nقال الماتريدي: \" أي: أخطأ طريقا ودينا\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] \" (١١).\nقال ابن عطية: \" و«سواء السبيل»: وسطه، ومنه قول العرب: قمت حتى انقطع سوائي، ومنه قوله تعالى: ﴿في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥]، وخط الاستقامة في السبل إنما هو متمكن غاية التمكن في الأوساط فلذلك خص السواء بالذكر، ومن لفظ السواء قيل خط الاستواء\" (١٢).\nقال أهل العلم: \"ويوجه التفضيل بـ ﴿شر﴾ و﴿أضل﴾ على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار، ويكون على هذا الاحتمال قوله: من لعنه الله الآية يراد به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف إذا كان الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه، فهو في حكمه\" (١٣).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٥٣.\n(٢) زاد المسير: ١/ ٥٦٤.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٣.\n(٤) انظر: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٤، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٦، والبحر المحيط: ٤/ ٣٠٩. ولم أجده في معاني القرآن. وإنما قال: ٢/ ١٨٩: \" مكانا \" منصوب على التفسير\".\n(٥) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥\n(٦) البحر المحيط: ٤/ ٣٠٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٨) تفسير البوغي: ٣/ ٧٥.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٩.\n(١٠) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٤٩.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٣.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١١.","vol":"8","page":304},{"text":"الفوائد:\n١ - تقرير وجود مسخ في اليهود قردة وخنازير.\n٢ - اليهود شر الناس مكانًا يوم القيامة، وأضل الناس في هذه الدنيا.\n٣ - في الآية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: ﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾ ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يختزى ويفحم في الخصومة.\n٤ - الآية تشير إلى اليهود وإلى كل من سلك سبيلهم، كما هو معروف في غالب ألفاظ القرآن التي تأتي في وصف أعمال أحد من الناس أو تأتي لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل هذه الآية لا شك أنها كانت تحكي أخلاق اليهود وأوصافهم، لكن فيها أيضًا إشارة إلى كل من سلك سبيلهم.\n٥ - أن الله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى، إذ وصف الله تعالى نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته، فقال -﷿-: ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾.\nومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ الطحاوي بقوله: \" إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية\" (١).\nوالأحاديث المشار إليها تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك:\n- ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذارًا للناس عندما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة منهم، وهم: آدم أوب البشر، ونوح، وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، يخبر النبي ﵊ أن كل واحد منهم يقول: \" إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري\" (٢) إلى آخر الحديث الطويل.\nوالحديث يدل دلالة واضحة على أن إثبات صفة الغضب من دين الرسل جميعًا، لأن الشرائع كلها متفقة في الأصول بيد أن الله جعل لكل واحد منهم شرعة ومنهاجًا. ومحل الشاهد من الحديث: \" إن ربي غضب اليوم \"واللفظ صريح في أنه قد يحدث في ذلك اليوم غضب لم يحدث مثله قبل ذلك، كما لا يحدث بعده مثله.\n- وقوله ﵊: \"من لم يسأل الله يغضب عليه \" (٣)، وقد نظم بعضهم هذا المعنى قائلًا (٤):\nاللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ\n- وقوله ﵊: \" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\" (٥).\n_________\n(١) متن الطحاوية بتحقيق الالباني: ٤٤.\n(٢) رواه أحمد ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦ والبخاري ٦/ ٣٧١، ٨/ ٣٩٥، ومسلم ١/ ١٨٥ من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٢، وصححه الألباني \"راجع مشكاة المصابيح رقم الحديث ٢٢٣٦ بتحقيق الألباني\".\n(٤) البيت بلا نسبة في تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٩، و٧/ ١٣٩، ولأبي العتاهية في مجموع رسائل ابن رجب: ٣/ ١٢٦.\nوانظر البيت في: \"شعب الإيمان\" للبيهقي (٢/ ٣٦١ رقم ١٠٦٥) وهو في شروح \"الأربعين\".\nوقبله:\nلا تسألنَّ بُني آدم حاجةً ... وسلِ الذي أبوابُهُ لا تُحجب\n(٥) المسند (٧٥١): ص ٢/ ١٤٧، وإسناده قوي، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٦ و١٠/ ٣٨٦، وعبد بن حميد (٨١)، والترمذي (٣٥٦٦) وحسنه، وأبو يعلى (٢٧٥) من طريق يزيد بن هارون، بهذا الإسناد.\nوأخرجه الطيالسي (١٢٣)، وأبو داود (١٤٢٧)، والنسائي في \"المجتبى\" ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وفي \"الكبرى\" (٧٧٥٣)، والطبراني في \"الدعاء\" (٧٥١)، والبيهقي ٣/ ٤٢ من طرق عن حماد بن سلمة، به. وسيأتي برقم (٩٥٧) و(١٢٩٥).\nقوله: \"كما أثنيت\"، قال السندي: أي: أنت الذي أثنيت على ذاتك ثناء يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك، فالكاف زائدة، والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى، ويحتمل أن الكاف بمعنى \"على\"، والعائد محذوف، أي: أنت ثابت على أوصاف أثنيت بها على نفسك، والجملة على الوجهين في محل التعليل، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى بلا مشاكلة، وقيل: \"أنت\" تأكيد للمجرور في \"عليك\"، فهو من استعارة المرفوع المنفصل موضع المجرور المتصل؛ إذ لا منفصل في المجرور، و\"ما\" مصدرية، والكاف بمعنى: مثل، صفة ثناء.","vol":"8","page":305},{"text":"- وقوله ﵊: \"إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ ! ! فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\" (١).\nيستدل أهل السنة بهذا الحديث على أن يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخطُ على من شاء، كم يحل سخطه ثم يرضى ولكن هؤلاء أحل عليهم رضوانًا لا يعقبه سخط (٢).\nوما أصدق ما قاله الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: \"ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام\" (٣).\nاستنادًا إلى هذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي آثرنا عدم ذكرها رغبة في الإيجاز، يؤمن السلف وجمهور الأئمة بهذه الصفة ويبقونها على ظاهرها، الظاهر الذي يليق بالله إيمانًا منهم بأن النصوص لا تدل بظاهرها إلا على ما يليق بالله - خلاف ما يزعمه الزاعمون- أي أنهم لا يؤولونه كما أوله غيرهم. يبد أن إثباتهم لا يصل بهم إلى حد التشبيه والتمثيل.\nوأما الخلف فلم يوفقوا في هذه الصفة كما لم يحالفهم التوفيق أيضًا في جميع الصفات على اختلاف مشاربهم، فزعموا: أنه ما ثمةَ غضب. وإنما المراد بالغضب المذكور في النصوص لازم الغضب وهو إرادة الانتقام. وعللوا لما ذهبوا إليه بقولهم: إن أصل الغضب غليان دم القلب عند إرادة الانتقام، وذلك مستحيل على الله تعالى، أو بعبارة أخرى: إن حقيقة الغضب الانفعال والتغير من حال إلى حال، وهو أمر لا يليق بالله، إلى آخر تلك التعليلات والأعذار غير المقبولة لدى غيرهم، من أهل السنة والجماعة.\nولدفع هذه الشبهة التي نسجوها من خيوط العنكبوت نقول: أن لوازم صفات المخلوقين التي ذكروها لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق حتى تقاس صفاته سبحانه على صفاتهم، وكما أنهم أثبتوا ذات البارئ دون تفكير في لوازم ذوات المخلوقين، يلزمهم إثبات صفاته ذاتية أو فعلية دون تفكير في لوازم صافت المخلوقين، وهذا الإلزام يلحق أو يلزم جميع النفاة المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم (٤).\n\nالقرآن\n_________\n(١) متفق عليه عن أبي سعيد الخدري ﵁ راجع: البخاري ١١/ ٤١٥، و١٣/ ٤٨٧، ومسلم في الإيمان ١/ ١٧١، وأخرجه أحدم ٣/ ٨٨، ٩٥.\n٣ الغضب والسخط والأسف ألفاظ مترادفة ومعناها واحد، القاموس المحيط والتاج.\n(٢) الغضب والسخط والأسف ألفاظ مترادفة ومعناها واحد، القاموس المحيط والتاج.\n(٣) شرح الطحاوية ص: ٥٢٤.\n(٤) انظر: الصفات الإلهية في الكتاب والسنة، محمد أمان: ٢٩٩ - ٣٠١.","vol":"8","page":306},{"text":"﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ [المائدة: ٦١]\nالتفسير:\nوإذا جاءكم -أيها المؤمنون- منافقو اليهود، قالوا: آمنَّا، وهم مقيمون على كفرهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم، ثم خرجوا وهم مصرُّون عليه، والله أعلم بسرائرهم، وإن أظهروا خلاف ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٦١]، أي: \" وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- منافقو اليهود، قالوا: آمنَّا\" (١).\nقال السعدي: أي: \" نفاقا ومكرا\" (٢).\nقال الطبري: أي: \"وإذا جاءكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم: \"آمنا\": أي صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد ﷺ واتبعناه على دينه\" (٣).\nقال الكلبي: \"هؤلاء منافقو أهل الكتاب، كانوا إذا دخلوا على رسول الله، قالوا: آمنا\" (٤).\nقال البغوي: \" يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل (٥): هم الذين قالوا: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]، دخلوا على النبي ﷺ وقالوا: آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون الكفر\" (٦).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \" الكلام في منافقي اليهود الذين كانوا في المدينة وجوارها ; أي ذلك شأنهم في حال البعد عنكم، وإذا جاءوكم قالوا للرسول ولكم: إننا آمنا بالرسول، وما أنزل عليه\" (٧).\nقال ابن كثير: \" وهذه صفة المنافقين منهم، أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، أي: \"وهم مقيمون على كفرهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم، ثم خرجوا وهم مصرُّون عليه\" (٩).\nقال السمعاني والبغوي: \" يعني: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" فمدخلهم ومخرجهم بالكفر -وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فهل أشر من هؤلاء وأقبح حالا منهم؟ \" (١١).\nقال الواحدي: \" أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتي حالتيهم\" (١٢).\nقال عبدالقاهر الجرجاني: أي: \" دخولهم بالكفر وخروجهم به عبارة عن دوام حالهم به، أي لا ينفكون عن الكفر داخلين لا خارجين\" (١٣)، \" وذلك أن قولهم ﴿آمنا﴾: دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به؛ فالموضع موضع تكذيب\" (١٤).\nقال مكي: أي: \" لم يحولوا عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا يعتقدون\" (١٥).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٤.\n(٤) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٣٦.\n(٥) هذا قول ابن زيد، انظر: تفسير الطبري (١٢٢٣٣): ص ١٠/ ٤٤٥ - ٤٤٦. وسوف يأتي.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ٧٥.\n(٧) تفسير المنار: ٦/ ٣٧٢.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٠) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٠، وتفسير البغوي: ٣/ ٧٥.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(١٢) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٠٥.\n(١٣) درج الدرر: ٢/ ٦٧٩.\n(١٤) دلالئل الإعجاز: ١٥٤.\n(١٥) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٩٥.","vol":"8","page":307},{"text":"قال الراغب: \" أي: يظهرون الإيمان ويدخلون كافرين، ويخرجون كافرين، تنبيها أنهم كاذبون فيما يظرون من الإيمان\" (١).\nقال الطبري: أي: \" وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويُضمرونه في صدورهم، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم، وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله، جهلا منهم بالله\" (٢).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \" أي: والحال الواقعة منهم أنهم دخلوا عليكم متلبسين بالكفر، وهم أنفسهم قد خرجوا متلبسين به ; فحالهم عند خروجهم هي حالهم عند دخولهم، لم يتحولوا عن كفرهم بالرسول، وما نزل من الحق، ولكنهم يخادعونكم، كما قال في آية البقرة: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ [البقرة: ٧٦] الآية .. وقوله: ﴿وهم قد خرجوا به﴾، هي تأكيد كون حالهم في وقت الخروج كحالهم في وقت الدخول، وإنما احتاج هذا للتأكيد لمجيئه على خلاف الأصل ; لأن من كان يجالس الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ يسمع من العلم والحكمة ويرى من الفضائل ما يكبر في صدره، ويؤثر في قلبه، حتى إذا كان سيئ الظن رجع عن سوء ظنه، وأما سيئ القصد فلا علاج له، وقد كان يجيئه الرجل يريد قتله، فإذا رآه وسمع كلامه آمن به وأحبه، وهذا هو المعقول الذي أيدته التجربة، وإنما شذ هؤلاء وأمثالهم ; لأن سوء نيتهم وفساد طويتهم قد صرفا قلوبهم عن التذكر والاعتبار، ووجها كل قواهم إلى الكيد والخداع والتجسس وما يراد به، فلم يبق لهم من الاستعداد ما يعقلون به تلك الآيات، ويفهمون مغزى الحكم والآداب، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] \" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾، أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾، فخصهم به دون غيرهم\" (٤).\nقال ابن عباس: \" وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسرُّ قلوبهم الكفر، فقال: ﴿دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ \" (٥).\nوعن ابن عباس ايضا: \" إنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق وشربت قلوبهم الكفر\" (٦).\nقال ابن زيد: \" ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، [سورة آل عمران: ٧٢].، فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم، رجعوا بكفرهم. وهؤلاء أهل الكتاب من يهود\" (٧).\nقال السدي: \" هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود. يقول: دخلوا كفارًا، وخرجوا كفارًا\" (٨).\nقال قتادة: \" أناسٌ من اليهود، كانوا يدخلون على النبيّ ﷺ فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر. وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله -ﷺ-\" (٩).\n_________\n(١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٣٨٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٤.\n(٣) تفسير المنار: ٦/ ٣٧٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٢٣٢): ص ١٠/ ٤٤٥.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٦٥): ص ٤/ ١١٦٥.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٢٣٣): ص ١٠/ ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٢٣١): ص ١٠/ ٤٤٥.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٢٣٠): ص ١٠/ ٤٤٥.","vol":"8","page":308},{"text":"قال الكلبي: \" وقد دخلوا حين دخلوا على النبي كفارا، وخرجوا من عنده وهم كفار ولم ينتفعوا بما سمعوا منه بشيء؛ وهم من اليهود\" (١).\nقال أبو حيان: \" الظاهر أن الدخول والخروج حقيقة. وقيل: هما استعارة، والمعنى: تقلبوا في الكفر أي دخلوا في أحوالهم مضمرين الكفر وخرجوا به إلى أحوال أخر مضمرين له، وهذا هو التقلب. والحقيقة في الدخول انفصال بالبدن من خارج مكان إلى داخله، وفي الخروج انفصال بالبدن من داخله إلى خارجه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١]، أي: \" والله أعلم بسرائرهم، وإن أظهروا خلاف ذلك\" (٣).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: ما يخفون\" (٤).\nقال مكي: أي: من كفرهم\" (٥).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" كانوا يكتمون دين اليهودية\" (٦).\nقال النسفي: أي: \" من النفاق\" (٧).\nقال الواحدي: \" أي: من نفاقهم وإبطانهم الكفر\" (٨).\nقال الطبري: \"يقول: والله أعلم بما كانوا- عند قولهم لكم بألسنتهم: «آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء به» - يكتمون منهم، بما يضمرونه من الكفر، بأنفسهم\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليهم ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها\" (١١).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: \"عند دخولهم من قصد تسقط الأخبار والتوسل إليه بالنفاق والخداع، وعند خروجهم من الكيد والمكر والكذب الذي يلقونه إلى البعداء من قومهم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - وجود منافقين من اليهود على عهد الرسول ﷺ بالمدينة.\n٢ - من صفات المنافقين: دعواهم الإيمان عند المؤمنين، فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به، وهذه حال كثير من الدعاة إلى الباطل، إذ تجده ينخر في الإسلام مع ادعائه الحرص عليه وعلى أهله.\n٣ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿يكتمون﴾، لأن الكاتم مريد للكتم.\n\nالقرآن\n﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢]\n_________\n(١) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٣٦.\n(٢) البحر المحيط: ٤/ ٣١١.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٦٦): ص ٤/ ١١٦٦.\n(٥) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٧٩٥.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٣٦.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٥٨.\n(٨) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٠٥.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٤ - ٤٤٥\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(١٢) تفسير المنار: ٦/ ٣٧٢.","vol":"8","page":309},{"text":"التفسير:\nوترى -أيها الرسول- كثيرًا من اليهود يبادرون إلى المعاصي من قول الكذب والزور، والاعتداء على أحكام الله، وأكْل أموال الناس بالباطل، لقد ساء عملهم واعتداؤهم.\nقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٦٢]، أي: \" وترى -أيها الرسول- كثيرًا من اليهود يبادرون إلى المعاصي من قول الكذب والزور، والاعتداء على أحكام الله\" (١).\nقال القرطبي: \" أي: يعني: من اليهود يسابقون في المعاصي والظلم\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" أي: من اليهود أو من المنافقين. يسارعون في الحرام والظلم، أو مجاوزة الحد في المعاصي\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" يجترئون على الخطأ والظُّلم ويبادرون إليه\" (٤).\nقال الماتريدي: أي: \" من ملوكهم وعوامهم، ﴿يسارعون﴾ في قول الكفر والعدوان\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: يحرصون، ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين\" (٧).\nقال مقاتل: \" ﴿الإثم﴾، يعني: المعصية، و﴿العدوان﴾، يعني: الظلم، وهو الشرك\" (٨).\nقال قتادة: \" وكان هذا في حُكّام اليهود بين أيديكم\" (٩).\nقال الزمخشري: \" والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" الخطاب لرسول الله -ﷺ- أو لكل من يصلح له، والضمير في منهم عائد إلى المنافقين أو اليهود أو إلى الطائفتين جميعا ويسارعون في الإثم في محل نصب على الحال على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، والمسارعة: المبادرة\" (١١).\nوفي معنى: ﴿الإثم﴾ [المائدة: ٦٢]، أقوال:\nأحدها: أنه المعاصي، قاله ابن عباس (١٢)، واختاره السمرقندي (١٣).\nوالثاني: الكفر، قاله السدي (١٤).\nوالثالث: أنه الكذب، بدليل قوله تعالى: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: ٦٣]. قاله الزمخشري (١٥).\nوالرابع: أنه كتمان أمر محمد، وما كتموا من التوراة. ذكره بعض المفسرين (١٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٧، ونقله الصابوني في تفسيره: ٣٢٥.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٤.\n(٤) الوجيز: ٣٢٧.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٥٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٩، ونقله السمرقندي بتمامه، انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٠٣.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٢٣٦): ص ١٠/ ٤٤٦.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٥٤.\n(١١) فتح القدير: ٢/ ٦٤.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٦٥.\n(١٣) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٠٣.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٣٥): ص ١٠/ ٤٤٦.\n(١٥) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٣.\n(١٦) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٥٠، وتفسير البغوي: ٣/ ٧٦.","vol":"8","page":310},{"text":"قال الطبري: \" وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي، وإن كان قولا غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله، لا يتحاشون من شيء منها، لا من كفر ولا من غيره. لأن الله تعالى ذكره عمَّ في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثمًا دون إثم\" (١).\nقال السمرقندي، والزمخشري، وابن الجوزي: \" ﴿العدوان﴾، فهو الظلم\" (٢).\nقال الطبري: \" العدوان: فإنه مجاوزة الحدّ الذي حدَّه الله لهم في كل ما حدَّه لهم\" (٣).\nقال الماتريدي: \"و﴿العدوان﴾: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم\" (٤).\nقال الشوكاني: \" و﴿العدوان﴾: الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب\" (٥).\nوقيل: \"والعدوان: ما زادوا في التوراة\". ذكره بعض المفسرين (٦).\nوقرأ أبو حيوة: «والعدوان»، بكسر العين (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٢]، أي: \"وأكْل أموال الناس بالباطل\" (٨).\nقال الماتريدي: أي: \" ويسارعون -أيضا- في أكل السحت\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: وأكلهم أموالهم بالباطل\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" السحت: الحرام\" (١١).\nقال الصابوني: \" أي: وأكلهم الحرام\" (١٢).\nقال مقاتل: \" يعني كعب بن الأشرف، لأنه كان يرشي في الحكم ويقضي بالجور\" (١٣).\nقال السعدي: \" فلم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون ذلك، حتى أخبر أنهم يسارعون فيه، وهذا يدل على خبثهم وشرهم، وأن أنفسهم مجبولة على حب المعاصي والظلم. هذا وهم يدعون لأنفسهم المقامات العالية\" (١٤).\nوفي معنى «السحت»، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الرشوة فى الحكم، وهو قول ابن عباس (١٥)، ومجاهد (١٦)، والضحاك (١٧)، وسعيد بن جبير (١٨)، والحسن (١٩)، وإبراهيم (٢٠)، وعكرمة (٢١)، وابن زيد (٢٢)، واختاره الطبري (٢٣)، والسمرقندي (٢٤)، والبغوي (٢٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٧.\n(٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٠٣، والكشاف: ١/ ٦٥٣، وزاد المسير: ١/ ٥٦٥.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٧.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٥٠.\n(٥) فتح القدير: ٢/ ٦٤.\n(٦) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٥٠، وتفسير البغوي: ٣/ ٧٦.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٤.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٩) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٥٠.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(١١) فتح القدير: ٢/ ٦٤.\n(١٢) صفوة التفاسير: ٣٢٥.\n(١٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٩.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٢): ص ١٠/ ٣٢٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١١٩٤٤): ص ١٠/ ٣١٩.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١١٩٥٧): ص ١٠/ ٣٢١.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥، وتفسير الطبري (١١٩٤٢): ص ١٠/ ٣١٨ - ٣١٩\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨٧): ص ٤/ ١١٣٥.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١١٩٦٦): ص ١٠/ ٣٢٣.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٧.\n(٢٤) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٠٣.\n(٢٥) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٧٦.","vol":"8","page":311},{"text":"والثاني: أنه الرشوة في الدين. قاله عبدالله (١).\nوالثالث: أنه الربا. ذكره بعض المفسرين (٢).\nقال الواحدي: هو\" ما كانوا يأخذونه من الرَّشا على كتمان الحقِّ\" (٣).\nقال ابن عطية: \" السحت: هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث\" (٤).\nقال الزمخشري: \" السحت: كل ما لا يحل كسبه، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام\" (٥).\nوروي عن النبيﷺ-: \" كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم \" (٦).\nوأصل «السحت»: الاستئصال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، أي: يستأصلكم، وقال الفرزدق (٧):\nوَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع ... مِنَ الْمَالِ إلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ\nفسمي سحتًا لأنه يسحت الدين والمروءة (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]، أي: \" لقد ساء عملهم واعتداؤهم\" (٩).\nقال البيضاوي والنسفي: أي: \" لبئس شيئا عملوه\" (١٠).\nقال الطبري: \" يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت\" (١١).\nقال السمرقندي: \" يعني: لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم\" (١٣).\nقال السعدي: \" وهذا في غاية الذم لهم والقدح فيهم\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٥٢): ص ١٠/ ٣٢٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٠، وتفسير السمعاني: ٢/ ٥٠، وزاد المسير: ١/ ٥٦٥.\n(٣) الوجيز: ٣٢٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٣٤.\n(٦) أخرجه الطبري (١١٩٦٧): ص ١٠/ ٣٢٣، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٨٤، ونسبه لعبد بن حميد، وابن مردويه مرفوعًا من حديث ابن عمر، عن رسول الله -ﷺ-.\nقال الحافظ: رواه ابن جرير مرفوعا ورجاله ثقات ولكنّه مرسل\". انظر: ٥/ ٣٦٠ (كتاب الإجارة - باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب.\n(٧) ديوانه: ٥٥٦، والنقائض: ٥٥٦، وطبقات فحول الشعراء: ١٩، والخزانة ٢: ٣٤٧، واللسان (سحت) (جلف)، وفي غيرها كثير. والبيت من قصيدته المشهورة، وقبل البيت:\nإِلَيْكَ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَمَتْ بِنَا ... هُمُومُ الْمُنَى والْهَوْجَلُ الْمُتَعَسَّفُ\nالهوجل: البطن الواسع من الأرض. والمتعسف: المسلوك بلا علم ولا دليل، فهو يسير فيها بالتعسف. ويروى: أو مجرف، وهو الذي جرفه الدهر، أي: اجتاح ماله وأفقره. ويروى في إلا مسحت أو مجلف بالرفع فيهما. وقد تجرف النحاة هذا البيت إعرابًا وتأويلا ..\n(٨) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣٢٤، والنكت والعيون: ٢/ ٤٠.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٤، وتفسير النسفي: ١/ ٤٥٨\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٧.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٤٠٣.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.\n(١٤) تفسير السعدي: ٢٣٧.","vol":"8","page":312},{"text":"قال الشيخ محمد رشيد رضا: \" تقبيح للعمل الذي كانوا يعملونه في استغراقهم في المعاصي المفسدة لأخلاقهم، وللأمة التي يعيشون فيها إن لم تنههم وتزجرهم على أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يكن يقوم به أحد منهم، لا العلماء ولا العباد ; إذ كان الفساد قد عم الجميع\" (١).\nقال ابن زيد: \" هؤلاء اليهود ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ (٣)، إلى قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٤)، قال: ﴿يصنعون﴾ و﴿يعملون﴾ واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا، قال: وذلك الإدهان (٥) \" (٦).\nالفوائد:\n١ - من اوصاف المنافقين: المسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت.\n٢ - انحراف بني إسرائيل وكفرهم وتحريفهم لكلام الله.\n\nالقرآن\n﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]\nالتفسير:\nهلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان أئمتُهم وعلماؤهم، عن قول الكذب والزور، وأكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر.\nقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: \" أي هلاّ يزجرهم علماؤهم وأحبارهم\" (٧).\nقال الضحاك: \" فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم\" (٨).\nقال الزجاج: \" وهم علماؤهم ورؤساؤهم، و«الحبر»: العالم، والحبر المداد بالكسر، فأعلم الله أن رؤساءهم وسفلتهم مشتركون في الكفر\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: هلا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس، الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة -عن المعاصي التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبونهم في الخير ويرهبونهم من الشر\" (١٠).\nقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: \" هؤلاء حين لم ينهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا وذلك الأمر كان\" (١١).\nعن يحيى بن يعمر قال: \"خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم يمنعهم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر\n_________\n(١) تفسير المنار: ٦/ ٣٧٣.\n(٢) [المائدة: ٦٢].\n(٣) [المائدة: ٦٣].\n(٤) [المائدة: ٦٣].\n(٥) والإدهان: اللين والمصانعة، في الدين وفي كل شيء، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. .\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٢٣٧): ص ١٠/ ٤٤٦ - ٤٤٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣٢٥.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٢٤٠): ص ١٠/ ٤٤٩.\n(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٨٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٧٢): ص ٤/ ١١٦٧.","vol":"8","page":313},{"text":"قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا\" (١).\nوقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله «الربانيين»، على وجوه:\nأحدها: فقهاء. قاله مجاهد (٢).\nوالثاني: حكماء علماء. قاله أبو رزين (٣).\nوالثالث: فقهاء علماء، وهو قول ابن عباس (٤)، الحسن (٥)، ومجاهد- في رواية أخرى- (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، وسعيد بن جبير -في رواية عنه- (٩)، وعطاء الخراساني (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، وعطية (١٢)، ويحيى بن عقيل (١٣).\nوالرابع: الفقهاء المعلمون. قاله ابن عباس أيضا (١٤).\nوالخامس: حكماء فقهاء. قاله ابن عباس-في رواية اخرى- (١٥)، والسدي (١٦).\nوالسادس: حكماء أتقياء، وهو قول سعيد بن جبير (١٧).\nوالسابع: حلماء علماء حكماء. وهذا مروي عن ابن عباس أيضا (١٨).\nوالثامن: أن المراد: كونوا أهل عبادة، وأهل تقوى لله. قاله الحسن –في رواية أخرى- (١٩).\nوالتاسع: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس، وهذا قول ابن زيد (٢٠).\nوالراجح-والله أعلم- أن «الربانيين»: جمع: «رباني»، وهو المنسوب إلى «الرَّبَّان»، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، ويربّها، ويقوم بها (٢١).\nوفي: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]، وجوه:\nأحدها: أن الربانيين هم فوق الأحبار. قاله مجاهد (٢٢).\nوالثاني: أن الربانيين علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود. وهذا قول الحسن (٢٣).\nوالثالث: أن الكل في اليهود، لأن هذه الآيات فيهم (٢٤).\nوفي أصل «الرباني»، قولان:\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٧١): ص ٤/ ١١٦٦ - ١١٦٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠٦) - (٨٣٠٨): ص ٦/ ٥٤١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠١) - (٧٣٠٤): ص ٦/ ٥٤٠ - ٥٤١، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٧): ص ٢/ ٦٩١\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٥): ص ٦/ ٥٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠٥): ص ٦/ ٥٤١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٢): ص ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٧): ص ٦/ ٥٤٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٣٠٩): ص ٦/ ٥٤١.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٩): ص ٢/ ٦٩٢، ذكره دون إسناد.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٤): ص ٦/ ٥٤٢.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٦): ص ٢/ ٦٩١.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٣)، و(٧٣١٦): ص ٦/ ٥٤٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (٧٣١١): ص ٦/ ٥٤١.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٨): ص ٦/ ٥٤٢.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٧): ص ٢/ ٦٩١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٤٨): ص ٢/ ٦٩١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٩): ص ٦/ ٥٤٣.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٣.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٧٣١٢): ص ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(٢٣) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٧، وتفسير الثعلبي: ٤/ ٨٦. ذكروه بلا نسبة.\n(٢٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٧.","vol":"8","page":314},{"text":"أحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره، يُصْلح أمورهم، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة (١):\nوَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ، رُبُوبُ\nفسمي العالم ربّانيًا لأنه بالعلم يدبر الأمور، بتعليمه إياهم الخيرَ ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم.\nولذلك قال مجاهد: \"وهم فوق الأحبار\" (٢)، لأن \"الأحبارَ\" هم العلماء، و\"الرباني\" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم (٣).\nوالثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب، وهو علم الدين، فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني (٤).\nوقرأ أبو واقد الليثي، وابن الجراح العقيلي: «الربيون»، كقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] (٥).\nقوله تعالى: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: \" عن قول الكذب والزور\" (٦).\nقال أبو هلال العسكري: \" أي: الكذب بأن عزيرا ابن الله وأن يد الله مغلولة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: \"وأكل أموال الناس بالباطل\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: \" لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر\" (٩).\nقال ابن أبي زمنين: \" أي: حين يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت، وبئس ما صنع الربانيون والأحبار حين لم ينهوهم عن ذلك\" (١٠).\nقال ابن عباس: \" يعني: الربانيين إنهم بئس ما كانوا يصنعون\" (١١).\nقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: \"يصنعون ويعملون واحد\" (١٢).\nوقيل: \"الصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة، يقال: سيف صنيع إذا جود عمله\" (١٣).\nقال الزمخشري: \" كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير، لأن كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالا من المواقع. ولعمري إن هذه الآية مما يقذ السامع، وينعى على العلماء توانيهم\" (١٤).\n_________\n(١) البيت في ديوانه: ١٣٢ والمفضليات: ٢/ ١٩٤، واللسان (ربب) ومقاييس اللغة: ٢/ ٣٨٣، وتفسير الطبري: ١/ ١٤٢، و٦/ ٥٤٣، والصحاح (ربب) والمخصص: ١٧/ ١٥٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٤.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٠٦.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ٨٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٧) الوجوه والنظائر: ٩٨.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٠) تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٣٦.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٧٣): ص ٤/ ١١٦٧.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٧٤): ص ٤/ ١١٦٧.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٧.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٥٤.","vol":"8","page":315},{"text":"قال القرطبي: \" وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله: ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾، ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (١).\nقال الثعلبي: \" وهذه أشد آية على ما أتى النهي عن المنكر حيث أنزلهم منزلة من يرتكبه وجمع بينهم في التوبيخ\" (٢).\nقال أبو السعود: \" وهذا أبلغ مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلغ درجة الصنع ما لم يتدرب فيه صاحبه ولم يحصل فيه مهارة تامة ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسنة أقبح من مواقعة المعصية لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديرا بأبلغ ذم وفيه مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفي\" (٣).\nوروي عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال: \"ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال: كذا قرأ\" (٤).\nوكذا قال الضحاك: \"ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى\" (٥).\nقال أبو حفص النعماني: \" قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكلهم السحت: ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾ [المائدة: ٦٢]، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ والصنع أقوى من العمل؛ فإنما العمل يسمى صناعة، إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل [حرم] العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي المنكر ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة راسخا كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية، كان كالمريض الذي يعالج بأدويته، قل فيها الشفاء، ومثل هذا المرض صعب شديد لا يكاد يزول، وكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أن مرض فقد الإيمان في غاية القوة والشدة\" (٦).\nوروي عن رسول الله -ﷺ-: \"ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب\" (٧).\nوقرأ ابن عباس - ﵄ -: «بئسما»، بغير لام قسم (٨).\nالفوائد:\n١ - قبح سكوت العلماء على المنكر وإغضائهم على فاعليه، ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أشد آية وأخطرها على العلماء.\n٢ - أن العبرة ليست بوجود العلماء ووفرتهم دون أن يكون لهم أثر فعال في الإصلاح،\nفبنوا إسرائيل هلكوا وفيهم العلماء، فما لم يقم علماؤهم بما أوجب الله عليهم من النصح والإصلاح تسلط عليهم الشيطان.\n\nالقرآن\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٧.\n(٢) تفسير الثعلبي: ٤/ ٨٦.\n(٣) تفسير أبي السعود: ٣/ ٥٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٢٣٩): ص ١٠/ ٤٤٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٢٣٨): ص ١٠/ ٤٤٩.\n(٦) اللباب في علوم الكتاب: ٧/ ٤٢٤.\n(٧) المسند (٤/ ٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.\n(٨) انظر: اللباب في علوم الكتاب: ٧/ ٤٢٤.","vol":"8","page":316},{"text":"يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤]\nالتفسير:\nيُطلع الله نَبِيَّه على شيء من مآثم اليهود -وكان مما يُسرُّونه فيما بينهم- أنهم قالوا: يد الله محبوسة عن فعل الخيرات، بَخِلَ علينا بالرزق والتوسعة، وذلك حين لحقهم جَدْب وقحط. غُلَّتْ أيديهم، أي: حبست أيديهم هم عن فِعْلِ الخيرات، وطردهم الله من رحمته بسبب قولهم. وليس الأمر كما يفترونه على ربهم، بل يداه مبسوطتان لا حَجْرَ عليه، ولا مانع يمنعه من الإنفاق، فإنه الجواد الكريم، ينفق على مقتضى الحكمة وما فيه مصلحة العباد، لكنهم سوف يزدادون طغيانًا وكفرًا بسبب حقدهم وحسدهم; لأن الله قد اصطفاك بالرسالة. ويخبر تعالى أن طوائف اليهود سيظلون إلى يوم القيامة يعادي بعضهم بعضًا، وينفر بعضهم من بعض، كلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم، وفرَّق شملهم، ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما ينشأ عنها الفساد والاضطراب في الأرض. والله تعالى لا يحب المفسدين.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: عن عبد الله بن عباس -﵄-؛ قال: \"قال رجل من اليهود -يقال له: النباش بن قيس-: إن ربك بخيل لا ينفق؛ فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ \" (١). [ضعيف]\nوالثاني: قال عكرمة: \" نزلت في فنحاص اليهودي\" (٢). [ضعيف]\nوالثالث: وقال مقاتل: \" يعني: ابن صوريا وفنحاص اليهوديين وعازر بن أبي عازر\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" يد الله محبوسة عن فعل الخيرات، بَخِلَ علينا بالرزق والتوسعة\" (٤).\nقال ابن عباس: \" أي: بخيلة\" (٥).\nقال السعدي: \" أي: عن الخير والإحسان والبر\" (٦).\nقال الطبري: \" يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم ... وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه ﷺ قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم واحتجاجًا لنبيه محمد ﷺ بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في \"السيرة\" -ومن طريقه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٥٣ رقم ١٢٤٩٧) -: ثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس به.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٧): \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\"! !\nقلنا: وسنده ضعيف؛ لجهالة محمد هذا كما تقدم مرارًا.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٢) وزاد نسبته لابن مردويه.\n\n(٢) أخرجه سنيد في \"تفسيره\" -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٢٤٧): ص ١٠/ ٤٥٣، وسنده ضعيف؛ للانقطاع بين عكرمة وابن جريج، وضعف سنيد صاحب \"التفسير\" ..\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٧٥): ص ٤/ ١١٦٧.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٣٧.","vol":"8","page":317},{"text":"الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولاوَعَوْا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا ﷺ، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم\" (١).\nقال الزجاج: \" أي: قالوا يده ممسكة عن الاتساع علينا، كما قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، تأويله لا تمسكها عن الإنفاق، قال بعضهم: معنى: ﴿يد الله مغلولة﴾: نعمته مقبوضة عنا، وهذا القول خطأ ينقضه: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، فيكون المعنى: بل نعمتاه مبسوطتان، نعم الله أكثر من أن تحصى\" (٢).\nقال المراغي: \" أي قال ذلك بعض منهم، ونسبه إلى الأمة بناء على التكافل العام بين أفرادها وكونها كالشخص الواحد، وأن الناس فى كل زمان يعزون إلى الأمة ما يسمعون من بعض أفرادها وقد جرت سنة القرآن أن ينسب إلى المتأخرين ما قاله أو فعله سلفهم منذ قرون، ولا عجب فى صدور هذا القول من بعض الأشخاص منهم، فإنا نرى من المسلمين فى عصرنا مثله فى الشكوى من الله ﷿ والاعتراض عليه عند الضيق وفى إبان المصايب\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وجهان:\nأحدهما: أي مقبوضة عن العطاء على جهة البخل، قاله ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، وعكرمة (٦)، والضحاك (٧).\nوالثاني: مقبوضة عن عذابهم، قاله الحسن (٨).\nقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" حبست أيديهم هم عن فِعْلِ الخيرات\" (٩).\nقال الضحاك: \" أمسكت أيديهم عن النفقة والخير\" (١٠).\nقال السعدي: \" وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم، فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي\" (١١).\nوفي قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، أقوال:\nأحدهما: أنه قال ذلك إلزامًا لهم البخل على مطابقة الكلام، والمعنى: أي جعلوا بخلاء. فهم أبخل قوم، قاله الزجاج (١٢).\nوالثاني: أن معناه: غلت أيديهم في نار جهنم على وجه الحقيقة، قاله الحسن (١٣).\nقال الزمخشري: \" ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب الله دابره، أى قطعه لأن السب أصله القطع\" (١٤).\nوالثالث: معناه: الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، قاله الزمخشري (١٥)، وأنشد بيت الأشتر مالك بن الحارث (١٦):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٥٠.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٨٩.\n(٣) تفسير المراغي: ٦/ ١٥٢ - ١٥٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٤٢): ص ١٠/ ٤٥٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٤٥): ص ١٠/ ٤٥٢.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٦٧. ذكره دون إسناد.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٤٨): ص ١٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥١.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٢٤٨): ص ١٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(١٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٩٠.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥١. وذكره الزجاج: ٢/ ١٩٠، بلانسبة.\n(١٤) الكشاف: ١/ ٦٥٦.\n(١٥) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٥ - ٦٥٦.\n(١٦) هو مالك بن الحارث النخعي من أصحاب الإمام علي. توفي ٣٨ هـ. (الولاة والقضاة ٢٣ - ٢٦، تهذيب التهذيب، ١/ ١١). والأبيات في البخلاء: ٢٤٤، وشرح ديوان الحماسة: (م) ١٤٩ و(ت) ١/ ١٤٣.","vol":"8","page":318},{"text":"وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلا ... فلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟\nقلت: المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلا إلى بخلهم ونكدا إلى نكدهم، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم\" (١).\nوالحق أن الله يدعو عليهم بالبخل ودعاؤه عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فهو الداعي والخالق، لا خالق إلا هو يخلق لهم البخل ويتقدس عنه، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" وطردهم الله من رحمته بسبب قولهم\" (٣).\nعن السدي قوله: \" ﴿ولعنوا بما قالوا﴾، قال: قالوا إن الله وضع يده على صدره فلم يبسطها أبدا حتى يرد علينا ملكنا\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، قولان:\nأحدهما: يعني: يعذبهم بالجزية. قاله الكلبي (٥).\nوالثاني: ويحتمل: أن يكون لَعْنُهم هو طردهم حين أجلوا من ديارهم. أفاده الماوردي (٦).\nقال ابن كثير: \"وقد رد الله -﷿- عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس﴾ الآية [آل عمران: ١١٢] \" (٧).\nوقرئ: «ولعنوا»، بسكون العين. وفي مصحف عبد الله: بل يداه بسطان (٨).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" بل يداه مبسوطتان لا حَجْرَ عليه، ولا مانع يمنعه من الإنفاق، فإنه الجواد الكريم، ينفق على مقتضى الحكمة وما فيه مصلحة العباد\" (٩).\nعن قتادة: قوله: \" ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ينفق بهما كيف يشاء\" (١٠).\nعن السدي: \" ﴿ينفق كيف يشاء﴾، قال: يرزق كيف يشاء\" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: هو جواد\" (١٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٥٦.\n(٢) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٦٥٥، الهامش رقم (٤).\n(٣) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٧٩): ص ٤/ ١١٦٨.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥١.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٦.\n(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٦.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٨.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٨١): ص ٤/ ١١٦٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٨٢): ص ٤/ ١١٦٨.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٩٠.","vol":"8","page":319},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤]. والآيات في هذا كثيرة\" (١).\nقال السعدي: أي: \" لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم.\nفيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارا، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا ويعطي فقيرا عائلا ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده.\nوقبح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى، يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم\" (٢).\nقال الزمخشري:: قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ \"تاكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا يتفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. روى أن الله ﵎ كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس ما لا، فلما عصوا الله في محمد -ﷺ- وكذبوه كف الله تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة (٣)، ورضى بقوله الآخرون فأشركوا فيه\" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أربعة تاويلات (٥):\nأحدها: أن اليدين ها هنا النعمة، من قولهم لفلان: عندي يد، أي نعمة، ومعناه: بل نعمتاه مبسوطتان، نعمة الدين، ونعمة الدنيا. ضعّفه الزجاج (٦).\nوالثاني: اليد ها هنا القوة، كقوله تعالى: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، ومعناه: بل قوتان بالثواب والعقاب.\nوالثالث: أن اليد ها هنا الملك، من قولهم فى مملوك الرجل: هو ملك يمينه، ومعناه: ملك الدنيا والآخرة.\nوالرابع: أن التثنية للمبالغة فى صفة النعمة كما تقول العرب لبيك وسعديك، وكقول الأعشى (٧):\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٦.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٣) انظر الأقوال في سبب نزول الآية.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٥٦ - ٦٥٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٥٤ - ٤٥٦، والنكت والعيون: ٢/ ٥١ - ٥٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٨٩.\n(٧) ديوانه: ١٥٠، وغيره. من قصيدته الغالية التي رفعت المحلق وطارت بذكره في الآفاق، يقول له: لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءِ نارٍ في يَفَاٍع تُحَرَّقُ\nتُشَبُّ لمقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهِا ... وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى والمحَلَّقُ\nرَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَحَالفَا ... بِأَسْحَمَ عَوْضَ الدَّهْرِ لا نَتَفَرَّقُ\nتَرَى الجُودَ يَجْرِيِ ظَاهِرًا فَوْقَ وَجْهِهِ ... كَمَا زَانَ مَتْنَ الهُنْدُوَانِيِّ رَوْنَقُ\nيَدَاهُ يَدَا صِدْقٍ، فَكفٌّ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ.","vol":"8","page":320},{"text":"يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ\nفأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد، ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى (١).\nقال الطبري: \" وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه\" (٢).\nقال صاحب الكشاف: \" غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطى عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد، كقوله (٣):\nجاد الحمى بسط اليدين بوابل ... شكرت نداه تلاعه ووهاده\nولقد جعل لبيد للشمال يدا في قوله (٤):\nإذ أصبحت بيد الشمال زمامها\nويقال: بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان، ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به\" (٥).\nوقد ثنيت اليد في قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وهي مفردة في: ﴿يد الله مغلولة﴾، وذلك \"ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه. وذلك أن غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعا فبنى المجاز على ذلك\" (٦).\nوفي مصحف عبد الله: «بل يداه بسطان» (٧).\nويحتمل قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وجهان (٨):\nأحدهما: يمعنى أنه يعطي من يشاء من عباده إذا علم أن في إعطائه مصلحة دينه.\nوالثاني: ينعم على من يشاء بما يصلحة في دينه.\nعن ابي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِض ما\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٥١.\n(٢).تفسير الطبري: ١٠/ ٤٥١\n(٣) البيت من شواهد الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٥٥، ولم يعزه هو ولا شارحوه، ولم أتعرف على قائله، وانظر: البيت في تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٥، وتفسير البحر المحيط: ٤/ ٣١٥، والدر المصون: ٤/ ٣٤٣، واللباب في علوم الكتاب: ٧/ ٤٢٧، وغيرها.\n(٤) البيت في ديوانه (٢٣٠) ط، دار القاموس الحديث، وصدره:\n\"وغداة ريح قد كشفت وقرة\"\nوأورده القزويني في الإيضاح (٢٧٧)، والمبرد في الكامل وعزاه للبيد، وأساس البلاغة (يدي). والبيت من معلقته المشهورة، والقرة والقر: البرد، يقول: كم من غداة تهب فيها الشمال وهي أبرد الرياح، وقد كففت عادية البرد عن الناس بنحر الجزر لهم.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٥٤ - ٦٥٥.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٥٦.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٦.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٢.","vol":"8","page":321},{"text":"في يمينه\" قال: \"وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبْض، يرفع ويخفض\": قال: قال الله تعالى: \"أنفق أنفق عليك\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" لكنهم سوف يزدادون طغيانًا وكفرًا بسبب حقدهم وحسدهم\" (٢).\nقال قتادة: \" حملهم حسدُ محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: كلما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم والطغيان الغلو والكفر ههناك\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" عند نزول القرآن، لحسدهم تماديا في الجحود وكفرا بآيات الله\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو: المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء ﴿وَكُفْرًا﴾، أي: تكذيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] \" (٦).\nقال السعدي: \" قوله ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾ وهذا أعظم العقوبات على العبد، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة، وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها، والاستسلام لله بها، وشكرا لله عليها، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، قولان:\nأحدهما: أنه عنى اليهود بما حصل منهم من الخلاف.\nوالثاني: أنه أراد بين اليهود والنصارى في تباين قولهم في المسيح، قاله الحسن (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" أي ألقينا بين اليهود العداوة والبغضاء فكلمتهم مختلفة وقلوبهم شتّى لا يزالون متباغضين متعادين إِلى قيام الساعة\" (٩).\nقال مجاهد: \" اليهود والنصارى \" (١٠).\nعن إبراهيم التيمي قوله: \" ﴿العداوة والبغضاء﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين\" (١١).\n_________\n(١) المسند (٢/ ٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣).\n(٢) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٢٤٩): ص ١٠/ ٤٥٧.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٩٠.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٢.\n(٩) صفوة التفاسير: ٣٢٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٢٥٠): ص ١٠/ ٤٥٨.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٨٤): ص ٤/ ١١٦٨.","vol":"8","page":322},{"text":"قال الزجاج: \" جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين، كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، فألقى الله بينهم العداوة، وهي أحد الأسباب التي أذهب الله بها جدهم وشوكتهم\" (١).\nقال ابن كثير: \" يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك\" (٢).\nقال الزمخشري: \" فكلمهم أبدا مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد\" (٣).\nقال السعدي: \" فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" كلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم، وفرَّق شملهم\" (٥).\nقال مجاهد: \" هم اليهود\" (٦)، \" ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾، قال: حربُ محمد -ﷺ-\" (٧).\nوفي رواية أخرى عن مجاهد: \" كلما مكروا مكرا أطفأ الله النار والمكر\" (٨).\nقال الحسن: \" كلما اجتمعت السفلة على قتل العرب أذلهم الله\" (٩).\nقال قتادة: \" أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله. لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه\" (١٠).\nقال السدي: \" كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب\" (١١).\nقال الطبري: أي: \" كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم\" (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم\" (١٣).\nقال الزجاج: \" هذا مثل أي كلما جمعوا على النبي والمسلمين وأعدوا لحربهم فرق الله جمعهم وأفسد ذات بينهم\" (١٤).\nقال الزمخشري: \" كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس. وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بخت نصر، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومى، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٩٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٢٥٢): ص ١٠/ ٤٦٠.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٢٥٥): ص ١٠/ ٤٦١.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٨٥): ص ٤/ ١١٦٨ - ١١٦٩\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٨٩): ص ٤/ ١١٦٩\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٢٥٣): ص ١٠/ ٤٦٠.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢٢٥٤): ص ١٠/ ٤٦٠.\n(١٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٥٨.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(١٤) معاني القرآن: ٢/ ١٩٠.","vol":"8","page":323},{"text":"أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين. وقيل: كلما حاربوا رسول الله ﷺ نصر عليهم\" (١).\nقال السعدي: \" ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب﴾ ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم ﴿أطفأها الله﴾ بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم\" (٢).\nروي عن الربيع في قوله: \" ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الإسراء: ٤ - ٦]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثاني قال: والفساد، المعصية ثم قال، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [سورة الإسراء: ٧، ٨] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم. فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا. ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وقالوا في عزير: إن الله اتخذه ولدًا، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، فقال: كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم، وهم يقولون: يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون! فبعث محمدًا ﷺ واسمه محمد، واسمه في الإنجيل أحمد فلما جاءهم وعرفوا، كفروا به، قال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٨٩]، وقال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، بسورة البقرة: ٩٠] \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما ينشأ عنها الفساد والاضطراب في الأرض\" (٤).\nقال قتادة: \" أولئك أعداء الله اليهود\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي: يجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي - ﷺ - من كتبهم\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام\" (٩).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٣) أرجه الطبري (١٢٢٥١): ص ١٠/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٩١): ص ٤/ ١١٦٩\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٦١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٩١.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٣٧.","vol":"8","page":324},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: \" والله تعالى لا يحب المفسدين\" (١).\nقال ابن كثير: أي: \"والله لا يحب من هذه صفته\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه \" (٣).\nقال السعدي: \" بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك\" (٤).\nالفوائد:\n١ - أن اليهود وصفوا الله﷾- بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص فقالوا: ﴿يد الله مغلولة﴾ [المائدة: ٦٤].\n٢ - في الآية إثبات لصفة اليدين لله ﷾ كما يليق به من غير تشبيه ولا تكييف.\n٣ - تقرير ما هو موجود بين اليهود والنصارى من عداوة وبغضاء وهو من تدبير الله تعالى.\nفاليهود لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، ولا تجاب لهم دعوة، دعوتهم مدحوضة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم متفرق، ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾.\nوإن قيل: إن التعاون القائم اليوم بين اليهود والنصارى يرد ما في الآية، قلنا: إن اليهود احتالوا على النصارى فضربوهم بالإلحاد، فلما قضي على العقيدة الدينية فيهم أصبحوا سخرة لهم يتحكمون فيهم، وبذلك فرضوا عليهم حبهم وعدم عداوتهم.\n٤ - سعى اليهود الدائم في الفساد في الأرض فقد ضربوا البشرية بالذهب المادي الإلحادي الشيوعي، وضربوها أيضًا بالإباحة ومكائد الماسونية.\n٥ - أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، حجة على المعتزلة والقدرية.\n\nالقرآن\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾ [المائدة: ٦٥]\nالتفسير:\nولو أن اليهود والنصارى صدَّقوا الله ورسوله، وامتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، لكفَّرنا عنهم ذنوبهم، ولأدخلناهم جنات النعيم في الدار الآخرة.\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: \" ولو أن اليهود والنصارى صدَّقوا الله ورسوله\" (٥).\nقال قتادة: \" يقول: آمنوا بما أنزل الله\" (٦).\nقال البغوي: آمنوا \"بمحمد -ﷺ-\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله\" (٨).\nقال السعدي: أي: \" لو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، وجميع رسله\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني: اليهود والنصارى، [لو] صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد ﷺ والقرآن\" (١٠).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١١٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٦١.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٣٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٢٥٦): ص ١٠/ ٤٦٢.\n(٧) تفسير البغوي: ٣/ ٧٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٣٨.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٤٠٥.","vol":"8","page":325},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" ولو أن أهل الكتاب مع ما عددنا من سيئاتهم آمنوا برسول الله ﷺ وبما جاء به\" (١).\nقال الشوكاني: \" أي: لو أن المتمسكين بالكتاب، وهم اليهود والنصارى، على أن التعريف للجنس آمنوا الإيمان الذي طلبه الله منهم، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد ﷺ كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: \" وامتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان\" (٤).\nقال قتادة: \" واتقوا ما حرم الله\" (٥).\nقال السمعاني: \" يعني: عن المعاصي\" (٦).\nقال ابن كثير: أي: \" واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المحارم والمآثم \" (٧).\nقال السمرقندي والقرطبي: أي: \"الشرك والمعاصي\" (٨).\nقال البغوي: \" واتقوا، الكفر\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" واتقوا: اليهودية والنصرانية\" (١٠).\nقال البيضاوي: \" واتقوا ما عددنا من معاصيهم ونحوه\" (١١).\nقال الشوكاني: أي: \" واتقوا المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: \" لكفَّرنا عنهم ذنوبهم\" (١٣).\nقال السمرقندي: \"يعني: غفرنا ذنوبهم\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها\" (١٥).\nقال الواحدي: أي: \" محونا ذنوبهم التي سلفت بالإيمان بك\" (١٦).\nقال الزمخشري: أي: \" لكفرنا عنهم تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها\" (١٧).\nقال البيضاوي: \" لكفرنا عنهم سيئاتهم التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها\" (١٨).\nقال ابن كثير: \" أي: لأزلنا عنهم المحذور ولحصّلْناهم المقصود\" (١٩).\nقال السعدي: أي: \"لكفر عنهم سيئاتهم ولو كانت ما كانت\" (٢٠).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(٢) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٢٥٦): ص ١٠/ ٤٦٢.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٨) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٠٥، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٤١.\n(٩) تفسير البغوي: ٣/ ٧٧.\n(١٠) الوسيط: ٢/ ٢٠٨.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٥.\n(١٢) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(١٣) التفسير الميسر: ١١٩.\n(١٤) بحر العلوم: ١/ ٤٠٥.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٦١.\n(١٦) الوسيط: ٢/ ٢٠٨.\n(١٧) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(١٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٥.\n(١٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧.\n(٢٠) تفسير السعدي: ٢٣٨.","vol":"8","page":326},{"text":"قال الشوكاني: أي: لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها، وإن كانت كثيرة متنوعة وقيل المعنى: لوسعنا عليهم في أرزاقهم\" (١).\nقال الراغب: \" ذكر أنهم لو أصلحوا اعتقادهم وأفعالهم لغفروا وأثيبوا، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] \" (٢).\nقال القرطبي: \" ﴿وكفرنا﴾، غطينا\" (٣).\nوالتكفير: \"ستر الذنوب حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر كقولهم: مرضت فلان وقديت عينه\" (٤).\nقال الماتريدي: \" عامل الله - ﷿ - خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوخش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]ـ وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيرا؛ فهو كقوله - تعالى -: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيرا لا شرا\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: \" ولأدخلناهم جنات النعيم في الدار الآخرة\" (٦).\nقال الطبري: \" يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة\" (٧).\nقال السعدي: أي: \" ولأدخلهم جنات النعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" ولأدخلناهم مع المسلمين الجنة. وفيه إعلام بعظم معاصى اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه\" (٩).\nقال البيضاوي: \" وجعلناهم داخلين فيها، وفيه تنبيه على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم، وأن الإسلام يجب ما قبله، وإن جل وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.\" (١٠).\nقال مالك بن دينار: \" جنات النعيم بين جنان الفردوس وبين جنات عدن، وفيها جواري خلقن من ورد الجنة، قيل: فمن يسكنها؟ قال: الذين عملوا بالمعاصي فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت أصلابهم من خشيتي وعزتي إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب\" (١١).\nالفوائد:\n١ - وعد الله لأهل الكتاب على ما كانوا عليه لو آمنوا واتقوا لأدخلهم الجنة.\n٢ - الوعد والجزاء للمؤمنين الذين أتوا من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح ما يحقق لهم الإيمان الكامل أو الإيمان التام.\n٣ - وهذه الآية شهادة من الله ﷿ على أن أولئك الأقوام الذين يتعصبون ويدعون أنهم على إتباع دينهم ورسلهم موسى في التوراة وعيسى في الإنجيل أنهم كاذبون.\n_________\n(١) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٣٩٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤١.\n(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٣٩٦.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٥٥.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٦١.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٨.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٥٧.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٥.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٩٤): ص ٤/ ١١٧٠.","vol":"8","page":327},{"text":"٤ - أن مجرد الايمان يجب ما قبله ويمحوه، كما ورد النص فلو فرضنا موت الداخل في الايمان عقيب دخوله فيه، لكان كيوم ولدته أمه باتفاق مكفر الخطايا محكوما له بالجنة، فدل ذلك على أن اجتماع الأمرين ليس بشرط. هذا إن كان المراد بالتقوى الأعمال.\nوإن كانت التقوى على أصل موضعها الخوف من الله ﷿، فهذا المعنى ثابت لكل مؤمن وإن قارف الكبائر (١).\n\nالقرآن\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٦]\nالتفسير:\nولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول -وهو القرآن الكريم- لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر، وهذا جزاء الدنيا. وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق، وكثير منهم ساء عملُه، وضل عن سواء السبيل.\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: \" ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول -وهو القرآن الكريم-\" (٢).\nقال مجاهد: \" أما إقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما\" (٣).\nعن ابن عباس: \" ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، يعني: ما أنزل إليهم الفرقان\" (٤).\nعن السدي: \" ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد -ﷺ-\" (٥).\nقال الواحدي: أي: \" عملوا بما فيهما من التَّصديق بك، ﴿وما أنزل إليهم﴾ من كتب أنبيائهم\" (٦).\nقال السمعاني: \" يعني: ولو أنهم قاموا وعملوا ما في التوراة، وما في الإنجيل وما في القرآن\" (٧).\nقال البغوي: \" يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، وما أنزل إليهم من ربهم، يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله -ﷺ- وما أنزل إليهم من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم وقيل: هو القرآن\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: قاموا بأوامرهما ونواهيهما، كما ندبهم الله وحثهم، ومن إقامتهما الإيمان بما دعيا إليه، من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم\" (١٠).\n_________\n(١) اانظر: تفسير الكشاف: ١/ ٦٥٧، الهامش.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٩٦): ص ٤/ ١١٧٠.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٩٧): ص ٤/ ١١٧٠.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٩٨): ص ٤/ ١١٧٠ - ١١٧١.\n(٦) الوجيز: ٣٢٨.\n(٧) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٢.\n(٨) تفسير البغوي: ٢/ ٦٧ - ٦٨.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٥٨.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٨.","vol":"8","page":328},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: [لو أنهم] عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه، من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة\" (١).\nقال الشوكاني: \" قوله: ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾، من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجهان (٣):\nأحدهما: أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى وأوامره لم يزلوا.\nوالثاني: إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل. وهذا قول مجاهد (٤).\nعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن يرفع العلم\". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ ! قال: ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله\" ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ \" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: \" لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر\" (٦).\nقال الطبري: \" يعني: لأنزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها، وأما قوله: ﴿ومن تحت أرجلهم﴾، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض\" (٧).\nقال ابن كثير: \" يعني بذلك: كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: لأدر الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] \" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه، وقد أعلم الله جل وعز أن التقى سعة في الرزق فقال: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقال في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٢) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(٣) اظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٢.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٥٩٦): ص ٤/ ١١٧٠.\n(٥) رواه ابن ابي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٨، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٤٣) والبزار في مسنده برقم (٢٣٢) \"كشف الأستار\" من وجه آخر: من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك بنحوه.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٦٣.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٨.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٣٨.","vol":"8","page":329},{"text":"جَنَّاتٍ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وهي البساتين. فوعدهم الله أتم الغنى على الإيمان والاستغفار. أفاده الزجاج (١).\nوالثاني: لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر، ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر. قاله ابن عباس (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦).\nوالثالث: وذكر النقاش أن المعنى: \"لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ هو من نبات الأرض\" (٧).\nقال الشوكاني: \" ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتهم وتعدد أنواعها\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: \"وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق\" (٩).\nقال الشوكاني: \"قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة، جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون البعض، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى\" (١٠).\nوفي قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجوه:\nأحدها: مقتصدة على أمر الله تعالى وكتابه، قاله قتادة (١١).\nالثاني: مؤمنة. قاله السدي (١٢)، وبه قال الواحدي (١٣).\nوالثالث: أن \"المقتصدة: أهلُ طاعة الله، وهؤلاء أهل الكتاب\" قاله ابن زيد (١٤).\nوالرابع: قال الربيع: \" فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا، والغلو، الرغبة عنه، والفسق، التقصير عنه\" (١٥).\nوالخامس: عادلة، قاله الكلبي (١٦)، وبه قال السمعاني (١٧)، والبغوي (١٨)، وابن عطية (١٩).\nقال البغوي: \" ﴿مقتصدة﴾، أي: عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية. ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير\" (٢٠).\nقال ابن عطية: أي: \" معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال\" (٢١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٩١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٥٧): ص ١٠/ ٤٦٣، و(١٢٢٦٢): ص ١٠/ ٤٦٤، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٥٩٩): ص ٤/ ١١٧١.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٧١. ذذكره دون إسناد\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٦٠): ص ١٠/ ٤٦٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٥٩): ص ١٠/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٥٨): ص ١٠/ ٤٦٣.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٧.\n(٨) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٩.\n(١٠) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(١١) أانظر: تفسير الطبري (١٢٢٦٦): ص ١٠/ ٤٦٦.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٦٧): ص ١٠/ ٤٦٦.\n(١٣) انظر: الوجيز: ٣٢٨.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٢٢٦٨): ص ١٠/ ٤٦٦.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٢٢٦٩): ص ١٠/ ٤٦٦.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٣.\n(١٧) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٥٢.\n(١٨) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٦٨.\n(١٩) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٧.\n(٢٠) تفسير البغوي: ٢/ ٦٨.\n(٢١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٧.","vol":"8","page":330},{"text":"والسادس: أي: متبعة؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب برسول الله، وبما جاء به. قاله ابن أبي زمنين (١).\nوالسابع: وقيل: يعنى به طائفة لم تناصب النبى - ﷺ - مناصبة هؤلاء. حكاه الزجاج (٢)، واختاره الزمخشري (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" طائفة حالها أمم (٤) في عداوة رسول الله -ﷺ-\" (٥).\nقال الزجاج: \"والذي أظنه - والله أعلم - أنه لا يسمي الله من كان على شيء من الكفر مقتصدا\" (٦).\nوالثامن: معناه: منهم جماعة مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة. وهذا قول الطبري (٧)، ومعنى قول مجاهد (٨).\nقال مجاهد: \" تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت فرقة: عيسى هو ابن الله، وقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب\" (٩).\nقال ابن عطية: \"وعلى قول مجاهد يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا مسلم\" (١٠).\nقال السعدي: \" ﴿منهم﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿أمة مقتصدة﴾ أي: عاملة بالتوراة والإنجيل، عملا غير قوي ولا نشيط \" (١١).\nقال ابن كثير: \" قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وكقوله عن أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢، ٣٣]. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة\" (١٢).\nعن أنس بن مالك قال: \"كنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعًا. واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار\". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: \"الجماعات الجماعات\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٣٧.\n(٢) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٩٢.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٨.\n(٤) قوله «أمم» أى يسير. أفاده الصحاح.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٥٨.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٩٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٦٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٦٥): ص ١٠/ ٤٦٥ - ٤٦٦، وانظر: (١٢٢٦٦): ص ١٠/ ٤٦٦.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٢٦٥): ص ١٠/ ٤٦٥ - ٤٦٦، وانظر: (١٢٢٦٦): ص ١٠/ ٤٦٦.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٧.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٨.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٩.\n(١٣) رواه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٩.","vol":"8","page":331},{"text":"قال يعقوب بن يزيد: \" كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ، تلا فيه قرآنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وتلا أيضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]، يعني: أمة محمد ﷺ\" (١).\nقال ابن كثير: \"وهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه وبهذا السياق\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]، أي: \" وكثير منهم ساء عملُه، وضل عن سواء السبيل\" (٣).\nقال مجاهد: \" ﴿وكثير منهم﴾، يهود\" (٤).\nقال قتادة: \" ثم ذم أكثر القوم فقال: ﴿وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ \" (٥).\nقال ابن عباس -﵄-: \"عملوا بالقبيح مع التكذيب بالنبي -ﷺ-\" (٦).\nقال الزجاج: \" المعنى بئس شيئا عملهم\" (٧).\nقال ابن ابي زمنين: \" يعني: من ثبت منهم على اليهودية والنصرانية\" (٨).\nقال الشوكاني: \"وهم المصرون على الكفر المتمردون عن إجابة محمد ﷺ والإيمان بما جاء به\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي: بئس شي عملوه، كذبوا الرسل، وحرفوا الكتب وأكلوا السحت\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: والمسيء منهم الكثير. وأما السابقون منهم فقليل ما هم\" (١١).\nقال الزمخشري: \" و﴿ساء ما يعملون﴾، فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - وعده تعالى لأهل الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، أي: لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإنجيل من دعوتهم إلى الإيمان بالنبي الأمي والدخول في الإسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة. وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضًا.\n٢ - أن ثمرة الإيمان السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة، وقد وعد الله ﷿ العاملين بشرعه الخير والبركات في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾.\n٣ - ومن الفوائد، بيان فضل الأمة المحمديةﷺ-، إذ جعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصد وهي درجة السابق بالخيرات؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٩، ورواه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٣٤٠) من طريق أبي معشر، عن يعقوب بن زيد به من حديث طويل. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٥٧): \"فيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف\" ..\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٠٦): ص ٤/ ١١٧٢.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٠٧): ص ٤/ ١١٧٢.\n(٦) تفسير البغوي: ٢/ ٦٨.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٩٢.\n(٨) تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٣٧.\n(٩) فتح القدير: ٢/ ٦٧.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٢.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٨.\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٥٨.","vol":"8","page":332},{"text":"وهذه استدلال لطيف على تقدم هذه الأمة على بني إسرائيل في الفضل ألمح إليه الحافظ ابن كثير -﵀ - في تفسيره قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون﴾؛ إذ قال: \"فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ \" (١).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]\nالتفسير:\nيا أيها الرسول بلِّغ وحي الله الذي أنزِل إليك من ربك، وإن قصَّرت في البلاغ فَكَتَمْتَ منه شيئًا، فإنك لم تُبَلِّغ رسالة ربِّك، وقد بلَّغ ﷺ رسالة ربه كاملة، فمن زعم أنه كتم شيئًا مما أنزِل عليه، فقد أعظم على الله ورسوله الفرية. والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك، فليس عليك إلا البلاغ. إن الله لا يوفق للرشد مَن حاد عن سبيل الحق، وجحد ما جئت به من عند الله.\nفي سبب نزول الآية أقوال:\nأحدها: روى الحسن أن النبي ﷺ قال: \"إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني\"؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ \" (٢). [ضعيف جدًا].\nوالثاني: وقال مجاهد: لما نزلت ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ قال: \"يا رب إنما أنا واحد، كيف أصنع ليجتمع عليّ من الناس؟ \"؛ فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ \" (٣). [ضعيف]\nوقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت عنهم، فحرض بهذه الآية\" (٤). [ضعيف]\nوالثالث: قال ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - يحرس، فكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه؛ فقال: \"يا عم! إن الله -﷿- قد عصمني من الجن والإنس\" (٥). [ضعيف جدًا]\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٩.\n(٢) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٦، ١١٧) ونسبه لأبي الشيخ.\nمراسيل الحسن واهية كما هو مقرر في كتب المصطلح. وانظر: تفسير الشوكاني: ٨٢٥.\n(٣) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٢٧٢): ص ١٠/ ٤٦٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦١٣): ص ٤/ ١١٧٣، من طريق سفيان الثوري عن رجل عن مجاهد.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ لإرساله، وجهالة الرجل الذي لم يسم.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١١٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(٤).\n(٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٢٠٥ رقم ١١٦٦٣)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٣٥)، و\"الوسيط\" (٢/ ٢٠٩)، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٨١) من طريق الحماني عن النضر أبي عمر عن عكرمة عنه به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ فيه علتان:\nالأولى: النضر هذا؛ متروك الحديث؛ كما في \"التقريب\" (٢/ ٣٠٢).\nالثانية: الحماني؛ ضعيف.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٧): \"وفيه النضر بن عبد الرحمن، وهو ضعيف\".\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٨) وزاد نسبته لأبي الشيخ وأبي نعيم في \"الدلائل\" -ولم نجده فيه بعد طول بحث- وابن عساكر.","vol":"8","page":333},{"text":"والرابع: وقال أبو سعيد الخدري: \" نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ على رسول الله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب\" (١). [ضعيف جدًا]\nوالخامس: قال ابن عباس: \" سئل رسول الله - ﷺ -: أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ قال: فقال: \"كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركوا العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل عليَّ جبريل؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قال: فقمت عند العقبة، فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم؛ تفلحوا أو تنجحوا ولكم الجنة، قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة، ويبصقون في وجهي، ويقولون: كذاب صابئ، فعرض عليّ عارض فقال: يا محمد! إن كنت رسول الله؛ فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك. فقال النبي - ﷺ -: اللهم اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك\"، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه، قال الأعمش: فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون: فيهم نزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] هوى النبي - ﷺ - أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب\" (٢). [ضعيف]\nوالسادس: أنها نزلت لأنه -ﷺ- كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك. وهذا قول ابن جريج (٣). [ضعيف جدا]\nوالسابع: وقال مقاتل: \"لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت عنهم، فحرض بهذه الآية\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦٠٩): ص ٤/ ١١٧٢، والواحدي في \"الأسباب\" (ص ١٣٥) من طريق علي بن عابس عن الأعمش وأبي حجاب عن عطية عن أبي سعيد به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ لأن عطية ضعيف مدلس، وتدليسه معروف أنه من شر أنواع التدليس، وهو المسمى بتدليس السكوت، هذا أولًا، وثانيًا: علي بن عابس؛ ضعيف؛ كما في \"التقريب\".\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٧) وزاد نسبته لابن مردويه وابن عساكر.\nقال فصيح الدين الحيدري: \" وذهب الشيعة إلى أن الله تعالى قد أمر النبي ﷺ بأن يجعل الخليفة من بعده علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وأنه ﷺ قد أشار في مرض موته إلى علي ﵁ خفية بأنه الخليفة من بعده بالاستحقاق، وأن الآية نزلت في علي رضي الله تعالى عنه، أي بلِّغ ما أنزل إليك من أمر علي، بزعمهم الباطل، إلا أنه أسرّ أمر الخلافة بينه وبين علي وأمره بعدم دعوى الخلافة فانظر إلى هذا الهذيان المستلزم لعدم تبليغ النبي ﷺ أوامر الله تعالى، لأن معنى التبليغ إعلان الأمر لجميع الأمة. فما أعمى بصائرهم! والعياذ بالله تعالى من سوء المنقلب\". [النكت الشنيعة في بيان الخلاف بين الله تعالى والشيعة: ١٠٩ - ١١٠].\n(٢) أخرجه ابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٧، ١١٨) -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٠/ ١٣، ١٤ رقم ٢) - بسند ضعيف؛ فيه قابوس بن أبي ظبيان؛ لين الحديث، والأعمش مدلس، وفيه من لم نعرفه.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٧٩): ١٠/ ٤٧١. [ضعيف جدا]، أخرجه من طريق سنيد صاحب \"التفسير\" عن حجاج عن ابن جريج به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف سنيد.\n(٤) عزاه ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٥٦٨ لمقاتل، وهو ابن سليمان إذا أطلق، وخبره معضل، وهو متروك متهم إذا وصل الحديث، فكيف إذا أرسله؟ ! .\nوفي تفسيره ١/ ٤٩٢: \" ﴿والله يعصمك من الناس﴾، يعني: من اليهود فلا تقتل، ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، يعني اليهود، فلما نزلت هذه الآية أمن النبيﷺ- من القتل والخوف فقال: لا أبالي من خذلني ومن نصرني، وذلك أنه كان خشي أن تغتاله اليهود فتقتله \".","vol":"8","page":334},{"text":"قال البغوي: \" قيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي ﷺ دعاهم إلى الإسلام، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فلما رأى النبي ﷺ ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: \" ﴿يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ [المائدة: ٦٨] الآية\" (١).\nوالثامن: وقيل: \"نزلت في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه كما قال الله تعالى: فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت [محمد: ٥]، وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم [النساء: ٧٧] الآية. فكان النبي ﷺ يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية\" (٢).\nوالتاسع: وقيل: \"بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود\" (٣).\nوالعاشر: وقيل: \"نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها\" (٤).\nالحادي عشر: عن أبي هريرة؛ قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل منزلًا نظروا أعظم شجرة يرونها فجعلوها للنبي - ﷺ - فينزل تحتها، وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجرة. فبينما هو نازل تحت شجرة -وقد علق السيف عليها- إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة ثم دناه من النبي - ﷺ - وهو نائم فأيقظه، فقال: يا محمد من يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي - ﷺ -: \"الله\"؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ \" (٥). [حسن]\n_________\n(١) تفسير البغوي: ٣/ ٧٨.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ٧٨.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ٧٨.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ٧٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة؛ كما في \"فتح الباري\" (٦/ ٩٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (رقم ١٧٣٩ - موارد)، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٨٢) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.\nقلنا: وهذا إسناد حسن، وكذا حسنه شيخنا في \"الصحيحة\".\nقال الحافظ: \"وهذا إسناد حسن، فيحتمل -إن كان محفوظًا- أن يقال: كان مخيرًا في اتخاذ الحرس؛ فتركه مرة؛ لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك\".\nقلنا: وأصل الحديث في \"الصحيحين\" من حديث جابر بن عبد الله عند البخاري في \"صحيحه\" (٦/ ٩٦ رقم ٢٩١٠، ص ٩٧ رقم ٢٩١٣)، ومسلم في \"صحيحه\" (٤/ ١٧٨٦، ١٧٨٧) بلفظ: أنه غزا مع رسول الله - ﷺ -، فلما قفل رسول الله قفل معه، فأدركهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله - ﷺ - وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله - ﷺ - تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومةً، فإذا رسول الله - ﷺ - يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: \"إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله (ثلاثًا) \"، ولم يعاقبه فجلس.\nومنها: حديث عائشة عند البخاري (٦/ ٨١ رقم ٢٨٨٥، ١٣/ ٢١٩ رقم ٧٢٣١)، ومسلم (٤/ ١٨٧٥/ ٢٤١٠)؛ قالت عائشة -﵄-: كان النبي - ﷺ - سهر، فلما قدم المدينة قال: ليت رجلًا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوتَ سلاح، فقال: \"من هذا؟ \" فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، فنام النبي - ﷺ -.\nو-أيضًا- من حديث جابر عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٧٣ رقم ٦٦١٤) من طريق موسى بن عبيدة ثني زيد بن أسلم عن جابر؛ قال: لما غزا رسول الله - ﷺ - بني أنمار نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه؛ فقال الحارث من بني النجار: لأقتلن محمدًا، فقال أصحابه: كيف تقتله، قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به، قال: فأتاه، فقال: يا محمد أعطني سيفك أشيمه فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله - ﷺ -: \"حال الله بينك وبين ما تريد\"؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.\nوسنده ضعيف؛ موسى بن عبيدة ضعيف.\nوقال ابن كثير: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه\".\nلكنه حسن في الشواهد.\nومنها مرسل محمد بن كعب القرظي عند الطبري في \"جامع البيان\" (٦/ ١٩٩) وسنده صحيح.\nومنها مرسل سعيد بن جبير عنده -أيضًا- بسند ضعيف.\nوانظر: ما كتبه شيخنا الإِمام الألباني -﵀- في \"الصحيحة\" (رقم ٢٤٨٩).","vol":"8","page":335},{"text":"الثاني عشر: قالت عائشة -﵂-: \"كان رسول الله - ﷺ - يُحرس؛ فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبة، فقال: «أيها الناس انصرفوا؛ فقد عصمني الله من الناس» \" (١). [حسن لغيره]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: \" يا أيها الرسول بلِّغ وحي الله الذي أنزِل إليك من ربك\" (٢).\nعن مقاتل بن حيان: \"يقول: يا محمد\" (٣).\"بلغ ما أرسلت به، يحرضه على أن يبلغ الرسالة عن ربه\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" جميع ما أنزل إليك وأى شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه\" (٥).\nقال الباقلاني: \" فحثة وحضَّه على أداء ما حُمِّل\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٤/ ١٥٠٣، ١٥٠٤ رقم ٧٦٨ - تكملة)، والترمذي (٥/ ٢٥١ رقم ٣٠٤٦)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٢٢٧٦): ص ١٠/ ٤٦٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦١٥): ص ٤/ ١١٧٣، والقاضي عياض في \"الشفا\" (ص ٣٤٦، ٣٤٧)، والحاكم (٢/ ٣١٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٨)، و\"الدلائل\" (٢/ ١٨٤) جميعهم من طريق الحارث بن عبيد عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عائشة به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه علتان:\nالأولى: الحارث بن عبيد؛ ضعفه ابن معين والنسائي وابن حبان وأبو زرعة والذهبي وغيرهم، ولخصه الحافظ بقوله: \"صدوق يخطئ\".\nانظر: \"تاريخ الدوري\" (٢/ ٩٣)، و\"ضعفاء النسائي\" (رقم ١١٩)، و\"المجروحين\" (١/ ٢٢٤)، و\"الكامل\" (٢/ ٦٠٧، ٦٠٨)، و\"الميزان\" (١/ ٤٣٨، ٤٣٩)، و\"التهذيب\" (٢/ ١٤٩، ١٥٠)، و\"التقريب\" (١/ ١٤٢).\nالثانية: الجريري؛ اختلط، ولم يذكروا الحارث ضمن الذين رووا عنه قبل الاختلاط.\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي - ﷺ - يحرس ولم يذكروا فيه عن عائشة\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوقال الحافظ \"فتح الباري\" (٦/ ٨٢): \"إسناده حسن، واختلف في وصله وإرساله\".\nقلنا: والصواب أن الحديث مرسل؛ فقد أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (٦/ ١٩٩)، وابن مردويه؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٨١) من طريق إسماعيل بن عليه ووهيب بن خالد كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق به مرسلًا.\nقلنا: وهذا مرسل صحيح الإسناد، وابن عليه سمع من الجريري قبل الاختلاط وهو أصح من سابقه.\nوقال شيخنا العلّامة الألباني -﵀- في \"الصحيحة\" (٥/ ٦٤٥): \"فهو صحيح مرسل\".\nوقال قبل ذلك: \"وهذا أصح -يعني: المرسل-\".\nفهو ضعيف إذًا، لكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٠٨): ص ٤/ ١١٧٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦١٠): ص ٤/ ١١٧٢.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٥٨.\n(٦) الانتصار للقرآن: ٢/ ٤٥١.","vol":"8","page":336},{"text":"قال ابن كثير: \" يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا -ﷺ- باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتمّ القيام\" (١).\nقال الجصاص: \" فيه أمر للنبي ﷺ بتبليغ الناس جميعا ما أرسله به إليهم من كتابه وأحكامه، وأن لا يكتم منه شيئا خوفا من أحد ولا مداراة له\" (٢).\nقال ابن عطية: \" هذه الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته ﷺ تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم عنتا وربما خافهم أحيانا قبل نزول هذه الآية، فقال الله له بلغ ما أنزل إليك من ربك أي كاملا متمما\" (٣).\nقال الشوكاني: \" العموم الكائن في ما أنزل يفيد أنه يجب عليه ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه لا يكتم منه شيئا، وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزله الله إليه شيئا\" (٤).\nقال السعدي: \" هذا أمر من الله لرسوله محمد ﷺ بأعظم الأوامر وأجلها، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه ﷺ من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية. فبلغ ﷺ أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين\" (٥).\nعن مسروق، عن عائشة قالت: \"من حَدّثَك أن محمدًا -ﷺ- كتم شيئًا مما أُنزل عليه، فقد كذب، الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية\" (٦).\nوفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: \"لو كان محمد -ﷺكاتما من القرآن شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] \" (٧).\nوعن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: \" كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسولُ الله ﷺ للناس. فقال: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداءَ في بيضاء\" (٨).\nوهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جُحَيفَة وهب بن عبد الله السّوائي قال: «قلت لعلي بن أبي طالب، ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فَهْمًا يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفَكَاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر» (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٠.\n(٢) أحكام القرآن: ٢/ ٥١٦.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٤) فتح القدير: ٢/ ٦٨.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٦) صحيح البخاري برقم (٤٦١٢) وبرقم (٤٨٥٥، ٧٣٨٠) وصحيح مسلم برقم (١٧٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٧).\n(٧) صحيح البخاري برقم (٧٤٢٠) رواه من حديث أنس، وقد ذكره ابن كثير: ٣/ ١٥٠، تابعا هنا شيخه المزي حيث ذكره في تحفة الأشراف (١١/ ٣٨٥) من حديث أنس عن عائشة، ولعله اعتمد على رواية الداودي كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح، ورواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٧).\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٠. قال ابن كثير: ٣/ ١٥٠: \" وهذا إسناد جيد\".\n(٩) صحيح البخاري برقم (١١١).","vol":"8","page":337},{"text":"قال ابن كثير: \" وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابه نحو من أربعين ألفًا كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله -ﷺ- قال في خطبته يومئذ: «أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك قد بَلّغت وأدّيتَ ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ويَقلبها إليهم ويقول: \"اللهم هل بَلَّغْتُ، اللهم هل بلغت» (١) \" (٢).\nوقال ابن عباس: «قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: \"يأيها الناس، أيّ يوم هذا؟ \" قالوا: يوم حرام. قال: \"أيّ بلد هذا؟ \" قالوا: بلد حرام. قال: \"فأيّ شهر هذا؟ \" قالوا: شهر حرام. قال: \"فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\". ثم أعادها مرارًا. ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال: \"اللهم هل بلغت! \" مرارًا - قال: يقول ابن عباس: والله لَوصِيَّةٌ إلى ربه ﷿ - ثم قال: \"ألا فليبلغ الشاهدُ الغائِبَ، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\"» (٣).\nقال القرطبي: \"قبح الله الروافض حيث قالوا: إنه -ﷺ- كتم شيئا مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: \" وإن قصَّرت في البلاغ فَكَتَمْتَ منه شيئًا، فإنك لم تُبَلِّغ رسالة ربِّك\" (٥).\nقال ابن عباس: \" يعني: إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي\" (٦).\nقال ابن كثير: \" يعني: وإن لم تُؤد إلى الناس ما أرسلتك به، ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: وقد عَلِم ما يترتب على ذلك لو وقع\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك، فما امتثلت أمره\" (٨).\nقال الزجاج: أي: \" بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك، وإن تركت منه شيئا فما بلغت، أي لا تراقبن أحدا ولا تتركن شيئا من ذلك خوفا من أن ينالك مكروه\" (٩).\nقال السمعاني: \" فيه معنيان: أحدهما: معناه: إن لم تبلغ الجميع، وتركت واحدا، فما بلغت شيئا، يعني: جرمك في ترك التبليغ في واحد كجرمك في ترك الكل، وقيل: معناه: بلغ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه\" (١٠).\nقال قتادة: \" أخبر الله نبيَّه ﷺ أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم\" (١١).\nقال مجاهد: \" لما نزلت: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! فنزلت: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾، الآية\" (١٢).\n_________\n(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٨).\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥١.\n(٣) المسند (١/ ٢٣٠) وصحيح البخاري برقم (١٧٣٩).\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٣.\n(٥) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٢٧٠): ص ١٠/ ٤٦٨.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥١.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٩) معاني القرىن: ٢/ ١٩٢.\n(١٠) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٣.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢٢٧١): ص ١٠/ ٤٦٨.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٢٢٧٢): ص ١٠/ ٤٦٨.","vol":"8","page":338},{"text":"قال الجصاص: \" أخبر أنه إن ترك تبليغ شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا، بقوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ فلا يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ الأحكام\" (١).\nوفي وقوع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، جزاء للشرط، وجهان (٢):\nأحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولا كان أمرا شنيعا لا خفاء بشناعته، فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ﴾ [المائدة: ٣٢].\nوالثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحى كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله ﵊ «فأوحى الله إلى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك» (٣).\nقال ابن عطية: \" ثم توعده تعالى بقوله: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾، أي: إنك إن تركت شيئا فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتد به، فقوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل﴾ معناه: وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر (٤):\nسُئلتَ فلمْ تبخل ولم تعطِ طائلًا ... فسيَّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ\nأي: ولم تعط ما يعد نائلا وإلا فيتكاذب البيت\" (٥).\nوقرأ أهل المدينة: «رسالاته» (٦).\nقال الزمخشري: المعنى: \" فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها. وكونها كذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ، مؤمنا به غير مؤمن به\" (٧).\nقال النحاس: \"والقراءتان حسنتان إلا أن الجمع أبين لأن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي شيئا شيئا ثم يبينه\" (٨).\nقال الإمام الشوكاني: \" وفيه نظر، فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله ﷺ لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في غير موطن: هل بلغت؟ فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيرا\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: \" والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك\" (١٠).\nقال قتادة: \" أخبر الله نبيه أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم وأمره بالبلاغ\" (١١).\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٢/ ٥١٦.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٩.\n(٣) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٤٤٣): ص ١/ ٤٠٢، ومسند الشاميين للطبراني (٢٣٧٦): ص ٣/ ٣١٤، ونصه: \" إن الله أرسلني برسالة فضقت بها ذرعا، وعلمت أن الناس مكذبي فأوعدني أن أبلغها أو يعذبني \".\n(٤) ديوان الحطيئة: ٣٢٩، وانظر: المقرب: ١/ ٢٥٠، والتذييل: ٣/ ١١٤، ١١٥، ١٥٧، وشرح الصفار للكتاب (ق ٨٧ / ب)، وشرح الجمل لابن عصفور: ١/ ٦١٣، والأغاني: ٢/ ١٦٨، والشعر والشعراء: ١/ ٣١٣، والفاخر: ٢١٣، والعقد الفريد: ١/ ٢٣٩، والحماسة البصرية: ٢/ ٢٩٩،\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٨.\n(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٩٢، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٥.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٥٩.\n(٨) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٥.\n(٩) فتح القدير: ٢/ ٦٨ - ٦٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ١١٩.\n(١١).أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦١٦): ص ٤/ ١١٧٤","vol":"8","page":339},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \" ﴿والله يعصمك من الناس﴾، يعني: ممن حولك من العرب كلها إنهم لا يصلون إليك، فأمن النبي ﷺ عند ذلك\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: اليهود ويقال: كيد الكفار\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.\nوقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يُحْرَس\" (٣).\nقال الزجاج: \" أي: يحول بينهم وبين أن ينالك منهم مكروه، فأعلمه الله جل وعز أنه\nيسلم منهم. وفي هذا آية للنبي - ﷺ - بينة (٤).\nقال الجصاص: \" أخبر تعالى أنه يعصمه من الناس حتى لا يصلوا إلى قتله ولا قهره ولا أسره، بقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ وفي ذلك إخبار أنه لم يكن تقية من إبلاغ جميع ما أرسل به إلى جميع من أرسل إليهم وفيه الدلالة على بطلان قول الرافضة في دعواهم أن النبي ﷺ كتم بعض المبعوثين إليهم على سبيل الخوف والتقية; لأنه تعالى قد أمره بالتبليغ، وأخبر أنه ليس عليه تقية بقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ \" (٥).\nقال البغوي: أي: \" يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟\nقيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك.\nوقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.\nوقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي ﷺ معصوم\" (٦).\nقال الزمخشري: قوله: ﴿والله يعصمك﴾ \" عدة من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى: والله يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت: أين ضمان العصمة وقد شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات الله عليه؟ قلت: المراد أنه يعصمه من القتل. وفيه: أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات الله، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: نزلت بعد يوم أحد، والناس الكفار بدليل قوله: ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك\" (٧).\nقال ابن عطية: \" يعصمك معناه: يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى: ﴿يعصمني من الماء﴾ [هود: ٤٣] ... وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية\" (٨).\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النبي ﷺ يُحْرَس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القُبَّة، وقال: «يأيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله ﷿» \" (٩).\n_________\n(١).أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦١٧): ص ٤/ ١١٧٤\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٤٠٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٩٢.\n(٥) أحكام القرآن: ٢/ ٥١٦.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ٧٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٥٩.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٨.\n(٩) سنن الترمذي برقم (٥٠٣٧) وتفسير الطبري (١٢٢٧٦): ص ١٠/ ٤٦٩، والمستدرك (٢/ ٣١٣) وسنن سعيد بن منصور برقم (٧٦٨). قال الترمذي: \"وهذا حديث غريب\".","vol":"8","page":340},{"text":"قال سعيد بن جبير: \"لما نزلت: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾، قال رسول الله ﷺ: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني\" (١).\nعن عبد الله بن عامر بن ربيعة: \"أن عائشة كانت تحدث: أن رسول الله ﷺ سَهِر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت: فقلتُ: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: \"ليت رجلا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة؟ \" قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال: \"من هذا؟ \" فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: \"ما جاء بك؟ \" قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه\" (٢).\nقال الطبري: \" يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من عِصَام القربة، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر (٣):\nوَقُلْتُ: عَلَيْكُمْ مَالِكًا، إنَّ مَالِكًا ... سَيَعْصِمُكُمُ، إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ\nيعني: يمنعكم\" (٤).\nقال ابن كثير: \"ومن عصمة الله ﷿ لرسوله حفْظُه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله ﷿ له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه الله منه ولهذا أشباه كثيرة جدًا يطول ذكرها\" (٥).\nقال الإمام الشوكاني: \" وعده بالعصمة من الناس دفعا لما يظن أنه حامل على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس، وقد كان ذلك بحمد الله فإنه بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعا أو كرها وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد شملهم، وكانت كلمة الله هي العليا، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٦)، وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس، إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله وشدة شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلفة وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد\" (٧).\nقال السعدي: \" هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ، ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله وقد تكفل بعصمتك، فأنت إنما عليك البلاغ المبين، فمن اهتدى فلنفسه، وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم ولا يوفقهم للخير، بسبب كفرهم\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، أي: \" إن الله لا يوفق للرشد مَن حاد عن سبيل الحق، وجحد ما جئت به من عند الله\" (٩).\nقال الواحدي: أي: \" لا يرشد مَنْ كذَّبك\" (١٠).\nقال الطبري: \" يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه\" (١١).\nقال الإمام الشوكاني: \" قوله: ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة، أي: إن الله لا يجعل لهم سبيلا إلى الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه\" (١٢).\nقال ابن عطية: \" وقوله تعالى: ﴿لا يهدي القوم الكافرين﴾، إما على الخصوص فيمن سبق في علم أنه لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره\" (١٣).\nالفوائد:\n١ - وجوب البلاغ على الرسل ونهوض رسولنا محمد ﷺ بهذا الواجب على أكمل وجه وأتمه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: \" ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا، فإن كتمان ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم في دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة كما أنه معصوم من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده كما قال -ﷺ-: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١٤)، وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (١٥). وقال أبو ذر: «لقد\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٢٧٣): ص ١٠/ ٤٦٨.\n(٢) المسند (٦/ ١٤٠) وصحيح البخاري برقم (٢٨٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٠).\nوفي لفظ: سَهِر رسول الله ﷺ ذات ليلة مَقْدَمِه المدينة. يعني: على أثر هجرته إليها بعد دخوله بعائشة، ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها. [انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥١].\n(٣) لم اتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: ١٠/ ٤٧٢، وابو عبيدة في مجاز القرآن: ١/ ١٧١. و\"عليك \": اسم فعل للإغراء، يقال: عليك زيدًا وعليك بزيد.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٢.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٤.\n(٦) السنن الكبرى (١٨٢٧٦): ص ٩/ ١٩٩.\n(٧) فتح القدير: ٢/ ٦٩.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٩) التفسير الميسر: ١١٩.\n(١٠) الوجيز: ٣٢٨.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٢.\n(١٢) فتح القدير: ٢/ ٦٩.\n(١٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٨.\n(١٤) المسند (١٧١٤٢): ص ٢٨/ ٣٦٧، وأخرجه الحاكم ١/ ٩٦، وابن ماجه (٤٣)، وابن عبد البر في \"جامع بين العلم\" ص ٤٨٢، ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣٣) و(٤٨) و(٥٦)، والطبراني في \"الكبير\" ١٨/ (٦١٩)، وفي \"مسند الشاميين\" (٢٠١٧)، والآجري في \"الشريعة\" ص ٤٧. [حديث صحيح]\n(١٥) اخرجه البيهقي في الأسما والصفاة (١٩٨)، وعبدالرزاق في المصنف (٢٠١٠٠)، [إسناده صحيح] انظر: كتاب الألباني النصيحة ٢٣٢ وانظر الصحيحة ١٨٠٣.","vol":"8","page":341},{"text":"توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا» (١) \" (٢).\n٢ - أن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- خلاصة مختارة من البشر، لما كان الرسل -عليهم الصلاة والسلام- هم سفراء الله تعالى إلى خلقه يقومون بتبليغهم أوامره ونواهيه وهو سبحانه حارسهم وحافظهم.\n٣ - عصمة الرسول المطلقة، وكفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس، وهذا النوع من أعظم الآيات الدالّة على صدق رسالة محمد - ﷺ -، ومن ذلك:\n١ - كفاه الله تعالى المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥].\n٢ - كفاه الله تعالى أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].\n٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكلُّ من هذه الأخبار الثلاثة قد وقعت كما أخبر الله تعالى، فقد كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.\nومن ذلك أن رجلًا نصرانيًّا أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي - ﷺ - ثم ارتدّ وعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدْرِي محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذًا على ظهرها فأعادوا دفنه وأعمقوا له فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذًا (٣).\n٤ - ومنها: دلالة قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ على أن كل ما كان من الأحكام بالناس إليه حاجة عامة أن النبي ﷺ قد بلغه الكافة وأن وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر، نحو الوضوء من مس الذكر ومن مس المرأة ومما مسته النار ونحوها، لعموم البلوى بها; فإذا لم نجد ما كان منها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا أن الخبر غير ثابت في الأصل، أو تأويله ومعناه غير ما اقتضاه ظاهره من نحو الوضوء الذي هو غسل اليد دون وضوء الحدث (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٣٨٥ (٤٨١)، وأحمد ٥/ ١٥٣، ١٦٢ من طريق الأعمش، عن منذر الثوري، عن أصحاب له عن أبي ذر.\nورواه ابن سعد في \"الطبقات\" ٢/ ٣٥٤، وأحمد ٥/ ١٦٢ من طريق فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر.\nقال البزار في \"البحر الزخار\"، (٣٨٩٧) ومنذر الثوري لم يدرك أبا ذر. اهـ.\nورواه البزار في \"البحر الزخار\" (٣٨٩٧)، والطبراني في \"الكبير\" ٢/ ١٥٥ - ١٥٦ (١٦٤٧)، وابن حبان ١/ ٢٦٧ (٦٥) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن ابن عيينة، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" ٨/ ٢٦٣: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم. اهـ.\nوالحديث صحح إسناده الألباني في \"الصحيحة\" (١٨٠٣).\nورواه أبو يعلى في \"مسنده\" (٥١٠٩) من طريق فطر بن خليفة، عن عطاء قال: قال أبو الدرداء، ثم ساقه.\nوعزاه الحافظ في \"المطالب العالية\" (٣٨٤٦) لابن منيع، وقال: رواته ثقات إلا أنه منقطع واختلف على فطر. اهـ.\n(٢) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية: ١/ ١٨٨.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة، برقم ٣٦١٧، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، برقم ٢٧٨١ ..\n(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٦١","vol":"8","page":342},{"text":"٥ - ومنها: دلالة قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ على صحة نبوة النبي ﷺ; إذ كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به; لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسر مع كثرة أعدائه المحاربين له مصالتة والقصد لاغتياله مخادعة، نحو ما فعله عامر بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه; ونحو ما قصده به عمير بن وهب الجمحي بمواطأة من صفوان بن أمية، فأعلمه الله إياه، فأخبر النبي ﷺ عمير بن وهب بما تواطأ هو وصفوان بن أمية عليه وهما في الحجر من اغتياله، فأسلم عمير وعلم أن مثله لا يكون إلا من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة، ولو لم يكن ذلك من عند الله لما أخبر به النبي ﷺ الناس ولا ادعى أنه معصوم من القتل والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه مع غناه عن الإخبار بمثله. وأيضا لو كانت هذه الأخبار من عند غير الله لما اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به، إذ لا يتفق مثلها في أخبار الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدس والتخمين وتعاطي علم النجوم والرزق والفأل ونحوها، فلما اتفق جميع ما أخبر به عنه من الكائنات في المستأنف على ما أخبر به ولا تخلف شيء منها، علمنا أنها من عند الله العالم بما كان وما يكون قبل أن يكون (١).\n\nالقرآن\n﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: إنكم لستم على حظٍّ من الدين ما دمتم لم تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وما جاءكم به محمد ﷺ من القرآن، وإن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزيدهم إنزالُ القرآن إليك إلا تجبُّرًا وجحودًا، فهم يحسدونك; لأن الله بعثك بهذه الرسالة الخاتمة، التي بَيَّن فيها معايبهم، فلا تحزن -أيها الرسول- على تكذيبهم لك.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس﵄-: \" جاء رسول الله - ﷺ - رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حرملة، فقالوا: يا محمد! ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"بلى؛ ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا برئ من أحداثكم\"، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا؛ فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ \" (٢). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: \" قل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: إنكم لستم على حظٍّ من الدين ما دمتم لم تعملوا بما في التوراة والإنجيل\" (٣).\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٥٦٢.\n(٢) أخرجه ابن إسحاق في \"السيرة\" -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٢٨٤): ص ١٠/ ٤٧٣ - ٤٧٤: ثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ لجهالة محمد شيخ ابن إسحاق؛ كما قال الحافظان الذهبي والعسقلاني.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٠) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\nقلنا: أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦١٨): ص ٤/ ١١٧٤: من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد به معضلًا.\n(٣) التفسير الميسر: ١١٩.","vol":"8","page":343},{"text":"عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: \" ﴿حتى تقيموا﴾، تعملوا بما فيه\" (١).\" ﴿التوراة والإنجيل﴾: التوراة أنزلت على اليهود والإنجيل على النصارى وعلى عيسى بن مريم\" (٢).\nقال القرطبي: \" أي: لستم على شي من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد ﵇، والعمل بما يوجبه ذلك منهما\" (٣).\nقال السمرقندي: أي: \" قل يا أهل الكتاب: لستم على شيء من الدين ولا ثواب لأعمالكم حتى تعملوا بما في التوراة، والإنجيل\" (٤).\nقال البغوي: \" أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما\" (٥).\nقال ابن كثير: \" ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع بمحمد ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿لستم على شيء﴾، أى: على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء\" (٧).\nقال ابن عرفة: \"أي: لستم على شيء معتبر؛ لأنه شيء غير معتبر شرعا\" (٨).\nقال ابن عطية: \" أمر تعالى نبيه محمدا ﵇ أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه: ﴿لستم على شيء﴾، أي: على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد -ﷺ-\" (٩).\nقال السعدي: \" أي: قل لأهل الكتاب، مناديا على ضلالهم، ومعلنا بباطلهم: ﴿لستم على شيء﴾ من الأمور الدينية، فإنكم لا بالقرآن ومحمد آمنتم، ولا بنبيكم وكتابكم صدقتم، ولا بحق تمسكتم، ولا على أصل اعتمدتم ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان بهما واتباعهما، والتمسك بكل ما يدعوان إليه\" (١٠).\nقال الطبري: \" وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره. يقول تعالى ذكره له: قل، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى يا أهل الكتاب، التوراة والإنجيل لستم على شيء، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى ﷺ، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى حتى تقيموا التوراة والإنجيل\" (١١).\nقال الشوكاني: \" قوله: ﴿على شيء﴾، فيه تحقير وتقليل لما هم عليه: أي لستم على شيء يعتد به ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾: أي تعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع محمد ﷺ ونهيكم عن مخالفته\" (١٢).\nوإن قيل: كيف أمرهم أن يقيموا الكتب وقد علم أن القرآن قد نسخ التوراة والإنجيل، ولا يصح إقامة جميعها؟ ففيه أجوبة:\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦١٩): ص ٤/ ١١٧٤.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٢٠): ص ٤/ ١١٧٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٥.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤٠٦.\n(٥) تفسير البغوي: ٣/ ٨١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٥.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٦٠.\n(٨) تفسير ابن عرفة: ٢/ ١١٦.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٨.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٣.\n(١٢) فتح القدير: ٢/ ٧١.","vol":"8","page":344},{"text":"أحدها: قيل: \"يجوز أنه عنى الإقرار بصحة ثلاثتها، ويجوز أنه أراد أحكام أصولها، فإن ثلاثتها تستوي في ذلك وإنما الاختلاف في الفروع بسحب مصالح الأزمنة\" (١).\nوالثاني: وقيل: \"أراد إقامة هذه الكتب بإظهار ما فيه من وصف النبي - ﷺ - وتصديق بعضها بعضا\" (٢).\nوالثالث: وقال أبو علي: \"ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما\" (٣).\nقال البيضاوي: \" ومن إقامتها الإيمان بمحمد ﷺ والإذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها\" (٤).\nقال الطرطوشي: \" قال سفيان: \" ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتها: فهمها والعمل بها\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: \"وما جاءكم به محمد -ﷺ- من القرآن\" (٦).\nقال مجاهد: \"ما أنزل على محمد -ﷺ-\" (٧).\nعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قوله\" ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾، قال: القرآن\" (٨).\nقال الشوكاني: \" قيل: هو القرآن، فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته، ويجوز أن يكون المراد ما أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين\" (٩).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \" \"وهو القرآن المجيد، فإنه هو الذي أكمل به دين الأنبياء والمرسلين، على حسب سنته في النشوء والارتقاء بالتدريج\" (١٠).\nقال السعدي: أي: \" ﴿و﴾ تقيموا ﴿ما أنزل إليكم من ربكم﴾ الذي رباكم، وأنعم عليكم، وجعل أجل إنعامه إنزال الكتب إليكم. فالواجب عليكم، أن تقوموا بشكر الله، وتلتزموا أحكام الله، وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده\" (١١).\nقال الراغب: \" إن قيل: قوله: ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾ داخل فيه التوراة والإنجيل إذ كل ذلك منزل من الله، فلم أفردا؟\nقيل: إنه أفردهما بالذكر على سبيل التفصيل وخص ما أنزل بالقرآن\" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: \" وإن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزيدهم إنزالُ القرآن إليك إلا تجبُّرًا وجحودًا\" (١٣).\nقال الطبري: أي: \" وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنزلته إليك، يا محمد تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول الفرقان وكفرًا يقول: وجحودًا لنبوتك\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٠٣.\n(٢) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٠٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٥، وفتح القدير للشوكاني: ٢/ ٧١\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٦.\n(٥) الحوادث والبدع: ١٠١.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٢١): ص ٤/ ١١٧٥.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٢٢): ص ٤/ ١١٧٥.\n(٩) فتح القدير: ٢/ ٧١.\n(١٠) تفسير المنار: ٦/ ٣٩٢.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(١٢) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٠٣.\n(١٣) التفسير الميسر: ١١٩.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٤ - ٤٧٤.","vol":"8","page":345},{"text":"قال السمرقندي: \" وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من القرآن من ربك طغيانا وكفرا يعني: تماديا بالمعصية، وكفرا بالقرآن، يعني: إنما عليك تبليغ الرسالة والموعظة، فإن لم ينفعهم ذلك فليس عليك شيء\" (١).\nقال القرطبي: \" أي: يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي: كفرا إلى كفرهم وطغيانا إلى طغيانهم، والمراد بالكثير منهم من لم يسلم، واستمر على المعاندة وقيل: المراد به العلماء منهم، وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها\" (٣).\nو«الطغيان»: \" تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه، وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦]، أي: يتجاوز الحد في الخروج عن الحق\" (٤).\nقال ابن عرفة: \" «الطغيان»: التعنت والعصيان، و«الكفر»: العصيان بالاعتقاد\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: \" فلا تحزن -أيها الرسول- على تكذيبهم لك\" (٦).\nقال ابن عباس والسدي: \" يقول: فلا تحزن\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: فلا تحزن عليهم ولا يَهيدنَّك ذلك منهم\" (٨).\nقال السمرقندي: \" يعني: لا تحزن عليهم إن كذبوك\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي: لا تحزن عليهم، وهذه تسلية للنبي ﷺ، وليس بنهي عن الحزن، لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم\" (١١).\nقال الشوكاني: \" أي: دع عنك التأسف على هؤلاء، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم، وفي المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم\" (١٢).\nقال الصابوني: \" أي: لا تحزن عليهم فإِن تكذيب الأنبياء عادتُهم ودأبهم\" (١٣).\nوقوله: ﴿فلا تأس﴾، أي: فلا تحزن، يقال: أسِيَ فلان على كذا، إذا حزن يأسَى أسىً، ومنه قول العجاج (١٤):\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٠٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٥.\n(٣) فتح القدير: ٢/ ٧١.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٥.\n(٥) تفسير ابن عرفة: ٢/ ١١٧.\n(٦) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٢٨٦)، و(١٢٢٨٧): ص ١٠/ ٤٧٦.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٥.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٤٠٦.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٥.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٦٠.\n(١٢) فتح القدير: ٢/ ٧١.\n(١٣) صفوة التفاسير: ٣٢٩.\n(١٤) ديوانه: ٣١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٧١، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان (حلب) مادة \"بجس\" و\"كرس\"، وهو من رجزه المشهور، يقول:\nيَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ... قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا\nوَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى\nوالوكيف: مصدر؛ أي: وكفت. والغرب: الدلو العظيم. والدالج: من يأخذ الدلو من البئر فيفرغه في الحوض. والمعنى: انصبت دموع عينيه من شدة الحزن كانصباب دلوي رجل مفرغ لهما في الحوض.\nو\"انحلبت عيناه\" و\"تحلبتا\": سال دمعهما وتتابع.","vol":"8","page":346},{"text":"وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى ... وكيف غربي دالج تبجسا\nقوله: \" من فرط الأسى\"، يعني: من شدة الحزن (١).\nالفوائد:\n١ - كفر أهل الكتاب إلا من آمن منهم بالنبي محمد ﷺ واتبع ما جاء به من الدين الحق.\nفلم يعد يقبل من أحد أن يستمسك بما سبق من الكتب ويرفض القرآن.\n٢ - التقريع لأهل الكتاب والتنديد بباطلهم ومخازيهم.\n٣ - أن أهل الكتاب مكلفون بإقامة التوراة والإنجيل معا، لكنهم كفروا بهما، قال تعالى: لْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [المائدة: ٦٨]، ومن إقامة التوراة والإنجيل: الإيمان بمحمد ﷺ حيث بشَّرت به هذه الكتب، واتباع الإسلام الذي نسخ ما قبله من الأديان.\n٤ - أن أهل العناد والمكابرة لا تزيدهم الأدلة والبراهين إلا عتوًا ونفورًا وطغيانًا وكفرا.\n٥ - ومنها: ان أن الكفر يزيد كما في قوله تعالى في آيتي المائدة: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيِرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨].\nوقوله في الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].\nوفي آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثًمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠].\nوفي النساء: ﴿إِنَ الَّذِينَءَامَنُوا ثُمَّ كّفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧].\nفكذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ أعلى درجاته، والكفر يزيد حتى يسفل إلى أدنى دركاته أيضًا مما يدل على زيادة الإيمان عند أهله تفاضلهم فيه، بكون بعضهم أفضل من بعض (٢).\n٦ - أن القرآن جاء مؤيدًا للحق الذى ورد فيها كما سبقت إليه الإشارة من عبادة الله وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ورعاية الحق والعدل، والتخلق بالأخلاق الصالحة؛ وهو فى الوقت ذاته مهيمنًا عليها ومبينًا ما وقع فيها من أخطاء وأغلاط، وتحريف وتصحيف، وتغيير وتبديل.\nوإذا انتفت هذه الأخطاء التى أدخلها رجال الدين على الكتب السماوية وزوروها على الناس باسم الله، ظهر الحق، واستبان، والتقى القرآن مع التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وإقامتها لا تتحقق إلا بعد تطهيرها من الزيف (٣).\n٧ - ومن فوائد الآية أيضا: تأكيد ضلال اليهود والنصارى وأنهم على دين باطل بعد نسخه بدين محمدﷺ-.\n٨ - أن الألقاب والانتساب لا ينفع صاحبه دون عمل ومتابعة لمن انتسب إليه كما قال الرب جل وعلا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وليس الذين أحبوه، أو انتسبوا إليه.\nفحب اليهود ليعقوب وانتسابهم إليه، وحبهم لداود وموسى وسليمان وغيرهم. وحب النصارى للمسيح وانتسابهم إليه ليس بنافعهم لانقطاعهم عن المنهج والتعاليم التي جاء بها هؤلاء الأنبياء الكرام ﵈: قال تعالى ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٥.\n(٢) انظر: مسألة الإيمان دراسة تأصيلية: ٢٦.\n(٣) انظر: العقائد الإسلامية: ١٦٩.","vol":"8","page":347},{"text":"هذا هو الانتساب الأجوف الذي لا قيمة له. لذلك عقب الله عليه بقوله ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥].\nإنّ الله يريد الملة والدين الصحيح. أما الاسم والنسب فلا قيمة له عنده، ومع هذا كله انتقل إلينا هذا المرض الخطير فصار فينا من يتعصب للأسماء والطوائف، ويفخر بالانتساب إلى مشاهير الملة دون العمل بما دعوا إليه، وجاهدوا من أجله. وهذا ليس بنافعهم بل هو ضار بهم: في الدنيا تفرقة وتمزقًا وفتنًا. وفي الآخرة خسرانًا مبينًا.\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ [المائدة: ٦٩]\nالتفسير:\nإن الذين آمنوا -وهم المسلمون-، واليهود، -والصابئون كذلك -وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-، والنصارى -وهم أتباع المسيح- من آمن منهم بالله الإيمان الكامل، وهو توحيد الله والتصديق بمحمد ﷺ وبما جاء به، وآمن باليوم الآخر، وعمل العمل الصالح، فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: إن الذين \"صدّقوا الله ورسوله وهم المسلمون\" (١).\nقال الطبري: أي: \" إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \" يعني أمة محمد -ﷺ-، لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل\" (٣).\nوقرأ عبد الله: «يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون» (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: \" واليهود\" (٥).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أي: الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى\" (٦).\nواختلفوا في أصل كلمة «واليهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (٧):\nأحدها: أنها من: «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل.\nوالثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (٨)، والهائد (٩): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٠):\nإنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ\nأي: تائب.\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٢٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٦.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٦٢.\n(٥) التفسير الميسر: ٣٢٩.\n(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣، واللسان، مادة: \"هود\".\n(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.\n(٩) قيل: (هود): جمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه. (انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٣٥٩).\n(١٠) البيت بلا نسبة في: درج الدرر في تفسير الآي والسور: ١/ ١٨٩، تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٢، ولم أتعرف على قائله.","vol":"8","page":348},{"text":"والثالث: وقال ابن عرفة: ﴿هدنا إليك﴾، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ (١).\nوالرابع: أنهم نُسِبُوا إلى «يهوذا» بالذال المعجمة، وهو أكبر ولد يعقوب﵊-، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل: «يهود».\nوالخامس: أنها مشتقة من: هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه.\nوالسادس: أنه من «التهويد»، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (٢)، وأنشد قول الراعي النميري (٣):\nوخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى ... قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ\nوالسابع: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ ﴿هدنا إليك﴾، أي: خضعنا إليك.\nوالثامن: أن أصلها من: «هاد يهيد»، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (٤).\nوفي أصل الألف في كلمة: «هادوا»، وجهان (٥):\nأحدهما: أنه من «واو»، والأصل: «هاد يهود» أي: تاب.\nالثاني: أنها من «ياء»، والأصل: «هاد يهيد»، أي: تحرك.\nوقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة «يهوذا» الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (١٣٩ - ٦٨٥ ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى ﵇ إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (٦).\nوقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام: \" أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفارًا من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد\" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ١١٠، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الالفاظ: ٤/ ٢٦٤.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٧.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة، باب ا\"الهاء والدال\"، و\"خوط\"، ومقاييس اللغة، مادة\"ردف\"، وأساس البلاغة، باب\"ردف\"، والعباب الزاخر، \"ردف\"، واللسان، مادة\"ردف\"، وتاج العروس، مادة\"وخد\"، \"هود\"، \"ردف\"، وغريب الحديث للقاسم بن سلام: ٤/ ٢٨٧، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، وواللباب: ٦٣ ..\n(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣.\n(٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣١ - ١٣٢.\n(٦) انظر: مفصل العرب واليهود في التاريخ: ٩٢٥.\n(٧) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩١).","vol":"8","page":349},{"text":"ولهذا فإن لفظ «اليهود»: هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة \"عبرانيين\" (١) و\"بني إسرائيل\" (٢) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة «يهود» أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم.\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿هَادُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، وجهان من القراءة (٣):\nأحدهما: ﴿هَادُوا﴾، بضم الدال. قرأ بها الجمهور.\nوالثاني: ﴿هَادَوا﴾ - بفتح الدال، من المهاداة، قرأ بها أبو السماك العدوي.\nقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: \" والصابئون-وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-\" (٤).\nقال البيضاوي: \" قوم بين النصارى والمجوس\" (٥).\nقال النسفي: أي: \"الخارجين من دين مشهور إلى غيره، من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة\" (٦).\nقال الثعلبي: يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين\" (٧).\nوقد اختلفت عبارات المفسرون في تفسير معنى (الصابئة) على أقوال:\nأحدها: أنهم قوم بين المجوس واليهود والنصارى، وليس لهم دين. قاله مجاهد (٨)، وعطاء (٩).\nوالثاني: أنهم منزلة بين اليهود والنصارى. قاله سعيد بن جبير (١٠).\nوالثالث: قبيلة بين المجوس واليهود، ولاتؤكل ذبائحهم ولاتنكح نساؤهم. قاله الحسن (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن أبي نجيح (١٣).\nوالرابع: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قاله أبو العالية (١٤) والسدي، والربيع بن أنس، وأبو الشعشاء جابر بن زيد، والضحاك، وإسحاق بن راهويه (١٥).\nوالخامس: أنهم أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله، ولم يؤمنوا برسول الله. قاله ابن زيد (١٦).\nوالسادس: هم الذين لم تبلغهم دعوة نبي. ذكره ابن كثير (١٧).\nوالسابع: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة. قاله قتادة (١٨)، وزياد بن أبيه (١٩)، وأبو جعفر الرازي (٢٠).\nوالثامين: أنهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السدي (٢١).\nقال ابن كثير: \"وأظهر الأقوال – والله أعلم – قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين وإنما هم باقون على فطرتهم، ولادين مقرر يتبعونه ويقتضونه\" (٢٢).\nنستنتج مما سبق، بأن الصابئة أحد أمرين:\n_________\n(١) اختلفت الآراء في سبب تسميتهم بـ\"العبريين\" أو \"العبرانيين\"، قيل: إنهم سموا بذلك نسبة إلى إبراهيم ﵊ نفسه، فقد ذكر في سفر التكوين باسم: \"إبراهيم العبراني\"، لأنه عبر نهر الفرات وأنهارًا أخرى، وقيل إنهم: سموا بالعبرانيين نسبة إلى \"عِبْر \"، وهو الجد الخامس لإبراهيم ﵊، والرأي الثالث يقول: إن سبب التسمية يرجع إلى الموطن الأصلي لبني إسرائيل، ذلك أنهم في الأصل كانوا من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها للبحث عن الماء والمرعى.، وغالب المؤرخين أجمعوا على أن التسمية ناتجة عن عبور إبراهيم ﵊ نهر الفرات، ويؤكد هذا الرأي ما جاء في سفر يسوع: \"وهكذا قال الرب إله إسرائيل في عبر النهر سكن آباؤكم منذ الدهر \".\nويرى البعض أن هذه اللفظة لم تظهر إلا بعد اجتياز إبراهيم نهر الفرات\"، فضلا ً عن أن الأخذ بهذا الرأي أقرب إلى الصحة والصواب من الآراء الأخرى\nوقيل: لفظ \"العبري\" أطلق تاريخيًا على شراذم من الغجر الرحل كانوا يعيثون في الأرض فسادا، ويتبعون الجيوش الغازية، بوصفهم مرتزقة يستعان بهم في الأعمال الدنية، ووصفهم إبراهيم بأنه \"عبري\" غير صحيح، إلا إذا أخذنا من لفظ عبري معنى: الترحال والتنقل، وقد ألصق اليهود بإبراهيم وصف \"العبري\" ليصلوا إلى وصف لغتهم بأنها \"العبرية\" قديمة ترجع إلى زمن إبراهيم ﵊، وهذا كلام باطل لأن اللغة العبرية جاءت متأخرة جدًا عن زمن إبراهيم، وهي لهجة آرامية عربية، ظهرت بعد عصر موسى بحوالي ست مئة سنة ولأن التوراة نزلت باللغة الهيروغلوفية، حيث تخاطب قوما في مصر أو أخرجوا من مصر.\nوأرى أن الذي ذكره هو الصواب؛ فاللغة العبرية لغة متأخرة جدًا عن زمن الخليل إبراهيم ﵊. (انظر: العرب واليهود في التاريخ: الأستاذ شراب: ٣٦).\n(٢) تم إطلاق مصطلح إسرائيليين على شتات اليهود القادمين إلى فلسطين بعد إعلان اليهود قيام دولة أسموها \"إسرائيل\" في ٥١ مايو ٨٤٩١ م؛ فأصبح كل من يعيش على أرض فلسطين من اليهود يأخذ مُسَمى \"إسرائيلي\"، وجنسية \"إسرائيلية\"، ومجموع شتاتهم على أرض فلسطين المغتصبة \"إسرائيليين\"! !\nوشاعت تلك التسميات على ألسن الناس عمومًا وفي بلاد المسلمين أيضًا، حيث أطلق على الكيان اليهودي والصهيوني \"إسرائيل\" واليهودي \"بالإسرائيلي\"، وشاع مصطلح \"إسرائيليون\" على اليهود الذين أتوا إلى فلسطين غزاة ...\nوإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من \"إسرا\" بمعنى: عبد، ومن \"إيل\" وهو الله، فيكون معنى الكلمة: عبد الله، وإسرائيل اسم لنبي الله يعقوب ﵊، وجاء في تسمية بني إسرائيل بهذا الاسم نسبة إلى أبيهم يعقوب ﵊، ويهود اليوم التصقوا بهذا الاسم، ليلبسوا على العامة بأنهم من نسل \"إسرائيل\" يعقوب عليه الصلاة السلام، ولإثبات عدم اختلاطهم بالشعوب الأخرى ليتحقق لهم الزعم بنقاء الجنس اليهودي، وأن يهود اليوم هم النسل المباشر ليهود التوراة، وذلك لتبرير العودة إلى أرض الميعاد! !\nلذا فهذه التسمية منكرة، لما شاع على الألسن القول في سياق الذم فعلت إسرائيل كذا، وستفعل كذا؛ وإسرائيل هو رسول كريم من رسل الله تعالى، وهو \"يعقوب\" ﵊، وهو بريء من الكيان اليهودي الخبيث الماكر، إذ لا توارث بين الأنبياء والرسل وبين أعدائهم من الكافرين.\n(٣) أنظر: انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢، والبحر المحيط: ١/ ٢٠٤.\n(٤) التفسير الميسر: ٣٢٩.\n(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٤.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٩٥.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٩.\n(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٨): ص ١/ ١٢٧.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٦): ص ٢/ ١٤٦.\n(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٧): ص ١/ ١٢٧.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٣): ص ٢/ ١٤٦.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٢): ص ٢/ ١٤٦.\n(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٤): ص ٢/ ١٤٦.\n(١٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٣٩): ص ١/ ١٢٧، وتفسير الطبري (١١١٠): ص ٢/ ١٤٧.\n(١٥) انظر تفسير الطبري، ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣. وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٢٧، وتفسير القرطبي، ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.\n(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٧): ص ٢/ ١٤٧.\n(١٧) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٠٤.\n(١٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٩): ص ٢/ ١٤٧.\n(١٩) أنظر: تفسير الطبري (١١٠٨): ص ٢/ ١٤٧. زياد بن أبيه: هو والى العراق في زمن معاوية ﵁.\n(٢٠) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٧، وزاد: \"أنهم ويقرءون الزبور\".\n(٢١) أنظر: تفسير الطبري (١١١١): ص ٢/ ١٤٧.\n(٢٢) تفسير ابن كثير، ١/ ١٠٤.","vol":"8","page":350},{"text":"إما أن تكون فرقة واحدة لكن بعضهم انخرط مع المجوسية والبعض مع أهل الكتاب والبعض اعتزل جميع الأديان.\nوإما أن تكون فرقة الصابئة، عبارة عن فرق متعددة ومذاهب متفرقة، كل فرقة لها طابع خاص تستقل به عن الفرقة الأخرى، فالجامع بينهم جميعًا المسمى – فقط – أما الحقيقة ففيه اختلاف فيما بينهم.\nيقول ابن القيم – ﵀ –: \" وقد اختلف الناس فيهم اختلافًا كثيرًا، بحسب ماوصل إليهم من معرفة دينهم، وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ... الآية﴾ [البقرة: ٦٢].\nفذكرهم – جل وعلا – في الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منها إلى ناج وهالك كما في قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ [الحج: ١٧]، فذكر الأمتين اللتين لاكتاب لهم، ولاينقسمون إلى شقي وسعيد وهما: المجوس والمشركون، ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة، وذكر الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقي والسعيد\" (١).\nوقد اختلف موقف العلماء في الصائبة، قال ابن القيم: \"لقد اختلف الناس فيهم اختلافًا كثيرًا، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم:\nفقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية، ثم اختلف أصحابه – وكذلك اختلف الأحناف والمالكية والحنابلة –\" (٢).\nويقول ابن القيم – ﵀ –: \"وبالجملة فالصابئة أحسن حالًا من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم دينًا ومذهبًا، ولايتمسكون بكتاب ولاينتمون إلى ملة ولايثبت لهم كتاب ولاشبهة كتاب أصلًا ... وكل ماعليه المجوس من الشرك فشر الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه\" (٣).\nقال ابن ابي زمنين: \" اختلف القول في رفع: ﴿الصابئون﴾، والأجود: أنه محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء، المعنى: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا - فلا خوف عليهم والصابئون والنصارى كذلك أيضا\" (٤).\nقال الزمخشري: \" والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه (٥) شاهدا له (٦):\nوإلاَّ فاعْلَموا أَنَّا وأنتمْ ... بُغَاةٌ ما بَقينا فِي شِقاقِ\nأى: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك\" (٧).\nوقرأ عثمان وأبي وعائشة وابن جبير والجحدري وابن كثير: «والصابئين»، بالنصب (٨).\nوقرئ: ﴿الصَّابِينَ﴾ و﴿والصّابون﴾، بترك الهمزة، قرأ بها أهل المدينة في جميع القرآن (٩).\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان، ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠.\n(٢) أحكام أهل الذمة، ابن القيم الجوزية، تحقيق يوسف البكر وشاكر العاروري، ط (الأولى)، بيروت: دار ابن حزم، ١٤١٨ هـ، ص ٢٣١ وما بعدها.\n(٣) المصدر السابق، ص ٢٤٢.\n(٤) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٣٨.\n(٥) انظر: الكتاب: ٢/ ١٥٦، علّق على البيت: \" كأنه قال: بُغاةٌ ما بقينا وأنتم\".\n(٦) البيت لبشر بن أبي خازم في الكتاب ٢/ ١٥٨، وفي ديوانه ١٦٥، وتخليص الشواهد ص ٣٧٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٩٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤، وشرح التصريح ١/ ٢٢٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٧١، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٥٤، وشرح المفصل ٨/ ٦٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٦٠ - ٦٦١.\n(٨) انظر: البحر المحيط: ٣/ ٥٤١، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٦، وقال: \"قرأ بها سعيد ابن جبير\".\n(٩) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٨.","vol":"8","page":351},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: \"والنصارى-وهم اتباع المسيح-\" (١).\nقال الثعلبي: \" الذين كانوا على دين عيسى ﵇ ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك\" (٢).\nو﴿النَّصَارَى﴾ جمع اختلف في مفرده على قولين (٣):\nالأول: واحده (نصراني)، وقيل: (نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (٤).\nوقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٥):\nتراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس\nوالأنثى (نصرانة)، قال الأخزر الحماني (٦):\nفَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ\nوالثاني: واحده نصْرِي. قاله الخليل بن أحمد (٧).\nقال الماوردي: \"والأول أظهر\" (٨).\nوفي سبب تسميتهم بـ (النصارى)، ثلاثة أقوال (٩):\nأحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة)، كان ينزلها عيسى ﵇، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وابن جريج (١٢).\nوالثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر (١٣):\nلمَّا رأيتُ نَبَطًا أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا\nكُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا\n_________\n(١) التفسير الميسر: ٣٢٩.\n(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٩.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣.\n(٤) أنظر: الكتاب: ٣/ ٢٥٦.\n(٥) لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنباري: ١٥٥، ورواه: \" تراه ويضحى وهو. . \" ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبري، وفيهما \" إذا دار العشى \" وأخطأ القرطبي (تفسيره ١: ٣٦٩) فقال: و\" أنشد سيبويه \" وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره. (تراه إذا دار العشا متحنفا)\nوالبيت في صفة الحرباء. و\" محنفا \": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: \" لديه \"، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: \" شامس \"، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر\n(٦) البيت من شواهد سيبويه (٤١١): ص ٣/ ٢٥٦، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص ١٧٨، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٨، \"الزاهر\" ١/ ١٤١، ٢/ ٢٢٥، \"الإنصاف\" ص ٣٥٧، \"المخصص\" ١٧/ ٤٤، \"تهذيب اللغة\" (نصر) ٤/ ٣٥٨٤، \"اللسان\" (نصر) ٥/ ٢١١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٣٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٨، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٦، \"فتح القدير\" ١/ ١٤٨، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا:\nفلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها\nفضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣.\n(٨) النكت والعيون: ١/ ١٣٣.\n(٩) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، والنكت والعيون: ١/ ١٣٣.\n(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٦): ص ٢/ ١٤٥.\n(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٧)، و(١٠٩٨): ص ٢/ ١٤٥.\n(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٥): ص ٢/ ١٤٥.\n(١٣) لم أعرف صاحب الرجز. والأبيات، في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤ أمالي ابن الشجرى ١/ ٧٩، ٣٧١. أنشده شاهدا على حذف واو العطف: أي \" وكنت لهم من النصارى جارا \"، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي \" فكنت لهم. . \". والبيت من شواهد الطبري: ٢/ ١٤٤.","vol":"8","page":352},{"text":"والثالث: أنهم سُمُّوا بذلك، لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى الله﴾ [الصف: ١٤] (١).\nولفظة (النصرانية) و(نصارى) التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاط المعربة، يرى بعضى المستشرقين أنّها من أصل سرباني هو: (نصرويو) Nosroyo، (نصرايا) Nasraya (٢)، ويرى بعضٌ آخر أنّها من Nazerenes التّسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتّبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في (أعمال الرسل) حكاية على لسان يهود (٣)، وبرى بعض المؤرخين أن لها صلةً (بالناصرة) التي كان منها (يسوع) حيث يُقال: (يسوع الناصري) أو أنّ لها صلة ب (الناصريين) Nasarenes = Nazarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتّبع ديانة المسيح (النصارى)، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علمًا لديانة المسيح عند المسلمين.\nولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلًا، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نُسب اليها المسيح (٤)، وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يُقال لها (نصران)، فقبل نصراني وجمعه نصارى (٥)، وذُكر أن (النصرانة) هي مؤنث النصراني (٦).\nوقد وردت هذه التسمية في الشعر الجاهلي، فقد ذُكر ان أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت (٧):\nأيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له ودًا وقربانا\nوذكر أنّ شاعرًا جاهليًا ذكر النصارى في شعر له، هو (٨):\nاليكَ تعدو قلقا وضينها معترضًا في بطنها جنينها\nمخالفًا دين النصارى دينها\nوذُكر أنّ جابر بن حُنىّ قال (٩):\nوقد زعمت بهراء أنّ رماحنا رماح نصارى لا تخوض إلى دم\nوأنّ حاتمًا الطّائي قال في شعر له (١٠):\nومازلت أسعى بين نابٍ ودارة ... بلحيانَ حتى خفت أن أتنصرا\nوأنّ «طخيم بن أبي الطخماء» قال في شعر له في مدح بني تميم (١١):\nوإنّي وإنْ كانوا نصارى أحبهّم ويرتاح قلبى نحوهم ويُتَوَّق\nوأنّ حسان بن ثابت قال (١٢):\n_________\n(١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٥.\n(٢) غرائب اللغة (ص ٢٠٧)، Ency.، III، p. ٨٤٨.\n(٣) أعمال الرسل: الإصحاح ٢٤، الآية ٥ «فإننا إذْ وجدنا هذا الرجل مفسدًا ومهيج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة ومقدام شيعة الناصريين»، Ency. Relig. Ethic.، III، p. ٥٧٤.\n(٤) اللسان (٧/ ٦٨)، تاج العروس (٣/ ٥٦٨)، (نصر).\n(٥) المفردات، للأصفهاني (ص ٥١٤).\n(٦) ومنه قول الشاعر:\nفكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما أسجدت نصرانة لم تحنف\nاللسان (٧/ ٦٨)، (نصر)، «والنصرانية واحدة النصارى»، تاج العروس (٣/ ٥٦٩)، (نصر).\n(٧) النصرآنية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (ص ١٨٧).\n(٨) البيت من شواهد اللسان (قلق)، (ودن)، (وضن)، وتاج العروس (قلق)، (وضن)، وهو بلا نسبة فيهما. والوضين: حزام الناقة.\n(٩) النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (ص ١٧١، ٢٢٥)، شعراء النصرانية (١٩٠)، المشرق، السنة السابعة ١٩٠٤، (٦٢٠ وما بعدها).\n(١٠) الأغاني (١٦/ ١٠٤)، النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (١٧١، ٢٢٥).\n(١١) المشرق، السنة السابعة: ١٩٠٤ (٦٢٠ وما بعدها).\n(١٢) ديوان حسان: ٢٤.","vol":"8","page":353},{"text":"فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد\nغير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إنْ صح أنها لشعراء جاهليين حقًا، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات.\nوالذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون (تلاميذ) Disciples، و(تلاميذ المسيح)، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم (١) وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد (تلاميذ يوحنا) وقصدوا بذلك النصارى (٢)، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم.\nكذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب (الاخوة) وب (الاخوة في الله) Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب (الأخ) للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين (٣)، ثم تخصصت كلمة (الأخ) برجل الدين (٤)، ودعوا أنفسهم (القديسين) Saints (٥) والمؤمنين (٦) والمختارين الأصفياء والمدعوّين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها.\nوقد كنى عن مجتمع النصارى ب (الكنيسة) Ecclesia وتعني (المجمع) في الإغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب (الفقراء) وب (الأصدقاء) (٧).\nوقد عرف النصارى ب Christians نسبةً إلى Christos اليونانية التي تعني (المسيح) Messiah، أيْ المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعُرفوا بها، تمييزًا لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (٨).\nأما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق (نصارى) و(نصراني) و(نصرانية) على النصارى تمييزًا لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح (عيسوي) و(مسيحي)، فلم يُعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى (٩)، وقد قصد في القرآن الكريم ب (أهل الإنجيل) (١٠) النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات (١١).\nوأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه، ورد أنّ الرسول ﷺ- قال لراهبيْن أتياه من نجران، فقال لهما رسول الله ﷺ: \"أسلما تسلما، فقالا: قد\n_________\n(١) Hastings، p. ١٩٢.\n(٢) إنجيل مرقس: الإصحاح الثاني، الآية ١٨.\n(٣) Hastings، p. ١٠٤.\n(٤) أعمال الرسل، الإصحاح الأول، الآية ١٥ وما بعدها، Ency. Reli. Ethic.، ٣، p. ٥٧٣.\n(٥) رسالة بولس الرسول، الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس، الإصحاح الأول، الآية الأولى ما بعدها.\n(٦) أعمال الرسل: الإصحاح الخامس، الآية ١٤، رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، الإصحاح الأول، الآية الأولى وما بعدها.\n(٧) Ency. Reli. Ethic.، ٣، p. ٥٧٤.\n(٨) أعمال الرسل: الإصحاح الحادي عشر: الآية ٢٦، الإصحاح ٢٦، الآية ٢٨، رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس: الإصحاح الرابع، الآية ١٦، Hastings، p. ١٢٧.\n(٩)Hughes، Dictionary of Islam، p. ٤٣١.\n(١٠) المائدة، الآية ٤٧.\n(١١) النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٣٦)، المعرب، للجوالقي (٢٣).","vol":"8","page":354},{"text":"أسلمنا قبلك، فقال النبي ﷺ: كذبتما منعكما من الإسلام ثلاث، سجودكما للصليب، وقولكما: إتخذ الله ولدًا، وشربكما الخمر، فقالا: فما تقول في عيسى؟، قال: فسكت النبي ﷺ ونزل القرآن ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إلى قوله: أبناءنا وأبناءكم قال: فدعاهما رسول الله ﷺ إلى الملاعنة قال: وجاء بالحسن والحسين وفاطمة أهله وولده، قال: فلما خرجا من عنده، قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، قال: فرجعا، فقالا: نقر بالجزية ولا نلاعنك، قال: فإقرأ بالجزية\" (١).\nوقد روي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: \"أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: \"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ\"، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ\"\" (٢).\nوورد في شعر ذي الرّمة (٣):\nولكنَّ أصل امرىء القيس معشرٌ ... يحل لهم أكل الخنازير والخمر\nيريد أنّهم نصارى في الأصل، فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر (٤).\nوفد أقسم النصارى بالصليب. هذا «عدي بن زيد» يحلف به في شعر ينسب اليه، فيقول (٥):\nسَعى الأَعداءُ لا يَألونَ شَرًّا ... عَلَيكَ وَرَبِّ مَكَّةَ وَالصَليبِ\nقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: \" مَنْ آمن من هؤلاء المذكورين إِيمانًا صحيحًا خالصًا لا يشوبه ارتيابٌ بالله وباليوم الآخر\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: قوله: \" ﴿من آمن بالله﴾، يعني: من وحد الله\" (٧).\nقال البغوي: المعنى: \" آمنوا بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان من آمن بالله، أي: ثبت على الإيمان\" (٨).\nقال الراغب: \" إن قيل: كيف قال: ﴿من آمن منهم بالله﴾ و﴿من﴾ يدل على ما تقدم، وتقديره: من آمن من المؤمنين ومن الذين هادوا، وذلك خلف من الكلام؟\nقيل في ذلك وجهان:\nأحدهما: أن معنى قوله: ﴿إن آلذينءامنوا﴾: أظهروا الإيمان وأمنوا من القتل والسبي وهم الموصوفون بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].\nوقوله: ﴿منءامن منهم﴾، أي: من يحقق الإيمان فبين أن المظهر للإيمان، والذين ما داموا فيهم ممن ذكرهم، لا يسقط عنهم الخوف والحزن في الدارين ما لم يتحققوا بتصديق الله، والإيمان بالمعاد، والتحري لمصالح الأعمال.\nوالثاني: أن قوله: ﴿منءامن بالله﴾ راجع إلى قوله: ﴿والذين هادوا والصابئون﴾، دون قوله: ﴿إن الذينءامنوا﴾ \" (٩).\n_________\n(١) أحمد بن حنبل - فضائل الصحابة - فضائل الحسن والحسين ١٣٣٢، وانظر: البلاذري (٧١).\n(٢) سنن الترمذي ت شاكر ٥/ ٢٧٨، وانظر: اللسان (١٣/ ٤٤٣)، (وثن)، السيوطي، الدرر المنثور (١٠/ ٧٥).\n(٣) النصرانية وآادابها بين عرب الجاهلية: ٥٧.\n(٤) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي: ٤٠١٠.\n(٥) الأغاني: ٢/ ٢٤، وانظر: شيخو، شعراء النصرانية (٤٥١).\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٢٩.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٦٤٦): ص ١/ ١٢٨.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ٨١.\n(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٠٤.","vol":"8","page":355},{"text":"وقال الزمخشري: \" فان قلت: كيف قال: ﴿الذين آمنوا﴾، ثم قال: ﴿من آمن﴾؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن. من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [المائدة: ٦٩]، \" أي: وعمل بطاعة الله في دار الدنيا\" (٢).\nقال البيضاوي: أي: \" عاملًا بمقتضى شرعه\" (٣).\nقال أبو حيان: \" هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد ﷺ\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: \" فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة\" (٥).\nقال الصابوني: \"أي: ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب\" (٦).\nقال الثعلبي: \" فيما قدّموا\" (٧).\nقال البيضاوي: \" حين يخاف الكفار من العقاب\" (٨).\nقال الطبري: أي: \"ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة\" (٩).\nوقرأ الجمهور: ﴿وَلا خَوْفٌ﴾، بالرفع والتنوين. وقرأ الحسن: ﴿ولا خوف﴾، من غير تنوين (١٠).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، أي: \" ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا\" (١١).\nقال الثعلبي: \" على ما خلّفوا\" (١٢).\nقال البيضاوي: حين \"يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب\" (١٣).\nقال الطبري: \" ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده\" (١٤).\nقال ابن عثيمين: \" لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٦]: هذا تحزُّن، وتحسُّر\" (١٥).\nقال الشيخ السعدي: \" يخبر تعالى عن أهل الكتب من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٦١.\n(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٥.\n(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.\n(٤) البحر المحيط: ١/ ٢٠٥.\n(٥) التفسير الميسر: ٣٢٩.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٥٥.\n(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٠.\n(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.\n(٩) تفسير الطبري: ٢/ ١٥٠.\n(١٠) أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٠٥.\n(١١) التفسير الميسر: ٣٢٩.\n(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٠.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٥.\n(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٥٠.\n(١٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٣.","vol":"8","page":356},{"text":"الصالح، فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد الآية: أن العبرة بالإيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي لا بالإنتساب إلى دين من الأديان.\n٢ - ومنها: أن الله ﷾ لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان.\n٣ - ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر، وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى.\n٤ - ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر. وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجرًا.\n\nالقرآن\n﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة: ٧٠]\nالتفسير:\nلقد أخذنا العهد المؤكَّد على بني إسرائيل في التوراة بالسمع والطاعة، وأرسلنا إليهم بذلك رسلنا، فَنَقَضوا ما أُخذ عليهم من العهد، واتبعوا أهواءهم، وكانوا كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تشتهيه أنفسهم عادَوْه: فكذبوا فريقًا من الرسل، وقتلوا فريقًا آخر.\nقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: \" لقد أخذنا العهد المؤكَّد على بني إسرائيل في التوراة بالسمع والطاعة\" (٢).\nقال أبو العالية: \" أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره\" (٣).\nقال مقاتل: \" في التوراة على أن يعملوا بما فيها\" (٤).\nقال الزمخشري: \" لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد\" (٥).\nقال القرطبي: \" الميثاق: هو ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به\" (٦).\nقال الطبري: المعنى: \" أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: \" وأرسلنا إليهم بذلك رسلنا\" (٨).\nقال الزمخشري: \" ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم\" (١٠).\nقال السعدي: \" يتوالون عليهم بالدعوة، ويتعاهدونهم بالإرشاد، ولكن ذلك لم ينجع فيهم، ولم يفد\" (١١).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٢) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٣٤): ص ٤/ ١١٧٧.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٦٢.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٧.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٧.\n(٨) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٦٢.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٣٩.","vol":"8","page":357},{"text":"قال القرطبي: \"المعنى: لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم، وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود، وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] \" (١).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: \" كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما يخالف أهواءهم وشهواتهم\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم\" (٣).\nقال الزمخشري: أي\" بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع\" (٤).\nوقال السدي: \" لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة وخاصموه\" (٥).\nقال ابن عباس: \" ما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أخذه الله إليه ثم ذكر كفرهم بذلك كله، ثم قال: ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]، أي: \" فكذبوا فريقًا من الرسل، وقتلوا فريقًا آخر\" (٧).\nقال مقاتل: \" يعني: اليهود كذبوا بطائفة من الرسل وقتلوا طائفة من الرسل يعني زكريا ويحيى في بني إسرائيل\" (٨).\nقال المحاسبي: أي: \" وفريقا يقتلُون فريقا كلا الْكَلِمَتَيْنِ مُقَدّمَة مؤخرة\" (٩).\nقال الشوكاني: أي: \" فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقا آخر منهم قتلوهم\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا\" (١١).\nقال الزجاج: \" المعنى كلما جاءهم رسول كذبوا فريقا وقتلوا فريقا، أما التكذيب فاليهود والنصارى مشتركة فيه، وأما القتل فكانت إليهود خاصة – دون النصارى - يقتلون الأنبياء، وكانت الرسل على ضربين، رسل تأتي بالشرائع والكتب نحو موسى وعيسى وإبراهيم ومحمد - صلى الله عليهم وسلم -، فهؤلاء معصومون من الخلق، لم يوصل إلى قتل واحد منهم، ورسل تأتي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحث على التمسك بالدين نحو يحيى وزكريا - صلى الله عليهما وسلم\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي: كذبوا فريقا وقتلوا فريقا، فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء. وإنما قال: ﴿يقتلون﴾ لمراعاة رأس الآية. وقيل: أراد فريقا كذبوا، وفريقا قتلوا، وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون، فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر. وقيل: فريقا كذبوا لم يقتلوهم، وفريقا قتلوهم فكذبوا. و﴿يقتلون﴾، نعت لفريق\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٧.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٢٩.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٧.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٦٢.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٣٥): ص ٤/ ١١٧٧.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٣٦): ص ٤/ ١١٧٧.\n(٧) التفسير الميسر: ١١٩.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٤.\n(٩) فهم القرآن: ٤٨٥.\n(١٠) فتح القدير: ٢/ ٧٢.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٧.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٩٤ - ١٩٥.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٧.","vol":"8","page":358},{"text":"قال الزمخشري: \" فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيا «٢» وبالآخر مضارعا؟ قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها\" (١).\nقال البيضاوي: \" وإنما جيء بـ ﴿يقتلون﴾، موضع «قتلوا»، على حكاية الحال الماضية استحضارا لها واستفظاعا للقتل، وتنبيها على أن ذلك من ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤوس الآي\" (٢).\nالفوائد:\n١ - بيان تاريخ بني إسرائيل، والكشف عن مختبئات جرائمهم من الكفر والقتل.\n٢ - أن عقيدة اليهود: الكفر برسل الله، والوقاحة الدائمة مع رسل الله، واتهام رسل الله، وتقتيل رسل الله، إنهم كما قال الله: ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ [المائدة: ٧٠].\nتأمل فريقا كذبوا وفريقا يقتلون كما قال الله عنهم: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧].\nويلاحظ هنا استعمال أداة العموم، والتكرار كلما تعبيرا عن اطراد اليهود على التكذيب، أو القتل للرسل إذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم الضالة فكم من رسل قتلوهم، وكم من رسل كذبوهم، وكم من رسل شنعوا عليهم واتهموهم، وهذا سيدنا عيسى -﵇- نال منهم حظا وافرا حين اتهموه -﵇- بأنه ابن زنا -والعياذ بالله- اتهموه مع أمه اتهموا مريم الطاهرة البتول بأنها زانية، وأن عيسى -﵇- هو ابن زنا، فنعى الله -﷿- عليهم هذا في قوله سبحانه: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا﴾ [النساء: ١٥٦، ١٥٧].\nسبحان الله ما هذا الافتراء على الله، وما هذا الكذب على رسل الله، بل قتل الأنبياء ما هذه الاتهامات؟ ما هذه الخسائس، وتلك الشناعات؟\nوأما موقف اليهود من نبينا محمد -ﷺ، فأي أمة في التاريخ بلغت في النكالة، والإفك مبلغ هؤلاء اليهود حين فعلوا هذا مع أنبياء الله ورسله؟ وحين تعنتوا معهم، وتعنتوا مع سيدنا محمد -ﷺ- تعنتوا معه في الأسئلة فكما قال الله: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ [النساء: ١٥٣] فكذبوا رسول الله، وأرادوا قتله عشرات المرات، ولكن الله -﷿- عصمه منهم.\nوأخبر تعالى بقوله: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ [التوبة: ٧٤] وقال في حق نبيه -﵊-: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] وأصروا على موقفهم بل على كفرهم، وأبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد -﵌- فقال الله عنهم: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ بالبقرة: ١٢٠].\nاستبان الحق لهم واضحا، فأبوا أن يتبعوه مع وضوحه وضوح الشمس حتى قال الله -﷿- لنبيه -﵊-: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥]، ولم يكتفوا بهذا، بل راحوا يجاهدون أو يقاتلون باطلا لردة الناس عن دينهم ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ [البقرة: ٢١٧].\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٦٢ - ٦٦٣.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.","vol":"8","page":359},{"text":"إنهم اتخذوا كل الوسائل في تكذيب النبي محمد -ﷺ- كما كذبوا رسلا من قبله، وحاولوا قتله، كما قتلوا رسلا من قبله حتى وصموا بهذه الصفة، ولازمتهم تلك الذلة والمسكنة حين قال الله: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [آل عمران: ١١٢].\nوحين طالبهم النبي -﵊- بالإيمان به ردوا قائلين كما قال القرآن: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: ١٨٣] ومن ثم أبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد -ﷺ- وهو النبي الخاتم المذكور في توراتهم، والمصرح به كما سنذكر ذلك بعد قليل إن شاء الله -﵎.\nإذا فهم مع الإيمان بالرسل على نحو ما ذكرنا، ولهم دور كبير مع النبي محمد ﵊ في المجادلة واللجاج، والتعنت في الأسئلة وفي المواقف، وفي كل شيء؛ ولذلك حكى القرآن الكريم هذا عنهم فيما ذكروه من أسئلة ومجادلات مع رسول الله -ﷺ- وفيما وقع منهم من فساد؛ فجدالهم لم ينقطع، واستهزاؤهم بالدين لم ينته، أذكر من هذا على سبيل المثال لا الحصر؛ المجادلات، والمخاصمات الكلامية التي أرادوا من ورائها الطعن في الإسلام، ونبي الإسلام -﵊- فجادلوا في نبوة النبي محمد -﵊- بقصد الطعن فيها، وصرحوا بأن محمدا -ﷺ- ليس هو النبي المنتظر التي بشرت به الكتب السماوية بعد أن عرفوا صدقه، كما يعرفون أبناءهم.\nولم يكتف اليهود بكل هذا؛ فبعد فشلهم في هذه المجادلات، وتلك المحاولات راحوا ينقضون المعاهدات، ويدبرون المؤامرات، ويقاتلون رسول الله -ﷺ- كما حدث هذا في بني قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولهم أحابيل شيطانية، حاولوا بها تفريق الكلمة، وتمزيق الأمة، وإشاعة البغضاء بين الأوس والخزرج مرة، وبين المهاجرين والأنصار أخرى، عاهدهم النبي -﵊- معاهدة عدل وبر، وقسط ورحمة، ومع ذلك نقضوا عهود، فهم اليهود قتلة الأنبياء، نقضة العهود، وكما قال القائل: لو تركت الحمر نهيقها، والكلاب نباحها، والحيات لدغها ما ترك اليهود نقضهم للعهود؛ فقد كانت مواقفهم مع أنبياء الله ورسله بصفة عامة، كما حكاه القرآن ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ [المائدة: ٧٠].\nومع رسول الله محمد -ﷺ- بصفة خاصة على نحو ما أسلفنا من المجادلات والمحاولات، ونقض المعاهدات، وتدبير المؤامرات، واستمر ذلك بعد النبي -﵊- وإلى هذا العصر الحديث.\n\nالقرآن\n﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ [المائدة: ٧١]\nالتفسير:\nوظنَّ هؤلاء العُصاة أن الله لن يأخذهم بالعذاب جزاء عصيانهم وعُتُوِّهم، فمضوا في شهواتهم، وعمُوا عن الهدى فلم يبصروه، وصَمُّوا عن سماع الحقِّ فلم ينتفعوا به، فأنزل الله بهم بأسه، فتابوا فتاب الله عليهم، ثم عَمِي كثيرٌ منهم، وصمُّوا، بعدما تبين لهم الحقُّ، والله بصير بأعمالهم خيرها وشرها وسيجازيهم عليها.\nقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: \" وظنَّ هؤلاء العُصاة أن الله لن يأخذهم بالعذاب جزاء عصيانهم وعُتُوِّهم\" (١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٠.","vol":"8","page":360},{"text":"قال قتادة: \" يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاءٌ ﴿فعموا وصموا﴾، كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه\" (١).\nقال السدي: \" يقول: حسبوا أن لا يبتلوا\" (٢).\nقال الحسن: \" ﴿فتنة﴾: بلاء\" (٣).\nوقال ابن عباس: \" ﴿فتنة﴾: الشرك\" (٤).\nقال عبد الله بن كثير: \"هذه الآية لبني إسرائيل، و﴿الفتنة﴾، البلاء والتَّمحيص\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: أنه أخذ ميثاقهم: وأنه أرسل إليهم رسلا وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقًا وقتلوا فريقًا، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون\" (٧).\nقال القرطبي: \" المعنى، ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله ﷿ ابتلاء واختبار بالشدائد، اغترارا بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما اغتروا بطول الإمهال\" (٨).\nقال البيضاوي: \" أي: وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم\" (٩).\nقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: \"وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ\" بالرفع، وأضاف ابن الجزري: خلفًا ويعقوب، وقرأ الباقون: ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بالنصب، ولم يختلفوا فى رفع ﴿فتنة﴾ (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١]، أي: \" فمضوا في شهواتهم، وعمُوا عن الهدى فلم يبصروه، وصَمُّوا عن سماع الحقِّ فلم ينتفعوا به\" (١١).\nقال السدي: \" فعموا عن الحق وصمُّوا\" (١٢).\nقال الزجاج: \" هذا مثل، تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا بما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمى الصم\" (١٣).\nقال القرطبي: \" ﴿فعموا﴾، أي: عن الهدى. ﴿وصموا﴾، أي: عن سماع الحق، لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه\" (١٤).\nقال البيضاوي: \" أي: فعموا عن الدين أو الدلائل والهدى. وصموا عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل\" (١٥).\nقال ابن كثير: \" فترتب [لهم الشر]، وهو أنهم عموا عن الحق وصَمُّوا، فلا يسمعون حقًا ولا يهتدون إليه \" (١٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٢٨٨): ص ١٠/ ٤٧٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٢٨٩): ص ١٠/ ٤٧٩.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٢٩٠): ص ١٠/ ٤٧٩.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٢٩١): ص ١٠/ ٤٧٩.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٢٩٣): ص ١٠/ ٤٨٠.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٧.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٨.\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٧.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٧.\n(١١) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٢٢٨٩): ص ١٠/ ٤٧٩.\n(١٣) معاني القرآن: ٢/ ١٩٥.\n(١٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٨.\n(١٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٧.","vol":"8","page":361},{"text":"قال الطبري: أي: \" فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي، بحسبانهم ذلك وظنهم، ﴿وصموا﴾ عنه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: \" فأنزل الله بهم بأسه، فتابوا فتاب الله عليهم\" (٢).\nقال البيضاوي: \" أي: ثم تابوا فتاب الله عليهم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: مما كانوا فيه \" (٤).\nقال القرطبي: \"في الكلام إضمار، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمد ﷺ يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا، فهذا بيان ﴿تاب الله عليهم﴾، أي: يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: \" ثم عَمِي كثيرٌ منهم، وصمُّوا، بعدما تبين لهم الحقُّ\" (٦).\nقال القرطبي: \" أي: عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵊\" (٧).\nقال البيضاوي: \" أي: ثم عموا وصموا كرة أخرى\" (٨).\nوقرئ: «عموا وصموا» بالضم فيهما، على أن الله تعالى عماهم وصمهم، أي: رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم (٩).\nوقوله: ﴿كثير منهم﴾، بدل من الضمير، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم: «أكلوني البراغيث» (١٠)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: العمى والصم كثير منهم، وقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف، لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١]، أي: \" والله بصير بأعمالهم خيرها وشرها وسيجازيهم عليها\" (١٢).\nقال البيضاوي: \" فيجازيهم على وفق أعمالهم\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية \" (١٤).\nالفوائد:\n١ - إكرام الله تعالى لبني إسرائيل ولطفه بهم مع تمردهم عليه ورفض ميثاقه وقتل أنبيائه وتكذيبهم، والمكر بهم.\n٢ - ومن اسماءه ﷾: «البصير»: وهو المبصر، «فعيل»، بمعنى: «مفعل»، كقولهم، أليم: بمعنى: مؤلم، وكقول عمرو بن معد يكرب (١٥):\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٧.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٨.\n(٦) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٨.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(٩) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(١٠).\n(١١) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(١٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٧.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٧.\n(١٥) وهو مطلع الأصمعية رقم (٦١)، وأبياتها (٣٧) بيتا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وفي الكامل ١/ ١٧٢، وأمالي ابن الشجري ١/ ٦٤ و٢/ ١٠٦، وتفسير الطبري ١/ ١٢٣، وتهذيب الأزهري ٢/ ١٢٤، والشريشي ٢/ ٢٥٨، وسرح العيون ٢٧١، وأورده ابن فارس في الصاحبي ص ٢٠١، شاهدا على السميع بمعنى: مسمع، وضعهم فعيل بمعنى مفعل، وروح المعاني ١/ ١٥٠، والشطرة في غريب القرآن ص ١٧ وانظر تفسير أسماء الله الحسنى ص ٤٣.","vol":"8","page":362},{"text":"أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع\nيريد: المسمع. ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور (١).\nو﴿الْبَصِيرُ﴾، يعني: المدرك لجميع المبصرات، ويطلق البصير بمعنى العليم، فالله ﷾ بصير، يرى كل شيء وإن خفي، وهو سبحانه بصير بمعنى: عليم بأفعال عباده، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨]، والذي نعمل بعضه مرئي وبعضه غير مرئي، فبصر الله إذًا ينقسم إلى قسمين، وكله داخل في قوله: ﴿الْبَصِيرُ﴾ (٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" فأهل السنة والجماعة يؤمنون بانتفاء المماثلة عن الله، لأنها عيب ويثبتون له السمع والبصر، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوإيمان الإنسان بذلك يثمر للعبد أن يعظمه غاية التعظيم، لأنه ليس مثله أحد من المخلوقات، فتعظم هذا الرب العظيم الذي لا يماثله أحد، وإلا، لم يكن هناك فائدة من إيمانك بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ \" (٣).\n\nالقرآن\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]\nالتفسير:\nيقسم الله تعالى بأن الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، قد كفروا بمقالتهم هذه، وأخبر تعالى أن المسيح قال لبني إسرائيل: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء. إنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة، وجعل النار مُستَقَرَّه، وليس له ناصرٌ يُنقذُه منها.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: \" أي أقسم إن هؤلاء الذين ادعوا أن الله هو المسيح بن مريم- قد كفروا\" (٥).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: \" والحال أن المسيح قال لهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فأنا وأنتم في العبودية سواء\" (٧).\nقال الشوكاني: \" أي: والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ \" (٨).\n_________\n(١) انظر: شأن الدعاء للخطابي: ٦٠ - ٦١.\n(٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين: ١/ ٢٠٨.\n(٣) شرح العقيدة الواسطية: ١/ ١١٥.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٦/ ١٦٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٧.\n(٧) تفسير المراغي: ٦/ ١٦٥، والتفسير الميسر: ١٢٠.\n(٨) فتح القدير: ٢/ ٧٣.","vol":"8","page":363},{"text":"قال السمرقندي: \" يعني: وحدوا الله وأطيعوه، ربي وربكم يعني: خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم\" (١).\nقال السعدي: \" فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق\" (٢).\nقال أبو حيان: \" رد الله تعالى مقالتهم بقول من يدعون إلهيته وهو عيسى، أنه لا فرق بينه وبينهم في أنهم كلهم مربوبون، وأمرهم بإخلاص العبادة، ونبه على الوصف الموجب للعبادة وهو الربوبية. وفي ذلك رد عليهم في فساد دعواهم، وهو أن الذي يعظمونه ويرفعون قدره عما ليس له يرد عليهم مقالتهم\" (٣).\nقال ابن كثير: \" تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله. بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦]، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له\" (٤).\nقال الزمخشري: \" لم يفرق عيسى ﵊ بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى\" (٥).\nعن ابن عباس قوله: \" ﴿اعبدوا﴾، أي: وحدوا ربكم\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: \" وإنه من يعبد مع الله غيره فقد حرَّم الله عليه الجنة\" (٧).\nقال السعدي: \" فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق\" (٨).\nقال السمرقندي: \" يعني: ويموت على شركه، فقد حرم الله عليه الجنة أن يدخلها\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" إنه من يشرك بالله في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله فقد حرم الله عليه الجنة التي هي دار الموحدين أى حرمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرم من المحرم عليه\" (١٠).\nقال الشوكاني: \" وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة وقيل: هو من قول عيسى\" (١١).\nقال أبو حيان: \" الظاهر أنه كلام المسيح، فهو داخل تحت القول. وفيه أعظم ردع منه عن عبادته، إذ أخبر أنه من عبد غير الله منعه الله دار من أفرده بالعبادة .. . وقيل: هو من كلام الله تعالى مستأنف، أخبر بذلك على سبيل الوعيد والتهديد\" (١٢).\nوفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: \"إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة\"، وفي لفظ: \"مؤمنة\" (١٣).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٠٨.\n(٢) تفسير السعدي: ١٣٩.\n(٣) البحر المحيط: ٤/ ٣٢٩.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٧.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٦٣.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٢): ص ٤/ ١١٧٨.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٨) تفسير السعدي: ١٣٩.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٤٠٨.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٦٣.\n(١١) فتح القدير: ٢/ ٧٣.\n(١٢) البحر المحيط: ٤/ ٣٢٩.\n(١٣) صحيح مسلم برقم (١١١).","vol":"8","page":364},{"text":"وعن عائشة﵂قال -ﷺ-: \"الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يدعه الله لشيء. فأما الديوان الذي لا يغفر ف إن الله لا يغفر أن يشرك به وقال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: \" وجعل النار مُستَقَرَّه\" (٢).\nقال أبو حيان: \" وجعل مأواه النار\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: مصيره إلى النار\" (٤).\nقال السعدي: \" وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، أي: \" وما للظالمين لأنفسهم بشركهم بالله من نصير ينصرهم \" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه\" (٧).\nقال الشوكاني: \" ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار\" (٨).\nقال السعدي: \" ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم\" (٩).\nقال السمرقندي: \" يعني: ليس للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \" من كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى ﵇، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم رده وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى ﵇، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله\" (١١).\nقال أبو حيان: \" ظاهره أنه من كلام عيسى، أخبرهم أنه من تجاوز ووضع الشيء غير موضعه فلا ناصر له، ولا مساعد فيما افترى وتقول، وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقهم من دعوى أنه إله، وأنه ظلم إذ جعلوا ما هو مستحيل في العقل واجبا وقوعه، أو فلا ناصر له ولا منجي من عذاب الله في الآخرة. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى وتقولهم عليه، فلا ناصر لهم على ذلك\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - تقرير كفر النصارى بقولهم المسيح هو الله.\n٢ - تقرير عبودية عيسى ﵇ لربه تعالى.\n٣ - بيان الشرك الوخيم الذي حذر الله منه عباده وأنكرته الرسل على أممهم وحكم الله على أهله بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار.\n_________\n(١) المسند (٦/ ٢٤٠).\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٣) البحر المحيط: ٤/ ٣٢٩.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤٠٨.\n(٥) تفسير السعدي: ١٣٩.\n(٦) تفسير المراغي: ٦/ ١٦٦\n(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ١٥٨.\n(٨) فتح القدير: ٢/ ٧٣.\n(٩) تفسير السعدي: ١٣٩.\n(١٠) بحر العلوم: ١/ ٤٠٨.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٦٣.\n(١٢) البحر المحيط: ٤/ ٣٢٩.","vol":"8","page":365},{"text":"٤ - أن أعظم ما يتقى: الشرك؛ لأنه الذنب الذي لا يغفر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وحرم الله على من أشرك به في عبادته الجنة كما قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَليْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: من الآية ٧٢].\nوفي الحديث عن أنس عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: \"أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له\" (١).\nوفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: \"من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار\" (٢).\nفي البخاري عن ابن مسعود عن النبي ﷺ: \"من مات وهو يدعوا لله ندا دخل النار\" (٣).\nأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: \"يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة \" (٤).\n٥ - أن الجنة محرمة على الكفار، لقوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾.\nوقوله: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠]، وكقوله ﷺ َ الذي أمر الذي أمر بالمناداة به يوم حنين: \"إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة\" (٥).\nويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، فإننا نعلم بالضرورة أن من دخل الجنة فقد غفر الله له وعلى العكس، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل «لا إله إلا الله» \". ثم قال: \"ولكن لا يعذب الله أحدا حتى يبعث إليه رسولا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه (٦).\n\nالقرآن\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٣]\nالتفسير:\nلقد كفر من النصارى من قال: إنَّ الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس. أما عَلِمَ هؤلاء النصارى أنه ليس للناس سوى معبود واحد، لم يلد ولم يولد، وإن لم ينته أصحاب هذه المقالة عن افترائهم وكذبهم ليُصِيبَنَّهم عذاب مؤلم موجع بسبب كفرهم بالله.\nقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: \" لقد كفر من النصارى من قال: إنَّ الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس\" (٧).\nقال مجاهد: \" النصارى، يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وكذبوا\" (٨).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٣٢٨) وقال: هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.\n(٢) برقم (٩٣).\n(٣) برقم (٤٤٩٧).\n(٤) الدر المنثور: ١/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٥) أخرجه البخاري ومسلم (٠١/ ٧٤) عن أبي هريرة وله مثله عن عمر بلفظ: \" ... إلا المؤمنون\"، وله شواهد فانظر: إرواء الغليل: ٩٦٣.\n(٦) المجموع: ١٤/ ٤٧٦ – ٤٧٧.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٤): ص ٤/ ١١٧٨.","vol":"8","page":366},{"text":"وعن مجاهد أيضا: \" تفرقت بنوا إسرائيل ثلاث فرق في عيسى فقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة هو ابن الله وقالت فرقة: هو عبد الله، ورسوله وروحه، وهي المقتصدة، ومن مسلمة أهل الكتاب\" (١).\nقال السدي: \" قالت النصارى: هو والمسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة: ١١٦] \" (٢).\nوقال أبو الصخر: \" هو قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا لله ﵎ ثالث ثلاثة\" (٣).\nقال مقاتل: \" يعنى: الملكانيين (٤)، قالوا: الله والمسيح ومريم\" (٥).\nقال الأخفش: \" وذلك انهم جعلوا معه: عيسى ومريم\" (٦).\nقال الواحدي: \" أَيْ: ثالث ثلاثةٍ من الآلهة والمعنى: أنَّهم قالوا: اللَّهُ واحدُ ثلاثةِ آلهة: هو والمسيح ومريم فزعموا أنَّ الإِلهيَّة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة فكفروا بذلك\" (٧).\nقال الطبري: \" وهذا أيضًا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل: أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم أنهم لا يُتبلون ولا يفتنون، قالوا كفرًا بربهم وشركًا: ﴿الله ثالث ثلاثة﴾، وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعة بينهما\" (٨).\nقال الراغب: \" أخبر عن النسطورية (٩) والملكية، فهم الذين يقولون أب وابن وروح القدس فيجعلون الله أحد الأقانيم الثلاثة، ومن أن الله هو واحد وهو سبب الموجودات\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٥): ص ٤/ ١١٧٩.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٢٩٤): ص ١٠/ ٤٨٣.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٧): ص ٤/ ١١٧٩.\n(٤) الملكانية:: أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية. قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فقال بعضهم إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن.\nوصرحت الملكانية بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث وأخبر عنهم القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقالت الملكانية: إن المسيح ناسوت كلي، لا جزئي، وهو قديم أزلي، من قديم أزلي، وقد ولدت مريم ﵍ إلها أزليا، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا. وأطلقوا لفظ الأبوة والبنوة على الله ﷿ وعلى المسيح ... \". [انظر: الملل والنحل: ٢/ ٢٧].\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥.\n(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٨٦.\n(٧) الوجيز: ٣٣٠.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(٩) النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة. قال: إن الله تعالى واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو. واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇، لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة. وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.\nوأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم: أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله. قال هو واحد بالجوهر، أي ليس هو مركبا من جنسين بل هو بسيط وواحد. ويعنى بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي أصلين مبدأين للعالم. ثم فسر العلم بالنطق، والكلمة. ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا، حيا، ناطقا كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان لكونه جوهرا مركبا، وهو جوهر بسيط غير مركب.\nوبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما. ولم يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.\nومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة: حي، ناطق، إله. وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم.\nوزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الآب، وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد. [انظر: الملل والنحل: ٢/ ٢٩].\n(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٠٩.","vol":"8","page":367},{"text":"قال البغوي: \" يعني: المرقوسية (١)، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله ﷿ للمسيح: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧]، وقال النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢) \" (٣).\nقال أبن عطية: \" هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليث وهي فيما يقال الملكية وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عددا ومن حيث جعلوا لعيسى ﵇ حكما إلهيا\" (٤).\nقال السعدي: \" وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.\nوهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، والعقيدة القبيحة؟ ! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين؟ ! كيف خفي عليهم رب العالمين؟ ! \" (٥).\nعن أحمد بن أبي الحواري، قال أبو سليمان الداراني: \"يا أحمد والله ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو ولو شاء لأخذ من ألسنتهم\" (٦).\nقال الرازي: \" في تفسير قول النصارى ثالث ثلاثة طريقان:\nالأول: قول بعض المفسرين، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [المائدة: ١١٦] فقوله ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم وما من إله إلا إله واحد وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم، قال الواحدي ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم، لقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: ٧].\nوالطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد.\nواعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد، لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى\" (٧).\n_________\n(١) ويقال لهم الملكانية. انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٦٠.\n(٢) أخرجه البخاري في التفسير، سورة التوبة، باب \"ثاني اثنين إذ هما في الغار ... \" ٨/ ٣٢٥.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ٨٢.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٢.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٨): ص ٤/ ١١٧٩.\n(٧) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩.","vol":"8","page":368},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: \" أما عَلِمَ هؤلاء النصارى أنه ليس للناس سوى معبود واحد، لم يلد ولم يولد\" (١).\nقال مقاتل: \" يقول الله﷿- تكذيبا لقولهم ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ \" (٢).\nقال الطبري: \" يقول: ما لكم معبود، أيها الناس، إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كل والد ومولو\" (٣).\nقال الزمخشري: المعنى: \" وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثانى له، وهو الله وحده لا شريك له\" (٤).\nقال ابو السعود: \" أي: والحال أنه ليس في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة\" (٥).\nقال الشوكاني: \" أي: ليس في الوجود إلا الله سبحانه، وهذه الجملة حالية، والمعنى: قالوا تلك المقالة، والحال أنه لا موجود إلا الله، ومن في قوله: من إله لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي\" (٦).\nقال السعدي: \" قال تعالى -رادا عليهم وعلى أشباههم -: ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، منفرد بالخلق والتدبير، ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله غيره؟ \" تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: \" وإن لم ينته أصحاب هذه المقالة عن افترائهم وكذبهم\" (٨).\nقال مقاتل: \"من الشرك\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي يكفوا عن القول بالتثليث\" (١٠).\nقال الطبري: \" يقول: إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، أي: \" ليُصِيبَنَّهم عذاب مؤلم موجع بسبب كفرهم بالله\" (١٢).\nقال أبو العالية: \" ﴿عذاب أليم﴾: موجع\" (١٣).\nقال مقاتل: \" يعني: وجيع، والقتل بالسيف والجزية على من بقي منهم عقوبة\" (١٤).\nقال القرطبي: \" ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة\" (١٥).\nقال الراغب: \" هددهم إن لم ينتهوا يعذبون\" (١٦).\nقال الزجاج: \" معنى ﴿الذين كفروا منهم﴾: الذين أقاموا على هذا الدين وهذا القول\" (١٧).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٢.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٦٤.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٣/ ٦٦.\n(٦) فتح القدير: ٢/ ٧٣.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٨) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٩) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٠.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٢.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٦٤٩): ص ٤/ ١١٧٩.\n(١٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٠.\n(١٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٠٩.\n(١٧) معاني القرآن: ٢/ ١٩٦.","vol":"8","page":369},{"text":"قال الطبري: \" يقول: ليمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى: \"هو المسيح ابن مريم\"، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم، ولم يقل: ليمسنَّهم عذابٌ أليم، لأن ذلك لو قيل كذلك، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصًّا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: ﴿الله ثالث ثلاثة﴾، ولم يدخل فيهم القائلون: المسيح هو الله، فعمّ بالوعيد تعالى ذكره كلَّ كافر، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أنّ وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل، ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه\" (١).\nقال الزمخشري: \" المعنى: ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة عذاب أليم أى نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطنى عشرين من الثياب، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون. ويجوز أن تكون للتبعيض، على معنى: ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم، لأن كثيرا منهم تابوا من النصرانية\" (٢).\nقال البيضاوي: \" أي: ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر، أو ليمسن الذين كفروا من النصارى، وضعه موضع ليمسنهم تكريرا للشهادة على كفرهم وتنبيها على أن العذاب على من دام على الكفر ولم ينقلع عنه\" (٣).\nقال أبو السعود: \" أي: وبالله إن لم ينتهوا لميسنهم وإنما وضع موضع ضميرهم الموصول لتكرير الشهادة عليهم بالكفر فمن في قوله تعالى ﴿منهم﴾ بيانية أو ليمسن الذين بقوا منهم على ما كانوا عليه من الكفر فمن تبعيضية وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيها على أن الاستمرار عليه بعد ورود ما ينحى عليه بالقلع من نص عيسى ﵇ وغيره وكفر جديد وغلو زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر، ﴿عذاب أليم﴾ أي: نوع شديد الألم من العذاب \" (٤).\nقال ابن عطية: \" ثم توعد ﵎ هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب الدنيا من القتل والسبي وبعذاب الآخرة بعد لا يفلت منه أحد منهم\" (٥).\nالفوائد:\n١ - إبطال التثليث في عقيدة النصارى وتقرير التوحيد.\n٢ - إبراء عيسى ووالدته ﵉ من دعوى الألوهية للناس.\n٣ - بيان أن عيسى ﵇ ليس بابن الله ولا هو الله، ولا ثالث ثلاثة، بل هو عبد الله ورسوله أمه مريم، وجدته حنة، وجده عمران، من بيت شرف وصلاح في بني إسرائيل.\n٤ - التحذير من الغلو، وهو تجاوز الحد وإعطاء الشيء أكثر من حقه أو الزيادة في ذمه، وحكمه لا يجوز وقد يصل إلى حد الشرك وإلى حد البدعة وإلى حد الكفر قال الله - تعالى ـ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال - تعالى ـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وأهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى فاليهود غلوا وزادوا في ذم عيسى حتى وصل بهم الأمر أن جعلوه ولد بغي، والنصارى غلوا فيه مدحًا فأوصلوه إلى منزلة الألوهية وجعلوه معبودًا لهم هو وأمه وجعلوا الله ثالث ثلاثة تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. قال - تعالى ـ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٢.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٦٤.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٨.\n(٤) تفسير أبي السعود: ٣/ ٦٧.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٢.","vol":"8","page":370},{"text":"وقد أدى الغلو في الصالحين ومجاوزة الحد بهم درجتهم إلى أن عبدوا من دون الله وصار ذلك سببًا لهلاك العابدين والغالين، والغلو سبب أول شرك حصل في بني آدم كما حصل من قوم نوح فهم أول من أحدث الشرك ونوح ﵇ أول رسول أرسل بالدعوة إلى توحيد الله والإنذار والتحذير عن الشرك.\nقال - تعالى ـ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ١ - ٣]، فاستمر قومه في كفرهم وعنادهم وتمسكهم بعباداتهم الشركية وتواصوا فيما بينهم بالبقاء على معبوداتهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣].\nقال ابن عباس: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت \" (١).\n\nالقرآن\n﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]\nالتفسير:\nأفلا يرجع هؤلاء النصارى إلى الله تعالى، ويتوبون عمَّا قالوا، ويسألون الله تعالى المغفرة؟ والله تعالى متجاوز عن ذنوب التائبين، رحيمٌ بهم.\nقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: ٧٤]، أي: \" أفلا يرجع هؤلاء النصارى إلى الله تعالى، ويتوبون عمَّا قالوا، ويسألون الله تعالى المغفرة؟ \" (٢).\nقال مكي: \" المعنى: أفلا يرجعون عن قولهم ويستغفرون منه\" (٣).\nقال الماتريدي: أي: \" عن مقالتهم الشرك\" (٤).\nقال الطبري: \" أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران، القائل أحدهما: إن الله هو المسيح ابن مريم، والآخر القائل: إن الله ثالث ثلاثة، عما قالا من ذلك، ويتوبان مما قالا ونطقا به من كفرهما، ويسألان ربهما المغفرة مما قالا\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر. وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه. وفيه تعجب من إصرارهم\" (٦).\nقال البيضاوي: \" أي: أفلا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد\" (٧).\nقال ابن كثير: \" وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه\" (٨).\nقال القرطبي: \" تقرير وتوبيخ، أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم، والمراد الكفرة منهم\" (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٢٠).\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٣) الهداية إى بلوغ النهاية: ٣/ ١٨١٤.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٦٦.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٣ - ٤٨٤.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٦٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٨.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٠.","vol":"8","page":371},{"text":"قال السمرقندي: \" لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر فكأنه قال: توبوا إلى الله، وكذلك كل ما يشبه هذا في القرآن، مثل قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، يعني: اصبروا\" (١).\nقال السمعاني: \" أرشدهم إلى التوبة والإسلام\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]، أي: \" والله تعالى متجاوز عن ذنوب التائبين، رحيمٌ بهم\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ﴿والله غفور﴾، لذنوب التائبين من خلقه، المنيبين إلى طاعته بعد معصيتهم، ﴿رحيم﴾ بهم، في قبوله توبتَهم ومراجعتهم إلى ما يحبّ مما يكره، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلَف من أجرامهم قبل ذلك\" (٤).\nقال الماتريدي: أي: \" فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] \" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم\" (٦).\nقال البيضاوي: \" يغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا\" (٧).\nقال ابن عطية: \" وصف نفسه بالغفران والرحمة استجلابا للتائبين وتأنيسا لهم ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم\" (٨).\nالفوائد:\n١ - فتح باب التوبة في وجه النصارى لو أنهم يتوبون.\n٢ - أن الله واسع الرحمة عظيم المغفرة يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم ما فرط من الزلات إذا هم آمنوا وأحسنوا واتقوا وعملوا الصالحات.\n٣ - أن الرجوع إلى الحق شرف وفضيلة، بل واجب وفريضة، أما التمادي في الباطل فهو ذل وهوان واستكبار عن الحق وسير في ركاب الشيطان، والله -سبحانه- يتوب على التائبين، ويغفر زلات المذنبين، إذا صدقوا في التوبة إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ الآية .. وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال النبي - ﷺ - فيما صح عنه: \"الإسلام يهدم ما كان قبله\" (٩).\n٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و«الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\nفـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (١٠).\nوالفرق بين صيغتي: «الغفار»، و«الغفور»: أن \" «الغفار» (١١)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها\" (١٢).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٠٩.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٥.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٤.\n(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٦٦.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٦٤.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٨.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٢.\n(٩) من حديث مطول أخرجه مسلم في الصحيح ١/ ١١٢، كتاب الإيمان (١)، باب كون الإِسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (٥٤)، الحديث (١٩٢/ ١٢١).\n(١٠) انظر: شأن الدعاء: ١/ ٦٥.\n(١١) قال الخطابي: \" الغفار: هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى. كلما تكررت التوبة في الذنب من العبد تكررت المغفرة. كقوله -سبحانه-: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢].\nوأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية، ومنه قيل لجنة الرأس: المغفر، وبه سمي زئبر الثوب غفرا وذلك لأنه يستر سداه؛ فالغفار: الستار لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته. ومعنى الستر في هذا أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم ويقال: إن المغفرة مأخوذة من الغفر: وهو فيما حكاه بعض أهل اللغة نبت يداوى به الجراح، يقال إنه إذا ذر عليها دملها وأبراها\". [شأن الدعاء: ١/ ٥٢ - ٥٣، وانظر: اللسان وتاج العروس، مادة\"غفر\"].\n(١٢) شأن الدعاء: ١/ ٦٥.","vol":"8","page":372},{"text":"و«الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده\" (٢)، وهو \"صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله ﷾ الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله ﷾ بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، فهي صفة حقيقية ثابتة لله ﷿، وأهل التأويل -والأصح أن نسميهم أهل التحريف- يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ﷾؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ﷾؛ ولا تتضمن نقصًا؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين\" (٣).\n\nالقرآن\n﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٥]\nالتفسير:\nما المسيح ابن مريم ﵇ إلا رسولٌ كمن تقدمه من الرسل، وأُمُّه قد صَدَّقت تصديقًا جازمًا علمًا وعملا وهما كغيرهما من البشر يحتاجان إلى الطعام، ولا يكون إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش. فتأمَّل -أيها الرسول- حال هؤلاء الكفار. لقد وضحنا العلاماتِ الدالةَ على وحدانيتنا، وبُطلان ما يَدَّعونه في أنبياء الله. ثم هم مع ذلك يَضِلُّون عن الحق الذي نَهديهم إليه، ثم انظر كيف يُصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟\nقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: \" ما المسيح ابن مريم ﵇ إلا رسولٌ كمن تقدمه من الرسل\" (٤).\nقال ابن قتيبة: \" أي: تقدمت قبله الرسل. يريد أنه لم يكن أول رسول أرسل فيعجب منه\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: له سَويَّة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: \" وأُمُّه قد صَدَّقت تصديقًا جازمًا علمًا وعملا\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: مؤمنة به مصدقة له. وهذا أعلى مقاماتها فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ١/ ١٨٨، وشرح أسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: ٨٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين الفاتحة والبقرة: ١/ ٥.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٥) غريب القرآن: ١٤٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٨.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٠.","vol":"8","page":373},{"text":"أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، قالوا وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، ﵀، الإجماع على ذلك\" (١).\nقال السعدي: \" ﴿وأمه﴾ مريم ﴿صديقة﴾ أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا. وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم﴾ فإذا كان عيسى ﵇ من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟ \" (٢).\nقال القرطبي: \" وقد استدل من قال: إن مريم ﵍ لم تكن نبية بقوله تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾. قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس ﵇، وقد مضى في «آل عمران» (٣) ما يدل على هذا. والله أعلم. وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به، عن الحسن وغيره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: \" وهما كغيرهما من البشر يحتاجان إلى الطعام، ولا يكون إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش\" (٥).\nقال مقاتل: \" فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي إنما يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة\" (٨).\nقال ابن قتيبة: \" قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ هذا من الاختصار والكناية، وإنما نبه بأكل الطعام على عاقبته وعلى ما يصير إليه وهو الحدث؛ لأن من أكل الطعام فلا بد له من أن يحدث\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم (١١) وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام\" (١٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٨ - ١٥٩.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٣) الآية: ٤٢.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥١.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٩٥.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٩٧.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٩.\n(٩) غريب القرآن: ١٤٥.\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٥.\n(١١) قوله «وقرم» في الصحاح «القرم» بالتحريك: شدة شهوة اللحم ..\n(١٢) الكشاف: ١/ ٦٦٥.","vol":"8","page":374},{"text":"قال الجصاص: قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾، \" فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى في أن المسيح إله لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في الحاجة إلى الصانع المدبر إذ كان من فيه سمة الحدث لا يكون قديما ومن يحتاج إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء وقد قيل في معنى قوله كانا يأكلان الطعام إنه كناية عن الحدث لأن كل من يأكل الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا محالة وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى الطعام والشراب وما يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث المحتاج إليهما وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه وأن ذلك ينفي كونه إلها وقديما\" (١).\nقال القرطبي: \" وقال بعض المفسرين في قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾، إنه كناية عن الغائط والبول. وفي هذا دلالة على أنهما بشران\" (٢).\nقال السعدي: \" وقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: فتأمَّل -أيها الرسول- \"كيف نوضّح لهم الآيات الباهرة على بطلان ما اعتقدوه\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: نوضحها ونظهرها\" (٥).\nقال الزمخشري: \" أى: الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم\" (٦).\nقال مقاتل: \" انظر يا محمد ﴿كيف نبين لهم الآيات﴾، يعني: العلامات في أمر عيسى ومريم أنهم كانا يأكلان الطعام والآلهة لا تأكل الطعام\" (٧).\nقال السعدي: \" ولما بين تعالى البرهان قال: ﴿انظر كيف نبين لهم الآيات﴾ الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم\" (٨).\nقال الطبري: \" انظر يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى الآيات، وهي الأدلَّةُ، والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون في أنبياء الله، وفي فريتهم على الله، وادِّعائهم له ولدًا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربٌّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، أي: \" ثم انظر كيف يُصرفون عن الحق بعد هذا البيان\" (١٠).\nقال ابن عباس وأبو مالك: \" كيف يؤفكون؟ \" (١١).\nقال مقاتل: \" يعني: من أين يكذبون\" (١٢).\nقال الزمخشري: \" يصرفون عن استماع الحق وتأمله\" (١٣).\n_________\n(١) أحكام القرىن: ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥١.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٣١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٩.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٦٥.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٩٥.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٣٩.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٥ - ٤٨٦.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٥٢): ص ٤/ ١١٨٠.\n(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٩٥.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٦٥.","vol":"8","page":375},{"text":"قال الزجاج: \" أي: انظر بعد البيان، من أين يصرفون عن الحق الواضح\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون؟ وبأيّ قول يتمسكون؟ وإلى أيّ مذهب من الضلال يذهبون؟ \" (٢).\nقال الشيخ عبدالعزيز بن حمد: \" أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون وبأي شيء يتمسكون؟ \" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: ثم انظر، مع تبييننا لهم آياتنا على بُطول قولهم، أيَّ وجه يُصرَفون عن بياننا الذي نبيِّنه لهم؟ وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلُّون؟ \" (٤).\nقال المراغي: \" أي: انظر أيها السامع نظرة عقل وفكر، كيف نبين لهؤلاء النصارى الآيات والبراهين البالغة أقصى الغايات فى الوضوح على بطلان ما يدعون فى أمر المسيح ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها، وكيف لا ينتقلون من مقدماتها إلى نتائجها، ومن مباديها إلى غاياتها، فكأنهم فقدوا عقولهم وصارت أفئدتهم هواء\" (٥).\nقال ابن قتيبة: ﴿أنى يؤفكون﴾، \" أي: يصرفون عن الحق ويعدلون. يقال: أفك الرجل عن كذا: إذا عدل عنه. وأرض مأفوكة: أي محرومة المطر والنبات. كأن ذلك عدل عنها وصرف\" (٦).\nوأما التراخي في قوله: ﴿ثم انظر﴾، معناه: \"ما بين العجبين، يعنى أنه بين لهم الآيات بيانا عجيبا، وأن إعراضهم عنها أعجب منه\" (٧).\nالفوائد:\n١ - الآية برهان قاطع على بطلان ربوبية المسيح وأمه-عليهما سلام-.\n٢ - تقرير بشرية عيسى ومريم ﵉ بدليل احتياجهما إلى الطعام بنيتهما، ومن كان مفتقرًا لا تصح ألوهيته عقلًا وشرعًا.\nفإن المسيح - ﵇ - لا يعدو أن يكون رسولا من رسل الله الذين خلوا من قبل. وكذلك محمد ﷺ، فلقد قال الله عنه كذلك ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].\nوأن أمه﵍- لا تعدو أن تكون صديقة، فهي ليست بنبية ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾.\n٣ - بيان ما عليه الآلهة المزعومة من صفات النقص المنافية للألوهية، فهي إما مخلوقات محتاجة، لا قيام لها بنفسها، أو جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وهذا من أظهر الصفات النافية للألوهية، لأن الآكل في حاجة إلى ما يدخل جوفه ليشبعه من جوع، وكذلك هو في حاجة إلى أن يخرج ما في جوفه من الفضلات ليتخلص من الأذى.\nوقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال - حكاية عن الخليل ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨].\n٤ - وإذا كان القرآن الكريم قد نفى الألوهية عن المسيح - ﵇ -، فقد أثبت له العبودية، كما قال تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ١٩٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٥٩.\n(٣) منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب: ١/ ٣٧٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٦.\n(٥) تفسير المراغي: ٦/ ١٦٨.\n(٦) غريب القرآن: ١٤٥.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٦٥.","vol":"8","page":376},{"text":"مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٩]، وأخبر﷾- أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو في المهد، هي الإقرار بعبوديته لله- قال تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٢٩) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣١]\n٥ - أنه ليس من تعظيم الأنبياء الغلو فيهم ومجاوزة الحد برفعهم عن منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية، كما هو مذهب النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، بل غلوا في أتباعه، وادعوا فيهم العصمة، اتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صدقا أو كذبا، ولهذا قال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].\n\nالقرآن\n﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفرة: كيف تشركون مع الله من لا يَقْدِرُ على ضَرِّكم، ولا على جَلْبِ نفع لكم؟ والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]، أي: \" قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكفرة: كيف تشركون مع الله من لا يَقْدِرُ على ضَرِّكم، ولا على جَلْبِ نفع لكم؟ \" (١).\nقال مقاتل: \" قل لنصارى نجران أتعبدون من دون الله يعني عيسى ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا ولا نفعا في الآخرة\" (٢).\nقال النحاس: \" أي: أنتم مقرون أن عيسى كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا\" (٣).\nقال السمرقندي: \" ثم أخبر الله تعالى عن جهلهم، وقلة عقلهم، فقال: قل يا محمد، ﴿أتعبدون من دون الله﴾، يعني: عيسى، ﴿ما لا يملك لكم﴾ يقول: ما لا يقدر لكم، ﴿ضرا﴾ في الدنيا ﴿ولا نفعا﴾ في الآخرة: وتركتم عبادة الله\" (٤).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذلك النصارى وغيرهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على إيصال ضرر إليكم، ولا إيجاد نفع\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" قل، يا محمد، لهؤلاء الكفرة من النصارى، الزاعمين أن المسيح ربهم، والقائلين إن الله ثالث ثلاثة أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو يحييكم ويميتكم شيئًا لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابنٌ، لا يملك لهم ضرًّا يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعًا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم. يقول تعالى ذكره: فكيف يكون ربًّا وإلهًا من كانت هذه صفته؟ بل الربُّ المعبودُ: الذي بيده كل شيء، والقادر\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥.\n(٣) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٨.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٠.","vol":"8","page":377},{"text":"على كل شيء. فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون\" (١).\nقال الزمخشري: \" ما لا يملك هو عيسى، أى شيئا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئا. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا، وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: ﴿قل﴾ لهم أيها الرسول: ﴿أتعبدون من دون الله﴾ من المخلوقين الفقراء المحتاجين، ﴿ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا﴾ وتدعون من انفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع\" (٣).\nأخرج ابن ابي حاتم بسنده عن مجاهد: ﴿ضرا ولا نفعا﴾، قال: ﴿ضرا﴾، ضلالة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، أي: \" والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿السميع﴾، أي: سميع ما يقولون\" (٦)، ﴿العليم﴾، أي: عليم بما يخفون\" (٧).\nقال السمرقندي: أي: \" ﴿السميع﴾ لقولكم، ﴿العليم﴾ بعقوبتكم\" (٨).\nقال الواحدي: أي: \" ﴿السميع﴾ لكفركم ﴿العليم﴾ بضميركم\" (٩).\nقال القرطبي: \" أي: لم يزل سميعا عليما يملك الضر والنفع. ومن كانت هذه صفته فهو الاله على الحقيقة\" (١٠).\nقال البيضاوي: أي: \" والله هو السميع العليم بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر\" (١١).\nقال السعدي: أي: \" ﴿السميع﴾ لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، ﴿العليم﴾ بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة، فالكامل تعالى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين\" (١٢).\nقال الطبري: \" والله هو السميع، لاستغفارهم لو استغفروه من قِيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه العليم، بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم\" (١٣).\nقال ابن كثير: \" أي: فلم عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء إلى عبادة جَمَاد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه\" (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٦ - ٤٨٧.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٦٥.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٦٦٥٣): ص ٤/ ١١٨٠.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٠.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٥٤): ص ٤/ ١١٨٠.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٥٥): ص ٤/ ١١٨٠.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٤١٠.\n(٩) الوجيز: ٣٣٠.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥١.\n(١١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٩.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(١٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٧.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٠.","vol":"8","page":378},{"text":"قال مقاتل: \" ﴿والله هو السميع﴾، لقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم وثالث ثلاثة، ﴿العليم﴾ بمقالتهم\" (١).\nقال النحاس: \" أي أنتم قد أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يعلم والله جل وعز لم يزل سميعا عليما\" (٢).\nقال الزمخشري: قوله: ﴿والله هو السميع العليم﴾، متعلق بـ ﴿أتعبدون﴾، أى: أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون أو أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حى قادر\" (٣).\nالفوائد:\n١ - ذم كل من يعبد غير الله إذ كل الخلائق مفتقرة لا تملك لنفسها ولا لعابدها ضرًا ولا نفعًا، لا تسمع دعاء من يدعوها، ولا تعلم عن حاله شيئًا، والله وحده السميع لأقوال كل عباده العليم بسائر أحوالهم وأعمالهم، فهو المعبود بحق وما عداه باطل.\n٢ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «السَّمِيعُ»، و«الْعَلِيمُ»:\nأ-فـ «السَّمِيعُ»: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة، كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى. سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى القبول والإجابة.\nكقول النبي - ﷺ -: \"اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع\" (٤)، أي: من دعاء لا يستجاب.\nومن هذا قول المصلي: \"سمع الله لمن حمده\" (٥)، معناه: قبل الله حمد من حمده.\nوأنشد أبو زيد لشتير بن الحارث الضبي (٦):\nدعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول\nأي: لا يجيب، ولا يقبل (٧).\nو﴿السَّمِيعُ﴾ له معنيان\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥٥ - ٤٩٦.\n(٢) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٨.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٦٥.\n(٤). هذا طرف حديث رواه ابن حبان في صحيحه برقم ٢٤٤٠ موارد، والنسائي ٨/ ٢٦٤، والإمام أحمد ٣/ ١٩٢، ٢٥٥، ٣٨٣، والخطابي في غريب الحديث ١/ ٣٤٢ من حديث أنس وانظر الكنز ٢/ ٢٠١.\n(٥) أخرجه البخاري بشرح الفتح برقم ٦٩٠، ٧٢٢، ٧٣٢، ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩، ٧٨٨، ٧٩٥، ٧٩٦، ٧٩٧، ٧٩٩، وفيه: \"ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه\" وبرقم ٣٢٠٣، ٣٢٢٨، ٤٠٦٩، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨.\nومسلم صلاة برقم (٢٥)، (٢٨)، (٥٤)، (٦٢)، (٦٣)، (٧١)، (٧٧)، (٨٦)، (٨٨)، (٨٩)، (١٩٦)، (١٩٨)، (١٩٩)، (٢٠٢)، وفيه: \"اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعده\". وكذلك روايته برقم (٢٠٣) وكتاب صلاة المسافرين برقم (٢٠٢)، (٢٠٣)، والنسائي (افتتاح) ٢/ ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠١، ٢٠٢، ٢١١. وابن ماجه برقم ٨٦٢، ٨٧٥، ٨٧٦، ٨٧٧، ٨٧٨، ٨٧٩، ١٠٦١، ١٢٣٨، ١٢٣٩. وغيرهم.\n(٦) أنشده الطبري في تفسيره، ٥/ ٦ - ٥٢٨، وابن الجوزي في زاد المسير ١/ ١٤٤، والقرطبي ٢/ ٣١، وفي الخزانة ٢/ ٣٦٣، مطلع قصيدة من سبعة أبيات في الشاهد السادس والستين بعد الثلاثمائة منسوبا إلى شمير بن الحارث الضبي. وقال: شمير، بضم الشين المعجمة وفتح الميم وآخره راء مهملة، هكذا ضبطه أبو زيد. وقال الأخفش -فيما كتبه عليه- الذي في حفظي سمير -بالسين المهملة وكذا ضبطه الصاغاني في العباب بالمهملة- وقال: هو شاعر جاهلي والله أعلم. اهـ وفي نوادر أبي زيد ص ١٢٤ مع ستة أبيات أخرى. وفي أمالي المرتضى ١/ ٦٠٣، وفي اللسان (سمع) ولم ينسبه. وأنشده الخطابي في غريب الحديث ١/ ٣٤٢، والزمخشري في الفائق ١/ ٦١٢ كما هنا، إلى شتير. وانظر تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٤٢.\n(٧) انظر: شأن الدعاء للخطابي: ٥٩ - ٦٠.","vol":"8","page":379},{"text":"أحدهما: بمعنى المجيب. ومثالهقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، أي: لمجيب الدعاء.\nوالثاني: بمعنى السامع للصو، وهو ينقسم إلى عدة أقسام:\nالأول: سمع يراد به بيان عموم إدراك سمع الله ﷿، وأنه ما من صوت إلا ويسمعه الله، وهو من الصفات الذاتية، وإن كان المسموع قد يكون حادثًا، ومثاله: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، فهذا فيه بيان إحاطة سمع الله تعالى بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة ﵂: \"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، والله إني لفي الحجرة، وإن حديثها ليخفى على بعضه\" (١).\nالثاني: سمع يراد به النصر والتأييد، وهو من الصفات الفعلية، لأنه مقرون بسبب، ومثاله: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].\nالثالث: سمع يراد به الوعيد والتهديد، ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، فإن هذا يراد به تهديدهم ووعيدهم، حيث كانوا يسرون ما لا يرضى من القول (٢).\nب-وأما «الْعَلِيمُ»:: فهو من أسمائه -﷿-، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣).\nقال الخطابي: \" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [لقمان: ٢٣]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] \" (٤).\n\nالقرآن\n﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]\nالتفسير:\nقل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه من أمر المسيح، ولا تتبعوا أهواءكم، كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين، فوقعوا في الضلال، وحملوا كثيرًا من الناس على الكفر بالله، وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الغَواية والضلال.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: \" قل -أيها الرسول- للنصارى: لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه من أمر المسيح\" (٥).\nقال الاحدي: \" أي: في عيسى\" (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا\"الفتح\" (١٣١/ ٣٧٢) في كتاب التوحيد/ باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقد وصله الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٦)، وابن كثير ٤/ ٢٨٦، وابن ماجة بهذا اللفظ، ورواه ايضًا لفظ \"تبارك\" (٢٠٦٣).\n(٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين: ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٤) شأن الدعاء: ٥٧.\n(٥) التفسير الميسر: ٢٤٠.\n(٦) التفسير البسيط: ٧/ ٤٨٨.","vol":"8","page":380},{"text":"قال قتادة: \" ﴿لا تغلوا في دينكم﴾، يقول: لا تبتدعوا\" (١).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: \"الغلو فراق الحق وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق إلى الباطل، وذلك كقولهم في المسيح، ما تقدم حكايته عنهم، وكغلوهم في بعض المشايخ\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: لا تفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو: هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه\" (٤).\nقال صاحب الكشاف: \" أى: لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق، أى: غلوا باطلا\" (٥).\nقال ابن عطية: \" أمر تعالى نبيه محمدا أن ينهاهم عن الغلو في دينهم، والغلو تجاوز الحد، غلا السهم إذا تجاوز الغرض المقصود واستوفى سومه من الاطراد، وتلك المسافة هي غلوته، وكما كان قوله لا تغلوا بمعنى لا تقولوا ولا تلتزموا نصب غير وليس معنى هذه الآية جنبوا من دينكم الذي أنتم عليه الغلو، وإنما معناه في دينكم الذي ينبغي أن يكون دينكم، لأن كل إنسان فهو مطلوب بالدين الحق وحري أن يتبعه ويلتزمه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: \" ولا تتبعوا أهواءكم، كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين، فوقعوا في الضلال\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: تقدم ضلالهم\" (٨).\nقال الطبري: \" يقول: ولا تتبعوا أيضًا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: هو لغير رَشْدة، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها بالفرية وهي صدِّيقة\" (٩).\nقال الواحدي: \" ويعني بـ ﴿القوم الذين ضلوا من قبل﴾: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى\" (١٠).\nقال الزمخشري: \" هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي -ﷺ\" (١١).\nقال الزجاج: \" «أهواء»: جمع هوى، وهوى النفس مقمبور لأنه مثل الفرق وفعل جمعه أفعال، وتأويله لا تتبعوا شهواتهم لأنهم آثروا الشهوات على البيان والبرهان، وما في القرآن من ذكر اتباع الهوى مذموم نحو قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] \" (١٢).\nقال الواحدي: \"ومعنى «الأهواء» هنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، وقد يشق على الإنسان النظر ويميل طبعه إلى بعض المذاهب فيعتقده فيكون ذلك هوى، قال\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٥٦): ص ٤/ ١١٨٠.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٥٧): ص ٤/ ١١٨٠.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٧.\n(٥).\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٣.\n(٧) التفسير الميسر: ٢٤٠.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٧ - ٤٨٨.\n(١٠) التفسير البسيط: ٧/ ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(١١).\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ١٩٧.","vol":"8","page":381},{"text":"الشعبي: ما ذكر الله تعالى هوى في القرآن إلا ذمَّهُ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ [ص: ٢٦] ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، ومثله كثير\" (١).\nقال أبو عبيد: \"لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال في الخير: يريد ويحب، وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار\" (٢).\nوأنشدوا في ذم الهوى (٣):\nإنَّ الهوانَ هو الهوَى نقضُ اسمهِ ... فإذا هويتَ فقدْ لقيتَ هوانَا\nوقال مضر القاضي: \"لنحت الجبال بالأظافير حتى تتقطع الأوصال، أهون من مخالفة الهوى إذا تمكن في النفوس\" (٤).\nوسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: \"هوان سرقت نونه\" (٥)، فنظمه الشاعر (٦):\nنون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوقال آخر (٧):\nإن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد كسبت هوانا\nوإذا هويت فقد تعبدك الهوى ... فاخضع لحبك كائنا من كانا\nوقال عبد الله المبرك (٨):\nومن البلاء للبلاء علامة ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع\nوقال أبو العتاهية (٩):\nفاعص هوى النفس ولا ترضها ... إنك إن أسخطتها زانكا\nحتى متى تطلب مرضاتها ... وإنها تطلب عدوانكا\nوقال أبو عبيد الطوسي (١٠):\nوالنفس إن أعطيتها مناها ... فاغرة نحو هواها فاها\nوسئل سهل بن عبد الله التستري عن الهوى فقال للسائل: \"هواك يأمرك فإن خالفته فرط بك، وقال: إذا عرض لك أمران شككت خيرها فانظر أبعدهما من هواك فإنه\" (١١).\nوأنشد أبو بكر الزيدي (١٢):\nإذا طالبتك النفس يوما بشهوة ... وكان إليها للخلاف طريق\nفدعها وخالف ما هويت فإنما ... هواك عدو والخلاف صديق\nوقال رجل لابن عباس: \"الحمد لله الذي هواي على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٧/ ٤٨٩، ولم أقف عليه عن الشعبي، معناه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٦.\n(٢) ذكره الواحدي في التفسير االبسيط: ٧/ ٤٨٨، ولم أقف عليه ..\n(٣) البيت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر في التمثيل والمحاضرة ص ١٠٣ ورواية صدره فيه:\nنونُ الهوانِ من الهوى مسروقةٌ.\n(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٢.\n(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨، والتمثيل والمحاضرة للثعالبي ص ١٠٣.\n(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨، والتمثيل والمحاضرة للثعالبي ص ١٠٣.\n(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٣، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٣، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٣، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٣.\n(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٨/ ٣٦٣، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(١٣) ذكره الواحدي في التفسير االبسيط: ٧/ ٤٨٨، ولم أقف عليه ..","vol":"8","page":382},{"text":"وفي توجيه الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]، قولان:\nأحدهما: أنها خطاب لليهود والنصارى لذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم، وأن يقلدوهم فيما هووا. قاله الواحدي (١).\nوالثاني: وقال الحسن (٢)، ومجاهد (٣): ﴿الذين ضلوا من قبل﴾ هم اليهود، وعلى هذا الخطاب للنصارى فقط، يقول: لا تؤثروا الشهوات على البيان كما فعلت اليهود حين كذبوا الرسل ونقضوا العهد، والمراد بالنهي عن اتباع اهوائهم: النهي عن اتباع أهواء مثل أهوائهم في التكذيب والمخالفة على الرسل.\nقال الواحدي: \"ففي القول الأول وقع النهي على اتباع غير ما هووا، وفي هذا الثاني وقع النهي على اتباع مثل أهوائهم، والتقدير في اللفظ: لا تتبعوا مثل أهواء قوم، أي أهواء مثل أهوائهم، ثم حذف الأهواء الأول وأقيم الثاني مقامه؛ لأنه هوى مثله. والأول أظهر\" (٤).\nقال ابن عطية: \" وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهي النصارى عن اتباع أهوائهم بنو إسرائيل، ومعنى الآية لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم، فالمعنى لا تتبعوا طرائقهم، والذي دعا إلى هذا التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل هم بالضد في الأقوال وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عوج، هذه طريقة فلان، تمثله بآخر قد اعوج نوعا آخر من الاعوجاج وإن اختلفت نوازله\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: \" وحملوا كثيرًا من الناس على الكفر بالله\" (٦).\nقال السدي: \" ﴿وأضلوا كثيرا﴾، أتباعهم\" (٧).\nقال السعدي: \"من الناس بدعوتهم إياهم إلى الدين، الذي هم عليه\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" ممن شايعهم على التثليث\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" وأضل هؤلاء اليهود كثيرًا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق، وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح\" (١٠).\nعن السدي: ﴿لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا﴾، فهم أولئك الذين ضلُّوا وأضلوا أتباعهم\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، أي: \" وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الغَواية والضلال\" (١٢).\nعن مجاهد في قول الله: \" ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾، قال: هم يهود\" (١٣).\nقال السدي: \" ﴿عن سواء السبيل﴾، عن عَدْل السبيل\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٨٩.\n(٢) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٤٨٩، ولم أقف عليه.\n(٣) أخرجه عنه الطبري (١٢٢٩٦): ص ١٠/ ٤٨٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٥.\n(٤) التفسير البسيط: ٧/ ٤٨٩.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٣.\n(٦) التفسير الميسر: ٢٤٠.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٥٨): ص ٤/ ١١٨١.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٩).\n(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٨.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢٢٩٧): ص ١٠/ ٤٨٨.\n(١٢) التفسير الميسر: ٢٤٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٢٢٩٦): ص ١٠/ ٤٨٨، وابن ابي حاتم (٦٥٩): ص ٤/ ١١٨١.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٢٢٩٧): ص ١٠/ ٤٨٨.","vol":"8","page":383},{"text":"قال الزمخشري: \" وضلوا لما بعث رسول الله ﷺ عن سواء السبيل حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: قصد الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر الله عنهم وعن اتباع أهوائهم المردية، وآرائهم المضلة\" (٣).\nقال الربيع بن أنس قال: \"وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانا فأتاه الشيطان فقال: إنما تركب أثرا أو أمرا قد عمل به قبلك فلا تحمد عليه ولكن إبتدع أمرا من قبل نفسك وادع إليه وأجبر الناس عليه ففعل، ثم تذكر من بعد فعله زمانا، فأراد أن يتوب، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد فلبث في عبادته أياما، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة. فكيف لك بهداهم، فلا توبة لك أبدا، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل\" (٤).\nالفوائد:\n١ - حرمة الغلو والابتداع في الدين، واتباع أهل الأهواء.\n٢ - أن الله تعالى نهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين من طريقيه: في التوحيد، وفي العمل.\nفغلوهم في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه، وغلوهم في العمل ما ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف. وقال - ﷺ -: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٥). وهذا صحيح لا كلام فيه (٦).\nوقد ثبت في الصحاح «أن الحولاء بنت تويت، مرت على عائشة وعندها رسول الله ﷺ، قالت: فقلت: يا رسول الله، هذه الحولاء، وزعموا أنها لا تنام الليل؟ فقال: لا تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» (٧).\n٣ - ومنها ان اتباع الهوى مفسدة للدين والدنيا، وإذا كان لكل نفس هوى وشهوه، فان العاقل يحترس من الهوى. لأن العقل والهوى متعاديان، فإذا كان الهوى عدو العقل وآفته وجب على الإنسان أن يتجرد من الهوى، فالإنسان إذا اتبع الهوى نسي الله، وضل عن سبيل الرشاد، ولهذا قيل: \"الهوى شريك العمى\"، و\"كم من عقل أسير في يدي هوى أمير\"، ولهذا نهى الله عن الهوى فقال جل شأنه: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وفي الحديث: \"ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ\" (٨).\n_________\n(١).\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٨.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٤) اخرجه ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٨٠ - ١١٨١.\n(٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢١٨، حديث رقم ٢٢٢٤٢؛ وأخرجه الترمذي ص ١٨٧١، كتاب الفتن، باب ١٨: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث رقم ٢١٨٠؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ٨/ ٢٤٨، باب: ذكر الأخبار عن اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم من الأمم، حديث رقم ٦٦٦٧، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/ ٢٣٥، حديث رقم ١٧٧١.\n(٦) انظر: أحكام القرآن لابن عربي: ٢/! ٤١.\n(٧) أخرجه أحمد (٢٦٠٩٥): ص ٤٣/ ٢٠٢، وعبد بن حميد (١٤٨٥)، وأبو عوانة ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٢/ ٦٥ من طريق عثمان بن عمر إسناده صحيح.\nوأخرجه مسلم (٧٨٥) (٢٢٠)، وابن حبان (٢٥٨٦)، والبيهقي ٣/ ١٧ من طريق ابن وهب.\nوأخرجه الطبراني في \"الشاميين\" (١٧٥٣) من طريق عبد الله بن سالم.\n(٨) أخرجه الطبراني في الأوسط ج ٥ ص ٣٢٨ حديث (٥٤٥٢).","vol":"8","page":384},{"text":"وقد روي أن لقمان ﵇ قال لابنه: \"يا بني أول ما أحذرك من نفسك فان لكل نفس هوى وشهوه فان أعطيتها شهوتها تمادت وطلبت سواها فان الشهوة كامنة في القلب كمون النار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى\" (١)، قال الشاعر (٢):\nإذا ما أجبت النفس في كل دعوة ... دعتك إلى الأمر القبيح المحرم\nفلا تغتر أخي بترفع بعض مطيعي الهوى في هذه الحياة فان الهوى يردي اللبيب، وقد نسب إلى الفضل بن العباس انه قال (٣):\nلقد ترفع الأيام من كان جاهلًا ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب\nوقد تحمد الناس الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب\nومن مفاسد إتباع الهوى (٤):\nأولا: - إن اتباع الهوى - وهو \"ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع\"، خلاف مقصود الشرع؛ لأن \"المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا\" (٥).\nثانيا: - أن صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣﴾.\nقال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: \"ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غدًا بما ينكره اليوم\" (٦).\nوقال عبد الله بن عون البصري: \"إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه\" (٧).\nثالثا: - أن صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل.\nقال شيخ الإسلام: \"والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم\" (٨).\n_________\n(١) انظر: مكاشفة القلوب، للغزالي: ٣٤٠، والخلق الكامل، محمد جاد المولى: ص ٤/ ٣٠٣.\n(٢) البيت من شواهد الغززالي في مكاشفة القلوب: ٣٤٠.\n(٣) وردت هذه الأبيات في مكاشفة القلوب: ٣٤١، منسوبه للفضل بن العباس، ووردت ضمن أبيات للأخضر اللهبي مع اختلاف في بعض الألفاظ وهي ضمن ديوانه ورددت بلفظ:\nوقد يحكم الأيام من كان جاهلًا ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيبُ\nويحمد في الأمر وهو مخطىء ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب.\n(٤) للشيخ الدكتور إبراهيم بن عبدالله الزهراني، شبكة القلم الفكرية.\n(٥) الموافقات، الشاطبي: ٢/ ٤٦٩.\n\n.\n(٦) الشرح والإبانة على أصول السنَّة والديانة؛ ابن بطة، تحقيق: الدكتور رضا بن نعسان معطي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ، ص ١٤٨، برقم ٨٣ ..\n(٧) الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، ابن أبي شيبة، تقديم وضبط: كمال الحوت، المدينة المنورة: مكتبة الزمان، ط ١، ١٤٠٩ هـ، ٣/ ٤٥.\n(٨) مجموع الفتاوى: ٨/ ٦٦.","vol":"8","page":385},{"text":"رابعا: -أن صاحب الهوى - إذا كان عنده شيء من العلم الشرعي - مفزع كل مفترٍ، ومأوى كل مبطلٍ، ومستشار كل طاغٍ، وفتنة كل جاهل، بما يسوغه لهم من الآراء الباطلة، ويسوقه لهم من الأدلة الزائفة، ويلبس عليهم به من الشبه الصارفة.\nقال الحسن البصري: \"شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل؛ ليعموا بها عباد الله\" (١).\nخامسا: - أن صاحب الهوى تسهل استمالته من قبل أعداء الأمة، والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجرًا في خاصرة الأمة، وسوطًا يلهبُ ظهرَها، وعينًا يكشف سرها، ويبدي سوأتها، ويهتك سترها، داعيةً لتثبيط العزائم، إمامًا لكل متهتك وخائن.\nسادسا: - أن صاحب الهوى مفرق لجماعة المسلمين، مبتغٍ لهم العنت والمشقة، الطعن في الصالحين ديدنه، والهمز واللمز دأبه، والحسد طبعه.\nتراه معتزلًا كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى سبيلا، مقربًا لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلا.\nقال سعيد بن عنبسة: \"ما ابتدع رجل بدعة إلا غلَّ صدرُه على المسلمين، واختلجتْ منه الأمانة\" (٢)، وذلك لأن \"جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحابّ والتآلف إنما هو بالإيمان، والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، أي: يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة\".\nوكان ابن طاووس جالسا فجاء رجل من المعتزلة، قال: \"فجعل يتكلم، قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه قال: وقال لابنه: أي بني، أدخل إصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئًا. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف\" (٣).\nوعن ابن عمر﵄ -: أنه جاءه رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، قال: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان أحدث فلا تقرأ ﵇\" (٤).\nوقال الشوكاني في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ...﴾، الآية [الأنعام: ٦٨]: \"وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة، وبدعهم الفاسدة. فإنه إذا لم يُنْكِر عليهم ويُغَيِّر ما هم فيه، فَأَقَلُّ الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير غير عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهةً يشبهون بها على العامة، فيكون حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر\" (٥).\nوقال البغوي - ﵀ -: \"فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلا يتعاطى شيئا من الأهواء والبدع معتقدا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره ويتبرأ منه، ويتركه حيا وميتا\" (٦).\nوقال - الإمام أحمد - في رسالته إلى مسدد: \"ولا تشاور صاحب بدعة في دينك، ولا ترافقه في سفرك\" (٧).\nوقال إبراهيم النَخعي: \"لا تجالسوا أهل الأهواء، فإنَّ مجالستهم تذهب بنور الإيمان، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغيضة في قلوب المؤمنين\" (٨).\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ابن رجب: ١٠٢، وتفسير ابن رجب: ١/ ٤٥٧.\n(٢) أخرجه ابن بطة في الشرح والإبانة ص ١٥٢.\n(٣) أخرجه اللالكائي ١/ ١٥٢.\n(٤) أخرجه الدارمي ١/ ٦٨.\n(٥) فتح القدير ٢/ ١٢٨.\n(٦) شرح السنة ١/ ٢٢٤.\n(٧) الآداب الشرعية: ٣/ ٥٧٨.\n(٨) الإبانة: (٣٧٥): ص ١/ ١٣٧.","vol":"8","page":386},{"text":"القرآن\n﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [المائدة: ٧٨]\nالتفسير:\nيخبر تعالى أنه طرد من رحمته الكافرين من بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزله على داود -﵇- وهو الزَّبور، وفي الكتاب الذي أنزله على عيسى - ﵇ - وهو الإنجيل; بسبب عصيانهم واعتدائهم على حرمات الله.\nقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]، أي: \" طرد الله من رحمته الكافرين من بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزله على داود -﵇- وهو الزَّبور، وفي الكتاب الذي أنزله على عيسى - ﵇ - وهو الإنجيل \" (١).\nقال السعدي: \" أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله،: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي: بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم، وعاندوها \" (٢).\nقال ابن كثير: \" يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل، فيما أنزل على داود نبيه، ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم\" (٣).\nقال السمعاني: \" الذين لعنوا على لسان داود: هم أصحاب السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى: أصحاب المائدة، وأولئك الذين جعلهم الله قردة، وهؤلاء الذين جعلهم الله خنازير\" (٤).\nقال ابن عطية: \" قد تقرر في غير موضع من القرآن ما جرى في مدة موسى من كفر بعضهم وعتوهم، وكذلك أمرهم مع محمد ﵇ كان مشاهدا في وقت نزول القرآن، فخصت هذه الآية داود وعيسى إعلاما بأنهم لعنوا في الكتب الأربعة وأنهم قد لعنوا على لسان غير موسى ومحمد ﵉\" (٥).\nقال الراغب: \" إن قيل: على أي وجه لعنوا على ألسنتهما؟، قيل في ذلك أوجه:\nالأول: أنهم فعلوا ما استحقوا به اللعن، فلعناهم بأسمائهم، وذلك راجع إلى آبائهم.\nالثاني: أنهما قالا: من لم يفعل كذا فلعنة الله عليه، فعصو، فصاروا ملعونين من هذا الوجه.\nالثالث: أن الله تعالى لما أنزل على كل واحد منهما كتابا اقتضى أن من خالفه فهو ملعون، فخالف هؤلاء، فصاروا من هذا الوجه ملعونين\" (٦).\nعن ابن عباس: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾، يعني: لعنوا في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم، ولعنوا في الزبور على لسان داود\" (٧).\nوفي رواية اخرى عن ابن عباس أيضا: \" لعنوا بكل لسان على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن\" (٨).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٠.\n(٤) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٣.\n(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦٢): ص ٤/ ١١٨١ - ١١٨٢.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦٣): ص ٤/ ١١٨٢.","vol":"8","page":387},{"text":"وعن ابن عباس أيضا: \" خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم\" (١).\nقال مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، وأبو مالك الغفاري (٤): \" يقول: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى بن مريم فصاروا خنازير\" (٥).\nقال ابن عطية: \"وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان عيسى في زمنه\" (٦).\nوعن ابن جريج قال، قال ابن عباس: \"قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾، بكل لسان لُعِنوا: على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد ﷺ في القرآن قال ابن جريج: وقال آخرون: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود، على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم في بيت فقال: من في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: اللهم اجعلهم خنازير! فكانوا خنازير. قال: ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: اللهم العن من افترى عليّ وعلى أمي، واجعلهم قردة خاسئين! \" (٧).\nقال عبدالله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعزيرا، فإذا كان من الغد يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه- وفي حديث هارون وشريبه ثم اتفقا في المتن. فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ثم قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على يدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم\" (٨).\nعن أبي عبيدة قال، قال رسول الله ﷺ: \"إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقصُ، كان الرجل يرى أخاه على الرَّيْبِ فينهاه عنه، فإذا كان الغدُ، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم حتى بلغ ولكن كثيًرا منهم فاسقون، قال: وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، وقال: لا حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطروه على الحق أطرًا \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]، أي: ذلك اللعن\" بسبب عصيانهم واعتدائهم على حرمات الله\" (١٠).\nقال الزجاج: \" أي: ذلك اللعن بمعصيتهم واعتدائهم\" (١١).\nقال السعدي: أي: \" ﴿ذلك﴾ الكفر واللعن بعصيانهم لله، وظلمهم لعباد الله، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٣٠٠): ص ١٠/ ٤٨٩ - ٤٩٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٠١): ص ١٠/ ٤٩٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٠٣): ص ١٠/ ٤٩٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٦٦٤): ص ٤/ ١١٨٢. واللفظ له.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦٤): ص ٤/ ١١٨٢.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٤\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٣٠٢): ص ١٠/ ٤٩٠.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦١): ص ٤/ ١١٨١، والترمذي كتاب التفسير رقم ٣٠٤٧ ٥/ ٢٣٥، أبو داود كتاب الملاحم رقم ٤٣٣٧.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٣٠٩): ص ١٠/ ٤٩٣ - ٤٩٤.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢١.\n(١١) معاني القرآن: ٢/! ٩٨.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٤٠.","vol":"8","page":388},{"text":"قال ابن كثير: \" بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه\" (١).\nقال الطبري: أي: \" بما عصوا الله فخالفوا أمره وكانوا يعتدون، يقول: وكانوا يتجاوزون حدودَه\" (٢).\nقال الراغب: \" الاعتداء والتعدي والعدوان خروج عما حد ورسم\" (٣).\nقال قتادة: \" اجتنبوا المعصية والعرفان فإن بنا ملك من ملك قبلكم من الناس\" (٤).\nالفوائد:\n١ - العصيان والاعتداء ينتجان لصاحبهما الحرمان والخسران.\n٢ - التحذير من التغيير للحق والتبديل لأنه من التشبه بأعداء الله تعالى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد جاء الذم البليغ والوعيد الشديد على ذلك كما في الآية.\nالقرآن\n﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]\nالتفسير:\nكان هؤلاء اليهود يُجاهرون بالمعاصي ويرضونها، ولا يَنْهى بعضُهم بعضًا عن أيِّ منكر فعلوه، وهذا من أفعالهم السيئة، وبه استحقوا أن يُطْرَدُوا من رحمة الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]، أي: \" كان هؤلاء اليهود يُجاهرون بالمعاصي ويرضونها، ولا يَنْهى بعضُهم بعضًا عن أيِّ منكر فعلوه\" (٥).\nقال ابن جريج: \" لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر\" (٦).\nقال الجصاص: \" معناه لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر\" (٧).\nقال الطبري: \" كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله لا ينتهون عن منكر فعلوه، ولا ينهى بعضهم بعضًا، ويعني بـ «المنكر»: المعاصي التي كانوا يعصون الله بها\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه\" (٩).\nقال ابن عطية: \" ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي إنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي وإن نهى منهم ناه فعن غير جد، بل كانوا لا يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته وخلطته، والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر، وقال حذاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا. واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية، لأن قوله يتناهون وفعلوه يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٠.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٥.\n(٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤١٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦٥): ص ٤/ ١١٨٢.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٣١٣): ص ١٠/ ٤٩٦.\n(٧) أحكام القرآن: ٤/ ١٠٨.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٦.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٤","vol":"8","page":389},{"text":"قال السمعاني: \" التناهي: تفاعل من النهي، والمنكر: كل ما أنكره الشرع\" (١).\nقال الراغب: \" التناهى: أن ينهى بعضهم بعضا، والانتهاء الانزجار، وهو أبلغ من الانتهاء والمعنى لم يكونوا ينتهون، ولا يتناهون عن القبح الذي أناطوه\" (٢).\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: \" كانت معصيتهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه\" (٣).\nعن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: \"لما فشا المنكر في بني إسرائيل، جعل الرجل يلقَى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله! ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم أنزل فيهم كتابًا: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾، وكان رسول الله ﷺ مُتَّكئًا، فجلس وقال: كلا والذى نفسي بيده، حتى تأطِرُوا الظالم على الحق أطْرًا \" (٤).\nقال الجصاص: \" قال أبو بكر في هذه الآية مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة على النهي عن مجالسة المظهرين للمنكر وأنه لا يكتفى منهم بالنهي دون الهجران\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]، أي: \": لبئس الفعل كانوا يفعلون\" (٦).\nقال الزجاج: \" أي: لبئس سيئا فعلهم\" (٧).\nقال الطبري: \" وهذا قسم من الله تعالى ذكره يقول: أقسم: لبئس الفعل كانوا يفعلون، في تركهم الانتهاء عن معاصي الله تعالى ذكره، وركوب محارمه، وقتل أنبياء الله ورسله\" (٨).\nقال الزمخشري: قوله ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: \" للتعجيب من سوء فعلهم، مؤكدا لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. فان قلت: كيف وقع ترك التناهى عن المنكر تفسيرا للمعصية والاعتداء؟ قلت: من قبل أن الله تعالى أمر بالتناهى، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأن في التناهى حسبما للفساد فكان تركه على عكسه. فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهى بعد الفعل؟\nقلت: معناه لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر. ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله. يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه\" (٩).\nالفوائد:\n١ - حرمة السكوت عن المنكر ووخامة عاقبته على المجتمع.\n٢ - إن السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجب للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة (١٠):\n- منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.\n- ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٦.\n(٢) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤١٧ - ٤١٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦٦): ص ٤/ ١١٨٢.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٣٠٧): ص ١٠/ ٤٩٢.\n(٥) أحكام القرآن: ٤/ ١٠٨.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٦.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ١٩٩.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٦.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٦٧.\n(١٠) انظر: تفسير السعدي: ٢٤٠.","vol":"8","page":390},{"text":"- ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا.\n- ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر- يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟ \"\n- ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه، ومنها ومنها.\nفلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم.\n٣ - دلت هذه الآية على المذهب الصحيح الأشعرى، من أن متعلق النهي فعل وهو الترك، خلافا لأبى هاشم المعتزلي في قوله «إن متعلقه نفى محض وعدم صرف» (١)، ووجه دلالة الآية على أن متعلقه فعل، أنه عبر عن ترك التناهى الذي وقع توبيخهم عليه بالفعل، حيث قال: ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾، أى: لبئس الترك للتناهي فعلا، كما تقول: زيد بئس الرجل، فتجعل الرجل واقعا على زيد.\nوقد سمى تركهم للنهى عن المنكر في الآية السالفة قبل هذه صنعا، فقال: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار﴾ إلى قوله: ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ وذلك أبلغ في الدلالة على أن متعلق النهى أمر ثابت، إذ «الصنع» أمكن من الفعل في الدلالة على الإثبات (٢).\n\nالقرآن\n﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٨٠]\nالتفسير:\nتَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم، ساء ما عملوه من الموالاة التي كانت سببًا في غضب الله عليهم، وخلودهم في عذاب الله يوم القيامة.\nقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]، أي: \" تَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم\" (٣).\nقال مكي: \" المعنى: ترى يا محمد كثيرًا من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ويعادون أولياء الله\" (٤).\nقال الواحدي: \" أي: من اليهود يتولون كفار مكة، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله - ﷺ –\" (٥).\nقال الزمخشري: \" هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم\" (٦).\nقال ابن عطية: \" ﴿ترى كثيرا﴾، يحتمل أن يكون رؤية قلب وعلى هذا فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين، أي ترى الآن إذا خبرناك، ويحتمل أن يريد من معاصري محمد صلى\n_________\n(١) انظر: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف: ١/ ٦٦٧، الهامش (١).\n(٢) انظر: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف: ١/ ٦٦٧، الهامش (١).\n(٣) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٤) الهداية غلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٨٢٣.\n(٥) البتفسير البسيط: ٧/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٦٧.","vol":"8","page":391},{"text":"الله عليه وسلم لأنه كان يرى ذلك من أمورهم ودلائل حالهم، ويحتمل أن تكون الرؤية رؤية عين فلا يريد إلا معاصري محمد -ﷺ-\" (١).\nوفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿كثيرا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، ثلاثة وجوه:\nأحدهما: أن الضمير في ﴿منهم﴾ راجع إلى اليهود، وهم كعب بن الأشرف وأصحابه، يتولون كفار قريش حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي -ﷺ- حكاه الجصاص عن الحسن وغيره (٢)، وبه قال مقاتل (٣).\nوالثاني: أنه راجع إلى أهل الكتاب، ﴿والذين كفروا﴾ هم عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب على معاداة النبي ﷺ ومحاربته (٤).\nوالثالث: أنه راجع إلى المنافقين، يتولون الذين كفروا، يعني: اليهود. وهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن (٧)، والكلبي (٨).\nقال الواحدي: \"وهذا القول يؤكده ما بعد هذه الآية\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، أي: \" ساء ما عملوه من الموالاة التي كانت سببًا في غضب الله عليهم\" (١٠).\nعن ابن عباس: ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾، قال: أمرتهم\" (١١).\nقال السمرقندي: \" معناه: لبئس الفعل الذي كانوا يستوجبون به السخط من الله تعالى ويوجب لهم العقوبة والعذاب\" (١٢).\nقال ابن الجوزي: \" أي: بئسما قدموا لمعادهم أن سخط الله عليهم\" (١٣).\nقال الطبري: \" أُقسم: لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة ﴿أنْ سخط الله عليهم﴾، يقول: قدّمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" يعني: بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين، التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًا إلى يوم معادهم؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، فسر بذلك ما ذمهم به\" (١٥).\nويحتمل قوله تعالى:: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]، وجهين (١٦):\nأحدهما: يعني: من اليهود: ﴿يتولون الذين كفروا﴾، من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعا ذلك.\nوالثاني: أن قوله: ﴿ترى كثيرا منهم﴾، أي: من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٤.\n(٢) انظر: احكام القرىن للجصاص: ٤/ ١٠٩.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٦.\n(٤) انظر: احكام القرىن للجصاص: ٤/ ١٠٩.\n(٥) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٢، وتفسير البغوي: ٣/ ٨٥، وزاد المسير: ١/ ٥٧٤.\n(٦) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٢، وتفسير البغوي: ٣/ ٨٥، وزاد المسير: ١/ ٥٧٤.\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٢، وتفسير البغوي: ٣/ ٨٥، وزاد المسير: ١/ ٥٧٤.\n(٨) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤١١.\n(٩) التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٢.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢١.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٦٧): ص ٤/ ١١٨٢.\n(١٢) بحر العلوم: ١/ ٤١١.\n(١٣) زاد المسير: ١/ ٥٧٤.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٧.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(١٦) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٧١.","vol":"8","page":392},{"text":"دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم.\nقوله تعالى: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠]، أي: \" أي وفي عذاب جهنم مخلّدون أبد الآبدين\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: دائمون\" (٢)\nقال ابن كثير: \" يعني يوم القيامة\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: وفي عذاب الله يوم القيامة هم خالدون، دائم مُقامهم ومُكثهم فيه\" (٤).\nالفوائد:\n١ - حرمة موالاة أهل الكفر والشر والفساد.\n٢ - أن موالاة الكفار موجبة لسخط الله، والخلود في العذاب بمجردها، وإن كان الإنسان خائفًا، إلا من أكره بشرطه، إذ ان الموالاة بمجردها لا تعد كفرًا.\n٣ - في الآية الدّليل على إثبات صفة: «السّخط»، وهي من صفات الله الفعلية الخبرية، مع الإعتقاد بأن صفاته - تعالى - ليست كالصّفات، كما أنّ ذاته - تعالى - ليست كذاتنا؛ فالمجسّم والممثّل يعبد صنمًا، والمعطّل والنّافي يعبد عدمًا، والمثبت المنزّه يعبد حيًّا قيومًا واحدًا لا شريك له في ذاته وصفاته؛ فتعالى الله عمّا يقول الظّالمون النّافون والمشبّهون علوًّا كبيرًا.\nأبي سعيد الخدري - ﵁ -: \"إن الله - ﷿ - يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك ... [إلى أن قال فيه]: فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\" (٥).\nقال أبو إسماعيل الصابوني: \"وكذلك يقولون في جميع الصفات [يعني: الإثبات] التي نزل بها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين ... والرضا والسخط ... \" (٦).\nوالفرق بين السخط والغضب، فإن\" السخط: هو عدم الرضا، والسخط إلى الكراهة أقرب منه إلى الغضب، فإن الغضب يعدى بـ «على»، والسخط يعدى بها تارة، وبنفسه أخرى؛ وبين السخط والغضب فرق واضح: كثيرًا ما يقابل السخط بالرضا، والغضب لا يقابل به؛ وفيه إثبات الرضا؛ فإن الله يرضى حقيقة كما أنه يسخط حقيقة\" (٧).\n\nالقرآن\n﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١]\nالتفسير:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٣٢.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٤١١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٧.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة، برقم (٧٥١٨)، ومسلم في كتاب الجنة وصفها ونعيم أهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا، برقم (٢٨٢٩).\n(٦) عقيدة السلف أصحاب الحديث: ٥.\n(٧) شرح العقيدة الواسطية من تقريرات: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، أخرجها وأعدها للطبع: د. عبد المحسن بن محمد بن قاسم (١/ ٣٨).","vol":"8","page":393},{"text":"ولو أن هؤلاء اليهود الذين يناصرون المشركين كانوا قد آمنوا بالله تعالى والنبي محمد ﷺ، وأقرُّوا بما أنزل إليه -وهو القرآن الكريم- ما اتخذوا الكفار أصحابًا وأنصارًا، ولكن كثيرًا منهم خارجون عن طاعة الله ورسوله.\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، أي: \" ولو أن هؤلاء اليهود الذين يناصرون المشركين كانوا قد آمنوا بالله تعالى والنبي محمد ﷺ، وأقرُّوا بما أنزل إليه -وهو القرآن الكريم- ما اتخذوا الكفار أصحابًا وأنصارًا \" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" ﴿ولو كانوا يؤمنون﴾ إيمانا خالصا غير نفاق ما اتخذوا المشركين أولياء يعنى أن موالاة المشركين كفى بها دليلا على نفاقهم، وأن إيمانهم ليس بإيمان .. وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسل والفرقان، لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه \" (٣).\nقال الطبري: \" ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل يؤمنون بالله والنبي، يقول: يصدِّقون الله ويقرُّون به ويوحِّدونه، ويصدقون نبيَّه محمدًا ﷺ بأنه لله نبي مبعوث، ورسول مرسل وما أنزل إليه، يقول: ويقرُّون بما أنزل إلى محمد ﷺ من عند الله من آي الفرقان، ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دون المؤمنين\" (٤).\nقال الشوكاني: \" أي: نبيهم كما يزعمون، ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ من التوراة وغيره، ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾، لأن النبي لا يأمر بموالاة الكفار، ولو آمنوا بمحمد ﷺ وما أنزل إليه- كما هو الواجب عليهم- ما اتخذوا الكفار أولياء\" (٥).\nقال الرازي: أي: \" لو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى ﵇، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى ﵇، بل مرادهم الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه\" (٦).\nقال السعدي: \" فإن الإيمان بالله وبالنبي وما أنزل إليه، يوجب على العبد موالاة ربه، وموالاة أوليائه، ومعاداة من كفر به وعاداه، وأوضع في معاصيه، فشرط ولاية الله والإيمان به، أن لا يتخذ أعداء الله أولياء، وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط، فدل على انتفاء المشروط\" (٧).\nعن مجاهد قوله: \" ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء﴾، قال: المنافقون\" (٨).\nقال الراغب: \" ﴿النبي﴾، يجوز أن يكون إشارة إلى نبينا ﵊، ويجوز أن يكون إشارة إلى نبيهم، ونبه أنهم لو آمنوا بمن ادعوا الإيمان به، لما فعلوا ما فعلوا، فإن دينهم لا يقتضي ما يرتكبونه ويفعلونه، ويجوز أن يكون النبي إشارة إلى الجنس، أي: الإيمان بالله وبالنبوة والكتاب، لا يقتضي ما يتحرونه من مولاة الكفار\" (٩).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٦٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٧.\n(٥) فتح القدير: ٢/ ٦٨.\n(٦) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤١٣.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٣١٤): ص ١٠/ ٤٩٨.\n(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤١٨.","vol":"8","page":394},{"text":"قال ابن عطية: \" وقوله تعالى: و﴿النبي﴾، إن كان المراد الأسلاف، فالنبي داود وعيسى، وإن كان المراد معاصري محمد، فالنبي محمد ﵇، و﴿الذين كفروا﴾، هم عبدة الأوثان\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]، أي: \" ولكن كثيرًا منهم خارجون عن طاعة الله ورسوله\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \"متمردون في كفرهم ونفاقهم \" (٣).\nقال السعدي: \" أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به وبالنبي. ومن فسقهم موالاة أعداء الله\" (٤).\nقال القرطبي: \" أي: خارجون عن الإيمان بنبيهم لتحريفهم، أو عن الإيمان بمحمد ﷺ لنفاقهم\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنزيله\" (٦).\nقال الطبري: \" يقول: ولكن كثيرًا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وأهلُ استحلال لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل\" (٧).\nقال السمعاني: \" فإن قيل: لم سماهم فاسقين وهم كافرون؟ قيل: معناه: «خارجون» عن أمر الرب، والكفار خارجون عن كل أمره، وقيل: معناه: متمردون، أي: هم مع كفرهم متمردون\" (٨).\nقال ابن عطية: \" خص الكثير منهم بالفسق إذ فيهم قليل قد آمن\" (٩).\nقال الشوكاني: \" ذكر الحق ﷻ في هذه الآية ثلاثة أمور، وجعلها سببًا للعن والطرد، وموجبة للسخط والمقت:\nأولها: الانهماك في المعاصي والعدوان، والإصرار على الذنوب والطغيان.\nوالثاني: عدم الإنكار على أهل المعاصي والسكوت عنهم والرضا بفعلهم.\nوالثالث: موالاة الفجار والمودة مع الكفار، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم، وفي بعض الأخبار: «لو أن رجلًا قام الليل وصام النهار، ثم تودد مع الفجار لبعث معهم، ولو أن رجلًا عمل بالمعاصي ما عمل، ثم أحب الأبرار لحُشر معهم»، أو كما قال ﷺ، ويعضده حديث: «المَرءُ مَعَ مَن أحبَّ» (١٠) \" (١١).\nالفوائد:\n١ - أن موالاة الكفار منافية للإيمان بالله، والنبي وما أنزل إليه، وأن سبب ذلك، كون كثير منهم فاسقون.\nوفي الآية دليل على أن من اتخذ كافرا وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله. قاله القرطبي (١٢).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٥.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٦٧.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٠.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٥.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٩٧ - ٤٩٨.\n(٨) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٧.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٥.\n(١٠) أخرجه البخاري كتاب الأدب باب ما جاء في قول الرجل ويلك، (٦١٦٧) ومسلم كتاب البر باب المرء مع من أحب (٢٦٣٩) (١٦١).\n(١١) فتح القدير: ٢/ ٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٤.","vol":"8","page":395},{"text":"٢ - أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده، ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله.\n\nالقرآن\n﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢]\nالتفسير:\nلتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد ﷺ، وآمنوا بها.\nسبب نزول الآيات (٨٢ - ٨٦):\nقال المفسرون: نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه، وفيما يأتي ذكر الأخبار في ذلك:\nأولا: - عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعروة بن الزبير؛ قالوا: \"بعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتابًا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله - ﷺ -، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ \" (١). [ضعيف]\nثانيا: -عن عروة بن الزبير؛ قال: \"في قوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ نزل ذلك في النجاشي \" (٢). [ضعيف]\n_________\n(١). أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤/ ٣٤٩ رقم ١٨٤٩١)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٤/ ١١٨٥ رقم ٦٦٧٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في \"حلية الأولياء\" (١/ ١١٧)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٣٦) جميعهم من طريق الزهري عنهم به.\nقلنا: وهذا مرسل صحيح الإسناد.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤/ ٣٤٨، ٣٤٩ رقم ١٨٤٨٩)، و\"المغازي\" (١٦٧، ١٦٨ رقم ١٠٩)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٢٨): ص ١٠/ ٥٠٨ من طريق هشام بن عروة عن أبيه به.\nقلنا: وهذا مرسل صحيح الإسناد.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٠) وزاد نسبته لأبي الشيخ.\nهكذا رواه عن هشام بن عروة: عبدة بن سليمان وأبو معاوية مرسلًا.\nورواه عمر بن علي بن مقدم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير به موصولًا.\nأخرجه النسائي في \"التفسير\" (١/ ٤٤٣ رقم ١٦٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٨٥ رقم ٦٦٨٠)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٢٦): ص ١٠/ ٥٠٨، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (ص ١٠٧ رقم ٢٥٨ - قطعة من الجزء ١٣) -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٩/ ٣٢٣ رقم ٢٨٤) -، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٩) -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٩/ ٣٢٣، ٣٢٤ رقم ٢٨٥، ٢٨٦)، والبزار في \"المسند\" (٣/ ٢٨٦ رقم ٢٧٥٨ - كشف).\nقلنا: ورجاله ثقات رجال \"الصحيح\"؛ لكن فيه علة؛ قال ابن سعد -عن عمر بن علي-: \"وكان يدلس تدليسًا شديدًا، يقول: ثنا ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش أو غيرهما\"؛ كما في \"التهذيب\" (٧/ ٤٨٦).\nفعلى رأي ابن سعد لا يقبل حديثه حتى ولو صرح بالتحديث كما في حديثنا، والله أعلم.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٩) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\n* ملاحظة: في مسند البزار: (ثنا محمد بن عثمان ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي أو عمر بن علي).\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٤١٩): \"ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بحر وهو ثقة\".\nقلنا: وفي \"التقريب\": \"صدوق يغرب\"، ولعل هذا منها، والصواب رواية الجماعة دون شك ..","vol":"8","page":396},{"text":"ثالثا: عن سعيد بن جبير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾؛ قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا اختارهم الخيّر فالخيّر، فدخلوا على رسول الله - ﷺ -، فقرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾؛ فبكوا وعرفوا الحق؛ فأنزل الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وأنزل فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] \" (١). [ضعيف]\nرابعا: عن سلمان؛ قال: «لما قدم النبي - ﷺ - المدينة صنعت طعامًا، فجئت به النبي - ﷺ - فقال: \"ما هذا يا سلمان؟ \"، قلت: صدقة، فقال لأصحابه: \"كلوا\" ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعامًا، فأتيته به، فقال: \"ما هذا يا سلمان؟ \"، قلت: هدية فضرب بيده فأكل، وقال لأصحابه: \"كلوا\"، قلت: يا رسول الله! أخبرني عن النصارى؟ قال: \"لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم\"، فقمت وأنا مثقل؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حتى بلغ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ فأرسل إلي رسول الله - ﷺ -، فقال: \"يا سلمان! إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله\"» (٢). [صحيح]\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٢٤): ١٠/ ٥٠٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٨٥ رقم ٦٦٧٩)، والبغوي في \"مسند علي بن الجعد\" -ومن طريقه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٣٧) -، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٤١٦) من طريق قيس بن الربيع عن سالم الأفطس عن سعيد به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه علتان:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: قيس الربيع؛ ضعيف.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ ..\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦/ ٢٤٩ رقم ٦١٢١) من طريق السري بن يحيى عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان به.\nقلنا: وسنده صحيح.\nوأخرجه البزار في \"البحر الزخار\" (٦/ ٤٩٩ رقم ٢٥٣٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦/ ٢٦٦ رقم ٦١٧٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٨٣ رقم ٦٦٧١)، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٨٩)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ١١٦ رقم ٢٤٠٥)، وعبد بن حميد في \"تفسيره\"؛ كما في \"الإكمال\" (٤/ ٥)، و\"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٢)، وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٩٨)، وأبو بكر بن أبي شيبة في \"مسنده\" (١/ ٣٠٩، ٣١٠ رقم ٤٦٥)، والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (٢/ ٧٢٠ رقم ٧١٠ - بغية) جميعهم من طريق نصير بن زياد الطائي عن الصلت الدهان عن حامية بن رئاب قال: سمعت سلمان يقول -وقد سئل عن قوله-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾؛ قال: الرهبان الذين في الصوامع، قال سلمان: نزلت على رسول الله - ﷺ -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، هذا لفظ الطبراني وهو عند غيره بنحوه.\nقلنا: وهذا سند ضعيف جدًا؛ فيه علتان:\n١ - حامية هذا؛ مجهول لم يرو عنه إلا الصلت الدهان، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\n٢ - نصير هذا؛ قال الأزدي: \"منكر الحديث\".\n\"الميزان\" (٤/ ٢٦٤)، و\"اللسان\" (٦/ ١٦٦).\nوالصلت هذا روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان.\nوالحديث ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٧)، وقال: \"فيه الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف\".\nقلنا: الحماني توبع عند البخاري والبزار فالعلة ممن ذكرنا.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٢) وزاد نسبته للحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" وابن الأنباري في \"المصاحف\" وابن المنذر.","vol":"8","page":397},{"text":"خامسا: عن السدي؛ قال: \"بعث النجاشي إلى النبي - ﷺ - اثني عشر رجلًا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله - ﷺ -، فبكوا، وكان منهم رهبان وخمسة قسيسين، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسين؛ فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ \" (١). [ضعيف جدًا]\nقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: \" لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم\" (٢).\nقال ابن عطية: \" وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: \"ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، الذين قالوا: إنا نصارى\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم\" (٥).\nقال الزمخشري: \" وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق «١» ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾، ولعمري إنهم لكذلك وأشد. وعن النبى ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» (٦) \" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣١٨): ١٠/ ٥٠٠ - ٥٠١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٨٤/ ٦٦٧٥) من طريقين عن أسباط بن نصر عن السدي به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف أسباط بن نصر.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٣١) ..\n(٢) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٥.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٧.\n(٦) رواه ابن حبان في كتابه الضعفاء (٥٠٦٤)، من طريق يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله -ﷺ -: \"ما خلا يهودي بمسلم قط إلا حدث نفسه بقتله\". انتهى وأعله بيحيى بن عبيد الله.\nورواه الثعلبي في تفسيره: ٤/ ٩٧، كذلك وقال فيه: \"ما خلا يهوديان\"، وفي لفظ ابن مردويه: \" إلا هم بقتله\".\nقال ابن حبان: \" يحيى بن عبيد الله بن موهب التيمي القرشي يروي عن أبيه ما لا أصل له فلما كثر ذلك منه سقط عن الاحتجاج به قال ابن معين ليس بشيء وكان ابن عيينة شديد الحمل عليه وأبوه ثقة\". انتهى. [انظر: تخريج احاديث الكشاف: ١/ ٤٦٥].\nقال العجلوني: \" رواه الثعلبي وابن مردويه وابن حبان في الضعفاء عن أبي هريرة مرفوعا.\nوفي رواية ابن حبان: \" يهودي وهم\"، بالإفراد.\nوأخرجه الديلمي بلفظ: \"ما خلا قط يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله\".\nوقد أطال الكلام عليه السخاوي في بعض الحوادث.\nفأقول ويؤيد ذلك ما ذكره شيخنا المرحوم يونس المصري أنه كان يقرأ على يهودي يوما في المنطق فقال له وقد انفرد به: لا تأتني إلا ومعك سكين أو نحوها لأن اليهود إذا خلا بمسلم ولم يكن معه سلاح لزمه التعرض لقتله.\nوقال النجم واشتهر في كلام الناس أنه ما خلا قط رافضي بسني إلا حدثته نفسه بقتله. وهي من الخصال التي شاركت الرافضة فيها اليهود\". انتهى. [انظر: كشف الخفاء (٢٢١٠): ص ٢/ ١٨٧].\n(٧) الكشاف ١/ ٦٦٨.","vol":"8","page":398},{"text":"قال ابن عطية: \" والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي ﷺ سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد ﵇ أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد ﷺ من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم\" (١).\nقال مجاهد: \" هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة\" (٢). وروي عن عطاء نحو ذلك (٣).\nقال عطاء: \" ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: \" ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين\" (٥).\nقال السمرقندي: \"يعني: المتعبدين، وأصحاب الصوامع، ويقال: قسيسين علماؤهم، ورهبانا يعني: خائفين من الله تعالى\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: يوجد فيهم القسيسون - وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيس وقَس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان: جمع راهب، وهو: العابد. مشتق من الرهبة، وهي: الخوف كراكب وركبان، وفارس وفرسان\" (٧).\nقال ابن عطية: \" معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد\" (٨).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(٢) تفسير مجاهد: ١/ ٢٠٢، وتفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٨٣ ذكره دون إسناد.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٨٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٦٧٠): ص ٤/ ١١٨٣.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٤١٢.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٧.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٦.","vol":"8","page":399},{"text":"قال الزمخشري: \" وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا أى علماء وعبادا\" (١).\nقال السعدي: \" والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين\" (٢).\nعن الحسن: \" ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: علماؤهم وفقهاؤهم\" (٣).\nقال سلمان: \" هم الرهبان الذين في الصوامع والحزب فدعوهم فيها\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" هم أصحاب النجاشي بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ بثلاثين رجلا فقرأ عليهم يس فبكوا وقالوا نعرف والله فنزلت فيهم\" (٥).\nقال الزجاج: «القس» و«القسيس»: من رؤساء النصارى، فأما القس في اللغة: فهي النميمة ونشر الحديث، يقال: قس فلان الحديث قسا\" (٦).\nوقال قطرب: \"القسيس: العالم بلغة الروم، فأما الرهبان: فهم العباد أرباب الصوامع\" (٧). وقال ورقة (٨):\nبما خبَّرتنا مِن قولِ قَسٍّ ... من الرهبانِ أكرهُ أنْ يعوجا\nوعلى هذا فالقس والقسيس: مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين (٩).\nقال ابن زيد: \"القسيس: عبّادهم\" (١٠).\nوقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقي واحد من علمائهم على الحق والاستقامة وهو قسّيسا، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس\" (١١).\nقال القرطبي: \" القسيس: العالم، وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه، قال الراجز (١٢):\nيُصْبِحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوافِلا\nوتقسست أصواتهم بالليل: تسمعتها، والقس النميمة، والقس أيضا رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم، وجمعه: قسوس، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير، فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد، ويقال في جمع قسيس مكسرا: قساوسة، أبدل من إحدى السينين واوا وقساوسة أيضا كمهالبة، والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات واوا لكثرتها، ولفظ القسيس: إما أن يكون عربيا، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب\" (١٣).\nو«الرهبان»: جمع راهب، كركبان وراكب، قال الشاعر (١٤):\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٦٨.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٤١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٦٧٤): ص ٤/ ١١٨٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٦٧١): ص ٤/ ١١٨٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٦٧٣): ص ٤/ ١١٨٤.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٠\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٥، وتفسير البغوي: ٣/ ٨٧، وزاد المسير: ١/ ٥٧٥، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٧.\n(٨) كذا في التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٤٩٥، والظاهر أنه ورقة بن نوفل المشهور، من أهل الكتاب.\n(٩) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٥.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٣٢١): ص ١٠/ ٥٠٢.\n(١١) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٤، ولم اقف عليه.\n(١٢).الرجز في التهذيب (لرؤبة) وكذلك في اللسان وفيهما:\n\"يمسين من قس ... \"\nورواية الديوان ص ١٢١، وكتاب العين، باب \"القاف مع السين\": ص ٥/ ١٢: \" يصبحن عن قس ... \".\nوالبيت تمامه: \"يَمْشِيْنَ هَوْنًا خُرَّدًا بَهَالِلا\". يصف الشاعر نساء عفيفات لا يتبعن النمائم.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٧.\n(١٤) وورد البيت منسوبا لربيعة بن مقروم (شاعر مخضرم) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٩١ مادة: (بتل)، و\"لسان العرب\" ١١/ ٤٣ مادة: (بتل)، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ١٧١، و\"الأغاني\" ١٩/ ٩٢، وقد وجدت البيت للنابغة في \"ديوانه\" ٤١ ط المؤسسة العربية برواية \"متعبد\" بدلًا من \"متبتل\"، وكذلك نسبه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" للنابغة أيضًا ١/ ٤٢١، ومعنى البيت: الراهب: العابد، الأشمط: الذي خالطه الشيب، الصرورة: الذي لم يتزوج. \"ديوان النابغة\" ٤١ ..","vol":"8","page":400},{"text":"لو أنها عَرَضت لأشْمَطَ راهب ... عبدَ الإلهَ صرورة متبتِّلِ (١)\nوالفعل منه: رهب الله يرهبه أي خافه، رهبا ورهبا ورهبة. والرهبانية والترهب التعبد في صومعة (٢).\nقال ابن فارس: الترهب: التعبد\" (٣).\nجاء في اللسان: \" استرهبه: استدعى رهبته حتى رهبه الناس؛ وبذلك فسر قوله ﷿: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم﴾ [الأعراف: ١١٦]؛ أي: أرهبوهم.\nوفي حديث بهز بن حكيم: «إِنِّي لَأَسْمَعن الرَّاهِبَة» (٤).\nقال ابن الأثير: «هي الحالة التي ترهب، أي: تفزع وتخوف.\nوفي رواية: «أسْمعك رَاهِبًا». أي: خائفا» (٥).\nوترهب الرجل: إذا صار راهبا يخشى الله، والراهب: المتعبد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، ومصدره: الرهبة والرهبانية، والجمع الرهبان\" (٦).\nقال ابن الأعرابي: \" وإن جمعت الرهبان الواحد رهابين ورهابنة، جاز؛ وإن قلت: رهبانيون كان صوابا\" (٧)، قال الشاعر في الجمع (٨):\n_________\n(١) قال الفراء في معاني القرآن: ٢/ ١٩٨: \"يقال للعابد إذا ترك كل شيء، وأقبل على العبادة: قد تبتل، أي قطع كل شيء إلا أمر الله وطاعته\".\nوقال زيد بن أسلم: التبتل: رفض الدنيا وما فيها، والتماس ما عند الله\". [انظر: \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠١/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩، و\"المحرر والوجيز\" ٥/ ٣٨٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٨]\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٨.\n(٣) زاد المسير: ١/ ٥٧٥.\n(٤) صحيح، أخرجه أحمد (٢٠٠٣٩): ص ٣٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠، وهذا إسناد حسن من أجل بهز بن حكيم وأبيه، فهما صدوقان.\nوأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٥١١ - ٥١٢ من طريق محمد ابن مسلمة الواسطي، عن يزيد بن هارون وحده، بهذا الإسناد.\nوأخرجه الدارمي (٢٨١٣)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٥٦٦)، والطبراني في \"الكبير\" ١٩/ (١٠٢٦) و(١٠٢٧) و(١٠٢٨) و(١٠٢٩) من طرق عن بهز بن حكيم، به- وهو عند الطبراني مختصر. وانظر (٢٠٠١٢).\nونص الحديث: \" بهز المعنى، حدثني أبي، عن جدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إنه كان عبد من عباد الله أعطاه الله مالا وولدا، وكان لا يدين الله دينا. قال يزيد: فلبث حتى ذهب عمر وبقي عمر تذكر فعلم أن لم يبتئر عند الله خيرا دعا بنيه فقال: يا بني أي أب تعلموني؟ قالوا: خيره يا أبانا. قال: فوالله لا أدع عند رجل منكم مالا هو مني إلا أنا آخذه منه، أو لتفعلن ما آمركم به. قال: فأخذ منهم ميثاقا. قال: إما لا فإذا مت فخذوني فألقوني في النار حتى إذا كنت حمما فدقوني \". قال: فقال رسول الله ﷺ بيده على فخذه، كأنه يقول: \" اسحقوني، ثم ذروني في الريح لعلي أضل الله \". قال: \" ففعل به ذلك ورب محمد حين مات. قال: فجيء به أحسن ما كان، فعرض على ربه فقال: \" ما حملك على النار؟ \" قال: خشيتك يا رباه. قال: \" إني لأسمعن الراهبة، قال يزيد: أسمعك راهبا، فتيب عليه \" قال بهز: فحدثت بهذا الحديث الحسن، وقتادة وحدثانيه: \" فتيب عليه \"، أو \" فتاب الله عليه \" شك يحيى\".\nقال السندي: قوله: \"لا يدين\" أي: لا ينقاد ولا يعمل على وفق دينه.\n\"لم يبتئر\" بتقديم الهمزة على الراء، أي: لم يقدم لنفسه ولم يدخره.\n\"إما لا\" بكسر الهمزة وتشديد الميم، أصله: \"إن\" الشرطية أدغمت نونها في الميم، \"ما\" المزيدة، أي: إن لا تردوا علي المال ولا ترضوا به فافعلوا ما أقول لكم.\n\"الراهبة\" هي الحالة التي ترهب، أي: تفزع وتخوف.\n\"راهبا\" أي: خائفا.\n(٥) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٨١. والحديث سبق تخريجه.\n(٦) اللسان، مادة\"رهب\": ص ١/ ٤٣٧.\n(٧) اللسان، مادة\"رهب\": ص ١/ ٤٣٧.\n(٨) القائل هو كثير، و(العُصْمُ) جمع الأعصم وهو الوعل، و(العقول) جمع عقل وهو الملجأ وشعف العقول رءوسها وأعاليها، والفارد: الوعل المسن أو الشاب، \"معجم البلدان\" (مدين) ٥/ ٧٧، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٤، وينسب لجرير وهو في \"ديوانه\" ص ٣٠٨، \"اللسان\" (رهب) ٣/ ١٧٤٨، \"تاج العروس\" (رهب) ٢/ ٤٢، وقافيته (الفادر).","vol":"8","page":401},{"text":"رهبانُ مديَن لو رأوك تنزَّلوا ... والعُصمُ من شَعَفِ العَقُول الفادِر\nقوله: «الفادر»: المسن من الوعول. ويقال: العظيم، وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة (١).\nقال الطبري: \" وقد يكون الرهبان واحدًا، وإذا كان واحدًا كان جمعه: رهابين، مثل: قربان وقرابين، وجُرْدان، وجرادين، ويجوز جمعه أيضًا: رهابنة، إذا كان كذلك، ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا، قول الشاعر (٢):\nلَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ في الْقُلَلْ ... لانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنزل\" (٣)\nفان قيل: \"كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمر شريعتنا؟\nفالجواب: أنه مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى: بأن فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمد -ﷺ-\" (٤).\nقال القاضي أبو يعلى: \"وربما ظن جاهل أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما مدح من آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: \" وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد ﷺ، وآمنوا بها\" (٦).\nقال السمرقندي: \" يعني: لا يتعظمون على الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن\" (٧).\nقال ابن ابي زمنين: أي: \" عن عبادة الله، والإيمان بالله\" (٨).\nقال الثعلبي والبغوي (٩): \" لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق\" (١٠).\nقال الرااغب: أي: \" أنهم يتحرون الحق ولا يستكبرون عن قبوله، والضمير في ﴿أنهم﴾ راجع إلى القسيسين والرهبان، وقيل: راجع إلى المعنيين بالدين كلهم\" (١١).\nقال السعدي: \" أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر\" (١٢).\nقال الزمخشري: يعني: \" أنهم قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أن التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني\" (١٣).\nقال البيضاوي: أي: ﴿لايستكبرون﴾ \" عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمود وإن كانت من كافر\" (١٤).\nقال القرطبي: \" وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد ﷺ دون من أصر على كفره ولهذا قال: ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾، أي: عن الانقياد إلى الحق\" (١٥).\nقال السدي: \" بعث النجاشي إلى رسول الله ﷺ اثنى عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه بكوا وأسفوا فأنزل الله فيهم وأنهم لا يستكبرون\" (١٦).\nالفوائد:\n١ - عظم عداوة اليهود والمشركين للإسلام والمسلمين، فوجب المزيد من الحذر من كيدهم وعداوتهم.\n٢ - قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين.\nقال العلّامة ابن باز: \" فالنصارى أقرب وقلوبهم ألين من قلوب اليهود لأن علتهم الجهل والضلال فإذا عرفوا وبين لهم رجع كثير منهم إلى الحق أما علة اليهود فليست الجهل، بل علتهم الحسد والبغي وعلتهم مخالفة الحق على بصيرة فعلتهم خبيثة وهي التكبر عن اتباع الحق والحسد لأهل الحق ولهذا قل وندر من يسلم منهم نعوذ بالله من ذلك\" (١٧).\nوقد عقد الألوسي في تفسيره: روح المعاني. مقارنة بينهما ومما ذكر من ذلك ما يلي (١٨):\nأولا: -ـ اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد، ولذا قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]، والنصارى دون ذلك، وأقرب للإسلام منهم.\nثانيا: - أنهم كفروا بنبيين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والنصارى كفروا بنبي واحد وهو نبينا محمد ﷺ.\nثالثا: - أن فضائح اليهود وفظائعهم أكثر مما عند النصارى، وقول النصارى بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].\nرابعا: -أن من أخص أسباب وصف اليهود بالغضب كونهم قد فسدوا بعد علم، والنصارى فسدوا عن جهل فوصفوا بالضلال، لأن الضال قد يهتدي.\n٣ - فضيلة التواضع، وقبح الكبر.\nفي الحديث الصحيح عن عياض ﵁ قال: قال رسول اللهﷺ-: \" إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد \" (١٩).\n_________\n(١) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٤٩٥، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: ١٠/ ٥٠٣، والقرطبي في تفسيره: ٦/ ٢٥٨ عاين الشيء معاينة وعيانًا: نظر إليه بعينيه مواجهة. ومنه قيل: رأيت فلانًا عيانًا أي: مواجهة. وحق شرح هذا اللفظ هنا أن يقال: لو رمتهم بعينيها مواجهة. والقلل: جمع قلة: وهي رأس الجبل، وإنما عنى بذلك صوامع الرهبان في الجبال.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٠٣.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٥٧٥.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٧٥.\n(٦) التفسير الميسر: ١٢١.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٤١٢.\n(٨) تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٤٢.\n(٩) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٨٧، ولفظه: \" لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق\".\n(١٠) الكشف والبيان: ٤/ ١٠٠.\n(١١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٢١.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٤١.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٦٨ - ٦٦٩.\n(١٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٠.\n(١٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٨.\n(١٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٦٧٥): ص ٤/ ١١٨٤.\n(١٧).مجموع قتاوى ابن باز: ٢٩/ ٢٦٦ - ٢٦٧\n(١٨) انظر: روح المعاني: ١/ ٩٩.\n(١٩) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"8","page":402},{"text":"وفيه أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\" (١).\nقال الشافعي: \"التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة \" (٢).\nقال عباس الدوري: \"حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال: كانت أمي مقعدة من نحو عشرين عامًا فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه، وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت عجوزٌ فقالت: قد تركته يدعو لها، فجئت إلى بيتنا فدققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي\" (٣). قال الذهبي: \"هذه الواقعة نقلها ثقتان عن عباس\" (٤).\nفهذا هو التواضع وهؤلاء هم الناس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام/٩٠].\n\nالقرآن\n﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]\nالتفسير:\nومما يدل على قرب مودتهم للمسلمين أن فريقًا منهم -وهم وفد الحبشة لما سمعوا القرآن- فاضت أعينهم من الدمع فأيقنوا أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى، وصدَّقوا بالله واتبعوا رسوله، وتضرعوا إلى الله أن يكرمهم بشرف الشهادة مع أمَّة محمد ﵇ على الأمم يوم القيامة.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: \" أي إِذا سمعوا القرآن المُنْزَل على محمد رسول الله\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: إنا نَصَارى الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا\" (٦).\nقال الواحدي: \" يعني: النجاشيَّ وأصحابه قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] \" (٧).\nقوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: \" أي فاضت أعينهم بالدمع\" (٨).\nقال الصابوني: أي: \" من خشية الله لرقة قلوبهم وتأثرهم بكلام الله الجليل\" (٩).\nقال البيضاوي: \" عطف على ﴿لا يستكبرون﴾، وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه، والفيض انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها\" (١٠).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٨٨). ورواه الترمذي (٢٣٢٥) بلفظ: (ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ) صححه الألباني في صحيح الترمذي.\n(٢) سير اعلام النبلاء: ٧/ ٣٧٠، والمجموع شرح المهذب: ١/ ٣٢.\n(٣) سير أعلام النبلاء: ١١/ ٢١١.\n(٤) سير أعلام النبلاء: ١١/ ٢١١.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٣٤.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٠٧.\n(٧) الوجيز: ٣٣٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٣٤.\n(٩) صفوة التفاسير: ٣٣٤.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٠.","vol":"8","page":403},{"text":"و«فيض العين من الدمع»، امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه، ومنه قول الأعشى (١):\nففَاضَتْ دُمُوعِي، فَظَلَّ الشُّئُونُ: ... إمَّا وَكِيفًا، وَإِمَّا انْحِدَارَا (٢)\nقال الراغب: \" «الفيض»: سيلان عن امتلاء، وأفضا لسيلانه وفاضته دمعة: إذا امتلأت العين ثم سالت، وعنه اسستعير خبر مستفيض، وأفاض القوم من عرفه، فذكر تعالى أنهم يبكون ويؤمنون بالنبي ﵊\" (٣).\nقال الزمخشري: قوله: \" ﴿تفيض من الدمع﴾، معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعا\" (٤).\nوقوله: ﴿تفيض من الدمع﴾، من أبلغ العبارات، وأنهاها وهي ثلاث مراتب (٥):\nفالأولى: فاض دمع عينه، وهذا هو الأصل.\nوالثانية: محولة من هذه، وهي قول القائل: فاضت عينه دمعا حولت الفعل إلى العين مجازا ومبالغة، ثم نبهت على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز.\nوالثالثة: فيها هذا التحويل المذكور، وهي الواردة في الآية، إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح المنبهة على الأصل وعدم نصب التمييز، وإبرازه في صورة التعليل. والله أعلم.\nوإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز لأن التمييز في مثله قد استقر كونه فاعلا في الأصل في مثل: تصبب زيد عرقا، وتفقأ عمرو شحما، واشتعل الرأس شيبا، وتفجرت الأرض عيونا. فإذا قلت: فاضت عينه دمعا، فهم هذا الأصل في العادة في أمثاله. وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك. ألا تراك تقول: فاضت عينه من ذكر الله كما تقول فاضت عينه من الدمع، فلا يفهم التعليل ما يفهم التمييز.\nعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانوا يُرَوْن أن هذه الآية أنزلت في النجاشي: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ \" (٦).\nقال السدي: \" بعث النجاشي إلى النبيّ -ﷺ- اثنى عشر رجلا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، فبكوا. وكان منهم سبعة رهبانٍ وخمسة قسيسين أو: خمسة رهبان، وسبعة قسيسين، فأنزل الله فيهم: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾، إلى آخر الآية\" (٧).\nقال ابن عباس: \" بعث رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال: تعرفون ما أنزل إليكم قالوا نعم، قال: اقرءوا، فقرءوا وهنالك منهم قسيسين ورهبان وساير النصارى، فجعلت طائفة كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم ﴿مما عرفوا من الحق ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ \" (٨).\n_________\n(١) ديوانه: ٣٥. من قصيدته في قيس بن معد يكرب الكندي.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥٠٧.\n(٣) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٢١.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٦٩ - ٦٧٠.\n(٥) انظر: حاشية الانتصاف: ١/ ٦٦٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٣٢٨): ص ١٠/ ٥٠٨.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٣٢٥): ص ١٠/ ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٧٧): ص ٤/ ١١٨٤.","vol":"8","page":404},{"text":"قال ابن شهاب: \"أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري. وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ثم دعا جعفر ابن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إلى قوله: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ \" (١).\nقال عبدالله بن الزبير: \" نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾، وقوله: ﴿يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ \" (٢).\nقال قتادة: \" هم أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ﵊، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيه محمد ﷺ فصدقوا وآمنوا به وعرفوا الذي جاء به أنه الحق من الله فأثنى عليهم كما تسمعون قوله تعالى: ﴿ترى أعينهم﴾ \" (٣).\nقال سعيد عن عمرو بن مرة: \"قدم على أبي بكر الصديق وفد من اليمن، فقالوا: اقرأ علينا القرآن، فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: كذا كنا حتى قست القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعة حين يقرأ القرآن\" (٤).\nقال التستري في تفسير هذه الآية: \"هم القسيسون والرهبان، كان الناس يتمسحون بهم لعلمهم في الدين، قدموا على النبي ﷺ فقرأ عليهم القرآن، فرقوا له، ففاضت أعينهم ولم يستكبروا، بعصمة الله إياهم عن الاستكبار، فدخلوا في دينه لما وضع الله تعالى من علمه فيهم\". ثم قال: \"فساد الدين بثلاث:\n- الملوك إذا أخذوا في السرف والشهوات.\n- والعلماء إذا أفتوا بالرخص.\n- والقراء إذا تعبدوا بغير علم.\nوإن العلماء يحتاج إليهم الخلق في الدنيا والآخرة، وقد حكي عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، يزورون ربهم في كل جمعة فيقال لهم: تمنوا ما شئتم. فينطلقون إلى العلماء، فيقول لهم العلماء: تمنوا كذا تمنوا كذا، فيتمنون» (٥) \" (٦).\nوقرئ: «ترى أعينهم»، على البناء للمجهول (٧).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: \" من أجل معرفتهم أنه أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى\" (٨).\nقال البيضاوي: \" ﴿مما عرفوا من الحق﴾، ﴿من﴾ الأولى للابتداء، والثانية لتبيين ﴿ما عرفوا﴾، أو للتبعيض بأنه بعض ﴿الحق﴾، والمعنى: أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله\" (٩).\nقال الواحدي: \" يريد: الذي نزل على محمَّد وهو الحقُّ\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٧٨): ص ٤/ ١١٨٥.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٧٨٠): ص ٤/ ١١٨٥.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٧٦): ص ٤/ ١١٨٤.\n(٤) أخرجه الثعلبي في تفسيره: ٤/ ١٠٠.\n(٥) كشف الخفاء ١/ ٢٦٣، ولسان الميزان ٥/ ١٥، وفيهما أن الحديث موضوع ..\n(٦) تفسير التستري: ٦٠، انظر مثل هذا القول للتستري في الحلية ١٠/ ٢٠٦.\n(٧) انظر: فتح القدير: ٢/ ٧٨.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٣٤، والتفسير الميسر: ١٢١\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٠.\n(١٠) الوجيز: ٣٣٢.","vol":"8","page":405},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: \" أي يقولون يا ربنا صدقنا بنبيّك وكتابك\" (١).\nقال البيضاوي: \" ﴿آمنا﴾، بذلك أو بمحمد\" (٢).\nقال الشوكاني: \" أي: آمنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد وبمن أنزلته عليه\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" يا ربنا، صدَّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد ﷺ من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك، وأنه الحق لا شك فيه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: فاكتبنا \"مع أمة محمد ﵇ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: من\"الذين شهدوا بأنه حق، أو بنبوته، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة\" (٦).\nقال الشوكاني: أي: \" على الناس يوم القيامة من أمة محمد أو مع الشاهدين، بأنه حق، أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس\" (٧).\nقال الزجاج: \" أي: مع من شهد من أنبيائك ﵈ ومؤمني عبادك بأنك لا إله\nغيرك\" (٨).\nقال الواحدي: \" مع أمَّة محمَّد ﷺ الذين يشهدون بالحق\" (٩).\nقال السمعاني: \" يعني: من أمة محمد؛ فإنهم الشاهدون على سائر الأمم\" (١٠).\nقال الثعلبي: \" يعني أمة محمد -﵇- دليله قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] \" (١١).\nقال ابن أبي زمنين: أي: \" مع من شهد بما جاء به محمد أنه حق\" (١٢).\nقال الراغب: \" ويتضرعون إلى الله أن يجعلهم من جملة من وصفهم بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومعنى: ﴿فاكتبنا﴾، أي: اجعلنا منهم وثبتنا في جملتهم\" (١٣).\nعن ابن عباس: \" ﴿اكتبنا مع الشاهدين﴾، قال: أمة محمد -ﷺ-\" (١٤).\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: \" ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾، قال: محمد ﷺ وأمته، إنهم شهدوا أنه قد بلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت\" (١٥).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٣٤.\n(٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٠.\n(٣) فتح القدير: ٢/ ٧٨.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٠٩.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٣٤.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٠.\n(٧) فتح القدير: ٢/ ٧٨.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٠.\n(٩) الوجيز: ٣٣٢.\n(١٠) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٨.\n(١١) تفسير الثعلبي: ٤/ ١٠٠.\n(١٢) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٤٢.\n(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٢٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٢٣٣١): ص ١٠/ ٥٠٩.\n(١٥) أخرجه الطبري (١٢٣٣٣): ص ١٠/ ٥٠٩، والحاكم ٢/ ٣١٣ وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"8","page":406},{"text":"فذهب ابن عباس إلى أن ﴿الشاهدين﴾، هم الشهداء في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهم أمة محمد -ﷺ-، ومعنى الكلام: يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك (١).\nوقال الحسن: \"الذين يشهدون بالإيمان\" (٢).\nوقال أبو علي: \"الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك\" (٣).\nقال السعدي: قوله ﴿الشاهدين﴾ \" هم أمة محمد ﷺ، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاءوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب، وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] \" (٤).\nالفوائد:\n١ - فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها.\n٢ - أن البكاء من خشية الله هو شعار المؤمنين المتقين.\nروى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٥).\nوقد كان النبي ﷺ كثير البكاء من خشية الله، وكذلك الصالحون من قبل ومن بعد، وقد توعد الله أصحاب القلوب القاسية بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِين (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢].\n٣ - ويستفاد من الآية قرأ منع قراءة القرآن بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يثمر ضد الخشوع، ونقيض الخوف والوجل، وقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ.\nفأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ !\nقال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.\nفليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ !\nأألحان الملحنين، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ !\nقال بهز بن حكيم: \" صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فخر ميتا، فكنت ممن حمله \" (٦).\nوقال أبو الربيع إدريس الخولاني: \" كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين \" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥١٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٩.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٥) سنن الترمذي (١٦٣٩)، وقال حديث ابن عباس حديث حسن غريب وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٤١١٣).\n(٦) أخرجه ابن ابي عاصم في الزهد: ١/ ٢٤٧.\n(٧) انظر: الحوادث والبدع/٦١، ولم أجده.","vol":"8","page":407},{"text":"ووري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: \"لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال عمر لما بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، قال: لهذا أجري الحديث (١).\nوإنما كان همه في معنى الآية، لا في ترجيع ونغمة.\nقال ابن أبي عبلة: \" كانت أم الدرداء تأتينا من دمشق إلى بيت المقدس على بغلة لها، فإذا مرت بالجبال؛ تقول لقائدها: أسمع الجبال ما وعدها ربها، فيرفع صوته بهذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ \" (٢).\nوروى مالك قال: \" قيل لزيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه \" (٣).\n\nالقرآن\n﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٤]\nالتفسير:\nوقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد ﷺ من عند الله، واتباعنا له، ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة؟\nقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٤]، أي: \" وقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد ﷺ من عند الله، واتباعنا له\" (٤).\nقال الزجاج: \" المعنى: أي شيء لنا تاركين للإيمان، أي: في حال تركنا للإيمان، وذلك أن قومهم عنفوهم على إيمانهم، فأجابوهم بأن قالوا ما لنا لا نؤمن بالله\" (٥).\nقال البغوي: \" وذلك أن اليهود عيروهم وقالوا لهم: لم آمنتم؟ فأجابوهم بهذا\" (٦).\nقال السمرقندي: \" معناه: وما لنا لا نصدق بالله أن محمدا رسوله، والقرآن من عنده، وما جاءنا من الحق\" (٧).\nقال السعدي: \" فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: ﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، الذي لا يقبل الشك والريب\" (٨).\nقال المراغي: \" أي: وأى مانع يمنعنا من الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، ويصدنا عن اتباع ما جاءنا من الحق على لسان هذا النبي الكريم، بعد أن ظهر لنا أنه هو روح الحق الذي بشر به المسيح؟ \" (٩).\nقال الزمخشري: \" ﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾: إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين: وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك. أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا مثلثين، وذلك ليس بإيمان بالله\" (١٠).\nقال ابن عطية: \" قولهم وما لنا توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم آمنتم وعجلتم، فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير\" (١١).\nقال ابن كثير: \" وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] \" (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤]، أي: \" ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة\" (١٣).\nقال ابن زيد: \" «القومُ الصالحون»، رسولُ الله -ﷺ- وأصحابُه\" (١٤).\nقال الطبري: أي: \" ونحن نطمَعُ بإيماننا بذلك أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين\" (١٥).\nقال البغوي: \" أي: في أمة محمد ﷺ، بيانه ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] \" (١٦).\nقال السمرقندي: \" يقول: نرجو، أن يدخلنا ربنا مع المؤمنين الموحدين في الجنة\" (١٧).\nقال السعدي: أي: \" ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه\" (١٨).\nقال المراغي: \" وإننا لنطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة، والفضائل والآداب الكاملة، وهم أتباع هذا النبي الكريم الذين استبان لنا أثر صلاحهم وشاهدناه بأعيننا بعد ما كان منهم من فساد فى الأرض وعتو كبير فى جاهليتهم، والخلاصة- إنه لا مانع لنا من هذا الإيمان بعد أن تظاهرت أسبابه، وتحققت موجباته فوجب علينا الجري على سننه، واتباع نهجه وطريقه\" (١٩).\nقال الماتريدي: قال الحسن: قوله - تعالى -: ﴿ونطمع﴾: أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق.\nقيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين، و﴿الصالحين﴾: يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل\" (٢٠).\nالفوائد:\n_________\n(١) الدر المنثور: ١٥/ ٢٦٧.\n(٢) انظر: الحوادث والبدع/٦٢، ولم أجده.\n(٣) أخرجه الغمام مالك في الموطأ (٤٧٢): ص ١/ ٢٠٠، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٤٣):: ص ٢/ ٣٦٠، وانظر: شرح الزرقاني: ٢/ ١٣.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٥) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٠.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ٨٨.\n(٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٤١٢.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٩) تفسير المراغي: ٧/ ٨.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٧٠.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٢٧.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٩.\n(١٣) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١٤) أخرجه الطبري (١٢٣٣٥): ص ١٠/ ٥١١ - ٥١٢.\n(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٥١١.\n(١٦) تفسير البغوي: ٣/ ٨٨.\n(١٧) تفسير السمرقندي: ١/ ٤١٢.\n(١٨) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(١٩) تفسير المراغي: ٧/ ٨.\n(٢٠) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٧٤، ولم اقف على قول الحسن.","vol":"8","page":408},{"text":"١ - فضل الكتابي إذا أسلم. وحسن إسلامه.\n٢ - دفع اللوم عن الإنسان، فينبغي للغنسان ان يدفع اللوم عن نفسه، ولا يُبقي عرضه لعباد الله يعملون ما يشاءون فيه، قال تعالى: ﴿وما لنا لانؤمن بالله﴾، وكذلك حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، وذلك عند رؤية الفتور، إذ يجب تقوية العزيمة.\n٣ - أن ماجاء به الرسولﷺ- حق بشهادة من سبق من الأمم، لقوله: ﴿وما جاءنا من الحق﴾.\n٤ - ومنها: اختيار الرفيق الصالح لقوله: ﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحيم﴾، قال الرسولﷺ-: \"مثل الجليس الصالح كحامل المسك/ إما أن يبيعك أو يحذيك، أو تجد منه رائحة طيبة\" (١).\n\nالقرآن\n﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ [المائدة: ٨٥]\nالتفسير:\nفجزاهم الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام، وطلبهم أن يكونوا مع القوم الصالحين، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها لا يخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، وذلك جزاء إحسانهم في القول والعمل.\nقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: \" فجزاهم الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام، وطلبهم أن يكونوا مع القوم الصالحين\" (٢).\nقال السمعاني: \" أي: أعطاهم الله بما قالوا\" (٣).\nقال السمرقندي: أي: \" من التوحيد\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" فجزاهم الله بقولهم: ﴿ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءَنا من الحق ونطمع أن يدخلَنا ربَّنا مع القوم الصالحين﴾ \" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أى اعتقاده وما يذهب إليه\" (٧).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥]، وجهان:\nاحدهما: معناه: بما قاولا من التوحيد. قاله الكلبي (٨).\nقال الواحدي: \" وعلى هذا إنما علق الثواب بمجرد القول؛ لأنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة في قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ والبكاء المؤذن بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب ومعرفتة، والقول إذا اقترن به المعرفة والإخلاص فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب\" (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (٢٨١٦) ..\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣) تفسير السمعاني: ٢/ ٥٩.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤١٢.\n(٥) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٩.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٧٠.\n(٨) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٤٩٨، وتنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٢.\n(٩) التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٤٩٨.","vol":"8","page":409},{"text":"والثاني: يريد: بما سألوا، يعني قولهم: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾ الآية. وهذا قول ابن عباس (١)، وعطاء (٢).\nوهذا يدل على مسألتهم الجنة، فعلى هذا التفسير، القول: معناه: المسألة (٣).\nوظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥]، يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول، وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب، وأجابوا عنه من وجهين (٤):\nالأول: أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة، وذلك هو قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣]، فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا جرم كمل الإيمان.\nالثاني: أن قوله: ﴿بما قالوا﴾، يريد بما سألوا، يعني قولهم: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣].\nقال البغوي: \" وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله: ﴿وذلك جزاء المحسنين﴾ \" (٥).\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا ..﴾، دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم، فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم- وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة\" (٦).\nوقرأ الحسن: «فآتاهم الله بما قالوا» (٧).\nقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: \" جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار\" (٨).\nقال الطبري: \" يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار\" (٩).\nقال أبو مالك: \" يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها\" (١٠).\nقال عبد الله: \"أنهار الجنة تفجر من جبل مسك\" (١١).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: \" ماكثين فيها لا يخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها\" (١٢).\nقال ابن عباس: \" يخبرهم أن الثواب مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له\" (١٣).\nقال الطبري: \" يقول: دائمًا فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوَّلون عنها\" (١٤).\nقال ابن كثير: \" أي: ساكنين فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون\" (١٥).\nقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، أي: \" وذلك جزاء إحسانهم في القول والعمل\" (١٦).\n_________\n(١) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤١٦. في رواية عطاء عنه.\n(٢) انظر: التفسير البسيط، للواحدي: ٧/ ٤٩٨، وكذلك التفسير الوسيط له: ٢/ ٢١٩.\n(٣) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٧/ ٤٩٨.\n(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤١٦.\n(٥) تفسير البغوي: ٣/ ٨٨.\n(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٦٠.\n(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٧٠.\n(٨) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٩) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٨٥): ص ٤/ ١١٨٦.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٨٤): ص ٤/ ١١٨٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٨٦): ص ٤/ ١١٨٦.\n(١٤) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٢.\n(١٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٩.\n(١٦) التفسير الميسر: ١٢٢.","vol":"8","page":410},{"text":"قال ابن عباس: \"الموحدين\" (١).\nوقال الكلبي: \"المؤمنين\" (٢).\nقال البغوي: \" يعني: الموحدين المؤمنين\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: ثواب الموحدين المطيعين\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: وهذا الذي جَزَيتُ هؤلاء القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاءُ كل محسنٍ في قِيله وفِعله\" (٥).\nقال ابن كثير: \"أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان\" (٦).\nالفوائد:\n١ - بيان فضل اللع ﷿، إذ اثاب هؤلاء الذين منّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم.\n٢ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾.\n٣ - إثبات الجنة وأنها أنواع، لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وأنها ذات انهار، لقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وهي أيضا أنواع. كما دلّت الآية على أن نعيم الجنة دائم، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.\n٤ - الحثّ على الإحسان، لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، إذ اشار إليه بإشارة البعيد.\n٥ - أن الآية تدل على أن المصدِّق بقلبه، الموقن، المخلص من النفاق يُسمَّى مُحسنًا، ويستحقُّ ما وعد الله به المحسنين، قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، فجعلهم من المحسنين بقولهم، وهو ما قدم من قولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِين﴾ [المائدة: ٨٤].\nويوضحه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وصح في تفسير ذلك مرفوعًا أن التثبيت في الآخرة بذلك هو الشهادتان في القبر عند المسألة (٧)، وأنه بعد شهادتهما يُبَشَّرُ، ويرى مقعده من الجنة، ولا يُمتَحَنُ بالسؤال عن غيرهما في جميع الأخبار المتفق على صحتها.\nويشهد لمعنى ذلك شواهدُ كثيرةٌ، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٨).\n٦ - احتج بعض الناس بهذه الآية، أن الإيمان هو مجرد القول، لأنه قال: فأثابهم الله بما قالوا ولكن لا حجة لهم فيها، لأن قولهم كان مع التصديق، والقول بغير التصديق، لا يكون إيمانا. افاده السمرقندي (٩).\n\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾ [المائدة: ٨٦]\nالتفسير:\nوالذين جحدوا وحدانية الله وأنكروا نبوة محمد ﷺ، وكذَّبوا بآياته المنزلة على رسله، أولئك هم أصحاب النار الملازمون لها.\n_________\n(١) انظر: نسبه لابن عباس في زاد المسير ٢/ ٤١٠، والتفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٩، والتفسير البسيط: ٧/ ٤٩٨.\n(٢) انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٨.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ٨٨.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤١٢.\n(٥) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٢.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٦٩.\n(٧) أخرجه من حديث البراء البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذي (٣١٢٠)، والنسائي ٦/ ١٠١، وابن ماجه (٤٢٦٩).\n(٨) انظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة ابي القاسم: ٩/ ٢٠٤.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٤١٢.","vol":"8","page":411},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٦]، أي: \" والذين جحدوا وحدانية الله وأنكروا نبوة محمدﷺ-\" (١).\nقال القرطبي: أي: \" من اليهود والنصارى ومن المشركين\" (٢).\nقال القاسمي: أي: \" وكذبوا بحجج الله وبراهينه\" (٣).\nقال الآلوسي: \" أي: حجبوا عن الذات\" (٤).\nقال السعدي: أي: \" كفروا بالله\" (٥).\nقال المراغي: \" أي: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا نبوة محمدﷺ-\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [المائدة: ٨٦]، أي: \" وكذَّبوا بآياته المنزلة على رسله\" (٧).\nقال القاسمي: \" أي: الذين جحدوا الحق الذي جاءهم\" (٨).\nقال الآلوسي: أي: \"الدالة على التوحيد\" (٩).\nقال السعدي: أي: \" كذبوا بآياته المبينة للحق\" (١٠).\nقال المراغي: أي: \"وكذبوا بآيات كتابه\" (١١).\nقال ابو السعود: \" عطف التكذيب بآيات الله على «الكفر» مع أنه ضرب منه لما أن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم بمقابلة المصدقين بها جمعا بين الترغيب والترهيب (١٢).\nقال الشوكاني: \" التكذيب بالآيات كفر فهو من باب عطف الخاص على العام\" (١٣).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٦]، أي: \" أولئك هم أصحاب النار الملازمون لها\" (١٤).\nقال المراغي: أي: \" سكانها المقيمون فيها لا يبرحونها\" (١٥).\nقال القاسمي: \" أي: النار الشديدة الحرارة. جزاء وفاقا\" (١٦).\nقال الآلوسي: أي: \" لحرمانهم الكلي واحتجابهم بنفوسهم وصفاتها\" (١٧).\nقال الشيخ ابن عثيمين: والجحيم هي النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمة مرءاها\" (١٨).\nو«الجحيم»: النار الشديدة الاتقاد. يقال: جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. ويقال أيضا لعين الأسد: جحمة، لشدة اتقادها. ويقال ذلك للحرب، أي: جاحم الحرب هو شدة القتال في معركتها، قال الشاعر (١٩):\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٦٠.\n(٣) محاسن التأويل: ٤/ ٢٢٣.\n(٤) روح المعاني: ٤/ ٩.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٦) تفسير المراغي: ٧/ ٩.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٨) محاسن التأويل: ٤/ ٢٢٣.\n(٩) روح المعاني: ٤/ ٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(١١) تفسير المراغي: ٧/ ٩.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ٣/ ٧٣.\n(١٣) فتح القدير: ٢/ ٧٩.\n(١٤) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١٥) تفسير المراغي: ٧/ ٩.\n(١٦) محاسن التأويل: ٤/ ٢٢٣.\n(١٧) روح المعاني: ٤/ ٩.\n(١٨) تفسير جزء عم لابن عثيمين: ٧٣.\n(١٩) البيتان لسعد بن مالك بن ضبيعة، وكان شاعرًا جاهليًا مجيدًا وفارسًا من سادات بكر بن وائل، انظر الحماسة بشرح التبريزي: (١/ ١٩٢).","vol":"8","page":412},{"text":"الْحَرْبُ لَا يَبْقَى لِجَاحِمِهَا ... التَّخَيُّلُ وَالْمَرَاحُ\nإِلَّا الْفَتَى الصَّبَّارُ فِي ... النَّجَدَاتِ وَالْفَرَسُ الْوَقَاح (١)\nوقال ابن فارس: \"الجاحم: المكان الشديد الحر\" (٢)، وأنشد قول الأعشى (٣):\nيُعِدُّونَ لِلْهَيْجَاءِ قَبْلَ لِقَائِهَا ... غَدَاةَ احْتِضَارِ الْبَأْسِ وَالْمَوْتُ جَاحِمُ\nوقال قومٌ: الجَحَّامُ الذي يتحرقُ حرصًا وبُخْلًا، أخذ من الجحيم وهي النار المسْتَحْكِمةُ والمُتَلَظِّيَة. قال (٤):\nجحيمًا تلظى لا تفترُ ساعة ... ولا الحر منها غابر الدهر يبردُ (٥)\nوقال الفراء: \"الجحيمُ: الجمرُ الذي بعضه على بعض\" (٦).\nوقال ابن الأنباري: \"قال أحمد بن عبيد: إنما قبل للجحيم: جحيم لأنها أُكْثِرَ وقودها، أُخذ من قول العرب: قد جَحَمْتُ النار: إذا أكثرتُ وقودها. قال عمران بن حطان (٧):\nيرى طاعة الله الهدى وخلافهم ... الضلالة يُصلي أهلها جاحم الجمر\" (٨)\nالفوائد:\n١ - بيان مصير الكافرين والمكذبين وهو خلودهم في نار جهنم.\n٢ - استعمال القرآن أسلوب الترغيب والترهيب بذكره الوعيد بعد الوعد.\n٣ - الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلدا في النار، وبيانه من وجهين (٩):\nالأول: أنه تعالى قال في الآية السايقة: ﴿وذلك جزاء المحسنين﴾، وهذا الإحسان لا بد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣] ومن الإقرار به، وهو قوله: ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾، وإذا كان كذلك، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة، وهذا الإقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الإقرار، فوجب أن يحصل له هذا الثواب، فأما أن ينقل من الجنة إلى النار وهو باطل بالإجماع، أو يقال: يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة وذلك هو المطلوب.\nالثاني: هو أنه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٦]، فقوله: ﴿أولئك أصحاب الجحيم﴾، يفيد الحصر، أي: أولئك أصحاب الجحيم لا غيرهم، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه، فهذا يقتضي تخصيص هذا الدوام بالكفار، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق.\n\nالقرآن\n_________\n(١) انظر: الدلالئل في غريب الحديث: ٣/ ١١٣٢، وجمهرة اللغة: ١/ ٥٦٢، وتهذيب اللغة: ٤/ ١٠٢، واللسان: ١٢/ ٨٥، وتاج العروس: ٣١/ ٣٧٢، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٠٠، وتفسيرالقرطبي: ٦/ ٢٦٠، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٥٧٠.\nالنجَدَات: الشدائد. الوَقَاح: الشديد الحافر.\n(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، مادة\"جحم\": ص ٥/ ١٨٨٣، ومقاييس اللغة، مادة\"جحم\": ص ١/ ٤٢٩، ومجمل اللغة: ١٧٧.\n(٣) البيت للأعشى في اللسان، مادة جحم\": ص ١٢/ ٨٤، ومقاييس اللغة، مادة\"جحم\": ص ١/ ٤٢٩، ومجمل اللغة: ١٧٧، وتاج العروس، مادةجحم\"، وليس في ديوانه الذي يتضمن قصيدة على وزن البيت ورويه.\n(٤) لا عزو في المذكر والمؤنث لابن الأنباري ٣٧١، والإبانة في اللغة العربية للصحاري: ٢/ ٣٦٨.\n(٥) انظر: الإبانة في اللغة العربية: ٢/ ٣٦٨.\n(٦) المذكر والمؤنث لابن الأنباري ٢٧٧.\n(٧) شعر الخوارج ١٧١.\n(٨) المذكر والمؤنث: ٢٧٧.\n(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ١٢/ ٤١٦.","vol":"8","page":413},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]\nالتفسير:\nيا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيقوا ما وسَّع الله عليكم، ولا تتجاوزوا حدود ما حرَّم الله. إن الله لا يحب المعتدين.\nفي سبب نزول الآية ثلاثة اقوال:\nأحدها: عن عبد الله بن عباس -﵄-: \"أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي؛ فحرمت عليّ اللحم؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (١). [صحيح لغيره]\nالثاني: عن عبد الله بن عباس -﵄-: \"قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ قال: هم رهط من أصحاب النبي - ﷺ - قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسبح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فأرسل إليهم فذكر لهم، فقالوا: نعم، فقال النبي - ﷺ -: «لكنى أصوم وافطر، وأصلي وانام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي؛ فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي؛ فليس مني» \" (٢). [حسن]\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٥٥، ٢٥٦ رقم ٣٠٥٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٢٧٧ رقم ١١٩٨١)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٥٠): ص ١٠/ ٥٢٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦٨٧): ص ٤/ ١١٨٦، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٨١٧)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٣٧) من طريق عثمان بن سعد الكاتب عن عكرمة عن ابن عباس به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه عثمان هذا وهو ضعيف؛ ضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" (٦/ رقم ٨٣٨)، و\"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٣٧٦ - ٣٧٨)، و\"التقريب\" (٢/ ٩).\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\".\nلكن للحديث شواهد تدل على أن له أصلًا، ومعناه صحيح؛ فيرتقي الحديث إلى درجة الصحيح لغيره.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٩) وزاد نسبته لابن مردويه.\nوقد قال الترمذي عقب الحديث: \"ورواه بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلًا، ليس فيه عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلًا\".\nيشير الترمذي إلى أن عثمان بن سعد قد خولف في إسناده.\nفقد أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٣٧)، (١٢٣٣٨)، (١٢٣٤٠): ص ١٠/ ٥١٤ - ٥١٥، من طريق يزيد بن زريع وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي ثلاثتهم عن خالد الحذاء عن عكرمة؛ قال: كان أناس من أصحاب النبي - ﷺ - هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾. هذا لفظ يزيد.\nقلنا: وهذا سند صحيح كالشمس إلى عكرمة؛ لكنه مرسل.\nفقد خالف عثمان بن سعد خالدًا لحذاء فوصله، والصواب رواية خالد؛ لأنه ثقة من رجال الشيخين بخلاف عثمان.\nفتبين أن الصواب في الحديث هو الإرسال، لكن له شواهد تؤكد معناه وتثبت صحته، وانظر الأحاديث والآثار الآتية.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٤٦): ص ١٠/ ٥١٨: ثني المثنى، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٨٧ رقم ٦٦٨٩): ثنا أبي، كلاهما قال: ثنا عبد الله بن صالح -كاتب الليث- ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عنه به.\nقلنا: وهذا سند حسن، وقد أعلّ بعلتين وهما ليستا بشيء:\nالأولى: الانقطاع بين علي وابن عباس، وقد تقدم مرارًا أن رواية علي عن ابن عباس محمولة على الاتصال؛ كما نص على ذلك أهل العلم كابن حجر وغيره.\nالثانية: ضعف عبد الله بن صالح؛ لكن الراوي عنه هنا أبو حاتم الرازي الثقة الحافظ، وقد قال الحافظ ابن حجر في \"هدي الساري\" (ص ٤١٤): \"ظاهر كلام هؤلاء الأئمة: أن حديثه في الأول كان مستقيمًا ثم طرأ عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق؛ كيحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم، فهو من صحيح حديثه. .. \".\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٩) وزاد نسبته لابن مردويه.","vol":"8","page":414},{"text":"قال أبو مالك: \" نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه حرموا عليهم كثيرًا من الطيبات والنساء، فهَمَّ بعضهم أن يقطع ذكره؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ \" (١). [صحيح]\nقال قتادة: \" نزلت في أناس من أصحاب النبي ﷺ، أرادوا أن يتخلَّوا من الدُّنيا، ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون\" (٢). [ضعيف]\nوقال مجاهد: \" أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويُخْصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح؛ فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ \" (٣). [ضعيف]\nعن المغيرة بن عثمان؛ قال: \"كان عثمان بن مظعون وعلي وابن مسعود والمقداد وعمار أرادوا الاختصاء، وتحريم اللحم، ولبس المسوح في أصحاب لهم، فأتى النبي - ﷺ - عثمان بن مظعون، فسأله عن ذلك؛ فقال: قد كان بعض ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أنكح النساء وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وألبس الثياب، لم آت بالتبتل ولا بالرهبانية، ولكن جئت بالحنيفية السمحة، ومن رغب عن سنتي؛ فليس مني\"، قال ابن جريج: فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ \" (٤). [ضعيف]\nوعن عكرمة: \"أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحابٍ، تبتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزَلوا النساءَ، ولبسوا المسوحَ، وحرَّموا طيبات الطعام واللِّباس إلا ما أكل ولبس أهل السِّيَاحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالإخصَاء، وأجمعُوا لقيام الليلِ وصيام النهار، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ \" (٥). [ضعيف]\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٤/ ١٥١٥ رقم ٧٧١ - تكملة)، والطبري في \"جامع البيان\" (٧/ ٧)، وأبو داود في \"مراسيله\" (رقم ٢٠١) من طريقين عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أبي مالك به.\nقلنا: وهذا مرسل صحيح الإسناد، أما ما يخشى من أن حصينًا تغيّر حفظه بآخره فالراوي عنه عند أبي داود وسعيد بن منصور هو خالد الطحان وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٣٤٢): ١٠/ ٥١٥: ثنا ابن وكيع ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم به.\nقلت: وهذا سند ضعيف؛ مسلسل بالعلل:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: المغيرة؛ ثقة متقن؛ إلا أنه كان يدلس، ولا سيما عن إبراهيم؛ كما في \"التقريب\" (٢/ ٢٧٠).\nالثالثة: سفيان بن وكيع شيخ الطبري؛ قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣١٢):\n\"كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه؛ فأدخل عليه ما ليس من حديثه؛ فنصح؛ فلم يقبل؛ فسقط حديثه\".\n(٣) أخرجه سنيد في \"تفسيره\" -ومن طريقه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٤٨): ١٠/ ٥١٩ -: ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ فيه علل:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\nالثالثه: سنيد صاحب \"التفسير\"؛ ضعيف؛ ضعفه أبو حاتم، والنسائي، وابن حجر وغيرهم.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٢) وزاد نسبته لأبي الشيخ.\n(٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٣) ونسبه لأبي الشيخ.\n(٥) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٢) ونسبه لابن المنذر والطبري وأبي الشيخ.\nوهو عند الطبري في جامع البيان (١٢٣٤٨): ١٠/ ٥١٩، من طريق سنيد صاحب \"التفسير\" ثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة به.\nقلنا: وسنده ضعيف أيضًا؛ فيه ثلاث علل:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: ابن جريج لم يسمع من عكرمة.\nالثالثة: سنيد صاحب \"التفسير\" ضعيف.","vol":"8","page":415},{"text":"وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: \"كانوا عشرة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» ونزلت هذه الآية\" (١). [ضعيف جدا]\nوعن الحسن العرني؛ قال: \"كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ \" (٢). [ضعيف]\nوعن السدي: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين﴾، \" وذلك أنّ رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التَّخويف. فقال أناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما خِفْنا إن لم نُحْدِث عملا! فإنّ النصارى قد حرَّموا على أنفسهم، فنحن نحرِّم! فحرَّم بعضهم أكل اللَّحم والوَدَك، وأن يأكل بالنهار، وحرَّم بعضهم النوم، وحرَّم بعضهم النساء. فكان عثمان بن مظعون ممَّن حرم النساءَ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساءِ النبيّ ﷺ: ما بالُك، يا حولاءُ متغيِّرةَ اللون لا تمتشِطين ولا تطيَّبين؟ فقالت: وكيف أتطيَّب وأمتشط، وما وقع عليّ زوجي، ولا رفع عني ثوبًا، منذ كذا وكذا! فجعلن يَضحكن من كلامها. فدخل رسول الله ﷺ وهنّ يضحكن، فقال: ما يضحككن؟ قالت: يا رسول الله، الحولاءُ، سألتها عن أمرها فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا! فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟ قال: إني تركته لله لكي أتخلَّى للعبادة! وقَصَّ عليه أمره. وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ: أقسمتُ عليك إلا رجعت فواقعتَ أهلك! فقال: يا رسول الله إني صائم! قال: أفطر! فأفطر، وأتى أهله. فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيَّبت. فضحكت عائشة، فقالت: ما بالك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس! فقال رسول الله ﷺ: ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النساء، والطعامَ، والنومَ؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني! فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾، يقول لعثمان: لا تَجُبَّ نفسك. فإن هذا هو الاعتداء وأمرهم أن يكفِّروا أيْمانهم، فقال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللَّغو في أيمانكم ولكن يُؤَاخذكم بما عقّدتم الأيمان﴾ \" (٣). [ضعيف جدا]\nوالثالث: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: \" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ قال: \"قال أبي: ضاف عبد الله بن رواحة ضيف، فانقلب ابن رواحة ولم يتعش، فقال لأهله: ما عشيته؟ فقالت: كان الطعام قليلًا فانتظرت\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٧٧، عزاه المصنف لأبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح غير ثقة في روايته عن ابن عباس، وراويته هو الكلبي، وهو ممن يضع الحديث، وذكر أبي بكر وعمر في هذا الحديث غريب جدا ..\n(٢) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٣) ونسبه لابن مردويه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٣٤٥): ص ١٠/ ٥١٧ - ٥١٨: ثني محمد بن الحسين ثنا أحمد بن مفضل ثنا أسباط عن السدي به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف جدًا؛ فيه علل:\nالأولى: الإعضال، فلم يصح أن السدي روى عن واحد من الصحابة.\nالثانية: أسباط بن نصر؛ صدوق، كثير الخطأ، يغرب.\nالثالثة: محمد بن الحسين لم نجد له ترجمة.\nوهذا المتن أصله محفوظ بشواهده المرسلة والموصولة.","vol":"8","page":416},{"text":"أن تأتي، قال: فحبست ضيفي من أجلي؛ فطعامك عليّ حرام إن ذقته، فقالت: هي وهو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذقه، وقال الضيف: هو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذوقوه، فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قربي طعامك، كلوا بسم الله، وغدا إلى النبي - ﷺ - فأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أحسنت\"؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقرأ حتى بلغ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وإذا قلت: والله لا أذوقه؛ فذلك العقد\" (١). [ضعيف جدًا]\nوالظاهر - والله أعلم - أن القول الأول هو سبب نزول الآية وإن كان الصحيح فيه الإرسال، لأمور ثلاثة:\nأحدها: التصريح بالسببية.\nالثاني: مطابقة سياق الحديث للفظ الآية، إذ أن قوله: \"فحرمت عليَّ اللحم\"، يوافق قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nالثالث: الاحتجاج به عند جمهور المفسرين.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (٤).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: \" لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيقوا ما وسَّع الله عليكم\" (٦).\nقال السعدي: أي: \" من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله الكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا\" (٧).\nقال البيضاوي\": ﴿طيبات ما أحل الله لكم﴾، أي: ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإفراط في ذلك\" (٨).\nقال أبو السعود: \" أي: لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا\" (٩).\nقال الزمخشري: \" ﴿طيبات ما أحل الله لكم﴾، ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم. أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا (١٠) \" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٤٩): ص ١٠/ ٥١٩ - ٥٢٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦٦٩٢): ص ٤/ ١١٨٧ من طريق ابن وهب عنه به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ لإعضاله، وضعف عبد الرحمن.\n(٢) التفسير الميسر: ١٠٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٦) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤١.\n(٩) تفسير ابي السعود: ٣/ ٧٣.\n(١٠) في الصحاح «قشف» بالكسر: قشفا، إذا لوحته الشمس أو الفقر فتغير. والمتقشف: الذي يتبلغ بالقوت وبالمرقع ..\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٧٠ - ٦٧١.","vol":"8","page":417},{"text":"قال عبد الله بن المبارك: \"الحلال ما أخذته من وجهه والطيب ما غذا ونما فأما الجوامد والطين والتراب، وما لا يغذي فمتروك إلا على جهة للتداوي\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: \" ولا تتجاوزوا حدود ما حرَّم الله\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يقول: يعني: لا تحرموا حلاله\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم. أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات. أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلما، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهى عن تحريمها دخولا أوليا لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك وكلوا مما رزقكم الله أى من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقا حلالا حال مما رزقكم ا\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" الاعتداء عما حد الله ﷾ بجعل الحلال حراما، ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما\" (٥).\nقال المراغي: \" والتحريم والتحليل تشريع وهو من حقوق الله فمن انتحله لنفسه كان مدعيا الربوبية أو كالمدعى لها\" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، خمسة أقوال:\nأحدها: لا تجبوا أنفسكم (٧)، أراد ما هَمَّ به عثمان بن مظعون من جبِّ نفسه. قاله السدي (٨)، واختاره الفراء (٩).\nوالثاني: لا تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن (١٠).\nوالثالث: لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء، وإدامة الصيام، والقيام، قاله عكرمة (١١).\nوالرابع: لا تحرموا الحلال، قاله مقاتل (١٢).\nوالخامس: لا تغصبوا الأموال المحرمة، ذكره الماوردي (١٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، أي: \"إن الله لايحب المتجاوزين الحد\" (١٤).\nقال السعدي: أي: \" بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك\" (١٥).\nقال السمعاني: \" والاعتداء: هو مجاوزة ماله إلى ما ليس له\" (١٦).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٤/ ١٠٢.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤١٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٧١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤١.\n(٦) تفسير المراغي: ٧/ ١٢.\n(٧) وزاد الواحدي، وابن الجوزي نسبته الى ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم. انظر: التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وزاد المسير: ١/ ٥٧٨.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٥٢): ص ١٠/ ٥٢١، و(١٢٣٤٥): ١٠/ ٥١٧ - ٥١٨.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣١٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٥٤): ص ١٠/ ٥٢١، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٦٩٦): ص ٤/ ١١٨٨، وتفسير زاد المسير: ١/ ٥٧٨.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢٣٥٣): ص ١٠/ ٥٢١، و(١٢٣٤٨): ١٠/ ٥١٩.\n(١٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٩.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٩.\n(١٤) انظر: صفوة التفاسير: ٣٢٥.\n(١٥) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(١٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٠.","vol":"8","page":418},{"text":"قال السمرقندي: \" يقال: إن محرم ما أحل الله كمحل ما حرم ال\" (١).\nقال الواحدي: \" واعلم أن شريعة نبيه ﵇ غير ذلك، وأن الطيبات لا ينبغي أن تجتنب، وسمى الخصاء اعتداء فقال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تجبوا أنفسكم\" (٢).\nوروي عن عائشة﵂قالت: \"كان النبي -ﷺ- يحب الحلواء والعسل\" (٣).\nوروي أن الحسن: \" كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله فلا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: يا هذا أتحب لباب البر مع سمن البقر؟ هل يعيبه مسلم\" (٤).\nوجاء رجل إلى الحسن فقال: \"إن لي جار لا يأكل الفالوذ، قال: ولم؟ قال: يقول: لا يروي شكره. قال الحسن: ويشرب الماء البارد؟ قال: نعم، قال: جارك جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ\" (٥).\nالفوائد:\n١ - حرمة تحريم ما أباح الله، كحرمة تحليل ما حرم الله ﷿.\nقال الجصاص: \" وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهدا لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها\" (٦).\nوقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي ﷺ يأكل لحم الدجاج (٧).\nوروي أنه: \" كان يأكل الرطب مع الخربز. يعني: البطيخ (٨) \"\nروي نافع عن ابن عمر﵄: \" انه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا\" (٩).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤١٤.\n(٢) التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وانظر: الاقوال في \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٠ - ١١، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩، البغوي ٣/ ٩٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٨.\n(٣) أخرجه البخاري في الأشربة، باب الباذق، ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة: ١٠/ ٦٢، والبغوي في شرح السنة: ١١/ ٣٠٨، وتفسيره: ٣/ ٩٠.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٤/ ١٠٢.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٤/ ١٠٢.\n(٦) أحكام القرآن: ٤/ ١١٠ - ١١١.\n(٧) صحيح البخاري (٥٠٣٩).\n(٨) رواه أحمد (٣/ ١٤٢، ١٤٣) وأبو بكر الشافعي في \" الفوائد \" (١٠٥/ ٢)\nوالضياء في \" المختارة \" (٨٦/ ٢) عن جرير بن حازم عن حميد عن أنس #\nمرفوعا ..\n(٩) مصنف ابن أبي شيبة \" (٥/ ١٤٨)، وسنده صحيح كما قال الحافظ في \" الفتح \" (٩/ ٦٤٨).\nالحيوان الذي يتغذى على النجاسات، يسمى عند الفقهاء بـ \" الجلَّالة \".\nوالْجَلالَة هِيَ الَّتِي تَأْكُل الجِلَّة، والجلة: البَعر. ينظر: \" غريب الحديث \" للقاسم بن سلام (١/ ٧٨)، و\" غريب الحديث \" لابن قتيبة (١/ ٢٧٦).\nوقال أبو داود ﵀: \" الْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ \" انتهى من \" السنن \" (٣٧١٩).\nوقال الإمام أحمد ﵀: \" الْجَلَّالَةُ: مَا أَكَلَتِ الْعَذِرَةَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ\" انتهى من \" مسائل الإمام أحمد \" رواية أبي داود (ص/ـ ٣٤٥).\nفالجلالة: اسم يشمل أي حيوان يتغذى على النجاسات، سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو الإوز، أو غيرها من الحيوانات المأكولة.\nقال النووي ﵀: \" وَتَكون الْجَلالَة: بَعِيرًا، وبقرةً، وشَاةً، ودجاجةً، وإوزة، وَغَيرهَا \" انتهى من \" تحرير ألفاظ التنبيه \" (ص/١٧٠).\nالحيوان الذي يتغذى على النجاسات له أحوال:\nالأولى: أن يكون تغذيه عليها قليلا، وأغلب طعامه من الطيبات، فهذا لا يشمله حكم الجلالة.\nقال الخطابي ﵀: \" فأما إذا رعت الكلأ، واعتلفت الحَبَّ، وكانت تنال مع ذلك شيئًا من الجِلَّة، فليست بجلالة، وإنما هي كالدجاج ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها، وغالب غذائه وعلفه من غيرها: فلا يكره أكله \" انتهى من \" معالم السنن \" (٤/ ٢٤٤).\nالثانية: أن يكون أكثر طعامه من النجاسات، ويظهر تأثير ذلك على الحيوان في نتن لحمه ورائحته، فهذا يشمله النهي، فلا يجوز أكل لحمه وبيضه، ولا شرب لبنه، ولا ركوبه.\nقال الكاساني ﵀: \" إنَّمَا تَكُونُ جَلَّالَةً إذَا تَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ، فَهِيَ الْجَلَّالَةُ حِينَئِذٍ، لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا \" انتهى من \" بدائع الصنائع \" (٥/ ٤٠).\nالثالثة: أن يكون أكثر طعامه من النجاسات، ولكن لا يظهر تأثير ذلك على الحيوان في لحمه ورائحته، فهل يعد جلالة أم لا؟\nمذهب الحنابلة: أنه يعد جلالة؛ لأن الجلالة عندهم هي الحيوان الذي أكثر طعامه من النجاسات، سواء ظهر أثر ذلك على لحم الحيوان ورائحته أم لا.\nقال ابن قدامة ﵀: \" فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حُرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا وَلَا لَبَنُهَا \" انتهى من \" المغني \" (٩/ ٤١٣).\nوأما الحنفية والشافعية: فلم يعدوها من الجلالة؛ لأن شرط الجلالة أن يظهر تأثير أكلها للنجاسات في لحمها ورائحتها.\nقال السرخسي ﵀: \" وَتَفْسِيرُ الْجَلَّالَةِ: الَّتِي تَعْتَادُ أَكْلَ الْجِيَفِ .. فَيَتَغَيَّر لَحْمُهَا، وَيَكُونُ لَحْمُهَا مُنْتِنًا فَحَرُمَ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ ... وَأَمَّا مَا يَخْلِطُ فَيَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَغَيْرَ الْجِيَفِ عَلَى وَجْهٍ لا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ مِنْ لَحْمِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ \" انتهى من \" المبسوط \" (١١/ ٢٥٥).\nوقال النووي ﵀: \" لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي عَرَقِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ، وَإِلَّا فَلَا \" انتهى من \" المجموع شرح المهذب \" (٩/ ٢٨).\nومما يقوي هذا القول: أن النجاسة التي تستحيل [أي: تتحول إلى مادة أخرى] لا حكم لها، وإنما يكون لها اعتبار إذا ظهر أثرها، إذ أن النباتات والمزروعات التي تتغذى على النجاسات لا حرج فيها؛ لأنها قد طَهُرت باستحالتها إلى غذاءٍ طيب تغذَّت به الشجرة إلا أن يظهر أثر النجاسة في الحب والثمر، وكلا الأمرين من باب واحد.\nوالجلالة لا يحل أكل لحمها حتى تزول منها آثار النتن والخبث، وذلك بحبسها، وعلفها طعامًا طيبًا طاهرًا.\nقال ابن قدامة ﵀: \" وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا \" انتهى من \" المغني \" (٩/ ٤١٤).\nهل أكل لحم الجلالة محرم أم مكروه؟\nمذهب الحنابلة: تحريم أكل لحمها وبيضها وشرب لبنها، وكراهة ركوبها. ينظر: \" الإنصاف \" (١٠/ ٣٥٦)، \" شرح منتهى الإرادات \" (٣/ ٤١١).\nومذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد: كراهة الأكل والشرب والركوب. ينظر: \" بدائع الصنائع \" (٥/ ٤٠)، \" مغني المحتاج \" (٤/ ٣٠٤).\nقال الخطابي ﵀: \" كُرِهَ أكلُ لحومها وألبانها تنزهًا وتنظفًا، وذلك أنها إذا اغتذت بها وُجِدَ نتنُ رائحتها في لحومها \" انتهى من \" معالم السنن \" (٤/ ٢٤٤).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَأَلْحَقُوا بِلَبَنِهَا وَلَحْمِهَا: بَيْضَهَا \" انتهى من \" فتح الباري \" (٩/ ٦٤٨).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \" فالنهي فيها عن الركوب للتنزيه، وأما عن الأكل فهو إما كراهة تنزيه وإما كراهة تحريم على خلاف بين العلماء في ذلك \" انتهى من \" شرح رياض الصالحين \" (٦/ ٤٣٥).\nوالحاصل: أن الجلَّالة هي الحيوان الذي يتغذى على النجاسات، ويظهر أثر النجاسة عليه، فلا يجوز في هذه الحال أكل لحمه ولا بيضه ولا شرب لبنه.","vol":"8","page":419},{"text":"وقال ابن عباس: \" كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة\" (١).\nوعن أبي حنيفة، قال: \"بلغني عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، وأنس بن مالك وحسين بن علي، وابن الزبير، وشريح ﵃: أنهم كانوا يلبسون الخز\" (٢).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٥٧٨٣)، كتاب اللباس باب قول الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾.\n(٢) حديث موقوف، الآثار لأبي يوسف (٩٩٣)، باب في لبس الحرير والذهب.\nالخز: ثياب تنسج من صوف وحرير.","vol":"8","page":420},{"text":"ويدل على نحو دلالة الآية التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] (١).\nقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].\nفقال عقيب ذكره لما خلق من الفواكه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾\n٢ - النهي عن العدوان، يعني الاعتداء في حق الله وفي حق العباد، والإشارة غلى أن تحريم ما احل الله من باب العدوان، لقوله: ﴿ولا تحرموا ... ولا تعتدوا﴾.\nوقال أهل العلم أن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام، لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قدر أنه حرام بناءا على الأصل، لأن الأصل في الأشياء الحل، إلا الشرائع فالاصل فيها الحظر (٢).\n٣ - منّة الله تعالى على عباده بما احل لهم، لقوله: ﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ولو شاء الله ﷿ لحرم علينا طيبات أحلت لنا، كما حرم ذلك على بني إسرائيل، إذ قال: \" ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]، أي: بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يحرم الطيبات تحريما قدريا لمعصيته، مثل أن يكون رجل إذا أكل اللحم، تأثر ومرض، هذا يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم وهذا تحريم قدري، إنسان مثلا مريض بمرض السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، فيجب عليه أن يجتنب السكر، هذا تحريم قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط، ومن التحريم القدري أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] (٣).\n٤ - إثبات المحبة لله ﷿، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، لأن نفي محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لايحب مطلقا لم يكن لنفي محبته للمعتدين فائدة، وفيه رد على منكري محبة الله ﷿.\nويدر القول بان الإنسان اذا شعر بان الله يحبه يفرح ويزداد في حبه للطاعات وكراهة المعاصي، لأنه يعلم أن ربه ﷿ يحبه من فوق السماوات، وأما من تأول المحبة بالثواب، فنقول: إن الله يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فلا تحرموا لذة محبة الله ولا تنكروها.\n\nالقرآن\n﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [المائدة: ٨٨]\nالتفسير:\nوتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه; فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته.\nقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨]، أي: \" وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه\" (٤).\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٤/ ١١٠ - ١١١.\n(٢) انظر: تفسير سورة المائدة لابن عثيمين: ٢/ ٣٠٢.\n(٣) تفسير سورة المائدة لابن عثيمين: ٢/ ٣٠٣.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٢.","vol":"8","page":421},{"text":"قال الجصاص: \" أخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]، أي: \" واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه; فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته\" (٢).\nقال محمد بن إسحاق: ﴿واتقوا الله﴾، أي: أطيعوا الله\" (٣).\nقال ابن عثيمين: \"أي: فللإيمانكم يلزمكم التقوى\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: إن كنتم مصدقين به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه\" (٥).\nقال مقاتل: \" ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾، يقول: الذي أنتم به مصدقون\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿واتقوا الله﴾، تأكيد للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيدا بقوله: ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾، لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر وعما نهى عنه\" (٧).\nقال الصابوني: \" هذا استدعاء إِلى التقوى بألطف الوجوه كأنه يقول: لا تضيّعوا إِيمانكم بالتقصير في طاعة الله ﷿ فتكون عليكم الحسرة العظمى فإِن الإِيمان بالله تعالى يوجب المبالغة في تقوى الله\" (٨).\nالفوائد:\n١ - في قولِه تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أمْرُ الإنسانِ بالأكْلِ ممَّا رزَقَ اللهُ، وضدُّه عدمُ الأكْل، وعدمُ الأكلِ ممَّا رزَق اللهُ ثلاثةُ أقسام (٩):\nالأوَّل: أن يَترُك الأكلَ مع خوفِ الهلاك إذا لم يأكُلْ، فهنا تركُ الأكْلِ حرامٌ؛ لأنَّه يجبُ على الإنسانِ أن يُنقِذَ نفْسَه.\nالثاني: إذا كان ليس به ضرورةٌ للأكْلِ لكن يحتاجُ إلى الأكْلِ لتقويةِ البَدنِ، فهنا الأكلُ مُستحَبٌّ؛ لأنَّه لو ترَكَه لم يَهلِك، لكنَّه في حاجةٍ، نقول له: لا تمنعْ نفْسَك.\nالثالث: أن يَترُكَ الأكلَ تنزُّهًا، فهذا يُنهَى عنه، ويُقال: كُلْ ممَّا أباحَ اللهُ لك\n٢ - أن الإيمان بالله ﷿ مستلزم لتقواه، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]، ومن قال أنني مؤمن ولم يتق، فهو ناقص الإيمان.\n\nالقرآن\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]\nالتفسير:\nلا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان، مثل قول بعضكم: لا والله، وبلى والله، ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم، فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٣/ ٣١.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٠٠): ص ٤/ ١١٨٩.\n(٤) تفسير سورة المائدة لابن عثيمين: ٣٠٧.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٤١٤.\n(٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٠.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٧٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٣٥.\n(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين، سورة المائدة: ٢/ ٣٠٥.","vol":"8","page":422},{"text":"تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم، لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد، أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا، أو إعتاق مملوك من الرق، فالحالف الذي لم يف بيمينه مخير بين هذه الأمور الثلاثة، فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام. تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم، واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تفوا بها. وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه; لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم.\nفي سبب نزول الآية وجوه:\nأحدها: عن عائشة-رضي الله تعالى عنها-؛ قالت في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ نزلت في قوله: لا والله، بلى والله\" (١).\nوالثاني: قال عبدالله بن عباس﵄-: \"لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم؛ قالوا: يا رسول الله! كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله -تعالى ذكره-: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). [ضعيف جدًا]\nوالثالث: عن عبد الله بن عباس -﵄- في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: \"كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، [وفي رواية: فضل]: وكان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه شدة؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: ليس بأرفعه ولا بأدناه\" (٣). [صحيح]\nوالرابع: قال سعيد بن جبير: \" كان أهل المدينة يفضلون الحر على العبد، والكبير على الصغير، ويقولون: الصغير على قدره، والكبير على قدره؛ فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾؛ فأمروا بأوسط من ذلك ليس بأرفعه \" (٤). [ضعيف جدًا]\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١١/ رقم ٦٦٦٣).\n(٢) خرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٣٥٦): ص ١٠/ ٥٢٣ من طريق العوفي عنه.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ مسلسل بالعوفيين.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٢، ١٤٣) ونسبه لابن مردويه، وأعاده في (٣/ ١٤٩، ١٥٠) ونسبه للطبري.\n(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٨٢، ٦٨٣ رقم ٢١١٣)، والطبري في \"جامع البيان\" (١٢٤٤٠): ص ١٠/ ٥٤٢ - ٥٤٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ رقم ٦٧٢٢)، وابن مردويه في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٣) -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٠/ ١٧٢ رقم ١٦٩) -، والضياء -من طريق أخرى- (١٠/ ١٧١ رقم ١٦٨) من طريق سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه به.\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (ص ٧٤٩): \"هذا إسناد موقوف، صحيح الإسناد\".\nوصححه العلامة الألباني -﵀- في \"صحيح سنن ابن ماجه\" (رقم ١٧١٧).\n(٤) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٤٣٦)، و(١٢٤٣٧): ص ١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢، بسندين عنه:\nالأول (١٢٤٣٦): ص ١٠/ ٥٤٢: ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عبد العزيز بن أبان ثنا قيس بن الربيع عن سالم الأفطس عنه به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ فيه علتان:\nالأولى: عبد العزيز هذا؛ متروك الحديث، وكذبه ابن معين وغيره؛ كما في \"التقريب\" (١/ ٥٠٨).\nالثانية: قيس بن الربيع؛ صدوق، تغيّر لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٣) ونسبه لعبد بن حميد وأبي الشيخ.\nفيحتمل أن عبد العزيز توبع من قبل عبد بن حميد، ويحتمل أن عبد بن حميد رواه من طريق غيره، فلو قدرنا أن عبد بن حميد تابع عبد العزيز فيبقى علة الحديث قيس بن الربيع وهو من شيوخ عبد بن حميد وإلا؛ فله إسناد آخر، والله أعلم.\nالثاني (١٢٤٣٧): ص ١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢: ثنا ابن حميد ثنا حكام بن سلم عن سليمان العبسي عنه به.\nقلنا: وسنده ضعيف جدًا؛ فابن حميد حافظ ضعيف، بل إنه اتهم، وسليمان هذا لم نجد له ترجمة، ولعله وقع تصحيف في اسمه؛ فإن النسخة التي بين أيدينا -طبع دار المعرفة- كثيرة التصحيف والتحريف.\nوكلا الطريقين لا تقويان بعضهما البعض؛ نظرًا للضعف الشديد فيهما.","vol":"8","page":423},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان\" (١).\nقال الطبري: \" يقول تعالى ذكره، للذين كانوا حرَّموا على أنفسهم الطيّبات من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وكانوا حرَّموا ذلك بأيمانٍ حَلَفوا بها، فنهاهم عن تحريمها وقال لهم: لا يُؤَاخذكم ربُّكم باللغو في أيمانكم\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك\" (٣).\nقال الزمخشري: \" اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم\" (٤).\nقال الزجاج: \" «اللغو»: في كلام العرب ما اطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما ليس معتدا به - وإن كان موجودا – لغوا\" (٥)، وأنشد قول المثقب العبدي (٦):\nأَو مائَة يُجعل أولادُها ... لَغْوًا وعُرْضُ الْمِائَة الجَلْمَدُ\nقال الجصاص: \" يعني: نوقا لا تعتد بأولادها، فعلى هذا لغو اليمين ما لا يعتد به ولا حكم له\" (٧).\nجاء في حلية الفقهاء: \" فكل يمين لم يعقد عليها الحالف بقلبه، وكل كلام لم يعقد عليه فهو لغو\" (٨).\nقال السمعاني: \"اللغو: هو المطرح الذي لا يعبأ به، وقوله: ﴿لا يؤاخذكم﴾ يعني: في القيامة. وسائر العلماء على أن لا كفارة في يمين اللغو؛ لظاهر القرآن\" (٩).\nقال الحسن: \" هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيَّل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك، فلا يؤاخذكم الله، فلا كفارة. ولكن المؤاخذة والكفارة، فيما حلفتَ عليه على علمٍ\" (١٠).\nقال الشعبي: \" اللغو ليس فيه كفارة ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، قال: ما عُقِدت فيه يمينه، فعليه الكفارة\" (١١).\nقال أبو مالك: \" الأيمان ثلاثٌ: يمين تكفّر، ويمين لا تُكَفَّر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحُبها. فأما اليمين التي تكفَّر، فالرجل يحلِف على الأمر لا يفعله، ثم يفعله، فعليه الكفارة. وأما اليمين التي لا تكفّر: فالرجل يحلف على الأمر يتعمّد فيه الكذِبَ، فليس فيه كفارة. وأما اليمين التي لا\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٢٣.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٧٢.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٢٠١.\n(٦) البيت له في: اللسان، مادة\"عرض\": ص ٧/ ١٨، وتاج العروس\"عرض\": ص ١٨/ ٤٠١،\nوبلا نسبة في جمهرة اللغة: ص ٣/ ١٣٢٠، والصحاح\"عرض\": ص ٣/ ١٠٩٠.\n(٧) احكام القرآن: ٤/ ١١١.\n(٨) حلية الفقهاء، ابن فارس: ٢٠٥.\n(٩) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٠.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٣٦٠): ص ١٠/ ٥٢٥ - ٥٢٦.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢٣٦١): ص ١٠/ ٥٢٦.","vol":"8","page":424},{"text":"يؤاخذ بها صاحبها، فالرجل يحلف على الأمر يَرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة. وهو اللغو\" (١).\nعن عطاء قال: \"قالت عائشة: لغوُ اليمين، ما لم يعقد عليه الحالِفُ قلبه\" (٢).\nوعن عائشة ايضا: \": أيمانُ الكفارة، كلّ يمين حلف فيها الرجل على جدٍّ من الأمور في غضب أو غيره: ليفعلن، ليتركنّ، فذلك عقد الأيمان التي فَرض الله فيها الكفارة، وقال تعالى ذكره: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ \" (٣).\nقال الحسن (٤)، وإبراهيم (٥)، ويحيى بن سعيد (٦)، علي بن أبي طلحة (٧)، وقتادة (٨)، والسدي (٩): \" ليس في لغو اليمين كفّارة\".\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم\" (١٠).\nقال مجاهد: \" بما تعمدتم\" (١١).\nقال الحسن: \"يقول: ما تعمَّدت فيه المأثَم، فعليك فيه الكفارة\" (١٢).\nقال عطاء بن أبي مسلم: \"أما ما عقدتم الأيمان، فيقال: ما عزمتم على وفائه\" (١٣). قال ابن أبي حاتم: \" يعني: أن لا تحنثوا\" (١٤).\nوقال عطاء: \"هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين\" (١٥).\nقال الكلبي: \"هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب\" (١٦).\nقال الواحدي: \" وهو أن يقصد الأمر فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمِّدًا\" (١٧).\nقال الطبري: أي: \"ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها، وعَقَدَت عليه قلوبكم\" (١٨).\nقال الزجاج: \" أعلم الله ﷿ أن اليمين التي يؤاخذ بها العبد وتجب في بعضها الكفارة ما جرى على عقد\" (١٩).\nقال السعدي: \" أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم\" (٢٠).\nقال الزمخشري: أي: \" بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية\" (٢١).\nقال السمعاني: \" عقد اليمين: هو القصد بالقلب، والذكر باللسان\" (٢٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٣٦٢): ص ١٠/ ٥٢٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٣٦٣): ص ١٠/ ٥٢٦.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٣٦٥): ص ١٠/ ٥٢٦ - ٥٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٣٦٨): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٣٦٤): ص ١٠/ ٥٢٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٣٦٦): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٣٦٦): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٣٦٧): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٣٦٩): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١١) أخرجه الطبري (١٢٣٥٧): ص ١٠/ ٥٢٥.\n(١٢) أخرجه الطبري (١٢٣٥٩): ص ١٠/ ٥٢٥.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧١٣): ص ٤/ ١١٩١.\n(١٤) تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩١.\n(١٥) حكاه عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٧/ ٥٠٢، ولم اقف عليه ..\n(١٦) حكاه عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٧/ ٥٠٢.\n(١٧) الوجيز: ٣٣٣.\n(١٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٢٥.\n(١٩) معاني القرآن: ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٢٠) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٢١) الكشاف: ١/ ٦٧٢.\n(٢٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٠.","vol":"8","page":425},{"text":"قال الزمخشري: أي: \" بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية\" (١).\nوروى أن الحسن ﵁ سئل عن لغو اليمين، والمسبية ذات الزوج، فوثب الفرزدق، وقال: أما سمعت ما قلت: (٢):\nولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه ... إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ\nوما قلت (٣):\nوذات حَليلٍ أنكحْتنا رِماحُنا ... حلالًا، لمن يَبْني بها لم تُطَلَّق\nفتبسم الحسن ولم يردّ علىيه ما قال، وفي رواية: فقال الحسن: ما أذكاك لولا حنثك!، وفي رواية: قال: أصبت، فقال الفرزدق: كنت أراني أشعر منك، فإذا أنا أفقه منك أيضا! (٤)\nوفي عقد الأيمان قولان (٥):\nأحدهما: أن يكون على فعل مستقبل، ولا يكون على خبر ماض، والفعل المستقبل نوعان: نفي وإثبات، فالنفي أن يقول والله لا فعلت كذا، والإِثبات أن يقول: والله لأَفْعَلَنَّ كذا.\nوأما الخبر الماضي فهو أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل، أو يقول: والله لقد فعلت كذا، وما فعل.\nقال الماوردي: \"فينعقد يمينه بالفعل المستقبل في نوعي إثباته ونفيه\" (٦).\nوفي انعقادها بالخبر الماضي قولان (٧):\nأحدهما: أنها لا تنعقد بالخبر الماضي، قاله أبو حنيفة وأهل العراق.\nوالقول الثاني: أنها تنعقد على فعل مستقبل وخبر ماض يتعلق الحنث بهما، قاله الشافعي، واهل الحجاز.\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿بما عقدتم﴾ بغير ألف مشددة القاف، وكذلك روى حفص عن عاصم.\nوقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائى: ﴿بما عقدتم﴾ خفيفة بغير ألف.\nوقرأ ابن عامر: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم﴾ بألف (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم\" (٩).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: اليمين العمد الكذب. إطعام عشرة مساكين\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ \" (١١).\nقال الزجاج: \" أي: فكفارة المؤاخذة فيه إذا حنث أن يطعم عشرة مساكين إن كانوا ذكورا أو إناثا وذكورا أجزأه ذلك، ولكن وقع لفظ التذكير لأنه المغلب في الكلام\" (١٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٧٢.\n(٢) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ٢/ ٣٠٧، وانظره في \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣٣٦، \"الدر المصون\" ٢/ ٤٣٠، \"والأغاني\" ١٩/ ١٤، \"المفردات\" ص ٥٢، \"وضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٢٠٧.\n(٣) البيت في ديوانه: ٢/ ٣٨، والأغاني: ٢١/ ٣٠٤، وأنساب الأشراف: ١٢/ ١٠٣ ديوانه: ٣٩٨.\n(٤) انظر: التفسير البسيط للواحدي: ٤/ ١٩٦، والكشاف: ١/ ٦٧٢ - ٦٧٣، وتفسير القرطبي: ٣/ ٩٦، وتفسير البحر المحيط: ٢/ ٤٤٤، وتاريخ دمشق: ٧٤/ ٦٠، ومحاضرات الادباء ومحاورات الشعراء والبلغاء: ٢/ ١٣٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٠.\n(٦) النكت والعيون: ٢/ ٦٠.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٠.\n(٨) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٧.\n(٩) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧١٣): ص ٤/ ١١٩١.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٢.","vol":"8","page":426},{"text":"قال الزمخشري: \" والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أى تسترها\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وجهان:\nأحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان، قالته عائشة (٢)، والحسن (٣)، وأبو مالك (٤)، والشعبي (٥)، وقتادة (٦)، وإبراهيم (٧)، ويحيى بن سعيد (٨)، علي بن أبي طلحة (٩).\nوالثاني: أنها كفارة الحنث فيما عقدة منها، وهذا يشبه أن يكون قول ابن عباس (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، والضحاك (١٢)، وإبراهيم (١٣).\nقال الطبري: \" والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك، أن تكون الهاء في قوله: ﴿فكفارته﴾، عائدة على ما التي في قوله: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾، لما قدَّمنا فيما مضى قبل أنّ من لزمته في يمينه كفّارة وأُوخذ بها، غيرُ جائز أن يقال لمن قد أوخذ: لا يؤاخذه الله باللغو، وفي قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، دليلٌ واضح أنه لا يكون مؤاخذًا بوجه من الوجوه، مَنْ أخبرنا تعالى ذكره أنه غيرُ مؤاخذه.\nفإن ظنّ ظان أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثْتُم وكفَّرتم إلا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمرَه ونهيَه في كتابه، على الظاهر العامّ عندنا بما قد دللنا على صحّة القول به في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته دون الباطن العامِّ الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر. ولا دلالة من عقل ولا خبرٍ أنه عنى تعالى ذكره بقوله: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، بعضَ معاني المؤاخذة دون جميعها، وإذ كان ذلك كذلك، وكان من لزمته كفّارة في يمينٍ حنث فيها مؤاخذًا بها بعقوبة في ماله عاجلة، كان معلومًا أنه غيرُ الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد\" (١٥).\nقال الزمخشري: أي: \" من أقصده، لأن منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر\" (١٦).\nقال الواحدي: \" لأنَّ هذا القدر وسط في الشِّبع، وقيل: من خير ما تطعمون أهليكم كالحنطة والتمر\" (١٧).\nقال عطاء: \"أوسطه، أعدله\" (١٨)، وروي عن ابن عباس (١٩)، وعكرمة (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١)، نحو ذلك.\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٧٣.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٣٦٣):، و(١٢٣٦٥): ص ١٠/ ٥٢٦ - ٥٢٧.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٣٦٠): ص ١٠/ ٥٢٥ - ٥٢٦.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٣٦٢): ص ١٠/ ٥٢٦.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٣٦١): ص ١٠/ ٥٢٦.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٣٦٧): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٣٦٤): ص ١٠/ ٥٢٦.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٣٦٦): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٣٦٦): ص ١٠/ ٥٢٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٧٠): ١٠/ ٥٢٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٧١) - (١٢٣٧٤): ١٠/ ٥٢٨ - ٥٢٩.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٧٦): ١٠/ ٥٢٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٧٥): ١٠/ ٥٢٩.\n(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٣٠.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١٦) الكشاف: ١/ ٦٧٣.\n(١٧) الوجيز: ٣٣٣.\n(١٨) أخرجه الطبري (١٢٣٧٧): ١٠/ ٥٣١.\n(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢، ذكره دون إسناد.\n(٢٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٩٢، ذكره دون إسناد.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧١٧): ص ٤/ ١١٩٢.","vol":"8","page":427},{"text":"وروي عن عطاء: \" ﴿من أوسط﴾، قال: من أمثل\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قولان:\nأحدهما: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر (٢)، والحسن (٣)، وابن سيرين (٤).\nوسماه الزجاج: \" أوسطه في الشبع، [بأن] لا يكون المأكول يفرط في أكله فيؤكل منه فوق القصد وقدر الحاجة، ولا يكون دون المعنى عن الجوع\" (٥).\nوالثاني: من أَوسطه في القدر، قاله علي (٦)، وعمر (٧)، وابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومجاهد (١٠)، وإبراهيم (١١).\nثم اختلفوا في القدر على ستة أقاويل:\nأحدها: أنه مُدٌّ واحد، واختلفوا في أجناس الطعام، على قولين:\nالقول الأول: أنه مدّ واحد من سائر الأجناس. قاله ابن عمر (١٢)، وزيد بن ثابت (١٣)، وابن المسيب (١٤)، والحسن (١٥)، وعطاء (١٦)، وابن زيد (١٧)، والقاسم (١٨)، وسالم (١٩)، وهو قول الشافعي (٢٠).\nوالقول الثاني: أنه مدٌّ من حنطة لكل مسكين. وهذا قول ابن عباس (٢١)، وابن عمر (٢٢)، وابن زيد (٢٣).\nوالثاني: أنه مدّان، ثم اختلفوا في الأجناس، على أقوال:\nفقال عمر (٢٤)، وابن عمر (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦): \"لكل مسكين مُدَّين من حنطة \" (٢٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم: ص ٤/ ١١٩٢. [الخبر غير مرقم]\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٨٠): ص ١٠/ ٥٣٢، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٧٢١): ص ٤/ ١١٩٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٨٨): ص ١٠/ ٥٣٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٨٧): ص ١٠/ ٥٣٣.\n(٥) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٨): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٦)، و(١٢٣٩٧): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٣٠)، و(١٢٤٣١): ص ١٠/ ٥٤١.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٧٢٣): ص ٤/ ١١٩٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٠٥): ص ١٠/ ٥٣٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٩): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٤١٧): ص ١٠/ ٥٣٩.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤١٤): ص ١٠/ ٥٣٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٦): ص ١٠/ ٥٤٠.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٣): ١٠/ ٥٣٩.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٤): ص ١٠/ ٥٤٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٥): ص ١٠/ ٥٤٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٠): ١٠/ ٥٣٩.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٠): ١٠/ ٥٣٩.\n(٢٠) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦١.\n(٢١) أخرجه الطبري (١٢٤١٥): ص ١٠/ ٥٣٨.\n(٢٢) أخرجه الطبري (١٢٤١٨): ص ١٠/ ٥٣٩.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٥): ص ١٠/ ٥٤٩.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٦): ص ١٠/ ٥٣٤ - ٥٣٥.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٤١٨): ص ١٠/ ٥٣٩.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٠٠): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٦): ص ١٠/ ٥٣٤ - ٥٣٥.","vol":"8","page":428},{"text":"وقال ابن عباس: \"مدين من بر\" (١).\nوقال الحسن: \" مكُّوك تمر ومكوك برّ لكل مسكين\" (٢).\nوفي رواية أخرى عن الحسن: أنه\" البرُّ والتمر، لكل مسكين مد من تمر، ومدّ من برّ\" (٣).\nوقال الشعبي: \" مَكُّوكين، مكوكًا لطعامه، ومكوكًا لإدامه \" (٤).\nوقال مجاهد: \" مدَّان من طعام لكل مسكين\" (٥).\nوالثالث: أنه نصف صاع من سائر الأجناس، قاله علي (٦)، وعمر (٧)، وميمون بن مِهْران (٨)، وأبو مالك (٩)، الضحاك (١٠)، والحكم (١١)، وإبراهيم (١٢)، وأبو قلابة (١٣)، مُقَاتِل بن حَيَّان (١٤)، وهو مذهب أبي حنيفة (١٥).\nوالرابع: أنه غداء وعشاء، قاله علي في رواية الحارث عنه (١٦)، وهو قول محمد بن كعب القرظي (١٧)، والحسن البصري –في قوله الآخر (١٨).\nوالخامس: أنه ما جرت به عادة المكفر فى عياله، إن كان يشبعهم أشبع المساكين، وإن كان لا يشبعهم فعلى قدر ذلك، قاله ابن عباس (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، وعمار (٢١)، والضحاك (٢٢)،\nوالسادس: أنه أحد الأمرين من غداء أو عشاء، قاله بعض البصريين (٢٣).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في تأويل قوله: من أوسط ما تطعمون أهليكم عندنا، قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلَّة والكثرة، وذلك أن أحكام رسول الله ﷺ في الكفارات كلِّها بذلك وردت. وذلك كحكمه ﷺ في كفارة الحلق من الأذى بفَرَق من طعام بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع وكحكمه في كفارة الوطء في شهر رمضان بخمسة عشر صاعًا بين ستين مسكينًا، لكل مسكين ربُعْ صاع.، ولا يُعْرف له ﷺ شيء من الكفارات، أمر بإطعام خبز وإدام، ولا بغداء وعشاء، فإذْ كان ذلك كذلك، وكانت كفارة اليمين إحدى الكفارات التي تلزم من لزمته، كان سبيلُها سبيلَ ما تولَّى\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٠٣): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٤٠٧): ص ١٠/ ٥٣٧.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٤٢٣): ص ١٠/ ٥٣٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٠٢): ص ١٠/ ٥٣٦. والمكوك، مكيال قديم معروف، لأهل العراق، ويراد به المد. وانظر تفسيره في لسان العرب (مكك).\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٠٥): ص ١٠/ ٥٣٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٨): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٣٩٧): ص ١٠/ ٥٣٥.\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٤١٠): ١٠/ ٥٣٨.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٤١٣): ص ١٠/ ٥٣٨.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٤١١): ١٠/ ٥٣٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٤١٢): ١٠/ ٥٣٨.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٩١، ذكره دون إسناد، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٤.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٩١، ذكره دون إسناد، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٤.\n(١٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦١.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٧): ١٠/ ٥٤٠.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٨): ١٠/ ٥٤٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٢٩): ١٠/ ٥٤٠.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٣٠) - (١٢٤٣٢): ١٠/ ٥٤١.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٣٤): ١٠/ ٥٤١.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٣٣): ١٠/ ٥٤١.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٣٨): ١٠/ ٥٤٢.\n(٢٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦١.","vol":"8","page":429},{"text":"الحكم فيه ﷺ: من أن الواجب على مكفِّرها من الطعام، مقدّرًا للمساكين العشرة محدودًا بكيل، دون جمعهم على غداء أو عشاء مخبوز مأدوم، إذ كانت سنته ﷺ في سائر الكفارات كذلك\" (١).\nوقرأ سعيد بن جبير: «مِن وَسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيكُمْ» (٢).\nوقرأ جعفر بن محمد: «أهاليكم»، بسكون الياء، والأهالى: اسم جمع لأهل: كاللئالي في جمع ليلة، والأراضى في جمع أرض (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا\" (٤).\nقال السعدي: \" أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: إما أن تطعموهم أو تكسوهم. والخيار في ذلك إلى المكفِّر\" (٦).\nقال الزجاج: \" والكسوة أن يكسوهم نحو الإزار والعمامة أو ما أشبه ذلك، لأن به قوام الحياة وإلا فالإعتاق أو الكسوة أفضل\" (٧).\nقال الواحدي: \" وهو أقلُّ ما يقع عليه اسم الكسوة من إزارٍ ورداءٍ وقميصٍ\" (٨).\nقال الزمخشري: \" والكسوة: ثوب يغطى العورة\" (٩).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ستة اقاويل:\nأحدها: كسوة ثوب واحد، قاله: ابن عباس (١٠)، والحسن (١١)، وأبو مالك (١٢)، ومجاهد (١٣)، وإبراهيم (١٤)، وطاووس (١٥)، وعطاء (١٦)، وأبو جعفر (١٧)، والشافعي (١٨).\nوالثاني: كسوة ثوبين، قاله أبو موسى الأشعري (١٩)، وابن المسيب (٢٠)، والحسن (٢١)، والضحاك (٢٢)، وابن سيرين (٢٣).\nوالثالث: كسوة ثوب جامع كالملحفة والكساء، قاله إبراهيم (٢٤).\nوالرابع: كسوة إزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر (٢٥).\nوالخامس: أنه يجزئ عمامة في كفارة اليمين. وهذا قول الحكم (٢٦)، والحسن –في إحدى الروايات- (٢٧).\nوالسادس: أنه يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبَّان (٢٨)، والمعنى: كسوة ما تجزىء فيه الصلاة، وهذا قول مجاهد (٢٩)، وبه قال بعض البصريين (٣٠).\nقال السمعاني: \" والصحيح: أن الواجب لكل مسكين ما يصلح به الكسوة في العرف\" (٣١).\nوقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن، قولُ من قال: عنى بقوله: أو كسوتهم، ما وقع عليه اسم كسوة، مما يكون ثوبًا فصاعدًا لأن ما دون الثوب، لا خلافَ بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية، فكان ما دون قدر ذلك، خارجًا من أن يكون الله تعالى عناه، بالنقل المستفيض.، والثوبُ وما فوقه داخل في حكم الآية، إذ لم يأت من الله تعالى وحي، ولا من رسوله ﷺ خبر، ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها. وغير جائز إخراج ما كان ظاهرُ الآية محتملَه من حكم الآية، إلا بحجة يجب التسليم لها. ولا حجة بذلك\" (٣٢).\nوقرئ: «كسوتهم»، بضم الكاف (٣٣).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" أو إعتاق مملوك من الرق\" (٣٤).\nقال الطبري: يعني: \" أو فكّ عبد من أسر العبودة وذلها\" (٣٥).\nقال الواحدي: \" يعني: مؤمنة، والمُكفِّر في اليمين مُخيَّر بين هذه الثَّلاث\" (٣٦).\nقال السعدي: \" أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه\" (٣٧).\nقال الزجاج: \" فخير الحالف أحد هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثرها نفعا، وأحسنها موقعا من المساكين، أو من المعتق، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول إلا بما هو أشد تكلفا من الكسوة أو الإعتاق، فالإطعام أفضل\" (٣٨).\nوفي كلام العرب الفك: العتق، قال الفرزدق (٣٩):\nأَبنِي غُدَانَةَ، إِنَّنِي حَرَّرْتُكُمْ ... فَوَهَبْتُكُمْ لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعَالِ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٤٣ - ٥٤٢.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦١.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٧٣.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٥) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٤٥.\n(٧) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٢.\n(٨) الوجيز: ٣٣٣.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٧٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٥١): ص ١٠/ ٥٤٦.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٤٣): ص ١٠/ ٥٤٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٥٣): ص ١٠/ ٥٤٧.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٤١): ص ١٠/ ٥٤٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٤٩): ص ١٠/ ٥٤٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٤٨): ص ١٠/ ٥٤٥.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٤٧): ص ١٠/ ٥٤٦.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٤٧): ص ١٠/ ٥٤٦.\n(١٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦١.\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٦٤)، و(١٢٤٦٥): ص ١٠/ ٥٤٨.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٥٦)، و(١٢٤٥٧): ص ١٠/ ٥٤٧.\n(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٥٩): ص ١٠/ ٥٤٨.\n(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٦٧): ص ١٠/ ٥٤٨.\n(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٥٨): ص ١٠/ ٥٤٧.\n(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٧٠) - (١٢٤٧٦): ص ١٠/ ٥٤٩ - ٥٥٠.\n(٢٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٧٧): ص ١٠/ ٥٥٠.\n(٢٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٨١): ص ١٠/ ٥٥١.\n(٢٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٧٩): ص ١٠/ ٥٥٠ - ٥٥١.\n(٢٨) التبان -بضم التاء وتشديد الباء-: سراويل صغير مقدار شبر، يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين.\n(٢٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٧٨): ص ١٠/ ٥٥٠.\n(٣٠) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٢.\n(٣١) تفسير السمعاني: ٢/ ٦١.\n(٣٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥١.\n(٣٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٧٣.\n(٣٤) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٢.\n(٣٦) الوجيز: ٣٣٣.\n(٣٧) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٣٨) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٢.\n(٣٩) ديوانه ٧٢٦، النقائض: ٢٧٥، وطبقات فحول الشعراء: ٤٢٤، من قصيدته في هجاء جرير.\nوبنو غدانة هم: بنو غدانة بن يربوع، أخو كليب بن يربوع، جد جرير. وعطية بن جعال بن قطن بن مالك بن غدانة بن يربوع، وكان عطية من سادة بني غدانة، وكان صديقًا للفرزدق وخليلا له. فلما بلغ عطية هذا الشعر قال: جزى الله خليلي عني خيرًا! ! ما أسرع ما رجع خليلي في هبته! !، لأنه هجاهم، وهو يزعم أنه وهب أعراضهم لصاحبه، يقول بعده:\nفَوَهَبْتُكُمْ لأَحَقِّكُمْ بِقَدِيمُكُمْ ... قِدْمًا، وَأَفْعَلِهِ لِكُلِّ نَوَالِ\nلَوْلا عَطِيَّةُ لاجْتَدَعْتُ أُنُوفَكُمْ ... مِنْ بَيْنِ أَلأَمِ آنُفٍ وَسِبَالِ\nإِنِّي كَذَاكَ، إِذَا هَجَوْتُ قَبِيلَةً ... جَدَّعْتُهُمْ بِعَوَارِمِ الأمْثَالِ.","vol":"8","page":430},{"text":"يعني بقوله: حرّرتكم، فككت رقابكم من ذلّ الهجاء ولزوم العار (١).\nوقيل: تحرير رقبة، والمحرَّر ذو الرقبة، لأن العربَ كان من شأنها إذا أسرت أسيرًا أن تجمع يديه إلى عنقه بقِدٍ أو حبل أو غير ذلك، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة. فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير، بالخبر عن فك يديه عن رقبته، وهم يريدون الخبرَ عن إطلاقه من أسره، كما يقال: قبضَ فلان يده عن فلان، إذا أمسك يده عن نواله وبسط فيه لسانه، إذا قال فيه سوءًا فيضافُ الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله، لاستعمال الناس ذلك بينهم، وعلمهم بمعنى ذلك. فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره: ﴿أو تحرير رقبة﴾، أضيف التحرير إلى الرقبة، وإن لم يكن هناك غُلٌّ في رقبته ولا شدُّ يَدٍ إليها، وكان المراد بالتحرير نفسَ العبد، بما وصفنا، من جَرّاء استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه (٢).\nوإن قال قائل: \"أفكلّ الرقاب معنيٌّ بذلك أو بعضه؟\nقيل: بل معنيّ بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد، والعمَى والخرس، وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق، ونظائر ذلك. فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزئ في كفارة اليمين. فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية. فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر، فإنهم معنيون به\" (٣).\nقال إبراهيم: \"من كانت عليه رقبة واجبة، فاشترى نَسَمة، قال: إذا أنقذها من عمل أجزأته، ولا يجوز عتق من لا يعمل. فأما الذي يعمل، كالأعور ونحوه. وأما الذي لا يعمل فلا يجزئ، الأعمى والمقعد\" (٤).\nوعن إبراهيم أيضا: \"أنه كان لا يرى عتقَ المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات\" (٥).\nعن الحسن قال: \"كان يكره عتق المخَبَّل في شيء من الكفارات\" (٦).\nوقال عطاء: \" لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح\" (٧).\nوعن عطاء أيضا: \"يجزئ المولودُ في الإسلام من رقبة\" (٨).\nوقال إبراهيم: \": ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلا ما صام وصلى. وما كان ليس بمؤمنة، فالصبي يجزئ\" (٩).\nوقال سليمان: \" إذا ولد الصبي فهو نسمة، وإذا انقلبَ ظهرًا لبطن فهو رقبة، وإذا صلى فهو مؤمنة\" (١٠).\nقال الطبري: \" والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال، إن الله تعالى عمَّ بذكر الرقبة كل رقبة، فأيَّ رقبة حرّرها المكفر يمينَه في كفارته، فقد أدّى ما كُلِّف، إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى ذكره، لم يعنه بالتحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تحريرُه في الكفارة بظاهر التنزيل\" (١١).\nوفي استحقاق أَثمانها قولان:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٣.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٤٨٢): ١٠/ ٥٥٤.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٤٨٤): ١٠/ ٥٥٤.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٤٨٣): ١٠/ ٥٥٤.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٤٨٥): ١٠/ ٥٥٤.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٤٨٦): ١٠/ ٥٥٤.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٤٨٧): ١٠/ ٥٥٤.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٤٨٨): ١٠/ ٥٥٥.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٥.","vol":"8","page":431},{"text":"أحدهما: أنه مستحق ولا تجزىء الكفارة، قاله الشافعي (١).\nوالثاني: أنه غير مستحق، قاله أبو حنيفة (٢).\nعن مسروق، قال: \"جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله فقال: إني آليتُ من النساء والفراش! فقرأ عبد الله هذه الآية: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٧]. قال فقال معقل: إنما سألتك أنْ أتيتُ على هذه الآية الليلة؟ فقال عبد الله: ائت النساء ونَمْ، وأعتق رقبة، فإنك موسر\" (٣).\nقال الطبري: \" ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، فإنّ ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه به بالتكفير من الرقاب، لا على أنه كان لا يجزئ عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة، لأنه لم ينقل أحدٌ عن أحد منهم أنه قال: لا يجزئ الموسرَ التكفيرُ إلا بالرقبة. والجميعُ من علماء الأمصار، قديمهم وحديثهم، مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائزٌ للموسر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام\" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: من كان لا يقدر على شيء مما حذد في الكفارة، فعليه صيام ثلاثة أيام\" (٦).\nقال الواحدي: \" يعني: لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين ﴿ف﴾ عليه ﴿صيام ثلاثة أيام﴾ \" (٧).\nقال الطبري: أي: \"فمن لم يجد، لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرُها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفِّرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد ﷺ فصيام ثلاثة أيام، يقول: فعليه صيام ثلاثة أيام\" (٨).\nقال الماوردي: \" فجعل الله الصوم بدلًا من المال عند العجز عنه، وجعله مع اليسار مخيرًا بين التكفير بالإِطعام، أو بالكسوة، أو بالعتق\" (٩).\nواختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل:\nأحدها: إذا لم يجد قوته وقوت من يقوت صام، قاله الشافعي (١٠).\nوالثاني: إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام، قاله سعيد بن جبير (١١)، وقتادة (١٢).\nوالثالث: إذا لم يجد درهمين، قاله الحسن (١٣).\nوالرابع: إذا لم يجد مائتي درهم صام، قاله أبو حنيفة (١٤).\nوالخامس: إذا لم يجد فاضلًا عن رأس ماله الذي يتصرف فيه لمعاشه صام، وهذا قول بعض متاخري المتفقهة (١٥).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٢.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٢.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٤٣٩): ص ١٠/ ٥٥٥ - ٥٥٦، وانظر: (١٢٤٩٠): ص ١٠/ ٥٥٦.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٦ - ٥٥٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٦) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٢.\n(٧) الوجيز: ٣٣٣.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٧.\n(٩) النكت والعيون: ٢/ ٦٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٩١): ص ١٠/ ٥٥٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٩٢)، و(١٢٤٩٥): ص ١٠/ ٥٥٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٩٣): ص ١٠/ ٥٥٨.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٩٤): ص ١٠/ ٥٥٨.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٨، والنكت والعيون: ٢/ ٦٣.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٨، والنكت والعيون: ٢/ ٦٣.","vol":"8","page":432},{"text":"قال الطبري: \" والصواب من القول في ذلك عندنا، أنّ من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يوَمه وليلته، ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين، أو يعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذ الصوم، لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذ من إطعام أو كسوة أو عتق، حق قد أوجبه الله تعالى ذكره في ماله وجوبَ الدين. وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرّق ماله بين غرمائه: أنه لا يترك ذلك اليوم إلا ما لا بدَّ له من قوته وقوت عياله يوَمه وليلته. فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى ذكره في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله\" (١).\nوفي تتابع صيامه قولان:\nأحدهما: يلزمه، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وإبراهيم (٤)، وسفيان (٥)، وقتادة (٦)، وبه قال مالك (٧)، والأوزاعي (٨)، وهو احد قولي الشافعي (٩).\nقال أبو العالية، والربيع بن انس: \"وكان أبي بن كعب يقرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» \" (١٠).\nعن ابن عباس قال: \"لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: \"أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" (١١).\nقال ابن كثير: \" وهذا حديث غريب جدًا\" (١٢).\nوعن مجاهد وإبراهيم، وعامر، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، قالوا: \" في قراءة عبد الله: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» (١٣).\nقال ابن كثير: \" وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترًا، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا، أو تفسيرًا من الصحابي، وهو في حكم المرفوع\" (١٤).\nوالثاني: إن صامها متفرقة جاز، قاله مالك (١٥)، والشافعي في أحد قوليه (١٦).\nقال السمعاني: \" ظاهرة: أنه يجوز متفرقا، وهو الأصح\" (١٧).\nوالصواب –والله أعلم- أن يقال: \"إن الله تعالى ذكره أوجب على من لزمته كفّارة يمين، إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا أن يكفرّها بصيام ثلاثة أيام، ولم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٥٩.\n(٢) انظر: تفسير البري (١٢٥٠٨): ص ١٠/ ٥٦١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٩٦): ص ١٠/ ٥٥٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٠١)، و(١٢٥٠٢): ص ١٠/ ٥٦٠.\n(٥) انظر: تفسير البري (١٢٥٠٦): ص ١٠/ ٥٦١.\n(٦) انظر: تفسير البري (١٢٥٠٧): ص ١٠/ ٥٦١.\n(٧) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٦١.\n(٨) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٦١.\n(٩) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٦١.\n(١٠) أخرجه الطبري (١٢٤٩٧)، (١٢٤٩٨): ص ١٠/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(١١) اخرجه ابن مردوية كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٧، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٥٥) ولم يعزه لغير ابن مردويه. وفي إسناده إسماعيل بن يحيى هو ابن عبيد الله كان يضع الحديث، قال ابن عدي: عامة ما يرويه بواطيل، ثم الإسناد معضل، فإن بينه وبين ابن عباس قرن من الزمان تقريبًا.\n(١٢).\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٤٩٩) - (١٢٥٠٥): ص ١٠/ ٥٦٠ - ٥٦١.\n(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٧.\n(١٥) انظر: تفسير البري (١٢٥٠٩): ص ١٠/ ٥٦١.\n(١٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٣، وتفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٧\n(١٧) تفسير السمعاني: ٢/ ٦١.","vol":"8","page":433},{"text":"يشرطْ في ذلك متتابعة. فكيفما صامهنَّ المكفِّر مفرَّقة ومتتابعة، أجزأه. لأن الله تعالى ذكره إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتَى بصومهنّ أجزأ\" (١).\nقال الطبري: \" فأما ما روى عن أبيّ وابن مسعود من قراءتهما: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فذلك خلاف ما في مصاحفنا. وغير جائز لنا أن نشهد لشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله، غيرَ أني أختار للصائم في كفَّارة اليمين أن يُتَابع بين الأيام الثلاثة، ولا يفرِّق. لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته، وهم في غير ذلك مختلفون. ففعل ما لا يُخْتَلف في جوازه، أحبُّ إليَّ، وإن كان الآخر جائزًا\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم\" (٣).\nقال السعدي: أي: \"تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" هذا الذي ذكرت لكم أنه كفارة أيمانكم، من إطعام العشرة المساكين، أو كسوتهم، أو تحرير الرقبة، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئًا هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها إذا حلفتم \" (٥).\nقال الزجاج: \" أي: ذلك الذي يغطي على آثامكم، يقال كفرت الشيء إذا غطيته، ومنه قوله ﷿: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، والكفار الذين يغطون الزرع ويصلحونه، والكافر إنما سمي كافرا، لأنه ستر بكفره الإيمان\" (٦).\nقال الماوردي: \" فإن قيل: فلِمَ لَمْ يذكر مع الكفارة التوبة؟\nقيل: لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثمًا توجب التوبة، فإن اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم، وترك العزم على المعاودة\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تفوا بها\" (٨).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لا تتعمدوا الأيمان الكاذبة\" (٩).\nقال الواحدي: يعني: \"فلا تحلفوا واحفظوها عن الحنث\" (١٠).\nقال الطبري: أي: \" واحفظوا، أيها الذين آمنوا أيمانكم أن تحنثوا فيها، ثم تُضِيعُوا الكفارة فيها بما وصفته لكم\" (١١).\nقال السعدي: أي: \" عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \" فبروا فيها ولا تحنثوا، أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل: احفظوها بأن تكفروها. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها \" (١٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦١ - ٥٦٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٢.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٢.\n(٦) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٢.\n(٧) النكت والعيون: ٢/ ٦٣.\n(٨) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٣٨): ص ٤/ ١١٩٥.\n(١٠) الوجيز: ٣٣٣.\n(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٢.\n(١٢) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٧٣.","vol":"8","page":434},{"text":"قال السمعاني: \" ظاهره للنهي عن الحنث، وقيل: أراد به حفظ اليمين لا أن يحلف، والأول أصح\" (١).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه\" (٢).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: ما ذكر من الكفارة\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: يوضحها وينشرها\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" كذلك يبين الله لكم جميع آياته، يعني: أعلام دينه فيوضِّحها لكم لئلا يقول المضيع المفرِّط فيما ألزمه الله: لم أعلم حكم الله في ذلك! \" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته أعلام شريعته وأحكامه\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أي: \" لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم\" (٧).\nقال الطبري: أي: \" لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \"لعلكم تشكرون نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه\" (٩).\nقال السعدي: \"حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما من به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها\" (١٠).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿لعلكم تشكرون﴾، أي: فاتقون فإنه شكر نعمتي\" (١١).\nقال سعيد بن جبير: قوله: \" ﴿لعلكم﴾، يعني: لكي\" (١٢).\nالفوائد:\n١ - حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه.\n٢ - بيان كفارة اليمين بالتفصيل.\n٣ - كراهة الإكثار من الحلف. وحرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقًا.\n٤ - استحباب حنث من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجبًا أو يأتي محرمًا فإن حنثه واجب وعيه الكفارة.\n٥ - الأيمان ثلاثة: لغو: يمين لا كفارة لها إذ لا إثم فيها، الغموس: وهي أن يحلف متعمدًا الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة، اليمين المكفَّرة: وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها.\nوذكر أهل العلم أن اليمين على ثلاثة أوجه:\nأحدها: اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله. وحكمها: وجوب الكفارة فيها عند الحنث.\nقال ابن قدامة ﵀: \" ومن حلف أن يفعل شيئا، فلم يفعله، أو لا يفعل شيئا، ففعله، فعليه الكفارة \" لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار، قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين، هي التي على المستقبل من الأفعال\" (١٣).\n_________\n(١) تفسير السمعاني: ٢/ ٦١.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٤٠): ص ٤/ ١١٩٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٣.\n(٦) مالكشاف: ٦٧٤.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٣.\n(٩) مالكشاف: ٦٧٤.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٤٢.\n(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٤١): ص ٤/ ١١٩٦.\n(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٤٠): ص ٤/ ١١٩٥.\n(١٣) المغني: ٩/ ٣٩٠.","vol":"8","page":435},{"text":"الثاني: اليمين اللغو: وهي الحلف من غير قصد اليمين، وهذه لا كفارة فيها؛ لقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].\nقالت عائشة ﵂: أنزلت هذه الآية ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، في قول الرجل لا والله وبلى والله\" (١).\nقال ابن قدامة ﵀: \"قال الخرقي: «ومن حلف على شيء يظنه كما حلف، فلم يكن، فلا كفارة عليه ; لأنه من لغو اليمين»، أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها. قاله ابن المنذر. يروى هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي مالك، وزرارة بن أوفى، والحسن، والنخعي، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري، وممن قال: هذا لغو اليمين. مجاهد، وسليمان بن يسار، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا، لقول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾. وهذه منه، ولأنه غير مقصود للمخالفة، فأشبه ما لو حنث ناسيا\" (٢).\nالثالث: أن يحلف على شيء ماض وهو كاذب وهي من كبائر الذنوب، ولا كفارة فيها عند جمهور العلماء؛ لأنها أعظم من أن تكفّر.\nإذا عُلم هذا، فما حلفته من الأيمان المنعقدة، وحنثت فيه، فيلزمك فيه الكفارة، وإذا نسيت عدد هذه الأيمان، فاجتهد وأخرج من الكفارات ما يغلب على ظنك أنك تبرأ به.\nوما كان من هذه الأيمان معقودا على فعلٍ واحد، أو ترك شيءٍ واحد، ففيها كفارة واحدة، وذلك مثل أن تحلف ألا تكلم فلانا، فتحنث، ولا تكفّر، ثم تعود فتحلف ألا تكلمه، وتحنث، فلا يلزمك إلا كفارة واحدة. بخلاف ما لو حلفت ألا تكلمه، ثم حلفت أن لا تأكل طعامه مثلا، فيلزمك حينئذ كفارتان.\nفيمكن القول: بأن الأيمان التي حلفتها على شيء تفعله أو لا تفعله في المستقبل وحنثت فيها يجب عليك فيها الكفارة، والأيمان التي حلفتها على شيء في الماضي أنك فعلته أو لم تفعله وأنت كاذب في ذلك لا كفارة عليها، وعليك التوبة إلى الله، والله تعالى يتوب على من تاب.\n٦ - تمامُ عدلِ الله ﷿ في إيجابِ الأوسَطِ؛ لِقَوْلِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فالواجب على الإنسانِ هو الوَسَط؛ فالزكاةُ مثلًا على صاحِب الغَنَم الواجبُ الوَسَط، والزكاة في الثِّمار الواجبُ الوَسَطُ، فإنَّه لو أوْجَب الأكملَ والأعلى، لكان في هذا ضرَرٌ على المعطِي، ولو أوجَبَ الأدْنى لكان فيه ضررٌ على المُعطَى، أي: المدفوع إليه، فالوسطُ ليس فيه حَيفٌ لا على مَن يجِبُ عليه، ولا عَلى مَن يجبُ له، وهذا لا شكَّ أنَّه من العدالةِ.\n٧ - وجوبُ الإنفاقِ على الأهلِ؛ لِقَوْلِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، يعني: كأنَّ هذا أمرٌ مُقرَّر؛ أنَّ الرجل يُطعِم أهلَه، وهذا لا شكَّ فيه؛ أنَّه يجب على الرجلِ أن يُنفقَ على أهلِه؛ قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].\n٨ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، أنَّ الكِسْوةَ مُطلقةٌ، فما سُمِّي كِسْوةً حصَل به الإجزاءُ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأزمانِ والأماكنِ والأُمم.\n٩ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فيه دقيقةٌ، وهي التنبيهُ على أنَّ تقديمَ الكفَّارةِ قبلَ اليمينِ لا يجوزُ، وأمَّا بعدَ اليمينِ وقبل الحِنث فإنَّه يجوزُ.\n١٠ - أنَّ تقديرَ العباداتِ كمِّيةً ونوعًا وكيفيَّةً موكولٌ إلى الشَّرْعِ؛ لِقَوْلِه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ ولذلك لا يَتقابَلُ أو لا يَتساوى إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مع صِيام ثلاثةِ أيَّام، فكفَّارة الظِّهارِ الواجبُ فيها صيامُ شَهرينِ متتابعينِ، فإنْ لم يجد فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، فجاءَ إطعامُ كلِّ فقيرٍ يُقابل صيامَ يومٍ، لكن هنا يختلفُ الوضع، ولعلَّ السبب- والله أعلمُ - أنَّه في كَفَّارة الظِّهار الإطعامُ بدلٌ عن\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦١٣).\n(٢) المغني: ٩/ ٣٩٣.","vol":"8","page":436},{"text":"الصيامِ، فمن لم يستطعِ الصيامَ أطعَمَ، وإذا كان بدلًا عن الصِّيام، فالحُكم أنَّ صومَ كلِّ يوم يُطعِمُ عنه مِسكينًا، كما في العاجِزِ عن الصِّيام عجزًا لا يُرجَى زَوالُه، فإنَّه يُطعِمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، أمَّا في كفَّارةِ اليمينِ وفِديةِ الأذى، فليس الأمرُ كذلك؛ لأنَّ الأمرَ فيهما على التخييرِ، فكلٌّ من خِصال الكفَّارة نوع ٌمستقلٌّ بنفْسِه.\n١١ - أنَّ الله ﷾ بَيَّنَ لعبادِه من آياته كلَّ ما يحتاجون إليه؛ لِقَوْلِه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾.\n١٢ - وممَّا يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، محبَّةُ الله تعالى للشُّكرِ؛ حيث بَيَّنَ الآياتِ لعِبادِه من أجْل أنْ يَشكُروه.\n١٢ - تعليل أحكامِ اللهِ ﷿، وأنَّها مقرونةٌ بالحِكمة؛ لأنَّ قَوْلَه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ للتعليلِ، والتعليلُ يُفيد الحِكمةَ؛ فجميعُ أفعالِ اللهِ وأحكامِ اللهِ كلُّها لحِكمةٍ، لكنْ منها ما يُعلَم، ومنها ما لا يُعلَم.\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار، وذلك يشمل المراهنات ونحوها، مما فيه عوض من الجانبين، وصدٌّ عن ذكر الله، والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الشيء، أو الإحجام عنه، إن ذلك كله إثمٌ مِن تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة.\nفي سبب النزول الآيات (٩٠ - ٩٣)، أقوال:\nأحدها: عن سعد بن أبي وقاص: \"أنه نزلت فيه آيات من القرآن؛ قال: حَلَفَت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زَعَمْت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجَهْد، فقام ابن لها يقال له: عُمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد؛ فأنزل الله -﷿- في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، قال: وأصاب رسول الله - ﷺ - غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول - ﷺ -، فقلت: نفلني هذا السيف؛ فأنا من قد علمت حاله، فقال: \"رده من حيث أخذته\"، فانطلقت، حتى إذا أردت أن ألقيه في القَبَض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: \"رده من حيث أخذته\"، قال: فأنزل الله -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي - ﷺ - فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قلت: فالنصف؟ قال: فأبى، قلت: فالثلث؟ قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزًا، قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش: البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته؛ فأنزل الله -﷿- فيّ -يعني: نفسه- شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ \" (١). [صحيح]\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٤/ ١٨٧٧، ١٨٧٨ رقم ١٧٤٨) وغيره.","vol":"8","page":437},{"text":"وفي السياق نفسه قال سالم بن عبد الله: \"إن أول ما حرمت الخمر أن سعد بن أبي وقاص وأصحابًا له شربوا؛ فاقتتلوا، فكسروا أنف سعد؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ \" (١). [ضعيف]\nوالثاني: قال عبد الله بن عباس -﵄-: \"نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بَعضُهُم ببعض، فلما صَحَوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول: قد فعل بي هذا أخي، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا، فوقعت في قلوبهم الضغائن؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾؛ فقال ناس: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أُحد؛ فأنزل الله -﷿-: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ \" (٢). [حسن]\nالثالث: أحدها: قال أبو هريرة: \" حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله - ﷺ - عنهما؛ فأنزل الله على نبيه - ﷺ -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال: فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته؛ فأنزل الله فيها آية أغلظ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق؛ ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾؛ فقالوا: انتهينا ربنا. فقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان؛ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٢٥٢١): ص ١٠/ ٥٧٠، والواحدي في \"الوسيط\" (٢/ ٢٢٢) من طريق ابن وهب أنبأني عمرو بن الحارث: أن الزهري أخبره: أن سالم بن عبد الله حدثه به.\nقلنا: وسنده صحيح رجاله ثقات؛ لكنه مرسل.\n(٢) أخرجه النسائي في \"تفسيره\" (١/ ٤٤٧، ٤٤٨ رقم ١٧١)، والطبري في جامع البيان (١٢٥٢٢): ص ٥٧١، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٤٤، ٤٥ رقم ١٢٤٥٩) -ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٠/ ٣٤١، ٣٤٢ رقم ٣٧٠) -، والحاكم (٤/ ١٤١، ١٤٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٨٥، ٢٨٦) من طريقين عن ربيعة بن كلثوم بن جبر عن أبيه عن سعيد بن جبير عنه به.\nقلنا: وهذا إسناد حسن؛ رجاله رجال الصحيح، فربيعة بن كلثوم وثقه ابن معين والعجلي وابن شاهين، وقال أحمد: صالح. وضعفه النسائي مرة، وقال مرة أخرى: ليس به بأس، ولخصه الحافظ بقوله: صدوق يهم.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٧٧، ٤٧٨ رقم ٢١٤٥)، و\"الثقات\" للعجلي (رقم ٤٣٤)، و\"التهذيب\" (٣/ ٢٦٣)، و\"التقريب\" (١/ ٢٤٨).\nوكلثوم بن جبر؛ وثقه أحمد وابن معين والعجلي وابن حبان وابن شاهين، وقال النسائي: ليس بالقوي، ولخصه الحافظ بقوله: \"صدوق يخطئ\".\nانظر: \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٦٤ رقم ٩٢٦)، و\"الثقات\" للعجلي (رقم ١١٨٤)، و\"التهذيب\" (٨/ ٤٤٢)، و\"التقريب\" (٢/ ١٣٦).\nوسكت عنه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: \"صحيح على شرط مسلم\".\nوقد نقل السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٨) تصحيحه عن الحاكم.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٨): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\".\nوسكت عنه الحافظ في \"فتح الباري\" (٨/ ٢٧٩).\nوزاد نسبته في \"الدر المنثور\" لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"8","page":438},{"text":"طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي - ﷺ -: \"لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم\" (١). [ضعيف]\nالرابع: قال ابن عمر: \"نزل في الخمر ثلاث آيات؛ فأول شيء نزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله! دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله! لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: \"حرمت الخمر\"، قال: وقدمت لرجل راوية من الشام -أو روايًا- فقام النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر ولا أعلم عثمان إلا معهم، فانتهوا إلى الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: \"خل عنا نشقها\"، فقال: يا رسول الله! أفلا نبيعها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لعن الخمر، ولعن غارسها، ولعن شاربها، ولعن عاصرها، ولعن موكلها، ولعن مديرها، ولعن ساقيها، ولعن حاملها، ولعن آكل ثمنها، ولعن بائعها\" (٢). [منكر]\nالخامس: عن جابر بن عبد الله: \"اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي - ﷺ - ثم قتلوا شهداء يوم أُحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم؛ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ \" (٣). [صحيح]\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٥١): ثنا سريج بن النعمان: ثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة عن أبي هريرة به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه علتان:\nالأولى: أبو وهب مولى أبي هريرة؛ مجهول لا يعرف؛ كما في \"تعجيل المنفعة\" (ص ٥٢١).\nالثانية: أبو معشر؛ نجيح السندي؛ ضعيف أسن واختلط؛ كما في \"التقريب\" (٢/ ٢٩٨).\nوقال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (رقم ٤٧٨): \"إسناده ضعيف؛ فإنه من رواية أبي معشر؛ عن أبي وهب، وأبو معشر ضعيف\".\nونقله عنه المناوي في \"الفتح السماوي\" (٢/ ٥٨٦).\nوقال العلامة الشيخ أحمد شاكر في \"تحقيق المسند\" (٦/ ٢٥٤ رقم ٨٦٠٥):\n\"إسناده ضعيف؛ لضعف أبي معشر نجيح، ولجهالة أبي وهب مولى أبي هريرة\".\nوقد قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٩٥): \"انفرد به أحمد\".\n* ملاحظة: تصحف اسم شيخ الإِمام أحمد في كل من \"تعجيل المنفعة\"، و\"تفسير القرآن العظيم\" -طبع دار المعرفة-، و\"تخريج أحاديث تفسير الكشاف\" للزيلعي من سريج إلى شريح؛ فليحرر.\n(٢) أخرجه الطيالسي في \"المسند\" (رقم ١٩٥٧) -ومن طريقه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥/ ٤، ٥ رقم ٥٥٧٠)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٩ رقم ٢٠٤٦) -، وابن جرير في \"جامع البيان\" (٤١٤٣): ص ٤/ ٣٣١، من طريق محمد بن أبي حميد عن أبي توبة المصري عن ابن عمر به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ فيه علتان:\nالأولى: جهالة أبي توبة المصري.\nقلنا: هو مجهول، وقد ذكره الحافظ في \"اللسان\" (٧/ ٢٣)، وقال: \"أبو توبة المصري عن ابن عمر -﵄- روى عنه محمد بن أبي حميد، قال ابن عساكر: \"لم أجد له ذكرًا في شيء من الكتب\"، قلت: وفي حديثه عن ابن عمر -﵄- في لعن شارب الخمر زيادة منكرة قال فيه: \"ولعن غارسها\". اهـ.\nالثانية: محمد بن أبي حميد ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وأبو زرعة والترمذي وغيرهم.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٧، ١٥٨) وزاد نسبته لابن مردويه.\n(٣) أخرجه البزار في \"مسنده\"؛ كما في \"تفسير القرآن العظيم\" (٢/ ٩٨، ٩٩): ثنا أحمد بن عبدة ثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابرًا (فذكره).\nقال البزار: \"وهذا إسناد صحيح\".\nقال ابن كثير: \"وهو كما قال، وفي سياقه غرابة\".\nوسكت عليه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٧٩) مشيرًا إلى تقويته.\nقلنا: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وأصله في البخاري (٦/ ٣١ رقم ٢٨١٥، ٧/ رقم ٤٠٤٤، ٨/ ٢٧٧ رقم ٤٦١٨) بلفظ: صبح أناس غداة أُحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء وذلك قبل تحريمها.","vol":"8","page":439},{"text":"السادس: عن البراء بن عازب؛ قال: \"مات ناس من أصحاب النبي - ﷺ - وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها؛ قال ناس من أصحاب النبي - ﷺ -: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ \" (١). [صحح لغيره]\nالسادس: قال عبد الله بن مسعود: \"لما نزل تحريم الخمر، قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ فأنزل الله -﷿-: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ قال رسول الله - ﷺ -: \"فقيل لي: إنك منهم\" (٢). [ضعيف]\nةفي السياق نفسه قال مجاهد: \"نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ فيمن قتل ببدر وأحد مع محمد - ﷺ –\" (٣). [ضعيف]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٤).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (ص ٧١٥)، وعبد بن حميد في \"تفسيره\"؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٧٢) -وعنه الترمذي (٥/ ٢٥٤ رقم ٣٠٥٠) -، والطبري في \"جامع البيان\" (٧/ ٢٥)، والترمذي (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥ رقم ٣٠٥١)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ٢٦٥، ٢٦٦ رقم ١٧١٩، ١٧٢٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (رقم ١٧٤٠ - موارد)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١٢٠١ رقم ٦٧٧٥)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٤٠، ١٤١) من طريق إسرائيل وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء به.\nقلنا: وهذا سند ظاهره الصحة، لكن قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: أسمعته من البراء؟ قال: لا. ذكره أبو يعلى عقب روايته للحديث.\nقلنا: وهذا نص صريح -وهو من الأدلة الكثيرة- أن أبا إسحاق السبيعي كان يدلس، وقد اعترف أنه لم يسمع هذا الحديث من البراء؛ لكن يشهد له حديث ابن عباس وابن مسعود السابقين ويرتقي إلى درجة الصحيح.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٧٢) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٧٧، ٧٨ رقم ١٠٠١١)، والبزار في \"البحر الزخار\" (٤/ ٣٢٥ رقم ١٥١٣)، والحاكم (٤/ ١٤٣، ١٤٤) جميعهم من طريق سليمان بن قرم عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود به.\nقلنا: وسنده ضعيف؛ فيه سليمان بن قرم؛ سيئ الحفظ، يتشيع؛ كما في \"التقريب\" (١/ ٣٢٩).\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي! ! .\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٨): \"في \"الصحيح\" بعضه، ورجاله ثقات\".\nوهو وهم منهم جميعًا -﵏-.\nوقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٤/ ١٩١٠ رقم ٢٤٥٩) -مختصرًا- بلفظ: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ قال لي رسول الله - ﷺ -: \"قيل لي: أنت منهم\".\n(٣) أخرجه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٢٥٣٠): ص ١٠/ ٥٨٠، بسند صحيح إلى ابن جريج عن مجاهد به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه علتان:\nالأولى: الإرسال.\nالثانية: ابن جريج لم يسمع من مجاهد.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.","vol":"8","page":440},{"text":"قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل\" (٢).\nو«الخمر»: \" كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب\" (٣).\nقال الطبري: و\" ﴿الخمر﴾ كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه\" (٤).\nقال الشوكاني: \" وسمي خمرا لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره\" (٥).\nقال الصابوني: \" ﴿الخمر﴾ المسكر من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه، وقولهم: خمرت الغناء أي غطيته\" (٦).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: \"قام عمر على. فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: الا وان الخمر نزل تحريمها يوم نزل، من خمس: من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير والخمر: ما خامر العقل، ثلاثا\" (٧).\nوقال سعيد بن المسيب: \"إنما سميت الخمر، لأنها صفا صفوها وسفل كدرها\" (٨).\nوقد ذكر ابن القيم: بأن \"في تسمية الخمر خمرا، ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه.\nوالثاني: لأنها تخمر العقل أي تستره.\nوالثالث: لأنها تخمر أي تغطي.\nذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم \" (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" والميسر: وهو القمار\" (١٠).\nو﴿الْمَيْسِرُ﴾: من قولهم: يسَرَ لي هذا الأمر، إذا وجب لي، فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا، و«الياسر» الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر،: ياسرٌ ويَسَر، كما قال الشاعر (١١):\nفَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ... يُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا\nوكما قال النابغة (١٢):\nأَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ القِدَاح بوَفْرِهِ ... أَسِفٌ تآكَلَهُ الصِّدِيقُ مُخَلَّعُ (١٣).\nيعني: بالـ «ياسر»: المقامر.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٠.\n(٥) فتح القدير: ١/ ٢٢١.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٥.\n(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٧): ص ٢/ ٣٨٩.\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٩): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٢٣٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١١) ديوانه: ١٧، من قصيدة يذكر فيها فتوح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، سلف منها بيتان في ٢: ١٥٧. واقرأ التعليق هناك رقم: ٢. ولمعت الرايات: خفقت. وقوله: \" يوجه الأرض \" يعني جيش عمر، أي يقشر وجهها من شدة وطئه وكثرته وسرعة سيره، يشبهه بالسيل. يقال: \" وجه المطر الأرض \"، قشر وجهها وأثر فيه. وقوله: \" يستاق الشجر \"، يقول: جيشه كالسيل المنفجر المتدافع يقشر الأرض، ويختلع شجرها، ويسوقه.\n(١٢) لم أعرف قائله. والغبين والمغبون: الخاسر. واختلع (بالبناء للمجهول): أي قمر ماله وخسره، فاختلع منه، أي انتزع. والمخالع المقامر، والمخلوع: المقمور ماله. يقول: إنه بات ليلته حزينًا كاسفًا مطرقًا، إطراق المقامر الذي خسر كل شيء، فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقًا متحسرا على ما أصابه ونكبه.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦.","vol":"8","page":441},{"text":"وقيل للقمار: «ميسر»؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم (١).\nقال الراغب: «الميسر»: آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسرًا تشبيهًا به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسرًا، وسمي ذلك يسرًا لاعتقادهم أنه غني للفقراء\" (٢).\nقال القرطبي: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾: \"قمار العرب بالأزلام\" (٣)\nقال الصابوني: \" ﴿الميسر﴾: القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار، لأنه سبب الغنى\" (٤).\nوقد تعددت أقوال أهل التفسير في معنى: ﴿الْمَيْسِرُ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجوه:\nأحدها: أنه القمار. قاله ابن عمر (٥)، ومجاهد (٦)، وروي عن عبد الله بن مسعود (٧)، وابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والحسن (١٠)، وعطاء (١١)، وطاوس (١٢)، ومحمد بن سيرين (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، وكحول (١٦)، والسدي (١٧)، ومقاتل (١٨).\nوالثاني: أنه الشطرنج. قاله علي (١٩).\nالثالث: أنه بيع اللحم بالشاة والشاتين (٢٠).\nالرابع: أن كل ما لهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر. وهذا قول القاسم بن محمد (٢١).\nالخامس: أنه الضرب بالقداح على الأموال والثمار. قاله الأعرج (٢٢).\nالسادس: أنه الضرب بالكعاب (٢٣).\nأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن يزيد بن شريح، ان النبيﷺ-، قال: \"ثلاث من الميسر: الصغير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب\" (٢٤).\nقال القرطبي: \"وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء\" (٢٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٩.\n(٥) تفسير الطبري (٤١٢٧): ص ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٠): ص ٢/ ٣٩٠.\n(٦) تفسير الطبري (٤١٠٧): ص ٤/ ٣٢٢.\n(٧) تفسير الطبري (٤١٠٨): ص ٤/ ٣٢٢.\n(٨) تفسير الطبري (٤١٢١): ص ٤/ ٣٢٤.\n(٩) تفسير الطبري (٤١٢٤): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٠) تفسير الطبري (٤١١٥): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١١) تفسير الطبري (٤١١٦): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٢) تفسير الطبري (٤١١٦): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٣) تفسير الطبري (٤١١١): ص ٤/ ٣٢٣.\n(١٤) تفسير الطبري (٤١٢٠): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٥) تفسير الطبري (٤١٢٥): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٦) تفسير الطبري (٤١٢٩): ص ٤/ ٣٢٥.\n(١٧) تفسير الطبري (٤١٢٢): ص ٤/ ٣٢٤.\n(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٩٠.\n(١٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٤): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢٠) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٥): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٦): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٧): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٨): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٥٨): ص ٢/ ٣٩١.\n(٢٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٣.","vol":"8","page":442},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الشيء، أو الإحجام عنه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" إن ذلك كله إثمٌ مِن تزيين الشيطان\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: إنما يعني ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام\" (٤)، \" إثم\" (٥)، \" من عمل الشيطان يعني من تزيين الشيطان\" (٦).\nقال ابن عباس: \" يقول: سَخَطٌ\" (٧).\nقال ابن زيد: \" الرجس، الشرُّ\" (٨).\nقال الزجاج: \" الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، فبالغ الله في ذم هذه\nالأشياء، وسماها رجسا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم، يقال رجس الرجل يرجس، ورجس يرجس، إذا عمل عملا قبيحا، والرجس بفتح الراء شدة الصوت، فكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال: سحاب ورعد رجاس، إذا كان شديد الصوت.\nقال الشاعر (٩):\nوكل رجاس يسوق الرجسا\nوأما الرجز، بالزاي فالعذاب، أو العمل الذي يؤدي إلى العذاب\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \" فابتعدوا عن هذه الآثام\" (١١).\nقال ابن كثير: \" الضمير عائد على الرجس، أي اتركوه\" (١٢).\nقال الواحدي: \" أي: كونوا جانبًا منه، والهاء عائدة على الرجس، والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظًا وإبلاغًا في النهي عن شربها، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: \"مدمن الخمر كعابد الوثن\" (١٣) \" (١٤).\nقال ابن عمر: \" ثم نزلت يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فقال رسول الله ﷺ حرمت الخمر\" (١٥).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٥٩): ص ٤/ ١١٩٩.\n(٥) حكاه عنه ابن كثير: ٣/ ١٧٩.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦١): ص ٤/ ١١٩٩.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٥١٠): ص ١٠/ ٥٦٥.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٥١١): ص ١٠/ ٥٦٥.\n(٩) هذا الرجز منسوب للعجاج كما في حاشية \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٦٧ (رجس).\n(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(١١) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٩.\n(١٣) أخرجه البخاري في تاريخه ١/ ١٢٩، ٣/ ٥١٥، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ١٢، وصححه الألبانى. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" ٥/ ٢٠٥ برقم ٥٧٣٧.\n(١٤) التفسير البسيط: ٧/ ٥١٠.\n(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٢): ص ٤/ ١١٩٩.","vol":"8","page":443},{"text":"قال سعيد بن جبير: \" فهذا تحريمهن كما قال الله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَان﴾ (١)، يعني: عبادة الأصنام فحرم الخمر كما حرم عبادة الأصنام\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، أي: \"لعلكم تفوزون بالجنة\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \"يعني: لكي تفلحون\" (٤).\nقال محمد بن كعب القرظي: \" يقول: لعلكم غدا إذا لقيتموني\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم الله به من عذابه وتدركون ما وعدكم فيه من ثوابه\" (٦).\nقال ابن كثير: \" وهذا ترغيب \" (٧).\nالفوائد:\n١ - بَدْؤُه تعالى الكلامَ بهذا الوَصْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو﴾، ايدلُّ على أنَّ العملَ به تَصديقًا أو امتثالًا من مقتضياتِ الإيمانِ، كذلك أيضًا: يدلُّ على أنَّ مخالفتَه، أو الشكَّ فيه، أو تكذيبَه منافٍ للإيمانِ؛ إمَّا لأصلِه أو لكمالِه، وثالثًا: أنَّ في هذا إغراءً للمخاطَب، كأنَّه يقول: إنْ كنتَ مؤمنًا فاستمعْ وامتثِلْ.\n٢ - يَكفي أنْ يعلمَ المؤمنُ أنَّ شيئًا ما مِن عملِ الشَّيطانِ؛ لينْفِرَ منه حسُّه، وتَشمئزَّ منه نفْسُه، ويَبعُدَ عنه من خوفٍ ويتَّقيَه! فالشيطانُ عدوُّ الإنسانِ القديمُ؛ لذا قال تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فتَعاطي هذه المحرَّماتِ بتسويلٍ من الشيطان، فكأنَّ الذي عمِلَها وتعاطاها هو الشَّيطانُ، وفي ذلِك تنفيرٌ لمتعاطيها بأنَّه مَن عَمِلَ عَمَلَ الشيطانِ، فهو شيطانٌ، وذلك ممَّا تأباه النُّفوسُ، ولم يكتفِ بذلك ذمًّا لهذا العَمَل، بل وفي هذه اللَّحظة يَصدُر النَّهيُ مصحوبًا كذلك بالإطماعِ في الفَلاح، وهي لمسةٌ أخرى من لمساتِ الإيحاءِ النفسيِّ العميقِ، فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n٣ - قَوْلُه تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فيه بيانُ أنَّه لا مَعصيةَ أعظمُ وأقبحُ من معصيةٍ تُدنِّس صاحبَها، وتجعلُه من أهل الخُبثِ، وتُوقِعُه في أعمالِ الشَّيطانِ وشِباكه، فينقادُ له كما تنقادُ البهيمةُ الذليلةُ لراعيها، وتَحولُ بين العبدِ وبين فلاحِه، وتُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ بين المؤمنين، وتصدُّ عن ذِكر اللهِ وعن الصَّلاة؟ فهل فوقَ هذه المفاسدِ شيءٌ أكبرُ منها؟ !\n٤ - رحمةُ اللهِ ﵎ بعِبادِه الَّذين خَلَقَهم لعِبادتِه؛ حيثُ حذَّرهم مِن كلِّ ما فيه ضَررٌ؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n_________\n(١) [الحج: ٣٠].\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٣): ص ٤/ ١١٩٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٤): ص ٤/ ١٢٠٠.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٥): ص ٤/ ١٢٠٠.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٦): ص ٤/ ١٢٠٠.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٧٩.","vol":"8","page":444},{"text":"القرآن\n﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]\nالتفسير:\nإنما يريد الشيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِي بينكم ما يوجد العداوة والبغضاء، بسبب شرب الخمر ولعب الميسر، ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر، والاشتغال باللهو في لعب الميسر، فانتهوا عن ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: \" إنما يريد الشيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِي بينكم ما يوجد العداوة والبغضاء، بسبب شرب الخمر ولعب الميسر\" (١).\nقال القرطبي: \"وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" إنما يُريد لكم الشيطانُ شربَ الخمر والمياسرةَ بالقِدَاح، ويحسِّن ذلك لكم، إرادةً منه أن يوقع بينكم العَداوَة والبغضاءَ في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغِّض بعضَكم إلى بعض، فيشتِّت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام\" (٣).\nقال الواحدي: \" وذلك لما يحصل بين أهلها من العداوة والمقابح والإِقدام على ما يمنع منه العقل\" (٤).\nقال السمعاني: \" أما وقوع العداوة في الخمر: أن شاربيه إذا سكروا عربدوا، وتشاجروا\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص\" (٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٣.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٥.\n(٤) الوجيز: ٣٣٤.\n(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٨): ص ٤/ ١٢٠٠.","vol":"8","page":445},{"text":"قال سعد: \"صنع لنا رجل من الأنصار طعاما فأكلناه وشربنا الخمر وذلك قبل أن تحرم الخمر، فأنشبنا نتفاخر فأنتشينا فتفاخرنا، فقلنا: نحن أفضل منكم وقالت الأنصار: نحن أفضل منكم فأخذ رجل من الأنصار لحى فضرب به أنف سعد فشجه. فنزلت: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية\" (١).\nوأما العداوة في الميسر، قال قتادة: \" ان الرجل في الجاهلية يقامِر على أهله وماله، فيقعد حَرِيبًا سليبًا ينظر إلى ماله في يَدَي غيره، فكانت تُورِث بينهم عداوة وبغضاءَ، فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه. والله أعلم بالذي يصلح خلقه\" (٢).\nوقال ابن عباس: \" نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا، حتى إذا ثملوا، عبث بعضهم على بعض، فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان! وكانوا إخوة، ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا! حتى وقعت في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾! \" (٣).\nقال الجصاص: \" فأخبر الله تعالى أنه إنما نهى عن هذه الأمور لنفي الاختلاف والعداوة ولما في ارتكابها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فمن تأدب بأدب الله وانتهى إلى أوامره وانزجر بزواجره حاز صلاح الدين والدنيا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٦٧): ص ٤/ ١٢٠٠.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٥٢٤): ص ١٠/ ٥٧٣.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٥٢٢): ص ١٠/ ٥٧١.\n(٤) أحكام القرآن: ٤/ ١٢٨.","vol":"8","page":446},{"text":"قال ابن عطية: \" أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزينا فقيرا فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي ﷺ: «ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» (١)، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، والبغضاء تنقض عرى الدين وتهدم عماد الحماية\" (٢).\nقال السعدي: \" أخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها، فمنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، خصوصا الخمر والميسر، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل، وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء\" (٣).\n_________\n(١) الحديث: \" لحديث: (لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا \"، أخرجه البخاري في الصحيح (٦٠٦٤ و٦٠٦٦ و٦٠٧٦)، وفي الأدب المفرد (٤٠٨)، ومسلم (٢٥٥٩ و٢٥٦٣ و٢٥٦٤)، وأبو داود الطيالسي (٢٠٩١)، وأحمد (٢ ٢٧٧ و٤٦٩) و(٣ ١٦٥ و٢٠٩)، والترمذي (١٩٣٥)، وأبو يعلى (٣٦١٢)، والقضاعي في مسنده (٩٣٩)، والطبراني في الصغير (٢٨٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١١٢٧٦ و١٤٥٥٠ و١٦٩٠٦).\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٣.","vol":"8","page":447},{"text":"قال المراغي: \" أما كون الخمر سببا لوقوع العداوة والبغضاء بين الناس حتى الأصدقاء منهم، فلأن شارب الخمر يسكر فيفقد العقل الذي يمنع من الأقوال والأعمال القبيحة التي تسوء الناس، كما يستولى عليه حب الفخر الكاذب، ويسرع إليه الغضب بالباطل، وكثيرا ما يجتمع الشرب على مائدة الشراب فيثير السكر كثيرا من ألوان البغضاء بينهم، وقد ينشأ القتل والضرب والسلب والفسق والفجور وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وخيانة الحكومات والأوطان، وأما الميسر فهو مثار العداوة والبغضاء بين المتقامرين، فإن تعداهم فإلى الشامتين والعائبين ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين، وكثيرا ما يفرط المقامر فى حقوق الوالدين والزوج والأولاد حتى يوشك أن يمقته كل أحد.\nوالميسر مع ما فيه من التوسعة على المحتاجين، فيه إجحاف بأرباب الأموال، لأن من صار مغلوبا فى القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه رجاء أن يغلب فيه مرة أخرى، وقد يتفق ألا يحصل له ذلك إلى ألا يبقى له شىء من المال، ولا شك أنه بعد ذلك سيصير فقيرا مسكينا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: \" ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر والاشتغال باللهو في لعب الميسر\" (٢).\nقال مقاتل: \" يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله﷿- وإذا سكرتم لم تصلوا\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: عن طاعة الله، وعن الصلاة لأنهم منعوا عن الصلاة إذا كانوا سكارى. ولأنه إذا سكر لا يعقل الطاعة وأداء الصلاة\" (٤).\nقال الواحدي: \"لأنَّ مَن اشتغل بهما منعاه عن ذكر الله والصَّلاة\" (٥).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٧/ ٢٣ - ٢٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠١.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤١٦.\n(٥) الوجيز: ٣٣٤.","vol":"8","page":448},{"text":"قال الطبري: \" يقول: ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم، وباشتغالكم بهذا الميسر، عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، ﴿وعن الصلاة﴾، التي فرضها عليكم ربكم\" (١).\nقال ابن عطية: أي: \"وكذلك أيضا يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك\" (٢).\nقال الزمخشري: \" قوله ﴿وعن الصلاة﴾، اختصاص للصلاة من بين الذكر، كأنه قيل: وعن الصلاة خصوصا\" (٣).\nقال السعدي: ومن مفاسدها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو\" (٤).\nقال المراغي: \" وأما صد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة (وهما مفسدتهما الدينية) فذلك أظهر من كونهما مثارا للعداوة والبغضاء (وهما مفسدتهما الاجتماعية) لأن كل سكرة من سكرات الخمر، وكل مرة من لعب القمار تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر الله الذي هو روح الدين، وعن الصلاة وهى عماد الدين، إذ السكران لا عقل له يذكر به آلاء الله وآياته، ويثنى عليه بأسمائه وصفاته، أو يقيم الصلاة التي هى ذكر الله، ولو ذكر السكران ربه وحاول الصلاة لم تصح له، وكذلك المقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح ويخشى الخسارة، فلا يتوجه همه إلى ذكر الله ولا يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٧٥.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٣.","vol":"8","page":449},{"text":"وقد دلت المشاهدة على أن القمار أكثر الأعمال التي تشغل القلب وتصرفه عن كل ما سواه، بل يحدث الحريق فى دار المقامر أو تحل المصايب بالأهل والولد ويستغاث به فلا يغيث بل يمضى فى لعبه، والنوادر فى ذلك كثيرة إلى أن المقامر إذا تذكر الصلاة وترك اللعب لأجلها فإنه لا يؤدى منها إلا الحركات بدون أدنى تدبر أو خشوع، لكنه على كل حال يفضل السكران إذ أنه لا يكاد يضبط أفعال الصلاة.\nواللعب بالشطرنج أو بالنرد إذا كان على مال دخل فى الميسر وكان حراما، وإذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بتحريمه إلا إذا تحقق كونه رجسا من عمل الشيطان موقعا فى العداوة والبغضاء صادا عن ذكر الله وعن الصلاة بأن كان من المكثرين اللعب أو ممن يداومون عليه، والشافعي كرهه لما فيه من إضاعة الوقت بلا فائدة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: \" فانتهوا عن ذلك\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: انتهوا عن شربها\" (٣).\nقال الواحدي: استفهامٌ بمعنى الأمر، قالوا: انتهينا\" (٤).\nقال الزجاج: \" ومعنى ﴿فهل أنتم منتهون﴾، التحضيض على الانتهاء والتفديد على ترك الانتهاء\" (٥).\nقال سعيد: \" فهذا وعيد التحريم، قالوا: قد انتهينا يا ربنا، فقال رسول الله -ﷺ-: من كان عنده شيء فلا يبعها ولا يشربها\" (٦).\nقال مقاتل: \" - فهذا وعيد بعد النهي والتحريم، قالوا انتهينا يا ربنا\" (٧).\nقال الطبري: \" يقول: فهل أنتم منتهون عن شرب هذه، والمياسرة بهذا، وعاملون بما أمركم به ربُّكم من أداء ما فرَض عليكم من الصلاة لأوقاتها، ولزوم ذكره الذي به نُجْح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم؟ \" (٨).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٧/ ٢٤ - ٢٥.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤١٦.\n(٤) الوجيز: ٣٣٤.\n(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٩٢.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٧٠): ص ٤/ ١٢٠١.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠١.\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٦٦.","vol":"8","page":450},{"text":"قال ابن كثير: \" وهذا تهديد وترهيب\" (١).\nقال ابن عطية: \" وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى: انتهوا\" (٢).\nقال الراغب: \" وقوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، نهاية الردع والزجر\" (٣).\nقال المراغي: \" هذا أمر بالانتهاء جاء بأسلوب الاستفهام وكان ذلك غاية فى البلاغة، فكأنه قيل: قد تلى عليكم ما فيها من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع كل هذا منتهون؟ أو أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا\" (٤).\nعن عن عمرو بن شرحبيل قال: \"قال عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا في الخمر، فنزلت: ﴿فيها إثم كبير ومنافع للناس﴾، فقال: اللهم بين لنا في الخمر، فنزلت: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾، حتى بلغ- ﴿فهل أنتم منتهون﴾، قال عمر: انتهينا، إنها تذهب المال وتذهب العقل\" (٥).\nعن ابن بريدة، عن أبيه قال: \"بينما نحن قعود على شرابٍ لنا، [ونحن على رَمْلة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطِيةٌ لنا]، ونحن نشرب الخمر حِلا إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصابُ والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾، إلى آخر الآيتين، ﴿فهل أنتم منتهون﴾، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾؟ قال: وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيهتهم، فقالوا: انتهينا ربّنا! انتهينا ربَّنا! \" (٦).\nقال القرطبي: \" فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله.\n_________\n(١) حكاه عنه ابن كثير: ٣/ ١٧٩.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.\n(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٣٨.\n(٤) تفسير المراغي: ٧/ ٢٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٦٩): ص ٤/ ١٢٠٠.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٥٢٣): ص ١٠/ ٥٧٢.","vol":"8","page":451},{"text":"فإن قيل: إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى.\nقيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس. ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني.\nوأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر.\nوأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة\" (١).\nقال السعدي: فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟ فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟، ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا بقوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ لأن العاقل -إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ\" (٢).\nالفوائد:\n١ - فضيلةُ الصَّلاةِ لتَخصيصِها بالذِّكر مِن بين ذِكرِ اللهِ ﷿؛ لِقَوْلِه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ ْ، وهذا يدلُّ على شَرَفِها وفَضلِها على غيرِها.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩١.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٤٣.","vol":"8","page":452},{"text":"٢ - أنَّ كَلَّ ما صدَّ عن ذِكرِ الله فهو مِن أوامرِ الشَّيطانِ؛ لِقَوْلِه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، وذِكرُ الله ﵎ يكونُ بالقلبِ واللِّسان والجوارحِ، فكلُّ ما صدَّك عن ذِكرِ اللهِ من هذه الأشياءِ، فهو من أوامِر الشيطانِ وإراداتِه.\n٣ - أنَّ كلَّ ما وقَع في قلبك مِن التثاقُل عن الصَّلاة، فاعلمْ أنَّه من الشَّيطانِ، ومرادِ الشيطان؛ لِقَوْلِه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾.\n٤ - إثباتُ الإرادةِ للشَّيطانِ؛ لِقَوْلِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقد جادَلَ ربَّه عن إرادةٍ.\n٥ - لَمَّا كانتِ العداوةُ قد تزولُ أسبابُها، ذكَر ما يَنشَأُ عنها ممَّا إذا استحكَم تعسَّر، أو تَعذَّر زوالُه، فقال: ﴿وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، أي: في تعاطيهما؛ لأنَّ الخَمْرَ تُزيل العَقْلَ، فيزول المانعُ من إظهارِ الكامِنِ من الضَّغائن والمحاسَدة، فربَّما أدَّى ذلك إلى حروبٍ طويلةٍ، وأمورٍ مَهولة، والميسِرُ يُذهِبُ المالَ، فيُوجِبُ ذلك الحقدَ على مَن سَلَبه مالَه، ونغَّص عليه أحوالَه.","vol":"8","page":453},{"text":"٦ - في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، اقتصرتِ الآيةُ على تبيينِ مفاسِدِ شُرْبِ الخمرِ وتعاطي الميسِر، دون تَبْيينِ ما في عِبادَةِ الأنصابِ والاستقسامِ بالأزلامِ من الفَسادِ؛ وذلك لأنَّ إقلاعَ المسلمينَ عنهما قد تَقرَّر قَبلَ هذه الآيةِ مِن حِين الدُّخولِ في الإسلامِ؛ لأنَّهما من مآثِر عَقائدِ الشِّركِ، ولأنَّه ليس في النُّفوسِ ما يُدافِعُ الوازعَ الشرعيَّ عنهما بخِلافِ الخَمْر والميسِرِ؛ فإنَّ ما فيهما من اللَّذَّات التي تُزجِي بالنُّفوسِ إلى تَعاطيهما قد يُدافِع الوزاعَ الشرعيَّ؛ فلذلك أكَّد النهيَ عنهما أشدَّ ممَّا أكَّد النهيَ عن الأنصابِ والأزلامِ.\n٧ - في قولِه تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، الحضُّ على ترْكِ هذه الخبائثِ، والإقلاعِ عنها؛ لأنَّ العاقِلَ إذا نظَر إلى بعضِ تِلك المفاسدِ انزجَر عنها وكفَّتْ نفْسُه، ولم يَحتَجْ إلى وعْظٍ كثيرٍ، ولا زجرٍ بليغٍ ٣٤).\n٨ - وفي الآية النهى عن التفرق وبين عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع والأمة بأسرها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾، وقال رسول الله ﷺ: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا-ويشير إلى صدره- يحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله\" (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري / كتاب الأدب / باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر ومسلم / كتاب البر والصلة/ باب تحريم التحاسد والتباغض.","vol":"8","page":454},{"text":"ويقول ﵊: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" (١).\nوقال ﵊ لأبي أيوب -﵁-: \"ألا أدلك على تجارة؟ \" قال: بلى يا رسول الله. قال: \"تسعى في الإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا\" (٢).\nوفي مقابلة أمر النبي -ﷺ- المؤمنين بالتحاب والتآلف ومحبة الخير والتعاون على البر والتقوى وفعل الأسباب التي تقوي ذلك وتنمية في مقابلة ذلك نهى النبي ﷺ عن كل ما يوجب تفرق المسلمين وتباعدهم وذلك لما في التفرق والبغضاء من المفاسد العظيمة فالتفرق هو قرة عين شياطين الجن والإنس، لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من، أهل الإسلام أن يجتمعوا على شيء فهم يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام والاتجاه إلى الله ﷿.\n٩ - وقد أكد الله تحريم الخمر والميسر في هذه الآية والتي قبلها بوجوه من التأكيد:\nأحدها: أنه سماهما رجسا، والرجس كلمة تدل على منتهى ما يكون من القبح والخبث، ومن ثم\nقال -ﷺ-: «الخمر أم الخبائث» (٣)، ذما لها وتقريرا لإثم شاربها.\nوالثاني: أنه قرنها بالأنصاب والأزلام التي هى من أعمال الوثنية وخرافات الشرك، وقد روى ابن ماجه عن أبى هريرة قوله ﷺ: «مدمن الخمر كعابد وثن» (٤).\n_________\n(١).أخرجه البخاري /كتاب الأدب/ باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، ومسلم /كتاب البر والصلة / باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم.\n(٢) أخرجه البخاري / كتاب الإكراه / باب يمين الرجل لصاحبه: إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه، ومسلم/ كتاب البر والصلة/ باب تحريم الظلم.\n(٣) رواه النسائي في كتاب الأشربة باب ٤٤.\n(٤) أخرجه البخاري في تاريخه ١/ ١٢٩، ٣/ ٥١٥، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ١٢، وصححه الألبانى. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" ٥/ ٢٠٥ برقم ٥٧٣٧.","vol":"8","page":455},{"text":"والثالث: أنه جعلهما من عمل الشيطان، لما ينشأ عنهما من الشرور والطغيان وسخط الرحمن.\nوالرابع: أنه جعل اجتنابهما سبيلا للفلاح والفوز بالنجاة.\nوالخامس: أنه جعلهما مثارا للعداوة والبغضاء، وهما من أقبح المفاسد الدنيوية التي تولد كثيرا من المعاصي فى الأموال والأعراض والأنفس.\nوالسادس: أنهما جعلا صادين عن ذكر الله وعن الصلاة، وهما روح الدين وعماده وزاده وعتاده.\n٩ - بيان أضرار الخمر، والميسر:\nأولا: أضرار الخمر:\nفأما ضرر الخمر في العقل فهو مسلم عند الناس، وليس ضرره فيه خاصا بما يكون من فساد التصور والإدراك عند السكر; بل السكر يضعف القوة العاقلة، وكثيرا ما ينتهي بالجنون، ولأحد أطباء ألمانيا كلمة اشتهرت كالأمثال وهي \"اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ - التكايا – والسجون\" (١).\nوقد قال الأطباء: إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله، فيزاحم الدم في مجاريه فتسرع حركة الدم، وتختل موازنة الجسم، وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل.\n- فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم حتى يغلظ نسيجها وتضعف حركتها، وقد يحدث فيها احتقانا والتهابا، وفي الأمعاء التقرح، وفي الكبد تمديده وتوليد الشحم الذي يضعف عمله، وكل هذا يتعلق بما يسمونه الجهاز الهضمي.\n- ومن تأثيره في الدم أنه بممازجته له يعوق دورته وقد يوقفها أحيانا فيموت السكور فجأة، ويضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تنسد أحيانا فيفسد الدم، ولو في بعض الأعضاء، فتكون الغنغرينا التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله فيكون هالكا، وتصلب الشرايين يسرع الشيخوخة والهرم.\n_________\n(١) انظر: تفسير المنار: ٢/ ٢٦٠.","vol":"8","page":456},{"text":"- ومن تأثيره في جهاز التنفس إضعاف مرونة الحنجرة، وتهييج شعب التنفس،\nوأهون ضرر ذلك بحة الصوت والسعال، وأعظمها تدرن الرئة; أي: السل الفاتك بالشبان والقاطع لجميع لذات الإنسان.\n- وأما تأثيره في المجموع العصبي فهو الذي يولد الجنون ويهلك النسل، فولد السكور لا يكون نجيبا، وولد ولده يكون شرا من ولده وأضعف بدنا وعقلا، وقد يؤدي تسلسل هذا الضعف إلى انقطاع النسل ألبتة، ولا سيما إذا جرى الأبناء على طريق الآباء كما هو الغالب.\n- ومن مضرات الخمر في التعامل وقوع النزاع والخصام بين السكارى بعضهم مع بعض، وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم، تثير ذلك أدنى بادرة من أحدهم، فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء. وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين; ولذلك ورد بها النص في سورة المائدة: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ [٥: ٩١].\n- ومنها إفشاء السر، وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة، ولا سيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة وسياسة الدولة ومصالحها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس.\n- ومنها الخسة والمهانة في أعين الناس; فإن السكران يكون في هيئته وكلامه وحركاته بحيث يضحك منه ويستخف به كل من يراه، حتى الصبيان; لأنه يكون أقل منهم عقلا، وأبعد عن التوازن في حركاته وأعماله، والضبط في أفكاره وأقواله، وينقلون عن السكارى من النوادر الغريبة ما يكفي في ردع من له شرف وعقل عن الخمر، فيراجع ذلك في كتب الأدب والمحاضرة، ومما ذكر عن المحدثين: أن ابن أبي الدنيا مر بسكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا، وعرض بعضهم شرب الخمر على أحد فصحاء المجانين فقال له المجنون: أنت تشرب لتكون مثلي، فأنا أشرب لأكون مثل من؟","vol":"8","page":457},{"text":"- ومنها أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرئ عليها، ولا سيما الزنا والقتل، وبلغني أن جميع الذين يختلفون إلى مواخير الزنا لا يذهبون إليها إلا وهم سكارى; لأن غير السكران تنفر نفسه من هذه القاذورات المبتذلة مهما تكن خسيسة; ولذلك سميت الخمر أم الخبائث كما ورد في الحديث، فهذه إشارة إلى مضراتها في النفس من حيث الأخلاق والآداب.\n- ومن مضراتها المالية أنها تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة (١):\nفإذا شَرِبْتُ فإنّني مُسْتَهلِكٌ ... مالي وعِرضِي وافِرٌ لَمْ يُكَلَمِ\nولم تكن الخمر مذهبة للثروة في زمن من الأزمنة كزماننا هذا، ولا في مكان كهذه البلاد; فإن أنواع الخمر كثرت فيها، ومنها ما هو غالي الثمن جدا، ثم إن المتجرين بها كثيرا ما يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا، وفي مصر القاهرة بيوت للفسق تجمع بين الخمر والنساء والراقصات والمغنيات، يدخلها الرجال زرافات وأفذاذا، ويتبارون ثم في النفقة حتى ليخسر الرجل في ليلته المئين والألوف. وإن الخمار الرومي الفقير ليفتح في إحدى القرى والمزارع من هذه البلاد حانة صغيرة فلا تزال تتسع بما تبتلع من ثروة الأهالي وغلات أرضهم حتى تبتلع القرية كلها، فتكون أموالها وغلاتها وقطنها وتجارتها في يد صاحب الحانة.\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \"وقد عم البلاء بالخمر هذا القطر بما لأهله من الاستعداد للتقليد حتى قيل: إن ما يصرف في مصر على الخمر يعدل ما يصرف في فرنسا كلها\" (٢).\n- ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى الله تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات ولا سيما الصلاة التي هي عماد الدين; ولذلك قال تعالى في آية المائدة بعد ما تقدم آنفا: ﴿ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾.\n_________\n(١) في معلقته المشهورة، انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ٢٤٣، وشرح القصائد العشر للتبريزي: ١٩٨.\n(٢) تفسير المنلاار: ٢/ ٢٦١.","vol":"8","page":458},{"text":"فهذا شيء من البيان لكون ضرر الخمر كبيرا، وقد يشتبه بعض المبتلين بشرب الخمر في بعض تلك المضرات الصحية، أو يتوهمون أنه يسهل عليهم التوقي منها، وهيهات هيهات لما يتوهمون; فإن المزاج الذي يتحمل سم الخمر - الذي يسمى الكحول أو الغول - زمنا طويلا بحيث يغتر الناس بحسن صحة صاحبه قليل في الناس، ولكن هؤلاء المبتلين يقيسون على النادر ويجهلون الأصل الغالب، وهو أنه لا يكاد يسلم مدمن السكر من ضرره في جسمه أو عقله ومداركه أو ولده وذريته، بل تجتمع كلها في الغالب. وأما المضرات المعنوية فيقل في معتادي السكر من يحفل بها، على أن منهم من يرى أنه يسهل عليه تجنبها.\nثانيا: أضرار الميسر:\nوأما كون أضرار الميسر:","vol":"8","page":459},{"text":"- فقد جاء فيه ما جاء في الخمر من كونه يورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا ظاهر في ميسر العرب، وفي جميع أنواع القمار المعروفة في عصرنا إلا ما يسمونه \"اليانصيب\" فإنه على كونه ميسرا لا شك فيه لا يظهر جميع مفاسده في بعض أنواعه (١).\n_________\n(١) ميسر اليانصيب: هو عبارة عن مال كثير تجمعه بعض الحكومات أو الجمعيات أو الشركات من ألوف من الناس كمائة ألف دينار - جنيه - مثلا تجعل جزءا كبيرا كعشرة آلاف منه لعدد قليل من دافعي المال كمائة مثلا يقسم بينهم بطريقة الميسر وتأخذ هي الباقي; ذلك بأن تطبع أوراقا صغيرة كأنواط المصارف المالية (بنك نوت) تسمى أوراق (اليانصيب) تجعل ثمن كل واحدة منها دينارا واحدا مثلا يطبع عليها، وتجعل العشرة آلآلاف التي تعطي ربحا لمشتري هذه الأوراق مائة سهم أو نصيب تعرف بالأرقام العددية وتسمى النمر - جمع نمرة - ويطبع على الورقة المشتراة عددها وما تربحه كل واحدة من العشر الأوائل منها، وتجعل باقيها للتسعين الباقية من المائة بالتساوي بترتيب كترتيب أزلام الميسر يسمونه السحب، ذلك بأنهم يتخذون قطعا صغيرة من المعدن ينقش في كل واحدة منها عدد من أرقام الحساب يسمونه نمرة من واحدة إلى مائة ألف إذا كان المبيع من الأوراق مائة ألف، ويضعونها في وعاء من المعدن كروي الشكل كخريطة الأزلام (القداح) التي بيناها آنفا، فيها ثقبة كلما أديرت مرة خرج منها نمرة من تلك النمر، فإذا كان يوم السحب أديرت بعدد الأرقام الرابحة فما خرج منها أولا سمي النمرة الأولى مهما يكن عددها، وهي التي يعطى حاملها النصيب الأكبر من الربح كالقدح المعلى عند العرب، وما خرج منها ثانيا سمي النمرة الثانية، ويعطى حاملها النصيب الذي يلي الأول، حتى إذا ما انتهى عدد النمر الرابحة وقف السحب عنده وكان الباقي خاسرا.\n\nوأما كون هذا النوع لا يظهر فيه ما في سائر الأنواع من ضرر العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فلأن دافعي المال فيه لا يجتمعون عند السحب\nوقد يكونون في بلاد أو أقطار بعيدة عن موضعه، ولا يعملون له عملا آخر فيشغلهم عن الصلاة أو ذكر الله تعالى كقمار الموائد المشهورة، ولا يعرف الخاسر منهم فردا أو أفرادا أكلوا ماله فيبغضهم ويعاديهم كميسر العرب وقمار الموائد ونحوه، وكثيرا ما يجعل (اليانصيب) لمصلحة عامة كإنشاء المستشفيات والمدارس الخيرية وإعانة الفقراء، أو مصلحة دولية ولا سيما الإعانات الحربية، والحكومات التي تحرم القمار تبيح (اليانصيب) الخاص بالأعمال الخيرية العامة أو الدولية. ولكن فيه مضار القمار الأخرى، وأظهرها أنه طريق لأكل أموال الناس بالباطل; أي: بغير عوض حقيقي من عين أو منفعة، هذا محرم بنص القرآن كما تقدم في محله، وقد يقال: إن المال الذي يبنى به مستشفى لمعالجة المرضى أو مدرسة لتعليم أولاد الفقراء أو ملجأ لتربية اللقطاء لا يظهر فيه معنى أكل أموال الناس بالباطل إلا في آخذي ربح النمر الرابحة دون آخذي بقية المال من جمعية أو حكومة، وهو على كل حال ليس فيه عداوة ولا بغضاء لأحد معين كالذي كان يغرم ثمن الجزور عند العرب، وليس فيه صد عن ذكر الله وعن الصلاة. [انظر: تفسير المنار: ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤].","vol":"8","page":460},{"text":"- ومن مضرات الميسر: إفساد التربية بتعويد النفس الكسل وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان العمران (١).\n- ومنها - وهو أشهرها - تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز، وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش على ما تعودت من السعة ولا ما دون ذلك (٢).\n\nالقرآن\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ [المائدة: ٩٢]\nالتفسير:\nوامتثلوا -أيها المسلمون- طاعة الله وطاعة رسوله محمد ﷺ في كل ما تفعلون وتتركون، واتقوا الله وراقبوه في ذلك، فإن أعرضتم عن الامتثال فعملتم ما نهيتم عنه، فاعلموا أنما على رسولنا محمد ﷺ البلاغ المبين.\nقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: \" وامتثلوا -أيها المسلمون- طاعة الله وطاعة رسوله محمد ﷺ في كل ما تفعلون وتتركون\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام\" (٤).\nقال البيضاوي: أي: \" فيما أمرا به\" (٥).\nقال السمعاني: \" لما حرم الخمر، وأمر بالاجتناب عنها؛ ندبهم إلى طاعة الله والرسول، والتوقي\" (٦).\nقال ابن عطية: \" وكرر ﴿أطيعوا﴾، في ذكر الرسول تأكيدا \" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير المنار: ٢/ ٢٦٣.\n(٢) انظر: تفسير المنار: ٢/ ٢٦٠ - -٢٦٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٧١): ص ٤/ ١٢٠١.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٢.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.","vol":"8","page":461},{"text":"قال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾ تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهي عنه، وحسن عطف ﴿وأطيعوا الله﴾، لما كان في الكلام المتقدم معنى: انتهوا، وكرر ﴿وأطيعوا﴾، في ذكر الرسول تأكيدا\" (١).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \" أي أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما، كما تجتنبون الأنصاب والأزلام أو أشد اجتنابا في كل شيء، أطيعوا الرسول فيما بينه لكم مما نزله الله عليكم، ومنه قوله: \" كل مسكر خمر وكل خمر حرام\" (٢) \" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: \" واتقوا الله وراقبوه في ذلك\" (٤).\nقال الواحدي، والبغوي: أي: \" المحارم والمناهي\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" واحذروا ما نهيا عنه أو مخالفتهما\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي: مخالفتهما في ذلك فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولا أوليا\" (٧).\nقال الزمخشري: اي: \" وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد: واحذروا ما عليكم في الخمر والميسر، أو في ترك طاعة الله والرسول\" (٨).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٣.\n(٢) أخرجه أبو داود ٣٦٧٩ والترمذي ١٨٦١ والنسائي (٨/ ٢٩٦ و٢٩٧) وأحمد في «الأشربة» ٢٦ وابن حبان ٥٣٦٦ والطحاوي (٤/ ٢١٦) والدارقطني (٤/ ٢٤٨) والبيهقي (٨/ ٢٨٨) والبغوي ٣٠١٣ من طرق عن حماد بن زيد.\n(٣) تفسير المنار: ٧/ ٥٥.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٥) انظر: الوجيز للواحدي: ٣٣٥، وتفسير البغوي: ٣/ ٩٤.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٢.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٣/ ٧٦.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٧٦.","vol":"8","page":462},{"text":"قال الشيخ محمد رشيد رضا: \" أي احذروا عصيانهما أو ما يصيبكم إذا خالفتم أمرهما من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، فإنه حرام عليكم إلا ما يضركم في دنياكم وآخرتكم، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [النور: ٦٣] \" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: \" فإن أعرضتم عن الامتثال فعملتم ما نهيتم عنه\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \"عن الطَّاعة\" (٣).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \" أي فإن توليتم وأعرضتم عن الطاعة\" (٤).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: أعرضتم عن طاعتها\" (٥).\nقال أبو السعود: \" أي: أعرضتم عن الامتثال بما أمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ والاحتراز عن مخالفتهما\" (٦).\nقال القرطبي: \" حذر في مخالفة الأمر، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة، فقال: ﴿فإن توليتم﴾، أي: خالفتم\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]، أي: \" فاعلموا أنما على رسولنا محمد ﷺ البلاغ المبين\" (٨).\nقال الواحدي: أي: \" فليس عليه إلاَّ البلاغ فإن أطعتم وإلاَّ استحققتم العقاب\" (٩).\nقال الزمخشري: اي: \" فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول، لأن الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير المنار: ٧/ ٥٥.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) الوجيز: ٣٣٥.\n(٤) تفسير المنار: ٧/ ٥٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٧١): ص ٤/ ١٢٠١.\n(٦) تفسير أبي السعود: ٣/ ٧٦.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٣.\n(٨) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٩) الوجيز: ٣٣٥.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٧٦.","vol":"8","page":463},{"text":"قال البيضاوي: أي: \" أي فاعلموا أنكم لم تضروا الرسول ﷺ بتوليكم، فإنما عليه البلاغ وقد أدى، وإنما ضررتم به أنفسكم\" (١).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \" فاعلموا أنما على رسولنا أن يبين لكم ديننا وشرعنا، وقد بلغه وأبانه وقرن حكمه بأحكامه وعلينا نحن الحساب والعقاب وسترونه في إبانه، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وإنما الحساب لأجل الجزاء\" (٢).\nقال ابن عطية: أي: \" ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة، أي: إنما على الرسول أن يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع\" (٣).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿رسولنا﴾، يعني: محمدا ﷺ\" (٤)، \" ﴿البلاغ المبين﴾، يعني: أن يبين تحريم ذلك. في صفة أعمال المؤمنين وما أعد لهم في أموالهم\" (٥).).\nعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كل مسكر حرام، وإن ختما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ \" قال: \"عرق أهل النار\" (٦).\n_________\n(١) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٢.\n(٢) تفسير المنار: ٧/ ٥٥.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٧٣): ص ٤/ ١٢٠١.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٧٤): ص ٤/ ١٢٠١.\n(٦) أخرجه البغوي في شرح السنة: ١١/ ٣٥٦، ومعالم التنزيل: ٣/ ٩٥، وفيه عبد الملك بن قدامة، وهو ضعيف، ويشهد له عدة أحاديث صحيحة عن جابر بن عبد الله وغيره منها حديث جابر عند مسلم، برقم (٢٠٠٢) في الأشربة وحديث ابن عمر عند مسلم برقم (٢٠٠٣).","vol":"8","page":464},{"text":"وعن عبد الله بن عمر أيضا قال: \"أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها\" (١).\nقال أبو السعود: في قوله: ﴿فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾، \"وقد فعل ذلك بكما لا مزيد عليه وخرج عن عهدة الرسالة أي خروج وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل وما بقي بعذ ذلك إلا العقاب وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه فلا يساعده المقام إذ لا يتوهم منهم ادعاء أنهم بتوليهم يضرونه ﷺ حتى يرد عليهم بأنهم لا يضرونه وإنما يضرون أنفسهم\" (٢).\nالفوائد:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾، َ بيانُ أنَّ طاعةَ الله وطاعةَ رسولِه واحدةٌ، فمَن أطاعَ الله فقدْ أطاعَ الرسولَ، ومَن أطاع الرسولَ فقد أطاع اللهَ، وذلك شاملٌ للقِيامِ بما أمَر اللهُ به ورسولُه من الأعمال والأقوالِ، الظاهرةِ والباطِنة، الواجبةِ والمستحبَّةِ، المتعلِّقة بحقوقِ اللهِ وحقوقِ خَلْقِه، والانتهاءِ عمَّا نهى الله ورسولُه عنه كذلك.\n_________\n(١) خرجه مسلم في الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذ ١ لم يتب منها ... برقم (٢٠٠٣): ٣/ ١٥٨٨، والبغوي في شرح السنة: ١١/ ٣٥٥، ومعالم التنزيل: ٣/ ٩٥.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٣/ ٧٦.","vol":"8","page":465},{"text":"٢ - أنَّ تولِّيَ الناسِ عمَّا يدعو إليه النبيُّ ﷺ لا يضرُّه، ولا يُلامُ عليه؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّه إذا كان ليس عليه إلَّا البلاغُ، فإنَّه لن يضرَّه تولِّيهم ولا يُلام عليه، ويتفرَّع على ذلك: أنَّ الداعيةَ إلى الله في وقتِنا وفيما قبْلَه لا يضرُّه ألَّا يَقبلَ الناسُ منه؛ لأنَّه أدَّى الواجبَ، ويَنبغي أن يُفَرِّحَ نفْسَه بأنَّه أدَّى الواجِبَ، وألَّا يحزنَ بعدم قبولِهم دعوتَه؛ لأنَّ الله تعالى قال للرَّسولِ ﷺ: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، لكن ربَّما نقول: يحزنُ لعدمِ قَبولِ الشَّريعة، لا لعدمِ قبولِهم منه، والفرقُ بين هذا وهذا واضحٌ.\n٣ - وجوبُ الرُّجوعِ إلى قولِ النبيِّ ﷺ؛ لِقَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وأنَّه ﵊ قام بالواجِب، فعلينا- نحن- أن نقومَ بالواجِبِ.\n٤ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يَستطيعُ أنْ يَهدِيَ أحدًا؛ لأنَّه بلَّغَ البلاغَ المبينَ، ومع ذلك حصَلتِ المخالفةُ والتولِّي.","vol":"8","page":466},{"text":"٥ - قال الشيخ محمد رشيد رضا: \" لم يؤكد تحريم شيء في القرآن مثل هذا التأكيد لا قريبا منه، وحكمته شدة افتتان الناس بشرب الخمر، وكذا الميسر، وتأولهم كل ما يمكن تطرق الاحتمال إليه من أحكام الأديان التي تخالف أهواءهم، كما أولت اليهود أحكام التوراة في تحريم أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، وكما استحل بعض فساق المسلمين شرب بعض الخمور بتسميتها بغير اسمها، إذ قالوا هذا نبيذ لا يسكر إلا الكثير منه، وقد أحل ما دون القدر المسكر منه فلان وفلان يقولون ذلك فيما هو خمر لا حظ لهم من شربه إلا السكر.\nبل تجرأ بعض غلاة الفساق على القول بأن هذه الآيات لا تدل على تحريم الخمر، لأن الله قال: (فاجتنبوه) ولم يقل: حرمته فاتركوه، وقال: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، ولم يقل: فانتهوا عنه، وقال بعضهم: سألنا هل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، ثم سكت وسكتنا ويصدق على هؤلاء قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]، ويمكن أن يقال: إن هذا الغلو قلما يصدر عمن كان صحيح الإيمان فما قاله تعالى أبلغ من تحريمه مما قالوا.\nأما المؤمنون فقد قالوا انتهينا ربنا وقال بعضهم: انتهينا أكدوا الاستجابة والطاعة كما أكد عليهم التحريم، وكان فيهم المدمنون للخمر من عهد الجاهلية حتى شق عليهم تحريمها، فكان أشد من جميع التكاليف الشرعية\" (١).\n\nالقرآن\n﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير المنار: ٧/ ٥٥ - ٥٦.","vol":"8","page":467},{"text":"ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك، إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم، ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله ﷿ وإيمانا به، حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه. وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة.\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: \" ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك\" (١).\nقال السمرقندي: أي: \" يعني: شربوا قبل تحريمها، إذا ما اتقوا الشرك، ﴿وآمنوا﴾، يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن وعملوا الصالحات\" (٢).\nقال الزمخشري: \" يعنى: أن المؤمنين لا جناح عليهم في أى شيء طعموه من المباحات\" (٣).\nعن علي بن ابي طلحة: قال ابن عباس: \" يعني: قبل التحريم، إذا كانوا محسنين متقين، وقال مرة أخرى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، من الحرام قبل أن يحرَّم عليهم\" (٤).\nوفي رواية اخرى عن ابن عباس: \" يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرَّم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبلَ أن تحرَّم\" (٥).\nوعن مجاهد: في قول الله تعالى: \" ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، لمن كان يشرب الخمرَ ممن قتل مع محمد ﷺ ببدرٍ وأحُد\" (٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٤١٧.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٧٦.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٥٣٣): ص ١٠/ ٥٨١.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٥٣٤): ص ١٠/ ٥٨١.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٥٣٥): ص ١٠/ ٥٨٢.","vol":"8","page":468},{"text":"قال الضحاك: \" هذا في شأن الخمر حين حرِّمت، سألوا نبيَّ الله ﷺ فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية\" (١).\nقال الوليد: \"سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول في تفسير هذه الآية: ﴿وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، من الخمر قبل تحريمها\" (٢).\nقال ابن عطية: \" وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولما كان أمر القبلة خطيرا ومعلما من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و«الجناح» الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي، و﴿طعموا﴾، معناه: ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب، وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق\" (٣).\nوأصل لفظة\"طعموا\" في الأكل، يقال: طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما، قال بشر بن أبي حازم (٤):\nنعاما بوجرة (٥) صفر الخدو ... د لا تطعم النوم إلا صياما\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٣٦): ص ١٠/ ٥٨٢.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨١): ص ٤/ ١٢٠٢.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤.\n(٤) البيت له في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والاسانيد: ٢/ ٣٨، وبلا نسبة في تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٦، والدر المصون: ١/ ٣٩١.\n(٥) وجرة: موضع بين مكة والبصرة، يقول الشاعر: هي صائمة منه لا تطعمه، وروى في اللسان (لا تطعم الماء) وقال: وذلك لان النعام لا ترد الماء ولا تطعمه. وقبله:\nفأما بنو عامر بالنار ... غداة لقونا فكانوا نعاما.","vol":"8","page":469},{"text":"وقد تقدم القول في سورة البقرة ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: \" إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم\" (٢).\nقال ابن عباس: \" يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرِّمها، إذا كانوا محسنين متقين\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه، وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم، فأطاعوهما في ذلك كله، واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم\" (٤).\nقال الإمام الشافعي: \" ﴿إذا ما اتقوا﴾: لم يقربوا ما حرم عليهم\" (٥).\nقال البغوي: أي: \" الخمر والميسر بعد تحريمهما، وقيل: إذ ما اتقوا الشرك، ﴿وآمنوا﴾ وصدقوا\" (٦).\nقال الزمخشري: \" رفع الجناح عن المؤمنين في أى شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها إذا ما اتقوا ما حرم عليهم منها وآمنوا، وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه\" (٧).\nقال الوليد: \"سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول: ﴿إذا ما اتقوا﴾ أن يعودوا في شربها، ﴿وآمنوا﴾ بتحريمها في هذه الآية\" (٨).\nقال عمر بن الخطاب: \" إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٦.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٥٣٤): ص ١٠/ ٥٨١.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٧٦.\n(٥) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٧٧٢.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ٩٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٧٦.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨١): ص ٤/ ١٢٠٢.\n(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٧٧): ص ٤/ ١٢٠٢.","vol":"8","page":470},{"text":"قال البراء: \" لما حرمت الخمر قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، الآية\" (١).\nقال عبدالله بن مسعود: \" لما نزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾، قال: رسول الله ﷺ: قيل أنت منهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: \" ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله ﷿ وإيمانا به\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارِمه بعد ذلك التكليف أيضًا، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا\" (٤).\nقال السمرقندي: أي: \"ثم اتقوا المعاصي، ﴿وآمنوا﴾، يعني: صدقوا بعد تحريمها \" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ثم ثبتوا على التقوى والإيمان\" (٦).\nقال البغوي: أي: \" ﴿ثم اتقوا﴾ ما حرم الله عليهم أكله وشربه، وقيل: داوموا على ذلك التقوى، ﴿وآمنوا﴾ ازدادوا إيمانا\" (٧).\nقال الوليد: \"سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول: ﴿ثم اتقوا وآمنوا﴾، برسوله، اتقوا المعاصي\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: \" حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس: واسوهم بما رزقهم الله من الطيبات\" (١٠).\nقال البغوي: أي: \" ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا بالإحسان، وكل محسن متق\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٢٨): ص ١٠/ ٥٧٩.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٧٦): ص ٤/ ١٢٠١ - ١٢٠٢.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٧٦.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٤١٧.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٧٦.\n(٧) تفسير البغوي: ٣/ ٩٦.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨١): ص ٤/ ١٢٠٢.\n(٩) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٧٦.\n(١١) تفسير البغوي: ٣/ ٩٦.","vol":"8","page":471},{"text":"عن علي بن ابي طلحة: قال ابن عباس: \" ﴿إذا ما اتقوا وأحسنوا﴾، بعد ما حُرِّم، وهو قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، [سورة البقرة: ٢٧٥] \" (١).\nقال الوليد: \"سمعت شيخا من شيوخنا ممن قد سمع العلم يقول في تفسير هذه الآية: ﴿ثم اتقوا وأحسنوا﴾، في أداء الزكاة\" (٢).\nقال الطبري: \" يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسان، وذلك\"الإحسان\"، هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى رّبهم طلبَ رِضاه، وهربًا من عقابه\" (٣).\nوذكروا في قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، أربعة اقوال (٤):\nالأول: أنه ليس في ذكر التقوى تكرار، والمعنى: اتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها. والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم، والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء.\nوالثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل.\nوالثالث- اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني: ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا، ومعنى الثالث: ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا.\nوالرابع:: أن الاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير، والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال. وهذا قول الطبري (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٣٣): ص ١٠/ ٥٨١.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨٢): ص ٤/ ١٢٠٣.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٧٦.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٧.\n(٥) تفسيرالطبري: ١٠/ ٥٧٧.","vol":"8","page":472},{"text":"قال ابن عطية: \" والتكرار في قوله: ﴿اتقوا﴾، يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال: قوم: الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات، والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم: الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر\" (١).\nثم قال ابن عطية: \" وليست هذه الآية وقفا على من عمل الصالحات كلها، واتقى كل التقوى، بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصيا أحيانا إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، أي: \" وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة\" (٣).\nقال السمرقندي: أي: \" في أفعالهم\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: والله يحب المتقرِّبين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها\" (٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤١٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٧٦.","vol":"8","page":473},{"text":"عن قتادة: \" قوله: \" ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، إلى قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾، لما أنزل الله تعالى ذكره تحريم الخمر في\"سورة المائدة\"، بعد\"سورة الأحزاب\"، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: أصيب فلانٌ يوم بدر، وفلانٌ يوم أحد، وهم يشربونها! فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة! فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾، يقول: شربها القومُ على تقوى من الله وإحسانٍ، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرِّمت بعدهم، فلا جناح عليهم في ذلك\" (١).\nروى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: \"شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يومئذ معاوية بن أبي سفيان، وقالوا هي لنا حلال وتأولوا قوله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾، فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أن ابعثهم إلي، قبل أن يفسدوا من قبلك. فلما قدموا على عمر، جمع أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم ما ترون؟ فقالوا: إنهم قد افتروا على الله كذبا، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي ساكت فقال: يا علي ما ترى؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا فاضربهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا فاضرب أعناقهم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين جلدة وأرسلهم\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٣٢): ص ١٠/ ٥٨٠ - ٥٨١.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٤١٧، وتنبيه الغافلين (٣٦٦): ص ١١٣.","vol":"8","page":474},{"text":"وقد \"تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة ﵁، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعمر، وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر: ومن يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد؟ قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء، فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد، قال: بل شهيد: قال: قد أديت شهادتك، فصمت الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر: ما أراك إلا خصما وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود: إني أنشدك الله، قال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود: ما هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني، قال عمر لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح الآية، فقال له عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضا فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضا، فأصبح يوما وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى ذلك ما دام وجعا، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة مغاضبا له، فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال:","vol":"8","page":475},{"text":"عجلوا علي بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبى فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره\" (١).\nقال أيوب ابن أبي تميمة: \"لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره\" (٢).\nقال ابن العربي: \"فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس في حديث الدارقطني وعمر في حديث البرقاني، وهو صحيح. وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره لا يحد على الخمر ما حد أحد، فكان هذا من أفسد تأويل، وقد خفي على قدامة، وعرفه من وفقه الله له كعمر وابن عباس، والله أعلم، [قال الشاعر] (٣):\nوإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على عمر\" (٤)\nالفوائد:\n١ - ثناءٌ من الله، وحَمْدٌ لأحوال مَن يتَّصِفون بهذه الصِّفات: الإيمانِ والتقوى والإحسان، وهذا مدعاةٌ لتحرِّيها والاتصافِ بها.\n٢ - ويستفاد منه الآية: القيودُ الشَّديدة في نفْيِ الإثمِ عمَّن أكَل أو شَرِب في مأكولِه ومَشروبِه، والتقوى ذُكرتْ في الآيةِ ثلاثَ مرَّات، والإيمانُ مرَّتين، والإحسانُ مرَّة، قيودٌ شديدة عظيمة؛ فينبغي الحَذَر من أنْ يكون في المطعومِ إثمٌ.\n_________\n(١) انظر: احكام القرىن لابن العربي: ٢/ ١٦٩، والمحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٧ - ٢٩٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٩.\n(٣) انظر: أحكام القرآن لان العربي: ١/ ١٦٩، وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٩\nوالبيت لعبد الرحمن بن جمانة المحاربي كما في اللسان\"حرم\": ص ١٢/ ١٢٧، وتاج العروس\"حرم\": ص ٣١/ ٤٦٣، وفيهما: \"على عمرو\"، وبلا نسبة في شمس العلوم ودواء كلام العرب الكلوم: ٣/ ١٤٠٠.\n\n(٤) أحكام القرآن: ٢/ ١٦٩، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٩.","vol":"8","page":476},{"text":"٣ - ومنها: أنَّ مَن أكَلَ حلالًا بكسْبٍ حرامٍ فعليه الإثمُ؛ لأنَّه لم يتَّقِ اللهَ في كسْبِه، ولا بدَّ أن يتَّقيَ اللهَ ﷿، وإذا كان الشيءُ المحرَّمُ مُعَيَّنًا فيكون الآكِلُ كالكاسِب، مثل: أنْ أعرفَ أنَّ هذه الشَّاةَ التي ذبَحَها إكرامًا لي قد سرقَها من فلانٍ، فهذه حرامٌ عليَّ أنْ آكُلَها.\n٤ - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا فضيلةُ الإحسانِ إلى الخَلْق والإحسانِ في عِبادةِ الخالِق؛ فالإحسانُ إلى الخَلْق أن تبذُلَ جاهَك، تبذل مالَك، تبذل خِدمتك، تبذل منفعتَك البدنيَّة، والإحسانُ في عبادة الخالِقِ فسَّره أعلمُ الناسِ بمعناه، وهو النبيُّ ﷺ بقوله: \" أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُن تراه فإنَّه يَراك\" (١).\nقال القرطبي: قوله: \" ﴿ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾ دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات، فضله بأجر الإحسان\" (٢).\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، ليبلونكم الله بشيء من الصيد يقترب منكم على غير المعتاد حيث تستطيعون أَخْذَ صغاره بغير سلاح وأخذ كباره بالسلاح; ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين يخافون ربهم بالغيب، ليقينهم بكمال علمه بهم، وذلك بإمساكهم عن الصيد، وهم محرمون. فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد.\n_________\n(١).أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠) عن ابي هريرة، وأخرجه مسلم (٨) من حديث عمر.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٧.","vol":"8","page":477},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: \" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \"قوله: ﴿آمنوا بالله﴾، يعني: بتوحيد الله\" (٢).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: \" ليختبرنكم الله ببعض الصيد \" (٤).\nقال مقاتل: \" يعني: ببعض الصيد فخص صيد البر خاصة، ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا\" (٥).\nقال الزجاج: \" معنى: ﴿ليبلونكم﴾: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم\" (٦).\nقال سعيد بن جبير: \" ﴿ليبلونكم الله﴾، يعني: ليبتلينكم، يعني: المؤمنين\" (٧).\nقال الطبري: وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء، لأنه لم يبلُهم بصيد البحر، وإنما ابتلاهم بصيد البرّ، فالابتلاء ببعض لا بجميع\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: بشيء غير كثير، فتكون محنة يسيرة، تخفيفا منه تعالى ولطفا، وذلك الصيد الذي يبتليكم الله به ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ أي: تتمكنون من صيده، ليتم بذلك الابتلاء، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح، فلا يبقى للابتلاء فائدة\" (٩).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦١٠٤): ص ٤/ ١٠٩٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٨٢.\n(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٣.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٦.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨٣): ص ٤/ ١٢٠٣\n(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٨٢.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٤٣.","vol":"8","page":478},{"text":"قال مُقَاتِل بن حَيَّان: \" أنزلت في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا فنهاهم الله عن قتله، وهم محرمون\" (١). وذكر الكلبي نحو ذلك (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن ﴿مِّنَ﴾، للتبعيض في هذا الموضع، لأن الحكم متعلق بصيد البَرِّ دون البحر، وبصيد الحرم والإِحرام دون الحل والإِحلال.\nوالثاني: أن ﴿مِّنَ﴾، في هذا الموضع داخلة لبيان الجنس، نحو قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. قاله الزجاج (٣).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: ﴿بشيء من الصيد﴾؟\nقلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشد منه \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: \"يسهل عليكم أخذ بعضه بأيديكم وبعضه برماحكم\" (٥).\nقال ابن عباس: \" هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به من عباده في إحرامهم حتى لو شاءوا تناولوه بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه\" (٦).\nقال الطبري: يعني: \" إما باليد، كالبيض والفراخ، وإما بإصابة النَّبْل والرماح، وذلك كالحمر والبقر والظباء، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجّكم\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨٩): ص ٤، ١٢٠٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٩٠.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٦.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٠٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٧٧.\n(٥) تفسير المراغي: ٧/ ٣١.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٨٤): ص ٤/ ١٢٠٣\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٨٣.","vol":"8","page":479},{"text":"قال الشوكاني: \" كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت، وكان نزول الآية في عام الحديبية، أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم، فكان إذا عرض صيد اختلفت فيه أحوالهم\" (١).\nقال المراغي: \" ووجه الابتلاء فى ذلك أن الصيد طعام لذيذ تشتد الحاجة إليه فى الأسفار الطويلة كالسفر إلى الجهات النائية، إلى أن سهولة تناوله تغرى به، إذ ترك مالاينال إلا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من الله كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، قولان:\nأحدهما: ما تناله أيدينا: البيض، ورماحنا: الصيد، قال مجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، واختاره الطبري (٥).\nوالثاني: ما تناله أيدينا: الصغار، ورماحنا: الكبار، قاله ابن عباس (٦).\nقال الزجاج: \" ومعنى قوله: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾، الذي تناله الأيدي نحو بيض النعام وفراخه وما كان صغيرا ينهض من مجثمه من غير النعام وسائر ما يفوق اليد بحركته من سائر الوحش، فحرم جميع صيد البر الجراد وكل ما يصطاد فحرام صيده ما داموا حرما. وبين رسول الله - ﷺ - أن كل ما اصطيد في الحرم حرام، كانوا محرمين أو غير محرمين\" (٧).\n_________\n(١) فتح القدير: ٢/ ٨٨.\n(٢) تفسير المراغي: ٧/ ٣١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٣٧) - (١٢٥٤١): ص ١٠/ ٥٨٣ - ٥٨٤.\n(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٣.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٥٨٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٤٢): ص ١٠/ ٥٨٤.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٦.","vol":"8","page":480},{"text":"وقال ابن عطية: \" والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر، لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا\" (١).\nوقرأ إبراهيم: \"يناله\"، بالياء (٢).\nقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: \" ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين يخافون ربهم بالغيب\" (٣).\nقال ابن عطية: \" معناه: ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ليعلم أولياء الله من يخافُ الله فيتقي محارمَه التي حرمها عليه من الصيد وغيره، بحيث لا يراه ولا يُعاينه\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيتقى الصيد، ممن لا يخافه فيقدم عليه\" (٦).\nقال المراغي: يعني: \" إنه تعالى يريد أن يعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن يعلم الشيء وإن كان هو عالما به، تربية لكم وتزكية لنفوسكم وتطهيرا لها\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، أربعة تأويلات (٨):\nأحدها: أن معنى ليعلم الله: ليرى، فعبر عن الرؤية بالعلم لأنها تؤول إليه، قاله الكلبي (٩).\nوالثاني: ليعلم أولياؤه من يخافه بالغيب.\nوالثالث: لتعلموا أن الله يعلم من يخافه بالغيب.\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٦.\n(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٦٧٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٦.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٨٥.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٧٧.\n(٧) تفسير المراغي: ٧/ ٣١.\n(٨) انظر النكت والعيون: ٢/ ٦٦.\n(٩) انظر النكت والعيون: ٢/ ٦٦.","vol":"8","page":481},{"text":"والرابع: معناه لتخافوا الله بالغيب، والعلم مجاز، وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾، يعني: بالسر كما تخافونه في العلانية.\nقال ابن كثير: \" يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًا وجهرًا ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] \" (١).\nقال ابن عطية: \" والظاهر أن المعنى: ﴿بالغيب﴾، من الناس، أي: في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد\" (٢).\nقال السعدي: \" ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء، فقال: ﴿ليعلم الله﴾ علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب ﴿من يخافه بالغيب﴾ فيكف عما نهى الله عنه مع قدرته عليه وتمكنه، فيثيبه الثواب الجزيل، ممن لا يخافه بالغيب، فلا يرتدع عن معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه\" (٣).\nوقرأ الزهري: «ليعلم الله»، بضم الياء وكسر اللام، أي: ليعلم عباده (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]، أي: \" فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد\" (٥).\nقال السدي: \"يعني بعد هذا\" (٦).\nقال ابن كثير: يعني: \"بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه\" (٧).\nقال الزمخشري: أي: \" فصاد بعد ذلك الابتلاء، فالوعيد لاحق به\" (٨).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٤.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٦.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٣.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٦.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٩٠): ص ٤/ ١٢٠٤.\n(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٤. [كلامه شرح لكلام السدي].\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٧٧.","vol":"8","page":482},{"text":"قال الطبري: أي: \" فمن تجاوز حدَّ الله الذي حدّه له، بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام، فاستحلَّ ما حرَّم الله عليه منه بأخذِه وقتله، فله عذابٌ، من الله، مؤلم موجع\" (١).\nقال المراغي: أي: \" فمن اعتدى بأخذ شىء من ذلك الصيد بعد ذلك البيان الذي أخبركم الله تعالى به قبل حصوله، فله عذاب شديد فى الآخرة، إذ هو لم يبال باختبار الله له، بل انتهك حرمة نواهيه، وأبان أنه لا يخافه بالغيب، بل يخاف لوم المؤمنين وتعذيرهم إذا هو أخذ شيئا من الصيد بمرأى منهم ومسمع كما هو دأب المنافقين الذين يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليل\" (٢).\nقال السعدي: \" ﴿فمن اعتدى﴾ منكم ﴿بعد ذلك﴾ البيان، الذي قطع الحجج، وأوضح السبيل. ﴿فله عذاب أليم﴾ أي: مؤلم موجع، لا يقدر على وصفه إلا الله، لأنه لا عذر لذلك المعتدي، والاعتبار بمن يخافه بالغيب، وعدم حضور الناس عنده. وأما إظهار مخافة الله عند الناس، فقد يكون ذلك لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك\" (٣).\nقال مقاتل: \" يقول: فمن أخذ الصيد عمدا بعد النهي، فقتل الصيد وهو محرم: ﴿فله عذاب أليم﴾، يعني: ضربا وجيعا ويسلب ثيابه ويغرم الجزاء، وحكم ذلك إلى الإمام\" (٤).\nعن قيس بن سعيد: \" أن ابن عباس كان يقول: ﴿عذاب أليم﴾، أن يوسع ظهره وبطنه جلدا ويسلب ثيابه\" (٥).\nوعن مجاهد: \" ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، قال: هي موجبة\" (٦).\nقال ابن عطية: \" والعذاب الأليم، هو عذاب الآخرة\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٨٥.\n(٢) تفسير المراغي: ٧/ ٣١.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٣.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٤.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٩١): ص ٤/ ١٢٠٤.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٧٩٢): ص ٤/ ١٢٠٤.","vol":"8","page":483},{"text":"١ - ابتلاء الله تعالى لأصحاب رسول الله ﷺ بالحديبية بكثرة الصيد بين أيديهم. وحرم عليهم صيده فامتثلوا أمر الله تعالى ولم يصيدوا فكانوا خيرًا من بني إسرائيل وأفضل منهم على عهد أنبيائهم.\n٢ - بيان امتحان الله ﵎ لعباده بتيسير أسباب المعصية لهم ليعلم من يخافه بالغيب ومن لايخافه إلا في العلانية.\n٣ - أن الصيد في حال الإحرام محرم، لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.\n٤ - أن من كان جاهلا فإنه لا إثم عليه إذا فعل المعصية، لقوله: ﴿بعد ذلك﴾.\n٥ - إثبات علم الله ﵎، لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، وعلمه محيط بكل شي.\n٦ - الثناء على من يخاف الله بالغيب.\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]\nالتفسير:","vol":"8","page":484},{"text":"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان، وأن يهديه لفقراء الحرم، أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم بدلا من ذلك يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام، فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء; ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله. والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم، ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه. والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \" وذلك أن أبا بشر واسمه: عمرو بن مالك الأنصاري كان محرما في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار وحش، فنزلت فيه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...﴾ \" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٣).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٤).\nقال خيثمة: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٥).\n_________\n(١).تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٤\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٥): ص ٣/ ٩٠٢\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.","vol":"8","page":485},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" لا تقتلوا الصيدَ وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة\" (٢).\nقال ابن كثير: \" وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه. وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها. والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة أم المؤمنين؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس فَواسِق يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم الغُراب والحدأة، والعَقْرب، والفأرة، والكلب العَقُور» (٣) \" (٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: يعني الإِحرام بحج أو عمرة، قاله الأكثرون (٥).\nوالثاني: يعني بالحرم الداخل إلى الحرم، يقال أحرم إذا دخل في الحرم، وأَتْهَمَ إذا دخل تهامة، وأَنْجَدَ إذا دخل نجد، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم. قاله بعض البصريين (٦).\nوالثالث: أن اسم المحرم يتناول الأمرين معًا على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل الحرم، وحكم قتل الصيد فيهما على سواء بظاهر الآية، قاله علي بن أبي هريرة (٧).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٧.\n(٣) صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨).\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٩٠.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٦.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٦.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٦، وتفسير العز بن عبد السلام: ٢/ ١٧٦.","vol":"8","page":486},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا\" (١).\nقال الطبري: هذا إعلام من الله تعالى ذكره عبادَه حكمَ القاتل من المحرمين الصيدَ الذي نهاه عن قتله متعمدًا\" (٢).\nقال النسفي: \" أى: ذاكرا لا حرامه أو عالما أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه فإن قتله ناسيا لإحرامه أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ لأن مورده الآية فيمن تعمد\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وجهان:\nأحدهما: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه، قاله مجاهد (٤)، والحسن (٥)، وإبراهيم (٦)، وابن جريج (٧)، وابن زيد (٨)، واختاره الزجاج (٩).\nوالثاني: متعمدًا لقتله ذاكرًا لإِحرامه، قاله ابن عباس (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، وعطاء (١٢)، والزهري (١٣)، وطاوس (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٧.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٧٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٤٤): ص ١١/ ٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٥٣): ص ١١/ ٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٥٤): ص ١١/ ٩ - ١٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٥٢): ص ١١/ ٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٥٧): ص ١١/ ١٠.\n(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٠٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٢): ص ١١/ ١١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٣): ص ١١/ ١١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٥٩): ص ١١/ ١١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦١): ص ١١/ ١١.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٥): ص ١١/ ١١.","vol":"8","page":487},{"text":"والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، لأن الله تعالى \"لم يخصص به المتعمِّد قتلَه في حال نسيانه إحرامَه، ولا المخطئَ في قتله في حال ذكره إحرامَه، بل عمَّ في التنزيل بإيجاب الجزاء، كلَّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدًا، وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب، ولا خبر لرسول الله ﷺ، ولا إجماع من الأمة، ولا دلالةَ من بعض هذه الوجوه.\nفإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتل الصيد من المحرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامه، أو عامدًا قتله ناسيًا لإحرامه، أو قاصدًا غيره فقتله ذاكرًا لإحرامه في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى ذكره، وهو: مثلُ ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين، أو كفارة طعامُ مساكين، أو عدل ذلك صيامًا\" (١).\nواختلفوا في الخاطىء في قتله الناسي لإِحرامه على قولين (٢):\nأحدهما: لا جزاء عليه، قاله داود.\nالثاني: عليه الجزاء، قاله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة.\nقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم\" (٣).\nقال الماوردي: \" يريد أن مثل الصيد من النعم\" (٤).\nقال ابن الجوزي: \" المعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول\" (٥).\nقال ابن قتيبة: \"النعم: الإبل، وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها الإبل\" (٦).\nوقال الزجاج: النعم في اللغة هي الإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل منها قيل لها نعم وإن انفردت الغنم والبقر لم تسم نعما، فكان عليه بحذاء حمار الوحش وبقرة الوحش بدنة، وعليه بحذاء الظباء من الغنم شاة\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٢.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٨٥.\n(٦) نقلا عن: زاد المسير: ١/ ٥٨٥.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٧.","vol":"8","page":488},{"text":"واختلف أهل العلم في صفة «الجزاء»، وكيف يجزي قاتلُ الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم، وفي ذلك قولان (١):\nأحدهما: أن يقوَّم الصيد المقتول قيمتَه من الدراهم، ثم يشتري القاتل بقيمته نِدًّا من النعم، ثم يهديه إلى الكعبة، وهو قول إبراهيم (٢)، وبه قال أبو حنيفة (٣).\nوالثاني: ينظر إلى أشبه الأشياء به شبهًا من النعم، فيجزيه به، ويهديه إلى الكعبة، وهذا قول عمر بن الخطاب (٤)، وابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وعطاء (٧)، والضحاك (٨)، السدي (٩)، والحسن بن مسلم (١٠). وبه قال الشافعي (١١).\nقال الإمام الطبري: \" وأولى القولين في تأويل الآية، ما قال عمر وابن عباس، ومن قال بقولهما: أن المقتول من الصيد يُجْزَي بمثله من النعم، كما قال الله تعالى ذكره: \"فجزاء مثل ما قتل من النعم\". وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم، وقد قال الله تعالى: \"من النعم\"، لأن الدراهم ليست من النعم في شيء\" (١٢).\nقال قبيصة بن جابر: \"أصبت ظبيًا وأنا محرم، فأتيت عمر فسألته عن ذلك، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ أمرَه أهون من ذلك! قال: فضربني بالدِّرّة حتى سابقته عدوًا! قال: ثم قال: قتلتَ الصيد وأنتَ محرم، ثم تَغْمِص الفُتيا! قال: فجاء عبد الرحمن، فحكما شاة\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٨٣): ص ١١/ ٢٠.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٧٣): ص ١١/ ١٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٩) - (١٢٧٢): ص ١١/ ١٥ - ١٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٨): ص ١١/ ١٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٧): ص ١١/ ١٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٨٠): ص ١١/ ١٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٦٦): ص ١١/ ١٤ - ١٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٥٨٢): ص ١١/ ١٩.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(١٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٢٥٧٧): ص ١١/ ١٧.","vol":"8","page":489},{"text":"وقال إبراهيم النخعي: \" ما أصاب المحرم من شيء، حكم فيه قيمته\" (١)، وهو قول جماعة من الكوفيين (٢).\nوقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «فجزاء مثل» مضافة وبخفض «مثل». وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «فجزاء» منون «مثل» مرفوع (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان\" (٤).\nقال الزجاج: \" أي: من أهل ملتكم، فعلى قاتل الصيد أن يسأل فقيهين عدلين عن جزاء\nما قتل\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني: فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل\" (٦).\nقال ابن الجوزي: \" وإنما ذكر اثنين، لأن الصيد يختلف في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين\" (٧).\nقال السمعاني: \" وفيه دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام\" (٨).\nعن بكر بن عبد الله المزني قال: \"كان رجلان من الأعراب محرِمين، فأحاش أحدهما ظبيًا، فقتله الآخر. فأتيا عمر، وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: وما ترى؟ قال: شاة، قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فأهديا شاة. فلما مضَيا قال أحدهما لصاحبه: ما درَى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه! ! فسمعها عمر، فردّهما فقال: هل تقرأان سورة المائدة؟ فقالا لا! فقرأها عليهما: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، ثم قال: استعنت بصاحبي هذا\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٨٣): ١١/ ٢٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٩.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٧ - ٢٤٨، وتفسير الطبري: ١١/ ١٣، وزاد المسير: ١/ ٥٨٥.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٧.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢.\n(٧) زاد المسير: ١/ ٥٨٦.\n(٨) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٧.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٥٨٥): ص ١١/ ٢٣.","vol":"8","page":490},{"text":"قال قتادة: \" ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدًا، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك، وعنده عبد الله بن صفوان، فقال ابن عمر لابن صفوان: إما إن أقول فتصدقني، وإما أن تقول فأصدقك. فقال ابن صفوان: بل أنت فقل. فقال ابن عمر، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان\" (١).\nعن عمرو بن حبشي قال: \"سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر، عن رجل أصاب ولدَ أرنب، فقال: فيه ولد ماعز، فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني. فقال: قال الله تعالى ذكره: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ \" (٢).\nقال شريح: \" لو وجدت حكمًا عدلا لحكمت في الثعلب جَدْيًا، وجديٌ أحبُّ إليّ من الثعلب\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" وأن يهديه لفقراء الحرم\" (٤).\nقال الطبري: \" أي: يُهْدَي فيبلغ الكعبة\" (٥).\nقال مقاتل: \" هديا بالغ الكعبة يعني: بالهدي: البدن\" (٦)، قوله\" ﴿بالغ الكعبة﴾: محلها مكة\" (٧).\nقال ابن عمر: \" إنما الهدي ذوات الجود (٨).\nقال السعدي: \" أي: يذبح في الحرم\" (٩).\nقال الماوردي: \" يلزم إيصاله إلى الكعبة، وعنى بالكعبة جميع الحرم، لأنها في الحرم\" (١٠).\nقال ابن كثير: \" أي: واصلا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم، بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم. وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة\" (١١).\nقال السمعاني: \" قوله: ﴿بالغ الكعبة﴾ يقتضي أن يكون إعطاء الهدي في الحرم، يفرق على مساكين الحرم، وهو الواجب\" (١٢).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٥٩٠): ص ١١/ ٢٥.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٥٩٨): ص ١١/ ٢٨.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٥٩١): ص ١١/ ٢٥.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٠٩): ص ٤/ ١٢٠٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨١٠): ص ٤/ ١٢٠٨.\n(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٠٨): ص ٤/ ١٢٠٨.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٤٣.\n(١٠) النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٩٤.\n(١٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٦٧.","vol":"8","page":491},{"text":"واختلفوا هل يجوز أن يهدي في الحرم ما لا يجوز في الأضحية من صغار الغنم على قولين (١):\nأحدهما: لا يجوز قاله: أبو حنيفة.\nالثاني: يجوز، قاله الشافعي.\nقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع\" (٢).\nقال السعدي: \" أي: كفارة ذلك الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعام يطعم المساكين\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، قولان:\nأحدهما: أنه يُقَوِّم المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعامًا، قاله عطاء (٤)، والشافعي (٥).\nالثاني: يقوِّم الصيد ويشتري بالغنيمة طعامًا، قاله قتادة (٦)، وأبو حنيفة (٧).\nقال السعدي: \" قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء، فيشترى بقيمته طعام، فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره\" (٨).\nقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: أو كفارة منونا طعام رفعا. وقرأ نافع، وابن عامر: «أو كفارة» رفعا غير منون «طعام مساكين» على الاضافة (٩).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" أو يصوم بدلا من ذلك يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام\" (١٠).\nقال السعدي: \" أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يوما\" (١١).\nقال البيضاوي: أي: \" أو ما ساواه من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يوما\" (١٢).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٨): ص ١١/ ٣٦.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٩): ص ١١/ ٣٦ - ٣٧.\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٤٣.\n(٩) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٨.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(١١) تفسير السعدي: ٢٤٣.\n(١٢) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٤.","vol":"8","page":492},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، ثلاثة اقوال:\nأحدها: أنه يصوم عن كل مد يومًا، قاله عطاء (١)، والشافعي (٢).\nوالثاني: يصوم عن كل مد ثلاثة أيام، قاله سعيد بن جبير.\nوالثالث: يصوم عن كل صاع يومين، قاله قتادة (٣).\nواختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة، هل هو على الترتيب أو التخيير على قولين:\nأحدهما: أنه على التخيير بين إخراج النظير بأي الثلاثة شاء، قاله عطاء (٤)، والضحاك (٥)، وعكرمة (٦)، وهو أحد قولي ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، ومذهب الشافعي (٩).\nقال الزجاج: \" يجوز أن تكون ﴿أو﴾ - وهو الأجود في اللغة – للتخيير\" (١٠).\nوالثاني: على الترتيب، إن لم يجد المثل فالإطعام، فإن لم يجد الطعام فالصيام، قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، وعطاء -في أحد قوليه- (١٣)، وعامر (١٤)، وإبراهيم (١٥)، والسدي (١٦).\nقال ابن الجوزي: \" وبالأول قال جمهور الفقهاء\" (١٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٨): ص ١١/ ٣٦.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٩): ص ١١/ ٣٦ - ٣٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٠): ص ١١/ ٣٣، و(١٢٦١٤): ص ١١/ ٣٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٥): ص ١١/ ٣٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٢): ص ١١/ ٣٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٧): ص ١١/ ٣٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٦١٤): ص ١١/ ٣٥.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(١٠) معاني القرىن: ٢/ ٢٠٧.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٠٠): ص ١١/ ٣١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٠٣): ص ١١/ ٣٢.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٠٣): ص ١١/ ٣٢.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٠٣): ص ١١/ ٣٢.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٠٤): ص ١١/ ٣٢.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٠٧): ص ١١/ ٣٣.\n(١٧) زاد المسير: ١/ ٥٨٧.","vol":"8","page":493},{"text":"قال الطبري: \" وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا﴾ أن يكون تخييرًا، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأيِّ هذه الكفارات الثلاث شاء. لأن الله تعالى ذكره، جعل ما أوجبَ في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله، وتكفيرًا لذنبه، في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حرامًا عليه إتلافه في حال إحرامه، وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه، وقد كان له حلالا قبل حال إحرامه، [عقوبة لفعله، وتكفيرًا لذنبه] وحلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد، ثم جعل عليه إن حلقه جزاءً من حلقه إياه. فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من أذاته، مخيَّر في تكفيره، فعله ذلك بأيِّ الكفارات الثلاث شاء. لا فرق بين ذلك فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين\" (١).\nوقرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، والجحدري، وطلحة: «أو عدل ذلك»، بكسر العين (٢).\nقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء; ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله\" (٣).\nقال السدي: \" أما ﴿وبال أمره﴾: فعقوبة أمره\" (٤).\nقال ابن الجوزي: \" أي: جزاء ذنبه\" (٥).\nقال البيضاوي: أي: \" ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٣٧ - ٣٨.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٨٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨١٦): ص ٤/ ١٢٠٩.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٨٧.\n(٦) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٤.","vol":"8","page":494},{"text":"الوبال: ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل، وماء وبيل، إذا كانا ثقيلين غير ناميين في المال، قال ﷿: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]، أي ثقتيلا شديدا، والوبيل خشبة القصار ومن هذا قيل لها وبيل (١)، قال طرفة ابن العبد (٢):\nفمرّتْ كَهاةٌ ذاتُ خَيْفٍ جُلالةٌ ... عقِيلَةُ شَيْخٍ كالوبِيل يَلَنْدَدِ\nقال القرطبي: \" الذوق هنا مستعار كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]. وقال ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ [النحل: ١١٢]، وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان، وهي في هذا كله مستعارة. ومنه الحديث «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا» (٣)، الحديث، والوبال سوء العاقبة. والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله. وطعام وبيل إذا كان ثقيل\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم\" (٥).\nقال أبو ذر (٦)، وسعيد بن جبير (٧) وعطاء (٨): \"ما كان في الجاهلية\".\nقال الماوردي: \" يعني: قبل نزول التحريم\" (٩).\nقال البيضاوي: أي: \" من قتل الصيد محرما في الجاهلية أو قبل التحريم، أو في هذه المرة\" (١٠).\nقال الزمخشري: أي: \"من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله ﷺ وتسألوه عن جوازه، وقيل: عما سلف لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرما\" (١١).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠ ..\n(٢) ديوانه: ٢٨.\n(٣) أخرجه مسلم في الإيمان، حديث (٥٦).\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٣١٧.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٨١٧): ص ٤/ ١٢٠٩.\n(٧) انظر: فسير الطبري (١٢٦٤٩): ص ١١/ ٥٠.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٤٠): ص ١١/ ٤٩.\n(٩) النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٤.\n(١١) الكشاف: ١/ ٦٧٩.","vol":"8","page":495},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه\" (١).\nقال الزجاج: اي: \" ومن عاد مستحلا للصيد بعد أن حرمه الله منه فينتقم الله منه أي فيعذبه الله، وجائز أن يكون: من عاد مستخفا بأمر الله فجزاؤه العذاب كجزاء قاتل النفس\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه فينتقم الله منه\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \" ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد، فينتقم منه في الآخرة\" (٤).\nقال ابن الجوزي: \" «الانتقام»: المبالغة في العقوبة\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، قولان (٦):\nأحدهما: يعني ومن عاد بعد التحريم، فينتقم الله منه بالجزاء عاجلًا، وعقوبة المعصية آجلًا.\nوالثاني: ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله، فينتقم الله منه.\nوعلى هذا التأويل قولان:\nأحدهما: فينتقم الله منه بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء، قاله ابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وشريح (١٠)، وإبراهيم (١١)، وداود (١٢).\nوالثاني: بالجزاء مع العقوبة، قاله الشافعي (١٣)، والجمهور (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٢٠٩.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٩٥.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٧٩ - ٦٨٠.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٨٧.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٥١): ص ١١/ ٥١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٦٤): ص ١١/ ٥٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٥٨): ص ١١/ ٥١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٥٢): ص ١١/ ٥١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٥٤): ص ١١/ ٥١.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٦٨.","vol":"8","page":496},{"text":"وروي عن زيد أبو المعلى: أن رجلا أصاب صيدًا وهو محرم، فتجُوِّز له عنه. ثم عاد، فأرسل الله عليه نارًا فأحرقته، فذلك قوله: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾، قال: في الإسلام\" (١).\nقال الطبري: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قولُ من قال: معناه: ومن عاد في الإسلام لقتله بعد نهي الله تعالى ذكره عنه، فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة، لأن الله ﷿ إذْ أخبر أنه ينتقم منه، لم يخبرنا وقد أوجب عليه في قتله الصيد عمدًا ما أوجب من الجزاء أو الكفارة بقوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثلُ ما قتل من النعم﴾ \"، أنه قد أزال عنه الكفارة في المرة الثانية والثالثة، بل أعلم عبادَه ما أوجبَ من الحكم على قاتل الصيد من المحرمين عمدًا، ثم أخبر أنه منتقم ممن عاد، ولم يقل: ﴿ولا كفارة عليه في الدنيا﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: \" والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع\" (٣).\nقال القرطبي: \" ﴿عزيز﴾، أي: منيع في ملكه، ولا يمتنع عليه ما يريده. ﴿ذو انتقام﴾ ممن عصاه إن شاء\" (٤).\nقال النسفي: \" ﴿والله عزيز﴾ بإلزام الأحكام ﴿ذو انتقام﴾ لمن جاوز حدود الإسلام\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" والله منيعٌ في سلطانه، لا يقهره قاهرٌ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته، مانع. لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة المَنَعة، وأما قوله: ﴿ذو انتقام﴾، فإنه يعني به: معاقبتَه لمن عصاه على معصيته إياه\" (٦).\nعن أبي العالية: ﴿والله عزيز﴾، يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٦٦٦): ص ١١/ ٥٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٥٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٣١٧.\n(٥) تفسير النسفي: ١/ ٤٧٧.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٥٧.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٢٤): ص ٤/ ١٢١٠.","vol":"8","page":497},{"text":"عن محمد بن إسحاق: \" ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾، قال: عزيز ذو بطش\" (١)، \" ﴿ذو انتقام﴾: ذوا انتقام ممن آذاه\" (٢).\nوفي رواية أخرى عن محمد بن إسحاق: \" أي: أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته بما جاءه منه فيها\" (٣).\nقال السعدي: \" وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد، مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخطئ، كما هو القاعدة الشرعية -أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة، فإنه يضمنها على أي حال كان، إذا كان إتلافه بغير حق، لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام، وهذا للمتعمد. وأما المخطئ فليس عليه عقوبة، إنما عليه الجزاء، [هذا جواب الجمهور من هذا القيد الذي ذكره الله. وطائفة من أهل العلم يرون تخصيص الجزاء بالمتعمد وهو ظاهر الآية. والفرق بين هذا وبين التضمين في الخطأ في النفوس والأموال في هذا الموضع الحق فيه لله، فكما لا إثم لا جزاء لإتلافه نفوس الآدميين وأموالهم\" (٤).\nالفوائد:\n١ - تحريم الصيد على المحرم، وأن قتله مناف لكمال الإيمان، لأنه تعالى خاطب بهذا النهي المؤمنين، وعليه فإن اجتناب قتل الصيد من مقتضيات الإيمان.\n٢ - بيان جزاء من صاد وهو محرم وأنه جزاء مثل ما قتل من النعم.\n٣ - وجوب التحكيم فيما صاده المحرم، ولا يصح أن يكفر الصائد بنفسه.\n٤ - وأنه لابد من العدالة في الحكمينـ لقوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾.\n٥ - أن جزاء الصيد لابد أن يصل إلى الحرم، لقوله: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾.\n٦ - أن الفداء كفارة للذنب وستر له في الدنيا وفي الآخرة، لقوله: ﴿او كفارة طعام مساكين﴾.\n٧ - إثبات العفو، لله وسعة عفو الله ﷾، لقوله: ﴿عفا الله عما سلف﴾.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٢٥): ص ٤/ ١٢١٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٢٦): ص ٤/ ١٢١٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٢٦): ص ٤/ ١٢١٠.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٣.","vol":"8","page":498},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: \"العفو: هو عدم المؤاخذة على الذنب، والاكثر أن العفو في ترك الواجب والمغفرة في فعل المحرم\" (١).\n٨ - أن من فعل محظورا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه ولا كفارة ولا جزاء.\n٩ اثبات الاسم الكريم «العزيز» لله ﷿:\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"و«العزيز»: \"الغالب الذي لايغلبه أحد، والعزيز: بمعنى: الذي يمتنع عليه النقص باي وجه من الوجوه، والعزيز ذو العزة التي تكسب من اتصف بها قدرة وسلطانا وغير ذلك\" (٢).\n\nالقرآن\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]\nالتفسير:\nأحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا، وطعامه: وهو الميت منه; من أجل انتفاعكم به مقيمين أو مسافرين، وحرم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة. واخشوا الله ونفذوا جميع أوامِره، واجتنبوا جميع نواهيه; حتى تظفَروا بعظيم ثوابه، وتَسْلموا من أليم عقابه عندما تحشرون للحساب والجزاء.\nحكى الكلبي: \"أن هذه الآية نزلت في بني مدلج، وكانوا ينزلون بأسياف البحر، سألوا عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت هذه الآية فيهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: \" أحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني: صيد الماء سواء كان من بحر أو نهر أو عين أو بئر فصيده حلال للمحرم والحلال في الحرم والحل\" (٥).\n_________\n(١) تفسير سورة المائدة لابن عثيمين: ٢/ ٤٠٩.\n(٢) تفسير سورة المائدة لابن عثيمين: ٢/ ٤١٠.\n(٣) النكت والعيون: ٢/ ٦٩.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٦٩.","vol":"8","page":499},{"text":"قال الطبري: أي: \" أحل لكم، أيها المؤمنون، طريّ سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حِلِّكم وحَرَمكم، وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رَمى به إلى ساحله\" (١).\nقال السمرقندي: \" يعني: في الإحرام وغير الإحرام\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" ما أُصيب من داخله وهذا الإِحلالُ عامٌّ لكلِّ أحد مُحرِمًا كان أو مُحِلا\" (٣).\nقال ابن عباس: \"خطب أبو بكر الناس فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾، قال: فصيده ما أخذ\" (٤).\nقال عمر بن الخطاب: \" صيده، ما صيد منه\" (٥). وروي عن ابن عباس مثله (٦).\nقال ابن عطية: \" هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضا يراد به الصيد، وأضيف إلى «البحر» لما كان منه بسبب، والبحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وكل نهر كبير بحر\" (٧).\nقال الزمخشري: \" ﴿صيد البحر﴾، مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وعند ابن أبى ليلى: أحل لكم صيد حيوان البحر\" (٨).\nقال الإمام الشافعي: \" والبحر اسم جامع، فكل ما كثر ماؤه واتسع قيل هذا بحر، فإن قال قائل: فالبحر المعروف: البحر هو المالح، قيل: نعم، ويدخل فيه العذب، وذلك معروف عند العرب\" (٩).\nقال الراغب: \" البحر: يتناول كلا مالحا كان أو عذبا، في جدول كان أو في نهر، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَات﴾ [فاطر: ١٢] \" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٦١.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٤١٩.\n(٣) الوجيز: ٣٣٦.\n(٤) اخرجه الطبري (١٢٦٦٨): ص ١١/ ٥٧.\n(٥) اخرجه الطبري (١٢٦٦٧): ص ١١/ ٥٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٦٩): ص ١١/ ٥٧.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤١.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٨٠.\n(٩) تفسير الإمام الشافعي: ٢/ ٧٨٩.\n(١٠) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٥٢.","vol":"8","page":500},{"text":"واختلف أهل العلم في حكم الحيوانات البرمائية (١) على قولين (٢):\nأحدهما: أن كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر، لذلك إنْ قتله المحرم وَدَاه، وهذا قول مالك (٣)، وأبو مجلز (٤)، وابن أبي ليلى (٥)، وعطاء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وغيرهم (٨).\nوالثاني: ان صيد البحر هو مبني على أكثر عيش الحيوان، وأن صيد البر ما كان كونه في البرّ أكثر من كونه في البحر. وهذا قول عطاء بن ابي رباح.\nسئل عطاء: \" ابن الماء، أصيد برّ أم بحر؟ وعن أشباهه؟ فقال: حيث يكون أكثر، فهو صيده\" (٩). وفي رواية أخرى: \" أكثر ما يكون حيث يُفْرِخ، فهو منه\" (١٠).\nقال ابن عطية: \"والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب (١١).\nوفي حكم أكل ميتة السمك قولان (١٢):\n_________\n(١) وهي التي تعيش في البر والماء معًا، كالضفدع والسلحفاة والسرطان، والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) انظ ﴿: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٣.\n(٤) انظر: الطبري: (١٢٧٧٣): ص ١١/ ٨٧، ومصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٢٤، وتفسير ابن ابي حاتم (٦٨٤٩): ص ٤/ ١٢١٣،\n(٥) انظ ﴿: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٧٤): ص ١١/ ٨٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٧٦): ١١/ ٨٧ - ٨٨.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٨٧، والمحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢١٣.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٧٧٨): ص ١١/ ٨٨. وعبدالرزاق (٨٤٢٢)،\n(١٠) اخرجه الطبري (١٢٧٧٩): ص ١١/ ٨٨.\n(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٣.\n(١٢) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٢٠٠ - ١٠١.","vol":"8","page":501},{"text":"أحدهما: أنه حلال مع اختلاف أنواعها، قال النبي -ﷺ-: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال» (١).\nقال مالك والشافعي وابن ابي ليلى والأوزاعي، والثوري في رواية الأشجعي: يؤكل ما في البحر كله من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتا طافيا وغير طاف، وليس شيء من ذلك يحتاج إلى ذكاة، واحتج مالك ومن معه بقولهﷺفي البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في ترتيب المسند: ٢/ ١٧٣، وابن ماجه في الأطعمة، باب الكبد والطحال، برقم (٣٣١٤): ٢/ ١١٠٢، والدارقطني في الصيد والذبائح: ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢، والإمام أحمد: ٢/ ٩٧ عن ابن عمر مرفوعا. ورواه البيهقي موقوفا وقال: هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، السنن: ١/ ٢٥٤. وعزاه الزيلعي أيضا لعبد بن حميد وابن حبان في الضعفاء، وأعله بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته من رفع الموقوفات وإسناد المراسيل، فاستحق الترك. انظر: نصب الراية: ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢. وعزاه أيضا ابن حجر لابن مردويه في التفسير عن أبي سعيد مرفوعا، وقال: ذكره الدارقطني في العلل ... والرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أحل لنا، وحرم علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية، لأنها في معنى المرفوع\". تلخيص الحبير: ١/ ٢٦. وأخرجه أيضا البغوي في شرح السنة: ١١/ ٢٤٤.\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٢٢، وأحمد (٧٢٣٣)، وأبو داود (٨٣)، وابن ماجة (٣٨٦)، والترمذي (٦٩)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٠، و١٧٦ من حديث أبي هريرة، قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد (١٥٠١٢)، وابن ماجة (٣٨٨)، من حديث جابر ..\n(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢١٠ - ٢١— [تحقيق التركي].","vol":"8","page":502},{"text":"قال القرطبي: \"واصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر عن الحوت الذي يقال له «العنبر» وهو من أثبت الاحاديث، خرّجه الصحيحان، وفيه: «فلما قدما المدينة اتينا رسولﷺ- فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، فارسلنا إلى رسول اللهﷺ- منه، فأكله» (١) (٢).\nوأسند عن ابي بكر (٣)، وأبي أيوب (٤)، أنهما قال بحلال السمكة الطافية لمن أراد أكلها.\nوأسند عن جبلة بن عطية: أن اصحاب ابي طلحة اصابوا سمكة طافية، فسالوا عنها ابا طلحة، فقال اهدوها لي (٥).\nوقال عمر بن الخطاب: \"الحوت ذكيّ والجراد ذكي كله\" (٦).\nوالثاني: انه لايؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك. وهذا قول أبي حنيفة (٧). وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه، وكره الحسن بن حيّ أكل الطافي من السمك (٨).\nوروي عن علي﵁- أنه كرهه (٩).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤٣٦١)، وصحيح المسلم (١٠٣٥)، وهو عند احمد (١٤٣٣٦).\n(٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٢١١ [تحقيق التركي].\n(٣) انظر: سنن الدارقطني (٤٧٢١)، ومصنف عبدالرزاق (٤٦٤٥)، بلفظ: \"السمكة الطافية حلال لمن أراد اكلها\"، وذكره البخاري في الفتح: ٩/ ٦١٤، بلفظ: الطافي حلال\".\n(٤) انظر: سنن الدارقطني (٤٧٢٩)، بلفظ: \"أنه ركب البحر في رهط من اصحابه، فوجدوا سمكة طافية على الماء، فسألوه عنها، فقال: اطيبة هي لم تغيّر؟ قالوا نعم، قال فكلوا وارفعوا نصيبي منها، وكان صائما\".\nوأخرجه ابن ابي شيبة: ٥/ ٣٨٠، مختصرا.\n(٥) سنن الدارقطني (٤٧٣٠).\n(٦) سنن الدارقطني (٤٧٢٦)، ومصنف ابن ابي شيبة: ٥/ ٣٧٩.\n(٧) انظر: التمهيد ١٦/ ٢٢٣، وزاد المسير: ١/ ٥٨٧، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢١٠ [تحقيق التركي].\n(٨) انظر: التمهيد: ٢/ ٢٢٣، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢١٠.\n(٩) انظر: التمهيد ١٦/ ٢٢٥، والجِرّي: ضرب من السمك، اللسان، مادة\"جرا\"، وانظر: الفتح: ٩/ ٦١٥.","vol":"8","page":503},{"text":"ولم يختلف عن جابر انه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ [المائدة: ٣]، وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبدالله عن النبيﷺ-: «كلوا ما حسر عنه البحر وما القاه، وما وجدتموه ميتا او طافيا فوق الماء فلا تأكلوه» (١) (٢).\nواختلف أهل العلم في حكم اكل الحيوانات البرمائية نظرا لتنازع أدلة التحليل والتحريم، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: لا يحل أكلها؛ لأنها من الخبائث، وللسمية في الحية، ولأن «النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع» (٣) ولو حل أكله، لم ينه عن قتله. وهذا قول الحنفية والشافعية (٤).\nولا خلاف عند الشافعي في عدم جواز أكل الضفدع، واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لايؤكل، كالخنزير والكلب وغير ذلك، والصحيح أكل ذلك كله، لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في البر مما لايؤكل، ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما له ناب، لنهيه ﵊ عن اكل \"كل ذي ناب\" (٥) (٦).\nوقال أبو حنيفة، والثوري: \"لا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك\" (٧).\n_________\n(١) سنن ابي داود (٣٨١٥)، وسنن الدارقطني (٤٧١٢)، واللفظ له.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢١٠ [تحقيق التركي].\n(٣) أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي والحاكم عن عبد الرحمن بن عثمان التميمي، انظر: نصب الراية: ٢٠١/ ٤.\n(٤) انظر: اللباب شرح الكتاب: ٢٣٠/ ٣، تكملة الفتح: ٦٢/ ٨ ومابعدها، مغني المحتاج: ٢٩٨/ ٤، المهذب: ٢٥٠/ ١.\n(٥) أخرجه احمد (١٧٧٣٨)، و(البخاري (٥٧٨٠)، ومسلم (١٩٣٢)، من حديث ابي ثعلبة الخشي، واخرجه احمد (٢١٩٢)، ومسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس، وانظر: المجموع: ٩/ ١٢، و٢٩ - ٣١.\n(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢١٣.\n(٧) التمهيد ١٦/ ٢٢٣، وزاد المسير: ١/ ٥٨٧، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢١٠ [تحقيق التركي].","vol":"8","page":504},{"text":"وروي عن علي﵁- أنه كره أكل السمك الجريّ من وجه لايثبت (١).\nقال القرطبي: وروي عنه أكل ذلك، وهو أصح\" (٢).\nوالثاني: أنه يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات والسلحفاة، إذ لم يرد نص في تحريمها. وتحريم الخبائث: هو ما نص عليه الشرع، فلا يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص. وهذا قول المالكية (٣).\nوالثالث: أن كل ما يعيش في البر من دواب البحر، لا يحل بغير ذكاة كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء، إلا مالا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح في بغير ذكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر، وليس له دم سائل، فلاحاجة إلى ذبحه، خلافًا لما له دم، لا يباح بغير ذبح. وهذا قول الحنابلة (٤).\nوعلى هذا فمذهب الحنابلة قريب من مذهب المالكية في وجوب ذكاة هذا النوع من الحيوانات وإلحاقها بالبرية، والأصح أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة (٥).\nولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي ﷺ فيما رواه النسائي - نهى عن قتله، وجاء في النهي عن قتله، إذ جاء في الحديث: \" أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا\" (٦).\nفيدل ذلك على تحريمه.\n_________\n(١) انظر: التمهيد ١٦/ ٢٢٥، والجِرّي: ضرب من السمك، اللسان، مادة\"جرا\"، وانظر: الفتح: ٩/ ٦١٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٢١٠، وانظر: الخبر في التمهيد: ١٦/ ٢٢٥، وخبر علي﵁- عند عبدالرزاق (٨٦٦٣)، وأخرجه أيضا ابن ابي شيبة: ٥/ ٣٧٩، والبيهقي: ٩/ ٢٥٤.\n(٣) انظر: بداية المجتهد: ٦٥٦/ ١، القوانين الفقهية: ص ١٧٢.\n(٤) انظر: المغني: ٦٠٦/ ٨ ومابعدها، كشاف القناع: ٢٠٢/ ٦.\n(٥) كما في شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي: ٢١٤/ ٩.\n(٦) رواه أبو داود (٣٨٧١)، وصححه الألباني.","vol":"8","page":505},{"text":"كما لا يباح أكل التمساح، وقد رجح جماعة من علمائنا المعاصرين حل أكل التمساح، منهم علماء اللجنة الدائمة للإفتاء (١)، والشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٢).\nونقل عن الشيخ ابن عثيمين ما قد يُفهم منه أنه يبيح أكل الضفدع والتمساح (٣)، وعند استقراء فتاويه، تبيّن بأن الشيخ ابن عثيمين -﵀- يرى أن أكل التمساح حلال، وأن أكل الضفدع حرام، وأن التمساح داخل في عموم آية المائدة، وأن الضفدع جاء النهي عن قتله صحيحًا في السنَّة.\nقال ابن العربي: \"الصحيح في الحيوان الذي يكون في البرّ والبحر منعه، لأنه تعارض فيه دليلان، دليل تحليل ودليل تحريم، فيغلّب دليل التحريم احتياطا\" (٤).\nوكل ما فيه ضرر فلا يجوز أكله ولو كان بحريًا، عليه إن ثبت في شيء أن أكله سام، أو مضر لآكله، فهنا يحرم أكله، لأجل ما فيه من الضرر، لا لأن جنسه محرم في ذاته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: \"وما يُطعم من صيده كالسمك وغيره منفعةً وقوتًا لكم وزادًا للمسافرين يتزودونه في أسفارهم \" (٦).\n_________\n(١) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة: ٢٢/ ١٨٥.\n(٢) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة: ٢٣/ ٣٤.\n(٣) انظر: فتاوى إسلامية: ٣/ ٣٨٨، والشرح الممتع: ١٥/ ٣٤، ٣٥، ونور على الدرب: شريط: ١٢٩، و١٣٧، وجه: أ، وشريط: لقاءات الباب المفتوح: ١١٢ / الوجه: ب، وشرح بلوغ المرام، كتاب الأطعمة، شريط رقم ٢.\n(٤) احكام القرآن: ٢/ ٦٨٤.\n(٥) انظر: المغني ١١/ ٨٣، حاشية الروض ٧/ ٤٣٠، تفسير ابن كثير ٣/ ١٩٧.\n(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٣٧.","vol":"8","page":506},{"text":"قال الطبري: أي: \" منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلده، يستمتع بأكله وينتفع به، ﴿وللسيارة﴾، يقول: ومنفعةً أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض، ومسافرين يتزوّدونه في سفرهم مليحًا\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: منفعة وقُوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وهو جمع سيَّار\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: للمقيمين والمسافرين. وهي السمكة المالحة\" (٣).\nقال الواحدي: أي: \" ﴿وطعامة﴾: وهو ما نضب عنه الماء ولم يُصَد، منفعة للمقيم والمسافر، يبيعون ويزودون منه\" (٤).\nقال الثعلبي: \" ﴿وللسيارة﴾، يعني: المارة\" (٥).\nقال الزمخشري: \" ﴿وطعامه﴾، وما يطعم من صيده، والمعنى: وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبى حنيفة، وعند ابن أبى ليلى جميع ما يصاد منه، ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾، يعنى: تمتيعا لتنائكم (٦) يأكلونه طريا، ولسيارتكم يتزودونه قديدا، كما تزود موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر ﵉، و﴿متاعا لكم﴾ مفعول له مختص بالطعام، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، \" (٧).\nقال ابن عطية: \" قوله: ﴿لكم﴾، يريد حاضري البحر ومدنه، و﴿للسيارة﴾، المسافرين\" (٨).\nقال ابن عباس: \": ﴿طعامه﴾، ما وجد على الساحل ميتًا\" (٩)، \" قوله: ﴿متاعا لكم﴾: الذي يتزود المسافر\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٧١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٩٨.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤١٩.\n(٤) الوجيز: ٣٣٦.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٤/ ١١١.\n(٦). قوله «تمتيعا لتنائكم يأكلونه» أى للمتوطنين منكم. يقال: تنأ بالبلد توطئه، فهو تانئ، وهم تناه. أفاده الصحاح.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٨٠. [بتصرف]\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤١.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٦٩٣): ص ١١/ ٦٢.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٤١): ص ٤/ ١٢١٢.","vol":"8","page":507},{"text":"قال عكرمة: \" ﴿متاعًا لكم وللسيارة﴾، لمن كان بحضرة البحر، ﴿وللسيارة﴾، السَّفْر\" (١).\nوعن الحسن: \" ﴿وللسيارة﴾، قال: هم المحرمون\" (٢).\nاخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: \" ﴿وللسيارة﴾ قال: الظهر\"\" (٣).\nقال ابن أبي حاتم: \"قال أبي وقال غيره: التتمير\" (٤).\nوقال مجاهد: ﴿وطعامه متاعا لكم﴾: أهل القرَى، ﴿وللسيارة﴾: أهل الأمصَار\" (٥)، \"والحيتانُ للناس كلهم\" (٦).\nقال ابن عطية: \" كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار\" (٧).\nقال الطبري: \"وهذا لا وجه له مفهوم، إلا أن يكون أراد بقوله: هم أهل الأمصار، هم المسافرون من أهل الأمصار، فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة، من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى. فأما «السيارة»، فلا نعقله: المقيمون في أمصارهم\" (٨).\nوفي معنى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: ما نبذه البحر ميتا، قاله أبو بكر (٩)، وعمر (١٠)، وابن عباس (١١)، وابن عمر (١٢)، وأبو أيوب (١٣)، وقتادة (١٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٧٣١): ص ١١/ ٧١.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٤٥): ص ٤/ ١٢١٢.\n(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٤٥): ص ٤/ ١٢١٢.\n(٤) تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٤٥): ص ٤/ ١٢١٢.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٧٣٨): ص ١١/ ٧٣.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٧٣٩): ص ١١/ ٧٣.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤١.\n(٨) تفسير الطبري: ١١/ ٧٣.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٨٦): ص ١١/ ٦١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٨٧): ص ١١/ ٦١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٦٨٨): ص ١١/ ٦٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٠٠): ص ١١/ ٦٤.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٠٥): ص ١١/ ٦٥.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٠٤): ص ١١/ ٦٥.","vol":"8","page":508},{"text":"والثاني: أنه مليحه، قاله سعيد بن المسيب (١)، وسعيد بن جبير (٢)، وجابر بن زيد (٣)، والسدي (٤)، وعن ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، وعكرمة (٨) كالقولين.\nواختلفت الرواية عن النخعي. فروي عنه كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، فقال: طعامه المليح (٩)، وما لفظه (١٠).\nوالثالث: أنه ما نبت بمائة من زروع البر، وإنما قيل لهذا: طعام البحر، لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج (١١).\nقال الإمام الطبري: \" وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، قولُ من قال: ﴿طعامه﴾، ما قذفه البحر، أو حَسَر عنه فوُجد ميتًا على ساحله. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قبله صيدَ الذي يصاد، فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾، فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يُصَدْ منه، فقال: أحل لكم ما صدتموه من البحر، وما لم تصيدوه منه\" (١٢).\nوقد روي عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: \" ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم﴾، قال: ﴿طعامه﴾، ما لفظه ميتًا فهو طعامه\" (١٣).\nوقرئ: «وطعمه» (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٢٤): ص ١١/ ٦٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٧١١): ص ١١/ ٦٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٢٥): ص ١١/ ٦٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٢٣): ص ١١/ ٦٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٠٧): ص ١١/ ٦٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٧١٩): ص ١١/ ٦٧.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٧١٧): ص ١١/ ٦٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٧١٠): ص ١١/ ٦٦.\n(٩) في «اللسان» الملح والمليح: خلاف العذب من الماء.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٧١٨): ص ١١/ ٦٧.\n(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٠٩.\n(١٢) تفسير الطبري: ١١/ ٦٩.\n(١٣) أخرجه الطبري (١٢٧٢٩): ص ١١/ ٧٠. قال الطبري: \" وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة\".\n(١٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٠.","vol":"8","page":509},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: \" وحرم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة\" (١).\nقال الطبري: \" وحرم الله عليكم، أيها المؤمنون، صيد البر، ما كنتم محرمين، لم تحِلوا من إحرامكم\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: ما دمتم محرمين فلا تأخذوا الصيود\" (٣).\nواختلف أهل العلم اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد على أربعة اقوال:\nأحدها: أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد. وهذا قول علي بن ابي طالب (٤)، وابن عباس (٥)، وابن عمر-في أحد قوليه- (٦)، وبه قال إسحاق (٧)، والثوري (٨).\nواحتجوا بما روي عن الصعب بن جَثَّامة: \"أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ رِجْلَ حمارِ وحش يقطر دمًا، فردّه فقال: إنا حُرُم\" (٩).\nوبما روي عن عائشة: \"أن وَشِيقة ظبي أهديت إلى رسول الله ﷺ وهو محرم، فردّها\" (١٠).\nوالثاني: إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله. وهذا قول عثمان (١١)، وبه قال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد (١٢).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٧٤.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤٤٢٠١٩.\n(٤) انظر: تفسير الكبري (١٢٧٤٠): ص ١١/ ٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الكبري (١٢٧٤٨): ص ١١/ ٧٧.\n(٦) انظر: تفسير الكبري (١٢٧٥٠): ص ١١/ ٧٨.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢، وانظر: المغني: ٥/ ١٣٥ - ١٣٦ [بتصرف].\n(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢، وانظر: المغني: ٥/ ١٣٥ - ١٣٦ [بتصرف].\n(٩) حديث الصعب بن جثامة، رواه مسلم في صحيحه من طرق ٨: ١٠٣ - ١٠٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٩١، ١٩٤.\n(١٠) حديث عائشة رواه أحمد في المسند ٦: ٤٠.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٥٥): ص ١١/ ٨٠ - ٨١، و(١٢٧٦٤): ص ١١/ ٨٣.\n(١٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢، وانظر: المغني: ٥/ ١٣٥ - ١٣٦ [بتصرف].","vol":"8","page":510},{"text":"واحتجوا بحديث جابر عن النبيّ ﷺ بقوله: \"صيد البرّ لكم حلال، مالم تصيدوه او يُصدْ لكم \" (١).\nوالثالث: أن أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صيد من أجله أم لا، وهذا قول عمر بن الخطاب (٢)، والزبير بن العوّام (٣)، وأبي هريرة (٤)، وابن عمر (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨)، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٩).\nواحتجوا بحديث البهزي عن النبيﷺ- في حمار الوحش العير، أنه أمر ابابكر فقسّمه في الرفاق، من حديث مالك وغيره (١٠).\nوكذلك احتجوا بحديث أبي قتادة عن النبيﷺ-، وفيه «إنما هي طعمة اطعمكموها الله» (١١).\nوالرابع: أن المراد حرام اصطياده، وفأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله، بعد أن يكون مِلكه إياه على غير وجه الاصطياد له، وبيعه وشراؤه جائز. قالوا: والنهي من الله تعالى ذكره، عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني. وهذا قول أبو سلمة (١٢).\n_________\n(١) انظر: سنن الترمذي (٨٤٦)، والمجتبى: ٥/ ١٨٧، وسنن الدراقطني (٢٧٤٤)، وهو عند احمد (١٤٨٩٤)، وأبي داود (١٨٥١)،\nوخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ١٩٠، فانظر ما قاله فيه، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٣ وقال: أخرجه أحمد والحاكم وصححه.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٥٤): ص ١١/ ٧٩، و(١٢٧٥٨): ص ١١/ ٨٠\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٦٥): ص ١١/ ٨٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٥٤): ص ١١/ ٧٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٥٨): ص ١١/ ٨٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٦٩): ص ١١/ ٨٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٦٩): ص ١١/ ٨٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٧٠): ص ١١/ ٨١ - ٨٤.\n(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢، وانظر: المغني: ٥/ ١٣٥ - ١٣٦ [بتصرف].\n(١٠) انظر: حديث البهزي في الموطأ: ١/ ٣٥١، والمجتبى: ٥/ ١٨٣.\n(١١) اخرجه أحمد (٢٢٥٦٧)، والبخاري (٢٩١٤)، ومسلم (١١٩٦): (٥٧).\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٧١): ص ١١/ ٨٤ - ٨٥.","vol":"8","page":511},{"text":"قا الإمام الطبري: \" والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره، عمَّ تحريم كل معاني صيد البرّ على المحرم في حال إحرامه، من غير أن يخص من ذلك شيئًا دون شيء، فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حرامًا، بيعه وشراؤه واصطياده وقتله، وغير ذلك من معانيه، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذبحه حلال لحلال، فيحلّ له حينئذ أكله، للثابت عن الخبر عن رسول الله ﷺ: «عبد الرحمن بن عثمان قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأهدي لنا طائرٌ، فمنا من أكل، ومنا من تَورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ» \" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، أي: \" أي خافوا الله الذي تبعثون إِليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم\" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" خافوا الله الذي إليه تبعثون\" (٣).\nقال السمرقندي: \" ﴿واتقوا الله﴾، فلا تأخذوه في إحرامكم، ﴿الذي إليه تحشرون﴾، فيجزيكم بأعمالكم\" (٤).\nالفوائد:\n١ - حل صيد البحر للمحلين والمحرومين.\n٢ - أن جميع حيوان البحر حلال، لقوله: ﴿صيد البحر﴾، لأن الإضافة تقتضي العموم.\n٣ - أن جميع ما في البحر مما يطعم من سمك وأشجار وغيرها حلال، لعموم قوله: ﴿وطعامه﴾.\n٤ - بيان الحكمة في حل صيد البحر دون البر، لأن الأول تناوله سهل، ولايلهو الإنسان كما يلهو به في صيد البر، ثم هو صيد خفي في باطن المياه فلا يكون كالصيد الظاهر على سطح الأرض.\n٥ - الإشارة غلى جاز إدخار لحم البحر لقوله: ﴿وللسيارة﴾، يعني السائرين في السفر.\n٦ - تحريم صيد البر على المحرمين.\n٧ - وجوب تقوى الله والحذر من مخالفته فيما فرضه من هذه الأحكام، والتحذير من عقوبة اليوم الآخر.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٨٥، ورقم الخبر (١٢٧٧٢): ص ١١/ ٨٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٣٧.\n(٣) الوجيز: ٣٣٦.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤٤٢٠١٩.","vol":"8","page":512},{"text":"٨ - إثبات اليوم الآخر الذي يكون به الحشر إلى الله ﷿، لقوله: ﴿الذي غليه تحشرون﴾.\n\nالقرآن\n﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]\nالتفسير:\nامتنَّ الله على عباده بأن جعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم، وأمنًا لحياتهم; وذلك حيث آمنوا بالله ورسوله وأقاموا فرائضه، وحرَّم العدوان والقتال في الأشهر الحرم -وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب- فلا يعتدي فيها أحد على أحد، وحرَّم تعالى الاعتداء على ما يُهدَى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحرَّم كذلك الاعتداء على القلائد، وهي ما قُلِّد إشعارًا بأنه بقصد به النسك; ذلك لتعلموا أن الله يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض، ومن ذلك ما شرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض، وأن الله بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية.\nقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: \"جعل الله الكعبة المشرّفة وهي البيت المحرّم صلاحًا ومعاشًا للناس لقيام أمر دينهم ودنياهم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم\" (٢).\nقال الواحدي: \" يعني: البيت الذي حرَّم أن يصاد عنده ويختلى للحجِّ وقضاء النُّسك\" (٣).\nوفي تسميتها كعبة قولان:\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٣٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٨٩.\n(٣) الوجيز: ٣٣٦.","vol":"8","page":513},{"text":"أحدهما: سميت بذلك لتربيعها، قاله مجاهد (١)، وعكرمة (٢)، واختاره الطبري (٣)، والقرطبي (٤).\nوالثاني: سميت بذلك لعلوها ونتوئها من قولهم: قد كعب ثدي المرأة إذا علا ونتأ، وهو قول الجمهور (٥).\nو«الكعبة»: الحرم كله، وسماها الله حراما، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها، أو يختلى خلاها، أو يعضد شجرها (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، جوه من التأويل:\nأحدها: قياما للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٧).\nوالثاني: قياما لأمر من توجه إليها، رواه العوفي عن ابن عباس (٨).\nعن قتادة قوله: \" ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد﴾، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس\" (٩).\nوقال ابن ششهاب: \": فجعل الله ذلك قياما للناس يأمنون به في ذلك كله في الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم بعضا حين يلقونهم عند البيت وفي الحرم أو في الشهر الحرام.\" (١٠).\nوالثالث: قياما لبقاء الدين، فلا يزال في الأرض دين ما حجت واستقبلت، قاله الحسن (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٨٠): ص ١١/ ٩٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٨١): ص ١١/ ٩٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٨٩.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٤.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٠، وزاد المسير: ١/ ٥٨٨، وتفسير العز بن عبدالسلام: ١/ ٤١٤ وغيرها.\n(٦) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٩١، والنكت والعيون: ٢/ ٧٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٥٤): ص ٤/ ١٢١٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٨٧): ص ١١/ ٩٢.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٧٩٠): ص ١١/ ٩٣.\n(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٥٨): ص ٤/ ١٢١٤.\n(١١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٥٧): ص ٤/ ١٢١٤.","vol":"8","page":514},{"text":"وفي المعنى نفسه قال ابن زيد: \" كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفع بعضُهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم، والقلائد. قال: ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسِخ\" (١).\nوالرابع: قوام دنيا وقوام دين، قاله حميد الأرقط (٢).\nوالخامس: قياما للناس، أي: مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره الزجاج (٣).\nوالسادس: قياما لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره بعض المفسرين (٤).\nوالسابع: يعني: صلاحًا لهم، قاله سعيد بن جبير (٥).\nقال الطبري: \" وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها، فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن «القوام» للشيء، هو الذي به صلاحه، كما الملك الأعظم، قوامُ رعيته ومن في سلطانه، لأنه مدبِّر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم، ومتوجَّههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿قياما للناس﴾، انتعاشا لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضا إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم\" (٧).\n_________\n(١) اخرجه الطبري (١٢٧٩١): ص ١١/ ٩٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٩٠، ومجاز القرآن: ١/ ١٧٧.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢١٠.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٠، وزاد المسير: ١/ ٥٨٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٧٨٣): ص ١١/ ٩١.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٩٢ - ٩٣.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٨١.","vol":"8","page":515},{"text":"قال الشيخ محمد رشيد رضا: \" المختار أن جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس هو جعل تكويني تشريعي معا، وهو عام شامل لما تقوم به وتتحقق مصالح دينهم ودنياهم، وشامل لزمن الجاهلية وعهد الإسلام، لكن له في كل من العهدين صورة خاصة به ففي عهد الجاهلية كان التكويني أظهر والتشريعي أخفى، لأنهم على إضاعتهم لشريعة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم إلا قليلا من مناسك الحج مزجوها بالوثنية والخرافات الوضعية، وكانت آيات الله تعالى التكوينية ظاهرة فيهم كما تقدم بيانه آنفا، وسبق ما في معناه في سورة آل عمران، وأما في عهد الإسلام فالتشريعي أظهر\" (١).\n\nوقرأ ابن عامر: «قيما»، بغير ألف (٢).\nقال ابن عطية: \" قوله تعالى: ﴿للناس﴾، لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد العرب. ولا وجه لهذا التخصيص\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: \" وجعل الله الشهر الحرام أيضًا قيامًا للناس\" (٤).\nقال القرطبي: \" والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنا قد علمه الله أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم\" (٥).\nقال الواحدي: \" يعني: الأشهر الحرم فذكر بلفظ الجنس\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿الشهر الحرام﴾: الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأن لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنا قد عرفه الله تعالى، وقيل عنى به جنس الأشهر الحرم\" (٧).\nقال البيضاوي: \" المراد بالشهر الشهر الذي يؤدي فيه الحج، وهو ذو الحجة لأنه المناسب لقرنائه\" (٨).\n_________\n(١) تفسير المنار: ٧/ ١٠٠ - ١٠١.\n(٢) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٨.\n(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٩١.\n(٥) تفسير القرطبي: ١/ ٤٧٨.\n(٦) الوجيز: ٣٣٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٨١.\n(٨) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٥.","vol":"8","page":516},{"text":"قال المراغي: أي: \"وكذلك جعل الشهر الحرام سببا لقيام الناس، لأن العرب كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض فى سائر الأشهر حتى إذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم، وكانوا يحصلون فيه من الأقوات ما يكفيهم طول العام، ولو لاه لتفانوا من الجوع والشدة\" (١).\nقال ابن عطية: \" و«الشهر»، هنا اسم جنس، والمراد: الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، وشهر مضر وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص (٢):\nوشهر بني أمية والهدايا ... إذا سيقت مدرجها الدماء\nوسماه النبي ﵇: شهر الله (٣)، أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه، وأما الهدي فكان أمانا لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي وكذلك جعل الهدى سببا لقيام الناس\" (٥).\nقال المراغي: أي: \" لأن «الهدي» يهدى إلى البيت ويذبح ويفرق لحمه على الفقراء فيكون نسكا للمهدى وقياما لمعيشة الفقراء\" (٦).\nقال مكي: أي: \" جعل ذلك أيضًا قيامًا للناس\" (٧).\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٧/ ٣٥.\n(٢) المفضليات: ١٦٣، ومنتهى الطلب: ٣/ ٣٨٤، وشرح اختيارات المفضل: ٢/ ٨٠٥، وفيها: \"حبست\" بدل: \"سيقت\"\nقال التبريز في شرح الاختيارات: مضرجها، أي: يصيبها الدم كما يضرّج الثوب بالصبغ.\n(٣) قطعة من حديث طويل اخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٠٠٨)، من حديث لأنس، و(١١٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال إثر كل من الحديثين: هذا حديث موضوع.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.\n(٥) تفسير المراغي: ٧/ ٣٥.\n(٦) تفسير المراغي: ٧/ ٣٥.\n(٧) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٨٨٢ - ١٨٨٣.","vol":"8","page":517},{"text":"و«الناس» - هنا -: \"مَن كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في الحرَم ولو لَقِي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرَم، وإذا لَقِي الهدي لم يَعرِضْ له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل إلى أهله، وقيل: «الناس»، هنا: جميع الناس\" (١).\nفي «الهدي»، قولان:\nأحدهما: أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى (٢).\nوالثاني: أنه ما لم يقلّد من النعم، وقد جعل على نفسه، أن يُهديه ويقلده، وهو قول ابن عباس (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: \" وكذلك جعل القلائد قياما للناس\" (٤).\nقال المراغي: \" إذ أن من قصد البيت فى الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده فى غير الشهر الحرام ومعه هدى وقلده وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، لأن الله أوقع فى قلوبهم تعظيم البيت، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخاوف\" (٥).\n_________\n(١) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٣/ ١٨٨٢ - ١٨٨٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٩٤٨): ص ٩/ ٤٦٧.\n(٤) تفسير المراغي: ٧/ ٣٦.\n(٥) تفسير المراغي: ٧/ ٣٦.","vol":"8","page":518},{"text":"وقد ذكر بعض الشعراء أن «القلائد»: لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه (١)، قال الشاعر (٢):\nأَلَمْ تَقْتُلا الْحِرْجَيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَا (٣) ... يُمِرَّانِ بِالأيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا\nقال ابن عباس: \" كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ، فيعرفون بذلك\" (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(٢) أشعار الهذليين ٣: ١٩، والمعاني الكبير: ١١٢٠، واللسان (حرج). و\" الحرج \" (بكسر الحاء وسكون الراء): الودعة، قالوا: عنى بالحرجين: رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما. وقال شارح ديوانه: \" ويكون أيضًا الحرجان، رجلين يقال لهما: الحرجان \". و\" أمر الحبل يمره \": فتله. و\" اللحاء \"، قشر الشجر. و\" المضفر \" الذي جدل ضفائر.\nهذا وقد ذكر أبو جعفر أن الشعر في رجلين قتلا رجلين، وروى \" ألم تقتلا \"، والذي في المراجع \" ألم تقتلوا \"، وهو الذي يدل عليه سياق الشعر، فإن أوله قبل البيت: ألا أبْلِغَا جُلَّ السَّوَارِي وَجابرًا ... وَأَبْلِغْ بَني ذِي السَّهْم عَنِّي وَيَعْمَرَا\nوَقُولا لَهُمْ عَنِّي مَقَالَةَ شَاعِرٍ ... أَلَمّ بقَوْلٍ، لَمْ يُحَاوِلْ لِيَفْخَرَا\nلَعَلَّكُمْ لَمَّا قَتَلْتُمْ ذَكَرْتُمُ ... وَلَنْ تَتْرُكُوا أَنْ تَقْتُلُوا، مَنْ تَعَمَّرَا\nفالشعر كله بضمير الجمع. وسببه أن جندبًا، أخو البريق بن عياض اللحياني، قتل قيسًا وسالمًا ابني عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جندبًا، اختلفا ضربتين.\n(٣) رواية أبي جعفر كما شرحها \" أعوراكما \"، ورواية الديوان \" أعورا لكم \"، وهي في سياق لمشعر، ورواية اللسان: \" أعرضا لكم \"، ويروي \" عورا لكم \" بتشديد الواو. هذا على أن هذه الرواية: \" أعور \" متعديًا، والذي كتب في اللغة \" أعور لك الشيء فهو معور \".\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٧٩٢): ص ١١/ ٩٤.","vol":"8","page":519},{"text":"قال الزمخشري: \" ﴿والقلائد﴾، أي: والمقلد منه خصوصا ووهو البدن، لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر\" (١).\nقال ابن عطية: \" وأما القلائد فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئا فكان ذلك أمانا له، وكان الأمر في نفوسهم عظيما مكنه الله حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئا خوفا من الله، وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: \" ذلك لتعلموا أن الله يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض، ومن ذلك ما شرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض\" (٣).\nقال النسفي: \" أي: لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض\" (٤).\nقال ابن عطية: \" ﴿ذلك﴾ إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياما، والمعنى فعل ذلك لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم\" (٥).\nقال الزمخشري: \" ﴿ذلك﴾ إشارة إلى جعل الكعبة قياما للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره، لتعلموا أن الله يعلم كل شيء وهو عالم بما يصلحكم وما ينعشكم مما أمركم به وكلفكم، شديد العقاب لمن انتهك محارمه غفور رحيم لمن حافظ عليها\" (٦).\nقال البيضاوي: \" ﴿ذلك﴾، إشارة إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره. لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها، دليل حكمة الشارع وكمال علمه\" (٧).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٨١ - ٦٨٢.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٤) تفسير النسفي: ١/ ٤٧٨.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٨٢.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٥.","vol":"8","page":520},{"text":"قال المراغي: \" الخلاصة- إن ذلك لم يكن إلا لحكمة بالغة صادرة عن علم بخفايا الأمور وغاياتها، فكان دليلا على أنه سبحانه يعلم ما فى السموات وما فى الأرض من أسباب الرزق ونظام الخلق وغير ذلك، وأنه عليم بكل شىء فلا تخفى عليه خافيه.\nوقد عجزت جميع الأمم فى القديم والحديث عن تأمين الناس فى قطر من الأقطار فى زمن معين من كل سنة بحيث لا يقع فيه قتل ولا قتال ولا عدوان\" (١).\nقال البغوي: \" فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما قبله؟ قيل: أراد أن الله ﷿ جعل الكعبة قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض\" (٢).\nوذكر الزجاج في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وجهان (٣):\nأحدهما: أن الله لما آمن من الخوف البلد الحرام، والناسق كان يقتل بعضعهم بعضا، وجعل الشهر الحرام يمتنع فيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، فدل بذلك أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض إذ جعل في أعظم الأوقات فسادا ما يؤمن به.\n_________\n(١) تفسير المراغي: ٧/ ٣٦.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ١٠٤.\n(٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢١٠ - ٢١١.","vol":"8","page":521},{"text":"والثاني: أن ذلك مردود على ما أنبأ الله به على لسان نبيه في هذه السورة من قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، فأخبر بنفاقهم الذي كان مستترا عن المسلمين، وما أخبر به أنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١]، فأظهر الله ما كانوا أسروه من قصة الزانيين، ومسألتهم إياه - ﷺ - وما شرحناه مما كانوا عليه في ذلك، فأظهر الله جل وعز: نبيه والمؤمنين على جميع ما ستروا عنهم، فالمعنى - والله أعلم - ذلك لتعلموا الغيب الذي أنبأتكم به عن الله، يدلكم على إنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ودليل هذا القول قوله جل وعز: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩].\nقال الزجاج في القول الثاني: \"هو عندي أبين\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: \" وأن الله بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية\" (٢).\nقال البيضاوي: \"تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق\" (٣).\nقال ابن عطية: \" وقوله تعالى: ﴿بكل شيء عليم﴾، عام عموما تاما في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال ﷿: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩]، والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر\" (٤).\nالفوائد:\n١ - بيان عظم الكعبة المشرفة، إذ جعلها الله قياما للناس يقوم بها امور دينهم ودنياهم.\n٢ - أن الكعبة حرام، أي: محترمة معظمة، ولهذا كان ما حولها حراما لايقتل صيده ولايقطع شجره.\n٣ - تعظيم الاشهر الحرم وأنها قيام للناس، وكذلك تعظيم الهدي ومشروعية القلائد إذ ان فيها إظهارا لشعائر الله ﷿.\n_________\n(١) معاني القرآن: ٢/ ٢١٠.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٣.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٥.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.","vol":"8","page":522},{"text":"٤ - إثبات الحكمة في أحكام الله ﷿، لقوله: ﴿ذلك لتعلموا﴾، واللام هنا للتعليل، ويتفرغ من ذلك أن كل ما شرعه الله أو فعله فهو لحكمة.\n٥ - التحذير من مخالفة الله ﷿، وجهه إثبات العلم في قوله: ﴿يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾، وفيه أيضا إثبات أن السماوات ذات عدد، وهذا العدد في ادلة أخرى أنه سبع سماوات.\n٦ - بيان عظيم تدبير الله تعالى لخلقه، إذ أمّن مصالح قريش والعرب فأوجد لهم أمنًا واستقرارًا وتبع ذلك هناءة عيش وطيب حياة بما ألقى في قلوب عباده من احترام وتعظيم للبيت الحرام والشهر الحرام، والهدي والقلائد، الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله.\n٧ - ومن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿،، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (١).\nقال الخطابي: \" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق\" (٢).\n\nالقرآن\n﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]\nالتفسير:\nاعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا شديد العقاب لمن عصاه، وأن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب.\nسبب النزول:\nوقال مقاتل: \" ثم خوفهم ألا يستحلوا الغارة في حجاج اليمامة، يعني: شريحا وأصحابه فقال: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب﴾ إذا عاقب\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨]، أي: \" اعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا شديد العقاب لمن عصاه\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \"لمن انتهك محارمه\" (٥).\nقال ابن ابي زمنين: أي: \" لمن أراد أن ينتقم منه\" (٦).\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: ١/ ١٨٨.\n(٢) شأن الدعاء: ٥٧.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٧.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٨٢.\n(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٤٩.","vol":"8","page":523},{"text":"قال السمرقندي: \" يعني: إذا عاقب فعقوبته شديدة لمن عصاه\" (١).\nقال ابن عثيمين: أي: \"قوي العقاب إذا عاقب المذنب\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها، شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيته إياه\" (٣).\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب﴾، تخويف\" (٤).\nقال علي بن زيد: \"تلا مطرف هذه الآية ﴿شديد العقاب﴾، قال: لو يعلم الناس قدر عقوبة الله ونقمة الله وبأس الله، ونكال الله، لما رقى لهم دمع وما قرت أعينهم بشيء\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، أي: \" وأن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب\" (٦).\nقال الزمخشري: أي: \" لمن حافظ على محارمه\" (٧).\nقال مقاتل: \"لمن أطاعه بعد النهي\" (٨).\nقال السمرقندي: أي: \" لمن أطاعه\" (٩).\nقال الطبري: أي: \" وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها، ﴿رحيم﴾ به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها\" (١٠).\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿وأن الله غفور رحيم﴾، ترجية\" (١١).\nقال محمد بن إسحاق. وأن الله غفور أي يغفر الذنب. رحيم يرحم العباد على ما فيهم\" (١٢).\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٢٠.\n(٢) تفسير سورة المائدة لابن عثيمين: ٢/ ٤٢٦.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٩٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٧.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٦٧): ص ٤/ ١٢١٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٨٢.\n(٨) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٧.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٤٢٠.\n(١٠) تفسير الطبري: ١١/ ٩٥.\n(١١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٧.\n(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٨٦٨): ص ٤/ ١٢١٦.","vol":"8","page":524},{"text":"قال الراغب: \" نبه بذلك أنه تعالى حيث سخر هذه الأمور وبينها دل ذلك أنه فعل ذلك لما أراده من عباده ليثيب المحسن ويعاقب المسىء، وذلك يقتضي أن يعلموا أنه يعاقب قوما ويرحي قوما كيفما تقتضيه حكمته\" (١).\nالفوائد:\n١ - وجوب العلم عن يقين الله، لقوله: ﴿اعلموا﴾.\n٢ - ان الله تعالى شديد العقاب لمن خالف امره، سواء بفعل ما حرم أو بترك ما اوجب.\n٣ - غثبات العقاب: وه مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة.\n٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و«الرحيم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\nفـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (٢).\nوالفرق بين صيغتي: «الغفار»، و«الغفور»: أن \" «الغفار» (٣)، معناه: الستار لذنوب عباده في الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى «الغفور»: منصرفا إلى مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها\" (٤).\n_________\n(١) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٥٩.\n(٢) انظر: شأن الدعاء: ١/ ٦٥.\n(٣) قال الخطابي: \" الغفار: هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى. كلما تكررت التوبة في الذنب من العبد تكررت المغفرة. كقوله -سبحانه-: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢].\nوأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية، ومنه قيل لجنة الرأس: المغفر، وبه سمي زئبر الثوب غفرا وذلك لأنه يستر سداه؛ فالغفار: الستار لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته. ومعنى الستر في هذا أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم ويقال: إن المغفرة مأخوذة من الغفر: وهو فيما حكاه بعض أهل اللغة نبت يداوى به الجراح، يقال إنه إذا ذر عليها دملها وأبراها\". [شأن الدعاء: ١/ ٥٢ - ٥٣، وانظر: اللسان وتاج العروس، مادة\"غفر\"].\n(٤) شأن الدعاء: ١/ ٦٥.","vol":"8","page":525},{"text":"و«الرحيم»: أي: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء (١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \" «الرحيم»: أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده\" (٢).\n\nالقرآن\n﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ [المائدة: ٩٩]\nالتفسير:\nيبيِّن الله تعالى أن مهمة رسوله ﷺ هداية الدلالة والتبليغ، وبيد الله -وحده- هداية التوفيق، وأن ما تنطوي عليه نفوس الناس مما يُسرون أو يعلنون من الهداية أو الضلال يعلمه الله.\nسبب النزول:\nقال مقاتل: \"ثم قال﷿-: ﴿ما على الرسول﴾ محمدﷺ- ﴿إلا البلاغ﴾ في أمر حجاج اليمامة شريح بن ضبيعة وأصحابه، ﴿والله يعلم ما تبدون﴾، يعني: ما تعلنون بألسنتكم و﴿ما تكتمون﴾، من أمر حجاج اليمامة والغارة عليهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، أي: \" أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة وتبليغ الشريعة\" (٤).\nقال السمرقندي: \" يعني: أن الرسول ليس عليه طلب سرائرهم، وإنما عليه بتبليغ الرسالة\" (٥).\nقال الطبري: \" وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية\" (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة: ١/ ١٨٨، وشرح أسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: ٨٤.\n(٢) تفسير ابن عثيمين الفاتحة والبقرة: ١/ ٥.\n(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٥٠٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤٠.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٤٢١.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٩٥.","vol":"8","page":526},{"text":"قال أبو حيان: \" لما تقدم الترغيب والترهيب أخبر تعالى أنه كلف رسوله بالتبليغ وهو توصيل الأحكام إلى أمته وهذا فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به تعالى، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليه الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط\" (١).\nقال ابن عطية: \" قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾، إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق. فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من التبليغ\" (٢).\nقال الزمخشري: قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، \" تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط\" (٣).\nقال القرطبي: \" أي: ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ وفي هذا رد على القدرية كما تقدم. وأصله البلاغ البلوغ، وهو الوصول. بلغ يبلغ بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وتبلغ تبلغا، وبالغه مبالغة، وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة، لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية، لأنه يبلغ مقدار الحاجة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون﴾ [المائدة: ٩٩]، أي: \" والله لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم وسيجازيكم عليها\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: ﴿وما تكتمون﴾، أي: ما تخفون\" (٦).\nقال السمرقندي: أي: \"والله تعالى هو الذي يعلم سرائرهم\" (٧).\n_________\n(١) البحر المحيط: ٤/ ٣٧٤.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٨٢.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٧.\n(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤٠.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٦٩): ص ٤/ ١٢١٦.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٤٢١.","vol":"8","page":527},{"text":"قال ابن عطية: أي: \"والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ذلك ثوابا أو عقابا، والبلاغ مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ إليهم\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: وغير خفي علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمرته بالعمل به من المعاصي الآبي رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به، لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به بلسانه، ﴿وما تكتمون﴾، يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق، يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقابفحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى\" (٢).\nقال أبو حيان: \" جملة فيها تهديد إذ أخبر تعالى أنه مطلع على حال العبد ظاهرا وباطنا فهو مجازيه على ذلك ثوابا أو عقابا، ويحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى ألزم رسوله التبليغ للشريعة وألزمكم أنتم تبليغها فهو العالم بما تبدون منها وما تكتمونه فيجازيكم على ذلك وكان ذلك خطابا لأمته إذا كان الإبداء والكتم يمكن صدورهما منهم بخلاف الرسول فإنه يستحيل عليه أن يكتم شيئا من شرائع الله تعالى\" (٣).\nقال القرطبي: \" ﴿ما تبدون﴾، أي: تظهرونه، يقال: بدا السر وأبداه صاحبه يبديه. ﴿وما تكتمون﴾، أي: ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق\" (٤).\nواختلف المفسرون في هذه الآية هل هي محكمة، أم لا؟ على قولين:\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٩٥.\n(٣) البحر المحيط: ٤/ ٣٧٥.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٧.","vol":"8","page":528},{"text":"أحدهما: أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس عليه الهدى (١).\nوالثاني: أنها تتضمن الاقتصار على التبليغ دون الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف (٢).\nقال ابن الجوزي: \"والأول أصح\" (٣).\nالفوائد:\n١ - وجوب إبلاغ الوحي على رسول الله -ﷺ-، لأن «على» ظاهرة في الوجوب في قوله: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾.\n٢ - أنه ليس على النبيﷺ- أن يجبر الناس على ان يهتدوا، ويؤيد هذا آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].\n٣ - غثبات رسالة النبيﷺ-.\n٤ - تحذير المبلغين من المخالفة، لأن إخباره بعلمه بعد أن قال: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾، فيه التهديد والوعيد على من خالف.\n٥ - سعة علم الله وعمومه، لقوله تعالى: ﴿ما تبدون وما تكتمون﴾، وهذا عام للأمة كلها.\n٦ - الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿ما تبدون وما تكتمون﴾، فالإنسان يريد أن يبدي ويريد أن يكتم، وهذا هو غثبات الإرادة للعبد.\n\nالقرآن\n﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠]\nالتفسير:\n_________\n(١) ذكره ابن حزم في ناسخه (٣٣٧) وابن سلامة في ناسخه ص: ٤٢. وابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٤١٤ - ٤١٥، وزاد المسير: ٢/ ٤٣٢، ومختصر عمدة الراسخ ورقة (٦)، ولم يعرض النحاس والمكي لدعوى النسخ هنا.\n(٢) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤١٤ - ٤١٥، وزاد المسير: ١/ ٥٨٩.\n(٣) نواسخ القرآن: ٢/ ٤١٥.","vol":"8","page":529},{"text":"قل -أيها الرسول-: لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء، فالكافر لا يساوي المؤمن، والعاصي لا يساوي المطيع، والجاهل لا يساوي العالم، والمبتدع لا يساوي المتبع، والمال الحرام لا يساوي الحلال، ولو أعجبك -أيها الإنسان- كثرة الخبيث وعدد أهله. فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة باجتناب الخبائث، وفعل الطيبات; لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة.\nفي سبب النزول الآية قولان:\nأحدهما: عن جابر؛ قال: قال النبي - ﷺ -: \"إن الله -﷿- حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب، ألا أن الخمر لُعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها\"، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله! إني كنت رجلًا كانت هذه تجارتي، فاقتنيت مع بيع الخمر مالًا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي - ﷺ -: \"إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب\"؛ فأنزل الله -تعالى- تصديقًا لقوله - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ \" (١). [ضعيف]\n_________\n(١) أخرجه الواحدي في \"أسباب النزول\": ٢١٠، عن الحاكم نا محمد بن القاسم المؤدب قال: ثنا إدريس بن علي الرازي ثنا يحيى بن الضريس ثنا سفيان عن محمد بن سوقة عن ابن المنكدر عن جابر به.\nقلنا: وهذا سند ضعيف؛ شيخ الحاكم ما كان بشيء؛ كما قال الدارقطني، وإدريس بن علي الرازي لم نجد له ترجمة بعد طول بحث.\nوعزاه السيوطي في اللباب (ص ١١٤) للأصبهاني في الترغيب والواحدي.","vol":"8","page":530},{"text":"والثاني: أنها نزلت في شأن حجاج اليمامة شريح بن ضبيعة حين أراد المسلمون أخذ ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأخبرهم أن أخذ ماله حرام. قاله الكلبي (١)، وذكره السمرقندي (٢) والثعلبي (٣)، والبغوي (٤)، والزمخشري (٥)، وغيرهم.\nقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: \" أي قل يا محمد لا يتساوى الخبيث والطيّب\" (٦).\nقال الطبري: \" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي\" (٧).\nقال السمرقندي والثعلبي والبغوي وابن أبي زمنين: يعني: \"لا يستوي الحلال والحرام\" (٨).\nوفي «الخبيث» و«الطيب» أربعة:\nأحدها: أن \" ﴿الخبيث﴾، هم المشركون و﴿الطيب﴾، هم المؤمنون\". قاله السدي (٩).\nوالثاني: أن ﴿الخبيث﴾، و﴿الطيب﴾: الحلال ولاحرام. قاله ابن عباس (١٠)، والحسن (١١).\nوالثالث: أنهما: المطيع والعاصي (١٢).\nوالرابع: وقيل: الرديء والجيد. ذكره الماوردي (١٣).\n_________\n(١) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٢١.\n(٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٤٢١.\n(٣) انظر: الكشف والبيان: ٤/ ١١٣.\n(٤) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ١٠٥.\n(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٣.\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٤٠.\n(٧) تفسير الطبري: ١١/ ٩٦.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٤٢١، والكشف والبيان: ٤/ ١١٣، وتفسير البغوي: ٣/ ١٠٤، تفسير ابن ابي زمنين: ٢/ ٤٩.\n(٩) أخرجه الطبري (١٢٧٩٣): ص ١١/ ٩٧.\n(١٠) حكاه عن ابن عباس ابن الجوزي في زاد النسير: ١/ ٥٩٠.\n(١١) حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ٦/ ٣٢٧.\n(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٠.\n(١٣) اظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٠.","vol":"8","page":531},{"text":"قال القرطبي: وهذا على ضرب المثال، والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأمور، يتصور في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة، قال الله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ [الأعراف: ٥٨]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨] وقوله: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الجاثية: ٢١]، فالخبيث لا يساوي الطيب مقدارا ولا إنفاقا، ولا مكانا ولا ذهابا، فالطيب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ جهة الشمال، والطيب في الجنة، والخبيث في النار وهذا بين. وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة واحدة، ومثله الاستقامة وضدها الاعوجاج\" (١).\nقال الزمخشري: \" البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريبا عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإن ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازى النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم\" (٢).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٨٢.","vol":"8","page":532},{"text":"قال ابن عطية: \" لفظ [الآية] عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها، ف الخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، والطيب ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ [الأعراف: ٥٨] والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: \" ولو أعجبك -أيها الإنسان- كثرة الخبيث وعدد أهله\" (٢).\nقال الطبري: \" ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا، يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم\" (٣).\nقال السمرقندي: \" يعني: كثره مال شريح بن ضبيعة\" (٤).\nقال ابن أبي زمنين: يعني: \"كثرة الحرام\" (٥).\nقال ابن كثير: \" يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث: «ما قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ مما كَثُر وألْهَى» (٦)\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٩٦.\n(٤) بحر العلوم: ١/ ٤٢١.\n(٥) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٤٩.\n(٦) أخرجه أحمد (٢١٧٢١): ص ٣٦/ ٥٢ - ٥٣، وأخرجه مختصرا أبو نعيم في \"الحلية\" ٩/ ٦٠، من طريق خليد العصري، وهو ابن عبد الله، وإسناده حسن.\n\nوأخرجه الطيالسي (٩٧٩)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والطبري في مسند ابن عباس من \"تهذيب الآثار\" ١/ ٢٦٦ و٢٦٧ و٢٦٩، وابن حبان (٦٨٦) و(٣٣٢٩)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٩١٢)، وابن السني في \"القناعة\" (٢٢) و(٢٣) و(٢٤)، والحاكم ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ٢٢٦، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٨١٠)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣٤١٢)، والبغوي في\n\"شرح السنة\" (٤٠٤٥) من طرق عن قتادة.\nوأخرجه أبو الشيخ في \"الأمثال\" (١٨٨) من طريق أحمد بن عبيد. وهو ضعيف.","vol":"8","page":533},{"text":"\" (١).\nوروي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا. فقال النبي ﷺ: \"قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه\" (٢).\nقال يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني: \"كتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يذكر أن الخراج قد انكسر، فكتب إليه عمر، يقول: إن الله يقول: ﴿لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾، وكتب عمر إلى بعض عماله: إن استطعت أن تكون في العدل والإصلاح والإحسان بقولة من كان قبلك في الظلم والفجور والعدوان فافعل ولا قوة إلا بالله\" (٣).\nويحتمل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وجهان (٤):\nأحدهما: قيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، فإن النبي ﷺ لا يعجبه الخبيث.\nوالثاني: وقيل: المراد به النبي ﷺ نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجبا مما يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال.\nقال ابن الجوزي: \" معنى «الإعجاب» هاهنا: السرور بما يتعجب منه\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: \" فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يا ذوي العقول\" (٦).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٣.\n(٢) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٢٠١) وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢٨٤) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن به، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك ..\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٧١): ص ٤/ ١٢١٦.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٠.\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٤٠.","vol":"8","page":534},{"text":"قال سعيد بن جبير: \" ﴿فاتقوا الله﴾، يعني: المؤمنين يحذرهم\" (١)، \" ﴿يا أولي الألباب﴾، يقول: من كان له لب أو عقل\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم، ﴿يا أولي الألباب﴾، يعني: بذلك أهلَ العقول والحِجَى، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا بالحلال واكتفوا به\" (٤).\nقال السمرقندي: أي: \" لا تستحلوا ما حرم الله عليكم، يا ذوي العقول\" (٥).\nقال الزمخشري: أي: \" فاتقوا الله وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر\" (٦).\nوقال الثعلبي: أي: \" ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين\" (٧).\nقال ابن عطية: \" قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب﴾، تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص أولي الألباب بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذي لا ينبغي لهم إهمالها مع البهائم وإدراكهم وكأن الإشارة بهذه الألباب إلى لب التجربة الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أي: \" لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة\" (٩).\nقال ابن كثير: \" أي: في الدنيا والآخرة\" (١٠).\nقال السمرقندي: \" يعني: تأمنون من عذابه\" (١١).\n_________\n(١) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٧٣): ص ٤/ ١٢١٧.\n(٢) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٧٤): ص ٤/ ١٢١٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٩٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٣.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٤٢١.\n(٦) الكشاف: ١/ ٦٨٢.\n(٧) تفسير الثعلبي: ٤/ ١١٣.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٥.\n(٩) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٣.\n(١١) بحر العلوم: ١/ ٤٢١.","vol":"8","page":535},{"text":"قال الطبري: \" يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده\" (١).\nالفوائد:\n١ - انه لايستوي الخبيث والطيب عند الله ﷿ ولا عند أصحاب العقول، وهذا من مراتبهم عند الله وعند ذوي العقول، وأما فيما يعملون من امور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملا، كما هو المشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا.\n٢ - أن الاعتبار بالكيف وليس بالكم، لقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾.\n٣ - ومنها ان الإنسان قد يعجب بما ليس محلا للإعجاب، لقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾.\n٤ - وجوب تقوى الله ﷿، وأن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الاحكام العظيمة هم اصحاب العقول.\n٥ - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعًا.\n٦ - ان التقوى سبب للفلاح، لقوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾.\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١]\nالتفسير:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٩٧.","vol":"8","page":536},{"text":"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين لم تؤمروا فيها بشيء، كالسؤال عن الأمور غير الواقعة، أو التي يترتب عليها تشديدات في الشرع، ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم، وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله ﷺ وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم، وقد تُكلَّفونها فتعجزون عنها، تركها الله معافيًا لعباده منها. والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه.\nفي سبب نزولها ستة أقوال:\nأحدها: أن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا، فقال: «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم»، فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى (١) يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا حديثو عهد بجاهلية، والله أعلم من أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة (٢)، وقتادة عن أنس (٣). [صحيح]\n_________\n(١) لاحى: أي خاصم.\n(٢). حديث صحيح. أما حديث أبي هريرة، فأخرجه الطبري (١٢٨٠٢): ص ١١/ ١٠٣، وفيه قيس بن الربيع، وهو غير قوي، لكن للحديث شواهد كثيرة منها الآتي.\n(٣) أخرجه البخاري ٤٦٢١ و٤٣٦٢ و٧٢٩٥ ومسلم ٢٣٥٩ والنسائي في «التفسير» ١٧٤ والترمذي ٣٠٥٦ وابن حبان ٦٤٢٩ والبغوي في «التفسير» ٨٣٩ من طرق عن أنس، رووه بألفاظ متقاربة، وطوله بعضهم. انظر «أحكام القرآن» ٨٠١.","vol":"8","page":537},{"text":"والثاني: أن رسول الله ﷺ خطب الناس، فقال: «إن الله كتب عليكم الحج، فقام عكاشة ابن محصن، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم» فنزلت هذه الآية، رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة (١). وقيل: إن السائل عن ذلك الأقرع بن حابس. [صحيح]\nوالثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجويرية عن ابن عباس (٢). [صحيح]\nوالرابع: أن قوما سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس (٣)، وبه قال ابن جبير (٤). [ضعيف]\nوالخامس: أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنهوا عن ذل، روي هذا المعنى عن عكرمة (٥).\n_________\n(١) صحيح. أخرجه مسلم ١٣٣٧ والنسائي ٥/ ١١٠ - ١١١ وأحمد ٢/ ٥٠٨ وابن حبان ٣٧٠٤ و٣٧٠٥ والبيهقي ٤/ ٣٢٦ والدارقطني ٢/ ٢٨١ والطبري (١٢٨٠٥): ص ١١/ ١٠٥، وأخرجه الطبري (١٢٨٠٤): ص ١١/ ١٠٥ من طريق عبد الرحيم بن سليمان والدارقطني ٢/ ٢٨٢ عن محمد بن فضيل، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم الهجري- وهو ضعيف- عن أبي عياض عن أبي هريرة ..\n(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٢٢ والطبري ١٢٧٩٨ والطبراني ١٢٦٩٥ والواحدي ٤١٨ والبغوي ٨٤٢ كلهم عن ابن عباس به. وانظر «أحكام القرآن» ٨٠٢.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٨١١): ١١/ ١١١ عن ابن عباس، وإسناده ضعيف، فيه خصيف الجزري، وهو صدوق لكنه سيء الحفظ كثير الخطأ، وكرره الطبري (١٢٨١٢): ص ١١/ ١١١ - ١١٢ عن عكرمة مرسلا، وهو أصح، والمتقدم عن ابن عباس أصح، وكذا المتقدم عن أنس وأبي هريرة.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٨١٢): ص ١١/ ١١١ - ١١٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٨١١): ١١/ ١١١، وزاد المسير: ١/ ٥٩١.","vol":"8","page":538},{"text":"والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى أذن لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله، ذكره أبو سليمان الدمشقي (١).\nوالظاهر أن رسول الله ﷺ قد سئل مسائل كثيرة، فنزلت هذه الآية في ذلك جميعا، والله أعلم.\nقال ابن عطية: \" والظاهر من الروايات أن رسول الله ﷺ ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية\" (٢).\nقال ابن كثير: \" وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها\" (٣).\nقال الإمام الطبري: \" وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله ﷺ المسائلَ، كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه، ومسألة سائله إذ قال: \" الله فرض عليكم الحج \"، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩١.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٦.","vol":"8","page":539},{"text":"وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس، فقولٌ غير بعيد من الصواب، ولكنْ الأخبارُ المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القولَ به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسئلة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم المسألة عن الحج: \" أكل عام هو، أم عامًا واحدًا \"؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلِّها، فأخبرَ كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله، وأجل غيره، وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذُكرت صحاحٌ، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى\" (١).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٣).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: \" لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها إن طهرت لكم ساءتكم\" (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١١٢.\n(٢) التفسير الميسر: ١/ ١٢٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٤٠.","vol":"8","page":540},{"text":"قال ابن عباس: \" نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة فـ ﴿أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ (١)، فنهاهم الله عن ذلك وقال: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾، إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك\" (٢).\nقال الحسن: \" فسألوه عن أشياء فوعظهم الله فاتعظوا\" (٣).\nقال البيضاوي: \" المعنى: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم\" (٤).\nقال الزمخشري: \" المعنى: لا تكثروا مسألة رسول الله ﵌ حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها\" (٥).\nقال ابن كثير: \" تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُبْلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (٦) \" (٧).\nوقرأ مجاهد «إن تبد» بفتح التاء وضم الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي «إن يبد لكم» بالياء من أسفل مفتوحة والدال مضمومة «يسؤكم» بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم (٨).\n_________\n(١) [المائدة: ١٠٢].\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٨١): ص ٤/ ١٢١٨ - ١٢١٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٨٠): ص ٤/ ١٢١٨.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٥.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٨٣.\n(٦) رواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٦٠) والترمذي في السنن برقم (٣٨٩٦) من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٣.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٦.","vol":"8","page":541},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: \" وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله ﷺ وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم\" (١).\nقال ابن عباس: \" ولكن إنتظروا فإذا نزل القرآن فأنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه\" (٢).\nقال السمعاني: \" معناه: وإن صبرتم حتى ينزل القرآن؛ وجدتم فيه بيان ما تحتاجون إليه\" (٣).\nقال البيضاوي: أي: \"وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحى وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه، تبد لكم، تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعلَّه قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: «أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرّم فحرم من أجل مسألته» (٦)، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها\" (٧).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١/ ١٢٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٨١): ص ٤/ ١٢١٨ - ١٢١٩.\n(٣) تفسير السمعاني: ٢/ ٧١.\n(٤) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٨٣ - ٦٨٤.\n(٦) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٨٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٦.","vol":"8","page":542},{"text":"قال القرطبي: قوله ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ \"فيه غموض، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال: ﴿وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾، فأباحه لهم، فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في ﴿عنها﴾ ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثم جعلناه نطفة﴾ [المؤمنون: ١٣] أي ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال: ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل: ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾ [الطلاق: ٤]، فالنهي إذا في شي لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه، فأما ما مست الحاجة إليه فلا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: \" أي عفا الله عن مسائلكم السالفة التي لا ضرورة لها وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية فلا تعودوا إلى مثلها\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \" من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها\" (٤).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٤٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٨٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٧.","vol":"8","page":543},{"text":"قال القرطبي: \" أي: عن المسألة التي سلفت منهم. وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها. وقيل: العفو بمعنى الترك، أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم\" (١).\nوفي الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ذروني ما تُرِكْتُم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (٢).\nوفي الحديث الصحيح أيضًا: \" إن الله فرض فرائض فلا تُضيِّعُوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحَرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غَيْرَ نِسْيان فلا تسألوا عنها\"» (٣).\nقال عطاء: \" كان عبيد بن عمير يقول: إن الله تعالى أحلّ وحرَّم، فما أحلّ فاستحلُّوه، وما حرَّم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه. ثم يتلو: \" يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ \" (٤).\nوخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني: \"إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًَا فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا\" (٥).\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٣٤.\n(٢» صحيح مسلم برقم (١٣٣٧).\n(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٣) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا.\n(٤) أخرجه ابن ابي شيبة: ١٣/ ٤٤٢، والطبري (١٢٨١٤): ص ١١/ ١١٤.\n(٥) خرجه الدارقطني - ج ٤/ص ١٨٥، (٤٢).","vol":"8","page":544},{"text":"والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير، أي: \"لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير، بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي ﷺ، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: ﴿عنها﴾، أي: عن المسألة، أو عن السؤالات كما ذكرناه\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: \" والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه\" (٢).\nقال الزمخشري: أي: \"لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته\" (٣).\nالفوائد:\n١ - كراهية الإلحاف في السؤال والتقعر في الأسئلة والتنطع فيها.\n٢ - أن ما سكت الله عنه فلم يفرضه، ولم يحده، ولم ينه عنه فهو الحلال، لكن هذا في غير العبادات، فالعبادات قد حرم الله ﷿ أن يشرع أحد الناس عبادة لم يأذن بها الله ﷿.\nولهذا نقول: إن من ابتدع في دين الله ما ليس منه من عقيدة أو قول أو عمل فقد انتهك حرمات الله، ولا يقال هذا مما سكت الله ﷿ عنه، لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل عليها، وغير ذلك الأصل فيه الإباحة، فما سُكِتَ عنه فهو مباح.\n٣ - أنه لا ينبغي البحث عما سكت الله تعالى عنه ورسوله.\nوهل هذا النهي في عهد الرسالة، أم إلى الآن؟ في هذا قولان للعلماء:\nأحدهما: أن هذا خاص في عهد الرسالة، لأن ذلك عهد نزول الوحي، فقد يسأل الإنسان عن شيء لم يُحرم فيحرم من أجله، أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجله، كما سأل الأقرع بن حابس النبي - ﷺ - حين قال النبي - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيكُم الحَجَّ» فقام الأقرع وقال: يا رسول الله أفي كل عام؟\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٣٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١/ ١٢٤.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٨٤.","vol":"8","page":545},{"text":"وهذا سؤال في غير محله، اللهم إلا إذا كان الأقرع بن حابس أراد أن يزيل الوهم الذي قد يعلق في أفهام بعض الناس، فالله أعلم بنيته، لكن النبي - ﷺ - قال: «لَو قُلتُ نَعَم لَوَجَبَت وَمَا استَطَعتُم، الحَجَّ مَرَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوع» (١).\nمن أعظم الناس جرمًا من يسأل فيوجب من أجل مسألته عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته، أو لم يوجب.\nوالثاني: أن النهي باق بعد عهد الرسالة.\nوالصواب في هذه المسالة أن النهي حتى بعد عهد الرسالة إلا أنه إذا كان المراد بالبحث الاتساع في العلم كما يفعله طلبة العلم، فهذا لا بأس به، لأن طالب العلم ينبغي أن يعرف كل مسألة يحتمل وقوعها حتى يعرف الجواب، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يبحث، بل يمشي على ما كان عليه الناس.\nفلا نبحث عن مسائل الغيب ونتعمق فيها، ولا نبحث في صفات الله ﷿ عن كيفيتها، لأن هذا من التعمق، ولا نأتي بمعضلات المسائل التي فيها: أرأيت إن كان كذا، ولو كان كذا، ولو كان كذا كما يوجد من بعض طلبة العلم الآن، يوجد أناس يفرضون مسائل ليست واقعة ولن تقع فيما يظهر، ومع ذلك يسألون، وهم ليسوا في مكان البحث، بل يسألون سؤالًا عامًا، فهذا لا ينبغي.\n_________\n(١) خرجه أبو داود - كتاب: المناسك، باب: فرض الحج، (١٧٢١)، الإمام أحمد بن حنبل - ج ١/ص ٢٥٥، مسند آل العباس عن عبد الله بن عباس، (٢٣٠٤). وابن ماجه - كتاب: المناسك، باب: فرض الحج، (٢٨٨٦). وأخرج مسلم \"في معناه\" - كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، (١٣٣٧)، (٤١٢).","vol":"8","page":546},{"text":"وقد كره الشيخ ابن عثيمين (١) البحث عن اللحوم وعن الأجبان وعما يرد إلى البلاد من بلاد الكفاروذلك كما روي ابن عمر ﵄ لما سئل ابن عمر عن الجبن الذي يصنعه المجوس فقال: \"ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته، ولم أسأل عنه\" (٢).\nومراد الشيخ ابن عثيمين بكلامه: أن الفعل الصادر ممن هو أهله، جار على أصل الصحة والسلامة؛ فالمسلم: أهل لأن يذبح ذبيحة شرعية، فإذا صدر منه الذبح، حمل على ظاهر الصحة والسلامة، ولم يحتج إلى سؤاله: عن كيفية ذبحه، وهل سمى أو لم يسم، ونحو ذلك، اكتفاء بظاهر الحال، والعلماء يقررون أن ظاهر الحال يرفع أصل التحريم في كثير من الصور.\nقال ابن قيم: \" وأجمعوا على جواز شراء اللحمان من غير سؤال عن أسباب حلها، اكتفاء بقول الذابح والبائع، حتى لو كان الذابح يهوديًّا أو نصرانيًّا أو فاجرًا: اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحل \" (٣).\nوالظاهر في اللحم الوارد من دول غير إسلامية إذا كان الذين يباشرون ذبحه من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنه يجوز أكله، ولا ينبغي السؤال عن كيفية ذبحه، ولا هل سَمُّوا عليه أم لا؟ وذلك لأن النبي ﷺ أكل الشاة التي أهدتها إليه اليهودية في خيبر، وأكل من الطعام الذي دعاه إليه يهودي، وكان فيه إهالة سنخة، وهي الشحم المتغير، ولم يسأل النبي ﷺ كيف ذبحوه؟ ولا هل سموا عليه أم لا؟\n_________\n(١) هذا رأي ابن عثيمين، كما في مجموع فتاوى: ٣٦/ ٦، وشرح الحديث الثلاثون من الأربعون النوويه.\n(٢) مصنف عبدالرزاق (٨٧٨٥): ص ٤/ ٥٣٩.\n(٣) إعلام الموقعين: ٢/ ١٨١، وانظر: الأشباه والنظائر: ١٤٠.","vol":"8","page":547},{"text":"وفي صحيح البخاري: \"أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ. قَالَتْ عَائِشَةَ ﵂ راوية الحديث: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ\" (١).\nقال ابن حجر: \"ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن عبد البر فقال: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل ويحمل على أنه سمَّى؛ لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير، حتى يتبين خلاف ذلك \" (٢).\nففي هذه الأحاديث دليل على أنه لا ينبغي السؤال عن كيفية الواقع إذا كان المباشر له معتبر التصرف، وهذا من حكمة الشرع وتيسيره؛ إذ لو طلب من الناس أن ينقبوا عن الشروط فيما يتلقونه من صحيح التصرف لكان في ذلك من المشقة والحرج النفسي مما يجعل الشريعة شريعة حرج ومشقة.\nوقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: \" يقول السائل: ما حكم أكل اللحوم المجمدة التي تصل إلينا من الخارج، وبصفة خاصة لحم الدجاج؟\n_________\n(١) فتح الباري (٥١٨٨): ص ٩/ ٥٥٠.\n(٢) فتح الباري: ٩/ ٥٥٠ ..","vol":"8","page":548},{"text":"فأجاب رحمه الله تعالى: \" اللحوم التي تأتي من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى: الأصل فيها الحل، كما أن اللحوم التي تأتي من البلاد الإسلامية الأصل فيها الحل أيضًا، وإن كنا لا ندري كيف ذبحوها، ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا؛ لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أن يكون واقعًا على السلامة وعلى الصواب حتى يتبين أنه على غير وجه السلامة والصواب. ودليل هذا الأصل ما ثبت في صحيح البخاري في حديث عائشة ﵂ قالت: إن قومًا قالوا يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي ﷺ: «سموا أنتم وكلوا» (١). قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر.\nففي هذا الحديث: دليل على أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يلزمنا أن نسأل هل أتى به على الوجه الصحيح أم لا؟\nوبناء على هذا الأصل: فإن هذه اللحوم التي تردنا من ذبائح أهل الكتاب: حلال، ولا يلزمنا أن نسأل عنها، ولا أن نبحث.\nلكن لو تبين لنا أن هذه اللحوم الواردة بعينها تذبح على غير الوجه الصحيح فإننا لا نأكلها؛ لقول النبي ﷺ: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر أما السن فعظم وأما الظفر مدى الحبشة» (٢).\nولا ينبغي للإنسان أن يتنطع في دينه فيبحث عن أشياء لا يلزمه البحث عنها، ولكن إذا بان له الفساد، وتيقنه: فإن الواجب عليه اجتنابه.\nفإن شك وتردد: هل تذبح على طريق سليم أم لا؟\nفإن لدينا أصلين: الأصل الأول: السلامة، والأصل الثاني: الورع؛ فإذا تورع الإنسان منها، وتركها: فلا حرج عليه. وإن أكلها: فلا حرج عليه \" (٣).\n٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: «الغفور»، و«الحليم»؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) صحيح مسلم (١٩٦٨): ص ١٣/ ١٠٦.\n(٣) نور على الدرب\" ابن عثيمين: ٢٠/ ٢ [شاملة].","vol":"8","page":549},{"text":"فـ «الغفور»: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة (١).\nو«الحليم»؛ هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم؛ إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة، والمتأني الذي لا يعجل بالعقوبة.\nوقد أنعم بعض الشعراء بيان هذا المعنى في قوله (٢):\nلا يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام\nويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام\nويقال: لم يصف الله -سبحانه- أحدا من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين وصف إسماعيل به. ويقال: إن أحدا لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفا بالحلم، وذلك أن إبراهيم -صلوات الله عليه- دعا ربه فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأجيب بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١]، فدل على أن الحلم أعلى مآئر الصلاح -والله أعلم (٣).\n\nالقرآن\n﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة: ١٠٢]\nالتفسير:\nإن مثل تلك الأسئلة قد سألها قومٌ مِن قبلكم رسلَهم، فلما أُمِروا بها جحدوها، ولم ينفذوها، فاحذروا أن تكونوا مثلهم.\n_________\n(١) انظر: شأن الدعاء: ١/ ٦٥.\n(٢) البيتان في عيون الأخبار المجلد الأول الجزء ٣/ ٢٨٧، وديوان المعاني ١/ ١٣٤، وفي العقد الفريد ٢/ ١٢٠، وفي البيت الثاني اختلاف في الرواية عما هنا.\nوالبيت الأول في المصادر السابقة برواية \"لن يدرك\" وهما في ذيل أمالي القالي ص ٤١، قال البكري في ذيل اللآلىء ص ٢٢: \"البيتان رواهما ثعلب في أماليه، قال: أنشدنا عبد الله بن شبيب قال: أنشدني ابن عائشة لأبي عبيد الله بن زياد الحارثي .... \"؛ قلت: لم أجدهما في مجالسه.\n(٣) انظر: شأن الدعاء: ٦٣ - ٦٤.","vol":"8","page":550},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٢]، أي: \" إن مثل تلك الأسئلة قد سألها قومٌ مِن قبلكم رسلَهم\" (١).\nقال الطبري: أي: \" قد سأل الآيات قومٌ من قبلكم\" (٢).\nقال ابن كثير: \"أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قومٌ من قبلكم\" (٣).\nقال ابن عطية: أي: \"أن هذه السؤالات التي هي تعنيتات وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم\" (٤).\nفي هؤلاء القوم أربعة أقوال:\nأحدها: قوم عيسى سألوه المائدة، ثم كفروا بها، قاله ابن عباس (٥).\nوالثاني: أنهم قريش سألوا رسول الله -ﷺ- أن يحوِّل لهم الصفا ذهبًا، قاله السدي (٦).\nقال ابن عطية: \" وإنما يتجه في قريش مثالا سؤالهم آية، فلما شق لهم القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي ﵇ أين ناقتي؟ وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه؟ فأما من سأله عن الحج أفي كل عام هو؟ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديما طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف بما كلفت\" (٧).\nوالثالث: أنهم قوم صالح سألوا الناقة، ثم عقروها وكفروا به.\nقلت: وعلى هذه الاقوال الثلاثة أنهم سألوا الآيات.\nوالرابع: أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا بقرة لأجزأت، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن زيد (٨).\nقال ابن الجوزي: \" وهذا يخرج على سؤال من سأل عن الحج، إذ لو أراد الله أن يشدد عليهم بالزيادة في الفرض لشدد\" (٩).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٢) تفسيرالطبري: ١١/ ١١٥.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٧.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٨١٧): ص ١١/ ١١٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٨١٨): ص ١١/ ١١٦.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٧.\n(٨) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٥٩٢.","vol":"8","page":551},{"text":"والخامس: أنهم الذين قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، وهذا عن ابن زيد أيضا (١).\nقال ابن الجوزي: \"وهو يخرج على من قال: إنما سألوا عن الجهاد والفرائض تمنيا لذلك\" (٢).\nوالسادس: أنهم القوم الذين سألوا رسول الله -ﷺ- مَنْ أبي؟ ونحوه، فلما أخبرهم به أنكروه وكفروا به، قاله بعض المتأخرين (٣).\nقال ابن العربي: \" والصحيح أنه عام في الكل، ولقد كفرت العيسوية بعيسى وبالمائدة، والصالحية بالناقة، والمكية بكل ما شهدت من آية، وعاينت من معجزة مما سألته ومما لم تسأله على كثرتها؛ وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم\" (٤).\nوقرأ عامة الناس: «قد سألها» بفتح السين. وقرأ إبراهيم النخعي: «قد سألها» بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قال سلت تسأل، وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت (٥).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، أي: \" فلما أُمِروا بها جحدوها، ولم ينفذوها\" (٦).\nقال ابن عطية: أي: \" ثم كفروا بها\" (٧).\nقال البغوي: أي: \" فأهلكوا\" (٨).\nقال ابن كثير: أي: \" أجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها، أي: بينت لهم ولم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد\" (٩).\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٢) زاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٢.\n(٤) أحكام القرآن: ٢/ ٢١٥.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٧.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ١٠٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٧.","vol":"8","page":552},{"text":"قال الطبري: فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين، منكرين أن تكون دلالة على حقيقة ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على صحة ما جُعلت برهانًا على تصحيحه كقوم صالح الذين سألوا الآيةَ، فلما جاءتهم الناقة آيةً عقروها وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل عليهم من السماء، فلما أعطوها كفروا بها، وما أشبه ذلك، فحذَّر الله تعالى المؤمنين بنبيه ﷺ أن يسلكوا سبيل من قبلهم من الأمم التي هلكت بكفرهم بآيات الله لما جاءتهم عند مسألتهموها، فقال لهم: لا تسألوا الآيات، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، فقد سأل الآيات من قبلكم قومٌ، فلما أوتوها أصبحوا بها كافرين\" (١).\nقال القرطبي: \" أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند الله، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم\" (٢).\nوقال ابن أبي زمنين: \" ﴿ثم أصبحوا بها كافرين﴾، يعني: أهل الكتاب: حدثنا يحيى، وبلغني أنها في قراءة أبي بن كعب: «قد سألها قوم من قبلكم فبينته لهم»، فأصبحوا بها كافرين\" (٣).\nقال الماتريدي: \" هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين:\n- إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل - ﵈ - الآيات بعد ظهورها عندهم.\n- ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟ ومن أبي؟ ومن أنا؟ ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به\" (٤).\n_________\n(١) تفسيرالطبري: ١١/ ١١٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٣٤.\n(٣) تفسير ابن أبي زمنين: ٢/ ٤٩.\n(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٦٣٢ - ٦٣٣.","vol":"8","page":553},{"text":"وإن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهي عنه، يعارضه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الانبياء: ٧]؟\nفالجواب، أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه\" (١).\nوقد روي عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (٢).\nقال الخطابي: هذا في مسالة من يسأل عبثًا وتكلفًا فيما لا حاجة به إليه، دون من سأل سؤال حاجة وضرورة كمسألة بني إسرائيل في شأن البقرة. وذلك أن الله سبحانه أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلو استعرضوا البقر، فذبحوا منها بقرة لأجزأتهم. كذلك قال ابن عباس ﵁ في تفسير الآية، فما زالوا يسألون ويتعنتون حتى غلظت عليهم وأمروا بذبح البقرة على النعْت الذي ذكره الله في كتابه، فعظمت عليهم المؤنة، ولحقتهم المشقة في طلبها حتى وجدوها فاشتروها بالمال الفادح فذبحوها وما كادوا يفعلون.\nوأما ما كان سؤاله استبانة لحكم واجب، واستفادة لعلم قد خفي عليه فإنه لا يدخل في هذا الوعيد، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].\nوقد يحتج بهذا الحديث من يذهب من أهل الظاهر إلى أن أصل الأشياء قبل ورود الشرع بها على الإباحة حتى يقوم دليل على الحظر. وإنما وجه الحديث وتأويله ما ذكرناه، والله أعلم\" (٣).\nالفوائد:\n١ - ضرب الامثال بالأمم السابقين حتى نقتنع بانه لا ينبغي لنا ان نسأل، لأن غيرنا سأل وكفر.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٣٤ - ٣٣٥.\n(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨)، وهو في \"مسند أحمد\" (١٥٤٥)، وسنن ابي داود (٤٦١٠): ص ٧/ ١٩ - ٢٠، و\"صحيح ابن حبان\" (١١٠).\n(٣) معالم السنن: ٢/ ٢٧٩.","vol":"8","page":554},{"text":"٢ - النهي عن السؤال الذي لا تدعو الحاجة إليه، أما ما دعت الحاجة إليه من أمور الدين والدنيا، قد شرع الله السؤال عنه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وقال النبي ﷺ: «ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإن شفاء العي السؤال» (١).\n٣ - أن الإنسان لاينبغي أن يتعرض لما قد يكون محنة عليه، ولهذا جاء في الحديث النهي عن أن يتعرض الإنسان لشيء لايستطيعه فإن هذا من البلاء والذل، ربما يؤخذ هذا منهجا حسنا في كل شيء.\nقال رسول اللهﷺ-: \"لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه\" (٢).\nقال ابن الوزير: \" ولا شكَّ أن تَطَلُّب علم ما لا يُعْلَمُ، والشَّرَهَ في ذلك وتحكيم بادىء الرأي فيه، وتقديمه على النصوص هو أساس كلِّ فسادٍ\" (٣).\n\nالقرآن\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]\nالتفسير:\nما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل، ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه، وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل.\n_________\n(١) أخرجه أحمد: ٤/ ٢٠٣، وأبو داود (٣٣٤)، من طريق عبدالله بن لهيعة. [حديث حسن]\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجة (٤٠١٦)، وأحمد (٢٣٤٩١): ص ٥/ ٤٠٥، عن حذيفة﵁-.\n(٣) العواصم والقواصم: ٥/ ٣٣٩.","vol":"8","page":555},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: \" ما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل\" (١).\nقال الباقلاني: \" أي: لم يفعل ذلك\" (٢).\nقال الواحدي، وابن الجوزي: \" أي: ما أوجب ذلك، ولا أمر به\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" ما بحر الله بحيرة، ولا سيَّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حَمَى حاميًا\" (٤).\nقال الزمخشري: \" معنى: ﴿ما جعل﴾، ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك\" (٥).\nقال الإمام الشافعي: \" فهذه: الحبس التي كان أهل الجاهلية يحبسونها فأبطل الله -﷿- شروطهم فيها، وأبطل رسول الله -ﷺ- بإبطال الله -﷿- إياها\" (٦).\nو«البحيرة»: الفعيلة من قول القائل: بَحَرْت أُذن هذه الناقة، إذا شقها، أبحرُها بحرًا، والناقة: مبحورة، ثم تصرف: المفعولة، إلى: فعيلة، فيقال: هي بحيرة، وأما «البَحِرُ» من الإبل، فهو الذي قد أصابه داءٌ من كثرة شرب الماء، يقال منه: بَحِر البعيرُ يبحر بَحَرًا (٧)، ومنه قول الشاعر (٨):\nلأعْلِطَنَّهُ وَسْمًا لا يُفَارَقُهُ ... كَمَا يُحَزُّ بِحَمْيِ المِيسَمِ البَحِرُ\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٢) الانتصار للقرآن: ٢/ ٦٦٧.\n(٣) انظر: الوجيز: ٣٣٨، وزاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ١١٦.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٨٥.\n(٦) تفسير الإمام الشافعي: ١/ ١٤٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٢١.\n(٨) لم اتعرف على قائله، والبيت في تفسير الطبري: ١١/ ١٢١.","vol":"8","page":556},{"text":"قال ابن عطية: \" أرى أن «البحيرة»، تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل (١):\nفيه من الأخرج المرتاع قرقرة ... هدر الزيامي وسط الهجمة البحر\nفإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان\" (٢).\nوفي «البحيرة» أربعة أقوال:\nأحدها: فهي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكرا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا: هذه بحيرة، قاله ابن عباس (٣)، وذكر السدي نحو ذلك (٤)، واختاره ابن قتيبة (٥).\nوالثاني: أنها الناقة تلد خمس إناث ليس فيهن ذكر، فيعمدون إلى الخامسة، فيبتكون أذنها، حكاه ابن الجوزي عن عطاء (٦).\nوالثالث: أنها ابنة السائبة، قاله ابن إسحاق (٧)، والفراء (٨).\nقال ابن إسحاق: السائبة الناقة إذا تابعت بين عشر إناث، ليس بينهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى، شقت أذنها، ثم خلّي سبيلها مع امها فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة\" (٩).\nوالرابع: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها، أي: شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، وإذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج (١٠).\n_________\n(١) البيت له في البارع في اللغة: ١٠٤، وتهذيب اللغة: ٥/ ٢٧، ولسان العرب: ٤، ٤٣، وتار العروس، \"بحر\": ص ١٠/ ١١٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٨٧): ص ٤/ ١٢٢٠، وتفسير الطبري (١٢٨٣٦): ص ١١/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٨٨٨): ص ٤/ ١٢٢٠ - ١٢٢١.\n(٥) انظر: غريب القرآن: ١٤٧.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٢. ولم أقف عليه.\n(٧) انظر: سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٧، وزاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٢٢.\n(٩) سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٧.\n(١٠) انظر: مهعاني القرآن: ٢/ ٢١٣.","vol":"8","page":557},{"text":"وأما «السائبة»، فإنها المسيبة المخلاة وكانت العرب تفعل ذلك ببعض مواشيها فتحرم الانتفاع بها على أنفسها تقربًا إلى الله تعالى (١)، قال الشاعر (٢):\nعقرتم ناقة كانت لربي ... وسائبة فقوموا للعقاب\nعن أبي الأحوص، عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلَّمةً آذانُها، فتأخذ الموسى فتجْدَعها، تقول: هذه بحيرة، وتشق آذانها، تقولون: هذه صَرْم؟ قال: نعم! قال: فإن ساعدَ الله أشدّ، وموسَى الله أحدَ! كلّ مالك لك حلالٌ، لا يحرَّم عليك منه شيء \" (٣).\nوكذا كان بعض أهل الإِسلام يعتق عبده سائبة، ولا ينتفع به ولا بولائه، وكان أبو العالية سائبة فلما أُتِي مولاه بميراثه فقال: هو سائبة وأبى أن يأخذه (٤).\nوأخرجت المسيبة بلفظ السائبة، كما قيل في عيشة راضية يعني مرضية (٥).\nوفي «السائبة» خمسة أقوال:\nأحدها: أنها التي تسيب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهرا، ولا يحلبون لها لبنا، ولا يجزون منها وبرا، ولا يحملون عليها شيئا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٦).\nوالثاني: أن الرجل كان يسيب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة الآلهة، \" فيطعمون ابن السبيل من ألبانه ولحومه إلا النساء، فلا يطعمونهن شيئا منه إلا أن يموت، فيشترك فيه الرجال والنساء\" (٧)، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٨).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٢٣.\n(٢) لم اتعرف على قائله، والبيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: ٢/ ٧، وتفسير القرطبي: ٦/ ٣٣٦.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٨٢٥): ص ١١/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٣.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٩٢): ص ٤/ ١٢٢١.\n(٧) هذه الزيادة في زاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٣٦)، و(١٢٨٣٨): ص ١١/ ١٢٨ - ١٢٩ ..","vol":"8","page":558},{"text":"وقال الشعبي: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم، فتذهب فتختلطُ بغنم الناس، فلا يشرب ألبانها إلا الرجال، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا\" (١).\nوالثالث: أنها الناقة إذا ولدت عشرة أبطن، كلهن إناث، سيبت، فلم تركب، ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ضيف أو ولدها حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء (٢)، وهو قول ابن إسحاق (٣).\nوالرابع: أنها البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك. قاله ابن قتيبة (٤).\nقال الزجاج: \" كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأن لا تجلى عن ماء ولا تمنع من مرعى\" (٥).\nوالخامس: أنه البعير يحج عليه الحجة، فيسيب، ولا يستعمل شكرا لنجحها، حكاه الماوردي عن الشافعي (٦).\nأما «الوصيلة» فأجمعوا على أنها من الغنم (٧)، وفيها خمسة أقوال:\nأحدها: أنها الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان أنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكرا، ذبحوه، فأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٨٣٤): ص ١١/ ١٢٨.\n(٢) انظر: معاني القرآ،: ١/ ٣٢٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٩٦): ص ٤/ ١٢٢٢.\n(٤) انظر: غريب القرآن: ١٤٧.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٢١٣.\n(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٢.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٢٤، والنكت والعيون: ٢/ ٧٣\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨٩٩): ص ٤/ ١٢٢٢ - ١٢٢٣.","vol":"8","page":559},{"text":"وذهب إلى نحوه ابن قتيبة، فقال:: \" و«الوصيلة» من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح. فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: قد وصلت أخاها. فلم تذبح لمكانها. وكانت لحومها حراما على النساء. ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء\" (١).\nوالثاني: أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإبل بالأنثى، ثم تثني بالأنثى، فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويدعونها الوصيلة، أي: وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيب (٢).\nوالثالث: أنها الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك في ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها، قاله ابن إسحاق (٣).\nوالرابع: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين (٤)، فإذا ولدت في سابعها عناقا وجديا، قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السائبة، قاله الفراء (٥).\nوالخامس: أن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، قاله الزجاج (٦).\nقال ابن عطية: \" قال أكثر الناس: إن «الوصيلة» في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان آخرها جذيا ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقا استحيوها وإن كان جذي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس\" (٧).\n_________\n(١) انظر: غريب القرآن: ١٤٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٤٠): ص ١١/ ١٣١.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٠٠): ص ٤/ ١٢٢٣.\n(٤) في «اللسان»: العناق: الأنثى من ولد المعز.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٢٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢١٣.\n(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٣٨.","vol":"8","page":560},{"text":"وأما «الحام» فأجمعوا عليه: أنه البعير ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقال حمى ظهره ويخلَّى (١). وفيه ستة أقوال:\nأحدها: أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحمل عليه، قاله ابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣)، واختاره أبو عبيدة (٤)، والزجاج (٥).\nوالثاني: أنه الفحل يولد لولده، فيقولون: قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه، ولا يجزون وبره، ولا يمنعونه ماء، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (٦)، واختاره الفراء (٧)، وابن قتيبة (٨).\nوالثالث: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، قاله عطاء (٩).\nوالرابع: أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات،، قد حمي ظهره، ولا يركب، ولا يعمل عليه، قاله ابن زيد (١٠).\nوالخامس: أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل، قاله أبو روق (١١).\nوالسادس: أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيخلى ويقال: قد حمى ظهره، ذكره الماوردي (١٢).\nقال الزجاج: والذي ذكرناه في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٢٤، والنكت والعيون: ٢/ ٧٤.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٠٤): ص ٤/ ١٢٢٤.\n(٤) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٧٩.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢١٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٣٧): ص ١١/ ١٢٩.\n(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٢٢.\n(٨) انظر: غريب القرآن: ١٤٨.\n(٩) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٤٣): ص ١١/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٣.\n(١٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٤.\n(١٣) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢١٣.","vol":"8","page":561},{"text":"قال ابن عطية: \" وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل هذه الأنعام رفقا لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ويذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز الأحباس والأوقاف، وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبسا لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي ﵇ قال لعمر بن الخطاب في مال له: اجعله حبسا (١) لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي ﵇\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: \" ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" في قولهم: الله أمرنا بها\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" ولكنكم الذين فعلتم ذلك، أيها الكفرة، فحرَّمتموه افتراء على ربكم\" (٥).\n_________\n(١) مسند الشافعي (٤٥٧): ص ٢/ ١٣٨، والسنن الكبرى للبيهقي (١١٩٠٤): ص ٦/ ٢٦٨، وشعب الإيمان (٣١٧٢): ص ٥/ ١١٩، ونصه: \" عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ ملك مائة سهم من خيبر إشتراها فأتي رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إني أصبت مالا لم أصب مثله قط وقد أردت أن أتقرب به إلى الله عزوجل فقال: «حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ» \".\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٤.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١٠٨.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ١١٦.","vol":"8","page":562},{"text":"قال الواحدي: أي: \" يتقوَّلون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام وهم جعلوها مُحرَّمة لا الله\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه. وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم\" (٢).\nقال ابن عباس: \" ﴿يفترون﴾، يكذبون في الدنيا\" (٣).\nقال الزمخشري: أي: \"ولكنهم بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب\" (٤).\nقال قتادة: \" ﴿يفترون﴾، أي: يشركون\" (٥).\nقال الشعبي: \" أما الذين افتروا، فعقلوا أنهم افتروا\" (٦).\nقال أبو هريرة: \" سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: يا أكثم، رأيتُ عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدف يجرّ قُصْبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك! فقال أكثم: عسَى أن يضرّني شبهه، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: \" لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، وحمى الحامي\" (٧).\nوعن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال: \"قد عرفت أوّلَ من بَحَر البحائر، رجلٌ من مُدْلج كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرّم ألبانهما وظهورَهما، وقال: هاتان لله! ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما. قال: فلقد رأيته في النار يؤذِي أهل النار ريح قُصْبه\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: \" وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل\" (٩).\n_________\n(١) الوجيز: ٣٣٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١١.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٠): ص ٤/ ١٢٢٤.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٨٥.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٢): ص ٤/ ١٢٢٥.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١١): ص ٤/ ١٢٢٥.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢٨٢٠): ص ١١/ ١١٧ - ١١٨.\n(٨) أخرجه الطبري (١٢٨٢١): ص ١١/ ١١٨.\n(٩) التفسير الميسر: ١٢٤.","vol":"8","page":563},{"text":"قال الواحدي: \"يعني: أتباع رؤسائهم الذين سنُّوا لهم تحريم هذه الأنعام ﴿لا يعقلون﴾ أنَّ ذلك كذبٌ وافتراءٌ على الله من الرُّؤساء\" (١).\nقال الزمخشري: أي: \" فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارهم\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، قولان:\nأحدهما: وأكثرهم، يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من الرؤساء الذين حرموا، قاله الشعبي (٣).\nوالثاني: لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان، قاله قتادة (٤).\nوفي المعني بهم في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣]، وجهان:\nأحدهما: أنهم أهل ملّة واحدة، ولكن «المفترين»، المتبوعون، و«الذين لا يعقلون»، الأتباع. وهذا قول الشعبي (٥).واختاره ابن عطية، وقال: \" وهو الذي تعطيه الآية \" (٦).\nوالثاني: أن المعنيّ بـ ﴿الذين كفروا﴾، اليهود، وبـ ﴿الذين لا يعقلون﴾، أهل الأوثان. وهذا قول محمد بن ابي موسى (٧).\nقال ابن عطية: \" وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى وعما تأخر أيضا من قوله: ﴿وإذا قيل لهم﴾، والأول من التأويلين أرجح\" (٨).\n_________\n(١) الوجيز: ٣٣٨.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٨٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٤٦): ص ١١/ ١٣٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩١٣): ص ٤/ ١٢٢٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٤٦): ص ١١/ ١٣٥.\n(٦) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٤٥): ص ١١/ ١٣٥.\n(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.","vol":"8","page":564},{"text":"والراجح-والله أعلم- إن المعنيين بقوله: ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾، الذين بحروا البحائر، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الحوامي، مثل عمرو بن لحي وأشكاله ممن سنّ لأهل الشرك السنن الرديئة، وغيَّر دين الله دين الحق، وأضافوا إلى الله تعالى ذكره: أنه هو الذي حرّم ما حرّموا، وأحلَّ ما أحلوا، افتراءً على الله الكذب وهم يعلمون، واختلاقًا عليه الإفك وهم يفهمون، فكذبهم الله تعالى ذكره في قيلهم ذلك، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا.\nوأما المعنيون بقوله: ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾، فهم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله، كذبةٌ في إخبارهم، أفَكَةٌ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون، وفي إخبارهم صادقون (١).\nالفوائد:\n١ - أن الاتباع الهوى في التشريع حقيقته افتراء على الله، قال سبحانه: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾، فهم شرعوا شرعة، وابتدعوا في ملة إبراهيم ﵇ هذه البدعة، توهما أن ذلك يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم ﵇ من الحق، فزلوا وافتروا على الله الكذب إذ زعموا أن هذا من ذلك وتاهوا في المشروع (٢).\n٢ - دل الآية على أن العرب كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل، ثم حدث بعد ذلك التغيير وعبادة الأصنام بسبب عمرو بن لحي وغيره.\nفعمرو هذا غيّر دين العرب بدعوتهم لعبادة الأصنام، وباستحداث بدع في دين الله تعالى، أحلّ فيها وحرّم بهواه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي: ١/ ٢٣٨.","vol":"8","page":565},{"text":"قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ [المائدة: ١٠٣]، بعد أن ساق أحاديث في معناها: \"فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها، والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها ... \" (١)، إلى آخر كلامه ﵀.\n٣ - الرد على أهل الجاهلية لما ابتدعوه في بهيمة الأنعام من شريعة الجاهلية، حيث جعلوا منها:\n- البحيرة: وهي التي تشق أذنها ويمنع من ركوبها وحلبها وأكل لحمها.\n- والسائبة: وهي التي تترك فلا تمنع من مرعى ولا ماء ولا تركب ولا تحلب ولا يجز وبرها.\n- والوصيلة: وهي الناقة أو الشاة إذا أنتجت عددًا معينًا من الولد متواصلًا، ذبحوها للأصنام، وحرموا لحمها على النساء.\n- والحام: الجمل الفحل إذا حمى ظهره من أن يركب، كانوا إذا أنتج الفحل عددًا معينًا، قالوا: حمى ظهره فلم يركبوه.\nوهذه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها والله جل وعلا قال في مطلع السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، والله جل وعلا أحل بهيمة الأنعام أن نأكل منها وأن نشرب من ألبانها وأن نركبها بحدود المشروع، إلا ما كان منها ميتة أو دمًا مسفوحًا، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٢).\n٤ - ومنها: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة.\n_________\n(١) تفسيرابن كثير: ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى صالح بن فوزان: ١/ ١٥١ - ١٥٢.","vol":"8","page":566},{"text":"- فمنها ما هو كفر صراح؛ كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [المائدة: ١٠٣].\nوكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال، وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح.\n- ومنها: ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو يختلف: هل هي كفر أم لا! كبدعة الخوارج والقدرية (١) والمرجئة (٢) ومن أشبههم من الفرق الضالة\n_________\n(١) القدرية: فرقة ضالة تنفي صفات الله الأزلية كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه ليس لله اسم ولا صفة، وأن الله لا يُرى، وأن كلام الله حادث مخلوق، وأن الله غير خالق لأكساب الناس، وأن الناس هم الذين يقدرون كسبهم، فهم ينكرون القدر فلذلك سمُّو قدرية. وبدعتهم هذه حدثت في آخر عصر الصحابة وكان أكثرهم في الشام والبصرة وفي المدينة أيضًا، وأصل هذه البدعة أحدثها مجوسي من البصرة ثم تلقَّاها عنه معبد الحهني. وقد أنكر الصحابة عليهم ذلك.\nيراجع: الفرق بين الفرق ص (٩٣ - ٩٤)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٤ - ٣٨٦)، وكذلك (١٣/ ٣٦، ٣٧).\n(٢) المرجئة: من الفرق الضَّلَّة التي تقوم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والإرجاء هو: التأخير، وسمُّوا مرجئة لتأخيرهم العمل عن النية، أو لتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، ويقولون: إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وإنه يكون في القلب واللسان.\nيراجع: الفرق بين الفرق (١٩٠ - ١٩٥)، والملل والنِّحل للشهرستاني ص (١٣٩ - ١٤٦).","vol":"8","page":567},{"text":"- ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر؛ كبدعة التبتل، والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.\n- ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال، وقراءة القرآن بالإدارة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في خطبة الجمعة - على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (١) ـ، وما أشبه ذلك.\nفمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، ولا على نسبة واحدة، فلا يصح على هذا أن يقال: إنها على حكم واحد، هو الكراهة فقط، أو التحريم فقط. (٢).\n٥ - ومن الفوائد، أن «جعل» لاياتي في جميع القرآن بمعنى «خلق»، كما مرّ في تفسير قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾، بمعنى: ما سمّاها أو ما شرع ذلك، لا يعني: ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة، فبطل أن يكون كل «جعل» في القرآن عبارة عن الخلق (٣).\nقال ابن عطية: \" و«جعل» في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى: خلق الله، لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها. ولا هي بمعنى: «صير»، لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى: ما سن ولا شرع، فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد\" (٤).\nوفيه الرد على المعتزلة الذين فسروا «جعل» في القرآن بمعنى «خلق»، فاستدلوا بها أن القرآن مخلوق، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣].\n_________\n(١) قال العز بن عبد السلام في \"فتاويه\" (ص ٣٩٣ - ٣٩٥، تحقيق محمد جمعة): \"ذكر الصحابة والخلفاء ﵃ والسلاطين بدعة غير محبوبة، ولا يذكر في الخطبة إلا ما يوافق مقاصدها .. \" إلخ ما قال.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي: ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.\n(٣) انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد ص ٦٩ - ٧٢، رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ص ٤٨١ كلاهما ضمن عقائد السلف، وانظر: مجموع الفتاوى ٨/ ٢٩، شرح الطحاوية ص ١٨٦.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٧.","vol":"8","page":568},{"text":"وهذا استدلال ظاهر الفساد فإن الفعل «جعل» إذا كان بمعنى «خلق» فإنه يتعدى إلى مفعول واحد كقوله - سبحانه: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وإذا كان يتعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].\nقال الشنقيطي: \"لفظة «جعل» تأتي في اللغة العربية لأربعة معان؛ ثلاثة منها في القرآن:\nالأول: - إتيان جعل بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] أي: اعتقدوهم إناثًا، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر.\nالثاني: - جعل بمعنى صير، كقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضا.\nالثالث: - جعل بمعنى خلق، كقوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] أي: خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور.\nالرابع: - وهو الذي ليس في القرآن جعل بمعنى شرع، ومنه قوله (١):\nوَقَدْ جَعَلْتُ إذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي ... ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الْشَّارِبِ الثملِ \" (٢)\n\nالقرآن\n_________\n(١) البيت لعمرو بن أحمر في ملحق ديوانه ص ١٨١ - ١٨٢؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٥٩، ٣٦٢؛ ولأبي حية النمري في ملحق ديوانه ص ١٨٦؛ والحيوان ٦/ ٤٨٣؛ وشرح التصريح ١/ ٢٠٤؛ وشرح شواهد الإيضاح ص ٧٤؛ والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٣؛ ولابن أحمر أو لأبي حية النمري في الدرر ٢/ ١٣٣؛ ولأبي حية أو للحكم بن عبدل في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١١؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٠٥؛ وشرح التصريح ١/ ٢٠٦؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٩؛ والمقرب ١/ ١٠١.\nالمعنى: يثقلني: يجهدني ويتعبني. أنهض: أقوم. الثمل: السكران.\n(٢) أضواء البيان: ٦/ ٣٩٦.","vol":"8","page":569},{"text":"﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]\nالتفسير:\nوإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحل الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام، قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل، أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه؟ فكيف يتبعونهم، والحالة هذه؟ فإنه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا.\nقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ١٠٤]، أي: \" وإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحل الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام\" (١).\nقال السمرقندي: أي: \" من تحليل ما حرمتم على أنفسكم، وما بين رسوله. ويقال: تعالوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله\" (٢).\nقال السمعاني: \" يعني: إذا دعوا إلى الكتاب والسنة\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وتَرْك ما حرمه\" (٥).\nقال ابن الجوزي: \" يعني: إذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرموا على أنفسهم هذه الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم\" (٦).\nقال ابن عباس: \" كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب بن الأشرف\" (٧).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٢) بحر العلوم: ١/ ٤٢٣.\n(٣) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٣.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١٠٩.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١١.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٥٩٤.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٤): ص ٤/ ١٢٢٥.","vol":"8","page":570},{"text":"قال ابن عطية: \" الضمير في قوله: ﴿قيل لهم﴾، عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء و﴿تعالوا﴾، نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، و﴿إلى ما أنزل الله﴾، يعني: القرآن الذي فيه التحريم الصحيح\" (١).\nقال الراغب: \" أصل «تعالي» دعا إلى العلو، ثم استعمل في كل مكان علوا كان أو سفلا، وقيل: إن ذلك يقال اعتبارا بالعلو الذي هو المرتبة الرفيعة، فإذا قيل تعالي كأنه قيل اطلب بفعلك هذا علوا وشرفا كقولك لمن دعوته تفضل أي اطلب بذلك الفضل وانعم ونحو ذلك،\nثم كثر وصار كأنه موضوع المجرد، والمعنى: إذا دعوا إلى الكتاب والسنة\" (٢).\nقوله تعالى ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤]، أي: \" قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" من الدين\" (٤).\nقال السمرقندي: أي: \" من الدين والسنة\" (٥).\nقال السمعاني: \" يعني: كفانا دين آبائنا\" (٦).\nقال ابن كثير: \"أي: قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباءَ والأجداد من الطرائق والمسالك\" (٧).\nقال ابن الجوزي: \" قالوا: حسبنا أي: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمنهاج\" (٨).\nقال ابن عطية: \" ﴿حسبنا﴾، معناه: كفانا\" (٩).\nقال ابن عثيمين: \" ﴿آباءنا﴾: \"يشمل الأدنى منهم، والأبعد؛ وجوابهم هذا باطل خطأ\" (١٠).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٩.\n(٢) تفسير الراغب الاصفهاني: ٥/ ٤٦٩.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١٠٩.\n(٥) بحر العلوم: ١/ ٤٢٣.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٣.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١١.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٥٩٤.\n(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٩.\n(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢.","vol":"8","page":571},{"text":"قال الماتريدي: \" كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى ما أنزل الله إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)، كقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ونحو ذلك، يقلدون آباءهم في ذلك\" (١).\nقوله تعالى ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، أي: \" أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا من الدين ولا يهتدون إلى الحق؟ \" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: أيتبعون آباءهم وإن كان آباؤهم جهالا، فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: لا يفهمون حقًا، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم، وأضل سبيلا\" (٤).\nقال ابن الجوزي: أي: لايعلمون\" شيئا من الدين ولا يهتدون له، أيتبعونهم في خطئهم\" (٥).\nقال الماتريدي: \" أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئا في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك قوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن جنتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٦٣٥.\n(٢) انظر: صفوة التفاسير: ٣٤١، والتفسير الميسر: ١٢٥.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤٢٣.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١١ - ٢١٢.\n(٥) زاد المسير: ١/ ٥٩٤.\n(٦) تفسير الماتريدي: ٣/ ٦٣٥.","vol":"8","page":572},{"text":"قال الزمخشري: \" «الواو» في قوله ﴿أولو كان آباؤهم﴾: «واو» الحال، قد دخلت عليها همزة الإنكار. وتقديره: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون، والمعنى: أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة\" (١).\nقال ابن عطية: \" قوله: ﴿أولو كان آباؤهم﴾، ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده: نعم ولو كانوا كذلك\" (٢).\nوالمراد بـ «العقل» هنا عقل الرشد؛ لا عقل الإدراك؛ فآباؤهم أذكياء، ويدركون ما ينفعهم، وما يضرهم؛ لكن ليس عندهم عقل رشد، وهو حسن تصرف (٣).\nوإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف: فهم يبيعون، ويشترون، ويتحرون الأفضل، والأحسن لهم؟\nفيقال: \" ﴿لا يعقلون شيئا﴾، لفظ عام ومعناه الخصوص لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، [ومعناه] لا يعقلون شيئا من أمر الدين ولا يهتدون\" (٤).\nالفوائد:\n١ - وجوب رد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة والرضا بحكمهما.\n٢ - حرمة تقليد الجهال واتباعهم في أباطيلهم.\n١ - ومن فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى؛ لقوله تعالى: ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾؛ مع أن آباءهم لا عقل عندهم، ولا هدى.\n٢ - ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له: «تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسولالله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا».\n٣ - ومنها: أنه لا يجب الانقياد إلا لما أنزل الله وإلى الرسول- وهو الكتاب، والسنة.\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٨٥.\n(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٢.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٢/ ٤٠ - ٤١.","vol":"8","page":573},{"text":"٤ - ومنها: بيان عناد هؤلاء المستكبرين الذين إذا قيل لهم: ﴿تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول﴾ قالوا: ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ دون أن يقيموا برهانًا على صحته.\n٥ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿لا يعلمون شيئا ولا يهتدون﴾.\n٦ - قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وقد تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول، وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح، والتقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وعلى هذا فمن قبل قول النبي ﷺ من غير نظر في معجزته يكون مقلدا، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا (١).\n\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [المائدة: ١٠٥]\nالتفسير:\nيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه ألزموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته، وداوموا على ذلك وإن لم يستجب الناس لكم، فإذا فعلتم ذلك فلا يضركم ضلال مَن ضلَّ إذا لزمتم طريق الاستقامة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، إلى الله مرجعكم جميعًا في الآخرة، فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها.\nفي سبب نزول الآية قولان:\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢١١.","vol":"8","page":574},{"text":"أحدهما: نقل الواحدي: عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: \"كتب رسول الله ﷺ إلى أهل هجر- وعليهم منذر بن ساوى- يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية. فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى والصابئين والمجوس، فأقروا بالجزية، وكرهوا الإسلام. وكتب إليه رسول الله ﷺ: «أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية». فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، أسلمت العرب، وأما أهل الكتاب والمجوس فأعطوا الجزية، فقال منافقو العرب: عجبا من محمد، يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، فلا نراه إلا قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب! فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم يعني من ضل من أهل الكتاب﴾ \" (١). [ضعيف]\nوالثاني: قال عمر مولى غفرة: \"إنما نزلت هذه الآية: لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه، ويسلم الرجل ويكفر أخوه، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم. فقالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (٣).\nقال ابن عباس: \" ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها\" (٤).\n_________\n(١) أسباب النزول (٤٢٠): ص ٢١٤، إسناده ضعيف لضعف الكلبي.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٥): ص ٤/ ١٢٢٨.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.","vol":"8","page":575},{"text":"قال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (١).\nقال ابن عثيمين: \"إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان\" (٢)\nقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي: \" ألزموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته، وداوموا على ذلك وإن لم يستجب الناس لكم\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" فأصلحوها، واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ذكره، وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها\" (٤).\nقال البيضاوي: \" أي إحفظوها والزموا إصلاحها\" (٥).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم\" (٦).\nقال السمرقندي: \" معناه: الزموا أنفسكم كما تقول: عليك زيدا، معناه: الزم زيدا. معناه: الزموا أمر أنفسكم\" (٧).\nقال السعدي: \" أي: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها سلوك الصراط المستقيم\" (٨).\nقال الصابوني: \" أي: احفظوها عن ملابسة المعاصي والإِصرار على الذنوب والزموا إصلاحها\" (٩).\nقال الزمخشري: \" كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى\" (١٠).\nعن سفيان: \" ﴿عليكم أنفسكم﴾، قال: عليكم أهل دينكم\" (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ١٣٨.\n(٥) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٢.\n(٧) بحر العلوم: ١/ ٤٢٣.\n(٨) تفسير السعدي: ٢٤٦.\n(٩) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٨٥.\n(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٦): ص ٤/ ١٢٢٦.","vol":"8","page":576},{"text":"قال السدي: \" يقول: أهل ملتكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر\" (١).\nعن الربيع عن صفوان بن محرز قال: \"أتاه رجل من أصحاب الأهواء، فذكر له بعض أمره. فقال له صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ \" (٢).\nعن أبي أمية الشعباني قال: \"أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: وأية آية؟ قال: قلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، فقال أبو ثعلبة: أما والله لقد سألت عنها خبيرا: سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل امروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أيام الصبر، صبر منهن على مثل قبض على الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله\" (٣).\nوقرأ نافع: «عليكم أنفسكم»، بالرفع (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي: \" أي لا يضركم ضلال من ضلَّ من الناس إذا كنتم مهتدين\" (٥).\nقال السمرقندي: معناه\" لا يؤاخذكم بذنوب غيركم\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٧): ص ٤/ ١٢٢٦.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٨): ص ٤/ ١٢٢٦.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩١٥): ص ٤/ ١٢٢٥، وأخرجه الطبري (١٢٨٦٢): ص ١١/ ١٤٥، وروى نحوه الطحاوى فى مشكل الآثار ج ٢ ص ٦٤، وروى نحوه ابن ماجة في السنن ج ٢، كتاب الفتن «باب قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» الآية ص ١٣٣٠، ١٣٣١ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\nوروى نحوه أيضا الترمذي في سننه، كتاب التفسير (٣٠٥٨): ٥/ ٢٤١، وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٦.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٤٢٣.","vol":"8","page":577},{"text":"قال الطبري: \" يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله\" (١).\nقال السعدي: أي: \" فإنكم إذا صلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم، ولم يهتد إلى الدين القويم، وإنما يضر نفسه. ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضر العبد تركهما وإهمالهما، فإنه لا يتم هداه، إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، إذا كان عاجزا عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال غيره\" (٢).\nقال ابن كثير: أخبرهم انه\"من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا\" (٣).\nقال الزمخشري: \" لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال ﷿ لنبيه ﵊: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات﴾ [فاطر: ٨]، وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم. فهو مخاطب به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه\" (٤).\nقال ابن عطية: \" معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره\" (٥).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أقوال:\nأحدها: معنى ذلك: أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ بعده وهلك.\nعن ابن عباس: \" قوله: ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، يقول: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به\" (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٣٨.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٤٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٢.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٨٥.\n(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٤٨٦.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٧): ص ٤/ ١٢٢٨.","vol":"8","page":578},{"text":"قال ضمرة بن ربيعة: \"، تلا الحسن هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكرَه عمله\" (١).\nوالثاني: معنى ذلك: \" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم \"، فاعملوا بطاعة الله \" لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم \"، فأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.\nقال سعيد بن المسيب: \" إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت\" (٢).\nوقال حذيفة: \"يقول: أطيعوا أمري واحفظوا وصيتي\" (٣).\nقال أبو بكر: \"تقرءون هذه الآية: ﴿لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، وإن الناس إذا رأوا الظالم قال ابن وكيع فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقابه\" (٤).\nعن السدي قوله: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، يقول: مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله: ﴿عليكم أنفسكم﴾، فيقول أحدكم: عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليَستعملن عليكم شراركم، فليسومنّكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم، فلا يستجيب لهم\" (٥).\nقال عن قيس بن أبي حازم: \" سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٨٦٨): ص ١١/ ١٤٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٨٦٩): ص ١١/ ١٤٨.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٦): ص ٤/ ١٢٢٨.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٨٧١): ص ١١/ ١٤٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٨٧٤): ص ١١/ ١٤٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٨٧٨): ص ١١/ ١٥١.","vol":"8","page":579},{"text":"والرابع: أن معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين.\nعن سعيد بن جبير في قوله: \" ﴿لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، قال: يعني من ضلّ من أهل الكتاب\" (١). وفي رواية: \"أنزلت في أهل الكتاب\" (٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" لا يضركم ضلالة من ضل من مجوس أهل هجر وغيرهم من المشركين وأهل الكتاب من النصارى واليهود\" (٣).\nعن أبي سنان: \" ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، قال: من الأمم إذا اهتديتم\" (٤).\nعلي بن مدرك عن أبي عامر: \" أنه كان فيهم شيء فاحتبس على النبي ﷺ ثم أتاه، فقال له النبي ﷺ: ما حبسك. قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل﴾ من الكفار ﴿إذا اهتديتم﴾ \" (٥).\nوالخامس: عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق.\nقال ابن زيد في قوله: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل إذا اهتديتم﴾، قال: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك وضللتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا! كان ينبغي لك أن تنصرهم، وتفعل! فقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾ \" (٦).\nوالسادس: أن المراد: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٨٧٩): ص ١١/ ١٥٢.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٨٨٠): ص ١١/ ١٥٢.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٨): ص ٤/ ١٢٢٨.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢١): ص ٤/ ١٢٢٦.\n(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٠): ص ٤/ ١٢٢٦ - ١٢٢٧.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٨٨١): ص ١١/ ١٥٢.","vol":"8","page":580},{"text":"عن أبي العالية عن عبد الله بن مسعود: \" قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فكان بين جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر. فقال أخى إلى جنبه: عليك بنفسك فإن الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، قال: فسمعها ابن مسعود. فقال: مه لم يجئ تأويل هذه الآية بعد (١). إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي: قد مضى تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ، ومنه أي: يقع تأولهن بعد رسول الله ﷺ بسنين. ومنه آي: يقع تأويلهن بعد اليوم. ومنه آي: يقع تأويلهن عند الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة وأهواءكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يزق بعضكم بأس بعض، فمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شعيا، وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية\" (٢).\nعن مكحول: \"أن رجلا سأله عن قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، فقال: إن تأويل هذه الآية لم يجئ، إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ، فعليك لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت\" (٣).\nقال سفيان بن عقال: \"قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله تعالى ذكره يقول: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾؟ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا فليبلِّغ الشاهد الغائبَ»، فكنَّا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم\" (٤).\n_________\n(١) علّق عليه الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٨٦، قائلا: \" فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره\".\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٢): ص ٤/ ١٢٢٧.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٣): ص ٤/ ١٢٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٨٥١): ١١/ ١٣٩.","vol":"8","page":581},{"text":"قال أبو زمان: \" انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قومٌ من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية: ﴿عليكم أنفسكم﴾، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم\" (١).\nقال سوّار بن شبيب: \" كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجل جليدٌ في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك! فقال رجل من القوم: وأيَّ دناءة تريد، أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك! قال: فقال الرجل: إني لستُ إيّاك أسأل، أنا أسأل الشيخ! فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم! عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ \" (٢).\nوعن قتادة، عن رجل قال: \"كنت في خلافة عثمان بالمدينة، في حلقة فيهم أصحابُ النبي ﷺ، فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه، فقرأ رجل: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، فقال الشيخ: إنما تأويلها آخرَ الزمان\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٨٥٢): ١١/ ١٤٠.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٨٥٤): ص ١١/ ١٤٠ - ١٤١.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٨٥٦): ص ١١/ ١٤١ - ١٤٢.","vol":"8","page":582},{"text":"قال جبير بن نفير: \" كنت في حلقة فيها أصحابُ رسول الله ﷺ، وإنّي لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد وقالوا: أتنتزِع بآية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها! ! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: \" إنك غلام حدَثُ السن، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت\" (١).\nقال الحسن: \" تأوّل بعضُ أصحاب النبي ﷺ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، فقال بعض أصحابه: دعوا هذه الآية، فليست لكم\" (٢).\nوعن كعب: \"في قول الله: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، قال: إذا هدمت كنيسة مسجد دمشق فجعلوها مسجدا وظهر لبس العصب فحينئذ تأويل هذه الآية\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٨٥٨): ص ١١/ ١٤٢ - ١٤٣.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٨٦١): ص ١١/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٢٤): ص ٤/ ١٢٢٧.","vol":"8","page":583},{"text":"عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني: \" أن أبا الدرداء وكعبا كانا جالسين بالجابية، فأتاهما آت فقال: لقد رأيت اليوم أمرا إن كان لحقا على من رآه أن يغيره، فقال رجل: إن الله يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ الآية﴾، فقال كعب: إن هذا لا يقول شيئا، ذبّ عن محارم الله كما تذب عن عينيك حتى يأتي تأويلها، قال: فانتبه لها أبو الدرداء فقال: متى يأتي تأويلها؟ قال: إذا هدمت كنيسة دمشق وبني مكانها مسجد فذاك من تأويلها، وإذا رأيت الكاسيات العاريات فذلك من تأويلها، وذكر خصلة ثالثة لا أحفظها فذلك من تأويلها، قال أبو مسهر: وكان هدم الكنيسة بعهد الوليد بن عبد الملك أدخلها في مسجد دمشق فزاد في سعته بها\" (١).\nقال أبو عبيد: وقد أروني مكانها هناك والناحية التي كانت بها قبل الهدم\" (٢).\nقال عبد القادر بدران في تحقيقه لتهذيب تاريخ دمشق عند سياق هذا الأثر: \"أقول: تأويل هذه الآية على هذا الوجه مما لا يحتمله لفظها ولا يدل شيء على تقييدها بهذا الذي قيده بها كعب، وفي الأحاديث الواردة في تأويلها ما ينفي هذا من أصله\" (٣).\n_________\n(١) الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام: ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وروي جزءا منه ابن ابي حاتم في تفسيره (٦٩٢٤): ص ٤/ ١٢٢٧. ونصه: \"إذا هدمت كنيسة مسجد دمشق فجعلوها مسجدا وظهر لبس العصب فحينئذ تأويل هذه الآية\".\n(٢) الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام: ١/ ٢٨٨.\n(٣) تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ج ١ ص ٢٠٠ تحقيق الشيخ عبد القادر بدران.","vol":"8","page":584},{"text":"قال الإمام الطبري: \" وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية، ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ فيها، وهو: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه: ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه.\nوإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى. ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس تركُ ذلك، لم يكن للأمر به معنًى، إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله ﷺ تركَ ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصًا له تركه، إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه، وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبيِّنٌ أنه قد دخل في معنى قوله: ﴿إذا اهتديتم﴾، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ\" (١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٥٢ - ١٥٣.","vol":"8","page":585},{"text":"قال ابن عطية: \" وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول أو رجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده\" (١).\nقال القرطبي: \" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رجي القبول، أو رجي رد الظالم ولو بعنف، ما لم يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فـ ﴿عليكم أنفسكم﴾ محكم واجب أن يوقف عنده. ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلا كما تقدم، وعلى هذا جماعة أهل «٢» العلم فاعلمه\" (٢).\nوقرئ: «لا يضركم»، وفيه وجهان (٣):\nاحدهما: أن يكون خبرا مرفوعا وتنصره قراءة أبى حيوة، «لا يضيركم».\nوالثاني: أن يكون جوابا للأمر مجزوما.\nقال الزمخشري: \"وإنما ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. والأصل: لا يضروكم. ويجوز أن يكون نهيا، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي: \" إلى الله مرجعكم جميعًا في الآخرة\" (٥).\nقال النسفي: أي: \" رجوعكم\" (٦).\nقال الشوكاني: أي: \" يوم القيامة\" (٧).\nقال البغوي: أي: \" الضال والمهتدي\" (٨).\nقال السعدي: \" أي: مآلكم يوم القيامة، واجتماعكم بين يدي الله تعالى\" (٩).\nقال الآلوسي: أي: \" ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى أحد سواه رجوعكم يوم القيامة ﴿جَمِيعًا﴾ بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرهم \" (١٠).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٤٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٤٥.\n(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٦.\n(٤) الكشاف: ١/ ٦٨٦.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤٨١.\n(٧) فتح القدير: ٢/ ٩٦.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ١١١.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٤٦.\n(١٠) روح المعاني: ٤/ ٤٥.","vol":"8","page":586},{"text":"قال الطبري: أي: \"اعملوا، أيها المؤمنون، بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا أهل الزَّيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا، فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي: \" فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها\" (٢).\nقال النسفي: أي: \" ثم يجزيكم على أعمالكم\" (٣).\nقال السعدي: أي: \"من خير وشر\" (٤).\nقال الشوكاني: \" ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ في الدنيا، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى\" (٦).\nقال أبو حيان: \" أي: مرجع المهتدين والضالين، وغلب الخطاب على الغيبة كما تقول: أنت وزيد تقومان وهذا فيه تذكير بالحشر وتهديد بالمجازاة\" (٧).\nقال الآلوسي: أي: \" ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ بالثواب والعقاب ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، في الدنيا من أعمال الهداية والضلال، فالكلام وعد ووعيد للفريقين، وفيه كما قيل دليل على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره وكذا يدل على أنه لا يثاب بذلك\" (٨).\nقال البيضاوي: قوله: ﴿إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾، \" وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره\" (٩).\nوللعلماء في حكم هذه الآية قولان:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٨١.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٦.\n(٥) فتح القدير: ٢/ ٩٦.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ١٥٤.\n(٧) البحر المحيط: ٤/ ٣٨٨.\n(٨) روح المعاني: ٤/ ٤٥.\n(٩) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٤٧.","vol":"8","page":587},{"text":"أحدهما: أنها منسوخة: قال أرباب هذا القول هي تتضمن كف الأيدي عن قتال الضالين فنسخت. ولهم في ناسخها قولان (١):\nأحدهما: آية السيف.\nوالثاني: أن آخرها نسخ أولها.\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام: \" فلم نجد في القرآن كله آية واحدة جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية\" (٢).\nقالوا: \"وموضع المنسوخ منها إلى قوله: ﴿لا يضركم من ضل﴾، والناسخ قوله: ﴿إذا اهتديتم﴾ والهدى ها هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (٣).\nقال ابن الجوزي: \" وهذا الكلام إذا حقق لم يثبت\" (٤).\nوالقول الثاني: أنها محكمة (٥).\nقال الزجاج: معناها: \"إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم لا يؤاخذكم الله بذنوب غيركم، وليس يوجب لفظ هذه الآية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلم أنه لا يضر المؤمن كفر الكافر، فإذا ترك المؤمن الأمر بالمعروف وهو مستطيع ذلك فهو ضال، وليس بمهتد\" (٦).\nقال ابن الجوزي: وهذا القول هو الصحيح وأنها محكمة. ويدل على إحكامها أربعة أشياء:\nأحدها: أن قوله: ﴿عليكم أنفسكم﴾ يقتضي إغراء الإنسان بمصالح نفسه، ويتضمن الإخبار بأنه لا يعاقب بضلال غيره وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على غيره وإنما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتا عنه فيقف على الدليل.\n_________\n(١) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(٢) الناسخ والمنسوخ: ١/ ٢٨٦.\n(٣) ذكر ذلك هبة الله في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: ٤٢، كما ذكر نحوه ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٧٩ عن بعض العلماء. واللفظ لابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٤١٥.\n(٤) نواسخ القرآن: ٢/ ٤١٦.\n(٥) أورد ابن الجوزي هذه القضية في مختصر عمدة الراسخ ورقة (٦)، ورجح الإحكام. وأما في تفسيره: ٢/ ٤٤٣ فسكت عن الترجيح. أما النحاس فلم يتعرض لها ألبتة. وحكى مكي بن أبي طالب عن الأكثرين أنها محكمة. انظر: الإيضاح ص: ٢٣٧.\n(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢١٤، وذكره عنه ابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٤١٦، وزاد المسير ٢/ ١٠٦.","vol":"8","page":588},{"text":"والثاني: أن الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف. لأن قوله: ﴿عليكم أنفسكم﴾ أمر بإصلاحها وأداء ما عليها، وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد دل على ما قلنا قوله: ﴿إذا اهتديتم﴾ وإنما يكون الإنسان مهتديا إذا امتثل أمر الشرع، ومما أمر الشرع به الأمر بالمعروف.\nوقد روي عن الحسن: \"أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم﴾، فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم\" (١).\nعن قيس بن أبي حازم قال: \"سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب\" (٢).\nوالثالث: أن الآية قد حملها قوم على أهل الكتاب إذا أدوا الجزية فحينئذ لا يلزمون بغيرها. وهذا قول ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح\" (٣).\nوالرابع: أنه لما عابهم في تقليد آبائهم بالآية المتقدمة أعلمهم بهذه الآية أن المكلف إنما يلزمه حكم نفسه وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا كان مهتديا حتى يعلموا أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم والعقاب. أخرج الطبريعن ابن زيد نحو هذا المعنى (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٤٨): ص ١١/ ١٣٨.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٨٧٨): ص ١١/ ١٥١، وانظر: (١٢٨٧٧): ص ١١/ ١٥٠ - ١٥١.\n(٣) أسباب النزول (٤٢٠): ص ٢١٤، إسناده ضعيف لضعف الكلبي.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٨١): ص ١١/ ١٥٢.","vol":"8","page":589},{"text":"قال ابن الجوزي: \"وإذا تلمحت هذه المناسبة بين الآيتين لم يكن الأمر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ها هنا مدخل وهذا أحسن الوجوه في الآية\" (١).\nقال الإمام الشوكاني: \" وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد، وقد قال الله سبحانه: إذا اهتديتم، وقد دلت الآيات القرآنية، والأحاديث المتكاثرة، على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا مضيقا متحتما، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك\" (٢).\nقال العلّامة محمد الأمين الشنقيطي: \" فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل. وقد دلت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده، فمن ذلك ... وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: \" يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (٣) \" (٤).\nالفوائد:\n_________\n(١) انظر: نواسخ القرآن: ٢/ ٤١٦ - ٤١٩. [بتصرف]\n(٢) فتح القدير: ٢/ ٩٦.\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، والنسائي بأسانيد صحيحة (وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (٢٤٤٨).\n(٤) أضواء البيان ٢/ ١٦٩.","vol":"8","page":590},{"text":"١ - وجوب إصلاح المؤمن نفسه وتطهيرها من آثار الشرك والمعاصي وذلك بالإيمان والعمل الصالح، إذ ان إصلاح النفس والعناية بها من مقتضيات الإيمان.\n٢ - ضلال الناس لا يضر المؤمن إذا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر.\nقالت العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعيّن متى رُجي القبول والتغيير فإن كان هناك عدم رجاء فلا يجب الأمر والنهي. وكذا يسقط إذا خاف ضررًا يلحقه لا يقوى عليه أو يلحق غيره من المسلمين.\n٣ - تقرير مبدأ البعث الآخر، والإيمان بالبعث أحد اركان الإيمان الستة.\n٤ - أن الإنسان لايؤاخذ بحديث النفس، لقوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾، وحديث النفس ليس عملا، ذلك لقولهﷺ-: \"إن الله تجاوز عن امتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم\" (١).\nولكن إذا ركن الإنسان إلى حديث النفس واطمأن إليه واعتقده فحينئذ يكون قد عمل عملا قلبيا لا جوارحيا.\n٥ - إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، لقوله: ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾.\nالقرآن\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦]\nالتفسير:\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٣٩١) / ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة﵁-.","vol":"8","page":591},{"text":"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا قرب الموت من أحدكم، فلْيُشْهِد على وصيته اثنين أمينين من المسلمين أو آخرين من غير المسلمين عند الحاجة، وعدم وجود غيرهما من المسلمين، تُشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحلَّ بكم الموت، وإن ارتبتم في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة -أي صلاة المسلمين، وبخاصة صلاة العصر-، فيقسمان بالله قسمًا خالصًا لا يأخذان به عوضًا من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة منهما، ولا يكتمان به شهادة لله عندهما، وأنهما إن فَعَلا ذلك فهما من المذنبين.\nسبب النزول:\nقال ابن عباس﵄-: \" خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي (١) بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاما (٢) من فضة مخوصا (٣) من ذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه (٤)، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [المائدة: ١٠٦] \" (٥).\n_________\n(١) تميم. . عدي) كانا نصرانيين عندما حدثت القصة المذكورة في الحديث وتميم أسلم بعد ذلك ﵁ وأما عدي فلم يسلم.\n(٢) جاما: كأسا.\n(٣) (مخوصا) منقوشا فيه خطوط دقيقة طويلة كالخوص وهو ورق النخل.\n(٤) (أوليائه) من أولياء السهمي والرجلان هما عمرو بن العاص والآخر قيل هو المطلب بن أبي وداعة ﵄.\n(٥) أخرجه البخاري (٢٧٨٠)، وأبو داود (٣٦٠٦)، والترمذي في التفسير (٣٠٦٠)، وقال: حسن غريب، وأخرجه الدارقطني: ٤/ ١٦٦، والطبري (١٢٩٦٦): ص ١١/ ١٨٥، والجصاص في «الأحكام»: ٤/ ١٦٠، والطبراني: ١٢/ ٧١، والواحدي: (٤٢١): ص ٢١٥، والبيهقي: ١٠/ ١٦٥ كلهم من حديث ابن عباس به، فهو من مسند ابن عباس، وهو مختصر كما ترى.\n\nوزاد السيوطي نسبته في الدر (٢/ ٣٤٢) لابن المنذر والنحاس وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"8","page":592},{"text":"[صحيح]\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه\" (١).\nقال ابن مسعود ﵁: \"إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه\" (٢).\nقال خيثمة: \"ما تقرأون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" إذا شارف أحدكم على الموتِ وظهرت علائمه فينبغي أن يُشهد على وصيته\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: ليشهد بينكم وقت الوصية \" (٥).\nقال البغوي: \" أي: ليشهد اثنان، لفضه خبر ومعناه أمر، وقيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان\" (٦).\nقال الزجاج: \" معناه: أن الشهادة في وقت الوصية هي للموت ليس أن الموت حاضره\nوهو يوصي بما يقول الموصي، صحيحا كان أو غير صحيح: إذا حضرني الموت، أو إذا مت فافعلوا واصنعوا\" (٧).\nقال الزمخشري: \" وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل\" (٨).\nقال ابن الجوزي: \" فأما «حضور الموت» فهو حضور أسبابه ومقدماته. وقوله تعالى: حين الوصية، أي: وقت الوصية\" (٩).\nوفي هذه الشهادة ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها الشهادة على الوصية التي ثبتت عند الحكام، وهو قول ابن مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والجمهور.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٧): ص ١/ ١٩٦، و(٥٠٢٧): ص ٣/ ٩٠٢\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٢٦): ص ٣/ ٩٠٢.\n(٤) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ١٥٤.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ١١١.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٢١٤.\n(٨) الكشاف: ١/ ٦٨٧.\n(٩) زاد المسير: ١/ ٥٩٦.","vol":"8","page":593},{"text":"والثاني: أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا ارتاب الورثة بهما، وهو قول مجاهد، واختاره الطبري (١).\nوالثالث: أنها شهادة الوصية، أي: حضورها، كقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْت﴾ [البقرة: ١٣٣]، جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيدا (٢).\nواستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: فيقسمان بالله قالوا: والشاهد لا يلزمه يمين (٣).\nقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي يُشهد على الوصية شخصين عدلين من المسلمين أو اثنان من غير المسلمين إن لم تجدوا شاهدين منكم\" (٤).\nقال سعيد بن المسيب: \": ذَوَي عقل\" (٥).\nقال الطبري: \" يقول: ذوا رشد وعقل وحِجًى من المسلمين\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿منكم﴾، يعني: من أقاربكم، و﴿من غيركم﴾، من الأجانب، يعنى: إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وبما هو أصلح وهم له أنصح\" (٧).\nوفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قولان:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ١/ ١٥٧.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٤) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٨٨٢): ١١/ ١٥٤.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ١٥٤.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٨٧.","vol":"8","page":594},{"text":"أحدهما: من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، والحسن (٤)، وسعيد بن المسيب (٥)، ويحيى بن معمر (٦)، وعبيدة (٧)، وقتادة (٨)، ومقاتل بن حيان (٩)، وشريح (١٠)، والشعبي (١١)، والسدي (١٢)، وابن زيد (١٣).\nوالثاني: من عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله الحسن (١٤) وعكرمة (١٥)، والزهري (١٦)، والسدي (١٧).\nوفيهما قولان (١٨):\nأحدهما: أنهما شاهدان يشهدان على وصية المُوصِي.\nوالثاني: أنهما وصيان.\nوالظاهر-والله أعلم- أن الشاهدين من أهل الملة، دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي، لأن الله عمّ المؤمنين بخطابهم بذلك، وأما صرف ما عمّه الله تعالى إلى الخصوص فيحتاج إلى دليل.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٣١): ص ٤/ ١٢٢٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٩٢): ص ١١/ ١٥٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٩١): ص ١١/ ١٥٦.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٣٣): ص ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٨٣): ص ١١/ ١٥٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٨٤): ص ١١/ ١٥٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٨٦) - (١٢٨٩٠): ص ١١/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٣٣): ص ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٣٣): ص ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٣٣): ص ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٩٣): ص ١١/ ١٥٦.\n(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٢)، و(١٢٩٣٤)، و(١٢٩٣٨): ص ١١/ ١٦٦ - ١٦٧، والنكت والعيون: ٢/ ٧٥، وزاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٥) - (١٢٩٣٧): ص ١١/ ١٦٧، والنكت والعيون: ٢/ ٧٥، وزاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٣): ص ١١/ ١٦٦، زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(١٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٥٦ - ١٥٧، والنكت والعيون: ٢/ ٧٥.","vol":"8","page":595},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ثلاثة اقوال:\nأحدها: من غير ملتكم ودينكم، قاله ابن عباس (١)، وعبيدة (٢)، وشريح (٣)، وسعيد بن المسيب (٤)، ومحمد بن سيرين (٥)، ويحي بن يعمر (٦)، وعكرمة (٧)، ومجاهد (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والشعبي (١٠)، وإبراهيم النخعي (١١)، وقتادة (١٢)، وأبي مجلز (١٣)، والسدي (١٤)، ومقاتل بن حيان (١٥)، وابن زيد (١٦).\nوالثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا. قاله الحسن (١٧)، وعبيدة (١٨)، وعكرمة (١٩)، وهو معنى قول الزهري (٢٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٣٤): ص ٤/ ١٢٢٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٩١٥): ص ١١/ ١٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٩): ص ١١/ ١٦٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٥٩): ص ١١/ ١٦٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٨): ص ١١/ ١٦٢.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٢): ص ١١/ ١٦٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٠): ص ١١/ ١٦١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٦): ص ١١/ ١٦٥.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٢): ص ١١/ ١٦١.\n(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠١): ص ١١/ ١٦١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد.\n(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٩): ص ١١/ ١٦٥.\n(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٢)، و(١٢٩٣٤)، و(١٢٩٣٨): ص ١١/ ١٦٦ - ١٦٧، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٩٣٦): ص ٤/ ١٢٣٠.\n(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٩): ص ١١/ ١٦٧\n(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٥) - (١٢٩٣٧): ص ١١/ ١٦٧، والنكت والعيون: ٢/ ٧٥، وزاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣٣): ص ١١/ ١٦٦، زاد المسير: ١/ ٥٩٦.","vol":"8","page":596},{"text":"والثالث: من أهل الميراث. قاله ابن شهاب (١).\nوالراجح-والله أعلم- ان المراد أو آخران من غير أهل الإسلام، \" وذلك أن الله تعالى عرَّف عباده المؤمنين عند الوصية، شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين. ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم، أو رجلين من غير عشيرتكم، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين، فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف معنى كلام الله تعالى ذكره إلا إلى أحسن وجوهه\" (٢).\nوفي «أو» قولان:\nأحدهما: أنها ليست للتخيير، وإنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، وبه قال ابن عباس (٣)، وزيد بن اسلم (٤)، وشريح (٥)، ويحيى بن يعمر (٦)، وأبو مجلز (٧)، سعيد بن المسيب (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وإبراهيم (١٠)، والشعبي (١١)، والسدي (١٢).\nوالثاني: أنها للتخيير، ذكره الطبري عن آخرين (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٣٥): ص ٤/ ١٢٢٩ - ١٢٣٠.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٦): ١١/ ١٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣١): ١١/ ١٦٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٩): ١١/ ١٦٢.\n(٦) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٧٢٢.\n(٧) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٧٢٢.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٢): ١١/ ١٧٠.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٥): ١١/ ١٧١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٥): ١١/ ١٧١.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٦): ١١/ ١٦٥.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٤): ١١/ ١٧١.\n(١٣) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٧١ - ١٧٢، والنكت والعيون: ٢/ ٧٥.","vol":"8","page":597},{"text":"قال الطبري: \" ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخيير، وقالوا: إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما، وائتمانَ الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدِّياه إلى ورثته بعد وفاته، إن ارتيب بهما. قالوا: وقد يتَّمِن الرجلُ على ماله من رآه موضعًا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" إن أنتم سافرتم في الأرض فحلَّ بكم الموت\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" إن كنتم في سفر فحضرتكم المنيّة\" (٣).\nقال البغوي: \" أي: سرتم وسافرتم\" (٤).\nقال الزمخشري: \" يعنى إن وقع الموت في السفر\" (٥).\nقال ابن الجوزي: \" هذا الشرط متعلق بالشهادة، والمعنى: ليشهدكم اثنان إن أنتم ضربتم في الأرض، أي: سافرتم. ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ \" (٦).\nقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" توقفونهما من بعد الصلاة\" (٧).\nقال الطبري: \"يقول: تستوقفونهما بعد الصلاة\" (٨).\nقال البغوي: أي: \" فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن تستوقفونهما بعد صلاة العصر\" (٩).\nقال الزمخشري: أي: \" بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس\" (١٠).\nوفي هذه «الصلاة» ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٧١ - ١٧٢.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٢.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١١٢.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٨٧.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٨) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٢.\n(٩) تفسير البغوي: ٣/ ١١٢.\n(١٠) الكشاف: ١/ ٦٨٧.","vol":"8","page":598},{"text":"أحدها: صلاة العصر، رواه أبو صالح عن ابن عباس (١)، وبه قال شريح (٢)، وعبيدة (٣)، وابن جبير (٤)، وإبراهيم (٥)، وقتادة (٦)، والشعبي (٧).\nقال البغوي: \" وهذا قول عامة المفسرين، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب\" (٨).\nوالثاني: بعد صلاة العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. حكاه الزمخشري عن الحسن (٩).\nوالثالث: من بعد صلاتهما في دينهما، حكاه السدي عن ابن عباس (١٠). وقال به.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٤٠): ص ٤/ ١٢٣٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٩): ١١/ ١٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٥٠): ١١/ ١٧٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٥١): ١١/ ١٧٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٤٨): ١١/ ١٧٤.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ١١٣.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٧.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٥٤): ص ١١/ ١٧٥ - ١٧٦، والسدي لم يسمع من ابن عباس، وهذا قول منكر، ليس بشيء.","vol":"8","page":599},{"text":"والراجح –والله أعلم- هو القول الاول، \" لأن الله تعالى عرَّف «الصلاة» في هذا الموضع بإدخال «الألف واللام» فيها، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف، إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك، وكانت «الصلاة» في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات، لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى، لأن لهم صلوات ليست واحدة، فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك. فإذْ كان ذلك كذلك، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلمصحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾، هي الصلاة التي كان رسول الله ﷺ يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس\" (١).\nوقال الزجاج: كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس\" (٢).\nوقال ابن قتيبة: \" وخصّ هذا الوقت، لأنه قبل وجوب الشمس، وأهل الأديان يعظمونه ويذكرون الله فيه، ويتوقّون الحلف الكاذب وقول الزّور، وأهل الكتاب يصلّون لطلوع الشمس وغروبها\" (٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٢١٦.\n(٣) تأويل مشكل القرآن: ٢١٩.","vol":"8","page":600},{"text":"قال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟ قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفا في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] \" (١).\nقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" أي يحلفان بالله إن شككتم وارتبتم في شهادتهما\" (٢).\nقال السدي: \" فيقسمان بالله أصاحبكم لهذا أوصى وأن هذه لتركته\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: فيحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما اُّتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها أو تبديلها و«الارتياب»، هو الاتهام \" (٤).\nقال الزجاج: \" ﴿إن ارتبتم﴾، إن وقع في أنفسكم منهم ريب، أي ظننتم بهم ريبة\" (٥).\nقال النسفي: أي: \"إن شككتم في أمانتها فحلفوهما\" (٦).\nقال ابن قتيبة: \" إن ارتبتم في شهادتهما وشككتم، وخشيتم أن يكونا قد غيّرا، أو بدّلا وكتما وخانا\" (٧).\nقال السمعاني: \" يعني: إن وقعت لكم ريبة في قول الحالفين أو الشاهدين يحلفان\" (٨).\nقال البغوي: \" أي: يحلفان، ﴿بالله إن ارتبتم﴾ أي: شككتم ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما، أي: في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما\" (٩).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٨٨.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٤٣): ص ٤/ ١٢٣١.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٢.\n(٥) معاني القرآن: ٢/ ٢١٦.\n(٦) تفسير النسفي: ١/ ٤٨٢.\n(٧) تأويل مشكل القرآن: ٢١٩.\n(٨) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٦.\n(٩) تفسير البغوي: ٣/ ١١٣.","vol":"8","page":601},{"text":"قال ابن الجوزي: \" أي: فيحلفان إن ارتبتم أي: شككتم ي أولياء الميت. ومعنى الآية: إذا قدم الموصى إليهما بتركة المتوفي، فاتهمهما الوارث، استحلفا بعد صلاة العصر: أنهما لم يسرقا، ولم يخونا. فالشرط في قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ متعلق بتحبسونهما، كأنه قال: إن إرتبتم حبستموهما فاستحلفتموهما، فيحلفان بالله\" (١).\nقال الزمخشري: \" ﴿إن ارتبتم﴾، اعتراض بين القسم والمقسم عليه. والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما. وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما وعن على ﵁ (٢): أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما\" (٣).\nقال ابن شهاب: \"كانوا يقولون هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، فيشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى وغيرهم فيخبرون من غاب عنهم منهم بما حضروا من وصيته، فإن سلموا جازت وصيته، وإن إرتابوا في أن يكون بدلوا قول الميت، وآثروا بالوصية من أرادوا، وتركوا من لم يوص له الميت بشيء يحلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة وهي صلاة المسلمين: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا﴾، الآية\" (٤).\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٥٩٦ - ٥٩٧.\n(٢) قال المحقق: \" فأما تحليف الشاهد. فلم أره. وأما تحليف الراوي فرواه أصحاب السنن الثلاثة: البزار وابن حبان من رواية اسماء بن الحكم الفزاري عن على ﵁ قال «إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته قال: وحدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر- الحديث» قال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وروى بعضهم هذا الحديث موقوفا» أى المتن دون القصة. وقال البزار: أسماء هذا مجهول\". [انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٨ - الهامش (١)].\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٨٨.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٤٣): ص ٤/ ١٢٣١ - ١٢٣٢.","vol":"8","page":602},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" أي لا نحلف بالله كاذبين من أجل المال ولو كان من نُقسم له قريبًا لنا \" (١).\nقال أبو العالية: \" يقول: لا نأخذ عليه أجرا\" (٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" لا نشتري بأيماننا ثمنا من الدنيا ولو كان ذا قربى\" (٣).\nعن سعيد بن جبير في قول الله: \" ﴿ذا قربى﴾، يعني: قرابته\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضًا فنكذب فيها لأحد، ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا\" (٥).\nقال السمعاني: \" أي: لا نقول إلا الصدق ولو كان على القريب\" (٦).\nقال البغوي: \" أي: لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق نجحده ولو كان المشهود له ذا قرابة منا\" (٧).\nقال ابن الجوزي: \" أي: بأيماننا، وقيل: بتحريف شهادتنا، عرضا من الدنيا ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، وخص ذا القرابة، لميل القريب إلى قريبه. والمعنى: لا نحابي في شهادتنا أحدا، ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور\" (٨).\nقال الزمخشري: \" يعنى: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا، أى لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبا منا، على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] \" (٩).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٤٥): ص ٤/ ١٢٣٢.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٤٦): ص ٤/ ١٢٣٢.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٤٨): ص ٤/ ١٢٣٢.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٣.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٦.\n(٧) تفسير البغوي: ٣/ ١١٣.\n(٨) زاد المسير: ١/ ٥٩٧.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٨٨.","vol":"8","page":603},{"text":"عن ابن عباس قوله: \" ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلا\" (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦]، وجهان:\nأحدهما: لا نأخذ عليه رشوة، قاله ابن زيد (٢).\nوالثاني: لا نعتاض عليه بحق (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها\" (٤).\nقال الزمخشري: \" ﴿شهادة الله﴾، أى: الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها\" (٥).\nقال ابن الجوزي: \" إنما أضيفت الشهادة إلى الله، لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها\" (٦).\nقال أصبغ بن الفرج: \"سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ قال: وإن كان صاحبها بعيدا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي: \" إنّا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين\" (٨).\nقال الواحدي والبغوي: \" أي: إنا إن كتمناها كنا من الآثمين\" (٩).\nقال ابن قتيبة: \" فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به، قبلت شهادتهما، وأمضي الأمر على قولهما\" (١٠).\nوقرئ: «لملاثمين» بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها، كقوله: عاد لولى (١١).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٩٤٧): ص ١١/ ١٧٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٥٥): ص ١١/ ١٧٧.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٧.\n(٤) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٨٨.\n(٦) زاد المسير: ١/ ٥٩٧.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٥٠): ص ٤/ ١٢٣٢.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٤١.\n(٩) التفسير البسيط: ٧/ ٥٧٢، وتفسير البغوي: ٢/ ١١٣\n(١٠) تأويل مشكل القرآن: ٢١٩.\n(١١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٨٨.","vol":"8","page":604},{"text":"واختلف العلماء لأي معنى وجبت اليمين على هذين الشاهدين، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: لكونهما من غير أهل الإسلام، روي هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري (١).\nوالثاني: لوصية وقعت بخط الميت وفقد ورثته بعض ما فيها، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٢).\nوالثالث: لأن الورثة كانوا يقولون: كان مال ميتنا أكثر، فاستخانوا الشاهدين، قاله الحسن (٣)، ومجاهد (٤).\nوقرأ سعيد بن جبير: «ولا نكتم شهادة» بالتنوين «الله» بقطع الهمزة وقصرها، وكسر الهاء، ساكنة النون في الوصل. وقرأ سعيد بن المسيب، وعكرمة «شهادة» بالتنوين والوصل منصوبة الهاء. وقرأ أبو عمران الجوني «شهادة» بالتنوين وإسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء، وقرأ الشعبي وابن السميفع «شهادة» بالتنوين وإسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة، ومدها، وكسر الهاء. وقرأ أبو العالية، وعمرو بن دينار مثله، إلا أنهما نصبا الهاء (٥).\nقال الطبري: \" وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾، بإضافة «الشهادة» إلى اسم «الله»، وخفض اسم «الله»، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا تتناكر صحَّتَها الأمة\" (٦).\nوعلى قول القائل بأن المراد بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر، فلهم في حكم هذه الآية قولان:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٥٤): ص ١١/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٧.\n(٣) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٧.\n(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٩٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٧٧ - ١٧٨، وزاد المسير: ١/ ٥٩٧.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٧.","vol":"8","page":605},{"text":"أحدهما: أنها محكمة، وشهادة أهل الكتاب على الوصية خاصة في السفر جائزة عند فقد المسلمين للضرورة، والعمل على هذا باق، وهذا قول عائشة (١)، وأبي موسى الأشعري (٢)، وابن عباس (٣)، وشريح (٤)، عبيدة (٥)، وهشام بن هبيرة (٦)، ومحمد (٧)، وإبراهيم (٨)، ومجاهد (٩)، ويحي بن يعمر (١٠)، وابن المسيب (١١)، وابن جبير (١٢)، وابن سيرين (١٣)، وقتادة (١٤)،\n_________\n(١) انظر: الإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨.\n(٢) انظر: انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٦): ص ١١/ ١٦٥، والإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٠)، و(٢٩١): ص ١/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٣٤): ص ٤/ ١٢٢٩، والإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٩): ص ١١/ ١٦٢، والإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٢): ص ١/ ١٥٨.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩١٥): ص ١١/ ١٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٤): ص ١/ ١٥٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩١٣): ص ١١/ ١٦٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٨): ص ١١/ ١٦٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٢): ص ١١/ ١٦١، والإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٨): ١/ ١٦٠.\n(٩) انظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٣): ١/ ١٥٩.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٨): ص ١١/ ١٦٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٨٥٩): ص ١١/ ١٦٠، والإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٥): ص ١/ ١٥٩.ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٠٠): ص ١١/ ١٦١، والإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٦): ص ١/ ١٥٩، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩. ذكره دون إسناد، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١٢٢٩ .. ذكره دون إسناد، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.","vol":"8","page":606},{"text":"والشعبي (١)، والثوري (٢)، والأوزاعي (٣)، وأحمد بن حنبل (٤)، والطبري (٥).\nقال القاسم بن سلام: \" فجلّ العلماء وعظمهم من الماضين يتأولونها في أهل الذمة ويرونها محكمة .. ومما يزيد قولهم قوة وتوكيدا تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ منها، وأنها من محكم القرآن\" (٦).\nقال ابن قتيبة: \" وأكثر العلماء يذهب إلى أن هذا باب من الحكم (محكم) وأنه لم ينسخ من سورة المائدة شيء، لأنها آخر ما نزل\" (٧).\nعن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس قالا: \"قال رسول اللهﷺ- المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها \" (٨).\nوعن جبير بن نفير قال: \"حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير هل تقرأ المائدة؟ قلت: نعم: قالت: أما إنها من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه\" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٢٦): ص ١١/ ١٦٥، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٢٩٧): ١/ ١٦٠، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٣٠٠): ١/ ١٦٠، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١. ولم أتمكن من تخريجه.\n(٣) انظر: الإيضاح، مكي بن ابي طالب: ٢٣٨.\n(٤) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٧ - ٢٠٩.\n(٦) الناسخ والمنسوخ: ١/ ١٥٥، ١٦٠.\n(٧) تأويل مشكل القرآن: ٢٢١.\n(٨) أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى أبى عبيد ج ٣ سورة المائدة ص ٤، واظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٣٠١): ص ١/ ١٦١.\n(٩) رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي فى التلخيص (المستدرك ج ٢، كتاب التفسير: المائدة ص ٣١١.\nورواه البيهقي فى السنن الكبرى، كتاب النكاح «باب نكاح حرائر أهل الكتاب» ج ٧ ص ١٧٢، وانظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٣٠٢): ص ١/ ١٦١.","vol":"8","page":607},{"text":"وعن أبي ميسرة قال: \"في المائدة ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ\" (١).\nوعن ابن عون قال: \"سألت الحسن: هل نسخ من المائدة شيء؟ فقال: لا\" (٢).\nوالقول الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾ [الطلاق: ٢]، وهو قول ابن عباس (٣)، وإبراهيم (٤)، وزيد بن أسلم (٥)، وإليه يميل أبو حنيفة (٦)، ومالك (٧)، والشافعي (٨).\nواحتجوا بقول الله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وبقوله ﷿: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا ولا يكون أهل الشرك عدولا أبدا، ولا ممن ترضى شهادته (٩).\n_________\n(١) أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى الفريابي وأبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ ج ٣ سورة المائدة ص ٤، وانظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٣٠٣): ص ١/ ١٦١ - ١٦٢.\n(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر ج ٣ سورة المائدة ص ٤.\n، وانظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (٣٠٤): ص ١/ ١٦٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٨٥): ص ١١/ ٢٠٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٨٤): ص ١١/ ٢٠٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٣١): ١١/ ١٦٥، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٦) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٧) انظر: الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام: ١/ ١٦٢، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٨) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.\n(٩) انظر: الناسخ والمنسوخ للقسم بن سلام: ١/ ١٦٢، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٤٢١.","vol":"8","page":608},{"text":"أخرج الطبري عن زيد بن أسلم في هذه الآية: \" ﴿شهادة بينكم﴾ الآية كلها، قال: كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله -ﷺ- وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها\" (١).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس قال: \"هي منسوخة، يعني هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾، الآية\" (٢).\nقال ابن الجوزي: \"والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال\" (٣).\nقال الواحدي: \" فإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز عند الضرورة الإيصاء إلى أهل الذمة، كما جاز في الأشياء التي وصفناها، وكما يجوز شهادة نساء لا رجل معهن في الحيض، والحبَل، والولادة، والاستهلال\" (٤).\nالفوائد:\nا- مشروعية الوصية في الحضر والسفر معًا، والحث عليها والترغيب فيها.\n٢ - وجوب الإشهاد على الوصية.\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٢٩٣١): ١١/ ١٦٥.\n(٢) تفسير الطبري (١٢٩٨٥): ص ١١/ ٢٠٧، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٦٥): ص ٤/ ١٢٣٥. [وسيأتي].\n(٣) زاد المسير: ١/ ٥٩٦.\n(٤) التفسير البسيط: ٧/ ٥٧٣ - ٥٧٤.","vol":"8","page":609},{"text":"٣ - اشتراط العدالة في الشهادة عند التحمل، والفاسق الأمين الموثوق تقبل شهادتهما، عليه فإن العدالة شرط قدر الإمكان، وإذا لم يكن فإنه تقبل شهادة الفاسق بشرط ان يكون ثقة، وكم من غنسان يكون فاسقا في عبادته لكنه امين في شهادته.\n٤ - يجوز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود مسلم.\n٥ - مشروعية تحليف الشهود إذا ارتاب القاضي فيهم أو شك في صدقهم.\nوهذا بناء على أن الآية غير منسوخة وهو قول الأقلية كأحمد بن حنبل رحمة الله تعالى وهو الراجح، والآية دلالتها قوية عليه، وأما التخوف من قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فلا داعي إليه مع وجود ضرورة السفر وانعدام وجود المسلم، كما لا محذور من تحليف الشاهد إذا حامت حوله ريبة أو شك في عدالته لاسيما في ظروف تقل فيها العدالة لفساد أحوال الناس. ولهذا فإنها محكمة والعمل بها جائر. والله أعلم.\n٦ - استحباب الحلف بعد صلاة العصر تغليظًا في شأن اليمين.\n٧ - أن الحلف لا يكون إلا بالله، لقوله: ﴿فيقسمان بالله﴾، فلو اقسم بغير الله حتى بمن يعظّم عندهم كالمسيح مثلا فإنها لا تقبل ولا يعتد بها.\n٨ - أن أقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، لقوله: ﴿إن راتبتم﴾.\n٩ - الإشارة ان للقرابة تأثيرا في الميل والعاطفة، لقوله: ﴿ولو كان ذا قربى﴾، وهذا شيء فطري معروف.\n١٠ - أن كتمان الشهادة إثم، لقوله: ﴿إنا إذا لمن الآثمين﴾.\n\nالقرآن\n﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ [المائدة: ١٠٧]\nالتفسير:","vol":"8","page":610},{"text":"فإن اطلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية فليقم مقامهما في الشهادة اثنان من أولياء الميت فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقبول من شهادتهما الكاذبة، وما تجاوزنا الحق في شهادتنا، إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: \" فإن اطلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية\" (١).\nقال السمعاني: \" يعني: فإن اطلع، وأظهر خيانتهما\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله: لا نشتري بأيماننا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثمًا، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خُنّا ولا بدَّلنا ولا غيَّرنا، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئًا، أو غيرا وصيته، أو بدّلا فأثما بذلك من حلفهما بربهما\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني: فإن ظهر على أنهما كَذَبَا وخَانَا، فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما\" (٥).\nقال قتادة: \" أي: اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما\" (٦).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٨.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ١٨٠.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٧٧.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٩٦٢): ص ١١/ ١٨١.","vol":"8","page":611},{"text":"قال ابن عباس: \" فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد. فذلك قوله: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا﴾، يقول: إن اطلع على أنّ الكافرَيْن كذبا، ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء\" (١).\nقال سعيد بن جبير: \" إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر. فإذا اطُّلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئًا، حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا، ثم استحقوا\" (٢). وروي عن إبراهيم مثل ذلك (٣).\nوأصل «العثر»، الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم: عثرت إصبع فلان بكذا، إذا صدمته وأصابته ووقعت عليه، ومنه قول الأعشي ميمون بن قيس (٤):\nبِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إذَا عَثَرَتْ ... فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا\nيعني بقوله: «عثرت»، أصاب منسِمُ خُفِّها حجرًا أو غيرَه، ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيًّا، كقولهم: \"عَثَرتْ على الغَزْل بأَخَرة* فلم تَدَعْ بنَجْدٍ قَرَدَةَ\" (٥)، بمعنى: وقعت (٦).\nوفي الذين قوله تعالى: ﴿عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، قولان:\nأحدهما: أنهما الشاهدان، قاله ابن عباس (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٩٦١): ص ١١/ ١٨١.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٩٥٩): ص ١١/ ١٨١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٦٠): ص ١١/ ١٨١.\n(٤) ديوانه: ٨٣، من قصيدته في هوذة بن علي الحنفي.\n(٥) هذا مثل. مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٨١، الأمثال للميداني ١/ ٣٩٥، والأمثال لأبي هلال العسكري: ١٤٢.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٦١): ص ١١/ ١٨١.","vol":"8","page":612},{"text":"والثاني: أنهما الوصيان، قاله سعيد بن جبير (١).\nقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: \" فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين وليكونا من أولى من يستحق الميراث\" (٢).\nقال الطبري: \" يقول: يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت، الأوليان الموصَى إليهما\" (٣).\nقال ابن كثير: \" فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أوْلى من يرث ذلك المال\" (٤).\nقال الماوردي: \" يعني: من الورثة، ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ في اليمين، حين ظهرت الخيانة\" (٥).\nقال السمعاني: معناه: \" إن عثر على خيانة الحالفين؛ يقوم الأوليان من أولياء الميت؛ فيحلفان\" (٦).\nقال السدي: \" ﴿على الأوليان﴾، يقول: من الذين شهد عليها\" (٧).\nوفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، قولان:\nأحدهما: الأوليان بالميت من الورثة، قاله سعيد بن جبير (٨)، وابن زيد (٩).\nوالثاني: الأوليان بالشهادة من المسلمين، قاله ابن عباس (١٠)، وشريح (١١)، وقتادة (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٥٩): ص ١١/ ١٨١.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٤٢.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ١٨٠.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٨.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٧٧.\n(٦) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٩٥٧): ص ٤/ ١٢٢٣.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٧٨): ص ١١/ ٢٠٣.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٧٦)، و(١٢٩٧٧): ص ١١/ ٢٠٢.\n(١١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٧٤): ص ١١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٧٥): ص ١١/ ٢٠٢.","vol":"8","page":613},{"text":"قال الطبري: \" ﴿الأوليان﴾، معناه عندنا: الأوْلى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى ثم حذف «منهما»، والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد: أفضل منك، وذلك إذا وضع: «أفعل» موضع الخبر، وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه «الألف واللام»، فعلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف، يريدون: هو الأشرف منك\" (١).\nقال الزمخشري: \" ومعنى «الأولية»: التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها\" (٢).\nقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائى: ﴿استحق عليهم الأولين﴾: ﴿استحق﴾ مضمومة التاء، ﴿الأولين﴾ على التثنية. وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة: ﴿استحق﴾ برفع التاء، ﴿الأولين﴾ جمعا. وروى حفص عن عاصم: ﴿استحق﴾ بفتح التاء، ﴿الأولين﴾ مثل أبى عمرو على التثنية (٣).\nوروى نصر بن على عن أبيه عن قرة قال: \"سألت ابن كثير فقرأ ﴿استحق﴾ بفتح التاء ﴿الأولين﴾ بالأف على التثنية\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: \" فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقبول من شهادتهما الكاذبة\" (٥).\nقال ابن عباس: \" يقول: يحلفان بالله ما كان صاحبنا يوصي بهذا أو أنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحق من شهادتهما\" (٦).\nقال السدي: \" حلفا بالله لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليها أحق من شهادتهما بما شهدا\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٣.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٨٩.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٨.\n(٤) السبعة في القراات: ٢٤٩.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٥٨): ص ٤/ ١٢٢٣.\n(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٥٩): ص ٤/ ١٢٢٤.","vol":"8","page":614},{"text":"قال مقاتل بن حيان: \" يقول: فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا وإن الذي نطلب قبل الدارين لحق\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: لقولنا: إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة\" (٢).\nقال الطبري: أي: \" فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللَّذين عثر على أنهما استحقا إثمًا بخيانتهما مالَ الميت، الأوْليان باليمين والميِّت من الخائنين: لأيماننا أحقُّ من أيمان المقسمَين المستحقَّين الإثم، وأيمانِهما الكاذبة في أنَّهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميّتنا، وكذا في أيمانِهما التي حلفا بها\" (٣).\nقال الواحدي: \" وسميت «اليمين» ههنا: شهادة، لأن اليمين كالشهادة على ما يجب عليه أنه كذلك\" (٤).\nواختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حَكَم اللهُ تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين، بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثمًا، وفيه أقوال:\nأحدها: إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى بغير الذي يجوز في حكم الإسلام، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله. وهذا قول ابن عباس (٥)، والسدي (٦).\nوالثاني: إذا ارتابت الورثة من الشاهدين، لادعاءهما أن الميت أوصى لهما ببعض المال. وهذا قول يحيى بن معمر (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٦٠): ص ٤/ ١٢٢٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٨.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٣.\n(٤) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٦٣): ص ١١/ ١٨٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٦٤): ص ١١/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٦٥): ص ١١/ ١٨٣.","vol":"8","page":615},{"text":"والصواب-والله أعلم- \"أنّ الشاهدين ألزما اليمينَ في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلهما خيانةَ مالٍ معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما، أو على أحدهما، إنما صحح دعواه إذا حُقِّق حقه أو: الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادَّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بيِّنة، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود، ارتيب بشهادتهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك ولا - إذا لم نجد ذلك كذلك - صحّ بخبر عن الرسول ﷺ، ولا بإجماع من الأمة. لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى ذكره، فيكون أصلا مسلمًا. والقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحًا فسادُه\" (١).\nقال ابن عباس: \" خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بدَّاء، فمات السَّهمي بأرض ليس فيها مسلم. فلما قدِما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ. ثم وُجِد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم الداريّ وعديّ بن بدّاء! فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾، وأنّ الجام لصاحبهم. قال: وفيهم أنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ \" (٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٩٦٦): ص ١١/ ١٨٥. وسبقت الإشارة إليه في سبب نزول الآية رقم (١٠٦).","vol":"8","page":616},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: \" وما تجاوزنا الحق في شهادتنا\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: فيما قلنا من الخيانة \" (٢).\nقال الواحدي: أي: \" فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما\" (٣).\nقال البغوي: أي: \" في أيماننا، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: وما تجاوزنا الحقَّ في أيماننا\" (٥).\nقال السمرقندي: أي: \" في الشهادة والدعوى\" (٦).\nقال أبو السعود: \" أي: ما تجاوزنا فيها الحق أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: \" إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: إن كنا قد كذبنا عليهما\" (٩).\nقال الطبري: \" يقول: إنّا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين، لَمِنْ عِدَادِ مَنْ يأخذ ما ليس له أخذه، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس\" (١٠).\nقال السمرقندي: أي: \" إنا إذا اعتدينا فحينئذ لمن الظالمين\" (١١).\nقال أبو السعود: \" استئناف مقرر لما قبله أي إنا إن اعتدينا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه\" (١٢).\nقال مقاتل بن حيان: \" هذا قول الشاهدين أولياء الميت حين اطلع على خيانة الدارين\" (١٣).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٨.\n(٣) التفسير الوسيط: ٢/ ٢٤٢.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١١٤.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٣.\n(٦) بحر العلوم: ١/ ٤٢٦.\n(٧) تفسير أبي السعود: ٣/ ٩١.\n(٨) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٨.\n(١٠) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٣.\n(١١) بحر العلوم: ١/ ٤٢٦.\n(١٢) تفسير أبي السعود: ٣/ ٩١.\n(١٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٦١): ص ٤/ ١٢٢٤.","vol":"8","page":617},{"text":"قال البغوي: \" فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر فدفعا الإناء إليهما وإلى أولياء الميت (١)، وكان تميم الداري بعدما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه.\nوالوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه.\nويروى عن ابن عباس (٢) ﵄ عن تميم الداري قال: كنا بعنا الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله ﷺ، وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددت أنا الخمسمائة\" (٣).\nالفوائد:\n١ - جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على حقٍّ فيها؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعِثار لا يكون إلا بعد التحرِّي.\n٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشاهدَينِ إذا غيَّرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهُما آثمان؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثمٌ.\n٣ - الإشارة إلى أن الإرث يكون للأَوْلى فالأَوْلى؛ يؤخذ من قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقرِّرًا ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: \"أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\" (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٦٧)، و(١٢٩٦٨): ص ١١/ ١٨٥ - ١٨٨.\n(٢) سنن الترمذي: ٨/ ٤٢٦ - ٤٣١، وتفسير الطبري (١٢٩٦٧): ص ١١/ ١٨٦.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ١١٤.\n(٤) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥/ ٢) من حديث ابن عباس.","vol":"8","page":618},{"text":"٤ - أن تُرَدَّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.\n٥ - أن المدَّعَى عليه لا يجزم ببُطلان شهادة الشاهد التي تبيَّن أن فيها شيئًا من الخلل؛ لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ، ولم يقُل: باطلة. لكن قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدَّعَى عليه\n٦ - ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القَسَم إلى إثباتٍ ونفيٍ فلا بد من ذكر الإثبات والنفي؛ فقولهما -يعني الأَوْليينِ- ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، فهذا إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفيٌ، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة.\n٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ردَّ الأَوْليينِ لشهادة الشاهدَينِ أعظمُ اعتداءً من تغيير الشهادة من الشاهدين؛ ووجه ذلك أنه بتغيُّر الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n\nالقرآن\n﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٨]\nالتفسير:\nذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة، أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته. وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا، واسمعوا ما توعظون به. والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.","vol":"8","page":619},{"text":"قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: \" ذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة\" (١).\nقال ابن عباس: \" يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها\" (٢).\nقال قتادة: \" يقول: ذلك أحرَى أن يصدقوا في شهادتهم\" (٣).\nعن مقاتل بن حيان قوله: \" ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾، يعني: الدارين\" (٤).\nقال ابن قتيبة: \" أي: هذا الحكم أقرب بهم إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني: أهل الذمة\" (٥).\nقال الطبري: أي: \" هذا الفعل، إذا فعلتم بهم، أقربُ لهم أن يصدُقوا في أيمانهم، ولا يكتموا، ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا\" (٦).\nقال ابن الجوزي: \" أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أقرب إلى إتيان أهل الذمة بالشهادة على ما كانت، وأقرب\" (٧).\nقال الجصاص: يعني: \" أقرب أن لا يكتموا ولا يبدلوا\" (٨).\nقال السمرقندي: \" يعني: ذلك أحرى وأجدرأن يقيموا شهادة المدعي مقام شهادة المدعى عليه إذا ظهرت الخيانة، لكي لا يخونا في الشهادة، ويأتيا بالشهادة على وجهها\" (٩).\nقال الثعلبي: \" أي: ذلك أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم\" (١٠).\nقال البغوي: \" أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت\" (١١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٩٧٩): ص ١١/ ٢٠٥.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢٩٨٠): ص ١١/ ٢٠٥.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٦٣): ص ٤/ ١٢٣٤.\n(٥) تأويل مشكل القرآن: ٣٢١.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٤.\n(٧) زاد المسير: ١/ ٥٩٩.\n(٨) أحكام القرآن: ٤/ ١٦٢.\n(٩) بحر العلوم: ١/ ٤٢٦.\n(١٠) الكشف والبيان: ٤/ ١٢٢.\n(١١) تفسير البغوي: ٣/ ١١٥.","vol":"8","page":620},{"text":"قال ابن عطية: \" قوله تعالى: ﴿على وجهها﴾، معناه: على جهتها القويمة التي لم تبدل ولا حرفت\" (١).\nقال السدي: \" يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله: \"لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين، أنّ صاحبكم لبهذا أوصى، وأنّ هذه لتركته\". فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: \"إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم أجز لكما شهادة، وعاقبتكما\". فإن قال لهما ذلك، فإنّ ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: \" أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته\" (٣).\nقال قتادة: \" وأن يخافوا العَقِب\" (٤).\nقال ابن زيد: \" فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمانُ هؤلاء\" (٥).\nقال ابن قتيبة: \" فيحلّفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفضحوا، أو يغرّموا\" (٦).\nقال الجصاص: \" يعني: إذا حلفا ما غيرا ولا كتما ثم عثر على شيء من مال الميت عندهما\" (٧).\nقال الثعلبي: أي: \"إذا خافوا رد اليمين وإلزامهم الحق\" (٨).\nقال البغوي: \" أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمن بعد يمينهم على المدعي، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم\" (٩).\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٥٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٩٨٢): ص ١١/ ٢٠٦.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٩٨٠): ص ١١/ ٢٠٥.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٩٨١): ص ١١/ ٢٠٥.\n(٦) تأويل مشكل القرآن: ٣٢١.\n(٧) أحكام القرآن: ٤/ ١٦٢.\n(٨) الكشف والبيان: ٤/ ١٢٢.\n(٩) تفسير البغوي: ٣/ ١١٥.","vol":"8","page":621},{"text":"قال الطبري: أي: \" يقول: أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقُّوا إثمًا في أيمانهم بالله، أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت، بعد أيمانهم التي عُثِر عليها أنها كذب، فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم، فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم، مخافةَ الفضيحة على أنفسهم، وحذرًا أن يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته\" (١).\nقال السمعاني: \" يعني: وإن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على المدعين؛ فلا يحلفوا على الكذب؛ خوفا من أن يرد اليمين عليهم، ويكون يمينهم أولى\" (٢).\nقال السمرقندي: \" يعني: إذا خافا أن ترد اليمين إلى غيرهما، امتنعا عن الكذب. وقد احتج بعض الناس بهذه الآية بأن اليمين ترد إلى المدعي، ولا حجة له فيه، لأن رد اليمين حادثة أخرى، وهو ظهور الخيانة منهما. لأن دعوى الثاني دعوى الشرى، ودعوى الأول دعوى الكتمان\" (٣).\nأخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس قوله: \" ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾، يعني: أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم ثم يوضع ميراثه كما أمر الله وتبطل شهادة الكافرين وهي منسوخة\" (٤).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس: \" ﴿فإن عُثر على أنهما استحقّا إثمًا﴾، يقول: إن اطُّلع على أنّ الكافرين كذبَا، ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ﴿ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم﴾، وليس على شُهود المسلمين أقسْام، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين\" (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٤.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٧.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤٢٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٦٩٦٥): ص ٤/ ١٢٣٥.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢٩٧٩): ص ١١/ ٢٠٥.","vol":"8","page":622},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: \" وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا\" (١).\nقال البغوي وابن الجوزي: \" أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة\" (٢).\nقال السمرقندي: أي: \" ولا تخونوا\" (٣).\nقال الطبري: أي: \" وخافوا الله، أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله، وأن تخونوا من اتَّمنكم\" (٤).\nقال ابن عطية: \" ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام بالله\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: \" واسمعوا ما توعظون به\" (٦).\nقال البغوي: أي: \"الموعظة\" (٧).\nقال السمرقندي: أي: \" ما تؤمرون به\" (٨).\nقال الزمخشري: أي: \" سمع إجابة وقبول\" (٩).\nقال البيضاوي: \" أي: واسمعوا ما توصون به سمع إجابة\" (١٠).\nقال الطبري: \" يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به، فاعملوا به، وانتهوا إليه\" (١١).\nقال ابن عطية: أمر: \" بالسمع لهذه الأمور المنجية\" (١٢).\nقال القرطبي: \" أي: اسمعوا ما يقال لكم، قابلين له، متبعين أمر الله فيه\" (١٣).\nعن مقاتل بن حيان قوله: \" ﴿واتقوا الله واسمعوا﴾، يعني: القضاة\" (١٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي: \" والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته\" (١٥).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ١١٥، وزاد المسير: ١/ ٥٩٩.\n(٣) بحر العلوم: ١/ ٤٢٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٦.\n(٥) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٥٦.\n(٦) التفسير الميسر: ١٢٥.\n(٧) تفسير البغوي: ٣/ ١١٥.\n(٨) بحر العلوم: ١/ ٤٢٧.\n(٩) الكشاف: ١/ ٦٨٩.\n(١٠) تفسير البيضاي: ٢/ ١٤٨.\n(١١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٦.\n(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٥٦.\n(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٠.\n(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٦٧): ص ٤/ ١٢٣٥.\n(١٥) التفسير الميسر: ١٢٥.","vol":"8","page":623},{"text":"قال السمرقندي: \" يعني: الخائنين\" (١).\nقال الطبري: \" يقول: والله لا يوفِّق من فَسَق عن أمر ربّه، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربَّه\" (٢).\nقال البيضاوي: \" أي: لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة\" (٣).\nقال ابن عطية: \" أخبر أنه لا يهدي «القوم الفاسقين»، من حيث هم فاسقون، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا، ويحتمل أن يكون لفظ «الفاسقين» عاما، والمراد الخصوص فيمن لا يتوب\" (٤).\nقال القرطبي: \" فسق يفسق ويفسق: إذا خرج من الطاعة إلى المعصية\" (٥).\nقال ابن زيد: \" ﴿والله لا يهدي القومَ الفاسقين﴾، الكاذبين، يحلفون على الكذب\" (٦).\nقال الطبري: \" وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ، إلا أن الله تعالى ذكره عَمَّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفسَّاق، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض بخبر ولا عقلٍ، فذلك على معاني «الفسق» كلها، حتى يخصِّص شيئًا منها ما يجب التسليمُ له، فيُسلِّم له\" (٧).\nوفي الصحاح: «الهداية» بمعنى الارشاد والدلالة (٨)، ويقال: هديتُهُ الطريقَ والبيتَ هداية، أي عَرَّفتُه به (٩).\nو«الهداية»: قد يأتي في كلام العرب: بمعنى التوفيق (١٠)، فمن ذلك قول الشاعر (١١):\nلا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي ... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ\n_________\n(١) بحر العلوم: ١/ ٤٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٦.\n(٣) تفسير البيضاي: ٢/ ١٤٨.\n(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٥٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٠.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢٩٨٣): ص ١١/ ٢٠٦.\n(٧) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٧.\n(٨) الصحاح: مادة: الهُدى:، ج ٦، ص ٢٥٣٣.\n(٩) المصباح المنير مادة (شَاءَ) و(هَدَى) ١/ ٣٣٤.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٦٧.\n(١١) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري: ١/ ١٦٧، وفي أمالي المرتضى: ١/ ١٦٠، من ابيات لودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة.","vol":"8","page":624},{"text":"يعنى به: وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر (١):\nولا تُعْجِلَنِّي هدَاك المليكُ ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا\nفمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري.\nومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: \" لا يُوفِّقهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم\" (٢).\nوذكر السمين الحلبي وجوها في معنى «الهداية» (٣):\nأحدها: الإرشاد.\nوالثاني: الدلالة.\nوالثالث: التقدم، ومنه هوادي الخيل لتقدمها قال امرؤ القيس (٤):\nفألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل\nفقوله: الهاديات، أي: أوائل بقر الوحش.\nوالرابع: التبيين نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. أي بيّنا لهم.\nوالخامس: الإلهام، نحو: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي ألهمه لمصالحه.\nوالسادس: الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أي: داع.\nوالسابع: وقيل هو الميل، ومنه ﴿إنا هدنآ إليك﴾ [الأعراف: ٥٦]، والمعنى: مل بقلوبنا إليك، قال السمين الحلبي: \"وهذا غلط، فإن تيك مادة أخرى من هاد يهود\" (٥).\nوقال الحسن بن الفضل: \" (الهدى) في القرآن على وجهين:\nالوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصّلت: ١٧].\n_________\n(١) نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر: ٢٥٣، وقال: \" أول من قال ذلك طرفة بن العبد، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند \"، وليس في ديوانه، وانظر أمثال الميداني ٢/ ١٢٥.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ١٦٧.\n(٣) انظر: الدر المصون: ١/ ٦٣.\n(٤) ديوانه: ٢٢، وانظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ٣١، إذ الرواية فيه (فالحقنا). وجواحرها، أي: متخلفاتها. لم تزيل: لم تتفرق.\n(٥) الدر المصون: ١/ ٦٣.","vol":"8","page":625},{"text":"الوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] \" (١).\nالفوائد:\n١ - أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق بالشهادة فهو أَوْلى أن يُتَّبع؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ لأن الإنسان إذا فهِم أن من ورائه أُناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بُطلانها فلا بد أن يتحرَّى الصدق فيما شهد به.\n٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾، ومعنى ﴿اسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا، كما سبق أيضًا في الشرح.\n٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي: الخارجين عن طاعته، وخبر اللهِ صِدقٌ.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n٥ - ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n٦ - وتجدر الإشارة بأن الفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش.\nوالفسق نوعان:\nأحدهما: - فسق يخرج عن الإسلام، والثاني: - وفسق لا يخرج عن الإسلام\nقال ابن عباس - ﵄ -: \" كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذّنب \" (٢).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١١٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١/ ١٤٢)، والدرر المنثور للسيوطي (١/ ١٠٥).","vol":"8","page":626},{"text":"وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم، قالوا: \"كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق \" (١).\nقال محمد بن نصر المروزي ﵀: \" والفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا\" (٢).\nوها هنا أمر مهمّ لا بد من التنويه به، وهو أن الإيمان لما كان شعبًا متعدّدة كما أخبر الصّادق المصدوق ﷺ في حديث شعب الإيمان (٣)، فإن ما يقابله ويضاده كذلك، فالكفر شعب ومراتب، فمنه ما يُخرج من الملّة، ومنه كفر دون كفر، وكذا النفاق، والشرك، والفسق، والظلم، وهذا أصل عظيم تميّز به أهل السنة عن المبتدعة من الوعيدية والمرجئة (٤).\nالقرآن\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩]\nالتفسير:\nواذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل ﵈، فيسألهم عن جواب أممهم لهم حينما دعوهم إلى التوحيد فيجيبون: لا علم لنا، فنحن لا نعلم ما في صدور الناس، ولا ما أحدثوا بعدنا. إنك أنت عليم بكل شيء مما خفي أو ظهر.\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: \" واذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل ﵈\" (٥).\nقال الواحدي: \" أَيْ: اذكروا ذلك اليوم\" (٦).\nقال ابن عاشور: أي: \" اذكر يوم يجمع الله الرسل\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الإيمان.\n(٢) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٦).\n(٣) وهو قوله ﷺ: «الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ..» أخرجه البخاري، كتاب الإيمان ح (٩). ومسلم، كتاب الإيمان ح (٣٥).\n(٤) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص (٥٣ - ٥٨).\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٦) الوجيز: ٣٤١.\n(٧) التحرير والتنوير: ٧/ ٩٨.","vol":"8","page":627},{"text":"قال القاسمي: \" تخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم، بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم، بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم\" (١).\nقال الزجاج: \" ومعنى المسألة من الله تعالى للرسل تكون على جهة التوبيخ للذين\nأرسلوا إليهم، كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩] ... فإنما تسأل ليوبخ قاتلوها ... أما نصب ﴿يوم﴾ فمحمول على قوله: ﴿واتقوا الله واسمعوا﴾ أي، واتقوا يوم يجمع الله الرسل، كما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] \" (٢).\nوفي الصحيح في حديث الشفاعة: \"إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله\" (٣).\nعن أبي أسامة الباهلي: \" أن رجلا قال: يا رسول الله كم كان الرسل. قال: ثلاثمائة وخمسة عشر\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: \" فيسألهم: ما الذي أجابتكم به أممكم؟ \" (٥).\nقال الطبري: \" يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم، حين دعوتموهم إلى توحيدي، والإقرار بي، والعمل بطاعتي، والانتهاء عن معصيتي؟ \" (٦).\nقال القاسمي: أي: \" ما الذي أجابكم من أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن عهدة الرسالة، إذا لم يقل: هل بلغتم رسالاتي؟ وفي توجيه السؤال إليهم. والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم بأن يقال: ماذا أجابوا- من الإنباء عن شدة الغضب الإلهي ما لا يخف\" (٧).\n_________\n(١) محاسن التأويل: ٤/ ٢٨٩.\n(٢) معاني القرآن: ٢/ ٢١٨.\n(٣) أخرجه البخاري في: الأنبياء، ٣ - باب قول الله ﷿: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه، حديث ١٥٧٩ عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم في: الإيمان، حديث ٣٢٧ و٣٢٨.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٩٦٩): ص ٤/ ١٢٣٥.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٤٤.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٧) محاسن التأويل: ٤/ ٢٨٩.","vol":"8","page":628},{"text":"قال محمد رشيد رضا: \" والمراد من السؤال توبيخ أممهم، وإقامة الحجة على الكافرين منهم، والمعنى أي إجابة أجبتم، أإجابة إيمان وإقرار أم إجابة كفر واستكبار؟ فهو سؤال عن نوع الإجابة لا عن الجواب ماذا كان\" (١).\nقال أبو السعود: \" أي: أي إجابة أجبتم من جهة أممكم: إجابة قبول أو إجابة رد؟، وقيل: بأي جواب أجبتم وعلى التقديرين ففي توجيه السؤال عما صدر عنهم وهم شهود إلى الرسل ﵈ كسؤال الموءودة بمحضر من الوائد والعدول عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال ماذا أجابوا من الأنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدة الغيظ والسخط عليهم ما لا يخفي\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: \" لا علم لنا إِلى جنب علمك\" (٣).\nقال الثعلبي: \" أي فيقولون: لا علم لنا\" (٤).\nقال أبو السعود: \" وصيغة الماضي في قوله: ﴿قالوا﴾، للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ونظائرهما، وإنما يقولون ذلك تفويضا للأمر إلى علمه تعالى وإحاطته بما اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة الهموم والأوجال وعرضا لعجزهم عن بيانه لكثرته وفظاعته\" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]، ستة تاويلات:\n_________\n(١) تفسير المنار: ٧/ ٢٠٢.\n(٢) تفسير أبي السعود: ٣/ ٩٣.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٤٤.\n(٤) الكشف والبيان: ٤/ ١٢٢.\n(٥) تفسير أبي السعود: ٣/ ٩٣.","vol":"8","page":629},{"text":"أحدها: لم يكن ذلك إنكارًا لِمَا علموه، ولكن ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم ثم أجابوا بعدما ثابت عقولهم، قاله الحسن (١)، ومجاهد (٢)، والسدي (٣)، وإسحاق بن خلف (٤)، وروي عن ابن عباس نحوه (٥)، واختاره الواحدي (٦).\nقال السمعاني: \" فإن قال قائل: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا ما أجابوا؟\nقيل: إن جهنم تزفر زفرة تذهل بها عقولهم؛ فيقولون من شدة الفزع: لا علم لنا؛ ثم يرد الله - تعالى - عليهم عقولهم، فيخبرون بالجواب\" (٧).\nقال الزجاج: \" قال بعضهم: لو كانت عزبت أفهامهم لم يقولوا: ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ \" (٨).\nوالثاني: لا علم لنا إلا ما علمتنا، قاله مجاهد –في قوله الآخر- (٩).\nوالثالث: لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منَّا، قاله ابن عباس (١٠).\nوالرابع: لا علم لنا بما أجاب به أممنا، لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء، ذكره المارودي عن الحسن أيضًا (١١)، وذكر الزجاج عن بعضهم نحوه (١٢).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٨٧): ص ١١/ ٢١٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٨٨): ص ١١/ ٢١٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٨٦): ص ١١/ ٢١٠.\n(٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٧٤): ص ٤/ ١٢٣٦.\n(٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٩٧٠): ص ٤/ ١٢٣٥، وفيه: \" ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا:\nلا علم لنا﴾، قال: ثم يرد الله عليهم عقولهم فيكونون هم الذين يسألون. يقول الله: ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين﴾ \".\n(٦) انظر: الوجيز: ٣٤١.\n(٧) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٧.\n(٨) معاني القرآن: ٢/ ٢١٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٨٩): ص ١١/ ٢١١.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٠): ص ١١/ ٢١١.\n(١١) انظر: النكت والعيون: ٤/ ١٢٣٦.\n(١٢) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢١٨.","vol":"8","page":630},{"text":"والخامس: أن معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، أي: ماذا عملوا بعدكم، ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوْبِ﴾، قاله ابن جريج (١).\nقال السمعاني: \" وقيل: معناه: لا علم بعاقبة أمرهم، وبما أحدثوا من بعد، وأن أمرهم على ماذا ختم، وعلى هذا دل شيئان:\nأحدهما: من الآية قوله ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾.\nوالثاني: ما روى صحيحا عن رسول الله أنه قال: «يسلك بطائفة من أصحابي ذات الشمال - يعني يوم القيامة - فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي، فيقول الله - ﵎ -: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول ما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢)» (٣) \" (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩١): ص ١١/ ٢١١.\n(٢) [المائدة: ١١٧].\n(٣) أخرجه أحمد (٢٠٩٦): ص ٤/ ٩ - ١٠، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٥٧ و١٣/ ٢٤٧، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨)، والنسائي ٤/ ١١٧ من طريق وكيع، بهذا الإسناد، ورواية ابن أبي شيبة مختصرة.\nوأخرجه البخاري (٢٥٢٦)، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨)، وابن حبان (٧٣٤٧) من طريق محمد بن جعفر، به.\nوأخرجه الطيالسي (٢٦٣٨)، والدارمي (٢٨٠٢)، والبخاري (٤٦٢٥) و(٤٧٤٠)، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨)، والنسائي ٤/ ١١٧، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٣٩٥ من طرق عن شعبة، به. وقد تقدم مختصرا برقم (١٩١٣)، وسيأتي برقم (٢٢٨١) و(٢٢٨٢) و(٢٣٢٧).\n(٤) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٧ - ٧٨.","vol":"8","page":631},{"text":"قال الطبري: هذا\" تأويل لا معنَى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يَحدُث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك، فإنما يقال لها: ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهرُ خَبر الله تعالى ذكره عن مسألته إيّاهم، يدلّ على غير ذلك\" (١).\nوالسادس: يعني: لا علم لنا بما كان في قلوبهم من الإيمان بك وغيره، إنما علمنا بما أظهروه من الإقرار باللسان ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾، فقيل له: يطالبهم بحقيقة ما في قلوب الأمة؟ فقال: لا، وإنما وقع السؤال بنفسه إياهم عن حقيقة الظاهر الذي لا يظهر إلا بحقيقة الباطن، فأجابوا بالإشارة إلى رد العلم إليه. قاله التستري (٢).\nوالصواب-والله أعلم- هو قول ابن عباس، أي: \" لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منّا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لا علم لنا إنَّك أنتَ علام الغيوب﴾، أي: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفيِّ العلوم وجليِّها. فإنما نَفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره لا أنَّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا. كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يُخْبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] \" (٣).\nفإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعليه جوابان (٤):\nأحدهما: أنه إنما سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم.\nوالثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على الأشهاد ليكون ذلك نوعًا من العقوبة لهم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٢.\n(٢) تفسير التستري: ٦٠.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٢١١ - ٢١٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٨.","vol":"8","page":632},{"text":"وقرىء: «علام الغيوب»، بالنصب على النداء أو الاختصاص بالمدح على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: ﴿أنت﴾، أي: إنك أنت المنعوت بنعوت كمالك المعروف بذلك (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: \" إنك أنت عليم بكل شيء مما خفي أو ظهر\" (٢).\nقال أبو السعود: \" تعليل لذلك، أي: فتعلم ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم وفيه إظهار للشكاة ورد للأمر إلى علمه تعالى بما لقوا من قبلهم من الخطوب وكابدوا من الكروب والتجاء إلى ربهم في الانتقام منهم وقيل المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة ورد ذلك بأنهم يعرفونهم بسيماهم فكيف يخفى عليهم أمرهم وأنت خبير بأن مرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا في زمانهم على الحق ثم صاروا كفرة\" (٣).\nقال محمد رشيد رضا: \" يعني أنه ليس بنفي لعلمهم بإطلاق وإنما هو نفي لعلم الإحاطة الذي هو خاص بالخلاق العليم; إذ الرسل كانوا يعلمون ظاهر ما أجيبوا به من مخاطبيهم ولا يعلمون بواطنهم، ولا حال من لم يروه من أممهم، إلا ما يوحيه تعالى إليهم من ذلك، وهو قليل من كثير; ولذلك فقرنوا نفي العلم عنهم بإثبات المبالغة في علم الغيب له تعالى، فإن صيغة \" علام \" معناها كثير العلم، أي بكثرة المعلومات، وإلا فعلمه واحد محيط بكل شيء إحاطة كاملة. ولا يوصف تعالى بـ «العلامة»، ولعله لما فيه من «تاء» التأنيث، قال تعالى لنوح ﵇ لما سأل ربه أن ينجي ولده من الطوفان: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، وقال لخاتم رسله ﵊: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُم﴾ [التوبة: ١٠١] \" (٤).\nالفوائد:\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود: ٣/ ٩٤.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٣) تفسير أبي السعود: ٣/ ٩٤.\n(٤) تفسير المنار: ٧/ ٢٠٣.","vol":"8","page":633},{"text":"١ - شدة هول يوم القيامة وصعوبة الموقف حتى إن الرسل ليذهلون.\n٢ - ومن الفوائد: تمام قدرة الله ﵎، وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسول ﷾ بقدرته وإذنه.\n٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث إن الله ﷾ يعتني بهم هذا الاعتناء؛ حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أُجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة.\n٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدُّب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله ﷿، حيث قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذا وجه.\nالوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم؛ وأنهم لا يعلمون الغيب.\nالوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾.\n٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الغيب لله ﷿؛ لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول إجماع منهم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعني: لا غيرك، والكهنة يخبرون عن مغيبات المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي، ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدق بكلمة واحدة، وهذا لا ينافي القول بأن الله علام الغيوب وحده؛ لأن الله تعالى قال في هؤلاء الذين يسترقون السمع قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر ١٨] فاستثنى الله ﷿، قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.\n\nالقرآن","vol":"8","page":634},{"text":"﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ [المائدة: ١١٠]\nالتفسير:\nإذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها، ومن هذه النعم على عيسى أنه قوَّاه وأعانه بجبريل ﵇، يكلم الناس وهو رضيع، ويدعوهم إلى الله وهو كبير بما أوحاه الله إليه من التوحيد، ومنها أن الله تعالى علَّمه الكتابة والخط بدون معلم، ووهبه قوة الفهم والإدراك، وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل عليه هداية للناس، ومن هذه النعم أنه يصوِّر من الطين كهيئة الطير فينفخ في تلك الهيئة، فتكون طيرًا بإذن الله، ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر، ويشفي الأبرص، فيعود جلده سليمًا بإذن الله، ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقومون من قبورهم أحياء، وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه، وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى ﵇، ثم يذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ منع بني إسرائيل حين همُّوا بقتله، وقد جاءهم بالمعجزات الواضحة الدالة على نبوته، فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البينات سحر ظاهر.","vol":"8","page":635},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها\" (١).\nقال السمعاني: \" أمره بشكر النعمة\" (٢).\nقال ابن كثير: \" أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ﴿وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ حيث جَعلتُكَ لها برهانًا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة\" (٣).\nوإنما ذكَّر الله عيسى ﵇ نعمته عليه على والدته، وإن كان لهما ذاكرًا لأمرين (٤):\nأحدهما: ليتلو على الأمم ما خصه به من الكرامة ومَيّزَه به من علو المنزلة.\nوالثاني: ليؤكد به حجته ويرد به جاحده.\nقال الزمخشري: \" وقيل: لما قال الله تعالى لعيسى: ﴿اذكر نعمتي عليك﴾، كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد يقول: مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات\" (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" أي حين قوّيتك بالروح الطاهرة المقدسة «جبريل» ﵇\" (٦).\nقال القرطبي: \" ﴿إذ أيدتك﴾، يعني: قويتك، مأخوذ من الأيد وهو القوة\" (٧).\nقال البغوي: يعني: قويتك، بجبريل -﵇- فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه\" (٨).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٧٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٩، وتفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٢\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٩١.\n(٦) صفوة التفاسير: ٣٤٤.\n(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٢.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.","vol":"8","page":636},{"text":"قال ابن كثير: ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾: \"وهو جبريل، ﵇، وجعلتك نبيًا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي\" (١).\nقال الماوردي: \" يعني قويتك، مأخوذ من الأيد وهو القوة، وروح القدس جبريل، والقدس هو الله تعالى تقدست أسماؤه، وتأييده له من وجهين:\nأحدهما: تقويته على أمر دينه.\nوالثاني: معونته على دفع ظلم اليهود والكافرين له\" (٢).\nو«الأيد» و«الآد»: القوة، يقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، قال امرؤ القيس (٣):\nفَأَثَّتْ أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه ... ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا\nأي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (٤)، يقال منه: أيدك الله، أي قواك، قال العجاج (٥):\nمن أن تبدلت بآدي آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا\nيعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر (٦):\nإن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(٢) النكت والعيون: ٢/ ٧٩.\n(٣) يصف نخيلًا، انظر \"ديوانه\" ص ٦٠، \"لسان العرب\" ١/ ١٨٩ (مادة أيد). \"المعجم المفصل\" ٣/ ١٤٠.\n(٤) ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦، \"اللسان\" ١/ ١٨٩، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.\n(٤) تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦، \"اللسان\" ١/ ١٨٩.\n(٥) زيادة ديوانه: ٧٦، واللسان (آود) (أيد) ومجاز القرآن: ٤٦، وأمالي الزجاجي: ٣٩ في خبر، ورواه: \"فإن تبدلت بآدي آدا\".\nوالقعاد: القواعد من النساء، جمع على جمع المذكر، كما قال القطامي:\nأبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد\nيعني: غير صواد.\n(٦) ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى ابن أبي عمرة الشيباني. مولى بني شيبان (تاريخ الطبري ٤: ٢٢ / وسمط اللآلئ: ٩٦٣ ترجمته)","vol":"8","page":637},{"text":"يعني بالأيد: القوي (١).\nواختلف أهل التفسير في معنى ﴿ِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، على وجوه:\nالقول الأول: أنه جبريل ﵇ (٢) والقدس: الطهارة، هو قول قتادة (٣)، والربيع بن أنس (٤)، والسدي (٥)، والضحاك (٦)، ومحمد ابن كعب القرظي (٧)، وعطية العوفي (٨)، وإسماعيل بن أبي خالد (٩)، وشهر بن حوشب الأشعري (١٠). واختاره الزجاج (١١)، والطبري (١٢)، والشنقيطي (١٣)، وغيرهم.\nويؤيده قوله -ﷺ-: \"اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك\" (١٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠، جامع البيان للطبري: ٢/ ٣٢٠، النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٥٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١١٢. وذهب إليه: الزجاج في معاني القرآن: ١/ ١٦٨، والطبري في جامع البيان: ٢/ ٣٢١، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ١٥٦، وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٧، والرازي في مفاتيح الغيب: ١/ ١٩١، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٤، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٥٥، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٢٩٤، وغيرهم.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٥): ص ٢/ ٣٢٠\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٨): ص ٢/ ٣٢٠\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٦): ص ٢/ ٣٢٠\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٧): ص ٢/ ٣٢٠\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٤): ص ١/ ١٦٨.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٨.\n(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٣): ص ١/ ١٦٨.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٨٩): ص ٢/ ٣٢٠\n(١١) انظر: معاني القرآن: للزجاج: ١/ ١٦٨.\n(١٢) انظر: تفسير الطبري: ص ٢/ ٣٢٠\n(١٣) انظر: أضواء البيان: ٢/ ٤٥٣.\n(١٤) وكذا عزاه المزي في تحفة الأشراف (١٢/ ١٠) للبخاري، وقال الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\": \"لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري، وقد وصله أحمد والطبراني وصححه الحاكم\".","vol":"8","page":638},{"text":"ومنه قول حسان (١):\n_________\n(١) ديوانه: ١/ ١٧، ١٨، و\" سيرة ابن هشام \" ٢/ ٤٢١، ٤٢٤، والسهيلي ٢/ ٢٨٠، وابن سيد الناس ٢/ ١٨١، و\" تهذيب ابن عساكر \" ٤/ ١٣٠، ١٣١.\nونص الحديث: (حديث مرفوع) \"أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الصَّيْدَلانِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَتْكُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، قِرَاءَةً عَلَيْهَا، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيذَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: \" اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ \"، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ حَسَّانٌ، قَالَ: قَدْ آنَ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، دَلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ فَرْيَ الأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" لا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يَخْلُصَ لَكَ نَسَبِي \"، فَأَتَاهُ حَسَّانٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَلَصَ لِي نَسَبُكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانٍ: \" إِنَّ رُوحَ الْقُدْسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ \"، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \" هَجَاهُمْ حَسَّانٌ فَشَفَى وَاشْتَفَى \". قَالَ حَسَّانٌ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعْرِضْ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ ثَكَلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفِي كَدَاءُ تُنَازِعُنِي الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعَرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٌ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ تَلاقِي مِنْ مَعَدٍّ كُلَّ يَوْمٍ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، بِإِسْنَادِهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ\".","vol":"8","page":639},{"text":"وجبريل رسول الله ينادي ... وروح القدس ليس به خفاء\nوعن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: \"أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ \" قالوا: نعم\" (١).\nوفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"إن روح القدس نفخ في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" (٢).\nواختلفوا في سبب تسمية «جبريل» -﵇-، بـ «روح القدس»، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه سُمِّيَ رُوحًا، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان، يحيي بما يأتي به من البينات من الله ﷿ (٣)، كما قال ﷿: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أي: \"كان كافرًا فهديناه\" (٤).\nوالثاني: أنه سمي روحًا، لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وإنما يختص به جبريل تشريفًا (٥).\nوالثالث: أنه سمي روحًا، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحًا من عنده من غير ولادة.\nالقول الثاني: أن المراد بروح القدس: الإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسمي به، لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله (٦). وهذا قول ابن زيد (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤٨٩): ص ٢/ ٣٢٠، من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.\n(٢) ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٤) من طريق أبي عبيد عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي، عمن أخبره، عن ابن مسعود به مرفوعًا.\n(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٤) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٠.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٦) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (١/ ٨٦).\n(٧) انظر: تفسير الطبري: (١٤٩٠): ص ٢/ ٣٢١، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١١٣، وغيرهما،","vol":"8","page":640},{"text":"والقول الثالث: أن روح القدس: اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يُحيِي به الموتى (١)، قاله: ابن عباس في رواية الضحاك عنه (٢)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٣).\nوالقول الرابع: أن روح القدس عيسى﵇-، وإنما كان ذلك تأييدًا له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة (٤).\nوقالوا \" وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث\" (٥).\nوالقول الأول أظهر، وهو قول الجمهور، لأن التسمية فيه أظهر مما عداه (٦)، ولأن التأييد به على الحقيقة، ولأن الله-جل ثناؤه-أخبر أنه أيد عسى به في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠] وهي تدل من جهتين على أن «روح القدس» غير الإنجيل:\nالأولى: قوله﷿-: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [المائدة: ١١٠] ونزول الإنجيل على عيسى كان في مرحلة الرجولة لا المهد.\n_________\n(١) انظر: تفسير للطبري: ٢/ ٣٢١، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، وغيرهما.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٩١): ص ٢/ ٤٢١، وابن أبي حاتم (٨٨٦): ص ١/ ١٦٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٩.\n(٤) انظر: الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٩٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ١٩٠.\n(٥) التفسير البسيط: ٣/ ١٣١، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٢.\n(٦) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٦٣.","vol":"8","page":641},{"text":"والثانية: أنه لو كان المراد به الإنجيل لكان ذكر الإنجيل مرة أخرى لا معنى له، \"وذلك خلف من الكلام والله-تعالى ذكره-يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة\" (١)، لكن قد يقال: إن الكلام في معرض الامتنان فإعادة ذكر الإنجيل مرة أخرى لا تخلو من فائدة؛ لأنه في الأول امتنان بالتأييد وفي الثاني امتنان بالتعليم وهما شيئان مختلفان لكن الجهة الأولى لا جواب عنها. وكونه اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحي به الموتى يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي ﷺ. أما كون المراد روح عيسى﵇فوجه تأييد عيسى به متكلف. والله أعلم.\nوفي معنى ﴿القُدُس﴾ [المائدة: ١١٠]، ثلاثة أقوال:\nأحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى ﵇ روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب، وهذا قول الحسن (٢)، والربيع (٣)، وجعفر (٤)، وابن زيد (٥).\nوالثاني: أن القدس: المطهر، قاله ابن عباس (٦)، كأنه دل به على التطهر من الذنوب، قال العَجّاج (٧):\nقد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (٨)\nوالثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٣٢٢.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٧): ص ١/ ١٦٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٣): ص ٢/ ٣٢٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٤): ص ٢/ ٣٢٣.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٩): ص ١/ ١٦٩.\n(٧) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٣١، واللسان\" ٦/ ٣٥٥٠ (مادة: قدس)، وفيه: (مولى) بدل (رب). وبعده:\nإن أبا العباس أولى نفس ... بمعدن الملك القديم الكِرسِ\n(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٦.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٩٢): ص ٢/ ٣٢٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٨٨٨): ص ١/ ١٦٩.","vol":"8","page":642},{"text":"قال الواحدي: \" وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء، ودليل هذا التأويل: قوله ﷿: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل\" (١).\nقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" وإذ تكلّم الناس في المهد صبيًّا وفي الكهولة نبيا\" (٢).\nقال الطبري: \" هذا خبر من الله تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد، وكهلا كبيرًا\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن \"تكلم\" تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \"واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإِنجيل\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: الخط والفهم، ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾: وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يَرِدُ لفظ التوراة في الحديث ويُرَاد به ما هو أعم من ذلك \" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ١١٠]، قولان:\nأحدهما: يريد الخط. قاله الطبري (٧)، والبغوي (٨)، والزمخشري (٩).\nوالثاني: يريد الكتب فعبر عنها بالكتاب إرادة للجنس.\nوفي «الحكمة» قولان:\nأحدهما: أنها العلم بما في تلك الكتب.\nقال البغوي: \" يعني: العلم والفهم\" (١٠).\n_________\n(١) التفسير البسيط: ٣/ ١٣٠.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٤٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢١٥.\n(٨) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٩١.\n(١٠) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.","vol":"8","page":643},{"text":"قال الطبري: \" هي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل \" (١).\nوالثاني: أنها جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه. ذكره الماوردي (٢).\nقال الزمخشري: \" ﴿الحكمة﴾: الكلام المحكم الصواب\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]، قال الماوردي: \" يريد تلاوتهما وتأويلهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" واذكر أيضًا حين كنت تصوّر الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري\" (٥).\nقال الطبري: \" يعني: بقوله ﴿تخلق﴾: تعمل وتصلح، من الطين كهيئة الطير ﴿بإذني﴾، يقول: بعوني على ذلك، وعلمٍ منّي به\" (٦).\nقال البغوي: \" ﴿وإذ تخلق﴾ تجعل وتصور، ﴿من الطين كهيئة الطير﴾ كصورة الطير\" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك \" (٨).\nقال الزمخشري: \" أى: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير\" (٩).\nقال مقاتل: \" فخلق الخفاش بإذن الله لأنه أشد الخلق إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله\" (١٠).\nقال ابن جريج: \"قوله: ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير﴾، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل\" (١١).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٥.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٩ - ٨٠.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٩١.\n(٤) النكت والعيون: ٢/ ٨٠.\n(٥) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٥.\n(٧) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٦٤.\n(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٦.\n(١١) أخرجه الطبري (٧٠٨٧): ص ٦/ ٤٢٦.","vol":"8","page":644},{"text":"قال ابن إسحاق: \"إنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: \" كن طائرًا بإذن الله \"، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة\" (١).\nوعن ابن إسحاق أيضا: \" ثم جعل الله على يديه يعني: عيسى أمورا تدل به على قدرته في بعثه، بعث من يريد أن يبعث بعد الموت، وخلقه ما يشاء أن يخلق من شيء، يرى أو لا يرى فجعله ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيرًا بأمر الله ومشيئته\" (٣).\nقال الطبري: \" يقول: فتنفخ في الهيئة، قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني\" (٤).\nقال ابن كثير: \" أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيرًا ذا روح بإذن الله وخلقه\" (٥).\nقال البغوي: \" ﴿فتكون طيرا﴾ حيا يطير\" (٦).\nقال الزمخشري: \" ﴿بإذني﴾، بتسهيلى\" (٧).\nوفي المُتَوَلِّي لنفخها وجهان (٨):\nأحدهما: أنه المسيح ينفخ الروح في الجسم الذي صوره من الطين كصورة الطير.\nوالثاني: أنه جبريل –﵇-.\nقال الزمخشري: \" وقيل: لم يخلق غير الخفاش\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧٠٨٦): ص ٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٤١): ص ٢/ ٦٥٥.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٥.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٧) الكشاف: ١/ ٦٩١.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٧٩ - ٨٠.\n(٩) الكشاف: ١/ ٣٦٤.","vol":"8","page":645},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" وتشفي الأعمى الذي لايبصر والأبرص الذي استعصى شفاؤه بأمري ومشيئتي\" (١).\nقال البغوي: أي: \" وتصحح\" (٢).\nقال الطبري: \" يقول: وتشفي ﴿الأكمهَ﴾، وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، المطموس البصر، ﴿والأبرص بإذني﴾ (٣).\nقال مقاتل: ﴿الْأَكْمَهَ﴾: \" الذي ولدته أمه أعمى الذي لم ير النور قط فيرد الله بصره (٤).\nقال الثعلبي: \" ﴿الأبرص﴾، الذي به وضح، وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك داعيا لا دواء له\" (٥).\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿الأكمه﴾ على أقوال:\nأحدها: أنه الذي يُبصر بالنهار، ولايبصر بالليل. قاله مجاهد (٦).\nوالثاني: أنه الأعمى الذي ولدته أمه كذلك ولم يبصر ضوءا قط. قاله ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، ومقاتل بن سليمان (٩)، وأبو عبيدة (١٠)، والزجاج (١١).\nورجّحه ابن كثير، وقال: \" وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي\" (١٢).\n_________\n(١) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٥.\n(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧١.\n(٦) انظر: تفسير مجاهد: ٢٥٢، وتفسير الطبري (٧٠٨٨): ص ٦/ ٤٢٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٢): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٠): ص ٦/ ٤٢٨.\n(٩) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(١٠) تفسير ابن المنذر (٤٩٣): ص ١/ ١٨٥.\n(١١) معاني القرآن: ١/ ٤١٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤.","vol":"8","page":646},{"text":"والثالث: أنه الأعمى على الإطلاق. وهذا قول الحسن (١)، والسدي (٢)، وكذلك روي عن ابن عباس-في أحد قوليه- (٣)، وقتادة-في أحد قوليه- (٤)، وعكرمة- في أحد قوليه- (٥).\nوالرابع: أنه الأعمش. قاله عكرمة (٦).\nوالراجح –والله أعلم- هو القول الثاني، أي: الذي يولد أعمى، وعليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يعالجه الطب البشري (٧).\nوالمشهور في كلام العرب، أن الأكمه، هو الأعمى، قال سويد بن أبي كاهل (٨):\nكَمَّهَتْ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضّتَا ... فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نزعْ\nومنه قول رؤبة (٩):\nهَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الأكْمَهِ ... فِي غَائِلاتِ الحَائِرِ المُتَهْتِهِ\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" تحيي الموتى بأمري ومشيئتي\" (١٠).\nقال البغوي: أي: \" من قبورهم أحياء\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته\" (١٢).\nقال الزمخشري: أي: \"تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية\" (١٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٦): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٣): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٦٤): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٥): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن المنذر (٤٩٥): ص ١/ ٢١٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (٧٠٩٧): ص ٦/ ٤٢٩.\n(٧) انظر: فتح الباري: ٦/ ٤٧٢.\n(٨) انظر: المفضليات: ٤٠٥، اللسان (كمه).\n(٩) ديوانه: ١٦٦، واللسان (كمه) (هرج) (تهته)، ومجاز القرآن ١/ ٩٣، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٠.\n(١٠) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(١١) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٣.\n(١٣) الكشاف: ١/ ٦٩١.","vol":"8","page":647},{"text":"قال مقاتل: \" ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هذا آية من الله﷿- بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل، فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن الله، فقالوا له: إن هذا سحر فأرنا آية نعلم أنك صادق\" (١).\nروي عن عبدالصمد بن معفل، أنه سمع وهب بن منبه، قال: \"لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله\" (٢).\nقال الزمخشري: \" وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر «بإذن الله» دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية\" (٣).\nقال الكلبي: \"كان عيسى -﵇- يحيي الأموات بـ: يا حى يا قيوم\" (٤).\nوعن أبي الهذيل قال: \"كان عيسى ابن مريم، ﵇، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [سورة الملك]، وفي الثانية: ﴿الم. تَنزيلُ الْكِتَابِ﴾ [سورة السجدة]. فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد - وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض، وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب\" (٥).\nقال ابن كثير: \"وهذا أثر عجيب جدًا\" (٦).\n_________\n(١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٢٧٧.\n(٢) أخرجه الطبري (٧٠٩٨): ص ٦/ ٤٣١ - ٤٣٢.\n(٣) الكشاف: ١/ ٣٦٥.\n(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٣.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.","vol":"8","page":648},{"text":"قال الثعلبي: \" قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر، وكان صدّيقا فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له.\nوابن العجوز مرّ به ميّتا على عيسى -﵇- على سرير يحمل فدعا الله عيسى -﵇- فجلس على سريره ونزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له.\nوالبنت العاقر، قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت فبقيت وولد لها.\nوسام بن نوح دعا عيسى -﵇- باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب\" (١)، \"فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين أحياهم عاشوا، وولد لهم\" (٢).\nوهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم - ﷺ -. والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.\n_________\n(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٢ - ٧٣.\n(٢) تفسير السمعاني: ١/ ٣٢١.","vol":"8","page":649},{"text":"قال ابن كثير: \" قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، ﵇، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، ﵇، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" واذكر حين منعتُ اليهود من قتلك لّما همّوا وعزموا على الفتك بك حين جئتهم بالحجج والمعجزات\" (٢).\nقال البغوي: أي: \"منعت وصرفت، اليهود، ﴿عنك﴾ حين هموا بقتلك، ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾ يعني: الدلالات والمعجزات\" (٣).\nقال القرطبي: \" ﴿كففت﴾ معناه دفعت وصرفت ﴿بني إسرائيل عنك﴾، حين هموا بقتلك، ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾ أي: الدلالات والمعجزات، وهي المذكورة في الآية\" (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥.\n(٢) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٣.","vol":"8","page":650},{"text":"قال الطبري: أي: \" واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفِّي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك، وقد هموا بقتلك إذ جئتهم بالأدِلة والأعلام المعجزة على نبوّتك، وحقيقة ما أرسلتك به إليهم\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]، أي: \" فقال الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك ما هذه الخوارق إِلا سحرٌ ظاهر واضح\" (٣).\nقال البغوي: \"يعني: ما جاءهم به من البينات\" (٤).\nقال القرطبي: \" يعني: الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك. ﴿إن هذا﴾، أي: المعجزات، ﴿إلا سحر مبين﴾ \" (٥).\nقال ابن كثير: \" فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم. وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة. وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدًا -ﷺ-\" (٦).\nوقرئ: «ساحر مبين»، يعني: يعني به عيسى، يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادق (٧).\nالفوائد:\n١ - تذكير هذه الأمة بما جرى للأمم السابقة قبلها لأنبيائهم ومَن أُرسل إليهم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢١٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.\n(٣) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٣.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢١٦.","vol":"8","page":651},{"text":"٢ - من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان تذكير الله ﷾ عباده بنعمه عليهم، وهذا جاء في القرآن في غير موضع، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩] أحيانًا يكون عامًّا كهذه الآية، وأحيانًا يكون خاصًّا مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦] وما أشبه ذلك، وإنما يُذكّر الله العباد بالنعمة من أجل وجوب شكرها؛ لأن وجوب شكر المنعم ثابت سمعًا وعقلًا، أما السمع ففي القرآن مملوء: اشكروا، اشكروني، اشكروا الله، وما أشبه ذلك، وأما عقلًا فلأنه ليس من المروءة أن تقابل النعمة بالإساءة والكفر، فشكر المنعم إذن واجب سمعًا وعقلًا، وفائدة التذكير بالنعم هو القيام بالشكر.","vol":"8","page":652},{"text":"٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وهل يمكن أن يكون للإنسان أم بلا أب؟ الجواب: نعم، وذلك فيما إذا نفى الزوج الولد عن نفسه فإنه ينتفي عنه بالشروط التي ذكرها الفقهاء ﵏، وكذلك ولد الزنا إذا لم يستلحقه الزاني فإنه له أم، وليس له أب، فإن استلحقه الزاني فالمسألة فيها خلاف معروف، وجمهور العلماء على أنه لا يلحقه بعموم قول النبي -﵌: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١)، لكن لو قال قائل: إذا كانت نسبته إلى أمه توجب التساؤلات، وأن ينكسر قلبه، وأن يُساء إلى أمه، فهل يُعدل عن هذا؟\nالجواب: نعم، يُعدل عن هذا؛ لأن نسبته إلى أمه إذا لم يكن له أب على سبيل الإباحة والجواز، فإذا كان يستلزم ما يؤذي صاحبه فإنه يُعدل عنه إلى نسبته إلى آخر، إلى مَن؟ نقول: ننسبه إلى اسم يصح لكل إنسان، مثل: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الكريم، عبد اللطيف، وما أشبه ذلك، فعلى هذا نقول: الأصل فيمن ليس له أب أن يُنسب إلى أمه، فإن خُشي من ذلك مضرة أو إيذاء نُسب إلى مَن يصح أن ينطبق على كل أحد. * من فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عليهم الشكر كما يجب على مَن أُرسل إليهم؛ لأن الله أمر عيسى أن يذكر نعمته عليه وعلى أمه، ونقول: نعم، يجب وهم -أي الأنبياء- أشد الناس قيامًا بشكر النعمة، فقد «كان إمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوم في الليل حتى تتورّم قدماه وتتفطّر، فيقال: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» (٢).\n_________\n(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧/ ٣٦) من حديث عائشة.\n(٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩/ ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.","vol":"8","page":653},{"text":"٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: ﴿عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، ولا شك أنها نعمة على الولد كما هي نعمة على الوالد، والنعمة على الولد نعمة على الوالد؟ من باب المساواة أو الأولى؟ من باب الأوْلى؛ لأن الولد بضعة من أبيه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة ﵂ «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» (١)، فنعمة الله على الولد في الحقيقة نعمة من الله على الوالد.\n٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يؤيد البشر بالملائكة؛ لقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.\n٦ - ومن فوائدها: هذه المزيّة لجبريل ﵇؛ أنه يؤيد الأنبياء والرسل.\n٧ - ومن فوائد هذه الآية: اللقب الفاضل لجبريل ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ فإن القدس بمعنى الطهارة والنزاهة من كل عيب، فهو أي جبريل ﵇ ذو مِرَّة؛ أي: ذو هيئة حسنة، وهو قوي كما قال ﷿: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير ٢٠]، وله مكانة عند الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾، واليهود يبغضون جبريل ويقولون: إنه ينزل بالعذاب، ولكنه ينزل بالعذاب على من يستحقه.\n٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة التي أعطاها الله تعالى عيسى؛ وهي أنه يكلم الناس في المهد وكهلًا على السواء؛ أي أنه يتكلم بكلام رصين بليغ عجيب مع أنه في المهد.\n_________\n(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩/ ٩٣) من حديث المسور بن مخرمة.","vol":"8","page":654},{"text":"٩ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على النعمة بالعلم والشرف والحكمة، وأنها أخص من مطلق النعمة؛ لأن مطلق النعمة سبق ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، لكن العلم خصه فقال: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وعلى هذا فيجب على طالب العلم أن يشكر الله تعالى على نعمته عليه حيث خصَّه بالعلم الذي حرمه كثيرًا من الناس، وإذا منّ الله عليه مع العلم بالعبادة والدعوة إلى الله صار نعمة فوق نعمة، فكم من أناس ضلّوا عن سواء السبيل؛ قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، والإنسان إذا شعر بنعمة الله عليه بالعلم والعبادة والدعوة فإنه يزداد فرحًا وسرورًا ومثابرة وصبرًا على ما هو عليه من طلب العلم، وازدياد العبادة، وقوة الدعوة إلى الله ﷿.\n١٠ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على الحكمة؛ وهي معرفة أسرار الشريعة وغاياتها وثمراتها، فإن معرفة ذلك لا شك أنها تزيد الإيمان، وأنها تزيد الإنسان بصيرة في شرائع الله. وإنها -أي الشرائع- من لدن حكيم عليم، ولهذا نقول: لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فإن وجدت ما ينافيه فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح؛ يعني فيه شبهات أوجبت اختفاء الحق عليه، أو شهوات انطمس بها، نسأل الله العافية. وإما أن يكون النص غير صحيح، يكون حديثًا ضعيفًا أو مكذوبًا على الرسول - ﷺ - أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات ونقل صحيح، فلا يمكن أن يتناقض أبدًا.\n١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة والإنجيل كتابان من عند الله ﷿، وسبق أن قلنا: إن عطفهما على الكتاب من باب عطف الخاص على العام إذا لم نقل إن المراد بالكتاب الكتابة.","vol":"8","page":655},{"text":"١٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله ﵎ على إحياء الموتى، وعلى إدخال الروح في الجماد؛ من قوله ﴿﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.\n١٣ - ومن فوائدها: إطلاق لفظ الخلق على ما صنعه المخلوق، مثلًا لو صنعت بابًا تقول: خلقت بابًا، ويدل لهذا قول الله ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقوله في الحديث الصحيح: «يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١)،\nفإن قال قائل: إذا أثبتّ صفة الخلق للمخلوق فأيّ فرق بين خلق الخالق وخلق المخلوق؟\nفالجواب: الفرق عظيم جدًّا؛ خلق الخالق إيجاد من عدم على ما يريد الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٦]، خلق المخلوق تحويل مخلوق الله إلى صفة أخرى، وإلا فالأصل منين؟ من الله ﷿؛ هل يمكن لأحد أن يجعل من الحجر ذهبًا؟ لا يمكن، لكن يمكن أن يجعل من الذهب حليًّا، وأن يجعل منه على شكل حيوان كما جعلت بنو إسرائيل الحلي الذي أخذوه من آل فرعون، جعلوه عجلًا، فافترق الخلق المنسوب للخالق والخلق المنسوب للمخلوق، خلق المخلوق يعني تحويل الشيء من شيء إلى آخر لا ذاته ولكن صفاته، وأما خلق الخالق فهو إيجاد من عدم، وهذا لا يستطيع أحد أن يفعله.\nمن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله ﷿ جعل لعيسى آية تُعجز علماء الفن الذي اشتهر في حياته، فقد قيل: إن عيسى بن مريم ﵊ اشتهر في وقته الطب، وترقّى ترقيًا عظيمًا، فجاء عيسى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بها، كما أن السحر في عهد موسى كان منتشرًا؛ فجاء موسى بآيات تبطل سحرهم، وكما أن البلاغة في العرب منتشرة في عهد الرسول - ﷺ -؛ فجاء الله تعالى بكتاب أعجزهم.\n_________\n(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧/ ٩٦) من حديث عائشة.","vol":"8","page":656},{"text":"ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ﷾ يختار من الآيات أشدها إعجازًا، فإنه لم يمنّ على عيسى بأن يخلق أرنبًا أو قطًّا أو ما أشبه ذلك، بل طائرًا؛ لأن الطيران في الجو أبلغ من المشي على الأرض فاختار الله له أن يخلق طائرًا يعني على صورة الطير.\n١٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفخ له تأثير في الأجساد إذا أراد الله ﷿ أن يُؤثِّر؛ لأنه نفخ في الطير الذي صنعه فصار طائرًا كما في القراءة الأخرى، لما نفخ فيه صار حيوانًا من الطيور، ثم طار لتحقق أنه دخلته الروح، ومن ثم جاءت القراءة على المريض عن طريق النفث، والنفث -كما نعلم جميعًا- يتضمن نفخًا وريقًا، وهذا مؤثّر بإذن الله ﷿، ولهذا لو أن القارئ صار يقرأ ويأخذ بأصبعه من ريقه ويبل به مكان الألم، أو يبل به المريض فلا أظنه ينفع، لا بد من نفخ مع ريق.\n١٥ - من فوائد هذه الآية الكريمة: ما أعطاه الله تعالى عيسى من الآيات في إبراء الأكمه، وهو الذي خلق بلا عين ولا بصر، وهذه دليل على قدرة الله، والظاهر -والله أعلم- أنه يبرئه في الحال، ما يحتاج إلى علاج، وإلى انتظار، الظاهر أنه يبرئه في الحال كما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عين أبي قتادة ﵁ حين جُرحت في أُحد، وبَرزت على خده، العين بَرزت على الخد، فأُتي به إلى الرسول ﵊ فأخذ العين وردها في مكانها، وعادت كما كانت في الحال (١)، سبحان الله العظيم! هذه القدرة ما يبلغها الأطباء، الظاهر أن إِبْرَاءه الأكمه والأبرص الظاهر أنه يكون في الحال بدون معالجة وتردد.\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى (١٥٤٩) من حديث قتادة بن النعمان.","vol":"8","page":657},{"text":"١٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة لعيسى أنه يخرج الموتى من القبور؛ لقوله ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾، وهذه لا يقدر عليها أحد، أما هل يبقى الميت إذا خرج أو لا يبقى؟ هذا ليس لنا فيه كلام، ولا ينبغي أن نتكلم فيه، لماذا؟ لأن الآية حصرت بإخراجه من قبره، أما هل يبقى ويعيش مع الناس أو يموت بعد أن خرج وبرز للناس، ثم يُدفن؟ فهذا ليس لنا في معرفته مصلحة وليس لنا أن نسأل عنه؛ لأن الآية حاصلة بدونه.\n١٧ - أن في هذه الجمل الأربع: الطير، إبراء الأكمه، إبراء الأبرص، إحياء الموتى، الدليل على أنه لا يمكن لأي بشر مهما أوتي أن يحصل له مراده إلا بإذن الله ﷿؛ لأن كل جملة أو كل كلمة قيدها الله تعالى بإذنه لئلا يدعي مدعٍ أن الخلق لهم استقلال في أفعالهم، فيكون في هذه الفائدة يكون لها فرع؛ وهو: الرد على القدرية، الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، الإنسان يأكل ويشرب، ويدخل ويخرج، ويتحرك ويسكن بإرادة تامة ليس لله فيها تعلق، وهذا يعني إثبات خالق مع الله ﷿، أو إثبات موجب للحوادث مع الله ﷿؛ ولهذا سُميّت القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث الكونية لها خالقان: ظلمة، ونور، وهؤلاء يقولون: الحوادث في الكون لها موجدان، كل واحد مستقل عن الآخر: أفعال العباد يستقل بها العباد حتى إن بعضهم يقول: إن الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، وأما ما لم يقع فلا يعلمه الله ﷿، فوصفوا الله ﵎ بالجهل فيما هو في ملكه ﵎.\n١٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات إذن الله، وليُعلم أن الإذن المضاف إلى الله ﷿ ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: إذن كوني قدري: مثاله هذه الآية ﴿بِإِذْنِي﴾.","vol":"8","page":658},{"text":"والثاني: إذن شرعي تعبدي، مثاله قول الله ﵎: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] ما لم يأذن به الله شرعًا.\n١٩ - ومن فوائد الآية: تشجيع الداعي إلى الله ﷿ الذي يأتي بالآيات البينات فإنه عُرضة للإيذاء؛ لقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فكل إنسان يدعو إلى الله ويأتي بالبراهين والأدلة لا بد أن يُسلَّط عليه من يُسلَّط، ولكن الله تعالى بقوته وقدرته يَصرف عنه ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.\n٢٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: تمرد بني إسرائيل الذين كفروا، حيث ادّعوا أن هذا سحر، بل حصروا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾، يعني: ولا يمكن أن يكون حقًّا.\n٢١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين يتبين لهم الحق، ويعلمون أنه حق؛ لأن مثل هذا القول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إنما يَصدر من أهل الكفر، أما المؤمن فيؤمن بالآيات، ويرى أنها حق ويزيد إيمانه بها.","vol":"8","page":659},{"text":"٢٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى ﵊ كغيره من الرسل جاء بالآيات البينات؛ يعني الواضحات التي لا تُشكل على أحد، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلّا أَعْطَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» (١)، ولولا هذا لكان الناس معذورين ألَّا يُصدقوا؛ يعني لولا الآيات مع الرسل عليهم الصلاة والسلام لكان الناس لهم عذر ألَّا يصدقوا، وعليه يكون قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] يكون مقيدًا بأنهم أوتوا بآيات يؤمن على مثلها البشر، وآيات الأنبياء أنواع كثيرة يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ فصلًا قيما جدًّا جدًّا في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ذكر فيه آيات النبي ﵊ وقال: إن آياته نوعان: حسية ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية، وضّح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته، بل أعظم آيات هذا القرآن، الذي كان آية في وقته، وفيما بعد إلى يوم القيامة، ولهذا قال ﵊: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ»، أو كلمة نحوها «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢)؛ لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط ما لبث أقوامهم أن حرّفوا الكتب من بعدهم.\nالقرآن\n﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة: ١١١]\nالتفسير:\n_________\n(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٩٨١) ومسلم (١٥٢/ ٢٣٩) عن أبي هريرة.\n(٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢/ ٢٣٩) من حديث أبي هريرة","vol":"8","page":660},{"text":"واذكر -يا عيسى- نعمتي عليك، إذ ألهمتُ، وألقيتُ في قلوب جماعة من خلصائك أن يصدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوتك، فقالوا: صدَّقنا يا ربنا، واشهد بأننا خاضعون لك منقادون لأمرك.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]، أي: \" واذكر -يا عيسى- نعمتي عليك، إذ ألهمتُ، وألقيتُ في قلوب جماعة من خلصائك أن يصدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوتك (١).\nقال ابن كثير: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ \" أي: بالله وبرسول الله، وهذا أيضًا من الامتنان عليه، ﵇، بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا\" (٢).\nوفي وحيه إلى الحواريين وجوه:\nأحدها: معناه: قذفت في قلوبهم، وهذا قول السدي (٣).\nوالثاني معناه: أَلْهَمْتُهُم أن يؤمنوا بي، ويصدقوا أنك رسولي، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. حكاه الطبري (٤) وابن كثير (٥) عن آخرين، واختاره السمعاني (٦).\nوالثالث: ألهمتهم وقذفت في قلوبهم. ذكره البغوي (٧).\nوالرابع: يعني ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم أن يؤمنوا بي وبك. ذكره الماوردي (٨).\nوالخامس: المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. قاله ابن كثير (٩).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٢): ص ١١/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢١٨.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.\n(٦) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٧٨.\n(٧) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ١١٦.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨١.\n(٩) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.","vol":"8","page":661},{"text":"والسادس: معناه: الأمر، أي: ألقيت في قلوبهم وألهمتهم وأمرتهم، وهذا قول أبي عبيدة (١)، وذكره السمعاني (٢)، ومنه قول العجاج (٣):\nالحَمْدُ لِلِه الَّذِي اسْتَقَّلتِ ... بِإِذْنِه السَّماءُ، وَاطْمأَنَّتِ\nبِإذْنِهِ الأَرْضُ وما تَعَتَّتِ ... أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ\nأي: أمرها بالقرار.\nوفي التذكير بهذه النعمة قولان (٤):\nأحدهما: أنها نعمة على الحواريين أن آمنوا، فذكر الله تعالى به عيسى لأنهم أنصاره.\nالثاني: أنها نعمة على عيسى، لأنه جعل له أنصارًا من الحواريين قد آمنوا به.\nوالحواريون: \"هم خواص عيسى ﵇ الذين استخلفهم من جملة الناس\" (٥).\nقال ابن كثير: \" الْحَوَارِيُّونَ: هم أتباع عيسى ﵇\" (٦).\nقال الماوردي: \"وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه، والحَوَر نقاء بياض العين \" (٧).\nواخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على أقوال:\nأحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومسلم البطين (١٠).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٨٢، وتفسير البغوي: ٣/ ١١٧.\n(٢) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٧٨.\n(٣) ديوانه\": ٢٦٦: تح د. عزة حسن، و\"لسان العرب\"، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٥ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠١، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧٢٧، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٥٥.\nومعنى بيت الأرجوزة المذكور: أن أوحى إليها أن استقري فاستقرت. \"ديوانه\": ص ٢٦٦ ..\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨١.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٨١.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٧) النكت والعيون: ١/ ٣٩٦.\n(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٨): ص ٢/ ٦٥٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٤): ص ٦/ ٤٤٥.\n(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٨): ص ٢/ ٦٥٩.","vol":"8","page":662},{"text":"والثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب، وهذا قول ابن أبي نجيح (١)، والضحاك (٢) في -أحد قوليه-.\nوالثالث: أنهم خاصة الأنبياء وصفوتهم، سموا بذلك لنقاء قلوبهم، وهذا قول قتادة (٣) -في أحد قوليه-، والضحاك (٤)، ورجّحه الزجاج (٥).\nوالرابع: ان الحواري: الناصر. قاله سفيان بن عيينة (٦).\nوالخامس: أن الحواري: الوزير. قاله قتادة (٧).\nقال الطبري: \" وأشبه الأقوال في معنى \"الحواريين\"، قولُ من قال: \" سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين\" (٨).\nقال ابن كثير: \"والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ» (٩) \" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [المائدة: ١١١]، أي: \" فقالوا: صدَّقنا يا ربنا (١١).\nقوله تعالى: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، أي: \" واشهد بأننا خاضعون لك منقادون لأمرك (١٢).\nقال ابن كثير: \" أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا\" (١٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، يحتمل وجهين (١٤):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٥): ص ٦/ ٤٤٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٦٩): ص ٢/ ٦٥٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٦): ص ٦/ ٤٤٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (٧١٢٧): ص ٦/ ٤٤٦.\n(٥) انظر: معاني القرآن: ١/ ٤١٦.\n(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٧١): ص ٢/ ٦٦٠.\n(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٥٧٣): ص ٢/ ٦٦٠.\n(٨) تفسير الطبري: ٦/ ٤٤٦.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦.\n(١٠) صحيح البخاري برقم (٣٧١٩) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٥) من حديث جابر ﵁.\n(١١) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(١٢) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٤.\n(١٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨١.","vol":"8","page":663},{"text":"أحدهما: أنهم أشهدوا عيسى ﵇ على إسلامهم بالله تعالى وبه.\nوالثاني: أنهم أشهدوا الله تعالى بذلك على أنفسهم.\nالفوائد:\n١ - إثبات وحي الله ﷿؛ لقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون.\n٢ - ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى ﵇ له حواريون، يعني: أصحاب ذوو صفاء في مودتهم. اذكر آخر سورة الصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف ١٤] وكما في الحديث «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ» (١)، هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر ﵁، قال: «لَوْ كُنْتُ متخذا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر» (٢).\n٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإيمان هو «الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٣)، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا.\n٤ - ومن فوائد هذه الآية: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: آمنا.\n_________\n(١) متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥/ ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله.\n(٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٦) من حديث ابن عباس.\n(٣) أخرجه مسلم (٨/ ١) من حديث عمر بن الخطاب.","vol":"8","page":664},{"text":"٥ - ومن فوائد الآية: جواز حذف المعلوم، لقوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ولم يقل: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلَق يُحمَل على المقيَّد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلتُ، أو قبلتُ البيع مثلًا، قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلتُ البيع، فيثبت الشرط؛ لأن قول البيع يعني بهذا الشرط وإن لم يذكَر لكنه معلوم من السياق.\n٦ - ومن فوائد هذه الآية: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه؛ لقوله: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ» (١)، هذا من أذكار المساء والصباح، على خلاف في ثبوت الحديث.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥٠٦٩) والترمذي (٣٥٠١) من حديث أنس بن مالك دون قوله: وأنبياءك. وفي المعجم الأوسط للطبراني (٩٣٥٦): «وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ عَلَى شَهَادَتِي عَلَى نَفْسِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْت».","vol":"8","page":665},{"text":"٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان هو الإسلام؛ لقوله: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١]، ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله ﵎: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر مع الإيمان صار له معنى آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] يعني لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن (لما) تفيد النفي مع قرب المنفي، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فنخرج هذه الآية: أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان بالقلوب والإسلام في الجوارح، يعني أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.\n\nالقرآن\n﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [المائدة: ١١٢]\nالتفسير:\nواذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ فكان جوابه أن أمرهم بأن يتقوا عذاب الله تعالى، إن كانوا مؤمنين حقَّ الإيمان.","vol":"8","page":666},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، أي: \" واذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ \" (١).\nقال ابن كثير: \" هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال: «سورة المائدة»، وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، ﵇، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة.\nوقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم\" (٢).\nوقرأ الكسائي وحده: «هل تَّستطيع ربَّك» بالتاء والإِدغام، و«ربك» بالنصب (٣)، وفيها وجهان:\nأحدهما: معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، قاله الزجاج (٤).\nوالثاني: هل تستطيع أن تسأل ربك، قاله سعيد بن جبير (٥)، وعائشة (٦).\nوقرأ الباقون: ﴿هل يستطيع ربك﴾، بالياء والإِظهار (٧)، وفي ذلك التأويل ثلاثة أوجه:\nأحدها: هل يقدر ربك، فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله تعالى (٨).\nوالثاني: معناه: هل يفعل ربك، قاله الحسن (٩)، لأنهم سموا بالحواريين بعد إيمانهم.\nوالثالث: معناه: هل يستجيب لك ربك ويطيعك، ﴿أَن يُنَزِّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ قاله السدي (١٠).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٩.\n(٤) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٢٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٤): ص ١١/ ٢١٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٣): ص ١١/ ٢١٩.\n(٧) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٩.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٢.\n(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٢.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٦): ص ١١/ ٢٢٢.","vol":"8","page":667},{"text":"قال ابن كثير: \" و«المائدة» هي: الخوان عليه طعام، ذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة\" (١).\nقال قطرب: \"والمائدة لا تكون مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل: خِوان\" (٢).\nوفي تسميتها «مائدة» وجهان (٣):\nأحدهما: لأنها تميد ما عليها أي تعطي، قال رؤبة (٤):\nنُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْ ... إلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ\nأي: المستعطي.\nوالثاني: لحركتها بما عليها من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرك، اختاره الزجاج (٥)، ومنه قول الشاعر (٦):\nلعلك باك إن تغنت حمامة ... يميد غصن من الأيك مائل\nقوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢]، أي: \" اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى\" (٧).\nقال البغوي: \" أي: لا تشكوا في قدرته\" (٨).\nقال ابن كثير: \" أي: فأجابهم المسيح، ﵇، قائلا لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين \" (٩).\nقال السماني: \" نهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان، وقيل: أراد به أي: اكتفوا بطعام الأرض عن طعام السماء\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٢) النكت والعيون: ٢/ ٨٢.\n(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٢٢٠، والنكت والعيون: ٢/ ٨٢.\n(٤) ديوانه: ٤٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٨٣، وتفسير الطبري: ١١/ ٢٢٣، وواللسان \"ميد\".\n(٥) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٢٠.\n(٦) البيت من شواهد المارودي في النكت والعيون: ٢/ ٨٢، والقرطبي في تفسيره: ٦/ ٣٦٧.\n(٧) صفوة التفاسير: ٣٤٥.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ١١٧.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(١٠) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠.","vol":"8","page":668},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢]، وجهان (١):\nأحدهما: يعني: اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به، وإنما أمرهم بذلك لأنه أولى من سؤالهم.\nوالثاني: يعني: اتقوا الله فى سؤال الأنبياء إما طلبًا لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات منهم، إن كنتم مؤمنين بهم ومصدقين لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم يغنيكم عن استزادة الآيات منهم.\nقال الطبري: المعنى: \" قال عيسى للحواريّين القائلين له: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ راقبوا الله، أيها القوم، وخافوه أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به، فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته، إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾؟ \" (٢).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: كيف قالوا هل يستطيع ربك بعد إيمانهم وإخلاصهم؟\nقلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿إذ قال﴾ فإذن إن دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: ﴿هل يستطيع ربك﴾ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى ﵇ لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها إن كنتم مؤمنين إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة\" (٣).\nقال ابن عباس: \" فأقبلت الملائكة تطير بمائدةٍ من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم\" (٤).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٣.\n(٣) الكشاف: ١/ ٦٩٢ - ٦٩٣.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢٩٩٥): ص ١١/ ٢٢٢.","vol":"8","page":669},{"text":"قال السدي: \" فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطَّعام إلا اللحم، فأكلوا منها\" (١).\nالفوائد:\n١ - من فوائد هذه الآية: أن الحواريين مع كونهم خلصًا عندهم شيء من الجفاء؛ لقولهم: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.\nفإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]؟ قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى بن مريم ﵊ باسمه، مع أنهم يريدون أن يدعوا الله لهم لحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدون أن يسأل الله أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؟ الجواب: الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.\n٢ - في قول عيسى لهم ﴿اتقوا الله﴾ دال على أنهم قالوا الباطل.\n٣ - فضيلة التقوى، والتقوى: في اصطلاح الشرع هو: \"اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه\" (٢)، قال رسول الله -ﷺ: \"التقي مُلْجَم والمتقي فوق المؤمن والطائع\" (٣).\n\nالقرآن\n﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾ [المائدة: ١١٣]\nالتفسير:\nقال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة وتسكن قلوبنا لرؤيتها، ونعلم يقينا صدقك في نبوتك، وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجة لك على صدقك في نبوتك.\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: \" قال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢٩٩٦): ص ١١/ ٢٢٢.\n(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٨.\n(٣) الفوائد: ٦٥ - ٦٦.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٦.","vol":"8","page":670},{"text":"قال الطبري: أي: \" إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة، فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها \" (٢).\nقال السمعاني: \" يعني: أكل تبرك لا أكل حاجة\" (٣).\nقال البغوي: \" أي: إنما سألنا لأنا نريد، ﴿أن نأكل منها﴾ أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن\" (٤).\nوذكر القرطبي: في قولهم: ﴿نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣]، وجهين (٥):\nأحدهما- أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها، وذلك أن عيسى ﵇ كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو علة، إذ كانوا زمنى أو عميانا، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء، فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فقال عيسى لشمعون: قل لهم: ﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: ﴿نريد أن نأكل منها﴾ الآية.\nالثاني: ﴿نأكل منها﴾، لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها.\nقال الماوردي: \"وهذا أشبه، لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال \" (٦).\nوفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣]، وجهان (٧):\nأحدهما: أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها.\nوالثاني: أنهم أرادوه تبركًا بها لا لحاجة دعتهم إليها، وهذا أشبه لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٤.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٣) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠.\n(٤) تفسير البغوي: ٣/ ١١٧.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٦.\n(٦).\n(٧) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.","vol":"8","page":671},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: \" وتسكن قلوبنا لرؤيتها\" (١).\nقال البغوي: أي: \"وتسكن\" (٢).\nقال الطبري: \" يقول: وتسكن قلوبنا، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد \" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء\" (٤).\nقال السمعاني: \" أي: يزداد إيمانها، وهو مثل قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] \" (٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، وجوه (٦):\nأحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبيًا.\nوالثاني: تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لك أعوانًا.\nوالثالث: تطمئن إلى أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا.\nوالرابع: تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا. حكاه القرطبي عن المهدوي (٧).\nوالخامس: نستيقن قدرته وتطمئن تسكن قلوبنا. قاله الثعلبي (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: \" ونعلم يقينا صدقك في نبوتك\" (٩).\nقال الثعلبي: أي: \" بأنك رسول الله\" (١٠).\nقال الطبري: \" يقول: ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث\" (١١).\nقال ابن كثير: \" أي: ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك \" (١٢).\nقال السمعاني: \" أي: نزداد إيمانا بصدقك\" (١٣).\nقال البغوي: أي: \" بأنك رسول الله، أي: نزداد إيمانا ويقينا\" (١٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ١١٨.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٤.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٦.\n(٨) انظر: الكشف والبيان: ٤/ ١٢٥.\n(٩) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(١٠) الكشف والبيان: ٤/ ١٢٥.\n(١١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٤.\n(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(١٣) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠.\n(١٤) تفسير البغوي: ٣/ ١١٨.","vol":"8","page":672},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، ثلاثة اوجه (١):\nأحدها: في أنك نبي إلينا.\nوالثاني: صدقتنا في أننا أعوان لك.\nوالثالث: أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا.\nوفي قوله تعالى:: ﴿وَنَعْلَمَ﴾ [المائدة: ١١٣]، وجهان (٢):\nأحدهما: أنه علم مستحدث لهم بهذه الآية بعد أن لم يكن، وهذا قول من زعم أن السؤال كان قبل استحكام المعرفة.\nوالثاني: أنهم استزادوا بذلك علمًا إلى علمهم ويقينًا إلى يقينهم، وهذا قول من زعم أن السؤال كان بعد التصديق والمعرفة.\nقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣]، أي: \" وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجة لك على صدقك في نبوتك\" (٣).\nقال الثعلبي: \" ﴿من الشاهدين﴾ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: ونكون على المائدة ﴿من الشاهدين﴾، يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقكَ في نبوّتك \" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به\" (٦).\nقال البغوي: أي: \" لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣]، يحتمل وجهين (٨):\nأحدهما: من الشاهدين لك عند الله بأنك قد أديت ما بعثك به إلينا.\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٦.\n(٤) الكشف والبيان: ٤/ ١٢٥.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٤.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٧) تفسير البغوي: ٣/ ١١٨.\n(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.","vol":"8","page":673},{"text":"والثاني: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدناه من الآيات الدالة على أنك نبي إليهم وإلينا.\nالفوائد:\n١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، إذ بدؤوا بالأكل ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أول ما بدؤوا، فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤] فدخلوا على أستاههم، على أدبارهم، يقولون: حِنْطَة، أُمروا أن يقولوا: حِطّة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نبغي شيئًا ثانيًا وهو ملء البطن، حنطة، هؤلاء يشبه هذا، والأصل واحد فكلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا.\n٢ - أن قولهم: ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ دال على شكهم وارتيابهم.\n٣ - ومن فوائد هذه الآية: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» (١)، ولهذا أمثلة، منها قول إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] نأخذ هذا من قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.\n٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقهم؛ لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، أي أخبرتنا بالصدق.\n٥ - ومنها: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين؛ لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يُستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة ﵃ قولهم حق وحجة؛ لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.\n\nالقرآن\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢٤٤٧) من حديث ابن عباس.","vol":"8","page":674},{"text":"﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ [المائدة: ١١٤]\nالتفسير:\nأجاب عيسى بن مريم طلب الحواريين فدعا ربه جل وعلا قائلا: ربنا أنزل علينا مائدة طعام من السماء، نتخذ يوم نزولها عيدًا لنا، نعظمه نحن ومَن بعدنا، وتكون المائدة علامة وحجة منك -يا ألله- على وحدانيتك وعلى صدق نبوتي، وامنحنا من عطائك الجزيل، وأنت خير الرازقين.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: \" أجاب عيسى بن مريم طلب الحواريين فدعا ربه جل وعلا قائلا: ربنا أنزل علينا مائدة طعام من السماء\" (١).\nقال الطبري: \" وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى ﷺ، أنه أجاب القوم إلى ما سألوا من مسألة ربه مائدةً تنزل عليهم من السماء \" (٢).\nقال أبو السعود: \" لما رأى ﵇ أن لهم غرضا صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه أزمع على استدعائها واستنزالها وأراد أن يلزمهم الحجة بكمالها روي أنه ﷺ اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره، ثم قال ﴿اللهم ربنا﴾ ناداه ﷾ مرتين مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء، ﴿مائدة من السماء﴾، أي كائنة من السماء نازلة منها\" (٣).\nوفي سؤال عيسى﵇-، أن ينزل عليهم المائدة، وجهان (٤):\nأحدهما: أنه تفضل عليهم بالسؤال، وهذا قول من زعم أن السؤال بعد استحكام المعرفة.\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٤.\n(٣) تفسير أبي السعود: ٣/ ٩٨.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.","vol":"8","page":675},{"text":"والثاني: أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم، وهذا قول من زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة.\nقال أبو بكر: واختلفوا في معنى «اللهم» على قولين:\nأحدهما: فقال أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء، وأبو العباس أحمد بن يحيى: معنى «اللهم»: يا الله أمنا بمغفرتك، فتركت العرب الهمزة: فاتصلت الميم بالهاء: وصارا كالحرف الواحد، واكتفي به من «يا»، فأسقطت (١).\nوالدليل على صحة قول الفراء وأبي العباس إدخال العرب «يا» على «اللهم» (٢)، قال الفراء أنشدني الكسائي (٣):\nوما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت يا اللهم\nأردد علينا شيخنا مسلما ... فإننا من خيره لن نعْدَما\nوأنشد قطرب (٤):\nإني إذا ما معظم ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما\nفلأن ضرورة الشعر جوزته (٥).\nوالثاني: وقال الخليل بن أحمد وعمرو بن عثمان سيبويه: «اللهم»، معناه: يا الله. قالا: فجعلت العرب الميم بدلا من «يا» (٦).\nقوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: \" نتخذ يوم نزولها عيدًا لنا، نعظمه نحن ومَن بعدنا\" (٧).\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن ١/ ٢٠٣.\n(٢) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٢.\n(٣) البيت بلا عزو في معاني القرآن للفراء: ١/ ٢٠٣ والخزانة: ١/ ٣٥٨.وروايته: اللهما\".\n(٤) نوادر أبي زيد ١٦٥، الإنصاف ٣٤١، الخزانة ١/ ٣٥٨. ونسب في المقاصد ٤/ ٢١٦ إلى أبي خراش الهذلي ولم أجده في ديوان الهذليين.\n(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٤.\n(٦) الكتاب ١/ ٣١٠. وانظر: تهذيب اللغة: ٦/ ٤٢٦، والزاهر في معاني كلمات الناس: ١/ ٥٢\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٧.","vol":"8","page":676},{"text":"قال السعدي: \" أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم\" (١).\nقال السمعاني: \" العيد: المراد به: يوم السرور لهم\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، ثلاثة تاويلات:\nأحدها: نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥).\nوقيل: إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية، ولذلك جعلوا الأحد عيدًا.\nقال سفيان: \" ﴿تكون لنا عيدًا﴾، قالوا: نصلي فيه. نزلت مرتين\" (٦).\nوالثاني: معناه: عائدة من الله تعالى علينا، وبرهانًا لنا ولمن بعدنا. ذكره الطبري عن آخرين (٧).\nقال الثعلبي: \" أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة، ويقال: لطيف الخيال عيد، قال الشاعر (٨):\nيا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرَّ طيف من الأهوال طَراَّق\" (٩).\nفإنه أراد الخيال الذي يعتاده.\nوالثالث: يعني نأكل منها جميعًا، أولنا وآخرنا، قاله ابن عباس (١٠).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٨): ص ١١/ ٢٢٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٧): ص ١١/ ٢٢٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢٩٩٩): ص ١١/ ٢٢٥.\n(٦) أخرجه الطبري (١٣٠٠٠): ص ١١/ ٢٢٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٥.\n(٨) البيت لتأبط شرا، انظر: تهذيب اللغة، مادة\"عاد\": ص ٣/ ٢٢٧٠ - ٢٢٧١. يصف فيه الثور الوحشي.\n(٩) الكشف والبيان: ٤/ ١٢٥.\n(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٠١): ص ١١/ ٢٢٥.","vol":"8","page":677},{"text":"قال الطبري: \" وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: معناه: تكون لنا عيدًا، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه، ونصلي له فيه، كما يعبد الناس في أعيادهم، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في «العيد»، ما ذكرنا، دون القول الذي قاله من قال: معناه: عائدة من الله علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به، أولى من توجيهه إلى المجهول منه، ما وجد إليه السبيل.\nوأما قوله: ﴿لأولنا وآخرنا﴾، فإن الأولى من تأويله بالصواب، قولُ من قال: تأويله: للأحياء منا اليوم، ومن يجيء بعدنا منا، للعلة التي ذكرناها في قوله: ﴿تكون لنا عيدًا﴾، لأن ذلك هو الأغلب من معناه\" (١).\nوقرأ عبد الله والأعمش: «تكن لنا»، بالجزم على جواب الدعاء (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: \" وتكون المائدة علامة وحجة منك -يا ألله- على وحدانيتك وعلى صدق نبوتي\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك \" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: \" وامنحنا من عطائك الجزيل\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب\" (٦).\nقال السعدي: \" أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى ﵇ نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقا\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: \" فإِنك خير من يعطي ويرزق\" (٨).\nالفوائد:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٢٦.\n(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٤/ ١٢٥.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٧) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٤٦.","vol":"8","page":678},{"text":"١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه.\n٢ - ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله ﷿ وربوبيته.\n٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى ﵊ أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.\n٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيدًا؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم ﵊.\n٥ - مشروعية الأعياد الدينية لعبادة الله بالصلاة والذكر شكرًا لله تعالى وفي الإسلام عيدان: الأضحى والفطر.\n٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة.\n٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله.\n٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله ﵎ خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى:: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فكل وصف كمال فلله منه الأعلى.","vol":"8","page":679},{"text":"٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الرزق على غير الله ﷿، بمعنى أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله ﵎.\n١٠ - أن من محاسن هذا الدعاء أنه أخر ذكر الفائدة المادية للمائدة عن ذكر فائدتها الدينية الروحية، بعكس ما فعله الحواريون، إذ قدموا الأكل على غيره من الفوائد الأخرى.\n\nالقرآن\n﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٥]\nالتفسير:\nقال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم، فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى ﵇ بعد نزول المائدة فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: \" قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم\" (١).\nواختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل.\nأحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه، ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه، قاله مجاهد (٢).\nوالثاني: أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة، فلما قال لهم ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، استعفوا منها فلم تنزل عليهم، قاله الحسن (٣)، وهو مري عن مجاهد ايضا (٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٠١٩): ص ١١/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٢٠): ص ١١/ ٢٣١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٢٢): ص ١١/ ٢٣١.","vol":"8","page":680},{"text":"قال ابن كثير: \" وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم. ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير (١) \" (٢).\nوالثالث: أنهم سألوا فأجابهم، ولم يستعفوا، لأنه ما حكى الاستعفاء عنهم، ثم أنزلها عليهم، لأنه قد وعدهم، ولا يجوز أن يخلف وعده.\nومن قال بهذا اختلفوا في الذي كان عليها حين نزلت على أقوال:\nأحدها: أنه كان عليها ثمار الجنة، قاله قتادة (٣).\nوالثاني: أنه كان عيها خبز ولحم، قاله عمار بن ياسر (٤).\nوروي عمار بن ياسر قال رسول الله ﷺ: \"نزلت المائدة خبزًا ولحمًا، وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ولا يرفعوا لغدٍ، فخانوا وادّخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير\" (٥).\nوالثالث: أنه كان عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال: \" لعلها لا تنزل غدًا! \"، فرفعت. قاله إسحاق بن عبد الله (٦).\nوالرابع: كان عليها سمكة فيها طعم كل الطعام، قاله عطاء، وعطية (٧).\nوالخامس: أنه كان خبزا وسمكا. قاله ابن عباس (٨)، وأبو عبدالرحمن السلمي (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٣١ - ٢٣٢. وسوف يأتي.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٠١٥): ص ١١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣١١) ١١/ ٢٢٨.\n(٥) أخرجه الطبري (١٣٠١٢): ص ١١/ ٢٢٨ - ٢٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٣١٠) ١١/ ٢٢٨.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٠٤) ١١/ ٢٢٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٠٦) ١١/ ٢٢٧.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٠٣) ١١/ ٢٢٧.","vol":"8","page":681},{"text":"والسادس: كان عليها كل طعام إلا اللحم، قاله ميسرة (١)، وزادان (٢).\nوالسابع: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات. قاله مهب بن منبه (٣).\nوالثامن: أنه الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا. قاله مجاهد (٤)، وهو مريو عن ابن عباس في رواية عكرمة (٥).\nوالتاسع: رغيفان وحوتان، أكلو منها أربعين يومًا في سفرة، وكانوا ومن معهم نحو خمسة آلاف، قاله جويبر. وأُمِرُوا أن يأكلوا منها ولا يخونوا ولا يدخروا، فخانوا وادخروا فَرُفِعَتْ (٦).\nقال الطبري: \" والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه، وإنما قلنا ذلك، للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.\nوبعدُ، فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه، ولا يقع في خبره الْخُلف، وقد قال تعالى ذكره مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك: ﴿إني منزلها عليكم﴾، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: ﴿إني منزلها عليكم﴾، ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: ﴿إني منزلها عليكم﴾، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول: ﴿فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾، ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك\" (٧).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (١٣٠١٦): ص ١١/ ٢٣٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٠١٨): ص ١١/ ٢٣٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٠٧) ١١/ ٢٢٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٠٨) ١١/ ٢٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٠١٣): ص ١١/ ٢٢٩.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٥.\n(٧) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"8","page":682},{"text":"قال ابن كثير: \" وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس وتعجبوا منها كثيرًا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة. ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود، ﵉، فالله أعلم\" (١).\nقال البغوي: \" والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنها نزلت، لقوله تعالى: ﴿إني منزلها عليكم﴾، ولا خلف في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين\" (٢).\nقرأ نافع وعاصم وابن عامر: ﴿إني منزلها﴾ مشددة، \" لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى\" (٣).\nوقرأ الباقون ﴿منزلها﴾ خفيفة (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: \" فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى ﵇\" (٥).\nقال السدي: \" بعد ما جاءته المائدة\" (٦).\nقال ابن كثير: \" أي: فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها \" (٧).\nقال البغوي: \" أي: بعد نزول المائدة\" (٨).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: \" فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣١.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ١١٩.\n(٣) تفسير البغوي: ٣/ ١١٨.\n(٤) انظر: السبعة في القراءات: ٢٥٠.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٠٤٣): ص ٤/ ١٢٥١.\n(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٨) تفسير البغوي: ٣/ ١١٨.\n(٩) التفسير الميسر: ١٢٧.","vol":"8","page":683},{"text":"قال السدي: \" يقول: أعذبه عذابا لا يعذب به أحد من العالمين غير أهل المائدة\" (١).\nقال ابن كثير: \" أي: من عالمي زمانكم، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وكقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] \" (٢).\nقال السمعاني: \" أي: جنس عذاب لم أعذب به أحدا\" (٣).\nقال السعدي: \" لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، يحتمل وجهين:\nأحدهما: يعني من عالمي زمانهم. وهذا قول أبو العالية (٥)، وقتادة (٦)، ومجاهد (٧)، وابن زيد (٨).\nقال أبو العالية: \" فإن لكل زمان عالما\" (٩).\nوالثاني: من سائر العالمين كلهم. ذكره الماوردي (١٠).\nقال الزمخشري: العالمين: أي: \" الجم الغفير من الناس\" (١١).\nوفيهم قولان:\nأحدهما: هو أن يمسخهم قردة، قاله عمار بن ياسر (١٢)، وسلمان الخير (١٣).\nعن سلمان الخير: \" فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات\" (١٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٤٧): ص ٤/ ١٢٥٢.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٥.\n(٣) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٥) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.\n(٦) أخرجه الطبري (٨٦٨): ص ٢/ ٢٤.\n(٧) أخرجه الطبري (٨٧٠): ص ٢/ ٢٤.\n(٨) أخرجه الطبري (٨٧٢): ص ٢/ ٢٤.\n(٩) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.\n(١٠) انظر: النكت والعيون: ١/ ٨٦.\n(١١) الكشاف: ١/ ١٣٥.\n(١٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٧٠٤٦): ص ٤/ ١٢٥٢.\n(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٧٠٤٤): ص ٤/ ١٢٥١.\n(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٧٠٤٤): ص ٤/ ١٢٥١.","vol":"8","page":684},{"text":"والثاني: أنه جنس من العذاب لا يعذب به غيرهم لأنهم كفروا بعد أن رأوا من الآيات ما لم يره غيرهم، فكانوا أعظم كفرًا فصاروا أعظم عذابًا (١).\nقال عبدالله بن عمر: \"إن أشدّ الناس عذابًا ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون\" (٢).\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٦.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢٠٢٣): ص ١١/ ٢٣٣.","vol":"8","page":685},{"text":"أخرج ابن ابي حاتم عن سلمان الخير؛ أنه قال: \"لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بَوَارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية.\nفلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سُفْرَة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي أتخذها الله عليهم - فيها: أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين - وهو يدعو الله من مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شَكَّارين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبًا وجزاء، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة.","vol":"8","page":686},{"text":"فما زال يدعو حتى استقرت السُّفْرة بين يدي عيسى، والحواريين وأصحابه حوله، يَجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سجدًا شكرًا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى. والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى. قال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه؟ فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها. فقام عيسى، ﵇، واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا. ثم انصرف فجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال: \"باسم الله خير الرازقين\"، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات.","vol":"8","page":687},{"text":"فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية! فقال شمعون: وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصِّدِّيقة. فقال عيسى، ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة، فقال له: كن. فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم يُمدكم منه ويَزدكم، فإنه بديع قادر شاكر.\nفقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن تُرينا آية في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله! أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى، ﵇، على السمكة، فقال: يا سمكة، عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تَلَمَّظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها. ففزع القوم منها وانحازوا. فلما رأى عيسى ذلك منهم قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون! يا سمكة، عودي بإذن الله كما كنت. فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.","vol":"8","page":688},{"text":"فقالوا لعيسى: كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها، ثم نحن بعد فقال عيسى: معاذ الله من ذلك! يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها، خافوا أن يكون نزولها سَخْطة وفي أكلها مَثُلةً، فتحاموها. فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مَهْنَؤُها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء، لم ينتقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صِحَاحًا حتى خرجوا من الدنيا.\nوندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة، سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال: فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضًا: الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضًا. فلما رأى ذلك جعلها نوائب، تنزل يومًا ولا تنزل يومًا. فلبثوا في ذلك أربعين يومًا، تنزل عليهم غِبًّا عند ارتفاع الضُحَى فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم. بإذن الله إلى جو السماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم.","vol":"8","page":689},{"text":"قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى، ﵇، أن اجعل رزقي المائدة لليتامى والفقراء والزَّمنَى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغَمطُوا ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة، ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير؟ فقال عيسى، ﵇: هلكتم وإله المسيح! طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا، وأراكم فيها الآيات والعبَر كذَّبْتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله.\nوأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات\" (١).\nقال ابن كثير: \"هذا أثر غريب جدًا. قَطَّعَه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا له ليكون سياقه أتم وأكمل، والله ﷾ أعلم.\nوكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل، أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية\" (٢).\nالفوائد:\n١ - أن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة آل فرعون والمنافقون ومن كفر من أهل المائدة.\n_________\n(١) كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٢٨ - ٢٣٠.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٠.","vol":"8","page":690},{"text":"٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر طلب الآيات من الأمم، وأنه إذا جاءت الآيات المطلوبة فقد عرضوا أنفسهم للهلاك، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أنه متى طلبت الأمة آية معينة وحصلت لهم حق عليهم العذاب.\nفإن قال قائل: هذه القاعدة تنتقض بما تواتر عن انشقاق القمر؛ أن قريشًا طلبوا من النبي - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر (١)؟\nفالجواب عن هذا: أن قريشًا لم يطلبوا آية معينة، وإنما طلبوا آية فقط، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي عينها، أراهم انشقاق القمر.\n_________\n(١) عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك قال: \"وتفعلون؟ \" قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: \" بل باب التوبة والرحمة\". [المسند (١/ ٢٤٢) والمستدرك (١/ ٥٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٥٢) من طريق سفيان به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩٦): \"رجاله رجال الصحيح\"].","vol":"8","page":691},{"text":"٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن العذاب له أعلى وله أدنى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا دليل على أن العذاب يتفاوت من شخص لآخر، وتفاوت العذاب أسبابه كثيرة؛ منها: قلة الداعي إلى الذنب، فإن قلة الداعي إلى الذنب توجب شدة العقوبة عليه، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وهم «أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ» (١).\nالشاهد الأول والثاني: أشيمط وزانٍ، يعني رجلًا شمطه الشيب، وهذا يدل على ضعف قوته في طلب النكاح. وصغّره بقوله «أُشَيْمِطٌ» تحقيرًا له، إذن زنا الشيخ أعظم عقوبة من زنا الشاب؛ لأن الداعي في الشيخ أقل.\n«عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»، عائل يعني: فقير، مستكبر، الفقير يجب أن يعرف نفسه وقدره فكيف يستكبر، الاستكبار من الغني أهون بلا شك ومتوقَّع؛ كما قال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] أي استغنى عن غيره، وهذا عائل فيستكبر! فلذلك اشتدت عقوبته، فكلما قوي السبب في طلب المعصية صارت العقوبة عليها أهون، وكلما ضعف الطلب صارت العقوبة عليها أشد، هنا بين الله ﷿ أنه لا يعذبه أحدا من العالمين.\n٤ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفر من رأوا الآيات ليس ككفر من لم يروها، لأن من رأى الآيات فقد رآها علم اليقين، بل عين اليقين، ومن نقلت إليه فقد علمها علم اليقين، أي: بواسطة.\n\nالقرآن\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦١١١) والأوسط (٥٥٧٧) من حديث سلمان الفارسي.","vol":"8","page":692},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦]\nالتفسير:\nواذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأمي معبودين من دون الله؟ فأجاب عيسى -منزِّهًا الله تعالى-: ما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق. إن كنتُ قلتُ هذا فقد علمتَه; لأنه لا يخفى عليك شيء، تعلم ما تضمره نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسك. إنك أنت عالمٌ بكل شيء مما خفي أو ظهر.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: \" واذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأمي معبودين من دون الله؟ \" (١).\nقال الطبري: أي: \" أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي معبودين تعبدونهما من دون الله\" (٢).\nقال ابن كثير: \" هذا أيضًا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم، ﵇، قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد\" (٣).\nقال السعدي: \" وهذا توبيخ للنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة\" (٤).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٨.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٢.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٩.","vol":"8","page":693},{"text":"اختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على ثلاثة اقوال (١):\nأحدها: أنه تعالى سأله عن ذلك توبيخًا لمن ادعى ذلك عليه، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ فى التكذيب وأشد فى التوبيخ والتقريع.\nوالثاني: أنه قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه وبدّلوا دينهم بعده، وادعوا عليه ما لم يقله.\nوالثالث: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيُه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ مما يعلم المقولُ له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: أفعلته، على وجه النهي عن فعله، والتهديد له فيه. أفاده الطبري (٢).\nفإن قيل: \"فالنصارى لم تتخذ مريم إلهًا، فكيف قال تعالى فيهم ذلك؟\nقيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشرًا وإنما ولدت إِلَهًا لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضي بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك كالقائلين له\" (٣).\nوفي زمان هذا السؤال قولان:\nأحدهما: أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا، قاله السدي (٤).\nوالثاني: أن الله تعالى يقول له ذلك يوم القيامة، قاله ابن جريج (٥)، وقتادة (٦)، وميسرة (٧).\nقال الماوردي: \"والثاني أصح القولين\" (٨).\nقال السمعاني: \" والصحيح أنه يكون في القيامة، والقيامة وإن لم تكن بعد، ولكنها في علم الله، فلما كانت كائنة لا محالة فهي كالكائنة؛ فصح قوله: ﴿وإذ قال الله﴾ \" (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧، والنكت والعيون: ٢/ ٨٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٧.\n(٣) النكت والعيون: ٢/ ٨٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٢٨): ص ١١/ ٢٣٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٢٩): ص ١١/ ٢٣٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٣١): ص ١١/ ٢٣٤.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (١٣٠٣٠): ص ١١/ ٢٣٤.\n(٨) النكت والعيون: ٢/ ٨٧.\n(٩) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٠. ذكر السمعاني: انه قد يأتي \"إذ\" بمعنى \"إذا\"، واستشهد بقول الشاعر:\nلم يجزه به الإله إذ جزا ... جنات عدن في السموات العلا\n\nيعني: إذا جزى.\nوقال الماوردي معلقا على البيت السابق: \" فأقام الماضي مقام المستقبل وهذا جائز في اللغة كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] \" [انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٧، وتفسير السمعاني: ٢/ ٨٢، والبيت بلا نسبة عندهم، ولم أتعرف على قائل البيت فيما عندي من المصادر].\nومنه قول أبي النجم:\nثم جزاء الله عنا إذ جزى .... جنات عدن في العلالي العلي\nيعني: إذا جزى. انظر: ديوانه: ٢١٠.\nومنه قول الأسود بن جعفر الأزدي:\nفالآن إذ هازلتهن فإنما ... يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا\nيعني: إذا هازلتهن. انظر: [تفسير الطبري: ٩/ ١٣٥، وتفسير القرطبي: ٧/ ٣٠١، تحقيق التركي، وذكره أبوبكر الأنباري في الأضداد: ١١٩ دون نسبة].","vol":"8","page":694},{"text":"قال ابن كثير: \" والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم: أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة\" (١).\nورجّح قال الإمام الطبري قول السدي، واحتج على ذلك بمعنيين (٢):\nإحداهما: أن ﴿إذْ﴾ إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضيَ من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يحدث، إذا عرف السامعون معناها. وذلك غير فاشٍ، ولا فصيح في كلامهم، وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل، أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.\nوالثاني: أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء، أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يُتَوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره: إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.\nقال ابن كثير: \" وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي، ليدل على الوقوع والثبوت\" (٣).\nقال السمعاني: \" قال قائل: هم لم يتخذوا أمه إليها؛ فما معنى قوله: ﴿اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ قيل: إنه - جل وعز - لما أراد ذكر عيسى مع أمه، قال: إلهين، وهذا كما يقال عند ذكر أبي بكر وعمر معا: عمران، وقالوا: هذا سنة عمرين، ويقال للشمس والقمر: قمران، قال الفرزدق (٤):\n[أخَذْنا بآفاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ] ... لنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوَالِعُ\nيعني: الشمس والقمر، وقيل: إن عيسى كان بعضا لمريم، فلما اتخذوه إلها؛ فكأنهم اتخذوا أمه إلها؛ فقال: ﴿إلهين من دون الله﴾ \" (٥).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٢.\n(٤) ديوانه طبعة الصاوي ٥١٩.\n(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٨٢.","vol":"8","page":695},{"text":"وروي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم، ثم يُدْعَى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه، فيقِر بها، فيقولُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٠] ثم يقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون، فيقولون: نعم، هو أمرنا بذلك، قال: فيطول شعر عيسى، ﵇، فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده. فيجاثيهم بين يدي الله، ﷿، مقدار ألف عام، حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار\" (١).\nقال ابن كثير: \"وهذا حديث غريب عزيز\" (٢).\nوفتح أبو عمر وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿وأمي إلهين﴾ (٣).\nقوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: \" أنزهك عما لا يليق بك يا رب فما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق\" (٤).\nقال الزمخشري: أي: \" سبحانك من أن يكون لك شريك ما يكون لي ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله\" (٥).\nقال السعدي: \" يقول: ﴿سبحانك﴾ عن هذا الكلام القبيح، وعما لا يليق بك، ما ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنه ليس أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد، مدبرون، وخلق مسخرون، وفقراء عاجزون\" (٦).\n_________\n(١) تاريخ دمشق (١٩/ ١٢٨ القسم المخطوط) والمختصر لابن منظور (٢٩/ ٥٤).\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٣.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٥٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٧، وصفوة التفاسير: ٣٤٦.\n(٥) الكشاف: ١/ ٦٩٤.\n(٦) تفسير السعدي: ٢٤٩.","vol":"8","page":696},{"text":"قال ابن كثير: \" هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل \" (١).\nقال الطبري: أي: \" تنزيهًا لك يا رب وتعظيمًا أن أفعل ذلك أو أتكلم به ما يكون لي أن أقول ما ليس لي أن أقول ذلك، لأني عبد مخلوق، وأمي أمَةٌ لك، وكيف يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبية؟ \" (٢).\nقال الماوردي: \" أي: أدعي لنفسي ما ليس من شأنها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تنزيهًا له عما أضيف إليه. الثاني: خضوعًا لعزته وخوفًا من سطوته\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: \" إن كنتُ قلتُ هذا فقد علمتَه; لأنه لا يخفى عليك شيء\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: إنك لا يخفى عليك شيء، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمُرهم به\" (٥).\nقال ابن كثير: \" أي: إن كان صَدَرَ مني هذا فقد علمته يا رب\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: \" تعلم ما تضمره نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسك\" (٧).\nقال الطبري: \" يقول: إنك، يا رب، لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقتُ به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس: ﴿اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾، كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما قد نطقت به؟ ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه\" (٨).\nقال ابن كثير: أي: \"فإنه لا يخفى عليك شيء مما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته\" (٩).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٧.\n(٣) النكت والعيون: ٢/ ٨٧.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٧.\n(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٣.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٨) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٨.\n(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٣.","vol":"8","page":697},{"text":"قال الزمخشري: \" ﴿في نفسي﴾، أي: في قلبي: والمعنى: تعلم معلومى ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل في نفسك لقوله في نفسي\" (١).\nقال السعدي: \" وهذا من كمال أدب المسيح ﵊ في خطابه لربه، فلم يقل ﵇: \"لم أقل شيئا من ذلك\" وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة\" (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وجوه:\nأحدها: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، حكاه البغوي عن ابن عباس (٣).\nوالثاني: تعلم سري ولا أعلم سرك (٤).\nوالثالث: تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة. قاله أبو روق (٥).\nوالرابع: أن النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، وما عندي علمه. وهذا قول الزجاج (٦).\nقال الزجاج: \" فإنما هو راجع إلى الفائدة في المعلوم والتوكيد أن الغيب لا يعلمه إلا\nالله جل ثناؤه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: \" إنك أنت عالمٌ بكل شيء مما خفي أو ظهر\" (٨).\nقال البغوي: أي: \" ما كان وما يكون\" (٩).\nقال الطبري: \" يقول: إنك أنت العالم بخفيّات الأمور التي لا يطلع عليها سواك، ولا يعلمها غيرك\" (١٠).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٩٤.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٣) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ١٢٢.\n(٤) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ١٢٢.\n(٥) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ١٢٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن: ٢/ ٢٢٣.\n(٧) معاني القرآن: ٢/ ٢٢٣.\n(٨) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٩) تفسير البغوي: ٣/ ١٢٢.\n(١٠) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٨.","vol":"8","page":698},{"text":"قال الزمخشري: قوله: \" ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾، تقرير للجملتين معا، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحد\" (١).\nوفي الفرق بين «العالم» و«العلام»، وجهان (٢):\nأحدهما: أن العلام الذي تقدم علمه، والعالم الذي حدث علمه.\nوالثاني: أن العلام الذي يعلم ما كان وما يكون، والعالم الذي يعلم ما كان ولا يعلم ما يكون.\nالفوائد:\n١ - توبيخ النصارى في عرصات القيامة على تأليه عيسى ووالدته ﵉.\n٢ - براءة عيسى ﵇ مِنْ مشركي النصارى وأهل الكتاب.\n٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ الذين اتخذوا عيسى إلهًا وأمه؛ لقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنه سبق أن المراد من هذا الاستفهام هو توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين.\n٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بُعد الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الشرك، لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وهذا أمر مسلم؛ لأن أصل بعثة الرسل من أجل تحقيق التوحيد.\n٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله ﵎ أن يكون له شريك؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بك، والمقام الآن باتخاذ شريك، فيكون معناه تنزيه الله عن كل شريك.\n٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف عيسى ﵊ بما لا يستحق؛ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وهكذا إخوانه من الرسل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لما قال له رجل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ. قال له: أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (٣)، فكل الرسل يعرفون قدر أنفسهم، فلا يمكن أن يقروا ما لا يستحقونه.\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٩٤.\n(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٨.\n(٣) أخرجه أحمد (١٨٣٩) من حديث ابن عباس.","vol":"8","page":699},{"text":"٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الألوهية حق خاص لله؛ لقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وإذا كان الرسل، بل خلاصة الرسل، ليس لهم في الألوهية، فمن دونهم من باب أولى، فلا أحد يستحق أن يكون إلهًا، ولا أحد يستحق أن نعبده من دون الله ﷿.\n٨ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله ﷾ يعلم ما يصدر من الإنسان من قول؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾.\n٩ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع ربهم جل وعلا؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، وإذا كنت علمته فإنه صادر عن علم من عندك يا رب، وعن قضاء وقدر، ولا يخفى عليك.\n١٠ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق النفس على الذات، بل إن بعض العلماء يقول: إن إطلاق الذات على النفس غلط، وإن أصل ذات بمعنى صاحبة، فلا تقال إلا مضافة، كما قال ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي صاحبة البروج، وإن إطلاق الذات على النفس من الكلمات المحدثة، وقد صرح بهذا شيخ الإسلام ﵀ وقال: إنها ليست من كلام العرب العرباء -أي إطلاق الذات على النفس- وإنما يعبر عن الذات بالنفس، يعني بمعنى أن ذات الرجل هي نفسه، ولكن الاصطلاح شيء آخر واللغة العربية الفصحى شيء آخر.\n١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله بما في نفس الإنسان؛ لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، فالله ﷿ يعلم ما في قلبك، احذر أن يكون في قلبك ما يخالف أمر الله ﷿.","vol":"8","page":700},{"text":"١٢ - ومن هنا نأخذ فائدة ثانية وهي: وجوب الخشوع في الصلاة؛ لأنك إذا غفلت وفكرت في غير ما يتعلق بالصلاة فقد أعرضت عن الله ﷿، هكذا قرره بعض أهل العلم، ولكن في مسألة وجوب الخشوع في الصلاة فيها نظر؛ لأن النبي ﵌ أخبر أنه «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْإِقَامَةُ جَاءَ إِلَى الْمُصَلِّي وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ حَتَّى يَقُولَ: اذْكُرْ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا» (١).\n\nالقرآن\n﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧]\nالتفسير:\nقال عيسى ﵇: يا ربِّ ما قلتُ لهم إلا ما أوحيته إليَّ، وأمرتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة، وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، فلما وفيتني أجلي على الأرض، ورفعتني إلى السماء حيًّا، كنت أنت المطَّلِع على سرائرهم، وأنت على كل شيء شهيد، لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء.\nقوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: \" قال عيسى ﵇: يا ربِّ ما قلتُ لهم إلا ما أوحيته إليَّ، وأمرتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة\" (٢).\nقال ابن عباس: \" سيدي وسيدكم\" (٣).\n_________\n(١) متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨٥) ومسلم (٣٨٩/ ٨٣) من حديث أبي هريرة.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٥٥): ص ٤/ ١٢٥٤.","vol":"8","page":701},{"text":"قال الطبري: \" يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: ﴿اعبدوا الله ربي وربكم﴾ \" (١).\nقال ابن كثير: \"أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: هذا هو الذي قلت لهم\" (٢).\nقال السعدي: أي: \"فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي\" (٣).\nقال الماوردي: \" لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به، ويحتمل وجهين: أحدهما: تكذيبًا لمن اتخذ إلهًا معبودًا. والثاني: الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: \" وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم\" (٥).\nقال البغوي: ﴿ما دمت﴾، أي: \"أقمت\" (٦).\nقال الطبري: \" يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم \" (٧).\nقال ابن كثير: \" أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم\" (٨).\nقال السعدي: أي: \" أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به\" (٩).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: \" فلما وفيتني أجلي على الأرض، ورفعتني إلى السماء حيًّا، كنت أنت المطَّلِع على سرائرهم\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٨.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٣.\n(٣) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٤) النكت والعيون: ٢/ ٨٩.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٦) تفسير البغوي: ٣/ ١٢٢.\n(٧) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٨.\n(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٣.\n(٩) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(١٠) التفسير الميسر: ١٢٧.","vol":"8","page":702},{"text":"قال السعدي: أي: \" أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم\" (١).\nقال البغوي: أي: فلما\" قبضتني ورفعتني إليك، ﴿كنت انت﴾ الحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم\" (٢).\nقال الطبري: \" يقول: فلما قبضتني إليك، كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم. وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ \" (٣).\nقال السدي (٤) وابن جريج (٥): \" أما ﴿الرقيب﴾، فهو الحفيظ\".\nعن ميسرة قال: \"قال الله تعالى ذكره: ﴿يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ قال: فأُرعدت مفاصله، وخشى أن يكون قد قالها، فقال: ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ \" (٦).\nقال طاوس: \": احتج عيسى، والله وقّفه\" (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: \" وأنت المطّلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء\" (٨).\nقال الطبري: \" يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيتُ وشهدت\" (٩).\nقال السعدي: أي: \" علما وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر\" (١٠).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ١٢٢.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٢٣٩.\n(٤) أخرجه الطبري (١٣٠٣٢): ص ١١/ ٢٣٩. واللفظ له.\n(٥) أخرجه الطبري (١٣٠٣٣): ص ١١/ ٢٣٩.\n(٦) أخرجه الطبري (١٣٠٣٦): ص ١١/ ٢٤٠.\n(٧) أخرجه الطبري (١٣٠٣٤): ص ١١/ ٢٤٠.\n(٨) صفوة التفاسير: ٣٤٦.\n(٩) تفسير الطبري: ١١/ ٣٣٩.\n(١٠) تفسير السعدي: ٢٤٩.","vol":"8","page":703},{"text":"عن ابن عباس قال: \"قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله، ﷿، حفاة عراة غُرْلا كما بدأنا أول خلق نعيده، وإن أول الخلائق يُكْسى إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم\" (١).\nالفوائد:\n١ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بالرسالة أمرًا من الله؛ لقوله: ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة، مثل قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].\n٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حُسْن أدب الرسل مع الله ﷿؛ حيث قال: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ وجه ذلك: أنه يُشعِر بأن عيسى رسولٌ مأمور مكلَّف بالأمر.\n٣ - ومن فوائدها: أن عيسى ﵊ أُمِر أن يبلِّغ الناس بأنه عبد والله تعالى رب؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ والرب مقابله العبد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حق لعيسى في الألوهية ولا الربوبية؛ لقوله: ﴿رَبِّي﴾، ومَنْ ليس له ربوبية ليس له ألوهية.\n_________\n(١) مسند الطيالسي برقم (٢٦٣٨) وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٣٠٢٣).","vol":"8","page":704},{"text":"فإن قال قائل: أليس يُحْيِي الموتى ويُبْرِئ الأكْمَه والأبرص؟ فالجواب: بلى ولكن بإذن الله.\n٤ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام شهداء على أمتهم ما داموا فيهم؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، ومع ذلك هم شهداء على ما يَرَوْن أو يسمعون، وليسوا شهداء على غائبٍ بعيد لا يرونه ولا يسمعونه؛ لأن الرسل لا يعلمون الغيب.\n٥ - ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى ﵊ قد تَوفَّاه الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾، وقد جاء في ذلك آيات منها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥] إلى آخره، فأثبت أنه متوفيه.\n٦ - إحاطة علم الله ﵎ ورقابته؛ لقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.\n٧ - إثبات أن الله تعالى شهيد على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وهذا يستلزم فائدة أخرى وهي: أنه يجب على العبد كمال مراقبة الله ﵎؛ حيث لا يفقده عند أمره ولا يجده عند نهيه؛ لأن الله رقيب عليك، فلا بد أن تتحاشى هذه الرقابة، وألَّا يفقدَك الله تعالى حيث أمرك ولا يجدَك على ما نهاك.\nالقرآن\n﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]\nالتفسير:\nإنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك، وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: \" إنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك\" (١).\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٧.","vol":"8","page":705},{"text":"قال السدي: \" يقول: إن تعذبهم تميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك\" (١).\nقال الطبري: \" إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها ﴿فإنهم عبادك﴾، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به\" (٢).\nقال ابن كثير: \" ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية: التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، يحتمل وجهين (٤):\nأحدهما: أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده.\nوالثاني: أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: \" وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره\" (٥).\nقال السدي: \" ﴿وإن تغفر لهم﴾، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام فإنك أنت العزيز الحكيم. هذا قول عيسى ﵇ في الدنيا\" (٦).\nقال الطبري: أي: \" بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه، ﴿الحكيم﴾، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب \" (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٠): ص ٤/ ١٢٥٥.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٤٠.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٢.\n(٤) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٨٩.\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٢): ص ٤/ ١٢٥٥.\n(٧) تفسير الطبري: ١١/ ٢٤٠ - ٢٤١.","vol":"8","page":706},{"text":"قال السدي: \" ﴿وإن تغفر لهم﴾، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام، ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، وهذا قول عيسى في الدنيا\" (١).\nقال ابن كثير: \" وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله، ﷿، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله، وعلى رسوله، وجعلوا لله ندًا وصاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن رسول الله ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها\" (٢).\nذكر السمعاني والبغوي في الآية وجوه (٣):\nأحدها: فإن قال قائل: كيف طلب المغفرة لهم، وهم كفار؟\nقيل: إن معنى قوله: ﴿وإن تغفر لهم﴾، يعني: بعد الإيمان، وهذا إنما يستقيم على قول السدي؛ لأن الإيمان لا ينفع في القيامة، والصحيح آخر القولين، قال بعضهم: هذا في فريقين منهم فقوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ يعني: من كفر منهم ﴿وإن تغفر لهم﴾ يعني: من آمن منهم. وقال أهل المعاني من أرباب النحو: ليس هذا على وجه طلب المغفرة، وإنما هذا على تسليم الأمر إليه، وتفويضه إلى مراده؛ ألا تراه يقول: \" فإنك أنت العزيز الحكيم \" ولو كان على وجه طلب المغفرة لقال: \" فإنك أنت الغفور الرحيم \".\nوأما السؤال الثاني: وكيف قال: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة؟\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٣٧): ص ١١/ ٢٤١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٨٣، وتفسير البغوي: ٣/ ١٢٣.","vol":"8","page":707},{"text":"قيل: اعلم أن في مصحف ابن مسعود: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم﴾ وكان ابن شنبوذ يقرأ كذلك زمانا ببغداد؛ فمنع عنه، وفيه قصة، وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقدير الآية: إن تغفر لهم فإنهم عبادك، وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل: معناه: إن تغفر لهم لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره.\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: ﴿وإن تغفر لهم﴾؟\nقلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول. بل متى كان الجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن\" (١).\nعن أبي ذر، ﵁، قال: \"صلى رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: إني سألت ربي، ﷿، الشفاعة لأمتي، فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا\" (٢).\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٩٧.\n(٢) المسند (٥/ ١٤٩).","vol":"8","page":708},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ \"أن النبي ﷺ: تلا قول الله ﷿ في إبراهيم: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وقال عيسى ﵇: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى، فقال الله ﷿: «يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟» فأتاه جبريل ﵊، فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك\" (١).\nوعن حذيفة بن اليمان قال: \"غاب عنا رسول الله ﷺ يومًا فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نَفْسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: \"إن ربي، ﷿، استشارني في أمتي: ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك، فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفا، ليس عليهم حساب، ثم أرسل إليّ فقال: ادع تُجب، وسل تُعْطَ\". فقلت لرسوله: أومعطي ربي سؤلي؟ قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيًا صحيحًا، وأعطاني ألا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيّب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرًا مما شُدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٤٦): ص ١/ ١٩١، والنسائي في الكبرى (١١٢٠٥): ١٠/ ١٤٠، وغيرهما.\n(٢) المسند (٥/ ٣٩٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٨٧): \"فيه ابن لهيعة وفيه كلام\".","vol":"8","page":709},{"text":"الفوائد:\n١ - أن هذه الآية ثناء على الله -تعالى- بحكمته وعدله، وكمال علمه.\n٢ - أن تعذيب المشركين وتنعيم الموحدين قائم على مبدأ الحكمة الإلهية.\n٣ - أن عيسى ﵇وهو أحد أولو العزم من الرسل- يفوض الأمر إلى الله؛ حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله ﷿ فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لكمال حكمته، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عابدون لله عز.\n٤ - تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله ﷿؛ لأن هذا من عيسى ﵊ وهو أحد الأنبياء أولي العزم.\n٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق العبودية على مَنِ استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة، وعامة، والخاصة نوعان: أخص، وأعم؛ العامة: هي عبودية القدر؛ يعني عبودية التكوين، هذه عامَّة لكل أحد؛ قال الله ﷿: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، كل الخلق، لا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله ﷿ فيه، وهذه عامة للمسلم والكافر، والبَّر والفاجر.\nوالثاني خاصة: وهي العبودية للشرع؛ العبودية لشريعة الله أن يتذلل الإنسان لشريعة الله ﷿، وهذه خاصَّة بمن؟ بمن أسلم وجه لله، فيَخْرج منها الكافر؛ فليس بعبد لله بهذا المعنى.","vol":"8","page":710},{"text":"٦ - أن لله ﵎ أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].\n٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله ﷿ في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.\n٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله ﷿- لمن شاء من عباده؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.\n٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة.\nفـ «العزيز»: هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه.\nأحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: من عز بز، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز -بضم العين- من يعز. ومنه قول الله سبحانه: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣].\nوالثاني: بمعنى الشدة والقوة. يقال منه: عز يعز -بفتح العين- من \"يعز\"، كقول الهذلي -يصف العقاب- (١):\n_________\n(١) ديوان الهذليين القسم الثاني ص ١١٠، وشرح أشعارهم للسكري ص ١٠٨٩ آخر قصيدة لأبي كبير الهذلي، أبياتها ٢٣ بيتا، مطلعها:\nأزهير هل عن شيبة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلف\n\nوفي مقاييس اللغة ٢/ ١٨٢ وتهذيب الأزهري ٧/ ١٤٧ برواية: فتخاء، بدل، سوداء، وفي اللسان والقاموس وشرحه (عزز). وفي الديوان، يريد: أن منسرها حديد دقيق كأنه مخصف. والروثة: طرف الأنف، وفراشها: عشها.\nوالبيت استشهد به الزجاج في تفسير الأسماء ص ٣٤ على معنى \"العزيز\" ..","vol":"8","page":711},{"text":"حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف\nجعلها عزيزة، لأنها من أقوى جوارح الطير.\nوالوجة الثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر. يقال منه: عز الشيء يعز -بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير\" (١).\nو«الحكيم»: \" ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١].\nفدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٢).\n\nالقرآن\n﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩]\nالتفسير:\nقال الله تعالى لعيسى ﵇ يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، ﵃ فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه. ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: \" قال الله تعالى لعيسى ﵇ يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم\" (٣).\nقال ابن عباس: \" يقول: هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم\" (٤).\nقال الكلبي: \" ينفع المؤمنين إيمانهم\" (٥).\n_________\n(١) شأن الدعاء: ١/ ٤٧ - ٤٨.\n(٢) انظر: شأن الدعاء، للخطابي: ٧٣ - ٧٤.\n(٣) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٣): ص ٤/ ١٢٥٦.\n(٥) تفسير البغوي: ٣/ ١٢٤.","vol":"8","page":712},{"text":"قال السدي: \" هذا فصل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة\" (١).\nيعني: \" أن قوله: ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾، إلى قوله: ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، من خبر الله ﷿ عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة\" (٢).\nقال البيضاوي: \" المعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع\" (٣).\nقال ابن كثير: \" يقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين، الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه، ﷿، فعند ذلك يقول تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ \" (٤).\nقال الماوردي: \" وإنما نفعهم الصدق في ذلك اليوم لوقوع الجزاء فيه وإن كان في كلِّ الأيام نافعًا\" (٥).\nوفي هذا «الصدق»، قولان (٦):\nأحدهما: أن صدقهم الذي كان منهم في الدنيا نفعهم في الآخرة جُوزُوا عليه من الثواب.\nفعلى هذا المراد بهذا الصدق وجهان محتملان:\nأحدهما: أنه صدقهم في عهودهم.\nوالثاني: أنه تصديقهم لرسل الله وكتبه.\nوالقول الثاني: أنه صدق يكون منهم في الآخرة ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله.\nفعلى هذا في المراد بهذا الصدق وجهان محتملان:\nأحدهما: أنه صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ.\nوالثاني: صدقهم فيما شهدوا به على أنفسهم عن أعمالهم، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠٣٩): ص ١١/ ٢٤١.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٤٢.\n(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٥٢.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٥.\n(٥) النكت والعيون: ٢/ ٩٠.\n(٦) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٩٠.","vol":"8","page":713},{"text":"قال السعدي: \" والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر\" (١).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ينفع الصادقين صدقهم﴾؟ إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه لأنه في معنى الشهادة لعيسى ﵇ بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟\nقلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم\" (٢).\nقرأ نافع وحده: ﴿هذا يوم ينفع﴾ نصبا، وقرأ الباقون: ﴿هذا يوم ينفع﴾ رفعا (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: \" لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار\" (٤).\nقال أبو مالك: \" يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها\" (٥).\nقال عبدالله: \" أنهار الجنة تفجر من جبل مسك\" (٦).\nقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: \" ماكثين فيها أبدًا\" (٧).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: لا يموتون\" (٨).\nعن ابن عباس: ﴿خالدين فيها أبدا﴾: لا انقطاع له\" (٩).\nقال ابن كثير: \": ماكثين فيها لا يَحُولون ولا يزولون\" (١٠).\nقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: \" ﵃ فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه\" (١١).\n_________\n(١) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٢) الكشاف: ١/ ٦٩٧.\n(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٥٠.\n(٤) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٥) اخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٧): ص ٤/ ١٢٥٦.\n(٦) اخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٦): ص ٤/ ١٢٥٦.\n(٧) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٨) اخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٨): ص ٤/ ١٢٥٦.\n(٩) اخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٦٩): ص ٤/ ١٢٥٦.\n(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٥.\n(١١) التفسير الميسر: ١٢٧.","vol":"8","page":714},{"text":"قال الطبري: أي: \" رَضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، ورضوا هم عن الله تعالى ذكره في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم، من جزيل ثوابه\" (١).\nقال النسفي: \" ﴿﵃﴾ بالسعي المشكور، ﴿ورضوا عنه﴾ بالجزاء الموفور\" (٢).\nقال القرطبي: \" ثم بين تعالى ثوابهم وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا، ﴿ورضوا عنه﴾، أي: عن الجزاء الذي أثابهم به\" (٣).\nعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثم تجلى لهم الرب ﵎ فيقول: سلوني، سلوني أعطكم قال: فيسألونه الرضى. فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كرامتي فاسألونى أعطكم، فيسألونه الرضى قال: فيشهدهم أنه قد رضي عنهم\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: \" ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم\" (٥).\nقال سعيد بن جبير: \" يعني: ذلك الثواب الفوز العظيم\" (٦).\nقال النسفي: \" لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق\" (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٢٤٥.\n(٢) تفسير النسفي: ١/ ٤٨٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٧٠): ص ٤/ ١٢٥٧، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠): حدثنا عبد الرحمن المحاربي، فذكره من حديث طويل، وعثمان بن عمير أبو اليقظان الكوفي قال الذهبي: ضعفوه - أي الأئمة - فقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو أحمد الزبيدي: كان يؤمن بالرجعة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد والدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: \"رديء المذهب، يؤمن بالرجعة، على أن الثقات قد رووا عنه مع ضعفه\". ميزان الاعتدال (٣/ ٥٠).\n(٥) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٧١): ص ٤/ ١٢٥٧.\n(٧) تفسير النسفي: ١/ ٤٨٨.","vol":"8","page":715},{"text":"قال ابن كثير: \" أي: هذا هو الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، وكما قال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] \" (١).\nقال القرطبي: \" أي الظفر ﴿العظيم﴾، أي: الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف\" (٢).\nالفوائد:\n١ - فضيلة الصدق وأنه نافع في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: \"عليكم بالصدق ٣ فإنه يدعو إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا\" (٣).\n٢ - ومن فوائدها: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحرج يدل على الترغيب فيه والحث عليه، وقد حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٨١.\n(٣) أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح والسنن.\n(٤) متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/ ١٠٥) واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"8","page":716},{"text":"والصدِّيقيَّة أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي خُلِّفَ أمرُهم ولم يُقْضَ فيه بشيء حتى جاء الوحي، وهم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها جاء المعذِّرون يعتذرون إلى الرسول صلى الله ﵊، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي - ﷺ - إلى المدينة وقال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].\nأما الثلاثة فصدقوا وأخبروا بالصدق، وأنزل الله ﷾ فيهم آيات تُتْلَى في الصلاة وخارج الصلاة، ويُثاب على قراءتها، وحثَّ على أن نكون مثلهم؛ فقال بعد ذكر الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].\n٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الثواب بالجنة؛ لقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.\n٤ - ومن فوائد الآية: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، لأن تقديم الخبر في قوله:: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ أفاد الحصر.\n٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الجنات بأن الأنهار المطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذَّه من مَخْبَر، اللهم اجعلنا منهم.\n٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها أبدًا؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وهل هي موجودة الآن.","vol":"8","page":717},{"text":"٧ - في السماوات؛ قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والإعداد يكون مهيَّأ لأهله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخلها حين عُرِجَ به ورأى فيها ما رأى (١)، ومَثُلَت له حين قام يصلي صلاة الكسوف (٢) هي والنار.\n٨ - من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رضا الله ﷿؛ لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والرضا صفة فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية.\n٩ - رضا أهل الصدق عن الله ﷿، وهذا فيه شيء من الإشكال؛ هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟ الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ؛ لما قال: ﴿﵃﴾ قال: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت الرضا، إذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب؟ فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألَّا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًّا، لكن رضاهم عنه إما من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلَّا أن المراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به، ولم يبغوا عنه حِوَلًا، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨].\n_________\n(١) متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣/ ٢٦٣) من حديث أبي ذر.\n(٢) متفق عليه؛ البخاري (٥٤٠)، ومسلم (٢٣٥٩/ ١٣٦) من حديث أنس بن مالك.","vol":"8","page":718},{"text":"١٠ - أن أن الفوز حقيقة ليس بالربح، بربح الدينار والدرهم، وإنما الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين بها- ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nالقرآن\n﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]\nالتفسير:\nلله وحده لا شريك له ملك السموات والأرض وما فيهن، وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.\nقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠]، أي: \" لله وحده لا شريك له ملك السموات والأرض وما فيهن\" (١).\nقال السعدي: \" لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي\" (٢).\nقال النسفي: \" عظم نفسه عما قالت النصارى أن معه إلها آخر\" (٣).\nقال ابن كثير: \" أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها القادر عليها، فالجميع ملْكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، فلا إله غيره ولا رب سواه\" (٤).\nقال الطبري: \" يقول: له سلطان السموات والأرض، ﴿وما فيهن﴾، دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم، ودون أمه، ودون جميع من في السموات ومن في الأرض، فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهن، وعيسى وأمُّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال، يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال، أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن. ينبِّههم وجميعَ خلقه على موضع حجته عليهم، ليدَّبروه ويعتبروه فيعقلوا عنه\" (٥).\nقال الزمخشري: \" فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: ومن فيهن؟\n_________\n(١) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٢) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٨٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٣٦.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ٢٤٥.","vol":"8","page":719},{"text":"قلت: «ما» يتناول الأجناس كلها تناولا عاما. ألا تراك تقول إذا رأيت شبحا من بعيد: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فكان أولى بإرادة العموم\" (١).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، أي: \" وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يعجزه شيء\" (٢).\nقال النسفي: أي: \" من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء\" (٣).\nقال السعدي: \" فلا يعجزه شيء، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته، ومسخرة بأمره\" (٤).\nقال الطبري: أي: \" الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن، قادرٌ على إفنائهن وعلى إهلاكهن، وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم، لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده، لأن قدرته القدرةُ التي لا تشبهها قدرة، وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة\" (٥).\nقال محمد بن إسحاق: \" ﴿إن الله على كل شيء﴾ ما أراد بعباده من نقمة أو عفو فهو ﴿قدير﴾ \" (٦).\nقال البيضاوي: هذه الآية\" تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ﴿ومن فيهن﴾ تغليبا للعقلاء، وقال: ﴿وما فيهن﴾، اتباعا لهم غير أولي العقل إعلاما بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيها على المجانسة المنافية للألوهية، ولأن ما يطلق متناولا للأجناس كلها فهو أولى بإرادة العموم\" (٧).\nقال ابن وَهْب: \"سمعت حُيَيّ بن عبد الله يحدث، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمْرو قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة\" (٨).\nالفوائد:\n_________\n(١) الكشاف: ١/ ٦٩٧.\n(٢) التفسير الميسر: ١٢٧.\n(٣) تفسير النسفي: ١/ ٤٨٨.\n(٤) تفسير السعدي: ٢٤٩.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ٢٤٦.\n(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٧٠٧٢): ص ٤/ ١٢٥٧.\n(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٥٢.\n(٨) رواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦٣) عن قتيبة، عن عبد الله بن وهب به، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".","vol":"8","page":720},{"text":"١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله للسماوات والأرض، يؤخذ من الإضافة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد، ولا يحتاج إلى عدد لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾.\n٢ - أن سؤال غير الله شيئًا ضرب من الباطل والشرك، لأن غير الله لا يملك شيئًا، ومن لا يملك كيف يعطي ومن أين يعطي؟\n٣ - أن السماوات جمع عدد، وقد بين الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] إذن فالسماوات سبع، وهي طباق كما قال الله تعالى عن نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] أي: متطابقة بعضها فوق بعض.\n٤ - عموم قدرة الله ﷿ على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\nنسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\n\nانتهى المجلد الثامن من التفسير بفضل من الله وإحسان، ويليه المجلد التاسع بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة «الأنعام».","vol":"8","page":721}]}